ghaemiyeh.com
نهج البلاغة
خطب ، رسائل ، كلام ، وصايا
عهود ، حكم ، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام
طبعة جديدة
ضبط وتحقيق
على عاشور
مكتبة الروضة الحيدرية
4495
2005/1/29
المجلد الرابع العشر
دار الحياء التراث العربى
بيروت - لبنان
محرر الرقمي: محمد مهدي الفصيحي
نهج البلاغة
خطب ، رسائل ، كلام ، وصايا
عهود ، حكم ، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام
منهَاج البراعة
شرح
نهج البلاغة
لِمُوْلَفِهِ
العلامة الحقوق والحاج میرزا حبیب الله هاشمي الحق في قدس سره
طبعة جديدة
ضبط وتحقيق
على عاشور
مكتبة الروضة الحيدرية
4495
2005/1/29
المجلد الرابع العشر
دار الحياء التراث العربى
بيروت - لبنان
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1424ه - 2003م
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان. شارع دكاش - هاتف: 272652 - 272900 - 272782 - 272783 فاكس: 850717 - 850623 ص.ب. 11/7957
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/1|
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ولعنهم وطعنهم، وفي المنع من التصوف والرهبانية، وهي كثيرة لا تحصى، ولنشير إلى بعضها فأقول وبالله التوفيق :
الأول: ما رواه علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُواْ طَيْبَتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ [المائدة : 87] ، قال : حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن بعض رجاله عن أبي عبد الله علیه السلام، قال : نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين علیه السلام وبلال وعثمان بن مظعون ، فأما أمير المؤمنين علیه السلام فحلف أن لا ينام بالليل أبداً، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبداً، فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة ، فقالت عائشة: ما لي أراك متعطلة؟ فقالت : ولمن أزين فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا فإنه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :« ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيبات ألا إني أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سنتي فليس مني »(1)، فقام هؤلاء فقالوا : يا رسول الله قد حلفنا على ذلك، فأنزل الله : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللغْوِ فِي أَيْمَنكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُم الْأَيْمَنُ فَكَفَرَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أو كسوتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] .
الثاني : في (البحار) من (إكمال الدين ) بإسناده عن زيد بن علي عن آبائه عن علي علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «ليس في أمتي رهبانية ولا سياحية ولا زم » يعني سكوت (2).
الثالث: في (البحار) بعدة طرق عن النبي صلی الله علیه واله وسلم في جملة وصاياه لأبي ذر رضي الله عنه : «يا أبا ذر يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم ، يرون أن لهم الفضل بذلك على غيرهم، أولئك يلعنهم ملائكة السماوات والأرض » (1)
الرابع: في (روضات الجنان ) من الكشكول للشيخ البهائي قال : قال النبي صلی الله علیه واله وسلم :« لا تقوم الساعة على أمتي حتى يخرج قوم من أمتي يحلقون للذكر رؤوسهم، ويرفعون أصواتهم بالذكر يظنون أنهم على طريق إبراهيم علیه السلام ، بل هم أضل من الكفار ، لهم شهقة كشهقة الحمار، وقولهم كقول الفجار، وعملهم عمل الجهال ، وهم ينازعون العلماء ليس لهم إيمان، وهم معجبون بأعمالهم ليس لهم من عملهم إلا التعب ».
الخامس : ما تقدم روايته في المتن في الكلام السابع عشر من المختار في باب الخطب قال أمير المؤمنين علیه السلام هناك : إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان : رجل وكّله الله إلى نفسه جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من كان قبله ، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته ، حمّال خطايا غيره ، رهن بخطيئته (2).
ورواه الكليني في باب البدع والرأي والمقاييس من (الكافي) نحوه، وقال شارح الكافي ملا خليل القزويني: إن مراده علیه السلام بهذا الرجل هو الصوفي الغير متقيد بقيود الشريعة، لا خفاء في أن الصوفية من مصاديق هذا الكلام لاتصافهم بالأوصاف المذكورة فيه.
السادس : في كتاب (الاحتجاج ) عن أبي يحيى الواسطي قال : لما فتح أمير المؤمنين علیه السلام البصرة اجتمع الناس عليه وفيهم الحسن البصري ومعه الألواح ، فكان كلما لفظ أمير المؤمنين بكلمة كتبها ، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام بأعلى صوته : ما تصنع ؟ فقال : نكتب آثارهم لنحدّث بها بعدكم، فقال أمير المؤمنين علیه السلام : أما أن لكل قوم سامرياً وهذا سامري هذه الأمة، أما أنه لا يقول : لا مساس ولكنه يقول : لا قتال (3)، والحسن البصري من مقدّم مشايخ الصوفية كما ذكروه في كتبهم .
السابع في (البحار) في باب احتجاجات الحسن علیه السلام على المخالفين من كتاب (العدد) للشيخ الفقيه رضي الدين علي بن يوسف بن المطهر الحلي قال :
كتب الحسن البصري إلى الحسن بن علي علیه السلام : أما بعد ، فأنتم أهل بيت النبوة ومعدن الحكمة، وإن الله جعلكم الفلك الجارية في اللجج الغامرة يلجأ إليكم اللاجىء ويعتصم بحبلكم العالي ، من اقتدى بحبلكم اهتدى ونجى ، ومن تخلف عنكم هلك وغوى، وإني كتبت إليك عند الحيرة واختلاف الأمة في القدر، فتقضي إلينا ما أقضاه الله إليكم أهل البيت فنأخذ به .
فكتب إليه الحسن بن علي علیه السلام : أما بعد، فإنّا أهل بيت كما ذكرت عند الله وعند أوليائه فأما عندك وعند أصحابك فلو كنا كما ذكرت ما تقدمتمونا ولا استبدلتم بنا غيرنا، ولعمري لقد ضرب الله مثلكم في كتابه حيث يقول :( اسْتَدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْتَ بِالَّذِي هُوَ خیر ) [البقرة: 61] هذا لأوليائك فيما سألوا ولكم فيما استبدلتم، ولولا ما أريد من الاحتجاج عليك وعلى أصحابك ما كتبت إليك بشيء مما نحن عليه، ولئن وصل كتابي إليك لتجدن الحجة عليك وعلى أصحابك مؤكدة حيث يقول الله عز وجل : (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَّا يَهدِى إِلَّا أَن يُهْدَى فَا لَكُمْ كَيْفَ تَحكُمُونَ ﴾ [يونس : 35] فاتبع ما كتب إليك في القدر فإنه من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله فقد فجر .
إن الله عز وجل لا يطاع بإكراه، ولا يعصى بغلبة ، ولا يهمل العباد من الملكة، ولكنه المالك لما أملكهم، والقادر على ما أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لن يكونوا صاداً مثبطاً، وإن ائتمروا بالمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ما انتمروا به فعل ، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها ولا كلّفهم إياها جبراً، بل تمكينه إياهم وإعذاره إليهم طرفهم ومكنهم ، فجعل لهم السبيل إلى أخذها ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه، ووضع التكليف عن أهل النقصان والزمانة، والسلام (1).
وهذا الحديث الشريف وإن كان صدره مختصاً بالطعن على الحسن البصري وأتباعه إلا أنه بتمامه متضمن للرد على جميع الصوفية في قولهم بالجبر، وعلى الواصلية والإباحية خصوصاً حيث قالوا بسقوط التكاليف عند الوصول حسبما عرفت فيما تقدم تفصيلاً .
الثامن : في الاحتجاج روي أن زين العابدين علیه السلام مرّ بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى فوقف عليه ثم قال له : امسك أسألك عن الحال التي أنت عليها مقيم أترضاها لنفسك فيما بينك وبين الله للموت إذا نزل بك غداً؟ قال : لا ، قال : أفتحدّث نفسك بالتحوّل والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى الحال التي ترضاها ؟ قال : فأطرق ملياً ثم قال : إني أقول ذلك بلا حقيقة ، قال: أفترجو نبياً بعد محمد صلى الله عليه واله وسلم يكون لك معه سابقة؟ قال :
1) بحار الأنوار: 137/10 ، والعدد القوية : 34
لنفسه من
لا ، قال : أفترجو داراً غير الدار التي أنت فيها فتردّ إليها فتعمل فيها؟ قال: لا، قال: أفرأيت أحداً به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا أنك على حال لا ترضاها ولا تحدّث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة ولا ترجو نبياً بعد محمد صلی الله علیه واله وسلم ولا داراً غير الدار التي أنت فيها فتردّ إليها فتعمل فيها وأنت تعظ الناس؟ قال : فلما ولى علیه السلام لقال الحسن البصري : هذا؟ قالوا علي بن الحسين علیه السلام، قال : أهل بيت علم ، فما رأي الحسن بعد ذلك يعظ
من الناس (1).
وهذا الحديث مثل سابقيه كافٍ في الدلالة على سوء حال الحسن البصري وكونه من حذب الشيطان، ومع ذلك عده العطار في (التذكرة ) في الدرجة الثالثة ونقلوا عنه كرامات عديدة .
التاسع : في الاحتجاج لقي عباد البصري علي بن الحسين علیه السلام في طريق مكة فقال له : يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينه وإن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بأن لهم الجنة يقيلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ لَهُمُ وَيُقْتَلُونَ - إلى قوله - : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة : 111-112]؟ فقال علي بن الحسين علیه السلام : إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحجّ (2).
العاشر : في الاحتجاج عن ثابت البناني قال : كنت وجماعة عباد البصرة مثل أيوب السجستاني وصالح المروي وعتبة الغلام وحبيب الفارسي ومالك بن دينار، فلما أن دخلنا مكة رأينا الماء ضيقاً وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث، ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألوننا أن نستسقي لهم، فأتينا الكعبة وطفنا بها ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها فمنعنا الإجابة، فبينا نحن كذلك إذا نحن بفتى قد أقبل قد أكربته أحزانه وأفلقته أشجانه ، فطاف بالكعبة أشواطاً ثم أقبل علينا فقال : يا مالك بن دينار ويا ثابت البناني ويا أيوب السجستاني ويا صالح المروي ويا عتبة الغلام ويا حبيب الفارسي ويا سعد ويا عمر ويا صالح الأعمى ويا رابعة ويا سعدانة ويا جعفر بن سلمان ، فقلنا : لبيك وسعديك يا فتى ، فقال : أما فيكم أحد يحبه الرحمن؟ فقلنا : يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة، فقال: ابعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه، ثم أتى الكعبة فخرّ ساجداً فسمعته يقول في سجوده : سيدي بحبك لي إلا سقيتهم الغيث ، قال : فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب، فقلت : يا فتى من أين علمت أنه يحبك ؟ فقال علیه السلام : لو لم يحبني لم يستزرني فلما استزارني علمت أنه يحبني، فسألته بحبه
لي فأجابني ثم ولّى عنا وأنشأ يقول :
من عرف الربّ فلم تغنه *** معرفة الرب فهذا شقی
ماضر في الطاعة ما ناله *** في طاعة الله وماذا لقی
ما یصنع العبد بعزّ الغني *** والعز كل العز للمتقی
فقلت : يا أهل مكة من هذا الفتى؟ قالوا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام (1).
أقول : وهؤلاء المذكورون في هذا الحديث جلهم من الصوفية، وكذا عباد البصري
المذكور في الحديث السابق كما يظهر من كتب الصوفية وتذكراتهم .
الحادي عشر : في (الكافي) في باب من يظهر الغشية عند القرآن، عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن يعقوب بن إسحاق الضبي عن أبي عمران الأرمني عن عبد الله بن الحكم عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال : قلت : إن قوماً إذا ذكروا شيئاً من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم حتى نرى أن أحدهم لو قطعت يداه أو رجلاه لم يشعر بذلك، فقال: سبحان الله ذاك من الشيطان ما بهذا نعتوا إنما هو اللين والرقة والدمعة والوجل (2).
أقول : وهذه الحالة التي نقلها جابر للباقر علیه السلام هي حالة الصوفية في مجالس ذكرهم ويسمونها بالوجد والجذبة .
الثاني عشر : في (حديقة الشيعة) بسند صحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال : قال رجل من أصحابنا للصادق جعفر بن محمد علیه السلام: قد ظهر في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية فما تقول فيهم ؟ فقال علیه السلام: إنهم أعداؤنا فمن مال إليهم فهو منهم ويحشر معهم، وسيكون أقوام يدعون حبنا ويميلون إليهم ويتشبهون بهم ويلقبون أنفسهم بلقبهم ويؤوّلون أقوالهم ألا فمن مال إليهم فليس منا وإنا منهم براء، ومن ردّهم وأنكر عليهم كان كمن جاهد الكفار بين يدي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم (3).
ورواه المحدّث الجزائري في (الأنوار النعمانية ) عن البزنطي عنه علیه السلام أيضاً .
الثالث عشر : في (حديقة الشيعة) عن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي في قرب الإسناد عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار عن الحسن العسكري قال : سئل
أبو عبد الله علیه السلام عن حال أبي هاشم الصوفي الكوفي فقال علیه السلام : إنه كان فاسد العقيدة جداً وهو الذي ابتدع مذهباً يقال له التصوف وجعله مفراً لعقيدته الخبيثة (1)
وفي رواية بسند آخر قال علیه السلام: وجعله مفراً لعقيدته الخبيثة لنفسه وأكثر الملاحدة، وجنة لعقائدهم الباطلة .
الرابع عشر : في (كشف الغمة ) روى محمد بن طلحة عن سفيان الثوري قال: دخلت على جعفر بن محمد علیه السلام وعليه جبّة خز دكناء وكساء خزّ فجعلت أنظر إليه تعجباً، فقال لي: يا ثوري مالك تنظر إلينا لعلك تعجب مما ترى؟ فقلت : يا ابن رسول الله فليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك، قال : يا ثوري كان ذلك زمان إقتار وافتقار ، وكانوا يعملون على قدر إقتاره وافتقاره وهذا زمان قد أسبل كل شيء عز إليه، ثم حسر ردن جبته فإذا تحتها جبة صوف بيضاء، يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن ، وقال : يا ثوري لبسنا هذا الله وهذا لكم فما كان الله وهذا لکم أخفيناه وما كان لكم أبديناه (2)
الخامس عشر : في (الكافي) في كتاب (المعيشة) باب دخول الصوفية على أبي عبد الله علیه السلام واحتجاجهم عليه فيما ينهون الناس عنه من طلب الرزق . علي بن إبراهيم عن أبيه عن مسعدة بن صدقة قال: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله علیه السلام فرأى عليه ثياب بياض كأنها غرقيء (3)البيض فقال له : إن هذا اللباس ليس من لباسك، فقال علیه السلام: اسمع مني وع ما أقول لك فإنه خير لك عاجلاً وآجلاً إن أنت مت على السنة والحق ولم تمت على بدعة، أخبرك أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كان في زمان مقفر جدب، فأما إذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها، فما أنكرت يا ثوري فوالله إنني لمع ما ترى ما أتى عليّ مذ عقلت صباح ولا مساء والله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعاً إلا وضعته .
قال : وأتاه قوم ممن يظهرون الزهد ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه من التقشف فقالوا له : إن صاحبنا حصر عن كلامك ولم تحضره حججه ، فقال لهم : فهاتوا حججكم، فقالوا له : إن حججنا من كتاب الله ، فقال لهم: فادلوا بها فإنها أحق ما اتبع وعمل به ، فقالوا : يقول الله تبارك وتعالى مخبراً عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم : (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 4] فمدح فعلهم وقال في موضع آخر : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيرًا الله )
[الإنسان ، ونحن نكتفي بهذا، فقال رجل من الجلساء : إنا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تمتعوا أنتم منها ، فقال له أبو عبد الله علیه السلام : دعوا عنكم ما لا ينتفع به أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضلّ مثله ضلّ وهلك من هلك من هذه الأمة؟ فقالوا له أو بعضه: فأما كله فلا، فقال لهم: فمن هنا أتيتم وكذلك أحاديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، فأما ما ذكرتم من إخبار الله عز وجل إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان مباحاً جائزاً ولم يكونوا نهوا عنه وثوابهم منه على الله عز وجل، وذلك أن الله جل وتقدّس أمر بخلاف ما عملوا به فصار أمره ناسخاً لفعلهم وكان نهي الله تعالى رحمة منه للمؤمنين ونظراً لكيلا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم منهم الضعفة الصغار والوالدان والشيخ الفاني والعجوزة الكبيرة الذين لا يصبرون على الجوع، فإن تصدقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعاً.فمن ثم قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: «خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه، ثم الثانية على نفسه وعياله ، ثم الثالثة على قرابته الفقراء، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أحسنها (1أجراً » (2))وقال صلی الله علیه واله وسلم للأنصاري حين أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار : «لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنوه مع المسلمين يترك صبية صغاراً يتكففون الناس ».ثم قال علیه السلام : حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : «ابدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى».ثم هذا ما نطق به الكتاب ردّاً لقولكم ونهياً عنه مفروضاً من الله العزيز الحكيم قال : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَين ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] أفلا ترون ) أن الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الأثرة على أنفسهم وسمى من فعل ما تدعون إليه مسرفاً في غير آية من كتاب الله يقول : (وإِنه لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) [الأنعام: 141] فنهاهم عن الإسراف ونهاهم عن التقتير لكن أمر بين أمرين لا يعطي جميع ما عنده ثم يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له .)للحديث الذي جاء عن النبي صلی الله علیه واله وسلم : «إن أصنافاً من أمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم :
رجل يدعو على والديه ، ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب له ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله تخلية سبيلها بيده ، ورجل يقعد في بيته ويقول رب ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق فيقول الله عز وجل له : عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري ولكيلا تكون كلاً على أهلك فإن شئت رزقتك وإن شئت قترت عليك وأنت معذور عندي ، ورجل رزقه الله عز وجل مالاً كثيراً فأنفقه ثم أقبل يدعو : يا رب ارزقني ، فيقول الله عز وجل : ألم أرزقك رزقاً واسعاً فهلا اقتصدت فيه كما أمرتك ولم تسرف وقد نهيتك عن الإسراف، ورجل يدعو في قطيعة رحم ».ثم علم الله جل اسمه نبيه صلی الله علیه واله وسلم كيف ينفق، وذلك أنه كان عنده أوقية من الذهب فكره أن يبيت عنده فتصدق بها فأصبح وليس عنده شيء وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل واغتم هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان صلی الله علیه واله وسلم رحيماً رقيقاً فأدب الله عز وجل النبي صلی الله علیه واله وسلم بأمره فقال : ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَسُطها كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا محسُورًا [الإسراء: 29] يقول : إن الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك المال كنت قد حسرت من المال.)فهذه أحاديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين .وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له : أوص، فقال: أوصي بالخمس والخمس كثير ، فإن الله عز وجل قد رضي بالخمس، وقد جعل الله عز وجل له الثلث عند موته ولو علم أن الثلث خير له أوصى به .ثم قد علمتم من بعده في فضله وزهده سلمان رضي الله عنه وأبو ذر رحمه الله .فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل، فقيل له : يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غداً، فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء ؟ أما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت .وأما أبو ذر رضي الله عنه فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو الشاة على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم، فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم .
ومن أزهد من هؤلاء؟ وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما قال ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً البتة كما تأمرون الناس بإلقاءأمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيا لا تهم.واعلموا أيها النفر أني سمعت سمعت أبي يروي عن آبائه علیه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال يوماً ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن إنه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له وكل ما الله يصنع عز وجل به فهو خير له .فليت شعري هل يحق فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم أما علمتم أن الله عز وجل قد فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومن ولاهم يومئذ دبره فقد تبوأ مقعده من النار، ثم حولهم من حالهم رحمة منه لهم فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من الله عز وجل للمؤمنين، فنسخ الرجلان العشرة .وأخبروني أيضاً عن القضاة أجورة حيث هم يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال إني زاهد إني لا شيء لي، فإن قلتم جورة ظلمكم أهل الإسلام وإن قلتم : بل عدول خصمتم أنفسكم، وحيث تردّون صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث.أخبروني لو كان الناس كلهم كالذين تريدون زهاداً لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلى من كان يصدق بكفارات الإيمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الذهب والفضة والتمر والزبيب وسائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئاً من عرض شيئاً من عرض الدنيا إلا قدّمه وإن كان به خصاصة فبئس ما ذهبتم فيه وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلی الله علیه واله وسلم وأحاديثه التي يصدقها الكتاب المنزل وردّكم إياها بجهالتكم وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ والمحكم والمتشابه والأمر والنهي. وأخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود علیه السلام ؟ حيث سأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، فأعطاه عز وجل اسمه ذلك وكان يقول الحق ويعمل به ثم لم نجد الله عز وجل عاب عليه ذلك ولا أحداً من المؤمنين وداود النبي صلی الله علیه واله وسلم قبله في ملكه وشدّة سلطانه .ثم يوسف النبي صلی الله علیه واله وسلم حيث قال لملك مصر : (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَايِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: 55] ، فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن ، وكانوا)
يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم وكان يقول الحق ويعمل به فلم نجد أحداً عاب ذلك عليه .ثم ذو القرنين علیه السلام العبد أحب الله فأحبه الله وطوى له الأسباب وملكه مشارق الأرض ومغاربها وكان يقول الحق ويعمل به ثم لم نجد أحداً عاب ذلك عليه .فتأدبوا أيها النفر بآداب الله عز وجل للمؤمنين ، اقتصروا على أمر الله ونهيه ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به ، وردّوا العلم إلى أهله تؤجروا وتعذروا عند الله تبارك وتعالى، وكونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه وما أحلّ الله فيه مما حرّم فإنه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل ، ودعوا الجهالة لأهلها فإن أهل الجهل كثير وأهل العلم قليل ، وقد قال الله عز وجل : (وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: 76](1). السادس عشر : في (الكافي) في كتاب الحجة في باب ما أمر النبي صلی الله علیه واله وسلم بالنصيحة لأئمة المسلمين.
محمد بن الحسن عن بعض أصحابنا عن علي بن الحكم عن الحكم بن مسكين عن رجل من قريش من أهل مكة قال : قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد عليهما السلام قال : فذهبت معه إليه فوجدناه قد ركب دابته فقال له سفيان : يا أبا عبد الله حدثنا بحديث خطبة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في مسجد الخيف، قال علیه السلام : دعني حتى أذهب في حاجتي فإني قد ركبت فإذا جئت حدثتك، فقال : أسألك بقرابتك من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لما لما حدثتني ، قال : فنزل ، فقال سفيان : من لي بدواة وقرطاس حتى أثبته فدعى علیه السلام به ثم قال : اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم خطبة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في مسجد الخيف نصر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم تبلغه يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب فربّ حامل فقه ليس بفقيه ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرىء مسلم : إخلاص العمل الله، والنصيحة لأئمة المسلمين ، واللزوم لجماعتهم فإن دعوتهم محيطة من ورائهم ، المؤمنون أخوة تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم .
فكتبه سفيان ثم عرضه عليه وركب أبو عبد الله علیه السلام وجئت أنا وسفيان، فلما كنا في بعض الطريق فقال لي: كما أنت حتى أنظر في هذا الحديث، فقلت له : قد والله ألزم أبو عبد الله علیه السلام رقبتك شيئاً لا يذهب من رقبتك أبداً، فقال: وأي شيء ذلك؟ فقلت : ثلاث لا يغلّ
1) بطوله في بحار الأنوار: 337/47، والكافي : 69/5 .
عليهن قلب امرىء مسلم : إخلاص العمل الله قد عرفناه والنصيحة لأئمة المسلمين من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وكل من لا تجوز شهادته عندنا ولا تجوز الصلاة خلفهم، وقوله : واللزوم لجماعتهم فأي الجماعة مرجيء؟ يقول : من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح أمه فهو على إيمان جبريل وميكائيل ، أو قدري يقول : لا يكون ما شاء الله عز وجل ويكون ما شاء إبليس، أو حروري يبرأ من علي بن أبي طالب علیه السلام ويشهد عليه بالكفر، أو جهمي يقول : إنما هي معرفة الله وحده ليس الإيمان شيء غيرها، قال: ويحك فأي شيء يقولون؟ فقلت : يقولون : إن علي بن أبي طالب وآله الإمام الذي يجب علينا نصيحته ولزوم جماعتهم أهل بيته ، قال : فأخذ الكتاب وخرقه ثم قال : لا تخبر بها أحداً (1)
السابع عشر : المحدّث الجزائري في (الأنوار النعمانية):
في الحديث إن الصوفية لما دخلوا على الصادق علیه السلام وسفيان الثوري لابس الصوف الخشن والصادق علیه السلام لابس الثياب الرقاق فقال له سفيان: إن جدك أمير المؤمنين علیه السلام كان يلبس ما خشن من الثياب فلم لا تقتدي به؟ فقال له الصادق علیه السلام: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام كان في زمان الضيق ولم تسع الدنيا على المسلمين كاتساعها في هذا الوقت، ونحن قوم إذا وسع الله علينا وسعنا على أنفسنا، وإذا ضيق الله علينا ضيّقنا على أنفسنا وإن الله تعالى إنما خلق الدنيا وما فيها من الملاذ للمؤمن لا للكافر لأنه لا قدر له عنده ولو كان علي علیه السلام في هذا العصر لما وسعه إلا أن يسلك مثل ما سلك أهله لئلا يقال له : إنه مراء ولئلا يشتهر بثيابه ومأكله ، مع أن أمير المؤمنين علیه السلام كان والياً وينبغي لوالي المسلمين أن يكون في المعاش كواحد من فقراء المسلمين ، وقد قيل له : يا أمير المؤمنين إنك تبيت جائعاً ولك الملك ؟ فقال علیه السلام : أخاف أن أشبع وواحد في اليمامة يبيت جائعاً وحتى يسهل الفقر على أهله إذا نظروا إلى الوالي مع ما هو عليه ، وأما أنا فلست بوالي والملك قد غصب منا، فلو كنت والياً لاقتديت به .
ثم قال علیه السلام لسفيان الثوري: أدن مني، فدنا منه ، فمد يده إلى تحت ثياب سفيان فأخرج ثوباً حريراً كان سفيان لابسه تحت ثياب الصوف لرفاهية بدنه والثياب الصوف فوقه لخدع الناس ، ثم أخذ يد سفيان فقال : انظر يا سفيان ما تحت ثيابي هذه الرقاق، فنظر فإذا هو علیه السلام لابس ثوباً خشناً، فقال : يا سفيان ، هذا تواضعاً الله تعالى وهذه الثياب الرقاق إظهار النعمة الله تعالى (2)
الثامن عشر : في (البحار) عن كتاب المسائل لعلي بن جعفر عن أخيه موسى بن
جعفر علیه السلام قال: سألت أخي موسى علیه السلام عن الرجل المسلم هل يصلح أن يسيح في الأرض أو يترهب في بيت لا يخرج منه ؟ قال عليه الصلاة والسلام: لا (1).
التاسع عشر : في (البحار) من (الدرة الباهرة) قال له «أي للرضا» علیه السلام : إن المأمون وقد ردّ هذا الأمر إليك وأنت أحق الناس به إلا أنه تحتاج أن يتقدم منك تقدمك إلى لبس الصوف وما يحسن لبسه ، فقال عليه السلام : ويحكم إنما يراد من الإمام قسطه وعدله إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: 32] إن يوسف علیه السلام لبس الديباج المنسوج بالذهب وجلس على متكئات آل فرعون (2).)وقد مر هذا الحديد هذا الحديث برواية الشارح المعتزلي في شرح المتن بأبسط من ذلك فليراجع هناك.العشرون: في (حديقة الشيعة عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي وإسماعيل بن بزيع عن الرضا علیه السلام قال : من ذكر عنده الصوفية ولم ينكرهم بلسانه وقلبه فليس منا، ومن أنكرهم فكأنما جاهد الكفار بين يدي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .)ورواه أيضاً المحدث الجزائري في (الأنوار النعمانية عن البزنطي عن الرضا علیه السلام مثله .)الحادي والعشرون : في (حديقة الشيعة عن السيد المرتضى ابن الداعي الحسن الرازي وابن حمزة جميعاً عن (المفيد) بسنده عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وكان من خواص أصحاب الأئمة علیه السلام .)قال : كنت مع الهادي علي بن محمد علیه السلام في مسجد النبي صلی الله علیه واله وسلم، فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، وكان رجلاً بليغاً وكانت له منزلة عظيمة عنده عليه السلام، ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية وجلسوا في جانبه مستديراً وأخذوا بالتهليل.فقال عليه السلام : لا تلتفتوا بهؤلاء الخدّاعين فإنهم خلفاء الشياطين ومخربو قواعد الدين ، يتزهدون لراحة الأجسام ويتهجدون لتصييد الأنعام، يتجوّعون عمراً حتى يذبحوا للإيكاف حمراً، لا يهللون إلا لغرور الناس ولا يقللون الغذاء إلا الملاء العساس ، واختلاس قلب الدقناس يتكلمون الناس بإملائهم في الحب، ويطرحونهم بأزاليلهم (3في الجبّ،)
أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنم والتغنية ؛ فلا يتبعهم إلا السفهاء ولا يعتقدهم إلا الحمقاء، فمن ذهب إلى زيارة أحد منهم حياً أو ميتاً فكأنما ذهب إلى زيارة الشيطان، وعبادة الأوثان، ومن أعان أحداً منهم فكأنما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان.فقال رجل من أصحابه : وإن كان معترفاً بحقوقكم؟قال : فنظر إليه شبه المغضب وقال عليه السلام : دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا يذهب في عقوقنا، أما تدري أنهم أخس طوائف الصوفية ، والصوفية كلهم من مخالفينا ، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلا نصارى ومجوس هذه الأمة، أولئك الذين يجحدون (1في إطفاء نور الله ، والله متم نوره ولو كره الكافرون (2).)ورواه المحدث الجزائري أيضاً في (الأنوار من كتاب قرب الإسناد مسنداً عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب مثله .)الثاني والعشرون: في (حديقة الشيعة عن السيد المرتضى أيضاً بسنده عن المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد عن أبيه عن عبد الله عن محمد بن عبد الجبار عن الحسن العسكري علیه السلام أنه خاطب أبا هاشم الجعفري فقال علیه السلام:)يا أبا هاشم سيأتي زمان على الناس وجوههم ضاحكة مستبشرة، وقلوبهم مظلمة منكدرة ، السنّة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنّة، المؤمن بينهم محقر، والفاسق بينهم موقر، أمراؤهم جاهلون جائرون، وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون ، أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء، وأصاغرهم يتقدمون على الكبراء ، كل جاهل عندهم خبير ، وكل مجيل عندهم فقير ، لا يميزون بين المخلص والمرتاب ، ولا يعرفون الضأن من الذئاب ، علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض، لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوف ، وأيم الله إنهم من أهل العدول والتحرّف، يبالغون في حب مخالفينا ويضلّون شيعتنا وموالينا ، فإن نالوا منصباً لم يشبعوا من الرشاء، وإن خذلوا عبدوا الله على الرياء، ألا إنهم قطاع طريق المؤمنين، والدعاة إلى نحلة الملحدين، فمن أدركهم فليحذرهم وليصن دينه وإيمانه.ثم قال: يا أبا هاشم هذا ما حدثني به أبي عن آبائه عن جعفر بن محمد علیه السلام وهو من أسرارنا فاكتمه إلا عن أهله (3)
ورواه المحدّث الجزائري أيضاً في (الأنوار مرسلاً عن العسكري علیه السلام مثله .)الثالث والعشرون : في (الاحتجاج روى أصحابنا :)إن أبا محمد الحسن الشريعي كان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمد ثمالحسن بن علي علیه السلام ، وهو أول من ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه من قبل صاحب الزمان علیه السلام وكذب على الله وعلى حججه علیه السلام ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء، ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد (1.)وكذلك كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن، فلما توفي علیه السلام ادعى النيابة لصاحب الزمان علیه السلام ففضحه الله بما ظهر منه من الإلحاد والغلو والقول بالتناسخ، وكان يدعي أنه رسول نبي أرسله علي بن محمد علیه السلام ويقول فيه بالربوبية ويقول بالإباحة للمحارم .وكان أيضاً من جملة الغلاة أحمد بن هلال الكرخي وقد كان من قبل في عدادأصحاب أبي محمد علیه السلام ثم تغيّر عما كان عليه وأنكر نيابة أبي جعفر محمد جعفر محمد بن عثمان رضي الله عنه، فخرج التوقيع بلعنه من قبل صاحب الزمان علیه السلام .وكذا كان أبو طاهر محمد بن علي بن بلال ، والحسين بن منصور الحلاج ، ومحمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر لعنهم الله ، فخرج التوقيع بلعنهم والبراءة منهم جميعاً على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه نسخته :عرّف أطال الله بقاك وعرّفك الله الخير كله وختم به عملك من تثق بدينه وتسكن إلى نيته من إخواننا أدام الله سعادتهم بأن محمد بن علي المعروف بالشلمغاني عجل الله له النقمة ولا أمهله قد ارتد عن الإسلام وفارقه وألحد في دين الله وادعى بالكفر معه بالخالق جلّ وتعالى وافترى كذباً وزوراً وقال بهتاناً وإثماً مبيناً ، كذَّب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً وخسروا خسراناً مبيناً ، وإنا برثنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله عليه وآله منه، ولعنّاه عليه لعائن الله تترى في الظاهر منا والباطن في السر والجهر وفي كل وقت وعلى كل حال وعلى من شايعه وبايعه وبلغه هذا القول منا فأقام على توليه بعده وأعلمهم تولاكم الله أننا في التوقي والمحاذرة منه على مثل ما كنا عليه ممن تقدمه من نظرائه من الشريعي والنميري والهلالي والبلالي وغيرهم ، وعادة الله جل ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة، وبه نثق وإياه نستعين ، وحسبنا الله في كل أمورنا ونعم الوكيل (2.)
### بیانهؤلاء الجماعة المذكورون في هذا الحديث كلهم من الذين ادعوا البابية لصاحب الزمان علیه السلام والسفارة من جانبه عجّل الله فرجه ، وليتهم لعنهم الله تعالى قنعوا بذلك ولم يظهر منهم الكفر والإلحاد والقول بالحلول والاتحاد وإباحة المحارم كما هو مذهب الصوفية.قال الشيخ (قدس الله سره في محكي كلامه في (البحار) من كتاب (الغيبة) : كل هؤلاء المدعين إنما يكون كذبهم أولاً على الإمام عليه السلام وأنهم وكلاؤه ، فيدعون الضعفة بهذا القول إلى موالاتهم، ثم يترقى الأمر بهم إلى قول الحلاجية كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغاني ونظرائه عليهم جميعاً لعائن الله تترى .)وقد ذكر في كتاب (الغيبة على ما حكي عنه في (البحار) فصلاً مبسوطاً في أحوال هؤلاء وأقوالهم وعقائدهم المتضمنة للكفر والإلحاد، ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما ذكره ليعلم أنهم من الصوفية مشاركون معهم في العقائد والأعمال فأقول:)قال : أول المدعين للبابية الشريعي ، قال هارون : وأظن اسمه كان الحسن وكان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمد وساق الكلام فيه نحو ما رويناه من الاحتجاج إلى قوله : وما هم منه براء، ثم قال : فلعنته الشيعة وتبرأت منه وخرج توقيع الإمام عليه السلام بلعنه والبراءة منه، ثم ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد.ومنهم محمد بن نصير النميري قال سعد بن عبد الله : كان محمد بن نصير النميرييدعي أنه رسول نبي وأن علي بن محمد أرسله وكان يقول بالتناسخ ويغلو في أبي الحسن علیه السلام ويقول فيه بالربوبية ويقول بالإباحة للمحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم ، ويزعم أن ذلك من التواضع والإخبات والتذلل في المفعول به، وأنه من الفاعل إحدى الشهوات والطيبات، وأن الله عز وجل لا يحرّم شيئاً من ذلك أخبرني بذلك عن محمد بن نصير أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان أنه رآه عياناً وغلام له على ظهره، قال : فلقيته فعاتبته على ذلك، فقال : إن هذا من اللذات وهو من التواضع لله وترك التجبّر .أقول: ورأيت في بعض مؤلفات أصحابنا نقلاً من الفاضل عبد الوهاب بن عليالحسيني الاسترابادي في شرح كتاب (الفصول النضير ما هذا لفظه :)قالت النصيرية والإسحاقية من غلاة الشيعة ظهور الروحاني في الجسماني لا ينكر، ففي طرف الشر كالشياطين فإنه كثير ما يتصور الشيطان بصورة إنسان ليعلمه ويكلمه بلسانه، وفي طرف الخبر كالملائكة فإن جبريل كان يظهر بصورة دحية الكلبي والأعرابي.قالوا : فلا يمتنع أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين وأولى الخلق بذلك
أشرفهم وأكملهم هو العترة الطاهرة، ومن يظهر فيه العلم والقدرة التامة من الأئمة من تلك العترة.ولم يتحاشوا عن إطلاق الإلهية على أئمتهم وهذه ضلالة بينة لا يحتاج بطلانه إلىبیان ، ومع ذلك نقول : ظهور نقول ظهور شيء في صورة شيء آخر لا يقتضي الحلول والاتحاد، فإن جبريل لم يتحد بدحية ولا حل فيه فلا يلزم مطلوبكم ، انتهى.وأولى من ذلك أن يقال: إن المثال غير مطابق للمثل لأنه تعالى ليس بروح ولاروحاني ولا جسم ولا جسماني تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلا يمكن ظهوره بصورة غيره بل يستحيل استحالة عقلية، هذا .وقال الشيخ «قدس الله سره» في أحمد الكرخي ومحمد البلالي نحو ما نقلناه فيهما من الاحتجاج وذكر في حسين بن منصور الحلاج ما قدمنا روايته عنه في المقام السادس، وقال في حق الشلمغاني، قال الصفواني : سمعت أبا علي بن همام يقول : سمعت محمد بن علي العزاقري الشلمغاني يقول : الحق واحد وإنما تختلف قمصه فيوم يكون في أبيض ويوم يكون في أحمر ويوم يكون في أزرق فهذا أول ما أنكرته من قوله لأنه قول أصحاب الحلول .وأخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى عن أبي علي محمد بن همام أن محمد بن علي الشلمغاني لم يكن قط باباً إلى أبي القاسم ولا طريقاً له ، ولا نصبه أبو القاسم بشيء من ذلك على وجه ولا سبب ، ومن قال بذلك فقد أبطل وإنما كان فقيهاً من فقهائنا فخلط وظهر عنه ما ظهر ، وانتشر الكفر والإلحاد منه فخرج فيه التوقيع على يد أبي القاسم بلعنه والبراءة منه وممن تابعه وشايعه وقال بقوله ، هذا .### خاتمةقد تبين وتحقق لك مما أوردناه في شرح هذا الكلام لأمير المؤمنين علیه السلام أن مذاهب الصوفية بحذافيرها مخالفة لمذهب المتشرعة الإمامية الحقة شيّد الله بنيانه وأحكم قواعده وأركانه، كما ظهر لك أن الآيات والأخبار في لعنهم وطعنهم والتعريض والإزراء عليهم لعنهم الله تعالى صريحة متظافرة وأن الأخبار التي تمسكت بها هذه الفئة الضالة المضلّة المبتدعة المطرودة الملعونة إما موضوعة مجعولة أو متشابهة مؤوّلة أو ضعيفة سخيفة .فلا ينبغي للفطن الكيس أن يشتبه وينخدع بما أوردها بعض علماء الشيعة كمحمد بن علي بن أبي جمهور الإحسائي وغيره من الأخبار في كتبهم، فإن أكثر هذه الأخبار مأخوذة من كتب متصوفة العامة كما يظهر ذلك لمن رجع إليها .
وبالجملة، فالصوفي شيعياً أو سنياً وحدتياً أو اتحادياً مخالف للمنشرع الإمامي أصولاً وفروعاً واعتقاداً وعملاً.فويل لقوم اتخذوا سلفهم الذين مهدوا لهم البدعات ومؤهوا لهم الضلالات أرباباً فرضوا بالشبلي والغزالي وابن العربي وجنيد البغدادي أئمة ، وبالقرمطة فلسفة وبالزهد خلاعة، وبالمثنوي وسائر منظوماتهم كتاباً، وبالشياطين إخواناً ، وبمرقد أبا يزيد البسطامي وعبد القادر الجيلاني قبلة ، وبالهوى إلها، وبالوسواس إلهاماً، وبالسحر والشعبذة والسيميا كرامة ومقاماً .خذلهم الله تعالى في الدنيا وضاعف عليهم العذاب في العقبي بمحمد وآله الأمجاد أئمة المؤمنين وأولياء المتشرّعين المتدينين في المبدء والمعاد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ولعنة الله على مخالفيهم ومعانديهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.### إستدراكلا يذهبن عليك مما أوردته في شرح هذا الكلام على طوله من الطعن والتعريض والإزراء على الصوفية وإبطال مذاهبهم وإضلال مشاربهم وإظهار مثالبهم وتسفيه أحلامهم وتزييف مناقبهم والإعلان بعداوتهم والحكم بفسق طائفة وكفر الآخرين منهم ، إنا منكرون لحسن العرفان بالله وجاحدون لسلوك سبيل المعرفة معاندون للعارفين بالحق الذين سلكوا سبيل الهدى ونهوا النفس عن الهوى وزهدوا في الدنيا ورغبوا في الأخرى وصدّقوا بالحسنى وشربوا من كأس المحبة وخاضوا في تيار المعرفة فلم يكن لهم هم إلا رضى المولى والنيل إلى مقام الزلفى والسكنى في حظائر القدس والتأنس في محافل الأنس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .وكيف لا ولم يكن بعث الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين من لدن خلق آدم علیه السلام أبي البشر إلى الختم بسيد المرسلين صلی الله علیه واله وسلم إلا لذلك المقصود.فإنهم على اختلاف شرائعهم وتفاوت مللهم ومذاهبهم لم يكن همّهم إلا هماً واحداًوهو جذب الخلق إلى الحق بالهداية إلى الصراط المستقيم، والدلالة على النهج القويم ، والتنحية عن الرذائل والتحلية بالفضائل ، والحث على مكارم الأخلاق والحض على إحياء العقول بالمعارف والكمالات ، والتأكيد في إماتة النفوس بالمجاهدة والرياضات.فالعارف الحقيقي الذي يحق أن يسمى بهذا الاسم هو من اتصف بهذه الكمالات لا
من أخذ بالبدع والضلالات ومن تبع في أقواله وأفعاله بالأئمة لا من قال: إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم لمهتدون .وإن شئت أن تعرف تفصيل أوصاف هذا الشخص الذي يليق بهذا الاسم فاعرف ذلك من تضاعيف خطب أمير المؤمنين علیه السلام لا سيما الخطبة المائة والثانية والتسعين الواردة في شرح حال المتقين، والكلام المائتين والثامن عشر المسوق في وصف حال العارفين .ولئن رجعت إليهما وإلى شرحهما تعرف معنى المعرفة والعرفان، وتعلم أن الصوفية مناه الجهل والضلال حيران، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، ومن تبدل البصيرة بالعمى ، إنه لا يضل من هداه ، والحمد لله على ما هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .يا رب أدخل في عبادك عبدك *** الراجي بفضلك واعطف به نظراوجد يا إلهي لي بجودك والطف *** بعبد ذلیل عاجز متحيراوأدخله في أرباب علم وحكمة *** وأصحاب عرفان الذي منك مخبراوأشربه كأس الحب والصدق والصفا *** وأكرم به في روضة الخلد منظراوفي محفل الأنس آنسه بمحمد *** وأولاده الطهر الكرام المطهرا### الترجمةاز جمله کلام هدایت نظام امیر مومنان (علیه السلام است در بصره در حالتی که داخل شد ير علا پسر زياد حارثی و او از اصحاب آن حضرت بود ، عیادت می فرمود او را ، پس وقتی که دید وسعت خانه او را فرمود :)چه کار میکنی با وسعت این خانه در دنیا ؟ آگاه باش که تو به سوی وسعت خانه در آخرت هستی محتاج تر و بلی اگر بخواهی میتوانی برسی با آن به آخرت ، مهمانداری بکنی در آن مهمانان را و صله ارحام نمایی و اخراج حقوق الله کنی و در مصارف شرعیه صرف نمایی ، پس در این صورت تو محققا رسیده ای با او به سوی آخرت.پس عرض کرد به آن حضرت علا که یا امیرالمومنین شکایت میکنم به سویتو از برادرم عاصم بن زیاد .
فرمود آن حضرت : چه خبر است او را؟عرض نمود که :عبا پوشیده و از دنیا خلوت گزیده .فرمود که : حاضر کنید او را نزد من .پس وقتی که آمد فرمود : ای دشمنك نفس خود ، به تحقیق که سرگردان کرده تو را شیطان خبیث ، آیا رحم نکردی اهل خود را و اولاد خود را؟ آیا همچنین اعتقاد میکنی که خدا حلال کرده از برای تو پاکیزهها و طیبات دنیوی را؟ و حال آن که آن خدا کراهت دارد که تو فراگیری آنها را ، تو خوارتری نزد خدا از این .عرض کرد : ای امیر مومنان ، این تو هستی در خشونت و زبری پوشاک و غلظت و بی مزگی خوراك .فرمود : وای بر تو ، به درستی من نیستم مثل تو ، به درستی خداوند تعالی واجب ساخته امامان حق عادل که تنگ بگیرند بر نفسهای خود یا قیاس نمایند نفسهای خودشان را به ضعفا و فقرای خلق در رفتار و کردار تا این که غالب نشود و مضطرب نسازد فقیر را فقر و پریشانی او ، و بالله التوفيق و منه الاستعانه و عليه التوكل و الاعتماد حتى وفقنا لما يحب ويرضى و هدانا سبيل الرشد و طريقالوصل اليه .
## ومن كلام له علیه السلام وهو المانتان والتاسع من المختار في باب الخطب### اشارةورواه غير واحد من أصحابنا بطرق مختلفة مع بسط واختلاف كثير حسبما تطلع عليه فی التكملة الآتية إن شاء الله .قال السيد رحمه الله : وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس مناختلاف الخبر ، فقال علیه السلام:إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وباطلاً ، وصِدْقاً وكذباً ، وناسِخاً ومَنْسُوخاً، وعَاماً وخاصاً، ومُحْكَماً ومُتَشابهاً، وحِفْظاً ووَهْماً ، ولَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله وسلم عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَام خَطِيباً فَقالَ: «مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ».وإِنَّما أناكَ بِالحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجالٍ لَيْسَ لَهُمْ خامِسٌ :رَجُلٌ مُنافِقٌ مُظْهِرٌ للإِيْمَانِ مُتَصَنِّع بالإسلام لا يَتَأَنَّمُ وَلا يَتَحَرَّجُ ، يَكْذِبُ عَلى رَسُولِ الله صلی الله علیه واله وسلم مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَولَهُ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا : صاحِبُ رَسُولِ الله صلی الله علیه واله وسلم رَآهُ وسَمِعَ مِنْهُ ولَقِف عَنْهُ فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ وَقَدْ أَخْبَرَكَ الله عَنِ الْمُنافِقِينَ بما أَخبَرَكَ ، ووَصَفَهُمْ بِما وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمَّ يَقُوا بَعْدَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ السَّلامُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلالَةِ والدُّعاة إلى النار بالزور والبُهْتَانِ، فَوَلُّوهُمُ الأَعْمالَ وجَعَلُوهُمْ حُكّاماً على رقاب النَّاسِ ، وأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيا وإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ المُلُوكِ والدُّنْيا إِلا مَنْ عَصَمَ اللهُ فَهُوَ أَحَدُ الأَرْبَعَةِ .ورَجُلُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله صلی الله علیه واله وسلم شَيْئاً لَمْ يَحْفَظُهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَوَهَمَ فِيهِ، ولَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدَيْهِ ويَرْويهِ ويَعْمَلُ بِه ويَقُولُ : أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله صلی الله علیه واله وسلم، فَلَوْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أَنَّهُ وهَمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذلِكَ لَرَفَضَهُ.ورَجُلٌ ثالِثُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله صلی الله علیه واله وسلم شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ نَهى عَنْهُ وهُوَ لا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وهُوَ لا يَعْلَمُ ، فَحَفِظَ المَنْسُوخَ وَلَمْ يَحْفَظ النَّاسِخَ ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ منْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَلَوْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ.وَآخَرُ رابعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى الله وَلا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضٌ للكذب خَوْفاً مِنَ الله وتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللهِ صلی الله علیه واله وسلم، وَلَمْ يَهِمْ بَلْ حَفِظَ ما سَمِعَ عَلى وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى سَمْعِهِ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، فَحَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وحَفِظَ المَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ ، وعَرَفَ الخاص والعام،
فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ وعَرَفَ المُتَشَابِة ومُحْكَمَهُ .وَقَدْ كانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ الله صلی الله علیه واله وسلم الكَلامُ لَهُ وَجْهَانِ : فَكَلامٌ خاص، وكَلامٌ عام ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لا يُعْرِفُ ما عَنَى الله به، ولا ما عَنى بِهِ رَسُولُ الله صلی الله علیه واله وسلم، فَيَحْمِلُهُ السّامِعُ ويُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْناهُ ومَا قُصِدَ بِه وما خَرَجَ مِنْ أَجْلِه، ولَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلی الله علیه واله وسلم مَنْ كانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى أَنْ كانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِي الأَعْرابِيُّ أَو الطَّارِىءُ فَيَسْأَلَهُ صلی الله علیه واله وسلم حَتَّى يَسْمَعُوا، وكانَ لا يَمُرُّ بِي عَنْ ذلِكَ شَيْءٌ إِلا سَأَلْتُ عَنْهُ وحَفِظْتُهُ، فَهذا وُجُوهُ ما عَلَيْهِ النَّاسَ في اخْتِلافِهِمْ وعَلَلِهِمْ في رواياتِهِمْ (1.)### اللغة(الوهم من خطرات القلب أو مرجوح طرفي المتردد فيه، والجمع أوهام، ووهم في الحساب كوجل غلط ، ووهمت في الشيء من باب وعد أي ذهب وهمي إليه ووقع في خلدي. وروي وهماً بالفتح والسكون كليهما و (بوأه) منزلاً وفي منزل أنزله فيه ، وبوّأته داراً أسكنته إياها وتبوأ بيتاً اتخذه مسكناً و (التصنع ) تكلف حسن السمت والتزين و (التأئم) و (التحرج) مجانبة الإثم والحرج أي الضيق ، يقال: تحرج أي فعل فعلاً جانب به الحجر كما يقال : تحنث إذا فعل ما يخرج به عن الحنث ، قال : ابن الأعرابي للعرب أفعال تخالف معانيها ألفاظها، قالوا : تحرّج وتحنّث وتأثم وتهجد إذا ترك الهجود .)و (لقفه لقفاً من باب ولقفاناً بالتحريك تناول بسرعة ، قال تعالى : (تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) [الأعراف: 117] ، و (عصمه الله) من المكروه من باب ضرب حفظه ووقاه و (جنبه) واجتنبه وتجنبه وجانبه وتجانبه بعد عنه، وجنبه إياه أبعده عنه (طرا) فلان علينا بالهمز يطرأ أي جاء بغتة من بلد آخر فهو طارىء بالهمز .
قوله : خطيباً حال من فاعل قام ، وقوله : صاحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بالرفع خبر محذوف المبتدأ أي هو أو هذا صاحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، وجملة رآه تحتمل الحال والوصف، وجملة ويرويه عطف على جملة هو في يديه، وفي بعض النسخ بدون الواو فتكون حالاً من الضمير في يديه أو استئنافاً بيانياً.
وقوله : وقد كان يكون من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الكلام له وجهان اسم كان ضمير الشأن
1) الإحتجاج : 395/1، وبحار الأنوار: 231/2
المستتر ويكون تامة مستغنية عن الخبر ، وهي مع اسمها أعني الكلام خبر كان وله وجهان نعت للكلام، لأنه في حكم النكرة ويجوز أن يكون حالاً منه لأنه في معنى الفاعل، ويحتمل أن يجعل يكون ناقصة فهو حينئذ خبر له وليس بنعت ، وقوله : فكلام خاص آه ، الفاء عاطفة للتفريع على قوله : له وجهان .
اعلم أن هذا الكلام الشريف حسبما أشار إليه السيد «قدس الله سره» تكلم به حين ( سأله سائل ) وهو سليم بن قيس الهلالي حسبما تعرفه في التكملة الآتية إن شاء الله تعالى وله كتاب مشهور بين أصحابنا .
قال المحدث العلامة المجلسي (رحمت الله) في (ديباجة البحار) : وقد طعن في كتابه جماعة والحق أنه من الأصول المعتبرة.
وقال العلامة في (الخلاصة): سليم بن قيس الهلالي بضم السين روى الكشي أحاديث يشهد بشكره وصحة كتابه إلى أن قال : وقال السيد علي بن أحمد العقيقي: كان سليم بن قيس من أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام طلبه الحجاج ليقتله فهرب وأوى إلى أبان بن أبي عياش، فلما حضرته الوفاة قال لأبان : إن لك عليّ حقاً وقد حضرني الموت يا ابن أخي إنه كان من الأمر بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كيت وكيت ، وأعطاه كتاباً فلم يرو عن سليم بن قيس أحد سوی أبان وذكر أبان في حديثه قال : كان شيخاً متعبداً له نور يعلوه ، وقال ابن الغضايري : سليم بن قيس الهلالي العامري روى عن أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين علیه السلام . قال العلامة في آخر كلامه : والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في الفاسد من کتابه ، انتهى (1).
وكيف كان فقد سأله عليه السلام سليم بن قيس (عن أحاديث البدع ) أي الأحاديث المبتدعة الموضوعة أو المربوطة بالبدع والأمور المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة كما يشعر به ما رواه جابر بن عبد الله أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال في خطبة : «إن أحسن الحديث كتاب الله ؛ وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
وقوله : (وعمّا في أيدي الناس من اختلاف الخبر ) أراد به الأخبار المختلفة المخالفة لما عندهم علیه السلام (فقال عليه السلام) في جواب السائل :
1) شرح أصول الكافي : 139/2 ، ووسائل الشيعة : 30/ 385
(إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً) ذكر الصدق والكذب بعد الحق والباطل من قبيل ذكر الخاص بعد العام ، لأن الأخيرين من خواص الخبر والأولان يصدقان على الأفعال أيضاً ، وقيل : الحق والباطل هنا من خواص الرأي والاعتقاد والصدق والكذب من خواص النقل والرواية .
أو ناسخاً ومنسوخاً وعاماً وخاصاً ومحكماً ومتشابها ، وقد مضى بيان معاني هذه الستة جميعاً وتحقيق الكلام فيها في شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الأولى فليراجع هناك.
(وحفظاً ووهماً) أي حديثاً محفوظاً من الزيادة والنقصان مصوناً عن الخلل والغلط حفظه راويه على ما سمعه ، وحديثاً غير محفوظ من ذلك لسهو الراوي أو غلطه وعدم حفظه له على وجهه.
(ولقد كذب) أي افترى (على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على عهده ) أي في زمانه .
قال الشارح البحراني : وذلك نحو ما روي أن رجلاً سرق رداء رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وخرج إلى قوم ، قال : هذا رداء محمد صلی الله علیه واله وسلم أعطانيه لتمكنوني من تلك المرأة، واستنكروا ذلك ، فبعثوا من سأل الرسول صلی الله علیه واله وسلم عن ذلك، فقام الرجل الكاذب فشرب ماء فلدغته حية فمات، وكان النبي صلی الله علیه واله وسلم حين سمع بتلك الحال قال لعلي عليه السلام: «خذ السيف وانطلق فإن وجدته وقد كفيت فأحرقه بالنار» ، فجاء عليه السلام وأمر بإحراقه .
(حتى) لما سمع صلی الله علیه واله وسلم ذلك الخبر وغيره مما كذبوا عليه (قام خطيباً فقال ): «أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابة ف- (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)»، أي لينزل منزله من النار، وهو إنشاء في معنى الخبر كقوله تعالى: قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَداً [مريم : 75] .)وهذا الحديث النبوي صلی الله علیه واله وسلم مما رواه الكل وادعی تواتره و استدل به على وجود الأخبار الكاذبة رداً على من أنكر وجودها أو استبعدها ، وقد حكي أن علم الهدى تناظر مع علماء العامة وبين لهم أن الأخبار التي رووها في فضائل مشايخهم كلها موضوعة فقالوا : من يقدر أن يكذب على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ؟ فقال لهم: قد ورد في الرواية عنه صلی الله علیه واله وسلم أنه قال في حياته : «ستكثر علي الكذابة بعد موتي فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، فهذا الحديث إما صدق أو كذب وعلى التقديرين يحصل المطلوب.ثم شرع عليه السلام في بيان وجه اختلاف الأخبار فقال : (وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال لا خامس لهم قال الشارح البحراني : ووجه الحصر في الأقسام الأربعة أن الناقل للحديث عنه صلی الله علیه واله وسلم المتسمين بالإسلام إما منافق أو لا، والثاني إما أن يكون قد وهم فيه أو)
لا، والثاني إما أن لا يكون قد عرف ما يتعلق به من شرائط الرواية أو يكون .فأشار عليه السلام إلى القسم الأول بقوله : (رجل منافق مظهر للإيمان بلسانه منكر له بقلبه (متصنّع بالإسلام ) أي متكلف بآدابه ولوازمه ومراسمه ظاهراً من غير أن يعتقد به باطناً يعني أنه ليس مسلماً في نفس الأمر وإنما تسمى بالإسلام لتدليس الناس (لا يتأثم ولا يتحرّج) أي لا يكف نفسه عن موجب الإثم ولا يتجنب عن الوقوع في الضيق والحرج، أو لا يعد نفسه آئماً بالكذب بل (يكذب على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم متعمداً ) لغرضه الدنيوي وداعية هواء النفساني (فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ) حديثه كما قبلوه (ولم يصدقوا قوله ) كما صدقوه (ولكنهم) اشتبهوا و (قالوا ) هذا (صاحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم رآه وسمع منه ولقف) أي تناول الحديث (عنه فيأخذون بقوله) غفلة عن كذبه لحسن ظنهم به (وقد أخبرك الله عن المنافقين ) في كتابه المبين (بما أخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك ).)الظاهر أنه عليه السلام أراد به قوله تعالى في سورة (المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) [4] الآية ، كما صرح عليه السلام به في سائر طرق الرواية حسبما تعرفه في التكملة الآتية، وقد أفصح تعالى عن أحوالهم وأوصافهم بهذه الآية والآيات قبلها في السورة المذكورة وقال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساة ما كانوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطيعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ وَإِذَا رَأَيْتَهُم تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعَ لِقَوْلِهِمْ كَانَهُمْ حُشُبُ تُسَنَدَةٌ [المنافقون: 1- 4] . قال أمين الإسلام الطبرسي (قدس الله سره) : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ في قولهم : إنهم يعتقدون أنك رسول الله، فكان إكذابهم في اعتقادهم وأنهم يشهدون ذلك بقلوبهم . ولم يكذبوا فيما يرجع إلى ألسنتهم، لأنهم شهدوا بذلك وهم صادقون فيه (واتَّخَذُوا أَيْمَتَهُمْ جُنَّةً ) [المجادلة : 16] أي سترة يستترون بها من الكفر لئلا يقتلوا ولا يسبوا ولا تؤخذ أموالهم (فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ) [المجادلة: 16] فأعرضوا بذلك عن دين الإسلام ، وقيل : منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق بأن دعوهم إلى الكفر في الباطن، وهذا من خواص المنافقين، يصدّون العوام عن الدين كما تفعل المبتدعة (و إنّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة : 9] أي بئس الذين يعملونه من إظهار الإيمان مع إيطان الكفر والصد عن السبيل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا) [المنافقون : 3] ، عند الإقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله ثمَّ كَفَرُوا بقلوبهم لما كذبوا بهذا فَعَ عَلَى له قُلُوبِهِمْ أي ختم عليها بسمة تميّز الملائكة بينهم وبين المؤمنين على الحقيقة (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [المنافقون: 3] ، أي لا يعلمون من حيث إنهم لا يتفكرون حتى يميزوا بين الحق والباطل وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ بحسن منظرهم وتمام خلقتهم وجمال بزتهم (وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْهُمْ )لحسن منطقهم وفصاحة لسانهم وبلاغة بيانهم (وَكَأَنهُمْ حُشُبُ مُّسَنَدَةٌ ) [المنافقون: 4] أي كأنهم أشباح بلا أرواح ، شبههم الله في خلوّهم من العقل والأفهام بالخشب)
المسندة إلى شيء لا أرواح فيها (1)وفي (الصافي: مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحاً خالية عن العلم والنظر (2).)(ثم بقوا أي المنافقون (بعده عليه وآله السلام فتقربوا إلى أئمة الضلالة) كمعاوية وأضرابه من رؤساء بني أمية (والدعاة إلى النار ) فيه تلميح إلى قوله تعالى: (وجعلنا منهم إلى النار )(بالزور ) أي الكذب (والبهتان فولوهم الأعمال وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس ) أي أئمة الضلال بسبب وضع الأخبار أعطوا هؤلاء المنافقين الولايات وسلطوهم على الناس، ويحتمل العكس أي بسبب مفتريات هؤلاء المنافقين صاروا والين على الناس وصنعوا ما شاؤوا وابتدعوا ما أرادوا . قال المحدث العلامة المجلسي : ولكنه بعيد .)أقول : ولعل وجه استبعاده أن ظاهر كلامه علیه السلام لا يفيد كون إمامة أئمة الضلالة متقدمة على وضع الأخبار حيث تقربوا بها إليهم فلا تكون حينئذ ولايتهم وإمامتهم مستندة إلى وضعها ومسببة منها، ولكن يمكن رفع البعد بأن يكون المراد أن ثبات حكومتهم وولايتهم واستحكامها كان بسبب مفتريات المنافقين وإن لم يكن أصل الولاية بسببها .وقوله: (وأكلوا بهم الدنيا أي معهم أو بإعانتهم، والضمير الأول راجع إلى أئمة)الضلالة، والثاني إلى المنافقين المفترين، ويحتمل العكس أيضاً.وأشار إلى علّة تقربهم إلى الولاة بمفترياتهم بقوله : (وإنما الناس جميعاً (مع الملوك والدنيا ) لكون هواهم فيها فهم عبيد لها ولمن في يديه شيء منها حيثما زالت زالوا إليها وحيثما أقبلت أقبلوا عليها (إلا من عصم الله ) تعالى منها ومن أهلها ، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم (فهو أحد الأربعة) .)الثاني منهم (رجل سمع من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم شيئاً لم يحفظه على وجهه الذي صدر من لسانه الشريف (فوهم فيه) أي غلط وسهى (ولم يتعمد كذباً ) كتعمد الرجل السابق الذكر (قهو يديه ) ينقله (ويرويه) لغيره ( ويعمل به ) في نفسه (يقول أنا سمعته من رسول الله ) يسنده إليه صلی الله علیه واله وسلم بزعم أنه عين ما قاله صلی الله علیه واله وسلم (فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه ولو علم هو أنه كذلك لرفضه ) أي نبذه وتركه ولم يروه.)أقول : ومن ذلك اشتراط علماء الدراية الضبط في الراوي يرى ضبطه لما يرويه بمعنى كونه حافظاً له متيقظاً غير مغفل إن حدث من حفظه ضابطاً لكتابه حافظاًمن الغلط والتصحيف والتحريف إن حدث منه عارفاً بما يختل به المعنى إن روي به أي المعنى على القول بجوازه حسبما نعرفه إن شاء الله تفصيلاً.
(ورجل ثالث سمع من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم شيئاً يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم بنهيه (أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم ) بأمره (فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ فلو علم أنه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه) ولكنه لجهله وغفلته عن الناسخ روى المنسوخ لغيره فقبلوه منه بحسن وثوقهم به .)روى في (الكافي بسند موثق عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قلت له : ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لا يتهمون بالكذب ، فيجيء منهم خلافه؟ قال علیه السلام : إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن (1).)وفيه بسنده عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله علیه السلام في حديث قال : قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم صدقوا على محمد أم كذبوا ؟ قال : بل صدقوا ، قال : قلت : فما بالهم قد اختلفوا ؟ فقال علیه السلام : أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيئه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً (2.)قال الشهيد الثاني في دراية الحديث عند تعداد أقسام الأحاديث : وسادس عشرهاالناسخ والمنسوخ ، فإن من الأحاديث ما ينسخ بعضها بعضاً كالقرآن(3)والأول وهو الناسخ ما أي حديث دلّ على رفع حكم شرعي سابق، فالحديث المدلول عليه بما بمنزلة الجنس يشمل الناسخ وغيره ، ومع ذلك خرج به ناسخ القرآن والحكم المرفوع شامل للوجودي والعدمي وخرج بالشرعي الذي هو صفة الحكم الشرعي المبتدأ بالحديث ، فإنه يرفع به الإباحة الأصلية لكن لا يسمى شرعياً، وخرج بالسابق الاستثناء والصفة والشرط والغاية الواقعة في الحديث، فإنها قد ترفع حكماً شرعياً لكن ليس سابقاً .والثاني: وهو المنسوخ ما رفع حكمه الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه وقيوده يعلم بالمقايسة على الأول، وهذا فن صعب مهم حتى أدخل بعض أهل الحديث فيه ما ليس منه الخفاء معناه ، وطريق معرفته النص من النبي صلی الله علیه واله وسلم مثل : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها »، ونقل الصحابي مثل كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «أنه ترك الوضوء مما مسته النار»، أو التاريخ فإن المتأخر منهما يكون ناسخاً للمتقدم لما روي عن الصحابة : كنا
نعمل بالأحاديث، فالأحاديث أو الإجماع كحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة نسخه الإجماع على خلافه حيث لا يتخلل الحد، والإجماع لا ينسخ بنفسه وإنما يدل على النسخ، انتهى كلامه رفع مقامه .وينبغي أن يعلم أن النسخ إنما يكون في الأحاديث الواردة عن النبي صلی الله علیه واله وسلم إذ لا ينسخ بعده .(وآخر رابع له عناية بأمر الدين واهتمام بمدارك الشرع المبين (لم يكذب على الله ولا على رسوله ) صلی الله علیه واله وسلم هو الرجل الأول المنافق المتصنع بالإسلام تحرجاً من الكذب والزور (مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولم يهم ) أي لم يغلط ولم يسه كالرجل الثاني الغير الضابط (بل حفظ ) ووعى (ما سمع على وجهه ) كما أشير إليه في قوله عز وجل: (وَنَعِيها أُذُنٌ وَعِيةٌ) [الحاقة : 12] . (فجاء به على سمعه )أي نقله على الوجه المسموع ، وفي بعض النسخ على ما سمعه بزيادة ما وهو أقرب (لم يزد فيه ولم ينقص منه )أي رواه من غير زيادة ولا نقصان فاستحق بذلك البشارة العظيمة من الله تعالى في قوله : (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: 17-18] .
فقد روى في (البحار) من الاختصاص بإسناده عن أبي بصير عن أحدهما علیه السلام في هذه الآية قال علیه السلام : المسلمون لآل محمد صلی الله علیه واله وسلم إذا سمعوا الحديث أدوه كما سمعوه لا يزيدون ولا ينقصون (1).
وفيه عن الكليني بسنده عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام : قول الله جل ثناؤه : (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )، قال علیه السلام : هو الرجل يستمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه ولا ينقص.
(فحفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنّب عنه ) لا كالرجل الثالث يحفظ المنسوخ ويرويه ولم يحفظ الناسخ ويغيب عنه (وعرف الخاص والعام فوضع كل شيء موضعه ) أي أبقى العمومات الغير المخصصة على عمومها وحمل المخصصات على الخصوص، وكذا المطلق والمقيد وسائر أدلة الأحكام (وعرف المتشابه )فوكل علمه إلى الله تعالى ورسوله والراسخين في العلم علیه السلام (ومحكمه) فأخذ به واتبعه.
ثم أكد كون كلام الرسول صلى الله عليه واله وسلم اذا وجوه مختلفة بقوله : (وقد كان يكون من رسول
1) تهذيب الأحكام : 4 / 120 ، وشرح أصول الكافي : 115/4.
الله صلی الله علیه واله وسلم الكلام له وجهان ) ككتاب الله العزيز وكلامه عز شأنه (ف-) بعضه (كلام خاص و )بعضه (كلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله سبحانه به ولا ما عنی به رسول الله صلی الله علیه واله وسلم )من العموم والخصوص (فيحمله السامع ) على غير معناه المراد من أجل اشتباهه وعدم معرفته ( ويوجهه) أي يؤوله (على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله ) أي العلة المقتضية لصدور الكلام منه صلی الله علیه واله وسلم ، وكذا الحال والمقام الذي صدر فيه .
(وليس كل أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يسأله ويستفهمه ) لمهابته أو إعظاماً له (حتى إن كانوا ليحيون أن يجيء الأعرابي) من سكان البادية (أو الطارىء ) أي الغريب الذي أتاه عن قريب من غير أنس صلی الله علیه واله وسلم به وبكلامه (فيسأله علیه السلام حتى يسمعوا ) وإنما كانوا يحبون قدومهما إما لاستفهامهم وعدم استعظامهم إياه، أو لأنه علیه السلام كان يتكلم على وفق عقولهم فيوضحه حتى يفهم غيرهم.
ثم أشار عليه الصلاة والسلام إلى علو مقامه ورفعة شأنه وبلوغه ما لم يبلغه غيره بقوله (وكان لا يمر بي عن ذلك ) أي من كلام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ذلك أي من كلام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم (شيء إلا سألت عنه صلی الله علیه واله وسلم وحفظته) لمزيد اختصاصه عليه الصلاة والسلام به وكونه عيبة علمه وقد كان يجب عليه ، عليه الصلاة والسلام ، السؤال والحفظ كما كان يجب عليه صلی الله علیه واله وسلم التعليم والتفهيم لاقتضاء تكليف الاستخلاف ووظيفة الخلافة ذلك .
(فهذا وجوه ما عليه الناس في اختلافهم) في الروايات (و) ضروب (عللهم) وأمراضهم (في رواياتهم ) المختلفة .
قال الشيخ الشهيد الثاني في كتاب (دراية الحديث ) عند تعداد أصناف الحديث
الضعيف :
الثامن الموضوع وهو المكذوب المختلق الموضوع بمعنى أن واضعه اختلق وضعه لا مطلق حديث الكذوب ، فإن الكذوب قد يصدق، وهو أي الموضوع شر أقسام الضعيف، ولا تحل روايته للعالم به إلا مبيناً لحاله من كونه موضوعاً بخلاف غيره من الضعيف المحتمل للصدق حيث جوزوا روايته في (الترغيب والترهيب).
ويعرف الموضوع بإقرار واضعه بوضعه فيحكم حينئذ عليه بما يحكم على الموضوع في نفس الأمر لا بمعنى القطع بكونه موضوعاً ، لجواز كذبه في إقراره، وإنما يقطع بحكمه لأن
الحكم يتبع الظن الغالب، وهو هنا كذلك ولولاه لما ساغ قتل المقرّ بالقتل ولا رجم المعترف بالزنا، لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به .
وقد يعرف أيضاً بركاكة ألفاظه ونحوها، ولأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم به منهم من يكون اطلاعه تاماً، وذهنه ثاقباً، وفهمه قوياً، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك ممكنة ، وبالوقوف على غلطه ووضعه من غير تعمّد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، فقيل : كان شيخ يحدّث في جماعة فدخل رجل حسن الوجه، فقال الشيخ في أثناء حديثه : من كثرت صلاته بالليل الخ ... فوقع لثابت بن موسى أنه من الحديد الحديث فرواه .
والواضعون أصناف :
منهم من قصد التقرب به إلى الملوك وأبناء الدنيا، مثل غياث بن إبراهيم دخل على المهدي بن المنصور وكان تعجبه الحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة، روى حديثاً عن النبي صلی الله علیه واله وسلم أنه قال : «لا سبق إلا في خفت أو حافر أو نصل أو جناح»، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قال المهدي : أشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم جناح ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، فأمر بذبحها وقال : أنا حملته على ذلك(1).
ومنهم قوم من السؤال يضعون على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أحاديث يرتزقون بها كما اتفق لأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة.
وأعظم ضرراً من انتسب منهم إلى الزهد والصلاح بغير علم فاحتسب بوضعه أي زعم أنه وضعه حسبة الله تعالى وتقرباً إليه ليجذب بها قلوب الناس إلى الله تعالى بالترهيب والترغيب، فقبل الناس موضوعاتهم فنقلوا منهم وركنوا إليهم بظهور حالهم بالصلاح والزهد.
ويظهر ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزهد وضمنوها أخباراً عنهم ونسبوا إليهم أفعالاً وأحوالاً خارقة للعادة وكرامات لم يتفق مثلها لأولي العزم من الرسل بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وإن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها .
ذلك ما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال : إن الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا : الحديث حسبة وكان يقال لأبي عصمة هذا الجامع، فقال : أبو حاتم بن
1) شرح أصول الكافي : 58/1 ، ومستدرك الوسائل : 83/14.
الحيان : جمع كل شيء إلا الصدق (1)
وروى ابن حيان عن أبي مهدي قال: قلنا لميسرة بن عبد ربه : من أين جئت بهذه
الأحاديث من قرأ بكذا فله كذا،فقال : وضعتها أرغب الناس فيها (2)
وهكذا قيل في حديث أبي الطويل في فضائل سور القرآن سورة سورة، فروي عن المؤمل بن إسماعيل قال : حدثني شيخ به فقلت للشيخ : من حدثك ؟ فقال : حدثني رجل بالمدائن وهو حي ، فصرت إليه وقلت : من حدثك ؟ فقال : حدثني شيخ بواسط وهو حي، فصرت إليه وقلت : من حدثك ؟ فقال : حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه فقال : حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه فأخذ بيدي وأدخلني بيتاً فإذا فيه قوم من الصوفية ومعهم شيخ فقال : هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال : لم يحدثني أحد ولكن رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذه الأحاديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن .
وكل من أودع هذه الأحاديث في تفسيره كالواحدي والثعلبي والزمخشري فقد أخطأ في ذلك ولعلهم لم يطلعوا على وضعه مع أن جماعة من العلماء قد نبهوا عليه، وخطب من ذكره مستنداً كالواحدي أسهل.
ووضعت الزنادقة كعبد الكريم بن أبي العوجاء الذي أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي العباسي، وبيان الذي قتله خالد القشيري (3)وأحرقه بالنار ، والغلاة من فرق الشيعة كأبي الخطاب ويونس بن ظبيان ويزيد الصايغ وأضرابهم جملة من الحديث ليفسدوا بها الإسلام ويبصروا به مذهبهم .
روى العقيلي عن حماد بن يزيد قال : وضعت الزنادقة على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أربعة عشر ألف حديث.
وروي عن أبي عبد الله (4)بن يزيد المقري أن رجلاً من الخوارج رجع عن مذهبه فجعل يقول : انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه كنا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً .
ثم نهض جهابذة النقاد، جمع جهبذ وهو الناقد البصير، بكشف عوارها ، بفتح العين وضمها والفتح أشهر وهو العيب ، ومحوا عارها ، فلله الحمد حتى قال بعض العلماء : ما
ستر الله أحداً يكذب في الحديث.
وقد ذهب الكرامية، بكسر الكاف وتخفيف الراء وبفتح الكاف وتشديد الراء، على اختلاف نقل الضابطين لذلك، وهم الطائفة المنتسبون بمذهبهم إلى محمد بن كرام وبعض المبتدعة من المتصوفة إلى جواز وضع الحديث للترغيب والترهيب للناس وترغيباً في الطاعة وزجراً لهم عن المعصية .
واستدلوا بما روي في بعض طرق الحديث :«من كذب علي متعمداً ليضل به الناس »، فليتبوأ مقعده من النار، وهذه الزيادة قد أبطلها نقلة الحديث وحمل بعضهم : من كذب علي متعمداً، على من قال : إنه ساحر أو مجنون ، حتى قال بعض المخذولين : إنما قال قال من من كذب عليّ، ونحن نكذب له ونقوّي شرعه نسأل الله السلامة من الخذلان.
وحكى القرطبي في (المفهم) عن بعض أهل الرأي : إن ما وافق القياس الجلي جاز أن يعزى إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم .
ثم المروي تارة يخترعه الواضع ، وتارة يأخذ كلام غيره كبعض السلف الصالح وقدماء الحكماء والإسرائيليات، أو يأخذ حديثاً ضعيف الإسناد فيركب له إسناداً صحيحاً ليروّج .
وقد صنف جماعة من العلماء كتباً في بيان الموضوعات.
وللصغاني الفاضل الحسين بن محمد في ذلك كتاب (الدر الملتقط في تبيين الغلط ) جيد في هذا الباب ولغيره كأبي الفرج ابن الجوزي دونه في الجودة، لأن كتاب ابن الجوزي ذكر فيه كثير من الأحاديث التي ادعى وضعها لا دليل على كونها موضوعة وإلحاقها بالضعيف أولى وبعضها قد يلتحق بالصحيح والحسن عند أهل النقد ، بخلاف كتاب الصغاني فإنه تام في هذا المعنى يشتمل على إنصاف كثير .
اعلم أن أكثر أخبار الموضوعة قد وضعت في زمن بني أمية لعنهم الله قاطبة كما ظهر لك تفصيل ذلك في شرح الكلام السابع والتسعين مما رويناه من (البحار) من كتاب سليم بن قيس الهلالي ونضيف إليه ما ذكره ونقله الشارح المعتزلي هنا لاشتماله على زيادة لم يتقدم ذكرها مع كونه مؤيداً لما قدمنا فأقول:
قال الشارح بعدما ذكر أنه خالط الحديث كذب كثير صدر عن قوم غير صحيحي العقيدة قصدوا به الإضلال وتخليط القلوب والعقائد ، وقصد به بعضهم التنويه بذكر قوم كان لهم في التنويه بذكرهم غرض دنيوي ما صريح عبارته :
وقد قيل : إنه افتعل في أيام معاوية خاصة حديث كثير على هذا الوجه، ولم يسكت المحدثون الراسخون في علم الحديث عن هذا بل ذكروا كثيراً من هذه الأحاديث الموضوعة وبينوا وضعها وأن رواتها غير موثوق بهم إلا أن المحدثين إنما يطعنون فيما دون طبقة الصحابة ولا يتجاسرون على الطعن في أحد من الصحابة لأن عليه لفظ الصحبة على أنهم قد طعنوا في قوم لهم الصحبة كثير (1)بن أرطأة وغيره.
فإن قلت : من أئمة الضلال (2)الذين تقرّب إليهم المنافقون الذين رأوا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وصحبوه بالزور والبهتان ، وهل هذا إلا تصريح بما تذكره الإمامية وتعتقده؟
قلت : ليس الأمر كما ظننت وظنوا ، وإنما يعني معاوية وعمرو بن العاص ومن
شایعهما على الضلال.
كالخبر رواه من رواه في حق معاوية : اللهم قه العذاب والحساب وعلّمه الكتاب . وكراوية عمرو بن العاص تقرباً إلى قلب معاوية : إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء وإنما ولتي الله وصالح المؤمنين.
وكرواية قوم في أيام معاوية أخباراً كثيرة من فضائل عثمان تقرباً إلى معاوية بها .
ولسنا نجحد فضل عثمان وسابقته ، ولكنا نعلم أن بعض الأخبار الواردة فيه موضوع كخبر عمرو بن مرة فيه وهو مشهور وعمرو بن مرة ممن له صحبة وهو شامي .
وليس يجب من قولنا : إن بعض الأخبار الواردة في حق شخص فاضل مفتعلة أن تكون قادحة في فضل ذلك الفاضل، فإنا مع اعتقادنا أن عليا علیه السلام أفضل الناس نعتقد أن بعض الأخبار الواردة في فضائله مفتعل ومختلق .
وقد روي أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال لبعض أصحابه :
يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا وما لقي شعيتنا ومحبّونا من الناس، إن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس، فتمالات علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ، ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ولم يزل صاحب الأمر في صعود كنود حتى قتل قتل (3).
فبويع الحسن علیه السلام ابنه عوهد ثم غدر به وأسلم ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ، وانتهب عسكره وعولجت خلاخيل أمهات أولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته وهم قليل حق قليل.
ثم بايع الحسين علیه السلام من أهل العراق عشرون ألفاً ثم غدر به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم.
ثم لم تزل أهل البيت تستذل وتستضام ونقصي ونمتحن ونحرم ونقتل ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم ؛ وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنا ما لم نقله ليبغضونا إلى الناس.
وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن علیه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة وكان من يذكر حبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره.
ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد لعنه الله قاتل الحسين علیه السلام.
ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنّة وتهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة علي علیه السلام، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير والعلة ورعاً صدوقاً يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع .
وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب الأحداث قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته .
فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً علیه السلام ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته . وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي علیه السلام، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي علیه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأحافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصليهم على جذوع النخل وطردهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم .
وكتب معاوية لعنه الله إلى عماله في جميع الآفاق : لا يجيزوا لأحد من شيعة علي
وأهل بيته شهادة.
وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه. فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا إليّ بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته .
ففعلوا حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي وكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا المنازل والدنيا، فليس يجزي مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبه إلا كتب اسمه وقربه ، وشفّعه فلبثوا بذلك حيناً .
ثم كتب إلى عماله : أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها .
وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشاروا يذكروا ذلك على المنابر ، وألقى إلى معلمي الكتاب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموه بناتهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله .
ثم كتب نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من أقامت عليه البينة أنه أقامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه .
وشفّع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره.
فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي علیه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه .
فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القراء المراؤون، والمتصنعون الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون ذلك ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل.
حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب
والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا .
فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي علیه السلام، فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض .
ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه الصلاة والسلام وولّي عبد الملك بن مروان فاشتدّ على الشيعة .
وولّى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي علیه السلام وموالاة أعدائه وموالاة من يدعي قوم من الناس أنهم أيضاً أعداؤه فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم ، وأكثروا من الغض من علي علیه السلام وعيبه والطعن فيه والشنان له .
حتى أن إنساناً وقف للحجاج ويقال جد الأصمعي عبد الملك بن قريب فصاح به : أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني علياً، وإني فقير بائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج وقال : للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا .
وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر، وقال: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرّباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنف بني هاشم.
ثم قال الشارح بعد جملة من الكلام :
واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة : فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث كذا مختلقة في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم .
نحو حديث السطل، وحديث الرمانة ، وحديث غزوة البئر التي كان فيها الشياطين ويعرف كما زعموا بذات العلم ، وحديث غسل سلمان الفارسي وطيّ الأرض، وحديث الجمجمة ونحو ذلك .
فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه
الأحاديث.
نحو لو كنت متخذاً خليلاً، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء.
ونحو سد الأبواب فإنه كان لعلي علیه السلام فقلبته البكرية إلى أبي بكر.
ونحو ائتوني بداوة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه اثنان ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر .
فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه صلی الله علیه واله وسلم في مرضه: ائتوني بداوة وبياض أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبداً، فاختلفوا عنده وقال قوم منهم : لقد غلبه الوجع حسبنا
كتاب الله .
ونحو حديث : أنا راض عنك فهل أنت عني راض ، ونحو ذلك .
فلما رأت الشيعة ما وقد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث.
فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا أنه قتله في عنق خالد.
وحديث اللوح الذي زعموا أنه كان في غدائر الحنفية أم محمد .
وحديث : لا يفعل خالد ما أمر به .
وحديث الصحيفة علّقت عام الفتح بالكعبة .
وحديث الشيخ الذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر فسبق الناس إلى بيعته . وأحاديث مكذوبة كثيرة (1)
ليس من لغريب تحريف حديث سد الأبواب بل هذه من عادة الظالمين إذا لم يستطيعوا ردّ فضائل المؤمنين أوجد مثلها في غيره، أخرج أحمد في المناقب وابن راهويه في المسند وعبد الرزاق في المصنف عن معمر قال: سألت الزهري من كان كاتب الكتاب يوم الحديبية ؟ فضحك وقال علي، ولو سألت هؤلاء قالوا عثمان . يعني بني أمية (فضائل الصحابة لاحمد : 591/2 1002 مناقب علي وراجع الهامش والمطالب العالية : 234/4 ح 4346 باب الحديبية، والمصنف لعبد الرزاق : 343/5 ح 9722) .
وكما عرفت في حديث المنزلة المتواتر في علي من طرقهم فضلاً عن طرقنا، وكيف رووا أنه في أبي بكر وعمر (لسان الميزان 252/4 ترجمة علي بن الحسن رقم 5783 بلفظ : أبو بكر مني بمنزلة هارون من ) ووصفه ابن حجر بالخبر الكذب) . - وكذلك حديث المباهلة قالوا إن النبي جمع أبو بكر وعمر
وأهل بيته كنز العمال: 379/2 ح 4306 الكتاب الثاني - التفسير - تفسير البقرة) .
: ويقول النخبئي: كان يقص ويكذب (فتح الملك العلي: 155 - 156 عن لسان الميزان: 422/1 ترجمة إسماعيل بن علي أبو سعيد). وقال ابن حجر في الفتاوي: حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها رواه جماعة وصححه الحاكم وحسنه الحافظان العلائي وابن حجر (الفتاوي الحديثة : 123 ط . مصر الاولى 1353 ه- . وقال في الحديث الأول : أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها ورواه صاحب مسند الفردوس وتبعه ابنه بلا إسناد عن ابن مسعود مرفوعاً، وهو حديث ضعيف كحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية حلقها (الفتاوي الحديثة : 192 ط . مصر الاولى 1353 ه- ) .
وكتحريف آية : (وصالح المؤمنين ( (التحريم 4 - راجع كنز العمال: 539/2 4675 ، وتفسير ابن كثير : 411/4 ، والتعريف والأعلام للسهيلي: 133 مورد الآية، وشواهد التنزيل : 341/2 ح 981 مورد الآية ، ومجمع الزوائد : 194/9 ط . 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 311/9 ح 115143 كتاب المناقب ( حتى رووا أنه أبو بكر وعمر معاً وفي رواية في عمر خاصة (المحاسن والمساوي للبيهقي: 38 محاسن عمر ومجمع الزوائد: 52/9 ط . مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 38/9 14349 كتاب المناقب وضعف بعض رواته).
کحديث إن أحب الخلق إلى الرسول علي وفاطمة المتقدم من طرق فرووا عن عمرو بن العاص قال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال : عائشة، قال من الرجال؟ قال : أبو بكر (المعجم الكبير : 43/23 13190 ترجمة عائشة - باب نظر عائشة الى جبريل). وهذا بعينه روي من طرق في علي وفاطمة (أنظر سنن الترمزي : 5 / 362 ح (3965 فتأمل السرقات المفضوحة !؟!
وحديث: أول من تنشق عنه الأرض المروي في علي قال النبي : أعطاني فيك أن أول من ينشق عنه الارض يوم القيامة أنا وأنت التدوين في أخبار قزوين: 126/2 ترجمة إبراهيم بن محمد بن عبيد الله بن جهينة - وأخرج أيضاً عنه: أنا أول من تنشق عنه الأرض وأنت معي 419/3 ترجمة على بن محمد البياري. وأخرجه البغدادي بلفظ: أنت أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة تاريخ بغداد 5/ 100 . وأخرجه أبو نعيم بلفظ : علي أول من ينفض عن رأسه الغبار يوم القيامة ، تاريخ أصبهان: 362/1 . وقال: «أبشر يا على إنك تكسي إذا كسيت وتدعي إذا دعيت وتحيا إذا حييت فضائل الصحابة لأحمد: 1131 مناقب علي، وعن عمر : ( يا علي يدك في يدي تدخل معي الجنة يوم القيامة حيث أدخل تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب : 37/1 رقم 27 الفصل الأول . وأخرج البغدادي: هذا أول من يصافحني ) تاريخ بغداد : 460/9 ) ، فرووه في أبي بكر وعمر (المعجم الكبير : 235/12 ترجمة ابن عمر - 235/12 ما أسنده سالم عنه).
وحديث كفة الميزان المشهور يوم الخندق في علي رووء عن أبي بكر وعمر (المعجم الكبير : 86/20 ترجمة معاذ بن جبل ما روى أبو إدريس الخولاني عنه، وإحياء علوم الدين: 52/1 الباب الخامس في آداب المتعلم من كتاب العلم والمحاسن والمساوي : 35 محاسن أبو بكر).
حتى حديث: الحق مع علي وعلي مع الحق، رووه في حق عمر: الحق بعدي مع عمر حيث كان : المعجم الكبير : 281/8 ترجمة الفضل بن العباس ما روى عطاء عن ابن عباس عنه).
وحديث العلم عشرة أجزاء لعلي تسعه رووه في عمر قال ابن مسعود : إني قال ابن مسعود: إني لأحسب عمر قد رفع معه يوم 8810 ترجمة ابن مسعود ،والطبقات الكبرى : 2/ مات تسعة أعشار العلم (المعجم الكبير : 163/9 ع
664/2 256 ذكر من كان يفتي بالمدينة من أصحاب الرسول صلی الله علیه واله وسلم) . لعل الله - وحديث كون علي وفاطمة في درجة الرسول يوم القيامة راجع كنز العمال: 639/13 ح 37612 فضائل أهل البيت ومجمع الزوائد 169/9 ط . مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 268/9 - تحقيقمجمع 29 - 271 - 27 ح 14991 - 15004 - 15022 كتاب المناقب)، فروه في أبي بكر (حلية الأولياء : 2/ 33 ترجمة أبو بكر، وتاريخ الخميس : 327/1 الفصل الأول من الموطن الأول من الركن الثالث ).
ذلك ما روي عن عبد الله بن داود الواسطي عن عبد الرحمن عن جابر عن أبي بكر في حق له يا خير الناس بعد رسول الله ).
فقال أبو بكر: أما إنك إن قلت ذاك، فلقد سمعت رسول الله يقول ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر (المستدرك: 3/ 90 ذيل مناقب عمر، ومجمع الزوائد 44/9 ط . مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق : مجمع الزوائد 24/9 - 40 - 14314 - 14357 كتاب المناقب وضعف بعض رواته وكذب البعض). :
ح فتقدم ما تواتر من الروايات في كون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير الناس والبشر ومن أبى فقد كفر على أن عبد الله ضعفوه وعبد الرحمن تكلموا فيه وكما قال الذهبي الحديث شبه موضوع تلخيص المستدرك: 90/30 مناقب عمر). - وكحديث أن علي أول من يدخل الجنة (عن عمر : ( يا علي يدك في يدي تدخل معي الجنة الجنة يوم القايمة حيث أدخل ) تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب: 1/ 37 رقم 27 الفصل الأول ) فجعلوه في أبي بكر
لوامع الأنوار البهية /316/2 فصل في ذكر الصحابة - تفضيل الصديق). وحديث الدواة والكتف عند وفاة الرسول فرووه في أبي بكر : أتوني بدواة وكتف لأكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه من بعدي (التبيين في أنساب الفرشيين : 273 - أبو بكر . هذا فلماذا اعترض عمر ووصف النبي بالهجر ؟! إلا أن نقول أن عمر كان يرغب فيها لنفسه (تقدم ولو صح الكلام في ذلك) .
وكحديث شهرة علي في السماء أكثر من الأرض (كنز الفوائد: 260 ) ، روره في أبي بكر الفوائد) (260)، المجموعة : 332 باب مناقب الخلفاء الأربعة ح 9 ، ونقل عن الحفاظ أنه موضوع وإسناده مظلم واللآلىء المصنوعة : 294/12 مناقب الخلفاء الأربعة ونقل وضعه وضعفه عن الحفاظ ) . - وكحديث نصب الكرسي على العرش لعلي بين إبراهيم ومحمد (ذخائر العقبي : 90 ذكر قصره في الجنة ) فرووه في أبي بكر (الفوائد المجموعة : 333 باب مناقب الخلفاء الأربعة ح 11 ، ونقل بطلانه، واللآلىء المصنوعة : 1/ 29 - 296 مناقب الخلفاء الأربعة ونقل وضعه وضعفه عن الحفاظ). وكحديث وجود اسم علي مع اسم محمد في السماء، فرووه في أبي بكر وعمر بل وفي عثمان الفوائد . المجموعة : 33 - 339 - 342 باب مناقب الخلفاء الأربعة ح 12 - 27 - 38، ونقل بطلانه ووضعه من الحفاظ، و مجمع الزوائد : 41/9 ط . مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 19/9-48 21 / 2 - 2972 - 309 مناقب 14296 - 14383 كتاب المناقب وضعف بعض رواته واللآلىء المصنوعة : 296/1 - 297 الخلفاء الأربعة ونقل وضعه وتضعيفه عن الحفاظ). وكحديث رجحان إيمان علي على الناس فرووه في أبي بكر (الفوائد المجموعة : 335 باب مناقب الخلفاء الأربعة ح 18 ، ونقل بطلائه .
وكحديث أنت وليّي في الدنيا والآخرة كما يأتي في نص الغدير رووه في عثمان (الفوائد المجموعة : 341 باب مناقب الخلفاء الأربعة ح 35 ونقل بطلانه ،ووضعه والبيان والتعريف في أسباب ورود الحديث : 5/3 ح 1171 ويلاحظ الهامش - قال : أورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال: لا أصل له 5/3ح ولا صحة واللآلىء المصنوعة : 317/1 مناقب الخلفاء الأربعة ونقل وضعه عن ابن الجوزي وتضعيفه عن ابن حبان).
وكحديث سؤال الله للنبي عن من خلفه لأمته فقال : تركت علياً (مناقب الخوارزمي : 303 ح وارشاد القلوب (273/2 فرووه في أبي بكر (الفردوس بمأثور الخطاب 429/3 - 5314 ط دار الكتب العلمية ) .
وحديث عدم معاتبة الله لعلي في شيء ومعاتبة بقية الأصحاب (مجمع الزوائد : 112/9 ط . وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 144/9 ح 14660 كتاب المناقب عن الطبراني، وفضائل الصحابة لأحمد: 654/2 ح 1114 مناقب علي ( فرووه في أبي بكر (شرح الشمائل المحمدية : 227/2 باب ما جاء في وفاة النبي ) .
وحديث قتل علي لمرحبة أخرجه مسلم والحاكم وقال: الأخبار متواترة على أن قاتل مرحبة علي (صحيح) :مسلم : كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قردة ح 1807 والمستدرك : 436/3 مناقب محمد بن مسلمة من كتاب المعرفة ( فرووه في محمد بن سلمة (المستدرك : 436/3 مناقب محمد بن مسلمة من كتاب المعرفة، ومسند أبي يعلى : 3/ 385 - 1816 ) .
وآية: (والذي جاء بالصدق وصدق به في علي (الشفا : 23/1 ) ، قالوا أنه أبو بكر (لوامع الأنوار البهية : /313/2 فصل في ذكر الصحابة - تفضيل الصديق ( روي عن موسى بن عمير وهو واه كما قال الذهبي (تلخيص المستدرك: 70/3 كتاب وكحديث الحديقة أو القصر التي رآها النبي في الجنة لعلي المصنف لابن أبي شيبة : 374/6 ح 32102 كتاب الفضائل - فضائل علي ومسند البزار : 2/ 293 ح 716 وبالهامش صححه الحاكم والذهبي، ومجمع الزوائد : 118/9 ط . مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 155/9 ح 14690 كتاب المناقب وفضائل الصحابة لأحمد: 2/ 651 ح 1109 مناقب علي، ومسند أبي يعلى: 427/1 - 565 مسند علي وبالهامش رجاله ثقات سوى الفضل القيسي وثقه ابن حبان وصححه الحاكم ووافقه الذهبي : /1393 كتاب المعرفة - مناقب علي والمقصد العلي : 3/ 180 ح 3121 والمطالب العالية : 60/4 ، و تاریخ :بغداد (394/12) رووها في عمر ذيل تاريخ بغداد 50/19 ترجمة ابن المغازلي رقم 855 ) . : وحديث أن أهل البيت في قبة من ياقوتة تحت العرش الفردوس : 162/4 ح 4284 ، واللالي. المصنوعة : 392/1) فرووه في أبي بكر من طريق الذراع الكذاب الدجال كما يقول الدارقطني، وقال ابن الجوزي والخطيب الحديث باطل - موضوع لا أصل له (آفة أصحاب الحديث لأبي الفرج بن الجوزي: 125 الباب السادس واللآلىء المصنوعة : 292/1 مناقب الخلفاء الأربعة).
وكحديث معرفة الإمام علي لصوت الخضر عليه السلام عندما جاء يعزي أهل البيت بموت النبي (صلى الله عليه وآله) (أخرجه البيهقي في الدلائل والغزالي في الإحياء عن ابن عمر وابن أبي الدنيا عن أنس والحاكم راجع مشارق الأنوار للحمزاوي : 77 الفصل الأول من الباب الأول - الخاتمة والذخائر المحمدية : 394 عن البيهقي، ورسالة الزهر النضر : 216 ، وأنساب الأشراف: 564/1 ح 1145 ط . مصر و 2/ 239 المحمودي والإصابة: 442/1 ، والمواهب اللدنية : 387/3 ، المطالب العالية : 259/4 ، وقصص الانبياء: 43 ) ، فرووه في 43) بي بكر وحديث المودة المستفيض في حق علي وفاطمة والحسنين، رووه في حق أبي بكر
-وحديث أهل بيتي أمان لأمتي أخرج الحاكم عن المكندر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم) ضمن حديثه عن الصلاة قال: .. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: «النجوم أمان لأهل السماء فإن طمست النجوم أتى السماء ما يوعدون وأنا أمان لأصحابي فإذا قبضت أتى أصحابي ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمني ما يوعدون » (مستدرك الصحيحين: 457/3 ذكر مناقب المكندر ونوادر الأصول باختصار : 66/3 الأصل 223).
فرووه مع قصة الصلاة ورفع رأس النبي (صلى الله عليه وآله) إلى السماء بلفظ : وأصحابي أمنة لأمتي ... (مسند أحمد: 399/4 ط . م و 5 / 543 ح 19072 ط . بيروت).
ومن ذلك سرقة رثاء فاطمة للنبي المشهور : ماذا) على من شم تربة أحمد حيث نسبوه لعائشة (شرح الشمائل المحمدية : 231/2 ذيل باب ما جاء في وفاة النبي).
1) نموذج من سرقة فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)
وكفرهم وعلى أدونى الطبقات فِسْقِهم.
فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي وفي ولديه ،ونسبوه تارة إلى ضعف العقل ،
وتارة إلى ضعف السياسة ، وتارة إلى حب الدنيا والحرص عليها ، ولقد كان الفريقان في غنية
عما اكتسباه واخترجاه .
أقول : ولقد أجاد الشارح فيما نقل وأفاد إلا أن ما قاله أخيراً في ذيل قوله : واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل إلى آخر كلامه غير خال من الوهم والخبط .
وذلك أنا لا ننكر صدور بعض المفتريات والأحاديث الموضوعة من غلاة الشيعة وجهاً لهم ومما لا مبالاة له في الدين كما صدر أكثر بكثير من هذه من علماء العامة وجهاً لهم وأكابرهم وأصاغرهم حسبما تعرفه في التنبيه الآتي إن شاء الله تعالى .
لكن الأحاديث الخاصة التي أشار إليها بخصوصها من حديث السطل والرمانة وغزوة الجن وغسل سلمان والجمجمة وحديث الطوق واللوح والصحيفة الملعونة والشيخ الذي سبق إلى بيعة أبي بكر لا دليل على وضع شيء منها، بل قد روى بعضها المخالف والموافق جميعاً كحديث السطل .
فقد رواه السيد المحدّث الناقد البصير السيد هاشم البحراني في كتاب (غاية المرام) في الباب السابع والتسعين منه بأربعة طرق من طرق العامة ، وفي الباب الثامن والتسعين منه بأربعة طرق من طرق الخاصة.
وقد روي حديث الرمانة أيضاً في الباب السابع عشر ومائة منه بطريق واحد من طرق العامة، وفي الباب الذي يتلوه بطريق واحد أيضاً من طرق الخاصة.
وأما حديث غزوة الجن فقد مضى روايته في شرح الفصل الثامن من الخطبة المائة والإحدى والتسعين ، وقد رواه الشيخ المفيد «رحمت الله » في الإرشاد بنحو آخر .
ولعل زعم الشارح وضعه مبني على أصول المعتزلة .
ولقد أبطله المفيد في (الإرشاد) فإنه بعدما قال في عداد ذكر مناقب أمير المؤمنين علیه السلام ومن ذلك ما تظاهر به الخبر من بعثه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى وادي الجن وقد أخبره جبريل علیه السلام أن طوائف منهم قد اجتمعوا لكيده فأغنى عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وكفى الله المؤمنين به كيدهم ودفعهم عن المسلمين بقوته التي بان بها عن جماعتهم (1).
ثم روي الحديث عن محمد بن أبي السري التميمي عن أحمد بن الفرج عن الحسين بن موسى النهدي عن أبيه عن وبرة بن الحرث عن ابن عباس وساق الحديث إلى آخره قال بعد روايته ما هذا لفظه :
وهذا الحديث قد روته العامة كما روته الخاصة، ولم يتناكروا شيئاً منه والمعتزلة لميلها إلى مذهب البراهمة تدفعه ولبعدها عن معرفة الأخبار تنكره وهي سالكة في ذلك طريق الزنادقة فيما طعنت به في القرآن وما تضمنه من أخبار الجن وإيمانهم بالله ورسوله وما قص من نبأهم في القرآن في سورة (الجن) وقولهم : إِنَّا سَمِعْنَا قُرهَانًا عَجَبًا يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَتَامَنَا به [2-1] إلى آخر ما تضمنه الخبر عنهم في هذه السورة .)وإذا بطل اعتراض الزنادقة في ذلك بتجويز العقول وجود الجن وإمكان تكليفهم وثبوت ذلك مع إعجاز القرآن والأعجوبة الباهرة فيه كان مثل ذلك ظهور بطلان طعون المعتزلة في الخبر الذي رويناه ، لعدم استحالة مضمونه في العقول وفي مجيئه من طريقين مختلفين وبرواية فريقين في دلالته متباينين برهان صحته .وليس إنكار من عدل عن الإنصاف في النظر من المعتزلة والمجبّرة قدح فيما ذكرناه من وجوب العمل عليه .
1) بحار الأنوار : 176/39 ، والإرشاد: 339/1
كما أنه ليس في جحد الملاحدة وأصناف الزنادقة اليهود والنصارى والمجوس والصابئين ما جاء صحته من الأخبار بمعجزات النبي صلی الله علیه واله وسلم ما كانشقاق القمر وحنين الجذع وتسبيح الحصى في كفه وشكوى البعير وكلام الذراع ومجيء الشجرة وخروج الماء من بين أصابعه في الميضأة وإطعام الخلق الكثير من الطعام القليل قدح في صحتها وصدق رواتها وثبوت الحجة بها .بل الشبهة لهم في دفع ذلك وإن ضعفت أقوى من شبهة منكري معجزات أمير المؤمنين علیه السلام وبراهينه لما لا خفاء عليها وعلى أهل الاعتبار به مما لا حاجة إلى شرح وجوهه في هذا المكان.ثم قال قدس الله روحه بعد جملة من الكلام :ولا أزال أجد الجاهل من الناصبة والمعاند يظهر التعجب من الخبر بملاقاة أمير المؤمنين علیه السلام الجن وكفه شرهم عن النبي صلی الله علیه واله وسلم وأصحابه وبتضاحك لذلك وينسب الرواية له إلى الخرافات الباطلة، ويضع مثل ذلك في الأخبار الواردة بسوى ذلك من معجزاته علیه السلام ويقول : إنه من موضوعات الشيعة وتخرّص من افتراه منهم للتكسب بذلك أو التعصب (1.)وهذا بعينه مقال الزنادقة كافة وأعداء الإسلام فيما نطق به القرآن من خبر الجنوإسلامهم في قوله تعالى: ﴿ يَهدِى إِلَى الرُّشْدِ [2-1] . وفيما ثبت به الخبر عن ابن مسعود في قصة ليلة الجن ومشاهدته لهم كالزّط، وفي غير ذلك من معجزات الرسول صلی الله علیه واله وسلم ، وأنهم يظهرون التعجب من جميع ذلك ويتضاحكون عند سماع الخبر به والاحتجاج بصحته ويستهزؤون ويلغطون فيما يسرفون به من سبّ الإسلام وأهله واستحماق معتقديه والناصرين له ونسبتهم إياهم إلى العجز والجهل ، ووضع الأباطيل .
فلينظر القوم ما جنوه على الإسلام بعداوتهم لأمير المؤمنين علیه السلام واعتمادهم في دفع فضائله ومناقبه وآياته على ما ضاهوا به أصناف الزنادقة والكفار مما يخرج عن طريق الحجاج إلى أبواب الشغب والمسافهات، انتهى كلامه رفع مقامه .
وبذلك كله ظهر أيضاً فساد زعم وضع حديث بيعة الشيطان لأبي بكر وظهوره بصورة شيخ وصعوده المنبر وسبقته إلى البيعة حسبما عرفت روايته تفصيلاً في المقدمة الثانية من مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية .
إذ الظاهر أن زعم وضعه أيضاً مبني على استبعاد ظهوره بصورة إنسان، ويدفع ذلك ما
1) الإرشاد : 344/1 ، والخرائج والجرائح : 206/1.
اجتمع عليه أهل القبلة من ظهوره لأهل دار الندوة بصورة شيخ من أهل نجد واجتماعه معهم في الرأي على المكر برسول الله صلى الله عليه واله وسلم وظهوره يوم بدر للمشركين في صورة سراقة بن جعثم (1)المدلجي وقوله: لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِني جَارٌ لَكُمْ ، قال الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِى مِنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرُونَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهُ وَالله شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 48] .
وأما سائر الأحاديث فلا استبعاد بشيء منها حتى يزعم وضعها، وقد أتى آصف بن
برخيا الذي عنده علم من الكتاب بعرش بلقيس بطي الأرض من مكان بعيد في طرفة عين ، فكيف يستبعد في حق أمير المؤمنين علیه السلام و الذي عنده علم الكتاب كله حسبما عرفت في غير موضع من تضاعيف الشرح حضوره علیه السلام بطي الأرض عند جنازة سلمان مع اختصاصه الخاص به علیه السلام وفوزه درجة السلمان منا أهل البيت.
وقد قال له علیه السلام وهو أصدق القائلين في حال حياته ما رواه عنه المخالف والمؤالف :
يا حار همدان من یمت يرني *** من مؤمن أو منافق قبل (2)
يمكن أن يستدل على ذلك بأمور :
قال الإمام الصادق علیه السلام : إذا بلغت نفس أحدكم هذه قيل له: أما ما كنت تحزن من هم الدنيا وحزنها فقد أمنت منه ويقال ويقال له : أمَامَك رسول الله وعلي وفاطمة : - بحار الأنوار: 184/6 - 17 باب ما يعاين ح المؤمن والكافر عند الموت، والكافي : 134/3 .
وعن أمير المؤمنين علي علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: والذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى يأكل من ثمر الجنة أو من شجر الزقوم، وحتى يرى ملك الموت ويراني وبرى علياً وفاطمة والحسن والحسين.. أهل البيت لتوفيق ابو علم : 68 - 69 الباب الثاني، وبشارة المصطفى: 6 ح 7 مع تفاوت بسيط. وفي قصة السيد الحميري ورؤيته الامير المؤمنين عند موته ما يؤيد ذلك وانشد في ذلك شعراً :
ون أن علياً
کزب الزاعمون أن علیا *** لن ينجی محیه من هنات
قد وربي دخلت جنة عدن *** وعفا بی الاله عن سیاتی
فبشروا اليوم اولیاء علی *** وتولو علی حتی الممات
ثم من بعده تولو بنیه *** واحدا بعد واحد بالصفات
كشف الغمة : 39/2 0 40 مناقب أمير المؤمنين علیه السلام ، والبحار : 192/6 ح 42 باب ما يعاني المؤمن والكافر عند الموت .
وقال الإمام الصادق علیه السلام: ويمثل له رسول الله وأمير المؤمنين علیه السلام وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم : ( بحار الأنوار: 196/6 ح 49 .
وروي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه لا يموت ميت حتى يشاهده علیه السلام حاضراً عنده وأنشد للحارث الهمداني:
يا حار همدان من يمت يرني *** من مؤمن أو منافق قبلا
یعرفنی طرفه واعرفه *** بعینه واسمه وما فعلآ
أقول للنار توقد عرلل- *** عرض ذريه لا تَقْرَبی الرجلا
ذریه لا تقریبه ان له *** حبلا بحبل الوصی منصلا
وأنت يا حار إن تمت ترنی *** فلا تحف عثره ولا زلا
اسقيك من بارد على ظلما *** تخاله في الحلاوة العَسَلا
شرح النهج لابن ابي الحديد: 1/ 299 الخطبة ،20 ورسائل الشريف المرتضى : 133/3. والروايات في ذلك كثير. وهي تثبت حضور أصحاب الكساء عند كل ميت في آن واحد وفي أكثر من مكان وأيضاً في إمكان رؤيتهم بروحهم وجسدهم وبمثاله .
وقد جوز ابن العربي رؤية النبي محمد صلی الله علیه واله وسلم بجسمه وروحه وبمثاله الآن الحاوي للفتاوى : 450/2 وقال تاج الدين السبكي لمن سأله عن رؤية القطب في أكثر من مكان : الرجل الكبير القطب يملأ الكون .
وانشد بعضهم :
كالشمس فی کبد السماء *** وضوؤها يغشى البلاد مشارقاً ومغاريا
في الحاوي للفتاوي : 454/2
السيوطي بإمكان رؤية الأنبياء يقظة الرسائل العشرة : 18 ، وشرح الشمائل المحمدية : 246/2 . وصرح وقال في الذخائر المحمدية : إن رؤيا النبي صلى الله عليه واله وسلم ممكن لعامة أهل الأرض في ليلة واحدة الذخائر المحمدية : 146
وأجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال له في آن واحد من اقطار متباعدة أن رؤيته حق : بأنه سراج ونور الشمس في هذا العالم، مثال نوره في العوالم كلها وكما أن الشمس يراها من في المشرق
والمغرب في ساعة واحدة وبصفات مختلفة، فكذلك النبي . ولله در القائل: کالبدر من أي النواحي جثته يهدي الى عينيك نوراً ثاقبا المواهب اللدنية : 297/2 خصائص رسول الله واستدل عليه الحافظ البرسي في مشارقه ببعض الآيات القرآنية فلتراجع مشارق أنوار اليقين : 142 هذا، وتواتر حديث من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل مكاني - لا يستطيع أن يتمثل بي . لا يتكون في صورتي . لا يتشبه بي المواهب اللدنية : 293/2 الى 301 ذكر خصائصه وذكر جملة من وكشف الغمة: 269/2 .
وقال العلماء في معناه: هو في الدنيا قطعاً الدنيا قطعاً ولو عند الموت لمن وفق لذلك الذخائر المحمدية : 147 .
وروى الإمام الرضا علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة من أوصيائي كشف الغمة 120/3 فضائل الرضا، والأنوار النعمانية: 54/4 . وقال القاضي أبو بكر ابن العربي رؤيته بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته صلی الله علیه واله وسلم على غير صفته إدراك للمثال فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون ادراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال المواهب اللدنية : 2942 خصائص النبي صلی الله علیه واله وسلم، وارشاد الساري: 502/14 وقال القسطلاني : فإن قلت كثيراً يرى على خلاف صورته المعروفة ويراه شخصان في حالة واحدة في مکانين والجسم الواحد لا يكون إلا في مكان واحد أجيب بأنه في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته عليه الصلاة والسلام مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية، فالادراك لا يشترط فيه تحديق الابصار ولا قرب المسافة، فلا يكون المرئي مدفوناً في الأرض ولا ظاهراً عليها، وإنما يشترط كونه موجوداً ارشاد الساري: 503/14 .
ومن حال كثير من العلماء وقصصهم يعلم امكان رؤية النبي وأهل بيته ، وكما ذكر ذلك في محله راجع المواهب اللدنية : 297/2 - 301 ، وينابيع المودة : 0551/2 554 ، وكشف الغمة : 239/1 - 383 ، والزام الناصب / 340 الى 427، ودلائل الامامة : 273 الى 288 و 29 الی 320 .
قال الشيخ المرسي: لو حجب عني رسول الله صلی الله علیه واله وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين المواهب اللدنية : 300/2 خصائص النبى صلی الله علیه واله وسلم .
ويؤيد ذلك قول رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : إن للشمس وجهين وجه يلي أهل السماء ووجه يلي أهل الأرض فالامام مع الخلق كلهم لا يغيب عنهم ولا يحجبون عنه مشارق انوار اليقين : 139 .
وعن الإمام الصادق علیه السلام: «الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق كمال الدين: 221/1 باب 22 : ،5 ، والانسان الكامل : 87 .
وعن علي بن موسى الرضا علیه السلام قال لمن سأله أن يدعو له : أولست افعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة أصول الكافي: 219/1 عرض الاعمال على النبي ح 4 .
وأخرج عبدالرزاق عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : انتم تعرضون علي باسمائكم وسيمائكم المصنف : 214/2 ح 3111 عن مجاهد .
واخرج البخاري في الادب المفرد ع- الادب المفرد عن أبي ذر أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم
«عرضت علي أعمال أمتي . حسنها وسيئها . فوجدت محاسن اعمالهم الادب المفرد : 80 ح 231 باب إماطة الأذى 116 واخرج الحارث والبزار عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : حياتي خير لكم تحدثون ونحدث لكم وموتي خير لكم تعرض علي أعمالكم المطالب العالية : 22/4 - 3853 ويؤيد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين علیه السلام عندما قال: سلوني قبل أن تفقدوني، اسألوني عن طرق السموات، فإني أعرف بها مني أَعرف بها مني بطرق الأرض فقام رجل من القوم فقال : يا أمير المؤمنين اين جبرائيل هذا الوقت؟
فقال : دعني انظر ، فنظر الى فوق وإلى الأرض يمنة ويسرة، فقال علیه السلام : «أنت جبرائيل»
فطار من بين القوم شق سقف المسجد بجناحه، فكبر الناس وقالوا الله أكبر يا أمير المؤمنين من أبن هذه علمت أن هذا جبرائيل .
فقال : إني لما نظرت الى السماء بلغ نظري ما فوق العرش والحجب ولما نظرت الى الأرض خرق بصري طبقات الأرض الى الثرى ولما نظرت يمنة ويسرة رأيت ما خلق ولم أرَ جبرائيل في المخلوقات فعلمت انه هو الأنوار النعمانية: 32/1 .
وهذا يدل على إمكان إحاطة الأمير بالكون بأجمعه في لحظة واحدة.
وقال الإمام الصادق في حق الإمام الكاظم :8 بلغ ما بلغه ذوالقرنين وجازه بأضعاف مضاعفة، فشاهد كل مؤمن ومؤمنة الهداية الكبرى للخصيبي : 270 باب 9
وبالجملة، فالأخبار المذكورة ليس على وضعها دليل من جهة العقل ، ولا من جهة
النقل، فدعواه مكابرة محضة ، فبالله التوفيق وعليه التكلان (1).
1) هنا آخر المجلد السادس على ما في الطبعة الأولى.
المجلد السابع من منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فأقول : أما الأخبار الخاصية فقد دس فيها بعض الأخبار الموضوعة، وضعها الغلاة والمغيرية والخطابية والصوفية وأمثالهم من أهل الفساد في العمل والاعتقاد ، ومن ذلك اهتم علماؤنا الأخيار غاية الاهتمام بحفظ الأخبار وضبطها ونقدها وتمييز عنها من سمينها وصحيحها من سقيمها، وقسموها إلى الصحيح والموثق والحسن والضعيف، وصنفوا كتباً في علم الدراية وعلم الرجال، وقد أشير إلى ما ذكرنا في مؤلفات أصحابنا وأخبار أئمتنا سلام الله عليهم.
وأرشدك إلى بعض ما رواه في (البحار) من رجال الكشي عن محمد بن قولويه والحسن بن الحسن بن بندار معاً عن سعد عن البقطيني عن يونس بن عبد الرحمن أن بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال له : يا أبا محمد ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟ فقال : حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله علیه السلام يقول : لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهداً أحاديثنا المتقدمة ، فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا محمد صلی الله علیه واله وسلم ، فإنا إذا حدّثنا قلنا : قال الله عز وجل، وقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر علیه السلام ووجدت أصحاب أبي عبد الله علیه السلام متوافرين، وأخذت كتبهم فعرضتها بعد على أبي الحسن الرضا علیه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله علیه السلام ، وقال لي : إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله علیه السلام فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن ، فإنا إن حدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة إما الله تعالى وعن رسوله صلی الله علیه واله وسلم نحدث ، ولا نقول : قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا ، إن كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا وكلام أوّلنا مصداق لكلام آخرنا ، وإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه وقولوا : أنت أعلم وما جئت به، فإن مع كل قول منا حقيقة وعليه نور، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك قول الشيطان (1).
1) بحار الأنوار: 2/ 250 ، والرسائل الفقهية : 203
وفي (البحار) أيضاً عن الكشي بهذا الإسناد عن يونس عن هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله علیه السلام يقول : كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم (1).
وفيه أيضاً عن الكشي بإسناده عن زرارة قال: قال - يعني أبا عبد الله علیه السلام- : إن أهل الكوفة نزل فيهم كذاب، أما المغيرة فإنه يكذب على أبي يعني أبا جعفر قال : حدثه أن نساء آل محمد إذا حضن قضين الصلاة، وإن والله عليه لعنة الله ما كان من ذلك شيء ولا حدثه ، وأما أبو الخطاب فكذب عليّ وقال : إني أمرته أن لا يصلي هو وأصحابه المغرب حتى يروا كواكب كذا ، فقال القنداني : والله إن ذلك لكوكب ما أعرفه (2).
وأما الأخبار العامية
فالموضوعة فيها أكثر من أن تحصى، وقد تقدم الإشارة إلى بعضها في التنبيهات السابقة من الشهيد والشارح المعتزلي وسبق بعضها في شرح الكلام السابق، ووقعت الإشارة إلى جملة منها فيما رواه في الاحتجاج.
قال : وروي أن المأمون بعدما زوّج ابنته أم الفضل أبا جعفر علیه السلام كان في مجلس وعنده أبو جعفر علیه السلام ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة.
فقال له يحيى بن أكثم : ما تقول يا ابن رسول الله في الخبر الذي روي أنه نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال : يا محمد إن الله يقرؤك السلام، ويقول لك : سل أبا بكر هل هو عني راض فإني راض عنه .
فقال أبو جعفر علیه السلام : إني لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذه مثل الخبر الذي قاله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في حجة الوداع: «قد كثرت علي الكذابة واستكثر فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسنتي فما وافق كتاب الله فخذوا به ، وما خالف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به، وليس يوافق هذا الحديث كتاب الله ، قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد [ق: (16]، فالله تعالى خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سرّه ؟ ، هذا مستحيل في العقول .)
ثم قال يحيى بن أكثم : وقد روي أن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبريلوميكائيل في السماء .فقال علیه السلام: وهذا أيضاً يجب أن يُنظر فيه، لأن جبريل وميكائيل ملكان مقربان لم يعصيا الله قط ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله عز وجل وإن أسلما بعد الشرك، فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يُشبها بهما .قال يحيى : وروي أيضاً أنهما سيدا كهول أهل الجنة فما تقول فيه؟فقال علیه السلام : وهذا الخبر محال أيضاً، لأن أهل الجنة كلهم يكونون شباناً ولا يكون فيهم كهل ، وهذا الخبر وضعه بنو أمية لمضادّة الخبر الذي قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في الحسن والحسين علیه السلام : بأنهما سيدا شباب أهل الجنة.فقال يحيى بن أكثم : وروي أن عمر سراج أهل الجنة (1)فقال علیه السلام : وهذا أيضاً محال لأن في الجنة ملائكة الله المقربين وآدم ومحمد صلی الله علیه واله وسلم ، وجميع الأنبياء والمرسلين لا تضيء بأنوار حتى تضيء بنور عمر.فقال يحيى: وقد روي أن السكينة تنطق على لسان عمر (2.)فقال علیه السلام : لست بمنكر فضله ولكن أبا بكر أفضل من عمر وقد قال على رأس المنبر : إن لي شيطاناً يعتريني فإذا ملت فسددوني .فقال يحيى : قد روي أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: «لو لم أُبعث لبعث عمر » .فقال علیه السلام: كتاب الله أصدق من هذا، يقول الله في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوج [الأحزاب: 7]، فقد أخذ الله ميثاق النبيين، فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه، وكل الأنبياء لم يشركوا بالله طرفة عين فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك بالله، وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «نبئت وآدم بين الروح والجسد». فقال يحيى بن أكثم : وقد روي أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال: «ما احتبس الوحي عني قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب».
فقال علیه السلام : وهذا أيضاً محال ، لأنه لا يجوز أن يشك النبي صلى الله عليه واله وسلم في نبوّته، قال الله تعالى: اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: 75] فكيف يمكن أن تنتقل النبوّة ممن اصطفاه الله إلى من أشرك به؟ .
