منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة المجلد 13

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

منهَاجُ البَراعَة

شَرح

نهج البلاغة

لمؤلفة

العلامة المحقّق الحاج ميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي (قدس سره)

طبعة جديدة

ضبط وتحقيق

علي عاشور

المجلد الثالث عشر

دار احياء الترام الحربي

بيروت - لبنان

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424هـ - 2003م

دار إحياء التراث العربي

للطباعة والنشر والتوزيع

DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI

Publishing & Distributing

بيروت - لبنان - شارع دكاش - :هاتف 272652 - 272655 - 272782 - 272782 فاكس: 850717 - 850623 ص. ب: 11/7957

Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box: 7957/11

اشارة

نهج البلاغة

خطب، رَسَائِلٌ، كلام، وصايا عهود، حكم، ومواعظ

الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)

منهَاجُ البَراعَة

شَرح

نهج البلاغة

لمؤلفة

العلامة المحقّق الحاج ميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي (قدس سره)

طبعة جديدة

ضبط وتحقيق

علي عاشور

المجلد الثالث عشر

دار احياء الترام الحربي

بيروت - لبنان

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424هـ - 2003م

دار إحياء التراث العربي

للطباعة والنشر والتوزيع

DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI

Publishing & Distributing

بيروت - لبنان - شارع دكاش - :هاتف 272652 - 272655 - 272782 - 272782 فاكس: 850717 - 850623 ص. ب: 11/7957

Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box: 7957/11

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند دفن الزهراء (سلام الله عليها) وهو المائتان والواحد من المختار في باب الخطب

إشارة:

وهو مروي في (الكافي) وفي (كشف الغمة) وفي (البحار) (1)من أمالي الشيخ ومجالس المفيد باختلاف وزيادة تطلع عليه إن شاء الله.

«السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله عَنِّي وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جَوارِكَ والسَّرِيعَةِ اللحاق بك، قَل يا رَسُولَ الله عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقٌ عَنْها تَجَلُّدي، إلا أنَّ لي في النَّاسِي بِعَظِيم فُرْقَتِكَ، وفَادِح مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزّ، فَلَقَدْ وسَّدْتُكَ في مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفاضَتْ بَيْنَ نَحْريَ وَصَدْري نَفْسُكَ».

إِنَّا الله وَإِنَّا إِلَيْهِ َراجِعُونَ، فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ ينَةُ، أَمَا حُزْنِي فَسَرْمد، وَأَمَّا لَيْلي فَمُسَهَّد، إلى أَنْ يَخْتارَ اللهُ لِي دارَكَ الَّتي أَنْتَ بِها مُقِيمٌ، وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتَكَ بِتَظافُرٍ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِها، فَأَحْفِهَا السُّؤالَ، وَاسْتَخْبِرْهَا الحال، هذَا وَلَمْ يَطل العَهْدُ، وَلَمْ يَخُلَّ مِنْكَ الذُّكْرُ، وَالسَّلاَمُ عَلَيْكُمَا سَلامَ مُوَدِّعٍ، لا قَالٍ وَلا سَئمٍ، فَإِنْ أَنْصَرِف فَلا عَنْ مَلالَةٍ، وَإِنْ أَقِمْ فَلا عَنْ سُوءِ ظَنّ بِما وَعَدَ اللهُ الصّابِرِينَ.

اللغة

(التجلّد) تكلف الجلادة وهي القوة والشدة كما في (القاموس) و (الكنز)، قال الشاعر :

بتجلّدي للشامتين أريهم***إنّي لريب الذهر لا أتضعضع

أو تكلّف الجلد، وهو الصبر، قال الشاعر :

ما الاصطيار لسلمي أم لها جلد*** إذا ألاقي الذي لاقاه الي أمثالي

وأصل الجلد كما في (القاموس) جلد البوء تحشي تماماً ويخيل للناقة فتعطف بذلك على ولد غيرها أو جلد حوار يلبس حواراً آخر لترامه أم المسلوخة، وعلى ذلك فإطلاقه على الصبر مجاز لعلاقة السببية.

و (الفرقة) بالضم إسم من الافتراق و (عزّيته) تعزية قلت له : أحسن الله عزاك، أي رزقك الصبر الحسن، والعزاء اسم من ذلك مثل سلّم سلاماً وكلم كلاماً، وتعزى هو تصبر


1) بحار الأنوار: 13 / 190، وكشف الغمة : 2/ 190، والكافي : 459/1.

وشعاره أن يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون.

و (استرجعت) و (أخذت) بالبناء على المجهول و (السهد) بالضم الأرق وقد سهد سهداً من باب فرح، والسهد بضمتين القليل النوم وسهدته فهو مسهد أي مورق وهو ذو سهدة يقظة و (هضمه) هضماً من باب ضرب دفعه عن موضعه فانهضم، وقيل: هضمه كسره وهضمه حقه نقصه هكذا في (المصباح)، وقال في (القاموس) : هضم فلاناً ظلمه وغصبه كاهتضمه وتهضمه فهو هضيم.

و (الإحفاء) في السؤال المبالغة فيه والاستقصاء و (قليت) الرجل أقليه من باب رمي قلي بالكسر والقصر ومقلية أبغضه فأن قال و (سنم) الشيء ساماً وسأماً وسامة ملّ منه فهو سؤم وستم و (أقام) بالبلد إقامة اتخذه وطناً فهو مقيم.

الإعراب

قوله : (إلا أن لي) استثناء منقطع، (وموضع تعز) بالنصب إسم (أن) وقدم خبرها للتوسع وقوله (في ملحودة قبرك)، إضافة الملحودة إلى القبر من إضافة الصفة إلى الموصوف لا بيانية كما توهم والتأنيث باعتبار الخطة والحفرة وقوله : (وأما ليلي فمسهد) من المجاز العقلي من باب الإسناد إلى الزمان كما في قول الشاعر رحمه الله :

وبات وباتت له ليلة***كليلة ذي العائر الأرمد

وقوله : (إلى أن يختار) ظرف لغو متعلق بقوله مسهد، وقوله : (استخبرها الحال)، قال الشارح المعتزلي: أي عن الحال فحذف الجار اهـ، والأظهر أن يجعل الحال مفعولاً به والجار محذوفاً قبل الضمير أي استخبر عنها الحال، وقوله : (هذا ولم يطل العهد)، خبر هذا محذوف على أنه مبتدأ أو فاعل لفعل محذوف، وجملة ولم يطل في محل النصب على الحال وقوله (لا قال ولا سئم) صفة لمودع.

المعنى

إعلم أن هذا الكلام کما قال السيد (رَحمهُ اللّه) قد روى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قاله عند دفن سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) إظهاراً للتفجع بمصابها والتوجع من ألم فراقها كالمناجي به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند قبره، وينبغي قبل الشروع في شرح كلامه أن نذكر طرفاً من الأخبار الواردة في تسميتها (سلام الله عليها) بفاطمة وفي تلقبها بسيدة النساء وبالزهراء.

أما تسميتها بفاطمة :

ففي (البحار) من (العيون) بالإسناد إلى دارم قال حدثنا علي بن موسى الرضا ومحمد بن

على (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالا : سمعنا المأمون يحدث عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده قال قال ابن عباس لمعاوية : أتدري لم سميت فاطمة فاطمة؟ قال : لا، قال : لأنها فطمت هي وشيعتها من النار، سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقوله (1).

ومن (العيون) بالأسانيد الثلاثة عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إني سميت ابنتي فاطمة لأن الله عز وجل فطمها وفطم من أحبها من النار» (2).

ومن (علل الشرائع) بسنده عن يزيد بن عبد الملك عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لما ولدت فاطمة (سلام الله عليها) أوحى الله عز وجل إلى ملك فأنطق به لسان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فسماها فاطمة ثم قال : «إني فطمتك بالعلم وفطمتك عن الطمث»، ثم قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : والله لقد فطمها الله تبارك وتعالى بالعلم وعن الطمث في الميثاق (3).

قال المحدث العلامة المجلسي (قدّس سِرُّه) بعد نقله : فطمتك بالعلم، أي أرضعتك بالعلم حتى استغنيت وفطمت أو قطعتك عن الجهل بسبب العلم، أو جعلت فطامك من اللبن مقروناً بالعلم كناية عن كونها في بدء فطرتها عالمة بالعلوم الربانية، وعلى التقادير كان الفاعل بمعنى المفعول كالدافق بمعنى المدفوق، ويقرأ على بناء التفعيل أي جعلتك قاطعة الناس من الجهل، أو المعنى لما فطمها من الجهل فهي تفطم الناس منه، والوجهان الأخيران يشكل إجراؤهما في قوله : (فطمتك عن الطمث) إلا بتكلف بأن يجعل الطمث كناية عن الأخلاق والأفعال الذميمة.

وفي (البحار) من المناقب عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : تدري أي شيء تفسير فاطمة؟ قال : فطمت من الشر، ويقال : إنما سميت فاطمة لأنها فطمت عن الطمث (4).

وأما تلقبها بسيدة النساء:

فقد روي في (البحار) من مناقب ابن شهر آشوب عن حذيفة أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: «أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أو نساء أمتي» (5).

وعن جابر بن سمرة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في خبر : «أما أنها سيدة النساء يوم القيامة».


1) علل الشرائع : 179/1، وبحار الأنوار: 43 / 12- 15.

2) عيون أخبار الرضا: 51/1.

3) علل الشرائع : 179/1.

4) بحار الأنوار: 16/43.

5) البحار 279/21، وكنز العمال: 11/12، 3231.

و من (الأمالي) بسنده عن الحسن بن زيد العطار قال : قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» أسيدة نساء عالمها ؟، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «تلك مريم وفاطمة سيدة نساء الجنة من الأولين والآخرين»، فقلت: فقول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»؟، قال : والله هما سيدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين (1).

ومن معاني (الأخبار) بإسناده عن المفضل قال : قلت لأبي عبد الله : أخبرني عن قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في فاطمة : «أنها سيدة نساء العالمين» أهي سيدة نساء عالمها؟ فقال: ذاك لمريم كانت سيدة نساء عالمها وفاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين (2).

ومن (الأمالي) بسنده عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان جالساً ذات يوم وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: «اللهم إنك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس علي فاحبب من أحبهم وأبغض من أبغضهم ووال من والاهم وعاد من عاداهم، وأعن من أعانهم واجعلهم مطهرين من كل دنس معصومين من كل ذنب وأيدهم بروح القدس منك».

ثم قال: «يا علي أنت إمام أمتي وخليفتي عليها، بعدي وأنت قائد المؤمنين إلى الجنة، وكأني أنظر إلى ابنتي فاطمة قد أقبلت يوم القيامة على نجيب من نور عن يمينها سبعون ألف ملك، وبين يديها سبعون ألف ملك وعن يسارها سبعون ألف ملك وخلفها سبعون ألف ملك، تقود مؤمنات أمتي إلى الجنة فأيما امرأة صلّت في اليوم والليلة خمس صلاة، وصامت شهر رمضان وحجّت بيت الله الحرام، وزكّت مالها وأطاعت زوجها، ووالت علياً بعدي دخلت الجنة بشفاعة ابنتي فاطمة، وأنها لسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وأنها لتقوم في محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقربين وينادونها بما نادت به الملائكة مریم فيقولون : يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين».

ثم التفت إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال : «يا علي إن فاطمة بضعة مني وهي نور عيني وثمرة فؤادي يسوؤني من «ما» ساءها ويسرني من (ما) يسرها، وأنها أول من يلحقني من أهل بيتي، فأحسن إليها بعدي، وأما الحسن والحسين فهما ابناي وريحانتاي وهما سيدا شباب أهل الجنة فليكونا عليك كسمعك وبصرك».

ثم رفع يده إلى السماء فقال : «اللهم إني أشهدك أني محب لمن أحبهم، ومبغض لمن


1) أمالي الصدوق : 187، ج 196.

2) معاني الأخبار : 107.

أبغضهم، وسلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، وعدو لمن عاداهم، وولي لمن والاهم» (1).

وأما تلقبها بالزهراء :

فقد روي في (البحار) من معاني الأخبار و (علل الشرائع) عن الطالقاني عن الجلودي عن الجوهري عن ابن عمارة عن أبيه قال : سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن فاطمة لم سميت زهراء؟ قال: لأنها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما يظهر نور الكواكب لأهل الأرض (2).

ومن (العلل) بسنده عن جابر عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت : لم سميت فاطمة الزهراء زهراء؟ فقال : لأن الله عز وجل خلقها من نور عظمته، فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها، وغشيت أبصار الملائكة وخرّت الملائكة ساجدين لله وقالوا : إلهنا وسيدنا ما هذا النور؟ فأوحى الله إليهم : هذا نور من نوري أسكنته في سمائي خلقته من عظمتي، أخرجه من صلب نبي من أنبيائي أفضله على جميع الأنبياء، وأخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري يهدون إلى حقي «خلقي» وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وحيي (3).

ومن (المناقب) عن أبي هاشم العسكري قال: سألت صاحب العسكر: لم سميت فاطمة الزهراء؟ فقال : كل وجهها يزهر لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أول النهار كالشمس الضاحية، وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشمس كالكوكب الدرّي (4).

ومن (العلل) بسنده عن أبان بن تغلب قال : قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا ابن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) علم سميت الزهراء زهراء؟ قال: لأنها تزهر لأمير المؤمنين في النهار ثلاث مرات بالنور (5).

كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة والناس في فراشهم فيدخل بياض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدينة فتبيض حيطانهم فيعجبون من ذلك فيأتون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيسألونه عمّا رأوا، فيرسلهم إلى منزل فاطمة فيأتون منزلها فيرونها قاعدة في محرابها تصلي والنور يسطع من محرابها ومن وجهها فيعلمون أن الذي رأوه كان من نور فاطمة.


1) أمالي الصدوق : 575، ج 787 مجلس 11.

2) علل الشرائع : 181/10، وبحار الأنوار 12/43.

3) علل الشرائع : 1/ 180.

4) مناقب آل أبي طالب : 110/3.

5) علل الشرائع : 180/1.

فإذا انتصف النهار وترتبت للصلاة زهر نور وجهها بالصفرة فتدخل الصفرة في حجرات الناس فتصفر ثيابهم وألوانهم فيأتون النبي لا فيسألونه عما رأوا، فيرسلهم إلى منزل فاطمة (عليها السلام) فيرونها قائمة في محرابها وظهر نور وجهها صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها بالصفرة، فيعلمون أن الذي رأوا كان من نور وجهها.

فإذا كان آخر النهار وغربت الشمس احمر وجه فاطمة (رضیَ اللّهُ عنهُ) وأشرق وجهها بالحمرة فرحاً وشكراً لله عز وجل فكانت تدخل حمرة وجهها حجرات القوم وتحمر حيطانهم فيعجبون من ذلك ويأتون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويسألونه عن ذلك فيرسلهم إلى منزل فاطمة فيرونها جالسة تسبّح الله وتمجده وتحمده ونور وجهها يزهر بالحمرة فيعلمون أن الذي رأوا كان من نور وجه فاطمة.

فلم يزل ذلك النور في وجهها حتى ولد الحسين، فهو يتقلب في وجوهنا إلى يوم القيامة في الأئمة منا أهل البيت إمام بعد إمام (1)

أسماء فاطمة (عليها السلام)

1 - فهي فاطمة، فعن علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)عنه قال : «قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لفاطمة: يا فاطمة أتدرين لم سُمّيت فاطمة؟ لِمَ قال علي : يا رسول الله، لِمَ سُمّيت فاطمة؟

قال : إنّ الله عزّ وجلّ قد فطمها وذُريتها من النار يوم القيامة. ذخائر العقبي : 26..

وعن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) نحوه وزاد فيه: وولدها ومَنْ أحبهم، وفي رواية ومن تولاها. البحار 43 / 15 ح 11.

وعن ابن عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ) قال قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): إن ابنتي فاطمة حوراء، إذ لم تحض ولم تطمث، وإنما سماها فاطمة لأنّ الله عزّ وجلّ فطمها ومحبيها من النار. تاريخ بغداد 328/12، والفردوس : 346/1، ح 1385.

وقال أبو جعفر محمد الباقر (رضیَ اللّهُ عنهُ): لما ولدت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) أوحى الله إلى ملك فأنطق به لسان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)فسماها فاطمة، ثم قال إنّ الله تعالى فطمك عن الطمث. البحار : 13/43، ح 9.

وقيل : سُمّيت باطمة لأنّها فُطمت عن الشر كما روي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) روي عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، البحار : 10/43، ح 1..

وقيل: إنّها سُمّيت فاطمة لأنها قطمت عن الطمع. البحار : 13/43، ح 7..

وقيل : سُمّيت فاطمة لأنّ الخلق فُطموا عن معرفتها. البحار : 65/43، ح 58..

2. ولُقبت بالزهراء لأنها كانت بيضاء اللون وعن جعفر بن محمد بن علي (رضیَ اللّهُ عنهُ) عن أبيه. قال : سألت أبا عبد الله، عن فاطمة : لم سُمّيت الزهراء؟

فقال : لأنّها كانت إذا قامت في محرابها، يزهو نورها لأهل السماء، كما يزهو نور الكواكب لأهل الأرض. البحار : 12/43، ح 6.

وروي أنها (عَلَيهَا السَّلَامُ) سميت الزهراء، لأنّ الله عزّ وجلّ خلقها من نور عظمته. دلائل الإمامة : 149 ح 60، وكشف الغمة: 2 / 92..

وقيل : إنّه حين وضعتها السيدة خديجة (رضي الله عنها). حدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم، وبذلك لقبت بالزهراء. أمالي الصدوق : 692 ح 947، والعدد القوية للحلي : 224 ح 15.. وقيل: إنّها سُمّيت الزهراء لأنها كانت لا تحيض وكانت إذا ولدت ظهرت من نفاسها بعد ساعة حتى لا تفوتها صلاة - السيدة فاطمة الزهراء لمحمد بيومي : 109..

وقيل: أنّها سُمّيت بالزهراء لطهارتها ووضاءتها. راجع فاطمة الزهراء لتوفيق أبو علم : 59..

وروي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حديث طويل أن سبب تسميتها بالزهراء هو زهور السماوات بنورها قال:... ثمّ أظلمت المشارق والمغارب فشكت الملائكة إلى الله تعالى أن يكشف عنهم تلك الظلمة، فتكلم الله جلّ جلاله كلمة فخلق منها روحاً ثم تكلم بكلمة فخلق من تلك الكلمة نوراً فأضاف النور إلى تلك الروح و أقامها مقام العرش فزهرت المشارق والمغارب، فهي فاطمة الزهراء، ولذلك سُمّيت الزهراء، لأن نورها زهرت به السماوات...». بحار الأنوار: 44/40،

وروي قريب منه عن الصادق (عليه السلام) وسلمان البحار : 12/43، ح 5 و 17 ح 16..

وفي رواية كيفية ولادتها : «... وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة من قبل ذلك اليوم فلذلك سميت الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)». بحار الأنوار: 81/16، ح 20..

وعن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عندما سُئل لما سمّيت زهراء قال : له عندما سُئل لما سُمّيت زهراء قال: الأنها تزهر لأمير المؤمنين في النهار ثلاث مرات بالنور...». بحار الأنوار: 11/43، ح 2..

وذكر كيفية ذلك كما يأتي في بحث نورها.

وفي رواية أخرى : لأنّ لها في الجنّة قبة من ياقوت حمراء...». البحار: 16/43..

3. وبالمحدثة : لأنّ الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها، كما كانت تنادي مريم ابنة عمران (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ويحدثها روح القدس. فاطمة الز القدس. فاطمة الزهراء لتوفيق أبو علم : 59..

قال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنما سمّيت فاطمة محدّثة لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة إن الله إصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا فاطمة أفنتي لربّكِ واسجدي واركعي مع الراكعين، فتحدّثهم ويحدثونها. البحار : 78/43، ح 65، وعلل الشرائع 182/1.

4. ولُقبت بالبتول. البتل : في اللغة القطع، لانقطاعها عن نساء زمانها فضلاً، وديناً، وحسباً.

وقيل : لانقطاعها عن [حب] الدنيا إلى الله تعالى. المواهب اللدنية : 394/1، ونسبة إلى ابن الأثير والروضة الفيحاء : 245..

وفي تاج الدروس : لُقبت فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالبتول تشبيهاً لها بمريم في المنزلة عند الله تعالى .البحار : 15/43، ح 13..

وقال ثعلب : لانقطاعها عن نساء زمانها وعن نساء الأمة فضلاً، وديناً، وحسباً وعفافاً، وهي سيدة نساء العالمين. تاج العروس: 7 / 220، وتحفة الأحوذي : 4 / 171.

وقيل : البتول من النساء المنقطعة عن الدنيا إلى الله تعالى وبه لقبت فاطمة (رضي الله عنها).

وفي مجمع البحار وسُمّيت مريم وفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بالبتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما فضلاً وديناً، وعن الدنيا إلى الله تعالى.

وعن عمر بن علي (رضیَ اللّهُ عنهُ): أن النبي سُئل عن البتول، وقد قيل له : سمعناك يارسول الله تقول مريم بتول، وفاطمة بتول : فما ذاك؟ فقال: «البتول التي لم تر حمرة قط»، أي لم تحض، فإن الحيض مكروه في بنات الأنبياء (عليهم السلام). البحار : 16/43، ح 14..

وعن أسماء بنت عميس قالت: كنت قد شهدت فاطمة قد ولدت بعض ولدها فلم أر لها دماً، فسألت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال لى : «يا أسماء إنّ فاطمة خُلقت حورية إنسية، أما علمت أن فاطمة طاهرة مطهرة» فاطمة الزهراء لتوفيق : 60، وبحار الأنوار: 7/43، ح 8..

لقد كانت فاطمة إلى جانب إنسانيتها تحمل كل صفات الملائكة وسمات الحور العين كانت إنسانة وكانت حوراء.

ولقد قال أبوها النبي الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «خلق الله نور فاطمة قبل أن يخلق الأرض والسماء».

فقال بعض الناس : يا نبي الله، فليست ليست هي إنسية.

فقال: «فاطمة حوراء إنسية».

ومن علامات الحور العين أنها لا تطمث، فقد قال تعالى: (لَمْ يَطْمِئْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ).

وكذلك الزهراء فإنّها كانت طاهرة من الحيض والنفاس. وقد أجمع المسلمون على أنّها لم ترحيضاً ولا نفاساً. وهذه ميزة فريدة امتازت بها على بنات حوّاء. فاطمة الزهراء لتوفيق أبو علم : 60، 61..

وقيل : سُمّيت بتولاً لأنها بتلت عن الظير، قاله عبيد الهروي. بحار الأنوار: 16/43..

5. وهي المنصورة، كما روي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حديث التفّاحة جاء فيه : «... فإن ذلك النور للمنصورة في السماء وهي في الأرض فاطمة». :قلت: حبيبي جبرائيل ولِمَ سُمّيت في السماء المنصورة وفي الأرض فاطمة؟

قال : سُمّيت في الأرض فاطمة لأنّها فطمت شيعتها من النار وفطم أعداؤها عن حبّها وهي في السماء المنصورة وذلك قوله الله عزّ وجلّ (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله فينصر من يشاء) (سورة الروم : 4) يعني نصر فاطمة لمحبّيها»، بحار الأنوار: 43 / 4، 5، ح 3..

6 . وهي الطاهرة وسُمّيت الطاهرة لطهارتها من كلّ دنس وطهارتها من كلّ رفث وما رأت قط يوماً حمرة ولا نفاساً» كما روي عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحار الأنوار : 19/43، ح 20..

7 . وبالصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية وهي آيات على ما اتسمت به. (رضي الله عنها). من الصدق والبركة والطهارة والرضا والطمأنينة. فاطمة الزهراء لتوفيق أبو علم : 59..

.

1) البحار 11/43 – 12.

إذا عرفت ذلك فلنشرع في شرح كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأقول :

بدأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسلام قبل الكلام رعاية لرسم الأدب ومواظبة على الندب فقال : (السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك) أي في البقيع كما روي عن ابن عباس في حديث وفاتها قال: فلما أرادوا أن يدفنوها نودوا من بقعة من البقيع : إلي إليّ، فقد رفع تربتها مني، فنظر فإذا هي بقبر محفور فحملوا السرير إليها فدفنوها، أو في بيتها وهو المشهور.

روى في (البحار) (1)من المناقب قال : قال أبو جعفر الطوسي : الأصوب أنها مدفونة في دارها أو في الروضة يؤيد قوله قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إن بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»، وفي (البخاري) (2)بين بيتي ومنبري قالوا حد الروضة ما بين القبر إلى المنبر إلى الأساطين التي تلي صحن المسجد (3).


1) بحار الأنوار: 185/43.

2) راجع جواهر الكلام: 085/20.

3) صحيح البخاري : 57/2.

وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : سألت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قبر فاطمة، فقال : دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد. ورواه أيضاً في (الكافي) عن علي عن علي بن محمد وغيره عن سري بن زياد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله (1).

(والسريعة اللحاق بك) واردة في مقام التفجع والتشكي من تواتر المحن والمصائب الموجبة لقصر عمرها والمعدة لسرعة لحاقها به سلام الله عليها وعلى أبيها.

وروى في (البحار) من المناقب عن (البخاري) و (مسلم) و (الحلية) و (مسند أحمد بن حنبل) عن عائشة أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دعا فاطمة في شكواه الذي قبض فيه فسارّها بشيء، فبكت ثم دعاها «سارها ظ» فضحكت فسألت عن ذلك فقالت : أخبرني النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه مقبوض فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقاً به فضحكت (2).

ومن (المناقب) من كتاب ابن شاهين قالت أم سلمة وعائشة : إنها لما سئلت عن بكائها وضحكها فقالت : أخبرني النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه مقبوض فبكيت، ثم أخبرني أن بنيه سيصيبهم بعدي شدّة فبكيت ثم أخبرني أني أول أهله لحوقاً به (3).

وقد اختلفت الأخبار جداً في مدة بقائها بعد أبيها.

قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين كانت وفاة فاطمة بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بمدة يختلف في مبلغها، فالمكثر يقول : ثمانية أشهر ؛ والمقلّل يقول : أربعين يوماً إلا أن الثبت في ذلك ما روي عن أبي جعفر محمد بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنها توفيت بعده بثلاثة أشهر، حدثني بذلك الحسن بن علي عن الحرث عن ابن سعد عن الواقدي عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي (4).

وفي (كشف الغمة) ونقلت من كتاب الذرية الطاهرة للدولابي في وفاتها ما نقله عن رجاله قال لبثت فاطمة (عليها السلام) بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثلاثة أشهر (5).

وقال ابن شهاب ستة أشهر وقال الزهري ستة أشهر ومثله عن عائشة ومثله عن عروة بن الزبير (6).


1) الكافي : 461/1، والمبسوط للطوسي : 381/1.

2) البحار : 43 / 181، وصحيح البخاري : 210/4، وفضائل فاطمة لابن شاهين: 18.

3) مناقب آل أبي طالب : 136/3.

4) مقاتل الطالبيين : 8، والبحار : 215/43.

5) كشف الغمة : 133/2، والذرية الطاهرة : 109.

6) راجع البحار : 188/43.

وعن أبي جعفر محمد بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ): خمساً وتسعين ليلة في سنة إحدى عشرة، وقال ابن قتيبة في (معارفه) مائة يوم وقيل : ماتت في سنة إحدى عشرة ليلة الثلاثاء لثلاث ليال من شهر رمضان المبارك وهي بنت تسع وعشرين سنة أو نحوها.

وفي (البحار) عن الكفعمي في الثالث من جمادي الآخرة الآخرة (1).

وفي (الكافي) بسنده عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خمسة وسبعين يوماً وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان يأتيها جبرئيل فيحسن عزاها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكتب ذلك (2).

كانت وفاة الصديقة سنة إحدى عشرة.

قال في (البحار) بعد نقله الأخبار على كثرة اختلافها :

أقول : لا يمكن التطبيق بين أكثر تواريخ الولادة والوفاة ومدّة عمرها الشريف ولا بين تواريخ الوفاة وبين ما مر في الخبر في الخبر الصحيح أنها عاشت بعد أبيها خمسة وسبعين يوماً، إذ لو كان وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الثامن والعشرين من صفر كان على هذا وفاتها في أواسط جمادى الأولى، ولو كان في ثاني عشر ربيع الأول كما ترويه العامة كان وفاتها في أواخر جمادى الأولى، وما رواه أبو الفرج عن الباقر : من كون مكثها بعده ثلاثة أشهر يمكن تطبيقه على ما هو المشهور من كون وفاتها في ثالث جمادى الآخرة، هذا (3).

وأما مدة عمرها فالأخبار فيه أيضاً مختلفة.

ففي (الكافي): ولدت فاطمة بعد مبعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بخمس سنين، وتوفيت ولها ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً، وبقيت بعد أبيها خمسة وسبعين يوماً (4).

ونحوه في (البحار) من (عيون (المعجزات) للسيد المرتضى قال: روي أن فاطمة توفيت ولها ثمان عشرة سنة وشهران وأقامت بعد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خمسة خمسة وسبعين يوماً وروي أربعين يوماً (5).

وفي (البحار) من بعض كتب المناقب القديمة عن سيد الحفاظ أبي منصور الديلمي بإسناده أن عبد الله بن الحسن دخل على هشام بن عبد الملك وعنده الكلبي فقال هشام لعبد


1) المصدر السابق.

2) الكافي : 241/1.

3) راجع بحار الأنوار: 43 / 79 - 156 – 195.

4) الكافي : 228/3.

5) البحار: 308/36، و 43 / 7 – 21.

الله بن الحسن: يا أبا محمد كم بلغت فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من السن؟ فقال: بلغت ثلاثين، فقال الكلبي : ما تقول؟ قال: بلغت خمساً وثلاثين فقال هشام لعبد الله : ألا تسمع ما يقول الكلبي ؟ فقال عبد الله : يا أمير المؤمنين سلني عن أمي فأنا أعلم بها، وسل الكلبي عن أمه فهو أعلم بها (1).

وعن العاصمي بإسناده عن محمد بن عمر قال : توفيت فاطمة بنت محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لثلاث ليال خلون من شهر رمضان وهي بنت تسع وعشرين أو نحوها، وقال محمد بن إسحاق توفيت ولها ثمان وعشرون سنة، وقيل : سبع وعشرون سنة.

وفي رواية أنها ولدت على رأس سنة إحدى وأربعين من مولد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيكون سنّها على هذا ثلاثاً وعشرين والأكثر على أنها كانت بنت تسع وعشرين أو ثلاثين، والله العالم بحقائق الوقائع.

ثم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد السلام على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) شرع في إظهار التفجع والأسف فقال :

(قل يا رسول الله عن صفيتك صبري) قال الشارح المعتزلي : أجله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن أن يقول : عن ابنتك، فقال : عن صفيتك وهذا من لطائف عبارته ومحاسن كنايته.

أقول : وفيه مضافاً إلى ذلك الإشارة إلى كونها صفية له مختارة عنده كما أنها كانت صفية الله حسبما عرفت في رواية (الأمالي) المتقدمة في وجه تسميتها بسيدة النساء من أن الملائكة يسلمون عليها وينادونها بما نادت الملائكة مريم فيقولون: يا فاطمة إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين.

وفي (البحار) الخصال فيما أوصى به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «يا علي إنَّ الله عز من وجل أشرف على الدنيا فاختارني منها على رجال العالمين، ثم اطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين بعدي، ثم اطلع الثالثة فاختار الأئمة من ولدك على رجال العالمين بعدك، ثم اطلع الرابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين» (2).

وفي الإشارة أيضاً إلى ما كان له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حقها من التبجيل والمحبة والإعظام ما لم يكن في حق غيره حتى روي عن القرطبي في كتاب (إكمال الإكمال) : أن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) أحب بناته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأكرمهن عنده وسيدة نساء الجنة وكان إذا قدم من سفره بدأ بالمسجد فيصلي ركعتين ثم ببيت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فيسأل عنها ثم يدور على نسائه إكراماً لفاطمة واعتناء بها.

وفي (البحار) من «الأمالي» بسنده عن عائشة بنت عن طلحة عائشة قالت: ما رأيت أحداً


1) البحار : 213/43، ج 44.

2) الخصال : 206، والبحار : 43 / 26 – 99.

من الناس أشبه كلاماً برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه رحّب بها وقبل يديها وأجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به وقبلت يديه، الخبر (1).

ومن المناقب من (جامع الترمذي) وإبانة العكبري وأخبار فاطمة عن أبي عن الصولي و (تاريخ خراسان) عن السلامي مسنداً أن جميعاً التميمي قال : دخلت مع عمتي على عائشة مع فقالت لها عمتي ما حملك على الخروج على عليّ؟ فقالت عائشة : دعينا فوالله ما كان أحد من الرجال أحب إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من علي، ولا من النساء أحب إليه من فاطمة (2).

وقوله : (ورق عنها تجلدي) أي ضعف عن فراقها تحملي للجلد والصبر من عظم الرزية وشدة المصيبة

(إلا أن لي في التأسي) والاقتداء (بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز) وهو وارد مورد التسلية لنفسه القدسية، فإنه لما ذكر عظم وجده في افتقاد الصديقة سلام الله عليها وشدة تأثيره فيه استدرك ذلك، بأني قد أصبت قبل ذلك بعظيم فراقك وثقيل مصابك فصبرت عليه مع كونه أعظم رزء وأشد تأثيراً فينبغي لي أن أقتدي في الصبر على تلك المصيبة الحادثة بالصبر على هذه المصيبة الماضية لكونها سهلاً عندها.

وبعبارة أوضح فكأنه يقول : إن صفيتك وإن عظم بفراقها المصاب، وقلّ عنها الصبر والتحمل، إلا أن فراقك قد كان أعظم وأجلّ، ومصابك أشدّ وأثقل، فكما صبرت في تلك الرزية العظمى فلئن أصبر في هذه المصيبة كان أولى وأحرى.

ثم أكد شدة تأثره بفراقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بشرح بعض حالاته معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين موته المفيدة لمزيد اختصاصه به فإن الاختصاص كلما كان أزيد كان تأثير الفراق أشدّ فقال :

(فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك) أي اتخذت لك وسادة في قبرك المعمولة فيها اللحد وهو كناية عن دفنه له فيها بيده.

(وفاضت بين نحري وصدري نفسك) وقد مضى تحقيق معنى هذه الفقرة وتفصيل الكلام فيها وفي سابقتها في شرح الخطبة المائة والسادسة والتسعين فليراجع هناك.

والمراد بهاتين الفقرتين حسبما أشرنا إليه إظهار مزيد تفجُعِهِ بمصيبته به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتجرعه بغصص الفراق فإن أعظم المصائب وأشدّ الآلام أن تخرج روح أحب الخلق إلى الرجل ورأسه في صدره وأن يدفنه بيده في قبره.

ثم لما كان الاسترجاع موجباً للسلوة ولجبران المصيبة مضافاً إلى ما فيه من عظيم


1) أمالي الطوسي: 400، والبحار 25/43.

2) مناقب آل أبي طالب : 111/3 .

الأجر والاستبشار بالنعمة الدائمة استرجع وقال :

(إنا لله وإنا إليه راجعون) أما الاستبشار فلقوله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنا لله وإنا إليه راجعون * إِلَيْهِ أُوْلَئكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأَوَلَئكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155 - 157]. وأما السلوة والأجر العظيم:

فلما رواه في (الصافي) من (مجمع البيان) عن النبي : «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضيه»، قال : وقال: «من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعاً وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب» (1).

وفيه من (الكافي) عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما من عبد يصاب بمصيبة فيسترجع عند ذكر المصيبة إلا غفر الله له كل ذنب فيما بينهما (2).

وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): من ذكر مصيبة ولو بعد حين فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد رب العالمين، اللهم أجرني على مصيبتي واخلف عليّ أفضل منها، كان له من الأجر مثل ما كان له عند أول صدمته (3).

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة) استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ الوديعة والرهينة لتلك النفس الكريمة لأن الأرواح كالوديعة والرهن في الأبدان أولاً : أن النساء كالودائع والرهائن عند الأزواج يجب عليهم مراقبتهن ومحافظتهن كما يجب على المستودع والمرتهن حفظ الودائع والرهائن.

ثم ذكر ما ناله من تلك المصيبة فقال: (أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم) يريد أن حزنه دائم وأنه يسهر ليله إلى انتقاله إلى الدار الآخرة والتحاقه برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مجلس القدس ومحفل الأنس.

وهذا كما قال الشارح المعتزلي من باب المبالغة التي يستعملها الفصحاء والشعراء في كلامهم وهو من محاسن البلاغة قال الشاعر :

قال لي كيف أنت قلت عليل***سهر دائم حزن طويل

وإنما قلنا : أنه من باب المبالغة لأنه ما سهر منذ ماتت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) إلى أن قتل، وإنما أسهر ليلة أو شهراً أو سنة نعم دوام الحزن فهو على حقيقته فإنه لم يزل حزيناً إذا ذكرت فاطمة (عليها السلام) عنده.


1) مجمع البيان: 1 / 442، وتفسير الصافي : 204/1.

2) الكافي : 3/ 221 – 224.

3) المصدر السابق ووسائل الشيعة : 249/3 ح 3542.

ثم ساق الكلام مساق التشكي إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من سوء فعل الأمة بعده فقال : وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها لا يخفى ما في هذه العبارة من حسن السان مع بديع الإيجاز فإن التظافر بمادته التي هي الظفر وهو الفوز على المطلوب يدل على أن هضمها كان مطلوباً لهم ولكنهم لم يكونوا متمكنين من الفوز به ما دام كونه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حيّاً بين أظهرهم، فلما وجدوا العرصة خالية من وجوده الشريف فازوا به.

وإن كان مأخوذاً من أظفر الصقر الطائر من باب افتعل وتظافر أي علق عليه ظفره وأخذه برأسه فيدلّ على أنهم علقوا أظفارهم على هضمها قاصدين بذلك قتلها وإهلاكها.

ثم أن المعاني الخمسة المذكورة للهضم كلها مناسبة للمقام.

أما المعنى الأول : فلأنهم قد تظافروا على رفعها عن محلها ومقامها الذي كان لها وحطوها عن مرتبتها المقررة ولم يراعوا في حقها ما كان لازماً عليهم من التبجيل والإعظام والتعظيم والإكرام، بل تعاملوا معها معاملة الرعية والسوقة حتى ألجأوها إلى الخروج إلى مجامع الرجال في أمر فدك وغيره مثل سائر النسوة البررة.

وعلى المعنى الثاني : فيكون إشارة إلى ما صدر عنهم من كسر ضلعها وإسقاط جنينها يوم إخراجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من البيت ملبياً للبيعة.

وعلى الثالث فيكون إشارة إلى اجتماعهم على نقص حقها المقرر لها بقوله تعالى : (وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) [الإسراء : 26].

ومثله المعنى الخامس فيكون إشارة إلى غصب فدك.

وأما المعنى الرابع : فهو أولى بالإرادة لشموله جميع مظالمها وما وقع في حظها من الظلم والجور، فإلى الله المشتكى من سوء عمل الأمة وشنيع فعلهم بالعترة وما أدري :

ماذا يقولون إذ قال النبي لهم***ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي***منهم أسارى ومنهم خرجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم***أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم

(فأحفها السؤال) أي بالغ في سؤالها واستقص في مسألتها واستخبرها الحال أي حالها وحالي بعد ارتحالك وافتقادك.

(هذا) أي تظافر الأمة على الهضم كائن (و) الحال أنه (لم يطل العهد) أي عهدهم بك أو ما عاهدتهم عليه من الموذة في القربى والمواظبة بالثقلين (ولم يخل منك الذكر) أي لم يرتفع ذكر الجميل عن أفواههم.

ومحصله أنه لم يطل المدة من موتك حتى ينسوا وصاياك المتأكدة في حق العترة أو

يغفلوا من صنايعك العظيمة في حقهم فيقابلوها بهذا الكفران العظيم.

ولما أراد الوداع ختم كلامه بالسلم كما بدأ به جرياً على مجاري عادة الأحباب عند وداع بعضهم لبعض فقال :

(والسلام عليكما سلامٌ مودّع) محبّ مشتاق مشفق (لا قال ولا سئم) أي لا مبغض لكما ولا ملول من طول صحبتكما، وأوضح ذلك بقوله : (فإن أنصرف* عن زيارتكما (فلا عن ملالة، وإن أقم) أي أقمت عند ضريحكما (فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين) بقوله : أوَلَئكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة : 157].

تذنيب

ينبغي لنا أن نذكر شطراً من الأخبار فيما وقع عليها من الظلم وبكائها وحزنها وشكايتها في مرضها وكيفية وفاتها ودفنها صلوات الله عليها ولعنة الله على غاصبي حقها وظالميها، فأقول :

روى في (كشف الغمة) عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : البكاؤون خمسة آدم، ويعقوب ويوسف، وفاطمة بنت محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ).

فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خدّيه مثل الأودية.

وأما يعقوب فيكي على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له : (تَاللَّهِ تَفْتَوا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: 85].

وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا : إما أن تبكي بالنهار وتسكت بالليل وإما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، فصالحهم على واحدة منهما.

وأما فاطمة فبكت على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها : قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها وتنصرف.

وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) عشرين سنة أو أربعين وما وضع بين يديه طعام قط إلا بكى حتى قال له (عَلَيهِ السَّلَامُ) مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنما أشكو بنّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون أني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك العبرة (1).


1) الخصال 272، وروضة الواعظين : 170 - 450.

وفي (البحار) من الأمالي عن الدقاق عن الأسدي عن النخعي عن النوفلي عن البطائي عن أبيه عن ابن جبير عن ابن عباس في خبر طويل أخبر فيه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بظلم أهل البيت قال :

«وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهي نور عيني وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الأنسية متى ما قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله عز وجل لملائكته: يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي وقد أقبلت بقلبها على عبادتي أشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار.

وإني لما رأيتها ذكرت ما صنع بها بعدي كأني بها وقد دخل الذل بيتها وانتهكت حرمتها وغصبت حقها ومنعت إرثها وكسر جنبها وأسقطت جنينها وهي تنادي: يا محمداه فلا تجاب وتستغيث فلا تغاث فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة وتتذكر فراقي أخرى وتستوحش إذا جنَّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت أيام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤسسها الله تعالى ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا فاطمة اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين:.

«ثم يبتدىء بها الوجع فتمرض فيبعث الله عز وجل إليها مريم بنت عمران تمرّضها وتؤنسها في علتها فتقول عند ذلك : يا رب إني قد سئمت الحياة وتبرمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي، فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فَتُقدِم علي محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك : اللهم العن من ظلمها وعاقب من غصبها وذلّل من أذلها، وخلّد في نارك من ضرب جنينها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك آمين» (1).

ومن كتاب (دلائل الإمامة) للطبري بالإسناد عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قبضت فاطمة في جمادي الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة وكان سبب وفاتها أنَّ قنفذ مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره فأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً ولم تدع أحداً ممن أذاها يدخل عليها.

وكان الرجلان من أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو سألا أمير المؤمنين أن يشفع لهما إليها، فسألها الله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما دخلا عليها قالا لها كيف أنت يا بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ قالت : بخير


1) البحار 38/28، ج 1، 24/43 ج 20.

بحمد الله، ثم قالت لهما ما سمعتما النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: «فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله؟»، قالا بلی، قالت: فوالله لقد آذيتماني، قال: فخرجا من عندها وهي ساخطة عليهما (1).

أقول : وقد تقدم في المقدمة الثالثة من مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية برواية سليم بن قيس الهلالي تفصيل كيفية دخول قنفذ اللعين بيت فاطمة وإحراق بابها وبعض مظالمها، وأورد هنا بعض ما تقدم من رواية سليم ملخصاً ونضيف إليه ما لم يتقدم هناك بحسب اقتضاء المقام وما أورده هنا أنقله من المجلد العاشر من (البحار) على ما لخصته أيضاً، فأقول:

قال المحدث العلامة المجلسي : وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي برواية أبان بن أبي عياش عنه عن سلمان وعبد الله بن العباس قالا : توفّي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم توفي فلم وضع في حفرته حتى نكث الناس وارتدوا وأجمعوا على الخلاف، واشتغل علي برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته، ثم أقبل على تأليف القرآن وشغل عنهم بوصية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقال عمر لأبي بكر يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل وأهل بيته فابعث إليه، فبعث إليه ابن عم لعمر يقال له : قنفذ، فقال : يا قنفذ انطلق إلى علي فقل له : أجب خليفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فبعثا مراراً وأبي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يأتيهم فوثب عمر غضباناً ونادى خالد بن الوليد وقنفذاً فأمرهم أن يحملا حطباً وناراً.

ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفاطمة (عليها السلام) قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى يا ابن أبي طالب افتح الباب فقالت فاطمة (عليها السلام) خلف الباب : ما لنا ولك لا تدعنا وما نحن فيه؟ قال : افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم فقالت يا عمر أما تتقي الله تدخل على بيتي وتهجم على داري بغير إذني، فأبى أن ينصرف.

دعا عمر بالنار فأضر. بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب (2)

*قال المسعودي في مروج الذهب وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول : انما أراد بذلك ان لا تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر فانه أحضر الحطب ليحرّق عليهم الدار» (شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 495 ذيل شرح الحكمة: 461. ط. دار الكتب العربية بمصر 1329، و 20 / 147 من الطبعة الأولى سنة 1378 / 1961 للحلبي بمصر بتحقيق محمد أبو الفضل، وذكر بالهامش: مروج الذهب 3 / 86 مما يشعر بأنه وقف على نسخة الكتاب غير المحرفة). هذا في شرح النهج.

•

أما في مروج الذهب المطبوع والمحرف فقال المسعودي : «وحدث النوفلي في كتابه في الاخبار عن ابن عائشة عن أبيه عن حماد بن سلمة قال : كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره اياهم في الشعب وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول انما أراد بذلك ارهابهم ليدخلوا في طاعته كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لاحراقهم اذهم أبوا البيعة فيما سلف وهذا الخبر لا يحتمل ذكره هنا وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الاذهان» أنتهى (مروج الذهب): 2 / 72 تحت عنوان (ذكر أيام معاوية بن يزيد... وعبد الله بن الزبير). من الطبعة الأولى بالمطبعة الازهرية المصرية سنة 1303 هـ، و 3 / 77 ط. المصورة في ايران. دار الهجر 1404 هـ و 2 / 100 ط. مصر 1346 هـ). فحذف اسم عمر منها.

•

وقال أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة عن سلمة بن عبد الرحمن قال: «لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي والزبير وناسٌ من بني هاشم في بيت فاطمة فجاء عمر اليهم فقال : والذي نفسي بيده لتخرجن الى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم» !.

وفي رواية سعد بن أبي وقاص: كان معهم المقداد أيضاً، ولكن فيه : «وخرجت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) تبكي وتصيح» (شرح النهج لابن أبي الحديد: 1 / 134 0 130 شرح الخطبة 26 من طبعة دار الكتب العربية بمصر سنة 1329 هـ، و 2 / 56. 45. من طبعة الحلبي الأولى بمصر 1961 م. 1378 هـ بتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، الموافقة للمصورة في ايران).

•

وقال الطبري: عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن الى البيعة (تاريخ الطبري: 3/ 198 2000 أوائل حوادث سنة 11 من الطبعة الحسينية الأولى بمصر سنة 1326، و 2 / 443 من طبعة الاستقامة بالقاهرة سنة 1357 هـ، الموافقة للمصورة بايران).

•

وقال توفيق أبو علم: بعد ذكر رواية الطبري : وفي رواية أخرى أنه عمر قال لعلي ان لم تبايع أبا بكر لاحرقن دارك. قال علي : أوتحرقها وفيها بنت رسول الله!!

قال: أحرقها وفيها بنت رسول الله ! واستشهد بأبيات شاعر النيل حافظ ابراهيم (أهل البيت : 238 موقف الامام بعد وفاة الرسول).

• ونقل المدائني عن أبن عون: ان أبا بكر أرسل الى علي يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت : يا ابن الخطاب أتراك محرقاً علي بابي ؟

قال : نعم وذلك أقوى فيما جاء به أبوك (أنساب الاشراف: 1 / 586 أبوك أنساب الاشراف: 12 / 586 ح 1184 حديث الشورى، ط. دار المعارف. القاهرة الطبعة الثالثة).

•

وقال اليعقوبي (وبعض المؤرخين) : «وبلغ ابا بكر وعمر ان جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منزل فاطمة بنت رسول الله له فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار، فخرج علي ومعه السيف فلقيه عمر فصارعه عمر فصرعه وكسر سيفه، ودخلوا الدار، فخرجت فاطمة فقالت : والله لتخرجن او لأكشفن شعري ولأعجن الى الله ! فخرجوا (تاريخ اليعقوبي : 2 / 126 ذيل خبر السقيفة، وبيعة أبي بكر وأهل البيت لتوفيق أبو علم : 238 :وقال ذكرها اليعقوبي وغيره من المؤرخين).

•

وقال في الملل والنحل عن ابراهيم النظام ان عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح أحرقوا دارها بمن فيها وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسنين (الملل والنحل: 83 باب 1 فصل 1 ذكر المعتزلة، فرقة النظامية. من ط. مصر، وج 1 / 73 ط. مصر الأولى 1317، و 57 من ط. دار الفكر بيروت).

•

وأخرج الحموي بسنده الى ابن عباس وأما ابنتي فاطمة فانها سيدة نساء العالمين من الأولين والاخرين، وهي بضعة مني وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الانسية واني لما رأيتها ذكرت ما يُصنع بها بعدي كأني وقد دخل الذل بيتها وانتهكت حرمتها وغصب حقها ومنعت ارثها وكسر جنبها واسقطت جنينها وهي تنادي يا محمداه فلا تجاب وتستغيث فلا تغاث... اللهم العن من ظلمها وعاقب من غصبها، وذلل من أذلها، وخلد في النار من ضرب جنبها حتى القت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك آمين (فرائد السمطين : 2 / 35 الباب السابع ح 371).

•

وقال ابن قتيبة ان ابا بكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث عمر فجاء فناداهم في دار علي فأبوا ان يخرجوا، فدعا بالحطب وقال : الذي نفس عمر بيده لتخرجن او لأحرقتها على من فيها قيل :له يا ابا حفص ان فيها فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)؟ فقال : وإن !!. فوقفت فاطمة (رضي الله عنها) على بابها فقالت : «لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقاً».

فانصرفوا. ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت اصواتهم نادت بأعلى صوتها : «يا ابت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة».

ثم قال : فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا الى فاطمة فانا اغضبناها، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلماء فادخلهما عليها، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط فسلما عليها قلم ترد (عليهما السلام).

فقالت : «أرأيتكما ان حدثتكما حديثاً عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏) تعرفانه وتفعلان به ؟» قالا : نعم.

فقالت: «نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد احبني ومن أرضى فاطمة فقد ارضاني ومن أسخط فاطمة فقد اسخطني».

قالا : نعم سمعناه من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

قالت : فاني اشهد الله وملائكته انكما اسخطماني وما ارضيتماني ولئن لقيت النبي لا شكونكما اليه.

فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب يبكي حتى كادت نفسه تزهق.

وهي تقول : «والله لأدعون الله عليك في كل صلاة اصليها» (الامامة والسياسة : 1 / 13 تحت عنوان: «كيف كانت بيعة علي» من طبعة الفتوح: الادبية سنة 1344، وج 1 / 18. 19 من طبعة الحلبي بالقاهرة بتحقيق الدكتور طه الزيني سنة 1378 هـ، و 1 / 30 الطبعة المصورة في إيران عن من في ايران عن طبعة مصر بتحقيق على شيري، وكتاب سليم : 254، وبحار الأنوار: 204/43 وعلل الشرائع : 1 / 186 باب 129).

•

وروي الجوهري بعض هذا الكلام في خطبة فاطمة في مجلس أبي بكر اختصره ابن أبي الحديد جاء فيه : «والله لا كلمتك أبدا ! والله لأدعون الله عليك» (شرح النهج : 16 / 214 كتاب 45 كتابه الى عثمان بن الاحنف).

•

وقال محمد الحفناوي في كتابه (أبو سفيان): وأشهر الروايات في تخلف علي وبني هاشم، وأكثرها ذيوعاً ما أورده ابن قتيبة في الامامة والسياسة وذكر الخبر بطوله» (أبو سفيان لمحمد الحفناوي : 169 الطبعة الأولى. دار الزيني بمصر سنة 1378 / 1959).

•

وقال ابن عبد البر الاندلسي: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث اليهم عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له : (أن أبوا فقاتلهم).

فأقبل بقيس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت : «يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا !؟ قال نعم أو تدخلوا أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة ! (العقد الفريد: 2594 0 260 كتاب العسجدة الثانية في في الخلفاء تحت عنوان : «الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر» من طبعة القاهرة الطبعة الثانية 1962م، و 2 / 250 ط، مصر 1293هـ و 4 / 247 ط، دار إحياء التراث العربي بيروت).

• قال حافظ ابراهیم تحت عنوان : «عمر وعلي»

وقولة لعلي قالها عمر***أكرم بملقيها أعظم بملقيها

حرقت دارك لا أبقى عليك بها***إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها*** أمام فارس عدنان وحاميها

فاذكرهما وترحم كلما ذكروا*** أعاظماً الهوا في الكون تأليها

قال المحقق في هامش الديوان يشير بهذه الابيات الى امتناع علي عن البيعة لابي بكر يوم السقيفة وتهديد عمر اياه باحراق بيته إذا استمر على امتناعه وكان فيه زوجة علي فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (ديوان حافظ ابراهيم : 1 / 63 طبعة صادر الاولى ببيروت 1409 هـ، ونقل الابيات توفيق أبو علم مع تغاير بسيط أشرت له. أهل البيت لتوفيق: 238 موقف الامام بعد وفاة الرسول).

، ثم دفعه عمر فدخل فاستقبلته ثم

1) دلائل الإمامة : 134، صراط النجاة: 441/3.

2) تهديد بيت فاطمة بنت محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ) بالإحراق

فاطمة وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجى به جنبها

فصرخت یا أبتاه فرفع السوط فضرب به ذراعها ونادت يا رسول الله بئس ما خلفك أبو بكر وعمر.

فوثب علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخذ بتلابيب عمر فصرعه ووجى أنفه ورقبته وهم بقتله فذكر قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وما أوصاه به من الصبر والطاعة فقال : والذي أكرم محمداً بالنبوة يا ابن ضحاك لولا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي.

فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار فكاثروه وألقوا في عنقه حبلاً فحالت بينهم وبينه فاطمة عند باب البيت فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت، وأن في عضدها كمثل الدّملج من ضربته لعنه الله، فألجأها إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنينها من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلّى الله عليها من ذلك شهيدة - وساق الحديث إلى أن قال -:

قال ابن عباس : ثم إن فاطمة بلغها أن أبا بكر قبض فدكاً، فخرجت في نساء بني هاشم حتى دخلت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر أتريد أن تأخذ مني أرضاً جعلها لي رسول

الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ فدعا أبو بكر بدواة ليكتب به لها فدخل عمر لعنه الله فقال : يا خليفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا تكتب لها حتى تقيم البينة بما تدّعي فقالت فاطمة علي وأم أيمن يشهدان بذلك. فقال عمر: لا تقبل شهادة امرأة أعجمية لا تفصح وأما علي فيجرّ النار إلى قرصته فرجعت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) مغتاظة فمرضت.

وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر وعمر كيف بنت رسول الله؟ إلى أن ثقلت فسألا عنها :وقالا : وقد كان بيننا وبينها ما قد علمت فإن رأيت أن تأذن لنا لنعتذر إليها من ذنبنا، قال : ذاك إليكما، فقام فجلسا في الباب.

فدخل عليّ على فاطمة فقال : أيتها الحرة فلان وفلان في الباب يريدان أن يسلّما عليك فما تريدين؟ قالت البيت بيتك والحرة زوجتك وافعل ما تشاء، فقال: سدي قناعك، فسدت قناعها وحولت وجهها إلى الحائط، فدخلا وسلما وقالا أرضي عنا رضي الله عنك فقالت : ما دعا إلى هذا؟ فقالا اعترفنا بالإساءة ورجونا أن تعفي عنا فقالت : إن كنتما صادقين فأخبراني عما أسألكما عنه فإني لا أسألكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه، فإن صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما قالا سل عما بدا لك، قالت نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول : «فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني؟ قالا : نعم قال فرفعت يدها إلى السماء فقالت : اللهم إنهما قد أذياني فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك لا والله لا أرضى عنكما أبداً حتى ألقى أبي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما

قال : فعند ذلك دعى أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعاً شديداً، فقال عمر له : تجزع يا خليفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قول امرأة؟

قال : فبقيت فاطمة بعد وفاة أبيها أربعين ليلة فلما اشتدّ بها الأمر دعت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عليّاً وقالت يا ابن عم ما أراني إلا لما بي وإني أوصيك أن تتزوج بأمامة بنت أختي زينب تكون لولدي مثلي، واتخذ لي نعشاً فإني رأيت الملائكة يصفونه لي، وأن لا يشهد أحد من أعداء الله جنازتي ولا دفني ولا الصلاة عليّ.

قال ابن عباس : فَقُبِضت فاطمة (عليها السلام) من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقولان له: يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فلما كان الليل دعا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) العباس والفضل والمقداد وسلمان وأبا ذر وعماراً فقدّم العباس وصلى عليها ودفنوها ليلا.

فلما أصبح الناس أقبل أبو بكر وعمر والناس يريدون الصلاة على فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقال

المقداد قد دفنا فاطمة البارحة، فالتفت عمر إلى أبي بكر فقال : ألم أقل لك إنهم سيفعلون؟ فقال العباس : إنها أوصت أن لا تصليا عليها فقال عمر: لا تتركون يا بني هاشم حسدكم القديم لنا أبداً، إن هذه الضغائن الذي في صدوركم لن تذهب والله لقد هممت أن أنبشها فأصلي عليها، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لو رمت ذلك يا ابن صهاك لا رجعت إليك يمينك، لئن سللت سيفي لأغمدته دون إزهاق نفسك، فانكسر عمر وسكت وعلم أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا حلف صدق.

ثم قال علي : يا عمر يا عمر الست الذي هم بك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأرسل إلى فجئت متقلداً سيفي ثم أقبلت نحوك لأقتلك فأنزل الله عز وجل : (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدَّا)[مريم : 84](1).

وفي (كشف الغمة) روي أنها (عليها السلام) أوصت علياً وأسماء بنت عميس أن يغسلاها.

وعن ابن عباس قال : مرضت فاطمة مرضاً شديداً فقالت لأسماء بنت عميس: ألا ترين إلى ما بلغت؟ فلا تحمليني على سرير ظاهر فقالت : لا لعمري ولكن أصنع نعشاً كما رأيت يصنع بالحبشة، قالت: فأرينها فأرسلت إلى جرائد رطبة فقطعت من الأسواق ثم جعلت على السرير نعشاً وهو أول ما كان النعش، فتبسمت وما رئيت مبتسمة إلا يومئذ، ثم حملناها و دفناها ليلاً وصلى عليها العباس بن عبد المطلب ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل بن العباس (2).

وعن أسماء بنت عميس أن فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قالت : إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها لمن رأى، فقالت أسماء : يا بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إني أريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة، قال: فدعت بجريدة رطبة فحسنتها ثم طرحت عليها ثوباً فقالت فاطمة ما أحسن هذا وأجمله لا تُعرف به المرأة من الرجل قال : قالت فاطمة : فإذا مت فاغسليني أنت ولا يدخلن علي أحد فلما توفيت فاطمة جاءت عائشة تدخل عليها فقالت أسماء لا تدخلي، فكلمت عائشة أبا بكر فقالت : إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين ابنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فقالت أسماء : أمرتني أن لا يدخل عليها أحد وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع لها ذلك. فقال أبو بكر: اصنعي ما أمرتك فانصرف وغسلها علي وأسماء (3).

وقيل : قالت فاطمة لأسماء حين توضأت وضوءها للصلاة: هاتي طيبي الذي أتطيب


1) بطوله في البحار 302/28 - 305 و 199/43.

2) كشف الغمة : 126/2.

3) كشف الغمة : 126/2.

به وهاتي ثيابي التي أصلي فيها، فتوضأت ثم وضعت رأسها فقالت لها : اجلسي عند رأسي فإذا جاء وقت الصلاة فأقيميني فإن قمت وإلا فارسلي إلى علي فلما جاء وقت الصلاة قالت : الصلاة يا بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فإذا هي قد قبضت، فجاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت له : قد قبضت ابنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، قال علي : متى؟ قالت حين أرسلت إليك قال: فأمر أسماء فغسلتها وأمر الحسن والحسين يدخلان الماء، ودفنها ليلاً وسوّى قبرها فعوتب على ذلك فقال : بذلك أمرتني (1).

وفي (البحار) من مناقب ابن شهراشوب عن ابن جبير عن ابن عباس قال : أوصت فاطمة (عليها السلام) أن لا يُعلم إذا ماتت أبو بكر ولا عمر، ولا يصليا عليها قال فدفنها علي ليلاً ولم يعلمهما بذلك (2).

وعن (الأصبغ) بن نباتة أنه سأل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن دفنها ليلاً، فقال: أنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها وحرام على من يتولاهم أن يصلي على أحد من ولدها (3).

وروي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سوى قبرها مع الأرض مستوياً وقالوا سوى حواليها قبوراً مزورة مقدار سبعة حتى لا يُعرف قبر لها (4).

وروي أنه رش أربعين قبراً حتى لا يبين قبرها من غيره من القبور فيصلوا عليها (5).

وفي (البحار) وجدت في بعض الكتب خبراً في وفاتها (عليها السلام) فأحببت إيراده، وإن لم آخذه من أصل يعول عليه.

روى ورقة بن عبد الله الأزدي قال: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام راجياً لثواب الله ربّ العالمين فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء مليحة الوجه عذبة الكلام وهي تنادي بفصاحة منطقها وتقول :

اللهم ربّ الكعبة الحرام والحفظة الكرام وزمزم والمقام والمشاعر العظام وربّ محمد خير الأنام البررة الكرام أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين وأبنائهم الغر المحجلين الميامين، ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين أن موالي خيرة الأخيار وصفوة الأبرار الذين علا قدرهم على الأقدار وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار المرتدين بالفخار.


1) المصدر السابق.

2) مناقب آل أبي طالب : 137/3، والبحار : 619/31.

3) المصدر السابق.

4) مناقب آل أبي طالب : 138/3.

5) المصدر السابق.

قال ورقة بن عبد الله، فقلت: يا جارية إني لأظنك من موالي أهل البيت؟ فقالت : أجل، قلت: ومن أنت من مواليهم؟ قالت أنا فضة أمة فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها، فقلت لها : مرحباً بك وأهلاً وسهلاً فلقد كنت مشتاقاً إلى كلامك ومنطقك فأريد منك الساعة أن تجيبيني من مسألة أسألك فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابة مأجورة، فافترقنا في الطواف.

فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام وإذا بها جالسة في معزل عن الناس، فأقبلت إليها واعتزلت بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة، ثم قلت لها يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء (عليها السلام) وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

قال : ورقة فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادية وقالت : يا ورقة بن عبد الله هيجت علي حزناً ساكناً وأشجاناً في فؤادي كانت كامنة، فاسمع الآن ما شاهدتُ منها.

إعلم أنه لما قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) افتجع له الصغير والكبير وكثر عليه البكاء وقل العزاء وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب، ولم تلق إلا كل باك وباكية ونادب ونادبة ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب والأقرباء أشد حزناً وأعظم بكاء وانتحاباً من مولاتي فاطمة الزهراء، وكان حزنها يتجدد ويزيد، وبكاؤها يشتد فجلست سبعة أيام لا يهدى لها أنين ولا يسكن منها حنين وكل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول.

فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت فكأنها من فم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تنطق فتبادرت النسوان وخرجت الولائد والولدان وضح الناس بالبكاء والنحيب وجاء الناس من كل مكان وأطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء، وخيّل إلى النسوان أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد قام من قبره، وصار الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم وهي تنادي وتندب أباء وا أبتاه واصفياء وا محمداه وا أبا القاسماه وا ربيع الأرامل واليتامى آه من للقبلة والمصلى، ومن لابنتك الوالهة الثكلى.

ثم أقبلت تعثر في أذيالها وهي لا تبصر شيئاً من عبرتها من تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها ودام نحيبها وبكاها إلى أن أغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت وهي تقول :

رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة وحيرانة فريدة فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي؛ وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي ولا راداً لدمعتي ولا معيناً لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومحبط جبرئيل، ومحل ميكائيل، انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلقت دوني الأبواب، فأنا للدنيا بعدك قالية وعليك ما ترددت أنفاسي باكية ولا ينفد شوقي إليك، ولا حزني عليك.

ثم نادت يا أبتاه والباه»، ثم قالت :

إن حزني عليك حزن جديد*** وفؤادي والله صبّ عنيد

كل يوم يزيد فيه شجوني***واكتئابي عليك ليس يبيد

جل خطبي فبان عني عزائي***فبكائي كل وقت جدید

إن قلباً عليك يألف صبراً*** أو عزاء فإنه لجليد

ثم: نادت يا أبتاه انقطعت بك الدنيا بأنوارها وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة قد اسود،نهارها فكان يحكي حنادسها رطبها ويابسها يا أبتاه لا زلت آسفة عليك إلى التلاق، يا أبتاه زال غمضي منذ حق الفراق يا أبتاه من للأرامل والمساكين، ومن للأمة إلى يوم الدين يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين يا أبتاه أصبحت الناس عنا معرضين، ولقد كنا

، بك معظمين فى الناس غير مستضعفين فأي دمعة لفراقك لا تنهمل، وأي حزن بعدك عليك لا يتصل وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل وأنت ربيع الدين ونور النبيين، فكيف للجبال لا تمور، وللبحار بعدك لا تغور، والأرض كيف لم تتزلزل رميت يا أبتاه بالخطب الجليل ولم يكن الرزية بالقليل، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم، وبالفادح المهول، بكتك يا أبتاه الأملاك، وو، ووقفت الأفلاك، فمنبرك بعدك مستوحش ومحرابك خال من مناجاتك، وقبرك فَرحُ بمواراتك، والجنة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك يا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك، فوا أسفاً عليك إلى أن أقدم عاجلاً عليك، والكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولديك الحسن والحسين وأخوك ووليك وحبيبك ومن ربيته صغيراً وآخيته كبيراً، وأحلى أحبابك وأصحابك من كان منهم سابقاً ومهاجراً، وناصراً، والشكل شاملنا، والبكاء قاتلنا، والأسى لازمنا.

ثم زفرت زفرة وأنت أنّة كادت روحها أن تخرج ثم قالت:

قل صبري وبان عني عزائي*** بعد فقدي لخاتم الأنبياء

عين يا عين اسكبي الدمع سخا***ويك لا تبخلي بفيض الدماء

یا رسول الإله يا خيرة الله*** وكهف الأيتام والضعفاء

قد بكتك الجبال والوحش جمعاً*** والطير والأرض بعد بكى السماء

وبكاك الحجون والركن و*** المشعر يا سيدي مع البطحاء

وبكاك المحراب والدّرس*** للقرآن في الصبح معلناً والمساء

وبكاك الإسلام إذ صار في النا*** س غريباً من سائر الغرباء

لو ترى المنبر الذي كنت تعلوه*** علاه الظلام بعد الضيا

يا إلهي عجّل وفاتي سريعاً***قد نغصت الحياة يا مولائي

قالت : ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها وهي لا ترقى دمعتها، ولا تهدىء زفرتها.

واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالوا له : يا أبا الحسن إن فاطمة تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فراشنا ولا بالنهار قرار على أشغالنا وطلب معايشنا وإنّا نخيّرك أن تسألها إما أن تبكي ليلاً أو نهاراً، فقال: حبّاً وكرامة.

فأقبل أمير المؤمنين حتى دخل على فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) وهي لا تفيق من البكاء، ولا ينفع فيها العزاء، فلما رأته سكتت هيمنة له فقال لها : يا بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلاً وإما نهاراً فقالت يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبتي من بين أظهرهم، فوالله لا أسكت ليلاً ولا نهاراً أو ألحق بأبي رسول الله، فقال لها علي : افعلي يا بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما بدا لك.

ثم إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً من المدينة يسمّى بيت الأحزان وكانت إذا صبحت قدمت الحسن والحسين أمامها وخرجت إلى البقيع باكية فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين إليها وساقها بين يديه إلى منزلها.

ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد أبيها سبعة وعشرون يوماً، واعتلت العلة التي توفيت فيها، فبقيت إلى يوم الأربعين وقد صلّى أمير المؤمنين صلاة الظهر وأقبل يريد المنزل إذ استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهن: ما الخبر وما لي أراكن متغيرات الوجوه والصور؟ فقلن : يا أمير المؤمنين أدرك ابنة عمك الزهراء وما نظنك تدركها.

فأقبل أمير المؤمنين مسرعاً حتى دخل عليها وإذا بها ملقاة على فراشها وهو من قباطي مصر وهي تقبض يميناً وتمدّ شمالاً، فألقى الرداء عن عاتقه والعمامة عن رأسه وحلّ أزراره.

وأقبل حتى أخذ رأسها وتركه في حجره وناداها يا زهراء، بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)فلم تكلمه، فناداها يا، فلم تكلمه فناداها: يا بنت من حمل الزكاة في أطراف ردائه وبذلها

على الفقراء، فلم تكلمه، فناداها يا ابنة من صلّى بالملائكة في السماء مثنى مثنى، فلم تكلمه فناداها یا فاطمة كلميني فأنا ابن عمك علي ابن أبي طالب.

قالت : ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما الذي تجدينه فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب فقالت : يا ابن العم إني أجد الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه وأنا أعلم أنك بعدي بعدي لا تصبر على قلة التزويج فإن أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوماً وليلة واجعل لأولادي يوماً وليلة ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين، فإنهما بالأمس فقدا جدّهما واليوم يفقدان أمهما، فالويل لأمة تقتلهما وتبغضهما، ثم أنشأت تقول :

إيكني إن بكيت يا خير هادي*** واسيل الدمع فهو يوم الفراق

یا قرين البتول أوصيك بالنّسل*** فقد أصبحا حليف الاشتياق

ايكني وابك لليتامي ولا*** تنسى قتيل العدى بطف العراق

فارقوا فأصبحوا یتامی حیاری*** يخلف الله فهو يوم الفراق

قالت: فقال علي: من أين لك يا بنت رسول الله هذا الخبر والوحي قد انقطع عنا ؟ فقالت: يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في قصر من الدرّ الأبيض فلما رآني قال: هلمي إلي يا بنية فإني إليك مشتاق فقلت: والله أني لأشدّ شوقاً منك إلى لقائك، فقال : أنت الليلة عندي وهو الصادق لما وعد والموفي لما عاهد فإذا أنت قرأت (يس) فاعلم أني قد قضيت نحبي، فغسلني ولا تكشف عني فإني طاهرة مطهرة وليصلّ عليّ معك من أهلي الأدنى فالأدنى ومن رزق أجري وادفني ليلاً في قبري، بهذا أخبرني حبيبي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها، فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة، ثم حنّطتها من فضلة حنوط رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكفنتها وأدرجتها في أكفانها.

فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت: يا أم كلثوم، يا زينب، يا سكينة، يا فضة، يا حسن، یا حسین، هلموا تزودوا من أمكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة، فأقبل الحسن والحسين وهما يناديان واحسرتاه لا تنطفيء أبداً من فقد جدّنا محمد المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأمنا فاطمة الزهراء يا أم الحسن يا أم الحسين إذا لقيت جدّنا محمد المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فاقرئيه منا السلام وقولي له : إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.

فقال أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إني أشهد الله أنها قد حنّت وأنت ومدت يديها

وضمتهما إلى صدرها ملياً وإذا بهاتف من السماء ينادي : يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب.

فقال : فرفعتهما من صدرها وجعلت أعقد الرداء وأنا أنشد بهذه الأبيات:

فراقك أعظم الأشياء عندي***وفقدك فاطم أدهى الشكول

سأبكي حسرة وأنوح شجواً***على خل مضى أسناء سبيل

ثم حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى :

السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا نور الله، السلام عليك يا صفوة الله مني السلام عليك والتحية مني واصلة إليك ولديك، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك، وإن الوديعة قد استردّت والرهينة قد أخذت فواحزناه على الرسول ثم من بعده على البتول ولقد اسودّت عليّ الغبراء، وبعدت عني الخضراء، فواحزناه ثم والأسقاه.

ثم عدل بها على الروضة فصلى عليها في أهله وأصحابه ومواليه وأحبائه وطائفة من المهاجرين والأنصار فلما واراها وألحدها في لحدها أنشأ بهذه الأبيات يقوله :

أرى علل الدنيا علي كثيرة***وصاحبها حتى الممات عليل

لكل اجتماع من خليلين فرقة*** وإن بقائي عندكم لقليل

وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد*** دليل على أن لا يدوم خليل (1)

أقول: وفي الديوان المنسوب إليه عليه الصلاة والسلام أنه أنشد عند وفاة فاطمة صلوات الله وسلامه عليها بهذه الأبيات:

الا هل إلى طول الحياة سبيل***وأنّى وهذا الموت ليس يحول

وإني وإن أصبحت بالموت موقناً***فلا أمل من دون ذاك طويل

وللدهر ألوان تروح وتغتدي***وإن نفوساً بينهن تسيل

ومنزل حق لا معرّج دونه*** لكل امرء منو ها إليه سبيل

قطعت بأيام التعزز ذكره*** وكل عزيز ماهناك ذليل

أرى علل الدنيا علي كثيرة***وصاحبها حتى حتى الممات عليل

وإني لمشتاق إلى من أحبه***فهل لي إلى من قد هویت سبیل


1) بطوله في البحار : 174/43 - 180، ح 15.

فقد قال في الأمثال في البين قائل*** أضر به يوم الفراق فراق رحيل

لكل اجتماع من خليلين فرقة***وكل الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد*** دليل على أن لا يدوم دوم خل

وكيف هناك العيش من بعد فقدهم*** لعمرك شيء رك شيء ما إليه سبيل

سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي*** ويظهر بعدي للخليل عديل

وليس خليلي بالملول ولا الذي*** إذا غبت يرضاه سواي بديل

ولكن خليلي من يدوم وصاله*** ويحفظ سرّي قلبه ودخيل

إذا انقطعت يوماً من العيش مدتي*** فإن بكاء الباكيات قليل

يريد الفتى أن لا يموت يموت حبيبه***وليس إلى مايبتغيه سبیل

وليس جليلاً رزء مال وفقده*** ولكن رزء الأكرمين جليل

لذلك جنبي لا يواتيه مضجع***وفي القلب من حرّ الفراق غليل (1)

خاتمة

نذكر فيها بعض الأخبار الواردة في كيفية مجيئها سلام الله عليها إلى المحشر وتظلّمها يوم القيامة وعقاب ظالميها.

وإنما أوردت هذه الأخبار لأن الأخبار السالفة المتضمنة لما جرى عليها بعد وفاة أبيها سلام الله عليه وعليها من البغي والعدوان والظلم والطغيان لا سيما ما تضمنت أنينها وحنينها وبكائها ومظلوميتها ووحدتها وغربتها حالة وفاتها قد ملأت قلبي قيحاً وشحنت صدري فرحة، وجرّعتني نعب التهمام أنفاساً، فصرت عند روايتها لا أضبط دمعتي ولا أملك كمدي ولوعتي، وكانت الدمعات من عظم مصيبتها جارية، وحرقات القلب مشتعلة.

فأحببت إيراد هذه الأخبار تسلية لبعض همومي وهموم سائر الموالين، لعن الله ظالميها وظالمي بعلها وبنيها، فلقد أوغلوا في العداوة والطغيان، وبالغوا في التعدية والعدوان، وشمّروا في استئصال أهل البيت الشريف بالفعل واللسان، وأبانوا عن دناءة أصلهم بقبح فعلهم وفعل الأعوان، وركبوا مركباً وعراً أجابوا فيه دعوة وليهم الشيطان.

فليتهم، أخزاهم الله، إذ لم يكفّوا عن غصب فدك والخلافة، كفوا عن إحراق باب بيت العصمة والطهارة، وليتهم قنعوا بتلبيب سيد الأولياء، وأمسكوا عن ضرب السوط وإسقاط جنين سيدة النساء.


1) البحار : 216/43، ح 48.

ثم نسبهم الخبيث وأصلهم الدنيء قد نفى عنهم الغيرة والمروة وأقامهم على دعوى الجاهلية لأن الإناء ينضح بما فيه، والولد سرّ أبيه.

روى في (البحار) من تفسير العياشي عن أبي بصير قال : يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب : الأول للظالم وهو زريق وبابها الثاني لحبتر والباب الثالث للثالث، والباب الرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك والباب السادس لعسكر بن هوسر والباب السابع لأبي سلامة فهم أبواب لمن أتبعهم (1).

قال المحدث العلامة المجلسي: عسكر اسم جمل عائشة فيكون كناية عن عائشة وصاحبيها، ويحتمل كناية عن بعض ولاة بني أمية كأبي سلامة ويحتمل أن يكون أبو سلامة كناية عن أبي مسلم إشارة إلى من سلّطهم من بني العباس (2).

ومن العياشي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلا وسبعين كبلاً، فينظر الأول إلى زفر في عشرين ومائة كبل وعشرين ومائة غلّ فينظر إبليس فيقول : من هذا الذي أضعفه الله العذاب وأنا أغويت هذا والخلق جميعاً؟ فيقال هذا زفر، فيقول بما جدّد له هذا العذاب؟ فيقال: ببغيه على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيقول له إبليس : ويل لك وثبور لك أما علمت أن الله أمرني بالسجود لآدم فعصيته وسألته أن يجعل لي سلطاناً على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) وشيعته فلم يجبني إلى ذلك، وقال: مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتَهُ كَالرَّمِيمِ [ الحجر : 42] وما عرفتهم حتى استثناهم إذ قلت : ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُم شاكرين) [الأعراف: 7] فمنيت به نفسك غروراً.

فيوقف بين يدي الخلائق فيقال له ما الذي كان منك إلى عليّ وإلى الخلق الذين اتبعوك على الخلاف؟ فيقول الشيطان وهو زفر لإبليس : أنت أمرتني بذلك، فيقول له إبليس : فلم عصيت ربك وأطعتني؟ فيرد عليه زفر ما قال الله : (إن اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُكُمْ فَأَخَلفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] إلى آخر الآية(3).

قال العلامة المجلسي (قدّس سِرُّه): قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيردّ زفر عليه ظاهر السياق أن يكون قوله : (إن الله وعدكم) كلام إبليس فيكون كلام زفر ما ذكر قبل تلك الآية من قوله: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا [إبراهيم: 21].)ومن كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبان بن أبي عياش عن سليم قال: سمعت سلمان الفارسي يقول : إذا كان يوم القيامة يؤتى إبليس مزموماً بزمام من نار ويؤتى بزفر


1) البحار 232/30، ح 97، وتفسير العياشي 243/2.

2) المصدر السابق.

3) تفسير العياشي : 223/2، ح 9.

مزموماً بزمامين من نار فينطلق إليه إبليس فيصرخ ويقول : ثكلتك أمك من أنت؟ أنا الذي فتنت الأولين والآخرين وأنا مزموم بزمام واحد وأنت مزموم بزمامين؟ فيقول: أنا الذي أُمرت فأطعت وأمر الله فعصى (1.)وفي (عقاب الأعمال عن حنان بن سدير قال : حدثني رجل من أصحاب أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سمعته يقول : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة لسبعة نفر : أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، واثنان في بني إسرائيل هودا قومهما ونصر اهما، وفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، واثنان من هذه الأمة أحدهما شرهما في تابوت من قوارير تحت الفلق في بحار من نار نار (2).)وفيه عن أبي الجارود قال : قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ: أخبرني بأول من يدخل النار؟ قال: إبليس ورجل عن يمينه، ورجل عن يساره (3).)وفيه عن إسحاق بن عمار الصيرفي عن أبي الحسن الماضي (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قلت : جعلت فداك حدثني فيهما بحديث فقد سمعت عن أبيك فيهما أحاديث عدة، قال: فقال لي: يا إسحاق الأول بمنزلة العجل والثاني بمنزلة السامري.)قال : قلت : جعلت فداك زدني فيهما، قال : هما والله هوّدا ونصرا ومجسا فلا غفر الله ذلك لهما.قال: قلت: جعلت فداك زدني فيهما، قال : ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال : قلت : جعلت فداك فمن هم ؟ قال : رجل ادعى إماماً من غير الله، وآخر طغى في إمام من الله، وآخر زعم أن لهما نصيباً في الإسلام.قال : قلت : جعلت فداك زدني فيهما قال: ما أبالي يا إسحاق محوت المحكم من كتاب، أو جحدت محمداً النبوة، أو زعمت أن ليس في السماء إلهاً، أو تقدمت على علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ.)قال : قلت : جعلت فداك زدني، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: إن في النار لوادياً يقال له : محيط لو طلع منها شرارة لأحرق من على وجه الأرض وإن أهل النار يتعوذون أهل ذلك الوادي من حرّ ذلك الجبل ونتنه وقذره وما أعد الله فيه لأهله، وإن في ذلك الجبل لشعباً يتعوذ جميع أهل ذلك الجبل من حرّ ذلك الشعب ونتنه وقدره وما أعد الله فيه لأهله، وإن في ذلك الشعب)


1) البحار : 232/30.

2) ثواب الأعمال وعقابها : 215.

3) ثواب الأعمال : 215.

لقليباً يتعوّذ «أهل ظ» ذلك الشعب من حر ذلك القليب ونتنه وقذره وما أعد الله فيه لأهله، وإن في ذلك القليب لحيّة يتعوّذ جميع أهل ذلك القليب من خبث تلك الحية ونتنها وقذرها وما أعد الله عز وجل في أنيابها من السم لأهلها، وإن في جوف تلك الحية لسبع صناديق فيها خمسة من الأمم السالفة واثنان من هذه الأمة.قال : قلت : جعلت فداك ومن الخمسة؟ ومن الاثنان؟ قال: أما الخمسة فقابيل الذي قتل هابيل ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربّه قال: أنا أحبي وأميت، وفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، ويهود الذي هوّد اليهود، وبولس الذي نصر النصارى، ومن هذه الأمة الأعرابيان (1.)أقول : الأعرابيان أبو بكر وعمر عبر عنهما بذلك إشارة إلى كفرهما كما قال تعالى : (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا ونفاقاً [التوبة: 97].)وفيه عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : يؤتى يوم القيامة بإبليس مع مضلّ هذه الأمة في زمامين غلظهما مثل جبل أحد، فيسحبان على وجوههما فيسد بهما باب من أبواب النار (2).)وفيه عن شريك يرفعه قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «إذا كان يوم القيامة جاءت فاطمة في لُمةٍ من نسائها فيقال لها : ادخلي الجنة، فتقول : لا أدخل حتى أعلم ما صُنع بولدي من بعدي، فيقال لها : انظري في قلب القيامة فتنظر إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائماً وليس عليه رأس فتصرخ صرخة وأصرخ لصراخها وتصرخ الملائكة لصراخنا، فيغضب الله لنا عند ذلك فيأمر ناراً يقال لها هبهب قد أوقد عليها ألف عام حتى اسودت لا يدخلها روح أبداً ولا يخرج منها غمّ أبداً، فيقال لها : التقطي قتلة الحسين وحملة القرآن فتلقطهم فإذا صاروا في حوصلتها صهلت وصهلوا بها وشهقت وشهقوا بها وزفرت وزفروا بها، فينطقون بألسنة زلقة طلقة : يا ربنا بما أوجبت النار لنا قبل عبدة الأوثان؟ فيأتيهم الجواب عن الله عز وجل إن من علم ليس كمن لا يعلم» (3).)وفيه عن محمد بن سنان عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إذا كان يوم القيامة نُصب لفاطمة قبة من نور وأقبل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأسه على يده، فإذا رأته شهقت شهقة لا يبقى في الجمع ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن إلا بكى لها، فيمثل الله عز وجل رجلاً لها في أحسن صورة وهو يخاصم قتلته بلا رأس، فيجمع الله)


1) الخصال: 399 ح 106، وثواب الأعمال : 216.

2) ثواب الأعمال: 208.

3) ثواب الأعمال: 217.

قتلته، والمجهزين عليه ومن شرك في قتله فيقتلهم حتى يأتي على آخرهم، ثم ينشرون فيقتلهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، ثم ينشرون فيقتلهم الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم ينشرون فيقتلهم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم ينشرون فلا يبقى من ذرّيتنا أحد إلا قتلهم قتلة، فعند ذلك يكشف الله الغيظ وينسى الحزن». ثم قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): رحم الله شيعتنا، شيعتنا والله هم المؤمنون فقد والله شركونا في المصيبة بطول الحزن والحسرة (1).)وفي (البحار من مجالس الشيخ عن عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينادي مناد : غضوا أبصاركم ونكسوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة بنت محمد الصراط.)قال : فتغض الخلائق أبصارهم، فتأتي فاطمة (سلام الله عليها على نجيب من نجب الجنة يشيّعها سبعون ألف ملك، فتقف موقفاً شريفاً من مواقف القيامة، ثم تنزل من نجيبها فتأخذ قميص الحسين بن علي عليهما الصلاة والسلام بيدها مضمخاً بدمه وتقول: يا ربّ هذا قميص ولدي الحسين وقد علمت ما صُنع به فيأتيها النداء من قبل الله عز وجل: يا فاطمة لك عندي الرضا فتقول: يا رب انتصر لي عن قاتله فيأمر الله تعالى عنقاً من النار فتخرج من جهنم فتلتقط قتلة الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهما كما يلتقط الطير الحب، ثم يعود العنق بهم إلى النار، فيعذبون فيها بأنواع العذاب.)ثم تركب فاطمة (سلام الله عليها نجيبها حتى تدخل الجنة ومعها الملائكة المشيعون لها وذريتها بين يديها وأولياؤهم من الناس عن يمينها وشمالها (2).)أقول : ولقد أجاد من قال مضمناً لمضمون هذه الأخبار :كأنني بالبتول الطّهر واقفة*** في الحشر تشكو إلى الرحمن باريهاتأتي وقد ضمخت ثوب الحسين دماً*** فيض النحور البحاري ويل مجريهاتدعو ألا أين مسمومي ويا أسفاًعلى ذبيحي وأسرى من ذراريهاتقول واحزني بل آه وا حسنيهذا حسيني قتيل في فيافيهاهذا حسيني رضيض الجسم منجدلا*** تسفى على جسمه العاري سوافيهاآه على جثث بالطف قد قطعت*** رؤوسها وهجير السيف يصليهاآه على جثث فيها القنى لعبتوأركضت ماضيات في تراقيهايا فتية ذبحت في كربلا وثوت على الوجوه عرايا في صحاربها


1) ثواب الأعمال: 217.

2) بحار الأنوار : 224/43، ح 11، وأمالي المفيد 130.

بنتم فبان لكم سلوان فاطمة***ولا عج الوجد بالوجدان يشجيهاألا لعنة الله على القوم الظالمين، وسيعلم الذين ظلموا آل محمد صلى الله عليه وعليهم حقهم أي منقلب ينقلبون.### تكملةقد أشرنا إلى أن هذا الكلام مروي في عدة من أصول معتمدة على اختلاف وزيادة، أحببت رواية ما فيها على مجرى عادتنا، فأقول :روى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني عن أحمد بن مهران وعن أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار الشيباني قال : حدثني القاسم بن محمد الرازي قال : حدثني علي بن محمد الهرمزاني عن أبي عبد الله الحسين بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ قال :)لما قبضت فاطمة سلام الله عليها دفنها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ سراً وعفى على موضع قبرها ثم قام فحوّل وجهه إلى قبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)فقال :)السلام عليك يا رسول الله عني والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثرى يبقعتك، ولقد اختار الله لها سرعة اللحاق بك، قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، وعفي عن سيدة نساء العالمين تجلدي إلا أن في التأسي لي بسنّتك في فرقتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت نفسك بين نحري وصدري بلى وفي كتاب الله لي أنعم القبول إنا لله وإنا إليه راجعون قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة، وأُخلست «اختلست» الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله، أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد وهم لا يبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم كمد مقيّح وهم مهيج سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها، فأحفها السؤال واستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بله سبيلاً، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين سلام مودّع لا قال ولا سئم فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، واه واها والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المسئولين لجعلت المقام واللبث لزاماً معكوماً، ولأعولت أعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تُدفن ابنتك سراً وتُهضم حقها وتُمنع إرثها، ولم يتباعد العهد ولم يخلق منك الذكر، وإلى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء، صلى الله عليك وعليها السلام والرضوان (1.)


1) البحار 193/43، ح 21، والكافي : 459/1.

### بیان(العفو المحو والانمحاء و (المختار الله) من إضافة الصفة إلى فاعلها و (سرعة اللحاق) مفعوله أي التي اختار الله لها سرعة لحاقها بك.)قوله : (وفي كتاب الله لي أنعم القبول أي فيه ما يصير سبباً لقبول المصائب أحسن القبول وأطيبه و (أخلسته) واختلسته استلبته، والخُلسة ما يؤخذ سلباً ومكابرة.)قوله : (وكمد مقيح الكمد محرّكة وبالفتح الحزن الشديد ومرض القلب، والمقيح بتشديد الياء من القيح أي حزني حزن شديد يورث في القلب قيحاً، و (سرعان) اسم فعل مبني على الفتح بمعنى سرع وقرب مع تعجب أي ما أسرع ما فرق و (ما) كناية عن الموت و (ستنبئك) من باب الأفعال والتفعيل والنبأ وهو الخبر و (الغليل) حرارة الجوف و (اعتلجت) الأمواج التطمت.)وقوله: (سلام مودع منصوب على المصدر محذوف العامل مطرداً وقوله : (واه واها) وفي بعض النسخ: واها واها يقال: واها لك ويترك تنوينه كلمة تعجب من طيب شيء وكلمة ملهف والتكرير للتأكيد كما قال الشاعر :)واهاً لريا ثم واها واها*** هي المنا لو أننا نلناهاو (معكوفاً أي محبوساً و (العويل) رفع الصوت بالبكاء والصياح، وقوله : (فبعين الله) (آه) أي تدفن ابنتك سراً بحفظ الله أو بحضوره وشهوده (ولم يخلق) من الخلق وهو البالي أي لم يبل ولم يندرس ذكرك وقوله : (وفيك) أي في إطاعة أمرك (أحسن العزاء).)وفي (البحار من المجالس (وأمالي المفيد) عن الصدوق عن أبيه أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار عن القاسم بن محمد الرازي عن علي بن محمد الهروي عن علي بن الحسين عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :)لما مرضت فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وصلت إلى علي بن أبي طالب أن يكتم أمرها ويخفي خبرها ولا يؤذن أحداً بمرضها، ففعل ذلك وكان يمرّضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس على استمرار بذلك كما وصت به.)فلما حضرتها الوفاة وضت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ أن يتولى أمرها ويدفنها ليلاً ويعفّي قبرها، فتولى ذلك أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودفنها وعفّى موضع قبرها فلما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن فأرسل دموعه على خديه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال :)السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك

والبائتة في الثرى ببقيعك، المختار الله لها سرعة اللحاق بك ؛ قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، وضعف عن سيدة النساء تجلدي، إلا أن في التأسي لي بسنّتك والحزن الذي حلّ بي لفراقك موضع التعزّي، ولقد وسّدتك في ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري، وغمضتك بيدي، وتوليت أمرك بنفسي، نعم، وفي كتاب الله أنعم القبول إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله، أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد لا يبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك التي فيها أنت مقيم كمد مقيح، وحزن مهیج، سرعان ما فرق الله بيننا، وإلى الله أشكو وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك علي وعلى هضمها حقها فاستخبرها الحال، فكم من غَليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين سلام عليك يا رسول الله سلام مودّع، لا قال ولا سَيْم، فإن أنصرف فلا عن ملالة وإن أقم فلا عن سوء ظني بما وعد الله الصابرين الصبر أيمن وأجمل ولولا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاماً، والتلبث عنده معكوفاً، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية فبعين الله تُدفن ابنتك سراً، ويُهتضم حقها قهراً، ويُمنع إرثها جهراً، ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء صلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته (1.)ورواه في (كشف الغمة مثل ما رواه السيد في المتن إلى قوله : (بما وعد الله الصابرين) ثم قال وفي رواية أخرى زيادة على قول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند موتها :)أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، ولا نبرح أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم سرعان ما فرّق بيننا وإلى الله أشكو وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها حقها [ قهراً]، فأحفها السؤال واستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً، فستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين، والسلام عليكما سلام مودّع لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين فالصبر أيمن وأجمل، فبعين الله تُدفن ابنتك صبراً، وتُهتضم حقها، وتُمنع إرثها، ولم يبعد العهد، فإلى الله المشتكى يا رسول الله وفيك يا رسول الله، أحسن العزاء صلوات الله عليك وعليها معك (2.)


1) الكافي : 459/1، ح 3، وأمالي المفيد: 282، وأمالي الطوسي: 110، ح 166.

2) كشف الغمة : 128/2، وأمالي المفيد : 283 وما بين معكوفين منه.

### الترجمةاز جمله کلام آن امام است که روایت کرده اند از او که گفته این کلام را در وقت دفن کردن حضرت سیده زنان فاطمه زهرا (عليها السلام، گویا مناجات می نمود با این کلام با حضرت رسالت مآب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و عرض می‌نمود:)السلام عليك يا رسول الله سلام باد بر تو ای پیغمبر خدا از طرف من و از طرف دخترت که نازل شد در همسایگی تو و زود لاحق شد به تو کم شد یا رسول الله از دختر پسندیده تو صبر من و ضعیف شد از فراق او تحمّل و قوّت من، لكن مرا است در پیروی نمودن جدایی بزرگ تو و مصیبت سنگین تو محلّ تسلی پس به تحقیق خواباندم تو را در قبر لحددار تو و سیلان نمود میان گلو و سينه من روح تو.و انا لله و انا اليه راجعون، پس به تحقیق که باز یافت شد امانت و پس گرفته شد گرو. کنایه است از حضرت فاطمه که به منزله امانت و رهن بود در نزد شوهرش.اما حزن و اندوه من پس همیشگی است و اما شب من پس بی خوابی است تا آنکه اختیار نماید خدای تعالی از برای من خانه ای را که تو در آنجا اقامت کرده ای و به زودی خبر میدهد تو را دختر تو به اجتماع امت ستمکار تو بر ظلم و ستم آن مظلومه، پس درست سؤال کن از آن و بپرس از آن حال من و او را.بود این ظلم ظالمان در حالتی که عهد ایشان با تو طول نیافته بود و ذکر خیر تو از زبان خلق نرفته بود و سلام باد بر تو یا رسول الله و بر دختر تو مانند سلام وداع کننده ای مهربان که صاحب خشم و ملال نباشد از صحبت شما ما پس اگر مراجعت نمایم از نزد شما نه از جهت ملال است و اگر اقامت کنم در نزد قبر شما نه از جهت سوء ظن و بدگمانی است به آنچه که وعده فرموده است خداوند تبارك و تعالی در حق صبر کنندگان.

## ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو المائتان والثاني من المختار في باب الخطب)### إشارة:ورواه في (الإرشاد وفي (البحار) من أمالي الصدوق بتفاوت يسير مع زيادة حسبما تعرفه في التكملة الآتية إن شاء الله.)«أَيُّها النَّاسُ، إِنَّما الدُّنْيا دارُ مَجازِ، وَالآخِرَةُ دارُ قرارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرْكُمْ لِمَقَرِّكُمْ، وَلا تَهْتِكُوا أَسْتارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْل أَن تَخْرُجَ مِنْها أبْدانُكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِها خُلِقْتُمْ، إِنَّ المَرْةَ إِذَا هَلَكَ قال النّاسُ : ما تَرَكَ، وَقالَتِ المَلائِكَةُ : ما قَدَّمَ ِللَّهِ آبَاؤُكُمْ، فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ، وَلا تُخَلِّفُوا كُلاً فَيَكُونَ عَلَيْكُمْ» (1.)### اللغة(المجاز مصدر ميمى من جاز المكان يجوزه جوزاً وجوازاً إذا سار فيه وعبره و (القرار) اسم من قرّ الشيء قرّاً من باب ضرب استقرّ بالمكان و (لا تخلفوا كلاً) مضارع خلف الرجل الشيء بالتشديد تركه بعده.)### الإعراب(من في قوله : (من) ممركم نشوية وقوله : (الله آباءكم)، جملة اسمية تستعمل في مقام التعجب والاستعظام كقولهم : الله أبوك والله درك وتسمّى هذه اللام بلام التعجب.)قال نجم الأئمة : أما معنى قولهم : لله درّك، فالدّر في الأصل ما يدرّ أي ينزل من الضرع من اللبن ومن الغيم من المطر، وهو لههنا كناية عن فعل الممدوح الصادر عنه، وإنما نسب فعله إليه تعالى قصداً للتعجب لأن الله منشىء العجائب، فكل شيء عظيم يريدون التعجب منه ينسبونه إليه تعالى ويضيفونه نحو قولهم : الله أبوك والله أنت، فمعنى الله درّه ما أعجب فعله، وقد تقدم مزيد تفصيل فيه في شرح المختار المائة والتاسع والسبعين.### المعنىاعلم أن الغرض من هذا الكلام التنفير من الدنيا والترغيب في الآخرة والأمر بأخذ الزاد ليوم المعاد وبالاستعداد للموت قبل حلول الفوت، وصدّر الكلام بحرف النداء والتنبيه


1) البحار : 134/70.

إيقاظاً للمخاطبين من نوم الغفلة فقال :(أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار يعني أن الأولى دار عبور والأخرى دار استقرار والإتيان بكلمة إنما المفيدة للحصر تأكيداً للغرض المسوق له الكلام، وتنبيهاً على أن وجود الدنيا نفس حدوثها وبقاءها عين زوالها، فلا صلاحية لها إلا لأن تكون مجازاً ومعبراً بمنزلة قنطرة يتجاوز منها إلى المقز والمأوى، فمن نوى البقاء فيها والقرار فقد جهل وضل وخبط خبطاً عظيماً وخسر خسراناً مبيناً، وإذا كان شأنها ذلك :)(فخذوا من ممركم لمقركم أي خذوا من الدنيا من الخيرات والحسنات والباقيات الصالحات التي هي زاد الآخرة، لتنالوا بها حسن الثواب فيها وتحصلوا النعمة الدائمة.)(ولا تهتكوا أسراركم عند من يعلم أسراركم أي لا تجاهروا بالمعصية والعدوان عند من لا يُخفى عليه شيء من السر والإعلان، بل يعلم ما أنتم مقترفون في ليلكم ونهاركم، لطف به خبراً وأحاط به علماً أعضاؤكم شهوده، والحفظة جنوده، وضمائركم عيونه، وخلواتكم عيانه كما قال عز من قائل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إذ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِدُ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 16-18].)(وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن يخرج منها أبدانكم وهو أمر بالزهد في الدنيا والإعراض عنها وحذف محبتها عن ساحة القلب والاستعداد للموت قبل حلوله، لأن من كانت الدنيا همه وأشرب محبتها قلبه اشتدت عند مفارقتها حسرته.)روى في (البحار من «الأمالي» قال : قيل لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما الاستعداد للموت ؟ قال : أداء الفرائض واجتناب المحارم والاشتمال على المكارم ثم لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه والله ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت أم وقع الموت عليه (1).)وفيه من (الخصال ومعاني الأخبار بسنده عن عبد الله بن بكر المرادي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : بينا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذات يوم جالس مع أصحابه يعبيهم للحرب إذ أتاه شيخ عليه شجّة السفر فقال : أين أمير المؤمنين؟ فقيل : هو ذا، فسلّم ثم قال : يا أمير المؤمنين إني أتيتك من ناحية الشام وأنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضل ما لا أحصي وأني أظنك ستقاتل، فعلمني مما علمك الله.)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: نعم يا شیخ، من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كانت الدنيا همه اشتدت)


1) البحار : 138/6، ح 43.

حسرته عند فراقها، ومن كانت غده شرّ يوميه فهو محروم وساق الرواية إلى أن قال:فقال : يا شيخ إن الله عز وجل خلق خلقاً ضيق الدنيا عليهم نظراً لهم فزهدهم فيها وفي حطامها، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه وصبروا على ضيق المعيشة وصبروا على المكروه واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله وهو عنهم راض وعلموا أن الموت سبيل من مضى فتزودوا لآخرتهم غير الذهب والفضة ولبسوا الخشن وصبروا على القوت، وقدموا الفضل وأحبوا في الله وأبغضوا في الله عز وجل أولئك المصابيح وأهل النعيم في الآخرة والسلام (1.)(ففيها اختبرتم ولغيرها خُلقتم يعني أنه سبحانه خلقكم في الدنيا لا لأجل الدنيا والبقاء فيها والركون إليها، بل لأجل الآخرة وتحصيل النعمة الدائمة، وإنما خلقكم في الدنيا لمحض الابتلاء والامتحان كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء : 35]. وقد مضى تحقيق معنى الابتلاء في شرح الخطبة الثانية والستين، وبينا هناك أن اللازم على الإنسان قصر همّته في محصلات السعادة الأخروية ليخلص من قالب الامتحان وليستحق القرار في غرفات الجنان ويدرك مرتبة الرضوان الذي هو أعظم السعادات وأشرف اللذات وأكبر البهجات.

(إن المرء إذا هلك قال الناس: ما ترك، وقالت الملائكة ما قدم) وهو تأكيد لما سبق فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أمر بالأخذ من الممر للمقر وبالزهد في الدنيا والإعراض عن قنياتها وزخارفها، ونبه على أن الغرض الأصلي من الخلقة هو العبادة والطاعة وتحصيل السعادة الأخروية.

أكده بأن المرء إذا مات قال أبناء الدنيا من عشائر الميت والأقرباء والأخوان والقرناء المصروف هممهم بها والمشغولين بها عن التوجه إلى الأخرى ما ترك؟ أي يسأل بعضهم بعضاً عما خلّفه الميت من متاع الدنيا وما تركه من الأولاد والأموال.

وقالت الملائكة الذين نظرهم إلى محصلات القرب والزلفى لديه تعالى :فقط ما قدم الميت لنفسه وادّخره ليوم فاقته ومقام حاجته؟، فينبغي على ذلك ترجيح مسؤول الملائكة على مسؤول الناس، وتقديم محصلات الزلفي على قنيات الدنيا.

قال الشارح البحراني : وفي لفظ ما ترك وما قدّم لطف تنبيه على أن متاع الدنيا مفارق متروك والأعمال الصالحة مقدّمة باقية نافعة للمرء في معاده فينبغي أن تكون العناية بها دون المفارق المتروك.


1) معاني الأخبار : 199، والبحار: 272/66 ح 4.

(لله آبائكم) استعظمهم بنسبة آبائهم إلى الله حيث ولدوا مثل هؤلاء الأولاد.

وقوله : (فقدموا بعضاً يكن لكم ولا تخلفوا كلاً فيكون عليكم) تفريع على ما تقدم، فإنه لما صدر الكلام بالأمر بالأخذ من الممر للمقر وأكده بأن سؤال الملائكة وفحصهم عن المقدم دون المؤخر، رتب عليه هذه الجملة تنبيهاً على مقدار ما يؤخذ ويقدم.

ولا يخفي ما في هاتين القرينتين من حسن المقابلة، وهو مقابلة الأربعة بالأربعة حيث جعل القرينة الأولى موجبة والثانية سالبة، ثم قابل بين التقديم والتخليف وبين البعض والكل وبين لكم وعليكم

وفي بعض النسخ: (فقدموا بعضاً يكن لكم قرضاً، ولا تخلفوا كلاً فيكون عليكم كلا) فتكون من مقابلة الخمسة بالخمسة.

أي خذوا من ممركم لمقركم بعض أموالكم، وقدموه وأنفقوه في سبيل الله يكن لكم قرضاً على الله تستحقون بأخذ مثله من الله في مقام الحاجة وموطن الفاقة بل يضاعفه لكم أضعافاً مضاعفة كما قال تعالى: مَن ذَا الَّذِى يُقرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: 11] «وقد مر معناه في شرح الخطبة المائة والثانية والثمانين وقال أيضاً» وآتوا الزكاة واقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظمأجراً.)(ولا تتركوا جميع أموالكم فيكون عليكم كلاً أي ثقيلاً لا خير فيه أو وزراً وثقلاً أي يكون عبوه لكم ومهناؤه لغيركم.)روى في (الوسائل عن الصدوق في قول الله عز وجل: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) [البقرة: 167]، قال: هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في طاعة الله عز وجل بثلاً ثم يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة الله أو بمعصية الله فإن عمل فيه بطاعة الله رآه لي میزان غيره فرآه حسرة وقد كان المال له، وإن كان عمل به في معصية الله قواه بذلك المال حتى عمل به في معصية الله عز وجل (1).

قال : وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «ما محق الإسلام محق الشخ شيء»، ثم قال: «إن لهذا الشخ دبيباً كدبيب النمل وشعباً كشعب الشرك» (2).

وفي (الكافي) بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ليس يتبع الرجل


1) الكافي : 42/4، والوسائل : 37/9 ح 11462.

2) الوسائل: ح 11463.

بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وسنّة هدي سنّها فهي يُعمل بها بعد موته، وولد صالح يدعو له (1).

وفيه عن أبي كهمس عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ستة يلحق المؤمن بعد وفاته : ولد يستغفر له، ومصحف يخلفه، وغرس يغرسه وقليب يحفره، وصدقة يجريها، وسنّة يؤخذ من بعده (2).

ثم إن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فقدموا بعضاً آه)، يدل بمنطوقه على مطلوبية تقديم البعض وبمفهومه على عدم مطلوبية تقديم الكل، كما أن قوله : (ولا تخلوا كلاً آه) يدل بمنطوقه على مبغوضية تخليف الكل وبمفهومه على مبغوضية تخليف البعض، فيكون محصل مفاد القضيتين تقديم البعض وتخليف البعض، وعلى ذلك :

فإن أُريد بالأمر، أعني قوله : (قدموا معناه الحقيقي الذي هو الوجوب)، فالمراد بالبعض الذي يجب تقديمه هو الحقوق المالية الواجبة من الخُمس والزكاة ومصارف الحج ونفقة من يجب نفقته عليه ونحوها.

وإن أريد به الأعم من معنى الحقيقي أي الرجحان المطلق فيعم البعض حينئذ للحقوق الواجبة والمندوبة من وجوه البر وصنائع المعروف والحق المعلوم للسائل والمحروم ونحوها، وهذا هو الأظهر.

فينبغي على الإنسان أن يقدم البعض لنفسه ويخلّف البعض لوارثه ولا يجوز أن يخلّف الكل فيحرم ولا أن يقدم الكل فيحرم الوارث ويظلم.

ويدل على ذلك ما رواء في (الكافي) مرسلاً قال : وقد روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال الرجل الأنصار : أعتق ممالك له لم يكن له غيرهم فعابه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال : «ترك صبية صغاراً يتكفّفون الناس»، ورواه في (الوسائل) عن الصدوق بإسناده عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) (3).

ويدل عليه أيضاً الأخبار الدالة على عدم جواز الجور في الوصية والحيف فيها بتجاوز الثلث ووجوب ردّها إلى العدل والمعروف.


1) الكافي : 56/7، ح 1-3.

2) المصدر السابق، ح 5.

3) الكافي : 9/7، ح 10، والوسائل : 300/19، ح 24643.

مثل ما رواه في (الوسائل) عن الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل توفى وأوصى بماله كله أو أكثره فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الوصية ترد إلى المعروف ويترك لأهل الميراث ميراثهم (1).

وفي (الوسائل) عن الشيخ بإسناده عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : من عدل في وصيته كان كمن تصدق بها في حياته ومن جار في وصيته لقى الله عز وجل يوم القيامة وهو عنه معرض (2).

وفيه عن الشيخ بإسناده عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما للرجل من ماله عند موته؟ قال : الثلث والثلث كثير (3).

وفيه من (مجمع البيان) قال: جاء في الحديث إن الضرار في الوصية من الكبائر.

وفيه عن الصدوق بإسناده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): الوصية بالخمس لأن الله عز وجل قد رضى لنفسه بالخمس، وقال: الخمس اقتصاد والربع جهد والثلث حيف (4).

وفيه من قرب الإسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي جعفر عن أبيه عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لئن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولئن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك شيئاً (5).

ورواه في (الكافي) بإسناده عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لئن أوصي بخمس مالي أحب إلي من أن أوصي بالربع ولئن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك وقد بلغ الغاية إلى أن قال : ويترك لأهل الميراث ميراثهم وقال : من أوصى بثلث ماله فلم يترك وقد بلغ المدى، ثم قال : لئن أوصي بخمس مالي أحب إلي من أن أوصي بالربع (6).

والأخبار في هذا المعنى كثيرة ولا حاجة إلى الإطالة ولنختم بما هو أخرى بأن يُختم


1) الكافي : 11/7، ج 4، والوسائل : 267/19.

2) الوسائل : 267/19 ح 24562.

3) الانتصار 570، والوسائل : 274/19.

4) الوسائل : ح 24568.

5) الوسائل : 270/19 ح 24567.

6) الكافي : 11/7 ح 4.

به المقام.

وهو ما رواه في (الوسائل) عن الصدوق بإسناده عن جابر عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من خُتم له بلا إله إلا الله دخل الجنة، ومن خُتم له بصيام يوم دخل الجنة، ومن خُتم له بصدقة يريد بها وجه الله دخل الجنة»(1).

ومن الله أسأل أن يجعل خاتمة أمورنا خيراً بجاه محمد وآله الأبرار، سلام الله عليهم ما تعاقب الليل والنهار.

تكملة

روى في (البحار) من الأمالي للصدوق قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض خطبه :

أيها الناس إن الدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يُخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففي الدنيا حييتم وللآخرة خلقتم، إنما الدنيا كالسم يأكله من لا يعرفه، إن العبد إذا مات قالت الملائكة ما قدّم وقال الناس ما أخر، فقدموا فضلاً لكم يكن لكم، ولا تؤخروا كلاً يكن عليكم فإن المحروم من حرم خير ماله والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه وأحسن في الجنة بها مهاده وطيب على الصراط بها مسلكه (2).

وفي (الإرشاد) من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحكمة والموعظة :

خذوا رحمكم الله من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يُخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن يخرج منها أبدانكم، فللآخرة خُلقتم، وفي الدنيا حبستم، إن المرء إذا هلك قالت الملائكة ما قدّم وقال الناس : ما خلّف، فلله آباؤكم قدموا بعضاً يكن لكم، ولا تخلّفوا كلاً فيكون عليكم، فإنما مثل الدنيا مثل السم يأكله من لا لا يعرفه (3).


1) الوسائل : 401/10، ج 13692.

2) البحار: 89/70، ح 56.

3) الإرشاد للمفيد : 295/1.

الترجمة

از جمله کلام حکمت نظام آن امام است در تنفیر از دنیای فانی می فرماید:

ای مردمان، به درستی که دنیا خانه تجاوز و عبور است و آخرت خانه برقراری. پس اخذ نمایید از گذرگاه خودتان برای قرارگاه خودتان و برندرید پرده های خودتان را در نزد خداوندی که میداند سرهای شما را و بیرون کنید از دنیا قلبهای خود پیش از اینکه خارج شود از آن بدنهای شما پس در دنیا امتحان شده اید و از برای غیر دنیا یعنی آخرت خلق شده اید به درستی که مرد هرگاه هلاك شود و بمیرد گویند مردمان که ترکه آن مرده چه بوده است؟ و گویند ملائکه که او از برای خود چه پیش فرستاده است؟ از برای خدا است پدران شما (یعنی خدا رحمت کند پدران شما را) پس پیش بفرستید بعض مال خود را تا آنکه دریابید منفعت آن را و باقی نگذارید همه را پس برسد به شما ضرر آن.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان كثيراً ما ينادي به أصحابه وهو المائتان والثالث من المختار في باب الخطب

إشارة:

وهو مروي في (البحار) من أمالي الصدوق باختلاف كثير تطلع عليه.

«تَجَهَّرُوا رَحِمَكُمُ الله فَقَدْ نُودِي فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَأَقِلُّوا العُرْجَةَ عَلى الدُّنْيَا، وانْقَلِبُوا بصالح ما بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، فَإِنَّ أَمامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً، وَمَنازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً، لا بُدَّ مِنَ الوُرُودِ عَلَيْهَا، والوُقُوفِ عِنْدَها، واعْلَمُوا أَنَّ مَلاحِظُ المَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دائِبَةٌ، وَكَأَنَّكُم بِمَخالبها وقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ، وقَدْ دَهَمَتْكُمْ مِنْها مُفطعاتُ الأمور، ومُعْظِلاتُ المَحْذُورِ، فَقَطْعُوا عَلائِق الدُّنْيا وَاسْتَظْهِرُوا بِزادِ التَّقْوى» (1).

قال السيد (رَحمهُ اللّه): وقد مضى شيء من هذا الكلام فيما تقدم بخلاف هذه الرواية.

أقول : الأشبه أن يكون مراده به ما تقدم في الخطبة الرابعة والثمانين.

اللغة

(جهاز) المسافر ما يحتاج إليه في قطع المسافة، وهو بالفتح وبه قرأ السبعة في قوله :تعالى: وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا [يوسف: 70] والكسر لغة قليلة، وجهاز العروس والميت باللغتين أيضاً ما يحتاجان إليه وجهزته تجهيزاً هيأت جهازه فتجهز و (العرجة) بالضم الإقامة من عرّج تعريجاً وتعرّج تعرّجاً أي أقام وحبس المطيّة على المنزل و (عقبة كئود) ككفور وكأداء أي صعبة شاقة منتكأتني الأمر شق علي و (هاله) الأمر هولاً أفزعه، والهول المخافة والجمع أهوال وهول هائل ومهول كمصون تأكيد و (الملاحظ) جمع الملحظ مصدر ميمي بمعنى اللحظ، يقال : لحظه وإليه لحظاً من باب منع ولحظاناً بالتحريك نظر بمؤخر عينه، قال الشاعر :

وأسرار الملاحظ أين تخفي*** وقد يقرأ بذي اللحظ الظنون

قال الفيروز أبادي : اللحظ أشدّ التفاتاً من الشزر و (دئب) في الأمر دئباً جد وتعب، وفي بعض النسخ: دانية بل دائبة من الدنو بمعنى القرب و (المخلب) من السباع كالظفر من غيرها و (نشب) نشباً من باب تعب علق و (المعضلات) الشدائد من أعضل به الأمر اشتد.

وفي نسخة الشارح المعتزلي مضلعات المحذور، وفسرها بالخطوب التي تضلع أي


1) البحار : 172/68 ح 4.

تجعل الإنسان ضلعاً أي معوجاً.

أقول: لعله أخذه من ضلع السيف ضلعاً من باب فرح أعوج، ولأقيمن ضلعك بالتحريك وبالسكون أيضاً وهو الاعوجاج خلقة ولكن الأظهر أن يكون مأخوذاً من أضلعه الدين أثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء وحمل مضلع وزان محسن أي ثقيل، وإن كان مرجعه أيضاً إلى الأول.

وروي: مطلعات المحذور بالظاء المشالة، قال الشارح المعتزلي : أراد الأمور التي تجعل الإنسان طالعاً أي يغمر في مشيه لثقلها عليه والماضي ظلع بالفتح يظلع ظلعاً فهو طالع وفي (القاموس) : ظلع البعير كمنع غمز في مشيه، والطالع المائل، والظلاع كغراب داء في قوائم الدابة لا من سير ولا تعب.

الإعراب

قول السيد (كثيراً ما ينادي) كثيراً منصوب على الظرفية المجازية مفعول لقوله : (ينادي) قدم عليه لتضمنه معنى الظرف أي ينادي حيناً كثيراً أي في كثير من الأوقات ونحوكم منصوب بنزع الخافض متعلق بقوله : دائبة، وقوله : (وكأنكم بمخالبها)، كأن للتشبيه والظرف متعلق بفعل محذوف بقرينة المقام أي كأنكم تبصرون بمخالبها على حد قوله تعالى : (فَبَصْرَت بِهِ، عَن جُنْبِ﴾ [القصص : 11]، والجملة خبر كأن وجملة وقد نشبت في محل النصب حال من مخالبها لكونه مفعولاً بالواسطة، وقوله : (وقد دهمتكم) جملة مستأنفة والفاء في قوله : (فقطعوا) فصيحة.

