ghaemiyeh.com
منهاج البراعة
شرح
نهج البلاغة
مكتبة الروضة الحيدرية
لمؤلفة
العلامة المحقق الحاج ميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي (قدّس سرّه)
طبعة جديدة
ضبط وتحقيق
علي عاشور
المجلد الثاني عشر
دارالحياة التراك العني
بيروت - لبنان
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1424هـ - 2003م
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - شارع دكاش - :هاتف 272652 - 272655 - 272783 - 272783 فاکس 850717 - 850623 ص. ب: 11/7957 Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11
محرّر الرقمي: محمد رادمرد
نهج البلاغة
خطب، رَسَائِلٌ، كلام، وصايا، عهود، جام، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)
منهاج البراعة
شرح
نهج البلاغة
مكتبة الروضة الحيدرية
لمؤلفة
العلامة المحقق الحاج ميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي (قدّس سرّه)
طبعة جديدة
ضبط وتحقيق
علي عاشور
المجلد الثاني عشر
دارالحياة التراك العني
بيروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
«ألا وإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أيْدِيَكُم مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وثَلَمْتُمْ حِصْنَ الله المَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بأحكام الجاهليَّةِ، وإِنَّ الله سُبْحانَهُ قدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الأُمَّة فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلٍ هذِهِ الأَلْفَةِ، الَّتِي يَنتَقِلُونَ (1)في ظلها، ويَأْوُونَ إلى كَنَفِها، بِنِعْمَةٍ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ لَهَا قيمَةً لأَنَّها أَرْجَحُ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وأَجَلُ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الهِجْرَةِ أَعْراباً، وبَعْدَ المُوالاةِ أحْزاباً، ما تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الإِسْلام إِلا بِاسْمِهِ، ولا تَعْرِفُونَ مِنَ الإِيْمَانِ إِلا رَسْمه تَقُولُونَ النَّارَ وَلا العارَ، كَأَنَّكُم تُريدُونَ أَنْ تُكْفِوا الإِسْلامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، ونَقْضاً لميثاقِهِ، الذي وَضَعه الله لَكُمْ حَرَماً في أرْضِه، وأَمْناً بَيْنَ خَلْقِه، وإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلى غَيْرِهِ حارَبَكُمْ أَهْلُ الكُفْرِ، ثُمَّ لا جَبْرَئِيلَ ولا ميكائيل ولا مُهاجِرينَ ولا أنصارَ يَنْصُرُونَكُم إِلا المُقارَعَةُ بِالسَّيْفِ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ،
وإِنَّ عِنْدَكُمُ الأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ الله وقَوَارِعِه، وأيامه ووقائعه.
فلا تَسْتَبْطِؤُا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأَخْذه، وتهاوناً بنفشه، ويَأْساً مِنْ بَأْسِه، فإنَّ الله سُبْحانَهُ لَمْ بِبَطْشِه يَلْعَنِ القَرْنَ الماضي (2)بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلا لِتَرْكِهِمُ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، فَلَعَنَ الله السُّفَهاءَ لِرُكُوبِ المَعاصي، والحُلماءَ لِتَركِ التَّناهي، ألا وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الإِسْلامِ، وعَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ، وأَمَتُمْ أَحْكامَهُ» (3).
(نفضت) الورقة من الشجرة أسقطتها، ونفضت الثوب نفضاً حركته ليزول عنه الغبار ونحوه فهو منتفض و (ثلمت) الإناء ثلماً من باب ضرب كسرته من حافته فهو منثلم، والثلمة في الحائط وغيره الخلل والجمع ثلم مثل غرفة وغرف و (الخطر) محرّكة السبق الذي
يتراهن عليه وخطر الرّجل خطراً وزان شرف شرفاً إذا ارتفع قدره ومنزلته فهو خطير.
و (الأحزاب) جمع حزب وهو الطائفة من الناس وتحزّب القوم صاروا أحزاباً، ويوم الأحزاب هو يوم الخندق و (كفأت) الإناء قلبته وأكفأته مثله و (بطش به) من باب نصر وضرب أخذه بالعنف والسطوة كالبطشة والبطش الأخذ الشديد في كل شيء و (تناهوا عن المنكر) نهى بعضهم بعضاً.
قال الشارح المعتزلي : (الباء) في قوله : بنعمة متعلّقة بقوله: امتن (وفي) من قوله : فيما عقد بينهم متعلقة بمحذوف وموضعها نصب على الحال انتهى.
والظاهر من سياق كلامه (أن ذا الحال) هو قوله : بنعمة، أي امتن بنعمة حاصلة فيما عقداه ولا يضر تقدمها عليه لكونها ظرفاً يغتفر فيه ما لا يغتفر فى غيره، ويجوز أن يكون (ذو الحال) قوله : على جماعة أي امتن على جماعة هذه الأمة حال كونهم ثابتين مستقرين فيما عقد بينهم.
وقوله : النار ولا العار، منصوبان بفعل مضمر أي ادخلوا النار ولا تلتزموا العار وانتهاكاً مفعول لأجله لقوله تريدون أو لقوله تكفؤاً، والثاني أظهر وأقرب.
وقوله : لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرين قال الشارح المعتزلي : الرواية المشهورة هكذا بالنصب وهو جائز على التشبيه بالنكرة كقولهم : معضلة ولا أبا حسن لها، انتهى.
أقول : قال نجم الأئمة بعد اشتراط كون اسم (لا) النافية للجنس نكرة واعلم أنه قد يؤول العلم المشتهر ببعض الخلال بنكرة فينتصب وينزع منه لام التعريف إن كان فيه، نحو لا حسن في الحسن البصري، ولا صعق في الصعق أو فيما أضيف إليه نحو لا امرؤ القيس ولا ابن زبیر، ولتأويله بالمنكر وجهان إما أن يقدّر مضاف هو مثل فلا يتعرف بالإضافة لتوغله في الإبهام، وإما أن يجعل العلم لاشتهاره بتلك الخلّة كأنه اسم جنس موضوع لإفادة ذلك المعنى، لأن معنى قضية ولا أبا حسن لها لا فيصل لها إذ هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان فيصلاً في الحكومات على ما قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أقضاكم عليّ»، فصار اسمه كالجنس المفيد لمعنى الفصل والقطع كلفظ الفيصل، انتهى.
وعليه فالتأويل في كلامه أن يراد بقوله لا جبرائيل ولا ميكائيل : أنه لا ناصر لكم ولا معاون، هذا.
وعلى الرواية الغير المشهورة فالرفع في الجميع بالابتداء على أن لا ملغاة عن العمل
وهو أحد الوجوه الخمسة التي ذكرها علماء الأدب في نحو لا حول ولا قوة إلا بالله وعلى أي تقدير فالخبر محذوف وجملة ينصرونكم وصف أو حال والأول أظهر وأولى من جعلها خبراً أيضاً كما ذهب إليه الشارح البحراني.
وقوله : إلا المقارعة بالسيف، يروى بالنصب وبالرفع.
أما النصب فعلى أنه استثناء من الأسماء الواقعة بعد لاء التبرئة لعمومها بعد تأويل الأولين منها بالنكرة حسبما عرفت فإن الكلام بعد التأويل المذكور بمنزلة لا عوان ولا ناصرين ينصرونكم إلا المقارعة، ويجوز جعل المستثنى منه ضمير الجمع في ينصرون العائد إلى الأسماء المذكورة، وعلى أي تقدير فالظاهر أن الاستثناء متصل بعد ارتكاب التأويل المذكور لا منقطع كما قاله الراوندي.
وأما الرفع فعلى أنه بدل من الأسماء المذكورة على روايتها بالرفع أو من ضمير ينصرون على روايتها بالنصب والرفع هو المختار كما قاله علماء الأدب في مثل ما فعلوه إلا قليل وإلا قليلاً، أي فيما إذا وقع المستثنى (بإلا) في كلام غير موجب وذكر المستثنى منه أنه يجوز النصب ويختار البدل.
ومرادهم بالكلام الغير الموجب كما قاله نجم الأئمة: أن يكون المستثنى مؤخراً من المستثنى منه المشتمل عليه نفي أو نهي فيدخل فيه الضمير الراجع قبل الاستثناء بإلا على اسم صالح لأن يبدل منه معمول للابتداء أو أحد نواسخه نحو قولك: ما أحد ضربته إلاّ زيداً، يجوز لك الإبدال من هاء ضربته لأن المعنى ما ضربت أحداً إلا زيداً، فقد اشتمل النفي على هذا الضمير من حيث المعنى، وكذلك إذا كان الضمير في صفة المبتدأ نحو: ما أحد لقيته كريم إلا زيداً فإنه بمنزلة ما لقيت أحداً كريماً إلا زيداً.
فعلم بذلك أن جعل جملة ينصرون في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) صفة أو خبراً لا يوجب التفاوت في الإبدال من الضمير الذي فيه.
قال نجم الأئمة: والإبدال من صاحب الضمير أولى لأنه الأصل ولا يحتاج إلى تأويل (اهـ).
فإن قلت : فعلى الإبدال يكون بدل غلط فكيف به في كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أفصح الكلام؟
قلت: كلا بل هو بدل اشتمال لأن نصرة جبرائيل وميكائيل والمهاجرين والأنصار لما كان بمقارعة السيوف حسن ذلك للإبدال هذا ما يقتضيه النظر الجلي.
وأما الذي يقتضيه النظر الدقيق فهو أن جعل انتصاب المقارعة على رواية النصب بالمصدر كما قاله الشارح المعتزلي أولاً، لإفادته الدوام والثبوت.
بيان ذلك أنهم قد قالوا : إن المصدر إذا وقع مثبتاً بعد نفي داخل على اسم لا يكون خبراً عنه إلا مجازاً لكونه صاحب هذا المصدر يحذف عامله قياساً نحو ما زيد إلا سيراً، وما الدهر إلا تقلباً وما كان زيد إلا سيراً فإن سيراً لا يجوز جعله خبراً عن زيد لأن زيداً صاحب السير لا نفس السير، وهكذا لا يصح جعل تقلباً خبراً عن دهر، فلا بد من أن يكون العامل محذوفاً أي ما زيد إلا يسير سيراً، وما الدهر إلا يتقلب تقلباً، وفيما نحن لا أنصار ينصرونكم إلا تقارعوا المقارعة بالسيف.
قال نجم الأئمة : وإنما وجب حذف الفعل لأن المقصود من هذا الحصر وصف الشيء بدوام حصول الفعل منه ولزومه له، ووضع الفعل على الحدوث والتجدّد، فلما كان المراد التنصيص على الدوام واللزوم لم يستعمل العامل أصلاً لكونه إما فعلاً وهو موضع على التجدد أو اسم فاعل وهو مع العمل كالفعل لمشابهته فصار العامل لازم الحذف فإن أرادوا زيادة المبالغة جعلوا المصدر نفسه خبراً نحو ما زيد إلا سير كما ذكرنا في المبتدأ في قولنا : إنما هي إنما هي إقبال وإدبار، فينمحي إذاً عن الكلام معنى الحدوث أصلاً لعدم صريح الفعل وعدم المفعول المطلق الدال عليه.انتهى.
وبه يعلم أنه على رواية الرفع يجوز أن يكون ارتفاعه على الخبر قصداً إلى المبالغة كما في ما زيد إلاّ سير، فافهم جيداً.
اعلم أنه لما أمر المخاطبين في الفصل السابق بالاعتبار بحال بني إسماعيل وبني إسرائيل، عاد في هذا الفصل إلى تقريعهم وتوبيخهم كما في أكثر الفصول السابقة بقلة الطاعة وأخذ طريق الجاهلية فقال :
(الا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطَّاعة) والتعبير بلفظ النفض دون الترك للإشارة إلى طرحهم له وإعراضهم عنه، فإن من يخلي الشيء من يده ثم ينفض يده منه يكون أشد تخلية ممن لا ينقضها، بل يقنع بتخليته فقط.
وتشبيه الطاعة بالحبل من تشبيه المعقول بالمحسوس، ووجه الشبه أن الحبل آلة الوصلة بين الشيئين والطاعة سبب الاتصال بقرب الخالق، ولذلك أمر الله سبحانه بالاعتصام به في قوله : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: 103].
(وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية) استعار حصن الله للإسلام، ورشح بذكر المضروب والجامع بين المستعار منه والمستعار له أن الحصن سبب الحفظ والوقاية من شرّ الأعداء، والإسلام سبب سبب السلامة من شرّ الأعداء في الدنيا ومن حرّ النار في الآخرة، يعني أنكم كسرتم حصن الإسلام الذي كنتم متحصنين فيه متحفظين به بأحكام
الجاهلية، وهي التفرّق والاختلاف والعصبية والاستكبار.
ولما وبخهم على ترك الطاعة وثلم الإسلام بالافتراق والاختلاف رغبهم في الاعتصام بحبل الائتلاف والاجتماع بالتنبيه على أنه أعظم نعمة أنعم الله سبحانه بها على عباده وهو قوله :
(وإن الله سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمة) أي منّ عليهم (فيما عقد بينهم من حبل هذه الإلفة التي ينتقلون) وفي بعض النسخ يتقلبون (في ظلها ويأوون إلى كنفها) أي ينزلون ويسكنون إلى جانبها وناحيتها.
والمراد بحبل الإلفة هو الإسلام الموجب للائتلاف والارتباط بينهم استعار له الحبل لذلك.
(بنعمة) أي امتن عليهم بنعمة عظيمة (لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة) والمراد بتلك النعمة نفس هذه الإلفة أو الإسلام الموجب لها فإنها نعمة عظيمة يترتب عليها من المنافع الدنيوية والأخروية ما لا تحصى، ويندفع بها من المضار الدنيوية والأخروية ما لا تستقصى.
وفي هذه الفقرات تلميح إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حقّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إن كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم منها [ 102- 103] (1).)قال الطبرسي : أي تمسكوا بحبل الله وهو دين الله والإسلام، قاله ابن عباس، ولا تفرقوا معناه ولا تتفرقوا عن دين الله الذي أمركم فيه بلزوم الجماعة والائتلاف على الطاعة وأثبتوا عليه (2.)واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم.
1) قال في مجمع البيان في وجه نزول هذه الآية قال مقاتل: افتخر رجلان من الأوس والخزرج.)فقال الأوسي: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ومنا حنظلة غسيل الملائكة ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى حمى الدين ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له ورضى بحكمه في بني قريظة.وقال الخزرجي : منا أربعة أحكموا القرآن أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم.فجرى الحديث بينهما فغضبا وتفاخرا وناديا، فجاء الأوس إلى الأوسي والخزرج إلى الخزرجي ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فركب حماراً وأتاهم، فأنزل الله الآيات فقرأها عليهم، فاصطلحوا، منه.
2) مجمع البيان: 357/2 .
قيل : أراد ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي تطاولت مئة وعشرين سنة إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالإسلام فزالت تلك الأحقاد.وقيل: هو ما كان بين مشركي العرب من الطوائل والمعنى احفظوا نعمة الله ومنته عليكم بالإسلام والائتلاف، ورفع ما كان بينكم من التنازع والاختلاف فهذا هو النفع الحاصل لكم في العاجل مع ما أعد لكم من الثواب الجزيل في الآجل، إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم بجمعكم على الإسلام ورفع البغضاء والشحناء عن قلوبكم.فأصبحتم بنعمته، أي بنعمة الله إخواناً متواصلين وأحباباً متحابين، بعد أن کنتم متحاربين متعادين.وكنتم على شفا حفرة من النار، أي وكنتم يا أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ على طرف حفرة من جهنم لم يكن بينكم وبينها إلا الموت.)فأنقذكم الله منها بأن أرسل إليكم رسولاً وهداكم للإيمان ودعاكم إليه فنجوتم بإجابته من النار.وإنما قال: فأنقذكم منها، وإن لم يكونوا فيها، لأنهم كانوا بمنزلة من هو فيها حيث کانوا مستحقين لها.وبما ذكرنا كله علم أن هذه النعمة، أعني نعمة الإلفة والمحبة على الإسلام أعظم نعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة.(لأنها موجبة لسعادة النشأتين وعزّ الدارين وللإنقاذ من النار والدخول في جنات تجري من تحتها الأنهار والنزول في منازل الأبرار و (أرجح من كل ثمن) كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ) [الأنفال: 63] (وأجلّ من كل خطر) وشرف ومزية لجمعها جميع أقسام الشرف، إذ بها يتمكن من دركها وتحصيلها والوصول إليها.)(واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعراباً قال الشارح المعتزلي : الأعراب على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من آمن به من أهل البادية ولم يهاجر إليه، وهم ناقصو المرتبة عن المهاجرين لجفائهم وقسوتهم وتوحّشهم وتشتتهم في بعد من مخالطة العلماء وسماع كلام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفيهم أنزل (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفَرًا وَنِفَافًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُوله) [التوبة: 97] وليست هذه الآية عامة في كل الأعراب بل خاصة ببعضهم، وهم الذين كانوا حول المدينة وهم جهينة وأسلم، وأشجع وغفار، وإليهم أشار سبحانه بقوله: ﴿وَمِمَّنْ حولكم من الْأَعْرَابِ مُنافِقُونَ) [التوبة : 101] وكيف يكون كل الأعراب مذموماً وقد قال
تعالى: وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ [التوبة : 99] وصارت هذه الكلمة جارية مجرى المثل انتهى (1).)وقال الشهيد الثاني : المراد بالأعراب من أهل البادية وقد أظهر الشهادتين على وجه حكم بإسلامه ظاهراً ولا يعرف من معنى الإسلام ومقاصده وأحكامه سوى الشهادتين (اهـ.)إذا عرفت ذلك فأقول :قد ظهر لك في شرح الخطبة المئة والثامنة والثمانين أن حقيقة المهاجرة هو الهجرة إلى حضور الحجة لمعرفته والعلم بوجوب إطاعته وامتثال أحكامه وعلى هذا فمقصوده (عَلَيهِ السَّلَامُ بقوله : صرتم بعد الهجرة أعراباً، توبيخهم على أنهم بعدما كانوا عارفين به وبمقامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووجوب طاعته وعالمين بأحكام الشرع وآدابه ووظائف الإسلام كما هو شأن المهاجر، قد تركوا ذلك كله وصاروا مثل الأعراب الذين لا يعرفون إلا ظاهر الإسلام كما قال عزّ وجل: (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ) [التوبة: 97] أي أحرى بأن لا يعلموا حدود الله في الفرائض والسنن والحلال والحرام.
يعني أنكم قد صرتم بالعصبية والاستكبار والعناد وإثارة الفتن بمنزلة الأعراب الجاهلين بما لهم وما عليهم بعدما كنتم عارفين بذلك كله
(وبعد الموالاة (أحزاباً) أي بعد الألفة والاجتماع أحزاباً متعادية متشتتة مختلفة الآراء، أي صرتم حزباً حزباً وطائفة طائفة كل منكم يخالف آخرين، وكل حزب بما لديهم فرحون.
(ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه) لما جعلهم أعراباً أحزاباً أتبعه بهذه الجملة ولكمال الاتصال بينهما وصلها بسابقته وترك العاطف.
والمراد أنهم لم يأخذوا من الإسلام وأحكامه شيئاً إلا اسمه فيسمون باسم المسلم ولا يعرفون من الإيمان إلا صورته دون ماهيته وحقيقته، وفي بعض النسخ لا تعقلون بدل لا تعرفون والمقصود واحد.
(تقولون النار ولا العار) كلمة جارية مجرى المثل يقولها أهل الحمية والأنفة من تحمل الضيم والذل على نفسه أو من ينسب إليه من قومه وخاصته استنهاضاً وإلهاباً بها إلى النضال والجدال، فإذا قيلت في حق كان ثواباً وإذا قيلت في باطل كان خطأ.
ولما كان غرض المخاطبين منها هو الشر والفساد وإثارة الفتنة المخالفة لوظائف الإسلام شبه حالهم في أعمالهم وأقوالهم بقوله :
1) شرح النهج : 181/13.
(كأنكم تريدون أن تكفوا الإسلام على وجهه) بأنهم يريدون أن يكبّوا ويقلبوا الإسلام على وجهه، تشبيهاً له بالإناء المقلوب على وجهه، فكما أنه بعد قلبه لا يبقى فيه شيء أصلاً ويخرج ما كان فيه من حيّز الانتفاع فكذلك الإسلام الذي لم يراع حدوده وأحكامه كأنه لم يبق منه شيء ينتفع به، وهو من الاستعارة المكنية وذكر الكفاءة تخييل.
وقوله : (انتهاكاً لحريمه) أراد به أن فعلكم ذلك كاشف عن كون غرضكم منه الانتهاك كالكفار والمنافقين وأعادي الدين الذين لا غرض لهم إلا إبطال الإسلام وهتك حريمه.
(ونقضاً لميثاقه) وهي حدوده وشرائطه المقررة ووظائفه المأخوذة فيه (الذي وضعه الله لكم حرماً في أرضه) لمنعه الآخذين به والمواظبين له من الرفث والفسوق والجدال.
(وأمناً بين خلقه) أي سبب أمن أي أماناً لهم من شر الأعداء ومن تعدّي كل منهم إلى الآخر.
والمراد بنقضهم ميثاقه تركهم لوظائفه المقررة، وقطعهم لما أمر الله به أن يوصل وسعيهم في إثارة الفتنة والفساد والقتل والقتال قال سبحانه: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة: 27].)قال الطبرسي : الذين ينقضون عهد الله أي يهدمونه، أي لا يفون به، وعهد الله وصيته إلى خلقه على لسان رسوله بما أمرهم به من طاعته ونهيهم عنه من معصيته ونقضهم لذلك تركهم العمل به من بعد ميثاقه قال في (الصافي : أي تغليظه وأحكامه)(ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، قال الطبرسي معناه أمروا بصلة النبي والمؤمنين فقطعوهم، وقيل : أمروا بصلة الرّحم والقرابة فقطعوها، وقيل : أمروا بأن يصلوا القول بالعمل ففرّقوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا، وقيل : معناه الأمر بوصل كل من أمر الله بصلته من أوليائه والقطع والبراءة من أعدائه، وهذا أقوى لأنه أعم.)وفي «الصافي» أقول : ويدخل في الآية التفريق بين الأنبياء والكتب في التصديق وترك موالاة المؤمنين والجمعة والجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر لأنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل (1.)(ويفسدون في الأرض، قيل : نقضهم العهد، وقيل أراد كل معصية تعدى ضررها إلى غير فاعلها.)
1) تفسير الصافي : 105/1.
وفي «الصافي»: يفسدون بسبب قطع ما في وصله نظام العالم وصلاحه أولئك هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم بما صاروا إلى النيران وحرموا الجنان فيا لها خسارتاً لزمتهم عذاب الأبد وحرمتهم نعيم الأبد.ثم حذرهم وخوّفهم بقوله : (وإنكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر يعني أنكم إن قطعتم حبل الإسلام العاقد بينكم والجامع لجمعيتكم وتمسكتم بغيره من حمية أو جماعة أو كثرة عشيرة مع الخروج عن طاعة سلطان الإسلام والتفرّق فيه فإن ذلك يوجب أن يُطمع فيكم الكفار ويحاربونكم.)(ثم لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرين ولا أنصار ينصرونكم كما كانوا ينصرون في زمن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (إلا المقارعة) أي المضاربة وقرع بعضكم بعضاً (بالسيف حتى يحكم الله بينكم) وبينهم بغلبة أحد الفريقين على الآخر.)ثم ذكرهم بالعقوبات النازلة على الأمم الماضية في القرون الخالية بخروجهم عن طاعة الله سبحانه فقال:(وإنّ عندكم الأمثال التي ضربها الله لكم بأهل القرون الماضية كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إلَيْكُمْ وَآيَات مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [النور: 34] وقال أيضاً: وَعَادًا وَثَمُودَاً وَأَصْحَابَ الرّس و قرونا بين ذلك كثيرا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَكْبِيراً [الفرقان : 38 - 39].(من بأس الله وعذابه لهم (وقوارعه) أي دواهيه وأفزاعه التي كانت تقرع القلوب بشدّتها (وأيامه) التي انتقم الله فيها من القرون الأولى.)قال الطبرسي في قوله : وذكرهم بأيام الله : معناه وأمرناه بأن يذكر قومه وقائع الله في الأمم الخالية وإهلاك من أهلك منهم ليحذروا ذلك.أقول: ومن تلك الأيام ما أشير إليه في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مسمر * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنقَعِرٍ [القمر: 19-20] وفي قوله : (فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يوم الظّلّة إنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم) [الشعراء: 189]، وفي قوله: وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُوا بريح صرصر عاتبة * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نخلٍ خاوِيَة [الحاقة : 6-7].(ووقائعه أي نوازله الشديدة وعقوباته الواقعة بالعاصين المتمردين كما أشير إليها قوله عزّ وجل : (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُم ولكن كانوا)
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: 40].)وغرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ من التذكير بهذه الأمثال توعيد المخاطبين وتهديدهم من أن يقارفوا ما قارف أهل القرون المتقدمة من الذنوب والآثام، فتنزل عليهم ما نزل بهم من البأس والعذاب ولذلك فرع عليه قوله :)(فلا تستبطوا وعيده أي لا تعدوا ما أوعدكم به من العذاب بطيئاً بعيداً فإنه قريب كما قال : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج: 6- 7].)ولا تبطؤوا إبطاءه للعذاب طمعاً منكم في أن إبطاءه يوجب ذهابه، وإمهاله يوجب إهماله، كما هو الغالب في وعيد غيره سبحانه، فإن تأخيره غالباً يوجب عدم وقوعه إما الحصول الغفلة والنسيان من الموعد، أو لأنه ربما يفوته من طلب أو يعجزه من هرب وأما الله الحي القيوم القهّار ذو القوة المتين والبأس الشديد فإنه لبالمرصاد ولا يخلف الميعاد والمخاطبون لما قاسوه عزّ شأنه بغيره ووعيده بوعيد غيره استبطؤه لذلك وإنما وقعوا في هذا الزعم الفاسد.(جهلاً بأخذه وتهاوناً ببطشه ويأساً من بأسه يعني أن جهلكم بمؤاخذته الشديدة، وتهاونكم ببطشه الناشيء من تأخير وقوعه، ويأسكم من بأسه الناشيء من طول مدة البأس صار علة للاستبطاء فأوجب ذلك جسارتكم على اقتراف الجرائم واقتحامكم في ورطات الآثام.)كما أن أهل القرون الأولى قد وقعوا في الهلاك الدائم واستحقوا العذاب الأليم أيضاً من الجهالة بأخذه كما أشير إليه في الكتاب الكريم في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمُ مَا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ [الجاثية : 32]. ومن التهاون ببطشه كما حكاه سبحانه عنهم بقوله عقيب هذه الآية: وَبَدَا لَهمْ سَيِّئَاتُ مَا عملوا وحاق ما كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ [الجاثية : 33]، وبقوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتَهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) [الأنعام: 10].
ومن اليأس من بأسه كما أخبر عنهم بقوله : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمِّي رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صالحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثمِينَ [الأعراف: 77 - 78].)وأما أهل العرفان والإيقان فيعرفون بنور الإيمان واليقين بما أخبر به الأنبياء والمرسلين وشهد به الكتاب المكنون أنّ وعده عزّ وجلّ ووعيده واقعان لا محالة وأن أخذه وبطشه وبأسه وإن تأخر حق محقق لا ريب فيه، كما قال: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف: 110]، وقال: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةً أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دَارِهِمْ حَتَّى)
يأتي وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخلِفُ الْمِيعَادَ وَلَقَدِ اسْتَهْزِئَ بِرُسُلِ مِن قَبْلِكَ فَأَمَلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذتهم فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد: 31 - 32].)ويعلمون أن التأخير والإمهال في العقاب لاقتضاء الحكمة الإلهية ولو يعجل (1الله للناس الشرّ استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم.)ولكنه يُمهل المؤمنين من باب اللطف حتى يتوبوا ويتداركوا الذنوب بالإنابة والاستغفار.ويمهل الظالمين ويذر الذين لا يرجون لقائه في طغيانهم يعمهون من باب الاستدرا كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي هُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي فَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [آل عمران: 178] هذا. ولما ذكرهم بأمثال الذين خلوا من قبل ونهاهم عن استبطاء وعيد الله سبحانه أردفه بالتنبيه على عمدة سبب الاستحقاق القرون الخالية للطعن والعتاب واللعن والعقاب وهو ارتفاع الركن الأعظم من الإسلام أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من بينهم، وغرضه بذلك تحذير المخاطبين وتنبيههم على أنهم مثلهم في استحقاق اللعن لارتفاع هذه الخصلة العظيمة من بينهم أيضاً ولذلك أتى (بالفاء) التفريعية فقال :
(فإن الله سبحانه لم يلعن القرون الماضية) ولم يحرمهم من رحمته الواسعة (إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) كما أشير إليه في قوله سبحانه: لعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بنِ إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: 78 - 79])قال الطبرسي: أخبر تعالى عما جرى على أسلافهم فقال: ﴿لعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة: 78] الآية معناه لعنوا على لسان داود فصاروا قردة وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير.)قال : وقال أبو جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: وأما داود فإنه لعن أهل أيلة لما اعتدوا في سبتهم وكان اعتداؤهم في زمانه فقال : اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين (2)، فمسخهم الله قردة، فأما عیسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنه لعن الذين أنزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك (3).)
قال الطبرسي : وإنما ذكر اللعن على لسانهما إزالة للإبهام بأن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من العقوبة، ثم بيّن الله تعالى حالهم فقال : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه أي لم يكن ينهى بعضهم بعضاً ولا ينتهون أي لا يكفون عما نهوا عنه.قال ابن عباس: كان بنو إسرائيل ثلاث فرق : فرقة اعتدوا في السبت وفرقة نهوهم ولكن لم يدعوا مجالستهم ولا مؤاكلتهم وفرقة لما رأوهم يعتدون ارتحلوا عنهم وبقيت الفرقتان المعتدية والناهية المخالطة فلعنوا جميعاً.ولذلك قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «لتأمرن بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق إطراء (1)أو ليضر بنّ الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم» (2).)وفي «الوسائل» عن الحسن بن علي بن شعبة في «تحف العقول» عن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: ويروى عن علي اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول : (لَوْلَا يَنهَاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ) [المائدة: 63] وقال : (لعن الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَني إسراءيل - إلى قوله - لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 63 - 79] وإنما عاب الله عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالونه منهم ورهبة مما يحذرون والله يقول: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَونَ) [المائدة: 44] وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر) [التوبة: 71] فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا) أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلها وهينها وصعبها، وذلك إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم، ومخالفة الظالم، وقسمه الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها (3). وقد تقدم هذا الحديث مع حديث آخر مناسب للمقام وبعض الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شرح الفصل الثاني من المختار المائة والخامس والخمسين.
(فلعن الله السفهاء) أي الجهال (الركوب المعاصي والحلماء) أي ذوي العقول والأناة، وفي بعض النسخ الحكماء بدله (لترك التناهي).
وهذه الجملة إما إخبارية أتى بها إيضاحاً للجملة المتقدمة أعني قوله : إنّ الله لم يلعن
القرون الماضية إلا لتركهم (اهـ)، ويؤيده إضمار فاعل لعن وإسقاط لفظ الجلالة في بعض النسخ.
وإما إنشائية دعائية منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتى بها قياماً منه بوظيفته اللازمة، فإنّ لعنه عليهم نهي لهم عن المنكر وهو مقتضى وظيفة الإمامة.
فعلى الاحتمال الأول يكون المراد بالسفهاء والحلماء سفهاء القرون الماضية وحلماءهم.
وعلى الاحتمال الثاني سفهاء المخاطبين وحلمائهم، وأوضح استحقاقهم للعن ودخولهم في زمرة الملعونين بقوله :
(الا وقد قطعتم قيد الإسلام) أي حبل الألفة عليه بالاعتزاء والعصبية (وعطلتم حدوده) أي تركتم وظائفه المقررة التي لم يجز التعدّي والتخطي منها (وأمتم أحكامه) أي أبطلتم أحكامه التي كان يلزم عليكم إحياؤها والعمل بها.
وقد كان من جملة تلك الحدود والأحكام المتروكة المعطلة أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فإن القيام بهما غالباً شأن الرؤساء والكبراء، وقد كانوا قائمين بخلافه وكانوا يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولذلك حذر عن طاعتهم ومتابعتهم في الفصل الثالث من هذه الخطبة وقال : إنهم قواعد أساس العصبية ودعائم أركان الفتنة وسيوف اعتزاء الجاهلية.
آگاه باشید به درستی که شما به تحقیق افشانده اید دستهای خود را از ریسمان اطاعت و بالمرّه اعراض کرده اید از آن و خراب نموده اید حصار خدا را که زده شده است بر شما با احکام جاهلیت و به درستی که خدای تبارك و تعالی منت نهاده بر جماعت این است در آن چه منعقد ساخته در میان ایشان از ریسمان این الفت چنان الفتی که بر میگردند در سایه آن و نازل میشوند در پناهگاه آن با نعمتی که نمی شناسد احدی از مخلوقات قیمت آن را از جهت این که آن افزون تر است از هر بهایی و بزرگتر است از هر منزلت و مزیتی.
و بدانید به درستی که شما گردیدید بعد از مهاجرت و معرفت به رسومات و آداب شریعت، مثل عربان بادیه نشین بی معرفت و بعد از دوستی و موالات طوایف مختلفه متعلق نمیشوید از اسلام مگر اسم آن را و نمیشناسید از ایمان مگر رسم آن را میگویید النار و لا العار داخل آتش بشوید، قبول ننگ و عار ننمایید،گویا که میخواهید برگردانید اسلام را بر روی آن به جهت هتك احترام آن و به جهت شکستن پیمان آن چنان اسلامی که نهاده است آن را خدای متعال برای شما حرم در زمین حرم در زمین خود و ایمنی در میان خلقان خود.
و به درستی که اگر شما ملتجی بشوید به سوی غیر آن یعنی اگر اعتماد نمایید بر غیر دین اسلام محاربه میکنند با شما،کفار بعد از آن نه جبرئیل است و نه میکائیل و نه مهاجرین و نه انصار که نصرت کنند شما را مگر کوفتن یکدیگر با شمشیر آبدار تا آن که حکم کند خدای متعال در میان شما.
و به درستی که در نزد شما است داستانها از شدت عذاب خدا و عقوبات کوبنده او و روزهای سخت او و واقعههای نکال او پس بعيد نشمارید وعده عذاب او را از جهت جهالت شما به مؤاخذه او و از جهت استخفاف به عنف و سطوت او و از جهت نومیدی از عذاب او.
پس به درستی که خداوند لعنت نفرمود قرنهای گذشته را مگر به جهت ترك کردن ایشان امر به معروف و نهی از منکر را پس لعنت کرده خدا سفیهان را به جهت ارتکاب معصیتها و دانایان را به جهت ترك نهی کردن از..مناهی آگاه باشید، به درستی که شما بریدید بند محکم اسلام را و معطل کردید حدهای نظام او را و فانی نمودید و باطل کردید احکام او را
«ألا وَقَدْ أَمَرَنِي الله بِقِتالِ أَهْل البَغْي والنَّكْثِ والفَسادِ في الأرْضِ، فَأَمَّا النّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وأمَّا القاسِطُونَ فَقَدْ جاهَدْتُ، وأمَّا المارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ، وأَمَّا شَيْطانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفيتُهُ بِصَعْقَةٍ سَمِعْتُ لها وَجْبَةَ قَلْبِه، ورَجّةَ صَدْرِهِ، وبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ البَغْيِ وَلَئنْ أَذِنَ اللهُ فِي الكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لأديلَنَّ مِنْهُمْ إِلا مَا يَتَشَذَّرُ في أَطَرَافِ البِلادِ تَشَذَّراً.
أَنَا وَضَعْتُ في الصِّغَرِ بِكَلاكِلِ العَرَبِ وكَسَرْتُ نَواجِمَ قُرُونِ رَبيعَةَ ومُضَرَ.
وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالقَرَابَةِ القَرِيبَةِ، والمَنْزِلَةِ الخَصِيصَةِ، وضَعَني في حِجْرِهِ وأَنَا وَلِيدٌ، يَضُمُّني إلى صَدْرِهِ، ويَكْتُفُني في فِراشِهِ، ويُمِسُّني جَسَدَهُ، وَيُشِمُّني عَرْفَهُ، وكانَ يَمْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وما وَجَدَ لي كِذَّبَةً في قَوْلٍ، ولا خَطْلَةٌ فِي فِعْل.
وَلَقَدْ قَرَنَ الله به (صلى الله عليه [وآله] وسلم) مِنْ لَدُنْ أنْ كانَ فَظِيماً أَعْظَمَ مَلَكِ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكارِمِ، وَمَحاسِنَ أَخْلاقِ العالَم لَيْلَهُ ونَهارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّباعَ الفَصيل أثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لي في كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلافِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بالاقتداء به، وَلَقَدْ كانَ يُجاوِرُ في كُلِّ سَنَةٍ بِحِراءَ فأَرَاهُ وَلا يَراهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعُ بَيْتٌ واحِدٌ يَوْمَئِذٍ في الإِسْلامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وَخَديجَةَ وأَنَا ثالثهما، أرى نُورَ الوَحي وَالرّسالَةِ، وأسم ريحَ النُّبوَّةِ.
ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ عَلَيْهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فَقُلْتُ : يا رَسُولَ الله ما هذِهِ الرَّنْةُ؟ فَقَالَ : هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ ما أَسْمَعُ، وتَرَى ما أرى، إِلا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، ولكِنَّكَ وَزيرٌ، وإِنَّكَ لَعَلى خَيْرٍ» (1).
(دوّخه) ذلّله و (الرّدهة) وزان تمرة حفرة في الجبل يجتمع فيها الماء والجمع : رده كتمر، قال في القاموس وشبه أكمةٍ خشنة وجمعه رَدَةٌ محركة.
و (كفيته) بالبناء على المفعول من كفاني الله مؤنته قتله أو دفع عني شره، و (صعق) صعقاً وصعقاً وصعقة غشي عليه فهو صعق ككتف، والصعق محركة شدة الصوت والصاعقة الموت وكل عذاب مهلك وصيحة العذاب.
1) مناقب آل أبي طالب 28/2.
و (الوجبة) وزان تمرة الاضطراب للقلب و (الرّجة) الحركة والزلزلة و ((أدلت) من فلان غلبته وقهرته أي صرت ذا دولة و (تشذر) تبدد وتفرّق و (الكلاكل) الصدور والواحد الكلكل و (النواجم) جمع ناجمة من نجم الشيء أي طلع وظهر و (القرن) من الحيوان الرّوق وموضعه من رأسنا أو الجانب الأعلى من الرأس والجمع قرون.
و (ربيعة ومضر) وزان صرد قبيلتان من قريش معروفتان يضرب لهما المثل في الكثرة نسبتهما إلى أبويهما وهما ربيعة ومضر ابنا نزار بن معدّ بن عدنان، ويقال للأول: ربيعة الفرس، وللثاني : مضر الحمراء بالإضافة لأن ربيعة أعطي الخيل من ميراث أبيه ومضر أعطي الذهب.
و (الوليد) الصبي والمولود و (يكنفني) أي يجعلني في كنفه والكنف محركة الحرز والجانب والستر، وكنف الطائر جناحه و (العرف) وزان فلس الرائحة وأكثر استعماله في الطيبة و (الخطلة) بالفتح المرة من الخطل محركة وهو الخفة والسرعة والكلام الفاسد الكثير فهو خطل ككتف أي أحمق عجل.
و (حراء) بالكسر والمد وزان كتاب جبل بمكة فيه غار كان النبي يعتزل إليه ويتعبد أياماً يذكر ويؤنث و (الرنّة) الصوت رنّ يرنّ رنيناً صاح ورنّ إليه أصغى.
الواو في قوله : ولئن أذن الله للقسم والمقسم به محذوف، وقوله : لأديلن جواب القسم، و (الباء) في قوله : وضعت بكلاكل العرب زائدة. وقال الشارح البحراني : ويحتمل أن تكون للإلصاق أي فعلت بهم الوضع والإهانة، وربيعة ومضر بالفتح لمنع الصرف بالتأنيث والعلمية، وجملة: وضعني في حجره، استئنافية بيانية.
اعلم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما لام المخاطبين في الفصول السابقة ووبّخهم على مخالفة شرائع الدين وترك مراسم الإسلام، ودعاهم إلى الله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة، ونصحهم بالتي هي أحسن، أردف بهذا الفصل المسوق لبيان فضائله ومناقبه وخصائصه الخاصة وعلو شأنه ورفعة مقامه، تنبيهاً بذلك على أنه إمام مفترض الطاعة، وأنه فيما يأمر وينهى بمنزلة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أوامره ونواهيه وغرضه بذلك جذب قلوب المخاطبين إلى قبول مواعظه ونصائحه وامتثال أوامره ونواهيه، وصدّر الفصل بالإشارة إلى أعظم تكليف كان مكلفاً به بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإلى قيامه به على أبلغ وجهه وهو قوله :
(ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي) والمراد بهم المجاوزون عن الحد والعادلون عن القصد الخارجون عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الفرق الثلاث الذين يصرح بهم تفصيلاً.
وأمر الله سبحانه له بقتالهم إما بما أنزله سبحانه في ضمن آيات كتابه العزيز مثل قوله تعالى: فَإِما نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم تُنتَقِمُونَ [الزخرف: 41].
فقد روى في (غاية المرام) عن يونس بن عبد الرحمن بن سالم عن أبيه عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الآية قال : الله انتقم بعلي يوم البصرة وهو الذي وعد الله رسوله.
وفيه عن عدي بن ثابت قال: سمعت ابن عباس يقول : ما حسدت قريش عليّاً بشي مما سبق له أشدّ مما وجدت يوماً ونحن عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : «كيف أنتم يا معشر قريش لو كفرتم بعدي ورأيتموني في كتيبة أضرب وجوهكم بالسيف، فهبط جبرائيل فقال : قل إن شاء الله أو علي ؟ فقال : إن شاء الله أو علي» (1).
وفيه عن الشيخ في (أماليه) بإسناده عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: إني لأدناهم من رسول الله في حجة الوداع فقال : لأعرفنكم ترجعون بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض وايم الله لئن فعلتموها لتعرفوني في الكتيبة التي تضاربكم ثم التفت إلى خلفه فقال: «أو عليّ أو عليّ أو عليّ ثلاثاً»، فرأينا أن جبرائيل غمزه فأنزل الله عزّ وجلّ: فَإِمَّا هو فَإِما نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُنتَقِمُونَ * - بعلي - أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُقْتَدِرُونَ [الزخرف: 41-42](2).
ومثل قوله سبحانه: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَأءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9].)روى في (الصافي من الكافي و (التهذيب) وعلي بن إبراهيم القمي عن الصادق عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في حديث لما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن منكم من يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل»، فسئل : من هو ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «خاصف النعل»، يعني أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال عمار بن ياسر : قاتلت بهذه الراية مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثلاثاً وهذه الرابعة والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين ما كان من رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يوم فتح مكة، فإنه لم يسب)
منهم ذرية وقال: «من أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، وكذلك قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ يوم البصرة نادى فيهم : لا تسبوا لهم ذرية ولا تجهزوا على جريح ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن (1).)وفيه من (الكافي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة وهم أهل هذه الآية، وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان الواجب عليهم قتلهم وقتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولو لم يفيئوا لكان الواجب عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما أنزل الله أن لا يرفع السيف عنهم حتى يفيئوا ويرجعوا عن رأيهم، لأنهم بايعوا طائعين غير كارهين وهي الفئة الباغية كما قال الله عزّ وجلّ، فكان الواجب على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم كما عدل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أهل مكة إنما منّ عليهم وعفى، وكذلك صنع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأهل البصرة حيث ظفر بهم بمثل ما صنع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأهل مكة حذو النعل بالنعل.)ومثل قوله تعالى: ﴿يَا أيهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ [المائدة: 54]. قال في (مجمع البيان في تفسير الآية، قيل : هم أمير المؤمنين وأصحابه حين قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين، وروي ذلك عن عمار وحذيفة وابن عباس وهو المروي عن أبي جعفر (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : وروي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال يوم البصرة والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم (2).
وسيأتي لهذه الآية مزيد تحقيق وتفصيل بعد الفراغ من شرح هذا الفصل في أول التنبيهات الآتية.
وإما بما صدر عن لسان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيني اضل من الأخبار النبوية من الأوامر الإنشائية والجملات الخبرية التي في معنى الإنشاء، حسبما عرفتها في شرح الفصل الخامس من المختار الثالث وشرح المختار المائة والثامن والأربعين، وشرح الفصل الثاني من المختار المائة والخامس والخمسين في التنبيه الأول منه، وقد عرفت في التنبيه الثاني منه وفي شرح المختار الثالث والثلاثين تحقيق الكلام في كفر البغاة وسائر أحكامهم، فليراجع إلى المواضع التي أشرنا إليها، فإن مراجعتها توجب مزيد البصيرة في المقام
وتعرف بما أوردناه هنا وفيما تقدم أن أهل البغى الذين كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مأموراً بقتالهم هم الناكثون والقاسطون والمارقون كما أوضحه بقوله :
(والنّكث والفساد في الأرض) وفضلهم بقوله : (فأما الناكثون) أي الناقضون ما عقدوه من البيعة وهم أصحاب الجمل (فقد قاتلت) وقد مضى تفصيل قتالهم في شرح المختار الحادي عشر.
(وأما القاسطون) أي العادلون عن الحق والدين وهم أصحاب معاوية وصفين (فقد جاهدت) ومضى تفصيل جهادهم في شرح المختار الخامس والثلاثين والمختار الحادي والخمسين والمختار الخامس والستين.
(وأما المارقة) وهم خوارج النهروان الذين مرقوا من الدين أي جازوا منه مروق السهم من الرمية حسبما عرفته في التذييل الأول من شرح المختار السادس والثلاثين (فقد دوّخت) أي ذلّلتهم وقهرتهم حسبما عرفته في التذييل الثاني منه.
(وأما) شيطان الرّدمة فقد كفيته) أي كفاني الله من شره (بصعقة سمعت لها وجبة قلبه) واضطرابه (ورجة صدره) وزلزاله.
وقد اختلفت الأقوال في شيطان الردهة، فقد قال قوم: إن المراد به ذو الندية رئيس الخوارج وتسميته بالشيطان لكونه ضالاً قائد ضلالة مثل شيطان الجن، وأما إضافته إلى الردهة فلما عرفته في التذييل الثاني من شرح المختار السادس والثلاثين من أنه بعد الفراغ من قتل الخوارج طلبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القتلى فوجده بعد جدّ أكيد في حفرة دالية فنسبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليها لذلك.
وأما الصعقة التي كفى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه بها فقد قيل : إن المراد بها الصاعقة وهي صيحة العذاب لما روي أن عليّاً لما قابل القوم صاح بهم فكان ذو القدية ممن هرب من صيحته حتى وجد قتيلاً في الحفرة المذكورة.
وقيل : إنه رماه الله بصاعقة من السماء فهلك بها ولم يقتل بالسيف، وقيل: إنه لما ضربه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسيف غشي عليه فمات.
وقال قوم: إن شيطان الردهة أحد الأبالسة المردة من أولاد إبليس اللعين قال الشارح المعتزلي: ورووا في ذلك خبراً عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنه كان يتعوذ منه، وهذا مثل قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «هذا أزب العقبة» (1)، أي شيطانها. ولعل أزب العقبة هو شيطان الرّدمة بعينه فتارة يعبر بهذا اللفظ وأخرى بذلك.
1) كتاب الغيبة للنعماني 265، خ 31، وشرح نهج البلاغة 245/2.
أقول والأظهر أن يكون المراد به شيطان الجنّ ويكون الإشارة بهذا الكلام إلى ما وقع منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بئر ذات العلم.
فقد روى السيد السند السيد هاشم البحراني في كتاب (مدينة المعاجز) عن ابن شهر آشوب، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن ابن عباس وعن أبي عمر وعثمان بن أحمد عن محمد بن هارون بإسناده عن ابن عباس في خبر طويل أنه أصاب الناس عطش شديد في الحديبية فقال النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «هل من رجل يمضي مع السقاة إلى بئر ذات العلم فيأتينا بالماء وأضمن له على الله الجنة؟».
فذهب جماعة فيهم سلمة بن الأكوع، فلما دنوا من الشجر والبئر سمعوا حسّاً وحركة شديدة وقرع طبول ورأوا نيراناً تتقد بغير حطب فرجعوا خائفين (1).
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «هل من رجل يمضي مع السقاة يأتينا بالماء أضمن له على الله الجنة؟»فمضى رجل من بني سليم وهو يرتجز ويقول :
أمن غريف ظاهر نحو السلم***ينكل من وجهه خير الأمم
من قبل أن يبلغ آبار العلم***فيستقي والليل مبسوط الظلم
ويأمن الدم وتوبيخ الكلم***وصاحب السيف لسيف منهدم
فلما وصلوا إلى الحس رجعوا وجلين.
فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «هل من رجل يمضي مع السقاة إلى البئر ذات العلم فيأتينا بالماء أضمن له على الله الجنة؟»، فلم يقم أحد واشتدّ بالناس العطش وهم صيام.
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سر مع هؤلاء السقاة حتى ترد بئر ذات العلم وتستقي وتعود إن شاء الله». فخرج علي قائلاً :
أعوذ بالرحمن أن أميلا***من غرف جنّ أظهروا تأويلا
وأوقدت نيرانها تغويلا***وقرعت مع غرفها الطبولا
قال : فداخلنا (2)الرعب فالتفت علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلينا وقال : اتبعوا أثري ولا يفزعنكم ما ترون وتسمعون فليس بضائركم إن شاء الله.
ثم مضى فلما دخلنا الشجر فإذا بنيران تضطرم بغير حطب وأصوات هائلة ورؤوس
مقطعة لها ضجّة وهو يقول : اتَّبعوني ولا خوف عليكم ولا يلتفت أحد منكم يميناً ولا شمالاً.
فلما جاوزنا الشجر ووردنا الماء فأدلى البراء بن عازب دلوه في البئر فاستقى دلواً ودلوين ثم انقطع الدلو فوقع في القليب والقليب ضيق مظلم بعيد القعر، فسمعنا في أسفل القليب قهقهة وضحكاً شديداً.
فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): من يرجع إلى عسكرنا فيأتينا بدلو ورشا ؟ فقال أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : من يستطيع ذلك؟، فائتزر بمئزر ونزل في القليب وما تزداد القهقهة إلا علوّاً وجعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينحدر في مراقي القليب إذ زلّت رجله فسقط فيه، ثم سمعنا وجبة شديدة واضطراباً وغطيطاً كغطيط المخلوق [المخنوق] ثم نادى علي عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام : الله أكبر الله أكبر أنا عبد الله وأخو رسول الله، هلموا قربكم فأفعمها وأصعدها على عنقه شيئاً فشيئاً ومضى بين أيدينا فلم نر شيئاً فسمعنا صوتاً.
أي فتی لیل روعات***وأي سباق إلى الغايات
لله در الغرر سادات***من هاشم الهامات والقامات
مثل رسول الله ذي الآيات***أو كعلي كاشف الكربات
كذا يكون المرء في حاجات
فارتجز أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«الليل هول يرهب المهيبا***ومذهل المشجع اللبيبا
وإنني أهول منه ذيبا***ولست أخشى الردع والخطوبا
إذا هززت الصارم القضيبا***أبصرت منه عجباً عجيبا»
وانتهى إلى النبي وله (زجل) (1)فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ماذا رأيت في طريقك يا علي؟»، فأخبره بخبره كله فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن الذي رأيته مثل ضربه الله لي ولمن حضر معي في وجهي هذا» قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): اشرحه لي يا رسول الله،
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أما الرؤوس التي رأيتم لها ضجّة ولألسنتها لجلجة، فذلك مثل قومي معي يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ولا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً ولا يقيم لهم يوم القيامة وزناً».
1) زجل: الصوت.
«وأما النيران بغير حطب ففتنة تكون في أمتي بعدي القائم فيها والقاعد سواء لا يقبل الله لهم عملاً ولا يقيم لهم يوم القيامة وزناً».
«وأما الهاتف الذي هتف بك فذلك سلقعة وهو سملقة «كذا» بن غداف الذي قتل عدو الله مسعراً شيطان الأصنام الذي كان يكلّم قرين منها ويشرع في هجائي، هذا (1).
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وبقيت بقية من أهل البغي) أراد به معاوية وأصحابه لأنه لم يكن أتى عليهم بأجمعهم، بل بقيت منهم بقيّة بمكيدة التحكيم حسبما عرفته في شرح المختار الخامس والثلاثين.
(و) الذي فلق الحبة وبرء النسمة (لئن أذن الله في الكرة عليهم) هذا بمنزلة التعليق بالمشيئة، أي إن شاء الله سبحانه لي الرجوع إليهم بأن يمدّ لي في العمر ويفسح في الأجل ويهيّا أسباب الرجوع (لأديلنّ منهم) أي لتكون الدولة والغلبة لي عليهم.
والإتيان في جواب القسم باللام ونون التوكيد لتأكيد تحقق الإدالة وثبوته لا محالة بعد حصول الإذن والمشيئة منه سبحانه، وذلك بمقتضى وعده الصادق وقوله الحق في كتابه العزيز : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج : 40].
وبعد هذا فلقائل أن يقول : إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد كان عالماً بعدم إذن الله سبحانه في الكرّة عليهم والإدالة منهم وذلك لما كان يعلمه بأخبار الله سبحانه وإخبار رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأن بني أمية يملكون البلاد ألف شهر، وقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه أخبر بذلك حين شاع في الكوفة خبر موت معاوية بقوله : كلا أو تخضب هذه من هذه ويتلاعب بها ابن آكلة الأكباد في الرواية التي تقدمت في شرح المختار السادس والخمسين، ومع ذلك كله فما معنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولئن أذن الله في الكرة (اهـ؟).
قلت : الإتيان بهذه الجملة الشرطية مع علمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدم وقوع مضمونها لربط جأش المخاطبين وتقوية قلوبهم.
ونظيره ما رواه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) علي بن إبراهيم بسنده عن عدي بن حاتم وكان معه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حروبه «كذا» أن علياً قال ليلة الهرير بصفين حين التقى مع معاوية رافعاً بين حين التقى مع معاوية رافعاً صوته يسمع أصحابه :لأقتلن معاوية وأصحابه، ثم قال في آخر قوله : إن شاء الله تعالى يخفض بها صوته، وكنت قريباً منه فقلت: يا أمير المؤمنين إنك حلفت على ما قلت ثم استثنيت فما أردت بذلك؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الحرب خدعة وأنا عند أصحابي صدوق فأردت أن أطمع أصحابي [في قولي](2)
كيلا يفشلوا ولا يفرّوا (1)، فافهم فإنك تنتفع بهذه بعد اليوم إن شاء الله. هذا.
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إلا ما يتشدّر في أطراف الأرض تشدّراً) كلمة (ما) هنا بمعنى من كما في قوله : والسماء وما بناها، أي إلا من يتفرّق في أطرافها تفرّقاً ممن لم يتم أجله ثم نبه على نجدته وشجاعته بقوله :
(أنا وضعت في الصغر بكلاكل العرب) استعار لفظ الكلاكل للأكابر والرؤساء من العرب وأشراف القبائل الذين قتلهم في صدر الإسلام والجامع للاستعارة كونهم سبب قوة العرب ومقدّميهم وبهم انتهاضهم إلى الحرب كما أن الكلكل للجمل كذلك سبب لنهوضه وقيامه وقوته ومقدم أجزائه.
ويجوز أن يكون من باب الاستعارة بالكناية بأن يشبه العرب بجمال مستجلات ذوات الصدور والكلاكل في القوة، فيكون إثبات الكلاكل تخيلاً، والوضع ترشيحاً.
وعلى أي تقدير فأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوضعه لهم إلى قهرهم وإذلالهم كما أن إناخة الجمل يستلزم قهره وإذلاله قال الشاعر:
مراجيح ما تنفك إلا مناخة***على الحتف أو ترمى بها بلداً قفرا
وإن شئت أن تعرف أنموذجاً من قتله وقتاله وإذلاله للكلاكل والشجعان فاستمع لما وقع منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أول غزاة كانت في الإسلام وهي غزوة بدر، وقد كانت تلك الغزوة على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة كما في «كشف الغمة» وكان عمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ ذاك سبعة وعشرين سنة.
قال المفيد في (الإرشاد): وأما الجهاد الذي ثبتت به قواعد الإسلام، واستقرت بثبوته شرائع الملة والأحكام، فقد تخصص منه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما اشتهر ذكره في الأنام، واستفاض الخبر به بين الخاص والعام، ولم يختلف فيه العلماء، ولا تنازع في صحته الفهماء، ولا شك فيه إلا غفل لم يتأمّل في الأخبار ولا دفعه أحد ممن نظر في الآثار إلا معاند بهات لا يستحيي من العار.
فمن ذلك ما كان منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غزاة البدر المذكورة في القرآن وهي أول حرب كان به الامتحان، وملأت رهبة صدور المعدودين من المسلمين في الشجعان، وراموا التأخر عنها لخوفهم منها وكراهتهم لها على ما جاء به محكم الذكر في التبيان.
وكان من جملة خبر هذه الغزاة أن المشركين حضروا بدراً مصرين على القتال
1) البحار 617/32 ح 483، وتفسير نور الثقلين 381/3.
مستظهرين فيه بكثرة الأموال والعدد والعدّة والرجال والمسلمون إذ ذاك نفر قليل عدد هناك، وحضرته طوائف منهم بغير اختيار وشهدته على الكراهة منها له والاضطرار.
فتحدّتهم قريش بالبراز ودعتهم إلى المصافة والنزال واقترحت في اللقاء منهم الأكفاء، وتطاولت الأنصار المبارزتهم فمنعهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من ذلك فقال لهم : «إن القوم دعوا الأكفاء».
ثم أمر علياً أمير المؤمنين بالبروز إليهم، ودعا حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث رضوان الله عليهما أن يبرزا معه فلما اصطفوا لهم لم يثبتهم القوم لأنهم كانوا قد تغفروا فسألوهم: من أنتم؟ فانتسبوا لهم، فقالوا : أكفاء كرام، ونشبت الحرب بينهم.
وبارز الوليد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم يلبثه حتى قتله وبارز عقبة حمزة (رضي الله عنه) فقتله حمزة وبارز شيبة عبيدة رحمه الله فاختلفت بينهما ضربة قطعت إحداهما فخذ عبيدة فاستنقذه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بضربة بدر بها شيبة فقتله وشاركه في ذلك حمزة.
فكان قتل هؤلاء الثلاثة أول وهن لحق المشركين وذلّ دخل عليهم ورهبة اعتراهم بها الرعب من المسلمين، وظهر بذلك أمارات نصر المسلمين.
ثم بارز أمير المؤمنين العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه من سواه فلم يلبثه أن قتله، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله، وبرز إليه طعيمة بن عدي فقتله، وقتل بعده نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش.
ولم يزل (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقتل واحداً منهم بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم، وكانوا سبعين رجلاً تولى كافة من حضر بدراً من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشطر منهم، وتولى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتل الشطر الآخر وحده بمعونة الله له وتأييده وتوفيقه ونصره وكان الفتح له بذلك على يديه.
وختم الأمر بمناولة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كفاً من الحصي فرمى بها في وجوههم وقال لهم : شاهت الوجوه، فلم يبق أحد منهم إلا ولى الدبر بذلك منهزماً، وكفى الله المؤمنين القتال بأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشركائه في نصرة الدين من خاصة الرسول عليه وآله السلام ومن أيّدهم به من الملائكة الكرام (1).
قال (المفيد): وقد أثبتت رواة العامة والخاصة معاً أسماء الذين تولى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتلهم ببدر من المشركين على اتفاق فيما نقلوه من ذلك واصطلاح.
1) الإرشاد 69/1.
فكان ممن سموه: الوليد بن عتبة كما قدمناه وكان شجاعاً جريئاً وقاحاً فاتكاً تهابه الرجال والعاص بن سعيد وكان هولاً عظيماً تهابه الأبطال، وهو الذي حاد عنه عمر بن الخطاب، وطعيمة بن عدي بن نوفل وكان من رؤوس أهل الضلال ونوفل بن خويلد وكان من أشدّ المشركين عداوة لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وكانت قريش تقدمه وتعظمه وتطيعه وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكة وأوثقهما بحبل وعذبهما يوماً إلى الليل حتى سئل في أمرهما ولما عرف رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) حضوره بدراً سأل الله أن يكفيه أمره فقال: «اللهم اكفني نوفل بن خويلد» فقتله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وزمعة بن الأسود، وعقيل بن الأسود والحارث بن زمعة والنضر بن الحارث بن عبد الدار، وعمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة بن عبيد الله، وعثمان، ومالك ابنا عبيد الله أخوا طلحة بن عبيد الله، الله ومسعود بن أبي أمية بن المغيرة، وقيس بن الفاكهة بن المغيرة، وحذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وحنظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن مخذوم، وأبو المنذر بن أبي رفاعة ومنية بن الحجاج السهمي والعاص بن منية وعلقمة بن كلدة وأبو العاص بن قيس بن عدي ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص ولوذان بن ربيعة، وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة ومسعود بن أمية بن المغيرة وحاجب بن بن السايب بن عويمر وأوس بن المغيرة بن لوذان، وزيد بن مليص، وعاصم بن أبي عوف، وسعيد بن وهب حليف بني عامر ومعاوية بن عبد القيس، وعبد الله بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد والسائب بن مالك، وأبو الحكم بن الأخنس، وهشام بن أبي أمية بن المغيرة.