قال يحيى: وقد روي أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : لو نزل العذاب لما نجى منه إلا عمر بن الخطاب ».
فقال علیه السلام : وهذا أيضاً محال لأن الله يقول: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كان الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال: 33] فأخبر الله تعالى أنه لا يعذب أحداً ما دام فيهم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وما داموا يستغفرون الله تعالى (1).
وأُشير إلى جملة أخرى أيضاً فيما رواه في (البحار من عيون الأخبار ) عن أبيه وابن الوليد عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معاً عن الأشعري عن صالح بن أبي حماد الرازي عن إسحاق بن حاتم عن إسحاق بن حماد بن زيد ، قال : سمعنا يحيى بن أكثم القاضي قال :
أمرني المأمون بإحضار جماعة من أهل الحديث وجماعة من أهل الكلام والنظر، فجمعت له من الصنفين زهاء أربعين رجلاً ، ثم مضيت بهم فأمرتهم بالكينونة في مجلس الحاجب لأعلمه بمكانهم ، ففعلوا فأعلمته فأمرني بإدخالهم ففعلت فدخلوا وسلّموا فحدّثهم ساعة وآنسهم .
ثم قال: إني أريد أن أجعلكم بيني وبين الله في هذا اليوم حجّة فما أحد تقرب إلى مخلوق بمعصية الخالق إلا سلطه الله عليه فناظروني بجميع عقولكم إني رجل أزعم أن علياً خير البشر بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم فإن كنت مصيباً فصوّبوا قولي ، وإن كنت مخطئاً فردّوا عليّ وهلموا فإن شئتم سألتكم وإن شئتم سألتموني .
فقال له الذين يقولون بالحديث : بل نسأل .
فقال : هاتوا وقلدوا كلامكم رجلاً منكم فإذا تكلم فإن كان عند أحدكم زيادة فليزد وإن أتى بخلل فسدّدوه.
فقال قائل منهم : أما نحن فنزعم أن خير الناس بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم أبو بكر من قبل أن الرواية المجمع عليها جاءت عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر »، فلما أمر نبي الرحمة بالاقتداء بهما علمنا أنه لم يأمر إلا بالاقتداء بخير الناس.
فقال المأمون : الروايات كثيرة ولا بد من أن كلها حقاً أو كلها باطلاً أو بعضها حقاً وبعضها باطلاً، فلو كانت كلها حقاً كانت كلها باطلاً من قبل أن بعضها ، ينقض بعضاً، ولو كانت كلها باطلاً كان في بطلانها بطلان الدين ودروس الشريعة. فلما بطل الوجهان ثبت الثالث بالاضطرار وهو أن بعضها حق وبعضها باطل فإذا كان كذلك فلا بد من دليل على ما يحق منها ليعتقد وينفي خلافه، فإذا كان دليل الخبر في نفسه حقاً كان أولى ما أعتقد وآخذ به
1) بحار الأنوار : 83/50 وموسوعة الإمام الجواد (علیه السلام ): 237/2 ح 1 .
وروايتك هذه من الأخبار التي أدلتها باطلة في نفسها، وذلك إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أحكم الحكماء وأولى الخلق بالصدق وأبعد الناس من الأمر بالمحال وحمل الناس على التدين بالخلاف وذلك إن هذين الرجلين لا يخلو من أن يكونا متفقين من كل جهة أو مختلفين، فإن كانا متفقين من كل جهة كانوا واحداً في العدد والصفة والصورة والجسم، وهذا معدوم أن يكون اثنان بمعنى واحد من كل جهة، وإن كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما، وهذا تكليف ما لا يطاق لأنك إذا اقتديت بواحد خالفت الآخر، والدليل على اختلافهما إن أبا بكر سبی أهل الردة وردهم عمر أحراراً، وأشار عمر إلى أبي بكر بعزل خالد وبقتله بمالك بن نويرة فأبى أبو بكر عليه ، وحرّم عمر المتعة ولم يفعل ذلك أبو بكر، ووضع عمر ديوان العطية ولم يفعله عمر، واستخلف أبو بكر ولم يفعل ذلك عمر، ولهذا نظائر كثيرة (1).
قال الصدوق رضي الله عنه : في هذا فصل لم يذكره المأمون لخصمه وهو أنهم لا يرووا أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر»، وإنما رووا : أبو بكر وعمر وروى أبا بكر وعمر، فلو كانت الرواية صحيحة لكان معنى قوله بالنصب اقتدوا باللذين من بعدي كتاب الله والعترة يا أبا بكر وعمر ، ومعنى قوله بالرفع : اقتدوا أيها الناس وأبو بكر وعمر باللذين من بعدي كتاب الله والعترة . رجعنا إلى حديث المأمون.
فقال آخر من أصحاب الحديث : فإن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ».
فقال المأمون: هذا مستحيل من قبل أن رواياتكم أنه صلی الله علیه واله وسلم آخى بين أصحابه وأخر علياً علیه السلام فقال له في ذلك فقال صلی الله علیه واله وسلم : «ما أخرتك إلا لنفسي »، فأي الروايتين تثبت بطلت الأخرى.
قال آخر: إن علياً علیه السلام قال على المنبر : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر .
قال المأمون: هذا مستحيل من قبل أن النبي صلی الله علیه واله وسلم لو علم أنهما أفضل ما ولى عليهما مرة عمرو بن العاص ، ومرة أسامة بن زيد ، ومما يكذب هذه الرواية قول علیه السلام : قبض النبي صلی الله علیه واله وسلم وأنا أولى بمجلسه مني بقميصي ولكني أشفقت أن يرجع الناس كفاراً. وقوله علیه السلام : أنى يكونان خيراً مني وقد عبدت الله عز وجل قبلهما وعبدته بعدهما ؟ قال آخر : فإن أبا بكر أغلق بابه فقال : هل من مستقيل فأقيله؟ فقال علیه السلام: قدمك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فمن ذا يؤخرك؟
فقال المأمون : هذا باطل من قبل أن علياً علیه السلام قعد عن بيعة أبي بكر ورويتم أنه علیه السلام قعد عنها حتى قبضت فاطمة عليها السلام وأنها أوصت أن تدفن ليلاً لئلا يشهدا جنازتها،
1) مواقف الشيعة : 2951 ، والمناظرات في الإمامة : 221.
ووجه آخر وهو أنه إن كان النبي صلی الله علیه واله وسلم استخلفه فكيف كان له أن يستقيل وهو يقول للأنصاري: «قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أبا عبيدة وعمر ».
قال آخر: إن عمرو بن العاص قال : يا رسول الله من أحب الناس إليك من النساء؟
فقال: «عائشة» ، فقال : من الرجال؟ فقال: «أبوها».
فقال المأمون : هذا باطل من قبل أنكم رويتم أن النبي صلی الله علیه واله وسلم وضع بين يديه طائر مشوي فقال صلی الله علیه واله وسلم: «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك »، فكان علي علیه السلام في روايتكم نقبل ؟! .
فقال آخر : فإن علياً علیه السلام قال : من فضلني على أبي بكر جلدته حد المفتري.
قال المأمون : كيف يجوز أن يقول علي علیه السلام : أجلد الحد لا يجب عليه الحد، فيكون متعدياً لحدود الله عز وجل، عاملاً بخلاف أمره ، وليس تفضيل من فضله علیه السلام عليهما فرية، وقد رويتم عن إمامكم أنه قال : وليتكم ولست بخيركم فأي الرجلين أصدق عندكم أبو بكر على نفسه أو علي علیه السلام على أبي بكر مع تناقض الحديث في نفسه، ولا بد له من قوله من أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً فإن عرف ذلك بالوحي فالوحي منقطع أو بالنظر فالنظر متحيّر منحت؛ وإن كان غير صادق فمن المحال أن يلي أمر المسلمين ويقوم بأحكامهم ويقيم حدودهم وهو كذاب.
قال آخر : فقد جاء أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : «إن أبا بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة».
قال المأمون : هذا الحديث محال لأنه لا يكون في الجنة كهل، ويروى أن أشجعية كانت عند النبي ، فقال صلی الله علیه واله وسلم : «لا يدخل الجنة عجوز »، فبكت ، فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : إن الله عز وجل يقول : (إنّا أَنشَأْتَهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْتَهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا ) [الواقعة: 35 - 37] ، فإن زعمتم أن أبا بكر ينشأ شاباً إذا دخل الجنة فقد رويتم أن النبي صلی الله علیه واله وسلم وقال للحسن والحسين : « إنهما سيّدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين وأبوهما خير منهما»
قال آخر : قد جاء أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : «لو لم أبعث فيكم لبعث عمر ».
قال المأمون : هذا محال لأن الله عز وجل يقول: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعدِهِ [النساء : 163] وقال عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِحْنَ مِشَفَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوح وإبراهيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَريم [الأحزاب: 7] فهل يجوز أن يكون من لم يؤخذ (1)ميثاقه على النبوة مبعوثاً ومن أخذ ميثاقه على النبوة مؤخراً؟! .
قال آخر : إن النبي صلی الله علیه واله وسلم نظر إلى عمر يوم عرفة فتبسّم وقال : إن الله تعالى باهى بعباده عامة وبعمر خا خاصة .
1) منه في نسخة .
فقال المأمون : فهذا مستحيل من قبل أن الله تعالى لم يكن ليباهي بعمر ويدع نبيه علیه السلام فيكون عمر في الخاصة والنبي صلی الله علیه واله وسلم في العامة، وليست هذه الرواية بأعجب من روايتكم أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال: «دخلت الجنة فسمعت خفق نعلين فإذا بلال مولى أبي بكر قد سبقني إلى الجنة »، وإنما قالت الشيعة : علي علیه السلام خير من أبي بكر ، فقلتم : عبد أبي بكر خير من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لأن السابق أفضل من المسبوق، وكما رويتم أن الشيطان يفرّ من حس عمر، وألقي على لسان النبی صلی الله علیه واله وسلم أنهن الغرانيق العُلى ففرّ من عمر، وألقي على لسان النبي صلی الله علیه واله وسلم بزعمكم الكفر .
قال آخر : قال النبي صلى الله عليه واله وسلم : «لو نزل العذاب ما نجا إلا عمر بن الخطاب ».
قال المأمون : هذا خلاف الكتاب أيضاً، لأن الله عز وجل يقول :( وَمَا كَانَ الله
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ [الأنفال: 33] فجعلتم عمر مثل الرسول صلى الله عليه واله وسلم .
قال آخر : فقد شهد النبي صلی الله علیه واله وسلم لعمر بالجنة في عشرة من الصحابة.
فقال : لو كان هذا كما زعمت كان عمر لا يقول لحذيفة : نشدتك بالله أمن المنافقين أنا؟ فإن كان قال له : أنت من أهل الجنة ولم يصدّقه حتى زكاه حذيفة وصدق حذيفة ولم يصدق النبي فهذا على غير الإسلام ، وإن كان قد قصد النبي صلی الله علیه واله وسلم فلم سأل حذيفة؟ وهذان الخبران متناقضان في أنفسهما .
فقال آخر : فقد قال النبي صلی الله علیه واله وسلم: «وضعت أمتي في كفة الميزان ووضعت في أخرى فرجحت بهم، ثم مكاني أبو بكر فرجح بهم ، ثم عمر فرجح، ثم رفع الميزان ».
فقال المأمون : هذا محال من قبل أنه لا يخلو من أن يكون أجسامهما أو أعمالهما ،
فإن كانت الأجسام فلا يخفى على ذي روح أنه محال، لأنه أنه محال لأنه لا يرجح أجسامها بأجسام الأمة، وإن كانت أفعالهما فلم تكن بعد فكيف يرجح بما ليس [موجوداً]، وخبروني بما يتفاضل الناس؟ .
فقال بعضهم : بالأعمال الصالحة .
قال : فأخبروني فمن فضل صاحبه على عهد النبي صلی الله علیه واله وسلم ثم إن المفضول عمل بعد وفاة النبی صلی الله علیه واله وسلم بأكثر من عمل الفاضل على عهد النبي الله أيلحق به؟ فإن قلتم : نعم، أوجدتكم في عصرنا هذا سرنا هذا من من هو أكثر جهاداً وحجاً وصوماً وصلاة وصدقة من أحدهم.
قالوا : صدقت ، لا يلحق فاضل دهرنا فاضل عصر النبي صلى الله عليه واله وسلم .
قال المأمون : فانظروا فيما رويت عن أئمتكم الذين أخذتم عنهم أديانكم في فضائل علي علیه السلام للوقايسوا إليها ما رووا في فضائل تمام العشرة الذين شهدوا لهم بالجنة فإن كانت جزء من أجزاء كثيرة فالقول قولكم ، وإن كانوا قد رووا في فضائل علي علیه السلام أكثر فخذوا عن أئمتكم ما رووا ولا تعدوه .
قال : فأطرق القوم جميعاً .
فقال المأمون : ما لكم سكتم ؟
قالوا : استقصينا (1).
أقول : هذا أنموذج من أحاديثهم الموضوعة التي هي خارجة عن حد الإحصاء.
لا ريب في جواز نقل الحديث بالمعنى ، ويدل عليه أخبار كثيرة .
وتفصيل القول في ذلك على ما حققه المحدث العلامة المجلسي (رحمت الله ) أنه إذا لم يكن المحدّث عالماً بحقائق الألفاظ ومجازاتها ومنطوقها ومفهومها ومقاصدها لم تجز له الرواية بالمعنى بغير خلاف ، بل يتعين اللفظ الذي سمعه إذا تحققه وإلا لم تجز له الرواية .
وأما إذا كان عالماً بذلك.
فقد قال طائفة من العلماء: لا يجوز هي لأن لكل تركيب معنى بحسب الوصل والفصل والتقديم والتأخير وغير ذلك لو لم يراع ذلك لذهبت مقاصدها ، بل لكل كلمة مع صاحبتها خاصية مستقلة كالتخصيص والاهتمام وغيرهما ، وكذا الألفاظ المشتركة والمترادفة، ولو وضع كل موضع الآخر لفات المعنى المقصود، ومن ثم قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «نصر الله عبداً سمع مقالتي وحفظها ووعاها وأدّاها قرب حامل فقه غير فقيه وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه »، وكفى هذا الحديث شاهداً بصدق ذلك .
وأكثر الأصحاب جوزوا ذلك مطلقاً مع حصول الشرائط المذكورة، وقالوا كلما ذكرتم خارج عن موضوع البحث لأنا إنما جوّزنا لمن يفهم الألفاظ ويعرف خواصها ومقاصدها ويعلم عدم اختلال المراد بها فيما أداه.
وقد ذهب جمهور السلف والخلف من الطوائف كلها إلى جواز الرواية بالمعنى إذا قطع بأداء المعنى بعينه ، لأنه من المعلوم أن الصحابة وأصحاب الأئمة علیه السلام لم يكونوا يكتبون الأحاديث عند سماعها، ويبعد بل يستحيل عادة حفظهم جميع الألفاظ على ما هي عليه، وقد سمعوها مرة واحدة خصوصاً في الأحاديث الطويلة مع تطاول الأزمنة ولهذا كثيراً ما يروى عنهم المعنى الواحد بألفاظ مختلفة ولم ينكر ذلك عليهم ولا يبقى لمن تتبع الأخبار في هذا شبهة .
1) بحار الأنوار: 196/49 ، ومواقف الشيعة : 299/1
ويدل عليه أيضاً ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم قال: قلت لأب عبد الله علیه السلام: أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص؟ فقال علیه السلام: إن كنت تريد معانيه فلا بأس (1).
نعم لا مرية في أن روايته بلفظه أولى على كل حال لا سيما في هذه الأزمان لبعد
العهد وفوت القرائن وتغير المصطلحات .
وقد روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام : قول الله جل ثناؤه : (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) [الزمر: 18] ، قال : هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه ولا ولا ينقص (2)
تذنيب
قال بعض الأفاضل : نقل المعنى إنما جوزوه في غير المصنفات، أما المصنفات فقد قال أكثر الأصحاب : لا يجوز حكايتها ولا نقلها بالمعنى ولا تغيير شيء منها على ما هو المتعارف .
تكملة
هذا الكلام لأمير المؤمنين علیه السلام مروي في ( البحار) من خصال الصدوق «قدس الله سره » عن أبيه عن علي عن أبيه عن بن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني وعمر بن أذينه عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي قال :
قلت لأمير المؤمنين علیه السلام : يا أمير المؤمنين إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله صلی الله علیه واله وسلم له غير ما في أيدي الناس ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس شيئاً كثيراً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله صلی الله علیه واله وسلم أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أن ذلك كله باطل أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم؟
قال : فأقبل علي علیه السلام علي فقال : قد سألت فافهم الجواب : إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعاماً وخاصاً ومحكماً ومتشابها وحفظاً ووهماً ، وقد
كذب على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على عهده حتى قام خطيباً فقال: «أيها الناس قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار »، ثم كذب عليه من بعده.
إنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :
رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم متعمداً ، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا : هذا قد صحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ورآه وسمع منه ، فأخذوا منه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبر الله عز وجل عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عز وجل: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: 4] ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال وولوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا وإنما الناس الدنيا وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله ، فهذا أحد الأربعة .
ورجل سمع من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم شيئاً لم يحفظه على وجهه وهم فيه ولم يتعمد كذباً، فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه ويقول: أنا سمعته من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه ، ولو علم هو أنه وهم لرفضه .
ورجل ثالث سمع من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم شيئاً أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم أو ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون أنه منسوخ لرفضوه .
وآخر رابع لم يكذب على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم مبغض للكذب خوفاً الله وتعظيماً لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، لم يسه لم يسه بل حفظ ما بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ .
وإن أمر النبي صلی الله علیه واله وسلم مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومحكم ومتشابه، وقد كان يكون من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الكلام له وجهان : كلام عام وكلام خاص، وقال الله عز وجل في كتابه : وَمَا عَانَنكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: 7] فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله الله به ورسوله، وليس كل أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كان منهم من يسأله عن الشيء فيفهم يسأله ولا يستفهم ، حتى كانوا ليحبون أن يجيىء الأعرابي الطارىء فيسأل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حتى يسمعوا .)وكنت أدخل على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كل يوم دخلة فيخليني فيها أدور معه حيثما دار ، وقد علم أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، وربما كان ذلك في شيء يأتيني رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أكثر ذلك في بيتي وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني
وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري ، وإذا أتاني للخلوة معي في بيتي لم تقم عنه فاطمة ولا أحد من بني وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني.فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها، ودعا الله لي أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعاه .وما ترك شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله في أمر بطاعة أو نهي عن معصية إلا علمنيه وحفظنيه(1فلم أنس حرفاً واحداً ، وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً، فقلت : يا الله بأبي أنت وأمي إني منذ دعوت الله عز وجل لي بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتني شيء لم. أكتبه أفتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد؟ فقال: «لا لست أخاف عليك النسيان ولا الجهل » (2))ورواه في (الكافي أيضاً عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس مثله .)ورواه في (البحار أيضاً من كتاب الغيبة للنعماني عن ابن عقدة ومحمد بن همام وعبد العزيز وعبد الواحد ابنا عبد الله بن يونس عن رجالهم عن عبد الرزاق وهمام عن معمر بن راشد عن أبان بن أبي عياش عن سليم مثله .)ورواه في (الاحتجاج عن مسعدة ين صدقة عن جعفر عن جعفر بن محمد علیه السلام قال :)خطب أمير المؤمنين علیه السلام فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: كيف أنتم إذا ألبستم الفتنة ينشأ فيها الوليد ، ويهرم فيها الكبير، ويجري الناس عليها حتى يتخذوها سنة، فإذا غير منها شيء قيل : أتى الناس بمنكر غيرت السنة، ثم تشتد البلية وتنشأ فيها الذرية وتدقهم الفتن كما تدق النار الحطب وكما تدق الرحى بثفالها، فيومئذ يتفقه الناس لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة.ثم أقبل أمير المؤمنين علیه السلام ومعه ناس من أهل بيته وخاص من شيعته فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ثم قال :
لقد عملت الولاة قبلي بأمور عظيمة خالفوا فيها رسول الله صلی الله علیه واله وسلم متعمدين لذلك ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها التي كانت عليها على عهد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي إلا قليلاً من شيعتي الذين عرفوا فضلي وإمامتي من كتاب الله وسنة نبيه صلی الله علیه واله وسلم .أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم علیه السلام فرددته إلى المكان الذي وضعه فيه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ورددت فدك إلى ورثة فاطمة رحمت الله ورددت صاع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومده إلى ما كان، وأمضيت قطائع كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أقطعها للناس مسمين؛ ورددت دار جعفر بن أبي طالب إلى ورثته وهدمتها من المسجد، ورددت الخمس إلى أهله، ورددت قضاء كل من قضى بجور، ورددت ذراري بني تغلب ، ورددت ما قسم من أرض خيبر ، ومحوت ديوان العطاء وأعطيت كما سبي كان يعطي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولم أجعلها دولة بين الأغنياء.والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا (1في شهر رمضان إلا في فريضة فنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل سيفه معي أنعي به الإسلام وأهله : غيّرت سنة عمر ونهى أن يصلى في شهر رمضان في جماعة حتى خفت أن يثور في ناحية عسكري ما لقيت ولقيت هذه الأمة من أئمة الضلالة والدعاة إلى النار.)وأعظم من سهم ذوي القربى ، قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خَمْسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالسَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ - منا خاصة - إن كُنتُمْ عَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ [الأنفال : 41] نحن والله عنى بذوي القربى الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه صلی الله علیه واله وسلم ولم يجعل لنا في الصدقة نصيباً أكرم الله نبيه صلی الله علیه واله وسلم وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ أيدي الناس. فقال له علیه السلام رجل : إني سمعت من سلمان وأبي ذر والمقداد شيئاً من تفسير القرآن والرواية عن النبي صلی الله علیه واله وسلم وسمعت منك تصديق ما سمعت منهم - ثم ساق الحديث نحواً مما مر إلى قوله - حتى أن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي أو الطارىء فيسأله حتى يسمعوا، وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألته وحفظته (2).
فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم.
از جمله کلام آن امام متقین است در حالتی که سؤال کرد از او سؤال کننده از حدیثهای بدعتها و از آن خبری که در دست مردمان است از اختلاف اخبار نبویه ، پس فرمود:
به تحقیق که در دست مردم حق است و باطل است و راست است و دروغ است و ناسخ است و منسوخ است و محکم است که معنی آن ظاهر و متشابه است که معنی آن مشتبه و محفوظ است از تحریف و زیاده و نقصان و موهوم است که غیر محفوظ از خطا و خلل و غلط بوده و به تحقیق که دروغ بسته شد بر رسول
خدا (صلی الله علیه واله وسلم)
در حال حیات تا اینکه برخاست در حالتی که خطبه خواند ، پس فرمود : کسی که دروغ بندد بر من عمدا ، پس باید منزل دهد جای نشیمن خود را در آتش جهنم و جز این نیست آورد به تو حدیث را چهار کس که نیست پنجمی از برای آنها :
اول کسی است که منافق است که ظاهر ساخته ایمان را و به خود بسته اسلام را ، پرهیز ندارد از گناه و باک نمیکند از تنگی معصیت ، دروغ میبندد بر را رسول خدا (صلی الله علیه واله وسلم) از روی عمد ، پس اگر بدانند مردمان که او منافق و دروغ گو است قبول نمی کنند از او و تصدیق نمیکند قول او را ، ولیکن ایشان میگویند که این شخص مصاحب رسول خدا است ، دیده است و شنیده است از او و اخذ نموده از او ، پس فراگیرند قول او را و به تحقیق که خبر داده است تو را خدای تعالی در قرآن از حال منافقان به آن چیز که خبر داده و وصف فرموده ایشان را به آن وصف کرده است از برای تو ، پس باقی ماندند آن منافقان بعد از رحلت حضرت رسول (صلى الله عليه واله وسلم) و تقرب جستند به سوی امامان ضلالت و گمراهی و دعوت کنندگان به سوی آتش جهنم به سبب دروغ و بهتان گفتن بر رسول خدا (صلی الله علیه واله وسلم)، پس گردانیدند ایشان را صاحبان اختیار کارها و حاکمان بر مردان و خوردند با دست یکی بودن ایشان مالها را و جز این نیست که مردمان مایلند به پادشاهان و راغب اند به دنیا مگر کسی که حفظ نماید او را خدا، پس این کس یکی از آن چهار کس
است.
دومی کسی است که شنید از رسول (صلی الله علیه واله وسلم) چیزی را که حفظ نکرد آن را با وجهی که پیغمبر فرموده بود، پس غلط کرد در آن و عمداً دروغ نگفت، پس آن حدیث که شنیده بود در دست او بود و روایت میکرد آن را و عمل مینمود به آن و میگفت که من شنیده ام آن را از رسول خدا (صلی الله علیه واله وسلم)، پس اگر می مسلمانان که او غلط کرده است در آن ، قبول نمی کردند آن حدیث را از او و اگر می دانست آن کس که آن حدیث همچنین است هر آینه ترک می نمود آن را .
و شخص سومی شنید از حضرت رسالت مآب (صلی الله علیه واله وسلم) چیزی را که امری نمود به آن، پس نهی فرمود آن و آن شخص ندانست نهی آن را یا این که شنید که رسول خدا (صلی الله علیه واله وسلم) نهی میکرد از چیزی ، پس امر فرمود به آن و آن شخص ندانست امر به ان را ،پس حفظ نمود منسوخ را که حکم اولی است و حفظ نکرد ناسخ را که حکم ثانوی بود ، پس اگر می دانست که حکم اولی منسوخ است هر آینه ترک می کرد آن حکم را و اگر مسلمانان می دانستند وقتی که از او دانستند وقتی که از او شنیدند آن را که آن منسوخ است هر آینه ترک میکردند آن را .
و شخص دیگر چهارمی است که دروغ نگفته بر خدای تعالی و نه بر رسول خدا ، دشمن دارنده دروغ است از جهت ترس خدا و تعظیم رسول خدا و توهم و غلط نکرده است بلکه حفظ نموده آن که شنیده است بر وجهی که شنیده است ، پس آورد آن را یعنی روایت نمود به همان قرار شنیده شده بدون زیاده و نقصان ، پس حفظ کرده ناسخ را و عمل کرده به آن و حفظ کرده منسوخ را و اجتناب نموده از آن و شناخته است خاص و عام را ، پس گذاشته هر خبر را در مکان خود و شناخته متشابه و محکم را .
و گاهی بود که صادر میشد از رسول خدا (صلى الله عليه واله وسلم) کلامی که از برای او دو وجه بود ، پس کلامی که مخصوص بود و کلامی که عموم داشت، پس می شنید آن را کسی که نمی شناخت آن چه را که قصد کرده بود خدا به آن و نه آن چه را قصد کرده بود به آن رسول خدا (صلی الله علیه واله وسلم) پس حمل مینمود سامع آن کلام را و توجیه مینمود آن را بدون معرفت به معنای آن و و به آن که قصد شده به آن و به آن چه که صادر شده آن کلام از برای آن .
و نبودند جميع صحابه رسول خدا ( صلی الله علیه واله وسلم ) که سؤال کنند که سؤال کنند از او و طلب فهم نمایند از آن تا اینکه دوست میداشتند اینکه بیاید عرب بادیه نشینی یا غریب تاز هواردی ، پس سؤال کند از او (علیه السلام) تا این که بشنوند جواب را و بود که نمی گذاشت به من در کلام حضرت رسول (صلی الله علیه واله وسلم) خبری مگر این که می پرسیدم رسول خدا را از آن و حفظ می نمودم آن را .
پس این است وجههای آن چیزی که بودند مردمان بر آن در مختلف شدن ایشان و علتهای ایشان در اختلاف روایات ایشان.
وكَانَ مِنْ إِقْتِدارِ جَبَرُوتِه، وبديع لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ البَحْرِ الزَّاخِرِ المُتَراكم المُتَقاصِفِ يَبَساً جامداً ، ثُمَّ فطرَ مِنْهُ أطباقاً ، فَفَتَقَها سَبْعَ سَماواتِ بَعْدَ ارْتِتاقِها، فَاسْتَمْسَكَتَ بِأَمْرِهِ، وقامَتْ عَلى حَدِّهِ، يَحْمِلُهَا الأَخْضَرُ المُتعَنْجِرُ ، والقَمْقامُ المُسَخَّرُ، قَدْ ذَلَ لأَمْرِه، وأَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ، ووَقَفَ الجارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ، وجَبَلَ جَلامِيدَها ، ونُشُوزَ مُتونِها وأَظوادِها ، فَأَرْسيها في مَراسِيها ، وأَلْزَمَهَا قَرارَتها ، فَمَضَتْ رُؤُسُها في الهَواءِ، وَرَسَتْ أُصُولُها فِي المَاءِ، فَأَنْهَدَ جِبالُها عَنْ سُهُولِها، وأَساخَ فَواعِدَها في مُتُونِ أقطارها ومواضع أنْصابِها فَأَشْهَقَ قِلالَها ، وأَطالَ أنْشازها، وجَعَلَها للأَرْضِ عِماداً ، وأَرَزَّها فيها أوتاداً ، فَسَكَنَتْ عَلى حَرَكَتِها مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأهْلِها ، أَوْ تَسِيخَ بِحَمْلِها، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَواضِعها .
فَسُبْحانَ مَنْ أَمْسَكَها بَعْدَ مَوَجانِ مِياهِها ، وأَجْمَدَها بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِها ، فَجَعَلَها لِخَلْقِهِ مهاداً ، وبَسَطَها لَهُمْ فِراشاً، فَوْقَ بَحْرٍ لُجِيٌّ راكِدِ لا يَجْري، وقائم لا يَسْرِي، تُكَركِرُهُ الرِّياحُ العَواصِفُ ، وتَمْخَضُهُ الغَمامُ الذّوارِفُ (وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبَرَةُ لِمَن يَخْشَى ) [النازعات: 26] (1).
(الجبروت) وزن ملكوت فعلوت من الجبر وهو القهر والغلبة، والجبار من جملة الأسماء الحسنى، قال الصدوق : معناه القاهر الذي لا ينال ، وله التجبر والجبروت أي التعظم والعظمة، ويقال للنخلة التي لا تنال : جبارة و (زخر) البحر كمنع امتد أمواجه وارتفع و (قصف) الرعد اشتد صوته وتقاصف البحر تزاحم أمواجه .
و (اليبس) قال الشارح المعتزلي بالتحريك المكان يكون رطباً ثم يبس ومنه قوله تعالى: (فَاضْرِبْ هَمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ بنا ﴾ [طه: 77] واليبس بالسكون اليابس خلقة، يقال: حطب يبس هكذا يقول أهل اللغة وفيه كلام لأن الحطب ليس يابساً خلقة بل كان رطباً من قبل.
فالأصوب أن يقال : لا تكون هذه اللفظة محركة إلا في المكان خاصة، انتهى.
وقال الفيومي : شيء يبس ساكن الباء بمعنى يابس ، وحطب يبس كأنه خلقة ومكان
1) بحار الأنوار: 39/54، وتفسير نور الثقلين: 42/1 ح 54 .
يبس إذا كان فيه ماء فذهب ، وقال الفارابي : مكان يبس ويبس وكذلك غير المكان.
و (الأطباق) جمع طبق كأسباب وسبب وهو غطاء كل شيء، والطبق من كل شيء ما ساواه و (المثعنجر) بصيغة الفاعل كما في النسح السائل من ماء أو دمع وبفتح الجيم وسط البحر وليس في البحر ماء يشبهه ، هكذا قال الفيروز أبادي، وقال الجزري في حديث علي علیه السلام يحملها الأخضر المثعنجر: هو أكثر موضع في البحر ماء والميم والنون زائدتان ومنه حديث ابن عباس : فإذا علمي بالقرآن في علم علي علیه السلام كالقرارة في المثعنجر، والقرارة الغدير الصغير.
و (القمقام) بالفتح كما في النسخ وقد يضم البحر و (المسخر) في بعض النسخ بالخاء المعجمة وفي بعضها بالجيم من سجر النهر ملأه وتسجير الماء تفجيره و (الجلمد) بالفتح الجلمود بالضم الحجر العظيم الصلب و (النشوز ) جمع النشز بالفتح المكان المرتفع و (المتن) ما صلب من الأرض وارتفع و (الطود) بالفتح الجبل أو العظيم منه و (القرارة) موضع القرار وفي بعض النسخ : قراراتها بصيغة الجمع .
و (رست) أي ثبتت وفي بعض النسخ : رسبت يقال : رسب في الماء كنصر وكرم رسوباً ذهب سفلاً و (نهد) ثدي الجارية كمنع ونصر أي كعب وارتفع و (السهل) من الأرض ضد الحزن و (الأنصاب) جمع النصب بالفتح ويحرك وهو العلم المنصوب وبالضم وبضمتين كل ما جعل علماً وكل ما عبد من دون الله و (القلال) بالكسر جمع قلة بالضم وهي أعلى الجبل و (العماد) بالكسر الخشبة التي يقوم عليها البيت والأبنية الرفيعة العالية .
و (أرز) يأرز بتقديم المهملة كنصر وضرب وعلم أي ثبت ، وأرز بتشديد المعجمة أي أثبت، وفي أكثر النسخ بالتخفيف وفتح العين وفي بعضها بالتشديد . قال في (النهاية) في كلام علي علیه السلام : أرزها فيها أوتاداً أي أثبتها إن كانت الزاي مخففة ، فهي من أرزت الشجرة تأرز إذا أثبت في الأرض، وإن كانت مشددة فهي من أرزّت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتلقي فيها بيضها، ورززت الشيء في الأرض رزاً أثبته فيها وحينئذ تكون الهمزة زائدة ، انتهى .
قيل : وروي آرزها بالمد من قولهم : شجرة آرزة أي ثابتة في الأرض و (موجان مياهها ) صيغة فعلان بالتحريك في المصدر تدل على الاضطراب كالميدان والنزوان والخفقان، وقد قال علیه السلام في الخطبة الأولى : وولّد بالصخور ميدان أرضه و (المهاد) بالكسر الفراش والموضع يهيىء للصبي ويوطأ، و (الفراش) البساط و (اللجة) بالضم معظم البحر .
و (الكركرة) تصريف الرياح السحاب إذا جمعته بعد تفرق وأصله تكرره من التكرر
وكركرته عني أي دفعته ورددته و (مخض) اللبن بمخضه من باب نصر وضرب ومنع استخراج زبده بصب الماء فيه وتحريكه و (الغمام) جمع الغمامة كالسحاب والسحابة لفظاً ومعناً أو خصوص البيضاء منها و (ذرف عينه ) أي سال دمعها وذرفت العين دمعها أي أسال يتعدّى ولا يتعدى .
(أطوادها ) بالنصب عطف على جلاميدها وفي بعض النسخ بالجر عطفاً على متونها ، (وأوتاداً) حال من مفعول أرزها ، و (على) في قوله على حركتها، للاستعلاء المجازي وفي بعض النسخ عن حركتها بدل على فهي بمعنى بعد كما في قوله تعالى : ( عَمَّا قَلِيل نَدِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 40] ، و (الباء) في قوله : (بأهلها) بمعنى مع، وكذلك في قوله : بحملها، وقال الشارح المعتزلي : هي للتعدية والأول أشبه .
اعلم أن هذه الخطبة الشريفة مسوقة لإظهار عظمة الله تعالى وكمال قدرته وجلاله وجبروته في خلق السماوات والأرض والجبال ، وقد مضى فصل وافي في هذا المعنى منه علیه السلام في الفصل الثالث والثامن من المختار الأول، وفي الفصل الرابع والسادس من المختار التسعين، وقال علیه السلام هنا :
(وكان من اقتدار جبروته ) أي من قدرة عظمته وتجبره وجباريته أي قهاريته وغلابيته ، ونسبة الاقتدار إلى جبروته تعالى إما تعظيماً وتفخيماً كما يقال إذا صدر أمر السلطان : أمر الباب العالي، أو الحضرة الشريفة بكذا ، أو تنبيهاً على أنه عز وجل الأعظم المطلق حيث خلق هذه الأجرام القوية العظيمة السماوية والأرضية .
(و) نسبته إلى (بديع لطائف صنعته) ملاحظة لما أودع فيها من عجائب الصنع ولطائف التدبير التي يعجز عن إدراك أقل قليلها عقول البشر، ففيه تنبيه على كمال لطفه وتدبيره وحكمته .
ومحصول مراده أنه تعالى كان قدرته ولطفه منشئاً (أن جعل) أي خلق (من ماء البحر) وفي بعض النسخ اليم بدله وهو بمعناه (الزاخر) المرتفع الممتلىء الممتد جداً (المتراكم المتقاصف ) أي الذي اجتمع بعضه فوق بعض وتزاحمت أمواجه واشتد صوته الهائل من كثرة الأمواج (يبساً جامداً ) أراد به الأرض، فإنه سبحانه خلقها من زبد الماء حسبما عرفته تفصيلاً في التذييل الثاني من شرح الفصل الثامن من الخطبة الأولى.
(ثم فطر منه ) أي خلق من الماء أي من بخاره ودخانه حسبما عرفته أيضاً في شرح الفضل المذكور (أطباقاً) أي طبقاً بعد «فوق» طبق (ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها ) يريد أنها كانت طبقات منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة بعضها فوق بعض ففتقها وفرّقها وباعد بعضها عن بعض فحصل سبع سماوات متميزات بينها أمكنة الملائكة بعدما كانت ملتزقة متصلة .
وفيه تلميح إلى قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَبَّقًافَفَتَقْتَهُما وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء : 30].)قال مجاهد والسدي في تفسير الآية : كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات وكانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين ، وقيل : في تفسيرها وجوه أخر تقدمت في شرح الخطبة الأولى وكلامه علیه السلام مؤيد لهذا الوجه .(فاستمسكت بأمره أي احتسبت واعتصمت وقامت بأمر الله سبحانه والغرض عدم تفرقها كأن بعضها معتصم ببعض (وقامت على حدة) أي وقفت على ما حدّ لها من المكان والمقدار والهيئة والشكل والأقطار والنهايات، ولم تجاوز عن حدودها المعينة والضمير في حده راجع إلى الله سبحانه .)( يحملها الأخضر المثعنجر أي يحمل الأرض المستفادة من اليبس ماء البحر السائل ، ووصف الماء بالخضرة من عادة العرب والتعبير عن البحر بالأخضر لأنه بصفة لون السماء فيرى أخضر و (القمقام المسخّر ) أي البحر الذي سخره الله تعالى أي ذلله لحملها كما أشار إليه بقوله : (قد ذلّ) وانقاد (لأمره) عز وجل (وأذعن) وخضع (لهيبته ) وجلاله (ووقف الجاري منه لخشيته ) أي وقف السائل بالطبع فوقوفه عدم جريانه طبعاً بإرادته سبحانه أو السائل منه قبل)إرادته .(وجبل جلاميدها أي خلق سبحانه صخور الأرض الصلبة العظيمة (ونشوز متونها وأطوادها ) أي مرتفعات صلبتها وجبالها (فأرساها في مراسيها ) أي أثبت هذه الجلاميد والأطواد في مواضعها المعينة التي اقتضت الحكمة الإلهية إثباتها فيها (وألزمها قرارتها ) أي أمسكها حيث استقرت (فمضت رؤوسها في الهواء ورست) أي رسبت وثبتت (أصولها في الماء) الذي بين أجزاء الأرض (فانهد جبالها عن سهولها ) أي رفع جبال الأرض وأعلاها عن أراضيها المطمئنة (وأساخ قواعدها في متون أقطارها ) أي غيب قواعد الجبال في جوانب أقطار الأرض (و) في (مواضع أنصابها ) وأعلامها (فأشهق قلالها وأطال أنشازها ) أي جعل قلالها مرتفعة عالية وإطالة الأنشاز مؤكدة لها كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَيخته) [المرسلات : 27] .)
(وجعلها أي الجبال (للأرض عماداً ) قيل : المراد جعلها مواضع رفيعة في الأرض، والظاهر أن المراد به ما أوضحه بقوله : (وأرزها فيها أوتاداً) أي أثبتها في الأرض حال كونها بمنزلة الوتد لها تمنعها من الحركة والاضطراب كالسفينة إذا ألقى فيها جسم ثقيل .)(فسكنت على حركتها التي هي من شأنها لكونها محمولة على سائل متموج أو على أثر حركتها يتموج الماء من أن تميد وتضطرب (بأهلها) كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِقَ من أَن تَمِيدَ بِكُمْ) [النحل : 15]، وقال: وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَعِيدَ بِهِمْ [الأنبياء: 31] أي لئلا تميد أو كراهة أن تميد ، قيل : إن الأرض كانت تميد وترجف رجوف السقف بالوطيء فثقلها بالجبال الرواسي ليمنع من رجوفها ، وقد تقدم في شرح الفصل الثالث من الخطبة الأولى بيان الاختلاف في كيفية كون الجبال سبباً لسكون الأرض فليراجع ثمة . ومن جملة الوجوه التي قيل في ذلك : إن المراد بالأرض قطعاتها وبقاعها لا مجموع كرة الأرض، ويكون الجبال أوتاداً لها أنها مانعة لها عن الميدان والاضطراب بالزلزلة ونحوها إما لحركة البخارات المختنقة في داخلها بإذن الله تعالى أو لغير ذلك من الأسباب التي يعلمها مبدعها ومنشئها، قال المحدث العلامة المجلسي قدس سره : وهذا وجه قريب يؤيده ما سيأتي في باب الزلزلة من حديث ذي القرنين.
وقوله : (أو تسيخ بحملها) أي تغوص في الماء مع ما عليها (أو تزول عن مواضعها) قال الشارح المعتزلي :
فإن قلت : ما الفرق بين الثلاثة تميد بأهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها ؟ .
قلت : لأنها لو تحركت لكانت إما على مركزها أو لا على مركزها، والأول هو المراد بقوله: تميد بأهلها ، والثاني: ينقسم إلى أن تنزل إلى تحت أو لا تنزل إلى تحت ، فالنزول إلى تحت هو المراد بقوله : أو تسيخ بحملها ، والثاني : هو المراد بقوله : أو تزول عن مواضعها .
وقال المحدث العلامة المجلسي : ويحتمل أن يراد بقوله علیه السلام : تميد بأهلها تحركها واضطرابها بدون الغوص في الماء كما يكون عند الزلزلة ، وبسوخها بحملها حركتها على وجه يغوص أهلها في الماء سواء كانت على المركز أم لا فتكون الباء للتعدية، وبزوالها عن مواضعها خراب قطعاتها بالرياح والسيول أو بتفرق القطعات وانفصال بعضها عن بعض، فإن الجبال كالعروق السارية فيها تضبطها عن التفرق ، ويؤيده إيراد المواضع بلفظ الجمع، هذا (1)
1) بحار الأنوار: 42/54
ولما نبه علیه السلام على كمال اقتداره تعالى وجلاله وعظمته في خلق الأرض والجبال مضافاً إلى خلق السماء أردفه بتنزيهه على ذلك وقال :
(فسبحان من أمسكها) أي الأرض بقدرته (بعد موجان مياهها ) قال في (البحار): لعل المراد بهذا الموجان ما كان غامراً للأرض أو أكثرها وإمساكها بخلق الجبال التي تقدم في الكلام (وأجمدها بعد رطوبة أكنافها ) أي جوانبها لميدانها قبل خلق الجبال، وقول الشارح البحراني : بأنه إشارة إلى أن أصلها من زبد الماء ليس بشيء .
وقوله علیه السلام: (فجعلها لخلقه مهاداً ) كقوله تعالى في سورة النبأ : (ألم تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا ) [6]، أي وطاء وقراراً ومهيأ للتصرف فيه من غير أذية، وفي سورة طه : (الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا ﴾ [53] ، وفي سورة الزخرف : (الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكُمْ فيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) [10] أي كالمهد تتمهدونها .
وقوله علیه السلام : (وبسطها لهم فراشاً) كقوله عز وجل في سورة البقرة: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاء [22]، وفي سورة نوح : ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا منها سُبُلًا فِجَابًا ) [19 - 20] .)قال بعض المفسرين : الفراش اسم لما يفرش كالبساط لما يبسط وليس من ضرورات الافتراش أن يكون مسطحاً مستوياً كالفراش على ما ظن ، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها ولكنه لا عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك لأن الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء والتحت ما يلي المركز ، فكما أنه يستبعد حركة الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها في مقابل ذلك، لأن ذلك الهبوط صعوداً أيضاً إلى السماء، فإذاً لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها ، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره.وقوله علیه السلام : (فوق بحر لجي كثير الماء (راكد لا يجري ) أي ساكن لا يجري إلى أحد الجوانب (وقائم) أي ثابت (لا يسري ) عن مكانه وذلك لملازمة مركزه على حذو ما عرفت آنفاً في بيان فراشية الأرض (تكركره) أي تردده وتكرره (الرياح العواصف) الشديدة (وتمخضه الغمام الذوارف ) أي تحركه السحاب المواطر وذلك لأن الحر إذا وقع فيه المطر يرتج ويتمخض ويضطرب كثيراً لتحريك انصباب المطر بكثرة وقوة له .)ولما ذكر علیه السلام عظيم قدرته عز وجل في خلق السماء والأرض والجبال والماء أتبعه
بقوله علیه السلام:(إن في ذلك لعبرة لمن بخشى أي فيما قدمناه من آثار القدرة ودلائل الجبروت والعظمة اعتبار لمن خشي ربه، وإنما خصه به لأجل أن عدم الخشية يوجب عدم المبالاة بالعبر والالتفات إليها، والمراد بمن يخشى العلماء بمقتضى الحصر الوارد في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا ) [فاطر: 28] وتخصيص الخشية بهم لأن شرطها معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله وقدرته وقهره فمن كان أعلم به كان أخشى منه ، اللهم ارزقنا هذه)المرتبة .
### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن حضرت است در اشاره به عجایب قدرت ، می فرماید:و هست از قدرت و توانایی سلطنت آفریدگار و عجایب صنعتهای لطیفه او اینکه خلق فرمود از آب دریای بسیار موج زننده برهم نشسته پر صدا زمین خشك بی رطوبت را ، پس از آن خلق فرمود از بخار آن آب طبقاتی بر روی هم چیده، پس جدا ساخت آن طبقات را هفت آسمان بعد از جمع بودن و یکجا بودن آنها، پس بایستادند به فرمان او و قایم شدند به اندازه مقرره او در حالتی که بر می دارد آن زمین را آب کبود سیلان کننده و دریای مسخر شده در تحت قدرت در حالتی که ذلیل بود از برای امر او و منقاد بود به هیبت و جلال او و ایستاد و ساکن گشت جاری از آن آب از ترس حکم او و خلق فرمود سنگهای زمین را و بلند پستهای آن را و کوههای آن را ، پس برقرار گردانید آنها را در قرارگاههای آنها و لازم گرانید آنها را در جای ثبات آنها ، پس گذر کرد سرهای آنها در هوا و فرو رفت بیخهای آنها در آب دریا ، پس بلند گردانید کوههای زمین را از همواری زمین و فرو برد اساس آنها را در پشتهای اطراف آن و در مواضع علامتهای آن ، پس بلند کرد سرهای کوهها را و دراز گردانید بلند شدن از زمین آنها را و گردانید آن کوهها را از برای زمین ستون و فرو گرفت آنها را در زمین در حالتی که میخهای زمین بودند ، پس ساکن شد زمین از حرکت خود از این که بلرزاند اهل خود را یا این که فرو برد حمل خود را یا این که زایل گردد از مواضع خود.پس تنزیه میکنم تنزیه کردنی ، کسی را که نگاه داشت زمین را بعد از موج زدن آبهای آن و خشك گردانید آنرا بعد از تر بودن اطراف آن ، گردانید آن را از برای مخلوقات خود آرامگاه و گسترانید آن را از برای ایشان فرش و بساط بالای دریای بزرگ انبوه ساکن غیر جاری و قائم غیر ساری ، در حالتی که بر گرداند و به میزند آنها دریا را بادهای تند و زنده و حرکت میدهد آن را ابرهای ریزنده ، به تحقیق که در این دلائل قدرت و عظمت عبرتی است از برای کسی که بترسد از خدا.
## ومن خطبة له علیه السلام وهي المائتان والحادية عشر من المختار في باب الخطب### اشارةاللَّهُمَّ أَيُّما عَبْدٍ مِنْ عِبادِكَ سَمِعَ مَقالَتَنَا العادِلَةَ غَيْرَ الجائِرَةِ، والمُصْلِحَةَ غَيْرَ المُفْسِدَةِ، فی الدين والدُّنْيا ، فَأَبِى بَعْدَ سَمْعِه لَها إِلا التَّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ، والإبطاءَ عَنْ إِعْزازِ دِينِكَ، نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ يا أَكْبَرَ الشاهِدِينَ ، ونَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَنْ أَسْكَنتَهُ أَرْضَكَ وسَماواتِكَ، ثُمَّ أَنْتَ البَعْدُ المُغْني عَنْ نَصْرِهِ وَالآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ (1)### اللغة(المصلحة بضم الميم اسم فاعل من باب الأفعال وكذلك المفسدة و (نكص) عن الأمر نكصاً ونكوصاً تكأكأ عنه وجبن وأحجم، وعلى عقبيه رجع عما كان عليه من خير، قال الفيروز أبادي : خاص بالرجوع عن الخير، ووهم الجوهري في إطلاقه أو في الشر نادراً.)### الإعراب(ما في أيما زائدة للتأكيد ، وغير منصوب على الحالية أو الوصفية، وقوله : في الدين ، متعلق بالمصلحة ، وقوله : إلا النكوص، استثناء مفرّغ .)### المعنىاعلم أن هذه الخطبة كما نبه عليه الشارح البحراني ملتقطة من خطبة كان يستنهض بها أصحابه إلى جهاد أهل الشام.قال بعد تقاعد أكثرهم عن صوته منادياً الله عز وجل: (اللهم أيما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة أي قولنا المتصف بالعدل، وفي وصفه به توسع وقال الشارح البحراني : العادلة المستقيمة التي هي طريق الله العائدة للناس إلى الرشاد في دينهم ودنياهم، وما قلناه أولى.)وإنما وصفه علیه السلام بالعدل، لأن استنهاضه إلى جهاد أهل الشام إنما كان من باد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ما فيه من الامتثال لنص قوله تعالى: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَنَهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله [الحجرات: 9] .)
1) نهج السعادة 328/6
وقد كان علیه السلام متصفاً بالعدل في جميع أقواله وأفعاله كما يشهد به قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة : 143] ، أي أئمة عدلاً على ما ورد في تفسير أهل البيت علیه السلام ، وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف: 181]. روي في (البحار) عن العياشي عن حمران عن أبي جعفر علیه السلام في هذه الآية قال علیه السلام : هم الأئمة علیه السلام .
وفيه من (الكافي) عن الحسين بن محمد عن المعلى عن الوشا عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله عز وجل : (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَةٌ﴾ الآية، قال: هم الأئمة صلوات الله عليهم (1).
ويشهد به أيضاً ما في (البحار) من تفسير علي بن إبراهيم في قوله: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا زَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَهُ أَيْنَمَا يُوجَهةُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: 76]، قال علیه السلام : كيف يستوي هذا وهذا الذي يأمر بالعدل، يعني أمير المؤمنين ، والأئمة عليه و علیه السلام ، هذا .
وإنما عقب بقوله : (غير الجائرة ) إما تأكيداً أو من باب الاحتراس الذي تقدم في ديباجة الشرح في ضمن المحاسن البديعية ، فإنه لما وصف مقالته بالعدل وكان هنا مظنة أن يتوهم أن عدالتها إنما يتصور في حق أهل الكوفة وأما في حق أهل الشام فلا، لأن الاستنهاض إلى حربهم وسفك دمائهم جور في حقهم وظلم عليهم فكيف يكون عدلاً؟ فدفع ذلك التوهم بقوله: غير الجائرة، تنبيهاً على أن محاربتهم من باب النهي عن المنكر والردع لهم عن متابعة معاوية ومنعهم عن الائتمام بالإمام الباطل وردعه عن ظلمه وطغيانه ودعواه الخلافة من غير استحقاق، وهذا فرض شرعاً فلا يكون جوراً بل عين العدل واللطف ، هذا.
مضافاً إلى ما فيه من التعريض على معاوية حيث إن حضه لأهل الشام على حرب رب أهل الكوفة وحربه علیه السلام محض الجور والعدوان، لأنه من باب الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وأي جور أعظم من ذلك؟ .
أما في حق أهل الشام فلأنه يدعوهم بذلك التحضيض إلى النار .
وأما في حق أهل الكوفة فلردعهم عن الائتمام بالإمام الحق وإرادة دفعه عن مقامه الذي يستحقه وإيهام أن الحق معه لمطالبته بدم عثمان المظلوم كما قال تعالى: وَإِذَا فَعَلُواْ
1) بحار الأنوار: 225/23 وار 225/230 42
فَاحِشَةً قَالُوا وجدنا عليها واباه نا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تعْلَمُون [الأعراف: 28] .)روى في (البحار من كتاب الغيبة للنعماني عن الكليني بإسناده عن محمد بن منصور قال: سألته، يعني أبا عبد الله علیه السلام، عن هذه الآية فقال علیه السلام : فهل رأيت أحداً زعم أن الله أمر بالزنا وشرب الخمر أو شيء من هذه المحارم؟ قلت: لا، قال علیه السلام : فما هذه الفاحشة التي يدعون أن الله أمرهم بها؟ قلت : الله أعلم ووليه ، قال علي علیه السلام : فإن هذا في أولياء أئمة الجور ادعوا أن الله أمرهم بالائتمام بهم فردّ الله ذلك عليهم وأخبرهم أنهم قالوا عليه الكذب وسمى ذلك منهم فاحشة (1).) وفيه من تفسير علي بن إبراهيم بسنده عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد علیه السلام عن أبيه قال: الأئمة في كتاب الله إمامان، قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) [السجدة: 24] لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم ، قال :( وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) [القصص: 41] ، يقدّمون أمرهم قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلافاً لما في كتاب الله (2).
والحاصل أنه علیه السلام بمقتضى ملكة العصمة التي فيه إنما يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي تبعاً لأمر الله، لأنه والأئمة من صلبه علیه السلام محال مشيئة الله وما يشاؤون إلا أن يشاء الله وهم بأمره يعملون .وقوله علیه السلام: (والمصلحة غير المفسدة في الدين والدنيا أي فيها صلاح حال السامعين في الدارين وانتظام أمورهم في النشأتين .)أما في الآخرة فلأن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، حسبما عرفته في الخطبة السابعة والعشرين، ففي نهوضهم إلى قتال القاسطين استنهاضه علیه السلام امتثال لأمر الله، إعزاز لدين الله، تحصيل لرضوان الله تعالى شأنه، وفي تقاعدهم عنه سخط عظيم وعذاب أليم.وأما في الدنيا فلأن مبارزة الأقران من عادة الأبطال والشجعان والمنع من النار من آثار الفتوة وشعار المروءة والمجاهد في سبيل الله ينتظر من الله إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة أو الشهادة الموجبة للذكر الجميل والثناء الباقي ، والنكوص عن الجهاد محصل للخذلان معقب للهوان وعار في الأعقاب ونار يوم الحساب، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله
ثوب الذل وشمله البلاء وديّث بالصغار والقماء، هذا .وتعقيب المصلحة بغير المفسدة إما من باب التأكيد أيضاً أو تعريضاً على الطرف المقابل، أعني معاوية اللعين الذي كان يستنهضهم إلى حربه، فإن نظر ذلك اللعين في جميع مقالاته وكلماته لم يكن إلا إلى شق عصا الإسلام وإفساد حال المسلمين وهدم أركان الدين ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الخطبة الثانية والتسعين : ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية فإنها فتنة عمياء مظلمة، إلى آخر ما مر هناك.وقوله عليه الصلاة والسلام :(فأبى بعد سمعه لها إلا النكوص عن نصرتك والإبطاء عن إعزاز دينك لا يخفى ما في هذا الكلام من بديع البيان وحسن التقرير وعجيب التعبير، حيث لم يقل : فأبى بعد سمعه لها عن قبولها أو إجابتها، بل عدل عنه إلى قوله : إلا النكوص (آه) للطافة معناه وبعد غوره وغزارة فحواه .)وذلك لأن في التعبير بهذه من التنبيه على عظيم خطأ الممتنعين المتقاعدين عن قبول أمره علیه السلام ومزيد تقصيرهم وكبير ذنبهم ما لا يخفى على الفطن الخبير بمحسنات البيان .أما أولاً : فلما مر من أن النكوص مخصوص بالرجوع عن الخير أو نادر الاستعمال في الرجوع عن الشر وعلى التقديرين ففيه دلالة على أنهم بتقاعدهم قد فوتوا على أنفسهم الخير الكثير الذي كان لهم عاجلاً وآجلاً.وأما ثانياً : فإن في قوله عن نصرتك دلالة على أنهم بقتال القاسطين ناصرون الله سبحانه كما أنهم بترك القتال ناكصون عن نصرته ، والله سبحانه يقول : (إن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُركُمْ وَيُنَبَتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: 7 ]، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40] ، فلم يكن استنصاره من ضعف وذل بل استنصرهم وله جنود السماوات والأرض ليبلوهم أيهم أحسن عملاً وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب فيستوجب بالقتال ثواب الامتثال .)ثم في إضافة النصرة إلى كاف الخطاب إشارة إلى أن نصرته علیه السلام هو نصرة الله، لأن إطاعة الرسول وإطاعة ولي الأمر هو إطاعة الله، لكونهم مبلغين عن الله والآمر والناهي في الحقيقة هو الله ، ولذلك قرن الله طاعتهم بطاعته في قوله : (أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمي منكم [النساء : 59] ، بل جعل طاعتهم عين طاعته في قوله : (ومَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ وَمَن توَلَّى فَمَا أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظا) [النساء : 80 ] . روي في (الصافي) عن العياشي عن الباقر علیه السلام قال : ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب
الأشياء ورضى الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته ، ثم قال : إن الله تبارك وتعالى يقول : (من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (1)
فإن استشهاد الإمام علیه السلام الوجوب طاعة الإمام بالآية مفيد لكون طاعته طاعة الرسول كما أن طاعته طاعة الله .
وأما ثالثاً : فإن قوله : والإبطاء عن إعزاز دينك، تقريع شديد على المتقاعدين لإفادته أنهم بتقاعدهم مذلون للدين مضيعون لمسالك الشرع المبين ، فقد ظهر بما ذكرنا كله أن قوله عليه الصلاة والسلام تحذيراً عظيماً للمتقاعدين.
وأكد ذلك الغرض بقوله علیه السلام : ( فإنا نستشهدك عليه ) حيث خالف أمرك وترك نصرتك وأهان دينك (يا أكبر الشاهدين ) الذي لا يعزب عنه شيء في السماء والأرض وهو على كل شيء شهيد .
(ونستشهد عليه جميع من أسكنته أرضك وسماواتك ) من الملائكة والأنس والجن ليشهدوا يوم الدين بأني ما قصرت ولا فرطت في تبليغ أمرك إلى المتخاذلين ولكنهم تولوا عنه معرضين (ثم أنت البعد ) أي بعد تلك الشهادة (المغني) لما (عن نصره ) إذ بيدك جنود السماوات والأرض وأنت لما تشاء قدير ، وفي هذه الفقرة تعظيم لرب العالمين واستحقار للمتخاذلين (والآخذ له بذنبه ) وفيه تحذير عظيم لهم وتهديد شديد من سخطه وعقابه لكونه عز وجل شديد العقاب وأشد بأساً وأشد تنكيلاً، لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، نعوذ بالله من سخطه وغضبه .
1) وسائل الشيعة : 119/1 298 ، وفقه الصادق (علیه السلام) : 165/16 .
از جمله خطب شریفه آن امام انام (علیه السلام) است که گفته :
بارالها ، هر کدام بنده از بندگان تو که شنید گفتار با عدالت ما را که ظلم کننده نیست و گفتار اصلاح کننده ما را که افساد کننده نیست در دین و دنیا ، پس امتناع کرد بعد از شنیدن او مر آن را مگر از برگشتن از یاری تو و تأخیر نمودن از برای اعزاز دین تو ، پس به درستی که ما شاهد میگیریم تو را بر آن شخص ای بزرگترین شاهدها و شاهد میگیریم تو را و جمیع کسانی را که ساکن فرموده ایشان را در زمین خود و آسمانهای خود ، پس تو بعد از آن شهادت غنی کننده ای از یاری او و مؤاخذه کننده ای او را به گناه و معصیت او ؛ والله الهادى .
الحَمْدُ لله العَلِيِّ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقينَ ، الغالِبِ لِمَقالِ الواصِفِينَ، الظاهِرِ بِعَجائِبِ تَدْبِيرِهِ للنّاظِرِينَ، والباطِنِ بِجَلالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ المُتوهِّمِينَ، العالم بلا اكْتِسابِ وَلا ازْدِيادِ، وَلا عِلْم مُسْتَفَادِ ، المُقَدِّرُ لجميع الأمور بلا رَبِيَّةٍ ولا ضَمِيرِ ، الَّذِي لا تَغْشاه الظلم، وَلا يَسْتَضِي بِالأَنْوارٍ، وَلا يَرْهَقُهُ لَيْل وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارٌ ، لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالأَبْصارِ، وَلَا عِلْمُهُ بالأخبار .
منها في ذكر النبي صلى الله عليه واله وسلم :
أَرْسَلَهُ بِالضّياءِ، وَقَدَّمَهُ فِي الاصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ المَفاتِقَ، وساوَرَ بِهِ المَغالِبَ ، وذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ، وسَهْلَ بِهِ الحُزُونَةَ ، حَتَّى سَرَّحَ الضَّلالَ عَنْ يَمين وشمال .
(الشبه) بالتحريك كالشبه والشبيه بمعنى المثل والمشابه وشبهت الشيء بالشيء أقمته مقامه بصفة جامعة بينهما، وأشبه الولد أباه وشابهه إذا شاركه في صفة من الصفات و (رهق) الدين رهقاً من باب تعب غشيه ورهقت الشيء أدركته و (الأخبار) في أكثر النسخ بالكسر مصدر أخير وفي بعضها بالفتح جمع الخير وكذلك الأبصار.
و (رتقت) الفتن رتقاً من باب قال سددته فارتتق و (فتق) الثوب شقه فانفتق وتفتق والفتق أيضاً شقّ عصا الجماعة ووقوع الحرب بينهم ومفتق الثوب محل شقه ويجمع على مفاتق كمقعد ومقاعد و (ساور) فلاناً واثبه سواراً ومساورة وساوره أخذه برأسه والوثوب الظفر و (غلبه) غلباً وغلباً وغلبة ومغلباً قهره والمغلب وزان معظم المغلوب مراراً والمحكوم له بالغلبة ضد ، والمغلبني وزان مسلنقي الذي يغلبك ويعلوك و (الحزونة) ضد السهولة والحزن ما غلظ من الأرض والسهل ما لان منها و (سرحت ) المرأة تسريحاً طلقتها، قال تعالى: فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ [البقرة: 229] أي تطليق .
(الباء) في قوله : (بالضياء) للمصاحبة كما في دخلت عليه بثياب السفر، وفي قوله : (به) للسببية، وقوله : ( عن يمين وشمال ) ، ظرف لغو متعلق بسرح على تضمين معنى الطرد والإبعاد.
اعلم أن هذه الخطبة الشريفة كما ذكره بعض الشراح وأشار إليه السيد «رحمت الله» مشتملة على فصلين :
في تمجيد الله عز وجل وثنائه بنعوت جلاله وجماله وأثنى عليه تعالى باعتبارات : أولها : قوله : (الحمد لله العلي عن شبه المخلوقين ) أي المتعالي عن مشابهة مخلوقاته فلا يشابه شيئاً منها ، ولا يشابهه شيء، فليس له شبه وشبيه ونظير .
وذلك لما عرفت مراراً في تضاعيف الشرح لا سيما شرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين وشرح الكلام المائتين والثامن أن المخلوقات كلها محدودة بالحدود الاصطلاحية المركبة من الجنس والفصل ، وبالحدود اللغوية أي النهاية والله سبحانه منزّه عن اصطلاحياً كان أو لغوياً لاستلزام الأول للتركيب والثاني للافتقار إلى محدد ، وكل مركب ومفتقر ممكن ، فالواجب تعالى لا يمكن أن يكون له مشابه ومشارك في ذاته وصفاته وأفعاله.
والحاصل أن الواجب تعالى أجلّ وأعلى من أن يتصف بالصفات الإمكانية ، فيشابه
المحدثات ويشاركهم في جهة من الجهات.
الثاني: أنه (الغالب لمقال الواصفين) يعني أنه تعالى شأنه أجلّ من أنه تعالى شأنه أجلّ من أن يقدر الواصفون على وصفه وبيان محامده ، لعدم وقوف صفاته الكمالية وأوصافه الجمالية والجلالية إلى حد معين حتى يحيط بها العقول وبصفة الألسنة كيف وقد اعترف سيد البشر صلی الله علیه واله وسلم بالعجز عن ذلك، وقال: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»(1)، فأني لغيره بذلك؟
وهذه الفقرة مساوقة لقوله علیه السلام في الخطبة الأولى : الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، فإن المدح والثناء والوصف كلها بمعنى:
1) منتهى الطلب : 2991 ، وتذكرة الفقهاء : 265/2
لا يدرك الواصف المطري محامده *** وإن يكن سابقاً في كل ما وصفا
فحيث قصرت ألسنة الواصفين وكلّت عن تعداد صفاته الحميدة فهو كالغالب على أقوالهم لعجزها عن البلوغ إلى مدى صفاته .
الثالث : أنه (الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين ) يعني أنه تعالى ظاهر للناظرين وليس ظهوره بذاته كما توهمه المجسمة وغيرهم من المجوزين للرؤية، بل بآثار قدرته وإعلام عظمته وبدائع صنعه وعجائب تدبيره وحكمته حسبما عرفته تفصيلاً في شرح الخطبة التاسعة والأربعين والخطبة الرابعة والستين وغيرهما.
(و) الرابع : أنه (الباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمين) يعني أنه محتجب عن الأوهام والعقول، وليس احتجابه واختفاؤه بصغر جسمه وحقارته أو لطافة قوامه كالهواء والروح ونحوهما ، بل باعتبار جلاله وعزّته وجبروته وعظمته حسبما عرفت في شرح الخطبتين المذكورتين والحاصل أنه ظاهر بآياته باطن بذاته.
قال الشارح البحراني : وإنما قال: (فكر المتوهمين ) ، لأن النفس الإنسانية حال التفاتها إلى استلاحة الأمور العلوية المجردة لا بد أن يستعين بالقوة المتخيلة بباعث الوهم في أن تصور تلك الأمور بصور خيالية مناسبة لتشبيهها بها وتحطها إلى الخيال ، وقد علمت أن الوهم إنما يدرك ما كان متعلقاً أو متخيل من المحسوسات فكل أمر يتصوره الإنسان وهو في هذا العالم سواء كان ذات الله سبحانه أو غير ذلك فلا بد أن يكون مشوباً بصورة خيالية ومعلقاً بها، وهو تعالى منزّه بجلال عزّته عن تكيف تلك الفكر له وباطن عنها، انتهى.
وقد تقدم ما يوضح ذلك في شرح الفصل الثاني من الخطبة الأولى وشرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين فليراجع هناك.
الخامس : إنه (العالم بلا اكتساب ولا ازدياد ولا علم مستفاد ) يعني أنه عز وجل عالم بذاته والعلم ذاته وليس علمه باكتساب له بعد الجهل ، ولا بازدياد منه بعد النقص، ولا باستفادة وأخذ له عن غيره كما هو شأن علم المخلوقين، إذ لو كان كذلك لكان سبحانه متغيراً أو ناقصاً في ذاته مستكملاً بغيره وهو باطل.
السادس : أنه (المقدر لجميع الأمور بلا روية ولا ضمير) أي الموجد لمخلوقاته على وفق حكمته وقضائه كلاً منها بقدر معلوم ومقدار معين من دون أن يكون إيجادها مستنداً إلى الروية والفكر، ولا إلى ما يضمر في القلب من الصور كما يحتاج إليها سائر الصناع، لأنه سبحانه منزه من الضمير والقلب ، والرويات لا تليق إلا بذوي الضمائر حسبما عرفت تفصيلاً في شرح الفصل الأول من الخطبة المائة والسابعة .
السابع: أنه (الذي لا تغشاه الظلم ولا يستضيء بالأنوار) أي لا يغطيه ظلام كما يغطي سائر الأجسام لكونه منزهاً عن الجسمية ، ولا يستضيء بالأنوار كما يستضيء بها ذوات الأبصار لكونه منزهاً من حاسة البصر وسائر الحواس، مضافاً إلى أنه تعالى نور السماوات والأرض، والجميع به يستضيء فكيف يستضيء بغيره وإلا لزم أن يكون مفتقراً إلى غيره مستكملاً به وهو باطل.
(و) الثامن : أنه (لا يرهقه ليل ولا يجري عليه نهار ) يعني لا يتعور عليه ليل ونهار لكونه منزهاً عن الزمان والحركة فلو تعاورا عليه لتفاوتت ذاته وتغيرت صفاته وامتنع من الأزل معناه .
(و) التاسع : أنه (ليس إدراكه بالأبصار) لتنزهه من الاحتياج في الإدراك إلى الآلات
والمشاعر والأدوات .
والعاشر ما أشار إليه بقوله : (ولا علمه بالأخبار ) أي بأن يخبره غيره بشيء فيحصل له العلم بذلك الشيء بسبب هذا الخبر، لاستلزام ذلك للجهل أولاً والافتقار إلى حاسة السمع ثانياً، والنقص بالذات والاستكمال بالغير ثالثاً، وهذا كله مناف لوجوب الوجود .
(منها) في ذكر النبي ( صلی الله علیه واله وسلم ) قال : (أرسله بالضياء ) الساطع والنور اللامع.
والمراد به إما نور الإيمان وبه فسر قوله تعالى : ( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور أي ظلمات الكفر إلى نور الإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ ﴾ [البقرة: 257] .
وإما نور العلم يعني النبوة الذي كان في قلبه صلی الله علیه واله وسلم ، وبه فسر (المصباح) في قوله تعالى : (مَثَلُ نُورِو، کمشكَوه فيها مصباح ﴾ [النور: 35].
روي في (الصافي) من التوحيد عن الصادق علیه السلام في هذه الآية : (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النور: 35] قال : كذلك عز وجل : «مثل نوره» قال محمد صلی الله علیه واله وسلم : «كمشكوة» قال صدر محمد صلی الله علیه واله وسلم : «فيها مصباح» قال فيه نور العلم يعني النبوة الحديث (1)
وإما القرآن كما في قوله تعالى : (وقَدْ جَاءَكُم مين اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )
1) معاني الأخبار: 15 ح ، وبحار الأنوار: 15/4 ح 4 .
[المائدة: 15 - 16] فهو نور عقلي يُهتدى به في سلوك سبيل الجنان ويستضاء به في الوصول إلى مقام الزلفى والرضوان .
(وقدمه في الاصطفاء) أي قدمه على جميع خلقه في أن اختاره منهم وفضله عليهم كما قال الشاعر :
لله في عالمه صفوه *** وصفوه الخلق بنو هاشم
وصفوة الصفوة من هاشم *** محمد الطهر أبو أبو القاسم
وقد مضى أخبار لطيفة في هذا المعنى في شرح الخطبة الثالثة والتسعين فليراجع هناك.
وقوله: (فرتق به المفاتق ) أي أصلح به المفاسد وهو إشارة إلى ما كانت عليه أهل الجاهلية حين بعثه من سفك الدماء وقطع الأرحام وعبادة الأصنام واجتراح الآثام قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، تائهين حائرين في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل ، فبالغ صلی الله علیه واله وسلم في نصحهم وموعظتهم ودعائهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى سبيل ربهم ، وجادلهم بالتي هي أحسن، فأصلح الله بوجوده الشريف ما فسد من أمور دنياهم وآخرتهم ، ورفع به ضغائن صدورهم ، وهداهم به من الضلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة .
(وساور به المغالب) في إسناد المساورة إلى الله ،توسع والمراد تسليطه على المشركين والكفار والمنافقين الذين كان لهم الغلبة على غيرهم كما قال عز من قائل : (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُولَيْكَ فِي الْأَذَلِينَ كَتَبَ اللهُ لأَلِينَ أَنا وَرُسُلِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيرٌ ﴾ [المجادلة: 20 21] وقال: هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [النوبة : 33] .
قال في (مجمع البيان ) في تفسير الآية الأولى : روي أن المسلمين قالوا: لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى ليفتحن الله علينا الروم وفارس فقال المنافقون : أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتم عليها ، فأنزل الله هذه الآية (1).
وقال في الآية الثانية في تفسير قوله : (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُله ) معناه ليغلب دين الإسلام على جميع الأديان بالحجة والغلبة والقهر لها حتى لا يبقى على وجه الأرض دين إلا مغلوب.
(وذلل به الصعوبة) صعوبة الجاهلية التي أشرنا إليها في شرح قوله : فرتق به المفاتق (وسهل به الحزونة) أي حزونة طريق الحق وتسهيلها بالإرشاد إلى معالمه والهداية إليه.
1) مجمع البيان: 421/9 ، وتفسير الميزان: 198/19.
(حتى سرّح الضلال عن يمين وشمال ) غاية للجملات السابقة جميعاً أو لخصوص الجملة الأخيرة أي إلى أن طردوا بعد ظلمات الجهل والضلال بميامين بعثته وأنوار هدايته عن يمين النفوس وشمالها.
قال الشارح البحراني : وهو إشارة إلى إلقائه رذيلتي التفريط والإفراط عن ظهور
النفوس كتسريح جنبي الحمل عن ظهر الدابة وهو من ألطف الاستعارات وأبلغها .
حمد و ثنا خدایی را است که برتر است از مشابهت مخلوقات و غلبه کننده است مر گفتار وصف کنندگان کنه ذات و صفات . یعنی او غالب است به توصیف هر واصفی و هیچ کس قدرت وصف او ندارد . ظاهر است و هویدا با عجایب و غرایب تدبیر خود از برای متفکران و پنهان است به جهت جلال عظمت و شدت نور خود از فکر صاحبان وهم و عقل دانا و عالم است بدون حاجت به کسب علم از دیگری و بدون احتیاج به افزون کردن علم و بدون علمی که استفاده شود از خارج ،مقدر است جمیع امورات را بدون فکر و خطور خاطری ، چنان خدایی که احاطه نمیکند او را ظلمتها و طلب روشنی نمیکند به نورها و درک نمی کند او را شب و جاری نمیشود بر او روز ، نیست دیدن او با دیدن بصر و نه دانستن او به خبر دادن کسی دیگر .
از جمله فقرات این خطبه در ذکر اوصاف پیغمبر (صلی الله علیه واله وسلم) است ، می فرماید:
فرستاد خدای تعالی او را با نور پر ظهور و مقدم فرمود او را به جمیع مخلوقات در پسند کردن او ، پس بست به وجود او گشادگی ها را و سد کرد شکافتگی ها را و شکست داد با قوت او اشخاصی را که همیشه غلبه داشتند ذلیل کرد به سبب او سرکشی را و هموار گردانید با او ناهموار را تا این که برطرف ساخت و دور نمود ضلالت را از راست و چپ طریق حق .
وَأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ ، وحَكَمٌ فَصَلَ ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وسَيِّدُ عِبادِهِ، كُلَّما نَسَخَ الله الخَلْقَ فِرْقَتينِ جَعَلَهُ في خَيرِهِما ، لَمْ يُسْهَمْ فِيهِ عَاهِرٌ، وَلا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِر .
أَلا وَإِنَّ الله قَدْ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلاً، وَلِلْحَقِّ دَعائِمَ ، ولِلطَّاعَةِ عِصمَاً، وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ
طاعَةٍ عَوْناً مِنَ الله يَقُولُ عَلى الأَلْسِنَةِ ، وَيُثَبِّتُ الأَفْئِدَةَ، فِيهِ كِفَاء لِمُكْتَفٍ، وَشِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ .
وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبادَ الله المُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ، يَصُونُونَ مَصُونَهُ، ويُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ، يَتَواصَلُونَ بالوَلايَةِ، ويَتَلاقُونَ بِالمَحَبَّةِ، ويَتَسافَوْنَ بِكَأْس رَوِيَّةٍ، ويَصْدُرُونَ بِرِيةِ، لا تَشُوبُهُمُ الرَّيْبَةُ، وَلا تُسْرِعُ فِيهِمُ الغَيْبَةُ، عَلى ذلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَأَخَلاقَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحاثُونَ، وَبِهِ يَتَواصَلونَ، فَكانوا كَتَفاضُلِ الْبَدْرِ يُنتَقى ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ ويُلْقَى، قَدْ مَيَّزَهُ التَّلْخِيصُ، وهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ ، فَلْيَقْبَلِ امْرُؤٌ كَرامَةً بقبولها ، وَليَحْذَرُ قارِعَةٌ قَبْلَ حُلُولِها ، وَلْيَنظُرِ امْرُؤ في قصير أَيَّامِهِ، وقَليلٍ مُقامِهِ، في مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً ، فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوِّلِهِ، ومَعارِفِ مُنْتَقَلِهِ، فَطُوبى لِذِي قَلْبٍ سَليم أطاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وتَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ، وأصابَ سَبِيلَ السَّلامَةِ بِنَصْرِ مَنْ بَصَّرَهُ، وطاعَةِ هادٍ أَمَرَهُ، وبادَرَ الهُدى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوابُهُ ، وتُقْطَعَ أَسبابُهُ ، وَاسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ، وَأَماطَ الحَوْبَةَ، فَقَدْ أُقيمَ عَلَى الطَّرِيقِ، وهُدِيَ نَهْجَ السَّبِيلِ (1).
(نسخت) الكتاب نسخاً من باب منع نقلته وانتسخته كذلك، ونسخت الشمس الظل أي أزالته ، قال ابن فارس : وكل شيء خلف شيئاً فقد انتسخه، فيقال: انتسخت الشمس الظل والشيب والشباب أي أزاله وكتاب منسوخ ومنتسخ منقول.والنسخة الكتاب المنقول، وتناسخ الأزمنة والقرون تتابعها وتداولها ، لأن كل واحد ينسخ حكم ما قبله ويثبت الحكم لنفسه، ومنه تناسخ المواريث لأن الإرث لا يقسم على حكم الميت الأول بل على حكم الثاني وكذلك ما بعده .
و (يسهم ) بالبناء على المفعول من أسهمت له أعطيته سهماً أي نصيباً و (عهر) عهراً من
1) بحار الأنوار: 311/66
باب تعب زنا وفجر فهو عاهر وعهر عهوراً من باب قعد لغة ، وفي الحديث : الولد للفراش وللعاهر الحجر، أي إنما يثبت الولد لصاحب الفراش وهو الزوج وللعاهر الجنبة(1)ولا يثبت له نسب وهو كما يقال له التراب أي الخيبة لأن بعض العرب كان يثبت النسب من زنا فأبطله الشرع .
و (الدعامة ) بالكسر ما يستند به الحائط إذا مال يمنعه من السقوط والجمع دعائم كعمائم، ويستعار بسيد القوم فيقال : هو دعامة القوم، كما يقال : هو عمادهم، و (عصمه) الله من المكروه من باب ضرب حفظه ووقاه ، والاسم العصمة بالكسر ويجمع على عصم وزن عنب وجمع الجمع أعصم وعصمة وجمع جمع الجمع أعصام .
و (كفى) الشيء يكفي كفاية فهو كاف إذا حصل به الاستغناء عن غيره، قال الشارح المعتزلي : فيه كفاء لمكتف وشفاء لمشتف ، الوجه فيه كفاية فإن الهمز لا وجه له ههنا لأنه من باب آخر ولكنه أتى بالهمزة للازدواج بين كفاء وشفاء كما قالوا : الغدايا والعشايا، وكما قال علیه السلام : مأزورات غير مأجورات ، تأتي بالهمزة والوجه الواو للازدواج.
و (الولاية) بفتح الواو المحبة والنصرة و (الكأس) بهمزة ساكنة ويجوز تخفيفها القدح المملوء من الشراب ولا تسمى كأساً إلا وفيها شراب وهي مؤنثة سماعية و(روي) من الماء واللبن كرضي ريا وريا وتروى وارتوى الاسم الذي بالكسر ، وماء روي كغني ورواء كسماء كثير مرو و (القارعة ) الداهية لأنها تقرع الناس بشدّتها ومنه سمي الموت قارعة وكذلك القيامة المزيد هولها و (معارف) الدار ما يعرفها المتوسم بها واحدها معرف مثل معاهد الدار ومعالم الدار و (طوبى) مصدر من الطيب قلبت ياؤه واواً لضمة ما قبلها أو اسم شجرة في الجنة .
قوله : (كلما نسخ الله بنسخ )كل على الظرف ، و (الفاء) في قوله: (فليقبل) فصيحة ، وقوله : (حتى يستبدل)، متعلق بقوله : ( ولينظر)، وقوله: (فطوبى لذي قلب سليم ) الفاء فصيحة ، وطوبى مرفوع على الابتداء خبره لذي قلب ونهج السبيل بالنصب على نزع الخافض .
اعلم أن هذه الخطبة مسوقة لوصف حال عباد الله الصالحين وأوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وختمها بالذكرى والموعظة وافتتحها بالشهادة بعدل الله عز وجل
1) «الخيبة» في نسخة .
وفصله ثم بنعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتزكية نسبه وأصله فقال :
(وأشهد أنه عدل عدل ) قال الشارح المعتزلي : الضمير في (أنه) راجع إلى القضاء والقدر المذكور في صدر هذه الخطبة ولم يذكره الرضي رحمه الله ، قال : ونسبة العدل إلى القضاء على طريق المجاز، وهو بالحقيقة منسوب إلى ذي القضاء والقاضي به هو الله تعالى (اه) ، ومحصله أنه تعالى عدل مبالغة أو عادل حقيقة في جميع في جميع أفعاله وأحكامه لكون الظلم قبيحاً عقلاً ونقلاً فيستحيل في حقه.
قال الشارح البحراني : والباري تعالى عادل بالنظر إلى حكمه وقضائه أي لا يقضي في ملكه بأمر إلا وهو على وفق النظام الكلي والحكمة البالغة، ويدخل في ذلك جميع أفعاله وأقواله، فأنه لا يصدر منها شيء إلا وهو كذلك، وأما الجزئيات المعدودة شروراً وصورة جور في هذا العالم ، فإنها إذا اعتبرت شروراً نسبة ومع ذلك فهي من لوازم الخير والعدل لا بد منها، ولا يمكن أن يكون الخير والعدل من دونها كما لا يمكن أن يكون الإنسان إنساناً إلا وهو ذو غضب وشهوة يلزمهما الفساد والشر الجزئي، ولما كان الخير أكثر وكان ترك خير الكثير لأجل الشر القليل شراً كثيراً في الجود والحكمة وجب تلك الشرور الجزئية لوجود ملزوماتها، وأشار بقوله : عدل إلى إيجاد العدل بالفعل، انتهى .
(وحكم فصل) أي حاكم بالحق فصل بين الحق والباطل بما بعث به رسوله من كتابه العزيز، وإنه لقول فصل وما هو بالهزل، ويفصل أيضاً بين عباده يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون كما قال عز من قائل: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَنَا [النبأ : 17]، وقال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ [السجدة: 25] أي يقضي فيميز الحق من الباطل تمييز المحق من المبطل والطيب من الخبيث فيما كانوا يختلفون فيه من أمر الدين، وفي آية أخرى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّنِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ) [الحج : 17] أي بالحكومة بينهم وإظهار الحق من المبطل وجزاء كل بما يليق به.
(وأشهد أن محمداً )صلی الله علیه واله وسلم (عبده وسيد عباده).
أما أنه عبده فقد شهد به الكتاب العزيز في مواضع عديدة مقدماً على شهادته علیه السلام قال سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَب وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجَا [الكهف: 1]، وقال: (و تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1] ، وقال : (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أوحى) [النجم: 10]، وقال: هُوَ الَّذِي يُنَزِلُ عَلَى عَبْدِهِ وَايَتٍ بَيِّنَتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد: 9] إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره. وقد تقدم بيان حقيقة العبودية في شرح الخطبة الحادية والسبعين تفصيلاً فليراجع ثمة ، وإجمال ما قدمناه هنا أن العبد لا يكون
عبداً حقيقة إلا أن لا بری لنفسه مالاً ولا له في أموره تدبيراً، وتكون أوقاته مستغرقة بخدمة مولاه، وهكذا كان حال سيدنا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم والطيبين من آله سلام الله عليهم، فإنهم رأوا جميع ما في أيديهم مال الله فصرفوه في عيال الله وهم الفقراء والمساكين، ووكلوا جميع أمورهم إلى الله رضاء بقضائه فشكروا على نعمائه وصبروا على بلائه وكانت أوقاتهم مصروفة إلى عبادته وقيام أوامره ونواهيه وطاعته .
وأما أنه سيد عباده فلا ريب فيه ، والظاهر أن المراد به جميع البشر لا خصوص عباد الله الصالحين الكاملين من الأنبياء والرسل ومن دونهم ، لدلالة الأدلة على العموم حسبما عرفت تفصيلاً في تضاعيف الشرح ، وأقول هنا مضافاً إلى ما قدمنا :
روي في (البحار) من الكافي بإسناده عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله علیه السلام أن بعض قريش قال سئل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بأي شيء سبقت ولد آدم؟ قال: «إنني أول من أقر بربي إن الله أخذ ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى، فكنت أول من أجاب » (1).
وفيه من الخصال في وصية النبي صلی الله علیه واله وسلم لعلي علیه السلام : «يا علي إن الله عز وجل أشرف على الدنيا فاختارني منها على رجال العالمين، ثم اطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين بعدي، ثم اطلع الثالثة فاختار الأئمة من ولدك على رجال العالمين بعدك، ثم اطلع الرابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين (2).
وفيه من تفسير فرات بن إبراهيم بسنده عن جابر الجعفي عن بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «لما أُسري بي إلى السماء قال لي العزيز الجبار : يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها واشتققت لك اسماً من أسمائي لا أذكر في مكان إلا وأنت معي، فأنا محمود وأنت محمد» الحديث (3)
وفيه من (العيون) عن الهروي عن الرضا علیه السلام في حديث طويل قال : إن آدم على نبينا وآله و علیه السلام لما أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته وبإدخاله الجنة قال في نفسه : هل خلق الله بشراً أفضل مني، فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه فناداه : ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي ، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوباً : لا إله إلا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن
والحسين سيدا شباب أهل الجنة ، فقال آدم : يا رب من هؤلاء؟ فقال عز وجل : هؤلاء من ذريتك وهم خیر منك ومن جميع خلقي ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض» (1)إلى آخر ما تقدم روايته في التذنيب الثاني من شرح الفصل الثاني عشر من الخطبة الأولى.
وفيه أيضاً من إكمال الدين عن الحسين بن خالد عن عن أبي الحسن موسى علیه السلام عن آبائه علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «أنا سيد من خلق الله وأنا خير من جبرائيل وميكائيل وحملة العرش وجميع الملائكة المقربين وأنبياء الله المرسلين ، وأنا صاحب الشفاعة والحوض الشريف وأنا وعلي أبوا هذه الأئمة (2)من عرفنا فقد عرف الله، ومن أنكرنا فقد أنكر الله عز وجل » الحديث(3).
وفي (شرح المعتزلي) عنه صلی الله علیه واله وسلم قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر »(4).
وعنه أيضاً :« ادعوا لي سيد العرب علياً »، فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟ فقال : «أنا سيد البشر وعلي سيد العرب» (5).
والأخبار في هذا المعنى فوق حد الإحصاء ولا حاجة إلى الإطالة بروايتها .
قال الصدوق في (الهداية) : يجب أن يعتقد أن النبوة حق كما اعتقدنا أن التوحيد حق ، وأن الأنبياء الذين بعثهم الله مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، جاؤوا بالحق من عند الحق، وأن قولهم قول الله وأمرهم أمر الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، وأنهم لم ينطقوا إلا من الله عز وجل وعن وجهه وأن سادة الأنبياء خمسة الذين عليهم دارت الرحى وهم أصحاب الشرائع وهم أولو العزم : نوح، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم وأن محمداً صلوات الله عليه سيدهم وأفضلهم، وأنه جاء بالحق وصدق بالمرسلين، وأن الذين آمنوا به وعزّروه و نصروه واتبعوا النور الذي أنزل المفلحون، ويجب أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقاً أفضل من محمد صلی الله علیه واله وسلم ومن بعده الأئمة صلوات الله عليهم، وأنهم أحب الخلق إلى الله عز وجل وأكرمهم عليه وأولهم إقراراً به لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر. إلى آخر ما قال (6).
(كلما نسخ الله الخلق فرقتين) أي خلفهم حيث نقلهم من البطن الأول إلى البطن الثاني
وقسمهم إلى فرقتين فرقة خير وفرقة شر (جعله في خيرهما) حسبما عرفت تفصيلاً في شرح الخطبة الثالثة والتسعين .
قال الشارح المعتزلي: وهذا المعنى قد ورد مرفوعاً في عدة أحاديث نحو قوله صلی الله علیه واله وسلم : ما افترقت فرقتان منذ نسل آدم ولده إلا كنت في خيرهما، ونحو قوله صلی الله علیه واله وسلم : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل مضر واصطفى من مضر كنانة واصطفى من كنانة قريش واصطفى من قريش هاشماً واصطفاني من بني هاشم.
(لم يسهم فيه عاهر) أي لم يجعل في نسبه الشريف ذا سهم ونصيب (ولا ضرب فيه فاجر) أي لم يكن لفاجر فيه شرك ، يقال : ضرب في كذا بنصيب إذا كان شريكاً فيه.
والمراد طهارة نسبه الشامخ من شوب دنس الجاهلية ونجس السفاح أي تناسخته كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام وكان نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تدنس نسبه الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها وقد عرفت تفصيله أيضاً في شرح الخطبة الثالثة والتسعين ، هذا .
ولما فرغ علیه السلام من وصف النبي صلی الله علیه واله وسلم رغب المخاطبين في دخولهم في زمرة أهل الخير والحق والطاعة بقوله :
(ألا وإن الله قد جعل للخير أهلاً) وهم الأبرار المتقون وأهل الزهد والصلاح من المؤمنين، قال سبحانه: يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَأَفعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج : 77] أي تحروا ما هو خير وأصلحوا فيما تأتون وتذرون کنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكان الأخلاق.
وقال الصادق علیه السلام : جعل الخير كله في بيت ومفتاحه الزهد في الدنيا، وخير الخير هو رضوان الله تعالى ، وشر الشر سخطه والنار(1).
والخيرات الأخروية إنما تكسب بالخيرات الدنيوية ولذلك أمر الله سبحانه بها في الآية السابقة بقوله: وَافَعَلُواْ الْخَيْر وفي قوله : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَةِ) أي الأعمال الصالحة والطاعات المفروضة والمندوبة ورئيس أهل الخير هم الأئمة عليهم الصلاة والسلام كما أشير إليه في زيارتهم الجامعة بقوله : إن ذكر الخير كنتم أوله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه .)( وللحق دعائم الظاهر أن المراد بالحق ضد الباطل وبدعائمه الأئمة علیه السلام لأنهم أئمة الحق بهم قوامه ودوامه وثباته وغيرهم أئمة الباطل كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِمَنْ)
1) الكافي: 2/ 128 ح 2 .
خَلَقْنَا أُمَةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف: 181]، وقوله: ﴿أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ ) أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَّا يَهدِى إِلَّا أَن يُهْدَى ) [يونس : 35] وقد قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في الحديث المتفق عليه بين الفريقين: «الحق مع علي وهو مع الحق أينما دار »، ومن طرق الخاصة مستفيضاً بل متواتراً كما قيل عن النبي صلی الله علیه واله وسلم والأئمة علیه السلام عنه صلی الله علیه واله وسلم أنه قال : الحق مع الأئمة الإثني عشر، وفي زيارتهم الجامعة: الحق معكم وفيكم ومنكم واليكم وأنتم أهله ومعدنه .)وفي رواية (الكافي عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام : يقول : ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حق إلا ما خرج منا أهل البيت ، وإذا تشعبت الأمور كان الخطأ منهم والصواب من علي علیه السلام (1).)وقوله : ( وللطاعة عصماً يحتمل أن يكون المراد بالعصمة ما يعتصم به كما فسر به قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِر ) [الممتحنة : 10] أي بما يعتصم به الكافرات من عقد و سبب أي لا تمسكوا بنكاح الكوافر ، وسمي النكاح عصمة لأنها لغة المنع والمرأة بالنكاح ممنوعة من غير زوجها .)وعلى ذلك فالمراد بعصم الطاعة هم الأئمة علیه السلام والقرآن إذ بهما يعتصم ويتمسك في الطاعات.أما الأئمة علیه السلام فالاستناد الطاعة والعبادة إليهم لأنهم علیه السلام الانشروا شرائع الأحكام وبموالاتهم علمنا الله معالم ديننا، وبموالاتهم تقبل الطاعة المفترضة كما ورد في فقرات الزيارة الجامعة وفي رواية (الكافي المتقدمة في شرح الفصل الخامس من الخطبة الثانية عن مروان بن مياح عن الصادق علیه السلام قال : وبعبادتنا عبد الله ولولا نحن ما عبد الله ، وفي غير واحد من أخبارهم : بنا عرف وبنا عبد الله وسبّحنا فسحت الملائكة وهللنا فهللت الملائكة، والحاصل أنهم أساس الدين وعماد اليقين.)وأما القرآن فلكونه مدرك التكاليف والطاعات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لتِي هِيَ أَقومُ [الإسراء: 9] أي طريق الشريعة والطاعة ، ولذلك أمر الله بالاعتصام به في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ) [آل عمران: 103] أي بالقرآن استعير له الحبل لأن الاعتصام والتمسك به سبب النجاة من الرّدى كما أن التمسك بالحبل سبب النجاة من الردى. ويحتمل أن يكون المراد بها أي بالعصمة الحفظ والوقاية كما في قولهم : عصمه الله من المكروه أي حفظه ووقاه، وعصمة الله للعبد منعه وحفظه له من المعصية وعلى ذلك فالمراد بعصم الطاعة الخواص الكامنة لها المانعة له من هلكات الدنيا وعقوبات الآخرة كما
1) شرح أصول الكافي : 426/6 ح 1.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ )[العنكبوت : 7] .
والإتيان بصيغة الجمع ، أعني ،عصما ، إما باعتبار تعدد أنواع الطاعة أو تعدد خواصها أو كثرة ما يعصم بها منها من أنواع العقوبات، فإنّ كلّ طاعة فلها عصمة من نوع مخصوص أو أنواع من العذاب ، ويقابلها الذنب والمعصية، فإن لكل ذنب أثراً خاصاً في جلب نوع مخصوص أو أنواع من السخط كما أشير إلى ذلك في الدعاء : اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تغيّر النعم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء ، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء، هذا .
وأنت بعد الخبرة بما حققناه في شرح هذه الفقرة وسابقتيه تعرف أن ما قلناه أولى مما قاله الشارح البحراني في تلك الفقرات حيث قال : قوله علیه السلام ألا وإن الله - إلى قوله عصماً - ترغيب للسامعين أن يكونوا من أهل الجنة ودعائم الحق وعصم الطاعة .
ومما قاله الشارح المعتزلي من أن دعائم الحق الأدلة الموصلة إليه المثبت له في القلوب وعصم الطاعة الإدمان على فعلها والتمرن على الإتيان بها، لأن المروّن على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولته عليه.
ومما قاله بعض الشراح من أن المراد بعصم الطاعة العبادات التي توجب التوفيق من الله سبحانه وترك المعاصي الموجبة لسلبه أو الملائكة العاصمة للعباد عن اتباع الشياطين انتهي ، فافهم جيداً.
قوله علیه السلام : ( وإن لكم عند كل طاعة عوناً من الله ) الظاهر أن المراد بالعون توفيق الله ولطفه المخصوص في حق المطيعين ، فإن الإتيان بالطاعات إنما هو بعونه وتوفيقه كما أن المعاصي بخذلانه وسلب توفيقه كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت : 69] وأشير إليه أيضاً في أخبارهم علیه السلام .
روي في (البحار) من توحيد الصدوق بإسناده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر علیه السلام قال : سألته عن معنى : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال علیه السلام : لا حول لنا عن معصية الله إلا بعون الله ، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بتوفيق الله عز و وجل (1).
وفيه من (كنز الكراجكي ) قال الصادق علیه السلام : ما كل من نوى شيئاً قدر عليه، ولا كل من
1) التوحيد : 242 ، ومعاني الأخبار: 22.
قدر على شيء وفق له ، ولا كل من وفق لشيء أصاب به ، فإذا اجتمعت النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهنالك تمت السعادة (1)
وفيه أيضاً من التوحيد عن الهاشمي قال : سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد علیه السلام عن قوله: «وما توفيقي إلا بالله » وقوله : (إن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخذُلَكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) [آل عمران : 160] فقال علیه السلام: إذا فعل العبد ما أمره الله عز وجل به من الطاعة كان فعله وفقاً لأمر الله عز وجل وسمي العبد به موفقاً، وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي الله فحال الله تبارك وتعالى بينه وبين المعصية كان تركه لها بتوفيق الله تعالى ، ومتى خلي بينه وبين المعصية فلم يحل بينه وبينها حتى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفقه (2).
فقد ظهر بما ذكرنا أن طاعة الله عز وجل لا يتمكن منها إلا بعونه وتوفيقه لأن التوفيق عبارة عن أن يجمع بين جميع الأسباب التي يحتاج إليها في حصول الفعل ، ولهذا لا يقال فيمن أعان غيره : وفقه لأنه لا يقدر أن يجمع بين جميع الأسباب المحتاج إليها في حصول الفعل.
ولانحصار التوفيق فيه تعالى جيء بكلمة الحصر في قوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] أي نستوفق ونطلب المعونة على عبادتك وعلى أمور ما كلها منك وإنّ غيرك «كذا» إذا لا يقدر عليه أحد سواك، وإذا حصل التوفيق وشمله اللطف وعلم أن له في فعل العبادة الثواب العظيم زاد ذلك في نشاطه ورغبته ، فيسهل للعبد حينئذ القيام بوظائف الطاعات لأنه يعين عليها ويقوي الأعضاء والجوارح على الإتيان بها .)ولتقويته لها قال علیه السلام :( يقول على الألسنة فأسند إليه القول توسعاً لكونه ممداً له.)ولكونه سبباً لتثبيت القلوب واطمئنانها ، قال علیه السلام : (ويثبت الأفئدة فأسند التثبيت إليه مجازاً لأنه في الحقيقة فعل الله سبحانه كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ وَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا) [إبراهيم: 27] وقال : (لِنتَيَتَ بِهِ فُؤَادَكَ) [الفرقان: 32].
وإلى هذا التثبيت وتوضيحه أشير في قوله تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّمُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَعَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125] .
روي في (البحار) من محاسن البرقي عن أبيه عن فضالة عن أبي بصير عن خيثمة بن عبد
الرحمن الجعفي قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : إن القلب ينقلب من لدن موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحق فإذا أصاب الحق قرّ ثم ضمّ أصابعه وقرأ هذه الآية : (نَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِي ) الآية (1)
وفي (البحار) أيضاً من التوحيد والعيون عن ابن عبدوس عن ابن قتيبة عن حمدان بن سليمان قال : سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا علیه السلام عن قول الله عز وجل : (فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمَ ) فقال علي علیه السلام : من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنّته ودار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم بالله والثقة به والسكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن (وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ ) عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا
(يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا ) حتى يشك في كفره ويضطرب من اعتقاده قلبه حتى يصير اعتقاده قلبه حتى يصير (كَانَمَا يَضَعَدُ فِي السَّمَاءِ كَلَالِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) (2)[الأنعام: 125].
فقد علم بما ذكرنا كله أن الله سبحانه في حق عباده المطيعين المقربين الذين لا يشاؤون إلا أن يشاء الله ولا يريدون إلا ما أراد الله ألطافاً خاصة وعناية مخصوصة يستولي على قلوبهم بلطفه، ويتصرف في جوارحهم بأمره ففي كل أن يحصل منه التوفيق والإفاضات على أرواحهم والتصرف في أبدانهم فيطمئن به قلوبهم وينظرون بنور الله ويبطشون بقوة الله كما قال تعالى فيهم : فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يمشي وبي يبطش، وقال عز وجل: كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه .
(فيه كفاء لمكتف وشفاء لمشتف ) يعني في عون الله عز وجل غناء لمن استغنى، إذ مع عونه لا يبقى افتقار إلى غيره وشفاء لمن استشفى لأنه تعالى الكافي الشافي لا كافي سواه كما قال: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق : 3 ]، ولا شافي غيره كما قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80] ولا يحصل الغنى والشفاء إلا بعونه وحوله وقوته ولذلك أمر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بإكثار الحوقلة عند الفقر والمرض.
كما رواه في (الروضة) من (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «من ألح عليه الفقر فليكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » (3).
وقال علیه السلام : فقد النبي صلی الله علیه واله وسلم رجلاً من الأنصار فقال: «ما غيّبك عنا؟ » فقال: الفقر يا
رسول الله وطول السقم، فقال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم:« ألا أعلمك كلاماً إذا قلته ذهب عنك الفقر والسقم؟ » فقال: بلى يا رسول الله ، فقال : «إذا أصبحت وأمسيت فقل لا حول ولا قوة إلا بالله توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً » ، فقال الرجل : فوالله ما قلته إلا ثلاثة أيام حتى ذهب عني الفقر والسقم (1).
ثم شرع في وصف عباد الله الكمّلين ترغيباً للمخاطبين إلى اقتفاء ء آثارهم واقتباس أنوارهم وسلوك مسالكهم فقال علیه السلام :
(واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه ) المستحفظين في أكثر النسخ بصيغة المفعول أي الذين طلب منهم الحفظ ، وفي بعضها بصيغة الفاعل أي الطالبين للحفظ .
والمراد بهم إما الأئمة علیه السلام خصوصاً أو هم مع خيار شيعتهم لاتصافهم جميعاً بالاستحفاظ وبغيره من الأوصاف الآتية وإن كان اتصافهم بها اكد وأقوى لكونهم علیه السلام حفظة السره وخزانة لعلمه كما ورد في فقرات الزيارة الجامعة ، وفيها أيضاً : وائتمنكم على سره (2)، وقد وصفهم علیه السلام بذلك في الفصل الرابع من الخطبة الثانية حيث قال: هم موضع سره ولجاء أمره وعيبة علمه، وقدمنا هنالك مطالب نفيسة، وإلى ذلك الحفظ أشير في قوله تعالى : (وتعيها أُذُنٌ وَعِيةٌ ﴾ [الحاقة : 12] أي تحفظها أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظها بتذكره وإشاعته والتفكر فيه والعمل بمقتضاه .
روي في (الصافي) من (مجمع البيان ) عن النبي صلی الله علیه واله وسلم أنه قال لعلي علیه السلام: «يا علي إن الله تعالى أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وتعي وحق على الله أن تعي»، فنزل: وَتَعِيها أُذُنٌ وَعِيدٌ (3)
وفيه منه ومن (العيون والجوامع) عنه صلی الله علیه واله وسلم أنه لما نزلت هذه الآية قال صلی الله علیه واله وسلم : «سألت الله عز وجل أن يجعلها أذنك يا علي » (4).
وفي رواية لما نزلت قال : اللهم اجعلها أذن علي، قال علي علیه السلام : فما سمعت شيئاً من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فنسيته، وزاد في أخرى : وما كان لي أن أنسى (5).
وفي (الكافي) عن الصادق علیه السلام لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم :«أذنك يا هي على » (1)
وبالجملة فالأئمة سلام الله عليهم خزنة علم الله أمرهم الله بحفظه كما أن خيار شيعتهم أوعية علومهم المتلقاة من الله عز وجل، وهم أيضاً طلبوا منهم حفظها عن الضياع والنسيان.
(يصونون مصونه ويفجرون عيونه) أي يحفظون ما يجب حفظه لكونه من الأسرار التي لا يجوز إظهارها أصلاً، فإن حديثهم صعب مستصعب لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان على ما عرفت تحقيقه في شرح الفصل الرابع من الخطبة الثانية.
أو لا يجوز إظهارها إلا للأوحدي من شيعتهم الحافظين لها وإليه أشار علي بن الحسين علیه السلام بقوله : لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله.
ويفجرون ينابيعه ويظهرون ما ليس من قبيل الأسرار بل من قبيل التكاليف والأحكام ونحوها ويعلمونها غيرهم.
وتشبيه العلم بالعين استعارة بالكناية وذكر العيون تخييل والتفجير ترشيح والجامع أن في العلم حياة الأرواح كما أن في الماء حياة الأبدان، وإنما شبّه بماء العين بخصوصه لكونه زلالاً صافياً وفيه من العذوبة والصفاء ما ليس في سائر المياه؛ فكان أبلغ في التشبيه.
وقد وقع نظير ذلك التشبيه في قوله تعالى: إِن أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَعِين [الملك: 30] يعني إن غاب إمامكم فمن يأتيكم بعلم الإمام كما فسر به في عدة روايات.)ولما أشارعلیه السلام إلى كمال المستحفظين في الحكمة النظرية عقبه بالتنبيه على كمالهم في الحكمة العملية فقال :(يتواصلون بالولاية أي بالمحبة والنصرة أو القرب والصداقة، يعني أن مواصلتهم عن وجه الصدق والصفا والود والوفا لا عن وجه النفاق كما هو الغالب في وصل أبناء الزمان ، ويحتمل أن يكون المراد بالولاية القرابة فيكون المراد بالجملة التواصل بالأرحام وصلة الرحم والأول أظهر.)( ويتلاقون بالمحبة هذه الجملة كالتفسير للجملة السابقة ، أي يكون ملاقاتهم عن حب كل منهم لصاحبه.)فقد قال أبو عبد الله في رواية (الكافي عن صفوان الجمال عنه علیه السلام : ما التقى مؤمنان قط إلا كان أفضلهما أشد حباً لأخيه.)
1) شرح أصول الكافي : 88/7 ، والتفسير الأصفي : 1343/2
وفيه أيضاً عن شعيب العقرقوفي قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول لأصحابه : اتقوا الله وكونوا أخوة بررة متحابين في الله متواصلين متراحمين تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه (1.)(ويتساقون بكأس روية أي يسقى كل منهم للآخر بكأس العلم والمعرفة التي بها رواء كل غليل .)أما الأئمة فلأن كل منهم أخذ علمه عن الآخر حتى انتهى إلى أمير المؤمنين وأخذه علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأخذه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عن الله بوحي أو إلهام (2.)
1) الأمالي : 60 ح 87 ، والكافي: 2/ 175 ح 1.
2) تحقيق في مصدر علم آل محمد صلی الله علیه واله وسلم)روایات مصدر علمهم على طوائف :1 - ما دل أن مصدر علمهم القرآن والكتاب فعن أبي عبد الله (عليه السلام قال: والله إنّي لأعلم ما في السموات وما في الأرض وما في الجنة وما في النار، وما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، ثم قال : کتاب انظر إليه ،هكذا، ثم بسط كفّيه ثم قال ان الله يقول: (انّا أنزلنا إليك الكتاب فيه تبيان كلّ : شيء) (بصائر الدرجات 127 باب علمهم بما 127 باب علمهم بما في السموات ح2))2 - أن علمهم من ليلة القدر فعن أبي عبد الله (عليه السلام في حديث جاء فيه: «فإذا كانت ليلة ثلاثة وعشرين فيها يفرق كل أمر حكيم، ثم ينهي ذلك ويمضي .)قلت: إلى مَنْ ؟قال : إلى صاحبكم، ولولا ذلك لم يعلم ما يكون في تلك السنة» (بصائر الدرجات: 222 ح 11 و 220 ح 3 باب ما يلقى إليهم في ليلة القدر.)وعنه ( عليه السلام قال: إن الله يقضي فيها مقادير تلك السنة ثم يقذف به إلى الأرض». فقلت: إلى مَنْ ؟ فقال لي: من ترى يا عاجز» (بصائر الدرجات : 221 ح 10).)3 - أن علمهم من عامود النور فعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام: إن لله عاموداً من نور حجبه الله الخلائق طرفه عند الله وطرفه الآخر في أذن الإمام، فإذا أراد الله شيئاً أوحاه في أذن الإمام (بحار الأنوار: 134/26 باب رفع العامود للإمام ح9 .)4 - أن علمهم وراثة من رسول الله فعن أبي جعفر (عليه السلام في حديث عن علم الإمام علي (عليه السلام قال : وورث علم الأوصياء وعلم من كان قبله (الكافي : 224/1) باب أنّهم ورثوا النبي ح 2 ) .)وفي حديث الإمام الصادق ( عليه السلام: «إنّا ورثنا محمداً» (الكافي : 3225/1). 1/ وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: أما بعد فإن محمداً كان أمين الله في خلقه فلما قبض كنا أهل البيت ورثته، فنحن أمناء الله في أرضه عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق الكافي: 223/1 ح1).)5 - أن علمهم بواسطة القذف والنقر فعن أبي عبد الله (عليه السلام قال: إن علمنا غابر مزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع . فقال : أما الغابر فما تقدّم من علمنا، وأما المزبور فما يأتينا وأما النكت في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك (أصول الكافي : 264/1 باب جهات علومهم ح 3 - 1 - 2 ، وبصائر الدرجات: 318 ح 2).)6 - أن علمهم (عليهم السلام بالإلهام فعن الإمام الرضا ( عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه : إن العبد إذا اختاره الله عزوجل لأمور عباده شرح صدره لذلك وادع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً فلم يعي بعده بجواب (بحار الانوار (3127/25).)7 - في أنهم (عليهم السلام محدثون فعن ابن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إنا نقول إن عليّاً لينكت في قلبه أو ينقر في صدره وأذنه ؟ قال عليه السلام: إن عليّاً كان محدثاً».)قال : فلما أكثرت عليه قال (عليه السلام: إن عليّاً يوم بني قريظة وبني النضير كان جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره يحدثاه (بصائر الدرجات: 321 باب أن المحدث كيف صفته ح 2 - 7، وأصول الكافي: 1388/11 - 240 ح 1 وما بعده) .)8 - أن علمهم (عليهم السلام بواسطة الوحي وجبرائيلفعن الإمام الصادق ( عليه السلام الصحيح السند في علمهم انّه وحي كوحي أم موسى (الاختصاص : 286/12 ، وبصائر الدرجات : 317 ح 10 باب ما يفعل بالإمام من النكت).)وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام: إنه محدث كصاحب سليمان وموسى وذي القرنين (بصائر الدرجات : 241 ج 7 ب 6 ح 3 . وعنه ( عليه السلام قال بيت علي وفاطمة من حجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسقف بيتهم عرش ربّ العالمين، وفي قعر بيوتهم فرجة مكشوفة إلى العرش معراج الوحي، والملائكة تنزل عليهم بالرحي صباحاً ومساءً، وفي كل ساعة وطرفة عين والملائكة لا ينقطع فوجهم فوج ينزل وفوج يصعد .)وأن الله تبارك وتعالى كشط لإبراهيم عن السماوات حتى أبصر العرش، وزاد الله في قوة ناظره، وأن الله زاد في قوة ناظرة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، وكانوا يبصرون العرش ولا يجدون لبيوتهم سقفاً غير العرش (كنز الفوائد : 473 ، وبحار الانوار: 97/25 ح 71 باب الأرواح التي فيهم.)وعن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام : إن فاطمة (عليها السلام) مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبريل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها وكان علي يكتب ذلك فهذا)، مصحف فاطمة (الكافي : 12/ 241 ح 5 باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة وبصائر الدرجات : 153 ح 6 ، وبحار الانوار: 195/46.وعن أبي عبد الله (علیه السلام فليشرق الحكم بن عتيبة ،وليغرب أما والله لا يصيب -العلم وفي أهل بيت نزل عليهم جبرائيل (أصول الكافي: 399/1 ح 4 ، والوسائل : 18 رواية : لا يوجد - إلا - من ح 33209 وبصائر الدرجات : 9 ح 2 - 3 باب الأمر يطلب العلم من معدتهم).)وعن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام الذي أملاه جبرائيل على علي (عليه السلام أقرآن هو ؟ قال ( عليه السلام) ( لا ) (بصائر الدرجات 157 ح 17 باب إنهم أعطوا الجفر والجامعة).)وعن أبي جعفر (عليه السلام قال في قوله تعالى: (وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا) قال أبو جعفر (عليه الأئمة من ولد فاطمة إليهم بالروح في صدورهم (بحار الانوار: 158/24 ح21). السلام): (يعني 4 - أن علمهم (عليهم السلام) بواسطة الروح قال أبو حمزة سألت أبا عبد الله (عليه السلام عن العلم أهو علم يتعلّمه العالم من أفواه الرجال، أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه ؟)قال (عليه السلام الأمر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قوله تعالى : (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان... بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله تعالى الروح التي ذكر في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم، وهي الروح التي يعطيها الله تعالى من شاء، فإذا أعطاها عبداً علّمه الفهم ) ( الكافي : 273/1 ح ه باب الروح التي يسدد الله حه بها الأئمة).)وعن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام قال: إن الله أيدنا بروح منه مقدّسة مطهرة ليست بملك، لم تكن مع أحد ممن مضى إلا ممن مضى إلا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي مع الأئمة منا تسدّدهم وتوفقهم، وهو عمود من نور بيننا وبين الله (عيون أخبار الرضا : 2/ 200 باب 46 ح1).)وعن الإمام العسكري (عليه السلام: (هذا) روح القدس الموكل بالأئمة عليهم السلام يوفقهم ويسددهم ويزينهم بالعلم) (الأنوار النعمانية : 18/2).)10 - أن علمهم بلا واسطة بل من الله بالمباشرة:ويدل عليه آيات وروايات :فمن الآيات قوله تعالى : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى (النجم: 10).)فعن جعفر بن محمد الصادق ( عليهما السلام في قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى قال: أوحى إليه بلا واسطة .)ونحوه عن الواسطي (الشفا : 202/1 فصل في قوله فأوحى إلى عبده وتاريخ الخميس : 312/1 قصة المعراج.)وفي تفسير القمي: (فأوحى إلى عبده ما أوحى قال: «وحي مشافهة تفسير الميزان : 34/19، وتفسير نور الثقلين : 152/5 وتفسير القمي : 334/2 مورد الآية . ومنها قوله تعالى: (وعلمك ما لم تكن تعلم) (النساء: 113).)وقوله تعالى : (علمه شديد القوى (النجم : 5 ) .)ومنها قوله تعالى: (الرحمن علم القرآن علمه البيان (الرحمن: 1).)وهذه نصوص صريحة أن الذي علمه هو الله تعالى بالمباشرة .* ومن الروايات :فعن معاذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله قال : سبق العلم وجف القلم ومضى القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل.)إلى أن قال ( صلى الله عليه وآله: لعن الله أروي حديثي : إن الله تبارك وتعالى يقول يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء» (كتاب التوحيد للصدوق : 343 - 344 باب 55 المشيئة ح (13). 13) وعن عبد الله بن عمر قال : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله كان يروي حديثه عن الله عزّ وجل (كتاب التوحيد للصدوق : 340 ح 10).)وقد عنون البخاري في صحيحه عنواناً : باب ذكر النبي وروايته عن ربه .)وأخرج ثلاثة أحاديث عن قتادة عن أنس عن النبي يرويه عن ربه قال: إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري : 595/15 كتاب التوحيد - باب ذكر النبي وروايته عن ربه وفتح الباري شرح صحيح البخاري : 626/13 7536 كتاب التوحيد - باب ذكر النبي وروايته عن ربه .)وعن محمد بن زياد نحوه قال : ... عن النبي يرويه عن ربكم ... إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري : 597/15 كتاب التوحيد - باب ذكر النبي وروايته عن ربه.)وعن ابن عباس عن النبي فيما يرويه عن ربه قال لا ينبغي لأحد أن يقول انه خير من يونس» (إرشاد الساري الشرح صحيح البخاري : 597/15 كتاب التوحيد - باب ذكر النبي وروايته عن ربه . قال القسطلاني بعد ذكر هذه الأحاديث الثلاثة : ( قال الكرماني : الرواية عن الربّ أعم من أن تكون قرآناً أو غيره بالواسطة أو بدونها ، لكن المتبادر الى الذهن المتداول على الألسنة كان بغير الواسطة (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري : 599/15 كتاب التوحيد - باب ذكر النبي وروايته عن ربه). وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني قول الكرماني بلفظ : ( الرواية عن الربِّ أعم من أن تكون قرآناً أو غيره بدون الواسطة، وإن كان المتبادر هو ما كان بغير الواسطة والله أعلم) ( فتح الباري شرح صحيح البخاري : 26/12 7540 كتاب التوحيد - باب ذكر النبي وروايته عن ربه) .)وقال القاضي عياض : اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده والعلم بذاته وأسمائه تكليفاته ابتداء دون واسطة لو شاء (الشفا : 249/1 الباب الرابع ).)وصفاته وجميع وقال الإمام الجواد (عليه السلام لمن سأله عن كيفية العلم بالمغيب : نحن من علم الله علمنا، وعن الله نخبر الهداية الكبرى (304 باب 11 ). وعن سالم بن أبي حفصة قال : لما هلك أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) قلت لأصحابي : انتظروني حتى أدخل على أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فأعزبه .)فدخلت عليه فعزينه ثم قلت إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب والله من كان يقول : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله فلا يسأل عن مَنْ بينه وبين رسول الله لا والله لا يرى مثله أبداً .)قال : فسكت أبو عبد الله (عليه السلام ساعة ثم قال : قال الله تعالى: إنّ من عبادي من يتصدق بشق تمرة فأربيها له ».)فخرجت إلى أصحابي فقلت ما رأيت أعجب من هذا كنا نستعظم قول أبي جعفر (عليه السلام: «قال رسول الله .. بلا واسطة فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام) قال الله تعالى ... بلا واسطة (بحار :الأنوار: 337/47 ح 12 باب أحوال أصحابه وأهل زمانه 7 عن أمالي الطوسي: 78 ، وأمالي المقيد : 354 ذيل الكتاب مجلس 42 ح 7))- وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله في حديث المناجاة المشهور قال لمن اعترض عليه كيف يناجي يوم الطائف علياً عليه السلام) ما أنا انتجيته بل الله تعالى انتجاه الإرشاد: 153/1 اعتراض عمر على النبي في مناجاته علياً، والعمدة : 361 . 701 إلى ح706، والمعجم الكبير للطبراني: 186/2 1756 ، 3 ومناقب ابن المغازلي : 95 ط . الحياة وط. طهران : 124 ح 162 إلى 166).)وفي بعض الروايات بل الله ناجاه العمدة : 361 ح 701 ، ومناقب ابن المغازلي : 95 ط . الحياة، وط طهران: 124 ح162. .)وفي رواية: (ما أنا بمناجي له إنّما يناجي ربه» (بصائر الدرجات: 410 ح 2 باب ان الله ناجاه بالطائف. وعن حمران بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك بلغني أن الله تبارك وتعالى قد ناجى عليّاً (عليه السلام).)قال (عليه السلام: أجل قد كان بينهما مناجات بالطائف نزل بينهما جبريل بصائر الدرجات: 410 ح1 ) .)وعن الإمام الصادق (عليه السلام نحن من شجرة طيبة برأنا الله من طينة واحدة فَضْلُنا من عند الله» (بحار الانوار : 363/25 ح 23 باب إنّه جرى لهم من الفضل ما جرى للرسول .)وقال الحسن ( عليه السلام لعائشة عندما سألته كيف عرفت ما كان بيني وبين النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ :قال هذا من علم الله الهداية الكبرى: 198 ذیل باب 4) .)وفي رواية مصحف فاطمة (عليها السلام الصحيحة الذي فيها : هو شيء أملاها الله وأوحى إليها ، وفي رواية: ولكنه كلام من كلام الله أنزل عليها بصائر الدرجات: 152 ح 3 باب إنّهم أعطوا الجفر والجامعة وح 14 .)وعن أمير المؤمنين (عليه السلام في خطبة له : إنا أهل بيت من علم الله علمنا ومن حكم الله الصادق قلنا، ومن قول الصادق سمعنا كتاب سليم 159 ، والمسترشد: 561 ح238).)الترجيح بين الطوائف العشر2 - القرآن. 2 - ليلة القدر. 3- عامود النور . 4 - وراثة من النبي .5 - القذف والنقر . 6 - الإلهام . 7 - التحديث . 8 - الوحي وجبرائيل .9 - الروح . 10 - من الله مباشرة .والذي يقوى في النفس ان أرجح الإحتمالات هو الإحتمال العاشر، وذلك لأمور فضلتها في كتاب: آل محمد بين قوسي النزول والصعود - الجزء الثاني (طبع في بيروت دار الهادي .