المعنى

إعلم أن هذا الكلام حسبما أشار إليه السيد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً ما يُنادي به أصحابه بعد صلاة العشاء الآخرة كما صرّح به في رواية (الأمالي) الآتية إيقاظاً لهم عن نوم الغفلة وإزعاجاً من الاغترار بالدنيا يناديهم بحيث يسمع من في المسجد.

(تجهزوا رحمكم الله) أي خذوا جهاز الموت وهيئوا ما تحتاجون إليه في طي منازل الآخرة والوصول إلى حضرة ربّ العزة.

(فقد نُودي فيكم بالرحيل) أي بالارتحال والمسافرة إلى العقبى، والمراد بالمنادى: إما توارد الآلام والأسقام وتراكم الأسباب المعدة للمزاج وللفساد أو الملك المأمور من الله تبارك وتعالى بالنداء يقول : لدوا للموت وابنوا للخراب أوطرو المشيب والهرم كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الديوان المنسوب إليه :

الشيب عنوان المنية***وهو تاريخ الكبر

وبياض شعرك موت*** شعرك ثم أنت على الأثر

وإذا رأيت الشيب عمّ*** الرأس فالحذر الحذر

ويحتمل أن يكون المراد بالرحيل الإزعاج من الدنيا والتوجه إلى الآخرة والسفر إلى الله بالرياضيات الكاملة، فالمراد بالنداء حينئذ ما نطق به الكتاب العزيز وجرى على ألسنة الأنبياء والرسل والأئمة من الأوامر الواردة بالزهد كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): موتوا قبل أن تموتوا أو أن المراد به إخبارهم بأنهم يرتحلون ولا يبقون كما قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر : 30]، (و أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ) [النساء : 78] ونحو ذلك، وقد مر نظير هذه الفقرة في الخطبة الثالثة والستين وهو قوله : (ترحلوا فقد جد بكم) فليراجع ثمة.

(وأقلوا العرجة على الدنيا) أي الإقامة عليها وحب البقاء فيها والمراد به الأمر بقصر الأمل وعدم تطويله، لأن دول الأمل ينسي الآخرة.

كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المختار الثاني والأربعين : إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ومضى في شرحه مطالب نافعة وأخبار نفيسة.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المختار الثامن والعشرين : ألا وأنكم قد أُمرتم بالظعن ودللتم على الزاد، وإن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول الأمل، ومضى في شرحه أيضاً مطالب وأخبار شريفة وروينا هناك عن أبي يعفور قال سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : يقول : من تعلق قلبه بالدنيا تعلّق بثلاث خصال هم لا يفنى وأمل لا يُدرك، ورجاء لا يُنال (1).

ومحصل المراد من إقلال الإقامة على الدنيا الزهد فيها والقناعة على القدر الضروري من العيش وارتقاب الموت، ولنعم ما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الديوان المنسوب إليه :

إنما الدنيا فناء ليس للدنيا ثبوت*** إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت

ولقد يكفيك منها أيها الطالب قوت***ولعمري عن قليل كل من فيها يموت (2)

وقال أيضاً :

ألم تر أن الدهر يوم وليلة***يكران من سبت جديد إلى سبت


1) الكافي : 320/2 ح 17.

2) محاسن النفس للكفعمي: 144، ولم ينسبه.

فقل لجديد الثوب لا بد من بلی*** وقل لاجتماع الشمل لا بد من شت

وقال أيضاً :

بيت ویوم وقوت يوم***يكفي لمن في غد يموت

وربما مات نصف يوم***والنصف من قوته يفوت

وفيه أيضاً :

بيت يواري الفتی وثوب***يستر من عورة وقوت

هذا بلاغ لمن تحسی***وذا كثير لمن ويموت

(وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد) أي انصرفوا إلى وطنكم الأصلي الذي منه خرجتم وهو الدار الآخرة والجنة وذلك باعتبار كونهم ذراً في صلب أبيهم آدم منه خرج وإليه عاد أو المراد انصرافهم إلى الحق الأول عزّ وجل فإنه تعالى منه البداء وإليه الانتهاء، وهو غاية مراد المريدين ومنتهى سير السائرين ومرجع الراجعين كما قال تعالى: ثُم تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّاهَدَةِ فَينبئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: 94]، وقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 156].

وعلى أي تقدير فلا يخفى ما في التعبير بلفظ الانقلاب من حسن التقرير وبديع الصناعة، ومحصل المراد الأمر بتحصيل صالح الزاد ليوم المعاد وأراد به التقوى كما قال عز وعلا: وَتَزَوَّدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: 197].

وعلل شدة الحاجة إلى أخذ الزاد بقوله : (فإن أمامكم عقبة كئودا) أي صعبة شاقة المصاعد.

(ومنازل مخوفة مهولة لا بد من الورود عليها والوقوف عندها) أشار بها إلى شدائد الموت ومشاق البرزخ ومنازل الآخرة ومواقف القيامة وأهاويلها وأخاويفها وأفزاعها (يوم تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج : 2].

روى في (البحار) من أمالي المفيد عن حفص بن غياث قال : قال أبو عبد الله جعفر بن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ): ألا فحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا فإن في القيامة خمسين موقفاً كل موقف كألف سنة مما تعدّون، ثم تلا هذه الآية: في يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: 4](1).)


1) البحار 64/67، ح 4. و 107/72 ح 7.

ومن (تفسير علي بن إبراهيم في هذه الآية قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن في القيامة خمسين مو موقفاً لكل موقف ألف سنة (1).)وقال الصدوق في (عقائده : اعتقادنا في العقبات التي على طريق المحشر أن كل عقبة منها اسم فرض وأمر ونهي فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها فرض وكان قد قصر في ذلك الفرض حُبس عندها وطُولب بحق الله فيها.)فإن خرج منه بعمل صالح قدمه أو برحمة تداركها نجى منها إلى عقبة أخرى فلا يزال من عقبة إلى عقبة ويُحبس عند كل عقبة فيسأل عما قصر فيه من معنى اسمها، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء فيحيى حياة لا موت فيها أبداً وسعد سعادة لا شقاوة معها أبداً، وسكن في جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء والصالحين من عباده.وإن حُبس على عقبة فطولب بحق قصّر فيه ولم ينجه عمل صالح قدمه ولا أدركته من الله عزّ وجل رحمة زلّت به قدمه عن العقبة فهوى في جهنم، نعوذ بالله منها.وهذه العقبات كلها على الصراط اسم عقبة منها الولاية يُوقَفُ جميع الخلائق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ والأئمة من بعده فمن أتى بها نجا وجاز ومن لم يأت بها بقي فهوى وذلك قول الله عزّ وجل: ﴿وَقِفُوهُ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) [الصافات: 24].)وأهم عقبة منها المرصاد وهو قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: 14]، ويقول الله عزّ وجل : «وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم واسم عقبة منها الرحم واسم عقبة منها الأمانة، واسم عقبة منها الصلاة وباسم كل فرض وأمر ونهي عقبة ويحبس عندها العبد فيسأل» (2). وقال الشيخ المفيد في (شرحه) العقبات عبارة عن الأعمال الواجبة والمسائلة عنها

والمواقفة عليها، وليس المراد بها جبال في الأرض يقطع، وإنما هي الأعمال شبهت بالعقبات، وجعل الوصف لما يلحق الإنسان في تخلصه من تقصيره في طاعة الله تعالى كالعقبة التي يجهده صعودها وقطعها قال الله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُ رَقَبَةٍ [البلد: 11-13]، فسمّى الله سبحانه الأعمال التي كلفها العبد عقبات تشبيهاً بالعقبات والجبال لما يلحق الإنسان في أدائها من المشاق كما يلحقه في صعود العقبات وقطعها (3).)


1) البحار 126/7 ح 5.

2) الاعتقادات 71 -72.

3) تصحيح اعتقادات الإمامية : 112.

وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: إن أمامكم عقبة كئوداً ومنازل مهولة لا بد من الممر بها والوقوف عليها فإما برحمة الله نجوتم وإما بهلكة ليس بعدها انجبار.)أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ بالعقبة تخلص الإنسان من العقبات التي عليه وليس كما ظنه الحشوية من أن في الآخرة جبالاً وعقبات يحتاج الإنسان إلى قطعها ماشياً وراكباً وذلك لا معنى له فيما توجبه الحكمة من الجزاء، ولا وجه لخلق عقبات تسمى بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من الفرائض تلزم الإنسان أن يصعدها فإن كان مقصراً في طاعة الله حال ذلك بینه وبين صعودها.)إذ كان الغرض في القيامة الموافقة على الأعمال والجزاء عليها بالثواب والعقاب وذلك غير مفتقر إلى تسمينه عقبات وخلق جبال وتكليف قطع ذلك وتصعيبه وتسهيله مع أنه لم يرد خبر صحيح بذلك على التفصيل فيعتمد عليه وتخرج له الوجوه، وإذا لم يثبت بذلك خبر كان الأمر فيه ما ذكرناه، انتهى كلامه رفع مقامه (1.)واعترض عليه المحدث العلامة المجلسي في (البحار بعد نقله له بقوله : إن تأويل ظواهر الأخبار بمحض الاستبعاد بعيد عن الرشاد والله الخيرة في معاقبة العاصين من عباده بأي وجه أراد، وقد مضى الأخبار في ذلك وسيأتي بعضها والله الموفق للخير والسداد هذا (2).)ولما حدّر من عقبات الآخرة ومواقفها المهولة المقتضية لأخذ الزاد لها عقبه بالإشارة إلى قرب الموت المعقب لهذه الأهاويل والعقبات وكونه بالرصد والترقب والاخترام تنبيهاً به على وجوب المبادرة بأخذ الزاد لقرب الحاجة إليه وعلى عدم التواني والتسويف فيه بتوهم بعد زمان الاحتياج، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ:)(واعلموا أن ملاحظ المنية نحوكم دائبة أي مجدّة يعني أنها تنظر إليكم باللحظ والشزر أي بمؤخر عينها نظر الغضبان محدّة فيه قصداً لاخترامكم.)(وكأنكم بمخالبها وقد نشبت فيكم شبهها بالسبع الفتاك الضاري على طريق الاستعارة المكنية وأثبت لها المخالب والنشوب تخييلاً وترشيحاً، يريد قرب أخذها لهم وانتشاب مخالبها فيهم، وإلى هذا ينظر قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الديوان المنسوب إليه :)يا مؤثر الدنيا علی دینه*** والتائه الحيران عن قصدهأصبحت ترجو الخلد فيها وقد***أبرز ناب الموت عن حذه


1) تصحيح الاعتقادات : 112.

2) البحار: 130/7.

هيهات إن الموت ذو أسهم***من يرمه يوما بها يرده(1.)(وقد دهمتكم منها مفظعات الأمور أي غشيتكم من المنية الأمور الشنيعة البالغة في الشناعة الغاية.)(ومعضلات المحذور أي الإفراغ والدواهي الشديدة التي تحذر منها وتحترز، وعلى رواية مضلعات المحذور فالمراد المحاذير التي توجب انحناء ظهر الإنسان لثقلها وشدتها من سكرة ملهئة وغمرة كارثة وجذبة متعبة وسوقة مكربة ونحوها من أفزاع الموت.)(فقطعوا علائق الدنيا وأميطوا محبتها عن قلوبكم (واستظهروا بـ) خير الزاد (زاد التقوى) لتقووا به إلى قطع منازل الآخرة والوصول إلى حضرة الرب الأعلى.)نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المستظهرين به والواصلين إلى مقام القرب والزلفي لديه بمحمد وآله سلام الله عليه وعليهم.### تكملةروى في (البحار من الأمالي عن أبيه عن سعد عن ابن هاشم عن ابن أبي نجران عن ابن حميد عن محمد بن قيس عن أبي جعفر قال : كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالكوفة إذا صلّى العشاء الآخرة ينادي الناس ثلاث مرات حتى يسمع أهل المسجد :)أيها الناس تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل فما التعرّج على الدنيا بعد النداء فيها بالرحيل تجهزوا رحمكم الله وانتقلوا بأفضل ما بحضرتكم من الزاد وهو التقوى، واعلموا أن طريقكم إلى المعاد وممركم على الصراط والهول الأعظم أمامكم على طريقكم عقبة كئودة، ومنازل مهولة مخوفة، لا بد لكم من الممر عليها والوقوف بها فإما برحمة من الله فنجاة من هولها وعظم خطرها وفظاعة منظرها وشدّة مختبرها، وإما بهلكة ليس بعدها انجبار (2.)


1) جواهر المطالب : 137/2.

2) البحار : 172/68 ح 4، وأمالي الصدوق : 587، ح 810.

### الترجمةاز جمله کلام بلاغت نظام آن امام است که اکثر اوقات ندا میکرد به آن اصحاب خود را می فرمود :ضروریات سفر آخرت را مهیا،نمایید خدا رحمت کند به شما پس به تحقیق ندا کرده شد در میان شما به کوچ کردن و کم نمایید اقامت در دنیا را و رجوع نمایید به سوی آخرت با بهترین چیزی که نزد شما است از توشه آخرت، پس به درستی که پیش شما است عقبه سخت و منزلهای خوفناک و خطرناك، لابد هستید از آمدن آن منزلها و از توقف نمودن در نزد آنها و بدانید که نظرهای تند و غضبناك مرگ به سوی شما متوجه است و گویا متوجه است و گویا میبیند که چنگالهای آن سبع قتال به شما بند شده و به تحقیق که احاطه کرده شما را از آن مرگ امورات قبیحه بی نهایت و محذورات شدیده به غایت شدت. پس ببرید علایق دنیا را و طلب اعانت نمایید با توشه تقوی و پرهیزکاری.

## ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو المائتان والرابع من المختار في باب الخطب)### إشارة:ورواه الشارح المعتزلي في شرح المختار الحادي والتسعين من كتاب (نقض كتاب العثمانية لأبي جعفر الإسكافي باختلاف كثير تعرفه إن شاء الله.)قال السيد: كلّم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما والاستعانة فى الأمور بهما.«لَقَدْ نَقَمْتُما بَسِيراً، وَأَرْجَأْتُما كَثِيراً، أَلا تُخْبِراني أَيُّ شَيْءٍ لَكُما فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُما عَنْهُ، وَأَيُّ قَسْم اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُما به، أَمْ أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إِلَى أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ، أَمْ جَهِلْتُهُ أمْ أَخْطَاتُ بابَهُ، وَالله ما كانَتْ لي في الخلافَةِ رَغْبَةٌ، وَلا في الوِلايَةِ إرْبَةٌ، وَلكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُوني إِلَيْها، وحَمَلْتُمُونِي عَلَيْها، فَلَمّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتابِ الله ومَا وَضَعَ لَنَا وَأَمَرَنا بِالحُكْمِ به فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَسَنَّ النَّبِيُّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فَاقْتَدَيْتُهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذلِكَ إِلَى رَأيِكُما وَلا رَأي غَيْرِكُما، وَلا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُما وَإِخْوانِي مِنَ المُسْلِمينَ، وَلَوْ كانَ ذلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَلا عَنْ غَيْرِ كُما».)«وأَمَّا ما ذَكَرْتُما مِنْ أَمْرِ الأَسْوَةِ فَإِنَّ ذلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُم أَنَا فِيهِ برَأْيِي وَلا وَلَّيْتُهُ هَوى مِنِّي، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وأَنْتُما ما جاءَ بِه رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُما فِيما قَدْ فَرَغَ الله مِنْ قَسْمهِ، وَأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمَا وَالله عِنْدِي وَلا لِغَيْرِكُما فِي هَذَا عُتْبى، أَخَذَ الله بِقُلُوبِنا وَقُلُوبِكُمْ إِلى الحَقِّ، وَأَلْهَمَنا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ».)«ثُمَّ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ: رَحِمَ الله رَجُلاً رَأى حَقَّاً فَأَعانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ، وكانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صاحِبِهِ»(1).)### اللغة(نقمت عليه أمره ونقمت منه نقماً من باب ضرب، ونقمت أنقم من باب تعب لغة إذا عبته وكرهته أشد الكراهة بسوء فعله واللغة الأولى هي الفصيحة وبهما قرى قوله تعالى : ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنا) [الأعراف: 126] أي وما تطعن فينا وتقدح، وقيل: ليس لنا عندك ذنب ولا ركبنا مكروهاً و (أرجأته) بالهمزة أخرته (وقسمته) قسماً من باب ضرب فرزته أجزاء فانقسم، والقسم بالكسر إسم منه، أطلق على الحصة والنصيب فيقال : هذا قسمي والجمع أقسام مثل حمل وأحمال.


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي : 8/11، والبحار : 32/ 50 ح 33.

و (استأثر) بالشيء استبد به أي انفرد به من غير مشارك له فيه و (حمله) على الأمر يحمله فانحمل أغراه به و (الأسوة) بالضم والكسر القدوة (ولا وليته هوى مني) في أكثر النسخ بتشديد اللام، يقال : وليته تولية أي جعلته والياً، وفي بعضها بالتخفيف وهو الأظهر من وليه إذا قام به ومنه وليّ الصغير أي القائم بأمره، و (عتب) عليه عتباً من باب ضرب وقتل لامه في تسخط، وأعتبني الهمزة للسلب أي أزال الشكوى والعتاب والعتبى وزان فعلى اسم من الإعتاب.

الإعراب

قوله : (بعد بيعته بالخلافة) من إضافة المصدر إلى المفعول ويسيراً وكثيراً منصوبان على المفعول به، وقوله : (ألا تخبراني أي شيء لكما فيه حق دفعتكما عنه)، (أي) إسم استفهام مرفوع على الابتداء وجملة (دفعتكما عنه) خبره وجملة (لكما فيه حق) صفة لشيء، (ولكما) ظرف لغو متعلق بحق (وفيه) ظرف مستقر متعلق بمقدر خبر مقدم (وحق) مبتدأ ويحتمل أن يجعل الأول ظرف مستقر والثاني ظرف لغو وجملة (أي شيء) (اه) منصوبة المحل مفعول لتخبراني (اه).

وقوله: (أم أي قسم) في بعض النسخ أو بدل (أم) وكذلك في قوله: (أم جهلته)، وقوله (ولا وليته هوى مني)، على رواية (وليته) بالتشديد يكون (هوي) مفعولاً به أي لم أجعل هواي والياً في هذا الأمر. وعلى رواية التخفيف فهو مفعول له أي ما قمت به لأجل هوى نفسي، وجملة (قد فرغ منه بالبناء) على الفاعل حال من رسول الله، وفي بعض النسخ بالبناء على المفعول فتكون حالاً من ما جاء به (والفاء) في قوله: (فليس) فصيحة، وجملة (رحم الله رجلاً) (اه)، دعائية لا محل لها من الإعراب.

المعنى

إعلم أن هذا الكلام حسبما أشار إليه الرضى (رضي الله عنه) : كلّم به طلحة والزبير بعد بيعتهما له بالخلافة وقد عتبا من ترك مشورتهما والاستعانة في الأمور بهما، ومن ترك تفضيلهما في العطاء على غيرهما.

قال الشارح المعتزلي أنهما قالا ما نراه يستشيرنا في أمر ولا يفاوضنا في رأي ويقطع الأمر دوننا، وكانا يرجوان غير ذلك، وأراد طلحة أن يوليه البصرة وأراد الزبير أن يوليه الكوفة (1).

فلما شاهدا صلابته في الدين وقوته في العزم وهجره الإدمان والمراقبة ورفضه


1) شرح النهج : 10/11.

المدالسة والمواربة، وسلوكه في جميع مسالکه الكتاب والسنّة وقد كانا يعلمان ذلك قديماً من طبعه طبعه وسجيته، وكان عمر قال لهما ولغيرهما : إن الأجلح أي الأنزع إن وليها ليحملتكم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم، وكان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال من قبل : «وإن تولّوها علياً تجدوه هادياً مهدياً»، إلا أنه ليس الخبر كالعيان ولا القول كالفعل ولا الوعد كالإنجاز (1).

حالا عنه وتنكرا له ووقعا فيه، وعاباه تطلبا له العلل والتأويلات، وتنقما عليه الاستبداد وترك المشاورة، وانتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة الأموال، وأثنيا على عمر وحمدا سيرته وصوّبا رأيه، وقالا : إنه كان يفضّل أهل السوابق، وضلّلا عليّاً فيما رآه وقالا : إنه أخطأ، وإنه خالف سيرة عمر، واستنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين كان عمر يفضّلهم في القسم على غيرهم.

والناس أبناء الدنيا ويحبون المال حباً جماً، فتنكّرت على أمير المؤمنين بتنكرهما قلوب كثيرة.

وكان عمر منع قريشاً والمهاجرين وذوي السوابق من الخروج من المدينة ونهاهم عن مخالطة الناس ونهى الناس عن مخالطتهم ورأى أن ذلك أساس الفساد في الأرض، وأن الفتوح والغنائم قد أبطرت المسلمين ومتى بعد الرؤوس والكبراء منهم عن دار الهجرة وانفردوا بأنفسهم وخالطهم الناس في البلاد البعيدة لم يؤمن أن يحسنوا لهم الوثوب وطلب الإمارة ومفارقة الجماعة وحل نظام الإلفة ولكنه نقض هذا الرأي السديد بما فعله بعد طعن أبي لؤلؤة له من الشورى فإن ذلك كان سبب كل فتنة وقعت وتقع إلى أن تنقضي الدنيا.

قال : وقد قدمنا ذكر ذلك وشرحنا ما أدى إليه أمر الشورى من الفساد بما حصل في نفس كل من الستة من ترشيحه للخلافة إلى أن قال إن طلحة والزبير لما آيسا من جهة على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن حصول الدنيا من قبله قلبا له ظهر المجن، فكاشفاه وعاتباه قبل المفارقة عتاباً لاذعا.

قال : روى أبو عثمان الجاحظ قال :

أرسل طلحة والزبير إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل خروجهما إلى مكة محمد قبل خروجهما إلى مكة محمد بن طلحة وقالا : لا تقل له يا أمير المؤمنين ولكن قل :له يا أبا الحسن لقد قال أي أخطأ فيك رأينا وخاب ظننا أصلحنا لك الأمر ووطدنا لك الإمرة وأجلبنا على عثمان حتى قتل، فلما طلبك الناس


1) الإيضاح: 237، ومسند أحمد : 109/1، ومستدرك الحاكم : 70/3.

لأمرهم أسرعنا إليك وبايعناك وقدنا إليك أعناق العرب، ووطأ المهاجرون والأنصار أعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك استبددت برأيك عنا ورفضتنا رفض التريكة وأذللتنا إذالة الإماء وملكت أمرك الأشتر وحكيم بن جبلة وغيرهما من الأعراب.

فلما جاء محمد بن طلحة أبلغه ذاك فقال : إذهب إليهما فقل لهما فما الذي يرضيكما ؟ فذهب وجاء وقال : إنهما يقولان ولّ أحدنا البصرة وآخرنا الكوفة.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لاها الله إذاً يحلم الأديم ويستشري الفساد وتنتقض علي البلاد من أقطارها، والله إني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين إذهب إليهما فقل أيها الشيخان احذرا من الله ونبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أمته ولا تبغي المسلمين غايلة وكيداً وقد سمعتها قول الله تعالى : (وتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا والْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص : 83].

فقام محمد بن طلحة فأتاه إليهما ولم يعدا له وتأخرا عنه أياماً ثم جاءاه فاستأذنا الخروج إلى مكة للعمرة فأذن لهما بعد أن أحلفهما أن لا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهم وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة، فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا.

قال وروى الطبري في (التاريخ) قال : لما بايع الناس علياً وتم الأمر له قال طلحة للزبير: ما أرى أن لنا من هذا الأمر إلا ككشحة أنف الكلب (1).

فقد ظهر لك من ذلك ويظهر أيضاً مما نرويه من الإسكافي أن علة نقم طلحة والزبير منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما كانت ترك استشارتهما ومداخلتهما في أمر الخلافة وعدم بذل مأمولهما في تولية العراقين والتسوية بينهما وبين غيرهما في القسم ولما نقما عليه بذلك أجاب لهما بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

(لقد نقمتما يسيراً وأرجأتما كثيراً) أي طعنتما وعتبتما عليّ شيئاً يسيراً وهو ترك الاستشارة وأمر التسوية حسبما عرفت مع عدم كونهما مورد طعن وعيب في الحقيقة، الحقيقة، وأخرتما شيئاً كثيراً من رعاية حقوقي الواجبة والسعي فيما يعود إلى صلاح حال المسلمين وانتظام أمر الدين واتساق حبل الألفة والجماعة.

وقال الشارح المعتزلي : أي نقمتما من أحوالي اليسير وتركتها الكثير الذي لبس لكما ولا لغيركما فيه طعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما اليسير الكثير.

وقال الشارح البحراني : يحتمل أن يريد أن الذي أبدياه ونقماه بعض مما في أنفسهما


1) البحار 32 / 25 - 24، وشرح النهج للمعتزلي : 16/11.

وقدر ذلك على ذلك أن في أنفسهما أشياء كثيرة وراء ما ذكراه.

أقول : يعني قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر والأظهر ما قلناه.

ثم استخبر عما نقماء واستفهم عن وجوه النقم المتصورة في المقام استفهاماً إنكارياً إبطالياً تنبيهاً به على بطلان تلك الوجوه جميعاً وعلى كذب مدعيها فقال :

(ألا تخبراني أي شيء لكما فيه حق) ما لي أو غير ما لي (دفعتكما عنه) وظلمتكما فيه.

وبطلان هذا الوجه مع كونه معصوماً واضح، ويزيده وضوحاً قوله الآتي في الكلام المائتين والعشرين وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطول في الثرى حلولها، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه أيضاً : والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته ومن هذا حاله كيف يتصور في حقه الظلم ؟.

(وأتي قسم استأثرت عليكما به) أي أي سهم ونصيب أخذت من بيت المال وتفرّدت به ولم أشارككم.

وبطلانه أيضاً واضح مما مر ويزيده توضيحاً ما مر في الكلام المائة والسادس والعشرين من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو كان المال لي لسوّيت بينهم فكيف والمال مال الله؟، وما يأتي في باب المختار من كتبه في كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ومن هذا شأنه كيف يحيف الغير ويذهب نجقه وغيره؟!.

وبما ذكرته علم الفرق بين هذا الوجه والوجه الأول، فإن الأول أعم من الحق المالي وغيره، وهذا مخصوص بالمالي، وأيضاً دفع الحق عنهما أعم من أن يصير إليه أو إلى غيره أو لم يصر إلى أحد بل يبقى في بيت المال والاستثثار عليهما به هو أن يأخذ حقهما لنفسه.

(أم أي حق رفعه إلي أحد من المسلمين ضعفت عنه) وكنت محتاجاً فيه إلى المعاون والمعين.

وبطلان هذا الوجه أيضاً لا ريب فيه لما قد عرف من بأسه وشجاعته وأنه لولا سيفه لما قام للإسلام عمود ولا اخضر للدين عود، وقد قال في الكلام السابع والثلاثين واستبددت برهانها كالجبل لا تحركه القواصف ولا تزايله العواصف لم يكن لأحد في مهمز ولا لقائل في مغمز الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه.

وقال في الكلام المائة والسادسة والثلاثين وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق، وإن كان كارهاً.

(أم جهلته أم أخطأت بابه) وكنت محتاجاً إلى التعليم والتنبيه والفرق بين الجهل والخطأ في الباب الأول أن يكون الله سبحانه قد حكم بحرمة شيء مثلاً فأحله الإمام، والثاني أن يصيب في الحكم ويخطىء في طريقه والاستدلال عليه أو أن الأول أن يجهل الحكم ويتحير فيه ولا يدري كيف يحكم، والثاني أن يحكم بخلاف الواقع.

وعلى أي تقدير فتوهم أحد الأمرين في حقه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مع علمه بما كان وما يكون وما هو كائن وكونه أعلم بطرق السماء من طرق الأرض وكونه باب مدينة العلم والحكمة وكونه أقضى الأمة على ما صدر عن صدر النبوة وعرفته في تضاعيف الشرح غير مرة أوضح البطلان وفساده غني عن البرهان، ولما أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بطلان وجوه النقم المتصورة إجمالاً أراد إبطال ما نقما به علیه تصريحاً وهو ترك الاستشارة وأمر الأسوة وأجاب عن النقم بهما تفصيلاً.

وقبل الشروع في الجواب مهّد مقدمة لطيفة دفع بها توهم كون نهوضه بالخلافة من حب الملك والرئاسة ومحبة السلطنة والولاية المقتضية للمماشاة والمشاورة مع الحاشية، والبطانة كما كان في المتخلفين الثلاثة ورفعا بها منتهما عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث منا عليه بأنا أصلحنا الأمر ووطدنا لك الإمرة وبايعناك وقدنا إليك أعناق العرب على ما مر في رواية أبي عثمان الجاحظ.

وتلك المقدمة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة) وحاجة، أما عدم احتياجه إليها فواضح، وأما عدم رغبته فيها فلكراهته لها طبعاً، وإن كان يحبها شرعاً أو كراهته لها من حيث الملك والسلطنة فلا تنافي رغبته من حيث التمكن من إعلاء لواء الشرع وإقامة المعروف وإزاحة المنكر، أو أن عدم الرغبة حين عدم تحقق الشرائط.

كما يشعر بذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية : أما والذي فلق الحبة وبرىء النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سعب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولألقيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.

ويشعر به أيضاً قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكلام الحادي والتسعين: دعوني والتمسوا غيري ومضى هناك أخبار مناسبة للمقام.

(ولكنكم دعوتموني إليها) على رغبة منكم (وحملتموني عليها) على كراهة مني كما أوضحه في المختار المائتين والخامسة والعشرين حيث قال هناك : وبسطتم يدي فكففتها

ومددتموها فقبضتها ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل وسقطت الرداء وطىء الضعيف وبلغ من سرور الناس بيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير وهدج إليها الكبير.

ولما مهد المقدمة الشريفة المنبئة عن عدم رغبته في الولاية والخلافة ورفع بها منتهما عليه في المبايعة رتب عليها الجواب عن نقمهما الأول، أعني مسألة المشاورة وقال :

(فلما أفضت) أي وصلت الخلافة (إلي نظرت إلى كتاب الله) عز وجل (و) إلى (ما وضع لنا) أي ما وظفه لنا وألزمه علينا معاشر الأئمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحكم بين الناس بالعدل حيث قال: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرجت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَون عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

روى في (البحار) عن العياشي عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في قراءة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «کنتم خير أئمة أخرجت للناس» قال: هم آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1).

وعن العياشي عن أبي بصير عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : إنما أنزلت هذه الآية على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيه وفي الأوصياء خاصة فقال: «أنتم خير أئمة (أمة خ) أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» هكذا والله نزل بها جبرئيل وما عنى بها إلا محمداً وأوصياءه صلوات الله عليهم (2).

وقال تعالى أيضاً: (إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَاناتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء : 58] فإن هذه الآية أيضاً خطاب الخصوص ولاة الأمر، وعلى كونها خطاباً للعموم فيدخل فيه ولاة الأمر، وعلى أي تقدير فقد بيّن الله وظيفتهم فيها.

قال في (مجمع البيان): قيل في معنى هذه الآية أقوال:

أحدها: أنها في كل من اؤتمن أمانة من الأمانات وأمانات الله أوامره ونواهيه وأمانات عباده فيما يأتمن بعضهم بعضاً من المال وغيره وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وثانيها: أن المراد به ولاة الأمر، أمرهم الله أن يقوموا برعاية الرعية وحملهم على


1) راجع تفسير الأصفى : 70/1.

2) تفسير العياشي : 195/1 ح 128.

موجب الدين والشريعة. ورواه أصحابنا عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قالا : أمر الله كل واحد من الأئمة أن يسلّم الأمر إلى من بعده، ويعضده أنه أمر الرعية بعد هذا بطاعة ولاة الأمر.

وروى عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنهم قالوا آيتان إحداهما لنا والأخرى لكم، قال الله : (إن الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَاناتِ إِلَى أَهْلِهَا) الآية، وقال : (يا أيّها الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمرِ مِنكُمْ) [النساء: 59] الآية.

وهذا القول داخل في القول الأول لأنه من جملة ما ائتمن الله عليه الأئمة الصادقين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ولذلك قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الصلاة والزكاة والصوم والحج من الأمانة ويكون من جملتها الأمر لولاة الأمر بقسم الصدقات والغنائم وغير ذلك مما يتعلق به حق الرعية، وقد عظم الله أمر الأمانة بقوله: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ [غافر : 19]، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة : 44]، وَمَن لَّمْ يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: 45]، وقال: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجاَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة : 49 – 50] (1).)فإن هذه الآيات كما ترى صريحة في وجوب الأخذ بحكم الكتاب، والآية الأخيرة، وإن كانت خاصة بالنبي إلا أنها تعم الأئمة القائمين ومقامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏بل تعم سائر أحكام الشرع بمقتضى أدلة الشركة في التكاليف.)وغير خفي على الفطن العارف حسن انطباق مفاد الآية الأخيرة بالمقام، فإن الله سبحانه أمر نبيه فيها في الحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله ونهاه عن اتباع هواهم وحذره من تفتينهم وأشار إلى توليهم عن حكم الله، وإلى ابتغائهم حكم الجاهلية، وكذلك كان حال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ مع طلحة والزبير اللذين هما تاليا أهل الكتاب فقد كان مراده أن يحكم بحكم الله وبالأخذ بسيرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكان مرادهما أن بداخلهما في الأمر ويشاورهما ويتابع هواهما ويسير فيهما وفي غيرهما بسيرة عمر وكان غرضهما تفتينه وتغييره حكم الله إلى حكم الجاهلية، إذ حكم الجاهلية لم يكن منحصراً في أحكام أيام الفترة بل كل حكم خالف الكتاب والسنّة.)كما روي في (الكافي عن الصادق عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكم حكمان: حكم الله)


1) مجمع البيان: 113/3.

وحكم الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية (1.)وقال الطبرسي في قوله : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة : 50]، قيل : المراد به كل من طلب غير حكم الله فإنه يخرج منه إلى حكم الجاهلية وكفى بذلك أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم. فقد علم بذلك أن تكليف الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) إتباع أمر الله والأخذ بحكم الله لا الحكم بالرأي والأهواء كما في أئمة الجور.

روى في (البحار) من تفسير علي بن إبراهيم عن حميد بن زياد عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : الأئمة في كتاب الله إمامان، قال الله : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [السجدة: 24] لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم، قال : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ [القصص: 41] يقدمون أمرهم قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلافاً لما في كتاب الله (2).

وكيف كان فمحصل مفاد قوله :(عَلَيهِ السَّلَامُ) إني نظرت إلى كتاب الله جل شأنه وإلى ما عين لنا فيه من التكاليف والأحكام فاتبعته.

(و) نظرت إلى (ما استسن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) وشرعه (فاقتديته) وتابعته (فلم) يبق الكتاب والسنة شيئاً من الأحكام الشرعية (احتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما) من الآراء الباطلة والاستحسانات الفاسدة.

(ولا وقع حكم جهلته) وهذا أحد الوجوه المتقدمة التي أنكرها سابقاً على سبيل الاستفهام ونفاه هنا صريحاً أي لم يقع حكم شرعي لا أعلم به فأحتاج إلى التعلم والمشاورة (فأستشيركما وإخواني من المسلمين) فيه وأتعلمه منكم (ولو كان ذلك) أي لو وقع حكم كذلك (لم أرغب عنكما ولا عن غيركما).

ولما أجاب عن نقمهما الأول شرع في الجواب عن نقمهما الثاني فقال :

(وأما ما ذكرتما من أمر الإسوة) أي القدوة واقتدائكما بغيركما في النصيب والقسمة (فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي) ومن تلقاء نفسي ولا وليته هوى مني) أي ما جعلت هواي والياً أو ما باشرته بهواي (بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)) من القسم بالسوية


1) الكافي للحلبي : 425، والكافي للكليني : 407/7.

2) البحار : 156/24 ح 13.

والعدل في الرعية والحال أنه (قد فرغ منه) وأكمل ولم يبق مجال للكلام (فلم أحتج إليكما) ولا إلى غيركما (فيما قد فرغ الله من قسمه وأمضى فيه حكمه) نسبة الفراغ أولاً إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وثانياً إلى الله تنبيهاً على اتحاد حكمهما لعدم كونه ناطقاً عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والمراد أنه لا حاجة لي إلى الغير في مال قد فرغ الله من تقسيمه وحكم فيه بالحكم النافذ الإلزامي بأن يقسم بالسوية لا بالتفاوت.

(فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا) القسم بالسوية (عنبى) أي ليس لكما ولا لغيركما علي أن أرضيكم وأزيل شكواكم عني.

ثم دعا لنفسه ولهما بقوله : (أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق) أي صرفها إليه (وألهمنا وإياكم الصبر) أي ألهمني الصبر على مشاق الخلافة ومقاساة المكاره والمساوىء من الرعية والهمكم الصبر على ما تكرهه نفوسكم الأمارة من القسم بالسوية ونحوه مما مر.

(ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): رحم الله رجلاً رأى حقاً) وعدلاً (فأعان عليه) وعلى العمل به (أو رأى جوراً) وظلماً (فردّه) ودفعه (وكان عوناً بالحق على صاحبه) أي على صاحب الجور.

والمراد به الجذب إلى طاعته وإعانته والصرف عن مخالفته وإعانة ظالميه، لأنه عليه الصلاة والسلام مع الحق والحق معه عليه السلام والصلاة يدور معه حيثما دار هو التحية والثناء فالمعين له عليه الصلاة والسلام معين للحق والمعاند له (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاند للحق ومعين للجور والباطل.

تكملة وتبصرة

عليه

روى في (البحار) من الأمالي أمالي الشيخ عن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت عن أحمد بن عقدة قال : حدثنا الحسن بن صالح من كتابه في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وأحمد بن يحيى عن محمد بن عمرو عن عبد الكريم عن القاسم بن أحمد عن أبي الصلت الهروي وقال ابن عقدة وحدثناه القاسم بن الحسن الحسيني عن أبي الصلت عن علي بن عبد الله بن النعجة عن أبي سهيل بن مالك عن مالك بنأوس بن الحدثان قال :

لما ولّي علي بن أبي طالب أسرع الناس إلى بيعة المهاجرين والأنصار وجماعة الناس لم يتخلف عنه من أهل الفضل إلا نفر يسير خذلوا وبايع الناس، وكان عثمان قد عود قريشاً والصحابة كلهم ؛ وصبت عليهم الدنيا صباً، وآثر بعضهم على بعض، وخص أهل بيته من بني أمية وجعل لهم البلاد وخوّلهم العباد فأظهروا في الأرض الفساد، وحمل أهل الجاهلية والمؤلفة قلوبهم على رقاب الناس حتى غلبوه على أمره، فأنكر الناس ما رأوا من ذلك فعاتبوه فلم يعتبهم، وراجعوه فلم يسمع منهم، وحملهم على رقاب الناس حتى انتهى إلى أن

ضرب بعضاً ونفى بعضاً وحرم بعضاً.

الجزء الثالث عشر من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

فرأى أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يدفعوه وقالوا : إنما بايعناه على كتاب الله وسنّة نبيه والعمل بهما، فحيث لم يفعل ذلك لم تكن له عليهم طاعة فافترق الناس في أمره على خاذل وقاتل.

فأما من قاتل فرأى أنه حيث خالف الكتاب والسنّة واستأثر بالفيء واستعمل من لا يستأهل رأوا أن جهاده جهاد.

وأما من خذله فإنه رأى أنه يستحق الخذلان ولم يستوجب النصرة بترك أمر الله حتى قتل.

واجتمعوا على علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فبايعوه فقام وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلّى على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وآله ثم قال :

أما بعد فإني كنت كارهاً لهذه الولاية يعلم الله في سماواته وفوق عرشه على أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى اجتمعتم على ذلك فدخلت فيه، وذلك أني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول : «أيما وال ولي أمر أمتي من بعدي أقيم يوم القيامة على الصراط ونشرت الملائكة صحيفته، فإن نجى فبعدله وإن جار انتفض به الصراط انتفاضة تزيل ما بين مفاصله حتى يكون بين كل عضو وعضو من أعضائه مسيرة مائة عام يحرق به الصراط، فأول ما يلقى به النار أنفه وحرّ وجهه ولكني لما اجتمعتم علي نظرت فلم يسعني ردّكم حيث اجتمعتم أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.

فقام إليه الناس فبايعوه فأول من قام فبايعه طلحة والزبير، ثم قام المهاجرون والأنصار وسائر الناس حتى بايعه الناس وكان الذي يأخذ عليهم البيعة عمار بن ياسر وأبو الهيثم بن التيهان وهما يقولان : نبايعكم على طاعة الله وسنّة رسوله وإن لم نف لكم فلا طاعة لنا عليكم ولا بيعة في أعناقكم والقرآن أمامنا وأمامكم.

ثم التفت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن يمينه وعن شماله وهو على المنبر وهو يقول :

ألا لا يقولن رجال منكم غداً : قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الردقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً إن لم يغفر لهم الغفار إذا منعوا ما كانوا فيه وصيروا إلى حقوقهم التي يعلمون يقولون: حرمنا علي بن أبي طالب وظلمنا حقوقنا ونستعين بالله ونستغفره وأما من كان له فضل وسابقة منكم فإنما أجره فيه على الله، فمن استجاب الله ولرسوله ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده فأنتم أيها الناس عباد الله المسلمون والمال مال

الله يقسم بينكم بالسوية وليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى وللمتقين عند الله خير الجزاء وأفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين جزاء وما عند الله خير للأبرار، إذا كان غداً فاغدوا فإن عندنا مالاً اجتمع فلا يتخلّفن أحد كان في عطاء أو لم يكن إذا كان مسلماً حراً، احضروا رحمكم الله.

فاجتمعوا من الغد ولم يتخلّف عنه أحد، فقسم بينهم ثلاثة دنانير لكل إنسان، الشريف والوضيع والأحمر والأسود ولم يفضل أحداً، ولم يتخلّف عنه أحد إلا هؤلاء الرهط طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم وناس معهم، فسمع عبيد الله بن أبي رافع وهو كاتب علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عبد الله بن الزبير وهو يقول للزبير وطلحة وسعيد بن العاص : لقد التفت إلى زيد بن ثابت فقلت له : إياك أعني واسمعي يا جارة فقال عبيد الله : يا سعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير إن الله يقول في كتابه: وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون: 70]، قال عبيد الله : فأخبرت عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأن سلمت لهم لأحلمنهم على الطريق، قاتل الله ابن العاص لقد علم في كلامي أني أريده وأصحابه بكلامي والله المستعان.

قال مالك بن الأوس وكان علي بن أبي طالب أكثر ما يسكن القناة، فبينا نحن في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير وطلحة فجلسا ناحية عن علي ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير والمسور بن مخرمة فجلسوا وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل عمار بن ياسر على الخيل، فقال لأبي الهيثم بن التيهان والخالد بن زيد أبي أيوب ولأبي حية والرفاعة بن رافع في رجال من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): قوموا إلى هؤلاء القوم فإنه بلغنا عنكم ما نكره من خلاف أمير المؤمنين إمامهم والطعن عليه وقد دخل معهم قوم من أهل الجفاء والعداوة فإنهم سيحملونهم على ما ليس من رأيهم فقال : فقاموا وقمنا معهم حتى جلسوا إليهم.

فتكلم أبو الهيثم بن التيهان فقال : إن لكم لقدماً في الإسلام وسابقة وقرابة من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد بلغنا عنكم طعن وسخط لأمير المؤمنين فإن يكن أمر لكما خاصة فكاتبا ابن عمتكما وإمامكما، وإن كان نصيحة للمسلمين فلا تؤخراه عنه ونحن عون لكما فقد علمتها أن بني أمية لن تنصحكما وقد عرفتها.

وقال أحمد: عرفتم عداوتهم لكما وقد شركتما في دم عثمان ومالئتما.

فسكت الزبير وتكلم طلحة فقال :

افرغوا جميعاً مما تقولون، فإني قد عرفت أن في كل واحد منكم خطبة.

فتكلم عمار بن ياسر رحمه الله فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال :

أنتما صاحبا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد أعطيتما إمامكم الطاعة والمناصحة والميثاق على العمل بطاعة الله وطاعة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأن يجعل كتاب الله إماماً.

قال أحمد: وجعل كتاب الله إماماً ففيم السخط والغضب على علي بن أبي طالب فغضب الرجال للحق أنصرا نصركما الله.

فتكلم عبد الله بن الزبير، فقال : لقد تهددت يا أبا اليقظان.

فقال عمار: ما لك تتعلق في مثل هذا يا أعبس؟، ثم أمر به فأُخرج.

فقام الزبير فقال : أعجلت يا أبا اليقظان على ابن أخيك رحمك الله.

فقال عمار: يا أبا عبد الله أنشدك الله أن تسمع قول من رأيت فإنكم معشر المهاجرين لم يهلك من هلك منكم حتى استدخل في أمره المؤلفة قلوبهم.

فقال الزبير : معاذ الله أن نسمع منهم.

فقال عمار: والله يا أبا عبد الله لو لم يبق أحد إلا خالف علي بن أبي طالب لما خالفته ولا زالت يدي مع يده، وذلك لأن علياً لم يزل يزل مع الحق منذ بعث الله نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فإني أشهد أنه لا ينبغي لأحد أن يفضل عليه أحداً.

فاجتمع عمار بن ياسر وأبو الهيثم ورفاعة وأبو أيوب وسهل بن حنيف فتشاوروا أن يركبوا إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقناة فتخبروه بخبر القوم، فركبوا إليه فأخبروه باجتماع القوم وما هم فيه من إظهار الشكوى والتعظيم لقتل عثمان وقال له أبو الهيثم : يا أمير المؤمنين انظر في هذا الأمر.

فركب بغلة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ودخل المدينة وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واجتمع أهل الخير والفضل من الصحابة والمهاجرين فقالوا لعلي إنهم قد كرهوا الإسوة وطلبوا الأثرة وسخطوا لذلك، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس لأحد فضل في هذا المال وهذا كتاب الله بيننا وبينكم ونبيكم محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسيرته.

ثم صاح بأعلى صوته : يا معشر الأنصار أتمنون علي بإسلامكم أنا أبو الحسن القرم؟.

ونزل عن المنبر وجلس ناحية المسجد وبعث إلى طلحة والزبير فدعاهما ثم قال لهما (عَلَيهِ السَّلَامُ): ألم تأتياني وتبايعاني طائعين غير مكرهين فما أنكرتم أجور في حكم أو استئثار في فيء ؟

قالا : لا.

قال : أو في أمر دعوتماني إليه في أمر المسلمين فقصرت عنه ؟

قالا : معاذ الله.

قال : فما الذي كرهتما في أمري حتى رأيتما خلافي؟

قالا : خلافك لعمر بن الخطاب في القسم وانتقاصنا حقنا من الفيء، جعلت حظنا في الإسلام كحظ غيرنا مما أفاء الله علينا بسيوفنا ممن هو لنا فيء، فسويت بيننا وبينهم.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): الله أكبر، اللهم إني أشهدك وأشهد من حضر عليهما أما ما ذكرتما من الاستثثار فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة ولا لي فيها محبة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فكرهت خلافكم، فلما أفضت إلي نظرت إلى كتاب الله وما وضع وأمر فيه بالحكم وقسم وسن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأمضيته ولم أحتج فيه إلى رأيكما ودخولكما معي ولا غيركما ولم يقع أمر جهلته فأتقوى فيه برأيكما ومشورتكما، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما إذا لم يكن في كتاب الله ولا في سنّة نبينا، فأما ما كان فلا يحتاج فيه إلى أحد.

وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه ووجدت أنا وأنتما ما قد جاء به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من كتاب الله فلم أحتج فيه إليكما قد فرغ من قسمه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد

وأما قولكما : جعلته فيه كمن ضربناه بأسيافنا وأفاء الله علينا وقد سبق رجال رجالاً فلم يضرهم ولم يستأثر عليهم من سبقهم ولم يضرهم حتى استجابوا لربهم والله ما لكم ولا لغيركم إلا ذلك ألهمنا الله وإياكم الصبر عليه.

فذهب عبد الله بن الزبير يتكلم فأمر به فوجئت عنقه وأخرج من المسجد وهو يصيح ويقول : ردوا إليه بيعته.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): لست مخرجكما من أمر دخلتما فيه ولا مدخلكما في أمر خرجتما منه.

فقاما عنه فقالا : أما أنه ليس عندنا أمر إلا الوفاء، قال:

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): رحم الله عبداً رأى حقاً فأعان عليه أو رأى جوراً فردّه وكان عوناً للحق على من خالفه (1).


1) بطوله في أمالي الطوسي 738 ح 1530، والبحار : 32 / 25 - 30 ح 9 عن ابن عقدة.

وروى الشارح المعتزلي في شرح الخطبة الحادي والتسعين عن أبي جعفر الإسكافي من كتابه الذي نقض به كتاب (العثمانية) للجاحظ قال :

قال أبو جعفر : لما اجتمعت الصحابة في مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد قتل عثمان للنظر في أمر الإمامة أشار أبو الهيثم بن التيهان ورفاعة بن رافع ومالك بن العجلان وأبو أيوب الأنصاري وعمار بن ياسر بعلي وذكروا فضله وسابقته وجهاده وقرابته فأجابهم الناس إليه فقام كل واحد منهم خطيباً بذكر فضل علي، فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة، ومنهم من فضّله على المسلمين كلهم كافة، ثم بويع فصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة وهو يوم السبت لإحدى عشر ليلة بقين من ذي الحجة فحمد الله وأثنى عليه وذكر محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فصلى عليه، ثم ذكر نعمة الله على أهل الإسلام، ثم ذكر الدنيا فزهدهم فيها وذكر الآخرة فرغبهم إليها ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أما بعد، فإنه لما قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) واستخلف الناس أبو بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فعمل بطريقه ثم جعلها شورى بين ستة فأفضى الأمر منهم إلى عثمان فعمل ما أنكرتم وعرفتم ثم حصر وقتل، ثم جئتموني فطلبتم إلي وإنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعلي ما عليكم، وقد فتح الله الباب بينكم وبين أهل القبلة، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ولا يحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر والنصر والعلم بمواقع الأمر، وإني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمرت به إن استقمتم لي وبالله المستعان ألا إن موضعي من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته، فامضوا لما تؤمرون وقفوا عما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر حتى نبينه لكم، فإن لنا عن كل أمر تنكرونه عذراً، ألا وإن الله عالم من فوق سمائه وعرشه أني كنت كارهاً للولاية على أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى اجتمع رأيكم على ذلك لأني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: «أيما وال ولي الأمر من بعدي أقيم على حد الصراط ونشرت الملائكة صحيفته، فإن كان عادلاً أنجاه الله بعدله وإن كان جائراً انتقض به الصراط حتى تتزايل مفاصله ثم يهوي إلى النار فيكون أول ما يتقيها به أنفه وحرّ وجهه ولكني لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم.

ثم التفت يميناً وشمالاً فقال :

ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصايف الرّدقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا، ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته فإن له الفضل النير غداً عند

الله وثوابه وأجره على الله، وأيما رجل استجاب الله وللرسول فصدّق ملتنا ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده فأنتم عباد الله والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد وللمتقين غداً عند الله أحسن الجزاء وأفضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجراً ولا ثواباً وما عند الله خير للأبرار، وإذا كان غداً إن شاء الله فاغدوا علينا فإن عندنا مالاً نقسمه فيكم ولا يتخلّفن أحد منكم عربي ولا عجمي كان من أهل العطاء أو لم يكن إذا كان مسلماً حراً أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ثم نزل.

قال أبو جعفر : وكان هذا أول ما أنكروه من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأورثهم الضغن عليه وكرهوا إعطاءه وقسمه بالسوية.

فلما كان من الغد غدا وغدا الناس لقبض المال، فقال لعبيد الله بن أبي رافع كاتبه : إبدأ بالمهاجرين فنادهم وأعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير ثم ثنّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك، ومن يحضر من الناس كلهم الأحمر والأسود فافعل به مثل ذلك.

فقال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين هذا غلامي وقد أعتقته اليوم.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعطيه كما نعطيك، فأعطى كل واحد منهم ثلاثة دنانير، ولم يفضل أحداً على أحد، وتخلّف عن هذا القسم يومئذ طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم ورجال من قريش وغيرها.

قال : وسمع عبيد عبيد الله بن أبي رافع عبد الله بن الزبير يقول لأبيه وطلحة ومروان وسعيد: ما خفي علينا أمس من كلام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يريد، فقال سعيد بن العاص والتفت إلى زيد بن ثابت : إياك أعني واسمعي يا جارة.

فقال عبيد الله بن أبي رافع لسعيد وعبد الله بن الزبير : إن الله يقول في كتابه : وَأَكْثَرُهُم للحقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون: 70].

ثم إن عبيد الله بن أبي رافع أخبر عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن بقيت وسلمت لهم الأقيمنهم على المحجة البيضاء والطريق الواضح قاتل الله بني العاص، لقد عرف من كلامي ونظري إليه أمس أني أريده وأصحابه ممن هلك فيمن هلك.

قال : فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير وطلحة فجلسا ناحية عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم طلع مروان وسعيد وعبد الله بن الزبير فجلسوا إليهما، ثم جاء قوم من قريش فانضموا إليهم فتحدثوا نجياً ساعة.

ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فجاء إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا أبا الحسن قد وترتنا جميعاً أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبراً وخذلت أخي يوم الدار بالأمس، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب وكان ثور قريش وأما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه ونحن أخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال في أيام عثمان وأن تقتل قتلته وإنا إن خفناك تركنا والتحقنا بالشام.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم، وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس ولكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم وإن خفتكم أن أسيركم.

فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم وافترقوا على إظهار العداوة وإشاعة الخلاف

فلما ظهر ذلك من أمرهم قال عمار بن ياسر لأصحابه : قوموا بنا إلى هؤلاء النفر من إخوانكم فإنه قد بلغنا عنهم ورأينا منهم ما نكره من خلاف وطعن على إمامهم وقد دخل أهل الجفاء بينهم وبين الزبير والأعسر العاق، يعني طلحة.

فقام أبو الهيثم وعمّار وأبو أيوب وسهل بن حنيف وجماعة معهم على عليّ، فقالوا : يا أمير المؤمنين انظر في أمرك وعاتب قومك هذا الحي من قريش فإنهم قد نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك وقد دعونا في السر إلى رفضك هداك الله لرشدك، وذاك لأنهم كرهوا الأسوة وفقدوا الأثرة ولما آسيت بينهم وبين الأعاجم أنكروا واستأثروا عدوّك وأعظموه وأظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة وتألفاً لأهل الضلالة فرأيك.

فخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدخل المسجد وصعد المنبر مرتدياً بطاق مؤتزراً ببرد قطري متقلّداً سيفاً متوكئاً على قوس فقال :

أما بعد فإنا نحمد الله ربنا وإلهنا وولينا وولي النعم علينا الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة وباطنة امتناناً منه بغير حول منا ولا قوة ليبلونا أنشكر أم نكفر؟ فمن شكر زاده ومن كفر عذبه، فأفضل الناس عند الله منزلة وأقربهم من الله وسيلة أطوعهم لأمره وأحملهم «أعملهم خ» بطاعته وأتبعهم لسنّة رسوله وأحياهم لكتابه، ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة الرسول هذا كتاب بين أظهرنا وعهد رسول الله الله وسيرته فينا لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق منكر، قال الله تعالى: ياأيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات : 13].

ثم صاح بأعلى صوته : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين ثم قال: يا معشر المهاجرين والأنصار أتمنون على الله ورسوله بإسلامكم بل الله

يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ثم قال : أنا أبو الحسن - وكان يقولها إذا غضب -.

ثم قال : ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتهم تتمنونها وترغبون فيها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له، فلا تغرنكم فقد حذرتموها واستتموا نعم الله عليكم بالصبر لأنفسكم على طاعة الله والذل لحكمه جل ثناؤه، فأما هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه إثرة، فقد فرغ الله من قسمته فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله به أقررنا وإليه أسلمنا وعهد نبينا بين أظهرنا فمن لم يرض فليتول كيف شاء، فإن العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه.

ثم نزل عن المنبر فصلى ركعتين ثم بعث بعمّار بن ياسر وعبد الله بن خلّ القرشي إلى طلحة والزبير وهما في ناحية المسجد فأتياهما فدعوهما فقاما حتى جلسا إليه فقال لهما :

نشدتكما الله هل جئتما طائعين للبيعة ودعوتماني إليها وأنا كاره لها؟

قالا : نعم.

فقال: غير مجبرين ولا مقسورين فأسلمتما لي بيعتكما وأعطيتماني عهدكما.

قالا : نعم.

قال : فما دعاكما إلى ما أرى؟

قالا : أعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي الأمور ولا تقطعها دوننا، وأن تستشيرنا في كل أمر ولا تستبد بذلك علينا ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت فأنت تقسم القسم وتقطع الأمر وتمضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لقد نقمتما يسيراً وأرجأتما كثيراً، فاستغفرا الله يغفر لكما ألا تخبرانني : أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه؟

قالا : معاذ الله.

قال: فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشيء؟

قالا : معاذ الله.

قال : فوقع حكم أو حق لأحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه ؟

قالا : معاذ الله.

قال: فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي؟

قالا: خلافك عمر بن الخطاب في القسم إنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاءه الله تعالى علينا بأسيافنا ورماحنا وأوجفنا عليه بخيلنا وظهرت عليه دعوتنا وأخذناه قسراً قهراً ممن لا يرى الإسلام إلا كرهاً.

فقال : أما ما ذكر تماه من أمر الاستشارة فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة ولكنكم دعوتموني إليها وجعلتموني عليها فخفت أن أردكم فتختلف الأمة فلما أفضت إلي نظرت في كتاب الله وسنة رسوله، فأمضيت ما ولأني عليه واتبعته ولم أحتج إلى رأيكما فيه ولا رأي غيركما، ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه ولا في السنّة برهانه واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه.

وأما القسم والأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادىء بدء، قد وجدت أنا وأنتما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحكم بذلك وكتاب الله ناطق به وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وأما قولكما: جعلت فيئنا وما أفاءه سيوفنا ورماحنا سواء بيننا وبين غيرنا فقديماً سبق إلى الإسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم فلا فضلهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في القسم ولا آثرهم بالسبق والله سبحانه موق السابق والمجاهد يوم القيامة أعمالهم وليس لكما والله عندي ولا لغيركما إلا هذا، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر - ثم قال - رحم الله امرءاً رأى حقاً فأعان عليه ورأى جوراً فردّه وكان عوناً للحق على من خالفه.

قال أبو جعفر : وقد روي أنهما قالا له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقت البيعة : نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولكنكما شريكاي في الفيء لا أستأثر عليكما ولا على عبد حبشي مجدع بدرهم فما دونه لا أنا ولا ولداي هذان، فإن أبيتم إلا لفظ الشركة فأنتما عونان لي عند العجز والفاقة لا عند القوة والاستقامة.

قال أبو جعفر: فاشترطا ما لا يجوز في عقد الإمامة وشرط (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهما ما يجب في الدين والشريعة.

قال الشارح المعتزلي بعد نقله هذا الكلام من الإسكافي :

فإن قلت : فإن أبا بكر قسم بالسوية كما قسمه أمير المؤمنين ولم ينكروا ذلك كما أنكروه أيام أمير المؤمنين فما الفرق بين الحالتين؟

قلت إن أبا بكر قسم محتذياً لقسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فلما ولي عمر الخلافة وفضّل

قوماً على قوم ألفوا ذلك ونسوا تلك القسمة الأولى وطالت أيام عمر وأشربت قلوبهم كثرة العطاء وحب المال وأما الذين اهتضموا فقنعوا ومرنوا على القناعة ولم يخطر لأحد من الفريقين أن هذه الحال تنتقض أو تتغير بوجه ما.

فلما وليّ عثمان أجرى الأمر على ما كان عمر يجريه فازداد وثوق القوم بذلك ومن ألف أمراً شقّ عليه فراقه وترك العادة فيه.

فلما ولي أمير المؤمنين أراد أن يردّ الأمر إلى ما كان في أيام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأبي بكر وقد نسى ذلك ورفض وتخلل بين الزمانين اثنتان وعشرون سنة فشق ذلك عليهم وأكبروه حتى حدث ما حدث من نقض البيعة ومفارقة الطاعة، والله أمر هو بالغه (1).

الترجمة

از جمله کلام نصیحت انجام آن امام است که خطاب فرموده طلحه و زبیر را بعد از آنکه بیعت کردند با او به خلافت او و عتاب کردند مر او را به جهت ترك نمودن آن بزرگوار مشاوره ایشان را و نخواستن اعانت از ایشان را در امور خلافت میفرماید :

به تحقیق ایراد نمودید چیز مختصری را و تأخیر انداختید چیز زیاد را چرا خبر نمی دهید به من کدام چیزی که شما را در آن حق بوده است من مانع از حق شما شده ام؟ و کدام سهم و حصه از بیت المال من علاوه از شما برداشته و به شما نداده ام؟ یا کدام حقى كه يك نفر مسلمان نزد من آورده از اجراء آن ضعیف بوده ام؟ یا به حکم آن جاهل شده یا در دلیل آن خطا نموده ام؟

قسم به خدای تعالی نبود مرا در خلافت هیچ رغبتی و نه در ولایت هیچ حاجتي وليكن شما خواندید مرا به سوی آن و الزام نمودید مرا و الزام نمودید مرا بر آن پس هنگامی که رسید به من نظر نمودم در کتاب عزیز خداوند و به چیزی که واجب فرموده به ما و امر نموده ما را به حکم کردن آن، پس تبعیت نمودم به آن و نظر نمودم به


1) بطوله في البحار 31 / 45 – 49، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي : 43/7.

چیزی که پیغمبر خدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)سنت خود قرار داده پس متابعت کردم آن را پس محتاج نبودم در این خصوص به رأی و تدبیر شما نه به رأى و تدبير غير شما و اتفاق نیفتاده حکمی که جاهل باشم به آن تا مشاوره نمایم با شما یا با سایر برادران خود از مسلمانان و اگر همچنین حکمی اتفاق کمی اتفاق می افتاد اعراض نمی کردم از شما ونه از غیر شما.

و اما آن چیزی که اظهار نمودید آن را از امر اسوه یعنی برابری شما با سایرین در قسمت پس به درستی که این چیزی است که من خودسر با رأی خود در آن حکم ننموده و با هوای نفس خود مباشر آن نبوده ام، بلکه یافتم من و شما چیزی را که آورد آن را حضرت رسالت مآب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) از قسمت بالسويه در حالتی که فارغ شده بود از آن پس احتیاج نداشتم من به پس احتیاج نداشتم من به شما در چیزی که خدا از قسمت آن فارغ بوده و امضای حکم خود را در آن فرموده، پس نیست شما را به حق خدا در نزد من و نه غیر شما را اینکه ترضیه خواطر و ازاله شکایت شما را نمایم برگرداند خداوند قلبهای ما و قلبهای شما را به سوی حق و الهام فرماید به ما و شما شما صبر را.

پس از آن فرمود: رحمت کند خدا مردی را که بیند حق را پس اعانت نماید به آن یا بیند ظلم و ستم را پس رفع نماید آن را و باشد معین به حق بر ضرر صاحب جور و ظلم.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والخامس من المختار في باب الخطب

إشارة:

ورواه الشارح المعتزلي من كتاب نصر بن مزاحم في شرح المختار السادس والأربعين باختلاف تطلع عليه إن شاء الله.

وقد سمع قوْماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حربهم بصفين.

«إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَن تَكُونُوا سَبَابِينَ وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حالَهُمْ، كانَ أصْوَبَ في القَوْلِ وأَبْلَغَ فِي العُذْرِ، وقُلْتُمْ مَكانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ : اللَّهُمَّ احْقُنُ دِمَاءَنَا ودِمَاءَهُمْ، وأَصْلِح ذاتَ بَيْنِنا وبَيْنَهُمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلالَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ الحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِي عَنِ الغنى والعُدْوانِ مَنْ لَهجَ به» (1).

اللغة

(السب) الشتم كالسباب بكسر السين وتخفيف الباء من سبه يسبّه من باب نصر، ورجل مسبّ بكسر الميم وسبّ وسباب كثير السب والتساب التشاتم ورجل سبة بالضم أي يكسر الناس سبه وسببة كهمزة أي كثير السّب للناس والسبابة الأصبع التي تلي الإبهام لأنها يشار بها عند السب.

و (حقنت) الماء في السقاء حقناً من باب نصر جمعته فيه (وحقنت دمه) خلاف هدرته أي منعته أن يسفك.

و (البين) بالفتح من الأضداد يطلق على الفرقة والوصل، قال تعالى: لَقَد تَقَطَّعَ بيْنَكُمْ [الأنعام 94]، أي وصلكم، ويكون اسماً وظرفاً متمكناً. قال الفيومي: البين يطلق على الوصل وعلى الفرقة ومنه ذات البين للعداوة والبغضاء وقولهم : لإصلاح ذات البين أي الإصلاح الفساد بين القوم، والمراد إسكان النائرة وبين ظرف مبهم لا يتبين معناه إلا بالإضافة إلى اثنين فصاعداً أو ما يقوم مقام ذلك كقوله تعالى : (عَوَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة : 68].

و (ارعوى) عن القبيح ارتدع عنه ورجع و (الغي) الضلال، وروى العمى بدله، و (لهج) بالشيء لهجاً من باب تعب أولع به.


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي : 21/11، والبحار : 561/32 ح 466.

الإعراب

قوله : (وقلتم) عطف على قوله : وصفتم، فتدخل عليه لو وحذف جوابها بدلالة الجواب السابق عليه أي ولو قلتم مكان سبّكم هذا الدعاء لكان أحسن وأصوب.

وقوله : (ذات بيننا وبينهم) بإضافة (ذات) إلى بين وبينهم على ما رأيناه في عدة من النسخ بالنصب عطف على ذات والأصوب أن يكون بالجر عطفاً على بيننا.

(وذات) إما بمعنى صاحبة كما في قوله تعالى: (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمَلَهَا) [الحج: 2] فتكون كناية عن نائرة العداوة والبغضاء (وبيننا وبينهم) على هذا ظرف مكان أي أصلح ما بيننا وبينهم من البغضاء والعداوة، ولما كانت العداوة مصاحبة البين وملابسة له أضيفت إليه كما أن الضمائر لما كانت ملابسة للصدور قيل : ذات الصدور.

وأما بمعنى نفس الشيء وحقيقته كما في قولهم : (ذات يوم وذات ليلة)، وقد فسر بهما قوله تعالى: وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [التغابن: 4] أي عليم بما في الصدور من الضمائر أو، عليم بنفس الصدور وبواطنها وبين على هذا المعنى الثاني يجوز أن يكون ظرفاً، وأن يكون إسماً بمعنى الفرقة والوصل حسبما تعرف في بيان المعنى.

المعنى

إعلم أن هذا الكلام كما قاله الرضي ويأتي في رواية الطبرسي أيضاً خاطب به أصحابه (و) ذلك أنه (قد سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حربهم بصفين) فمنعهم بهذا الكلام من باب التأديب والإرشاد إلى القول الصواب وكرائم الأخلاق المطلوبة في كل باب.

وقبل الشروع في شرح كلامه ينبغي أن نمهد مقدمة فقهية في جواز السب وعدم جوازه مطلقاً أو في الجملة تحقيقاً للمقام وتوضيحاً لمرام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فأقول وبالله التوفيق :

السب لغة هو الشتم كقولك : يا شارب الخمر يا آكل الربا يا ملعون، یا خائن، یا فاجر، یا فاسق، یا حمار،یا کلب، يا ابن الكلب، ونحو ذلك، أو يا أعور، يا أعمى يا أجذم يا أبرص ونحوها ويشمل القذف أيضاً مثل يا ابن الزانية، يا ابن الحرام، ويا ديوث، ويا قوّاد ومثل ذلك.

وهو إما في حق المؤمن، أو في حق غيره من المنافق والكافر والناصب.

أما المؤمن فسبه حرام مطلقاً، سواء كان متضمناً للقذف أم لا، ويدل عليه الأخبار

المستفيضة المتقدمة جملة منها في شرح المختار المائة والثاني والتسعين خصوصاً، وعمرم الأخبار الكثيرة الدالة على حرمة إهانة المؤمن و استحقاره واستذلاله.

مثل ما رواه في (الكافي) بسنده عن معاوية عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «قال الله لي: يا محمد من أذل لي وليّاً فقد أرصدني بالمحاربة، ومن حاربني حاربته فقلت يا رب ومن وليك هذا ؟ فقد علمت أن من حاربك حاربته قال ذاك من أخذت ميثاقه لك ولوصيك ولذريتكما بالولاية» (1).

وفيه عن المعلّى قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «قال الله عز وجل : قد نابذني من أذلّ عبدي المؤمن» (2).

عن المعلى عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «قال الله عز وجل: من استذل عبدي فقد بارزني بالمحاربة، ونحوها أخبار أخر (3).

وكما يحرم سبّه يحرم لعنه أيضاً، ومعناه الطرد والإبعاد من رحمة الله، بل هو نوع من السب فيدل على حرمته ما دل على حرمة السب مضافاً إلى خصوص الأخبار الناهية عنه.

مثل ما رواه في (الكافي) عن علي بن أبي حمزة عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال : سمعته يقول : إن اللعنة إذا خرجت عن في صاحبها ترددت فإن وجدت مساغاً وإلا رجعت على صاحبها (4).

وفيه عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إن اللعنة إذا خرجت من في صاحبها ترددت بينهما فإن وجدت مساغاً وإلا رجعت على صاحبها (5).

وعن معلّى عن أحمد بن غسّال عن سماعة قال : دخلت على أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لي مبتدءاً : يا سماعة ما هذا الذي بينك وبين جمالك إياك أن تكون فحاشاً أو سخاباً أو لعاناً، فقلت : والله قد كان ذلك إنه ظلمني، فقال : إن كان ظلمك لقد أربيت عليه إن هذا ليس من فعالي ولا آمر به شيعتي استغفر ربك ولا تعد قلت: أستغفر الله ولا أعود (6).

ثم المراد بالمؤمن الذي قلنا بعدم جواز سبّه ولعنه هل هو مطلق المؤمن أو خصوص من لم يستحق الاستخفاف؟، ظاهر الأخبار الإطلاق لكن المستفاد من بعض الأخبار وكلمات علمائنا الأبرار هو الاختصاص، فيجوز سبّ المستحق إذا لم يكن متضمناً للقذف.


1) الكافي : 353/2 ح 10.

2) الكافي : 352/2.

3) الوسائل : 270/62 ح 16280.

4) مصباح الفقاهة : 437/1، والكافي : 360/2 ح 6.

5) الكافي : 2/ 360 ح 6-7.

6) الكافي : 326/2 ح 14.

قال في (البحار) بعدما روى من (الكافي) عن أبي بصير عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)قال : سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه (1).

قال المجلسي: السباب هنا بالكسر مصدر باب المفاعلة وهو إما بمعنى السب أو المبالغة في السب أو على بابه من الطرفين والإضافة إلى المفعول أو الفاعل والأول أظهر فيدل على أنه لا بأس بسب غير المؤمن إذا لم يكن قذفاً.

بل يمكن أن يكون المراد بالمؤمن من لا يتظاهر بارتكاب الكبائر ولا يكون مبتدعاً مستحقاً للاستخفاف (2).

قال المحقق في (الشرائع): كل تعريض بما يكرهه المواجه ولم يوضع للقذف لغة ولا عرفاً يثبت به التعزير إلى قوله : ولو كان المقول له مستحقاً للاستخفاف فلا حدّ ولا تعزير وكذا كل ما يوجب أذى كقوله : يا أجذم أو يا أبرص.

وقال الشهيد الثاني في (شرحه): لما كان أذى المؤمن الغير المستحق للاستخفاف محرماً فكل كلمة تقال له ويحصل له بها الأذى ولم تكن موضوعة للقذف بالزنا وما في حكمه لغة ولا عرفاً يجب بها التعزير بفعل المحرم كغيره من المحرمات ومنه التعبير بالأمراض.

وفي (صحيحة) عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل سبّ رجلاً بغير قذف يعرّض به هل يجلد ؟ قال : عليه التعزير (3).

والمراد بكون المقول له مستحقاً للاستخفاف أن يكون فاسقاً متظاهراً بفسقه فإنه لا حرمة له حينئذ.

لما روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له، ولا غيبة (4).

قال: وفي بعض الأخبار: من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب (5).

وفي (الصحيح) عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «إذا رأيتم أهل البدع والريب من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم لئلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة»، انتهى (6).


1) الكافي: 2/ 360 ح 2.

2) البحار : 161/72 ذيل حديث 33.

3) مجمع الفائدة 157/13، وكشف اللثام: 411/2.

4) السرائر : 644/3، ورسائل الكركي: 45/2.

5) كشف اللثام 412/2، وجواهر الكلام: 412/41.

6) بطوله فى البحار : 72 / 160 – 161.

وأما غير المؤمن من الكافر والمنافق والمبغض لآل محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، فلا ريب في جواز لعنهم ووجوب معاداتهم والبراءة منهم، وآيات الكتاب وروايات الأئمة الأطياب مشحونة به، قال تعالى: إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهمْ سَعِيراً [الأحزاب: 64]، وقال : (أُولَئكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَمُهُمُ اللاعنونَ) [البقرة : 159].

وفي (البحار) من (العيون) بإسناد التميمي عن الرضا عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏):«من تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (1).

قال الصدوق في (عقائده) : اعتقادنا في الظالمين أنهم ملعونون والبراءة منهم واجبة، قال الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلاء الذين كذبوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافَرُونَ [هود 18 – 19] (2).

وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية : سبيل الله عزَّ وجل في هذا الموضع علي بن أبي طالب والأئمة في كتاب الله عز وجل :إمامان إمام هدى، وإمام ضلالة، قال الله جل ثناؤه : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة: 24]، وقال عز وجل في أئمة الضلال: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَةَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَة وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص: 41 - 42].

ولما نزلت هذه الآية: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةٌ [الأنفال: 25]، قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من ظلم عليّاً مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوّتي ونبوّة الأنبياء من قبلي، ومن تولى ظالماً فهو ظالم، قال الله عز وجل: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وإخوانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتوَلَاهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة : 23]، وقال الله عز وجل : (لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) [الممتحنة: 13]، وقال عزّ وجل : (ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22]، وقال عز وجل: وَلَا تَرْكنوا إلى الذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود : 113] والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون، انتهى كلامه رفع مقامه (3).


1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 69/4، والبحار : 244/23، ح 15.

2) البحار : 365/8.

3) المصدر السابق.

وأما سبّ هؤلاء وشتمهم فالظاهر جوازه أيضاً كما ظهر من المحدّث العلامة المجلسي، بل هو ظاهر عبارة الشهيد الثاني أيضاً لعدم الريب في فسقهم الموجب للاستخفاف بأي نحو كان.

ويدل على ذلك صريحاً ما في تفسير علي بن إبراهيم القمي في تفسير سورة (الأحزاب) في اقتصاص غزوة بني قريظة قال : فجاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأحاط بحصنهم فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن يشتمهم ويشتم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأقبل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على حمار فاستقبله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : بأبي وأمي يا رسول الله لا تدن من الحصن، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يا علي لعلهم شتموني أنهم لو رأوني لأذلهم الله»، ثم دنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من حصنهم فقال : «يا أخوة القردة والخنازير وعبدة الطاغوت أتشتموني؟! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم»، فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن فقال : يا أبا القاسم ما كنت جهولاً، فاستحى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى سقط الرداء من ظهره حياء مما قاله الحديث (1).

ويدل عليه أيضاً ما قاله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المختار التاسع عشر للأشعث بن قيس: عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين حائك بن حائك منافق بن كافر وما قاله في المختار المائة والخامس والثلاثين للمغيرة بن الأخنس يا ابن اللعين الأبتر والشجرة التى لا أصل لها ولا فرع والأخبار في هذا المعنى كثيرة كما هو غير خفي على المتتبع الخبير (2).

هذا كله إذا لم يتضمن سبّهم للقذف، وأما إن تضمن ذلك فلا كالمؤمن.

ويدل على ذلك ما رواه في (الكافي) بإسناده عن عمرو بن النعمان الجعفي قال : كان لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينما هو يمشي معه في الحذائين ومعه غلام سندي له يمشي خلفهما إذا التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرات فلم يره فلما نظر في الرابعة قال : يا ابن الفاعلة أين كنت ؟ قال فرفع أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يده فصك بها جبهة نفسه ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): سبحان الله تقذف أمه قد كنت أرى أن لك ورعاً فإذا ليس لك ورع، فقال : جعلت فداك إن أمه سندية مشركة فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما علمت أن لكل أمة نكاحاً؟ تنح عني، قال : فما رأيته يمشي معه حتى فرّق الموت بينهما قال وفي رواية أخرى أن لكل أمة نكاحاً يحتجزون به عن الزنا (3).

وفي (الوسائل) من (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن عمير عن أبي الحسن


1) تفسير القمي: 189/2.

2) الكافي: 317/1.

3) الكافي: 324/2 ح 5.

الحذاء قال: كنت عند أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسألني رجل ما فعل غريمك؟ قلت: ذاك ابن الفاعلة، فنظر إلي أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) نظراً شديداً :قال فقلت : جعلت فداك إنه مجوسي أمه أخته فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أو ليس ذلك في دينهم نكاحاً؟ (1).

وإذا تمهد لك هذه المقدمة الشريفة وعرفت جواز سب غير المؤمن ولعنه وطعنه والوقيعة فيه فلنرجع إلى شرح المتن ونبين وجه منعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه عن سبّ أهل الشام كما يستفاد من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

(إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين) ولعل النكتة في ذلك أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما كان غرضه الأصلي ومقصوده بالذات في جميع حروبه هداية الأنام وإعلاء كلمة الإسلام وإنقاذهم من ورطات الجهالة والضلالة لا القتل والغارة والملك والسلطنة بالأصالة كما أشار إلى ذلك في المختار الرابع والخمسين بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين استبطاء أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين: وأما قولكم شكاً في أهل الشام فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي به وتعشو إلى ضوئي، وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها، وكان حصول هذا الغرض بالرفق والمداراة والحلم وكظم الغيظ لا بالغلظة والخشونة والسب واللعنة لا جرم منعهم من لسب لئلا يبعث على شدّة العناد ومزيد العداوة.

وإلى ذلك يومي ما رواه في (الكافي) عن أبي بصير عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن رجلاً من بني تميم أتى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: أوصني، فكان فيما أوصاه أن قال: «لا تسبوا الناس فتكسبوا العداوة بينهم» (2).

ويدل على ذلك صريحاً قوله تعالى في سورة (بني إسرائيل): وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطاَنَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوا مُّبِيناً [الإسراء: 53] أي أن الشيطان يفسد بينهم ويغري بعضهم ببعض ويلقي بينهم العداوة.)قال في (الصافي في تفسير الآية : قل لعبادي يعني المؤمنين يقولوا للمشركين الكلمة التي هي أحسن ولا يخاطبوهم بما يغيظهم ويغضبهم إن الشيطان يهيج بينهم المراء والشر، فلعل المخاشنة بهم يفضي إلى العناد وازدياد الفساد (3).)وقال تعالى أيضاً في سورة (السجدة : (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلقاها إلا)


1) الكافي : 240/7 ح 3.

2) البحار : 163/72 ح 34.

3) تفسير جامع الجوامع : 377/2، وتفسير الصافي : 197/3.

ذُو حَظِّ عَظِيمٍ [فصلت: 34 - 35].)قال في (مجمع البيان: لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة فلا يستوي الصبر والغضب والحلم والمداراة والغلظة والعفو والإساءة، ثم بين سبحانه ما يلزم على الداعي من الرفق بالمدعو فقال : (ادْفَع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [المؤمنون : 96]، خاطب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال : «ادفع بحقك باطلهم وبحلمك جهلهم وبعفوك إساءتهم، فإنك إذا دفعت خصومك بلين ورفق ومداراة صار عدوك الذي يعاديك في الدين بصورة وليك القريب فكأنه وليّك في الدين وحميمك في النسب، وما يلقيها أي ما يلقي هذه الفعلة وهذه الحالة التي هي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على كظم الغيظ واحتمال المكروه، وما يلقيها أي هذه الخصلة إلا ذو نصيب وافر من العقل والرأي» (1). وقال تعالى أيضاً في سورة (الشورى): وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغَى هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاؤُا سَيئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُولَئكَ مَا عليهم من سبيل *إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَوك لَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ *وَلَمَن صبر وغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [39 – 43].)قال أمين الإسلام الطبرسي : الذين إذا أصابهم البغي من غيرهم هم ينتصرون ممن بغى عليهم، فمن انتصر وأخذ بحقه ولم يجاوز في ذلك ما حد الله فهو مطيع الله ومن أطاع الله فهو محمود.ثم ذكر حدّ الانتصار فقال : وجزاء سيئة سيئة مثلها، قيل : هو جواب القبيح إذا قال : أخزاك الله قال : أخزاك الله، وسمى الثانية سيئة للمشاكلة وكونها في مقابلة الأولى.ثم ذكر سبحانه العفو فقال : فمن عفى وأصلح فأجره على الله أي فمن عفى عما له المؤاخذة به وأصلح أمره بينه وبين ربه فثوابه على الله إنه لا يحب الظالمين بين سبحانه أنه لم يرغب المظلوم في العفو عن الظالم لميله إلى الظالم أو لحبه إياه ولكنه ليعرّضه بذلك لجزيل الثواب ولحبه الإحسان والفضل.ثم ذكر سبحانه المنتصر فقال: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ[الشورى: 41] معناه من انتصر لنفسه وانتصف من ظالمه بعد ظلمه، أي بعد أن ظلم وتعدّى عليه فالمنتصرون ما عليهم من إثم وعقوبة ذمّ إنما السبيل أي الإثم والعقاب على الذين يظلمون الناس ابتداء ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر)


1) تفسیر مجمع البيان: 23/9.

وتحمّل المشقة في رضاء الله وغفر فلم ينتصر، فإن ذلك الصبر والتجاوز لمن عزم الأمور.فقد علم بما ذكرنا كله أن استكراهه (عَلَيهِ السَّلَامُ لسبّ أهل الشام لم يكن لتحريمه كما توهمه الشارح البحراني بل لإيراثه ازدياد الفساد ومزيد العداوة والعناد المنافي لغرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مع أن في الرفق والمداراة والعفو والصفح من المصالح الدنيوية والأخروية ما لا تحصى حسبما أشيرت إليها في الآيات الشريفة والأخبار التي لا تستقصى.)ولكون هذه الخصال من مكارم الأخلاق ومزايا الخصال واظب عليها في نفسه كما حث عليها أصحابه.فقد روى في (البحار من كتاب (صفّين) لنصر بن مزاحم عن رجل عن منازل الجهني عن زيد بن وهب أن علياً مرّ على جماعة من أهل الشام فيهم الوليد بن عقبة وهم يشتمونه فأخبروه بذلك فوقف في ناس من إخوانه فقال :)انهدوا إليهم وعليكم بالسكينة وسيماء السالكين ووقار السلام والله لأقرب قوم من الجهل بالله عز وجل قوم قائدهم ومؤدبهم معاوية وابن النابغة وابن الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الحرام والمجلود حداً في الإسلام، وهم أولى يقومون فيقصبوني ويشتموني وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، فالحمد لله ولا إله إلا الله، وقديماً ما عادني الفاسقون إن هذا هو الخطب الجليل إن فساقاً كانوا عندنا غير مرضيين وعلى الإسلام وأهله متخوّفين، حتى خدعوا شطر هذه الأمة وأشربوا قلوبهم الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، وقد نصبوا لنا الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله والله مُتمِّم نوره ولو كره الكافرون، اللهم إنهم قد ردّوا الحق فافضض جمعهم وشتت كلمتهم وابسلهم بخطاياهم، فإنه لا يذل من واليت ولا يعزّ من عاديت (1.)فانظر إلى كريم خلقه وشرفه وسؤدده وحلمه، فإنه مع سماعه لشتمهم، لعنهم الله، كيف كف وحلم وصفح وأمر أصحابه بالنهد إليهم وأوصاهم بالسكينة والوقار ولزوم سيماء الصالحين، ولعمري إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ المصداق الحق لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت : 35] هذا.)ويحتمل أن يكون السر في المنع من سبّ أهل الشام التحرز من سبهم له، فيكون السب لهم والحال ذلك حراماً، ويراد بالكراهة الحرمة لا معناها المعروف في مصطلح المتشرعة.


1) البحار : 506/32 ح 434، ووقعة صفين : 391.

فيكون مساقه مساق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدوا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 108] قال قتادة : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم عن ذلك لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة.)وفي (مجمع البيان نهى الله المؤمنين أن يسبوا الأصنام، لما في ذلك المفسدة فقال : ﴿وَلَا نَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)، أي لا تخرجوا من دعوة الكفار ومحاجتهم إلى أن تسبوا ما يعبدون، فإن ذلك ليس من الحجاج في شيء فيسبوا الله عدواً أي ظلماً بغير علم وأنتم اليوم غير قادرين على معاقبتهم بما يستحقون فيدل على وجوب كف اللسان عن المخالفين وعن أئمتهم في مقام عدم التمكن (1).)وفي (تفسير علي بن إبراهيم قال : حدثني أبي عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سئل عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إن الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاء النمل على صفاء سوداء في ليلة ظلماء»، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان المؤمنون يسبّون ما يعبد المشركون من دون الله فكان المشركون يسبّون ما يعبد المؤمنون فنهى الله المؤمنين عن سبّ آلهتهم لكيلا يسبّوا الكفار إله المؤمنين فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون فقال : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يدْعُونَ) الآية (2). وفي (الصافي) من (الكافي) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث : إياكم وسب أعداء الله حيث

يسمعونكم فيسبوا الله عدواً بغير علم (3).

بل المستفاد من بعض الأخبار أن المقصود بالآية النهي عن سبهم لئلا يسبّوا ولي الله فيكون المراد بالآية والمراد بكلام الإمام شيئاً واحداً.

فقد روى في (الصافي) عن العياشي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل عن هذه الآية فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أرأيت أحداً يسبّ الله؟ فقيل : لا، وكيف؟ قال: من سبّ ولي الله فقد سبّ الله (4).

قال في (الصافي): وفي الاعتقادات عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنه قيل له : إنا نرى في المسجد رجلاً يطعن بسبّ أعدائكم ويسبّهم، فقال: ما له لعنه الله تعرض بنا، قال الله: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ الآية (5).

قال : وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير هذه الآية : لا تسبوهم فإنهم يسبون عليكم، قال:


1) مجمع البيان: 132/4.

2) تفسير القمي: 213/1.

3) الكافي : 7/8 - 401، وتفسير الصافي : 147/2.

4) تفسير الصافي : 147/2، وتفسير العياشي: 340/1 ح 80.

5) المصدر السابق.

ومن سبّ ولي الله فقد سب الله، قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «من سبك فقد سبني، ومن سبني فقد سبّ الله، ومن سب الله فقد كبّه الله في منخريه في نار جهنم»(1).

فقد تحصل مما ذكرنا أن سب أعداء الله ولعنهم وطعنهم مندوب مرغوب شرعاً عند التمكن والقدرة والكف عنهم والصفح والإعراض واجب عند عدم الاستطاعة كما قال تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِي [البقرة : 109]، وقال : (خُذِ الْعَفْوَ وَأمر بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف : 199] هذا.

ولما منعهم من السب رغبهم بأحسن القول وأصوبه الذي لا يهيج الفساد، فقال: (ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم) بدل السباب لهم وشرحتم ما هم عليه من البغي والظلم والعدوان واتباع الهوى والانحراف عن قصد السبيل من باب النصح والإرشاد والتنبيه على الخطأ كان أصوب في القول لأنه من باب الدفع والجدال بالتي هي أحسن المأمور بها في قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 96] أي إدفع باطلهم ببيان الحجج على ألطف الوجوه وأوضحها وأقربها إلى الإجابة والقبول نحن أعلم بما يكذبون ويقولون ونجازيهم بما يستحقون، وفي قوله تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

قال الطبرسي : أي ادع إلى دينه لأنه الطريق إلى مرضاته بالحكمة والموعظة الحسنة وهو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله وفي ذلك تليين القلوب بما توجب الخشوع، وجادلهم بالكلمة التي هي أحسن والمعنى اقتلوا المشركين واصرفوهم عما هم عليه بالرفق والسكينة ولين الجانب في النصيحة ليكونوا أقرب إلى الإجابة، فإن الجدل هو قتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج (2).

(و) كان (أبلغ في العذر) إن مست الحاجة إلى الاعتذار مثل أن لو اعترض عليكم معترض منهم في قتلهم وقتالهم كان لكم أن تجيبوهم وتعتذروا إليهم بأنا قد ذكرناكم فلم تتذكروا، ونصحناكم فلم تنتصحوا ووعظناكم فلم تقبلوا، فليس لكم عندنا عتبي.

(و) لو (قلتم مكان سبّكم إياهم : اللهم احقن دمائنا ودمائهم) أي احفظها وأمسكها من السفك (واصلح ذات بيننا وبينهم) أي العداوة التي بيننا وبينهم أو أصلح حقيقة فرقتنا وبينونتنا وبدلها بالائتلاف والاجتماع (واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق) ويفي إليه (من جهله ويرعوي) أي يرتدع (عن الغي) والضلال (والعدوان من لهج) وأولع (به) لكان أحسن القول وأجمله.


1) المصدر السابق.

2) تفسیر مجمع البيان : 210/6.

تكملة

هذا كلام رواه الشارح المعتزلي في شرح المختار السادس والأربعين من كتاب (صفين) لنصر بن مزاحم باختلاف وزيادة أحببت نقله.

قال : قال نصر: حدثنا عمر بن سعد عن الحرث بن حصين عن عبد الله بن شريك قال :

خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق بظهران البراءة من أهل الشام، فأرسل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليهما :أن كفا عما لا ينبغي عنكما، فأتياه فقالا : يا أمير المؤمنين ألسنا محقين؟ قال : بلى، قالا : أو ليسوا مبطلين؟ قال: بلى قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال : كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين وتبرون ولكن لو وصفتم مساوىء أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا ومن أعمالهم كذا وكذا كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم : اللهم احقن دماءهم ودماءنا وأصلح ذات بينهم وبيننا واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان منهم من لهج به، لكان أحب إلي وخيراً لكم، فقالا : يا أمير المؤمنين تقبل عظتك ونتأدب بأدبك (1).

ويظهر من هذه الرواية أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما كان يكره منهم الشتم كذلك يكره اللعن والبراءة للنكتة التي قدمناها، فما قاله الشارح المعتزلي في شرح المقام: من أن الذي كرهه (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم أنهم كانوا يشتمون أهل الشام ولم يكن يكره منهم لعنهم إياهم والبراءة منهم ليس بوجيه.


1) البحار 399/32 ومختلف الشيعة للحلي: 120/1.

الترجمة

از جمله کلام نصیحتانجام آن بزرگوار است در حالتی که شنید جماعتی را از اصحاب خود که فحش میدادند شامیان را در ایام جنگ صفين :

بدرستی که من ناخوش دارم برای شما اینکه فحاش بشوید، ولیکن اگر تعریف نمائید عملهای ایشان را و ذکر نمائید حالهای ایشانرا مقرون بصواب باشد در گفتار، و مقرون بکمال باشد در مقام اعتذار، و اگر بگوئید بجای فحش دادن شما ایشان را: بارپروردگارا نگه بدار خونهای ما و خونهای ایشان را از ریخته شدن، و اصلاح بفرما عداوت و دشمنی میان ماومیان ایشانرا، و هدایت کن ایشانرا از گمراهی خودشان تا اینکه بشناسد حق را کسی که جاهل بوده است بآن وبرگردد. از گمراهی و تعدی کسی که حریص و مهیج باشد بآن هر آینه این بهتر خواهد شد، اللهم وفقنا للطاعة.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض أيام صفين وهو المائتان والسادس من المختار في باب الخطب

إشارة:

وقد رأى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابنه يتسرع إلى الحرب:

«أَمْلِكُوا عَنِّي هذا الغُلامَ لا يَهُدَّني، فَإِنِّي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ - يعني الحَسَن والحُسَين (عَلَيهِم السَّلَامُ) -عَلى المَوْتِ، لِئَلاّ يَنْقَطِعَ بِهِما نَسْلُ رَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)».

قال الرضى أبو الحسن (رَحمهُ اللّه) : قوله : أملكوا عني هذا الغلام من أعلى الكلام وأفصحه.

اللغة

(ملكه) يملكه من باب ضرب ملكاً بتثليث الميم احتواه قادراً على الاستبداد به فهو مالك وذاك مملوك وعبد مملكة مثلثة اللام إذا سُبي وملك ولم يملك أبواه، وملك على الناس أمرهم إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام وأملكه الشيء وملكه من باب الأفعال والتفعيل بمعنى واحد وملكت العجين ملكاً من باب ضرب شددته وقوّيته وأنعمت عجنه، وملك نفسه منعها من السقوط في شهواتها وما تمالك أن فعل أي لم يقدر على حبس نفسه.

ولفظ أملكوا في أكثر النسخ حسبما صرح به العلامة المجلسي أيضاً بفتح الألف من باب الأفعال.

وضبطه الشارح المعتزلي بصيغة الثلاثي مجرداً قال: (الألف) في (أملكوا) وصل لأن الماضي ثلاثي من ملكت الفرس والدار والعبد أملك بالكسر أي احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه، قال : وعن متعلّقه بمحذوف تقديره استولوا عليه وأبعدوه، ولما كان الملك سبب الهجر على مملوكه عبر بالسبب عن المسبب انتهى.

وعلى النسخ المشهورة فلا بد من جعل المزيد بمعنى المجرد كما يستعمل المتعدي مورد اللازم في نحو كبه فأكب.

وقال الراوندي في محكي كلامه (أملكوا) أي أمسكوه لأجلى، يقال: ما تمالك أن قال، أي ما تماسك، وقيل : إنه من ملكت العجين أي خذوه بالشدة.

وقال البحراني: (أملكوه) شدّوه واضبطوه و (الهد) الهدم بشدة والكسر و (نفس) به من باب فرح ضنّ وبخل و (انسل) الولد ونسل نسلاً من باب ضرب كثر نسله وتناسلوا توالدوا أي ولد بعضهم من بعض.

الإعراب

حرف (عن) في قوله : (أملكوا عني) على قول الشارح المعتزلي والبحراني بمعناها الأصلي أعني المجاوزة، أو بمعنى (من) كما في قوله : (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [الشورى: 25] وعلى قول الراوندي فهي بمعنى اللام للتعليل كما في قوله تعالى: وما كان اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَة [التوبة: 114] والأظهر عندي أنها بمعنى البدل) والعوض كما في قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا [البقرة: 48].)وقوله : (لا يهدني في بعض النسخ بالنصب على إضمار (أن أي لئلا يهدني، وفي بعضها بالرفع على إلغاء (أن) المضمرة عن العمل كما في قولهم: وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه على رواية الرفع، وقد روى بالوجهين أيضاً قول طرفة :)ألا أيّهذا الزاجري احضر الوغى*** وإن أشهد اللذات هل أنت مخلدقال علماء الأدب: وانتصاب المضارع في هذا الشعر بأن شاء لعدم وقوعه في جواب أحد الأشياء السنة.ويحتمل أن يكون انتصاب يهدّني بلفظة (كي مضمرة إن جوّزنا إضمارها كما نصبت مظهرة في قوله تعالى: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب: 37] وقوله : (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى ما فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23] وقوله : (كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغنياء) [الحشر : 7] (ولِكَي لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: 70] ونحوها.

المعنى

إعلم أن هذا الكلام حسبما أشار إليه الرّضي قد خاطب به أصحابه في بعض أيام صفّين وقد رأى الإمام الهمام أبا محمد الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابنه يتسرع أي يتعجل إلى الحرب فقال لهم :

(أملكوا عني هذا الغلام) أراد به منعهم له من التسرّع إليه وحفظهم إياه بدلاً منه.

قال الشارح المعتزلي في وجه علو هذا الكلام وفصاحته على ما أشار إليه السيد: إنه

لما كان في (أملكوا) معنى العبد أعقبه (بعن)، وذلك أنهم لا يملكونه دون أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد أبعدوه عنه ألا ترى أنك إذا حجرت على زيد دون عمرو فقد باعدت زيداً عن عمرو، فلذلك قال: (أملكوا عني) انتهى.

ولا بأس به إلا أنه إنما يحسن لو كان الحسن في تسرعه إلى الحرب متابعاً لأبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاقباً له فيستحسن حينئذ أن يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أبعدوه عني)، ولكن الرواية لا دلالة فيها على ذلك.

والأوجه عندي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما شاهد من ابنه مسارعته إلى الحرب وكان بنفسه غير متمكن من حفظه وممانعته لمكان اشتغاله بكريهة الحرب والقتل والقتال أمر أصحابه بمحافظته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأحسن تعبير وألطف عبارة وقال لهم: (أملكوا)، أي أملكوه من التسرع، فعدل عن التعبير بلفظ المنع والضبط والحفظ والمراقبة والإمساك وما ضاهاها إلى التعبير بلفظ الملك، لما فيه من الدلالة على التسلط والاستيلاء والتمكن من التصرف والقدرة على الممانعة والحفظ بأي وجه أمكن وأي نحو شاء وأراد المالك ما ليس في غيره من الألفاظ المذكورة، يعني امنعوه واحفظوه منع المالك لملكه وحفظه إياه.

ثم أكد ذلك بقوله : (عني)، يعني أني كما لو كان ممكناً لي لكنت أملكه وأراقبه غاية المراقبة، فحيث إنه لا يمكن لي ذلك فكونوا مالكين له مراقبين عليه بدلاً مني وراقبوه مثل مراقبتي غير متوانين ولا مقصرين.

فقد علم بذلك أن في هذه العبارة من الدلالة على تأكيد المنع والمحافظة ما ليس في غيرها.

و علل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك بقوله : (لا يهدني) أي لئلا يكسرني لأن التسرع إلى الحرب مظنة القتل والهلاك وموت الولد الصالح المعين خصوصاً مثل أبي محمد الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) موجب لأنك «كذا» ظهر الوالد وذهاب قوة قلبه ونور بصره.

ثم علل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعلة ثانية وقال: (فإني أنفس) أي أبخل (بهذين - يعني الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) - على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)).

تنبيه

قال الشارح المعتزلي (1):

فإن قلت: يجوز أن يقال للحسن والحسين وولدهما أبناء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وولد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وذرية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ونسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

قلت: نعم لأن الله تعالى سماهم إبناه في قوله : (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) [آل عمران: 61] وإنما عنى الحسن والحسين ولو أوصى لولد فلان بمال دخل فيه أولاد البنات وسمی الله تعالى عيسى ذرية إبراهيم في قوله تعالى: وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إلى أن :قال: ﴿وَيَحْيَى وَعِيسَى) [الأنعام: 84 - 85] ولم يختلف أهل اللغة في أن ولد البنات من نسل الرجل.


1) شرح نهج البلاغة : 26/11، والبحار : 234/43.

فإن قلت : فما تصنع بقوله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدُ أَبا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ [الأحزاب: 40]؟

قلت : أسألك عن أبوته لإبراهيم بن مارية فكل ما تجيب به عن ذلك فهو جوابي عن الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) والجواب الشامل للجميع أنه عنى زيد بن حارثة لأن العرب كانت تقول : زيد بن محمد على عادتهم في تبنّي العبد، فأبطل الله ذلك ونهى عن سنة الجاهلية وقال: إن محمداً ليس أباً لواحد من الرجال الباغين المعروفين بينكم ليفترى إليه بالنبوة، وذلك لا ينفي كونه أباً لأطفال لم يطلق عليهم لفظة الرجال كإبراهيم وحسن وحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ).

فإن قلت: أتقول إن ابن البنت إبن على الحقيقة الأصلية أم على سبيل المجاز؟

قلت: لذاهب أن يذهب إلى أنه حقيقة أصلية لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة، وقد يكون اللفظ مشتركاً بين مفهومين وهو في أحدهما أشهر ولا يلزم من كونه أشهر في أحدهما أن لا يكون حقيقة في الآخر، ولذاهب أن يذهب إلى أنه حقيقة عرفية، ولذاهب إلى كونه مجازاً قد استعمله الشارع، فجاز إطلاقه في كل حال واستعماله كسائر المجازات المستعملة.

قال: وما يدل على اختصاص ولد فاطمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)دون بني هاشم كافة بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه ما كان يحل له (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن ينكح بنات الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولا بنات ذريتهما وإن بعدت وطال الزمان، ويحل له نكاح بنات غيرهم من بني هاشم من الطالبيين وغيرهم وهذا يدل على مزيد الأقربية وهي كونهم أولاده.

فإن قلت : فقد قال الشاعر :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا***بنوهن أبناء الرجال الأباعد

وقال حكيم العرب أكثم الصيفي في البنات يذمهنّ إنهن يلدن الأعداء ويورثن البعداء.

قلت : إنما قال الشاعر ما قاله على المفهوم الأشهر، وليس في قول أكثم ما يدل على نفي بنوتهم وإنما ذكر أنهن يلدن الأعداء وقد يكون ولد الرجل لصلبه عدوّاً، قال الله تعالى : (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوا لَكُمْ﴾ [التغابن: 14] ولا ينفي كونه عدواً كونه إبناً، انتهى (1).

أقول : ما حققه الشارح هو الحق الموافق للتحقيق، وهو مأخوذ من أخبار أهل بيت العصمة والطهارة حسبما نشير إلى بعضها، وإن شئت مزيداً على ذلك فأقول :


1) شرح النهج : 28/11.

لا شك إن نسبة الإبن والبنت إلى الأب والأم من حيث التكوين والخلقة نسبة واحدة لكونهما مخلوقين من نطفتهما، قال تعالى : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان : 2] أي أخلاط، لأن ماء الرجل يختلط بماء المرأة ودمها يكون مشيجاً أربعين ليلة وقال أيضاً: (فلينظرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالترائبِ) [الطارق : 5- 7] أي صلب الرجل وترائب المرأة أي صدرها، لأن منيها يخرج منه ومن أجل اتحاد نسبتهما إليهما في التكوّن صح إضافتهما إلى كل منهما في مقام التلفظ والتعبير من دون تفاوت، فيقال: ابن فلان وابنة فلان وابن فلانة وابنة فلانة ولم يخالف في صحة هذه الإضافة أحد من أهل العرف واللغة أصلاً، وقد قال تعالى في كتابه العزيز: (وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ) [البقرة: 87]، وقال : (وَمَريَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرجَهَا) [التحريم: 12].

فإذا صح إضافة الابن إلى الأم والأم إلى أبيها وهكذا إضافته إلى الأب والأب إلى أبيه بلا خلاف فلتصح إضافته إلى أب الأم كما تصح إلى أب الأب لعدم مانع يتصور إلا الشعر المتقدم أعني قوله :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا*** بنوهن أبناء الرجال الأباعد

وهو لا يصلح للمانعية.

إما لما قاله الشارح المعتزلي: من ابتنائه على كون إطلاق الابن على ابن الابن أشهر وأغلب من إطلاقه على ابن البنت والشهرة في الإطلاق لا تدل على كونه حقيقة فيه فقط ومجازاً في غيره كما برهن في الأصول.

أو لابتنائه على مجرى عادة العرب من إسقاطهم البنات مع كونهن أولاداً حقيقة من درجة الأولاد من أجل الاستنكاف والإلفة والنخوة العربية وحميّة الجاهلية كما شرح الله حالهم في قوله: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيمسكُه عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: 5958]، وقد بلغوا في الاستنكاف منهن إلى أن جرت عادتهم على الوئد والقتل حتى نهاهم الله عن ذلك وعاتبهم عليه في قوله: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ [الأنعام: 151]، وقوله: وَإِذَا الْمَوْدَةُ سُئلَتْ * بِأَيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير : 98] حسبما عرفت تفصيل ذلك في شرح الفصل السادس من الخطبة المائة والحادية والتسعين المعروفة بالقاصعة.)أو لما قاله ابن إدريس في محكي كلامه من السرائر من أن الشاعر إنما أراد بقوله : ينونا بنو أبنائنا (آه الإنتساب بمعنى أن أولاد البنت لا ينسبون إلى أمهم وإنما ينسبون إلى آبائهم وليس كلامنا فيه بل في الولادة وهي متحققة من جهة الأم من غير خلاف والذكر والأنثى فيه سواء.)

وقد وافقنا على ذلك غير واحد من الأصحاب منهم المرتضى وابن إدريس وصاحب (الجواهر في غير موضع منه، وقد بسط الكلام في ذلك كل البسط في كتاب الخمس منه، وقال بعد اختياره موافقة المرتضى في كونه ابنه حقيقة : إنه يظهر ذلك من جماعة من الأصحاب في غير المقام، بل قد يظهر من المحكي عن ابن إدريس في كتاب (المواريث) الإجماع عليه كما عن المرتضى فيه أيضاً نفي الخلاف فيه بل وكذا المحكي عن خلاف الشيخ في باب الوقف والميراث، بل ظاهره فيهما إجماع الأمة على ذلك.)ثم ساق الأدلة على ذلك، وأجاب عن الشعر المتقدم بأنه مضافاً إلى أنه قول أعرابي جاهل لا يعارض الكتاب والسنّة محتمل لإرادة المتعارف المعتاد في جلب المنافع الدنيوية والمضار بالأولاد وأولادهم دون أولاد البنات فكانوا كالأباعد بالنسبة إلى ذلك، بل لعل ظهور إرادة هذا الشاعر المجاز والمبالغة في النفي شاهدة على العكس، إذ من البعيد إرادته بيان الوضع واللغة فتأمل، انتهى كلامه رفع مقامه.والحاصل أنا نرى أنهم يستعملون لفظ الابن والولد في ابن البنت وولدها كاستعمالهم لهما في ابن الابن وولده مع عدم صحة السلب، فيكونان حقيقة فيهما ولا دليل على المصير إلى المجاز.وإذا عرفت ذلك فأقول : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قد أطلق على الحسنين (عَلَيهِم السَّلَامُ) لفظ الابن في غير واحد من الأخبار فيكونان إبنيه حقيقة.)ومن جملة هذه الأخبار الحديث المشهور أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ قال فيهما : «هذان إبناي إمامان» (1).)وفي (البحار من المناقب عن فردوس الديلمي عن سلمان قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «سمّى هارون ابنيه شبراً وشبيراً، وإنني سميت ابني الحسن والحسين»(2).)وعن الدارقطني بالإسناد عن ابن عمر قال : قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «إبناي هذان سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما» (3).)وعن الراغب عن أبي هريرة وبريدة رأيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يخطب على المنبر ينظر إلى الناس مرة وإلى الحسن مرة وقال : «إن ابني هذا سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين» (4).)


1) الطرائف لابن طاووس : 196.

2) مناقب آل أبي طالب : 166/3، والبحار : 252/43.

3) الخلاف للطوسي 8/4 والمعجم الكبير : 39/3.

4) المحلى لابن حزم : 227/4، والبحار : 293/43، ومسند أحمد: 38/5.

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كنا جلوساً عند النبى عند النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ إذ أقبل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعل ينزو على ظهر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلى بطنه، فبال وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «دعوه»، قال أبو عبيدة في غريب الحديث أنه قال: «لا تزرموا ابني» أي لا تقطعوا عليه بوله، ثم دعا بماء فصبه على بوله (1).)وعن الطبري عن طاووس اليماني عن ابن عباس قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ : «رأيت في الجنة قصراً من درّة بيضاء لا صدع فيها ولا وصل فقلت حبيبي جبرئيل لمن هذا القصر؟ قال: للحسين ابنك، ثم تقدمت أمامه فإذا أنا بتفاح فأخذت تفاحة ففلقتها فخرجت منها حوراء كأن مقاويم النسور أشفار عينيها فقلت لمن أنت؟ فبكت ثم قالت: لابنك الحسين»، إلى غير هذه مما لا نطيل بروايتها (2).)فقد ظهر مما ذكرنا واتضح كل الوضوح أنه لا شك في كونهما (عَلَيهِم السَّلَامُ ابنيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) حقيقة فلا يستريب فيه إلا جاهل متعنّت أو جاحد متعصب، وقد احتج على ذلك الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وغيرهم أيضاً في مجالس المخالفين وغيرها بأحكام بينة وبرهان.)فقد روي في (البحار من تفسير علي بن إبراهيم عن أبيه عن ظريف بن ناصح عن عبد الصمد بن بشير عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :)قال لي أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ: يا أبا الجارود ما يقولون في الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)؟ قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فبأي شيء احتججتم عليهم؟ قلت : بقول الله عز وجل في عيسى ابن مريم: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ) إلى قوله : (وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ) [الأنعام: 84]. فجعل عيسى من ذرية إبراهيم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فأي شيء قالوا لكم؟ :قلت قالوا قد يكون ولد الإبنة من الولد ولا يكون من الصلب، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فأي شيء احتججتم عليهم؟ قلت : احتججنا عليهم بقول الله عز وجل : (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءکمَ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الكَاذِينَ﴾ [آل عمران: 61] الآية، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فأي شيء قالوا لكم؟ قلت: قالوا : قد يكون في كلام العرب إبني رجل واحد فيقول أبنائنا وإنما هما إبن واحد قال فقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله يا أبا الجارود لأعطينكها من كتاب كتاب الله تسمى بصلب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يردها إلا الكافر، قال: قلت: جعلت فداك وأين؟ قال : حيث قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ إلى أن ينتهى إلى قوله تعالى: وَعَلَيلُ أَبنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ [النساء: 23] فسلهم يا أبا الجارود: هل حلّ لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نكاح حليلتهما ؟ فإن قالوا نعم، فكذبوا والله وفجروا


1) النهاية في غريب الحديث : 301/2، ولسان العرب : 263/12.

2) مناقب آل أبي طالب : 229/3، وكشف الغمة : 87/2.

وإن قالوا : لا، فهما والله ابناه للصلب وما حرمتا عليه إلا للصلب (1).

قال المحدث العلامة المجلسي: وجه الاحتجاج بالآية الأخيرة هو اتفاقهم على دخول ولد البنت في هذه الآية والأصل في الاستعمال الحقيقة أو أنهم يستدلون بهذه الآية على حرمة حليلة الولد ولا يتم إلا بكونه ولداً حقيقة للصلب (2).

وهنا قصة لطيفة

وفي (البحار) وجدت في بعض كتب المناقب مرسلاً عن عامر الشعبي أنه قال :

بعث إلي الحجاج ذات ليلة فخشيت فقمت فتوضأت وأوصيت ثم دخلت عليه فنظرت فإذا نطع منشور والسيف مسلول فسلمت عليه فرد علي السلام فقال: لا تخف فقد أمنتك الليلة وغداً إلى الظهر، وأجلسني عنده.

ثم أشار فأتى برجل مقيد بالكبول والأغلال، فوضعوه بين يديه فقال : إن هذا الشيخ يقول : إن الحسن والحسين كانا ابني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليأتيني بحجة من القرآن وإلا لأضربن عنقه، فقلت يجب أن تحل قيده فإنه إذا احتج فإنه لا محالة يذهب، وإن لم يحتج فإن السيف لا يقطع هذا الحديد، فخلوا قيوده وكبوله فنظرت فإذا هو سعيد بن جبير فحزنت بذلك وقلت : كيف يجد حجّة على ذلك من القرآن؟ فقال له :الحجاج : إثتني بحجة من القرآن على ما ادعيت وإلا أضرب عنقك، فقال له إنتظر فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك، فقال: إنتظر، فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك، فقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ) [الأنعام: 184]، ثم سكت، وقال للحجاج: إقرأ ما بعده، فقرأ: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَی وَعِيسَى [الأنعام: 85]، فقال سعيد: كيف يليق ههنا عيسى؟ قال إنه كان من ذريته قال: إن : كان عيسى من ذرية إبراهيم ولم يكن له أب بل كان ابن ابنته فنُسب إليه مع بعده فالحسن والحسين أولى أن يُنسبا إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع قربهما منه، فأمر له بعشرة آلاف دينار، وأمر بأن يحملوها معه إلى داره وأذن له في الرجوع.

قال الشعبي : فلما أصبحت قلت في نفسي : قد وجب علي أن آتي هذا الشيخ فأتعلم منه معاني القرآن لأني كنت أظن أني أعرفها. فأتيته فإذا هو في المسجد وتلك الدنانير بين يديه يفرّقها عشراً عشراً ويتصدّق بها، ثم قال: هذا كله ويتصدّق بها، ثم قال: هذا كله ببركة الحسن والحسين لئن كنا أغممنا واحداً لقد أفرحنا ألفاً وأرضين الله ورسوله (3).


1) وسائل الشيعة: 416/20، وبحار الأنوار: 232/13 ح 8.

2) البحار : 93 / 240 ح 3، و 43 / 233 ح 9.

3) البحار: 43 / 227 - 229، وشجرة طوبى : 379/2.

فقد تحصل مما ذكرنا أنه حصل لهما (عَلَيهِم السَّلَامُ) من النسب هو ما لم يحصل لغيرهما فإنهما ابنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)وسبطاه وولداه وذريتاه وسيدا شباب أهل الجنة، فجدّهما رسول ربّ العالمين، وأبوهما أمير المؤمنين وأمهما سيدة نساء العالمين وهذا هو النسب الذي تتضاءل عنده الأنساب والشرف الذي أسجل بصحته الأثر والكتاب.

نسب كأن عليه من شمس الضحى*** نوراً ومن فلق الصباح عموداً

فهما (عَلَيهِم السَّلَامُ)دوحتا النبوة التي طابت فرعاً وأصلاً وشعبتا الفتوة التي سمت رفعة ونبلاً، وإنسانا عيني السيادة والفخار وسليلا الشرف الذي أظهر الخيلاء في مضر ونزار قد اكتنفهما العز والشرف فما له عنهما منصرف، وأحاط بهما المجد من طرفيهما، وتصوّرا من الجلالة فكادت أن تقطر من عطفيهما، وتكوّنا من الأريحية فهي تلوح على شمائلهما، تبدو كما يبدو النهار على مخائلهما، وفاقا في طيب الأعراق وطهارة الأخلاق رتبة الأواخر والأوائل، فعلت سماء فضلهما حتى قيل أين الثريا من يد المتناول، نسبهما يتصل بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قبل الأم بغير فصل، ومن قبل الأب يجتمع في عبد المطلب فأعجب لطيب فرع وذكاء أصل.

أنتم ذوو النسب القصير وطولكم***باد علی كبراء والأشراف

الخمر إن قيل ابنة العنب اكتفت*** بأب من الأل لقاب والأوصاف

تکمیل

قد تقدم في شرح الخطبة المائة والسادسة والتسعين وبعض الخطب المتضمنة لذكر النبي جملة من مناقبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وتقدم في غير موضع من تضاعيف الشرح فصل وافٍ من مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكراماته وفضائله، وفي شرح المختار الواحد والمائتين جملة من مناقب الصدّيقة الكبرى سيدة النساء (سلام الله عليها) فأحببت أن أذكر هنا شطراً من مناقب الإمامين الهمامين السبطين الزكيين أبي محمد الحسن وأبي عبد الله الحسين (عليهما السلام) تيمناً بذكر فضائل جميع الخمسة من آل العباء عليهم التحية والثناء راجياً بذلك مزيد الأجر والذخر يوم الجزاء، وإن كانت مناقبهم الجميلة لا تعد ولا تحصى ومآثرهم الجليلة لا تحدّ ولا تستقصى، إلا أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وعسى أن يدرك المرجوّ بالمقدور.