فذلك ستة وثلاثون رجلاً سوى من اختلف فيه أو شرك أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه غيره، وهم أكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدمناه (1).
قال :(المفيد) وفيما صنعه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببدر قال أسيد بن إياس يحرض مشركي قريش عليه :
في كل مجمع غاية أخزاكم***جذع أبر على المذاكي الفرح
لله در کم الما تنكروا***قد ينكر الحرّ الكريم ويستحي
هذا ابن فاطمة الذي أفناكم***ذبحاً وقتلاً قعصة لم يذبح
أعطوه خرجاً واتقوا تضريبه***فعل الذليل وبيعة لم تربح
1) الإرشاد 1 / 70 – 71.
أين الكهول وأين كل دعامة***في المعضلات وأين زين الأبطح
أفناهم قعصاً وضرباً يعتري***بالسيف يعمل حده لم يصفح
(وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر) والاستعارة في هذه القرينة مثل التي في سابقتها، فتحتمل الاستعارة التحقيقية بأن يراد تشبيه رؤساء القبيلتين وأنجادهم بقرون الحيوان لأنهم أسباب القوة والصولة والمحاربة للقبيلتين كما أن القرن آلة الحرب والنطح والصيال للكبش.
وتحتمل الاستعارة المكنية بأن يراد تشبيه القبيلتين بالأكبش ذوات القرون في الصولة والقوة، فيكون إثبات القرن تخييلاً، والكسر والنواجم ترشحياً، والمراد بكسره (عَلَيهِ السَّلَامُ) نواجم قرونهم قهرهم وإذلالهم لأن الكبش إذا انتطح بكبش آخر فانكسر قرنه يُغلب ويهرب.
وقد قتل (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ربيعة ومضر في مجاهدانه بين يدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعده في الجمل وصفّين جماً غفيراً يكاد أن يكون أغزر من قطر المطر وأكثر من عدد النجم والشجر، ولنعم ما قال كاشف الغمة :
سل عن علي مقامات عرفن به***شدت عرى الدين في حل ومرتحل
بدراً واحداً وسل عنه هوازن***في أوطاس واسأل به في وقعة الجمل
واسأل به إذ أتى الأحزاب يقدمهم***عمرو وصفين سل إن كنت لم تسل
ثم ذكر المخاطبين بمناقبه الجميلة ومفاخره الجليلة، وعدّ منها تسعاً :
الأولى: ما أشار إليه بقوله : (وقد علمتم موضعي من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالقرابة القريبة) لأن أبويهما عبد الله وأبا طالب أخوان لأب وأم دون غيرهما من بني عبد المطلب فهما ابنا عم مضافاً إلى علاقة المصاهرة وكونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) زوج ابنته فاطمة (سلام الله عليها).
وإلى هذه القرابة أشيرت في قوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصهراً [الفرقان : 54].
روى في (غاية المرام) عن المالكي في الفصول المهمة عن محمد بن سيرين في هذه الآية أنها نزلت في النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله وزوج ابنته فاطمة فكان نسباً وصهراً (1).
وفيه عن الشيخ في (أماليه) بسنده عن أنس بن مالك :قال ركب رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ذات يوم بغلته فانطلق إلى جبل آل فلان وقال: يا أنس خذ البغلة وانطلق إلى موضع كذا وكذا
1) مناقب آل أبي طالب 29/2.
تجد عليّاً جالس يسبّح بالحصى، فأقرئه مني السلام واحمله على البغلة وأتي به إلي».
قال أنس: فذهبت فوجدت عليّاً كما قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فأتيت به عليه، فلما أن نظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) برسول الله قال: السلام عليك يا رسول الله قال : «وعليك السلام يا أبا الحسن اجلس فإن هذا موضع قد جلس فيه سبعون نبياً مرسلاً ما جلس فيه أحد من الأنبياء إلا وأنا خير منه، وقد أجلس كل نبي أخ له ما جلس فيه من الأخوة واحد إلا وأنت خير منه».
قال أنس: فنظرت إلى سحابة قد أظلّتهما ودنت من رؤوسهما، فمد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يده إلى السحابة فتناول عنقود عنب فجعله بينه وبين علي وقال: «كل يا أخي».
قلت: یا رسول الله، صف كيف علي أخوك ؟ قال : «إن الله عزّ وجل خلق ماء تحت العرش قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام، وأسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه إلى أن خلق آدم فلما خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه في صلب آدم إلى أن قبضه الله، ثم نقله في صلب شيث فلم يزل ذلك الماء ينتقل من ظهر إلى ظهر حتى صار في عبد المطلب ثم شقه الله عزّ وجل نصفين : نصف في أبي عبد الله بن عبد المطلب ونصف في أبي طالب فأنا من نصف الماء وعلي من النصف الآخر، فعلي أخي في الدنيا والآخرة»، ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان : 54](1).
وفي (كشف الغمة) عن جابر بن عبد الله قال سمعت علياً ينشد ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)يسمع :
أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي***معه ربيت وسبطاه هما ولدي
جدي وجد رسول الله منفرد***وفاطم زوجتي لا قول ذي فند
فالحمد لله شكراً لا شريك له***البرّ بالعبد والباقي بلا أمد
قال : فتبسم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال : «صدقت يا علي» (2).
الثانية : ما أشار إليه بقوله : (والمنزلة الخصيصة) أي الخاصة والمخصوصة بي وشرحها بقوله : (وضعني في حجره) ورباني (وأنا وليد) طفل صغير (يضمني إلى صدره ويكنفني) أي يضمني إلى كنفه وحضنه (في فراشه ويمسني جسده ويشمّني عرفه) أي ريحه الطيب (وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه) وهذا كله إشارة إلى شدّة تربيته (صلى الله عليه وآله) له وقيامه بأمره.
ويوضحه ما رواه الشارح المعتزلي عن الطبري في (تاريخه) قال: حدثنا ابن حميد
قال: حدثنا سلمة قال : حدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن نجيح عن مجاهد قال : كان من نعمة الله عزّ وجل على عليّ بن أبي طالب وماصنع الله له وأراد به من الخير أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) للعباس وكان من أيسر بني هاشم: «إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة فانطلق بنا فنخفّف عنه من عياله آخذ من بنيه واحداً وتأخذ واحداً فنكفيهما عنه»، فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما إن تركتما لى عقيلاً فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علياً فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه، فلم يزل علي بن أبي طالب مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى بعثه الله نبياً، فاتبعه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأقر به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه (1).
ورواه (كاشف الغمة) عن الخطيب الخوارزمي عن محمد بن إسحاق ونحوه.
وروى الشارح المعتزلي عن الفضل بن عباس قال: سألت أبي عن وُلد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذكور أيهم كان رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أشدّ حباً ؟ فقال : علي بن أبي طالب، فقلت: سألت لك عن بنيه فقال : إنه كان أحب إليه من بنيه جميعاً وأرأف ما رأيناه زائلة يوماً من الدهر منذ كان طفلاً إلا أن يكون في سفر لخديجة وما رأينا أباً أبر بابن منه لعلي ولا ابناً أطوع لأب من علي له.
قال الشارح: وروى جبير بن مطعم قال : قال أبي مطعم بن عدي لنا ونحن صبيان بمكة : ألا ترون حب هذا الغلام - يعني عليّاً - لمحمد وأتباعه له دون أبيه واللات والعزّى لوددت أنه ابني بفتيان بني نوفل جميعاً.
قال الشارح: وروى الحسين بن زيد بن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سمعت زيداً أبي يقول : كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يمضغ اللحمة والتمرة حتى تلين ويجعلهما في فم علي وهو صغير في حجره (2).
الثالثة ما أشار إليه بقوله : (وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل) أي لم تجد مني كذباً وخطاء أبداً ولو مرة واحدة لوجود العصمة المانعة فيه وفي زوجته والطيبين من أولاده سلام الله عليهم أجمعين من الإقدام على الذنوب صغيرها وكبيرها باتفاق الإمامية
وحكم آية التطهير وغيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمداً ولا نسياناً ولا خطاً.
روى في (البحار من الخصال) قال قوله تعالى : (لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] : عنى به أن الإمامة لا تصلح لمن قد عبد صنماً أو وثناً أو أشرك بالله طرفة عين وإن أسلم بعد ذلك، والظلم وضع الشيء في غير موضعه وأعظم الظلم الشرك، قال الله عزّ وجل : (إن الشرك لظمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13] وكذلك لا تصلح لمن قد ارتكب من المحارم شيئاً صغيراً كان أو كبيراً وإن تاب منه بعد ذلك، وكذلك لا يقيم الحدّ من في جانبه حدّ.
فإذاً لا يكون الإمام إلا معصوماً، ولا تعلم عصمته إلا بنص الله عزّ وجل عليه على لسان نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لأن العصمة ليست في ظاهر الخلقة فترى كالسواد والبياض وما أشبه ذلك وهي مغيبة لا تعرف إلا بتعريف علام الغيوب.
وقد مضى وجوب عصمة الإمام بتقرير آخر في مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية.
ثم نبه على منقبة عظيمة لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لتكون تمهيداً وتوطئة لمنقبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرابعة فقال :
(ولقد قرن الله به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من لدن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره).
قال الشارح المعتزلي: روي أن بعض أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عَلَيهِم السَّلَامُ) سأله عن قول الله عزّ وجل: إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا [الجن: 27] فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يوكل الله بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم ويؤدون إليه تبليغهم الرسالة، ووكّل بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ملكاً عظيماً منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق ويسدّه عن الشر ومساوىء الأخلاق، وهو الذي كان يناديه السلام عليك يا محمد يا رسول الله وهو شاب لم يبلغ درجة الرسالة بعد، فيظن أن ذلك من الحجر والأرض فيتأمل فلا يرى شيئاً (1).)أقول : والظاهر على ما يستفاد من الأخبار وأشير إليه في غير واحدة من الآيات: إن المراد بهذا الملك هو روح القدس المخصوص القدس المخصوص بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وعترته الأطهار الأخيار.)فقد روى المحدّث العلامة المجلسي (رَحمهُ اللّه في (البحار) من تفسير علي بن إبراهيم في قوله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : 85] حدثني أبي عن ابن أبي عمیر عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : هو ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول
1) حلية الأبرار 34/1، والبحار 362/15.
الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو مع الأئمة، وفي خبر آخر: هو من هو من الملكوت.
وفيه منه في قوله تعالى: (أُولَئكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ) [المجادلة : 22] هم الأئمة (وَأَيَّدَهُم بِرُوج مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22] قال : ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل وكان مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو مع الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وفيه من كتاب (الاختصاص وبصائر الدرجات) بسندهما عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى: 52] قال خلق من خلق الله أعظم من جبرائيل وميكائيل كان : مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يخبره ويسدّده وهو مع الأئمة من بعده (1).
وفيه من (البصائر) مسنداً عن سماعة بن مهران قال سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إن الروح خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يسدّده ويرشده وهو مع الأوصياء من بعده (2).
وفيه من (البصائر) عن البرقي عن أبي الجهم عن ابن أسباط قال: سأل أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجل وأنا حاضر عن قول الله : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرنَا [الشورى: 52] فقال: منذ أنزل الله ذلك الروح على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يصعد إلى السماء وأنه لفينا (3).
وفيه من (الاختصاص والبصائر) عن ابن يزيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85] قال: خلق أعظم من خلق جبرائيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو مع الأئمة يوفقهم ويسدّدهم وليس كلما طلب وجد (4).
والأخبار في هذا المعنى كثيرة ولا حاجة إلى الإكثار والإطالة (5).
والمستفاد من الرواية الأخيرة اختصاصه بالنبي والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها : وليس كلما طلب وجد معناه أن حصول تلك المرتبة الجليلة والمنقبة العظيمة لا يتيسر بالطلب بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
الرابعة: ما أشار إليه بقوله : (ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل) وهو ولد الناقة (أثر أمه) وهو إشارة إلى فرط ملازمته له وعدم مفارقته إياه ليله ونهاره سفراً وحضراً في خلواته وجلواته.
ولما عرفت آنفاً أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان مؤيداً مسدّداً بروح القدس من حين الطفولية إلى آخر عمره الشريف ملهماً إلى الخيرات موفقاً بتأييد الروح إلى سلوك طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم.
تعرف من ذلك أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا كان ملازماً له غير مفارق منه يكون تالياً له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سلوك مسالك مكارم الخصال ومحامد الأفعال مقتبساً من أنواره مقتفياً لآثاره كما أوضحه بقوله (1)
وقال محمود بن الحسن الحمصي بعد ذكر آية المباهلة (انفسنا وانفسكم) : فالمراد ان هذه النفس مثل ذلك النفس وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، تُرك العمل بهذا العموم في حق النبوة وفي حق الفضل لقيام الدلائل على ان محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان نبياً وما كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذلك - تفسير الرازي: 8/8 مورد آية المباهلة.
وعن عمرو عن رسول الله عندما سئل عن احب الناس اليه بعد أبو بكر وعمر فقيل له فعلي ؟!
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ان هذا يسألني عن النفس». كنز العمال: 13 / 142 ح 36446.
ويأتي ان هذه المقولة صدرت أيضاً من ابن مسعود وابن عمر وابن عائشة.
وقال ابن ابي الحديد: اما علي فانه عندنا بمنزلة الرسول في تصويب قوله والاحتجاج بفعله ووجوب طاعته - شرح النهج : 20 / 34 - 35 حكمة رقم 409 - كلام ابن المعالي في الصحابة.
وقال الفخر الرازي: وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديماً وحديثاً يستدلون بهذه الآية (وانفسنا وانفسكم) على ان علياً مثل نفس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا فيما خصه بالدليل، وكان نفس محمد أفضل من الصحابة، فوجب أن يكون نفس علي افضل ايضاً من سائر الصحابة - تفسير الرازي: 8 / 81 مورد آية المباهلة.
وللديلمي كلاماً في التساوي يشابه ما مرّ ويحتمل أن بعضهم أخذ عن بعض - ارشاد القلوب: 2 / 121 فضائل علي حين الولادة.
وقال ابو جعفر الحسني ما ملخصه ومن العجب ان اول حروب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانت بدراً وكان هو المنصور فيها واول حروب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجمل وكان هو المنصور فيها.
ثم كان من صحيفة الصلح يوم صفين نظير ما كان يوم الحديبية.
ثم دعا معاوية في آخر ايام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الى نفسه وتسمى بالخلافة كما أن مسيلمة والأسود العنسي دعوا الى
انفسهما في اخر ايام رسول الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتسميا بالنبوة.
وابطل الله امرهم بعد وفاة الرسول و علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ولم يحارب رسول الله من العرب إلا قريش ما عدا يوم صفين، ولم يحارب علياً من العرب أحد إلا قريش ما عدا يوم النهروان.
ولم يتزوج الرسول على خديجة ولم يتزوج علي على فاطمة وتوفي الرسول عن ثلاث وستين سنة وتوفي علي عن مثلها.
وهذا شجاع وهذا شجاع، وهذا فصيح وهذا فصيح وهذا سخي جواد وهذا سخي جواد، وهذا عالم بالشرائع وهذا عالم بالشرائع، وهذا زاهد وهذا زاهد - الى أن قال - :
فوجب أن يكون الكل شيمة واحدة وسوساً واحداً وطينة مشتركة ونفساً غير منقسمة وألا يكون بينهما فرق وفضل إلا النبوة فإمتاز رسول الله بذلك عمن سواه وبقي ما عدا الرسالة على امر الاتحاد، ثم ذكر حديث المنزلة.
وقال: فأبان نفسه منه بالنبوة واثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركاً بينهما - شرح النهج : 20 / 221 - 222 کلام 193 - سياسة علي -.
وقالت فرقة الهاشمية اصحاب ابي هاشم (99 هـ) ان الامام عالم يعلم كل شيء، وهو بمنزلة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في جميع أموره - فرق الشيعة : 51 – 52.
وقال الرازي : ان اهل بيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ساوره في خمسة اشياء في الصلاة عليه وعليهم وفي التشهد وفي السلام الصدقة والطهارة وفي تحريم وفي المحية - نور الابصار : 231 باب 2 مناقب الحسن والحسين.
وفي الروايات ما يوجب التساوي بين النبي وعلي (عَلَيهِم السَّلَامُ) منها :
ما روي عن انس قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ما من نبي إلا وله نظير في أمته وعلي نظيري». اخرجه القلعي، وأبو الحسن الخلعي وصاحب الفردوس - مناقب الخوارزمي : 141 ح 161 فصل 14، وكنز العمال: 11 / 757 ح 33687، وذخائر العقبى : 64 ذكر أنه من النبي أو مثله، ذكر أنه من النبي، وينابيع المودة : 1 / 279 - المناقب السبعون - ح 31، والرياض النضرة : 2 / 164 ط. الأولى، وجواهر المطالب : 1 / 61 باب 9 والرياض النضرة 1 / 50 و 3 / 120.
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (يا علي) «وأنت الصاحب بعدي والوزير وما لك في امتي من نظير يا علي انت قسيم الجنة والنار بمحبتك يعرف الابرار من الفجار». روضة الواعظين: 101 - 102 مجلس في امامة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «علي عديل نفسي» شرح النهج : 1 / 294 الخطبة 19.
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أنا وعلي في السلام سواء» مسند البزار: 3 / 54 ح 808، ومجمع الزوائد : 308 والبغية : 65 ح 12735.
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «علي فصاحته كفصاحتي». فرائد السمطين : 2 / 68.
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «علي صبره كصبري» - الرياض النضرة: 3/ 172.
وعن ابن عباس عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «علي في الدنيا اذا مت عوض مني» مائة منقبة : 132 المنقبة 72.
وقال ابو بكر: قال لي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الغار : «يا ابا بكر كفي وكف [ يدي ويد] علي في العدل سواء». كنز العمال: 11 / 604 ح 32921، فضائله وترجمة علي من تاريخ دمشق : 2/ 439 ح 953 و مناقب ابن، المغازلي: 129 ح 170، كفاية الطالب : 256 باب 62، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 2 / 438 ح 952، وتاريخ بغداد: 5 / 240.
وفي لفظ: «كفي وكف علي في العدّ سواء». خرجه ابن السمان في الموافقات - جواهر المطالب : 1 / 61 باب 9.
وفي رواية: «علي اصلي» - كنز العمال: 11 / 102 ح 32908، وكنوز الحقائق: 443.
وعن ابن عمر «علي مع الرسول في درجته». الرياض النضرة : 3 / 180
وفي رواية عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لبس احد من الامة يعدلك عندي». كنز الفوائد: 281 الاستدلال بصحة النص بالامامة.
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أنا وأنت حجة الله على خلقه» - ذيل تاريخ بغداد: 19 / 66..
وعن انس بن مالك عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «انا وعلى حجة الله على عباده» - كنز العمال: 13 / 151 ح 74 36474، کتاب الاربعين للحافظ للحافظ الخزاعي : 62 ح 20 وكشف الغمة: 1 / 161 بيان انه أفضل الاصحاب.
وعن محمد بن ثابت قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وانا رسول الله والمبلغ عنه وانت وجه الله والمؤتم به فلا نظير لي إلا انت ولا مثلك إلا انا». ارشاد القلوب : 2 / 404.
وروي عن محمد بن صدقة عن أبي ذر عن امير المؤمنين قال : «يا سلمان و یا جندب أنا محمد ومحمد انا وانا من محمد ومحمد مني». الزام الناصب : 1 / 34 الثمرة الخامسة، وسوف ياتي توضيح الحديث في الجزء الثاني.
وعن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف الامام قال : «وادنى معرفة الامام انه عدل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى درجة النبوة، ووارثه». كفاية الاثر : 259.
وقال صادق اهل البيت جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما جاء عن علي بن ابي طالب يؤخذ به وما نهى عنه ينتهى عنه، جرى له من الفضائل ما جرى لرسول الله الا الله والرسول الله الفضل على جميع ما خلق الله.
العايب على امير المؤمنين في شيء كالعايب على الله وعلى رسوله والرد عليه في صغير وكبير على حد الشرك بالله.
كان امير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتى إلا منه وسبيله الذي من تمسك بغيره هلك وكذلك جرى حكم الأئمة بعده وأحداً بعد واحد.
اما علمت ان امير المؤمنين كان يقول : لقد اقر لي جميع الملائكة والروح مثل ما أقر لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولقد حمّلت مثل حمولة محمد وهي حمولة الرب سبحانه وان محمد يدعى فيكا ويستنطق فينطق وادعى فاكسا واستنطق فانطق». أرشاد القلوب : 2 / 255 - 256 فضائله من طريق اهل البيت:
وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أوتيت ثلاثاً لم يؤتهن أحد أوتيت صهراً مثلي». رواه أبو سعيد في شرف النبوة - جواهر :المطالب 1 / 109 باب 33.
وقال ابن عمر: سألت النبي عن علي فغضب وقال: «ما بال أقوام يذكرون من له منزلة كمنزلتي» كتاب الاربعين للحافظ الخزاعي : 30 ح 1..
وروى الباهلي وغيره قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا علي فانك ستكس اذا كسيت وتدعى اذا دعيت وتحيى اذا حبيت وتشفع اذا شفعت». تذكرة الخواص: 29 - 30 باب،4، وكنز العمال: 13 / 155 - 36482 بتفاوت.
وورد عن واثلة وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال: «[يا علي] ما سألت ربي شيئاً [ في صلاتي] إلا اعطاني وما سألت الله شيئاً إلا سالت لك مثله، منتخب كنز العمال 5 / 43، ومناقب ابن المغازلي : 118 ح 155، و 135 ح 178، ومناقب الخوارزمي : 110 ح 117 فصل 9، و 143 ح 164 فصل 14، وكنز العمال: 11 / 625 ح 33048 و 13 / 113، و 170 ح 36368، و 36513، وخصائص النسائي : 127 ح 143.
وقريب منه عن عبد الله بن الحرث [الحارث] وابي ذر - خصائص النسائي : 127 ح 144، وذخائر العقبى : 61، وينابيع المودة: 1 / 240 باب 56 وارشاد القلوب : 1 / 261 احتجاجه يوم الشورى.
وفي رواية عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنا امام لمن بعدي والمؤدي عمن كان قبلي ما يتقدمني إلا احمد وان جميع الرسل والملائكة والروح خلفنا وأن رسول الله يدعى فينطق وادعى فانطق على حد منطقه» بحار الانوار: 26 / 317 باب تفضيلهم على الانبياء ح85.
وعن عمر بن ميثم قال: قال رسول الله لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا ادعى لخير إلا دعيت اليه» - كنز العمال: 13 / 155 ح 36481.
وروي عن الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض محاوراة امير المؤمنين مع اليهود جاء فيها : «نشهد أن محمداً رسول الله حقاً وانك يا علي وصيه حقاً لم يثبت محمد قدماً في مكرمة إلا وطأت على موضع قدمه بمثل مكرمته وانتما شقيقان من اشرق [اشرف] انوار الله فميزنما [تميزتما] وانتما في الفضائل شريكان إلا انه لا نبي بعد محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» - معاني الاخبار : 27 باب معنى الحروف المقطعة.
وورد عن أبي بكر عندما أرسل أبا عبيدة لأخذ البيعة من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «يا ابا عبيدة انت أمين هذه الامة ابعثك إلى من هو في مرتبة من فقدناه بالأمس ينبغي ان نتكلم عنده بحسن الادب» و الغدير : 1 / 396 نقلا عن العروة الوثقى للسمناني البياضي.
وكان المغيرة يساوي بين علي ورسول الله - العقد الفريد: 2/ 230..
وعن الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في اول خطبة له : «والله لقد قبض فيكم الليلة رجل ما سبقه الاولون إلا بفضل النبوة ولا يدركه الآخرون» مروج الذهب : 2 / 414 ذكر قتل علي.. وصيته. -.
وعن عمار وسلمان والمقداد وعامر بن أبي ذر وحذيفة عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال بعد حديث توسل آدم باصحاب الكساء : «وافتخر على الملائكة انه لم يعطي نبياً شيئاً في الفضل إلا اعطاء لنا». الفضائل لابن شاذان: 128.
کتاب
وورد في حق رسول الله قوله : (رأيتني دخلت الجنة فاوتيت بكفة ميزان فوضعت فيها وجيء بأمتي فوضعت بكفته الأخرى فرجحت بامتي). الشريعة للآجري : 387 ذيل كتاب الايمان بالميزان.
وورد في حق أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ابن عمر : «لو أن السموات والارض موضوعتان في كفة وايمان علي في كفة لرجح ايمان علي» كنز العمال: 6 / 156 ط. دكن، و 11 / 617 ح 32993 ط بيروت من الفضائل فضائل علي..
وقريب منه عن حذيفة وعمر وعلي - شواهد التنزيل : 2 / 12 ح 634، ومائة منقبة : 106 المنقبة 47، ومناقب الخوارزمي : 131 ح 135 فصل 12.
وورد أن روحهما من بين الخلق يقبضهما الله عز وجل - جواهر المطالب : 1 / 63 باب 9.
:1) تساوي النبي وعلي (عليهما السلام) :
(يرفع لي في كل يوم علماً) وراية (من أخلاقه) الفاضلة (ويأمرني بالاقتداء) به والمتابعة له.
الخامسة ما أشار إليه بقوله : (ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء) ويعتزل عن الخلق ويتخلى للعبادة (فأراه ولا يراه) أحد (غيري).
قال الشارح المعتزلي: حديث مجاورته بحراء مشهور قد ورد في (الكتب الصحاح) أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يجاوره في حراء من كل سنة شهراً، وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من
المساكين، فإذا قضى جواره من حراء كان أول ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعاً أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى جاءت السنة التي أكرمه الله فيها بالرسالة، فجاور في حراء شهر رمضان ومعه أهله خديجة وعلي بن أبي طالب وخادم لهم، فجاءه جبرائيل بالرسالة قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «جاءني وأنا نائم بنمط فيه كتاب فقال : اقرأ قلت ما أقرأ ؟ فغشني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق - إلى قوله -: علم الإنسان ما لم يعلم، فقرأته ثم انصرف عني، فتبهت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتاب» الحديث (1).
وفي كتاب (حياة القلوب) للمحدّث العلامة المجلسي عن علي بن إبراهيم وابن شهر آشوب والطبرسي والراوندي وغيرهم من المحدثين والمفسرين أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان قبل مبعثه يعتزل عن قومه ويجاور الحراء ويفرغ لعبادة ربه سبحانه، وكان عزَّ وجل يسدده ويهديه ويرشده بالروح القدس والرؤيا الصادقة وأصوات الملائكة والإلهامات الغيبية، فيدرج في مدارج المحبة والمعرفة، ويعرج إلى معارج القرب والزلفى وكان سبحانه يزينه بالفضل والعلم ومحامد الأخلاق ومحاسن الخصال ولا يراه أحد في أيام مجاورته به وخلال تلك الأحوال غير أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخديجة.
السادسة ما أشار إليه بقوله : (ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخديجة وأنا ثالثهما).
هذا الكلام صريح في سبقه على جميع من سواه من الرجال بالإسلام، ونظيره قوله في المختار المئة والأحد والثلاثين : اللهم إني أول من أناب وسمع وأجاب لم يسبقني إلا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالصلاة (2).
وقد تقدم في شرح المختار المذكور تحقيق تقدمه بالصلاة والإسلام كما هو مذهب الإمامية تفصيلاً وأبطلنا تقدم إسلام أبي بكر عليه كما ذهب إليه شرذمة من العثمانية وأوردنا ثمة من الأدلة والأخبار والأشعار في هذا المعنى ما لا مزيد عليه وأقتصر هنا على روايتين تقدمتا هناك إجمالاً ونرويهما هنا تفصيلاً.
إحداهما : عن (كاشف الغمّة) عن عفيف الكندي قال: كنت امرءاً تاجراً فقدمت الحج فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرءاً تاجراً فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس فلما رآها قد مالت قام يصلي.
قال : ثم خرجت امرأة من الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه فصلت، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه فصلى.
قال : فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي قال فقلت من هذه المرأة؟ قال : امرأته خديجة بنت خويلد، قال: فقلت : من هذا الفتى؟ قال علي بن أبي طالب ابن عمه فقلت :له ما هذا الذي يصنع ؟ قال : يصلي وهو يزعم أنه نبي ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى وهو يزعم أنه سيفتح علیه کنوز کسرى وقيصر وكان عفيف وهو ابن عم الأشعث بن قيس يقول بعد ذلك وهو أسلم وحسن إسلامه : لو كان رزقني الله الإسلام يومئذ فأكون ثانياً مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
قال (كاشف الغمة) : وقد رواه بطوله أحمد بن حنبل في (مسنده)، نقلته من الذي اختاره وجمعه عزّ الدين المحدث، وتمامه من (الخصائص) بعد قوله : ثم استقبل الركن ورفع يديه فكبر، وقام الغلام ورفع يديه وكبّر، ورفعت المرأة يديها فكبرت وركع وركعا وسجد وسجدا وقنت وقنتا فرأينا شيئاً لم نعرفه أو شيئاً حدث بمكة فأنكرنا ذلك وأقبلنا على العباس فقلنا له يا أبا الفضل، الحديث بتمامه (1).
والرواية الثانية قدمناها هناك من (البحار) من مناقب ابن شهر آشوب من كتاب محمد بن إسحاق وأرويها هنا بتفصيل من شرح المعتزلي رواها هنا عن الطبري عن ابن حميد عن سلمة عن محمد بن إسحاق، ورواها أيضاً في تاسع المختار من باب الكتب من كتاب (السيرة والمغازي) لمحمد بن إسحاق قال الشارح المعتزلي : فإنه كتاب معتمد عند أصحاب الحديث والمؤرخين، ومصنفه شيخ الناس كلهم، قال:
قال محمد بن إسحاق : لم يسبق عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) إسحاق : لم يسبق عليّاً إلى الإيمان بالله ورسالة محمد أحد من الناس، اللهم إلا أن تكون خديجة زوجة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
قال : وقد كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يخرج ومعه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستخفياً من الناس فيصليان الصلاة في بعض شعاب مكة، فإذا أمسيا رجعا فمكثا بذلك ما شاء الله أن يمكثا لا ثالث لهما.
ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان فقال لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا ابن أخي ما هذا الذي تفعله؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أي عمّ هذا دین الله ودین ملائكته ورسله ودين أنبيائه»، أو كما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «بعثني الله به رسولاً إلى العباد» إلى أن قال : فزعموا أنه قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أي بني ما هذا الذي تصنع؟»، قال : يا أبتاه آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء به وصليت إليه واتبعت
1) كشف الغمة 1 / 84،83، وسبيل الهدى والرشاد 297/2، والبحار 244/38.
قول نبيه فزعموا أنه قال له : «أما أنه لا يدعوك أو لن يدعوك إلا إلى خير فالزمه» (1).
قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكان أول من أسلم وصلى معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد علي بن أبي طالب، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة فكان ثالثاً لهما، ثم أسلم عثمان بن عفان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد بن أبي وقاص فصاروا ثمانية فهم الثمانية الذين سبقوا الناس إلى الإسلام بمكة.
السابعة: ما أشار إليه بقوله : (أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة) قال الشارح البحراني : وهذه أعلى مراتب الأولياء، واستعار لفظ النور لما يشاهده بعين بصيرته من أسرار الوحي والرسالة وعلوم التنزيل ودقائق التأويل وإشراقها على لوح نفسه القدسيّة، ووجه الاستعارة كون هذه العلوم والأسرار هادية في سبيل الله إليه من ظلمات الجهل كما يهدي النور من الطرق المحسوسة، ورشح تلك الاستعارة بذكر الرؤية لأن النور حظ البصر وكذلك استعار لفظ الريح لما أدركه من مقام النبوة وأسرارها ورشح بذكر الشم لأن الريح خط القوة الشامة، انتهى.
أقول : ولقائل أن يقول : لا مانع من ظهور نور محسوس عند نزول الوحي أو في سائر الأوقات أيضاً، وكذلك عرف طيب يدركه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوة قوتيه الباصرة والشامة وإن لم يكن يحس به غيره ولا حاجة على ذلك إلى التأويل الذي ذكره.
ويشهد بما ذكرته ما رواه في (البحار) من أمالي الشيخ عن (المفيد) عن علي بن محمد البزاز عن زكريا بن يحيى الكشحي عن أبي هاشم الجعفري قال: سمعت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لنا أعين لا تشبه أعين الناس، وفيها نور ليس للشيطان لها نصيب (2).
وفي (شرح المعتزلي) روى عن جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل الرسالة الضوء ويسمع الصوت، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكاً في النبوة فإن لا تكن نبياً فإنك وصي نبي ووارثه بل أنت سيد الأوصياء» (3).
الثامنة : ما أشار إليه بقوله : (ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة) والصوت؟ (فقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته) أي من أن يُعبد له.
وهذه المنقبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) تدل على كمال قوته السامعة أيضاً وسماعه ما لا يسمعه غيره.
وأما رنين هذا اللعين فقد روى علي بن إبراهيم القمي عن أبيه عن الحسن بن علي بن فضال عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن إبليس رنّ رنيناً لما بعث الله نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على حين فترة من الرّسل وحين أنزلت أمّ الكتاب (1).
وروى المحدّث العلامة المجلسي في كتاب (حياة القلوب) عن الصدوق عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن إبليس رنّ أربع رنّات : يوم لعن ويوم أهبط إلى الأرض، وحين بعث محمد على حين فترة من الرسل، وحين نزلت أم الكتاب.
وفي (شرح المعتزلي) من (مسند) أحمد بن حنبل عن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كنت مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صبيحة الليلة التي أسري به فيها وهو بالحجرة يصلي، فلما قضى صلاته وقضيت صلاتي سمعت رنّة شديدة فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ قال: «ألا تعلم هذه رنّة الشيطان علم أني أسري في الليلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الأرض» (2).
التاسعة : ما أشار إليه بقوله : (إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى) ظاهر هذا الكلام يفيد أن الإمام يسمع صوت الملك ويعاينه كالرسول.
أما سماع الصوت فلا غبار عليه ويشهد به أخبار كثيرة.
وأما المعاينة فيدلّ عليه بعض الأخبار.
مثل ما في (البحار) من أمالي الشيخ بإسناده عن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله يقول : إن منا لمن ينكت في قلبه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة في الطشت وأنّ منّا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرائيل وميكائيل، وقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): منا من ينكت في قلبه، ومنا من يخاطب، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن منا لمن يعاين معاينة وإن منا لمن ينقر في قلبه كيت وكيت وإن منا لمن يسمع كوقع السلسلة في الطشت قال قلت والذي يعاينون ما هو ؟ قال خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل (3).
ولكن الظاهر من الأخبار الكثيرة أن الإمام يسمع الصوت ولا يعاين، ومن ذلك اضطر المحدّث العلامة المجلسي (رَحمهُ اللّه) بعد رواية هذه الرواية إلى تأويلها بقوله : والمراد بالمعاينة معاينة روح القدس وهو ليس من الملائكة مع أنه يحتمل أن تكون المعاينة في غير وقت
المخاطبة، انتهى.
وتمام الكلام إن شاء الله في التنبيه الثاني من التنبيهات الآتية هذا.
ولما كان ظاهر قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أ«نك تسمع ما أسمع وترى ما أرى»، موهماً للمساوات بينه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبينه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) استدرك ذلك بقوله : (إلا أنك لست بنبي) ونظير هذا الاستدراك قد وقع في كلام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)وهو :
ما رواه في «البحار» من البصائر بسنده عن علي السائي قال: سألت الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مبلغ علمهم، فقال: مبلغ علمنا ثلاثة وجوه: ماض، وغابر، وحادث. فأما الماضي فمفسر وأما الغابر فمزبور، وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا (1).
فإن النكث والنقر لما كانا مظنة لأن يتوهم السائل فيهم النبوة قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولا نبي بعد لك نبينا، ويتضح معنی هذا الحديث مما نورده في التنبيه الثاني إن شاء الله.
ثم إنه لما نفى عنه النبوة أثبت له الوزارة وهي عاشر المناقب، فقال: (ولكنك لوزير وإنك لعلى خير) بشره بالوزارة ونبه به على أنه الصالح لتدبير أمور الرسالة والمعاون له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في نظم أمور الدين وتأسيس قواعد شرع المبين وإصلاح أمور الإسلام والمسلمين، ثم شهد به أنه على خير وأشار به على استقراره وثباته على ما هو خير الدنيا والآخرة، وأنه مجانب لما هو شرّ الدنيا والآخرة.
وهذا معنى عام متضمن لكونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جامعاً لجميع الكمالات والمكارم الدنيوية والأخروية والمحامد الصورية والمعنوية وكونه راسخاً فيها غير متزلزل ولا متكلف، هذا.
واعلم أن هذا الفصل من الخطبة الشريفة لما كان متضمناً لجلّ مسائل الرسالة والإمامة حسيما عرفته أتيت في شرحه من الروايات الشريفة والتحقيقات اللطيفة بما هو مقتضى مذهب الفرقة الناجية الإمامية، وأضربت عن روايات عامة ضعيفة أوردها الشارح المعتزلي في بيان عصمة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالملائكة.
والعجب من مبالغة الشارح البحراني له في إيراد بعض هذه الأخبار مع أنها مضافة إلى أنها خلاف أصول الإمامية مما تشمئز عنها الطباع وتنفر عنها الأسماع كما هو غير خفي على من لاحظ الشرحين بنظر الدقة والاعتبار.
1) بصائر الدرجات 338، والكافي 264/1.
ثم لما بقي هنا بعض مطالب محتاجة إلى بسط من الكلام أردت إيرادها وتحقيق ما هو محتاج إلى التحقيق في ضمن تنبيهات ثلاثة، فأقول وبالله التوفيق :
اعلم أنا قد قلنا في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فاتحة هذا الفصل : ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي : إن من جملة الأوامر الآمرة بقتاله لهم قوله : (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ اَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يخافُونَ لَوْمَةَ لائم ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمُ) [المائدة : 54].
لكن جمعاً من العامة العمياء المتعصبين من المعتزلة والأشاعرة زعموا أن الآية ناظرة إلى أبي بكر ودالة على صحة إمامته وقد أفرط في هذا المعنى الناصب المتعصب، فخر المشككين والمضلين خذله الله تعالى وحشره مع أوليائه المرتدين فأحببت أن أورد مقالهم وأعقبه بالتنبيه على أخطائهم وضلالهم فأقول :
قال الشارح المعتزلي في شرح هذا الفصل :
واعلم أن أصحابنا قد استدلوا على صحة إمامة أبي بكر بهذه الآية، قال قاضي القضاة في «المغني»: وهذا خبر من الله تعالى ولا بد أن يكون كائناً على ما أخبر به، والذين قاتلوا المرتدين هم أبو بكر وأصحابه فوجب أن يكونوا هم الذين عناهم الله سبحانه بقوله : «يحبهم ويُحبونه»، وذلك يوجب أن يكون على صواب، انتهى.
وقال الفخر الرازي في تفسير الآية: اختلفوا في أن أولئك القوم من هم؟، فقال علي بن أبي طالب والحسن والقتادة والضحاك وابن خريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الرّدة، قالت عائشة : مات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وارتدت العرب واشتهر النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها.
وقال السدي: نزلت الآية في الأنصار، لأنهم هم الذين نصروا الرسول وأعانوه على إظهار الدين.
وقال مجاهد: نزلت في أهل،يمن، وروى مرفوعاً أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما نزلت هذه الآية أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال: «هم قوم هذا».
وقال آخرون : هم الفرس لأنه الفرس لأنه روي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن النبي لما سئل عن هذه الآية ضرب بيده على عاتق سلمان وقال : «هذا وذووه»، ثم قال : «لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس».
وقال قوم: إنها نزلت في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويدل عليه وجهان :
الوجه الأول: أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما دفع الراية إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم خيبر قال: «لأدفعنّ الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، وهذا هو الصفة المذكورة في الآية (1).
والوجه الثاني : أنه تعالى إنما ذكر بعد هذه الآية قوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُوله [المائدة : 55] الآية، وهذه في حق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان الأولى جعل ما قبلها أيضاً في حقه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهذه جملة الأقوال في هذه الآية، ولنا في هذه الآية مقامات :)المقام الأول : أن هذه الآية من أدلّ الدلائل على فساد مذهب الإمامية من الروافض.وتقرير مذهبهم أن الذين أقروا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدّين، لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ.)فنقول : لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ويرتهم إلى الدين الحق بدليل قوله : (مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي الله بقوم [المائدة: 54] الآية، وكلمة (من) في معرض الشرط للعموم، فهي تدل على أن كل من صار مرتداً عن دين الإسلام فإن الله يأتي بقوم يقهرهم ويردّهم ويبطل شوكتهم.
فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم، ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون من إظهار مقالاتهم الباطلة أبداً منذ كانوا علمنا فساد مذهبهم ومقالتهم، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف.
المقام الثاني : أنا ندعي أن هذه الآية يجب أن يقال أنها نزلت في حق أبي بكر والدليل عليه وجهان :
الوجه الأول: أن هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين وأبو بكر هو الذي تولى محاربة المرتدّين، ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لأنه لم يتفق له محاربة المرتدّين، ولأنه تعالى قال: فَسَوْفَ يَأْتِي الله [المائدة: 54]، وهذا للاستقبال لا للحال، فوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب.
فإن قيل : هذا لازم عليكم، لأن أبا بكر كان موجوداً في ذلك الوقت.
قلنا : الجواب من وجهين :
1) المسترشد 299، وأمالي الطوسي 614.
الأول : أن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردّة ما كانوا موجودين في الحال.
والثاني: أن معنى الآية أن الله تعالى قال: فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب، وأبو بكر وإن كان موجوداً في ذلك الوقت إلا أنه ما كان مستقلاً في هذا
الوقت بالحراب والأمر والنهي فزال السؤال فثبت أنه لا يمكن أن يكون هو الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولا يمكن أن يكون المراد هو علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأن علياً لم يتفق له قتال مع أهل الردّة فكيف تحمل هذه الآية عليه.
فإن قالوا : بل كان قتاله مع أهل الردة، لأن كل من نازعه في الإمامة كان مرتداً.
قلنا : هذا باطل من وجهين :
الأول: أن اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركاً للشرائع الإسلامية والقوم الذين نازعوا علياً ما كانوا كذلك في الظاهر وما كان أحد يقول إنهم خرجوا عن الإسلام وعلي لم يسمهم البتة بالمرتدين فهذا الذي يقوله هؤلاء الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلمين وعلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً.
الثاني : أنه لو كان كل من نازعه في الإمامة مرتداً لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا مرتدين، ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي الله بقوم يقهرونهم ويردونهم إلى الدين الصحيح، ولما لم يوجد ذلك البتة علمنا أن منازعة علي في الإمامة لا يكون ردّة، وإذا لم تكن ردّة لم يمكن حمل الآية على عليّ لأنها نازلة فيمن يحارب المرتدين.
ولا يمكن أيضاً أن يقال: إنها نازلة في أهل فارس أو في أهل اليمن لأنهم لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين وبتقدير أنه اتفقت لهم هذه المحاربة ولكنهم كانوا رعيّة وأتباعاً وأذناباً، وكان الرئيس المطاع الآمر في تلك الواقعة هو أبو بكر ومعلوم أن حمل الآية على من كان أصلاً في هذه العبادة ورئيساً مطاعاً فيها أولى من حملها على الرعية والأتباع والأذناب فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية مختصة بأبي بكر.
والوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر هو :
إنا نقول: هب أن علياً قد كان حارب المرتدين، ولكن محاربة أبي بكر مع المرتدين كانت أعلى حالاً وأكثر موقعاً في الإسلام من محاربة علي مع من خالفه في الإمامة وذلك لأنه علم بالتواتر أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما توفي اضطربت الأعراب وتمردوا وأن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة وطليحة، وهو الذي حارب مانعي الزكاة، ولما فعل ذلك استقر الإسلام وعظمت شوكته وانبسطت دولته.
أما لما انتهى الأمر إلى علي فكان الإسلام قد انبسط في الشرق والغرب وصار ملوك الدنيا مقهورين وصار الإسلام مسئولياً على جميع الأديان والملل فثبت أن محاربة أبي بكر اعظم تأثيراً في نصرة الإسلام وتقويته من محاربة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ومعلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون في تقوية الدين ونصرة الإسلام ولما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية.
المقام الثالث في هذه الآية: وهو أنّا ندعي دلالة هذه الآية على دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر، لما ثبت بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به، فنقول : إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات :
أولها : أنهم يحبّهم الله فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو أبو بكر ثبت أن قوله : يحبهم ويحبونه وصف لأبي بكر، ومن وصفه الله تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالماً، وذلك يدلّ على أنه كان محقاً في إمامته.
وثانيها : قوله : (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ)، وهو صفة أبي بكر أيضاً للدليل الذي قدمناه.
ويؤكده ما روي روي في الخبر المستفيض أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» (1)، فكان موصوفاً بالرحمة والشفقة على المؤمنين، وبالشدة مع الكفار.
ألا ترى أن في أول الأمر حين كان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مكة وكان في غاية الضعف كيف كان يذب عن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكيف كان يلازمه ويخدمه وما كان يبالي بجبابرة الكفار وشياطينهم وفي آخر الأمر - أعني وقت خلافته - كيف لم يلتفت إلى قول أحد وأصر على أنه لا بد من المحاربة مع مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده حتى جاء أكابر الصحابة وتضرعوا إليه ومنعوه من الذهاب.
ثم لما بلغ بعث العسكر إليهم انهزموا وجعل الله ذلك مبدءاً لدولة الإسلام، فكان قوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَ الكَافِرِينَ [المائدة: 54] لا يليق إلا به.
وثالثها قوله: يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم [المائدة: 54]، فهذا مشترك فيه بين أبي بكر وعلي إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم وأكمل.
1) راجع الغدير 385/9.
وذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كان في أول البعث، وهناك الإسلام كان في غاية الضعف والكفر كان في غاية القوة وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته ويذبّ عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بغاية وسعه.
وأما علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر واحد، وفي ذلك الوقت كان الإسلام قوياً وكانت العساكر مجتمعة.
فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من وجهين :
الأول : أنه كان متقدماً عليه في الزمان لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِى مِنكُم مِّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتح وَقَاتَل) [الحديد: 10].
والثاني : جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول وجهاد علي كان في وقت القوة.
: ورابعها : قوله: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء [المائدة: 54]، وهذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ [النور: 22] وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر.
ومما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لا بد وأن تكون في أبي بكر، ومتى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات لا بد وأن تكون لأبي بكر، وإذا ثبت هذا وجب القطع بصحة إمامته إذ لو كانت باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال: إنه كان موصوفاً بهذه الصفات حال حياة الرسول ثم بعد وفاته لما شرع في الإمامة زالت هذه الصفات وبطلت.
قلنا : هذا باطل قطعاً لأنه تعالى قال: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوم يحبّهمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة : 54] فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفات حال إتيان الله بهم في المستقبل، وذلك يدل على شهادة الله بكونه موصوفاً بهذه الصفات حال محاربته مع أهل الردّة، وذلك هو حال إمامته، فثبت بذلك الآية دلالة الآية على صحة إمامته.
أما قول الروافض، لعنهم الله : إن هذه الآية في حق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدليل أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال يوم : «لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، وكان ذلك هو علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فنقول : هذا الخبر من باب الآحاد وعندهم لا يجوز التمسك به في العمل فكيف يجوز التمسك به في العلم ؟.
وأيضاً إن إثبات هذه الصفة لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يوجب إنتفاءها عن أبي بكر وبتقدير أن يدل
على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر ومن جملة تلك الصفات كونه كراراً غير فرّار فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك، فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل.
ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن وما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد.
ولأنه معارض بالأخبار الدالة على كون أبي بكر محبّاً الله ورسوله وكون الله محبّاً له
وراضياً عنه، قال تعالى في حق أبي بكر : وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل : 21]، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلّى لأبي بكر خاصة»، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ما صبّ الله شيئاً في صدري إلا وصبّه في صدر أبي بكر»، وكل ذلك يدل على أنه كان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله (1).
وأما الوجه الثاني : وهو قولهم: الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي.
فجوابنا : أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامته، وسنذكر الكلام فيه، فهذا ما في هذا الموضع من البحث والله أعلم انتهى كلامه هبط مقامه.
ويتوجه عليه وجوه من الكلام وضروب من الملام.
الوجه الأول: أن نسبته كون المراد بقوم يحبهم ويحبونه هو أبو بكر وأصحابه إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهت وافتراء، وإنما المروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعن حذيفة وعمار وابن عباس حسبما تعرفه أن المراد به هو (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه.
الثاني: : ما ذكره من الوجه الثاني من استدلال الإمامية بأن الآية الواقعة بعد هذه الآية، أعني قوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله في حق علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان الأولى جعل ما قبلها أيضاً في حقه فاسد، لأن أصحابنا وإن قالوا بكون (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ) في حقه لكنهم لم يستدلوا بذلك على كون هذه الآية، أعني : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوم) فيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإنما استدلوا على ذلك بالوجه الأول الذي حكاه عنهم ويأتي تو ويأتي توضيحه وبما روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قوله يوم البصرة:)
1) راجع تاريخ دمشق 160/30، والغدير 88/7.
والله ما قوتل أهل الآية حتى اليوم وتلاها وبما روي عن وجوه الصحابة مثل حذيفة وعمار وابن عباس من نزولها فيه (عَلَيهِ السَّلَامُ كما قاله المرتضى في «الشافي»، ومثلهم الثعلبي قال في قوله : (فَسَوْفَ يَأتِي الله بقوم) الآية، هو علي بن أبي طالب.)الثالث: أن استدلاله على فساد مذهب الإمامية بقوله : وتقرير مذهبهم إلى قوله ولما لم يكن كذلك علمنا فساد مذهبهم، سخيف جداً، لأنا لا ننكر ارتداد أبي بكر ومن تبعه حسبما نشير إليه، ولكن نمنع دلالة الآية على أن كل من صار مرتداً عن دين الإسلام، فإن الله يأتي بقوم يردّهم إلى الإسلام وإفادة من للشرط والعموم لا يقتضي ذلك.وذلك لأنه سبحانه لم يقل: من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يجاهدهم ويقهرهم ويردّهم إلى الدين الحق كما زعمه هذا الناصب، وإنما قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله يقوم يحبهم ويحبونه (اهـ).)ولا دلالة فيها على أن القوم المأتي بهم يجاهدون هؤلاء المرتدين بل ظاهر معنى الآية ومساقها مع قطع النظر عن الأخبار أن من يرتد منكم عن دينه فلن يضر دينه شيئاً ولا يوجب ارتداده ضعفه ووهنه لأنه سبحانه سوف يأتي بقوم لهم هذه الصفات ينصرونه على أبلغ الوجوه، وبهم يحصل كمال قوته وشوكته.فيكون مساق هذه الآية مساق قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أ فَايْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 133].)وقد روى ابن شهر آشوب من طريق العامة بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية : يعني بالشاكرين علي بن أبي طالب، وبالمرتدين على أعقابهم هم الذين ارتدوا عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ.)فقد علم بما ذكرنا أن الآية لا تقتضي أن كل من ارتد لا بد وأن يأتي الله بمن يردّه عن ارتداده إلى دين الإسلام كما توهمه الرازي كيف؟ ولو كان مفهومها ذلك لوجب أن لا يوجد مرتدّ إلا وله قاهر يقهره وراد يردّه إلى دين الإسلام والمعلوم المشاهد بالتجربة والوجدان عدمه، فإن العالم ملاء من المرتدين وليس لهم دافع ولا رادع.وقد اعترف الرازي بخبطه من حيث لا يشعر فإنه نقل قبل ما حكينا عنه من كلامه في جملة كلام نقله عن صاحب (الكشاف وارتضاه.)أن من جملة المرتدين غسان قوم جبلة بن الأيهم على عهد عمر، وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر وكان ذات يوم جاراً رداءه فوطيء رجل طرف ردائه فغضب فلطمه فتظلّم
الرجل إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه إلا أن يعفو عنه فقال : أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلا القصاص، فاستنظر عمر فأنظره فهرب إلى الروم وارتد، انتهى.فأقول للرازي: إن هؤلاء كانوا مرتدّين بعد إسلامهم فلم لم يأتي الله بقوم يقهرونهم ويردّونهم إلى الإسلام على ما زعمت فعلم فساد ما قاله في معنى الآية.الرابع : قوله : إن هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين وأبو بكر هو الذي تولى محاربتهم قد علمت عدم دلالة الآية على محاربتهم فضلاً عن اختصاصها بها.وعلى التنزل وتسليم الدلالة والاختصاص فنمنع اختصاص أبي بكر بمحاربتهم لأن من جملة المرتدين الناكثين والقاسطين والمارقين وقد حاربهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ.)ومن جملتهم بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار وهو الأسود العنسي وكان كاهناً ادعى النبوة في اليمن واستولى على بلادها وأخرج عمّال رسول الله منها، فكتب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي فقتله وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل فسرّ المسلمون وقبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الغد، وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول روى ذلك في «الكشاف» وحكاه عنه الرازي أيضاً.)وإذا لم تكن المحاربة مختصة بأبي بكر فلم لا يجوز أن يكون المقصود بالآية هؤلاء المحاربون بالمرتدّين لا أبو بكر وأصحابه؟.الخامس قوله : إن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم لم يتفق له محاربة المرتدين قد علمت بطلانه.): فإن قلت : إنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لم يتول بنفسه جهاد بني مدلج، وإنما أنفذ إليهم سرية.)قلت: أبو بكر أيضاً لم يتول بنفسه.السادس : قوله: ولأنه تعالى قال : (فَسَوْفَ يَأْتِي الله بقوم، وهذا للاستقبال لا للحال فوجب أن يكون هذا القوم غير موجودين في وقت نزول الخطاب.)فيه أنه مسلم ولكنه لا ينافي كون المراد بالمرتدين بنو مدلج أو قوم مسيلمة فإن محاربة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لهم كان بعد مضي نزول الخطاب وفي آخر عمره الشريف، أما بنو مدلج فقد عرفت، وأما مسيلمة فقد ادعى النبوة فأنفذ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لقتله جماعة من المسلمين وأمرهم أن يفتكوا به إن أمكنهم غيلة، واستقر عليه قبائل من العرب وقتل على يدي وحشي قائل حمزة بعد موت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)السابع : قوله : إن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردة ما كانوا موجودين في الحال.
فيه أولاً : أنه رجم بالغيب فمن أين له إثبات عدم وجودهم، بل بين الفساد لأن المرتدين هم الذين كانوا في زمن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مثل خالد بن الوليد وأبو قتادة الأنصاري ونظرائهم وجلهم كان في جيش أسامة كما يظهر من كتب السير.)وثانياً : بعد التنزل أن عدم وجودهم لا ينفع بحال أبي بكر على ما زعم مع كونه موجوداً بل يدخل المقاتلون معه في عموم الآية لعدم كونهم موجودين ويخرج هو بنفسه عنه لكونه موجوداً، فافهم جيداً.الثامن: قوله : إن معنى الآية إن الله قال فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكنين من هذاالحرب - إلى قوله - والأمر والنهي.فيه إذا كان البناء في معنى الآية على ذلك فلنا أن نقول: إن أمير المؤمنين أيضاً كان موجوداً في ذلك الوقت وفي زمان أبي بكر لكنه لم يكن متمكناً من الحرب والأمر والنهي إلى أن استقلّ بالأمر، فقاتل المرتدين من الناكثين والقاسطين والمارقين غاية الأمر إن عدم استقلال أبي بكر بوجود الرئيس الحق وهو رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وعدم استقلال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوجود رئيس الباطل أعني الغاصبين للخلافة مع عدم المعاون.)التاسع : قوله : فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول (صلى الله عليه [وآله] وسلم قد علمت فساده وإمكان إرادته.)العاشر: قوله : اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركاً للشرائع الإسلامية (اهـ.)فيه أنه إن أراد به تركه لجميعها فيتعرض عليه بأن مانعي الزكاة لم يكونوا تاركين للجميع وإنما منعوا الزكاة فحسب فكيف حكمتهم بارتدادهم ويدل على ما ذكرنا من عدم تركهم للجميع، مضافاً إلى ما يأتي قول قاضي القضاة في «المغني» حيث قال: فإن قال قائل : فقد كان مالك يصلي، قيل له : وكذلك سائر أهل الردة والكفر وإنما كفروا بالامتناع من الزكاة واعتقاد إسقاط وجوبها دون غيره.وإن أراد به تناول الاسم ولو بترك بعضها فنقول : إن المحاربين لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ قد كانوا تاركين للبعض حيث أنهم قد كانوا يستحلون قتاله وقتله وقتل سائر المؤمنين التابعين له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضلاً عن إنكارهم النص الجلي ونقضهم لبيعته.)واستحلال قتل المؤمنين وسفك دمائهم فضلاً عن أكابرهم وأفاضلهم أشدّ من استحلال الخمر وشربه قطعاً، فيكونوا كفاراً مرتدين.مع أن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلا خلاف بين أهل النقل: يا علي حربك حربي وسلمك)
سلمي» (1، ونحن نعلم أن المقصود به ليس إلا التشبيه في الأحكام، ومن أحكام محاربي النبي الكفر والارتداد بالاتفاق.)وملخص الكلام ومحصل المرام أن الردة التي نقولها في حق محاربي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ هي بعينها مثل الردة التي تقولونها في حق مانعي الزكاة حرفاً بحرف.)قال شارح صحيح مسلم في «المنهاج» في كتاب الإيمان كلاماً استحسنه من الخطابي ما هذا لفظه قال بعد تقسيم أهل الردة إلى ثلاثة أقسام :فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فإنهم أهل بغي ولم يسمّوا على الانفراد منهم كفاراً وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن اسم الردة اسم لغوي وكل من انصرف عن أمر كان مقبلاً عليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين وعلّق بهم اسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقاً، انتهى (2.)وهذا الكلام كما ترى صريح في أن مانعي الزكاة كانوا مقيمين على أصل الدين لكنه أطلق عليهم اسم المرتد لترك بعض حقوق الدين الواجبة، هذا.وأما استبعاد الشارح المعتزلي لارتدادهم - أعني الناكثين والقاسطين والمارقين - بأنهم لا يطلق عليهم لفظ الردة.أما اللفظ فبالاتفاق منا ومن الإمامية وإن سموهم كفاراً.وأما المعنى فلأن في مذهبهم أن من ارتد وكان قد ولد على فطرة الإسلام بانت امرأته منه وقسم ماله بین ورثته وكان على زوجته عدة المتوفى عنها زوجها ومعلوم أن أكثر المحاربين لأمير المؤمنين قد ولدوا في الإسلام ولم يحكم فيهم بهذه الأحكام.ففيه منج أن الإمامية لا يطلقون عليهم اسم المرتد ومن أخبارهم المشهورة: ارتد الناس بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إلا ثلاثة أو أربعة.)وأما ما حكاه عنهم من أن مذهبهم أن من ارتد وكان قد ولد على الفطرة (اهـ، فهو حق لكن نجيب عنه بأن أحكام الكفار كما أنها مختلفة وإن كان شملهم اسم الكفر، فإن منهم من يقتل ولا يستبقى ومنهم من يؤخذ منهم الجزية ولا يقتل إلا بسبب طار غير الكفر، ومنهم من لا يجوز نكاحه على مذهب أكثر المسلمين، فكذلك من الجائز اختلاف أحكام)
الارتداد ويرجع في أن حكمهم مخالف لأحكام سائر الكفار والمرتدين إلى فعله وسيرته فيهم.ولذلك قال الشافعي : أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).)وبالجملة، فلو لم يكن الباغون عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ كفاراً مرتدين لما حاربهم أمير المؤمنين ولا استحل سفك دمائهم ولم يكن مأموراً من الله تعالى ومن رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقتالهم على ما صرح به في أول هذا الفصل من كلامه بقوله : «وقد أمرني الله بقتال أهل البغي» (اهـ)(1).)إذ المسلم لا يجوز سفك دمه واستحلال قتله فلما حاربهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ ثبت بذلك كفرهم وارتدادهم.)ولما لم يسر فيهم بسيرة سائر الكفار من سبيهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم واتباع موليهم وإجهاز جريحهم، ولم يسر فيهم بسيرة سائر المرتدين من إبانة امرأتهم وتقسيم أموالهم وغيرها من الأحكام، علمنا بذلك اختلاف أحكامهم مع أحكام سائر الكفار والمرتدين فإن فعل الإمام وسيرته كقوله حجة متبعة مثل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)وإن شئت مزيد تحقيق لهذا المقامفأقول : إن ارتداد المنحرفين عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ كائناً من كان من الغاصبين للخلافة أو الباغين عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإطلاق اسم المرتد عليه قد ورد في الروايات العامية كوروده في أخباز الخاصة.)ففي غاية المرام عن الثعلبي قال: أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن شبيب حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أنه كان يحدّث عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: «يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض، فأقول : يا ربّ أصحابي فيقال : إنك لا علم لك بما أحدثوا أنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».)وفيه من صحيح البخاري في الجزء الخامس على حد ثلثه الأخير في تفسير قوله : (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهم [المائدة: 117] قال : حدثنا شعبة قال : أخبرنا المغيرة بن النعمان قال : سمعت سعيد بن جبير عن ابن
1) البحار 475/14.
عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ) خطب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: «يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة غرلاً»، ثم قال : (كَمَا بَدَأَنَا أَوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء : 104] إلى آخر الآية، ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا ربّ أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد فقال : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»(1).
ورواه فيه من صحيح مسلم في الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة من ثلثه الأخير بسنده عن ابن عباس نحوه (2).
وفيه من البخاري من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كان يحدث عن بعض أصحاب النبي قال : «يرد على الحوض رجال من أمتي فيجلون (3)عنه فأقول : يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك أنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى» (4).
فإن قلت: غاية ما يستفاد من هذه الروايات أن جماعة من أمته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ارتدوا بعده، ولا دلالة على أنهم مبغضو أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمخالفون له.
قلت : الجواب أولاً أنه قد ورد في النبوي المتفق عليه بالنقل البالغ حد الاستفاضة علي مع الحق والحق مع علي يدور معه ومن جملة طرقه الزمخشري في ربيع الأبرار قال : استأذن أبو ثابت مولى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أم سلمة (رضي الله عنها) فقالت: مرحباً بك يا أبا ثابت أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال : تبع عليّ، فقالت: والذي نفسي بیده سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «علي مع الحق والقرآن والحق والقرآن معه ولن يفترقا حتى يردّا علي الحوض».
ومن المعلوم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا كان معهما وكانا معه مصاحبين حتى يردا على الحوض يكون مخالفوه المنحرفون عنه مخالفين للحق والقرآن مفترقين عنهما البتة وليس معنى الارتداد إلا ذلك فيكون المرتدون والمجلون عن الحوض هم هؤلاء.
وبمعناه ما رواه إبراهيم بن محمد الحمويني مسنداً عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا أتينا أبا أيوب الأنصاري وقلنا له: يا أبا أيوب إن الله تعالى أكرمك بنبيه حيث كان ضيفاً لك فضيلة من الله فضلك بها أخبرنا بمخرجك مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقاتل أهل لا إله إلا الله قال : أقسم لكما بالله لقد كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هذا البيت الذي أنتما فيه معي، وما في البيت غير رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلي جالس عن يمينه وأنا جالس عن يساره وأنس قائم بين يديه، إذا حرّك الباب فقال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «افتح لعمّار الطيب المطيب»، ففتح الناس الباب ودخل عمار، فسلّم على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و فرحب به ثم قال لعمار: «إنه سيكون في أمتي بعدي هناة حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضاً، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني - يعني علي بن أبي طالب - فإذا سلك الناس كلهم وادياً وسلك علي وادياً فاسلك وادي علي وخلّ عن الناس يا عمار إن علياً لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردی یا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله عزّ وجل» (1).
ودلالته على المدعي غير خفية.
وثانياً : إنه قد وقع التصريح منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن المرتدين المطرودين عن الحوض مبغضوه (عَلَيهِ السَّلَامُ)في ما رواه موفق بن أحمد أخطب خوارزم بسنده عن إبراهيم بن عبد الله بن العلا عن أبيه عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده، عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال :
قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم فتح خيبر : «لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك مقالاً بحيث لا تمر على ملاء من المسلمين إلا أخذوا من تراب رجليك وفضل طهورك، يستشفعون به ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ترثني وأرثك وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. يا علي أنت تؤدي ديني وتقاتل على سنتي وأنت في الآخرة أقرب الناس مني وإنك يا علي غداً على الحوض خليفتي تذود عنه المنافقين وأنت أول من يرد على الحوض وأنت أول داخل في الجنة من أمتي، وإن شيعتك على منابر من نور رواء مرويين مبيضة وجوههم حولي أشفع لهم فيكونون في الجنة غداً جيراني، وإن أعداءك غداً أظماء مظمئين مسوّدة وجوههم يتقحمون مقمعون يضربون بالمقامع وهي سياط من نار مقتحمين حربك حربي، وسلمك سلمي، وسرّك سرّي، وعلانيتك علانيتي، وسريرة صدرك كسريرة صدري وأنت باب علمي وإن ولدك ولدي، ولحمك لحمي ودمك دمي، وأن الحق معك والحق على لسانك وفي قلبك وبين
1) مناقب آل أبي طالب 7/3، والبحار 17/33.
عينيك، والإيمان خالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي وأن الله عزّ وجل أمرني أن أبشرك أنك أنت وعترتك في الجنة، وعدوك في النار وعترتك في الجنة، وعدوك في النار لا يرد على الحوض مبغض لك، ولا يغيب عنه محب لك».
قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فخررت ساجداً الله تعالى وحمدته على ما أنعم به عليّ من الإسلام والقرآن وحببني إلى خاتم النبيين وسيد المرسلين (1).
وقد أوردت هذه الرواية بطولها لتضمنها وجوهاً من الدلالة على المدعي كما لا يخفى على المنصف المجانب عن العصبية والهوى.
فقد علم بذلك كله أن المحاربين له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كالمنتحلين للخلافة مرتدون على لسان الله والنبي والوصي ومنكر ارتدادهم منكر للنص الجلي.
الحادي عشر : قوله : لو كان كل من نازعه في الإمامة مرتداً (اهـ).
فيه أن ارتدادهم مسلّم حسبما عرفت ولكن وجوب إتيان الله بقوم يقهرونهم بحكم الآية غير لازم، لما عرفت أيضاً من عدم اقتضاء الآية ذلك لأنه سبحانه قال : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ولم يقل : يقهرونهم ويردونهم إلى الدين الصحيح.)لا يقال : لو كان أبو بكر وقومه مرتدين الحاربهم أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ كما حارب الناكثين والقاسطين والمارقين.)لأنا نقول : نعم، ولكن تركه لمحاربتهم لأنه لم يجد عوناً له على الحرب كما أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى ذلك في الخطبة الثالثة بقوله : وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى. وفي الفصل الثاني من الخطبة السادسة والعشرين فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت وأغضبت على القذى وشربت على الشَّجى وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم.)ومما رواه عنه نصر بن مزاحم وكثير من أرباب السير أنه قال عقبب وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: لو وجدت أربعين ذوي عزم.)وقد سأل الرماني عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : فقلت :له يا ابن رسول الله أخبرني عن علي بن أبي طالب لِمَ لَم يجاهد أعداءه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مثلما جاهد في أيام)
1) البحار 248/38، ومناقب الخوارزمي 129.
ولايته ؟ فقال : لأنه اقتدى برسول الله في تركه جهاد المشركين بمكة ثلاثة عشر سنة بعد النبوة وبالمدينة تسعة عشر شهراً، وذلك لقلة أعوانه عليهم (1.)فلما لم تبطل نبوّة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مع تركه الجهاد لم تبطل ولاية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتركه الجهاد خمساً وعشرين سنة إذ كانت العلة المانعة لهما عن الجهاد واحدة.)الثاني عشر : قوله : ومعلوم أن حمل الآية على الرئيس المطاع أولى.فيه منع الأولوية أولاً ومنع اقتضاء الأولوية على فرض تسليمه للاختصاص ثانياً.الثالث عشر : قوله : ولكن محاربة أبي بكر مع المرتدّين كانت أعلى حالاً - إلى قوله - : وجب أن يكون هو المراد بالآية.فيه :أولاً : إن محاربة أبي بكر كانت عقيب وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وكان الأنصار والمهاجرون وسائر المسلمين رغباتهم متوافرة وأيديهم متناصرة وآرائهم متفقة وأبدانهم مجتمعة وأهوائهم متحدة وكلمتهم واحدة في حماية الدّين وفي ذبّ الكفار عن شرع سيد المرسلين، وكان المرتدون شرذمة قليلين فحارب أبو بكر هؤلاء الجماعة الكثيرة المتفقة ذوي الحمية والعصبية هذه الشرذمة القليلة مع ما بين الطرفين من عداوة الدين وتضادّ المذهب على رأي المجاهدين المقتضي للجد والثبات في الحرب.)وأما حرب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ فقد كانت بعد السنين المتطاولة وتعوّد الناس على محدثات المتخلفين الثلاثة وبدعاتهم مع كون سيرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهم بخلاف سيرة الشيخين الموجب لتقاعدهم عنه ومخالفتهم له، وكون هوى أكثرهم في الباطن خلاف هوى أمير المؤمنين ورأيهم مخالفاً لرأيه.)بل كان أكثرهم في شك وتردد من جواز قتال حرم رسول الله عائشة وجهاد قوم هم من أهل القبلة على ظاهر الإسلام وقوم لهم ثفنات في مساجدهم كثفنات البعير أجهد منهم عبادة وأكمل قراءة.فقاتل بهؤلاء الجماعة المختلفة الأهواء والمشتتة الآراء الضعفاء الاعتقاد المرتدين على كثرتهم، بمقتضى تصلبه في الدين من دون أن يأخذه لومة لائم غير هائب ولا محتشم.فحارب مع من حالهم ذلك بالناكثين وقد بلغوا تسعة آلاف، وبالقاسطين وقد كانوا زهاء مائتي ألف وبالمارقين وكانوا اثني عشر ألفاً في أول أمرهم وأربعة آلاف في آخره
1) علل الشرائع 148/1 ح 5، وعيون أخبار الرضا 88/1 ح 16.
فانظر ماذا ترى؟.هل كانت محاربته (عَلَيهِ السَّلَامُ والحال بما وصفت أولى وأحق بالتعظيم وأن تقصد بالآية الشريفة أم محاربة أبي بكر ؟!)وثانياً : إن محاربة أبي بكر لم تكن إلا بمحض الأمر والنهي وإنهاض الجيش والبرايا، وقد كان جالساً في كسر بيته وحوله المهاجرون والأنصار في أمن وراحة وطيب عيش ودعة على مصداق قوله :ألا طعان الا فرسان عادية***الا تجشوكم حول التنانيروأما أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ فقد كان شاهراً سيفه واضعاً له على عاتقه في حروب يضطرب لها فؤاد الجليد ويشيب لهولها فؤاد الوليد ويذوب لتسعر بأسها زبر الحديد، ويَجِبُ منها قلب البطل الصنديد.)فتولى (عَلَيهِ السَّلَامُ الحرب بنفسه النفيسة فخاض غمارها واصطلى نارها ودوّخ أعوانها وأنصارها، وأجرى بالدماء أنهارها وحكم في مهج الناكثين والقاسطين والمارقين فجعل بوارها فصارت الفرسان تتحاماه إذا بدر والشجعان تلوذ بالهزيمة إذا زار عالمة أنه ما صافحت صفحة سيفه مهجة إلا فارقت جسدها، ولا كافح كتيبة إلا افترس ثعلب رمحه أسدها.)وهذا حكم ثبت له بطريق الإجمال وحال اتصف به بعموم الاستدلال.وأما تفصيله فليطلب من مظانه من الكتاب، فإنه لا يخفى على ذوي البصائر وأولي الألباب.فأنشدك بالله هل مجاهدة ذلك أجدر وأحرى بالمحمدة والثناء؟ أم محاربة هذا ؟! جزى الله خير الجزاء من تجنب العصبية والهوى.الرابع عشر : قوله : فلما ثبت أن المراد بهذه الآية أبو بكر ثبت أن قوله : يحبهم ويحبونه وصف له.فيه أن الاستدلال على اتصاف أبي بكر بهذا الوصف وما يتلوه من الأوصاف بسبب اختصاص الآية به أشبه شيء بالأكل من القفا، إذ المناسب لرسم المناظرة أن يقيم الدليل أولاً على اتصاف أبي بكر بهذه الأوصاف ثم يستدل بذلك على أن الآية في حقه لا بالعكس.مع أنك قد علمت عدم دلالة الآية على خلافته فضلاً عن الاختصاص فلم يثبت اتصافه
بها بما زعمه من الدليل، بل قد علمت بما ذكرناه ونذكره نزولها في أمير المؤمنين وأنه المتصف بهذه الأوصاف لا غير.الخامس عشر : قوله : ومن وصفه الله بذلك يمتنع أن يكون ظالماً.هذا مسلّم لكن ظلمه محقق فاتصافه به ممتنع فمبطليته في الإمامة محققة لا غبار عليها.أما تحقق ظلمه فلأن أعظم الظلم الشرك بالله وعبادة الأوثان كما قال عز من قائل : (إن الشِركَ لَظُلٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]، وأبو بكر قد كان مشركاً مدة مديدة وزمناً طويلاً من عمره، فيكون ظالماً البتة، ومن كان كذلك لا يستحق الإمامة بمقتضى قوله سبحانه : (ولا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]. روى أبو الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي مسنداً - حذفت الإسناد للاختصار - عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «أنا دعوة أبي إبراهيم»، قلت يا رسول الله وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: «أوحى الله عزّ وجل إليه إني جاعلك للناس إماماً»، فاستخف إبراهيم الفرح قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ومن ذريتي أئمة مثلي؟ فأوحى الله عزَّ وجل إليه : أن يا إبراهيم إني لا أعطيك عهداً لا أفي لك به، قال : يا ربّ ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال: أعطيك عهداً لظالم من ذريتك، قال إبراهيم عندها : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ربّ إنهن أضللن كثيراً من عبادك، فقال النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «فانتهت إلي وإلى علي، لم يسجد أحدنا لصنم قط فاتخذني نبياً واتخذ علياً وصيّاً» (1).
وقال الواحدي في تفسير قوله تعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] : أعلمه أن في ذريته الظالم.
قال : وقال السدي: عهدي نبوتي يعني لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة في الدين من كان ظالماً في ولدك.
قال: وقال الفراء : لا يكون للناس إمام مشرك.
وقد ظهر بذلك كون المشرك ظالماً غير مستحق للإمامة ولا كلام في شرك أبي بكر في أول أمره، فظلمه في بداية حاله ثابت، وأما ظلمه بعد إسلامه فكذلك لأنه لم يكن معصوماً بالاتفاق حتى يكون له قوة العصمة المانعة من الظلم على نفسه وعلى غيره، وقد قال على المنبر : إن لي شيطاناً يعتريني فإذا ملت فسدّدوني، فمن كان محتاجاً إلى تسديد الغير
1) الطرائف 79 ح 106، ونهج الإيمان 153.
عند الميل والانحراف عن الرشاد كيف يكون مسدّداً لغيره على ما هي وظيفة الإمامة.
ومن ظلمه العظيم غصبه للخلافة وحكمه بإخراج أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بيته ملبياً للبيعة وانتزاع فدك من يد الصدّيقة الطاهرة حسبما عرفت وتعرف في تضاعيف الشرح ذلك كله بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة.
ومن عظيم ظلمه الذي صار عليه من أعظم المطاعن - مضافاً إلى مطاعنه الأخرى - محاربته مانعي الزكاة مع عدم كونهم مرتدين وتركه إقامة الحد والقود على خالد بن الوليد وقد قتل مالك بن نويرة وضاجع المرأة من ليلته وأشار إليه عمر بقتله وعزله، فقال: إنه سيف من سيوف الله سلّه الله على أعدائه وقال عمر مخاطباً لخالد لأن وليت الأمر لأقيدنك له.
وقد روى تفصيل ذلك أرباب السير ورواه أصحابنا في جملة مطاعن أبي بكر، ولا حاجة بنا في هذا المقام إلى ذكر التفصيل وإنما نورد ما له مزيد مدخل في إثبات المدعي فأقول :
روى الطبري في (تاريخه) ورواه غيره أيضاً في جملة ما رواه من تلك القضية أن من جملة السرية المبعوثة إلى بني يربوع قوم مالك بن نويرة أبا قتادة الحارث ابن ربعي فكان ممن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا، فحدث أبو قتادة الأنصاري خالد بن الوليد بأن القوم ماذوا بالإسلام وأن لهم أماناً، فلم يلتفت خالد إلى قوله وأمر بقتلهم وقسم سبيهم، فحلف أبو قتادة أن لا يسير تحت لواء خالد في جيش أبداً، وركب فرسه شادّاً إلى أبي بكر وأخبره بالقصة وقال : إني نهيت خالداً عن قتله فلم يقبل قولي وأخذ بشهادة الأعراب الذين غرضهم الغنائم، وأن عمر لما سمين ذلك تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: إن القصاص قد وجب عليه، ولما أقبل خالد بن الوليد قافلاً دخل المسجد وعليه قباء له عليه صداء الحديد معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهماً فلما دخل المسجد قام إليه عمر فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها ثم قال يا عدي نفسه عدوت على امرء مسلم فقتلته ثم نزوت على امرأته والله لنرجمنك بأحجارك، وخالد لا يكلمه ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر مثل ما رأى عمر فيه حتى دخل إلى أبي بكر واعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه (1).
وقد رواه الشارح المعتزلي أيضاً في (الشرح) وفي غير ذلك المقام وقال عقيب ذلك :
فكان عمر يحرض أبا بكر على خالد ويشير عليه أن يقتص منه بدل مالك، فقال أبو بكر: إيهاً يا عمر، ما هو بأول من أخطأ فارفع لسانك عنهم، ثم ودى ودى ذلك من بيت مال
1) شرح نهج البلاغة 206/17.
المسلمين انتهى (1).
فقد علم بذلك أن أبا بكر كان ظالماً فكيف يكون محبوباً الله سبحانه ومحباً له؟!.
ثم لا يخفى عليك أن الله وصف القوم المأتي بهم بالمحبة ولم يخص المحبة بالرئيس فقط، ومن جملة المحاربين للمرتدين على زعمهم خالد بن الوليد الذي عرفت حاله من هتكه لناموس الإسلام وتضييعه لشرع سيد الأنام أفترى من نفسك أن تحكم بأنه محبوب ومحبه ؟! حاشا ثم حاشا.
السادس عشر : قوله : أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين، صفة لأبي بكر للدليل الذي قدمناه.
فيه أولاً : أنك قد عرفت عدم تمامية الدليل وعدم اختصاص الآية بأبي بكر، والخبر الذي رواه من قوله: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» مما تفرد العامة بروايته لا يكون حجة علينا.
وثانياً: أن قوله : ألا ترى أن في أول الأمر كيف كان يذب عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟
فيه أنه لم يسمع إلى الآن ذبّ منه عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يكن له نسب معروف ولا حسب مشهور ولا فضل مأثور ولا صيت مذكور، ولم يكن يومئذ ممن يعتنى بشأنه ويعبأ به في عداد الرجال حتى يذب عن رسول الله، ألم يكن يومئذ مثل شيخ بطحاء أبي طالب وأسد الله حمزة وذي الجناحين جعفر وأسد الله الغالب أمير المؤمنين وسائر فتية بني هاشم وأنجاد بني عبد مناف محدقين حوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حامين له، ذابين عنه، حتى يكون الذاب عنه مثل أخي تيم الجلف الجافي الرذل، ولو كان له تلك المقام والمنزلة لم يعزله رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) عن إبلاغ سورة براءة.
وثالثاً : قوله : وفي آخر الأمر أصر على المحاربة مع مانعي الزكاة.
فيه أنك قد علمت أن مانعي الزكاة لم يكونوا من المرتدين بل كانوا مسلمين ولذلك صارت محاربته معهم من أعظم المطاعن عليه فاستحق بذلك عقاباً ونكالاً، وصار له وزراً ووبالاً.
ورابعاً : قوله : حتى جاء أكابر الصحابة وتضرّعوا إليه ومنعوه من الذهاب.
النكتة في منعهم منه على تقدير صحته أنهم قد كانوا عارفين بجبنه عالمين يضعف
1) شرح نهج البلاغة 179/1، والغدير 145/2.
قلبه، مجرّبين له في المعارك والمهالك، وأنه وصاحبه عمر عند منازلة الشجعان ومبارزة الأقران كان شيمتهما الفرار وسجيّتهما عدم الحماية للذمار، وقد فرّا يوم خیبر وأحد والأحزاب وغزوة ذات السلسلة وغيرها على أقبح الوجوه كما أثبتته أرباب السير وعلى لسان الشعراء والمؤرخين شاع واشتهر.
قال الشارح المعتزلي في (اقتصاص غزوة خيبر) يقص فرارهما في قصائد السبع العلويات :
وما أنس لا أنس اللذين تقدما***وفرّهما والفرّ قد علما حوب (1)
وللراية (2)العظمى وقد ذهبا بها***ملابس ذلّ فوقها وجلاب
يشلّهما من آل موسى شمر دل***طويل نجاد السيف أجيد يعبوب
يمج منوناً سيفه وسنانه***ويلهب ناراً غمده والأنابيب
أحضرهما أم حضرا خرج خاضب***أذان هما أم ناعم الخدّ مخضوب
عذرتكما أن الحمام لمبغض***وإن بقاء النفس للنفس مطلوب
فكان تضرع الصحابة له في الرجوع والإياب مخافة أن يذهب فيهرب بمجرى عادته و مجرب شيمته فيبطل بالمرة دين الإسلام ويضمحل شرع سيد الأنام فتضرعوا إليه بلسان المقال، وقالوا له بلسان الحال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها***واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ويشهد بما ذكرنا أنه لو كان عرف في نفسه البأس والنجدة لأصرّ على المضي ولم يصغ إلى تضرعهم، وكان مثل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما عزم على المسير إلى البصرة تضرع إليه ابنه الحسن بأن لا يتبع طلحة والزبير طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال وبكى وقال: أسألك أن لا تقدم العراق ولا تقتل بمضيعة.
فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه وبالسامع المطيع العاصي المريب أبداً حتى آتي على يومي (3)، على ما عرفت تفصيله في شرح سادس المختار في باب الخطب.
ولعمري أن هذه المنقبة الشريفة - أعني العزة على الكافرين - هو حظ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)لا غير، واستمع ما قاله الأديب التحرير الشاعر الماهر والأستاذ الفاضل:
بدر له شاهد والشعب من أحد***والخندقان ويوم الفتح إن علموا
وخيبر وحنين يشهدان له***وفي قريظة يوم صيل قتم
مواطن قد علت في كل نائبة***على الصحابة لم أكتم وإن كتموا
وأما كونه (عَلَيهِ السَّلَامُ) دليلاً على المؤمنين فلما عرفت في تضاعيف الشرح وتعرفه أيضاً من مكارم أخلاقه ومحامد خصاله التي أقرّ بها المخالف كالمؤالف ونقله المنحرف كالمعترف، واعترف بها الخاصة والعامة وتصدقها المحب والمبغض.
له شرف فوق النجوم محله***أقرّ به حتی لسان حسوده
حدث الزبير بن بكار عن رجاله قال: دخل محفن بن أبي محفن الضبي على معاوية فقال : يا أمير المؤمنين جئتك من عند ألأم العرب، «وأبخل العرب ظ»، وأعيا العرب وأجبن العرب قال ومن هو يا أخا بني تميم؟ قال : علي بن أبي طالب قال معاوية : اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخوكم العراقي، فابتدروه أيهم ينزله عليه ويكرمه، فلما تصدّع الناس عنه قال له : كيف قلت؟ فأعاد عليه فقال له : ويحك يا جاهل كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبو طالب وجده عبد المطلب وامرأته فاطمة بنت رسول الله ؟! وأنّى يكون أبخل العرب فوالله لو كان له بيتان بيت تبن وبيت تبر لأنفذ تبره قبل تبنه وأنى يكون أجبن العرب فوالله ما التقت فئتان قط إلا كان فارسهم غير مدافع وأنى يكون أعيا العرب فوالله ما سنّ البلاغة لقريش غیره، فوالله لولا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك فإياك عليك لعنة الله والعود إلى مثل هذا.
فقد أقرّ بفضله العنود الحسود، وقيام الحجة بشهادة الخصم أوكد وإن تعددت الشهود.
ومليحة شهدت لها صراتها***والفضل ما شهدت به الأعداء
السابع عشر : قوله : إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم - إلى قوله - يوم بدر وأحد.
أقول : لا يكاد ينقضي عجبي من هذا الناصب المتعصب كيف أعمته العصبية إلى أن جاوز حده وخرج عن زيه وتكلم فوق قدره حتى رجح ابن أبي قحافة على أبي تراب، فواعجباً كيف يقاس التراب بالتبر المذاب وأي نسبة للسراب إلى الشراب وأي شبه بين الدر والحصى والسيف والعصا، وأي تطابق بين الشجاع المبارز الغالب على كل غالب، والأجبن من كل الثعالب، وهذا مقام التمثيل بقول أبي العلاء :
إذا وصف الطائي بالبخل ما در***وعيّر قساً بالفهاهة بأقل
وقال السهيل للشمس أنت خفية***وقال الدّجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء ترفعاً***وطاول شهباً الحصى والجنادل
فیاموت فیا موت زران الحياة ذميمة***ويا نفس جدّي إن دهرك هازل
فيقال لهذا الخابط الهازل اللاغي الذي لا ينفعل من لغوه وهذيه : أي جهاد كان قبل غزوة بدر؟ وأي ذبّ نقل عن أبي بكر؟ ولو كان منه قدرة الذبّ والدفاع لنقل شيء منها في محاربات الرسول المختار مع الكفار، ولنزل فيه ما نزل في أبي الحسن الكرار من مثل : (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالُ) ؟ ولا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار.
وقد كانت العساكر في هذه المعارك حسبما قال مجتمعة والصفوف متلاصقة والكتائب مترادفة، فاختار هو وصاحبه عمر والحال هذه الفرّ على الكرّ، وولّيا عن العدو الدبر، فمن كان هذه حاله كيف كان يذبّ عن سيد الأنام حين ضعف الإسلام مع عدم العساكر، ولا معين ولا ناصر.
الثامن عشر : قوله : إنه كان متقدماً عليه في الزمان.
فيه : أنه إن أراد تقدّمه عليه من حيث الجهاد فقد عرفت بطلانه، إذ أول غزوة في الإسلام غزوة بدر وقد كانا كلاهما حاضرين فيها معاً، ثم فيما بين حضوريهما من التفاوت ما لا يخفى فإن أبا بكر لم ينقل منه فيها فرد قتيل وأما أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد روى جمهور المؤرخين أن قتلاه فيها شطر جميع المقتولين وكانوا سبعين.
وإن أراد تقدّمه عليه في السنّ ففيه : أن الزمان الذي تقدم به على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع سبقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليه بالإسلام ومع كونه فيما تقدم به عليه من أهل الشرك وعبدة الأصنام، فأي شرف لهذا التقدم أو منقبة، أم أي خير فيه ومنفعة.
التاسع عشر : قوله : جهاد أبي بكر في وقت ضعف الرسول.
فيه : إنك قد عرفت فساده لأنه لم يكن قبل غزوة بدر غزوة معروفة إلا غزوات مختصرة مثل غزوة بواد بواط وعشيرة وغزوة بدر الصغرى، ولم ينجر الأمر فيها إلى القتال فيجاهد أبو بكر ويقعد عنه أمير المؤمنين مع أن حضور أبي بكر فيها وغياب علي عنها غير ثابت.
وأيضاً لم يكن الرسول عند المسير إليها ضعيفاً، وإن أراد أنه كان لأبي بكر جهاد قبل تلك الوقائع فهو مما تفرّد به ولم ينقله عن غيره.
نعم، لو قلنا أن أمير المؤمنين كان سابقاً بالجهاد لأنه جاهد الكفار صبيحة ليلة بات فيها على فراش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما ذهب إلى الغار، وجاهدهم أيضاً عند الهجرة بأهل بيت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من مكة إلى المدينة لما أرادت قريش المنع منها لقلنا مقالاً رواه أرباب السّير، وورد في صحيح الخبر.
وكيف كان فجهاد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سبيل الله وكون حظه فيه الأوفر أبين من الشمس في رابعة النهار ولنعم ما قيل :
بعلي شيدت معالم دين الله***والأرض بالعناد تمور
ويه أيّد الإله رسول الله****إذ ليس في الأنام نصير
أسد ما له إذا استفحل الناس***سوى رنّة السلاح زئير
ثابت الجأش لا يردعه الخطب***ولا يعتريه فتور
عزمات أمضى من القدر المحتوم***يجري بحكمه المقدوور
فقد ظهر بذلك كله أن مصداق قوله سبحانه في الآية الشريفة : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين يُجهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المائدة: 54] هو أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وأما قوله سبحانه: وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم [المائدة: 54] فيظهر كونه مصداقاً له ويصدقه قوله صريحاً في الفصل الآتي : «وإني لمن قوم لا يأخذهم في الله لومة لائم».
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): في المختار الرابع والعشرين ولعمري ما علي من قتال من خالف الحق وخابط الغي من ادمان ولا إيهان.
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المختار الحادي والتسعين لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان : دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول - إلى قوله : واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب.
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المختار المئة والسادسة والعشرين لما عوتب على التسوية في العطاء : أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؟ والله ما أطور (1)به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجماً (2).
العشرون: قوله : وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهذا لائق بأبي بكر متأكد بقوله : ولا ياتل أولوا الفضل منكم والسعة (اهـ)، وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر.
فيه : بعد الغض عما روي عن ابن عباس وغيره من أنها نزلت في جماعة من الصحابة أقسموا على أن لا تتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا يواسوهم والبناء على نزولها في أبي بكر كما هو قول جمع من المفسرين إن إحدى الآيتين لا ارتباط لها
بالأخرى، فإن المراد بالفضل في الآية الثانية هو الغنى والثروة وبه في الآية الأولى اللطف والتوفيق، ومعنى قوله : وذلك فضل الله إن محبتهم الله، ولين جانبهم للمؤمنين، وشدّتهم على الكافرين فضل من الله وتوفيق ولطف منه ومن جهته يمن به على من يشاء من عباده.
الحادي والعشرون: قوله إنا بينا بالدليل.
فيه أنك قد عرفت عدم تمامية الدليل بما لا مزيد عليه.
الثاني والعشرون: قوله هذا الخبر من باب الآحاد.
فيه منع كونه من الأخبار الآحاد التي لا يعول عليها، بل هو خبر مستفيض رواه المخالف والمؤالف معتضد مضمونه بأخبار كثيرة قطعية ونقتصر على بعض الأخبار العامية لكونه أدحض لحجة الخصم.
ففي (غاية المرام) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بن حنبل بسنده عن سعيد بن المسيب أن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال يوم خيبر «لأدفع الراية إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله»، فدعا علياً وأنه لأرمد ما يبصر موضع قدميه، فتفل في عينيه ثم دفعها إليه ففتح الله عليه.
ورواه أيضاً عن عبد عبد الله أحمد بن بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وعنه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وعنه عن أبي هريرة عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وعنه بسند آخر أيضاً عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة الأسلمي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وعنه عن سهل بن سعد عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
ورواه أيضاً من (صحيح البخاري) من الجزء الرابع في رابع كراسة عن سلمة الأكوع عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن الجزء الرابع من (صحيح البخاري) أيضاً في ثلثه الأخير في باب مناقب علي عن سلمة عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن الجزء الخامس منه أيضاً عن سلمة عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ومن (صحيح البخاري) عن سهل بن سعد عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
ورواه أيضاً من (صحيح مسلم) من الجزء الرابع في نصف الكراس من أوله بإسناده عن
عمر بن الخطاب بعد قتل عامر أرسلني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو أرمد وقال : «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، الحديث.
ومن (صحيح مسلم) في آخر كراس من الجزء الرابع منه عن أبي هريرة عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ومن (صحيح مسلم عن سهل بن سعد عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
ومن (صحيح مسلم) مسلم) عن سلمة بن الأكوع عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1).
ورواه أيضاً من (تفسير الثعلبي) في تفسير قوله: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح: 2] بإسناده عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ورواه أيضاً من (مناقب ابن المغازلي) يسند يرفعه إلى إياس بن سلمة عن أبيه في ذكر حديث خيبر قال : فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لأعطين الراية اليوم رجلاً لأعطين الراية اليوم رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله».
ومن (مناقبه) أيضاً عن أبي طالب محمد بن عثمان يرفعه إلى عمران بن الحصين قال : بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عمر إلى خيبر فرجع فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ليس بفرّار».
ومن (المناقب) أيضاً عن القاضي أبو الخطاب يرفعه إلى عمران بن الحصين قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فأعطاها علياً ففتح الله عز وجل خيبر به.
ومن (المناقب) عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أبا بكر إلى خيبر فلم يفتح عليه ثم بعث عمر فلم يفتح عليه فقال : لأعطين الراية رجلاً كرّاراً غير فرّار يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
ومن (المناقب) عن أحمد بن محمد بن عبد الوهاب بن طاران يرفعه إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لأعطين الراية غداً رجلاًيحب الله ورسوله ويحبه الله» فاستشرف لها أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فدفعها إلى
ومن (المناقب) قال: أخبرنا أبو القاسم عمر بن علي بن الميموني وأحمد بن محمد بن
1) صحیح مسلم7 / 120 – 121.
عبد الوهاب بن طاران الواسطيان بقراءتي عليهما فأقرا به يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث كان أرسل عمر بن الخطاب إلى خيبر هو ومن معه فرجعوا إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فبات تلك الليلة وبه من الغم غير قليل فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية فقال: «لأعطين الراية اليوم رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، غير فرّار»، فتعرض لها جميع المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أين علي؟»، فقالوا: يا رسول الله هو أرمد، فأرسل إليه أبا ذر وسلمان فجاء وهو يقاد لا يقدر على أن يفتح عينيه، ثم قال: «اللهم أذهب عنه الرمد والحر والبرد وانصره على عدوه وافتح عليه فإنه عبدك ويحبك ويحب رسولك (1)غير فرّار»، ثم دفع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الراية إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستأذنه حسان بن ثابت في أن يقول فيه شعراً، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له : «قل»، فأنشأ يقول :
وكان عليّ أرمد العين يبتغي***دواء فلما لم يحن مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلة***فبورك مرقياً وبورك راقيا
وقال سأعطي اليوم راية صارماً***كميّاً محبّاً للرسول محاميا
يحبّ إلهي والإله يحبه***به يفتح الله الحصون الأوابيا
فأصفى بها دون البرية كلها***عليّاً وسمّاه الوزير المواخيا (2)
ومن (المناقب) أيضاً عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نزل بحضرة أهل
خيبر وقال: «لأعطين اللواء رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فلما كان من الغد صادف أبا بكر فدعا علياً وهو أرمد العين فأعطاه الراية.
ومن (المناقب) بسند مرفوع إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول يوم خيبر : «لأعطين الراية رجلاً خيبر : لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ورسوله ويحبه الله ورسوله».
وفيه من (الجمع بين الصحاح الستة) بإسناده عن سهل بن سعد عن أبيه قال : كان علي تخلف عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في غزوة خيبر فلحق، فلما أتينا الليلة التي فتحت في صبيحتها قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «لأعطين غداً الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله».
ومن (الجمع بين الصحاح الستة) من صحيح الترمذي قال بالإسناد عن سلمة قال: أرسلني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى علي وهو أرمد فقال : «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»
وفيه عن إبراهيم بن محمد الحمويني مسنداً عن جابر بن عبد الله الأنصاري في ذكر حديث خيبر قال : فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لأ بعثن غداً رجلاً يحب الله ورسوله لا يولّي الدبر»، هذا (1).
واقتصرنا على مورد الحاجة في أكثر هذه الروايات وحذفنا إسناد أكثرها للاختصار وتركنا الأخبار الخاصية الواردة في هذا المعنى حذراً من الإطالة ودفعاً لمكابرة الخصم وعناده وادعى صاحب (غاية المرام) تواتر الخبر في القصة من طريق العامة والخاصة.
أقول: وهذه الأخبار التي رواها المخالفون في كتبهم فضلاً عن أخبار الموالين له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كافية لمن راقب العدل والإنصاف وجانب التعصب والاعتساف في إثبات كونه محباً لله ورسوله وكون الله ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) محبين له.
ولكني أضيف إلى هذه الأخبار على رغم الناصب المعاند الرازي المتعصب الجاحد حديث الطير الذي قال فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «اللهم أعطني أعطني (2)بأحب الناس إليك وفي بعض روايته إليك وإلى رسولك يأكل معي فجاء علي وأكل معه.
وقد رواه في (غاية المرام) بستة وثلاثين طريقاً من طرق العامة، ومن جملتها أبو المظفر السمعاني في كتاب (مناقب الصحابة) عن السدي عن أنس بن مالك قال : كان عند النبي طير فقال: «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير» فجاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأكل معه (3).
وقد روي ذلك في (الجمع بين الصحاح الستة) لرزين من مسند أبي داود السجستاني.
ورواه أحمد بن حنبل بطريق واحد من طريق السفينة مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ورواه ابن المغازلي الشافعي الواسطي من عشرين طريقاً (4).
ومن جملة طرق (غاية المرام) أيضاً القاصم لظهر المكابرين والراغم الأنوف الناصبين ما أورده من كتاب (المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة)، روى أبو جعفر بن محمد بن أحمد بن روح مول بني هاشم قال حدثني العباس بن عبد الله الباكناني عن محمد بن يوسف
1) راجع سنن الترمذي 3 / 124، و 302/5، وسنن ابن ماجه 44/1، وتحفة الأحوذي 158/10، وسنن النسائي 46/5 – 108 - 109 110 - 140- 173- 178.
2) في بعض الأحاديث: ايتني.
3) راجع علل الشرائع،162/1، والخصال 555، والإرشاد 38/1، والغدير 63/4، وسنن الترمذي 300/5، وسنن النسائي 107/5.
4) راجع تاريخ دمشق 42 / 245 – 247 – 254 - 257 - 432، فقد ذكر طرقه.
السري عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبي صميم حوثن بن عدي عن أبي ذرّ (رَحمهُ اللّه) قال:
بينا نحن قعود مع رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) إذا هدى إليه طائر مشوي، فلما وضع بين يديه قال لأنس : انطلق به إلى المنزل وتبعه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى دخل المنزل وضع أنس الطائر بين يديه فرفع النبي يديه نحو السماء وقال : اللهم ايت إلي بأحبّ الناس إليك تحبه أنت ويحبه من في الأرض ومن في السماوات حتى يأكل معي من هذا الطير، قال أنس : فقلت : اللهم اجعله أبي فما لبثنا حتى أتى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له أنس : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حاجة حتى أتى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاث مرات.
فجئا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ركبتيه ورفع يديه إلى السماء حتى بان بياض إبطيه وقال: حاجتي يا رب الساعة الساعة، فما لبثنا أن قرع الباب فقال أنس : من ذا؟ فقال: أنا علي وسمع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صوته فقال افتح ففتحه، فلما دخل وكز أنس بيده حتى ظنّ أنس أنه قد أنقذ يده من ظهره، فلما بصر به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وثب قائماً وقبل عينيه وقال ما الذي أبطأك عني يا قرة عيني، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا رسول الله قد أقبلت ثلاثاً ويردني أنس، فصفق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكان لا يصفق حتى يغضب فقال : يا أنس حجبت عني حبيبي فقال يا رسول الله إني أحببت أن يكون رجلاً من قومي.
فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا أنس أما علمت أن المرء يحب قومه إن علياً يحبني وإن الله يحبه والملائكة تحبه ويحبه الله يا أنس إني وعلياً لم نزل تنقلب إلى مطهرات الأرحام نقلنا إلى عبد المطلب فصار علي في صلب أبي طالب وصرت أنا في صلب عبد الله عم عليّ، فصارت في النبوّة وفي علي الولاية والوصية أما علمت يا أنس أن الله عزّ وجلّ اشتق لي اسماً من أسمائه ولعلي اسماً فسماني أحمد لتحمدني أمتي وأما علي فالله العلي سماه علياً يا أنس كما حجبت عني علياً ضربك الله بالوضح وكان لا يدخل المسجد بعد الدعوة إلّا متبرقع الوجه.
وهذه الرواية كما ترى ظاهرة بل صريحة من جهات عديدة في فرط محبة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لهومحبة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومحبته الله له.
والأخبار في كونه أحبّ الناس إلى الله وإلى رسوله متجاوزة عن حد الإحصاء، ولو أردنا أن نجمع ما تقدر عليه منها لصار كتاباً كبير الحجم ولكن أورد منها روايتين أختم بهما المقام ليكون ختامه مسكاً فأقول :
روى في كشف الغمة من مناقب الخوارزمي عن عبد الله بن عمر قال:
سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسئل بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج قال : خاطبني بلغة عليّ بن أبي طالب فألهمني أن قلت يا ربّ أنت خاطبتني أم عليّ؟ فقال: يا أحمد أنا شيء لا كالأشياء ولا أقاس بالناس ولا أوصف بالأشياء، خلقتك من نوري وخلقت علياً من نورك فاطلعت على سرائر قلبك فلم أجد إلى قلبك أحبّ من عليّ بن أبي طالب فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك
وفيه من المناقب قال :
وأخبرنا بهذا الحديث عالياً الإمام الحافظ سليمان بن إبراهيم الأصفهاني مرفوعاً إلى عائشة قالت قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو في بيتي لما حضره الموت: ادعوا إلي حبيبي فدعوت أبا بكر فنظر إليه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم وضع رأسه، ثمّ قال : ادعوا إلي حبيبي فقلت : ويلكم ادعوا له علي بن أبي طالب فوالله ما يريد غيره، فلما رآه فرج الثوب الذي كان عليه ثمّ أدخله فيه فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه (1).
إذا عرفت هذا فأقول :
قال فيه البليغ ما قال ذو العي***فكلّ بفضله منطبق
وكذاك العد ولم يعد أن قال***فيه جميلاً كما قال المحب الصديق
ومع ذلك كلّه فانظر هداك الله إلى سلوك صراطه المستقيم إلى الرازي واستمراره على غيه وغرقه في سبيل نصبه وتعصبه ومكابرته الحق اللائح وتنكبه الجدد الواضح، وعدوله عن السنن، وبقائه على غمط (2)حق أبي الحسن وإرادته ستر الشمس المجللة بنورها للعالمبالنقاب، والنير الأعظم بالحجاب، فجزاه الله عن رسوله وعن أمير المؤمنين (سلام الله عليهما) شر الجزاء.
الثالث والعشرون: قوله: ولأنه معارض بالأخبار الدالة على كون أبي بكر محبّاً الله ورسوله وكون الله محباً له (اهـ).
فيه أولاً : إنه ليس هنا خبر متضمن لمحبة أبي بكر الله أو محبة الله له يحتج به على الإمامية فضلاً عن الأخبار، وما رووه في هذا المعنى مما تفردوا بروايته لا يكون حجة علينا.
ومع ذلك فمعارض بالأخبار الكثيرة المتضمنة لكون على (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحب الناس إلى الله
وإلى رسوله المستفيضة بل المتواترة معنى من طرقهم حسبما عرفت في الاعتراض الثاني والعشرين، وهي أقوى منها سنداً وأظهر دلالة فلا يكاد تكافوء الأخبار الأدلة على تقدير وجودها لها كما لا يخفى صدق المدعي على أهل البصيرة والنهي.
الرابع والعشرون : قوله قال تعالى في حق أبي بكر : وَلَسَوفَ يَرْضَى [الليل : 21].)غير مسلّم نزولها في أبي بكر، ولما نزله الرازي عن ابن الزبير وعن أبي بكر الباقلاني، والمروي عن المفسرين خلافه فقد روى الواحدي بالإسناد المتصل المرفوع عن عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في رجل من الأنصار وعن عطاء قال : اسم الرجل أبو الدحداح، وفي بعض روايات أصحابنا أنها في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ.)وقال بعض المفسرين : الأولى إبقاؤها على العموم فيرجع الضمير إلى كل من يعطي حق الله من ماله ابتغاء وجه ربه وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.وقوله : وقال : إن الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة (1.)أنت خبير بأنه لا غبار في كونه من الأحاديث الموضوعة، لأنه إن أريد من تجليه سبحانه تجليه بذاته فهو مستلزم للتجسم مخالف للأصول المحكمة والبراهين القاطعة الساطعة، وإن أريد تجليه ببره وفضله وعناياته ولطفه المقرّب إلى طاعته والمبعد عن معصيته، ففيه أن التجلي بهذا المعنى لعموم الناس غير جائز إذ فيهم المؤمن والمنافق والمسلم والكافر، فكيف يتصوّر التجلّي في حق الكافر المنافق وإن خصّ بالمؤمنين فهو مع كونه خلاف الظاهر يتوجه عليه أن من جملة المؤمنين الأنبياء والرسل وفيهم أولو العزم وغيرهم، فيلزم أن يكون أبو بكر أعلى شأناً منهم وهو باطل بالاتفاق.ثم كيف يتجلّى الله سبحانه على قلب أبي بكر وهو عشق الشيطان وقد قال مخبراً عن نفسه : إنّ لي شيطاناً يعتريني فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني (2.)وقوله : وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «ما صبّ الله شيئاً في صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر»(3).)هو كسابقه أيضاً في الوضع لأن النكرة في سياق النفي مفيد للعموم، ومن جملة ما صبّ في صدر النبي نور النبوة والوحي والإلهام وعلم ما كان وما يكون وما هو كائن ونحوها، فهل ترى شيئاً من ذلك ينصب في قلب أبي بكر فضلاً ذلك ينصب في قلب أبي بكر فضلاً عن جميعها ولو صح ذلك
الصبّ لم يخف عليه معنى الكلالة والأب.الخامس والعشرون: قوله : إنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامته وسنذكر الكلام فيه (اهـ.)يريد عدم تسليم دلالة الآية (إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ ؟ الآية، على إمامة أمير المؤمنين بما ذكره من الوجوه السخيفة في تفسير هذه الآية، وأنت قد عرفت تمامية دلالتها على إمامته في مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية، كما عرفت بطلان ما ذكره من الأدلة، لعدم تماميتها بما لا مزيد عليه.)والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وأسأل الله أن يثبت ما أوردناه هنا في رد الرازي الناصب في صحائف أعمالي، ويرده إلى يوم حشر الأولين والآخرين، ويثقل به ميزاني ويحشرني مع من أتولاه وأحبه وأتعصب له من محمد وآله الطيبين الطاهرين وأن يكتب ما أورده الناصب الرازي في صحيفة أعماله، ويرده إليه، ويحشره يوم القيامة مع من تعصب له من أوليائه الظالمين في حق آل الرسول صلى الله عليهم وعليه أجمعين إلى يوم الدين.### التنبيه الثانيقد أشرنا في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى) أنه ظاهر في سماع الإمام ما يسمعه النبي من الملك ورؤيته له مثله قد اختلفت الأخبار في ذلك.)فمما يدل على سماعه ورؤيته حديث «الأمالي» المتقدم في شرح الفقرة المذكورة.ومنه أيضاً ما في (البحار من البصائر عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إنّا نزاد في الليل والنهار ولولا أنا نزاد لنفد ما عندنا فقال أبو بصير : جعلت فداك من يأتيكم؟ قال: إنا منا لمن يعاين معاينة ومنا من ينقر في قلبه كيت وكيت ومنا من يسمع بإذنه وقعاً كوقع السلسلة في الطست قال : قلت : جعلني الله فداك من يأتيكم بذاك؟ قال: هو خلق أكبر من جبرائيل وميكائيل(1).)ومن كتاب (المحتضر للحسن بن سليمان بإسناده عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث طويل قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلام له وإن شئتم أخبرتكم بما هو أعظم من ذلك، قالوا : فافعل! قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كنت ذات ليلة تحت سقيفة مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأني لأحصي ستاً وستين)
1) بصائر الدرجات 251 وأمالي الطرسي 408 ح 915.
وطأة من الملائكة كل وطأة من الملائكة أعرفهم بلغاتهم وصفاتهم وأسمائهم ووطئهم (1.)ومما يدل على السماع فقط من دون الرؤية مثل ما في الاحتجاج قال كان الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول : علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع، فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما الغابر فالعلم بما يكون وأما المزبور فالعلم بما كان، وأما النكت في القلوب فهو الإلهام، وأما النقر في الأسماع فحديث الملائكة نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم (2).)ومثله الأخبار الكثيرة الفارقة بين الرسول والنبي والإمام والمحدث.مثل ما رواه في (الكافي عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله عزّ وجلّ : (وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) ؟، ما الرسول وما النبي ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك، :قلت الإمام ما منزلته؟ قال يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك ثم تلا هذه الآية : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيّ) [الحج: 52] ولا محدث (3).)وفيه عن بريد (زيد خ عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله عزل وجل : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِي) [الحج: 52] ولا محدّث قلت: جعلت فداك ليست هذه قراءتنا فما الرسول والنبي والمحدث؟ قال الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه والنبي هو الذي يرى في منامه وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد والمحدّث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة قال: قلت أصلحك الله كيف يعلم أن الذي رأى في النوم حق وأنه الملك؟ قال : يوفق لذلك حتى يعرفه ولقد ختم الله بكتابكم الكتب وختم بنبيكم الأنبياء (4). وفيه عن الأحوال قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الرسول والنبي والمحدّث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الرسول الذي يأتيه جبرائيل قبلاً فيراه ويكلمه فهذا الرسول وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونحو ما كان رأى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من أسباب النبوّة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) من عند الله عزَّ وجل بالرسالة وكان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله عزّ وجل يجيئه بها جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكلمه بها قبلاً، ومن الأنبياء من
جمع له النبوة ويرى في منامه ويأتيه الروح ويكلمه ويحدثه من غير أن يكون يرى في اليقظة وأما المحدث فهو الذي يحدّث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه (1).
وعن محمد بن بن مسلم قال: ذكر المحدث عند أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : إنه يسمع الصوت ولا يرى الشخص قلت له جعلت فداك كيف يعلم أنه كلام الملك؟ قال : إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام ملك (2).
السكينة اطمئنان القلب وعدم التزلزل والوقار الحالة التي بها يعلم أنه كلام الملك.
وفي رواية زرارة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت : كيف يعلم أنه كلام من الملك ولا يخاف أن يكون من الشيطان إذا كان لا يرى الشخص؟ قال: إنه يلقى عليه السكينة فيعلم أنه من الملك ولو كان من الشيطان اعتراه فزع وإن كان الشيطان بإزراره لا يتعرض لصاحب هذا الأمر.
وفي (البحار) من أمالي الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان علي محدثاً وكان سلمان محدّثاً، قال قلت : فما آية المحدّث ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يأتيه ملك فينكت في قلبه كيت وكيت (3).
ومن (البصائر) عن حمران عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من أهل بيتي اثني عشر محدثاً».
ومن (البصائر) عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : الاثني عشر الأئمة من آل محمد عليه وعليهم السلام كلهم محدّث من ولد رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وولد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرسول الله وعلي هما الولدان، فقال عبد الرحمن بن زيد وأنكر ذلك وكان أخاً لعلي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) لأمه، فضرب أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخذه فقال : أما ابن أمك كان أحدهم (4).
ومنه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سمعته يقول : كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والله محدثاً قال قلت له : اشرح لي ذلك أصلحك الله، قال : يبعث الله ملكاً يوقر في أذنه کیت وكيت وكيت (5).
ومنه عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): ألست حدثتني أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان محدّثاً؟ قال بلى قلت من يحدّثه؟ قال ملك يحدّثه قال قلت: فأقول إنه نبي أو رسول؟ قال لا بل مثله مثل صاحب سليمان ومثل صاحب موسى ومثل ذي القرنين أما بلغك أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) سئل عن ذي القرنين فقالوا : كان نبياً ؟ قال : لا، بل كان عبداً أحب الله فأحبه، وناصح الله فناصحه فهذا مثله (1).
وبمعناها أخبار كثيرة أخرى تركنا ذكرها حذراً ى تركنا ذكرها حذراً من الإطالة (2).
المراد بصاحب موسى إما يوشع بن نون كما صرّح به في بعض الأخبار أو الخضر على نبينا وعليه السلام كما في البعض الآخر، فيدل على عدم نبوّة واحد منهما ويمكن أن يكون المراد عدم نبوته في تلك الحال فلا ينافي نبوته بعد في الأول ونبوته قبل في الثاني هكذا قال في (البحار)، والمراد بصاحب سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) أما خضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو آصف بن برخيا.
قال المحدّث العلامة المجلسي في (البحار) (3)بعد إيراد هذه الأخبار ما هذا لفظه : استنباط الفرق بين النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال، وكذا الجمع بينها مشكل جداً، والذي يظهر من أكثرها هو أن الإمام لا يرى الحكم الشرعي في المنام والنبي قد يراه فيه.
وأما الفرق بين النبي والإمام وبين الرسول هو أن الرسول يرى الملك عند إلقاء الحكم والنبي غير الرسول والإمام لا يريانه في تلك الحال وإن رأياه في سائر الأحوال، ويمكن أن يخص الملك الذي لا يريانه بجبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويعم الأحوال لكن فيه أيضاً منافاة لبعض الأخبار.
ومع قطع النظر من الأخبار لعل الفرق بين الأئمة وغير أولي العزم من الأنبياء أن الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) نواب للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يبلغون إلا بالنيابة وأما الأنبياء وإن كانوا تابعين لشريعة غيرهم لكنهم مبعوثون بالأصالة وإن كانت تلك النيابة أشرف من تلك الأصالة.
وبالجملة لا بد من الإذعان بعدم كونهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنبياء وبأنهم أشرف وأفضل من غير نبينا
عليه ومن الأنبياء والأوصياء، ولا نعرف جهة لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية جلال خاتم الأنبياء (صلوات الله عليه وآله) ولا يصل عقولنا إلى فرق بين النبوة والإمامة، وما دلت عليه الأخبار فقد عرفته والله تعالى يعلم حقائق أحوالهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقال المفيد رحمة الله عليه في كتاب (المقالات): إن العقل لا يمنع من نزول الوحي إليهم صلوات الله عليهم وإن كانوا أئمة غير أنبياء فقد أوحى الله عزّ وجل إلى أمّ موسى (أنّ أَرْضِعِيهِ) [القصص : 7] الآية فعرفت صحة ذلك بالوحي وعملت عليه ولم تكن رسولاً ولا نبياً ولا إماماً، ولكنها كانت من عباده الصالحين، وإنما منعت نزول الوحي إليهم والإيحاء بالأشياء إليهم للإجماع على المنع من ذلك والاتفاق على أنه من زعم أن أحداً بعد نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوحى إليه فقد أخطأ وكفر، ولحصول العلم بذلك من دين النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما أن العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونسخ شرعنا كما نسخ ما قبله من شرائع الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) وإنما منع ذلك العلم والإجماع، فإنه خلاف دين النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من جهة اليقين وما يقارب الاضطرار والإمامية جميعاً على ما ذكرت ليس بينها على ما وصفت خلاف.
وقال رحمة الله عليه في (شرح عقائد الصدوق) عليه الرحمة أصل الوحي هو الكلام الخفي، ثم قد يطلق على كل شيء قصد به إفهام المخاطب على الستر له عن غيره والتخصيص له به دون من سواه، وإذا أضيف إلى الله تعالى كان فيما يخص به الرسل خاصة دون من سواهم على عرف الإسلام وشريعة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - إلى أن قال -: وقد يرى الله في منامه خلقاً كثيراً ما يصح تأويله ويثبت حقه، لكنه لا يطلق بعد استقرار الشريعة عليه اسم الوحي ولا يقال في هذا الوقت لمن اطلعه الله على علم شيء أنه يوحى إليه.
وعندنا أن الله تعالى يسمع الحجج بعد نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كلاماً يلقيه إليهم أي الأوصياء في علم ما يكون لكنه لا يطلق عليه اسم الوحي لما قدمناه من إجماع المسلمين على أنه لا وحي لأحد بعد نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنه لا يقال في شيء مما ذكرناه أنه وحي إلى أحد، والله تعالى أن يبيح إطلاق الكلام أحياناً، ويحظره أحياناً، فأما المعاني فإنها لا تتغير عن حقائقها، انتهى كلامه رفع مقامه (1).
في ذكر الأخبار الواردة في وزارته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي كثيرة جداً من طرق الخاصة والعامة،
1) تصحيح اعتقادات الإمامية 122، والبحار 250/18.
ولنقتصر على بعضهما حذراً من الإطالة، فأقول وبالله التوفيق:
في (غاية المرام) من مسند أحمد بن حنبل بسنده عن النسيم قال: سمعت رجلاً من خثعم يقول : سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «اللهم إني أقول كما قال موسى: اللهم اجعل وزيراً من أهلي علياً أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً» (1).
وفيه عن أبي نعيم الحافظ بإسناده عن رجاله عن ابن عباس قال : أخذ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بيد علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبيدي ونحن بمكة وصلّى أربع ركعات، ثم مد يديه إلى السماء وقال: «اللهم إن نبيك موسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) سألك فقال : (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِى * وَیسِّر لِي أَمْرِى) [طه: 25-26] الآية، وأنا محمد نبيك أسألك ربّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري، قال ابن عباس : فسمعت منادياً ينادي: قد أوتيت ما سألت (2).
وفيه عن أبي الحسن الفقيه من طريق العامة بإسناده عن الباقر عن أبيه عن جده الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفة الله وخليفتي وحجة الله وحجتي وباب الله وبابي وصفي الله وصفيي، وحبيب وحبيبي، وخليل الله وخليلي وسيف الله وسيفي، وهو أخي وصاحبي ووزيري ومحبه محبي ومبغضه مبغضي ووليه ولتي وعدوه عدوي وزوجته ابنتي وولده ولدي وحزبه حزبي، وقوله قولي، وأمره أمري وهو سيد الوصيين وخير أُمتي» (3).
وفيه عن ابن شاذان من طريق العامة بحذف الإسناد عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «اللهم اجعل لي وزيراً من أهل السماء ووزيراً من أهل الأرض»، فأوحى الله إليه أني قد جعلت وزيرك قد جعلت وزيرك من أهل السماء جبرائيل، ووزيرك من أهل الأرض علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).
وأقنع من (غاية المرام) بهذه الأحاديث الأربعة، وقد روى فيه من طرق العامة أحد عشر حديثاً، ومن طرق الخاصة أحداً وعشرين حديثاً جلها بل كلها ناصة بخلافته ووصايته عليه الصلاة والسلام.
وروى الشارح المعتزلي عن الطبري في (تاريخه) عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :
لما نزلت هذه الآية وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعاني فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لي: «يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعاً وإني علمت متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت حتى جاءني جبرائيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسّاً من لبن ثم اجمع بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أُمرت به» ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب.)فلما اجتمعوا إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ دعا بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بضعة من اللحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة ، ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «كلوا باسم الله» فأكلوا حتى ما لهم إلى شيء من حاجة، وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمته لجميعهم، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «اسق القوم يا علي» فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً وايم الله أن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.)فلما أراد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن يكلمهم بدر أبو لهب إلى الكلام فقال : لشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال من الغد: «يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعدلنا اليوم إلى ما سمعت بالأمس ثم اجمعهم لي»، ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة، ثم قال: «اسقهم» فجئتهم بذلك العس فشربوا منه جميعاً حتى رووا.)ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال : «يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أن شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جنتكم به إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم؟».)فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت أنا - وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً - أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه.فأعاد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ القول، فأمسكوا وأعدت ما قلت.)فأخذ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ برقبتي ثم قال لهم : هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له)
وأطيعوا» فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (1.)قال الشارح المعتزلي : ويدل على أنه وصي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَمن نص الكتاب والسنة قول الله تبارك وتعالى : (واجْعَل لِي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِى) [طه 3229]. وقال النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، فأثبت له جميع مراتب هارون ومنازله عن موسى فإذاً هو وزير رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و شاد أزره، ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكاً في أمره (2). أقول: وهذه الأخبار كما ترى صريحة في إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووزارته وخلافته حسبما عرفت تحقيقه في مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية.