ويشهد بذلك ما رواه في (الكافي عن الحكم بن عتيبة قال : لقي رجل الحسين بن)
علي صلی الله علیه واله وسلم بالثعلبية وهو يريد كربلاء فدخل عليه فسلّم فقال له الحسين علیه السلام : من أي البلاد
أنت؟ قال: من أهل الكوفة ، قال علیه السلام : أما والله يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة
لأريتك أثر جبريل من دارنا ونزله بالوحي على جدي ، يا أخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا وجهلنا ؟ هذا ما لا يكون (1.)وفيه عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : نزل جبريل على محمد صلی الله علیه واله وسلم برمانتين من الجنة فلقيه علي علیه السلام فقال : ما هاتان الرمانتان اللتان في يدك؟ فقال: أما هذه فالنبوة ليس لك فيها نصيب ، وأما هذه فالعلم، ثم فلقها رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بنصفين فأعطاه تصفها وأخذ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم نصفها ثم قال : «أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه »، قال : فلم يعلم والله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عرفاً مما علمه الله عز وجل إلا وقد علمه علياً ، ثم انتهى العلم إلينا ، ثم وضع يده على صدره (2.)
وفيه عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا : سمعنا أبا عبد الله علیه السلام يقول : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين علیه السلام ، وحديث الحسين علیه السلام حديث الحسن علیه السلام، وحديث الحسن علیه السلام حديث أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وحديث أمير المؤمنين علیه السلام حديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وحديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وقول الله عز وجل (1)وأما أصحاب الأئمة علیه السلام فلأنهم قد استقوا من منهل علومهم علیه السلام وتعلموها منهم وعلموها غيرهم بأمرهم علیه السلام .كما يشير إليه ما رواه في (الكافي عن يزيد بن عبد الملك عن أبي عبد الله علیه السلام قال : تزاوروا فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم وذكراً لأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم ، وإن تركتموها ضللتم وهلكتم فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم (2).)وفي (الوسائل عن الكافي عن محمد بن حكيم قال : قلت لأبي الحسن موسى علیه السلام : فقهنا في الدين وأغنانا الله بكم من الناس حتى أن الجماعة منا ليكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه إلا يحضره المسألة ويحضره جوابها فيما منّ الله علينا بكم (3).)فقد ظهر بذلك أن المستحفظين علم الله عز وجل من الأئمة علیه السلام وأصحابهم يأخذون العلوم الحقة والمعارف اليقينية من عين صافية ويستقون بكأس مروية ( ويصدرون عنها (بريَّة) لا ظمأ بعدها .)وأما غيرهم فقد استقوا من (كرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْثَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَمُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجدَ اللَّهَ عِندَمُ فَوَقَلَهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: 39]. (لا تشوبهم الريبة) يحتمل أن يكون المراد نفي الشك عنهم لشدة يقينهم ومزيد تقواهم ورسوخهم في الإيمان .
قال الرضا علیه السلام فيما رواه في (الكافي) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عنه علیه السلام : الإيمان فوق الإسلام بدرجة ، والتقوى فوق الإيمان بدرجة ، واليقين فوق التقوى بدرجة ، ولم يقسم بين العباد شيء أقل من اليقين (4).
ويحتمل أن يكون المراد نفي التهمة وسوء الظن أي لا يتهم بعضهم بعضاً لأنه إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء، رواه في (الكافي) عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله علیه السلام .
(ولا تسرع فيهم الغيبة ) أي إذا أراد أحد غيبتهم فلا يتسرع غيبته إليهم كما يتسرع إلى غيرهم بطهارة نفوسهم من القبائح والمساوىء الموجبة لسرعتها بما لهم من ملكة العصمة والعدالة (على ذلك) أي على ما ذكر من الأوصاف الكمالية (عقد) الله (خلقهم وأخلاقهم) يعني أن اتصافهم بتلك الكمالات ليس بتكلف، بل هي مقتضى سجيتهم وهم مجبولون عليها لأن طينتهم علیه السلام من أعلى عليين وشيعتهم مخلوقة من فاضل طينتهم عجينة بنور ولايتهم.
كما قال الصادق علیه السلام : شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بنور ولايتنا (1)
وفي (الكافي) بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : إن الله عز وجل خلقنا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك وقلوبهم تهوى إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه، ثم تلا هذه الآية : (كَلَّا إِنَّ كتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِي وما أدرنَكَ مَا عِلْبُونَ كِتَبُ تَرقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمَقَرَبُونَ ) [المطففين : 18 - 21] (2).
(فعليه) أي على ذلك العقد (يتحابون وبه يتواصلون ) لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تخالف منها اختلف كما في النبوي صلی الله علیه واله وسلم .
فقد قيل : إن المراد به أن الأرواح خلقت مجتمعة على قسمين مؤتلفة ومختلفة كالجنود التي يقابل بعضها بعضاً ثم فرقت في الأجساد، فإذا كان الائتلاف والمؤاخاة أولاً كان التعارف والتآلف بعد الاستقرار في البدن وإذا كان التناكر والتخالف هناك كان التنافر والتناكر هناك.
ولعله إلى ذلك ينظر إلى ما رواه في (الكافي) عن حمزة بن محمد الطيار عن أبيه عن أبي جعفر علیه السلام قال : لم تتواخوا على هذا الأمر إنما تعارفتم عليه (3).
ومثله عن ابن مسكان وسماعة جميعاً عن أبي عبد الله علیه السلام قال : لم تتواخوا على هذا الأمر وإنما تعارفتم عليه (4).
يعني أن المؤاخاة على الولاية والأخوة في الإيمان كانت ثابتة بينكم في عالم الأرواح ولم تقع هذا اليوم وفي هذه النشأة هو التعارف الكاشف عن وإنما الواقع في هذه النشأة مواخاة عالم الأرواح الناشيء منه .
(فكانوا) في تفاضلهم على سائر الناس (كتفاضل البذر) وهو أول ما يعزل من البذر للزراعة من الحبوب ( ينتقى) ويزكى (فيؤخذ منه ) الرديء ( ويلقى) فلا يبقى منه إلا الجيد الخالص (قد ميزه ) الانتقاء و التخليص وهذبه التمحيص والتمييز .
ومحصله : أن تفاضلهم كتفاضل البذر المنقى جيده والملقى ردّيه، وهو من تشبيه المعقول بالمعقول، وتعقيبه بالانتقاء والإلقاء ترشيح لأنهما من خواص المسند به والتخليص والتمحيص تجريد لكونهما من ملائمات المشبه ، فهو من قبيل التشبيه المرشح المجرد، وقد مر توضيحه في ديباجة الشرح عند ذكر أقسام الاستعارات .
وقد وقع نظير هذا التشبيه في حديث أبي عبد الله علیه السلام المروي في (البحار) عن العياشي عن الوشا بإسناد له يرسله إليه علیه السلام قال : والله لتمحصن والله لتميزن والله لتغربلن حتى لا يبقى منكم إلا الأندر ، قلت : وما الأندر؟ قال : البيدر ، وهو أن يدخل الرجل قبة الطعام يطين (1)عليه ثم يخرجه وقد تأكل بعضه ولا يزال ينقيه ثم يكن عليه ثم يخرجه حتى يفعل ذلك ثلاث مرات حتى يبقى ما لا يضره شيء (2).
ثم أصل التمحيص التخليص وكثيراً ما يستعمل في التخليص الحاصل بالاختبار والامتحان، قال تعالى: وَلِيَبْتِلَى اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [آل عمران : 154] أي ليمتحن الله ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإخلاص والنفاق فيجازي المخلص بإخلاصه والمنافق بنفاقه لأن المجازات إنما هي بعد ظهور السرائر وإلا فهو سبحانه عالم بالسرائر والضمائر قبل ظهورها كما هو عالم بها بعد ظهورها ، وليمحص أي وليكشف ويميز ما في قلوبكم من الطيب والخبيث.
وقال أيضاً: وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاةَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الكَفِرِينَ [آل عمران: 140 - 141] أي وليبتلي الله الذين الله آمنوا وليخلصهم من الذنوب أو ينجيهم من الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء.
وفي (الكافي) عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب ، قلت: جعلت فداك كم مع القائم علیه السلام من العرب؟ قال: نفر يسير، قلت: الله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير ، قال علیه السلام : لا بد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير (1).
وحاصل المرام أن المستحفظين علم الله قد امتازوا عن سائر الناس وتفاضلوا عليهم وخرجوا تام العيار من قالب الامتحان لكونهم المخلصين في توحيد الله والتامين في محبة الله، وإخلاصهم العمل لله ، هذا .
ولما فرغ من شرح حال المستحفظين فرّع عليه قوله : (فليقبل امرؤ كرامة بقبولها ) أي ليقبل كرامة الله وإفضاله وعوائد موائده بقبول هذه المكارم والصفات الجميلة، يعني إذا كان المستحفظون متخلقين بهذه المكارم والأخلاق الحسنة فليتقبلها المؤمن بقبول حسن وليحتذي حذوهم حتى يدخل في زمرتهم ويفوز بالكرامة العظيمة والنعمة الدائمة المعدة في حق المخلصين المكرمين على ما بشر به في الكتاب الكريم في قوله: إِنَّكُمْ لَذَابِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَبَكَ هُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَوَاكِهُ بكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ وَهُم تُكْرَمُونَ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ [الصافات 38-46] الآيات، هذا .)ولما لم يمكن تحصيل المكارم ونيل هذه الكرامات إلا بالتجافي عن دار الغروروالإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل حلول الفوت، عقبه بقوله :(وليحذر قارعة أي داهية الموت (قبل حلولها ولينظر امرؤ في قدسير أيامه وقليل مقامه الغفلة في منزل ) أي ليتفكر في أيامه القصيرة وإقامته القليلة في دار الدنيا (حتى) يتنبه من نوم و (يستبدل به منزلاً ) غيره ، وهي دار الخلود التي ليس لأيامه نفاد ولا لإقامته انقطاع (فليصنع لمتحوله) أي ليصنع المعروف ويعمل بالصالحات لمحل انقلابه (ومعارف منتقله ) أي معالم موضع انتقاله .)ثم رغب علیه السلام إلى متابعته ومتابعة الطيبين من أولاده الأئمة الهداة عليه وعليهم السلام بقوله :(فطوبى لذي قلب سليم من حب الدنيا وشوب الشرك والريا وكدر المعاصي وهو الذي أشير إليه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ ) [الشعراء: 88-89] .)
1) الكافي: 2،370/1، وبحار الأنوار: 219/5 ح 13.
(أطاع من يهديه من أئمة الهدى (وتجنب من ) يهلكه و (يرديه) من أئمة الضلال والردى (وأصاب سبيل السلامة ) وهي الجادة الوسطى المحفوظة من رذيلتي الإفراط والتفريط والصراط المستقيم المؤدي إلى جنته والمبلغ إلى رضوانه ورحمته (بنصر من بصره) أي بعون إمامه الحق الذي جعله بإرشاده صاحب بصر وبصيرة في سلوك سبيل السلامة (وطاعة هاد أمره) بالمعروف ونهاه عن المنكر فاهتدى بأمره إلى الجادة المستقيمة.)(وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه عليه ( وتقطع أسبابه) عنه بموته، فإن الموت إذا حلّ ارتفعت التكاليف المحصلة للسعادة وانسدت أبواب الهداية .)(واستفتح باب (التوبة وأماط الحوبة) أي أزال الإثم والخطية ونحاها عن لوح نفسه بممحاة استغفاره وتوبته (فقد أقيم على الطريق وهدي نهج السبيل )الواضح أي أقامكم الله على ذلك وهداكم الله بما نزّل في كتابه على نبيه من محكمات آياته كما أفصح محكمات آياته كما أفصح عنه بقوله : (قَالُوا يَقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقِ مُسْتَقِيمٍ ) [الأحقاف : 30] فلم يبق بعد تلك الإقامة والهداية معذرة للمذنب ولا عتبي للمستعتب .)تذييلقال الشارح المعتزلي في شرح قوله علیه السلام : (لم يسهم فيه عاهر ولا ضرب فيه فاجر :)في هذا الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن كما يقال : إن آل سعد بن أبي وقاص ليسوا من بني زهرة بن كلاب وأنهم من بني عذرة من قحطان، وكما قالوا: إن آل الزبير بن العوام من أرض مصر من القبط وليسوا من بني بن عبد العزى، وكما يقال في قوم آخرون : نرفع هذا الكتاب عن ذكر ما يطعن في أنسابهم كي لا يظن بنا أنا نحب القالة في الناس، إلى أن قال :قال أبو عثمان يعني الجاحظ : وبلغ عمر بن الخطاب أن أناساً وبلغ عمر بن الخطاب أن أناساً من رواة الأشعار وحملة الآثار يعيبون الناس ويثلبونهم في أسلافهم، فقام على المنبر وقال: إياكم وذكر العيوب والبحث عن الأصول فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الأبواب من لا وصمة فيه، لم يخرج منكم أحد، فقام رجل من قريش نكره أن نذكره فقال : إذا كنت أنا وأنت يا أمير المؤمنين نخرج ، فقال : كذبت بل كان يقال لك : يا قين ابن قین ، اقعد(1.)قال الشارح : قلت: الرجل الذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة عمر المخزومي كان عمر يبغضه لبغضه أباه خالداً، ولأن المهاجر كان علوي الرأي جداً وكان
1) شرح النهج : 69/11 ، وبحار الأنوار: 101/31 ، مناقب أهل البيت : 321.
أخوه عبد الرحمن بخلافه شهد المهاجر صفين مع علي علیه السلام وشهدها عبد الرحمن معاوية مع وكان مهاجر مع علي علیه السلام الجمل وفقئت ذلك اليوم عينه ، ولا الكلام الذي بلغ عمر بلغه عن مهاجر، وكان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش حداداً يصنع الدروع وغيرها بيده .قال وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب (أمهات الخلفاء، وقال: إنه): روي عند جعفر بن محمد علیه السلام بالمدينة، فقال علیه السلام : لا تلمه يا ابن أخي إنه أشفق أن يحدج بقضية نفيل بن عبد العزى وصهاك أمة الزبير بن عبد المطلب، ثم قال علیه السلام : سلام رحم فإنه لم يعد السنة، وتلا : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 19] انتهى كلام الشارح (1).)أقول : قول الصادق علیه السلام: إنه أشفق أن يحدج بقضية نفيل (آه إشارة إلى ما قدمنا شرح الفصل الثاني من الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية من نسب عمر تفصيلاً وعرفت هناك أن نسبه الكثيف أنجس من جميع أنساب أولاد البغايا المدنسة بأنجاس الجاهلية لم يسبقه في ذلك سابق ولم يلحقه لاحق، وأقول هنا مضافاً إلى ما سبق:)روى الشيخ الكليني في كتاب (الروضة من (الكافي) عن الحسين عن أحمد بن هلال عن زرعة عن سماعة قال :)تعرض رجل من ولد عمر بن الخطاب بجارية رجل عقيلي فقالت له : إن هذا العمري قد أذاني ، فقال لها : عديه وأدخليه الدهليز، فأدخلته فشد عليه فقتله وألقاه في الطريق فاجتمع البكريون والعمريون والعثمانيون وقالوا : ما لصاحبنا كفؤ أن يقتل به إلا جعفر بن محمد، وما قتل صاحبنا غيره ، وكان أبو عبد الله علیه السلام قد مضى نحو قبا، فلقيته بما اجتمع القوم عليه ، فقال علیه السلام: دعهم، فلما جاء ورأوه وثبوا عليه ، وقالوا : ما قتل صاحبنا أحد غيرك وما يقتل به أحد غيرك ، فقال علیه السلام : ليكلمني منكم جماعة فاعتزل قوم منهم فأخذ بأيديهم وأدخلهم المسجد، فخرجوا وهم يقولون : شيخنا أبو عبد الله جعفر بن محمد معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا ولا يأمر به، انصرفوا .قال : فمضيت معه فقلت : جعلت فداك ما كان أقرب رضاهم من سخطهم .قال علیه السلام : نعم دعوتهم فقلت : أمسكوا وإلا أخرجت الصحيفة.فقلت : وما هذه الصحيفة جعلني الله فداك ؟فقال علیه السلام : إن أم الخطاب كانت أمة للزبير بن عبد المطلب، فسطر بها نفيل فأحبلها ،
1) بحار الأنوار: 278/28 ، ومناقب أهل البيت «علیه السلام»: 322.
فطلبه الزبير فخرج هارباً إلى الطائف، فخرج الزبير خلفه ، فبصرت به ثقيف فقالوا : يا أبا عبد الله ما تعمل ههنا ؟ قال : جاريتي سطر بها نفيلكم ، فهرب منه إلى الشام، وخرج الزبير في تجارة له إلى الشام ، فدخل على ملك الدومة فقال له : يا أبا عبد الله لي إليك حاجة ، قال : وما حاجتك أيها الملك ؟ فقال : رجل من أهلك قد أخذت ولده فأحب أن يرده عليه، قال: ليظهر لي حتى أعرفه، فلما أن كان من الغد دخل إلى الملك، فلما رآه الملك ضحك فقال : ما يضحكك أيها الملك؟ قال : ما أظن هذا الرجل ولدته عربية لما رآك قد دخلت لم يملك إسته أن جعل يضرط ، فقال : أيها الملك إذا صرت إلى مكة قضيت حاجتك، فلما قدم الزبير تحمل (1عليه ببطون قريش كلها أن يدفع إليه ابنه فأبى، ثم تحمل عليه بعبد المطلب فقال : ما بینی و بینه (2)عمل أما علمتم ما فعل في ابن فلان؟ ولكن امضوا أنتم إليه فكلموه، فقصدوه وكلموه فقال لهم : إن الشيطان له دولة وإن ابن هذا ابن الشيطان ولست آمن أن يترأس علينا ، ولكن أدخلوه من باب المسجد عليّ على أن أحمي له حديدة وأخط في وجهه خطوطاً وأكتب عليه وعلى ابنه أن لا يتصدر في مجلس ولا يتأمر على أولادنا ولا يضرب معنا بسهم ، قال : ففعلوا وخط وجهه بالحديدة وكتب عليه الكتاب ، وذلك الكتاب عندنا، فقلت لهم: إن أمسكتم وإلا أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم، فأمسكوا (3).)بیانقول عبد المطلب : أما علمتم ما فعل في ابني فلان؟ أراد به العباس وكنى عنهالإمام علیه السلام تقية من خلفاء العباسية.وهو إشارة إلى ما رواه في (الروضة أيضاً عن أبي عبد الله علیه السلام في حديث قال : إن نثيلة كانت أمة لأم الزبير وأبي طالب وعبد الله فأخذها عبد المطلب فأولدها فلاناً وتال له الزبير : هذه الجارية ورثناها من أمنا وابنك هذا عبد لنا ، فتحمل عليه ببطون قريش ، قال : فقال : قد أجبتك على خلّة على أن لا يتصدّر ابنك هذا معنا في مجلس ولا يضرب معنا بسهم ، فكتب عليه كتاباً وأشهد عليه (4).)
### الترجمةاز جمله خطبه های بلاغت نظام آن امام (علیه السلام است می فرماید:)شهادت میدهم بر اینکه به تحقیق خداوند تعالی ، عادلی است که عدالت کرده در احکام و افعال خود و حاکمی است که فصل فرموده میان حق و باطل و شهادت میدهم بر این که محمد (صلى الله عليه واله وسلم بنده او و فرستاده او است و آقای بندگان او است ، هر وقتی که نقل کرد خلق را از اصلاب به ارحام و قسمت کرد ایشان را به دو فرقه ، گردانید آن بزرگوار را در بهترین آن دو فرقه ، صاحب سهم نشد در نسب شریف آن زناکاری و شريك و صاحب نصیب نگردید در اصل آن فاسق فاجرى.)آگاه باشید که به تحقیق خدای تعالی قرار داده است از برای عمل خیر که طاعات و قربات است اهل معینی و از برای عقاید و اعمال حقه ستونها و پایه هایی و از برای عبادت و اطاعت ، حافظان و نگاه دارندگانی یا حفظهایی از مهالك دنيا و آخرت .و به تحقیق که شما را است نزد هر طاعتی معینی و ناصری از جانب خدا که می گوید به زبانها و برقرار میگرداند دلها را و در گرداند دلها را و در آن معین کفایت است از برای اکتفا کننده شفا است از برای طالب شفا .و بدانید که به تحقیق بندگان خدا که از ایشان طلب حفظ علم او شده حفظ کنند آن علمی را که لازم الحفظ و از قبیل اسرار است و جاری میکنند چشم های آن علمی را که باید به مردم اظهار نمود از قبیل تکالیف و احکام ، وصلت می کنند ایشان با یکدیگر با نصرت و یاری و ملاقات میکنند کنند با آشتی و محبت وبا آشتی سیراب می کنند یکدیگر را با کاسه سیراب کننده علم و معرفت و بازمی گردند با سیرابی ، مخلوط نمیشود به اعتقادات ایشان شك و شبهه و نشتابد به سوی ایشان غیبت کنندگان به جهت طهارت نفوس ایشان ، بر این اوصاف بسته و عقد کرده است خدای تعالی خلقت و اخلاق ایشان را ، پس بالای این عقد خلقی و خلقتی
با همدیگر در مقام محابه میباشند و به سبب آن در مقام وصال اند، پس هستند ایشان در زیادتی مرتبه و تفاوت درجه نسبت به سایرین مثل زیادتی تخم نسبت به بقیه آن ، در حالتی که امتیاز داده است او را خالص گردانیدن و پاکیزه کرده او را تمیز کردن.پس باید قبول نماید مرد کرامت را به سبب قبول این صفات و باید بپرهیزد از مرگ با شدت پیش از حلول آن ، پس باید نگاه کند مرد در کوتاهی روزگارش و کمی در نگش در منزلی تا آنکه بدل کند با آن منزل منزل دیگر را ، پس باید کاری کند از برای مکان رجوع خود و از برای علامات محل انتقال خود .پس خوشحالی از برای صاحب قلب با سلامتی است که اطاعت کرد کسی را که هدایت کند او را و بیگانگی کرد از کسی که هلاک نماید او را و رسیده راه سلامت را به سبب نصرت و یاری کسی که صاحب بصیرت کرد او را و اطاعت هدایت کننده که امر کرد او را و مبادرت نمود به هدایت پیش از آنی که بسته شود درهای آن و بریده شود اسباب آن و طلب نمود گشودن در توبه را و ازاله نمود گناه را ، پس به تحقیق که اقامه شد به راه حق و هدایت شد بر راه راست .
## ومن دعاء كان يدعو به علیه السلام كثيراً وهو المائتان والرابع عشر من المختار في باب الخطب### اشارةالحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يُصْبِحْ بِي مَيِّتاً، ولا سَقِيماً، ولا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بِسُوءٍ، ولا مأخوذاً بِأَسْوءِ عَمَلي، ولا مَقْطُوعاً دايري، وَلا مُرْتَدّاً عَنْ دِيني، ولا مُنْكِراً لِرَبِّي، ولا مُسْتَوْحِشَاً مِنْ إِيمَانِي، وَلا مُلْتَباً عَقْلِي، وَلا مُعَذِّباً بِعَذَابِ الأمم مِنْ قَبْلِي، أَصْبَحْتُ عَبْداً ممْلُوكاً ظالِماً لِنَفْسي ، لَكَ الحُجَّةُ عَلَيَّ، وَلا حُجَّةَ لِي ، لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَخُذَ إِلا ما أَعْطَيْتَني، وَلا أَتَّقِي إِلا ما وَقَيْتَني ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِناكَ ، أَوْ أَضِلَّ في هَداكَ ، أَوْ أُضْتَمَ في سُلْطَانِكَ، أَوْ أَضْطَهَدَ والأَمْرُ لَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُها مِنْ كَرائِمي، وأَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُها مِنْ وَدائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ ، أَوْ تُفْتَتنَ عَنْ دِينَكَ، أَوْ تَتابَعَ بِنا أَهْوَاؤنا دُونَ الهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ (1.)### اللغة(الدابر الآخر من دبر إذا أدبر، قال تعالى: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُومٌ مُّصْسِحِينَ ) [الحجر: 66] يعني آخرهم أي يستأصلون عن آخرهم، وقال: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَفِرِينَ ) [الأنفال: 7] أي باستئصالهم وقتلهم وأسرهم، وقال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنعام: 45] أي آخر من بقي منهم. و (الضيم) الذل و (ضهده) کمنعه قهره (نفتتن) بصيغة المتكلم المجهول، وفي بعض النسخ بالبناء على الفاعل وقوله : (أو تتايع ) بالياء المثناة من تحت التهافت والإسراع في الشر واللجاج والاقتحام فيه من غير روية وركوب الأمر على خلاف الناس، وفي بعض النسخ : تايع بحذف إحدى التائين ، وفي بعضها تتابع بالباء الموحدة يقال : تتابعوا على الأمر أي توالوا وتبع بعضهم بعضاً.
(كثيراً) في كلام الرّضي صفة إما لظرف محذوف أو لمصدر محذوف أي حيناً كثيراً أو دعاء كثيراً والأول أظهر، وقوله : (ميتاً)، قال الشارح المعتزلي : منصوب على الحال أي لم
1) بحار الأنوار: 226/91 ، ونهج السعادة: 239/6 .
يفلق الصباح علي ميتاً ولا يجوز أن يكون يصبح ناقصة ويكون ميتاً خبرها كما يقول الراوندي ، لأن خبر كان وأخواتها يجب أن يكون هو الاسم ، ألا ترى أنهما مبتدأ وخبر في الحال ، واسم يصبح ضمير الله تعالى وميتاً ليس هو الله سبحانه، انتهى.
أقول : ولقائل أن يقول : إن مراد الراوندي بكون (ميتاً) خبر أصبح أنه في الأصل خبرها والمخبر به ياء المتكلم فإن أصبح على كونها ناقصة بمعنى صار، فلما عديت بالباء صارت بمعنى صير وتكون من أفعال التصيير فيكون المعنى : لم يصيّرني ميتاً، كما يقال: صيرني الله فداك، وهذا مما لا غبار عليه، وقوله علیه السلام : (إلا ما أعطيتني ) استثناء مفزع.
وقوله : (أفتقر في غناك ) ، قال الشارح المعتزلي: موضع الجار والمجرور نصب على الحال، وفي متعلقة بمحذوف، والمعنى أفتقر وأنت الموصوف بالغنى الفائض على الخلق، وقوله : (دون الهدى) ، ظرف متعلق بقوله: تتايع، وهو إما بمعنى عند أو بمعنى أمام.
اعلم أنه علیه السلام حمد الله عز وجل وأثنى عليه بما أنعم عليه من نعمه العظيمة وقال: (الحمد لله الذي لم يصبح بي ميتاً) أي لم يدخلني في الصباح والحال أني ميت أو لم يصيرني ميتاً.
فإن قلت : كيف يجتمع حمده علیه السلام على العالم موته مع قوله الذي ما زال علیه السلام يقوله من كونه آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ، فإن الأول مشعر بحبه علیه السلام للبقاء والثاني مفيد للقاء.
قلت : لا تنافي بين الكلامين لانتفاء المنافاة في المقامين .
فإن الأول، أعني الحمد على الحياة، إنما هو في مقام الرضا بالقضاء والشكر على
النعماء، فإن وظيفة أهل اليقين لا سيما أئمة الدين الذين لا يشاؤون إلا أن يشاء الله هو أن يرضى بجميع ما قدره الله في حقه وقضاه من الحياة والممات والصحة والسقم والغنى والفقر، فقد قال تعالى في الحديث القدسي : «من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر على نعمائي، ولم يقنع بعطائي، فيطلب رباً سوائي، ويخرج من تحت أرضي وسمائي »، فهم ما لم يقدر في حقهم الموت لا بد أن يكونوا راضين بالحياة محبين لها شاكرين عليها لكونها المقدرة في حقهم، حتى إذا بلغ الكتاب أجله وتم مقاديره يكون الموت أحب إليهم وقرة عينهم فيه .
ويشير إلى ذلك ما رواه المحدث الجزائري عن الشهيد الثاني أن جابر بن عبد الله الأنصاري ابتلي في آخر عمره بضعف الهرم والعجز فرآه محمد بن علي الباقر عليه الصلاة
والسلام فسأله حاله فقال : أنا فى حالة أحب فيها الشيخوخة على الشباب وإن جعلني الله شاباً أحب الشبوية وإن أمرضني أحب المرض وإن شفاني أحب الشفاء والصحة وإن أماتني أحب الموت وإن أبقاني أحب البقاء، الحديث (1).
وأما الثاني : وهو إظهار فرط أنسه بالموت فإنما هو في مقام الزهد والنفرة عن الدنيا وزخارفها ولذاتها وشهواتها الفانية وأمنياتها الباطلة .
وأيضاً فإن الدنيا من حيث أنها معبد أحباء الله ومسجد أولياء الله ومتجر عباد الله والوصلة إلى الرحمة والوسيلة إلى الرضوان والجنة فحياتها مطلوبة وبقاؤها نعمة عظيمة يجب الشكر عليها بل لا نعمة فوقها لكونها المحصلة لجميع النعم .
وقد روي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : بقية عمر المؤمن لا ثمن لها يدرك بها ما فات ويحيي بها ما مات (2).
وقال بعضهم: الدنيا أحب إلي من الجنة لأني فيها مشغول بعبادة ربي وفي الجنة مشغول بلذة نفسي، وبين الأمرين بون بائن، ومن حيث إنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وتجلبت بالأمنيات ضرارة غرارة تزينت بغرورها وغرت بزينتها مهانة على ربها مبغوضة إليه تعالى، ولذلك لم يصفها لأوليائه ولم يضن بها على أعدائه فهي أهون عند أهل المعرفة وأخس وأحقر من عراق خنزير في يد مجذوم ، والموت أحب إليهم من هذه الجهة لإيصاله إلى الدار الآخرة.
وبما حققنا علم سر ثنائه على سلامته كما أشار إليه بقوله : ( ولا سقيماً) مضافاً إلى أن في حالة المرض احتمال فوات بعض العبادات أو فوات كمالاتها وإن كان المريض معذوراً فيها ، وأما حالة الصحة ففيها تكميل العبادة والعبودية فهي نعمة عظيمة حرية بأن يحمد عليها .
(ولا مضروباً على عروقي بسوء) أي على أعضائي بآفة توجب سوء المنظر وقبحه
كالجذام والبرص ونحوهما.
وقال الشارح المعتزلي : أي ولا أبرص والعرب تكنّي عن البرص بالسوء، وفي أمثالهم : ما أنكرك من سوء، أي ليس إنكاري لك عن برص حدث بك فغير صورتك، وأراد بعروقه أعضاءه، ويجوز أن يريد ولا مطعوناً في نسبي والأول أظهر ، انتهى (3).
(ولا مأخوذاً بأسوء عملي) أي معاقباً بأقبح ذنوبي (ولا مقطوعاً دابري) أي عقبي وآخري وهو كناية عن انقراض نسله بالاستئصال ومحو اسمه واندراس أثره ورسمه (ولا مرتداً عن ديني ولا منكراً لربي) عطف الثاني على الأول من قبيل ذكر الخاص بعد العام لمزيد الاهتمام وأن الارتداد قد يكون بإنكار الضروريات من دون الجحود (ولا مستوحشاً من إيماني) أي غير مستأنس به و متنفراً عنه، أو شاكاً في كونه مستقراً أو مستودعاً لأن الشك في العقيدة يوجب الوحشة، والأول أظهر .
(ولا ملتبساً عقلي ) أي مختلطاً بالجنون (ولا معذباً بعذاب الأمم من قبلي ) أي بالمسخ والخسف والصاعقة والظلة ونحوها .
ولما حمد الله تعالى على ما أنعم به عليه من ضروب نعمه التي عددها أردفه بالاعتراف بالذل والتقصير والاستكانة فقال :
(أصبحت عبداً مملوكاً) أي صرت داخراً ذليلاً في قيد العبودية (ظالماً لنفسي) لأجل
التقصير في وعدم التمكن من القيام بوظائف عبادته على ما يليق بحضرته عز وجل وإن كان ما أتى به فوق عبادة جميع البشر ما خلا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .
وقد قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيما رواه في (الوسائل) من (الكافي) بإسناده عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر علیه السلام عنه صلی الله علیه واله وسلم : «قال الله عز وجل : لا يتكل العاملون لي على أعمالهم التي يعملونها لثوابي فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع الدرجات العلى في جواري، ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا »، الحديث (1).
وفي (البحار) من كتاب (فتح الأبواب ) عن الزهري قال : دخلت مع علي بن الحسين علیه السلام على عبد الملك بن مروان قال: فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عيني علي بن الحسين علیه السلام فقال : يا أبا محمد لقد بيّن عليك الاجتهاد ولقد سبق لك لك الله من الحسنى وأنت بضعة من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قريب النسب وكيد السبب وأنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك ولقد أُوتيت من العلم والفضل والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك إلا من مضى من سلفك - وأقبل يثني عليه يطريه - قال : فقال علي بن الحسين علیه السلام : كل ما ذكرته ووصفته من فضل الله سبحانه وتأييده وتوفيقه فأين شكره على ما أنعم يا أمير المؤمنين؟ كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقف في الصلاة حتى ترم قدماه ويظمأ في الصيام حتى يصعب
1) الكافي : 61/20 - 71 ، والبحار : 385/67 .
فوه ، فقيل له: يا رسول الله ألم يغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول صلی الله علیه واله وسلم: «أفلا أكون عبداً شكوراً، الحمد الله على ما أولى ، وأبلى ، وله الحمد في الآخرة والأولى ، والله لو انقطعت أعضائي وسالت مقلتاي على صدري لن أقوم الله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادّون ولا يبلغ حد نعمة منها على جميع حمد الحامدين ، لا والله أو يراني الله لا يشغلني شيء عن شكره وذكره في ليل ولا نهار ولا سر ولا علانية، ولولا أن لأهلي علي حقاً ولسائر الناس من خاصهم وعامهم علي حقوقاً لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم لرميت بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى الله ثم لم أرددهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين »، هذا (1).
وفي أدعية الصحيفة السجادية من اتهام النفس والاعتراف بالتقصير ما لا يحصى وقد مضى في شرح الخطبة المائة والثانية والتسعين عند قوله علیه السلام : فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون ، أخبار نفيسة، وكذلك في التنبيه الثالث من الفصل الثالث عشر من فصول الخطبة الأولى تحقيقات عميقة كثيرة الفائدة في هذا المقام .
(لك الحجة علي ) حيث إنك ما كلفتني إلا ما آتيتني ولا حتمتني إلا ما أعلمتني ولا فرضت عليّ إلا ما أقدرتني عليه ومكنتني منه كما حكمه تعالى في حق جميع المكلفين، فقد قال: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا عَاتَنهَا [الطلاق: 14]، وقال: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وسعها) [البقرة: 286] وفي الدعاء : أزاح العلل في التكليف وسوّى التوفيق بين الضعيف والشريف .
(ولا حجة لي ) عليك ، أو لم يبق لي عذر في ترك تكاليفك كما لسائر المكلفين لأنه عز وجل إنما كلف بعد البيان وبعدما مكن أداء المأمور وسهل سبيل اجتناب المحظور، ولم يكلف الطاعة إلا دون الوسع والطاقة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ولا يقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين ، فلم تبق عاذرة للمعذرين.
و (لا أستطيع أن آخذ ) من نعمتك (إلا ما أعطيتني ولا ) أقدر أن (أتقي) من نقمتك (إلا ما وقيتني) لكوني عبداً ذاخراً ذليلاً مسكيناً مستكيناً لا يملك لنفسه موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً.
(اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك ) أي أن أكون محتاجاً والحال أنك الغني المطلق الباسط بالجود والكرم يده على العالمين .
(أو أضل في هداك ) أي أكون ضالاً والحال أنك نور السماوات والأرضين هادي أهلها إلى نهج اليقين.
1) مستدرك الوسائل : 418/2 ، وفتح الأبواب : 171
(أو أضئم في سلطانك ) أي أكون ذليلاً مظلوماً والحال أن السلطنة لك وأنت ذو القوة المتين .
(أو أضطهد والأمر لك ) أي أكون مغلوباً مقهوراً وأنت صاحب الاختيار والقدرة القاصم لظهور الجبابرة والظالمين
(اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي ) أي أول كل كريم وعزيز تنزعه من قوائمي وأعضائي وإنما كنى عنها بالكرائم لكرامتها وعزتها عنده والمراد بالدعاء طلب عافية الأعضاء النفسانية والبدنية وبقائها إلى حين الممات وأن لا يكون ذهابها سابقاً على الموت.
كما قال زين العابدين علیه السلام : اللهم احفظ علي سمعي وبصري إلى انتهاء أجلي.
ومن دعائه علیه السلام إذا سأل العافية : وامنن عليّ بالصحة والأمن والسلامة في ديني وبدني والبصيرة في قلبي والنفاق في أموري والخشية لك والخوف منك والقوة على ما أمرتني به من طاعتك والاجتناب لما نهيتني عنه من معصيتك.
هذا الدعاء يستفاد سر طلب أمير المؤمنين علیه السلام الكون نفسه أول الكرائم المنتزعة، لأن سبق انتزاعها على نفسه يوجب العجز عن إقامة وظائف الطاعات المربوطة بها وعدم القدرة على تحصيل الضروريات من المعاش وعدم النفاذ في الأمور.
وقوله : (وأول وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندي ) التعبير عن المشاعر والقوى بالنعمة لعظم الانتفاع بها ولذلك من بها على الإنسان في قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَل لَّمُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ [البلد : 108] .
وتشبيهها بالوديعة لكونها في معرض الاسترجاع والاسترداد كالوديعة وإليه يومي قوله سبحانه:( يَاأَيُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَنَّةُ ارْجِعِى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ ) [الفجر: 27 - 28] .
(اللهم إنا نعوذ بك أن نذهب عن قولك ) أي أوامرك ونواهيك التي نطق بها كتابك الكريم ونفرّ منها ، والاستعاذة منه من أجل أنه كما قال تعالى: وَمَا هُوَ بِقَولِ شَيْطَنٍ رَّحِيمٍ فَأَيْنَ تَذَهَبُونَ إِن هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ [التكوير : 25 27] قال أمين الإسلام الطبرسي : فإن تعدلون عن القرآن وهو الشفاء والهدى ما هو إلا تذكرة وعظة للخلق يمكنهم أن يتوصلوا به إلى الحق.
(أو نفتتن عن دينك) أي تُضل أو نضل عن دينك على اختلاف النسخ في رواية نفتتن
1) الصحيفة السجادية : 86 - 121 - 101 .
على ما قدمنا ، والمراد على الأول الوقوع في الضلال بإضلال الغير ، وعلى الثاني الوقوع فيه من تلقاء النفس.
(أو تتابع بنا أهواؤنا دون الهدى الذي جاء من عندك ) أراد به إيقاع الأهواء له في مهاوي الهلكات وصرفها إياه عن الهدى النازل في محكمات الآيات كما قال عز من قائل : (ذلك الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2] وقال: قُلْ مَن كَانَ عَدُوا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ ، نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة: 97] .
از جمله دعای آن حضرت است که اکثر اوقات دعا میکرد به این دعا :
حمد و ثنا معبود به حقی را سزا است که داخل نکرد مرا در صباح در حالتی که مرده باشم و نه در حالتی که مریض باشم و نه در حالتی که مؤاخذه شده باشم به قبیح تر عمل خودم و نه در حالتی که مقطوع النسل و بی عقب باشم و نه در حالتی که مرتد باشم از دینم و نه در حالتی که منکر باشم پروردگارم را و نه در حالتی که وحشت کننده باشم از ایمان خودم و نه در حالتی که مخلوط باشد عقل
من به جنون و نه در حالتی که معذب باشم به عذاب امتان که پیش از من بودند. صباح کردم من در حالتی که بنده مملوکی هستم ظلم کننده مر نفس خود را ، از برای تو است حجت بر من و نیست حجتی از برای من ، استطاعت و قدرت ندارم که دریافت نمایم مگر چیزی را که تو عطا کردهای مرا و نه پرهیز نمایم مگر از چیزی که که تو نگه داشته ای مرا .
بار الها ، به تحقیق که من پناه میبرم به تو از این که فقیر باشم با وجود غنی بودن تو یا این که گمراه شوم با وجود هادی بودن تو یا مظلوم شوم با وجود سلطنت تو یا مقهور و مغلوب باشم و حال آنکه اختیار تو را است.
پروردگارا ، بگردان روح مرا اول نعمت عزیزی که انتزاع میکنی تو آن را از نعمتهای عزیز بدن من و اول امانتی که پس میگیری تو آن را گیری تو آن را در امانتهای نعمتهای تو که در نزد من است . پروردگارا ، به تحقیق که پناه می برم به تو از اینکه به در رویم از امر و فرمایش تو یا اینکه فریفته شویم از دین تو تا این که بشتاباند ما را خواهشات نفسانیه ما در ضلالت و برگرداند از هدایتی که آمده است از جانب تو .
وهي مروية في كتاب (الروضة) من (الكافي) باختلاف كثير وزيادة ونقصان حسبما تعرفه إن شاء الله تعالى بعد الفراغ من شرح تمام الخطبة في التكملة الآتية، وشرحها في فصلين:
أمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ الله لي عَلَيْكُمْ حَقاً بولايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الحَقِّ مِثل الَّذِي لي عَلَيْكُمْ، فَالحَقُّ أَوْسَعُ الأَشْياءِ فِي التَّواصُفِ ، وأَضْيَقُها فِي التَّناصُفِ، لا يَجْرِي لأَحَدٍ إِلا ، جَرَى عَلَيْهِ، وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلا جَرَى لَهُ ، وَلَوْ كَانَ لأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلا يَجْرِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذلِكَ خالِصاً لله سُبْحانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِه عَلى عِبادِهِ، ولِعَدْلِه فِي كُلِّ ما جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفٌ قَضائِهِ، وَلكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلى العِبادِ أَنْ يُطِيعُوهُ ، وَجَعَلَ جَزاءهُمْ عَلَيْهِ مُضاعَفَةَ الثَّوابِ تَفَصُّلاً مِنْهُ، وتوسعاً بِما هُوَ مِنَ المَزِيدِ أَهْلُهُ .
ثُمَّ جَعَلَ سُبْحانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَها لِبَعْضِ النَّاسِ عَلى بَعْضٍ، فَجَعَلَها تَتَكافَاً فِي وُجُوهِها، ويُوجِبُ بَعْضُها بَعْضاً، وَلا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُها إِلا بِبَعْضٍ.
وأَعْظَمُ ما افْتَرَضَ سُبْحانَهُ مِنْ تِلْكَ الحُقُوقِ حَقُ الوالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الوَالِي، فَرِيضَةً فَرَضَها الله سُبْحانَهُ لِكُلِّ عَلى كُلِّ، فَجَعَلَها نظاماً لإلفتهم، وعزاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلَحُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِصَلاحِ الوُلاةِ، وَلا تَصْلَحُ الولاة إِلا بِاسْتِقامَةِ الرَّعِيَّة .
فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلى الوَالِي حَقَّهُ، وأَدَّى الوَالِي إِلَيْها حَقَّها ، عَزَّ الحَقُّ بَيْنَهُمْ، وقامَتْ مَناهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعالِمُ العَدْلِ، وجَرَتْ على أذلالِهَا السُّنْنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمانُ، وطُمِعَ في بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، ويَئِسَتْ مَطامِعُ الأَعْداءِ.
وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيهَا وأَجْحَفَ الوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنالِكَ الكَلِمَةُ ، وظَهَرَتْ مَعالِمُ الجَوْرِ، وَكَثُرَ الإِدْعَالُ فِي الدِّينِ ، وتُرِكَتْ مَحاجُ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالهَوى،وعُظْلَتِ الأحكامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلا يَسْتَوْحَشُ لِعَظِيم حَقٌّ عُطَلَ، ولا لِعَظِيم باطل فُعِلَ، فَهُنالِكَ تَذِلُّ الأَبْرارُ ، وتَعِزُّ الأَشْرَارُ ، وتَعْظُمُ تَبِعاتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عِنْدَ العِبادِ.
فَعَلَيْكُم بِالتَّناصُح في ذلِكَ، وحُسْنِ التَّعاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِن اشْتَدَّ عَلَى رِضاءِ حرْصُهُ، وطالَ فِي العَمَلِ اجْتِهادُهُ ، بِبالِغ حَقيقَةً مَا الله سُبْحانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، وَلكِنْ مِنْ
واجِبِ حُقُوقِ الله سُبْحانَهُ عَلَى عِبادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ ، والتَّعاوُنِ عَلى إقامَةِ الحَقِّ بَيْنَهُمْ ، ولَيْسَ امْرُةٌ وإِنْ عَظُمَتْ فِي الحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وتَقَدِّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ، بِفَوْقِ أَنْ يُعانَ عَلى ما حَمَّلَهُ الله مِنْ حَقِّهِ، وَلا امْرُؤٌ وَإِنْ صَغَرَتْهُ التَّفُوسُ واقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذلِكَ أَوْ يُعانَ عَلَيْهِ (1)
(تواصفوا) الشيء أي وصفه بعضهم على بعض و (تناصف) الناس أنصف بعضهم لبعض و (صروف ) الدهر تغيراته وانقلاباته جمع الصرف و (التكافؤ) التساوي والاستواء و (يستوجب) بالبناء على المفعول و (المنهج) واضح الطريق و (ذلّ) الطريق بالكسر محجتها والجمع أذلال كحبر وأحبار و (الإدغال ) بالكسر أن يدخل في الشيء ما ليس منه وبالفتح جمع الدغل محركة كأسباب وسبب هو الفساد و (المحاج) بتشديد الجيم جمع المحجة بفتح الميم وهي الجادة .
و (تذلّ) و (تعز) بالبناء على الفاعل من باب ضرب وفي بعض النسخ بالبناء على المفعول و (التبعة) وزن كلمة ما تطلبه من ظلامة والجمع تبعات و (نصحت) له نصحاً ونصيحة وفي لغة يتعدّى بنفسه فيقال : نصحته وهو الإخلاص والصدق والمشورة والعمل.
وقال الجزري : النصيحة في اللغة الخلوص ، يقال : نصحته ونصحت له ومعنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته ، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق به والعمل بما فيه ، ونصيحة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهى عنه ، ونصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق، ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم .
قوله : (لكان ذلك خالصاً الله سبحانه دون خلقه ) ، خالصاً حال من ذلك والعامل فيه كان ، وعلى قول بعض النحويين : من أن العوامل اللفظية تعمل في الحال إلا كان وأخواتها ، فلا بد من جعل كان تامة ودون خلقه في محل النصب أيضاً على الحال، وهي حال مؤكدة.
وقوله : ( وتوسعاً بما هو من المزيد أهله )، توسعاً منصوب على المفعول لأجله، وما موصولة وجملة هو أهله مبتدأ وخبر صلة ما ومن المزيد بيان لما .
وقوله : (فريضة فرضها الله ) في بعض النسخ بالنصب على الاشتغال أو على الحال كما قاله بعض الشراح ؛ وفي بعضها بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
1) بحار الأنوار: 252/27 ، ودراسات في نهج البلاغة : 146 .
وقوله : ( يبالغ) خبر ليس اعترضت بينهما جملة وإن اشتد (آه) والباء فيه زائدة، وقوله : أو يعان عليه ، في بعض النسخ بالواو بدل أو .
أعلم أن هذه الخطبة الشريفة حسبما أشار إليه الرضي ويأتي في رواية (الكافي) أيضاً في آخر الفصل الثاني من جملة الخطب التي خطبها بصفّين ، وعمدة غرضه علیه السلام في هذا الفصل منها نصيحة المخاطبين وإرشادهم إلى ما هو صلاحهم في الدنيا والآخرة من اتباعهم لأمره وإطاعتهم له وإسراعهم فيما يأمر وينهى واتفاقهم على التعاون والتناصف وغير ذلك من وجوه مصالح محاربة القاسطين لعنهم الله أجمعين .
قال علیه السلام : (أما بعد ) حمد الله عز وجل والصلاة على رسوله صلی الله علیه واله وسلم (فقد جعل الله ) عز شأنه (لي عليكم حقاً بولاية أمركم ) أي لي عليكم حق الطاعة لأن الله جعلني والياً عليكم متولياً لأموركم وأنزلني منكم منزلة عظيمة هي منزلة الإمامة والولاية والسلطنة ووجوب الطاعة كما قال عز من قائل: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمر منكم [النساء : 59]
(ولكم عليّ من الحق مثل الذي لي عليكم ) أراد بالحق الذي لهم عليه ما هو حق الرعية على الوالي، والحقان متماثلان في الوجوب، وقد صرح بهما في الخطبة الرابعة والثلاثين بقوله :
أيها الناس إن لي عليكم حقاً ولكم علي حق، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كي لا تجهلوا وتأديبكم كي ما تعلموا ، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم (1).
(فالحق أوسع الأشياء في التواصف) يعني إذا أخذ الناس في بيان الحق ووصفه بعضهم البعض كان لهم في ذلك مجال واسع لسهولته على الألسنة( وأضيقها في التناصف) يعني إذا حضر التناصف التناصف بينهم أي انصاف بعضهم لبعض فطلب منهم ضاق عليهم المجال لشدّة العمل وصعوبة الإنصاف .
ومحصله سعة الحق في مقام الوصف والقول وضيقه في مقام الإنصاف والعمل.
(لا يجري لأحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه إلا جرى له ) لما ذكر حقة عليهم وحقهم عليه أتبعه بهذه الجملة تأكيداً وإيذاناً بأن جريان حقه عليهم إنما هو بجريان حقهم عليه
1) شرح أصول الكافي : 302/5 ، والغارات : 37/1
وبالعكس، وفيه توطين لأنفسهم على ما عليهم وتشويق لهم إلى ما لهم.
وإنما ساق الكلام مساق العموم تنبيهاً على أن اللازم على كل أحد أن يقوم في الحقوق بما له وما عليه بمقتضى العدل والإنصاف ؛ فإن حق الوالي على الرعية والرعية على الوالي والوالد على الولد والولد على الوالد والزوج على الزوجة والزوجة على الزوج والمعلم على المتعلم والمتعلم على المعلم والجار على الجار وغيرهم من ذوي الحقوق حسبما نشير إليهم تفصيلاً إنما هو بالتناصف بين الطرفين .
ويوضحه ما في (البحار) من (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «حق على المسلم إذا أراد سفراً أن يعلم إخوانه، وحق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه » (1).
قال العلامة المجلسي : فيه إيماء إلى أنه إذا لم يعلمهم عند الذهاب لا يلزم عليهم
إتيانه بعد الإياب (2).
(ولو كان لأحد أن يجري له ) حق على غيره (ولا يجري ) لغيره (عليه لكان ذلك ) الحق الجاري (خالصاً الله سبحانه دون خلقه ) أي متجاوزاً عن حقه وذلك ( لقدرته على عباده ) وعجز غيره، فيجوز له أن يجري حقه عليهم ويطلب منهم الطاعة وينفذ أمره فيهم إلزاماً فيطيعوه قهراً بدون إمكان تمرد أحد منهم عن طاعته لكونه قاهراً فوق عباده فعالاً لما يشاء، لا راد لحكمه ولا دافع لقضائه كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً [يونس: 99] .
ولما كان هنا مظنة أن يتوهم ويقال : إنه إذا جرى حقه عليهم وخرجوا من عهدته وقاموا بوظائف عبوديته وطاعته طوعاً أو كرهاً يكون حينئذ لهم حق عليه وهو جزاء ما أتوا به فلو لم يجزهم لكان ذلك منافياً للعدل دفع ذلك التوهم بقوله :
( ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ) وأنواعه المتغيرة المتبدلة، يعني أن الجزاء ليس مقتضى العدل حتى يكون عدمه منافياً له بل هو العادل في جميع مقضياته ومقدراته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، نعم هو مقتضى التفضل ، والتفضل ليس بلازم عليه فلا يثبت العباده بإطاعتهم له حق لهم عليه ، هكذا ينبغي أن يفهم المقام .
وقد تاه فيه أفهام الشراح، فمنهم من طوى عن تحقيقه تحقيقه كشحاً ومنهم ومنهم من خبط فيه خبطة عشواء، فانظر ماذا ترى .
وقريب مما حققناه ما قاله العلامة المجلسي في (البحار) حيث قال في شرح ذلك :
والحاصل أنه لو كان لأحد أن يجعل الحق على غيره ولم يجعل له على نفسه لكان هو سبحانه أولى بذلك، واستدل على الأولوية بوجهين :
الأول: القدرة، فإن غيره تعالى لو فعل ذلك لم يطعه أحد والله قادر على جبرهم وقهرهم.
والثاني : أنه لو لم يجزهم على أعمالهم وكلفهم بها لكان عادلاً لأن له من النعم على العباد ما لو عبدوه أبد الدهر لم يوفوا حق نعمة واحدة منها ، انتهى .
فقد علم بذلك كله أنه عز وجل ليس بمقتضى عدله لأحد عليه حق .
(ولكنه) عزّ شأنه ذلك قد (جعل) له على عباده حقاً ولهم عليه كذلك بمقتضى إنعامه وفضله فجعل (حقه على العباد أن يطيعوه ) ويوحدوه (وجعل جزاءهم ) لم يقل حقهم رعاية للأدب ودفعاً لتوهم الاستحقاق أي جعل جزاء طاعتهم ( عليه مضاعفة الثواب )كما قال تعالى : (فاما الذين امنوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ فَيُوَفِيهِمْ أَجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ [النساء : 173]، وقال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاهُ [البقرة: 261] .
(تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله ) فيه تنبيه على أن الحق الذي جعل لهم عليه أعظم مما أتوا به مع عدم كونه من جهة الاستحقاق بل لمحض التفضل والإنعام بما هو أهله من الزيادة والتوسعة.
ولما بيّن حق الله على عباده وهو الحق الذي له لنفسه عقبه ببيان حقوق الناس بعضهم على بعض فقال :
(ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض) وجعلها من حقوقه لافتراضها من قبله تعالى وفي القيام بها إطاعة له وامتثال لأمره، فتكون بهذا الاعتبار من حقوقه الواجبة على عباده ، وهذه الجملة توطئة وتمهيد لما رید آن ينبه عليه من كونه حقه علیه السلام واجباً عليهم من قبله تعالى وكون القيام به إطاعة له عز وعلا فيكون ذلك أدعى لهم على أدائه .
(فجعلها) أي تلك الحقوق التي بين الناس (تتكافأ) وتتقابل (في وجوهها) أي جعل كل وجه من تلك الحقوق مقابلاً بمثله ، فحق الوالي على الرعية مثلاً وهو الطاعة مقابل بمثله فهو العدل وحسن السيرة الذي هو حق الرعية على الوالي .
( ويوجب بعضها بعضاً ولا يستوجب )أي لا يستحق (بعضها إلا يبعض )كما أن الوالي إذا لم يعدل لا يستحق الطاعة والزوجة إذا كانت ناشزة لا تستحق النفقة .
ولما مهد ما مهد تخلص إلى غرضه الأصلي فقال : (وأعظم ما افترض سبحانه الحقوق )المتكافئة( حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي ) وإنما كان من أعظم الحقوق لكون مصلحته عامة لجميع المسلمين وباعثاً على انتظام أمر الدين. ولذلك أكده بقوله : ( فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل ) وأشار إلى وجوه المصلحة فيها بقوله: (فجعلها نظاماً لألفتهم وعزاً لدينهم ) لأنها سبب اجتماعهم وبها يقهرون أعداءهم ويعزون أديانهم .
(فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ) كما هو المشاهد بالعيان والتجربة وشهدت عليه العقول السليمة ( ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية ) في الطاعةإذ بمخالفتهم وعصيانهم يؤول جمعهم إلى الشتات وحبل نظامهم إلى التبات .
(فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه ) وأطاعوه (وأدّى الوالي إليها حقها ) وعدل (عز الحق بينهم ) أي يكون عزيزاً (وقامت مناهج الدين )وسبله (واعتدلت معالم العدل) أي مظانه أو العلامات التي نصبت في طريق العدل لسلوكه (وجرت على أذلالها السنن ) أي جرت على محاجها ومسالكها بحيث لا تكون فيها اعوجاج وتحريف .
(فصلح بذلك الزمان ) نسبة الصلاح إلى الزمان من باب التوسع والمراد صلاح حال أهله بانتظام أمورهم الدنيوية والأخروية (وطمع في بقاء الدولة ) والسلطنة (وينست مطامع الأعداء) أي أطماعها باتفاق أهل المملكة وقوتهم .
(و) أما (إذا ) كان الأمر بخلاف ذلك بأن (غلبت الرعية واليها وأجحف الوالي برعيته) أي تعدى عليهم وظلمهم ف-( اختلفت هنالك الكلمة ) باختلاف الآراء (وظهرت معالم الجور) أي علاماته، إذ بغلبة الرعية على الوالي وإجحاف الوالي يحصل الهرج والمرج ويختلط الناس بعضهم ببعض ويتسلّط الأشرار على الأبرار ويظلم الأقوياء الضعفاء (وكثر الأدغال ) أي الإبداع والتلبيس أو المفاسد (في الدين ) لاختلاف الأهواء وأخذ كل ما تشتهيه نفسه مما هو للدين ومفسد له (وتركت محاج السنن ) أي طرقها الواضحة لإعراض الناس عنها.
(فعمل بالهوى وعطلت الأحكام ) الشرعية والتكاليف الدينية (وكثرت علل النفوس )أي أمراضها بما حصلت لها من الملكات الرديئة كالحقد والحسد والعداوة ونحوها ، وقيل : عللها وجوه ارتكاباتها للمنكرات فيأتي كل منكر بوجه وعلة ورأي فاسد.
(فلا يستوحش لعظيم حق مطل) لكثرة تعطيل الحقوق وكونه متداولاً متعارفاً بينهم (ولا لعظيم باطل فعل ) الشيوع الباطل واعتيادهم عليه مع كونه موافقاً لهواهم (فهنالك تذل الأبرار )لذلّة الحق الذي هم أهله (وتعز الأشرار) لعزة الباطل الذي هم أهله (وتعظم تبعات الله عند
العباد ) إضافة التبعات وهي المظالم إليه تعالى باعتبار أنه المطالب بها والمؤاخذ عليها وإلا فالتبعات في الحقيقة لبعض الناس عند بعض .
ولما ذكر مصالح قيام كل من الوالي والرعية بما عليها من الحقوق ومفاسد تركها
أمرهم بالمواظبة على الحق وقال:
(فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون ) عليه أي بنصيحة بعضكم لبعض وإعانة كل منكم لآخر في سلوك نهج الحق وإقامة أعلامه .
وأكد إلزامهم بالتناصح والتعاون بقوله : (فليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده )وسعيه (ببالغ حقيقة ما الله أهله الطاعة له ) أي لا يمكن لأحد أن يبلغ مدى عبادة الله وحقيقة طاعته وإن أتعب فيها نفسه وبذل جهده وبلغ كل مبلغ .
(ولكن من واجب حقوق الله على العباد «عباده »النصيحة ) أي نصيحة بعضهم لبعضهم (بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم ) بقدر ما يمكنهم لا بقدر ما هو أهله ويستحقه ، فإن ذلك غير ممكن.
ولما حث على التعاون والتناصح أردفه بقوله : (وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه) .
ودفع بذلك ما ربما يسبق إلى بعض الأوهام من أن البالغ إلى مرتبة الكمال في الطاعة والحائز قصب سبق الفضيلة كمثله علیه السلام وسائر ولاة العدل أي حاجة له إلى المعين.
وجه الدفع أن البالغ إلى مرتبة الكمال أي مرتبة كانت والمتقدم في الفضيلة أي فضيلة تكون لا استغناء له عن المعين ولا مقامه أرفع من أن يعان على ما حمله الله تعالى وكلفه به من طاعته الذي هو حقه .
وذلك لأن من جملة التكاليف ما هو من عظائم الأمور كالجهاد في سبيل الله وإقامة الحدود ونشر الشرائع والأحكام وجباية الصدقات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك مما هو وظيفة الإمام ونائبه ، ومعلوم أنه محتاج في هذه التكاليف وما ضاهاها إلى إعانة الغير البتة .
ثم أردفه بقوله : (ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته ) أي احتقرته (العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه).
ودفع بذلك ما ربما يسبق إلى بعض الأوهام أيضاً من أن بعض الناس من السوقة
والسفلة أي حاجة إلى إعانتهم وأي فائدة في معاونتهم .
وجه الدفع أن ذلك البعض وإن كان بالغاً في الحقارة والدناءة وانحطاط الشأن لكنه ليس بأدون وأحقر من أن يكون معيناً على الحق ولو في صغائر الأمور ومحقراتها مثل أن يكون راعياً لدواب المجاهدين أو سقاء لهم أو حطاباً أو خياطاً ولا أقل من أن يكون خاصفاً النعلهم، فإن في ذلك كله إعانة الحق وأهله أو معاناً عليه ولو بأداء الأخماس ودفع الصدقات إليهم ولا أقل من تعليمه معالم دينه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر .
ومحصل المراد بالجملتين المتعاطفتين من قوله عليه الصلاة والسلام - وليس أمرؤ - إلى قوله علیه السلام : يعان عليه دفع توهم عدم الحاجة إلى الإعانة في العظماء لرفعة شأنهم وعدم الاحتياج إلى الضعفاء لحقارتهم وانحطاط درجتهم.
لما كان هذا الفصل من كلامه علیه السلام المسوقاً لبيان حقوق الولاة على الرعية والرعية على الولاة ، أحببت أن أذكر جملة من الأخبار والآثار الواردة في هذا المعنى، فأقول:
قال المحدث الجزائري في (الأنوار النعمانية) في بعض الأخبار أن عدل الحاكم يوماً
تعادل عبادة العابد خمسين.
وفي الحديث : من ولي من أمور المسلمين شيئاً ثم لم يحطهم بنصحه كما يحوط أهل بيته فليتبوأ مقعده من النار (1).
وروي أيضاً أنه إذا كان یوم القيامة يؤتى بالوالي فيقذف على جسر جهنم فيأمر الله سبحانه الجسر فينتقض به انتقاضة فيزول كل عظم منه عن مکانه يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى أماكنها ثم يسائله فإن كان الله مطيعاً أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته، وإن كان الله عاصياً أخرق به الجسر فغرق وهوى به في جهنم مقدار سبعين خريفاً .
وفي الرواية أنه كان في زمن بني إسرائيل سلطان ظالم فأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه أن قل لهذا ظالم : ما جعلتك سلطاناً إلا لتكف أصوات المظلومين عن بابي، فوعزتي وجلالي لأطعمن لحمك الكلاب، فسلّط عليه سلطاناً آخر حتى قتله فأطعم لحمه الكلاب.
وفي كتاب أمير المؤمنين علیه السلام إلى حبيب بن المنتجب والي اليمن : أوصيك بالعدل في رعيتك والإحسان إلى أهل مملكتك واعلم أن من ولي على رقاب عشرة من المسلمين ولم يعدل بينهم حشره الله یوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه لا يكفها إلا عدله في دار الدنيا (2).
وفي الأثر بعث قيصر ملك الروم إلى كسرى ملك الفرس بماذا أنتم أطول أعماراً
وأدوم ملكاً؟
فأجابه كسرى : أما بعد أيها السيد الكريم والملك الجسيم أما سبب الملك وإعزازه في معززه ورسوخه في مركزه فلأمور أنتم عنها غافلون ولستم لأمثالها فاعلون منها : أن ليس لنا نوّاب يرشي ويمنع ولا بواب يروع ويدفع، لم تزل أبوابنا مشرعة ونوّابنا لقضاء الحوائج مسرعة ، لا أقصينا صغيراً ولا أدنينا أميراً، ولا احتقرنا بذوي الأصول، ولا قدمنا الشبان على الكهول ، ولا كذبنا في وعد ، ولا صدقنا في إبعاد ، ولا تكلمنا بهزل ، ولا سمنا وزيراً إلى عزل ، موائدنا مبسوطة ، وعقولنا مضبوطة ، لا نقطع في أمل ، ولا لجليسنا نمل، خيرنا مضمون ، وشرنا مأمون، وعطاؤنا غير ممنون ، ولا نحوج أحداً إلى باب، بل نقضي بمجرد الكتاب، ونرق للباكي، ونستقصي قول الحاكي، ما جعلنا همنا بطوننا ولا فروجنا ، أما البطون فلقمة، وأما الفروج فأمة، ولا نؤاخذ على قدر غيظنا ، بل نؤاخذ على قدر الجناية، ولا نكلف الضعيف المعدم ما يتحمله الشريف المنعم، ولا نؤاخذ البريء بالسقيم، ولا الكريم باللئيم، النمام عندنا مفقود، والعدل في جانبنا موجود ، الظلم لا نتعاطاه، والجور أنفسنا تأباه، ولا نطمع في الباطل، ولا نأخذ العشر قبل الحاصل، ولا ننكث العهود ، ولا نحنث في الموعود، الفقير عندنا مدعوّ ، والمفتقر لدينا مقصوّ، جارنا لا يضام ؛ وعزيزنا لا يرام ، رعيتنا مرعية ، وحوائجهم لدينا مقضية ، صغيرهم عندنا خطير، وذريهم لدينا كبير ، الفقير بيننا لا يوجد ، والغني بما لديه يسعد ، العالم عندنا معظم مكرّم، والتقي لدينا موقر مقدّم ، لا يسد بمملكتنا باب ، ولا يوجد عندنا سارق ولا مرتاب ، سماؤنا ممطرة، وأشجارنا لم تزل مثمرة، لا تعامل بالشهوات ، ولا نجازي بالهفوات ، الطير إلينا شاكي ، والبعير أتانا متظلّم باكي، عدلنا قد عمّ القاصي والداني، وجودنا قد عمّ الطائع والعاصي، عقولنا باهرة، و کنوزنا ظاهرة ، وفروجنا عقائف ، وزبولنا نظائف ، أفهامنا سليمة، وحلومنا جسيمة، كفوفنا سوافح ، بحورنا طوافح ، نفوسنا أبية ، وطوالعنا المعيّة ، إن سئلنا أعطينا، وإن قدرنا عفونا ، وإن وعدنا أوفينا، وإن أغضبنا أغضينا .
فلما وصل الكتاب إلى قيصر قال : يحق لمن كان هذه سياسته أن تدوم رئاسته .
قال أنو شيروان : حصن البلاد بالعدل فهو سور لا يغرقه ماء ولا يحرقه نار ولا يهدمه منجنيق.
كان كسرى إذا جلس في مجلس حكمه أقام رجلين عن يمينه وشماله وكان يقول لهما : إذا زغت فحركوني ونبهوني، فقالا له يوماً والرعية تسمع : أيها الملك انتبه فإنك مخلوق لا خالق وعبد لا مولى وليس بينك وبين الله قرابة ، انصف الناس وانظر لنفسك .
وكان يقال : صنفان متباغضان متنافيان السلطان والرعية ، وهما مع ذلك متلازمان إن صلح أحدهما صلح الآخر وإن فسد أحدهما فسد الآخر .
وكان يقال: محلّ الملك من الرعية محل الروح من الجسد ، ومحل الرعية منه محل الجسد من الروح، فالروح تألم بألم كل عضو من البدن وليس كل واحد من الأعضاء يألم بألم غيره ، وفساد الروح فساد جميع البدن، وقد يفسد بعض البدن وغيره من سائر البدن صحيح .
وكان يقال : ظلم الرعية استجلاب البلية .
وكان يقال : العجب ممن استفسد رعيته وهو يعلم أن عزّه بطاعتهم.
وكان يقال : أيدي الرعية تبع ألسنتها حتى يملك جسومها، ولن يملك جسومها حتى
يملك قلوبها فتحبه ، ولن تحبه حتى يعدل عليها في أحكامه عدلاً يتساوى فيه الخاصة والعامة وحتى يخفف عنها المؤن والكلف ، وحتى يعفيها من رفع أوضاعها وأراذلها عليها، وهذه الثالثة تحقد على الملك العلية من الرعية وتطمع السفلة في الرتب السنية .
وكان يقال : الرعية ثلاثة أصناف: صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرئاسة والسياسة يعلمون فضيلة الملك وعظيم غنائه ويرثون له من ثقل أعبائه فهؤلاء يحصل الملك موادّتهم بالبشر عند اللقاء ويلقى أحاديثهم بحسن الإصغاء، وصنف فيهم خير وشر فصلاحهم يكتب من معاملتهم بالترغيب والترهيب وصنف من السفلة الرعاع أتباع لكل راع لا يمتحنون في أقوالهم وأفعالهم ولا يرجعون في الموالاة إلى عقد.
وكان يقال : ترك المعاقبة للسفلة على صغائر الجرائم تدعوهم إلى ارتكاب الكبائر العظائم، ألا ترى أول نشوز المرأة كلمة سومحت بها وأول حران الدابة حيدة سوعدت عليها ؟
وكان يقال: إذا لم يعمر الملك ملكه بإنصاف الرعية خرب ملكه بعصيان الرعية.
قيل لأنو شيروان : أي الجنن أوقى؟ قال : الدين ، قيل : فأي العدو أقوى؟ قال: العدل.
وفي (شرح المعتزلي) جاء رجل من مصر إلى عمر بن الخطاب متظلماً ، فقال : يا أمير المؤمنين هذا مكان العائذ بك ، قال : لو عذت بمكان ما شانك؟ قال : سابقت ولد عمرو بن العاص بمصر فسبقته فجعل يعنفني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين ، وبلغ أباه ذلك فحبسني خشية أن أقدم عليك، فكتب إلى عمرو : إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وابنك ، فلما
قدم عمرو وابنه دفع الدرّة إلى المصري وقال : اضربه كما ضربك ، فجعل يضربه وعمر يقول : اضرب ابن الأمير ، اضرب ابن الأمير ، يرددها حتى قال : يا أمير المؤمنين قد استقدت منه، فقال وأشار إلى عمرو : ضعها على صلعته ، فقال المصري : يا أمير المؤمنين إنما اضرب من ضربني ، فقال : إنما ضربك بقوة أبيه وسلطانه فاضربه إن شئت فوالله لو فعلت لما منعك أحد منه حتى تكون أنت الذي يتنزع بالكف عنه، ثم قال : يا ابن العاص متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً (1).
كتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد فإن قبلنا قوماً لا يؤدون الخراج إلا أن يمسهم نصب من العذاب ، فاكتب إلي يا أمير المؤمنين برأيك ، فكتب : أما فالعجب كل العجب تكتب إلي تستأذنني في عذاب البئر كان إذني لك جنة من عذاب الله أو كان رضاي ينجيك من سخط الله فمن أعطاك ما عليه عفواً فخذ منه، ومن أبى فاستحلفه وكلّه إلى الله، فلأن يلقوا الله بجرائمهم أحب إلي من إليّ من أن ألقا أن ألقاه بعذابهم.
لما استطرد علیه السلام في هذا الفصل ذكر حق الله تعالى على عباده وذكر حقوق بعضهم على بعض ينبغي أن نذكر طرفاً منها من طريق الأخبار وهي كثيرة جداً لا تستقصى، ونقنع منها بأجمعها لتلك الحقوق ، وهي رسالة علي بن الحسين علیه السلام المعروفة برسالة الحقوق، فأقول وبالله التوفيق:
روي في (البحار) من كتاب (تحف العقول) تأليف الشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن شعبة قال : رسالة علي بن الحسين علیه السلام المعروفة برسالة الحقوق :
اعلم رحمك الله أن الله عليك حقوقاً محيطة بك في كل حركة حركتها أو سكنة سكنتها أو منزلة نزلتها أو جارحة قلبتها وآلة تصرفت بها بعضها أكبر من بعض وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو أصل الحقوق ومنه تفرّع ، ثم أوجبه عليك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك فجعل لبصرك عليك حقاً، ولسمعك عليك حقاً، وللسانك عليك حقاً، وليدك عليك حقاً، ولرجلك عليك حقاً، ولبطنك عليك حقاً، ولفرجك عليك حقاً، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال، ثم جعل عز وجل لأفعالك عليك حقوقاً فجعل لصلاتك عليك حقاً، ولصومك عليك حقاً، ولصدقتك عليك حقاً، ولهديك عليك حقاً، ولأفعالك عليك حقاً ، ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي
1) شرح نهج البلاغة : 98/11
الحقوق الواجبة عليك ، وأوجبها عليك حقاً أئمتك، ثم حقوق رعيتك، ثم حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق ، فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك حق سائسك بالسلطان، ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك وكل سائس إمام ، وحقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم فإن الجاهل رعية العالم، وحق رعيتك بالملك من الأزواج وما ملكت من الأيمان، وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة، فأوجبها عليك حق أمك، ثم حق أبيك، ثم حق ولدك، ثم حق أخيك، ثم الأقرب فالأقرب، والأول فالأول، ثم حق مولاك المنعم عليك، ثم حق مولاك الجاري نعمتك عليه، ثم حق ذي المعروف لديك، ثم حق مؤذنك بالصلاة، ثم حق إمامك في صلاتك، ثم حق جليسك، ثم حق جارك، ثم حق صاحبك، ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذي تطالبه ، ثم حق غريمك الذي يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك، ثم حق خصمك الذي تدعي عليه ، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليك، ثم حق مستنصحك ، ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو أكبر منك، ثم حق من هو أصغر منك، ثم حق سائلك ، ثم حق من سألته، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة يقول أو فعل أو مسرّة بذلك بقول أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمد منه، ثم حق أهل ملتك عامة، ثم حق أهل الذمة، ثم الحقوق الحادثة بقدر علل الأحوال وتصرف الأسباب، فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه ووفقه وسدده.
1- فأما حق الله الأكبر فإنك تعبده لا تشرك به شيئاً فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها .
2- وأما حق نفسك عليك فأن تستوفيها في طاعة الله فتؤدي إلى لسانك حقه، وإلى سمعك حقه، وإلى بصرك حقه، وإلى يدك حقها، وإلى رجلك حقها، وإلى بطنك حقه، وإلى فرجك حقه، وتستعين بالله على ذلك
3- وأما حق اللسان فإكرامه عن الخنا ، وتعويده الخير ، وحمله على الأدب والجامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا ، وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها، وبعد شاهد العقل والدليل عليه وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
4- وأما حق السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيراً أو تكسب خلقاً كريماً، فإنه باب الكلام إلى القلب يؤدي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شر ، ولا قوة إلا بالله .
5- وأما حق بصرك فغضه عما لا يحل وترك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل بها بصراً
أو يستفيد بها علماً، فإن البصر باب الاعتبار.
6- وأما حق رجليك فأن لا تمشي بهما إلى ما لا يحل لك ، ولا تجعلهما مطيتك في الطريق المستخفة بأهلها فيها فإنها حاملتك وسالكة بك مسلك الدين والسبق لك، ولا قوة إلا بالله .
7- وأما حق يدك فأن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك فتنال بما تبسطها إليه الله
من العقوبة في الأجل ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل ، ولا تقبضها مما افترض الله عليها، ولكن توفّرها بقبضها عن كثير مما لا يحل لها وبسطها إلى كثير مما ليس عليها، فإذا هي قدعقلت وشرفت في العاجل وجب لها حسن الثواب من الله في الآجل .
8 - وأما حق بطنك فأن لا تجعله وعاء لقليل من الحرام ولا لكثير، وأن تقتصد له في الحلال ولا تخرجه من حد التقوية إلى حد التهوين وذهاب المروءة وضبطه إذا هم بالجوع والظماً فإن الشبع المنتهي بصاحبه إلى التخم مكسلة ومثبطة ومقطعة عن كل بر وكرم، وإن الرّي المنتهي بصاحبه إلى السكر مسخفة ومجهلة ومذهبة للمروءة.
9- وأما حق فرجك فحفظه مما لا يحل لك، والاستعانة عليه بغض البصر فإنه من أعون الأعوان وكثرة ذكر الموت والتهدّد لنفسك بالله والتخويف لها به وبالله العصمة والتأييد، ولا حول ولا قوة إلا به.
10- فأما حق الصلاة فأن تعلم أنها وفادة إلى الله وأنك قائم بها بين يدي الله فإذا علمت ذلك كنت خليقاً أن تقوم فيها مقام الذليل الراغب الراهب الخائف الراجي المستكين المتضرّع المعظم من قام بين يديه بالسكون والإطراق وخشوع الأطراف ولين الجناح وحسن المناجاة له في نفسه والطلب إليه في فكاك رقبتك التي أحاطت به خطيئتك واستهلكتها ذنوبك، ولا قوة إلا بالله .
11- وأما حق الصوم فأن تعلم أنه حجاب ضرب الله على لسانك وسمعك وبصرك وفرجك وبطنك ليسترك به من النار وهكذا جاء في الحديث : «الصوم جنّة من النار »، فإن سكنت أطرافك في حجبتها رجوت أن تكون محجوباً، وإن أنت تركتها تضطرب في حجابها وترفع جنبات الحجاب فتطلع إلى ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة والقوة الخارجة عن حد التقية الله لم تأمن أن تخرق الحجاب وتخرج منه، ولا قوة إلا بالله .
12- وأما حق الصدقة فأن تعلم أنها ذخرك عند ربك ووديعتك التي لا تحتاج إلى
الأشهاد، فإذا علمت ذلك كنت بما استودعته سراً أوثق بما استودعته علانية، وكنت جديراً أن تكون أسررت إليه أمراً أعلنته، وكان الأمر بينك وبينه فيها سراً على كل حال ولم تستظهر عليه فيما استودعته منها إشهاد الأسماع والأبصار عليه بها كأنها أوثق في نفسك لا كأنك لا تثق به في تأدية وديعتك إليك، ثم لم تمتن بها على أحد لأنها لك فإذا امتننت بها لم تأمن أن تكون بها مثل تهجين حالك منها إلى من مننت بها عليه لأن في ذلك دليلاً على أنك لم ترد نفسك بها ولو أردت نفسك بها لم تمتنّ على أحد، ولا قوة إلا بالله .
13- وأما حق الهدي فأن تخلص بها الإرادة إلى ربك والتعرض لرحمته وقبوله ولا تريد عيون الناظرين دونه فإذا كنت كذلك لم تكن متكلفاً ولا متصنعاً وكنت إنما تقصد إلى الله واعلم أن الله يراد باليسير ولا يراد بالعسير كما أراد بخلقه التيسير ولم يرد بهم التعسير، وكذلك التذلل أولى بك من التدهقن لأن الكلفة والمؤونة في المدهقنين فأما التذلل والتمسكن فلا كلفة فيهما ولا مؤونة عليهما لأنهما الخلقة وهما موجودان في الطبيعة، ولا قوة إلا بالله .
14 - فأما حق سائسك بالسلطان فأن تعلم أنك جعلت له فتنة وأنه مبتلى فيك بما جعله الله له عليك من السلطان، وأن تخلص له في النصيحة، وأن لا تماحكه وقد بسطت يده عليك فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه وتذلل وتلطف لإعطائه من الرضا ما يكفّه عنك ولا يضر بدينك وتستعين عليه في ذلك بالله ولا تعازّه ، ولا تعانده فأنك إن فعلت ذلك عققته وعققت نفسك فعرضتها لمكروهه وعرضته للهلكة فيك وكنت خليقاً أن تكون معيناً له على نفسك وشريكاً له فيما أتى إليك، ولا قوة إلا بالله .
15- وأما حق سائسك بالعلم فالتعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه والمعونة له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم بأن تفرغ له عقلك وتحضره فهمك وتذكي له وتجلي له بصرك بترك اللذات ونقص الشهوات وأن تعلم أنك فيما ألقى رسوله إلى من لقاك من أهل الجهل فلزمك حسن التأدية عنه أهل الجهل فلزمك حسن التأدية عنه إليهم فلا تخنه في تأدية رسالته والقيام بها عنه إذا تقلّدتها ولا حول ولا قوة إلا بالله .
16- وأما حق سائسك بالملك فنحر من سائسك بالسلطان إلا أن هذا يملك ما لا يملكه ذاك تلزمك طاعته فيما دق وجلّ منك إلا أن تخرجك من وجوب حق الله تعالى ويحول بينك وبين حقه وحقوق الخلق فإذا قضيته رجعت إلى حقه فتشاغلت به ولا قوة إلا بالله .
17- فأما حقوق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنك استرعيتهم بفضل قوتك عليهم فإنه إنما أحلّهم محل الرعية منك ضعفهم وذلّهم فما أولى من كفاكه ضعفه وذله حتى صيّره لك رعية وصيّر حكمك عليه نافذاً لا يمتنع منك بعزّة ولا قوة ولا يستنصر فيما تعاظمه منك إلا بالله بالرحمة والحياطة والأناة وما أولاك إذا عرفت ما أعطاك الله من فضل هذه العزة والقوة التي قهرت بها أن تكون الله شاكراً ومن شكر الله أعطاه فيما أنعم عليه، ولا قوة إلا بالله .
18- وأما حق رعيتك بالعلم فأن تعلم أن الله قد جعلك لهم فيما آتاك من العلم وولاك من خزانة الحكمة فإن أحسنت فيما ولآك الله من ذلك وقمت به لهم مقام الخازن الشفيق الناصح لمولاء في عبده الصابر المحتسب الذي إذا رأى ذا حاجة أخرج له من الأموال التي في يديه كنت راشداً وكنت لذلك أهلاً (1)معتقداً وإلا كنت له خائناً ولخلقه ظالماً ولسلبه وغزه متعرضاً.
19 - وأما حق رعيتك بملك النكاح فأن تعلم أن الله جعلها سكناً ومستراحاً وأنساً وواقية وكذلك كل واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه ويعلم أن ذلك نعمة منه عليه أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها وإن كان حقك عليها أغلظ وطاعتك لها ووجب الزم فيما أحببت وكرهت ما لم تكن معصية فإن لها حق الرحمة والمؤانسة وموضع السكون إليها قضاءً للذة التي لا بد من قضائها وذلك عظيم، ولا قوة إلا بالله .
20- وأما حق رعيتك بملك اليمين فأن تعلم أنه خلق ربك ولحمك ودمك وأنك تملكه لا أنك صنعته دون الله ولا خلقت له سمعاً ولا بصراً ولا أجريت له رزقاً ولكن الله كفاك ذلك بمن سخره لك وائتمنك عليه واستودعك إياه لتحفظه فيه وتسير فيه بسيرته فتطعمه مما تأكل وتلبسه مما تلبس ولا تكلّفه ما لا يطيق ، فإن كرهت خرجت إلى الله منه واستبدلت به ولم تعذب خلق الله ، ولا قوة إلا بالله .
21- فحق أمك أن تعلم أنها حملتك حيث لا يحمل أحد أحداً وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحداً وأنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك فرحة موبلة محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمها حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض فرضيت أن تشبع وتجوع هي وتكسوك
1) «آملا» في نسخة
وتعرى وترويك وتظماً وتظلك وتضحي وتنعمك ببؤسها وتلذذك بالنوم بأرقها وكان بطنها لك وعاء وحجرها لك حواء وثديها لك سقاء ونفسها لك وقاء تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك فتشكرها على قدر ذلك ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه .
22- وأما حق أبيك فتعلم أنه أصلك وأنك فرعه وأنك لولاه لم تكن فمهما رأيت في
نفسك مما تعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه واحمد الله واشكره على قدر ذلك.
23- وأما حق ولدك فتعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره وإنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والأخذ له منه، ولا قوة إلا بالله .
24- وأما حق أخيك فتعلم أنه يدك التي تبسطها وظهرك الذي تلتجيء إليه وعزك الذي تعتمد عليه وقوتك التي تصول بها فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله ولا عدة للظلم بخلق الله ولا تدع نصرته على نفسه ومعونته على عدوّه والحول بينه وبين شياطينه وتأدية النصيحة إليه والإقبال عليه في الله فإن انقاد لربه وأحسن الإجابة له وإلا فليكن الله أثر عندك وأكرم عليك منه .
25- وأما حق المنعم عليك بالولاء فأن تعلم أنه أنفق فيك ماله وأخرجك من ذل الرق ووحشته إلى عز الحرية وأنسها وأطلقك من أسر الملكة وفكّ عنك حلق العبودية وأوجدك رائحة العز وأخرجك من سجن القهر ودفع عنك العسر وبسط لك لسان الإنصاف وأباحك الدنيا كلها فملّكك نفسك وحل أسرك وفرّغك لعبادة ربك واحتمل بذلك التقصير فيما له فتعلم أنه أولى الخلق بك بعد أولي رحمك في حياتك وموتك وأحق الخلق بنصرك ومعونتك ومكانفتك في ذات الله فلا تؤثر عليه نفسك ما احتاج إليك أحداً أبداً.
26- وأما حق مولاك الجارية عليه نعمتك فأن تعلم أن الله جعلك حامية عليه وواقية وناصراً ومعقلاً وجعله لك وسيلة وسبباً بينك وبينه فبالحري أن يحجبك عن النار فيكون في ذلك ثوابك منه في الآجل ويحكم لك بميراثه في العاجل إذا لم يكن له رحم مكافأة لما أنفقته من مالك عليه وقمت به من حقه بعد إنفاق مالك فإن لم تخفه خيف عليك أن لا يطيب من میراثه، ولا قوة إلا بالله .
27- وأما حق ذي المعروف عليك فأن تشكره وتذكر معروفه وأن تنشر له المقالة الحسنة وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله سبحانه فإنك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سراً وعلانية ثم إن أمكنك مكافأته بالفعل كافأته وإلا كنت مرصداً له موطناً نفسك عليها .
28- وأما حق المؤذن فأن تعلم أنه مذكرك بربك وداعيك إلى حظك وأفضل أعوانك
على قضاء الفريضة التي افترضها الله عليك فتشكره على ذلك شكرك للمحسن إليك وإن كنت في بيتك متهماً لذلك لم تكن الله في أمره متهماً وعلمت أنه نعمة من الله عليك لا شك فيها فأحسن صحبة نعمة الله بحمد الله عليها على كل حال ، ولا قوة إلا بالله .
29 - وأما حق إمامك في صلاتك فأن تعلم أنه قد تقلّد السفارة فيما بينك وبين الله والوفادة إلى ربك وتكلم عنك ولم تتكلم عنه ودعا لك ولم تدع له ، وطلب فيك ولم تطلب فيه، وكفاك هم المقام بين يدي الله والمساءلة له فيك ولم تكفه ذلك فإن كان في شيء من ذلك تقصير كان به دونك وإن كان آثماً لم تكن شريكه فيه ولم يكن لك عليه فضل فوفى نفسك بنفسه ووفى صلاتك بصلاته فتشكر له على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله .
30- وأما حق الجليس فأن تلين له كنفك وتطيب له جانبك وتنصفه في مجاراة اللفظ ولا تغرق في نزع اللحظ إذا لحظت وتقصد في اللفظ إلى إفهامه إذا لفظت وإن كنت الجليس إليه كنت في القيام عنه بالخيار وإن كان الجالس إليك كان بالخيار ولا تقوم إلا بإذنه ، ولا قوة إلا بالله .
31- وأما حق الجار فحفظه غائباً وكرامته شاهداً ونصرته ومعونته في الحالين جميعاً، لا تتبع له عورة، ولا تبحث له عن سوءة لتعرفها ، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلّف كنت لما علمت حصناً حصيناً، وستراً ستيراً ، لو بحثت الأسنّة عنه ضميراً لم تتصل إليه لانطوائه عليه ، لا تستمع عليه من حيث لا يعلم ، لا تسلمه عند شديدة، ولا تحسده عند نعمة، تقيل عثرته وتغفر زلته ولا تذخر حلمك عنه إذا جهل عليك، ولا تخرج أن تكون سلماً له، ترد عنه الشتيمة، وتبطل فيه كيد حامل النصيحة، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
32- وأما حق الصاحب فأن تصحبه بالفضل ما وجدت إليه سبيلاً وإلا فلا أقل من الإنصاف وأن تكرمه كما يكرمك وتحفظه كما يحفظك، ولا يسبقك فيما بينك وبينه إلى مكرمة فإن سبقك كافأته ولا تقصد به عما يستحق من المودة تلزم نفسك نصيحته وحياطته ومعاضدته على طاعة ربه ومعاونته على نفسه فيما يهم به من معصية ربه ثم تكون (1)رحمة ولا تكون عليه عذاباً ، ولا قوة إلا بالله .
33- وأما حق الشريك فإن غاب كفيته، وإن حضر ساويته، ولا تعزم على حممك دون حكمه، ولا تعمل برأيك دون مناظرته، وتحفظ عليه ماله وتنفي عنه خيانته فيما عز أو هان،
1) عليه في نسخة.
فإنه بلغنا أن يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا، ولا قوة إلا بالله.
34- وأما حق المال فأن لا تأخذه إلا من حلّه ولا تنفقه إلا في حله ولا تحرّفه عن مواضعه ولا تصرفه عن حقائقه ولا تجعله إذا كان من الله إلا إليه وسبباً إلى الله ولا تؤثر به على نفسك من لعله لا يحمدك وبالحري أن لا يحسن خلافتك في تركتك ولا يعمل فيه بطاعة ربك فتكون معيناً له على ذلك وبما أحدث فيما لك أحسن نظراً لنفسك فيعمل بطاعة ربه فيذهب بالغنيمة وتبوء بالإثم والحسرة والندامة مع التبعة، ولا قوة إلا بالله.
35- وأما حق الغريم الطالب لك فإن كنت موسراً أوفيته وكفيته وأغنيته ولم تردده وتمطله فإن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : مطل الغني ظلم، وإن كنت معسراً أرضيته بحسن القول وطلبت إليه طلباً جميلاً ورددته عن نفسك ردّاً لطيفاً ولم تجمع عليه ذهاب ماله وسوء معاملته فإن ذلك لؤم، ولا قوة إلا بالله .
36- وأما حق الخليط فأن لا تغرّه ولا تغشه ولا تكذبه ولا تغفله ولا تخدعه ولا تعمل في انتقاصه عمل العدو الذي لا يبقى على صاحبه وإن اطمأن إليك استقصيت له على نفسك وعلمت أن غبن المسترسل ربا، ولا قوة إلا بالله .
37- وأما حق الخصم المدعي عليك فإن كان ما يدعي عليك حقاً لم تنفسخ في حجته ولم تعمل في إبطال دعوته وكنت خصم نفسك له والحاكم عليها والشاهد له بحقه دون شهادة الشهود، فإن ذلك حق الله عليك وإن كان ما يدعيه باطلاً رفقت به وردعته وناشدته بدينه وكسرت حدته عنك بذكر الله وألقيت حشو الكلام ولغطه الذي لا يرد عنك عادية عدوك بل تبوء بإثمه وبه يشحذ عليك سيف عداوته لأن لفظة السوء تبعث الشر والخير مقمعة للشر، ولا قوة إلا بالله .
38- وأما حق الخصم المدعى عليه فإن كان ما تدعيه حقاً أجملت في مقاولته بمخرج الدعوى ، فإن للدعوى غلظة في سمع المدعى عليه وقصدت قصد حجتك بالرفق وأمهل المهلة وأبين البيان وألطف اللطف ولم تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقيل والقال فتذهب عنك حجتك ولا يكون لك في ذلك درك، ولا قوة إلا بالله .
39- وأما حق المستشير فإن حضرك له وجه رأي جهدت له في النصيحة وأشرت إليه بما تعلم أنك لو كنت مكانه عملت به ، وذلك ليكن منك في رحمة ولين فإن اللين يؤنس الوحشة وإن الغلظ يوحش موضع الأنس، وإن لم يحضرك له رأي وعرفت له من تثق برأيه وترضى به لنفسك دللته عليه وأرشدته إليه فكنت لم تأله خيراً ولم تدخره نصحاً، ولا قوة إلا بالله .
40- وأما حق المشير عليك فلا تتهمه فيما يوافقك عليه من رأيه إذا أشار عليك فإنما الآراء وتصرف الناس فيها واختلافهم فكن عليه في رأيه بالخيار إذا اتهمت رأيه فأما تهمته فلا تجوز لك إذا كان عندك ممن يستحق المشاورة ولا تدع شكره على ما بدا من لك اشخاص رأيه وحسن وجه مشورته فإذا وافقك حمدت الله وقبلت ذلك من أخيك بالشكر والإرصاد بالمكافأة في مثلها إن فزع إليك، ولا قوة إلا بالله .
41 - وأما حق المستنصح فإن حقه أن تؤدي إليه النصيحة على الحق الذي ترى له أنه يحمل ويخرج المخرج الذي يلين على مسامعه ، وتكلمه من الكلام بما يطيقه عقله ، فإن لكل عقل طبقة من الكلام يعرفه ويجتنبه ، وليكن مذهبك الرحمة، ولا قوة إلا بالله .
42- وأما حق الناصح فأن تلين له جناحك ثم تشرئب له قلبك وتفتح له سمعك حتى تفهم عنه نصيحته ثم تنظر فيها فإن كان وفّق فيها للصواب حمدت الله على ذلك وقبلت منه وعرفت له نصيحته، وإن لم يكن وفّق لها (1)رحمته ولم تتهمه وعلمت أنه لم يألك نصحاً إلا أنه أخطأ إلا أن يكون عندك مستحقاً للتهمة فلا تعبأ بشيء من أمره على كل حال ولا قوة إلا بالله .
43- وأما حق الكبير فإن حقه توقير سنه وإجلال إسلامه إذا كان من أهل الفضل في الإسلام بتقديمه فيه وترك مقابلته عند الخصام ولا تسبقه إلى طريق ولا تؤمه في طريق ولا تستجهله وإن جهل عليك تحملت وأكرمته بحق إسلامه مع سنّه فإنما حق السن بقدر الإسلام ، ولا قوة إلا بالله .
44- وأما حق الصغير فرحمته وتثقيفه وتعليمه والعفو عنه والستر عليه والرفق به والمعونة له والستر على جرائر حداثته فإنه سبب للتوبة والمداراة له وترك مماحكته فإن ذلك أولى (2)لرشده .
45- وأما حق السائل فإعطاؤه إذا تهيأت صدقة وقدرت على سدّ حاجته والدعاء له فيما نزل به والمعاونة له على طلبته، فإن شككت في صدقه وسبقت إليه التهمة له ولم تعزم على ذلك لم تأمن أن يكون من كيد الشيطان أراد أن يصدك عن حظك ويحول بينك وبين التقرب إلى ربك وتركته بستره ورددته رداً جميلاً، وإن غلبت نفسك في أمره وأعطيته على ما عرض في نفسك منه فإن ذلك من عزم الأمور.
46- وأما حق المسؤول فحقه إن أعطى قبل منه ما أعطي بالشكر له والمعرفة لفضله
وطلب وجه العذر في منعه وأحسن به الظن واعلم أنه إن منع ماله منع وإن ليس التثريب في ماله وإن كان ظالماً فإن الإنسان لظلوم كفّار .
47- وأما حق من سرّك الله به وعلى يديه فإن كان تعمدها لك حمدت الله أولاً : شكرته على ذلك بقدره في موضع الجزاء وكافأته على فضل الابتداء وأرصدت له المكافأة، فإن لم يكن تعمدها حمدت الله وشكرت له وعلمت أنه منه توحدك بها وأحببت هذا إذا كان سبباً من أسباب نعم الله عليك وترجو له بعد ذلك خيراً فإن أسباب النعم بركة حيث ما كانت وإن كان لم يعتمد، ولا قوة إلا بالله .
48- وأما حق من ساءك القضاء على يديه يقول أو فعل فإن كان تعمدها كان العفو أولى بك لما فيه له من القمع وحسن الأدب مع كثير أمثاله من الخلق فإن الله يقول: وَلَمَنِ انتصر بعد ظُلْمِهِ، فَأَوَلَيْكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل إلى قوله : (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمورِ) [الشورى: 41-43] ، وقال عز وجلّ : وَإِنْ عَاقَبَتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُونِتُم بِهِ وَلَن صَبّرتُم لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِرِينَ [النحل : 126] هذا في العمد ، فإن لم يكن عمداً لم تظلمه بتعمد الانتصار منه فتكون قد كافأته في تعمد على خطأ ورفقت به ورددته بألطف ما تقدر عليه ، ولا قوة إلا بالله .)49- وأما حق أهل ملتك عامة فإضمار السلامة ونشر جناح الرحمة والرفق بمسيئهم وتألفهم واستصلاحهم وشكر محسنهم إلى نفسه وإليك فإن إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك إذا كف عنك أذاه وكفاك مؤونته وحبس عنك نفسه فعمهم جميعاً بدعوتك ، وانصرهم جميعاً بنصرتك، وأنزلهم جميعاً منك منازلهم كبيرهم بمنزلة الوالد وصغيرهم بمنزلة الولد وأوسطهم بمنزلة الأخ (1، فمن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة وصل أخاك بما يجب للأخ على أخيه .)50- وأما حق أهل الذمة فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل الله وكفى بما جعل الله - لهم من ذمته وعهده وتكلهم إليه فيما طلبوا من أنفسهم وأجبروا عليه وتحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك فيما جرى بينك من معاملة وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمة الله والوفاء بعهده وعهد رسوله صلی الله علیه واله وسلم حائل، فإنه بلغنا أنه صلی الله علیه واله وسلم قال : «من ظلم معاهداً كنت خصمه»، فاتق الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .فهذه خمسون حقاً محيطاً بك لا تخرج منها في حال من الأحوال يجب عليك رعايتها والعمل في تأديتها والاستعانة بالله جل ثناؤه على ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين (2.)
قال الشارح على الله عنه ووفقه لأداء حقوقه : وإنما أوردت الرواية بتمامها مع كون صدرها خارجاً عن الغرض لكثرة فوائدها ومزيد عوائدها فضننت بها عن الإسقاط والاقتصار.ثم أقول : النسخة التي رويت منها كانت غير خالية عن السقم فرويت كما رأيت، فلعل الله يوفّقنی على إصلاحها ومقابلتها فيما بعد بتحصيل نسخة صحيحة، وهو الموفق والمعين و به اعتمادي.#### الترجمةاز جمله خطبه های شریفه آن امام مبین و سیدالوصین است که خطبه خواند آنرا در صفین ، می فرماید :اما بعد از حمد خدا و نعمت رسول خدا، پس به تحقیق گردانیده است خدا از برای من بر شما حق بزرگی را شما حق بزرگی را به سبب صاحب اختیار بودن من بر امر شما و از برای شما است بر من از حق مثل آن حقی که مرا است شما، حق فراترینپس خیرها است در مقام وصف کردن بعضی با بعضی اوصاف آن را و تنگ ترین چیزها است در مقام انصاف کردن بعضی مر بعضی را ، جاری نمی شود آن حق از برای منفعت احدی مگر این که جاری شود بر ضرر او و جاری نمی شود بر ضرر او مگر این که جاری شود از برای منفعت او .و اگر باشد از برای کسی که جاری شود حق او بر غیر و حق بر او جاری نشود هر آینه باشد و مختص به خداوند سبحانه بدون خلق او از جهت قدرت او بر بندگان خود و از جهت عدالت او در هر چیزی که جاری شد آن چیز چیز اقسام قضا و حکم او ولیکن گردانید خدای تعالی حق خود را بر بندگان ، این که اطاعت او نمایند و گردانید جزای طاعت ایشان را بر خود ، اینکه ثواب ایشان را بالمضاعف کند از حیثیت تفضل و احسان و از روی وسعت دادن با چیزی که خود اهل او است از زیاده کردن جزا .پس گردانید حق سبحانه و تعالی از جمله حقوق خود حقوقی را که واجب
گردانیده است آنها را از برای بعضی از مردمان بر بعضی ، پس گردانید آنها را متساوی و متقابل در جهات آنها و باعث میشود بعضی از آنها به بعضی و مستحق نمیشود بعضی را مگر به عوض بعضی .و بزرگرین چیزی که واجب گردانید حق سبحانه و تعالی از این حقوق ، حق والی و پادشاه است بر رعیت و حق رعیت است بر والی و پادشاه ، فریضه ای است که فرض کرده خدای سبحانه و تعالی آن را از برای هر یکی از والی و رعیت بر دیگری ، پس گردانید آن حق را سبب سبب نظم از برای الفت ایشان و مایه عزت از برای دین ایشان ، پس صلاح نمی یابد حال رعیت مگر به صلاح حال پادشاهان و صلاح نمی یابد حال پادشاهان مگر به انتظام امر رعیت .پس وقتی که ادا کند رعیت به والی حق او را که اطاعت و فرمان برداری است و ادا کند والی به رعیت حق او را که عدالت و دادرسی است عزیز میشود حق در میانه ایشان و مستقیم میشود راههای دین و معتدل می شود علامتهای عدالت و جاری می شود سنن شرعیه بر راههای خود پس صلاح می یابد به سببمیشود این روزگار و امیدواری میشود در دوام و بقای سلطنت و مأیوس میگردد جایگاه طمع دشمنان .و وقتی که غالب گردد و تمرد نماید رعیت بر پادشاه خود یا ظلم و تعدی کند پادشاه بر رعیت خود ، مختلف شود در آن وقت سخنان و آشکار گردد علامتهای ظلم و ستم و بسیار گردد دغل و مفاسد در دین و ترك شود جاد سنن شرعيّه ، پس عمل کرده میشود به خواهشات نفسانیه و معطل گردد احکام شرعيّه نبویه و بسیار شود ناخوشیهای نفس ها ، پس استیحاش نمی شود ، یعنی مردم وحشت نمیکنند از بزرگ حقی که تعطیل افتد و نه از بزرگ باطلی که آورده شود ، آن وقت ذلیل و خوار گردند نیکوکاران و عزیز گردد بدکرداران و بزرگ میشود مظالم خدا ذمه بندگان خدا.پس بر شما باد نصیحت کردن یکدیگر را در آن حق واجب و معاونت خوبهمدیگر بالای آن .پس نیست احدی و اگرچه شدید باشد در تحصیل رضای خدا عرض او و دراز باشد در عمل سعی و تلاش او که برسد حقیقت آن چیزی را که خدای تعالی اهل
و سزاوار او است از اطاعت و عبادت ولیکن از حقوق واجبه خدا بر بندگان نصیحت کردن است به مقدار طاقت ایشان و اعانت کردن یکدیگر است برپا داشتن حق و عدل در میان خودشان .و نیست مردی و اگر چه بزرگ شود در حق گذاری مرتبه او و مقدم باشد در .دین داری فضیلت او بالاتر از اینکه اعانت کرده شود بر چیزی که بار کرده است خدا بر او از حق خود ، یعنی البته محتاج است به معین .و نیست مردی اگر چه كوچك شمرده باشد او را نفسها و حقیر دیده باشد اورا چشمها پست تر از این که اعانت کند آن حق یا اعانت کرده شود بر آن .
### الفصل الثاني#### اشارةقال السيد رضي الله عنه : فأجابه علیه السلام الرجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له علیه السلام .فقال علیه السلام:إِنَّ مِنْ حَقٌّ مَنْ عَظُمَ جَلالُ الله فِي نَفْسِهِ، وجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَم ذلِكَ كُلُّ ما سواه، وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ كانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ الله عَلَيْهِ، ولَطَفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمُ نِعْمَةُ الله عَلَى أَحَدٍ إِلا ازْدادَ حَقٌّ الله عَلَيْهِ عِظَماً .وإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حالاتِ الوُلاةِ عِنْدَ صالح النَّاسِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الفَخْرِ، ويُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلى الكِبْرِ ، وقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جالَ في ظَنُّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإطراء، وَاسْتِمَاعَ الثَّناءِ، ولَسْتُ بِحَمْدِ الله كَذَلِكَ ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقالَ ذلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطاطاً لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ تَناوُلِ ما هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، ورُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّناءَ بَعْدَ البَلاءِ، فَلا تُثنُوا عَليَّ بِجَمِيل ثناء لإخْراجِي نَفْسي إلى الله وإِلَيْكُمْ مِنَ البَقِيَّةِ في حُقوقِ لَمْ أفْرُغْ مِنْ أدائها ، وفَرائِضَ لا بُدَّ مِنْ إمضائها .فَلا تُكَلِّمُونِي بِما تُكَلَّمُ بِهِ الجَبَابِرَةُ، ولا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِما يُتَحَفَظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ البَادِرَةِ، ولا تُخالِطُوني بالمُصانعة، ولا تَظُنُّوا بِي (1([به]) استثقالاً في حل قبل لي، وَلاَ التماس حَقٌّ قِيلَ إعظام لِنَفْسِي ، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقِّ أَنْ يُقالَ لَهُ، أَوِ العَدْلِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ العَمَ بِهِما أَنْقَلَ عَلَيْهِ، فَلا تَكُفُّوا عَنْ مَقالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشورَةٍ بِعَدْلٍ ، فَإِنِّي لَسْتُ في نَفْسي بِفَوْقَ أَنْ أُخْطِيءَ، وَلا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلا أَنْ يَكْفِي الله مِنْ نَفْسي ما هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّما أَنَا وأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لا رَبِّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنّا ما لا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنا ، وأَخْرَجَنا مِمّا كُنا فِيهِ إِلى ما صَلُحْنا عَلَيْهِ ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الصَّلالَةِ بالهُدَى ، وأَعْطانَا البَصِيرَةَ بَعْدَ العَمَى (2).)#### اللغة(صغر الشيء يصغر من باب شرف صغر أو زان عنب إذا صار صغيراً وصغر صغراً من)
باب تعب إذا ذلّ وهان ، قال تعالى: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ [التوبة : 29] أي داخرون ذلیلون و (عظم) الشيء بالضم أيضاً عظماً كعنب إذا صار عظيماً و (سخف) سخفاً وسخافة وزان قرب قرباً فهو سخيف وفلان في عقله سخف أي نقص، وقال الخليل : السخف في العقل خاصة والسخافة في كل شيء. و (أطريت) فلاناً مدحته بأحسن ما فيه ، وقيل : بالغت في مدحه وجاوزت الحد. وقال السرقسطي في باب الهمز والياء : أطرأته مدحته وأطريته أثنيت عليه .
وقوله : (من البقية ) بالباء الموحدة كما في نسخة الشارح المعتزلي وغيرها من بقي الدين كذا فضل وتأخر، والبقية اسم منه والجمع بقايا وبقيات مثل عطية وعطايا وعطيات ، والمنقول من خط الرضي من التقية بالتاء المثناة و (البادرة ) الحدة والكلام الذي يسبق من الإنسان في حالة الغضب و (المصانعة ) الرشوة والمداراة و (كفه) عن المكروه أي صرفه فكف هو أي انصرف يستعمل متعدياً ولازماً.
قوله : (من حق ) خبر إن قدم على اسمها وهو قوله : أن يصغر، وهو مؤوّل بالمصدر والواو في (وأن أحق) (آه) حرف قسم حذف المقسم به وجواب القسم قوله : لمن عظمت، ويحتمل أن تكون للعطف فتكون اللام في لمن تأكيداً .
وقوله: (وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب ) ، يكون زائدة بعد أن الناصبة جيء بها لمحض إصلاح اللفظ وتصحيح دخول أن الناصبة وإلا فلا حاجة إليها من حيث المعنى، والدليل على زيادتها أنها لم تعمل شيئاً أصلاً ومثلها في الزيادة قول أم عقيل ابن أبي طالب وهي ترقصه :
أنت تكون ماجد بليل *** أذا تهب شمال بلیل
وجملة: أن يكون حال في محل النصب مفعول كرهت وجملة إني أحب فاعل جال ، وقوله : ولست بحمد الله كذلك ، (الباء) في بحمد الله إما للمصاحبة والجار والمجرور في موضع الحال أي لست كذلك مصاحباً بحمده أي حامداً له تعالى على حد قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [الحجر: 98] أي سبّحه حامداً له أي نزهه عما لا يليق به وأثبت له ما يليق وإما للاستعانة على أنه من إقامة المسبب مقام السبب كما قاله بعض علماء الأدبية في «سبحانك اللهم وبحمدك »: إن المعنى وبمعونتك التي هي نعمة توجب على حمدك سبحتك لا بحولي وقوتي، وعلى هذا فيكون المعنى لست كذلك بإعانته التي توجب حمده تعالى .
وقوله : (انحطاطاً الله )، مفعول لأجله لتركته ، وعن تناول متعلق بانحطاطاً وإضافة تناول
إلى ما من إضافة المصدر إلى مفعوله، وقوله : الإخراجي علة للمنفي، لا للنفي وقوله: في حقوق ، متعلق بالبقية (والفاء) في قوله : فلا تكلموني ، فصيحة .
وقوله : (فإنه من استثقل الحق أن يقال له ) ، الضمير في أنه للشأن وأن يقال له بدل من الحق بدل اشتمال وكذلك أن يعرض عليه بدل من العدل ، و(الباء) في قوله : بفوق، زائدة للتأكيد وزيادتها في خبر ليس مطردة، و(الفاء) في قوله : فأبدلنا (آه) ، عاطفة للتفصيل في الإجمال.
اعلم أنه علیه السلام لما خطب بما تقدم في الفصل الأول (فأجابه علیه السلام الرجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له ) وستطلع على كلام هذا الرجل في التكملة الآتية إن شاء الله تعالى .
قال المحدث العلامة المجلسي في (البحار) عند رواية هذه الخطبة من( الكافي): الظاهر أن هذا الرجل كان الخضر علیه السلام وقد جاء في مواطن كثيرة وكلمه علیه السلام لإتمام الحجة على الحاضرين ، وقد أتى بعد وفاته علیه السلام وقام على باب داره وبكى وأبكى وخاطب علیه السلام بأمثال تلك الكلمات وخرج وغاب عن الناس.
أقول : ويؤيده ما يأتي في رواية (الكافي) من أنه لم يكن رُني في عسكره علیه السلام قبل هذا اليوم ولا بعده، وكيف كان فلما سمع علیه السلام كلامه فقال علیه السلام مجيباً له :
(إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وجلّ موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه) فإن من كمل معرفته بالله وشاهد عظمته وجلاله وكبرياءه لا يبقي لغيره وقع في نظره ، لما ظهر من جلاله تعالى كما قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في ما رواه عنه صلی الله علیه واله وسلم في (إحياء العلوم ): لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى ينظر الناس كالأباعر في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيجدها أحقر حقير.
(وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه ولطف إحسانه إليه) يعني أحق الناس بتعظيم جلال الله وتصغير ما سواه هم الأئمة علیه السلام العظم نعمة الله عليهم وكمال معرفتهم بجلال ربهم ، فحق الله تعالى عليهم أعظم من غيرهم فينبغي أن يصغر عندهم أنفسهم فلا يحبوا الثناء والإطراء.
أو أن من عظمت نعمه ولطفه وإحسانه إليه فهو أحق وأجدر بأن يعظم جلال الله ويجل محله في قلبه، ومن كان كذلك فيضمحل عند ملاحظة جلاله ومشاهدة عظمة غيره، فلا يكون
له التفات وتوجه إلى الخلق في أعماله حتى يطلب رضاهم ومدحهم وثناءهم.
هنا لما قال الحواريون لعيسى علیه السلام : ما الخالص من الأعمال ؟ فقال : الذي يعمل الله تعالى لا يحب أن يحمدومن يحمده عليه أحد (1).
وقال بعضهم : الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط، وقال آخر : هو إخراج الخلق عن معاملة الرب .
ويؤيد الثاني تعليله بقوله : (فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظماً ) وأعظم حقه هو وما أمروا إلا ليعبدوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : ] ، (وقفتن الإخلاص كما قال : كان يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا) [الكهف: 110] .
(وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ) لظهور مخائل حبه عليهم، وذلك لضعف عقولهم وحبهم للجاه والمنزلة عند الناس وللثناء والمحمدة منهم .
والنكتة في محبتهم لذلك هو ارتياح النفس والتذاذ القلب به وميل الطبع إليه بسبب استشعار الكمال من قول المادح وذلك لأن الكمال محبوب ، وكل محبوب فإدراكه لذيذ، فمهما شعرت النفس بكمالها ارتاحت وتلذذت فالمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها .
فإن الوصف الذي يمدح به إما أن يكون جلياً ظاهراً كوصفه بأنه طويل القامة وحسن الوجه، أو خفياً مشكوكاً كوصفه بالقدرة والشجاعة والسخاوة ، والالتذاذ بالأول أقل وبالثاني أعظم، لأن الإنسان ربما يكون شاكاً في كمال قدرته وشجاعته وسخاوته، وبمدح غيره له بذلك يرتفع شكه ويحمل له الطمأنينة باستشعار ذلك الكمال، فتعظم لذته لا سيما إذا كان المادح من أهل الخبرة فهذا هو النكتة في حب الجاه والفخر والثناء.
وأيضاً فإن المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بحمده، ومدحه إما عن طوع أو عن قهر والحشمة أيضاً لذيذة لما فيها من القهر والقدرة والسلطنة، وهذه اللذة تحصل وإن كان المادح في الباطن غير معتقد بما مد لأن اضطراره إلى مدحه ووصفه نوع قهر واستيلاء عليه فيورث ذلك حب الولاة للمحمدة والثناء.
وإنما جعله من أسخف الحالات، لأن من غلب على قلبه حب الجاه والمنزلة والفخر صار همته مقصوراً على ملاحظة الخلق ومراعاتهم في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يوجب وقعه في نظرهم ومنزلته عندهم ورضائهم منه رجاء لمدحهم وخوفاً من ذمهم وهذا من محض ضعف العقل وقصوره.
1) ميزان الحكمة: 758/1 بتفاوت وتفسير القرطبي: 28/10 .
لأن هذه الصفة التي يحب المدح بها إما أن يكون متصفاً بها واقعاً أم لا.
فإن كان متصفاً بها فهي إما من الكمالات النفسانية كالقدرة والشجاعة والعدالة، أو ليست من الكمالات النفسانية بل من الأعراض الدنيوية كالثروة والجلال والشوكة ونحوها .
أما الأعراض الدنيوية فالفرح بها كالفرح بما أنبتت الأرض من النبات الذي يصير عن قریب هشيماً تذروه الرياح، وهذا من قلة عقل العاقل فلا ينبغي أن يفرح بما هو في معر الزوال والفناء، وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بل بوجوده والمدح ليس سبب وجوده.
وأما الكمالات النفسانية فينبغي أن يكون فرحه فيها بفضل الله تعالى أيضاً لا بمدح المادح، فإن اللذة في استشعار الكمال والكمال موجود بفضل الله لا بمدح المادح والمدح تابع له .
وإن لم يكن متصفاً بها واقعاً فحب المدح بها غاية الجنون، ومثله كمثل من يهزأ به إنسان ويقول له : سبحان الله ما أكثر العطر الذي في أحشائك وما أطيب الروائح التي تفوح منك إذا قضيت حاجتك، وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان ومع ذلك فيفرح بمدحه، فإذا المادح إن كان صادقاً فليكن فرحه بصفته التي هي من فضل الله وإن كان كاذباً فينبغي أن يغمه مدحه حيث إنه يستهزء به ويستسخر منه فكيف يفرح به؟ .
وأما الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح فمرجعها أيضاً إلى قدرة عارضة لا ثبات لها، فعلم بذلك أن حب الفخر من أسخف حالات الولاة .
(و) من أسخف حالاتهم أيضاً أن (يوضع أمرهم على الكبر) أي يتهموا بالكبر لاستعظامهم لنفسهم واستحقارهم لغيرهم وترفعهم عليه وأنفهم من عباداتهم وهو أيضاً من ضعف العقل لأن الكبر والعز والعظمة والجلال لا يليق إلا بالقادر القاهر مالك الملك والملكوت فأين يليق به العبد الضعيف المسكين المستكين الذي لا يملك لنفسه موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً.
فالوالي المتكبر منازع الله تعالى في صفة لا يليق إلا بجلاله مثل الغلام الذي أخذ قلنسوة الملك فوضعها على رأسه وجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت والخزي وما أقبح ما تعاطاه وأشد جرأته على مولاه وأفحش سفهه عند أهل البصيرة هذا .
ولما ذكر إجمالاً أن المشاهد لجمال الربوبية يصغر في نظره ما سواه وأن أحق الناس بمشاهدة جلاله واستصغار غيره هو من فاز لعظيم نعمة المعرفة وعقبه بذكر حالة الولاة من حبهم للفخر والكبر واتهامهم بذلك .
أردف ذلك بالتصريح على براءة نفسه القدسية من هذه الحالات ونزاهته عن حب
الإطراء والثناء بمقتضى مشاهدته لجلال الرب تعالى فقال :
(وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء ) أي المجاوزة عن الحد في المدح والمبالغة فيه (واستماع الثناء ) قال بعض الشارحين : جولان الظن حصول المعنى في النفس من غير إذعان كامل ، وكراهته عليه السلام له يدل على كراهته للإذعان التام بطريق أولى .
(ولست بحمد الله كذلك ) أي محباً لها (ولو كنت أحب أن يقال ذلك ) أي لو أحببت الإطراء والثناء والتعظيم والتبجيل بما فيه من التذاذ النفس (لتركته) قطعاً (انحطاطاً الله) وتذللاً لأجله وتصاغراً (عن تناول ما هو أحق به ) مني ومن كل أحد (من العظمة والكبرباء) .
ويحتمل أن يكون أحق بمعنى حقيق غير مراد به التفضيل كما في قولهم: العسل أحلى من الخل وهو الأظهر بل أولى لأن العظمة والكبرياء لا يليق إلا به تعالى كما قال في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي ».
وفي كلامه علیه السلام إشارة إلى أن الإطراء والثناء يجران إلى الكبر وذلك أن المادح إذا بالغ في المدح وذكر مناقب الممدوح ومحاسنه وأثنى عليه بها يورث ذلك في الممدوح الارتياح والاهتزاز واستعظامه لنفسه بما فيها من المناقب والمحاسن واستحقاره بغيره لخلوه منها ، وليس الكبر إلا عبارة عن ذلك .
(وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء) أي استحلى من أبلى بلاء حسناً من الولاة
وغيرهم أن يمدح ويثني عليه بعد ابتلائه بالشدائد ومكابدته المشاق.
قال الشارح البحراني: هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه فكأنه علیه السلام يقول : وأنت معذور حيث رأيتني أجاهد في سبيل الله وأحث الناس على ذلك عادة الناس أن ومن يستحلوا الثناء عندما يبلوا بلاء حسناً في جهاد أو غيره من الطاعات.
ثم أجاب علیه السلام عن هذا العذر بقوله : (فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لا بد من إمضائها ) أي لا تثنوا علي لأجل ما ترونه مني من طاعة الله فإن ذلك إنما هو لإخراج نفسي إلى الله من حقوقه الباقية عليّ لم أفرغ بعد من أدائها ، وهي حقوق نعمه وفرائضه التي لا بد من المضي فيها وكذلك إليكم من الحقوق التي أوجبها الله من النصيحة في الدين والإرشاد إلى الطريق الأفضل والتعظيم لكيفية سلوكه .
وفي المنقول من خط الرضي من التقية بالتاء والمعنى فإن الذي أفعل من طاعة الله إنما هو لإخراج نفسي إلى الله وإليكم من تقية الخلق فيما يجب عليّ من الحقوق إذ كان علیه السلام إنما يعبد الله الله غير ملتفت في شيء من عبادته وأداء واجب حقه إلى أحد سواه خوفاً منه أو رغبة إليه .
أو المراد التقية التي كان يعملها في زمن الخلفاء الثلاثة وتركها في أيام خلافته، وكأنه قال : لم أفعل شيئاً إلا وهو أداء حق واجب علي وإذا كان كذلك فكيف أستحق أن يثنى علي لأجل إتيان الواجب بثناء جميل ، وأقابل بهذا التعظيم ، وهو من باب التواضع الله وتعظيم كيفية أداء حقه ، وكسر للنفس عن محبة الباطل والميل إليه .
ولما نهاهم عن الثناء عليه أردف بتعليمهم كيفية سلوكهم معه علیه السلام قولاً وفعلاً فقال علیه السلام:
(فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ) والظلمة أي لا تكلموني بكلام متضمن للتملق لي والتودد إليّ كما يتكلم به عند أهل الغرور والنخوة من المتجبرين العتاة .
(ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ) أي لا تحرّزوا مني بما يتحرز به عند أهل الهدة من الملوك والسلاطين والأمراء ؛ فإن الناس إنما يتحفظون عنهم ويتكلمون عندهم حقاً أو باطلاً بما يعجبهم ويوافق مذاقهم من الثناء والإطراء والملق ، ويحتشمون منهم ويقومون بين أيديهم ويخضعون لهم، كل ذلك خوفاً من سطوتهم وتوقياً من سورتهم.
(ولا تخالطوني) وعن بعض النسخ لا تخاطبوني بدله (بالمصانعة) أي بالرشوة والمداراة ، وقال بعض الشارحين : المصانعة أن تصنع لأحد شيئاً ليصنع لك شيئاً آخر والغرض النهي عن المخالطة أو المخاطبة بحسب ما يرونه صلاحاً في حصول أغراضهم أو ما يعجبه علیه السلام على زعمهم.
(ولا تظنوا بي استثقالاً في حق لي ولا التماس إعظام لنفسي) أي لا يذهب ظنكم إلى أن في توانياً من الحق الذي قيل لي ، وإني أعده ثقيلاً عليّ ، ولا إلى أني أطلب من الخلق التعظيم لنفسي، وذلك لأنه مع الحق والحق معه يدور معه كيف دار ولمعرفته بمن هو أهل للإعزاز وأحق به لاختصاصه بالعظمة والكبرياء فقط جل جلاله دون غيره حسبما صرح به سابقاً، ومن هذا شأنه فكيف يستثقل الحق ويلتمس الإعظام.
( فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه ) يعني من كان استماع الحق والعدل ثقيلاً عليه عند إظهارهما عليه كان عمله بهما أثقل وأشقى ،
لكن شيئاً منهما ليس ثقيلاً عليه فضلاً عن إصغائه إليه، بل المعلوم من حاله علیه السلام مضافاً إلى شهادة قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف : 181] النازل فيه وفي الأئمة من ذريته عليه و علیه السلام مواظبته على الحق والعدل في جميع حالاته.)ولما نهاهم عن التحفظ منه ونبههم على عدم ثقل استماع القول الحق والعدل عليه كعدم ثقل عمله بهما فرّع عليه قوله : (فلا تكفوا عن مقالة بحق أي لا تمسكوا عنها وفيه تلطف لهم (أو مشورة بعدل) وفيه تطييب لقلوبهم .)ولهذه النكتة أيضاً أمر الله نبيه صلی الله علیه واله وسلم في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْ [آل عمران: 159] بالتشاور من دون حاجة لأحد منهما إلى استخراج الوجه بالمشاورة لعلمهما بوجوه المصالح جميعاً في الحرب وغيرها .
وأما التعليل بقوله: (فإني لست في نفسي بفوق أن أخطىء ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني) فإنما هو من الانقطاع إلى الله والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق وعد نفسه من المقصرين في مقام العبودية والإقرار بأن عصمته علیه السلام من نعمه تعالى .
وليس اعترافاً بعدم العصمة كما يتوهم بل ليست العصمة إلا ذلك فإنها عبارة عن أن الله العبد من ارتكاب الخطأ والمعصية وقد أشار إليه بقوله : إلا أن يكفي الله ، على حد قول يوسف الصديق علیه السلام : وَمَا أُبَرِى نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةُ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبي له [يوسف: 53] .)وأراد بقوله : ما أملك به العصمة من الخطأ فإنه تعالى أقدر على ذلك للعبد منالعبد نفسه .ثم اتبعه بمزيد الهضم وسوّى بينهم وبينه وقال : (فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا ويعصمنا مما لا نقدر أن نعتصم منه بأنفسنا من مكاره الدنيا والآخرة (وأخرجنا مما كنا فيه )من الجهالة وعدم العلم والمعرفة (إلى ما صلحنا عليه ) من الكمالات التي يسرها لنا ببعثة الرسول صلی الله علیه واله وسلم (فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى) .)قال الشارح المعتزلي: ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه لأنه لم يكن كافراً فأسلم ، ولكنه كلام يقوله ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفناء الناس، فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعاً، ويجوز أن يكون معناها : لولا ألطاف الله تعالى ببعثة محمد صلی الله علیه واله وسلم
لكنت أنا وغيري على مذهب الأسلاف(1)تكملةهذه الخطبة رواها ثقة الإسلام الكليني في كتاب (الروضة من الكافي والسند علي الحسن المؤدب عن أحمد بن محمد بن خالد وأحمد بن محمد عن علي بن الحسن التميمي (2)جميعاً عن إسماعيل بن مهران قال : حدثني عبد الله بن الحرث عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال خطب أمير المؤمنين علیه السلام و الناس بصفين فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمد النبي صلی الله علیه واله وسلم ثم قال علیه السلام:)أما بعد، فقد جعل الله لي عليكم حقاً بولاية أمركم ومنزلتي التي أنزلني الله عز ذكره بها منكم ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم ، والحق أجمل الأشياء في التراصف (3وأوسعها في التناصف لا التناصف لا يجري لأحد إلا جرى عليه ، ولا يجري عليه إلا جرى له ، ولو كان لأحد أن يجري ذلك له ولا يجرى عليه لكان ذلك الله عز وجل خالصاً دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه ضروب قضائه ، ولكن جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل كفارتهم عليه حسن الثواب تفضلاً منه وتطولاً بكرمه وتوسعاً بما هو من المزيد له أهل ، ثم جعل من حقوقه حقوقاً فرضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضاً، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض .)فأعظم ما افترض الله تبارك وتعالى من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله عز وجل لكل على كل فجعلها نظام الفتهم وعزاً لدينهم وقواماً لسنن الحق فيهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية.فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقه وأدى إليها الوالي كذلك عز الحق بينهم، فقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل، وجرت على إذلالها السنن ، وصلح بذلك الزمان وطاب به العيش وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء.وإذا غلبت الرعية واليهم وعلا الوالي الرعية اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت مطامع الجور وكثر الإدغال في الدين وتركت معالم السنن، فعمل بالهوى وعطلت الآثار وكثرت
علل النفوس ولا يستوحش لجسيم حد عطل ولا لعظيم باطل أثل، فهنالك تذل الأبرار، وتعزّ الأشرار، وتخرب البلاد ، وتعظم تبعات الله عز وجل عند العباد.فهلم أيها الناس إلى التعاون على طاعة الله عز وجل والقيام بعدله والوفاء بعهدهوالإنصاف له في جميع حقه، فإنه ليس العباد إلى شيء أحوج منهم إلى التناصح في ذلك وحسن التعاون عليه ، وليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ ما أعطى الله من الحق أهله ، ولكن من واجب حقوق الله عز وجل على العباد النصيحة له بمبلغ جهدهم ، والتعاون على إقامة الحق بينهم.وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وجسمت في الخلق فضيلته بمستغن عن أن يعان على ما حمله الله عز وجل من حقه ، ولا لامرىء مع ذلك خسأت به الأمور واقتحمته العيون بدون ما أن يعين على ذلك أو يعان عليه ، وأهل الفضيلة في الحال وأهل النعم العظام أكثر من ذلك حاجة وكل في الحاجة إلى الله عز وجل شرع سواء .فأجابه علیه السلام رجل من عسكره لا يدري من هو ويقال : إنه لم ير في عسكره قبل ذلك اليوم ولا بعده، فقام وأحسن الثناء على الله عز وجل بما أبلاهم وأعطاهم من واجب حقه عليهم والإقرار بما ذكر من تصرف الحالات به وبهم ثم قال : أنت أميرنا ونحن رعيتك بك أخرجنا الله عز وجل من الذل وبإعزازك أطلق على عباده من الغل، فاختر علينا فامض اختيارك وائتمر فامض ائتمارك فإنك القائل المصدّق والحاكم الموفق والملك المخول لا نستحل في شيء من معصيتك ولا نقيس علماً بعلمك يعظم عندنا في ذلك خطرك، ويجل عنه في أنفسنا فضلك .فأجابه أمير المؤمنين علیه السلام : إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وعظم موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعم الله عليه ولطف إحسانه إليه فإنه لم تعظم نعم الله تعالى على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظماً .وإنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر ، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء، واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً الله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا عليّ لا بجميل ثناء الإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض بد من إمضائها .فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا
تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطىء ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره ، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل فقال : أنت أهل ما قلت والله فوق ما قلته فبلاؤه عندنا ما لا يكفر، وقد حملك الله تعالى رعايتنا وولاك سياسة أمورنا فأصبحت علمنا الذي نهتدي به، وإمامنا الذي نقتدي به ، وأمرك كله رشد ، وقولك كله أدب ، قد قرّت لك في الحياة أعيننا ، وامتلأت بك من سرور قلوبنا ، وتحيّرت من صفة ما فيك من بارع الفضل عقولنا، ولسنا نقول لك أيها الإمام الصالح تزكية لك، ولا نجاوز القصد في الثناء عليك، ولم (1يكن في أنفسنا طعن على يقينك أو غش في دينك فنتخوّف أن يكون أحدثت تبارك وتعالى تجبّراً، أو دخلك كبر ، ولكنا نقول ما قلنا تقرباً إلى الله عز وجل بتوقيرك، وتوسعاً بتفضيلك وشكراً بإعظام أمرك، فانظر لنفسك ولنا وآثر لأمر الله على نفسك وعلينا فنحن طوع فيما أمرتنا ننقاد من الأمور مور مع ذلك فيما ينفعنا .)فأجابه أمير المؤمنين علیه السلام فقال : وأنا أستشهدكم عند الله على نفسي ، لعلمكم فيما وليت به من أموركم وعما قليل يجمعني وإياكم الموقف بين يديه والسؤال عما كنا فيه، ثم يشهد بعضنا على بعض ، فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غداً، فإن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، ولا يجوز عنده إلا مناصحة الصدور في جميع الأمور.فأجابه الرجل ويقال : لم ير الرجل بعد كلامه هذا لأمير المؤمنين علیه السلام فأجابه وقد عال الذي في صدره والبكاء تقطع منطقه ، وغصص الشجى تكسر صوته إعظاماً لخطر مرزأته ووحشة من كون فجيعته ، فحمد الله وأثنى عليه ثم شكى إليه هول ما أشفى عليه من الخطر العظيم والذل الطويل في فساد زمانه وانقلاب جده وانقطاع ما كان من دولته ، ثم نصب المسألة إلى الله عز وجل بالامتنان عليه والمدافعة عنه بالتفجع وحسن الثناء فقال :يا رباني العباد ويا ساكن البلاد أين يقع قولنا من فضلك، وأين يبلغ وصفنا من فعلك ، وأنى نبلغ حقيقة حسن ثنائك أو نحصي جميل بلائك، كيف وبك جرت نعم الله علينا، وعلى يدك اتصلت أسباب الخير إلينا ، ألم تكن لذلّ الذليل ملاذاً، وللعصاة الكفار إخواناً، فيمن
1) «لن» في نسخة .
إلا بأهل بيتك وبك أخرجنا الله عز وجل من فظاعة تلك الخطرات ، أو بمن فرج عنا غمرات الكربات، وبمن إلا بكم أظهر الله معالم ديننا واستصلح ما كان فسد من دنيانا، حتى استبان بعد الجور ذكرنا ، وقرّت من رخاء العيش أعيننا لما وليتنا بالإحسان جهدك ووفيت لنا وعدك، وقمت لنا على جميع عهدك، فكنت شاهد من غاب منا، وخلف أهل البيت لنا، وكنت عز ضعفائنا، وثمال فقرائنا، وعماد عظمائنا، يجمعنا في الأمور عدلك، ويتسع لنا في الحق تأنيك فكنت لنا أنساً إذا رأيناك ، وسكنا إذا ذكرناك ، فأي الخيرات لم تفعل، وأي الصالحات لم تعمل، ولو أن الأمر الذي نخاف عليك منه يبلغ تحريكه جهدنا، وتقوى المدافعته طاقتنا أو يجوز الفداء عنك منه بأنفسنا وبمن نفديه بالنفوس من أبنائنا لقدمنا أنفسنا وأبناءنا قبلك، ولأخطرناها وقلّ خطرها دونك، ولقمنا بجهدنا في محاولة من حاولك ، ومدافعة من ناواك، ولكنه سلطان لا يحاول وعز لا يزاول ، ورب لا يغالب، فإن يمنن علينا بعافيتك، ويترحم علينا ببقائك ويتحنن علينا بتفريج هذا حالك إلى سلامة منك لنا وبقاء منك بين أظهرنا تحدث الله عز وجل بذلك شكراً نعظمه ، وذكراً نديمه ، ونقسم أنصاف أموالنا صدقات ، وأنصاف رقيقنا عتقاء، ونحدث له تواضعاً في أنفسنا، ونخشع في جميع أمورنا، وإن يمض بك إلى الجنان ويجري عليك حتم سبيله ، فغير متهم فيك قضاؤه، ولا عنك بلاؤه، ولا مختلفة مع ذلك قلوبنا بأن اختياره لك ما عنده على ما كنت فیه ، مدفوع ولكنا نبكي من غير إثم لعز هذا السلطان أن يعود ذليلاً، وللدين والدنيا أكيلا ، فلا نرى لك خلفاً نشكو إليه ، ولا نظيراً نأمله ولا نقيمه (1.)بیانلما يحتاج إلى البيان من موارد الاختلاف التي لم يتقدم شرحها عند شرح المتن :قوله علیه السلام :« والحق أجمل الأشياء في التراصف » أصل التراصف تنضيد الحجارة بعضها ببعض، والمراد أن الحق أحسن الأشياء في إنفاق الأمور وأحكامها . قوله: «وأوسعها في التناصف » أي إذا أنصف الناس بعضهم لبعض فالحق يسعهويحتمله ولا يقع الناس في العمل بالحق ضيق.قوله : «وجعل كفارتهم عليه حسن الثواب » قال في (البحار: لعل المراد بالكفارة الجزاء العظيم لستره عملهم حيث لم يكن في جنبه قدر، فكأنه قد محاه وستره، وفي أكثر النسخ بحسن الثواب فيحتمل أيضاً أن يكون المراد بها ما يقع منهم لتدارك سيئاتهم كالتوبة وسائر الكفارات، أي أوجب قبول كفارتهم وتوبتهم على نفسه مع حسن الثواب بأن الثواب بأن يثيبهم على ذلك)
1) الكافي : 360/8 ، وبحار الأنوار: 363/74
أيضاً.قوله : «قواماً يسرّ الحق فيهم » أي بها يقوم جريان الحق فيهم وبينهم.قوله : «أثل» بالثاء المثلثة والبناء على المفعول من باب التفعيل يقال : أثل ماله تأثيلاً زكاه وأصله وأثل ملكه عظمه وأل أهله كساهم أفضل كسوة والآثال وزان سحاب وغراب المجد والشرف.قوله : «فهلمّ أيها الناس » اسم فعل بمعنى تعال يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث على لغة أهل الحجاز .قوله : «حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله» أي جزاء ما أعطى الله أهل الحق من الدين المبين وسائر ما هداهم الله إليه ، بأن يكون المراد بالحقيقة الجزاء مجازاً أو يكون في الكلام تقدير مضاف أي حقيقة جزاء ما أعطى من الحق ، وقيل : المراد بحقيقة ما أعطى الله شكر نعمة هدايته تعالى إلى دين الحق.قوله : «ولا لامرىء مع ذلك » قال في (البحار : كأنه راجع إلى ما حمّل الله على الوالي أو إلى الوالي الذي أشير إليه سابقاً، أي لا يجوز أو لا بد لامرىء أو لا استغناء لامرىء على الوالي أو مع كون واليه مكلفاً بالجهاد وغيره من أمور الدين وإن كان ذلك المرء محقراً ضعيفاً بدون أن يعين على إقامة الدين أو يعينه الناس أو الوالي عليه .)قوله : «خسات به الأمور » يقال : خسأت الكلب خسئاً طردته وخسا الكلب يتعدى ولا يتعدى ويجوز أن يكون استعمل هنا غير متعد بنفسه، فعدّي بالباء أي طردته الأمور، والمراد أنه ليس بحيث يتمشى أمر من أموره ولا ينفع سعيه في تحصيل شيء من الأمور.قوله : «بدون ما » لفظة ما زائدة.قوله : « وأهل الفضيلة في الحال المراد بهم الأئمة علیه السلام والولاة والأمراء والعلماء وكذا «أهل النعم العظام ».قوله : «والإقرار» عطف على الثناء أي أقرّ إقراراً حسناً بأشياء ذكرها ذلك الرجل ولم يذكره علیه السلام اختصاراً أو تقيّة من تغيّر حالاته من استيلاء أئمة الجور ومظلوميته وتغير أحوال رعيته من تقصيرهم في حقه وعدم قيامهم بما يحق من طاعته والقيام بخدمته.قوله : «من الغلّ » أي أغلال الشرك والمعاصي.قوله : «وائتمر » أي أقبل ما أمر الله به فامضه علينا .قوله : «والملك المخوّل » أي الملك الذي أعطاك الله الإمرة علينا وجعلنا خدمك
وتبعك .قوله: «لا نستحل في شيء من معصيتك » لعل التعدية بفي لتضمين معنى الدخول أو المعنى لا نستحل معصيتك في شيء من الأشياء على أن يكون من زائدة .قوله : «في ذلك» أي في العلم بأن تكون كلمة في تعليلية ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما دل عليه الكلام من إطاعته عليه الصلاة والسلام.قوله : «خطرك» أي قدرك ومنزلتك.قوله : «ويجلّ عنه » أي عما قلته في وصفك .قوله: «فبلاؤه عندنا ما لا يكفر» أي نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرهاوسترها، أو لا يجوز كفرانها وترك شكرها .قوله : «ولم يكن » في بعض النسخ : لن يكون ، وفي بعضها : لن يكن بالبناء على المفعول من كننت الشيء سترته أو بفتح الياء وكسر الكاف من كنّ الطائر بيضه حضنه .قوله : «وتوسعاً» أي في الفضل والثواب .قوله : «مع ذلك» أي مع طوعنا فيما أمرت وفي (البحار : أي مع طاعتنا لك، فإن نفس الطاعة أمر مرغوب فيه ومع ذلك موجب لحصول ما ينفعنا وما هو خير لنا في دنيانا وآخرتنا .)قوله : «إلا مناصحة الصدور » أي خلوصها من غش النفاق بأن يضمر فيها خلاف مايظهر أو نصح الإخوان نصحاً يكون في الصدور لا بمحض اللسان.قوله : «وقد عال الذي في صدره » يقال : عالني الشيء أي غلبني، وعال أمرهم اشتد .قوله : «وغصص الشجى » جمع غصّة بالضم وهو ما يعترض في الحلق، والشجىالحزن .قوله: «الخطر مرزأته» الخطر القدر والإشراف على الهلاك، والمرزأة المصيبة وكذاالفجيعة، والضمير راجع إلى أمير المؤمنين علیه السلام المال و القائل كان عالماً بقرب أو أن شهادته علیه السلام فلذا كان يندب ويتفجّع وإرجاعهما إلى القائل بعيد.قوله : «ثم شكى إليه » أي إلى الله تعالى.قوله : «أشفى عليه »أي أشرف عليه.قوله : «وانقلاب جده » أي بخته.
قوله: «بالتفجع » متعلق بقوله: نصيب ، والتفجع التوجع في المصيبة أي سأل الله دفع هذا البلاء الذي قد ظن وقوعه عنه علیه السلام مع التفجع والتضرع .قوله : «يا رباني العباد » قال الجزري: الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون ، وقيل : هو من الرب بمعنى التربية لتربيتهم المتعلّمين بصغار العلوم وكبارها، والرباني العالم الراسخ في العلم والدين يطلب بعلمه وجه الله ، وقيل : العالم العاقل المعلّم .قوله : «ويا ساكن البلاد »في بعض النسخ : سكن البلاد محركة وهو كلما يسكن إليه .قوله : «وبك جرت نِعم الله »أي بمجاهداتك ومساعيك الجميلة في ترويج الدين وتشييد أركان الإسلام في زمن الرسول صلی الله علیه واله وسلم وبعده .قوله : «وللعصاة الكفار إخواناً » أي كنت تعاشر من يعصيك ويكفر نعمتك بالشفقة والرأفة معاشرة الإخوان ، أو المراد الشفقة على الكفار والعصاة والاهتمام في هدايتهم ، ويحتمل أن يراد بهم المنافقون الذين كانوا في عسكره وكان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع.قوله : « من فظاعة تلك الخطرات» أي قباحتها وشدتها .قوله : «ثمال فقرائنا » أي غياثهم ولجائهم، وقيل: الثمال المطعم في الشدة .قوله : «يجمعنا من الأمور عدلك » أي هو سبب اجتماعنا في جميع الأمور أو من بين سائر الأمور أو هو سبب لانتظام جميع أمورنا وعدلك محيط بجميعنا في جميع الأمور.قوله : «ويتسع لنا في الحق تأنيك » أي صار مداراتك وعدم تعجيلك في الحكم علينا بما نستحقه سبباً لوسعة الحق علينا وعدم تضيق الأمور بنا .قوله :«ليبلغ تحريكه » أي تغييره وصرفه ، وفي النسخة القديمة : تحويله.قوله : «ولا خطرناها » لا نجعل لها خطراً أي قدراً ومنزلة كما في حديث وصفالأئمة علیه السلام : ما أجل خطركم أي قدركم ومنزلتكم عند الله أو لا نعدها خطيراً أي رفيعاً .قوله : «وقلّ خطرها دونك» أي شرفها أو هلاكها والخطر أيضاً السبق يتراهن عليه ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومزيّة .قوله: «حاولك» أي قصدكقوله : «من ناواك » أي عاداك .قوله : «ولكنه سلطان» أي الرب تعالى.قوله :«وعزّ » ذو عزّ وغلبة .
قوله : «لا يزاول» أي لا يحاول ولا يطالب ، وهذا إشارة إلى أن هذه الأمور بقضاء الله وقدره والمبالغة في دفعها في حكم مغالبة الله في تقديراتهقوله : « بأن اختياره لك ما عنده ما عنده » خبر أن أو خبره محذوف أي خير لك والمعنى أنه لا تختلف قلوبنا بل هي متفقة على أن الله اختار لك بإمضائك النعيم والراحة الدائمة على ما كنت فيه من المشقة والجهد والعناء.قوله: «نبكي من غير إثم » أي لا نأثم على البكاء عليك فإنه من أفضل الطاعات. قوله : «وللدين والدنيا أكيلا » أي آكلاً فالفعيل بمعنى الفاعل لا بمعنى المفعول أي نيكي لتبدّل هذا السلطان الحق بسلطنة الجور فيكون أكلاً للدين والدنيا .قوله : «ولا نرى لك خلفاً » أي من بين السلاطين لخروج السلطنة من أهل البيت علیه السلام .قال الشارح : أكثر ما أوردته هنا التقطته من كلام المحدث العلامة المجلسي قدس سره في (البحار .)
#### الترجمةفصل دوم از آن خطبه است ، سید رضی گفته : پس جواب داد آن حضرت را مردی از اصحاب او به سخن درازی که در آن بسیار ستایش میکرد او را و ذکر مینمود در آن شنیدن و اطاعت کردن خود را به آن بزرگوار ، پس فرمود آن حضرت که :به تحقیق از حق کسی که بزرگ است جلال و عظمت خدا در نفس او و اجل است مرتبه او در قلب او این است كه كوچك و حقیر باشد در نزد او به جهت بزرگی آن جلال و عظمت هر چیزی که غیر خدای تعالی است و به تحقیق سزاوارتر کسی که باشد بر این حال کسی است که بزرگ شده نعمت خدا او و لطیف شده احسان و انعام او به سوی او از جهت این که بزرگ نمی گردد نعمت خدا بر احدی مگر این که زاید گردد بزرگ بودن حق خدا بر او.و به درستی که از سخیف و خفیف ترین حالات پادشاهان در نزد مردمان صالح سالم العقل این است که گمان برده شود به ایشان دوست داشتن افتخار بر مردمان را و حمل شود بناء امر ایشان به تکبر به خلقان .و به تحقیق که ناخوش داشتم این را که جولان کند در ظنّ شما این که من دوست دارم زیادت تعریف و استماع ستایش را و نیستم من بحمدالله همچنین و اگر بودم که دوست می داشتم این که گفته شود مدح و ثنا درباره من البته ترك مى کردم را از جهت پستی و تواضع از برای خدا و فروتنی از اخذ کردن چیزی که خدا سزاوارتر است به آن از عظمت و کبریا و بسا هست که شیرین می دانند مردمان مدح و ثنا را بعد از زحمت بلا پس ستایش نکنید بر من با ثناء جمیل به سبب خارج کردن من نفس خودم را به سوی خدا و به سوی شما از بقیه حقوقی که فارغ نگشته ام از اداء آنها و از واجباتی که لابد و ناچارم از امضا و اجرای آنها .پس تکلم نکنید با من به سخنانی که تکلم کرده شود با آن ستمکاران و جبّاران و تحفّظ نکنید از من با چیزی که که تحفّظ کرده میشود با آن در نزد پادشاهان با
حدت و سطوت و آمیزش نکنید با من به تملق و چاپلوسی و گمان نبرید در من این که گرانی دارم در حقی که گفته شده به من و این که خواهش دارم بزرگ شمردن نفس خودم را از جهت این که کسی که گران دارد حق را از این که گفته شود مر او را یا عدالت را از این که اظهار شود بر او باشد عمل کردن به حق و عدل گرانتر بهخودداری نکنید از گفتگوی به حق و از مشورت به عدل .أو، پس به تحقیق که من نیستم در پیش نفس خود برتر از این که خطا بکنم و ایمن نیستم خطا را از کار خودم مگر این که کافی باشد خدا از نفس من چیزی را که قادرتر است به آن چیز از من ، پس جز این نیست که من و شما بندگان مملوکیم از برای پروردگاری که غیر از او پروردگاری نیست ، مالك است از ما چیزی را که ما مالك آن نیستیم از نفسهای خود ما و بیرون آورده است ما را از جهالتی که در آن بودیم به سوی علم و معرفتی که صلاح ما بر آن حاصل شد ، پس بدل کرد ما را بعد از گمراهی به هدایت ، و عطا فرمود به ما بعد از نابینایی بصیرت را .
## ومن كلام له علیه السلام وهو المائتان والسادس عشر من المختار في باب الخطب### اشارةوهو ملتقط من كلام طويل قدمنا روايته في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة والعشرين :اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ على قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمي، وأَكْفَنُوا إِنائِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنازَعَتِي حَقَّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي، وقالُوا: أَلا إِنَّ فِي الحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وفِي الحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ، فَاصْبِرْ مَعْمُوماً ، أَوْ مُتْ مُتَأَسَفاً ، فَنَظَرْتُ فَإِذا لَيْسَ لِي رافد، ولا ذاب، ولا مُساعِدٌ إِلا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ المَنِيَّةِ ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى القَذى، وجَرِعْتُ رِيقي عَلَى الشَّجى، وصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ العَلْقَمِ ، وَأَلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ حَرِّ الشَّفَارَ (1.)وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة إلا أني كررته ها هنا لاختلاف الروايتين.ومنه في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه علیه السلام:فَقَدِمُوا عَلى عُمّالي وَخُزَانِ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ، وعَلى أَهْلِ مِصْرٍ كُلُّهُمْ في طاعتي ، وعَلى بَيْعَنِي، فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ ، وأَفْسَدُوا عَلَيَّ جَماعَتَهُمْ ، ووَثَبُوا عَلى شِيعَتِي فَقَتَلُوا طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَدْراً ، وطائِفَةٌ مِنْهُمْ عَضُوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ، فَضارَبُوا بِها حتى لَقُوا الله صادِقِينَ (2)### اللغة(الاستعداء الاستعانة والاستنصار ، وقال الشارح المعتزلي : العدوى طلبك إلى وال أن ظلمك أي ينتقم لك منه ، يقال : استعديت الأمير على فلان فأعداني أي)يعديك على من استعنت به عليه فأعانني و (كفاء الإناء من باب منع قلبته وكبته و (تأخذه) و (تمنعه) بالتاء المثناة فيهما والأول بصيغة المعلوم والثاني بصيغة المجهول، وفي بعض النسخ بالنون بصيغة المتكلم والمروي عن خط الرضي هو الأول.)و (رفده رفداً من باب ضرب أعانه وأعطاه فهو رافد و (ضن) بالشيء يضنّ من باب تعب وضرب بخل به و (أغضيت) على كذا أي صبرت وسكت و (القذى ) ما يقع في العين من)
تراب وغيره و (الشجي ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه و (العلقم) شجر شديد المرارة و (الحز) القطع ، وفي بعض النسخ : ذخر الشفار وهو الطعن الخفيف بالرمح وغيره و (الشفار) جمع الشفرة وهو السكين العظيم وما عرّض وحدّ من الحديد وجانب النصل وحدّ السيف .)### الإعرابقوله : (حقاً منصوب بنزع الخافض أي لحق أو في حق وعلى الأول فمتعلق بأجمعوا و (على) الثاني بعلى منازعتي، وعلى في قوله : على القذى وعلى الشجي وعلى أمر جميعاً للاستعلاء المجازي ، قوله : وطائفة منهم عضوا برفع طائفة على الابتداء، وجملة عضوا خبر ، وفي نسخة الشارح المعتزلي : وطائفة عضوا بالنصب على العطف فتكون جملة عضوا صفة .)### المعنىاعلم أنك قد عرفت في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة والعشرين أن هذا الكلام من جملة فصول كلام طويل له علیه السلام قدمنا روايته هناك، وظهر لك ثمة أن هذا الفصل منه وارد في اقتصاص مجلس الشورى والتظلم من إزواء الخلافة عنه علیه السلام إلى عثمان والتشكي إلى الله عز وجل في ذلك .إذا عرفت ذلك فأقول قوله : (اللهم إني أستعديك على قريش أي أطلب منك الإعانة والنصرة عليهم والانتقام منهم (فإنهم قد قطعوا رحمي ) أي قرابتي . قال الشارح المعتزلي: أي أجروني مجرى الأجانب، ويجوز أن يريد أنهم عدوني كالأجنبي من رسول الله ، ويجوز أن يريد أنهم جعلوني كالأجنبي منهم لا ينصروني ولا يقومون بأمري.)(وأكفأوا إنائي وهو استعارة لإبطال حقه فإن قلب الإناء بما فيه يوجب إضاعته وكذلك إبطال الحق مستلزم لإضاعته.)(وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري أي اتفقوا على النزاع معي في حق أنا أولى به وهو حق الخلافة والولاية، والمراد بأولويته استحقاقه لها بالنص الجلي من ورسوله حسبما عرفت في تضاعيف الشرح لا سيما في مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية لا الاستحقاق بمجرد الأفضلية فقط كما توهمه الشارح المعتزلي وفاقاً لسائر المعتزلة .)(وقالوا ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه قال القطب الراوندي : في خط الرضي بالتاء بالتاء ومعنى ذلك أنك إن وليت أنت كانت ولايتك حقاً وإن ولي غيرك كانت حقاً على مذهب أهل الاجتهاد ، ومن رواها بالنون فالمعنى ظاهر.)
(فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً يحتمل أن يكون هذا القول منهم بلسان القال ، وأن يكون بلسان الحال، يعني إذا كان ممنوعيتك حقاً أيضاً ولم تكن راضياً به فليس لك إلا الصبر أو الموت متلهفاً متحسراً (فنظرت) لما رأيت منازعتهم وسمعت مقالتهم (فإذا ليس لي رافد) أي ناصر ومعين (ولا ذاب ولا مساعد ) أي دافع ومعاون (إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية ) أي بخلت بهم عنها .)وهو صريح في أن تركه لحقه لم يكن عن طوع كما زعمه المعتزلة وإنما تركه لما شاهد من أنه إذا نهض بطلب حقه لجعل نفسه وأهل بيته أغراضاً للمنايا .ويؤكد ذلك قوله (فأغضيت على القذى لدلالته على شدّة تحمله وكذلك قوله :)(وجرعت أي ابتلعت (ريقي على الشجى) لدلالته على مزيد غصته)وهكذا قوله (وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم لإفادته غاية غيظه ، وقوله (وآلم للقلب من حز الشفار) لدلالته على منتهى تألمه ومن هذا حاله فكيف يكون سكوته عن قيام غيره بالأمر دليلاً على رضاه، وقد تقدم في شرح الفصل الثاني من الخطبة السادسة والعشرين فصل واف في هذا المعنى.)قال الرضي (رحمت الله : (وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة ) الخطبة المائة والحادية والسبعون بل هذا الكلام وتلك الخطبة والخطبة السادسة والعشرون جميعاً ملتقطة كلام طويل له علیه السلام رويته في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة والعشرين ، والداعي على تكراره ما أشار إليه بقوله (إلا أني كررته لههنا لاختلاف الروايتين ).)أقول : ومع هذا التكرار ففيه أيضاً بعض الاختلاف لما قدمنا روايته كما هو ظاهر لمن راجع هناك، هذا .ومنه أي بعض هذا الكلام. وفي نسخة (الشارح المعتزلي و (البحراني) العنوان: ومن كلام له علیه السلام ، والظاهر أنه اشتباه من الناسخ لأنه ما قبله كلاهما من فقرات الكلام الذي تقدم روايته وليس كل منهما كلاماً مستقلاً أو ملتقطاً من کلامین متغایرین .)وكيف كان فهو (في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه علیه السلام من طلحة والزبير وعائشة وجنودهم .)( فقدموا على عمالي وهو عثمان بن حنيف الأنصاري ومن تبعه كان عاملاً له علیه السلام على البصرة (وخزان بيت مال المسلمين الذي في يدي ) وكانوا أربعمائة رجل (وعلى أهل مصر ))
يريد به البصرة (كلهم في طاعتي وعلى بيعتي فشتنوا كلمتهم أي ألقوا الاختلاف بينهم (وأفسدوا علي جماعتهم).)وذلك لأن عائشة بعد دخول البصرة والتقاء الفئتين أقبلت على جملها ونادت بصوت مرتفع: أيها الناس أقلوا الكلام واسكتوا، فسكت الناس لها، فقالت في جملة كلام تحرّضهم فيه على القتال والإجلاب على قتلة عثمان :ألا إن عثمان قتل مظلوماً، فاطلبوا قتلته فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم ثم اجعلوا الأمرشورى بين الرهط الذين اختارهم عمر بن الخطاب ولا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان.قال الراوي : فماج الناس واختلطوا ، فمن قائل يقول : القول ما قالت ، ومن قائل يقول : وما هي وهذا الأمر إنما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها ، وارتفعت الأصوات وكثر اللغط حتى تضاربوا بالتعال وتراموا بالحصى، ثم أن الناس تمايزوا فصاروا فريقين ، فريق مع عثمان بن حنيف وفريق مع عائشة وأصحابهاوإلى هذا أشار علیه السلام بقوله : فشتتوا كلمتهم وأفسدوا جماعتهم،( ووثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدراًوهم السيابحة حرّاس بيت المال (وطائفة منهم عضوا على أسيافهم ) وهم حكيم بن جبلة العبدي وأتباعه .)قال الشارح المعتزلي : عضهم على أسيافهم كناية عن الصبر في الحرب وترك الاستسلام، وهي كناية فصيحة شبه قبضهم على السيوف بالعض ، انتهى .يعني أنهم جدّوا في الحرب ولزموا سيوفهم (فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين في ولائهم لأمير المؤمنين علیه السلام وفي تمسكهم بحبل بيعته المتين أو صادقين فيما عاهدوا الله عليه كما قال تعالى: (وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23] . واعلم أن هذا الكلام الذي نقله الرضي عنه علیه السلام في السائرين إلى البصرة مختلف جداً لما قدمنا روايته عنه في شرح الخطبة السادسة والعشرين . فإن الموجود فيه هكذا :
فقدما -یعنی طلحة والزبير - على عاملي وخزان بيت مالي وعلى أهل مصر في الذين - يعني كلهم على بيعتي وفي طاعتي فشتتوا كلمتهم وأفسدوا جماعتهم ثم وثبوا (1)على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدراً وطائفة صبراً وطائفة منهم غضبوا الله فشهروا سيوفهم وضربوا بها حتى لقوا الله صادقين .
1) «دنبوا» في نسخة
ثم اعلم أنه قد تقدم في شرح الخطبة المائة والإحدى والسبعين تفصيل قصة السائرين إلى البصرة وما فعلوا فيها من قتل طائفة صبراً وطائفة غدراً وغيره من الفضائح التي لا يحصى من أراد الاطلاع عليها فليراجع هناك.
تنبيه
قال الشارح المعتزلي بعد شرح الفقرات الأول من هذا الكلام - أعني قوله : (اللهم إني أستعديك على قريش) - إلى قوله : (من حز الشفار ) ، ما عبارته:
واعلم أن هذا الكلام قد نقل عن أمير المؤمنين علیه السلام ما يناسبه ويجري مجراه ولم يؤرّخ الوقت الذي قاله فيه ولا الحال التي عناها به ، وأصحابنا يحملون ذلك على أنه علیه السلام قاله عقيب الشورى وبيعة عثمان، فإنه ليس يرتاب أحد من أصحابنا على أنه تظلم وتألم حينئذ، ويكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة .
ولقائل أن يقول لهم : أتقولون إن بيعة عثمان لم تكن صحيحة؟
فيقولون : لا .
فيقال لهم : فعلى ماذا تحملون كلامه علیه السلام مع تعظيمكم له وتصديقكم لأقواله؟
فيقولون: نحمل ذلك على تألمه وتظلمه منهم إذ تركوا الأولى والأفضل، فإنكم لستم تنكرون أنه كان الأفضل والأحق بالأمر بل تعترفون بذلك وتقولون : ساعت إمامة غيره و صحت ، لمانع كان فيه لمانع كان فيه وهو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أن العرب لا تطيعه فإنما تخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولي الخلافة لأسباب يذكرونها ويعدّونها، وقد روى كثير من المحدثين أنه علیه السلام عقيب يوم السقيفة تألم وتظلّم واستنجد واستصرخ حيث ساموه الحضور والبيعة، وأنه قال وهو يشير إلى القبر : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، وأنه قال : واجعفراه ولأ جعفر لي اليوم ، واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم ، وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم وكل ذلك محمول عندنا على أنه طلب الأمر من جهة الفضل والقرابة وليس بدال عندنا على وجود النص، لأنه لو كان هناك نص لكان أقل كلفة وأسهل طريقاً وأيسر لما يريد تناولاً أن يقول : يا هؤلاء إن العهد لم يطل وإن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمركم بطاعتي واستخلفني عليكم بعده، ولم يقع منه بعدما علمتموه نص ينسخ ذلك ولا يرفعه فما الموجب لتركي والعدول عني؟ .
فإن قالت الإمامية : كان خاف القتل لو ذكر ذلك .
قيل لهم : فهلا خاف القتل وهو يقتل ويدفع ليبايع وهو يستصرخ تارة بقبر رسول
الله صلی الله علیه واله وسلم وتارة بأخيه جعفر وعمّه حمزة وهما ميتان ، وتارة بالأنصار ؛ وتارة ببني عبد مناف ويجمع الجموع في داره ويبث الرسل ليلاً ونهاراً إلى الناس يذكرهم فضله وقرابته ويقول للمهاجرين : الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأنا أخصمكم بما خصمتم له الانصار ، لأن القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم . وهلا خاف من الامتناع ومن هذا الاحتجاج ومن الخلوة في داره بأصحابه ومن تنفير الناس عن البيعة التي عقدت (1).
وكل هذا إذا تأمله المنصف علم أن الشيعة أصابت في أمر وأخطأت في أمر.
أما الأمر الذي أصابت فيه فقولها : إنه امتنع وتلكأ وأراد الأمر لنفسه .
وأما الأمر الذي أخطأت فيه فقولها : إنه كان منصوصاً عليه نصاً جلياً بالخلافة تعلمها الصحابة كلها أو أكثرها، وإنّ ذلك خولف طلباً للرئاسة الدنيوية وإيثاراً للعاجلة ، وإن حال المخالفين للنص لا تعدو أحد الأمرين إما الكفر أو الفسق، فإن قرائن الأحوال وأماراتها لا تدل على ذلك، وإنما تدل وتشهد بخلافه .
وهذا يقتضي أن أمير المؤمنين علیه السلام كان في مبدأ الأمر يظن أن العقد لغيره كان من غير نظر في المصلحة ، وأنه لم يقصد به إلا صرف الأمر عنه والاستئثار عليه فظهر منه ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته إلى أن صح عنده وثبت في نفسه أنهم أصابوا فيما فعلوه وأنهم لم يميلوا إلى الهوى ولا أرادوا الدنيا، وإنما فعلوا الأصلح في ظنونهم، لأنه رأى من بعض الناس له وانحرافهم عنه وميلهم عليه وثوران الأحقاد التي وترهم فيما قبل بها، فيما قبل بها والدماء التي سفكها منهم وأراقها، وتعلل طائفة أخرى منهم للعدول عنه علیه السلام بصغر سنه واستهجانهم الشباب على الشيوخ والكهول، وتعلل طائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوة والخلافة في بيت واحد فيجفخون (2)على الناس كما قاله من قاله، واستصعاب قوم شكيمته وخوفهم شدّته وعلمهم بأنه لا يداجي (3)ولا يحابي ولا يراقب ولا يجامل(4)في الدين، وأن الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه ويعمل بموجب استصلاحه ، وانحراف قوم آخرين عنه كان للحسد الذي كان له عندهم في حياة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الشدة اختصاصه له وتعظيمه إياه وما قال فيه، فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه وعلو مكانه ، وما اختص به من مصاهرته وأخوته ونحو ذلك من أحواله معه ، وتنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب والتيه كما
زعموا واحتقاره العرب واستصغاره الناس كما عدّدوه عليه وإن كانوا عندنا كاذبين، ولكنه قول قيل، وأمر ذكر، وحال نُسبت إليه، وأعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال توهم ، مثل هذا نحو قوله : فإنّا صنائع ربنا والخلق بعد صنائع لنا ، ما صح به عنده أن الأمر لم يكن ليستتم له يوماً واحداً ولا ينتظم ولا يستمر، وأنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقاً يكون فيه استئصال شأفة الإسلام وهدم أركانه ، فأذعن بالبيعة وسمح إلى الطاعة، وأمسك عن طلب الإمرة وإن كان على مضض ورمض، وهذا المذهب هو أقصد المذاهب وأصحها وإليه يذهب أصحابناالمتأخرون من البغداديين وبه نقول .
قال : واعلم أن حال علي علیه السلام في هذا المعنى أشهر من أن تحتاج في الدلالة عليها إلى الإسهاب والإطناب، فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد الأحقاد وتموت وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بخمس وعشرين سنة، وفي دون هذه المدة تنسى الاخقتد ، و تموت الترات، وتبرد الأكباد الحامية، وتسلو القلوب الواجدة، ويعدم قرن من الناس ويوجد قرن، ولا يبقى من أرباب تلك الشحناء والبغضاء إلا الأقل ، فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حالة لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه من إظهار ما في النفوس وهيجان ما في القلوب، حتى أن الأخلاف من قريش والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكانه في أسلافهم وآبائهم فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله وتقاعست عن بلوغ شأوه، فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة وسيفه بعد يقطر دماً من مهج العرب ، لا سيما من قريش الذين بهم كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد وعليهم كان أن يعتمد إذا كانت تدرس أعلام الملة وتتعفّى رسوم الشريعة وتعود الجاهلية الجهلاء
وجب إلى حالها ، ويفسد ما أصلحه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في ثلاث وعشرين سنة في شهر ، واحد فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه ، والله متم نوره ولو كره المشركون.
انتهى كلامه جزاه الله ما يستحقه (1).
أقول : ويتوجه عليه :
أولاً : أن قوله : إن هذا الكلام قد نقل عن أمير المؤمنين علیه السلام ما يناسبه ويجري مجراه ولم يؤرّخ الوقت الذي قاله فيه ولا الحالة التي عناها.
فيه : إن تاريخ هذا الكلام بخصوصه هو أواخر خلافته بعد فتح مصر وشهادة محمد بن أبي بكر، ونظره فيه إلى مجلس الشورى وعدولهم عنه إلى عثمان حسبما ظهر لك ذلك في شرح الخطبة السادسة والعشرين عندما روبنا عنه علیه السلام تمام الخطبة التي هذا الكلام ملتقط
1) شرح نهج البلاغة : 114/11
منها.
والعجب أن الشارح المعتزلي رواها أيضاً في شرح الكلام السابع والستين من كتاب (الغارات) كما رويناه منه لكنه أسقط صدرها اختصاراً أو اقتصاراً، فلعله نسي ما قدمه فجهل التاريخ .
وأعجب من ذلك أن الشارح البحراني لقصور باعه وقلة اطلاعه على الأخبار والسّير توهم أنه علیه السلام عنى به السائرين إلى البصرة حيث قال : ويشبه أن يكون صدور هذا الكلام منه حين خروج طلحة والزبير إلى البصرة تظلماً عليهما فيكون المفهوم من قوله علیه السلام : وأجمعوا على منازعتي حقاً، إنكار إجماعهم منازعة ذلك الحق، هذا.
وأما ما يجري مجرى هذا الكلام ويناسبه فتاريخه بعد يوم السقيفة إلى آخر عمره كما يقف عليه المتتبع الخبير بالأخبار والناقد البصير بما قدمناه في تضاعيف الشرح في غير موضع .
وثانياً : أن ما حكاه من أكثر أصحابه المعتزلة من كراهتهم حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة وعدم استنكافهم لحملها على التظلم من يوم الشورى .
ففيه أن التفرقة بين اليومين شطط من الكلام كما اعترف به الشارح نفسه أيضاً واعترض به على أصحابه، وذلك لأن كلماته المتضمنة للتظلم والشكاية من جميع الثلاثة فوق حدّ الإحصاء متجاوزة عن طور الاستقصاء، وليس كلها مجملاً قابلاً للحمل على يوم الشورى على زعمهم، بل أكثرها نص في التظلم من الشيخين وكثير منها عام لجميع الثلاثة، وقليل منها ناظر إلى الشورى ، والمجمل منها إن كان فهو أقل القليل بل لا وجود له أصلاً .
وثالثاً : أن ما حكاه من أصحابه وهو مذهبه ومعتقده أيضاً وفاقاً لهم من قولهم : بأنه ساغت إمامة غيره علیه السلام وصحت لمانع كان فيه وهو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أن العرب لا تطيعه .
ففيه أنه بعد اعترافهم واتفاقهم على أنه علیه السلام الأولى والأفضل المقتضى لأحقيته بها بحكم العقل والنقل، فكيف يجوز العدول إلى غيره بمجرد الظن؟.
وقد نهى الله صريحاً عن اتباع هذا الظن بخصوصه في قوله : (أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أن يُتَّبَعَ أَمَن لا يَهْدِى إِلَّا أَن يُهْدَى فَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا طَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ [يونس: 35- 36] .
وعموماً في سائر الآيات الناهية عن العمل بالظن مثل قوله: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي
الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخرُصُونَ [الأنعام: 116] ، قوله: قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام 148]، وقوله: وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ل فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَمُهُم مِّنَ الْعِلم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى [النجم: 28-30] إلى غير هذه مما لا نطيل بذكرها . ورابعاً :أن قوله : وكل ذلك محمول عندنا على أنه طلب الأمر من جهة الفضل والقرابة وليس بدال عندنا على وجود النص لأنه لو كان هناك نص لكان أقل كلفة وأسهل طريقاً وأسهل لما يريد تناولاً.
فيه أن إنكار النص كإنكار الأعمى للشمس في رابعة النهار، ونعم ما قيل:
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة *** فلا غرو أن يرتاب والصبح مفر
وقد قدمنا في مقدمات الخطبة (الشقشقية ) من النصوص المتواترة والأدلة العقلية والنقلية كتاباً وسنة ما فيه كفاية لمن له إنصاف ودراية، وقد احتج علیه السلام واحتج أصحابه أيضاً بها على المتخلفين يوم السقيفة والشورى السقيفة والشورى حسبما مرّ تفصيلاً في مقدمات الخطبة المذكورة وغيرها من المواقع المناسبة في تضاعيف الشرح فانظر ماذا ترى ، لكنهم خذلهم الله تعالى لم ينفعهم الذكرى لما غلب عليهم من حب الرئاسة واتباع الهوى.
وخامساً: أن خوفه علیه السلام من القتل مما لا غبار عليه كما يشهد به ما رواه الشارح نفسه هنا عن كثير من المحدثين : أنه عقيب يوم السقيفة تألم وتظلم واستنجد واستصرخ حيث ساموه الحضور والبيعة وقال مشيراً إلى قبر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلوني .
ويشهد به أيضاً قوله في هذا الكلام الذي نحن في شرحه : فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية ، ونظير ذلك في كلماته علیه السلام الكثير كما هو غير خفي على الناقد البصير .
وسادساً قوله : إن أمير المؤمنين علیه السلام كان في مبتدأ الأمر يظن أن العقد لغيره، كان من غير نظر في المصلحة ، إلى قوله : وبه نقول .
محصله على طوله أن أمير المؤمنين علیه السلام لم يكن في بدء الأمر عالماً بما علم به أبو بكر وعمر من مصلحة الإسلام وظن أن قيامهما بالخلافة لمحض حب الرئاسة والاستثثار عليه، ولذلك تظلم وتألم وأراد الأمر لنفسه، فلما استبان خلاف ظنه وصح عنده أنهم راعوا مصلحة الإسلام وأنه لو قام به لم يكن ليتم له ولا ينقاد العرب للسخائم التي في صدورهم أو
غيرها من علل النفوس بل يستأصل شأفة الإسلام وينهدم أركانه ويذهب عن أصله، سكت وأمسك عن الطلب وبايع طوعاً وطاب به نفساً .
وفيه ، أولاً: أن لازم ذلك أن يكون الأعرابيان الجاهلان الجلفان أعلم بمصالح الإسلام من باب مدينة العلم والحكمة ، وكيف يمكن أن يخفى عليه علیه السلام ما لم يخف على الأعرابي البوال على عقبيه، وقد اعترفت المعتزلة أيضاً بكونه أكثر علماً كما هو قول الإمامية .
وثانياً : أنه لو كان الأمر على ما زعموا من أنه انكشف له خلاف ظنه وصح حقيّة غيره فأذعن بالبيعة وانقاد للطاعة لوجب له علیه السلام أن يستعتب ويعتذر ويستحل منهم حيث أساء الظن في حقهم ولوجب أن يترك التظلّم والشكاية والتوجد مع أنه ما زال متظلماً إلى آخر عمره الشريف .
ألا ترى إلى الخطبة (الشقشقية) المتضمنة للتظلم والشكوى من أولها إلى آخرها وقد خطبها بعد وقعة الخوارج في أواخر عمره كما يشهد به مضمونها .
وإلى ما قاله في سادس المختار من باب الخطب حين عزمه على المسير إلى البصرة الحرب الجمل من قوله : فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقي مستأثراً عليّ منذ قبض الله نبيه صلی الله علیه واله وسلم حتى يوم الناس هذا .
وما قاله في الخطبة السادسة والعشرين التي خطبها بعد شهادة محمد بن أبي بكر وفتح مصر : فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت ، إلى آخر ما مر .
وما قاله في المختار المائة والواحد والستين حين سأله بعض أصحابه : كيف دفعكم القوم عن مقامكم وأنتم أحق به؟ فقال: وأما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدون بالرسول صلی الله علیه واله وسلم و نوطاً ، فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم الله والمعود إليه القيامة ، إلى غير هذا مما تقدم في تضاعيف المتن والشرح. والحاصل أن المعلوم من حاله علیه السلام عند الموالف والمخالف أنه لم يكن طلبه للخلافة من حب الرئاسة والسلطنة بل لإحكام أساس الدين وانتظام حال الإسلام والمسلمين، فإذا حصل هذا الغرض بقيام غيره فضلاً عن كونه أصلح به منه علیه السلام كما زعمه المعتزلة، فوجب عليه أن يرضى منهم أشد الرضا ويشكر لهم ويقبل المنّة حيث رفعوا عن عائقه ثقل ما حملوه لا أن يتظلم منهم ويتشكى عنهم ويزري عليهم دائماً ليله ونهاره إلى آخر عمره.
وسابعاً : أن قوله : واعلم أن حال علي علیه السلام في هذا المعنى أشهر الدلالة عليها إلى الإسهاب والإطناب، إلى آخر قوله : والله متم نوره ولو كره المشركون .
فيه أنه من تسويلات نفوس المعتزلة وتمويهاتهم وتلبيساتهم ومزخرفاتهم التي أوحى بها إليهم أخوهم الشيطان كما قال عزّ وجل : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِن يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَولِ غُرُوراً ﴾ [الأنعام: 116] .
وسبقهم إلى تلك المزخرفات اللعين بن اللعين ابن آكلة الأكباد معاوية بن أبي سفيان في كتابه الذي كتبه إلى أمير المؤمنين علیه السلام فإنه كتب فيه :
ومن قبل ذلك ما عيبت خليفتي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أيام حياتهما فقعدت عنهما وألبت عليهما وامتنعت من بيعتهما، ورمت أمراً لم يرك الله تعالى له أهلاً، ورقيت سلماً وعراً، وحاولت مقاماً دحصاً، وادعيت ما لم تجد عليه ناصراً ، ولعمري لو وليتها حينئذ لما ازددت إلا فساداً واضطراباً، ولا أعقبت ولايتها إلا انتشاراً وارتداداً ، لأنك الشامخ بأنفه، الذاهب بنفسه، المستطيل على الناس بلسانه ويده.
فإن قوله ، لعنه الله تعالى : لو وليتها حينئذ لما ازددت إلا فساداً واضطراباً ولا أعقبت ولايتها إلا انتشاراً وارتداداً ، عين ما يقوله المعتزلة ويدين به . ومحصل ما زخرفه الشارح ببياناته الطويلة المموهة .
ويبطل جميع ما قاله وقالوه ما أبطل به الشارح نفسه ، قول معاوية، فإنه عند شرح الثاني والستين من المختار في باب الكتب والرسائل الذي يأتي عنوانه من السيد بقوله : ومن كتاب له علیه السلام إلى معاوية جواباً : أما بعد ، فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الإلفة والمحبة والجماعة ، آه ، أورد هناك الكتاب الذي كتبه معاوية إلى أمير المؤمنين علیه السلام المتضمن لما قدمنا ذكره، ثم أجاب عن جميع ما أدرجه ذلك الملعون في كتابه بجواب مفصل إلى أن بلغ إلى قوله المتقدم ذكره، فقال فيه ما لفظه :
فأما قوله : لو وليّتها حينئذ لفسد الأمر واضطرب الإسلام، فهذا علم غيب لا يعلمه إلا الله، ولعله علیه السلام لو وليها حينئذ لاستقام الأمر وصلح الإسلام وتمهد ، فإنه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان إلا لأن أمره علیه السلام هان عندهم بتأخره عن الخلافة وتقدم غيره عليه، فصغر شأنه في النفوس وقرر من تقدمه في قلوب الناس أنه لا يصلح لها كل الصلاحية، والناس على ما يحصل في نفوسهم ولو كان وليها ابتداءً وهو على تلك الجلالة التي كان عليها أيام حياة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وتلك المنزلة الرفيعة والاختصاص الذي كان له لكان الأمر غير الذي رأيناه عند ولايته بعد عثمان. انتهى كلامه (1).
1) بحار الأنوار: 94/33
أقول : فواعجباً عجباً ، وما لي لا أعجب من الشارح ؟! ، فإنه مع هذا الكلام الذي يبطل مذهب المعتزلة من أصله ويزعزع أركانه ويهدم أساسه وبنيانه ، كيف لا يرفع يده عن ذیل مذهب الاعتزال؟ أفيرضى العاقل أن يتدّين بدين بناؤه على الظن والتخريص والحسبان ويذعن بمحض الوهم والاستحسان بصحة ولاية الجبت والطاغوت إن مثلهم إلا كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، بل كمن أسس بنيانه على شفا جرفهار فانهار به في نار جهنم ، هذا.
وقد مضى تحقيقات لطيفة في ما يتعلق بهذا المعنى في مقدمات الخطبة (الشقشقية).
از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است در تظلم و شکایت از اهل شوری
و غاصبان خلافت که گفته:
بارالها ، به درستی که من طالب اعانت و انتقام میکنم از تو بر منافقان قریش ، پس به درستی که ایشان بریدند ریسمان قرابت مرا و پشت رو کردند ظرف خلافت مرا و اتفاق کردند بر منازعت من در حقی که من سزاوارتر بودم به آن از غیر من و گفتند که آگاه باش که در حق است که اخذ کنی تو خلافت را و در حق است که ممنوع بشوی تو از آن ، پس صبر کن در حالت اندره و غم یا بمیر در حالت تأسف و حسرت، پس نگاه کردم به کار خود ، پس آن زمان نبود مرا معینی و نه دفع کننده ونه ناصری مگر اهل بیت خودم ، پس بخل ورزیدم به ایشان از این که هدف تیر مرگ نمایم ایشان را ، پس پوشانیدم چشم خود را بالای چیزی اذیت رساننده بود و بلعیدم آب دهان خود را بالای غم و غصه که گلوگیر بود و صبر کردم از نگاه داشتن غيظ خود بر چیزی که تلخ تر بود از طعم درخت عقلم و دردناک تر بود مر قلب را از بریدن کارد بزرگ بر آن.
گفته است سیّد رضى رحمة الله علیه که گذشت این کلام در اثنای خطبهای که سابقاً گذشته بود ، لیکن من مکرر نمودم ذکر آن را در اینجا به جهت اختلاف دو
روايت .
و از جمله این کلام است در بیان سیرکنندگان به سوی شهر بصره از برای
جنگ با آن حضرت که طلحه و زبیر و عایشه و متابعان ایشان بودند ، می فرماید :پس آمدند ایشان بر حاکمان من که در بصره بودند و بر خزینه داران بيت المال
مسلمانان که در دست تصرف من بود و بر اهل شهری که همه ایشان در طاعت و بر بیعت من بودند ، پس مختلف ساختند کلمه ایشان را و فاسد نمودند جمعیت آنها را و برجستند بر شیعیان من ، پس کشتند طایفهای از ایشان را از راه مکر و حیله و طایفهای دیگر از ایشان سخت گرفتند شمشیران خودشان را ، پس محاربه کردند با آنها تا این که ملاقات نمودند پروردگار را و به درجه شهادت رسیدند در حالتی که صادق الاعتقاد بودند.
لما مر بطلحة وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل :
لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَذَا المَكانِ غَرِيباً، أما وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْسٌ قَتْلى تَحْتَ بُطُونِ الكَواكِبِ، أَدْرَكْتُ وثري مِنْ بَني عَبْدِ مَنافٍ ، وأَفْلَتَتْني أَعْيانُ بَني جُمَع ، لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْناقَهُمْ إلى أَمْر لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ، فَوُقِصُوا دُونَهُ .
(قريش) قبيلة ، وأبوهم النضر بن كنانة ، ومن لم يلده فليس بقرشي، وقيل : قريش هو فهد بن مالك، ومن لم يلده فليس بقرشي. وأصل القرش : الجمع، وتقرشوا إذا تجمعوا، وبذلك سميت قريش لاجتماعها بعد تفرقها في البلاد ، وقيل : قريش دابة تسكن البحر وبه سمي الرجل . قال الشاعر :
وقريش هي التي تسكن البحر *** بهاسمیت قریش قريشاً
قالوا : إن النضر بن كنانة ركب في بحر الهند ، فقالوا : قریش کسرت مركبنا ، فرماها النضر بالحراب فقتلها وحزّ رأسها ، وكان لها أذان كالشراع تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى ، فقدم به مكة فنصبه على أبي قبيس فكان الناس يتعجبون من عظمه فيقولون : قتل النضر قريشاً ، فكثر الاستعمال حتى سموا النضر قريش ، وقيل في وجه التسمية وجوه أُخر لا حاجة إلى ذكرها .
و (القتلى) جمع قتيل، كالجرحى وجريح و (الوتر) - بكسر الواو - الجناية التي يجنيها
( الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي و (أفلت) الطائر وغيره إفلاتاً تخلّص ، وأفلته أنا إذا أطلقته وخلّصته، يستعمل لازماً ومتعدياً، واتفلت وتفلّت خرج بسرعة و (الأعيان) بالنون الرؤساء والأشراف ، وفي بعض النسخ بالراء المهملة العير بفتح العين وجمع الجمع عيارات ، والعير الحمار ، وغلب على الوحشي، ويقال أيضاً للسيد والملك.
و (بني جمع) في نسخة الشارح المعتزلي : بضم الجيم وفتح الميم، وفي بعض النسخ: بسكون الميم ، وما ظفرت بعد على ضبطه فيما عندي من كتب اللغة و (التلع) محرّكة : طول العنق، وتلع الرّجل من باب كرم وفرح طال عنقه، فهو أتلع وتليع، وتلع الرجل من باب منع
أخرج رأسه من كل شيء كان فيه، وأتلع من عنقه متطاولاً و (وقص) عنقه كوعد كسرها فوقصت ، يستعمل لازماً ومتعدياً ، ووقص الرجل بالبناء على المفعول فهو موقوص .
(الباء) في قوله علیه السلام: بهذا المكان ، بمعنى في، وفي قوله : أفلتتني على الحذف والإيصال ، أي أفلتت مني ،وقوله : أهله بالنصب على أنه خبر كان ويحتمل الانتصاب بحذف الجار فيكون الجار والمجرور خبراً لها ، أي لم يكونوا من أهله.
اعلم أن هذا الكلام حسبما أشار إليه الرضي تكلم به عند تطوافه على القتلى بعد انقضاء الحرب فإنه (لما مر بطلحة) بن بن عبيد الله بن عثمان عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ( وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ) بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس (وهما قتيلان يوم الجمل) وقف على جسد طلحة وقال :
(لقد أصبح أبو محمد ) وهو كنية طلحة (بهذا المكان غريباً) ووقف على جسد عبد الرحمن بن عتاب وقال : لهفي عليك يعسوب قريش ، هذا فتى الفتيان هذا اللباب المحض من بني عبد مناف شفيت نفسي وقتلت معشري إلى الله عجري ويجري، فقال له قائل: لشد ما أطريت الفتى يا أمير المؤمنين منذ اليوم ،قال علیه السلام: إنه قام عني وعنه نسوة لم يقمن عنك، هكذا نقله الشارح المعتزلي ، وقال أيضاً: وعبد الرحمن هذا هو الذي احتملت العقاب كفه يوم الجمل وفيها خاتمه فألقتها باليمامة فعرفت بخاتمه وعرف أهل اليمامة بالوقعة، وقال أيضاً : إنه ليس بصحابي ولكنه من التابعين وأبوه عتاب بن أسيد من مسلمة الفتح، ولما خرج
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من مكة إلى حنين استعمله عليها فلم يزل أميرها حتى قبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .
ثم أقسم بالقسم البارّ فقال : (أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب ) أي مقتولين في معارك القتال مصروعين تحت السماء في الأودية والفلوات بحالة الذل والائتذال لا يكنّهم كن ولا يواري أجسادهم سقف ولا ظلال .
وإنما استكره علیه السلام قتلهم لأن المطلوب الذاتي للأنبياء والأولياء علیه السلام لجذب الخلق إلى الحق وهدايتهم إلى الصراط المستقيم واستقامة أمورهم في المعاش والمآب. وحصول هذا المطلوب إنما هو بوجودهم وحياتهم، فاهتداؤهم بنور هدايته يكون أحب إليه من موتهم على الضلال .
ولذلك أنه علیه السلام لما استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين، أجابهم بقوله المتقدم
في الكلام الرابع والخمسين : وأما قولكم شكّاً في أهل الشام، فوالله ما دفعت الحرب يوماً طائفة فتهتدي بي وتعشر إلى ضوئي وذلك أحب إلي من أن أقتلها
إلا وأنا أطمع أن تلحق بي على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها .
وتخصيص قريش بالذكر لاقتضاء المقام ولمزيد حبه لاهتدائهم بملاحظة الرحم
والقرابة .
وقوله : (أدركت وتري من بني عبد مناف ) قال الراوندي في محكي كلامه : يعني طلحة والزبير، كانا من بني عبد مناف . واعترض عليه الشارح المعتزلي بأن طلحة من تيم بن مرة والزبير من أسد بن عبد العزى بن قصي ، وليس منهما أحد من بني عبد مناف، وولد عبد مناف أربعة : هاشم ، وعبد شمس ،ونوفل ، والمطلب، فكل من لم يكن من ولد هؤلاء الأربعة، فليس من ولد عبد مناف ، وردّ : بأنهما من بني عبد مناف من قبل الأم لا من قبل الأب .
وكيف كان ، فالمراد بقوله علیه السلام : أدركت وتري ، أدركت جنايتي التي جناها عليّ بنو عبد مناف ، والمراد بتلك الجناية ما فعلوه بالبصرة من قتل النفوس ، ونهب بيت المال مما كان راجعاً إليه علیه السلام ، فإن الجناية على شيعته وبيت ماله جناية عليه .
وقوله (وأفلتتني أعيان بني جمح ) أي ساداتهم وأوتادهم وعلى كون أعيار جمع عير، بمعنى الحمار ، فهي استعارة بالكناية حيث شبهوا بحمر مستنفرة فرّت من قسورة.
قال الشارح المعتزلي : بنو جمع من بني حصيص بن كعب بن لؤي بن غالب ، واسم جمح : تيم بن عمرو بن حصيص ، وقد كان عائشة منهم يوم الجمل جماعة هربوا ، ولم يُقتل منهم إلا اثنان ، فمن هرب ونجا بنفسه ، منهم عبد الله الطويل ابن صفوان بن حذافة بن جمح ، ومنهم يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية بن
خلف ، ومنهم عامر بن مسعود بن أمية بین خلف ، كان يسمى دحروجة الجعل لقصره وسواده . ومنهم أيوب بن حبيب بن علقمة بن ربيعة الأعور بن أهيب بن جمح وقتل من بني جمح بن وهب بن ربيعة خلف أسيد مع عائشة : عبد الرحمن بن وهب بن أسید مع حذافة، وعبد الله بن ربيعة بن دراج بن العنبس بن دهيان بن وهب بن حذافة ، لا أعرف من بني جمح أنه قتل ذلك اليوم منهم غيرهما .
(لقد أتلعوا أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله ) أي مدت قريش بالتطاول أعناقهم إلى الخلافة مع عدم استحقاقهم وأهليتهم لها (فوقصوا دونه ) أي كسرت أعناقهم واندقت عند ذلك الأمر وهو كناية عن عدم نيلهم إلى المقصود وقتلهم قبل وصوله . خسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
تذييل
روي في (البحار) من (الكافية) في إبطال توبة الخاطئة قال : روى خالد بن مخلد عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر علیه السلام أبي جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: مرّ أمير الؤمنين علیه السلام على طلحة وهو صريع فقال : أجلسوه، فأجلس، فقال: أما والله لقد كانت لك صحبة ولقد شهدت وسمعت ورأيت ولكن الشيطان أزاغك وأمالك فأوردك جهنم (1).
وقد قدمنا هذه الرواية في شرح الكلام الثاني عشر وكررنا هنا باقتضاء المقام، وتقدمت أيضاً هناك مطالب نفيسة من أراد الاطلاع فليراجع ثمة هذا .
وفي (الإرشاد) : ومن كلامه علیه السلام عند تطوافه على القتلى : هذه قريش جدعت أنفي وشفيت نفسي، لقد تقدمت إليكم أحذركم عض السيف وكنتم أحداثاً لا علم لكم بما ترون ، ولكنه الحين وسوء المصرع وأعوذ بالله من سوء المصرع.
ثم مرّ على معيد بن المقداد فقال: رحم الله أبا هذا ، لو كان حياً لكان رأيه أحسن من رأي هذا، فقال عمار بن ياسر : الحمد لله الذي أوقعه وجعل خدّه الأسفل، أما والله يا أمير المؤمنين لا نبالي من عند عن الحق من والد وولد، فقال أمير المؤمنين علیه السلام: رحمك الله وجزاك عن الحق خيراً .
ومر بعبد الله بن ربيعة بن درّاج في القتلى فقال : هذا البائس ما كان أخرجه ، أدين
أخرجه أم نصر لعثمان؟ والله ما كان رأي عثمان فيه ولا في أبيه بحسن .
ثم مر بمعبد بن زهير بن أبي أمية فقال : لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا
الغلام ، والله ما كان فيها بذي نخيرة ، ولقد أخبرني من أدركه وأنه ليولول فرة من السيف .
ثم مرّ بمسلم بن قرظة فقال : البرّ أخرج هذا ، والله لقد كلمني أن أكلم عثمان في شيء كان يدعيه قبله بمكة فأعطاه عثمان وقال : لولا أنت ما أعطيته إن هذا ما علمت بئس أخو العشيرة ، ثم جاء المشوم للحين ينصر عثمان .
ثم مرّ بعبد الله بن حميد بن زهير فقال : هذا أيضاً ممن أوضح في قتالنا ، زعم يطلب الله بذلك وقد كتب إليّ كتباً يؤذي عثمان فيها فأعطاه شيئاً فرضي عنه .
ثم مر بعبد الله بن حكيم بن حزام فقال : هذا خالف أباه في الخروج وأبوه حين لم ينصرنا قد أحسن في بيعته لنا وإن كان قد كف وجلس حين شك في القتال، ما ألوم اليوم من
1) الكافئة : 26 ح 25 ، وبحار الأنوار : 201/32 ح 152. 201/32
كفت عنا وعن غيرنا، ولكن المليم الذي يقاتلنا .
ثم مر علیه السلام بعبد الله بن المغيرة بن الأخنس فقال: أما هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج مغضباً لقتل أبيه وهو غلام حدث جبن لقتله .
ثم مر علیه السلام بعبد الله بن أبي عثمان بن الأخنس بن شريق فقال: أما هذا فكأني أنظر إليه وقد أخذ القوم السيوف هارباً يعدو من الصف فنهنهت عنه لم يسمع من نهنهت حتى قتله وكان هذا مما خفي على فتيان قريش أغمار لا علم لهم بالحرب خدعوا واستزلوا فلما وقفوا لججوا فقتلوا .
ثم مشى قليلاً فمرّ بكعب بن سور فقال : هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنه ناصر أمة يدعو الناس إلى ما فيه وهو لا يعلم ما فيه، ثم استفتح فخاب كل جبار عنيد ، أما أنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله . أجلسوا كعب بن سور، فأجلس، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام : يا كعب لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ ثم قال علیه السلام : أضجعوا كعباً .
ومرّ على طلحة بن عبيد الله فقال : هذا الناكث بيعتي والمنشىء الفتنة في الأمة،
والمجلب علي والداعي إلى قتلي وقتل عترتي ، أجلسوا طلحة بن عبيد الله ، فأجلس ، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ ثم قال علیه السلام: أضجعوا طلحة .
وسار، فقال له علیه السلام بعض من كان معه : أتكلم كعباً وطلحة بعد قتلهما ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : والله لقد سمعوا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يوم بدر (1).
إيضاح
قوله ( جدعت أنفي ) أي قطعت ، والفاعل راجع إلى قريش ، وهو كناية عن جنايتهم التي جنوها عليه علیه السلام حسبما عرفت في (شرح المتن ) ، وقال المحدّث العلامة المجلسي : جدعت أنفي، أي لم أكن أحب قتل هؤلاء وهم من قبيلتي وعشيرتي ولكن اضطررت إلى ذلك، انتهى . وعلى تفسيره : فجدعت بصيغة المتكلم والأظهر أنه بصيغة الغائب كما قلناه و (العض) المسك بالأسنان فاستعير لحد السيف و (الحين) الهلاك.
1) الإرشاد : (256/1 ، وبحار الأنوار: 255/6 .
قوله : (ما كان بذي نخيرة ) النخير صوت بالأنف أي كان يقيم الفتنة لكن لم يكن بعد قيامها صوت وحركة بل كان يخاف .
قوله (ويولول) يقال : ولولت المرأة : أعولت ، والفرق شدّة الفزع، قوله: (هذا ما علمت ) أي فيما علمت وفي علمي ، قوله : (ممن أوضع ) على البناء على الفاعل، أي ركض دابته وأسرع أو على البناء على المفعول، قال الجوهري : وضع الرجل في تجارته وأوضع على ما لم يسم فاعله فيهما أي خسر و (المليم) المذموم، وقوله (فنهنهت عنه ) أي كففت وزجرت .
قوله (وكان هذا مما خفي علي ) قال العلامة المجلسي : أي لم أعلم بوقت قتله، فتيان قريش مبتدأ و (الأغمار) جمع غمر بالضم وبضمتين وهو الذي لم يجرب الأمور، انتهى .
( ولجج) السيف يلجلج لججاً من باب تعب ، أي نشب فلا يخرج، ومكان لجج ضيق.
و (کعب بن سور) قاضي البصرة، ولأه عمر بن الخطاب على قضائها فلم يزل عليها حتى قتل عثمان، فلما كان يوم الجمل خرج مع أهل البصرة وفي عنقه مصحف، فقتل هو يومئذ وثلاثة أخوة له أو أربعة، فجاءت أمهم فوجدتهم في القتلى فحملتهم وجعلت تقول:
أيا عین ابكي بدمع سرب *** علی فتية ية من خيار العرب
فما ضرهم غير جبن النفوس *** وأني امرى لقریش غلب
قوله (ثم استفتح) تلميح إلى قوله تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَنَارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم: 15]، أي سألوا من الله الفتح على أعدائهم ، و (أجلب ) عليه الناس ، أي حرّضهم وجمعهم، و (القليب) البئر التي لم تطو، يذكر ويؤنث، وكان حفر يوم بدر قليب ألقي فيه القتلى من الكفار .)
### الترجمةاز جمله کلام آن امام است (علیه السلام وقتی که مرور کرد به طلحه و عبدالرحمن بن عتاب بن اسید در حالتی که کشته شده بودند در روز جنگ جمل می فرماید :)هر آینه به تحقیق صباح کرد ابو محمد ، یعنی طلحه در این مکان در حالتی که غريب است ، آگاه باش قسم به خدا به تحقیق بودم من ناخوش میگرفتم این که شوند طایفه قریش کشته شدگان در زیر شکم ستارگان ، دریافت نمودم جنایت خود را از پسران عبد مناف و رمیدند و گریختند از من اشراف و بزرگان قبیله جمح ، به تحقیق دراز کردند ایشان ، یعنی قریش گردنهای خودشان را به سوی چیزی که اهل آن نبودند، یعنی طلب خلافت نمودند بدون استحقاق ، پس شکسته شد گردنهای ایشان نزد آن چیز .
## ومن كلام له علیه السلام وهو المائتان والثامن عشر من المختار في باب الخطب### اشارةقَدْ أَحْيا عَقْلَهُ وأَماتَ نَفْسهُ، حَتَّى دَقٌ جَلِيلُهُ، ولَطْف غَلِيظُهُ، وبَرَقَ لَهُ لا مِعٌ كَثِيرُ البَرْقِ، فَأَبانَ لَهُ الطَّرِيقَ وسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ، وتَدافَعَتْهُ الأبوابُ إِلى بَابِ السَّلامَةِ ، ودارِ الإِقَامَةِ، وثَبَتَتْ رِجْلاهُ بِطَمَأْنِينَةِ بَدَيْهِ في قَرارِ الأَمْنِ والرَّاحَةِ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبُهُ وَأَرْضَى رَبَّهُ (1.)### اللغة(دق الشيء يدق دقة ، من باب ضر خلاف غلظ، فهو دقيق، وغلظ الشيء بالضم غلظاً وزن عنب ، والاسم الغلظة وهو غليظ و (أبان) وبين وتبين واستبان كلها بمعنى الوضوح والانكشاف وجميعها يستعمل لازماً ومتعدياً إلا بان الثلاثي فلا يستعمل إلا لازماً، قاله الفيومي)### الإعرابجلیله و غلیظه مرفوعان على الفاعل للزوم فعليهما، و( الباء في قوله : سلك به، للتعدية. وفي قوله : بطمأنينة بدنه ، للمصاحبة. وفي قوله : بما استعمل ، للسببية. وكلتا الأخيرتين متعلقتان بقوله : ثبتت .)### المعنىاعلم أن هذا الكلام على غاية وجازته جامع لجميع صفات العارف الكامل ولكيفيةسلوكه، ولمآل أمره ، ولعمري إنه لا يوجد كلام أوجز من هذا الكلام في أداء هذا المعنى ، وهو في الحقيقة قطب دائرة العرفان وعليه مدارها ، وفي الإيجاز الذي هو فنّ نفيس من علم البلاغة تالي كلام الملك الرحمن ، مثل قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا نَفْرَحُوا بِمَا ا تَنكُمْ [الحديد: 23] الجامع للزهد كله، وقوله : (خُذِ الْعَفْوَ وَأَمَرَ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ ) [الأعراف: 199] الجامع لمكارم الأخلاق جميعاً، وشرحه يحتاج إلى بسط في المقال بتوفيق الرب المتعال، فأقول مستعيناً بالله وبوليه علیه السلام :
1) بحار الأنوار: 317/66 ، وميزان الحكمة : 1132/2
قوله علیه السلام (قد أحيا عقله وأمات نفسه ) المراد بعقله : العقل النظري والعملي، وبنفسه : النفس الأمارة بالسوء، والمراد بحياة الأول: كونه منشئاً للآثار المترتبة عليه مقتدراً على تحصيل الكمالات والمعارف الحقة ومكارم الأخلاق المحصلة للقرب والزلفي لديه تعالى، وبموت الثاني بطلان تصرفاته وآثاره المبعدة عنه عزّ وجل بحذافيره ، فإن الحياة والموت عبارة أخرى عن الوجود والعدم لا أثر له أصلاً.
وأراد بإحيائه الأول وإماتته الثاني تقويته وتغليبه له عليه بحيث يكون الأول بمنزلة سلطان قادر قاهر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، والثاني بمنزلة عبد ذليل داخر مقهور لا یرد ولا يصدر إلا بإذن مولاه.
ولا يحصل تقوية الأول وتذليل الثاني إلا بملازمة الكمالات العقلانية والمجاهدة
والرياضة النفسانية، والمجاهدة عبارة عن ذبح النفس بسيوف المخالفة كما قال تعالى : (مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوى ) [النازعات: 40-41]، وقال فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لما بعث سرية ورجعوا : «مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر»، فقيل : يا رسول الله وما الجهاد الأكبر ؟ قال: «جهاد النفس » .
وقال بعض أهل العرفان : جاهد نفسك بأسياف الرياضة والرياضة ، على أربعة أوجه: القوت من الطعام ، والغمض من المنام ، والحاجة من الكلام ، وحمل الأذى من جميع الأنام ، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ، ومن قلّة المنام صفو الإرادات، ومن الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات .وليس على العبد شيء أشدّ من الحلم عند الجفا، والصبر على الأذى، وإذا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام وهاجت منها حلاوة فضول الكلام ، جرّدت عليها سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم والانتقام فتأمن من بوائقها من بين سائر الأيام وتصفيها من ظلة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها، فتصير عن نظيفة ونورية خفيفة روحانية، فتجول في ميدان الخير وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالمسلك المتنزه في البستان .
وقال أيضاً : أعداء الإنسان ثلاثة : دنياه ، وشيطانه ، ونفسه ، فاحترس من الدنيا بالزهد فيها ، ومن الشيطان بمخالفته، ومن النفس بترك الشهوات .
وتفصيل ذلك على ما قرر في علم السلوك : إن للسالك الطريق الحق المريد للوصول إلى حظيرة القدس شروطاً ووظائف لا بد من ملازمتها .
أما الشروط التي لا بد من تقديمها في الإرادة فهي : رفع الموانع والحجب التي بینه وبين الحق، فإن حرمان الخلق من الحق سببه تراكم الحجب ووقوع السد على الطريق ، قال
الله تعالی : وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِيرُ لَا يُبْصِرُونَ [يس : 9])والسد بين المريد وبين الحق ثلاثة : المال ، والجاه ، والمعصية، ورفع حجاب المال إنما يحصل بالخروج منه حتى لا يبقى منه إلا قدر الضرورة فما دام يبقى له درهم ملتفت إليه فهو مقيد به محجوب عن الله عز وجل، ورفع حجاب الجاه إنما يحصل بالبعد من موضع الجاه والهرب منه وإيثار خمول الذكر، ورفع حجاب المعصية إنما يحصل بالتوبة والندم على ما مضى من المعاصي وتدارك ما فات من العبادات وردّ المظالم وإرضاء الخصوم.وإذا قدّم هذه الشروط فلا بد له من المواظبة على وظائف السلوك، وهي خمس : الجوع ،والصمت ، والسهر ، والعزلة ، والذكر .أما الجوع فإنه ينقص دم القلب ويبيضه ويلطفه، وفي بياضه وتلطيفه نوره، ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقته ورقته مفتاح انكشاف الحجب كما أن قساوته سبب الحجاب، ومهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدوّ الشيطان ، فإن مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات ، ولذلك قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق فضيقوا مجاريه بالجوع »، أو قال : «بالصوم». وفي حديث آخر: «ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟» قالوا : بلى يا رسول الله ، قال صلی الله علیه واله وسلم :«الصوم يسود وجهه » الحديث.ففائدة الجوع في كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء أمر ظاهر لأن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كل شهوة وقوّة ويكسر سورة النفس الأمارة كالدابة الجموح إذا شبعت شردت وجمحت لا يمكن ضبطها باللجام ، وإذا جاعت ذللت وانقادت .وبالجملة، فالشبع يورث القسوة والشهوة والسبعية ، والجوع يوجب الرقة وانكسار الشهوة والصولة ، وهو مشاهد بالتجربة، ومن هنا قيل :مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع، وقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «من أجاع بطنه عظم فكره ونطن قلبه »، وقال أيضاً: «أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفو وترق» .وأما الصمت ، فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة لأن الكلام يشغل القلب وميل القلوب إلى الكلام عظيم، فإنه يستروح إليه ويستثقل التجرد للذكر والفكر، وفي الحديث: «طوبى لمن أنفق فضول ماله وأمسك عن فضول كلامه »؛ هذا في الكلام المباح ، وأما الكلام الغير المباح من الكذب والنميمة والبهت وغيرها فبينه وبين السلوك إلى الحق بون بعيد بعد المشرقين .
وأما السهر فأنه يجلو القلب ويصفيه وينوّره، ولذلك مدح الله سبحانه المستغفرين بالأسحار لأنها أوقات صفاء الذهن ونزول الرحمة والألطاف الإلهية ، فيضاف صفاء السهر إلى الصفاء الحاصل من الجوع فيصير القلب كالكوكب الدري والمرآة المجلوة مستعداً الإفاضة الأنوار الإلهية، فيلوح فيه سبحات جمال الحق ، ويشاهد رفعة الدرجات الأخروية، وعظم خطرها، وخشة الزخارف الدنيوية وحقارتها، فتتم بذلك رغبته عن الدنيا وشوقه إلى الآخرة، والسهر أيضاً من خواص الجوع وبالشبع غير ممكن.وأما العزلة والخلوة ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر، فإنهما دهليز القلب، والقلب بمنزلة حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة من مجاري الحواس. والمقصود بالرياضة تفريغ الحوض من المياه الردغة ومن الطين الحاصل منها فينفجر أصل الحوض فينبع منه ماء نظيف سائغ صاف ولا يمكن نزح ماء الحوض والأنهار إليه مفتوحة فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص.قال الرضا عليه التحية والثناء : إن أمير المؤمنين علیه السلام كان يقول : طوبى لمن أخلص الله العبادة ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع بما تسمع أذناه ، الحديث .فلا بد من ضبط الحواس إلا عن قدر الضرورة ولا يتم ذلك إلا بالعزلة والخلوة.قال بعض السياحين : قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق : كيف الطريق إلى الحق؟ قال: أن تكون في الدنيا كأنك عابر طريق . وقلت له مرة : دلّني على عمل أجد قلبي فيه مع الله تعالى على الدوام، فقال لي : لا تنظر إلى الخلق ، فإن النظر إليهم ظلمة . قلت : لا بد لي من ذلك، قال : فلا تسمع كلامهم، فإن في سماع كلامهم قسوة . قلت : لا بد لي من ذلك، قال : فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة ، قلت : أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم ، قال : فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة ، قال : قلت : هذا لعله يكون، قال: يا هذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك الله تعالى على الدوام، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة، وقد عرفت أن طريق المجاهدة مضادة الشهوات ومخالفة هوى النفس، فإذا حصل للسالك هذه المقدمات اشتغل بذكر الله تعالى بالأذكار الشرعية من الصلاة وتلاوة القرآن والأدعية المأثورة والتسبيح والتهليل وغير ذلك بلسانه وقلبه، فلا يزال يواظب عليها حتى لا يبقى على قلبه ولسانه غير ذكره تعالى ، ولا يكون له منظور غيره أصلاً، فعند ذلك يتجلّى له من أنوار جماله وسبحات عظمته وجلاله ما لا يحيط به لسان الواصفين، ويقصر عنه نعت الناعتين.هذا من الشرائط والوظائف المقررة قد أشار إليها أمير المؤمنين علیه السلام في مطاوي
كلماته وخطبه وخطبه المتقدمة وغيرها كثير.مثل ما رواه في (الوسائل من أمالي الشيخ قال : روي أن أمير المؤمنين علیه السلام خرج ليلة من المسجد وكانت ليلة ،قمراء، فأمّ الجبانة ولحقه جماعة يَقْفُونَ أثره، فوقف عليهم ثم قال علیه السلام : من أنتم؟ قالوا : شيعتك يا أمير المؤمنين، فتفرّس في وجوههم وقال : فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟ قال علیه السلام: صفر الوجوه من السهر ، عمش العيون من البكاء، حدب الظهور من القيام ، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاء من الدعاء، عليهم غبرة الخاشعين (1).)وقال علیه السلام في الخطبة الثانية والثمانين: فاتقوا الله تقاة ذي لب شغل التفكر قلبه ، وأنصب الخوف بدنه ، وأسهر التهجد غرار نومه، وأظمأ الرجاء هواجر يومه، وأظلف الزهد شهواته، وأوجف الذكر بلسانه وقدّم الخوف لإبانه، وتنكب المخالج عن وضح السبيل ، وسلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب.وغير ذلك مما تقدم في ضمن خطبه المسوقة في الحثّ على الزهد والتقوى ووصف حال المتقين ولا حاجة إلى الإعادة .ثم لا يخفى عليك أن مطلوبية الاعتزال والخلوة إنما هي للفراغ للذكر والخلوة والعبادة وكون المعاشرة مانعة منه، وأما إذا لم تكن المعاشرة مانعة بل تبعثه على سلوك الصراط المستقيم كالجمعة والجماعات وزيارة الإخوان المؤمنين والاجتماع في مجالس الذكر، ونحوها ، فهي من أعظم العبادات ، وسلوك نهج الحق ، على ما ذكرنا من الآداب والوظائف هو المتلقى من صاحب الشرع .وأما غيرها مما ذكره الصوفية من الآداب والوظائف في المجاهدة والرياضة وكيفية السلوك مثل قولهم بالجلوس في بيت مظلم ، والخلوة أربعين يوماً، واشتراطهم الاعتصام بالشيخ، وكون السلوك بإرشاده، وقولهم بالمداومة على ذكر مخصوص ألقاه الشيخ إلى المريد من الأذكار الفتحية أو غيرها نحوها من الأذكار المبتدعة أو من الأذكار الشرعية لكن على هيئة مخصوصة وعدد مخصوص لم يرد به نص ، وقولهم : بأن المريد إذا أتم مجاهدته ولم يبق في قلبه علاقة تشغله يلزم قلبه على الدوام ويمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة بل يقتصر على الفرائض والرواتب، ويكون ورده ورداً واحداً وهو ملازمة القلب لذكر الله عزّ وجل بعد الخلو عن ذكر غيره، فعند ذلك يلزمه الشيخ زاوية ينفرد بها ويلقنه ذكراً من الأذكار حتى
1) الوسائل : 92/1 ، وأمالي الطوسي : 216
يشغل به لسانه وقلبه ، فيجلس ويقول مثلاً : الله الله، أو سبحان الله سبحان الله، أو ما يراه الشيخ من الكلمات، فلا يزال يواظب عليها حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة كأنها جارية على اللسان من غير تحريك، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان وتبقى صورة اللفظ في القلب، ثم لا يزال كذلك حتى يمحى عن القلب حروف اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب حاضرة معه غالبة عليه ، قد فرغ من كل ما سواه ونحو ذلك مما قالوه ، فشيء منها لم يرد به إذن من الشارع بل هو من بدعاتهم التي ابتدعوها ، اللهم إلا أن يستدلّ على الأخير - أعني المواظبة على الذكر باللسان والقلب - على ما وصل بعمومات أدلة الإكثار من ذكر الله والتفكر في الله .إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح المتن، فأقول :قوله علیه السلام (حتى دق جليله ولطف غليظه غاية لإماتته لنفسه أولها ولإحيائه لعقله أيضاً، والجملة الثانية إما مؤكدة للأولى ، فالمعنى: أن تكميله لعقله وتركه لشهوات نفسه انتهى إلى مرتبة أوجبت هزال جسمه ونحول بدنه ، أو المراد بالجليل أعضاؤه العظام كالرأس واليدين والفخذين والساقين ، وبالغليظ غيرها، أو المراد بالأول عظامه وبالثاني جلده وأعصابه، أو بالأول بدنه وبالثاني قلبه .)وعلى أي معنى فالمقصود كونه ناحل الجسم ضعيف البدن إما من خوف الله تعالى وتحمله لمشاق العبادات، أو لجوعه وكفّه عن الأكل والشرب وسائر الشهوات .كما قال علیه السلام في الخطبة المائة والثانية والتسعين في وصف المتقين : قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض .وقال في الخطبة الثانية والثمانين : فاتقوا الله تقية ذي لب شغل التفكّر قلبه وأنصب الخوف بدنه ، أي أمرضه وأتعبه.وقال في الخطبة المائة والتاسعة والخمسين حكاية عن كليم الله على نبينا وعليه السلام، إذ يقول: ﴿وَرَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَى مِنْ خَيْرٍ فَقِيرُ [القصص : 24]، والله ما سأله إلا خبزاً يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه .)وقوله علیه السلام (وبرق له لامع كثير البرق الظاهر أنه عطف على سابقه فيكون هو أيضاً غاية لتكميل عقله وجهاد نفسه ، يعني أنه بلغ من كمال قوته النظرية والعملية إلى مقام شروق الأنوار والمعارف الإلهية على مرآة سرّه فصار مشاهداً بعين بصيرته أنوار قدسه وسبحات وجهه عين اليقين .)
كما أشار علیه السلام إليه في الخطبة السادسة والثمانين في وصف أحب عباد الله تعالى إليه عزّ وجل بقوله : فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس.وقال زين العابدين وسيد الساجدين علیه السلام في المناجاة التاسعة من المناجاة الخامسة عشرة، وهي مناجاة المحبين : يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة(1، وسبحات وجهه لقلوب عارفيه شائفة (2).)وقال علیه السلام في المناجاة الثانية عشر منها، وهي مناجاة العارفين: إلهي فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون ، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون، ومن حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون ، وشرائع المصافات يروون، قد كشف الغطاء عن أبصارهم، وانجلت ظلمة الرّيب عن عقائدهم في ضمائرهم ، وانتفت مخالجة الشك عن قلوبهم وسرائرهم ، وانشرحت بتحقيق المعرفة صدورهم ، وعلت لسبق السعادة في الزهادة هممهم، وعذب في معين المعاملة شربهم، وطاب في مجلس الأنس سرّهم، وأمن في موطن المخافة سربهم، واطمأنت بالرجوع إلى رب الأرباب أنفسهم، وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم، وقرّت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم، واستقر بإدراك السؤال ونيل المأمول قرارهم(3، هذا .)ولأهل السلوك والصوفية كلام طويل في البروق اللامعة أسندوها إلى الشهودوالمكاشفة .قال الرئيس أبو علي بن سينا في محكي كلامه من (الإشارات في ذكر السالك إلى مرتبة العرفان ما لفظه :)ثم إنه إذا بلغت به الرياضة والإرادة حداً ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق عليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه، وهي التي تسمى عندهم أوقاتاً، وكل وقت يكتنفه وجد إليه ووجد عليه، ثم إنه ليكثر عليه هذا الغواشي إذا أمعن في الارتياض، ثم إنه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض فكلما لمح شيئاً عاج منه إلى جانب القدس فتذكر من أمره أمراً فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كل شيء، ولعله إلى هذا الجد تستولي عليه غواشيه ويزول عن سكينته ويتنبه جليسه لاستنفاره عن قراره ، فإذا طالت عليه الرياضة لم
يستنفره غاشية وهدى للتأنس بما هو فيه، ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغاً ينقلب له وقته سكينته فيصير المخطوب مالولاً والوميض شهاباً بيناً، ويحصل له معارفه مستقرة كأنها صحبة مستمرة ويستمتع فيها ببهجته فإذا انقلب عنها انقلب حيران أسفاً .وقال أبو القاسم القشيري في رسالة (القشيرية، المحاضرة قبل المكاشفة : فإذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة ، وقال : هي أرفع الدرجات، فالمحاضرة حضور القلب وقد تكون بتواترها البرهان والإنسان بعد وراء الستر وإن كان حاضراً باستيلاء سلطان الذكر، وأما المكاشفة فهي الحضور البيّن غير مفتقر إلى تأمل الدليل وتطلب السبيل، ثم وجود الحق من غير بقاء تهمة ، وقال أيضاً : هي ثلاث مراتب : اللوائح، ثم اللوامع، ثم الطوالع . فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت، ثم اللوامع وهي أظهر من اللوائح وليس زوالها بتلك السرعة فقد تبقى وقتين وثلاثة ولكن كما قيل : والعين باكية لم تشبع النظرا ، فأصحاب هذا المقام بين روح وتوح لأنهم بين كشف وستر يلمع ثم يقطع لا يستقر لهم نور النهار حتى تكرّ عليهم عساكر الليل، ثم الطوالع وهي أبقى وقتاً وأقوى سلطاناً وأدوم مكثاً وأذهب للظلمة وأنقى للتهمة .)وقال عمرو بن عثمان المكي : المشاهدة أن تتوالى أنوار التجلي على القلب من غير أن يتخللها ستر ولا انقطاع ، كما لو قدر اتصال البروق في الليلة المظلمة فكما أنها تصير بذلك في ضوء النهار فكذلك القلب إذا دام له التجلي منع النهار فلا ليل. وأنشدوا شعراً :لیلی بوجهک مشرق *** وظلامه فی الناس ساروالناس فی سدف الظلام *** و نحن فی ضو النهاروقال الشارح البحراني : قوله علیه السلام (وبرق له لامع كثير البروق، أشار باللامع إلى ما يعرض للسالك عند بلوغ الإرادة بالرياضة به حدّاً ما من الخلسات إلى الجناب الأعلى فيظهر له أنوار الهية لذيذة شبيهة بالبرق في سرعة لمعانه واختفائه وتلك اللوامع مسماة عند أهل الطريقة أوقاتاً، وكل وقت فإنه محفوف بوجد إليه ما قبله ووجد عليه ما بعده لأنه لما ذاق تلك اللذة له ثم فارقها حصل فيه حنين وأنين إلى ما فات منها، ثم إن هذه اللوامع في مبدأ الأمر تعرض قليلاً فإذا أمعن في الارتياض كثرت ، فأشار علیه السلام باللامع إلى نفس ذلك النور وبكثرة برقه إلى كثرة عروضه بعد الإمعان في الرياضة ، انتهى .)وهو كما ترى محصل ما قدمنا حكايته عن الشيخ الرئيس، ومثل هذه المقالات في كتب المتصوفة كثير لكنها لم يرد بها خبر من الأئمة علیه السلام، مع أنهم رؤساء السالكين وأقطاب العارفين ونادر في أخبارهم علیه السلام لمثل هذا الكلام الأمير المؤمنين علیه السلام الذي نحن في شرحه، فإنما هو من المجملات وحملها على ما يوافق مذاق أهل الشرع بأن يراد باللوامع أنوار
العلوم الحقة ولوامع المعارف الإلهية البالغة إلى مرتبة الكمال ومقام عين اليقين وببروقها فيضانها عليه من الحضرة الأعلى أولى ، والله العالم بحقائق كلام وليه .وقوله علیه السلام (فأبان له الطريق وسلك به السبيل أي أظهر ذلك البرق اللامع وأوضح له الطريق المؤدي إلى رضوانه، وسلك به السبيل المبلغ إلى جنانه، وهو الطريق المطلوب من الله تعالى الاهتداء إليه في قوله : إهدنا الصراط المستقيم.)قال الصادق علیه السلام في تفسيره : يعني أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك (1)وقال أمير المؤمنين علیه السلام : يعني أدم لنا توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا (2.)قال في (الصافي : لما كان العبد محتاجاً إلى الهداية في جميع أموره آناً فاناً، ولحظة فلحظة، فإدامة الهداية هي هداية أخرى بعد الهداية الأولى فتفسير الهداية بإدامتها ليس خروجاً عن ظاهر اللفظ (3).)وفيه من (معاني الأخبار عن الصادق علیه السلام : هي الطريق إلى معرفة الله وهما صراطان : صراط في الدنيا وصراط في الآخرة. فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه فی الدنيا زلّت قدمه عن الصراط فى الآخرة فتردى في نار جهنم (4).)قال الفاضل الفيض بعد نقله لتلك الأخبار : ومآل الكل واحد عند العارفين بأسرارهم، وبيانه على قدر فهمك :أن لكل إنسان من ابتداء حدوثه إلى منتهى عمره انتقالات جبلية باطنية في الكمال، وحركات نفسانية وطبيعية تنشأ من تكرر الأعمال وتنشأ منها المقامات والأحوال، فلا يزال ينتقل من صورة إلى صورة ومن خلق إلى خلق ، ومن عقيدة إلى عقيدة، ومن حال إلى حال ، ومن مقام إلى مقام ، ومن كمال إلى كمال ، حتى يتصل بالعالم العقلي والمقربين، ويلحق الملأ الأعلى والسابقين إن ساعده التوفيق وكان من الكاملين ، أو بأصحاب اليمين إن كان
من المتوسطين، أو يحشر مع الشياطين وأصحاب الشمال إن ولاه الشيطان وقارنه الخذلان في المآل ، وهذا معنى الصراط والمستقيم منه إذا سلكه سالكه أوصله إلى الجنة وهو ما يشتمل عليه الشرع كما قال الله عزّ وجل : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاط الله [الشورى: 53-52] ، وهو صراط التوحيد والمعرفة والتوسط الأضداد في الأخلاق والتزام صوالح الأعمال، وبالجملة صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في دار الدنيا مقتدياً فيه بهدي إمامه وهو أدقّ من الشعر وأحد من السيف في المعنى، مظلم لا يهتدي إلا من جعل الله له نوراً كما يمشي به في الناس يسعى عليها على قدر أنوارهم ، انتهى .)فإن قلت : إن العارف إذا أحيا عقله وأمات نفسه فيكون واقعاً قصد على الطريق وسالكاً للسبيل البتة، فما معنى قوله علیه السلام : فأبان له الطريق، فإن ظاهره بمقتضى إفادة الفاء للترتيب كون وضوحها وظهورها وسلوكها مترتباً على الإحياء والإماتة.قلت : وإن كان المكمّل لعقله والمجاهد لنفسه سالكاً سبيل الحق، لكن في سلوك هذا السبيل احتمال خلجان الشك وطريان القواطع عن سلوكه بعروض الوساوس الشيطانية كما قال الله تعالى حكاية عنه : (قَالَ فَمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَاتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَتِهِمْ وَعَن شَمَايِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِرينَ [الأعراف: 16-17]. وأما بعدما أكمل عقله بعلم اليقين وأمات نفسه، واستنار قلبه بأنوار العلم والمعارف، وتجلّى عليه اللوامع الغيبية والألطاف الإلهية، وبلغ في الكمال إلى مرتبة عين اليقين، فإنه يشاهد حينئذ بعين بصيرته الصراط المستقيم الذي هو سبيل مقيم، ويكون مشيه وسلوكه فيه بذلك النور الذي تجلّى له كما قال تعالى: ﴿يَاتِهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَعَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كَفَلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) [الحديد: 28] ، وإذا كان سلوكه به فلا يضلّ ولا يشقى ولحق بالملأ الأعلى. (وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة ) الظاهر أن المراد بالأبواب مقامات العارفين ودرجات السالكين اللاتي بعضها فوق بعض ، وأراد بتدافعها إياه : ترقيه من مقام إلى مقام ومن درجة إلى درجة إلى أن ينتهي ترقياته إلى مرتبة حق اليقين .
فوصل به الصراط الأقوم إلى باب الله الأعظم الذي من دخل منه كان سالماً في الدنيا من المعاطب والمهالك ومن الزيغ والضلال، وسالماً في الآخرة من الخزي والنكال ، وهو في الحقيقة باب دار السلام الموعود للمذكّرين في قوله: وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضِّلْنَا الايَتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ هَمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 126 - 127]، والمدعو إليه في قوله :( واللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [يونس: 25] أي دار السلامة الدائمة من كل آفة وبليّة مما يلقاه أهل النار والعذاب .
ووصل به أيضاً إلى دار الإقامة وهي دار المخلصين في التوحيد في الدنيا والمقيمين عليه وهم إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَيكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 30] والجنات المخصوصة في الآخرة وهي (جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُوا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الحمد لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنْ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ ) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِي لَا يَمَسُّنا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوب ) [فاطر: 33-35] .
قال في (التفسير) : جنات عدن ، أي جنات إقامة وخُلد ، وهي بطنان الجنة أي وسطها، وقيل : هي مدينة في الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى والناس حولهم والجنان حولها ، وقيل : إن عدن أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم والجنان حولها محدقة بها وهی مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن شاء الله .
(وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة ) يعني أنه بعد اندفاعه إلى باب السلامة ودار الإقامة التي هي مقر الأمن والراحة استقر فيها ، وثبوت رجليه كناية عنه، وحصل برد اليقين الموجب للطمأنينة الكاملة وهو منتهى سير السالكين وغاية غايات المريدين وآخر مقامات العارفين ، وأعلى درجات المقربين .
وهو الذي أشار إليه سيد الساجدين علیه السلام فيما قدمنا حكايته عنه علیه السلام قريباً بقوله في وصف العارفين : وطاب في مجلس الأنس سرّهم، وأمن في موطن المخافة سربهم، واطمأنت بالرجوع إلى ربّ الأرباب أنفسهم، وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم، وقرّرت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم، واستقرت بإدراك السؤال ونيل المأمول قرارهم (1).
قال الشارح البحراني : قوله : وثبتت رجلاه ، إشارة إلى الطور الثاني للسالك فإنه ما دام في مرتبة الوقت يعرض لبدنه عند لمعان تلك البروق في سره اضطراب وقلق ، لأن النفس إذا فاجأها أمر عظيم اضطربت وتقلقلت ، فإذا كثرت تلك الغواشي القتها بحيث لا تنزعج عنها ولا يضطرب لورودها عليها البدن بل يسكن ويطمئن لثبوت قدم عقله في درجة أعلى من درجات الجنة التي هي قرار الأمن والراحة قرار الأمن والراحة من عذاب الله. انتهى.
وهو متفرّع على ما قدمنا حكايته عن المتصوفة في (شرح البروق اللامعة ) ، وكلام السجاد علیه السلام غير خال من الإشارة إليه .
1) بحار الأنوار 151918 ، والصحيفة السجادية : 418.
ويجوز أن يراد بقرار الأمن والراحة جنة الآخرة كما قال علیه السلام في الخطبة المائة والثانية والتسعين في وصف المتقين: صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم.
وقال تعالى: أُولَيكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةُ وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) [الفرقان: 75-76]، وقال: ﴿ وَالْمَلَيْكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِ بَابِ سَلَامُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) [الرعد: 23-24] وقال : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ 45 ادْخُلُوهَا بِسَلَم عَامِنينَ) [الحجر: 45-46] أي يقال لهم : ادخلوا الجنات بسلامة من الآفات وبراءة من المكاره والمضرات ، آمنين من الإخراج منها، ساكني النفس إلى انتفاء الضرر فيها. قال الزجاج: السلام اسم جامع لكل خير لأنه يتضمن السلامة ، وقول الملائكة : (ادْخُلُوهَا بِسَلَم ﴾ [الحجر: 46] بشارة لهم بعظيم الثواب.
وذلك كله (بما استعمل قلبه وأرضى ربه ) أي حصول ذلك المقام العالي ونيل تلك الكرامات العظيمة له إنما هو بسبب استعمال قلبه في الذكر والتفكر في الله وإرضائه لربه بالمجاهدة والرياضات والملازمة على الطاعات والقربات، بل خلوّه عن الإرادات والمرادات في جميع الحالات وجعل رضاه تابعاً لرضى مولاه لا يشاء شيئاً إلا أن يشاء الله .
فينادى من عند ربّ العزّة بنداء : (تَأَيَّها النَّفْسُ الْمُطْمَينَةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ فادْخُلِي فِي عِبَدِي وَادْخُلِي جَنَّي ﴾ [الفجر: 27 30]، ويدخل في حز حزب من قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ أَوَلَيْكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن عَليها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبِّر [البينة : 7- ] ، (رَبَّكُمُ ودعونهم فيها سُبْحَنَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَعَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَلَمِينَ ) [يونس: 10].)
### الترجمةاز جمله کلام آن امام عالی مقام (علیه السلام است در وصف عارف به حق ، فرماید:)به تحقیق زنده کرده است او عقل خود را و کشته است نفس خود را تا این که ضعیف و تخفیف شده اعضای بزرگ او و لطافت پیدا نموده اجزای درشت او و برق زده به قلب او نور ساطعی که به غایت براق است ، پس ظاهر گردانیده آن نور از برای او راه حق را و راه رفته بر روشنی او در راه حق و دفع کرده او را درهای فضل و کرامت به سوی در سلامت و خانه خلود و اقامت و محکم شده پاهای او با اطمینان و آرامی بدن او در قرارگاه ایمنی و استراحت به سبب استعمال قلب خود در تفکر و معرفت و راضی نمودن پروردگار خود را با جهاد نفس و مواظبت طاعت و عبادت .
## ومن كلام له علیه السلام وهو المانتان والتاسع عشر من المختار في باب الخطب### اشارةبعد تلاوة (الهَنكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر : 1- 2]، ورواه في (البحار))من كتاب (عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمد الواسطي مرسلاً كما في المتن، وشرحه في فصول :)### الفصل الأول#### اشارةيا لَهُ مَراماً ما أَبْعَدَهُ، وزَوْراً ما أَغْفَلَهُ، وخَطَراً ما أَفْضَعهُ ، لَقَدِ اسْتَخْلُوا مِنْهُم أي مُذَكّر ، وتَنا وشُوهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، أَفَبِمَصارع آبائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ الهَلْكَى يَتَكَاثُرُونَ، يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْساداً خَوَتْ، وحَرَكاتٍ سَكَنَتْ، ولأن يَكُونُوا عِبَراً أَحَقَّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً، ولأن يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقامَ عِزَّةٍ، لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصارِ العَشْوَةِ، وضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهالَةٍ .وَلَوِ اسْتَنْطَفُوا عَنْهُمْ عَرَصاتِ تِلْكَ الديار الخاوِيَةِ، والربوع الخالِيَةِ، لَقَالَتْ : ذَهَبُوا في الأَرْضُ ضَلالاً ، وذَهَبْتُمْ في أَعْقابِهِمْ جُهّالاً ، تَطَرُّونَ في هامِهِمْ، وَتَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسادِهِمْ، وتَرْتَعُونَ فِيما لَفَظُوا ، وتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا، وَإِنَّمَا الأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ بَوادٍ ونَوائِحُ عَلَيْكُمْ، أولا ولا يكُمْ سَلَفُ عَايَتِكُمْ ، وفُرّاطُ مَناهِلِكُمْ ، الَّذِينَ كانَتْ لَهُمْ مَقاوِمُ العِزّ وحَلَبَاتُ الفَخْرِ مُلُوكاً وشوقاً .سَلَكُوا في بُطُونِ البَرْزَحَ سَبِيلاً، سُلْطَتْ الأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ، وشَرِبَتْ مِنْ دِمائِهِمْ، فَأَصْبَحُوا في فَجَواتِ قُبُورِهِمْ جَماداً لا يَنْمُونَ، وضماراً لا يُوجَدُونَ، لا يُفْزِعَهُمْ وَرُودُ الأَهْوالِ، وَلا يُحْزَنُهُمْ تَنكُرُ الأَحْوَالِ، وَلا يَحْفِلُونَ بِالرَّواجِفِ، ولا يَأْذَنُونَ لِلْقَواصِفِ، غُيَّباً لا يُنتَظَرُونَ، وَشُهُوداً لا يَحْضُرُونَ ، وإِنَّما كانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا، وأُلافاً ،فَافْتَرَفُوا ، ومَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَيُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِبَتْ أَخْبارُهُمْ ، وصَمَّتْ دِيارُهُمْ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً، وبالسَّمْعِ صَمَماً، وبالحركاتِ سُكُوناً، فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجالِ الصِّفَةِ صَرْعى سُبَاتٍ (1)
1) بحار الأنوار: 433/74 ، وتفسير نور الثقلين : 554/3 ح 125.
#### اللغة(الزور بفتح الزاء وسكون الواو ، اسم يطلق على الواحد والجمع كالضيف فيراد فيه الزائر والزائرون، وكذلك الزور بضم الزاء وفتح الواو و (الخطر) محرّكة الإشراف على الهلاك و (أي مذكر) بصيغة اسم الفاعل من التذكير. وفي بعض النسخ : أي مذكر مصدر ميمي من الإدكار وأصله مدتكر قلبت تازه دالاً وأدغم و (خوت) الدار وخويت خياً وخواء وخواية تهدمت وخلت من أهلها ، وأرض خاوية خالية من أهلها والخوا بالقصر والمد خلو الجوف من الطعام .)و (الجناب بفتح الجيم الفناء و (الحجى) العقل والفطنة وهو حجى كفتى أي جدير)(العشوة كالعشا مقصورة والعشاوة سوء البصر بالليل و (ضرب) في الماء سبح وضرب في الأرض سار، قال تعالى: (إِنْ أَنتُمْ ضَرَيْتُمْ فِي الْأَرْضِ) [المائدة: 106]. و (غمرة) الشيء شدّته ومعظمه، وغمر الماء كثر، والغمر عرصات وأعراض وعراص و(الربوع) جمع الربع وهي الدار حيث كانت والمحلة والمنزل و (الهام) جمع الهامة وهي الرأس. و (تستنبتون) بالنون من النبات، ويروى بالثاء المثلثة بدل النون و (لفظه) رماه من فيه و (السّلف) محركة كل من تقدمك من آبائك وأقوامك وغيرهم والجمع أسلاف وسلاف و (الغاية) الحد الذي ينتهي إليه الشيء و (الفرط) محركة المتقدم إلى الماء يطلق على الواحد والجمع و (المنهل) المشرب والموضع الذي فيه المشرب والمنزل يكون بالمفازة .
و (المقاوم) المقامة كالمفاوز والمفازة وهي المجلس، وقال الشارح المعتزلي: جمع القوم وهي الخشبة التي يمسكها الحراث و (حلبات) جمع حلبة كعرصات وعرصة وهي الخيل تجمع للسباق من كلّ أوب لا تخرج من اصطبل واحد و (سوق) وزن صرد جمع سوقة بالضم الرعية و (الفجوات) جمع فجوة وهي الفرجة وساحة الدار و( لا ينمون ) بتخفيف الميم من نمى ينمي وينمو نمواً ونميّاً ونماء زاد ويروى بالتشديد من النميمة و (الضمار) وزن كتاب كل ما لا يرجى رجوعه من المال والدين وغيره.
و (حفل) القوم حفلاً كاحتفل وتحفّل اجتمعوا و (أذن) إليه وله من باب علم استمع معجباً و (الآف) آلف مثل زهاد وزاهد و (ارتجل) الكلام تكلم به من غير أن يهيّأه
جمع و (صرعی) جمع صريع وهو المصروع من الصرع وهو الطرح على الأرض و (السبات) كغراب النوم .
قوله علیه السلام : يا له مراماً ما أبعده، النداء للتعجب دخل على المتعجب منه فإن هذا النداء إنما يستعمل في مقامين :
أحدهما : أن يرى المتكلم أمراً عظيماً عجيباً فينادي جنسه كقولهم: يا للماء وللدواهي إذا تعجبوا من كثرتهما .
والثاني : أن يرى أمراً يستعظمه ، فينادي من له نسبة إليه ومكنة فيه نحو : يا للعلماء، وغلب في المنادي المتعجب منه جزه باللام كما في المنادي المستغاث وقد يستغنى عنها بالألف مثل : يا عجباً.
والضمير في له مبهم يفسره التمييز بعده، وهذا من جملة المواضع التي جوّزوا فيها عود الضمير على المتأخر لفظاً ورتبة كما في نعم رجلاً زيد ، فإن فاعل نعم ضمير يفسّره مالاً وكذلك قوله تعالى : (سَاة مَلا القوم ) [الأعراف : 177] و ( كُبَرَتْ كَلِمَة تخرج ) [الكهف: 5]، وقال الزمخشري في قوله تعالى: وَإِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الأنعام: 29] هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه ، وأصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة لأن الخبر يدل عليها ويبينها .)ومراماً منصوب على التمييز كما أشرنا إليه وهو رافع للإبهام عن الضمير مقدّر في المعنى بمن ، أي يا له من مرام ، وجملة ما أبعده ، صفة لمراماً، وما فيها للتعجب مبتدأ خبره أبعده كما في قولهم : ما أحسن زيداً. قال سيبويه : هي نكرة تامة بمعنى شيء لتضمنها معنى التعجب وما بعدها من الجملة الفعلية خبر، وقال الفراء : إنها استفهامية، وهو المنقول عن الكوفيين وهو موافق لقولهم بإسمية : أفعل ، لأن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء نحو (ما أَصْحَبُ اليمين [الواقعة: 27] ، و (مالي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ) [النمل: 20] .
قوله : (وزوراً ما أغفله ) ، مأخوذ من فعل مفتوح العين من باب قعد، ولكن بعد نقله إلى فعل مضموم العين لتصريح علماء الأدبية بأن فعل التعجب لا يبنى إلا من فعل مضموم العين في أصل الوضع أو من المنقول إلى فعل إذا كان من غيره نحو ما أضرب وما أقتل ليدل بذلك على أن التعجب منه صار كالغريزة لأن باب فعل موضوع لهذا المعنى .
وقوله : (أي مذكر)، بنصب أي ( لكونها كما من ضمير منهم في قولك مررت بزيد أي رجل أي كاملاً في الرجولية، وقوله : أفي مصارع آبائهم الاستفهام للتوبيخ والإنكار، وقوله : يرتجعون منهم أجساداً ، الجملة لا محل لها من الإعراب لأنها استثناف بياني.
وقوله: (الذين كانت لهم مقاوم العزّ ) الجملة في محل الرفع صفة لفرّاط، ولهم خبر كانت قدم على الاسم للتوسع، وقوله : ملوكاً وسرقاً منتصبان على الحال من لهم ، وجماداً وضماراً حالان من ضمير أصبحوا إن كانت تامة وإلا فخبران لها ، وقوله : طول عهدهم، متعلق بقوله : عميت، وقدم عليه للتوسع .
اعلم أن هذا الكلام مسوق في مقام الموعظة والنصيحة وإيقاظ المخاطبين من سبات الغفلة، وحضّهم على الاعتبار بالماضين من الأباء والأسلاف والأقرباء والآلاف والأوكار بأهل المقابر حيث نزلوا من معاقل العزّ وذروة القصور إلى وهدة القبور فعميت عنهم الآثار وانقطعت عنهم الأخبار .
قاله بعد تلاوة قوله تعالى: الهَنكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر : 2-1] ، أي شغلكم التفاخر في الكثرة والتغالب بها .)وذكر المفسرون في تفسيره وجهين :الأول : أن المراد به التكاثر بالعدد ، روي أن بني عبد عبد مناف وبني سهم بن عمرو تفاخروا وتعادوا وتكاثروا بالسادات والأشراف ؛ فقال كل من الفريقين : نحن أكثر منكم سيداً وأعز عزيزاً وأعظم نفراً، فكثرهم بنو عبد مناف فقال بنو سهم : إن البغي أفنانا في الجاهلية فعدوا أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم، ففعلوا فكثرهم، فنزلت الآية والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى التفاخر والتكاثر بالأموات فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكماً بهم ، وقيل : كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلان ، وهذا قبر فلان، يفتخرون بذلك.الوجه الثاني : أن المراد به التكاثر بالمال ، والمعنى ألهاكم التكاثر بالأموال وطلب تكثيرها والحرص على جمعها إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا معرضين عما يهمكم من السعي للآخرة فتكون زيارة القبور كناية عن الموت.وعلى كلا الوجهين فالآية واردة في مقام التوبيخ والتقريع على التكاثر، وحذف متعلق ألهاكم ليذهب الوهم والخيال فيه كل مذهب ، فيعم جميع ما يحتمله المقام من الإلهاء عن ذكر الله وعن الواجبات والمندوبات في المعرفة والطاعة والتدبر والتفكر، ومحصله إلهاء التكاثر بالأمور الدنيوية عن الأمور الدينية والأخروية.وربما أيّد الوجه الثاني بما روي عن النبي صلی الله علیه واله وسلم أنه تلا هذه السورة فقال: «يقول ابن آدم مالي ومالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست ،فأبليت أو تصدقت فأمضيت» (1.)ويدل على الأول كلام أمير المؤمنين علیه السلام هنا لإنكاره عليهم التكاثر بعديد الهلكى والتفاخر بمصارع الأباء وتعجبه من التكاثر والتفاخر مزيد التعجب بقوله : (يا له مراماً ما
1) أمالي الطوسي : 519 ح 1141
أبعده وفيه من الدلالة على المبالغة في التعجب ما لا يخفى، حيث أتى بنداء التعجب أولاً وبلام التعجب ثانياً، وبالضمير المبهم المفسر بما بعده لوقعه في النفوس ثالثاً وبما التعجب رابعاً، وبأفعل التعجب خامساً والمعنى : يا عجباً من مرام هو من البعد بمكان ، وبالغ في التعجب به غايته .)والمراد بالمرام هو ما كان مقصدهم من التفاخر من إثبات الفخر والمنقبة لأنفسهم ولو بعدد الأموات ، فبين علیه السلام أن ذلك المرام بعيد جداً، لأن الفخر بالميت كالفخر بالجماد في جنب الإنسان فحصوله به غير ممكن وطلبه تحصيل لما يتحصل، وما شأنه ذلك فهو أحرى بأن يتعجب منه .وبعد التنزل عن ذلك نقول : إن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعاً من أنواع الكمال لنفسه، وخيال الكمال ثلاثة : أحدها في النفس ، والثاني : في البدن، والثالث: فيما له ربط بالبدن من خارج .أما الذي في النفس فهي العلوم والمعارف والأخلاق الفاضلة التي بها تُنال السعادة الأبدية.وأما الذي في البدن فهي الصحة والجمال.وأما الذي له ربط بالبدن فقسمان: أحدهما: ضروري وهو المال والجاه ، والآخر : غير ضروري وهو القوم والأقرباء، وهذا الذي عددنا في المرتبة الثالثة إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه يجعل المال والجاه فداء له، وأما الكمال البدني من الصحة والسلامة من الآفات فإنما يريده العقل للنيل به إلى الكمال النفساني، فإنه ما لم يكن صحيح البدن لا يتفرّغ لاكتساب الكمال النفساني المحصل للسعادة الدائمة.إذا عرفت ذلك فنقول : العاقل ينبغي أن يكون دائما نظره إلى الأهم والأفضل ويقدمه على غيره ، فالتفاخر بكثرة العدد وكذا بالمال والجاه تفاخر بأحسن مراتب الكمال ومانع من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل، فيكون ذلك ترجيحاً لأحسن المراتب في الكمال على أشرفها وأفضلها وهو مورد التعجب .وقوله (وزوراً ما أغفله والكلام في إفادته للمبالغة كالكلام في سابقه.)والمراد بالزور: الزائرون للمقابر المتفاخرون بهم ، والتعجب من غفلتهم لجعلهم الأموات التي هي محل الاعتبار مناطاً للافتخار وموضع العبرة عدداً للكثرة غافلين عن الصواب معرضين عما ينفعهم في المآب .
وفيه أيضاً من الدلالة على تماديهم في الغفلة ما لا يخفى ، لاشتراطهم في فعل التعجب يبني إلا مما إلا مما وقع واستمر حتى يستحق أن يتعجب منه، ويضاف إلى ذلك ما قدمناه من اشتراطهم أيضاً بناءه من فعل مضموم العين ليدل على أن المتعجب منه صار كالغريزة.وقوله (وخطراً ما أفظعه والكلام فيه كما في سابقيه .)والمراد بالخطر الهلاك، هلاك من في المقابر المشار إليه بقوله تعالى: ﴿زُرتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر : 2] وأشار علیه السلام بقوله : ما أفظعه إلى شدة شناعته وغاية قباحته، لأن كل شنيع حقير ، عند شناعة الموت، فإن المرء عند الموت وحالة الاحتضار في سكرة ملهية وغمرة كارثة وأنَّة موجعة وجذبة مكربة وسوقة متعبة .وهو بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه ، يردد طرفه بالنظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع رجع كلامهم، ثم قبض بصره كما قبض سمعه وبعدما خرج الروح من جسده صار جيفة بين أهله قد أو حشوا من جانبه وتباعدوا من قربه ، ثم حمل إلى دار غربته ومنقطع زورته ، وابتلى هنالك ببهتة السؤال وعثرة الامتحان متقلباً بين أطوار الموتات وعقوبات الساعات ونزل الحميم وتصلية الجحيم، فأي شيء يكون أعظم فظاعة منه؟)ولما نبه علیه السلام على عظم فظاعة هلاك المزورين تعريضاً به على الزائرين حيث لم يعتبروا بهم مع كونهم محل العبرة أكده بقوله :(لقد استخلوا منهم أي مذكر أي استخلوا الديار، فالمفعول محذوف، والمعنى أن الزائرين المتفاخرين بالأموات وجدوا الديار خالية منهم ، أي من المزورين حال كونهم كاملين في التذكير والإدكار.)وهذا المعنى أقرب وأنسب مما ذكره الشارح المعتزلي حيث قال : أراد باستخلوا ذكر من خلا من آبائهم أي من مضى ، والمعنى أنه علیه السلام استعظم ما يوجبه حديثهم عما خلا وعمن خلا من أسلافهم وأسار أسلافهم من التذكير فقال : أي مذكر وواعظ في ذلك ؟ (1.)(وتنا وشوهم من مكان بعيد أي تناولوهم من مكان بعيد بينهم وبينهم بعد المشرقين بل يزيد، لبقاء المتناوشين في الدنيا ومصير الآخرين إلى الآخرة، فكيف يمكن من في الدنيا تناول من في الآخرة وتفاخره به وكسب الفخر والشرف منه لنفسه وقد قال تعالى في عكس ذلك : ﴿ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانِ بَعِيدٍ) [سبا: 52] أي كيف يمكن لهم تناول الإيمان في الآخرة وقد كفروا به في الدنيا، يعني ما محله الدنيا لا يمكن أن يتناوله من هو في الآخرة لغاية يُعد
1) بحار الأنوار : 159/79
الدارين وتباعد النشأتين.