رويدك إن أحببت نيل المطالب*** فلا تعد عن ترتيل آي المناقب

مناقب أصحاب الكساء قدوة الوري*** بهم يبتغي مطلوبه كل طالب

مناقب تجلى سافرات وجوهها***ويجلو سناها مدلهما الغياهب

عليك بها سراً وجهراً فإنها*** تحلل عند الله أعلى المرات

وجد عندما يتلو لسانك آينا*** بدعوة قلب حاضر غیر غائب

لمن قام في تأليفها واعتنى به*** ليقضي من مفروضهم كل واجب

عسى دعوة تزكو بها حسناته***فيحظى من الحسنى بأسنى المواهب

فأقول : روى في (كشف الغمة) من كتاب (معالم العترة الطاهرة) للجنابذي عن بريدة قال: كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يخطب فأقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فلما رآهما فنزل فأخذهما ثم صعد فوضعهما في حجره ثم قال: «صدق الله (أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوَلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: 28] رأيت هذين فلم أصبر حتى أخذتهما» (1).

وعن فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنها أنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومعها الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) في مرضه الذي توفى فيه قالت يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إن هذين لم تورثهما شيئاً، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «أما الحسن فله هيبتي وأما الحسين فله جرأتي وجودي» (2).

وعن عبد الله بن عباس قال: بينما نحن عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذ أقبلت فاطمة تبكي فقال لها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «ما يبكيك؟» قالت : يا رسول الله إن الحسن والحسين خرجا فوالله ما أدري أين سلكا.

فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «لا تبكين فداك أبوك فإن الله عز وجل خلقهما وهو أرحم بهما، اللهم إن كانا قد أخذا في برّ فاحفظهما، وإن كانا قد أخذا في بحر فسلّمهما».

فهبط جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا أحمد لا تغتم ولا تحزن هما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما وهما في حظيرة بني النجار نائمين، وقد وكل الله بهما ملكاً يحفظهما.

قال ابن عباس : فقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقمنا معه حتى أتينا معه حظيرة بني النجار فإذا الحسن معانق الحسين وإذا الملك قد غطاهما بأحد جناحيه

قال : فحمل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الحسن وأخذ الحسين الملك والناس يرون أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حاملهما، فقال أبو بكر وأبو أيوب الأنصاري : يا رسول الله ألا نخفف عنك بأحد الصبيين؟ فقال(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «دعاهما فإنهما فاضلان في الدنيا فاضلان في الآخرة وأبوهما خير منهما، ثم قال: والله لأشرفنهما اليوم بما شرفهما الله»، فخطب فقال :


1) کشف الغمة : 168/2، وتاريخ دمشق : 162/14.

2) دلائل الإمامة للطبري : 69، والبحار : 293/43.

«يا أيها الناس، ألا أخبركم بخير الناس جداً وجدة؟»، قالوا: بلى يا رسول الله قال: «الحسن والحسين جدّهما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وجدتهما خديجة بنت خويلد».

«ألا أخبركم بخير الناس أباً وأُماً؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الحسن والحسين أبوهما علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأمهما فاطمة بنت محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

«ألا أخبركم أيها الناس بخير الناس عمّاً وعمة؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال «الحسن والحسين عمهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب».

«أيها الناس، ألا أخبركم بخير الناس خالاً وخالة؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال : «الحسن والحسين خالهما القاسم بن محمد وخالتهما زينب بنت محمد ألا إن أباهما في الجنة وأمهما في الجنة وجدّهما في الجنة وجدتهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالتهما في الجنة وعمّهما في الجنة وعمتهما في الجنة وهما في الجنة، ومن أحبهما في الجنة ومن أحب من أحبهما في الجنة» (1).

وفي (البحار) من بعض كتب المناقب القديمة عن محمد بن أحمد بن علي بن شاذان بإسناده عن ابن عباس قال :

كنت جالساً بين يدي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ذات يوم وبين يديه علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) إذ هبط جبرئيل ومعه تفاحة، فحيا بها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحيا بها علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتحيا بها عليّ وقبلها وردها إلى رسول الله فتحيا بها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحيا بها الحسن وتحيا بها الحسن وقبلها وردّها إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فتحيا بها رسول الله وحيا بها الحسين وتحيا بها الحسين وقبلها وردّها إلى رسول الله فتحيا بها وحيا بها فاطمة فتحيّت بها وقبلتها وردّتها إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فتحيا بها الرابعة وحيا بها علي بن أبي طالب فلما هم أن يردها إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سقطت التفاحة من بين أنامله فانفلقت بنصفين فسطع منها نور حتى بلغ إلى السماء الدنيا فإذا عليها سطران مكتوبان: «باسم الله الرحمن الرحيم تحية من الله إلى محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن والحسين سبطي رسول الله وأمان لمحبيها يوم القيامة من النار» (2).

وعن ابن شاذان عن زاذان عن سلمان قال :

أتيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فسلمت عليه ثم دخلت على فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فقالت : يا أبا عبد الله هذان


1) كفاية الأثر : 36، وكشف الغمة 147/2.

2) مائة منقبة : 27، والبحار : 308/43 ح 72.

الحسن والحسين جائعان يبكيان فخذ بأيديهما فاخرج بهما إلى جدهما، فأخذت بأيديهما وحملتهما حتى أتيت بهما إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «ما لكما يا حسناي؟» قالا: نشتهي طعاماً يا رسول الله، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «اللهم أطعمهما» ثلاثاً، قال:

فنظرت فإذا سفرجلة في يد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) شبيهة بقلة من حجر أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل وألين من الزبد فعركها بإيهامه فصيرها نصفين ثم دفع إلى الحسن نصفها وإلى الحسين نصفها فجعلت أنظر إلى النصفين في أيديهما وأنا أشتهيها قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يا سلمان هذا طعام من الجنة لا يأكله أحد حتى ينجو من الحساب» (1).

وبإسناده عن الطبراني بإسناده عن سلمان قال :

كنا حول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فجاءت أم أيمن فقالت: يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لقد ضل الحسن والحسين، وذلك عند ارتفاع النهار، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «قوموا فاطلبوا ابني»، فأخذ كل رجل تجاه وجهه وأخذت نحو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلم يزل حتى أتى صفح الجبل وإذا الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ملتزق كل واحد منهما بصاحبه وإذا شجاع قائم على ذنبه يخرج من فيه شبه النار فأسرع لي «إليه» رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فالتفت مخاطباً لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثم انساب فدخل بعض الأجحرة، ثم أتاهما فأفرق بينهما ومسح وجوههما وقال : «بأبي وأمي أنتما ما أكرمكما على الله»، ثم حمل أحدهما على عاتقه الأيمن والآخر على عاتقه الأيسر، فقلت: طوبى لكما نعم المطية مطيتكما، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «ونعم الراكبان هما وأبوهما خير خير منهما» (2).

وروي في المراسيل أن الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)كانا يبكيان، فقال الحسن للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : خطي أحسن، وقال الحسين لا بل خطي أحسن من خطك، فقالا لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ): احكمي بيننا فكرهت فاطمة أن تؤذي أحدهما فقالت لهما سلا أباكما فسألاه فكره أن يؤذي أحدهما، فقال : سلا جدكما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «لا أحكم بينكما حتى أسأل جبرئيل»، فلما جاء جبرئيل قال : لا أحكم بينهما ولكن إسرافيل يحكم بينهما، فقال إسرائيل:« لا أحكم بينهما ولكن أسأل الله أن يحكم بينهما»، فسأل الله ذلك فقال تعالى : لا أحكم بينهما ولكن أمهما فاطمة تحكم بينهما، فقالت فاطمة أحكم بينهما يا رب وكانت لها قلادة فقالت : أنا أنثر بينكما جواهر هذه القلادة فمن أخذ منها أكثر فخطه أحسن، فنثرتها وكان جبرئيل وقتئذ عند قائمة العرش، فأمره الله تعالى أن يهبط إلى الأرض وينصف الجواهر بينهما كي لا يتأذى أحدهما، ففعل ذلك جبرئيل إكراماً لهما وتعظيماً (3).


1) مائة منقبة : 162، والبحار : 308/43.

2) المعجم الكبير : 65/3، ح 2677.

3) البحار 43 / 308 – 309.

وروى ركن الأئمة عبد الحميد بن ميكائيل عن يوسف بن منصور الساوي عن عبد الله بن محمد الأزدي عن سهل بن عثمان عن منصور بن محمد النسفي عن عبد الله بن عمرو عن الحسن موسى عن صعدان عن مالك بن سليمان عن ابن جريح عن عطا عن عائشة قالت :

كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) جائعاً لا يقدر على ما يأكل فقال لي: «هاتي ردائي»، فقلت: أين تريد؟ قال : إلى ابنتي فأنظر إلى الحسن والحسين فيذهب بعض ما بي من الجوع، فخرج حتى دخل على فاطمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) فقال : يا فاطمة أين إبناي؟ فقالت: يا رسول الله خرجا من الجوع وهما يبكيان فخرج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في طلبهما فرأى أبا الدرداء فقال: «يا عويمر هل رأيت ابني؟» قال: نعم يا رسول الله هما نائمان في ظل حائط بني جذعان، فانطلق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فضمهما وهما يبكيان وهو يمسح الدموع عنهما، فقال له أبو الدرداء : دعني أحملهما، فقال: «يا أبا الدرداء، دعني أمسح الدموع عنهما فوالذي بعثني بالحق نبياً لو قطرت قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في أمتي إلى يوم القيامة»، ثم حملهما وهما يبكيان وهو يبكي فجاء جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : السلام عليك يا محمد رب العزة جل جلاله يقرؤك السلام، ويقول : ما هذا الجزع ؟ فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يا جبرئيل ما أبكي جزعاً بل أبكي من ذل الدنيا»، فقال جبرئيل : إن الله تعالى يقول : أيسرك أن أحوّل لك أحداً ذهباً ولا ينقص مما عندي شيء قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «لا»، قال: لم ؟ قال : «لأن الله تعالى لم يحب الدنيا ولو أحبها لما جعلها للكافر أكملها»، فقال جبرئيل : أدع بالجفنة المنكوبة التي في ناحية البيت قال فدعا بها، فلما حملت فإذا فيها تريد ولحم كثير، فقال كل يا محمد واطعم ابنيك وأهل بيتك قال : فأكلوا وشبعوا قال: ثم أرسل بها إلي فأكلوا وشبعوا وهو على حالها قال ما رأيت جفنة أعظم بركة منها فرفعت عنهم، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «والذي بعثني بالحق لو سكت لتداولها فقراء أُمتي إلى يوم القيامة» (1).

وفي (البحار) وجدت في بعض مؤلفات أصحابنا أنه روى مرسلاً من جماعة من الصحابة قالوا :

دخل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دار فاطمة فقال : «يا فاطمة إن أباك اليوم ضيفك»، فقالت : يا أبت إن الحسن والحسين يطالباني بشيء من الزاد فلم أجد لهما شيئاً يقتاتان به (2).

ثم أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دخل وجلس مع علي والحسن والحسين وفاطمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) متحيرة ما تدري كيف تصنع، ثم إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) النظر إلى السماء ساعة وإذا بجبرئيل قد نزل وقال: يا محمد العلي الأعلى يقرؤك السلام ويخصك بالتحية والإكرام ويقول لك : قل لعلي


1) البحار : 310/43 ح 72.

2) البحار : 310/43 ح 73.

وفاطمة والحسن والحسين أي شيء يشتهون من فواكه الجنة؟ فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يا علي ويا فاطمة ويا حسن ويا حسين إن رب العزّة علم أنكم جياع فأي شيء تشتهون من فواكه الجنة؟» فأمسكوا عن الكلام ولم يردوا جواباً حياء من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فقال الحسين: عن إذنك يا أبتا يا أمير المؤمنين وعن إذنك يا أماه يا سيدة نساء العالمين وعن إذنك يا أخا الحسن الزكي أختار لكم شيئاً من فواكه الجنة.

فقالوا جميعاً : قل يا حسين ما شئت فقد رضينا بما تختاره لنا. فقال : يا رسول الله قل لجبرئيل: إنا نشتهي رطباً جنيّاً، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «قد علم الله ذلك»، ثم قال: «يا فاطمة قومي وادخلي البيت واحضري إلينا ما فيه»، فدخلت فرأت فيه طبقاً من البلور مغطى بمنديل من السندس الأخضر وفيه رطب جني في غير أوانه، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يا فاطمة أنى لك هذا؟» قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب كما قالت مريم بنت عمران.

فقام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتناوله وقدّمه بين أيديهم ثم قال : «بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم أخذ رطبة واحدة فوضعها في فم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : «هنيئاً مريئاً لك يا حسين»، ثم أخذ رطبة فوضعها في فم الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: «هنيئاً مريئاً لك يا حسن»، ثم أخذ رطبة ثالثة فوضعها في فم فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وقال : «هنيئاً مريئاً لك يا فاطمة الزهراء، ثم أخذ رطبة رابعة فوضعها في فم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال : «هنيئاً مريئاً لك يا علي» ثم ناول عليّاً رطبة أخرى ثم رطبة أخرى والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول له : «هنيئاً مريئاً لك»، ثم وثب النبي قائماً ثم جلس ثم أكلوا جميعاً من ذلك الرطب.

فلما اكتفوا وشبعوا ارتفعت المائدة إلى السماء بإذن الله تعالى.

فقالت فاطمة : يا أبت لقد رأيت اليوم منك عجباً.

فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا فاطمة أما الرطبة الأولى التي وضعتها في فم الحسين وقلت له هنيئاً يا حسين فإني سمعت ميكائيل وإسرافيل يقولان هنيئاً يا حسين فقلت أيضاً موافقاً لهما في القول، ثم أخذت الثانية فوضعتها في فم الحسن فسمعت جبرئيل وميكائيل يقولان : هنيئاً لك يا حسن فقلت أنا موافقاً لهما في القول، ثم أخذت الثالثة فوضعتها في فمك يا فاطمة فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان يقلن : هنيئاً لك يا فاطمة فقلت موافقاً لهن بالقول ولما أخذت الرابعة فوضعتها في فم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) سمعت النداء من قبل الحق يقول : هنيئاً مريئاً لك يا علي فقلت موافقاً لقول الله عز وجل، ثم ناولت علياً رطبة أخرى ثم أخرى وأنا أسمع صوت الحق سبحانه يقول: هنيئاً مريئاً لك يا علي فقلت موافقاً لقول الله، ثم قمت إجلالاً لرب العزّة جلّ جلاله فسمعته يقول: يا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)وعزتي

وجلالي لو ناولت علياً من هذه الساعة إلى يوم القيامة رطبة رطبة لقلت هنيئاً مريئاً بعد بلا انقطاع» (1).

وروى في بعض الأخبار :

أن أعرابياً أتى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال له : يا رسول الله لقد صدت خشفة غزالة وأتيت بها إليك هدية لولديك الحسن والحسين، فقبلها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ودعا له بالخير، فإذا الحسن واقف عند جده فرغب إليها فأعطاه إياه، فما مضى ساعة إلا والحسين قد أقبل فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها فقال : يا أخي من أين لك هذه الخشفة؟ فقال الحسن: أعطانيها جدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فسار الحسين مسرعاً إلى جدّه فقال : يا جدّاه أعطيت أخي خشفة ولم تعطني مثلها، وجعل يكرر القول على جده وهو ساكت لكنه يسلّي خواطره ويلاطفه بشيء من الكلام حتى أفضى من أمر الحسين أمر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أن هم يبكي.

فبينما هو كذلك إذ نحن بصياح قد ارتفع من باب المسجد فنظرنا فإذا ظبية ومعها خشفها ومن خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتضربها بأحد أطرافها حتى أتت بها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ثم نطقت الغزالة بلسان فصیح :فقالت یا رسول الله قد كانت لي خشفتان إحداهما صادها الصياد وأتى بها إليك وبقيت لي هذه الأخرى وأنا بها مسرورة وإني كنت الآن أرضعها فسمعت قائلاً يقول : أسرعي أسرعي يا غزالة بخشفك إلى النبي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأوصليه سريعاً لأن الحسين واقف بين يدي جده وقد همّ أن يبكي والملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة، ولو بكى الحسين لبكت الملائكة المقربون لبكائه، وسمعت أيضاً قائلاً يقول : أسرعي يا غزالة قبل جريان الدموع على خد الحسين فإن لم تفعلي سلطت عليك هذه الذئبة تأكلك خشفك فأتيت بخشفي إليك يا رسول الله وقطعت مسافة بعيدة ولكن طويت لي الأرض حتى أتيتك سريعة وأنا أحمد الله ربي على أن جئتك قبل جريان دموع الحسين على خده فارتفع التهليل والتكبير من الأصحاب ودعا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) للغزالة بالخير والبركة وأخذ الحسين الخشفة وأتى بها إلى أمه الزهراء فسرت بذلك سروراً عظيماً (2).

وروى عن سلمان الفارسي قال :

أهدي إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لقطف من العنب في غير أوانه فقال لي: «يا سلمان ائتني بولدي


1) البحار 311/13 – 312.

2) البحار : 313/43.

الحسن والحسين ليأكلا معي من هذا العنب»، قال سلمان الفارسي : فذهبت أطرق عليهما منزل أمهما فلم أرهما، فأتيت منزل أختهما أم كلثوم فلم أرهما.

فخبرت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بذلك، فاضطرب ووثب قائماً وهو يقول : واولداه واقرة عيناه من يرشدني عليهما فله على الله الجنة»، فنزل جبرئيل من السماء وقال : يا محمد على من هذا الانزعاج؟ فقال: «على ولدي الحسن والحسين فإني خائف عليهما من كيد اليهود» فقال جبرئیل : يا محمد بل خف عليهما من كيد المنافقين، فإن كيدهم أشد من كيد اليهود، إعلم يا محمد أن ابنيك الحسن والحسين نائمان في حديقة أبي الدحداح

فسار النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من وقته وساعته إلى الحديقة وأنا معه حتى دخلنا الحديقة وإذا هما نائمان وقد اعتنق أحدهما الآخر وثعبان في فيه طاقة ريحان يروّح بها وجهيهما.

فلما رأى الثعبان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ألقى ما كان في فيه فقال : السلام عليك يا رسول الله، لست أنا ثعباناً ولكني ملك من ملائكة الكروبيين غفلت عن ذكر ربي طرفة عين فغضب علي ربي ومسخني ثعباناً كما ترى وطردني من السماء إلى الأرض ولي منذ سنين كثيرة أقصد كريماً إلى الله فأسأله أن يشفع لي عند ربي عسی أن يرحمني ويعيدني ملكاً كما كنت أولاً إنه على كل شيء قدير.

قال: فجاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقبلهما حتى استيقظا فجلسا على ركبتي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فقال لهما النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «نظرا يا ولدي هذا ملك من ملائكة الله الكروبيين قد غفل عن ذكر ربه طرفة عين فجعله الله هكذا وأنا مستشفع بكما إلى الله فاشفعا له».

فوثب الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) فأسبغا الوضوء وصلّيا ركعتين وقالا : اللهم بحق جدنا الجليل الحبيب محمد المصطفى، وبأبينا علي المرتضى، وبأمنا فاطمة الزهراء إلا ما رددته إلى حالته الأولى.

:قال فما استتم دعاؤهما فإذا بجبرئيل نزل من السماء في رهط من الملائكة وبشر ذلك الملك برضى الله عنه وبردّه إلى سيرته الأولى ثم ارتفعوا إلى السماء وهم يسبحون الله تعالى.

ثم رجع جبرئيل إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو متبسم، وقال: يا رسول الله إن ذلك الملك يفتخر على الملائكة السبع السماوات ويقول لهم: من مثلي وأنا في شفاعة السيدين السبطين الحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).


1) البحار : 314/43.

وقال حكي عن عروة البارقي قال :

حججت في بعض السنين فدخلت مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فوجدت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) جالساً وحوله غلامان يافعان وهو يقبل هذا مرة وهذا أخرى، فإذا رآه الناس يفعل ذلك أمسكوا عن كلامه حتى يقضي منهما وما يعرفون لأي سبب حبّه إياهما.

فجئته وهو يفعل ذلك بهما فقلت يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هذان ابناك؟ فقال: «إنهما ابنا ابنتي وابنا أخي وابن عمي وأحب الرجال إلي ومن هو سمعي وبصري ومن نفسه نفسي ونفسي نفسه ومن أحزن لحزنه ويحزن لحزني».

فقلت له : قد عجبت يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من فعلك بهما وحبك لهما.

فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له : أحدثك أيها الرجل أني لما عُرج بي إلى السماء ودخلت الجنة انتهيت إلى شجرة في رياض الجنة فعجبت من طيب رائحتها فقال لي جبرئيل : يا محمد تعجب من هذه الشجرة فثمرها أطيب من ريحها فجعل جبرئيل يتحفني من ثمرها ويطعمني من فاكهتها وأنا لا أمل منها، ثم مررنا بشجرة أخرى فقال لي :جبرئيل يا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كل من الشجرة فإنها تشبه الشجرة التي أكلت منها الثمر فهي أطيب طعماً وأزكى رائحة».

قال: «فجعل جبرئيل يتحفني بثمرها ويشمّني من رائحتها وأنا لا أمل منها فقلت،. أخي جبرئيل ما رأيت في الأشجار أطيب ولا أحسن من هاتين الشجرتين، فقال لي: يا محمد أتدري ما اسم هاتين الشجرتين؟ فقلت لا أدري فقال :إحداهما الحسن والأخرى الحسين، فإذا هبطت يا محمد إلى الأرض من فورك فأت زوجتك خديجة وواقعها من وقعتك وساعتك فإنه يخرج منك طيب رائحة الثمر الذي أكلته من هاتين الشجرتين فتلد لك فاطمة الزهراء، ثم زوّجها أخاك علياً فتلد له ابنين فسم أحدهما الحسن والآخر الحسين».

قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «ففعلت ما أمرني أخي جبرئيل فكان الأمر ما كان، فنزل إليّ جبرئيل بعدما ولد الحسن والحسين فقلت له يا جبرئيل ما أشوقني إلى تينك الشجرتين فقال لي: يا محمد إذا اشتقت إلى الأكل من ثمرة تينك الشجرتين فشم الحسن والحسين».

قال : فجعل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وكلما اشتاق إلى الشجرتين يشم الحسن والحسين عليهما الصلاة والسلام ويلثمهما وهو يقول : «صدق أخي جبرئيل»، ثم يقبل الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) ويقول : «يا أصحابي إني أود أني أقاسمهما حياتي لحبي لهما وهما ريحانتاي من الدنيا»، فتعجب الرجل وصف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) للحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (1).


1) بطوله فى البحار : 315/43.

وفي كشف الغمة قال البغوي يرفعه إلى يعلى قال :

جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأخذ أحدهما فضمه إلى إبطه وأخذ الآخر فضمه إلى إبطه الأخرى فقال : «هذان ريحانتاي من الدنيا من أحبني فليحبهما» (1).

وفيه عن أبي هريرة قال :

خرج علينا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومعه حسن وحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما ؟ فقال: «من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني» (2).

أقول: هذه الأخبار أنموذج من مناقب أخبار السبطين سلام الله عليهما وعلى جدهما وأبيهما وأمهما وظهر منها كيف عناية الله تعالى وعناية رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإكرامهما في حقهما كما ظهر فرط محبة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومحبة أمير المؤمنين إياهما إلى مرتبة يود رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يقاسمهما حياته كما مر في آخر روايات (البحار) ويرضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن يخوض بنفسه الشريف في غمرات الحرب ويضنّ بهما ذلك حذراً من انقطاع نسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حسبما مرّ في هذا الكلام الذي نحن في شرحه.

فلعن الله أُمة بلغت الغاية في العصيان، ووصلت إلى النهاية في إرضاء الشيطان، وأقدمت على أمر عظيم من إسخاط الرحمن كيف سعوا في إطفاء نور الله، وجدوا في قطع نسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وبدلوا ما وصاهم الله به من مودّة القربي بالعداوة والبغضاء وما أوصاهم به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من محبة العترة بالشقاوة والشقاء.

فشوهاً لتلك الوجوه التي شوّهها الكفر والفسوق والعصيان، وسوأة لهذه الأمة التي لم تبق شيئاً من مراتب العداوة والعناد والطغيان، فكيف لو شاهدهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع ما أقدموا عليه في حق الآل من سفك الدماء وقتل الرجال وسبي الحريم، وذبح الأطفال، أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


1) كشف الغمة : 220/2.

2) كشف الغمة: 23/2، ومصنف عبد الرزاق: 472/3 ح 6369.

الترجمة

از جمله کلام آن حضرت است در بعض ایام جنگ صفین، در حالتی که دید پسرش امام حسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) را می شتابد به سوی جنگ، فرمود به اصحاب خود:

مالك شويد و ممانعت نمایید به عوض من این جوان را تا آنکه نشکند بنیه بدن مرا پس به درستی که من بخیل ترم به این دو جوان که بخیل ترم به این دو جوان که حسن و حسين (عليهما السلام) باشند بر مرگ مبادا بریده شود به جهت موت ایشان نسل برگزیده پیغمبران رسول خدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

سید رضی (رحمه الله) گفته :که فرمایش آن حضرت که فرموده مالك شويد به عوض من از جمله کلام عالی مقام او و متضمّن غایت فصاحت است.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والسابع من المختار في باب الخطب

إشارة:

وقد رويناه في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين من كتاب (ضفين) لنصر بن مزاحم باختلاف يسير عرفته قاله لما اضطرب عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه في أمر الحكومة.

«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلى ما أَحِبُّ حَتَّى نَهَكَتكُمُ الحَرْبُ، وَقَد والله أَخَذَتْ مِنْكُمْ وتَرَكَتْ، وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكَ، لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً، فَأَصْبَحْتُ اليَوْمَ مَأْمُوراً، وكُنْتُ أَمْس ناهِياً، فَأَصْبَحْتُ اليَوْمَ مَنْهِيّاً، وقَدْ أَحْبَبْتُمُ البَقَاءَ، ولَيْسَ لي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلى ما تَكْرَهُونَ» (1).

اللغة

(نهكته) الحمّى نهكاً من باب منع وتعب هزلته ونهكه السلطان عقوبة بالغ فيه، ونهكت الثوب لبسته حتى خلق وبلى (والحرب) مؤنث سماعي وقد تذكر ذهاباً إلى معنى القتال فيقال : حرب شدید.

الإعراب

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وقد والله أخذت) جملة القسم معترضة بين قد ومدخولها جيئت بها لتأكيد الكلام.

المعنى

إعلم أنه قد تقدم في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين تفصيل قصة الحكومة وعرفت هناك أن أهل الشام لما ضعفوا عن مقاومة أهل العراق وعجزوا عن مقاتلتهم ورأوا علوّ كلمة الحق وأيقنوا بالهلاك والعطب، عدلوا عن القراع إلى الخداع فرفعوا المصاحف على الرماح بتدبير ابن النابغة عمرو بن العاص اللعين على وجه الخديعة والمكيدة.

ولما رأى أهل العراق منهم ذلك كفّوا أيديهم عن القتال واجتمعوا عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطالبوه بالكفّ عنهم وكانوا في ذلك على أقسام.


1) شرح النهج لابن أبي الحديد 29/11.

فمنهم من دخلت عليه الشبهة برفع المصاحف واعتقدوا أنهم لم يرفعوها خديعة وحيلة بل حقاً وعملاً بموجب الكتاب وتسليماً للدين الحق فرأى أن الاستسلام للحجة أولى من الإصرار على الحرب.

ومنهم من قد كان ملّ من الحرب بطول المدة، فلما رأى شبهة ما يسوع التعلق بها رفض المحاربة وحب العافية أخلد إليها.

ومنهم من كان يبغض أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالباطن ويطيعه بالظاهر كما يطيع كثير من الناس السلطان ظاهراً ويبغضه باطناً، فلما وجد طريقاً إلى خذلانه وترك نصرته أسرع إليها.

فاجتمع جمهور عسكره إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطالبوه الكف، فامتنع امتناع عالم بالمكيدة وعرّفهم أنها خدعة وحيلة وقال لهم : إني أعرف بالقوم منكم وأعلم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن فلا تغتروا برفعهم للمصاحف وانهدوا إليهم ولم يبق منهم إلا آخر نفسهم فأبوا عليه ولجوا وأصروا على القعود والخذلان وطلبوا أن ينفذ إلى الأشتر وسائر المحاربين أن يكفّوا عن الحرب ويرجعوا.

فأرسل إلى الأشتر وأمره بالرجوع فقال :الأشتر : وكيف أرجع وقد لاحت أمارات الظفر ؟ وقال له : ليمهلني ساعة واحدة ولم يكن عالماً بصورة الحال، فلما عاد إليه الرسول بذلك غضبوا وشغبوا وقالوا : أنفذت إلى الأشتر سراً تأمره بالجد وتنهاه عن الكف وإن لم يعد قتلناك كما قتلنا عثمان.

فرجعت الرسل إلى الأشتر فقالوا له : أتحب أن تظفر بالعدو وأمير المؤمنين قد سلّت عليه خمسون ألف سيف فقال : ما الخبر؟ قالوا : إن الجيش بأسره قد أحدقوا به وهو جالس بينهم على الأرض تحته نطع وهو مطرق والبارقة تلمع على رأسه يقولون : لئن لم يرجع الأشتر قتلناك.

فرجع فوجد أمير المؤمنين تحت الخطر قد ردوه أصحابه بين الأمرين إن لم يكف عن الحرب إما أن يسلموه إلى معاوية أو يقتلوه ولا ناصر له منهم إلا ولداه وابن عمه ونفر قليل لا يبلغ عشرة.

فلما رآهم الأشتر شتمهم وشتموه وأبوا وقالوا المصاحف المصاحف والرجوع إليها لا نرى غير ذلك، فأجابهم أمير المؤمنين إلى ذلك كرهاً دفعاً للأفسد بالفاسد وقال لهم :

(أيها الناس إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب) من قتال أهل البغي والعدوان واستئصال القاسطين من حزب الشيطان (حتى عاد طاعتكم لي إلى المخالفة ونصرتكم إلى الخذلان والمنابذة، فأبيتم إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة بما (نهكتكم) وهزلتكم

(الحرب) بطول مدتها وثقل أوزارها.

ونبه على خطئهم في القعود عنها بقوله : (وقد والله أخذت منكم) طائفة (وتركت) طائفة قلم تستأصلكم بالمرة بل بقيت منكم بقية (وهي لعدوكم) أنكى و (أنهك) إذ لم يبق منهم إلا حشاشة ضعيفة، فإن القتل في أهل الشام كان أشد استحراراً والوهن فيهم أظهر، ولولا فساد أهل العراق لاستؤصل الشام وخلص إلى معاوية فأخذه بعنقه، ولم يكن قد بقي من قوة أهل الشام إلا حركة المذبوح ومثل حركة ذنب الوزغة عند قتلها يضطرب يميناً وشمالاً.

ثم أخذ في التشكي منهم بسوء فعلهم فقال : (لقد كنت أمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً) لا يخفى حسن المقابلة بين القرينتين وهو من مقابلة الثلاثة بالثلاثة وكذا فى قوله : (وكنت أمس ناهياً فأصبحت اليوم منهياً) ثم ساق الكلام مساق التعريض والتقريع فقال: (وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون) من القتال والقتل، وعدم حمله لهم على ذلك إما لعدم القدرة أو لعدم اقتضاء المصلحة ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

الترجمة

از جمله کلام معجز نظام آن امام انام (عَلَيهِ السَّلَامُ) است که فرموده آن را هنگامی که مضطرب شدند و اغتشاش نمودند اصحاب او بر او در امر حکومت حکمین پس فرمود آن بزرگوار به ایشان

ای مردمان به درستی که ثابت بود امر من و شما بر چیزی که دوست می داشتم تا اینکه لاغر و ضعیف نمود شما را حرب و کارزار و حال آنکه قسم به خدا آن حرب بعض شما را فرا گرفت و بعضی را فرو گذاشت و از برای دشمن زیادتر موجب لاغری آنها شد به تحقیق بودم دیروز امیر شما، پس گردیدم امروز مامور و بودم دیروز نهی کننده و گردیدم امروز نهی شده و به تحقیق دوست داشتید زندگانی را و نیست مرا که الزام نمایم شما را بر چیزی که مکروه طبع شما است.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبصرة وهو المائتان والثامن من المختار في باب الخطب

إشارة:

وهو مروي في (شرح) المعتزلي باختلاف تعرفه إن شاء الله، وروى بعض فقراته في (الكافي) أيضاً مسنداً بسند نذكره في التكملة الآتية.

قال الرضي (رضي الله عنه) : وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده، فلما رأى سعة داره قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

«ما كُنتَ تَصْنَعُ بِسَعَةِ هَذِهِ الدَّارِ في الدُّنْيا، أما أَنْتَ إِلَيْها في الآخِرَةِ كُنتَ أَحْوَجَ، وبلى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الآخِرَةَ تَقْرِي فِيهَا الضَّيْف، وتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وتُظْلِعُ مِنْهَا الحُقُوقَ مطالعها، فإذا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الآخِرَةَ».

فَقَالَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) العَلاءُ : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بْنِ زِيادٍ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): وما لَهُ؟ قالَ: لَبِسَ العَباءَ وَتَخَلّى مِنَ الدُّنْيا، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): عَلَيَّ بِهِ، فَلَمّا جَاءَ قَالَ :

«يا عُدَيَّ نَفْسِهِ، لَقَدِ اسْتَهامَ بِكَ الخَبِيثُ، أَما رَحِمْتَ أَهْلَكَ ووَلَدَكَ، أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّباتِ وهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخَذَها، أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذلِكَ، قال: يا أَمِير المُؤْمِنِينَ هذا أَنْتَ في خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ إِنَّ الله تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الحَقِّ أَنْ يَقْدِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلا يَنبيغ بالفَقِيرِ فَقْرُهُ» (1).

اللغة

(وسع) المكان القوم ووسع المكان يسع أي اتسع يتعدّى ولا يتعدّى والمصدر سعة بفتح السين وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: وَلَمْ يُوتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ [البقرة: 247] وكسرها لغة وبه قرأ بعض التابعين قال الفيومي قيل : الأصل في المضارع الكسر ولهذا حذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة ثم فتحت بعد الحذف لمكان حرف الحلق، ومثله يهب ويقع ويدع ويلغ ويطأ ويضع، والحذف في يسع ويطأ مما ماضيه مكسور شاذ لأنهم قالوا : فعل بالكسر مضارعه يفعل بالفتح واستثنوا أفعالاً ليست هذه منها.

و (قريت) الضعيف أقريه من باب رمى و (عدي نفسه) تصغير عدو، وأصله عديوو


1) البحار : 336/40 ح 18، والكافي : 410/1.

فحذفت إحدى الواوين وقلبت الثانية ياء تخفيفاً ثم أدغمت ياء التصغير فيها و (هام) يهيم خرج على وجهه لايدري أين يتوجه فهو هائم واستهام بك أي جعلك هائماً، وقال الشارح البحراني: أي أذهبك لوجهك وزيّن لك الهيام وهو الذهاب في التيه.

و (الملبس) و (الماكل) مصدران بمعنى المفعول، وطعام (جشب) ومجشوب غليظ، وقيل : الذي لا أدام معه و (أئمة الحق) في بعض النسخ أئمة العدل بدله و (يقدروا أنفسهم) في بعض النسخ بالتخفيف مضارع قدر من باب ضرب وفي بعضها بالتثقيل والمعنى واحد مأخوذان من القدر بمعنى التضييق قال تعالى : (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) [العنكبوت : 62] أو بمعنى قياس الشيء بالشيء، ويقال أيضاً هذا قدر هذا وقدره أي مماثلة و (البيغ) ثوران الدم وتبيغ عليه الأمر اختلط والدم هاج وغلب.

الإعراب

قوله: (ما كنت تصنع)، (كان) هنا زائدة كما في قوله تعالى: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّا﴾ [مريم: 29] وقوله : (أما أنت) (اه) (أما) حرف إستفتاح يبدأ بها الكلام وفائدتها المعنوية توكيد مضمون الجملة التي بعدها قال نجم الأئمة وكأنها مركبة من همزة الإنكار وحرف النفي والإنكار نفي ونفي النفي إثبات ركب الحرفان لإفادة الإثبات والتحقيق وفائدتها اللفظية كون الكلام بعدها مبتدأ به وفي بعض النسخ (ما أنت) بدل (أما أنت) وعليه فتكون (ما) موصولة بدلاً من الدار أو من شقه والأول أظهر

وقوله : (إليها متعلق) بقوله: (أحوج)، وكذا قوله في الآخرة)، وقوله: (وبلى) إستدراك عن الجملة السابقة، قال الفراء : أصلها بل زيدت عليها الألف للوقف، وقال نجم الأئمة : لفظة بل التي تليها الجمل للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى قال وتجيء بعد الاستفهام أيضاً كقوله : (أتَأْتُونَ الذكرَانَ) إلى قوله : (بَلْ أَنتُم قَوْم عَادُونَ﴾ [الشعراء: 165 – 166].

أقول : ويكون (بلي) هنا بمعنى الاستدراك أدخلت عليها الواو كما تدخل على لكن ويجوز جعلها عاطفة للجملة على الجملة ولكن جعلها اعتراضية أظهر من حيث المعنى.

وجملة: (نقرى فيها الضيف) يجوز أن تكون حالاً من قوله بها، ويجوز أن تكون استئنافاً بيانياً فإنه لما قال له : (إن شئت بلغت بها) فكأنه سئل عن كيفية البلاغ فقال : (تقرى فيها).

وقوله : (علي به) إسم فعل أي ائتوني به قال نجم الأئمة : يقال عليك زيداً أي خذه

كأن الأصل عليك أخذه وأما (علي) بمعنى أدلّني فهو مخالف للقياس من وجه آخر إذ هو أمر لكن الضمير المجرور به في معنى المفعول يقال على زيداً أي قربنيه والقياس أن يكون المجرور فاعلاً، وقوله : (يا عدي نفسه) يحتمل أن يكون التصغير للتحقير، وأن يكون للتعظيمكما في قول الشاعر :

وديهية تصفر ها الأنامل

وجملة: (لقد إستهام بك)، جواب قسم مقدر (والباء) زائدة، وأما (رحمت) حرف تنديم (وأترى الله) إستفهام توبيخي وقوله (هذا أنت في خشونة ملبسك)، الظرف حال من أنت لأنه في المعنى مفعول لمدلول هذا، أي أُشير إليك حال كونك في خشونة (اه) ومثل ذلك قوله تعالى: وَهَذَا بَعْلِي شَيْئًا [هود: 71] أي أنبه عليه أو أشير إليه شيخاً.

المعنى

إعلم أن هذا الكلام قاله بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده ويتفقد حاله لمرضه، فلما رأى (عَلَيهِ السَّلَامُ) سعة داره قال :

(ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا) إستفهام وارد معرض التوبيخ والإنكار لما صنعه لمنافاته الزهد المطلوب ولما نبه على ذلك أردفه بقوله : (أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج) تنبيهاً له على كون السعة محتاجاً إليها في الآخرة مزيد الاحتياج، وذلك لكون الدنيا دار فناء وانقطاع والآخرة دار قرار وبقاء ومعلوم أن إصلاح المقر أولى من الممر، والحاجة إليه فيه أزيد وأشد.

ثم استدرك بقوله : (وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة) يعني أنك بعدما فرطت في توسعتها وبنائها يمكن لك تدارك ذلك بأن تجعلها بلاغاً وصلة ووسيلة إلى اتساع الدار الآخرة بأن (تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم) والقرابة (وتطلع منها الحقوق مطالعها) أي تخرج فيها الحقوق المالية الواجبة والمندوبة من الخمس والزكاة والصدقات وصنائع المعروف والحق المعلوم للسائل والمحروم وسائر وجوه البر المقربة إلى الله سبحانه وتضعها في مواضعها اللائقة وتصرفها في مصارفها المستحقة.

وقال الشارح البحراني : مطالع الحقوق وجوهها الشرعية المتعلقة به كالزكاة والصدقة وغيرهما، والأظهر بل الأولى ما ذكرناه.

وكيف كان فالمراد أنك إن أتيت فيها بالقربات والحسنات وأقمت بإخراج الحقوق المفروضات والمندوبات (فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة) وأحملت «جمعت ظ» بينها وبين

الدنيا (فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد قال: وما له؟ قال: لبس العباء وتخلى من الدنيا).

قيل : المراد بلبس العباء جعلها شعاراً أو ترك القطن ونحوه والاكتفاء بلبسها في الصيف والشتاء وفي وصية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأبي ذر : يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم يرون لهم بذلك الفضل على غيرهم أولئك يلعنهم ملائكة السماوات والأرض»، انتهى (1).

أقول : والأظهر أن المراد أنه اقتصر بلبس العباء وترك الدنيا بالمرة ولم يأخذ منها سواها.

(قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): علي به) أي التوني به واحضروه لدي (فلما جاء قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا عدي نفسه).

قال الشارح البحراني : صغره استصغاراً له باعتبار أن شيطانه لم يقده إلى كبيرة بل قاده إلى أمر وإن كان خارجاً به عن الشريعة إلا أنه قريب من السلامة ودخل عليه بالخدعة في رأي الصالحين، وقيل: بل صغره من جهة حقارة فعله ذلك لكونه عن جهل منه، انتهى.

والأظهر أن يكون التصغير للتعظيم والغرض منه استعظامه لعداوته لها باعتبار ظلمه عليها، وذلك لأن لنفسه ولكل من جوارحه عليه حقاً.

وقد روينا في شرح الخطبة التاسعة والثمانين في ضمن أخبار محاسبة النفس من الوسائل من الخصال ومعاني الأخبار عن عطا عن أبي ذر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حديث قال : و على العاقل ما لم يكن مغلوباً أن تكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها صنع الله إليه وساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال فإن هذه الساعة معينة لتلك الساعات واستجمام للقلوب وتفريغ لها

وفي (البحار) من كتاب (تنبيه الخاطر) قيل: إن سلمان (رضي الله عنه) جاء زائراً لأبي الدرداء فوجد أم الدرداء مبتذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت : إن أخاك ليست له حاجة في شيء من أمر الدنيا قال فلما جاء أبو الدرداء رحّب لسلمان وقرب إليه طعاماً فقال لسلمان أطعم، فقال: إني صائم قال : أقسمت عليك إلا ما أطعمت فقال : ما أنا بأكل حتى تأكل قال وبات عنده فلما جاء الليل قام أبو الدرداء فحبسه سلمان فقال: يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فصم وافطر وصل ونم وأعط كل ذي


1) أمالي الطوسي : 539. ح 1162.

حق حقه، فأتى أبو الدرداء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأخبره بما قال سلمان، فقال فأخبره بما قال سلمان فقال مثل قول سلمان (1).

وقوله : (لقد استهام بك الخبيث) أي جعلك هائماً متحيراً لا تدري ما تفعل وأين تذهب؟ وفيه تنبيه على أن تركه للدنيا لم يكن عن خالص العقل بل كان بمداخلة الشيطان وشوب الهوى، وذلك بما كان في فعله ذلك من الإخلال بجملة من الحقوق الواجبة شرعاً عليه من حق الأهل والأولاد كما أشار إليه بقوله :

(أما رحمت أهلك وولدك) إستفهام في معرض التوبيخ والإنكار لإعراضه عنهم وتركه لهم وعدم ترحمه عليهم، وقد جعل الله تعالى عليه حقاً.

كما يدل عليه ما رواه في (البحار) من كتاب (تحف العقول) في رسالة علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) المعروفة برسالة الحقوق، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وأما حق أهل بيتك عامة، فإضمار السلامة ونشر جناح الرحمة والرفق بمسيئهم، وشكر محسنهم إلى نفسه وإليك فإن إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك إذا كف عنك أذاه وكفاء مؤنته وحبس عنك نفسه، فعمهم جميعاً بدعوتك وانصرهم جميعاً بنصرتك، وأنزلهم جميعاً منك منازلهم كبيرهم بمنزلة الوالد وصغيرهم بمنزلة الولد، وأوسطهم بمنزلة الأخ.

وفي هذه الرسالة أيضاً : وأما حق ولدك فتعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره وأنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا المعذر إلى ربّه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والأخذ له منه ولا قوة إلا بالله (2).

وفي (البحار) من الفقه الرضوي أروي عن العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه قال لرجل : ألك والدان؟ فقال : لا، فقال : ألك ولد ؟ قال: نعم، قال له: برّ ولدك يحسب لك بر والديك (3).

وروى أنه قال: بروا أولادكم وأحسنوا إليهم فإنهم يظنون أنكم ترزقونهم.

وفي (الفقيه) قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): بر الرجل بولده بره بوالديه (4).

وفي خبر آخر من كان عنده صبي فليتصاب له (5).


1) المجموع للنووي: 388/2، وصحيح ابن حبان: 24/2.

2) تحف العقول: 263، والبحار : 15/71 ح 2.

3) البحار 77/71.

4) من يحضره الفقيه : 483/3 ح 4706.

5) وسائل الشيعة : 486/21 ح 90، وعوالي اللئالي : 311/3.

وفي (الوسائل) من (الكافي) عن أبي عبد الله قال : إن الله ليرحم العبد لشدة حبه بولده (1).

وعن كليب الصيداوي قال: قال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا وعدتم الصبيان فقوا لهم فإنهم يرون أنكم الذين ترزقونهم، إن الله عز وجل ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان(2).

وفي (الكافي) في كتاب (المعيشة) في باب الحث على الطلب والتعرض للرزق عن معلى بن خنيس قال: سأل أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رجل وأنا عنده فقيل : أصابته الحاجة فقال : ما يصنع اليوم؟ قيل : في البيت يعبد ربه، قال فمن أين قوته؟ قيل من عند بعض إخوانه، فقال أبو عبد الله :(عَلَيهِ السَّلَامُ) والله الذي يقوته أشدّ عبادة منه (3).

وفيه عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : من طلب الدنيا استعفا استعفافاً الناس وسعياً عن على أهله وتعطفاً على جاره لقى الله عز وجل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر (4).

ثم أنكر عليه ثانياً بقوله : (أترى الله أحل لك الطيبات) من الرزق والفاخرات من اللباس (وهو يكره أن تأخذها) ونبه بهذه الجملة الإنكارية على أن التخلية من الدنيا بالكلية ليست مطلوبة للشارع، لأنها توجب اختلال نظام العالم، وفيه نقض لغرض الشارع ومقصوده الذي هو عمارة الأرض وبقاء النوع الإنساني حيناً من الدهر ومدة من الزمان التي اقتضت الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية بقائه إلى تلك المدة ليعبدوه ويوحدوه سبحانه فيها، لأن التعمير والتمدن وبقاء النوع لا يحصل ولا يتم إلا بتعاون أبناء النوع وتشاركهم على القيام بمصالح البقاء ولوازمه وترك الدنيا والإعراض عنها مناف لذلك الغرض البتة وفي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أترى الله أحل لك الطيبات)، تلميح إلى قوله عز وجل : (قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةُ﴾ [الأعراف: 32] أي من حرّم الثياب التي تتزين بها الناس وسائر ما يتجمل به مما أخرجها الله من الأرض لعباده من القطن والكتان والإبريشم والصوف والجواهر والمستلذات من المآكل والمشارب.

روى في (الصافي) من (الكافي) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): بعث أمير المؤمنين عبد الله بن عباس إلى ابن الكوّا وأصحابه وعليه قميص رقيق وحلّة، فلما نظروا إليه قالوا: يا ابن عباس أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس ؟ قال : وهذا أول ما أخاصمكم فيه وقُلْ مَنْ حَرَّمَ


1) الكافي : 50/6 ح 5.

2) الكافي: 50/6 ح 8.

3) الكافي : 78/5ح 4.

4) تهذيب الأحكام: 324/6 ح 890.

زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) قال الله : (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد) [الأعراف: 31] (1).

وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه كان متكئاً على بعض أصحابه فلقيه عباد بن كثير وعليه ثياب مروية فقال : يا أبا عبد الله إنك من أهل بيت النبوة وكان أبوك وكان فما لهذه الثياب المروية عليك؟ فلو لبست دون هذه الثياب؟ فقال له : ويلك يا عباد من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق إن الله عز وجل إذا أنعم على عبده نعمة أحب أن يراها عليه ليس بها بأس، ويلك يا عباد إنما أنا بضعة من رسول الله فلا تؤذوني وكان عباد يلبس ثوبين من قطن (2).

وفي (شرح) المعتزلي روى أن قوماً من المتصوفة دخلوا بخراسان على علي بن موسى الرضا فقالوا له : إن أمير المؤمنين فكّر فيما ولاه الله من الأمور فرآكم أهل البيت أولى الناس أن تؤموا الناس ونظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس فرأى أن یرد هذا الأمر إليك والإمامة تحتاج إلى من يأكل الجشب ويلبس الخشن ويركب الحمار ويعود المريض فقال لهم : إن يوسف كان نبياً يلبس أقبية الديباج المزرورة بالذهب، ويجلس على متكئات آل فرعون ويحكم، إنما يراد من الإمام قسطه وعدله، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز، إن الله لم يحرّم لبوساً ولا مطعماً، ثم قرأ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [الأعراف: 32](3).

وقال ابن عباس في قوله: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يوم الْقِيَامة [الأعراف: 32] يعني أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا فأكلوا من طيبات طعامهم، ولبسوا من جياد ثيابهم ونكحوا من صالح نسائهم، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء.)وفي (الصافي من (الأمالي) عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث: واعلموا يا عباد الله إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباحهم الله الدنيا ما كفاهم وأغناهم قال الله عز وجل : ﴿وَقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) الآية سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون ولبسوا من أفضل ما يلبسون وسكنوا من أفضل ما يسكنون وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من)


1) الكافي: 441/6 ح 6.

2) الكافي : 443/6 ح 13.

3) شرح نهج البلاغة : 34/11.

أفضل ما يركبون، وأصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غداً جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل، هذا (1.)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (أنت أهون على الله من ذلك) يعني: أن أفعال الله سبحانه وأحكامه ليست كأفعال خلقه وأحكامهم، فربما يعطى الواحد منا مالاً لآخر مع عدم طيب نفسه به بل علی کره منه له أو يأذن له أن يسكن في منزله باقتضاء مصلحة لاحظها فيه من مداراة معه ونحوها مع كراهة له باطناً، وأما الله القادر القاهر العزيز ذو السلطان فأجلّ وأعلى من أن يكون ما أعطاه وأحله لعباده من باب المصانعة والمجاملة، لأنهم أهون عنده تعالى من ذلك، وأي ملاحظة للخالق من مخلوقه الذليل ومداهنة للقاهر من مقهوره الضعيف المقيّد بقيد الرقية والعبودية.)(قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت إمامنا وقدوتنا حال كونك (في خشونة ملبسك) حيث قنعت من اللباس بطمريه (وجشوبة مأكلك) حيث اقتصرت من الطعام بقرصيه، فينبغي لنا أن نتأسى ونأتم بك ونحذو حذوك.)(قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: ويحك) كلمة رحمة قالها شفقة وعطوفة (إني لست كانت) يعني أن تكليفي الشرعي غير تكليفك، وأشار إلى وجه المغايرة، بقوله :)(إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس أي يضيقوا على أنفسهم في المعاش بضيق الفقراء والضعفاء أو يقيسوا أنفسهم بهؤلاء ويكونوا شبيهاً بهم.)(كيلا يتبيغ ويغلب (بالفقير فقره) فيقل صبره فيعطب، وذلك فإن الفقير إذا رأى إمامه ومقتداه بزي الفقراء ومعاشه مثل معاش المساكين كان له تسلية عما يتجرعه من غصص الفقر ونغص المسكنة، هذا.)ويؤيد ما ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ من أن الفرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بالضعفاء :)ما رواه في (الصافي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قيل له : أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك ونرى عليك اللباس الجيد، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : إن علي بن أبي طالب كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به فخير لباس كل زمان لباس أهله غير أن قائمنا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا قام لبس ثياب علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسار بسيرته (2).)


1) أمالي الطوسي : 27، وتفسير الصافي : 193/2.

2) الكافي : 411/1، وتفسير الصافي : 192/2.

فإنه يستفاد منه أن القائم عند ظهوره يسير سيرة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، ويسلك مسلكه في اللباس وغيره لكونه مطمح نظر العموم كأمير المؤمنين، وأما سائر الأئمة فلا، وما أجاب الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) به للسائل فجواب إقناعي لإسكاته والجواب الحقيقي ما قاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المتن من أن لا يتبيغ بالفقير فقره.)### تكملةقال الشارح المعتزلي : واعلم أن الذي رويته عن الشيوخ ورأيته بخط أحمد بن عبد الله بن الخشاب :أن الربيع بن زياد الحارثي أصابه نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام، فأتاه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ عائداً فقال : كيف تجدك يا أبا عبد الله ؟ قال : أجدني با أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه :قال وما قيمة بصرك عندك ؟ قال : لو كانت الدنيا لفديته بها، قال : لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك إن الله يعطي على قدر الألم والمصيبة وعنده تضعيف كثير، قال :الربيع يا أمير المؤمنين ألا أشكو إليك عاصم بن زياد أخي؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وما له؟ قال : لبس العباء وترك الملاء وغمّ أهله وحزن ولده، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ادعوا لي عاصماً، فلما أتاه عبس وجهه وقال : ويحك يا عاصم أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره ما أخذت منها لأنت أهون على الله من ذلك أو ما سمعته يقول: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ) [الرحمن: 19]؟، ثم قال: (فَبِأَيِّ وَآلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 23]، وقال: : (ومن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: 12] أما والله ابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال وقد سمعتم الله يقول: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11]، وقوله: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف : 32] أن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172]، وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لبعض نسائه: «ما لي أراك شعثاء مرهاء سلتاء؟»، قال عاصم : فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن وأكل الجشب؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا ما لأنفسهم بالقوام كيلا يتبيغ بالفقير فقره فما قام علي(عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى نزع عاصم العباء ولبس ملاءة» (1). قال الشارح: والربيع بن زياد هو الذي افتتح بعض خراسان وأما العلاء بن زياد الذي ذكره الرضى رحمه الله فلا أعرفه لعل غيري يعرفه


1) البحار : 174/42 ح 34 والشعثاء: ذات الشعر المتلبد والمرهاء : التي فسدت وابيضت بواطن أجفانها، والسلتاء: التي قطع أنفها.

أقول : ويؤيد ما ذكره الشارح رواية الكليني، فإنه روى في (الكافي) في باب سيرة الإمام عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد وعدة من وعدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد وغيرهما بأسانيد مختلفة في احتجاج أمير المؤمنين على عاصم بن زياد حين لبس العباء وترك الملاء وشكاه أخوه الربيع بن الزياد إلى أمير المؤمنين أنه قد غمّ أهله وأحزن ولده بذلك، فقال أمير المؤمنين : علي بعاصم بن زياد فجيء به، فلما رآه عبس في وجهه فقال له : أما استحييت من أهلك، أما رحمت ولدك ؟ أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أخذك منها أنت أهون على الله من ذلك أو ليس الله يقول: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ [الرحمن: 10-11]، أو ليس الله يقول : (مَرجَ الْبَحْرِينِ يَلْتَقِيَانِ * بينهما برْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) إلى قوله : (يَخرُجُ مِنهُمَا اللُّؤلؤ والمرجان) [الرحمن: 19-22] فيالله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال وقد قال الله عز وجل: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11]، فقال :عاصم يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة وفي ملبسك على الخشونة؟ فقال : ويحك إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره، فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء (1)، اللهم وفقنا لطاعتك بمحمد وآله.

تنبيه على مذهب الصوفية وهداية

إعلم أنه قد ظهر لك إجمالاً من هذا الكلام لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي نحن في شرحه أن سلوك نهج العبودية بغير ما قرره صاحب الشريعة زيغ وضلال ووزر على سالكه ووبال وأنه من إستهامة إستهامة الشيطان اللعين وتسويله وتمويه النفس وتدليسه فأحببت باقتضاء المقام ومناسبته بسط المقال في هذا المرام والتنبيه على ضلال أقوام زاغوا عن نهج الرشاد ونكبوا عن طريق السداد ونبذوا أمر الله وراء ظهورهم واشتغلوا بالمجادلات الكلامية والهذيانات الفلسفية وأبدعوا عبادات مخترعة وأعرضوا عن حقائق علوم الدين والملة ودقائق أسرار الكتاب والسنة، وسمّوا أنفسهم بالمتصوفة والصوفية.

وقبل الشروع في المقصود لا بد من تمهيد مقدمة شريفة وهي:

إنه لا شك أن الغرض الأصلي والمقصود بالذات من خلق الإنسان هو العبودية والعرفان، كما شهد به الكتاب المكنون في قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون)


1) الكافي : 411/1 ح 3.

[الذاريات: 56] كما لا شك أيضاً أن المقصود من بعث الأنبياء والرسل وإنزال الصحف والكتب لم يكن إلا ذلك، أعني جذب الخلق إلى الحق الأول عز وجل وأنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ على كثرتهم واختلاف شرائعهم لم يكن غرضهم إلا شيئاً واحداً وهو التنفير عن الدنيا والترغيب إلى العقبى والقطع عن الخلق والوصل إلى الحق والإرشاد والدلالة على الصراط المستقيم المؤدي إليه والمحصل للقرب والزلفى لديه.)فبعثهم الله إلى الناس بما شرع لهم من الدين ليدلوهم عليه ويعلموهم كيفية السلوك إليه ولم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل أو حجة لازمة أو محجة قائمة.فهم (عَلَيهِم السَّلَامُ أدلاء سبل الحق والهادون إليها، والمعلمون لكيفية سلوكها بما أتوا به من الشرائع والأديان التي شرعها الله تعالى لطفاً منه في حق عباده، ولم يتركهم سبحانه وآراءهم ولم يكلهم في سلوك سبيله إلى عقولهم الناقصة وأهوائهم المختلفة وآرائهم المتشتتة، فليس لهم أن يسلكوا طريق عبوديته بما يستحسنه العقول.)وقد ورد في أخبار كثيرة أن دين الله لا يصاب بالعقول، وأنه لا شيء أبعد عن دين الله من عقول الرجال.ولو كانت العقول كافية عن سلوك سبيل العبودية لم تكن إلى بعث الأنبياء والحجج حاجة، كما أنه لو كان ما يرتضيه العقول ويخترعه من العبادات مرضياً عند الرب مطلوباً له تعالى لم يكن داع إلى جعل الأديان والشرائع التي شرعها وبعث بها الأنبياء كما قال تعالى؛ (لِكُلِ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: 48]، وقال : (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نوحاً) [الشورى: 13]. فقد علم بذلك أن اللازم على العبد إذا أراد أن يعبد الله ويتقرب إليه أن يعبده بالعبادات المجعولة في الشريعة الموظفة المشروحة فيها ماهية وهيئة وكماً وكيفاً ووقتاً وعدداً بآدابها الموظفة وشرائطها المقررة وأركانها وأجزائها المختصة وسنتها المعينة وغيرهما مما جعله صاحب الشرع وشرعه.

لأن المطلوب للحق والمقرّب إليه ليس إلا ولا يقبل عزَّ وجل من العبادات إلا ما أرسل به حججه وأنطق به ألسنتهم

ومن ذلك : أن الشيطان اللعين لما أبى من السجود لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كان مأموراً به ومطلوباً له تعالى مع أنه قال: يا رب أعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل صار مستحقاً للطرد والإبعاد من حيث أراد أن أراد أن يعبد الله من غير الوجه الذي كان مأموراً به، وقد قال الله له : لا حاجة لي في عبادتك إنما أُريد أن أعبد من

حيث أريد لا من حيث تريد، على ما مر في رواية علي بن إبراهيم عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أول تنبيهات شرح الفصل الحادي عشر من الخطبة الأولى (1).

وقد قال تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وأتوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة: 189].

وإتيان البيوت من الأبواب هو الأخذ بقول الحجج والرجوع في سلوك نهج الحق إليهم، كما يدل عليه رواية (الصافي) عن أمير المؤمنين المتقدم في شرح الفصل الرابع من الخطبة الأولى.

ومر هنا رواية علي بن إبراهيم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضى الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميعماله وحجّ جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته ما كان له على الله حق في ثوابه (2).

فحاصل الكلام وملخص المرام أن العبادة المحصلة للقرب والزلفى هي العبادة المتلقاة من بيوت النبوة والولاية، والمعلومة الثبوت في الكتاب والسنة فما لم يعلم ثبوتها فيهما مثل ما علم عدم ثبوتها بدعة وضلالة موجبة لسخط الرحمن ورضى الشيطان، مؤدية إلى العذاب الأليم والخزي العظيم.

إلا أن جماعة من العامة والجهال الخاصة غفلوا عما قررناه في هذه المقدمة واستبدوا بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، وسلكوا السبيل من غير دليل وأضلّهم الشيطان وضلوا عن سواء السبيل، ومع ذلك يزعمون أنهم أهل السلوك والمعرفة والزهد والقشف والرياضة.

وهم قوم يسمون بأهل الذكر والتصوف، يدعون البراءة من التصنع والتكلف يلبسون خرقاً، ويجلسون حلقاً، يخترعون الأذكار، ويتغنون بالأشعار ويغلبون بالتهليل، وليس لهم إلى العلم والمعرفة دليل إبتدعوا شهيقاً ونهيقاً، واخترعوا رقصاً وتصفيقاً، قد خاضوا في الفتن، وأخذوا بالبدع دون السنن رفعوا أصواتاً بالنداء، وصاحوا صيحة الشقاء، أمن الضرب يتألمون؟ أم من الطعن يتظلمون؟ أم مع أكفائهم يتكلمون؟ إن الله لا يسمع بالصماخ، ولا يحتاج في سماعه إلى الصراخ أتنادون باعداً؟ أم توقظون راقداً؟ تعالى الله لا تأخذه السنة، ولا تحيط به الألسنة، سبّحوه تسبيح الحيتان في البحر، وادعوه تضرعاً


1) راجع دور الأخبار: 120 ح 4.

2) شرح أصول الكافي : 63/8، ووسائل الشيعة : 1/ 119 ح 2.

وخيفة دون الجهر إنه ليس منكم ببعيد، بل هو أقرب إليكم من حبل الوريد.

وأنت إذا عرفت ما مهدناه في هذه المقدمة فاستمع لما يتلى عليك من شرح حال هذه الطائفة وبيان عقائدهم ومذاهبهم ووجه تسميتهم، وما ورد من العلماء والعترة الطاهرة سلام الله عليهم في طعنهم والإزراء عليهم وتفصيل ذلك في مقامات

المقام الأول في وجه تسميتهم بالصوفية

وذكروا فيه أقوالاً :

الأول : وهو الأشهر أن اشتقاقها من الصوف سمّوا بها للبسهم الصوف في الصيف والشتاء، وهذا الوجه هو المستفاد من الأخبار الآتية.

ورووا عن أنس بن مالك أنه قال : كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يجيب دعوة العبيد تواضعاً، ويركب الحمار غير مستنكف ويلبس الصوف غير متكلف.

وقال الحسن البصري: لقد أدركت سبعين بدرياً كان لباسهم الصوف والشعر.

وفي رواية الجمهور أيضاً عن إمامهم البيهقي المشهور نقلاً عن عبد الله بن مسعود أنه قال : كانت الأنبياء يركبون الحمار، ويلبسون الصوف، ويحلبون الشاة.

وفي (البحار) من إكمال الدين بإسناده عن الحسين بن مصعب عن الصادق عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «خمس لا أدعهن حتى الممات الأكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار موكفاً، وحلب العنز بيدي ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان لتكون سنّة من بعدي» (1).

وفي بعض كتب أصحابنا ولقد روي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بطريق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن عيسى ابن مريم كان يلبس الصوف والشعر، ويأكل من الشجر، ويبيت حيث أمسى.

وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يوم كلّم الله موسى كان عليه جبّة من صوف، وسراويل من صوف وقلنسوة مدوّرة من صوف، ونعلاه من جلد» (2).

ويستفاد من هذه الأخبار وغيرها مما لا حاجة إلى إيرادها أن لبس الصوف مندوب شرعاً وأنه لباس الأنبياء والأئمة والصلحاء.

ولكن هذه الطائفة لما كان لبسهم له تكلفاً وتصيّداً وقصداً للإشتهار وإظهاراً للفضل كما


1) علل الشرائع : 10 / 130، باب 108، والبحار : 413/63.

2) سنن الترمذي : 3/ 138 ح 1788، ومسند أبي يعلى : 399/8.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الثانية والثلاثين في تعديد أصناف الناس ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه فتحلّى باسم القناعة وتزين بلباس أهل الزهادة وليس من ذلك في مراح ولا مغدى، لا جرم كان ذلك موجباً للإزراء عليهم.

ويشهد بما ذكرته النبوي المتقدم في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المتن: لبس العباء وتخلّى من الدنيا حيث قال لأبي ذر : قوم يلبسون الصوف في الصيف والشتاء يرون لهم بذلك الفضل على غيرهم الحديث (1).

الثاني : أنه مأخوذ من الصوف لا بالمعنى المتقدم بل بمعنى آخر نقلوه عن جنيدهم البغدادي أنه قال: الصوفي مشتق من الصوف والصوف ثلاثة أحرف صاد وواو وفاء، والصاد صبر، وصدق، وصفاء، والواو ودّ، وورد، ووفاء والفاء فرد، وفقر، وفناء.

الثالث: أنهم سموا صوفية نسبة إلى الصفة التي كانت في مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان يسكنها فقراء المهاجرين، وكانت مسقفة بجريد النخل وكانوا أربعمائة رجل لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر يدرسون القرآن بالليل ويرضحون النوى بالنهار، ويحتطبون على ظهورهم، ويغزون مع كل سرية، وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأكثر أصحابه يؤانسونهم ويأكلون معهم، ويتعاهدونهم بالمبرات.

وقد وصل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوماً إليهم وشاهد منهم فقرهم وطيب نفوسهم بالشدة فقال : «أبشروا يا أهل الصفة إن من أمتي من كان على حالكم ووصفكم ونعتكم التي أنتم عليها إنكم وإنهم رفقائي في الجنة».

وقد رتبهم أبو نعيم الحافظ في (حليته) على ترتيب حروف المعجم ذكر من مشاهيرهم سلمان وأبا ذر وعمار وصهيب وبلال وأبا هريرة وخباب بن الأرت وحذيفة الأرت وحذيفة بن اليمان وأبا سعيد الخدري وبشر بن الخصاصية وأبا مويهية مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان هؤلاء أزهدهم وأعملهم بالكتاب والسنة في عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، لأنهم يلبسون الصوف ويخيطون ثيابهم بالأغصان الدقيقة من الشجر.

ونقل في وصفهم: أنهم كانوا أضياف الإسلام إلا أن بعضهم زلت قدمه بعد وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وركن إلى الدنيا ومال إلى حطامها كأبي هريرة وصهيب، والذين ثبتت قدمهم في الفقر والزهد سلمان وأبو ذر وحذيفة وبلال وأبو سعيد فإنهم كانوا من السابقين الراجعين إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكانوا يسمون بالشيعة.


1) أمالي الطوسي : 539، ومكارم الأخلاق: 471.

قال أمين الإسلام الطبرسي في قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاوةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَن أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوااهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28] إن الآية نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وغيرهم من فقراء أصحاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).)وذلك إن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عينية بن الحصين والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا : يا رسول الله إن جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح ضئنانهم - وكانت عليهم جبات الصوف - جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك فلا يمنعنا من الدخول إلا هؤلاء، فلما نزلت الآية قام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يلتمسهم فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله عزّ وجل فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي معكم المحيا والممات»، انتهى (1).)والحاصل أن الصوفية على زعمهم وادعائهم لما شاكلت حالهم حال أهل الصفة لكونهم مجتمعين متألّفين مصاحبين الله وفي الله قديماً وحديثاً في الربط والزوايا قيل لهم : صوفية، وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي إلا أن يراعى فيه الخفة على اللسان ولا بأس به من حيث المعنى.الرابع: أن هذه النسبة إلى صوفة كما يقال : الكوفي للمنتسب إلى كوفة وبني صوفة جماعة من العرب كانوا يتزهدون ويتقللون من الدنيا فنسب هذه الطائفة إليهم، وفي (القاموس صوفة أبو حي من مضر، وهو الغوث بن مرّ بن آر بن طابخة كانوا يخدمون الكعبة ويجيزون الحاج في الجاهلية أي يفيضون بهم من عرفات أو هم قوم من أفناء القبائل تجمعوا فتشبكوا كتشبك الصوفة، وكذا في (الصحاح) وغيره من كتب اللغة.)### المقام الثاني في ابتداء ظهور هذه الطائفة على اختلاف الأقوال والرواياتفأقول : قال المحدث الجزائري : إن هذا الإسم وهو التصوف كان مستعملاً في فرقة من الحكماء الزائغين عن طريق الحق، ثم قد استعمل بعدهم في جماعة من الزنادقة أي من الهنود والبراهمة، وبعد مجيء الإسلام استعمل في جماعة من أهل الخلاف كالحسن البصري وسفيان الثوري وأبي هاشم الكوفي ونحوهم، وقد كانوا في طرف من الخلاف مع الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ، فإن هؤلاء المذكورين قد عارضوا الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وباحثوهم وأرادوا إطفاء نور الله)


1) بحار الأنوار: 41/17.

بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون إلى أن قال: وقد استمر الحال إلى هذه الأعصار وما قاربها.ثم إن جماعة من من علماء الشيعة طالعوا كتبهم واطلعوا على مذاهبهم فرأوا فيها بعض الرّخص والمسامحات مثل قولهم بأن الغناء المحرّم هو الذي يستعمل في مجالس أهل الشرب وأهل الفسوق، فأباحوا أفراد الغناء وأنواعه لمتابعيهم وكانوا من أهل العلم والناس يميلون إلى من يسهل إليهم مثل هذه الأمور التي كان للنفس منها الْتِذَاذُ، وكتركهم التزويج وإقبالهم على الغلمان الحسان والعجب من بعض الشيعة كيف مالوا إلى هذه الطريقة اطلاعه على أنها مخالفة لطريقة أهل البيت إعتقاداً وأعمالاً.وقال أيضاً : والدواعي لهم على اختراع هذا المذهب أمور :الأول : ما نقل أن خلفاء بني أمية وبني العباس لعنهم الله كانوا يحبون أن يحصلوا رجالاً من أهل العبادة والزهادة والتكلم ببعض المغيبات وإن لم تقع لأجل معارضات الأئمة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ وعلمهم وزهدهم وكمالاتهم حتى يصغروا أهل البيت وأطوارهم في أعين الناس، فلم يجدوا أحداً يقدم على هذا سوى هذه الفرقة الضالة، فمن هذا مال إليهم سلاطين الجور لعنهم الله وبنوا لهم البقاع وحملوا إليهم الأموال وطلبوا منهم الدعاء في مطالب دنياهم وقاسوهم بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأين الثريا من يد المتناول.)الثاني : سهولة هذا المسلك وصعوبة طريق العلم فإن العامي منهم قد يجلس في بيت ضيق مظلم أربعين يوماً، وربما ترائى له إخوانه من الجن والشياطين فإذا خرج صار من رؤسائهم وحصل له درجة العالم الذي يحصلها في خمسين سنة وأكثر، بل ربما كان اعتبار هذا بين رعاع الناس أزيد من اعتبار ذلك العالم.الثالث : أن هذا المذهب شرك لصيد الأولاد وجمع الأموال والجاه والاعتبار ونحو ذلك.وقال أبو القاسم القشري الصوفي العامي في محكى كلامه من رسالته المعروفة بـ (القشرية :)إعلموا رحمكم الله أن المسلمين بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم : الصحابة ولما أدرك أهل العصر الثاني سمى من صحب الصحابة التابعين ورأوا ذلك أشرف سمة، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين : الزهاد والعباد، ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعى أن)

فيهم زهاداً فانفردوا خواص أهل الشريعة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة، انتهى.ومن كتاب (نفحات الأنس أن أول من اخترع له هذا الإسم أبو هاشم الكوفي الشامي الصوفي المعاصر مع السفيان الثوري.)وفي كتاب (حديقة الشيعة أنه كان يلبس ثياباً خشنة من الصوف كالرهبان ويقول بالحلول والاتحاد لنفسه كالنصارى في عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان في الظاهر أموياً جبرياً، وفي الباطن ملحداً دهرياً، والطائفة التي ينتسب إليه باعتبار لباسه تسمى صوفية سواء لبست الصوف أو لم تلبس وبهشمية وأبو هاشمية باعتبار كنيته وعثمانية وشريكية لأن اسمه واسم أبيه عثمان بن شريك.)قال في (حديقة الشيعة: وكان غرض هذا الملعون من وضع مذهب التصوف هدم مذهب الإسلام، وقد ورد من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أحاديث في طعنه.)ولما رأى سفيان الثوري طريقته إستحسنه وأضاف إليه الرؤية والصورة والتشبيه والتجسيم ووسع دائرة التصوف، فنسبت هذه الفرقة إليه، فقالوا : ثورية وسفيانية ثم نسبت إلى أبي يزيد البسطامي فسميت باليزيدية والبسطامية، ثم بملاحظة قولهم بالحلول والاتحاد سميت حلولية واتحادية، ثم لما بالغ بعضهم في الاتحاد وقال بوحدة الوجود سميت وحدتية، ونسبت إلى حسين بن منصور الحلاج فقيل منصورية وحلاجية، وبملاحظة غلوّهم في المشايخ وزعمهم حلول الحق فيهم قيل لهم : غالية وغاوية ولمكرهم وخديعتهم وتفتينهم للناس قيل لهم زراقية وخداعية.ولما اخترعوا مذهباً متضمناً للرهبانية والنصرانية والكفر والإسلام سماهم الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ مبتدعة، ولكونهم من أهل الرياء سموا مرائية ولوضعهم التصوف سماهم بالمتصوفة، ولكثرة صلفهم سموا بالمتصلفة، ولهم أسماء أخرى وأشهر ألقابهم وأسمائهم الصوفية والمتصوفة والمتصلفة والمبتدعة والزراقية والغلات والغالية والحلاجية، انتهى كلامه رفع الله مقامه في أعلى عليين مع الذين أنعم عليهم بنعمة الإيمان وألبسهم لباس الكرامة والشرف.)### المقام الثالث في عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الباطلةوقد حققنا عقائدهم الفاسدة وبينا أعمالهم الباطلة إن شاء الله وثبتنا أن عقائدهم مخالفة للشريعة الطاهرة بالدلائل العقلية والنقلية بعون الله الملك المتعال.

### أما العقائد، فمنهاإعتقادهم بالحلول والإتحاد، وقد نسب أكثر المتكلمين من الفريقين وغيرهم في مبحثي الحلول والإتحاد من كتبهم الكلامية هاتين النسبتين إلى هذه الفرقة الضالة خذلهم الله تعالى.قال المحقق الطوسي في رسالته الموسومة بـ (قواعد العقائد :)ومنها، أي من الصفات السلبية أنه تعالى لا يمكن أن يكون في جهة أو حين أو محل لاحتياج ما يكون كذلك إلى الحيز والمحل، وكذلك لا يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، وخالفت المشبهة والمجسمة في ذلك إذ قالوا في جهة فوق أو جسم لا كغيره من لا كغيره من الأجسام، وذهب بعض الصوفية إلى جواز حلوله في قلوب أوليائه ولعل مرادهم غير ما یعنی به من حلول الأعراض في محلها انتهى.وقال العلامة في شرح هذه الرسالة الموسومة بـ (كشف الفوائد)ذهب المحققون إلى أنه تعالى لا يمكن أن يكون في جهة أو محاذاة ولا في حيّز ومكان ولا في محل يحل فيه حلول العرض في محله لأن كل ما كان كذلك كان مفتقراً إلى الجهة والحيّز والمحل بالضرورة لاستحالة حلول الغنى عن المحل فيه والاحتياج ينافي الوجوب، وهذا المعنى لا يمكن أن يشار إليه إشارة حسية بأنه هنا أو هناك لتوقف ذلك على الحصول في الحيز والجهة والمحل، وخالفت المجسمة والمشبهة في ذلك فقالوا : إن الله في جهة فوق وإنه جسم لا كالأجسام وقد تقدم بطلانه وقال بعض الصوفية بأنه تعالى حال في قلوب العارفين فإن عنوا به حلول العرض في المحل فهو باطل بما تقدم، وإن عنوا به شيئاً آخر فلا بد من بيانه (1.)وقال المحقق الطوسي في تلك الرسالة :ولا يجوز عليه الاتحاد وهو صيرورة الشيئين شيئاً واحداً بأن ينتفي أحدهما ويبقى الآخر أو ينتفيا معاً، ويحدث شيء آخر، فإن ذلك محالاً عقلاً، وقال قوم من القدماء كل من تعقل شيئاً تعقلاً تاماً اتحد بمعقوله ذلك، وإليه ذهب جمع من الصوفية، وذلك بالمعنى الذي ذكرناه غير معقول.وقال العلامة في الشرح :الإتحاد يطلق على صيرورة شيئين شيئاً آخر بأن يعدم عن الأول شيء ويحدث فيه آخر


1) راجع شرح أصول الكافي : 3/ 52 - 214.

كما يقال : صار الماء هواء، فإن الصورة المائية زالت واتصفت بالصورة الهوائية أو بأن يمتزج شيئان ويحدث صورة ثالثة مغايرة للأول كما يقال : صار الخشب سريراً، وهذان ممكنان لكن إطلاق الاتحاد عليهما بنوع من المجاز، وهذا المعنى وإن كان ممكناً في حق غيره تعالى إلا أنه يستحيل في حقه أيضاً لاستحالة انفعاله عن الغير وصيرورته جزءاً من غيره.وأما الإتحاد الحقيقي وهو صيرورة الشيئين شيئاً واحداً لا بأحد المعنيين بل بأن ينتفي الذاتان ويتحدا إحداهما بالأخرى فهذا ضروري البطلان.فإن الشيئين إن بقيا بعد الاتحاد بحالهما فهما إثنان وإن عدم أحدهما فلا اتحاد لاستحالة اتحاد المعدوم بالموجود، وإن عدما معا ووجد ثالث فلا اتحاد بل إعدام شيء وإيجاد آخر.وذهب فرفوريوس بعد المعلم الأول إلى أن من عقل شيئاً اتحدت ذاته بذلك المعقول وإليه ذهب الرئيس في المبدأ والمعاد لأن الصورة العقلية إذا حلت الجوهر العاقل بالقوة صيرته عقلاً بالفعل وإنما يكون كذلك مع الاتحاد وإلا لكان ما الاتحاد وإلا لكان ما هو بالقوة بعد القوة والملازمة ممنوعة.ثم لو اتحد العاقل بمعقوله لزم أن لا يعقل إلا شيئاً واحداً أو يتحد الذوات المعقولة في أنفسها أيضاً وقوم من الصوفية إن الله تعالى يتحد بأبدان العارفين والكل غير معقول بالمعنى الذي ذكرناه.وقال الفاضل المقداد في شرحه على الباب الحادي عشر :قال : أي العلامة (قدّس سِرُّه : ولا يجوز أن يكون في محل وإلا افتقر إليه ولا في جهة وإلا لافتقر إليها.)أقول: هذان وصفان سلبيان الأول إنه ليس في محل خلافاً للنصارى وجمع من المتصوفة والمعقول من الحلول هو قيام موجود بموجود على سبيل التبعية : فإن أرادوا هذا المعنى فهو باطل، وإلا لزم افتقار الواجب وهو محال، وإن أرادوا غيره فلا بد من تصوره أولاً ثم الحكم عليه بالنفي والإثبات، انتهى ما أهمنا نقله.وقال أيضاً في شرح قول العلامة (قدّس سِرُّه ولا يتحد بغيره لامتناع الاتحاد مطلقاً)أقول : الإتحاد يقال على معنيين: مجازي وحقيقي، أما المجازي فهو صيرورة الشيء شيئاً آخر بالكون والفساد، إما من غير إضافة شيء آخر كقولهم: صار الماء هواء وصار

الهواء ماء، أو مع إضافة شيء آخر كما يقال : صار التراب طيناً بانضياف الماء إليه، وأما الحقيقي فهو صيرورة الشيئين الموجودين شيئاً واحداً موجوداً.إذا تقرّر هذا فاعلم أن الأول مستحيل عليه تعالى قطعاً لاستحالة الكون والفساد عليه، وأما الثاني فقد قال بعض النصارى إنه اتحد بالمسيح فإنهم قالوا : اتحدت لاهوتية الباري مع ناسوتية عيسى وقال النصيرية : إنه اتحد بعلي وقال بعض المتصوفة: أنه اتحد بالعارفين، فإن عنوا غير ما ذكرناه فلا بد من تصوره أولاً ثم يحكم عليه، وإن عنوا ما ذكرناه فهو باطل قطعاً لأن الاتحاد مستحيل في نفسه فيستحيل إثباته لغيره، وأما استحالته فهو أن المتحدين بعد اتحادهما إن بقيا موجودين فلا اتحاد لأنهما إثنان لا واحد وإن عدما معاً فلا اتحاد بل وجد ثالث، وإن عدم أحدهما بقي الآخر فلا اتحاد أيضاً لأن المعدوم لا يتحد بالموجودوقال الشيخ المفيد (قدّس سِرُّه في (شرح عقائد الصدوق) :)الحلاجية حزب من أصحاب التصوف وهم أصحاب الإباحة والقول بالحلول، ولم يكن الحلاج يتخصص بإظهار التشيع وإن كان ظاهر أمره التصوف وهم قوم ملحدة زنادقة يموّهون بمظاهرة كل فرقة بدينهم ويدعون للحلاج الأباطيل ويجرون في ذلك مجری المجوس ودعواهم لزردشت المعجزات ومجرى النصارى في دعواهم لرهبانهم الآيات البينات والنصارى والمجوس أقرب إلى العبادات منهم وهم أبعد من الشرائع والعمل بها من النصارى والمجوس (1.)وقال الشارح القوشجي في شرح (إلهيات التجريد :)ذهب بعض المتصوفة إلى أنه تعالى يحل في العارفين والنصارى إلى حلوله في عيسى فإن أرادوا بالحلول هذا المعنى فباطل، وإن أرادوا أنه غير ذلك فلا يمكن نفيه أو إثباته إلا بعد تصور ما هو المرادوقال الشارح البحراني في كتاب (قواعد العقائد له :)أنه تعالى لا يتحد بغيره خلافاً للنصارى وبعض الحكماء السابقين وبعض المتصوفة.لنا أن المراد من الاتحاد إن كان صيرورة الشيئين شيئاً واحداً كما هو المفهوم من لفظه فهو باطل، لأن المتحدين إن بقيا موجودين فلا اتحاد وإن عدما معاً فالموجود غيرهما فلا اتحاد أيضاً، وإن عدم أحدهما دون الآخر فلا اتحاد إذ المعدوم لا يتحد بالموجود، وإن


1) تصحيح اعتقادات الإمامية : 134.

أرادوا به معنى آخر فلا بد من إفادة تصوره لننظر فيه.وقال شارح (الطوالع:)حكى القول بالاتحاد والحلول عن النصارى وجمع من المتصوفة، فإنه حكى عن النصارى أنهم قالوا : اتحدت الأقانيم الأب والابن وروح القدس واتحدت ناسوت المسيح واللاهوت وحل الباري في عيسى، وحكى عن جمع من المتصوفة أنهم قالوا : إذا انتهى العارف نهاية مراتبه انتهى هويته وصار الموجود هو الله سبحانه، وهذه المرتبة هي الفناء في التوحيد وقالوا إن الله تعالى يحل في العارفين، فإن أرادوا بالاتحاد والحلول ما ذكرناه فقد بان فساده وإن أرادوا به غيره لا بد من تصوره أولاً ليتأتى التصديق به نفياً أو إثباتاً، فإنه لا يمكن نقيه وإثباته إلا بعد تصور ما هو المراد.وقال المحدث العلامة المجلسي في (عقائده :)والقول بحلوله تعالى في غيره كما قال بعض الصوفية والغلاة أو اتحاده مع غيره كما قاله بعض الصوفية، أو أن له تعالى صاحبة أو ولداً أو شريكاً كما قاله النصارى، أو أنه تعالى جسم أو أن له مكاناً كالعرش وغيره أو جزءاً أو عضواً فكل ذلك كفر إلى غير ذلك مما حكوه عنهم وشنّعوا عليهم.ثم لما رأى المتأخرون منهم فساد ما قاله متقدّموهم وبطلانه وشناعته وجهوا كلامهم بأن مرادهم به وحدة الوجود لا الاتحاد والحلول، وهو من قبيل دفع الفاسد بالأفسد وتوجيه الشنيع بالأشنع.وقال صاحب (الشوارق فيه :)قد اشتهر من مشايخ الصوفية القول بوحدة الوجود وأن الوجودات بل الموجودات ليس بمتكثرة في الحقيقة بل هناك موجود واحد قد تعددت شؤونه وتكثرت أطواره ثم قال: ولما كان ذلك بحسب الظاهر وبالمعنى المتبادر مخالفاً لما يحكم به بديهة العقل من تكثر الموجودات بالحقيقة لا بمجرد الاعتبار تصدّى كثير من المحققين لتوجيه كلامهم، انتهى.وقال القيصري في (شرح الفصوص لمحيي الدين :)حقيقة الوجود إذا أخذت بشرط أن لا يكون معها شيء فهي المسماة عند الصوفية بالمرتبة الأحدية المستهلكة جميع الأسماء والصفات فيها، ويسمى جمع الجمع وحقيقة الحقائق والعماء أيضاً، وإذا أخذت بشرط شيء، فإما أن يؤخذ بشرط جميع الأشياء اللازمة لها كليها وجزئيها المسماة بالأسماء والصفات فهي المرتبة الإلهية المسماة عندهم بالواحدية

ومقام الجمع، وهذه المرتبة باعتبار إيصال مظاهر الأسماء التي هي الأعيان والحقائق إلى كمالاتها المناسبة لاستعداداتها في الخارج تسمى مرتبة الربوبية، وإذا أخذت لا بشرط شيء آخر ولا بشرط لا شيء فهي المسماة بالهوية السارية في جميع الموجودات، وإذا أخذت بشرط ثبوت الصور العلمية فيها فهي مرتبة الإسم الباطن المطلق والأول والعليم ورب الأعيان الثابتة - إلى أن قال - وإذا أخذت بشرط الصور الحسية العينية فهي مرتبة الإسم المصور ورب العالم الخيال المطلق والمقيد. وإذا أخذت بشرط الصور الحسية الشهادتية فهي مرتبة الاسم الظاهر المطلق والآخر ورب عالم الملك، ومرتبة الإنسان الكامل عبارة عن جميع المراتب الإلهية والكونية من العقول والنفوس الكلية والجزئية ومراتب الطبيعة إلى آخر تنزلات الوجود ويسمى بالمرتبة العمائية أيضاً فهي المضاهية للمرتبة الإلهية، ولا فرق بينهما إلا بالربوبية والمربوبية ولذلك صار خليفة الله، وإذا علمت هذا علمت الفرق بين المراتب الإلهية والربوبية والكونية، انتهى.وقال صاحب (الشوارق في گوهر مراد في الفصل الذي ساقه لبيان كيفية صدور المعلول من العلة ما محصله :)إن الصوفية قالوا: إن صدور المعلول من العلة عبارة عن تنزّل العلة بمرتبة وجود المعلول وتطورها بطور المعلول ومن هنا تفطنوا بوحدة الوجود بمعنى أن الوجود حقيقة واحدة سارية في جميع الموجودات وليست مهيات الممكنات إلا أموراً اعتبارية والموجودات بأسرها مظاهر تلك الحقيقة الواحدة بحيث لا يلزم الاتحاد والحلول، لأنهما فرع الأثنينية ولا موجود إلا واحد.قال : وفهم هذا المعنى بغاية الإشكال لأنهم ادعوا أن فهم ذلك لا يتيسر بالعقول المتعارفة بل بالرياضة والمجاهدة وبطور وراء طور العقل، وهو فناء السالك في سلوكه من نفسه وعقله ومن جميع المعقولات والموهومات فضلاً عن المحسوسات وقصره همته في التوجه إلى الحق وذكره له بلسانه وقلبه بحيث لا يخطر بقلبه سواء ولا يبقى في قلبه غيره حتى يغيب عن نفسه حال ملاحظته لجلال الله وإن لاحظها فمن حيث هى لاحظه لا من من حيث هي مزينة بزينة الحق، بل لا يكون الذكر أيضاً ملحوظاً فضلاً عن الذاكر.قال : وإذا داوم السالك على ذلك يفيض عليه نور من أنوار الإلهية يشاهد به حقائق الأشياء على ما هي عليها كما يشاهد المحسوسات بحس..البصر.قال : ونحن اعتقدنا بإمكان صدق هذه الدعوى يحسن ظننا بالسلف وليس المراد بهذا النور المذكور نور يفاض عليه من الخارج، بل نور مودع في نفس الإنسان ذواته، والغرض من الرياضة والمجاهدة تصفيته وتجليته من الأكدار الطبيعية والحسية والخيالية والوهمية، وإذا

حصلت التصفية والتجلية بالرياضات العلمية والعملية والاعتقاد بالعقائد الحقة صار هذا النور من القوة إلى الفعل، ويرى به الأشياء ويشاهدها بعين اليقين اللهم بلغنا إلى ذلك المقام العالي بإخراجنا عن هذا المنزل الفاني البالي انتهى ما أهمنا نقله كلامه.وقد سلك هذا المسلك صدر المتألهين وصرّح به في كتبه الكلامية وغيرها في موارد كثيرة.قال في الفصل الأول من (إلهيات الأسفار الذي ساقه لإثبات وجود الواجب تعالى والوصول إلى معرفة ذاته ما هذه عبارته :)إعلم أن الطرق إلى الله كثيرة لكن بعضها أوثق وأشرف وأنور من بعض، وأسدّ البراهين وأشرفها هو الذي لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود وهذه سبيل الصديقين الذين يستشهدون بذاته على صفاته وبصفاته على أفعاله واحداً بعد واحد.وذلك لأن الربانيين ينظرون إلى الوجود يحققونه ويعلمون أنه أصل كل شيء ثم يصلون بالنظر إليه إلى أنه بحسب حقيقته واجب الوجود، وأما الإمكان والحاجة والمعلولية وغير ذلك فإنما يلحقه لا لأجل حقيقته بل لأجل نقائص وإعدام خارجة عن أصل حقيقته، ثم بالنظر فيما يلزم الوجوب والإمكان يصلون إلى توحيد ذاته وصفاته ومن صفاته إلى كيفية أفعاله.وتقريره أن الوجود كما مر حقيقة عينية واحدة بسيطة لا اختلاف بين أفرادها لذاتها إلا بالكمال والنقص والشدة والضعف أو بأمور زائدة كما في أفراد ماهية نوعية وغاية كمالها ما لا أتم منه وهو الذي لا يكون متعلقاً بغيره ولا يتصور ما هو أتم منه، إذ كل ناقص متعلق بغیره مفتقر إلى إتمامه.فإن الوجود إما مستغن عن غيره، وإما مفتقر لذاته إلى غيره، والأول هو واجب الوجود وهو صرف الوجود الذي لا أتم منه ولا يشوبه عدم ولا نقص، والثاني هو ما سواه من أفعاله وآثاره ولا قوام لما سواه إلا به لما مر أن حقيقة الوجود لا نقص لها وإنما يلحقه النقص لأجل المعلولية، وقد مر أن الوجود إذا كان معلولاً كان مجعولاً بنفسه جعلاً بسيطاً وكان ذاته بذاته مفتقراً إلى جاعل وهو متعلق الجوهر والذات بجاعله.فإذن قد ثبت واتضح أن الوجود إما تام الحقيقة واجب الهوية وإما مفتقر الذات إليه متعلق الجوهرية، وعلى أي القسمين ثبت وتبين وجود واجب الوجود غني الهوية عما سواه - إلى أن قال بعد جملة من النقص والإبرام:

فإذن حقيقة الوجود في كل موجود بحسبه وأما الوحدة التي تجمع الكل فهي ليست نوعية ولا جنسية بل ضرباً آخر من الوحدة لا يعرفها إلا الكاملون.وقال في (شرح الكافي في شرح الحديث الأول من باب جوامع التوحيد :)(توحيد عرشي إعلم أن ذاته تعالى حقيقة الوجود بلا حد، وحقيقة الوجود لا يشوبه عدم فلا بد أن يكون بها وجود كل الأشياء وأن يكون هو وجود الأشياء كلها، إذ لو كانت تلك الذات وجود الشي بعينه أو الأشياء بعينها ولم تكن لشيء آخر أو لأشياء أخرى لم يكن حقيقة الوجود، وقد فرضناها حقيقة الوجود أو حقيقة الشيء وصرفه لا يتعدد كالإنسان مثلاً فإنه لا يمكن أن يتعدد من حيث هو إنسان وليس التعدد في زيد وعمرو إلا بأمر خارج عن حقيقة الإنسانية، فحقيقة الوجود لا يتعدد إلا بشيء خارج، ولكن الخارج ليس إلا العدم إذ المعاني والمهيات تابعة للوجود والعدم ليس بشيء ثابت فثبت أن لا تعدد في الوجود إلا من جهة الإعدام والنقائص.)فإذن لما كان واجب الوجود محض حقيقة الوجود الصرف الذي لا أتم منه فلا خارج عنه إلا النقائص العدمية والإعدام فهو كل الذوات ولا يشدّ عنه شيء من الموجودات من حيث كونه موجوداً بل من حيث كونه ناقصاً أو معدوماً.وقال في شرح الحديث الأول من باب أدنى المعرفة :إعلم أن للتوحيد وسائر معارف الإيمان أربع درجات كقشر الجوز، وقشر قشره، ولبه، ولب لبه.الدرجة الأولى : أن يقول باللسان : لا إله إلا الله وقلبه غافل عنه أو منكر له كتوحيد المنافق.والثانية : أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه كما يصدّق به عموم المسلمين وهو اعتقاد وليس بعرفان.والثالثة : أن يعرف ذلك بطريق الكشف بالبرهان بواسطة نور الحق وهو مقام المقربين وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار.الرابعة : أن لا يرى في الوجود إلا واحداً وهو مشاهدة الصدّيقين، وتسميه الصوفية بالفناء في التوحيد.فالأول : موحد باللسان ويعصم ذلك صاحبه عن السيف والسنان.والثاني : موحد بمعنى أنه معتقد بقلبه.

والثالث: موحد بمعنى أنه لم يشاهد إلا مؤثراً واحداً ويرى أنه لا فاعل بالحقيقة إلا واحد والوسائط مترتبة في القرب والبعد منه تعالى لصدورها منه على الترتيب الضروري لا لكونها علل الإيجاد بخلاف ما عليه الأشاعرة.والرابع: موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد الحق فلا يرى الكل من حيث هو كثير بل من حيث هو واحد، لأن المهيات المختلفة لا وجود لها إلا بالوجود والوجود بذاته موجود وله حقيقة واحدة متفاوتة الدرجات والمقامات ولكل مقام خواص ولوازم ينتزع منه ويصدق عليه وهي المسماة بالمهيات والأعيان الثابتة التي ما شمت رائحة الوجود ولا هي مجعولة وكذا الأعدام والنقائص لا يتعلق بها جعل وتأثير إذ لا وجود لها، فالحقيقة على صرافة وحدتها الذاتية التي لا مثل لها ولا شبه ولا تند ولا ضد إذ ليست هذه الوحدة وحدة عددية يحصل بتكررها العدد سواء كان في العين أو في الذهن ولا جنسية ولا نوعية ولا مقدارية ولا غير ذلك من أقسام الوحدات.فهذا هو الغاية القصوى في التوحيد وإن كانت الأذهان قاصرة عن إدراكها ولكن لا أقل من التسليم وعدم التلقي بالجحود والإنكار، والله ذو الفضل العظيم.وقال في شرح الحديث الخامس من باب حدوث العالم:إن مهيته تعالى إنيّته بمعنى أن لا مهية له سوى الحقيقة المحضة والأنية البحتة والوجود الصرف الذي لا يشوبه عدم ولا عموم ولا خصوص فإليه الإشارة بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: شيء بخلاف الأشياء.)لأن كل ما سوى حقيقة الوجود له مهيّة خاصة يعرضها عدم وقصور يلحقها كلية وجزئية، وكل منها يسلب عنها أشياء كثيرة وجودية فهذا جسم وهذه صورة وهذا فلك وهذا إنسان، فما هو فلك ليس بإنسان وما هو جسم ليس بعقل وما هي صورة ليست بمادة.وهذا بخلاف ذاته تعالى إذ هو كل الوجود وكله الوجود ما من شيء إلا وهو ذاته أو تبع ورشح لذاته، وما في الوجود إلا ذاته وصفاته وأفعاله.وقال في شرح الحديث الرابع من باب إطلاق القول بأنه شيء :ونسبة جميع الأشياء إليه تعالى نسبة سائر الأضواء وظلالها إلى ضوء الشمس الذي به يضيء كل شيء وهو مستغن عن غيره لو كان لضوئها قيام بنفسه ولكنه يغاير الأول تعالى بأن الضوء فيها يحتاج إلى موضوع وهو محسوس، والوجود الأول لا موضوع له ولا محسوس بل معقول لذاته وعاقل وعقل لذاته ولما سواه من الأنوار العقلية القاهرة والمدبرة وسائر

الصور والأجرام وعوارضها والوجودات الفائضة منه كالأنوار والمهيات التابعة لها كالظلال والأجسام كالظلمات والله المثل الأعلى في السماوات إلى غير ذلك مما لا نطيل بنقله.وقال بعضهم :كل مافي الكون وهم أو خيال*** أو عكوس في أو عكوس في المرايا أو ظلالوقال عامر بن عامر البصري وهو من صوفية الشيعة كما في (مجالس المؤمنين في مفتتح قصيدته التي سماها (ذات الأنوار) في معنى الوحدة الصرفة :)إن ذلك ليس بحلول كما ظنه بعض المتوهمين، وذلك لأن الحلول يقتضي وجود شيئين أحدهما حال والثاني محل، وليس الأمر كذلك عند فحول المتوحدين، بل عندهم أن الواحد المطلق من كل الوجوه لا يبقى سواه، وهو ظاهر بالكل للكل، ولكل فرد من أفراد كثرته الداخلة في حقيقة وحدته نصيب من عين تلك الوحدة، ولا خروج له عنها ولا انعدام يطري على شيء.ثم شرع في القصيدة المسماة بذات الأنوار وقال في مطلعها :)تجلى لي المحبوب في كل وجهةفشاهدته في كل معني وصورةوخاطبني مني بكشف السرائرتعالت عن الأغيار لطفاً وجلتفقال أتدري من أنا قلت أنت يا*** مناي أنا إذ كنت أنت حقيقتيفقال كذاك الأمر لكنما إذا*** تعيّنت الأشياء بي كنت نسختيفأوصلت ذاتي باتحادي بذاته*** بغير حلول بل بتخصيص نسبةفصرت فناء في بقاء مؤبد*** لذات بديمومية سرمديةإذا رمت إثباتاً لانيتي محاهواه وجودي وه أتي محوةفيأخذني مني فأُصبح سائلاًلنفسي عن نفسي حضوراً لغيبةوأنظر في مرآة ذاتي مشاهداًلذاتي بذاتي وهو غاية غايتيفأغدوا وأمري أمرين واحدعلومي تمحوني ووهميإلى أن قال :بدا ظاهراً بالكل للكل بيّناً*** فشاهده العينان في كل ذرّةوأشرق منه مطلق قيد الورى*** عموماً بوحدانية صمديةهو الواحد الفرد الكثير بنفسه*** وليس سواه إن نظرت بدقةبه كل حي وهو حيّ بذاته*** وإن شئت أن تحيي به فله مت

لله كل عين في الوجود يرى بهاله كل أذن في البرايا وعيّةله كل كف في الورى باطشاً بهاله كل علم من علوم الخليقةلذلك ما قال الإله لآدمعلى صورتي كانت لخلقك خلقتيفكثرته مخفيّة تحت وحدةٍكما أنا فرد كثرتي تحت وحدتيبقيت به لما فنيت له كماوجدت حياتي فيه فيه من بعد موتإلى أن قال :نظرت فلم أبصر سوى محض وحدة بغير شريك قد تقسط بكثرةتكثرت الأشياء والكل واحد** صفات وذات ضمتا في هويةيحجب عنا واختفى بظهورهفضلل فيه كل قوم بحجةفسائر ذرات الوجود مظاهر له إن رآه باصر ببصيرةمحا ممكنات الوهم منه بواجب*** حوى كثرة توحيدها بالضرورةوذاك لأن لا شيء يوجد غيرهاوجملتها موجودة بالمعيةلكل الكل يا من لا سواه فمن رأىسواك فرؤيا ذاك من أحوليةومحصله كما ترى أن ذات الوجود المطلق والممكنات ليست إلا مجالى ومظاهر له.وبعبارة أخرى الوجود إذا اعتبر لا بشرط التعين وعدم التعين يكون حقيقة الواجب، وإذا اعتبر بشرط التعين بالماهية يكون عين حقيقة الممكنات، فيكون حقيقة كل ممكن هو الوجود المتعين بالماهية، فإذا لم يعتبر فيه التعين كان عين حقيقة الواجب، تعالى عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.إذا عرفت ذلك فأقول :إن بطلان هذا الاعتقاد الفاسد مما دل عليه العقل والنقل، ولكونه من مزال الأقدام يحتاج إلى بسط الكلام في ذلك المقصود والمرام، بعون الله المالك المهيمن السلام، وبالله أستعين وأستمد وبمحمد وآله الطاهرين سلام الله عليه وعليهم أجمعين أتوسل في كشف الحجاب عن وجه المرام.

### أما الدليل العقلي على بطلانه#### إشارة:فموقوف على تمهيد مقدمة متضمنة للفرق بين الواجب تعالى شأنه والممكن وهو بوجوه :#### الأول الإفتقار وعدم الإفتقاربيانه: أن الموجود إما موجود بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى غيره أي العلة الموجدة، أو موجود لا بنفسه بل مفتقر إلى العلة والحصر بينهما عقلي دائر بين النفي والإثبات، فلا يتصور واسطة بين الافتقار وعدم الافتقار فلا وعدم الافتقار، فلا موجود خارجاً من القسمين والمتصف بعدم الافتقار هو الواجب وبالافتقار هو الممكن.أما الثاني فلا بد أن : : فلا بد أن ينتهي وجوده إلى علة قائمة بذاتها موجودة بنفسها، إذ معنى افتقاره هو قبوله لأثر العلة الذي هو الوجود، فلو لم تكن العلة بنفسها موجودة لكانت فاقدة للأثر والفاقد للشيء كيف يكون معطياً، ومجرد وصول الأثر بواسطة إلى محل لا يرفع الافتقار فلا بد من الانتهاء إلى المؤثر القائم بذاته.وأما الأول : أعني غير المفتقر في وجوده إلى غيره.فإما بأن يكون وجوده علة لوجوده وهو غير معقول لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه.وإما بأن يكون نفسه عين الوجود أي لا يكون له ماهية ووجود كما في الممكنات بل يكون ماهيته أنيته وهو المطلوب.فإن قلت : هل له تعالى ماهية ؟قلت : الماهية لها معنيان :أحدهما : بإزاء الوجود كما يقال : وجود الممكن زائد على ماهيته والماهية بهذا المعنى يعرضها العموم والاشتراك فليست له تعالى ماهية بهذا المعنى.وثانيهما: ما به الشيء هو هو وهذا يصح له عز وجل وقد صرح به الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في جواب الزنديق في حديث طويل مروي في (الكافي) قال : قال له السائل : فله أنية ومائية؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم لا يثبت الشيء إلا بإنية ومائية (1).)


1) التوحيد للصدوق : 246، والبحار : 197/10.

#### الثانيأنه تعالى منزّه عن الحد والرسم والمثل والشبه والضد والند، والتنزه مقتضى ذاته والممكن محدود.ممثل.أما الأول : فلما عرفت من أنه تعالى نفس الوجود ومتعين الذات بوجوب وجوده وليس له ماهية ووجود فليس بذي أجزاء وما لا أجزاء له لا اء له لا جنس له ولا فصل له وما لا جنس له ولا فصل له لا حد له، وإذ ليست له صفة لازمة ولا خاصة فلا إسم له وما لا حد له يمتنع إقامة البرهان عليه إلا أنه من حيث كونه مبدءاً لأفعاله وآثاره وبارئاً لمخلوقاته مما يقام عليه البرهان كما يقال : العالم مصنوع مبني يقتضي أن له صانعاً بانياً، فالعالم له صانع وإذا ثبت أن للعالم صانعاً ثبت وجوده ضرورة.وأما الثاني: فلتركبه من الوجود والماهية يكون ذا أجزاء والوجود للممكنات أمر عقلي متصور في الذهن مشترك بين الموجودات زائد في التصور على المهيات وقد عرفت أن المهية التي هي معروض الوجود أيضاً مما يعرضه العموم والاشتراك، فإفراد الممكنات بجميعها مشتركة في أمر جامع بينها به يشابه أحدها الآخر ويشاكله ويتميز أحدها عن الآخر بأمر بائن، وليس الحد إلا عبارة عن الجامع الفارق.وأيضاً كل متصف بالوجود الإمكاني فله مهية ووجود.أما المهية فلكونها غير الوجود يحتاج في موجوديتها إلى جاعل يجعلها موجوداً إذ المهية لا تقتضي نفسها وجودها وإلا لكان وجودها قبل وجودها وهو محال ضرورة تقدم المقتضي على المقتضى.وأما الوجود فلأن كل وجود غير وجوده تعالى فهو يشوبه عدم ونقص فيحتاج إلى موجد وله حد معين من مراتب الوجود يحتاج إلى محدد إذ لو كانت نفس طبيعة الوجود تقتضي ذلك الحد لكان الجميع كذلك وليس كذلك، فإذن الوجود في كل موجود نفس تعينه الخاص ووحدته الشخصية وتشخصه المحدد والمعين، وكل ما له حد فله علة محددة تحدده على ذلك الحد.وهذا بخلاف الوجود الإلهي الذي هو عين ذاته وتعينه بالوجوب فلا قاهر فوقه ولا محدد له إذ ليس فيه إلا محض الحقيقة القدسية والتنزه.بل قد قال بعض الأساطين: إن انفكاك المهية من الوجود إنما هو في تحليل العقل، وأما في الواقع فهي عينه حيث قال :

إن الوجود لا بد له عما يخرجه عن الإيهام، فلا يتحقق إلا بعد التعين التمام بالفصول المتنازلة إلى أن ينتهي إلى التشخص، فبعد التعين التام يتحقق والترتب إنما هو في المرتبة والتحليل، وهذا ما أشاروا إليه بقولهم : إن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد وما لم يوجد لم يتشخص، وأن التشخص يساوق الوجود فإنه ذات الوجود وخلوه عنه سلب الشيء عن نفسه.وبما حققنا ظهر أن الماهية عين الوجود، وإنما ينفكان في التحليل، فيحمل الوجود على الماهية ويعرضها باعتبار كما أن الماهية تعرض الوجود باعتبار آخر، وفي الحقيقة ليس هناك إلا الوجود الخاص، فالوجود الذي هو نقيض العدم بنفسه لا يتقوّم بل هو والحد والتحديد مستند إلى أمر وراء ذلك، فالمبدأ تعالى ليس له ذات ووجود، وإنما يعير بعبارتين بالإلجاء وضيق المجال كما هو الحال في جميع صفات الجمال، وهذا متن بيان مقتبس من (مشكاة النبوة إلى أن قال :)ظهر من جميع ما تقدم أن إثبات المبدأ تعالى لا ينفك عن التوحيد، ضرورة أن الحد ينافي الوجود والتعدد لا يعقل إلا بالحدود، وقال:وكشف الحجاب أن الوجود عين هويته ونفس الماهية كما هو محصل عروض الوجود للماهية والتفكيك إنما هو بالتحليل وكذا الحمل والعروض، فقبل التحقق الذي هو عين الواقع والخارج لا وجود ولا ماهية ومعه لا تمائز.فللحيوانية مثلاً نحو من الوجود لأن الحركة بالإرادة والحس وجود والمعدوم لا يعقل أن يكون حيواناً وحساساً، وكذا النطق وهو إدراك الكليات وملكة إكتساب النظريات نحو من الوجود والمعدوم ليس ناطقاً بالضرورة.وكذا الحال في جميع الأجناس والفصول والأنواع الملتئمة منها المترتبة فإنه صرف الفرض وليس كون الإنسان قبل الوجود إنساناً وكون الوجود وجوداً قبل التحقق إلا مجرد الفرض، فعدم كون الإنسان والوجود قبل التحقق وجوداً وإنساناً مخالف للفرض لا أنه سلب للشيء عن نفسه كيف وليس هناك شيء ولا نفس إلا بالفرض.ألا ترى أن اجتماع النقيضين لو كان اجتماعاً تحقيقياً لكان محققاً وإنما هو مجرد فرض وتقدير، فالإنسانية التحقيقية وهو الحيوانية مع النطق لو كانت غير الوجود فكيف يكون متحركاً بالإرادة ومدركاً للمعقولات وهو لا وجود له.ومن خفي عليه هذا المعنى خبط خبطة عشواء فبين من ذهب إلى أن التقرير مرحلة سابقة على الوجود ومن توهم أن بين الوجود والعدم مرحلة تسمى بالحال ولم يتفطنوا أن

ارتفاع النقيضين محال انتهى ما أهمنا نقله من كلامه دام عزّه وعلاه.وقد اتضح منه كل الوضوح أن الممكن لا تحصل له إلا بالوجود والماهية وأن الماهية بحسب الخارج عين الوجود وحده، وأن معنى عروض الوجود للماهية أن الملحوظ في الوجود إنما هو حدّه المعين لا أن هناك عارضاً ومعروضاً وعروضاً.فانقدح منه أن قول الصوفية بأن الماهية ماهية حال العدم وهي المعبر عنها بالعين الثابت، وقولهم بأن الأعيان الثابتة ما شمّت رائحة الوجود مما لا معنى له أو التفكيك بين الثبوت والوجود والقول باتصاف الماهية بالأول دون الثاني سفسطة محضة.#### الثالثأن الواجب تعالى وجوده تام فوق التمام والممكن موصوف بالقصور والنقصان والتمام مقتضى ذات الأول كما أن النقصان لازم وجود الثاني.والمراد بكونه تاماً كونه جامعاً لجميع صفات الكمال إذ قد قلنا إنه عين الوجود والكمالات كلها وجود فتكون الكمالات جميعاً حاصلة له بالفعل بنفسه من دون افتقار إلى الاستكمال بالغير، وهذا من ضيق العبارة بل كما أن ذاته تعالى صرف الوجود كذلك صرف العلم والقدرة والاختيار والحياة وغيرها من الصفات الكمالية، وهذه الصفات عين ذاته كما قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: علم كله قدرة كله حياة كله (1).)والمراد بفوق التمام كونه مع جامعيته للكمالات وتماميتها له موجداً لوجود غيره وكمالاتهم جميعاً أيضاً.وأما الممكن فلا ينفك عن وصف الافتقار والإمكان والمهية والمعلولية والتركيب وغيرها من النقائص، وما يتصور فيه من وصف الكمال فإما أن لا يكون حاصلاً له بالفعل بل بالقوة كالإنسان مثلاً، أو يكون حاصلاً بالفعل ولكن حصوله ليس بنفسه بل بالغير، فعلم من ذلك أن الواجب تام والممكن ناقص.وإذا عرفت هذه المقدمة الشريفة ظهر لك فساد القول بوحدة الوجود، لأنه إذا كان الواجب علة والممكن معلولاً، والأول مستغنياً والثاني مفتقراً، والأول منزّهاً عن الحد والتعين والثاني محدوداً متعيناً بالماهية والأول بسيطاً والثاني مركباً، والأول تاماً فوق التمام والثاني مكتنفاً بالعدم والنقصان حسبما بالعدم والنقصان حسبما عرفته في المقدمة التي مهدناها فكيف يعقل


1) شرح الأسماء الحسنى : 17/1، مستدرك سفينة البحار: 330/7.

ترقي الثاني إلى مرتبة الأول؟ فإن ذاتي الشيء لا ينفك عنه والمعلولية والمحدودية والافتقار والنقصان من لوازم ذات الممكن فكيف يتصور أن يلقى الممكن أنيته على اصطلاحهم ويصل إلى مرتبة الواجبمع أن أنيته ليس إلا تعينه بماهيته وبعد ارتفاع التعين والتحدد لا يبقى ماهية ولا وجود، فلا يكون هناك شيء أصلاً.وكذلك إذا كان الواجب تعينه بذاته وبكنهه ومنزّهاً عن الحدود لكونه صرف الوجود وكان تاماً فوق التمام كان مبايناً للممكن غاية البينونة كما قال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ في الحديث المروي عنه في (الكافي) : «مباينته إياهم مفارقته إنيتهم»، فكيف يتوهم كونه سارياً في الموجودات (1).)وهؤلاء الجهلة لما سمعوا أن الواجب وجود خال من جميع الحدود والقيود، وأن الوجود مفهوم واحد نقيض العدم، فتوهموا أن الوجود الخالي من جميع القيود هو الوجود المطلق لا بشرط التعين وعدم التعين فيجتمع مع جميع التعينات الإمكانية، ويكون عين حقيقة كل ممكن.وهذا التوهم من الفساد بمكان لأن معنى خلوّ الواجب من القيود هو خلوّه من التعينات الإمكانية لا من مطلق التعين ولو بذاته فتعينه سبحانه بوجوب وجوده الذي هو عين ذاته فعلى هذا يكون طرد الحدود والتعينات الإمكانية محالاً، وليس معنى خلوه منها كونه مبهماً سارياً في التعينات مثل سريان الكليات في مصاديقها الخارجية المتعينة.وبعبارة أوضح أن الواجب مع قطع النظر عن الحدود والتعينات إما مبهم أو أو متعين.أما الأول: فتحققه محال بالضرورة، لأن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد ومن هنا قالوا إن الكلي الطبيعي أمر مبهم لا يمكن تحققه في الخارج إلا بضم التعينات وتشخصات الأفراد.وأما الثاني : فإما أن يكون سرايته في المخلوقات مع تعينه الذي هو له فهو محال، لأنه جمع بين النقيضين إذ التعين الوجوبي مناف للتعين الإمكاني ومناقض له، أو مع إلقائه لتعينه الذاتي وتعينه بالتعين الإمكاني وهو فرع أن يكون متحرك غير واجب وممكن يكون في تلك المراتب ويكون واجباً تارة وممكناً أخرى وهو باطل.والحاصل أن الواجب إما مبهم محض وجامع بين جميع الموجودات كما هو شأن الجامعة السارية، وهو مستلزم لنفي وجود الصانع تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وإما أنه متعين


1) التوحيد : 36.