قال المفيد في (الإرشاد) بعد الاستدلال على إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحديث المنزلة : فأوجب له الوزارة والتخصيص بالمودة والفضل على الكافة له والخلافة عليهم في حياته وبعد وفاته لشهادة القرآن بذلك كله لهارون من موسى، قال الله عزَّ وجل مخبراً عن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اَشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِى * كَى نسَبحكَ كَثِيرًا * وَنَذَكَرَكَ كَثِير * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا)قال الله تعالى: وَقَدْ أُوتِيتَ سُؤلَكَ يَا مُوسَى [طه: 36].)فثبت لهارون شركة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ في النبوة ووزارته على تأدية الرسالة وشد أزره به في النصرة.)وقال في استخلافه له: و (اخلفني في قَوْمى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف : 142] فثبت له خلافته بمحكم التنزيل.)فلما جعل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام جميع منازل هارون من موسى على نبينا و (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحكم له منه إلا النبوة وجبت له وزارة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشدّ الأزر بالنصرة والفضل والمحبة لما تقتضيه هذه الخصال ذلك من في الحقيقة ثم الخلافة في الحياة بالصريح وبعد النبوة بتخصيص الاستثناء لما أخرج منها بذكر البعد، وأمثال هذه الحجج كثيرة يطول بذكرها الكتاب.)وقال: (رَحمهُ اللّه في موضع آخر من (الإرشاد) : فأما مناقبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الغنية لشهرتها وتواتر النقل)
بها وإجماع العلماء عليها عن إيراد أسانيد الأخبار بها فهي كثيرة يطول بشرحها الكتاب وفي رسمنا منها طرقاً كفاية عن إيراد جميعها.فمن ذلك أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ جمع خاصة أهله وعشيرته في ابتداء الدعوة إلى الإسلام فعرض عليهم الإيمان واستنصرهم على الكفر والعدوان وضمن لهم على ذلك الخطوة في الدنيا والشرف وثواب الجنان، فلم يجبه منهم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، فنحله (1)بذلك تحقيق الأخوة والوزارة والوصية والوراثة والخلافة وأوجب له به الجنّة (2).)وذلك في حديث الدار الذي أجمع على صحته نقاد الآثار حين جمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلاً يومئذ يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً فيما ذكره الرواة.)وأمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن يصنع لهم طعاماً فخذ شاة مع مدّ من برّ ويعد لهم صاع من اللبن، وقد كان الرجل منهم معروفاً بأكل الجذعة - وهو من الضأن ما له سنة كاملة - في مقام واحد ويشرب الفرق من الشراب في ذلك المقعد.)فأراد عليه وآله السلام بإعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم إظهار الآية لهم في شبعهم ورتهم مما كان لا يشبع واحداً ولا يرويه، ثم أمر بتقديمه لهم، فأكلت الجماعة كلها من ذلك اليسير حتى تملوا منه ولم يين ما أكلوه منه وشربوه فيه، فبهرهم بذلك وبين لهم آية نبوّته وعلامة صدقه ببرهان الله تعالى فيه.ثم قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام ورووا من الشراب: يا بني عبد المطلب، إن الله بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة فقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ؟ وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني عليه وعلى القيام به يكون أخي ووصتي ووزيري وخليفتي من بعدي».)فلم يجبه أحد منهم، فقال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: فقمت بين يديه من بينهم وأنا إذ ذاك أصغرهم سناً، وأحمشهم ساقاً، وأرمصهم عيناً فقلت: أنا يا رسول الله أوازرك على هذا الأمر، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «اجلس».)
ثم أعاد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ القول على القوم ثانية فصمتوا فقمت أنا وقلت مثل مقالتي الأولى، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «اجلس».)ثم أعاد على القوم ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف فقمت وقلت : أنا أوازرك يا رسول الله على هذا الأمر.فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «اجلس فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي»، فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب : يا أبا طالب ليهنئك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك فقد جعل ابنك أميراً عليك.)قال المفيد (قدس سره العزيز : وهذه منقبة جليلة اختص بها أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ولم يشركه فيها أحد من المهاجرين والأنصار ولا أحد من أهل الإسلام، وليس لغيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدل لها من الفضل ولا مقارب على حال.)وفي الخبر بها ما يفيد أن به عليه الصلاة والسلام تمكن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من تبليغ الرسالة وإظهار الدعوة والصدع بالإسلام، ولولاه لم تثبت الملة ولا استقرت الشريعة ولا ظهرت الدعوة.)فهو عليه الصلاة والسلام ناصر الإسلام ووزيره الداعي إليه من قبل الله عزَّ وجل، وبضمانه لنبي الهدى عليه وآله السلام النصرة تمّ له في النبوة ما أراد، وفي ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلاً، وتعادله الفضائل كلها محلاً (1.)
1) بطوله في الإرشاد 51/1.
### الترجمةاین فصل از خطبه شریفه مسوق است در بیان مناقب جلیله و فضایل جمیله خود آن بزرگوار میفرماید :آگاه باشید که به تحقیق امر فرمود خدای متعال مرا به قتال و جدال اهل ظلم و طغيان و اهل نقض بیعت و اهل فساد در زمین پس اما ناقضان بیعت که اهل جمل بودند، پس به تحقیق مقاتله کردم با ایشان و اما عدول کنندگان از حق که اهل صفین بودند، پس به تحقیق جهاد کردم با ایشان و اما بیرون روندگان از دین که اهل نهروان بودند پس به تحقیق که ذلیل گردانیدم ایشان را و اما شیطان ردهه پس به تحقیق کفایت کرده شدم از او به آواز مهیبی که شنیدم به جهت شدت آن آواز اضطراب قلب و حرکت سینه او را و باقی مانده بقیه از اهل ستم که معاویه و اهل شام است و اگر اذن بدهد خدای تعالی در رجوع بر ایشان هر آینه البته غالب میشوم بر ایشان و بازگیرم دولت را از ایشان مگر این که متفرق شوند در اطراف زمین متفرق شدنی.من پست کردم رؤسای عرب را شکستم شاخهای ظاهر شده ربیعه و مضر را و به تحقیق که شما دانسته اید مرتبه و مقام من را در نزد رسول خدا (صلى الله عليه [وآله] وسلم با قرابت نزديك و با رتبه و منزلت مخصوصه، نهاد مرا در کنار تربیت خود در حالتی که طفل بودم می چسباند مرا به سینه خود و ضم میکرد مرا در رختخواب خود و مس میکرد به من بدن شریف خود را و میبویید مرا بوی معطر خود را و بود که مضغ فرمود چیزی از طعام پس میخوراند به من آن را.)پس به تحقیق که مقرون گردانید به آن بزرگوار از وقتی که فطیم و از شیر وا شده بود اعظم ملکی را از ملائکه خود که میبرد آن را به راه مکرمتها خوب ترین خلقهای عالم در شب و روز او و به تحقیق که تبعیت می نمودم او را خوبترین مثل تبعیت شتربچه در عقب مادر خود بلند میگردانید از برای من در هر روز رأیتی از خلقهای عظیمه خود و امر میفرمود مرا به پیروی کردن به خود
و هر آینه بود آن سیّد انام عليه صلوات الله الملك العلام مجاور میشد هر سال به کوه حرا، پس میدیدم من او را و نمیدید او را احدی غیر از من و جمع نکرده بود يك خانه آن روز در اسلام غیر رسول خدا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و خدیجه کبری (علیها السلام) و من ثالث ایشان بودم میدیدم نور وحی را و می بوییدم بوی پیغمبری را.)و به حقیق شنیدم ناله شیطان را در وقت نزول وحی بر آن بزرگوار پس گفتم یا رسول الله این چه ناله است؟ پس فرمود که این شیطان است به تحقیق ناامید شده است از این که عبادت و اطاعت کنند مردمان او را.به درستی که تو ای علی میشنوی آن چه که میشنوم من و میبینی آن چه میبینم من مگر آن که تو پیغمبر نیستی ولکن تو وزیر منی و به درستی که تو ثابت هستی بر خیر دنیا و آخرت.
## الفصل التاسع### إشارة:وَلَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لما أتاهُ المَلاَءُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقالُوا لَهُ : يا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدْ ادَّعَيْتَ عظيماً لَمْ يَدّعِه آباؤُكَ وَلا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ ونَحْنُ نَسْألُكَ أَمْراً إِنْ أَجَبْتَنا إِلَيْهِ وأَرَيْتَنَاهُ عَلِمْنا أَنَّكَ نَبِيُّ ورَسُولٌ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنا أَنَّكَ سَاحِرٌ كذَّابٌ.)قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ: «وَمَا تَسْتَلُونَ؟».)قالُوا : تَدْعُ لَنا هذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِها وتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِير فَإِنْ فَعَلَ الله ذَلِكَ بِكُمْ أَتُؤْمِنُونَ وتَشْهَدُونَ بِالحَقِّ؟» قالُوا : نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ ما تطلبُونَ، وإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لا تَفِيتُونَ إِلى خَيْرٍ، وأَنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِيالقَلِيبِ، ومَنْ يُحَرِّبُ الأَحْزَابَ».)ثُمَّ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤمِنِينَ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ وَتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ الله فَانقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ الله.)والَّذِي بَعَثَهُ بالحَقِّ لا نُقَلَعَتْ بِعُرُوقِها وجاءَتْ وَلَها دَوِيٌّ شَدِيدٌ وَقَصْفٌ كَقَصِيفِ أَجْنِحَةِ الطَّيرِ، حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله مُرَفْرَفَةً، وأَلْقَتْ بِغُصْنِها الأَعْلَى عَلَى رَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وبِبَعْضِ أَغصانها عَلَى مِنْكَبِي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)فَلَمَّا نَظَرَ القَوْمُ إِلى ذلِكَ قَالُوا عُلُوّاً واسْتِكْبَاراً : فَمُرُها فَلْيَأْتِكَ نِصْفُها ويَبْقَى نِصْفُها، فَأَمَرَها بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُها كَأَعْجَبِ إِقْبَالِ وَأَشَدّه دَوِيّاً، فَكادَتْ تَلْتَتُ بِرَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فَقالُوا كُفْراً وَعُتُوّاً : فَمُرْ هَذَا النّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلى نِصْفِه كَمَا كانَ، فَأَمَرَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَرَجَعَ.)فَقُلْتُ أَنَا : لا إِلهَ إلا الله فَإِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنِ بِكَ يا رَسُولَ الله وَأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ ما فَعَلَتْ بِأَمْرِ الله تَعَالَى تَصْدِيقاً لِنُبُوَّتِكَ وإجلالاً لِكَلِمَتِكَ، وقال القَوْمُ كُلُّهُمْ: بَلْ ساحِرٌ كَذَّابٌ عَجِيبُ السَّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ وهَلْ يُصَدِّقُكَ في أَمْرِكَ إِلا مِثْلُ هَذَا - يَعْنُونَني - وإِنِّي لَمِنْ قَوْم لا تَأخُذُهُمْ فِي اللَّه لَوْمَةُ لايم، سيماهُمْ سيما الصِّدِّيقِينَ، وَكَلامُهُمْ كَلامُ الأَبْرارِ، عُمّارُ اللَّيْلِ، ومَنارُ النَّهارِ مُتَمَسْكُونَ بِحَبْلِ القُرْآنِ، يُحْيُونَ سُنَنَ الله وَسُنَنَ رَسُولِهِ لا يسْتَكْبِرُونَ، وَلا يَعْلُونَ، وَلا يَغُلُّون، ولا يُفْسِدُونَ قُلُوبُهُمْ فِي الجِنانِ، وأَجْسادُهُمْ فِي العَمَلِ (1.)
1) البحار 477/14.
### اللغة(القليب البئر يذكّر ويؤنث أو العادية القديمة منها و (الأحزاب) جمع الحزب الطائفة وجماعة الناس وتحزّبوا صاروا أحزاباً وحزبتهم تحزيباً جعلتهم حزباً حزباً و (القصف والقصيف) الصوت، وفي بعض النسخ قصف كقصف أجنحة الطير، والجميع بمعنى واحد و (رفرف) الطائر بجناحيه إذا بسطهما عند السقوط على شيء يحوم عليه ليقع فوقه (والسيما) بالقصر والمد العلامة و (غلّ) يغلّ من باب قعد غلولاً إذا خان في الغنيمة كأغل أو مطلق الخيانة وغلّ غلاً من باب ضرب أي حقد حقداً.)### الإعرابقوله : (مرفرفة بالنصب حال من فاعل وقفت وقوله : (وألقت) عطف على وقفت (وعلوّاً واستكباراً) منصوبان على المفعول لأجله، و (دوياً) منصوب على (التمييز)، و (كفراً وعتوّاً) أيضاً منصوبان على المفعول له وكذلك (تصديقاً وإجلالاً)، و (عمّار الليل) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف قوله وأجسادهم في العمل، (الواو) فيه للعطف وتحتمل الحال.)### المعنىاعلم أنه عليه الصلاة والسلام لما نبه في الفصل السابق على علوّ مقامه ورفعة شأنه وشرف محله، وذكر المخاطبين بمناقبه الجميلة وعد فيه منها تسعاً أردفه بهذا الفصل تذكيراً لهم بمنقبته العاشرة وهو إيمانه برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وتصديقه بالمعجزة الظاهرة منه صلوات الله وسلامه عليه في الشجرة لما كفر به غيره ونسبوه إلى السحر والكذب وهو قوله عليه الصلاة والسلام :)(ولقد كنت معه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لما أناه الملاء من قريش) أي الجماعة منهم (فقالوا له: يا محمد إنك قد ادعيت أمراً عظيماً) وهو النبوة والرسالة (لم يدعه آباؤك) أي الأقربون منهم وإن كان الأبعدون أنبياء ومرسلين كإسماعيل وإبراهيم وغيرهما (ولا أحد من) أهل (بيتك ونحن نسألك أمراً) خارقاً للعادة (إن أجبتنا إليه) وأتيت به (وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول) لإتيانك بما أتى به سائر الأنبياء والرسل مما يعجز عنه غيرهم من الآيات البينات المصدّقة لرسالتهم ونبوتهم (وإن لم تفعل علمنا) بطلان دعواك و (إنك ساحر كذاب) لأن عدم فعلك لما نسأله كاشف عن عجزك من معاجزة النبوة ودلائل الرسالة.)فـ(قال لهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (وما تسألون؟).)قالوا تدع لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها) من الأرض وتأتي (وتقف بين يديك) إجابة لدعوتك (فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن الله على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء ولا يقصر قدرته عن)
شيء (فإن فعل الله ذلك بكم وأجاب إلى مسؤولكم (أتؤمنون) به (وتشهدون بالحق).)وإنما نسب الفعل إلى الله ولم ينسبه إلى نفسه تنبيهاً على أن ما يفعله ويصدر منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فإنما هو فعل الله سبحانه وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) مظهر له كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِن الله رَمَى) [الأنفال : 17].)ولذلك ذكر أولاً عموم قدرته تعالى وفرع عليه قوله : فإن فعل الله ذلك، إيماء إلى أن ما تسألونه من انقلاع الشجرة من مكانها ووقوفها بين أيديهم أمر يعجز عنه المخلوق الضعيف ويقدر عليه الخالق القاهر القادر على كل شيء، فقال لهم : فإن فعلت ذلك مع كوني بشراً مثلكم فإنما هو بكوني مبعوثاً من عنده خليفة له وكون فعلي فعله أتؤمنون حينئذ وتشهدون بأن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟.(قالوا : نعم، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: فإني سأريكم ما تطلبون) أسند الإرائة إلى نفسه القدسي بعد إسناد الفعل إلى الله، لما ذكرناه من النكتة (وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير) أي لا ترجعون إلى الإسلام الجامع لخير الدنيا والآخرة.)وفي تصدير الجملة بأن (واللام تنبيهاً على أن عدم رجوعهم إلى الحق وبقائهم على الكفر والضلال محقق معلوم له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولو بعلم اليقين ليس فيه شك وريب.)(وإن فيكم من يبقي على كفره ويقتل و (يطرح في القليب) قليب بدر (ومن) يستمر على غيّه (و يحزب الأحزاب) ويجمع جموع الكفّار والمشركين على محاربتي وجهادي.)وهذا الخبر من أخباره الغيبية ودلائل نبوته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وقد وقع المخبر به على طبق الخبر، فممن طرح في القليب بعد قتلهم عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبي جهل وأمية بن عبد شمس والوليد بن المغيرة وغيرهم، وممن حزب الأحزاب أبو سفيان بن حرب وعمرو بن ود وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهل بن عمرو وغيرهم.)(ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله) خطابه للشجرة بخطاب ذوي العقول يدلّ على أنها صارت بتوجه نفسه القدسي إليها شاعرة مدركة قابلة للخطاب كسائر ذوي العقول المتصفة بالإحساس والحياة لأن مشيئته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مشيئة الله وإذا أراد الله شيئاً أن يقول له كن فيكون.)ونظير هذا الخطاب خطاب الله سبحانه للأرض والسماء بقوله : (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيا سَمَاءُ أَقْلِعِي [هود : 44] وفي قوله : إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر دلالة على أن للنبات والجماد تكليفاً كسائر المكلّفين وقد مرّ بعض الكلام في ذلك في شرح المختار المائة والتسعين.
وكيف كان فقد خاطب الشجرة وقال لها : (فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله) ومشيئته فـ(والذي بعثه بالحق) نبياً (لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد) صوت کصوت الريح (وقصف كقصيف) أي صوت مثل صوت (أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) ممتثلة لأمره منقادة لحكمه (مرفرفة) رفرفة الطير (وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) و إجلالاً له وإعظاماً (ويبعض أغصانها على منكبي) تكريماً وتعظيماً (وكنت) واقفاً (عن يمينه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلما نظر القوم إلى ذلك) الإعجاز (قالوا له : (علوا واستكباراً) لا اهتداء واسترشاداً (فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها فأمرها بذلك) إتماماً للحجة وإكمالاً للبيّنة (فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال واشده دويّاً) وهو كناية عن سرعة إجابتها لأمره (فكادت تلتف برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) بمزيد دنوها منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (فقالوا) ثالثة (كفراً وعتوّاً) وتمرداً واعتلاء بقصد تعجيزه وإفحامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان فأمره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) قطعاً للعذر وحسماً لمادة المكابرة (فرجع) إلى النصف الآخر وانضم إليه.
قال أمير المؤمنين لما شاهد هذه المعجزة : (فقلت أنا : لا إله إلا الله فإني أول مؤمن بك) أي برسالتك (يا رسول الله وأول من أقرّ بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله) وإذنه (تصديقاً لنبوّتك وإجلالاً لكلمتك) وإجابة لأمرك.
(فقال القوم كلهم : بل ساحر كذاب) أي أنت مموّه مدلّس لا حقيقة لما فعلته وإنما هو تمويه وتخييل لا أصل له وأنك كذاب فيما تدعوننا إليه من التوحيد والإيمان.
وقد حكى الله عنه- ذلك بقوله في سورة (ص) : (وَعَجبُوا أَن جَاءَهُم تُنذِرٌ مِّنهُم وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَابُ * أَجَعَلَ الاَلهَةَ إِلَاها وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَىء عُجَابٌ) [4 - 5].
قال الطبرسي في وجه نزول الآية قال المفسرون: إن أشراف قريش وهم خمسة وعشرون منهم الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم وأبو جهل وأبي وأمية ابنا خلف وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والنضر بن الحارث أتوا أبا طالب وقالوا : أنت شيخنا وكبيرنا وقد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك فإنه سنّه أحلامنا وشتم آلهتنا فدعى أبو طالب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال: يا ابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك، فقال: ماذا يسألونني؟ قالوا : دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم» ؟ فقال أبو جهل: الله أبوك نعطيك ذلك وعشر أمثالها، فقال: «قولوا : لا إله إلا الله»، فقاموا وقالوا : أجعل الآلهة إلها واحداً؟!، فنزلت هذه الآيات، هذا (1).
1) راجع تفسیر مجمع البيان 342/8.
ولما قالوا : إنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ساحر ولم يكونوا شاهدين مثل ما أتى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) به من غيره أعظموا أمره ووصفوه بأنه (عجيب السحر) لأنه قد أتى بما يعجز عنه غيره وبأنه (خفيف فيه) لأنه فعل ما فعل سريعاً من دون تراخ وتأخير.
ثم قالوا استحقاراً واستصغاراً : (وهل يصدّقك) ويؤمن بك (في أمرك إلا مثل هذا) الغلام الحدث السنّ (يعنونني) وقد حذا حذو هؤلاء الكفّار أتباعهم الذين فضلوا ابن أبي قحافة على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قالوا : إن ابن أبي قحافة أسلم وهو ابن أربعين سنة وعلي أسلم وهو حدث ولم يبلغ الحلم فكان إسلام الأول أفضل.
وقد نقل تفصيل مقالهم الشارح المعتزلي من كتاب (العثمانية) للجاحظ، وتفصيل الجواب عن ذلك من كتاب (نقض العثمانية) لأبي جعفر الإسكافي تغمّده الله بغفرانه وكفانا نقل الشارح المعتزلي له مؤنة النقل هنا من أراد الاطلاع فليراجع شرحه.
ثم أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مناقب له أخرى وفصلها بقوله : (وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم) أي لا تأخذهم في سلوك سبيله والتقرب إليه سبحانه وإقامة أحكام الدين وإعلاء كلمة الإسلام، ملامة لائم ووصف هؤلاء القوم بعشرة أوصاف :
أولها : أن (سيماهم سيما الصديقين) أي علامتهم علامة هؤلاء.
قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء : 69]، قيل : في معنى الصديق إنه المصدّق بكل ما أمر الله به وبأنبيائه لا يدخله في ذلك شك ويؤيده قوله تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوَلَئكَ هُمُ الصديقون﴾ [الحديد: 19]، وقال في قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيا [مريم: 41] أي كثير التصديق في أمور الدين، وقيل: صادقاً مبالغاً في الصدق فيما يخبر عن الله.)أقول: مقتضى كون الصديق من أبنية المبالغة أن يكون كثير الصدق مبالغاً فيه، وذلك مستلزم لكون عمله مطابقاً لقوله مصدّقاً له غير مكذب أي صادقاً في أقواله وأفعاله.قال سبحانه في وصف الصادقين: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيينَ وَءَاتَی الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَوَأتَى الزَّكَوةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضراء وحين البأس الْبَأْسِ أُوْلَئكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأَوْلَئكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة : 177].
وفي (البحار) عن بصائر الدرجات عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن
قول الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ) [التوبة: 119] قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إيانا عنى (1).
وفيه من (البصائر) عن أحمد بن محمد قال : سألت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية قال : الصادقون الأئمة الصديقون بطاعتهم (2).
وفيه من كنز جامع الفوائد عن عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : هبط على النبي ملك له عشرون ألف رأس، فوثب النبي ليقبل يده فقال له الملك : مهلاً مهلاً يا محمد فأنت والله أكرم على الله من أهل السماوات وأهل الأرضين أجمعين والملك يقال له : محمود فإذا بين منكبيه مكتوب : لا إله إلا الله محمد رسول الله ع(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لى الصديق الأكبر، فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «حبيبي محمود [منذ] كم هذا مكتوب بين منكبيك؟» قال: «من قبل أن يخلق الله أباك باثني عشر ألف عام» (3).
فقد علم بما ذكرنا كله أن المراد بالصديقين خصوص الأئمة أو الأعم منهم ومن سائر المتقين، وعلى أي تقدير فرئيسهم هو أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
(و) الثاني: (أنّ كلامهم كلام الأبرار) أي المطيعين الله المحسنين في أفعالهم قال تعالى: هو (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5] قال الحسن في :تفسیره : هم الذين لا يؤذون الذرّ ولا يرضون الشر وقيل : هم الذين يقضون الحقوق اللازمة والنافلة.
قال الطبرسي : وقد أجمع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وموافقوهم وكثير من مخالفيهم أن المراد بذلك علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والآية مع ما بعدها متعينة فيهم.
وأيضاً فقد انعقد الإجماع على أنهم كانوا أبراراً وفي غيرهم خلاف، وعلى أي معنى فالمراد بكلامهم الذكر الدائم وقول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والثالث: أنهم (عمار الليل) أي بالدعاء والمناجاة والصلاة وتلاوة القرآن.
(و) الرابع : أنهم (منار النهار) يعني أنهم يفرغون بالليل لعبادة الخالق ويقومون في النهار بهداية الخلائق فالناس يهتدون بهم من ظلمات الجهالة والضلالة كما يهتدى بالمنار في غياهب الدجى.
الخامس : أنهم (متمسكون بحبل القرآن) قال الشارح البحراني: استعار لفظ الحبل للقرآن باعتبار كونه سبباً لمتعلميه ومتدبريه إلى التروي من ماء الحياة الباقية، كالعلوم والأخلاق الفاضلة كالحبل هو سبب الارتواء والاستسقاء من الماء أو باعتبار كونه عصمة لمن تمسك به صاعداً من دركات الجهل إلى أقصى درجات العقل كالحبل يصعد فيه من السفل إلى العلو انتهى.
والأظهر أن تشبيهه بالحبل لأنه حبل ممدود من السماء إلى الأرض كما في أخبار الثقلين من اعتصم به فاز ونجا وارتقى به إلى مقام القرب والزلفى ومن تركه ولم يعتصم به ضل وغوى وفي مهواة المهانة هوى.
السادس: أنهم (يحيون سنن الله وسنن رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) أي يقومون بنشر آثار الدين ويواظبون على وظائف الشرع المبين بأقوالهم وأعمالهم.
السابع : أنهم (لا يستكبرون ولا يعلون) لما قد علموا من مخازي الكبر والترفع ومفاسده التي تضمنتها هذه الخطبة الشريفة وغيرها من الخطب المتقدمة.
(و) الثامن: أنهم (لا يغلون) أي لا يحقدون ولا يحسدون علماً منهم برذائل الحقد والحسد المتكفلة لبيانها الخطبة الخامسة والثمانون وشرحها ولرذالة هذه الصفة ودناءتها أخرجها سبحانه من صدور أهل الجنّة كما قال في وصفهم : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ [الأعراف: 4] أي أخرجنا ما في قلوبهم من حقد وحسد وعداوة في الجنة حتى لا يحسد بعضهم بعضاً وإن رآه أرفع درجة منه، وعلى كون يغلون من الغلول فالمراد براءتهم من وصف الخيانة لمعرفتهم برذالتها.)(و التاسع: أنهم (لا يفسدون) أي لا يحدثون الفساد لأنه من صفة الفساق والمنافقين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) [البقرة: 11] الآية قال الطبرسي : معناه إذا قيل للمنافقين لا تفسدوا في الأرض بعمل المعاصي وصدّ الناس عن الإيمان أو بممايلة الكفار فإن فيه توهين الإسلام أو بتغيير الملة وتحريف الكتاب.
والعاشر : أن (قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل) يعني أن قلوبهم متوجهة إلى الجنان مشتاقة إلى الرضوان فهم والجنة كمن قد رآها وهم فيها منعمون ومحصله أن نفوسهم بكليتها معرضة عن الدنيا مقبلة إلى الآخرة، والحال أن أجسادهم مستغرقة في العبادة وأوقاتهم مصروفة بالطاعة.
وعلى كون الواو للعطف يكون قوله : وأجسادهم في العمل الوصف الحادي عشر، وعلى الاحتمالين فالمراد واحد.
حديث الشجرة مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد روي في ضمن معاجزه على أنحاء مختلفة لا حاجة بنا إلى روايتها، ولكني أحببت أن أورد رواية مروية في تفسير الإمام متضمنة لمعجزة شجرية له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أوجب مشاهدتها لمشاهدها علماً وإيماناً كما أن مشاهدة ما رواه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يزد كفار قريش إلا كفراً وعتوّاً وطغياناً
فأقول : في تفسير الإمام قال علي بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ): وأما دعاؤه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الشجرة فإن رجلاً من ثقيف كان أطبّ الناس يقال له حارث بن كلدة الثقفي، جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فقال : يا محمد جئت أداويك من جنونك فقد داويت مجانين كثيراً فشفوا على يدي فقال رسول الله : «يا حارث أنت تفعل فعل المجانين وتنسبني إلى الجنون»، قال الحارث: وماذا فعلته من أفعال المجانين؟، قال : «نسبتك إياي إلى الجنون من غير محنة منك ولا تجربة ونظر في صدقي أو كذبي»، فقال الحارث: أو ليس قد عرفت كذبك وجنونك بدعوتك النبوة التي لا تقدر لها فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «وقولك لا تقدر لها، فعل المجانين لأنك لم تقل لم قلت كذا ولا طالبتني بحجّة فعجزت عنها»، فقال الحارث : صدقت وأنا أمتحن أمرك بآية أطالبك بها، إن كنت نبيّاً فادع تلك الشجرة - وأشار بشجرة عظيمة بعيد عمقها - فإن أتتك علمت أنك رسول الله وشهدت لك بذلك، وإلا فأنت المجنون الذي قيل لي.
فرفع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يده إلى تلك الشجرة وأشار إليها : أن تعالي فانقلعت الشجرة بأصولها وعروقها وجعلت تخدّ في الأرض أخدوداً عظيماً كالنهر حتى الأرض أخدوداً عظيماً كالنهر حتى دنت من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فوقفت بين يديه ونادت بصوت فصيح ها أنا ذا يا رسول الله ما تأمرني؟
فقال لها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «دعوتك لتشهدي لي بالنبوة بعد شهادتك الله بالتوحيد، ثم تشهدي لعلي هذا بالإمامة وأنه سندي وظهري وعضدي وفخري، ولولاه لما خلق الله شيئاً مما خلق».
فنادت : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك يا محمد عبده ورسوله، أرسلك بالحق بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأشهد أن علياً ابن عمك هو أخوك في دينك أوفر خلق الله من الدين حظاً، وأجزلهم من الإسلام نصيباً، وأنه سندك وظهرك قاطع أعدائك وناصر أوليائك، باب علومك في أمتك، وأشهد أن أولياءك الذين يوالونه ويعادون أعداءه حشو الجنّة، وأن أعداءك الذين يوالون أعداءك ويعادون أولياءك حشو النار.
فنظر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الحارث بن كلدة فقال : يا حارث أو مجنوناً تعدّ من هذه
آياته؟!» فقال: لا والله يا رسول الله ولكني أشهد أنك رسول رب العالمين وسيد الخلق أجمعين. وحسن إسلامه (1).
وقد مضى نظير هذه المعجزة لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شرح الفصل الأول من الخطبة المائة والسابعة فتذكر.
قال الشارح على الله عنه : إن الفصول السبعة الأول من هذه الخطبة الشريفة كما كانت قاطعة للمستكبرين المتجبرين راغمة لأنفهم، لاطمة لرأسهم بمقامع التوبيخ والتقريع والتهديد، فكذلك الفصل الثامن والتاسع منها قاطعان للمنحرفين عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من غاصبي الخلافة والناكثين والقاسطين والمارقين بما فصله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهما من مناقبه ومفاخره فتلك المناقب الجميلة له (عَلَيهِ السَّلَامُ).
على قمم من آل صخر ترفعت***کجلمود صخر حطه السيل من عل
1) تفسير الإمام العسكري 169، والبحار 317/17.
این فصل آخر از خطبه شریفه باز در ذکر مفاخر و مناقب خود آن بزرگوار است میفرماید :
و به تحقیق بودم من با حضرت رسالت مآب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقتی که آمدند نزد آن حضرت جماعتی از کفار قریش پس گفتند او را ای محمد به درستی که تو ادعا کردی امر عظیمی را که ادعا نکرده بود آن را پدران تو و نه احدی از خانواده تو و ما خواهش میکنیم از تو کاری را اگر اجابت کردی ما را به آن کار و نمودی آن را به ما می دانیم که تو پیغمبر مرسلی و اگر اجابت نکردی میدانیم که تو جادوگر و بسیار دروغگویی.
پس فرمود آن حضرت به :ایشان چه خواهش دارید؟ گفتند که بخوانی به جهت ما این درخت را تا برکنده شود با ریشههای خود و بایستد پیش تو ؛ پس فرمود آن حضرت که خدای تعالی به هر چیز قادر است پس اگر بکند خداوند عالم به جهت شما آن را آیا ایمان میآورید و شهادت میدهید به حق؟ پس ؟ پس :گفتند: بلی فرمود: پس به درستی که به زودی بنمایم من به شما آن چیزی را که طلب می کنید و حال آن که به درستی که یقین من است که شما باز نمی گردید به سوی اسلام که خیر دنیا و آخرت است و به درستی که در میان شما است کسی که انداخته می شود در چاه بدر و کسی که جمع سازد لشکرهای کفار را به محاربه من.
بعد از آن فرمود آن حضرت به طریق خطاب به درخت که ای درخت اگر هستی که ایمان داری به خدای تعالی و به روز آخرت و میدانی که منم پیغمبر خدا، پس برکنده شو با ریشههای خود تا این که بایستی پیش من با اذن خدا.
پس قسم به خدایی که مبعوث فرمود او را به حق هر آینه برکنده شد با رگ و ریشههای خود و آمد به سوی آن حضرت در حالتی که آن حضرت در حالتی که مر او را صدای سخت بود و آوازی بود مانند آواز بالهای مرغان، تا این که ایستاد پیش حضرت رسالت مآب
(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حرکت کنان مثل مرغ بال زنان و انداخت شاخه بلندتر خود را بر پیغمبر خدا و بعض شاخهای خود را بر دوش من و بودم من در جانب راست آن حضرت.
پس وقتی که نظر کردند آن جماعت به آن معجزه گفتند از روی تکبّر و گردن کشی: پس امر کن تا بیاید به سوی تو نصف آن و باقی ماند جای خود نصف دیگر آن؛ پس امر فرمود آن را به این پس پی را به این پس پیش آمد به سوی او نصف آن درخت مانند عجب ترین روی آوردن و سخت ترین آن از روی آواز پس نزديك شد که پیچیده شود به حضرت رسول خدا، پس گفتند آن ملاعین از روی کفر و ستیز گی پس امر کن این نصف را برگردد به سوی آن نصف دیگر چنانکه در اصل بود، پس امر فرمود او را پس برگشت.
پس گفتم من: لا اله الا الله به درستی که من اول ایمان آورنده ام به تو یا رسول الله و اول کسی هستم که ایمان آورد به این که آن درخت کرد آن چه کرد به فرمان خدا از جهت تصدیق پیغمبری تو و تعظیم فرمایش تو.
پس گفتند آن کفار شقاوت آثار جمیعاً که تو جادوگر دروغ گویی، عجیب و غریب است سحر تو چابك و سبك دستی در آن و تصدیق نمی کند تو را در پیغمبری تو مگر مثل این و قصد میکردند در این حرف مرا. و به درستی که من از قومی هستم که اخذ نمیکند ایشان را در راه خدا ملامت هیچ ملامت کننده که علامت ایشان علامت صدیقین است و کلام ایشان کلام نیکوکاران آبادکنندگان شباند به عبادت و منارهای روزاند به هدایت چنگ زنندگاناند به ریسمان محکم قرآن، زنده می کنند شریعت الهی و سنت رسالت پناهی را تکبر نمی ننمایند بلندی نمی جویند، حقد و حسد نمیکنند در راه فساد نمی پویند قلبهای ایشان در بهشت برین است و بدنهای ایشان مشغول عبادت رب العالمين ؛ و الحمد لله و الصلاة على محمد و آله.
هذا آخر المجلد الخامس من مجلدات منهاج البراعة، ويتلوه إن شاء الله المجلد السادس بتوفيق منه سبحانه، وقد يسر الله بفضله الواسع ختامه وبكرمه السابغ إتمامه بعد حصول الإياس وتفرّق الحواس واضطراب الناس واختلال الحال بداهية دهيا وبلية عظمى وزلزلة شديدة أدب الله أهل بلدنا بها في هذه الأيام، يا لها رجفة ما رأيت مثلها وقد جاوزت خمسين درجة أخذتهم نصف الليل بينما كانوا راقدين فقاموا من مضاجعهم ذعرين مرعوبين كأنهم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون بهول ترتعد منه الفرائص، وتفت الأكباد وتصدع القلوب وتقشعر الجلود وكان الناس سكارى من مهول البلا.
فلولا أن تداركنا رحمته السابقة على غضبه سبحانه لم يكن لأحد منها النجاة ولا لذي روح طماعية في الحياة، وقد حرمنا منذ ليال من سبت الرقاد وخرجنا من تحت الأبنية والعروش بعدما أشرفت على السقوط والانهدام، واتخذنا الأخبية مسكناً والمظلة أكناناً، والرجفة في هذه المدة وقد مضت منذ ظهرت عشرة أيام تطرقنا ساعة بعد ساعة.
نعوذ بالله سبحانه من غضبه ونسأله عزّ وجل أن لا يخاطبنا بذنوبنا ولا يؤاخذنا بأعمالنا ولا يقايسنا بأفعالنا وأن يرفع عنا هذه البلية وينجينا من تلك الرزية بمحمد وآله خير البرية، فإنه ذو المن الكريم والرؤوف الرحيم.
وقد وقع الفراغ منه ثالث عشر شهر ذي القعدة الحرام - من سنة سبع عشرة وثلاثمائة بعد الألف - وهذه هي النسخة الأصل كتبتها بيميني وأسأله سبحانه أن يحشرني في أصحاب اليمين بجاه محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
بسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرح صدور المؤمنين بمصابيح العرفان واليقين، ونوّر قلوب المتقين بأنوار التقوى في الدين، فاهتدوا إلى المحجة البيضاء ولزموا الشرع المبين، وسلكوا الجادّة الوسطى وتمسكوا بالحبل المتين وفاز العارفون منهم بعظيم الزلفى وحسن المآب، وخرجت أرواح الواصلين منهم من أبدانهم خوفاً من العقاب وشوقاً إلى الثواب.
والصلاة والسلام على أشرف الأولين والآخرين محمد سيّد الأنبياء والمرسلين ووصيه ووزيره الوارث لعلمه والحامل لسرّه، وباب مدينة علمه ودار حكمته علي أمير المؤمنين وسيّد الوصيين، وآلهما الخائضين في بحار أنوار الحقائق والغائصين في لجج تيار الدقائق أئمة المسلمين الهداة المهديين الأطيبين الأنجبين الغر الميامين :
هُم هداة الورى وهم أكرم***الناس أصولاً شريفة ونفوسا
معشر حبهم يُجلّي الهموم***و مزاياهم تحلى طروسا
کرموا مولداً وطابوا أصولاً***وزكوا محتداً وطالوا غروسا
ملأؤا بالولاء قلبي رجاء***وبمدحي لهم ملئت الطروسا
ملاؤا بالولاء بعد، فهذا هو المجلد السادس من مجلدات منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة إملاء راجي عفو ربه الغني (حبيب الله بن محمد بن هاشم الهاشمي العلوي الموسوي) وفّقه الله لما يتمناه وجعل عقباه خيراً من أولاه إنه ولي الإحسان والكريم المنان.
قال الشريف الرضي قدس سره العزيز :
وهي مروية في (الكافي) في باب علامات المؤمن وصفاته باختلاف كثير تطلع عليه بعد الفراغ من شرح ما أورده السيد (رَحمهُ اللّه)في المتن.
قال (قدّس سِرُّه): روي أن صاحباً لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقال له : همام، كان رجلاً عابداً فقال له : يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم، فتثاقل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جوابه ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):یا همام :
«اتَّقِ الله وأَحْسِنُ فَإِنَّ الله مَعَ الذِينَ اتَّقُوا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ».
فلم يقنع همّام بذلك القول حتى عزم عليه فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم قال :
«أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الله سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غنيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لأَنَّهُ لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصاه، ولا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أطاعَهُ، فَقَدَّمَ بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيا مَواضِعَهُم.
فَالمُتَّقُونَ فِيها هُمْ أَهْلُ الفَضائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوابُ ومَلْبَسُهُمُ الاقتصاد، ومَشْيُهُمُ التّواضُعُ، غَضُوا أَبْصارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ الله عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْماعَهُمْ عَلَى العِلْم النَّافِع لَهُمْ، نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي البَلاءِ كَالَّذِي نَزَلَتْ فِي الرَّحَاءِ، وَلَوْلاً الأجَلُ الَّذِي كَتَبَ الله لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْواحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلى الثَّوابِ وخَوْفاً عَنِ العِقابِ.
عَظُمَ الخالِقُ في أَنْفُسِهِمْ فَصَغِرَ ما دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ والجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآها فَهُمْ فيها مُنَعَمُونَ، وَهُمْ وَالنّارُ كَمَنْ قَدْ رَآها فَهُمْ فِيها مُعَذَّبُونَ، قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وأَجْسادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحاجاتُهُمْ خَفيفَةٌ، وأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ راحَةً طويلة، تِجارَةٌ مُرْيحَةٌ يَسْرَها لَهُمْ رَبُّهُمْ، أَرادَتْهُمُ الدُّنْيا فَلَمْ يُريدُوها، وأَسرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْها».
«أمَّا اللَّيْلُ فَصافُونَ أقدامَهُمْ تالِينَ لأَجْزاءِ القُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلاً يُحَزُنُونَ بِهِ أَنْفُسهُمْ ويَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَواءَ دائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيها تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْها طَمَعاً، وتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْها شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّها نَصْبُ أَعْيُنِهِمْ، وإذا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيها تَخُويفٌ أَصْغَوْا إِلَيْها مَسامِعَ قُلُوبِهِمْ، وظَنُّوا أَنَّ زَفِي جَهَنَّمَ وشَهِيقَهَا في أَصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حانُونَ عَلى أَوْساطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِباهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ وأَطْرافِ أَقْدامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلى الله تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقابِهِمْ.
وأَمَّا النَّهارُ فَحُلَماءُ، عُلَماءُ، أَبْرَارٌ، أَثْقِياءُ، قَدْ بَراهُمُ الخَوْفُ بَرْيَ القِداحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وما بِالقَوْمِ مِنْ مَرَضِ، ويَقُولُ : قَدْ خُولِطُوا وَقَدْ خَالَقَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ، لا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ القَلِيلَ، وَلا يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ، فَهُمْ لأَنْفُسِهِمْ مُنْهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ، إِذَا زُكِّي أَخَدُهُمْ خَافَ مِمّا يُقالُ لَهُ فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسي مِنْ غَيري ورَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسي، اللَّهُمَّ لا تُؤاخِذْني بِمَا يَقُولُونَ، واجْعَلْني أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لي ما لا يَعْلَمُونَ.
فَمِنْ عَلامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرى لَهُ قُوَّةٌ في دين، وحَزْماً في لين، وإيماناً في يَقين وحِرْصاً في عِلم، وعِلْماً في حِلْم، وقضداً في غِنى، وخُشُوعاً في عِبادَةٍ، وتَجَمُّلاً في فاقةٍ، وصَبراً في شِدَّةٍ، وطلباً في حَلالٍ، ونَشاطاً في هُدى، وتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع، يَعْمَلُ الأَعْمالَ الصَّالِحَةَ وهُوَ عَلى وَجَل، يُمْسِي وهَمَّه الشكر، ويُصْبِحُ وهَمَّهُ الذِّكْرُ، يَبيتُ حَذِراً، ويُضيحُ فَرِحاً : حَذِراً لِما حُذْرَ مِن الغَفْلَةِ، وفَرِحاً بما أصابَ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فيما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِها سُؤْلَها فيما تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فيما لا يَزُولُ، وزَهادَتُهُ فيما لا يَبْقى، يَمْزَجُ الحِلْمَ بِالعِلْمِ والقَوْلَ بالعَمَلِ.
تَراهُ قَريباً أَمَلُهُ، قَليلاً زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ، قانِعَةٌ نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ «أُكُلُهُ خ»، أَمْرُهُ، حَريزاً دِينُهُ، مَيْنَةٌ شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ، الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، والشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَ، إِنْ كانَ في الغافِلِينَ كُتِبَ في الذاكِرينَ، وإنْ كانَ فِي الذَّاكِرينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلينَ، يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ويُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، ويَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، بَعِيداً فُحْشُهُ، لَيْناً قَوْلُهُ، غائِباً مُنْكَرُهُ حاضِراً مَعْرُوفَهُ، مُقْبِلاً خَيرُهُ، مُدبِراً شَرُّهُ في الزَّلازِلِ وَقُورٌ، وَفِي المَكارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخاءِ شَكُورٌ».
«لا يُحيفُ عَلى مَنْ يُبْغِضُ، وَلا يَأْثِمُ فِيمَنْ يُحِبُّ، يَعْتَرِفُ بِالحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لا يُضَيعُ ما اسْتَحْفِظَ وَلا يَنسى ما ذُكْرَ، وَلا يُنابزُ بالأَلْقابِ، وَلا يُضارُّ بِالجَارِ، وَلا يَشْمَتُ بِالْمَصائِبِ، وَلا يَدْخُلُ فِي الباطِلِ، وَلا يَخْرُجُ مِنَ الحَقِّ.
إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمُّهُ صمْتُهُ، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ يُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ الله تعالى هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَناءِ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي راحَةٍ، أَتعَبَ نَفْسَهُ لآخِرَتِهِ، وأَراحَ النّاسَ مِنْ نَفْسِهِ، بُعْدُهُ عَمَّنْ تَباعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ ونَزاهَةٌ، وذَنُوهُ مِمَّنْ دَنا مِنْهُ لِينْ ورَحْمَةٌ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكَبْرٍ وعَظَمَةٍ، وَلَا دُنُوهُ بِمَكْرٍ وخَدِيعَةٍ».
قال : فصعق همّام صعقة كانت نفسه فيها، فقال أمير المؤمنين: أما والله لقد كنت أخافها عليه، ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ويحك إن لكل أجل وقتاً لا يعدوه وسبباً لا يتجاوزه، فمهلاً لا
تعد لمثلها فإنما نفث الشيطان على لسانك (1).
(عزم) على الأمر يعزم من باب ضرب عزماً ومعزماً وعزماناً وعزيماً وعزيمة وعزمة، أراد فعله وقطع عليه أو جد فيه فهو عازم وعزم الأمر نفسه عزم عليه وعزم على الرجل أقسم و (الاقتصاد) ضد الإفراط و (صغر) من باب شرف وفرح صغارة وصغراً وصغراً وصغراناً أي حقر وانحط قدره فهو صغير كحقير لفظاً ومعناً و (ثار) ثوراً وثوراناً أي هاج وأثار الغبار و استثاره هيجه.
و (تطلع) إلى وروده استشرف و (صغى) إلى الشيء كرضي مال إليه وأصغى إليه سمعه أي أماله نحوه و (حنيت) العود حنوّاً وحناء عطفته فانحنى وتحتى وحنت الناقة على ولدها جُنواً عطفت ويقال لكل ما فيه اعوجاج من البدن كعظم اللحى والضلع ونحوهما الحنو بالكسر والفتح.
و (برى) السهم والعود والقلم يبريها برياً نحتها و (القداح) جمع القدح بالكسر فيهما وهو السهم قبل أن يراش وينصل و (اختلط) فلان وخولط في عقله أي فسد عقله واختل فهو خلط بين الخلاطة أي أحمق، وخالطه مخالطة مازجه وخالطه الداء خامره و (تجمل) فلان تزين وتكلف الجميل و (نزر) الشيء ككرم نزراً ونزارة قل فهو نزر ونزير ومنزور أي قليل.
و (أكلة) في بعض النسخ بفتح الهمزة وسكون الكاف فيكون مصدراً وفي بعضها بضمهما وهو الرزق والحظ من الدنيا فيكون اسماً و (الحريز) الحصين يقول : هذا حرز حريز أي حصن حصين والحريزة من الإبل التي لا تباع نفاسة و (المنابزة) والتنابز التعاير والتداعي بالألقاب و (صعق) صعقاً كسمع وصعقاً بالتحريك وصعقة غشي عليه والصعق بالتحريك أيضاً شدّة الصوت و (نفث) ينفث من باب ضرب ونصر نفخ.
قوله : (حين خلقهم) ظرف زمان وفي بعض النسخ حيث خلقهم بدله، وقوله: (نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء) اختلف الشراح في إعراب قوله (كالذي)، فقال الشارح المعتزلي : تقدير الكلام من جهة الإعراب : نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولاً كالنزول الذي نزلت منهم في حال الرخاء، فموضوع (كالذي) نصب لأنه صفة مصدر
1) روضة الواعظين 439.
ومحذوف (والذي) الموصول قد حذف العائد إليه وهو (الهاء) في نزلته كقولك : ضربت الذي ضربت أي ضربت الذي ضربته.
وتبعه على ذلك الشارح البحراني حيث قال : (والذي خلقه) مصدر محذوف والضمير العائد إليه محذوف أيضاً، والتقدير : نزلت كالنزول الذي نزلته في الرّخا ثم احتمل وجهاً آخر وقال :
ويحتمل أن يكون المراد (بالذي) الذين فحذف النون كما في قوله تعالى: کالَّذِى خاضوا [التوبة: 69] ويكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء بالذين نزلت أنفسهم منهم في الرخاء.)وقال بعضهم: إنه لا بد من تقدير مضاف لأن تشبيه الجمع بالواحد لا يصح أي كل واحد منهم إذا نزل في البلاء يكون كالرجل الذي نزلت نفسه في الرخاء ونحوه قوله تعالى : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ [البقرة: 171].
أقول: وأنت خبير بأن هذه كلها تكلّفات يأبى عنها الذوق السليم مضافاً إلى ما في الوجه الآخر الذي احتمله البحراني وكذلك الوجه الأخير الذي حكيناه عن بعضهم أن المنساق من ظاهر كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) تشبيه إحدى حالتي المتقين بحالتهم الأخرى لا تشبيههم بغيرهم من أهل الرخاء.
ثم بعد الغض عن ذلك والبناء على ما ذكر فلا حاجة في تصحيح تشبيه الجمع بالمفرد إلى تأويل ما هو المفرد ظاهراً بالجمع والمصير إلى حذف النون كما تمحله الأول، أو تأويل الجمع بالمفرد بالمصير إلى تقدير المضاف كما تجشمه الآخر لجواز تقدير موصوف الذي لفظ الرهط والجمع ونحوهما مما يكون مفرداً لفظاً وجمعاً في المعنى، ويكون المعنى نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالرهط أو الجمع الذي نزلت نفسهم منهم في الرخاء.
قال نجم الأئمة بعدما قال بأنه قد يحذف (نون) الذين مستشهداً بقول الشاعر:
وإن الذي حانت بفيح دمائهم***هم القوم كل القوم يا أم خالد
ويجوز في هذا أن يكون مفرداً وصف به مقدر مفرد اللفظ مجموع المعنى أي وإن الجمع الذي وإنّ الجيش الذي كقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [البقرة: 17] فحمل، على اللفظ أي الجمع الذي استوقد ناراً، ثم قال : بنورهم فحمل على المعنى ولو كان في الآية مخفّفاً من الذين لم يجز إفراد الضمير العائد إليه وكذا قوله تعالى: وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أَوَلَئكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: 33] وهذا كثير، أعني ذكر الذي مفرداً موصوفاً به مقدر مفرداً للفظ مجموع المعنى وأما حذف (النون) من الذين فهو قليل، انتهى)
وبعد ذلك كله فالأقرب عندي أن يجعل (الذي مصدرياً بأن يكون حكمه حكم (ما) المصدرية كما ذهب إليه يونس والأخفش في قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ امَنُوا) [الشورى: 23] أي ذلك تبشير الله. وكذلك قالا في قوله تعالى: ﴿وَخُضّتُم كَالَّذِى خاضوا) [التوبة: 69] وعلى هذا فيكون المعنى : نزلت أنفسهم منهم في البلاء مثل نزولها في الرخاء وهذا لا تكلف فيه أصلاً.)وقوله: تجارة مربحة بالرفع على أنه خبر محذوف المبتدأ، أي تجارتهم تجارة مربحة وفي بعض النسخ بالنصب على المصدر أي اتجروا تجارة.وقوله : (أما الليل فصافون بالنصب على الظرف والناصب، إما لتضمنها معنى الفعل أو الخبر كما في نحو قولك : أما اليوم فأنا ذاهب وأما إذا قلت أما في الدار فزيد فالعامل هو أما لا غير كما في قولهم أما العبيد فذو عبيد أي مهما ذكرت العبيد فهو ذو عبيد، هذا.)ويروى بالرفع على الابتداء فيحتاج إلى العائد في الخبر أي صافون أقدامهم فيها.وقوله : (تالين حال من فاعل صافون أو من الضمير المجرور بالإضافة في أقدامهم : والأول أولى، وجملة يرتلونه حال من فاعل تالين وفي بعض النسخ يرتلونها، فالضمير عائد إلى أجزاء القرآن ونصب أعينهم بنصب النصب على الظرفية ويروى بالرفع على أنه خبر إن والمصدر بمعنى المفعول.)وقوله : (يطلبون إلى الله في فكاك رقابهم تعدية الطلب بحرف الجر - أعني إلى - لتضمينه معنى التضرع (وفي) للظرفية المجازية، أي يتضرعون إليه سبحانه في فكاك رقابهم.)وأما ما قاله الشارح المعتزلي من أن الكلام على الحقيقة مقدّر فيه حال محذوفة يتعلق بها حرف الجر أي يطلبون إلى الله سائلين في فكاك رقابهم لأن (طلبت لا تتعدى بحرف الجر فليس بشيء لأن تأويل الطلب بالسؤال لا ينهض بإثبات ما رامه كما لا يخفى.)وفي قوله : وقوّة في دين، ظرف لغو متعلق بقوّة وفي قوله : وحزماً في لين ظرف مستقر متعلق بمقدّر صفة لقوله حزماً، وفي المعطوفات بعد ذلك في بعضها ظرف لغو وفي بعضها ظرف مستقر وصف لسابقه، فتذير تفهم.### المعنىاعلم أنه قد (روي أن صاحباً لأمير المؤمنين أي رجلاً من أصحابه وشيعته ومواليه (يقال له : همام) بالتشديد وهو كما في (شرح المعتزلي) همام بن شريح بن يزيد بن مرة بن)
عمر بن جابر بن يحيى بن الأصهب بن كعب بن الحارث بن سعد بن عمرو بن ذهل بن سيف بن سعد العشيرة.وفي (البحار والأظهر أنه همام بن عبادة بن خثيم ابن أخ الربيع بن خثيم أحد الزهاد الثمانية كما رواه الكراجكي في (كنزه).)وكيف كان فقد (كان رجلاً عابداً زاهداً ناسكاً (فقال له: يا أمير المؤمنين صف لي المتقين) واشرح لي حالهم (حتى كأني أنظر إليهم) وأبصر بهم لأقتفي آثارهم وأقتبس أنوارهم.)(فتثاقل (عَلَيهِ السَّلَامُ عن جوابه) قال الشارح المعتزلي : تثاقله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الجواب لعلمه بأن المصلحة في تأخير الجواب، ولعله كان في مجلسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من لا يحب أن يجيب وهو حاضر، فلما انصرف أجاب أو لأنه رأى أن تثاقله عنه يزيد شوق همام إلى سماعه فيكون أنجع في موعظته، أو أنه تثاقل عنه لترتيب المعاني ونظمها في ألفاظ مناسبة ثم النطق بها كما يفعله المتروي في الخطبة والقريض.)والأولى ما قاله الشارح البحراني : من أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ تثاقل عنه لما رأى من استعداد نفسه لأثر الموعظة وخوفه عليه أن يخرج به خوف الله إلى انزعاج نفسه وصعوقها.)(ثم إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد تثاقله عن الجواب ووصف حال المتقين تفصيلاً لما رآه من المصلحة المقتضية لترك التفصيل أجابه بجواب إجمالي و (قال) له : (يا همام اتق الله وأحسن وأحسن) يعني أن الفرض عليك القيام بالتقوى والأخذ بها على قدر ما حصل لك المعرفة به من معناها وحقيقتها من الكتاب والسنة، وتبين لك إجمالاً من ماهيتها كما يعرفها جميع المؤمنين، والزائد عن ذلك غير مفروض عليك ولا يجب البحث عنه.)وقد تقدم شرح معناها وحقيقتها وبعض ما يترتب عليها من الثمرات الدنيوية والأخروية في شرح الخطبة الرابعة والعشرين وقد روينا هناك عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال في تفسيرها : أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك، هذا (1).)والمراد بقوله : وأحسن هو الإحسان في العمل يعني في العمل يعني أن اللازم عليك الأخذ بالتقوى والقيام بالحسنى من الأعمال الصالحة.وهذا الذي قلنا أولى مما قاله الشارح البحراني من أن معنى كلامه أنه أمره بتقوى الله أي في نفسه أن يصيبها فادح بسبب سؤاله وأحسن أي أحسن إليها بترك تكليفها فوق طوقها.
1) شرح أصول الكافي 18/1.
وكيف كان فلما أمره بالتقوى والإحسان علله بقوله : (فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ترغيباً له إلى القيام بهما، وهو اقتباس من الآية الشريفة خاتمة سورة النحل، يعني أنه سبحانه مع الذين اتقوا ما حُرّم عليهم وأحسنوا فيما فرض عليهم أي معين لهم وناصر لهم وهو وليهم في الدنيا والآخرة.)(فلم يقنع همّام بذلك القول ولم يكتف بالإجمال (حتى عزم عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)) وأقسم وألح في السؤال.)(فـ أجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسؤوله وأنجح مأموله و (حمد الله) عزّ وجل و (أثنى عليه) بما هو أهله (وصلى على النبي وآله ثم قال: أما بعد فإن الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم).)وإنما مهد هذه المقدمة لأنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لما كان بصدد شرح حال المتقين تفصيلاً حسبما اقترحه همام وكان ربما يسبق إلى الأوهام القاصرة أن ما يأتي به المتقون من مزايا الأعمال والصالحات وما كلفهم الله سبحانه به من محامد الخصال والقربات من أجل حاجة منه تعالى عن ذلك إليها، قدّم هذه المقدمة تنبيهاً على كونه سبحانه منزهاً عن ذلك متعالياً عن صفات النقص والحاجة في الأزل كما في الأبد، وأنه لم يكن غرضه تعالى من الخلق والإيجاد تكميل ذاته بجلب المنفعة ودفع المضرّة كما في سائر الصناع البشرية يعملون الصنائع لافتقارهم إليها واستكمالهم بها بما في ذاتهم من النقص والحاجة، وأما الله الحي القيوم فهو الغني الكامل المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله ولم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ولا تخوف من عواقب زمان ولا استعانة على ندّ مثاور ولا شريك مكاثر ولا ضدّ منافر حسبما عرفته في الخطبة الرابعة والستين وشرحها بما لا مزيد عليه.)وهذا معنى قوله : (لأنه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه وقد تقدم في شرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين أن غرضه من الخلق والإيجاد ومن الأمر بالطاعة والانقياد هو إيصال النفع إلى العباد وإكمالهم بالتكاليف الشرعية ورفعهم بالعمل بها إلى حظائر القدس ومحافل الأنس.)وقوله : (فقسم بينهم معايشهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم تفريع على قوله : خلق الخلق لا تقرير وتأكيد لغناه المطلق كما قاله الشارح البحراني.)والمراد أنه تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقسم بينهم معيشتهم، أي ما يعيشون به في الحياة الدنيا من أنواع الرزق والخير والمنافع والنعماء ووضع كلاً منهم موضعه اللائق بحاله من الفقر واليسار والغنى والافتقار والسعة والإقتار على ما تقتضيه حكمته البالغة وتوجبه المصلحة الكاملة، كما أشير إليه في قوله عزّ وجل: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي
الحَيَوةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنَا بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ [الزخرف: 32] هذا. وإنما فرع (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الجملة على ما سبق وعقبه بها لتكون توطئة وتمهيداً بقوله: (فالمتقون فيها هم أهل الفضائل) يعني أن معايش الخلق في الدنيا لما كانت بحسب تقسيم الله سبحانه واقتضاء حكمته اقتضى العناية الإلهية والنظم الأصلح في حق المتقين بمقتضى كونهم من أهل السبق والقربى أن يكون عيشهم في الدنيا بخلاف معايش سائر الخلق وتكون حركاتهم وسكناتهم وحالاتهم وراء حالات أبناء الدنيا، فاتصفوا بالفضائل النفسانية وتزينوا بمكارم الأخلاق ومحامد الأوصاف التي فصلها (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبيان البديع والتفصيل العجيب.
أولها : أن (منطقهم الصواب) وهو ضدّ الخطأ، يعني أنهم لا يسكتون عما ينبغي أن يقال فيكونون مفرّطين، ولا يقولون ما ينبغي أن يسكت عنه فيكونون مفرطين ويحتمل أن يراد به خصوص توحيد الله تعالى وتمجيده والصلاة على نبيه وبه فسر في قوله سبحانه: (لا يتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) [النبا: 38].
(و) الثاني: أن (ملبسهم الاقتصاد) أي التوسط بين الإفراط والتفريط، وفي الإسناد توسع يعني أن لباسهم ليس بثمين جداً مثل لباس المترفين المتكبرين، ولا بذلة كلباس أهل الابتذال والخسة والدنائة بل متوسط بين الأمرين.
(و) الثالث: أن (مشيهم التواضع) وفي الإسناد أيضاً توسع، يعني أنهم لا يمشون على وجه الأشر والبطر والخيلاء لنهي الله سبحانه عن المشي على هذا الوجه في قوله: وَلَا تمش في الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تبلغ الجبال طولا [الإسراء: 37] وأمره بخلافه في قوله : (وَاقْصِدْ فِي مَشْك) [لقمان: 19].)وقد روى في (الكافي عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : فيما أوحى الله عزّ وجل إلى داود كما أن أقرب الناس من الله المتواضعون كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون.)(و الرابع : أنهم (غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم) امتثالاً لأمره تعالى به في قوله : (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَكَى لَهمْ) [النور: 30] أي يغضوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه.
وفي الوسائل من (الكافي) عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة أعين: عين غضت عن محارم الله وعين سهرت في طاعة الله وعين بكت في جوف الليل من خشية الله (1).
1) الكافي 482/2 ح 4، وسائل الشيعة 228/15.
(و) الخامس : أنهم (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم) في الدنيا والآخرة الموجب لكمال القوة النظرية والحكمة العملية، وأعرضوا عن الإصغاء إلى اللغو والأباطيل كالغيبة والغناء والفحش والخناء ونحوها، وقد وصفهم الله سبحانه بذلك في قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: 3]، وفي قوله : (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [الفرقان : 72].
والسادس: أنهم (نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرّخاء) يعني أنهم موظنون أنفسهم على ما قدره الله في حقهم من الشدة والرخاء والسراء والضراء والضيق والسعة والمنحة والمحنة ومحصله وصفهم بالرضاء بالقضاء.
روى في (الكافي) عن ابن سنان عمن ذكره عن أبي عبد الله أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت له : بأي شيء يعلم المؤمن بأنه مؤمن؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): بالتسليم الله والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط.