ولما ذكر تناوشهم من مكان بعيد تعريضاً به عليهم أردفه بقوله : (أقبمصارع آبائهم يفخرون ) تقريعاً وتوبيخاً، وأكد بقوله : (أم بعد يد الهلكي يتكاثرون ) إنكاراً .
ولما كان هنا مقام أن يسأل عن علة إنكاره للتكاثر الهلكى وجهة تقريعه وتوبيخه لهم به، أجاب ذلك بقوله : ( يرتجعون منهم أجساداً) يعني استحقاقهم للتوبيخ والملام من جهة أنهم يطلبون من الهلكي رجوع أجسادهم إلى الدنيا وهو طلب غير عقلاني لأن تلك الأجساد قد (خوت) أي خلت من الأرواح وارتفعت عليها الحياة فرجوعها إلى الدنيا محال وطالب المحال يعد في زمرة السفهاء ويستحق الطعن والتعزير والإنكار .
فإن قلت : ما معنى ارتجاعهم للأجساد ؟
قلت : إنهم حيث تكاثروا بالأموات وتفاخروا بهم فكأنهم طلبوا منهم أن يرجعوا إلى
الدنيا ويدخلوا في حزبهم فيكثر بهم عددهم ويتم به فخرهم وشرفهم .
(و) يطلبون أيضاً رجوع (حركات سكنت ) أي يرتجعون من الأموات حركات أبدانهم ليتحركوا إليهم ويدخلوا في زمرتهم، وهو أيضاً طلب للمحال لأن تلك الحركات قد فنت ونقدت وتبدلت بالسكون بطروء الموت عليها وما هو كذلك فلا يطلبه العاقل .
ثم أكد التوبيخ بقوله (ولأن يكونوا عبراً أحق من أن يكونوا مفتخراً ) لأن مقامهم مقام الاعتبار لا مقام الافتخار (ولأن يهبطوا بهم جناب ذلّة أحجى ) وأجدر (من أن يقوموا بهم مقام عزّة ) لأنهم بأنفسهم في بيت الوحدة ودار الوحشة على غاية الابتذال والذلّة ، صاروا عظاماً نخرة وأجزاء متفتتة وجيفاً منتنة يهرب منها الحيوان، ويتنفر منها كل إنسان ويكرهها لشدة الإنتان، بل صاروا أوراثاً في أجواف الديدان ، ومن هذا حاله فينبغي أن يهرب منه ويتنفر لا أن يتعزز به ويفتخر ، بل ينبغي أن يدفع قرابته وتنكر لأن النسبة إليه تورث الذلة وتبطل العزّة يجلب الابتذال والانكسار لا الشرف والافتخار .
(لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ) أي بأبصار مريضة، لذلك خفيت عليهم معايبهم (وضربوا منهم في غمرة جهالة ) أي خاضوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر الجهل والغفلة ولذلك افتخروا بمصارعهم .
(ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار) أي ديارهم (الخاوية) منهم (والربوع) أي منازلهم (الخالية) عنهم (لقالت) بلسان حالها : (ذهبوا في الأرض ضلالاً) هالكين ( وذهبتم في أعقابهم جهالاً ) غافلين (تطأون في هامهم ) أي تمشون في رؤوسهم؛ وتخصيصها بالذكر لأنها أشرف الأعضاء والوطء عليها أبلغ في إظهار استهانتهم النافية للمفاخرة بهم المسوق له الكلام،
وقد أخذ أبو العلاء المعري هذا المعنى في نظمه، قال:
لف الوطء ما أظن أديم *** الأرض إلا من هذه الاجساد
ربّ لحد قد صار لحداً مراراً *** ضاحك من تضاحم
و دفین على بقايا دفين *** من عهود الابا والاجداد
صاح هذا قبورنا تملأ الأرض *** فأين القبور من عهد عاد
سر إن استطعت في الهواء رويداً *** لا اختيالاً على رقاب العباد
(وتستنبتون في أجسادهم) أي تنبتون فيها النباتات وتزرعون الزراعات لأن أديم الأرض الظاهر إذا كان من أبدان الأموات يكون الزرع لا محالة في التراب المستحيل من أجزاء الحيوانات، وعلى رواية : تستثبتون بالثاء، فالمراد : أنكم تنصبون في أجسادهم الأشياء المثبتة من الأوتاد والدعائم والأساطين وغيرها .
(وترتعون فيما لفظوا) أي تأكلون مما تركوا (وتسكنون فيما خزبوا) أي تسكنون في بيوت ارتحلوا عنها وفارقوها ، فإن البيوت إنما تكون عامرة بأهلها ، فالتخريب كناية عن الارتحال ، أو المراد أنهم لم يعمروها بالعبادة والطاعات، وقد فسرت العمارة في قوله تعالى: إِنَّمَا يَعمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ [التوبة : 18] ، بذلك قالوا : عمارتها شغلها بالعبادة وتجنب أعمال : الدنيا واللهو وإكثار زيارتها .)وقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «قال الله تعالى : إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوّاري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره »(1.)(وإنما الأيام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم يعني الأيام والليالي التي بينكم وبين الأموات وهي بقية زمان حياتكم وتحدوكم لالتحاقكم بهم ، تبكي وتنوح عليكم لمفارقتها إياكم .)(أولئكم سلف غايتكم أي المتقدمون إلى الموت الذي هو غايتكم وغايتهم لانتهاء كل ذي روح إليها (وفراط مناهلكم) أي سابقوكم إلى مشارب الآخرة ومنازلها، وردّوا إليها فشربوا من كأس الموت المصبرة وتجرعوا من نغب سهام الآخرة وغصص أقداح البرزخ جرعة بعد جرعة .)(الذين كانت لهم مقام العزّ أي مجالسه (وحلبات الفخر ) أي خيل السباق، والصافنات الجياد التي يفتخر بها ، ويحتمل أن تكون حلبات الفخر استعارة عن أسباب الفخر التي توجهت)
1) ثواب الأعمال ،27 روسائل الشيعة : 267/1 - 4.
إليهم من كل جهة كما تجمع الحلبات من كل أوب (ملوكاً وسوقاً أي بعضهم سلاطين وبعضهم رعايا .)(سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً، قال الشارح المعتزلي: البرزخ الحاجز بين الشيئين، والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فيجوز أن يكون البرزخ في هذا الموضع القبر لأنه حاجز بين الميت وبين أهل الدنيا، ويجوز أن يريد به الوقت الذي بين حال الموت إلى حال النشور، والأول أقرب إلى مراده علیه السلام لأنه قال : في بطون البرزخ ، ولفظة البطون تدل على التفسير الأول، انتهى .)أقول : إما أن البرزخ بمعنى الحاجز فعليه قوله تعالى: وَبَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا تَغِيَانِ )[الرحمن: 20] .وأما أنه من حين الموت إلى وقت البعث فعليه قوله تعالى: ﴿ وَمِن وَرَابِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ تعدُّونَ [المؤمنون: 100] . وأما كونه بمعنى القبر فيدل عليه ما في (البحار) عن علي بن الحسين علیه السلام أنه تلا هذه الآية وقال : هو القبر، وإن لهم فيه لمعيشة ضنكاً، والله إنّ القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران (1)، وفي (مجمع البحرين ) في حديث الصادق علیه السلام : البرزخ القبر وهو الثواب والعقاب وبين الدنيا والآخرة (2).
وأما أن المراد بالبرزخ هنا القبر ، فيؤيده ما روي عن بعض النسخ من بطون القبور بدل بطون البرزخ.
وأما تأييد إرادته بلفظة البطون كما زعمه الشارح فلا ، بل دلالتها على المعنى الثاني أظهر، إذ لو أراد الأول لكان الأنسب أن يقال : في بطن البرزخ ، بصيغة المفرد، وإن كان يمكن تصحيحه بجعل اللام في البرزخ للجنس. ولعل نظر الشارح إلى أن البرزخ بالمعنى الثاني ليس له بطن بخلاف القبر، ويدفعه أن بطن كل شيء جوفه وما خفي منه، فيراد ببطون البرزخ على المعنى الثاني: ما خفي علينا واحتجب عنا نشأته وحالاته.
وكيف كان شبه مكثهم في البرزخ إلى حين البعث الذي هو غايتهم بمن سلك طريقاً يسلك به إلى منزله ، فاستعار علیه السلام له لفظ السلوك .
ثم أشار علیه السلام إلى بعض حالاتهم البرزخية فقال : (سلطت الأرض عليهم فيه) أي في
البرزخ (فأكلت لحومهم وشربت من دمائهم) نسبة الأكل والشرب إلى الأرض من باب المجاز والاستعارة، فأن المأكول والمشروب يصيران جزءاً من بدن الأكل والشارب، فحيث إن أبدانهم في البرزخ تصير بعد البلى تراباً وتنقلب بالأجزاء الأرضية فكأن الأرض كانت لهم أكلة شاربة.
(فأصبحوا في فجوات قبورهم جماداً لا ينمون ) أي صاروا في فرج القبور بمنزلة الجماد الذي لا ينمو ولا يزيد لبطلان حياتهم بالموت ، والنمو والزيادة من توابع الحياة (وضماراً لا يوجدون) كناية عن كونهم غيّباً لا يرجى رجوعهم.
(لا يفزعهم ورود الأهوال ) أي لا يخافون من توارد أهاويل الدنيا وأفزاعها عليهم لخروجهم منها وكونهم من أهل العالم الآخر (ولا يحزنهم تنكر الأحوال) أي تقلب الحالات الدنيوية وتغيراتها الموجبة لحزن أهلها .
(ولا يحفلون بالرواجف ) أي لا يجتمعون بالزلازل ولا يبالون بها، ولعله كناية عن عدم مبالاتهم بالدواهي الدنيوية الموقعة في الاضطراب (ولا يأذنون للقواصف) أي لا يصغون إلى الأصوات الشديدة الهائلة كصوت الرعد والأعاصير وغيرها .
(غيباً لا ينتظرون ) أي لا ينتظر الناس عودهم (وشهوداً لا يحضرون) أي شاهدين صورة حاضرين بالأبدان غير حاضرين حقيقة لغيابهم بالأرواح ( وإنما كانوا جميعاً فتشتتوا ) وكانوا مجتمعين فتفرقوا (وألأناً فافترقوا ) أي مؤتلفين فافترقوا بالموت، كما قال الشاعر :
وكنا باجتماع كالثريا *** ففرّقنا الزمان بنات نعش
(وما عن طول عهدهم )وزمانهم (و) لا (بعد محلّهم) ومكانهم (عميت) أي خفيت (أخبارهم وصمت ديارهم ) إسناد الصمم إلى الديار من التوسع كما في قولهم: سال الميزاب وجرى النهر .
والمراد أن خفاء أخبارهم عن الأحياء ليس من جهة طول العهد وبعد المكان بين الطرفين، وكذلك ديارهم أي قبورهم ومزارهم حيث لا تجيب داعياً ولا تكلّم منادياً ليس من جهة عدم وصول ندائهم وبلوغ أصواتهم إليها ببعد المسافة (ولكنهم سقوا كأساً) اليؤس للتفخيم أي كأساً وبيئة فيها ستم ناقع شديد المرارة عظيم التأثير تير وهي كأس الموت (بذلتهم بالنطق خرساً ) فلا يستطيعون أن يجيبوا داعياً ولا أن يخبروا عن حالهم (وبالسمع صمماً ) فلا يقدرون أن يستمعوا منادياً ويردّوا جواب كلامهم (وبالحركات سكوناً) أي حركات الألسنة والصماخ وسائر الأعضاء والجوارح سكونها، فعجزوا عن التكلم والإصغاء وعن الحركة والسعي إلى الأحياء وعن إيصال أحوالهم إليهم.
(فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات ) يعني إذا وصفهم واصف مرتجلاً بلا سبق تأمل
وروية شبههم بمصروعي سبات ، أي يقول : إنهم سقطوا في الأرض للنوم فإن النوم والموت أخوان ولا شيء أشد شباهة من النائم بالميت ولا من الميت بالنائم .
وقد أخذ الماتن الشريف أبو الحسن الرضي معنى الفقرات الأخيرة في نظمه حيث قال :
ولقد حفظت له فأين حفاظه *** ولقد وفيت له فأين وفاؤه
أدعا الدعاء فلم يجبه قطيعة *** أم ضل عنه من البعاد دعاؤه
هيهات أصبح سمعه وعيانه *** في الترب قد حجبتهما أقذاؤه
یمشي ولين مهاده حصباؤه *** فيه ومؤنس لیله ظلماؤه
قد قلبت أعيانه وتنكرت *** أعلامه وتكشفت أضواؤه
معف وليس للذة إعفاؤه *** مغض وليس لفكرة إغضاؤه
والبيت الأخير مأخوذ من آخر كلامه علیه السلام وهو قوله : صرعى سبات.
از جمله کلام بلاغت و فصاحت نظام آن امام رفيع المقام است بعد از تلاوت
آيه مباركه "الهيكم التكاثر حتى زرتم المقابر " .
مروی است از مقاتل و کلبی که بنی عبد مناف و بنی سهم بر یکدیگر تفاخر کردند به کثرت مردم قبیله و هر یکی گفتند که مردمان ما بیشترند و سادات و اشراف در میان ما زیادتر ، چون تعداد مردمان یکدیگر کردند و همه را شمردند بنی مناف غالب آمدند ، بنی سهم گفتند بسیاری از مردمان ما را در زمان جاهلیت ،کشتند باید مرده و زنده قبیله طرفین را بشماریم ، چون بدین نوع شمردند بنی سهم زیاد آمد ، حق سبحانه و تعالی در مزمّت ایشان سوره تکاثر را نازل ساخت و فرمود :"الهيكم التكاثر " يعنى مشغول کرد شما را مفاخرت بر یکدیگر به بسیاری قبيله ، "حتى زرتم المقابر" تا این که گورستانها را زیارت کردید، یعنی از زندگان گذشتید و مردگان را به شمار آوردید . حضرت امیر مومنان بعد از تلاوت این آیه
فرمودند:
ای بسا تعجب از مقصودی که چه قدر است آن و از زیارت کننده قبوری که
به چه اندازه با غفلت است آن و از هلاکتی که بسیار زشت و شنیع است آن ، تحقیق که خالی یافتند شهرها را از ایشان در حالتی که کامل یادآورنده بودند و تناول کردند ایشان را از مکان دوری ، پس آیا به مکانهای افتادن و مردن پدران
خود فخر می کنند یا به شماره هلاک شدگان اظهار کثرت مینمایند؛ طلب برگشتن می کنند از ایشان بدنهایی را که افتاده اند به زمین و حرکاتی را که مبدل شده به سکون و هر آینه اگر شوند آن هلاک شدگان مایه عبرت ایشان سزاورتر است از این که شوند مایه مفاخرت ایشان و اگر نزول کنند به سبب ایشان در ناحیه حقارت ، خردمندانه تر است از این که بایستند به سبب ایشان در مقام عزّت ، به تحقیق که نگاه کردند به سوی ایشان به دیدههای معیوب شب کور و سیر کردند از ایشان در دریای جهالت . و اگر استنطاق نمایند از حال ایشان عرصه های این شهرهای خراب شده و منزلهای خالی از سکنه را ، هر آینه میگویند آن عرصه ها به زبان
حال که رفتند ایشان در زیر زمین در حالتی که گمراهان بودند و رفتید شما در عقب ایشان در حالتی که بودید گام میگذارید در کلّه های سرایشان و نباتات می رویانید در جسدهای ایشان و چرا میکنید در چیزی که ایشان انداختند و ساکن میشوید در مکانی که ایشان خراب کردند و جز این نیست که روزها میان شما میان ایشان گریه کنندهگان و نوحه کننده گان اند بر شما ، ایشان پیش روندگان مقصد شمایند و پیش رفتگان منزلگاه ، شما آن چنان اشخاصی که بود از برای ایشان مقامها یا قائمههای عزّت و اعتبار و مایه های مفاخرت و افتخار در حالتی که پادشاهان و رعایا بودند.
راه رفتند در شکمهای عالم برزخ ، مسلّط گردیده شد زمین بر ایشان در برزخ قبر ، پس خورد از گوشت های ایشان و آشامید از خونهای ایشان ، پس صباح کردند در شکاف های قبرهای خودشان در حالتی که جمادی بودند که نمو نمی کردند و غایبی بودند که امید مراجعت ایشان نبود ، نمی ترساند ایشان را وارد شدن خوفهای دنیا و غمگین نمی سازد ایشان را تغیّر و انقلاب حالات دنیا و مجتمع نمیشوند به سبب خوف زلزله ها و گوش نمیدهند آوازهای سخت و مهیب دنیا را ، غایبانی باشند که انتظار کشیده نمیشوند و حاضرانی باشند که حاضر نمی شوند.
و جز این نیست که بودند مجتمع با یکدیگر ، پس متفرق شدند با الفت بودند ، پس جدا گشتند نه از جهت طول عهد و نه از جهت دورى مكان .كور و پنهان گردید خبرهای ایشان و کر گردید شهرهای ایشان ولیکن آشاماندند به ایشان جام مرگی را که تبدیل کرد گویایی ایشان را به لالی و شنوایی ایشان را به کری و حرکت را به سکون ، پس گویا ایشان در ارتجال صفت افتادگان بی هوشی اند، یعنی اگر کسی بخواهد بدون فکر و مقدمه بیان حال و صفت ایشان نماید می میگوید که افتاده و خوابیده اند و بی هوش اند .
جيران لا يَتَأَنَّسُونَ ، وأَحِباهُ لا يَتَزاوَرُونَ، بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَى التَّعارُفِ، وانْقَطعَتْ مِنْهُم أسباب الإخاءِ، فَكُلُّهُمْ وَحيدٌ وَهُمْ جَميعُ ، وبجانب الهَجْرِ وَهُمْ أَخِلاءُ ، لا يَتَعارَفُونَ لِليْل صباحاً، ولا لِنَهارٍ مَسَاءً، أيُّ الجَديدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً، شاهَدُوا مِنْ أَخْطارٍ دارِهِمْ أَفْظَعَ ممّا خافُوا ، ورَأَوْا مِنْ آيَاتِها أَعْظَمَ مِما قَدَّرُوا ، فَكِلْتا الغايَتَيْنِ مَدَّتْ لَهُمْ إِلى مَبانةٍ فاتَتْ مَبالِغَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِها لَعَدُّوا بِصِفَةِ ما شاهَدُوا وما عاينوا، ولَيْنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَانْقَطَعَتْ أَخْبارُهُمْ، لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبصارُ العِبَرِ، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذانُ العُقُولِ، وتَكلَّمُوا مِنْ غَيْر جهاتِ النُّطْقِ ، فَقالُوا : كَلَحَتِ الوُجُوهُ النَّوَاضِرُ ، وخَوَتِ الأَجْسادُ النَّواعِمُ ، ولَبِسْنا أَهْدامَ البِلى ، وتَكاءَ دَنَا ضِيقُ المَضْجَع ، وتَوارَثْنَا الوَحْشَةَ، وَتَهَكَّمَتْ عَلَيْنا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ ، فَانْمَحَتْ مَحاسِنُ أَجْسادِنا ، وتَنَكَّرَتْ مَعارِفُ صُوَرِنا، وطالَتْ في مَساكِنِ
الوَحْشَةِ إقامَتُنا ، وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً، ولا مِنْ ضِيقٍ مُتَسَعاً .
فَلَوْ مَثَلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الغِطَاء لَكَ، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْماعُهُمْ بالهَوامُ فَاسْتَكْتْ واكْتَحَلَتْ أَبْصارُهُمْ بالترابِ فَخَسَفَتْ، وتَقَطعَتِ الأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذُلاقتِها ، وهَمَدَتِ القُلُوبُ في صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقْظَتِها ، وعاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَديدُ بِلى سَمَّجَها ، وسَهَّلَ طُرُقَ الآفَةِ إِلَيْها مُسْتَسْلِماتٍ، فَلا أَيْدٍ تَدْفَعُ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ، لَرَأَيْتَ أَشْجانَ قُلُوبٍ وأَقْذَاءَ عُيُونٍ، لَهُمْ مِنْ كُلِّ فَطَاعَةٍ صِفَةٌ حالٍ لا تَنْتَقِلُ، وغَمْرَةٌ لا تَنْجَلي (1).
(المباعة) بالمد والفتح المنزل، كالبيأة والباءة، ويقال : إن المباءة هو الموضع الذي تبوء أي ترجع إليه الإبل، ثم جعل عبارة عن المنزل، وقوله (لعيوا) بتشديد الياء من عي بالأمر وعن حجته يعيي من باب تعب عيّاً عجز عنه، وقد يدغم في الماضي ويقال: عي، وعليه قوله : لعيوا، وفي (شرح المعتزلي) : وروي لعيوا بالتخفيف كما تقول: حيوا، قالوا: ذهب الياء الثانية لالتقاء الساكنين لأن الواو ساكنة وضمت الياء الأولى لأجل الواو .
و (كلح) يكلح من باب منع كلوحاً تكشر في عبوس و (نضر) نضارة حسن و (الأهدام) جمع الهدم بالكسر الثوب البالي والمرقع و (تكاءد) في الأمر وتكادني من باب تفاعل وتفعل
1) بحار الأنوار: 435/74 .
شق عليّ، وعقبة كؤود أي صعب و (التهكم ) التهدم في البئر ونحوه، وفي بعض النسخ: تهدمت بدل تهکمت، قال (الشارح المعتزلي) : يقال : تهدّم فلان على فلان غضباً إذا اشتدّ غضبه ، ويجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت ، قال : وروي تهکمت بالكاف وهو كقولك: تهدمت بالتفسيرين جميعاً.
و (رسخ) الغدير يرسخ من باب منع رسوخاً نش ماؤه ونضب فذهب ، ورسخ المطر نضب نداؤه في الأرض و (الهوام) بتشديد الميم جمع الهامة بالتشديد أيضاً مثل دواب ودابة قال الأزهري: ما له سم يقتل كالحية ، وقال الفيومي : وقد تطلق الهوام على ما لا تقتل كالحشرات ، ولسان (ذلق) ذرب وذلق السكين حدده و (الهمود) الموت وطفوه النار وذهاب حرارتها و (عاثه) يعيثه من باب ضرب أفسده .
قوله: (وهم جميع ) ، الجملة في محلّ النصب على الحال، وكذلك قوله : (وهم أخلاء)، وقوله: (أي الجديدين ) مبتدأ خبره كان ، وقوله : (ولئن عميت ) ، الواو للقسم والمقسم به محذوف واللام موطئة عند سيبويه وزائدة عند غيره ، وجواب القسم قوله : (لقد رجعت واستغنى به عن جواب الشرط كما في قوله تعالى: لَبِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَين قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ ﴾ [الحشر: 12] وهذه قاعدة مطردة، فإن القسم والشرط إذا اجتمعا في الكلام فالجواب للمتقدم منهما ويستغنى عن جواب الثاني لقيام جواب الأول مقامه، والقسم المقدّر في حكم المقسم الملفوظ كما صرح به ابن الحاجب في (الكافية) ونجم الأئمة الرضي في (شرحه) وقوله : ( وقد ارتسخت ) ، الجملة في محل النصب على الحال من مفعول مثلتهم، وقوله : (مستسلمات) حال من ضمير إليها، وقوله : (لرأيت أشجان قلوب ) جواب (لو مثلتهم ).
اعلم أنه لما افتتح كلامه في الفصل السابق بالتوبيخ والتعريض على المتكاثرين بالأموات، واستطرد بشرح حال الموتى في البرزخ وإبانة فظائعهم أتبعه بهذا الفصل للتنبيه على بقية حالاتهم، فقال:
(جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون) يعني أنهم جيران لقرب قبورهم ولكن لا يقدرون على الاستئناس ، لأن المؤانسة من صفات الأحياء، وأحباء لقرب أبدانهم فيها أو لمحابتهم في دار الدنيا ولكن لا يستطيعون التزاور لأن الزيارة من حالات المتصفين بالحسن والحياة وهو عبارة أخرى لقوله علیه السلام في بعض كلماته تدانوا في خططهم وقربوا في مزارهم وبعدوا في لقائهم.
(بليت بينهم عرى التعارف وانقطعت منهم أسباب الأخاء ) يعني أنهم مع ما كانوا عليه في الدنيا من معرفة بعضهم بعضاً والمحبة والمودة والأخوة التي كانت بينهم، فقد بليت عراها يعني وصلها واندرست وانقطعت حبالها وانفصمت بحلول الموت ونزول الفناء والفوت.
(فكلهم وحيد وهم وحيد وهم جميع وبجانب الهجر وهم أخلاء ) أي كل واحد منهم وحيد حقيقة وهم مع ذلك مجتمعون صورة لاجتماع مقابرهم، وكل منهم في جانب الهجر واقعاً مع خلتهم ظاهراً بمقتضى قرب الجوار، أو المراد بالاجتماع والخلة ما كانوا عليه في الدنيا من المودة والصداقة والأول أظهر ، وقد أشار إليه الشريف الرضي في قوله :
بادون في صور الجميع وأنهم *** متفردون تفرد الأحاد
قال الشارح المعتزلي : فإن قلت : ما معنى قوله : بجانب الهجر، وأي فائدة في لفظة جانب في هذا الموضع ؟
قلت : لأنهم يقولون : فلان في جانب الهجرة وفي جانب القطيعة ولا يقولون : في جانب الوصل وفي جانب المصافاة، وذلك أن لفظة جنب في الأصل موضوعة للمباعدة، ومنه قولهم : الجار الجنب وهو جارك من قوم غرباء ، يقال : جنب الرجل وأجنبته وتجنّبته وتجانبته كلها بمعنى ورجل أجنبي وأجنب وجانب كله بمعنى
(1). (لا يتعارفون لليل صباحاً ولا لنهار مساء ) أي لا يعرفون لليل نهاراً ولا للنهار ليلاً، لأن اختلاف الليل والنهار وتبدل أحدهما بالآخر من الأوضاع الدنيوية ولا اختلاف لهما بالنسبة إلى أهل القبور لكونهم في بيت الظلمة والنشأة الآخرة بالنسبة إليهم سيان.
ويحتمل أن يكون المراد أنهم لا يتعارف بعضهم بعضاً أي لا يجتمعون ولا يتكلمون في نهارهم للنظر في أمور ليلهم ولا في ليلهم للنظر في أمور نهارهم كما هو عادة أهل الدنيا يجتمعون في النهار لترتيب ما يفعلونه بالليل وفي الليل لترتيب ما يفعلونه بالنهار، والأول أظهر .
ويومىء إليه قوله علیه السلام (أي الجديدين ظعنوا فيهم كان عليهم سرمداً ) أراد بالجديدين الليل والنهار لتجددهما دائماً أي أي واحد من الليل والنهار ارتحلوا فيه كان عليهم باقياً أبداً فإن من مات ليلاً لا يتبدل ليله بالنهار ، ومن مات نهاراً لا ينقلب نهاره إلى ليل لخروجه من الدنيا التي فيها يتعاقب الليل والنهار ويتبدل أحدهما بالآخر .
والظاهر أن ثبوت هذه الحالة للموتى كسائر الحالات المتقدمة بالنسبة إلى أجسادهم
1) شرح النهج : 159/11 ، وبحار الأنوار: 162/79 .
المدفونة في القبور ، وأما بالنسبة إلى أرواحهم المنتقلة إلى جنة الدنيا ونعيمها كأرواح السعداء أو المنتقلة إلى نار الدنيا وجحيمها كأرواح الأشقياء، فالمستفاد من أخبار أهل البيت علیه السلام تعاور الليل والنهار عليهم، ويستفاد منها أيضاً أن أهل الجنة من المؤمنين يجتمعون ويتزاورون ويتحدثون ويتأنسون.
ويدل عليه صريحاً ما في (البحار) من تفسير علي بن إبراهيم القمي في قوله تعالى : (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّا ) [مريم: 62] قال علیه السلام : ذلك في جنات الدنيا قبل القيامة والدليل على ذلك قوله : بكرة وعشياً ، فالبكرة والعشا لا تكونان في الآخرة في جنان الخلد وإنما يكون الغدو والعشي في جنان الدنيا التي تنتقل إليها أرواح المؤمنين (1).
وفيه منه في قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ [غافر : 46] قال علیه السلام: ذلك في الدنيا قبل القيامة وذلك إن في القيامة لا يكون غدوّاً ولا عشياً، لأن الغدو والعشاء إنما يكونان في الشمس والقمر وليس في جنان الخلد ونيرانها شمس ولا قمر .
قال : وقال رجل لأبي عبد الله صلوات الله عليه : ما تقول في قول الله عزّ وجل : (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا هُدُوا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ )؟ فقال أبو عبد الله علیه السلام : ما يقول الناس فيها؟ فقال: يقولون : إنها في نار الخلد لا يعذبون فيما بين ذلك ،فقال : فهم من السعداء، فقيل له : جعلت فداك فكيف هذا ؟ فقال : هذا في الدنيا فأما في نار الخلد فهو قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) [غافر : 46] (2)
وفيه منه عن أبيه رفعه قال: سئل الصادق علیه السلام عن جنّة آدم على نبينا وعليه السلام: أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة ؟ فقال علیه السلام: كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر ، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج
خرج منها (3).
ويدل على تأنسهم وتزاورهم ما قدمنا روايته في تذييلات شرح الفصل السابع من
فصول الخطبة الثانية والثمانين من (الكافي) بإسناده عن (حبة العرني ) قال: خرجت مع أمير المؤمنين علیه السلام إلى الظهر - أي ظهر الكوفة - فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام فقمت بقيامه حتى أعييت ، ثم جلست حتى مللت ، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولاً، ثم جلست حتى مللت ، ثم قمت وجمعت ردائي فقلت : يا أمير المؤمنين إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه ، فقال علیه السلام لي : يا حبة إن هو
إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته ، قال :قلت يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك ؟ قال علیه السلام : نعم ولو كشف لك لرأيتهم حلقاً حلقاً محتبين يتحادثون، فقلت : أجساد أم أرواح ؟ فقال علیه السلام لي : أرواح ، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه : الحقي بوادي عدن السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن (1).
وتقدم هناك أيضاً في مرفوعة (الكافي) عن أبي عبد الله علیه السلام في صفة أرواح المؤمنين فی وادي السلام إنه علیه السلام قال : كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون (2)، هذا .
وقوله علیه السلام: (شاهدوا من أخطار دارهم مما خافوا ورأوا من آياتها أعظم مما قذروا ) أي شاهد المجرمون من هلكات الدار الآخرة يعني نقماتها وعقوباتها أشد مما كانوا يخافون منها ويحذرون في الدنيا، ورأى المتقون من آثار الفضل والرحمة وعلامات الثواب والكرامة أعظم مما كانوا يقدرونها بحسناتهم ويرجون في الدنيا كما قال عز من قائل: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفى هَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )[السجدة : 17] وقال علیه السلام في الخطبة المائة والثالثة عشر : إنه ليس شيء بشرّ من الشرّ إلا عقابه وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه، وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه.
(فكلتا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فأنت مبالغ الخوف والرجاء) المراد بالغايتين غايتا المجرمين والمتقين وأراد بالغاية الموت كما في الحديث «الموت غاية المخلوقين»، أو أجلهما كما في قوله علیه السلام في الخطبة الثالثة والستين: وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الجديرة بقصر المدة، وعلى أي تقدير فنسبة مدت إلى الغاية من باب المجاز والتوسع، إذ بها يحصل الوصول إلى مباءة، وأراد بالمباءة ، منزل الفريقين من النار والجنة .
فيكون محصل المعنى أن موت المجرمين وموت المتقين أو أجلهما استجرهم وجذبهم إلى منزل ومرجع تجاوز وكان هو فوق ما يبلغه خوف الخائف أو رجاء راج، فكنى بفوقه من مبالغ الخوف والرجاء عن شدّة هول النار وعظم خطر الجنة وتجاوزهما عن غاية غايات الخوف والرجاء.
(فلو كانوا ينطقون بها لعنوا بصفة شاهدوا وما عاينوا ) أي لو كانت لهم قدرة النطق تلك المباءة لعجزوا عن وصف ما شاهدوا فيها من مؤلمات العقاب وكلت
والإخبار عن ألسنتهم عن شرح ما عاينوا فيها من مضاعفات الكرامة والثواب .
(ولئن عميت آثارهم ) أي خفيت عن أبصار الناظرين (وانقطعت أخبارهم) عن آذان المستمعين (لقد رجعت فيهم أبصار العبر وسمعت عنهم آذان العقول) هذا ناظر إلى طرف الأحياء (وتكلموا من غير جهات النطق ) هذا ناظر إلى طرف الأموات .
ومحصل المراد أن الأحياء وإن لم يمكن لهم إدراك حالات من القبور بطرق المشاعر الظاهرة واستطلاعها بالأبصار والآذان، لكنهم تمكنوا من معرفتها بأبصار البصائر والعبر والاطلاع عليها بطريق العقل، وكذلك الموتى وإن لم يكن لهم إيصال أخبارهم إلى الأحياء وإظهار حالاتهم بالنطق ولسان المقال، لكنهم أخبروهم وتكلموا بلسان الحال .
(فقالوا كلحت الوجوه النواضر ) أي عبست الوجوه ذات الحسن والبياض والبهجة والنضارة قال تعالى: وَهُمْ فِيهَا كَلِحُونَ [المؤمنون: 104] أي عابسون، وقيل: هو من الكلوح الذي قصرت شفته شن أسنانه كما تقلص رؤوس الغنم إذا شيطت بالنار .
(وخوت الأجساد النواعم ) وفي بعض النسخ الأجسام النواعم أي سقطت الأجساد المنعمة بلذائذ الدنيا في وهدة القبور أو خلت الأبدان الناعمة اللينة من الأرواح فصارت جيفة منتنة أو المراد خلوها من الدم والرطوبة وذهاب طراوتها .
(ولبسنا أهدام البلى ) قال الشارح البحراني: استعار لفظ الأهدام للتغير والتقشف والتمزيق العارض لجسم الميت لمشابهتها العظم البالي، ويحتمل أن يريد بها الأكفان ، انتهى .
أقول : يجوز أن يكون الكلام من قبيل التشبيه المرشح بأن يقدر تشبيه البلى المحيط بهم بالأهدام والأثواب الممزقة البالية المحيطة بالبدن ، فأضيف المشبه به إلى المشبه ثم قرن بما يلائم المشبه به ويناسبه وهو اللبس ترشيحاً للتشبيه، وأن يكون من باب الاستعارة لا الاستعارة الأصلية كما توهمه الشارح لعدم انتظام معنى الكلام على ما ذكره إلا بتكلف، بل من الاستعارة التبعية بأن يستعار اللبس للشمول والإحاطة فيكون محصل المعنى أحاط بنا وشملنا البلى والتمزيق إحاطة اللباس بالبدن فافهم.
(وتكاء دنا ضيق المضجع) أي شق علينا ضيق القبر (وتوارثنا الوحشة) أي وحشة القبور ، واستعار لفظ التوارث لكون الوحشة منها لآبائهم وأسلافهم قبلهم فحملت لهم بعدهم.
(وتهكمت علينا الربوع الصموت ) أي تساقطت علينا المنازل الصامتة، وأراد بها القبور ووصفها بالصمت من المجاز العقلي ، وتساقطها كناية عن خرابها وانهدامها، وعلى كون التهكم بمعنى اشتداد الغضب ، فيكون استعارة لعذاب القبور ويختص بغير المؤمن لأن المؤمن مأمون منه .
كما يدل عليه ما رواه في (الكافي) عن يحيى عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن بن
أبي هاشم عن سالم عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ما من موضع قبر إلا وهو ينطق كل يوم مرات : أنا بيت التراب ، أنا بيت البلى ، أنا الدود. قال علیه السلام: إذا دخله عبد مؤمن قال : مرحباً وأهلاً أما والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري فكيف إذا دخلت بطني فسترى ذلك ، قال علیه السلام : فيفسح له مد البصر ويفتح له باب يرى مقعده من الجنة - إلى أن قال - فلا تزل نفحة من الجنة تصيب جسده ويجد لذتها وطيبها حتى يبعث .
قال علیه السلام : وإذا دخل الكافر قالت : لا مرحباً بك ولا أهلاً ، والله لقد كنت أبغضك وأنت تمشي على ظهري فكيف إذا دخلت بطني سترى ذلك ، قال علیه السلام: فتضم عليه فتجعله رميماً ويعاد كما كان ويفتح له باب إلى النار يرى مقعده من النار - إلى أن قال - ثم لم تزل نفحة من النار تصيب جسده فيجد ألمها وحرّها في جسده إلى يوم يبعث، الحديث (1).
وقد مر بتمامه مع أحاديث أخر ومطالب نافعة في التذييل الثالث من تذييلات شرح الفصل السابع من فصول الخطبة الثانية والثمانين فليراجع هناك.
ويؤيد المعنى الأخير تفريع قوله (فانمحت محاسن أجسادنا) أي ذهب آثار المواضع الحسنة من أبداننا لشدة عذاب القبور ومزيد تأثير آلامها ، (وتنكرت معارف صورنا ) أي تغيرت وجوهنا التي بها كنا نعرف في الدنيا بعظم تأثير أهاويل البرزخ (وطالت في مساكن الوحشة) أي القبور (إقامتنا ولم نجد من كرب ) وهو الغم الذي يأخذ بالنفس (فرجاً ولا من ضيق متسعاً) أي من ضيق المضجع محلاً ذا سعة يكون بدلاً منه ، أو مطلق الضيق أي لم نجد من ضيق الحال وضنك المعيشة اتساعاً أي رفاه حال ورغد عيش، قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَم مَعِيشَةً ضَنكًا [طه: 124] أي عيشاً ضيقاً، قال ابن مسعود وغيره: هو عذاب القبر.
(فلو مثلتهم بعقلك ) أي تخيلت صورهم ومثالهم بقوتك المتخيلة (أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ) أي ارتفع عنهم الغطاء الحاجب وتبين حالهم عندك فالمفعول بمعنى الفاعل كما في : حجاباً مستوراً. وقال الشارح البحراني : أي ما حجب بأغطية التراب والسواتر لأجسادهم عن بصرك، انتهى .
وعلى قوله : فالمحجوب وصف للميت لا للغطاء ويبعده لفظة عنهم كما لا يخفى.
وكيف كان فالمراد : إنه لو شاهدتهم (و) الحال أنه (قد ارتسخت أسماعهم بالهواء فاستكت ) أي ذهبت رطوبتها ونضبت نداوتها ، بتسلط حشرات الأرض عليها فانسدت (واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت ) أي فقئت (وتقطعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها )
1) الكافي : 242/3 ، وبحار الأنوار: 267/6 ح 117.
وحدتها (وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها ) أي سكنت حركتها وذهبت حرارتها بعدما كانت متيقظة، وهو كناية عن موتها بعد حياتها (وعات في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها ) أي أوقع الفساد في كل جارحة من جوارحهم بلي متجدد أوجب سماجتها وقبحها وسوء منظرها (وسهل طرق الآفة إليها ) لأن العنصر الترابي إذا استولى على الأعضاء قوى استعدادها للاستحالة من صورتها التي هي عليها إلى غيرها حال كونها (مستسلمات ) منقادات غير ممتنعة من قبول الآفة والفساد (فلا أيد) أي قوة وقدرة وسلطان أو كف (تدفع) الآلام والآفات عنها (ولا قلوب تجزع) وتحزن لما نزل بها .
(الرأيت ) جواب لو ، أي لو تصوّرت حالاتهم بخيالك أو شاهدت فظائعهم بعينك على ما فضل لرأيت (أشجان قلوب وأقذاء عيون ) أي شاهدت فيهم من الفظائع والشنائع المفرطة المجاوزة عن الحد ما يورث حزن قلوب الناظرين وأذى عيونهم .
(لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل ) قال الشارح المعتزلي: أي لا تنتقل إلى حسن وصلاح وليس يريد : لا تنتقل مطلقاً، لأنها تنتقل إلى فساد واضمحلال . (و) من كل شناعة (غمرة لا تنجلي ) أي شدة لا تنكشف ، وقد مضى في شرح الخطبة الثانية والثمانين مطالب مناسبة لهذا الفصل من أراد الاطلاع فليراجع ثمة .
فصل ثانی از این کلام در ذکر شداید برزخ و حالات اهل آن است ، می فرماید که:
ایشان همسایگانی باشند با یکدیگر انس نمیکنند و دوستانی هستند که زیارت یکدیگر نمی نمایند ، پوسیده شده در میان ایشان علاقه های شناسایی و بریده شده از ایشان ریسمان های اخوت و برادری ، پس همه ایشان تنها باشند و حال آن که در يكجا هستند و به کنار هجران و دوری باشند و حال آنکه دوستان هستند ، نمی شناسند از برای شب صبحی را و نه از برای روز شبی را ، هر يك از شب و روز را که رحلت کنند در آن باشد برایشان همیشگی .
مشاهده کردند از هلاکت های خانه آخرت خودشان شدیدتر از آن چیزی که ترسیده بودند و دیدند از علامت های آخرت ، بزرگتر از آن چیزی که تصویر کرده بودند ، پس هر دو غایب ، یعنی اجل سعداء و اجل اشقیا کشاند ایشان را به سوی
منزلگاهی که متجاوز شد از منتهای مرتبه خوف خائفين و رجاء راجین، پس اگر بودند که ناطق بشوند با آن هر آینه عاجز می شدند در بیان صفت آن چیزی که مشاهده کردند و به چشم دیدند و اگر مخفی شده اثرهای ایشان و منقطع گردیده خبرهای ایشان .
به تحقیق مراجعت کرده در ایشان دیده های عبرت ها و شنیده از ایشان گوش
های عقل ها و سخن گفتند ایشان به زبان حال از غیر جهت نطق به لسان ، پس گفتند که زشت گشت صورت ها با آب و رنگ و به خاک افتاد بدن های نرم و نازك و پوشیدیم ما لباسهای پاره پاره کهنه را و به مشقت انداخت ما را تنگی خوابگاه و به ارث بریدیم از یکدیگر وحشت را و منهدم شد بر ما منزلهای خاموش قبرها ، پس گشت نیکوییهای بدنهای ما و تغییر یافت معروف های صورتهای ما و
محو طول یافت در مسکنهای وحشت اقامت ما و نیافتیم از شدت محنت فرجی و از تنگی حالت وسعتی .
پس اگر تصوّر نمایی تو حالتهای ایشان را به عقل خودت ، یا برداشته شود از ایشان پرده پوشان از برای تو در حالتی که فرو رفته باشد رطوبت گوش های ایشان به جهت تسلط حشرات الارض ، پس کر شده باشد و سرمه کشیده باشد چشمهای ایشان به خاك ، پس فرو رفته باشد در استخوان سر و پاره پاره گشته زبانها در دهنهای ایشان بعد از تیزی و بلاغت آنها و مرده و ساکن شود قلب ها در سینه های ایشان بعد از بیداری آنها و فساد کرده باشد در هر عضوی از ایشان پوسیدگی تازه ای که زشت گردانیده باشد آنها را و آسان کرده باشد طریق آفات به آنها در حالتی که آنها گردن نهاده باشند به آن آفتها ، پس نباشد دست هایی که دفع کنند آنها را و نه دلهایی که جزع کنند از آنها ، هرآینه بعد از آن تصوّر عقل و كشف حجاب خواهی دید اندوههای قلبها و خونابه چکیدن چشم ها را ، از برای ایشان است از هر شناعت و رسوایی صفت حالتی که منتقل نشود و شدت و سختی که منکشف نگردد و بر طرف نباشد .
وَكُمْ أَكَلَتِ الأَرْضُ مِنْ عَزيزِ جَسَدٍ، وأنيقِ لَوْنٍ كانَ في الدُّنْيا غَذِيَّ تَرَفٍ، ورَبِيب شَرَفٍ، يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ في ساعَةِ حُزنِهِ، ويَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، ضَنَّا بِغَضَارَةِ عيْشِهِ، وشَحاحَةً بِلَهْوِهِ ولِعيه .
فَبَيْنا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيا ، وتَضْحَكُ الدُّنْيا إِلَيْهِ، في ظلٍّ عَيْشٍ غَفُولٍ، إِذْ وَطِيءَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ، ونَقَضَتِ الأَيَّامُ قُواهُ، ونَظَرَتْ إِلَيْهِ الحُتُوفُ مِنْ كَتَبٍ، فَخالَطَهُ بَثَّ لا يَعْرِفُهُ، ونَجِيُّ هم ما كانَ يَجِدُهُ، وتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَراتُ عِلل آنس ما كانَ بِصِحَتِهِ.
لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ فَفَزِعَ إِلى ما كانَ عَوَّدَهُ الأطباءُ مِنْ تَسْكِينِ الحار بالقار ، وتَحْرِيكِ البَارِدِ بالحار، فَلَمْ يُطْفِي بِبارِدٍ : إِلا ثَوَّرَ حَرارَةٌ ولا حَرَّكَ بِحارٌ إِلا هَيَّجَ بُرُودَةً، وَلا اعْتَدَلَ بِمُمازج لِتِلْكَ إِلا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذاتِ داءٍ، حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ، وذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وتَعايا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دائِهِ، وخَرِسُواً عَنْ جَوابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ، وتَنازَعُوا دُونَهُ شَجِي خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ، فَقائِلٌ هُوَ لِما بِه ، ومُمَنْ لَهُمْ إِيابَ عافِيَتِهِ ، ومُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلى فَقْدِهِ، يُذَكِّرُهُمْ أُسَى الْماضِينَ مِنْ قَبْلِهِ .
فَبَيْنا هُوَ كَذَلِكَ عَلى جَناحٍ مِنْ فِراقِ الدُّنْيا ، وتَرْكِ الْأَحِبَّةِ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ ، فَتَحَيَّرَتْ نَوافِذُ فِطْنَتِه، وَيَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسانِهِ، فَكَمْ مِنْ مُهِمْ مِنْ جَوابِهِ عَرَفَهُ فَعِيَّ عَنْ رَدّهِ، ودعاءٍ مُؤلِم لِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصامَّ عَنْهُ ، مِنْ كَبِيرٍ كانَ يُعَظْمُهُ، أَوْ صَغِيرِ كَانَ يَرْحَمُهُ، وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفَطَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تُعْتَدَلَ عَلى قُلُوبِ أَهْلِ الدُّنْيا (1).
(ترف) ترفاً من باب منع ، تنعم وأترفته النعمة : أطعته ، والترفه بالضم النعمة والطعام الطيب و (ربّ) فلان الصبي يربّه ربّاً رباه حتى أدرك ، والزبيب المربوب، قال تعالى: (وَرَبِّ بُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم ﴾ [النساء : 23] و (السلوة) بفتح السين وضمها اسم من سلى همه سلوّاً وسليّاً ونسيه و (عيش غفول ) وزن صبور ، كثير الغفلة و (الحسك ) محركة نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم وعند ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب .
و (الحتوف) بالضم جمع الحتف بالفتح وهو الموت و (الكثب) محركة القرب وهو يرى
1) بحار الأنوار : 437/74 - 47 ، وميزان الحكمة : 2972/4.
من كتب أي قرب و (النّجي) فعيل من ناجاه مناجاة أي ساره و (القاز) البارد من قر القدر إذا صبّ فيه ماء بارداً و (الثور) الهيجان و (علل) الصبي بطعام وغيره شغله به وتعلل بالأمر تشاغل و (التمريض) حسن القيام على المريض و (عي) بالأمر وعيي وتعايا واستعيا لم يهتد لوجه مراده أو عجز منه ولم يطق إحكامه و (خرس) خرساً من باب فرح، انعقد لسانه عن الكلام و (الأسى) بالضم جمع الأسوة وهو ما يتأسى به الإنسان ويتسلّى.
قوله علیه السلام: (وكم أكلت الأرض من عزيز جسد)، لفظة (كم) خبرية بمعنى كثير، مبنية على السكون الشباهتها بكم الاستفهامية لفظاً ومعنى من حيث إبهام كلتيهما، وهي منصوبة المحل لكونها مفعول: أكلت ، قدمت عليه لأن لها صدر الكلام ، ومن عزیز جسد تمييز رافع للإبهام الذي فيها ، أي أكلت الأرض كثيراً من عزيز جسد، وعزيز صفة لموصوف محذوف أي من ميت عزيز الجسد ، وإضافة عزيز إلى جسد من إضافة الصفة إلى فاعله كما في قولك : مررت برجل حسن وجه أي حسن وجهه ، وهذا القسم من إضافة الصفة المشبهة وإن استقبحه علماء الأدبية لأجل خلوّ الصفة من ضمير يعود إلى الموصوف لفظاً إلا أنه يسوغ كثرة الاستعمال ووجود الضمير تقديراً ، وجملة كان في الدنيا، في محل الخفض على أنها صفة لعزيز جسد، وجملة يتعلل، في محل النصب حال من اسم كان .
وقوله : (ضنّاً) مفعول لأجله، وعيش غفول في نسبة غقول إلى عيش توسع كما في عيشة راضية ، وقوله : إذا وطى الدهر ، إذ للمفاجأة لوقوعها بعد بينا. نص على ذلك سيبويه ، قال : إذا وقعت بعد بينا وبينما فهي للمفاجأة، ومثال وقوعها بعد بينما قوله :
استقدر الله خيراً وارضین به *** فبينما العسر إذ دارت مياسير
ينما المرء في الأحياء مغتبط *** إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
و(الباء) في وطيء به للتعدية أي أوطأه .
وقوله علیه السلام :(آنس ما كان بصحته ) ، آنس منصوب على الحال من ضمير فيه والعامل فيه تولدت، و (ما) نكرة موصوفة كما في :مررت بما معجب لك، وكان تامة، وبصحته متعلق بآنس، ومحصل المعنى تولدت فيه فترات والحال أنه أنس شيء وجد أي أنس الأشياء بصحته، ويحتمل أن تكون ما مصدرية زمانية كما في قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]، وقوله: وَمَا دُمْتُ حَيّا [مريم: 31] أي مدة استطاعتكم ومدة دوامي حياً فيكون معناه : آنس مدة كونه ووجوده بصحته ، أي آنس زمان عمره به ، وقيل فيه معان أخر وما قلته أظهر .
قوله : (شجي) خبر من إضافة الصفة إلى الموصوف أي خبر ذي شجى وغصة، وقوله :
فقائل خبر لمبتدأ محذوف والجملة معطوفة على جملة تنازعوا وتفصيل له ، واللام في قوله : لمآ به، بمعنى على كما في قوله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ [الإسراء: 109]، وقوله: وَتَلَهُ الجبين [الصافات: 103] وليست بمعناها الأصلي كما توهم.
قوله : ( ودعاء مؤلم لقلبه)، اللام للتقوية، وفي بعض النسخ : بقلبه بالياء بدل اللام ، وعليه فهي زائدة كما في قوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ [البقرة: 195] ويجوز جعلها بمعنى (في) على تضمين مؤلم معني مؤثر ، وبهذا المعنى جاءت الباء في قوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرِ [آل عمران : 123] أي فيها .
اعلم أنه علیه السلام علما نبه في الفصلين السابقين على أهاويل البرزخ وفظائعه أردفهما بهذا الفصل استطراداً وتنبيهاً على غمرات الموت وشدائده وحالات الميت عند الإشراف على الموت والاحتضار ، فقال :
(وكم أكلت الأرض من عزيز جسد وأنيق لون ) إما استعارة بالكناية تشبيهاً للأرض بالأكل وإثبات الأكل تخييلاً، أو استعارة تبعية كما في : نطقت الحال بكذا، تشبيهاً لإفناء الأرض لأجزاء الميت واستحالتها لها بالتراب بأكلها لها، فاستعير الأكل للإفناء ودل على الاستعارة بذكر الأرض، والمعنى: أفنت الأرض وأبلت كثيراً كثيراً من ميت طري البدن معجب اللون الصفائه وبياضه وإشراقه .
(كان في الدنيا غذي ترف وربيب شرف ) أي غذي وتنعم بالتنعم الموجب لبطره
وطغيانه ، وربي في عزّ وشرف ومنعة .
(يتعلل بالسرور في ساعة حزنه) أي ينشاغل بما يسره ويتلهى به عما يحزنه (ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به ) أي يلتجيء إلى ما يسلي همه وينسيه إن أصابته مصيبة (ضناً بغضارة عيشه) أي لأجل بخله بسعة عيشه وطيبه (وشحاحة) وبخالة (بلهوه ولعبه) حتى لا يشوب لهما ما يكدرهما .
(فبينا هو يضحك إلى الدنيا ) ابتهاجاً بها وشغفاً بحبها لجريانها على وفق مراده وتهيئتها لمقدمات عيشه ونشاطه (وتضحك الدنيا إليه) ابتهاجاً به لكونه من أبنائها والراغبين إليها وفرط محبتها إياه ، وحاصله تضاحك كل منهما واشتياقه إلى الآخر لمزيد المحابة والمعافاة بينهما (فی ظل عيش غفول) أي في دعة وراحة وسعة عيش متصف بكثرة الغفلة .
والمراد : غفلة صاحبه به كما في عيشة راضية. وقال الشارح المعتزلي : عيش غفول قد غفل عن صاحبه ، فهو مستغرق في العيش لم يتنبه له الدهر فيكدر عليه وقته، قال الشاعر:
كأن المر فی غفلات عیش *** کان الدهر عنها فی وثاق
انتهى (1).
ولعل ما قلته أولى ودلالة الشعر عليه أظهر (إذ وطىء الدهر به حسكه ) أي أوطأه حسكه أي أنشب شوكه فيه ، واستعار الحسك لآلام الدهر وأسقامه وحوادثه الموجبة لأذاه كإيجاب الحسك للأذى (ونقضت الأيام قواه) نسبة النقض إلى الأيام من التوسع والمراد به انحلال قواه النفسانية وضعف جوارحه (ونظرت إليه الحتوف من كتب )أي من قرب ، وتخصيصه بالذكر لأن تأثير النظر فيه أشد ، يعني أن ملاحظة المنية نحوه دانية، وجمع الحتوف باعتبار تعدّد أسباب الموت .
(فخالطه بث لا يعرفه ) أي مازج قلبه حزن لا يعرف علته (ونجي هم ما كان يجده ) أي هم خفي لم يكن معهوداً به (وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته) قال الشارح المعتزلي: الفترات أوائل المرض أنتهى .
والمراد أنه طرأ عليه وظهر في مزاجه علل موجبة لفتور بدنه وضعف جسمه، والحال أنه في غاية الأنس بصحته وكمال الركون إلى سلامته في لذات ذربه وبدوات أربه لا یحتسب رزية ولا يحتمل بليّة .
(ف)لما وجد في نفسه ذلك وأحس به استوحش منه و( فزع إلى ما كان عوده الأطباء ) أي التجأ إلى ما جعلوه معتاداً له من المداواة والمعالجات (من تسكين الحار بالقار وتحريك البارد بالحار) تخصيص التسكين بالقاز والتحريك بالبارد وإن من شأن الحرارة التحريك والتهييج فاستعمل في قهرها بالبارد لفظ التسكين ومن شأن البرودة التخدير والتجميد فاستعمل في قهرها بالحار لفظة التحريك .
(فلم يطفىء) الحار (ببارد إلا ثور) وهيج (حرارة ) زائدة على حرارة الحاز (ولا حرّك)
البارد (بحار إلا هيج ) وثور (برودة ) زائدة على برودة البارد.
ومحصله أنه لم ينفعه استعمال المسخّن والمبرد إلا عكس المطلوب وأنتج له المسخّن برودة والمبرد حرارة .
(ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء ) أي لم يقصد الاعتدال بما يمازج تلك الطبائع الحارّة والباردة المفرطة فيردّها إلى الاعتدال إلا وأمدّ ذلك الممازج أو المريض وأعطى مدداً وقوة وأعان من هذه الطبائع كل طبيعة ذات داء، أي صار مزج الممازج مدداً أو معيناً على الطبيعة التي هي منشأ المرض مع ما له من مضادة خاصية لخاصيتها .
1) شرح النهج : 164/11 .
ويوضح ما قاله علیه السلام على وجه البسط ما رواه في (البحار) من علل الشرائع بسنده وهب بن منبه أنه عن وجد في التوراة صفة خلقة آدم على نبينا وعليه السلام حين خلقه الله عزّ وجل وابتدعه ، قال الله تبارك وتعالى :
«أنّي خلقت وركبت جسده من أربعة أشياء، ثم جعلتها وراثة في ولده تنمى في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة ، وركبت جسده حين خلقته من رطب ويابس وسخن وبارد، وذلك أني خلقته من تراب ، وماء ، ثم جعلت فيه نفساً وروحاً فيبوسة كل جسد من قبل ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس وبرودته من قبل الروح .
خلقت في الجسد بعد هذا الخلق الأول أربعة أنواع ، وهنّ كلام الجسد وقوامه بادناً لا يقوم الجسد إلا بهن ولا تقوم منهن واحدة إلا بالأخرى : منها المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم ، والبلغم، ثم أسكن بعض هذا الخلق في بعض، فجعل مسكن اليبوسة في المرّة السوداء، ومسكن الرطوبة في المرة الصفراء، ومسكن الحرارة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم.
فأيما جسد اعتدلت فيه هذه الأنواع الأربع التي جعلتها ملاكه وقوامه وكانت كل واحدة منهن أربعاً لا تزيد ولا تنقص كملت صحته واعتدل بنيانه ، فإن زاد منهن واحدة عليهن فقهرتهن ومالت بهن دخل على البدن السقم من ناحيتها بقدر ما زادت وإذا كانت ناقصة تقل عنهن حتى تضعف طاقتهن وتعجز عن مقارنتهن (1).
قال وهب : فالطبيب العالم بالداء والدواء يعلم من حيث يأتي السقم من قبل زيادة تكون في إحدى هذه الفطر الأربع أو نقصان منها ، ويعلم الدواء الذي به يعالجهن فيزيد في الناقصة منهن أو ينقص من الزائدة حتى يستقيم الجسد على فطرته ويعتدل الشيء بأقرانه .
إذا عرفت ذلك فنقول : إذا أراد الله أن يشفي المريض ويحصل له البرء من مرضه أصاب المعالج واهتدى إلى معرفة ما به من الداء ونفع الدواء بالخاصية التي فيه، وإذا قضى أجله أخطأ المعالج أو سقط الدواء من التأثير أو أمد ضد خاصيته المكمونة.
(حتى) اشتدّ مرضه و (فتر معلله ) أي من يشغله عن التوجه إلى مرضه ويمنيه العافية أو عما يضره من الأطعمة والأشربة بالأدوية النافعة، وفتوره من جهة طول المرض وحصول اليأس، فإن العادة جارية بأن أهل المريض في أول مرضه يواظبون عليه ويجتمعون حوله
1) «مقاومتهن» في نسخة علل الشرائع : 1/ 110 ، وبحار الأنوار: 287/58
ويعللونه حتى إذا طال المرض واشتدّ وظهرت مخائل الموت يقل عزمهم ويفتر هممهم ويحصل لهم التواني والكسل .
(وذهل ممرضه ) أي من يواظب عليه ويقوم بأمره في دوائه وغذائه وغيره، وذهوله وغفلته من أجل أنه في بداية المرض يكون له جدّ أكيد وجهد جهيد في التعهد والمواظبة بما له رجاء الصحة والعافية ، وبعد اشتداد المرض وظهور أمارات الموت توانى وفتر ، وتسرع إليه الغفلة على ما جرت عليه العادة .
(وتعايا أهله بصفة دائه ) أي عجزوا بوصف دائه وشرح مرضه على ما هو عليه للطبيب وغيره ، وهذه عادة المريض المثقل .
(وخرسوا عن جواب السائلين عنه ) هذه الجملة كالتفسير السابقتها ، والمراد أن أهله إذا سئلوا عنه يجمجمون ولا يفصحون عن بيان حاله كالأخرس الذي ينعقد لسانه عن التكلم ، وإنما يخرسون عن جوابهم لأنه بعد ظهور أمارات الموت عليه لا الجواب بصحته لكونه خلاف الواقع، ولا يسوغهم الجواب بما هو الواقع من إشرافه على الموت لعدم طيب أنفسهم به وانطلاق لسانهم ببيانه .
(وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه) أي اختلفوا عنده في خبر ذي حزن وغصة يخفونه منه ويجيبون السائلين بالتناجي والمسارة كي لا يشعر به ، وفصل كيفية التنازع والاختلاف بقوله :
(فقائل) منهم (هو لما به ) أي على الحال الذي كان عليه لا تفاوت في مرضه ، وقيل : معناه هو الأمر الذي نزل به ، أي قد أشفى على الموت. وما قلناه أظهر وأولى.
(و) آخر (ممن لهم إياب عافيته ) أي يمنيهم ويطمعهم عود عافيته بقوله : قد رأيت مثل هذا المريض وأشدّ مرضاً منه ثم عوفي .
(و) ثالث ( مصبر لهم على فقده ) أي يحملهم على الصبر والتحمّل على فقده وفراقه (يذكرهم أسى الماضي من قبله ) بقوله: تلك الرزية مما لا اختصاص لها بكم ولا الموت مخصوصاً بهذا المريض بل كل حتي سالك سبيل ، وكل نفس ذائقة الموت، وقد مضى قبل هذا المريض عالم من الناس وبقي بعد الأسلاف الأخلاف فتعزّوا بعزاء الله وتسلّوا واصبروا ولم يكن لهم علاج إلا أن قالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون، فينبغي لكم التأسي بالماضين، فإن لكم فيهم أسوة ، وفي هذا المعنى قال الشاعر ولنعم ما قال :
وإن الأولى بالطف من آل هاشم *** تأسوا فستوا للكرام التأسيا
وقالت الخنساء :
وما يبكون مثل أخي ولكن *** أُسلّي النفس عنه بالتأسي
وقد قال أمير المؤمنين علیه السلام في المختار المائتين والواحد الذي قاله عند دفن الصديقة علیه السلام: قل يا رسول الله عن صفيتك صبري إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز (1).
(فبينا هو كذلك على جناح ) أي على حركة سريعة، فإن الطيران بالجناح سبب سرعة الحركة فتجوز عنها (من فراق الدنيا وترك الأحبة إذ) دهمته فجعات المنية و (عرض له عارض من غصصه ) واعترض في حلقه وأخذ بخناقه .
(فتحيرت نوافذ فطنته ) أي تاهت إدراكات جودته وذكائه الثاقبة المتعلقة بمصالح النشأة الدنيوية والأخروية، وفي بعض النسخ : فطنه ، بصيغة الجمع ، والمراد تبلد مشاعره وقواه الدرّاكة وقصورها عن الإدراكات النظرية .
(ويبست رطوبة لسانه ) وجف حيله - ريقه - وحيل بينه وبين منطقه فصار بین أهله ينظر وجوههم ويسمع رجع كلامهم ويرى حركات ألسنتهم ولا يستطيع التكلم معهم.
(فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رذه) أي جواب سائل سأله عن أمر مهم من
وصيه ووصيته ودينه ومصارف ماله وقيم أطفاله ونحو ذلك فعجز عن رده .
( ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه ) أي نداء فتصام عنه أي نداء موجع لقلبه، سمعه فأظهر الصمم لعدم قدرته على إجابة المنادي (من كبير كان يعظمه ) كما إذا كان المنادي له والده وولي النعمة له (أو صغير كان يرحمه )كما إذا كان المنادي ولده الصغير .
(وإن للموت لغمرات ) وأهاويل وسكرات (هي أفظع من أن تستغرق بصفة ) أي تستعاب بوصف وبيان (أو تعتدل ) وتستقيم (على قلوب أهل الدنيا ) لكونها خارجة عن حد الإحصاء، متجاوزة عن طور الاستقصاء، وكيف لا وهو هادم اللذات وقاطع الأمنيات جذبة من جذباته أهون عندها نشر المناشير وقرض المقاريض .
أعاننا الله عليه ، وثبتنا بالقول الثابت لديه ، ووفقنا الله وأيدنا وأهدانا الصراط المستقيم بفضله العميم، هذا.
وقد أشار بعض الشعراء إلى إجمال ما قاله علیه السلام في هذا الفصل، وقال:
بينا الفتى مرح الخطا فرحاً بما *** یسعی له إذ قيل قد مرض الفتى
إذ قيل بات بليلة ما نامها *** إذ قيل أصبح مثقلاً ما يرتجى
1) الكافي: 459/1، ونهج السعادة : 71/1.
إذ قيل أمسى شاخصاً وموجهاً *** إذ قيل فارقهم وحل به الرّدى
والله درّ المؤلف أبي الحسن الرّضي قدس سره، ما أعجب نظمه في شرح حال الدنيا وأهلها والهالكين منهم ووصف مضجعهم وبرزخهم وسائر حالاتهم، قال: أنظر إلى هذا الأنام بعيرة *** لا یعجبنك خلقه ورواؤه
فتراه كالورق النضیر تقضفت *** أغصانه وتسلبت شجرانه
أنى محاباة المنون وإنما *** خلقت مراعي للردى خضراؤه
أم كيف تأمل قلتة أجساده *** من ذا الزمان وحشوها أو داره
لا تعجبن فما العجيب فناؤه *** بيد المنون بل العجيبُ بقاؤه
إنا لنعجب كيف حُم حمامة *** من طاح في سُبل الردى آباؤه
من طاح فی سبل به الردی اباوه *** فلیسکن طریقهم ابناوه
ومؤمر نزلوا به في سوقة *** لا شکله فیهم ولا نظراوه
قد كان يفرق ظلّه أقرانه *** و یقض دون جلاله أکفافه
ومحجب ضربت عليه مهابةً *** یغشی العیون بهاوه و ضیاوه
نادته من خلف الحجاب منيّة *** أمم فكان جواب
شقت إليه سيوفه ورماحه *** و امیت عنه من عبیده و اماوه
بم یغنه من کان ود لو أنه *** قبل المنون من المنون فداوه
حرم علیه الذل الا انه *** ابدا لیشهد بالجلال بناوه
متخشع بعد الانیس جناوه *** متضایل بعد القطین فناوه
عریان تطرد كل ريحُ ترابه *** ویطيعُ أول أمرها حصباؤه
ولقد مررتُ مررتُ ببرزخ فسألته *** منهم أرجاؤه أين الأولى ضمّ
مثل المطي بواركاً أجداثه *** يسقى على جنباتها بوغاؤه
ناديته فخفی عليّ جوابه *** بالقول الا ما رقت اصداوه
من ناظر مطروف رفة ألحاظه *** أو خاطر طلوبة سوداؤه
او واجد مكظومه زفراته *** او حاقد منسیه شحناوه
و مسندین علی الجنوب کانهم *** شرب تخاذل بالطلی أعضاؤه
تحت الصعيد لغير إشفاق إلى *** يوم المعاد يضمهم أحشاؤه
أكلتهم الأرضُ التي ولدتهم *** أكل الضروس حلت له أواؤه
فصل سوم از این کلام در اشاره به حالات مرض موت و شداید مرگ است ، می فرماید:
چه بسیار خورده زمین از بدن تازه و صاحب آب و رنگ خوش آینده را که بود پرورده نعمت و پرورش یافته شرف و عزت در حالتی که تعلل میورزید و بهانه میکرد به شادی در حالت حزن و پریشانی و پناه میبرد به تسلی خواطر اگر مصیبتى نازل می شد به او از جهت بخل ورزیدن و ضایع نساختن خوش گذرانی خود و از جهت خساست و هدر نکردن لهو و لعب خود.
پس در این اثنا که او خنده میکرد و فرحناك بود بر دنیا بود بر و خنده می ی کرد. فرحناك بود دنیا به او در سایه خوش گذرانی که باعث زیادت غفلت او بود ناگاه لگدکوب کرد او را زمانه خار خود را و شکاند روزگار قوّت او را و نگاه کرد به سوی او مرگها از نزدیکی پس آمیخت به او حزن و اندوهی که نمی شناخت او را نمیشناخت غصه پنهانی که نیافته بود او را و متولد شده را و سستیهای مرضها در حالت غایت انس او به صحت خود.
پس ملتجی شد به سوی آن چیزی که عادت داده بودند او را به آن طبیبها از فرونشاندن مایه حرارت به دواهای بارد و حرکت دادن مایه برودت به دواهای حارّ، پس فرو ننشاند استعمال دوای بارد مگر این که حرکت داد حرارت را و
به حرکت نداد به دواء حار مگر به هیجان آورد برودت را و معتدل نساخت به چیزی که مخلوط نمود به آن طبیعتهای حاره و بارده مگر این که مدد نمود از این طبیعتها ماده ای که منشأ درد بود.
تا این که سست شد پرستار او و غافل گردید مواظب مرض او و درمانده گردیدند اهل و عیال او در صفت ناخوشی او و لال گردیدند از جواب پرسندگان احوال او و اختلاف کردند در نزد او در غمناک چیزی که پنهان میکردند آن را ، پس از ایشان یکی میگفت او به همین حالت است که هست؛ و یکی دیگر تطمیع
میکرد اهل او را به رجوع کردن صحت او و دیگری تسلّی لی میداد ایشان را بر مرگ او در حالتی که یادآوری ایشان میکرد پیروی گذشتگان پیش از او را .
پس در این اثنا که او بر این حالت بود بر جناح حرکت از دنیا و ترك كردن احبا، ناگاه عارض شد او را عارضه ای از غصههای،او پس متحیر گردید زیرکی های نافذه او و خشك شد رطوبت زبان او ، پس چه بسیار مهمی از جوابش بود که شناخت او را پس عاجز از ردّ آن شد و چه بسیار از ندا کردن درد آورنده قلب او بود که شنید او را ، پس خود را به کری زد به جهت عدم قدرت بر جواب آن ندا از بزرگی بود که همیشه تعظیم میکرد او را مثل پدر یا از کوچکی بود که همیشه مهربانی میکرد به او مثل اولاد و به درستی که مرگ را است سختیهایی که دشوارتراند از این که استیعاب وصف آنها شود یا این که راست آید شرح آنها به عقل های اهل دنیا .
قاله علیه السلام عند تلاوة: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَرة ﴾ [النور: 37] :
إِنَّ الله سُبْحانَهُ جَعَلَ الذِّكْرَ جَلاءَ لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الوَقْرَةِ، وتَبْصِرُ بِهِ بَعْدَ العَشْوَةِ، وتَنْقادُ بِهِ بَعْدَ المُعائِدَةِ، وما بَرَحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلَاتُهُ فِي البُرْهَةِ بَعْدَ البُرْهَةِ، وفِي أَزْمانِ الفَتَراتِ عباد ناجاهُمْ فِي فِكَرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذاتِ عُقُولِهِمْ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقظَةٍ في الأسماع، والأَبْصَارِ، وَالأَفْئِدَةِ، يُذْكَّرُونَ بِأيَّام الله ، ويُخَوِّفُونَ مَقامه، بمنزلة الأدلة في القلواتِ، مَنْ اللَّهِ أَخَذَ القَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ، وبَشَّرُوهُ بِالنَّجاةِ، ومَنْ أَخَذَ يَمِيناً وشمالاً دَمُوا إِلَيْهِ الطَّرِيق، وحَذْرُوهُ مِنَ الهَلَكَةِ، فَكَانُوا كَذلِكَ مَصابيح تِلْكَ الظُّلمات، وأدلّة تلك الشُّبهات .
وَإنَّ للذكر لأهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيا بدلاً، فَلَمْ تَشْعَلهُمْ يُجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الحَياةِ، ويَهْتِفُونَ بِالزَّواجِرِ عَنْ مَحارم الله في أَسْماع الغافِلِينَ، وَيَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، ويَأْتَمِرُونَ بِهِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ، ويَتَناهَوْنَ عَنْهُ، فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنيا إلى الآخِرَةِ وَهُمْ فِيها فَشاهَدُوا مَا وَراءَ ذَلِكَ ، فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا عُيُوبَ أَهْلِ البَرْزَحَ فِي . طُولِ الإِقَامَةِ فِيهِ، وحَقَّقَتِ القِيامَةُ عَلَيْهِمْ عِداتها ، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذلِكَ لأَهْلِ الدُّنْيا ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ ما لا يَرَى النَّاسُ، ويَسْمَعُونَ ما لا يَسْمَعُونَ.
فَلَوْ مَتَلَتَهُمْ بِعَقْلِكَ في مَقاوِمِهِمُ المَحْمُودَةِ، ومَجالِسِهِمُ المَشْهُودَةِ، وَقَدْ نَشَرُوا دَواوِينَ أَعْمالِهِمْ ، وفَرَغُوا لِمُحاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ، عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وكَبِيرَةٍ أَمِرُوا بِها فَقَصَّرُوا عَنْهَا ، أَوْ نُهُوا عَنْها فَفَرَّطُوا فِيها ، وحَمَّلُوا ثَقْلَ أَوْزارِهِمْ ظُهُورَهُمْ، فَضَعُفُوا عَنْ الاسْتِقلال بها، فَنَشَحُوا نَشِيجاً ، وتَجاوَبُوا نَحِيباً ، يَعِجُّونَ إِلى رَبِّهِمْ مِنْ مَقادِمِ نَدَمِ وَاعْتِرَافٍ .
لَرَأَيْتَ أَعْلامَ هُدى ، ومَصابِيحَ دُجى، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ ، وتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ، وأُعِدَّتْ لَهُمْ مَقاعِدُ الكَرامات في مَقامِ اطَّلَعَ الله عَلَيْكُمْ فِيهِ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ وحَمِدَ مَقامَهُمْ، يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ التَّجاوُزِ، رَهائِنُ فاقَةٍ إِلى فَضْلِهِ، وأسارى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ، جَرَحَ طُولُ الأَسى قُلُوبَهُمْ ، وطُولُ البُكاءِ عُيُونَهُمْ ، لِكُلٍّ بابٍ رَغْبَةٍ إلى الله مِنْهُمْ يَدٌ قارِعَةٌ، يَسْأَلُونَ مَنْ لا تَضِيقُ لَدَيْهِ المَنادِحُ ، ولا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرّاغِبُونَ، فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ غَيْرَها مِنَ الأَنْفُسِ عَلَيْها حَسِيبٌ غَيْرُكَ (1).
1) ميزان الحكمة: 1/ 618 ،827 وبحار الأنوار : 326/66 .
(الوقرة) ثقل في الأذن أو ذهاب السمع كله و (العشوة) مرة من العشاء بالفتح والقصر سوء البصر بالليل والنهار أو العمى و (البرهة) بالضم الزمان الطويل والأعم و (الفترة ) ما بين كل النبيين و (الفلاة) المفازة لا ماء فيها أو الصحراء الواسعة و (هتف) به من باب ضرب بالضم صاح به.
و (المقاوم) المجالس جمع المقامة وهي مفعلة من المقام، وهما في الأصل اسمان لوضع القيام إلا أنهم اتسعوا فيهما فاستعملوهما استعمال المجلس والمكان، قال تعالى: خير مَّقَامًا [مريم: 73] أي مجلساً و (أقل) فلان بالشيء واستقل به إذا حمله، قال تعالى: ﴿أَقَلَّتْ سحابا ثقالا ) [الأعراف: 57] أي حملت الريح سحاباً ثقالاً بالماء و (النشيج) الصوت مع بكاء وتوجع كما يرد الصبي بكاءه في صدره و (النحيب) رفع الصوت بالبكاء و (عج) عجّاً من باب ضرب رفع صوته بالتلبية ونحوها و( النسيم )نفس الريح الضعيف كالنسمة، وتنسّم أي تنفس ، وتنسم النسيم أي تشممه .)و (الروح بالفتح الرحمة والراحة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْيْنَسُواْ مِن زَوْح اللهِ) [يوسف: 87] أي من رحمته ، ويقال أيضاً لنسيم الريح الطيب من روّحت الدهن ترويحاً جعلت فيه ريحاً طيباً طابت به ریحه فترّوح أي فاحت رائحته، وقال في (مجمع البحرين) في قوله تعالى : (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ له فَرَوْحُ وَرَيْحَانُ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ) [الواقعة: 89- 88 ] أن الروح بفتح أوّله الراحة والاستراحة أو الحياة الدائمة ، وبضمه الرحمة لأنها كالروح للمرحوم، وبالوجهين قرأ قوله : فروح.
و (المنادح) جمع المندح كقاتل ومقتل أو جمع المندوحة من ندح ندحاً من باب منع اتسع، قال الفيروزآبادي : الندح وبضم الكثرة والسعة وما اتسع من الأرض كالندحة والندحة والمندوحة والمنتدح و (الحسيب ) المحاسب، وفي بعض النسخ: محاسب بدل حسیب .
قوله تعالى: (يُسبح له فيها بِالْعُدُو وَالْآصَالِ يال لا تلهيهم تجرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ) [النور: 37-36] قرأ ابن عامر وأبو بكر: يسبح بفتح الباء بالبناء على المفعول والباقون بكسرها، فعلى قولهم يكون رجال فاعله وعلى القول الأول فالساد مسدّ الفاعل أحد الظروف الثلاثة، أعني له فيها بالغدو وعلى هذه القراءة فيكون رجال فاعلاً لفعل محذوف مدلول عليه بالفعل المذكور فكأنه قيل : من يسبّحه ؟ فقال : رجال، أي يسبّحه رجال، كما في قول الشاعر:
لبيك يزيد ضارع لخصومه *** ومختبط مما تطيح الطوائح
أي يبكيه ضارع ، وقيل : هو خبر مبتدأ محذوف ، أي المسبح رجال، وقيل: التقدير
فيها رجال .
وقوله علیه السلام : وما برح الله ، برح فعل ناقص بمعنى زال من نواسخ المبتدأ والخبر يدخل عليهما فيرفع المبتدأ تشبيهاً بالفاعل وينصب الخبر تشبيهاً بالمفعول، والله خبره المقدّم وعباد اسمه المؤخر، وإنما يعمل هذا العمل بشرط تقدم النفي عليه كما هنا، وفي قوله : لن تبرح عليه عاكفين ، ومثله زال في الاشتراط به ، قال تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُختلِفِينَ [هود : 118] ، وجملة: عزّت آلاؤه ، حال الله .
وقوله : في البرهة بعد البرهة ، إما ظرف لغو متعلق ببرح، أو ظرف مستقر حال من عباد قدمت على ذيلها للظرفية
وقوله : حمدوا إليه ، تعديته بإلى لتضمين معنى الإنهاء كما في قولهم : أحمد إليك الله ، أي أحمد منهياً حمده إليك .
وقوله علیه السلام: فكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات، كان فعل ناقص والضمير اسمه وكذلك خبره، والكاف فيه إما للتشبيه أو بمعنى على كما قاله الأخفش والكوفيون مستدلين بأن بعضهم قيل له : كيف أصبحت؟ فقال : كخير ، أي على خير، أي كان عباد الله كما وصفناه أو على ما وصفناه ، ومصابيح تلك الظلمات في بعض النسخ بالنصب وفي بعضها بالرفع، فعلى النصب يجوز أن تكون بدلاً من كذلك بدل تفصيل كما في قوله تعالى: أَمَدَّكُرُ بمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَيْمٍ وَبَنِينَ وَجَنَّتٍ وَعُيُونٍ وَجَنَّتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء: 132 - 134] وأن تكون حالاً من اسم كان على القول بجواز عمل الفعل الناقص في الحال ، وعلى الرفع فهو بدل من ضمير كانوا كإبدال الذين ظلموا من ضمير أسروا في قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء : 3].)وقوله : يقطعون به أيام الحياة، الظرف مفعول به لا مفعول فيه مثل : حيث في قوله تعالى : (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه [الأنعام: 124] إذ المعنى أنه سبحانه يعلم نفس المكان المستحق للرسالة لا شيئاً في المكان، وناصبها يعلم محذوفاً مدلولاً عليه بأعلم لا بأعلم نفسه لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به، وقوله : لرأيت جواب فلو مثلتهم .
وقوله علیه السلام : رهائن فاقة، خبر لمبتدأ محذوف ، وقوله : لكل باب رغبة خبر قدم على مسنده وهو يد قارعة ، ومنهم متعلق برغبة ويحتمل أن يكون منهم يد قارعة خبر أو مبتدأ، فيكون لكل باب ظرف لغو متعلق بقارعة وقدم على متعلقه للوسعة في الظروف
وقوله : لا يخيب عليه الراغبون ، تعديته بعلى لتضمين لا يخيب معنى التوكل، أي
متوكلين عليه ، وعلى للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى : (كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيا ) [مريم: 71] فإنه تعالى شأنه من استعلاء شيء عليه ولكنه إذا صار الشيء مشهوراً في الاستعمال في شيء لم يراع معناه الأصلي نحو : ما أعظم الله، ومنه : توكلت على فلان كأنك تحمل ثقلك عليه، ومنه توكلت على الله، صرّح بذلك نجم الأئمة الرضي، ويحتمل أن يكون عليه بمعنى فيه كما في قوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ [القصص : 15] فيكون متعلقاً بالراغبون أي لا يخيب الراغبون فيه والأول أظهر .
اعلم أن هذا الكلام الشريف حسبما أشار إليه الرضي قدس سره (قاله) علیه السلام( عند تلاوته ) قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُقِ وَالْأَصَالِ تجرة ولا بيع عن ذكرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِبْناءِ الزَّكَرَةِ يَخَافُونَ يَوْمَا نَتَقَلَبُ فِيهِ رجَالُ لَّا تُلْهِين الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ وقبل الشروع في شرحه ينبغي أن نفسر الآية باقتضاء المقام، وقد مضى بعض الكلام فيها في شرح الكلام المائة والثامن والتسعين ، وأقول هنا :)قال تعالى في سورة النور : (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو وَالْآصَالِ رِجَالُ لا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِبْناءِ الزَّكَوةَ يَخَافُونَ يَوْمًا لَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ [النور: 36 - 37] أي هذه المشكاة المذكورة في سابق الآية في بيوت أو توقد في بيوت هذه صفتها .
قال ابن عباس وهي المساجد ، ويعضده قول النبي صلی الله علیه واله وسلم : المساجد بيوت الله في الأرض وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض» (1).
وقيل : هي بيوت الأنبياء، قال في (مجمع البيان ) : وروي ذلك مرفوعاً أنه سئل النبي صلی الله علیه واله وسلم لما قرأ الآية : أي بيوت هذه؟ فقال: «بيوت الأنبياء»، فقام أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها؟ لبيت علي علیه السلام وفاطمة رضب الله عنه ، قال : «نعم من أفاضلها » (2)، ويعضد هذا القول قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] وقوله رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود : 73] .
وفي (الصافي) من (الكافي) و (الإكمال) عن الباقر علیه السلام : هي بيوتات الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى (3).
والقمي عنه علیه السلام : هي بيوت الأنبياء وبيوت علي علیه السلام منها .
وقد مضى في شرح الكلام المائة والثامن والتسعين حديث من (غاية المرام) عن موسى بن جعفر عن أبيه علیه السلام في هذه الآية أنه قال: بيوت آل محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين بيت علي وفاطمة والحسن والحسين وحمزة وجعفر علیه السلام (1).
وفيه أيضاً من (الكافي) بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت جالساً في مسجد الرسول صلی الله علیه واله وسلم إذ أقبل رجل فسلّم فقال : من أنت يا عبد الله؟ فقلت : رجل من أهل الكوفة فما حاجتك؟ فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي علیه السلام ؟ فقلت : نعم، فما حاجتك إليه؟ قال : هيأت له أربعين مسألة أسأله عنها فما كان من حق أخذته وما كان من باطل تركته ، فقلت له : هل تعرف ما بين الحق والباطل؟ قال : نعم ، قلت : فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحق والباطل؟ فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون إذا رأيت أبا جعفر علیه السلام فأخبرني ، فما انقطع كلامه حتى أقبل أبو جعفر علیه السلام وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج، فمضى حتى جلس مجلسه وجلس الرجل قريباً منه ، قال أبو حمزة : فجلست حتى أسمع الكلام وحوله العالم من الناس ، فلما قضى حوائجهم وانصرفوا التفت علیه السلام إلى الرجل فقال له : من أنت؟ قال: أنا قتادة بن دعامة البصري، فقال أبو جعفر علیه السلام: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: نعم، فقال له أبو جعفر علیه السلام: ويحك يا قتادة إن الله عزّ وجل خلق خلقاً من خلقه فجعلهم حججاً على خلقه فهم أوتاد الأرض قوام بأمره، نجباء في علمه ، إصطفاهم قبل خلقه، أظلّة عن يمين العرش ، قال : فسكت قتادة طويلاً ثم قال : أصلحك الله والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك، فقال أبو جعفر علیه السلام : ما تدري أين أنت ، أنت بين يدي (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُقِ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ بِجَرَةٌ ولا بيع عن ذكر الله وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَونَ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ) [النور: 36 37] ونحن أولئك ، فقال له قتادة : صدقت والله جعلني الله فداك، والله ما بيوت حجارة ولا طين ، الحديث (2).
والمراد بالرفع في قوله : (أن تُرْفَعَ )، التعظيم ورفع القدر، وقيل: رفع الحوائج فيها إلى الله تعالى وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أي يتلى فيها كتابه ، وقيل : يذكر فيها أسماؤه الحسنى، وقيل : عام فيما يتضمن ذكره حتى المذكورة في أفعاله والمباحثة في أحكامه (ويُسَبِّحُ لَمُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ) أي يصلّي فيها بالبكر والعشايا . قال ابن عباس : كل تسبيح في القرآن)
صلاة ، وقيل : المراد بالتسبيح تنزيهه عما لا يجوز عليه ووصفه بصفات الكمال التي يستحقها لذاته وأفعاله.ثم بين المسبح فقال :( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ أي لا تشغلهم ولا تصرفهم (وتجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذكر الله ) وستعرف الفرق بين التجارة والبيع في شرح المتن ، وأما ذكر الله فهو يعم جميع الأذكار وقد مر تفصيلاً في التنبيه الثاني من تنبيهات الفصل السادس من فصول الخطبة الثانية والثمانين . إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح كلامه علیه السلام فأقول : إن مدار هذا الكلام على فصول ثلاثة :
الأول : في التنبيه على فضيلة الذكر نفسه .
الثاني : في وصف حال المذكّرين وكيفية تذكيرهم .
والثالث: في بيان أوصاف الذاكرين والإشارة إلى مقاماتهم الجليلة ومقاومهم المحمودة.
فهو قوله علیه السلام: (إن الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب) المراد بالذكر هنا مطلق الذكر من التسبيح والتهليل والتحميد والدعاء والمناجاة وتلاوة الكتاب الكريم ونحوها، فإن المداومة عليها باللسان مع حضور القلب وتوجهه إليها توجب صفاء القلب ونوره وجلائه وطهارته ونقائه ظلمة الذنوب ورين المعاصي والغواشي كالمرآة المجلوّة التي ليس عليها شيء من الكدر.
وذلك لما عرفت في شرح الكلام المائتين والسادس عشر أن الاستغراق في الذكر والمداومة عليه يصرف القلب عما سوى الله إلى الله عزّ وجل، فلا يبقى فيه مجال للتوجه إلى الدواعي النفسانية ولا محل لطرد الوساوس الشيطانية التي هي منشأ الذنوب ومبدأ ظلمات القلوب .
وقد تقدم في التنبيه الثاني من شرح الفصل السادس من فصول الخطبة الثانية والثمانين كيفية مطاردة جنود الملائكة والشياطين في القلب وغلبتهم على الشياطين وإبعادهم لهم عن القلب بالمداومة على الذكر والطاعة، ومضى هناك مطالب نفيسة نافعة في المقام .
وقوله علیه السلام (تسمع به بعد الوقرة ) يعني يكون الذكر سبباً لكون القلب سميعة بعد صممها أي مستعدة لاستماع كلام الله وكلام الأنبياء والدعاة إلى الله واستفادة الكمالات والقربات منها بعدما كانت قاصرة عنها .
(وتبصر به بعد العشوة ) أي يكون سبباً لكونها بصيرة بعد عشاها وضعف بصرها ، أي
قابلة للانتفاع بما في الكون من عجائب التدبير مدركة لما في الآفاق والأنفس من الآيات والعبر بعدما كانت غافلة عن إدراكها .
(وتنقاد به بعد المعاندة) أي تنقاد للحق بعد العناد والإلحاد، وذلك لأنه يحصل بدوام الذكر والفكر حالة المراقبة واستشعار عظمة الله تعالى وجلاله وكبريائه فيحصل بذلك ذل وانكسار ومهانة للقلب ويكون داخراً ذليلاً منقاداً لقبول أمر الربّ ونهيه ، سالكاً لسبيله بعدما كانت منحرفة عنه وتجلو الذكر قلبه وتقرّ عين باطنه فتبصر بما لا يبصر به قبل المداومة بالذكر، اللهم آنسنا به بلطفك الخفي .
فهو قوله :
(وما برح) أي ما زال (الله) بمقتضى لطفه ورحمته (عزت آلاؤه) وجلت نعماؤه (في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات ) من الرسل وطول الهجعة من الأمم (عباد) صالحون كاملون في معرفته تامون في عبوديته قائمون بأمره في أنفسهم مبشرون ومنذرون لغيرهم (ناجاهم في فكرهم ) أي ألهمهم معرفته وأفاض على قلوبهم كيفية سلوك سبيله وهداية الناس إليه (وكلمهم في ذات عقولهم) أي خاطبهم في باطنهم سراً وتجوّز به كالمناجاة عن الإلهام والإفاضة التي أشرنا إليها (فاستصبحوا بنور يقظة في الأسماع والأبصار والأفئدة ) أي استيقظوا بشمول الألطاف الغيبية والإفاضات الإلهية من نوم الغفلة ورقد الجهالة، واستضاؤا بنور حاصل في الأسماع بسبب استماعها إلى ما فيه صلاح الدين من المواعظ والحكم والفضائل وآيات الكتاب المبين.
پوقد قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُمُ وَأَنصِتُوا [الأعراف: 204] فإن الاستماع إلى ذلك بقصد الفهم والقبول محصل لأنوار الكمالات النفسانية ، ولذلك مدح الله تعالى المؤمنين بكون استماعهم على هذا الوجه، وقال عزّ من قائل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ عَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) [الأنفال: 2] أي إذا قرأ على المؤمنين القرآن واستمعوه زادتهم آياته تبصرة ويقيناً على يقين .
وأما الاستماع لا يقصد الفهم والقبول فقد ذمّ المستمعين كذلك في قوله عزّ وجل: (ما يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [الأنبياء: 2] أي لم يستمعوه استماع نظر وتدبّر وقبول وتفكر وإنما استمعوه استماع لعب واستهزاء، وفي قوله: وَمِنهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ القُم وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ [يونس : 42] أي من جملة هؤلاء الكفار من يطلبون السمع إلى كلامك للرد والتعنّت لا للفهم والقبول، فلما كان استماعهم على هذا الوجه كانوا كأنهم صم لا يستمعوه حيث لم ينتفعوا به فاستحقوا الطعن والتعريض من الله عزّ وجل بذلك.
واستضاؤا أيضاً بنور حاصل في الأبصار بسبب نظرها إلى ما هو محصل لنور المعرفة من آيات الكبرياء والعظمة وعجائب الصنع والقدرة كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الآفاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ [فصلت : 53]، وقال: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ، يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَابَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الروم: 24] .
هذا إذا كان النظر إليها للاستبصار والاعتبار وإلا فلا خير فيه ولا منفعة ولا يزيد إلا الغفلة، ولذلك ذمّ الله تعالى شأنه الكفار يكون نظرهم على هذا الوجه في قوله: وَمِنْهُم مَّن ينظر إليك أَفَأَنتَ تَهْدِى الْعُمْرَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ [يونس : 43] أي ينظر إلى أفعالك وأقوالك لا نظر الحقيقة والعبرة بل نظر العادة فلا ينتفع بنظره ولا يزيدهم النظر إلا عمى وجهالة.
وأما الاستضاءة بنور يقظة الأفئدة فيقظتها عبارة عن فطانتها وجودتها وتوجهها إلى ما ينبغي لها من الكمالات العقلية وتفكرها في آثار القدرة والجلال والجبروت وآيات العظمة والكمال والملك والملكوت ، وتدبّرها في بدائع المصنوعات ومعاني الآيات المحكمات كما قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَاَيَتٍ لِأُولِي الْأَلْبَبِ [آل عمران: 190] ، وقال : (كتَب أَنزَلْتَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكَ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَدَيْهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَبِ )[ص : 29 ] .)والمراد بنور يقظتها هو نور العلم والمعارف الحقة والعقائد اليقينية الحاصلة من التدبّر والتفكر .واستعارة النور للعلم شائع كاستعارة الظلمة للجهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ فأحييته وجعلنا لم نُورًا يَمْشِي بِهِ، فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُمُ في KONG لَيْسَ بِخَارِج منها الظُّلُمَتِ [الأنعام: 122] . قال في التفسير : أي كافراً فأحييناه بأن هديناه إلى الإيمان . وإنما سمّى الله تعالى الكافر : ميتاً ، لأنه لا ينتفع بحياته ولا ينتفع غيره به، وسمّى المؤمن حيّاً لأن له ولغيره المصلحة والمنفعة في حياته، وجعلنا له نوراً ، أراد بالنور العلم والحكمة، قال أمين الإسلام الطبرسي: سمّى سبحانه ذلك نوراً والجهل ظلمة لأن العلم يهتدى به إلى الرشاد كما يهتدى به في الطرقات . وقال ابن عباس : المراد بالنور الإيمان، وقيل: المراد به القرآن كمن مثله في الظلمات أي ظلمات الكفر. قال الطبرسي : سمي الإيمان والقرآن والعلم نوراً لأن الناس يبصرون بذلك ويهتدون من ظلمات الكفر وحيرة الضلالة كما يهتدى بسائر الأنوار، وسميّ الكفر ظلمة لأن الكافر لا يهتدي بهداه ولا يبصر أمر رشده، ومن هذا القبيل استعارة البصير والأعمى للمؤمن والكافر، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) [فاطر: 19] . والحاصل أنه تعالى لم يخل الأزمان من عباد استضاؤا واستصبحوا بنور المعرفة
واليقين الحاصل من طريق السمع بالإصغاء، ومن طريق البصر بالنظر ، والأفئدة بالفكر والتدبّر، هذا حالهم في ذات أنفسهم.
وأما بالنسبة إلى الخلق فإنهم يهدون بالحق ويحكمون بالقسط ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر و (يذكرون بأيام الله ) أي يذكرون الناس بوقائعه وقوارعه وعقوباته الواقعة بالأمم الماضية في القرون الخالية على ما عرفته في شرح الفصل السابع من الخطبة المائة والحادية والتسعين.
وروي عن أبي عبد الله علیه السلام في تفسير قوله تعالى : (فذكرهم بأيام الله ) أنه يريد بأيام الله : سنّته وأفعاله في عباده من إنعام وانتقام.
وحاصله تذكير المحسنين بالإنعام تبشيراً لهم، والمسيئين بالانتقام إنذاراً وتحذيراً، كما ذكر الله تعالى أيضاً كفار قريش بذلك في كتابه العزيز في سورة القمر حيث قال فيهم : وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ [4]، وكرر قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مدکر ) [القمر: 17] عقيب التذكير بقصة قوم نوح وإهلاكهم بماء منهمر ، وبقصة عاد وإهلاكهم بريح صرصر في يوم نحس مستمر، وبقصة ثمود وإهلاكهم بصيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر، وبقصة قوم لوط ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر، فختم بقصة آل فرعون وأخذه عزّ وجل لهم أخذ عزيز مقتدر ، ثم اتبع ذلك كله بقوله : (أَكفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أَزلَيْكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ في الزُّبُرِ) [القمر: 43] إلى أن قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ )[القمر: 51] .قال أمين الإسلام الطبرسي : خوّف سبحانه كفار مكة فقال: ﴿أَكْفَارُكُمْ خَيْرٌ وأشدّ وأقوى (مِنْ أُولَيَكم ) الذين ذكرناهم وقد أهلكناهم، وهذا استفهام إنكار أي لستم أفضل من قوم نوح وعاد وثمود لا في القوة ولا في الثروة ولا في كثرة العدد والعدة، والمعنى أنه إذا هلك أولئك الكفار فما الذي يؤمنكم أن ينزل بكم ما نزل بهم (أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ في الزبر ) أي لكم براءة من العذاب في الكتب السالفة أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية (1))وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) أي فهل من متذكر لما يوجبه هذا الوعظ من الانزجار عن مثل ما سلف من أعمال الكفار لئلا يقع فيه ما وقع بهم من الإهلاك.)(ويخوفون مقامه أي يخوفونهم من مقام الربوبية المتصفة بالعظمة والجلال والكبرياء والقدرة، ومن كونه قائماً على كل نفس بما كسبت فإن التخويف بذلك مستلزم للخوف)
1) تفسیر مجمع البيان: 323/9
والهيبة أو من مقامهم بين يدي الربّ للحساب وذلك يوم يقوم الناس لرب العالمين ويقوم الأشهاد ويقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً .ثم وصفهم بأنهم (بمنزلة الأدلة والهداة (في) البوادي و (الفلوات) فكما أن الأدلة يدلّون على الطريق ويهتدون إليه و (من أخذ القصد ) أي قصد السبيل وهو الطريق المستقيم المحفوظ من الإفراط المبلّغ قاصده وسالكه إلى ما يريد (حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة ) من الهلكات (ومن) انحرف عنه و (أخذ يميناً وشمالاً ذمّوا إليه الطريق وحذروه من الهلكة) فكذلك هؤلاء يهدون السائرين إلى الآخرة إلى الصراط المستقيم ويبشرون الآخذين به بالسعادة الأبدية والنجاة من المهالك، ويحذرون المنحرفين عنه إلى اليمين والشمال من الشقاوة الأبدية والوقوع في المتاعب .)(فكانوا كذلك أي على ما وصفناه من التذكير والتخويف والتبشير والتحذير (مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات ) وأشار بها إلى ظلمات أزمنة الفترة المذكورة سابقاً وشبهاتها، وأراد بالظلمات ظلمات الجهل والحيرة التي تغشى الناس فيها، وبالشبهات الأمور الباطلة الشبيهة بالحق، وشبههم بالمصابيح لأنه يهتدى بهم ويقتبس من أنوار علومهم في تلك الظلمات كما يستضاء بالمصباح في ظلمة ذلك الليل.)وبهذا الوجه شبّه الأئمة علیه السلام بالعلامات ورسول الله صلی الله علیه واله وسلم بالنجم في قوله تعالى:( وَعَلَمَةٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قال أبو عبد الله علیه السلام : نحن العلامات والنجم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم (1).)وشبههم علیه السلام بالأدلة لتمييزهم بين الحق والباطل وإرشادهم إلى الحق كما يفرّق الدليل القصد وغيره ويدل على القصد .وقد مر نظير ذلك في كلامه علیه السلام في الخطبة الثامنة والثلاثين حيث قال علیه السلام هناك : وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق ، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى.### وأما الفصل الثالثفهو قوله علیه السلام (وإن للذكر لأهلاً أخذوه من الدنيا بدلا أراد بهم إما خصوص نفسه والطيبين من أولاده لأنهم أهله حقيقة يسبحون الليل والنهار ولا يفترون ويذكرون الله فياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً .)
1) الكافي : 207/18 ، والبحار : 91/16 .
وهم أيضاً أهل الذكر الذي هو القرآن كما يشهد به ما في (الكافي عن الفضيل عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْتَلُونَ ) [الزخرف: 44] قال علیه السلام : الذكر القرآن ونحن قومه ونحن المسؤولون (1).)وأهل الذكر الذي هو الرسول الله صلی الله علیه واله وسلم كما يدل عليه ما فيه عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر عليه الصلاة والسلام في قول الله عز وجل : (نَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل : 43] . قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «الذكر أنا ، والأئمة علیه السلام أهل الذكر » (2). ويؤيد إرادته علیه السلام الخصوص نفسه وأولاده علیه السلام ما يفصله علیه السلام من صفات أهل الذكر ، فإن تلك الصفات الآتية هم المتصفون بها حق الاتصاف وحقيقته .
ويؤيده أيضاً أكثر ما رويناه من الأخبار في تفسير (بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه ) الآية.
وإن أراد به مطلق أهل الذكر فهم علیه السلام أكثر كمل مصاديقه وأفراده.
وكيف كان فقد أخذ الذكر أهله بدلاً من الدنيا وعوضاً منها علماً منهم بأن من أكثر ذكر الله أحبه الله كما رواه الصادق علیه السلام من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .
وروى عنه أيضاً : «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله » (3).
ولذلك (فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه ) ذكر البيع بعد التجارة من قبيل ذكر الخاص بعد العام لمزيد الاهتمام كما في قوله تعالى: يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج [البقرة: 189] ، فإن التجارة تشمل جميع أنواع المكاسب والبيع أظهرها، وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ( وَلا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ ) لا تشغلهم معاملة رابحة ﴿وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ) مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعاوضة، أو بأفراد ما هو أهم من قسمي التجارة فإن الربح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء ، وقيل : المراد بالتجارة الشّرى فإنه أصلها ومبدؤها . (يقطعون به أيام الحياة ) أي أيام حياتهم، ويحتمل أن يكون المعنى: أنهم يقطعون بالاشتغال به عن العلائق الدنيوية في تمام عمرهم ؛ فتكون أيام الحياة مفعولاً فيه لا مفعولاً به والأول أظهر .)( ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين عن ذكر الله أي يصيحون بالمواعظ)
البالغة والنصائح الزاجرة في أسماع أهل اللهو والغفلة زجراً لهم أي إزجاعاً وإبعاداً عن المحارم (يأمرون غيرهم (بالقسط) والعدل (ويأتمرون) أي ينقادون (به) في أنفسهم (وينهون عن) الفحشاء و( المنكر ويتناهون) أي يكفون (عنه) في ذاتهم لما عرفت في شرح الخطبة المائة والرابعة أن النهي عن المنكر إنما هو بعد التناهي عنه .)(فكأنما قطعوا الدنيا وانتهوا (إلى الآخرة وهم فيها ) أي والحال أنهم في الدنيا فكأنهم قطعوها ومضوا إلى الدار الأخرى (فشاهدوا) بعين اليقين (ما وراء ذلك ) العالم .)( فكأنما والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وعلى الأرائك متكؤون وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون ومن هولها مصطرخون وكأنما (اطلعوا عيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ) أي علموا فظائع البزرخ وشدائد أهله الغائبة عن نظر أهل الدنيا في مدة الإقامة المتمادية الطويلة لهم فيه .)(و كأنما (حققت القيامة عليهم عداتها ) في إسناد التحقيق إلى القيامة وكذا إضافة العدات إلى ضميرها تجوز ، والمراد كأن القيامة قد قامت عليهم وحقق الله تعالى مواعيده التي تكون فيها من تكوير الشمس وطمس النجوم وتسيير الجبال وحشر الوحوش وكون الناس كالفراش المبثوث والجبال كالعهن المنفوش وفرار المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة إلى غير ، هذه مما أخبر به الكتاب العزيز ونطقت به الأخبار .)(فكشفوا ببياناتهم الفصيحة وكلماتهم النصيحة (غطاء ذلك ) أي ما رأوه بعين اليقين من محجوبات الغيوب ومستورات الغيب المحجوب (لأهل الدنيا ) تنفيراً لهم عنها وترغيباً إلى دار الآخرة (حتى كأنهم ) من شدة اليقين وقوة إبصار البصائر وأذان العقول (يرون) من أحوال النشأة الأخروية (ما لا يرى ) سائر (الناس ويسمعون ما لا يسمعون) وهذا المقام مقام قوله علیه السلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً .)قال الشارح البحراني: لما كان السبب في قصور النفوس عن إدراك أحوال الآخرة وهو تعلقها بهذه الأبدان واشتغالها بتدبيرها والانغماس في الهيئات الدنيوية المكتسبة عنها ، وكان هؤلاء الموصوفون قد غسلوا دون تلك الهيئات من ألواح نفوسهم بمداومة ذكر الله وملازمة الرياضة التامة، حتى صارت نفوسهم كمرايا مجلوة حوذي بها سطر الحقائق الإلهية فجلت وانتقشت بها ، لا جرم شاهدوا بعين اليقين سبيل النجاة وسبيل الهلاك وما بينهما فسلكوا على بصيرة وهدوا الناس على يقين وأخبروا عن أمور شاهدوها بأعين بصائرهم وسمعوا بآذان عقولهم، فكأنهم في وضوح ذلك لهم وظهوره وأخبارهم عنه قد شاهدوا ما شاهده الناس بحواسهم ما لم يشاهده الناس وسمعوا ما لم يسمعوه .
(فلو مثلتهم بعقلك أي تصوّرت مثالهم وصورهم (في مقاومهم المحمودة ) أي مقامات عبوديتهم وتذللهم التي يحمدهم الله رب العالمين بالقيام في تلك المقامات (ومجالسهم المشهودة) أي مجالس عبادتهم وتضرعهم التي تشهدها الملائكة المقربون كما قال عزّ من قائل: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء: 78] . قال المفسرون: معناه إن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار . وقوله علیه السلام : (وقد نشروا دواوين أعمالهم وفرغوا لمحاسبة أنفسهم ) من الاستعارة التمثيلية حيث شبههم علیه السلام في تتبعهم لنفوسهم وملاحظتهم لألواح ضمائرهم وتفكّرهم في ما ثبت في تلك الألواح من صور أعمالهم التي عملوها من خير أو شرّ وتدبيرهم في جبران الخاسرة منها ومطالبتهم أنفسهم بتدارك ما فاتت وفرّطت فيها بالتاجر الذي يفتح دفتر تجارته، وينشر دیوان حسابه وينظر ما كتب فيه من صورة مكاسبه ويلاحظ ربحه وخسرانه ، ويدبّر تدارك خسارته .
وقد قال علیه السلام في الخطبة التاسعة والثمانين: عباد الله زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا، وقد مرّ في شرحه ما ينفع في هذا المقام .
وحقيقة محاسبة النفس على ما نبه عليه الغزالي أن يكون للعبد ساعة في آخر النهار يطالب النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصاً منهم على الدنيا وخوفاً من فوات منافعها .
فإن التاجر إذا جلس مجلس المحاسبة مع شريكه ينظر أولاً في رأس المال، ثم في الربح والخسران ليتبين له الزيادة والنقصان فإن كان من فضل حاصل استوفاه وشكره، وإن كان من خسران ضمنه وكلّفه جبرانه في المستقبل.
وكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي وموسم تلك التجارة تمام النهار ، والنفس بمنزلة الشريك فليحاسبها أولاً على الفرائض فإن أداها على وجهها شكر الله تعالى على ذلك، وإن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء وإن أداها ناقصة كلّفها الجبران بالنوافل، وإن ارتكب معصية اشتغل بمؤاخذتها ومعاتبتها ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرّط كما يصنع التاجر بشريكه .
وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الحبّة والقيراط ويبالغ في المداقة ويلاحظ مداخل الزيادة والنقصان، فينبغي له أن يبالغ في المداقة في حساب نفسه عن خواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه وتكلمه بل عن جميع حركاته وسكناته ، وينبغي أيضاً أن يحاسب النفس على جميع عمره عمره يوماً فيوماً وساعة فساعة في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة.
وقد نقل عن بعض العرفاء وكان محاسباً لنفسه ، أنه حسب يوماً فإذا يوماً فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم ، فصرخ وقال : يا ويلتي ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب ، فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب، ثم خرّ مغشياً عليه فإذا هو میت .
فهكذا ينبغي أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل ساعة، ولو رمى العبد بكل معصية حجراً في داره لكان في مدة قليلة تلا صغيراً ولكنه يتساهل فی حفظ المعاصي والملكان يحفظان عليه ذلك أحصاه الله وتسوه.
وأما أولياء الله الكاملون في مقام العبودية والطاعة فلهم المداقة في محاسبة أنفسه ومعاتبتها (على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها أو نهوا عنها ففرّطوا فيها ) لعدم إخراجهم أنفسهم من حد التقصير فإنه عزّ وجل لا يمكن أن ينال مدى عبادته، وكيف يمكن البلوغ إلى مدى عبادة من لا مدى له ، ذلك أن المعصومين علیه السلام كانوا يعدون أنفسهم في عداد المذنبين المقصرين لكون حسنات الأبرار سيئات المقربين حسبما عرفت تفصيلاً في شرح الخطبة الأولى عند تحقيق عصمة الأنبياء علیه السلام .
(وحملوا ثقل أوزارهم ) وآثامهم (ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها ) أي عن حمل الأوزار (فنشجوا نشيجاً ) أي بكوا بكاء متوجع (وتجاوبوا نحيباً) أي جاوب بعضهم بعضاً بالنحيب والبكاء الشديد ، ولفظ التجاوب مجاز فإنهم لما كانوا في مقام محاسبة النفس رافعين أصواتهم بالبكاء صاروا بمنزلة المتجاوبين كأن كلاً منهم يجاوب الآخر ببكائه ونحيبه .
(يعجون إلى ربهم من مقام ندم واعتراف) أي يرفعون أصواتهم إليه عزّ وجل بالتضرع والابتهال في مقامات التوبة والابتهال والاعتراف بالتفريط والتقصير .
وقوله ( لرأيت ) جواب لو مثلتهم حسبما أشرنا إليه أي لو تصورت حالاتهم في مقاماتهم المحمودة ومجالسهم المشهودة وشاهدت من شؤونهم كيت وكيت لرأيت (أعلام هدى ) يهتدى بآثارهم في ظلم الضلالة (ومصابيح دجى) يقتبس من أنوارهم في غياهب الجهالة (قد حفّت الملائكة ) أي أحاطت بهم الملائكة تشريفاً وإكراماً وعناية من الله تعالى في حقهم (وتنزلت عليهم السكينة ) وهي هيئة جسمانية تنشأ من استقرار الأعضاء وطمأنينتها مع اعتدال حركاتها، ولعل المراد بها برد اليقين الذي أشرنا إليه في شرح الكلام الذي قبل هذا الكلام له علیه السلام .
(وفتحت لهم أبواب السماء) بالعنايات الإلهية والإفاضات الملكوتية والألطاف الغيبية (وأعدت لهم مقاعد الكرامات ) المشار إليها في قوله عز وجل : (وإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) [القمر : 55-54]
قال أمين الإسلام الطبرسي : أي أنهار من الخمر والماء والعسل، وضع نهر في موضع أنهار لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير ، والأولى أن يكون إنما وحد لوفاق الفواصل في (مَقْعَدِ صِدْقٍ ) أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم . وقيل : وصفه بالصدق لكونه رفيعاً مرضياً، وقيل لدوام النعيم به ، وقيل : لأن الله صدق وعد أوليائه فيه (عند مليك مُّقْتَدِرٍ) أي عند الله سبحانه فهو المالك القادر الذي لا يعجزه شيء، وليس المراد قرب المكان تعالى الله ذلك علوّاً كبيراً بل المراد أنهم في كنفه وجواره وكفايته حيث تنالهم غواشي رحمته وفضله (1)
والحاصل أنها هيأت لهم تلك المقاعد (في مقام اطلع الله عليكم فيه ) وفي نسخة الشارح المعتزلي : عليهم بدل عليكم وهو أنسب، وعلى هذه على هذه النسخ فلعله من تغليب المخاطبين على الغائبين ، ويمكن أن يكون النكتة في العدول من الغيبة على الخطاب تهييج المخاطبين وإلهابهم بالتنبيه على أن الله تعالى مطلع عليكم وعليهم جميعاً ولكن مقاعد كراماته صارت مخصوصة لتكميلهم للعبودية فينبغي أن تكونوا مثلهم حتى تكون معدة لكم أيضاً كما أُعدّت لهم .
(فرضی سعيهم ) أي جدّهم وجهدهم في العبادة (وحمد مقامهم) أي مقام عبوديتهم وهو فوق مرتبة مقام العبادة لأن العبادة للعوام من المؤمنين والعبودية للخواص من السالكين والعبادة لمن له علم اليقين ، والعبودية لمن له عين اليقين . فإن حقيقة العبودية هي الأسر والتذلل في قيد الرقية وأن لا يبقى فيه أثر من آثار هواه ، وأن تكون أوقاته مستغرقة في خدمة مولاه مصروفة إلى تحصيل رضاه .
ولذلك وصف الله نبيه صلی الله علیه واله وسلم بهذا الوصف في غاية غايات مقام الرب والزلفي حيث قال تعالی :(ثم دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى ) [ النجم : 108] فعبر بلفظ العبد إشارة إلى أنه صلی الله علیه واله وسلم في ذلك المقام كان فانياً في الله لم يكن له هم أصلاً فيما سواه منقطعاً عن جميع ما عداه .
(يتنسمون بدعائه روح التجاوز) أي يشمون بدعائه ومناجاته تعالى النسيم الطيب والهواء الذي تستلذه النفس ويزيل عنها الهم لما حصل من تجاوزه عزّ وجل من تقصيرهم وصفحه عنهم (رهائن فاقة إلى فضله ) قال الشارح البحراني: استعار لهم لفظ الرهائن لكونهم في محلّ الحاجة إلى فضله لا معدل ولا ملجأ لهم عنه كالرهائن في يد المسترهن .
وكذلك الأسارى في قوله علیه السلام (وأسارى ذلة لعظمته) ووجه المشابهة كونهم في مقام
1) بحار الأنوار: 103/8 ، وتفسير مجمع البيان: 325/9
الذلة تحت عظمته كالأسير بالنسبة إلى عظمة من أسره.
(جرح طول الأسى قلوبهم وطول البكاء عيونهم ) أي صارت قلوبهم وعيونهم مجروحة من طول الحزن والبكاء لما فيهم من مزيد الخوف والخشية الملازم لكمال المعرفة التي لهم بعظمة الرب تعالى وعزّته (لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة ) أراد بأبواب الرغبة أنواع العبادات والقربات ، وبقرعهم لتلك الأبواب جدّهم في إقامتها وعدم غفلتهم عنها .
وقال البحراني : أشار بقرعهم لكل باب من أبواب الرغبة إلى الله إلى توجيه أسرارهم وعقولهم إلى القبلة الحقيقية استشراقاً لأنوار الله واستتماماً لجوده .
(يسألون من لا تضيق لديه المنادح ) الإتيان بالموصول لزيادة التقرير، أي تقرير الغرض المسوق له الكلام ، فإن المقصود به الحث على سؤاله والترغيب إليه تعالى بالتنبيه على سعة بحر كرمه وجوده وعدم ضيقه عن سؤال السائلين وآمال الراغبين ، فهو أدل على هذا الغرض من أن يقول : يسألون الله أو يسألون الرب تعالى .
ومحصله أنه عزّ وجل لا يفقره المنع والجمود ولا يكديه الإعطاء والجود، بل لو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداف البحار من فلز اللجين والعقيان ونثارة الدرّ وحصيد المرجان ما أثر ذلك في جوده ولا أنفد سعة ما عنده ولكان عنده من ذخائر الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام لأنه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين ولا يبخله إلحاح الملحين .
(ولا يخيب عليه الراغبون ) ولا ييأس من فضله وكرمه إلا الكافرون .
(فحاسب نفسك لنفسك ) أي حاسب نفسك التي هي أعزّ الأنفس عليك وأحبها إليك لأجل منفعة نفسك، أي تولى أنت بنفسك بمحاسبة نفسك قبل أن تحاسب بها (فإن غيرها من الأنفس عليها حسيب ) أي محاسب (غيرك) يعني سائر الأنفس التي لم يتول صاحبها محاسبتها فإن لها حسيباً يحاسبها، وهو الله رب العالمين مالك يوم الدين أسرع الحاسبين كما قال عزّ شأنه: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم [الغاشية: 25-26] ، ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتَهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَلَهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِينَ) [الأنعام: 61 - 62] .
از جمله کلام آن امام مبین است که گفته در نزد خواندن آیه شریفه "رجال لا تلهيم تجارة و لا بيع عن ذكر الله "، یعنی " تسبیح میکنند خدای تعالی را مردانی که مشغول نسازد ایشان را تکسب و نه مبایعه از ذکر پروردگار "؛ آن بزرگوار در حین خواندن این آیه فرموده:
به تحقیق خدای منزه از نقص ، گردانید ذکر خود را صیقل از برای قلب ها در حالتی که میشنوند به سبب آن بعد از سنگینی و کری و میبینند به سبب آن ان بعد از کوری و مطیع میباشند به جهت آن بعد از نافرمانی و همیشه بوده از برای خدا در حالتی که عزیز است نعمتهای او در زمانی بعد از زمانی و در اوقات فترت پیغمبران بندگانی که راز گوید و نجوی میکند حقتعالی با ایشان در پرده قلبهای ایشان و سخن میگوید با ایشان در باطن عقل های ایشان ، پس کسب روشنی کردند به نور آگاهی در گوشها و چشمها و قلب ها ، به یاد مردم می به یاد مردم میآورند ایام انعام و انتقام خدا را در امتان گذشته و میترسانند مردمان را به شناساندن مقام عظمت و اقتدار او .
و ایشان به منزله راه نمایندگان اند در بیابان ها ، هر کسی که راه راست را پیش بگیرد مدح می به سوی او راه او را و بشارت میدهند او را به خلاصی از هلاکت و هرکس که کج شود از راه راست و پیش بگیرد یمین و یسار را مذمت می کنند به سوی او راه او را و میترسانند او را از هلاکت .
پس باشند ایشان به این وصفها چراغان این تاریکی ها و دلیلان این شبهه ها و به درستی که از برای ذکر خدا اهلی است که فرا گرفته اند آن را عوض از متاع دنیا ، پس مشغول نساخت ایشان را نه کسب و نه مبایعه از آن ذکر ، می برند و می گذرانند با ذکر اوقات زندگانی دنیا را و صدا میکنند با موا کنند با مواعظ مانعه از محرّمات الهی در گوشهای غافلان و امر می کنند به عدالت و گردن می نهند خودشان به آن و نهی کنند از قبیح و بازدارند خودشان را از آن .
پس گویا که قطع کردهاند دنیا را و رسیدهاند به آخرت و حال آن که در دنیا
باشند، پس مشاهده کردهاند پشت سر دنیا را ، پس گویا که مطلع گشته اند پنهانیهای اهل برزخ در درازی اقامت و توقف ایشان در آن و محقق ساخته قیامت بر ایشان وعدههای خودش را ، پس برداشتتند پرده های حالات اهل برزخ و قیامت را از برای اهل دنیا به اندازه ای که گویامی بینند ایشان چیزی را که نمی بینند مردمان و میشنوند چیزی را که نمیشنوند مردمان .
پس مصور سازی ایشان را به عقل خودت در مقام های پسندیده ایشان و مجلسهای برگزیده ایشان که شهادتگاه ملائکه مقربیناند در حالتی که ایشان گشوده باشند دفترهای عملهای خودشان را و فارع شده باشند از برای محاسبه نفسهای خودشان بر هر عملی از عملهای كوچك و بزرگ که مأمور شده باشند به آن ، پس تقصیر کرده باشند در آن یا نهی شده باشند از آن، پس مساحله کرده باشند در آن و بار کرده باشند گرانی گناهان خودشان را بر پشت های خودشان ، پس ناتوان باشند از بلند کردن و برداشتن آن ، گریه کنند به آواز بلند غمناك و جواب یکدیگر را میدهند با گریه و زاری ، ناله و زاری ناله میکنند به سوی پروردگار خود در مقام های توبه و پشیمانی و اقرار به تقصیر
هر آینه میبینی علامت های هدایت و چراغهای تاریکی و ظلمت ، در حالتی که احاطه کرده باشند به ایشان ملائکه ها و نزول کرده باشد به ایشان تمکین و وقار و گشوده باشد از برای ایشان درهای رحمت آسمان و مهیا شده باشد از برای ایشان مجلس های کرامت و شرافت در مقامی که مطلع شده خدای تعالی بر ان شما در ان مقام ، پس خشنود شده خدا از سعی و کوشش ایشان و پسندیده مقام بندگی ایشان را ، در حالتی که استشمام کنند به سبب دعای او نسیم عفو و تجاوز را .