يحب ذاته فيستحيل سريانه في الأمور المتعينة بالحدود والقيود.وإلى ذلك أشار المحقق الطوسي في (شرح الإشارات حيث قال :)حقيقة الواجب ليست هي الوجود العام بل هي مجرد وجوده الخاص به المخالف السائر الموجودات لقيامه بالذات.وقال أيضاً : الوجود داخل في مفهوم ذات واجب الوجود لا الوجود المشترك الذي لا يوجد إلا في العقل بل الوجود الخاص الذي هو المبدأ الأول لجميع الموجودات وإذ ليس له جزء فهو نفس ذاته وهو المراد من قولهم : مهيته هي أنيته انتهى.وقال المعلم الثاني من محكى كلامه من كتاب (الجمع بين الرأيين:)إنه لما كان الباري جل جلاله بإنيته ذاته مبايناً لجميع ما سواه وذلك له بمعنى أشرف وأفضل وأعلى بحيث لا يناسبه في إنيته شيء ولا يشاكله ولا يشبهه حقيقة ولا مجازاً، ثم مع ذلك لم يكن بد من وصفه وإطلاق كل لفظة كمالية من هذه الألفاظ المتواطئة عليه، فإن من الواجد اجب الضروري أن نعلم أن مع كل لفظة نقولها في شيء من أوصافه معنى بذاته بعيداً من المعنى الذي نتصوره من تلك اللفظة وذلك كما قلناه بمعنى أشرف وأعلى حتى إذا قلنا : إنه موجود علمنا مع ذلك أن وجوده لا كوجود سائر ما دونه، وإذا قلنا : إنه حي علمنا أنه بمعنى أشرف من الحي الذي هو دونه وكذلك الأمر في سائرها، انتهى.وهو كما ترى نص صريح مثل الأخبار الآتية الواردة من معادن القدس والطهارة في أن مباينته لغيره بنفس ذاته فلا يتصف بالماهية ولا بالوجود بالمعنى المتصور في الممكن بل إذا قلنا : إنه موجود ووصفناه بالوجود فهو بمعنى أعلا مما يتصوره العقل، وهكذا إذا وصفنا بالعلم والحياة وسائر الصفات الثبوتية.وهو معنى ما ورد في غير واحد من الأخبار الكثيرة من أنه سبحانه شيء لا كالأشياء فوصفه بأنه شيء من ضيق المجال والخروج من حد التعطيل وبأنه لا كالأشياء للتنزيه والتقديس ونفي التشبيه والإشارة إلى كونه بائناً من الأشياء وكونها بائنة منه بنفس ذاته المقدسة.والحاصل أنه تعالى ممتاز عما سواه بذاته والوجود عين ذاته، والوجود الذي له عز وجل ليس بالمعنى الذي لها كيف والوجود الذي لغيره أمر بديهي يعرفه الكل كسائر البديهيات والوجود المخصص به لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن، وغاية معرفتنا بذاته أنا لا تعرف ذاته.بيان ذلك أن كل مدرك بإحدى القوى والحواس ظاهرية كانت أو باطنية وكل ما تدركه المشاعر صورة كانت أو معنى فهو محدود متمثل تحدّه الحواس وتمثله الأفكار وكل ما هو

كذلك فهو مخلوق مثلنا مصنوع بفكرنا وخالق الأشياء منزّه عنه فنعرف ذاته بأنا لا نعرف ذاته إذ غاية ما يحصل لنا من الآثار والأفعال كونه مبدأ لتلك الآثار والأفعال صانعاً لها، ومن ذلك يحصل الجزم بوجوده تعالى.إذ لو لم يكن موجوداً ثابتاً لكان معدوماً منفيّاً إذ لا مخرج منهما ولا واسطة بين النفي والإثبات والوجود والعدم.ويلزم من عدمه أن لا يكون في الوجود شيء أصلاً واللازم باطل بالبديهة فكذا الملزوم ووجه الملازمة أن الكل مفتقر في وجوده إليه فما هو معدوم في نفسه كيف يكون مفيضاً للوجود فثبت بذلك أنه موجود ممتاز بذاته عما عداه، هذا.والصوفية أولياء الشيطان لما ضاق بهم الخناق في إقامة البرهان على مذهبهم الفاسد واعتقادهم الكاسد استندوا إلى الكشف والعيان.قال بعض من له خوض في التصوف :إن مستند الصوفية فيما ذهبوا إليه هو الكشف والعيان لا النظر والبرهان فإنهم لما توجهوا إلى جناب الحق سبحانه بالتعرية الكاملة وتفريغ القلب بالكلية عن جميع التعلقات الكونية والقوانين العلمية مع توحيد العزيمة ودوام الجمعية والمواظبة على هذه الطريقة بدون فترة ولا تقسيم خاطر ولا تشتت عزيمة من الله سبحانه عليهم بنور كاشف يريهم الأشياء كما هي.وهذا النور يظهر في الباطن عند ظهور طور وراء طور العقل، ولا تستبعدن وجود ذلك، فوراء العقل أطوار كثيرة يكاد لا يعرف عددها إلا الله.ونسبة العقل إلى ذلك النور كنسبة الوهم إلى العقل، فكما يمكن أن يحكم العقل بصحة ما لا يدركه الوهم كوجود موجود مثلاً لا خارج العالم ولا داخله، فكذلك يمكن أن يحكم ذلك النور الكاشف بصحة بعض ما لا يدركه العقل، كوجود حقيقة مطلقة محيطة لا يحصرها التقييد ولا يقيدها التعيين.مع أن وجود حقيقة كذلك ليس من هذا القبيل، فإن كثيراً من الحكماء والمتكلمين ذهبوا إلى وجود الكلي الطبيعي في الخارج.والمقصود هنا رفع الإستحالة العقلية والإستبعادات العادية عن هذه المسألة لا إثباتها بالبراهين والأدلة انتهى.وهو سخيف جداً لامتناع أن يكون طور وراء العقل إلا النبوة، ولو جوز ذلك لبطلت

الشرائع والأديان والأحكام النقلية والعقلية وارتفع الأمان وانسد باب الإيمان.وليس نتيجة ما ذكر من الرياضة والمجاهدة إلا تلطيف السر وتهذيب الباطن وتصفية القلب ليسهل النظر ويسرع الفكر ويصفو الذهن من الكدر فيتجرد المعقولات النظرية عن الغواشي الوهمية ويتميز المعقول عن الموهوم، وذلك هو معنى الكشف ونور الله الكاشف لا ما توهموه. أنظر البحار :ومثله في السخافة استناد بعضهم في ذلك إلى الأدلة السمعية حيث قال:إذا علمت أن الوجود هو الحق علمت سر قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: 57] (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: 16]، (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]، (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهُ﴾ [الزخرف: 43]، وقوله : (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35] (وكان الله بكل شَيْءٍ مُحيطا) [النساء : 126]، وكنت سمعه وبصره (1)وسر قوله : ولو دليتم بحبل لهبط على الله (2)، وأمثال ذلك من الأسرار المنبهة للتوحيد بلسان الإشارة، انتهى. ولا دلالة فيها على ما زعموه بوجه.

أما الآية الأولى : فدلالتها على بطلان ما زعموه وفساده أظهر، بل مكذبة لدعواهم لأن وجود الأشياء عينها في الخارج لا معها وقد عرفت أن التغاير في طرف التحليل والمراد بكونه تعالى معنا في جميع الأمكنة ما حققناه في شرح الفصل السادس من الخطبة الأولى في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): مع كل شيء لا بمقارنة.

وأما الآية الثانية : فهي أيضاً مكذبة لهم لأن الأقربية مستلزمة للمغايرة والمنافية للعينية، والمراد بها القرب بالعلم والإحاطة أو باعتبار كون ذاته ووجوده منه تعالى حدوثاً وبقاء بحيث لو قطع النظر عنه أنا ما هلك وصار عدماً محضاً لاستحالة بقاء المعلول من غير علة.

وأما الآية الثالثة : فهي أيضاً دليل على البينونة والمغايرة لإفادته كون نفس الشخص آية على صانعه وهو استدلال إنّي وأين ذلك من الاتحاد؟.

وأما الآية الرابعة : فالمراد بها انحصار الألوهية في جميع العوالم فيه تعالى وهو أيضاً مكذب للعينية لمنافاة الألوهية لها.

وأما الآية الخامسة : فالمراد بها أنه هاد لأهل السماوات بلا واسطة ولأهل الأرض


1) 31/84.

2) میزان الاعتدال : 579/4، وشرح الأسماء الحسنى: 90/1.

بواسطة الأنبياء والرسل والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد ورد تفسيره بهذا المعنى في أخبار أهل البيت سلام الله عليهم.

وأما الآية السادسة: فهي أيضاً مكذبة لدعواهم لأن وجود الشيء ليس محيطاً به بل هو في الخارج وفي التحليل عارض له.

وأما الحديث القدسي فلا دلالة فيه أيضاً على الاتحاد بل المراد به معنى آخر أشار به في (البحار).

فإنه بعدما روي من (المحاسن) عن عبد الرحمن بن حماد عن حنان بن سدير بن سدير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «قال الله تعالى : ما تحبّب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته إليه، وإن عبدي ليتحبب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره وبصره الذي الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها إذا دعاني أجبته وإذا سألني أعطيته» (1).

قال : هذا الخبر يحتمل وجوهاً :

الأول : أنه لكثرة تخلّقه بأخلاق ربه ووفور حبه لجناب قدسه تخلى عن شهوته وإرادته، ولا ينظر إلا إلى ما يحبه سبحانه ولا يبطش إلا إلى ما يوصله إلى قربه تعالى، وهكذا.

الثاني : أن يكون المراد أنه تعالى أحب إليه من سمعه وبصره ولسانه ويده ويبذل هذه الأعضاء الشريفة فيما يوجب رضاه، فالمراد بكونه سمعه أنه في حبه وإكرامه بمنزلة سمعه بل أعز منه لأنه يبذل سمعه في رضاه وكذا البواقي.

الثالث : أن يكون المعنى كنت نور سمعه وبصره وقوة يده ورجله ولسانه والحاصل أنه لما استعمل نور بصره فيما يرضي ربه أعطاه بمقتضى وعده سبحانه (لَئن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: 7] نوراً من أنواره به يميز بين الحق والباطل، وبه يعرف المؤمن والمنافق كما قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِلْمُتَوَسّمِينَ [الحجر: 75]، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): المؤمن ينظر بنور الله، ال وكذا لما بذل قوته في طاعته أعطاه قوة فوق طاقة البشر كما قال مولانا الأطهر ما قلعت باب الخيبر بقوة جسمانية بل بقوة ربانية، وهكذا.

الرابع : أنه لما خرج عن سلطان الهوى وآثر على جميع إراداته ومراداته وشهواته لرضى المولى صار الربّ تعالى متصرفاً في نفسه وبدنه مديراً لقلبه وعقله وجوارحه فيه يسمع وبه يبصر وبه ينطق وبه يمشي وبه يبطش كما ورد في تأويل قوله : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ)


1) محاسن البرقي: 291/1 ح 443.

[الإنسان 30] وهذا معنى دقيق لا يفهمه إلا العارفون وليس المراد به المعنى الذي باح به، المبتدعون فإنه الكفر الصريح والشرك القبيح، انتهى كلامه رفع مقامه (1.)وأما الرواية الأخيرة فعلى تسليم صحة سندها وعدم كونها من موضوعات العامة فمعناها : إحاطته تعالى بجميع العوالم وعدم خلوّ مكان منه عز وجل بهذا المعنى، وأين هذا مما زعمه حزب الشيطان من أن الوجود هو الله تعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.فقد وضح واتضح من هذا كله أن ما ذهب إليه الزنديق اللعين محيي الدين وأتباعه الذين هم أولياء الشيطان وهادموا أساس الشرع المبين من أن الوجود هو الحق الأول وأنه سار فى الموجودات وأنها على كثرتها مجالى ومظاهر له، وأن الواجب إذا اشتمل على الحد والتعين صار ممكناً، وأن الممكن إذا ارتفع عنه الحد والتعين صار واجباً، ففي قوس النزول يكون الواجب ممكناً، وفي قوس الصعود يكون الممكن واجباً، غلط بين وكفر وزندقة والحاد.والعجب من صدر المتألهين أنه مع ذكائه وبراعته في فن الكلام وإذعانه بأكثر ما أوردناه في المقدمة الشريفة، غفل عن نتيجتها وقلّد الصوفية فيما هم عليه زعماً منه أن ما ذهبوا إليه من وحدة الوجود هو نتيجة كلمات الأساطين من الحكماء والمتكلمين، ولم يتعقل المباينة، ثم ذهب إلى كونه مشتركاً مقولاً على ما تحته بالتشكيك حسبما نقلناه.قال في (الأسفار:)«فصل»: في أن مفهوم الوجود مشترك محمول على ما تحته حمل التشكيك لا حمل التواطىء.أما كونه مشتركاً بين الماهيات فهو قريب من الأوليات فإن العقل يجد بين موجود وموجود من المناسبة والمشابهة ما لا يجد مثلهما بين الموجود والمعدوم، وأطال في إثبات الاشتراك بما لا طائل تحته إلى أن قال :وأما كونه محمولاً على ما تحته بالتشكيك أعني الأولية والأقدمية والأشدّية، فلأن الوجود في بعض الموجودات بمقتضى ذاته كما سيجيء دون بعض وفي بعضها أقدم بحسب الطبع من بعض وفي بعضها أتم وأقوى.فالوجود الذي لا سبب له أولى بالموجودية من غيره وهو متقدم على جميع الموجودات بالطبع، وكذا وجود كل واحد من العقول الفعالة متقدم على تاليه ووجود


1) البحار 32/84.

الجوهر متقدم على وجود العَرَض.وأيضاً فإن الوجود المفارقي أقوى من الوجود المادي وخصوصاً وجود نفس المادة القابلة، فإنها في غاية الضعف حتى كأنه يشبه العدم والمتقدم والمتأخر وكذا الأقوى والأضعف كالمقومين للموجودات، وإن لم يكن كذلك للماهيات.فالوجود الواقع في كل مرتبة من المراتب لا يتصور وقوعه في مرتبة أخرى لا سابقة ولا لاحقة ولا وقوع وجود آخر في مرتبته لا سابق ولا لاحق انتهى.واعترض عليه بعض أساطين مشايخنا المعاصرين أطال الله بقاءه بقوله :إن هذا الكلام يكشف عن أنه لم يتعقل معنى الوجود والماهية، ضرورة أن المتصف بالكلية والجزئية والتواطىء والتشكيك إنما هو الكلي الطبيعي، فموضوع هذه الأحكام إنما هو الماهية، وأما الوجود المنسلخ عنها في التحليل فهو كالعدم، ومع عدم لحاظ الانسلاخ فيه لا تعدد ولا تغاير ولا ماهية ولا وجود بل هو حينئذ عينها وهي عينه كما لا يخفى ولا يصلح لأن يتصف بشيء من هذه الصفات إلا تبعاً للذات.بل التحقيق أن الأعراض بأسرها على هذا المنوال فإنها جهات تحليلية لا آنية لها ولا ماهية وإنما هي شؤون المعروض، فإن العروض بلحاظ ارتباطه مع الغير فهو غير متأصل لا محالة كالفوقية والأبوّة وكذا ما يلزم من وجوده التكرر كالوجود.وأما اللون وما شاكله فهو متأصل لا كما توهموه من أن له ماهية ووجوداً إلا أنه في وجوده يحتاج إلى موضوع بخلاف الجوهر، وإلا لكان المعروض من مقولة الأين بالنسبة إلى العرض مع أن وجود العرض لنفسه عين وجوده للغير لا أن هناك وجودين وهذا معنى الحلول وهو عبارة أخرى عما أشرنا إليه من أنه نحو وجود المعروض، فالموجود له ذات ووجود ولوجوده شؤون وخصوصيات تسمى بالأعراض، وأما الماهية فلا يعرضها إلا الوجود وأما الزوجية في الأربعة وما يشابهها فليست عرضاً لماهية ضرورة أن الأربعة كم منفصل لا ماهية من الماهيات بل هو تحليل في تحليل في خصوصيات الوجود ولو على سبيل التقدير.وأما ما توهمه من أن الوجود في بعض الموجودات بمقتضى ذاته فمرجعه إلى كون الشيء علة لنفسه وأما الواجب تعالى فهذا التعبير بالنسبة إليه جل ذكره كسائر التعابير ليس على ما توهمه بل مرجعه إلى أنه تعالى مقدّس عن الوجود الذي هو نقيض العدم ونسبة الوجود إليه تعالى سلب نقص العدم عنه لا إثبات الوجود.وبالجملة فكون الوجود معلولاً للذات ضروري الاستحالة، فإن الفاقد لا يكون معطياً مع أن تقدم الشيء على نفسه أيضاً ضروري الفساد.

وأما الأقدمية بحسب الطبع فهو أيضاً من الأغلاط لما عرفت من أنه تعالى منزّه عن الطبع.وأما العقول فعلى القول بها فلا تقدم لشيء منها على تاليه إلا بالعلية.وأما الجوهر فهو تقدم الموضوع على العرض وهو نحو آخر من السبق التحليلي وهو عين العروض.وأما اختلاف حال المجرد والمادي فليس مستنداً إلى اختلاف أنحاء الوجود بل إنما الاختلاف بين الجواهر بالمادية والتجرد بالذات وإن لم تكن موجودة والهيولى مع قطع النظر عن الوجود متميز عن العقل وغيره من أقسام الجواهر كتميز سائر الماهيات، وضعف المادة عبارة أخرى عن كونها مادة محضة في الانفعال وهذه جهة ثانية لا ربط لها بالوجود.وأما ما توهمه من أن الوجود الواقع في كل مرتبة من المراتب لا يتصور وقوعه في مرتبة أخرى (آه فقد أخذه من أهل العلم من حيث لا يشعر، ضرورة أن مقتضى مذهب أئمته من أن الوجود حقيقة واحدة أنه لا تميز بين الوجودات إلا بالاعتبار، فالمراتب إنما ترتبت باعتبار التنزلات ففي قوسي النزول والصعود تتحرك العين في الوجود، وهذا ما ذهبوا إليه من الحركة الجوهرية.)مع أن هذا مناف لهذا الكلام الذي تقدم منه من الاختلاف بين العقل والهيولي مثلاً في شدة الوجود وضعفه، فإن هذا إنما ينطبق على ما ذهبوا إليه من أن الأعيان الثابتة ما شمّت رائحة الوجود وإنما هي إضافات إشراقية تختلف قوة وضعفاً باختلاف النزول والصعود والبعد والقرب، ولهذا كان الناسوت أضعف الدرجات، لأنها منتهى قوس النزول واللاهوت أقوى حيث أنه مبدأ لهذه الدرجات المندرجة.وبالجملة، فاستحالة تبدل الوجودات إنما تتم على مذهب غير الصوفية، فإن العرض لا ينتقل، وإنما يتم هذا فيما لم يكن وجود في طول الآخر، وأما في السلسلة الطولية فهو غلط صرف، فشيء من الشخصين لا يتبدل بالآخر كما أن الحمار أيضاً لا يتبدل بالإنسان، وأما النطفة فتكون علقة ومضغة وحيواناً وإنساناً وليس هذا من تبدّل الصورة مع بقاء الهيولى، وكذا الحال في تبدل العناصر بعضها ببعض على ما هو التحقيق فإنه من تبدل وجود بآخر بمعنى الترقي والصعود كما أن مراتب الفناء دركات النزول، ولتحقيق هذه المسائل مقام آخر انتهى كلامه رفع الله مقامه.وقال السيد محمد قطب [في] السلسلة الذهبية في نظمه :زعموا الوجود مشككاً سبحانه*** عن اشتراك وضيعها وشريفهافي الاشتراكين التزام ضلالة***قد ضاع في نهج الهدى تقطيعها

هذا وربما اعترض على القول بالتشكيك بامتناعه في الذاتيات، وأجاب عنه القيصري في (شرح الفصوص بما لا طائل تحته ولا بأس بنقل كلامه وتعقيبه بما يتوجه عليه من النظر.)قال: وما يقال : إن الوجود تقطع على أفراده لا على التساوي، فإنه يقع على العلة ومعلولها بالتقدم والتأخر، وعلى وجود الجوهر والعرض بالأولوية وعدمها، وعلى وجود القارّ وغير القارّ بالشدة والضعف فيكون مقولاً عليها بالتشكيك وما هو مقول بالتشكيك لا يكون عين ماهية شيء ولا جزئه.إن أرادوا به أن التقدم والتأخر والأولوية وعدمها والشدّة والضعف باعتبار الوجود من حيث هو هو، فهو ممنوع لكونها من الأمور الإضافية التي لا يتصور إلا بنسبة بعضها إلى بعض، ولأن المقول على سبيل التشكيك باعتبار العموم والكلية والوجود من حيث هو هو لا عام ولا خاص.وإن أرادوا به أنها يلحق الوجود بالقياس إلى الماهيات فهو صحيح لكن لا يلزم أن يكون الوجود من حيث هو مقولاً عليها بالتشكيك إذ اعتبار المعروضات غير اعتبار الوجود.وذلك بعينه كلام أهل الله لأنهم ذهبوا إلى أن الوجود باعتبار تنزله في مراتب الإمكان وظهوره في خطائر الإمكان وكثرة الوسائط يشتد خفاؤه، فيضعف ظهوره وكمالاته وباعتبار قلتها يشتد نوريته ويقوى ظهوره فيظهر كمالاته وصفاته فيكون إطلاقه على القوي أولى من إطلاقه على الضعيف، انتهى.وفيه : أن الماهية مع قطع النظر عن الوجود وكذا الوجود مع قطع النظر عن الماهية لا يحكم عليهما بحكم لما عرفت من أنهما تحليليان لا أمران متغايران، فالشدة والضعف إنما تعرضان الوجود التحقيقي الواحد للماهية لا المتسلخ عنها فالماهية يشتد وجودها المنظم إليها.وما نسجته هذه الطائفة من أن الوجود هو الحق وأن الماهيات مظاهر ومجالي وأن الاختلاف إنما هو في الدرجات التجلي بحسب القرب والبعد وقلة الوسائط وكثرتها، مما ليس له معنى محصل.وبالجملة فقد تحصل مما ذكرنا كله أن وجوده تعالى مغاير لوجود غيره مباين له، واتصافه بالوجود ليس كاتصاف غيره به إذ الوجود الذي له تام فوق التمام واتصافه به بمعنى أجلّ وأشرف وأعلى من أن يبلغه العقول والأوهام كما قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في الفصل الثاني من الخطبة الأولى : الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن (1).)


1) البحار : 176/54 ح 133.

بل قد قال بعض المحققين: إن وصفه تعالى بالوجود من ضيق العبارة وإن معنى :قولنا : إنه موجود إنه ليس بعدم ولا معدوم فيكون مرجع اتصافه به إلى سلب العدم عنه لا إثبات الوجود الذي هو نقيض العدم له فإنه تعالى منزّه عن ذلك، لأن الوجود الذي هو نقيضه حد له واقع في طرفه وقباله.كما يتضح ذلك بقولنا مثلاً : خرج الشيء من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم، فإن الوجود والعدم متناقضان متقابلان صار كل منهما حدّاً للآخر وفي قباله وطرفه والله سبحانه لما كان منزّهاً عن الحدود لا يمكن اتصافه بالوجود الذي هو حد العدم وطرفه.ويوضح ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في المختار المائة والخامس والثمانين: سبق الأوقات كونه والعدم وجوده، وأيضاً الوجود الذي هو نقيض العدم إنما يتصور فيما يتصور فيه العدم كالماهيات والله عز وجل منزّه عن الماهية وعن عوارضها.)والحاصل أن وصفه بالوجود كوصفه بسائر أوصاف الجمال مثل قولنا : إنه عالم أي ليس بجاهل وقادر أي ليس بعاجز، وهكذا.وأما غيره تعالى من الموجودات الممكنة فإنما يتصف بالوجود المقابل للعدم المناقض له لكونه ذي ماهية مشخصة لوجوده كما أن وجوده كان مشخصاً له فإن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد وما لم يوجد لم يتشخص.وبعد هذا كله فكيف يزعم العاقل إتحاد وجود المخلوقات الذي هو من البديهيات الأولية على ما قيل مع وجود الخالق الذي إذا حاول الفكر المُبَّراً من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته رجعت إذا جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ولا يخطر ببال أولى الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته، فتعالى الله عما يقول الملحدون علواً كبيراً.### وأما الدليل النقلي#### إشارة:فهو جميع الأخبار والأحاديث الدالة على تقديسه وتنزيهه عن التشبيه والتحديد والمفيدة لمغايرته لمخلوقاته ومباينته إياهم بنفس ذاته الأقدس ووجوده الأجل الأشرف الأعلى.وأكثرها احتواء لذلك خطب أمير المؤمنين الواردة في مقام التوحيد المتقدمة في تضاعيف الكتاب ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما تقدم منه (عَلَيهِ السَّلَامُ في هذا الباب تذكرة وذكرى)

وما يذكر إلا أولو الألباب.فمنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في الفصل السادس من المختار الأول :)كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة (1.)فإن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: موجود لا عن عدم نص صريح في أن وجوده ليس مثل وجود سائر موجودات المسبوق بالعدم المناقض له كما أن إثبات مغايرته لكل شيء ونفي مقارنته له صريحان في عدم الاتحاد والوحدة، بل قوله مع كل شيء أيضاً لا يخلو عن الدلالة، لأن المعية مقتضية للإثنينية المنافية للوحدة والعينية كما لا يُخفى.)ومحصل الجميع مباينة الحق للخلق بذاته وكونه معهم بالعلم والإحاطة والقيومية والعلية، فإن المعلول لا يغيب عن علته.ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في المختار الرابع والستين:)لم يُحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ولم ينأ عنها فيقال : هو منها بائن.فإن الفقرة الأولى صريحة في إبطال الحلول والاتحاد كما هو مذهب قدماء الصوفية على ما حكينا عنهم سابقاً، والمراد بالفقرة الثانية نفي المباينة المنصورة بين المتباينين المتباعد أحدهما عن الآخر، فلا تنافي ما قدمناه من بينونته لها لذاته من أجل تنزّهه عن الحد وكونها مشتملة على الحدود مع قربه لها بالعلم والإحاطة والإفضال والرحمة.ومنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ في الفصل الثاني من المختار التسعين)كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم ومحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم - إلى أن قال - فاشهد أن أن من ساواك بشي ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك (2.)فإنه كسائر الأخبار المتواترة والآيات القرآنية في كفر من شبهه عزّ وجل بالأصنام وزيّنه بزينة المخلوقات، فكيف المتصوفة الجاعلون إياه سبحانه عين الأصنام والمعتقدون أن هويته سارية فيها وإن وجودها عين وجوده الظاهر في صورة الصنمية وأنها مجالى ومظاهر له وأن العبادة لها عبادة له؟ تعالى عما يقول الملحدون علوّاً كبيراً.ولعلك إذا سمعت نسبة هذا القول والاعتقاد منا إلى هذه الطائفة الضالة المضلة نسبتنا


1) البحار 247/4 ح 5.

2) التوحيد: 51 ح 13.

إلى العصبية والعناد وبادرت إلى تكذيبنا وقلت : كيف يمكن أن يعتقد هؤلاء مع كونهم من المسلمين المؤمنين على خلاف ما هو من ضروريات الدين بل ما هو أساس الدين وأصله - أعني توحيد الرب وتفريده بالمعبودية - الذي لم يكن بعث الأنبياء والرسل وإنزال الكتب والصحف وتشريع الشرائع والأديان من لدن زمن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى آخر الزمن إلا لأجله؟.)فإن شئت أن تعرف صحة هذه النسبة وتعلم حقيتها بعلم اليقين فاستمع لما يتلى عليك من كلام قطب أقطابهم الزنديق اللعين ابن العربي محيي الدين في (الفصوص ومن كلام القيصري في شرحه :)قالا في (الفص الهاروني بعدما ذكرا غضب موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أخيه هارون لما شاهد من قومه عبادة العجل ما صريح عبارتهما :)«ثم قال هارون لموسى : إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل فتجعلني سبباً في تفريقهم فإن عبادة العجل فرّقت بينهم فكان منهم من عبده اتباعاً للسامري وتقليداً له ومنهم من توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه في ذلك، فخشى هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه وكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل».أي علم موسى ما الذي عبده أصحاب العجل في الحقيقة العلمه بأن الله قضى ألا نعبد إلا إيّاه كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23]. «وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه» أي كان عتب موسى أخاه هارون لأجل إنكاره عبادة العجل وعدم اتساعه قلبه لذلك.

«فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء، فكان موسى يربّي هارون تربية علم» (1).

واعلم أن هذا الكلام وإن كان حقاً من حيث الباطن لكن لا يصح من حيث النبوة والظاهر فإن النبي يجب عليه إنكار العبادة للأرباب الجزئية كما يجب عليه إرشاد الأمة إلى الحق المطلق، ولذلك أنكر جميع الأنبياء عبادة الأصنام وإن كانت مظاهر للهوية الإلهية، فإنكار هارون عبادة العجل من حيث كونه نبياً حق إلا أن يكون محمولاً على أن موسى علم بالكشف أنه ذهل عن شهود الحق الظاهر في صورة العجل، فأراد أن ينبهه على ذلك وهو عين التربية والإرشاد منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإنكاره على السامري وعجله على بصيرة، فإن إنكار الأنبياء


1) أنظر مستدرك سفينة البحار : 501/2.

والأولياء لعبادة الأصنام التي هي المظاهر ليس كإنكار المحجوبين فإنهم يرون الحق مع كل شيء، بخلاف غيرهم بل ذلك لتخليصهم عن التقيد بصورة خاصة وتجلّي خاص إذ فيه إنكار باقي المجالى وهو عين الضلال.

(ولذلك) أي لأجل أنه كان مربياً لهارون «لما قال له هارون ما قال رجع إلى السامري فقال له : فما خطبك يا سامري؟» أي ما شأنك وما مرادك يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص وصنعك هذا الشبح من حلي القوم وتركك الإله المطلق.

«فغلبت عليه الغيرة فحرقه ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم نسفاً وقال له : انظر إلى إلهك فسمّاه بطريق التنبيه للتعليم» أي نبّه أنه مظهر من المظاهر ومجلى من مجاليه - إلى أن قال :

فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط عليه موسى حكمة من الله ظاهرة في الوجود ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة، بعد ذلك فما ذهبت إلا بعدما تلبست عند عابدها بالألوهية.

أي عدم تأثير هارون في منعهم عن عبادة العجل أو عن عبادة العجل أو عدم تسلطه عليهم كما عليهم كما تسلّط عليهم موسى كان حكمة من الله ظاهرة في الوجود الكوني فيكون معبوداً في صور الأكوان كلها، وإن كانت هذه الصورة ذاهبة فانية لأن ذهابها وفنائها إنما هو بعد التلبس بالعبودية عند عابدها.

(ولهذا) أي ولأجل أنه أراد أن يعبد في كل صورة ما بقي من نوع من الأنواع إلا وعبد إما عبادة تألّه، أو عبادة تسخير فلا بد من ذلك لمن عقل أما العبادة بالإلهية كعبادة الأصنام وغير ذلك من الشمس والقمر والكواكب والعجل، وأما العبادة بالتسخير فكما يعبدون الأموال وأصحاب الجاه والمناصب، إلى أن قال بعد جملة من ترهاته :

«والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه ولذلك أي ولأجل أن الحق هو الذي ظهر في ذلك المجلى وعبد «سموه كلهم إلها مع اسمه الخاص بحجر أو حيوان أو شجر أو إنسان أو كوكب أو ملك أو فلك هذا اسم الشخصية فيه والألوهية مرتبة تخيل العابد له» أي لمعبودة «أنها مرتبة معبوده الخاص وهي على الحقيقة مجلى للحق» انتهى كلامهما هبط مقامهما ببعض تلخيص منا.

ومحصل كلامهما كما ترى أن الأصنام جميعاً مجالى الحق ومظاهره بل هي عين الحق، بل الأشياء جميعاً مظاهره ومجاليه وعبدة الأوثان والأصنام وكذلك العابدون للشمس والقمر والكواكب والشجر والحجر والنار والعجل، وكذلك عبادة المدعين للألوهية من

فرعون و شداد، وكذلك المنقادين للجبابرة وسائر الظلمة من أرباب الجاه والمناصب المسلطين على الرّعية كلهم جميعاً عابدون الله تعالى، لأن هذه المعبودات كلها هو الحق ظهر في هذه المظاهر وتصوّر بهذه الصور المختلفة فهي على كثرتها ليست في الحقيقة إلا واحداً.

ومنع الأنبياء والأولياء من عبادة الأصنام لم يكن من حيث إنها عبادة باطلة مبغوضة الله تعالى، بل من أجل حصر العابد للصنم أو الشجر أو الحجر مثلاً عبادته في هذا المعبود الخاص، فبعث الله الأنبياء ليرشدوا أمتهم ويعلمومهم أن الله شاء وقضى أن يُعبد في كل صورة ومجلّى، وأن المجالى كلها إله فليس لكم أن تقصروا عبادتكم بمعبود خاص وتخصصوه به وتتخذوه إلهاً دون غيره.

ومن هذا الباب كان غضب موسى على هارون فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما كان أعلم منه وكان يعلم أن الله شاء أن يعبد في كل صورة حتى صورة العجل وما شاءه وقضاه عزَّ وجل لا بد من وقوعه لا محالة وكان هارون لا يعلم ذلك ولذلك أنكر على قومه عبادته، فعتب موسى عليه لأجله ونبهه على عدم إتساع قلبه وعلى غفلته وذهوله عن حقيقة الأمر.

والحاصل أن الأنبياء إنما بعثوا ليأمروا أمتهم بعبادة كل شيء من صنم أو غيره ولير دعوهم عن قصر عبادتهم بشيء مخصوص معين فقط، وقد أوضح الرجس الخبيث هذا الغرض في بعض فقرات (الفض النوحي).

قال في جملة ما نقل من كلام نوح وقومه : «ومكروا مكراً كباراً لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية فهذا عين المكر على بصيرة فنبّه أن الأمر له كله فأجابوه مكراً كما دعاهم».

قال شارحه القيصري: أي لما مكر نوح معهم مكروا مكراً كباراً في جوابه وذلك لأن الدعوة إلى الله مكر من الداعي بالمدعو لأن المدعو ما عدم الحق من البداية حتى يدعى إليه في الغاية لأنه مظهر هويته في بعض مراتب وجوده فالحق معه بل هو عينه فالداعي إذا دعى مظهراً ما يمكر به فإنه يريد إن الحق ليس معه أو أو هو غيره وهو عين المكر.

لكن مثل هذا المكر من الأنبياء إنما هو على بصيرة كما قال : أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني أي يعلم النبي أنه مظهر هوية الحق لكن يدعوه ليخلصه عن القيود وترتفع عنه الحجب الموجبة للضلالة فيرى ذاته مظهراً للهوية ويشاهد جميع الموجودات مظاهر للحق ويعبده بجميع أسمائه وصفاته كما عبده من حيث اسمه الخاص وفاعل نبه ضمير يرجع إلى نوح أو إلى الحق أي نبههم على أن الملك كله لله ليس كما تخيلوا أنه لهم.

قال: «فقالوا في مكرهم لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق

ونسرا فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه ويجهله من جهله فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وإن التفريق والكثرة كالأعضاء المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية».

قال الشارح القيصري : فالعالم بالله ومظاهره يعلم أن المعبود هو الحق في أي صورة كانت سواء كانت حسية كالأصنام أو خيالية كالجن أو عقلية كالملائكة ويعلم أن التفريق والكثرة مظاهر لأسمائه وصفاته وهي كالأعضاء في الصورة الإنسانية، فإن العين مظهر للإبصار والأذن للسمع والأنف للشم واليد للبطش وكالقوى الروحانية كالعقل والوهم والذاكرة والحافظة والمفكرة والمتخيلة فإنها كلها مظاهر لصفات الروح، انتهى.

ومحصل كلامهما أن قوم نوح في عبادتهم للأصنام كانوا محقين لكونها مظاهر الحق كما أن العابدين لها كذلك لأنهم أيضاً كانوا مظهر الحق وكان الحق معهم، بل هو عينهم، وكان نوح أيضاً أيضاً يعلم أنهم على الحق إلا أنه أراد على وجه المكر والخديعة أن يصرفهم عن عبادتها إلى عبادته.

وإنما كان هذا مكراً منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه كان يقول لهم ما لم يكن معتقداً به ويموه خلاف ما أضمره واعتقده إذ كان عالماً أو على بصيرة من ربه بأن الأصنام مظاهر الحق وعبادتها عبادته إلا أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد أن يخلصهم من القيود حتى لا يقصروا عبادتهم فيها فقط، بل يعبدوه في كل معنى وصورة.

ولما شاهد القوم منه ذلك المكر أنكروا عليه وأجابوه بما هو أعظم مكراً وأكبر من مكره فقالوا : لا تتركوا الهتكم إلى غيرها لأن في تركها ترك عبادة الحق بقدر ما ظهر فيها وقصر عبادته في سائر المجالي وهو جهل وغفلة لأن للحق في كل معبود وجهاً يعرفها العارفون سواء كان ذلك المعبود في صورة صنم أو حجر أو شجر أو بقر أو جن أو ملك أو غيرها.

هذا محصل كلام هذين الرجسين النجسين النحسين وكم لهما في الكتاب المذكور من هذا النمط والأسلوب، وسنشير إلى بعضها فيما سيأتي، فلينظر المؤمن الكيس البصير إلى أنهما كيف موّها الباطل بصورة الحق وأوّلا كلام الله بآرائهم الفاسدة وأحلامهم الكاسدة على طبق عقائدهم الباطلة، وقد قال النبي المختار (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (1).


1) الحدائق الناضرة : 29/1، ونور البراهين : 187/1.

ولعمري أنهما ومن حذا حذوهما حزب الشيطان وأولياء عبدة الطاغوت والأوثان، ولم يكن غرضهما إلا تكذيب الأنبياء والرسل، وما جاؤوا به من البينات والبرهان وهدم أساس الإسلام والإيمان وإبطال جميع الشرائع والأديان وترويج عبادة الأصنام وجعل كلمة الكفر العليا وخفض كلمة الرحمن.

وأقسم بالله الكريم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، إنهم المصداق الحقيقي لقول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المختار السابع : اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً واتخذهم له أشراكاً فياض وفرّخ في صدورهم ودبّ ودرج في حجورهم فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم فركب بهم الزلل وزيّن لهم الخطل فعل من شركه الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه (1).

ومع ذلك فالعجب كل العجب أنهم يزعمون أنهم الموحدون العارفون الكاملون وأن غيرهم المحجوبون وبالحق جاهلون بل يترقى بعضهم ويدعي الولاية والقطبية ويطغى آخرون فيدعون لأنفسهم الألوهية والربوبية ويزعمون أن ربهم تجلى فيهم وظهر في صورهم المنحوسة.

فيقول ابن العربي في (فتوحاته): إن الله تجلى لي مراراً وقال : انصح عبادي. ويقول البسطامي : سبحاني وما أعظم شأني ولا إله إلا أنا ويقول :الحلاج : ليس في جبتي سوى الله، ويقول : أنا الحق وأنا الله.

وبعضهم يبلغ الغاية ويجاوز النهاية فيقول ويجهر، ويتكلم تكلم المجنون الذي لا يشعر، فيخاطب الرب عزّ وجل والعياذ بالله مخاطبة الموالي للعبيد وهو قطبهم أبو يزيد.

فقد نقل عنه القيصري في شرح الفص النوحي أنه قال في مناجاته عند تجلي الحق له : ملكي أعظم من ملكك لكونك لي وأنا لك فأنا ملكك وأنت ملكي وأنت العظيم الأعظم وملكي أنت، فأنت أعظم من ملكك وهو أنا.

فلينظر العاقل إلى مهملات هذا الجاهل، ثم لينظر إلى سوء أدبه وقبح خطابه ومناجاته حيث لم يرفع يده عن الأنانية فعبر بلفظ أنا وأنت غير مرة في مثل هذا المقام الذي هو مقام الفناء والتجلّي على زعمهم وكيف يجتمع ذلك مع قولهم السائر :

بيني وبينك أنني ينازعني***فارفع بلطفك أنني من البين

وإنما أطنبنا الكلام في المقام تنبيهاً على ضلالة هذه الجهلة الذين زعموا أنهم من أهل


1) مستدرك سفينة النجاة : 405/5.

الكشف والشهود واليقين والموحدين المخلصين مع أنهم من الضالين المكذبين للأنبياء والمرسلين، وتعالى الله عما يقول الظالمون والملحدون علواً كبيراً.

ومنه

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المائة والثانية والخمسين :

الحمد الله الدال على وجوده بخلقه وبمحدث خلقه على أزليته وباشتباههم على أن لا شبه له، لا تستلمه المشاعر ولا تحجبه السواتر، لافتراق الصانع والمصنوع، والحاد والمحدود والربّ والمربوب - إلى أن قال - والبائن لا بتراخي مسافة، والظاهر لا برؤية والباطن لا بلطافة بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه، من وصفه فقد حدّه، وصفه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عده فقد أبطل أزله (1).

وقد مضى شرح هذه الفقرات في محلها، وأقول هنا : إن فيها وجوهاً من الدلالة على بطلان مذهب هذه الملاحدة.

أولها :قوله لا تحجبه السواتر (آه).

فإن هذه الطائفة زعمت أنه سبحانه وتعالى احتجب في مخلوقاته وسرت هويته فيها وصارت صور الموجودات حجاباً ساتراً له.

ويوضح ذلك ما قاله ابن الأعرابي في الفص الإبراهيمي من الفصوص: «إنما سمّي الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليلاً لتخلّله وحصره جميع ما اتصفت به الذات، قال الشاعر :

قد تخللت مسالك الروح مني*** وبه سمي الخ سليل خليلاً

كما يتخلل اللون والمتلون ولتخلل الحق وجود صورة إبراهيم وكل حكم يصح من ذلك.

قال القيصري : أي سمّى الخليل خليلاً لتخلله كما سمي الخمر خمراً لتخميره العقل وتخللها (عَلَيهِ السَّلَامُ) عبارة عن سريانه في المظاهر الإلهية والصفات الربوبية كسريان هوية الحق فيها من حيث اسمه اللطيف ولكون اسم التخلل هنا مجازاً عطف عليه قوله وحصره جميع ما اتصفت به الذات الإلهية وهو الصفات الثبوتية الحقيقية.

والمراد بالروح في البيت المستشهد الروح الحيواني، أي سريت في ذاتي وقلبي كسريان الروح الحيواني في مسالكه، فأورد مثالين أحدهما عقلي كقول الشاعر لأن تخلل


1) الكافي : 140/1 ح 5.

عشق المحبوب مسالك الروح من المحب العاشق عقلي، والآخر حسي كقوله : كما يتخلل اللون المتلوّن أي تخلل الخليل الذات الإلهية بالاختفاء فيها والاتصاف بصفاتها كما يتخلل اللون المتلوّن بسريانه في جميع أجزاء المتلوّن بحيث يكون هو هو في الحس بحيث لا يفرق بينهما بالإشارة الحسية فيكون مكانه عين مكان المتلوّن ولا يكون بينهما امتياز في الحس.

وقوله : ولتخلل الحق عطف على قوله : ولتخلله وحصره أي حصره أي سمي الخليل خليلاً لتخلله ولتخلل الحق بظهور الهوية وسريانها في وجود إبراهيم في الخارج وعينه في العلم وفي كل حكم يصح من ذلك الوجود من الصفات والكمالات اللازمة لتعينه والمراد بالصورة عينه الخارجي.

ثم قال في المتن والشرح : «إعلم أنه ما تخلل شيء شيئاً إلا كان محمولاً ف»يه لأن المتخلل هو الذي ينفذ في الشيء ويدخل في جوهره فالداخل محمول ومستور فيه والمدخول فيه حامل له وظاهره.

«فالمتخلّل إسم فاعل محجوب بالمتخلّل إسم مفعول فإسم المفعول هو الظاهر وإسم الفاعل هو الباطن المستورد وهو غذاء له كالماء يتخلل الصوفة فتربو به وتتسع فإن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه فيكون الخلق جميع أسماء الحق سمعه وبصره وجميع نسبه وإدراكاته وإن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه فالحق سمع الخلق وبصره ويده ورجله وجميع قواه كما ورد في الخبر الصحيح».

قال الفيصري : أي ما دخل شيء في شيء إلا كان الداخل مستوراً في المدخول فيه فالمتخلل الذي هو إسم الفاعل أي الداخل محجوب مستور في المتخلل الذي هو إسم المفعول أي المدخول فيه فالمدخول فيه هو الظاهر والداخل هو الباطن، والظاهر إنما يغتذي من الباطن لأن الفيض عليه لا يحصل إلا منه فالباطن غذاء الظاهر إذ به قوامه ووجوده.

وإذا كان الأمر كذلك لا يخلو إما أن يكون الحق ظاهراً أو الخلق باطناً أو بالعكس، فإن كان الحق ظاهراً أي محسوساً بتجلّيه في مرتبة من مراتب الإسم الظاهر فالخلق مستور فيه وباطنه فيكون الخلق جميع أسماء الحق وصفاته من السمع والبصر والإرادة وغيرها وجميع النسب التي هي تلحقه بالحق شرعاً.

وإن كان الخلق هو الظاهر في مرآة الحق فالحق مستور فيه وباطنه فالحق سمع الخلق وبصره وجميع قواه الباطنة، وهذا نتيجة قرب النوافل والأول نتيجة قرب الفرائض، وإنما جاء باليد والرجلين اللذين من الظاهر مع أن كلامه في الباطن لورود الخبر الصحيح كذلك،

وفي الحديث دليل على أن الحق عين باطن العبد وعين ظاهره، انتهى كلامهما هبط مقامهما.

ومحصل ما قالا كما ترى كون الخلق حجاباً للخالق والخالق حجاباً للخلق وكون كل منهما عين الآخر ومحجوباً به، قد أبطله أمير المؤمنين قد أبطله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : لا تحجبه السواتر، معللاً بافتراق الصانع والمصنوع والحاد والمحدود والربّ والمربوب والمفترقان كيف يكون أحدهما عين الآخر على ما توهمه هؤلاء الجهلة.

والعجب أن الكتاب والسنّة بل جميع الأنبياء والمرسلين ينادون بأعلى أصواتهم وجهوري أقوالهم بتوحيد الخالق والتفريق بينه وبين خلقه، وهؤلاء الملاحدة وقفوا في قبالهم وبالغوا في مقام الإنكار والمكابرة والمعارضة، وأصروا في جعله عينه زاعمين أن ذلك عين التوحيد مع أنه عين الإلحاد والجحود والتشريك، هذا.

مع ما يتوجه على ما قالاه من وجوه الكلام وضروب الملام.

أما أولاً : فلأن نسبة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس من أجل تخلله في وجود الحق وتخلل الحق فيه، بل لأجل كماله في مقام الخلة وهي المودة والصداقة، والخل والخليل الصديق المختص، فلأجل مزید اختصاصه به وكرامته لديه سمّي خليلاً، ولو كان تسمية الخليل بهذا من أجل التخلل في الوجود لما صح إطلاقه على سائر الأخلاء إلا بالمجاز، لأن المعنى الحقيقي - أعني تخلل كل من الخليلين في وجود الآخر غير متصور - فلا بد من ارتكاب المجاز والمصير إلى أن مودة كل منهما بلغت الغاية بحيث تخللت القلب وصارت خلاله وباطنه وبعد البناء على المجاز ففيما نحن فيه أيضاً كذلك فيراد به مزيد الاختصاص لاستلزام كمال المودة ذلك.

وأما ثانياً : فلأن البيت لا شاهد فيه على ما ادعاه إذ المراد به المبالغة في تخلل محبة محبوبه في قلبه بتشبيهها بتخلل الروح، وليس المراد تخلل نفس المحبوب في ذاته كما قال. وبذلك السبب سمّي الخليل خليلاً لكون محبته داخلة في قلب خليله، مضافاً إلى أنه لا دلالة في البيت على أنه أراد بالخليل إبراهيم حتى يستشهد به على المدعا.

وأما ثالثاً : فلأن وجه التسمية لو كان ما زعم لما اختص الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخلة إذ على أصله الفاسد جميع المخلوقات متخللة فيه وهو متخلل فيها لكونها جميعاً مجاليه ومظاهره، وقد صرح بذلك أيضاً أخيراً بقوله : فالمتخلّل محجوب بالمتخلل إلى آخر كلامه، وعلى ذلك فيكون الله سبحانه وتعالى خليل جميع الموجودات من الإنسان والحيوان وغيرهما بجميع أنواعها وأصنافها، وكذلك جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والعياذ بالله ثم العياد بالله خليلاً له، أفيرضى السفيه بهذا الاعتقاد فضلاً عن العاقل ؟!.

وقد صرّح بالعموم أيضاً في الفص الإسماعيلي بقوله :

«فلا تنظر إلى الحق فتعريه عن الخلق***ولا تنظر إلى الخلق وتكسوه سوى الحق»

قال القيصري: أي لا تنظر إلى الحق بأن تجعله موجوداً خارجياً مجرداً عن الأكوان منزهاً عن المظاهر الخلقية عارياً عنها وعن صفاتها، ولا تنظر إلى الخلق بأن تجعله مجرداً عن الحق مغايراً له من كل الوجوه وتكسوه لباس الغيرية وقد قال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كنتم [الحديد: 4]، بل انظر إلى الحق في الخلق لترى الوحدة الذاتية في الكثرة الخلقية وترى الكثرة الخلقية في الوحدة الذاتية.)وأما رابعاً : فلأن أقوله فاسم المفعول هو الظاهر وإسم الفاعل هو الباطن المستور وهو غذاء له فيه إنا لم نر إلى الآن في آية ولا رواية ولا في كلام حكيم أو متكلم أو محدّث أو فقيه ولا عاقل ولا سفيه غير هذا المعتوه إطلاق أن الله غذاء للخلق والخلق غذاء الله، مضافاً إلى فساده في نفسه لأن الغذاء بالمعنى الحقيقي مستحيل إرادته وإن أريد به المجاز على وجه الاستعارة حسبما تمحله القيصري وأشار إليه في قوله والظاهر إنما يغتذي من الباطن لأن الفيض عليه لا يحصل إلا منه فالباطن غذاء الظاهر إذ به قوامه ووجوده فبعد تسليم صحة هذا التجوز والغض عن استكراه الذوق السليم له واستهجانه عنده فيه أنه إنما يستقيم إذا كان الباطن المستور هو الحق لا الخلق، وإلا فيلزم افتقار الحق سبحانه وتعالى إلى الخلق في قوامه ووجوده وهو محال كما هو ظاهر.وقد فضلا غذائية كل منهما للآخر في الفص اللقماني، قال في المتن:«إذا شاء الإله يريد رزقاًله فالكون أجمعه غذاء»«وإن شاء الإله یرید رزقاًلنا فهو الغذاء كما يشاء»قال الشارح : أي إذا تعلقت مشيئته بأن يريد له رزقاً فالكون بأجمعه غذاء له، وقد تقدم أن الحق من حيث أسمائه وصفاته لا يظهر في الشهادة إلا بأعيان الأكوان وإن كان من حيث ذاته مع قطع النظر عن الظهور والبطون والأسماء والصفات غنياً عن العالمين، فالأعيان غذاء له من حيث إظهارها إياه ومن حيث فنائها واختفائها فيه ليظهر بوحدته الحقيقية كفناء الغذاء وانعدامها واختفائها في المغتذي وإن كان باعتبار آخر هو غذاء للأعيان.وإليه أشار البيت الثاني وذلك لأن الغذاء هو ما يغتذي في عين المغتذي ويظهر على صورته ليقوم به والهوية الإلهية هي التي تختفي في أعيان الخلائق وتصير ظاهرة بصورتها مقومة لها، فهي غذاء للأعيان ونسبة الاغتذاء والرزق إليه مع أنه يطعم ولا يطعم ونسبة كونه غذاء لنا بعينها كنسبة بعض الصفات الكونية إليه بقوله : (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا

[البقرة: 245]، ومرضت فلم تعدني وأمثال ذلك مما جاء في الشرع.وهذه النسبة أيضاً من باطن الشرع، فإن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أعطي الكتاب وأمر بإخراجه إلى الخلق فلا ينبغي أن يسيىء أحد ظنه من المؤمنين في حق الأولياء والكاملين في أمثال هذه الأشياء، انتهى.)ومقتضى ما ذكراه من كون الكون بأجمعه غذاء له وبالعكس أن الكلاب والخنازير والميتة ونحوها غذاء له سبحانه وهو غذاء لها إن هو إلا كفر غذاء لها إن هو إلا كفر صريح والحاد صحيح.وما اعتذر به الشارح من ورود أمثال ذلك في الشرع فيه إنا تابعون للشرع فإذا ورد في الشرع وصفه ببعض الصفات الكونية فنحن أيضاً نصفه به لثبوت الإذن فيه من الشارع ونؤوّله على وفق الأصول الشرعية، وأما ما لم يثبت الإذن فيه فنضربه على الجدار فضلاً عما علم بطلانه وفساده من العقل والشرع.وأما قوله : وهذه النسبة أيضاً من باطن الشرع، فإن النبي أعطي الكتاب وأمر بإخراجه إلى الخلق، فأشار به إلى ما ذكره في ديباجة الفصوص بقوله : فإني رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ في مبشرة أُريتها في العشر الآخر من المحرم لسنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق وبيده كتاب فقال لي : هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به انتهى.)ولعمري إن هذه الرؤيا إما إفك وإفتراء لا أصل لها أصلاً، وإنما نسجها من تلقاء نفسه لتفتين مردته الحمقاء وترويج كتاب ضلاله، أو أضغاث أحلام نفثها الشيطان في روعه وألقاها في أمنيته وكيف يمكن أن يؤتيه النبي كتاباً فيه هدم أساس دينه وتخريب بنيان مذهبه وملته ؟.وأما خامساً : فلأن قوله: فالحق سمع الخلق وبصره ويده ورجل وجميع قواه كما ورد في الخبر الصحيح فيه إن هذا الخبر الذي استند إليه هنا وجعله سند مذهبه الفاسد في مقامات كثيرة من كتابه قد قدمنا روايته في ذيل الدليل العقلي وأوردنا في تأويله وجوهاً عديدة موافقة لأصول المذهب ونقلنا عن المحدث العلامة المجلسي هناك أن حمله على ظاهره كما ذهبت إليه هذه الطائفة المبتدعة كفر صريح وشرك قبيح.وأقول هنا: إن أظهر الوجوه المحتملة في معناه هو الوجه الأخير المتقدم ثمة ومحصله أن العبد إذا تقرب إلى ربّه بالفرائض والنوافل صار مقرباً لديه ومحبوباً إليه، فيفاض عليه التوفيقات الربانية ويحيط به الألطاف الإلهية فلا يشاء إلا أن يشاء الله، ولا يصرف حواسه ومشاعره إلا بما فيه رضا مولاه، وبإزاء ذلك من انهمك في الشهوات وغمر في بحر السيئات والخطيئات فيحيط به الخذلان ويكون قلبه عش الشيطان فلا يصرف مشاعره وقواه إلا بما فيه

رضاه فيشركه في سلطانه وينطق بالباطل على لسانه.والحاصل أن مساق هذه الرواية في حق عباد الله المقربين مساق قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في حق عبيد الشيطان المبعدين حيث قال في المختار السابع: اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً واتخذهم له أشراكاً فباض وفرّخ في صدورهم ودبّ ودرج في جحورهم فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم فركب بهم الزلل وزيّن لهم الخطل فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه.)فكما أن المراد بهذا الكلام المجاز والإستعارة قطعاً لا الحقيقة، فكذلك الحديث المذكور كما هو غير خفي على ذوي البصائر إلا أن من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، هذا.ومما وقع التصريح فيه أيضاً في كلام ابن العربي بأن الحق مستور في الخلق والخلق ساتر له ما صريح عبارته في الفص العيسوي فإنه بعدما ذكر كيفية إحياء عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ للموتى ومشاهدة القوم ذلك منه وتحيّرهم فيه في إحيائه لكونه من الخصائص الإلهية قال :)«فأدّى بعضهم إلى القول بالحلول وأنه هو الله بما أحيى به من الموتى ولذلك نسبوا إلى الكفر وهو الستر لأنهم ستروا الله الذي أحيى الموتى بصورة بشرية عيسى».قال القيصري : أي فأدى نظر بعضهم فيه إلى القول بالحلول فقال: إن الله حل في صورة عيسى فأحيى الموتى، وقال بعضهم: إن المسيح هو الله، ولما ستروا الله بالصورة العيسوية المقيدة فقط نسبوا إلى الكفر.«فقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَريم [المائدة: 17]، فجمعوا بين الخطأ وبين الكفر في تمام الكلام كله» أي جمعوا بين الكفر وهو ستر الحق بالصورة العيسوية وبين الخطأ وهو وهو حصر هوية الله في كلمة العيسوية، والمراد بقوله : في تمام الكلام، أي بمجموع قولهم إن الله هو المسيح ابن مريم جمعوا بين الكفر والخطأ.)«لا بقولهم هو الله ولا بقولهم ابن مريم» لأن قولهم: هو الله أو الله هو صادق من حيث إن هوية الحق هي التي تعينت وظهرت بالصورة العيسوية كما ظهرت بصورة العالم كله، وقولهم : المسيح ابن مريم أيضاً صادق لأنه ابن مريم بلا شك لكن تمام الكلام ومجموعه غير صحيح لأنه يفيد حصر الحق في صورة عيسى فقط وهو الباطل لأن العالم كله غيباً وشهادة صورته لا عیسی فقط، انتهى.ومحصل كلامهما أن النصارى القائلين بالحلول إنما أرادوا بذلك أن لاهوتية الإله

تغیبت بناسوتيّة عيسى فاستتر الحق بالصورة العيسوية كما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ [المائدة: 17]، فإن المراد بالكفر هنا معناه اللغوي وهو الستر لا الإصطلاحي، فيكون معنى الآية: إن الذين قالوا إن الله هو المسيح قد ستروه به وهم كانوا مصيبين في ذلك القول والاعتقاد لكون الهوية الإلهية مختفية فيه وظهورها بصورته كاختفائها في أعيان الخلائق كلها وظهورها بصورها، لكنهم أخطأوا في حصرهم الحق في صورة عيسى فقط وجعله مظهراً له دون غيره مع أن العالم كله مظهره لا عيسى فقط. والحاصل أن النصارى إنما أخطأوا حيث قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم ولم يقولوا : إن الله هو العالم كله، فلو قالوا كذلك ارتفع عنهم الخطأ والعائية بالمرة.

أقول: هذا ملخص مراد هذا الملحد الضليل الذي أضل كثيراً وضل عن سواء السبيل، فانظر إلى أنه كيف يبدل كلمة الكفر بالإسلام، وكلمة الإسلام بالكفر، ويؤوّل كلام الله الظاهر بل النص في تكفير النصارى إلى معنى تشمئز منه الطباع وتنفر عنه الطباع وتنفر عنه الأسماع.

فيا عجباً عجباً وما لي لا أعجب من أن الله سبحانه وتعالى إنما حكم بكفر النصارى ولعنهم وطردهم وإبعادهم من أجل قولهم بحلوله في عيسى فقط فكيف بمن يقول بحلوله في جميع الأعيان والأكوان حتى الكلاب والخنازير ؟ نعوذ بالله ثم نعوذ بالله من هذا الاعتقاد الفاسد، ولعن الله المعتقدين به وعذبهم عذاباً أليماً لا يعذبه أحداً من العالمين.

الوجه الثاني من وجوه الدلالة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الظاهر لا برؤية والباطن لا بلطافة (1).

يعني أنه ظاهر بلا اقتراب وباطن بلا حجاب وبعبارة أخرى أنه عزَّ وجل ظاهر بآياته ومحتجب بذاته وليس ظهوره كظهور سائر الأشياء بأن يكون مرتباً بحاسة البصر، ولا بطونه بلطافة قوامه كالهواء والروح ونحوهما حسبما عرفت تفصيلاً في مقامه وإليه أشار سبحانه بقوله: وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير [الأنعام: 103].)وقال الرضا عليه التحية والثناء في الحديث الذي رواه في (البحار من التوحيد والعيون عن الحسين بن خالد عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير أسمائه سبحانه وتعالى وبيان أن إطلاقها عليه عزّ وجل ليس على الوجه الذي يطلق على غيره وأن المعنى الذي يراد عند إطلاق اسم عليه سبحانه مخالف للمعنى المراد عند إطلاقه على غيره، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :)وأما الظاهر فليس من أجل أنه على الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتستم لذراها،


1) نهج البلاغة : 2/ 40 ح 152، وميزان الحكمة: 1917/3 ح 2656.

ولكن ذلك لقهره ولغلبته الأشياء وقدرته عليها - إلى أن قال - ووجه آخر أنه الظاهر لمن أراده لا يخفى عليه شيء وأنه مدبّر لكل ما يرى فأي ظاهر أظهر وأوضح أمراً من الله تبارك وتعالى فإنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت وفيك من آثاره ما يغنيك والظاهر منا البارز بنفسه والمعلوم بحده فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى.وأما الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علماً وحفظاً وتدبيراً كقول القائل : بطنته أي خبرته وعلمت مكتوم سره، والباطن منا بمعنى الغائر في الشيء المستتر فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى، الحديث (1.)فقد علم بذلك كله بطلان ما زعمه الصوفية فإنهم يقولون : إن ظهوره عبارة عن ظهوره بصور الموجودات كما حكينا عن القيصري فيما سبق من قوله : إن حقيقة الوجود إذا أخذت بشرط الصور الحسية الشهادتية فهي مرتبة الاسم الظاهر المطلق، وأن بطونه عبارة عن تخلّله واحتجابه بالخلق حسبما عرفت قريباً، وعلى قولهم فيكون ظهوره برؤية البصر له في مجاليه ومظاهره وبطونه للطاقته وسراية هويته في الموجودات واختفائه فيها.وقد أشار إلى تفصيل ذلك ابن العربي في الفص اليهودي حيث قال :«فالعالم صورته وهو روح العالم المدبّر له، فالعالم هو الإنسان الكبير، فالعالم من حيث إنه عالم صورة الحق والحق روحه المدبر له فالعالم هو الإنسان الكبير فهو الكون كله وهو الواحد الذي قام كوني بكونه ولذا قلت يغتذي فوجودي غذاؤه و به نحن نغتذي».قال القيصري: أي الحق : أي الحق هو الوجود كله وهو الواحد بحسب الذات والحقيقة والقيوم الذي قام وجودي ووجود العالم كله بوجوده وذاته وقوله : ولذا إشارة إلى قوله : قام كوني بكونه، أي ولأجل أن وجودي قائم بوجوده ووجوده ظاهر بوجودي نسبت الغذاء إليه فغذاؤه وجود العالم وغذاء العالم وجوده وأسماؤه لأن الغذاء عبارة عما به بقاء المغتذي في الخارج وذلك باختفائه وظهوره على صورة من يغتذي ولا شك أن وجودنا يحصل باختفاء هويته فينا وظهوره بصورنا وبقائنا أيضاً يحصل بإيصال الفيض الدائم إلينا كذلك أعيان العالم يختفي في ذاته ويظهر وجوده وأسماؤه وأحكامها في الخارج.إلى أن قالا بعد جملة من ترهاتهما :«إذ هو الظاهر وهو باطنها إذ هو الباطن»، لأن الحق هو الظاهر وظاهريته بصور العالم والحق باطنها، لأنه هو الباطن كما أنه هو الظاهر «وهو الأول إذ كان ولا هي» أي الحق هو


1) الكافي: 122/1 ح 2، والبحار : 178/4 ح 5.

الأول لأنه كان وليس صور العالم موجودة كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: كان ولا شيء معه، «وهو الآخر إذ كان عينها عند ظهورها» أي هو الآخر لأنه عين أعيان العالم وصورها عند ظهورها في الخارج «فالآخر عين الظاهر والباطن عين الأول».)قال القيصري: الآخر يطلق على معنيين :أحدهما ما ذكره هنا وهو كون الحق عين الأعيان الخارجية الموجودة في الخارج لأنه آخر المراتب.وثانيهما كون الأعيان مستهلكة في الحق بالفناء فيه، فعلى الأول الآخر عين الظاهر والباطن عين الأول لكون الحق باطناً أولاً ولا ظهور للأشياء إلى أن قالا :«وإذا كان الحق وقاية للعبد بوجه »وهو كون الحق ظاهر العبد «والعبد وقاية للحق بوجه» وهو كون العبد ظاهر الحق «فقل في الكون ما شئت إن شئت قلت هو الخلق» كما يقول المحجوبون باعتبار صفات النقص «وإن شئت قلت هو الحق» كما يقول الموحدون باعتبار صفات الكمال «وإن شئت قلت هو الحق والخلق» باعتبار الجمع بين الكمال والنقصان «وإن شئت قلت لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه» كما يقول المحققون الجامعون بين المراتب الإلهية والعبودية «وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك» كما قيل : العجز عن درك الإدراك إدراك.«فقد بانت تبعيتك المراتب ولولا التحديد ما أخبرت الرسل بتحوّل الحق في الصور ولا وصفته بخلع الصور عن نفسه فلا تنظر العين إلا إليه ولا يقع الحكم إلا عليه».قال القيصري: لما كان كون الحق عين الأشياء يوجب التحديد قال : ولولا التحديد واقعاً في نفس الأمر ما أخبرت الرسل بأن الحق يتحول في الصور كما جاء في الحديث الصحيح: إن الحق يتجلى يوم القيامة للخلق في صورة منكرة، فيقول: أنا ربكم الأعلى، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيتجلى في صورة عقائدهم فيسجدون له والصور كلها محدودة فإذا كان الحق يظهر بالصور المحدودة ونطق الكتاب بأنه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، حصل العلم للعارف أن الظاهر بهذه الصورة أيضاً ليس إلا هو فلا تنظر العين إلا إليه ولا يقع الحكم إلا عليه إذ لا موجود سواه ليكون مشاهداً إياه بل هو الشاهد والمشهود عليه والحاكم والمحكوم عليه انتهى.ويتوجه عليهما أولاً أن البراهين المحكمة من العقل والنقل قد قامت على استحالة رؤيته سبحانه بحس البصر، وقد تقدم ذكرها مكرراً في تضاعيف الكتاب وقد قال تعالى صريحاً: ﴿وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103]

فنص كلام الحق سبحانه وتعالى ناطق بأن ما قالاه إفك وبهت وافتراء.

وأما ثانياً: فقد عرفت سابقاً وستعرف أيضاً مباينة الحق للخلق ومفارقة الصانع والمصنوع والرب والمربوب والحاد والمحدود، ومع ذلك فكيف يمكن أن يكون الحق وقاية للعبد والعبد وقاية للحق ويتفرع على ذلك بطلان الوجوه الأربعة جميعاً لكونها كلها خلاف ما قاله الأنبياء والرسل والحجج المعصومون سلام الله عليهم أجمعين نعم الحيرة في إدراك ذاته حق من جهة تنزّهه عن التحديد لا بالمعنى الذي توهمه هذا الجاهل فإن حجج الله المعصومين مع كونهم عالمين بحقائق الأشياء على ما هي عليها بالعلم اللدني قد اعترفوا بالعجز عن إدراك ذاته، وقد قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «ما عرفناك حق معرفتك»، فعلم أن عجزهم ليس من جهة استتاره في الخلق واستتار الخلق فيه كما زعمه هذا الضليل (1).

وأما ثالثاً فإن ما نسبه إلى الرسل كذب فاحش والحديث الذي استدل به من أن الحق يتجلى للعبد يوم القيامة (آه) موضوع مجعول لكونه مخالفاً للعقل والنقل والضرورة.

ومثله في الجعل ما رواه الغزالي في آخر كتاب (إحياء العلوم) عن جرير بن عبد الله البجلي قال : كنا جلوساً عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فرأى القمر ليلة البدر فقال : «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته» (2).

وروى عن (صحيح مسلم) عن صهيب قال قرأ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قوله تعالى : (ولِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس : 26]، قال : «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجز كموه، قالوا: ما هذا الموعد ألم يثقل موازيننا وبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؟ قال : فيرفع الحجاب، وينظرون إلى وجه الله عز وجل فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله» (3).

قال الغزالي : وقد روى حديث الرؤية جماعة من الصحابة.

أقول : ولو روى ألف صحابة حديثاً مفيداً لرؤيته سبحانه بحاسة البصر لطرحناه لكونه مخالفاً لنص الكتاب فضلاً عن البراهين الساطعة، نعم لو كان حديثاً معتبراً قابلاً للتأويل أوّلناه كما نؤوّل قوله تعالى: وُجُوهُ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة : 22 - 23] وقوله : (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ﴾ [الأعراف: 143]، ونحوهما بما لا يخالف أصول


1) الفوائد العلية : 393/2.

2) المحلى لابن حزم: 28/30.

3) الديباج على مسلم : 16/6.

المذهب، والله هو الهادي.

الوجه الثالث :من وجوه الدلالة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه.

فإنه صريح في مباينته للأشياء بغلبته واستيلائه عليها وقدرته على إيجادها وإعدامها كما هو شأن الواجب تعالى وبخضوع الأشياء وذلها في قيد الإمكان ورجوعها وافتقارها في وجودها وكمالاتها إليه عز وجل كما هو مقتضى حال الممكن ومع ذلك فكيف يمكن جعل أحدهما عين الآخر على ما ذهب إليه المتصوفة؟.

الوجه الرابع قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من وصفه فقد حدّه - إلى قوله -: فقد أبطل أزله.

وهو صريح في تنزّهه سبحانه عن الأوصاف والحدود الإمكانية فيبطل القول بظهوره في صور الموجودات واتصافه بأوصافها وحدودها وتشكله بالأشكال المختلفة كما هو مذهب الصوفية خذلهم الله تعالى (1).

ومنه

أكثر فقرات الخطبة المائة والثانية والستين:

فمنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها : حدّ الأشياء عند خلقه لها إيانة له من شبهها.

أي أنه تعالى جعل للأشياء عند إيجاده إياها أجزاء وذاتيات إن كان الحد بمعناه المنطقي أو حدوداً ونهايات إن كان بمعناه اللغوي ومحصله أنه تعالى جعلها محدودة مشخصة بحدود معينة تقف عندها ولا يتجاوز عنها إلى غيرها.

وإنما جعلها كذلك ليتميز بعضها عن بعض ويفترق أحدها عن الآخر، لأن الشخص ما لم يتشخص لم يوجد، والوقوف إلى حد معين لا بد له من علة محددة، إذ ماهية الشيء لو كانت مقتضية للانتهاء إلى ذلك الحد المخصوص لكان جميع أفراد تلك الماهية كذلك وليس فليس والعلة المحددة لا بد أن يكون منزّهاً عن الحد، وإلا فيحتاج إلى علة أخرى فيتسلسل.

وبعبارة أخرى الأشياء لكونها ذي ماهية مركبة من الجنس والفصل محدودة الحد المنطقي، ولكونها منتهية إلى حد معين ومقدار مشخص محدودة بالحد اللغوي، وهو من لواحق الكم المتصل والمنفصل اللذين هما من أقسام العرض والواجب تعالى لكونه منزّهاً عن التركيب المستلزم للافتقار لا يكون محدوداً بالحد المنطقي، ولعدم كونه عرضاً امتنع أن


1) التوحيد: 55، والبحار 277/4 .

يكون محدوداً بالحد اللغوي فيكون مبايناً لمخلوقاته منزّهاً عن مشابهتها بنفس ذاته.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الخطبة أيضاً بعد جملة كلام له :

تعالى عما ينحله المتحددون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار وتأثل المساكن وتمكّن الأماكن فالحد لخلقه مضروب وإلى غيره منسوب (1).

وأوضح منهما ما في (البحار) من التوحيد للصدوق بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عن أمير المؤمنين في خطبة طويلة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لما شبهه العادلون بالخلق المبعض في صفاته ذوي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته وكان عزَّ وجل الموجود بنفسه لا بأداته انتفى أن يكون قدروه حق قدره فقال تنزيهاً لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعاً عن قياس المقدرين له بالحدود من كفرة العباد: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر : 67].)ومثل هذه الدلالة على تنزّهه سبحانه من التحديد والتشبيه أخبار كثيرة قريبة من التواتر بل متواترة.مثل ما رواه في (البحار من توحيد الصدوق عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى الرجل - يعني أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)- إن من قبلنا من مواليك قد اختلفوا في التوحيد فمنهم من يقول جسم ومنهم من يقول صورة فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخطه: سبحان من لا يحدّ ولا يوصف ليس كمثله شيء وهو السميع العليم أو قال البصير (2).)وفيه أيضاً عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال لهشام : إن الله تعالى لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه (3).)قال : وروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أيضاً أنه قال: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا يحدّ ولا يحسّ ولا يدركه الأبصار ولا يحيط به شيء، ولا هو جسم ولا صورة ولا بذي تخطيط ولا تحديد (4).)وفيه من التوحيد عن هشام بن إبراهيم العباسي قال : قلت له - يعني أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ- : جعلت فداك أمرني بعض مواليك أن أسألك عن مسألة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ومن هو ؟ قلت:)


1) الكافي: 102/1 ح 5 – 8.

2) التوحيد للصدوق : 80ح 35.

3) الكافي : 104/1 ح 1.

4) التوحيد: 101 – 107.

الحسن بن سهل، قال : وفي أي شيء المسألة؟ قال : قلت: في التوحيد قال: وأي شيء من التوحيد ؟ قال : يسألك عن الله جسم أو لا جسم؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ لي : إن للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب إثبات بتشبيه ومذهب النفي ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفي لا يجوز والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه (1).)وفيه من (التوحيد عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : من شبه الله بخلقه فهو مشرك، إن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافه (2).)وفيه من (العقائد بإسناده عن محمد بن زياد قال : سمعت يونس بن ظبيان يقول : دخلت على أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقلت له : إن هشام بن الحكم يقول قولاً عظيماً إلا أني أختصر لك منه أحرفاً، يزعم أن جسم الله لأن الأشياء شيئان جسم وفعل الجسم، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل، فقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ويله ما علم أن الجسم محدود متناه والصورة محدودة متناهية فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقاً، قال : قلت : فما أقول؟ قال : لا جسم ولا صورة وهو مجسّم الأجسام ومصوّر الصور، ولم يتجزأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص لو كان كما يقول لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ولا بين المنشىء والمنشأ، لكن هو المنشىء فرّق بين من جسمه وصوّره وأنشأه إذا كان لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئاً (3).)قال المحدث العلامة المجلسي بعد روايته ذلك :استدل (عَلَيهِ السَّلَامُ على نفي جسميته تعالى بأنه لو كان جسماً لكان محدوداً بحدود متناهياً إليها لاستحالة لا تناهي الأبعاد وكل محتمل للحد قابل للانقسام بأجزاء متشاركة في الاسم والحد فله حقيقة كلية غير متشخصة بذاتها ولا موجودة بذاتها إذ هو مركب من أجزاء حال كل واحد منها ما ذكر فيكون مخلوقاً، أو بأن كل قابل للحد والنهاية قابل للزيادة والنقصان لا يتأبى عنهما في حد ذاته وإن استقر على حد معين فإنما استقر عليه من جهة جاعل.)ثم استدل (عَلَيهِم السَّلَامُ بوجه آخر وهو ما يحكم به الوجدان من كون الموجد أعلى شأناً وأرفع قدراً من الموجد، وعدم المشابهة والمشاركة بينهما وإلا فكيف يحتاج أحدهما إلى العلة دون الآخر؟ وكيف صار هذا موجداً بدون العكس؟ ويحتمل أن يكون عدم المشاركة والمشابهة)


1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : 2/ 105 ح 1.

2) الكافي : 106/1.

3) راجع البحار: 302/3.

فيما يحتاج إلى العلة فيحتاج إلى علة أخرى انتهى (1.)فقد علم بذلك كله كونه سبحانه منزهاً عن الحد والشبه وأنه يجب تنزيهه عن التحديد والتشبيه، وأن القائل بهما كافر مشرك.وذهب محيي الدين على أصله الفاسد إلى أن القول بهما عين التوحيد والقائل بهما مؤمن موحد كامل والنافي لهما عنه تعالى جاهل، وتبعه على ذلك القيصري.قال في «الفصوص»، في الفص النوحي :«إعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد والمنزه إما جاهل وإما صاحب سوء أدب».قال القيصري : إعلم أن التنزيه إما أن يكون عن النقائص الإمكانية فقط أو منها ومن الكمالات الإنسانية أيضاً، وكل منهما عند أهل الكشف والشهود تحديد للجناب الإلهي وتقييد له، لأنه يميز الحق عن جميع الموجودات ويجعل ظهوره في بعض مراتبه وهو ما يقتضي التنزيه دون البعض وهو ما يقتضي التشبيه كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغير ذلك، وليس الأمر كذلك فإن الموجودات بذواتهم ووجوداتهم وكمالاتهم كلها مظاهر للحق وهو ظاهر فيهم ومتجلّي لهم وهو معهم أينما كانوا فيه ذواتهم ووجودهم، وبقاؤهم وجميع صفاتهم، بل هو الذي ظهر بهذه الصور كلها فهي للحق بالأصالة وللخلق بالتبعية، فالمنزه إما جاهل بالأمر على ما هو عليه أو عالم بأن العالم كله مظهره، فإن كان جاهلاً وحكم بجهله على الله وقيده على بعض مراتبه فهو جاهل وصاحب سوء أدب، وإن كان عالماً به فقد أساء الأدب مع الله تعالى ورسله بنفيه عنه ما أثبته هو لنفسه في مقامي جمعه وتفصيله.هذا في مقام الإلهية، وأما في مقام الأحدية الذاتية فلا تشبيه ولا تنزيه إذ تعدد فيه بوجه أصلاً، قال الشيخ - يعني محيي الدين - في (عنقاء المغرب مخاطباً للمنزه : وغاية معرفتك به أن تسلب عنه نقائض الكون وسلب العبد عن ربه ما لا يجوز عليه راجع إليه وفي هذا المقام قال من قال سبحاني دون التواني سبحاني دون التواني هيهات وهل يعرى من شيء إلا من لبسه أو يؤخذ شيء إلا من حبسه؟ ومتى لبس الحق صفات النقص حتى تسلبها عنه أو تعريه؟ والله ما هذه حالة التنزيه، فالتنزيه راجع إلى تطهير محلك لا إلى ذاته وهو من جملة منحه لك وهباته والباري منزه عن التنزيه فكيف عن التشبيه؟)


1) أضواء على الصحيحين: 155، ومسند أحمد: 11/4.

قال الماتن: «ولكن إذا أطلقاه وقالا به فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزّه ووقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك فقد أساء الأدب وأكذب الحق والرسل صلوات الله عليهم وهو لا يشعر ويتخيل أنه في الحاصل وهو في الفائت، وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض».قال الشارح : أي الجاهل وصاحب سوء الأدب إذا أطلقا التنزيه وقالا به كل منهما إما أن يكون مؤمناً بالشرائع والكتب الإلهية أو غير مؤمن، فالمؤمن إذا نزه الحق ووقف عنده ولم يشبّه في مقام التشبيه ولم يثبت تلك الصفات التي هي كمالات في العلم فقد أساء الأدب وكذب الرسل والكتب الإلهية فيما أخبر به عن نفسه بأنه الحي القيوم السميع البصير ولا يشعر بهذا التكذيب الصادر منه ويتخيل أن له حاصلاً من العلوم والمعارف وأنه مؤمن وموحد وما يعلم أنه فائت منه وهو كمن آمن ببعض وهو مقام التنزيه وكفر ببعض وهو مقام التشبيه، وغير المؤمن سواء كان قائلاً بعقله كالفلاسفة أو لم يكن كمقلديهم المتفلسفة فقد ضل وأضل، لأنه ما علم الأمر على ما هو عليه وما اهتدى بنور الإيمان الرافع للحجب وإنما ترك هذا القسم لظهور بطلانه انتهى كلامهما هبط مقامهما.ومحصله : أن اللازم على المؤمن الموحد أن يكون جامعاً بين مرتبتي التنزيه والتشبيه، بأن ينزهه في مقام التنزيه من النقائص الإمكانية، ويشبهه في مقام التشبيه بأن يثبت له صفات الكمال التي في المخلوقات من السمع والبصر والإرادة والحياة ونحوها، لأن المخلوقات كلها مظاهر له وكمالها كماله بل ليس في الوجود خلق تشاهده العين إلا وعينه وذاته عين الحق الظاهر في تلك الصورة.كما قال في الفص اليهودي : «وما خلق تراه العين إلا عينه حق» وقال في الفصّ الإسماعيلي ما هذه عبارته :«فلا تنظر إلى الحق فتعريه عن الخلق*** ولا تنظر إلى الخلق وتكسوه سوى الحقونزهه وشبهه وقم في مقعد الصدق»قال القيصري: أي لا تنظر إلى الحق فتجعله موجوداً خارجياً مجرداً عن الأكوان منزّهاً عن المظاهر الخلقية عارياً عنها وعن صفاتها، ولا تنظر إلى الخلق بأن تجعل الخلق مجرداً عن الحق مغايراً له من كل الوجوه وتكسوه لباس الغيرية، بل انظر إلى الحق في الخلق لترىالوحدة الذاتية في الكثرة الخلقية وترى الكثرة الخلقية في الوحدة الذاتية، ونزّه الحق الذي الخلق بحسب مقام أحديثه عن كل ما فيه شائبة الكثرة والإمكانية والنقصان، وشبهه أيضاً بكل صفات كمالية كالسمع والبصر والإرادة والقدرة، فإنك إذا جمعت بين التشبيه والتنزيه كما هو عادة الكاملين فقد قمت مقام الصدق وهو مقام الجمع بين الكمالين.وأوضح ذلك في الفص الإلياسي وشرحه بقوله :

«وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي كملت معرفته بالله فنره في موضع وشبه في موضع» أي نزه في موضع التنزيه تنزيهاً حقانياً وشبه في موضع التشبيه تشبيهاً عيانياً فيكون تنزيهه تنزيه الحق وتشبيهه تشبيه الحق.«ورأى سريان الحق بالوجود في الصور الطبيعية والعنصرية فما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها وهذه المعرفة التامة فلا يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه».وذلك لأن كل ما نزهته عنه من النقائص فهو ثابت له عند ظهوره في المراتب الكونية وهو التشبيه، وكل ما شبهته به وأثبت له من الكمالات فهو منفي عنه في مرتبة أحديته وهو التنزيه، وعلى ذلك فلا يجوز للمؤمن أن يقتصر في مقام التوحيد على التنزيه فقط.أما :أولاً: فلأن التنزيه عن التحديد والتشبيه عين التحديد لأن التميز عن كل شيء محدود بتمايزه عنها.وأما ثانياً : فلأنه جهل بالله الكريم حيث أنه قيده في بعض مراتبه وميزه عن سائر مجاليه ومظاهره.وأما ثالثاً : فلأنه أساء الأدب مع الله ومع رسوله حيث لم يثبت له صفات الكمال التي له في مجاليه.وأما رابعاً: فلأنه كذب الله ورسوله فيما أخبرا به من اتصافه بصفات الكمال، هذا.وأنت خبير بتدليس هذا الجاهل الضليل وتلبيسه الباطل بصورة الحق والحق بصورة الباطل، غير خفي على الفطن العارف لأن العقل والنقل والأنبياء والرسل جميعاً متفقون على تنزهه سبحانه عن النقائص الإمكانية وعن اتصافه بصفات المحدثات وعن مشابهة المخلوقات وقد نزّه ذاته وهو أعلم به من غيره في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَها واحِداً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31]، وقال أيضاً : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوا كَبِيرًا [الإسراء : 43]، وقال: فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء : 22]، وقال: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: 180]، وقال : (أم لَهمَ إِلَاهٌ غَيْرُ الله سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الطور : 42]، إلى غير هذه من الآيات البينات. وأما الوجوه التي استند إليها في عدم جواز الاقتصار على التنزيه فكلها فاسدة.

أما الوجه الأول: فلمنع كون التنزيه موجباً للتحديد إذ معنى التنزيه هو إبداء المغايرة بين الحق والخلق من أجل اتصاف الخلق بصفات النقصان وعوارض الإمكان، وكون الحق بريئاً

منها من حيث وجوب وجوده وكونه تاماً فوق التمام.

وبعبارة أخرى جعله سبحانه خلوّاً من خلقه وخلقه، خلوّاً منه من أجل كون الخلق محدوداً والحق منزّهاً عن الحد، فحقيقة التنزيه هو إظهار كونه مبايناً لمخلوقاته مفارقاً لها بنفس ذاته الأقدس الأعلى من أجل اتصافها بالحدود والنهايات وذلك لا يوجب كونه محدوداً بوجه أصلاً لا بالحد الاصطلاحي ولا بالحد اللغوي.

وإن أراد بقوله : إنه عين التحديد إن فيه تميز الحق عن كل ما سواه لما فيها من القصور والنقصان والمحدودية بحدود الإمكان، فهذا هو محض الإيمان المطلوب عقلاً وشرعاً، فلا معنى للاستناد إليه في عدم الجواز.

بل أقول: إن عمدة الغرض من التنزيهات الواردة في الكتاب المبين والصادرة عن ألسنة الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والحجج المعصومين سلام الله عليهم أجمعين ليس إلا تنزيهه سبحانه وتقديسه تعالى عما نسبته إليه عزَّ وجل هذه الطائفة المضلة الضالة من ظهوره في صور الموجودات واتصافه بصفات المحدثات فتعالى الله عما يقول الظالمون وسبحان الله ربّ العرش عما يصفون.

وأما الوجه الثاني : فلمنع كونه جهلاً بل هو محض العلم والعرفان والتوحيد والإيمان، وإنما الجاهل من قال بتجليه في مخلوقاته وبظهوره في صور مصنوعاته.

وأما الوجه الثالث : فلان سيء الأدب من قال : سبحاني ما أعظم شاني، لامن قال :سبحان الله وسبحان ربي ومن قال : إني أنا الله وليس في جبتي سوى الله لا من قال: لا إله إلا الله.

وأما الوجه الرابع : فلأن المكذب للأنبياء والرسل أمثال هذا الجاهل القائل بتجليه في مخلوقاته واتصافه بصفات محدثاته لا القائل بتنزهه عن مجانسة مخلوقاته واتصافه بنعوت العظمة والجلال وصفات العزّة والجمال بذاته، وبعبارة أخرى المكذب للرسل والأنبياء من نزّه وشبه وقال : إنه كل الأشياء لا من قدّس ونزّه وقال : إنه ليس كمثله شيء وإنه شيء لا كالأشياء.

والحاصل: أنا ننزهه من مشابهة غيره في ذاته وصفاته ونصفه بصفات الكمال بذاته، ونقول : إنه حي قيوم عالم سميع بصير قادر خبير بمعنى أجلّ وأعلى على ما نبه عليه الحجج المعصومون في (شرح الأسماء الحسنى)، ونقدّسه من صفات المخلوق مطلقاً كانت صفة نقصان كالعجز والحاجة والافتقار أو صفة كمال كالعلم والإرادة والقدرة والاختيار، فإن هذه الصفات وإن كانت كمالات للمخلوق إلا أن إثباتها للخالق بالاعتبار الثابت للمخلوق

موجب لاتصافه بصفات المحدثات، فتكون بالنسبة إليه تعالى نقصاً لا كمالاً.

وهذا هو الذي دلّ عليه السنّة والكتاب وصرح به الأئمة الأطياب، وحققه العلماء الراسخون وأولو الألباب.

وأما ما قاله هؤلاء الجهال من أن صفات كماله هو عين صفات الكمال في مخلوقاته لكونها مجاليه ومظاهره فمما لم يرد به كتاب ولا سنّة، بل هو إفك وفرية بينة، وقد قال سبحانه: أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرُ أَمِ اللهُ الْوَعِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءُ سَمّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: 39-40].)وبالجملة، فحالنا وحال هؤلاء كما قال تعالى في كتابه، فنحن نقول : ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَدْعُوا مِن دُونِهِ إلَاهَا لَقَد قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ وَالِهَةً لوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانِ بَيْنِ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا [الكهف: 14- 15 ].

وقد علم بذلك كله أن التنزيه ينافي التشبيه والتشبيه ينافي التنزيه بل ليس الغرض من التنزيه إلا التنزيه من التشبيه.

فظهر به آن ما قاله ابن العربي من أنه لا يمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه ولا تشبيه عن تنزيه غلط صرف وخبط واضح.

وأفحش من ذلك غلطاً وشططاً كلامه الذي حكاه القيصري عن كتابه المسمى بـ (عنقاء المغرب):

فإن قوله : إن تنزيه العبد لربه راجع إلى تنزيهه لنفسه، وإن معنى سبحان الله سبحاني لأن الله سبحانه لم يكن متصفاً بصفات النقص حتى ينزّه عنها ولا متلبساً بها حتى تسلب عنه ويعرى منها، وإنما المتصف بها هو المنزه بنفسه فهو المحتاج إلى التنزيه دون ربه فقول باطل وكلام فاسد ومن الفساد بمكان.

أما أولاً : فلأن تنزيه الرب من النقائص لا يستلزم إتصافه بها في الواقع أولاً، ثم يسلب لأن القضية السلبية لا تستلزم الإيجاب وإلا لم يصح قوله تعالى : (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذَ وَلَدًا وَلَوْ يَكُن لَمُ شَرِيكُ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾ [الإسراء : 111]، وبعد التنزل نقول : إن المراد به تنزيهه عما وصفه به أهل الكفر والضلال ونسبه إليه السفهاء والجهال من المشبهة والمجسّمة والإيصانية والمتصوّفة وغيرها من الجهال ولذلك قال تعالى في كتابه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون: فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء 22]، وقد قال : (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 68].

وأما ثانياً : فلأن قوله تنزيه الرب راجع إلى تنزيه نفس المنزه وتطهيره محله لا يقوله إلا سفيه أو مجنون، لأن العيب والنقصان من لوازم ذات الممكن فكيف ينزه المنزه نفسه عنهما؟

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بقية كلامه الذي نقلناه عن الفص النوحي.

قال بعد جملة من ترهاته: «فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبّر للصورة فيؤخذ في حد الإنسان مثلاً باطنه وظاهره وكذلك كل محدود فالحق محدود بكل حد».

قال :القيصري : أي إذا كان العالم صورة الحق وهو روحه فنسبة الحق إلى كل ما ظهر من صور العالم نسبة الروح الجزئي المدبّر للصورة المعينة إليها في كونه مدبراً، ولما كان ظاهر العالم ظاهر الحق وباطنه باطن الحق والباطن والظاهر مأخوذ في تعريف الإنسان وتحديده لأنه معرف بالحيوان الناطق، والناطق باطنه والحيوان ظاهره والهيئة الاجتماعية الحاصلة من الجنس والفصل ظاهره الذي به سرى الأحدية فيه وحقائقهما المشتركة والمميزة باطنه والحق مأخوذ في حده، وكذلك كل محدود إذ لا بد في كل من المحدودات من أمر عام مشترك وأمر خاص مميز وكلاهما ينتهيان إلى الحق الذي هو باطن كل شيء، فالحق محدود بكل حد لأن كل ما هو محدود بحد مظهر من مظاهره ظاهره من اسمه الظاهر، وباطنه من اسمه الباطن، والمظهر عين الظاهر باعتبار الأحدية فالحق هو المحدود.

قال الماتن: «وصور العالم لا ينضبط ولا يحاط بها ولا يعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورة فلذلك يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده إلا ويعلم حد كل صورة، وهذا محال حصوله فحد الحق محال».

قال الشارح: أي صور العالم وجزئياته مفصلةً غير منضبطة ولا منحصرة والحدود لا تعلم إلا بعد الإحاطة بصور الأشياء وحقائقها، فالعلم بحدودها محال، فحد الحق من حيث مظاهره أيضاً محال.

قال الماتن : «وكذلك من شبهه وما نزّهه فقد قيده وحدده وما عرفه ومن جمع معرفته بين التنزيه والتشبيه ووصفه بالوصفين على الإجمال لأنه يستحيل ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور فقد عرفه مجملاً لا على التفصيل»، انتهى.

ومحصله : أن الحق محدود بحدود غير متناهية لا يمكن معرفتها تفصيلاً بل إجمالاً، وذلك لأنه باطن العالم وصور العالم الذي هو مظهره غير متناهية ولا منضبطة وحدودها كذلك لأن كل صورة فلها حد معين فيعدد الحدود بتعين الصور وبتعدد حدودها يتعدد حدود الحق فلا يمكن معرفتها إلا إجمالاً كما لا يمكن معرفة صور العالم وحدود تلك الصور إلا كذلك.

وقوله : (وكذلك من شبهَهُ) (آه) عطف على ما سبق أي كما أن التنزيه بدون التشبيه عين التحديد والتقييد ومستلزم للجهل، فكذلك العكس فمن شبهه ولم ينزهه فقد قيده بما يقتضيه التشبيه وحدده بحدود المظاهر، فلم يعرفه حق المعرفة لخلق معرفته من التنزيه، فالعارف من جمع بين التنزيه والتشبيه ووصفه بهما على الإجمال لأن معرفة صور العالم التي نقيضها التشبيه غير ممكنة تفصيلاً حسبما عرفت هذا محصل كلامه وقد عرفت فساده بما لا مزيد عليه.

وقالا في الفص اليهودي وشرحه : «وما رأينا قط من عند الله تعالى في حقه تعالى في آية أنزلها أو أخبار عنه أوصلها إلينا فيما يرجع إليه إلا بالتحديد تنزيهاً كان أو غير تنزيه أولها العماء الذي ما فوقه هواء ولا تحته هواء وكان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق».

أي أول ذلك التحديد هو المرتبة العمائية التي أشار إليها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عند سؤال الأعرابي : أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ قال : «كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء»(1)، وإنما كان العماء أول التحديدات لأنه لغة عبارة عن الضباب، وفي اصطلاح أهل الله عبارة عن أول أول تعين ظهر للحق بحسب اسمه الجامع الإلهي، وكلاهما محدودان، وهذه المرتبة هي مرتبة الإنسان الكامل فإنه أول ما تعين ظهر بالصورة المحمدية (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ثم فصلها فخلق منها أعيان العالم علماً وخارجاً.

«ثم ذكر أنه استوى على العرش فهذا تحديد أيضاً» لأن الإستواء عليه ظهور الإسم الرحماني في صورة العرشية وهو أيضاً تحديد لأنه يتعين يتعين فيظهر فيها.

«ثم ذكر أنه ينزل إلى السماء الدنيا فهذا تحديد» أي ذكر الحق بلسان نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ والنزول إلى المقام المعين تحديد.

«ثم ذكر أنه في السماء وأنه في الأرض» كما قال : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وكونه في السماء وفي الأرض تحديد.

«وأنه معنا أينما كنا» أي وذكر معنا كما قال : وهو معكم أينما كنتم.

«إلى أن أخبرنا أنه عيننا» أي حدد نفسه إلى أن جعله أعيننا كما قال: كنت سمعه وبصره الحديث.

«ونحن محدودون فما وصف نفسه إلا بالحد وقوله : (ليس كمثله شيء)، حد أيضاً إن أخذنا (الكاف) زائدة لغير الصفة» أي لا تكون للتشبيه ليفيد ليس مثل مثله شيء.


1) روضة الواعظين 370، والبحار 297/3.

«ومن تميز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس عين هذا المحدود، فالإطلاق من التقييد تقييد والمطلق مقيد بالإطلاق لمن فهم وإن جعلنا (الكاف) للصفة فقد حددناه» أي على التقديرين يلزم التحديد، أما على الأول فلأن الممتاز عن المحدود لا يكون إلا محدوداً بكونه ممتازاً عنه كما أن الإطلاق المقابل للتقييد أيضاً تقييد بعدم التقييد والمطلق مقيد بالإطلاق، وأما على الثاني فلأن نفي مثل المثل إثبات للمثل وهو محدود فما يماثله أيضاً محدود.

«وإن أخذنا (ليس كمثله شيء) على نفي المثل تحققنا بالمفهوم وبالأخبار الصحيح أنه عين الأشياء والأشياء محدودة وإن اختلفت حدودها» أي وإن حملنا على نفي المثلية مطلقاً سواء كان زائداً أو غير زائد مع عدم القصد بوجود المثل بل المقصود المبالغة في التنزيه كما يقال : مثلك لا يغضب، والغرض نفي الغضب منه يلزم التحديد أيضاً، لأن ما يمتاز عن الشيء محدود بامتيازه عنه فسلب المثلية تحدده وهو المراد بقوله : (تحققنا بالمفهوم) أي علمنا حقيقته بالمفهوم من الآية أنه محدود وكذلك تحديده بالخبر الصحيح، وهو: كنت سمعه وبصره الحديث. لأنه صار عين الأشياء والأشياء محدودة بحدود مختلفة وأن في قوله : (وإن اختلفت حدودها) للمبالغة.

«فهو محدود بحد كل محدود فما يحد شيء إلا وهو حد للحق» لما كان الحد عبارة عن التعيين والحد الاصطلاحي إنما إنما يسمى بالحد لأنه أيضاً يعين الشيء ويميزه عن غيره نقل الكلام إلى الحد الاصطلاحي الموجب لتعين الأشياء في العقل وإنما جعله محدوداً بحد كل محدود لأنه عين لكل محدود فحده حد الحق وقوله وهو عائد إلى الحد الذي يدل عليه قوله فما يحد انتهى كلامهما هبط مقامهما.

أقول : فيا الله لهذا الرجل من سوء الاعتقاد والزيغ عن نهج الرشاد والإصرار في ترويج الزندقة والإلحاد، وصرف الآيات المحكمات عن ظواهرها إلى تصحيح عبادة الطاغوت والاستناد إلى المتشابهات في إثبات مذهب هي أوهن من بيت العنكبوت، وقد قال عزَّ من قائل: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ [آل عمران: 7].

فهل يحكم العاقل بدليل متشابه على أن الحق بكل حد محدود؟ أم هل يسلّم القول بوحدة الوجود الذي هو في معنى الكفر والجحود بمجرد الاستناد إلى كشف وشهود؟ وقد عرفت بطلان التشبيه والتحديد ببرهان متين وبيان لا عليه مزيد.

والأدلة التي استند إليها هنا في إثبات تلك الدعوة غير خفية الفساد على ذوي العقل والنهي.

أما الدليل الأول : وهو حديث العماء ففيه أنه من مجعولات العامة ويدل عليه الأخبار النافية للزمان والمكان عنه تعالى وقد تقدم كثير منها في تضاعيف الشرح مضافاً إلى قيام الدليل العقلي أيضاً على ذلك كما أشار إليه الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في أخبارهم.

مثل ما رواه المحدث العلامة المجلسي (قدّس سِرُّه) في (البحار) من كتاب (روضة الواعظين) قال : روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال له رجل : أين المعبود ؟ فقال : لا يقال له أين لأنه أين الأينية ولا يقال له كيف لأنه كيف الكيفية، ولا يقال له: ما هو لأنه خلق الماهية سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيار أمواج عظمته وحصرت الألباب عند ذكر أزليته، وتحيرت العقول في أفلاك ملكوته (1).

وفيه من كتاب (التوحيد) للصدوق قال : وروى أنه سئل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أين كان ربنا قبل أن يخلق سماء وأرضاً ؟ فقال : أين سؤال عن مكان كان الله ولا مكان؟(2).

وفيه منه بإسناده عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : من زعم أن الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك، لو كان عزّ وجل على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصوراً، ولو كان من شيء لكان محدثاً (3).

قال العلامة المجلسي: قوله : لكان محمولاً أي محتاجاً إلى ما يحمله وقوله: محصوراً أي عاجزاً ممنوعاً عن الخروج من المكان أو محصوراً بذلك الشيء ومحوياً به فيكون له انقطاع وإنتهاء فيكون ذا حدود وأجزاء.

وفيه منه بإسناده عن حماد بن عمرو عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كذب من زعم أن الله عز وجل في شيء أو من شيء أو على شيء (4).

قال الصدوق : الدليل على أن الله عزّ وجل لا مكان أن الأماكن كلها حادثة وقد قام الدليل على أن الله قديم سابق للأماكن، وليس يجوز أن يحتاج الغني القديم إلى ما كان غنياً عنه، ولا أن يتغير عما لم يزل موجوداً عليه فصح اليوم أنه لا في مكان كما أنه لم يزل كذلك.

وتصديق ذلك ما حدثنا به القطان عن أبن زكريا القطان عن ابن حبيب عن ابن بهلول


1) التوحيد للصدوق : 175.

2) الهداية للصدوق : 17، والتوحيد: 178

3) التوحيد : 178 ح 10.

4) التوحيد : 178.

عن أبيه عن سليمان المروزي عن سليمان بن مهران قال قلت لجعفر بن محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): هل يجوز أن تقول إن الله عزّ وجل في مكان ؟ فقال :(عَلَيهِ السَّلَامُ) سبحان الله وتعالى عن ذلك إنه لو كان في مكان لكان محدثاً لأن الكائن في مكان محتاج إلى المكان والاحتياج من صفات الحديث لا القديم (1).

وأما الدليل الثاني : فقد عرفت الجواب عنه في شرح الفصل الخامس من الخطبة الأولى وقلنا هناك : إن المراد بالاستواء في الآية هو الاستيلاء والسلطنة.

وقال أمير المؤمنين في رواية الاحتجاج عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جواب أسئلة الزنديق المنكر للقرآن: يعني استوى أمره وعلا تدبيره.

وأما الدليل الثالث: فهو من مجعولات العامة أيضاً.

ويدل على ذلك صريحاً ما رواه في (البحار) من (الأمالي والتوحيد والعيون) عن الدقاق عن الصوفي عن الروياني عن عبد العظيم الحسني عن إبراهيم بن أبي محمود قال : قلت للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يروي الناس عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال : «إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ؟» فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لعن الله المحرفين للكلم عن مواضعه والله ما قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كذلك إنما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «إن الله تبارك وتعالى يُنزل ملكاً إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأستغفر له؟ يا طالب الخير أقبل ويا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي هذا إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء» حدثني بذلك أبي عن جدي عن آبائه عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)(2).

وفيه من الاحتجاج عن يعقوب بن جعفر الجعفري عن أبي إبراهيم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ذكر عنده قوم زعموا أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل إنما منظره في القرب والبعد سواء لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج إلى شيء بل يُحتاج إليه، وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم، أما قول الواصفين إنه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة وكل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يحرك به فمن ظن بالله الظنون فقد هلك وأهلك،


1) التوحيد : 178.

2) أمالي الصدوق : 496، والبحار : 314/3 ح 7.

فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد من نقص أو زيادة أو تحريك أو تحرك أو زوال أو إستنزال أو نهوض أو قعود فإن الله عزّ وجل عن صفة الواصفين ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين (1).

فانظر إلى هذا الحديث الشريف كيف أبطل ما يقوله الملاحدة بالدليل العقلي، فإن قوله : فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة يريد به أن النزول المكاني إنما يتصور في حق المتحيز وكل متحيز موصوف بالتقدر وكل متقدر متصف بالنقص عما هو زائد منه وبالزيادة على ما هو أنقص منه أو يكون في نفسه قابلاً للزيادة والنقصان، والوجوب الذاتي ينافي ذلك لاستلزامه التجزيء والانقسام المستلزمين للإمكان.

وأيضاً كل متحرك يحتاج إلى من يحركه أو يتحرك به لأن المتحرك إما جسم أو متعلق بالجسم والجسم المتحرك لا بد له من محرك لأنه ليس يتحرك بجسميته، والمتعلق بالجسم لا بد له في تحركه من جسم يتحرك به وهو سبحانه منزّه عن الاحتياج إلى المتحرك وعن التغيّر بمغيّر وعن التعلق بجسم يتحرك به.

وأما الدليل الرابع : فإن معنى الآية الشريفة ليس ما توهمه هذا الجاهل بسوء فهمه واعتقاده، بل بمعنى آخر.

كما نبه عليه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرواية المروية في (البحار) من التوحيد عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم قال : قال أبو شاكر الديصاني : إن في القرآن آية قولنا قلت وما هي ؟ فقال : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ [الزخرف: 84]، فلم أدر بما أجيبه فحججت فخبرت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : هذا كلام زندیق خبيث إذا رجعت إليه فقل له ما اسمك بالكوفة فإنه يقول فلان فقل : ما اسمك بالبصرة فإنه يقول : فلان فقل : كذلك ربنا في السماء إله وفي الأرض إله وفي كل مكان إله، قال : فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته فقال : هذه نقلت من الحجاز (2).)و محصل جوابه (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه تعالى مسمى بهذا الإسم في السماء وفي الأرض، وقال أكثر المفسرين : إن الظرف متعلق بالإله لكونه بمعنى المعبود، وقال البيضاوي في تفسير قوله : (وَهُوَ اللَّهُ في السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام: 3] هو الله الضمير الله والله خبره وفي السماوات وفي الأرض متعلق باسم الله والمعنى هو المستحق للعبادة فيهما لا غير كقوله: وَهُوَ الَّذِى في السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ.)


1) الكافي: 125/1، والبحار : 311/3 ح 4.

2) الكافي : 1/ 129 ح 10، والبحار 323/3.

وروى في (البحار من التوحيد بإسناده عن مثنى الجناط عن أبي جعفر أظنه محمد بن النعمان قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله عز وجل : (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفي الْأَرْضِ)، قال : كذلك هو في كل مكان، قلت بذاته؟ قال: ويحك إن الأماكن أقدار فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول في أقدار وغير ذلك ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق علماً وقدرة وإحاطة وسلطاناً، وليس علمه بما في الأرض بأقل مما في السماء لا يبعد منه شيء، والأشياء له سواء علماً وقدرة وسلطاناً وملكاً وإحاطة (1). وأما الدليل الخامس فالجواب عنه بمثل الجواب عن سابقه، فإن المراد به كونه معنا بالعلم والإحاطة والقيومية.

وأجاب عنها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجواب آخر رواه في (البحار) من الاحتجاج في جواب أسئلة الزنديق المنكر للقرآن، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقوله : «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله»، وقوله : (وهو معكم أينما كنتم)، وقوله : (وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)، فإنما أراد بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على جميع خلقه وأن فعلهم فعله الحديث (2)

وأما الدليل السادس : فقد مرجوابه بما لا مزيد عليه قبل أوراق.

وأما الدليل السابع : فأوهن من الجميع، لأن المراد بالآية هو التنزيه فقط ونفي المثل من جميع الجهات إما بجعل (الكاف) زائدة أو بمعناها الأصلي قصداً للمبالغة في نفي المثل على حد قولهم : مثلك لا يبخل.

روى في (الصافي) من (مصباح المتهجد) في خطبة لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ليس كمثله شيء إذ كان شيء الشيء من مشيئته فكان لا يشبه مكونه (3).

وروى في (البحار) من (روضة الواعظين) عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً أنه قال : اتقوا أن تمثلوا بالرب الذي لا مثل له أو تشبهوه من خلقه أو تلقوا إليه الأوهام أو تعلموا (4)فيه الفكر وتضربوا له الأمثال أو تنعتوه بنعوت المخلوقين فإن لمن فعل ذلك ناراً (5).

وأما ما قاله من إستلزام التنزيه للتقييد والتحديد معللاً بأن الإطلاق من التقييد تقييد والمطلق بالإطلاق مقيد، فقد عرفت فيما سبق ضعفه وأنه غير مستلزم له.


1) البحار : 323/3.

2) البحار : 310/3.

3) تفسير الصافي : 368/4.

4) في نسخة: تعملوا.

5) البحار : 298/3 ح 25 وروضة الواعظين: 37.

ونزيد توضيحاً ونقول : محصل مراده إن الآية محتملة لوجوه ثلاثة :

أحدها : كون (الكاف) زائدة والمراد بها نفي المثل.

والثاني : كونها للتشبيه والمراد بها نفي مثل المثل.

والثالث : كونها للتشبيه أيضاً لكن المراد نفي المثل مبالغة وعلى جميع الوجوه فهي مفيدة للتحديد.

أما على الوجه الأول : فلأن المعنى أنه ليس شيء من الأشياء مثله وشبهه، والأشياء كلها محدودة بالحدود فإذا نفيت مشابهته بها وميزته عنها، فقد أثبت له الحدّ بتنزيهك إذ المتميز عن المحدود محدود بأنه غيره والمغايرة لا تكون إلا بالحدود، فيكون محدوداً بتمايزه عن المحدودات وهو معنى قوله : فالإطلاق من التقييد تقييد (آه).

وأما على الوجه الثاني : فلأنه يفيد إثبات المثل حيث إن المنفي مثل المثل لا نفس المثل والمثل محدود فمثله وهو الله تعالى عن ذلك أيضاً محدود

وأما على الوجه الثالث : فلأنه كالوجه الأول يفيد التحديد بتميزه عن المحدود فعلى جميع الوجوه يثبت كونه محدوداً، وأنت خبير بأن هذا كله ناشيء من قلة الفهم إذ قد عرفت أن المراد بالآية هو نفي المثل على الوجه الأول أو على الوجه الثالث، والمقصود بها التنزيه من التشبيه.

وما توهمه من إستلزام التنزيه للتقييد والتحديد، فهو ظاهر في أنه لم يفهم معنى التنزيه والتمييز ولم يميز بين تمايز الموجودات بعضها عن بعض وبين تمايز الواجب تعالى عنها وافتراقه لها.

فنقول : إن التميز على قسمين :

أحدهما التميز بالحد وهو الذي بين الموجودات فإنها جميعاً لكونها محدودة مركبة من الأجناس والفصول ومشتملة على الأقدار والنهايات يكون تميز كل منها عن الآخر بالحد المخصوص به.

وثانيهما: التميز عن المحدود وهو تميز الواجب عن غيره كائناً ما كان فإن الممكنات بأسرها لما كانت محدودة يكون تميز الواجب عنها بتنزهه عن الحد وهو عبارة أخرى عن وجوب الوجود، فإنه سبحانه لكونه صرف الوجود وكون وجوده عين ذاته وكون تعينه بذاته يكون متمايزاً عما تعينه وتحصله بالحدود فافهم واغتنم وعلى الصراط المستقيم فاستقم.

ومنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المذكورة أيضاً : لا تقدره الأوهام بالحدود والحركات ولا

بالجوارح والأدوات(1).

فإن الفقرة الأولى تدلّ على تنزهه من الحدود حسبما عرفت آنفاً وعلى تنزهه من التحول في الصور كما قال في الفص الإلياسي : يتجلى في القيامة بصورة فيعرف ثم يتحول في صورة فينكر ثم يتحول عنها في صورة فيعرف وهو هو المتجلي في كل صورة ليس غيره انتهى.

وتدل أيضاً على تنزهه من النزول إلى السماء الدنيا ومن التنزل إلى مرتبة الممكنات وسراية هويته فيها حسبما قدمنا حكاية ذلك كله عن هذه الطائفة الضالة.

والفقرة الثانية تدل على تنزهه من الجوارح والأعضاء فتدل على بطلان اتصافه بها وكون أعضاء الإنسان أعضاء له كما قال محيي الدين في غير موضع من «الفصوص».

وصرح به في الفص الهودي إجمالاً بقوله: «فالغير يقول : السمع سمع زيد والعارف يقول : السمع عين الحق وهكذا ما بقي من القوى والأعضاء فما كل أحد عرف الحق فتفاضل الناس وتميزت المراتب» أي تفاضل الناس في العلم بالحق وتميزت مراتبهم فبان الفاضل والمفضول في الخلائق.

وفي الفص السليماني تفصيلاً بقوله : «والعمل ينقسم على ثمانية أعضاء من الإنسان».

قال القيصري وهي اليدان والرجلان والسمع والبصر والجبهة واللسان إذ باليدين يتمكن من التوضيء والتطهر، وعلى الرجلين يقوم في الصلاة ويسعى ويحج، وبالسمع يتمكن من سماع كلام الله وكلام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وبالبصر يتمكن من المشاهدة في جميع أعماله، وباللسان يثني على الله تعالى ويسبّحه ويقرَّ كلامه وبالجبهة يسجد في صلاته.

«وقد أخبر الحق تعالى أنه هوية كل عضو منها فلم يكن العامل فيها غير الحق والصورة للعبد والهوية مندرجة فيه أي في اسمه لا غير».

قال القيصري : أي أخبر الحق بأنه عين كل عضو بقوله : كنت سمعه الذي يسمعه به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها والعامل بحسب الظاهر الشخص وأعضاؤه، والحق عينها فلا يكون العامل غير الحق غير أن الصورة صورة العبد والهوية الإلهية مندرجة في العبد، ولما كانت الهوية إنما تندرج في أسمائه فسر بقوله : أي في اسمه ليعلم أن عين العبد هو أيضاً اسم من أسمائه لا غير ليلزم اندراج الحق في غيره مطلقاً فيتوهم منه الحلول، انتهى كلامهما هبط مقامهما.


1) البحار : 406/4.

وقد عرفت فيما تقدم أن المراد بحديث: كنت سمعه وبصره معنى آخر لا ما توهما، فيبطل جميع ما فرعا عليه.

ومنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المذكورة أيضاً الظاهر لا يقال مما والباطن لا يقال فيما لا شبح فيتقضى ولا محجوب فيحوى (1).

فإنه يدل على أن اتصافه بالظهور والبطون ليس بالمعنى المتبادر منهما في غيره، وعلى أنه لا يتشخص بتشخص الممكنات وصور الموجودات كما هو مذهب هذه الفرقة الضالة حسبما عرفت تفصيلاً، وعلى أنه لا يكون محجوباً بالحجاب فيدل على بطلان ما ذهبوا إليه أيضاً من كونه محتجباً بالخلق على ما عرفت تفصيلاً، وأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى دليل بطلان الاحتجاب بقوله : فيحوى، يعني أنه لو كان محجوباً لكان محوياً وكان حجابه حاوياً له محيطاً به فيكون له انقطاع وانتهاء ويكون ذا حدود وأجزاء وهو باطل.

ومثله ما رواه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (البحار) من (الإرشاد والاحتجاج) عن الشعبي روى أنه سمع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجلاً يقول : والذي احتجب بسبع طباق فعلاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالدرة ثم قال : يا ويلك إن الله أجلّ من أن يحتجب من شيء أو يحتجب عنه شيء، سبحان الذي لا يحويه مكان ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فقال الرجل : أفأُكفّر عن يميني يا أمير المؤمنين؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا لم تحلف بالله فيلزمك الكفارة وإنما حلفت بغيره (2).

ومنه

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (في المختار) المائة والثامن والسبعين حين سأله ثعلب اليماني فقال هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أفأعبد ما لا أرى ؟ قال : وكيف تراه؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان (3).

فإن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا تدركه العيون بمشاهدة العيان يبطل القول بالكشف والشهود وأن الحق بكل صورة مشهود كما قال محيي الدين في الفص الهودي :

«وما خلق تراه العين إلا عينه حق*** ولكن مودع فيه لهذا صورة حق»

قال القيصري: أي ليس خلق في الوجود تشاهده العين إلا وعينه وذاته عين الحق الظاهر في تلك الصورة، فالحق هو المشهود والخلق موهوم، ولذلك يسمى به، فإن الخلق


1) البحار 406/4.

2) الإرشاد للمفيد : 224/1، والاحتجاج : 313/1، والبحار: 310/3.

3) الكافي : 97/1 ح 5.

في اللغة الإفك والتقدير وقال تعالى: (إِن هَذَا إِلَّا أَخَلَاقٌ) [ص: 7]، أي إفك وتقدير من عندكم ما أنزل الله بها من سلطان وقوله : ولكن مودع (آه) أي صور الخلق حق له يضم (الحاء) وهو جمع كالحقاق شبه صور الخلائق بالحقاق والحق بما فيها والصور جمع صورة سكن (الواو) لضرورة.

وقال في ذلك الفص أيضاً : «فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي فلا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد وقواه وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى، فهو أي العبد حقٌّ مشهود في خلق متوهم».

قال الشارح القيصري: أي ظاهر في صورة خلق متوهم وهي الصورة الظلية وقد مر غير مرة أن كل ما يدرك ويشهد فهو حق والخلق متوهم لأن الحق هو الذي تجلى في مرايا الأعيان فظهر بحسبها في هذه الصورة فالظاهر هو الحق لا غير.

«فالخلق معقول والحق محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود وما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول والخلق مشهود» وهم المحجوبون كالحكماء والمتكلمين والفقهاء وعامة الخلائق سوى المؤمنين بالأولياء وأهل الكشف لأنهم أيضاً يجدون في بواطنهم حقيقة ما ذهب إليه الأولياء وإلا ما آمن.

وقال فيه أيضاً : «فلا تنظر العين إلا إليه ولا يقع الحكم إلا عليه قال الشارح : إذ لا موجود سواه ليكون مشاهداً إياه بل هو الشاهد والمشهود والحاكم والمحكوم عليه إلى أن قال : «فمن رأى الحق منه بعينه فذلك العارف» أي فمن رأى الحق الظاهر على صورته من الحق المطلق في عين الحق بعين الحق فهو العارف أو من رأى الحق من نفسه في نفسه بعين الحق فهو العارف «ومن رأى الحق منه فيه بعين نفسه فذلك غير العارف» أي من رأى الحق من نفسه بنفسه بعين نفسه فذلك غير العارف مع أنه صاحب الشهود لعدم اطلاعه على أنه لا يمكن إدراك الحق بعين غيره، «ومن لم ير الحق منه ولا فيه وانتظر أن يراه بعين نفسه فذلك الجاهل» أي من لم ير الحق من نفسه ولا في نفسه وانتظر أن يراه في الآخرة بعين نفسه فهو الجاهل، لأنه من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.

إلى غير هذه من ترهاتهم ومزخرفاتهم التي لا طائل فيها وكلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المختار وغيره مما مر وسيأتي دليل على بطلانها جميعاً.

وأصرح من كلماته (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلها ما رواه في (البحار) من (التوحيد والعيون) عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) علي في خطبة طويلة له خطب بها في مجلس المأمون في توحيد الله سبحانه وتمجيده وتنزيهه قال

(عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها : ظاهر لا بتأويل المباشرة متجلّي لا باستهلال رؤية (1).

التجلي الإنكشاف والظهور يقال : إستهل الهلال بصيغة المعلوم والمجهول أي ظهر وتبين أي ظاهر ليس ظهوره بأن يباشره حاسة من الحواس بل ظاهر بأمارة غالب على كل شيء بقدرته وظاهر أيضاً لا بظهور من جهة الرؤية كما هو زعم هذه الجهلة.