وفي رواية أخرى فيه عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)قال : رأس طاعة الله الصبر والرضا عن الله فيما أحب العبد أو كره ولا يرضى عبد عن الله فيما أحب أو كره إلا كان خيراً له فيما أحب أو كره (1).
وعن محمد بن عذافر عن أبيه عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : بينا رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا : السلام عليك يا رسول الله، فقال: «ما أنتم؟» فقالوا نحن المؤمنون یا رسول الله قال: «فما حقيقة إيمانكم»؟ قالوا : الرضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله والتسليم لأمر الله، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون» (2).
(و) السابع : أنه (لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب) وهو إشارة إلى غاية نفرتهم عن الدنيا وفرط رغبتهم إلى الآخرة لما عرفوا من عظمة وعده ووعيده يعني أنهم بكليتهم متوجهون إلى العقبى مشتاقون إلى الانتقال إليها شدّة الاشتياق لا مانع لهم من الانتقال إلا الآجال المكتوبة وعدم بلوغها غايتها.
روى في الوسائل من (الكافي) عن أبي حمزة قال : قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من عرف الله خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا (1).
والثامن: أنه (عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم) علماً منهم بأنه سبحانه موصوف بالعظمة والكبرياء والجلال غالب على الأشياء كلها قادر قاهر عليها، وأن كل من سواه مقهور تحت قدرته داخر ذليل في قيد عبوديته فهو سبحانه عظيم السلطان عظيم الشأن، وغيره أسير في ذل الإمكان مفتقر إليه لا يقدر على شيء إلا بإذنه.
وأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الوصف إلى شدّة يقين المتقين وغاية توكلهم وأن اعتصامهم في جميع أمورهم به وتوكلهم عليه وأنهم لا يهابون معه ممن سواه.
روى في (الكافي) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ليس شيء إلا وله حد. :قال قلت: جعلت فداك فما حدّ التوكل ؟ قال اليقين قلت فما حدّ اليقين؟ قال : ألَّا تخاف مع الله شيئاً.
وعن مفضل عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : أوحى الله عزَّ وجل إلى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات من يده وأسخت الأرض من تحته ولم أبال بأي واد هلك، هذا (2).
ولما ذكر في الوصف السابع شدّة اشتياق المتقين إلى الجنة وخوفهم من العقاب أتبعه بقوله : (فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قد رآها وهم فيها معذبون) إشارة إلى أنهم صاروا في مقام الرجاء والشوق إلى الثواب وقوة اليقين بحقائق وعده سبحانه بمنزلة من رأى بحس بصره الجنة وسعادتها، فتنعموا فيها والتذوا بلذائذها، وفي مقام الخوف من النار والعقاب وكمال اليقين بحقائق وعيده تعالى بمنزلة من شاهد النار وشقاوتها فتعذَّبوا بعذابها وتألموا بآلامها.
ومحصله جمعهم بين مرتبتي الخوف والرجاء، وبلوغهم فيه إلى الغاية القصوى، وهي مرتبة عين اليقين كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخبراً عن نفسه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً (3)، وهذه
المرتبة - أعني مرتبة عين اليقين - مقام جليل لا يبلغه إلا الأوحدي من الناس.
وقد روى في (الكافي) عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صلّى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفراً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «كيف أصبحت يا فلان؟» قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من قوله وقال : «إن لكل يقين حقيقة، فما حقيقة يقينك؟» فقال: إن يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعرفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الأرائك يتكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «هذا عبد نور الله قلبه بالإيمان» ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له : «إلزم ما أنت عليه»، فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر (1).
وقد مر هذا الحديث في شرح الخطبة المائة والثالثة عشر ورويناه هنا أيضاً لاقتضاء المقام كما هو ظاهر.
والتاسع: أن (قلوبهم محزونة) لما غلب عليهم من الخوف.
روى في (الكافي) عن معروف بن خربوز عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : صلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً بين أعينهم كركب المعزى يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، ويناجون في فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع هذا وهم خائفون مشفقون (2).
وفيه عن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : صلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفجر ولم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قدر رمح وأقبل على الناس بوجهه فقال : والله لقد أدركت أقواماً ما يبيتون لربهم سجداً وقياماً يخالفون بين جباههم وركبهم كأن زفير النار في آذانهم، إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر كأنما القوم باتوا غافلين قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ثم
قام فما رئي ضاحكاً حتى قبض (1).
(و) العاشر : أن (شرورهم مأمونة) لأن مبدأ الشرور والمفاسد كلها ورأس كل خطيئة هو حب الدنيا، والمتقون زاهدون فيها معرضون عنها مجانبون عن شرها وفسادها.
(و) الحادي عشر: أن (أجسادهم نحيفة) لإتعاب أنفسهم بالصيام والقيام وقناعتهم بالقدر الضروري من الطعام.
(و) الثاني عشر: أن (حاجاتهم خفيفة) لاقتصارهم من حوائج الدنيا على ضرورياتها وعدم طلبهم منها أكثر من البلاغ.
(و) الثالث عشر : أن (أنفسهم عفيفة) أي مصونة عن المحرمات لكسرهم سورة القوّة الشهوية.
روى في الوسائل من (الكافي) عن منصور بن حازم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ما من عبادة أفضل عند الله من عفة فرج وبطن.
وعن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)يقول : ما من عيادة أفضل من عفة بطن وفرج.
والرابع عشر: أنهم (صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم) تلك الأيام القصيرة (راحة طويلة) يعني أنهم صبروا في دار الدنيا على طوارق المصائب وعلى مشاق الطاعات وعن لذات المعاصي، بل احتملوا جميع مكاره الدنيا واستعملوا الصبر في جميع أهوالها فأوجب ذلك السعادة الدائمة في الدار الآخرة.
ويدل على ذلك ما رواه في (الكافي) عن حمزة بن حمران عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار (2).
وفيه عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد.
وفيه عن العزرمي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «سيأتي على الناس زمان لا ينال فيه المُلْك إلا بالقتل والتجبّر، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا
باستخراج الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبّة، وصبر على الذل وهو يقدر على العزّ آناه الله ثواب خمسين صديقاً ممن صدق بي»، هذا (1).
وفي وصف أيام الصبر بالقصر والراحة بالطول، تحريص وترغيب إليه، وأكد ذلك بقوله : (تجارة مربحة) استعار لفظ التجارة لاكتسابهم الراحة في مقابل الصبر، ورشّح بلفظ الربح.
وكونها مربحة باعتبار قصر مدة الصبر على المكاره وطول مدة الراحة وفناء الشهوات الدنيوية واللذائذ النفسانية وبقاء السعادات الأخروية مضافة إلى خساسة الأولى في نفسها وحقارتها، ونفاسة الثانية وشرافتها.
وأكد ثالثاً بقوله : (يسّرها لهم ربّهم) يعني أن فوزهم بتلك النعمة العظمى والسعادة الدائمة قد حصل بتوفيق الله سبحانه وتأييده ولطفه، ففيه إيماء إلى توجه العناية الربانية إليهم وشمول الألطاف الإلهية عليهم، وإلى كونهم بعين رحمة الله وكرامته.
والخامس عشر : أنهم (أرادتهم الدنيا فلم يريدوها) أي أرادت عجوزة الدنيا أن تفتنهم وتغرّهم وأن يتزوجوا بها، فأعرضوا عنها وزهدوا فيها بما كانوا يعرفونه من حالها وأنها قتالة غوّالة ظاهرة الغرور كاسفة النور، يونق منظرها ويوبق مخبرها قد تزينت بغرورها وغرّت بزينتها، لا تفي بأحد من أزواجها الباقية كما لم تف بأزواجها الماضية.
(و) السادس عشر : أن الدنيا (أسرتهم فقدوا أنفسهم منها) الأشبه أن يكون المراد بقوله : أسرتهم، هو الإشراف على الأسر، يعني أنهم بمقتضى المزاج الحيواني والقوى النفسانية التي لهم كادوا أن تغرّهم الدنيا فيميلوا إليها ويقعوا في قيد أسره وسلسلة رقيته، لكنهم نظروا إليها بعين البصيرة وعرفوها حق المعرفة وغلب عقلهم على شهوتهم فرغبوا عنها وزهدوا فيها وأعرضوا عن زبرجها وزخارفها فالمراد بغداء أنفسهم منها هو الإعراض عن الزخارف الدنيوية، فكأنهم بذلوا تلك الزخارف لها وخلصوا أنفسهم منها.
وإنما أتى (بالواو) في قوله : أرادتهم الدنيا ولم يريدوها، و (بالفاء) في قوله : وأسرتهم فقدوا أنفسهم منها، لعدم الترتيب بين الجملتين المتعاطفتين في القرينة السابقة، بخلاف هذه القرينة فإن الفدية مترتبة على الأسر كما لا يخفى.
والسابع عشر : اتصافهم بالتهجد وقيام الليل وإليه أشار بقوله : (أما الليل فصافون
1) الكافي 91/2 ح 12.
أقدامهم) فيها للصلاة علماً منهم بما فيه من الفضل العظيم والأجر الخطير وقد مدح الله القيام فيها والقائمين في كتابه الكريم بقوله: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُود [الفتح: 29].
قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسيره : هو السهر في الصلاة، وبقوله: أَمَنْ هُوَ قَانتٌ ءَانَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائمَاً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9]، وقال تعالى أيضاً : إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ اَشَدُّ وَطْئَا وَأَقومُ قِيلًا [المزمل: 6].
قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): فيه قيام الرجل عن فراشه يريد به وجه الله تعالى عزّ وجلّ لا يريد به غیره (1).
وكفى في فضله ما رواه في (الفقيه) عن جابر بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن رجلاً سأل علي بن أبي طالب عن قيام الليل بالقرآن، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أبشر.
من صلّى من الليل عُشْر ليلة مخلصاً ابتغاء ثواب الله قال الله لملائكته : اكتبوا لعبدي هذا من الحسنات عدد ما أنبت في الليل من حبة وورقة وشجرة وعدد كلّ قصبة وخوص ومرعى.
ومن صلّى تُسْع ليلة أعطاه الله عشر دعوات مستجابات وأعطاه الله كتابه بيمينه.
ومن صلّى ثُمن ليلة أعطاه الله أجر شهيد صابر صادق النية وشُفّع في أهل بيته.
ومن صلّى سُبْع ليلة خرج من قبره يوم يبعث ووجهه كالقمر ليلة البدر حتى يمرّ على الصراط مع الآمنين.
ومن صلّى سُدس ليلة كتب من الأوابين وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
ومن صلّى خُمْس ليلة زاحم إبراهيم خليل الرحمن في قبته.
ومن صلى رُبع ليلة كان في أول الفائزين حتى يمر على الصراط كالريح العاصف ويدخل الجنة بلا حساب.
ومن صلّى ثُلث ليلة لم يلق ملكاً إلا غبطه لمنزلته من الله، وقيل : ادخل من أي أبواب الجنة شئت.
ومن صلّى نصف ليلة فلو أعطي ملء الأرض ذهباً سبعين ألف مرة لم يعدل جزاه، وكان له بذلك عند الله أفضل من سبعين رقبة يعتقها من ولد إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ).
1) الكافي 446/32 ح 17، ومن لا يحضره الفقيه 472/1 ح 1364.
ومن صلّى ثلثي ليلة كان له من الحسنات قدر رمل عالج أدناها حسنة أثقل من جبل أحد عشر مرات.
ومن صلّى ليلة تامة تالياً لكتاب الله راكعاً وساجداً وذاكراً أعطي من الثواب ما أدناه يخرج من الذنوب كما ولدته أمه، ويُكتب له عدد ما خلق الله من الحسنات ومثلها درجات ويثبت النور في قبره، ويُنزع الإثم والحسد من قلبه ويُجار من عذاب القبر، ويُعطى براءة من النار، ويُبعث من الآمنين، ويقول الرب لملائكته يا ملائكتي انظروا إلى عبدي أحيا ليله ابتغاء مرضاتي أسكنوه الفردوس وله فيها مائة ألف مدينة في كل مدينة جميع ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ولم يخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة والمزيد والقربة (1)، هذا.
ولما وصف قيامهم بالصلاة في الليل أشار إلى قراءتهم ووصف قراءتهم تفصيلاً بقوله : (تالين لأجزاء القرآن) فإن البيوت التي يُتلى فيها القرآن تُضيء لأهل السماء كما تُضيء الكواكب لأهل الأرض، كما روي في غير واحد من الأخبار وتكثر بركتها وتحضرها الملائكة وتهجرها الشياطين كما رواه في (الكافي) عن ابن القداح عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
(يرتلونه ترتيلا) قال في (مجمع البحرين): الترتيل في القرآن التأني وتبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدها.
وفي (الكافي) عن عبد الله بن سليمان قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله عزّ :وجل وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا [المزمل 4] قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): بينه تبياناً ولا تهذه هذ الشعر، ولا تنثره نثر الرّمل، ولكن أفزعوا قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة (2).
وفي (مجمع البحرين) عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ترتيل القرآن حفظ الوقوف وبيان الحروف، وفسّر الوقوف بالوقف التام وهو الوقوف على كلام لا تعلق له بما بعده لا لفظاً ولا معنى وبالحسن وهو الذي له تعلق، وفسر الثاني بالإتيان بالصفات المعتبرة عند القراءة من الهمس والجهر والاستعلاء والإطباق (3).
وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): الترتيل هو أن تتمكث فيه وتُحسن به صوتك، وإذا مررت بآية فيها
ذكر الجنة فاسأل الله الجنة، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فتعوّذ بالله من النار (1).
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (يحزنون به أنفسهم) أي يقرؤنه بصوت حزين.
روى في (الكافي) عن ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن القرآن نزل بالحزن فاقرؤه بالحزن.
وفي (الوسائل من الكافي) عن حفص قال : ما رأيت أحداً أشد خوفاً على نفسه من موسى بن جعفر (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولا أرجى للناس منه، وكانت قراءته حزناً، فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنساناً.
وقوله : (ويستثيرون به دواء دائهم) الظاهر أن المراد بدائهم هو داء الذنوب الموجب للحرمان من الجنة والدخول في النار، وبدوائه هو التدبر والتفكر الموجب لقضاء ما عليهم من الحق وسؤال الجنة وطلب الرحمة والمغفرة والتعوّذ من النار عند قراءة آيتي الوعد والوعيد.
كما أوضحه وشرحه بقوله : (فإذا مروا بآية فيها تشويق) إلى الجنة (ركنوا) أي مالوا واشتاقوا (إليها طمعاً وتطلعت) أي أشرفت (نفوسهم إليها شوقاً وظنوا أنها نصب أعينهم) أي أيقنوا أن تلك الآية أي الجنة الموعودة بها معلّة لهم بين أيديهم وإنما جعلنا الظن بمعنى اليقين لما قد مرّ من اتصافهم بعين اليقين وأنهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون.
(وإذا مروا بآية فيها تخويف) وتحذير من النار (أصغوا) أي أمالوا (إليها مسامع قلوبهم وظنوا) أي علموا (أن زفير جهنم وشهيقها) أي صوت توقدها (في أصول آذانهم) أو المراد زفير أهلها وشهيقهم، والزفير إدخال النفس والشهيق إخراجه ومنه قيل: إن الزفير أول الصوت والشهيق آخره، والزفير من الصدر والشهيق من الحلق وكيف كان فالمراد أنهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون.
ومحصل المراد أن المتقين يقرؤون القرآن بالترتيل والصوت الحسن الحزين ويشتدّ رجاؤهم عند قراءة آيات الرجا وخوفهم عند تلاوة آيات الخوف.
روى في (الوسائل) عن الشيخ عن البرقي وابن أبي عمير جميعاً عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ينبغي للعبد إذا صلّى أن يرتل في قراءته، فإذا مر بآية فيها ذكر الجنة وذكر النار سأل الله الجنة وتعوّذ بالله من النار، وإذا مر بيا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا يقول : لبيك ربنا (2).
وعنه عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال : قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ينبغي لمن قرأ القرآن إذا مرّ بآية فيها مسألة أو تخويف أن يسأل عند ذلك خير ما يرجو ويسأل العافية من النار ومن العذاب (1).
وفيه عن الكليني عن الزهري في حديث قال : كان علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) إذا قرأ مالك «ملك» يوم الدين يكررها حتى يكاد أن يموت (2)، هذا.
ولما ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصف قيامهم وقراءتهم أشار إلى ركوعهم بقوله : (فهم حانون) أي عاطفون (على أوساطهم) يعني أنهم يحنون ظهرهم في الركوع أي يميلونه في استواء من رقبتهم ومن ظهرهم من غير تقويس.
وأشار إلى سجودهم بقوله : (مفترشون الجباههم واكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم) أي باسطون لهذه الأعضاء السبعة في حالة السجدة على الأرض قال سبحانه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا [الجن: 18].)قال في (مجمع البيان: روي أن المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن هذه الآية فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هي الأعضاء السبعة التي يُسجد عليها (3).)وفي (الوسائل عن الشيخ بإسناده عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «السجود على سبعة أعظم الجبهة واليدين والركبتين والإبهامين من الرّجلين وترغم بأنفك إرغاماً»، أما الفرض فهذه السبعة وأما الإرغام بالأنف فسنّة من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (4).)وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم) إشارة إلى العلة الغائية لهم من عبادتهم الليلية، يعني أنهم يتضرعون إليه سبحانه ويلحون في فكاك رقابهم من النار وإدخالهم الجنة.)والثامن عشر : اتصافهم بأوصاف يطلع عليها الناظرون لهم نهاراً، وإليه أشار بقوله : (وأما النهار فعلماء علماء أبرار أتقياء يعني أنهم متصفون بالحلم والعلم والبر والتقوى.)أما الحلم فهو فضيلة متوسطة بين رذيلتي المهانة والإفراط في الغضب، وهو من جنود العقل ويقابله السفه وهو من جنود الجهل، كما في الحديث المروي في (الكافي عن أبي)
عبد الله علي (عَلَيهِ السَّلَامُ.)قال صدر المتألهين في (شرح الكافي: الحلم الأناة، وهو من شعب الاعتدال في الغضب والسفه الخفة والطيش، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطرباً لا استقامة له فيكون من شعب الإفراط في الغضب ضدّ الحلم الذي من شعب الاعتدال فيه.)وقال بعض شرّاح (الكافي : الحلم الأناة والتثبت في الأمور، وهو يحصل عن الاعتدال في القوة الغضبية ويمنع من الانفعال عن الواردات المكروهة المؤذية، ومن آثاره عدم جزع النفس عند الأمور الهائلة وعدم طيشها في المؤاخذة، وعدم صدور حركات غير منتظمة منها وعدم إظهار المزية على الغير وعدم التهاون في حفظ ما يجب حفظه شرعاً وعقلاً.)أقول ويشهد بفضل هذا الوصف :ما رواه في ((الكافي عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «إن الله يحبّ الحيي الحليم العفيف المتعفف» (1).)وعن سعيد بن يسار عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما قلت وقلت وأنت أهل لما قلت ستجزى بما قلت ويقولان للحليم منهما صبرت وحلمت سيغفر الله لك إن أتممت ذلك قال : فإن ردّه الحليم عليه ارتفع الملكان هذا (2).)وفي بعض النسخ بدل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: فحلماء فحكماء، بالكاف فيفيد اتصافهم بالحكمة وهو أيضاً من جنود العقل ويقابله الهوى وهو من جنود الجهل كما في الحديث الذي أشرنا إليه.)قال صدر المتألهين في شرح هذا الحديث من (الكافي: الحكمة العلم بحقائق هي الأشياء كما هي بقدر الطاقة والعمل على طبقه والهوى الرأي الفاسد واتباع النفس شهواتها الباطلة، ويحتمل أن يكون المراد بالحكمة ما يُستعمل في كتب الأخلاق وهو التوسط في القوة الفكرية بين الإفراط الذي هو الجريزة والتفريط الذي هو البلاهة، فيكون المراد بالهوى الجربزة بما يلزمها من الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة، لأنها تضادّ الحكمة التي بهذا المعنى وكلا المعنيين من صفات العقل وملكاته ومقابلاتهما من صفات الجهل وتوابعه.)
وأما العلم فهو أيضاً من جنود العقل، ويقابله الجهل كما في الحديث المتقدم إليه الإشارة، والمراد بكونهم علماء كمالهم في القوة النظرية بالعلم النظري الذي هو معرفة الصانع وصفاته والعلم الشرعي الذي هو معرفة تكاليفه وأحكامه (1.)
1) قال الفيض الكاشاني في الكلمات المكنونة : كلمة فيها إشارة إلى كيفية تنزلات الوجود ومعارجه:)الوجود يبتدئ بعد مرتبة الغيب في التعين والتميز، فينزل من سماء الإطلاق إلى أرض التقيّد مرتباً من الأشرف فالأشرف إلى أن ينتهي إلى ما لا أخس منه في الإمكان ولا أضعف، فتنقطع عنده السلسلة النزولية، ثم يأخذ في العروج كذلك متدرّجاً، فلا يزال يترقى من الأرذل إلى الأفضل، إلى أن ينتهي إلى الذي لا أفضل منه في هذه السلسلة العروجيّة، فيكون هو بازاء ما بدى منه في النزول كما أشير إليه بقوله سبحانه: ﴿يُدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه - سورة السجدة: 5. وكلما كان إلى مبدأه سبحانه أقرب فهو إلى البساطة والوحدة والغناء أقرب ومن الاختلاف والتركيب والافتقار أبعد.)وفي المرتبة الأولى التي يظهر فيها الوجود أوّلاً بصور الأعيان لا يفتقر في تقومه، ولا في شيء من صفاته وأفعاله إلى شيء سوى مبدعه القيوم جل اسمه.ويُسمّى أهل تلك المرتبة على إختلاف درجاتهم بالعقول والأرواح والملائكة المقربين، ولهذا ورد أوّل ما خلق الله العقل.وفي المرتبة الثانية وإن لم يفتقر في تقومه إلى غير ما فوقه ولكنه يفتقر في أفعاله وصفاته إلى ما دونه من المراتب ويُسمّى أهلها على تفاوت أقدارهم بالنفوس والبرازخ والملائكة المدبّرين.وفي المرتبة الثالثة يفتقر في تقومه أيضاً إلى مادونه، ويُسمّى بالصور والطبائع، وفي المرتبة الرابعة، ليس له حيثية سوى حيثية الإمكان والقوة ولا شيئية له في ذاته متحصلة إلا قبول الأشياء.يُسمّى بالمادة والماء والهيولى والهباء، وهي نهاية تدبير الأمر وبداية مراتب الخلق.ولهذا ورد أن أوّل ما خلق الله الماء» - مستدرك سفينة البحار : 10 / 232.ثم يأخذ في العود فأول ما يحصل فيه مركب من مادة وصورة، ويُسمّى بالجسم ثم يتخصص الجسم بصورة أعلى وأشرف، فيصير بها ذا اغتذاء ونموّ، ويُسمّى بالنبات.ثمّ يزيد تخصصه بصورة أخرى أعلى ممّا قبلها، ويصير بها ذا حس وحركة، ويُسمّى بالحيوان، ثم يزيد تخصصه بصورة أعلى وأفضل يصير بها ذا نطق ويُسمّى بالإنسان وللإنسان مراتب كثيرة إلى أن يصير كاملاً ذا عقل مستفاد فحينئذ تتم دائرة الوجود، وتنتهي سلسلة الخير والجود.فالوجودات ابتدأت فكانت عقلاً، ثمّ نفساً، ثمّ صورة ثم مادة فعادت متعاكسة كأنها دارت على نفسها جسماً مصوّراً، ثم نباتاً، ثم حيواناً ثم إنساناً ذا عقل، فابتدأ الوجود من العقل وإنتهى إلى العقل (كما بداكم تعودون - سورة الأعراف: 29. (كما بدأنا أوّل خلق نُعيده) - سورة الاعراف : 29.)وفي الحقيقة من الله البدء، وإليه يعود، وإلى الله المصير.والشرف والكمال إنّما هو بالدنو من الحق المتعال، ففي البدو كلّما تقدّم كان أوفر اختصاصاً.وفي العود كلما تأخر كان أعلى مكاناً.وإلى البدء أشير بليلة القدر، وإنزال الكتب وإرسال الرسل المعنويين (تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر - سورة القدر : 4.، وإلى العود بيوم القيامة والمعراج المعنوي : (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) - سورة المعارج: 4..)وعنهما عبّر في الأخبار بالإقبال والإدبار.روي في الكافي بإسناده عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: «إنّ الله خلق العقل وهو أوّل خلق [خلقه] من الروحانيين، عن يمين العرش من نوره، فقال له أدبر فأدبر، ثم قال له أقبل فأقبل فقال الله تعالى : خلقتك [خلفاً] عظيماً وكرمتك على جميع خلقي.)ثم قال: «خلق الجهل من البحر الاجاج ظلمانياً، فقال له أدبر فأدبر، ثم قال له أقبل فلم يقبل فقال له استكبرت فلعنه» - محاسن البرقي : 1 / 196، الكافي : 1 / 21 ح 14 ..ثم ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ جنود العقل من الخيرات، وجنود الجهل من الشرور والجهل يتميز ويظهر بالعقل، فوجوده بالعرض من غير صنع وادباره تابع لادبار العقل وإقباله جميعاً، وإنّما لم يقبل لأنه بالادبار بلغ أقصى مراتب الكمال المتصوّر في حقه، ولهذا استكبر.
وأما البر، فقد يطلق ويراد به الصادق وقد يطلق على الذي من عادته الإحسان، وبهما فُسر قوله : (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: 28]، وكثيراً ما يخص الأبرار بالأولياء والزهاد والعباد وبه فسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) [الإنفطار: 13] أي الأولياء المطيعون في الدنيا.)وقال في (مجمع البيان في تفسير قوله : (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كأس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) [الإنسان : 5] هو جمع البرّ المطيع الله المحسن في أفعاله، وقال الحسن : هم الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون الشرّ وقيل : هم الذين يقضون الحقوق اللازمة والنافلة.)وأما التقوى فالمراد به هنا الخوف يعني أنهم خائفون من الله تعالى وتاركون جميع القبائح البدنية والنفسانية.وأشار إلى كمال خوفهم بقوله : (قد بريهم الخوف بري القداح أي نحتهم مثل نحت السهام وصاروا مثلها في الدقة والنحافة وإنما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النفس المديرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن ووقوف القوة الشهرية والغاذية عن أداء بدل ما يتحلل.)وقد كان هذا الوصف - أعني كمال الخوف من الله سبحانه ونحول البدن من شدّته - مأثوراً عن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ.)فقد روى المفيد في (الإرشاد عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال كان علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة(1).)وفيه أيضاً عن عبد الله بن محمد القرشي قال : كان علي بن الحسين إذا توضأ يصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يغشاك؟ فيقول : أتدرون لمن أتأهب للقيام بين يديه ؟.وفيه أيضاً عن سعيد بن كلثوم عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في حديث مدح فيه علي بن أبي طالب)
1) روضة الواعظين 197، ووسائل الشيعة 4 / 98 ح 4614.
بما هو أهله وأطراه إلى أن قال: وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبهاً به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ، ولقد دخل ابنه أبو جعفر عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد فرآه قد اصفر لونه من السهر ورمصت عيناه من البكاء ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة قال أبو جعفر : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء فبكيت رحمة له الحديث (1).)وقد كان شيعتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ أيضاً متصفون بذلك.)كما رواه في (الوسائل من الخصال عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال : قال لي أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا المقدام إنما شيعة علي الشاحبون الناحلون الذابلون ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم متغيّرة ألوانهم مصفرة وجوههم، إذا جنّهم الليل اتخذوا الأرض فراشاً واستقبلوا الأرض بجباههم، كثير سجودهم، كثيرة دموعهم كثير دعاؤهم، كثير بكاؤهم، يفرح الناس وهم محزونون(2).)وفيه من ((أمالي ابن الشيخ :قال روي أن أمير المؤمنين خرج ذات ليلة من المسجد وكانت ليلة قمراء فأمّ الجبانة ولحقه جماعة يقفون أثره، فوقف عليهم ثم قال : من أنتم؟ قالوا : شيعتك يا أمير المؤمنين فتفرّس في وجوههم قال فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟ قال : صفر الوجوه من السهر عمش العيون من البكاء حدب الظهور من القيام خمص البطون من الصيام ذبل الشفاه من الدعاء عليهم غبرة الخاشعين، هذا (3).)ولغلبة الخوف عليهم ونحول أجسادهم وانحلال أعضائهم وشحب ألوانهم من الجدّ والاجتهاد في العبادة (ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى و الحال أنه (ما بالقوم من مرض و) لتوجه نفوسهم بالملاء الأعلى، وخروج أفعالهم عن المعتادة المتعارفة بين الناس (يقول) الناظر لهم أنهم (قد خولطوا) أي اختل عقلهم وفسد (و) الحال أنهم ما خولطوا بل (قد خالطهم) أي مازجهم (أمر عظيم) من الخوف فتولهوا لأجله.)التاسع عشر: أنهم (لا يرضون من أعمالهم القليل أي لا يقنعون بالقليل لعلمهم بشرف الغايات المقصودة من العبادات وعظم ما يترتب عليها من الثمرات، وهو العنق من النار والدخول في الجنة والوصول إلى رضوان الله الذي هو أعظم اللذات وأشرف الغايات.)
ولذلك إن أولياء الدين وأئمة التقوى واليقين كان همهم مقصور على الجد والاجتهاد والتفرغ للعبادة.ولقد قام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كما في رواية الاحتجاج عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه واصفرّ وجهه يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال الله تعالى : (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَى) [ طه: 1 – 2] بل لتسعد به.)وفي رواية (الكافي عن أبي بصير عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عند عائشة ليلتها فقالت: يا رسول الله لم تتعب نفسك وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا عائشة ألا أكون عبداً شكوراً؟» (1).)وكان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكذلك ولده علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) حسبما عرفت آنفاً.)وروي في (الوسائل من العلل عن أبي حمزة قال: سألت مولاة لعلي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) بعد موته فقلت : صفي لي أمور علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)؟ فقالت : أطنب أو أختصر؟ فقلت : بل اختصري قالت ما أتيته بطعام نهاراً قط ولا فرشت له فراشاً بليل قط (2).)وروي فيه أيضاً من (العيون عن عبد السلام بن صالح الهروي في حديث أن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان ربما يصلي في يومه وليلته ألف ركعة وإنما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند اصفرار الشمس فهو في هذه الأوقات قاعد في صلاة «مصلاه ظ» يناجي ربه.)إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في وصف عباداتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ، وكفى في تأكد المداومة على العبادة والتفرّغ لها بقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : 56].)روى في (الوسائل من العلل بسنده عن جميل بن درّاج قال : قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): جعلت فداك ما معنى قول الله عزّ وجل : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فقال : خلقهم للعبادة.)
وفيه عن الكليني عن عمرو بن يزيد عن أبي (1عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : في (التوراة) مكتوب يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى ولا أكلك إلى طلبك، وعلي أن أسد فاقتك وأملأ قلبك خوفاً مني.)وعن عمر بن جميع عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قال (2)رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبها بقلبه وباشرها بجسده وتفرّغ لها فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم يسر».)وعن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ: قال الله تبارك وتعالى يا عبادي الصديقين تنعموا بعبادتي في الدنيا فإنكم تنعمون بها في الآخرة (3).)(و العشرون أنهم (لا يستكثرون) من أعمالهم (الكثير) أي لا يعجبون بكثرة العمل ولا يعدونه كثيراً وإن أتعبوا فيه أنفسهم وبلغوا غاية جهدهم، لمعرفتهم بأن ما أتوا به من العبادات وإن بلغت في كثرتها غاية الغايات زهيدة قليلة في جنب ما يترتب عليها من الثمرات، كما أشار إليه في الخطبة الثانية والخمسين بقوله :)فوالله لو حننتم حنين الوله العجال، ودعوتم بهديل الحمام وجأرتم جؤار المتبتلي الرهبان وخرجتم إلى الله من الأموال والأولاد التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده أو غفران سيئة أحصتها كتبه وحفظها رسله، لكان قليلاً فيما أرجو لكم من ثوابه وأخاف عليكم من عقابه، هذا (4.)مع ما في استكثار العمل من العجب الموجب لإهباطه وللوقوع في الخزي العظيم والعذاب الأليم.روى في (الوسائل من الخصال عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ثلاث قاصمات الظهر رجل استكثر عمله ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه.)ومن الخصال عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قال إبليس : إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أبال ما عمل فإنه غير مقبول : إذا استكثر عمله، ونسي ذنبه ودخله العجب (5).)وفيه عن الكليني عن سماعة قال : سمعت أبا الحسن لا يقول: لا تستكثروا الخير
ولا تستقلوا قليل الذنوب (1.)وعن الكليني عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حديث: «قال موسى بن عمران لإبليس : أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه، قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، وصغر في عينه ذنبه» (2).)وقال : قال الله عزّ وجل :لداود یا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين قال: كيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين؟ قال: يا داود بشِّر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبداً نصبه للحساب إلا هلك.ولما ذكر عدم رضاهم بالقليل وإعجابهم بالكثير فرع عليه قوله : (فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون يعني أنهم يتهمون أنفسهم وينسبونها إلى التقصير في العبادة.)روى في (الوسائل عن الكليني عن سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال لبعض ولده: يا بني عليك بالجد ولا تخرجنّ نفسك من حد التقصير في عبادة الله عزَّ وجل فإن الله لا يعبد حق عبادته.)وعن الفضل بن يونس عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : أكثر من أن تقول: اللهم لا تجعلني من المعارين ولا تخرجني من التقصير قال قلت له : أما المعارون فقد عرفت إن الرجل يعار الدين ثم يخرج منه فما معنى: لا تخرجني من التقصير ؟ فقال : كل عمل تريد به وجه الله فكن فيه مقصراً عند نفسك فإن الناس كلهم في أعمالهم فيما بينهم وبين الله مقصرون إلا من عصمه الله (3).)وعن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «قال الله عزّ وجل : لا يتكل العاملون لي على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عباداتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جنّاتي ورفيع الدرجات العلى في جواري ولكن برحمتي فليتقوا «فليثقوا ظ» وفضلي فليرجوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا» (4).)وأما إشفاقهم من أعمالهم فخوفهم من عدم قبولها أو من عدم كونها جامعة لشرائط الصحة والكمال على الوجه الذي يليق به تعالى فيؤاخذوا به، وقد مدح الله سبحانه المؤمنين
بذلك في قوله : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة [المؤمنون : 60].)روى في الصافي من (الكافي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه سئل عن هذه الآية فقال : هي شفاعتهم ورجاؤهم يخافون أن تردّ عليهم أعمالهم إن لم يطيعوا الله ويرجون أن تقبل منهم (1).)وفي (مجمع البيان قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): معناه خائفة أن لا يُقبل منهم.)وفي (الوسائل من الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئاً من البرّ فيدخله شبه العجب به، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هو في حاله الأولى وهو خائف أحسن حالاً منه في حال عجبه (2).)الحادي والعشرون : أنه (إذا زكى أحدهم أي وصف ومدح بما فيه من محامد الأوصاف ومكارم الأخلاق ومراقبة العبادات ومواظبة الطاعات خاف مما يقال له واشمئز منه (فيقول: أنا أعلم بنفسي) أي بعيوبها (من غيري وربّي أعلم مني بنفسي) وإنما يشمئز ويخاف من التزكية لكون الرضا بها مظنة الإعجاب بالنفس والإدلال بالعمل.)ولهذه النكتة أيضاً نهى الله سبحانه عن تزكية النفس، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [ النجم : 32] أي لا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير والطهارة من المعاصي والرذائل، فإنه يعلم التقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم. قال في (مجمع البيان): أي لا تعظموها ولا تمدحوها بما ليس لها فإني أعلم بها، وقيل : معناه لا تزكوها بما فيها من الخير ليكون أقرب إلى النسك والخشوع وأبعد من الرّياء هو أعلم بمن بر وأطاع وأخلص العمل.
وروى في (الصافي من العلل) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه سئل عنها قال: يقول لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته وصيامه وزكاته ونسكه، لأن الله عزَّ وجل أعلم بمن اتقى منكم (3).
وقوله : (اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون) أي لا تؤاخذني بتزكية المزكين التي هي مظنة الإعجاب الموجب للسخط والمؤاخذة، واجعلني أفضل مما يظنون في التقوى والورع واغفر لي الهفوات والآثام التي أنت عالم بها وهي مستورة عنهم.
وعلى ما ذكرنا فهذه الجملة الدعائية متمّم كلام المتقين الذي حكاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنهم، يعني إذا زكى أحدهم يخاف منه ويجيب المزكي بقوله : أنا أعلم بنفسي (اهـ)، ويدعو ربه بقوله : اللهم لا تؤاخذني (اهـ).
والعجب من الشارح المعتزلي حيث زعم أن هذه الجملة من كلام أمير المؤمنين نفسه لا حكاية عن المتقين قال : وقوله : (اللهم لا تؤاخذني بما يقولون) إلى آخر الكلام مفرد مستقل بنفسه منقول عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قاله لقوم مرّ عليهم وهم مختلفون في أمره فمنهم الحامد له، ومنهم الذام فقال : اللهم لا تؤاخذني (اهـ)، ومعناه : اللهم إن كان ما ينسبه الذامون إليّ من الأفعال الموجبة للذم حقاً فلا تؤاخذني بذلك، واغفر لي ما لا يعلمونه من أفعالي وإن كان ما يقوله الحامدون حقاً فاجعلني أفضل مما يظنونه في انتهى (1).
والأظهر ما ذكرنا كما لا يخفى هذا.
ولما ذكر جملة من أوصافهم الجميلة أردفها بسائر أوصافهم التي بها يعرفون وقال: (فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوّة في دين) أي تراه متصلباً فيه لا يؤثر فيه تشكيك المشكك ولا يتخدع بخداع الناس.
(وحزماً في لين) أي يكون لينه عن حزم وتثبت لا عن مهانة، وقال الشارح البحراني : يكون له الحزم في الأمور الدنيوية والتثبت فيها ممزوجاً باللين للخلق وعدم الفظاظة، وهي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق.
(وإيماناً في يقين) أي إيماناً مع يقين فإن الإيمان وهو معرفة الصانع والرسول والتصديق بما جاء به من عند الله لما كان قابلاً للشدة والضعف فتارة يكون عن وجه التقليد وهو الاعتقاد المطابق لا لموجب وأخرى عن وجه العلم وهو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدليل، وثالثه عن العلم به مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك وهو علم اليقين أراد أن علمهم بأصول العقائد علم يقين لا يتطرق إليه احتمال.
وفي (الكافي) عن جابر قال : قال لي أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أخا جعفي إن الإيمان أفضل من الإسلام وإن اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعزّ من عزّ من اليقين (2).
وعن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس قال: سألت أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الإيمان والإسلام فقال : قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنما هو الإسلام والإيمان فوقه بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين الناس شيء أقل من
اليقين قال: قلت: فأي شيء اليقين؟ قال : التوكل على الله والتسليم الله، والرضا بقضاء الله والتفويض إلى الله، قلت : فما تفسير ذلك؟ قال : هكذا قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
قال بعض شراح (الكافي) في شرح هذا الحديث الإسلام هو الإقرار والإيمان إما التصديق أو التصديق مع الإقرار وعلى التقديرين فهو فوق الإسلام بدرجة أما على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلان التصديق القلبي أفضل وأعلى من الإقرار اللساني كما أن القلب أفضل من اللسان والتقوى فوق الإيمان بدرجة لأن التقوى هو التجنّب عما يضر في الآخرة وإن كان ضرره يسيراً، واليقين فوق التقوى لأن التقوى قد لا تكون في مرتبة اليقين وهي التي أشار إليها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : لو كشف الغطاء لما ازددت يقيناً.
(وحرصاً في علم) أي وحرصاً في طلب العلم النافع في الآخرة والازدياد منه.
(وعلماً في حلم) أي علماً ممزوجاً بالحلم، وقد مرّ توضيحه في شرح قوله : وأما النهار فعلماء حلماء.
(وقصداً في غنى) يحتمل أن يكون المراد اقتصاده في طلب المال وتحصيل الثروة، يعني أنه لا يجاوز الحد في كسب المال وتحصيل الغنى بحيث يؤدي إلى فوات بعض ما عليه من الفرائض كما هو المشاهد في أبناء الدنيا، وأن يكون المراد أنه مع غناه مقتصد في حركاته وسكناته ومصارف ماله بل جميع أفعاله يعني أن غناه لم يوجب طغيانه وخروجه عن القصد وتجاوزه عن الحد كما قال تعالى : (إنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَوَاهُ اسْتَغنى) [العلق : 6-7].
(وخشوعاً في عبادة) أي خضوعاً وتذللاً في عباداته، وقد وصف الله المؤمنين بذلك في قوله: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 2].
قال في (مجمع البيان): أي خاضعون متواضعون متذللون لا يدفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم ولا يلتفتون يميناً وشمالاً.
وروي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته فقال: «أما أنه لو خشع قلبه لخشعت جوارح جوارحه» (2).
وفي هذا دلالة على أن الخشوع في الصلاة يكون بالقلب وبالجوارح، فأما بالقلب فهو أن يفرغ قلبه بجميع الهمة لها والإعراض عما سواها فلا يكون فيه غير العبادة والمعبود، وأما بالجوارح فهو غض البصر والإقبال عليها وترك الالتفات والعبث قال ابن عباس: خشع فلا يعرف من على يمينه ومن على يساره.
(وتجمّلاً في فاقة) أي يتعفّف ويظهر الغنى في حال فقره ويترك السؤال ويستر ما هو عليه من الفقر، وأصل التجمّل هو تكلّف الجميل.
وقد مدح الله سبحانه أصحاب الصفة بذلك في قوله : (يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِن التَّعَفُّفِ تَقْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُون الناس الحافاً) [البقرة: 273]، وكانوا نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة وكانوا يخرجون في كل سريّة يبعثها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يظنّهم الجاهل بحالهم وباطن أمورهم أغنياء من التعفّف، أي من أجل التعفّف والامتناع من السؤال والتجمّل في اللباس والستر لما هم عليه من الفقر وسوء الحال طلباً لرضوان الله وجزيل ثوابه تعرفهم بسيماهم أي تعرف حالهم بما يُرى في وجوههم من علامة الفقر من رثاثة الحال وصفرة الوجه لا يسألون الناس أصلاً فيكون إلحاح أي إصرار في السؤال فهو من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع مثل قولك : ما رأيت مثله وأنت تريد أنه لا مثل له فيُرى لا أن له مثلاً ما رأيته.
قال في (مجمع البيان) في الحديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس، ويحبّ الحليم المتعفّف من عباده ويبغض البذيء السائل الملحف.
(وصبراً في شدّة) أي يتحمّل على شدائد الدنيا ومكارهها ويستحقرها بجنب ما يتصوره من الفرحة بلقاء الله وبما بشر به من عظيم الأجر للصابرين في كتابه المبين مضافاً إلى ما فيه من التأسي والاتباع للسلف الصالحين من الأنبياء والمرسلين وأولياء الدّين.
روى في (الكافي) عن حفص بن غياث قال : قال لي أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا حفص إن من صبر صبر قليلاً، وإن من جزع جزع قليلاً، ثم قال : عليك بالصبر في جميع أمورك فإن الله عزّ وجل بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأمره بالصبر والرفق فقال : (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جيلًا وَذَرْنِي وَالْمُكَذِبِينَ أُولى النعمة) [المزمل : 10 - 11]، وقال تبارك وتعالى : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّتها إلا ذو حَظِّ عَظِيمٍ) [فصلت : 34 - 35]. فصبر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى نالوه بالعظائم ورموه بها فضاق صدره فأنزل الله عزّ وجل : (وَلَقَد نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [ الحجر : 97 - 98] ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فأنزل الله عزّ وجل: (قد تعلم إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِءَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كذبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كَذِبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَنَّهُمْ نَصْرُنا) [الأنعام: 33 - 34] فألزم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نفسه الصبر، فتعدّوا فذكروا الله تعالى وكذبوه فقال : قد صبرت في نفسي وعرضي ولا صبر لي على ذكر إلهي، فأنزل الله عزّ وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لَّغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ :[ق : 38 - 39] فصبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في)
جميع أحواله ثم بشر في عترته بالأئمة ووصفوا بالصبر فقال جل ثناؤه : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِءَايَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24] فعند ذلك قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد»، فشكر الله عزّ وجل ذلك له فأنزل الله عزّ وجلّ : (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرَنَا مَا كَان يَصْنَعُ فِرْعَوتُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137] فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إنه بشرى وانتقام»، فأباح الله عزّ وجلّ له قتال المشركين فأنزل: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُل مرصد [التوبة : 5]، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقفْتُمُوهُمْ [البقرة : 191] فقتلهم الله على يدي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأحبائه وعجل له ثواب صبره مع ما ادّخر له في الآخرة. فمن صبر واحتسب لم يخرج من الدنيا حتى يقر الله عينه في أعدائه ما اذخر له في الآخرة (1). (وطلباً في حلال) أي يطلب الرزق من الحلال ويقتصر عليه ولا يطلبه من الحرام.
روى في (الوسائل) عن الكليني بإسناده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) في حجة الوداع: «ألا إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يخفنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله تبارك وتعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالاً ولم يقسمها حراماً، فمن انقى وصبر آتاه الله برزقه من ومن هتاك حجاب السر (كذا) وعجل فأخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة» (2).
وفيه عن (المفيد في المقنعة)قال قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): الرزق مقسوم على ضربين، أحدهما واصل إلى صاحبه وإن لم يطلبه والآخر معلق بطلبه فالذي قسم للعبد على كل حال آتيه وإن لم يسع له والذي قسم له بالسعي فينبغي أن يلتمسه من وجوهه وهو ما أحله الله له دون غيره فإن طلبه من جهة الحرام فوجده حسب عليه برزقه وحوسب به (3).
(ونشاطاً في هدى) أي خفة وإسراعاً فيه وبعبارة أخرى أن يكون سلوكه لسبيل الله وإتيانه بالعبادات المشروعة الموصلة إلى رضوان الله سبحانه بطيب النفس وعلى وجه الخفة والسهولة لا عن الكسل والتغافل وذلك ينشأ عن قوة اليقين فيما وعد الله المتقين من الجزاء الجميل والأجر العظيم بخلاف أهل الرياء فإنه يكسل في الخلوة وينشط بين الناس.
كما روى في (الوسائل) عن الكليني عن السكوني عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال أمير
المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاث علامات للمرائي : ينشط إذا رأى الناس ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع أموره.
(وتحرّجاً عن طمع) أي تجنباً عنه أي لا يطمع فيما في أيدي الناس لعلمه بأنه من الرذائل النفسانية ومنشأ المفاسد العظيمة لأنه يورث الذل والاستخفاف والحقد والحسد والعداوة والغيبة وظهور الفضائح والمداهنة لأهل المعاصي والنفاق والرياء وسد باب النهي عن المنكر والأمر بالمعروف وترك التوكل على الله والتضرع إليه وعدم الرضا بقسمه إلى غير ذلك مما لا يحصى.
روى في (الكافي) عن سعدان عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت له : الذي يثبت الإيمان في العبد؟ قال : الورع، والذي يخرجه منه ؟ قال : الطمع (1).
وعن الزهري قال : قال علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع مما في أيدي الناس (2).
وفيه مرفوعاً عن أبي جعفر قال : بئس العبد عبد له طمع يقوده، وبئس العبد عبد له رغبة تذله (3).
(يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل) أي على خوف من ردّها وعدم قبولها لعدم اقترانها بالشرائط المقتضية للقبول كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا عَاتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَهُ) [المؤمنون: 60] وقد مضى توضيح ذلك في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الخطبة ومن أعمالهم من مشفقون.
(يمسي وهمه الشكر ويُصبح وهمه الذكر) قال الشارح البحراني : أي يكون همه عند المساء الشكر على ما رزق بالنهار وما لم يُرزق، ويُصبح وهمه ذكر الله ليذكره الله فيرزقه من الكمالات النفسانية والبدنية كما قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: 152].)أقول ما ذكره (رَحمهُ اللّه قاصر عن تأدية المراد غير واف بإفادة نكتة تقييد الاهتمام بالذكر بالصباح والاهتمام بالشكر بالمساء، فالأولى أن يقال :)أما كون همه مقصوراً على الذكر في الصباح فلتأكد استحباب الذكر فيه.
ويدل عليه ما رواه في (الوسائل من مجالس الصدوق بإسناده عن عمير بن ميمون قال : رأيت الحسن بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) يقعد في مجلسه حين يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، وسمعته يقول : سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «من صلى الفجر ثم جلس في مجلسه يذكر الله حتى تطلع الشمس ستره الله من النار ستره الله من النار، ستره الله من النار».)وفيه أيضاً من (المجالس عن أنس في حديث قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعثمان بن مظعون: «من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس كان له في الفردوس سبعون درجة بُعْدُ ما بين درجتين كحضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة».)وفيه عن الشيخ عن ابن عمر عن الحسن بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ قال : سمعت أبي علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «أيما امرى جلس في مصلاه الذي صلى فيه الفجر يذكر الله حتى تطلع الشمس كان له من الأجر كحجاج بيت الله وغفر له» (1).)والنكتة الأخرى في ذلك أن الله سبحانه لما خلق النهار لتحصيل المعاش وطلب الرزق والابتغاء من فضله، كما أنه خلق الليل للدّعة والسكون والراحة والنوم، وكان للذكر عند الصباح مدخل عظيم في الرزق لا جرم كان اهتمامهم بالذكر فيه.أما أن خلق النهار للرزق والمعاش فلقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لباسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ: 9-11 ]. وأما أن الذكر في الصبح جالب للرّزق.
فلما رواه في (الوسائل) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : الجلوس بعد صلاة الغداة في التعقيب والدعاء حتى تطلع الشمس أبلغ في طلب الرّزق من الضرب في الأرض(2).
وفيه عن الكليني عن حماد بن عثمان قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : الجلوس الرجل في دبر صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أنفذ في طلب الرزق من ركوب البحر، قلت: قد يكون للرجل الحاجة يخاف فوتها فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يدلج فيها وليذكر الله عزّ وجل فإنه في تعقيب ما دام على وضوئه (3).
وبمعناهما أخبار أخر لا نطيل بروايتها.
وأما كون همه بالشكر عند المساء، فلأن المساء ضد الصباح وإذا كان طلب الرزق واستنزال النعمة بالذكر في أول النهار حسبما عرفت فناسب أن يكون الشكر على النعم النازلة في النهار في آخره كما هو واضح.
(يبيت حذراً أو يُصبح فرحاً) الظاهر عدم القصد إلى تخصيص الحذر بالبيات والفرح بالصباح وإنما المراد أنه يبيت ويصبح يبيت ويصبح جامعاً بين وظيفتي الخوف والرجاء، فعبر عن الخوف بالحذر وعن الرجاء بالفرح لكونه موجباً للفرح والسرور.
وأشار إلى علتهما بقوله : (حذراً لما حذر) منه (من الغفلة) والتقصير في رعاية وظائف العبودية، لما عرفت في شرح قوله : فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون من عدم جواز إخراج النفس من حدّ التقصير في عبادته تعالى وإن بولغ فيها.
ويقوله : (وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة) أي بما وُفق له من فضل الله سبحانه وما تفضل به عليه من دين الإسلام وموالاة محمد وآل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما أتى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) به من شرائع الأحكام، فإن ذلك كله فضل منه عزَّ وجل ورحمة يوفق له من يشاء من عباده كما قال تعالى : (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران : 7473].
ويحتمل أن يكون المراد بما أصاب خصوص ما أتى به من الفروعات العملية والعبادات الشرعية الموجبة لفضل الله ورحمته عليه في الآخرة، فيكون محصل المراد بهذه. الجملة سروره وفرحه بحسناته، لما فيها من رجاء الأجر والثواب وبالجملة السابقة مساءته وخوفه من الغفلة لما فيها من الوزر والعقاب.
روى في (الوسائل) عن الكليني، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن (1).
وعن سليمان عمن ذكره عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سئل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن خيار العباد فقال: «الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا، وإذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا غفروا» (2).
(إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سولها فيما تحبّ) لما كان من شأن المتقي كراهته للمعاصي ومحبته للحسنات، ومن شأن نفسه الأمارة بالسوء عكس ذلك، أي
كراهته للحسنات ومحبته للمعاصي يقول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن نفسه إن لم تطعه ولم يتمكن له في إتيان العبادات والحسنات التي تكرهها وكان ميلها ومحبتها في السيئات لم يعطها سؤلها ولا يطاوعها فيما تريد بل يقهرها على خلاف ما تكره وتحب، ومحصله أنه يجاهد نفسه لعلمه بأنها عدو له (1).
روى في (الوسائل) عن الكليني عن أحمد بن محمد بن خالد رفعه قال : قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرجل : اجعل قلبك قريناً براً وولداً واصلاً، واجعل علمك والداً تتبعه واجعل نفسك عدواً تجاهده واجعل مالك عارية تردها.
وفيه عن الصدوق :قال ومن : ألفاظ رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «الشديد من غلب نفسه».
وعن الصدوق عن المفضل بن عمر قال : قال الصادق جعفر بن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ): من لم يكن له واعظ من قلبه وزاجر من نفسه ولم يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه (2).
وهذا الجهاد - أعني مجاهدة النفس - هو الذي سماه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالجهاد الأكبر، كما مر في الحديث الذي رويناه في شرح الخطبة الخامسة والثمانين ومضى هنالك أيضاً بعض الأخبار المناسبة لهذا المقام فلينظر ثمة.
(قرة عينه فيما لا يزول) أي سروره وابتهاجه المستلزم لقرّة عينه في الباقيات الصالحات والسعادات الأخروية الباقية.
(وزهادته فيما لا يبقى) أي زهده في الدنيا وزخارفها الفانية.
(يمزج الحلم بالعلم) قد مرّ الوصف بالحلم والعلم في قوله : وأما النهار فحلماء علماء، وقدمنا هناك تفسير معناهما ولا حاجة إلى الإعادة وإنما أعاد الوصف بهما قصداً إلى أنه قد خلط حلمه بعلمه يعني قد تزيّن مع علمه بالحلم والوقار وليس بعالم سفيه جبار.
كما قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية (الكافي) : اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار وتواضعوا لمن تعلمونه العلم وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم.
وفيه بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)يقول : يا طالب العلم إن للعالم ثلاث علامات العلم والحلم والصمت وللمتكلّف
ثلاث علامات ينازع من فوقه بالمعصية، ويظلم من دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة (1).
وفيه بسند مرفوع عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا يكون السفه والغرّة في قلب العالم، هذا (2).
وقال بعض الشارحين : معنى قوله : يمزج الحلم بالعلم أنه يحلم مع العلم بفضيلة الحلم لا كحلم بعض الجاهلين عن ضعف النفس وعدم المبالاة بما قيل له وفعل به ولا بأس به.
(و) يمزج (القول بالعمل) أي يكون عمله موافقاً لقوله بأن يأمر بالمعروف ويأتي به، وينهى عن المنكر ويتناهى عنه، ويعد ويفي بوعده لا أن يقول ما لا يفعل ويعد فيخلف فيستحق بذلك السخط العظيم والمقت الشديد، قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف : 2 - 3]، وقال : (فَكُبكبوا، فيها هُم وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 94].
روى في (الكافي) عن أبي بصير عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الآية قال : هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره (3).
(تراه قريباً أمله) لأن بعد الأمل وطوله ينشأ من حب الدنيا ونسيان الآخرة، حسبما عرفته تحقيقاً وتفصيلاً في شرح الخطبة الثانية والأربعين والمؤمن المتقي لزهده في الدنيا ونفرته عنها واشتياقه إلى الآخرة لا يطول له الأمل البتة كما هو ظاهر.
(قليلاً زلله) أي خطأه وذنبه لما له من ملكة العدالة المانعة من ارتكاب الكبائر وإصرار الصغائر.
(خاشعاً قلبه) أي خاضعاً ذليلاً من تصوّر عظمة الرب المتعال جلّ جلاله.
(قانعة نفسه) بما قدره الله تعالى في حقه راضية بالقسم المقسوم مستغنية عن الناس.
روى في (الكافي) بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) :«من أراد أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره» (4).
وفيه عن عمر بن أبي المقدام عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال مكتوب في (التوراة) : يا ابن
آدم، كن كيف شئت كما تدين تدان من رضي من الله بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفّت مؤنته وزكت مكسبته وخرج من حدّ الفجور (1).
وفيه عن محمد بن عرفة عن أبي الحسن الرضا :قال : من لم يقنعه من الرزق إلا الكثير لم يكفه من العمل إلا الكثير ومن كفاه من الرزق القليل فإنه يكفيه من العمل القليل (2).
(منزوراً أكله) أي قليلاً، فإن الجوع والتقليل من الطعام يورث رقة القلب وصفاء الذهن وإنفاذ البصيرة، وإيقاد القريحة والاستعداد للذة المناجات والتأثر بالذكر والموعظة، مضافاً إلى ما فيه من المنافع الكثيرة التي أشرنا إليها في شرح الفصل الثاني من الخطبة المائة والتاسعة والخمسين.
وكفى في فضله أن فيه تأسياً بالسلف الصالحين من الأنبياء والمرسلين والأئمة المعصومين وأصحابهم الأكرمين حسبما عرفت في شرح الخطبة المذكورة فليراجع ثمة.
(سهلاً أمره) أي خفيف المؤنة لا يتكلف لأحد ولا يكلّفه فإن شرّ الإخوان من يتكلف له.
حريزاً دينه أي محرزاً محفوظاً من تطرّق الشكوك والشبه لرسوخه وكونه عن علم اليقين المانع من عروض الاحتمال والخلل حسبما عرفت في شرح قوله : وإيماناً في يقين.
(ميتة شهوته) قال الشارح البحراني : لفظ الموت مستعار لخمود شهوته عما حرم عليه ويعود إلى العفة.
أقول : روى في (الكافي) عن السكوني عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ثلاث أخافهن على أمتي بعدي : الضلالة بعد المعرفة ومضلات الفتن وشهوة البطن والفرج» (3).
وفيه عن ميمون القداح قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : ما من عبادة أفضل من عفّة بطن وفرج (4).
وعن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
يقول : أفضل العبادة العفاف (1).
وفي (الوسائل) عن الصدوق بإسناده عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصيته لمحمد بن الحنفية قال : ومن لم يعط نفسه شهوتها أصاب رشده (2).
(مكظوماً غيظه) أي محبوساً، وكظم الغيظ حبسه وتكلف الحلم عند هياج الغضب، قال تعالى : (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) [آل عمران : 134] مدحهم بهذه الصفة يعني أنهم يحبسون غيظهم ويتجرعونه عند القدرة.
روى في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أبيه عن بعض أصحابه عن مالك بن حصين السكوني قال : قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما من عبد كظم غيظاً إلا زاده الله عزَّ وجل عزّاً في الدنيا والآخرة وقد قال الله عزّ وجل: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المحسنين) وأثابه الله مكان غيظه ذلك.
وفيه بإسناده عن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما من جرعة يتجرعها العبد أحب إلى الله عزّ وجل من جرعة غيظ يتجرعها عند ترددها في قلبه إما بصبر وإما بحلم.
وعن سيف بن عميرة قال: حدثني من سمع أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاه (3).
وعن أبي حمزة بن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «من أحب السبيل إلى الله عزَّ وجل جرعتان : جرعة غيظ تردّها بحلم وجرعة مصيبة تردّها بصبر» (4).
والأخبار في فضله كثيرة وقد عقد في (الكافي) باباً عليه وما أوردناها كافية في المقام.
(الخير منه مأمول) لكثرة الخيرات الصادرة منه وغلبتها الموجبة لأن يرجى ويؤمل منه خيره.
(والشر منه مأمون) لملكة التقوي المانعة من إقدامه على الشرور الباعثة على الأمن من شره.
(إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين) قال الشارح المعتزلي والبحراني وغيرهما : يعني أنه إن كان مع الغافلين عن ذكر الله وفي عدادهم كتب في الذاكرين لكونه ذاكراً الله بقلبه وإن لم يذكره بلسانه.
أقول : والأظهر عندي أن الغرض به الإشارة إلى دوام ذكره، يعني أنه مع كونه بين الغافلين وفي مجلسهم لا يغفل عن ذكره عزَّ وجل كغفلتهم عنه، بل يداوم عليه ويكتب في زمرة الذاكرين لعلمه بأن الذكر في الغافلين يوجب مزيد الأجر.
ويدل عليه ما في (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن الحسين بن مختار عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: الذاكر لله عزّ وجل في الغافلين كالمقاتل في المحاربين (1).
وعنه عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ذاکر الله في الغافلين كالمقاتل عن الفارّين والمقاتل عن الفارين له الجنة» (2).
وفي (الوسائل) عن الشيخ بإسناده عن أبي ذر عن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال: «يا أبا ذر الذاكر في الغافلين كالمقاتل في الفارين في سبيل الله».
وفيه من (عدّة الداعي) قال : قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من ذكر الله في السوق مخلصاً عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه كتب الله له ألف حسنة وغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر» (3).
(وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين) لعدم غفلته عن الذكر، لأنه مع عدم غفلته عنه مع کونه بين الغافلين كما الغافلين كما عرفت آنفاً فعدم غفلته عنه إذا كان في الذاكرين بطريق أولى ويجوز أن يراد به معنى آخر وهو الإشارة إلى كون ذكره عن وجه الخلوص والقربة وعدم كتبه من الغافلين لأجل ذلك، وأما غيره فربما يكتب من الغافلين وإن كان ذاكراً لعدم كون ذكره عن وجه الإخلاص بل يقصد الرّياء كما قال تعالى في حق المنافقين : (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلى الصَّلَوةِ قَامُوا كُسَالَى بُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يذكرون الله إلا قليلا) [النساء: 142].
قال بعض المفسرين : إنما وصف الذكر بالقلة لأنه سبحانه لم يقبله وكل ما ردّه الله فهو قليل.
روى الطبرسي في (مجمع البيان) عن العياشي بإسناده عن مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سئل : فيم النجاة غداً؟ قال: «النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدعكم فإنه من يخادع الله يخدعه ونفسه يخدع لو شعر»، فقيل : إنه فكيف يخادع الله ؟
قال: «يعمل بما أمره الله ثم يريد به غيره، فاتقوا الرّياء فإنه شرك بالله إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء يا كافر، یا فاجر، یا غادر، یا خاسر، حبط عملك وبطل أجرك ولا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له»(1).
فقد ظهر بذلك أن الذكر المشوب بالرياء غير مكتوب في صحائف الحسنات بل في صحائف السيئات والذاكر كذلك مكتوب في الخائبين الخاسرين فضلاً عن الغافلين، هذا.
ولا يخفى حسن المقابلة والمطابقة بين هذه القرينة والقرينة السابقة من كلامه وهي من مقابلة الثلاثة بالثلاثة.
(يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه) هذه الصفات الثلاث من مكارم الأخلاق ومحامد الخصال، فالأولى مندرجة تحت الشجاعة، والثانية مندرجة تحت السخاء، والثالثة مندرجة تحت العفة، وقد وردت الأخبار في فضلها كثيراً.
منها ما رواه في (الكافي) بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خطبة: «ألا أخبركم بخير خلائق «أخلاق خ» الدنيا والآخرة: العفو عمن ظلمك وتصل من قطعك، والإحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك» (2).
وعن أبي حمزة الثعالبي عن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : سمعته يقول : إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم ينادي مناد : أين أهل الفضل ؟ قال : فيقوم عنق من الناس فتلقاهم الملائكة فيقولون: وما كان فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا ونعطي من حرمنا ونعفو عمن ظلمنا، قال : فيقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنة (3).
وعن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ثلاث لا يزيد الله بهن المرء إلا عزاً : الصفح عمن ظلمه، وإعطاء من حرمه، والصلة لمن قطعه (4).
والأخبار في هذا المعنى كثيرة أوردها الكليني في باب العفو من (الكافي) ولامهم بنا إلى الإطالة هذا.
وإنما خص العفو بمن ظلمه لقوة الداعي إلى الانتقام عنه وحاجة العفو حينئذ إلى
مجاهدة نفسانية كاملة وكذلك إعطاء من حرمه وصلة من قطعه.
قال بعض شراح (الكافي) : من صفات الكرام العفو عن الظلم والتجاوز عن المسيء، ومن صفات اللئام الانتقام وطلب التشفي والمعاقبة لدفع الغيظ وهو آفة نفسانية تغير الجهال والناقصين من أجل تأثر نفوسهم عن كل ما يخالف هواها.
وأما إعطاء من حرمك فالمقصود به أنه إذا أحسنت إلى أحد ولم يقابل إحسانك بإحسان أو قابلك بالإساءة والكفران فلا ترغب عن إحسانه بكفرانه، فإنه إذا لم يشكرك فقد يشكرك غيره، ولو لم يشكرك أحد فإن الله يحب المحسنين كما نطق به الكتاب المبين وكفى شرفاً وفضلاً بأن تخاطب بخطاب أين أهل الفضل يوم الحشر الأولين والآخرين؟.
وأما صلة من قطعك فالمراد بها وصله بالمال واليد واللسان ومراقبة أحواله بقدر الإمكان لا سيما إذا كان من الأرحام حسبما عرفت في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثالثة والعشرين على بسط وتفصيل.
(بعيداً فحشه) إن أريد بالفحش معناه الظاهر أي السبّ وبذاءة اللسان فلا بد من صرف لفظ البعيد عن ظاهره وجعله كناية عن العدم وإن أبقى البعد على ظاهره المفيد لإقدامه على الفحش أحياناً فلا بد من ارتكاب التأويل في لفظ الفحش وجعل المراد به فضول الكلام والقول القبيح الغير البالغ إلى حد الحرام لئلا ينافي ملكة العدالة والتقوى التي للمتقي.
وكيف كان فالفحش بمعناه الظاهر من الموبقات العظيمة، وقد حذر في الأخبار الكثيرة وبشر الفحاش بالنار.
مثل ما في (الكافي) بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : من علامات شرك الشيطان الذي لا يشك فيه أن يكون فحاشاً لا يبالي بما قال ولا بما قيل له.
وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فإنه لغيّة أو شرك شيطان» (1).
وعن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فإنك إن فتشته لم تجده إلا لغيّة أو شرك شيطان»، قيل : يا رسول الله، وفي الناس شرك شيطان؟ فقال رسول الله : «أما تقرأ قول الله عزّ وجل: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَدِ [الإسراء: 64]»، قال : وسأل رجل فقيهاً : هل في الناس من لا يبالي ما قيل له؟ قال: «من تعرّض الناس بشتمهم
1) الكافي 323/2، ووسائل الشيعة 32/16.
وهو يعلم أنهم لا يتركونه فذلك لا يبالي ما قال ولا ما قيل له» (1).
وعن سماعة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن من شرّ عباد الله من تكره مجالسته لفحشه».
وعن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال : البذاء من الجفاء والجفاء في النار (2).
(ليّناً قوله) أي يتكلم بالرفق ولا يغلظ في كلامه فإن الرفق في القول يوجب المحبة ويجلب الإلفة ويدعو إلى الإجابة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذلك أمر الله عزّ وجل موسى وهارون (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عند بعثهما إلى فرعون بأن يقولا له قولاً ليناً ليكون أسرع إلى القبول وأبعد من النفور.
وروى في (الكافي) بإسناده عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزّك (3).
(غائباً منكره حاضراً معروفه) أي مفقوداً أعماله القبيحة المحرمة موجوداً أعماله الحسنة المتضمنة للرجحان الشرعي من الواجبات والمندوبات.
(مقبلاً خيره مدبراً شره) يعني أنه من الأخيار كثير الخير قليل الشر كما وصفه سابقاً بقوله : الخير منه مأمول والشر منه مأمون.
ومحصل معناه أن خيره في إقبال يزيد شيئاً فشيئاً وشره في إدبار ينقص شيئاً فشيئاً إذ بقدر الزيادة في طلب الخير تحصل النقيصة في جانب الشر لأن كثرة أحد المتضادين توجب بمقتضى التضاد قلة الآخر كما هو ظاهر.
(في الزلازل وقور) يعني أنه في النوازل والشدائد والحوادث العظيمة الموجبة لاضطراب الناس متصف بشدة الوقار والرزانة والسكينة والثبات كالجبل لا تحركه العواصف والوقار من جنود العقل ويقابله الخفّة وهي الطيش والعجلة من جنود الجهل.
(وفي المكاره صبور وفي الرخاء شكور) لأن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر كما في الحديث المرفوع في إحياء العلوم عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والمتقي بما له من وصف التقوى والإيمان قد أكمل بأخذهما كلا شطري الإيمان.
وإنما كانا نصف الإيمان لأن الإيمان الكامل حسبما عرفت فيما تقدم هو ما تضمن العلم والعمل وكل ما يلاقيه العبد من الأعمال ينقسم إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة وإلى ما يضره فيهما، وله بالإضافة إلى ما يضره ويكرهه طبعه حال الصبر وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر.
(لا يحيف على من يبغض) أي لا يظلمه مع قوة الداعي إلى الحيف وهو والعداوة (ولا يأثم فيمن يحب) مع قيام الداعي إلى الإثم وهو المحبة.
ومحصل هاتين الفقرتين أنه لا يخرجه الحب والبغض عن تكليفه الشرعي إلى ما يخالفه كما هو شأن قضاة السوء وأمراء الجور ووظيفة أهل الهوى والعصبية.
(يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه) لأن مسيس الحاجة إلى الإشهاد إنما يكون في صورة الإنكار وإنكار الحق كذب صريح مناف للتقوى والعدالة.
(لا يضيّع ما استحفظ) أي لا يضيع ما أمر الله بمحافظته من الصلوات الخمس ونحوها من الطاعات، قال سبحانه: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى) [البقرة: 238]، وقال أيضاً : (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [الأنعام: 92]، وبشر الحافظين لها في سورة المؤمنين بقوله : (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [9-11] وفي سورة المعارج بقوله : (وَالَّذِينَ هم عَلى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئكَ فِي جَنَّتِ مكْرَمُونَ) [ 34 – 35].
والمراد بمحافظتها محافظة أوقاتها وحدودها ومراعاة آدابها وشرائطها والمداومة عليها، وضد المحافظة التهاون والأول من جنود العقل، والثاني من جنود الجهل كما في حديث (الكافي)، والمراد بالتضييع هنا الأعم من الترك والتهاون والإخلال بالحدود الموظفة.
(ولا ينسى ما ذكر) التذكر والنسيان أمران متقابلان والأول من جنود العقل والثاني من جنود الجهل.
وتوضيح معناهما حسبما أوضحه بعض المحققين أن الإدراك فينا عبارة عن حصول الصورة العقلية أو الحسية في قوة من قوانا وتلك القوة هي المسماة بالمدركة، والحفظ عبارة عن وجود تلك الصورة في قوة أخرى فوقها هي المسماة بالخزانة والحافظة والتذكر عبارة عن استحضار تلك الصورة مرة أخرى من الحافظة بعد اختزانها فيها، والنسيان عبارة عن زوالها عن المدركة والحافظة بما هي حافظة جميعاً، والسهو عبارة عن زوالها من المدركة فقط لا من الحافظة.
إذا عرفت ذلك فأقول : إن المراد بقوله : لا ينسى ما ذكر أنه لا ينسى المتقي ما ذكره الله سبحانه بآيات كتابه الكريم من الفرائض والأحكام والعبر والأمثال وغيرها مما فيه تذكرة وذكرى لأولي الألباب، بل يعمل بها ويداوم على ملاحظتها ويكثر من أخطارها بباله ولا يغيبها عن نظره.
(ولا ينابز بالألقاب) لكون النيز منهياً عنه في الكتاب الحكيم، قال سبحانه: وَلَا تنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات: 11] أي لا يدعو بعضكم بعضاً باللقب السوء مثل قول الرجل للرجل يا كافر يا فاسق یا منافق، بئس الشيء تسميته باسم الفسوق، يعني الكفر بعد الإيمان والنكتة في النهي عنه كونه موجباً للتباغض والعداوة وإثارة الفتن.)(ولا يضار بالجار لوجوب كف الأذى عن الجار كما صرح به في غير واحد من الأخبار.)روى في (الوسائل عن الكليني بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال: قرأت في كتاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب : «إن الجار كالنفس غير مضارّ ولا إثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه» (1).)وعن عمرو بن عكرمة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ في حديث: أن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أتاه رجل من الأنصار فقال : إني اشتريت داراً من بني فلان وإن أقرب جيراني مني جواراً من لا أرجو خيره ولا آمن شرّه، قال : فأمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علياً وسلمان وأبا ذر ونسيت آخر وأظنه المقداد أن ينادوا في المسجد بأعلى صوتهم بأنه : لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه، فنادوا بها ثلاثاً ثم أومىء بيده إلى كل أربعين داراً من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله.)وعن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول : المؤمن من آمن جاره بوائقه قلت: ما بوائقه؟ قال : ظلمه وغشمه (2).)وفيه عن الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حديث المناهي قال : «من آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنة ومأواه جهنم وبئس المصير، ومن ضيّع حق جاره فليس منا، وما زال جبرائيل يوصيني)
بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل لهم وقتاً إذا بلغوا ذلك الوقت أعتقوا وما زال يوصيني بالسواك حتى ظننت أنه سيجعله فريضة، وما زال يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لن يناموا» (1.)(ولا يشمت بالمصائب لأن المصائب النازلة إنما هي بقضاء من الله عزّ وجل وقدر والشامت بسبب نزولها بغيره في معرض أن تصيبه مثلها فكيف يشمت ويفرح بمصيبة نزلت به.)روى في (الكافي بإسناده عن أبان بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لا تبدي الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويصيرها بك.)وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن(2)، هذا.)مضافاً إلى أن في الشماتة بالمؤمن كسراً لقلبه وإدخالاً للحزن عليه، وهو خلاف غرض الشارع.ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم : «إذا رأيتم أهل البلاء فاحمدوا الله ولا تسمعوهم فإن ذلك يحزنهم»، رواه في (الكافي) عن حصن بن عمر عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (3).)(ولا يدخل في الباطل ولا يخرج من الحق الأولى أن يراد بالباطل كلما يبعد من الله تعالى، وبالحق كلما يقرب منه عزَّ وجل، فالمعنى أنه لا يخرج عن سمت الهدى إلى مسلك الضلال والردى.)(إن صمت لم يغمه صمته لأنه بمقتضى عقله وكماله يضع كلا الصمت والكلام في موضعه اللائق به ومقامه المناسب له، فلا يكون داع إلى التكلم في مقام مقتض للصمت حتى يكون إمساكه عن التكلم موجباً لاغتمامه.)وبعبارة أخرى، الاغتمام بالصمت إنما يكون ممن تعوّد لسانه بالهذر أي الهذيان وفضول الكلام، واعتاد الخوض فيما لا يعني وأهل التقوى لعلمهم بما في الصمت من الثمرات الدنيوية والأخروية، وبما في الكلام من المفاسد والآفات الكثيرة كالخطأ والكذب والغيبة والنميمة والرياء والنفاق والفحش والجدال وتزكية النفس والخوض في الباطل
والفضول والتحريف والزيادة والنقصان وإيذاء الخلق وهتك العورات إلى غير هذه من الآفات اعتادوا أن لا يزيدوا في كلامهم على قدر الحاجة والتزموا الصمت إلا في مقام الضرورة.وإلى ذلك ينظر قول رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم : «طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله» (1).)وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: إن كان كلامك من فضة فأيقن أن السكوت من ذهب (2).)وقيل: أليق شيء يكون في السجن هو اللسان وقيل اللسان صغير الجرم عظيم الجرم.قال أبو بكر بن عياش: اجتمع أربعة ملوك ملك الهند وملك الصين، وكسرى وقيصر، فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل، وقال الثاني : إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني، وقال الثالث: عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه وقال الرابع: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على ردّ ما قلت.وقد ورد في مدح الصمت وذمّ التكلم من الأخبار ما هو غير محصور.مثل ما في (الكافي بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): من علامات الفقه العلم والحلم والصمت إن الصمت باب من أبواب الحكمة إن الصمت يكسب المحبة إنه دليل على كل خير (3).)وعن الحلبي رفعه قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «أمسك لسانك فإنها صدقة تصدق بها على نفسك، ثم قال : ولا يعرف عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه».)وعن الحلبي أيضاً رفعه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم : «نجاة المؤمن من حفظ لسانه» (4).)وعن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول : كان أبو ذر يقول : يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك (5).)وعن عمر بن جميع عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ: قال كان المسيح يقول : لا تكثروا الكلام)
في غير ذكر الله فإن الذين يكثرون الكلام في غير ذكر الله قاسية قلوبهم ولكن لا يعلمون(1.)وعن الوشا قال سمعت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أراد العبادة صمت قبل ذلك عشر سنين (2).)وعن منصور بن يونس عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : في حكمة آل داود: على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه (3).)إلى غير هذه مما لم نطل بروايتها، وقد مضى بعضها في شرح الخطبة السابعة والسبعين.(وإن ضحك لم يعل صوته لأن ضحك المؤمن التبسم والقهقهة من الشيطان كما رواه في الوسائل من (الكافي) عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ).)وفيه أيضاً من مجالس الشيخ عن هارون بن عمرو بن عبد العزيز عن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه أبي عبد الله عن آبائه عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : كان ضحك النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التبسم، فاجتاز ذات يوم بفتية من الأنصار وإذا هم يتحدثون ويضحكون ملأ أفواههم، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «مه يا هؤلاء من غرّه منكم أمله وقصر به في الخير عمله فليطلع القبور وليعتبر بالنشور واذكروا الموت فإنه هادم اللذات» (4).)ومن مجالس الصدوق بسنده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: كان بالمدينة رجل بطال يضحك الناس فقال : قد أعياني هذا الرجل أن أضحكه - يعني علي بن الحسين - الحديث، وفيه أن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قولوا له : إن الله يوماً يخسر فيه المبطلون (5).)ومن (عيون الأخبار عن الرضا عن أبيه موسى بن جعفر (عَلَيهِم السَّلَامُ)قال : قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): كم ممن أكثر ضحكه لاغياً يكثر يوم القيامة بكاؤه، وكم ممن كثر بكاؤه على ذنبه خائفاً يكثر يوم القيامة في الجنة ضحكه وسروره (6).)
(وان بغى عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له يعني إن ظلمه أحد وتعدي عليه صبر على ذلك وفوّض أمره إلى الله عزّ وجل حتى ينتقم له من الباغي لأنه تعالى قد وعد له النصرة في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بَغِى عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ) [الحج: 60]، أي من جازى الظالم بمثل ما ظلمه ثم ظلم عليه لينصرنه الله أي المظلوم الذي بغي عليه لا محالة، وإنما يصبر المتقي على بغي الباغي ولا يجازيه عملاً بقوله سبحانه : ﴿وَإِن عَاقِبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [النحل: 126] يعني إن أردتم معاقبة غيركم على وجه المجازاة والمكافأة فعاقبوا بقدر ما عوقبتم به ولا تزيدوا عليه، ولئن تركتم المكافأة والقصاص وجرعتم مرارته لهو - أي الصبر - خير وأنفع للصابرين لما فيه من جزيل الثواب. (نفسه منه في عناء والناس منه في راحة) أي نفسه منه في تعب ومشقة لمجاهدته لها ومخالفته لهواها وحمله إياها على ما تكره وردعه لها عما تحب كما عرفت في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب)، كل ذلك لعلمه بأنها أمارة بالسوء وأنها له عدوّ مبين ولذلك كان الناس منه في راحة لأن إيذاء الناس من هوى الأنفس فإذا كان قاهراً لها على خلاف هواها يكون الناس مأمومين من شرها مستريحين من أذاها.
(أتعب نفسه لآخرته وأراح الناس من نفسه) وهذه الجملة في الحقيقة تعليل وتوضيح للجملة السابقة، لأنه لما قال هناك نفسه منه في عناء، علله هنا بأن إتعابه لنفسه إنما هو لأجل آخرته.
فقد روى في (الوسائل) عن الصدوق عن شعيب العرقوفي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى وإذا غضب وإذا رضي حرم الله جسده على النار (1).
ولما قال ثمّة: الناس منه في راحة أوضحه هنا بأن استراحتهم من شرور نفسه المجاهدته لها.
كما روى في (الوسائل) عن الصدوق عن جعفر بن محمد عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) في وصية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «يا علي أفضل الجهاد من أصبح لا يهم بظلم أحد» (2).
(بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة) يعني بعده عن أهل الدنيا وعن مجالسهم من باب
الزهد والتباعد عن مكروههم وأباطيلهم.
(ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة) أي قربه من المؤمنين من باب التعاطف والتواصل كما قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29].
قال في (مجمع البيان): قال الحسن : بلغ تشدّدهم على الكفار أن كانوا يتحرزون من ثياب المشركين حتى لا يلتزق بثيابهم، وعن أبدانهم حتى لا تمس أبدانهم، وبلغ تراحمهم فيهما بينهم أن كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.
روى في ((الكافي) بإسناده عن شعيب العقرقوفي قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول لأصحابه : اتقوا الله وكونوا إخوة بررة متحابين في الله متواصلين متراحمين تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه.
وعن كليب الصيداوي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : تواصلوا وتباروا وتراحموا وكونوا أخوة بررة كما أمركم الله عزّ وجل (1).
وعن أبي المعز عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عزّ وجل رحماء بينهم متراحمين معتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
فقد ظهر بذلك أن تباعده وتدانيه عمن تباعد عنه ودني منه من باب المواظبة على الوظائف والآداب الشرعية وأنه (ليس تباعده بكبر وعظمة ولا دنوه بمكر وخديعة) كما هو فعل أبناء الدنيا وذوي الأغراض الفاسدة ومن شأن أهل النفاق يخادعون الله وهو خادعهم، وإذا لقوا الذين آمنوا قال آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزؤون.
(قال) الراوي للحديث (فصعق همام صعقة) أي غشي عليه غشوة من فزع ما سمع من الموعظة البالغة كما خرّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) صعقاً - أي مغشياً عليه من هول ما رأى – (كانت نفسه فيها) أي مات في تلك الغشوة وخرجت روحه من بدنه.
قال الشارح المعتزلي : اعلم أن الوجد أمر شريف قد اختلف الناس فيه فقالت الحكماء فيه أقوالاً، وقالت
الكافي: 51/92 ح 2. الصوفية فيه أقوالاً.
أما الحكماء فقالوا : الوجد حالة تحدث للنفس عند انقطاع علائقها عن المحسوسات بغتة إذا كان قد ورد عليها وارد مشوّق وقال بعضهم : الوجد هو اتصال النفس بمبادئها المجردة عند سماع ما يقتضي ذلك الاتصال.
وأما الصوفية فقد قال بعضهم : الوجد رفع الحجاب ومشاهدة المحبوب وحضور الفهم وملاحظة الغيب ومحادثة السر وهو فناؤك من حيث أنت أنت، وقال بعضهم: الوجد سر الله عند العارفين ومكاشفة من الحق يوجب الفناء، والأقوال فيه متقاربة المعنى وإن اختلفت العبارة، انتهى (1).
وهي كلها مخالفة لمذاق أهل الشرع ما فيه للأخبار
وكيف كان (فقال أمير المؤمنين :(عَلَيهِ السَّلَامُ) أما والله لقد كنت أخافها) أي تلك الصعقة التي فيها موت همّام (عليه ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها، فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين) لا تصنع موعظتك بك ما صنعت بهمام (فقال : ويحك إن لكل أجل) محتوم (وقتاً) معيناً (لا يعدوه) أي لا يتجاوزه ولا يتأخر عنه كما قال تعالى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جاءَ لَا يُؤَخَّر [نوح: 4] (وسبياً) أي علّة معينة (لا يتجاوزه) أي لا يتجاوز عنه إلى سبب آخر.)ومحصل الجواب أن كل إنسان له أجل حتمي مقدّر ووقت معين لموته لا يتقدم ولا يتأخر، وعلّة معينة لأجله لا تتبدل ولا تتغير كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْس أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَبًا مُّوَجَّلَا [آل عمران: 145]، وعلى ذلك فإنما مات همام باستماع الموعظة البالغة لأنه قد تم عمره وبلغت مدة حياته التي قدرت في حقه غايتها مع حصول السبب المعين المكتوب في أم الكتاب لموته وهو الانفعال بالموعظة.)وأما أنا فلم تكمل أيامي بعد ولم يبلغ أجلي غايته والسبب المقدّر في حقي غير هذا السبب وهو ما أنتظره من ضربة ابن ملجم المرادي عليه اللعنة والعذاب.والحاصل أن مشيئة الله وإذنه عزَّ وجل قد تعلّق بموت همّام عن سببه الذي حصل ولم يتعلق بعد بموتي ولم يحصل سببه، وإن شئت مزيد توضيح لذلك فعليك بالكلام الحادي والستين وشرحه هذا.ولما أجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ عن اعتراض القائل نهاه عن العود إلى مثل ذلك بقوله : (فمهلاً لا تعد)
1) شرح النهج : 161/10.
لمثلها أي لا ترجع إلى مثل تلك الكلمة (فإنما نفث الشيطان) أي نفخ وتكلم (على لسانك).)### تكملةاعلم أن هذه الخطبة الشريفة حسبما أشرت إليه سابقاً مروية في (الكافي باختلاف كثير جداً اقتضى المقام روايتها بالسند الذي فيه واتباعها ببيان غرائب ألفاظها فأقول وبالله التوفيق :)روى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني قدّس الله روحه عن محمد بن يحيى عن جعفر عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن زاهر عن الحسن بن يحيى عن قثم بن أبي قتادة الحراني عن عبد الله بن يونس عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال :)قام رجل يقال له همّام وكان عابداً ناسكاً مجتهداً إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو يخطب فقال : يا أمير المؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر إليه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):)یا همام المؤمن هو الكيس الفطن بشره في وجهه وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذلّ شيء نفساً، زاجر عن كل فان، حاض عن كل حسن، لا حقود، ولا حسود ولا وقابٌ ولا سبّاب ولا عيّاب ولا مغتاب يكره الرّفعة ويشنا السمعة، طويل الغم بعيد الهم كثير الصمت وقور، ذكور، شکور، مغموم بفكره، مسرور بفقره سهل الخليقة، لين العريكة رصين الوفاء قليل الأذى لا متأقلّ، ولا متهتك إن ضحك لم يخرق، وإن غضب لم ينزق، ضحكه تبسم، واستفهامه تعلم ومراجعته تفهم كثير علمه، عظيم حلمه، كثير الرحمة لا يبخل ولا يُعجل ولا يضجر ولا يبطر، ولا يحيف في حكمه، ولا يجور في علمه أصلب من الصلد ومكاوحته أحلى من الشهد لا جشع ولا هلع، ولا عنف ولا صلف ولا متكلّف ولا متعمق جميل المنازعة، كريم المراجعة، عدل إن غضب، رفيق إن طلب لا يتهوّر ولا يتهتك ولا يتجبّر، خالص الود، وثيق العهد، وفي العقد شفيق وصول حليم خمول، قليل الفضول راض عن الله عزّ وجل، مخالف لهواه، لا يغلظ على من دونه، «يؤذيه خ» ولا يخوض فيما لا يعنيه ناصر للدين محام عن المؤمنين كهف للمسلمين لا يخرق الثناء سمعه ولا ينكي الطمع قلبه ولا يصرف اللعب حكمه، ولا يطلع الجاهل علمه، قوال، عمال، عالم، حازم، لا بفحاش، ولا بطيّاش، وصول في غير عنف، بذول في غير سرف، لا بختار، ولا بغدّار، ولا يقتفي أثراً، ولا يحيف بشراً، رفيق بالخلق، ساع في الأرض، عون للضعيف، غوث للملهوف، لا يهتك ستراً، ولا يكشف سرّاً، كثير البلوى قليل الشكوى إن رأى خيراً ذكره، وإن عاين شراً ستره، يستر العيب، ويحفظ الغيب، ويقيل العثرة، ويغفر الزلة، لا يطلع على نصح
فيذره، ولا يدع جنح حيف فيصلحه، أمين رصين، تقيّ، نقي، زكيّ رضي، يقبل العذر ويجمل الذكر، ويحسن بالناس الظن، ويتهم على العيب نفسه، يحبّ في الله بفقه وعلم، ويقطع في الله بحزم وعزم، لا يخرق به فرح، ولا يطيش به مرح، مذكّر للعالم، معلّم للجاهل لا يتوقع له بائقة، ولا يخاف له غائلة، كل سعي أخلص عنده من سعيه، وكل نفس أصلح عنده من نفسه، عالمٌ بعيبه، شاغل بغمه لا يثق بغير ربه غريب «خ ل قريب»، وحيدٌ حزين يحب في الله ويجاهد في الله ليتبع رضاه، ولا ينتقم لنفسه بنفسه، ولا يوالي في سخط ربه مجالس لأهل الفقر، مصادق لأهل الصدق موازرٌ لأهل الحق، عون للغريب أب لليتيم، بعل للأرملة، حفيّ بأهل المسكنة، مرجو لكل كريهة، مأمولٌ لكل شدّة، هشاش بشاش لا بعبّاس، ولا بجسّاس، صليب كظام بسّام دقيق النظر، عظيم الحذر، لا يبخل، وإن بخل عليه «خ ل عنه» صبر عقل فاستحيى، وقنع فاستغنى حياؤه يعلو شهوته، ووده يعلو حسده، وعفوه يعلو حقده لا ينطق بغير صواب، ولا يلبس إلا الاقتصاد، مشيه التواضع خاضع لربّه بطاعته راض عنه في كل حالاته نيته خالصة، أعماله ليس فيها غش ولا خديعة نظره عبرة، وسكوته فكرة وكلامه حكمة، مناصحاً، متباذلاً، متواخياً، ناصح في السرّ والعلانية لا يهجر أخاه، ولا يغتابه، ولا يمكر به، ولا يأسف على ما فاته ولا يحزن على ما أصابه ولا يرجو ما لا يجوز له الرّجا، ولا يفشل في الشدّة، ولا يبطر في الرّخاء، يمزج العلم بالحلم والعقل بالصبر، تراه بعيداً كسله، دائماً نشاطه قريباً أمله قليلاً زلله متوقعاً لأجله خاشعاً قلبه، ذاكراً ربّه، قانعةً نفسه، منفياً جهله سهلاً أمره، حزيناً لذنبه ميتة شهوته، كظوماً غيظه، صافياً خلقه، آمناً منه جاره ضعيفاً كبره قانعاً بالذي قدّر له، مبيناً «متيناً خ» صبره، محكماً، أمره كثيراً ذكره يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم ويسأل ليفهم، ويتّجر ليغنم، لا ينصب للخير ليفخر به، ولا يتكلم ليتجبر به على من سواه، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته فأراح الناس من نفسه، إن بغى عليه صبر حتى يكون الله الذي ينتصر له، بعده ممن تباعد منه بغض ونزاهة ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة ليس تباعده تكبّراً ولا عظمة ولا دنوه خديعة ولا خلابة بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير فهو إمام لمن بعده من أهل البر (1.)قال: فصاح همّام صيحة ثم وقع مغشياً عليه، فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: أما والله لقد كنت أخافها عليه وقال : هكذا تصنع الموعظة «المواعظ خ» البالغة بأهلها، فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن لكل أجلاً لن «لاخ» يعدوه وسبباً لا)
1) الكافي 229/2، وبحار الأنوار 366/64.
يجاوزه، فمهلاً لا تعد فإنما نفث على لسانك شيطان (1.)### بیان«الكيس» العاقل من الكيس وزان فلس خلاف الحمق، وقيل: جودة القريحة، وقوله : (ولا وثاب أي ليس بخفيف من وثب وثوباً قام بسرعة قوله (وقور) أي كثير الوقار في الأمور الموجبة لاضطراب الناس.)قوله : (لين العريكة أي سلس مطيع منقاد والعريكة الطبيعة، قوله : (رصين الوفاء) بالصاد المهملة الحكم الثابت والخفي بحاجة صاحبه من رصنه أي أحكمه وأكمله قوله : (إن ضحك لم يخرق) أي لم يشق فاه حتى يبلغ ضحكه القهقهة قوله : (إن غضب لم ينزق) أي لا تأخذه الخفّة والطيش عند الغضب قوله : (ولا بطر) من البطر وهو الطغيان عند النعمة، وقيل : التجبّر وشدّة النشاط.)قوله : (أصلب من الصلد أي لا يدخل قلبه ريب ولا جزع، والصلد الحجر الصلب الأملس. قوله : (مكادحته) أي عمله وسعيه أحلى من العسل قوله: (لا جشع ولا هلع) الجشع أشدّ الحرص على الطعام وأسوءه، والهلع أفحش الجزع قوله : (ولا عنف ولا صلف) العنف وزان كتف من لا رفق له في قوله وفعله والعنيف مثله والصلف ككتف أيضاً من لا يتكلم بما يكرهه صاحبه ويمدح نفسه ولا خير عنده يقال: سحاب صلف أي قليل الماء كثير الرعد.)قوله : (لا يتهور ولا يتهتك التهور الوقوع في الأمر بقلة مبالاة، والتهتك خرق الستر والافتضاح قوله : (خمول قليل الفضول) أي خامل الذكر وقليل فضول كلامه قوله : (لا بخرق الثناء سمعه) لكون أعماله الله لا للناس فلا يؤثر فيه ثناؤهم ومدحهم.)قوله : (ولا ينكى الطمع قلبه أي لا يجرحه ولا يؤثر فيه تأثير الجرح قوله : (عالم حازم) في بعض النسخ بالحاء المهملة من الحزم وهو التثبت في عواقب الأمور، وفي بعضها بالجيم. قوله : (ولا بطيّاش) الطيش النزق والخفة. قوله : (ولا بختال) أي بخداع من الختل وهو المخادعة. قوله : (ولا يدع جنح حيف فيصلحه) أي لا يترك ظلام ظلم وإصلاحه. قوله : (لا يخرق به فرح) من الخرق بالخاء المعجمة والراء المهملة وهو الحمق والجهل وضعف العقل. قوله : (ولا يطيش به مرح) المرح شدّة النشاط والفرح.)
1) الكافي 2 / 230، وبحار الأنوار 367/64.
و (البائقة النازلة الشديدة والشر والداهية، و (الغائلة) الفساد والشر. وقوله : (حفيّ بأهل المسكنة) أي باز معين. قوله : (هشاش بشاش) من الهشاشة وهو طلاقة الوجه. قوله : (لا يهجر أخاه) الهجر الهذيان ويحتمل أن يكون من الهجر أي الترك والمفارقة. قوله : (ويتجر ليغنم) أي يتجر للآخرة.)قوله: (ولا دنوه خديعة ولا خلابة الخلابة بكسر الخاء المعجمة وتخفيف (اللام) الخديعة باللسان بالقول اللطيف من خلبه يخلبه من باب قتل وضرب خدعه، والاسم الخلابة والفاعل خلوب كرسول.)
### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن امام دین است در وصف متقین.روایت شده مصاحبی بود از برای امیرالمؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ همام نام که شخص عابدی.بود پس گفت به آن حضرت که یا امیرالمؤمنین وصف کن از برای من پرهیزکاران را تا این که گویا من نگاه میکنم به سوی ایشان پس سنگینی ورزیدند و درنگ کردند آن حضرت از جواب او و بعد از آن فرمودای همام بپرهیز از خدا و كار نيك بكن، پس به درستی که خدای تعالی یار پرهیزکاران است و با نیکوکاران.)پس قناعت نکرد همام به این جواب تا این که سوگند داد حضرت در جواب،گفتن پس حضرت حمد و ثنای خدا را به جا آورد و صلوات فرستاد بر پیغمبر و آل او، پس گفت :اما بعد، پس به تحقیق که خداوند سبحانه ایجاد فرمود مخلوقات را وقتی که ایجاد فرمود ایشان را در حالتی که بی نیاز بود از طاعت ایشان و ایمن بود از ضرر معصیت ایشان از جهت این که ضرر نمیرساند او را معصیت کسی که معصیت نمود و منفعت نمی بخشد او را طاعت کسی که اطاعت نمود، پس قسمت فرمود در میان مخلوقات معیشتها و گذرانی ایشان را و گذاشت ایشان را از دنیا در جایگاه ایشان که لایق شأن و مناسب حال هر یکی باشد.پس پرهیزکاران در دنیا ایشانند اهل فضيلتها، گفتار ایشان راست و درست و لباس ایشان حد وسط است و رفتار ایشان تواضع و فروتنی است پوشیده اند چشمهای خود را از چیزی که خدا حرام کرده بر ایشان و واداشتهاند گوشهای خود را بر شنیدن علم منفعت بخشنده از برای ایشان نازل شده نفسهای ایشان از ایشان در بلا و شدت مثل نزول آنها در رفاه و فراخی یعنی ایشان رضا به قضا دارند و شاکراند به طیب نفس به آنچه که در حق ایشان مقدّر شده اگر نبود اجل معینی که نوشته شده است از برای ایشان هرآینه قرار نمی گرفت روحهای ایشان در بدنهای ایشان لحظه ای از جهت اشتیاق به ثواب و ترسیدن از عقاب.بزرگ شد خالق تعالی در پیش نفسهای ایشان پس كوچك شد ماسوای خالق در نظر ایشان پس حال ایشان با بهشت حال کسی است که با رأی العین دیده باشد او را پس در آن جا به ناز و نعمت گذرانده باشد و حال ایشان با جهنم حال کسی است که دیده باشد آن را پس در آنجا معذب.باشد. یعنی ایشان در امر بهش بهشت و جهنم اعفتاد
یقینی دارند، به منزله مشاهده.قلبهای ایشان غمگین و محزون است و مردم از شرهای ایشان آسوده و ایمنند و بدنهای ایشان لاغر و ضعیف و حاجت و خواهشات ایشان سبك و خفیف نفسهای ایشان با عفت است صبر و تحمل کردند بر زحمات چند روز کوتاه که عاقبت آن راحت و آسایش دراز،گردید تجارت با منفعتی است که میسر ساخت از برای ایشان پروردگار ایشان.خواست ایشان را دنیا، پس نخواستند ایشان دنیا را و اسیر کرد ایشان را دنیا، پس دادند نفسهای خودشان از دنیا - یعنی به مقتضای شهوت و غضب جبلی انسانی که در ایشان بود، نزديك بود که ایشان مفتون دنیا باشند و اسیر شهوات نفسانیه آن شوند ولیکن ایشان به مقتضای قوه عقلانیه ترك لذایذ دنيويه کرده خودشان را از قید اسیری دنیا خلاص نمودند.اما حالت ایشان در شب پس صف زنندگانند به پاهای خودشان در حالتی که تلاوت کنندگان باشند جزءهای قرآن را در حالتی که نيك قرائت میکنند آن را نيك قرائت،کردنی با تأنی و حفظ وقوف و اداء حروف، محزون مینمایند به سبب قرائت آن نفسهای خودشان را و به هیجان میآورند با آن دوای درد خودشان را.پس اگر بگذرند در اثنای قرائت آن به آیه ای که در آن تشویقی باشد به سوی بهشت، اعتماد اعتماد میکنند کنند به آن و مایل میشوند به سوی آن از جهت طمع آن بشارت و مطلع باشد نفسهایشان به سوی آن از روی شوق و گمان کنند که آن آیه - یعنی وعده بهشت که مضمون آن آیه است. پیش چشم ایشان است.و اگر بگذرند به آیه ای که در آن ترساندن از عذاب باشد، متوجه باشند به سوی آن با گوشهای قلبهای خودشان و گمان ودشان و گمان میکنند که صدای افروخته شدن جه- جهنم و شیون اهل آن در بیخهای گوشهای ایشان است پس ایشان خم شوندگان باشند بر کمرهای خود پهن سازندگان باشند مر پیشانیهای خودشان را و کفهای دست خود را و زانوهای خود را و سرهای پاهای خودشان را تضرع میکنند به سوی خدا در واکردن گردنهای ایشان از زنجیر عذاب.و اما حالت ایشان در روز پس صاحبان علم و حلمند، نیکوکارانند پرهیز کارانند به تحقیق که باريک کرده و کاهانده است ایشان را ترس خدا مثل باريك شدن چوب تیر تراشیده شده نگاه میکند به سوی ایشان نگاه کننده پس گمان میکند
که ایشان مریضان اند و حال آن که نیست در این جماعت مرضی و میگویند که خبط آوردهاند و حال آن که هر آینه آمیخته به ایشان امر بزرگی که اشتیاق و عشق به لقای خدا باشد.راضی نمیشوند در عبادات و عملهای خودشان به اندک و بسیار نمی شمارند بسیار را پس ایشان همیشه به نفسهای خود تهمت میزنند به جهت قصور در بندگی و از عبادات خود ترسناك اند اگر تزکیه کرده شود یکی از ایشان میترسد از آن چیزی که درباره او گفته شده پس میگوید :که من داناترم به نفس خودم از غیر خودم و پروردگار من داناتر است از من به نفس من بارخدايا مؤاخذه مكن مرا به سبب آن چه گفتند درباره من و بگردان مرا بهتر از آن چه گمان بردند در حق من و بیامرز از برای من گناهی را که ایشان نمی دانند.پس علامت یکی از ایشان است این که تو میبینی از برای او قوتی در دین و احتیاطی در نرمی و ایمانی در کمال یقین و حرصی در تحصیل علم و علمی در غایت حلم و میانه روی در بی نیازی و خضوع و خشوعی در عبادت و استغنایی در عین فقر و صبری در حالت شدّت و طلبی در کسب حلال و خوشحالی در هدایت و کناره جویی از طمع، می کند عملهای نیکو را و حال آن که ترسناك است روز به شب میآورد و حال آن که همت او مصروف به شکر است و شب را به صبح میرساند و حال آن که همتش مصروف ذکر است.بیتوته می کند در حالتی که ترسناک است صباح می صباح میکند در حالتی که خوشحال ترسناکی از جهت آنچه که ترسانده شده از غفلت در عبادت و خوشحالی به جهت آن چیزی که رسیده است از فضل و رحمت اگر دشوار بگیرد بر او نفس او در چیزی که ناخوش دارد نمی بخشد به نفس خود خواهش او را در چیزی که دوست دارد آن را.چشم روشنی او در نعیم آخرت جاودانی است و زهد او در لذت دنیای فانی مخلوط می کند حلم را به علم و گفتار را به،کردار میبینی او را که نزديك است آروزی او اندك است لغزش او ترسان است قلب او قانع است نفس او اندك است اكل أو، آسان است کار او محفوظ است دین او مرده است شهوت او فرونشانده شده است خشم او.خیر از او امید گرفته شده است و شر از او ایمن شده، اگر در میان غافلان باشد نوشته میشود از ذکر کنندگان و اگر در زمره ذاکران باشد، نوشته نمیشود از غفلت
کنندگان، عفو میکند از کسی که ظلم نماید او را و عطا میکند کند به کسی که محروم نماید او را و صله رحم به جا میآورد با کسی که قطع صله رحم او کرده است.دور است از مردم فحش گفتن او نرم و ملایم است گفتار او غایب است از مردمان بدی او حاضر است از برای ایشان نیکی او اقبال کننده است خیر او ادبار کننده است شر او.و در شداید روزگار صاحب تمکین و وقار است و در مصایب صبرکننده و بردبار و در حالت وسعت شاکر، ظلم نمیکند بر کسی که دشمن دارد و مرتکب گناه نمیشود درباره کسی که دوست دارد اقرار به حق میکند پیش از این که شهادت داده شود به ضرر او ضایع نمی سازد چیزی را که طلب شده در او حفظ آن و فراموش نمی کند چیزی را که یادآوری او شده و نمیخواند مردم را به لقبهای بد و ضرر نمیرساند به همسایه و شماتت نمیکند به مصیبتها و داخل نمیشود در امر باطل و بیرون نمی رود از حق.اگر ساکت شود، غمگین نسازد او را سکوت او و اگر بخندد بلند نشود آواز او و اگر مظلوم شود، صبر میکند تا این که باشد خدای تعالی او انتقام میکشد از برای او، نفس او از او در رنج و مشقت است و مردمان از او در آسودگی و راحت به مشقت انداخته نفس خود را از برای راحت آخرت و راحت کرده مردمان را از شر نفس خود.دوری او از کسی که دوری جسته از او از بابت زهد و پاکی است و نزدیکی او از کسی که نزديك شده به او از بابت ملایمت و دلسوزی است نیست دوری جستن او به سبب کبر و بزرگی و نه نزدیکی او به سبب مکر و خدعه.گفت راوی حدیث: پس صیحه زد همام صیحه ای که بود روح او در آن صيحه، پس فرمود امیرالمؤمنین (عَلَيهِ السَّلَامُ: آگاه باشید سوگند به خدا که هر آینه بودم میترسیدیم آن صيحه را بر او، یعنی از این جهت تثاقل میکردم در جواب پس از آن فرمود: همچنین تأثیر میکند موعظههای کامل به اهلش.)پس گفت به آن حضرت گویندهای پس چگونه است حال تو ای امیرالمؤمنین؟ یعنی چرا به تو این تأثیر نکردپس از آن فرمود: وای بر تو از برای هر مرگی مدت معینی است که تجاوز نمی
کند از آن، پس فرمود: ترك كن این کلام را و رجوع مکن بعد از این به مثل آن، پس جز این نیست که دمیده شیطان ملعون این کلام را بر زبان تو یعنی اعتراض به امام از اغوای شیطان است..
## ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ يصف فيها المنافقين وهي المائة والثالثة والتسعون من المختار في باب الخطب)### إشارة:نَحْمَدُهُ على ما وَفَقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَذادَ عَنْهُ مِنَ المَعْصِيَةِ، ونَسْأَلُهُ لِمِيَّتِه تَماماً، وبِحَبْلِهِ اعتصاماً، ونَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خاض إلى رضوان الله كُلَّ غَمْرَةٍ، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ، وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الأدْنُونَ، وتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الأَقْصُونَ، وخَلَعَتْ إِلَيْهِ العَرَبُ أَعِنَّتَها، وضَرَبَتْ إِلَى مُحارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِها، حَتَّى أَنْزَلَتْ بِساحَتِه عَداوَتَها مِنْ أَبْعَدِ الدّارِ، وأَسْحَقِ المَزارِ.)أوصيكُمْ عِبادَ الله بِتَقْوَى الله، وأَحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفاقِ، فَإِنَّهُمُ الضَّالُونَ المُضِلُّونَ، والزّالُونَ المُزِلُّونَ، يَتَلَوَّنُون ألواناً، ويَفْتَتِنُونَ افْتِتاناً، ويَعْمُدُونَكُمْ بِكُلِّ عِماد، ويَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادِ قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ، وصِفاحُهُمْ نَقِيَّةٌ، يَمْشُونَ الخَفاءَ، ويَدِبُّونَ الضَّراءَ، وَصْفُهُمْ دَواءٌ، وقَوْلُهُمْ شِفاءٌ، وفِعْلُهُم الدّاءُ الحَياءُ، حَسَدَةُ الرَّحَاءِ، ومُؤَكَّدُوا البَلاءِ، ومُقَنِّطُوا الرَّجاءِ، لَهُمْ بِكُلِّ طريقٍ صَريعٌ، وإلى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ، ولِكُلِّ شَجُو دُمُوعٌ، يَتَفارَضُونَ الثناء، ويَتَراقَبُونَ الجزاء، إن سئلُوا الْحَفُوا، وإنْ عَذَلُوا كَشَفُوا، وإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا، قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٌّ باطِلاً، ولِكُلِّ قائم مائِلاً، ولِكُلِّ حَيٍّ قاتِلاً، ولِكُلِّ بابٍ مِفتاحاً، ولِكُلِّ لَيْلِ مِصْباحاً، يَتَوَكَّلُونَ إِلى الطَّمَع بِالبَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْواقَهُمْ ويُنفَقُوا بِهِ أَعْلاقَهُمْ يَقُولُونَ فَيُشبهُونَ ويَصِفُونَ فَيُمَوْهُونَ، قَدْ هَيَّوُا الطَّرِيقَ، وأَضْلَعُوا المَضِيقَ، فَهُمْ لُمَّةُ الشَّيْطانِ وحُمَّةُ النِّيران، أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ: (1.)### اللغةقال في (محكي النهاية قد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرّف منه اسماً وفعلاً، وهو اسم لم يعرفه العرب بالمعنى المخصوص، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه وإن كان صله في اللغة معروفاً. يقال : نافق ينافق منافقة ونفاقاً، وهو مأخوذ من النافقاء أحد جحرتي اليربوع إذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه، وقيل : من النفق وهو السرب الذي يستتر فيه لستره كفره، انتهى.)وقال الطريحي : المنافق هو الذي يستر الكفر ويظهر غيره من النفق وهو السرب في الأرض أي يستتر بالإسلام كما يستتر في السرب.
1) بحار الأنوار 224/18 ح 62.
و (الذود الطرد والدفع و (خاص) في الأمر دخل فيه وأصل الخوض دخول القدم فيما كان مائعا من الماء والطين، ثم كثر استعماله في كل دخول فيه أذى و (الغمرة) الشدّة وغمرات الموت شدائده، وفي (القاموس) غمرة الشيء شدته ومزدحمه و (الغصة) الشجي في الحلق والجمع غصص و (سحق) المكان فهو سحيق مثل بعد فهو بعيد لفظاً ومعنى، قال تعالى: ﴿فَسُحْفًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: (11) أي بعداً و (المزار) المكان الذي يزار منه أو فيه والمراد هنا الأول و (زل) فلان عن الأمر أخطأه وأزله غيره أوقعه في الخطأ. ورجل (مفنن) ذو فنون في القول وغيره (ويعمدونكم بكل عماد) قال الشارح المعتزلي: أي يفدحونكم ويهدونكم، يقول: عمده المرض يعمده أي هذه بكل عماد أي بأمر فادح وخطب مؤلم انتهى.
أقول : ويجوز جعل يعمدونكم بمعنى يقصدونكم و (رصدته) رصداً من باب قتل إذا قعدت له على طريقه تترقبه وقعد فلان بالمرصد وزان جعفر وبالمرصاد بالكسر أي بطريق الارتقاب والانتظار و (خفي) الشيء يخفى خفاء بالفتح إذا استتر و (دب) النمل دبيباً مشى مشياً رويداً و (الضراء) بالفتح وتخفيف الراء والمد الشجر الملتف في الوادي و (الداء العياء) الذي أعيا الأطباء ولم ينجع فيه الدواء و (نفق) البيع نفاقاً كسحاب راج ونفق السلعة تنفيقاً روّجها كأنفقها و (الأعلاق) جمع علق كأحبار وحبر وهو النفيس من كل شيء و (التمويه) التزيين وموّه الشيء طلاه بفضة أو ذهب وتحته نحاس ليزينه به.
قوله : (قد هيوا الطريق) في بعض النسخ: هيّؤا بالهمزة من التهيّاء، وفي بعض بالنون من الهين وهو السهل فكأنه منقول من الواو إلى الياء، والأصل: هوّنوا الطريق أي سهلوها و (أضلع) الشيء أماله وجعله معوجاً وضلع الشيء ضلعاً من باب تعب أعوج و (اللمة) بضم اللام وفتح الميم مخففة الجماعة وبالتشديد الصاحب والأصحاب في السفر والمونس يستعمل في الواحد والجمع و (حمة النيران) بالتشديد معظم حرها وبالتخفيف سمّ العقرب.
(من) في قوله : (من الطاعة ومن المعصية) بيان لما، والضمير في له وعنه عائد إلى ما، وقوله : (خاض إلى رضوان الله إلى متعلق) بمقدّر حال من فاعل خاض أي متوجهاً إلى رضوانه (والخفاء والضراء) منصوبان على الظرفية المجازية.
اعلم أن الخطبة السابقة لما كانت في وصف المتقين عقبها الرضي «قد» بهذه الخطبة
التي يصف (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها المنافقين ملاحظة لحسن النظم وبديع ترتيب الكتاب والمنافق حسبما عرفت آنفاً هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان كما قال الشاعر:
للمؤمين أمور محزية***وللمنافق سر دونه نفق
وإطلاق المنافق بهذا المعنى هو المعروف في الكتاب والسنّة، والمستفاد من بعض الأخبار أنه قد يطلق على الناقص الإيمان.
مثل ما رواه في (الكافي) في باب أصول الكفر وأركانه عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن بعض أصحابه عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ثلاث من كن فيه كان منافقاً وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف إن الله عزّ وجل قال في كتابه: (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائنِينَ) [الأنفال: 58] وقال: أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ [النور: 7]، وفي قوله عزّ وجل: (وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبيّا [مريم : 54]»(1).
وفيه في باب النفاق والمنافق بإسناده عن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: إن المنافق ينهى ولا ينتهى ويأمر بما لا يأتي، وإذا قام إلى الصلاة اعترض :قلت يا ابن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما الاعتراض؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الالتفات وإذا ركع ربض، يمسي وهمه العشاء وهو مفطر، ويصبح وهمه النوم ولم يسهر، إن حدثك كذبك وإن ائتمنته خانك، وإن غبت اغتابك، وإن وعدك أخلفك (2).
إذا عرفت ذلك فأقول : إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل أن يأخذ في وصف المنافقين افتتح كلامه بما جرى عادته على الافتتاح به في باب الخطابة من ثناء الله تعالى وتعظيمه وتمجيد رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)فقال :
(نحمده على ما وفق له من الطاعة وذاد عنه من المعصية) أي نحمده على ما وفقنا له من طاعاته الموصلة إلى جنانه والمحصلة لرضوانه، وعلى ما أبعدنا منه من سيئاته المؤدية إلى نیرانه، والموجبة لخذلانه.
وحصول هذا التوفيق منه عزَّ وجل في حقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما أفاض عليه من القوة العاصمة وملكة العصمة الداعية إلى المعروف والرادعة عن المنكر.
وأما في حق غيره الذين شركهم معه في ثنائه فبالأوامر والنواهي الواردة في الكتاب
والسنة واجتماع شرائط الطاعة وانقطاع أسباب المعصية.
(ونسأله لمنته تماماً) أي نسأل منه عزّ وجل أن يتم علينا نعمته، فإنه المنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال.
والمراد بنعمته التي سأل تمامها إما خصوص نعمة التوفيق المذكورة في الجملة السابقة أو الأعم منها، والأول أولى بسبق العهد والثاني أنسب بمقام السؤال.
فإن قلت : نعم الله سبحانه غير متناهية كما قال عزّ من قائل: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تحصوها [النحل: 18] فكيف سأل تماميتها وهي أجل عن أن تستقصى وأعظم من أن تستتم.
قلت : إن أُريد بمنته خصوص نعمة التوفيق فلا إشكال ويراد حينئذ بتماميتها كمالها واستمرارها إلى آخر العمر، وإن أريد الأعم فيراد بتماميتها أن ينضم ما أنعم به عليه في الدنيا إلى نعمة الآخرة أي يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة كما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى : (ويُتمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ) [يوسف: 6] من أن المراد بقوله : يتم نعمته أن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة بأن يجعلهم أنبياء وملوكاً ثم ينقلهم إلى نعيم الآخرة والدرجات العلى من الجنة.
(و) نسأله (بحبله اعتصاماً) أي تمسكاً بكتابه المبين فإنه حبل الله المتين كما وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك في الخطبة المائة والخامسة والسبعين وكذلك وصفه رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أيضاً به في حديث الثقلين الذي قدمنا روايته في شرح الخطبة السادسة والثمانين.
واستعير عنه أيضاً في الكتاب العزيز في قوله : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: 103] على أحد تفاسيره ووجه الاستعارة أن الاعتصام والتمسك بالحبل الوثيق المحكم كما أنه سبب النجاة من المهاوي والمهالك، فكذلك بالتمسك بالقرآن تحصل النجاة من الكفر والضلال الموجب للهلاك الدائم والخزي العظيم.
وروى الطريحي في (مجمع البحرين) عن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : الإمام منا لا يكون إلا معصوماً وليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف قيل : فما معنى المعصوم؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة (1).
وبما ذكرناه ظهر أن جعل المراد بالحبل في المتن هو القرآن أولى وأظهر من تفسيره بالدين القويم كما في (شرح البحراني)، هذا.
1) معاني الأخبار 132، وميزان الحكمة 1997/3 ح 2749.
ولما حمد الله عزّ وجل بما هو أهله عقبه بالشهادة بالرسالة فقال : (ونشهد أن محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عبده ورسوله) قد مر بيان معنى العبد وأن مرتبة الرسالة فوق مرتبة العبودية في شرح الخطبة الإحدى والسبعين فليتذكر.
ولما شهد برسالته أتبعه بشرح حاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين أداء الرسالة فقال : (خاض إلى رضوان الله كل غمرة) استعار لفظ الغمرة عن غمرة الماء وهي معظمه ومزدحمه للشدائد والمكاره التي ابتلي بها حين بعثته والجامع للاستعارة أن غمرة الماء كما تغمر وتغطي الخائض فيها من كل جانب فكذلك تلك المكاره والشدائد حسبما تعرف كانت محيطة به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من كل طرف، ورشح الاستعارة بذكر لفظ الخوض.
ومحصل المراد أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تحمل كل مكروه وتوجها إلى منتهى رضاه عزَّ وجل (وتجرّع فيه كل غصّة) أي تجرّع الغصص في تحصيل رضوانه تعالى أي ابتلعها جرعة بعد جرعة وأراد بالغصص الغموم والهموم العارضة له من مزيد أذى المشركين وسوء فعالهم.
(وقد تلوّن له الأدنون) أي تغيّر له أقاربه من قريش ألواناً (وتألّب عليه الأقصون) أي تجمّع على حربه الأباعد منه نسباً من أقصى البلاد (وخلعت) متوجهة (إليه) معاشر (العرب أعنتها وضربت إلى محاربته بطون رواحلها) قال الشارح البحراني : هذان مثلان كنّي بهما عن المسارعة إلى حربه لأن أقوى عدو الخيل إذا خلعت أعنتها وأقوى عَدْوِ الرواحل إذا ضربت بطونها وفيه إيماء إلى أنهم أتوه فرساناً وركباناً مسرعين إلى حربه.
(حتى أنزلت بساحته) ومنزله (عداوتها) أي حربها وإطلاقها عليه من باب إطلاق اسم السبب على المسبب أي أسرعوا إلى حربه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (من أبعد الدار وأسحق المزار) وفيه إشارة إلى غاية عداوتهم، لأن الظعن إلى الحرب من مكان بعيد لا يكون إلا عن اهتمام أكيد وعناد عنيد وعداوة شديدة.
قال الشارح المعتزلي: من قرأ كتب السير علم ما لاقى رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) في ذات الله من المشقة واستهزاء قريش به، في أول الدعوة، ورميهم إياه بالحجارة حتى أدموا عقبيه وصياح الصبيان به وإلقاء فرث الكرش على رأسه وقتل الثوب في عنقه، وحصره وحصر أهله في شعب بني هاشم سنين عديدة محرمة معاملتهم ومبايعتهم ومناكحتهم وكلامهم حتى كادوا يموتون جوعاً لولا أن بعض من كان يحنو عليهم لرحم أو لسبب غيره فهو يسرق الشيء القليل من الدقيق أو التمر فيلقيه إليهم ليلاً.
ثم ضربهم أصحابه وتعذيبهم بالجوع والوثاق في الشمس وطردهم إياه عن شعاب مكة حتى خرج من خرج منهم إلى الحبشة وخرج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مستجيراً منهم تارة بثقيف وتارة ببني
عامر، وتارة بربيعة الفرس وبغيرهم.
ثم أجمعوا إلى قتله والفتك به ليلاً حتى هرب منهم لائذاً بالأوس والخزرج تاركاً أهله وأولاده وما حوته يده ناجياً بحشاشة نفسه حتى وصل إلى المدينة، فناصبوه الحرب ورموه بالمناسر والكتائب وضربوا له آباط الإبل.
ولم يزل منهم في عناء شديد وحروب متصلة حتى أكرمه الله تعالى وأيده ونصر دينه وأظهره، انتهى (1).
ومحصل الكلام أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد كابد الشدائد وقاسى الهموم وتجرع الغصص لتأسيس أساس الإسلام وتشييد قوائم الدين، هذا.
وإنما مهد (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلك المقدمة، أعني مقدمة البعثة لأنه لما كان غرضه الأصلي من هذه الخطبة التحذير من المنافقين الذين كان همهم في إبطال الدين وترويج الباطل، أراد أن ينبه على مزيد خبث طينتهم الموجب لمزيد الحذر منهم حيث إنهم يريدون ليطفؤوا نور الله، ويبطلوا الدين القويم الذي قد قوسي فيه هذه المكاره واحتمل تلك المشاق الكثيرة.
وقبل التحذير منهم أوصى المخاطبين بما لا يزال يوصي به فقال : (أوصيكم عباد الله بتقوى الله) والتصلب في الدين (وأحذركم) من كيد (أهل النفاق) وخديعة الخائنين أي الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر.
والظاهر أن غرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه التعريض على معاوية وعمرو بن العاص وأمثالهما من المنتحلين للإسلام، ويشعر بذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده الآتي في المتن إلى محمد بن أبي بكر حين قلّده مصر حيث قال فيه متعرضاً على معاوية :
فإنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى، وولي النبي وعدو النبي، ولقد قال لي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إني لا أخاف على أمتي مؤمناً، ولا مشركاً، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيقمعه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون» (2).
ولما حدّر عن المنافقين أتبعه بذكر مذامهم ومثالبهم تنفيراً عنهم وقال: (فإنهم الضالون) عن الصراط المستقيم والنهج القويم (المضلّون) لغيرهم عنه بالشبه والتمويه (والزَّالون المزلون) أي الخاطئون الموقعون لغيرهم في الخطأ أيضاً.
(يتلوّنون ألواناً) أي يتغيرون في أقوالهم وأفعالهم من حال إلى حال بحسب تبدل أهوائهم الفاسدة فيلاقون كلاً بوجه ولسان غير الآخر.
(ويفتنون افتناناً) أي يتشعبون بأنحاء مختلفة في القول والعمل على مقتضى اختلاف آرائهم الباطلة.
(ويعمدونكم بكل عماد) أي يقصدونكم بكل أمر فادح ثقيل وخطب مؤلم على وجه الخدعة والحيلة.