ایشان گروه های فقر و فاقهاند به سوی فضل و کرم او و اسیرهای ذلت اند مربزرگواری و عزت او را ، مجروح و زخم دار نموده درازی حزن و اندوه دل های ایشان را ، و درازی گریه چشمهای ایشان را از برای هر در رغبت کردن به سوی خدا از ایشان است دست کوبنده ، سؤال میکنند از کسی تنگ نمیشود در نزد او وسعتهای کرم وجود و ناامید نمیگردد بر درگاه نوال او رغبت کنندگان، پس محاسب باش نفس خودت را از برای نفس خود ، پس به تحقیق که از برای غیر نفس تو از نفس ها ، محاسبی هست غیر از تو که اسرع الحاسبين است.
قال علیه السلام عند تلاوته : (تَأَيُّها الإنسنُ ما غرك بربك الكَرِيمِ ﴾ [الإنفطار : 6] :
أَدْحَضُ مَسْؤُولٍ حُجَّةً ، وأَقْطَعُ مُغْتَرُ مَعْذِرَةٌ، لَقَدْ أَبْرَحَ جَهالَةٌ بِنَفْسِهِ، يا أَيُّهَا الإِنْسانُ ما جَرَاكَ عَلى ذَنْبِكَ، وما غَرَّكَ بِرَبِّكَ، وما آنَسَكَ بِهَلَكَةَ نَفْسِكَ ، أما مِنْ دائِكَ بُلُولٌ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقْظَةٌ، أَما تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ ما تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ ، فَرُبَّما تَرَى الصّاحِي مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ، أَوْ تَرَى المُبْتَلَى بِألَم يَمُضُ جَسَدَهُ فَتَبْكي رَحْمَةً لَهُ، فَما صَبَّرَكَ عَلى دائِكَ، وجَلَّدَكَ بِمُصابِكَ ، وعَزّاكَ عَنِ البُكاءِ عَلى نَفْسِكَ، وهِيَ أَعَزُّ الأَنْفُسِ عَلَيْكَ، وَكَيْفَ لا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَياتِ نِقْمَةٍ وقَد تَوَرَّطْتْ بِمَعاصِيهِ مَدارجَ سَطَوانِهِ، فَتَداوَ مِنْ داءِ الفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ، ومِنْ كَسْرَى الغَفْلَةِ في ناظِرِكَ بِيَقْظَةٍ، وكُنْ لِلَّهِ مُطيعاً، وبذِكْرِهِ آنِساً ، وتَمَثَّل في حالِ تَوَلَّيكَ عَنْهُ
إِقْبالَهُ عَلَيْكَ، يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ، ويَتَعَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وَأَنْتَ مُتَوَلَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.
فَتَعَالَى مِنْ فَوِيُّ ما أَكْرَمَهُ، وتَواضَعْتَ مِنْ ضَعِيف ما أَجْرَأَكَ عَلى مَعْصِيَتِهِ وأَنْتَ في كَنَفٍ سَتْرِهِ مُقِيمٌ ، وفي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ، فَلَمْ يَمْنَعُكَ فَضْلَهُ ، ولَمْ يَهْتِكُ عَنْكَ سِتْرَهُ، بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَعْرَفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُها لَكَ، أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُها عَلَيْكَ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُها عَنْكَ، فَما ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ، وأَيْمُ الله لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي القُوَّةِ، مُتَوازِنَيْنِ في القُدْرَةِ لَكُنتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الأَخْلاقِ، ومُساوِي الأَعْمَالِ.
وحَقَّاً أَقُولُ ما الدُّنْيا غَرَّتُكَ ، وَلكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ ، وقَدْ كاشَفَتْكَ العِظاتُ، وآذَنَتْكَ عَلى سَوَاءٍ ، ولَهِيَ بِما تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ البَلاءِ بِجِسْمِكَ والنَّقْصِ في قُوَّتِكَ أَصْدَقُ وأَوْفى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغْرَّكَ ، ولَرُبَّ ناصح لها عِنْدَكَ مُنْهَمْ ، وصادِقٍ مِنْ خَيْرِها مُكَذَّبٌ، وَلَيْنُ تَعَرَّفْتَها فِي الدِّيارِ الخاوِيَةِ والرُّبُوعِ الخالِيَة لَتَجِدَنَّها مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ وبَلاغِ مَوْعِظَتِكَ بِمَحَلَّةِ الشَّفيقِ عَلَيْكَ، وَالشَّحيحِ بِكَ، وَلَنِعْمَ دارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بها داراً، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوطنْها مَحَلاً .
وإنَّ السُّعَداء بالدُّنْيا غَداً هُمُ الهارِبُونَ مِنْهَا اليَوْمَ ، إِذ رَجَفَتِ الرَّاحِفَةُ ، وحَقَّتْ بِجَلائِلها القِيامَةُ ، ولَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكِ أَهْلُهُ ، وبِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتْهُ ، وبِكُلِّ مُطاعِ أَهْلُ طَاعَتِه، فَلَمْ يُجْزَ في عَدْلِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي الهَواءِ، ولا هَمْسُ قَدَم في الأَرْضِ إِلا بِحَقِّه ، فَكُمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذاكَ داحِضَةٍ، وعَلائِقِ عُذْرٍ مُنقَطِعَةٍ، فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ ما يَقُومُ بِهِ عُذْرَكَ ، وتَنْبُتُ بِهِ حُجَّتَكَ، وخُذْ ما
يبقى لَكَ مِمّا لا تَبْقَى لَهُ، وتَيَسِّرُ لِسَفَرك ، وشِمٌ بَرْقَ النّجاةِ، وَارْحَلْ مَطايا التشمير (1).
(دحضت ) الحجة دحضاً من باب منع ، بطلت ويتعدى بالهمزة فيقال : أدحضها الله ودحض الرجل زلق و (برح) به الضرب اشتد وعظم، وهذا أبرح من ذاك أي أشد ويقال : لقد أبرح فلان جهالة وأبرح لوماً وأبرح شجاعة ، وقتلوه أبرح قتل أي أشده (وما آنسك) من باب ضرب بلا وبللاً وبلولاً كقعود برء وحسنت حاله بعد الهزال .
و (الضاحي) لحر الشمس البارز ، يقال : ضحى فلان مثل دعى أي برز للشمس ومثل رضى وسعى أي أصابته الشمس و (مضضت ) الشيء مضضاً من باب تعب تألمت ويتعدى بالحركة والهمزة فيقال : مضه الحرج مضاً وأمضه إمضاضاً أي آلمه .
و (الجلادة) القوة والشدة والصلابة، وجلدك بمصابك أي جعلك جلداً، وروي:
وجلدك على مصائبك بلفظة على وصيغة الجمع و (بيات نقمة) طروقها والنقمة وزان كلمة ، ونعمة وفرحة المكافأة بالعقوبة والجمع نقم ككلم وعنب و (التورّط) الوقوع في الورطة بسكون الراء وهي المهلكة وكل أرض مطمئنة لا طريق فيها و (عزم) على الشيء وعزمه عزماً من باب ضرب عقد ضميره على فعله وعزم عزيمة اجتهد وجد في أمره و (الكرى) وزان عصا النعاس.
و (الكنف) محركة الجانب والظل وفلان في كنف الله أي في حرزه و (الستر) بالكسر الساتر وبالفتح المصدر و (طرف) البصر طرفاً من باب ضرب تحرك، وطرف العين نظرها والطرفة المرة منه ومطرف العين يحتمل المصدر والزمان و (العظات) العظة كالعذاب وهي الموعظة أي ما يلين القلب من ذكر الثواب والعقاب والوعد والوعيد وفي هذا (بلاغ) وبلغة وتبلّغ أي كفاية .
و (حقت) بجلائلها أي ثبتت من حق الشيء يحق ، أي ثبت. وقال الفيومي : حقت القيامة يحق من باب قتل أي أحاطت بالخلائق فهي حاقة، وقال ابن الأنباري : الحاقة الواجبة حق أي وجب يحق حقاً وحقوقاً فهو حاق. وقال أمين الإسلام الطبرسي: سمّيت القيامة الحاقة لأنها ذات الحواق من الأمور وهي الصادقة الواجبة الصدق لأن جميع أحكام القيامة واجبة الوقوع صادقة الوجود .
و (نسك) الله من باب قتل تطوّع بقربة والنسك بضمتين اسم منه والمنسك بفتح السين
1) بحار الأنوار: 116/7 ، وميزان الحكمة : 3262/4
وكسرها يكون زماناً ومصدراً ومكاناً تذبح فيه النسيكة وهي الذبيحة ومناسك الحج عباداته، وقيل : مواضع العبادات و (العبدة) جمع عابد كمردة ومارد.
(فلم يجز في عدله ) قال الشارح المعتزلي : قد اختلفت الرواة في هذه اللفظة فرواها قوم فلم يجر وهو مضارع جرى تقول : ما جرى اليوم، فيقول من سألته : قدم الأمير من السفر ، ورواها قوم فلم يجز مضارع جاز يجوز ، ورواها قوم فلم يجر من جار أي عدل عن الطريق.
و (الهمس ) الصوت الخفي وقوله (فتحز من أمرك ) أمر من تحرّيت الشيء قصدته وتحريت في الأمر طلبت أحرى الأمرين وهو أولاهما و (شام) البرق يشيمه نظر إليه أين يقصد وأين يمطر و (رحلت) مطيتي شددت على ظهرها الرّحل و (شمر) تشميراً أي جاداً، وشمّر الثوب دفعه وفي الأمر خف.
قوله تعالى: (مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ ) الاستفهام للإنكار على سبيل التوبيخ والتقريع، ويجوز أن يكون للتقرير أي حمل المخاطب على الاعتراف والإقرار بما يعرفه من جهة الاغترار وعلته، وقوله علیه السلام : أدحض مسؤول حجّة خبر لمبتدأ محذوف أي هو أدحض مسؤول ، والضمير راجع إلى الإنسان المغرور، وحجة منصوب على التمييز ، وكذلك معذرة وجهالة منصوبتان عليه أيضاً .
وقوله : فلربما ترى ، اللام للتوكيد ، وما كافة لربّ عن عمل الخبر، ولذلك دخلت على الفعل كما في قول الشاعر :
ربما أوفيت في علم *** ترفعن ثوبي شمالات
وقوله : الضاحي من حرّ الشمس ، في نسخة الشارحين المعتزلي والبحراني لحرّ الشمس باللام بدل من ، ولعل الأول بناء على كون الضاحي بمعنى المصيب، والثاني على كونه بمعنى البارز. وقوله : وهي أعزّ الأنفس، الجملة في محلّ النصب على الحال وكذلك جملة وقد تورّطت ، وانتصاب مدارج سطوانه إما على المفعول به أو على المفعول فيه ف وحذف الخافض أي في مدارج سطواته، ومطرف عين منصوب على الظرفية.
وقوله : يدعوك إلى فضله ، استئناف بياني، وليس حالاً كما زعمه الشارح البحراني، وجملة : وأنت متول، في موضع النصب على الحال، وقوله : حقاً : أقول : صفة لمصدر محذوف مقدّم على فعله أي أقول قولاً حقاً ، وقوله : كاشفتك العظات بنصب العظات على أنها مفعول به، وكاشفت بمعنى كشف أي كشفت لك المواعظ أو مفعول بالواسطة أي
كاشفتك بالعظات وتروى بالرفع على أنها فاعل كاشفت ومتهم صفة لناصح ومكذب صفة لصادق.
وقوله : ولنعم داره المخصوص بالمدح محذوف وهو الضمير الراجع إلى الدنيا السابق ذكرها على حد قوله تعالى:
إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ ) [صَ : 44] أي هو والضمير لأيوب على نبينا وعليه السلام السابق ذكره في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَدَنَا أَيُّوبَ ) [ص: 41] وإضافة فاعل نعم إلى غير المعرّف باللام على حد قول الشاعر : فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم.
وداراً ومجلاً منصوبان على التمييز ، والباء في قوله : بجلائلها تحتمل تعديه والمصاحبة والضمير فيه راجع إلى القيامة لتقدمها رتبة وإن تأخرت لفظاً، وقوله: خرق بصر، بالرفع فاعل يجر إن كان الفعل بصيغة المعلوم كما في نسخة الشارح المعتزلي ونائب عن الفاعل إن كان بصيغة المجهول كما حكي عن القطب الراوندي .وقوله : فكم حجّة يوم ذاك داحضة، كم خبريّة بمعنى كثير أضيفت إلى تمييزها وهي في محل الرفع على الابتداء، ويوم ذاك خبرها وداحضة بالجرّ على ما في النسخ التي عندنا صفة الحجة ولو كانت داحضة بالرفع كفاتت «كذا» الخبر ويكون يوم ذاك ظرف لغو متعلقاً متقدماً عليها وهذا أنسب لكن النسخ لا تساعد عليه ومن في قوله : مما لا تبقى له ، يحتمل البدل كما في قوله تعالى: (أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةُ [التوبة: 38] ويحتمل التسوية أيضاً .
اعلم أن هذا الكلام كما نبه كما نبه الرضي قدس سره (قاله) علیه السلام (عند تلاوته ) الآية الشريفة في الي سورة الانفطار (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) وقبل الشروع في شرح كلامه علیه السلام ينبغي أن نذكر ما قاله المفسرون في تفسير الآية فأقول :
لهم في تفسير قوله :( ويَاتِهَا الْإِنسَنُ )، قولان :
أحدهما : أنه الكافر لقوله تعالى بعد ذلك : (كَلَّا بَلْ تُكَذِبُونَ بِالدِّينِ ) قال عطا عن ابن عباس : أنها نزلت في الوليد بن المغيرة .
والثاني: أنه عام لجميع العصاة وهو الأقرب، وقوله: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ أي أي شيء)خدعك وسوّل لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات خالقكو عصیت وخالفته، والمراد ما الذي آمنك من عقابه ، يقال : غرّه بفلان إذا آمنه المحذور من جهة مع أنه غير مأمون وهو كقوله : (ولا يغرنكم بالله الغرور .)
واختلف في معنى الكريم، فقيل : هو المنعم الذي كل أفعاله إحسان وإنعام لا يجرّ به نفعاً ولا يدفع به ضرراً ، وقيل : هو الذي يعطي ما عليه وما ليس عليه ولا يطلب ماله، وقيل: هو الذي يقبل اليسير ويعطي الكثير ، وقيل : إن من كومه سبحانه أنه لم يرض بالعفو عن السيئات حتى بدلها بالحسنات.واختلفوا في جهة تخصيص كريمتيه بالذكر دون سائر أسمائه وصفاته فقيل : لأنه كأنه لقنه الإجابة حتى يقول : غرّني كرم الكريم ، وقيل : للمنع عن المبالغة في الاغترار والإشعار بما به يغرّه الشيطان ، فإنه يقول له : افعل ما شئت فإن ربك الكريم لا يعذب أحداً ولا يعاجل بالعقوبة ، وقيل : للدلالة على أن كثرة كرمه مستدعي الجد في طاعته لا الإنهماك في عصيانه اغتراراً بكرمه.وقال في( الكشاف : فإن قلت : ما معنى قوله: ﴿مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به وإنما يغتر بالكريم.)قلت: معناه أن حق الإنسان أن لا يغتر لكرم الله عليه حيث خلقه حيّاً لنفعه وبتفضّله عليه بذلك حتى ينفع ويطمع بعدما مكنه وكلّفه فعصى وكفر النعمة المتفضّل بها أن يتفضّل عليه بالثواب وطرح العقاب اغتراراً ما لتفضل الأول فإنه منكر خارج من حد الحكمة، ولذا قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لما تلاها : غرّه جهله، وقال الحسن : غرّه والله شيطانه الخبيث، أي زين له المعاصي وقال له : افعل ما شئت فربّك الكريم الذي تفضّل عليك بما تفضّل به أولاً وهو متفضل عليك آخراً حتى ورّطه ، وقيل للفضيل بن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال يوم لك : ما غرك بربك الكريم ماذا تقول؟ قال : أقول : غرني ستورك المرخاة، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع وتظن قصاص الحشوية ویروون عن أئمتهم أنه إنما قال: بربك الكريم دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب حتى يقول : غرّني كرم الكريم ، انتهى .وقال الشارح المعتزلي : لقائل أن يقول : لو قال : ما غرك بربك العزيز أو المنتقم أو نحو ذلك كان أولى لأن للإنسان المعاتب أن يقول له : غرّنى كرمك أو ما وصفت به نفسك .وجواب هذا أن يقال: إن مجموع الصفات كشيء واحد وهو الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك، والمعنى ما غرك برب هذه صفته وهذا شأنه وهو قادر على أن يجعلك في أي صورة شاء، فما الذي يؤمنك من أن يمسخك في صورة القرد أو الخنازير ونحوها من الحيوانات العجم ، ومعنى الكريم ههنا : الفياض على المواد بالصور ، ومن هذه صفته ينبغي أن يخاف منه تبديل الصورة.
إذا عرفت ذلك فلنشرع في شرح كلامه علیه السلام ، فأقول : قوله (أدحض مسؤول حجة أي الإنسان المخاطب بخطاب : يا أيها الإنسان والمسؤول المعاتب بعتاب ما غرّك إن أراد الجواب عن ذلك الخطاب والاحتجاج والاستدلال في قبال ذلك السؤال والاعتراض فحجته أبطل الحجج وأزيفها.)وذلك لأنه إن قال في مقام الجواب: غرّني كرمك، فهو جواب سقيم لأن كثرة الكرم والتفضّل والإحسان تقتضي الجد والاجتهاد في العبودية والعبادة والشكر والطاعة لا الإغترار والكفران والتواني والخلاف والعصيان .وإن قال: غرّني الشيطان ، فيقال له : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوّ مبين وأن أعبدوني هذا صراط مستقيم؟ .وإن قال: غرّني جهلي ، فيقال له : أفلم أرسل إليكم المرسلين مبشرين ومنذرين وعلمتكم الأحكام والتكاليف بما أنزلت في صحف الأولين وزير الآخرين كي لا تقولوا : إنّا كنا عن هذا غافلين؟ .(و بذلك ظهر أيضاً أنه (أقطع مغتر معذرة ) يعني أنه إن اعتذر عن اغتراره بعذر من المعاذير السابقة وما ضاهاها فعذره أقطع الأعذار وأسقطها عن درجة الاعتبار كما قال عزّ من قال: ﴿فَيَوْمَذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتْهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْبُونَ) [الروم: 57] . (لقد أبرح جهالة بنفسه) أي اشتد بنفسه من حيث الجهالة ، قيل: الجهالة اختيار اللذة الفانية على اللذة الباقية ، وقيل : اجتمعت الصحابة على أن كل ما الله به فهو جهالة ، وكل من عصى الله فهو جاهل (يا أيها الإنسان ما جرأك على ذنبك وما غرك بربك وما آنسك بهلكة نفسك ) هذه الاستفهامات الثلاثة واردة في معرض التوبيخ والإنكار على أسباب الجرأة والاغترار والأنس بإلقاء النفس في الهلكات وتوريطها في الموبقات. قال الشارح البحراني: ويحتمل أن يكون قوله : ما آنسك، تعجباً .
(أما من دائك بلول أم ليس من نومتك يقظة أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك ) هذه الاستفهامات كسابقتها أيضاً واردة في مقام الإنكار والتقريع لكنهم لدخولها على النفي تفيد العرض والطلب ، أي طلب البراءة من داء الذنوب وأسقام الآثام والانتباه من نومة الغفلة والجهالة ، والترحم والعطوفة للنفس مثل الترحم والعطف للغير. وحاصله أنه لا ينبغي لك عدم البراءة واليقظة والرحمة .
وأوضح ترحمه للغير بقوله (فلربما ترى الضاحي من حر الشمس فنظله) أي ترى من أصابته حرارتها وتأذى بها فتظله بالظلال ترحماً وتلطفاً ودفعاً للأذى عنه(أو ترى المبتلي بألم
يمض جسده ) أي يؤلمه (فتبكي رحمة له ) وإذا كان هذا شأنك مع الغير فما بالك في نفسك حيث تركت نصحها وملاحظتها.
(فما صبرك على دائك) الدوي (وجلدك بمصابك) العظيم (وعزاك) أي سلاك (عن البكاء على نفسك وهي أعزّ الأنفس عليك )وأحبها إليك (وكيف لا يوقظك) من نومك (خوف بيات نقمة) ومفاجآت عقوبة ، وأصل البيات أن يقصد بالعدوّ في الليل من غير أن يشعر فيأخذه بغتة فاستعير لنزول العذاب فيها، قال تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيْتًا وَهُمْ نَايِمُونَ ) [الأعراف: 97] .
وقوله (وقد تورطت بمعاصيه مدارج سطوانه) أي وقعت باكتساب آثامه في ورطات الهلكات وصعدن مدارج السطوات والسخطات والتعبير بالمدارج نظراً إلى اختلاف المعاصي وكون بعضها فوق بعض من حيث الصغر والكبر الموجب لتفاوت مراتب السطوة ودرجات السخطة من حيث الضعف والشدة .
ويحتمل أن يكون المراد بالمدارج الطرق نحو ما في الحديث : إياكم والتعريس في بطون الأودية فإنها مدارج السباع تأوي إليها ، قال الطريحي : هي جمع مدرج بفتح الميم الطريق، والمعنى الأول ألطف .
(فتداوى من داء الفترة في قلبك بعزيمة) أي عالج من مرض الفتور والضعف والانكسار الذي في قلبك بدواء الجد والعزم على العبودية والطاعة (ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظة) أي من نوم الغفلة في ناظر بصيرتك عن الذكر والفكر بالتنبيه واليقظة .
(وكن الله مطيعاً) وهي - أعني الطاعة - نتيجة العزيمة (وبذكره آنساً ) وهو - أعني الذكر - ثمرة اليقظة (وتمثل في حال توليك عنه إقباله عليك ) أي تصوّر إقباله تعالى عليك بالفضل والإحسان والكرم والامتنان في حال إعراضك عنه والمقابلة لذلك بالكفران والمخالفة والعصيان كما أوضحه بقوله (يدعوك إلى عفوه ) بما أنزله في كتابه من قوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني [غافر : 60] ، وقوله : (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186] ونحوه (ويتغمدك بفضله ) وكرمه (وأنت متولّ) ومعرض (عنه إلى غيره ) تعالى ومقبل إلى الدنيا، وراكن إليها، ومنهمك في لذاتها وشهواتها .
(فتعالى من قوي ) وقادر على مؤاخذتك (ما أكرمه) وأجزل إحسانه . وفي بعض النسخ: ما أحلمه ، أي أصفحه عنك (وتواضعت من ضعيف) وحقير (ما أجراك) وأعظم كفرانك وجار لك (على معصيته) ومخالفته (وأنت في كنف ستره مقيم )حيث ستر من شنائع أعمالك وقبائح ذنوبك ما لو كشف عن أدناها لافتضحت (وفي سعة فضله متقلب) حيث أسبغ عليك من نعمه الجسام وآلائه العظام ما لو شكرت على أقل قليلها لعجزت.
(فلم يمنعك فضله) بكفرانك (ولم يهتك عنك ستره) بطغيانك (بل لم تخل من لطفه )وبره (مطرف عين ) أي مقدار حركة البصر (في نعمة يحدثها لك أو سيئة يسترها عليك أو بلية يصرفها عنك ) وهذا تفصيل ضروب ألطافه تعالى الخفية والجلية .
والغرض من قوله علیه السلام : فتمثل إلى هنا ، تذكير المخاطبين بعوائد نعمه وموائد كرمه وجميل آلائه وجزيل نعمائه وعموم نواله في حقهم، مع ما هم عليه من الغفلة والإعراض حنا لهم بذلك على المداومة بالذكر والطاعة ، والتنبه من نوم الغفلة والجهالة ، والمواظبة على دعائه ومناجاته بنحو ما في دعاء الافتتاح:
فكم يا إلهي من كربة قد فرّجتها، وهموم قد كشفتها، وعثرة قد أقلتها، وحلقة بلاء قد فككتها، اللهم إنّ عفوك عن ذنبي وتجاوزك عن خطيئتي، وصفحك عن ظلمي، وسترك على قبيح عملي، وحلمك عن كثير جرمي عندما كان من خطأي وعمدي أطمعني في أن أسألك ما لا أستوجبه منك، فلم أر مولى كريماً أصبر على عبد لئيم منك علي يا رب، إنك تدعوني فأُولي عنك، وتتحبّب إلي فأتبغض إليك، وتتودد إلي فلا أقبل منك، كأن لي التطول عليك فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي والتفضّل علي بجودك وكرمك (1).
هذا كله فضله ولطفه وإحسانه عليك مع عصيانك وطغيانك (فما ظنك به لو أطعته) وكيف يؤيسك من كرمه مع طاعتك وقد قال: وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا یحتسب [الطلاق: 2-3] أم كيف يحرمك من نعمه مع توكلك عليه وقد قال : ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى حَسْبُهُ ) [الطلاق ] ، أم كيف ينقص عطاؤه وحباؤه مع شكرك وذكرك وقد قال : (لين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: 7] .
ثم أكد جذبهم إلى التعبد والطاعة بأبلغ بيان وأحسن تقرير وعبارة فقال (وأيم الله لو أن هذه الصفة ) التي ذكرت من إقبال الله عليك وتوليك عنه (كانت في) متماثلين من الناس (متفقين في القوة متوازنين في القدرة ) متساويين في الدرجة والرتبة وكنت أنت أحدهما (لكنت) لو أنصفت (أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ومساوىء الأعمال ) حيث إنه أقبل وتوليت، وتحبّب وتعاديت ، ووصلك فقطعت ، وتدانى فتباعدت، فكيف إذا كان الطرف المقابل هو القاهر القادر، مالك الملوك، ربك وربّ العالمين كلهم، فحكومتك على نفسك وتعزيرك عليها حينئذ أولى وأحجى.
ثم لما كان منشأ اغترار الغافلين العصاة المخاطبين المسؤولين بخطاب : ما غرك بربك الكريم، وعلّة إعراضهم عنه تعالى وتوليهم عن ذكره عزّ وجل هو الاغترار بالدنيا والافتتان
1) تهذيب الأحكام 89/3 ، وإقبال الأعمال : 136/1.
بشهواتها ولذاتها وأمنياتها حسبما يشهد به التجربة والوجدان ونطق به القرآن في قوله : (وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغُرُورُ ﴾ [الحديد: 14]، وقوله : (اتَّخَذْتُمْ ءَايَتِ اللهِ هُرُوا وَغَرَّ تكُرُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْبُونَ ﴾ [ الجائية: 35] وغيره من الآيات الكريمة.
نبه على وهن هذه العلة وضعفها بقوله (وحقاً أقول ما الدنيا غرتك) يعني أنها ليست علّة تامة قوية للاغترار (ولكن) علّة مادية ضعيفة سخيفة بنقصان عقلك (بها اغتررت ) كما اغتر بها كل ناقص العقل فاتّصافك بالاغترار بها حقيقة واتصافها بالغرور لك مجاز وإسناد الأول إليك أصدق وأجدر من إسناد الثاني إليها .
وأوضح عدم كونها سبباً تاماً للغرور بالتنبيه على اتصافها بضده من النصح والموعظة فقال (و) ل- ( قد كاشفتك العظات) أي وعظتك جهاراً بالمواعظ البالغة والنصائح الكاملة من تقلباتها وتصاريفها بأهلها وفنائها وزوالها وغيرها فلم يكن أحد منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرّائها بطناً إلا منحته من ضرائها ظهراً، وإن جانب منها اعذوذب وأحلى أمر منها جانب فأوبى لا ينال امرؤ من غضارتها رغباً إلا أرهقته من نوائبها تعباً، ولا يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف.
وحسبك من عظاتها النظر في السلف الماضين من الإخوان والأقربين الذين أرهقتهم المنايا دون الآمال، وشذبهم عنها تخرّم الآجال، حملوا إلى وهدة القبور بعد سكنى القصور، وجعل من الصفيح أجنان، ومن التراب أكفان، ومن الرّفات جيران ، جميع وهم آحاد ، وجيرة وهم أبعاد ، متدانون لا يتزاورون ، وقريبون لا يتقاربون، إلى غير تلك مما لا حاجة إلى ذكرها .
(وآذنتك على سواء ) أي أعلمتك مساوئها ومعايبها ومآل أمرها على عدل وصدق
وصواب من دون حيف وميل وزيغ عن مستقيم طريق الصدق .
(و) أقسم بالله تعالى حقاً (الهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك) وبسرعة الآفة إلى جسدك (والنقص في قوتك ) والضعف والانحلال في قواك (أصدق وأوفي) بوعدها (من أن تكذبك أو تغرّك ) وتخلف الميعاد (ولربّ ناصح لها عندك متهم وصادق من خبرها مكذب) أي كم من ناصح واعظ من عبرتها وعظاتها هو متهم عندك في نصحه فلا تقبل قوله ولا تلتفت إلى نصحه لكونه خلاف هوى نفسك، وكم من صادق من إخباراتها الصادقة هو مكذب لديك أي تكذبه لكون خبره منافياً لرأيك مكروهاً لطبعك .
وحاصله أن العبر الدنيوية ترشدك إلى الخير والصلاح وحسن العاقبة وأنت في غفلة
منها أو متوجه إليها ، ولكنك معرض عنها لاستكراه نفسك لها ومضادتها لشهواتك وأمنياتك الحاضرة.
ونبه علیه السلام على خطأ المخاطب في الاتهام والتكذيب ، وأن خبرها على وجه الصدق والصواب ونصحها عن وجه الشفقة والصداقة بقوله (ولئن تعرفتها ) أي طلبت معرفة حالها في الصدق والكذب واستخبرت نصحها وغشها (في الديار الخاوية ) أي الساقطة أو الخالية من إسكانها (والربوع الخالية ) أي المنازل الخالية من أهلها( لتجدنها من حسن تذكيرك وبلاغ موعظتك ) أي موعظتها الكافية (بمحلة الشفيق عليك ) العطوف الرؤوف بك حيث لم تألوك نصحاً ولم تكذب في تذكيرها ولم تغش في نصحها (و) بمنزلة (الشحيح بك) أي البخيل بأن تصيبك ما يسوؤك ويكون مآل أمرك مآل أمر الغافلين الهالكين من عذاب النار وسخط الجبار .
(ولنعم دار من لم يرض بها داراً ) بل جعلها ممراً لمقرّه (ومحل من لم يوطنها محلا) بل جعلها مجازاً إلى مأواه .
وهؤلاء هم السعداء المتقون المنتفعون بما فيها من العبر المشار إليهم بقوله (وإن السعداء بالدنيا غداً هم الهاربون منها اليوم ) قال الشارح البحراني : وجه سعادتهم بها استثمارهم للكمالات المعدة في الآخرة منها ولن يحصل ذلك إلا بالهرب منها اليوم، وكنى بالهرب منها عن الإعراض الحقيقي عن لذاتها والتباعد من اقتنائها لذاتها لاستلزام الهرب عن الشيء، التباعد عنه والزهد فيه ، وظاهر أن التباعد منها بالقلوب إلا ما دعت الضرورة إليه واتخاذها مع ذلك سبباً إلى الآخرة من أسباب السعادة ومستلزماتها .
كما أشار إليه سيد المرسلين صلی الله علیه واله وسلم من حاله فيها بقوله : ما أنا والدنيا إنما مثلي فيها كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فنزل فقعد في ظلها ساعة ثم راح فتركها (1)، هذا .
ولما نبه علیه السلام على أن أهل السعادة غداً هم الهاربون منها اليوم فسرّ مراده بالغد بقوله : (إذ رجفت الراجفة ) أي تحركت بترديد واضطراب ، والرجفة الزلزلة العظيمة الشديدة وهو اقتباس من الآية الشريفة : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [النازعات: 6- 7] . قال بعض المفسرين : معناها يوم تضطرب الأرض اضطراباً شديداً، وتحرك تحركاً عظيماً، يعني یوم القيامة تتبعها الرادفة أي اضطرابة أخرى كائنة بعد الأولى في موضع الردف من الراكب.)(وحقت بجلائلها القيامة أي أهاويلها الجليلة ودواهيها العظيمة الشديدة (ولحق بكل منسك أهله وبكل معبود عبدته وبكل مطاع أهل طاعته ) أشار إلى لحوق كل نفس يوم القيامة بما)
1) مجمع الزوائد : 326/10 والمعجم الكبير : 162/10 .
ومن تحبه وتهواه من عمل الصالح والسيء ومعبوده الحق والباطل.وإليه الإشارة في (النبوي : يحشر المرء مع من أحب ولو أحب أحدكم حجراً لحشر معه، وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدَا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِردا ) [مريم: 86-85])فإن كان عمل المرء في الدنيا الله ومعبوده هو الله وهواه في الله فحشره يوم القيامة مع أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .وإن كان عمله لغير الله ومعبوده سوى الله ومحبته لأعداء الله فحشره معهم ومع الشياطين كما قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَإذا انشَقَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرَدَةً كَالْدِهَانِ فَبِأَيِّ وَالآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: 36 - 38] .)فإن قيل : إذا كان يلتحق بكل معبود عبدته وبكل مطاع أهل طاعته فالتحاق النصارى إذاً بعيسى والغلاة بأمير المؤمنين علیه السلام ، وكذلك عبدة الملائكة، فما تقول في ذلك؟قيل : معنى الالتحاق أن يؤمر الاتباع في الموقف بالتميز إلى الجهة التي فيها الرؤساء، ثم يقال للرؤساء: أهؤلاء أتباعكم وعبدتكم؟ فحينئذ يتبرؤن منهم فينجوا الرؤساء وتهلك الأتباع كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَنَكَ أَنتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ: 40 - 41] .)أقول : وأوضح دلالة من هذه الآية قوله سبحانه في سورة الفرقان : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَن نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَّتَعْتَهُمْ وَمَابَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا نَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْراً وَمَن يَظْلِم مِنكُمْ نُذِفَهُ عَذَابًا كبيرا [ الفرقان: 19-17].)قال أمين الإسلام الطبرسي في تفسيرها : أي يجمعهم وما يعبدون - يعني عيسى وعزير والملائكة «فيقول » لهؤلاء المعبودين : ﴿ أَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ أي طريق الجنة والنجاة (قالوا) يعني المعبودين (سُبْحَنَكَ ) يعني تنزيهاً لك عن الشريك وعن أن يكون معبوداً سواك (مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَن تَتَّخِذَ ) بضم النون وفتح الخاء في رواية الصادق علیه السلام وزيد بن علي وأكثر القراء : يفتح النون وكسر الخاء (مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ) أي ليس لنا أن نوالي أعداءك بل أنت ولينا من دونهم ، وقيل : معناه ما كان يجوز لنا وللعابدين وما كان يحق لنا أن نأمر أحداً بأن يعبدنا ولا يعبدك فإنا لو أمرناهم بذلك لكنا واليناهم ونحن لا نوالي من يكفر بك، ومن قرأ : نتخذ ، فمعناه ما كان يحق لنا أن نعبد (ولكن متعتهم وأبائهم حتى نسوا)
الذكر معناه : ولكن طوّلت أعمارهم وأعمار آبائهم ومتعتهم بالأموال والأولاد بعد موت الرسل حتى نسوا الذكر المنزل على الأنبياء وتركوه ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا ) أي هلكي فاسدين.)هذا تمام الحكاية عن الحكاية عن قول المعبودين من دون الله سبحانه ، فيقول الله سبحانه عند تبرؤ المعبودين من عبدتهم: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم أي كذبكم المعبودون أيها المشركون (يما تقولون ) أي بقولكم إنهم آلهة شركاء الله ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْنَا وَلَا نَصْراً ) أي فما يستطيع المعبودون صرف العذاب عنكم ولا نصراً لكم بدفع العذاب عنكم، هذا .)وقوله (فلم يجر في عدله يومئذ خرق بصر في الهواء ولا همس قدم في الأرض إلا بحقه قد عرفت اختلاف الروايات في قوله فلم يجر .)فعلی کونه مضارع جرى ، فمعناه : فلم يكن ولم يتحدد في ديوان حسابه ذلك اليوم صغير ولا حقير إلا بالحق والإنصاف، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حكم بين العِبَادِ [غافر : 48] .)وعلى كونه مضارع جاز فالمعنى: أنه لم يسغ ولا يرخص ذلك اليوم لأحد منالمكلفين في حركة من الحركات المحقرات المستصغرات إلا إذا كان قد فعلها بحق .وعلى كونه مضارع جار بالراء المهملة فالمعنى أنه لم يذهب عنه سبحانه ولم يضلّ ولم يشذ عن حسابه حسابه شيء من محقرات الأمور إلا بحقه ، أي إلا ما لا فائدة في إثباته والمحاسبة عليه ونحو الحركات المباحة ، هكذا في شرح المعتزلي.ويظهر من بعض الشروح رواية رابعة وهو كونه مضارع جزى بالزاء المعجمة بصيغة المجهول حيث قال : قوله فلم يجز في عدله ، أي لا يجزى أحد يومئذ ولا يكافأ إلا بما يستحقه من الثواب والعقاب.وعلى هذه الرواية فيكون مساقه مساق قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس: 54] وعلى أي تقدير فالغرض الإخبار عن عموم عدله تعالى في مظالم الناس على أنفسهم وعلى غيرهم، وقد مضى في شرح الخطبة المائة والخامسة والسبعين ما ينفعك ذكراه في هذا المقام . (فكم حجة يوم ذاك داحضة ) أي لم يبق للناس على الله حجّة بعد الرسل وإنما هلك من هلك عن بينة وحي من حي عن بينة (وعلائق عذر منقطعة ) فلا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون .
(فتحر من أمرك ما يقوم به عذرك وتثبت به حجتك) أي اطلب واعتمد من أمورك
وأفعالك في الدنيا ما به قوام أعذارك المقبولة يوم القيامة وما به ثبات حججك الصحيحة يومئذ وهو أمر بتحصيل الكمالات النفسانية ومواظبة التكاليف الشرعية وملازمة سنن الشريعة، إذ الأعذار الشرعية مقبولة البتة وكذلك الحجج البرهانية الموافقة لأساس الشريعة .
(وخذ ما يبقى لك) وهو الآخرة ونعيمها الباقي (مما لا تبقى له ) وهو الدنيا ونعيمها الفاني كما قال عليه الصلاة والسلام في الديوان:
فلا الدنيا بباقية لحي *** ولا حيّ على الدنيا بباق
والمراد أخذ الآخرة عوضاً من الدنيا أو تحصيلها فيها فإن الفوز بالسعادة الدائمة إنما يحصل بالقيام على التكاليف في دار الدنيا لأنها دار التكليف والآخرة دار الجزاء، وهذه الفقرة نظير قوله علیه السلام في الكلام المائتين والثاني : فخذوا من ممركم لمقركم.
وفي الإتيان بالموصول من دون أن يقول: وخذ الآخرة من الدنيا تأكيد للغرض المسوق له الكلام وحثّ على شدّة الأخذ (وتيسر لسفرك) وهو أمر بتهيئة الزاد لسفر الآخرة والاستعداد للمعاد وخير الزاد الزهد والتقوى (وشم برق النجاة) أي انظر إلى لوامع الأنوار الإلهية وبوارق النجاة التي تنجيك من الظلمات ومهاوي الهلكات (وارحل مطايا التشمير) والجدّ إلى الجهة التي أنت متوجه إليها ، وهو أمر بالاجتهاد في العمل لما بعد الموت، قال البحراني: استعار لفظ المطايا لآلات العمل ولفظ الإرحال لأعمالها .
از جمله کلام نصایح انجام آن امام است که فرموده آن را در وقت تلاوت کردن آیه شريفه "يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم" يعنی "ای فرزند آدم چه چیز مغرور ساخته تو را به پروردگار تو که موصوف است به جود و کرم "؛ آن حضرت ، بعد از تلاوت آیه که انسان مخاطب به خطاب این آیه است فرمود :
باطل ترین سؤال شدگان است از حیثیت حجت و دلیل و بریده ترین فریفته شدگان است از حیثیت عذر خواهی هر آینه شدت نموده به نفس خود از حیثیت نادانی . ای انسان چه چیز جری و جسور نمود تو را بر گناه خودت؟ و چه چیز مغرور ساخت تو را به پرودگار خودت؟ و چه چیز انسداد تو را به هلاکت نفس خودت؟ آیا نیست از درد گناه تو بهبودی؟ آیا نیست از خواب غفلت تو بیداری؟ آیا رحم نمی کنی به نفس خود به قراری که رحم میکنی بر غیر خود؟(1)
هر آینه بسیار است که می بینی شخصی را در آفتاب ، پس بر او از رحمت سایه کنی یا می بینی شخصی به الم مبتلا شده مثل زخمی و بشره ای که در می
بشرهای آورد و میسوزاند تن او را ، پس از ترحم بر او گریه کنی پس چه چیز صابر ساخته است تو را بر درد و مرض تو و قوی کرده است تو را بر مصیبتهای تو و خرسند کرده است تو را از گریستن بر نفس خود که به چنین بلایی گرفتار است و آن عزیزترین جان هاست بر تو و چگونه بیدار نمیکند تو را ترس شبیخون خشم های خدا و حال آن که در آمدهای به آمدهای به سبب معاصی در ورطه مسالك سطوات او تعالى .
پس دوا پذیر از این درد سستی که در دل مرده داری به جد و جهد و قوّت عزمی و از خواب غفلت که در چشم گران خواب داری به بیداری و هشیاری و باش خدای را فرمان برنده و به یاد او انس گیرنده و ممثل گردان پیش نظر خویش در حالی که روی گردانیده ای از خداوند تعالی اقبال او را بر تو ، میخواند تو را به عفو خود و میپوشاند تو را به فضل خود و تو روی گردانیده ای از او به سوی غير او و اقبال نمیکنی بر او .
پس بلند است خدای توانا چه حلیم است و پستی بنده ضعیف چه دلیری بر معصیت خدا و حال آن که در پناه عفو او اقامت کننده ای و در فراخی فضل او گردنده ای و رونده ای ، پس منع نکرد تو را با این حال از فضل خود و ندرید از تو پرده عفو خود را ، بلکه خالی نبودی از آثار لطف او يك چشم زدن در نعمتی که احداث می کند برای تو ، یا بدی که میپوشد بر تو یا بلایی که باز می گرداند از تو – با نافرمانی - پس چه گمان داری به او تعالی اگر اطاعت کنی او را .
و به خدا قسم اگر آن که این صفت در دو شخص موافق در قوت یکسان در قدرت میبود و این معامله با مثل خود بشری می کردی ، هر آینه بودی تو اول حکم کننده بر خود به اخلاق نکوهیده و اعمال ناپسندیده و حق میگویم نه دنیا تو را فریب داد ، بلکه تو به او فریفته گشتی و او هر آینه روشن کرد برای تو پندها و اعتبارها و اعلام نمود به راستی راستی بی خلاف و جفا .
و این دنیا به این وعدهها که تو را میدهد به نزول بلا بر جسمت و نقصان قوتت و شکستنی بنیان جانب ، راستگوتر و وفاکننده تر است از آن که دروغ گوید با تو یا غدر کند و بفریبد تو را و بسا ناصح مر دنیا را که نزد تو متهم است و نصیحت او باور نداری و خبر راست از او که دروغ شماری .
و اگر خبر بگیری از دنیا در دیار او که خراب مانده است و منازل او که از اهل آن خالی مانده است ، هر آینه می یابی او را از راه موعظت نیکو و پند بلیغ که تو را داده است به منزلت پدر مهربان است و بخیل است به تو و خوب سرایی است دنیا برای کسی که راضی نشود به آن که سرای خود داند و خوب محلی است برای کسی که آن را محل وطن نسازد.
و به درستی نيك بختان به دنیا فردا ، ایشاناند که می گریزند امروز از دنیا ، روزی که بلرزد زمین و ثابت گردد به وقایع جلیله قیامت و ملحق شود به هر عبادت و دینی اهل آن و به هر معبودی عابدان آن ؛ عابدان اصنام به اصنام و عابدان انام به انام و عابدان حق به معبود خویش و ملحق شود به هر طاعت برده شده بر آن
او.
پس جزا داده نشود یا نگذرد یا جاری نگردد در عدل و داد خداوند عباد آن روز نفوذ نظری در هوا و نه نرم گذاشتن قدمی در زمین مگر به حق آن، پس بسا
حجت ها که آن روز باطل گردد و عذرها که شخص به آن در آویخته بود منقطع
گردد.
پس طلب کن از کار خود برای مصلحت آن روز آنچه قائم شود به آن عذر تو و ثابت گردد حجت تو و فراگیر آنچه باقی میماند برای تو از آنچه باقی نمی مانی تو برای آن و مهیا شو برای سفر خود و نظر کن برق نجات از کجا میزند و به کجا میرود و بر کجا میبارد و بار برنه شتران چالاک شدن و راه پیمودن را .
ملتقط من كلام طويل رواه المحدّث العلامة المجلسي قدس سره في (البحار) من (الأمالي) بتفصيل واختلاف كثير تطلع عليه إن شاء الله تعالى في التكملة الآتية بعد الفراغ من شرح ما رواه الرّضي قدس سره، وهو قوله عليه الصلاة والسلام :
وَاللَّهِ لَاِنْ أبِيتَ عَلى حَسَكِ السَّعْدانِ مُسَهْداً ، وَأَجَرٌ فِي الأَغْلالِ مُصَغَداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أَلْقَى الله ورَسُولَهُ صلی الله علیه واله وسلم يَوْمَ القِيمَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ العِبادِ، وغاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الحُطَامِ، وَكَيْف أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إلَى البِلى قُفُولُها ، ويَطولُ فِي الثّرى حُلُولُها .
وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقيلاً وقَدْ أَمْلَقَ، حَتَّى اسْتَماحَنِي مِنْ بُرْكُمْ صاعاً، ورَأَيْتُ صِبْيانَهُ شُعْتَ الشُّعُورِ ، غَيْرَ الأَلْوانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّما سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالعَظْلَم، وعاوَدَني مُؤكداً وكَرَّرَ عَلَيَّ القَوْلَ مُرَدَّداً ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ ديني، وَأَتَّبِعُ قِيادَهُ مُفارقاً طَرِيقَتي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أدْنَيْتُها مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بها ، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِها ، وكادَ أَنْ يَخْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِها ، فَقُلْتُ لَهُ: تَكلَتْكَ الشَّواكِلُ يا عَقِيلُ أَتَيْنُ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْماها إِنْسانُها لِلَعِبِهِ، وتَجُرُّني إلى نارٍ سَجَّرَها جَبَارُها لِغَضَبِهِ ، أَتَيْنُ مِنَ الأذى، ولا أَيْنُ مِنْ لَظى.
وأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ طَارِقٌ طَرَقْنا بِمَلْفُوفَةٍ في وعائها ، ومَعْجُونَةٍ شَيْتُهَا ، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْنِها ، فَقُلْتُ : أصِلَةٌ أَمْ زَكاةً أَمْ صَدَقَةٌ، فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنا أَهْلَ البَيْتِ، فَقَالَ : لا ذَا ولا ذاكَ ولكنَّها هَدِيَّةٌ، فَقُلْتُ : هَبِلَتْكَ الهَبُولُ أَعَنْ دِينِ الله أَتَيْتَني لتَخْدَعْنِي، أَمُخْتَبِط أمْ ذُو جنَّة، أم تَهْجُرُ.
وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الأَقالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاكِهَا عَلى أَنْ أَعْصَى الله في نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جِلْبَ شَعِيرَةِ ما فَعَلْتُهُ ، وإِنَّ دُنْياكُمْ عِنْدَي لأهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ في فَم جَرادَةٍ تَقْضِمُها ، ما لِعَليٍّ ولِنَعِيمٍ يَفْنى، ولذة لا تبقى، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُباتِ العَقْلِ وقُبْحِ الزَّلَلِ ، وبِهِ نَسْتَعِينُ (1).
(بات) فلان يفعل كذا يبيت بيتاً ،وبياتاً ومبيتاً وبيتوتة ، أي يفعله ليلاً وليس من النوم،
1) نهج السعادة : 903 ، وبحار الأنوار : 163/41 .
وقال الزجاج: كل من أدركه الليل فقد بات نام أم لم ينم .
و (السعدان) بفتح السين ، نبت ذو شوك يقال له : حسك السعدان ، يشبه به حلمة الثدي وهو من أفضل مراعي الإبل ومنه قولهم : مرعى ولا كالسعدان . وبتفسير أوضح: نبت ذو حسك له ثلاث شعب محدّدة على أي وجه وقعت على الأرض كانت له شعبتان قائمتان .
و (السهد) بالضم الأرق، وبضمتين : القليل النوم، وقد سهد سهداً من باب فرح وسهدته أي منعته من التوم فهو مسهد و (أجر) بالبناء على المفعول و (صفده) يصفده من باب ضرب ، شدّه وأوثقه كأصفد، والصفاد وزن كتاب ما يوثق به الأسير من قيد أو قد .
و (الحطام) بالضم فتات التبن والحشيش وما يتكسر من شيء يابس، قال تعالى : (ثم يَهِيجُ فَتَرَكَهُ مُصْفَ يَجْعَلهُ ﴾ [الزمر: 21] أي رفاتاً منكسراً متفتتاً و (قفل) من باب نصر وضرب قفولاً رجع فهو قافل ، والقافلة الجماعة الراجعة من السفر و (الإملاق) الافتقار ، قال تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِ [الإسراء: 31) و (الاستماحة ) طلب المنح هو كالامتياح الإعطاء و (البر) الحنطة .
و (الصاع) أربعة أمداد كل مد رطل وثلث ، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية إستار وثلثا إستار، والإستار أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم ، وفي (مجمع البحرين) في الحديث : كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد قال بعض شراح الحديث : الصاع ألف ومائة وسبعون درهماً وثمانمائة وتسعة عشر مثقالاً .
و (العظلم) وزن زبرج شيء يصبغ به ، قيل : هو النيل، وقيل: الوسمة وربما يقال : الليل المظلم و (القياد) بالكسر ما يقاد به ، و (الميسم) بكسر الميم وفتح السين آلة الوسم و (الثكل) بالضم وبالتحريك أيضاً فقدان الحبيب أو الولد وتكله من باب فرح، فهي ثاكل وثكلانة القليلة، والثواكل النساء الفاقدات لأولادها.
و (أن) بأن أنا وأنيناً تأوه و (الطارق) هو الآتي بالليل ، وسمي طارقاً لاحتياجه إلى طرق الباب بالمطرقة و (شناه ) من باب منع وسمع شنئاً بتثليث الأول وشنأته أبغضته و (هبلته) أمه من باب فرح ثكلته و (الهبول) بفتح الهاء التي لا يبقى لها ولد من النساء.
و (خبط) الشيطان فلاناً منه بأذى كتخبطه وخبط زيداً واختبطه سأله المعروف من غير أصرة أي قرابة ورحم وسابقة بينهما و (الهجر) الهذيان و (الجلب) والجلبة بالضم القشرة التي تعلو الجرح عند البرء و (قضم) قضماً من باب سمع أكل بأطراف أسنانه أو أكل يابساً و (السبّات) وزن غراب النوم أو خفيه أو ابتداؤه في الرأس حتى يبلغ القلب
لفظة (أن) في قوله علیه السلام: (والله لأن أبيت ) مصدرية ناصبة للفعل المضارع المتكلم وهي منصوبة في تأويل المصدر ومحل الرفع بالابتداء وخير المبتدأ قوله : أحب إلي ، وقوله علیه السلام : مسهداً حال مؤكدة لعاملها وهو أبيت إن كان السهر مأخوذاً في معنى البيات ، وإلا كما هو قول الزجاج وغيره حسبما عرفت فتكون حالاً مؤسسة .
وقوله علیه السلام : ( وكيف أظلم)، استفهام إنكاري على حد قوله تعالى : (أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُم البنين ) [الإسراء: 40] فيكون ما بعد الاستفهام غير واقع ومدعيه كاذباً ومؤكداً ومردّداً أيضاً ﴾ حالاً يكون مؤكدتان على حد قوله تعالى: وَلَى مُذيرًا [النمل: 10] ، وقوله علیه السلام : (أتئن من حديدة؟ ) استفهام للتقرير أو التقريع وكذلك قوله : (أمختبط أم ذو جنة؟).
اعلم أن المقصود بهذا الكلام التنبيه على نزاهة نفسه من محبة الدنيا والرغبة إلى حطامها الموجبة للظلم على الناس والعدول عن سنن العدل في حقوقهم فدل على ذلك المقصود بنفي إقدامه على الظلم لينتقل بذلك إلى نفي ملزومه الذي هو حب الدنيا وافتتح الكلام بالقسم البار .
فقال (والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً ) أي ممنوعاً من النوم (وأجر في الأغلال مصفداً) أي مشدداً موثقاً بالسلاسل (أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله صلی الله علیه واله وسلم يوم القيامة ظالماً البعض العباد ) في حقه مالياً أو غير مالي (وغاصباً لشيء من الحطام) أي للحق المالي فيكون عطف الثاني على الأول عطف الخاص على العام على حد قوله تعالى: قُلْ هِيَ مَوقِيتُ من لِلنَّاسِ وَالْحَج [البقرة : 189] واستعار لفظ الحطام لمتاع الدنيا وزبرجها والجامع الحقارة.
ونظير ذلك وجه الشبه في قوله تعالى: اَعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرم بيْنَكُمْ وَتَكَانُرٌ فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوَلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَما وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ [الحديد: 20].)وحلفه علیه السلام على كون البيات على الحسك والجرّ في الأغلال أحب إليه من لقاء الله ورسوله متصفاً بالظلم والغصب مما لا غبار عليه ، وعلّة أحبيتها إليه علیه السلام أنهما وإن كان فيهما ألم شديد إلا أن ذلك الألم بالنسبة إلى ما يترتب على الظلم من العذاب الشديد الأخروي أسهل وأهون.
وهذا في حق عموم العقلاء الملاحظين لعاقبة الأمور، وأما في حقه علیه السلام وحق سائر أولياء الله المقربين فلو لم يترتب على الظلم من العقوبات الأخروية سوى سوء لقاء الله ورسوله والاستحياء منهما والحجب عن مقام الزّلفى فقط لكفى ذلك في ترجيح البيات على الأشواك والجرّ في الإغلال عليه.وبما ذكرته علم أن لفظ أحب في كلامه علیه السلام لم يرد به التفضيل الذي صيغة أفعل حقيقة فيه وإنما أراد به المعنى الوصلي نظير صيغة المبالغة في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَمٍ لِلْعَبِيدِ .)ويومىء إليه أيضاً تشديده النكير على إقدامه على الظلم في قوله علیه السلام (وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى ققولها أي رجوعها من الشباب إلى الشيب الذي معدّ للبلى والاندراس وضعف القوى كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿ اللهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ قُومَ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ) [الروم : 54] أو رجوعها إلى الآخرة فإنها المكان ﴾ الأصلي وفيها تبلى الأجساد كما قال تعالى : (ومِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) [طه: 55] وعلى الاحتمال الأخير فنسبة البلى إلى نفسه علیه السلام بالنظر إلى زعم الناس لما قد عرفت في شرح الخطبة السادسة والثمانين عدم سرعة البلى إلى أبدان الأنبياء والأوصياء علیه السلام . قال العلامة المجلسي قدس سره : ويحتمل أن يكون قفول جمع قفل بالضم فإنه يجمع على أقفال وقفول فاستعير هنا لمفاصل الجسد، وعلى أي تقدير فالمراد بالنفس في كلامه علیه السلام هو الجسد لا الروح كما هو ظاهر (1).
وقوله عليه الصلاة والسلام (ويطول في الثرى حلولها ) إشارة إلى طول لبثها في القبر إلى يوم البعث .
ثم أكد علیه السلام براءة ساحته من الظلم باقتصاص قصته أخيه عقيل فقال مؤكداً بالقسم مع البار (والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق ) أي افتقر وصار ملقاً ضعيفاً (حتى استماحني) أي طلب السماحة والجود وأن أعطيه (من بركم صاعاً ) وقد مضى مقداره في بيان اللغة (ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان ) أي مغبر الرؤوس متغير الألوان (من) شدة (فقرهم) وضرّهم (كأنما سودت وجوههم بالعظلم ) فإن من نحل جسمه من الجوع يضرب لونه إلى السواد كما أن
مني البادن بعكس ذلك.
1) بحار الأنوار: 351/40
(عاودني) أي العقيل ( مؤكداً) للاستماحة (وكرر علي القول مردداً) وبعدما أصر على سؤاله (فأصغيت إليه سمعي ) أي أملتها نحوه (فظن أني أبيعه ديني) وأخون في بيت مال المسلمين (وأتبع قياده )أي أطيعه وأنقاد له. قال الشارح البحراني: قياده ما يقوده به من الاستعطاف والرحم، وفي بعض النسخ: اتبع بصيغة الغيبة، قال العلامة المحدث المجلسي: فلعله إشارة إلى ذهابه إلى معاوية ، انتهى . والأول أولى وأنسب بالسياق .
وقوله علیه السلام ( مفارقاً طريقتي) أي العدل والأسوة (فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ) وينزجر ويذكر نار الآخرة (ف)لما مسته حرارة الحديدة (ضخ ضجيج ذي دنف) أي مرض مؤلم (من ألمها وكاد أن يحترق من ميسمها ) أي من أثرها فى يده (فقلت له ثكلتك الثواكل ) أي النساء النادبات (يا عقيل أتئن ) وتضجّ (من حديدة أحماها إنسانها للعبه).
قال الشارح المعتزلي : لم يقل إنسان لأنه يريد أن يقابل هذه اللفظة بقوله : جبارها (1)، والمراد باللعب خلاف الجد في الإحماء الناشيء من الغضب ولذلك قابله بالغضب في قوله علیه السلام (وتجرني إلى نار سجرها ) أي أوقدها (جبارها لغضبه أتئن من الأذى) أذى نار الدنيا (ولا أئن من لظى ) نزاعة للشوّى أي إذا كنت تثن من أذى نار الدنيا وألمها على ضعفها وحقارتها فكيف لا أئنّ من نار الآخرة التي وقودها الناس والحجارة على شدتها وقوتها .
ومحصل غرضه من ذكر قصة عقيل التنبيه على غاية مراعاته للعدل وتجنبه عن عن الظلم ومحافظته على بيت مال المسلمين ، فإن من منع أخاه على شدة فاقته وفاقة عياله مع قرابتهم القريبة والرحم الماسة وكونهم من جملة ذوي الحقوق في بيت المال من أن يعطيه منه شيئاً يسيراً من الطعام وهو الصاع من البر لمحض الاحتياط في الدين وملاحظة حقوق المسلمين، وخوفاً من شبهة الظلم ، فأبعد من أن يحوم حوم الظلم ثم أبعد .
قال الشارح المعتزلي : سأل معاوية عقيلاً عن قصة الحديدة المحماة المذكورة قال : أصابتني مخمصة شديدة فسألته علیه السلام فلم تند صفاته، فجمعت صبياني فجئت بهم إليه والبؤس والضر ظاهران عليهم ، فقال علیه السلام : ائتني عشية لأدفع إليك شيئاً، فجئته يقودني أحد ولدي، فأمره بالتنحي ثم قال علیه السلام: ألا فدونك، فأهويت حريصاً قد غلبني الجشع، أظنها صرة فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً ، فلما قبضتها نبذتها وخرّت كما يخور الثور تحت يد جازره فقال : ثكلتك أمك هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا، فكيف بك غداً إن سلكنا في سلاسل جهنم ثم قرأ: (وإذِ الْأَعْلَلُ فِي أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَيلُ يُسْحَبُونَ ) [غافر: 71] ثم قال علیه السلام : ليس عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى فانصرف إلى أهلك ،
1) شرح نهج البلاغة : 247/11.
فجعل معاوية يتعجب ويقول: هيهات هيهات النساء أن يلدن بمثله (1).
وفي (البحار) من مناقب ابن شهر آشوب من جمل أنساب الأشراف قال : وقدم عليه عقيل فقال للحسن : اكس عمك ، فكساه قميصاً من قمصه ورداءة من أرديته ، فلما حضر العشاء فإذا هو خبز وملح، فقال عقيل : ليس إلا ما أرى ، فقال علیه السلام : أو ليس هذا من نعمة . الله وله الحمد كثيراً، فقال: أعطني ما أقضي به ديني وعجّل سراحي حتى أرحل عنك، قال علیه السلام : فكم دينك يا أبا يزيد؟ قال: مائة ألف درهم ، قال علیه السلام : لا والله ما هي عندي ولا أملكها ولكن اصبر حتى يخرج عطائي فأواسيكه ولولا أنه لا بد للعيال من شيء لأعطيتك ،كله فقال عقيل : بيت المال في يدك وأنت تسوّفني إلى عطائك وكم عطاؤك، وما عساه يكون ولو أعطيتنيه كله فقال علیه السلام : ما أنا وأنت فيه إلا بمنزلة رجل من المسلمين وكانا يتكلمان فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق أهل السوق، فقال علي علیه السلام: إن أبيت يا أبا يزيد ما أقول فانزل إلى بعض هذه الصناديق فاكسر أقفاله وخذ ما فيه، قال: وما في هذه الصناديق ؟ قال علیه السلام: فيها أموال التجار ، قال : أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكلوا على الله وجعلوا فيها أموالهم؟ فقال أمير المؤمنين : أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم وقد توكلوا على الله وأقفلوا عليها وإن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي وخرجنا جميعاً إلى الحيرة فإن بها تجاراً مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله ، فقال: أو سارقاً جئت ؟ قال علیه السلام: نسرق من واحد خير من أن نسرق من المسلمين جميعاً، قال له: أو تأذن لي أن أخرج إلى معاوية؟ فقال عليه الصلاة والسلام له : قد أذنت لك، قال: فأعنّي على سفري هذا، فقال علیه السلام: يا حسن أعط عمك أربعمائة درهم، فخرج عقيل وهو يقول :
سيغتيني الذي أغناك عني *** ويقضي ديننا ربّ قريب (2)
وذكر عمرو بن العلاء أن عقيلاً لما سأل عطاءه من بيت المال قال له أمير المؤمنين علیه السلام : تقيم إلى يوم الجمعة فأقام ، فلما صلّى أمير المؤمنين علیه السلام الجمعة قال لعقيل : ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين؟ قال : بئس الرجل ذاك ، قال علیه السلام: فأنت تأمرني أن أخون هؤلاء وأعطيك (3)
وفيه من (المناقب) أيضاً قال : سمعت مذاكرة من الشيوخ أنه دخل عليه عمرو بن العاص ليلة وهو في بيت المال فطفى السراج وجلس في ضوء القمر ولم يستحل أن يجلس في الضوء
بغير استحقاق (1)، هذا
(وأعجب من ذلك) أي مما ذكرته من قصة عقيل قصة الأشعث بن قيس الكندي وتقربه إلي بالهدية التي كانت رشوة في الحقيقة استمالة لي وتخديعاً إياي ، فإنه كما قال الشارح المعتزلي : كان أهدى له نوعاً من الحلواء تأنق فيه وكان يبغض الأشعث لأن الأشعث كان يبغضه، وظن الأشعث أنه يستميله بالمهاداة لغرض دنيوي كان في نفس الأشعث وكان علیه السلام يتفطن لذلك ويعلمه، ولذلك ردّ هديته ولولا ذلك لقبلها كما نبه علیه السلام على ذلك بقوله :
(طارق طرقنا ) أي أتى إلينا ليلاً (بملفوفة) أي بهدية على زعم الطارق بها لفها وغطاها (في وعائها ومعجونة شنتتها )أي أبغضتها ونفرت عنها لما علمت من الطارق بها (كأنما عجنت بريق حية أو قيئها ) أي بالسم القاتل الموجب لغاية البخل والنفرة (فقلت أصلة أم زكاة أم صدقة فذلك ) أي كل منها (محرم علينا أهل البيت) .
قال الشارح المعتزلي: الصلة العطية لا يراد بها الآخرة بل يراد بها وصلة إلى الموصول وأكثر ما تفعل للذكر والصيت والزكاة هى ما تجب في النصاب من المال، والصدقة ههنا هي صدقة التطوع (2).
فإن قلت : كيف قال فذلك محرّم علينا أهل البيت وإنما يحرم عليهم الزكاة الواجبة
خاصة ولا يحرم عليهم صدقة التطوع ولا قبول الصلات .
قلت : أراد بقوله : أهل البيت ، الأشخاص الخمسة وهم : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين علیه السلام فهؤلاء خاصة دون غيرهم من بني هاشم يحرم عليهم قبول الصدقة والصلات، انتهى ملخصاً.
أقول : أما الصلات فلم يقل أحد بحرمتها عليهم علیه السلام ولا على غيرهم من الهاشميين، وأما الصدقة المندوبة فكذلك على مذهب المشهور من أصحابنا، فلا بد في رفع الإشكال من جعل المشار إليه بقوله فذلك أحد الأخيرين - أعني الزكاة والصدقة - أو الصدقة المستحبة مع البناء على مذهب بعض الأصحاب من تحريمها عليهم أيضاً وجعل المراد بالصدقة الكفارات الواجبة.
ويؤيد ذلك أعني كون الإشارة إلى أحد الأخيرين فقط جواب الأشعث بقوله : لا ذا
ولا ذاك، حيث نفى الاثنين من الثلاث دون الثلاث جميعاً، فيكون قوله : ولكنها هدية ،
بمعنى أنها صلة .
وعلى كون المشار إليه جميع الثلاث فاللازم حمل الصلة على ما كان على وجه المصانعة والرشوة، وعلى كون المراد بالصدقة صدقة التطوع والبناء على مذهب المشهور فلا بد من ارتكاب المجاز في التحريم، وحمل قوله علیه السلام : محرم على ما يعمّ الكراهة والحرمة المصطلحة، فافهم جيدا .
(فقال لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية ) وإنما قال ذلك لكونه عارفاً بأنه علیه السلام كان يقبل الهدايا ولا يشمئز منها إلا أنه علیه السلام لما عرف فساد غرضه فيها اعترض عليه وأجابه بقوله : (فقلت هبلتك الهبول ) أي ثكلتك أمك (أعن دين الله أتيتني لتخدعني أمختبط) أنت (أم ذو جنة أم تهجر ) الاستفهام إنكاري والغرض منه توبيخ الأشعث وتقريعه على ما أتى به من الهدية والتعريض عليه بأن إتيانه بها مع ما أضمر من سوء النية يشبه فعل صاحب الخبط والجنون والهذيان.
قال الشارح المعتزلي : المختبط المصروع من غلبة الأخلاط السوداء أو غيرها عليه، وذو الجنة من به مس من الشيطان، والذي يهجر هو الذي يهذي في مرض ليس بصرع کالمبرسم ونحوه ، انتهى .
أقول : إن أراد أن المختبط قسيم ذي الجنّة يعني خصوص المصروع من غير مس
الشيطان ، فيردّه قوله تعالى: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِ [البقرة: 275] وإن أراد كونه أعمٌ منه فلا بأس به.)لكن الأظهر أن يكون مراده علیه السلام به كونه ذا خبط أي طالب معروف من غير سابقة ولا قرابة أو أنه ذو خبط أي حركة على غير النحو الطبيعي كخبط العشواء .ثم شدد النكير على الطارق وأبطل ما كان في خلده من إمكان إقدامه علیه السلام على الظلم والمعصية بوسيلة الهدية ودق علیه السلام خيشومه بقارعة الخيبة فقال (والله الكريم وأنه لقسم لو تعلمون عظيم (لو أعطيت الأقاليم السبعة) وبقاع الأرضين (بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله ) طرفة عين وأقدم على الظلم ولو (في) حق (نملة) هي أضعف مخلوق (أسلبها جلب شعيرة ) وقشرها (ما فعلته ) وهذا دليل على كمال عدله علیه السلام وبلوغه فيه الغاية القصوى التي لا يتصور ما فوقها .)ولما نبه على نزاهته من الظلم وكان منشأ الظلم كسائر المعاصي هو حبها لكونها رأس كل خطيئة أردفه بالتنبيه على غاية زهده فيها وطهارة لوح نفسه من دنس حبها فقال : (وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها وتكسرها (ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا)
تبقى إنكار لميل نفسه إلى نعيم الدنيا ولذاتها الفانية، يعني أن حال عليّ ينافي رغبته إلى تلك اللذات.)(نعوذ بالله من سبات العقل أي نومه وغفلته عن إدراك مفاسد تلك اللذات وما يترتب عليها من المخازي والهلكات (وقبح الزلل) والضلال عن الصراط المستقيم الناشيء من الركون إلى الدنيا والرغبة إلى نعيمها ( وبه نستعين) في النجاة من تلك الورطات وفي جميع الحالات.)قال كاشف الغمة ولنعم ما قال :واعلم أن أنواع العبادة كثيرة ، وهي متوقفة على قوة اليقين بالله تعالى وما عنده وما أعدّه لأوليائه فى دار الجزاء، وعلى شدة الخوف من الله تعالى وأليم عقابه، وعلي علیه السلام القائل : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، فشدّة يقينه دالة على قوة دينه ورجاحة موازينه، وقد تظاهرت الروايات أنه لم يكن نوع من أنواع العبادة والزهد والورع إلا وحظه علیه السلام منه وافر الأقسام، ونصيبه منه تام بل زائد على التمام، وما اجتمع الأصحاب على خير إلا كانت له رتبة الإمام، ولا ارتقوا قبّة مجد إلا وله ذروة الغارب وقلة السنام ، ولا احتكموا في قضية شرف إلا وألقوا إليه أزمة الأحكام (1.)وروى الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : «يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها ، هي زينة الأبرار عند الله تعالى : الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئاً » ولا ترزأ منك الدنيا شيئاً أي لا تنقص منها ولا تنقص منك (2)وقد أورده صاحب (كفاية الطالب أبسط من هذا قال : سمعت أبا مريم السلولي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : «يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزيّن العباد بزينة أحب إلى الله منها : الزهد في الدنيا، فجعلك لا تنال الدنيا شيئاً ولا تنال(3)الدنيا منك شيئاً، ووهب لك حب المساكين فرضوا بك إماماً ورضيت بهم أتباعاً، فطوبى لمن أحبك وصدق فيك وويل لمن أبغضك وكذب عليك، فأما الذين أحبوك وصدقوا فيك ، فهم جيرانك في دارك ورفقاؤك في قصرك وأما الذين أبغضوك وكذبوا عليك فحق على الله أن يوقفهم موقف الكذابين يوم القيامة »، وذكره ابن مردويه في مناقبه (4).)
فقد ثبت العلي علیه السلام الزهد بشهادة النبي صلی الله علیه واله وسلم بذلك (1، ولا يصح الزهد في الشيء إلا بعد معرفته والعلم به، وعلي علیه السلام عرف الدنيا بعينها وتبرّجت له فلم يحفل بزينتها لشينها وتحقق زوالها، فعاف وصالها وتبين انتقالها ، فصرم حبالها واستبان قبح عواقبها وكدر مشاربها فألقى حبلها على غاربها وتركها لطالبها وتيقن بؤسها وضررها فطلقها ثلاثاً و هجرها ، وعصاها إذ أمرته فعصته إذ أمرها وعلمت أنه ليس من رجالها ولا من ذوي الرغبة في جاهها ومالها ولا ممن تقوده في حبالها وتورده موارد وبالها ، فصاحبته هدنة على دخن، وابتلته بأنواع المحن وجرت في معاداته على سنن ، وغالته بعده في ابنيه الحسين والحسن؛ وهو صلى الله عليه لا يزداد على شدة اللأواء إلا صبراً، ولا على تظاهر الأعداء إلا حمداً لله تعالى وشكراً ، آخذاً بسنة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لا يحول عنها مقتفياً لآثاره لا يفارقها واطئاً لعقبه صلی الله علیه واله وسلم لا يجاوزها، حتى نقله الله تعالى إلى جواره واختار له داراً خيراً من داره فمضى محمود الأثر، مشكور الورد والصدر، مستبدلاً بدار الصفاء من دار الكدر، قد لقي محمداً صلی الله علیه واله وسلم بوجه لم يشوهه التبديل، وقلب لم تزدهه الأباطيل.)### تكملةهذا الكلام له علیه السلام رواه المحدث العلامة المجلسي قدس سره في المجلد التاسع والمجلد السابع عشر من (البحار من الأمالي عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن الحسن الطاري عن محمد بن الحسين الخشاب عن محمد بن محسن عن المفضل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن أبيه علیه السلام قال :)قال أمير المؤمنين علیه السلام : والله ما دنياكم عندي إلا كسفر على منهل حلق إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا ولا لذاذتها في عيني إلا كحميم أشربه غساقاً وعلقم أتجرعه زعاقاً وسمّ أفعى أسقاه دهاقاً وقلادة من نار أوهقها خناقاً، ولقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها وقال لي: اقذف بها قذف الأتن لا يرتضيها ليراقعها، فقلت له : أعزب عني الصباح يحمد القوم السرى وينجلي عنا غيابات الكرى ، ولو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم ولأكلت لباب البرّ بصدور دجاجكم ولشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم، ولكني أصدق الله جلت عظمته حيث يقول : (ومَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
1) بل هو أزهد الناس كما جاءت بذلك الأخبار، قال عمر بن عبد العزيز ما علمنا أحداً كان في هذه الأمة أزهد من علي بن أبي طالب بعد النبي (صلی الله علیه واله وسلم)، راجع مناقب آل أبي طالب : 364/1 ، وقال سفيان بن عينية : لم يكن أحد من الصحابة أزهد من علي راجع الصراط المستقيم : 163/1 ، هذا وقال رسول الله لفاطمة (علیه السلام): من كرامة الله إياك أن زوجك خير أمتي وأزهدهم في الدنيا، كتاب سليم أمتي وأزهدهم في الدنيا، كتاب سليم ،70 ، ولابن أبي الحديد كلام حول كونه أزهد الصحابة فليراجع : شرح النهج : 27/1
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أَوَلَيْكَ الَّذِينَ لَيْسَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود : 15-16])فكيف أستطيع المصير على نار لو قذفت بشررة إلى الأرض لأحرقت نبتها، ولو اعتصمت نفس بقلة لأنضجها وهج النار في قلتها ، وأيما خير لعلي أن يكون عند ذي العرش مقرباً أو يكون في لظى حسيناً مبعداً مسخوطاً عليه بجرمه مكذباً .والله لأن أبيت على حسك السعدان مرقداً وتحتى أطمار على سفاها ممدّداً ، أو أجرّ في أغلالي مصفداً ، أحب إلي من أن ألقى في القيامة محمداً صلی الله علیه واله وسلم خائناً في ذي يتمة أظلمه بفلسه متعمداً ولم أظلم اليتيم وغير اليتيم لنفس تسرع إلى البلى قفولها، ويمتد في أطباق الثرى حلولها، وإن عاشت رويداً فبذي العرش نزولها .معاشر شيعتي احذروا، فقد عضتكم الدنيا بأنيابها ، تختطف منكم نفساً بعد نفس كذئابها، وهذه مطايا الرحيل قد أنيخت لركابها، إلا أن الحديث ذو شجون فلا يقولن قائلكم : إن كلام علي متناقض، لأن الكلام عارض.ولقد بلغني أن رجلاً من قطان المدائن تبع بعد الحنيفية علوجه، ولبس من نالة دهقانة منسوجة، وتضمخ بمسك هذه النوافج صباحه، وتبخّر عود الهند رواحه، وحوله ریحان حديقة يشم تفاحه، وقد مدّ له مفروشات الروم على سرره ، تعساً له بعدما ناهز السبعين من عمره وحوله شيخ يدبّ على أرضه من هرمه وذا يتيمة تضوّر من ضرّه ومن قرمه ، فما واساهم بفاضلات من علقمه لئن أمكنني الله منه لأخضمنّه خضم البر ، ولأقيمن عليه حدّ المرتد، ولأضربنه الثمانين بعد حد، ولأسدن من جهله كل مسدّ ، تعساً له أفلا شعر أفلا صوف وبر أفلا رغيف قفار الليل إفطار معدم أفلا عبرة على خدّ في ظلمة ليالي تنحدر ولو كان مؤمناً لا تسقت له الحجة إذا ضيّع ما لا يملك .والله لقد رأيت عقيلاً أخي وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعه، وعاودني في عُشر وسق من شعيركم يطعمه جياعه، ويكاد يلوي ثالث أيامه خامصاً ما استطاعه، ورأيت أطفاله شعث الألوان من ضرهم كأنما اشمأزت وجوههم من قرّهم، فلما عاودني في قوله وكرره أصغيت إليه سمعي فغرّه، وظنني أوتغ ديني فأتبع ما سره، أحميت له حديدة ينزجر إذ لا يستطيع منها دنوّاً ولا يصبر، ثم أدنيتها من جسمه فضح من ألمه ضجيج ذي دنف يثن من سقمه، وكاد يسبني سفهاً من كظمه ، ولحرقة في لظى أضنا له من عدمه، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها المدعبه، وتجرّني إلى نار سجرها جبارها من غضبه ، أتئنّ من الأذى ولا أثن من لظى؟ .
والله لو سقطت المكافأة عن الأمم وتركت في مضاجعها باليات الرمم لاستحييت من مقت رقيب يكشف فاضحات من الأوزار تنسخ ، فصبراً على دنيا تمر بلأوائها، كليلة بأحلامها تنسلخ ، كم بين نفس في خيامها ناعمة وبين أثيم في جحيم يصطرخ، فلا تعجب من هذا .وأعجب بلا صنع منا من طارق طرقنا بملفوفات زملها في وعائها، ومعجونة بسطها فی إنائها ، فقلت له : أصدقة أم نذر أم زكاة؟ وكل ذلك يحرم علينا أهل بيت النبوة وعوضنا منه خمس ذي القربى في الكتاب والسنّة ، فقال لي : لا ذاك ولا ذاك، ولكنه هدية، فقلت له : ثكلتك الثواكل أفعن دين الله تخدعني بمعجونة عرقتموها بقندكم، وخبيصة صفراء أتيتموني بها بعصير تمركم ، أمختبط أم ذو جنّة أم تهجر أليست النفوس عن مثقال حبة من خردل مسؤولة، فماذا أقول في معجونة أتزقمها معمولة؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، واسترق لي قطانها مذعنة بأملاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها شعيرة فألوكها ما قبلت ولا أردت ، ولدنياكم أهون عندي من ورقة في فم جرادة تقضمها وأقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها أجذمها ، يقذف بها أجذمها وأمر على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيشتمها (1فكيف أقبل ملفوفات عكمتها في طيّها ومعجونة كأنها عجنت بريق حية أو قيئها ؟.)اللهم إني نفرت عنها نفار المهرة من كيّها أريه السها ويريني القمر، أمتنع من وبرة من قلوصها ساقطة، وأبتلع إبلاً في مبركها رابطة ، أدبيب العقارب من وكرها ألتقط ، أم قواتل الرقش في مبيتي أرتبط؟ فدعوني أكتفي من دنياكم بملحي وأقراصي، فبتقوى الله أرجو خلاصي ما لعلي ونعيم يفنى ولذة تنحتها المعاصي، سألقى وشيعتي ربنا بعيون ساهرة وبطون خماص ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ، ونعوذ بالله من سيئات الأعمال، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين (2.### بیانما يحتاج إلى التوضيح والبيان من غريب ألفاظ هذه الرواية التي لم تتقدم في رواية الرضى فنقول وبالله التوفيق :«الحميم» الماء الحار الشديد الحرارة يسقى منه أهل النار، وعن ابن عباس: لو
سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ، و «الغسّاق » بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار وغسالتهم أو ما يسيل من دموعهم و «العلقم» شجر مرّ ويقال للحنظل ولكل شيء مرّ : علقم .والسم «الزعاق» وزن غراب هو الذي يقتل سريعاً، والماء الزعاق الملح الغليظ لا يطاق شربه و «الدهاق» وزن كتاب الممتلىء و «الوهق» بالتحريك ويسكن الحبل يرى به في أنشوطة فيؤخذ به الدابة والإنسان و «المدرعة» القميص .وقوله : «قذف الأتن» هو بضمتين جمع الأتان وهي الحمارة ، والتشبيه بقذفها لكونها أشد امتناعاً للحمل من غيرها أو لكونها أكثر قذفاً لجلها و «غيابات الكرى » بالضم جمع غيابة وغيابة كل شيء ما سترك منه ومنه غيابات الجب، وقال الجوهري : الغيابة كل شيء تظلّ الإنسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك، وفي بعض النسخ: علالات الكرى بالضم أيضاً علالة بقية كل شيء والكرى النعاس والنوم أي من يسري بالليل يعرضه في اليوم النعاس لكنه ينجلي منه بعد النوم فكذلك يذهب مشقة الطاعات بعد الموت، هكذا قال العلامة المجلسي قدس سره. وقال الميداني : عند الصباح بحمد القوم السرى يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة و «العبقري » الديباج وقيل : البسط الوشية . وقوله : «ولو اعتصمت نفس بقلة » أي بعد قذف الشورة لو التجأت نفس إلى رأس جبل لأنضج تلك النفس ، «وهج النار» بسكون الهاء أي اتقادها وحرها والضمير «في قلتها» راجع إلى النفس والإضافة للملابسة «والخسيء» الصاغر والمبعد و «الإطمار» جمع طمر بالكسر وهو الثوب الخلق البالي و «السفا» التراب الذي تسفيه الريح وكل شجر له شوك. وضمير سفاها راجع إلى الأرض بقرينة المقام.وقوله : «رويداً» أي قليلاً و «الذئاب » جمع الذئب والضمير راجع إلى الدنيا أي كما تختطف الذئاب في الدنيا و «الشجون » الطرق. ويقال : الحديث ذو شجون أي يدخل بعضه في بعض . قال العلامة المجلسي قدس سره : والمراد بالتناقض هنا عدم التناسب .وقوله (أن رجلاً قطان المدائن قال المجلسي: يحتمل أن يكون مراده به معاوية بل)من هو الظاهر، فالمدائن جمع المدينة لا الناحية الموسومة بذلك، والمراد بعلوجه آباؤه الكفرة شبههم في كفرهم بالعلوج وهو جمع علج بالكسر الرجل من كفار العجم هكذا في (القاموس. و «الثالة» النائل وهو العطاء كالقادة والقائد و «الدهقان» بالضم والكسر القوي على التصرف مع عدة ورئيس الإقليم معرب ، والضمير في «منسوجه» راجع إلى الدهقان . قال المجلسي قدس سره : أو راجع إلى النالة بتأويل أي ليس من عطايا دهقانة أو مما أصاب وأخذ منه ما نسجه الدهقان أو ما كان منسوجاً من عطاياه.)
و «تضمخ» بالطيب تلطخ به و «النوافج» جمع نافجة معرّب نافة و «دبّ» الشيخ دبيباً مشى مشياً رويداً والضمير في «أرضه» إما راجع إلى الشيخ أو إلى الرجل و «تضوّر» فلان من شدة الحمى أي تلوى وصاح وتقلب ظهراً لبطن و «لضرّ» بالضم سوء الحال و «القرم» شدة شهوة اللحم و «العلقم» الحنظل وكل شيء مر ، وإنما شبه ما يأكله من الحرام بالعلقم لسوء عاقبته وكثيراً ما يشبه الحرام في العرف بسم الحية والحنظل .و «الخضم » الأكل بأقصى الأضراس «وإقامة الحد المرتد عليه » لإنكاره بعض الضروريات كما يشعر به ما تقدم من قوله : وتبع بعد الحنيفية علوجه، أو استحلاله دماء المسلمين إن كان المراد بالرجل معاوية حسبما أشرنا إليه و «ضرب الثمانين » لشرب الخمر أو قذف المحصنة .وقوله «ولأسدن من جهله كل مسدّ » قال المجلسي قدس سره : كناية عن إتمام الحجة وقطع أعذاره أو تضييق الأمر عليه، وقوله «أفلا رغيف » بالرفع ويجوز في مثله الرفع والنصب والبناء على الفتح و «القفار» بالفتح ما لا أدام معه من الخبز وأضيف إلى الليل وهو صفة للرغيف و «إفطار معدم » بدل من رغيف، وفي بعض النسخ : قفاراً بالنصب على الحال لليل إفطار معدم باللام الجارة وإضافة ليل إلى الإفطار المضاف إلى المعدم أي الفقير .و «الاتساق» الانتظام و «الوسق » ستون صاعاً، وقوله : «يكاد يلوي ثالث أيامه» لعله من لويت الحبل فتلته أي يلتف إحدى رجليه بالأخرى من شدة جوعه وقوله «خامساً ما استطاعه » أي جائعاً ما كان قادراً على الجوع و «القر» بالضم البرد و «عاوده» في مسألة مسألة مرّة بعد أخرى و «أوتغ» بالتاء المثناة والغين المعجمة من الوتغ بالتحريك وهو الهلاك و «السفه » الجهل وخفة الحلم.وقوله «من كظمه » أي من قلة كظمه للغيظ ، وقوله «الحرقة» عطف على قوله سفها، ولما لم يكن الحرقة مثل السفه من فعل الساب أتى باللام للتعليل و «أضنا» افعل من أضناه المرض أثقله من ضنى ضنا من باب رضي أي مرض مرضاً ملازماً حتى أشرف على الموت أي كاد يسبني لحرقة كانت أمرض له من فقره الذي كان به ، ويحتمل أن يكون الواو في : ولحرقة للقسم واللام فيها بالفتح أي والله لحرقة في نار جهنم أو في هذه الحديدة المحماة أمرض له من عدمه.وقوله «من مقت رقيب » الظاهر أن المراد بالرقيب هنا هو الله تعالى لأنه جملة أسمائه الحسنى وفي الكتاب العزيز ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة: 117]، وجملة «تنسخ » صفة أو حال من فاضحات أو من الأوزار ، قال تعالى : (إنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجانية : 29] ، أي نثبت ما كنتم تعملون أو نأخذ نسخته،
وقوله «فصبراً» الفاء للتفريع أي فاصبروا صبراً على دنيا تمر مع شدتها مثل ليلة تنسلخ وتمضي مع أضغاث أحلامها، وقوله «كم بين نفس » الاستفهام للتعجب والضمير في «خيامها» راجع إلى الجنة المعلومة بقرينة المقام و «الاصطراخ» الصياح الشديد.
وقوله «بلا صنع منا » قال العلامة المجلسي قدس سره : حال من مفعول أعجب أي أعجب مما صدر من طارق منا من غير أن يكون منا فيما فعله مدخل و «زملها » أي لفها وقوله «أم نذر » لعل المراد كفارة النذر و «الزّقم» اللقم الشديد والشرب المفرط، والضمير في «إملاكها » راجع إلى القطان أي معتقدة بأني أملكها ، ويحتمل رجوعه إلى الأقاليم أي مذعنة بأني أملك الأقاليم وليس لهم فيها حق.
و «اللوك » العلك وهو دون المضغ، قال العلامة المجلسي قدس سره: وقبحه يدل على قبح العلك بطريق أولى وعلى قبح السلب أيضاً بغير انتفاع بطريق أولى لأن النفس قد تنازع السلب في صورة الانتفاع بخلاف غيرها كما قيل .
و «العراقة» بالضم العظم إذا أكل لحمه والضمير في «بها» راجع إلى العراقة وفي «أجذمها» إلى الدنيا أو العراقة بأدنى الملابسة، وفي هذه الفقرة من المبالغات في التنفر والنكير ما لا يتصور فوقها، وكذا في الحنظلة التي مضغها ذو السقم فيشتمها أي يسبها نفرة عنها. وقال المجلسي : أي لفظها بغضاً وعداوة لها فلفظه مع اختلال ذائقته يدل على كمال مرارته وملفوظه أقذر من ملفوظ غيره لمرارة فيه ولتوهم سراية مرضه أيضاً، انتهى .
أقول : لا دلالة في شتمها على لفظها كما في نسخة (البحار)، ويحتمل أن يكون يشتمها من تحريف النساخ ويكون الأصل يسمها أي يأكلها على مرارتها مأخوذاً من المسم وزن مسن وهو الذي يأكل ما قدر عليه كما في (القاموس) ولعل قوله : على فؤادي يؤيد ذلك فإن ذا السقم إذا ابتلع الحنظلة يؤثر مرارتها في باطنه ويفسد معدته وأمعاءه، والتخصيص بذي السقم لأن صحيح المزاج لا يلوك الحنظلة ولا يلقمها.
و «عكمت » المتاع شددته بثوب ، والمراد بالطي ما يطوى فيه الشيء، أي المطوي على الشيء و «المهر» ولد الفرس .
وقوله «أريه السها ويريني القمر » قال المجلسي : أي أني في وفور العلم ودقة النظر أرى معاملة من يخفى عليه أوضح الأمور عند إرادة الناس خفايا الأمور وهم يعاملون معي مخادعتي . قال الزمخشري في (مستقصى الأمثال ): أريها السها وتريني القمر، السها كوكب صغير خفي في بنات النعش وأصله : أن رجلاً كان يكلم امرأة بالخفي الغامض من الكلام وهي تكلمه بالواضح البين، فضرب السها والقمر مثلاً لكلامه وكلامها يضرب لمن اقترح على
صاحبه شيئاً فأجابه بخلاف مراده قال الكميت :
شكونا إليه خراب السواد *** فحرم علینا لحوم البقر
فكنا كما كان من قبلنا *** اریها السها وتريني القمر
الضمير في إليه راجع إلى الحجاج بن يوسف شكى إليه أهل السواد خراب السواد وثقل الخراج فقال : حرمت عليكم ذبح الثيران ، أراد بذلك أنها إذا لم تذبح كثرت وإذا كثرت كثرت العمارة وخف الخراج ، انتهى .
وقوله « إمتنع» الاستفهام للتعجب أو الإنكار، أي أني لكمال زهدي أمتنع من أخذ وبرة ساقطة ناقة فكيف أبتلع إبلاً رابطة في مربطها لملاكها و «القلوص» الشابة من النوق، وقيل : القلوص بفتح القاف من الإبل الباقية من السير خصها بالذكر لأن الوبر الساقط من الإبل حين السير أهون عند صاحبها من الساقط من الرابطة ومنه يظهر فائدة قيد الربط في الأخير .
وقوله «أدبيب العقارب من وكرها ألتقط » قال الجوهري : كلما مشى على وجه الأرض دابة ودبيب أي ألتقط العقارب الكبيرة التي تدب من وكرها أي جحرها مجازاً فإنها إذا أريد أخذها من جحرها كان أشد لذعاً شبه علیه السلام بها الأموال المحرمة المنتزعة من محالها لما يترتب على أخذها من الهلكات الأخروية.
وقال بعض الأفاضل : الدبيب مصدر دبّ من باب ضرب إذا مشى، وهو مفعول التقط وفي الكلام مجاز ، يقال : دب عقارب فلان علينا ، أي طعن في عرضنا، فالمقصود : أأجعل عرضي في عرضة طعن الناس صادقاً لا افتراء فيه وكان طعنهم صدقاً وناشئاً عن وكره ومحله لأن أخذ الرشوة الملفوفات إذا صدر عن التارك لجميع الدنيا للاحتراز عن معصيته في نملة من السفاهة بحيث لا يخفى ، أنتهى.
و «الرّقش» بالضم جمع الرقشاء وهي الأفعى ، سميت بذلك لترقيش في ظهرها وهي خطوط ونقط و «الارتباط» شد الفرس ونحوه للانتفاع به ، وقوله «تنحتها المعاصي » هو من النحت بري النبل ونحوه استعارة ، وفي بعض النسخ : تنتجها أي تفيدها وتثمرها ، وبالله التوفيق.
از جمله کلام بلاغت فرجام آن حضرت است در تنزیه نفس قدسی خود از
ظلم کردن انام ، می فرماید :
سوگند به خدا که شب به روز آوردن من بر بالای خار سعدان در حالتی که بیدار باشم و کشیده شدن من در زنجیرها در حالتی که دست و گردن بسته در بند باشم ، دوست تر است به من از این که ملاقات نمایم خدا و رسول او را در روز قیامت در حالتی که ظلم نماینده بعض بندگان باشم و غصب کننده چیزی از متاع این جهان و چگونه ظلم کنم احدی را از برای نفسی که سرعت می نماید به سوی پوسیدن بازگشتن او و دراز میشود در شود در خاك نزول کردن آن.
قسم به خدا که دیدم برادرم عقیل را در حالتی که فقیر و بی چیز شده بود تا حدی که خواهش نمود از من از گندم شما يك صاع و دیدم کودکان او را پریشان مویها و غبار آلو درنگها از غایت فقر ، گویا سیاه رنگ شده بود رخسارهای ایشان با رنگ نیل و آمد و رفت نمود نزد من در حالتی که تأکید کننده بود در خواهش خود و مکرر کرد بر من سخن را در حالتی که اعاده نماینده بود پس برگرداندم به طرف او گوش خود را ، پس گمان نمود که می فروشم به او دین خود را و متابعت میکنم افسار او را در حالتی که مفارقت کننده باشم از طریق عدالت خود . چون اصرار از اندازه گذرانید ، پس گرم کردم از برای او آهنی را ، بعد از آن نزديك كردم آن آهن گرم را از بدن او تا عبرت بر دارد به آن ، پس ناله کرد مثل ناله کردن صاحب مرض از درد آن و نزديك بود که بسوزد از اثر آن آهن ، پس گفتم او را که بنشینند در ماتم تو زنانی که بچه مردگان باشند . ای عقیل ، آیا ناله می کنی از آهنی که گرم کرده باشد آن را آدمی برای شوخی و بازیچه گی خود؟ و میکشی مرا با آتشی که افروزنده است آن را خداوند قهار آن برای غضب و خشم خود؟ آیا ناله میکنی از اذیت این آهن و ناله نکنم من از آتش سوزان جهنم؟
و عجب تر از این قصه عقیل این است که آیندهای وقت شب آمد نزد ما با هدیه پیچیده شده در ظرفش و با معجونی که دشمن داشتم آن را به اندازه ای که
گویا سرشته شده آن با آب دهن مار یا باقی آن ، پس گفتم به او آیا این عطیه است یا زکات است یا صدقه؟ پس این حرام است بر ما اهل بیت رسالت ، پس گفت نه این است و نه آن ولیکن هدیه است که آورده ام ، پس گفتم گریان باد به تو چشم مادر بی پسر تو ، آیا از دین خدا آمدهای نزد من تا فریب دهی مرا؟ آیا مرض خبط داری یا صاحب جنون هستی یا هذیان میگوئی؟ قسم به خدا اگر عطا کرده شوم من اقلیمهای هفتگانه را با آنچه که در زیر افلاک آنها است بر آنکه معصیت نمایم خدا را در حق مورچه که بربایم از او پوست جوی را نمیکنم این کار را و به درستی که دنیای شما نزد من هر آینه خوارتر است از برگی که در دهن ملخ باشد بخورد آن را ، چیست علی را با نعمت فانی و لذت غیر باقی پناه ،باقی پناه میبرم به خدا از غفلت عقل و قباحت لغزش و به او استعانت میکنم در امور دنیا و آخرت .
اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِاليَسار، ولا تَبْدِلَ جَاهِي بالإقتارِ، فَأَسْتَرَزِقَ طَالِبي رِزْقِكَ، وَأَسْتَعْطِفَ شِرارَ خَلْقِكَ، وَأَبْتَلي بِحَمْدِ مَنْ أَعْطاني، وأُفْتَتَنَ بِذَمٌ مَنْ مَنَعَني، وأنْتَ مِنْ وَراءِ ذلِكَ كُلَّه وَلِيُّ الإِعْطَاءِ والمَنْعِ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
(صانه) صوناً وصياناً وصيانة حفظه فهو مصون و (الوجه) هنا بمعنى الجاه ومنه كان لعلي علیه السلام وجه من الناس حياة فاطمة أي جاه وعزّ ، قاله ابن الأثير . و (البذل) كالابتذال ضد الصيانة، والمبتذل بالكسر لابس البذلة وهو الثوب الخلق وما لا يصان من الثياب و (القتر) والتقتير الرّمقة من العيش وقلة النفقة، وأقتر على عياله : ضيق في النفقة .
قوله علیه السلام : فأسترزق ، منصوب بأن مضمرة وجوباً لوقوعه في جواب الدعاء. وقوله: وأنت، الجملة في محل النصب على الحال وأنت مبتدأ والظرف خبره، وولي خبر بعد خبر ويجوز كون ولي خبره والظرف متعلقاً به متقدماً عليه للتوسع فيكون ظرف لغو .
اعلم أن مقصوده بهذا الدعاء طلب الغنى وعدم الابتلاء بالفقر ولوازمه ، فقوله (اللهم صن وجهي باليسار ) أي اجعل جاهي محفوظاً بالغنى والسعة حتى أستغني عن مسألة المخلوقين، ومراده علیه السلام به الكفاف وهو ما يكف عن المسألة ويستغنى به فيكون مساوقاً لما ورد في الدعاء النبوي صلی الله علیه واله وسلم المروي في (الكافي) : « اللهم ارزق محمداً وآل محمد الكفاف » (2)، وهو بالفتح ما لا يحتاج معه ولا يفضل عن الحاجة فهو متوسط بين الفقر والغنى وخير الأمور أوسطها، وإنما سمي بذلك لأنه يكفّ عن الناس ويغني عنهم.
وفي (الكافي) أيضاً عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم :« اللهم ارزق محمداً وآل محمد ومن أحب محمداً وآل محمد العفاف والكفاف ، وارزق من أبغض محمداً وآل محمد المال والولد» (1)
قال بعض شرّاح الحديث : العفاف بالفتح عفّة البطن والفرج عن الطغيان أو العفة السؤال عن الإنسان أو الجميع ، وقال : لما كان شيء من المال ضرورياً في البقاء والعبادةوهو الكفاف الواقع بين الطرفين ، طرف الفقر الذي فيه رائحة الكفر والعصيان، وطرف الغنى الذي فيه شائبة التكبّر والطغيان ، طلبه صلی الله علیه واله وسلم لنفسه ولمحبيه، وطلب لمن أبغضهم طرف الغنى والكثرة لأن مفاسده أكثر وأعظم وفتنته أشد وأفحم من مفاسد الفقر وفتنته، كما قال عزّ وجل :( أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوَلَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [الأنفال: 28] ، وقال : (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَطْغَى أَن زَوَاهُ استفى ) [العلق : 6- 7] .
وبالجملة، لما كان حصول الكفاف مانعاً من دواعي طرفي التفريط والإفراط وكان
العبد معه مستقيم الأحوال على سواء الصراط طلبه لنفسه ولمحبّيه .
قال الشارح : واعلم أن الأحاديث مختلفة، ففي بعضها طلب الغنى واليسار وفي بعضها طلب الكفاف ، وفي بعضها طلب الفقر، وفي بعضها الاستعاذة من الفقر، ووجه الجمع بينها أن يقال : المراد بطلب الغنى طلب الكفاف لأن الكفاف هو المطلوب عند أهل العصمة، وليس المراد به ما هو المتعارف عن أبناء الدنيا من جمع المال وادخاره والاتساع به فوق الحاجة، فإن ذلك مناف لما هو المعهود من حالهم من طلاق الدنيا والزهد فيها .
وقد قال أمير المؤمنين علیه السلام :
علل النفس بالكفاف وإلا *** طلبت منك فوق ما يكفيها
ما لما قد مضى ولا للذي لم *** يأت من لذة لمستحليها
انما أنت طول مدة ما *** عمرت كالساعة التي أنت فيها
ورواه في (البحار) من كتاب مطالب السؤال لمحمد بن طلحة ، وقال أيضاً من نظمه علیه السلام :
دليلك أن الفقر خير من الغنى *** وأن قليل المال خير من المثري
لقاؤك مخلوقاً الله بالغنى *** ولم تر مخلوقاً عصى الله بالفقر
وهذا هو الذي أراد النبي الله صلی الله علیه واله وسلم بقوله : «نعم المال الصالح للعبد الصالح » والمراد بطلب
1) الكافي : 2 / 140 ح 3 ، وشرح أصول الكافي : 398/8 ح 3.
الفقر طلب قدر الحاجة والكفاف لأن الكفاف فقر عند أهل الدنيا وإن كان يساراً عندهم علیه السلام .
والمراد بالاستعاذة من الفقر الاستعاذة مما دون الكفاف وهو الفقر عندهم علیه السلام وأقوى أفراده عند أهل الدنيا، هذا.
وقال المحدث العلامة المجلسي قدس سره : سؤال الفقر لم يرو في الأدعية بل ورد في أكثرها الاستعاذة من الفقر الذي يشقى به، وعن الغنى الذي يصير سببا لطغيانه، انتهى .
وكيف كان فقد ظهر بذلك كله أن غرضه علیه السلام بالسؤال صون جاهه وعزّه باليسار لاستلزام الغنى احترام صاحبه عند عامة الناس كاستلزام الفقر لمهانة المبتلى به عندهم.
ولذلك عقبه بقوله : (ولا تبذل جاهي بالإقتار) أي لا تجعل مروءتي وحرمتي ساقطة عند الناس بضيق المعيشة وقلّة النفقة، فإن الإقتار يوجب الاستهانة والاحتقار واستخفاف الناس بالمتصف به.
ومن هنا قال الصادق علیه السلام : لا تدعوا التجارة فتهونوا (1)
وفي بعض الآثار : أحسنوا تعهد المال فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب من مروءته، والرابعة هي العظمى وهي استخفاف الناس به.
وفي (وصايا لقمان ) : يا بني أكلت الحنظل وذقت الصبر فلم يكن أمر من الفقر، فإن افتقرت فلا تحدث الناس كي لا ينتقصوك (2).
وترك ابن المبارك دنانير وقال : اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها حسبي وديني .
وقالت الحكماء : المال يرفع صاحبه وإن كان وضيع النسب قليل الأدب، وينصره وإن كان جباناً، وينبسط لسانه وإن كان عيابة، يظهر المروءة ويتم الرئاسة، يصلك إذا قطعك الناس، وينصرك إذا خذلك الأقربون، ولولاه ما مدح كريم ولا صين حريم.
وكان بعضهم يقول : الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس ، ومن الذئب للمصر،ومن الحكم للمقرّ، وهو عندهم أرفع من السماء وأعذب من الماء ، وأحلى من الشهد وأزكى من الورد، خطأه صواب ، وسيئته حسنة ، وقوله مقبول، وحديثه مغسول يغشى مجلسه
ولا يمل صحبته ، والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب ، ومن سحاب تموز لا يسأل منه إن تخلف ، ولا يسلم عليه إن قدم ، إذا غاب شتموه وإن حضر طردوه، وإذا غضب ضعفوه ، مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة أثقل من الأمانة وأبغض من المبرم الملحف.
وقد أكثر الشعراء في نظمهم من هذا المعنى، قال بعضهم :
فصاحة سحبان وخط ابن مقلة *** وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم
إذا اجتمعت للمرء والمرء مفلس *** فليس له قدر بمقدار درهم
وقال آخر :
وزيني للغني أسم فإنی *** رأيت الناس شرّهم الفقیر
وأبعدهم وأهونهم علیهم *** وإن أمسى له حسب و خیر
ويكرهه الندى وتزدريه *** خليلته وينهره الصغیر
ویلقی ذو الغنى وله جلال *** يكاد فؤاد صاحبه یطیر
قليل ذنبه والذنب جم *** ولكن الغنی رب غفور
وقال آخر :
ولم أر بعد الدين خيراً من الغنى *** ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر
وقال الزمخشري :
لا تلم- ني إذا رقيت الأواقي *** فالأواقي لماء وجهي أراقي
ثم المراد بالجاه أيضاً الذي سأل علیه السلام صونه باليسار وعدم ابتذاله بالإقتار ليس ما يقصد به الفخر والترأس كما هو شأن أهل الدنيا بل ما يستعان به على القيام بطاعة الله وعبادته وأداء حقوقه اللازمة والذي منّ الله سبحانه به على الأنبياء وأشير إليه في قوله تعالى : (يمريم إن الله يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ) [آل عمران: 45]
وفي الحديث النبوي صلی الله علیه واله وسلم : «إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيتوقف بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله ماله» (1)
وقوله علیه السلام (فاسترزق طالبي رزقك) الفاء للسببية أي فيسبب ابتذال جاهي بالإقتار أن
1) مجمع الزوائد : 346/10 ، وكنز العمال: 459/3
أسترزق طالبي رزقك الذين من شأنهم أن يطلبوا منك الرزق لا أن يطلب منهم .
(وأستعطف شرار خلقك ) أي أطلب العاطفة والأفضال من شرار خلقك الذين ليسوا بأهل الاستعطاف، وفي بيانه لهذين السببين تأكيد للالتجاء بالله تعالى في صيانته من الفقر وإعادته من الابتذال إذ في استرزاق الخلق واستعطافهم من الذل والخضوع والتملق والمهانة للمسؤول منه ما يجب أن يتضرع إلى الله عز وجل في الوقاية منه .
وقد تواترت الأخبار والآثار وتطابقت الأشعار على ذم السؤال وكراهة بذل الوجه في الطلب من الخلق خصوصاً ممن لم يكن معروفاً بالمعروف.
فمن ذلك ما في (الكافي) عن عبد الأعلى بن أعين قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعزّ مذهبة للحياء واليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن في دينه والطمع هو الفقر الحاضر (1).
وفيه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «إن الله تبارك وتعالى أحب شيئاً لنفسه وأبغضه لخلقه، أبغض لخلقه المسألة وأحب لنفسه أن يسأل وليس شيء أحب إلى الله عزّ وجل من أن يسأل فلا يستحي أحدكم أن يسأل الله عزّ وجل من فضله ولو شسع نعله »(2).
وروي عنه علیه السلام : إياكم وسؤال الناس فإنه ذلّ في الدنيا وفقر تعجّلونه وحساب طويل يوم القيامة (3).
وعن أبي جعفر علیه السلام: لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحدٌ أحداً، ولو يعلم المعطي ما في العطية ما ردّ أحد أحداً (4).
وفي (البحار) عن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : «قال الله عزّ وجل : ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماوات وأسباب الأرض من دونه فإن سألني لم أعطه وإن دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السماوات والأرض رزقه فإن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وإن استغفرني غفرت له » (5).
وقال بعض السلف : من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرثّ، فإن قضاها المسؤول
استعبده بها، وإن ردّه عنها رجع حراً وهما ذليلان هذا بذل اللؤم وذلك بذل الرّد، ومن الشعر المنسوب إلى الحسين علیه السلام :
أغن عن الخلق بال خلق بالخالق *** تغن عن الكاذب بالصادق
استرزق الرحمة من فضله *** فلیس غیر الله من رازق
وقال محمود الوراق :
ساو الملوك قصورهم وتحصنوا *** من كل طالب حاجة أو راغب
فارغب إلى تلك الملوك ولا تكن *** بادي الضراعة طالباً من طالب
وقال آخر :
لموت الفتى خير من البخل للفتى *** وللبخل خير من سؤال فقير
لعمرك ما شيء لوجهك قيمة *** فلا تلق إنساناً بوجه ذلیل
ثم الظاهر أن مراده علیه السلام بشرار الخلق في قوله : وأستعطف شرار خلقك من لم يكن أهلاً للمعروف ومن هو باللوم موصوف ، فإن طلب العاطفة والبرّ منهم أمر على ذوي الوجوه من طعم الحنظل والعلقم وأدهى وأضرّ من إدخال اليد في فم الأرقم .
قال شارح( الصحيفة السجادية) : قد روي أن في زبور داود علیه السلام : إن كنت تسأل عبادي فاسأل معادن الخير ترجع مغبوطاً مسروراً، ولا تسأل معادن الشر ترجع ملوماً محسوراً (1).
وروى المحدث الجزائري عن أمير المؤمنين علیه السلام قال : قلت : اللهم لا تحوجني إلى احد من خلقك ، فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «لا تقولن هكذا فليس من أحد إلا وهو محتاج إلى الناس »، قال: فكيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قل: اللهم لا تحوجني إلى شرار خلقك »، قال : قلت : يا رسول الله ومن شرار خلقه ؟ قال : «الذين إذا أعطوا منوا وإذا منعوا عابوا »(2).
وفي الأثر : أن الله تعالى أوحى إلى موسى على نبينا وعليه السلام لأن تدخل يدك في فم التنين إلى المرفق خير من أن تبسطها إلى غني نشأ في الفقر .
وفي كلامهم : لا شيء أوجع للأحرار من الرجوع إلى الأشرار.
وقيل لأعرابي : ما السقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللثيم .
وأوصى بعضهم ابنه فقال : لا تدنّس عرضك ولا تبذلن وجهك بالطلب إلى من ردك كان ردّه عليك عيباً وإن قضى حاجتك جعلها عليك منّاً، واحتمل الفقر بالتنزه عما في أيدي الناس والزم القناعة بما قد قسم لك .
وقال رجل لابنه : إياك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه .
رأى الأصمعي كنّاساً يكنس كنيفاً وهو ينشد:
وأكرم نفسي أنني إن أهنتها *** وحقك لم تكرم على أحد بعدي
وقال: فقلت له : يا هذا إنك والله لم تترك من الهوان شيئاً إلا وقد فعلته بنفسك مع هذه الحرفة ، فقال : بلى والله إنني صنتها عما هو أعظم من هذا من الهوان ، فقلت: وأي شيء هو ؟ قال : سؤال مثلك، قال: فانصرفت عنه وأنا من أخزى الناس. وقال عمر بن أحمد الباهلي :
من يطلب المعروف من غير أهله *** يجد مطلب المعروف غير يسير
إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة *** من الذل سار الذل كل مسیر
وقال آخر:
وإذا بليت ببذل ماء وجهك سائلاً *** فابذله للمتكرّم المفضال
إن الجواد إذا حباك بموعد *** أعطاكه سلساً بغير مطال
ما اعتاض باذل وجهه بمطاله *** عوضاً ولو نال المنى بسؤال
وإذا السؤال مع وال قرنته *** رجح السؤال وخف كل نوال
وقال آخر :
اسأل العرف إن سالت جواداً *** لم يزل يعرف الغنى واليسارا
إذا لم تجد من الذل بداً *** فالق بالذل إن لقيت الكبارا
لىس إجلالك الكبیر بذل *** إنما الذل أن تجل الصغارا
وقال آخر :
إن الغنى عن لنام الناس مكرمة *** وعن كرامهم أدنى إلى الكرم
وفي (البحار من الكافي ) عن بكر الأرقط أو ابن شبيب عن أبي عبد الله علیه السلام لأنه دخل عليه واحد فقال له : أصلحك الله إني رجل منقطع إليكم بمودّتي وقد أصابتني حاجة شديدة وقد تقرّبت بذلك إلى أهل بيتي وقومي فلم يزدني بذلك منهم إلا بعداً، قال علیه السلام : فما أتاك الله خير مما أخذ منك، قال: جعلت فداك ادع الله أن يفنيني من خلقه ، قال علیه السلام : إن الله
تعالى قسم رزق من شاء على يدي من شاء، ولكن اسأل الله أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك إلى لنام خلقه (1).
قال العلامة المجلسي قدس سره : اللئام جمع اللئيم يقال للشحيح الدني النفس
والمهين ونحوهم، لأن اللؤم ضد الكرم، ويومىء الحديث إلى أن الفقر المذموم ما يصير سبباً كذلك وغير ممدوح وذمّه لأن اللئيم لا يقضي حاجة وربما يلومه في رفع الحاجة إليه وإذا قضاه لا يخلو من منه ، ويمكن أن يشمل الظالم والفاسق المعلن بفسقه (2).
وفي كثير من الأدعية : اللهم لا تجعل لظالم ولا فاسق علي يداً ولا منة . وذلك لأن القلب مجبول بحب من أحسن إليه وفي حب الظالم معاصي كثيرة كما في قوله تعالى: وَلَا تركنوا إلى اللَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَكُمُ النَّارُ [هود : 113] هذا .
وفي عطف قوله علیه السلام: (وابتلى بحمد من أعطاني وافتتن بذم من منعني ) على ما سبق تأكيد آخر للإعادة من الإقتار الموجب لاسترزاق طالبي الرزق واستعطاف شرار الخلق المستلزمين للابتلاء بثناء المعطي والافتتان بإزراء المانع أي الميل إلى تعييبه دونه والطعن عليه لكون النفوس مجبولة مفتونة بذلك شهادة العيان والتجربة .
ويشير إليه أيضاً قوله تعالى: وَمِنْهُم مَّن يَلْمِرُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعطوا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة : 58] .
وإنما أكد علیه السلام التجاءه إلى الله تعالى بذكر هذين اللازمين لأن ابتلاء العبد وافتتانه بحمد المخلوق وذمّه معطياً ومانعاً يوجبان انصرافه عن الخالق وعنايته بالمخلوق وهما خلاف وظيفة العبودية .
وقوله علیه السلام : (وأنت من وراء ذلك كله ولي الإعطاء والمنع ) قد قلنا: إن الجملة حالية أي لا تبذل جاهي بالإقتار فيلحقني بسببه ما يلحقني من المكاره المعدودة والحال أنك من وراء ذلك الخلق كله القيم بالإعطاء والمنع والقاهر القادر على التيسير والتقتير، لأن أزمة الأمور كلها بيد قدرتك .
والمراد بكونه من وراء الخلق سلطانه عليهم وإحاطته بهم كما قال تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبِ وَاللهُ مِن وَرَاهِم تُحيط [البروج : 19 - 20] . قال أمين الإسلام قدس سره : معناه أنهم في قبضة الله وسلطانه لا يفوتونه كالمحاصر المحاط به من جوانبه لا يمكنه)
الفوات والهرب وهذا من بلاغة القرآن .وقوله علیه السلام : (إنك على كل شيء قدير مسوق في معرض التعليل لكونه عزّ وجل وليّ الإعطاء والمنع ، أي أنت وليهما بمقتضى عموم قدرتك على جميع الأشياء.)### تبصرةهذا الدعاء الذي نسبه الرضي قدس سره إلى أمير المؤمنين علیه السلام قد روي عن علي بن الحسين علیه السلام في ضمن أدعية الصحيفة الكاملة في فقرات لدعائه علیه السلام في مكارم الأخلاق باختلاف يسير وهو قوله علیه السلام : اللهم صل على محمد وآل محمد وصن وجهي باليسار ولا تبتذل جاهي بالإقتار فأسترزق أهل رزقك وأستعطي شرار خلقك، فأفتتن بحمد من أعطاني وأبتلي بذم من منعني وأنت من دونهم وليّ الإعطاء والمنع ، هكذا وجدته (1.)### تذييلقد تقدم في شرح الكلام السادس والأربعين فصل مبسوط في فضل الدعاء والترغيب عليه ومطلوبيته من طريق العقل والنقل ومطالب نفيسة ينفعك مراجعتها في هذا المقام ، وأحببت أن أورد هنا بعض الأدعية الواردة في طلب الرزق فأقول وبالله التوفيق :روي في (البحار من العيون عن الرضا علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «من أنعم الله عزّ وجل عليه نعمة فليحمد الله، ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله ، ومن حزنه أمر فليقل : لا حول ولا قوة إلا بالله» (2))وفيه من الخصال أمير المؤمنين علیه السلام قال : الاستغفار يزيد في الرزق (3.)وفيه من (الكتاب العتيق الغروي : دعاء اللهم كما صنت وجهي عن السجود إلا لك فصنه عن طلب الرزق إلا منك ، اللهم قوني على ما خلقتني له ولا تشغلني بما تكلّفت (4)لي به، واعصمني مما تعاقبني عليه (5).)ومنه أيضاً دعاء في سجدة الشكر لطلب الرزق : اللهم يا من لا يزيد ملكه حسناتي،
ولا تشينه سيئاتي، ولا ينقص خزائنه غناي ولا يزيد فيها فقري ، صلّ على محمد وآل محمد واثبت رجاءك في قلبي ، واقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو إلا إياك ولا أخاف إلا منك ولا أثق إلا بك ولا أتكل إلا عليك ، وآجرني من تحويل ما أنعمت به علي في الدين والدنيا والآخرة أيام الدنيا برحمتك يا أرحم الراحمين(1.)وفيه من (علل الشرائع عن سليمان بن مقبل قال : قلت لأبي الحسن موسى علیه السلام : لأي علة يستحب للإنسان إذا الأذان أن يقول كما يقول المؤذن وإن كان على البول والغائط ؟ قال علیه السلام : إن ذلك يزيد في الرزق (2).)ومن (الأمالي عن أحمد بن عامر عن الرضا علیه السلام عن آبائه علیه السلام قال : قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : « من قال في كل يوم مائة مرة : لا إله إلا الله الحق المبين ، استجلب به الغنى واستدفع به الفقر وسدّ عنه باب النار واستفتح له باب الجنة» (3).)ومن ثواب الأعمال عن محمد بن عمر رفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال : من كتب على خاتمه : ما شاء الله لا قوة إلا بالله أستغفر الله ، أمِنَ من الفقر المدقع (4.ومن (المحاسن ) عن النوفلي عن السكوني عن الصادق علیه السلام عن آبائه علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «من ألح عليه الفقر فليكثر لا حول ولا قوة إلا بالله ينفي الله عنه الفقر » (5).)ومن (تفسير العياشي عن النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه علیه السلام قال: إن النبي صلی الله علیه واله وسلم : فقد رجلاً فقال: «ما بطأ بك عنا ؟ » فقال : السقم والعيال، فقال صلی الله علیه واله وسلم: «ألا أعلمك بكلمات تدعو بهن يذهب الله عنك السقم وينفي عنك الفقر ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم توكلت على الحي الذي لا يموت ، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذلّ وكبّره تكبيراً » (6))ورواه في (الكافي عن أبي عبد الله علیه السلام نحوه وزاد في آخره فقال الرجل : فوالله ما قلته إلا ثلاثة أيام حتى ذهب عني الفقر والسقم، وقد تقدم تمامه بهذا الطريق في شرح المائتين والثالثة عشر (7).)
وفي (البحار أيضاً من عدّة الداعی عن الصادق علیه السلام للطلب الرزق : يا الله يا الله يا الله أسألك بحق من حقه عليك عظيم أن تصلي على محمد وآل محمد وأن ترزقني العمل بما علّمتني من معرفة حقك وأن تبسط عليّ ما خطرت من رزقك)(1.)ومن (الاختصاص عن القسم بن بريد عن أبيه قال : دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فقلت : جعلت فداك قد كان الحال حسناً وأن الأشياء اليوم متغيرة، فقال علیه السلام : إذا قدمت الكوفة فاطلب عشرة دراهم فإن لم تصبها فبع وسادة من وسائدك بعشرة دراهم ثم ادع عشرة أصحابك واصنع لهم طعاماً فإذا أكلوا فاسألهم فيدعوا الله لك، قال : فقدمت الكوفة فطلبت عشرة دراهم فلم أقدر عليها حتى بعت وسادة لي بعشرة دراهم كما قال عليه الصلاة والسلام وجعلت لهم طعاماً ودعوت أصحابي عشرة فلما أكلوا سألتهم أن يدعوا الله تعالى فما مكثت حتى مالت على الدنيا، هذا (2).)والأخبار في هذا المعنى كثيرة مرويّة في كتب أصحابنا منقولة عن أئمتنا عليهم صلوات الله الملك المنّان المبين، ولنقتصر على ما أوردنا والله الموفق وهو الرزاق ذو القوة المتين .
### الترجمةاز جمله دعای آن امام است :بار الها ، حفظ بفرما قدر و منزلت مرا با غنا و وسعت معیشت و مبتذل مکن جاه و و مرتبه مرا با فقر و تنگی روزی تا این که محتاج شوم به طلب کردن روزی از طالبان روزی تو و طلب کردن عاطفت و احسان از شریران خلق تو و مبتلا شوم به تعریف و توصیف کسی که به من ریزش نماید و مایل شوم به مذمت آن کسی که از من مضایقه کند و حال آن که تو از پشت همه این خلق متوالی اعطا و منع هستی ، به درستی که تو بر همه چیز قادر و قاهری .
## ومن خطبة له علیه السلام وهي المانتان والرابعة والعشرون من المختار في باب الخطب### اشارةوهي مروية في (البحار من كتاب (عيون الحكمة والمواعظ ) باختلاف وزيادة كثيرة تقف عليها إن شاء الله بعد الفراغ من شرح ما أورده السيد في المتن، وهو قوله علیه السلام :)دارُ بِالبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ ، لا تَدُومُ أخوالها، ولا تَسْلَمُ نُزِّالُها ، أَخوال مُخْتَلِفَةٌ ، وتاراتٌ مُتَصَرِّفَةٌ ، َالْعَيْسُ فِيها مَذْمُومٌ ، والأمانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ، وإِنَّما أَهْلُها فيها أَغْراضِ مُستَهْدَفَةٌ ، تَرْمِيهِمْ بِسِهامها، وتُفْنِيهِمْ بِحِمامها .وَاعْلَمُوا عِبادَ الله أَنَّكُمْ وما أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنيا عَلى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضى قَبْلَكُمْ مِمَّنْ كانَ أَطُولَ مِنْكُمْ أعماراً، وأغمر دياراً، وأبعد آثاراً، أصْبَحَتْ أصواتُهُمْ هامدَةً، ورِياحُهُمْ وأَعْمَرَ وأَبْعَدَ راكِدَةٌ ، وأَجْسادُهُمْ بالِيَةً، ودِيارُهُمْ خالِيَةً ، وآثارُهُمْ عافِيَةٌ، فَاسْتَبْدَلُوا بِالقُصُورِ المُشَيَّدَةِ، والنَّمَارِقِ المُمَهَّدَةِ ، الصُّحُورَ والأَحْجارَ المُسَنَّدَةَ ، والقُبُورَ اللاطئَةَ المُلْحَدَةَ، التي قَدْ بُنِي بِالخَرَابِ فِناؤها ، وشُيِّدَ بِالتّرابِ بناؤها ، فَمَحَلُّها مُقْتَرِبٌ ، وساكِنُها مُغْتَرِبٌ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحَشِينَ ، وأَهْلِ فَراغ مُتَشَاغِلِينَ لا يَسْتَأْنِسُونَ بِالأَوْطَانِ، ولا يَتَواصَلُونَ تَواصل الجيران ، عَلى ما بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الجِوارِ ، ودُنُو الدَّارِ .وكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزاوُرٌ وقَدْ طَعَنَهُمْ بِكُلِّكَلِهِ البلى ، وأَكَلَتْهُمُ الجَنادِلُ والثّرى، وكأن قَدْ صرْتُمْ إلى ما صارُوا إِلَيْهِ، وَارْتَهَنَّكُمْ ذَلِكَ المَضْجَعُ ، وضَمَّكُمْ ذلِكَ المُسْتَوْدَعُ ، فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَناهَتْ بِكُمُ الأُمُورُ ، ويُعْثِرَتِ القُبُورُ، هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى الله مَوْليَهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (1)### اللغة(سلم المسافر يسلم من باب تعب نجا وخلص من الآفات و (تارات) جمع تارة وهي مرة واحدة و (الأغراض) جمع الغرض وهي الهدف الذي يرمى إليه السهام و (المستهدفة) بصيغة الفاعل أي منتصبة للرمي إليها، وفي بعض النسخ بصيغة المفعول أي جعلت هدفاً و (همد) النار هموداً من باب قعد ذهب حرّها ولم يبق منها شيء وهمدت الريح سكنت .)