ومنه

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (في المختار) المائة والرابع والثمانين: الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر ولا تحجبه السواتر الدال على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده وباشتباههم على أن لا شبه له.

فإن كلا من هذه الفقرات دليل على بطلان مقالاتهم الزيفة المتقدمة كما لا يخفى على من أحاط خبراً بما قدمناه من ذوي الفطن الثاقبة.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا (المختار) أيضاً : تلقاه الأذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة.

وقد عرفت معناهما في مقامهما وأقول هنا : إن الفقرة الثانية دليل على بطلان قولهم بأن أعيان الممكنات مرايا للحق لظهوره فيها كما أن الحق مرآة لها باعتبار آخر ويستفاد من تقريراتهم أن مرآتيتها بعنوان المحاضرة بل العينية.

وأشار إلى ذلك محيي الدين في الفص اليوسفي إجمالاً وشرحه القيصري تفصيلاً قالا «فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات» أي كل ما تدركه بالمدركات العقلية والقوى الحسية فهو عين وجود الحق الظاهر في مرايا أعيان الممكنات، وقد علمت أن الأعيان مرايا للحق وأسمائه كما أن وجود الحق مرآة للأعيان، فبالاعتبار الأول جميع الموجودات عين ذات الحق والأعيان على حالها في العدم لأن حامل صور الأعيان هو النفس الرحماني والنفس الرحماني إشارة إلى ما قالاه في الفص الهودي وشرحه.

قال الماتن: ولهذا الكرب تنفس فنسب النفس إلى الرحمن قال الشارح: أي لكون الحق ذواته مشتملاً على حقائق العالم وصورها وطلب ملك الحقائق ظهورها حصل الكرب في الباطن ولهذا الكرب تنفّس الحق أي تجلى لإظهار ما في الباطن من أعيان العالم في الخارج فنسب - أي الحق - النفس إلى الرحمن أي إلى الاسم الرحماني بلسان نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في


1) مسند الإمام الرضا (عليه السلام): 122/2.

قوله : «إني أجد نفس الرحمان من قبل اليمن»، والنفس عبارة عن الوجود المنبسط على الأعيان عيناً وعن الهيولى الحامل لصور الموجودات والأول مرتب على الثاني.

لأنه رحم ما طلبته النسب الإلهية من إيجاد صور العالم التي قلنا هي ظاهر الحق أي نسب النفس إلى الرحمن لأن الحق بالنفس الرحماني رحم الأعيان فأعطى ما طلبته النسب الإلهية التي هي الأسماء والصفات من وجود صور العالم التي هي ظاهر الحق، انتهى.

وهو أي النفس الرحماني عين وجود الحق والوجود الإضافي الفائض عليها أيضاً عين الحق فليس المدرك والموجود إلا عين الحق والأعيان على حالها في العلم، وهذا مشرب الموحد، وبالاعتبار الثاني الأعيان هي الظاهرة الموجودة في مرايا الوجود والوجود معقل محض، وهذا مشرب المحجوبين عن الحق ومشرب المحقق الجامع بين المراتب العالم بهما في هذا المقام الجمع بين الحق والخلق بحيث شهود أحدهما لا تحجبه عن شهود الآخر، وذلك لجمعه بين المرآتين، لأن المرايا إذا تقابلت تظهر منها عكس جامع لما فيها، فيتحد ما في المرايا المتعددة بحكم اتحاد انعكاس أشعتها وإلى هذا الاعتبار أشار بقوله :

«فمن حيث هوية الحق هو وجوده» أي فكل ما تدركه من حيث هوية الحق الظاهرة فيه هو عين وجوده «ومن حيث اختلاف الصور فيه» أي في كل ما تدركه «هو أعيان الممكنات» انتهى كلامهما هبط مقامهما.

وأنت قد عرفت فساد ذلك كله مضافاً إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنا بما حققناه سابقاً من أن وجود الحق بذاته مباين لمخلوقاته فكيف يكون أحدهما مرآتاً للآخر على أن مرآتية الأعيان تستلزم التحديد والحواية للحق وعرفت منافاتهما لوجوب الوجود.

ومنه

أكثر فقرات الخطبة المائة والخامسة والثمانين التي تجمع من أصول علم التوحيد ما لا تجمعه خطبة حسبما يعرفه المتدبر الخبير.

فمن جملة هذه الفقرات قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولا حقيقته أصاب من مثله ولا إياه عنى من شبهه.

فإنه صريح في التنزيه من التمثيل والتشبيه وقد عرفت أن هؤلاء يقولون بالجمع بين التنزيه والتشبيه كما قال في الفص النوحي :

فإن قلت بالتنزیه كنت مقيداً***وإن قلت بالتشبية كنت محدداً

وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً***وكنت إماماً في المعارف سيداً

و عرفت فساده بما لا مزيد عليه.

ومنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): كل معروف بنفسه مصنوع وكل قائم في سواه معلول (1).

فإنه مبطل لقولهم بتجلي وجود الحق في العالم وظهوره في مرايا الأعيان.

كما قال في الفص الإبراهيمي : «ويعطيك الكشف أن العالم ليس إلا تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها»

قال القيصري: أي يعطيك الكشف أن الحق هو الذي ظهر في صور العالم وتنوّع بحسب أنواع الأعيان وتصور بصور هذه الحقائق وأحوالها، فالأعيان باقية على عدمها والمشهود هو الوجود الحق لا غير، انتهى.

وهو عبارة أخرى عن قولهم بأن وجود الحق سار في المخلوقات وأنه متخلل فيها مثل تخلل اللون المتلون حسبما قدمنا حكايته عنهما من الفص الإبراهيمي وبينا فساده هناك.

ومنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): غني لا بأستفادة.

يعني أن غناه بذاته لاتصافه بالوجوب لا كسائر الأغنياء مستفيداً للغني من الغير، وإلا لزم أن يكون ناقصاً بذاته مستكملاً لغيره وهو محال، وهذا دليل على بطلان قولهم بأن الحق سبحانه من حيث ذاته الأحدية غني عن العالمين، ولكن من حيث الإلهية والربوبية والقادرية وغيرها من الأسماء والصفات محتاج إليها، وقد صرحا بذلك في مواضع من الفصوص وشرحه.

قال القيصري في شرح الفص العيسوي : قد مر فى أول الكتاب أن الذات الإلهية من حيث أحديتها موصوفة بالغنى عن العالمين ومن حيث الهيتها وأسمائها موصوفة بالافتقار حيث قال : فالكل مفتقر ما لكل مستغن.

وقال محيي الدين الدين في الفص الإبراهيمي : «ثم إن الذات لو تعرّت عن هذه النسب لم تكن إلهاً».

قال القيصري واعلم أن الإله اسم الذات من حيث هي هي مع قطع النظر عن الأسماء والصفات باعتبار، واسم الذات مع جميع الأسماء والصفات باعتبار آخر، والمراد هنا الاعتبار الثاني والإلهية إسم مرتبة حضرة الأسماء والصفات التي هي النسب المتكثرة باعتبارات ووجوه تحصل للذات بالنظر إلى الأعيان الثابتة المتكثرة الثابتة في أنفسها


1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 136/2، وأمالي المفيد : 254.

واستعداداتها، لأن المرتبة كما يستدعي من يقوم بها كذلك يستدعي من يجري عليها أحكامها کالسلطنة والقضاء فلو لم يعتبر هذه النسب لم يبق إلا الذات الإلهية لا يشار إليها بوجه من الوجوه ولا يوصف بنعت من النعوت، وهو مقام الهوية الأحدية التي تستهلك النسب كلها فيه فيكون الحق تعالى إلهاً أي في مرتبة حضرة الأسماء والنسب الإلهية باعتبار أعياننا كما أن السلطان سلطان بالنظر إلى الرعية والقاضي قاض بالنظر إلى أهل المدينة فتلحق هذه النسب إليه بنا.

«وهذه النِّسَبُ أحدثتها أعياننا فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلهاً».

قال القيصري: أي هذه الصفات إنما ظهرت بأعيانها إذ لو لم يكن لما كان يظهر الخالق والرازق والقادر ولا السميع والبصير وغير ذلك من الأسماء والصفات الإضافية وليس المراد بالجعل الأحداث والإيجاد لأنا مجعولون وموجودون فيجعل الحق وإيجاده إيانا تظهر تلك الصفات والمراد بالمألوهية عند هذه الطائفة مرتبة العبودية وبالمألوه العبد لا المعبود لا كما يقول المفسرون من أن الإله بمعنى المألوه وهو المعبود كالكتاب بمعنى المكتوب، ومعناه نحن أظهرنا بعبوديتنا معبوديته وبأعياننا الهيته إذ لو لم يوجد موجود قط ما كان يظهر أنه تعالى إله كما نطق به كنت كنزاً مخفياً، الحديث، فالجعل ليس على معناه الحقيقي بل على معناه المجازي وهذا ليس بلسان أهل الصحو وفيه نوع من الشطح لما فيه من الرعونة الغير اللائقة للمتأوبين بين يدي الرحمن ونظيره كما يقول لسان الرعية والمريد والتلميذ : إن السلطان بوجودي صار سلطاناً وبإرادتي وقراءتي عليه صار الشيخ شيخاً والأستاذ أستاذاً.

وقالا في الفص الشعيبي وشرحه : وأما الإشارة من لسان الخصوص فإن الله وصف نفسه بالنفس بفتح الفاء وهو من باب التنفيس أي وصف بلسان نبيه في قوله : إني أجد نفس الرحمان من قبل اليمن نفسه بأن له النفس وهو مأخوذ من التنفيس لأنه إرسال الهواء الحار من الباطن وإيراد الهواء البارد لترويح المتنفس عن الكرب فالمتنفس إنما يتنفس دفعاً للكرب فنسبة النفس الإلهي بالنفس الإنساني وأضاف الكرب إليه لا من حيث إنه غني عن العالمين بل من حيث إنه رب لهم وكربه طلب الأسماء الإلهية الباقية في الذات الأحدية بالقوة ظهورها وأعيانها فتنفس وأوجد أعيان تلك الأسماء فظهرت الإلهية.

«وإن أسماء الإلهية عين المسمى» أي من حيث الوجود وأحدية الذات وإن كانت غيراً باعتبار كثرتها «وليس إلا هو» أي وليس المسمى إلا عين هوية الحق «وإنها طالبة ما تعطيه الحقائق» أي وأن الأسماء طالبة وجود ما تعطي الحقائق الكونية للحق من الأحكام والصفات الكونية «وليست الحقائق التي يطلبها الأسماء إلا العالم فالألوهية تطلب المألوه» والربوبية

تطلب المربوب لأن كل واحد من أسماء الصفات والأفعال يقتضي محل ولايته ليظهر به كالقادر للمقدور والخالق للمخلوق والرازق للمرزوق وهكذا غيرها والفرق بين الألوهية والربوبية أن الإلهية حضرة الأسماء كلها اسم الذات والصفات والأفعال والربوبية حضرة أسماء الصفات والأفعال، ولذا تأخرت عن المرتبة الإلهية قال تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2].

«وإلاً» أي وإن لم يكن الألوهية والربوبية طالبة للمألوه والمربوب لا يكون شيء منها متحققاً كما لا يتحقق الأبوة إلا بالابن والبنوة إلا بالأب لأنهما من قبيل المتضايفين فلا عين لها إلا به وجود أو تقدير أفلا عين للألوهية والربوبية إلا بالعالم سواء كان موجوداً بالوجود الحقيقي أو مقدراً، «والحق من حيث ذاته غني عن العالمين والربوبية ما لها هذا الحكم» إذ لا غناء لها عن المربوب «فبقي الأمر بين ما تطلبه الربوبية وما يستحقه الذات من الغني عن العالم» أي بقي الشأن بين الغني الذاتي والافتقار الأسمائي فيجب أن ينزل كل منهما على مقامه فنقول : الغنى من حيث الذات لأن العالم كان أو لم يكن لا يحصل التغير في الذات أصلاً بل هي على حالها أزلاً وأبداً عند وجود العالم وعدمه، والافتقار من حيث الربوبية والألوهية.

ولما كانت الربوبية صفة الذات الغنية والصفة عين الموصوف في الأحدية قال : «وليست الربوبية على الحقيقة والاتصاف إلا عين هذه الذات» فللذات الغنى عن العالمين من وجه وهو وجه الأحدية المتعالية عن النسب والإضافات ولها الافتقار إليهم من وجه وهو وجه الواحدية الطالبة للنسب ومظاهرها انتهى كلامهما هبط مقامهما.

وهو كما ترى صريح في افتقاره تعالى في صفاته المضافة إليه سبحانه سواء كانت صفة ذات كالعلم والألوهية والقدرة والربوبية وغيرها أو صفة فعل كالخلق والرزق والإرادة والإماتة والإحياء ونحوها مما هو معاني أسمائه الحسنى إلى غيره، وإن كان غنياً من حيث ذاته الأحدية العارية عن النسب والإضافات.

وهذا زعم فاسد ووهم باطل لما قدمنا في المقدمة التي مهدناها سابقاً للدليل العقلي من أن الواجب تعالى تام فوق التمام وقلنا : إن المراد بتماميته كونه جامعاً للصفات الكمالية كلها وكونها جميعاً حاصلة له بالفعل بنفسه من دون حاجة إلى الغير، لأن الكمالات كلها وجود وهو تعالى عين الوجود، فكيف يكون ناقصاً في ذاته مستكملاً لغيره ومفتقراً بذاته مستغنياً بمخلوقاته ؟

وهو معنى قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): غني لا باستفادة، وقول الحكماء الإلهيين : واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات.

والحاصل إنا نقول : إنه عزَّ وجل إله ومعبود عالم قادر قاهر غالب ربّ رحيم سميع بصير خالق رازق غير مفتقر في اتصافه بهذه الصفات إلى مألوه وعابد ومعلوم ومقدور وهكذا بل كل هذه الصفات ثابتة له في الأزل قبل وجود المخلوقات.

ويدل على ذلك صريحاً قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة التي رويناها عنه في (الكافي) في شرح المختار المائة والثامن والسبعين حيث قال فيها : كان رباً إذ لا وإلهاً إذ لا مربوب مألوه وعالماً إذ لا معلوم، وسميعاً إذ لا مسموع (1).

ومثله بل أصرح منه قول الرضا في الحديث الآتي روايته تماماً المروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (البحار) من (التوحيد والعيون) حيث قال فيه : له معنى الربوبية إذ لا مربوب وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه ومعنى العالم إذ لا معلوم ومعنى الخالق إذ لا مخلوق وتأويل السمع ولا مسموع ليس مذ خلق استحق معنى الخالق ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية (2).

قال المحدث العلامة المجلسي : قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) له معنى الربوبية أي القدرة على التربية إذ هي الكمال، وقوله : إذ لا مألوه، أي من له إلا له أي كان مستحقاً للمعبودية إذ لا عابد وإنما قال : وتأويل السمع لأنه ليس فيه تعالى حقيقة بل يؤول بعلمه بالمسموعات، وقوله : ليس مذ خلق استحق معنى الخالق، إذ الخالقية التي هي كماله هي القدرة على خلق كل ما علم أنه أصلح ونفس الخلق من آثار تلك الصفة الكمالية ولا يتوقف كماله عليه والبرائية، بالتشديد الخلاقية.

فقد علم بذلك أن قول محيي الدين: إن الذات لو تعرّت عن هذه النسب لم تكن إلهاً، وقوله هذه النسب هي التي أحدثتها أعياننا، باطل جداً، وما أعظم جسارته وأقبح هجره في قوله : ونحن جعلناه بمألوهيتنا إلهاً، والشارح القيصري لما رأى فرط شناعته وفظاعته أراد إصلاحه بصرفه عن ظاهره ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر.

وبالجملة فالقول بافتقار الله سبحانه في ذاته أوصافه أو أفعاله إلى مصنوعاته ونقصانه بذاته والتماسه التمام بمخلوقاته إلحاد وجحود وإنكار لوجوب الوجود.

فإن قلت : لعل غرض هؤلاء إن الحق سبحانه كان متصفاً بتلك الصفات في الأزل من دون حاجة إلى غيره، ولكن ظهور اتصافه بها كان موقوفاً على وجود المخلوق ومحتاجاً إليه، وبعبارة أخرى أنه مستغن في ذاته وصفاته عن غيره ولكن في إظهار هذه الصفات وتلك


1) أمالي المفيد : 38، وأمالي الطوسي : 203.

2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) : 296/2، والتوحيد : 340.

النسب والإضافات كان مفتقراً إلى إيجاد الموجودات.

قلت : نسبة الافتقار إلى الله تعالى شأنه بأي اعتبار كان غلط بيّن، نعم إن قلنا إنه عز وجل كان متصفاً بصفات العظمة والكمال غنياً في ذاته وصفاته عن غيره، ثم اقتضى العلم الأصلح والحكمة البالغة إبداع الموجودات وإيجاد الممكنات فخلقهم وأبدعهم على ما شاء وأراد، ولما أفاض الوجود علينا وصرنا موجودين ظهر لنا بما أرانا في الآفاق والأنفس من عجائب قدرته وبدائع صنعته وجوده وعلمه وقدرته وحكمته وإرادته وسائر صفاته الكمالية وعلمنا علماً يقيناً جامعيته لجميع الكمالات التي هي معنى الهيته، كان قولاً حقاً دلّنا عليه الكتاب المبين، وأدلاء الحق من الأنبياء والمرسلين والحجج المعصومين سلام الله عليهم أجمعين وهذا هو الاعتقاد الصواب الذي نطق به السنة والكتاب فيجب أن يُدَان به ويرفض غيره والله الهادي إلى سواء السبيل الحق.

ومنها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): يخبر لا بلسان ولهوات ويسمع لا بخروق وأدوات، يقول ولا يلفظ (1).

وهو مبطل لقولهم بأن الرب يتكلم وينطق بلسان العبد ويسمع بسمعه لتجليه فيه وفي جوارحه عموماً، وقد مر بيان ذلك تفصيلاً.

وصرح محيي الدين بذلك، أي بأن كلامه خصوصاً في الفص العيسوي حيث قال في تأويل قوله تعالى على رأيه الفاسد خطاباً لعيسى: ءأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُتِيَ الَهَيْنِ مِن دُونِ اللّه [الأعراف: 116] ما نص عبارته :)فقال وقدم التنزيه سبحانك فحدد (بالكاف التي تقتضي المواجهة والخطاب.)قال القيصري: أي نزّه الحق أولاً عن مقام فيه وهو العبودية المنعوتية بالإمكان ونقائصه اللازمة له وميز بين مقام الألوهية والعبودية (بكاف الخطاب والمواجهة كما خاطبه الحق بضمير الخطاب، وذلك التنزيه والتميز هو التحديد كما مر في في الفص النوحي.)لذلك قال : فحدد (بالكاف «ما يكون لي من حيث أنا لنفسي دونك أن أقول ما ليس لي بحق أي ما يقتضيه هويتي ولا ذاتي» قد مر مراراً أن لكل موجود جهتين جهة الربوبية وجهة العبودية، والثاني متحقق بالأول فقوله : ما يكون لي أي لنفسي من جهة العبودية والأنانية مجردة من جهة الربوبية والهوية الإلهية، أن أقول ما ليس لي بحق ثابت في نفس الأمر، وقوله أي ما يقتضيه هويتي ولا ذاتي تفسير لقوله : ما يكون لي، ومعناه ما يقتضيه)


1) نهج البلاغة : 132/2، والاحتجاج : 302/1.

عيني وهويتي أن يظهر بدعوى الألوهية من حيث نفسها المتعينة كالفراعنة وإلا ما كنت نبياً ولا من المرسلين.«إن كنت قلته فقد علمته لأنك أنت القائل في صورتي ومن قال أمراً فقد علم ما قال وأنت اللسان الذي أتكلم به» أي أنت القائل في صورتي وأنت اللسان الذي أتكلم به بحكم أنك متجلي في هويتي وعيني، ومحل لها بتلك الكمالات «الكلمات ظ» فهى لك فى الحقيقة وما لي إلا العدم، فإن قلت ذلك تكون أنت القائل والقائل لا بد أن يعلم القول الذي صدر منه.فإن قلت : قوله : لأنك أنت القائل يدل على أن الحق هو المتكلم، وقوله : وأنت اللسان الذي أتكلم به يدل على أن العبد هو المتكلم لا الحق فبينهما منافاة.قلت : الأول إشارة إلى نتيجة قرب الفرائض والثاني إلى نتيجة قرب النوافل وفي الأول المتكلم هو الحق بلسان العبد، وفي الثاني المتكلم هو العبد بلسان الحق، فتغايرت الجهتان.ولما فسره بما هو مناسب الحديث الرباني قال : «كما أخبرنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عن ربه في الخبر الإلهي فقال: «كنت لسانه الذي يتكلم به»، فجعل هويته عين لسان المتكلم ونسب الكلام إلى عبده»، أي قال الله في حق عبده، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه فبي ينطق وبي يبصر وبي يسمع فالمتكلم والسميع والبصير هو العبد لكن بالحق وذلك لأن هذا المقام أي مقام الفناء في الصفات مقام نتيجة النوافل لا مقام الفناء في الذات مقام نتيجة الفرائض.)«ثم تمم العبد الصالح الجواب بقوله: تعلم ما في نفسي» أي تعلم ما في نفسي من هويتك وكمالاتك المتسترة في هويتي وما يخطر في خاطري «والمتكلم الحق» أي والحال أن المتكلم بهذا الكلام هو الحق من مقام تفصيله بلسان عيسى والتاء للخطاب إلى مقام جمعه فهو السامع كما أنه هو المتكلم «ولا أعلم ما فيها فنفى العلم عن هوية عيسى من هويته لا من حيث هو قائل وذو أثر» أي نفى الحق المتكلم بلسان عيسى العلم عن هوية عيسى حتى يكون العلم بها، وذلك النفي من حيث هويته العدمية لا من حيث قائل أو قادر فإنه من هذه الحيثية حق لا غير وإنما قال : ولا أعلم ما فيها ولم يقل ما في نفسك كما في القرآن تنبيهاً على أن نفسه عين نفس الحق في الحقيقة وإن كان غيره بالتعين انتهى كلامهما هبط مقامهما.أقول : فيا الله ولهذين الجاهلين الضليلين كيف يحرفون كلام الله وكلام رسوله عن مواضعه ثم يقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله، ويؤوّلون آيات الكتاب المجيد

الواردة في التوحيد والتمجيد والتنزيه من التشبيه والتحديد إلى كلمة الكفر والشرك والضلال زعماً منهم أن هذا عين الإخلاص والتوحيد الذي غاب عن غيرهم، واختصوا بعرفانه بالكشف والشهود مع أنه عين الشرك والإلحاد والجحود وويل لمن كفره نمرود.قال قطب الدين بن محيي الدين الكوشكتاري وهو من أجل مشايخ الصوفية أيما رجل من أهل الكشف وجدنا أسلوبه في عبارته عن مكاشفاته يغاير أسلوب صاحب الوحي علمنا أنه مدخول وكشفه معلول، وأن الحرص والعجلة دعتاه إلى تركيب ما قذف في قلبه من النور البسيط والتصرف فيه والتخليط ثم إن هذا الأسلوب الذي انتشر في الأرض من صاحبي «الفصوص» و«النصوص» اسلوب هو عن المناسبة والمشابهة بأسلوب صاحب الوحي بمعزل بالكلية، فيحصل لنا بمقتضى ذلك القانون العلم بأنهما معلولان وفي كشفهما مدخولان فيكون سبيلنا مع كلامهما وكتبهما الهجران انتهى.ولنعم ما قال الفاضل الفيض ملا محسن القاساني في أواخر كتابه المسمى (بشارات الشيعة ما عبارته :)هذا شيخهم الأكبر محيي الدين ابن العربي وهو من أئمة صوفيتهم ومن رؤساء أهل عرفتهم يقول في فتوحاته : إني لم أسأل الله أن يعرفني إمام زماني، ولو كنت سألته لعرّفني، فاعتبروا يا أولي الأبصار.فإنه لما استغنى عن هذه المعرفة مع سماعه حديث من لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية المشهور بين العلماء كافة كيف خذله الله وتركه ونفسه فاستهوته الشياطين في أرض العلوم حیران، فصار مع وفور علمه، ودقة نظره وسيره في أرض الحقائق وفهمه للأسرار والدقائق لم يستقم في علم من علوم الشرائع، ولم يعرض على حدودها بضرس قاطع وفي كلامه من مخالفات الشرع الفاضحة ومناقضات العقل الواضحة ما يضحك منه الصبيان وتستهزء به النسوان كما لا يخفى على من تتبع تصانيفه ولا سيما «الفتوحات» خصوصاً ما ذكره في أبواب أسرار العبادات.ثم مع دعاويه الطويلة العريضة في معرفة الله ومشاهدته المعبود وملازمته في عين الشهود وتطوافه بالعرش المجيد وفنائه في التوحيد تراه ذا شطح وطامات وصلف ورعونات في تخليط وتناقضات تجمع الأضداد وفي حيرة محيرة تقطع الأكباد، يأتي تارة بكلام ذي ثبات وثبوت، وأخرى بما هو أوهن من بيت العنكبوت.وفي كتبه وتصانيفه من سوء أدبه مع الله في الأقوال ما لا يرضى به مسلم بحال، في جملة كلمات مزخرفة مخبّطة تشوش القلوب وتدهش العقول وتحيّر الأذهان، وكأنه كان يرى

في نفسه من الصور المجردة ما يظهر للمتخلي في العزلة فيظن أن لها حقيقة وهي له، فكان يتلقيها بالقبول ويزعم أنها حقيقة الوصول، ولعله ربما يختل عقله لشدة الرياضة والجوع، فيكتب ما يأتي بقلمه مما يخطر بباله من غير رجوع، انتهى.ولعمري إنه كلام في شرح حال ابن العربي ليس فوقه كلام، وهذا أيضاً حال من حذا حذوه من تلامذته ومتابعيه ومع هذا كله فالعجب كل العجب من ادعائهم أنهم العارفون بالله وأن غيرهم المحجوبون مع أنهم الجاهلون الضالون المكذبون للأنبياء والمرسلين، فويل لهم ثم ويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.ولو أردت البسط من مزخرفاتهم لخرجنا عن وضع الكتاب، وفيما أوردناه من أحاديث الأئمة الأطهار والأطياب ونقلنا من خطب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ الواردة في هذا الباب كفاية في تسفيه أحلامهم، وإبطال مقالهم لأولي الألباب.)وأكثر الخطب تضمناً لهذا الغرض الخطبة المائة والخامسة والثمانون التي نقلنا منها هنا أخيراً عدة فقرات ومن أراد زيادة البصيرة فليراجع أصل الخطبة.وتتلوها خطبة أخرى لأبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ وأكثر فقراتها ومضامينها مطابقة لخطبة جده سلام الله عليه وآله ولما كانت خطبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) متضمنة لزيادات نفيسة ونكات بديعة خلت عنها خطبة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحببت روايتها.)والناقد المتوقد الخبير المحيط خبراً بما قدمناه من الأدلة النقلية في إبطال مقال هؤلاء الجهال من أهل الضلال إن لاحظ هذه الخطبة بنظر الدقة والاعتبار، ووصل إلى فحواها وعمق في معناها عرف أنها في الحقيقة فذلكة تلك الأدلة وأنها قالعة لأساس بنيان مذهب الصوفية أصابهم حاصب ولا بقي منهم آبر حتى لا يذكر من هذا المذهب ذاكر، ولا يسمر فيه سامر فأقول وبالله التوفيق :روى المحدث العلامة المجلسي في (البحار من التوحيد والعيون قال : حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله عنه) قال : حدثنا محمد بن عمرو الكاتب عن محمد بن أبي زياد القلزمي عن محمد بن أبي الجدي صاحب الصلاة بجدة قال حدثني محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سمعت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتكلم بهذا الكلام عند المأمون في التوحيد.)قال ابن زياد ورواه لي أيضاً أحمد بن عبد الله العلوي مولى لهم وخالاً لبعضهم، عن القاسم بن أيوب العلوي أن المأمون لما أراد أن يستعمل الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ جمع بني هاشم فقال : إني أريد أن أستعمل الرضا على هذا الأمر من بعدي فحسده بنو هاشم وقالوا تولى رجلاً)

جاهلاً ليس له بصر بتدبير الخلافة فابعث إليه يأتنا فترى من جهله ما تستدل به عليه، فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم يا أبا الحسن أصعد المنبر وانصب لنا نعبد الله عليه.فصعد (عَلَيهِ السَّلَامُ المنبر فقعد ملياً لا يتكلم مطرقاً ثم انتقض انتقاضة واستوى قائماً وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه وأهل بيته ثم قال:)أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه، الشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل موصوف أن له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالإقتران وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس الله من عرف بالتشبيه ذاته ولا إياه وحد من اكتنهه ولا حقيقته أصابت من مثله ولا بد صدق من نهاه ولا صمد صمده من أشار إليه ولا إياه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه، كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول بصنع الله يستدل عليه وبالعقول تعتقد معرفته وبالفطرة تثبت حجته، خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم ومباينته إياهم مفارقته أينيتهم «إنيتهم» وابتداؤه إياهم دليلهم على أن لا ابتداء له، لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره وأوده إياهم دليلهم على أن لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة المادين، فاسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم وذاته حقيقة وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه، فقد جهل اللهمن استوصفه وقد تعدّاه من اشتمله وقد أخطأه من اكتنهه، ومن قال كيف فقد شبهه، ومن قال ومن قال لم فقد علّله، ومن قال متي فقد وقته، ومن قال فيم فقد ضمنه إلى م فقد،نهاه ومن قال حتى م فقد غيّاه ومن غيّاه فقد غاياه ومن غاياه فقد جزاه، ومن جزاه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه، لا يتغير الله بانغيار المخلوق كما لا ينحد بتحديد المحدود أحد لا بتأويل عدد وظاهر لا بتأويل المباشرة متجلّي لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة مباين لا بمسافة قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم موجود لا بعد عدم فاعل لا باضطرار مقدّر لا بجول فكرة مدبّر لا بحركة مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمجسة، سميع لا بآلة بصير لا بأداة لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن ولا تأخذه السنات ولا تحدّه الصفات ولا تفيده الأدوات سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده والابتداء أزله بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والجلاية بالبهم والجسوء بالبلل والصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها مفرّق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرّقها وبتأليفها على مؤلفها، ذلك قوله عز وجل : ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: 49] ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، دالة بتفاوتها

أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيرها له معنى الربوبية إذ لا مربوب وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه ومعنى العالم ولا معلوم ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع وليس مذ خلق استحق معنى الخالق ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية كيف ولا تغيبه (مذ)، ولا تدنيه (قد)، ولا يحجبه (العل)، ولا يوقته (متى)، ولا يشتمله (حين)، ولا تقارنه (مع)، إنما تحدّ الأدوات أنفسها وتشير الآلة إلى نظائرها وفي الأشياء يوجد فعالها، منعتها (مذ) القدمة، وحمتها (قد) الأزلية، وجنبتها (الولا) التكملة افترقت فدلت على مفرقها، وتباينت فأعربت عن مباينها بها تجلى صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية، وإليها تتحاكم الأوهام، وفيها أثبت غيره، ومنها أنيط الدليل، وبها عرفها الأفراد، بالعقول يعتقد التصديق بالله، وبالإقرار يكمل الإيمان به لا ديانة إلا بعد معرفة، ولا معرفة إلا بإخلاص، ولا (1)إخلاص مع التشبيه ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه لا تجري عليه الحركة والسكون وكيف يجري عليه ما هو هو اجر أجراه، ويعود فيه (2)ما هو ابتدأه إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه ولامتنع من الأزل معناه ولما كان للباري معنى غير المبرء (3)ولوحد له وراء إذا حد له أمام ولو التمس له التمام إذا لزمه النقصان كيف يستحق الأزل من يمتنع من الحدث، وكيف ينشيء الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء، إذاً لقامت فيه آية المصنوع، ولتحول دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه، ليس في محال القول حجّة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه له تعظيم، ولا في إبانته من الخلق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى وما لا بد له أن يبدأ، لا إلا الله العلي العظيم، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين (4).

ورواه في (البحار) أيضاً من الاحتجاج مرسلاً من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وكان المأمون لما أراد أن يستعمل الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى آخر الخبر.

ومن (أمالي الشيخ) عن (المفيد) عن الحسن بن حمزة العلوي عن محمد الحميري عن أبيه عن ابن عيسى عن مروك بن عبيد عن محمد بن زيد الطوسي الطبري قال: سمعت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتكلم في توحيد الله فقال : أول عبادة الله معرفته إلى آخر الخطبة (5).


1) في نسخة: بالتشبيه.

2) في التوحيد والعيون: إليه.

3) في التوحيد: المبروء.

4) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 137/2، والتوحيد: 40.

5) محاسن البرقي : 1941، والتوحيد للصدوق: 34.

ومن المجالس عن الحسن بن حمزة مثله بتغيير ما

بیان

قال المحدث العلامة المجلسي (قدّس سِرُّه) (ملياً) أي طويلاً) و «الإنتقاض» شبه الإرتعاد والإقشعرار.

قوله : (أول عبادة الله معرفته) نظير قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الأولى: أول الدين معرفته أي أشرف عبادته وأقدمها زماناً، ورتبة لأن طاعة المعبود بعد معرفة نفس المعبود، وقال بعض المحدثين : المراد بالعبادة هنا العبودية أن كون العبد عبداً، فإنه موقوف على معرفة المولى، وأصل المعرفة التوحيد إذ مع إثبات الشريك أو القول بتركب الذات، أو زيادة الصفات يلزم القول بالإمكان المنافي للوجوب، فالمشرك القائل بالتعدد لم يعرف الواجب.

قوله : (ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه) قد عرفت معناه في شرح الخطبة الأولى ونقول هنا إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استدل على نفي الصفات الزائدة بقوله : (لشهادة العقول) إلى قوله : (من الحدث).

قال في (البحار) (1): ويمكن تقريره بوجوه :

الأول: أن يكون إشارة إلى دليلين :

الأول : أن كل صفة وموصوف لا بد أن يكونا مخلوقين لأن الصفة محتاجة إلى الموصوف لقيامها به وهو ظاهر، والموصوف محتاج إلى الصفة في كماله والصفة غيره وكل محتاج إلى الغير ممكن، فلا يكون شيء منهما واجباً ولا المركب منهما، فثبت احتياجهما إلى علة ثالثة ليس بموصوف ولا صفة وإلا لعاد المحذور.

الثاني: أن الصانع لا بد أن يكون كاملاً أولاً وأبداً، لشهادة جميع العقول به، فلا بد أن تكون الصفات الزائدة مقارنة له غير منفكة عنه، ولا يجوز قدم الجميع لبطلان تعدد القدماء، فيلزم حدوث الذات والصفات معاً، فلا يكون شيء منهما واجباً، فالمراد بقوله : شهادة كل صفة وموصوف شهادة كل موصوف فرض صانعاً وصفته أو الصفات اللازمة للذوات.

الوجه الثاني : أن يكون إشارة إلى دليلين على وجه آخر :

الأول: أنه لو كانت له صفات زائدة لكانت ممكنة لامتناع تعدد الواجب، ولا يجوز أن


1) بحار الأنوار: 231/4.

يكون الواجب موجداً لها إما لامتناع كون الشيء قابلاً وفاعلاً لشيء واحد، أو لأن تأثير الواجب فيها يتوقف على اتصافه بتلك الصفات إذ لو لم يتوقف التأثير في تلك الصفات التي هي منشأ صدور جميع الممكنات عليها لم يتوقف التأثير في شيء عليها، فلا يثبت له تعالى شيء من الصفات، فيكون معلولة لغيره تعالى ومن كانت جميع صفاته الكمالية من غيره لا يكون واجباً صانعاً لجميع الموجودات بالضرورة.

الثاني : أن التوصيف اقتران خاص يوجب الاحتياج من الجانبين كما مر والاحتياج موجب للحدوث المنافي للأزلية.

الوجه الثالث : أن يكون راجعاً إلى دليل واحد.

وتقريره أنه لو كانت الصفات زائدة لكانت الذات والصفات مخلوقة، وهذا خلف وبين الملازمة بقوله : وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران بنحو ما مر من الاحتياج المستلزم للإمكان.

وقد يقرر بوجه وهو أن العقل مستقل بأن الموصوف والصفة مخلوقان لأن الذات

آخر لو كانت عين الوجود ولم تكن محدودة بحد معين لم تكن فاقدة لجهة من جهات الكمال الطارئة عليها، ولم يتميز الموصوف عن الصفة حينئذ، وكل محدود محتاج إلى محدد غيره وذلك الغير لا بد أن يكون أحدي الذات منزهاً عن الحد.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فليس الله من عرف بالتشبيه ذاته) أي ليس من عرّف ذاته بالتشبيه بالممكنات واجباً، لأنه يكون ممكناً مثلها.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ولا إياه عنى من اكتنهه) أي من بين كنه ذاته أو أراد الوصول إلى كنهه إذ لو كان يعرف كنهه لكان شريكاً مع الممكنات في التركيب والصفات الإمكانية وهو ينافي التوحيد، وبعبارة أخرى معرفة الكنه إنما تحصل بالإحاطة بالحدود من الأجناس والفصول وقد عرفت أنه سبحانه منزّه عن الحد فغاية معرفته تعالى أنا لا نعرفه بل نقول: إن الإحاطة بأنواع الممكنات على كثرتها والاطلاع على شؤوناتها الغير المتناهية غير ممكنة، مع أنها محدودة فكيف بالذات المنزهة عن الحد.

قوله : (ولا حقيقة أصاب من مثله) أي جعل له شخصاً ومثالاً، قال الفيروز أبادي: مثله تمثيلاً صوّره له حتى كأنه ينظر إليه، أو المراد من مثله في ذهنه وجعل الصورة الذهنية مثالاً له، أو المراد أثبت له مثلاً وشبهه بغيره، وقد تقدم في شرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين تحقيق تنزهه من الشبه والمثل.

قوله : (من نهاه) بالتشديد أي جعل له حد أو نهاية ومن جعله كذلك لم يصدق

بوجوده بل بممكن غيره.

قوله: (ولا صمد صمده) أي قصد نحو (من أشار إليه) وقد مر تحقيق ذلك أيضاً في شرح الخطبة المذكورة.

قوله : (ولا له تذلل من بعضه) أي من أثبت أجزاء وأبعاضاً فهو في عبادته وعبوديته لم يتذلل للحق المنزه عن ذلك، بل عرفه وهو غيره.

وقوله : (ولا إياه أراد من توهمه) أي من تخيل له في نفسه صورة أو هيئة وشكلاً، فإن ما میزه بوهمه مخلوق له مصنوع مثله.

وقوله : (كل معروف بنفسه مصنوع وكل قائم في سواه معلول)، قد تقدم تحقيقه في شرح الخطبة المذكورة، ولما ذكر عدم إمكان معرفته بنفسه أتبعه بقوله : (بصنع الله يستدل عليه) إشارة إلى أن طريق معرفته هو الإستدلال عليه بآثاره وصنائعه فقط

وقوله : (بالفطرة تثبت حجته) أي بأن فطرهم وخلقهم خلقة قابلة للتصديق والإذعان والمعرفة والاستدلال أو بتعريفهم في الميثاق وفطرهم على ذلك التعريف.

وقوله : (خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم) أي كونه خالقاً وأن الخالق لا يكون بصفة المخلوق ويكون مبايناً له في الصفات صار سبباً لاحتجابه عن الخلق فلا يدركونه بحواسهم وعقولهم.

والحاصل: أن كماله ونقص مخلوقيه حجاب بينه وبينهم وبتقرير آخر لما خلق الله الخلق محدوداً وكان سبحانه منزهاً عن الحد حسبما عرفت سابقاً أوجب تحددهم وتنزهه الاحتجاب.

والحاصل: أن المخلوقية علة تامة للاحتجاب لأن الاشتمال على الحد من لوازم ذات المخلوق فيستحيل إلقاؤه للحد ووصوله إلى مرتبة الواجب أو اشتمال الواجب على الحد وتنزّله على مرتبة الممكن، فيبطل ما قالته الصوفية من ترقي المخلوق إلى مرتبة الخالق وتنزّل الخالق إلى مرتبة المخلوق في قوس الصعود والنزول واحتجاب كل منهما بالآخر حسبما قدمنا حكايته عن كلام محيي الدين في الفص الإبراهيمي وغيره.

وقوله : (ومباينته إياهم مفارقته إينيتهم) أي مباينته تعالى ليس بحسب المكان حتى يكون في مكان وغيره في مكان آخر بل إنما هي بأن فارق أينيتهم فليس له أين ومكان وهم محبوسون في مطمورة المكان، أو المعنى أن مباينته لمخلوقيه في الصفات صار سبباً لأن ليس له مكان.

ورواه بعض مشايخنا المعاصرين: مفارقته أنيتهم أي تحققهم ووجودهم يعني أن مفارقة

الخالق للمخلوقات ليس كافتراق المخلوقات بعضها عن بعض، لأن مفارقتها إنما هو بالحدود المميزة وإنما هو بمعنى أجلّ وأعلى وهو مفارقة وجوده من حيث تنزّهه عن الحد لوجودها من حيث اشتمالها على الحدود، وهذا أيضاً مبطل لقولهم بأن الخلق عين الحق والحق عين الخلق كما عرفت سابقاً.

قوله : (وأوده إياهم دليل على أن لا أداة فيه) أي جعلهم ذوي أدوات يحتاجون إليها في الأعمال من الأعضاء والجوارح والقوى دليل على أنه ليس فيه شيء منها، لشهادة الأدوات فيما يشاهد في المادين بفاقتهم واحتياجهم إليها وهو منزّه عن الاحتياج، أو المعنى أن الأدوات التي هي أجزاء للمادين تشهد بفاقتهم إلى موجد لكون كل ذي جزء محتاجاً ممكناً فكيف تكون فيه تعالى.

قوله : (فأسماؤه تعبير) أي ليست عين ذاته وصفاته حسبما تزعمه الصوفية على ما عرفت بل هي معبرات عنها (وأفعاله تفهيم) ليعرفوه ويستدلوا بها على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته.

قوله : (وذاته حقيقة) أي حقيقة مكنونة عالية لا تصل إليها العقول، بأن يكون التنوين للتفخيم أو جديرة بأن تتصف بالكمالات دون غيرها أو ثابتة واجبة لا يعتريها التغير والزوال.

قوله: (وكنهه تفريق بينه وبين خلقه) لعل الغرض بيان أنه لا يشترك في ذاتي مع الممكنات بأبلغ وجه أي كنهه يفرق بينه وبينهم لعدم اشتراكه أي كنهه يفرق بينه وبينهم لعدم اشتراكه معهم في شيء هكذا قال في (البحار)، والأظهر أن المراد به هو المراد بقوله المتقدم : مباينته إياهم مفارقته أنيتهم أي أنه سبحانه بذاته مفارق لهم لأن كنهه هو التنزه من الحد وكنه المخلوق الاكتناف بالحدود.

ويؤيد ذلك قوله : (وغيوره تحديد لما سواه) أي مغايرته له أوجب التحديد يعنى أن مغايرته لما سواه ليس كمغايرة ما سواه من المخلوقات بعضها ببعض، فإن مغايرتها بالحدود الذاتية ومغايرة الحق لها إنما هو بالتنزه من الحد لا غير.

وقوله: (فمن استوصفه) أي طلب وصف كنهه أو سأل عن الأوصاف والكيفيات الجسمانية فقد جهل عظمته.

وقوله : (وقد تعداه من اشتمله) أي تجاوز عنه ولم يعرفه من توهمه شاملاً لنفسه، فيكون رداً على القول بالحلول والاتحاد كما هو مذهب الصوفية، وفي بعض النسخ أشمله أي جعله شاملاً أو مشمولاً وعلى التقديرين ففيه أيضاً دلالة على بطلان مذهبهم.

قوله : (وقد أخطأه من اكتنهه) أي من توهم أنه عرف كنهه فقد أخطأ خطأ عظيماً.

قوله : (ومن قال كيف فقد شبهه) أي من سأل عن الكيفيات الجسمانية فقد شبهه بخلقه في التكيف بالكيفية (ومن قال لم فقد علله) أي لِمَ صار قادراً وعالماً أو لم صار موجوداً فقد علل ذاته وصفاته وليس لذاته وصفاته علة وإنما هو تعالى علّة العلل : (ومن قال متى فقد وقته) لأن (متى) سؤال عن نسبة الشيء إلى الزمان فمن قال متى كان فقد وقت أول وجوده وليس له أول (ومن قال فيم فقد ضمّنه) أي من سأل أنه في أي شيء فقد جعله في ضمن ذلك الشيء وجعل ذلك الشيء متضمناً له وهو من خواص الأجسام والله سبحانه منزّه عن ذلك (ومن قال إلى م فقد نهاه) أي إلى أي شيء ينتهي شخصه فقد جعله ذا نهاية وانقطاع (ومن قال حتى م) يكون وجوده (فقد غياه) أي جعل لبقائه غاية ونهاية (ومن غياه فقد غاياه أ)ي من جعل له غاية فقد حكم باشتراكه مع المخلوقين في الفناء فيصح أن يقال غايته قبل غاية فلان أو بعده (ومن غاياه فقد جزاه) أي من حكم باشتراكه مع المخلوقين ولو في الجملة فقد جزاه، لأن ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فلا بد أن يكون ذا أجزاء بعضها جهة امتياز وبعضها جهة اشتراك.

ويحتمل أن يكون المراد أن السائل عنه تعالى بحتام توهم في حقه الغاية والنهاية والمتوهم في حقه الغاية جعله ذا نهاية ينتهي إليها والجاعل له النهاية جعله مركباً من الأجزاء، إذ النهاية من لوازم الكم المتصل والمنفصل والمتكمم المشتمل على الأجزاء، وبعبارة أخرى الغاية والنهاية من عوارض الأجسام وذات الأوضاع والمقادير والأجزاء.

(ومن جزاه) أي أثبت له الجزء (فقد وصفه) بصفة الإمكان وأثبت له صفات الممكنات المتجزأة ومن حكم بذلك فقد ألحد في ذاته.

وقوله : (لا يتغير الله بانغيار المخلوق كما لا ينحد بتحديد المحدود) أي ليس التغيرات التي تكون في مخلوقاته موجبة للتغير في ذاته وصفاته الحقيقية، بل إنما التغير في الإضافات الاعتبارية كما أن خلقه للمحدودين حدوداً لا يوجب كونه متحدداً بحدود مثلهم.

ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يتغير كتغير المخلوقين ولا يتحد كتحدد المصنوعين المحدودين، أي لا يتغير بمثل تغيرهم ولا يتحد بمثل تحددهم، والمعنى الأول أظهر ويؤيده ما في رواية المجالس : لا يتغير الله بتغير المخلوق ولا يتحدد بتحدد المحدود.

وقال بعض مشايخنا المحققين دام تأييده من الله : إن المراد به أن مغايرة المخلوق للخالق وقبوله للغيرية وانفعاله بذلك لا يوجب التغير فيه أصلاً إذ لم يحدث فيه جهة موجبة المغايرته لمخلوقه بل كان كما كان وإنما حصلت الغيرية في المخلوق وتميز عن الخالق من أجل اتصافه بالحدود وتحدد كل نوع منه بحد مخصوص، والواجب لم يخصص بحد يوجب المغايرة والتميز به عن المخلوق وقوله كما لا ينحد (آه) بمنزلة الدليل على ذلك، لأن

التغير بانغيار المخلوق إنما ينتزع من الاختصاص بحد مخصوص في قبال الحد الذي في المخلوق، كما أن تغاير المخلوقات بعضها ببعض على ذلك الوجه أي من جهة أن لكل منها حداً مخصوصاً ليس في الآخر، والله سبحانه لما كان منزهاً عن الحد لا الحد لا يوجب انغيار المخلوق الحاصل له من الاكتناف بالحدود تغيره البتة.

ومحصله ما قاله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المائة والخامسة والثمانين وخرج بسلطان الامتناع من يؤثر فيه ما يؤثر في غيره (1).

وقوله: (أحد لا بتأويل عدد) يعني أنه أحدي الذات بسيط الحقيقة لا جزء له ذهناً وعقلاً وخارجاً، أو أنه واحد ليس كمثله شيء وليست وحدته وحدة عددية لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد.

وقوله : (ظاهر لا بتأويل المباشرة) أي ليس ظهوره بأن يباشره حاسة من الحواس أو ليس ظهوره بأن يكون فوق جسم يباشره كما يقال : ظهر على السطح، بل هو ظاهر بآثاره غالب على كل شيء بقدرته.

وقوله : (متجلي لا باستهلال رؤية) أي ظاهر ليس ظهوره من جهة الرؤية.

وقوله : (باطن لا بمزايلة) أي ليس بطونه بمفارقة مكان بأن انتقل من مكان إلى مكان فخفى عنهم، أو بأن دخل في بواطنهم حتى عرفها بل لخفاء كنهه عن عقولهم وعلمه ببواطنهم وأسرارهم.

وقوله : (مباين لا بمسافة) أي ليس مباينته لبعده بحسب المسافة عنهم بل لغاية كماله وتمامه ونقصانهم وافتقارهم باينهم في الذات والصفات.

وقوله : (قريب لا بمداناة) أي ليس قربه قرباً مكانياً بالدنو من الأشياء، بل بالعلم والغلبة والتربية والرحمة.

وقوله : (لطيف لا بتجسم) أي ليس لطفه بكونه جسماً له قوام رقيق أو حجم لطيف أو تركيب غريب وصنع عجيب بل لخلقه الأشياء اللطيفة وعلمه بها أو لتجرد ذاته.

وقوله : (فاعل لا باضطرار) أي هو فاعل مختار ليس بموجب

وقوله : (مقدر لا يجول فكرة) أي ليس في تقديره للأشياء محتاجاً إلى جولان الفكر.

قوله: (مدبر لا بحركة) أي ليس في تدبيره محتاجاً إلى حركة ذهنية أو بدنية.


1) البحار : 254/4.

قوله: (مريد لا بهمامة) أي بعزم واهتمام.

قوله : (شاء لا بهمة) أي ذو مشيئة لا بهمة وقصد وعزم.

قوله : (مدرك لا بمجسة) أي ليس إدراكه بحس اليد ولمسها أو بالتجسس والتفحص.

قوله : (لا تصحبه الأوقات) لكونه منزّهاً من الزمان.

قوله : (لا تضمنه) بحذف إحدى التائين.

قوله : (ولا تأخذه السنّات) كما قال تعالى: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، لأنهما من خواص الطبيعة الحيوانية

قوله : (ولا تحدّه الصفات) أي لا تحده صفات الواصفين كما قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون (1).

قوله: (ولا تفيده الأدوات) أي لا ينتفع بها ولا يحتاج في صنعه إلى الاستفادة منها كما هو شأن المخلوق.

وقوله : (سبق الأوقات) كونه إلى قوله : (لا مشعر له) قد مضي تحقيق ذلك كله في شرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين فليراجع ثمة.

وقوله : (بتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له) أي بتحقيق حقائقها وإيجاد مهيئاتها عرف أنها ممكنة وكل ممكن محتاج إلى مُبدء فمبدء المبادىء لا يكون حقيقة من هذه الحقائق.

وقوله : (وبمضادته بين الأشياء) إلى قوله : (لا قرين له) قد تقدم تحقيقه أيضاً في شرح الخطبة المذكورة ولا حاجة إلى الإعادة وكذا تقدم هناك معنى قوله : (ضادّ النور بالظلمة والجلاية بالبهم) إلا أن هناك والوضوح بالبهمة، بدله.

وقوله : (والجسوء بالبلل) قال الفيروز أبادي : جس جسوء صلب وجسئت الأرض فهي مجموعة من الجساء وهو الجلد الخشن والماء الجامد وفي الخطبة المذكورة والجمود بالبلل، بدله.

وقوله : (والصرد بالحرور) الصرد بفتح الراء وسكونها البرد فارسي معرب والحرور بضم الحاء الحرارة وبفتحها الريح الحارة.


1) الاحتجاج: 294/1.

وقوله : (مؤلّف بين متعادياتها) إلى قوله : (على مؤلفها) قد تقدم تحقيقه أيضاً في شرح الخطبة المذكورة.

وقوله ذلك قوله عز وجل : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات : 49] استشهاد لكون التأليف والتفريق دالين على الصانع بالتقريب الذي قدمناه في شرح الخطبة المذكورة، وقال بعض المفسرين : المراد بالشيء الجنس وأقل ما يكون تحت الجنس نوعان فمن كل جنس نوعان كالجوهر فمنه المادي والمجرد ومن المادي الجماد والنامي، ومن النامي النبات والمدرك الصامت والناطق، وكل ذلك دليل على أنه واحد لا كثرة فيه، وقيل كل موجود دون الله ففيه زوجان اثنان كالمهية والوجود والوجوب والإمكان والمادة والصورة، والجنس والفصل وأيضاً كل ما عداه يوصف بالمتضايفين كالعلية والمعلولية والقرب والبعد والمقارنة والمباينة والتألّف والتفرق والمعاداة والموافقة وغيرها من الأمور الإضافية فقوله : لعلكم تذكرون أي تعرفون من اتصاف كل مخلوق بصفة التركيب والزوجية والتضايف أن خالقها واحد أحد لا يوصف بصفاتها.)وقوله : (ليعلم أن لا قبل له ولا بعد يدل على عدم كونه تعالى زمانياً، ويحتمل أن يكون المعنى عرفهم معنى القبلية والبعدية ليحكموا أن ليس شيء قبله ولا بعده.)وقوله : (شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها أي شاهدة بطبائعها على أن لا طبيعة الموجد طبائعها ومفيضها عليها ويمكن حملها وأمثالها على الجعل البسيط (والمفاوت) بصيغة الفاعل من جعلها بينها التفاوت (وتوقيتها) تخصيص حدوث كل منها بوقت معين وبقائها إلى وقت معين.)وقوله : (حجب بعضها عن بعض أي بالحجب الجسمانية أو الأعم ليعلم أن ذلك نقص وعجز وهو منزّه عن ذلك، بل ليس لهم حجاب عن الرب إلا أنفسهم لإمكانهم ونقصهم وقال بعض المحققين : المراد أنه قد قرر لكل واحد من الممكنات حداً معيناً لا يتعداه، فلا يمكن أن يكون أحدها عين الآخر، وبذلك يعلم أن لا حجاب بين المخلوق وبين الخالق إلا نفس المخلوق، لأن المخلوق محدود والخالق منزه عن الحد فالحجاب في جهة المخلوق لا في جهة الخالق.)قوله : (له معنى الربوبية إلى قوله : (معنى البراثية) قد تقدم معناها قريباً في أواخر ذكر الأدلة النقلية.)وقوله : (كيف ولا تغيبه مذ أي كيف لا يكون مستحقاً لهذه الأوصاف والأسماء في الأزل والحال أنه لا يصير كلمة (مذ) الموضوعة لأول الزمان سبباً لأن يغيب عنه شيء، فإن الممكن إذا كان قبل ذلك المبدء أو بعده يغيب هذا عنه، والله تعالى جميع الأشياء مع أزمتها)

حاضرة في علمه في الأزل، أو أنه ليس لوجوده زمان حتى يغيب عن غيره فيقال: مذ كان موجوداً كان كذا.(و لما لم يكن زمانياً (لا تدنيه كلمة قد) التي هي لتقريب الماضي إلى الحال، أو ليس في علمه شدة وضعف حتى تقربه كلمة (قد) التي للتحقيق إلى العالم بحصول شيء (ولا تحجبه كلمة لعل) التي هي لتزجي أمر في المستقبل، أي لا يخفى عليه الأمور المستقبلة (وليس له أول) وقت (حتى يقال له متى) وجد أو متى علم أو متى قدر وهكذا (ولا يشتمله حين ولا زمان) لأنه خالق الحين والزمان فكيف يكونان شاملين له و محيطين به (ولا تقارنه مع) أي لا يوجب كلمة مع المفيدة للمصاحبة اقترانه بالأشياء زماناً أو مكاناً، ولذلك قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الأولى : (مع كل شيء لا بمقارنة)، أي معينة للأشياء ليست بعنوان المقارنة التي في المخلوقات بل بالعلم والإحاطة والقيومية والتربية.)وقوله : (إنما تحد الأدوات أنفسها إلى قوله : (لولا التكملة) قد تقدم شرح هذه الفقرات وتحقيقها في شرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين بما لا مزيد عليه.)وقوله : (افترقت فدلت على مفرقها أي افترقت الأدوات والآلات باختصاص إدراك كل منها بنوع خاص من المدركات أو اختصاص كل منها بحد مخصوص، فدلت على مفرق فرّقها وخصصها بحد مخصوص.)وقوله : (وتباينت فأعربت عن مباينها أي تباينت بعضها مع بعض لاختصاص كل منها بوضع خاص فأظهرت عن صانعها الموجد للمباينة بينها أو عن صانعها المباين لها في الصفات وفي التنزه عن الحد كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَاتهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفُ أَلْسِنَتِكُمْ والوانکم) [الروم: 22].)وقوله : (بها تجلى صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية قد تقدم معناهما أيضاً في شرح الخطبة المذكورة، وقال العلامة المجلسي : أي بالعقول احتجب عن الرؤية لأن الحاكم بامتناع رؤيته هو العقل، وإلى العقل تتحاكم الأوهام عند اختلافها)قوله : (وفيها أثبت غيره أي كلما يثبت ويرتسم في العقول أو في المشاعر فهو غيره، ويحتمل أن يكون غيره مصدراً بمعنى المغايرة أي بالعقول يثبت مغايرته تعالى للممكنات ويمكن إرجاع الضمير إلى الأوهام أي القول بالشريك له تعالى فعل الوهم لا العقل لكن فيه تفكيك.)وقوله : (ومنها أنيط الدليل أي من العقول يستنبط الدليل على الخالق (وبها عرّفها الإقرار) أي بالعقول عرّف الله العقول أو ذويها الإقرار به عزّ وجل.)

وقوله : (لا ديانة إلا بعد معرفة مثل قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الأولى: (أول الدين معرفته) أي لا تدين بدين الله إلا بعد معرفة الله (ولا معرفة إلا بإخلاص) أي بإخلاص الحقِّ مما لا يليق بذاته المقدسة من نقائص الإمكان (ولا إخلاص مع التشبيه) له بمخلوقاته في الذات والصفات (ولا نفي) للتشبيه (مع إثبات الصفات) الزائدة على الذات.)فقوله: (للتشبيه متعلق بالنفي أي لم ينتف التشبيه من أثبت له الصفات الزائدة، وفي بعض النسخ بالتشبيه بدل قوله للتشبيه أي بنفي التشبيه المستفاد من قوله : ولا إخلاص مع التشبيه، فالمراد أن لا نفي له مطلقاً بنفي التشبيه أي لا يلزم النفي المطلق مع إثبات الصفات الكمالية له على وجه لا يستلزم النقص بنفي تشبيه لغيره كما نقول : شيء كالأشياء وعالم لا کعلم المخلوق وقادر لا كقدرتنا وهكذا فيكون إشارة إلى وجوب إخراجه عن حد النفي وحد التشبيه.)وقوله : (فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه تفريع على ما سبق وتصريح بتنزهه عن مشابهة مخلوقاته ونص في إبطال مقال الصوفية القائلين بأن جميع ما للمخلوقات من الصفات فهي صفات الخالق، لأنهم مظاهر الحق ومجاليه حسبما عرفت فيما سبق.)وقوله : (ولا يجري عليه الحركة والسكون إلى قوله : (الزمه النقصان) قد تقدم تحقيق معاني هذه الفقرات في شرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين أيضاً.)وقوله : (كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث استفهام في معرض الإنكار أي لو التمس التمام والاستكمال بالغير لزم اتصافه بالكمالات الحادثة وعدم امتناعه من أن يحدث فيه تلك الحوادث، ومن كان كذلك وكان محلاً للحوادث لا يكون أزلياً واجب الوجود.)وقوله : (وكيف ينشىء الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء وهو أيضاً في معرض الإنكار، أي لو التمس التمام لاحتاج في تماميته إلى غيره لينشيء له صفات الكمال الموجبة لتمامه وكماله ومن كان كذلك كان ممكناً فلا يمكن أن يكون منشئاً للأشياء أي الممكنات جميعاً لأن إنشاءها من شأن الواجب.)ثم استدل على جميع ما تقدم بقوله : (إذاً لقامت فيه آية المصنوع ولتحول دليلاً بعدما كان مدلولاً عليه أي لو كانت فيه تلك الحوادث والتغيرات وإمكان الحدوث لقامت فيه علامة المصنوع ولكان دليلاً على وجود صانع آخر غيره كسائر الممكنات لاشتراكه معهم في صفات الإمكان وما يوجب الحاجة إلى العلة لا مدلولاً عليه بأنه صانع.)وقوله : (ليس في محال القول حجّة أي ليس في إثبات هذا القول المحال أي إثبات الحوادث والصفات الزائدة له حجة (ولا في المسألة عنه) أي في السؤال عن هذا القول لظهور)

خطئه وبطلانه (جواب ولا في معناه له تعظيم أي في إثبات معنى هذا القول له تعالى وتوصيفه يصفات الممكنات تعظيم له بل هو نقص في حقه حسبما عرفت (ولا في إبانته من الخلق) وتنزيهه من صفاتهم (ضيم) أي نقص وظلم في حقه تعالى شأنه (إلا بامتناع الأزلي أن يثني وما لا بدء له أن يبدء) أي لا نقص له في إبانته من خلقه إلا بأن الأزلي يمتنع من الأثنينية وبأن ما لا بدء أي لا مبدأ له يمتنع من أن يبدء ويكون له مبدء وما نسبوه إليه تعالى مما مر مستلزم لكونه تعالى ذا مبدء وعلة.)والحاصل أنه لا يتصور في تفريقه تعالى من خلقه ومن صفاتهم ظلم ونقص له تعالى إلا بهذا الوجه والحال أنه ليس بظلم أصلاً ولا نقص، بل هو عين الكمال، والاستثناء في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ كما في قول الشاعر :)ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم***بهن فلول من قراع الكتائبوهو من قبيل إخراج المدح بما يشبه الذم.وقوله : (كذب العادلون بالله أي الجاعلون له عديلاً وشبيها وتعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.)وأقول : يا أُولي الألباب والضمائر وذوي الأبصار والبصائر إن تدبّرتم في معاني هذه الخطبة الشريفة حق التدبر وجدتموها كنزاً مشحوناً بأنواع الدرّ والجواهر وبحراً موّاجاً في علم التوحيد ليس له ساحل، ولو استقصيتم فيها النظر وبذلتم عميقات الفكر عرفتم أن كل فقرة من فقراتها دليل مستقل في بطلان مقالات أولياء الشيطان وإخوان عبدة الأوثان الزاعمين أنهم أهل اليقين والعرفان والخلّصون في التوحيد والمعرفة والإيمان لقولهم بوحدة الوجود، وأن ليس غيره في الحقيقة بموجود، وذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.ثم أقول : أنت إذا أحطت خبراً بما قدمنا علمت فساد القول بوحدة الوجود وسخافة ما يترتب على تلك الشجرة الملعونة من الثمرات الخبيثة، وعرفت أن وجوده سبحانه وجود خاص به قائم بذاته ممتاز عن سائر الموجودات بنفس ذاته وبكونه مُبدء للكل وهو أيضاً نفس ذاته وممتاز عن المهيات بكونه وجوداً خاصاً بخلاف شيء من المهيات، فإنه ليس وجوداً أصلاً لا خاصاً ولا مطلقاً، فليس له تعالى مهية وحقيقة يشارك بها شيئاً من الممكنات، فلا يحتاج إلى مميز ذاتي يميزه عما به المشاركة الذاتية مع غيره فحقيقته هوية بسيطة ووجود خاص ممتاز عن كل ما سواه بتجرده وتنزهه من الحدود، ويكون كل ما سواه محدوداً، ولنقتصر في هذه المسألة على ذلك ولنعد إن شاء الله تعالى إلى ذكر سائر عقائدهم الفاسدة، فأقول وبالله التوفيق والاعتماد :

#### ومنهاقولهم : بأن الكفار غير مخلدين في النار.وهو خلاف إجماع المسلمين وخلاف ما دلت عليه آيات الكتاب المبين وأخبار الحجج المعصومين.قال ابن العربي في الفص اليونسي من الفصوص: «وأما أهل النار فمالهم إلى النعيم، ولكن في النار إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن يكون برداً وسلاماً على من فيها وهذا نعيمهم فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار».قال القيصري: أي ومآل أهل النار إلى النعيم المناسب لأهل الجحيم إما بالخلاص من العذاب أو الالتذاذ به بالتعوّد أو تجلي الحق في صورة اللطف في عين النار كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، ولكن ذلك بعد انتهاء مدة العقاب كما جاء ينبت في قعر جهنم الجرجير وما جاء نص بخلود العذاب بل جاء الخلود في النار ولا يلزم منه خلود العذاب.وقال القيصري أيضاً في شرح الفص الهودي: واعلم أن كل من اكتحلت عينه بنور الحق يعلم أن العالم بأسره عباد الله وليس لهم وجود وصفة وفعل إلا بالله وحوله وقوته وكلهم محتاجون إلى رحمته وهو الرحمن الرحيم ومن شأن من هو موصوف بهذه الصفات أن لا يعذب أحداً عذاباً أبداً وليس ذلك المقدار من العذاب أيضاً إلا لأجل إيصالهم إلى كمالاتهم المقدّرة لهم كما يذهب الذهب والفضة في النار لأجل الخلاص مما يكدره وينقص عياره فهو متضمن لعين اللطف والرحمة كما قيل :وتعذيبكم عدل وسخطكم رضی***وقطعكم وصل وجوركم عدلأقول : فلينظر العاقل إلى هذين الضليلين كيف يخالفان إجماع المسلمين وينبذان آيات الكتاب المبين وراء ظهورهما بآرائهم الفاسدة والاستحسانات الكاسدة ويعتمدان في ذلك على أخبارهم المجعولة وأحاديثهم الموضوعة.وقد تبعهما في حديثهم المرسل المجعول المتصوف الجامي في (شرح منتخب الفصوص حيث نقل عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «أن بعض أهل النار يتلاعبون بالنار»، ونقل عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أيضاً أنه قال : «سيأتي على جهنم زمان ينبت في قعرها أو من قفرها الجرجير» (1).)وهذه الأحاديث مضافاً إلى مخالفتها لصريح الآيات والروايات المتواترة قد نص في


1) أنظر نور البراهين: 57/1، واختيار معرفة الرجال : 157/1.

أخبارنا بأنها مجعولة كاذبة كما نُص على رد ما توهموه من انقطاع العذاب وإنفاد العقاب.فقد روي عن الكليني في (الكافي بإسناده عن أبي بصير مولى أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن موفق مولى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كان مولاي أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أمر بشراء البقل يأمر بالإكثار منه ومن الجرجير فيشرى له وكان يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما أحمق بعض الناس يقولون : إنه ينبت في وادي جهنم والله عز وجل يقول : ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [البقرة: 23]، فكيف ينبت البقل ؟ (1). وروى عن البرقي في (المحاسن) عن العبيدي عن الأهوازي عن النضر بن سويد عن درست عن الأحول عن حمران قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنما بلغنا أنه يأتي على جهنم حين يصطفق أبوابها فقال : لا والله إنه الخلود قلت خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذه في الذين يخرجون من النار (2).

وأما ما قاله القيصري: من أنه ما جاء نص بخلود العذاب بل جاء الخلود في النار ولا يلزم منه خلود العذاب فناشىء من جهله بآيات الكتاب فقد قال تعالى : (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بدلناهُم جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابُ﴾ [النساء : 56] وأمثال هذه الآية كثيرة في القرآن غير عزيزة.

وهل هذه الدعوى الباطلة والمقالة الفاسدة في مقابلة النصوص الصريحة المستفيضة بل المتواترة إلا الملاعبة بالدين والتكذيب للأنبياء والمرسلين.

وأعظم من ذلك جرأتهم على تأويل الآيات الواردة في النقمة والعقاب للكفار وأهل العذاب بالرحمة والثواب، مثل ما تمحله ابن العربي في الفص الهودي في الآيات الواردة في عاد قوم هود وهي قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقبِلَ أَوْدِيَاهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضُ مُمطِرُنَا بَل هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدمرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكنهم كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: 24-25]، قال ما لفظه :

«ألا ترى عاداً قوم هود كيف قالوا هذا عارض ممطرنا فظنوا خيراً بالله».

قال القيصري: أي ألا ترى أن قوم هود كيف قالوا لما تجلى عليهم الحق في صورة السحاب إن هذا عارض أي سحاب ممطرنا وينفعنا فظنوا أن الله تجلى لهم بالحق والرحمة وهو عند ظن عبده به فأضرب له الحق عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتم وأعلى القرب أي أضرب بقوله : بل هو وله : بل هو (بَل هُوَ مَا اسْتَعْجَتُم بِهِ﴾ [الأحقاف : 24] أي هو مطلوبكم


1) جواهر الكلام 501/36، ومحاسن البرقي : 518/2.

2) البحار : 346/8.

الذي يوصلكم إلى كمالكم ويعطيكم الخلاص من أنياتكم ويخرجكم من عالم التضاد والظلمة إلى عالم الوفاق والرحمة.

وإنما كان هذا المعنى أتم وأعلى فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ الأرض وسقى الحبة المزروعة فيها فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بعد لأن المطر إذا سقى الحبة المزروعة لا بد أن يمضي عليها زمان طويل ومدة كثيرة حتى تحصل نتيجته ويحصل منها الغذاء الجسماني وهو من حظوظ أنفسهم المبعدة لهم عن الحق وهذا الإهلاك يوصلهم في الحال إلى ربهم ويقربهم منه، فقال لهم : (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحُ فِيهَا عَذَابٌ) [الأحقاف: 24] وإنما كان استعجالهم في وصولهم إلى كمالهم وقربهم من غاية مرتبتهم.

ولما كان هذا المطلوب لا يمكن إلا بفنائهم في الحق أهلكهم الله عن أنفسهم وأفناهم عن هياكلهم وهي أبدانهم الجسمانية الحاجبة لهم عن إدراك الحقائق «فجعل» أي الحق «الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة فإن بهذه الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة وفي هذه الريح عذاب أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه إلا أنه يوجعهم لفرقة المألوفات» أي الريح المهلكة وإن كانت في الظاهر مؤلمة موجعة لهم لإخراجهم عن العالم الجسماني المتألّفة قلوبهم به لكن فيها لطف مستور، لأن في كل قهر الله تعالى ألطافاً خفية يستعذبونه إذا وصلوا إليه عقيب الوجع «فباشرهم العذاب» أي أهلكهم «فكان الأمر إليهم أقرب مما تخيلوه» أي الأمر الذي كان مطلوبهم بالحقيقة كان أقرب إليهم من المطلوب المتخيل لهم وهو ما يحصل من المزروعات «فدمرت كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يروا إلا مساكنهم أي جثثهم التي عمرتها أرواحهم الحقية».

ومحصل كلامهما أن قوم هود (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع العتق والكفر والإنكار لم يكونوا من المعذبين بل صاروا بذلك من المقرّبين المنعمين وأوصلهم الكفر والضلال إلى درجة الفضل والكمال، واستحقوا بالجحود عظيم الزلفى وحسن المآل.

والآيات وإن كانت ظاهرة في الإهلاك والتعذيب لكن الظواهر غير مرادة بل المراد معنى آخر يعرفه أهل الكشف والشهود لا أهل الحجاب

وهو أن الريح في الآية مأخوذة من الروح والراحة والعذاب من العذوبة والحلاوة والغرض من إهلاكهم بالريح التعجيل في إراحتهم من العلائق البدنية وإخراجهم من الهياكل الجسمانية وإيصالهم إلى مرتبة القرب والزلفى والبقاء بالفناء، وقد أعطاهم الله خيراً مما يرجون وأفضل مما يأملون فإنهم لما رأوه عارضاً ممطراً حسبوا أنه ينزل منه المطر ينتفع به ويسقى به الحرث والزرع فقال تعالى: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم)، أي ليس هذا ما ذهبت إليه ظنونكم بل هو خير منه فإن العارض الممطر فيه منفعة مؤجلة دنيوية، وفي الريح منفعة

معجلة أخروية والأولى قليلة فانية والأخرى كثيرة باقية هذا حاصل مراد هذين الملحدين.

أقول: يا أهل المروة والإنصاف المجانبين للهوى والاعتساف، أنشدكم بالله العظيم هل يرتضي ذو شعور أن يكون مراده تعالى من تلك الآيات ما قاله هذا الجاهل الزنيم؟.

ثم أقول : يا قائد الجهال وقطب أهل الضلال هب أنك خالفت إجماع المسلمين بل إتفاق جميع المليين ونابذت آيات الكتاب المبين في مسألة تخليد الكفار والمشركين وزعمت عدم كونهم في النار مخلدين معذبين فهلا استحييت من الله رب العالمين أن جعلت آيات كتابه لعبة اللاعبين ومسخرة المستهزئين؟! فما أقل حياؤك في هتك ناموس الإسلام وأعظم جرأتك في هدم أساس ملة سيّد الأنام.

أفيجوّز الجاهل السفيه فضلاً عن العاقل النبيه أن مراد الحق من هذه الآيات الشريفة هذه التأويلات السخيفة؟ أم يتوهم أن هذه الألفاظ والكلمات قوالب تلك المعاني الترهات؟ أفيبقى بعد البناء على أمثال هذه المزخرفات اعتماد بالكتاب عند الضرورة والاحتياج؟ أو يمكن به الاستدلال في الأصول والفروع في مقام الاحتجاج؟.

ثم كيف يزعم من دان بكلمة الإسلام أن قوم عاد وثمود وقوم نوح ولوط أقرب إلى الله من المؤمنين الموحدين؟، حيث عجل في إفناء الأولين إيصالاً لهم إلى مراتب الزلفى وحبس الآخرين في سجن الدنيا وحرمهم من تلك النعمة العظمى حاشا ثم حاشا.

والعجب مع هذا كله أنه اشتبه في حق نفسه وزعم وزعم أنه محيي الدين وخاتم ولاية المحمديين، ولعمري أنه ماحي الدين بل مبطل أساس جميع شرائع النبيين.

ثم العجب من القيصري فإنه بعد ذكر ما قدمناه قال : والشيخ - يعني ابن العربي - إنما يشير في أمثال هذه المواضع إلى ما فيها من الرحمة الحقانية وهي من المطلعات المدركة بالكشف لا أنه ينكر وجود العذاب وما جاء به الرسل من أحوال جهنم فإن من يبصر بعينه أنواع التعذيب في النشأة الدنياوية بسبب الأعمال القبيحة كيف ينكره في النشأة الأخروية وهو من أكبر ورثة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، فلا ينبغي أن يسيىء أحد ظنه في الأولياء الكاشفين لأسرار الحق بأمره انتهى.

أقول : هذا مقام أن يقال:

يا ناعي الإسلام قم فانعه*** قدمات عرف وبدا المنکر

فإنك خبير بأنه مع هذا الإصرار المؤكد كله من الشيخ في نشر كلمات الضلال، لم يبق للحمل على الصحة مجال، فهذا ليس موضع سوء الظن بل مقام علم اليقين، وكيف يكون المكذب للأنبياء والمرسلين من أكبر ورثة النبيين؟ أم كيف يكون حامي الكفار والمشركين من

الأولياء الكاشفين؟ لعن الله المضلين والمبطلين، وعذبهم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين.

وأعظم من ذلك ما قالا في حق أشقى الأولين والآخرين المعارض الصريح في سلطان رب العالمين المعلن بقول : أنا ربكم الأعلى في قبال ديان الدين أعني فرعون المتمرد عن طاعة الرحمن المتمادي في العتوّ والكفر والطغيان حيث قالا : إنه تاب فطاب وندم وأناب وطهر وصار من أهل الإيمان مع أن كونه من المخلّدين نص آيات الكتاب المبين وكونه من أهل التابوت وأشد الناس عذاباً صريح أخبار سيد المرسلين، وسقوط إيمانه من درجة الاعتبار :مفاد : (ءالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [ يونس : 91].

فيا الله ما أجرأ هذين الضالين على الله، وكأين لهما من يد طولى في تغيير معاني كتاب الله وتأويل الآيات البينات على المذاهب الفاسدة وتطبيق النصوص المحكمات بالمقالات الباطلة.

فقد قالا في الفص الموسوي وشرحه : «فقالت لفرعون في حق موسى أنه قرة عين لي ولك فيه» أي في موسى «قرّة عينها بالكمال الذي حصل لها وكان قرّة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق» وذلك لأن الحق تكلم بلسانها من غير اختيارها وأخبر بأنه قرّة عين لها ولفرعون فوجب أن يكون كذلك في نفس الأمر «فقبضه» أي الحق «طاهراً مطهراً ليس فيه شيء من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام والإسلام يجب ما قبله وجعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء حتى لا ييأس أحد من رحمة الله فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون فلو كان فرعون ممن ييأس ما بادر إلى الإيمان».

قال الشارح: لما كان إيمان فرعون في البحر حيث رأى طريقاً واضحاً عبر عليه بنو إسرائيل قبل التغرغر وقبل ظهور أحكام الدار الآخرة مما يشاهدونه عند الغرغرة، جعل إيمانه به فإنه إيمان بالغيب لأنه كان قبل الغرغرة وهو بعينه كإيمان من يؤمن عند صحيحاً معتداً القتل من الكفار ؛ وهو صحيح من غير خلاف وإنما كان إيمان المتغرغر غير صحيح لظهور أحكام الدار الآخرة له من النعيم والجحيم والثواب والعقاب، وجعله طاهراً مطهراً من الخبث الاعتقادي أي من الشرك ودعوى الربوبية لأن الإسلام يجب ما قبله كما ورد في الخبر الصحيح، ولم يكتسب بعد الإيمان شيئاً من الآثام والعصيان، وقوله تعالى : (ءالآن وقد عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)، نوع من العتاب عند التوجه إلى الحق والإيمان به، وهو لا ينافي صحة إيمانه إلى أن قال بعد تأويل جملة من الآيات الدالة على خلوده وتعذيبه على زعمه الفاسد :

وفائدة إيمانه على تقدير التعذيب عدم الخلود في النار، والتعذيب بالمظالم وحقوق

العباد مما لا يرتفع بالإسلام لا ينافي أيضاً الإسلام والطهارة من الشرك وخبث العقيدة، فلا ينكر على الشيخ ما قاله مع أنه مأمور بهذا القول إذ جميع ما في الكتاب مسطور بأمر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهو معذور كما أن المنكر المغرور معذور وقوله: وجعله آية على عنايته إشارة إلى قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةٌ [يونس : 92]، وهذا أيضاً صريح في نجاته لأن الكاف خطاب له أي ننجيك مع بدنك من العذاب لوجود الإيمان الصادر منك بعد العصيان والله أعلم بالسرائر من كل مؤمن وكافر، انتهى كلامهما هبط مقامهما.

ويتوجه عليهما وجوه من الكلام وضروب من الملام:

الأول : أن قوله تعالى : وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص : 9] لا دلالة فيه على المدعي، لأنها إنما قالت ذلك، من جهة أنه لم يكن له ولد فأطمعته في الولد بهذا الكلام مع أن المروي عن ابن عباس في تفسير الآية نقض صريح لقول ابن العربي.

فقد روى في (مجمع البيان) وغيره أن أصحاب فرعون لما علموا بموسى جاؤوا ليقتلوه فمنعتهم وقالت لفرعون : (قُرَتْ عَيْنِ فِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص : 9]، قال فرعون : قرّة عين لك، فأما لي فلا قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : والذي يُحلف به لو أقرّ فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرّت امرأته لهداه به كما هداها ولكنه أبى للشقاء الذي كتبه الله عليه»(1).

الثاني: إن كفر فرعون محقق وإيمانه لم يقم عليه دليل بل الدليل إنما قام على عدمه، وذلك لأنه إنما آمن حيث لم ينفعه الإيمان لكونه إيمان إلجاء لا يستحق به الثواب ولا ينجيه من العقاب لوقوعه حال الغرق وعند الإياس من الحياة واليقين بالهلاك كما يشهد به قوله تعالى: حَتَّى إذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ وَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى وَامَنَتْ بنوا إِسْرَءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: 90]، فأنكره عزَّ وجل عليه وقال : (ءالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91] أي أتؤمن الآن حين لا ينفع الإيمان ولا يُقبل، لأنه حال الإلجاء الله وقد عصيت بترك الإيمان في حال ينفعك فهلا آمنت قبل ذلك؟، فلو كان إيمانه صحيحاً مقبولاً لما استحق التوبيخ والتقريع والإنكار.

ويشهد بذلك صريحاً - أي بعدم منفعة الإيمان في تلك الحال - قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوا بأسَنَا قَالُوا وَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنهُم لَمّا رَأَوا بأسنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر : 8584].


1) السنن الكبرى : 397/6، وتفسير مجمع البيان: 418/7.

روى في (الصافي) من (العيون) عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل : لأي علة أغرق الله فرعون وقد آمن به وأقرّ بتوحيده؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأنه آمن عند رؤية البأس، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف، قال الله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بأسَنا الآيتين (1).)وفيه من (الكافي قدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم، فقيل : قد هدم إيمانه شركه وفعله وقيل يضرب ثلاثة حدود، وقيل غير ذلك، فأرسل المتوكل إلى الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسأله عن ذلك، فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ): يضرب حتى يموت، تى يموت فأنكروا ذلك وقالوا : هذا شيء لم ينطق به كتاب ولم تجىء به سنّة. فسألوه ثانياً البيان فكتب هاتين الآيتين بعد البسملة فأمر المتوكل فضرب حتى مات (2).)وبهذا الحديث علم أيضاً أن إيمان الكافر حين القتل ليس بصحيح مطلقاً كما قاله القيصري، وإنما يصح إيمان من أريد قتله لأجل كفره مثل الكافر الحربي فإنه لو آمن حين القتل قبل إيمانه ويدرء عنه القتل بسبب الإيمان.

الثالث : إن قوله : حتى لا ييأس أحد من رحمة الله فإنه لا ييأس أحد من رحمة الله إلا القوم الكافرون فيه أن الفرعون داخل في المستثنى أعني الكافرون الآيسين، لا في المستثنى منه كما يدل عليه صريح قوله تعالى : (فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كان عقبة الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْناهُمْ أَبِمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَة وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِن الْمَقْبُوحِينَ) [القصص: 42،40]، أي أردفناهم لعنة بعد لعنة وهي البعد عن الرحمة والخيرات.

وبالجملة رحمة الله سبحانه قريبة من المحسنين دون الكافرين، وهو سبحانه أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة.الرابع: أن قوله تعالى : (نَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ [يونس : 92] الآية، ليس المراد بالنجاة فيه النجاة من العذاب كما زعمه القيصري، ولا من كونه آية أنه آية عنايته كما توهمه ابن العربي، بل معناه نلقيك على نجوة من الأرض وهي المكان المرتفع ليراك بنو إسرائيل لتكون لمن وراءك وهم بنو إسرائيل آية أي علامة يظهر لهم عبوديتك ومهانتك، وأن ما كنت تدعيه من الربوبية محال وكان في أنفسهم أن فرعون أجلّ شأناً من أن يُغرق.)


1) علل الشرائع : 59/1، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام): 83/1، وتفسير الصافي : 417/2.

2) الكافي : 23/7.

وعن تفسير علي بن إبراهيم أن موسى أخبر بني إسرائيل أن الله قد أغرق فرعون، فلم يصدقوه فأمر الله عزَّ وجل البحر فلفظه به على ساحل البحر حتى رأوه ميتاً.وفي (الصافي من (العيون) عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث غرقه وقد كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد وقد لبسه على بدنه فلما غرق ألقاه الله تعالى على نجوة على الأرض ببدنه ليكون لمن بعده علامة فيرونه مع تثقله بالحديد على مرتفع من الأرض، وسبيل الثقيل أن يرسب ولا يرتفع فكان ذلك آية وعلامة - إلى أن قال - ولئلا يشك أحد في إهلاكه أنهم كانوا قوماً اتخذوه ربّاً فأراهم الله عز وجل إياه جيفة ملقاة بالساحل ليكون لمن خلفه عبرة وعظة، هذا (1).)والعجب من القيصري، فإنه بعد مشاهدته لهذا الخبط العظيم كله من ابن العربي لم يرفع يده عن العصبية له ويقول : إنه مأمور بهذا القول من جانب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كما أنه مأمور من جانبه بجميع ما يقوله في الفصوص فهو معذور.)أقول : ولقائل أن يقول له : يا أحمق الرجال ومفتن الجهال أيأمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بنشر الإفك والضلال؟ أفهذا من أسرار الرب المتعال؟ أم يأذن بتحريف آيات القرآن والعصبية في حق فرعون وهامان أهذا من مقتضيات رحمة الرحمن؟ لا والله بل هو من أمنيات الشيطان، وكيف يسوغ عبادة يغوث ويعوق واللآة والعزّى بزعم أن عبادتها عين عبادة العلي الأعلى وإن الحق تعالى فيها تجلى؟! إن هذا إلا اختلاق وافتراء، وقد نطق الكتاب المبين على رغم ابن العربي ماحي الدين ورغم سائر الصوفيين القائلين بوحدة الوجود بأن عبادته يحصل لعبادة كل معبود: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عابدٌ مَّا عَبَدتُمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ) [الكافرون : 1-6]. أبقي بعد هذا التفكيك الصريح والبيان الفصيح والتبيان النصيح ريب في بطلان القول بالوحدة والاتحاد أو معتذر للقائلين به في عتبى ربّ العباد أم لا؟ فأنى يؤفكون أم أين يصرفون؟ تعالى الله عما يقول الظالمون، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضلّ الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، هذا.

ولنعد إلى ما كنا فيه من مسألة تعذيب الكفار وخلودهم في النار، فأقول:

إن ما ذهب إليه ابن العربي من نفيه العذاب في حق قوم عاد وفرعون ذي الأوتاد وسائر الكفار والمشركين مبني على أصل فاسد أسسه في الفص الإسماعيلي، وهو أن خلف الوعد


1) دعائم الإسلام : 236/1، وتفسير القمي: 316/1.

من الله غير جائز بخلاف خلف الوعيد، قال :

«الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب الثناء بالذات المحمودة فيثني عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل التجاوز فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ولم يقل وعيده بل قال ويتجاوز عن سيئاتهم مع أنه توعد على ذلك فأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجّح».

قال القيصري: أي قد زال في حق الحق إمكان وقوع الوعيد إذ لا شك أن الحق تعالى وعد بالتجاوز فقال : ويتجاوز عن سيئاتهم وقال : إن الله يغفر الذنوب جميعاً، وقال: ويعفو عن كثير من السيئات وأمثال ذلك، ووقوع وعده واجب وهو التجاوز والعفو والغفران فزال إمكان وقوع الوعيد، لأن وقوع أحد طرفي الممكن لا يمكن إلا بمرجح، ومن ثم ما يطلب الوعيد إلا الذنب وهو يرتفع بالتجاوز فزال سبب وقوع الوعيد وعدم العلة موجب لعدم المعلول:

فلم يبق إلا صادق الوعد وعده***وما لوعيد الحق عين تعاين

أي إذا زال سبب الوعيد فلم يبق إلا تحقق وعده وحده، لأنه صادق في وعده وما بقي لوعيد الحق عين تعاين على البناء للمفعول لزوالها بالمغفرة والعفو في حق العاصين، وأما في حق الكافرين والمنافقين لانقلاب عذابهم بنعيهم يناسبهم كما قال :

وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم*** على لذة فيها نعیم مباین

نعيم جنان الخلد فالأمر واحد***وبينهما عند التجلي تباين

أي مباين لنعيم جنات الخلد قوله فالأمر واحد إشارة إلى أن التجلي الإلهي على السعداء والأشقياء ليس إلا واحداً، والتباين إنما يقع بحسب القوابل، وكل منها يأخذ بحسب استعداده وقابليته كماء واحد نزل من السماء فصار في موضع سكراً وفي موضع حنظلاً.

يسمّى عذاباً من عذوبة طعمه***وذاك له كالقشر والقشر صائن

أي يسمى ذلك النعيم الذي لأهل الشقاء عذاباً لعذوبة طعمه بالنسبة إليهم فإن العذاب مأخوذ من العذب في الأصل، وذاك أي لفظ العذاب له أي للعذب كالقشر والقشر صائن الله من الآفات، فلفظ العذاب يصون معناه عن إدراك المحجوبين الغافلين عن حقائق الأشياء، انتهى كلامهما هبط مقامهما.

و محصل ما استدلا به وجوه :

الأول : إن الله سبحانه يحمد ويثني بالعفو والغفران لا بالتعذيب والانتقام، وهو طالب للحمد والثناء، فيجب الصدق في الوعد بالثواب لا الوعيد بالعقاب.

الثاني : إن الله تعالى قال: فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَه [إبراهيم: 47]، ولم يقل : ووعيده، فالخلف في الوعيد جائز.)الثالث : أنه تعالى قال : (أُولَئكَ الَّذِينَ تَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَتَتَجَاوَرُ عَن سَيِّئَاتِهِم فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف: 16]، فلا بد من وقوع التجاوز عن الله السيئات لأنه وعد الصدق، وليس بمخلف وعده.

الرابع : أنه إذا كان التجاوز عن السيئات والذنوب لازم الوقوع فلا يمكن وقوع الوعيد لأن بقاء المعلول من دون علته محال، وقد كانت علة الذنوب ارتفعت بالتجاوز.

أقول : وأنت خبير بأن هذا كله مما نسجه عدو الله الشيطان اللعين على لسان وليه عدو رسول الله ماحي الدين، إغراء للكفار على الكفر والعدوان وللعصاة على التمرد والعصيان كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القولِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْءُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُقْتَرِفُونَ) [الأنعام: 112 113].

ويبطل ما ذكره كله قوله تعالى : (إنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يشاء) [النساء : 48]، وقول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة المائة والخامسة والسبعين : ألا وإن الظلم ثلاثة : فظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم مغفور لا يُطلب فأما الظلم الذي لا يُغفر فالشرك بالله، قال الله سبحانه: (إنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ)، وأما الظلم الذي يُغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، وأما الظلم الذي لا يُترك فظلم العباد بعضهم بعضاً (1).

فإن هذه الآية والحديث يخصان التجاوز عن السيئات في الآية السابقة بالمؤمنين وبغير مظالم العباد، فتبقى الوعيدات الواردة في حق الكفار وفي حقوق الناس على حالها لعدم ارتفاع عللها.

ويستفاد هذا التخصيص من صدر الآية السابقة أيضاً، فإن قوله تعالى: تَتَقَبَّلُ عَنهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا [الأحقاف: 16]، يدل على أن المراد بالآية المؤمنون خاصة، إذ الكافر ليس له عمل صالح حسن مقبول.)وأيضاً لو أبقينا التجاوز عن السيئات على عمومه لكانت الوعيدات الإلهية كلها لغواً وعبثاً لاستحالة وقوعها بعد ارتفاع عللها بل يلزم أن يكون الله سبحانه في أخباره المتضمنة للوعيد كاذباً، كاذباً، ومن أصدق من الله قيلاً، فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.


1) البحار 271/7، ونهج البلاغة : 95/2 (محمد عبده).

ثم إن صدور أمثال هذه المقالات من هذه الطائفة وقبول أمثالهم تلك الخيالات منهم صار سبباً لغلط أعظم من غلطهم المتقدم، وهو إثباتهم للمتصلبين من الكفار مزية وفضيلة بقدر تصلبه وإصراره على الكفر والجهالة حتى أن بعضهم سمى إيليس رئيس الموحدين، مثل أحمد الغزالي فقد قال الشارح المعتزلي في شرح الفصل الثاني عشر من الخطبة الأولى: وكان في المسلمين ممن يرمي بالزندقة من ذهب إلى تصويب إبليس في الامتناع من السجود ويفضّله على آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو بشار بن مرو والبرغث ومن الشعر المنسوب إليه :)النار مشرقة والأرض مظلمة*** والنار معبودة مذ كانت الناروكان أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي الواعظ أخو أبي حامد الغزالي الفقيه الشافعي قاصاً لطيفاً وواعظاً مفوّهاً، وهو من خراسان من مدينة طوس، وقدم إلى بغداد ووعظ بها وسلك في وعظه مسلكاً منكراً، لأنه كان يتعصب لإبليس ويقول : إنه سيد الموحدين.وقال يوماً على المنبر : من لم يتعلم التوحيد من إبليس فهو زنديق أمر أن يسجد لغير سیده فأبى.ولست بضارع إلا إليکم*** وأما غيرکم حاشا وكلاوقال مرة أخرى لما قال له موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ: أرني، فقال : لن، قال : هذا شغلك تصطفي آدم ثم تسود وجهه وتخرجه من الجنة وتدعوني إلى الطور ثم تشمت بي الأعداء هذا عملك بالأحباب فكيف تصنع بالأعداء؟)وقال مرة أخرى وقد ذكر إبليس على المنبر : لم يدر ذلك المسكين أن أظافير القضاء إذا حكت أدمت وأن أقسى القدر إذا رمت أصمت، ثم قال لسان حال آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ ينشد في قصته وقصة إبليس :)وكنت دليلي في صعود من الهوى*** فلما توافينا ثبت وزلتوقال مرة أخرى : التقى موسى وإبليس عند عقبة الطور فقال موسى يا إبليس لما لم تسجد لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ؟ فقال : كلا ما كنت لأسجد لبشر، كيف أو حده ثم ألتفت إلى غيره، ولكنك أنت يا موسى سألت رؤيته ثم نظرت إلى الجبل فأنا أصدق منك في التوحيد.)وكان هذا النمط من كلامه ينفق على أهل بغداد وصار له بينهم صيت مشهور واسم كبير.وحكى ابن الجوزي في (التاريخ أنه قال على المنبر : معاشر المسلمين، كنت دائماً أدعوكم إلى الله وأنا اليوم أحذركم منه والله ما شدّت الزنانير إلا في حبه ولا أديت الجزية إلا)

في عشقه (1.)وقال أيضاً : إن رجلاً يهودياً دخل عليه ليسلم على يده، فقال له : لا تسلم فقال له الناس : كيف يمنعهم من الإسلام؟ فقال : احملوه إلى أبي حامد - يعني أخاه - ليعلمه، لا إلى المنافقين. ثم قال : ويحكم أتظنون أن قوله لا إله إلا الله منشور ولايته ذا منشور عزله، وهذا نوع يعرفه الصوفية بالغلق والشطح.ويروى عن أبي يزيد البسطامي منه كثير، فمما يتعلق بقصة إبليس ما رووه بعض من مردته عنه من قوله :فمن آدم في البين ومن إبليس لولاكا***فتنت الكل والكل مع الفتنة يهواكا (2)انتهى.وقال عبد الرزاق الكاشي في شرح الفص النوحي من الفصوص : كلما كان المدعو أصلب في دينه وأشد إباء للداعي إلى ضد مقامه كان أشد طاعة وقبولاً لأمر ربه وحكمه حتى أن إباء إبليس عن السجود وعصيانه واستكباره بحسب ظاهر الأمر عين سجوده وطاعته وخدمته وتواضع لربه باعتبار الإدارة انتهى.ونقل بعضهم عن سهل بن عبد الله التستري من مشاهير مشايخهم أنه رأى إبليس فتكلم معه ووبخه على عدم إطاعته في سجدة آدم وإبعاد نفسه عن تناول الرحمة، فقال له إبليس : كيف تبعدني عن رحمته؟ هلاً قرأت في القرآن : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ؟ [الأعراف : 156] وأنا داخل في كل شيء فرحمته تسعني بمقتضى وعده، فأفحم الشيخ بذلك فسكت وفارقه ثم رجع إلى القرآن فوجد الآية مقيدة بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) [الأعراف : 156]، فدخلت الحسرة عليه بعدم تذكر هذا القيد حتى يجيبه ويلزمه به، وكان يتمنى أن ير يراه مرة أخرى فاتفق ذلك واستبشر برؤيته فقال له : إن الآية التي تمسكت بها مقيدة بقيد، فقرأ تمام الآية وظن أنه غلب عليه وأفحمه بالحجة من أجل خروجه بالقيد فضحك إبليس ونظر إليه نظرة تعجب من عقله وعرفانه وقال له : إن ثقتي بعرفانك كانت أكثر من ذلك، قال الشيخ وكيف؟ قال إبليس اللعين : إني كنت معتقداً بمعرفتك بأنه ليس في طرف الحق فيد بل هناك الإطلاق كله وإنما التقييد من جهتك فتبين لي خلاف اعتقادي في حقك، فاعترف الشيخ بغلطه واعتذر منه لما رأى أنه يتكلم على اصطلاحهم ويستعمل الألفاظ الدائرة بينهم، وعلم أنه أعرف بمقاصدهم ومطالبهم منه (3).


1) نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 108/1.

2) المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

ونقل عن المتصوف الجامي في بعض حواشيه على كتاب (نقد النصوص في شرح نقش الفصوص) نقل هذه القصة بوجه إجمالي :

قال : إن سهلاً التستري رأى إبليس فقال له : هل ترجو رحمة من عند الله؟ قال: نعم لأن رحمته وسعت كل شيء، فقال سهل لكنه قيدها بقوله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتقُونَ، الآية، فقال إبليس : مه يا سهل فإن التقييد صفتك لا صفته، انتهى)وأعجب من هذه أن الجامي قد نظم في مبحثه مباحثة بين موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ وبين إبليس من هذا القبيل.)پور عمران بدل آن غرقة نورمیشد از بهر مناجات بطورديد در سر دوران را ققائد لشكر مهجوران راگفت گزسجدة آدم بچه روی*** تافتي روي رضا رات بگویگفت عاشق که بوه کامل سیرپیش جانان نبرد سجدة غيرگفت موسی که بفر مودۀ دوستسر نهد هر که بجان بنده اوستگفت مقصود از آن گفت و شنود*** امتحان است محب رانه سجودگفت موسی که اگر حال اینست*** لعن وطعن تو چراش آیین استبرتو چون از غضب سلطانیشد لباس ملکی شيطامیگفت کاین هر دو صفت عاریتند مانده از ذات بيك ناحیتندگر بیاید صد از این با برود*** حال ذاتم متغيّر نشودذات من بر صفت خویشتن استعشق او لازمة ذات منستتاکنون عشق من آمیخته بوددر غرضهای من آویخته بودداشت بخت سیه وروز سفیدهر دمم دست خوش بیم امیدایندم از کشمکش آن رستمپس زانوى وفا بنشستملطف و قهرم همه یگرنک شدهکوه و کاهم همه همنسك شدهعشق شست از دل من نقش هوس عشق با عشق همی بازم و بسوترجمة ما نظمه: أن موسى بن عمران ذهب إلى الطور للمناجاة فرئي له إبليس اللعين أثناء الطريق، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : لم أبيت عن السجدة لآدم أجبني صدقاً؟ قال إبليس : العاشق الكامل في السير والسلوك لا يسجد غير معشوقه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم ولكن العاشق الصادق يطيع معشوقه في كل ما يأمر ويريد قال إبليس لم يكن المطلوب بالذات من الأمر إلا)

الامتحان لا السجود، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: لو كان الأمر على ما زعمت لم صرت رجيماً واستوجبت اللعن والطرد والإبعاد ؟ ولم انتزعت منك كسوة الملكية وتلبست بلباس الشيطنة؟ قال إبليس : كل من هذين الوصفين لباس العارية لا مدخلية لهما في اتحاد الذات والتغير في الصفات بالغة ما بلغت لا يوجب التغيّر في الذات والذات باقية بحالها في جميع الصور المتبدّلة وعشقه لازم لذاتي وكان عشقي غير ممحض وأمري دائراً بين الخوف والرجاء حتى إذ أبيت السجود تمحضت في مقام التوحيد وعبودية المعبود، فلم يبق فرق بالنسبة إلي بين القهر والرحمة ولا بين الجحيم والجنة.)أقول : الظاهر أن راوي هذه المناظرة هو نفس إبليس اللعين رواها لأوليائه المتصوفين وأثبت فيه غلبته على موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ وتسليم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون) [الأنعام: 112].)ويظهر من ولعهم بروايته ونظمهم له في أشعارهم ابتهاجهم بتلك المحاجة وامتنانهم من إبليس، لكونه صوفي المذاق، بل يظهر من ذلك أن أصل المؤسس لمذهبهم هو إبليس حيث أسس الأصل في مسألة وحدة الوجود فأوحى بذلك إلى أوليائه الملحدين فأطاعوه واتخذوه لهم ديناً وجعلوا أنفسهم للشيطان قريناً فساء قريناً، لعن الله الضالين والمضلين والهادين والمهديين والمرادين والمريدين وعذبهم عذاباً أليماً.#### ومنهاقولهم بالجبر كالأشاعرة :وهو لازم القول بوحدة الوجود فإن الخلق إذا كان عين الحق وكان سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وجميع جوارحه على زعمهم حسبما عرفت فيما تقدم فيكون جميع ما يصدر منه مستنداً إليه تعالى كما تقدم التصريح بذلك فيما حكيناه عن فصوص ابن العربي من الفص العيسوي حيث قال هناك في تأويل قوله تعالى حكاية عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ: إن كنت قلته فقد علمته، لأنك أنت القائل في صورتي ومن قال أمراً فقد علم ما قال وأنت اللسان الذي أتكلم به كما أخبرنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عن ربه في الخبر الإلهي فقال : «كنت لسانه الذي يتكلم به»، فجعل هويته عين لسان المتكلم ونسب الكلام إلى عبده، وقد صرّح بمثل ذلك في غير موضع من الفصوص وتكرر في كلامه وكلام غيره أن لا فاعل إلا هو.)وقال شيخهم الشيخ محمود الشبستري في كتاب (كلشن راز :هر آنکس راکه مذهب غیر جبر است*** نبي فرمود کومانند کبراست

أقول : لما كان مذهبه الجبر فسر الخبر المروي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وهو قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «القدرية هذه الأمة» (1)، بما فسر ولا يخفى أن الجبرية يقولون : إن القدرية هم المفوّضة لإنكارهم قضاء الله وقدره في أفعال العباد والمفوضة يقولون : إن القدرية هم الجبرية لقولهم بالقضاء الحتم والقدر اللازم في أفعال العباد والذي يستفاد من عدة أحاديث أنهم المفوضة ويستفاد من بعض الأخبار أنهم الجبرية، وهو المستفاد من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يأتي ذكره في شرح أوائل باب الحكم عند شرح قوله، و من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما سأله سائل : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره؟ آه فإنا إن ساعدنا التوفيق إن شاء الله نروي هناك من (الكافي) وغيره عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال بعد إبطال الجبر: تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الأمة ومجوسها (2).)قال بعض الأفاضل: والجمع بين الأحاديث يقتضي أن يكون الجبرية والمفوضة كلهم قدرية ومجوس هذه الأمة، والمؤمن المحق من قال بالأمر بين الأمرين.والحاصل أن الصوفية متحدون مع الأشاعرة في القول بالجبر إلا أن مشربهم فيه مختلف، فإن مسلك كل من الطائفتين يخالف مسلك الآخر ذلك.قال السيد حيدر بن علي العبيدي الحسيني وهو من صوفية الشيعة كما في (مجالس المؤمنين في محكى كلامه من كتابه المسمى بـ (جامع الأسرار) ومن شرحه على الفصوص:)إن بعض الناس توهم أن الأشاعرة الذين نسبوا أفعال العباد حسناً وقبحاً إلى الله والقائلين بأنه لا فاعل إلا هو موافقون في توحيد الأفعال موافقون في توحيد الأفعال مع أهل الكشف والحال مع أن ما قاله الأشاعرة خطأ محض وذلك لأنهم وإن كان بحسب ظاهر كلامهم وعبارتهم يقولون : لا فاعل إلا هو كما يقوله أهل الكشف ولكن بحسب الباطن والمعنى بينهما بون بعيد، لأن الأشاعرة مختفية في الظلمات محجوبة بالحجاب، مشركة بالشرك الخفي، لأنهم لم يخلصوا بعد من رؤية الغير، ولم يصلوا إلى مرتبة التوحيد الوجودي الذي هو مشاهدة وجود الحق من دون ملاحظة وجود الغير وأما أهل الكشف والحال فإنهم قد تكلموا بهذا الكلام، وقالوا هذا القول بعد الفناء في الحق والفراغ عن رؤية الخلق قال شاعرهم :قومي نه زظاهر نه زباطن آگاه*** و آنکه زجهالت بضلالت گمراهمستغرق شرکند حقیقت گویند***لا فاعل أصلاً أبداً غير اللههذا وأنت بعدما عرفت بطلان القول بوحدة الوجود من أصله تعرف بطلان القول


1) شرح أصول الكافي: 4/5 ح 1، والصراط المستقيم: 62/3.

2) الكافي: 155/1 ح 1.

بالجبر الذي يقوله الصوفية، لكون هذه المسألة من فروعات تلك المسألة، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.وأما بطلانه على ما يقوله الأشاعرة فستعرفه بما لا مزيد عليه إن شاء الله تعالى في باب المختار من الحكم إن ساعدنا التوفيق والمجال، ووفقنا الله العزيز المتعال والله هو الموفق والمعين على كل حال.#### ومنهااعتقادهم بأن السالك إذا عبد الله وبلغ إلى مرتبة الوصول واليقين سقطت عنه العبادات ولا يبقى له حاجة إليها لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيكَ الْيَقِينُ [الحجر: 99] واليقين عندهم هو العلم والعرفان وعند أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) اليقين هو الموت. ويشهد بأن اعتقادهم ذلك ما قاله العلامة الحلي قدس الله روحه في كتاب (نهج الحق) حيث قال :

شاهدت جماعة من الصوفية في حضرة مولانا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد صلوا المغرب سوى شخص واحد منهم كان جالساً ولم يصل ثم صلوا بعد ساعة العشاء سوی ذلك الشخص، فسألت بعضهم عن ترك ذلك الشخص لصلاته فقال : وما حاجته هذا إلى الصلاة وقد وصل أيجوز أن يجعل بينه وبين الله حاجباً ؟، فقلت : لا، فقال : الصلاة حاجب بين العبد والرب.

قال (قد): فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء وعقائدهم في الله تعالى كما تقدم وعبادتهم كما سبق واعتذارهم في ترك الصلاة كما مر ومع هذا فإنهم عندهم الأبدال، فهؤلاء اسم أجهل الجهال، انتهى كلامه رفع مقامه.

وروى بعض أصحابنا عن ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه الموسوم (مجلى مرآة المنجى) قال : قال في أواسط الكتاب المذكور

من هذا التقرير علم أن التكليف البدني لا يتم بدون التكليف العقلي، وأنه متى خلا منه كان غير صحيح فالتوجه والإقبال ودوام الفكر شرط في صحة العبادة البدنية ولا يكفي حصولها من البدن من دون ذلك التوجه والإقبال المستلزمين لدوام الفكر والحضور المعنوي عند المعبود على ما تحقق عند أهل هذه الطريقة رداً على أهل الظاهر.

وعلم أيضاً أن التوجه والإقبال والحضور المعنوي من دون الأعمال الصورية الظاهرة بالقوى البدني غير كاف ولا مخرج من عهدة التكليف العقلي، خلافاً للإباحية القائلين بأن العارف الواصل لا يحتاج إلى هذه الصورة الظاهرة لانقطاعه عنها ووصوله إلى ما ورائها، فتكون حاجبة له وهو عند التحقيق وأهل الله من الأوهام الشيطانية، فإن ملاحظة الصور كما

لا يتم بدون المعاني كذا لا تتم المعاني بدون الصور والأعمال مظاهر هذه المعاني، فلا يتم حصولها بدون مظاهرها والمقصود من الوصول ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل فتدبره فإنه به تم هذا الموضع، وما أحسنه من سر لا يطلع عليه إلا بفكرة صادقة.

وبه ينحلّ ما يرد من الشكوك من جماعة الإباحية كما قد وقع لي مع بعض الإباحية من المباحثة فأجبته بهذا الجواب فانقطع.

وذلك أنه قد ذكر لي وأنا يومئذ مقيم بأرض نجد ببلاد يقال لها : الدرعية، إن في جبل بها رجلاً منقطعاً عن الناس معتزلاً بنفسه عن مخالطة أحد من بني نوعه وأنه في الأصل رجل من أهل اليمن ورد غريباً وانقطع إلى هذا الجبل.

فجئت إلى موضعه وسلّمت عليه فرد السلام فرأيت رجلاً نبيلاً حسن المنطق عليه أثر الصلاح، فحادثته في فنون العلم فرأيت له ذوقاً جيداً.

فقلت له: ما أحسن ما أنت فيه من هذا الانقطاع إلا أني سمعت أنك لا تصلي الصلاة الشرعية بالصورة الظاهرة التي جاء بها الشرع المحمدي، أفلست على ملته؟

فقال بلى ولكن ما أعمل بهذه الصورة الظاهرة أنها حجاب للواصل مرتبة الحضور المنقطع عن هذه الصور المشاهد الحقاني الذي لم يفارق باب الملك، أولا تعلم أن الصلاة مشتقة من الصلة وبها يتوصل المحجوب بالصور إذ لاحظ بها القرب المعنوي؟

قلت: بلى.

فقال : فما احتياج الواصل إلى ما به يتوصل إنه قد استغنى بالوصول عن الموصل ويعمل الحاج بالراحلة إذا وصل إلى مكة وتمّ نسكه وقصده المجاورة فإنه حينئذ لغني عنها.

فقلت : وأنت من أهل الوصول والاتصال بحضرة ذي الجلال؟

فقال : نعم.

فقلت: على تقدير تسليم وصولك فهل وصولك أتم من وصول نبيك محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ وهل اتصالك أعلى من اتصاله؟

فقال: حاشا وكلا، بل الواصل الحقيقي هو لا غيره وبه يتصل الكل وجميع الخاصة وخاصة الخاصة عنه أخذوا مراتبهم ومقاماتهم في النشأتين.

فقلت : فكيف هو مع ذلك الوصول التام والاتصال الكامل لم يترك هذه الصور الظاهرة ولا العبادات الشرعية، بل كان دائم المواظبة عليها شديد العناية بها؟

فقال : إنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وصل وردّ وأنا وصلت وما رددت.

فعجبت من كلامه وفهمت منه ظاهره وخفي عليّ في بادىء الحال باطنه، فقلت: إذاً يلزمك أن تكون أفضل منه إذ لا يشك كل عاقل أن غير المردود أفضل من المردود.

فضحك عن تهافت فهمي عن إدراك ما أراد من معنى الرد.

فقال لي : وهذا منك ضمّ جهل إلى جهل.

فقلت له : أبن لي عن مقصودك وأفهمني مرادك لأقوم لك بالعذر.

فقال : إنه ردّ إلى تكميل الخلق وإيصالهم إلى بارئهم ومنشئهم على الطريقة المرضية لما علم الله فيه من القوة الملكية والنفس القدسية البالغة في حد الكمال إلى مرتبة القدرة على التكميل والإرشاد لهذا الخلق والجمع بين الجانبين، فلا يمنعها الاشتغال بتكميل الخلق عن الحضور بين يديه في أغلب أوقاته وأخذ ما يحتاج إليه الخلق منه ولا يمنعها الحضور بين يديه والاشتغال بخدمته عن هداية الأنام وتكميلهم لما فيه من القوة الجامعة بين الأمرين، وأنا المسكين لما لم أكن في هذه المرتبة بل ولا قريباً من بعض البعض منها لم أكن من أهل الردّ ولا من المستحقين له بل شأني ومنتهى ما تقتضيه قوتي لزوم باب الملك والحضور بين يديه والتلقي لنفحاته وإرداته فأنا في مرتبة قولهم : لو نطق العارف هلك، فهذا معنى قولي : إنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وصل وردّ وأنا وصلت وما رددت لا كما ذهب إليه وهمك الرديء وفهمك القاصر.

ثم قال : فإذا علمت أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من المردودين لتكميل الخلق وإيصالهم إليه بطريق الشريعة والطريقة والحقيقة على مراتبهم لم يحسن منه بل ولم يجز له ترك الصورة الظاهرة ولا رفض الأعمال البدنية لأنه المقتدى به والمتبوع أثره فصلاته وعباداته لا للتوصل والتقرب بها، لأنه في الحقيقة واصل قريب بل هو الأقرب الذي ليس وراء قربه قرب ولا بعد وصوله وصول بل لتقتدي به العامة ويتوصل بآثاره وأطواره الخاصة، وأما أنا فلا حاجة لي إلى هذه الصورة لانقطاعي عنها بمشاهدة الحقائق.

فسحرني بكلامه وبهر عقلي بزخارف تقريراته حتى غلب علي الوهم أنه محق أو قريب من التحقيق، ثم أيّدني الله بمنّه فرجعت إلى نفسي وثاب إلي عقلي وقلت له في الحال بلا إمهال ليس بالوصول ينقطع العمل، ولا لأجله يترك الأوامر الشرعية، فإن ذلك وهم شيطاني مهلك وخيال إبليسي مرد، بل الوصول عند أهل الوصول ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل.

فسكت وانقطع عن الجواب وبقي ساعة متفكراً ثم قال : يا هذا قد أشغلتني عما أنا فيه فلا تكثر علي الكلام ولا تعاودني بشيء من الخطاب فقم عني عجلاً ودعني وشغلي فما

انقطعت في هذه المفازة إلا خوفاً من أمثالك.

فخرجت عنه وانقطعت حجته وبان عجزه وعلمت أن الوهم المردي هو الذي أهلكه فعلم أن انقطاع حجج الإباحية إنما يكون بملاحظة هذا السر فلا تغفل عن تدبره، انتهى.

أقول : يا أهل البصيرة والبصر وأولي الأربة والفكر، انظروا بنظر الدقة والعبر إلى عقيدة هذا الصوفي الذي عن الخلق اعتزل وبزعمه إلى مقام الزلفى وصل، والحال أنه تاة وضلّ، وهو بمعزل عن الحق عزَّ وجل، فليكفك من العيان السماع، ومن الغيب الخبر، فقس على اعتقاده عقيدة من مضى منهم ومن غير تعرف بذلك أن من دان بهذه العقيدة كالأنعام، بل أضل سبيلاً، فلعن الله المتدين بها بكرة وأصيلا، وعذبهم عذاباً أليماً وبيلا.

والعجب من ابن أبي الجمهور كيف سلّم لهذا الجاهل هذه الترهات، ولم يردعه من تلك السقطات، ولم يكفّره في أول الأمر ولم يقل : إن دعواك الوصول نفخ بغير ضرم ومشي بلا قدم كنت تدعي أنك من المسلمين مع أنك من المشركين، وتزعم أنك على ملة سيد المرسلين وأنت في تلك الدعوى من المبطلين.

لأن الواجب على المتدين بدين الإسلام والمستن بسنّة سيد الأنام أن يطيع الله ورسوله وأولياء أمره الكرام في جميع ما جاء به الكتاب والسنة من التكاليف والأحكام.

وأعظم تلك التكاليف الصلاة التي هي عمود الدين ومعراج المؤمنين، وكم من آية متضمنة لخطاب (أقيموا الصلاة) وكأين من رواية قائمة على وجوب إقامتها في الأوقات الموظفات بل ضرورة الدين قاضية بعدم جواز تركها في شيء من الحالات، حتى حالة الإشراف على الموت والإياس من الحياة، فما هذا شأنها كيف يمكن سقوطها في حالة الوصول، مع أن الوصول بالمعنى الذي تقول غلط غير مقبول؟.

وبالجملة، فاللازم علی ابن أبي الجمهور أن يجيب هذا الجاهل السفيه المعتوه بمجرد اعترافه بأنه من المسلمين بأن وجوب الصلاة في جميع الحالات من ضروريات الدين، فأي دليل دل على سقوطها من الواصلين، بل لما جعلها سيد المرسلين بمنزلة عمود الفسطاط كان تاركها هادماً لفسطاط دينه متردّياً في أسفل السافلين.

ولكنه لما كان صوفي المذاق ولذلك سلك في كتبه مسلك الملاحدة اللثام والمتصوفة العوام أصغى إلى طول مقال هذا الجاهل وأطال في سؤاله وجوابه بلا طائل، ثم أجاب بمصطلحات الصوفية على مقتضى مذاقه وسليقته ولم يجبه بالأصول الشرعية الممهدة حسبما أجبناه لأن الأرواح جنود مجندة، وإنما الفيل يألف الفيلا.