1) اليقين : 88 ، وبحار الأنوار: 197/5 ح 14 .
و (المشيدة بضم الميم وتشديد الياء وفتحها كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج ) [النساء: 78] أي قصور مصونة ، وقيل : مجصصة ، وقيل : مزينة، وفي بعض النسخ: المشيدة بفتح الميم وتخفيف الياء كما في قوله تعالى: (وَقَصْرِ مَشِيدٍ) [الحج : 45] أي المعمول بالشيد والجص ، يقال : شدت البيت من باب باع أي بنيته بالجص وشاده شيداً أي جصصه. و (التمرق) والنمرقة بتثليث النون وضم الراء الوسادة وهي المتكأ ، والجمع نمارق ، قال تعالى: وَفَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية : 15] و (المسندة) بتشديد النون وتخفيفها من سد إلى الشيء من باب قعد وتعب اعتمد عليه كاستند إليه ويعدى بالهمزة والتضعيف يقال : أسندته إلى الشيء وسندته فسند هو و (اللطأ) بالأرض من باب منع وفرح لصق و (لحد) القبر والحده عمل به لحداً و (فناء) البيت بالكسر ما امتد من جوانبه .
و (موحشين) في بعض النسخ بصيغة الفاعل من أوحش المكان وتوحش خلا من الأنس وأوحش الناس أي انقطع وبعد قلوبهم عن المودة والألفة وفي بعضها بصيغة المفعول من أوحش الأرض وجدها وحشة خالية من الأنس كلها مأخوذة من الوحش وهو ما لا يستأنس من دواب البرّ ويقال : إذا أقبل الليل : استأنس كل وحشي واستوحش كل أنسي .
و (الكلكل) وزن جعفر الصدر و (الجندل) وزن جعفر أيضاً ما يقله الرجل من الحجارة وقد تكسر الدال و (بعثرت القبور ) أي قلبت ترابها وأخرج موتاها من بعثرت الشيء وبعثرته إذا استخرجته وكشفته .
قوله علیه السلام : دار خبر ، لمبتدأ محذوف أي الدنيا دار ، وقوله : أحوال مختلفة أيضاً خبر محذوف المبتدأ أي أحوالها أحوال مختلفة، وقوله : الأمان منها معدوم، في نسخة الشارح المعتزلي وكذا (البحراني ) بدل منها فيها، وقوله : ترميهم بسهامها ، الباء للتعدية إلى المفعول الثاني، أي ترمي إليهم سهامها ، وقوله : تفنيهم بحمامها الباء للآلة، وقوله : إنكم وما أنتم فيه ، الواو بمعنى مع ، وقوله : فاستبدلوا بالقصور ، الباء للمقابلة، وقوله : قد بنى بالخراب ، الباء بمعنى على ، ويؤيده ما في بعض النسخ على الخراب بدله وهي للاستعلاء المجازي.
وقوله : بين أهل ، متعلق بقوله : مغترب، وعلى في قوله : على ما بينهم، بمعنى مع كما قوله تعالى: وَءَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ [البقرة : 177]، وقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظلمهم [الرعد: 6] وقوله : وقد طحنهم، الجملة في محل النصب على الحال ، والبلى فاعل طحن، وقوله : كأن قد صرتم، مخفف كأن المشبهة والاسم محذوف ، أي كأنكم، ويحتمل)
أن يكون ضمير شأن أي كأنه قد صرتم وعلى التقديرين فكأن هنا مفيدة للتقريب لأن شباهة الأحوال بعضها ببعض تفيد قرب بعضها من بعض، وقوله : فكيف بكم، الفاء فصيحة وكيف اسم استفهام في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف أي فكيف الحال بكم.### المعنىاعلم أن الغرض من هذه الخطبة الشريفة التنفير عن الدنيا والتحذير منها والتنبيه على مساويها ومخازيها الموجبة للنفرة والحذر ، قال علیه السلام: (دار بالبلاء محفوفة أي حقت بالمكاره والبليات وأحاطت بها من كل جانب الآلام والآفات وفي نسبة محفوفة إلى الدار توسع والمراد كون أهلها محفوفة بها .)(وبالغدر معروفة قال الشارح البحراني: استعار لفظ الغدر عما يتوهم الإنسان دوامها عليها من أحوالها المعجبة له كالمال والصحة والشباب فكأنه في مدة بقاء تلك الأحوال قد أخذ منها عهداً فكأن التغير العارض لها المستلزم لزوال تلك الأحوال أشبه شيء بالغدر، انتهى .)أقول : مراده علیه السلام أنها مشهورة بالغدر والخداع ، معروفة بالمكر والغرور غير مختفية حيلتها ومكيدتها على أهل البصيرة، لأنها بكونها حلوة خضرة محفوفة بالشهوات ومهيأة للآمال والأمنيات ، أعجبت الناس بشهواتها العاجلة وتحببت إليهم بلذاتها الحاضرة، وتزينت بالغرور، فاغتر بها كل من كان غافلاً عن مكيدتها وافتتن بحبها كل من كان جاهلاً بحقيقتها، حتى إذا أوقعتهم في حبائل محبتها أبدت ما كان مضمراً في باطنها من مكرها وحيلتها، فلم يكن امرؤ منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرّائها بطناً إلا منحته من ضرائها ظهراً، ولم ينل أحد من غضارتها رغباً إلا أرهقته من نوائبها تعباً، فكم من واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة قد صرعته ، وذي أبهة قد جعلته حقيراً، وذي نخوة قد ردّته ذليلاً. وكفى في إيضاح غدرها ما قاله بعض قدماء أهل الحقيقة والبصيرة من أنها الآخذة ما تعطي والمورثة بعد ذلك التبعة، السالبة لمن تكسو والمورثة بعد ذلك العرى ، الواضعة لمن ترفع والمورثة بعد ذلك الجزع، التاركة لمن يعشقها والمورثة بعد ذلك الشقوة، المغوية لمن أطاعها الغدارة بمن ائتمنها ، هي المحبوبة التي لا تحب أحداً ، الملزومة التي لا تلزم أحداً يوف لها وتغدر ، ويصدق لها وتكذب ، وينجز لها فتخلف ، هي المعوجة لمن استقام بها، والمتلاعبة بمن استمكنت منه .بينا هي تطعمه إذ حولته مأكولاً ، وبينا هي تخدمه إذ جعلته خادماً، وبينا هي تضحكه إذ قد ضحكت منه ، وبينا هي تشتمه إذ شتمت منه ، وبينا هي تبكيه إذ بكت عليه، وبينا بسطت يده بالعطية إذ بسطتها بالمسألة ، وبينا هو فيها عزيز إذ أذلته، وبينا هو فيها مكرّم إذ
أهانته ، وبينا هو فيها معظم إذ حقرته، وبينا هو فيها رفيع إذ وضعته ، وبينا هي له مطيعة إذ عصته، وبينا هو فيها مسرور إذ أحزنته ، وبينا هو فيها شبعان إذ أجاعته، وبينا هو فيها حي إذ أمانته .فأُت لها من دار هذه صفتها، تضع التاج على رأسه غدوة وتعفّر خذه بالتراب عشية، وتحلي الأيدي بالأسورة عشية ، وتجعلها في الأغلال غدوة، وتقعد الرجل على السرير غدوة، وترمي به في السجن عشية ، تفرش له الديباج عشية ، وتفرش له التراب غدوة، وتجمع له الملاهي والمعازف غدوة، وتجمع عليه النوائح والنوادب عشية ، تحبب إلى أهله قربه عشية، وتحبب إليهم بعده غدوة ، تطيب ريحه غدوة، وتنتن ريحه عشية .فهو في كل ساعة متوقع لسطوتها غير آمن غدرها وخديعتها، غير ناج من بلائها وفتنها، تمتع من نفسه أحاديثها، وعينه من أعاجيبها، ويده من جمعها ، ثم يصبح باكي العينين ، صفر اليدين ، في أودية الندامة والحسرة والخذلان حيران.ذلك كله علم أنها (لا تدوم أحوالها بل يصير حياتها موتاً وغناؤها فقراً وفرحها)ومع ترحاً، وصحتها سقماً، وقوتها ضعفاً، وعزّها ذلاً، إلى غير هذه من حالاتها المتبدلة المتغيرة.(ولا تسلم نزالها أي لا تسلم النازل في تلك الدار من آلامها وآفاتها وصدماتها بل هو في كل آن مترقب لإصابة مكروه، وجل من كل بلاء .)فإن كل ذي جسد فيها لا ينفك جسده من أن الحر يذيبه ، والبرد يجمده والسموميتخلله، والماء يغرقه ، والشمس تحرقه ، والهواء يسقمه، والسباع تفترسه، والطير تنقره ، والحديد يقطعه، والصدم يحطمه .ثم هو معجون بطينة من ألوان الأسقام والأوجاع والأمراض، فهو مرتهن بها مترصد لها دائماً ، لكونه مخلوقاً من الأخلاط الأربعة التي لو غلب أحدها على الآخر أحدث أنواعاً من المرض ألا ترى إن أصح الأخلاط وأقربها إلى الحياة هو الدم، فإذا خرج عن حد الاعتدال يموت صاحبه بموت الفجأة والطاعون والأكلة والسرسام.هذا كله مع ما له من مقارنة الآفات السبع التي لا يتخلص منها ذو جسد، وهي:الجوع ، والظمأ ، والحر ، والبرد، والخوف ، والجوع والمرض والموت.أحوالها (أحوال مختلفة إن جانب منها اعذوذب واحلولى أمرّ منها جانب فأوبى ، لم تطل على أحد فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف .)
(وتارات متصرفة يعني أن حالاتها تتغير بأهلها تارة بعد أخرى، ومرة بعد مرة، فإنها تنقل أقواماً من الجدب إلى الخصب ومن الرّجلة إلى الركب ، ومن البؤس إلى النعمة، ومن الشدة إلى الرخاء، ومن الشقاء إلى الراحة، ثم تنقلب بهم فتسلبهم الخصب وتنزع منهم النعمة والراحة.)ومحصله أنها دار تصرّف وانتقال ، وتقلب من حال إلى حال، صحتها تتبدل بالسقم، وشبابها بالهرم ، وغناها بالفقر، وفرحها بالترح ، وسرورها بالحزن ، وعزها بالذل، وأمنها بالخوف .بينا ترى المرء فيها مغتبطاً محبوراً وملكاً مسروراً في خفض ودعة ونعمة ولذة وأمن وسعة في بهجة من شبابه وحداثة من سنه ، وبهاء من سلطانه، وصحة من بدنه إذا انقلبت الدنيا أسرّ ما كان فيها قلباً ، وأطيب ما كان فيها نفساً ، وأقرّ ما كان فيها عيناً ، وألذ ما كان فيها عيشاً، فأخرجته من ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها، فأبدلته بالعز ذلاً، وبالسرور حزناً ، وبالنعمة نقمة ، وبالغنى فقراً ، وبالسعة ضيقاً، وبالشباب هرماً، وبالشرف ضعة وبالحياة موتاً .ففارق الأحبة وفارقوه ، وخذله إخوانه وتركوه، وصار ما جمع فيها مفرقاً وما عمل فيها متبراً، وما شيد فيها خراباً وصار اسمه مجهولاً، وذكره منسيّاً، حسبه خاملاً، وجسده بالياً، وحسبه وشرفه وضيعاً، ونعمته وبالاً، وكسبه خساراً، وورث أعداؤه سلطانه، واستذلّوا عقبه ، واستباحوا حريمه، وتملّكوا أمواله ، ونقضوا عهده وملكوا جنوده ، فات وتف لدار حالها هذا، وشأن ساكنها ذلك، وفقنا الله تعالى للزهد فيها والإعراض عنها .وبما ذكرنا ظهر أن (العيش فيها مذموم وأراد بالعيش الترفه فيها والتنعم بلذاتها والالتذاذ بشهواتها وإنما كان مذموماً لكونه شاغلاً عن التوجه إلى الحق ، وعن الالتفات إلى الآخرة، ومعقباً للندم والحسرة الطويلة والعذاب الشديد يوم القيامة.)وقد وقع ذمّه في كتاب الله وعلى ألسنة الأنبياء والرسل متجاوزاً عن حد الإحصاء، قال تعالی : (اَعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غيثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَكَهُ مُصفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الحديد: 20] ، وقال أيضاً: (مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أولَيكَ الَّذِينَ لَيْسَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَيطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَنَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [هود: 15-16] . وقد وقع تشبيه المتنعم باللذات الدنيوية والمتلذذ بشهواتها الملهية له عن التوجه إلى
عاقبة أمره والالتفات إلى مآل حاله في كلام الحكماء برجل حمل عليه فيل مغتلم، فانطلق موليّاً هارباً، فاتّبعه الفيل فغشيه حتى اضطره إلى بئر فتدلى فيها وتعلّق بغصنين ثابتين على شفير البئر، فإذا في أصلهما جرذان يقرضان الغصنين أحدهما أبيض والآخر أسود، فلما نظر إلى تحت قدميه فإذا رؤوس أربع أفاع قد طلعن من جحرهن، فلما نظر إلى قعر البئر إذا تنين فاغر فاه نحوه يريد التقامه، فلما رفع رأسه إلى أعلى الغصنين إذا عليهما شيء من عسل النحل فألهاه ما طعم منه وما نال من لذة العسل وحلاوته عن الفكر في أمر الأفاعي اللواتي لا يدري متى يبادرنه ، وألهاه عن التنين الذي لا يدري كيف مصيره بعد وقوعه في لهواته .
أما الفيل فهو الأجل، وأما البئر فالدنيا المملوءة من الآفات والبلايا والشرور، وأما
الغصنان فالعمر، وأما الجرذان فالليل والنهار يسرعان في قطع العمر ، و عان في قطع العمر، وأما الأفاعي الأربعة فالأخلاط الأربعة التي هي السموم القاتلة من المرّة والبلغم والريح والدم التي لا يدري صاحبها متى تهيج به ، وأما التنين الفاغر فاه ليلتقمه فالموت الراصد الطالب، وأما العسل الذي اغتر بأكله فما ينال الناس من عيش الدنيا ولذتها وشهوتها ونعيمها ودعتها من الطعام والشراب واللباس والشم واللمس والبصر، هذا هو العيش المذموم .
وبقبال العيش الممدوح وهو العيش الهنىء الذي أشير إليه في الحديث القدسي المروي في (البحار) من (إرشاد القلوب ) للديلمي عن أمير المؤمنين علیه السلام إن الله تعالى شأنه قال للنبي صلی الله علیه واله وسلم ليلة المعراج في جملة مخاطباته : يا أحمد هل تدري أي عيش أهنأ وأي حياة أبقى؟ قال: اللهم لا ، قال : أما العيش الهنى فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ولا ينسى نعمتي ولا يجهل حقي، يطلب رضائي في ليله ونهاره ، وأما الحياة الباقية فهي التي تعمل لنفسه حتى تهون عليه الدنيا وتصغر في عينه وتعظم الآخرة عنده ويؤثر هواي على هواه، ويبتغي مرضاتي، ويعظم حق عظمتي، ويذكر عملي به ، ويراقبني بالليل والنهار عند كل سيئة أو معصية، وينقي قلبه عن كل ما أكره ، ويبغض الشيطان ووساوسه، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطاناً ولا سبيلاً، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حباً حتى أجعل قلبه لي وفراغه واشتغاله وهمه وسمعه حتى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي ، وأضيق عليه الدنيا وأبغض إليه ما فيها من اللذات، وأحذره من الدنيا وما فيها كما يحذر الراعي على غنمه مراتع الهلكة فإذا كان هكذا يفرّ من الناس فراراً، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن ، يا أحمد لأزينته بالهيبة والعظمة، فهذا هو العيش الهنيء والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين، الحديث (1)
1) بحار الأنوار: 28/74 ، وتفسير الميزان: 307/1
(والأمان فيها معدوم ) لأنها إذا كانت بالبلاء محفوفة وبالخديعة موصوفة مختلفة الحالات متصرفة التارات حسبما عرفت تفصيلاً وتوضيحاً فكيف يؤمن من بوائقها ويطمئن من طوارقها، وكيف يسلم من فجعتها ويستراح من خدعتها، ويتخلص من غيلتها؟!
فهي غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافذة بائدة ، أكالة غوّالة، حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ومالها منهوب، وعزيزها مغلوب ، وموفورها منكوب، كيف لا وقد رأيتها تنكرها لمن أمن بها ودان لها واطمئن إليها حتى ظعنوا عنها الفراق الأبد هل زوّدتهم إلا السغب ، أو أحلّتهم إلا الضنك، أو نوّرت لهم إلا الظلمة، أو أعقبتهم إلا الحسرة والندامة ، فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل .
(وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها ) قال الشارح البحراني: استعار لفظ الأغراض ورشح بذكر الاستهداف وكذلك استعار لفظ الرمي لإيقاع المصائب بهم ورشح بذكر السهام .
أقول : بل هو استعارة مكنية تخييلية ترشيحية فإنه عليه الصلاة والسلام شبه الدنيا بنبال ينصب غرضاً ويتخذ هدفاً إليه بسهامه ، فطوى عن ذكر المشبه به وذكر المشبه كما شأن الاستعارة المكنية، وأثبت له ما هو من لوازم المشبه به تخييلاً وهو الأغراض والسهام، ورشح بذكر ما هو من ملائمات المشبه به وهو الرمي والاستهداف .
ومحصل المراد أن الناس في الدنيا بمنزلة أغراض منصوبة للهدفية ترمي الدنيا إليهم بسهامها أي مصائبها ومحنها وآلامها ، قال الشاعر:
رمانی الدهر بالأرزاء حتى *** فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا ابتني سهام *** تكسرت النصال على النصال
وقوله علیه السلام : ( وتفنيهم بحمامها) ترشح آخر، أي تهلكهم بموتها.
ثم ذكرهم بالاعتبار بأحوال السلف الماضين وما جرت عليهم من تقلبات الدنيا وتصاريفها وتنكر حالاتها واغتيالها لهم وما صار إليه عاقبة أمورهم إيضاحاً بذلك لما قدمه سابقاً من غدر الدنيا وعدم دوام أحوالها وسلامة نزالها وانتفاء الأمان فيها وإفنائها بحمامها وتنبيهاً به على أن الباقين فيها سيلحقون بالماضين ويحذون حذوهم وينقلون من القصور إلى القبور، ويبدلون السرور بالويل والثبور .
فقال علیه السلام : (واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا) من متاعها وحطامها وزبرجها وزخارفها (على سبيل من قد مضى قبلكم ) من أهل الديار الخالية والربوع الخاوية (ممن كان أطول منكم أعماراً) .
منهم عوج بن عناق كان جباراً عدواً لله وللإسلام ، وله بسطة في الجسم والخلق وكان يضرب يده فيأخذ الحوت من أسفل البحر ثم يرفعه إلى السماء فيشويه في حر الشمس وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة .
ومنهم عاد قوم هود فقد كانت بلادهم في البادية وكان لهم زرع ونخل كثير ولهم أعمار طويلة فعبدوا الأصنام وبعث الله إليهم هوداً يدعوهم إلى الإسلام وخلع الأنداد فأبوا .
ومنهم شداد بن عاد الذي بنى إرم ذات العماد في عدة ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة، قال في (إكمال الدين) : وجدت في كتب معمر أنه ذكر عن هشام بن سعيد الرحال ، قال : أنا وجدنا حجراً بالإسكندرية مكتوباً فيه : أنا شداد عاد ، أنا شيدت إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وجندت الأجناد وشددت بساعدي الواد .
ومنهم لقمان بن عاد وكان من بقية عاد الأولى فقد روي أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة .
ومنهم فرعون ذو الأوتاد قال في (مجمع البيان ) : قال الضحاك : أنه عاش أربعمائة سنة وكان قصيراً ذميماً وهو أول من خضب بالسواد (1).
ومنهم عمرو بن عامر الملقب بمزيقيا وماء السماء ملك أرض سبأ . فقد عاش ثمانمائة سنة، سوقة في حياة أبيه وأربعمائة سنة ملكاً، وكان يلبس كل يوم حليتين في سني ملكه فإذا كان بالعشي مزق الحليتين حتى لا يلبسهما أحد غيره ، سمي مزيقياً وسمى بماء السماء أيضاً لأنه كان حياة أينما نزل كمثل ماء السماء.
ومنهم أبو هبل بن عبد الله بن كنانة عاش ستمائة سنة .
ومنهم جلهمة بن أود ، ويقال له : طيّ، وإليه تنسب قبيلة طي كلها، وكان له ابن أخ يقال له جابر بن ملك بن أود، وقد عاش كل منهما خمسمائة سنة .
ومنهم عبيد بن الأبرص، عاش ثلاثمائة سنة فقال :
فنيت وأفناني الزمان وأصبحت *** لدي بنو العشرون من الفواقد
ومنهم عزيز مصر الذي كان في زمن يوسف وأبوه وجده وهم الوليد بن الريان بن
دوسع وكان عمر العزيز سبعمائة سنة العزيز سبعمائة سنة وعمر الربان ألف وسبعمائة سنة، وعمر ذوسع ثلاثة آلاف سنة .
1) بحار الأنوار (15/13 ، والتبيان : 130/8
ومنهم الضحاك صاحب الحيتين عاش ألفاً ومائتي سنة .
ومنهم أفريدون العادل عاش فوق ألف سنة.
ومنهم الملك الذي أحدث المهرجان فقد زعمت الفرس أنه عاش ألفي سنة
وخمسمائة .
إلى غير هؤلاء المعمّرين الذين لا نطول بذكرهم، وإنما ذكرنا هؤلاء تأييداً لما قاله أمير المؤمنين علیه السلام وإيضاحاً له، لأن هؤلاء مع كونهم أطول أعماراً قد كانوا (أعمر دياراً وأبعد آثاراً ) أيضاً حسبما أشرنا إليه .
والمراد ببعد الآثار بعدها عن أن يقتدر على مثلها المخاطبون الذين خاطبهم علیه السلام بهذه الخطبة، وكفى بذلك شاهداً بناء الهرمين بمصر، وهما إلى الآن باقيان وقد بناهما عزيز مصر وليد بن الريان كما نقله تفصيلاً الصدوق في كتاب (إكمال الدين).
وقد أشير إلى بعد آثار بعض من تقدم ذكرهم في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِمَادٍ إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخَلَقَ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخَرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَونَ ذِي الْأَوْنَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَيدِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: 6 - 13] .)قال أمين الإسلام الطبرسي : الآية خطاب للنبي صلی الله علیه واله وسلم وتنبيه للكفار على ما فعله سبحانه بالأمم السالفة لما كفرت بالله وبأنبيائه وكانت أطول أعماراً وأشدّ قوة ، وعاد قوم هود.واختلفوا في إرم على أقوال:أحدها: أنه اسم قبيلة ، وقيل : أنه جد عاد وهو عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح .وثانيها : أنه اسم بلد وهو دمشق ، وقيل : هو مدينة الإسكندرية، وقيل: مدينة شداد بن عاد ، فلما أتمها وأراد أن يدخلها أهلكه الله بصيحة نزلت من السماء .وثالثها: أنه لقب عاد.وقوله : «ذات العماد » معناه ذات الطول والشدّة، وقيل: ذات الأبنية العظام المرتفعة، وقال ابن زيد : ذات العماد في (أحكام البنيان : «التي لم يخلق مثلها » أي مثل أبنيتها «في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد » أي قطعوا الصخر ونقبوها بالوادي الذين كانوا ينزلونه وهو وادي القرى.)قال ابن عباس : كانوا ينحتون الجبال فيجعلون منها بيوتاً كما قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَمِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ [الشعراء: 149] .
«وفرعون ذي الأوتاد»، قال علي بن إبراهيم القمي : عمل الأوتاد التي أراد أن يصعد بها إلى السماء.
وقال الطبرسي : قيل في معناه أقوال :
أحدها: أنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها .
والثاني: أنه كان يعذب بالأوتاد وذلك أنه إذا غضب على أحد وتد يديه ورجليه ورأسه على الأرض.
والثالث : أن معناه : ذو البنيان، والبنيان أوتاد .
والرابع: أنه ذو الجموع والجنود الكثيرة، بمعنى أنهم يشددون ملكه ويقوّون أمره كما يقوّي الوتد الشيء .
والخامس : أنه سمي ذو الأوتاد لكثرة جيوشه السائرة في الأرض وكثرة أوتاد خيامهم فعبر بكثرة الأوتاد عن كثرة الأجناد .
وكيف كان فقد ظهر بذلك كله أن السلف الماضين كانوا طويلة الأعمار غامرة الديار ، بعيدة الآثار من أن يصفها الواصفون أو يقوى على إتيان مثلها الغابرون، ومع اتصافهم بهذه الأبهة والعظمة والقوة والجلال :
(أصبحت أصواتهم هامدة ) وهذه الجملة استئنافية بيانية فإنه لما نبه المخاطبين على أنهم على سبيل من قد مضى قبلهم فكان لقائل أن يستفهم ويقول : كيف كان حال الماضين ومآل أمرهم؟ أجاب علیه السلام: بأن أصواتهم العالية الجهورية بالأمر والنهي والحكم والإلزام صارت ساكتة ذاهبة الأثر بالمرة.
(ورياحهم راكدة ) قال الشارح البحراني: ركود رياحهم كناية عن سكون أحوالهم وخمول ذكرهم بعد العظمة في الصدور، انتهى .
والأظهر أن يراد أن أعاصيرهم العاصفة الشديدة الهبوب التي كانت تهب بالرتق والفتق والسياسات صارت ساكنة .
(وأجسادهم بالية) بعد بضاضتها ونضارتها (وديارهم خالية ) من أهلها بعد عمارتها
(وآثارهم عافية) مندرسة بعد عظمتها وجلالتها .
(فاستبدلوا بالقصور المشيدة ) المجصّصة الرفيعة البنيان المحكمة القواعد والأركان (والنمارق الممهدة) أي الوسائد المهيأة للمتكتين (الصخور والأحجار المسندة) أي المستندة بعضها إلى بعض، أو أنها كانت لهم سناداً (والقبور اللاطئة الملحدة) أي اللاصقة بالأرض
المعمول لها اللحد (التي قد بنى بالخراب فناؤها ) أي على الخراب ، والمراد خراب نفس القبور وتسرع انهدامها، وإنما نسب البناء إلى الفناء ولم يقل : قد بنيت بالخراب، لأنه من باب الكناية باقتضاء البلاغة . وقد عرفت في ديباجة الشرح في مبحث الكناية أنهم يقصدون إثبات شيء لشيء فيتركون التصريح بإثباته له ويثبتونه ،لمتعلّقه، كما في قول الشاعر :
إن المروة والسماحة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج
جعل الأوصاف الثلاثة في قبة الممدوح وكنى به عن ثبوتها له، وقول الآخر في وصف الخمر :
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها *** لو مسّها حجر مسته سرا
كنى عن نفي الحزن عنها بنفيها عن ساحتها وهو أبلغ من التصريح به.
ويحتمل أن يكون المراد : خراب الأبدان المدفونة فيها وفناؤها بالبلي (وشيد بالتراب بناؤها) وفي وصفها بذلك أي بكون شيدها التراب دون الجص إيماء إلى هوانها وهوان من دفن فيها.
(فمحلّها مقترب وساكنها مغترب ) يحتمل أن يكون المراد أن محل القبور ومكانها قريب من الأحياء ولكن ساكنها غريب عنهم، وأن يكون المراد أن محل كل منها قريب من الآخر ولكن ساكنوها غرباء ، يعني أنهم تدانوا في خططهم وقربوا في مزارهم وبعدوا في لقائهم .
(بين أهل محلة موحشين) أي ذوي وحشة ليس بينهم مودة ولا إلفة وعلى كون موحشين بصيغة المفعول، فالمعنى استيحاش الأحياء منهم، وحاصله أنهم لا يستأنسون بأحد ولا يستأنس بهم أحد لا من الأحياء ولا من الأموات .
(وأهل فراغ متشاغلين ) أي فراغ من الأمور الدنيوية متشاغلين بالأمور البرزخية من السؤال والجواب والثواب والعقاب.
(لا يستأنسون بالأوطان) كاستئناس الأحياء بأوطانهم.
(ولا يتواصلون تواصل الجيران ) كتواصل أهل الدنيا بجيرانهم (على ما بينهم من قرب الجوار ودنق الدار ) وحاصله أنهم جيران لا يتأنسون وأحياء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التعارف، وانقطعت منهم أسباب التواصل، فكلهم وحيد أسباب التواصل، فكلهم وحيد وهم جميع، وبجانب الهجران وهم جيران .
(وكيف يكون بينهم تزاور ) وتأنس (وقد طحنهم بكلكله البلى ) استعارة بالكناية شبه البلى بالجمل الضروس الذي يرض ويدق ما يركب عليه بكلكله أي صدره، فأثبت له الكلكل
تخييلاً، والطحن ترشيحاً، والجامع أن البلى يجعل الأجساد أجزاء دقاقاً مثل الدقيق والطحين، وكذلك يجعل الضروس بكلكله ما برك عليه عند الصيال ، ومحصله استبعاد تزاورهم مع اضمحلال أجسامهم وانحلالها بالبلى وكونهم ممزقين كل ممزق.
(وأكلتهم الجنادل والثرى ) استعارة تبعية كما في قولهم: نطقت الحال، والمراد إفناؤها لهم، فاستعار لفظ الأكل للإفناء أي كيف يكون بينهم تزاور وقد أفنتهم الجنادل والتراب ، هذا .
ولا يخفى عليك أن إنكار التزاور والتأنس إما مخصوص بغير المؤمنين أو محمول على التزاور بالأجساد، وهو الأظهر، لأن المستفاد الأخبار الكثيرة ثبوت التزاور بين
من أرواحهم، وقد مضت عدة منها في أواخر التذييل الثالث من شرح الفصل السابع من فصول الخطبة الثانية والثمانين فليراجع ثمة .
ورويت هنا مضافاً إلى ما سبق من (البحار من المحاسن) عن ابن محبوب عن إبراهيم بن إسحاق الجازي قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : أين أرواح المؤمنين؟ فقال : أرواح المؤمنين حجرات الجنة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويتزاورون فيها ويقولون : ربنا أقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا ، قال :قلت: فأين أرواح الكفار ؟ فقال : في حجرات النار يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويتزاورون فيها ويقولون: ربنا لا تقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا (1).
ومن (المحاسن ) أيضاً عن ابن فضال عن حماد عثمان عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ذكر الأرواح أرواح المؤمنين ، فقال : يلتقون ، قلت : يلتقون؟ قال : نعم يتساءلون ويتعارفون حتى إذا رأيته قلت : فلان (2).
وفيه من (الكافي) بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام : إن الأرواح في صفة الأجساد في شجر الجنة تعارف وتسائل، فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول : دعوها فإنها قد أقبلت من هول عظيم ، ثم يسألونها : ما فعل وما فعل فلان؟ فإن قالت لهم : تركته حياً ارتجوه، وإن قالت لهم : قد هلك ، قالوا : قد هوى هوى (3).
والأخبار في هذا المعنى كثيرة ولا حاجة إلى الإطالة.
ثم أنه علیه السلام لما ذكر المخاطبين بشرح أحوال الماضين وعظم ما حل بهم من أحوال القبر ودواهيه عقب علیه السلام ذلك بالتنبيه على قرب لحاقهم بهم فقال : (وكان قد صرتم إلى ما صاروا إليه ) أي انتقلتم من ذروة القصور إلى وهدة القبور وبدلتم النمارق الممهدة بالأحجار المشيدة، ودار الأنس والعيش والسعة ببيت الوحدة والوحشة والضيق والغربة (وارتهنكم ذلك المضجع ) أي أخذكم أخذ المرتهن لرهنه (وضمّكم ذلك المستودع ) أي ضغطكم القبر الذي هو محل الاستيداع .
قال الشارح البحراني : وأطلق عليه لفظ المستودع باعتبار كونهم سيخرجون منه يوم القيامة، انتهى .
وقد تقدم بيان ضغطة القبر تفصيلاً وتحقيقاً مع الأخبار الواردة فيها في التذييل الثالث من شرح الفصل السابع من الخطبة الثانية والثمانين ولا حاجة إلى الإعادة .
ثم ذكرهم علیه السلام بدواهي القيامة وأفزاعها فقال : (فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور) أي الأمور البرزخية (وبعثرت القبور ) أي قلب ترابها وبعث الموتى الذين فيها وجدّدوا بعد إخلاقهم وجمعوا بعد افتراقهم لنقاش الحساب ومعاينة الجزاء .
وهذه اللفظة ألفاظ الكتاب العزيز، قال سبحانه: إِذَا السَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ من السَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ وَإِذَا الكَواكِبُ أننتَرَتْ وَإِذَا الْبِسَارُ فُخَرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بعيرت عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ الإنفطار ، وقال أيضاً : أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُغيرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُضِلَ مَا فِي الصُّدُورِ ، إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَذٍ لَخَبِيرُ [العاديات 11-9] أي بحث عن الموتى فأخرجوا عنها، يعني عند البعث .
(هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت، وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ) اقتباس من الآية الشريفة في (سورة يونس) أي في ذلك المقام يعني مقام البعث تختبر كل نفس ما قدمت من عمل فتعاين نفعه وضره، وقرأ بعضهم تتلو أي تقرأ من التلاوة أو تتبع من التلو، وردوا إلى الله موليهم الحق، أي إلى ربه الصادق ربوبيته المتولي لأمرهم على الحقيقة لا ما اتخذوه مولى وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، أي ضاع عنهم ما كانوا يدعونه أنهم شركاء الله وأنها تشفع لهم .
روي في (البحار) من كتاب (مطالب المسؤول ) عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها والله عن قليل تشقي المترف، وتحرك الساكن، وتزيل الثاوي، صفوها مشوب بالكدر ، وسرورها منسوج بالحزن، وآخر حياتها مقترن بالضعف، فلا يعجبنّكم ما يغرنكم منها، فعن كثب تنقلون عنها، وكل ما هو آت قريب، وهنالك تبلو
كل نفس ما أسلفت ، وردّوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (1).
هذه الخطبة رواها المحدّث العلامة المجلسي قدس سره في المجلد السابع عشر من (البحار) من كتاب (عيون الحكمة والمواعظ ) لعلي بن محمد الواسطي، قال:
ومن كلام له علیه السلام : أنكم مخلوقون اقتداراً، ومربوبون اقتساراً، ومضمّنون أجداثاً، وكائنون رفاتاً، ومبعوثون أفراداً، ومدينون جزاء، ومميزون حساباً، فرحم الله عبداً اقترف فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وعبر فاعتبر، وحذر فازدجر، وأجاب فأناب، وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى ، فأسرع طلباً، ونجا هرباً، فأفاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وتأهب للمعاد، واستظهر بالزاد ليوم رحيله ، ووجه سبيله ، وحال حاجته ، وموطن فاقته، تقدم أمامه لدار مقامه فمهدوا لأنفسكم في سلامة الأبدان، فهل ينتظر أهل غضارة الشباب إلا حواني الهرم، وأهل بضاضة الصحة إلا نوازل السقم ، وأهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء، واقتراب الفوت ودنو الموت ، وأزوف الانتقال، وإشفاء الزوال، وحفي الأنين، ورشح الجبين ، وامتداد العرنين ، وعلز القلق ، وفيض الرّمق، وألم المضض، وغصص الجرض .
واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قد مضى ممن أطول منكم أعماراً، وأشدّ بطشاً، وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً، فأصبحت أصواتهم هامدة جامدة من بعد طول تقلبها، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية، وآثارهم عافية ، واستبدلوا بالقصور المشيدة ، والسرر والنمارق الممهدة، الصخور والأحجار المسندة ، في القبور اللاطئة الملحدة التي قد بين الخراب فناءها، وشيّد التراب بناءها، فمحلها مقترب وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلّة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون مع الجيران والإخوان على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار .
وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى ، فأكلهم الجنادل والثرى ، فأصبحوا بعد الحياة أمواتاً، وبعد غضارة العيش رفاتاً ، فجع بهم الأحباب وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات (كلاً إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَابِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ یبعثدُّونَ ﴾ [المؤمنون: 100] .
وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار الموت، وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمّكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور، وبعثرت القبور ،
1) بحار الأنوار: 133/7 ، ونهج السعادة : 183/3
وحصل ما في الصدور، ووقعتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سلف الذنوب، هتكت منكم الحجب والأستار، وظهرت منكم العيوب والأسرار هنالك (تُجزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) [غافر: 17] ، إن الله يقول : (لِيَجْرَى الَّذِينَ أَسَنُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم: 31].
اغتنموا أيام الصحة قبل السقم ، وأيام الشيبة قبل الهرم، وبادروا بالتوبة قبل الندم، ولا يحملنكم المهلة على طول الغفلة ، فإن الأجل يهدم الأمل، والأيام موكلة بنقص المدة، وتفريق الأحبة.
فبادروا رحمكم الله بالتوبة قبل حضور النوبة، وبروز اللعبة التي لا ينتظر معه الأوبة، واستعينوا على بعد المسافة بطول المخافة
فكم من غافل وثق لغفلته ، وتعلل بمهلته، فأمل بعيداً ، وبنى مشيداً ؛ فنقص بقرب أجله بعد أمله، فأجابه منيّته، فصار بعد العزّ والمنعة والشرف والرفعة مرتهناً بموبقات عمله؛ قد غاب فما رجع ، وندم فما انتفع ، وشقي بما جمع في يومه وسعد به غيره في غده ، وبقي مرتهنا بكسب يده ، ذاهلاً عن أهله وولده ، لا يغني عنه ما ترك فتيلاً، ولا يجد إلى مناص سبيلاً، فعلهم عباد الله التعرّج والدّلج وإلى أين المفر والمهرب وهذا الموت في الطلب يخترم الأول فالأول، لا يتحنّن على ضعيف، ولا يعرج على شريف، والجديدان يحثان الأجل تحثيثاً، ويسوقانه سوقاً حثيثاً، وكل ما هو آت فقريب، ومن وراء ذلك العجب العجب، فأعدّوا الجواب يوم الحساب ، وأكثروا الزاد ليوم المعاد، عصمنا الله وإياكم بطاعته، وأعاننا وإياكم على ما يقرب إليه ويزلف لديه، فإنما نحن به وله .
إن الله وقت لكم الآجال، وضرب لكم الأمثال ، وألبسكم الرياش، وأرفع لكم المعاش، وآثركم بالنعم السوابغ، وتقدم إليكم بالحجج البوالغ، وأوسع لكم في الرفد الرافع، فتنهزوا فقد أحاط بكم الإحصاء، وارتهن لكم الجزاء، القلوب قاسية عن حظها ؛ لاهية عن رشدها ، اتقوا الله تقية من شمّر تجريداً، وجد تشميراً، وانكمش في مهل، وأشفق في وجل، ونظر في كرّة الموئل ، وعافية الصبر ، ومعية المرجع ، وكفى بالله منتقماً ونصيراً، وكفى بكتاب الله حجيجاً وخصيماً .
رحم الله عبداً استشعر الحزن، وتجلبب الخوف وأضمر اليقين ، وعرى من الشك في توهم الزوال، فهو منه على وبال ، فزهر مصباح الهدى في قلبه، وقرب على نفسه البعيد ، وهوّن الشديد فخرج من صفة العمى ، ومشاركة الموتى واجتاز من مفاتيح الهدى، ومغاليق أبواب الردى ، واستفتح بما فتح العالم به أبوابه، وخاض بحاره، وقطع غماره، وضحت له سبيله ومناره ، واستمسك من العرى بأوثقها، واستعصم من الحبال بأمتنها، خواض غمرات ،
فتاح مبهمات، دافع معضلات ، لا أمة ولا مطية إلا قصدها (1).
قد تقدم أوائل فقرات هذا الكلام بهذه الرواية إلى قوله : وغصص الجرض في ضمن فقرات الخطبة الثانية والثمانين باختلاف أيضاً، فانظر ماذا ترى وبما ذكرناه في شرح هذه الخطبة المتقدمة يتضح لك قريب (2)ما هذه الرواية ولا حاجة إلى الإعادة ، هذا.
ويستفاد من بعض الروايات كون هذه الخطبة مع الكلام الثاني والأربعين ملتقطين من خطبة طويلة، وهو ما رواه أيضاً في المجلد السابع عشر من (البحار) في موضع آخر من مناقب ابن الجوزي قال : خطبة، ويعرف بالبالغة.
روی ابن أبي ذئب عن أبي صالح العجلي قال : شهدت أمير المؤمنين كرّم الله وجههوهو يخطب ، فقال بعد أن حمد الله تعالى وصلى على محمد رسوله صلی الله علیه واله وسلم :
أيها الناس ، إن الله أرسل إليكم رسولاً ليربح به عليكم ، ويوقظ به غفلتكم، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصدكم عن الحق، وأما طول الأمل فينسيكم الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
واعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت ومحاسبون على أعمالكم ومجازون بها، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور .
فإنها دار بالبلاء محفوفة، وبالعناء والغدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ، لا تدوم أحوالها ، ولا يسلم من شرها نزالها، بينا أهلها في رخاء وسرور، إذا هم في بلاء وغرور ، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم ، أهلها فيها أغراض مستهدفة، كل حتفه فيها مقدور ، وحظه من نوائبها موفور .
وأنتم عباد الله على محجّة من قد مضى، وسبيل من كان ثم انقضى ، ممن كان أطول منكم أعماراً وأشدّ بطشاً، وأعمر دياراً، أصبحت أجسادهم بالية ، وديارهم خالية، فاستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق الموسدة بطون اللحود ومجاورة الدود ، في دار ساكنها مغترب ،
ومحلها مقترب ، بين قوم مستوحشين ، متجاورين غير متزاورين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الدار.
وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنتهم البلى، وأظلّتهم الجنادل والثرى، فأصبحوا بعد الحياة أمواتاً ، وبعد غضارة العيش رفاتاً ، قد فجع بهم الأحباب ، وأسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، وتمنّوا الرجوع فحيل بينهم وبين ما يشتهون ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (1).
قال : وقد أخرج أبو نعيم طرفاً من هذه الخطبة في كتابه المعروف ب- (الحلية) (2).
از جمله خطب شریفه آن حضرت است در تنقیر از دنیا و تنبیه به سرعت زوال آن ، می فرماید:
دنیا خانه ای است به بلا احاطه کرده شده و با مکر و حیله اشتهار یافته ، ثبات ندارد حالات آن و سلامت نمیماند نازل شوندگان آن ، حالت های آن حالت های مختلف است و مرّات متغيّر و متبدّل تعيش و التذاذ در آن مذموم است و ایمنی در معدوم است و جز این نیست که اهل دنیا در دنیا نشانگاهانی هستند که نصب شدهاند به نشانگی ، میاندازد دنیا به ایشان با تیرهای خود و فانی میسازد ایشان را با مرگ خود.
و بدانید ای بندگان خدا ، به درستی که شما با چیزی که هستید در آن از متاع این دنیا بر طریقه و روش کسانی هستید که گذشتهاند پیش از شما از اشخاصی که درازتر بودند از شما از حیثیت عمرها و معمورتر بودند از حیثیت خانها خانها و دورتر بودند از حیثیت اثرها ، گردید آوازهای ایشان خاموش و بادهای غرور ایشان ساکن و بدنهای ایشان پوسیده ، خانه های ایشان خالی و اثرهای ایشان مندرس .
پس عوض کردند به قصرهای محکم شده با گج و متگاهای مهیا شده سنگها و حجرهای تکیه کرده به هم ، قبرهای هموار شده به زمین صاحب لحد را ، چنان قبرهایی که بنا کرده شده بر خرابی اطراف آنها و به خاک محکم کرده شد بنای آنها ، پس مکان آن قبرها نزديك است و ساکن آنها غریب است در میان اهل محله که صاحبان وحشت اند و در میان اهل فراغتی که مشغول اند به هولهای برزخ ، انس نمیگیرند ایشان به وطنها و وصلت نمیکنند مثل وصلت کردن همسایه
ها ، با وجود این که در میان ایشان است از قرب همسایگی و نزدیکی خانه
و چگونه میشود در میان ایشان زیارت کردن یکدیگر و حال آنکه مثل آرد کرده بدنهای ایشان را پوسیدگی به سینه خود و خورده است ایشان را خاكها و سنگ ها و گویا گردیدید شما به سوی آنچه که گردیدند ایشان به سوی آن و به گرو
گرفت شما را آن خوابگاه قبر و فشار داد شما را آن امانت گاه.
پس چگونه باشد حال شما اگر به پایان برسد به شما کارها و بیرون آورده شود
مرده های قبرها ، در آن زمان امتحان می میکند هر نفس آن چیزی را که پیش فرستاده و رد کرده شوند به سوی خدا که مولای به حق ایشان است و گم شود از ایشان آن چیزی که افترا می گفتند ، یعنی شریکی که قرار میدانند برای خدا .
اللَّهُمَّ إِنَّكَ أنَّسُ الآنسين لأوْلِيَاءِكَ ، وأَحْضَرُهُمْ بِالكِفايَةِ لِلْمُتَوَكِّلينَ عَلَيْكَ، تُشَاهِدُهُمْ في سرائرهم، وتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ في ضَمَائِرِهِمْ ، وتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصائِرِهِمْ، فَأَسْرَارُهُم لَكَ مَكْشُوفَةٌ، وقُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ ، إِنْ أَوْحَشَتْهُمُ الغُرْبَة آنَسَهُمْ ذِكْرَكَ، وَإِن صُبَّتْ عَلَيْهِمُ المَصائِبُ لَجَاوا إلى الإستجارَةِ بِكَ، عِلماً بأنَّ أزمة الأمُورِ بِيَدِكَ، وَمَصادِرَها عَنْ قَضَائِكَ
اللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتي، أَوْ عَمَهْتُ عَنْ طَلِبَتي، فَدُلَّني عَلى مَصالِحي، وَخُذْ بِقَلْبي إِلى مَراشِدِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدايَاتِكَ، وَلا بِبِدْعِ مِنْ كِفَايَاتِكَ، اللَّهُمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ وَلا تَحْمِلْنِي عَلى عَدْلِكَ (1).
(الأنس) بالضم وبالتحريك ، ضد الوحشة، اسم من آنست بالشيء أنساً من باب علم ، وفي لغة : من باب ضرب ، وفي القاموس : من باب شرف أيضاً، والأنيس المؤنس وكل ما يؤنس به ، والإيناس ضد الإيحاش وهو وجدان الشيء الذي يؤنس به ، قال تعالى:
وَانَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ) [القصص: 29] أي أبصره وأحس به ، واستأنست به وتأنست به ، أي ذهب التوحش عني وسكن القلب ولم ينفر .
إذا عرفت ذلك فأقول : قوله علیه السلام : إنك آنس الآنسين ، آنس بفتح النون على وزن افعل تفضيل من الأنس، وآنسين بكسر النون جمع أنس اسم فاعل من أنس بالشيء، وأما ما قاله الشارح المعتزلي من أنه كان القياس أن يقول : إنك آنس المؤنسين، لأن الماضي أفعل ، وإنما الآنسون جمع آنس وهو الفاعل عن أنست بكذا، فالرواية الصحيحة إذاً بأوليائك أي أنت أكثرهم أنساً بأوليائك، فلا يكاد يفهم له معنى محصل .و (لهف لهفاً من باب فرح حزن كتلهف عليه وهو لهيف القلب ولاهفه وملهوفه أي محترقه و (الفهة) والفهاهة العي، وقد فهه عبي ، وفهه الشيء نسيه و (العمه) الحيرة والتردد مصدر عمه يعمه من باب فرح ومنع ، وفي بعض النسخ بدل عمهت : عمیت و (الطلب) بكسر اللام ما تطلبه و (النكر) بالضم وبضمتين المنكر .)
1) نهج :السعادة : 252/6 ، وميزان الحكمة : 2018/3 - 2768 .
و (البدع بالكسر الأمر الذي كان أولاً ، يقال : فلان بدع في هذا الأمر أي هو أول من فعله فيكون اسم فاعل بمعنى المبتدع والبديع فعيل منه وفيه معنى التعجب، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعَا مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 9] أي ما أنا بأول من جاء بالوحي من عند الله ونشر الشرائع والأحكام.
قوله علیه السلام : لأوليائك، متعلق بآنس ، واللام هنا بمعنى الباء تفيد كون الأولياء مأنوساً بهم، وتسمى هذه اللام : لام التبين لتبيينه المفعول من الفاعل ، وضابطها أن تقع بعد فعل تعجب أو اسم تفضيل مفهمين حباً أو بغضاً تقول : ما أحبني وما أبغضني، فإن قلت لفلان: فأنت فاعل الحب والبغض وهو أعني فلان مفعولهما ، وإن قلت : إلى فلان الأمر بالعكس لأن (إلى) تفيد فاعلية مجرورها بعد فعل التعجب أو اسم التفضيل المفيدين للحب والبغض نحو ربّ السجن أحبّ إلي، وفلان أمقت إلي .
وبما ذكرناه علم أن ما قدمنا نقله من الشارح المعتزلي من قوله : فالرواية الصحيحة إذاً : بأوليائك، وَهُم، هذا .
وإنما عدل علیه السلام عن الباء إلى اللام مع كون الباء أصرح وأقيس تضميناً للأنس معنى الحب، فإن الأنس بمعناه الحقيقي كالوحشة من صفات الأجسام لا يمكن اتصافه تعالى به، فيراد ما يلازمه وهو الحب وستعرف الملازمة بينهما في بيان المعنى .
وقوله علیه السلام : آنسهم ذكرك ، من إضافة المصدر إلى المفعول ، أي ذكرهم إياك، وقوله : علماً مفعول لأجله لقوله : لجأوا .
اعلم أنه لما كان من جملة آداب الدعاء تقديم المدحة لله عزّ وجل والثناء عليه قبل المسألة كما قال الصادق علیه السلام : إذا طلب أحدكم الحاجة فليثن على ربه وليمدحه ، فإن الرجل منكم إذا طلب الحاجة من سلطان هيأ له من الكلام أحسن ما يقدر عليه، فإذا طلبتم الحاجة فمجدوا الله العزيز الجبار وامدحوه واثنوا عليه ، الحديث (1).
لا جرم قدم علیه السلام قبل مسألته بقوله: اللهم إن فههت ، وقوله : اللهم احملني على عفوك ، تمجيد الله تعالى وتعظيمه ، ووصفه بجملة من أوصاف كماله، فقال:
1) وسائل الشيعة : 80/7 ، وعدة الداعي : 149 .
(اللهم إنك أنس الأنسين لأوليائك) قد عرفت في شرح الفصل السادس من الخطبة الأولى استحالة الاستئناس والاستيحاش على الله سبحانه، فلا بد من أن يراد بالأنس المحبة أي أنت أشد حباً لأوليائك من جميع المحبين .
أما أولياؤه فهم الحائزون قصب السبق في مضمار العرفان واليقين، والبالغون إلى الغاية القصوى في حماية حمى الدين ، وسلوك مسالك الشرع المبين، وهم عباد الله المخلصون المتصفون بالأوصاف المتقدمة الذكر في الخطبة السادسة والثمانين والخطبة المائة والثانية والتسعين ، والكلام المائتين والثامن عشر وغيرها .
وأما اتصافه بالمحبة لأوليائه المقربين فشواهده من النقل متجاوزة عن حد الإحصاء، قال تعالى في كتابه العزيز: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195] وقال : (وإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُطَفِرِينَ ﴾ [البقرة : 222] وقال : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54] ، وقال : (يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُظَهِرِينَ ﴾ [التوبة: 108] ، وقال :( إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُن ﴾ [آل عمران: 31] إلى غير هذه مما لا حاجة إلى ذكرها .
وفي الحديث القدسي: ما تحبّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته إليه ، وإن
عبدي ليتحبب إلي بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع الذي يسمع به، الحديث (1)
وأما محبة الله لعبده فليس بالمعنى الذي يتصور في المخلوق إذا الحب في الاصطلاح عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق الملائم، وهذا من صفات ذوي النفوس الناقصة المستفيدة بنيل المحبوب كمالاً فتلتل به، وهذا محال على الله سبحانه إذ ليس له تعالى وتقدس نفس فضلاً عن كونه ناقصاً .
وقد عرفت في تضاعيف الشرح في غير موضع أن ذات الله تعالى شأنه تام فوق التمام ، وجميع صفات الجلال والجمال والكمال حاصلة له بالفعل وواجب الحصول أزلاً وأبداً ، ومن هذا شأنه فكيف يتصور أن يكون ناقصاً بذاته مستكملاً بغيره؟ فلا بد أن يراد بحبه عزّ شأنه لعبده معنی آخر .
وقد اختلفوا في تقريره وبيانه بوجوه يقرب بعضها من بعض.
فقال صدر المتألهين : إن المحبة تابعة لإدراك الوجود لأنه خير محض فكل ما وجوده أتم كانت خيريته أعظم والإدراك به أقوى والابتهاج به أشد ، فأجل مبتهج بذاته هو الحق الأول، لأنه أشد إدراكاً لأعظم مدرك له الشرف الأكمل والنور الأنور والجلال الأرفع ، فمحبة الله لعباده راجعة إلى محبته لذاته، لأنه لما ثبت أن ذاته أحب الأشياء إليه تعالى وهو
1) محاسن البرقي: 291/1 ، والبحار : 22/67 .
أشد مبتهج به وكل من أحب شيئاً أحب جميع أفعاله وحركاته وآثاره لذلك المحبوب، وكل ما هو أقرب إليه فهو أحب إليه، وجميع الممكنات آثار الحق وأفعاله فالله يحبها لأجل ذاته، وأقرب المجعولات إليه تعالى الروح المحمدي صلّى الله عليه وآله، فكان علیه السلام حبيب الله وأحب الخلق إليه ، انتهى .
وقال الغزالي بعدما ذكر : أن المحبة عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق، ما
الله لفظه :
فأما حب الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلاً، بل الأسماء كلها إذا أُطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تطلق عليهما بمعنى واحد واحد أصلاً أن حتى اسم الوجود الذي هو أعم الأسماء اشتراكاً لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد، بل كل ما سوى تعالى فوجوده مستفاد من وجود الله تعالى، فالوجود التابع لا يكون مساوياً للوجود المتبوع، وإنما الاستواء في إطلاق الاسم، فكان استعمال الأسماء في حق الخالق بطريق الاستعارة والتجوز والنقل ، والمحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملائم .
وهذا إنما يتصور فى نفس ناقصة، فإنها تستفيد بنيل ما يوافقها كمالاً فتلتذ بنيله ، وهذا محال على الله تعالى ، فإن كل كمال وجمال وبهاء وجلال ممكن في حق الإلهية، فهو حاضر وحاصل وواجب الحصول أزلاً وأبداً ، ولا يتصور تجدده ولا زواله، فلا يكون له نظر إلى غيره من حيث أنه غيره ، بل نظره إلى ذاته وأفعاله فقط ، وليس في الوجود إلا ذاته وأفعاله، فلا يجاوز حبه ذاته من حيث هي متعلقة بذاته، فهو إذاً لا يحب إلا نفسه.
ذاته وتوابع وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤول ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه من القرب منه وإلى إرادته ذلك به في الأزل، فحبه لمن أحبه أزلي مهما أضيف إلى الإرادة الأزلية اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب، وإذا أُضيفت إلى فعله الذي يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضى له كما قال تعالى : «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه »(1)
فيكون تقربه بالنوافل سبباً لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب من قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه ، فكل ذلك فعل الله تعالى ولطفه به فهو معنى قربه وهو قرب بالصفة لا بالمكان ومن لم يكن قريباً ثم صار قريباً فقد تغير، فربما يظن بهذا أن القرب لما تجدد فقد تغير وصف العبد والرب جميعاً إذ صار قريباً بعد أن لم يكن، وهو محال في حق الله تعالى،
1) شرح أصول الكافي : 89/10 ، والغدير : 408/1 ح 13.
إذ التغير عليه محال ، بل لا يزال في نعوت الجلال على ما كان عليه في أزل الآزال ولا ينكشف هذا إلا بمثال في القرب بين الأشخاص.
فإن الشخصين قد يتقاربان بتحركهما جميعاً، وقد يكون أحدهما ثابتاً فيتحرك الآخر فيحصل القرب بتغير في أحدهما من غير تغير في الآخر، بل القرب في الصفات أيضاً كذلك، فإن التلميذ يطلب من درجة أستاذه في كمال العلم وجماله، والأستاذ واقف في كمال علمه غير متحرك بالنزول إلى درجة تلميذه، والتلميذ متحرك مُتَرَقٍ من حضيض الجهل إلى ارتفاع العلم، فلا يزال دائماً في التغير والترقي إلى أن يقرب من الأستاذ، والأستاذ ثابت غير متغير .
فكذلك ينبغي أن يفهم ترقي العبد في درجات القرب، فكلما صار أكمل صفة وأتم علماً وإحاطة بحقائق الأمور وأثبت قوة في قهر الشيطان وقمع الشهوات وأظهر نزاهة عن الرذائل صار أقرب من درجة الكمال ومنتهى الكمال لله وقرب كل واحد من الله بقدر كماله.
نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الأستاذ وعلى مساواته وعلى مجاوزته، وذلك في حق الله تعالى محال ، فإنه لا نهاية لكماله وسلوك العبد في درجات الكمال متناه ولا ينتهي إلا إلى حد محدود، فلا مطمع له في المساواة.
ثم درجات القرب تتفاوت تفاوتاً لا نهاية له أيضاً ، لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال، فإذا محبة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه من كدورات الدنيا ورفع الحجاب من قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه .
وأما محبة العبد الله فهو ميله إلى درك ذلك الكمال الذي هو مفلس عنه فاقد له فلا جرم يشتاق إلى ما فاته وإذا أدرك منه شيئاً يلتذ به ، والشوق والمحبة بهذا المعنى محال على الله ، انتهى كلامه ملخصاً .
ومحصله ما قاله بعض المحققين : من أن محبة الله للعبد كشف الحجاب عن قلبه وتمكينه من أن يطأ على بساط قربه ، فإنما يوصف به سبحانه باعتبار الغايات لا المبادىء، وعلامة حبه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقي إلى عالم النور والأنس بالله والوحشة ممن سواه وصيرورة جميع الهموم هماً واحداً .
وقال بعض الشارحين للحديث القدسي : إذا أحببت عبدي كنت سمعه الذي يسمع به، إن هذا مبالغة للقرب وبيان لاستيلاء سلطان المحبة على ظاهر العبد وباطنه وسره وعلانيته ، فالمراد : إني إذا أحببت عبدي جذبته إلى محل الأنس وصرفته إلى عالم القدس، فصيرته مستغرقاً في عالم الملكوت، وحواسه مقصورة على اجتذاب أنوار الجبروت، فتثبت حينئذ
في مقام القرب وقدمه، ويمتزج بالمحبة لحمه ودمه إلى أن يغيب عن نفسه ويذهل عن حبه حتى أكون بمنزلة سمعه وبصره ، انتهى .
وقيل : محبة الله صفة من صفات فعله، فهي إحسان مخصوص يليق بالعبد وأما محبة العبد الله فحالة يجدها في قلبه يحصل منها التعظيم وإيثار رضاه والاستئناس بذكره ، هذا.
وأنت بعد الخبرة بما ذكرناه فلا يخفى عليك معنى التفضيل في قوله علیه السلام : آنس الآنسين، فإنه إن كان المراد بالمحبة المرادة بالأنس على ما حققناه إدراك الكمال على ما حكيناه عن صدر المتألهين كان معنى آنس : أنه عز وجل أكمل إدراكاً لكمال أوليائه المقربين إليه وأشد ابتهاجاً بعباده المخلصين، لما لهم من مزيد القرب والكمال.
وإن كان المراد بها تقريب العبد وتوفيقه المترقي إلى معارج الملكوت ومدارج الجبروت وجذبه إلى حظائر القدس ومحافل الأنس ، كان معناه أنه أعظم قدرة على التوفيق والتأييد وأكثر عناية ولطفاً في حق أوليائه.
قال أبو الدرداء لكعب الأحبار : أخبرني عن أخص آية يعني في التوراة، فقال: يقول
الله تعالى : طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم لأشدّ شوقاً .
وفي أخبار داود علیه السلام: إن الله تعالى قال: يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني، وجليس لمن جالسني، ومؤنس لمن آنس بذكري ، وصاحب لمن صاحبني، ومختار لمن اختارني ، ومطبع لمن أطاعني ، ما أحبني عبد أعلم ذلك يقيناً من قلبه إلا قبلته لنفسي، وأحببته حباً لا يتقدمه أحد من خلقي ، من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني ، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي، وأنسوا بي أؤانسكم وأسار إلى محبتكم فإني خلقت طينة أحبائي من طينة إبراهيم خليلي وموسى نجيّي ومحمد صفيّي، وخلقت قلوب المشتاقين من نوري ونعمتها بجلالي ، هذا (1).
وما ذكرناه كله ظهر لك أن المراد بقوله علیه السلام : أنس الانسين لأوليائك آنس الله تعالى بأوليائه لا أنس أولياء به، كما زعمه الشارح البحراني، وفصل الكلام في كيفية أنسهم به .
(وأحضرهم بالكفاية للمتوكلين عليك) يحتمل رجوع ضمير الجمع إلى الآنسين وإلى الأولياء، والأول أنسب إلى سياق العبارة ، والثاني أقرب معنى والمراد واحد، أي أنت أكمل حضوراً بالكفاية للمتوكلين عليك منهم ، أي أبلغ إحضاراً لكفايتهم، وإنما كان كذلك لأنه عزّ
1) مسكن الفؤاد 27 والجواهر السنية : 94 .
وجل الغني المطلق الذي لا تنقص خزائنه بالكرم والجود ، والعالم الذي لا يعزب عن علمه شيء، والقادر الذي لا يعجزه شيء، والجواد الذي لا بخل من جهته ولا رادع من أفضاله .
ومع اتصافه بهذه الأوصاف فهو أقدر على بذل حوائج عباده ؛ والقيام بكفاية المتكلين عليه بعدما علم من حالهم حسن اتكالهم واعتمادهم في جميع أمورهم عليه، وانقطاعهم عمن سواه ؛ واستعدادهم بالهم من التوكل لقبول إفاضاته وعناياته ؛ فيفيض كلاً منهم مقدار كفايته من دون رادع ولا مانع ولا إبطاء ولا تأخير ؛ فكان أسرع إحضاراً لكفاية من استكفاه قال تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3]، وقال: أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَم [الزمر: 36] وهو وارد في معرض التقريع على منكر كفايته .)ثم لما كان من لوازم كونه تعالى أحضر كفاية علمه بأحوال المتوكلين ومكنونات قلوبهم فيما يخافون ويرجون حسبما أشرنا إليه، أردفه علیه السلام بقوله : (تشاهدهم في سرائرهم وتطلع عليهم في ضمائرهم وتعلم مبلغ بصائرهم أي أنت بصير بما يسرونه، وخبير بما يضمرونه، محيط بهم علماً لا يعزب عنك شيء من مكنونات قلوبهم ومخفيات صدورهم .)(فأسرارهم المخفية (لك مكشوفة) كما قال عز من قائل: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرِّ وَأَخْفَى ) [طه: 7] السر ما أكنته في نفسك وأخفى ما خطر ببالك ثم نسيته .)(وقلوبهم إليك ملهوفة أي محترقة مشتعلة، وهو إشارة إلى احتراق قلوبهم بنار الاشتياق والمحبة للوصول إليه والحضور بين يديه والرغبة بما لديه ، وإليه أشار الشاعر بقوله :)وقالوا قريب قلت ما أنا صانع *** بقرب شعاع الشمس لو كان في حجريفمالي منه غير ذكر بخاطري **** يهيج نار الحب والشوق في صدريوقال آخر :لا تخدعن فللحب دلائل *** ولديه من تحف الحبيب وسائلنها تنعمه بمز بلائه *** وسروره في كل ماهو فاعلومن الدلائل حزنه ونحیبه *** جوف الظلام له من عادلوالشوق من لوازم المحبة ، والمحب الله تعالى مضطر إلى الشوق إليه .توضيح ذلك أن كل محبوب فهو يشتاق إليه في غيبته لا محالة، فأما الحاضر الحاصل فلا يشتاق إليه، لأن الشوق طلب وتشوّف إلى أمر ، والموجود لا يطلب، وذلك لأن الشوق إنما يتصور بالنسبة إلى شيء يكون مدركاً من وجه غير مدرك من وجه، فأما ما لا يكون مدركاً أصلاً فلا يشتاق إليه، فإن من لم ير شخصاً ولم يسمع وصفه لا وصفه لا يتصور اشتياقه إليه كما أن ما يكون مدركاً بكماله وبمرأى من المحب ومشهد منه لا يتصور له أن يشتاق إليه
أيضاً ، فالشوق لا يتعلق إلا بما أدرك من وجه ولم يدرك من وجه .ومثاله في عالم الظاهر أن من غاب عنه معشوقه وبقي في قلبه خياله فهو يشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية، فلو انمحى عن قلبه ذكره وخياله حتى نسيه لم يتصور أن يشتاق إليه كما أنه لو رآه لم يتصور أيضاً أن يشتاق إليه في وقت رؤيته، فمعنى شوقه تشوف نفسه إلى استكمال خياله .وقد يكون الاشتياق بأن يرى وجه محبوبه ولكنه لم ير سائر محاسنه فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره من تلك المحاسن ولم يثبت في نفسه خيال صادر عن رؤيتها ولكنه علم إجمالاً بأن له أعضاء جميلة مستورة فيكون مشتاقاً إلى إدراكها تفصيلاً بالرؤية والمشاهدة.والوجهان جميعاً متصوران في حق المشتاقين إلى الله .فإن ما اتضح للعارفين من المعارف الإلهية مشوب بشوائب التخيلات وكدورات الأوهام، فهم مشتاقون دائماً إلى استكمال ذلك الوضوح ودفع مكدّرات المعارف ومنقصاتها عن ألواح ضمائرهم حتى يحصل لهم الترقي من درجة علم اليقين ، إلى عين اليقين، وهذا أحد وجهي الشوق إليه تعالى .والوجه الثاني أن الكمالات الإلهية لا نهاية لها، وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها علي حسب قابليته واستعداده ، ويبقى وراءه ما لا ينتهي إلى غاية والعارف يعرف وجودها ويعرف أن ما غاب له منها أكثر مما حصل له ، فلا يزال متشوقاً إلى أن يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل له من المعارف، ولم يعرفه أصلاً لا معرفة واضحة ولا معرفة غير واضحة.والحاصل أن أولياء الله المحبين له والآنسين به قلوبهم إليه تعالى ملهوفة، وبنار الشوق والمحبة محترقة . ولعل إلى هذا نظر من قال :إليك إشاراتي وأنت مرادي *** وإياك أعني عند ذكر سعادتوأنت مثير الوجد بين جوانحي *** إذا قال حاد أو ترنم شادوحبك ألقى النار بين جوانحي *** بقدح وداد لا بقدح زناهقال المحدّث الجزائري في الحديث عنه صلی الله علیه واله وسلم : أنه بكى شعيب علیه السلام من حب الله عزّ وجل حتى عمي ، فردّ الله عليه بصره ، ثم بكى حتى عمى فرد الله عزّ وجل عليه بصره، ثم بكي حتى عمى فرد الله عليه بصره ، فلما كانت الرابعة أوحى الله إليه : يا شعيب إلى متى يكون هذا أبداً منك؟ إن يكن هذا خوفاً من النار فقد أجرتك، وإن يكن شوقاً إلى الجنة فقد أبحتك . قال : إلهي وسيدي أنت تعلم أني ما بكيت خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنتك ولكن
عقد حبك على قلبي فلست أصبر أو أراك، فأوحى الله جل جلاله إليه : أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران (1)وقوله علیه السلام : (إن أو حشتهم الغربة آنسهم ذكرك يعني إن استوحشوا من غربتهم وغيبتهم عن أوطانهم الأصلية وعن كونهم مسجونين في سجن الدنيا استأنسوا بذكرك بلسانهم وجنانهم وبالتفكر في ذاتك وصفاتك وجلالك وجمالك .)وهو إشارة إلى أنسهم بالله كما أن ما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: إنك آنس الآنسين لأوليائك، إشارة إلى أنس الله تعالى بهم حسبما عرفت تفصيلاً وتحقيقاً، والأنس به تبارك وتعالى من صفات الأولياء المقربين والكملين في محبته عزّ وجل كما قال الشاعر :الأنس بالله لا يحويه بطال *** وليس يدركه بالحول محتالوالآنسون رجال كله نجب *** وكلهم صفوة لله عمّالوقالت رابعة العدوية :أحبك حبين حب الهوى *** وحباً لأنك أهل لذاكافأما الذي هو حب الهوى *** فشغلي بذكرك عمن سواكوأما الذي أنت أهل أهل له *** فكشفك لي الحجب حتى أراكافلا الحمد في ذا ولا ذاك لي *** ولكن لك الحمد في ذا وذاكاوينبغي أن يعلم أن الأنس بالله أيضاً من آثار المحبة له تعالى كالشوق إليه عزّ وجل حسبما عرفت قريباً لكن هذين الأمرين يختلفان على المحب بحسب اختلاف حالاته .فإنه إذا غلب عليه التطلّع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الكمال واستشعر قصوره عن الاطلاع على كنه الجلال انبعث القلب وانزعج له وهاج إليه وتسمّى هذه الحالة في الإنزعاج شوقاً .وإذا غلب عليه الفرح في القرب وكان نظره مقصوراً على مطالعة ما أدركه من الجمال غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بملاحظة الجمال المدرك فيسمى استبشاره أنساً .فمعنى الأنس استبشار القلب وفرحه بمطالعه جمال الحق حتى أنه إذا تجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه عظم انبساطه ولذته، ومن غلب عليه الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة والاعتزال عن الخلق كما قال بعضهم :
1) علل الشرائع : 57/18 ح 1 ، وبحار الأنوار: 381/12 57/1
تركت للناس دنیاهم و دین *** شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائيوذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش عن غير الله ، قال الله عزّ وجل لداود علیه السلام : «كن لي مشتاقاً مستأنساً وعن سواي مستوحشاً».قال عبد الواحد بن زید : مررت براهب فقلت له : يا راهب لقد أعجبتك الوحدة ، فقال: يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك، الوحدة رأس العبادة، فقلت : يا راهب ما أقل ما تجده في الوحدة؟ قال : الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرّهم ، قلت : يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الذوق بالله ؟ قال : إذا صفا الود وخلص المعاملة ، قلت : متى يصفو الود؟ فقال ؛ إذا اجتمع الهم فصار همّاً واحداً في الطاعة .وقال بعض الحكماء : عجباً للخلائق كيف أرادوا بك بدلاً، عجباً للقلوب كيف استانست بسواك عنك .وبالجملة ، الأنس من آثار المحبة ، والمحبة مستلزمة لكمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال الالتذاذ بالخلوة به ، والاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن المناجاة .وقد ورد في الحديث القدسي: «كذب من زعم أنه يحبني وهو ينام طول ليله، أليس كل حبيب يحبّ الخلوة مع حبيبه ، يا ابن عمران لو رأيت الذين يصلون في الدّجى وقد مثلت نفسي بين أعينهم يخاطبوني وقد جللت عن المشاهدة، ويكلموني وقد عززت عن الحضور، يا ابن عمران هب لي من عينك الدموع ومن قلبك الخشوع ثم ادع لي في ظلم الليالي تجدني قريباً مجيباً » (1.)فقد ظهر بذلك أنه إذا غلب عليه الأنس والحب صارت الخلوة والمناجاة قرة عينه، وألذّ الأشياء عنده ، كالذي يخاطب معشوقه ويناجيه ، بل ربما يستغرق الأنس والمحبة قلبه حتى لا يشعر من أمور الدنيا شيئاً ما لم يتكرر على سمعه مراراً ، مثل العاشق الولهان، فإنه يكلم الناس بلسانه وأنه في الباطن يذكر حبيبه، فالمحب من لا يطمئن إلا بمحبوبه ، ولا يسكن إلا إليه كما قال تعالى : ( الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَينُ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَينُ الْقُلُوبُ [الرعد: 28])(وإن صنت عليهم المصائب لجأوا إلى الإستجارة بك أي إن نزلت عليهم مصائب الدهر ومكائده من الآلام والأسقام ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وغيرها اعتصموا بك واستندوا إلى طلب الأمان منك في دفعها ورفعها والوقاية عنها .)
1) عدة الداعي : 193 ، والبحار : 361/13 .
وإنما يلجأون إليه تعالى لما لهم من وصف التوكل عليه والانقطاع عمن سواه (علماً منهم (بأن أزمة الأمور ) الحادثة في الملك والملكوت كلها ومن جملتها المصائب المصوبة عليهم (بيد) قدرت (ك) وقبضة مشيئتك (ومصادرها عن قضائك) كما أُشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِتُهُ وَمَا نُنَزِلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) [الحجر: 21] فالخزائن عبارة عما كتبه القلم الأعلى أولاً على الوجه الكلي في لوح القضاء المحفوظ عن التبديل الذي منه يجري ثانياً على الوجه الجزئي في لوح القدر الذي فيه المحو والإثبات مندرجاً على التنزيل .)فإلى الأولى أشير بقوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآينه وبقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتب) [الرعد: 39] وإلى الثاني بقوله: وَمَا نُنَزِلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: 21] ومنه ينزل ويظهر في عالم الشهادة كما قال تعالى: نَزَّلُ الْمَلَتَيكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أُمِّي [القدر: 4]، هذا . ولما فرغ علیه السلام من مقدمات الدعاء والمسألة شرع في أصل غرضه منها فقال: (اللهم إن فههت ) أي عجزت وعييت (عن مسألتي أو عمهت ) أي ترددت وتحيّرت (عن طلبتي) أي مطلوبي ومرادي وهو كناية عن عدم اهتدائه إلى وجوه المصالح (فدلني على مصالحي) أي اهدني إلى ما هو صلاح لي في دنياي وآخرتي مما يقربني من رضاك ويجنبني من سخطك (وخذ بقلبي إلى مراشدي ) أي مل به وأصرفه إلى محال الرشاد وموارد الصلاح والسداد في المبدأ والمعاد.
وهو في معنى ما قاله السجاد علیه السلام في دعائه: «اللهم صل على محمد وآله واجعل همسات قلوبنا وحركات أعضائنا ولمحات أعيننا ولهجات ألسنتنا في موجبات ثوابك حتى تفوتنا حسنة نستحق بها جزاءك ولا تبقى لنا سيئة نستوجب بها عذابك»(1)
(فليس ذلك بتكر من هداياتك ولا يبدع من كفاياتك ) أي دلالتي على مصالحي وأخذ قلبي إلى مراشدي ليس بمنكر أي غير معروف من هداياتك ولا يبدع أي أول ما تكفيني من كفاياتك، بل عاداتك التوفيق والهداية، وسجيتك الكرم و والكفاية .
قال الشارح البحراني : هذا الكلام استعطاف بما في العادة أن يستعطف به أهل العواطف والرحمة من الكلام ، أي أن هداياتك لخلقك إلى وجوه مصالحهم وكفاياتك لهم ما يحتاجون إليه أمور متعارفة جرت عادتك بها وألفها منك عبادك .
1) ميزان الحكمة: 3419/4 ، والصحيفة السجادية : 73
(اللهم احملني على عفوك ولا تحملني على عدلك ) قال الشارح البحراني : قد سأل علیه السلام أن يحمله على عفوه فيما عساه صدر عنه من ذنب ولا يحمله على عدله فيجزيه بما فعل حرماناً أو عقوبة، وهو من لطيف ما تعدّه النفس لاستنزال الرحمة الإلهية، انتهى .
ومحصله أن منتهى العفو الكرم والثواب ومقتضى العدل الإلهي المؤاخذة والعقاب، فسأل عنه تعالى أن يعامله بعفوه ولا يعامله بعدله نظير ما ورد في دعاء آخر : اللهم عاملنا يفضلك ولا تعاملنا بعدلك .
وقال سيد الساجدين علیه السلام في دعائه في اللجوء إلى الله تعالى من أدعية الصحيفة الكاملة : اللهم إن تشأ تعف عنا فبفضلك وإن تشأ تعذبنا فبعدلك، فسهل لنا عفوك بمنك وآجرنا من عذابك بتجاوزك، فإنه لا طاقة لنا بفضلك ، ولا نجاة لأحد منا دون عفوك (1).
أحببت أن أورد بمناسبة المقام عدة من الأدعية النفيسة استطرفتها لجلالة قدرها وعظم خطرها وعموم نفعها ضنّاً مني بتركها وشحاحة بخلق الشرح منها .
فمنها ما في (زهر الربيع ) للمحدث الجزائري قال : دعاء منقول عن النبي صلی الله علیه واله وسلم من أراد أن لا يوقفه الله على قبيح أعماله ولا ينشر له ديواناً فليدع بهذا الدعاء في دبر كل صلاة :
اللهم إن مغفرتك لي أرجى من عملي، وإن رحمتك أوسع من ذنبي، اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فرحمتك أهل أن تبلغني لأنها وسعت كل شيء يا أرحم الراحمين.
ومنها ما في (البحار من المكارم ) عن الحسين بن خالد قال : لزمني دين ببغداد ثلاثمائة ألف وكان لي دين أربعمائة ألف فلم يدعني غرمائي أقتضي ديني وأعطيهم قال : وحضر الموسم فخرجت مستتراً وأردت الوصول إلى أبي الحسن علیه السلام فلم أقدر فكتبت إليه أصف له حالي وما علي ومالي فكتب علیه السلام إلي في عرض كتابي : قل في دبر كل صلاة :
اللهم إني أسألك يا لا إله إلا أنت بحق لا إله إلا أنت أن ترحمني بلا إله إلا أنت ، اللهم إني أسألك يا لا إله إلا أنت بحق لا إله إلا أنت أن تغفر لي بلا إله إلا أنت (2).
أعد ذلك ثلاث مرات في دبر كل صلاة فريضة فإن حاجتك تقضى إن شاء الله تعالى . قال الحسين : فأدمتها فوالله ما مضت إلا أربعة أشهر حتى اقتضت ديني وقضيت ما علي
و اقتضت مایه الف درهم .
ومنها ما في (هذة الداعي ) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلی الله علیه واله وسلم : أن جبرائيل نزل عليه بهذا الدعاء من السماء ونزل عليه ضاحكاً مستبشراً، فقال: السلام عليك يا محمد ، قال: «وعليك السلام يا جبرائيل»، فقال: إن الله عزّ وجل بعث إليك بهدية، فقال: «وما تلك الهدية يا جبرائيل؟» قال : كلمات من كنوز العرش أكرمك الله بها، فقال: «وما هن يا جبرائیل؟» قال :قل: يا من أظهر الجميل وستر القبيح، يا من لم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر، يا عظيم العفو ، يا حسن التجاوز ، يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة ، يا صاحب كل نجوی ، و یا منتهى كل شكوى ، يا كريم الصفح ، يا عظيم المن ، يا مبتدءاً بالنعم قبل استحقاقها ، يا سيدنا ، يا ربنا ، یا مولانا ، يا غاية رغبتنا ، أسألك يا الله أن لا تشوه خلقي بالنار .
فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم و لجبرائيل : «ما ثواب هذه الكلمات؟ »قال : هيهات هيهات انقطع أرضين على أن يصفوا ذلك ما وصفوا إلى يوم
سبع العمل لو اجتمع ملائكة سماوات وسيع القيامة ما وصفوا من كل ألف ألف جزء جزءاً واحداً .
إذا قال العبد : يا من أظهر الجميل وستر القبيح، ستره الله ورحمه في الدنيا وجمّله في الآخرة وستر الله عليه ستراً في الدنيا والآخرة .
وإذا قال : يا عظيم العفو، غفر الله له ذنوبه ولو كانت خطيئته مثل زبد البحر . وإذا قال: يا حسن التجاوز ، تجاوز الله عنه حتى السرقة وشرب الخمر وأهاويل الدنيا
وغير ذلك من الكبائر .
وإذا قال: يا واسع المغفرة، فتح الله له سبعين باباً من الرحمة فهو يخوض في رحمة الله عزّ وجل حتى يخرج من الدنيا .
وإذا قال: يا باسط اليدين بالرحمة ، بسط الله يده عليه بالرحمة .
وإذا قال: يا صاحب كل نجوى ويا منتهى كل شكوى، أعطاه الله الأجر ثواب كل
من مصاب وكل سالم وكل مريض وكل ضرير وكل مسكين وكل فقير وكل صاحب مصيبة إلى يوم القيامة.
وإذا قال: يا كريم الصفح ، أكرمه الله تعالى كرامة الأنبياء .
وإذا قال : يا عظيم المنّ ، أعطاه الله يوم القيامة أمنيته وأمنيّة الخلائق .
وإذا قال: يا مبتدءاً بالنعم قبل استحقاقها، أعطاه الله من الأجر بعدد من شكر نعماءه.
وإذا قال: يا ربنا و يا سيدنا ، قال الله تبارك وتعالى : ملائكتي إني قد غفرت له وأعطيته من الأ جر بعدد من خلقته في الجنة والنار والسماوات السبع والأرضين السبع والشمس والقمر والنجوم وقطر الأمطار وأنواع الخلائق والجبال والحصى والثرى وغير ذلك والعرش والكرسي .
وإذا قال : يا مولانا ، أملأ الله قلبه من الإيمان.
وإذا قال: يا غاية رغبتنا ، أعطاه الله يوم القيامة رغبة مثل رغبة الخلائق .
وإذا قال : أسألك يا الله أن لا تشوه خلقي بالنار، قال الجبار جل جلاله : استعتقني عبدي من النار، اشهدوا يا ملائكتي أني قد أعتقته من النار وأعتقت أبويه وإخوته وأخواته وأهله وولده وجيرانه وشفعته في ألف رجل ممن وجبت لهم النار وأجرته من النار ، فعلمهن يا محمد المتقين ولا تعلّمه المنافقين فإنها دعوة مستجابة لقائلهن إن شاء الله تعالى وهو دعاء أهل البيت المعمور حوله إذا كانوا يطوفون به (1)
ومنها ما في (البحار عن المكارم ) عن معاذ بن جبل قال : أرسلني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم إلى عبد الله بن سلام وعنده جماعة وعنده جماعة من أصحابه فحضر.
فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «يا عبد الله أخبرني عن عشر كلمات علمهن الله عز وجل إبراهيم يوم قذف في النار أتجدهن في التوراة مكتوباً؟»
فقال عبد الله : يا نبي الله بأبي وأمي، هل أنزل عليك فيهن شيء فإني أجد ثوابها في التوراة ولا أجد الكلمات، وهي عشر دعوات فيهن اسم الله الأعظم.
فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «هل علمهن الله تعالى موسى ؟ »
فقال : ما علمهن الله تعالى موسى غير إبراهيم الخليل.
فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «وما تجد ثوابها في التوراة؟».
فقال عبد الله : يا رسول الله ومن يستطيع أن يبلغ ثوابها ؟ غير أني أجد في التوراة مكتوباً : ما من عبد من الله عليه وجعل هؤلاء الكلمات في قلبه إلا جعل النور في بصره، واليقين في قلبه، وشرح صدره للإيمان، وجعل له نوراً من مجلسه إلى العرش يتلألأ ويباهي به ملائكته في كل يوم مرتين ، ويجعل الحكمة في لسانه ويرزقه حفظ كتابه ، وإن لم يكن حريصاً عليه ، ويفقهه في الدين، ويقذف له المحبة في قلوب عباده، ويؤمنه من عذاب القبر،
1) التوحيد : 223 ، وعدة الداعى : 316.
وفتنة الدجال، ويؤمنه من الفزع الأكبر يوم القيامة ويحشره في زمرة الشهداء، ويكرمه الله ويعطيه ما يعطي الأنبياء بكرامته، ولا يخاف إذا خاف الناس، ولا يحزن إذا حزن الناس، ويكتب عند الله من الصديقين ويحشر يوم القيامة وقلبه ساكن مطمئن وهو ممن يكسى مع إبراهيم يوم القيامة، ولا يسأل بتلك الدعوات شيئاً إلا أعطاه الله ، ولو أقسم على الله لأبر قسمه ويجاور الرحمن في دار الجلال ، وله أجر كل شهيد استشهد منذ يوم خلقت الدنيا .
قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : « وما دار الجلال؟»
قال : جنة عدن وهو موضع عرش الرحمن ربّ العزّة وهو في جوار الله .
قال ابن سلام : فعلمنا يا رسول الله ومن علينا كما منّ الله عليك، قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «خروا سجداً الله »، قال : فخروا سجداً فلما رفعوا رؤوسهم قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «قولوا : يا الله ، يا الله ، يا الله ، أنت المرهوب منك جميع خلقك ، يا نور النور أنت الذي احتجبت دون خلقك فلا يدرك نورك نور، يا الله يا الله يا الله أنت الرفيع الذي ارتفعت فوق عرشك من فوق سمائك فلا يصف عظمتك أحد من خلقك ، يا نور النور قد استنار بنورك أهل سمائك واستضاء بضوئك أهل أرضك ، يا الله يا الله يا الله أنت الذي لا إله غيرك تعاليت عن أن يكون لك شريك، وتعظمت عن أن يكون لك ولد وتكرّمت عن أن يكون لك شبيه وتجبّرت عن أن يكون لك ضدّ، فأنت الله المحمود بكل لسان ، وأنت المعبود في كل مكان ، أنت المذكور في كل أوان وزمان يا نور النور كل نور خامد لنورك ، يا مليك كل مليك يفنى غيرك ، يا دائم كل حي يموت غيرك ، يا الله يا الله يا الله الرحمن الرحيم ارحمني رحمة تطفي بها غضبك، وتكف بها عذابك ، وترزقني بها سعادة من عندك، وتحلّني بها دارك التي تسكنها خيرتك من خلقك يا أرحم الراحمين. خلقك يا أرحم الراحمين يا من أظهر الجميل وستر القبيح، يا من لم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر، يا عظيم العفو ، يا حسن التجاوز ، يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة ، يا صاحب كل نجوى ، و يا منتهى كل شكوى، يا كريم الصفح ، يا عظيم المنّ ، يا مبتدءاً بالنعم قبل استحقاقها ، يا رباه يا رباه و يا سيداه ويا أملاه ويا غاية رغبتاه أسألك يا الله يا الله يا الله أن لا تشوه خلقي بالنار » .
قال : يا رسول الله وما ثواب من قال هذه الكلمات ؟ قال صلی الله علیه واله وسلم:« هيهات هيهات ، انقطع القلم لو اجتمع ملائكة سبع سموات وسبع أرضين على أن يصفوا ذلك إلى يوم القيامة لما وصفوا من ألف جزء جزءاً واحداً » (1).
وذكر علیه السلام لهذه الكلمات ثواباً وفضائل كثيرة لا يحتمل ذكرها ها هنا اقتصرنا على ذكر
1) التوحيد : 22 ، وعدة الداعي : 315. ،
المقصود مخافة التطويل.
ومنها ما في (البحار من مهج الدعوات) قال : روينا بإسنادنا إلى سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن محمد عن الحسن بن علي بن فضال عن الحسن بن الجهم عمن حدّثه الحسن بن محبوب أو غيره عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن عندنا ما نكتمه ولا يعلمه غيرنا ، أشهد على أبي أنه حدثني عن أبيه عن جده قال : قال علي بن أبي طالب علیه السلام:
يا بني إنه لا بد أن تمضي مقادير الله وأحكامه على ما أحب وقضى، وسينفذ الله قضاءه وقدره وحكمه فيك فعاهدني أن لا تلفظ بكلام أسرّه إليك حتى أموت وبعد موتي باثني عشر شهراً ، وأخبرك بخبر أصله عن الله تقول غدوة وعشية فتشغل به ألف ألف ملك يعطى كل مستغفر قوّة ألف ألف متكلم في سرعة الكلام ، ويبنى لك في دار السلام ألف بيت في مائة قصر يكون لك جار جدك ويبنى لك في جنات عدن ألف ألف مدينة ويحشر معك في قبرك كتابك هذا لا سبيل عليك للفزع ولا للخوف ولا الزلازل ولا زلات الصراط ولا لعذاب النار ولا تدعو بدعوة فتحب أن يجاب في يومك فيمسي عليك يومك إلا أتتك كائنة ما كان «نت» بالغة ما بلغت في أي نحو كانت ولا تموت إلا شهيداً وتحيى ما حييت وأنت سعيد لا يصبك فقر أبداً ولا جنون ولا بلوى ويكتب لك في كل يوم بعدد الثقلين كل نفس ألف ألف حسنة، ويمحى عنك ألف ألف سيئة، ويرفع لك ألف ألف درجة، ويستغفر لك العرش والكرسي بين يدي الله عزّ وجل ، ولا تطلب لأحد حاجة إلا قضاها، ولا تطلب إلى الله حاجة لك ولا لغيرك إلى آخر الدهر في دنياك وآخرتك إلا قضاها ، فعاهدني كما أذكر لك.
فقال له الحسين علیه السلام : عاهدني يا أبي على ما أحببت .
قال : أعاهدك على أن تكتم علي فإذا بلغت منيتك فلا تعلمه أحداً سوانا أهل البيت أو شيعتنا وأولياءنا وموالينا، فإنك إن فعلت ذلك طلب الناس إلى ربهم الحوائج في كل نحو فقضاها فأنا أحب أن يتم الله بكم أهل البيت بما علمني مما أعلمك ما أنتم فيه فتحشرون لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
فعاهد الحسين علياً صلوات الله عليهما على ذلك ثم قال علیه السلام:
إذا أردت ذلك فقل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ، سبحان الله في آناء الليل وأطراف النهار، سبحان الله بالغدو والآصال، سبحان الله بالعشي والأبكار، سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد
موتها وكذلك تخرجون ، سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، سبحان الله ذي الملك والملكوت، سبحان الله ذي العزّة والعظمة والجبروت، سبحان الله الملك الحق القدوس ، سبحان الله الملك الحي الذي لا يموت ، سبحان القائم الدائم، سبحان الحي القيوم ، سبحان العلي الأعلى، سبحانه وتعالى ، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية فأتمم علي نعمتك وعافيتك لي بالنجاة من النار، وارزقني شكرك وعافيتك أبداً ما أبقيتني ، اللهم بنورك اهتديت ، وبنعمتك أصبحت وأمسيت، أصبحت أشهدك وكفى بك شهيداً وأشهد ملائكتك وحملة عرشك وأنبياءك ورسلك وسماواتك وأرضك إنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمداً صلواتك عليه وآله عبدك ورسولك ، وأنت على كل شيء قدير ، تحيي وتميت وتميت وتحيي، وأشهد أن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأشهد أن علي بن أبي طالب علیه السلام والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والإمام من ولد الحسن بن علي الأئمة الهداة المهديون غير الضالين والمضلين ، وأنهم أولياؤك المصطفون، وحزبك الغالبون، وصفوتك وخيرتك من خلقك ونجباؤك الذين انتجبتهم بولايتك واختصصتهم من خلقك واصطفيتهم على عبادك وجعلتهم حجّة على خلقك، صلواتك عليهم .والسلام اللهم أكتب هذه الشهادة حتى تلقينها وأنت عني راض يوم القيامة، وقد رضيت عني إنك على كل شيء قدير ، اللهم لك الحمد حمداً تضع لك السماء أكنافها وتسبّح لك الأرض ومن عليها، ولك الحمد حمداً يصعد ولا ينفد، وحمداً يزيد ولا يبيد سرمداً مدداً لا انقطاع له ولا نفاد أبداً، حمداً يصعد أوله ولا ينفد آخره، ولك الحمد عليّ ومعي وفي وقبلي وبعدي وأمامي ولدي فإذا مت وفنيت وبقيت يا مولاي فلك الحمد إذا نشرت وبعثت، ولك الحمد والشكر بجميع محامدك كلها على جميع نعمائك كلها، ولك الحمد على كل عرق ساكن وعلى كل أكلة وشربة وبطشة وحركة ونومة ويقظة ولحظة وطرفة ونفس وعلى كل موضع شعرة، اللهم لك الحمد كله ، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، علانيته وسرّه، وأنت منتهى الشأن كله، اللهم لك الحمد على حلمك بعد علمك، ولك الحمد على عفوك بعد قدرتك، اللهم لك الحمد باعث الحمد ،ووارث الحمد ، وبديع الحمد ، ومبتدع الجند، ووافي العهد ، وصادق الوعد ، عزيز قديم المجد ، اللهم لك الحمد مجيب الدعوات ، رفيع الدرجات، منزل الآيات من فوق سبع سماوات، مخرج النور من الظلمات ، مبدل السيئات الحسنات ، وجاعل الحسنات درجات ، اللهم لك الحمد غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا أنت، إليك
المصير، اللهم لك الحمد في الليل إذا يغشى ، ولك الحمد في النهار إذا تجلّى، لك الحمد عدد كل نجم وملك في السماء، ولك الحمد عدد كل قطرة نزلت من السماء إلى الأرض ، ولك الحمد عدد كل قطرة في البحار والعيون والأودية والأنهار ، ولك الحمد عدد الشجر والورق والحصى والثّرى والجنّ والأنس والبهائم والطير والوحوش والأنعام والسباع والهوام، ولك الحمد عدد ما أحصى كتابك وأحاط به علمك حمداً كثيراً دائماً مباركاً فيه أبداً ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت، ويميت ويحيي وهو حيّ لايموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، عشر مرات . أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، عشر مرات . يا الله يا الله يا الله ، عشر مرات . يا رحمن يا رحيم ، عشر مرات . یا رحیم یا رحیم ، عشر مرات . يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، عشراً . يا حنان يا منان ، عشراً . يا حي يا قيوم ، عشراً. يا لا إله إلا أنت ، عشراً . اللهم صل على محمد وآل محمد ، عشراً . الله الرحمن الرحيم، عشراً . آمين آمين افعل كذا وكذا (1).
وتقول هذا بعد الصبح مرة وبعد العصر أخرى ثم تدعو بما شئت
ومنها ما (في البحار من مهج الدعوات) أيضاً قال : روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام عن النبي صلی الله علیه واله وسلم أنه قال : «نزل جبرائيل وكنت أصلي خلف المقام قال : فلما فرغت استغفرت الله عز وجل لأمتي فقال لي جبرائيل : يا محمد أراك حريصاً على أمتك والله تعالى رحيم بعباده ، فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم الجبرائيل : يا أخي أنت حبيبي وحبيب أمتي علمني دعاء تكون أمتي يذكروني من بعدي ، فقال لي جبرائيل : أوصيك أن تأمر أمتك أن تصوموا ثلاثة أيام البيض من كل شهر: الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، وأوصيك يا محمد أن تأمر أمتك أن تدعو بهذا الدعاء الشريف وأن حملة العرش يحملون العرش ببركة هذا الدعاء وببركته أنزل إلى الأرض وأصعد إلى السماء، وهذا الدعاء مكتوب على أبواب الجنة وعلى حجراتها وعلى شرفاتها وعلى منازلها، وبه تُفتح أبواب الجنة، وبهذا يحشر الخلق يوم القيامة بأمر الله عزّ وجل، ومن قرأه ينجيه من عذاب النار»(2).
ثم سأل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم جبريل عن ثواب هذا الدعاء.
قال جبرائیل : يا محمد قد سألتني عن شيء لا أقدر على وصفه ولا يعلم قدره إلا الله .
يا محمد لو صارت أشجار الدنيا أقلاماً والبحار مداداً والخلائق كتاباً لم يقدروا على ثواب قارىء هذا الدعاء، ولا يقرأ هذا عبد وأراد عتقه إلا أعتقه الله تبارك وتعالى وخلصه من رقّ العبودية ، ولا يقرأه مغموم إلا فرج الله همه وغمه ، ولا يدعو به طالب حاجة إلا قضاها الله عزّ وجل له في الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى ، ويقيه الله تعالى موت الفجأة وهول القبر وفقر الدنيا، ويعطيه الله تبارك وتعالى الشفاعة يوم القيامة ووجهه يضحك ، ويدخله الله ببركة هذا الدعاء دار السلام ، ويسكنه الله في غرف الجنان ، ويلبسه من حلل الجنة التي لا تبلى، ومن صام وقرأ هذا الدعاء كتب الله عزّ وجل له مثل ثواب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وإبراهيم الخليل وموسى الكليم وعيسى ومحمد صلى الله عليهم
أجمعين.
قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «عجبت من كثرة ما ذكر جبرائيل علیه السلام في فضل هذا الدعاء وشرفه وتعظيمه وما ذكر فيه من الثواب لقارىء هذا».
ثم قال جبرائيل : يا محمد ليس أحد من أمتك يدعو بهذا الدعاء في عمره مرة واحدة إلا حشره الله القيامة ووجهه يتلألأ مثل القمر ليلة تمه ، فيقول الناس : من هذا أنبي هذا ؟ فتخبرهم الملائكة بأن ليس هذا نبي ولا ملك بل هذا عبد من عبيد الله من ولد آدم قرأ في عمره مرة واحدة هذا الدعاء فأكرمه الله عزّ وجل بهذا .
ثم قال جبرائيل للنبي صلی الله علیه واله وسلم : من قرأ هذا الدعاء خمس مرات حشر يوم القيامة وأنا واقف على قبره ومعي براق من الجنة ولا أبرح واقفاً حتى يركب على ذلك البراق ولا ينزل عنه إلا في دار النعيم خالد مخلّد ولا حساب عليه في جوار إبراهيم وفي جوار محمد وأنا أضمن لقارىء هذا الدعاء من ذكر أو أنثى أن الله تعالى لا يعذبه ولو كان عليه ذنوب أكثر من زبد البحر وقطر المطر وورق الشجر وعدد الخلائق من أهل الجنة وأهل النار ، وأن الله عزّ وجل يأمر أن يكتب بهذا الذي يدعو بهذا الدعاء حجة مبرورة وعمرة مقبولة.
يا محمد ومن قرأ هذا الدعاء وقت النوم خمسة عشر مرة على طهارة فإنه يراك في منامه وتبشره الجنة، ومن كان جائعاً أو عطشاناً ولا يجد ما يأكل ولا ما يشرب أو كان مريضاً فيقرأ هذا الدعاء فإن الله عز وجل يفرّج عنه ما هو فيه ببركته ويطعمه ويسقبه ويقضي له حوائج الدنيا والآخرة، ومن سرق له شيء أو أبق له عبد فيقوم ويتطهر ويصلي ركعتين أو أربع ركعات ويقرأ كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص وهي قل هو الله أحد مرتين فإذا سلّم يقرأ هذا الدعاء ويجعل الصحيفة بين يديه أو تحت رأسه فإن الله تعالى يجمع المشرق والمغرب ويردّ العبد الآبق ببركة هذا الدعاء إن شاء الله تعالى ، وإن كان يخاف من عدوّ فيقرأ هذا الدعاء على نفسه فيجعله الله في حرز حريز ولا يقدر عليه أعداؤه، وما من عبد قرأه
وعليه دين إلا قضاه الله عزّ وجل وسهل له من يقضيه عنه إن شاء الله تعالى ، ومن قرأه على مريض شفاه الله تعالى ببركته، فإن قرأه عبد مؤمن مخلص لله عز وجل على جبل يتحرك الجبل بإذن الله تعالى ، ومن قرأه بنيّة خالصة على الماء لجمد الماء، ولا تعجب من الفضل الذي ذكرته في هذا الدعاء فإن فيه اسم الله تعالى الأعظم وأنه إذا قرأه القارىء وسمعه الملائكة والجن والأنس فيدعون لقارئه وأن الله يستجيب منهم دعاءهم وكل ذلك ببركة الله عزّ وجل وببركة هذا الدعاء، وأن من آمن بالله وبرسوله وبهذا الدعاء فيجب أن لا يغاش قلبه بما ذكر في هذا الدعاء، وأن الله تعالى يرزق من يشاء بغير حساب، ومن حفظه وقرأه أو نسخه فلا يبخل به على أحد من المسلمين (1).
وقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : « ما قرأت هذا الدعاء في غزوة إلا ظفرت ببركة هذا الدعاء على أعدائي » .
وقال صلی الله علیه واله وسلم : « من قرأ هذا الدعاء أعطي نور الأولياء في وجهه وسهل له كل عسير ويسير ويسر له كل يسير » (2).
وقال الحسن البصري : لقد سمعت في فضل هذا الدعاء أشياء ما لا أقدر أن أصفه ولو أن من يقرأه ضرب برجله على الأرض تحركت الأرض .
وقال سفيان الثوري : ويل لمن لا يعرف حق هذا الدعاء، فإن من عرف حقه وحرمته كفاه الله عزّ وجل كل شدة وسهل له جميع الأمور ووقاه كل محذور ودفع عنه كل سوء ونجاه من كل مرض وعرض وأزاح الهم والغم عنه فتعلموه وعلموه فإن فيه الخير الكثير وهو الدعاء الموصوف :
سبحان الله العظيم وبحمده من إله ما أقدره ، وسبحانه من قدير ما أعظمه ، وسبحانه من عظيم ما أجله ، وسبحانه من جليل ما أمجده ، وسبحانه من ماجد ما أرأفه ، وسبحانه من رؤوف ما أعزّه ، وسبحانه من عزيز ما أكبره ، وسبحانه من كبير ما أقدمه، وسبحانه من قديم ما أعلاه ، وسبحانه من عال ما أسناه ، وسبحانه من سني ما أبهاه، وسبحانه من بهيّ أنوره ، وسبحانه من منير ما أظهره ، وسبحانه من ظاهر ما أخفاه ، وسبحانه من خفي ما أعلمه ، وسبحانه من عليم ما أخبره ، وسبحانه من خبير ما أكرمه ، وسبحانه من كريم ما ألطفه ، وسبحانه من لطيف ما أبصره ، وسبحانه من بصير ما أسمعه ، وسبحانه من سميع ما أحفظه ، وسبحانه من حفيظ ما أملاه ، وسبحانه من ملي ما أهداه ، وسبحانه من هاد ما
أصدقه ، وسبحانه من صادق ما أحمده ، وسبحانه من حميد ما أذكره ، وسبحانه من ذاكر ، ما أشكره وسبحانه من شاكر ما أوفاه ، وسبحانه من وفي ما أغناه ، وسبحانه من غني ما أعطاه ، وسبحانه من معط ما أوسعه ، وسبحانه من واسع ما أجوده ، وسبحانه من جواد ما أفضله، وسبحانه من مفضل ما أنعمه ، وسبحانه من مُنعم ما أسيده ، وسبحانه من سيد ما أرحمه ، وسبحانه من رحيم ما أرشده ، وسبحانه من رشيد ما أقواه ، وسبحانه من قوي ما أحكمه، وسبحانه من حكيم ما أبطشه ، وسبحانه من باطش ما أقومه ، وسبحانه من قيوم ما أحمده ، وسبحانه من حميد ما أدومه ، وسبحانه من دائم ما أبقاه ، وسبحانه من باق ما أفرده ، وسبحانه من فرد ما أوحده ، وسبحانه من واحد ما أصمده ، وسبحانه من صمد ما أملكه، مالك ما أولاه ، وسبحانه من وليّ ما أعظمه، وسبحانه من عظيم ما أكمله ، وسبحانه من كامل ما أتمه ، وسبحانه من تام ما أعجبه ، وسبحانه من عجيب ما أفخره، وسبحانه من فاخر ما أبعده ، وسبحانه من بعيد ما أقربه، وسبحانه من قريب ما أمنعه ، وسبحانه من مانع ما أغلبه ، وسبحانه من غالب ما أعفاه ، وسبحانه من عفو ما أحسنه، وسبحانه من محسن ما أجمله ، وسبحانه من جميل ما أقبله ، وسبحانه من قابل ما أشكره ، وسبحانه من شكور ما أغفره ، وسبحانه من غفور ما أكبره ، وسبحانه من كبير ما أجبره ما أدينه ، وسبحانه من ديان ما أقضاه ، وسبحانه من قاض ما أمضاه ، وسبحانه من جبير ، وسبحانه من ماض ما أنفذه ، وسبحانه من نافذ ما أرحمه ، وسبحانه من رحيم ، وسبحانه من خالق ما أقهره ، وسبحانه من قاهر ما أملكه ، وسبحانه من مالك ما أقدره ، وسبحانه من قادر ما أرفعه ، وسبحانه من رفيع ما أشرفه ، وسبحانه من شريف ما أرزقه ، وسبحانه من رازق ما أقبضه ، وسبحانه من قابض ما أبدأه ، وسبحانه من باديء ما أقدسه ، وسبحانه من قدّوس ما أطهره أطهره ، وسبحانه من طاهر ما أزكاه ، وسبحانه من زكي ما أبقاه، وسبحانه من باق ما أعوده ، وسبحانه من عوّاد ما أفطره ، وسبحانه من فاطر ما أوهبه ، وسبحانه من وهّاب ما توبه ، وسبحانه من توّاب ما أسخاه ، وسبحانه من سخي ما أبصره ، وسبحانه من بصير ما أسلمه ، وسبحانه من سلام ما أشفاه ، وسبحانه من شاف ما أنجاه، وسبحانه من منجي ما أبره ، وسبحانه من بارّ ما أطلبه ، وسبحانه من طالب ما أدركه ، وسبحانه من مدرك ما أشده ، وسبحانه من شديد ما أعطفه، وسبحانه من متعطف ما أعدله ، وسبحانه من عادل ما أتقنه ، وسبحانه من متقن ما أحكمه ، وسبحانه من حكيم ما أكفله، وسبحانه من كفيل ما أشهده ، وسبحانه وهو الله العظيم وبحمده الحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والله الحمد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم دافع كل بلية وهو حسبي ونعم الوكيل .
قال سفيان الثوري : ويل لمن لا يعرف حرمة هذا الدعاء، فإن من عرف حق هذا
الدعاء وحرمته كفاه الله عز وجل كل شدة وصعوبة وآفة ومرض وغم، فتعلموه وعلموه ففيه البركة والخير الكثير في الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى (1).
ومنها ما في (البحار) أيضاً من (مهج الدعوات ) عن جابر بن يزيد الجعفي قال: قال أبو جعفر علیه السلام : من دعا بهذا الدعاء مرة واحدة في دهره كتب في رقّ العبودية ورفع في ديوان القائم علیه السلام، فإذا قام قائمنا نادى باسمه واسم أبيه ثم يدفع إليه هذا الكتاب ويقال له : خذ هذا الكتاب العهد الذي عاهدتنا في الدنيا وذلك قوله عزّ وجل : إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: 87] ، وادع به وأنت طاهر، تقول:
يا إله الآلهة، يا واحد ، يا أحد ، يا آخر الآخرين، يا قاهر القاهرين ، يا علي يا عظيم الأعلى، علوت فوق كل علوّ ، هذا يا سيدي عهدي وأنت منجز وعدي فصل يا مولاي وعدي وأنجز وعدي آمنت بك وأسألك بحجابك العربي وبحجابك العجمي وبحجابك العبراني وبحجابك السرياني وبحجابك الرومي وبحجابك الهندي وأثبت معرفتك بالعناية الأولى فإنك أنت الله لا ترى وأنت بالمنظر الأعلى وأتقرب إليك برسولك المنذر صلی الله علیه واله وسلم وبعلي أمير المؤمنين صلوات الله عليه الهادي ، وبالحسن السيد ، وبالحسين الشهيد سبطي نبيك، وبفاطمة البتول، وبعلي بن الحسين زين الثفنات ، ومحمد بن علي الباقر عن علمک ، وبجعفر بن محمد الصادق الذي صدّق بميثاقك وميعادك، وبموسى بن جعفر الحصور القائم بعهدك وبعلي بن موسى الرضا الراضي بحكمك، وبمحمد بن علي الحبر الفاضل المرتضى في المؤمنين ، وبعلي بن محمد الأمين المؤتمن هادي المسترشدين ، وبالحسن بن علي الطاهر الزكي خزانة الوصيين ، وأتقرب إليك بالإمام القائم العدل المنتظر المهدي إمامنا وابن إمامنا صلوات الله عليهم أجمعين ، يا من جلّ فعظم ، وأهل ذلك فعفى ورحم ، يا من قدر فلطف أشكو إليك ضعفي وما قصر عنه عملي من توحيدك وكنه معرفتك، وأتوجه إليك بالتسمية البيضاء وبالواحدانية الكبرى التي قصر عنها من أدبر وتولّى وآمنت بحجابك الأعظم وبكلماتك التامة العليا التي خلقت منها دار البلاء وأحللت من أحببت جنة المأوى، آمنت بالسابقين والصديقين أصحاب اليمين من المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ألا تولّيني غيرهم ، ولا تفرّق بيني وبينهم غداً إذا قدمت الرضا بفضل القضاء آمنت بسر هم وعلانيتهم وخواتيم أعمالهم فإنك تختم عليها إذا شئت يا من أتحفني بالإقرار بالوحدانية، وحباني بمعرفة الربوبية، وخلصني من الشك والعمى، رضيت بك ربّاً، وبالأصفياء حججاً وبالمحجوبين أنبياء، وبالرسل أدلاء ، وبالمتقين أمراء، وسامعاً لك مطيعاً (2)
هذا آخر العهد المذكور كتب الله تعالى لنا في زمرة المعاهدين المخلصين ، وجعلنا من موالي أوليائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين ، واللعنة على أعدائهم وظالميهم والشاكين فيهم إلى يوم الدين.
از دعاهای آن بزرگوار است :
بار پروردگارا ، به درستی که تو مونسترین انس گیرندگانی از برای دوستان خود و حاضر ترین ایشان هستی با کفایت کردن حاجتها از برای توکل کنندگان بر تو ، مشاهده فرمایی ایشان را در بواطن ایشان و مطلع میباشی برایشان در
می ضمایر ایشان و میدانی اندازههای بصیرت ایشان را ، پس اسرار ایشان از برای تو هویدا و آشکار است و قلبهای ایشان به سوی تو بی قرار ، اگر مستوحش کند ایشان را غربت از وصل تو ، مونس ایشان گردد ذکر تو و اگر ریخته شود بر ایشان مصائب روزگار ، ملتجی باشند به طلب امان از تو به جهت علم ایشان به این که زمام جميع کارها به ید قدرت تو است و صدور آنها از قضا و قدر تو است .
بار خدایا ، پس اگر اگر عجز برسانم از سؤال خودم یا متحیّر باشم از طلب حاجت خودم ، پس دلالت فرما مرا به مصالح من و فراگیر قلب مرا به سوی موارد رشد و صلاح من ، پس نیست این امر غیر معروف از هدایتهای تو و نه عجب از کفایت های تو . بارالها ، معامله کن با من با عفو و بخشش خودت و معامله مفرما با من با عدل و داد خود .
لِلَّهِ بِلادُ فُلانٍ فَقَدْ قَوْمَ الأوْدَ ، وَداوَى العَمَدَ ، خَلَّفَ الفِتْنَةَ، وَأَقَامَ السُّنَّةَ، ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ ، قَلِيلَ العَيْب أَصابَ خَيْرَها ، وَسَبَقَ شَرَّها، أدى إلى الله طاعَتَهُ، وَاتَّقاهُ بِحَقِّهِ، وَحَلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُقٍ مُتَشَعْبَةٍ ، لا يَهْتَدي فِيها الضَّالُ ، وَلا يَسْتَيْقِنُ المُهْتَدِي (1).
قوله : (الله بلاد فلان) اللام للاختصاص وهو كلام يقال في معرض المدح مثل قولهم : الله درّه، والله أبوه ، والله ناديه ، أي البلاد التي تولّد فيها مثله جديرة بالانتساب إليه تعالى وتكون مخصوصة به عزّ وجلّ ، وكذلك القدي الذي ارتضع منه، والأب الذي خرج من صلبه ، والمجلس الذي ربّي فيه. وروي الله بلاء فلان، أي عمل حسن.
و (أود) الشيء أوداً من باب فرح أعوج و (عمد) البعير عمداً من باب فرح أيضاً انفضح داخل سنامه من ركوب وحمل مع سلامة ظاهره ، وقوله : (اتقاه بحقه ) قال الطريحي : أي استقبله به فكأنه جعل دفع حقه إليه وقاية له من المطالبة ، وقوله : ( وتركهم) في نسخة الشارح المعتزلي : وتركتم ، بدله بصيغة الخطاب ، والبناء على المفعول.
قوله : الله بلاد فلان ، تقديم الخبر على المبتدأ مبالغة في الحصر والتخصيص، و(الباء) في قوله : اتقاء بحقه ، للآلة كما يوضحه ما نقلناه عن الطريحي آنفاً ، أي أخذ الوقاية منه لنفسه بأداء حقه واستعانته ، وأما ما قاله الشارح المعتزلي من أن المراد : أنه اتقى الله ودلّنا على أنه اتقاه بأداء حقه فأداء الحق علة في علمنا بأنه قد اتقى الله سبحانه، فتكلف بارد، و(الواو) في جملة : (وتركهم) تحتمل العطف والحال ، وجملة (لا يهتدي) مجرورة المحل على أنها نعت لطرق.
1) تاريخ المدينة : 942/3 ، والإيضاح : 540
إعلم أنه قد اختلف الشارحون في المشار إليه بهذا الكلام والمكنى به عنه .
قال الشارح المعتزلي : المكنّى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدت النسخة التي بخط الرّضي جامع (نهج البلاغة) وتحت فلان : عمر ، حدثني بذلك فخار بن معد الموسوي.
وسألت عن النقيب أبا (1)جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي : هو عمر ، فقلت له : أثنى عليه أمير المؤمنين هذا الثناء؟ فقال: نعم، أما الإمامية فيقولون : إن ذلك من التقية واستصلاح أصحابه، وأما الصالحيون من الزيدية فيقولون : إنه أثنى عليه حق الثناء ولم يضع المدح إلا في موضعه ونصابه، وأما الجارودية من الزيدية فيقولون : إنه كلام قاله في أمر عثمان أخرجه مخرج الذم والتنقص لأعماله كما يمدح الآن الأمير الميت في أيام الأمير الحي بعده، فيكون ذلك تعريضاً به، فقلت له : إلا أنه لا يجوز التعريض للحاضر بمدح الماضي إلا إذا كان ذلك المدح صدقاً لا يخالطه ريب ولا شبهة فإذا اعترف أمير المؤمنين بأنه أقام السنّة وذهب نقي الثوب ، قليل العيب ، وأنه أدّى إلى الله طاعته واتقاه بحقه، فهذا غاية ما يكون من المدح ، فلم يجبني بشيء وقال : هو ما قلت لك ، قال :
وقال الراوندي: إنه علیه السلام مدح بعض أصحابه بحسن السيرة وأن الفتنة هي التي وقعت بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من الاختيار والإثرة، وهذا بعيد ، لأن لفظ أمير المؤمنين يشعر إشعاراً ظاهراً بأنه يمدح والياً ذا رعية وسيرة .
ثم ذكر الشارح مؤيدات أخرى لكون المراد به عمر ، إلى أن قال في آخر كلامه : وهذه الصفات إذا تأملها المنصف وأماط عن نفسه الهوى، علم أن أمير المؤمنين لم يعن بها إلا عمر لو لم يكن قد روى لنا توفيقاً ونقلاً أن المعني بها عمر فكيف وقد رويناه عمن لا يتهم في هذا الباب ، انتهى (2).
وقال الشارح البحراني : إرادته لأبي بكر أشبه لإرادته لعمر، لما ذكر علیه السلام فی خلافة عمر وذمها به في الخطبة المعروفة بالشقشقية، انتهى .
وأقول : أما ما قاله القطب الراوندي فاستبعاد الشارح المعتزلي له بموقعه، وكذلك ما زعمه الشارح البحراني فإنه أيضاً ،بعيد وتقريبه له بأنه ذم خلافة عمر في خطبة الشقشقية ، فيه أنه علیه السلام دم هناك خلافة أبي بكر أيضاً حسبما عرفت أيضاً ولو لم يكن فيها إلا قوله علیه السلام : فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهباً ، لكان كافياً في الطعن والإزراء
المنافي للمدح والثناء فضلاً عن المطاعن والمدام الواردة عنه علیه السلام في مقامات أخر في حق الأول كالثاني المتجاوزة عن حد الإحصاء وطور الاستقصاء.
وأما ما زعمه الشارح المعتزلي من أن المراد به عمر ومبالغته فيه واستظهاره له بما ،فصله في كلامه ، ففيه : أنه إن كان هذا الرجل الجلف هو المراد به وأبقينا الكلام على ظاهره على ما توهمه الظاهر من كون عمر أهلاً للأوصاف المذكورة لا غير ، كان هذا الكلام مناقضاً صريحاً لما تقدم عنه في الخطبة الشقشقية من مثالب عمر ومعايب خلافته، فلاحظ المقام وانظر ماذا ترى.
بل كان منافياً لأصول مذهب الإمامية رضوان الله عليهم المتلقى عن أئمتهم سلام الله عليهم ولأخبارهم المتواترة المأثورة عن أهل بيت العصمة والطهارة المفصحة عن كفر الأول والثاني كليهما وكونهما منشأ جميع الشرور والمفاسد والبدعات الجارية في الأمة المرحومة إلى يوم القيامة.
قال کميت بن زيد الأسدي فيما رواه عنه في (البحار) من (الكافي) : دخلت على أبي جعفر علیه السلام قلت : خبرني عن الرجلين ، قال : فأخذ الوسادة وكسرها في صدره ثم قال والله يا كميت ما أهرق محجمة من دم وما أخذ مال من غير من حله وما قلب حجر من حجر إلا ذاك في أعناقهما (1)، ونحوه أخبار كثيرة .
بل المستفاد من بعض الأخبار أن جميع الشرور والمفاسد الواقعة في الدنيا من ثمرات تلك الشجرة الخبيثة ، وقد مرت طائفة منها في شرح الخطبة المائة والخمسين .
فبعد اللتيا واللتي فاللازم على جعل المكني عنه عمر كما زعمه الشارح هو صرف الجملات الآتية عن ظواهرها المفيدة للمدح والثناء ، لتطابق أصول الإمامية وقواعدهم المبنية على الذم والإزراء ، وعلى إبقائها على ظواهرها فلا بد من جعل المكنّى عنه شخصاً آخر له أهلية الاتصاف بهذه الأوصاف.
وعليه فلا يبعد أن يكون مراده علیه السلام هو مالك بن الحرث الأشتر، فلقد بالغ في مدحه وثنائه في غير واحد من كلماته .
مثل ما كتبه إلى أهل مصر حين ولى عليهم مالك حسبما يأتي ذكره في باب الكتب تفصيلاً إن شاء الله .
ومثل قوله علیه السلام فيه لما بلغ إليه خبر موته: مالك وما مالك؟ لو كان من جبل لكان
1) الكافي : 103/8 ح 75 ، وبحار الأنوار: 266/30 ح 75، 266/30 132.
فنداً، ولو كان من حجر لكان صلداً، عقمت النساء أن يأتين بمثل مالك.
بل صرّح في بعض كلماته بأنه كان له كما كان هو لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم، ومن هذا شأنه فالبتة يكون أهل لأن يتصف بالأوصاف الآتية بل بما فوقها .
والحاصل أنه على كون المكنّى عنه عمر لا بد من تأويل كلامه وجعله من باب الإيهام والتورية على ما جرت عليها عادة أهل البيت علیه السلام في أغلب المقامات، فإنهم لما رأوا من الناس جمهورهم إلا النادر من خواص أصحابهم الإفتتان بمحبة صنمي قريش، وأنهم أشربوا قلوبهم حب العجلين ، وولعوا بعبادة الجبت والطاغوت سلكوا في كلماتهم كثيراً مسلك التورية والتقية حقناً لدمائهم ودماء شيعتهم، حيث لم يتمكنوا من إظهار حقيقة الأمر.
ويشهد بذلك ما رواه في (البحار) من (الكافي) بإسناده عن فروة عن أبي جعفر علیه السلام قال : ذاكرته شيئاً من أمرهما فقال: ضربوكم على دم عثمان ثمانين سنة وهم يعلمون أنه كان ظالماً فكيف يا فروة إذا ذكرتم صنميهم (1)؟
وفيه من (تقريب المعارف ) لأبي الصلاح في جملة كلام له قال: ورووا عن بشير بن دراكة النبال قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عن أبي بكر وعمر فقال: كهيئة المستهزىء به ما تريد من صنمي العرب أنتم تقتلون على دم عثمان بن عفان فكيف لو أظهرتم البراءة منهما لما ناظر وكم طرفة عين (2).
قال : ورووا عن أبي الجارود قال : سئل محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبي بكر وعمر فقال : قتلتم منذ ستين سنة في أن ذكرتم عثمان، فوالله لو ذكرتم أبا بكر وعمر لكان دماؤكم أحلّ عندهم من دماء السنانير (3).
بل كثيراً ما كانوا يتكلمون علیه السلام بكلمات موهمة للمدح والثناء مماشاة للناس ومداراة لهم.
مثل ما روي من كتاب (المثالب ) لابن شهر آشوب : أن الصادق علیه السلام سئل عن أبي بكر وعمر ، فقال : كانا إمامين قاسطين عادلين كانا على الحق ، وماتا عليه، فرحمة الله عليهما يوم القيامة، فلما خلا المجلس قال له بعض أصحابه : كيف قلت يا ابن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم؟ فقال : نعم أما قولي : كانا إمامين فهو مأخوذ من قوله تعالى: وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى
النَّارِ [القصص : 41]، وأما قولي: قاسطين ، فهو من قوله تعالى : وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: 15]، وأما قولي : عادلين ، فهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام :1] ، وأما قولي: كانا على الحق، فالحق علي علیه السلام، وقولي : ماتا عليه ، المراد أنه لم يتوبا عن تظاهرهما عليه ، بل مانا على ظلمهما إياه ، وأما قولي : فرحمة الله عليهما يوم القيامة، فالمراد أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ينتصف له منهما أخذاً من قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء : 107 ] (1) وإذا عرفت ذلك فاستمع لما يتلى عليك من وجوه التورية والتأويل في فقرات كلامه فأقول وبالله التوفيق والعصمة :
قوله علیه السلام : (الله بلاد فلان ) وإن كان بظاهره مفيداً للمدح حسبما بيناه في بيان اللغة إلا أنه ليس بذلك، فإن اللام فيه كاللام في قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: 189] .)والكناية عن عمر بلفظة فلان مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَوَيْلَقَ لَيْتَنِي لَوْ أَتَّخِذُ فَلَانًا خَلِيلًا [الفرقان: 27-28] فقد فسّر السبيل في أخبار أهل البيت علیه السلام بأمير المؤمنين والظالم بأبي بكر وفلاناً بعمر .
قال علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ قال : الأول : (يَلَيْتَنى اَتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) قال أبو جعفر علیه السلام يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول علياً (تويلتي لَيْتَنِي لَوْ أَتَّخِذُ فَلَانًا خَلِيلًا ) يعني الثاني (لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَ في ) يعني الولاية (وَكَانَ الشَّيْطَنُ ) وهو الثاني كان( لِلْإِنسَنِ خَذُولا ) (2))وروي مثله عن حماد عن حريز عن رجل عن أبي جعفر علیه السلام أنه قال: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ الآية ، يقول الأول للثاني.)وروي عن الرضا علیه السلام أيضاً تفسير الآيتين بالأول والثاني.وقوله (فقد قوم الأود وإن كان ظاهره يدل على أنه أصلح وعدل ما خرج من أمور المسلمين عن حد الاعتدال وانحرف عن السداد، لكن المقصود به ترويجه للإعوجاج من قولهم : قامت السوق أي نفقت وراجت ، فإن عمر لعدوله عن الصراط المستقيم الذي هو صراط أمير المؤمنين وغصبه للخلافة قد روّج العوج عن الدين والانحراف عن نهج الشرع المبين.)
ويوضح ذلك ما رواه في (الطرائف عن قتادة عن الحسن البصري قال : كان يقرأ هذا الحرف صراط علي مستقيم، فقلت للحسن : ما معناه؟ قال : يقول: هذا طريق علي بن أبي طالب ودينه طريق مستقيم فاتبعوه وتمسكوا به فإنه واضح لا عوج فيه (1).)وعلى إبقاء تقويم الأود على ظاهره فلا ملازمة له لمدح عمر أيضاً لأن تقويم اعوجاج الناس ونظم أمر الرعية إنما يكون ممدوحاً شرعاً إذا كان جارياً على وفق القوانين الشرعية، وأما إذا لم يجر عليها كما هو رسم الجبابرة وسلاطين الجور فلا .كما يشير إلى ذلك قول أمير المؤمنين علیه السلام في الكلام الثامن والستين مخاطباً لأهل الكوفة، وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي .ولقد كان عمدة نظر عمر في أحكامه وسياساته إلى نظم أمر خلافته واستحكام أركان رئاسته وإن كان مخالفاً لقانون الشرع.كما يشهد بذلك ما روته الخاصة والعامة من تسوره حائط بيت الرجل الذي اتهمه بشرب الخمر حتى اعترض عليه صاحب البيت بقوله: إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث، قال الله : ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ [الحجرات: 12] وقد تجسّست ، وقال: وَأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة : 189] وقد تسوّرت ، وقال: فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا [النور: 61] وما سلمت، على ما تقدم تفصيلاً في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثالثة وغير ذلك مما رووا من سيرته المخالفة للشريعة، وقد ذكر الشارح المعتزلي شطراً منها في شرح هذا الكلام .)وقوله (وداوى العمد ظاهره أنه أصلح ما فسد من الأمور وخرج عن الصحة والسداد بمعالجات تدابيره ، وباطنه أنه عالج مرضه القلبي الذي كان عليه ، فقد استعير العمد الذي هو عبارة عن انشداخ سنام البعير لمرض القلب كما يستعار لمرض العشق يقال : فلان عميد القلب ومعمود ، قال قيس العامري في قصيدة عشقية مشحونة بأبيات العشق والمحبة :)يلومونني في حبّ ليلى عواذل *** ولكنني من حبها للعمیدوالجامع بين المستعار منه والمستعار له كون كل منهما موجباً للألم والأذى والمرض الذي كان في قلب عمر هو المرض المزمن والداء الدوي أعني مرض الشك والنفاق ومعاداة النبي والوصي علیه السلام فإن قيح عداوتهما لا سيما عداوة أمير المؤمنين علیه السلام وبغضه كان يغلي في صدره كغلي القيح في سنام البعير لا يكاد يندمل حتى مضى النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى لقاء ربه، فعالج مرضه وداوى عمده بما مهده في نفسه من صرف الخلافة عن أهل بيته وتغيير وصيته وإحراق
1) شرح أصول الكافي : 91/7 ، والصراط المستقيم : 1/ 284 .
بيت ابنته ، وتبديل قوانين شريعته ، فنال ما أبطن في قلبه وبلغ غاية المراد ومنتهى المرام.وإلى هذا المرض أشير في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة : 108] .)قال أمين الإسلام الطبرسي : المراد بالمرض في الآية الشك والنفاق بلا خلاف، وإنما سمي الشك في الدين مرضاً لأن المرض هو الخروج عن حد الاعتدال، فالبدن ما لم تصبه آفة يكون صحيحاً سوياً وكذلك القلب ما لم يصبه آفة من الشك يكون صحيحاً، وقيل: أصل المرض الفتور، فهو في القلب فتوره عن الحق كما أنه في البدن فتور الأعضاء (1)وقال في (الصافي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ) الآية أقول : كابن أبي وأصحابه وكالأول والثاني وأضرابهما من المنافقين الذين زادوا على الكفر الموجب للختم ، والغشاوة النفاق ولا سيما عند نصب أمير المؤمنين علیه السلام للخلافة والإمامة (2). وقال أيضاً : قوله : (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ ) نفاق وشك وذلك لأن قلوبهم كانت تغلي على النبي والوصي والمؤمنين حقداً وحسداً، وفي تنكير المرض وإيراد الجملة ظرفية إشارة إلى استقراره ورسوخه وإلا لقال : مرض قلوبهم.
وقوله علیه السلام (أقام السنة ) ظاهره إقامته لسنة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وطريقته قولاً وفعلاً وتقريراً ولكنه تورية عن السنن العمرية وهي بدعاته وأحداثه التي سنّها قبال سنة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بمقتضى أهوائه الفاسدة.
مثل تحريم المتعنين ، والعول في الفرائض، وصلاة الضحى وصلاة التراويح، وهي فعل نوافل شهر رمضان بالجماعة، ووضع الخراج على سواد العراق، وترتيب الجزية ، وإسقاط الحيّ على خير العمل من الأذان بإيهامه أن هذه الكلمة تدعو الناس إلى ترك الجهاد لأنهم يزعمون إن الصلاة أفضل من سائر الأعمال ولكن الداعي الحقيقي له إلى الإسقاط غير ذلك .
وهو ما ورد في رواية الصادق علیه السلام من أن عمر سمع من النبي صلی الله علیه واله وسلم : « أن خير أن خير العمل هو ولاية علي بن أبي طالب » (3)، فموّه على الناس في تركه حتى يترك، إلى غير هذه مما
رواية (الروضة) المتقدمة في شرح الخطبة الخمسين فليراجع هناك، وذكر شطراً منها الشارح المعتزلي في شرح هذا الكلام.
وقوله علیه السلام (وخلف الفتنة ) قال الشارح البحراني: تخليفه للفتنة موته قبلها ووجه كون ذلك مدحاً له هو اعتبار عدم وقوعها بسببه وفي زمنه لحسن تدبيره .
وأقول: هذا ظاهره وباطنه من أمض الذم فإنه تورية عن توريثه الفتنة العظيمة التي انشعبت منها جميع الفتن ، وهي فتنة الشورى كما صرح به الشارح المعتزلي أيضاً في شرح الكلام المائتين والرابع حسبما حكينا عنه هناك حيث قال : إن ما فعله عمر من أمر الشورى سبب كل فتنة وقع ويقع إلى أن تنقضي الدنيا .
وتوضيحه أن عمر لو لم يجعل الخلافة شورى بين الستة لما أفضى الأمر إلى عثمان ولم تقع فتنة قتله حتى يكون الطلب بدمه عنواناً لوقعة صفين وفتن بني أمية الشوهاء المظلمة ولوقعة البصرة وخروج الخاطئة المشار إليها في قوله تعالى : (أَوْ كَظُلُمَةٍ فِي بَحْرٍ تُجِي يَغْشَهُ موح من فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَونِهِ سَحَابٌ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ بَدرُ لَمْ يَكَد يرتها ) [النور: 40] وفي قوله: وَمَا جَعَلْنَا الريا الَّتِي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ وغخوفهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طفينا كبيرا [الإسراء: 60] .)ثم من التحكيم في صفّين نشأت فتنة المارقين وخروجهم إلى أن انجر إلى شهادة أمير المؤمنين واستيلاء معاوية على البلاد وإهراقه للدماء واستحلاله للأموال، وفشت المعاداة بين بني هاشم وبني أمية حتى انتهت إلى الرّزء الجليل والمصيبة العظمى والداهية الدهباء المحرقة قلوب الشيعة إلى يوم القيامة وهي وقعة الطف وشهادة الحسين علیه السلام وأصحابه، بل النار الموقدة في الظف لإحراق خيام آل الرسول من قبسات النار التي أوقدها عمر لإحراق باب فاطمة سلام الله عليها .وبالجملة فجميع هذه الفتن من ثمرات الشجرة الخبيثة التي غرسها عمر .قال العلامة الحلي في كتاب (نهج الحق : روى البلاذري قال : لما قتل الحسين كتب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية لعنة الله عليهما وعلى أبيهما : أما بعد ، فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة وحدث في الإسلام حدث عظيم ولا يوم كيوم الحسين.)فكتب إليه يزيد: أما بعد ، يا أحمق ، فإننا جئنا إلى بيوت مجدّدة وفرش ممهدة ووسائد منضدة فقاتلنا عنها ، فإن يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا ، وإن كان الحق لغيرنا فأبوك أول من سن وابتز واستأثر بالحق على أهله .وقوله علیه السلام: (ذهب نقي الثوب قال الشارح البحراني: استعار الثوب لعرضه ونقاه)
السلامته عن دنس المذام .وأقول : ربما يفرق بين النقي والتقي بأن التقي بالتاء من حسن ظاهره والنقي من حسن باطنه ، فيكون في إضافة النقي إلى الثوب تورية لطيفة عن أن إتصافه بالنقاوة والنزاهة إنما كان بحسب ظاهره فقط، وأما في الباطن فقد كان مدنساً بأدناس الجاهلية وأقذار الشك والنفاق والحقد والحسد والسخيمة لكونه رئيس المنافقين الذين يظهرون بأفعالهم ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، والله أعلم بما يكتمون وقد وصفهم علیه السلام في الخطبة المائة والثالثة والتسعين بهذا الوصف أي بحسن الظاهر وخبث الباطن حيث قال في تعداد صفاتهم : قلوبهم رديّة وصفاحهم نقيّة .وقوله علیه السلام (قليل العيب أراد به قلة عيوبه الظاهرة بالإضافة إلى العيوب الكثيرة التي في عثمان لأخذه بظاهر أحكام الشريعة تخديعاً للناس وللتزوير والحيلة، وأما في الباطن فقد كان غريقاً في بحر العيوب مغموراً في تيار الآثام والذنوب حسبما أشرنا ونشير إليه .)وقوله علیه السلام (أصاب خيرها وسبق شرها قال البحراني: أصاب ما ما في الخلافة من الخير المطلوب، وهو العدل وإقامة دين الله الذي به يكون الثواب الجزيل في الآخرة والشرف الجزيل في الدنيا، وسبق شرّها أي مات قبل وقوع الفتنة فيها وسفك الدماء لأجلها.)وأقول : بل المراد به أنه نال خير الخلافة ولذة الرئاسة بما مهده له أبو بكر من بساطها وصيّرها له من دون معارض ومصادم، فانقاد له الكل وأسلم له الجميع طوعاً وكرهاً وحصلت له الرئاسة العامة وفتح الأمصار ونفاذ الأحكام في الأصقاع والبلدان كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد .والمراد بسبقه الشر الشرور والمفاسد والفتن التي ظهرت في زمن عثمان عليه اللعنة ، والنيران من حملة أمية ومروان على رقاب الناس وخضمهم مال الله خضم الإبل نبتة الربيع حسبما عرفت تفصيلاً في الخطبة الشقشقية وشرحها إلى أن انجر الأمر إلى قتله وهلاكه، وظهرت في خلافة أمير المؤمنين سلام الله عليه وآله أجمعين من الناكثين والقاسطين والمارقين لعنة الله عليهم ملء السماوات والأرضين وقد عرفت في شرح قوله : وخلف الفتنة، أن جميع هذه الشرور والمفاسد هذه الشرور والمفاسد من بركة البرامكة وثمرات الشجرة الخبيثة التي غرسها عمر.وقوله علیه السلام (أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه أراد به مواظبته على مراسم الطاعة والتقوى وسلوكه مسألك الزهد والعبادة، ولقد كان مجداً فيها ظاهراً لما نذكره من النكتة، وأما في الباطن فلم يرفع يده كصاحبه عن الكفر وعبادة الصنم إلى أن مضى إلى سبيله .)
ويشهد به ما رواه في (البحار من كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين)علیه السلام في حديث طويل يذكر فيه شجاعته ونصرته لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم وجين الثلاثة ورعبهم عند الكريهة والقتال، وساق الحديث إلى أن قال :ولقد ناداه ابن عبدود باسمه يوم الخندق ، فحاد عنه ولاذ بأصحابه حتى تبسّم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لما رأى به من الرعب وقال: «أين حبيبي علي ، تقدّم يا حبيبي يا علي»، ولقد قال لأصحابه الأربعة أصحاب الكتاب : الرأي والله أن ندفع ندفع محمداً بزمته ونسلم من ذلك حين جاء العدو من فوقنا ومن تحتنا كما قال الله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالَا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُتَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قلُوبِهِم مرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: 11 - 12] ، فقال صاحبه : لا ، ولكن نتخذ صنماً عظيماً نعبده لأنا لا نأمن أن يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، ولكن يكون هذا الصنم لنا ذخراً، فإن ظهرت قريش أظهرنا عبادة هذا الصنم وأعلمناهم أنا لن نفارق ديننا ، وإن رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة هذا الصنم وأعلمناهم أنا لن نفارق سراً. فنزل جبرائيل فأخبر النبي صلی الله علیه واله وسلم بذلك، ثم خبّرني به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد عمرو بن عبدود ، فدعاهما فقال: «كم صنم عبدتما في الجاهلية؟» ، فقالا : يا محمد تعيرنا بما مضى في الجاهلية؟ فقال: «فكم صنم تعبدا وقتكما هذا؟» فقالا : والذي بعثك بالحق نبياً ما نعبد إلا الله منذ أظهرنا لك من دينك ما أظهرنا، فقال : «يا علي ، خذ هذا السيف فانطلق إلى موضع كذا وكذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه فإن حال بينك وبينه أحد فاضرب عنقه »، فانكبا على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فقالا : أسترنا سترك الله ، فقلت أنا لهما : أصمنا الله ولرسوله ألا تعبدا إلا الله ولا تشركا به شيئاً ، فعاهدا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على هذا. وانطلقت حتى استخرجت الصنم من موضعه وكسرت وجهه ويديه وجزمت رجليه ثم انصرفت إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فوالله لقد عرفت ذلك في وجههما حتى ماتا (1). ويشعر بما قلناه ما رواه العياشي عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَبكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ [البقرة: 257] إنه قال : فأعداء علي أمير المؤمنين هم الخالدون في النار وإن كانوا في أديانهم على غاية الورع والزهد والعبادة.
إلى غير هذه من الروايات التي لا نطيل بذكرها المفيدة لكون عبادة هذا الرجل الله وزهده ورياضته تزويراً ورياء وسمعة بل الدلالة على أنه أبطن الكفر وأظهر الإسلام وصلة بذلك إلى رئاسة المسلمين والسلطنة عليهم وإلى ما أضمره في قلبه من هدم أساس الدين وتخريب سواري اليقين ضمناً بقدر الإمكان والتمكن وإلى صرف الناس وإضلالهم عن
1) مجمع النورين: 230 ، وكتاب سليم بن قيس: 250 .
الصراط المستقيم والمنهج القويم.
فإنه لو لم يسلك مسلك العبادة والرياضة والزهد والقشف والضيق على نفسه والتوسعة على غيره وترك اللذات والشهوات رأساً لم يتمكن من ذلك كما لم يتمكن عثمان منه لعدم سلوكه هذا المسلك .
وقد صرّح نفسه بهذه النكتة وأظهر هذا السر إلى بطانته المشارك له في الكفر والإلحاد اللعين بن اللعين معاوية بن أبي سفيان في العهد الطويل الذي رواه أصحابنا في مؤلفاتهم.
وهو العهد الذي أخرجه يزيد الملعون من خزانته وأبرزه لعبد الله بن عمر الملعونين لما جاء إلى الشام مستصرخاً في دم الحسين علیه السلام وثائراً فيه، فسكته بذلك العهد الذي كان بخ أبيه عمر .
فإنه بعدما كتب فيه : إلى معاوية صريحاً كفره وإلحاده وبقاءه على عبادة اللات والعزى وتكذيبه للرسول صلی الله علیه واله وسلم ولما جاء به ونسبته إلى السحر وأبرز عداوته المكنونة له صلی الله علیه واله وسلم وآله ، وشرح صرفه الخلافة بتدبيراته وحيله عن وصيه كتب فيه ما عين لفظه :
فبطل سحره - يعني سحر محمد صلى الله عليه واله وسلم ، وخاب سعيه، وعلاها أبو بكر وعلوتها بعده وأرجو أن تكونوا معاشر بني أمية عيدان أطنابها ، فمن ذلك قد وليتك وقلّدتك إباحة ملكها ، وعرفتك فيها وخالفت قوله فيكم ، وما أبالي من تعريف شعره ونثره أنه قال : يوحى إلي منزل من ربي في قوله : والشجرة الملعونة في القرآن، فزعم أنها أنتم يا بني أمية، فبين عداوته حيث ملك كما لم يزل هاشم وبنوه أعداء بني عبد شمس، وأنا تذكيري إياك يا معاوية وشرحي لك ما قد شرحته ناصح لك ومشفق عليك من ضيق عطفك وحرج صدرك وقلة حلمك أن تعجل فيما وصيتك به ومكنتك منه من شريعة محمد وأمته أن تبدي لهم مطالبته بطعن أو شماتة بموت أو رداً عليه فيما أتى به أو استصغاراً لما أتى به فتكون من الهالكين ، فتخفض ما رفعت وتهدم ما بنيت ، واحذر كل الحذر حيث دخلت على محمد مسجده ومنبره وصدّق محمداً في كل ما أتى به وأورده ظاهراً، وأظهر التحرّز والواقعة في رعيتك وأوسعهم حلماً وأعمهم بروائح العطايا، وعليك بإقامة الحدود فيهم وتصفيف الجناية منهم، لسبى مالك ورزقك ولا ترهم أنك تدع الله حقاً ولا تنقص فرضاً ولا تغير لمحمد سنّة فتفسد علينا الأمة بل خذهم من مأمنهم واقتلهم بأيديهم وأيدهم بسيوفهم وتطاولهم ولا تناجزهم ، ولن لهم ولا تبخس عليهم ، وافسح لهم في مجلسك وشرفهم في مقعدك، وتوصل إلى قتلهم برئيسهم وأظهر البشر والبشاشة، بل اكظم غيظك، واعف عنهم يحبوك ويطيعوك، فما آمن علينا وعليك شورة علي وشبليه الحسن والحسين، فإن أمكنك في فبادر ولا تقنع بصغار الأمور، واقصد بعظيمها واحفظ وصيتي إليك وعهدي واخفه ولا تبده،
وامتثل أمري ونهيي ، وانهض بطاعتي وإياك والخلاف علي واسلك طريق أسلافك، واطلب يثأرك واقتص آثارهم فقد أخرجت إليك بسري وجهري، وشفّعت هذا بقولي :
معاوي إنّ القوم جلت أمورهم *** بدعوة من عم البرية بالوتر
صبوت إلى دين لهم فأرابني *** فأبعد يدين قد قصمت من ظهري
إلى أن قال :
توسل إلى التخليط في الملة التي *** أتانا به الماضي والمموه بالسحر
وطالب بأحقاد مضت لك مظهراً *** لعله دين عم كل بني النفر
فلست تنال النار الأبد منهم *** فتقتل بسيف القوم جند بني عمر
فقد تحصل بما ذكرنا كله أن طاعة الرجل ورياضته وتضييقه على نفسه وتوفيره الفيء والغنائم على غيره لم يكن إلا خديعة ومكيدة وإطفاء لنور الله وهدماً لأساس الإسلام وإغواء للمسلمين .
كالشيطان الذي أراد إضلال عابد بني إسرائيل وإغواءه ، فتقرب إليه من جهة البرّ والعبادة لما يئس من سائر العبادات، فانطلق إلى منزله فأقام حذاءه يصلي وكان العابد ينام والشيطان لا ينام ، وهو يستريح والشيطان لا يستريح، فتحول إليه العابد وقد تقاصرت إليه نفسه واستصغر عمله ، فقال : يا عبد الله بأي شيء قويت على هذه الصلاة؟ فلم يجبه، ثم عاد إليه فلم يجبه، ثم عاد إليه فقال : إني أذنبت ذنباً وأنا تائب منه فإذا ذكرت الذنب قويت عليها ، فاغتر العابد المسكين بما أتى به من الصلاة على أن يأتي بفاحشة ويتوب منها فتوصل بكثر صلاته إلى إضلاله .
وهكذا كان حال الأعرابي الجلف فمثله كما قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ - إلى قوله - وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا مَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيْطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِهُونَ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُفيّنيهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة : 158] هذا .)وقوله : (رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي قال الشارح البحراني: إن المراد رحيله إلى الآخرة تاركاً للناس بعده في طرق متشعبة من الجهات لا يهتدي فيها من ضل عن سبيل الله، ولا يستيقن المهتدي في سبيل الله أنه على سبيله، لاختلاف طرق الضلال وكثرة المخالف له إليها .)أقول: هذا ظاهر معنى الكلام، وأما باطنه فهو : أن الأعرابي الجلف رحل عن الدنيا وترك الناس حيارى وأوقعهم بما أبدعه من سننه وسيره وبدعاته وحيله ومكائده وتمويهاته في
الفتنة والضلال والخزي والنكال ، لا سيما ما قرره من الشورى وجعلها بين الستة أوجب تفرّق الناس عن الصراط المستقيم أيادي سبأ وأيدي سبأ .فمنهم من قد كان أشرب قلبه حب الشيخين واستحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر ربه فضل عن السبيل المقيم وهوى أسفل درك الجحيم.ومنهم من كان طالباً للهداية إلا أنه نظر إلى اختلاف طرق الضلال والهدى وكثرة السالكين إلى الأولى وقلتها إلى الأخرى، فبقي تائهاً متحيّراً بين السبيلين فلم يتمكن من تحصيل السبيل ورفع الشك والتحير من البين، كما أشار إلى ذلك في الخطبة الخمسين بقوله :إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله ويتولّى عليها رجال رجالاً على غير دين الله ، فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضعت ومن هذا ضغث فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى.والحاصل ، أن عمر بتلبيسه الحق بالباطل والباطل بالحق وخلطه الصالح بالسيءوإيقاعه الاشتباه بينهما أوقع الناس في الشك والضلال خصوصاً جعله أمير المؤمنين علیه السلام وباب علم النبيين قريناً للخمسة الألواد، وترشيحه كلا منهم بأهلية الخلافة، ألقى التفرقة بين الأمة وشقّ عصا الجماعة، واختلفت بذلك الآراء وتشتت الأهواء وتشعبت الطرق وتفرقت السبل .ويدل على ذلك صريحاً ما نقله العلامة الحلّي في كتاب (نهج الحق من كتاب (العقد) لابن عبد ربه : أن معاوية قال لابن أبي الحصين: أخبرني ما الذي شتّت أمر المسلمين وجماعتهم وفرّق ملأهم وخالف بينهم ؟ فقال : قتل عثمان ، قال : ما صنعت شيئاً؟ قال : فسير علي علیه السلام إليك، قال : فما صنعت شيئاً ؟ قال : ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين، فقال: فأنا أخبرك أنه لم يشتت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر فی ستة .)ثم فسر معاوية ذلك في آخر الحديث فقال : لم يكن من الستة رجل إلا رجاها لنفسه ورجاها لقومه وتطلعت إلى ذلك أنفسهم ولو أن عمر استخلف كما استخلف أبو بكر ما كان ذلك اختلاف، انتهى (1)
1) الطرائف : 483 ، والبحار : 54/31 .
فقد تحصل بما ذكرنا كله أن المراد بتركه لهم في طرق متشعبة إثارته الفتنة العامة بين المسلمين والضلالة العمياء التي لم ينج منها أحد إلا المخلصين ، فإن عباد الله المخلصين ليس له سلطان عليهم كأخيه الشيطان اللعين، وإنما سلطانه على الذين يتولونه وهم به مقتدون، وهو الهادي وأنهم المهتدون ، لعنه الله ومن تبعه من الملعونين المردودين .### تنبيهان : الأولإعلم أن الشارح المعتزلي قد أطال الكلام في شرح هذا الكلام لأمير المؤمنين علیه السلام وذكر من مناقب عمر على زعمه ومثالبه ومطاعنه والأخبار العامية الواردة في شأنه من سيره وأخلاقه وكلماته فصلاً طويلاً أورث الإطناب الممل للناظرين حتى صار شرح هذا الكلام مجلداً منفرداً شرحه للنهج وهو المجلد الثاني عشر منه .ولما رأيت أن نقل ما أتى به وجرحه والاعتراض عليه حسبما جرت عليه عادتنا في الشرح يحتاج إلى مجلد مستقل وبسط بسيط تشمئز منه الطباع وتمل الأذهان ، طوينا عن التعرض له كشحاً ولكني أقول إجمالاً :أما سیر عمر وأخلاقه وأطواره فالعمر أعزّ وأنفس من أن يُصرف إلى ذكرها ويضيع في بيان مثلها.وأما مطاعنه ومثالبه فهي صحيحة لا ريب فيها وأجوبة قاضي القضاة عنها مندفعة بما اعترض به المرتضى عليها في (الشافي حسبما حكاه تفصيلاً.)وأما مناقشة الشارح في بعض تلك الاعتراضات فقد رواها العلامة المجلسي (رحمت الله في مجلد الفتن من (البحار) ولا حاجة لنا إلى نقلها ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع إلى محاله التي نبهنا عليها .)وأما الأحاديث التي رواها في فضل عمر موضوعة مجهولة ومجعولة ، وآثار الوضع عليها ظاهرة واضحة وقد مر الإشارة إلى بعضها في شرح الكلام المائتين والتاسع .نعم قد ذكر الشارح في تضاعيف كلامه في المقام أخباراً عامية صريحة في أحقية خلافة أمير المؤمنين علیه السلام وبطلان خلافة غيره ، وأتبعها بكلام طويل جرى بينه وبين النقيب أبي جعفر وهو كلام لطيف كاشف عن سوءات عمر وفضائحه وعن كفره ونفاقه وكونه في مقام الاعتراض على ما يقوله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم والمعارضة له وعن أن عمدة نظره فيما أسسه وأتى به إنما كانت إلى حبّ السلطنة والرئاسة لا الإشفاق على الإسلام والأمة كما يزعمه العامة، فأحببت نقل هذا الكلام على طوله لأنه من لسان من هواه مع عمر من هواه مع عمر أثبت وأقوى والدّ وأحلى، فأقول :
قال الشارح بعدما ذكر طائفة من الأخبار الدالة على خلافة أمير المؤمنين ما هذا لفظه :سألت النقيب أبي (1جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد وقد قرأت عليه هذه الأخبار فقلت له : ما أراها إلا تكاد تكون دالة على النص ولكني أستبعد أن يجتمع الصحابة على دفع نص رسول الله على شخص بعينه كما استبعدنا من الصحابة على ردّ نصه على الكعبة وشهر رمضان وغيرهما من معالم الدين .)فقال : أبيت إلا ميلاً إلى المعتزلة .ثم قال : إن القوم لم يكونوا يذهبون إلى أنها من معالم الدين وأنها جارية مجرى العبادات الشرعية كالصلاة والصوم ولكنهم كانوا يجرونها مجرى الأمور الدنيوية مثل تأمير الأمراء وتدبير الحروب وسياسة الرعية وما كانوا بهذا الأمر وأمثال هذا من مخالفة نصوصه صلی الله علیه واله وسلم إذا رأوا المصلحة في غيرها ألا تراه كيف نص على إخراج أبي بكر وعمر في جيش أسامة ولم يخرجا لما رأيا أن في مقامهما مصلحة الله وله صلی الله علیه واله وسلم وللملة وحفظاً للبيضة ودفعاًللفتنة .وقد كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يخالف وهو حي في أمثال ذلك فلا ينكره ولا يرى به بأساً .ألست تعلم أنه نزل في غزوة بدر منزلاً على أن يحارب قريشاً فيه فخالفته الأنصاروقالت له: ليس الرأي في نزولك هذا المنزل فاتركه وانزل في منزل كذا، فرجع إلى آرائهم.وهو الذي قال للأنصار عام قدم إلى المدينة : لا توبروا النخل، فعملوا على قوله فخاست نخلهم في تلك السنة ولم تثمر حتى قال لهم : أنتم أعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم.وهو الذي أخذ الفداء من أسارى بدر فخالفه عمر فرجع إلى تصويب رأيه بعد أن فات الأمر وخلص الأسارى ورجعوا إلى مكةوهو الذي أراد أن يصالح الأحزاب على ثلث تمر المدينة فرجعوا عنه، فأتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وخالف عبادة وخالفاه فرجع إلى قولهما .وقد كان قال صلی الله علیه واله وسلم لأبي هريرة : أخرج فناد في الناس : من قال لا إله إلا الله مخلصاً بها قلبه دخل الجنة، فأخبر أبو هريرة عمر بذلك فدفعه في صدره حتى وقع على الأرض فقال : لا تقلها فإنك إن تقلها يتكلوا عليها ويدعوا العمل، فأخبر أبو هريرة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بذلك
1) «أبا» في نسخة
فقال: «لا تقلها وخلهم يعملون»، فرجع إلى قول عمر .وقد أطبقت الصحابة إطباقاً واحداً على ترك كثير من النصوص لما رأوا المصلحة فی ذلك كإسقاطهم سهم ذوي القربى وإسقاطهم سهم المؤلفة قلوبهم وهذان الأمران أدخلا في باب الدين ما في باب الدنيا .وقد عملوا بآرائهم أموراً لم يكن لها ذكر في السنة، كحد الخمر فإنهم عملوه اجتهاداً ولم يحد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم شاربي الخمر وقد شربها الجم الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم، ولقد كان أوصاهم في مرضه : « أن أخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب»، فلم يخرجوهم حتى مضى صده من خلافة عمر وعملوا في أيام أبي بكر برأيهم في ذلك واستصلاحهم ، وهم الذين هدموا المسجد بالمدينة وحوّلوا المقام بمكة وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة ولم يقفوا مع موارد النص حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعد ، فرجح كثير منهم القياس على النص حتى استحالت الشريعة وصار أصحاب القياس أصحابشريعة جديدة .قال النقيب : وأكثر ما كانوا يعملون بآرائهم فيما يجري مجرى الولايات والتأمير والتدمير وتقرير قواعد الدولة وما كانوا يقفون مع نصوص رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وتدبيراته إذا رأوا المصلحة في خلافها، كأنهم يقيدون نصوصه المطلقة بقيد غير مذكور لفظاً ولأنهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله وتقدير ذلك القيد : افعلوا كذا، إن رأيتموه مصلحة .فأما مخالفتهم فيما هو محض الشرع والدين وليس بمتعلق بأمور الدنيا، فإنه يقل جداً نحو أن يقول : الوضوء شرط في الصلاة، فيجمعوا على ردّ ذلك ويجيزوا الصلاة من غير وضوء ، أو يقول : صوم شهر رمضان واجب، فيطبقوا على مخالفة ذلك ويجعلوه شوالاً عوضاً عنه، فإنه بعيد إذ لا غرض لهم فيه ولا يقدرون على إظهار مصلحة عثروا عليها خفيت عنه صلی الله علیه واله وسلم .والقوم الذين كانوا قد غلب على ظنونهم أن العرب لا تطيع علياً، فبعضها للحسد ، وبعضها للوتر والثأر، وبعضها لاستحداثهم سنه صلی الله علیه واله وسلم ، وبعضها لاستطالته عليهم ورفعه عنهم، وبعضها كراهية اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد، وبعضها للخوف من شدة وطنه وشدته في دين الله، وبعضها لرجاء تداول قبائل العرب الخلافة إذا لم يقتصر بها على بيت مخصوص عليه فيكون رجاء كل حي لوصولهم إليها ثابتاً مستمراً، وبعضها يبغضه لبغضهم من قرابته لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهم المنافقون من الناس ومن في قلبه زيغ من أمر النبوة.فأصفق الكل إصفاقاً واحداً على صرف الأمر لغيره، فقال رؤساؤهم : بأنّا خفنا الفتنة
وعلمنا أن العرب لا تطيعه وتتركه وتأوّلوا عند أنفسهم النص وقالوا : إنه النص ولكن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب والغائب قد يترك لأجل المصلحة الكلية.وأعانهم إلى ذلك مسارعة الأنصار إلى ادعائهم الأمر وإخراجهم سعد بن عبادة من بيته وهو مريض لينصبوه خليفة فيما زعموا ، واختلط الناس وكثر الخبط وكادت الفتنة أن يضطرم نارها فوثب رؤساء المهاجرين وبايعوا أبا بكر وكانت فلتة كما قال قائلهم ، وزعموا أنهم أطفأوا ثائرة الأبصار.فمن سكت من المسلمين وأغض ولم يتعرض فقد كفاهم أمر نفسه ، ومن قال سراً أو جهراً أو فلاناً قد كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ذكره أو نص عليه أو أشار إليه أسكتوه في الجواب بأنّا بادرنا إلى عقد البيعة مخافة الفتنة .واعتذروا عنده ببعض ما تقدم ، إما أنه حديث السن، أو تبغضه للعرب لأنه وترهاوسفك دماءها، أو لأنه صاحب زهو وتيه، أو كيف يجتمع الخلافة والنبوة في غرس واحد.بل قد قالوا في العذر ما هو أقوى منها وأكد ، قالوا : أبو بكر أقوى على هذا الأمر منه لا سيما وعمر يعضده ويساعده ، والعرب تحب أبا بكر ويعجبها لينه ورفقه وهو شيخ مجرّب للأمور لا يحسده أحد ولا يحقد عليه أحد ولا يبغضه أحد، وليس بذي شرف في النسب فيشمخ على الناس بشرفه، ولا ذي قربي من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيدل بقربه ودع ذا كله فإنه فضل مستغنى عنه .قالوا : لو نصبنا عليّاً ارتدّ الناس عن الإسلام وعادت الجاهلية كما كانت فأيما أصلح في الدين الوقوف مع النص المفضي إلى ارتداد الخلق ورجوعهم إلى الأصنام والجاهلية؟ أم العمل بمقتضى الأصلح واستبقاء الإسلام واستدامة العمل بالدين وإن كان فيه مخالفة النص؟ .قال : وسكت الناس عن الإنكار لأنهم كانوا متفرقين .فمنهم من هو مبغض شانيء لعليّ فالذي ثمّ من صرف الأمر عنه قرة عينه وبرد فؤاده .ومنهم ذو الدّين وصحة اليقين إلا أنه لما رأى كبراء الصحابة قد اتفقوا على صرف الأمر عنه ظن أنهم إنما فعلوا ذلك خلاف النص من رسول الله بنسخ ما قد كان سمعه من النص على أمير المؤمنين لا سيما ما رواه أبو بكر من قول النبي صلى الله عليه واله وسلم «الأئمة من قريش»، فإن كثيراً من الناس توهموا أنه ما ينسخ النص الخاص وأن معنى الخبر أنكم مجازون في نصب إمام من قريش من أي بطون قريش كان فإنه يكون إماماً .
وأكد أيضاً في نفوسهم رفض النص الخاص ما سمعوه من قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما رواه (1المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وقوله : سألت الله أن لا يجمع أمني على ضلال فأعطانيها فأحسنوا الظن بعاقدي البيعة وقالوا : هؤلاء أعرف بأغراض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من كل أحد فأمسكوا وكفوا عن الإنكار .)ومنهم فرقة أخرى وهم أكثرية الأعراب وجفاة طعام أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، فهؤلاء مقلّدون لا يسألون ولا ينكرون ولا يبحثون وهم مع أمرائهم وولاتهم لو أسقطوا عنهم الصلاة الواجبة لتركوها .فلذلك محق النص وخفي ودرس وقويت كلمة العاقدين لبيعة أبي بكر .وقواها زيادة على ذلك اشتغال علي وبني هاشم برسول الله صلی الله علیه واله وسلم وإغلاق بابهم عليهم وتخليتهم الناس يعملون ما شاؤا وأحبوا من غير مشاركة لهم فيما هم فيه، لكنهم أرادوا استدراك ذلك بعد ما فات ، وهيهات الفائت لا رجعة له .وأراد علي بعد ذلك نقض البيعة فلم يتم له ذلك، وكانت العرب لا ترى الغدر ولا ينقض البيعة صواباً كانت أو خطأ، وقد قالت له الأنصار وغيرها : أيها الرجل لو دعوتنا إلى نفسك قبل البيعة لما عدلنا بك أحداً ولكنا قد بايعنا فكيف السبيل إلى نقض البيعة بعد وقوعها؟ .قال النقيب : ومما جرّأ عمر على بيعة أبي بكر والعدول عن علي علیه السلام مع ما كان يسمعه من الرسول صلی الله علیه واله وسلم في أمره أنه أنكر مراراً على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أموراً اعتمدها فلم ينكر عليه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إنكاره بل رجع في كثير منها إليه، أشار عليه بأمور كثيرة نزل القرآن فيها بموافقته فأطمعه ذلك في الإقدام على اعتماد كثير من الأمور التي كان يرى فيها المصلحة مما هي خلاف النص.وذلك نحو إنكاره الصلاة على عبد الله بن أبي المنافق، وإنكاره فداء أسارى بدر، وإنكاره عليه تبرّج نسائه للناس ، وإنكاره قضية الحديبية، وإنكاره أمان العباس لأبي سفيان بن حرب، وإنكاره واقعة أبي حذيفة بن عتبة ، وإنكاره أمره صلی الله علیه واله وسلم و بالنداء من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة، وإنكاره أمره صلی الله علیه واله وسلم بذبح النواضح، وإنكاره على النساء هيبتهن له دون رسول الله إلى غير ذلك من أمور كثيرة تشتمل عليها كتب الحديث .ولو لم يكن إلا إنكاره قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في مرضه : « ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم
1) رآه في نسخة .
ما لا تضلون بعدي» (1، وقوله : ما قال وسكوت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عنه وأعجب الأشياء أنه قال ذلك اليوم : حسبنا كتاب الله ، فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار فبعضهم يقول : القول ما قال عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد كثر اللغط وعلت الأصوات: « قوموا عني نما ينبغي لنبي أن يكون عنده هذا التنازع » (2))فهل بقي للنبوة مزيّة أو فضل إذا كان الاختلاف قد وقع بين القولين وميل المسلمين بينهما فرجح قوم هذا وقوم هذا ؟ أفليس ذلك دالاً على أن القوم سووا بينه وبين عمر وجعلوا القولين مسألة خلاف ذهب كل فريق منهم إلى نصرة واحد منهما كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام فينصر قوم هذا وينصر ذاك آخرون، فمن بلغت قوته وهمته إلى هذا كيف ينكر منه أن يبايع أبا بكر لمصلحة رآها ويعدل عن النص ومن الذي ينكر عليه ذلك وهو في القول الذي قاله للرسول صلی الله علیه واله وسلم في وجهه غير خائف من الأنصار ولا أنكر عليه رسول الله ولا غيره وهو أشدّ من مخالفة النص في الخلافة وأفظع وأشنع .قال النقيب : على أن الرجل ما أهمل أمر نفسه بل أعد أعذاراً وأجوبة.وذلك لأنه قال لقوم عرضوا له الحديث النص : أن رسول الله رجع عن ذلك بإقامته أبا بكر في الصلاة مقامه وأوهمهم أن ذلك جار مجرى النص عليه بالخلافة، وقال السقيفة : أيكم يطيب نفساً أن يتقدم قدمين قدّمهما رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الصلاة.ثم أكد ذلك بأن قال لأبي بكر وقد عرض عليه البيعة : أنت صاحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فی المواطن كلها شدّتها ورخاتها ، رضيك لديننا أفلا نرضاك لدنيانا .ثم عاب علياً بخطبة بنت أبي جهل فأرهم أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كرهه لذلك ووجد عليه وأرضاه عمرو بن العاص فروى حديثاً افتعله واختلقه على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : سمعته يقول : إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما ولتي الله وصالح المؤمنين، فجعلوا ذلك كالناسخ لقوله صلی الله علیه واله وسلم : « من كنت مولاه فهذا مولاه» .قلت للنقيب : أيصح النسخ في مثل هذا؟ أليس هذا نسخاً للشيء قبل تقضي وقته؟ .فقال : سبحان الله من أين تعرف العرب هذا وأنى لها أن يتصوره فضلاً عن أن تحكم بعدم جوازه فهل يفهم حذاق الأصولين هذه المسألة فضلاً عن حمقى العرب؟ هؤلاء قوم ينخدعون بأدنى شبهة ويستمالون بأضعف سبب ويبني الأمور معهم على ظواهر النصوص
وأوائل الأدلة و هم أصحاب جمل وتقليد لا أصحاب تفصيل ونظر .قال: ثم أكد حسن ظن الناس بهم إن خلعوا أنفسهم عن الأموال وزهدوا في متاع الدنيا وزخرفها وسلكوا مسالك الرفض لزينتها والرغبة والقناعة بالتطفيف النزر منها وأكلوا الخشن ولبسوا الكرابيس .ولما ألقت إليهم أفلاذ كبدها وفّروا الأموال على الناس وقسموها بينهم ولم يتدنّسوا منها بقليل ولا كثير فمالت إليهم القلوب وأحبتهم النفوس، وحسنت فيهم الظنون، وقال من كانت في نفسه شبهة منهم أو وقفة في أمرهم : لو كان هؤلاء قد خالفوا النص لهوى أنفسهم لكانوا أهل الدنيا وبسط عليهم الميل إليها والرغبة فيها والاستئثار بها، وكيف يجمعون علىأنفسهم بين مخالفة النص وترك لذات الدنيا ومآربها، فيخسروا الدنيا والآخرة، وهذا لا يفعله عاقل وذو لباب وآراء صحيحة.فلم يبق عند أحد شك في أمرهم ولا ارتياب لفعلهم وثبت العقائد على ولائهم وتصويب أفعالهم ونسوا لذة الرئاسة وإن أصحاب الهمم العالية لا يلتفتون إلى المأكل والمشرب والمنكح وإنما يريدون الحكم والرئاسة ونفوذ الأمر، كما قال الشاعر :وقد رغبت عن لذة المال أنفس *** وما رغبت عن لذة الأمر والنهيقال : والفرق بين الرجلين وبين الثالث ما أصاب الثالث وقتل تلك القتلة وخلعه الناس وحصروه وضيقوا عليه بعد أن توالى إنكارهم أفعاله في وجهه وفسّقوه وذلك لأنه استأثر هو وأهله بالأموال وانغمسوا فيها واستبدوا بها فكانت طريقته وطريقتهم مخالفة لطريقي الأولين ، فلم تصبر العرب على ذلك .ولو كان عثمان سلك مسلك عمر في الزهد وجمع الناس، وردع الأمراء والولاة عن الأموال ، وتجنب استعمال أهل بيته ، ووفر أعراض الدنيا وملاذها وشهواتها على الناس زاهداً فيها تاركاً لها معرضاً عنها لما ضره شيء قط ولا أنكر عليه أحد قط ولو حوّل الصلاة من الكعبة إلى بيت المقدس بل لو أسقط عن الناس إحدى الصلوات الخمس واقتنع منهم باربع .وذلك لأن همم الناس مصروفة إلى الدنيا والأموال فإذا وجدوها سكتوا وإذا نفدوها ها جوا واضطربوا .ألست ترى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كيف قسم قسائم هوازن على المنافقين وعلى أعدائه الذين يتمنون قتله وموته وزوال دولته فلما أعطوه أحبّوه أما كلهم أو أكثرهم، ومن لم يحبه منهم بقلبه جاهله و داره وكف عن إظهار عداوته والإجلاب عليه .
ولو أن أمير المؤمنين علیه السلام الصانع أصحابه بالمال وإعطاء الوجوه والرؤساء لكان أمره إلى الإنتظام أقرب، ولكنه رفض جانب التدبير الذي بنوا وآثر لزوم الدين وتمسك بأحكام الشريعة، والملك أمر آخر غير الدين فاضطرب عليه أصحابه وهرب كثير منهم إلى عدوه.قال الشارح المعتزلي : وقد ذكرت في هذا الفصل خلاصة ما حفظته عن النقيب أبي جعفر ولم يكن إمامي المذهب ولا كان يبرأ من السلف ولا يرتضي قول المسرفين من الشيعة، ولكنه كلام أجراه على لسانه البحث والجدل بيني وبينه على أن العلوي لو كان كرامياً لا بد أن يكون عنده نوع من تعصب وميل على الصحابة وإن قلّ، انتهى .وأقول : لله درّ النقيب فلقد أجاد فيما أفاد وجانب العصبية والعناد وأبان عن مخ ما يقوله الفرقة الحقة الإمامية وتذهب إليه وتدين به ببیان لیس فوقه بیان، وقد اتضح بما ذكره كل الوضوح أن عمر كان دائماً كان دائماً في مقام المعارضة الرسول الله صلی الله علیه واله وسلم والطعن والإزراء عليه والرد لأقواله وأفعاله في حياته صلی الله علیه واله وسلم و بعد موته ، وأنه أنكر النص على خلافة أمير المؤمنين علیه السلام وأوله بتأويلات سخيفة بأحاديثه المختلفة المجعولة ومعاذيره الباطلة، كما اتضح أن نكتة زهده في الدنيا إنما كانت حب الملك والرئاسة ونفوذ الأمر لا الزهد الحقيقي الذي أوهمه للناس وظنه في حقه الهمج الرعاء، فويل له ثم ويل له من ديان يوم الدين ، ولعنة الله على جميع الظالمين والغاصبين لحق آل محمد سلام الله عليهم أجمعين.### التنبيه الثانيقد ظهر لك بما حققناه واتضح لك كل الوضوح أن هذا الكلام الذي نحن في شر إن كان نظره علیه السلام فيه إلى عمر فليس هوناً له كما توهمه الشارح المعتزلي وغيره، وإن كان إشارة إلى أبي بكر كما زعمه الشارح البحراني فلا يكون ثناء له أيضاً .وأقول تأكيداً لهذا المعنى : كيف يمكن أن يمدحهما أمير المؤمنين مع ما صدر عنهما من الإلحاد والإرتداد والشقاق والنفاق والمحادّة لله عزّ وجل ولرسوله صلی الله علیه واله وسلم ولأوليائه علیه السلام وإتيانه من الكبائر والجرائر العظيمة التي لا تحصيها الألسنة والأفواه ولا يحيط بها الدفاتر والأقلام وقد أفصح عنها أئمتنا الأطهار في أخبارهم وصرّح بها علماؤنا الأبرار في زبرهم وآثارهم .وأول من أبدى سوآتهما بعد الله وبعد رسوله هو أمير المؤمنين علیه السلام فاحتذى حذوه ذريته البررة وشيعته الطيبة وسلكوا مسلكه وكلماته المتضمنة للعنهما والطعن والقدح والازراء عليهما والتظلم والشكوى منهما في النهج وغيره كثيرة جداً .وأكثرها احتواء لذلك دعاؤه المعروف بدعاء صنمي قريش الذي كان يواظب علیه السلام عليه
في قنوته وسائر أوقاته، وقد رواه غير واحد من أصحابنا قدس الله أرواحهم في مؤلفاتهم ، وأحببت نقله هنا لكونه أنقض لظهر الناصبين وأرغم أنف المعاندين وأبطل لزعم من توهم ثناء أمير المؤمنين لهذين الذين لا حريجة لهما في الدين.فأقول وبالله التوفيق :في كتاب البلد الأمين ، وجنة الأمان الواقية المشتهر بالمصباح للشيخ العالم الفاضل الكامل إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد الكفعمي رضي الله عنه إن هذا الدعاء رفيع الشأن عظيم المنزلة، ورواه عبد الله بن عباس عن علي علیه السلام أنه كان يقنت به وقال : إن الداعي به كالرامي مع النبي صلی الله علیه واله وسلم في بدر بدر وأحد وحنين بألف ألف سهم وهو :اللهم صلّ على محمد وآل محمد والعن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وإفكيها وابنتيها اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك ، وجحدا أنعامك ، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرّفا كتابك ، وعطلا أحكامك ، وأبطلا فرائضك ، وألحدا في آياتك وعاديا أولياءك، وواليا أعداءك، وخرّبا بلادك، وأفسدا عبادك .اللهم العنهما وأتباعهما وأولياءهما وأشياعهما ومحبيهما فقد أخربا بيت النبوة وردما بابه ونقضا سقفه ، والحقا سماءه بأرضه وعاليه بسافله ، وظاهره بباطنه ، واستأصلا أهله ، وأبادا أنصاره ، وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه ، وداريا علمه ، وجحدا إمامته، وأشركا بربهما ، فعظم ذنبهما، وخلّدهما في سقر، وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر.اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه ، وحق أخفوه ، ومنبر علوه ، ومؤمن أرجوه ، ومنافق ولوه، وولي آذوه ، وطريد اووه ، وصادق طردوه ، وكافر نصروه ، وإمام قهروه، وفرض غيّروه، وأثر أنكروه، وشر آثروه ، ودم اراقوه ، وخبر بذلوه، وكفر نصبوه، وارث غصبوه، وفيء اقتطعوه، وسحت أكلوه ، وخمس استحلوه ، وباطل أسسوه، وجور بسطوه، ونفاق أسروه ،وغدر أضمروه ، وظلم نشروه، ووعد أخلفوه، وأمان خانوه، وعهد نقضوه ، وحلال حرموه، وحرام أحلوه ، وبطن فتقوه ، وجنين أسقطوه ، وضلع دقوه، وصك مزقوه، وشمل بددوه، وعزيز أذلوه ، وذليل أعزّوه ، وحق منعوه ، وكذب دلسوه، وحكم قلبوه، وإمام خالفوه .اللهم العنهم بكل آية حرفوها ، وفريضة تركوها ، وسنة غيّروها، ورسوم منعوها ، وأحكام عطلوها ، وبيعة نكثوها ، ودعوى ابطلوها ، وبينة أنكروها ، وحيلة أحدثوها ، وخيانة أوردوها ، وعقبة ارتقوها ، ودباب دحرجوها ، وازياف لزموها، وشهادات كتموها ، ووصيّة ضيعوها .
اللهم العنهما في كمون السر وظاهر العلانية لعناً كثيراً أبداً دائماً دائباً سرمداً لا انقطاع لأمده، ولا نفاد لعدده ، لعناً يغدو أوّله ولا يروح آخره ، لهم ولأعوانهم وأنصارهم ومحبيهم ومواليهم والمسلمين لهم والمائلين إليهم والناهضين باحتجاجهم والمتقدين بكلامهم والمصدقين بأحكامهم.ثم قل أربع مرات :اللهم عذبهم عذاباً يستغيث منه أهل النار آمين ربّ العالمين (1.)### بیانقال الشيخ عند نقله هذا الدعاء من غوامض الأسرار وكرائم الأذكار : وكان أميرالمؤمنين علیه السلام المواظباً عليه في ليله ونهاره وأوقات أسحاره .قال شارح هذا الدعاء الشيخ العالم أبو السعادات أسعد بن عبد القادر في كتابه (رشح البلاء في شرح هذا الدعاء: «الصنمان» الملعونان هما الفحشاء والمنكر وإنما شبههما بالجبت والطاغوت لوجهين : إما لكون المنافقين يتبعونهما في الأوامر والنواهي الغير المشروعة كما اتبع الكفار هذين الصنمين، وإما لكون البراءة منهما واجبة لقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) [البقرة: 256] .)وقوله : الذين خالفا أمرك ، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَاتِهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فخالفا الله ورسوله في وصيه بعدما سمعا من النص عليه ما لا يحتمله هذا المكان ، ومنعاه من حقه فضلوا وأضلوا وهلكوا وأهلكوا .)و «إنكارهما الوحي » إشارة إلى قوله تعالى: (بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بلَغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: 67] . و «جحودهما الأنعام » إشارة إلى أنه تعالى بعث محمداً صلی الله علیه واله وسلم رحمة للعالمين ليتبعوا أوامره ويجتنبوا نواهيه، فإذا أبوا أحكامه وردّوا كلمته فقد جحدوا نعمته وكانوا كما قال سبحانه :( وكُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولُ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ [المائدة: 70] .
وأما « عصيانهما الرسول صلی الله علیه واله وسلم » فلقوله صلی الله علیه واله وسلم: «يا علي من أطاعك فقد أطاعني ومن عصاك فقد عصاني »(2)، وأما «قلبهما الدين » فهو إشارة إلى ما غيراه من دين الله كتحريم عمر المتعتين وغير ذلك مما لا يحتمله هذا المكان .
وقوله : «وحرّفا كتابك » يريد به حمل الكتاب على خلاف مراد الشرع وترك أوامره
ونواهيه و «محبتهما الأعداء» إشارة إلى الشجرة الملعونة بني أمية ومحبتهما لهم حتى عهدا لهم أمر الخلافة من بعدهما، وجحدهما الآلاء كجحدهما النعماء وقد مر ذكره، و تعطيلهما الأحكام يعلم مما تقدم ويأتي وكذا إبطال الفرائض.
و «الإلحاد في الدين » الميل عنه و «معاداتهما الأولياء » إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّمَا وليكم الله وَرَسُوله » الآية، و «تخريبهما البلاد وإفسادهما العباد » بما هدموا من قواعد الدين وتغييرهم أحكام الشريعة وأحكام القرآن وتقديم المفضول على الأفضل.وقوله : «فقد أخربا بيت النبوة » إشارة إلى ما فعله الأول والثاني مع علي وفاطمة من الإيذاء وأرادا إحراق بيت عليّ بالنار وقادوه قهراً كالجمل المخشوش وضغطا فاطمة في بابها حتى أسقطت بمحسن وأمرت أن تدفن ليلاً لئلا يحضر الأول والثاني جنازتها وغير ذلك من المناكير.وعن الباقر علیه السلام : ما أهرقت محجمة دم إلا وكان وزرها في أعناقهما إلى يوم القيامة من غير أن ينتقص من وزر العالمين شيء (1.)وسئل زيد بن علي بن الحسين علیه السلام وقد أصابه سهم في جبينه : من رماك به؟ قال: هما رمياني هما ضلاني.وأما «المنكرات التي أتوها » فكثيرة جداً وغير محصورة عداً حتى روي عمر قضی في الجدّة بسبعين قضية غير مشروعة، وقد ذكر العلامة قدس الله سره في كتاب (كشف الحق ونهج الصدق فمن أراد الاطلاع على جملة من مناكرهم وما صدر من الموبقات من أولهم إلى آخرهم فعليه بالكتاب المذكور وكذا كتاب (الإستغاثة في بدع الثلاثة)، وكذا كتاب (مطالب العواصب في مثالب النواصب)، وكتاب (الفاضح )وكتاب (صراط المستقيم) وغير ذلك مما لا يحتمل المكان ذكر الكتب فضلاً عما فيها .)و «الحق المخفي » إشارة إلى فضائل علي علیه السلام وما نص عليه النبي صلی الله علیه واله وسلم في الغدير وكحديث الطائر وقوله صلی الله علیه واله وسلم : «لأعطين الراية غداً » الحديث، وحديث السّطل والمنديل وهوى النجم في داره ونزول (هل أتى فيه وغير ذلك مما لا يتسع لذكره هذا الكتاب .)و «إرجاؤهم المؤمن » إشارة إلى أصحاب علي علیه السلام كسلمان ومقداد وعمار وأبي ذرّ ، والإرجاء التأخير ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْجهُ وَأَخَاهُ [الأعراف: 111] مع أن النبي صلی الله علیه واله وسلم كان يقدم هؤلاء وأشباههم على غيرهم.
و «توليتهم المنافق» إشارة إلى معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والوليد بن
1) البحار 264/82 .
عقبة وعبد الله بن أبي سرح والنعمان بن بشير ، و «إيذاؤهم الولي» يعني علياً علیه السلام ، و «إيواؤهم الطريد» هو الحكم بن أبي العاص طرده النبي صلى الله عليه واله وسلم فلما تولى عثمان آواه ، «و طردهم الصادق » إشارة إلى أبي ذر وطرده عثمان إلى الربذة وقد قال النبي صلی الله علیه واله وسلم في حقه : «ما أظلّت الخضراء ولا أقلت الغبراء » الحديث .
و «نصرهم الكافر » إشارة إلى كل من خذل عليا علیه السلام وحادّ الله سبحانه ورسوله وهو سبحانه يقول: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَى [المجادلة : 22] الآية و « الإمام المقهور» منهم يعني نفسه علیه السلام .)قوله علیه السلام: «وفرض غيروه» تغييرهم الفرض إشارة إلى ما روي عنه صلی الله علیه واله وسلم أنه رأى ليلة الإسراء مكتوباً على ورقة من آس: أني افترضت محبة علي على أمتك فغيّروا فرضه ومهدوا لمن بغضه وسبّه حتى سبّوه على منابرهم ألف شهر .و «الأثر الذي أنكروه» إشارة إلى استئثار النبي علياً من بين أفاضل أقاربه وجعله أخاً ووصياً، وقال له :« أنت مني بمنزلة هارون من موسى »أو غير ذلك، ثم بعد ذلك كله أنكروه .«و الشرّ الذي آثروه » هو إيثارهم الغير عليهم وهو إيثار شر مجهول متروك على خير مأخوذ ومعلوم هذا مثل قوله صلی الله علیه واله وسلم : «علي خير البشر من أبى فقد كفر».و «الدم المهراق» هو جميع ما قتل من العلويين لأنهم أسسوا ذلك كما ذكرنا من قبل من كلام الباقر علیه السلام : ما أهرقت محجمة دم (آه حتى قيل : أريتكم إن الحسين أصيب في يوم السقيفة .)و« الخبر المبدل » منهم عن النبي صلی الله علیه واله وسلم كثير كقولهم : أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة وغير ذلك مما هو مذكور في مظانه ، و «الكفر المنصوب » هو أن النبي صلی الله علیه واله وسلم نصب علياً علماً للناس وهادياً فنصبوا كافراً وفاجراً، و «الإرث المغصوب » هو فدك فاطمة وإرثها من أبيها، وكذا «الفيء المقتطع » هو فدك و «السحت المأكول » هي التصرفات الفاسدة في بيت مال المسلمين، وكذا ما حصلوه من ارتفاع فدك من التمر والشعير فإنها كانت سحتاً محضاً .و «الخمس المستحل » هو الذي جعله سبحانه لآل محمد فمنعهم إياه واستحلوه حتى أعطى عثمان مروان بن الحكم خمس أفريقية وكان خمسمائة ألف دينار بغياً وجوراً، «والباطل المؤسس » هي الأحكام الباطلة التي أسسوها وجعلوها قدوة لمن بعدهم و «الجور المبسوط » هو بعض جورهم الذي مرّ ذكره .و «النفاق الذي أسروه » هو قولهم في أنفسهم لما نصب النبي صلی الله علیه واله وسلم علياً علماً للخلافة قالوا : والله لا نرضى أن يكون النبوة والخلافة في بيت واحد ، فلما توفي النبي صلی الله علیه واله وسلم أظهروا
ما أسروه من النفاق ، ولهذا قال علي علیه السلام : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا ، أسروا الكفر فلما رأوا أعواناً عليه أظهروه .وأما «الغدر المضمر » فهو ما ذكرناه من إسرارهم النفاق ، و «الظلم المنشور » كثير أوله أخذهم الخلافة منه علیه السلام بعد فوت النبي صلی الله علیه واله وسلم ، و« الوعد المخلف » هو ما وعدوا النبي صلی الله علیه واله وسلم من قبولهم ولاية علي والإئتمام به فنكثوه و «الأمان الذي خانوه » هو ولاية علي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأحزاب: 72] الآية، والإنسان فيها هم لعنهم الله ، و «العهد المنقوض » هو ما عاهدهم به النبي صلی الله علیه واله وسلم يوم الغدير على محبة علي وولايته فنقضوا ذلك و «الحلال المحرّم » كتحريم المتعتين ، وعكسه كتحليل الفقاع وغير ذلك. و «البطن المفتوق » بطن عمار بن ياسر ضربه عثمان على بطنه فأصابه الفتق و «الجنين المسقط » هو محسن و« الضلع المدقوق والصك الممزوق » إشارة إلى ما فعلاه مع فاطمة رحمت الله من مزق صكها ودق ضلعها ، و «الشمل المبدّد » هو تشتيت شمل أهل البيت وكذا شتتوا بين التأويل والتنزيل وبين الثقلين الأكبر والأصغر.
و «إعزاز الذليل » وعكسه معاوية وكذا الحق الممنوع قد تقدم ما يدل عليه و «الكذب المدلّس» مر معناه في قوله : وخبر بدلوه و «الحكم المقلب » مرّ معناه في أول الدعاء في قوله علیه السلام : وقلبا دينك .
و «الآية المحرفة » مر معناه في قوله : وحرّفا كتابك و «الفريضة المتروكة » هي موالاة أهل البيت لقوله تعالى: قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْب [الشورى: 23] ، «السنّة و المغيرة » كثيرة لا تحصى و «الرسوم الممنوعة» هي الفيء والخمس ونحو ذلك و «تعطيل الأحكام » يعلم مما تقدم و «البيعة المنكوثة» هي نكتهم بيعته كما فعل طلحة والزبير و «الدعوى المبطلة» إشارة إلى دعوى الخلافة وفدك ، و «البيئة المنكرة » هي شهادة علي والحسنين علیه السلام وأم أيمن لفاطمة فلم يقبلوها .)و «الحيلة المحدثة» هي اتفاقهم أن يشهدوا على عليّ بكبيرة توجب الحد إن لم يبايع .قوله : «وخيانة أوردوها » إشارة إلى يوم السقيفة لما احتج الأنصار على أبي بكر بفضائل علي علیه السلام وأنه أولى بالخلافة فقال أبو بكر : صدقتم ذلك، ولكنه نسخ بغيره لأني سمعت النبي صلی الله علیه واله وسلم يقول :« إنا أهل بيت أكرمنا الله بالنبوة ولم يرض لنا الدنيا وإن الله تعالى لا يجمع لنا بين النبوة والخلافة» (1، وصدقه عمر وأبو عبيدة وسالم مولى حذيفة على ذلك وزعموا أنهم)
1) الكافي : 107/8، وبحار الأنوار: 264/82 .
سمعوا هذا الحديث من النبي صلی الله علیه واله وسلم كذبا وزوراً فشبهوا على الأنصار والأمة والنبي صلی الله علیه واله وسلم قال :« من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار » (1.)وقوله : «وعقبة ارتقوها » إشارة إلى أصحاب العقبة وهم : أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وأبو سفيان وعتبة بن أبي سفيان وأبو الأعور السلمي والمغيرة بن شعبة وسعد بن أبي وقاص وأبو قتادة وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري لعنهم الله جميعاً اجتمعوا في غزوة تبوك على كؤد لا يمكن أن يجتاز عليها إلا فرد رجل أو فرد جمل، وكان تحتها هوّة على مقدار ألف رمح من تعدى عن المجرى هلك من وقوعه فيها، وتلك الغزوة كانت في أيام الصيف والعسكر تقطع المسافة ليلاً فراراً من الحر فلما وصلوا إلى تلك العقبة أخذوا دباباً كانوا هيأوها من جلد حمار ووضعوا فيها حصى وطرحوها بين يدي ناقة النبي صلی الله علیه واله وسلم لينفروها به فتلقيه في تلك الهوّة فيهلك فنزل جبرائيل على النبي صلی الله علیه واله وسلم بهذه الآية: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَوْ يَنَالُوا [التوبة : 74] الآية، وأخبره صلی الله علیه واله وسلم بمكيدة القوم فأظهر الله تعالى برقاً مستطيلاً دائماً حتى نظر النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى القوم فعرفهم. وإلى هذه الدباب التي ذكرناها أشار بقوله : «ودباب دحرجوها» وسبب فعلهم هذا مع النبي صلی الله علیه واله وسلم يام الاول ولا كثرة نصه على علي علیه السلام بالولاية والإمامة والخلافة وكانوا من قبل نصه أيضاً يسبونه لأن النبي صلی الله علیه واله وسلم سلطه على كل من عصاه من طوائف العرب فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم فما من بيت إلا وفي قلبه [بغض له] (2)، فانتهزوا في هذه الغزوة الفرصة وقالوا : إذا هلك محمد رجعنا إلى المدينة ونرى رأينا في هذا الأمر من بعده، وكتبوا بينهم كتاباً فعصم الله نبيه منهم وكان من فضيحتهم ما ذكرناه .
وقوله «وأزياف لزموها» الأزياف جمع زيف وهو الدرهم الرديء غير المسكوك الذي لا ينتفع به أحد شبّه أفعالهم الردية بالدرهم الزيف الذي لا يظهر في البقاع ولا يشترى به متاع فلأفعالهم الفظيعة وأقوالهم الشنيعة ذكرهم الله تعالى في قوله : (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَسَرَابِ بقيعة ﴾ [النور: 39] الآية .
و «الشهادات المكتومة »هي ما كتموا من فضائله ومناقبه التي ذكرها النبي صلی الله علیه واله وسلم وهي كثيرة جداً وغير محصورة عدّاً و الوصية المضيعة هي قول النبي صلی الله علیه واله وسلم : «أوصيكم بأهل بيتي خيراً» (3)وأمرهم بالتمسك بالثقلين وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، وأمثال ذلك،
انتهى كلامه رفع الله مقامه .
أقول : وقد كان الشارح ذكر شرح فقرات الدعاء بلا مراعاة الترتيب بينها فأوردته على ترتيب تسهيلاً للأمر بلا تغيير وتبديل فيما أتاه ، هذا .
وقال المحدث العلامة المجلسي في قوله : وأزياف لزموها ، في بعض النسخ بالراء ريف بالكسر وهي أرض فيها زرع وخصب والسعة في المأكل والمشرب وما
المهملة قارب الماء من أرض العرب أو حيث الماء والخضر والزرع ولا يخفى مناسبة الكل(1).
از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است، می فرماید:
خدا را است شهرهای فلان شخص - به قول بعض شارحین مراد از این عمر بن الخطاب است و به قول بعضی غیر او است - پس به تحقیق که راست گردانید کجی را و مداوا نمود مرض را و برپا داشت سنت را و باز پس انداخت فتنه را ، رفت به زیر خاک در حالتی که پاک لباس بود و کم عیب ، رسید به خیر خلافت و سبقت نمود به شرّ خلافت ، ادا کرد به سوی خدای تعالی طاعت و عبادت او را و پرهیز کرد از او با ادا کردن حق او و رحلت نمود از دنیا و واگذشت مردمان را در رق مختلفه و راه های متفرقه که هدایت نمی یابد در آنها شخص گمراه و یقین
تحصیل نمیتواند بکند شخص طالب هدايت .
شارح گوید: اگر نظر امام (علیه السلام) در این کلام به عمر باشد و لفظ فلان کنایه از او باشد چنانچه بعض شراح همچنین فهمیده اند ، باید به توریه حمل نمود چنانچه عادت ائمه (علیهم السلام) در کلماتی که در حق خلفای جور وارد بر شده این جاری است .
1) نهج السعادة : 308/8 ، وبحار الأنوار : 268/82 .
في وصف بيعته علیه السلام بالخلافة، وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة :
وَبَسَطْتُمْ يَدي فَكَفَفْتُها ، ومَدَدْتُمُوها فَقَبَضْتُها ، ثُمَّ تَداكَكْتُمُ عَليَّ نَداكَ الإِبِلِ الهيم عَلى حياضِها يَوْمَ وِرْدِها ، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ ، وسَقَطَتِ الرِّداءُ، وَوُطِئَ الضَّعِيفُ ، وبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ ، وهَدَجَ إِلَيْهَا الكَبِيرُ ، وتحامل نَحْوَهَا العَلِيلُ، وحَسَرَتْ إِلَيْهَا الكَعابُ (1).
( النداك) الإزدحام الشديد، مأخوذ من الدك وهو الذق و (الهيم) بالكسر العطاش و (الورد ) بالكسر الشرب أو الإشراف على الماء دخله أو لم يدخله. وفي بعض النسخ : يوم ورودها و (هدج ) يهدج من باب ضرب ، مشى مشياً ضعيفاً مرتعشاً. قال الفيروز أبادي: الهدجان محركة وكغراب مشية الشيخ و (تحامل) في الأمر تكلّفه على مشقة و (حسرت) أي كشفت عن وجهها ، وفي نسخة الشارح البحراني : وحسرت عن ساقها الكعاب و (كعب) الجارية تكعب من باب ضرب ، وقعد كعوباً نهد ثديها ، وجارية كعاب وزن سحاب الناهدة الثدي والجمع كواعب ، قال تعالى: (وَكَوَاعِبَ أَنرابا ) [النبا : 33] .
فاعل بلغ محذوف، وقوله : أن ابتهج (أن) مصدرية ومدخولها في تأويل المصدر ومحل النصب بنزع الخافض ، ومفعول حسرت محذوف بقرينة الكلام وقوله : (إليها) متعلق بقوله حسرت علی تضمین معنى الشوق والرغبة.
اعلم أن هذا الكلام كما قال الرضي وارد في وصف بيعته علیه السلام بالخلافة وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة، الظاهر أن مراده بما تقدم ما مر في الكلام المائة والسابع والثلاثين من قوله :
1) بحار الأنوار: 32/ 51 ح 35 ، وحياة الإمام الحسين «علیه السلام»: 402/1 .
قبضت يدي فبسطتموها ونازعتكم يدي فجاذبتموها، ويحتمل أن يكون مراده به ما مر في الخطبة الثالثة والخمسين من قوله : فتداكوا علي تداك الإبل الهيم يوم ورودها، ولم يتقدم في الكتاب ما يشبه ألفاظ هذا الكلام غير هذين.
نعم تقدم منا في شرح الخطبة السادسة والعشرين رواية طويلة عن كتاب (الغارات) لإبراهيم الثقفي والأشبه أن يكون هذا الكلام ملتقطاً منها لكنها مختلفة الألفاظ جداً كما يظهر بالرجوع إلى ما تقدم.
وكيف كان فهذا الكلام منه علیه السلام وارد مورد الاحتجاج على الناكثين لبيعته . ومحصله أنكم قد كنتم على غاية الحرص والميل إلى بيعتي مع إباء مني فمن كان هذا حاله فكيف ينكث وأشار إلى مزيد حرصهم عليها بقوله : (وبسطتم يدي فكففتها) شوقاً منكم إلى البيعة وتمانعاً مني (ومددتموها فقبضتها ) رغبة منكم إليها واستنكافاً مني (ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم وردها )وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس، أي ازدحمتم ازدحاماً شديداً يدك بعضكم بعضاً كما يدك الإبل العطاش بعضها لبعض على الحياض عند شربها ووجه الشبه مزيد الازدحام.
قال الشارح البحراني : ويمكن أن يلاحظ في وجه الشبه كون ما عنده من الفضائل الجمّة العلمية والعملية تشبه الماء وكون المزدحمين عليه في حاجتهم وتعطشهم إلى استفادة تلك الفضائل النافعة لعلّتهم كالعطاش من الإبل يوم ورودها . انتهى، والأول أظهر وأشبه .
أقول : وفي تخصيص الصغير والكبير والعليل بالذكر زيادة تأكيد وتقرير للغرض المسوق له الكلام ، فإن من شأن الصغير على ماله من عدم التميز عدم الإلتفات والتوجه إلى كثير من الأمور، ومن شأن الكبير على ما به من ضعف الكبر عدم المشي إليها ، وكذلك المريض على ما فيه من ثقل المرض ومن شأن الكعاب الإستحياء عن كشف وجهها لا سيما في منتدى الرجال وبين ملأ الناس ، فسرور الأول بالبيعة وسعي الثانيين إليها بالتكلف والمشقة، وحسر الرابعة إليها كاشف عن فرط رغبة العامة وحرصهم عليها، فالبيعة الواقعة على هذا الوجه ليس لأحد أن يتخلّف أو ينكث عنه .
كما أشار علیه السلام إلى ذلك في كلامه الذي رواه في (الإرشاد) عن الشعبي قال : لما اعتزل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن سلمة وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد أمير المؤمنين علیه السلام وتوقفوا عن بيعته حمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي ، وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم ، وإن على الإمام الاستقامة وعلى الرعيّة التسليم، وهذه
بيعة عامة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتبع غير سبيل أهله ولم تكن بيعتكم إياي فلتة، الحديث (1)، هذا .
وقد تقدّم تفصيل كيفية بيعته علیه السلام في شرح الكلام الواحد والتسعين فليراجع ثمة .
از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است در تعریف بیعت کردن خلق به او
به خلافت ، می فرماید :
و گشادید دست مرا به جهت بیعت ، پس نگاه داشتم من آن را و کشاندید آن را به سوی خودتان ، پس برچیدم من آن را ، بعد از آن ازدحام کردید بر من مثل ازدحام نمودن شتران عطشان بر سر حوضهای خود وقت آب خوردن آنها تا این که گسیخت بند کفشهای من و از دوش افتاد عبای من و زیر پا ماند ضعیفان و رسید کار از شدت شادی مردمان به بیعت من به مقامی که خشنود شد با آن بیعت بچه ها و مشی مرتعشانه نمود به سوی آن پیرها و مشی نمود با مشقت و زحمت به طرف آن مریض ها و نقاب از رو برداشت به جهت زیادت میل و رغبت با آن دختران نارپستان ؛ والله اعلم بالصواب.
1) بحار الأنوار : 49/32 ،33 والإرشاد: 243/1
فَإِنَّ تَقْوَى الله مِفْتَاحُ سَدادٍ، وَذَخِيرَةُ مَعادٍ، وَعِتُقٌ مِنْ كُلِ مَلَكَةٍ، وَنَجاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَة، بها يَنْجَحُ الطَّالِبُ، وَيَنْجُو الهارِبُ ، وتُنَالُ الرَّغائِبُ ، فَاعْمَلُوا والعَمَلُ يُرْفَعُ ، والتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، والدعاء يُسْمَعُ ، والحال هادئة، والأقلام جارِيَةٌ، وبادِرُوا بِالأعْمالِ عُمْراً ناكِساً ومَرَضاً حابساً ، أَوْ مَوْناً خَالِساً ، فَإِنَّ المَوْتَ هادِمُ لَذَّاتِكُمْ ، ومُكَدِّرُ شَهَواتِكُمْ، وَمُباعِدُ طِيّاتِكُمْ، زائر غَيْر مَحْبُوبِ ، وقِرْنُ غَيْرُ مَعْلُوبٍ ، وَواتِرٌ غَيْرُ مَظْلُوبٍ.
قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتُكُمْ غَوائِلُهُ، وأَقْصَدَتْكُمْ مَعابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وتتابعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وقَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ، فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشِيكُمْ دَواجِي ظُلَلِهِ، وَاحْتِدامُ عِلَلِهِ، وَحَنادِسُ عَمَراتِهِ، وَغَواشِي سَكَراتِهِ، وَأَلِيمُ إِرْهاقِهِ، وَدُجُو أطباقه، وجُشُوبَةُ مَذاقِهِ، فَكَأَنْ قَدْ أتاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ، وَفَرِّقَ نَدِيَّكُمْ، وَعَفَى آثَارَكُمْ، وعَطَّلَ دِيارَكُمْ، وَبَعَثَ ورائكُمْ، يَقْتَسِمُونَ تِرانَكُم بَيْنَ حَمِيمٍ خاصٌ لَمْ يَنْفَعْ ، وقَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ ، وآخر شامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ .
فَعَلَيْكُمْ بِالجِدِّ والاجْتِهادِ والتَّأَهبِ والاسْتِعْدادِ والتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ، وَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا كَما غَرَّتْ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأمم الماضِيَةِ والفُرُونِ الخالِيَةِ الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَها، وأَصابُوا غِرَّتَها، وَأَفْنَوْا عِدَّتَها وأَخْلَفُوا جِدَّتَها، أَصْبَحَتْ مَساكِنُهُمْ أَجداثاً ، وأَمْوالُهُمْ ميراثاً ، لا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ، وَلا يُجِيبُونَ مَنْ دَعاهُمْ ، فَاحْذَرُوا الدُّنْيا فَإِنَّها غَدارَةٌ غَرَارَةٌ خَدُوعٌ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ ، مُلبِسَةٌ نَزُوعٌ، لا يَدُومُ رَخاؤها، ولا يَنْقَضِي عناؤها، ولا يَرْكَدُ بلاؤها .
منها في صفة الزهاد : كانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ولَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا، فَكَانُوا فِيها كَمَنْ لَيْس مِنْهَا، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ ، وبَادَرُوا فيها ما يُبْصِرُونَ، وبادَرُوا فِيها ما يَحْذَرُونَ، تَقَلَّبُوا أَبْدانُهُمْ بَيْنَ ظَهْراني أَهْلِ الآخِرَةِ، يَرَوْنَ أَهلَ الدُّنْيا يُعَلِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيائِهِمْ (1).
(السداد) بالفتح الصواب من القول والعمل و (ملكه) يملكه من باب ضرب ملكاً مثلثة
1) ميزان الحكمة : 2975/4
وملكة بالتحريك احتواه قادراً على الاستبداد به و (النجح) بالضم الظفر بالمطلوب وأنجحه الله أي أظفر به و (الزغائب) جمع الرغيبة وهو الأمر المرغوب فيه والعطاء الكثير و (هده) هدءاً باب منع سكن و (نکسه) قلبه على رأسه كنكسه بالتشديد والنكس بضمتين المدرهمون من الشيوخ بعد الهرم أي الساقطون كثيراً ، قال تعالى: وَمَن تُعَمِّرَهُ نُنَكِسْهُ [يس: 68] .
و (خلست) الشيء اختطفته و (الطية) بالكسر كالنية لفظاً ومعنى، وقال الشارح
المعتزلي: هي منزل السفر و (القرن) بالكسر كفوك في الشجاعة .
و (الواتر) القاتل ، والموتور القتيل الذي لم يدرك دمه مأخوذان من الوتر بالكسر والفتح الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي وقد وتره يتره وتراً ووتراً وترة أفزعه وأدركه بمكروه، ووتره ماله نقصه إياه .
و (أعانتكم) في بعض النسخ بغير همزة و (المعابل) جمع معبلة وزان مكنسة وهو النصل العريض الطويل و (العدوة) التعدي و (نبا) السيف عن الضريبة نبواً ونبوة كلّ ولم يؤثر و (يوشك) الأمر أن يكون وأن يكون الأمر بكسر الشين أي يقرب ولا تفتح شينه إلا في لغة ردّية و (الظلل) جمع ظلة وهي السحاب و( احتدم) النار التهبت واشتد حرها و (الحنادس) جمع حندس وزان زبرج وزان زبرج الظلمة .
و (إرهاقه) بالراء المهملة مصدر أرهقته أي أعجلته، ويقال : أرهقه طغياناً أغشاه إياه وألحق ذلك به، وفي بعض النسخ بالزاء المعجمة من زهق الشيء بطل و (أطباقه) بالفتح جمع الطبق بالتحريك غطاء كل شيء، وفي بعض النسخ بالكسر مصدر أطبقه أي غطاه .
و (جشب) الطعام من باب ضرب جشوبة صار جشيباً وهو السيء المأكل والخشن الغليظ البشع من كل شيء، والجشب بالضم قشور الرمان ، وفي بعض النسخ: وخشونة مذاقه بالخاء المعجمة والنون و (الدرة) بالكسر كالدّر بالفتح اللبن وكثرته و (الجدة) بكسر الجيم كالجد الرزق والعظمة و (حفل) القوم حفلاً اجتمعوا ، والمحفل وزان مجلس ، ومقعد محل الاجتماع ، والاحتفال بالشيء الإعتناء به والمبالغة فيه .
و (تقلب) في بعض النسخ على البناء على الفاعل من باب التفعل وحذف إحدى التائين وفي بعضها على البناء على المفعول وفلان بين ظهري القوم و (ظهرانيهم) بفتح النون وبين أظهرهم أي في وسطهم وفي معظمهم .
قوله : مفتاح سداد ، وقوله : بها ، متعلق بقوله : ينجح، وتقديمه عليه لقصد الحصر
و (الفاء) في قوله : فاعملوا فصيحة ، وجملة والعمل يرفع في محل النصب على الحال و(الباء) في قوله : بالأعمال للمصاحبة، و(الفاء) في قوله : فإن الموت للتعليل ، وقوله : (زائر) خبر رابع لأن ترك العاطف لحسن الوصف الذي هو من صناعة البلاغة .
وجملة : قد أعلقتكم ، في محل الإنتصاب على الحال ،وقوله : فكأن قد أتاكم ، مخففة من المثقلة مفيدة للتقريب واسمها ضمير شأن مستتر ، وقوله : بين حميم متعلق بقوله : يقتسمون لا بقوله : أتاكم بغتة، كما توهمه الشارح البحراني وقوله : فعليكم بالجد اسم فعل أي خذوه والزموه.
قال نجم الأئمة الرّضي : يقال : عليك زيداً أي خذه كان الأصل عليك أخذه وقوله : أصبحت مساكنهم ، فعل ناقص بمعنى صارت والجملة استئنافية بيانية ومثلها جملة : لا يعرفون من أتاهم.
اعلم أن هذه الخطبة الشريفة من محاسن خطبه علیه السلام وفيها من نكات البلاغة وفنون البديع ما لا يخفى على المصقع البارع، ومدارها على فصلين :
في الحثّ على البر والتقوى وأخذ الزاد ليوم المعاد بالتذكير بالموت الذي عو مادم اللذات وقاطع الأمنيات والتحذير من الدنيا التي هي دار الغرور والمكاره والآفات وهو قوله :
(فإن تقوى الله مفتاح سداد وذخيرة معاد ) وقد تقدم تحقيق معنى التقوى وما يترتب عليها من الثمرات الدنيوية والأخروية في شرح الخطبة الرابعة والعشرين وغيرها فليراجع هناك.
وأقول هنا توضيحاً لكلامه علیه السلام : إن التقوى لما كانت عبارة عن اتخاذ الوقاية من العقوبات والحذر من الموبقات الأخروية وبها يحصل التجنب من المعاصي والإتيان بالواجبات المتصفة بالصلاح والسداد لا جرم استعار لها المفتاح الذي يوصل به إلى ما في البيت، قال تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70-71] .)قال أمين الإسلام الطبرسي : أمر الله سبحانه أهل الإيمان والتوحيد بالتقوى والقول السديد فقال: (وَيَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ أي اتقوا عقاب الله باجتناب معاصيه وفعل واجباته ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) أي ثواباً برياً من الفساد خالصاً من شائب الكذب واللغو ، موافق)
الظاهر للباطن، وقال الحسن وعكرمة ، صادقاً ، يعني كلمة التوحيد لا إله إلا الله (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ معناه : إن فعلتم ذلك يصلح لكم أعمالكم بأن يلطف لكم فيها حتى تستقيموا على الطريقة المستقيمة السليمة من الفساد ويوفقكم لما فيه الصلاح والرشاد (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) في الأوامر والنواهي ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُوله ) أي فقد أفلح إفلاحاً عظيماً، وقيل: فقد ظفر برضوان الله وكرامته.)وأما أنها ذخيرة معاد فواضح لأنها أنفس ذخيرة معدة لفاقة الآخرة وبها ينجي من أليم العذاب ويفاز عظيم الزلفى والثواب، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَكَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَبِرِينَ وَيُنَجِّى الله الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر: 60-61] وقال: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تحتها الأنهرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ورضوان من الله والله بصيرا بالعباد بِالْعِبَادِ ) [آل عمران: 15] .)(وعتق من كل ملكة قال الشارح البحراني: استعار لفظ العتق لخلاص النفس العاقلة من استيلاء حكم شياطينها المطبقة بها كخلوص القلب من استيلاء سيده ثم جعل التقوى نفسها عتقاً إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، انتهى .)ومحصله : أن التقوى سبب الخلاص من قيد رقيّة النفس الأمارة وعبودية الهوى ومملوكية الشيطان فإنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .(ونجاة من كل هلكة أي سبب للنجاة من الهلكات الدنيوية والأخروية فأطلق عليها النجاة مبالغة من قبيل زيد ،عدل قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) [الطلاق: 32] أي مخرجاً من كل كرب في الدنيا والآخرة (1). وفي (مجمع البيان ) عن النبي صلی الله علیه واله وسلم أنه قرأها وقال: «مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت وشدائد الآخرة ».
وفي (البحار) من الدعوات للراوندي : قال النبي صلی الله علیه واله وسلم :« من اتقى الله عاش قوياً وصار في بلاد عدوه آمناً» (2)
(بها ينجح الطالب ) للآخرة أي يفوز بمطلبه ، قال تعالى: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَتَابٍ جَنَّتِ
عَدْنٍ مُّفَتَحَةٌ لَمُ الْأَبْوَابُ ) [ص: 50-49]. وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «خصلة من لزمها أطاعته الدنيا والآخرة وربح الفوز بالجنة »، قيل : وما هي يا رسول الله؟ قال: «التقوى من أراد أن يكون أعز الناس فليتق الله عز وجل » ثم تلا : ﴿وَمَن يَتَّقِ الله ) الآية .
(وينجو الهارب الهارب من سخط الله ،وعقابه فإن أولياء الله لا خوف عليهم ولا)يحزنون، ومن يتق الله يكفّر عنه سيئاته ويعظم له أجراً .(وتنال الرّغائب أي العطايا الكثيرة والخيرات الدنيوية والأخروية التي ترغب إليها النفوس .)أما الدنيوية فقد قال الصادق علیه السلام : من أخرجه الله تعالى من ذلّ المعصية إلى عزّ التقوى أغناه الله بلا مال ، وأعزّه بلا عشيرة ، وأنسه بلا بشر أي من غير أنيس من البشر بل الله مؤنسه (1)وأما الأخروية فقد قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنهَرُ مِن مَّاءٍ غَيْرِ عَاسِنٍ وَأَنهَرٌ مِّن لَبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مِّن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ [محمد: 15]، وقال عز وجل : (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ) [الزخرف: 71-70] هذا. ولما نبه على ثمرات التقوى وكانت التقوى ملازمة للعمل رتب عليه الحثّ على العمل ، فقال : (فاعملوا والعمل يرفع ) أي اعملوا صالحاً فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنان لهم ما يشاؤون عند ذلك ربهم هو الفضل الكبير، ومعنى قوله : والعمل يرفع ، إن العمل الصالح يرفعه الله إليه ويقبله من فاعله .
وقد أشير إلى ذلك في قوله عزّ وجل: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُ [فاطر: 10] . قال أمين الإسلام الطبرسي : معنى الصعود القبول من صاحبه والإثابة عليه، وكلما يتقبله الله سبحانه من الطاعات يوصف بالرفع والصعود لأن الملائكة يكتبون أعمال بني آدم ويرفعونها إلى حيث شاء الله، وهذا كقوله : (وإِنَّ كِتَبَ الأَبْرَارِ لَفِي علَينَ) [المطففين: 18] والكلم الطيب الكلمات الحسنة من التعظيم والتقديس وأحسن الكلم : لا إله إلا الله والعمل الصالح يرفعه، قيل : فيه وجوه : أحدها: أن الكلم الطيب يرفعه العمل الصالح، فالضمير
يعود إلى الكلم، والثاني: أنه على القلب من الأول (1) .
بسم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بعد الحمد والصلاة على رسوله وآله يقول العبد المحتاج إلى رحمة ربه أبو الحسن المدعوّ بالعشراني عفى عنه : أني لما وقفت على هذا الشرح النفيس الجامع لشتات اللطائف، الحاوي لطرائف الظرائف ورأيت أن صاحبه لم يتمكن من إتمامه وتوقف على شرح كلام أمير المؤمنين علیه السلام : والعمل يرفع ، علمت أن عاقبته إلى رفع العمل والقبول كما ختم كلامه إليه ، وهذا وإن كان فألاً حسناً للشارح لكن الناظرين يرون عمله أبتراً إذ لم يكمل شرح الكتاب بل الخطبة التي شرع في شرحها فرأيت أن أعلق عليه شيئاً يتم به شرح الخطبة الأخيرة وأضمّ عملي إلى عمله المقبول وأنطلق في تحصيل الثواب الحاصل له وسلكت فيه مسلكه من الاقتصار على ما يسهل تناوله بعون الله وحسن توفيقه وأقول : (والعمل يرفع) في كلام أمير المؤمنين علیه السلام جملة حالية في محل النصب وكذلك ما يتلوها إلى قوله علیه السلام : والأقلام جارية .
أي اعملوا في هذا الوقت الذي يرفع العمل وأنتم أحياء في دار الدنيا .
وأما بعد ذلك فلا يرفع العمل إذ لا عمل بعد الموت حتى يرفع، وهذا طريقة العرب في كلامهم يقول شاعرهم : على لاحب لا يهتدي بمناره يعني على طريق لا منار فيها حتى يهتدي به .
قوله (والتوبة تنفع ) أي اعملوا في هذه الحال التي تنفع التوبة قبل الموت فإذا مات ابن آدم انقطع عمله ولم يقبل منه التوبة إذ لا تقع منه حتى تقبل (والدعاء يسمع) في حال الحياة يسمع الدعاء، وأما بعد الموت فلا والمقصود الدعاء الذي يصير سبباً للنجاح والسعادة وغفران الذنوب ورفع الدرجات.
وأما الدعاء بمعنى آخر فقد يقع في الآخرة ويسمع ، وقد ورد في القرآن الكريم (والحال هادئة) في الحياة الدنيا وسكون الحال كناية عن السلامة والقدرة والاختيار بحيث يتمكن من فعل الخيرات (والأقلام جارية ) والملائكة تكتب أعمال العباد في الحياة الدنيا، أي اغتنموا الحياة واعملوا فيها ثم أكد علیه السلام ذلك بقوله : ( وبادروا بالأعمال عمراً ناكساً ) يعني لا يتمكن أحد من العمل في الحياة إذا هرم وشاخ وضعف فبادروا بالعمل قبل أن يمنعكم منه الهرم (ومرضاً حابساً) يسلبكم النشاط (أو موتاً خالساً) يعرض بغتة فلا يبقى لكم فرصة التوبة
والاستغفار (فإن الموت هادم لذاتكم ومكدّر شهواتكم ) الدنيوية (ومباعد طياتكم )والطية ما يطويه الإنسان في ضميره من العزائم والنيّات ، يعني علیه السلام : يباعد الموت عنكم نياتكم وعزائمكم فكم عزم للإنسان يريد نفاذه وحال بينه وبين عزمه الموت وإن فسر الطيات بمنازل السفر فالمعنى يرجع إلى ما ذكر أيضاً.
(زائر غير محبوب وقرن غير مغلوب وواتر غير مطلوب ) أي قاتل لا يطلبه أحد حتى يقتص منه (قد أعلقتكم حبائله ) شبه الإنسان وعدم قدرته على التخلص من الموت بطير وقع في حبالة الصياد وقد علق برجله وعنقه الحبل (وتكنفتكم غوائله) أحاطت بكم مصائبه (وأقصدتكم معابله) أصابتكم نصال الموت ومعبلة بالفارسية : پیکان - (وعظمت فيكم سطوته ) واضح (وتتابعت عليكم عدوته) أي تراكمت عليكم الظلمة فوق الظلمة ظلمة فوق الظلمة وهو كناية عن الهول والمصيبة أو تكرر منه التعدي والمجاوزة على أحبابكم وأصدقائكم وأقاربكم والمعنى الأول أنسب وأولى (وقلت عنكم نبوته ) قل أن يتفق لأحدكم أن يعرض له الموت ويبدو عليه آثاره ثم يفلت عنه فإن انقلت فسوف يعترض ثانية .
(فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله ) الموت قريب منكم كاد أن يحيط بكم ظلمات من ظلل الموت والظلة هي السحاب (واحتدام علله) ويحيط بكم التهاب أمور لا بد للموت أن ينزل معها (وحنادس غمراته ) ظلمات تكتنفكم من غمرات الموت (وغواشي سكراته ) السكرة حالة كالغشي تعرض عند الاحتضار (وأليم إرهاقه )مجيؤه عاجلاً أليم (ودجو طباقه ) الدجو الدجى والظلمة والمعنى تراكم الظلمات طبقاً بعد طبق (وجشوية مذاقه ) طعم الموت غير مطبوع لو فرض كونه مذوقاً.
(فكأن قد أتاكم بغته فأسكت نجيكم) أسكت متكلمكم فبينما هو يتكلم إذ سكت (وفزق نديّكم ) أي محفلكم (وعفى آثاركم ) العفا في الأصل التراب، وهنا كناية عن الاندراس والمحو لأن المنزل إذا رحل عنه سكانه عملت الرياح والتراب في محو آثارهم (وعطل دياركم) الديار جمع الدار وتعطيلها خلوها عن أهلها .
(وبعث ورائكم) نسبة البعث إلى الموت مجاز لأنه سبب لبعث الوراث نظير بني الأمير المدينة (يقتسمون تراثكم بين حميم خاص لم ينفع ) الوراث على ثلاثة أقسام : بعضهم حميم قريب من أقربائكم يحبكم ويريد دفع الموت عنكم ولا يقدر عليه كالأب والأم (و) الثاني (قريب محزون لم يمنع ) يهمه أمركم ويحزنه موتكم لكن لا مثل الأول كالأخ والأخت والعم ولا يقدر أن يمنع عنكم الموت، والثالث قوله : (وآخر شامت لم يجزع ) يفرح لموتكم ولا يجزع عليكم كالولد العاق ينتظر موت أبيه الهرم حتى يفوز بميراثه ويتخلص من القيام بخدمته خصوصاً إذا طال مرضه ولو لم يكن هذا تقسيماً للوارث فقط بل لجميع من يعرفك وتعرفه كان
المعنى أنهم على ثلاثة : الصديق والقريب والعدو.
(فعليكم بالجد والاجتهاد) ولعل الفرق بين الجد والاجتهاد أن الأول صفة للعزم والنية والثاني للعمل (والتأهب والاستعداد ) الفرق بينهما نظير الفرق بين الجد والاجتهاد ، فالتأهب للعزم والاستعداد للعمل (والتزود في منزل الزاد ولا تغرنكم الدنيا كما غرت من كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون الخالية) معناه ظاهر (الذين احتلبوا درتها ) الدرة اللبن، استعارة للمنافع ، والإحتلاب إخراج اللبن من الضرع والثدي استعارة للفوز والإنتفاع (وأصابوا غرتها) أي اغتنموا فرصة غفلة الدنيا عنهم فاستمتعوا بمنافعها ولو لم تكن غافلة فاستمتعوا بمنافعها ولو لم تكن غافلة عنهم لاختطفتهم ، شبههم بسارق ينتظر غفلة صاحب المتاع عن متاعه فيختلسه حين غفلته كذلك هؤلاء انتظروا غفلة الدنيا وأصابوا وقت غفلتها فانتفعوا بها (وأفنوا عدتها ) الإفناء عبارة عن الانتفاع إذ لا ينتفع غالباً بما في الدنيا إلا بإفنائه فأفنوا عدة منافعها (وأخلقوا جدتها ) وهذا أيضاً عبارة عن الانتفاع ببعض متاع الدنيا كاللباس الجديد يخلق بالاستعمال.
(أصبحت مساكنهم أجداثاً) أي قبوراً ( وأموالهم ميراثاً) وهو ظاهر (لا يعرفون من أتاهم ولا يحفلون من بكاهم ولا يجيبون من دعاهم ) معناه واضح .
فإن قيل : كيف الجمع بين هذا الكلام وما روي في التلقين وزيارة القبور ؟ فقد قال أبو عبد الله علیه السلام على ما روي في (الكافي) و (التهذيب) و (الفقيه): «إذا أفرد الميت فليتخلف عنده أولى الناس به فيضع فمه عند رأسه ثم ينادي بأعلى صوته : يا فلان بن فلان أو يا فلانة بنت فلان هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله سيد النبيين وأن علياً أمير المؤمنين وسيّد الوصيين وأن ما جاء به محمد صلی الله علیه واله وسلم حق وأن الموت حق وأن البعث حق وأن الله يبعث من في القبور فيقول منكر لنكير: أنصرف بنا عن هذا فقد لقن حجته . انتهى (1)، وفي معناه أخبار أخر (2).
ولو لم يكن إلا هذا لسهل الجمع لكن ورد في زيارة القبور في (الكافي) عن أبي عبد الله علیه السلام قال : أنهم يأنسون بكم فإذا غبتم عنهم استوحشوا وهذا ينافي بظاهره قول أمير المؤمنين علیه السلام : لا يعرفون من أتاهم .
وروي في (الفقيه) عن محمد قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام : الموتى نزورهم؟ فقال: نعم ، فقلت : فيعلمون بنا إذا أتيناهم ؟ فقال : أي والله إنهم يعلمون بكم ويفرحون بكم
ويستأنسون إليكم قال: قلت: فأي شيء تقول (1)
وفي (الكافي) عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن علیه السلام قال : قلت : المؤمن يعلم من يزور قبره؟ قال : نعم لا يزال مستأنساً به ما دام عند قبره فإذا قام وانصرف عن قبره دخله من انصرافه عن قبره وحشة (2).
وفي (الفقيه) قال الصادق علیه السلام : إذا قبضت الروح فهي مظلة في الجسد روح المؤمن وغيره ينظر إلى كل شيء يصنع به فإذا كفن ووضع على السرير وحمل على أعناق الرجال عادت الروح ودخلت فيه فيمد له في بصره فينظر إلى موضعه من الجنة أو من النار فينادي بأعلى صوته إن كان من أهل الجنة : عجلوني عجلوني، وإن كان من أهل النار : ردّوني ردّوني، وهو يعلم كل شيء يصنع به ويسمع الكلام ، انتهى (3).
وردّ الروح إلى الجسد المحمول على الجنازة نظير ردّ الروح إليه في القبر لسؤال منكر ونكير ولا ينبغي أن يتعجب من خفاء ذلك عن الأحياء كالمشيعين.
كما روي في (الكافي) في حديث عن علي بن الحسين علیه السلام بعد أن نقل تكلم الميت لحملته ، قال ضمرة، وهو أحد الحاضرين : يا أبا الحسن إن كان هذا - يعني الميت يتكلم بهذا الكلام - يوشك أن يثب على أعناق الذين يحملونه، قال: فقال علي بن الحسين علیه السلام: اللهم إن كان ضمرة هزأ من حديث رسولك صلی الله علیه واله وسلم فخذه أخذة آسف، قال : فمكث أربعين يوماً ثم مات فحضره مولى له فلما دفن أتى علي بن الحسين علیه السلام فجلس إليه فقال له : أين جئت يا فلان؟ قال: جئت من عند قبر ضمرة فوضعت وجهي عليه حين سوى عليه فسمعت صوته والله أعرفه كما كنت أعرفه وهو حي ، يقول : ويلك يا ضمرة بن معبد ، اليوم خذلك كل خليل وصار مصيرك إلى الجحيم فيها مسكنك ومبيتك والمقيل، قال: فقال علي بن الحسين علیه السلام: اسأل الله العافية، هذا جزاء من يهزأ من حديث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم (4)ومثل ذلك كثير في الروايات . فما وجه كلام أمير المؤمنين علیه السلام ؟
والجواب أن كلامه علیه السلام لأهل الدنيا المغترين بها، وغرضه علیه السلام لقطع طمعهم عن الدنيا وبيان انقطاع لذاتها وانصرام شهواتها ومفارقة الخلان فيها ، ولا ريب أن الموت يهدم اللذات ويُفرّق بين الجماعات، ولا يحسّ الأموات بسمعهم الدنيوي وأبصارهم الجسمانية شيئاً من
هذا العالم المادي، بل الميت جماد مثل سنّك إذا قلعت وشعر رأسك إذا حلق ، وأظافيرك إذا قصت، وبهذا الاعتبار قال أمير المؤمنين علیه السلام : لا يعرفون من أتاهم ولا يحفلون من بکاهم.
وأما بالنظر إلى أن للإنسان حساً برزخياً يسمع ويبصر ويتلذذ ويتألم به من غير وساطة عصب ودماغ وجارحة لا يمنعه حجاب اللحد وظلمة القبر وبعد المنازل شرع التلقين وورد ما ورد من الروايات ذكرناها أو لم نذكرها .
وبالجملة فكلام أمير المؤمنين علیه السلام و ناظر إلى الحس الدنيوي وما ورد في تلك الروايات ناظر إلى الإدراك الأخروي ولا منافاة بينهما ولا يريدون أن الميت لم يمت ولا أنه إذا مات فات والروح مدرك بذاته والبدن مدرك بالروح والمدرك بالذات أقوى وأشدّ في الإدراك من المدرك بالغير كما في كل صفة .
والطبيعيون يزعمون أن الإدراك عبارة عن تأثر العصب من المحسوس الخارجي كتأثر عصب البصر عن النور، فإذا لم يكن عصب لم يكن إدراك ولذلك إذا خدر الأعصاب بالأدوية المخدّرة زال البصر وكل حس آخر .
والجواب أنه لو كان الأمر كذلك لم يكن الله تعالى والملائكة المقربون مدركين عالمين بشيء إذ لا عصب لهم ولا انفعال ، والعصب لا يستطيع أن يدرك إلا بواسطة الروح إذا تقطعت العلاقة بين العصب والروح زال الإدراك عن العصب لا عن الروح كالشمس إذا غابت عن الجدران زال الضوء عن الجدران لا عن الشمس، فلم يزل الإدراك عن الميت مطلقاً بل بمقدار أن لا يكون دفنه في التراب أو إلقائه في البحر ظلماً وإجحافاً عليه وتعذيباً له كإلقاء الأحياء في البحر .
(فاحذروا الدنيا فإنها غذارة غزارة خدوع معطية منوع ملبسة نزوع ) وزن فعول إذا كان بمعنى الفاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث ولذلك وصف به الدنيا (لا يدوم رخاؤها ولا ينقضي عناؤها ولا يركد بلاؤها ) وهذا الكلام بالغ في البلاغة غايتها في وصف الدنيا والتزهيد عنها والوصف بعينه مما يعرفه أصحاب الهوى والقائلون بالطبائع وأمثالهم ويجعلونه عذراً في لزوم اللذات ومتابعة الشهوات ويقولون إذا كانت الدنيا منقلبة غير ثابتة لا تدوم أحوالها وجب اغتنام الفرصة مهما أمكن في الاستمتاع باللذات والمبادرة إلى الشهوات لئلا يفوت الفرصة ويحرم الإنسان منها فما دام حياً شاباً ذا قدرة ومقدرة يسرع إلى ما لا يتمكن منه بعد ذلك، وأما أمير المؤمنين علیه السلام جعل هذه الصفة بعينها موجباً لتنفير الناس وسبباً لتزهيدهم . قال طرفة :
ألا أي هذا اللائمي أحضر الوغى *** وإن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
يعني : إذا لم يكن الإنسان خالداً في الدنيا فعليه أن يشهد اللذات لئلا يفوته وأن يحضر الوغى لينتقم عن أعدائه ويظفر بالمال بالإغارة، ومثله كثير في أشعارهم بالعربية والفارسية خصوصاً في أشعار الخيام ، وقال أمير المؤمنين علیه السلام : إنها غرارة خدوع ولذاتها ليست لذة بل عذاب أليم ويخدع بها الجهال وليس شيء منها دائماً فلا ينبغي أن يعرج العاقل عليه .
وكلام أمير المؤمنين علیه السلام يفيد أرباب العقول وأصحاب الأديان القائلين بالآخرة والحياة الدائمة فيها يستبدلون اللذة الخالصة الباقية باللذة المكدّرة الفانية وأما أصحاب الطبائع الذين لا يعترفون بالآخرة يقولون : اللذة الفانية غير الدائمة أولى من عدم اللذة مطلقاً .
ومما يناسب ذلك في أن خصلة واحدة يجعلها كل أحد دليلاً على شيء يقتضيه طباعه الحديث المروي عن الحسن بن علي علیه السلام : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً (1)، حمله أهل الدين على الأمر بالمسامحة والتعلل وعدم الحرص في الدنيا، لأن من يزعم أنه يعيش أبداً لا يتعجل في الأمور، وحمله أهل النفاق والمجحدون على الأمر بالحرص في الدنيا لأن الذي يعلم أنه يعيش أبداً يسعى في جمع المال وعمارة مسكنه وتدبير ماله وإجادة معاشه أكثر ممن يعلم أنه سيرحل عن منزله .
(منها في صفة الزهاد :كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها فكانوا فيها كمن ليس منها )ومنه أخذ أبو علي بن سينا كلامه في وصف العارفين : فكأنهم وهم في جلابيب أبدانهم قد نضوها وتجردوا عنها. وقال السعدي:
هرگز وجود حاضر و غائب شنيده *** من درمیان جمع و دلم جاي ديگر است
(عملوا فيها بما يبصرون ) الفرق بين أهل الدنيا وأهل الآخرة أن بناء الأولين على الشك وبناء الآخرين على اليقين كما قال تعالى في صفة الدهرية: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وغتيا وَمَا يُهلكنا إلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِرٌ إِن هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية : 24] فإنهم يشكون في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار ويعملون عمل المستيقن بالعدم والشاك في شيء حقه أن يحتاط كمن يشك في وجود سبع في الطريق أو بئر في ظلمة إذ لا يجوز له العقل الاقتحام في المهلكة وأصحاب الدهر ما لهم علم بالعدم إن هم إلا يظنون ، ودليلهم : أنا لا نؤمن بما لا نحس مع أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود وهذا بخلاف أهل
1) الوسائل : 52/12 .
الآخرة فإنهم آمنوا بالدليل اليقيني والبرهان العلمي فعملوا بما يبصرون .
(وبادروا فيها ما يحذرون) سبقوا الموت إلى فعل الخيرات أي خافوا أن يفجأهم الموت فبادروا (تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة ) لا يجالسون غيرهم ولا يخالطون أحداً سواهم (يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم ) يعدون موتهم عظيماً شديداً إذ يسلبهم مشتهياتهم ويمنعهم التمتع بلذاتهم (وهم) أهل الآخرة (أشد عظاماً لموت قلوب أحيائهم )إذ يسلبهم مشتهياتهم الحقيقية ويمنعهم التمتع باللذات الدائمة .
واعلم أن أهل الدنيا يظنون أن لا موجود وراء الجسم ولا دليل على شيء غير الحس ويكدون كل كدّهم ويجدون جدّهم لعمارتها والتمتع بها ، والعقلاء عرفوا بعقولهم وبما أخبرهم أصحاب الوحي أن وراء هذا العالم المحسوس عالماً آخر بل عوالم أخرى لا يحصي عددها إلا الله .
ونظير ذلك أن جماعة زعموا أن الشمس واحدة، وقد ورد في الأخبار وأثبتت الأرصاد أن وراء هذه الشمس شموساً لا يحصي عددها إلا الله تعالى .
وقد فتح الله على عقول المتوسطين باباً إلى بعض تلك العوالم غير المحسوسة وهي باب الرؤيا الصادقة فإن الإنسان في منامه قد يطلع على أمور غائبة لا يمكن أن يطلع عليها أحد بحواسه وعقله لعدم وجودها بعد ، كموت زيد بعد سنة مثلاً وليس العلم به وانتقاش ذهن أحد بمثله ممكناً في زمان الرؤيا إلا أن يكون صوراً ونقوشاً مسطورة في ذهن عال من موجود عالم بالغيب غيرنا وغير من في عالمنا ، فيدرك الإنسان بعقله أن في الوجود عالماً غير عالمنا وفي ذلك العلم علماء بما بما لم يوجد بعد وليس ما رآه النائم في منامه إلا مأخوذاً من العالم وليست الرؤيا أوهاماً وخيالات باطلة لا أصل لها دائماً إذ لو كان كذلك لم يكن ينطبق على الحقيقة ولم يكن للرؤيا تعبير أصلاً، وبالجملة أدرك الإنسان بحسه المشترك عالماً آخر غير هذا العالم الجسماني، وعرف أن نفسه تناسب ذلك العالم في الجملة حيث يرتبط به ويأخذ منه، وهذا باب واسع حققه الحكماء خصوصاً الشيخ أبو علي بن سينا في (الإشارات).
ثم بعد الاعتقاد بوجود عالم ما غير هذا العالم المادي المحسوس زال الاستعجاب من كل ما أخبرنا به الأنبياء وأصحاب النواميس الإلهية من بقايا الروح ودخولها في عالم آخر وتمتعها باللذات وانتفاعها بالمشتهيات هناك ولا يتصور أن يكون سعادة الموجود الكامل الروحاني أدنى وأقل من الإنسان المخلوط من الروح والجسم كما أن سعادة الإنسان المخلوط ليس أقل من سعادة الجمادات، فإن عرف الإنسان أنه مستعد لإدراك تلك السعادة العظمى اشتدت حسرته من فواته وخاف من موت قلبه المانع من النيل بتلك السعادة أشد من
خوف أهل الدنيا من الموت الطبيعي، ولذلك قال أمير المؤمنين علیه السلام عليهم : وهم أشد إعظاماً لموت قلوب أحيائهم .
وإذا انتهينا إلى ذلك حق لنا أن نختم الكلام بالدعاء لجميع من تصدّى لترويج الدين
وتعليم المؤمنين بالتوفيق والسداد ، ولم نذكر مما اختلج في الذهن حين قراءة الخطبة من نكتة علمية ودقة عقلية لثلا نخرج من سياق الكتاب، فإن الشارح رحمه الله اكتفي بما هو سهل الوصول قريب المأخذ من رواية تاريخية رحكاية أدبية أو حديث في الأخلاق وتفسير يتعلق بظواهر الألفاظ وغير ذلك مما يفيد أكثر الناس. وأما التحقيق العميق والبحث الدقيق فمما ينفر الطباع .
به درستی که پرهیزکاری کلید صلاح است و توشه آخرت و آزادی از بند بندگی و رهایی از دام هلاکت ، آن که خواهنده خیر است ، به تقوی به مقصود نائل آید و آن که از شر گریزان است ، به تقوی از آن رهایی جوید . مقاصد مردمان به تقوی حاصل گردد ، پس اکنون که عمل صالح به درگاه الهی بالا می رود و گناهان را تو به سود دارد، آرامش حال برقرار و قلم فرشتگان به نوشتن اعمال بندگان روان است ، بکوشید و بشتابید پیش از آن که عمر از شما روی بگرداند و پشت کند و بیماری مانع عمل شود و مرگ ناگهان فرود آید.
مرگ لذات شما را تباه سازد و شهوات شما را مکدر کند و شما را از مقاصد خود باز دارد ، به دیدن آید آن که دوستش ندارید و با شما بکشتی در آویزد آن که هرگز پشتش به زمین نیاید ، خون ریزد و کسی به کین او برنخیزد، دام های او در شما آویخته و مصائب او شما را احاطه کرده است ، پیکان او به نشانه رسیده و حمله او بر شما گران است و تاختن او پی درپی ، کم افتد که ضربت او نافذ ،نشود به زودی ابرهای تیره مرگ شما را فرا گیرد و بیماریها از جوانب درآیند و امواج تاريك آن بر گرد شما احاطه کند و سکرات موت شما را از خود بازگیرد و به شتاب ببرد و به حسرت براند در میان طبقات تاريك و طعم آن بسیار ناگوار است ، گویی اینک شما را دریافته گوینده شما را خاموش کرد و انجمن شما را
پراکنده ساخت و آثار شما را محو کرد و سراهای شما را خالی گذاشت ، وارثان را برانگیخت تا میراث شما را تقسیم کردند ، یکی دوست نزديك شما است اما سود به حال شما ندارد ، دیگری خویش است و از مرگ شما اندوهناك اما دفع مرگ نمیتواند کرد و سومی از مرگ شما شاد است و جزع نمی کند.
بر شما است که به جان بکوشید و آماده گردید و در جایی که باید توشه گرفت توشه گیرید و زندگی دنیا شما را فریب ندهد ، چنان که پیش از شما بسیار فریب داد ، از پستان او شیر خوردند و در غفلت او فرصت جستند و آنچه آماده کرده بود تباه ساختند و جامههای نو آن را کهنه و فرسوده کردند ، آخر مسکن آنها گور شد و مال آنها را به میراث بردند.
بیوفا است و مکار و فریبنده ، می دهد و می ستاند ، می پوشاند و برهنه می سازد، آسایش او پیوسته نماند و سختی آن نگذرد و بلای آن ثابت نماند.
و در صفت زاهدان فرمود :
گروهی بودند از اهل دنیا اما اهل دنیا نبودند ، در دنیا بودند مانند کسی که در دنیا نبود ، به آنچه دیدند و دانستند عمل کردند و از آنچه میترسیدند درگذشتند ، تن آنها میان اهل آخرت می گردد ، چون دیدند مردم این جهان از مرگ تن می ترسند آنها از مرگ دل در حال زندگی ترسان گشتند.
محتوى الجزء الرابع عشر من كتاب منهاج البراعة
المقام الثامن في الأخبار الواردة في ذم الصوفية ... 5
بیان ... 19
خاتمة ... 20
إستدراك ... 21
الترجمة ... 22
ومن كلام له علیه السلام وهو المائتان والتاسع من المختار في باب الخطب ... 24
اللغة ... 25
الإعراب ... 25
المعنى ... 26
وينبغي تذييل المقام بأمور مهمة ... 32
الأول ... 32
الثاني ... 35
الثالث في جملة من الأخبار الموضوعة ... 50
الرابع ... 57
الترجمة ... 62
ومن خطبة له علیه السلام وهو المائتان والعاشرة من المختار في باب الخطب ... 65
اللغة ... 65
الإعراب ... 67
المعنى ... 67
الترجمة ... 72
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائتان والحادية عشر من المختار في باب الخطب ... 73
اللغة ... 73
الإعراب ... 73
المعنى ... 73
الترجمة ... 78
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائتان والثانية عشر من المختار في باب الخطب ... 79
اللغة ... 79
الإعراب ... 80
المعنى ... 80
الفصل الأول ... 80
الفصل الثاني ... 82
الترجمة ... 85
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائنان والثالثة عشر من المختار في باب الخطب ... 86
اللغة ... 86
الإعراب ... 87
المعنى ... 87
الترجمة ... 110
ومن دعاء كان يدعو به علیه السلام كثيراً وهو المائتان والرابع عشر من المختار في باب الخطب ... 112
اللغة ... 112
الإعراب ... 112
المعنى ... 113
الترجمة ... 119
ومن خطبة له علیه السلام خطبها بصفين وهي المائتان والخامسة عشر من المختار في باب الخطب ... 120
الفصل الأول ... 120
اللغة ... 121
الإعراب ... 121
المعنى ... 122
تذييلان ... 127
الأول ... 127
التذييل الثاني ... 130
ثم حقوق الأفعال ... 132
ثم حقوق الأئمة ... 133
ثم حقوق الرعية ... 134
وأما حق الرحم ... 134
الترجمة ... 140
الفصل الثاني ... 143
اللغة ... 143
الإعراب ... 144
المعنى ... 145
الترجمة ... 159
ومن كلام له علیه السلام و هو المائتان والسادس عشر من المختار في باب الخطب علیه السلام ... 161
اللغة ... 161
الإعراب ... 162
المعنى ... 162
الترجمة ... 172
ومن كلام له علیه السلام وهو وهو المائتان والسابع عشر من المختار في باب الخطب ... 174
اللغة ... 174
الإعراب ... 175
المعنى ... 175
الترجمة ... 180
ومن كلام له علیه السلام وهو الماثنان والثامن عشر من المختار في باب الخطب ... 181
اللغة ... 181
الإعراب ... 181
المعنى ... 181
الترجمة ... 193
ومن كلام له وهو المائتان والتاسع عشر من المختار في باب الخطب ... 194
الفصل الأول ... 194
اللغة ... 195
الإعراب ... 195
المعنى ... 197
الترجمة ... 205
الفصل الثاني ... 207
اللغة ... 207
الإعراب ... 208
المعنى ... 208
الترجمة ... 215
الفصل الثالث ... 217
اللغة ... 217
الإعراب ... 218
المعنى ... 219
الترجمة ... 225
ومن كلام له علیه السلام وهو المائتان والعشرون من المختار في باب الخطب ...
اللغة ... 227
الإعراب ... 228
المعنى ... 230
أما الفصل الأول ... 232
وأما الفصل الثاني ... 233
وأما الفصل الثالث ... 236
الترجمة ... 243
ومن كلام له علیه السلام وهو المائتان والحادي والعشرون من المختار في باب الخطب ... 245
اللغة ... 246
الإعراب ... 247
المعنى ... 248
الترجمة ... 258
ومن كلام له علیه السلام وهو المائتان والثاني والعشرون من المختار في باب الخطب ... 261
اللغة ... 261
الإعراب ... 263
المعنى ... 263
تكملة ... 270
بیان ... 272
الترجمة ... 277
ومن دعاء له علیه السلام وهو المائتان والثالث والعشرون من المختار في باب الخطب ... 279
اللغة ... 279
الإعراب ... 279
المعنى ... 279
تبصرة ... 287
تذييل ... 287
الترجمة ... 290
ومن خطبة له علیه السلام علية وهي المائتان والرابعة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 291
اللغة ... 291
الإعراب ... 292
المعنى ... 293
تكملة ... 304
تنبیه ... 306
الترجمة ... 308
ومن دعاء له علیه السلام المائتان والخامس والعشرون من المختار في باب الخطب ... 310
اللغة ... 310
الإعراب ... 311
المعنى ... 311
تذييل ... 321
الترجمة ... 332
ومن كلام له علیه السلام وهو المائتان والسادس والعشرون من المختار في باب الخطب ... 333
اللغة ... 333
الإعراب ... 333
المعنى ... 334
تنبيهان: الأول ... 346
التنبيه الثاني ... 353
بیان ... 355
الترجمة ... 360
ومن كلام له علیه السلام و وهو المائتان والسابع والعشرون من المختار في باب الخطب ... 361
اللغة ... 361
الإعراب ... 361
المعنى ... 361
الترجمة ... 363
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائتان والثامنة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 364
اللغة ... 364
الإعراب ... 365
المعنى ... 366
الفصل الأول منها ... 366
الفصل الثاني ... 374
الترجمة ... 376
مكتبة الروضة الحيدرية
الرقم 4507
التاریخ 2005/1/29