فوالله العظيم جل جلاله إن الإباحية من الصوفية بل جميع المدعين للوصول لناكبون

عن طريق السداد وزائغون عن نهج الرشاد مستحقون اللعن والطرد والإبعاد، محجوبون عن حضرة رب العباد، ومن أضل الله فما له من هاد ولنكتفي من ذكر عقائدهم الفاسدة بما أوردناه ونعطف عنان القلم إلى ما سواه، فأقول وبالله التوفيق :

أما الأفعال والأعمال التي انحرفوا فيها عن النهج المقررة في الشريعة واستبدوا فيها بآرائهم الفاسدة وعقولهم السخيفة فأكثر من أن تحصى ولنشر إلى بعضها فأقول :

منها

إعتمادهم على الأحاديث المجهولة وتأويلهم على الأخبار المجعولة كما يظهر ذلك لمن راجع إلى كتبهم ؛ بل يجوّز بعضهم الأحاديث الكاذبة مع ما سمعوه من قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الحديث المتفق عليه بين الفريقين : من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار حسبما يأتي في المختار الآتي.

ويشهد بتجويزهم للوضع ما قاله قاضي القضاة أحمد بن علي بن حجر العسقلاني القاهري الشافعي في شرح رسالة كتبها في علم الدراية وسماها بـ (نخبة في مصطلح أهل الأثر) بعدما ذكر بعضاً من القرائن التي يدرك بها الوضع :

والحامل للواضع على الوضع إما عدم الدين كالزنادقة أو غلبة الجهل كبعض المتعبدين، أو فرط العصبية كبعض المقلدين أو اتباع هوى بعض الرؤساء أو الأحزاب بقصد الاشتهار وكل ذلك حرام بإجماع من يعتد به.

إلا أن بعض الكرامية وبعض الصوفية نقل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب وهو خطأ من فاعله نشأ من جهل، لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الكبائر.

وبالغ أبو محمد الجويني فكفر من تعمد الكذب على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقروناً ببيانه لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين»، أخرجه مسلم انتهى (1).

وقال السيد نظام الدين أحمد بن إسحاق من كتاب الأربعين المسمى بـ (نظام اللآلىء الملاح في الأحاديث العوالي الصحاح) :

لا فرق في تحريم الكذب عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين ما كان في الأحكام وفيما لا حكم فيه


1) مواهب الجليل : 3203، وميزان الحكمة : 548/1، وميزان الحكمة : 548/1 ح 722.

كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك، فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم.

خلافاً للكرامية المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثير من الجهلة المنتسبين إلى الزهد وشبهة زعمهم الباطل أنه جاء في رواية من كذب علي متعمداً متعمداً ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار.

وقد أجاب العلماء عنه بأجوبة أحسنها وأخصرها أن قوله : «ليضل به الناس» زيادة باطلة باتفاق الحفاظ على إبطالها وأنها لا تعرف صحيحة بحال.

الثاني : جواب أبي جعفر الطحاوي أنها لو صحت لكانت للتأكيد كقوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ [الأنعام: 144].الثالث: أن اللام في ليضل ليست لام التعليل بل هي لام الصيرورة، والعاقبة معناه أن عاقبة كذبه ومصيره إلى الإضلال كما في قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عدُوا [القصص : 28، ونظائره في القرآن وكلام العرب أكثر من أن تحصى وعلى هذا يكون معناه : فقد يصير أمر كذبه إضلالاً.

ونقل الجامي في (شرحه) على منتخب الفصوص : إن سلطان العارفين أبا يزيد البسطامي قال لبعض علماء الرسوم ونقلة الأحكام والآثار والأخبار أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت.

أقول: وهذا تعريض منه على المحدثين ورواة أحاديث المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) بل هو تصريح بنقصهم وانحطاط درجتهم سلام الله عليهم.

ونقل مثل ذلك الجزائري في (الأنوار النعمانية) قال : وقد كان في زماننا رجل من الصوفية يزعم أنه من علماء الشيعة وكان يخطب أصحابه يوماً فقال وهو على المنبر : إني كتبت الأصول الأربعة - يعني (الكافي) و (التهذيب) و (الاستبصار) و (الفقيه) - وقرأتها وصححتها ولما رأيتها عديمة الفائدة بعتها بدرهم واحد ورميت ذلك الدرهم بالماء، فانظر إلى إيمان هذا الرجل عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

فقد علم بذلك أن الصوفية سنيّاً كانت أو شيعياً لا جريحة لهم في أمر الدين، ولا مبالاة في ملاحظة مدارك الشرع المبين، فتارة يجوّزون وضع الأحاديث، وتارة يعتمدون على الأخبار المرسلة والمجهولة، بل على الموضوعة والمجعولة في إثبات مطالبهم الفاسدة، وثالثة يستخفون الأخبار المعتبرة ويستحقرون رواتها ويستهزؤون لنقلة الأحاديث والأخبار وذلك كله لبعدهم عن قوانين الشريعة ومع ذلك يزعمون أنهم وصلوا الحقيقة، والحال أنهم

لم يعرفوا الشريعة فضلاً عن الطريقة والحقيقة.

ومنها

التزامهم بكون ورودهم وصدورهم في مقام السير والسلوك بدلالة المرشد زعماً منهم أنه أعرف بطرق السير ومتابعته أسرع في الإيصال والوصول وذكروا في آداب السالك أنه :

يجب أن يكون كامل الاعتقاد في حق الشيخ بحيث لا يرى أكمل منه في عصره من حيث الإرشاد والتربية والتهذيب والتأديب، إذ لو كان ضعيف الاعتقاد لم يكن له وقع عنده فلا يؤثر فيه أقواله وأفعاله وكلما كان اعتقاده به أشد كان تأثير أقواله وأفعاله فيه أكيد.

ويجب أيضاً أن يقوم في مقام التسليم والإذعان حتى لو رأى منه منكراً لا ينكره ولا يطعن به عليه ويذكر في ذلك قصة موسى والخضر (عَلَيهِم السَّلَامُ).

ويجب أيضاً أن يسلب عن نفسه بكليته الاختيار ويكون مطيعاً له في كل ما يأمر وينهى من الأمور الدنيوية كالأكل والشرب والنوم واللباس والقيام والقعود والحركة والسكون وغيرها، أو الأمور الدينية حتى العبادات المندوبة من الصوم والإفطار والإكثار من النوافل والاقتصار على الفرائض والذكر والتلاوة والمراقبة وغيرها فلا يقدم على شيء منها إلا بإذنه ولو رأى أنه يكرهها لا يجوز إقدامه عليها.

ويجب أيضاً أن ينتظر ويترصدها يصدر عن لسان الشيخ فيتبعه لكونه واسطة كلام الحق إلى غير ذلك مما ذكروه في آداب السالك

ومحصل ذلك كله أن يشرب المريد قلبه حب الشيخ ويكون راسخ الاعتقاد في حقه ويأخذ معالم دينه عنه، لأنه صاحب الولاية الجزئية ومن مجالي الولاية الكلية وللولي أن يكون نافذ التصرف في حق المولّي عليه.

وأول من أسس هذا الأصل الفاسد وادعى لنفسه الولاية وتلقاه أتباعه منه بالقبول هو الرجس الخبيث ابن العربي فإنه لكونه سنيّاً ضالاً منحرفاً عن أولياء الدين والحجج المعصومين سلام الله عليهم أجمعين ادعى أنه خاتم الأولياء ثم سرى ذلك الوهم الباطل والغلط الفضيح منه إلى الأعقاب حتى جهال الشيعة المتصوفة فسموا مرشديهم بالأولياء.

وينبغي إشباع الكلام في المقام لأنه مما زلت فيه أقدام أقوام من العوام فأقول :

زعم ابن العربي ماحي الدين وهادم أساس الشرع المبين أنه خاتم الولاية المحمدية، وقد أشار إلى ذلك في مواضع من «الفصوص» و«الفتوحات» ولنشر إلى موضع واحد :

قال في «الفصوص» في الفص الشيئي : «ولما مثل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) النبوة بالحائط من اللبن

وقد كمل سوى موضع لبنة واحدة فكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تلك اللبنة غير أنه لا يراها إلا كما قال لبنة واحدة وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا فيرى ما مثله به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ویری في الحائط موضع لبنتين واللبنتان من ذهب وفضة فيرى اللبنتين اللتين ينقص الحائط عنهما ويكمل الحائط بهما لبنة ذهب ولبنة فضة فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين فيكمل الحائط».

قال القيصري : أي لما مثل خاتم الرسل النبوة بالحائط ورأى نفسه تنطيع فيه لا بد أن يرى خاتم الولاية نفسه كذلك لما بينهما من المناسبة والاشتراك في مقام الولاية.

«والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو» أي كونه تابعاً «موضع اللبنة الفضية وهو ظاهر وما يتبعه فيه من الأحكام» أي موضع اللبنة الفضية صورة متابعة خاتم الأولياء لخاتم الرسل عن الأحكام وصورة ما يتبعه فيه وانطباعه موضع اللبنة يكمل المتابعة ولا يبقى بعده متابع آخر كما لا يبقى بعده وليّ آخر.

«كما هو آخذ عن الله في السر ما هو بصورة الظاهر متبع فيه أي خاتم الولاية تابع للشرع ظاهراً كما أنه آخذ عن الله باطناً لما هو متبع فيه للصورة الظاهرة «لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراها هكذا» أي لأنه مطلع على ما في العلم من الأحكام الإلهية ومشاهد له وإلا لم يكن خاتماً «وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن» أي كونه رائياً للأمر الإلهي على ما هو عليه في الغيب هو موضع اللبنة الذهبية «فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول» وهو الحق تعالى هذا.

ونقل القيصري عنه في شرح هذا الفص أنه قال في (فتوحاته) :

أنه رأى حائطاً من ذهب وفضة وقد كمل إلا موضع لبنتين إحداهما من فضة والأخرى من ذهب فانطبع موضع تلك اللبنتين وقال فيه : وأنا لا أشك أني أنا الرائي ولا أشك أني أنا المنطبع موضعهما وبي كمّل الحائط، ثم عبرت رت الرؤيا بانختام الولاية بي وذكرت المنام للمشايخ الذين كنت في عصرهم وما قلت من الرائي فعبروا بما عبرت به.

والظاهر مما وجدت في كلامه في هذا المعنى أنه خاتم الولاية المقيدة المحمدية لا الولاية المطلقة التي لرتبته الكلية.

ولذلك قال في أول «الفتوحات» في المشاهدة: فرآني - أي رسول الله - ورأى الختم لاشتراك بيني وبينه في الحكم فقال له السيد هذا عديلك وابنك وخليلك، والعديل هو المساوي.

قال في الفصل الثالث عشر من أجوبة الإمام محمد بن علي الترمذي : الختم ختمان

ختم يختم الله به الولاية مطلقاً، وختم يختم الله به الولاية المحمدية.

فأما ختم الولاية على الإطلاق فهو عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو الولي بالنبوة المطلقة في زمان هذه الأمة وقد حيل بينه وبين نبوة التشريع والرسالة، فينزل في آخر الزمان وارثاً خاتماً لا ولي بعده، فكان أول هذا الأمر نبي وهو آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وآخر نبي وهو عيسى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أعني نبوة الاختصاص، فيكون له حشران حشر معنا وحشر مع الأنبياء والرسل.

وأما ختم الولاية المحمدية فهو لرجل من العرب أكرمها أصلاً وبدءاً وهو في زماننا اليوم موجود عرفت به سنة خمس وتسعين وخمسمائة ورأيت العلامة التي قد أخفاها الحق فيه عن عيون عباده وكشفها لي بمدينة فأمن حتى رأيت خاتم الولاية منه وهي الولاية الخاصة لا يعلمه كثير من الناس، وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما تحقق به من الحق في سره.

وكما أن الله ختم بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نبوّة التشريع كذلك ختم الله بالختم المحمدي الولاية التي تحصل من الوارث المحمدي لا التي تحصل من سائر الأنبياء فإن من الأولياء من يرث إبراهيم وموسى وعيسى وهؤلاء يوجدون بعد هذا الختم المحمدي؛ هذا ختم الولاية المحمدية.

وأما ختم الولاية العامة الذي لا يوجد بعده ولي فهو عيسى.

وقال في الفصل الخامس عشر منها فانزل في الدنيا من مقام اختصاصه استحق يكون لولايته الخاصة ختم يواطىء اسمه اسمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويجوز خلقه وما هو بالمهدي المسمى المعروف المنتظر فهو ذلك من عترته وسلالته الحسيّة والختم ليس من سلالته الحسية ولكن من سلالة أعرافه وأخلاقه والكل إشارة إلى نفسه انتهى ما نقله القيصري.

فقد علم بذلك كله أن هذا الخبيث الملحد قد ادعى دعوى أعظم من فيه حيث إنه ادعى تارة أنه خاتم الولاية، وأخرى أنه عديل النبوة ومساو له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الرتبة، وثالثة أنه أفضل من الأنبياء والرسل لتلقيه الوحي بلا واسطة من الحق وتلقي الرسل له بواسطة الملك كما قال في آخر كلامه : فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسل وهو الحق تعالى.

ولما سمع أصحابه منه هذه الهذيانات سلموا له ذلك لما استحوذ عليهم الشيطان اللعين وأضلّهم عن السبيل وسرى ذلك الفساد والضلال إلى الأعقاب وإلى أتباع كل ناعق من متصوفة العامة فسمّوا مرشدهم بالشيخ والولي ووصفوهم بالولاية.

ثم تعدّى عنهم إلى جهال الخاصة المتصوفة فاحتذوا حذوهم واتخذ كل سلسلة منهم مرشداً مخصوصاً ووصفوه بالولاية وفوّضوا عليه زمام أمورهم الدنيوية والدينية وعنه أخذوا

الأذكار المخترعة والأوراد المبتدعة، ووقروه وعظموه ومجدوه وزاروه بل ربما ينقشون صورته المنحوسة في قرطاس أو لوح ويجعلونه في مصلاهم يزورون تلك الصورة ويقبلونها ويضعونها على رؤوسهم في الغدو والرواح يلتمسون بذلك الخير والبركة والتقرب إلى الله تعالى زعماً منهم أن تقربه موجب لتقربه عزَّ وجل كما قال عبدة الأصنام : (هَؤُلاء شُفَعَؤونَا عِندَ الله) [يونس: 18].

ولم يدروا أن ذلك كله بدعة وضلالة لكونه مخالفاً للأصول الشرعية ولقواعد مذهب الإمامية.

وذلك لأن الولاية الكلية والسلطنة الإلهية ووجوب الإطاعة بنص آية: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ [المائدة: 55] الآية وآية: ﴿أَطِيعُوا الله) [آل عمران: 32] الآية وغيرها من آيات الكتاب وأحاديث الأئمة الأطياب منحصرة في الله سبحانه وفي رسوله وأولي الأمر من ذريته، أعني الأئمة الهداة والقادة الدعاة والسادة الولاة سلام الله عليهم أجمعين، فيجب طاعتهم والرجوع إليهم وأخذ معالم الدين عنهم في زمان حضورهم.

وأما في زمان الغيبة الكبرى والطامة العظمى فيجب الرجوع إلى من أرجعنا أولياء الأمر (عَلَيهِم السَّلَامُ) إليه وفرضوا علينا أخذ التكاليف الشرعية منه وأوجبوا علينا متابعته وطاعته، وهم المجتهدون الجامعون لشرائط الإفتاء والقابلون لنيابة الإمام فقط (1).

فلقد قال صاحب الأمر عجل الله فرجه في حقهم وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله (2).

وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقولة عمر بن حنظلة الطويلة الواردة في حق المتخاصمين ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكم فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ والرّاد علينا كافر (3)رادّ على الله وهو على حد الشرك بالله (4).

ونحوهما أخبار لا حاجة إليها، فبمقتضى هذه الأخبار وسائر الأدلة التي ذكرها


1) جواهر الكلام : 11/ 190، وكمال الدين : 484، وغيبة الطوسي : 291.

2) الكافي للحلبي : 425، والكافي للكليني : 1/ 67 ح 10، ووسائل الشيعة : 23/1، ح 12، والاحتجاج : 106/2.

3) هذه الزيادة (كافر) موجودة فقط في الاحتجاج والبحار : 221/2.

4) قد فصلنا ذلك في كتابنا «ولاية الفقيه» فليراجع.

أصحابنا (رضي الله عنهم) في كتب الأصول لا يجوز التعويل والاعتماد على غير هؤلاء.

فالصوفية الذين يتخذون لهم مرشداً ودليلاً ويسمونه شيخاً وولياً ويأخذون آداب السير والسلوك إلى الله منه مع كونه جاهلاً ضالاً عن طريق الهدى إلى سمت الردى مثلهم (كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتَا وَإِنَّ أَوهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41]، بل مثل من أسس بنيانه على شفا جرفهار فانهار به في نار جهنم.

وذلك لأنهم قد سلكوا الطريق بغير دلالة الدليل الواجب الاتباع وهو المجتهد الجامع الشرائط الإفتاء، بل قلدوا جاهلاً لا يعرف الباطل والحق ولا يفرق بين النعق والنهق، ولئن قلت لهم : أنتم قلّدتم هذا الجاهل فيستوحشون منه وينكرون غاية الإنكار مع أن التقليد ليس عبارة إلا عن أخذ قول الغير من غير مطالبة الدليل وهذا حالهم مع هذا الضّليل.

وقد أشير إلى بطلان مثل هذه المتابعة والتقليد وإلى النهي عنها في آيات وأخبار كثيرة.

مثل ما رواه في (الوسائل) عن الكليني بإسناده عن محمد بن عبيد قال : قال لي أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا محمد أنتم أشد تقليداً أم المرجئة ؟ قال : قلت قلدنا وقلدوا، فقال :(عَلَيهِ السَّلَامُ) لم أسألك عن هذا، فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الأول، فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن المرجئة نصبت رجلاً لم تفترض طاعته وقلدوه وأنتم نصبتم رجلاً وفرضتم طاعته ثم لم تقلّدوه فهم أشد منكم تقليداً.

وبإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت لهم: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فعبدوهم من، لا يشعرون (1).

وبإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول الله عزّ وجل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ [التوبة : 31]، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله ما صاموا لهم ولا صلوا لهم ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فاتبعوهم (2).

وبإسناده عن عبد اللهبن مسکان قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك (3).

وبإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إياك والرئاسة وإياك أن


1) الكافي 53/1 ج 1، والوسائل 124/27 ح 33382.

2) الكافي : 53/1.

3) الكافي : 297/2 ح 3.

تطأ أعقاب الرجال قلت : جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما نلت ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي: ليس حيث تذهب إياك أن تنصب رجلاً دون الحجة فتصدقه في كل ما قال(1).

وفي (الوسائل من الاحتجاج) في حديث طويل عن الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : وكذلك عوامنا إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكالب على الدنيا وحرامها فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم، فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواء مطيعاً لمولاه فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم فإن من ركب من القبائح والفواحش مراكب علماء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً ولا كرامة، وإنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، وآخرون يتعمدون الكذب علينا إلى غير هذه مما لا نطيل بروايتها.

والحديث الأخير وإن كان في حق العلماء السوء ومقلديهم إلا أنه يشمل كل من يأخذ أمر دينه ممن ليس له قابلية لأن يؤخذ منه مثل ذلك إما لجهله أو لفسقه كالصوفية ومشايخهم الفسقة الجهال.

وأي فسق أعظم من تجويز التصفيق والرقص والغناء واختراع الأذكار والأوراد المبتدعة بكيفيات خاصة وشرائط مقررة عندهم من حيث العدد والوقت والزمان والمكان وغيرها مما ليس منها في الكتاب والسنّة عين ولا أثر.

ثم العجب أن أتباع هؤلاء الفسقة يقصدون بالتقرب إليهم وبتوقيرهم وتمجيدهم وتعظيمهم التقرب إلى الله، وهكذا كانت حال عبدة الأصنام كما قال الله تعالى في وصفهم: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحكُمُ بَيْنَهُمْ في مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَذِبُ كَفَّار﴾ [الزمر: 3].

والضمير في يختلفون للكفرة ومقابليهم أولهم ولمعبوديهم، فإنهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونهم.

وأعجب من ذلك تبرّكهم بتمثال المرشد وتعظيمهم وتقبيلهم وزيارتهم له، وقد قال إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) العبدة الأصنام : (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابدِينَ *قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَابَآؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنبياء : 52-54].


1) محاسن البرقي : 629/2، والكافي : 298/2 ح 5.

ومنها

الغناء والرقص والتصفيق وهو أعظم عباداتهم يقومون بها في الأوقات الشريفة المخصوصة، وقد عاتب الله أهل الجاهلية الكفار بذلك فقال : وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إلَّا مُكَاة وَتَصْدِيَةٌ [الأنفال: 35]، أي يقيمون الصفير والتصفيق مكان الصلاة.

قال الصوفية في أسباب حصول الجذبة والحالة التي تحصل للمريد يلازم سماع الغناء.

قال الغزالي : اعلم أن السماع أول الأمر ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الاضطراب، وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص.

قال أبو طالب المكي : لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل المكة على السماع إلى زماننا فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين وقد أعدهن للصوفية.

قال : وقال الجنيد ينزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع: عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة وعند المذاكرة لأنهم لا يتحاورون إلا في مقامات الصديقين، وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقاً.

قال بعد الاستدلال على حليته بالقياس والاستحسانات العقلية الفاسدة وبالأخبار الموضوعة وبعد تفصيل الموارد التي يتغنى فيها مثل الغناء لتهيج الحجيج وتشويقهم إلى الحج ولتحريض القضاة على الجهاد وفي أيام السرور والعيد ونحوها واستقصاها إلى سبعة ما لفظه :

السابع سماع من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه، فلا ينظر إلى شيء إلا رآه فيه سبحانه ولا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه فالسماع في حقه مهیج لشوقه ومؤكد لعشقه ومور زناد قلبه، ومستخرج منه أحوالاً المكاشفات والملاطفات لا يحيط بها من الوصف يعرفها من ذاقها وينكرها من كلّ حسّه عن ذوقها وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وَجْداً مأخوذ من الوجود والمصادفة أي صادف من نفسه أحوالاً لم يكن يصادفها قبل السماع، ثم تكون تلك الأحوال أسباباً لروادف وتتابع لها تحرق القلب بنيرانها وتنقيه من الكدورات كما تنقي النار الجواهر المعروضة عليها من الخبث، ثم يتبع الصفاء الحاصل به مكاشفات ومشاهدات وهي غاية مطالب المحبين الله، فالمفضي إليها من جملة القربات لا من جملة المعاصي والمباحات.

ثم ذكر آداب مجلس السماع للغناء إلى أن قال:

الأدب الرابع أن لا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه، ولكن إن رقص وتباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة لأن التباكي استجلاب للحزن والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط فكل سرور مباح فيجوز تحريكه إلى أن قال:

والأدب الخامس موافقة القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف أو قام باختيار من غير إظهار وجد وقامت له الجماعة، فلا بد من الموافقة، فذلك من آداب الصحبة وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته أو خلع ثيابه إذا سقط عنه ثوبه بالتمزيق فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة إذ المخالفة موحشة ولكل قوم رسم ولا بد من مخالفة الناس بأخلاقهم، وقول القائل : إن ذلك بدعة لم يكن في الصحابة فليس كل ما يحكم بإباحته منقولاً من الصحابة وإنما المحذورات ارتكاب بدعة تراغم سنة مأثورة إلى أن قال :

ومن الأدب أن لا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه ولا يشوش عليهم أحوالهم، إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح والمتواجد هو الذي يلوح للجمع منه أثر التكلف ومن يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع، فقلوب الحاضرين إذا كان من أرباب القلوب محك للصدق، إلى أن قال :

فقد خرج من جملة التفصيل السابق أن السماع قد يكون حراماً محضاً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون مستحباً.

أما الحرام فهو لأكثر الناس من الشبان ومن غلبت عليهم شهوة الدنيا، فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة.

وأما المكروه فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين ولكن يتخذه عادة له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو.

وأما المباح فهو لمن لا حظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن.

وأما المستحب فهو لمن غلب عليه حب الله ولم يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة، انتهى ما أهمنا نقله من لغويات كلامه.

وإنما أطنبنا بنقله تنبيهاً لك على سوء أعمالهم وأفعالهم واستباحتهم لما نثبت حرمته بالكتاب والسنّة بل حكمهم باستحبابه بمقتضى قياساتهم الفاسدة والاستحسانات الساقطة عن درجة الاعتبار، وكفانا مؤنة أدلة التحريم ذكر أصحابنا رضوان الله عليهم لها في كتاب

(المكاسب من الفقه) وفي كتب الأخلاق وغيرها ولنعم ما قيل في حق هؤلاء:

أيا جيل التصوف شرّ جیل***لقد جئتم بشيء مستحيل

أفي القرآن قال لكم إلهي*** كلوا مثل البهائم وارقصوا لي

وإذا عرفت أقوالهم في جواز التغني والسماع والرقص فنذكر مواظبتهم بأعمالها في مجالس ذكرهم لأن إلحاق ذكر الفعل بالقول وإقران العمل بالعلم أكمل وأبلغ في إيضاح مذاق هؤلاء الفساق، فأقول :

قال هبة الله بن محمد في شرح الحديث الخامس من رسالته المسماة (بالأحاديث الخمسين المروية عن آل يس): سمعت من قطب الأولياء والسالكين، ظهير الملة والدين حكاية أبيه الشيخ الرباني نجيب الدين علي بن يزعش الفارسي أنه قد حضر سماعاً في دار شيخ مشايخ الإسلام شهاب الملة والدين السهروردي وكان الشيخ على أعلى السطح، فلما شرع المطرب القول والضرب اقتصر الأصحاب على السماع المجرد وهو بلا حركة مبرد، فصاح الشيخ من فوق :وقال يا أصحابي السماع بلا کشکش کبستان بلا مشمش

فتواجد القوم كلهم وأنشد مطربهم هذا :

أيا جبلي نعمان بالله خليا*** نسيم الصبا يخلص إليّ نسيمها

فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت***على قلب محزون تجلّت همومها

أجد بردها أو تشف مني حرارة***على كبد لم يبق إلا صميمها

ألا إن أو دائي بليلى قديمة*** وأقتل داء العاشقين قديمها

وكان هناك فقير قاعد في الحاشية عند مواقف الحاشية إذ أقرأ المطرب هذه الأبيات وقع في الاضطراب على أعجب الحالات وتلألأ منه نور وحرقة بحيث أدهش جماعة الفرقة، فأخذوا في الذوق والبكاء والجزع والغلق إلى آخر المجلس فما أفاقوا.

قال ذلك الفقير : أتدرون يا صحبي ما معنى جبلي نعمان وأي شيء وقع في خاطري من المناسبة وما المراد للفقراء عند إطلاق هذا اللفظ ؟ فقال بعضهم: الخوف والأمل، وقال بعضهم النفس الحيوانية والطبيعية، وقال بعضهم : الملك والشيطان، وقال بعضهم: الأمارة واللوامة، وهو ما التفت إلى هذه الأجوبة، فقالوا : قد رضينا بجوابك وسيرك فمرنا بأمرك، فقال : ما أقول إلا بحضور الشيخ فاستحضروا خدمة شيخهم وجلس وقال : أجب لهم يستفيدون منك، فقال : إنهما محمد وإبراهيم صلوات الله عليهما وشرائعهما ما يخليان أن يهب نسيم الروح إلى العشاق وقد سدّ طريق الانبساط والأذواق ووضعا سلاسل الأحكام على أيدي الخواص والعوام، ورسما مراتب العبادات ووسما كل شخص بسمة في الدرجات

والدركات فاستحسنه الشيخ وأصحابه، وفتحوا للعيش أبوابه واشتغلوا بالسماع إلى الصباح من المصباح، وأمر الشيخ بأن السماع عند من له قلب وسمع من أشرف الطاعات بعيداً عن أرباب العادات، انتهى.

وهذا المجلس أنموذج سائر مجالسهم وبه عرف أن الغناء الذي استحلوه لأجل كونه مهيجاً للوجد والمكاشفات على زعمهم لم يكن مهيجاً له بل منتجاً للأقوال والأباطيل والهزل والهذيان، ومحصلاً لإعلان عداوة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعداوة خليل الرحمن، حيث قيداهم بقيد الشريعة ولم يخلياهم وأنفسهم كالبهائم المرسلة والأنعام المهملة يرتعون ما يشتهون ويعملون ما يشاؤون تبعاً لوليهم الشيطان، وذلك لأنهم في تحليل الغناء به اقتدوا ومن بحره استقوا، وعلى منهاجه جروا.

كما يدل عليه ما عن العياشي في تفسيره) عن جابر عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: «كان إبليس أول من ناح وأول من تغنّى وأول من حدا»، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «لما أكل آدم من الشجرة تغنّى، فلما أهبط به حدا، فلما استقر على الأرض ناح فأذكره ما في الجنة» الحديث، هذا (1).

والعجب كل العجب من متصوفة الإمامية أنهم مع إذعانهم بأئمة الدين واعتقادهم بولاية الحجج المعصومين سلام الله عليهم أجمعين قد أخذوا في مقام العمل مسلك العامة العميا المنحرفين عن أئمة الهدى والتاركين للحنيفية البيضاء، فاحتذوا حذوهم في أصل التصوف وتشييد بنيانه، ثم في الأخذ بفروعه وأغصانه وأوردوا في مؤلفاتهم نظماً ونثراً ما هو مفيد لحسن السماع والرقص مع أنه خلاف الإجماع والكتاب والنص حسبما تعرفه في ضمن الأخبار الآتية إن شاء الله تعالى قال بعض أقطابهم :

وحين يستمع ذكر الله سامعهم***في لحن داود عهد الله يذكر

طوبى لهم يا جبال أوبي معهم*** والطير عن ذكره للسمع يبتدر

وحين يستمع الأشعار منصتهم*** من نظم أمجاد أهل الله يبتدر

يتلو بنغمة حسن الصوت مطربهم*** نظماً بديعاً به يصعد الحجر

كلامهم من جنود الله يأخذ من***هوالأسير لدى الدنيا وينتصر

يكاد يندك من ألحانه طرباً***شم الجبال ومنها يخضع الخدر

هم كالمجانين عند الغافلين وهم***مسافرون وفي الرّجعى لهم سفر

وروى قطبهم الآخر في كتابه أنه أنشد بحضرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) شعر مشتمل على ذكر


1) تفسير العياشي : 40/1 23.

الحبيب فطفق (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يهتز ويهرول ويكرر قول يا حبيب يا حبيب، فقال معاوية ما أحسن لعبك يا رسول الله، فقال : مه يا معاوية ليس بكريم من لم يهتزّ بذكر الحبيب (1).

ولعله نقله من كتب العامة وإلا فليس الاهتزاز والهرولة واللعب بسماع الشعر لائقاً به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبمنصب النبوة.

وقد روى مثله في كتب العامة قالوا : وقد أنشد شخص بحضرته :

لسعت حية الهوى كبدي*** فلاطبيب ولا راق

إلا الحبيب الذي كلفت به***فإنه منيتي وترياقي

فتمايل عليه وسقط رداؤه من أعلاه فتقاطعوه تبركاً، فواعجباً من ركون قوم على الإفك والأباطيل، وعكوفهم على ترهات الأقاويل، ومن اعتمادهم في الأصول والفروع على الأخبار الموضوعة المجعولة، وإعراضهم عن الصحاح وموثقات المقبولة، واتخاذهم ثقات العلماء والمحدثين حرباً، والأفاكين من الشياطين حزباً، ومن إقبالهم على النوافل والمندوبات وإدبارهم عن الواجبات والمفروضات، وعنايتهم بالعبادات المبتدعة والعادات المخترعة، وتوقيهم عن المكروهات، وتقحمهم في الشبهات والمحرمات؛ إن سألت أحدهم عن أشعارهم الجاهلية وغزليات الصوفية ينبسط ويجيب بلا مهل، وإذا سألت عن حدود الصلاة المفروضة من الأجزاء والأركان والسهو والشك والطمأنينة ينقبض ويرتطم ارتطام الحمار في الوحل يتركون الأدعية المأثورة بالأسناد المعتبرة، ويداومون بالأذكار الجلية والخفية المتلقاة من مشايخهم الفجرة، ولو قرؤا القرآن في بعض الأحيان من باب التقية يتغنّون في تلاوته بجميع النغمات الموسيقية.

فما أشبه حالهم بحال مولى جارية حكاه الزمخشري في (ربيع الأبرار) عن أبي العيناء قال: رأيت جارية في النخاس تحلف لا ترجع إلى مولاها فقلت لم؟ قالت : يواقعني من قيام ويصلّي من قعود ويشتمني بأعراب ويلحن في القرآن ويصوم الإثنين والخميس ويفطر في رمضان ويصلي الضحى ويترك الفجر، هذا.

وأما ما ورد في الأخبار العامية من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يتغنّى بالقرآن.

فالجواب عنه بعد الغضّ عن سنده ما أجاب به الشريف الرضي (رضي الله عنه) حيث قال في محكى كلامه من كتابه الموسوم بـ (مجازات الآثار النبوية): ومن ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما أذن


1) لم أجده في مصادر الفريقين مع كثرتها.

الله لشيء كإذنه لنبي يتغنّى بالقرآن (1)، وهذا القول مجاز والمراد ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يداوم تلاوة القرآن فيجعله دأبه وديدنه وهجيرانه وشغله كما يجعل غيره الغناء متروح حزنه ومستفسح قلبه ليس هناك غناء به على الحقيقة وهذا كما يقول القائل : قد جعل فلان الصوم لذته والصلاة طربه إذا أقامهما مقام شغل غيره باللذات وطربه إلى المستحسنات.

وقد قيل : إن المراد بذلك تحزين القراءة ليكون أشجى للسامع وآخذ بقلب العارف، فسمى هذه الطريقة غناء على الانساع لأنه يقول : زيّنوا أصواتكم بالقرآن في حديث آخر، وليس المراد بذلك تلحين القراءة وتطريبها، فإن الأخبار قد وردت بذمّ هذه الطريقة حتى ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أشراط الساعة أموراً عددها ثم قال : وأن يتخذ القرآن مزامير.

وقال بعضهم : معنى يتغنى بالقرآن أي يذكر القرآن من قولهم: تغنّى فلان بفلان إذا ذكره في شعره إما هجواً وإما مدحاً.

فأما الحديث الآخر وهو قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» (2)، فليس المراد به هذا المعنى، وإنما أراد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليس منا من لم يستغن بالقرآن عما سواه، وتغنى ههنا بمعنى استغنى وهو تفعل من الاستغناء لا من الغناء، قال العجاج :

أرى الغواني قدغنين عني*** وقلن لي عليك بالتغني

أي استغنين عني وقلن لي : إستغن عنا كما استغنينا عنك، وهذا عند موت الشباب وانقضاء الاراب، ويؤكد ذلك الحديث الآخر وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من قرأ القرآن فرأى أن أحداً أعطى أفضل مما أعطى فقد عظم صغيراً وصغر عظيماً، ولو كان المراد بالتغني في هذا الخبر ترجيع الصوت بالقرآن لكان من لم يقصد هذه في تلاوته ويعتمدها في صلاته داخلاً تحت الذم ومقارفاً للذنب، لأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن»، فبان أن المراد به الاستغناء لا الغناء انتهى كلامه رفع مقامه.

ولبعض الأعلام كلام في المقام ليس فوقه كلام في إيضاح المرام في إبطال دين الصوفية في مسألة الغناء وكشف سائر سواتهم وبيان نكتة سراية التصوف من العامة إلى الخاصة، يعجبني نقله تنبيهاً للمتصوفة الخاصة من نومة الغفلة والجهالة، وإيقاظاً لهم من رقدة الضلالة فأقول :

قال الشيخ علي بن الشيخ محمد العاملي في محكى كلامه من كتاب (الدر المنثور) من


1) فتح الباري: 419/13، وتفسیر مجمع البيان 77/5.

2) المبسوط للطوسي : 227/8، والكافي : 605/2.

المأثور وغير المأثور عند شرحه الحديث السابع في الغناء نقلاً عن (الكافي) ما هذه عبارته :

ومن ذلك ما روي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «اقرؤوا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا تجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم» (1).

أقول : هذا الحديث يدل صريحاً على أن الغناء يحصل بترجيع القرآن على النحو المتعارف في هذا الزمان ويدل على تفسير الغناء بالترجيح المطرب والطرب خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور كما ذكره أهل اللغة وفي كون فعلهم كفعل أهل الفسوق والكبائر وعدم جوازه التراقي وقلب قلوبهم وقلوب من يعجبه ذلك ما هو ظاهر لمن عقله كيف لا ؟ وهو كلام سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه وآله وهل سمعت أو رأيت أحداً يقرأ القرآن بالمثاني والطنبور والأوتار ونحوها حتى تخص الغناء بمثل ذلك ويسهل طريق سماع ما صار متعارفاً شائعاً بعدما ظهر أنه غناء في غير القرآن أيضاً لصدق الغناء عليه بما عرفته، وسنوضحه فيما بعد، وهل لذلك وجه غير إجابة الشيطان وميل الطبع ؟.

وقد سرى ذلك من صوفية المخالفين وملاحدتهم ميلاً إلى طريقتهم واعتقادهم وكراهة لما ورد من طرفنا من النهي عن مثله.

وقد خص المحرم منه مثل الغزالي وأحزابه بما يستعمل في مجالس الشرب وأهل الفسوق، فقلّده في ذلك من أعجبه وأحسن الظن به مع إساءة ظنه بالأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعلماء شيعتهم، ولم ينظر إلى نصبه وعداوة للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعلمائهم، فالغناء إن كان هو الترجيع الذي ذكره علماؤنا فهو صادق على مثل ذلك، وإن كان راجعاً إلى العرف كما قيل كان صادقاً أيضاً، فإنا لم نعرف في عرب بلاد العرب إذا سمعوا من ينشد الشعر وغيره على الطريق المعهود إلا أنهم يقولون: هذا يغني وهذا مغنّ.

وقد ذكر الصوفية في أسباب حصول الجذبة والحالة التي تحصل للمريد أنه يلازم سماع الغناء، وتارة يقولون : إن من أسبابها سماع الغناء، فهذا اعتراف منهم بأن مثل ما يفعلونه ويسمعونه غناء، فإن قلت بالعرف فقد اعترفوا به وإن رجعت إلى الترجيع المطرب فكونه كذلك بديهي، وإذا ثبت ما يتحقق معه الغناء كان حراماً على مذهب الإمامية للأدلة الواردة في الكتاب والسنة واتفاق علمائنا.


1) الدعوات للراوندي: 24 ح 32، والكافي : 614/2.

فظهر أن تقسيم الغناء إلى المحرم وغيره لا يجامع مذهب الإمامية بوجه وقد استثنى أهل شرعنا من الغناء الحدي للإبل بدليل خاص فليت شعري كون الحدي من الغناء عرفاً وما يدعي أنه ليس منه هل هو إلا من حبّك الشيء يعمى ويصم.

وما ورد من لفظ الألحان كما في هذا الحديث وفهم المعنى المنهي عنه منه ناشيء من ضيق الفطن عن معرفة مواقع الألفاظ ومقامات استعمالها، وذلك لتألف طبيعة أهل الغناء يكون مثل النغمة والألحان تنصرف إلى المعنى المتعارف بينهم، كما يحمل بعض الحكمة في مثل قوله تعالى: وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَكَرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَاب [البقرة : 269] على حكمتهم فيتوهمون أنه قد يفارق الغناء فيكون ألحاناً ولا يكون غناء وإلا فالألحان والنغمات والأصوات معان متقاربة تختلف معانيها باختلاف مقاماتها فتصدق من الغناء وغيره والكلام في لحن يصدق عليه الغناء أو لا يصدق ومما يبثه من له قلب ما في هذا الحديث من التعبير بألحان العرب ولحون أهل الفسوق.)وبالجملة فميل النفس إلى شيء مع مساعدة الشيطان يزينان للإنسان ارتكاب ما لا يحسن ولا يليق وهذا شأن صاحب كل شيمة ركبت في ذهنه وطبعه وكره النزوع عنها، فإنه يتشبث لإثباتها بمثل هذه التمحلات لئلا يغلب هواه على ما استقر عنده ودعاه.ولو فرض عدم تحقق كون مثل هذا غناء فاحتماله راجح أو مساو ومن يميل إلى تقوى الله هل اللائق بحاله اجتناب مثله أم لا ؟ كيف وما ذكر سابقاً من الحديث وغيره شاهد عدل على كون مثله غناء.وقد سرى هذا وما هذا وما هو أعظم منه من معاشرة أهل الخلاف ومن ضارعهم ومطالعة كتبهم وعدم تميز الغثّ منها من السمين والميل إلى طريقتهم لما فيها من التساهل وغير ذلك، نسأل الله الهداية ونعوذ به من الخذلان والإملاء والغواية إنه جواد كريم.واعلم أن هذا الاسم وهو التصوف كان مستعملاً في فرقة من الحكماء الزائغين عن طريق الصواب، ثم من بعدهم كان يستعمل في جماعة من الزنادقة وجماعة من أهل الخلاف بعد حصول الإسلام، وكان أعداء آل محمد كالحسن البصري وسفيان الثوري وأبي هاشم الكوفي ونحوهم ومن أعظم رؤسائهم حسين بن منصور الحلاج، وله قصص منقولة في كتب أصحابنا ككتاب (الغيبة والاقتصاد للشيخ الطوسي وغيرهما، وادعى الإلهية وورد التوقيع من صاحب الأمر بلغنا كما في كتاب (الاحتجاج) وغيره، وصنف الشيخ المفيد كتاباً في الرد عليه وعلى متابعيه.)ولم يستعمل هذا الاسم أحد من الإمامية لا في زمن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ ولا بعد غيبة صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ).)

ثم لما انتهى الأمر إلى هذا الزمان وما قاربه طالع بعض الإمامية كتب الصوفية فمنهم من أعجبه منها ما يليق ولا منافاة له لقواعد الشريعة فأعجبه ذلك لكن كان متمسكاً بقوانين الشرع فلم يتجاوز ما هو موافق ولم يلتفت إلى ما سوى ذلك.ثم سرى الأمر إلى تعلّق البعض بجميع طريقتهم ورأوا أن من تبع بعض مسالكهم كان من هذه الفرقة فصار لهم كالمستند في ذلك فانتهت الحال إلى جعل الرقص والصفق والغناء من العبادة، بل صارت أفضلها وأكملها عندهم ونسوا أو تناسوا ما ورد ممن ينتسبون إليهم ظاهراً من النهي عن ذلك، وصار اعتقادهم في النوائب والزنادقة أنهم على الحق فتركوا أمور الشريعة وأظهروا الضعيفي العقول والعوام حسن هذه الطريقة ومؤهوا عليهم أشياء يدعون أنها من باب الكشف والكرامات واستخفّوهم لذلك فأطاعوهم لذلك فأطاعوهم وساعدهم على ذلك رفع المشاق التكاليف الشرعية وميل الطبع إلى ما فيه لذة النفس حتى النظر إلى صورة الذكور الحسنة، وادعوا أنهم تنكشف عليهم الأمور من غير واسطة بشر أو غيره، فتبعهم رعاء الناس وغناؤهم، وأتعبوا أنفسهم في الرياضات المنهي عن مثلها في شرعنا لعل أذهانهم تصفو بذلك.وليت شعري لو حصل من هذا شيء مما يدعون فأي فرق بين المؤمن والكافر والمسلم والزنديق، فإنه قد شاع وذاع أن كفار الهند وغيرهم لكثرة ما يرتاضون ربما أخبروا بمثل ما يدعونه بل بما هو أبلغ وأهل التسخير والشعبدة والسحر ربما ظهر منهم أشياء فوق ما يدعيه هؤلاء من غير صحة لمن تفحص وتحقق ذلك.وأهل الكرامات والمعجزات هم الذين كانت تظهر لهم هذه الأمور غير الرياضة ولم يكونوا من أهل التسخير والشعبدة والسحر ونحو ذلك. وأهل التقوى الذين هم محل لأن تظهر منهم الكرامات لم يدعوا ولا ادعى لهم شيء من ذلك وكانت تريدهم الدنيا فيفرون منها فرارك من الأسد.وترى هؤلاء يضيعون العمر فيما يلبسونه لغاية انقياد العوام إليهم ليبلغ ذلك الأكابر والحكام ويشيع خبرهم فيصلون بهم وبخدمتهم ويجعلون ذلك وسيلة إلى التقرب إليهم وجلباً لقلوبهم وسبباً إلى التردد إليهم، ومع ذلك يتوقعون منهم ويأخذون منهم الأموال وربما تعزّز بعضهم بعدم قبول اليسير شركاً لوقوع الكثير أو حباً لثبات الجاه وبقاء الميل إليهم.ولو كان تركهم الدنيا لله وللآخرة لم يكن شيء من هذا ولعملوا:بقول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من)

كثرته وحتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف» (1.)ويقول الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصيته الجابر اغتنم من أهل زمانك خمساً : إن حضرت لم تعرف، وإن غبت لم تفتقد وإن شهدت لم تشاور، وإن قلت لم يقبل قولك، وإن خطبت لم تزوّج، الحديث، وهو طويل وهذا وأمثاله هو الزهد والتقوى كما قيل :)هذى المكارم لا تعبان من لبن*** شيباً بماء فعادا بعد أبوالاثم وصل الأمر إلى أن صار التصوف غير مشروط بالعلم ولو بعلمهم الذي يدعونه، بل بمجرد تغيير اللباس المتعارف عند أكثر الناس وتلبيس الظاهر بذلك وترك الباطن إما فارغاً مما ينبغي أو مملؤاً مما يعلمه الله وصار من زهده وصلاحه بطريق الشريعة ممقوتاً عندهم وما ذاك إلا أنه لو سئل لقال قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وقال أمير المؤمنين وغيرهما، وهم يدّعون أنهم يقولون : قال الله من غير واسطة وقد يقول بعضهم : قال الرسول ولكن بدعوى مشافهته له وإن كان بينهما ألف سنة فما زاد فيلبس أنه رآه في صورة المثال وكذلك الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأنهم يسألونهم عن كل ما يريدون ونحو ذلك من الخرافات التي لا تقبلها عقول المجانين.)نعم لا يبعد أن الشياطين تتراءى لهم في صور مختلفة أو أنه يحصل لهم خبط وتغير مزاج بحيث يرون ما يوهم مثل ما يدعون وقد ينضم إلى ذلك استعمال بعض المغيرات للمزاج الباعثة على مثل ذلك.وإني لأعجب ممن يدعون ذلك على اختلاف مذاهبهم فكل يدعي كشفاً يوافق اعتقاده فالغزالي مع دعواه الوصول إلى هذه المرتبة انكشف له فضل أبي بكر على علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ بمراتب كما هو ظاهر على من طالع إحياءه الذي هو إحياء الباطل.)وكما انكشف له عدم جواز سب يزيد لعنه الله لأنه رجل مسلم ولو كان قاتلاً للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ لم يجز ذلك، لأن غاية هذا أنه فعل كبير وذلك لا يجوز سبّه.)وانكشف له بطلان مذهب الإمامية بعد أن ترك التدريس وانقطع في دمشق ومكة المشرفة نحو عشر سنين ملازماً للخلوة في آخر عمره، فصنف كتاباً سماه (المنقذ من الضلال، يتضمن الرد على من يدعي العصمة وإبطال مذهبهم وسماهم أهل التعليم وضرب لهم مثلاً بأخذهم عن المعصوم بمن تلوّث بجميع النجاسات ثم طلب ماء يتطهر به منها وسعى في ذلك، فلما انتهى إلى ذلك الماء لم يجده ماء يطهره ويزيل عنه الأخباث فبقي مرتكساً في النجاسات طول عمره وتكرر منه في «الإحياء» وغيره: قالت الروافض خذلهم الله.)


1) تحف العقول : 284، والبحار : 162/75 ح 1.

وقال فيه : إنه لو جاء إلينا رافضي وادّعى أن له طلب دم عند أحد قلنا له: دمك هدر، لأن استيفاءه مشروط بحضور إمامك فاحضره حتى يستوفي لك، ومثل ذلك كثير وما نقلته مضمون كلامه ومعناه كان بخاطري ولم يحضرني عين ألفاظه وعباراته، وإن لم تصدق فعليك بالمراجعة.وقد صرّح في كتابه (المنقذ أنه كان يستفيد من الأنبياء والملائكة مع مشاهدتهم على وجه القطع كلما يريد.)نعم ينسب إليه كتاب يسمى (سر العالمين فيه مقالة يظهر منها ميله إلى الحق أو نطقه به ليكون حجة عليه، فإن كان سابقاً فقد ضلّ بعده عن الحق، وظاهر «المنقذ» أنه كتب في أواخر عمره حتى أن بعضهم ينكر كون «سر العالمين» له أو أن المقالة المذكورة تلحقه من غيره، فإن بقية الكتاب ليس فيها شيء من هذا القبيل.)ولو فرض كونه له وأنه كتبه آخر جميع ما كتب صار يستحق بذلك جميع ما يذكر في شأنه، وكان ممن قد صرفوا أعمارهم في حفظ شريعة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وأهل بيته (عليهم السلام) وخاطروا بأنفسهم حتى بلغت لذلك أمرهم على غير الحق بسبب سلوكهم غير هذا الطريق المظلم الذي لا يستضاء فيه بمصابيح الدنيا.)وحكى الشيخ محيي الدين في (فتوحاته: أنه أسرى به مراراً أظنها سبعاً أو تسعاً في كلام طويل يتضمن سورة (الإسراء) وذكر في هذا المقام أو ما يناسبه أحد رأى أبا بكر الصديق لما وصل إلى العرش بعد أن كان يرى في كل سماء واحداً من الأنبياء مثل نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم فكانت مرتبته أعلى من مرتبتهم ومساوية لمرتبته تعالى أو مقاربة لها.)وادعى في أول «الفصوص» أنه من إملاء رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وأمره له بعين ما كتبه، وسمى نفسه خاتم الولاية لمنام رآه وغير ذلك له ولغيره مما يتعجب منه.)في الله العجب من مكاشفات يظهر منها للناصبي أنه على الحق وللملحد أنه على الحق ولعابد الوثن أنه على الحق، وللإمامي أنه على الحق وكذا غيرهم فما أدري أي حق وأي دین هذا؟ وأي مكاشفة هذه ؟ وما وجه الجمع والتوفيق في ذلك؟ فلو كانت هذه المكاشفات للغزالي ونحوه حقاً كان للإمامي أن يعتقد بطلان مذهب الإمامية إن قلدهم وإن انكشف ذلك له كما انكشف لهم كان أظهر في البطلان.ومن العجب الاعتقاد في مثل هؤلاء والشهادة لهم بالتحقيق والتكفير أجلاء علماء الإمامية بل كلهم بكنايات أبلغ من التصريح كتسميتهم إنّا وجدنا، يكون إشارة إلى قوله

تعالى : (وإِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى اثَرِهِم مُقْتَدُونَ [الزخرف: 23]، ومثل: (يا بني اركب معنا) أي ولا تكن من الكافرين بعد التشنيع عليهم بالخصوص كالسيد المرتضى والشيخ المفيد وأمثالهما، وبما يقتضي شمول الجميع باستلزامه ذلك من حيث ثبوت ذلك لكل من خالف طريقته التي اخترعها ولم يوجد من الإمامية عالم سلك هذا الطريق وحاصل بعضه أنه سلك طريقاً لا يفضي إلى الاختلاف في شيء كدعوى الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال والاختلاف) جعله من أسباب التكفير. وقد جعل الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن في قوله تعالى: وَمَا يَعلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: 7] الصوفية وفي هذا رد على من خصهم بالرسول، والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)كما هو مذكور في باب من (الكافي) وغيره مشتمل على أحاديث عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) تدل على اختصاصهم بذلك.

وهذا سبيل من يدعي العلم منهم والكشف بسبب تحصيل هذا العلم والرياضة فما ظنك بأقوام منهم وهم أكثرهم في هذا الزمان، فإنك لو فتشت عن حالهم واختبرت حقيقة مقالهم وجدتهم كالبهائم الهائمة لا يعرفون مسألة من دين الله ولا حراماً ولا حلالاً، ولا يجدون لهم إلى حسن التكلم مجالاً، وترى الناس يقبلون عليهم ويهرعون إليهم ويكادون يسجدون لهم كفعل الكفار بأصنامهم وما آل اعتقادهم فيهم إلى ما قيل في أبي بكر أنه أفضل الصحابة لأمر وقر في نفسه، وحاشى البهائم أن يشبه بها مثل هؤلاء فإنها ليست مكلّفة وتركت ما كلفت به بل منقادة لما سخرت له مسبحة بحمد ربها منزّهة عن مثل هذه الرذائل.

ولقد شاهدت بعض هؤلاء وتفحصت عمن لم أره منهم فانكشف إليّ من حالهم ما ليس من باب الكشف الذي يدعونه أو يدعى لهم وقل تعجبي ممن يعبد الخشب والحجر وزاد يقيني في هوان الدنيا وسوء أحوالها.

ومن تأمل أحوال الدنيا وخستها قديماً وحديثاً رأى لهذا نظائر وأشباهاً، وليس من أعطاه الله العقل مع إرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر باتباعهم بمعذور في ترك التأمل والمتابعة والمجاهدة، فإن كلاً میسر لما خلق له ولا تكليف لما لا يطاق.

واعلم أنه لما سرت سيرة الصوفية إلى الإمامية كان في أول الأمر من يفرق بين القشر واللباب والذهب والتراب فكان من يميل إلى طرف من مقالتهم يختار منه اللباب ويترك القشر إذا كان اللباب حسناً إما مأخوذاً من كلام الأنبياء والأوصياء أو من يحذو حذوهم من العلماء والأتقياء فإنهم كانوا يدخلون مثل ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم ليحسن الظن بهم لكونه مثل كلام أمير المؤمنين ونحوه.

ثم بعد ذلك يترقون إلى تأويله تدريجاً بما يوافق مطالبهم ويناسب مآربهم، وكان من يختار وينتخب ما ذكر بجعله وسيلة إلى تطهير النفس وتزكيتها وإبعادها عن الرذائل، ومع ذلك فالمطلب الأسنى عنده والخلة الحسنى لديه سلوك طريق الشرع وإنفاد العمر فيه كما يراه من عرف حال مثل جدّي الشهير الثاني وغيره من علماء الفرقة المحقة.

ثم تلاشى الأمر ووصل إلى ارتكاب ما سلكوه والاعتماد على ما قالوه ولو بسماع بعضه من غير تميز وفرق إلى أن وصل الأمر إلى التنفّر من الشرع وأهله ودخل تحت هذا الاسم وهو الصوفية من يسمى به، وينتسب إليه فقط فاقتصر المدعي على ذلك على ذلك واكتفى المريد به فصار الملحوظ محض الاسم في الغالب وإلا فلا مشاحة في التسمية إذا كان المسمى مبنياً على أساس صحيح ثابت.

وهذا من مفاسد هذا الاسم المشتمل على ما ذكرناه، ولو بقي ما هو متعارف سابقاً من الزهد والصلاح والتقوى والورع وأمثال ذلك وهو الذي كان شائعاً بين أهل الإيمان وورد به القرآن والأخبار لم يتطرق إليه هذا الغش ولم تترتب عليه هذه المفاسد التي ترتبت على لفظ التصوف ومعناه.

فدخل الغش فيهما والتبس على غير المميز أمرهما بل على المميز أيضاً إذا لم يعمل بعقله وتميزه، ومحك الفرق والتميز الميل إلى جانب الشرع وأهله والتنفر منه ومن أهله، وعلامة التنفر منه التنفر من أهله.

وربما أظهروا التنفر من أهله متعللين بتقصير يدعونه فيهم، وهذه خدعة إبليس، لأن التنفر عن الشرع ليس لهم فيه مصلحة ولا صرفة فأبطنوه وأخروه إلى وقت يمكنهم إظهاره، وتعلّلوا بالقدح في أهله فلو كان تقصير من حاملي الشرع لا يلزم منه القدح منه في الشريعة وعدم متابعتها.

وكأن هذا الزمان الذي ذكره سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وآله في وصايا طويلة لأبي ذر (رضي الله عنه) حيث قال حيث قال من جملتها :

«يا أبا ذر يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم يرون الفضل بذلك لهم على غيرهم أولئك تلعنهم ملائكة السماوات والأرض». مثل ذلك ورّام بن أبي فراس وغيره بالسند المذكور في محله وهي مشهورة في كتب أصحابنا (1).


1) الوسائل : 35/5 ح 5828، وأمالي الطوسي وأمالي الطوسي : 539 ح 1162.

ومن مواعظ عيسي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحكمه من الإنجيل وغيره وهي مشهورة مكررة في كتب أصحابنا أيضاً :

«بحق أقول لكم إن شر الناس لرجل عالم آثر دنیاه على علمه فأحبها وطلبها وجهد عليها حتى لو استطاع أن يجعل الناس في حيرة وماذا يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو يبصرها، وكذلك لا يغني من العالم علمه إذا هو لم يعمل به، ما أكثر ثمار الشجر وليس كلها تنفع ولا يؤكل، وما أكثر العلماء وليس كلهم ينتفع بما علم وما أوسع الأرض وليس كلها يسكن، وما أكثر المتكلمين وليس كل كلامهم يصدق فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذين عليهم ثياب الصوف منكسوا رؤوسهم إلى الأرض يزوّرون بها الخطايا، يطوفون من تحت حواجبهم كما ترمق الذئاب، وقولهم يخالف فعلهم وهل يجتني من العوسج العنب ؟ ومن الحنظل التين؟ وكذلك لا يثمر قول العالم الكاذب إلا زوراً وليس كل من يقول يصدق» انتهى المنقول من كلامه صلوات الله عليه (1).

فإن قيل : كلام عيسى يدخل تحته كل عالم غير عامل وترى كثيراً من علماء الشرع من هذا القبيل.

قلت: قد ورد في شأن العالم بغير عمل في كلام غير عيسى أيضاً من كلام الأنبياء والأئمة والحديث القدسي ما يقسم الظهور كما هو معلوم لمن تتبع، ولكن علماء الشرع إن تساهلوا في العمل ومالوا إلى حب الدنيا وهم الأقلون قبل هذا الزمان فإنهم مع تساهلهم في العمل طريقهم واعتقادهم في العلم غير مستودع وإن كانوا ملومين غير معذورين بالنسبة إلى العمل.

وهذا بخلاف ترك ما هو طريق العمل فإنه مع عدم العلم أو مع عدم اعتقاد العلم يكون العمل مبنياً على غير أساس إن حصل ما يسمى عملا في الجملة أو لم يكن عمل، على أن ما لا طريق له من العمل لا يستحق صدق اسم العمل عليه فالذي يفني عمره في مثل ذلك لا أرضاً قطع ولا ظهراً أتى، والأول يكون تاركاً لأقبح القبيحين والآخر تابع له وإن كان العلم مقروناً إلى العمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه.

واحتجاج أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الصوفية لما دخلوا إليه فيما ينهون عنه من طلب الرزق بما يتعلق بسفيان الثوري وغيره مشهور في (الكافي) وغيره، انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول : هذا كلام جيد في توضيح المقام ورفع الحجاب عن وجه المرام لكنه ينبغي أن


1) تحف العقول : 503.

نفصل بعض ما أجمله وننبه على ما أهمله من خبط الغزالي وابن العربي وغلطهما، فأقول :

تذييل

أما محيي الدين فقد نقلنا في إبطال القول بوحدة الوجود فصلاً وافياً من كلامه وأردفناه بالتنبيه على هفواته وآثامه، وأما دعواه الإسراء به إلى السماء فهو من ثمرات رياضاته ونتائج مجاهداته التي حصلت له مرض الخيالات التي نشئت منه أمثال تلك الخرافات، ويشهد بصحة ما ادعاه رؤيته أبا بكر في أعلى الطبقات والأنبياء في أدناها كدعوى الثعلب والشاهد عليه ذنبها.

وأما الغزالي فما أشار إليه من أغاليطه وأباطيله وترهاته وهذياناته أمور.

الأول : عدم تجويز اللعن على يزيد.

وأنا أتقرب إلى الله وإلى رسوله بلعنهما كليهما وأقول عليهما لعائن الله والملائكة والناس أجمعين بما لا مزيد وعلى من حذا حذوهما من كل كفار عنيد وشيطان مريد.

وتفصيل ما قاله في ذلك العنوان ما ذكره في (إحياء العلوم) في باب آفات اللسان حيث قال :

الآفة الثامنة اللعن واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد من الله تعالى وذلك غير جائز إلا على ما يتصف بصفة تبعده من الله تعالى والصفات المقتضية ثلاثاً : الكفر، والبدعة والفسق واللعن في كل واحدة منها ثلاث مراتب:

الأولى : اللعن بالوصف الأعم كقولك : لعنة الله على الكافرين والمبتدعين والفسقة.

الثانية: اللعن بأوصاف أخص منه كقولك : لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس وعلى القدرية والخوارج والروافض.

الثالثة : اللعن للشخص المعين، وهذا فيه خطر كقولك : زيد لعنه الله وهو كافر أو فاسق أو مبتدع.

والتفصيل فيه أن كل شخص ثبتت لعنته شرعاً فيجوز لعنته كقولك: فرعون لعنه الله، وأبو جهل لعنه الله، لأنه ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعاً، أما شخص بعينه في زماننا كقولك : زيد لعنه الله وهو يهودي مثلاً فهذا فيه خطر لأنه ربما يسلم فيموت مقرباً عند الله فكيف يحكم بكونه ملعوناً؟

فإن قلت : يلعن لكونه كافراً في الحال كما يقال للمسلم : رحمه الله لكونه مسلماً في

الحال وإن كان يتصور أن يرتد.

فاعلم أن معنى قولنا : رحمه الله أي ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة وعلى الطاعة، ولا يمكن أن يقال: ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة، فإن هذا سؤال الكفر وهي في نفسه كفر بل الجائز أن يقال : لعنه الله إن مات على الكفر ولا لعنه الله إن مات على الإسلام، وذلك غيب لا يُدرى والمطلق تردد بين الجهتين ففيه خطر.

وإذا عرفت هذا في الكافر ففي زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى إلى أن قال: فلا خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلاً فضلاً عن غيره.

فإن قيل: هل يجوز لعنة يزيد لكونه قاتل الحسين أو أمراً به؟

قلنا : هذا لم يثبت أصلاً، فلا يجوز أن يقال: إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلاً عن اللعنة، لأنه لا يجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق.

فإن قيل: فهل يجوز أن يقال : قاتل الحسين لعنه الله أو الأمر بقتله لعنه الله ؟

قلنا: الصواب أن يقال : قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله، لأنه يحتمل أن يموت بعد التوبة، فإن وحشياً قاتل الحمزة قتله وهو كافر ثم تاب عن الكفر والقتل جميعاً ولا يجوز أن يلعن والقتل كبيرة ولا تنتهي إلى رتبة الكفر فإذا لم يقيّد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر وليس في السكوت خطر وهو أولى انتهى كلامه لعنه الله تعالى وخذله وضاعف في عذابه.

أقول : لما صادف نقل كلام هذا الناصب اللعين في ليلة القدر، وهي الليلة الثالثة والعشرون من شهر الصيام كما يستفاد من أكثر أخبار الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وكان الناس مشتغلين وقتئذ في المساجد الجامعة والمشاهد المشرّفة بالعبادات والطاعات، متقربين إليه تعالى بالتلاوة والتسبيح والتقديس والدعوات، مبتهلين متضرّعين إليه عزَّ وجل في غفران الذنوب والزلات فرأيت اشتغالي بما يلوح من المطاعن على هذا الناصب الملعون أهم وأحرى، وأحتسب بذلك الأجر والزلفى لديه تعالى وأتقرب به إلى أئمة الهدى تعصباً لخامس آل العباء سلام الله عليه وعليهم تترى وأستشفع بهم إلى الله سبحانه أن يثبت ما أكتبه هنا في صحائف حسناتي، ويجعله ممحاة سيئاتي، ويحشرني في زمرة موالي وساداتي إنه مجيب الدعوات، وولي الخيرات والحسنات، وهو الغفور الرحيم والشكور الكريم.

فأقول : يتوجه على هذا الناصب وجوه من الكلام وضروب من المثالب والملام

الأول : أن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد من الله ورحمته ومن الخلق طلب الطرد

والدعاء بالعذاب فمعنى قولنا : لعن الله الكافرين والظالمين والمبتدعة والنواصب ومنهم الغزالي باعدهم الله من رحمته وضاعف عليهم العذاب لاستحقاقهم له بما صدر عنهم من الكفر والظلم والنصب والبدعة والكتاب والسنة مشحونة بلعن هؤلاء وقد ثبت الإذن والترخيص لنا قولاً وفعلاً وتقريراً في لعنهم، ولا فرق فيه بين الأنواع والأشخاص

والتفرقة بين النوع والشخص بتجويزه في الأول دون الثاني كما توهمه الناصب شطط من الكلام وغلط.

أما :أولاً فلأن احتمال توبة الشخص الكافر وجواز رجوعه إلى الإسلام لا يوجب رفع اليد عن لعنه المترتب على كفره المحقق كسائر الأحكام المترتبة على كفره، لأن اليقين لا تنقض إلا بيقين مثله، ولو كان مجرد الاحتمال كافياً لجاز الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين وتجهيزه وتكفينه مثل سائر المسلمين وليس فليس.

وأما ثانياً : فلأن معنى لعن أشخاص الكفار طلب العذاب في حقهم لاستحقاقهم بالفعل له، وتجويز توبتهم لا يمنع من جواز الدعاء عليهم، لتبدل الأحكام بتبدل الموضوعات ألا ترى أن الله يكره الفاسق ويبغضه حال فسقه ويحبه حال توبته مع أنه عالم بما يؤول أمره.

وأما ثالثاً : فلأن قوله : معنى قولنا : رحمه الله أي ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب لرحمة ولا يمكن أن يقال: ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة فيه أنه لم يفهم معنى الرحمة واللعنة إذ ليس معناهما طلب التثبيت على الإسلام والكفر، بل طلب الثواب لمن كان ثابتاً على إسلامه، وطلب العقاب على من كان ثابتاً على كفره.

وأما رابعاً: فلأنه لا فرق بين جواز اللعن على اليهود عموماً وبين جوازه على أشخاصهم، لأنه إن كان معناه طلب الثبات والاستمرار على الكفر على ما توهمه فلا يجوز مطلقاً، وإن كان المراد منه الإبعاد عن رحمة الله فالكل بعيد منها حالة اليهودية الأشخاص والأنواع، وجواز التوبة كما يمكن في حق الشخص يمكن في حق النوع، والقرب والبعد لا تتفاوت فيه أحكام الشريعة وبالجملة النوع ليس إلا عبارة عن الأشخاص المجتمعة، والتفرقة بينهما سفسطة.

الثاني : أن قوله : فلا خطر في السكوت عن لعن إبليس فضلاً عن غيره يظهر منه أن بينه وبين إبليس محابة وأخوة لا يرضى بلعنه، ولا غرو في ذلك لأنه قائد الضلال بوسوسته وهذا قائد الضلال بسفسطته، وهو كافر بالله، وهذا كافر بولاية ولي الإله، فلهما اشتراك في المذهب، ومشاركة في المذاق والمشرب وإلا فلم لا يرضى بلعنه مع أن استحقاق الكفار والظالمين للعن والطرد والإبعاد إنما هو لأجل الكفر والظلم، وهذا الملعون أول كافر بالله كما

يدل عليه قوله تعالى: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكافرين [البقرة : 34].

وأيضاً فلنا برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أسوة حسنة، وكلما جرى على لسانه الشريف ذكر هذا الملعون أردفه بالطعن واللعن فيجب لنا اتباعه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أقواله وأفعاله، ولو كان السكوت عن لعنه حسناً لم يتخذه لم يتخذه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سنة.

مع أن التبري من أولياء الضلال ظاهراً وباطناً بأي نحو كان واجب، واللعن من جملة أنحاء التبرّي كالإهانة والإذلال والتوهين والسب والإزراء ونحوها.

الثالث: ما قاله في حق يزيد اللعين ابن اللعين من أنه لم يثبت كونه آمراً بقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دليل على جهله بكتب التواريخ والسير التي صنّفها علماؤهم فضلاً عن علمائنا، إذ لم ينكر أحد منهم ذلك ولا خلاف بينهم في أن يزيد ولى ابن زياد عليه اللعنة والعذاب على العراقين لهذا الغرض، وأنه أنهض العساكر وعبّاً الجيوش والكتائب لقتاله سلام الله عليه وأمره بالقتل أو البيعة فآل الأمر إلى ما آل.

وقد قيل لبعض القضاة : كيف يستحق يزيد اللعن على قتل الحسين بن علي وكان في الشام وقُتل هو بالعراق؟ فأنشد:

سهم أصاب وراميه بذي سلم*** من بالعراق لقد أبعدت مرماك

فإذا ثبت أمره بقتله ثبت وجوب لعنه لأن فرط محبة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) للحسين ولأخيه الحسن (عَلَيهِم السَّلَامُ) ومزيد اختصاصهما به غني عن البيان مستغن عن البيئة والبرهان.

وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيهما : «من أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله وأصلاه جهنم وساءت مصيراً»، رواه المحدثون فأوجب النار في بعضهما فكيف لقتلهما ؟ (1).

وقد روت الخاصة والعامة حتى الغزالي قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيهما : «هما وديعتي في أُمتي» (2).

ورووا أيضاً قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «اللهم إني أستودعكهما وصالح المؤمنين» (3).

وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «أنا من حسين وحسين مني» إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره (4).

ويدل ذلك كله على أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يؤذيه ما يؤذي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضلاً عن قتله (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ


1) الإرشاد للمفيد : 28/2، وذخائر العقبي : 123، فضائل الصحابة لأحمد : 20/2، ومسند أحمد: 288/2.

2) البحار : 285/43 ح 50.

3) مجمع الزوائد 1949، والمعجم الكبير للطبراني : 185/5.

4) راجع تاريخ دمشق 331/54، وسير أعلام النبلاء : 115/4.

رسول اللَّهِ فَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة : 61] كما في آية التوبة، وفي آية الأحزاب : وَإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهمْ عَذَابًا مُّهِينا [57].)الرابع :قوله لا يجوز نسبة المسلم إلى كبيرة من غير تحقيق.أقول: هذا مسلّم ولكن كفر يزيد وظلمه وارتكابه ما لم يرتكبه أحد من الكفار بلغ مبلغ اشتهار الشمس في رابعة النهار، لأن زمان ذلك الملعون كان كله ظلماً وفتنة فإنه بعد قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ وقتل من قتل معه جهز الجيوش إلى ابن الزبير وبعث بها إليه مع عقبة بن مسلم إلى مدينة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهي حرمه الذي حرّمه كما أن إبراهيم حرّم مكة، ولعن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أحدث في المدينة حدثاً فقتل أهلها، وأباح قتلهم ثلاثة أيام يقتل فيها الرجال ويسبي النساء وتنتهب الأموال، ثم سار إلى مكة فمات في طريق مكة لعنه الله تعالى فولى يزيد ابن الحصين مكانه فانتهى إلى مكة فأباحها وأضرم النار في أستار الكعبة فاحترقت وأحرق سقفها وسقط جدارها وهي حرم الله الذي حرّمه وعظمه غاية التعظيم وقال في حقه : ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامِ بِظُلْمٍ نُذِقَهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيهِ) [الحج: 25].

ولم يقدم المشركون مع شركهم ولا أهل الجهالة على جهالتهم على أدنى شيء مما فعل تعظيماً له ورعاية لحرمته ومن هذا شأنه فكيف يكون مسلماً؟.

نعم هذا الملعون كأبيه وجده معاوية وأبي سفيان الملعونين، أظهر الإسلام توسلاً به إلى إرابه وأبطن الكفر وقد نقل أنه ذكر عنده رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوماً فقال الملعون:

تلاعب بالبرية هاشمي*** بلا وحي أتاه ولا كتاب

وهذا منه قدح قديح في النبوّة وسنذكر مثله منه في الأشعار الآتية.

الخامس: أن قوله : الصواب أن يقال : قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله، لأنه يحتمل أن يموت بعد التوبة فيه : أن مجرد الاحتمال غير كاف في ارتفاع اللعن والطرد والويل والنكال.

وكيف يكون تائباً وقد صدر منه بعد قتله سلام الله عليه ما هو أعظم خزياً من الحركات الشنيعة في حق العترة الهاشمية من سبي الحريم والنساء وأمره بأن يسار بهم في سكك الشام على أقتاب بغير وطاء سوق السبايا والإماء ثم إحضارهم إلى مجلسه مكرراً ابتهاجاته وفخره و سروره.

ويكشف عن عدم ندمه مضافاً إلى هذا وضعه الرأس الشريف بين يديه وتمثله بقول ابن الزبعري :

ليت أشياخ بدر شهدوا*** جزع خزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً*** ثم قالوا یا یزید لاتشل

لست من حندف إن لم أنتقم*** من بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا***خبر جاء ولا وحي نزل

أفي حق من بتلك الأشعار يتمثل يجوّز الندم ويحتمل ولنعم ما قال ابن هاني المغربي :

بأسياف ذاك البغي أول سلها*** أصيب عليّ لا بسيف ابن ملجم

وبالحقد حقد الجاهلية أنه***إلى الآن لم يذهب ولم يتصرّم

فلعن الله تعالى على يزيد بن معاوية عدد الحجر والمدر والنبات والشجر وعلى المتعصبين له من أمثال الغزالي اللعين ذوي الأنفس الخبيثة، والعقول المختلة، والعقائد الفاسدة، والهمم الساقطة، والأديان المدخولة، والأحلام الطائشة، والأقوال الواهية، والقلوب التي لا تهتدي إلى رشاد والعيون التي لا تنظر إلى سداد وقد غطى عليها الغين وفيهم يقال : أعمى القلب والعين ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سلاً.

الثاني من أغلاط الغزالي

إشارة:

دعواه أنه يستفيد من الملائكة والأنبياء ومشاهدته لهم على وجه القطع كلما يريد.

وعلى ذلك الغلط جرت سيرة الصوفية فإنك ترى كثيراً منهم يستندون ما يأفكون إلى الأنبياء والرسل، ويدعون رؤيتهم إما بالكشف والشهود وإما في المنام، بل ربما يترقى بعضهم ويدعي رؤية الله تعالى ظاهراً بحس البصر، ولا بأس بنقل بعض خرافاتهم.

فأقول : من أعظم مشايخ هذه الفرقة محيي الدين الملحد والغزالي الناصب وقد نقلنا من كلام الأول فيما سبق كثيراً.

وأعظم مما كله ما نقله أبو الفتح محمد بن مظفر الدين المعروف بالشيخ المكي في كتابه المسمى بـ (الجانب الغربي في حل مشكلات ابن العربي) قال في محكى كلامه من خاتمة الكتاب المذكور عند ذكر كراماته.

ومنها أن الشيخ - يعني محيي الدين - قال : كان محبوبي يتجسد لي كما أن جبرئيل يكون مجسداً لرسول الله وأنا لا أقدر على النظر إليه، وكان يتكلم إليَّ وأنا أسمع كلامه وأفهمه، وكانت مشاهدته تمنعني من الغذاء عدة أيام، وكلما أحضرت المائدة كان يقف في جانب منها ويقول بلسان أسمعه : تأكل وأنت تشاهدني، وكان ذلك مانعاً لي من الطعام، وما

كنت أجد ما كان بي من الجوع وكان النظر إليه عوضاً عن الغذاء والماء، وهكذا كان حالي في أكثر الأيام لا أذوق فيها شيئاً ولا يكون محبوبي غائباً عن نظري، وكان يقوم لقيامي ويقعد لقعودي، انتهى.

وهذه منه دعوى مشاهدة الرب تعالى وتقدّسه بالصورة الجسمية بعين الكشف ولا يبعد أن شيطانه تجسد له ليحكم إغواءه ويشدّد إضلاله حسبما نشير إلى تفصيله تحقيقاً إن شاء الله.

وأما رؤيته للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقد ادعاه في (ديباجة الفصوص) حيث قال :

أما بعد، فإني رأيت رسول الله في مبشرة أُريتها في العشر الآخر من المحرم لسنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق وبيده كتاب فقال لي : هذا كتاب «فصوص الحكم» خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة الله ولرسوله وأُولي الأمر منا.

وادعى أيضاً رؤيته ورؤية سائر الأنبياء جميعاً في الفص الهودي قال هناك :

واعلم أنه لما أطلعني الحق وأشهدني أعيان رسله وأنبيائه كلهم البشريين من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم أجمعين في مشهد أقمت فيه بقرطبة سنة ست وثمانين وخمسمائة ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلا هود (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنه أخبرني بسبب جمعيتهم ورأيته رجلاً ضخماً في الرجال حسن الصورة لطيف المحاورة عارفاً بالأمور كاشفاً لها.

قال القيصري: قيل : كان سبب جمعيتهم إنزاله مقام القطبية ليكون قطب الأقطاب في زمانه وكلام هود (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشارته أنه خاتم الولاية المحمدية ووارث الأنبياء والمرسلين كما ذكره من نفسه في مواضع من فتوحاته تصريحاً وتلويحاً.

وأما رؤية الغزالي للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقد نقل عن (شرح المثنوي) أنه قال :

إن الإمام أبا حامد الغزالي المشهور قال لأخيه أحمد الغزالي يوماً : نعم الفقيه أنت لو اجتهدت في الشريعة أكثر من هذا فقال له الشيخ أحمد ونعم العالم أنت لو اهتممت في الحقيقة أكثر من هذا فقال الإمام أزعم أن لي السبق في مضمار الحقيقة، فقال الشيخ: متاع التصور والحسبان ليس كثير الرواج في سوق الأسرار، فقال وليكن بيننا حكم، فقال الشيخ وحكم هذا الطريق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقال الإمام : وكيف لنا به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حتى نرى مكانه ونسمع بيانه؟ قال: ولم يجد حظاً من الحقيقة من لم يره حيث أراد ولم يسمع من أسراره وحقائقه فاشتعلت من أثر هذا الملام نائرة الغيرة في باطن الإمام.

ثم إنهما جعلا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حكماً لأنفسهما وافترقا حتى إذا جاء الليل أخذ كل منهما طريق تعبده.

فبالغ الإمام في التضرّع والبكاء والتوسل إلى أن سخنت عيناه فرأى أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دخل عليه مع رجل من أصحابه وبشره بشرف المعرفة بهذا الأمر وكان على يدي ذلك الصحابي طبق من الرّطب، ففتح عن طرف منه وأعطاه من ذلك تميرات فلما أفاق الإمام رأى تلك التميرات موجودة في يده على خلاف سائر مناماته، فقام مبتهجاً مسروراً إلى حجرة أخيه، وجعل يدق الباب بقوته، فإذا هو يقول من وراء الباب: لا ينبغي مثل هذا العجب والدلال على تميرات معدودة.

فزاد تحيّر الإمام من دهشة هذا القول، فلما دخل على أخيه قال : وكيف علمت ما لحقني من التشريف؟ فقال الشيخ: ولم يعطك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما أعطاك حتى لم يعرضه علي سبع مرات، وإن لم تصدقني في ذلك فقم إلى رف الحجرة وانظر ماذا ترى؟

فلما قام الإمام رأى ذلك الطبق الذي كان على يدي الصحابي هناك وقد نقص من طرف منه بمقدار تلك التميرات، فعلم أن ما بلغه منه أيضاً كان من بركات أنفاس الشيخ.

ثم أنه أخذ في طريقة السير والسلوك واستكشاف أسرار الحقائق إلى أن صار مقتدى أصحاب الطريقة بلا كلام، انتهى.

أقول: هذه القصة إما مجعولة من ناقلها أو من المنامات الشيطانية وإلا فكيف يتصور من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عنايته وموادته لمن حاد الله ورسوله؟ وقد منع الله سبحانه المؤمنين من موادتهم وقال : (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولُهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22].

ومن أعظم محادّة الله تعالى ولرسوله من الناصب المتعنت؟ وقد علمت نصب أبي حامد الغزالي بما لا مزيد عليه ونصب أخيه أحمد يعلم مما ذكره القاضي نور الله في مجالس المؤمنين عند ترجمة أخيه أبي حامد، بل قد علمت سابقاً كفره والحاده حيث حكينا عنه تعصبه لإبليس عليه اللعنة وتسميته له : بسيد الموحدين وغير ذلك من ترهاته.

وكم للصوفية من دعوى أمثال تلك المكاشفات وادعاء مشاهدة النبي والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) إما بالرؤية أو بالرؤياء.

وأعظم من ذلك دعوى رؤساء كل طبقة والكملين منهم على زعمهم تجلى الرب تقدس وتعالى فيهم ومعاينتهم له سبحانه بالكشف والشهود مع أن بعضهم مؤمن وبعضهم ملحد وبعضهم شيعي وبعضهم سنّي، والشيعي أيضاً بعضهم إمامي وبعضهم غير إمامي، والسني بعضهم ناصبي وبعضهم غير ناصبي.

على أن كلاً من هذه الفرق على اختلاف مذاهبهم ولعن بعضهم بعضاً وتبريء بعضهم

من بعض مشاربهم في السير والسلوك والرياضات والأوراد والأذكار والعبادات المبتدعة أيضاً مختلفة.

فبعضهم جلاليّ، وبعضهم خاكساري، وبعضهم نقشبندي، وبعضهم طيفوري، وبعضهم نعمة اللهي وبعضهم ذهبي وبعضها سفاريّ إلى غير هذه من سلاسلهم الكثيرة، وكل سلسلة يخطىء السلسلة الأخرى، فلو كانت هذه المكاشفات التي يدعيها الكل صحيحة صادقة الصحت مذاهب هذه الفرق كلها ولم تكن الناجية منحصرة في واحدة.

مع أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال في الحديث الذي رواه الكل : «إن أمة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة فرقة منها ناجية وسبعون في النار وافترقت أمة عيسى بعده على اثنتين وسبعين فرقة فرقة منها ناجية وإحدى وسبعون في النار، وإن أمتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة منها ناجية واثنان وسبعون في النار» (1).

فعلم بذلك كله أن ما يدعون كله تدليس وتلبيس وتمويه وتخريق وتزويق كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب.

فإن قيل : سلمنا هذا كله ولكن يستبعد جداً اتفاق هؤلاء على كثرتهم على الكذب في دعوى المعاينة.

قلت: هو كذلك ولكن مرجع تلك الدعوى إلى أحد أمور:

الأول : أنهم بما اعتادوه من تحمل المشاق والرياضات المبتدعة والجلوس في بيت مظلم أربعين يوماً والتزام ترك الحيواني ونحو ذلك ربما يحصل لهم خبط وتغير مزاج مضافاً إلى شرب بعضهم للبنج ونحوه من الأدوية المسبتة، فيوجب ذلك الاختراعات الخيالية فيتوهم المتخيل محسوساً مع أنه لا أصل له كالسراب الذي يراه الناظر من بعد ماءً.

وقد أشار إلى ذلك النفيسي في (شرح الأسباب) حيث قال : وقد يبلغ الفساد في بعضهم إلى حد يظن أنه يعلم الغيب وكثيراً ما يخبر بما سيكون قبل كونه، وقد يبلغ الفساد في بعضهم إلى حد يظن أنه صار ملكاً، وقد يبلغ في بعضهم إلى أعلا من ذلك فيظن أنه الحق تعالى عن ذلك، وأكثرهم يرون أنهم يلزمون التقوى وحسن السيرة بتوحشهم وانصرافهم عن الناس وقال بعد شطر من كلامه : قد عرض هذا المرض لكثير من الفلاسفة كأفلاطون ونظرائه.

وقال الطبري : قد رأيت جماعة من الأفاضل تفردوا بأنفسهم وتركوا الاشتغال بغير


1) كفاية الأثر : 155، وأمالي المفيد : 213، ومسند أحمد: 232/2.

العلوم ولزموا مجانبة الناس فاحترقت أخلاطهم وحدث بهم الماليخوليا، منهم الفارابي فإنه كان لا يختلط بالناس ويتجنبهم وإذا عاب إنساناً عابه بأنه يجالس العامة والسوقة، فحدث به ضرب من الماليخوليا كان يخرج إلى السوق ويقعد ويهذي بالمنطقيات ويلعب به الصبيان والسوقة، انتهى مجملاً.

الثاني : أنهم لانحرافهم عن النهج القويم وعدولهم عن الصراط المستقيم وأخذهم بالبدعات وركوبهم للضلالات شملهم من الله الخذلان وتراءى لهم الشيطان وتجسم في نظرهم وحضر في مجلسهم وتكلم معهم وخاطبهم، فأسمعهم وتلاطف بهم تثبيتاً لما أسسوه من بنيان الزيغ والضلال، وتشييداً لما أقاموه من أركان الوزر والوبال.

وقد أشار إلى ذلك الشيخ علي سبط الشهيد الثاني (قدس الله روحهما) في محكي كلامه من كتابه المسمى بـ (السهام المارقة من أغراض الزنادقة) حيث قال : نعم لا يبعد أن الشياطين تتراءى لهم في صور مختلفة فربما يغويهم الشيطان ويقول لهم: أنا إمامكم بل أنا إلهكم، وحضور الجن والشياطين عند أهل الرياضيات والتسخير وغيرهم شائع مشهور ولا بعد فيه من جهة العقل والنقل.

وفي الأحاديث تكررت تشكل الجن بأشكال بني آدم فاستبعاد هذا أو نفيه نفي واستبعاد لكمال قدرته تعالى وردّ لأحاديث أهل بيت العصمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).

قال : وحكى في بلادنا جماعة عن رجل قريب من هذا العصر أن أباه كان يخبر بأخبار البلاد المتباعدة وما يقع بها ويرسل كتابات يصل من مثل الشام إلى مكة في أوقات يسيرة يعلم ذلك من تاريخها، وكان الناس يتعجبون من ذلك ونحوه، فلما توفّي الأب أخبر الولد أن بعد وفاة أبيه جاء شخص بصورة عبد أسود طويل فقال له : أنا كنت خادماً لأبيك في حياته فإن أردت أن أكون لك كما كنت لأبيك فعلت إن تقوم بشرط كان بيني وبينه، وهو أني شرطت عليه أن يسجد لي دون الله فقبل وفعل فامتنع الولد من ذلك فانصرف ولم يره بعده، نقل جماعة وأظن أن بعضهم حكى أنه أدرك ذلك الولد.

قال (رَحمهُ اللّه) ولا بعد أيضاً في أنه يحصل لهم خبط وتغير مزاج بحيث يرون ما يوهم مثل ما يدعون وقد ينضم إلى ذلك تناول كثير من التراكيب المغيرة للمزاج الباعثة على مثل ذلك ونحوها من المغيرات انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول : ما قاله (قدس سره) من تراثي الشياطين لهم في صور مختلفة فهو نص الكتاب الكريم والأخبار الكثيرة الدالة على ظهورهم وتراثيهم لأولياء الضلال، قال سبحانه : (أُنبئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ)

[الشعراء: 221-223]، أي تنزّل الشياطين على كل كذاب فاجر كثير الإثم.

قال الطبرسي : يلقون السمع معناه أن الشياطين يلقون ما يسمعونه إلى الكهنة والكذابين ويخلطون به كثيراً من الأكاذيب ويوحونه إليهم.

وفي (الصافي) : أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنوناً وإمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها، انتهى (1).

ولعمري أن الصوفية هم أظهر مصاديق هذه الآية، وكذا الآية الأخرى في سورة الجاثية وهو قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَاكِ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَاياتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِيرُ مُسْتَكْبِيرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعَها فَبَشَّرهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَاتِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُرُوا أَولَئكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مِّن وَرَائِهِمْ جهنّم وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا أَخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [7 - 10 ].

ومن أحاط خبراً بما قدمناه من إفك ابن العربي وأباطيله الكثيرة كدعاويه رؤية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتجلّي الحق فيه وإسرائه إلى السماء وتلقيه الأحكام من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسل، وادعائه أنه خاتم الولاية واستهزائه بآيات الله وتأويله لها على المعاني الباطلة وتصحيحه لعبادة من دون الله من الأصنام والأوثان إلى غير ذلك مما قدمناه نقله منه، عرف أن ذلك الملحد أظهر مصاديق تلك الآية.

وأما الأخبار فمنها ما رواه في (الكافي) عن أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث طويل قال : ليس من يوم وليلة إلا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلال ويزور إمام الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلى ولي الأمر خلق الله أو قال : قيض الله عز وجل من الشياطين بعددهم ثم زاروا أولي الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتى لعله يصبح فيقول : رأيت كذا وكذا، فلو سئل ولي الأمر عن ذلك لقال : رأيت شيطاناً أخبرك بكذا وكذا حتى يفسّر له تفسيراً ويعلمه الضلالة (2).

ومنها أن الحسن البصري، وهو رئيسهم مر به أمير المؤمنين بعد حرب الجمل وهو يتوضأ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا حسن أسبغ الوضوء، فقال : يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ويصلّون الخمس ويسبغون الوضوء، فقال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدوّنا؟ فقال: والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين، لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنّطت وصببت عليّ


1) البحار : 133/9، وتفسير الصافي : 55/4.

2) الكافي: 253/1 ح 9.

سلاحي وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين كفر، فلما انتهيت إلى موضع من الخربية نادى منادياً : حسن إلى أين؟ ارجع، فإن القاتل والمقتول في النار، قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): صدقت أفتدري من ذلك المنادي؟ قال : لا، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أخوك إبليس وصدقك أن القاتل لا، والمقتول منهم في النار (1).

وقد مر رواية ذلك الحديث بتمامه من الاحتجاج عن ابن عباس في شرح المختار الثالث عشر فليراجع هناك.

ويفهم منه أن الشياطين ربما ينادون أولياءهم ويخاطبونهم من غير أن يظهروا لهم.

ويدل على ذلك ما قدمنا روايته في التذييل الثاني من شرح الفصل الثاني من فصول المختار المائة والحادي والثمانين عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قصة أصحاب الرّس بعدما ذكر أنه كانت لهم اثنتي عشرة قرية وفي كل منها صنوبرة يعبدونها

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً يجتمع إليه أهلها فيضربون على الشجرة التي فيها كلّة من حرير فيها أنواع الصور، ثم يأتون بشاة وبقر يذبحونها قرباناً للشجرة ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها في الهواء وحال بينهم وبين النظر إلى السماء خروا سجداً يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم، فكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي أن قد رضيت عنكم فطيبوا نفساً، فيرفعون رؤوسهم عند ذلك إلى أن قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليه صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقاً من ديباج عليه من أنواع الصور وجعلوا له اثني عشر باباً كل باب لأهل قرية منهم ويسجدون للصنوبرة خارجاً من السرادق ويقربون لها الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة في قربتهم فيجيء إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكاً شديداً ويتكلم من جوفها كلاماً جهورياً، ويعدهم ويمنيهم بأكثر ما وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها فيرفعون رؤوسهم عن السجود ولهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلمون الحديث والأخبار في هذا المعنى كثيرة ولا حاجة إلى الإطالة (2).

الثالث : تعمد بعضهم في الكذب والإفك وادعائه ما ليس له أصل أصلاً.

فإنهم لانحرافهم عن جادة الشريعة وضلالهم عن الحق وإضلالهم كثيراً من العوام كالأنعام والرعاع الذين يصغون إلى كل ناعق بما أظهروه من خوارق العادات التي نشير إلى


1) الاحتجاج : 251/1، والبحار : 226/32 ح 175.

2) علل الشرائع : 41/1، باب 38 ح 1، والبحار: 110/56 ح 7.

منشئها إن شاء الله نسبوا إلى أنفسهم ما لا أصل له من رؤية الأنبياء والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، تثبيتاً لمتابعيهم المفتتن بهم على ما اعتقدوه في حقهم من مقام القطبية والولاية(1)

قال أبو بكر الحضرمي : بل ذهب بعض العلماء الى ان المجدد الذي يبعث على رأس كل مائة سنة لا يكون إلا من أهل البيت مستدلا بحديث أحمد بن حنبل الآتي وقد ذكر ذلك الجلال السيوطي (قدس الله سره) في منظومة له ذكر فيها المجددين قال : وان يكون في حديث قد روي من أهل بيت المصطفى وهو قوي والحديث المذكور هو ما أخرجه ابن عساكر من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل (رضي الله عنهما) قال : سمعت أبي يقول : رويت عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) انه قال :

«يقيض الله في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي يعلم امتي الدين».

وأخرج أبو سعيد الهروي من طريق حميد ابن زنجويه قال سمعت أحمد بن حنبل يقول : يروى في الحديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «ان الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم» (حلية الأولياء : 9 / 97 ترجمة الشافعي بسنده الى أحمد والمشرع الروي: 1/ 20 عن أحمد).

وقال الحافظ جلال الدين المذكور وأقول : ان الرواية المقيدة بقوله : (من أهل بيتي) وان كانت غير معروفة السند ؛ فإن أحمد أوردها بغير اسناد ولم يوقف على اسنادها في شيء من الكتب ولا الاحاديث إلا انها في غاية الظهور من غاية الظهور من حيث المعنى، فإن القائم في هذا المنصب الشريف جدير بان يكون من أهل البيت النبوي، وهو نظير قول من اشترط في القطب ان يكون من أهل البيت.

إلا ان القطب من شأنه غالباً الخفاء وعدم الظهور، فإذا لم يوجد في الظاهر من أهل البيت من يصلح للاتصاف حمل على انه قام بذلك رجل منهم في الباطن.

واما القائم بتجديد الدين فلابد أن يكون ظاهراً حتى يسير عمله في الآفاق وينشر في الافطار، ولا يمكن ان يقال في المئات السابقة لعل رجلا من أهل البيت قام بذلك في الباطن، لان ذلك غير مقصود الحديث والحاصل ان الاوجه من حيث المعنى ان المناصب الثلاثة لا يقوم بها إلا رجل من أهل البيت :

. منصب الخلافة الظاهرة وهي القيام بامر الإمام.

. ومنصب الخلافة الباطنة وهي القطبية.

. ومنصب تجديد الدين على رأس كل مائة سنة.

ولكن يبقى النظر في تحرير المراد بأهل البيت فإن أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : «رجل من أهل بيتي أي من قريش كما هو المراد في الخلافة الظاهرة اتسع الأمر وسهل، وحينئذ فلا يعدم واحد من المذكورين ان يكون قرشياً» (رشفة الصادي 126).

وأخرج علي بن حميد في مسنده عن أمالي أبي طالب بسنده الى علي قال: قال النبي : «عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الايمان ولياً من أهل بيتي موكلاً يذب عنه الحق وينوره ويرد عنه كيد الكائدين، فاعتبروا يا أولي الابصار وتوكلوا على الله». مسند شمس الاخبار : 1 / 133 الباب السادس عشر.

أقول : ذكر انحصار القطبية بهم كل من السمهودي والسفاريني وابن حجر والعلامة الصبان والقطب الشعراني. جواهر العقدين : 206، واسعاف الراغبين: 192 بهامش نور الابصار، ولوامع انوار الكوكب 2 / 71، والاتحاف بحب الاشراف: 20، ودرر الغواص للشعراني : 96 المطبوع بهامش كتاب الابريز ط. مصر 1306 الاولى.

•

قال الامام الفاروقي مجدد الالف الثاني : القطبية لم تكن على سبيل الاصالة الا لائمة أهل البيت المشهورين، ثم انها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة... فاذا جاء المهدي ينالها أصالة كما نالها غيره من الائمة. تفسير روح المعاني : 12 / 28 مورد آية التطهير.

•

وقال العلامة الالوسي : قطب الاقطاب لا يكون الا منهم لانهم أزكى الناس اصلاً وأوفرهم فضلاً، وأن من ينال هذه الرتبة منهم لا ينالها الا على سبيل الاصالة دون النيابة والوكالة ؛ وأنا لا اتعقل النيابة في ذلك المقام - تفسير روح المعاني : 12 / 28 مورد آية التطهير.

•

وقال الحكيم الترمذي:... وقوله «أهل بيتي أمان لامتي» فأهل بيته من خلفه من بعده على منهاجه، وهم الصديقون والابدال.... فاذا ماتوا فسدت الأرض وخربت الدنيا.... ؛ فعلم أن المراد به من به تقوم الدنيا وهم أعلامه وأدلة الهدى في كل وقت فاذا تفانوا لم يبق للأرض حرمة ؛ فعمهم بالبلاء. نوادر الأصول للحكيم الترمذي: 3 / 63 - 66 الاصل الثاني والعشرون والمائتان.

•

وقال الشيخ الرفاعي: شاع وذاع في سائر البقاع من أن أكابر الأولياء والاقطاب والأوتاد والانجاب والافراد والاحباب من آل هذا النبي الاواب، واتفقت كلمتهم قديماً وحديثاً أن رئيس الاقطاب الملقب بالغوث لا يكون إلا من الآل بلا ريب ولا اشكال ولا شك في أن الغوث هو الذي يتلقى خلعة الولاية من رسول الله ويوصلها الى من اختاره الله. ضوء الشمس: 1 / 119.

.

1) انحصار القطبية والخلافة الباطنية بأهل البيت (عليهم السلام)

ونظير ذلك ما نقل من أن أبا الطيب المتنبي الشاعر المعروف ادعى لنفس النبوة بحيسه للمطر، فافتتن به كثير من أهل أطراف الشام.

نقل عن الخطيب التبريزي أنه قال في (شرح ديوان أبي الطيب): قال أبو عبد الله معاذ بن اسماعيل اللاذقي، قدم المتنبي اللاذقية في سنة نيف وعشرين وثلاثمائة، وضوى إلي فأكرمته وعظمته لما رأيت من فصاحته وحسن سمته، فلما تمكن الأنس بيني وبينه وخلوت معه في المنزل اغتناماً لمشاهدته واقتباساً من أدبه وأعجبني ما رأيت قلت : والله إنك لشاب خطر تصلح لمنادمة ملك كبير، فقال لي: ويحك أتدري ما تقول؟ أنا نبي مرسل، فظننت أنه يهزل، ثم ذكرت أني لم أحصل عليه كلمة هزل منذ عرفته فقلت له : ما تقول؟ فقال : أنا نبي مرسل فقلت له: مرسل إلى من؟ قال : إلى هذه الأمة الضالة المضلة، فقلت : تفعل ماذا ؟ قال : أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، فقلت: بماذا؟ قال : بإدرار الأرزاق والثواب العاجل والآجل لمن أطاع وأتى، وضرب الأعناق وقطع الأرزاق لمن عصى وأبى فقلت إن هذا أمر عظيم أخاف منه عليك وعذلته على قوله فقال بديها :

أيا عبد الإله معاذ أنّي***خفي عنك في الهيجا مقامي

القطعة، فقلت له: ذكرت أنك نبي مرسل إلى هذه الأمة أفبوحي يوحى إليك؟ قال: نعم، قلت: فاتل علي شيئاً من الوحي إليك، فأتى بكلام ما مر بسمعي أحسن منه، فقلت: وكم أوحي عليك من هذا ؟ فقال : مائة عبرة وأربع عشر عبرة فقلت : وكم العبرة؟ فأتى بمقدار أكبر الآي من كتاب الله تعالى، فقلت: ففي كم مدة أوحي إليك؟ قال : جملة واحدة، قلت: فاسمع في هذه العبرات كل طاعة في السماء فما هي؟ قال : حبس المدرار لقطع

أرزاق العصاة والفجار قلت: أتحبس من السماء قطرها ؟ قال : أي والذي فطرها أفما هي معجزة؟ فقلت: بلى والله قال : فإن حبست ذلك عن مكان تنظر إليه ولا تشك فيه هل تؤمن بي وتصدّقني على ما أتيت به من ربّي؟ قلت: أي والله قال: سأفعل فلا تسألني عن شيء بعدها حتى آتيك بهذه المعجزة ولا نظهر شيئاً من هذا الأمر حتى يظهر، وانتظرت ما وعدنيه من غير أن أسأله.

فقال لي بعد أيام: أتحب أن تنظر إلى المعجزة التي جرى ذكرها؟ فقلت : بلى والله، فقال لي : إذا أرسلت أحد العبيد فاركب معه ولا تؤخّر ولا يخرج معك أحد، قلت : نعم.

فلما كان بعد أيام تغيمت السماء في يوم من أيام الشتاء وإذا عبده قد أقبل فقال : يقول اركب للوعد فبادرت بالركوب معه وقلت: أين ركب مولاك ؟ قال : إلى الصحراء، ولم يخرج معه أحد غيري. واشتدّ وقع المطر فقال : بادر بنا حتى نستكن معه من هذا المطر فإنه ينتظرنا بأعلى تل لا يصيبه فيه المطر، قلت: وكيف عمل ؟ قال : أقبل ينظر إلى السماء أول ما بدأ السحاب الأسود وهو يتكلم بما لا أفهم ثم أخذ السوط فأدار به في موضع ستنظر إليه من التل وهو يهمهم والمطر مما يليه ولا قطرة منه عليه.

فبادرت معه حتى نظرت إليه وإذا هو على تلّ على نصف فرسخ من البلد فأتيته وإذا هو قائم ما عليه من ذلك المطر قطرة واحدة وقد خضت في الماء إلى ركبتي الدابة والمطر في أشد ما يكون، ونظرت إلى مائتي ذراع في مثلها من ذلك التل يابس ما فيه ندى ولا قطرة مطر، فسلمت عليه فرد علي فقال لي: أترى؟ قلت : ابسط يدك فإني أشهد أنك رسول الله، فبسط يده فبايعته بيعة الإقرار بنبوته.

ثم قال لي : ما قال هذا الخبيث لما دعى بك؟ يعني عبده، فشرحت له ما قال لي في الطريق لما استخبرته فقتل العبد وقال وقد جاوز حد الإساءة :

أي محل أرتقي أي عظيم أتقی

وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق***محتقر في همتي كشعرة في مفرقي

وأخذت بيعته لأهلي، ثم صح بعد ذلك أن البيعة قد عمت كل مدينة بالشام، وذلك بأصغر حيلة تعلّمها من بعض العرب وفي صدحة المطر يصرفه بها عن أي مكان أحب بعد أن يحوي عليه بعصا وينفث بالصدقة التي لهم.

ورأيت لهم كثيراً منهم بالسكون وحضرموت والسّاسك من اليمن يفعلون هذا ولا يتعاظمونه حتى أن أحدهم يصدح عن غنمه وإبله وبقره وعن القرية من القرى، فلا يصيبها من المطر قطرة ويكون المطر مما يلي الصدقة، وهو ضرب من السحر، ورأيت لهم من السحر

ما هو أعظم من هذا وسألت المتنبي بعد ذلك : هل دخلت السكون؟ فقال : نعم ووالدي منها أما سمعت قولي :

أمنسي السكون وحضرموتا*** ووالدتي وكندة والسبيعا

فقلت : ومن ثم استفاد ما جوّزه على طغام أهل الشام، وجرت له أشياء بعد ذلك من الحروب والحبس والانتقال من موضع إلى موضع حتى حصل عند سيف الدولة، انتهى.

أقول : وإلى مثل ذلك يرجع خرافات أكثر رؤساء الفرق الثلاث الضالة المضلة: الصوفية، والشيخية والبابية خذلهم الله جميعاً هذا كله تحقيق ما يتعلق بالمكاشفة بعنوان الشهود والرؤية والعيان.

وأما الكشف بالرؤيا والمنام وعليه مدار أكثر دعاوي المتصوّفة وأباطيلها حيث إن أعظم بضاعتهم : أريت البارحة وقد جرت عادتهم على أنهم ينقلون ما يرون في المنام إلى مرشديهم فيعبّره على ما هو مناسب لمذاق التصوّف.

فتحقيق الكلام فيه ما أفاده المفيد (قدس الله سره).

فقد روى في (البحار) من (كنز الفوائد) للكراجكي قال : وجدت لشيخنا المفيد (رضي الله عنه) في بعض كتبه أن الكلام في باب رؤيا المنامات غزير، وتهاون أهل النظر به شديد والبلية بذلك عظيمة، وصدق القول فيه أصل جليل (1).

والرؤيا في المنام تكون من أربع جهات:

أحدها: حديث النفس بالشيء والفكر فيه حتى يحصل كالمنطبع في النفس فيخيل إلى النائم ذلك بعينه وأشكاله ونتائجه، وهذا معروف بالاعتبار.

والجهة الثانية» من الطباع وما يكون من قهر بعضها البعض، فيضطرب له المزاج ويتخيل لصاحبه ما يلائم ذلك الطبع الغالب من مأكول ومشروب ومرئي ومنكوح وملبوس ومبهج ومزعج، وقد ترى تأثير الطبع الغالب في اليقظة والمشاهد حتى أن من غلبت عليه الصفراء ويصعب عليه الصعود إلى المكان العالي يتخيّل إليه وقوعه منه ويناله من الهلع والزمع ما لا ينال غيره، ومن غلبت عليه السوداء يتخيل به أنه قد صعد في الهواء وناجته الملائكة ويظن صحة ذلك حتى أنه ربما اعتقد في نفسه النبوة وأن الوحي يأتيه من السماء وما أشبه ذلك.

والجهة الثالثة: ألطاف من الله عزّ وجل لبعض خلقه من تنبيه وتبشير وإعذار وإنذار،


1) كنز الفوائد : 210، ومستدرك سفينة البحار : 202/10.

فيلقي في روعه ما ينتج له تخيلات أمور تدعوه إلى الطاعة والشكر على النعمة وتزجره عن المعصية وتخوفه الآخرة ويحصل له بها مصلحة وزيادة فائدة وفكر يحدث له معرفة.

والجهة الرابعة : أسباب تأتي من الشيطان ووسوسته يفعلها الإنسان يذكره بها أموراً تحزنه وأسباباً تغمه وتطمعه فيما لا يناله أو تدعوه على ارتكاب محظور يكون فيه عطبه، أو تخيل شبهة في دينه يكون منها هلاكه، وذلك مختص بمن عدم التوفيق لعصيانه وكثرة تفريطه في طاعات الله ولن ينجو من باطل المنامات وأحلامها إلا الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم ومن رسخ في العلم من الصالحين.

وقد كان شيخي (رضي الله عنه) قال لي : كل من كثر علمه واتسع عنه قال لي : كل من كثر علمه واتسع قلة مناماته فإن رأى مع ذلك منامات وكان جسمه من العوارض سليماً فلا يكون منامه إلا حقاً، ويريد بسلامة الجسم عدم الأمراض المهيجة للطباع وغلبة بعضها على ما تقدم به البيان، والسكران أيضاً لا يصح له منام وكذلك الممتلىء من الطعام لأنه كالسكران.

ولذلك قيل : إن المنامات قل ما تصح في ليالي شهر رمضان، فأما منامات الأنبياء فلا تكون إلا صادقة وهي وحي في الحقيقة ومنامات الأئمة جارية مجرى الوحي وإن لم تسمّ وحياً ولا تكون قط إلا حقاً وصدقاً وإذا صح منام المؤمن لأنه من قبل الله كما ذكرناه.

وقد جاء في الحديث عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال : «رؤيا المؤمن جزء من سبعة وسبعين جزء من النبوة» (1).

وروى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال : رؤيا المؤمن تجري مجرى كلام تكلم به الرب عنده (2)فأما وسوسة شياطين الجن فقد ورد السمع بذكرها قال الله تعالى: وَمِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس : 64] وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) [الأنعام: 121]، وقال: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَولِ غُرُورًا [الأنعام: 112] وما ورد به السمع فلا طريق إلى دفعه.

فأما كيفية وسوسة الجنّي للأنسي فهو أن للجنّ أجسام رقاق لطاف فيصح أن يتوصل أحدهم برقة جسمه ولطافته إلى غاية سمع الإنسان ونهايته فيوقر فيه كلاماً يلبس عليه إذا سمعه ويشبّه عليه بخواطره، لأنه لا يرد عليه ورود المحسوسات من ظاهر جوارحه ويصح أن


1) الموطأ لمالك : 956/2، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) : 288/1.

2) كنز الفوائد : 211، والبحار 210/58.

يفعل هذا بالنائم واليقظان جميعاً وليس هو في العقل مستحيلاً.

وروى جابر بن عبد الله أنه قال: بينا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يخطب إذ قام إليه رجل فقال : يا رسول الله إني رأيت كأن رأسي قد قطع وهو متدحرج، فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «لا تحدث بلعب الشيطان بك». ثم قال : «إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدثن به أحداً» (1).

وأما رؤية الإنسان للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأحد الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في المنام، فإن ذلك عندي على ثلاثة أقسام :

قسم أقطع على صحته، وقسم أقطع على بطلانه، وقسم أجوّز فيه الصحة والبطلان فلا أقطع فيه على حال.

فأما الذي أقطع على صحته فهو كل منام رأى فيه النبي أو أحد الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهو فاعل الطاعة أو آمر بها وناه عن معصية أو مبين بقبحها، وقائل لحق أو داع إليه، وزاجر على باطل أو ذام لمن هو عليه.

وأما الذي أقطع على بطلانه فهو كلما كان ضد ذلك لعلمنا أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والإمام صاحبا حق وصاحب الحق بعيد عن الباطل.

وأما الذي أجوّز فيه الصحة والبطلان فهو المنام الذي يرى فيه النبي والإمام وليس هو آمراً ولا ناهياً، وعلى حال يختص بالديانات مثل أن يراه راكباً أو ماشياً أو جالساً ونحو ذلك.

فأما الخبر الذي يروى عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قوله : «ومن رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتشبه بي»، فإنه إذا كان المراد به المنام يحمل على التخصيص دون أن يكون في كل حال، ويكون المراد به القسم الأول من الأقسام الثلاثة لأن الشيطان لا يتشبه بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في شيء من الحق والطاعات (2).

وأما ما روي عنه : «من رآني نائماً فكأنما رآني يقظاناً» فإنه يحتمل الوجهين (3).

أحدهما: أن يكون المراد به رؤيا المنام، ويكون خاصاً كالخبر الأول على القسم الأول الذي قدمناه.


1) مسند أحمد 315/3، وصحيح مسلم : 55/7.

2) كنز الفوائد : 212، وأمالي الطوسي : 324.

3) مستدرك الصحيحين : 461/3، ومجمع الزوائد : 220/2.

والثاني : أن يكون أراد رؤية اليقظة دون المنام، ويكون قوله : نائماً حالاً للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وليست حالاً لمن رآه، فكأنه قال: من رآني وأنا نائم فكأنما رآني وأنا منتبه، والفائدة في هذا المقام أن يعلمهم بأنه يدرك في الحالتين إدراكاً واحداً فيمنعهم ذلك إذا حضروا عنده وهو نائم أن يغيظوا فيما لا يحسن أن يذكروه بحضرته وهو منتبه.

وقد روى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه غفى ثم قام يصلي من غير تجديد وضوء، فسئل عن ذلك فقال : «إني لست كأحدكم تنام عيناي ولا ينام قلبي» وجميع هذه الروايات أخبار آحاد، فإن سلمت فعلى هذا المنهاج (1).

وقد كان شيخي (رضي الله عنه) يقول : إذا جاز من بشر أن يدّعي في اليقظة أنه إله كفرعون ومن جرى مجراه مع قلة حيلة البشر وزوال اللبس في اليقظة، فما المانع أن يدعي إبليس عند النائم بوسوسته له أنه نبي مع تمكن إبليس بما لا يتمكن عنه البشر وكثرة اللبس المعترض في المنام؟.

ومما يوضح لك أن من المنامات التي تتخيل للإنسان أنه قد رأى فيها رسول الله والأئمة صلوات الله عليهم ما هو حق ومنها ما هو باطل.

أنك ترى الشيعي يقول : رأيت في المنام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمرني بالاقتداء به دون غيره ويعلمني أنه خليفة من بعده وأن أبا بكر وعمر وعثمان ظالموه وأعداؤه وينهاني من موالاتهم ويأمرني بالبراءة منهم ونحو ذلك مما يختص بمذهب الشيعة.

ثم يرى الناصبي يقول : رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في النوم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وهو يأمرني بمحبتهم وينهاني عن بغضهم ويعلمني أنهم أحقاء في الدنيا والآخرة وأنه معهم في الجنة ونحو ذلك مما يختص بمذهب الناصبية.

فنعلم لا محالة أن أحد المنامين حق والآخر باطل، فأولى الأشياء أن يكون الحق منهما ما ثبت الدليل في اليقظة على صحة ما تضمنه والباطل ما أوضحت الحجة عن فساده وبطلانه وليس يمكن للشيعي أن يقول للناصبي : إنك كذبت في قولك إنك رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأنه يقدر أن يقول له مثل هذا بعينه.

وقد شاهدنا ناصبياً تشيع وأخبرنا في حال تشيعه بأنه يرى منامات بالضد مما كان يراه في حال نصبه، فبان بذلك أن أحد المنامين باطل وأنه من نتيجة حديث النفس أو من وسوسة


1) البحار 399/16، ومسند أحمد 40/5.

إبليس ونحو ذلك، وأن المنام الصحيح هو لطف من الله سبحانه لعبده على المعنى المتقدم وصفه.

وقولنا في المنام الصحيح: إن الإنسان رأى في نومه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إنما معناه أنه كان قد رآه وليس المراد به التحقيق في اتصال شعاع بصره بجسد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأي بصر يدرك به حال نومه، وإنما هي معان تصورت في نفسه تخيل له فيها أمر لطف الله تعالى له به قائم مقام العلم، وليس هذا بمناف للخبر الذي روي من قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من رآني فقد رآني»، لأن معناه فكأنما رآني وليس يغلط في هذا المكان إلا من ليس له من عقله اعتبار، انتهى كلامه رفع الله تعالى في أعلا عليين مقامه.

وإنما نقلناه بطوله لاشتماله على فوائد جمة وفيه قلع أساس منامات الصوفية حيث إنهم يستدون أكثر أباطيلهم إلى الرؤيا والمنام، فإن كانوا صادقين في أصل الرؤيا فإنما هي من أضغاث الأحلام وعمل الشيطان.

وكفى بذلك شاهداً أن محيي الدين حسبما نقلناه عنه الدين حسبما نقلناه عنه سابقاً نسب كتاب (الفصوص) الذي هو من كتب الضلال يقيناً إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وذكر في أول الكتاب أنه رأى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في المنام بمحروسة دمشق وبيده كتاب فقال له: هذا كتاب (فصوص الحكم) خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، وقد ذكر في الكتاب المذكور مضافة إلى سائر أباطيله منامات كلها مخالفة لدين الإسلام وشريعة سيد الأنام كما يعرفه من رجع إليه من ذوي البصائر والأفهام.

ومنها

منعهم من طلب الرزق زعماً منهم أنه مناف للتوكل.

وقولهم بذلك إفراط حيث إنهم يحرمون ما أحل الله كما أن تجويزهم للغناء والرقص ونحوهما تفريط وتحليل لما حرم الله.

قال آية الله في العالمين العلامة الحليّ (قدس الله روحه) وجعل مقامه في أعلا عليين في كتاب (مناهج اليقين في أصول الدين) :

منع الصوفية من طلب الرزق لأن الحلال قد اختلط بالحرام بحيث لا يمكن تمييزه فيجب اجتنابه ولأن فيه مساعدة الظالمين لطلب الخروج والضمان ولأنه تعالى أمر بالتوكل وهو ينافي الطلب، وهذا خيال ضعيف، فإن المكلف إذا عرف الشيء المعين قد اختلط فيه الحلال بالحرام اجتنبه أما مع فقد العلم فلا، والمساعدة ليست مقصودة بالذات والتوكل لا ينافي الطلب.

وقال الشيخ مقداد في كتابه (إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين) عند شرح قول العلامة (قدس الله روحه): ويجوز طلبه، يعني الرزق لأنه يندفع به الضرر ولقوله تعالى : (فانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: 10] وغير ذلك من الآيات ما لفظه :

اعلم أن الرزق يجوز طلبه بل قد يجب كما إذا لم يكن ثم وجه غيره، وقد يستحب، وقد يباح، وقد يحرم كما إذا اشتمل على وجه نهى الشارع كما إذا اشتمل على وجه نهى الشارع عنه، وقد يكره كما إذا اشتمل على ما ينبغي التنزّه عنه.

ثم إن الرزق قد يكون تفضلاً منه تعالى بأن لا يكون للمكلّف فيه لطف وقد يكون فيه لطف، وذلك فيما يجتهد في تحصيله، ووجه لطفيته أن يحصل للطالب عقيدة بأن المنافع الدنيوية إنما تحصل بالتعب وكذا الأخروية، وذهبت الصوفية إلى أنه لا يجوز السعي في طلبه.

والدليل على ما قلناه من وجوه :

الأول : أن طلب الرزق مما يدفع به الضرر عن النفس ودفع الضرر عن النفس واجب.

الثاني: قوله تعالى: فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ [الجمعة: 10]، وقوله : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]، وقال المفسرون: الابتغاء التكسب والفضل الرزق وغير ذلك من الآيات.

الثالث : قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «سافروا تغنموا» (1)، وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «الرزق عشرة أجزاء تسعة منها في التجارة»، وغير ذلك من الأخبار (2).

واحتجت الصوفية بوجوه :

الأول : أن الحلال مختلط بالحرام ولا يتميز فلا يجوز طلبه.

الثاني : أن في الطلب مساعدة للظالم بإعطائه الطمغاء وغيرها ومساعدة الظالم حرام فكذا ما يؤدي إليها.

الثالث : قوله تعالى: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» (3)، وإذا كان التوكل مأموراً به كان الطلب منهياً عنه.

والجواب عن الأول : إن أردتم أن كل الحلال مختلط فهو ممنوع، وإن أردتم بعضه


1) محاسن البرقي : 345/2 ح 2.

2) الكافي : 319/5 ح 59.

3) مستدرك الوسائل : 217/11 ح 13787، وعوالي اللتالي : 57/4.

فمسلم لكن التكليف مشروط بالعلم، فمع عدم العلم لا حرمة خصوصاً واليد ظاهرة في الملك، وأورد عليهم شيخنا سالم بن محفوظ أنه يلزم من هذا أنه لا يجوز أكله كما لا يجوز طلبه، ولهم أن يقولوا إنا نأكل قدر الضرورة، لكن الواقع منهم بخلافه.

وعن الثاني: أن المساعدة ليست مقصودة ولا مرادة بل تؤخذ قهراً. وعن

الثالث : أن التوكل لا ينافي الطلب والمكتسب في حال طلبه متوكل أيضاً، ولهذا أردفه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «بالغدو»، مع أنه ليس في الحديث نهي عن الطلب الذي هو مناط البحث بل بين فيه أنكم لو اشتغلتم بالطاعة عن الطلب لرزقكم ما يقيم به أبدانكم كما يرزق الطير ما يقيم به أبدانها بتهيئة الأسباب، لكن أردفه بالغدو الذي هو الطلب انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول : ويرد على دليلهم الأول أيضاً أن قولهم : الحلال مختلط بالحرام، إن أرادوا به الحلال والحرام الواقعين ففيه أنا لسنا مكلفين بتحصيل الحلال الواقعي ولا بترك الحرام الواقعي لعدم السبيل إليهما، وإن أريد بهما ما هو حلال وحرام في ظاهر الشرع فالاختلاط إنما هو في بعضهما لا الجميع وعلى ذلك فكل شيء فيه حلال وحرام فهو لنا حلال حتى نعرف الحرام منه بعينه فندعه، ولو كان جميع الحلال مختلطاً بالحرام لم يقل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «حلال بين وحرام بيّن وشبهات (1)بين ذلك»، ولا قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل ذلك، فتقسيمهما الأشياء إلى ثلاثة أقسام دليل على وجودها جميعاً، وقد حققه الأصحاب في كتب (أصول الفقه) بما لا مزيد عليه نعم لو كان المختلط شبهة محصورة لوجب الاجتناب أيضاً والتفصيل في محله (2).

والأخبار في طلب الرزق كثيرة :

منها ما رواه في (مجمع البيان) عن عمرو بن زيد عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه قال : إني الأركب في الحاجة التي كفاها الله ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحى في طلب الحلال أما تسمع قول الله عز اسمه (فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ الله﴾ [الجمعة: 10]، أرأيت لو أن رجلاً دخل بيتاً وطيّن عليه بابه ثم قال : رزقي ينزل علي كان يكون هذا ؟ (3).

ونقل عن كتاب (نور الحقيقة ونور الحديقة) لوالد شيخنا البهائي (قدس سرهما) قال ذكر جماعة عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) رجلاً بخير فقالوا يا رسول الله خرج معنا حاجاً فإذا أنزلنا منزلنا


1) الكافي: 68/1.

2) وسائل الشيعة: 23/17 ح 21884.

3) راجع فرائد الأصول : 233/1، ونهاية الأفكار : 188/4.

لم يزل يصلّي حتى نرحل فإذا ارتحلنا لم يزل يذكر الله تعالى حتى ننزل، فقال: «من كان يكفيه علف ناقته وصنع طعامه؟» فقالوا : كلنا فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «كلكم خير منه».

وعن (الكافي) عن عدة من أصحابنا عن البرقي عن محمد بن علي عن هارون بن حمزة عن علي بن عبد العزيز قال : قال لي أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما فعل عمر بن مسلم؟ قلت جعلت فداك أقبل على العبادة وترك التجارة فقال : ويحه أما علم أن تارك الطلب لا يُستجاب له إن قوماً من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما نزلت : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا: قد كفينا فبلغ ذلك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فأرسل إليهم فقال: «ما حملكم على ما صنعتم» ؟ فقالوا يا رسول الله تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال: «إنه من فعل ذلك لم يستجب له عليكم بالطلب» (1).

والأخبار في هذا المعنى كثيرة جداً لا حاجة إليها ونعم ما قيل : الزهد في الدنيا قصر الأمل لا لبس العباء، وليس الزاهد من لا يملك شيئاً ولكنه الذي لا يملكه شيء، وإن الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جريح ويشترى بها الآخرة كما يشترى بها الدنيا.

إذا عرفت ذلك فاستمع لما نحكيه عليك من عجيب من خرافات ابن العربي في (فتوحاته)، قال في محكى كلامه من الباب التاسع والعشرين من (الفتوحات) :

كل عبد إلهي توجه لأحد عليه حق من المخلوقين فقد نقص من عبوديته الله سبحانه قدر ذلك الحق فإن ذلك المخلوق يطلبه بحقه وله عليه سلطان فلا يكون عبداً مخلصاً لله، وهذا هو الذي يرجح عند المنقطعين إلى الله انقطاعهم عن الخلق ولزومهم السياحات ولزومهم البراري والسواحل والفرار من الناس والخروج من ملك الحيوان فإنهم يريدون الحرية من جميع الأكوان ولقيت منهم جماعة كثيرة في أيام سياحتي.

ومن الزمان الذي حصل لي هذا المقام ما ملكت حيواناً أصلاً ولا الثوب الذي ألبسه فإني لا ألبسه إلا عارية لشخص معين أذن لي في التصرف فيه والزمان الذي أتملك الشيء فيه أخرج عنه ذلك الوقت إما بالهبة أو بالعتق إن كان مما يعتق.

وهذا حصل لي لما أراد التحقق بعبودية الاختصاص الله.

قيل لي : لا يصح ذلك حتى لا يقوم لأحد عليك حجة؟

قلت: لا والله ولا الله إن شاء الله.


1) الكافي : 83/5 5، ومن لا يحضره الفقيه : 192/3.

قيل لي : وكيف يصح أن لا يقوم الله عليك حجة؟

قلت : إنما يقوم الحجج على المنكرين لا على المعترفين وعلى أهل الدعاوي وأصحاب الحظوظ لا على من قال ما لي حق ولا حظ انتهى كلامه هبط مقامه.

أقول : ويتوجه على هذا الجاهل :

أولاً : أن المخلص للعبودية الله سبحانه هو من يتسنّ بسنّة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ويسلك مسلكه ويكون له في رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أسوة حسنة، والرهبانية والانقطاع عن الخلق والسياحة خلاف سنته، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن سياحة أمتي ورهبانيتهم الجهاد (1). ويأتي إن شاء الله أخبار كثيرة في هذا المعنى.

وثانياً : أن الخروج من ملك الحيوان وإرادة الحرية من جميع الأكوان محال عادة، وقد خلق الله سبحانه الإنسان مدنياً بالطبع وجعل كل فرد منه محتاجاً إلى غيره ولو في أقل ضروريات العيش فكل من قام بحاجة غيره وهيّأ أسباب معيشته ورفع عنه الضرورة والحاجة ولو في أقل مراتبها التي لا يمكن التعيش والبقاء بدونه يكون له بقدر ما قام بمحاويجه حقاً عليه وإن كانت الحقوق في الحقيقة كلها الله سبحانه إلا أن من لم يشكر الخلائق لم يشكر الخالق.

وقد ورد في الحديث : من لم يشكر الناس لم يشكر الله (2)؛ فإرادة الحرية من جميع الأكوان والخروج من ملك الحيوان لا يصدر إلا عن سفيه جاهل.

ثم الحقوق ليست منحصرة في الحقوق المالية، بل للوالد حق على الولد وللولد حق على الوالد وللأرحام حق وللجار حق وللمعلم حق وللمتعلم حق وللإخوان المؤمنين حق، بل لكل من أعضائك وجوارحك من قرنك إلى قدمك عليك حق كما أشار إليه الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في أبواب الحقوق، فالانقطاع عن الخلق لا يبطل تلك الحقوق، ثم القيام بها من أجل أمره سبحانه وتعالى به من جملة العبادات فلا ينافي العبودية والإخلاص كما توهم

وثالثاً : أن قوله : فإني لا ألبس الثوب إلا عارية لا ملكاً، عجیب جداً.

إذ لو كان المراد به أن للثوب المملوك حقاً على لابسه دون المستعار فهو غلط، بل يجب في العارية من الحفظ والمواظبة وعدم التفريط ما ليس في الثوب الذي هو له، لأنه مال الغير ولا يجوز الخيانة فيه بخلاف ماله مع أن للعارية حقاً للمعير على المستعير حق الاسترداد وحق الضمان لو فرّط، وليس في الثوب المملوك له لأحد حق عليه.


1) بحار الأنوار: 328/40 ح 10، ومستدرك سفينة البحار : 399/6.

2) تهذيب الأحكام 122/6، والوسائل : 17/15.

وإن كان المراد به أنه كان يلبس العارية دون الملك لزهده وتركه ملاذ الدنيا ففيه أن الملك والعارية لا مدخلية لهما في الزهد وعدمه، وقد كان أزهد الزاهدين في الدنيا رسول الله وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم نسمع منهما إلى الآن أنهما يلبسان اللباس عارية لا ملكاً، وقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشري لباساً ويلبسه ويقول : الحمد لله الذي ألبسني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي.

ورابعاً: أن ادعاءه أن ليس الله حجة عليه لكونه من المعترفين لا من المنكرين فهو ناشيء من خبطه وسفهه وجهله وضلاله وعجبه، فما أعظم جرأته وأشد جسارته حيث لم يدع هذا المقام أحد من الأنبياء والمرسلين والحجج المعصومين على عصمتهم، وجدهم في مقام العمل وبلوغهم الغاية في المعرفة.

وقد تقدم في شرح الخطبة المائة والثانية والتسعين عند شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف المؤمنين ولا يستكثرون الكثير فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون أخبار نافعة في المقام (1).

منها قول أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض ولده : يا بني عليك بالجد ولا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله عزّ وجل فإن الله لا يعبد حق عبادته (2).

وقول أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): ثلاث قاصمات الظهر : رجل استكثر عمله ونسي ذنوبه وأعجب برأيه (3).

وقول أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في حديث: «قال موسى بن عمران لإبليس : أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه قال : إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله وصغر في عينه ذنبه»، إلى غير هذه مما لا نطيل بإعادتها (4).

ثم أقول : لو لم يحتج الله عليه إلا بعدم معرفة إمام زمانه على ما اعترف به نفسه حسبما حكينا من فتوحاته فيما تقدم وبادعائه أنه خاتم الولاية وأنه يتلقى الوحي بدون واسطة من الله عزّ وجل فضلاً عن قوله بوحدة الوجود وعن سائر أباطيله المتقدمة حكايتها، لكان في ذلك الاحتجاج ما لا تقوم به السماوات والأرض ولتدكدك من نكاله الجبال، نعوذ بالله من


1) نهج البلاغة : 162/2 (محمد عبده).

2) الكافي : 61/2، والتوحيد : 405.

3) الخصال 112، ومعاني الأخبار : 343.

4) الكافي : 314/2 ح 8.

الضلال وسوء الخاتمة والمآل وعظيم العقوبة والنكال والحمد لله الذي هدانا إلى الصراط المستقيم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ونصلي ونسلّم على محمد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وخلفائه الذين هم أولياء الله.

المقام الرابع في نبذ من صلائف الصوفية

إشارة:

وواقعاتهم العجيبة وهذياناتهم المفرطة التي تضحك منها الثكلى وتعجب لها الصبيان والظاهر أن منشئها إفراط الخبط وشدّة الأمراض الخيالية.

فمنها

ما عن شيخهم برهان الدين الماليقي وهو من أعاظم مرتاضيهم وأكابر مشايخهم ومشاهيرهم لا سيما في بلاد الهند.

ونحن نذكر عنه من كتاب (الواقعات) له ثلاثاً منها لتكون أنموذجاً لما طوينا عن ذكرها قال :

الواقعة الأولى

أما بعد حمداً لله تعالى والصلاة والسلام على حبيبه محمد وآله :

لما برزت الإشارة المولوية الشيخية الربانية أن كلما حدث من الواقعات في أثناء السلوك ينبغي أن يقيّد بالكتابة امتثل هذا الحقير أوامره الشريفة وكتب ما بقي منها في خاطره بعد التعوّذ والاستعانة بالله تعالى.

لما كان اليوم الثاني من أيام بعض الخلوات كنت في الذكر مستغرقاً إذا رأيت كأني في البر وشخص واقع كأنه ملك وستر معلق من السماء إلى الأرض وكأن شخصاً يقول لي : إلى أين تذهب؟ قلت: إلى الحق فقال بين الحق والعبد سبعون ألف حجاباً بحماية من تذهب إليه ؟ فقلت : بحماية الشيخ نور الدين عبد الرحمن، فلما سمع كلام العبد لم يثن عليه القول وحضر الشيخ في الحال.

فلما رأى هذا الحقير أن أمر المريد لا يتيسر بدون شيخ مرشد والشيخ المرشد لا بد له من ولاية الحماية إذا توجه إليه المريد حضر في الحال بالعناية الربانية، فلما توجه العبد نحوه رآه حضر وبيده عصا وهو واقف.

وقد ظهر بهذا الحقير أنواع من الصور الشيطانية المختلفة وغيره يقصده والشيخ يدفعها عنه بعصاه، وفي أثناء ذلك حضر شخص بخاري يقال له النور البيمارستاني وكان لهذا الحقير

به قديماً يسير إرادة وقصد نحو هذا الحقير فحمل الشيخ بعصاه فهرب، ثم قصد هذا الحقير ثانياً فحمل الشيخ عليه ثانياً بعصاه فهرب فلما قصد نحو هذا الحقير ثالثاً ضرب الشيخ بالعصا رأسه فكأنه شجه فرمى نفسه على أقدام الشيخ ثم هرب.

فلما رأى هذا الحقير أن الله أظهر له ولاية الشيخ على هذه الصورة التجأ إليه سبحانه وتعالى أن يلهم الشيخ القعود حيث طال قيامه فجلس الشيخ كمن جلس على صفة وولّى برجليه الأرض مستنفذاً، فلم يطمئن القلب لذلك حتى التجأ إليه سبحانه ثانياً وطلب سكون الشيخ وقراره بالقعود عنده فتربّع الشيخ بعد ذلك عنده فالتجأ إليه سبحانه ثالثاً أن يقرّ الشيخ عنده على صورة لا يهاب منها المخالفة فرأى كأن الشيخ دخل باطن هذا الحقير دخول لابس ثوب ويدا هذا الحقير كُمَّاه.

فلما لبس الشيخ هذا الحقير صار الشيخ هو وفنى هو في الشيخ بحيث لم يبق منه شيء سوى العلم بوجود الشيخ وفناء نفسه فيه

ثم هذا الحقير سأل الشيخ بتوفيق الله إياه وقال: أيها الشيخ ما سبب أن صرت هذا الحقير؟ فأجاب وقال : لما لم يكن قوة صيرورة نفسك إياي صيرت نفسي إياك لتصير إياي.

ثم بعد ذلك كان الله تعالى أظهر لهذا الحقير أن الشيخ قد جلس في باطن هذا الحقير مربعاً كما رأى ظاهراً أولاً، وكلما ذكر الله تعالى ذكر الشيخ أيضاً في باطنه، فإذا شرع في ابتداء الذكر يقول الشيخ في باطنه : اذكر فإنك حسن الذكر.

فلما استقر بفضل الله تعالى سر الشيخ في باطن هذا الحقير تواترت عليه الإلهامات الربانية الروحانية ساعة فساعة فلو حصل إذن الحق سبحانه وتعالى إلهاماً بذكر الإلهامات كلها وتحقيق كونها ليست من الإلهامات الروحانية والملكية وغيرها بل هي ربانية حقاً لامتثل إن شاء الله تعالى.

الواقعة الثانية

كان هذا الحقير في أثناء الذكر ليلة والشيخ في باطنه متمكن إذا رأى كأنه تولد من باطنه من جانبه الأيسر مما يلي القلب جرو كلب أبيض أذناه سود وفي ظهره عند ذنبه سواد وكان تارة يقعد وتارة ينام ولا يقرّ قلقاً من ذكر هذا الحقير.

فحصل لهذا الحقير من ذلك خوف فالتجأ إلى الحضرة الإلهية واستمد من باطن الشيخ خفارة الالتجاء، لأن كل دعاء والتجاء لا خفارة له لا وصول له إلى الحضرة، ولذلك صار الإخلاص خفير جميع العبادات قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : 5].)

ولما لم يجد للالتجاء به إخلاصاً استمد بالعناية الإلهية من باطن الشيخ خفارة ذلك الالتجاء، فنظر في الحال إذا الشيخ قد مدّ يده وأخذ ذلك الجرو من باطن هذا الحقير ومضى فتبعه الحقير في أثره فرأى في عنق الجرو حبلاً أبيض ورأس الحبل بيد الشيخ.فلما مشينا قليلاً قتل الشيخ ذلك الجرو ومسح قدمه به ومع ذلك يخاف هذا الحقير أن يعيش ثانياً، فلما مسح الشيخ رجله به صار الجرو المقتول تحت رجله طيناً، فلما رجع رجله عنه عاش ثانياً فأخذه الشيخ ثانياً ليقتله فلم يمكنه من نفسه وكان حقيراً في العين قوياً في نفسه، فوقع فوقع على هذا الحقير منه خوف فرأى كأن الشيخ قلع رأسه من بدنه ورمی به وخرق بطنه بسكين فرمى به أيضاً إلى الأرض ووضع عليه حجراً ثقيلاً ومع هذا كان مفتوح العين ينظر إلى هذا الحقير سراً، فوضع الشيخ قدمه إليه فصار تحت قدمه طيناً لكن الخوف غالب على هذا الحقير أن يعيش ثالثاً فما التفت إلا وقد رمى بالحجر عن نفسه وخرج من تحته فأخذه الشيخ ثالثاً وقتله.فقال هذا الحقير: ينبغي أن يحرق فأخذه وجعله في تنور وكان كلما احترق يعود كما كان حياً، فأخذه الشيخ وأحرقه مرة بعد أخرى إلى أن احترق وصار رماداً.فقال الشيخ : ماذا ينبغي أن يفعل بعد هذا ؟ فقال هذا الحقير: ينبغي أن يرمى بالرماد إلى الماء الجاري، فلما رمى صار الرماد كله على رأس الماء أمطرت السماء فقال هذا الحقير: أيها الشيخ ينبغي أن نتبع أثر هذا الماء كي لا يعيش هذا الجرو مرة أخرى فتقدم الشيخ وهذا الحقير في أثره فوصلا ذلك الماء الجاري إلى بحر فقال الحقير للشيخ : نخاف أن يعيش هذا الجرو فلننظر هذا البحر إلى أين ينتهي، فنزل الشيخ إلى البحر وهذا الحقير في أثره فرأى كأن ماء البحر يدخل في شقّ فوقف الشيخ على رأس الشق وهذا الحقير في خدمته إلى أن دخل جميع ماء البحر ذلك الشق، فظهر في قعر البئر حوض وفيه ماء فابتلعت الأرض ماء البحر فظهر في أسفل الحوض سمكة صغيرة فقتلها الشيخ.وقال : ماذا ينبغي أن يفعل بعد هذا؟ فالتمس الحقير من الشيخ أن يطلع الشمس حتى ييبس طين البحر، فلما أن طلعت الشمس ويبس الطين.قال الشيخ : ماذا ينبغي أن يفعل؟ فقال هذا الحقير يمكن أن ينبت من هذا نبات ينبغي أن نحرقه فالتفت فإذا بالحشيش قد نبت.فقال الشيخ : ما ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير: نحصد الحشيش ونحرقه فحصداه وتركاه في الشمس حتى يبس ثم أحرقاه.ثم قال الشيخ : ماذا ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير : ينبغي أن نرمي برماد الحشيش إلى

شق الجبل.ثم قال الشيخ : ماذا ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير : ينبغي أن نملأ الحوض بالحجارة ليعتدل من الأرض ونسدّ باب الشق بالحجارة فلما فعل الشيخ ذلك كله.قال الشيخ : ماذا ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير : لو أمطرت السماء بماء يغتسل فيه هذا الحقير وابتلعت الأرض ذلك الماء كان حسناً كل ذلك من غلبة الخوف من ظهور آثار ذلك الجرو، فالتفت فإذا بالغيث قد نزل وسال ودخل جميعه في ثقب قد لا يسع إنساناً من ضيقه فلما اغتسل الحقير وإذا به قد حضر عنده من العناية الإلهية ثوب أبيض فلبسه.فقال الشيخ أيضاً ما ينبغي أن نفعل؟ وفي تكرار قول الشيخ : ما ينبغي أن نفعل سرّ يعرفه الشيخ فقال الحقير : نقصد الكعبة المعظمة، فتقدم الشيخ والحقير في أثره إلى أن وصلا الكعبة ودخلا الحرم الشريف فاغتسل الحقير بماء زمزم وحضر ثوب أبيض فلبس الحقير بين يدي الشيخ ودخلا الكعبة وصلّينا فيه.ثم قال الشيخ: ما ينبغي أن نفعل؟ فقال هذا الحقير بالعناية الإلهية ينبغي أن نذهب إلى التنور الذي أحرقنا فيه الجرو والحجر الذي وضعنا على رأسه والموضع الذي قتلناه فيه وتأخذ الجميع ونلقي في الثقب الذي كان الماء يدخله كي لا يبقى في هذا الموضع للجرو أثر، فتقدم الشيخ والحقير في أثره وجاءا وجمعا كل ذلك فأراد الحقير أن يحمله فإذا بحبشي قد ظهر في الحال وجعلا الكل في وعاء وحملاه إياه فلما دخلا إلى الثقب الذي دخله ذلك الماء العظيم ألقياه فيه، ثم قتل هذا الحقير بالعناية الإلهية ذلك الحبشي، وألقاه في الثقب أيضاً.ثم قال الشيخ ما ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير : نرجع إلى الكعبة المعظمة، فتقدم الشيخ والحقير في أثره فدخلا الحرم الشريف واغتسل الحقير ثانياً بماء زمزم وكان الشيخ يغسله، ثم بعد الغسل حضر ثوب صوف أخضر فلبسه الحقير وصلينا في مقام إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ ثم دخلنا الكعبة فلما أن صلينا فيها.)ثم قال الشيخ : ما ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير: ينبغي أن نشد رأس الثقب الذي ألقينا فيه الحبشي المقتول والتنور والحجر كي لا يظهر منه أثر، فتقدم الشيخ والحقير في أثره فجاءا وشدا رأس الثقب.ثم قال الشيخ: ما ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير : نرجع إلى الكعبة المعظمة فتقدم الشيخ والحقير في أثره فدخلنا الحرم الشريف وجئنا إلى بئر زمزم فخلع الحقير ثوبه ووضعه على ميزاب الكعبة واغتسل بماء زمزم وكان الشيخ يغسله.

ثم قال الحقير بالعناية الإلهية للشيخ : اقطع بطن الحقير واغسل بهذا الماء قلبه وكبده وباطنه كي لا يكون قد بقي في باطن هذا الحقير شيء من أثر الجرو، فقطع الشيخ بطن هذا الحقير بالسكين وغسل باطنه بالماء.فبينا الشيخ كذلك إذ ألقى الله سبحانه في نفسي مني نفرة عظيمة فضربتُ عنقي بالعناية الإلهية وأخذت بإحدى يدي شعر رأسي وبيدي الأخرى رجلي ورميت به خارج الحرم ولم أزل أضرب برأسي الذي بيدي عتبة الحرم إلى أن نفيت ورميت به خارج الحرم ودخلت الحرم واغتسلت بماء زمزم بحضور الشيخ وحضر ثوب أزرق وعمامة بيضاء فلبستهما.ثم قال: ما ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير: نصعد سطح الكعبة، فتقدم الشيخ والحقير في أثره فصعدنا سطح الكعبة.فقال الشيخ : ما ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير: ينبغي أن نصعد السماء، ففي أثناء هذا الكلام حضر فرسان بسرجيهما فركب الشيخ أحدهما والحقير الآخر، فلما وصلنا إلى السماء الأولى فإذا ملكان جالسان فدخل الشيخ بلا إذن والحقير في أثره فسأل أحد الملكين صاحبه: من هذا؟ فقال له : الشيخ عبد الرحمن ومريده وكان الشيخ إماماً يخرق السماء ويصعد والحقير في أثره ينظر فرآه كي لا يصل بنا أثر الجرو فيرى مواضع عروجنا يعود كما كان مسدوداً فاطمئن لذلك باطنه.فلما وصلنا إلى السماء الثالثة كأن الملائكة كانوا يمنعون الحقير ويأمرونه بالتجريد، ويعدهم الحقير بذلك، وكان الشيخ قد أخذ بعناق فرس الحقير ويمده، فلم يبق لهم إمكان منع الحقير.وكان الشيخ كلما عرج إلى السماء يقول : أين تذهب؟ فيقول الحقير: إلى الجنة ولون السماء وكيفياتها كما ذكرها العلماء في كتبهم فلا حاجة إلى ذكرها.وكان الشيخ كلما جاء إلى باب السماء يدخل بلا إذن الملائكة ولا يلتفت إليهم وإن حصل في بعض أبواب السماوات تمانع يأخذ بعنان هذا الحقير ويمده ويدخل وكانت سبعة وكل باب من أبواب السماوات أضيق من الذي قبله وكان في أثناء العروج في السماوات السبع يأتي خيول مختلفة الألوان بسروجها غير التي قبلها.فلما عرجنا إلى السماء السابعة ووصلنا إلى الجنة الأولى ودخلناها جاءتنا خيول غير تلك الخيول بسروجها، وكانت الحور العين تتعلق بالشيخ وفرسه ولم يلتفت إليهن أصلاً، وكان كلما وصل إلى باب جنة من الجنات يستقبلنا خزنتها ويدخل الشيخ الجنة بلا التفات إلى أحد منهم.

فلما وصلنا إلى جنة الفردوس استقبلنا خزنتها بالأطباق أو بالطباق المغطاة الرؤوس وكان في طبق منها الفاكهة مكتوب فيها: الله، وفي طبق منها فاكهة أيضاً مكتوب فيها : الحق، فأكل هذا الحقير جميعها.فلما قربنا من جنة الفردوس دخل الشيخ والحقير في أثره، فلما أراد الشيخ أن يدخل جنة الفردوس وكانت طبقتين ردوا باب طبقة منها، فأخذ الشيخ بيد الحقير وأدخله إليها وهكذا إلى أن عبرنا ثماني جنات كلما حصل تمانع من واحد منها إما أن يأخذ الشيخ بيد الحقير، وإما أن يأخذ بعنان فرسه ويدخله وأدخلنا إلى أربع جنات منها ركباناً وإلى أربع منها مشاة.وكان في أثناء عروجنا من هذه الجنات الثمانية تأتينا خيول مختلفة الألوان خضر وصفر وزرق بسروجها.فلما عبرنا من الجنات الثمانية كلها قال الشيخ : أين تذهب؟ قال الحقير إلى العرش والكرسي، وكنا نرى في أثناء ذلك الملائكة (عليهم السلام بعضهم في القيام وبعضهم في الركوع وبعضهم في السجود والشيخ والحقير راكبان يعبران.)وكلما حصل تمانع من الملائكة لهذا الحقير كان أكثر من قبل التجريد وكان الحقير يتقبل لهم به والشيخ يدفعهم عنه بالعناية الإلهية، حتى وصلنا إلى العرش.فقال الشيخ : ما ينبغي أن نفعل؟ فقال الحقير : نصعد فوق العرش، فحضر طيران على شكل النعامة وعليهما سرجان فركب الشيخ أحدهما وركب الحقير الآخر وكأنه كان كلما حركنا جناحهما قطعنا مسافة الشرقية أفلّ وأكثر إلى أن عيبا وحضر طيران آخران على شكل الطاووس وعليهما سرجان وكان الخطاب يصل ساعة فساعة من الحق: تجرد لتصير محفوظاً بتجلياتي وأجلسك على العرش، فتجرد الحقير بالعناية الإلهية ورمى بالمحقر الذي كان معه من جيفة الدنيا ومع حقارته وقلته كان حجاباً عظيماً، سبحان من هذا بعض مقدوراته تارة يجعل التجريد حجاباً، وتارة يجعل عدم التجريد حجاباً، أعوذ بالله من الله في جميع الأحوال.ثم بعد ذلك رقاه الحق إلى العرش الشيخ أمامه والحقير في أثره، فلما صعدنا العرش طلب من الحق سبحانه موضع نعلي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فأشير إلى موضع معين وكان الحقير يقبل الموضع ويعفّر خده فيه، ثم صلينا ركعتين فيه كان الشيخ إماماً والحقير مأموماً، وقرأ في الركعة الأولى: (إنا فتحنا)، وفي الثانية: (ألم نشرح)، و (إذا جاء نصر الله)، فإن وقعت الإشارة من الحق سبحانه أن يذكر عبور بحر الناري وسير دركات الجحيم طبقة بعد طبقة)

امتثلت بالتوفيق الإلهي بالسمع والطاعة إن شاء الله تعالى.#### الواقعة الثالثةوهذه الواقعة إنما كتبت بإشارة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وفي أثناء الإشارة استخار الحقير من النبي صلوات الله وسلامه عليه في أنه يلقب نفسه المسكين أو الحقير فاختار لي الحقير وأشار به.)رأى هذا الحقير مرة كأنه يأكل الكعبة المعظمة زادها الله شرفاً وكأن الكعبة تمطر من هذا الحقير وفي أثناء ذلك صار الحقير الكعبة وبمقتضى الحكمة الربانية ظهر هذا الحقير على سطحها وظهر عند ذلك أيضاً روح النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أرواح جميع الأنبياء صلوات الله عليهم على سطح الكعبة المعظمة)ثم إن الأرواح الشريفة النبوية نزلت كلها من السطح بإذن الله تعالى سوى روح نبينا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، ثم بعد ذلك أوحى الله تعالى إلى الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن هذه كعبتي طوفوا حول كعبتي، فطاف الأنبياء كلهم (عليهم السلا)م، ثم أوحى الله إليهم أن آمنوا به واسجدوا فقالوا كلهم : آمنا بالله وسجدوا حول الكعبة والكعبة في الوسط.)ثم بعد ذلك رأى كأن الحق سبحانه وتعالى من التشبيه والتعطيل بيده عصاً ضرب بها سطح الكعبة المعظمة، فصارت شجرة كأنها تمطر منها كلمة لا إله إلا الله.ثم ظهر من حيطان الكعبة أيد لا يعلم عددها إلا الله تعالى وقد التزم بكل يد منها نبي من الأنبياء ويقول : أنا النبي الفلاني حتى أن نوحاً (عَلَيهِم السَّلَامُ أن نوحاً ملتزم بيد منها يقول : أنا النوح النبي، وكل منهم يقول مشيراً نحوي يا برهان قد جعلك الله مشيراً فاعمل أعمال الأنبياء والأولياء ؛ وكذا الأولياء رحمهم الله على ما ذكرنا وهذه الأيدي بإذن الله تعالى يجذب بعضها المتعلق بها إليها وبعضها يقطع رأس المتعلق بها ويرميه.)ثم بعد ذلك خرج هذا الحقير من تلك الصورة وظهر بإذن الله تعالى وهو سبحانه فوق رأسه كرحمته تعالى عن التكيف والتمثيل، وروح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ جالس متمکن، انتهى كلامه هبط مقامه.)أقول: يا أهل المعرفة والإيمان والعلم والإيقان وذوي الفطن الثاقبة، انظروا إلى مقالات هذه الطائفة وعقائد إخوان عبدة الأوثان والصائبة كيف زين لهم أعمالهم الشيطان وصدّهم عن السبيل.ثم انظروا إلى هذيانات هذا الجاهل السفيه النجس المرتكس في أحداثه والملحد

المغتذي من أرواثه، كيف ارتقى مرتقى صعباً دحضاً، وادعى تارة رفعاً وأخرى خفضاً، وخبط خبطة عشواء، وركب ركاب الجاهلية الجهلاء.فواعجباً عجباً من تلبيسات إبليس وتدليسات النفس وطول باع الشيطان في فنون الإغواء والإضلال وقوة تصرّفه في أوهام الجهال، ومن شدة تصاريف قوة المتخيلة وسعة مجال القوة المتوهمة كيف نسجت على ألسنتهم نسيجات العنكبوت وحيرتهم في ظلمات الجهل، والغياهب وأغرقتهم في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من،نور نعوذ بالله من فساد الاعتقاد والانحراف عن السداد والإلحاد في المبدأ والمعاد بمحمد وآله الأمجاد.### المقام الخامس في كرامات الصوفية وحماقاتهموما نسبوه إليهم من الأفعال والأحوال الخارقة للعادة والكرامات التسلم «كذا يتفق مثلها لأولي العزم من الرسل ؛ وفيما ادعاه بعض متصلفيهم وحمقاهم من الصلف والرعونة والشطح الذي ليس منشأه إلا الحمق والجنون والسفاهة.قال القيصري في شرح الفص الهودي من الفصوص»:قال: - أي محيي الدين في فتوحاته - إن الله تجلى لي مراراً وقال: انصح عبادي وقال :قال في آخر الباب الثاني عشر من (الفتوحات: وقد ورد أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس والشرائع والنبوات من هذا القبيل مشحونة ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف، فقد سمعنا «رأينا خ ل» الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه كل إنسان.)وقال في شرح الفص النوحي ظواهر العالم من الإنسان والحيوان والنبات والجماد وغيرهم يثني بألسنتهم وألسنة قواهم الروحانية والجسمانية على روحه الحقيقي الذي هو الحق وتسبّحه وتنزّهه عن النقائص اللازمة لهم اللاحقة بهم، ولكن لا يقصد هذا التسبيح والتنزيه إلا من تنور باطنه بنور الإيمان أولاً، ثم الإيقان ثانياً، ثم العيان ثالثاً، ثم يوجدان نفسه وروحه سارياً في عين كل مرتبة وحقيقة كل موجود حالاً وعلماً شهوداً فقط كسريان الحق فيها، فيدرك تسبيح الموجودات بذلك النور ويسمعه إلى أن قال :قال الشيخ في آخر الباب الثاني عشر من (الفتوحات: فإن المسمى بالجماد والنبات عندنا لهم أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إياها في العادة، فلا يحس بها مثل ما يحس بها من الحيوان، فالكل عند أهل الكشف حيوان ناطق غير أن هذا المزاج الخاص يسمى)

إنساناً لا غير، ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف، فقد سمعنا الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه كل إنسان، قال:وقال في موضع آخر منه : وليس هذا التسبيح بلسان الحال كما يقوله أهل النظر ممن لا كشف له هذا شأن من تحقق بالمراتب الثلاث الأولى، وأما صاحب المقام الرابع فهو مسبح لربه بلسان تلك الحقائق وحامد له في تلك المراتب فهو العبد التام الله يعبده في كل موطن ومقام عبادة جميع العالم، ويحمده حمدهم ويرى جميع ما يراه بالبصر وبالبصيرة عند تحققه بمقام الجمادية ويسمع ما كان يسمع. ويعقل ما كان يعقل من غير خلل ونقصان، وفي هذا المقام يطوى الزمان والمكان ويتصرف في جميع الأكوان تصرف النفوس في الأبدان ويظهر في الحالة الواحدة في مراتب الأرواح النورانية والنفوس القدسية الروحانية والأجسام الكثيفة الظلمانية، ولهذه المراتب أسرار غامضة جداً يحرم كشفها. انتهى كلامه قاتله الله.وهو كما ترى صريح في أن هؤلاء الزنادقة فضلاً عن دعواهم سريان هوية الحق في حقائق الأشياء ادعوا سريان هوية المكاشفين منهم أيضاً في حقائقها. فلم يبق بينهم وبينه سبحانه على زعمهم فصل ولا له عليهم فضل قاتلهم الله فأنّى يؤفكون.وقد صرح بذلك القيصري في الفصل الثامن من ديباجة شرح الفصل حيث قال في تحقيق : أن حقائق العالم في العلم والعين كلها مظاهر للحقيقة الإنسانية التي هي مظهر لاسم الله بعد جملة من الكلام ما لفظه :ولذلك قيل : الإنسان الكامل لا بد أن يسري في جميع الموجودات كسريان الحق فيها، وذلك في السفر الثالث من الحق إلى الخلق بالحق، وعند هذا السفر يتم كماله وبه يحصل حق اليقين من المراتب الثلاث.وقال الجامي في رسالته التي كتبها في تحقيق مذهب الصوفية والمتكلمين والحكماء المتقدمين، يُروى عن قضيب البان الموصلي أنه كان يُرى في زمان واحد في مجالس متعددة مشتغلاً في كل بأمر غير ما في الآخر، ولما لم يسع هذا الحديث أوهام المتوغلين في الزمان والمكان تلقوه بالرد والعناد وحكموا عليه بالبطلان والفساد وأما الذين منحوا التوفيق للنجاة من هذا المضيق فلما رأوه متعالياً عن الزمان والمكان علموا أن نسبة جميع الأزمنة والأمكنة إليه نسبة واحدة متساوية، فجوّزوا ظهوره في كل زمان ومكان بأي شأن شاء وبأي صورة أراد، انتهى كلامه خذله الله تعالى سبحانه.وقال محيي الدين في الفص العيسوي : إن أبا يزيد نفخ في النملة التي قتلها فحييت

فكان عيسوي المشهد.وقال الغزالي في (إحياء العلوم: قيل لبعض العارفين بلغنا أنك ترى الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ فتبسم وقال : ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه.)قال : وقيل لأبي يزيد البسطامي مرة حدثنا عن مشاهدتك من الله تعالى فصاح ثم قال : ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك، قيل : فحدثنا بأشدّ مجاهدتك لنفسك في الله تعالى، فقال: هذا أيضاً لا يجوز أن أطلعكم عليه، قيل : فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك فقال : نعم دعوت نفسي إلى الله فجمحت عليّ فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوقت لي بذلك.قال: ويُحكى عن يحيى بن معاذ أنه رأى أبا يزيد في بعض مشاهداته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر مستوفزاً على صدور قدميه رافعاً أخمصيه مع عقبيه عن الأرض، ضارباً بذقنه على صدره شاخصاً بعينيه لا يطرف.قال : ثم سجد عند السحر فأطاله، ثم قعد فقال: اللهم إن قوماً طلبوك فأعطيتهم طيّ الأرض فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك، وإن قوماً طلبوك فأعطيتهم المشي في الماء والمشي في الهواء فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك وإن قوماً طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك حتى عد نيفاً وعشرين مقاماً من كرامات الأولياء، ثم التفت فرآني فقال : يحيى ؟ فقلت : نعم يا سيدي فقال : منذ متى أنت ههنا؟ قلت : منذ حين فسكت فقلت يا سيدي حدثني بشيء، فقال : أحدثك بما يصلح لك.أدخلني في الفلك الأسفل فدوّرني في الملكوت السفلي وأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى، ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوّف بي في السماوات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش، ثم أوقفني بين يديه فقال : سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك، فقلت: يا سيدي ما رأيت شيئاً أستحسنه فأسألك إياه، فقال: أنت عبدي حقاً تعبدني لأجلي صدقاً، لأفعلن بك ولأفعلن فذكر أشياء.قال يحيى : فهالني ذلك وامتلأت به وعجبت منه فقلت يا سيدي لم لا تسأله المعرفة به وقد قال لك ملك الملوك : سلني ما شئت؟ قال: فصاح بي صيحة وقال : اسكت ويلك غرت عليه مني حتى لا أحب أن يعرفه سواه.قال الغزالي: وحكى أن أبا تراب الخشبي كان معجباً ببعض المريدين فكان يدنيه ويقوم بمصالحه والمريد مشغول بعبادته ومواجدته، فقال له أبو تراب يوماً : لو رأيت أبا يزيد

فقال : إني عنه مشغول، فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله : لو رأيت أبا يزيد هاج وجد المريد فقال : ويحك ما أصنع بأبي يزيد؟! قد رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد.قال أبو تراب: فهاج طبعي ولم أملك نفسي فقلت : ويلك تغتر بالله عز وجل، لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة، قال: فبهت الفتى من قوله وأنكره فقال : وكيف ذلك ؟ قال له : ويلك أما ترى الله عندك فيظهر لك على مقدارك وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره فعرف ما قلت فقال : احملني إليه، فذكر قصة قال في آخرها، فقال :فوقفناه على تل ننتظره ليخرج إلينا من الغيضة وكان يأوي إلى غيضة فيها سباع، قال: فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره فقلت للفتى : هذا أبو يزيد فانظر إليه، فنظر إليه الفتى فصعق فحركناه فإذا هو ميت فتعاونا على دفنه فقلت لأبي يزيد: يا سيدي نظره إليك قتله، قال : لا ولكن صاحبكم صادقاً واستكن في قلبه سرّ لم ينكشف له بوصفه، فلما رآنا انكشف له سر قلبه فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين فقتله ذلك.قال الغزالي: ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا : لو سألت الله دفعهم، فسكت ثم قال : إن الله عباداً في هذه البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة واحدة ولكن لا يفعلون، قيل: لم؟ قال : لأنهم لا يحبون ما لا يحب، ثم ذكر من إجابة الله أشياء لا يستطاع ذكرها حتى قال: ولو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها، وهذه أمور ممكنة في أنفسها فمن لم يحظ بشيء منها فلا ينبغي أن يخلو عن التصديق والإيمان بإمكانها، فإن القدرة واسطة والفضل عميم وعجائب الملك والملكوت كثيرة، ومقدورات الله تعالى لا نهاية لها، وفضله على عباده الذين اصطفى لا غاية له.ولذلك كان أبو يزيد يقول : إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلّة إبراهيم، فاطلب ما وراء ذلك أضعافاً مضاعفة فإن سكنت إلى ذلك حجبت به، وهذا بلاء مثلهم ومن هو في مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل.وقد قال بعض العارفين: كوشفت بأربعين حوراء رأيتهن يتساعين في الهواء عليهن ثياب من ذهب وفضة وجوهر يتخشخش وينثني معهن، فنظرت إليهن نظرة فعوقبت أربعين يوماً، ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهن في الحسن والجمال، وقيل لي : انظر إليهن، قال: فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر إليهن، وقلت: أعوذ بك مما سواك لا حاجة لي بهذا، فلم أزل حتى صرفهن الله عني.

وفي كتاب (قوائم الأنوار تأليف قطب السلسلة الذهبية المسمى بميرزا أبو القاسم الشهير ميرزا بابا الذهبي ألفه بالفارسية، قال في الشطر الثالث في بيان حقيقة العشق الإلهي ما ترجمته مخاطباً لابنه محمد وهو رئيس السلسلة الذهبية وقطبهم في زماننا هذا :)يا بني إن شئت أن تطلع على سير السلاك والمجذوبين والعشاق الإلهيين فاستمع قصة سلطان العارفين الشيخ أبي يزيد البسطامي في سير معراجه.قال الشيخ : إني بعدما خدمت مائة وثلاثين شيخاً من المشايخ الكملين، ولازمت الرياضة والمجاهدة ثمانين عاماً أتاني الله تعالى عيناً من نور وحدانيته وجناحين من آثار قدرته، فطرت ثلاثين ألف عام في عالم الوحدانية، وثلاثين ألف عام في مرتبة الفردانية، وثلاثين ألف عام في مرتبة الصمدية، فشاهدت قد بقيت بقية من الآنية فاهتزني غيرة شوق الوحدة فطرت أربعين ألف عام آخر في الوحدة فبلغت غاية ما يمكنني من السير فشاهدت أن وجودي المتوهم لم ينعدم بعد، فعجزت وقلت: إلهي أعلم أن وجودي بوجودك شرك وأنا لا أقدر الوصول إليك بوجودي فكيف لي في فناء وجودي؟ قال سبحانه: ضع رأسك على عتبة باب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.)قال أبو يزيد: فغلبني شوقه فقلت : أحالتي سبحانه إلى بابه فطرت بجناحي الهمة والعشق حتى وصلت أرواح الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ فسلمت على كل واحد منهم وسلّموا علي حتى جاوزت من الأنبياء وسعيت في الطيران إلى أن وصلت فناء حضرة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فرأيت مائة آلاف ألف بحر من نار لا بد من العبور منها، ثم نظرت فرأيت آلاف ألف حجاب من حجب النور وعلمت أنه ما لم أعبر من بحار النار لا يمكن لي الوصول إلى حجب النور، ولو أضع قدمي على أول بحر منها لاحترقت وهلكت، ثم أمعنت النظر فرأيت أطناب سرادق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مضروبة في منتهى حجب النور، فقلت: هذا هو الذي قاله رؤساء الدين: إن الوصول إلى الله سهل وإلى الرسول صعب.)فلما يئست من الوصول إلى حضرته فقلت باب الرسول في هذا العصر هو ابنه جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، فقدمت إلى حضرته فقلت: يا مولاي جعلت فداك إن الله تعالى بعد ثمانين عاما من المجاهدات والرياضات في سلوك طريقه وخدمة مائة وثلاثين من الأولياء أحالني إلى بابك وإني بعد طول الرياضة في هذه المدة والمواظبة على العبادة والانقطاع من الخلق والعزلة والتفريد والتجريد جئت إلى بابك غير معجب بشيء من ذلك، فهب أني مجوسي أو يهودي أو نصراني جئت إلى حضرتك لطلب دين الحق فأدخلني في الإسلام، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قل لا إله إلا الله.)قال أبو يزيد: فلما قلت لا إله كلمة النفي فشاهدت المحو والفناء في جميع العالم

حتى في وجودي فلما قلت إلا الله كلمة الإثبات فظهرت صورة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ فقلت : سبحان الله الفناء والبقاء والمحو والإثبات الذي كنت أطلبه في تسعين عاماً مع طول الرياضات والمجاهدات وخدمة مائة وثلاثين من الأولياء وسير مائة وثلاثين ألف عام في الوحدة قد حصل لي في دقيقة واحدة بتلقينه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلمة لا إله إلا الله.)tفلزمت حضرة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ وسألت أن يفوّض إلي بعض خدماته ففوّض سقاية بيته الشريف إليّ، فكنت سقاء في بيته سبع سنين، فقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي يوماً من الأيام: يا طيفور هات الكتاب من الرّف فقلت : جعلت فداك وأين الرف؟ فقال: فوق رأسك وقد كنت منذ سنين عندنا في هذا الدار والبيت وما رأيت الرف فوق رأسك؟ فقلت : بالله الذي أجلسك في مسند الخلافة شغلي بك وبأنوارك منعتني عن هذا، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد تم لك الأمر امض إلى بسطام وادع الناس إلى الله سبحانه وإلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأوليائه، وأرسل معه بعض ولده فقدما متفقين إلى بسطام ودعى أهله إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان يوم الجمعة مشغولاً بإرشاد الخلق وهدايتهم إلى السير والسلوك وسائر أيام الأسبوع مشغولاً بالفتاوى والأحكام، انتهى ما نقله بطوله.)أقول : هذه القصة لم أجدها في مؤلفات أحد من المتصدّين لنقل كرامات الصوفية حتى في كتاب تذكرة (الأولياء لهم أيضاً مع أن أصل مقصود صاحب (التذكرة) من تأليفه ليس إلا ذكر أمثال ذلك، والعهدة في ذلك على ناقله نعم كون أبي يزيد سقاء في دار الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد ذكره صاحب (التذكرة) وغيره.)لكن ردّه الشيخ نور الدين المحدث كما حكاه القاضي نور الله في (مجالس المؤمنين عنه، فإنه بعدما حكى كونه سقاء في داره عن جماعة قال :)وقال الشيخ نور الدين أبو الفتوح المحدث إنه صح عن علماء التاريخ أن وفاة مولانا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ كانت في سنة ثمان وأربعين ومائة وأن وفاة السلطان أبي يزيد المذكور في سنة إحدى وستين ومائتين ولم يختلف أحد من العلماء في هذين التاريخين مع أن التفاوت ما بينهما مائة وثلاثة عشر سنة، ولم يذكروا أيضاً عمر أبي يزيد أكثر من الثمانين، فاحتمل أن يكون ملازمته في الخدمة لباب مولانا علي بن موسى بن جعفر الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ووافقه على ذلك المحقق الشريف في شرح المواقف حيث قال: وأما أبو يزيد فلم يدرك جعفراً (عَلَيهِ السَّلَامُ بل هو متأخر، ولكنه استفاض من روحانية جعفر ولذا اشتهر انتسابه إليه، انتهى.)وكيف كان فقد نسبت إلى أبي يزيد ذلك كرامات كثيرة وقد أطروا في حقه حتى قال

جنيدهم البغدادي: إنه كان بين الأولياء كجبرئيل بين الملائكةولكن هذا كله ينافي ما رواه غير واحد من العامة والخاصة منه من قوله سبحاني ما أعظم شأني فإنه تنزيه يليق بالخالق ويختص به دون المخلوق.وأعظم من ذلك ما رواه بعضهم عنه من قوله : ليس في جبتي سوى الله، وروى بعضهم ذلك من حسين بن منصور الحلاج، والظاهر صدور هذا الهذيان من خبيث لسان كلا الرجلين بلا اختصاص له بأحدهما، لأنه مقتضى القول بوحدة الوجود ومن لوازمه والعجب من بعض المتصوفة أنه بعد نقل هذه الخرافات عن الرجلين الجلفين جاء إلى مقام الاعتذار.قال أبو حامد الغزالي في محكى كلامه من كتاب (مشكاة الأنوار بعدما ذكر فصلاً طويلاً في حال الحلاج إن قوله : أنا الحق وما في الجبّة إلا الله من فرط المحبة وشدة الوجد، وهذا مثل قول القائل :)أنا من أهوى ومن أهوى أنا***فإذا أبصرتني أبصرتناوتبعه على ذلك قطب الذهبية في كتابه (قوائم الأنوار، قال في ذكر الشرط الخامس من شرائط السلوك بعد جملة كلام له ما ترجمته إن السالك بعد ترقيه إلى غاية مقام القرب من الحضرة الأحدية لا يبقى له طريق الترقي إلى ما فوق ذلك وهو باب الولاية الإلهية، ولا يمكن له دخول ذلك الباب بالرياضات والمجاهدات إلا بجذبة عناية إلهية تفوح من مكمن الغيب الذي هو باطن باب الولاية وتجذب السالك حتى تدخله في ذلك الباب وتجعله عارفاً بأسرار الولاية العلوية روح العالمين فداه، وهذه الأسرار هي التي برزت من أولياء أهل العصمة كما أن السلطان أبا يزيد البسطامي الذي كان سقاء الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال في خلساته وعند استغراقه في نور الولاية من غير اختيار منه : ليس في جبتي سوى الله وكان الحسين بن منصور الحلاج يسجد تراب عتبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقول من غير شعور: أنا الحق وبعدما قتلوه وأحرقوا جسده وصار رماداً ألقوا رماده في دجلة فكانت حباباب الدجلة متشكل بشكل : الله الله، وكانت دماؤه المتقاطرة على وجه الأرض تتنقش بنقش: أنا الحق، وذلك لأنهم لما لم يسمعوا كلام مواليهم المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) في عدم إذاعة أسرارهم فأذاعوها من غير اختيار منهم في الإذاعة ذاقوا ألم الحديد ونالوا بالشهادة ولا يعلم أسرار ولايتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) التي هي ولاية الله إلا الله سبحانه والذين تنصروا فمن جرى على لسانه اختياراً كلمات الكفر هذه فهو كافر بلا ريب وأما هؤلاء فقد جرى على لسانهم من غير اختيار والدليل على عدم الاختيار انتقاش الدم والرماد بنقش : أنا الحق والله الله، وقد رأى بعضهم الحلاج في المنام فسأل عنه : كيف عومل معك ؟ قال : عاتبني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال لي : «لم ثلمت ثلمة في شريعتي؟» فقلت : جعلت فداك وإن ثلمت ولكن جعلت رأسي موضع الثلمة حتى لا جترى على ذلك أحد من بعدي فعفا عني)

رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، انتهى كلامه.)أقول : ويتوجه على المعتذرين لا سيما على الثاني منهما وجوه من الكلام وضروب من الملام.أما أولاً : فلأن كون هذه الكلمات من كلمات الكفر كما اعترفا به أيضاً ليس عليه غبار والاعتذار بأن صدورها من الرجلين لم يكن بالاختيار باطل لمنع عدم الاختيار، وعلى تقدير تسليمه فأقول :أفٍّ وتف على مذهب وطريقة يكون أعلى أعلى مقام ترقياتها وغاية غايات جذباتها ووجدها أن يخرج سالكها عن حد التميز والعقل والشعور والاختيار ويتكلم بالهجر والهذيان أبهذا أمرهم صاحب الشريعة؟ معاذ الله ثم معاذ الله من الضّلال والخذلان وإغواء الشيطان.ثم العجب كل العجب مما ذكره الثاني في تعليل عدم الاختيار من انتقاش الدم والرماد، وقد ذكره غيره أيضاً من أولياء هذا المقتول الملحد المرتد وأتباعه تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً وكيف يذهب وهم العاقل إلى صدق ذلك فضلاً عن الاعتقاد به؟.والذي يدل على بطلانه ضرورة وأنه إفك محض أن ثاني سيدي شباب أهل الجنة ودرّة صدف الطهارة والعصمة وسبط رسول الأمة الموصوف والمخصوص بالكرامة صاحب الولاية المطلقة سابق مضمار المعرفة والمحبة، القائل في مناجاته :تركت الخلق طراً في هواكا*** وأيتمت العيال لكي أراكافلوقطعتني في الحب إرباً***لما حن الفؤاد إلى سواكاسلام الله عليه وعلى جده وأبيه وأمه وأخيه وذريته وبنيه مع كونه مجاهداً في دين الله مقتولاً في سبيل الله وكون دمه الطاهر المطهر ثار الله وكون ثائره هو الله عزّ وجل، لم يُرَ ولم. يَروِ أحد في دمه الانتقاش، ولو جاز في حق أحد ذلك لكان هو أحرى بذلك بمقتضى معرفته ومحبته التامة البالغة لا الدم النجس للرجس الساحر الكافر الملحد المشعبد حسبما تعرف كفره والحادة وشعبدته تفصيلاً إن شاء الله.وأما ثانياً : فلأن ارتكاب التأويل في كلمات هؤلاء الكفرة قد ورد فيه النهي الصريح من الكاملة الأئمة (عليهم السلام.)مثل ما رواه مولانا الأردبيلي في كتاب (حديقة الشيعة عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: قال رجل للصادق جعفر بن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ): قد ظهر في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفية فما تقول فيهم؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنهم أعداؤنا فمن مال إليهم فهو منهم ويحشر معهم)

وسيكون أقوام يدعون حبنا ويميلون إليهم ويتشبهون بهم ويلقبون أنفسهم بلقبهم ويؤولون أقوالهم ألا فمن مال إليهم فليس منا وإنا منهم براءة، ومن أنكرهم ورد عليهم كان كمن جاهد الكفار بين يدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ (1)، هذا.)مضافاً إلى أن فتح باب التأويل كما قيل أول مراتب الإلحاد وبدء الضلال عن السداد إذ بانفتاح تلك الأبواب وقبول الاحتمالات السخيفة في التكلم والخطاب ومقام السؤال والجواب ينهدم أساس الدين وينثلم أحكام الشرع المبين ويبطل إقامة التعذيرات والحدود على المستحقين لها من أهل الفسق والارتداد والجحود كما يبطل تكفير المتشرعين لسائر الكفار إذا تكلموا بكلمات الكفر ثم اعتذروا بعدم الاختيار أو ادعوا الخذف والإضمار.وظاهر أن بناء علماء الإسلام بل سائر المليين على خلاف ذلك في جميع الأعصار فإنهم لا يقبلون تأويلاً من غير دليل وبمجرد سماع كلمة الكفر يحكمون بالتكفير والتضليل.وقد ورد في الحديث المعتبر المتين عن أولياء اليقين والحجج المعصومين سلام الله عليهم أجمعين إن لنا في كل خلف عدولاً ينفون عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.فإلى الله نشكو من فقد نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وغيبة ولينا وكثرة عدونا وشدة الفتن بنا وتظاهر الزمان علينا.)إذ بغيبة الإمام عليه وعلى آبائه آلاف التحية والسلام والإكرام وبموت نوّابه الكرام ونقصان خلفائه العظام من العلماء الأعيان والمشايخ والمجتهدين الأعلام في الأصقاع والبلدان ثلم ثلمة عظيمة في الإسلام، واشتدت البلية وعظمت الرزية وعاد الزمان زمان الجاهلية فتفرّق أهلها أيادي سبا وأيدي سبا باتباع الأهواء واختلاف الآراء واقتداء الآباء، فسلك كل منهم مسلكاً وسبيلاً، واتخذوا الشيطان لهم ملاكاً ودليلاً.فتاه بعضهم في بادية البابية وركب آخرون مركب المغيرية والخطابية، ومال ثالث إلى الحلاجية، وشرب رابع من قدح الشيخية وارتوى خامس من كأس التصلف والكشفية كل ذلك لقصورهم عن العروج إلى معارج العلم واليقين وفتورهم عن نهج مناهج المجتهدين وجهلهم بقوانين الاجتهاد والتقليد في الأصول وفروع الدين.والعجب من بعض رؤساء هذه الفرق حيث إنه على جهله وبلادته وعدم تميزه بين الهرّ والبرّ، وتفرقته بين الشعير والبرّ، يؤلف كتاباً ورسائل ويودع فيها ما ألقاه الشيطان في روعه


1) مستدرك الوسائل : 323/12 ح 14205.

من الضلال وأجراه على لسانه من مقالات الجهال وترهات الأقوال التي تضحك من سخافتها الثكلى، وتسقط الطير من السماء ثم يذيعها على سخافتها بين أتباعه الجهلة العوام الذين هم كالأنعام وينشره بين الهمج الرعاع الذين يصغون إلى كل ناعق ويتبعون على كل حمار ناهق فهم الأخسرون أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.ونسأل الله سبحانه من فضله الواسع وكرمه العميم السابع بمقتضى ما جرت عادته عليه البلاد والعباد عند غلبة الضّلال والفساد وإشراف آثار الشريعة من الاندراس، وقرب شموس العلوم الحقة من الانطماس :أن يُرسل شهاباً ثاقباً من كبراء المجتهدين والفقهاء المجددين على الضالين والمضلين من أولياء الشياطين الذين يكادون هدم أساس الشريعة بكيفيات خيالهم ويسقط أعلام الشيعة بكشفيات مقالهم ليقذفهم من كل جانب دحوراً حتى لا يدعوا ثبوراً واحداً بل يدعون ثبوراً كثيراً، وليكون حامياً لبيضة الدين ماحياً لآثار المفترين ناشراً لناموس الهداية كاسراً لناقوس الغواية، متمماً للقوانين العقلية متقناً للفنون النقلية، مجدداً لمآثر الشريعة المصطفوية محدداً لجهات الطريقة المرتضوية، فإن فقيهاً واحداً كما قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «أشدّ على إبليس من ألف عابد إذ به إرغام كل شيطان مارد، وإدغام كل ملحد معاند» (1).)وأما ثالثاً : فلأن ما يستفاد من كلام ثاني المتعذرين من كون أبي يزيد والحلاج من أولياء أهل العصمة (عليهم السلام وحامل أسرارهم فيه منع ظاهر.)أما أبو يزيد فإنه وإن اختلف في كونه من أهل زمن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ وفي كونه سقاء في داره كما هو المشهور أو من أهل زمن الرضا أو الجواد (عَلَيهِم السَّلَامُ) كما قاله بعضهم واشتهر أنه شيعي المذهب أما أنه من الكاملين من ولاية الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ومن جملة حملة الأسرار فلا، إذ الكامل في مقام الولاية لا بد أن يكون في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته تابعاً لمولاه.)وهذا الرجل وإن نقل منه ما يفيد متابعته لهم (عليهم السلام ومواظبته على الوظائف الشرعية.)مثل ما نقله أبو القاسم القشيري عنه أنه قال : لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى تربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وآداب الشريعة.


1) تذكرة الفقهاء: 9/1، والبحار: 20/108.

وقال القشيري : أنه سئل بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟ قال : يبطن جائع أو بدن عاري.قال : وقيل : لم يخرج أبو يزيد من الدنيا حتى استظهر القرآن، بمعنى حفظه عن ظهر قلب.قال: أخبرنا أبو حاتم السجستاني قال : أنبأنا أبو نصر السراج قال : سمعت طيفور البسطامي يقول : سمعت المعروف بمعمي البسطامي - بفتح العين المهملة وكسر الميم وتشديد الياء - يقول : سمعت أبي يقول : قال أبو يزيد قم بنا حتى ننظر إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولاية وكان رجلاً مقصوراً مشهوراً بالزهد فمضينا فلما خرج من بيته ودخل المسجد رمى ببزاقه تجاه قبلة فانصرف أبو يزيد ولم يسلّم عليه وقال : هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه ؟.)وبهذا الإسناد قال أبو يزيد: لقد هممت أن أسأل الله أن يكفيني مؤنة الأكل ومؤنة النساء، ثم قلت: كيف يجوز لي أن أسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فلم أسأله، ثم إن الله سبحانه كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط ؟)وفي (تذكرة الأولياء نقل أنه كان بين داره وبين المسجد أربعون قدماً ولم ير منه أن يرمي ببزاقه إلى الأرض رعاية لحرمة المسجد إلى غير ذلك مما رووه عنه من مواظبته بحدود الشريعة وآدابها.)لكنه كله ينافي ما قدمنا نقله عنه من معراجه وسائر صلائفه ومن قوله : ليس في جبتي سوى الله، وقوله: سبحاني ما أعظم شأني كما نقله غير واحد.وما نقله في «تذكرة الأولياء» من أنه عزم الحج وسار منازل عديدة ثم رجع فقيل له: ما رأينا منك فسخ العزم فما بدا لك؟ قال: رأيت في الطريق امرأة سلّت سيفها وقالت لي: ارجع وإلا ضربت عنقك تركت الله ببسطام وقصدت البيت الحرام؟.وفي «التذكرة» أيضاً أنه رأى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ليلة في المنام، فقال: يا رسول الله خدمت مائة وثلاثة عشر شيخاً وما وجدت ما طلبته من الكمال، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «اذهب إلى أهل بيتي واخدمهم حتى تكمل»، فاستيقظ من منامه وذهب إلى المدينة فرأى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ابن سبع سنين مع أطفال يتلاعبون وهو ينظر إليهم قال أبو يزيد فترددت بين السلام عليه من حيث كونه ابن رسول الله وبين عدم السلام من حيث كونه طفلاً صغيراً ثم سلّمت عليه فرد علي السلام ثم قال يا أبا يزيد طب نفساً، تعال نلعب معك فقال يا ابن رسول الله أيّ لعب نلعب ؟ فقال : غب أنت فأنا أجدك ثم أغيب أنا فأنت تجدني، فغاب أبو يزيد أولاً فدار)

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ تمام وجه الأرض فلم يجده، ثم ذهب إلى السماوات فطلبه في السماء الأولى والثانية والثالثة فلم يجده فيها، ووجده في السماء الرابعة في عين الشمس وأخذ بيده وجاء به إلى الأرض فقال له: ها أغيب الآن فلتجدني فغاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فطلبه أبو يزيد فلم يجده في تمام الأرض ثم طلبه في السماوات السبع ولم يجده فيها، ثم رجع إلى الأرض وعجز عن طلبه، فقال : يا ابن رسول الله إني عجزت عن وجدانك فأظهر لي نفسك بعميم كرمك، فخرج الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قلب أبي يزيد فقال أنا معك فأين تدور؟ وكان هذا إشارة منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإرشاداً له فهداه إلى ما طلب وفتح له باباً انغلق.)إلى غير ذلك مما نقلوه عنه من هذا النمط والأسلوب المخالف للأصول الشرعية والمنافي لطريقة صاحب الشريعة.ولا يكاد ينقضي عجبي منه حيث إنه لاحظ رمي البزاق في المسجد وفي طريق المسجد مع أنه إما مكروه وإما مباح ولم يلاحظ كلمة الكفر الجارية على لسانه من قوله : ليس في جبتي سوى الله، ونحو ذلك، وليت شعري في أي مقام وأي حديث رخص صاحب الشريعة بالتفوّه بهذه الهذيانات.هذا كله بناء على التنزل والمماشاة وإلا فأقول : يكفي في كفره وإلحاده وكونه سنّياً شهادة مثل مولانا المقدس الأردبيلي (قدّس سِرُّه على ذلك.)قال في (حديقة الشيعة : إن هذه الطائفة أي الصوفية كانوا يؤدون في المجالس بعض أسرارهم الكفرية بالرموز والإشارة إلا أبا يزيد فإنه يقول مكرراً غير هائب ولا محتشم: ليس في جبتي سوى الله وسبحاني سبحاني ما أعظم شأني، ورأيت الله في المنام في صورة شيخ هرم، وكان هو في الأصول ظاهراً على التشبيه والحلول وفي الفروع عاملاً بمذهب مالك، وكان في الباطن زنديقاً ملحداً وكونه سقاء في بيت الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مفتريات العامة بل كان ذلك الشقي معاصراً للحسن العسكري وخدم عدة أيام للجعفر الكذاب ؛ انتهى كلامه رفع مقامه.)وأما الحلاج فلا خفاء في كفره وإلحاده وبعده عن طريقة الموحدين وقربه من أهواء الملحدين، ويظهر ذلك بشرح حاله، فأقول :قال في (روضات الجنان إنه كان جده مجوسياً كما في (الوفيات) ويا ليته كان دين جده، وأصله فارسياً بيضاوياً لم يصل البياض إلى صفحة قلبه وخده، وتوجه في حداثة سنه إلى ديار الأهواز فاشتغل بها على الشيخ أبي محمد سهل بن عبد الله التستري زماناً، ثم إلى العراق وهو ابن ثماني عشرة سنة وخالط بها الصوفية وصحب الجنيد البغدادي وأبا الحسين)

الثوري وغيرهما.ثم رجع إلى تستر وتأهل، فخرج منها بعد زمان في جمع من خلطائه إلى بغداد، ومنها إلى مكة المشرّفة.ثم لما رجع منها إلى بغداد بقصد زيارة الجنيد ودخل عليه سأله عن مسألة فلم يجبه، وقال له : أنت مدّع في سؤالك، فتكدّر منه الحلاج وعاود إلى تستر وحصل له وقع عظيم في هذه المرة عند أهلها بحيث قد خاف على نفسه فاستتر عنهم نحواً من خمس سنين، وكان في هذه المدة يتردد إلى بلاد خراسان وما وراء النهر وسجستان وفارس، ويظهر لهم الدعوة ويصنّف فيهم الكتب حسبما يريد، وكان يدعى عندهم بأبي عبد الله الزاهد.ثم لما رجع في هذه الكرّة إلى الأهواز نطقوا عنه بحلاج الأسرار لكثرة ما كان يخبر عن ضمائرهم إلى أن جعل له الحلاج لقباً على التدريج فسافر منها إلى البصرة ومنها إلى مكة ثانياً وهكذا إلى تمام أربعة أسفار إليها بينهن سفر منه إلى طرف الهند والصين وبلاد الترك، وتشنيع شديد من الشيخ أبي يعقوب النهرجوري عليه.ثم رجع إلى بغداد وكان قد توفي الجنيد فتوطن هناك في هذه الكرّة إلى أن تغير عليه وجوه الفقهاء والقضاة وآل أمره إلى ما آل إلى أن قال :والعجب أن كل من كان له أدنى فائحة كان له أدنى فائحة من نسيم الجنة ورائحة من شميم الكتاب والسنة لم يذكره إلا لسوء الرأي وفساد العقيدة ونهاية التزوير والمهارة في فنون التسخير والتقرير إمامياً كان أو سنياً وظاهرياً كان أم صوفياً وكأن ذلك لأنه اختص بقبائح أمور في هذه الشريعة لم يعهد مثلها لأحد من المتصوفين الإسلاميين.منها أنه أظهر الدعاوى الشديدة من عند نفسه وأية دعاو.ففي بعض المواضع أنه ادعى الربوبية والعياذ بالله العظيم مراراً كثيرة، وفي بعضها أنه ادعى طبية طبية الأرض وعلوم الغيب والاتحاد مع الله تعالى شأنه العزيز، وفي بعضها أنه لما ورد قم كان مدعياً لرؤية صاحب الزمان والنيابة عنه والبابية له فلم يتهنأ له فيها العيش فخرج منها إلى مكة المشرّفة وهو يدعي الإمامة لنفسه وقطبية الأرض ثم لما دخل مكة زاد في طنبور ملعنته نغمة إلى داعية الربوبية قاتلهم الله أنى يؤفكون.ومنها أنه لم يمت إلا وقد ظهر منه خلافات وانكشف منه خرافات بحيث لم يبق لأحد من العقلاء شك في فساد عقيدته وبطلان طريقته.وذلك أن شيخنا الأقدم المفيد رضوان الله تعالى عليه قد عمل في الرد على الحلاجية

كتاباً، وفتح الصدوق ابن بابويه القمي في كتاب اعتقاداته الحقة إلى كفر أولئك باباً، ورفع شيخنا الطوسي أيضاً في كتاب (الغيبة والاقتصاد عن وجه هذا المرام حجاباً ونقاباً، حيث عده في الأخير من السحرة الكافرين، وقال في الأول :)ومنهم يعني ومن الكذابين الملعونين بلسان أهل البيت لادعائهم الرؤية والبابية بعد الغيبة الكبرى ووفاة خاتمة السفراء والمقربين وهو الحسين بن منصور الحلاج.أخبرنا الحسين بن إبراهيم عن أبي العباس أحمد بن علي بن نوح عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري قال : لما أراد الله أن يكشف أمر الحلاج ويظهر فضيحته ويخزيه وقع له أن أبا سهل إسماعيل بن علي النوبختي (رضي الله عنه ممن تجوز عليه مخرفته وتتم عليه حيلته، فوجه إليه يستدعيه وظن أن أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله وقدر أن يستحبره إليه فيتمخرق ويتسوّف بانقياده على غيره فيتطيب له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحله من العلم والأدب أيضاً عندهم ويقول له في مراسلته إياه : إني وكيل صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبهذا أولاً كان يستجرّ ثم يعلو منه إلى غيره وقد أمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوّي نفسك ولا ترتاب بهذا الأمر.)فأرسل إليه أبو سهل (رضي الله عنه يقول لك : إني أسألك أمراً يخف مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين وهو : إني رجل أحب الجواري وأصبو إليهن ولي منهن عدة أتخطاهن والشيب يبعدني منهن وأحتاج إلى أن أخضبه في كل جمعة وأتحمل منه مشقة شديدة لأستر عنهن ذلك وإلا انكشف أمري عندهن فصار القرب بعداً والوصال هجراً، وأُريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته وتجعل لحيتي سوداء فإنني طوع يديك وصائر إليك وداع إلى مذهبك مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة.)فلما سمع ذلك الحلاج من قوله وجوابه علم أنه قد أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه وأمسك عنه فلم يرد إليه جواباً ولم يرسل إليه رسولاً.وصيّره أبو سهل (رضي الله عنه أحدوثة وضحكة وتطرءة عند كل أحد وشهر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه (1).)وأخبرني جماعة عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه : أن الحلاج صار إلى قم وكاتب قرابة أبي الحسن يستدعيه ويستدعي أبا الحسن أيضاً ويقول: أنا


1) بطوله في غيبة الشيخ الطوسي : 402 ح 376.

رسول الإمام ووكيله.قال: فلما وقعت المكاتبة في يد أبي (رضي الله عنه خرقها وقال لموصلها إليه : ما أفرغك للجهالات فقال له الرجل وأظن أنه قال أنه ابن عمته أو ابن عمه : فإن الرجل قد استدعانا فلم خرقت مكاتبته وضحكوا منه وهزؤوا به، ثم نهض إلى دكانه ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه.)قال : فلما دخل إلى الدار التي كان فيها وكأنه نهض له من كان هناك جالساً غير رجل رآه جالساً في الموضع فلم ينهض له ولم يعرفه أبي، فلما جلس وأخرج حسابه ودوائه كما تكون التجار أقبل على بعض من كان حاضراً فسأله عنه فأخبره فسمعه الرجل يسأل عني فأقبل عليه وقال له تسأل عني وأنا حاضر ؟ فقال له أبي أكبرتك أيها الرجل وأعظمت قدرك أن أسألك فقال له : تخرق رقعتي وأنا أشاهدك تخرقها؟ فقال له أبي : فأنت الرجل إذاً؟ ثم قال : يا غلام برجله وبقفاه فخرج من الدار العدو الله ولرسوله، ثم قال له: أتدعي المعجزات عليك لعنة الله، أو كما قال: فاخرج بقفاه فما رأيناه بعدها بقم، انتهى.أقول : المراد بأبي الحسن هو علي بن موسى والد الصدوق وإنما كنّى به لمكان ابنه الأوسط الذي كان مشتغلاً بالعبادة والزهد لا يختلط بالناس ولا فقه له بخلاف الأخويين الباقيين أبي جعفر محمد وأبي عبد الله الحسين راوي هذا الحديث، فإنهما كانا فقيهين ماهرين في الحفظ يحفظان ما لا يحفظه غيرهما من أهل قم، لأنهما ولدا بدعاء الإمام على ما في كتاب (الغيبة للصدوقين القمي والطوسي (قدّس سِرُّهما) وغيرهما بل هذا أمر مستفيض عند أهل قم.)وقال العلامة (قدّس سِرُّه الحلّي في محكي كلامه من خلاصته الحسين الحلاج ابن المنصور، ظهر ببغداد وكان أعجمياً وادّعى أنه الباب وظفر به الوزير علي بن عيسى فضربه ألف عصا وفصل أعضاءه ولم يتأوّه وكان كلما قطع عنه عضو قال :)وحرمة الود الذي لم يكن*** يطمع في إفساده الدهرما قد لي عضو ولا مفصل*** إلا وفيه لكم ذكروقال في (فوائد الخلاصة: إنه من الكذابين وذكر الشيخ له أقاصيص ومراده بالأقاصيص ما نقلناه آنفاً.)وقال مولانا المقدس الأردبيلي(قدّس سِرُّه في كتابه (حديقة الشيعة): أما حسين بن منصور الحلاج فقد أفرط وجاوز الحد في الفضاحة وأظهر الكفر والإلحاد بلا حجاب وخرج التوقيع بلعنه ومن جملة من أفتى بقتله وكتب خطه في وجوب قتله هو الحسين بن روح (رضي الله عنه))

وكيل صاحب الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ.)وقال أبو ريحان البيروني السندي من أكابر المنجمين في (تاريخه حين ذكر تاريخ المتنبين وأممهم المخدوعين عليهم لعنة رب العالمين: ثم ظهر رجل متصوف من أهل فارس يعرف بالحسين بن منصور الحلاج، فدعى إلى المهدي أولاً وزعم أنه يخرج من الطالقان الذي بالديلم فأخذوا دخل مدينة السلام وحبس شهراً فاحتال حتى تخلص من السجن، وكان رجلاً مشعبداً متصنعاً مازجاً نفسه بكل إنسان على حسب اعتقاده ومذهبه، ثم ادعى حلول روح القدس فيه وتسمّى بالإله، وصارت له رقاع إلى أصحابه معنونة بهذه الألفاظ.)من الهوهو الأزلي الأول النور الساطع اللامع والأصل الأصلي وحجة الحجج ورب الأرباب ومنشىء السحاب ومشكاة النور ورب الطور والمتصور في كل صورة إلى عبده فلان.وكان أصحابه يفتتحون كتبهم إليه بـ : سبحانك يا ذات الذوات ومنتهى غاية اللدات، يا عظيم يا كبير أشهد أنك الباري القديم المنير المتصوّر في كل زمان وأوان في زماننا بصورة الحسين بن منصور عبيدك ومسكينك وفقيرك والمستجير بك والمنيب إليك والراجي رحمتك يا علام الغيوب يقول كذا وكذا.وصنّف كتاباً في دعواه مثل كتاب (نور الأصل وكتاب (جم الأكبر) وكتاب (جم الأصغر)، فعثر عليه المقتدر بالله في سنة إحدى وثلاثمائة للهجرة وضربه ألف سوط وقطع يديه ورجليه وضرب عنقه، ثم زرقه بالنفط حتى احترقت جثته ورمی برماده في دجلة ولم يتكلم بحرف فيما فعل به ولم يقطب وجهه ولم يحرك شفته وبقيت بقيّة من أتباعه منسوبون إليه يدعون إلى المهدي وأنه يخرج بالطالقان، انتهى)وقال الشيخ محمد الشهير بحاجي مؤمن الخراساني: والذي أعتقد فيه - يعني الحلاج - الرد عليه وعلى أصحابه، لأن كل حقيقة ردّته الشريعة فهي مردودة كما حققناه وقد رد عليه كبار المشايخ المتقدمين والمتأخرين كالجنيد والشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي رئيس المحدثين المتألهين، وشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، والشيخ الطبرسي، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى علم الهدى، والشيخ جمال الدين المطهر الحلي، والسيد بن طاووس صاحب المقامات والكرامات، والشيخ أحمد بن فهد الحلى المتألّه شيخ المتأخرين (رضي الله عنهم، وكلهم اتفقوا على أنه من المأمومين وبعضهم على أنه خرج من الناحية توقيع بلعنه، وأنت إذا تأملت أدنى تأمل وجدت أكثر من ينتمي إلى الحلاج ويعتقد رأيه قائلين بالحلول والتجسيم والتشبيه والزندقة وترك الشرائع والأحكام والأمر والنهي، ويدعي الوصول إلى أعلى مرتبة العرفان والتوحيد والإباحة وينفي الحلال)

والحرام كالفرقة المردفية المشركة المجوسية، انتهى.أقول : ويؤيد ما ذكره أخيراً من المتصوفة الحلاجية ما قاله الصدوق في اعتقاداته :علامة الحلاجية من الغلاة دعوى التجلي بالعبادة مع تدينهم بترك الصلاة الصلاة وجم وجميع الفرائض، ودعوى المعرفة بأسماء الله العظام، ودعوى انطباع الحق لهم وأن الولي إذا خلص وعرف مذهبهم فهو عندهم أفضل من الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ، ومن علامتهم أيضاً دعوى علم الكيمياء ولا يعلمون منه إلا الدّغل والتلفيق بالشبه والرصاص على المسلمين اللهم لا تجعلنا منهم والعنهم جميعاً. انتهى كلامه رفع مقامه.)وفي كتاب (روضات الجنان من كتاب (روض المناظر في علم الأوائل والأواخر) تأليف الشيخ محب الدين الحنفي، ألّفه في بيان سوانح كل سنة من لدن زمن أنبياء بني إسرائيل إلى سنة ثلاث وثمانمائة قال :)إن في سنة تسع وثلاثمائة قتل حسين بن منصور الحلاج كان يخرج فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس، ويمدّ يده في الهواء ويعيدها وفيها دراهم وعليها مكتوب: قل هو الله أحد، يسميها دراهم القدرة ويخبر الناس بما صنعوا في بيوتهم ويتكلم بما في ضمائرهم، وفتن به خلق كثير واختلفوا فيه اختلاف النصارى بالمسيح، وكان يصوم الدهر ويفطر على ماء وثلاث عضاة من قرصقدم من خراسان إلى العراق وصار إلى مكة وجاور بها سنة ثم عاد إلى بغداد فالتمس حامد الوزير من المقتدر أن يسلمه إليه، وجد الوزير في قتله واستنطقه عدة مجالس بحضرة العلماء آخرها أنه ظهر منه بخطه كتاب يتضمن : أن من لم يمكنه الحج إذا أفرد في داره بيتاً نظيفاً ولم يدخله أحداً فطاف حوله أيام الحج وفعل ما يفعله الحاج ثم جمع ثلاثين يتيماً وأطعمهم أجود الطعام في ذلك البيت وكساهم وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم كان كمن حج.فقال القاضي أبو عمرو الحجاج: من أين لك هذا؟ فقال: من كتاب (الإخلاص للحسن البصري، فقال القاضي : كذبت يا حلال الدم قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا فطالبه الوزير بكتابة خطه أنه حلال الدم أياماً ثم أجابه وكتب بإباحة دمه ووافقه جماعة من العلماء، فقال الحلاج: ما يحل لكم دمي وديني الإسلام ومذهبي السنة ولي فيها كتب موجودة يكون عند الوراقين فالله الله في دمي ولم يزل يردد هذا.)وعن تاريخ حبيب السير أنه قال بعد ذكره لهذه الواقعة بالفارسية إلى قوله : ومذهبي السنة: وتفضيل الخلفاء والعشرة المبشرة ولي في السنة كتب موجودة تكون عند الوراقين فالله الله في دمي، ولم يزل يردد هذا وهم يكتبون خطوطهم حتى استكملوا ما أرادوا،

ونهضوا من المجلس.فحمل الحلاج إلى السجن وكتب الوزير إلى المقتدر بالله الخليفة فهرست الوقائع فصدر منه الجواب بعيد ساعة بأن قضاة البلد إذا كانوا قد أفتوا بقتل الرجل فليسلم إلى صاحب الشرطة وليتقدم إليه يضربه ألف سوط فإن هلك وإلا يضربه ألفاً آخر ويضرب عنقه.فسلّمه إلى الشرطي وأخبره بما رسم به المقتدر وقال : فإن لم يتلف بالضرب فاقطع يده ثم رجلاه ثم تنحر رقبته وتحرق جثته ؛ وإن خدعك وقال : أنا أجري لك الفرات ودجلة ذهباً وفضة فلا تقبل ذلك منه، ولا ترفع العقوبة عنه.فتسلّمه الشرطي ليلاً فأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة فأخرجه إلى باب الطاق وكان يتبختر في قيوده واجتمع عليه من العامة خلق كثير لا يحصون.فضربه الجلاد ألف سوط فلم يتأوّه شيئاً بل قال للشرطي لما استوفى ستمائة : ادع بي إليك فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح قسطنطينية الروم، فقال له : قد قيل لي : إنك تقول هذا الكلام وأكثر منه وليس إلى رفع السياط عنك سبيل، فلما فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة ثم جز رأسه وأحرق جثته بالنار، ولما صارت رماداً ألقاها في دجلة ونصب رأسه على الجسر، واتفق أن ارتفع ماء دجلة في تلك السنة فادعى بعض أصحابه أن ذلك ببركة ما ألقي فيها من الرماد وتواعدوا في أنفسهم أيضاً على السر أنه سيعود إليهم بعد أربعين يوماً من ذلك التاريخ، وادعى بعضهم أنه لم يقتل وإنما ألفي شبهه على عدوّ له فقتل.ثم إن في تاريخ (روض المناظر أنه قتل وحرق ونصب رأسه ببغداد قال : وقد ترجمه الذهبي في عدة أماكن من كتبه وكذا الخطيب وغيره ترجمة قبيحة وأنه كان ساحراً مشعبداً محلولاً والله أعلم.انتهى)وفي (وفيات الأعيان نقلاً عن أبي بكر بن ثوابة القصري أنه قال : سمعت الحسين بن منصور وهو على الخشبة يقول :)طلبت المستقرّ بكل أرضفلم أرلي بأرض مستقراًأطعت مطامعي فاستعبدتنيولو أني قنعت لكنت حرا(1)فقد علم بذلك كله أن الرجل من أهل الغلق والإلحاد، والحلول والاتحاد فكيف يكون من أولياء أئمة الدين سلام الله عليهم أجمعين؟، ولو كان من أهل الولاية لورد فيه منهم (عَلَيهِم السَّلَامُ ما يدل على مدحه وفضله وعلوّ شأنه، لا ما يدل على لعنه وطعنه)


1) راجع صلة تاريخ الطبري للقرطبي: 69 ط. الأعلمي.

قال في (روضات الجنان: لو شئت زيادة بصيرة بأحوال وأباطيل الملاحدة من هذه الطائفة فعليك بمراجعة رسالة الشيخ الحر العاملي الموضوعة للتشنيع عليهم وتحذير أهل الإسلام من اتباعهم وبيان جملة من قبائح أفعالهم، فإنها البالغة حدّ الكمال في هذا الباب وكذلك كتاب مولانا محمد طاهر القمي المعاصر له المشنع على المولى محسن الفيض الكاشي صاحب (الوافي) في ميله إلى هذه الطائفة، بل المكفّر إياه من هذه الجهة ورسالتي الشيخ علي بن الشيخ محمد الشهيدي والمولى إسماعيل الخاجوئي بالعربية والفارسية، في تخطئتهم وتنفير قلوب عوام الناس عنهم، وغير ذلك من تضاعيف مصنفات الشيعة وأهل السنة والجماعة، فإنهم في الحقيقة مصداق قوله تعالى : (مذبذبِينَ بَيْنَ ذَالِكَ لَا إلَى هَؤُلاء وَلَا إلَى هؤلاء) [النساء : 143] ومنكرون لأساس الشريعة الغراء، أعاذنا الله وجميع المؤمنين والمؤمنات : من متابعة أهوائهم وسلوك سبيلهم آمين رب العالمين.

المقام السادس في منشأ الكرامات وخوارق العادات الصادرة من هذه الطائفة

كالإخبار عن المغيبات واستجابة الدعوات وتأثير الأنفاس وطي الأرض ونحوها مما رويت عنهم ونسبت إليهم في كتبهم المدونة لهذا الغرض، مثل كتاب (تذكرة الأولياء) وغيره، فأقول وبالله التوفيق :

إن ظهور الكرامات من أولياء الله الجامعين بين مرتبتي العلم والعمل على اصطلاح المتشرعة وبين الشريعة والطريقة والحقيقة والمعرفة، وبعبارة أخرى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وبرد اليقين على اصطلاح المتصوفة : غير قابل للإنكار وليس عليه غبار، لأن العبودية جوهرة كنهها الربوبية.

وقد نقل من أصحاب النبي وأتباع الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) الكاملين في مقام المعرفة والولاية، ومن العلماء الراسخين وغيرهم من عباد الله الصالحين المتقين المتصفين بالصفات المتقدمة في الخطبة المائة والثانية والتسعين في حديث همام وغيرها كرامات متجاوزة عن حد الإحصاء، وظهورها منهم عناية خاصة من الله عز وجل بهم، ولطف مخصوص في حقهم إكراماً لهم وإظهاراً لشرفهم لديه وقربهم إليه.

وأما غير هؤلاء من أهل التصنع والتكلف والتصوف والتصلف؛ فظهور بعض خوارق العادة منهم مستند إلى أحد أمور:

منها الشعبدة وهي حركات سريعة تترتب عليها أفعال عجيبة بحيث يخفى على الحس الفرق بين الشيء وشبهه لسرعة الانتقال منه إلى شبهه فيحكم الرائي له بخلاف الواقع.

فالمشعبد الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا

اطمأن باستغراق نظرهم إليه عمل شيئاً آخر بسرعة شديدة وبذلك يحصل عند الناظر أمر عجيب، وسبيه الاشتغال بما أظهره أولاً والسرعة المزبورة.

وهذا هو المراد بقولهم : إن المشعبد يأخذ بالعيون لأنه في الحقيقة يأخذ بالعيون إلى غير الجهة التي يحتال، وكلما كان أخذه للعيون وجذبه للخواطر إلى سوى مقصوده أقوى كان أحذق في عمله.

ولها أقسام أخرى معروفة بين المشعبدين من الإفرنج وغيرهم.

ومنها التنجيم: وهو الاستدلال بحركات النجوم على بعض الحوادث الواقعة فقد أخبر آذر بطريق النجوم على إبراهيم.

قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المروي عنه في تفسير علي بن إبراهيم: إن آذر أبا إبراهيم كان منجماً لنمرود بن كنعان فقال له : إني أرى في حساب النجوم أن هذا الزمان يحدث رجلاً فينسخ هذا الدين ويدعو إلى دين آخر، فقال نمرود: في أي بلاد يكون؟ قال: في هذه البلاد، الحديث (1).

وعن صاحب كتاب (التجمل) أن آذر كان منجماً لنمرود فقال له يوماً رأيت في النجوم أمراً عجيباً قال وما هو ؟ قال : رأيت مولوداً يولد في زماننا يكون هلاكنا على يديه ولا يلبث إلا قليلاً حتى يحمل به، قال: فتعجب من ذلك ثم قال هل حملت النساء؟ قال: لا، فحجب الرجال عن النساء، ولم يدع امرأة إلا جعلها في المدينة قال: فوقع آذر على أهله فحملت بإبراهيم فظن أنه صاحبه فأرسل إلى قوابل ذلك الزمان وكُنّ أعلم الناس بالجنين فنظرن فألزم ما في الرحم الظهر فقلن: ما نرى في بطنها شيئاً، قال: وكان مما أوتي من العلم أن المولود سيحرق بالنار ولم يؤت أن الله سينجيه منها (2).

وقد تضمنت كتب التواريخ وغيرها الأخبار بنبوة موسى ورسالته من النجوم، وكذا نبوة نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وظهور العرب على الفرس كما لا يخفى على من لاحظها.

والأخبار النجومية للمنجمين من الوقائع المستقبلة فوق حد الإحصاء، وقد مر في شرح الكلام الثامن والسبعين مطالب نافعة في هذا المقام

ومنها الكهانة : وهي عمل تقتضي طاعة بعض الجان.

قال العلامة (قدّس سِرُّه) في محكى القواعد: الكاهن هو الذي له رائد من الجن يأتيه بالأخبار.


1) راجع تاريخ بغداد: 127/8، وسير أعلام النبلاء: 346/14.

2) بحار الأنوار: 23855 ح 19، وجواهر الكلام: 102/22.

وعن (النهاية) الكهانة هي تعاطي الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، وقد كان في العرب كهنة فمنهم من كان يزعم أن له تابعاً من الجن يلقي إليه الأخبار ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله.

ومنها السحر : قال فخر المحققين في (المحكي عن الإيضاح): إنه استحداث الحوادث والخوارق إما بمجرد التأثيرات النفسانية وهو السحر، أو بالاستعانة بالفلكيات فقط وهو دعوة الكواكب، أو على تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية وهو الطلسمات أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة وهو العزائم، ويدخل فيه النيرنجات والكل حرام في شريعة سيد المرسلين.

وفي (الجواهر) أنه عبارة عن إيجاد شيء تترتب عليه آثار غريبة وأحوال عجيبة بالنسبة إلى العادة بحيث تشبه الكرامات وتوهم أنها من المعجزات المثبتة للنبوات من غير استناد إلى الشرعيات بحروز أو دعوات أو نحوها من المأثورات.

ومنها استخدام الجن والشياطين: وعن (المسالك) دخوله في الكهانة وفي الدروس دخوله في السحر قال : يحرم الكهانة والسحر بالكلام والكتابة والرقعة والدخنة بعقاقير الكواكب وتصفية النفس والتصوير والعقد والنفث والأقسام والعزايم بما لا يفهم معناه ويضر بالغير فعله.

ومن السحر الاستخدام للملائكة والجن والاستنزال للشياطين في كشف الغائب وعلاج المصاب (1).

ومنه الاستحضار بتلبيس الروح ببدن منفعل كالصبي والمرأة وكشف الغائب على لسانه.

ومنه النيرنجات وهي إظهار غرائب خواص الامتزاجات وأسرار النيرين ويلحق به الطلسمات وهي تمزيج القوى العالية الفاعلة بالقوى السافلة المنفعلة ليحدث عنها فعل الغرائب، فعمل هذا كله والتكسب به حرام أما علمه ليترقى أو لئلا يعتريه فلا، وربما وجب على الكفاية لدفع المتنبىء بالسحر ويقتل مستحله انتهى.

وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه لما سأله الزنديق عن السحر ما أصله وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل؟ قال: إن السحر على أقسام وجوه شتى منها بمنزلة الطب كما أن الأطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علماء السحر احتالوا لكل صحة آفة ولكل عافية سقماً، وكل معنى حيلة ونوع منه آخر خطفة وسرعة ومخاريق وخفة ونوع منه ما يأخذ أولياء


1) البحار 29/12 ح 6.

الشياطين منهم (1).

وذكر بعضهم أنه على أقسام :

الأول : سحر الكذابين وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها المديرة لهذا العالم إلا أنهم فرق ثلاث :

الأولى : زعمت أن الأفلاك والكواكب واجبة الوجود لذاتها وهي المدبرة لهذا العالم والخالقة له.

والثانية : أنها مخلوقة إلا أنها قديمة لقدم العلة التامة المؤثرة في وجودها فالساحر عند الفرقتين هو الذي يعرف قوى العالية الفعالية بسائطها ومركباتها ويعرف ما يليق بكل واحد من العوالم السفلية، ويعرف المعدّات ليعدّها، ويعرف العوائق لينحيها معرفة بحسب الطاقة البشرية، وذلك يكون متمكناً من استجذاب ما يخرق العادة.

الفرقة الثالثة : أنها حادثة مسبوقة بالعدم إلا أن خالقها خلقها عاقلة مختارة، وفوّض تدبير العالم إليها والساحر حينئذ من عرفته بالتقريب السابق.

القسم الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، وهو يكون بتجريد النفس عن الشواغل البدنية وعن مخالطة الخلق وأمورهم، وبه يحصل تأثيرها في جميع ما تريده من الأشياء، وتوجد صورته في ذهنها ويقتدر بذلك على الإتيان بما هو خارق للعادة، نعم النفوس في ذلك مختلفة.

فمنها القوية المستعلية على البدن الشديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، بل كأنها من الأرواح السماوية وهذه لا تحتاج التأثير إلى هذا العالم إلى آلة وأداة.

ومنها ما لا يكون كذلك، فيحتاج إلى تصفية وتجربة وربما استعانت على ذلك بالرّقي المعلومة ألفاظها بل وغير المعلومة باعتبار حصول دهشة للنفس وحيرة، وربما ما حصل في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل وجد عظيم، ويقوّي التأثير النفساني وربما استعانت على ذلك أيضاً بالدخنة على الوجه الذي سمعته في الرّقي.

الثالث : الاستعانة بالأرواح الأرضية وهي الجن، فإن اتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية لشدة المشابهة والمشاكلة وإن كان التأثير مع الاتصال بتلك الأرواح أعظم بل هو كالقطرة بالنسبة إلى البحر، وقد قالوا: إن الاتصال بها يحصل بأعمال


1) راجع الدروس : 164/3، ومفتاح الكرامة : 4 / 111، وجواهر الكلام: 80/22.

سهلة قليلة من الرقي والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن، انتهى.

أقول: وهذا كله من فروعات علم السيميا الذي قيل في تعريفه : هو علم بأمور يتمكن به الإنسان من إظهار ما هو مخالف للعادة أو منع ما هو موافق للعادة، بعضه متعلق بالطلسمات، وبعضه بدعوة الكواكب وتسخير السيارات، وبعضه بتسخير الوحوش والطيور وبعضه بالتعظيم والتنجيم واستخدام الجن والإنس والشياطين بأعمال وشرائط مقررة عند أهل هذا الفن وهو علم طويل عريض عميق والوصول إليه والقيام بشرائطه في غاية الصعوبة وعجائبه لا تحصى.

فقد نقل عن بعض التفاسير أن سبب تمرّد نمرود اللعين عن طاعة الله تعالى أن الحكماء قد عملوا في مقر سلطنته أرض بابل طلسمات سنة تحار فيها العقول :

أولها: بطة من نحاس إذا دخل في البلد سارق أو جاسوس كانت هذه البطة تصوّت بأعلى صوت يسمعه كل من بالبلد ويعرفون علة تصويته فيطلبون الداخل ويدركونه.

الثاني : طبل إذا ضلل أحدهم شيئاً يجيء إلى ذلك الطبل ويضربه بعود فيخرج منه صوت ويعرفه مكان الضالة.

الثالث : مرآة كل من كان أهل البلد له غائب لا يعرف خبره وأراد أن يطلع عليه جاء إلى هذه المرآة فينظر فيها ويشاهد فيها الغائب بحالته التي هو عليها والعمل الذي هو مشتغل به وبالمكان الذي هو فيه.

الرابع: حوض كان نمرود في كل سنة يجلس يوماً عنده للعيش ويجتمع إليه بطانته من الأمراء والوزراء والأشراف، ويأتي كل منهم بأشربة مختلفة ويصبونها جميعاً في الحوض، فإذا امتلأ أمر نمرود سقايته فيسقونهم منه ويشرب كل منهم ما جاء به من الشراب.

الخامس : غدير ماء إذا ورد فيه المتخاصمان كان الماء يعلو المبطل منهما، فإن أناب إلى الحق وإلا غرق.

السادس: شجرة في بابه يستضل بها تمام جيشه وجنوده.

ونقل عن أرسطاطاليس أنه كان بين برهما طوس وبيداغوش منازعة في أرض بابل قال بيداغوش : كيف تقاومني ومريخ وزحل عاجزان من مقاومتي ؟ فلما سمعه برهما طوس دخن أترجة واستعان بروح المريخ وأحرق بيداغوش واستراح الناس من شره بدون حاجة إلى المحاربة.

ونقل عن أبي معشر البلخي أنه قال : كان في بلاد الهند ملك عالم بأسرار النجوم وقد سحر المريخ فقصده ملك آخر للحرب فلم يهتم به، وكلما قال له وزراؤه وأتباعه : قد وصل الخصم، لم يلتفت إليهم حتى إذا دنا من بلده وكان الملك مشغولاً مع ندمائه في مجلس العيش فرجع إلى المريخ واستعان منه على دفع الخصم، فما مضت هنيئة إلا ورأوا شيئاً ها بطاً من السماء، فإذا هو مرآة من نحاس مثلث الشكل ومعه رأس مذبوح فلما رأوه ها بوا منه وهربوا، فضحك الملك ثم أحضرهم وقال لهم : أبشروا هذا رأس من كان قاصداً لبلادكم، فقد دفعت شره بعلم كنتم تلومونني في تحصيله وتنسبونني إلى الحمق والسفه والجنون.

وفي (نفائس الفنون) أن بهذا العلم يتمكن من رؤية الأشياء المتباعدة غاية البعد ولو بمقدار ألف فرسخ ويتمكن من التصرف فيها.

قال ثابت بن قرة : كان من أهل هذا العلم من صنع كحلاً إذا اكتحل به يرى الأشياء من الأماكن البعيدة وكنت أنا وقسطاء بن لوقا أردنا امتحانه فجلسنا في بيت وكتبنا فيه خطاً بغاية الخفاء لا يكاد يقرأ، وكان ذلك الرجل جالساً في بيت آخر فكان يقرأ كل ما نكتب حرفاً حرفاً، ولو رام غيره أن يقرأه لا يمكن له ذلك لخفائه، وسأله قسطاء من حال أخيه وكان غائباً منه فقال : إنه مريض وقد تولّد له ولد وطالعه الثور بثلاث درجات فاستخبرنا منه وكان كما قال إلى غير هذه مما نقل من عجائب هذا العلم.

وهذه المنقولات وإن لم تكن محل اعتماد يصلح التعويل عليها ولكنها مثل العجائب المنقولة من المشايخ المتصوفة لا تفاوت بينهما في الصحة والبطلان والرد والقبول.

فقد علم بما ذكرنا أن ظهور بعض الأمور الخارقة للعادة من أحد من هؤلاء الطائفة أو من غيرهم لا يدل على كونه عارفاً بالله كاملاً في معرفة الله ومن أهل الزلفى والكرامة لديه، لما عرفت من أن جلّ مدارك الخوارق وعمدة أسبابها أمور غير شرعية.

فإن الشعبدة والسحر والكهانة وعلم السيميا والتيرنجات كلها محرمة بالأدلة الشرعية المحكمة، كما فصلها فقهاؤنا رضوان الله عليهم في أبواب المكاسب من الفقه.

وأعظم أسباب ظهور الخوارق من هذه الطائفة من جانب وليّهم إبليس، فإنهم لأخذهم في الأصول والفروع خلاف مسلك أهل الشرع كان للشيطان بهم مزيد عناية، وفي إعداد معدات ضلالهم وخذلانهم زيادة اهتمام، فيوحي إليهم زخرف القول غروراً حسبما عرفت سابقاً، وينطق على لسانهم ويريهم العجائب وينبههم بالغرائب ليطيب بذلك أنفسهم وليقروا به عيناً، ويفرحوا به ليثبتوهم على ما دانوا به من الدين الفاسد، ولتصغى إليه أفئدة الذين لا

يؤمنون بالآخرة وليقترفوا ما هم مقترفون.

ولئن سلمنا أن صدور العجائب والغرائب منهم مستند إلى الله سبحانه كاستجابة دعواتهم وتأثير أنفاسهم فهو أيضاً لا يدل على القرب والزلفى مع زيغهم عن نهج الهدى وضلالهم عن الحنيفية البيضاء، لجواز كون ذلك من قبيل الاستدراج.

بيان ذلك أنهم لما تحملوا المشاق وارتاضوا بالرياضات الشاقة نيلاً إلى ما طلبوه من الأرباب الدنيوية، فلا يبعد أن يؤتيهم الله ما طلبوه بمقتضى رحمته الرحمانية فإنه تعالى لا يضيع عمل عامل براً كان أو فاجراً كما ورد في الأخبار، وقال في كتابه الكريم : (من كان يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَم في حرثهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نصيب) [الشوری: 20]، وقال : (فمن النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا وَاتنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا وَاتنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةٌ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا) [البقرة: 200-202].

ويقرب ما ذكرناه أن الشيطان بعدما عبد الله تعالى في السماوات ستة آلاف سنة، ثم صار رجيماً بإبائه عن السجود لآدم أعطاه الله النظرة جزاء لعلمه، وسلطه على ابن آدم وأعطاه سائر ما سأل حسبما عرفته في شرح الخطبة الأولى.

ومثله إن فرعون اللعين مع قوله : أنا ربكم الأعلى أمهله الله أربعمائة عام لحسن خلقه وكونه سهل الحجاب واستجاب دعاؤه في إجراء النيل، فإنه لما غار النيل وأتاه أهل مملكته وسألوه إجراءه فخرج معهم إلى الصعيد وتنحى عنهم حيث لا يرونه ولا يسمعون كلامه، فألصق خده بالأرض وأشار بالسبابة وقال : اللهم إني خرجت إليك خروج العبد الذليل إلي سيده وإني أعلم أنك تعلم أنه لا يقدر على إجرائه أحد غيرك فأجره قال فجرى النيل جرياً لم يجر مثله، فأتاهم وقال لهم : إني قد أجريت لكم النيل فخروا له سجداً، رواه في (البحار) من علل الشرائع (1).

وأوضح من ذلك كله أن كفار الهند مع ما هم عليه من الكفر والجحود ربما يخبرون بالمغيبات إذا تكلفوا بالمشاق والرياضات.

قال السيد المحدث الجزائري في (الأنوار النعمانية): وربما جرت على أيديهم الأفعال العجيبة والأمور الغريبة وليس هذا إلا جزاء لأفعالهم ورياضاتهم التي زعموا أنها عبادة، وقد شاهدت في أصفهان في عشر السبعين بعد الألف رجلاً من كفّار الهند رافعاً يديه إلى السماء


1) جواهر الكلام : 84/22، والاحتجاج : 82/2.

وقد يبستا وصارت أظفاره كالمناجل فرأيت الكفار يعظمونه ويسجدون له فسألتهم عن أحواله :فقالوا له سبع سنين على هذه الحالة وبقي له خمس سنين حتى يكون المجموع اثنا عشر سنة، فإذا بلغ إلى هذا العدد وهو على هذا الحال صار شيخاً في العبادة يخبر بالأخبار الغائبة وتنكشف له الأمور، ورأيت إنساناً جالساً إلى جانبه والكفّار تعظمه أيضاً فقيل لي : إن هذا وقف على رجليه اثني عشر سنة لم يجلس على الأرض إلى غير ذلك من الرياضات انتهى.

فقد تحصل مما ذكرنا كله أن ظهور العجائب والغرائب تارة يكون مستنداً إلى أسباب صحيحة وأخرى إلى مقدمات فاسدة وأن المدار في الكرامات على صحة الاعتقاد ومواظبة الرياضات الشرعية.

وعلى ذلك فإذا رأيت من أحد أموراً خارقة للعادات أو إخباراً عن الغائبات أو استجابة للدعوات، فلا تحكم بمجرد رؤية ذلك على أنه من أهل الزهد والصلاح والفوز والفلاح وأن ذلك من فضل الله عليه بل انظر إلى عقيدته وعمله.

فإن كان موافقاً للأصول الشرعية ولقواعد المذهب الحقة الإمامية، فاعلم أن ما ظهر منه كرامة وتفضّل من الله الكريم إليه ولطف رباني في حقه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

وإن لم يكن كذلك سواء كان كافراً أو مسلماً سنياً أو إمامياً آخذاً في سلوك طريق العبودية غير ما قرره صاحب الشريعة فليس ما يظهر منه بكرامة وإنما هو وزر ووبال معقب لويل ونكال لاستناده إما إلى مقدمات فاسدة وأسباب محرّمة أو إلى إضلال شيطاني أو إلى استدراج رحماني كما قال تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي هُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي هُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمَاً وَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [آل عمران : 178].)### المقام السابع في مطاعن الصوفيةوذكر ما ذكره أساطين علمائنا الأعلام ومشايخنا العظام قدّس الله ضرايحهم وطيب الله أرماسهم، وما صدر من غيرهم من علمائنا الأبرار وفقهائنا الأخيار من الفرقة الناجية الإمامية رضوان الله عليهم، ومن علماء العامة العمياء أيضاً من الطعن والإزراء على هذه الطائفة وكشف سوءاتهم وفضايحهم بعناوين مختلفة بعضها بعنوان العموم وبعضها بعنوان الاختصاص بطائفة خاصة منهم، وبعضها على صوفية زمانه، وبعضها على شخص معين منهم خذلهم الله جميعاً، فأقول وبالله التوفيق :منهم رئيس المحدثين والمتألهين الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (قدس الله روحه فقد قال في اعتقاداته حسبما نقلنا عنه في المقام)

الخامس:علامة الحلاجية من الغلاة دعوى التجلي بالعبادة مع تدينهم بترك الصلاة وجميع الفرائض، ودعوى المعرفة بأسماء الله العظام، ودعوى انطباع الحق لهم فإن الولي إذا خلص وعرف مذهبهم فهو عندهم أفضل من الأنبياء، ومن علامتهم أيضاً دعوى علم الكيمياء ولا يعلمون إلا الدّغل وتلفيق الشبه والرصاص على المسلمين اللهم لا تجعلنا منهم والعنهم جميعاً.ومنهم الحبر المتبخر الفريد الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام رفع الله في عليين له المقام.فقد ألّف في الرد على الحلاجية كتاباً مخصوصاً كما ذكره النجاشي وسائر علماء الرجال في تضاعيف تعداد كتبه ولم أظفر بعد على أصل نسخة الكتاب ونقلنا عنه في أوائل المقام الثالث من شرح عقائده للصدوق كلاماً متضمناً للطعن عليهم.ومنهم شيخ الطائفة الحقة ورئيس الفرقة المحقة الشيخ المطلق محمد بن الحسن الطوسي (قدس سره القدوسي.)فقد نقلنا عنه من كتاب (الغيبة له في المقام الخامس من الطعن والإزراء على الحلاج ما عرفت.)وقال في : ذلك الكتاب أيضاً قال الصفواني : سمعت أبا علي بن همام يقول : سمعت محمد بن علي العزاقري الشلمغاني يقول : إن الحق واحد وإنما تختلف قمصه، فيوم يكون أبيض، ويوم يكون في أحمر، ويوم يكون في أزرق قال ابن همام: فهذا أول ما أنكرته من قوله لأنه قول أصحاب الحلول (1.)أقول : وهذا مثل ما قاله بعض متأخري الصوفية في كتابه المسمى بـ (منهاج الولاية: تفطّن للذة أهل العشق الإنساني من رؤية معشوقهم، فإن الله تجلى في صورة العاشق بالعاشقية، وفي صورة المعشوق بالمعشوقية بحيث يتصوّر العاشق معشوقه غيره تصوراً صحيحاً، لأنهما غيران في تعينهما وإن كان الحق المتجلي فيهما واحداً ليحصل اللذة الأتم الأكمل، يسمي أهل المحبة ذلك التجلي الثنوي تجلي المكر والخديعة، لأنه يتجلى لنفسه بنفسه في مظهرين بحيث لا يعلمان اتحاد المتجلي والمتجلى له.)عاشق خودکه بود معشوق خود*** بهر لذت در دو پیکر سرزند انتهی


1) علل الشرائع : 58/10، والبحار : 133/13 ح 37.

وهذا كفر عظيم وإلحاد قبيح لا يتصور فوقه كفر، لعن الله القائل به والمعتقد له ملء السماوات والأرضين وعذبه عذاباً أليماً لا يعذبه أحداً من العالمين.وعن شرح كتاب (التوحيد للشيخ أبي منصور الماتريدي شيخ الطائفة الماتريدية قال :)قال قوم من الصوفية : إذا رأيت غلاماً أمرد حسناً فإنه ربك، وقال بعضهم: ويسمون بالحلولية إن الغلام الذي هو حسن الوجه قد حله بعض صفات الله تعالى فمن ثم ظهرت فيه آثار القدرة ويسمونه شاهداً ويقولون : إنا نشاهد فيه بعض الصفات ويحبونه ويعانقونه ويقبلونه ويقولون : إن محبتنا إياه لهذا المعنى، انتهى.وفي وصف حالهم والفرق بين الأمرد والملتحي قال بعض الشعراء :إذا ما التحى الإنسان طار جماله*** فلحيته ريش يطير به الحسنومنهم آية الله في العالمين جمال الملة والدين العلامة الحلّي أعلى الله مقامه في محكى كلامه من رسالته التي سماها بالسعدية :إن الله تعالى لا يحل في غيره ولا يتحد بغيره هذا مذهب طوائف المسلمين إلا ما نقل خواجه نصیر الملة والحق والدين (قدس الله روحه عن الصوفية أنهم يذهبون إلى أن الله يحل أبدان العارفين ويتحد بهم وهذا مذهب رديء لأن الضرورة قاضية ببطلان الاتحاد فإنه لا يعقل صيرورة شيئين شيئاً واحداً بغير ممازجة ولا انفعال ولا زيادة في مقدار أو كم، والحلول غير معقول في حق واجب الوجود، فإن المجرد لذاته لا يمكن أن يحل الماديات ولا غيرها ولأن الحال مفتقر في قيامه إلى المحل فكل مفتقر ممكن وواجب الوجود ليس يممكن فلا يكون حالاً، وإذا بطل هذا المذهب ثبت الأول.)وقال أيضاً في كتاب (نهج الحق : إن الله لا يتحد بغيره، والضرورة قاضية ببطلان الاتحاد، فإنه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئاً واحداً وخالف في ذلك جماعة من الصوفية من الجمهور، فحكموا أن الله تعالى يتحد بأبدان العارفين حتى تمادى بعضهم وقال : إنه تعالى نفس الوجود، فكل موجود هو الله تعالى وهذا عين الكفر والإلحاد، الحمد لله الذي فضلنا باتباع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبدون أهل الأهواء الباطلة.)ثم قال (رضي الله عنه : وإنه تعالى لا يحل في غيره لأنه من المعلوم القطعي أن الحال مفتقر إلى المحل، والضرورة قاضية بأن كل مفتقر إلى الغير ممكن، فلو كان الله تعالى حالاً في غيره لزم إمكانه فلا يكون واجباً هذا خلف.)وخالفت الصوفية من الجمهور في ذلك، وجوّزوا عليه الحلول في أبدان العارفين تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

فانظر إلى هؤلاء المشايخ الذين يتبركون بمشاهدهم كيف اعتقادهم في ربهم وتجويزهم عليه تارة الحلول وأخرى الاتحاد وعبادتهم الرقص والتصفيق والغناء، وقد عاب الله تعالى على أهل الجاهلية الكفار في ذلك، فقال عزّ من قائل: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إلا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ [الأنفال : 35] أي تغفيل أبلغ من تغفيل من يتبرك بمن يتعبد الله بما عاب به : الكفار، فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور. ومنهم الشيخ السعيد والقطب المجيد الفقيه المتبحر الأكمل المعروف بالشهيد الأول شمس الملة والدين أبو عبد الله محمد بن جمال الدين المكي رفع الله درجته كما شرّف خاتمته في الدروس في كتاب الوقف منه في بيان مصارف الوقف :

والصوفية المشتغلون بالعبادة والمعرضون عن الدنيا والأقرب اشتراط الفقر والعدالة فيهم لتحقق المعنى المقتضية للفضيلة وأولى منه اشتراط أن لا يخرجوا عن الشريعة المحقة، وفي اشتراط ترك الحرفة تردد ويحتمل استثناء التوريق والخياطة وما يمكن فعلها في الرباط، ولا يشترط سكنى الرباط ولا لبس الخرقة من الشيخ ولا زي مخصوص انتهى.

فإن اشتراطه للعدالة وعدم الخروج من الشريعة المحقة صريح في أن الفاقد للوصفين ليس له من التصوف إلا الاسم ولا فضيلة له أصلاً.

وقد أفصح عن ذلك في أشعاره الراتقة الفاتقة المحكية عنه في (روضات الجنان) برواية السيد محمد العاملي رحمة الله عليه قال :

بالشوق والذوق نالوا عزة الشرف*** لا بالذلوف ولا بالعجب والصلف

ومذهب القوم أخلاق مطهرة*** بها تخلّقت الأجساد في النطف

صبر وشكر وإيثار ومخمصة***وأنفس تقطع الأنفاس باللهف

والزهد في كل فان لا بقاء له***كما مضت سنة الأخيار والسلف

قوم لتصفية الأرواح قد عملوا***وأسلموا عرض الأشباح للتلف

ما ضرهم ربُّ أطمار ولا خلق*** کالدّر حاضرة مخلولق الصلف

لا بالتخلّق بالمعروف تعرفهم*** ولا التكلف في شيء من الكلف

يا شقوتا قد تولت أمة سلفت*** حتى تخلفتُ في خلف من الخلف

ينمّقون تزاوير الغرور لنا***بالزور والبهت والبهتان والسرف

ليس التصوف عكازاً ومسبحة***كلا ولا الفقر رؤبا ذلك الشرف لسرف

وإن تروح وتغدو في مرقعة*** وتحتها موبقات الكبر والسرف

وتظهر الزهد في الدنيا وأنت على***عكوفها كعكوف الكلب في الجيف

الفقر سرّ وعنك النفس تحجبه*** فارفع حجابك تجلو ظلمة التلف

وفارق الخبس وأقر النفس في نفس*** وغب عن الحس واجلب دمعة الأسف

واتل المثاني ووحدان عزمت على***ذكر الحبيب وصف ما شئت والتصف

واخضع له وتذلّل إذ دعيت له*** واعرف محلك من أباك واعترف

وقف على عرفات الذلّ منكسراً***وحول كعبة عرفان الصفا فطف

وادخل إلى خلوة الأفكار مبتكراً***وعد إلى حانة الأذكار بالصحف

وإن سقاك مدير الراح من يده***كأس التجلي فخذ بالكأس واغترف

واشرب واسق ولا تبخل على ظماء*** فإن رجعت بلاري فوا أسفي

أقول ما ذكره (قدّس سِرُّه) في مطلع القصيدة وذيلها هو الزهد الحقيقي وروح الفقر وحقيقة العرفان الذي حثّ عليه الرسل والأنبياء وندب إليه الحجج والأولياء، ولأجله إنزال الصحف والكتب من السماء.

فإن كان التصوف عبارة عن ذلك فنفسي للمتصفين به الفداء وأجزل الله لهم الجزاء.

وإن كان عبارة عن التصنع والتكلف والرياء والتصلف والتطريب بالغزليات والأشعار والترنم بمخترعات الأذكار بخفيها وجليها آناء الليل وأطراف النهار، مثل النهيق والشهيق للحمار فويل لمن حاله ذلك من النار، ثم ويل له من سخط القهار.

ثم أقول : لله درّ الشهيد فإنه مع كونه من العلماء الأعيان والفقهاء الأركان، انظر إلى غاية ارتفاعه في مراتب الذوق والعرفان وأخذه لقصب السبق في مضمار القريض والبيان وتدبّر في لطائف نظمه من بديع الأسلوب ومحاسن البلاغة وحسن الانسجام والرقة والسلاسة والنظام، ولعمري أنه أرقّ وأروح من نسيم السحر، وآخذ لقلوب العارفين من سحر الساحر إذا سحر، وأحلى عند أهل الذوق من الشهد والشكر.

ومنهم الشيخ الإمام والعلم العلام وقدوة علماء الإسلام الغائص في بحار المعالي والمعاني المشتهر بالشهيد الثاني زين الدين ابن علي بن أحمد بن محمد بن علي العاملي الشامي أفاض الله على تربته سجال رحمته وأسكنه في بحبوحة جنته. قال في محكي كلامه من شرح رسالته التي كتبها في علم دراية الحديث عند ذكر أصناف الواصفين الواضعين ظ» للأحاديث الكاذبة :

وأعظمهم ضرراً من انتسب منهم إلى الزهد والصلاح بغير علم فاحتسب بوضعه أي زعم أنه وضعه حسبةٌ الله وتقرباً إليه ليجذب بها قلوب الناس إلى الله بالترهيب والترغيب،

فقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم، وركوناً إليهم لظاهر حالهم بالصلاح والزهد ويظهر لك ذلك من أحوال الناس التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزهد، وضمنّوها أخباراً عنهم ونسبوا إليهم أفعالاً وأحوالاً خارقة للعادة، وكرامات لم يتفق مثلها لأولى العزم من الرسل بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وإن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها، إلى آخر ما يأتي نقله في شرح المختار الآتي إن شاء الله تعالى وفي آخر كلامه حسبما يأتي تصريح بأن مراده بهذه الطائفة هو الصوفية.

وقال في كتاب (منية المريد) عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال : «إذا مررتم في رياض الجنة فارتعوا» قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر، فإن الله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفّوا بهم» (1).

قال بعض العلماء حلق الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف يشتري ويبيع ويصلي ويصوم وينكح ويطلق، انتهى.

فإنه صريح في الطعن على الصوفية القائلين بأن المراد بحلق الذكر مجالس الذكر الجلي لهم.

وقد صرح بذلك في (البحار) حيث قال : حلق الذكر المجالس التي يذكر فيها الله على قانون الشرع ويذكر فيها علوم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وفضائلهم ومجالس الوعظ الذي يذكر فيها وعده ووعيده لا المجالس المبتدعة المخترعة التي يعصى الله فيها فإنها مجالس الغفلة لا حلق الذكر، انتهى (2).

والعجب من المتصوفة الذهبية يزعمون أن الشهيد «قد منهم ويذكرون في تأليفاتهم أنه من طبقاتهم قصداً بذلك رواج بدعاتهم، وإن هذه النسبة إلا اختلاق وافتراء، وأين الثرى من الثريا، وأعيان العلماء من الجاهلية الجهلاء والظلام من الضياء، وأي نسبة بين الزبد والسيل والنهار والليل والسهل والسهيل؟

وكيف يكون مثل الشهيد الذي عقمت النساء أن يلدن مثل هذا الدر اليتيم الفريد المتقلب في فنون العلوم الدائر في أدوار الفروع والأصول والسائر في أطوار المعقول والمنقول الصاعد مصاعد الدقائق، والعارج معارج الحقائق، الموزع أوقاته في إصلاح أمر المعاش والمعاد الموظف نهاره في التصنيف والتأليف والتدريس والبحث والاجتهاد وليله


1) راجع كتاب الغيبة للطوسي : 408 ح 380.

2) روضة الواعظين: 391، والبحار : 205/1 ح 34.

في الاحتطاب لقوت عياله والصلاة والدعاء ومناجاة رب العباد من الصوفية الذين لا يعرفون من الشريعة إلا الاسم، ومن الطريقة إلا الرسم، وبين مذاق المجتهدين والصوفيين بون بعيد بعد المشرقين.

فإن مدار الأولين في مقام العلم على الاستدلال والاجتهاد والاستنباط، والأخذ بظواهر المحكمات من الآيات والروايات وفي مقام العمل على العبادات الموظفات والأذكار المأثورات.

ومدار الآخرين في مقام العلم على دعوى الكشف والشهود والأخذ بالمتشابهات في ترويج بضاعتهم المزجاة، وفي مقام العمل على بدعات العادات والرياضات ومخترعات الأذكار والعبادات.

وبالجملة فالمدار على الحقيقة دون الاسم وعلى المعنى دون اللفظ.

فمن كان سالكاً مسالك الشريعة آخذاً بحدودها وقوانينها المتقنة في الأصول والفروع مواظباً على الحلال والحرام، والتكاليف والأحكام، فنعم الرجل هو.

ومن كان بخلاف ذلك فبئس الرجل فإن كان المسمى بلفظ الصوفي والمراد به حيثما يطلق هو الأول فلا مشاحة في التسمية، وإن أرادوا به الثاني فويل لمن حاله ذلك، ثم ويل له من وقوعه في المهاوي والمهالك.

ومنهم عمدة العلماء المتقين ونخبة الأنقياء المرتقين محمد تقي بن مقصود علي المشتهر بالمجلسي الأول أفاض الله على روحه من شآبيب الرحمة، قال في محكي کلامه من شرح الفقيه عند شرح ما رواه الصدوق عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قوله : «بادروا إلى رياض الجنة»، :قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال : «حلق الذكر» (1).

قوله : (حلق الذكر)، أي المجامع التي يطيب فيها العلوم الدينية، فإن الحلق التي وصلت إلينا من طرق الأصحاب إلى النبي والأئمة صلوات الله عليهم هي هذه أو مجامع الوعظ كما روي عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنهم كانوا يعظون.

وأما التي اشتهرت من الاجتماع للذكر الجلي فلم يصل علينا عنهم صلوات الله عليهم وهذه بطرق العامة أشبه كما رواه الكليني في القوى عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : من ذكر الله في السر فقد ذكر الله كثيراً إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ولا يذكرونه في السر، فقال عز وجل: يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 142] إلى آخر ما أورده رضي


1) البحار : 202/1 ح 12.

الله عنه فيه من الأحاديث الدالة على نفاقهم وفساد طريقتهم ومناقضتها لطريقة أصحاب الأئمة صلوات الله عليهم واشوقاه إلى تلك الأشباح، سلام الله على تلك الأرواح، رحل أولئك السادة، وبقي قرناء الوسادة، انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: وهذا الرجل كان أفضل أهل عصره في فهم الحديث وأحرسهم على إحيائه، وأعلمهم برجاله وأعملهم بموجبه، وأعدلهم في الدين وأقواهم في النفس، وأجلّهم في القدر، وأزهدهم في الدنيا وأكملهم في التقوى، وأوقفهم لدى الشبهات وأجهدهم في العبادات.

وقد كتب حاشية نافعة على الفقيه وشرحاً جامعاً على الخطبة المائة والثانية والتسعين المسوقة لوصف حال المتقين بل قيل : إنه أول من نشر حديث الشيعة بعد انتهاء السلطنة إلى سلاطين الصفوية.

ومع ذلك كله فالعجب أنه اشتهر بين الصوفية نسبته إلى التصوف، وربما ينسب إليه كتاب صغير مؤلف على مذاق المتصوّفة وهو بعيد منه غاية البعد بل الظاهر أنه افتراء في حقه.

ويشهد بذلك ما قاله ابنه المحدث العلامة المجلسي الثاني قدس الله رمسه في آخر رسالة اعتقاداته ما صريح عبارته :

وإياك أن تظن بالوالد العلامة نور الله ضريحه أنه كان من الصوفية ويعتقد مسالكهم ومذاهبهم، حاشاه عن ذلك، وكيف يكون كذلك؟ ومن كان أنس أهل زمانه بأخبار أهل البيت، وأعلمهم وأعملهم بها، بل كان مالك الزهد والورع، وكان في بدء أمره يتسمى باسم التصوف ليرغب إليه هذه الطائفة ولا يستوحشوا منه فيردعهم عن تلك الأقاويل الفاسدة والأعمال المبتدعة، وقد هدى كثيراً منهم إلى الحق بهذه المجادلة الحسنة، ولما رأى في آخر عمره أن تلك المصلحة قد ضاعت ورفعت أعلام الضلال والطغيان وغلبت أحزاب الشيطان وعلم أنهم أعداء الله صريحاً تبرأ منهم، وكان يكفرهم في عقائدهم الباطلة، وأنا أعرف بطريقته وعندي خطوطه في ذلك، انتهى كلامه رفع الله مقامه (1).

وشهادة مثل العلامة المجلسي على براءة ساحة رجل أجنبي من دنس نسبة ردية كافية في تزكيته وطهارته فكيف في حق والده مع خبرويته بسره وعلانيته؟ فإن الولد سرّ أبيه، وأهل البيت أدرى بما فيه.


1) البحار : 202/1 ح 12.

ومنهم غوّاص بحار أنوار الأخبار، ناشر مآثر الأطهار الأخيار، مروّج مذهب الشيعة في الأصقاع والأقطار، محيي شريعة سيد المرسلين، راغم أنوف المخالفين والمعتدين، دامغ صولات أضاليل المبطلين وأباطيل المبدعين سيما الصوفية المبتدعين محمد باقر بن محمد تقي المتقدم الذكر المشهور بالعلامة المجلسي أفاض الله على روحه نوره القدوسي.

فإنه قد بثّ في تصانيفه من مطاعن الصوفية ما هو فوق حد الإحصاء، متجاوز عن طور الاستقصاء، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها فأقول :

منها ما ذكره في رسالة اعتقاداته تصريحاً وتلويحاً بل يفهم من ديباجتها أن أصل غرضه من وضع تلك الرسالة إبطال مذهب هذه الفئة الضالة حيث قال بعد حمد الله وثنائه والصلاة على رسول الله وآله :

أما بعد، فيقول المشتاق إلى ربه الغافر بن محمد تقي محمد باقر أوتيا كتابهما يميناً وحوسبا حساباً يسيراً، إنه قد سألني بعض من هداه الله إلى طلب مسالك الحق والرشاد، وأودع قلبه خوف المعاد أن أبين له ما هداني الله إليه من طريق النجاة في هذا الزمان الذي اشتبه على الناس الطرق، وأظلم عليهم المسالك، واستحوذ الشيطان على أوليائه فأوردهم المهالك، فنصب الشيطان وأحزابه من الجنّ والأنس على طريق السالكين فخوخهم ومصائدهم يميناً وشمالاً، ومشوا لهم على مثال الحق بدعة وضلالاً، فوجب علي أن أبين لهم مناهج الحق والنجاة بأعلام نيّرة ودلائل واضحة وإن كنت على وجل من فراعنة أهل البدع وطغاتهم.

فاعلموا يا إخواني أني لا ألوكم نصحاً ولا أطوي عنكم كشحاً في بيان ما ظهر لي من الحق وإن أرغمت منه المراغم ولا أخاف في الله لومة لائم.

وساق الكلام في فضل النبي وأهل بيته سلام الله عليه وعليهم وكونهم المقصودين من إيجاد عالم الوجود والمخصوصين بالشفاعة الكبرى والمقام المحمود وأنهم وسائط الفيوضات النازلة والنعم الواصلة من الله سبحانه إلى عباده في هذه النشأة والنشأة الآخرة، إلى أن ذكر وجوب متابعة النبي بنص قوله تعالى: وَمَا ءاتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: 7] في أصول الدين وفروعه وأمور المعاش والمعاد.

ثم ذكر أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أودع حكمه ومعارفه وأحكامه وآثاره وما نزل عليه من الآيات القرآنية والمعجزات الربانية في أهل بيته ثم إنهم تركوا بيننا أخبارهم فليس لنا في هذا الزمان إلا التمسك بأخبارهم والتدبر في آثارهم فترك الناس في زماننا آثار أهل بيت نبيهم واستبدوا بآرائهم، فمنهم من سلك مسلك الحكماء الذين ضلوا وأضلوا ولم يقروا بنبي ولم يؤمنوا

بكتاب، واعتمدوا على عقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة فاتخذوهم أئمة وقادة، ومعاذ الله أن يتكل الناس على عقولهم في أصول العقائد فيتحيرون في مراتع الحيوانات، إلى أن قال :

وطائفة من أهل دهرنا اتخذوا البدع ديناً يعبدون الله به وسموه بالتصوّف فاتخذوا الرهبانية عبادة مع أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد نهى عنها وأمر بالتزويج ومعاشرة الخلق والحضور في الجامعات والاجتماع من المؤمنين في مجالسهم وهداية بعضهم بعضاً وتعلم أحكامها وتعليمها، وعيادة المرضى وتشييع الجنائز وزيارة المؤمنين والسعي في حوائجهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله ونشر أحكامه والرهبانية التي ابتدعوها تستلزم ترك جميع الفرائض والسنن.

ثم أنهم في تلك الرهبانية أحدثوا عبادات مخترعة.

فمنها الذكر الذي هو عمل خاص على هيئة خاصة لم يرد به نص ولا خبر ولم يوجد في كتاب ولا أثر، ومثل بدعة محرمة بلا شك ولا ريب قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار» (1).

ومنها الذكر الجلي الذي يتغنون فيه بالأشعار ويشهقون شهيق الحمار يعبدون الله تعالى بالمكاء والتصدية ويزعمون أن ليس عبادة إلا هذين الذكرين المبتدعين ويتركون جميع السنن والنوافل ويقنعون من الصلاة الفريضة بنقرة كنقرة الغراب ولولا خوف العلماء لكانوا يتركونها رأساً.

ثم إنهم أمة لا يقنعون بالبدع، بل يحرفون أصول الدين ويقولون بوحدة الوجود والمعنى المشهور في هذا المسموم من مشايخهم كفر بالله العظيم، ويقولون بالجبر وسقوط العبادات وغيرها من الأصول الفاسدة السخيفة.

فاحذروا يا إخواني واحفظوا إيمانكم وأديانكم من وساوس هؤلاء الشياطين وتسويلاتهم، وإياكم أن تنخدعوا عن أطوارهم المتصفة التي تملّقت بقلوب الجاهلين.

فها أنا ذا أحرر مجملاً ما تبين لي من الأخبار المتواترة من أصول المذهب لئلا تضلوا بخدعهم وغرورهم وأتمم حجة ربكم عليكم وأؤدي ما وصل إليّ من مواليكم إليكم ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حي عن بينة وأتلو عليكم ما أردت إيراده في بابين:

الباب الأول : فيما يتعلق بأصول العقائد، وساق الكلام فيه على أصول المتشرّعة وقال في تضاعيفه والقول بحلوله تعالى في غيره كما قال بعض الصوفية والغلاة أو اتحاده مع


1) الرسائل العشر لابن فهد الحلي: 8.

غيره كما قاله بعض الصوفية كفر إلى أن قال :

الباب الثاني: فيما يتعلق بكيفية العمل قد علمت يا خليلي ما أثبتناه أولاً من لزوم متابعة أهل بيت العصمة سلام الله عليهم في أقوالهم وأفعالهم والتدبّر في أخبارهم وآثارهم.

فاعلم أن الخير كل الخير وجدناه في أخبارهم إذ ما من حكمة من الحكم الإلهية إلا وهي فيها مصرحة مشروحة لمن أتاها بقلب سليم وعقل مستقيم، لم يعوج عقله بسلوك طريق الضلال، ولم يأنس فهمه بأطوار أهل الزيغ والردى.

وطريق الوصول إلى النجاة والفوز بالسعادات ظاهرة بينة فيها لمن رفع غشاوة الهوى عن بصريته، وتوسل إلى ربه في تصحيح نيته وقد قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] ومحال أن يخلف الله وعده إذا أتى الله من الأبواب التي أمر الله أن يؤتى منها.

فالذي يجب أولاً للسالك إلى الله أن يصحح نيته لأن مدار الأعمال في قبولها وكمالها على مراتب النيات، ولا يتأتى ذلك إلا بالتوسل التام بجنابه تعالى والاستعاذة من شر الشياطين وغلبة الأهواء إلى أن قال : فإذا توسل السالك بجنابه تعالى وصح نيته بقدر الجهد في بدو الأمر يطلب ما يعلم أن خير آخرته فيه ولا يبالي بأن يعده أهل الزمان وجهلة الدوران حشوياً أو قشرياً أو زاهداً خشكاً أو ينسبونه إلى الجهل.

وإذا كان بهذه المنزلة يظهر له الحق عياناً فينبغي أن يبتغي بعد ذلك معلماً مستأنساً بكلام أهل البيت وأخبارهم مصدّقة إليها لا من يؤوّل الأخبار بالآراء بل من صح عقائده عن الأخبار ويشرع في طلب العلم ابتغاء وجه الله وطلب مرضاته ويتدبر في أخبار أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ويكون مقصده التحصيل، فلا العمل ينفع بدون العلم كما ورد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعداً (1)، ولا العلم ينفع بدون العمل كما روي : من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم (2).

ثم ساق الكلام في المواظبة على العلم والعمل من الصلاة والأدعيات المأثورات والمناجاة المعروفة بالإنجيلية ودعاء كميل النخعي وغيرها والصحيفة الكاملة جلّها بل كلها إلى أن قال :

ثم أن أعظم صفات النفس الأخلاق الحسنة الزكية من المصافاة والجود والسخاوة


1) البحار 303/2، والكافي : 1/ 56 ح 8.

2) محاسن البرقي: 1/ 198 ح 24، والكافي : 43/1 ح 1.

والإخلاص والمسكنة وغيرها من الأخلاق الحسنة التي استحسنها الشرع والعقل.

وأقوى مهلكات النفس الأخلاق الذميمة الردية من البخل والجبن والكبر والعجب والرياء والغضب والحقد وغيرها من الملكات الردية التي استقبحها العقل والشرع، فيجب على الإنسان التخلي عن الأخلاق السيئة والتحلي بالأطوار المرضية.

وزعمت الصوفية أنهما يحصلان بترك المألوفات والاعتزال عن الخلق وارتكاب المشاق وملازمة الجوع المنهمك والسهر الدائم وسائر ما هو طورهم ودأبهم.

وإني وجدت من يقاس تلك الشدائد منهم تزيد أخلاقه الرديئة وتقل أخلاقه الحسنة، إذ يغلب عليه السَّوداء فلا يمكن لأحد أن يتكلم معهم بكلمة لسوء خلقهم ويقوى تكبّرهم وعجبهم بحيث يظنون أنهم تجاوزوا عن درجة الأنبياء ويبغضون جميع الخلق ويستوحشون منهم وكذا سائر صفاتهم لكن لا يظهر ذلك للخلق لعدم معاشرتهم ومعاملتهم معهم.

ومنها ما قاله في (ديباجة مرآة العقول) في شرح أخبار آل الرسول :

إني لما ألفيت أهل دهرنا على آراء مشتتة وأهواء مختلفة قد طارت بهم الجهالات إلى أركانها، وقاصت بهم الفتن في غمارها، وجذبتهم الدواعي المتنوعة إلى أقطارها، وحيرتهم الضلالة في فيافيها وقفارها.

فمنهم من سمى جهالة أخذها جهالة أخذها من حثالة من أهل الكفر والضلالة لشرائع النبوة وقواعد الرسالة حكمة، واتخذ من سبقه في تلك الحيرة والعمى أئمة يوالي من والاهم ويعادي من عاداهم، ويفدي بنفسه من اقتفى آثارهم ويبذل نفسه في إنكار من أنكر آراءهم وأفكارهم، ويسعى بكل جهد في إخفاء أخبار الأئمة الهادية صلوات الله عليهم وإطفاء أنوارهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

ومنهم من يسلك مسلك أهل البدع والأهواء المنتهين إلى الفقر والفناء فليس لهم في دنياهم وآخرتهم إلا الشقاء والعناء، فضحهم الله عند أهل الأرض كما خذلهم عند أهل السماء، فهم اتخذوا الطعن على أهل الشرائع والأديان بضاعتهم وجعلوا تحريف العقائد الحقة وصرف النواميس الشرعية من سماتها بضم البدع إليها صناعتهم.

ومنهم من تحير في جهالته يخطفهم شياطين الجن والأنس يميناً وشمالاً، فهم في ريبهم يترددون عمياناً وضلالاً فبصر الله نفسي بحمده تعالى هداها فألهمها فجورها وتقواها، فاخترت طريق الحق إلى آخر ما قال.

ومنها ما ذكره في أواخر كتاب (عين الحياة) الذي ألفه بالفارسية في شرح قول رسول

الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأبي ذر (رضي الله عنه) : «يا أبا ذر يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم ويرون أن لهم الفضل بذلك على غيرهم، أولئك يلعنهم ملائكة السماوات والأرض يا أبا ذر ألا أخبرك بأهل الجنة؟»، قلت بلى يا رسول الله قال : «كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره». قال (رَحمهُ اللّه) ما ترجمته : (1).

اعلم أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لما كان عالماً بالوحي الإلهي بجميع العلوم، ومطلعاً بالأمور الغيبية فمدح الفقر والتواضع لعلمه بأنه يأتي بعده قوم من أهل البدعة والضلالة يلبسون هذا اللباس - أي لباس الصوف مكراً وتزويراً - ليخدعون الناس فذكر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) علامتهم وأنهم ملعونون لئلا يغتر الناس بهم وهذه العلامة مخصوصة بالفرقة الضالة المبتدعة الصوفية.

وهذا الكلام من جملة معجزاته حيث أخبر بهم قبل وجودهم فلا ريب في حقيقة هذا الكلام المتضمن للإعجاز فمن أنكره فعليه لعنة الله تعالى ورسوله.

وليس منشأ استحقاقهم للعن هو لبس الصوف بل لما كان يعلم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالوحي الإلهي أن هذه الفرقة يبطلون شرعه ويهدمون أساس دينه ويعتقدون في العقائد بالكفر والزندقة ويتركون في مقام العمل الموظفات الشرعية ويعملون البدعات والمخترعات ويصرفون الناس عن العبادات، لعنهم لذلك ووصفهم بعلامتهم ليعرفهم الناس ويحذروا منهم.

فاكشف أيها العزيز عصابة العصبية من عينك وانظر بنظر الإنصاف والاعتبار إلى كلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فإنه كاف في ظهور بطلان مذهب هذه الطائفة فضلاً عن الأحاديث الكثيرة الواردة تصريحاً وتلويحاً في بطلان أطوارهم وأعمالهم، وذم مشايخهم وأكابرهم.

وقد ذمهم أكثر علماء الشيعة من المتقدمين منهم والمتأخرين وصنّف بعضهم كتاباً في الرد عليهم.

مثل علي بن بابويه (قدّس سِرُّه) الذي كان بينه وبين صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكاتبات، وولده الصدوق محمد بن بابويه رئيس المحدثين الذي كانت ولادته ببركة دعاء صاحب الأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذا الدعاء متضمن لمدحه أيضاً.

ومثل شيخ المفيد عماد مذهب الشيعة الذي كان أكثر الفضلاء والمحدثين من تلامذته وخرج التوقيع من صاحب الأمر صلوات الله عليه وهذا التوقيع أيضاً متضمن لمدحه.

ومثل الشيخ الطوسي (قدّس سِرُّه) الذي هو شيخ الطائفة المحقة وأكثر أحاديث الشيعة إليه منسوبة.


1) رواه في البحار : 30/2، ح 14.

ومثل العلامة الحلّي (قدّس سِرُّه) المشهور علماً وفضلاً في الآفاق.

ومثل الشيخ الشهيد والشيخ علي في كتاب (مطاعن المجرمية)، وابنه الشيخ حسن في کتاب (عمدة المقام) والشيخ العالي القدر جعفر بن محمد الدرويشي في كتاب (الإعتقاد) وابن حمزة في كتب عديدة والسيد مرتضى الرازي في كتب متعددة وزبدة العلماء والمتورعين مولانا المقدس أحمد الأردبيلي قدس الله أرواحهم وشكر الله مساعيهم وغيرهم من علماء الشيعة رضوان الله عليهم.

ونقل كلام هؤلاء الأفاضل والأعيان وما أوردوه من الأخبار في ذلك الباب موجب لتطويل المقال، وأكتب إن شاء الله كتاباً مستقلاً في ذلك.

فإن كنت معتقداً بيوم الدين فأعد بيوم الدين فأعد حجتك لغدك حتى يكون لك جواب صحيح وعذر مقبول إذا احتج الله سبحانه وتعالى عليك.

وما أدري بعد ورود الأخبار الصحيحة الصريحة من أهل بيت الرسالة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وشهادة هؤلاء الأعاظم والأجلّة من علماء الشيعة على بطلان طريقة هذه الطائفة بأي عذر تعتذر عند الله سبحانه في متابعتهم.

أفتقول : كنت تابعاً للحسن البصري الذي قد وردت أحاديث عديدة في لعنه ؟

أو تابعاً لسفيان الثوري المعلن بعداوة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمعارض له دائماً ؟

أو تابعاً لأبي حامد الغزالي الناصب يقيناً الذي كان يقول في كتبه بالمعنى : إذا كان عليّ إماماً أنا أيضاً إمام؟ ويقول : اللاعن على يزيد لعنه الله مذنب، وكتب كتباً في اللعن والرد على الشيعة مثل كتاب (المنقذ من الضلال) وغيره.

أو تابعاً لأخيه الملعون أحمد الغزالي الذي كان يقول : إن الشيطان من أكابر أولياء الله ؟

أو متشفعاً بالملا الرومي الذي يقول : إن أمير المؤمنين يشفع لابن ملجم المرادي عليه اللعنة والعذاب ويدخله الجنة وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول له : لم يكن لك ذنب وإنما كان المقدر ذلك وكنت مجبوراً في هذا العمل - يعني قتله - وليست صفحة من صفحات المثنوي إلا مشعرة بالجبر أو وحدة الوجود أو سقوط العبادات أو غيرها من العقائد الفاسدة، وكما هو المشهور بين أتباعه وتلقوه منه بالقبول : أن الدف والطنبور والمزمار من جملة العبادات (1).


1) أمالي الطوسي : 539 ح 1162، والبحار 65/70 ح 33.

أو كنت ملتجئاً بمحيي الدين الملعون الذي سمعت سابقاً خرافاته وفضائحه وكان يقول : إن جماعة من أولياء الله يرون الرّفضة على صورة الخنزير ويقول: رأيت في المعراج درجة علي أسفل من درجة أبي بكر وعمر وعثمان ورأيت أبا بكر في العرش، فلما رجعت قلت لعلي : كيف كنت تدّعي في الدنيا أنك أفضل من هؤلاء وقد رأيت أنك أسفل درجة منهم؟ وهذا الملعون وغيره كم لهم من هذه الكلمات الزائفة ذكرها موجب للإطناب، فلو خُدعت من دعاويهم العظيمة فلم لا تفكر في أن منشآتها لعلة حب الدنيا الدنيئة؟!.

وإن شئت اختبار من ادعى أنه يعلم جميع الأسرار الغيبية بالكشف وأنه يعرج كل ليلة عشر مرات إلى العرش فاسأل عنه مسألة من شكوك الصلاة أو من المواريث أو حديثاً مشكلاً من الأحاديث فإن كان صادقاً فيما ادعاه فيجيبك عن هذه المسائل أيضاً.

وقد روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسند صحيح أنه قال : علامة الكذاب أنه يخبرك بأخبار السماء والأرض والمشرق والمغرب، ولئن سألته عن الحلال والحرام لا يعلم.

والعجب أن هذا الرجل الذي يدعي أنه يعرف وحدة الوجود على غموضها مع قصور عقول جميع الفضلاء الأذكياء من فهمها كيف لا يعرف معنى سهلاً ولو لقن عليه خمسين مرة، وكيف لا يفهم أولوا الأفهام الثاقبة ما ادعى ذلك الرجل فهمه.

وأيضاً فإنهم مع اعترافهم باجتماع الكشف مع الكفر كما في كفار الهند فعلى فرض صحة ما ادعوه من الكشف وأن له حقيقة فأي منقبة في هذا الكشف وأي دلالة فيه على فضل صاحبه وكماله ؟.

ولما كان مجال الكلام في هذا المرام واسعاً اقتصرت في هذا المقام على ذلك وأوردت في أول الكتاب وفي مواضع عديدة منه ما فيه كفاية لطالب الهداية.

ثم ختم المقام (قدّس سِرُّه) بذكر أحاديث متضمنة للطعن والإزراء عليهم وسنشير إلى بعضها إن شاء الله في المقام الآتي فانتظر.

وذكر (قدس الله روحه) أيضاً في هذا الكتاب في شرح قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يا أبا ذر جعل الله جل ثناؤه قرة عيني في الصلاة (آه) لمعات عشر متضمنة للعن والملام على هذه الطائفة» (1)، وقال في اللمعة العاشرة المتضمنة لبيان معنى الذكر بعد جملة من الكلام ما ترجمته:

واعلم أنه قد شاع به الصوفية نوعان من الذكر وكلاهما بدعة وهم يزعمون أنهما من أفضل العبادات ويصرفون أوقاتهم فيهما ويضلون الناس بالمداومة عليهما.


1) رسائل الكركي : 225/3، و الكافي : 321/5 ح 7-9.

الأول : الذكر الجلي وهو مشتمل على أمور:

الأول : أن هذا النوع من العبادة لم يتلق من الشارع بل الأدلة من الآيات والأخبار في كيفية الذكر الجلي قائمة على خلافه، قال سبحانه: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55]، وقال: وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف : 205]، ونقل جملة من الأخبار ثم قال :)الثاني: أنهم يتغنون فيه ويترنمون في خلاله بالأشعار والغزليات العشقية بالنغمات الموسيقية وهو حرام بإجماعنا فضلاً عن أعمالهم الشنيعة التي يظهرونها في أثناء الذكر من التصفيق والرقص ونحوهما، وقد ذم الله كفار المشركين على ذلك.الثالث : أنهم يأتون بذلك في المساجد مع أن إنشاد الأشعار في المساجد مذموم شرعاً وقد روي بسند معتبر عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أنه قال: «من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا له : فضَ الله فاك إنما نصبت المساجد للقرآن» (1)، وقد ورد النهي أيضاً يضاً من رفع الصوت فيها وهم يعملون غالب تلك الأعمال في ليلة الجمعة ويومها مع أن إنشاد الشعر فيهما مكروهة.)ولو قيل لهم : إن هذه الأعمال تشريع وبدعة يقولون : يحصل لنا منها قرب معنوي ويسمونه بالحال وساق الكلام فيه إلى أن قال :ولا دليل أعظم وأحكم على كون ذلك كله بدعة أنه لم ينقل أحد من الشيعي والسني والصوفي وغير الصوفي أن رسول الله والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ أو أصحابهم أو رواة أخبارهم وعلماء ملتهم كان لهم مطرب يطربهم ويترنّم لهم أو كان لهم حلق الذكر عقدوها، أو أمر أصحابهم بعقدها، ولو كانت هذه عبادة لها وقع فلم لم يأمروا أصحابهم بها ؟.)نعم البدعة أحلى وألذ والعبادات ثقيلة على النفس.ألا ترى أنه لو قال لهم خمسون من العلماء العدول : إنه قد تواتر عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال : من صلى ليلة الجمعة صلاة جعفر غفر الله له ذنوبه (2)مضافاً إلى ما فيها من الفضائل الغير المتناهية لم يرغب إليها واحد من عشرة آلاف من الناس؟)


1) المعتبر للحلي : 452/2، وجواهر الكلام: 112/14.

2) راجع من لا يحضره الفقيه : 554/1 ح 1536 وما بعده.

وأما إذا مروا ببقعة اجتمع فيها جماعة من الأجلاف ويصيحون يا ربي يا ربي فيدخلون في حلقتهم بتمام الميل والرغبة ويثبون وثوبهم من أول الليل إلى الصباح.فهلا تفكر في أنه أي يوم كانت لك هذه الرغبة والإقبال على الخيرات؟ ولم لا تهتم بسائر الخيرات مثل اهتمامك بها ؟فعليك بالإنصاف إذا كان قد ورد من أهل بيت النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ زهاء ألف حديث في أعمال ليلة الجمعة ويومها وعلموك فيها الوفاء من طرق العبودية والقربى فلا تعبأ بشيء منها أصلاً بل تصرف تمام تلك الليلة واليوم في عمل يحكمون جميع علماء زمانك بحرمته مضافاً إلى اعترافك بأنه لم يرد به نص.)فأي عذر لك في ذلك عند الله تعالى؟ وبأي جهة ترجو الثواب من الله؟ وأنت إذا أردت تعقيب صلاة مندوب شرعاً تضم إليه بدعات عديدة أبهذا تستحق الثواب أم بتركك الأوراد والأذكار والأدعيات والمناجاة المأثورة من أهل بيت الرسالة سلام الله عليهم البالغة إلى مائة ألف بيت؟ وبإقبالك على قراءة الأوراد الفتحية التي جمعها جماعة من أهل السنة على معان غير مرتبة وألفاظ مغلوطة خالية من القواعد الأدبية.أفهؤلاء الجهال من العامة العمياء كانوا أعرف بمناجاة الرب المتعال وذكره من قادة الدين وأصفياء رب العالمين وأفصح فصحاء أهل الأرضين؟وقد كان الأنبياء والرسل يتمنون متابعتهم والدخول في زمرة شيعتهم وأنت تستنكف عن اتباعهم وتقبل على تلك الأذكار المخترعة وتترنّم بقراءتها، وتضيف معصية الغناء إلى معصية البدعة.وقد رُوي أنه جاء رجل إلى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ فقال له : اخترعت دعاء؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): دع ما اخترعت واقرأ ما نقول (1).)الثاني : الذكر الخفي وهو بالمعنى الذي قدمناه سابقاً من أفضل العبادات، وهو أن يكون متذكراً الله سبحانه دائماً في مقام المصيبة فيصبر عنها، وفي مقام الطاعة فيقوى على مشاقها، وفي مقام المعصية فيكف نفسه عنها.وأما بالوجه الذي اخترعته هذه الطائفة على هيئة مخصوصة فمما لم يثبت له سند صحيح من الشارع، فالإتيان بهذه الهيئة بقصد العبادة بدعة محرّمة كما علمت في تعريف البدعة، ولم يرد تلك الهيئة في حديث من أحاديث الشيعة بل لم أجده في كتاب (أخبار


1) راجع الكافي : 476/3، وتهذيب الأحكام: 116/1 ح 306.

العامة أيضاً.)وهؤلاء يقولون : رواه المعروف الكرخي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ، وهو باطل من وجوه :)الأول: أنه لم يثبت وصول المعروف الكرخي إلى خدمة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ وما يقولون من أنه كان بوّاباً له (عَلَيهِ السَّلَامُ) غلط البتة لضبط أصحابنا علماء الرجال في كتبهم جميع خدامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وملازمي حضرته شيعياً كان أم سنياً حتى ذكروا في تلك الكتب المترددين إلى حضرته من متعصبي العامة الذين رووا عنه الحديث، فلو كان هذا الرجل بوّاباً له لنقلوه البتة.)الثاني : أن داود الطائي قد ذكر في (تذكراته مشايخ طريقته، والمعلوم من أحواله أنه كان من متعصبة العامة ولم يكن له أصلاً توسل بالأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).)الثالث: أن السند الذي يسندون باعتقادهم إليه فيه جماعة لا يعجبني ذكر قبائح اعتقاداتهم وأعمالهم، مثل السيد محمد نوربخش وهو كما في الكتب الصوفية قال : إني المهدي صاحب الزمان وقال : اتفق أولوا الألباب على ذلك، وكغيره ممن هو معروف بالعصبية والبدعة.الرابع: أنا قد سمعنا من مشايخهم أن الذكر الخفي أنواع مختلفة أخذه أهل كل طريقة بنحو مخصوص من مشايخهم يغاير ما أخذه أهل الطريقة الأخرى من شيخهم، فلو كانت صحيحة النقل عن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ لكان المنقول واحداً لا متعدداً.)الخامس : أنه إذا كانت هذه الأذكار من أفضل العبادات على ما يزعمون ويقولون إنه يحصل بها مزيد قرب ليس في الصلاة فكيف يمكن أن يضنّ بها الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ ويخصون المعروف الكرخي فقط بها ولا يعلمونها لغيره؟)فإن قلتم : غيره لم يكن قابلاً لذلك وإنما كان المعروف بين جميع أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ قابلاً لذلك المقام لعلوّ درجته.)قلت : إذا كان كذلك فلم تعلّمونها أنتم كل بليد أحمق؟السادس : لو كان معروف قابلاً لهذا السر ولم يكن سلمان ولا أبو ذر (رضي الله عنهما قابلين له، لزم أن يرد من الأحاديث الكثيرة البالغة إلى خمسمائة بل إلى ألف حديث وارد في شأن سلمان وأبي ذر حديث أو حديثان في شأن ذلك الرجل، ولزم أن يعده واحد من العلماء من خواص أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليس فليس.)السابع : أنه على فرض تسليم وروده فهو حديث مجهول، وليس وظيفة الحزم والاحتياط في الدين أن يرفع اليد من الأعمال المتواترة الثبوت من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ ويواظب على عمل رواه)

رجال مجهولة الحال، فنقتصر في المقام على ذلك لأن التطويل موجب للملال. انتهى ما أهمنا نقله من کلامه زاد الله في إكرامه.وقد ذكر في أوائل الكتاب المذكور أيضاً فصلاً وافياً في هذا الباب طوينا عن نقله حذراً من الإطناب، وفيما نقلناه كفاية لمن اهتدى وابتغى الرشد والصواب، ثبتنا الله وإياكم على الصلاح والسداد في القول والاعتقاد بمحمد وآله الأمجاد.ومنهم وحيد العصر في الزهد والورع والأمانة، وفريد الدهر في الفضل والتقدّس والديانة صاحب الملكات القدسية والصفات الملكية، ومظهر المقامات الزاهرة والكرامات الباهرة، الواصل إلى حضرة ولي الرحمن سيد الأنس والجان إمام العصر والزمان سلام الله عليه وعلى آبائه العالم العلم الفقيه المتكلم الأوحد مولانا أحمد بن محمد المعروف بالمقدس الأردبيلي أفاض الله على تربته أنوار رحمته فقد ذكر فصلاً مفصلاً في المجلد الثاني من كتاب (حديقة الشيعة عند ذكر أحوال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مطاعن الصوفية وشرح أحوالهم وتفصيل فرقهم المختلفة من أراد الاطلاع عليها فليرجع إليه، ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما أورده (قدّس سِرُّه) هناك بغاية تلخيص واختصار منا فأقول :)إنه ذكر أن أصل مذهب الصوفية من مخترعات العامة وإن أول من تسمى بهذا الاسم أي بالصوفي، هو أبو هاشم الكوفي، من أجل لبسه بالصوف وكان قائلاً بالحلول والاتحاد مثل النصارى لكن النصارى قالوا بالحلول في عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ وهذا الملعون ادعى الحلول في حق نفسه، وكان في الظاهر أموياً جبرياً وفي الباطن ملحداً دهرياً وكان غرضه من وضع هذا المذهب هدم مذهب الإسلام، وقد ورد من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أحاديث عديدة في الطعن عليه فنسب إليه التابعون له وقيل لهم : صوفية.)ثم ساق الكلام في سائر أسمائهم حسبما حكينا عنه (رَحمهُ اللّه في المقام الثاني إلى أن قال :)وأكثر هذه الطائفة في الظاهر على مذهب أحمد بن حنبل ومالك يعملون في الفروع يعملهم، وكان الشبلي مالكياً وذو النون تلميذاً لمالك وكثير منهم في الباطن كافراً ملحداً، إلى أن قال :وقد ورد من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ أحاديث كثيرة في الرد على هذه الطائفة المبتدعة وأكثرها من الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ورد اللعن عليهم في أخبار كثيرة مروية عن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بل عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أيضاً، وقد أخبروا بأن الله سبحانه يلعنهم والملائكة أيضاً يلعنون.)ثم نقل بعض الأخبار ثم عقد باباً في بيان مذاهبهم وقال فيه :إعلم أن مذاهب الصوفية كثيرة، فقيل: إن أصل تلك المذاهب أربعة والباقية متفرعة

عليها. أول تلك الأربعة مذهب الحلولية، والثاني مذهب الاتحادية والثالث مذهب الواصلية، والرابع مذهب العشاقية.وقيل : إن أصول مذهبهم ستة وأضافوا إلى الأربعة التلقية والزراقية، وقيل: سبعة وأضافوا إليها الوحدتية المأخوذة من القول بوحدة الوجود، ثم قال :والحق أن أصل مذهبهم اثنان القول بالحلول والقول بالاتحاد والبواقي متفرعة عليهما، فالكلام في فصلين الفصل الأول في بيان المذهبين.الأول في مذهب الحلولية، فإنهم يقولون : إن الله سبحانه قد حلّ فينا وحلّ أيضاً في أبدان جميع العارفين، وبطلان مذهبهم ظاهر لأن كل عاقل يعلم علماً قطعياً بأن الحال محتاج إلى المحل والضرورة قاضية بأن كل محتاج ممكن فلو كان سبحانه حالاً في غيره لزم أن يكون ممكناً لا واجباً نعوذ بالله من هذا الاعتقاد.الثاني مذهب الاتحادية وهم يقولون : إنا قد اتحدنا الله سبحانه وكذا اتحد الله تعالى بنا. والعقل أيضاً قاض ببطلان هذا المذهب وهم يشبهون الله سبحانه بالنار وأنفسهم بالحديدة المحماة بملاقاة النار.وهذا محض الكفر والزندقة، إذ من له أدنى مسكة من العقل يعلم قطعاً أن تبدل طبيعة ممكن بممكن آخر أو صورته لا يستلزم تبدل الوجوب بالإمكان والإمكان بالوجوب وكون الواجب ممكناً والممكن واجباً، وكيف يقاس الواجب بالممكن والممكن بالواجب؟ وصاحب هذا الاعتقاد كالمعتقد بالحلول كافر خارج من الدين ملحد زنديق لعين، وعلى اعتقاد كلتا الطائفتين يلتزم تعدد الإله وتكفّره لجواز أن يكون في كل عصر ألف عارف وزيادة.وقال صاحب كتاب (بيان الأديان: إن القول بالحلول والاتحاد بعد الجرمانية من الصائبة قد نشأ من من النصارى فأخذه عنه غلاة الشيعة يعني الذين يقولون في الأئمة الاثني عشر بالألوهية، وغلاة أهل السنة يعني الصوفية الذين يقولون في مشايخهم بالألوهية، وليس مذهب من المذاهب أقرب إلى مذهب النصارى من هذين المذهبين انتهى كلام صاحب (بیان الأديان) (1).)واعلم أن متقدمي الصوفية كأبي يزيد البسطامي وحسين بن منصور الحلاج كانوا على أحد هذين المذهبين ولاعتقادهم هذا الاعتقاد الفاسد يعني الغلوّ عدهم أكثر علماء الشيعة


1) وهو محمد بن الحسين العلوي (485هـ).

كالمفيد وابن قولويه وابن بابویه (قدس سرهم من الغلاة، سواء قالوا بالحلول أو بالاتحاد، وهم غلاة النواصب وأكثر طوائف الغلاة.)وتجاوز بعض متأخري الاتحادية كمحيي الدين الأعرابي والشيخ عزيز النسفي وعبد الرزاق الكاشي عن الحد في الكفر والإلحاد، وقالوا بوحدة الوجود وأن كل موجود هو الله، تعالى الله عما يقول الملحدون علواً كبيراً.وعلة تمادي هذه الطائفة في الكفر والطغيان أنهم لما طالعوا كتب الفلاسفة واطلعوا على قول أفلاطون القبطي وأتباعه فاختاروا بغاية الضلال مقالهم وكي لا يتفطن أحد بأنهم لصوص مقالات الفلاسفة واعتقاداتهم الفاضحة الفاسدة غيروا لباس ما قالوا ولبسوه بلباس آخر وسموه بوحدة الوجود ولما سئلوا عن معنى هذه الكلمة قالوا : تلبيساً وخديعة إن هذا المعنى لا يمكن الإفصاح عنه بالبيان ولا يحوم حوم تقريره اللسان، وإنما يدرك بالرياضات والمجاهدات الكاملة وخدمة الكملين من مشايخ الطريقة، فحيروا بذلك الحمقاء من الناس، وضيع السفهاء منهم أوقاتهم في فهمه وتأويله وأوّلوا هذا الفكر العظيم بتأويلات مختلفة.ثم أشار إلى سائر سرقات الصوفية من مزخرفات الفلاسفة إلى أن قال :وأما ما قاله أفلاطون القبطي ومتابعوه وتصرّف فيه هذه الطائفة وسموه بوحدة الوجود، فهو أنهم قالوا : إن العلة الأولى خلق الخلق من نفسه فكل موجود خالق و مخلوق خذلهم الله تعالى.الفصل الثاني : في ذكر بعض فروع مذهبي الصوفية يعني مذهب الحلول ومذهب الاتحاد وبيان قليل من عقائدهم.فاعلم أن فروع المذهبين كثيرة فلنقتصر بذكر قليل من عقائد فرقهم البالغة إلى أحدى وعشرين، ثم ساق الكلام فيها.أقول : ولا حاجة بنا إلى نقل تمام ما قاله فيها، وإنما ينبغي نقل ما ذكره (قدّس سِرُّه في عقائد الفرق الخمس التي تقدمت إليه الإشارة.)الفرقة الأولى الوحدتية.وهم قالوا بوحدة الوجود واعتقادهم أن كل إنسان بل كل شيء هو الله تعالى شأنه كما أشير إليه، وهم أشد كفراً وأعظم خزياً من نمرود وشدّاد وفرعون لاعتقادهم بإلهية جميع الأشياء الغير الطاهرة فضلاً عن غيرها، فلو سميت تلك الفرقة بالكثرتية كان أبلغ المبالغتهم في كثرة الإله بحيث لا يبقى شيء مما سوى الله تعالى إلا ويقولون : إنه الله، وإن زعموا أن

الجميع واحد.وقد ذكر محيي الدين في كتبه من ذلك كثيراً لا سيما في «الفصوص» فقال في الفص اللقماني منه : إن الاختلاف بيننا وبين الأشاعرة في العبارة وقال في (الفصوص : إن الله لطيف فمن لطافته ولطفه أنه في الشيء المسمى بكذا المحدود بكذا عي عين ذلك الشيء حتى لا يقال فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ والاصطلاح فيقال : هذه سماء، وهذه أرض وصخرة وشجرة وحيوان وملك ورزق وطعام والحال أن العين واحدة من كل شيء كما تقول الأشاعرة : إن العالم كله متماثل بالجوهر فهو جوهر واحد فهو عين قولنا العين واحدة ثم قالت - أي الأشاعرة - ويختلف بالأعراض وهو قولنا ويختلف ويكثر بالصور والنسب انتهى.)وقال في الفص الموسوي : إن فرعون عين الحق قد ظهر بهذه الصورة وصريح عبارته هكذا فصح قوله أنا ربكم الأعلى وإن كان عين الحق فالصورة لفرعون، وقد عرف العطار في كتاب (الجوهر الذات، وقال: أنت أيضاً قل مثل أنا الحق وادعى صريحاً الإلهية في الكتاب المذكور.)وقال محيي الدين في أول (الفتوحات: سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها، وطعن عليه علاء الدولة السمناني وهو من مشايخ هذه الطائفة بهذا القول.)أقول : أراد (قدّس سِرُّه به ما كتبه علاء الدولة في حاشية (الفتوحات) في قوله : سبحان من أظهر أن ما لفظه : إن الله لا يستحي من الحق أيها الشيخ لو سمعت من أحد أنه قال : فضلة الشيخ هو عين وجود الشيخ لا تسامحه البتة بل تغضب عليه، فكيف يسوغ لك أن تنسب هذا الهذيان إلى الملك الديان؟ تب إلى الله توبة نصوحاً لتنجو من هذه الورطة الوعرة التي يستنكف منها الدهريون والطبيعيون واليونانيون والسلام على من اتبع الهدى، انتهى.)قال (رَحمهُ اللّه: واستحسن محيي الدين والشيخ عزيز النسفي وعبد الرزاق الكاشي والعطار وملا الرومي وجمع كثير من متأخري الصوفية وصرحوا به في كلامهم نظماً ونثراً ؛ وقد شبه هؤلاء الحق سبحانه وتعالى بالبحر والخلق بأمواجه، ويقولون: إن موج البحر عين البحر، وهم يحبون كل من ادعى ألوهية كناية كالقائلين بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود أو صراحة كفرعون و شداد ونمرود وما أدري من الذي اشتبه من متأخري الشيعة في حق هؤلاء حتى اعتقد فيهم الخير والصلاح فقلده غيره من متصوفي الشيعة؟.)نعم إعلم أن متقدمي علماء الإمامية قد ذموهم كثيراً وألفوا كتباً في مطاعنهم ورووا أحاديث كثيرة من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ في كفرهم وإلحادهم وبطلان مذهبهم والرد عليهم مع أنه لم يكن في زمانهم قائل بوحدة الوجود أصلاً.)

والعاقل المنصف إن راجع (الكافي ولاحظ فيه باب دخول الصوفية على أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) واحتجاجهم عليه يعرف البتة أن هذه الطائفة من المخالفين.)وإن لاحظ كتاب (الاعتقادات للصدوق وقوله : إن تدينهم بترك الصلاة وجميع الفرائض، ولاحظ قول (المفيد) دينهم ترك الفرائض والمستحبات وارتكاب المناهي والمحرمات، يعلم أنهم من الزنادقة والملحدين (1).)والدليل على أنهم من المخالفين وجوه كثيرة.الأول : أن علماء الشيعة الذين صنفوا الكتب في بيان الفرق الإسلامية عدوّهم من المخالفين.والثاني : أن قدماء علماء الشيعة لم يوجد من أحدهم تصنيف في التصوف، بخلاف قدماء علماء العامة فإن لهم فيه تصانيف كثيرة إلى غير ذلك من الوجوه.ومع الغضّ عنها نقول : إن المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ لما حكموا ببطلان مذهبهم كما يعلم ذلك بالرجوع إلى رواياتهم المروية في كتب الثقات لزم أن يتبرأ الشيعة من هؤلاء القوم الزائغين عن الحق ويتجنب عن عقائدهم.)فإن قال قائل : إني ما عثرت بعد على تلك الكتب وتلك الأخبار.فالجواب : إن شرط الاحتياط في الدين ووظيفة العبودية والتقوى هو التوقف في محبة تلك الطائفة والتسمية باسمهم والإمساك عن تأويل كلماتهم الكفرية حتى يظهر له الأمر الواضح.والظاهر أن جمعاً من غفلة الشيعة لما رأوا مدح أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ في كلامهم انخدعوا من أجل ذلك ولم يعلموا أن مذهبهم لو لم يكن الإلحاد هو الجبر، ولازم القول به استحسان كل شيء وإظهارهم لمحبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومدحهم له من جهة أنه لما قال: من عرف نفسه فقد عرف ربه وأدلة هؤلاء الملاحدة على وفق مدعاهم كما قال محيي الدين في الفص الشعيبي: من عرف نفسه بهذه المعرفة فقد عرف ربه فإنه على صورته بل هو عين هويته وحقيقته فأحبوه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك وأكثروا من مدحه.)وربما يكون مدحهم من أجل تفتين الشيعة، وقد ورد في الحديث : أن لا تفتروا لا تغتروا ظ» بمدحهم كما هو ظاهر لمن تتبع الأخبار، ولم يعلم الغافلون المفترون


1) الاعتقادات للمفيد : 101، وراجع البحار : 344/25.

«المغترون ظ» أن شرائط محبته (عَلَيهِ السَّلَامُ كثيرة وليس طائفة من النصارى واليهود وسائر أهل الملل الباطلة إلا ولهم مع فساد مذهبهم كلمات حسنة، ولم يفهموا أن هذه الطائفة الضالة لهم مع الطائفة المحقة مخالفة كثيرة في الأصول الخمسة كما هو غير خفي على المنصف البعيد عن الهوى والعصبية.)ولو فرضنا اعتقادهم بأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ خليفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بلا فصل وأنه إمام مفترض الطاعة، ولكن قولهم بالهية الحسين بن منصور الحلاج الساحر الكافر، بل إلهية جميع الموجودات له كمال المنافاة والمباينة بالإيمان والإسلام.)وأيضاً فإنهم لما كانوا أهل مكر وخديعة يخدعون الناس عن أديانهم وتقرب جمع منهم إلى كل طائفة بإظهار ما هوى تلك الطائفة فيه، كما أن الحلاج قبل الافتضاح كان يتقرب إلى أهل السنة بإظهار السنية، وإلى الشيعة بإظهار النيابة من صاحب الزمان عليه صلوات الله الملك المنّان، وإلى السفهاء من الناس بادعاء الألوهية، وسمى بعض المفتونين به بأسماء الأنبياء وفرقهم في البلدان يدعون الناس إلى عبوديته إلى أن قال :ومن جملة مطاعنهم تأويلهم للأخبار والآيات مثل الملاحدة على مذاهبهم الباطلة وقولهم بالجبر والتشبيه والتجسيم والرؤية والصورة.ومن جملة مطاعنهم دعواهم علم الغيب وتسميتهم له بالكشف وتمادى بعضهم ونسب العلم به إلى براهمة الهند أيضاً إلى أن قال:وينبغي أن يعلم أن هذه الملاحدة والمعتقدين بهم كما ورد في الحديث ثلاث طوائف: الضالون والخادعون والغافلون، وفي رواية بدل الغافلون الأحمقون، وفي رواية أخرى بدلها الجاهلون.وذلك لأن من كان عارفاً بعقائدهم الباطلة وكان مع ذلك معتقداً أيضاً بعقيدتهم فهو ضال كافر بالأدلة العقلية والنقلية ومن كان عارفاً ببطلان عقائدهم غير معتقد به باطناً إلا أنه يتجاهل ظاهراً ويتسمى بسمتهم صورة ويسلك مسلكهم تزويراً فهو الخادع المحتال، وغرضه أن يخدع السفهاء والجهال فيخدعوا به ويكونوا مريداً لهم ومن سلك مسلكهم وأخذ بطريقتهم ومال إليهم سفهاً وحمقاً وغفلة وجهالة فهو الجاهل الأحمق الغافل.فغير العارف ببطلان عقائدهم والمعترف بخفية مذهبهم وقع بسبب جهالته في الضلالة فلو ادعى مع وجود هذا الجهل للعلم كان جاهلاً مركباً تاه في متاه الضلال، وربما يغتر به العوام ويزيغ عن طريق الحق ويتيه في وادي الخذلان.والعارف بسوء اعتقادهم والمعتقد على بطلان مذهبهم، والمطلع على سوء سريرتهم،

والمذعن بفساده باطناً إن مدح مشايخهم ظاهراً لخداع الخلق وباطناً ووصفهم بالزهد والصلاح والمعرفة والكمال توسلاً بذلك إلى ملاذ الدنيا، فقد باع دينه بدنياه، وباء بسخط من الله حيث أضل الخلق بالدنيا الدنية وفوّت على نفسه السعادات الأبدية.وإن كان العارف بسوء اعتقاداتهم مظهراً لحقيّة مذهبهم وطريقتهم فقد زاغ عن طريق الحق وأعرض عن دين الإمامية وهو أسوأ حالاً من السابقين.فلو ادعى الصوفي التشيع مع التصوف لا بد أن لا تقبله الشيعة منه وأن لا يعدّوه منهم، لأنه مضطر بسبب القول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود من القول بالجبر والحب لليهود والنصارى والمجوس والتولي لأبي بكر وعمر وعثمان وليزيد ومعاوية وأبي سفيان لعنهم الله جميعاً، بل حب، بل حب جميع الفساق والفجار والمشركين والكفار لأنهم جميعاً مجالي الحق، بل إن أعلن بعداوة هؤلاء فلا بد أن لا يغتر به الشيعة بل إن لعنهم أيضاً، لأن اللعنة عندهم عين الرحمة فلعنة الله عليهم وعلى مشايخهم الزنديقين.الفرقة الثانية : الواصلية.وهم يقولون : إنا وصلنا إلى الله تعالى واتصلنا به قيل إن هذا المذهب أيضاً من أصول مذاهب الصوفية كما تقدمت إليه الإشارة، والحق أنه من فروع مذهب الاتحادية لكنهم اختصوا بأقوال شنيعة وأفعال قبيحة امتازوا بها عن سائر الاتحادية.فمن جملتها أنهم يقولون : إن الصوم والصلاة والحج وسائر التكاليف إنما وضعها الشارع لتهذيب الأخلاق وتكميل النفوس، والوصول إلى الحق، ونحن قد هدبنا الأخلاق وحصل لنا العلم بالأشياء والمعرفة بالحق والوصول إليه فسقطت عنا التكاليف الشرعية، فليس شيء بواجب علينا، وجميع المحرمات حلال في حقنا.ومنها قولهم: بأن من وصل إلى هذا المقام العالي فكل ما يصدر منه من شرب الخمر والزنا واللواط والسرقة وغيرها فليس لأحد الاعتراض عليه ولا يجوز ردعه عن شيء من ذلك، لأنه مستحسن منه، ولو أراد الزنا بأمه وأخته وبنته واللواط بابنه كان حلالاً له، ولو وطى بنات غيره وأبنائهم وأزواجهم وصل منه الفيض إليهم، ولو كان ملوطاً لغيره كان جائزاً.نعم إذا كان المفتي لهم ملا ميرزاجان الشيرازي القائل بأن ذلك لا يضر بالنفس الناطقة يصدر عنها هذه الأقوال والأفعال الشنيعة.قال ملا الرومي في خطبة من خطب المثنوي : إذا حصلت الحقيقة بطلت الشريعة، وقصة ملاقاته للشمس التبريزي وعرضه لابنه وابنته عليه وشرائه للشراب له وحمله الشراب

على عاتقه كما ذكره الجامي في كتاب (نفحات الأنس من القصص المشهورة.)وأورد الخواجه نصير الدين عبد الله بن حمزة الطوسي (رَحمهُ اللّه) في كتاب (نهج الحق) ما رآه بعينه وسمعه بأذنه في باب تركهم للصلاة واعتذارهم منه من أراد الاطلاع فليراجع إليه.)وينبغي أن يعلم أن ترك الصلاة وسائر الفرائض واستحلال جميع المعاصي مذهب جميع فرق الصوفية كما صرح به المفيد وغيره من علماء الشيعة وورد به النص أيضاً، إلا أن بعض الفرق يظهرون ذلك وبعضها يخفونه وأكثرهم يخدعون السفهاء والجهال بإقامة الصلاة ومواظبة الفرائض والسنن وإظهار العبادة والزهادة وبعضهم يستحسنون التظاهر بالمحرمات وبعضهم يستقبحونه.ومنها قولهم : بأنه إذا غلب الشهوة على واحد منا وأراد المجامعة بالغير فامتنع هو منه فلم يبلغ الممتنع بعد إلى مقام الوصول بل هو كافر، ومن مكن المجامع له من نفسه وأجابه إلى ما يريد سواء كان ذكراً أو أنثى فاز بدرجة الولاية وصار من الأولياء المكملين.قالوا : إن رابعة وجمع من النسوة وصلن إلى مرتبة الولاية لقضاء أوطار الناس ومزخرفات هذه الفرقة كثيرة ودلائل كفرهم وإلحادهم خارجة عن حد الإحصاء، وذكرها موجب للملال وتطويل المقال.الفرقة الثالثة : العشاقية.وهم جماعة يسمون أنفسهم بالعشاق ومحبة الله سبحانه عشقاً وفي هذا المعنى قال بعضهم :العشق نور الذي بالفقر يفتخر*** وكل نور بتلك الشمس ينسفرالعشق شدّة الله ليس سوى*** معناه مقصدنا والقصد معتبروشدة الحب في القرآن واردةوفي الحديث بلفظ العشق تذكرطاعات أعداء أهل العشق احتبطتولو بزمزم بل بالكوثر اطّهروالأنها من لباب الحب خاويةوهي للقشور له واللب يدّخرواطوبى لقوم علت في الكون همتهم فأولجوا في طريق العشق وابتكرواأما تغيّر حالات يهيجهم*** عند السماع فلسناعنه نعتذرلأن أحوال أهل العشق عارضة***بلا اختياراتهم والعشق يعتذروهم غافلون من أن العشق إسم مرض من الامراض الدماغية، ويقولون : إن الاشتغال بغير الحق قصور في معرفته ومع هذا الحال وتلك الدعوى يتعشقون أبناء الناس وبناتهم

ويقولون : إن المجاز قنطرة الحقيقة وأكثرهم من غاية عدم المبالاة في الدين والخوف من ربّ العالمين يتعمدون الكذب على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ويأفكون ويقولون : إن ذلك حديث مأثور عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، نعوذ بالله من ذلك.)ولأكثرهم مبالغة عظيمة في تكلّف العشق بالمرد الحسان وذوات الحسن من النسوان زعماً منهم أن ذلك عشق مجازي والعشق المجازي موصل إلى الحقيقة التي هي حب الله تعالى.وهذه الفرقة لهم عداوة عظيمة مع الأنبياء يقولون : إن الأنبياء قد قيدونا بقيد التكاليف الشرعية فحجبونا من الوصول إلى الحق فلا ينبغي للمرء أن يعبأ بقولهم (عَلَيهِم السَّلَامُ، ومع هذه الحال يظهرون المحبة لأبي بكر وعمر وعثمان ويمدحونهم تطيباً لنفوس أهل السنة وترضية لخواطرهم، وإذا لقوا الشيعة يظهرون ولاية الأئمة ومحبتهم ولا يبرزون عداوة الأنبياء والأوصياء عند العموم ملاحظة للتقيّة، ومزخرفاتهم كثيرة ونقلها موجب للإطناب.)الفرقة الرابعة : التلقية.ويقال لهم النظرية أيضاً ومذهبهم أن النظر في الكتب العلمية حرام إلا الكتب المدونة في علم التصوف بشرط قراءتها عند الشيخ الكامل، وزعموا أن المعرفة لا تحصل إلا بتلقين الشيخ وأن قراءة العلوم الشرعية مطلقاً حرام وأن ما يحصل للعلماء بالتعلم والتحصيل والمطالعة والتدريس في مدة سبعين سنة وأزيد يحصل بإرشاد المرشد وتلقينه في ساعة واحدة وأن ما وجده السالكون للطريقة الكاملون في المعرفة فإنما وجدوه بإرشاد الشيخ الكامل الذي هو من علماء الباطن لا بالتعلم من العلماء الظاهرية.وزعموا أيضاً أن ما اشتغل به علماء الشريعة علم رسمي ظاهري وليس لهم حظ من علم الباطن، وإنما العلم في الحقيقة هو علم الباطن وأما علم الظاهر فلا خير فيه ولا منفعة والعارف الكامل المحقق من علم علم الباطن.ثم إنهم يزعمون أن الإيمان ليس بمخلوق وأن الولاية أمر كسبي يحصل بالرياضة وأكثرهم يزعمون أن النبوة أيضاً كسبية، وعادة هذه الفرقة كأكثر فرقهم على إعطاء الشيخ الخرقة والبرنس للمريد وأمره له بالجلوس في الخلوة أربعين يوماً وبترك أكل الحيواني ويسمونه بالجلّة، وهؤلاء أعداء الدين قد وضعوا ذلك في قبال الاعتكاف خرب الله بنيانهم ودفع شرّهم وطغيانهم.الفرقة الخامسة : الزراقيةوهم طائفة متصفة بالخسة والدناءة يعاشرون الناس بالمكر والحيلة، ويأتونهم من باب

الخديعة لتحصيل الدنيا وامتلاء البطون من الغذاء، ويميلون إلى السماع والرقص، وأكثرهم يخلطون مذاهب أكثر فرق الصوفية ويجعلونه مذهباً واحداً ويدينون به.ومن عادتهم ترويج مشايخهم وتشهيرهم بين الناس تحبيباً للجهال إليهم وإنكار العلماء والسادات ومعاداتهم لا سيما من كان منهم غير مداهن للصوفية.نعم من كان له حظ من العلم وداهنهم ومدح مشايخهم إما حباً للدنيا أو غفلة وجهلاً عن إلحادهم وانحرافهم عن نهج الهدى فهم يهدون إليه ويحبونه ويبالغون في تعظيمه ويسطرون مدحه وكما أنه يثني عليهم ويروّج مذهبهم الفاسد فهم أيضاً يثنون عليه ويروجون متاعه الكاسد.وقد شاهدت مراراً رجلا ليس له نصيب من العلوم الشرعية بل من مطلق العلم إلا أنه يترجم معاني أشعار کتاب کلشن راز لشيخهم الشبستري وهم يقولون : إنه أعلم العلماء وأفضلهم إلى أن قال :فاللازم على من تابع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وآله (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنه إذا رأى أحداً يدعي التصوف سواء كان عالماً أو جاهلاً أن يعرض عنه ولا يعتقد عليه، وإذا رأى عنه ولا يعتقد عليه، وإذا رأى من سلك مسلك الزراقية فيجب عليه إنكاره وإن ظهر منه القول بالحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود فهو خارج من دائرة الإسلام والحال أنه لا يخلو أحد من الصوفية من القول بأحدها ومن القول بالجبر إلا أن ينتحل التصوف ويسمي نفسه بهذا الإسم من أجل الحمق والجهالة أو من باب المكر والخديعة. انتهى ما أهمنا نقله من كلامه زاد الله في إكرامه بغاية تلخيص منا.)وطوينا عن نقل باقي ما أورده في هذا الباب حذراً من الإطناب، وربما كان ما طوينا عنه يزيد على ما حكيناه أضعافاً مضاعفة كما يظهر على من راجع إليه، ومع ذلك فما اقتصرنا بنقله أيضاً غير خال من الإطناب.كما أن ما نقلنا قبله من كلام المحدث العلامة المجلسي روح الله روحه أيضاً كذلك، وإنما أطنبت بنقل كلاميهما تنبيهاً لسفهاء الشيعة من نومة الغفلة والجهالة وإنقاذاً لهم من ورطة الضلالة.فإن شهادة مثل هذين الوحيدين الفريدين العادلين الأعدلين العالمين العلمين الأعلمين الخبيرين بالأخبار وآثار الأئمة الأطهار مع كونهما من أساطين الشيعة وأركان الشريعة على فساد هذه الطريقة طريقة الصوفية وكشفهما عن سوءاتهما وفضائحها وقبائحها وشنائعها كافية في رداءتها وشناعتها وكفى بهما شهيداً فضلاً عن غيرهما ممن تقدم حكاية كلامه ونذكره بعد ذلك إن شاء الله.

فهلكاً لمن دان بمذهب وسلك مسلكاً يكون مروجه ماحي الدين الأندلسي ومزيفه العلامة المجلسي، ومادحه الرجس الغزالي، وقادحه المقدس الأردبيلي، ومزكيه أبو يزيد وجارحه الشيخ المفيد والمتدينون به الملاحدة اللئام وأتباعهم من سفهاء الأحلام، والطاعنون عليه أئمة الأنام وحجج الملك العلام.وبعد ذلك فلا يجوز للعاقل أن يشتبه ويغتر بما يذكرونه في مطاوي مقالاتهم من الكلمات المزخرفة والأقوال المستطرفة والمواعظ الحسنة والنصائح المستحسنة والكمالات المرغوبة الغير المخالفة للأصول الشرعية بل الموافقة لموظفات الشريعة.لأن هذه كلها من حبائلهم وحيلهم وفخوخهم ومصائدهم إنما نصبوها لتصيد العوام وصيد الجهلة كالأنعام وأكثر كلامهم الذي من هذا النمط فإنما هو مقتبس من كلام الأنبياء والحجج (عَلَيهِم السَّلَامُ انتحلوه ونسبوه إلى أنفسهم وعلى فرض كونه منهم أيضاً فلا يجوز الاغترار والافتتان به، لأن جميع الفرق من الكفار والمشركين الملاحدة والمعاندين مع ما هم عليه من الكفر والإلحاد والزّيغ عن نهج الرشاد ترى في ضمن كلماتهم الكفرية كلامات مقبولة عند ذوي العقول من مدح العدل والإحسان والصدق والأمانة وقلة الأكل وقلة النوم وذم الحرص والحسد والبخل والخيانة إلى غير ذلك.)والحاصل أنهم قد خلطوا الجيد بالرديء والطيب بالخبيث ومزجوا الحق بالباطل لاصطياد العوام.وإلى ذلك ينظر كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو الخمسون من المختار في باب الخطب إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله ويتولى عليها رجال رجالاً على غير دين فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى.)ومنهم السيد السند والمتبحر المعتمد السيد نعمة الله المحدث الجزائري (قدس سره فقد أورد في (الأنوار النعمانية) فصلاً مبسوطاً في ذكر عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الباطلة، وقال في جملة كلامه هنا ما نقلناه سابقاً في المقام الثاني، وهو قوله :)وأما الدواعي لهم على اختراع هذا المذهب وشهوته فأمور :الأول : أن خلفاء بني أمية وبني العباس لعنهم الله كانوا يحبون أن يحصلوا رجالاً من أهل العبادة والزهادة والتكلم ببعض المغيبات وإن لم يقع لأجل معارضات الأئمة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)

وعلمهم وزهدهم وكمالاتهم حتى يصغروا في أعين الناس أهل البيت وأطوارهم فلم يجدوا أحداً يقدم على هذا سوى هذه الفرقة الضالة، فمن هذا مال إليهم سلاطين الجور لعنهم الله وبنوا لهم البقاع وحملوا إليهم الأموال وطلبوا منهم الدعاء في مطالب دنياهم وقاسوهم بأهل البيت عليهم صلوات الله الملك الحي المتعال وأين الثريا من يد المتناول.الثاني : سهولة هذا المسلك وصعوبة طريق العلم فإن العامي منهم قد يجلس في بيت ضيق مظلم أربعين يوماً وربما تراءى له إخوانه من الجن والشياطين، فإذا خرج صار من رؤسائهم وحصل درجة العالم الذي يحصله في خمسين سنة وأكثر بل ربما كان اعتبار هذا بين رعاع الناس أزيد من اعتبار ذلك العالم.الثالث: أن هذا المذهب شرك لصيد الأولاد وجمع الأموال والجاه والاعتبار ونحو ذلك.وقال أيضاً : والعجب من بعض الشيعة كيف مال إلى هذه الطريقة مع اطلاعه على أنها مخالفة لطريقة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ اعتقاداً وعملاً.)أما الإعتقاد فقد قالوا بالحلول وهو أن الله سبحانه قد حل بكل مخلوقاته حتى بالقاذورات، تعالى الله عما يقول الكافرون علوّاً كبيراً، وقد مثلوا حلول الله بهذه المخلوقات بالبحر وقت اضطراب أمواجه، فإن الأمواج وإن كانت متعددة إلا أن كلها ماء واحد في بحر واحد قد كثره التموج فهي واحدة بالحقيقة متعددة بالاعتبار والمخلوقات كلها عين الله سبحانه وهو عينها والتعدد إنما جاء من هذه العوارض الخارجية والتشخصات العارضة للمادة.وكان من أعظم مشايخهم عندهم الشيخ العطار، لما سمع سلطان ذلك الزمان بكفره وإغوائه المسلمين أرسل إليه جلاداً يأخذ رأسه، فلما أتى إليه الجلاد وأخبره بما أتى به فقال له الشيخ العطار : أنت ربي بأي صورة شئت فتصوّر فإن أردت قتلي فأنا هذا، ثم قتله.وقال : ومن اعتقاداتهم الباطلة وأعمالهم الفاسدة أنهم تركوا العبادات المأثورة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ ودونها الشيعة في كتبهم، وأقبلوا على اختراع عبادات وأذكار لم تذكر في الشريعة وليس هذا إلا لقصد الخلاف على علماء أهل البيت حتى يكونوا في طرف النقيض، فلا يقال لهم إنهم مقلّدو العلماء فيزدادون بذلك اعتباراً من عوام الناس وغثائهم.)وما علموا أن الله سبحانه لا يقبل من العبادات إلا ما أرسل حججه وقاله على ألسنتهم، وإلا فقد مر سابقاً أن الشيطان لم يتكبر على السجود الله تعالى لكنه قال : أنا أسجد لك يا رب ولا أسجد لآدم، وذلك أن الله سبحانه يجب أن يُطاع من حيث أمر كما قال :

﴿وَأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة: 189].)وقد كان في زماننا رجل من الصوفية ويزعم أنه من علماء الشيعة وكان يخطب أصحابه يوماً فقال وهو على المنبر : إني كتبت الأصول الأربعة - يعني (الكافي و (التهذيب) و (الاستبصار) و (الفقيه) - وقرأتها وصححتها، ولما رأيتها عديمة الفائدة بعتها بدرهم واحد ورميت ذلك الدرهم بالماء.)فانظر إلى إيمان ذلك الرجل عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد كان أصحابه في حضرة مولانا الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ مشغولين بذكرهم الجلي وهو ما اشتمل على الغناء والرقص والترنم والوجد فهوى بعضهم على محجر القبر الشريف فشجّ رأسه وسال دمه وبلغ إلى المحجر، فاحتال الخدمة إلى إزالة تلك الدم، فقال شيخ الصوفية: لا تحتالوا بهذه الحيل لإزالة هذا الدم لأن هذا من دم العشاق ودم العشاق طاهر.)ثم لما لم يسمع الناس هذا منه موّه على الناس كلاماً آخر وقال إن الشمس ذكروا أنها من المطهرات فكيف لا تكون شمس الرضا مطهرة لهذا الدم فقبل منه هذا الكلام بعض البهائم من أتباعه ثم بعد زمان قليل خذله الله سبحانه وسقط عن درجة واعتبار وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.ورأيت في شيراز رجلاً صوفياً عليه لعنة الله، وكان صاحب ذكر وحلقة وأتباع، وكان كل ليلة جمعة يأتي إلى قبة السيد الأجل السيد أحمد ابن الإمام موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ فيصنع الذكر المعهود وقد كان عزباً لم يتزوج نعم كان عنده ولد مقبول من أولاد شيراز وكان ذلك الرجل صاحب تحصيل لحطام الدنيا ؛ وكلما يحصل في نهاره يعطيه لذلك الولد ويبقي لنفسه شيئاً يسع يسع قوت الشعير، وكان إذا خرج من البلاد ثم دخل إليها يسأله بعض خواصه أين كنت؟ فيقول : كنت أذرع الآدميين.)وقد استمر على هذا الحال برهة من الزمان فظهر عليه وعلى أصحابه أنهم أرادوا الخروج وادعى واحد منهم أنه الرب وآخر أنه النبي، وثالث أنه الإمام إلى غير ذلك، فأخذهم حاكم تلك البلاد وأمر بقتلهم وكنت مع الحاضرين في ذلك الوقت.فلما أتوا لشيخهم إلى الميدان ليقتلوه كانت أخته فوق سطح جدار تنتظر إلى ما يصنع بأخيها وتضحك، وقيل لها لم تضحكين؟ فقالت: إن أخي هذا رجل شائب فإذا قتلوه يجيىء بعد أربعين يوماً بصورة شاب حسن الوجه قوي البدن، فظهر أنهم كانوا قائلين بالتناسخ أيضاً، وقد رأينا منهم في شيراز وقائع غريبة وأطوار عجيبة لا توافق إلا مذهب الملاحدة والزنادقة.

ومنهم المحدث الفاضل ملا محسن الفيض القاساني في محكى كلامه من المجلد الخامس من (الوافي في صدر أبواب صفة الصلاة وأذكارها وتعقيبها وآدابها وعللها بعد ذكر الآيات الواردة فيها من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) [الجن: 18]، وقوله : أَدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: 55] إلى آخره، وقوله: وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [الأعراف : 205]، قال :)المساجد فسرت تارة بالأعضاء السبعة وأخرى بالمساجد المعروفة، وأخرى ببقاع الأرض كلها وعلى التقديرات أنها خلقت لأن يعبد الله بها أو فيها، فلا تشركوا معه غيره في سجودكم وعبادتكم، والأمر بالدعاء والذكر تضرعاً وخفية وخيفة يشمل سائر أذكار الصلاة وغير الصلاة، ودون الجهر من القول يدل على لزوم الاقتصاد فيها جميعاً وكراهة الاعتداء، فما يفعله المتصوفة في حلقهم من الجهر بالذكر والاعتداء بالنداء ممنوع منهبمقتضى هذه الآيات، ويأتي تمام الكلام فيه في صدر أبواب الذكر إن شاء الله تعالى.وقال في أبواب الذكر والدعاء وفضائلهما من المجلد المذكور بعد ذكر الآيات التي وردت فيها، كقوله تعالى : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف : 55 – 56].)في هذه الآية دلالة على كراهة ما يفعله المتصوّفة من رفعهم الأصوات بكلمة التوحيد وإظهارهم المواجيد، فإنه اعتداء ومجاوزة عن حد ما وسمه الشرع في الذكر والعبادة هذا إن اقتصروا على الإجهار بالذكر، وأما سائر ما يفعلونه من التغني بالأشعار في أثناء الأذكار والتواجد بالسماع واستمالة الأبصار والأسماع بالشهيق والنهيق والرقص والتصفيق والهبوط والسقوط فلا شك أنه بدع في الدين بل كاد يكون استهزاء بالشرع المبين أعاذنا الله من شرّ الشياطين.وقال في كتابه المسمى بـ (منهاج النجاة: لا تحضر في الجامع الحلق ولا مجالس القصاص، بل مجلس العلم النافع وهو الذي يزيد في خوفك من الله وينقص من رغبتك في الدنيا.)وقال في المقالة الرابعة والستين من الكلمات الطريفة :(داهية ومن الناس من يدعي علم المعرفة ومشاهدة المعبود ومجاوزة المقام المحمود، والملازمة في عين الشهود ولا يعرف من هذه الأمور إلا الأسماء، ولكنه تلقف في المطامات كلما يرددها لدى الأغنياء كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن السماء، ينظر إلى أصناف العباد والعلماء بعين الإزدراء يقول في العباد إنهم أجراء متعبون وفي العلماء :)

إنهم بالحديث عن الله محجوبون ويدعي لنفسه من الكرامات ما لا يدعيه نبي مقرب؛ ولا علماً أحكم ولا عملاً هذب يأتي إليه الرعاع الهمج من كل فج أكثر من إتيانهم مكة للحج، يزدحم عليه الجمع ويلقون إليه السمع وربما يخرّون له سجداً كأنهم اتخذوه معبوداً، يقبلون يديه ويتهافتون على قدميه يأذن لهم في الشهوات، ويرخص لهم في الشبهات يأكل ويأكلون كما تأكل الأنعام ولا يبالون أمن حلال أصابوا أم حرام، وهو لحلوائهم هاضم ولدينه وأديانهم حاطم (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِن أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل: 25]، ﴿وَلَيَحْمِلْنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْفَالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يوم القيامةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [العنكبوت : 13]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ القيامةِ لَا يُنصَرُونَ) [القصص: (41]، (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعنَة وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 42]، أُولَئكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبحَت تَجَارَتُهُمْ وما كانوا مهتدين [البقرة: 16]. وقال في المقالة الخامسة والستين منها :

ومن هؤلاء من طوى بساط الأحكام، ورفض الفصل بين الحلال والحرام، وحلّ قيود الشرع من عنقه وأطلق لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولا يدينون دين الحق، متعللين تارة بأن الله غني عن الأعمال وأخرى بأن التكليف إنما هو لتطهير القلب من الشهوات وهو أمر محال، وأخرى بأن أعمال الجوارح لا وزن لها عند الله وإنما النظر إلى القلوب وقلوبنا والهة إلى حب الله واصلة إلى معرفة الله، وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا، فلا يصدنا عن سبيل الله عصياننا كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون، إن أعمالك لنفسك احتسبت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وليس التكليف بقلع الشهوات، بل بانقيادها لحكم العقل والشرع بالرياضات ؛ والأبدان تابعة للقلوب والشهادات شائعة للغيوب أيها المغرور اذْهَبْ فَمَن تبعك منهم فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجَلِبْ عَلَيْهِم بِخَيلِكَ ورجلك وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء: 63 64].)وقال في المقالة الثانية والستين:ومن الناس من يزعم أنه بلغ في التصوّف والتأله حداً يقدر معها أن يفعل ما يريد بالتوجه، وأنه يسمع دعاؤه في الملكوت ويستجاب نداؤه في الجبروت تسمى بالشيخ والدرويش، وأوقع الناس بذلك في التشويش، فيفرطون فيه أو يفرّطون فمنهم من يتجاوز به حد البشر، وآخر يقع فيه بالسوء والشر يحكى من وقائعه ومناماته ما يوقع الناس في الريب ويأتي في أخباره بما ينزل منزلة الغيب وربما تسمعه يقول : قتلت البارحة ملك الروم،

ونصرت فئة العراق وهزمت سلطان الهند، وقلبت عسكر النفاق، أو صرعت عت فلاناً يعني به شيخاً آخر نظيره أو أفنيت بهماناً يريد به من لا يعتقد فيه إنه لكبيره، وربما تراه يقعد في بيت مظلم يسرج فيه أربعين يوماً، أنه ويزعم بصوم صوماً، ولا يأكل فيه حيواناً ولا ينام نوماً، وقد يلازم مقاماً، يردد فيه تلاوة سورة أياماً، يحسب أنه يؤدي بذلك دين أحد من معتقديه، أو يقضي حاجة من حوائج أخيه، وربما يدعي أنه سخر طائفة من الجنة، ووقى نفسه أو غيره بهذه الجنة (اَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمَ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ: 8]، انتهى كلامه.)أقول : هذه الكلمات كما ترى تنادي بأعلا صوتها على طهارة ذيل هذا الفاضل البارع من دنس التصنع والتصوّف، وبراءة ساحته من الإنحراف والتصلّف ومثلها كلمات له أخرى تركنا حكايتها حذراً من الإطناب.إلا أنه في أكثر كتبه سلك مسلك الصوفية وجرى على قواعدهم لا سيما في كتابه المسمى بـ (اللآلىء، وذكر فيه تفصيل الحضرات الخمسة التي هي من مصطلحات الصوفية ومخترعاتهم، وأول بعض الأخبار والأدعية إلى ما أوردها هناك ولا حاجة بنا إلى إيرادها.)ومن أجل كون كلامه وحديثه ذا فنون وشجون اختلف العلماء المعاصرون له والمتأخرون عنه في مدحه وقدحه وتعديله وجرحه، حتى أفرط بعضهم فنسبه إلى الكفر أو ما يشارف الكفر.منهم الشيخ علي المعاصر له سبط الشهيد الثاني (قدّس سِرُّه فقد نسب إليه في ذيل رسالته في تحريم الغناء كثيراً من الأقاويل الفاسدة والآراء الباطلة التي تفوح منها رائحة الكفر المضادة بضروريات الدين.)قال في (روضات الجنان: ولو أردنا تأويل جملة منها بمحامل وجيهة صحيحة لما أمكننا ذلك بالنسبة إلى ما يدل عليه ألفاظه الظاهرة بل الصريحة من منافيات أصول هذه الشريعة وفروع مذهب الشيعة مثل قوله بوحدة الوجود، وبعدم خلود الكفار في عذاب النار وعدم نجاة أهل الاجتهاد من النار وإن كانوا من أجلاتنا الكبار، وقوله بعدم منجسية المتنجس لغيره مثل النجس، وبعدم انفعال الماء القليل بمحض ملاقاته للنجس، وإن وافقه في هذه المسألة العماني.)ومنهم صاحب (الؤلؤة البحرين الشيخ يوسف البحراني قال في ترجمته:)وهذا الشيخ كان فاضلاً محدثاً أخبارياً صلباً كثير الطعن على المجتهدين ولا سيما في رسالته (سفينة النجاة حتى أنه يفهم منه نسبة جملة من العلماء إلى الكفر فضلاً عن الفسق مثل إيراده الآية: (يا بني اركب معنا) أي ولا تكن مع الكافرين وهو تفريط وغلوّ بحث، مع)

أن له من المقالات التي جرى فيها على مذهب الصوفية والفلاسفة ما يكاد يوجب الكفر والعياذ بالله مثل ما يدل في كلامه على القول بوحدة الوجود.وقد وقفت له على رسالة قبيحة صريحة في القول بذلك، وقد جرى فيها على عقائد ابن عربي الزنديق وأكثر فيها من النقل عنه وإن عبّر عنه ببعض العارفين وقد نقلنا جملة من كلامه في تلك الرسالة وغيرها في رسالتنا التي في الرد على الصوفية المسماة بـ(النفحات الملكوتية، نعوذ بالله من طغيان الأفهام وزلل الأقدام.)وقد تتلمذ في الحديث على السيد ماجد البحراني في بلاد شيراز، وفي الحكمة والأصول على صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي الشهير بصدرا، وكان صهره على ابنته ولذا ترى أن كتبه في الأصول كلها على قواعد الصوفية والفلاسفة، ولاشتهار مذهب التصوّف في ديار العجم وميلهم إليه بل غلوّهم فيه صارت له المرتبة العليا في زمانه، والغاية القصوى في أوانه، وفاق عند الناس جملة أقرانه حتى جاء على أثره شيخنا المجلسي (قدّس سِرُّه فسعى غاية السعي في سدّ تلك الشقاشق الفاغرة، وإطفاء نائرة تلك البدع البائرة انتهى.)والعجب من صاحب (روضات الجنات حيث أراد تزكية الرجل فجرحه، وتطهيره فدنسه وتبرئته فلوثه، قال بعد تفصيل كلام له فيه :)ثم ليعلم أن ظني في نسبة التصوف الباطل إليه أنها فرية بلا مرية، والباعث عليه اقتداؤه بهذه الطريقة في الموالاة مع الغلاة والملحدين، وإظهار البراءة من أجلائنا المجتهدين وعدم اعتنائه بالمخالفة لإجماع المسلمين والإنكار لبعض ضروريات هذا الدين المبين وإلا فبين ما يقوله ويقولونه مع قطع النظر عن هذا القدر المشترك بون بعيد، وإنكاره على أطوار هذه الطائفة في حدود ذواتها إنكار بليغ شديد ثم نقل عنه ما قدمنا نقله من المقالات.وأنت خبير بأنه إذا كان موافقاً للصوفية في أصل مذهبهم الفاسد وهو القول: بوحدة الوجود على ما عزّاه إليه غير واحد من العلماء، فكل الصيد في جوف الفراء، فضلاً عما نسب إليه من إنكاره لبعض ضروريات الدين وخلافاته لإجماع المسلمين، وإحتذائه حذو الغلاة والملحدين وهذا مقام ما قيل ويقال :عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه*** وكل قرين بالمقارن يقتدىوالله العالم بالسرائر والخبير بالضمائر من كل بر وفاجر.ومنهم محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري المعروف بجار الله المجاور في حرم الله، قال في (الكشاف في تفسير قوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي))

[آل عمران: 31] ما لفظه :وعن الحسن زعم أقوام على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهو كذاب، وكتاب الله يكذبه، وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق فلا شك في أنه لا يعرف الله، ولا يدري ما محبة الله وما تصفيقه ونعرته وصعقته إلا تصور في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة، فسماها الله بجهله وذعارته ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصورها وربما رأيت المني قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته وحمقى العامة حواليه قد ملأوا أردانهم بالدموع لما رققهم من حاله (1).)وقال في كتابه المسمى بـ (أطواق الذهب.)يا رافع اليد بالدعاء ويا داعي الحق بالنداء إنه لا يسمع بالصماخ فاقصر من الصراخ أتنادي باعداً، أم توقظ راقداً تعالى الله الملك لا تأخذه السنة ولا تغلطه الألسنة، يعلم رموز البكم والخرس، كما يعرف لغة الترك والفرس يسمع دبيب النملة الخرساء على الصخرة الملساء، كما يسمع بعام (2الظبة الجيداء على صحن البيداء، ألا إن رفع اليد بالدعاء سمعة، ورفع الصوت بالشكاية شنعة ما هذه الشهقة والنداء، وما هذه الصيحة الشنعاء، أمن الضرب تتألم؟ أم مع أكفائك تتكلم؟ أنحسبه قسّاماً نسى قسمك؟ أم رزاقاً جهل اسمك؟ أنام من خلق الأنام؟ أرقد من أنشأ الذئب والنقد (3)معاشر الضعفة أتظنون أن لا تأكلوا أقواتكم دون أن ترفعوا أصواتكم لا تدعوا اليوم ثبوراً لقد ظننتم بالله ظن السوء وكنتم قوماً بوراً.)ومنهم الفاضل البارع المحقق السيد علي بن محمد الحسيني الجرجاني المشتهر بالسيد الشريف شارح المواقف، قال في حاشيته على (شرح التجريد للأصفهاني في المسألة الثانية : في أن الوجود زائد على المهيّة وليس نفسها عندما يعنون قول الشارح : فيلزم أن يكون المهيات متحدة وليس كذلك قيل عليه : ذهب جماعة من الصوفية إلى أن ليس في الواقع إلا ذات واحدة لا تركيب فيها أصلاً بل لها صفقات هي عينها وحقيقة الوجود المنتزعة في حد ذاتها عن شوائب العدم وسمات نقصان الإمكان، ولها تقيّدات بقيود اعتبارية بحسب ذلك يترائى موجودات متمايزة فيتوهم من ذلك تعدّد حقيقي، فما لم يقم برهان على بطلان ذلك لم يتم ما)


1) راجع مجمع البحرين: 440/1.

2) بعام: أي صوتها.

3) النقد من الغنم قصار الأرجل، كذا في الصحاح.

ذكروه من عدم اتحاد المهيات ولا يتم أيضاً اشتراك الوجود بل لا يثبت وجود ممكن أصلاً.أقول : هذا خروج عن طور العقل، فإن بداهته شاهدة بتعدد الموجودات تعدداً حقيقياً وأنها ذوات وحقائق مختلفة بالحقيقة دون الاعتبار فقط، والذاهبون إلى تلك المقالة يدّعون استنادها إلى مكاشفاتهم ومشاهداتهم وأنه لا يمكن الوصول إليها بمباحث العقل ودلالته بل هو معزول هناك كالحس في إدراك المعقولات.وأما المتقيدون بدرجات العقل والقائلون بأن ما يشهد به العقل فمقبول وما شهد عليه فمردود وأنه لا طور وراءه، فيزعمون أن تلك المكاشفات والمشاهدات على تقدير صحتها مؤوّلة بما يوافق العقل، فهم بشهادة بديهته عندهم مستغنون من إقامة برهان على إبطال أمثال ذلك، ويعدّون تجويزها مكابرة لا يلتفت إليها.وقال في (شرح المواقف في المقصد الخامس من المرصد الثاني من الموقف الخامس منه :)إعلم أن المخالف في هذين الأصلين يعني عدم الاتحاد وعدم الحلول طوائف ثلاثة : الأولى النصارى، الطائفة الثانية النصيرية والإسحاقية من غلاة الشيعة، الطائفة الثالثة بعض المتصوفة، وكلامهم مخبط بين الحلول والاتحاد والضبط ما ذكرناه في قول النصارى والكل باطل سوى أنه تعالى خص أولياءه بخوارق عادات كرامة لهم.ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره ويقول : لا حلول ولا اتحاد إذ كل ذلك يشعر بالغيرية ونحن لا نقول بها، بل نقول ليس في الدار الوجود غيره ديار، وهذا العذر أشد قبحاً وبطلاناً من ذلك الجرم، إذ يلزم تلك المخالطة التي لا يجترى على القول بها عاقل ولا مميز أدنى تمييز.وقال في المقصد الثالث من المرصد الأول من الموقف السادس :لبعض الصوفية من أهل الإباحة أن التكليف بالأفعال الشاقة البدنية يشغل الباطن عن التفكر في معرفة الله وما يجب له من الصفات ويجوز ويمتنع عليه من الأفعال، ولا شك أن المصلحة المتوقعة من هذا الغائب وهو النظر فيما ذكر تربى أي تزيد وتفضل على ما يتوقع مما كلف به فكان ممتنعاً عقلاً.والجواب : أن ذلك - أي التفكر في معرفة الله وصفاته وأفعاله - أحد أغراض التكليف بل هو العمدة الكبرى منها وسائر التكاليف معينة عليه داعية إليه ووسيلة إلى إصلاح المعاش المعين على صفاء الأوقات عن المشوّشات التي تربي شغلها عن شغل التكاليف.

وقال في المقصد السادس من المرصد الخامس من الموقف الأول منه :إن قلت: لا نسلّم أن المعرفة لا تتم إلا بالنظر كما ادعيتم بل قد تحصل بالتصفية فإن رياضة النفس بالمجاهدات وتجريدها عن الكدورات البشرية والعوائق الجسدية والتوجه إلى الحضرة الصمدية والتزام الخلوة والمواظبة على الذكر والطاعة تفيد العقائد الحقة التي لا يحوم حولها شائبة رائبة، وأما أصحاب النظر فيعرض لهم في عقائدهم الشكوك والشبهات الناشئة من أدلة الخصم.قلنا: هي تحتاج إلى معونة النظر ألا ترى أن رياضة المبطلين من اليهود والنصارى يؤدّيهم إلى عقائد باطلة، فلا بد من الإستعانة بالنظر، أو قلنا : المراد أنه لا مقدور لنا من طرق المعرفة إلا النظر فإن التصفية كما هو حقها تحتاج إلى مجاهدات شاقة ومخاطرات كثيرة قلما يفي من المزاج فهي في حكم ما لا يكون مقدوراً.ومنهم الفخر الرازي في المسألة الحادية والثلاثين في النبوة من كتابه المسمى بـ (الأربعين قال :)إعلم أن الذين ينكرون نبوة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ طوائف، ثم تعرّض لذكرها إلى أن قال : الطائفة السادسة جمع من الصوفية يقولون : الإشتغال بغير الله حجاب عن معرفة الله تعالى، والأنبياء يدعون الخلق إلى الطاعات والتكاليف فهم يُشغلون الخلق بغير الله ويمنعونهم عن الاشتغال بالله فوجب أن لا يكون حقاً وصدقاً.)ومنهم الدميري في كتاب (حياة الحيوان في باب العين المهملة عند ذكر العجل قال :)«فائدة»: نقل القرطبي عن أبي بكر الطرطوشي أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤون شيئاً من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئاً من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أم لا؟فقال : مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنّة رسول الله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعبّاد العجل، وإنما كان مجلس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين (1).)


1) رواه في عون المعبود: 187/13.

ومنهم محمد بن محمد المحدّث البخاري المعروف في كتابه الذي سماه (فاضحة الملحدين وناصحة الموحدين، قال:)ثم إن أولئك الملحدين الذين هم إخوان الشياطين يخدعون الجاهلين بتمسكهم في ذلك الضلال المبين بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء : 23]. ويلحدون في الآية الأولى بتفسيرهم وجه الله ههنا بذات الله موافقاً لرأيهم لا بالجهة التي أمر بها ورضيها على ما هو الحق المبين والمطابق لقواعد الدين ولإجماع علماء الإسلام والمسلمين، ولما يدل صدر هذه الآية أيضاً وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمُشْرِقُ وَالْغَرِب) [البقرة: 115]، فإنه يدل على أن جهات المشرق والمغرب الله تعالى لا أنها هو الله تعالى وإلا يوجب أن يكون النظم: والله المشرق والمغرب لا والله المشرق والمغرب.

وأنت خبير بأن ثمة المكان وأن الله تعالى منزّه عن الجهة والمكان، وأن كون الشيء الواحد في آن واحد في أمكنة مختلفة بديهي البطلان وأن تفسير هذه الآية بما فسره الملاحدة مستلزم لكون الله تعالى في مكان وجهة بل كونه في آن واحد في أمكنة الجهات المختلفة عند اختلاف أماكن المتوجهين وذلك محال على محال ومع ذلك كفر صريح وضلال.

ويلحدون في الآية الثانية حيث يفسرون: قضي بحكم وقدّر، مخالفاً لقواعد الدين ولإجماع المفسرين لا بأوجب وأمر على ما هو مطابق لقواعد الإسلام ولإجماع الرسل والأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ).

ومنهم الشيخ المتبحر البصير والمتتبع الخبير الشيخ علي ابن الشيخ محمد ابن الشيخ حسن ابن الشيخ زين الدين الشهيد الثاني (قدّس سِرُّه) فقد ألف رسالة مستقلة في الرد على الصوفية وسماها (السهام المارقة من أغراض الزنادقة)، وقد حكينا عنه في المقام الثالث من كتابه المسمى بـ (الدر المنثور من المأثور وغير المأثور) كلاماً مبسوطاً متضمناً لمطاعنهم فليراجع هناك.

ومنهم الشيخ المحدث محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحرّ العاملي صاحب كتاب (وسائل الشيعة)، فقد ألف في الرد عليهم رسالة كما صرح به في خاتمة الكتاب المذكور عند تعداد كتبه.

ومنهم السيد الأعظم قدوة أُولي الألباب أبو تراب مرتضى ابن الداعي الحسن الرازي (قدّس سِرُّه) فقد جمع في بيان مذاهب الصوفية ما يتضمن من مطاعنهم كتاباً بالعجمية وسماه (تبصرة العوام)، وآخر بالعربية وسماه (الفصول التامة في هداية العامة).

ومنهم الشيخ نصير الدين علي بن حمزة بن الحسن الطوسي، فقد ألف كتاب (إيجاز المطالب في إبراز المذاهب) وضمنه جملة من مطاعن الصوفية حسبما نقل عنه مولانا المقدس الأردبيلي (قدّس سِرُّه) في كتاب (حديقة الشيعة).

إلى غير ذلك مما صدر من علماء الإسلام من الخاصة والعامة من مطاعن هذه الطائفة تصريحاً وتعريضاً إجمالاً وتفصيلاً، ولنقتصر في المقام بذلك ولنعقبه بما يجب التنبيه عليه دفعاً لبعض تلبيسات هؤلاء، وإبطالاً لتمويهاتهم، فأقول مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه :

تنبيه وهداية

قد رأيت في بعض كتب المتصوفة ممن يدعي التشيع نسبة التصوف إلى جماعة من علماء الإمامية مثل السيد علي بن طاووس، وابن فهد الحلي، والشهيد الثاني والمجلسي الأول بل الثاني أيضاً، وشيخنا البهائي ونظرائهم، وهي فرية بينة وبهتان عظيم، وغرضهم من هذا الاختلاق تكثير السواد وإصلاح ما ذهبوا إليه من مذهب الفساد، ولعاً بترويج متاعهم الكاسد، وشغفاً بتلفيق سلعتهم الفاسدة، فإن العادة جارية والطبيعة مائلة إلى أن كل من عمل عملاً حقاً أو باطلاً يطلب له فيه مشاركاً، وكل من سلك سبيلاً برّاً أو فاجراً يشغف بمن كان معه فيه سالكاً، لا سيما إذا كان من أهل البدعة والضلالة يكون سعيه في تحصيل الموافق له أشد وأكد وفرحه وانبساطه إليها بوجدانه أعظم وأكثر.

وهؤلاء لزيغهم عن قصد السبيل، وشغفهم بكلام بدعة ودعاء ضلالة، وكونهم فتنة لمن افتتن بهم ضالين عن هدى من كان قبلهم، مضلين لمن اقتدى بهم في حياتهم وبعد وفاتهم نسبوا تلك الطريقة الفاسدة إلى أساطين العلماء تفتيناً للهمج الرعاع، وخداعاً للجاهلية الجهلاء، والعوام الذين هم كالأنعام.

وقد علمت تفصيلاً عند نقل كلام الشهيدين والمجلسيين طهارة لوح خواطرهم من هذا الدنس والرّين، وظهر لك هناك أن تلك النسبة إليهم إفك فاحش وبين.

ومنه يعلم أيضاً نزاهة ساحة ابني فهد وطاووس من ذلك الرجس وقد أشار إليه المحدث العلامة المجلسي (قدّس سِرُّه) أيضاً في كتاب (عين الحياة) حيث قال ما ترجمته:

قد كان بين أهل الحق دائماً عبّاد وزهّاد ثابتة على الصراط المستقيم، مواظبة على سلوك طريق القرب والزلفى والمباحات والعبادة والعبودية خارجة من سلسلة الصوفية، لم يعدهم أحد منهم مثل سلطان العلماء والمحققين الشيخ صفي الدين، وسيد الأفاضل ابن طاووس، وزبدة المتعبدين ابن فهد الحلي، والشهيد السعيد الشيخ زين الدين رضوان الله عليهم أجمعين وغيرهم من الزهّاد الذين أخذوا طريقة الرياضة والعبادة والعبودية بقانون

الشريعة المقدسة.

وبعد فراغهم من العلوم الشرعية توجهوا إلى العبادة والرياضة وهداية الخلق وتدريس العلوم الحقة، ولم يؤثر عن أحد منهم بدعة وضلالة.

ولأجل ذلك لم يعد المتصوف الجامي في النفحات أحداً منهم من الصوفية، ولم يدخلهم في زمرتهم مع غاية اشتهارهم وصيتهم شهرة الشمس في رابعة النهار.

وقد أشرق وجه الأرض بأنوارهم وتصانيفهم وآثارهم وصارت الدنيا معمورة بميامن بركاتهم، وراج دين الإمامية والشيعة الاثني عشرية بمساعيهم الجميلة حتى بذلوا في طريق الشريعة مهجهم الزكية وأنفسهم القدسية.

بخلاف أهل الباطل من الصوفية، فقد بالغوا في تخريب الدين وهدم أساس الشرع المبين، وقد سمعت معارضات السفيان الثوري وعباد البصري وأضرابهما من الصوفية مع أئمة اليقين وتعارضهمدائماً مع علماء الشيعة بعذر من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، هدانا الله وإياكم إلى الحق المبين بمحمد وآله الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين انتهى كلامه رفع مقامه.

وقد ظهر منه ومما قدمنا نقله عنه من اعتقاداته أن نسبة تلك الطريقة الباطلة إلى هؤلاء العلماء العظام والأساطين الأعيان بينة الفساد والبطلان.

وأما الشيخ البهائي فربما عزى إليه القول بالتصوف وطعن عليه بذلك لما يتراءى من بعض كلماته وأشعاره إلا أن الظاهر أن صدور تلك الكلمات منه مداراة للخلق، ومنازلة إلى أذواقهم، ومعاشرة معهم.

كما أفاده السيد المحدّث نعمة الله الجزائري حيث قال في ما حكى عنه في (لؤلؤة البحرين) إن الشيخ المذكور كان يعاشر كل فرقة وملة بمقتضى طريقتهم ودينهم وملّتهم وما هم عليه حتى أن بعض علماء العامة ادعى أنه منهم (1)قال السيد: فأظهرت له كتاب (مفتاح الفلاح) وكان معي فتعجب من ذلك وذكر جملة من المؤيدات لما ذكره ثم استدل بقوله (قدس سره) في قصيدته التي في مدح القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ):

وإني أمرؤ لا يدرك الدهر غايتي*** ولا تصل الأيدي إلى سير أغواري

أخالط أبناء الزمان بمقتضى*** عقولهم كي لا تفوهوا بإنكاري

وأظهر أني مثلهم يستفزني***صروف ليالي باختلاء وإمرار


1) راجع طرائف المقال: 393/2.

انتهى.

وقال السيد أيضاً في محكي كلامه في (روضات الجنات): كانت كل طائفة من طوائف المسلمين ينسبه إليها، وسمعت الشيخ الفاضل الشيخ عمر من علماء البصرة يقول : إن بهاء الدين محمداً من أهل السنة والجماعة إلا أنه كان يتقي من سلطان الرافضة، وكذلك الملاحدة والصوفية والعشاق سمعت كل هؤلاء يقولون : إنه من أهل،نحلتنا ومن هذا كان شيخنا المعاصر - يعني به العلامة المجلسي - يزدري عليه بهذا وأمثاله وفيض الله التفريشي لم يوثقه في كتاب (الرجال) وإن أثنى عليه في العلم والحفظ وغير ذلك، والحق أنه ثقة معتمد عليه في النقل والفتوى انتهى.

فقد ظهر بذلك عدم ثبوت تصوّف هذا العالم البارع التحرير كثبوت عدم تصوّف من تقدم ذكره من العلماء

وبعد الغضّ عن ذلك وتسليم إتصافهم به وقبول أنهم من الصوفية فأقول :

إن التصوف الذي لهم ليس على حذو ما عليه سائر الصوفية على ما توهمه هؤلاء الجهلة الذين نسبوه إليهم ابتهاجاً بمشاركتهم معهم في المذاق وموافقتهم لهم في المذهب.

وذلك لأن تصوف هؤلاء الأجلّة عبارة عن العمل بالأوامر والنواهي الشرعية، وترك الشبهات والزهد والتقشف والرياضة والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرزائل وملازمة المروّة والتقوى، والإعراض عن ملاذ الدنيا وإخلاص العبادات ومواظبة التضرع والابتهال والمناجاة، وإقامة الصلوات المكتوبات والتعقيبات المأثورات والأذكار والأدعيات الموظفات في الأوقات المرسومات والاشتغال بالتعليم والتدريس وتأليف كتب الفقه والأخبار والروايات وسائر العلوم الشرعية.

وتصوّف تلك الجهلة عبارة عن المداومة على العبادات المبتدعة والأذكار المخترعة ودعوى الكرامات الكاذبة والصلائف الباطلة، وترك أحكام الشريعة وأخذ مراسم الطريقة على زعمهم والوصول إلى معارج الحقيقة على حسبانهم وإن لم يقع، وادّعاء الكشف والشهود والقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود إلى غير هذه من أطوار الفريقين التي بينهما بعد المشرقين.

نعم، قد وجدت من علماء الشيعة رجلاً واحداً لا ريب في تصوّفه وموافقته للصوفية في أكثر أقوالهم الفاسدة، ولذلك أهبط قدره عن درجة الاعتبار، وأسقط قوله عن نظر علمائنا الأبرار، وهذا الرجل هو محمد بن الحسن بن علي بن أبي جمهور الإحسائي صاحب كتاب (غوالي اللآلي).

قال الشيخ يوسف البحراني في (لؤلؤة البحرين) والشيخ محمد بن أبي جمهور كان فاضلاً مجتهداً متكلماً له كتاب (غوالي اللآلي) جمع فيه جملة من الأحاديث إلا أنه خلط الغث فيه بالسمين وأكثر فيه من أحاديث العامة ولهذا أن بعض مشايخنا لم يعتمد عليه وله كتاب (شرح زاد المسافرين) وكتاب (المجلي على مذاق الصوفية).

وقال المحدّث النيسابوري في (ترجمته): متكلم فقيه صوفي له كتب منها كتاب (المجلي) جمع فيه بين الكلام والتصوف، ونقل في (روضات الجنات) من أواخر كتاب (وسائل الشيعة) كون كتابي حديثه وهو كتاب (غوالي اللآلي ونثر اللآلي) خارجين عن درجة الاعتماد والاعتبار مع أن صاحب (الوسائل) من جملة مشاهير الإخبارية والإخبارية لا يعتنون بشيء من التصحيحات الاجتهادية والتنويعات الاصطلاحية.

وقال المحدث العلامة المجلسي في (مقدمات البحار): كتاب (غوالي اللآلي) وإن كان مشهوراً ومؤلفه في الفضل معروفاً لكنه لم يميز القشر من اللباب وأدخل أخبار متعصبي المخالفين في روايات الأصحاب، فلذا اقتصرنا على نقل بعضها، ومثله كتاب (نثر اللآلي) انتهى.

أقول : ومن جملة الأخبار العامية التي رواها في (الغوالي) ما رواه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال: «صلوا خلف كل برّ وفاجر» ومن جملة أحاديث الصوفية التي نقلها فيه ما رواه فيه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قيل له : يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ قال : «كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء» (1).

وهذا الحديث من موضوعات الصوفية حسبما أشرنا إليه فيما تقدم، وقد رواه أكثر الصوفية في كتبهم حتى محيي الدين في (الفصوص) وأكثر شراح الفصوص أيضاً.

ومن جملة ما رواه أيضاً فيه ما نقله عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : وروى عنه وقد سئل عن معنى والتصوف والتصوف، مشتق من الصوف وهو ثلاثة أحرف ص و، ف، فالصاد صبر وصدق وصفاء، والواو ودّ وورد ووفاء والفاء فقر وفرد وفناء (2).

وآثار الوضع على هذا الحديث غير خفية كما يعرف ذلك مما ذكرناه في المقام الثاني فإن بدء ظهور الصوفية واستعمال هذا الإسم فيهم وتسميتهم بها كان في زمان أبي هاشم الكوفي في عصر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يكن في عصر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد يسمى بهذا الإسم.


1) مسند أحمد 12/4، وتفسير الطبري: 7/12.

2) عوالي الئالي : 105/4 ح 156.

وكم له في كتبه من أخبار الصوفية وأحاديثهم الموضوعة وأقوالهم الرديئة حسبما نقلها عنه أصحابنا في كتبهم إزدراء عليه بذلك.

قال بعض تلامذة العلامة المجلسي في كتابه الذي ألفه في الرد على الصوفية في تفصيل خرقة هذه الطائفة ما هذه عبارته :

فمرة قال شيخ شيوخ الصوفي أعني ابن أبي جمهور الإحسائي في كتاب (مجلى مرآة المنجى): أن شيخ طائفتهم الشيخ الجنيد لبس الخرقة من يد خاله الشيخ السري السقطي والسري لبسها من معروف الكرخي، والمعروف الكرخي لبسها من الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومرة قال: إن معروف لبس من داود الطائي وأخذ هذه الطريقة منه، وهو من الأعجمي، وهو من الحسن البصري، وهو من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وتارة أخرى ذكر أن الإمام أبا علي شقيق البلخي أخذها عن الإمام أبي عمرو موسى بن زهد الفراعي عن أويس القرني (رَحمهُ اللّه) عن أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وكتب في الحاشية: أن سلسلتهم تنتهي إلى ذي النون المصري، وشيخ ذو النون كان من تلامذة مولانا وسيدنا الحسن الأخير العسكري عليه وعلى ابنه الحجة وآبائه السلام انتهى.

أقول : فانظروا إلى هذا الإحسائي الشيعي باعتقاده كيف هبت به ريح الهوى إلى قبة هذه الفئة، فضل وجار عن قصد السبيل وقال غير الجميل وسار بغير دليل، وتاه متاه بني إسرائيل، ولم يفهم مضادة الحسن البصري السامري مع أئمتنا لا سيما مولانا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، ولم يعلم أن هذه الاختلافات في الروايات العامية الملاحدة من أعظم القوارح فيها كيف ولم يذكر ما دونه هذا الرجل في كتابه شيخ الطائفة المحقة فمن دونه، ولو كان له أصل لذكروه وليس فليس إلى أن قال :

نعم ذكر الجامي في ترجمة الشيخ محيي الدين المغربي من كتاب (النفحات) أن نسبة حرقته في التصوف تصل إلى الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني بواسطة واحدة.

وبالجملة للجامي في الكتاب المذكور، والسهروردي في كتاب (العوارف) وهبة الله الأصفهاني في كتاب (الخمسين)، وشمس الدين محمد بن محمد بن الجزري الشافعي في (خاتمة عواليه)، وغيرهم من علماء العامة المتصوفة هذيان طويل في أمر الخرقة وأحكامها.

والفاضل الإحسائي سرقه منها وأسرف في تزيينه وتشهيره ولا جناح عليهم في هذا

الإجماع منهم، فإن من الأمثال المشتهرة عند الخنازير تنفق العذرة.

قال : ذكر السيد نظام أحمد في (خاتمة أربعينه) عند ذكر الأسانيد التي كانت له في (المصافحة والمصاحبة ولبس الخرقة) ما هذه عبارته :

لبس الشيخ حاتم الأصم من الشيخ شقيق البلخي، وهو من الشيخ إبراهيم بن أدهم وهو من موسى بن يزيد الراعي، وهو من مقدم التابعين أويس القرني، وهو من أمير المؤمنين أبي حفص عمر وأبي الحسن (رضي الله عنهما)، وهما من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وقال في موضع آخر منه : قال الشيخ العارف الرباني أبو بكر الهوارا : رأيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في المنام وطلبت لبس الخرقة منه، فأشار صلوات الله وسلامه عليه إلى أبي بكر الصديق فألبسنيها.

وفي موضع آخر منه قال شيخ الإسلام أبو البيان الدمشقي القرشي الشافعي لبستها من سيدنا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومن الخضر المعمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك في اليقظة التي لا شك فيها ولا ريب عند أهل الإيمان بالغيب.

قال : أقول : ولكن ليس هذا بأعجب من سائر ما تقوله في ذلك الكتاب لا شك ولا ارتياب مثل أنه كتب في مبحث السلوك منه أنه قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الله تعالى شراباً لذيذاً إذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طابوا، وإذا طابوا ذابوا، وإذا ذابوا خلصوا، وإذا خلصوا طلبوا، وإذا طلبوا وجدوا، وإذا وجدوا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، وإذا اتصلوا لافرق بينهم وبين حبيبهم، انتهى (1).

قال :أقول : جاء هذا الخبر من طريقنا معاشر الشيعة الإمامية الموحدة هكذا وفي (شرح مختصر العضدي) للحاجبي : قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فأرى عليه (2)حدّ المفتري، و إنتهى (3).

مما يضحك منه العبوس القمطرير أن الطبيب الجيلاني المدعو بالمؤمن ذكر في رسالة (الملعونة) أن هذا الحديث مذكور في كتاب (صحيفة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)) وكتب في مبحث الكشف منه أنه نقل أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة فوضع يده بين كتفي


1) راجع التحفة السنية (مخطوط) 86، وشرح الأسماء الحسنى : 198/1.

2) في المصادر: فاجلدوه.

3) راجع الكافي : 215/7، والتهذيب : 90/10، والبحار : 192/40.

فوجدت بردها بين ثديي فعلمت علوم الأولين والآخرين انتهى كلامه رُفع مقامة (1).

وقد أطنبت بنقله تنبيهاً لك على اعتماد الإحسائي على أحاديث المخالفين وركونه إلى أخبار الناصبين وليته قنع بذلك ولم يسع في تخريب قواعد الدين حيث انحرف عن مناهج المتشرعين، وولع بترويج طريقة المتصوفين وتشهير مزخرفات المبتدعين جزاء الله ما يستحقه يوم حشر الأولين والآخرين.


1) أنظر عوالي اللئالي : 52/1.

محتوى الجزء الثالث عشر من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند دفن الزهراء (سلام الله عليها) وهو المائتان والواحد من المختار في باب الخطب...5

اللغة ...5

الإعراب ...6

المعنى ...6

تذنيب ...17

خاتمة ...29

تكملة... 33

بیان ...34

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والثاني من المختار في باب الخطب... 38

اللغة ...38

الإعراب ...38

المعنى ...38

تكملة ...44

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان كثيراً ما ينادي به أصحابه وهو المائتان والثالث من المختار في باب الخطب ...46

اللغة ...46

الإعراب... 47

المعنى... 47

تكملة... 52

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والرابع من المختار في باب الخطب ...54

اللغة ...54

الإعراب ...55

المعنى... 55

تكملة وتبصرة ...63

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والخامس من المختار في باب الخطب ...76

اللغة ...76

الإعراب ...77

المعنى ...77

تكملة ...87

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض أيام صفين وهو المائتان والسادس من المختار في باب الخطب ...89

اللغة ...89

الإعراب... 90

المعنى... 90

تنبيه...91

وهنا قصة لطيفة ...96

تکمیل ...97

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان والسابع من المختار في باب الخطب ...108

اللغة ...108

الإعراب... 108

المعنى... 108

و من كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبصرة وهو المائتان والثامن من المختار في باب الخطب ...112

اللغة ...112

الإعراب ...113

المعنى ...114

تكملة... 120

تنبیه ...121

على مذهب الصوفية وهداية ...121

المقام الأول في وجه تسميتهم بالصوفية ...124

المقام الثاني ...126

في ابتداء ظهور هذه الطائفة على اختلاف الأقوال والروايات ...126

المقام الثالث في عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الباطلة ...128

أما العقائد، فمنها ...129

أما الدليل العقلي على بطلانه ...139

الأول ...139

الثاني ...140

الثالث ...142

وأما الدليل النقلي ...152

ومنه ...159

ومنه ...169

ومنه ...186

ومنه ...188

ومنه ...189

بیان ...200

ومنها ...211

ومنها ...224

ومنها ...226

وأما الأفعال والأعمال ...230

منها ...230

ومنها... 232

ومنها ...238

تذييل ...252

الثاني من أغلاط الغزالي ...257

ومنها ...270

المقام الرابع في نبذ من صلائف الصوفية ...275

فمنها ...275

الواقعة الأولى ...275

الواقعة الثانية ...277

الواقعة الثالثة ...281

المقام الخامس في كرامات الصوفية وحماقاتهم ...282

المقام السادس في منشأ الكرامات وخوارق العادات الصادرة من هذه الطائفة ...300

المقام السابع في مطاعن الصوفية ...308

تنبيه وهداية ...346