(ويرصدونكم بكل مرصاد) أي يترقبونكم ويقعدون منتظرين بكل طريق معدّ للارتقاب يعني أنهم لا يغفلون عنكم ولا يدعون مراقبتكم ويهيئون وجوه الحيل في إضلالكم وإصابتكم بكل مكروه.
(قلوبهم دوية) أي فاسدة من داء أصابها وهو الداء النفساني الموجب لمرضها كالحقد والحسد والعداوة والبخل والنّفاق والشك والارتياب قد وصفهم الله سبحانه أيضاً بهذا الوصف حيث قال : (وفِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10].
قال الطبرسي في تفسير الآية: إنما سمي الشك في الدين مرضاً لأن المرض هو الخروج عن حد الاعتدال فالبدن ما لم تصبه آفة يكون صحيحاً سوياً، وكذلك القلب ما لم يصبه آفة من الشك يكون صحيحاً، وقيل : المرض هو الفتور فهو في القلب فتوره عن الحق كما أنه في البدن فتور الأعضاء (1).
(وصفاحهم نقيّة) أي صفحات وجوههم طاهرة نظيفة وهو كناية عن اتصاف ظاهرهم بالبشر والبشاشة والمحبة والنصح والصداقة خلاف ما في باطنهم من الشر والفساد واللدد والعناد.
(يمشون) في (الخفاء) أي مختفياً، قال الشارح البحراني وهو كناية عن كون حركاتهم القولية والفعلية فيما يريدونه في خفاء أفهام الناس.
(ويدبّون) (الضراء) وهو مثل يضرب لمن أراد أن يختل صاحبه يقال : فلان يدب له الضراء إذا أراد بصاحبه سوء وأذى من حيث لا يعلم كمن يمشي في الشجر الملتف الساتر للاصطياد.
(وصفهم دواء وقولهم شفاء وفعلهم الداء العياء) يعني أنهم يتصفون ظاهراً بأوصاف
1) مجمع البيان: 102/1.
أهل الإيمان أو أنهم يصفون من الطاعات والخيرات ما هو دواء الأمراض النفسانية كالمؤمنين، ويقولون من الأقوال الحسنة والمواعظ البالغة ما هو شفاء الصدور كالناسكين والزاهدين، ويفعلون فعل الفاسقين الفاجرين الذي هو الداء الأكبر المعيي للأطباء من العلاج.
ومحصله أنهم يتصفون ظاهراً بصفات المؤمنين، ويتكلمون بمثل كلامهم إلا أن أفعالهم خلاف أقوالهم، وباطنهم مناف لظاهرهم كما قال تعالى في وصفهم : (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167]، وقال أيضاً: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا امَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَياطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِهُونَ [البقرة: 14]، وفي سورة آل عمران: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بغيظكُمْ إِنَّ الله علِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [119].
(حسدة الرخاء) أي إن رأوا لأحد سعة ورفاهية في العيش ونعمة أنعم الله سبحانه بها عليه يحسدونه ويحزنونه به كما قال تعالى : (إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبَكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ [آل عمران: 120].
(ومؤكّدوا البلاء) يعني إذا وقع أحد في بلاء ومكروه يسعون في تأكيده وتشديده بالسعاية والنميمة وسائر أسباب التشديد ولا يسعون في دفعه ورفعه وإصلاحه. وفي بعض النسخ: ومولّدوا البلاء، (باللام) وهو ظاهر.
(ومقنطوا الرجاء) قال البحراني: أي إذا رجا راج أمراً ففي طباعهم أن يقنطوه ويؤيسوه، وهكذا شأن المنافق الكذاب أن يبعد القريب ويقرب البعيد.
أقول : ويحتمل أن يكون المراد أنهم بمقتضى خبثهم الباطني يقنطون الراجين من رحمة الله عزّ وجل ويأيسونهم منها، وذلك لقنوطهم في أنفسهم منها بما لهم من الغي والضلال كما قال تعالى: وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضّالُونَ [الحجر: 56].
(لهم بكل طريق صريع) الظاهر أن المراد به أن لهم في كل طريق من طرق البر صرعى أي هلكي لإضلالهم الناس عنها، وقال الشارح البحراني : إنه كناية عن كثرة من يقتلونه أو يؤذونه بخديعتهم، وكنّى بالطريق إما عن كل مقصد قصدوه أو عن كل حيلة احتالوها ومكر مكروه، فإنه لا بد أن يستلزم أذى، والأظهر ما قلناه.
(وإلى كل قلب شفيع) أي إلى صرف كل قلب نحوهم وعطفه إليهم وسيلة وواسطة، وهي خلابة ألسنتهم وملقهم وما يظهرونه من التلطف والتؤدد والتملق، أو المراد أن لهم إلى تحريف كل قلب وإضلاله عن الحق شفيع، وعلى أي تقدير فالمراد به التنبيه على شدّة
استيلائهم على القلوب وتمكّنهم من التصرف فيها بأي نحو كان.
(ولكل شجو دموع) يعني أنهم يسكبون دموعهم ويبكون رياء عند كل محزون ومصاب، تخييلاً بأنهم مشاركوهم في الحزن والأسف وقصدهم بذلك التوصل إلى حصول أغراضهم الفاسدة.
(يتقارضون الثناء) أي يثني أحدهم على الآخر ليثني الآخر عليه كأنه يقرض الثناء ليأخذ عوضه.
(ويتراقبون الجزاء) أي يترقب كل واحد منهم جزاء محمدته وثنائه من صاحبه إذا أثنى عليه وينتظر أن يجزيه بمثل ثنائه أو بغيره من وجوه الجزاء.
(إن سألوا الحفوا) أي أسروا في سؤالهم وألحوا فيه (وإن عذلوا كشفوا يعني إن لاموا أحداً ببعض المعايب كشفوا عيوبه عند الأجانب والأقارب، وربما يظهرونها عند من لا يرضى بالإظهار عنده، وذلك لعدم كون نصحهم عن وجه الصدق والخلوص حتى يناصحوه في الخلوة لا في الملاء،
(وإن حكموا) أسرفوا أي إذا ولّي أحدهم ولاية أسرف فيها بالظلم والطغيان وأفرط في الأكل والشرب والانهماك في شهوات نفسه كما فعل معاوية في ولاية الشام.
ويحتمل أن يراد به أنهم إذا فوّض إليهم الحكم تعدوا فيه وتجاوزوا عن الاعتدال كما صدر عن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري في قضية التحكيم.
(قد أعدوا لكل حق باطلاً) أي هيّؤوا لإبطال الحق شبهة فاسدة باطلة ليموهوا بها كما اعتذر المنافق الثاني في زوى الخلافة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن فيه دعابة، وتبعه على ذلك عمرو بن العاص اللعين كما حكى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه في المختار الثالث والثمانين بقوله : عجباً لابن النابغة يزعم لأهل الشام إن في دعابة وإني امرؤ تلعابة.
(ولكل قائم مائلاً) أي أعدوا لكل أمر صحيح مستقيم ليس به اعوجاج ما يوجب اعوجاجه من الشبه والتمويهات.
(ولكل حيّ قاتلاً) يحتمل أن يراد به خصوص ذي الحياة من نوع الإنسان فيراد بالقاتل معناه المعروف وأن يراد به معناه المجازي، أي هيؤوا لكل ما له قوام وثبات من أمور الدين ما يوجب فساده وإبطاله كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المختار المائة والسابع والعشرين وإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيى القرآن ويميتا ما أمات القرآن وإحياؤه الاجتماع عليه وإماتته الافتراق عنه.
(ولكل باب مفتاحاً) أي لكل باب من أبواب الضلال مفتاحاً من وجوه التدبير والحيل يفتحونه به على الناس لإضلالهم.
(ولكل ليل مصباحاً) أي لكل أمر مظلم يعيى فيه رأياً يستضاء به فيه ويهتدى به إليه كما دبره ابن العاص عند ضيق الخناق على أهل الشام بصفين من رفع المصاحف على الرماح صبيحة ليلة الهرير فأنجاهم بتلك الحيلة والمكيدة عن هذه الورطة العظيمة.
(يتوصلون إلى الطمع باليأس) لعل المراد أنهم يتزهدون ويظهرون اليأس والاستغناء عما في أيدي الناس وصلة به إلى مطامعهم، ومحصله أنهم يتركون الدنيا للدنيا ويستغنون عن الناس تزويراً.
(ليقيموا به أسواقهم وينفقوا به أعلاقهم) شبههم في قصدهم إلى إضلال الناس بالتاجر الذي يجلس في السوق ويعرض متاعه على المشترين ويرغبهم إليه بحسن المعاملة قصداً إلى رواج متاعه فجعلهم بمنزلة التاجر وما عندهم من متاع الضلال بمنزلة المبيع، ومن يريدون إضلاله بمنزلة المشتري وما عنده من الهدى بمنزلة الثمن.
فيكون محصل المعنى أنهم يظهرون اليأس من الناس جلباً لقلوبهم إليهم، وتوصلاً به إلى ما يطمعونه منهم من الإضلال والإغواء وغرضهم بذلك إقامة أسواقهم أي انتظام معاملتهم معهم وترويج ما لديهم من متاع الضلال الذي يزعمون أنه متاع نفيس مع أنه خبيث خسیس.
(يقولون فيشبهون) أي يقولون قولاً فاسداً فيوقعون به الشبهة في قلوب الخلق.
(ويصفون فيموهون) أي يصفون الباطل ويزينونه بصورة الحق.
(قد هينوا الطريق وأضلعوا المضيق) لعل المراد به أنهم جعلوا الطريق المؤدي إلى الضلال سهلاً هيناً لمن أرادوا إسلاكهم فيه بالخدع والتمويهات، وجعلوا المسلك الضيق معوجاً لمن أراد الخروج من ورطة الضلال بعد تورطه فيها، فسهولة الطريق بالنسبة إلى الوارد والضيق والاعوجاج بالنسبة إلى الخارج.
(فهم لمة الشيطان) أي جماعته وأصحابه وأتباعه (وحمة النيران) أي معظم حرّها، وقال الشارح البحراني: مستعار لمعظم شرورهم ووجه المشابهة استلزامها للأذى البالغ وكذلك حمة بالتخفيف.
(أولئك حزب الشيطان) لإضلالهم الناس عن الهدى إلى الردى، (ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرو)ن اقتباس من الآية الشريفة في سورة المجادلة، قال تعالى: (اسْتَحوَذَ
عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [19] الآية.
قال الطبرسي في (تفسيره): أي استولى عليهم يعني المنافقين وغلب عليهم لشدّة اتباعهم إياه فأنساهم ذكر الله حتى لا يخافون الله ولا يذكرونه أولئك حزب الشيطان، أي جنوده ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون يخسرون الجنة ويحصل لهم بدلها النار.
أقول : وبعبارة أوضح أنهم فوّتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلّد بما اتصفوا به من صفة النفاق.
روى في (الكاني) بإسناده عن محمد بن الفضيل قال : كتبت إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسأله عن مسألة فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلي : إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى براؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً، ليسوا من الكافرين وليسوا من المؤمنين وليسوا من المسلمين يظهرون الإيمان ويصيرون إلى الكفر والتكذيب لعنهم الله (1).
1) الكافي 395/22 ح 2، والإفصاح 61.
از جمله خطب شریفه آن حضرت است که وصف فرموده در آن منافقین را می فرماید :
حمد میکنم خدا را در مقابل آن چیزی که توفیق داد مر آن چیز را در طاعت و فرمانبرداری و دفع و منع فرمود بندگان را از آن از معصیت و گردن کشی و درخواست میکنیم از او تمام کردن مر منت او را و چنگ زدن به ریسمان محکم او که عبارت است از اسلام یا قرآن.
و گواهی میدهیم این که محمّد بنده پسندیده و فرستاده او است فرو رفت در هر شداید به جهت توجه به رضای خدا و جرعه جرعه نوشید هر غصه در تحصیل رضای الهی و حال آن که متغیر و متلوّن الحال شدند از برای او نزدیکان و خویشان و جمع گشتند بر عداوت او بیگانگان و کندند طایفه عرب به سوی حرب او لجامهای خود را و زدند بر شکمهای شتران بارکش خودشان به جهت رفتن به سوی جنگ او تا آن که فرود آورند در فضای خانه و منزل او دشمنی خودشان را از دورترین خانه و دورترین زیارتگاه.
وصیت میکنم شما را ای بندگان خدا به پرهیزگاری خدا و میترسانم شما را از اهل نفاق،پس به درستی که منافقان گمراهان و گمراه کنندگانند و لغزندگان و لغرانندگان آند رنگ به رنگ و مختلف الحال میشوند و خلق را تفتین می کنند، قصد کنند شما را به هر امر سنگین و انتظار شما را میکشند در هر گذرگاهی، قلبهای ایشان فاسد است و صفحه روهای ایشان پاک و نظیف راه می روند در پنهانی و حرکت می کنند در طرق اذیّت و اضرار.
صفت ایشان دواء است و گفتار ایشان شفاء است و کردار ایشان درد بی درمان، حسدکنندگان رفاهیت اند و محکم کنندگان بلا و مصیبت و مأیوس کنندگان امیدند ایشات را است در هر راهی افتاده ای و به سوی هر قلبی واسطهای و از برای هر اندوهی اشک چشمی، به قرض میدهند به یکدیگر ثنا و ستایش را و
منتظر میباشند از یکدیگر جزا و احسان را.
اگر سؤال نمایند اصرار میکنند و اگر ملامت نمایند پرده دری می کنند و اگر حاکم نمایند ایشان را در حکومتی اسراف مینمایند به تحقیق که مهیا ساخته اند از برای هر حق، باطلی را و از برای هر راست کجی را و از برای هر زنده قاتلی را و از برای هر در کلیدی را و از برای هر شب چراغی را
یعنی صاحبان انواع و اقسام حیله و خدعه میباشند، توسل میکنند به سوی طمع با اظهار یأس از مردم تا این که برپا کنند به سبب اظهار يأس بازار کار خودشان را و رواج دهند متاع خود را حرف میزنند پس مشتبه می سازند خلق را و تعریف می کنند پس زینت میدهند و آسان می گردانند راه باطل را به جهت داخلین و کج میکنند راه تنگ را به جهت خارجین، پس ایشان جماعت شیطان اند و چشمه آتش اند، ایشان دسته شیطان اند، آگاه باش به درستی دسته شیطان ایشاناند زیانکاران.
الْحَمْدُ لله الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطانِهِ وجَلالِ كِبْرِيائِهِ ما حَيَّرَ مُقَل العُيُونِ مِنْ عَجَائِبِ قدرته، ورَدَعَ خَطَراتِ هَماهِم النُّفُوسِ عَنْ عِرْفانِ كُنْهِ صَفَتِه، وأَشْهَدُ أن لا إله إلا الله شَهادة إيمانٍ وإيقان، وإخلاص وإذعان، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ وأَعْلامُ الهُدى دارسةٌ ومَناهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ، فَصَدَعَ بِالحَقِّ، ونَصَحَ لِلْخَلْقِ، وهدى إلى الرُّشْدِ، وأَمَرَ بالقَصْدِ (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ).
وَاعْلَمُوا عِبادَ الله أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثاً، ولَمْ يُرْسِلُكُمْ هَمَلاً عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِه عَلَيْكُمْ، وأخصى إِحْسانَهُ إِلَيْكُمْ فَاسْتَفْتِحُوهُ، واسْتَنْجِحُوهُ واطْلُبُوا إِلَيْهِ، وَاسْتَمْنِحُوهُ، فَما قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجابٌ، وَلا أَعْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بابٌ، وإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكانٍ، وفي كُلِّ حِينٍ وأوانٍ «زمان خ»، ومَعَ كُلِّ إِنْسٍ وجان، لا يَثْلِمُهُ العَطاءُ، وَلا يَنْقُصُهُ الحَبَاءُ، وَلا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِل، ولا يَسْتَقْصِيهِ نَائِل، وَلا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ، ولا يُلْهِيهِ صَوْتُ عَنْ صَوْتٍ، ولا تُحْجِزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلبٍ، ولا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ، وَلا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقابِ، وَلا يُجِنَّهُ البُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ، وَلا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ البُطُونِ، قَرُبَ فَنَأى، وَعَلا فَدَنَى، وظَهَرَ فَبَطَنَ، وبَطَنَ فَعَلَنَ، ودانَ وَلَمْ يُدَنْ، لَمْ يَذْرَءِ الخَلْقَ بِاحْتِيالٍ وَلا اسْتَعانَ بِهِمْ لِكَلالِ.
أُوصيكُمْ عِبادَ الله بِتَقْوَى الله، فَإِنَّهَا الزّمامُ والقِوامُ، فَتَمَسْكُوا بِوَثَائِقِها، وَاعْتَصِمُوا بِحَقائِقِها، تَؤُلْ بِكُمْ إِلى أَكنانِ الدَّعَةِ، وأَوْطَانِ السَّعَةِ، ومَعاقِلِ الحِرْزِ، وَمَنازِلِ العِزَّ، في يَوْمِ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، وتُظْلَمُ لَهُ الأَقْطَارُ، وتُعَطَّلُ فيهِ صُرُومُ العِشارِ، ويُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَزْهَق كُلُّ مُهْجَةٍ، ونَبِّكُمُ كُلٌّ لَهْجَة، وتَذِلُّ الشّمُّ الشَّوامِخُ والصُّمُّ الرَّواسِخُ، فَبَصِيرُ صَلدُها سَراباً رَقْرَقاً، ومَعْهَدُها قاعاً سَمْلَقاً، فَلا شَفِيعٌ يَشْفَعُ، ولا حَمِيمٌ يَدْفَعُ، وَلا مَعْذِرَةٌ تَنْفَعُ» (1).
(المقل) جمع مقلة كغرف وغرفة وهي شحمة العين التي تجمع سوادها وبياضها و (الهمهمة) الكلام الخفي أو صوت يسمع ولا يفهم محصوله وتردد الزئير في الصدر من الهم ونحوه، قاله في (القاموس).
أقول: والزئير مأخوذ من الزئر وهو ترديد الصوت في الجوف ثم مده، ويطلق الزئير
1) بحار الأنوار 314/74، وميزان الحكمة 1893/3.
على صوت الأسد من صدره وعلى كل صوت فيه بحح كصوت الفيلة ونحوها.
و (طمست) الشيء طمساً محوته وطمس هو يتعدّى ولا يتعدّى، وطمس الطريق درست و (الجان) إسم جمع للجن وأبو الجن و (استمنحوه) بالنون من المنحة وهي العطية وفي بعض النسخ بالياء يقال : استمحت الرّجل طلبت عطاءه ومحت الرّجل أعطيته و (الثّلمة) في الحائط وغيره الخلل والجمع ثلم كغرفة وغرف و (نفد) الشيء ينفد من باب تعب تفاداً فني وانقطع وأنفدته أفنيته و (النائل) العطاء كالنوال والنّال و (سلبت) ثوب زيد من باب قتل أخذته والسلب بالتحريك الاختلاس واسم لما يسلب ومنه الحديث : من قتل قتيلاً فله سلبه.
وقوله : (ولا يجنه البطون عن الظهور ولا يقطعه الظهور عن البطون) هكذا في نسخة الشارح المعتزلي بتذكير الفعلين وعليها فالبطون والظهور مصدر بطن وظهر وفي بعض النسخ بتأنيثهما وعلى ذلك فلا بد من جعلهما جمعاً للبطن والظهر كما هو مقتضى القواعد الأدبية.
و (الدين) الجزاء، ومنه الحديث كما تدين تدان أي كما تجازي تجازي بما فعلت ويقال أيضاً على القهر والغلبة قال ابن الأثير : ومنه الحديث كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ديان هذه الأمة أي قاهرهم على الطاعة وفي (القاموس): الدين الحساب والقهر والغلبة والاستعلاء والسلطان والملك والحكم.
و (الكلال) العجز والإعياء و (الأكنان) جمع كن وهو الستر يستر من الحر والبرد، قال تعالى : (ومِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانَاً) [النحل: 81] و (المعاقل) جمع معقل وهو الملجأ.
و (الصروم) إما جمع صرمة بالكسر القطعة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين والقطعة من السحاب وتجمع على صرم مثل سدرة وسدر وإما جمع صرم وهي الطائفة المجتمعة من القوم ينزلون بإبلهم ناحية من الماء ويجمع على أصرام مثل حمل وأحمال أو جمع صرماء وهي الناقة القليلة اللبن، وتجمع على صرم وزان قفل والأخير أظهر.
و (العشار) من الإبل النوق أتى عليها من يوم أرسل الفحل فيها عشرة أشهر فزال عنها اسم المخاض ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع، والواحدة عشراء، وقال الفيروزآبادي والعشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية أو هي كالنفساء من النساء والجمع عشراوات وعشار أو العشار اسم يقع على النوق حتى تنتج بعضها وبعضها ينتظر نتاجها.
(والشم) جمع أشم يقول : جبل أشم أي فيه شمم وارتفاع، ورجل أشم أي بأنفه ارتفاع. قال في (القاموس) و (رقرقان) السراب بالضم ما ترقرق منه أي تحرك والرقراقة
التي كان الماء يجري في وجهها و (القاع) الأرض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام و (السملق) الصفصف وهي المستوي من الأرض.
قوله : (واطلبوا إليه) تعدية الطلب لتضمينه معنى التضرع، وقوله : (تؤل)، بالجزم لوقوعه في جواب الأمر كما في نسخة الشارح المعتزلي، وفي أكثر النسخ بالرفع والظاهر أنه على الاستئناف البياني، وقوله: (في يوم تشخص)، متعلق بقوله : (تؤل)، و (الفاء) في قوله : (فتزهق)، وقوله : (فيصير)، وقوله : (فلا شفيع) كلها فصيحة.
اعلم أن هذه الخطبة الشريفة مسوقة للنصح والموعظة والأمر بالتقوى مع التنبيه على جملة من صفات الكمال والعظمة والجلال الله عزّ وجلّ وافتتحها بحمده والثناء عليه والشهادة بالتوحيد والرسالة فقال :
(الحمد لله الذي أظهر) في الملك والملكوت والأنفس والآفاق والأرض والسماوات (من آثار سلطانه وجلال كبريائه ما حيّر مقل العيون) وأبصار البصائر (من عجائب قدرته) وبدائع صنعته، وقد تقدم الإشارة إلى بعضها في شرح الخطب المسوقة لهذا الغرض ومرّ فصل وافٍ منها في الخطبة التسعين وشرحها، فانظر ماذا ترى.
ونسبة عجائب القدرة إلى سلطانه وجلال كبريائه لأن الآثار العظيمة والمبدعات المحكمة المتقنة إنما يناسب صدورها بالسلطنة الإلهية والجلال الإلهي.
(وردع خطرات هماهم النفوس عن عرفان كنه صفته) أي دفع ومنع الأفكار والروايات التي تخطر بالنفوس وتوجب همهمتها عن معرفة كنه صفات جماله وجلاله ويحتمل أن يراد بالهماهم نفس تلك الأفكار على سبيل الاستعارة لترددها في الجوف مثل تردد الهماهم.
وكيف كان فالغرض منه التنبيه على عجز العقول والمشاعر الظاهرة والباطنة عن إدراك حقيقته وذاته حسبما عرفته في شرح الفصل الثاني من الخطبة التسعين، وفي تضاعيف الشرح مراراً، وأردف الثناء عليه تعالى بالشهادة بتوحيده فقال :
(وأشهد أن لا إله إلا الله) وقد مضى الكلام في تحقيق معناها والأخبار الواردة في فضلها بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثانية، ووصفها هنا بأوصاف أربعة :
أحدها: كونها (شهادة إيمان) أي يطابق القول فيها للعقد القلبي.
(و) ثانيها كونها شهادة (إيقان) أي صادرة عن علم اليقين لا عن وجه التقليد ولا تكون كذلك إلا باعتقاد أن لا إله إلا هو مع اعتقاد أنه لا يمكن أن يكون ذلك المعتقد إلاّ كذلك.
(و) ثالثها: أن تكون عن (إخلاص) أي جعلها خالصاً عن شوب غيرها من الرياء ونحوه، وقال الشارح البحراني : هي أن يحذف عن ذلك المعتقد كل أمر عن درجة الاعتبار ولا يلاحظ معه غيره انتهى وقد مر له معنى آخر في الأخبار المتقدمة في شرح الخطبة الثانية من أن إخلاصها أن حجزه لا إله إلا الله عما حرم الله.
(و) رابعها أن تكون متلبسة بـ (إذعان) وانقياد لما هو من توابعها ومقتضياتها من التكاليف والأحكام.
وأردفها بالشهادة بالرسالة لما عرفت في الأخبار المتقدمة في شرح الخطبة الثانية من فضل المقارنة بينهما فقال :
(وأشهد أن محمداً عبده) المرتضى (ورسوله) المصطفى (أرسله) إلى الخلق بالهدى ودين الحق على حين فترة من الرّسل وطول هجعة من الأمم وانتقاض من المبرم (و) الحال أن (أعلام الهدى دارسة) استعارها للأنبياء والمرسلين وأولياء الدين الذين يهتدى بأنوارهم في سلوك سبيل الله كما يهتدى بالأعلام في الطرق، ودروسها بما كانت من الفترة بعد عيسى إلى بعثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (ومناهج الدين طامسة) أي طرق المعارف الحقة الإلهية مندرسة منمحية بطول المدة وبعد العهد وغلبة الغفلة.
(فصدع بالحق) امتثالاً لما كان مأموراً به بقوله عزّ وجل: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر: 94] وأصل الصدع عبارة عن كسر الزجاجة وشقها وتفريقها، فاستعير عنه للبيان الواضح والتبليغ الكامل، والجامع التأثر.
وقد قيل في تفسير الآية أن معناها أبن الأمر إبانة لا تنمحي كما لا يلتئم كسر الزجاجة، وقيل : افرق بين الحق والباطل، وقيل: شقّ جماعاتهم بالتوحيد أو بالقرآن.
(ونصح للخلق) بصرفهم عن الرّدى إلى الهدى وردهم عن الجحيم إلى النعيم (وهدى إلى الرشد) أي إلى الصواب والسداد في القول والعمل (وأمر بالقصد) أي بالعدل في الأمور المصون عن الإفراط والتفريط، ويحتمل أن يكون المراد به قصد السبيل الموصل إلى الحق أي الصراط المستقيم (صلى الله عليه وآله) وسلّم.
ثم نبّه المخاطبين على عدم كونه تعالى في خلقهم وإيجادهم لاغياً عابثاً فقال: (واعلموا عباد الله أنه لم يخلقكم عبثاً) تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، وإنما خلقكم للمعرفة والعبودية كما قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات : 56].
(ولم يرسلكم هملاً) أي لم يترككم سدى مهملين كالبهائم والأنعام، وإنما كلّفكم بالتكاليف والأحكام (علم مبلغ نعمه) ومقدارها كمّاً وكيفاً (عليكم وأحصى إحسانه) وفضله (إليكم) ليبلوكم أتشكرونه أم تكفرون ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإنه غني كريم (فاستفتحوه) أي اطلبوا منه فتح أبواب النّعم (واستنجحوه) أي اطلبوا منه نجاح عوائد المزيد والقسم (واطلبوا) منه متضرعين (إليه) أن يصرف عنكم ما لا يصرفه أحد غيره من عذاب النار وسخط الجبّار.
(واستمنحوه) أي اطلبوا منه أن يعطيكم ما لا يعطيه أحد غيره من فوز الجنان ورضى الرحمن، وطلب ذلك كله منه سبحانه إنما هو بالقيام بمراسم الحمد والشكر وبالمواظبة على وظائف الطاعات والقربات التي بها يستعد لإفاضة الرحمة ونزول الخيرات، هذا.
ولما أمرهم بالطلب والسؤال أردفه بما يشوّقهم إلى ذلك ويرغبهم إليه بالتنبيه على انتهاء جميع السؤالات والطلبات إليه وعدم رادع ومانع من وصولها إليه وهو قوله :
(فما قطعكم عنه حجاب ولا أغلق عنكم دونه باب) يعني أن بابه مفتوح لمن دعاه وليس بينه وبين خلقه حجاب مانع ولا باب مغلق يمنع من الوصول إليه ومن عرض الحوائج والمقاصد عليه كسائر الملوك والسلاطين يأخذون لأنفسهم حجاباً وبوّاباً، لأن ذلك من أوصاف الأجسام وصفات النقص والإمكان والله تعالى موصوف بالعظمة والجلال منزّه عن الحيّز والمكان فلا يتصور أن يكون له باب أو عنده حجاب كما أفصح عن ذلك بقوله :
(وإنه لبكل مكان) بالعلم والإحاطة لا بالتحيّز والحواية، فلا يخفى عليه شيء من حوائج السائلين وإنما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد ولا يحويه مكان ولا يحيط به مكان حتى إذا كان في ذلك المكان يحجب عنه أخبار سائر الأمكنة والمكانيات.
يوضح ذلك ما رواه في (الكافي) بإسناده عن عيسى بن يونس قال: قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض ما كان يحاوره: ذكرت الله فأحلت على غائب، فقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ويلك كيف يكون غائباً من هو مع خلقه شاهد وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم ويعلم أسرارهم؟، فقال ابن أبي العرجاء: أهو في كل مكان؟ أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض وإذا كان في الأرض كيف يكون
في السماء؟ فقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان وخلا منه مكان فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم الشأن الملك الديان فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان (1).
وقد مر هذا الحديث في شرح الفصل السادس من الخطبة الأولى ومر تحقيق الكلام في تنزّهه سبحانه من المكان في شرح الفصل الخامس منها فليراجع ثمة فإن هناك مطالب نفيسة.
ولما نبه على عدم خلق الأمكنة منه عزوجل اردفه بالتنبه على عدم خلق الأزمنة منه فقال :
(وفي كل حين وزمان) بالعلم والإحاطة أيضاً لا بمعنى ظرفيته له، لأن الكون فيه بمعنى الظرفية مستلزم للحدوث المنافي للوجوب، فالواجب الأول تعالى منزّه عن ذلك، وقد تقدم مزيد تحقيق لذلك في شرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين.
(ومع كل إنس وجان) لا معية بالاقتران بل معنى كونه عالماً بهم، شاهداً عليهم، غير عائب عنهم كما قال عزَّ من قائل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نجوي ثَلَاثَة إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانوا ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: 7]، وقد مر مزيد تحقيق لهذا المعنى في شرح الفصل الخامس والسادس من الخطبة الأولى، هذا.
ولما شوّق المخاطبين إلى الطلب والسؤال بالتنبيه على عموم علمه بحالات السائلين وحاجات الطالبين وعدم خفاء شيء منها عليه أكد تشويقهم بالتنبيه على سعة جوده فقال :
(لا يثلمه العطاء ولا ينقصه الحباء) أي لا يوجب كثرة عطائه ومزيد حبائه خللاً ونقصاً في خزانة كرمه وبحر جوده، وذلك لعدم تناهي مقدوراته.
ويوضح ذلك ما في الحديث المروي في (الكافي) عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن الله عزَّ وجل يقول : فلو أن أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا جميعاً ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرّة، وكيف ينتقص ملك أنا قيمه، فيا بؤساً للقانطين من رحمتي ويا بؤساً لمن عصاني ولم يراقبني (2).
ويذلك الحديث أيضاً اتضح معنى قوله : (لا يستنفده سائل ولا يستقصيه نائل) أي لا يفني جوده سائل وإن بلغ الغاية في طلبه وسؤاله، وكذا لا يبلغ القصوى والغاية عطاؤه ونواله بل لو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداف البحار من فلز اللجين والعقيان ونشارة الدّر وحصيد المرجان ما أثر ذلك في جوده ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام، لأنه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين، ولا يبخله إلحاح الملحين حسبما مر في الخطبة التسعين.
(ولا يلويه) أي لا يصرفه (شخص عن شخص ولا يلهيه) أي لا يشغله (صوت عن صوت) لأن الصرف واللهو يستلزمان الغفلة عن أمر والفطنة لغيره بعد الغفلة عنه وهما من عوارض المزاج الحيواني وتوابع الإمكان.
(ولا تحجزء هبة عن سلب) أي لا يمنعه البذل والإنعام عن سلب المال وأخذه قال الشارح المعتزلي : أي ليس كالقادرين منّا فإن الواحد منا يصرفه اهتمامه بعطية عن سلب مال عمرو حال ما يكون مهتماً بتلك العطيّة لأن اشتغال القلب بأحد الأمرين يشغله عن الآخر، انتهى.
أقول : ومحصله أنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ويحتمل أن يراد به أنه تعالى لا يمنعه هبته لأحد وإنعامه عليه عن سلب نعمة أخرى عنه كالواحد منا إذا وهب يمنعه هبته عن سلبه، لاستلزام الهبة فينا التلطف والعطف واستلزام السلب فينا الغيظ والغضب وهما أمران متضادان لا يمكن اجتماعهما في شخص واحد في حالة واحدة، فلا يكون الواهب حال ما هو واهب سالباً وبالعكس وأما الواجب تعالى فلما لم يكن منشأ هبته وسلبه والعطف والغضب لكونهما من عوارض المزاج الحيواني وتنزهه عنها جار إنصافه بهما معاً.
وهذان الاحتمالان يأتيان في قوله : (ولا يشغله غضب عن رحمة) والمراد بهما غايتهما، أي العقاب والإحسان لا معناهما المعروف المستلزم للحدوث والنقصان.
وأما قوله: (ولا تولهه رحمة عن عقاب) فقد قال الشارح المعتزلي : أي لا يحدث الرحمة لمستحقها عنده ولها وهو التحيّر والتردد ويصرفه عن عقاب المستحق، وذلك لأن الواحد منا إذا رحم إنساناً حدث عنه رقة خصوصاً إذا توالت منه الرحمة لقوم متعددين فإنه يصير الرحمة كالملكة عنده فلا يطيق في تلك الحال أن ينتقم والباري سبحانه بخلاف ذلك، لأنه ليس بذي مزاج سبحانه، هذا.
وقوله : (ولا يجنّه البطون عن الظهور) قد تقدم منا في شرح الخطبة التاسعة والأربعين والخطبة الرابعة والستين ما هو كاف في شرح معنى هذه الفقرة وما يتلوها من الفقرات الآتية
إلى قوله : وبطن فعلن.
وأقول هنا مزيداً للتوضيح : إن الغرض بهذه الجملات جميعاً التنبيه على كمال الحق المتعال عزَّ وجل وعلى تنزّهه من صفات المخلوقين، فإن البطون في الخلق مانع من الظهور والظهور من البطون والقرب من البعد والبعد من القرب والعلوّ من الدنو والدنو من العلو لكون كل من هذه الصفات بمعناه المعروف مضاداً للآخر، فلا يمكن اتصاف شخص واحد بهما معاً في حالة واحدة ولا اجتماعهما في محل واحد على ما هو مقتضى التضاد.
أما الله الحي القيوم جل جلاله فيتصف بهما جميعاً بمعنى آخر وراء ذلك المعنى المعروف، فهو تعالى ظاهر باطن قريب بعيد عال دان.
وعلى ذلك فلا يجنّه البطون عن الظهور، أي لا يستره خفاؤه بذاته عن ظهوره بآياته، أو لا يستره اختفاؤه عن الأبصار عن ظهوره للعقول والبصائر، أو لا يحجبه خفاؤه عن الأبصار والأوهام بذاته عن قهره وغلبته للأشياء بسلطانه وقدرته.
ومحصله أنه ليس بطونه بلطافة أو اجتنان، ولا ظهوره برؤية وعيان حتى يكون اتصافه بأحدهما حاجباً ومانعاً عن الآخر كما في المخلوق.
وعلى ما في بعض النسخ من رواية: لا تجنّه بصيغة التأنيث فالمراد أنه لا تستره بواطن الأشياء عن ظواهرها أي لا تحجب علمه بطونها عن ظهورها، لأن علمه ببواطن الأشياء ليس على وجه الاستبطان والغور فيها، ولا علمه بظواهر الأشياء من أجل كونه فوقها حتى تحجبه البطون عن الظهور والظهور عن البطون كما فينا.
ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى حين ما هو عالم بالباطن عالم بالظاهر لكمال علمه وعموم إحاطته، وليس كالمخلوق حين علمه بأحدهما يغفل عن الآخر لنقصان علمه وقصوره.
(و) بذلك كله ظهر أيضاً معنى قوله : (لا يقطعه الظهور عن البطون).
وأما قوله: (قرب فنأى) فالمراد به أنه قرب من الخلق بالعلم والإحاطة وبالرحمة والإفاضة، وبعد عنهم بالذات والحقيقة وليس قربه قرباً مكانياً حتى ينافي لبعده، ولا بعده بعداً مكانياً بتراخي مسافة حتى ينافي لقربه.
(وعلا فدنا) أي علا بحوله وقدرته وغلبته وسلطانه ودنا بطوله وفضله ومننه وإحسانه كما مر التصريح به منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الثانية والثمانين، ويجوز أن الخطبة الثانية والثمانين، ويجوز أن يراد علوّه على الأشياء بجلاله وعزّته ودنوّه منها بعلمه وإحاطته وأن يراد بالعلو العلو بالعليّة وبالدنو قربه من
الأشياء قرب العلة من معلولها، وهذا هو الأولى بالإرادة هنا وأنسب بعطفه الدنو على العلو بالفاء المفيدة لتفريعه عليه، فافهم جيداً وقد مضى تحقيق ذلك في شرح الخطبة التاسعة والأربعين.
(وظهر فبطن) أي ظهر على الأشياء بسلطانه وعظمته وبطن في الأشياء يعلمه ومعرفته (وبطن فعلن) أي خفي بذاته وكنهه وظهر بآثاره وآياته وهاتان الفقرتان تأكيدتان للفقرتين المتقدمتين، فإنه لما نبه فيهما على عدم حجب بطونه عن ظهوره وظهوره عن بطونه نبه هنا على ما يستلزمه عدم الحجب وهو اتصافه بهما معاً.
روى في (الكافي) في باب الفرق بين المعاني التي تحت أسماء الله تعالى وأسماء المخلوقين عن علي بن محمد مرسلاً عن أبي الحسن الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال : وأما الظاهر فليس من أجل أنه علا الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنّم لذراها، ولكن ذلك لقهره وغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل : ظهرت على أعدائي وأظهرني الله على خصمي، يخبر عن الفلج والغلبة فهكذا ظهور الله على الأشياء، ووجه آخر أنه الظاهر لمن أراده ولا يخفى عليه شيء، وأنه مدبّر لكل ما برء فأي ظاهر أظهر وأوضح من الله تبارك وتعالى، لأنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت وفيك من آثاره ما يغنيك، والظاهر منا البارز بنفسه والمعلوم بحده فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى.
وأما الباطن فليس على معنى الاستبطان في الأشياء بأن يغور فيها، ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علماً وحفظاً وتدبيراً كقول القائل : أبطنته يعني خبرته وعلمت مكتوم سره، والباطن منا الغائب في الشيء المستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى (1).
(و) أما قوله : (دان ولم يدن) فأراد به أنه جزى العباد بأعمالهم إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، ولم يجز، أو أنه حاسب ولم يحاسب، أو أنه استعلا عليهم ولم يستعل عليه، أو أنه تسلّط على كل ما سواه ولم يسلط عليه، أو أنه ملك جميع الخلائق ولم يُملك أو أنه قهر الكل وغليهم بافتقار الكل إليه واستغنائه عنهم ولم يقهر عليه.
قال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحديث الذي قدمناه آنفاً :
وأما القاهر فإنه ليس على معنى علاج ونصب (2)واحتيال ومداراة ومكر كما يقهر العباد بعضهم بعضاً والمقهور منهم يعود قاهراً والقاهر يكون مقهوراً، ولكن ذلك من الله عزّ وجل على أن جميع ما خلق ملبس به الذلّ لفاعله وقلة الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين
أن يقول له كن فيكون، والقاهر منا على ما ذكرت ووصفت فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى (1).
(لم يذرء الخلق باحتيال) أي لم يخلقهم باستخراج وجوه الحيل وإجالة الرأي والفكر في استخراجها كما هو شأن البشر في صنعهم، وذلك لأن الفكرة والحركة القلبية مختصة بذوي البصائر، وجلال الباري تعالى شأنه منزّه عنه وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن فيكون.
(ولا استعان بهم لكلال) أي لعجز وإعياء لأن منشأ الإعياء تناهي القوة الجسمية المخصوصة بذوي الأجسام، وطلب العون والحاجة إلى المعين من ضعف القدرة، وإذ لا ضعف ولا عجز لكمال ذاته سبحانه قوة وقدرة فلا يتصور في حقه الاستعانة.
ولما فرغ من تمجيد الحق المتعال بما هو أهله وتنزيهه عن صفات النقص والافتقار أردفه بالإيصاء بما لا يزال يوصي به فقال :
(أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها الزمام) للإنسان المانع له عن تقحم المهالك الجاذب إلى أقوم المسالك والصارف له عن الردى إلى الهدى وعن الجحيم إلى النعيم كما أن الزمام للخيل مانع لها عن اقتحام الهلكات وتورط الورطات (و) هي أيضاً (القوام) أي قوام الدين ونظام وظائف الشرع المبين.
(فتمسكوا بوثائقها) أي بعريها الوثيقة وحبالها المحكمة من الطاعات والقربات التي هي جزؤها.
(واعتصموا بحقائقها) أي بأصولها الثابتة الموافقة للواقع والمطابقة لغرض الشارع.
وأشار إلى ثمرة التمسك والاعتصام بها بقوله : (تؤل بكم) أي ترجعكم وتقودكم (إلى اكنان الدّعة) ومواطن الراحة متكثين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً.
(وأوطان السعة) أي جنة عرضها السموات والأرض مع عيش سعيد وأكل رغيد، فالداخل فيها في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية.
(ومعاقل الحرز) المانعة من عذاب النار ومن غضب الجبار وظلّ ذي ثلاث شعب لا
1) الكافي 1 / 133، وبحار الأنوار 179/4.
ظليل ولا يغني من اللهب.
(ومنازل العزّ) أي حظائر القدس ومجالس الأنس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من السادة الأبرار والقادة الأخيار في جنات تجري من تحتها الأنهار، وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً، إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً.
ولما أوصى بالتقوى وأمر بالتمسك والاعتصام بها ورغب فيها بالتنبيه على ما لها من المنفعة العظيمة وهي إرجاعها إلى جنة النعيم أكد ذلك الترغيب بإنجائها من الهول العظيم وأشار إلى ذلك بقوله :
(في يوم) أي اعتصموا بالتقوى تؤل بكم إلى مساكن الأمن والعز والسعة والراحة في يوم القيامة وما أعظم شدائدها وأهوالها، وقد زلزلت الأرض فيها زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها.
(تشخص فيه الأبصار وتظلم له الأقطار) أما شخوص الأبصار في ذلك اليوم فهو نص الكتاب الكريم قال تعالى في سورة إبراهيم : وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَفَلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرَتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُم هَوَاء. [42 - 43 ])قال الطبرسي : معناه إنما يؤخر عقابهم إلى يوم القيامة وهو اليوم الذي تكون الأبصار فيه شاخصة عن مواضعها لا تغمض لهول ما ترى في ذلك اليوم ولا تطرف، وقيل: تشخص أبصارهم إلى إجابة الداعي حين يدعوهم، وقيل : تبقى أبصارهم مفتوحة لا تنطبق للتحير والرعب (1.)(مهطعين أي مسرعين وقيل : يريد دائمي النظر إلى ما يرون ولا يطرفون.)مقنعي رؤوسهم، أي رافعي رؤوسهم إلى السماء حتى لا يرى الرجل مكان قدمه من شدة رفع الرأس، وذلك من هول يوم القيامة.لا يرتد إليهم طرفهم أي لا ترجع إليهم أعينهم ولا يطبقونها ولا يغمضونها، وإنما هو نظر دائم.وأما ظلمة الأقطار فقد أشير إليها وإلى ما تقدم أيضاً في قوله تعالى: ﴿إِذَا بَرَقَ الْبَصَرُ
1) مجمع البيان: 88/6.
وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَومَذٍ أَيْنَ الْمَفَرّ [القيامة: 7-10].)في (الصافي عن القمّي قال : يبرق البصر فلا يقدر أن يطرف. وقرأ بفتح الراء وهو لغة، أو من البريق من شدّة شخوصه، وخسف القمر ذهب ضوؤه ونوره وجمع الشمس والقمر قال الطوسي : أي جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف ليتكامل ظلام الأرض على أهلها حتى يراهما كل أحد بغير نور وضياء (1).)وفي (الصافي من الاحتجاج عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه سئل عن قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) [إبراهيم: 48] وقيل له : فأين الناس يومئذ ؟ فقال : في الظلمة دون المحشر (2).)(وتعطل فيه صروم العشار قد مر تفسيرهما في بيان اللغة وقد صرح بتعطيلها وأشير إلى ظلمة الأقطار كليهما في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُورَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ * وإذا الجبالُ سُرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ) [التكوير : 1- 4].)قال أمين الإسلام الطبرسي : أخبر الله سبحانه عن القيامة وشدائدها فقال: إذا الشمس كورت، أي ذهب ضوؤها ونورها فأظلمت واضمحلت، وإذا النجوم انكدرت أي تساقطت وتناثرت، وإذا الجبال سيرت عن وجه الأرض فصارت هباء منبثاً، وإذا العشار عطلت أي النوق الحوامل التي أتت عليها عشرة أشهر، وهو أنفس مال عند العرب تركت هملاً بلا راع (3، هذا.)ولما ذكر جملة من أوصاف يوم القيامة وأها ويلها تحذيراً منها أردفها بذكر نفخ الصور الذي هو من أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على قربها تهويلاً به أيضاً فقال :(وينفخ في الصور وقد مضى شرح وصفه وتفصيل كيفية النفخ فيه في شرح الفصل الثالث من الخطبة الثانية والثمانين بما لا مزيد عليه.)وأراد به النفخة الأولى كما يدل عليه قوله : (فتزهق كل مهجة وتبكم كل لهجة أي تضمحل وتهلك كل قلب وتخرس كل لسان وهو كناية عن هلاك العموم، وقد أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) [الزمر: 68]. ويدل عليه أيضاً قوله : (وتذل الشّم الشوامخ) أي الجبال الراسيات الشامخات العاليات (والصمّ الرواسخ) أي الثابتات المحكمات الراسيات وأراد بذلتها دك بعضها بعضاً من هيبة
جلاله عزّ وجل ومخوف سلطنته.
وقد أشير إلى ذلك في قوله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَة [الحاقة : 13 - 15].)قال السيد المحدّث الجزائري : إن النفخة الأولى التي هي للهلاك تأتي الناس بغتة وهم في أسواقهم وطلب معايشهم، فإذا سمعوا صوت الصور تقطعت قلوبهم وأكبادهم من شدّته فيموتوا دفعة واحدة فيبقى الجبار جل جلاله فيأمر عاصفة فتقطع الجبال من أماكنها وتلقيه- في البحار، وتفور مياه البحار وكلُّ ما في الأرض وتسطح الأرض كلها للحساب، فلا يبقى جبل ولا شجر ولا بحر ولا وهدة ولا تلعة، فتكون أيضاً بيضاء حتى أنه روى لو وضعت بيضة في المشرق رأيت في المغرب.وإلى ذلك أشار بقوله : (فيصير صلدها سراباً رقرقاً أي يصير صلبها مثل السراب المترقرق المتحرك.)(ومعهدها قاعاً سملقاً أي ما كان منها معهداً للناس ومنزلاً لهم أرضاً خالية صفصفاً مستوية ليس للجبل فيها أثر.)وقد أشير إلى هذين في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجَبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسَفًا * فَيَدْرُهَا قاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمَتَا [طه: 105 - 107]، وفي قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ * بُسّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثا) [الواقعة 5-6]، وقوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ اَلجَبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا [المزمل : 14] وقد مضى تفسير هذه الآيات وجملة مما ينفع في هذا المقام في شرح الفصل الثالث من الخطبة المائة والثامنة، هذا.
ولما ذكر جملة من أهوال يوم القيامة وأفزاعها وشدائدها رتب على ذلك قوله : (فلا شفيع يشفع ولا حميم يدفع ولا معذرة تنفع) تنبيهاً بذلك على أنه لا ملجأ من أها ويلها ولا منجا ترغیباً به على ملازمة التقوى التي هي الغرض الأصلي من سوق هذا الفصل والنتيجة لتمهيد تلك المقدمات لأنها المعاذ والملاذ والملجأ والمنجا من هذه الأهاويل القائدة للآخذ بها والملازم عليها إلى أكنان الدعة وأوطان السعة وغرفات الجنان ومنازل الرضوان كما قال تعالى: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام: 51].
وقد أشير إلى عدم الشفيع والحميم في قوله تعالى في سورة الشعراء: يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ ولا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وأزلِفَتِ الجَنَّةُ الْمُتَّقِينَ * وبُرِزَتِ الْجَحِيمُ للغَاوِينَ [88 - 91] إلى قوله حكاية عن الغاوين: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ وَلَا صَدِيق حميم) [الشعراء:
100 - 101]. قال أمين الإسلام الطبرسي: أي لا ينفع المال والبنون أحداً إذ لا يتهيأ لذي مال أن يفتدي من شدائد ذلك اليوم به ولا يتحمل من صاحب البنين بنوه شيئاً من معاصيه إلا من أتى الله بقلب سليم من الشرك والشك.
وروي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : هو القلب الذي سلم من حب الدنيا، ويؤيده قولُ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «حب الدنيا رأس كل خطيئة» (1).
وأزلفت الجنة للمتقين أي قربت لهم ليدخلوها، وبرزت الجحيم للغاوين أي أظهرت وكشف الغطاء عنها للضالين عن طريق الحق والصواب.
ثم أظهر الغاوون الحسرة فقالوا : فما لنا من شافعين يشفعون لنا ويسألون في أمرنا، ولا صديق حميم أي ذي قرابة يهمه أمرنا أي ما لنا شفيع من الأباعد ولا صديق من الأقارب، وذلك حين تشع الملائكة والنبيون والمؤمنون.
وأشير إلى عدم نفع المعذرة في سورة الروم بقوله: فَيَوْمَئذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتبُونَ [57] أي لا ينفع الظالمين اعتذارهم لعدم تمكنهم من الاعتذار، ولو اعتذروا لم يقبل عذرهم ولا يطلب منهم الإعتاب والرجوع إلى الحق، وفي سورة المؤمن: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُم اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [52] أي إن اعتذروا من كفرهم لم يقبل منهم وإن تابوا لم تنفعهم التوبة.
قال الطبرسي: وإنما نفى أن تنفعهم المعذرة في الآخرة مع كونها نافعة في دار الدنيا، لأن الآخرة دار الإلجاء إلى العمل والملجأ غير محمود على العمل الذي ألجأ إليه، ولهم اللعنة والبعد من الرحمة ولهم سوء الدار جهنم وبئس القرار نعوذ بالله من غضب الجبار (2).
إعلم أن ظاهر قوله : فلا شفيع يشفع ولا حميم يدفع عموم انتفاء الانتفاع بالشفيع والحميم يوم القيامة على ما هو مقتضى القاعدة الأصولية المقررة من إفادة النكرة في سياق النفي للعموم، لكن الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة قد قامت على التخصيص.
أما القرابة فقد وردت في الأخبار الكثيرة المستفيضة أن كل سبب ونسب منقطع يوم
القيامة إلا سبب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونسبه.
وأما الشفاعة فلا خلاف بين علماء الإسلام بل صارت من ضروري دين سيد الأنام أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يشفع يوم القيامة لأمته بل لسائر الأمم أيضاً.
وإنما الخلاف في أن الشفاعة هل هي لطلب مزيد الأجر وجلب زيادة المنفعة فم بالمؤمنين المطيعين المستحقين للثواب فقط، أو لدفع مضرّة العقوبة أيضاً فتعم المجرمين المستحقين للعقاب؟.
فأكثر العامة على عدم اختصاصها بأحد الفريقين وذهب الخوارج والوعيدية من المعتزلة إلى اختصاصها بالفرقة الأولى.
والذي ذهبت إليه أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم من دون خلاف بينهم هو عدم الاختصاص، وقالوا : إنه تنال الشفاعة للمذنبين من الشيعة ولو كان من أهل الكبائر.
والذي دلت عليه أخبارهم أيضاً عدم اختصاص الشفيع برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بل الأئمة الهداة من ذريته وكذا ابنته الصديقة الكبرى سلام الله عليها وعليهم تترى أيضاً شفعاء دار البقاء بل المستفاد من بعض الأخبار أن علماء الشيعة والصالحين منهم أيضاً يشفعون.
إذا عرفت ذلك فلا بأس بإيراد بعض الآيات والأخبار الواردة في هذا الباب، فأقول :
قال أمين الإسلام في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: وَعَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُوداً [الإسراء : 79] معناه : يقيمك ربك مقاماً محموداً يحمدك فيه الأولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة تشرف فيه على جميع الخلائق تُسأل فتُعطى، وتُشفع فتقفع.)وقد أجمع المفسرون على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة، وهو المقام الذي يشفع فيه للناس وهو المقام الذي يعطى فيه لواء الحمد فيوضع في كفّه ويجتمع تحته الأنبياء والملائكة فيكون أول شافع وأول مشفّع.وقال علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية : حدثني أبي عن الحسن بن الحسن بن محبوب عن سماعة عن أبي أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : سألته عن شفاعة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم القيامة، قال: يلجم الناس يوم القيامة بالعرق فيقولون : انطلقوا بنا إلى آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشفع لنا، فيأتون آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيقولون : اشفع لنا عند ربك، فيقول : إن لي ذنباً وخطيئة فعليك بنوح، فيأتون نوحاً فيردهم إلى من يليه ويردّهم كل نبي إلى من يليه حتى ينتهوا إلى عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيقول : عليكم بمحمد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فيعرضون أنفسهم عليهم ويسألونه فيقول: «انطلقوا»، فينطلق بهم إلى باب الجنة ويستقبل باب الرحمن ويخر ساجداً فيمكث ما شاء الله فيقول الله: ارفع رأسك واشفع)
تشفّع وسل تعط، وذلك قول الله عزّ وجل: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودا [الإسراء: 79](1.)وروى علي بن إبراهيم أيضاً عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن معاوية وهشام عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «لو قمت المقام المحمود الشفعت في أبي وأمي وعمي وأخ كان لي في الجاهلية» (2).)وفي (الصافي عن العياشي عن أحدهما (عَلَيهِما السَّلَامُ) في هذه الآية قال :«هي الشفاعة».)وفيه عن (روضة الواعظين عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)قال : «هو المقام الذي أشفع لأمتي».)قال : وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «إذا قمت المقام المحمود تشفعت في أصحاب الكبائر من أمتي فيشفعني الله فيهم والله لا تشفعت فيمن أذى ذرّيتي» (3).)وقال الطبرسي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه [سبا : 23] إنه لا تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن رضيه الله وارتضاه وأذن له في الشفاعة مثل الملائكة والأنبياء والأولياء، ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له فيكون مثل قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) [الأنبياء: 28]، وإنما قال سبحانه ذلك لأن الكفار كانوا يقولون : نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فحكم الله ببطلان اعتقاداتهم (4).)وفي (تفسير علي بن إبراهيم في هذه الآية قال : لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله يوم القيامة حتى يأذن الله له إلا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإن الله قد أذن له الشفاعة من قبل يوم القيامة والشفاعة له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وللأئمة من ولده ثم بعد ذلك للأنبياء صلوات الله عليهم وعلى محمد وآله.)قال: حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار عن أبي العباس المكبر قال :دخل مولى لامرأة علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ على أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقال له : أبو أيمن فقال: يا أبا جعفر تغترّون الناس وتقولون شفاعة محمد شفاعة محمد، فغضب أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى تريد وجهه ثم قال : ويحك يا أبا أيمن أغرّك أن عف بطنك وفرجك أما لو قد رأيت أفزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويلك، فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار)
ثم قال: ما أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يوم القيامة. ثم قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الشفاعة في أمته ولنا شفاعة في شيعتنا ولشيعتنا شفاعة في أهاليهم، ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإن المؤمن ليشفع حتى لخادمه ويقول: يا ربّ حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد (1).)وقال الطبرسي في قوله عزّ وجل: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم : 87] أي لا يقدرون على الشفاعة فلا يشفعون ولا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض، لأن تلك الشفاعة على وجهين: أحدهما أن يشفع للغير، والآخر أن يستدعي الشفاعة من غيره لنفسه، فبين سبحانه أن هؤلاء الكفار لا تنفذ شفاعتهم لغيرهم ولا شفاعة لهم لغيرهم، ثم استثنى سبحانه فقال : ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا) أي لا يملك الشفاعة إلا هؤلاء، وقيل : لا يشفع إلا لهؤلاء والعهد هو الإيمان والإقرار بوحدانية الله تعالى وتصديق أنبيائه، وقيل: هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن يتبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله.)وفي (الصافي من (الكافي) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إلا من دان الله بولاية أمير المؤمنين والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) من بعده فهو العهد عند الله.)وفيه من الجوامع عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال لأصحابه ذات يوم:)«أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً؟»، قالوا : وكيف ذاك؟ قال : «يقول : اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عبدك ورسولك، وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشرّ وتباعدني من الخير، وأني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً توفينه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع وضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيدخلون الجنة» (2).)وقال الطبرسي في قوله تعالى: ﴿فَما لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100 -101] في الخبر المأثور عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: «إن الرجل يقول في الجنة : ما فعل صديقي وصديقه في الجحيم؟ فيقول الله تعالى : أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار فما لنا من شافعين ولا صديق حميم» (3).)
وقال وروى العياشي عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : والله لنشفعن لشيعتنا والله لنشفعن لشيعتنا والله لنشفعن لشيعتنا حتى يقول الناس : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرّة فتكون من المؤمنين. وفي رواية أخرى حتى يقول عدوّنا.)وعن أبان بن تغلب قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول : إن المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته فيشفع فيهم حتى يبقى خادمه فيقول ويرفع سبابتيه : يا رب خويدمي كان يقيني الحرّ والبرد، فيشفع فيه (1).)وفي (الصافي من المحاسن عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): الشافعون الأئمة والصديق من المؤمنين والله لنشفعن في المذنبين من شيعتنا حتى يقول أعداؤنا إذا رأوا ذلك : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم (2).)وفيه من (الكافي عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): وأن الشفاعة لمقبولة ولا تقبل في ناصب، وإن المؤمن ليشفع في جاره وما له حسنة فيقول: يا ربّ جاري كان يكف عني الأذى، فيشفع فيه فيقول الله تبارك وتعالى : أنا ربك وأنا أحق من كافى عنك، فيدخله الله الجنة وما له حسنة، وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً فعند ذلك يقول أهل النار : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم (3).)ولنقتصر بذلك في هذا المقام ونسأل الله سبحانه بمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وآله الكرام (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن يثبتنا على القول الثابت في الحياة الدنيا وأن يخرجنا منها إلى الدار الأخرى بموالاة أئمة الهدى وأن لا يحرمنا من شفاعتهم الكبرى يوم لا ينفع مال ولا ينون ولا يدفع صديق حميم إلا من أتى الله بقلب سليم، إنه الغفور الرحيم ذو الفضل العظيم.)
### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن بزرگوار است در حمد و ثنای الهی و وصیت به تقوی و پرهیزکاری می فرمایدسپاس خدا را است آن چنان خدایی که آشکار کرد از آثار پادشاهی خود و بزرگی بزرگواری خود آن چیزی را که متحیر گردانید دیدههای عقلها را از مقدورات عجیبه خود و دفع نمود خطورات فکرهای نفسها را از شناسایی حقیقت صفت خود.و شهادت میدهم به این که معبود به حقی نیست مگر خدا شهادتی از روی اعتقاد جازم ثابت، خالص از شوب ریا ملازم طاعات و عبادات و شهادت می دهم که محمد بن عبدالله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بنده خالص او است و پیغمبر او است، فرستاد او را در حالتی که نشانهای هدایت مندرس بود و راههای دین محو شده بود پس آشکار کرد حق را و نصیحت کرد خلق را و هدایت نمود به راه راست و امر نمود به عدل و قسط ؛ صلوات خدا بر او و بر اولاد او باد.)و بدانید ای بندگان خدا که به تحقیق خدا خلق نفرموده شما را عبث و بی فایده و رها نکرده شما را سر خود، دانسته است مقدار نعمتهای خود را بر شما و شمرده است انعام خود را انعام خود را بر شما پس طلب فتح طلب فتح و نصرت کنید از او و طلب فوز به مقصود نمایید از او و متوجه شوید به سوی او در مطالب و طلب بخشش او،کنید پس نبریده است شما را از او پرده ای و بسته نشده است از شما نزد او هیچ دری و به درستی که او در هر مکان و در هر وقت و زمان حاضر و با هر انسان و جان مصاحب.صدمه نمیرساند کرم او را بخشش و عطا و نقصان نمی رساند خزانه احسان او را کرم او و تمام نمی نماید بحر عطای او را هیچ سؤال کننده ای و به پایان نمی رساند نعمتهای او را هیچ عطیهای پیچیده نمی نماید او را شخصی از شخصی و مشغول نمی گرداند او را آوازی از آوازی و مانع نمی شود او را
بخششی از ربودنی و روگردان نمی سازد او را غضبی از رحمتی و حیران نمی گرداند او را رأفتی از عذابی و پنهان نمی دارد پنهانی ذات او از آشکاری آثار او و منقطع نمی سازد ظهور آثار او از خفاى ذات او نزديك شد به مخلوقات با علم و قیومیت پس دور شد از ایشان به حسب ذات و بلند شد به همه چیز با استیلا و سلطنت، پس نزديك شد به ایشان با علم و احاطه و ظاهر شد پس از کثرت ظهور خفا به هم رساند و مخفی گشت پس در خفایش آشکار گردید و لنعم ما قيل :از همگان بی نیاز و بر همه مشفق***وز همه عالم نهان و بر همه پیداو جزا داد به همه عباد و جزا داده نشد و خلق نفرمود خلق را با جولان فکر و تدبیر و طلب اعانت نجست از ایشان به جهت عجز و ضعفى.وصیت میکنم شما را ای بندگان خدا به تقوی و پرهیزکاری خدا پس به درستی که آن تقوی افساری است مانع از دخول هلاکتها و قوام دین شما با او است، پس بچسبید به ریسمان های محکم او و چنگ بزنید به حقیقت های آن یعنی اعتقادات حقه یقینیه که راجع میسازد شما را به مکانهای راحت و وطنهای با وسعت و حصارهای محکم و منزلهای عزت، در روزی که شاخص می شود در آن آن دیدهها و تاريك تاريك میشود به سبب شدت آن روز اطراف عالم و معطل و بی صاحب می ماند در آن روز شتران کم شیر که از مدت حمل او ده ماه گذشته باشد و نزديك به زاییدن شود.و دمیده شود در صور اسرافیل پس مضمحل و هلاک میشود هر قلب و لال میشود هر زبان و ذلیل میشود کوههای بلندبالا و سنگهای سخت محکم، پس می گردد سنگهای صلب آنها مثل سراب متحرك و قرارگاههای آنها زمین خالی هموار بی بلند بلند و پست پس نباشد شفیعی که شفاعت نماید و نه خویشی که دفع عذاب کند و نه عذری که منفعت بخشد
## ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو المائة والخامس والتسعون من المختار في باب الخطب)### إشارة:بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَمٌ قائِمٌ، ولا مَنارٌ ساطع، ولا مَنْهَجٌ واضِحٌ.أُوصيكُمْ عِبادَ الله بِتَقْوَى الله، وأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيا فَإِنَّها دارُ شُخُوص، ومَحَلَّةُ تَنْغيص. ساكِنُها طَاعِنٌ، وقاطِنُها بائِنٌ، تَمِيدُ بِأَهْلِها مَيَدانَ السَّفِينَةِ بِأَهْلِها، تَقْصِفُهَا العَواصِفُ فِي لُجَجِ البحار، فَمِنْهُمُ الغَرِقُ الوَبِقُ، ومِنْهُمُ النَّاجِي عَلى مُتُونِ الأَمْواجِ، تَحْفِرْهُ الرِّياحُ بِأَذْيَالِها، وتَحْمِلُهُ عَلى أَهْوالِها، فَما غَرِقَ مِنْها فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكِ، وَمَا نَجَى مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكٍ.عِبادَ الله الآنَ فَاعْمَلُوا وَالأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ، والأَبْدَانُ صَحيحَةٌ، والأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ، والمُنْقَلَبُ فسيحٌ، والمَجالُ عَريضٌ قَبْل إزهاق الفَوْتِ، وحُلُولِ المَوْتِ، فَحَقَّقُوا عَلَيْكُم نُزُولَهُ، وَلا تَنتَظِرُوا قُدُومَهُ.### اللغة(العلم محرّكة ما ينصب في الطريق ليهتدى به ويقال أيضاً للجبل أو الجبل المرتفع والجمع أعلام، و (المنار) موضع النور والمسرجة كالمنارة وأصلها منورة وجمعه مناور وذو المنار أبرهة تبع بن الرّايش لأنه أول من ضرب المنار على طريقه في مغازيه ليهتدي به إذا رجع.)و (سطح الشيء من باب منع سطوعاً ارتفع و (شخص) من باب منع أيضاً شخوصاً خرج من موضع إلى غيره و (نغص) الرجل من باب فرح لم يتم مراده، والبعير لم يتم شربه وأنغص الله عليه العيش ونقصه كدّره فتنغصت معيشته تكدرت.)و (قصفه يقصفه قصفاً كسره، وفي بعض النسخ : تصفقها بدل تقصفها من الصفق وهو الضرب يسمع له صوت ومنه صفق يده على يده صفقاً وصفقة أي ضرب يده على يده وذلك عند وجوب البيع.)و (اللجج جمع لجّة وهي معظم البحر و (غرق) غرقاً من باب فرح فهو غرق و (ويق) من باب وعد ووجل وورث وبوقاً وموبقاً هلك فهو وبق و (حفزه) يحفزه من باب ضرب دفعه من خلفه وبالرمح طعنه وعن الأمر أزعجه وأعجله وحفز الليل النهار ساقه.)و (اللدن واللدنة اللين من كل شيء، والجمع لدان ولدن بالضم، والفعل لدن من باب كرم لدانة ولدونة أي لان و (رهقه) من باب فرح غشيه ولحقه أو دنا منه سواء أخذه أو لم يأخذه، والإرهاق أن يحمل الإنسان على ما لا يطيقه.)
### الإعرابجملة (تحفزه في محلّ النصب على الحال من الناجي، وقوله : فإلى مهلك متعلق بمقدّر خبر (ما)، وقوله : (الآن) منصوب على الظرف مقدم على عامله وهو قوله : فاعملوا، وجملة: (والألسن مطلقة) مع الجملات الأربع التالية في موضع النصب حال من فاعل فاعملوا وقوله : (قبل إرهاق الفوت)، يجوز تعلقه بعريض وبقوله فاعملوا والأول أقرب لفظاً، والثاني أنسب معنى.)### المعنىإعلم أن هذه الخطبة مشوقة للوصية بالتقوى والتنفير من الدنيا بذكر معايبها المنفرة عنها، وللأمر بالأعمال الصالحة والمبادرة إليها قبل لحوق الفوت ونزول الموت، وقبل أن يشرع في الغرض افتتح بذكر بعثة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لكونها أعظم ما منّ الله به على عباده حيث أنها مبدأ جميع الآلاء والنعماء على الآخرة، ومنشأ السعادة الدائمة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):)(بعثه حين لا علم من أعلام الدين (قائم) واستعاره للأنبياء والمرسلين لأنه يستدل بهم في سلوك طريق الآخرة كما يستدل بالأعلام في طرق الدنيا.)(ولا منار للشرع المبين (ساطع) إستعاره لأولياء الدين وقادة اليقين لأنه يهتدى بهم ويقتبس من علومهم وأنوارهم في ظلمات الجهالة كما يهتدى بالمنار في ورطات الضلالة.)وأشار بعدم سطوع المنار وقيام العلم إلى خلق الأرض من الرّسل والحجج وانقطاع الوحي حين بعثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، لأنه كان زمان فترة كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الثامنة والثمانين: أرسله على حين فترة من الرسل وطول هجعة من الأمم - إلى قوله - والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور، وقد مضى في شرحها ما ينفعك المراجعة إليه في هذا المقام)(ولا منهج لليقين (واضح) وأشار به إلى اندراس نهج الحق وانطماس طريق السلوك إلى الله وكون الناس في خبط وضلالة وغفلة وجهالة)ثم شرع بالوصية بالتقوى والتحذير من الدنيا فقال : (أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها اليوم الحرز والجنّة وغداً الطريق إلى الجنة (وأحذركم الدنيا فإنها) ظل زائل وضوء آفل وسناد مائل (دار شخوص) وارتحال (ومحلة تنغيص) وتكدير لتكدّر عيشه بالآلام والأسقام (ساكنها ظاعن) مرتحل (وقاطنها بائن) مفترق يعني أن الساكن فيها ليس بساكن في الحقيقة، والمقيم بها منتقل عنها البتة.)وذلك لما بينا في تضاعيف شرح الخطب السابقة أنها في الحقيقة سفر الآخرة وهي
الوطن الأصلي للإنسان فهو من أول يوم خرج من بطن أمه ووضع قدمه في هذه النشأة دائماً في حركة وإزبال وإزداف وانتقال وينقضي عمره شيئاً فشيئاً يبعد من المبدأ ويقرب من المنتهى فسكونها نفس زوالها، وإقامتها نفس إرتحالها، وبقاؤها عين انتقالها، ووجودها حدوثها وتجددها فناؤها، فإنها عند ذوي العقول كفىء الظل، بينا تراه سابغاً حتى قلص، وزايداً حتى نقص.ثم ضرب للدنيا وأهلها مثلاً عجيباً بقوله: (تميد بأهلها ميدان السفينة بأهلها حال كونها (تقصفها) القواصف وتصفقها (العواصب) من الرياح (في لجج البحار) الغامرات المتلاطمة التيار المتراكمة الزخار، وهو من تشبيه المركب بالمركب على حد قول الشاعر :)وكان أجرام النجوم طوالعاً***دور نشرن علی بساط أزرقشبه (عَلَيهِ السَّلَامُ الدنيا بالسفينة التي في اللجج حال كونها تضربها الرياح الشديدة العاصفة، وشبّه أهل الدنيا بأهل السفينة، وشبّه تقلباتها بأهلها بالهموم والأحزان والغموم والمحن بميدان السفينة واضطرابها بأهلها وشبه الأمراض والآلام والعلل والأسقام ونحوها من الإبتلاءات الدنيوية الموجبة للهموم والغموم بالرياح العاصفة الموجبة لاضطراب السفينة ووجه الشبه أن راكبي السفينة في لجج البحار الغامرة عند هبوب الريح العاصفة والزعزع القاصفة كما لا ينفكون من علز القلق وغصص الجرض، فكذلك أهل الدنيا لا ينفكون من مقاسات الشدائد وألم المضض)وأيضاً (فـ كما أن راكبي السفينة بعدما انكسرت بالقواصف على قسمين: قسم (منهم الغرق الوبق) الهالك في غمار البحر (و) قسم (منهم الناجي) من الغرق على بعض أخشاب السفينة وألواحها (على متون الأمواج) المتلاطمة المتراكمة (تحفزه) وتدفعه (الرياح) العاصفة والزعازع القاصفة (بأذيالها) من جنب إلى جنب (وتحمله على أهوالها) وتسوقه من رفع إلى خفض ومن خفض إلى رفع.)فكذلك أهل الدنيا ينقسم إلى قسمين: أحدهما الهالك عاجلاً بغمرات الآلام وطوارق الأوجاع والأسقام والثاني الناجي من الهلاك بعد مكابدة تعب الأمراض ومقاساة مرارة العلل.وأيضاً (فـ كما أن (ما غرق منها) أي من السفينة وأراد به الغريق من أهلها مجازاً (فليس بمستدرك) أي ممكن التدارك (وما نجى منها) أي الناجي من أهلها (فـ) عاقبته (إلى مهلك) أي إلى الهلاك وإن عاش يسيراً.)فكذلك أهل الدنيا من مات منهم لا يتدارك ولا يعود ومن حصل له البرء والشفاء من
مرضه ونجا من الموت عاجلاً فماله إليه لا محالة آجلاً وإن تراخى أجله قليلاً.والغرض من هذه التشبيهات كلها التنفير عن الدنيا والتنبيه على قرب زوالها وتكدّر عيشها ومرارة حياتها ليرغب بذلك كله إلى العمل للدار الآخرة، ولذلك فرع عليه قوله :(عباد الله الآن فاعملوا أي بادروا العمل واستقربوا الأجل ولا يغرنكم طول الأمل (والألسن مطلقة) متمكنة من التكلم بما هو فرضها من القراءة والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها قبل ثقلها واعتقالها بالمرض الحائل بينها وبين منطقها كما في حالة الاحتضار.)والأبدان (صحيحة مقتدرة على الإتيان بالتكاليف الشرعية قبل سقمها وعجزها منها.)(والأعضاء والجوارح (الدنة) لينة ببضاضة الشباب وغضارة الصحة قادرة على القيام بالطاعات والحسنات قبل يبسها بنوازل السقم وعجزها بحواني الهرم.)(والمنقلب فسبح أي محل الانقلاب والتصرف وسيع لأن الخناق مهمل والروح مرسل في راحة الأجساد وباحة الاحتشاد.)(والمجال عريض لانفساح الحوية وإمكان تدارك الذنوب بالتوبة قبل الضنك والضيق والروع والزهوق.)(و قبل إرهاق الفوت وقدوم الغائب المنتظر (وحلول الموت) وأخذة العزيز المقتدر.)(فحققوا عليكم نزوله ولا تستبطؤوه (ولا تنتظروا قدومه) ولا تسوّفوه وهو أمر بالاستعداد للموت والمبادرة إلى أخذ الزاد له ولما بعده)يقول : إن الموت قد أظلكم وأشرف عليكم فكأنه قد أدرككم ونزل إلى ساحتكم فلا يغرنكم الأمل ولا يطولنّ بكم الأمد، فبادروا إلى الصالحات واستبقوا الخيرات وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها الأرض والسماوات، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا يغرّه الآمال، ولا تلهيه الأمنيات، إنه الموفّق والمعين.
### الترجمةاز جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است در اشارت به بعثت و وصیت به تقوی و تحذیر از دنیا، می فرماید:مبعوث فرمود حضرت،پروردگار رسول مختار را در زمانی که نبود هیچ علمی بر پا و نه منارهای بلند و نه راهی روشن.وصیت میکنم شما را ای بندگان خدا به تقوی و پرهیزکاری خدا و می ترسانم شما را از دنیای بیوفا پس به درستی که آن دنیا خانه رحلت است و محله،کدورت ساکن او کوچ کننده است و مقیم او جدا شونده مضطرب میشود به اهل خود مثل اضطراب کشتی در حالتی که سخت بوزد به آن کشتی تندبادها در گردابهای دریاها پس بعضی از اهل آن کشتی غرق وهلاك شونده باشند و بعضی دیگر نجات یابنده بر بالای موجها در حالتی که براند او را بادها با دامنهای خود و بردارد او را به جاهای هولناك دریا پس کسی که غرق شده از آن،کشتی درك نمی شود و کسی که نجات یافته از آن پس عاقبت کار او به هلاکت است.ای بندگان خدا پس مواظب عمل باشید این زمان در حالتی که زبانها سلامت است و بدنها صحیح است و عضوها تر و تازه و مکان تصرّف وسیع است و مجال عبادت فراخ پیش از احاطه وفات و حلول ممات پس محقق انگارید به خودتان حلول آن را و منتظر نباشید به قدم و آمدن آن.
## ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ وهي المانة والسادسة والتسعون من المختار في باب الخطب)### إشارة:ولَقَدْ عَلِمَ المُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحاب مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلى الله وَلاَ عَلَى رَسُولِهِ ساعَةً قَطّ، وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي المَواطِن الّتي تَنكُصُ فِيهَا الأَبْطالُ، وتَتَأَخَّرُ فِيهَا الأَقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِي الله بها، وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وَإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلى صَدْرِي، وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي، فَأَمْرَرْتُها عَلى وَجْهِي، ولَقَدْ وَلَّيْتُ غُسْلَهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ - والمَلائِكَةُ أَعْوَانِي، فَضَجَّتِ الدّارُ والأَغْنِيَةُ، مَلاَءٌ يَهْبِطُ، ومَلاَءٌ يَعْرُجُ، وَما فارَقَتْ سَمْعي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وارَيْناهُ في ضَرِيحِه، فَمَنْ ذا أَحَقُّ بِهِ مِنّي حَيّاً وميتاً، فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ، وَلْتَصْدُقُ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهادِ عَدُوِّكُمْ، فَوَالَّذِي لا إلهَ إِلا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جادَّةِ الحَقِّ، وإِنَّهُمْ لَعَلى مَزلَّةِ الباطِلِ، أَقُولُ ما تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ الله لي وَلَكُمْ.)### اللغة(المستحفظون بصيغة المفعول من استحفظه الشيء أي أودعه عنده وطلب منه أن يحفظه فهو مستحفظه وذاك مستحفظ و (واسيته) من المواساة، يقال : واسيته وآسيته وبالهمزة أفصح و (نكص) عن الشيء نكوصاً من باب قعد أحجم عنه، ونكص على عقبيه رجع، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبيهِ) [الأنفال : 48]. و (النجدة) البأس والشدة والشجاعة و (النفس) بسكون الفاء الدم وبالتحريك واحد الأنفاس و (فناء) الدار وزان كساء ما اتسع أمامها أو ما امتد من جوانبها والجمع أفنية وفنى و (الضجيج) الصياح عند المكروه والجزع و (الهينمة) بفتح الهاء الصوت الخفي، وقيل: الكلام الخفي لا يفهم و (الضّريح) القبر أو الشق وسطه والأول هو المراد هنا و (المزلة) الموضع الذي تزل فيه قدم الإنسان كالمزلقة.
(الواو) في قوله : (و) لقد في المواضع الخمسة كلها للقسم والمقسم به محذوف واللام جواب القسم، قوله : (نجدة)، منصوب على المفعول له والعامل واسيته قال الشارح المعتزلي: منصوب على المصدر والعامل محذوف والأول أظهر.
وقوله : (ملاء يهبط وملاء يعرج)، مرفوعان بالابتداء ولا يضرّ كونهما نكرتين لتضمن الفائدة العظيمة، وجملة: (وما فارقت)، في محل النصب على الحال من فاعل يهبط ويعرج، وجملة: (يصلّون) استثنافية بيانية وتحتمل الانتصاب محلاً على الحالمن هيمنة أي ما فارقت
سمعي هينمتهم حال كونهم يصلّون والأول أولى لاحتياج الثاني إلى نوع تكلف، وقوله : (حياً وميتاً)، حالان من الضمير المجرور في به (والفاء) في قوله : (فانفذوا)، فصيحة.
إعلم أن هذه الخطبة الشريفة مسوقة لبيان جملة من مناقبه الجميلة وخصائصه المختصة به المفيد لمزيد اختصاصه برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقربه منه استدلالاً بذلك على أنه أحق وأولى بالخلافة والقيام مقامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنه على الحق وغيره على الباطل وغرضه منه تنبيه المخاطبين على وجوب إطاعته فيما يأمرهم به من جهاد الأعداء المبطلين.
إذا عرفت ذلك فأقول : إنه ذكر خمساً من فصائله وصدر كلاً بالقسم البار تأكيداً للغرض المسوق له الكلام وتنبيهاً على أن اتصافه بها جميعاً حق لا يعتريه ريب ولا يدانيه شك.
أولها : ما أشار إليه بقوله : (ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أني لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعة قطّ) المراد بالمستحفظون خيار الصحابة المطلعون على أسرار رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسيرته ومعجزاته وكراماته وعهوده ومواثيقه والملاحم الواقعة في زمانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونحو ذلك مما يتعلق به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، في نفسه وفي أوصيائه وأتباعه من الأمور المعظمة التي يهتم بها في الشريعة ولها مدخل في قوام أركان الدين وإعلاء لواء الشرع المبين الذين كلفوا بحفظ ذلك كله وأمروا بأن يبلغوها ويؤدّوها في مقام الضرورة والحاجة.
وإنما خص علم ما ذكره بهؤلاء مع عدم اختصاصه بهم لأن هؤلاء بمقتضى تصلبهم في الدين لا يكتمون الشهادة ولا يغيّرونها ولا يبدلونها في مقام الحاجة للأغراض الدنيوية الفاسدة كما كتمها جمع منهم مثل زيد بن أرقم وأنس بن مالك ونظرائهم.
كما روى في (البحار من الخصال والأمالي) عن جابر الجعفي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال :
خطبنا علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن قدام منبركم هذا أربعة رهط من أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منهم أنس بن مالك والبراء بن عازب الأنصاري والأشعث بن قيس الكندي وخالد بن يزيد البجلي. ثم أقبل بوجهه على أنس بن مالك فقال :
يا أنس إن كنت سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله حتى يبتليك ببرص لا تغطيه العمامة
وأما أنت يا أشعث فإن كنت سمعت من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو يقول: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله حتى يذهب بكريمتيك.
وأما أنت يا خالد بن يزيد إن كنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله إلا ميتة جاهلية.
وأما أنت يا براء بن عازب إن كنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم لم تشهد لي بالولاية فلا أماتك الله إلا حيث هاجرت منه (1).
قال جابر بن عبد الله الأنصاري: والله لقد رأيت أنس بن مالك قد ابتلي ببرص يغطيه بالعمامة فما يستتره.
ولقد رأيت الأشعث بن قيس وقد ذهبت كريمتاه وهو يقول : الحمد لله الذي جعل دعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعمى في الدنيا ولم يدع عليّ بالعذاب في الآخرة فأعذب.
وأما خالد بن يزيد فإنه مات فأراد أهله أن يدفنوه وحفر له في منزله فسمعت بذلك كندة فجاءت بالخيل والإبل فعقرتها على باب منزله فمات ميتة جاهلية.
وأما البراء بن عازب فإنه ولاه معاوية اليمن فمات بها ومنها كان هاجر.
فقد ظهر بذلك أن المستحفظين هم المكلفون بحفظ الأمور المهمة المعتد بها في أمر الدين ؛ وأن تخصيصهم بالعلم لعدم كتمانهم لما حملوه لو رجع الخاطئون إليهم.
وأما أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما ردّ على الله ورسوله أبداً فهو معلوم محقق لا خفاء فيه، بل من ضروریات المذهب لملكة العصمة المانعة من مخالفته الله ولرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وقال الشارح المعتزلي والظاهر أنه يرمز في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط إلى أمور وقعت من غيره كما جرى يوم الحديبية عند سطر كتاب الصلح، فإن بعض الصحابة أنكر ذلك وقال : يا رسول الله ألسنا المسلمين؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «بلی»، قال: أو ليسوا الكافرين؟ قال بلى قال فكيف نعطي الدنية من دنيانا والله لو أجد أعواناً لم
1) الخصال 219 ح 44، والأمالي 184 ح 190.
أعط الدنية أبداً، فقال أبو بكر لهذا القائل : ويحك الزم غرزه فوالله إنه لرسول الله وإن الله لا يضيعه ثم قال له: أقال لك أنه سيدخلها هذا العام؟ قال: لا، قال: فسيدخلها. فلما فتح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكة وأخذ مفاتيح الكعبة دعاه فقال : «هذا الذي وعدتم به» (1).
قال الشارح: واعلم أن هذا الخبر صحيح لا ريب فيه، والناس كلهم رووه وليس عندي بقبيح ولا بمستهجر أن يكون سؤال هذا الشخص رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عما سأله عنه على سبيل الاسترشاد والتماساً لطمأنينة النفس. فقد قال الله تعالى لخليله إبراهيم : أَوَلَمْ تُؤْمِنَ قَالَ بَلَى وَلَكِن ليَطْمَئنَّ قَلبي قَالَ [البقرة: 260].
وقد كانت الصحابة تراجع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الأمور وتسأله عما يثبتهم عليها وتقول له : أهذا منك أم من الله؟
وأما قول أبي بكر له : إلزم غرزه فوالله أنه لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فإنما هو تأكيد وتثبيت على عقيدته التي في قلبه ولا يدلّ ذلك على الشك، فقد قال الله تعالى لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (وَلَوْلَا أَن ثَبِّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) [الإسراء: 74] وكل أحد لا يستغني عن زيادة اليقين والطمأنينة.
قال : وقد كانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذه القصة كقوله : دعني أضرب عنق أبي سفيان، وقوله : دعني أضرب عنق عبد الله ابن أبي وقوله : دعني أضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة ونهى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن التسرع إلى ذلك وجذبه ثوب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين قام على جنازة ابن سلول يصلّي وقوله تستغفر لرأس المنافقين.
وليس في ذلك جميعه ما يدل على وقوع القبيح منه وإنما كان الرجل مطبوعاً على الشدة والشراسة والخشونة، وكان يقول ما يقول على مقتضى السجية التي طبع عليها، وعلى أي حال كان فلقد نال الإسلام بولايته وخلافته خيراً كثيراً، انتهى (2).
أقول : مراد الشارح بهذا الرجل الذي حكى عنه هذه الأباطيل هو عمر بن الخطاب، وإنما ترك التصريح باسمه ملاحظة لجانبه، ولقد عكس في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): فصيرها في حوزة خشناء، من الخطبة الثالثة وقال هناك قال عمر للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لم تقل لنا ستدخلونها في ألفاظ نكره حكايتها حتى شكاه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أبي بكر وحتى قال له أبو بكر: الزم بغرزه فوالله إنه لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، انتهى.
فصرح باسمه وطوى عن تحصيل مقاله وفضول كلامه استكراهاً واستهجاناً لما صدر منه من الردّ والمخالفة وإساءة الأدب على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستحياء منه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ولكن غير خفي على المنصف البعيد عن العصبية والهوى أن شناعة ما صدر من هذا الرجل لا يمكن أن يتدارك بالستر والكتمان والإبهام عن اسمه تارة والإجمال عن هذيانه أخرى، ونعم ما قيل:
ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر
فلقد صدر منه من القول الشنيع القبيح ما هو أشدّ وأعظم من ذلك، وهو ما قاله لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مرضه الذي مات فيه لما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً»، فقال عمر : إن الرجل ليهجر (1).
وفي (البحار) من المجلد الثاني من (صحيح مسلم) فقال : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يهجر (2).
وأما ما اعتذر به الشارح عن مثالبه بأنه ليس بقبيح أن يكون سؤال هذا الرجل على سبيل الإسترشاد والتماساً لطمأنينة النفس.
ففيه أنه لو كان غرضه الإسترشاد دون الإعتراض لاكتفى بما سمعه من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له وأمسك عن فضول كلامه ولم يغضبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى يشكوا إلى أبي بكر، فعلم بذلك أنه أراد التعريض والاعتراض كما علم عدم جواز قياس سؤاله بسؤال الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كان غرضه منه الطمأنينة كما صرح به بقوله : بلى ولكن ليطمئن قلبي، وستعرف مزيد توضيحه بما نحكيه من (البحار) في التنبيه الآتي.
وأما سؤال سائر الصحابة عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الأمور وقولهم له: أهذا من الله أو منك ؟
ففيه أن سؤالهم ذلك أيضاً كان ناشئاً عن جهالتهم، لأنهم لو كانوا معتقدين بما أنزل الله في حقه من قوله: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى [النجم: 3-4]) ومذعنين بأن جميع ما يقوله ويفعله بوحي من الله سبحانه وإذن منه عزّ وجل، لم يكن لهم حاجة إلى السؤال، ولسلّموا في جميع أفعاله وأقواله تسليماً.)وأما التمثيل على نفي الشك عن عمر بقوله تعالى : ﴿وَلَوْلَا أَن نَبِّتْنَاكَ لَقَدْ كِدثَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا.)
ففيه أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قد قامت الأدلة القاطعة من العقل والنقل على عصمته وعلى رسوخه في الدين، والآية وإن كان الخطاب فيها ظاهراً متوجهاً إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا أن المراد بها أمته قبيل إياك أعني واسمعي يا جارة.)وعلى إبقائه على ظاهره فالمراد بتثبيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ هو تثبيته بالنبوة والعصمة والألطاف الخفية الإلهية، لما قد دللنا على أنه كان معصوماً، وأما عمر فأي دليل على أنه لم يكن شاكاً في الدين حتى يقال : إن قول أبي بكر له فوالله إنه لرسول الله لم يكن لأجل الشك بل لتثبيته على عقيدته، فافهم جيداً.)وأما دنس جذبه بثوب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ حين إرادته الصلاة على ابن سلول فلا يطهره النيل ولا الرّس.)إذ فيه من القباحة والمخالفة والاعتراض وسوء الأدب والتعريض ما لا مزيد عليه.مضافاً إلى قوله : كيف تستغفر لرأس المنافقين؟ أكان رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم والعياذ بالله جاهلاً بتكليفه الشرعي فعلمه عمر، وقد كان معالم الدين منه ظهرت وأحكام الشرع المبين منه أخذت، وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شارعها وصادعها ؟!.)وقيامه على جنازة ابن سلول وصلاته عليه إما من جهة أداء حق ولده وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول فلقد كان مؤمناً.وإما من جهة أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ صلى عليه لا ترحماً له بل دعا عليه بالنار والعذاب ولم يكن به يأس (1).)وأما استغفاره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فلكونه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مخيراً مخيّراً بين الاستغفار وعدم الاستغفار)ويوضح ما ذكرناه ما رواه في (الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لما مات عبد الله بن أبي سلول حضر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جنازته، فقال عمر لرسول الله : يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فسكت. فقال : يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فقال له: «ويلك وما يدريك ما قلت؟ إني قلت: اللهم احش جوفه ناراً واملأ قبره ناراً وأصله ناراً، قال أبو عبد الله صلوات الله عليه : فأبدى من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما كان يكره (2).)وفي (الصافي من تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لهَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ)
لهم إن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَةٌ فَلَن يغفر اللهُ لَهُمْ [التوبة : 80] أنها نزلت لما رجع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى المدينة ومرض عبد الله بن أبي وكان ابنه عبد الله مؤمناً فجاء إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبوه يجود بنفسه فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن لم تأت أبي كان ذلك عاراً علينا، فدخل عليه رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) والمنافقون عنده فقال ابنه عبد الله بن عبد الله : يا رسول الله استغفر له، فاستغفر له فقال عمر: ألم ينهك يا رسول الله أن تصلي عليهم وتستغفر لهم؟ فأعرض عنه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأعاد عليه، فقال له : ويلك إني خيرت إن الله يقول استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، الآية. فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله أرأيت تحضر جنازته، فحضر رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وقام على قبره فقال له عمر : يا رسول الله أو لم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبداً وأن تقوم على قبره؟ فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ويلك وهل تدري ما قلت؟ إنما قلت اللهم احش قبره ناراً وجوفه ناراً واصله ناراً»، فبدا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما لم يكن يحب (1).
وفي (الصافي) عن العياشي عن الباقر أن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال لابن عبد الله بن أبي : «إذا فرغت من أبيك فأعلمني»، وكان قد توفي فأتاه فأعلمه فأخذ رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) نعليه للقيام، فقال له عمر: أليس قد قال الله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره؟ فقال له : «ويلك أو ويحك إنما أقول: اللهم املأ قبره ناراً واملأ جوفه ناراً، واصله يوم القيامة ناراً».
وفي رواية أخرى أنه أخذ بيد ابنه في الجنازة فمضى فتصدى له عمر ثم قال : أما نهاك ربك عن هذا أن تصلي على أحد منهم مات أبداً أو تقوم على قبره؟ فلم يجبه، فلما كان قبل أن ينتهوا به إلى القبر أعاد عمر ما قاله أولاً، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعمر عند ذلك : «ما رأيتنا صلينا له على جنازة ولا قمنا له على قبر».
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن ابنه رجل من المؤمنين وكان يحق علينا أداء حقه»، فقال عمر: أعوذ بالله من سخط الله وسخطك يا رسول الله (2).
قال في (الصافي) بعد إيراد هذه الروايات :
أقول : وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيباً كريماً كما قال الله عزّ وجل فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق فكان يكره أن يفتضح رجل من أصحابه ممن يظهر الإيمان، وكان يدعو
على المنافق ويورّى أنه يدعو له، وهذا معنى قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) العمر : «ما رأيتنا صلينا له على جنازة ولا قمنا له على قبر»، وكذا معنى قوله في حديث القمي: خيرت فاخترت، فوری (عَلَيهِ السَّلَامُ) باختيار الاستغفار.
وأما قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيه : «فاستغفر له» فلعله استغفر لابنه لما سأل لأبيه الاستغفار وكان يعلم أنه من أصحاب الجحيم، ويدل على ما قلنا قوله : فبدا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما لم يكن يحبّ انتهى.
فقد اتضح بما ذكرنا كل الوضوح نكتة قيام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على قبر ابن سلول وصلاته عليه، وعلّة ما صدر منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الاستغفار.
ومع الغضّ عن ذلك أيضاً فهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أعلم بعلل ما يقول ويفعل، وبوجوه المصالح الكامنة فيما يأتي ويأمر به، فلا حق للجلف الجافي ابن حنتمة وأمثاله من الأوغاد الطعام أن يعترضوا على سيد الأنام ورسول الملك العلام عليه وآله آلاف التحية والإكرام.
وأما ما اعتذر به الشارح المعتزلي أخيراً من أن الرجل كان مطبوعاً على الشدة والشراسة والخشونة وكان يقول ما يقول على مقتضى سجيته التي طبع عليها.
فقد تقدم جوابه في شرح الفصل الثاني من الخطبة الشقشقية.
ومحصل ما قلناه هناك : إن خشونة سجيته وجفاوة طبيعته إن كانت بالغة إلى مرتبة لم يبق له معها اختيار في الإمساك عن فضول كلامه وسقطات لسانه والكف عن هجره وهذيانه، فيتوجه عليه أن من كان كذلك يعدّ في زمرة المجانين فكيف يصلح لإمامة الأمة وخلافة النبوة؟.
وإن لم تكن بالغة إلى تلك المرتبة فذلك الاعتذار لا يدفع عنه العار والشنار كما لم يدفع عن إبليس استحقاق النار وسخط الجبار ولم يرفع عنه لؤم الاستكبار حين استكبر بمقتضى الجيلة النارية واعتذر به في قوله : خلقتني من نار وخلقته من طين بل استحق اللعنة والإبعاد إلى يوم الدين وخلّد في الجحيم في الجحيم أبد الآبدين.
وأما قول الشارح: وعلى أي حال كان فلقد نال الإسلام بولايته وخلافته خيراً كثيراً.
فيه أنه هب أن إنهاض الجيوش وبعث العساكر وفتح بعض البلاد كان في زمان خلافته بأمره، ولكن إذا كان أصل الخلافة باطلة حسبما عرفته في تضاعيف الشرح مراراً فأي ثمر أخروي له في هذه الخيرات النائلة منه إلى الإسلام على فرض تسليمها لأنه عزَّ وجل إنما يتقبل من المتقين بل كل ما صدر منه في أيام ولايته وخلافته ومخالفته الله ولرسوله كان عليه وزراً ووبالاً دون أن يكون له ثواباً ونوالاً.
كمطعمة الرّمان مما زنت به***جرت مثلاً للخائن المتصدق
فقال لها أهل البصيرة والتقى***لك الويل لا تزني ولا تتصدّق
بل لو قيست سيئة من سيئاته وهي غصب الخلافة من آل بيت الرسول وإحراقه لباب ابنته البتول وما كان بأمره من كسر ضلعها وسقوط جنينها، وما نشأت من تلك الشجرة الملعونة الخبيثة وثمرته من أعظم الظلم في وقعة الطف الذي لا يتصور ظلم فوقه، إلى سيئات جميع الأمة لرجحت عليها، فضلاً عن سائر جرائمه وبدعاته ومحدثاته التي بقيت على صفحات الأيام، واستمرت إلى يوم القيامة والقيام فليحملن أوزارها كاملة ومن أوزار الذين بها يعملون، وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون.
الثانية ما أشار إليه بقوله : (ولقد واسيته في المواطن التي تنكص) وترجع (فيها الأبطال) والأنجاد (وتتأخر فيها الأقدام) من أجل (نجدة) وشجاعة (أكرمني الله بها) وجعلها مخصوصة بي وآثرني بها على غيري.
قال الشارح المعتزلي وهذا يعني المواساة مما اختص (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفضيلته غير مدافع ثبت معه يوم أحد وفرّ الناس وثبت معه يوم حنين وفرّ الناس، وثبت تحت رايته يوم خيبر حتى فتحها وفرّ من كان بعث من قبله.
أقول : أول مواساته عليه وآله آلاف التحية والثناء مبيته على فراش خاتم الأنبياء حتى باهى الله به ملائكة السماء، فوهب نفسه الله تعالى وبذلها لنبيه المصطفى وبات على فراشه لينجو به من كيد الأعداء، ويتم له بذلك السلامة والبقاء وينتظم له به الغرض في الدعاء إلى الحنيفية البيضاء، فكان ذلك سبب نجاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبقائه وحقن دمه حتى صدع بأمر ربه.
ولولاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما تم لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التبليغ والأداء ولا استدام له العمر والبقاء ولظفر به الحسدة والأعداء، فلما أصبحوا وعرفوا تفرّقوا عنه وانصرفوا وقد ضلّت لهم الحيل وانقطع بهم الأمل، وانتقض ما بنوه من التدبير وخابت لهم الظنون.
وكان بذلك انتظام الإيمان وإرغام الشيطان وخذلان أهل الكفر والعدوان، وهذه منقبة لم يشركه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها أحد من أهل الإسلام، وقد أنزل فيه محكم التبيان وهو قول الله: وَمِن النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مرضات الله والله رَءُوفٌ بالعباد [البقرة : 207].)وأما مواساته له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في مواطن جهاده، ومواطن جده واجتهاده، ومقامات جداله بالسنّة الأسنة وجلاده، فهو فوق حد الإحصاء، متجاوز عن حدّ العد والاستقصاء.)منها غزوة بدر التي هدّت قوى الشرك وقذفت طواغيته في قليب الهلك، ودوّخت مردة الكفار، وسقتهم كاسات الدمار والبوار ونقلتهم من القليب إلى النار.
فيومها اليوم الذي لم يأت الدهر بمثله، وأفاض الله فيه من أحسن فضله، أنزل فيه الملائكة لتأييد رسوله تفضيلاً له على جميع رسله وحباه من علوّ القدر ما لم ينله أحد من قبله، وأشرب صناديد قريش كأس أسره وقتله، وجبرئيل ينادي: أقدم حيزوم لإظهار دينه على الدين كله، وأمير المؤمنين كان فارس تلك الملحمة فما تُعدّ الأسد الغضاب بشسع نعله، ومسعر تلك الحرب العوان ينصب على الأعداء انصباب السحاب وويله، ونار سطوته ونجدته تتسعر تسعر النار في دقيق الغضا وجزله.وقد عرفت في شرح الفصل الثامن من الخطبة المائة والحادية والتسعين أن نصف القتلى في تلك الوقعة وكانوا سبعين رجلاً كان قتيله باشر بنفسه قتله من دون شركة غيره له.ومنها غزوة أحد.قال في (كشف الغمة في حديث عمران بن حصين، قال:)لما تفرق الناس عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ جاء علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) متقلّداً بسيفه حتى قام بين يديه فرفع رأسه إليه وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له : «ما لك لم تفرّ مع الناس؟» فقال: يا رسول الله أرجع كافراً بعد إسلامي، فأشار إلى قوم انحدروا من الجبل، فحمل عليهم فهزمهم فجاء جبرئيل، وقال: يا رسول الله قد عجبت الملائكة من حسن مواساة علي لك بنفسه، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ما يمنعه من ذلك وهو مني وأنا منه؟» فقال جبرئيل : وأنا منكما.)وفيه عن زيد بن وهب قال : قلت لابن مسعود انهزم الناس عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ حتى لم يبق معه إلا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو دجانة وسهل ؟ قال : انهزم الناس إلا علي وحده وثاب إلى رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) نفر كان أولهم عاصم بن ثابت وأبو دجانة وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة بن عبيد الله فقلت :له فأين كان أبو بكر وعمر ؟ قال : كانا فيمن تنحى، فقلت: فأين كان عثمان؟ قال: جاء بعد ثالثة من الوقعة فقال له رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «لقد ذهبت فيها عريضة»، قلت: فأين كنت ؟ قال فيمن تنحى، قلت: فمن حدثك بهذا؟ قال : عاصم بن ثابت وسهل بن حنيف قلت : إن ثبوت علي في ذلك المقام لعجب قال : إن تعجب منه فقد تعجبت منه الملائكة أما علمت أن جبرئيل قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء : لا سيف إلا ذو الفقار لا فتى إلا علي فقلنا : ومن أين علم أن جبرئيل قال ذلك؟ قال : سمع الناس النداء بذلك وأخبرهم به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).)قال (كاشف الغمة: وروي عن عكرمة قال : سمعت علياً يقول : لما انهزم الناس عن)
1) الإرشاد 86/1، ومناقب آل أبي طالب 315/2.
رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يوم أحد لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي وكنت أضرب بسيفي بين يديه فرجعت أطلبه فلم أره فقلت ما كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليفر وما رأيته في القتلى وأظنه رفع من بيننا إلى السماء، فكسرت جفن سيفي وقلت لأقتلن به حتى أقتل وحملت على القوم فأفرجوا فإذا أنا برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد وقع مغشياً عليه، فنظر إليّ وقال: «ما فعل الناس يا علي»؟ قلت كفروا يا رسول الله وولوا الدبر وأسلموك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال: «ردّهم عني»، فحملت عليهم أضربهم يميناً وشمالاً حتى فرّوا، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أما تسمع مديحك في السماء، إن ملكاً اسمه رضوان ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي»، فبكيت سروراً وحمدت الله على نعمته.)قال : وقد ذكر أهل السيّر قتلى أحد من المشركين وكان جمهورهم قتلي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ وانصرف المشركون إلى مكة وانصرف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى المدينة فاستقبلته فاطمة ومعها إناء فيه ماء فغسل به وجهه ولحقه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد خضب الدم يده إلى كتفه ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة وقال خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):)أفاطم هاك السيف غیر ذميمفلست بر عديد ولا بمليمأميطي دماء الكفر عنه فإنهسفا آل عبد الدار كأس حميملعمري لقد أعذرت في نصر أحمد***وطاعة ربّ بالعباد علیموقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «خذيه يا فاطمة فقد أدّى بعلك ما عليه وقد قتل الله صناديد قریش بیده» (1).)ومنها غزوة الأحزاب المعروفة بغزاة خندق (2.)قال المفيد في (الإرشاد : وقد روى قيس بن الربيع قال : حدثنا أبو هارون العبدي في ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت : يا أبا عبد الله إنا لنتحدث عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة : إنكم لتفرطون في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهل أنت تحدّثني بحديث فيه؟ قال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن علي ؟ فوالذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال أصحابمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في كفّة الميزان منذ بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)في الكفّة الأخرى لرجح عمل علي على جميع أعمالهم، فقال ربيعة : هاذ الذي لا يقام ولا يقعد فقال حذيفة يا لكع، وكيف لا يحمل وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم عمرو بن عبدود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا)
علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ، فإنه برز إليه وقتله الله على يده والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى يوم القيامة.)قال في (كشف الغمة: رأيت في بعض الكتب أن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال حين بارز علي عمرو بن عبدود: «خرج الإسلام كله إلى الشرك كله» (1).)قال: وروي أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ : وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويّاً عزيزاً.قال : وفي قتل عمرو يقول حسان بن ثابت :أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغيبجنوب يثرب غارة لم تنظرفلقد وجدت سيوفنا مشهورةولقد وجدت جيادنا لم تقصرولقد رأيت غداة بدر عصبةضربوك ضرباً غير ضرب المحشرأصبحت لا تدعى ليوم عظيمةيا عمرو أو لجسيم أمر منكرقال : ولما بلغ شعر حسان بني عامر أجابه فتى منهم فقال يرد عليه فخره :كذبتم وبيت الله لا تقتلونناولكن بسيف الهاشميين فافخروابسيف ابن عبد الله أحمد في الوغابكف علي نلتم ذاك فاقصروافلم تقتلوا عمرو بن ود ولا ابنهولكنه الكف الجسور الغضنفرعليّ الذي في الفخر طال بناؤهفلا تكثروا الدعوى علينا فتحقرواببدر خرجتم للبراز فردكمشیوخ قریش جهرة وتأخروافلما أتاهم حمزة وعبيدةوجاء علي بالمهند يخطرفقالوا: نعم أكفاء صدق وأقبلواإليهم سراعاً إذ بغوا وتجبروافجال عليّ جولة هاشميةفدمرهملما عتوا وتكبروافليس لكم فخر علينا بغيرنا***وليس لکم فخر يعدّ ويذكرومنها غزوة وادي الرمل وتسمى غزوة ذات السلسلة.وقد كان الفتح فيها الأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ خاصة بعد أن كان فيها من غيره من الإفساد ما كان وفيها نزل على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سورة (والعاديات) فتضمنت ذكر ما فعله أمير المؤمنين فيها.)
1) الإرشاد 1 / 103، وحلية الأبرار 159/2.
قال (المفيد : روي عن أم سلمة قالت: كان نبي الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً في بيتي إذ انتبه فزعاً من منامه فقلت له : الله جارك، قال: «صدقت والله جاري لكن هذا جبرئيل يخبرني أن علياً قادم»، ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقام المسلمون له صفين مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلما بصر بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ترجل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبلهما، فقال له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «اركب فإن الله تعالى ورسوله عنك راضيان، فبكى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرحاً وانصرف إلى منزله، وتسلّم المسلمون الغنائم - إلى أن قال - ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له : «يا علي لولا أنني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملاء منهم إلا أخذوا التراب من تحت قدميك».)ومنها غزوة الحُدَيْبِيَّة.وفيها أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فقال له يا محمد إن أرقاءنا لحقوا بك فارددهم علينا، فغضب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتى تبين الغضب في وجهه ثم قال : «لتنتهن يا معاشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلاً امتحن الله قلبه بالإيمان يضرب رقابكم على الدين»، فقال بعض من حضر يا رسول الله أبو بكر ذلك الرجل؟ قال: «لا»، قال : فعمر؟ قال: «لا، ولكنه خاصف النعل في الحجرة»، فتبادر الناس إلى الحجرة ينظرون من الرجل فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). رواه المفيد في (الإرشاد)، ورواه في (كشف الغمة) و (صحيح الترمذي) ونحوه (1).)ومنها غزوة خَيْبَر.قال المفيد : ثم تلت الحديبية خيبر وكان الفتح فيها لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ بلا ارتياب فظهر من فضله في هذه الغزاة ما أجمع عليه نقلة الرواة وتفرّد فيها مناقب لم يشركه فيها أحد من الناس.)وقال كاشف الغمة : قال ابن طلحة وتلخيص المقصد فيها على ما ذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتاب (السيرة النبوية يرفعه بسنده عن ابن الأكوع قال :)بعث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أبا بكر برايته وكانت بيضاء إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد، ثم بعث عمر بن الخطاب فكان كذلك، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار»، قال سلمة : فدعا علياً وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال : «خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله)
1) الإرشاد 124/1.
عليك»، فخرج يهرول وأنا خلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع عليه يهودي من الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي : علوتم حصننا وما أنزل على موسى، أو كما قال فما رجع حتى فتح الله على يديه (1.)ومنها فتح مكة.قال المفيد (رَحمهُ اللّه: وفيما ذكرناه من أعمال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، في قتل من قتل من أعداء الله بمكة وإخافة من أخاف ومعونة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على تطهير المسجد من الأصنام وشدّ بأسه في الله وقطع الأرحام في طاعة الله عزّ وجل أول دليل على تخصيصه من الفضل بما لم يكن لأحد منهم سهم فيه حسبما قدمناه.)ومنها غزوة حنين.فاستظهر فيها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بكثرة الجمع، فخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومعه عشرة آلاف من المسلمين فظنّ أكثرهم أنهم لن يغلبوا لما شاهدوا من كثرة جمعهم وعددهم وعدتهم، وأعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال : لن نغلب اليوم من قلة فكان الأمر بخلاف ما ظنوه وعانهم أبو بكر.)فلما التقوا لم يلبثوا وانهزموا بأجمعهم فلم يبق مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إلا تسعة من بني هاشم وعاشرهم أيمن بن أم أيمن وقتل رحمه الله وثبت التسعة الهاشميون رئيسهم أمير المؤمنين ورجعوا بعد ذلك وتلاحقوا وكانت الكرّة لهم على المشركين، فأنزل الله في إعجاب أبي بكر بالكثرة : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَليّتُم مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة : 25 - 26] يريد عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن ثبت معه من بني هاشم.)قال (كاشف الغمة بعد شرح هذه الغزوة فانظر إلى مفاخر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه)الغزاة ومناقبه، وجل بفكرك في بدائع فضله وعجائبه واحكم فيها برأي صحيح الرأي صائبه، وأعجب من ثباته حين فرّ الشجاع على أعقابه، ولم ينظر في الأمر وعواقبه، واعلم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أحق بالصحبة حين لم ير مفارقة صاحبه، وتيقن أنه إذا حمّ الحمام لم ينتفع المرء بغير أهله وأقاربه، فإذا صح ذلك عندك بدلائله وبيناته و ذلك عندك بدلائله وبيناته وعرفته بشواهده وعلاماته فاقطع أن ثبات من ثبت من نتائج ثباته، وأنهم كانوا أتباعاً له في حروبه ومقاماته، وأن رجوع من رجع من هزيمته فإنما كان عندما بان لهم من النصر وأماراته (2).)
قال الشارح الفقير هذا قليل من كثير ويسير من جم غفير من مناقبه ومفاخره ومجاهداته ومواساته لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أوردته باقتضاء المقام وشرحاً لمعنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولقد واسيته في المواطن التي تنكص فيها الأبطال وتتأخر فيها الأقدام.)وكم له (عَلَيهِ السَّلَامُ من الآثار والمناقب والأخبار التي لا تستر والمفاخر والفضائل والمجاهدات المثبتة في كتب التواريخ والسير، وكم له من المزايا والخلال والبلاء المذكور في النّزال، ولا صدرت منه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هذه الأفعال إلا عن نجدة وشجاعة تذلّ لها الأبطال، وتقل لديها الأهوال ولا تقوم بوصفها الأقلام والأقوال ولا يحتاج في إثباتها إلى تجسّم الاستدلال، وعلى الجملة والتفصيل فمقام بأسه ونجدته لا ينال وماذا بعد الحق إلا الضلال.)الثالثة ما أشار إليه بقوله : (ولقد قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وإن رأسه لعلى صدري) قيل : لعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسنده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى صدره عند اشتداد مرضه وقيل : إنه كان رأسه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على ركبته فيكون رأسه في صدره عند إكبابه عليه والأول أظهر.)ويؤيده ما في (البحار عن أمالي الشيخ عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : كنت(1)عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مرضه الذي قُبض فيه، وكان رأسه في حجري والعباس يذبّ عن وجه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأغمي عليه إغماء ثم فتح عينه فقال : «يا عباس يا عم رسول الله اقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي»، فقال العباس : يا رسول الله أنت أجود من الريح المرسلة وليس في مالي وفاء لدينك وعداتك، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك ثلاثاً يعيده عليه والعباس في كل ذلك يجيبه بما قال أول مرة.)قال: فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «لأقولنها لمن يقبلها ولا يقول يا عباس مثل مقالتك»، فقال: «يا علي إقبل وصيتي واضمن ديني و عداتي».)قال: فخنقتني العبرة وارتج جسدي ونظرت إلى رأس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يذهب ويجيء في حجري، فقطرت دموعي على وجهه ولم أقدر أن أجيبه، ثم ثنّى فقال: «إقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي» قال: قلت: نعم بأبي أنت وأمي، قال: «أجلسني»، فأجلسته فكان ظهره في صدري، فقال: «يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة، ووصبي وخليفتي في أهلي» (2).)ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يا بلال هلم سيفي ودرعي وبغلتي وسرجها ولجامها ومنطقتي التي أشدّ بها على درعي»، فجاء بلال بهذه الأشياء فوقف بالبغلة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فقال: «يا)
علي قم فاقبض»، فقال : قمت وقام العباس فجلس مكاني، فقمت فقبضت ذلك، فقال: «انطلق به إلى منزلك»، فانطلقت ثم جنت فقمت بين يدي رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم قائماً فنظر إلي ثم عمد إلى خاتمه فنزعه ثم دفعه إليّ فقال: هاك يا علي هذا لك في الدنيا والآخرة والبيت غاص من بني هاشم والمسلمين.)فقال: «يا بني هاشم يا معشر المسلمين، لا تخالفوا عليّاً فتضلوا ولا تحسدوه فتكفروا يا عباس قم من مكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ»، فقال : تقيم الشيخ وتجلس الغلام؟ فأعادها ثلاث مرات، فقام العباس فنهض مغضباً وجلست مكاني.)فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يا عباس يا عم رسول الله لا أخرج من الدنيا وأنا ساخط عليك فيدخلك سخطي عليك النار»، فرجع وجلس.)ومن (الأمالي أيضاً عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث قال :)فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يا علي أجلسني»، فأجلسته وأسندته إلى صدري قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلقد رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليثقل ضعفاً وهو يقول يسمع أهل البيت أعلاهم وأدناهم : إن أخي ووصيّي ووزيري وخليفتي في أهلي علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يقضي ديني، وينجز وعدي يا بني هاشم يا بني عبد المطلب، لا تبغضوا عليّاً ولا تخالفوا عن أمره فتضلوا ولا تحسدوه وترغبوا عنه فتكفروا، أضجعني يا علي فأضجعته الحديث (1).)وفي (البحار من الأمالي أيضاً بإسناده عن ابن أبي رافع عن علي بن أبي طالب قال :)دخلت على نبي الله وهو مريض، فإذا رأسه في حجر رجل أحسن ما رأيت من الخلق والنبي نائم فلما دخلت عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال الرجل : ادن إلى ابن عمك فأنت أحق به منى فدنوت منهما فقام الرجل وجلست مكانه ووضعت رأس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حجري كما كان في حجر الرجل، فمكث ساعة.)ثم إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ استيقظ فقال : «أين الرجل الذي كان رأسي في حجره؟» فقلت: لما دخلت عليك دعاني إليك ثم قال : ادن إلى ابن عمّك فأنت أحق به مني، ثم قام فجلست مكانه. فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «فهل تدري من الرجل؟» قلت لا بأبي وأمي فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ذاك جبرئيل كان يحدثني حتى خت عني وجعي ونمت ورأسي في حجره» (2).)
### وأما كيفية وفاته صلوات الله وسلامه عليه وآلهففي (البحار من أمالي الصدوق بإسناده عن ابن عباس قال :)لما مرض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وعنده أصحابه، قام إليه عمار بن ياسر فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله فمن يغسلك منا إذا كان ذلك منك؟ قال : «ذلك علي بن أبي طالب لأنهم لا يهم بعضو من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك».)فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله فمن يصلّي عليك منا إذا كان ذلك منك؟ قال : «مه رحمك الله».ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا ابن أبي طالب، إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني وانق غسلي وكفني في طمري هذين أو في بياض مصر حبرة وبرديمان ولا تغال في كفني واحملوني حتى تضعوني على شفير قبري، فأول من يصلّي علي الجبّار جل جلاله من فوق عرشه، ثم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله جلّ وعزّ، ثم الحاقون بالعرش ثم سكّان أهل سماء فسماء ثم جلّ أهل بيتي ونسائي الأقربون فالأقربون يؤمون إيماء ويسلمون تسليماً لا يؤذوني بصوت نادبة «نائحة خ» ولا مرنة».)ثم قال: «يا بلال هلم علي بالناس»، فاجتمع الناس فخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ متعصباً بعمامته متوكئاً على قوسه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «معاشر أصحابي أي نبي كنت لكم؟ ألم أجاهد بين أظهركم؟ ألم تكسر رباعيتي؟ ألم يعفر جبيني؟ ألم تسل الدماء على حرّ وجهي حتى كنفت لحيتي؟ ألم أكابد الشدّة والجهد مع جهال قومي؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني ؟!»)قالوا : بلى يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ولقد كنت الله صابراً، وعن منكر بلاء الله ناهياً، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء.)قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «وأنتم فجزاكم الله»، ثم قال: «إن ربي عزَّ وجل حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة إلا قام فليقتص منه فالقصاص في دار الدنيا أحب إلي من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء».)فقام إليه رجل من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك الغضباء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني فلا أدري عمداً أو خطأ.
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «معاذ الله أن أكون تعمدت»، ثم قال: «يا بلال قم إلى منزل فاطمة فائتني بالقضيب الممشوق».)فخرج بلال وهو ينادي في سكاك المدينة : يا معاشر الناس من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة، فهذا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يعطي القصاص من يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة.)وطرق بلال الباب على فاطمة عليها السلام وهو يقول يا فاطمة قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق فأقبلت فاطمة عليها السلام وهي تقول يا بلال وما يصنع والدي بالقضيب وليس هذا يوم القضيب ؟ فقال بلال : يا فاطمة أما علمت أن والدك قد صعد المنبر وهو يودّع أهل الدين والدنيا، فصاحت فاطمة عليها السلام وقالت : واغماه لغمك يا أبتاه، من للفقراء والمساكين وابن السبيل يا حبيب الله وحبيب القلوب ثم ناولت بلالاً القضيب فخرج حتى ناوله رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «أين الشيخ؟» فقال الشيخ: ها أنا ذا يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فقال : «فاقتص مني حتى ترضى»، فقال الشيخ فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله، فكشف عن بطنه فقال الشيخ بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟ فأذن له فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) من النار.)فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص؟» فقال: بل أعفو يا رسول الله، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «اللهم أعف عن سوادة بن قيس كما على عن محمد نبيك».)ثم قام رسول الله فدخل بيت أم سلمة وهو يقول: «ربّ سلّم أمة محمد من النار ويسر عليهم الحساب»، فقالت أم سلمة يا رسول الله ما لي أراك مغموماً متغير اللون؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «نعيت إلي نفسي هذه الساعة، فسلام لك في الدنيا فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمد أبداً»، فقالت أم سلمة: واحزناه حزناً لا تدركه الندامة عليك يا محمد.)ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «ادع لي حبيبة قلبي وقرة عيني فاطمة»، فجاءت فاطمة وهي تقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوفاء يا أبتاه لا تكلمني كلمة فأني أنظر إليك وأراك مفارق الدنيا وأرى عساكر الموت تغشاك شديداً.)فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لها : «يا بنية إني مفارقك، فسلام عليك مني»، قالت يا أبتاه فأين الملتقى يوم القيامة ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «عند الحساب» قالت: فإن لم ألقك عند الحساب؟ قال: «عند الشفاعة لأمتي»، قالت: فإن لم ألقك عند الشفاعة لأمتك ؟ قال : «عند الصراط جبرئيل عن يميني وميكائيل عن يساري والملائكة خلفي وقدامي ينادون ربّ سلم أمة محمد من النار ويسّر عليهم الحساب»، قالت فاطمة : فأين والدتي خديجة؟ قال: في قصر له أربعة أبواب)
إلى الجنة».ثم أُغمي على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فدخل بلال وهو يقول : الصلاة رحمك الله، فخرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وصلّى بالناس وخفّف الصلاة.)ثم قال: «ادعوا لي علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد»، فجاءا فوضع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَيده على عاتق علي والأخرى على أسامة ثم قال: انطلقا بي إلى فاطمة فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها فإذا الحسن والحسين يبكيان ويصطرخان وهما يقولان أنفسنا لنفسك الفداء، ووجوهنا لوجهك الوقاء.)فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «من هذان يا علي؟» فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إيناك الحسن والحسين فعانقهما وقبلهما وكان الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشدّ بكاء، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «كف يا حسن فقد شققت على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)».)فنزل ملك الموت قال : السلام عليك يا رسول الله قال: «وعليك السلام يا ملك الموت لي إليك حاجة»، قال وما حاجتك يا نبي الله ؟ قال : «حاجتي أن لا تفيض روحي حتى يجيئني جبرئيل فيسلم علي وأسلم عليه».فخرج مالك الموت وهو يقول : يا محمداه فاستقبله جبرئيل في الهواء فقال : يا ملك الموت قبضت روح محمد ؟ قال : لا يا جبرئيل سألني أن لا أقبضه حتى يلقاك فتسلم عليه ويسلم عليك، فقال جبرئيل : يا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتوحة لروح محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أما ترى الحور العين قد تزين لروح محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟.)ثم نزل جبرئيل فقال : السلام عليك يا أبا القاسم، فقال : «وعليك السلام يا جبرئيل، ادن مني حبيبي جبرئيل»، فدنا منه فنزل ملك الموت فقال له جبرئيل : يا ملك الموت احفظ وصية الله في روح محمد وكان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وملك الموت آخذ بروحه، فلما كشف الثوب عن وجه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ نظر إلى جبرئيل فقال له : «عند الشدائد تخذلني» فقال : يا محمد إنك ميت وإنهم ميتون كل نفس ذائقة الموت.)فروى عن ابن عباس أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في ذلك المرض كان يقول : «ادعوا لي حبيبي» فجعل يُدعا له رجل بعد رجل فيعرض عنه فقيل لفاطمة عليها السلام امضي إلى علي فما نرى رسول الله يريد غير علي. فبعثت فاطمة إلى علي فلما دخل فتح رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) عينيه وتهلل وجهه ثم قال: «إلي يا علي إلي يا علي» فما زال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يدنيه حتى أخذه بيده وأجلسه عند رأسه.)ثم أغمي عليه فجاء الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول)
الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فأراد علي أن ينحيهما عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأفاق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم قال: «يا علي دعني أشمهما ويشماني وأتزود منهما ويتزودان مني أما أنهما سيظلمان بعدي ويقتلان ظلماً فلعنة الله على من يظلمهما»، يقول ذلك ثلاثاً.)ثم مد يده إلى علي فجذبه إليه حتى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه، ووضع فاه على فيه وجعل يناجيه مناجاة طويلة حتى خرجت روحه الطيبة (صلوات الله عليه وآله.)فانسل علي من تحت ثيابه وقال : أعظم الله أجوركم في نبيكم فقد قبضه الله إليه، فارتفعت الأصوات بالضجة والبكاء، فقيل لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: ما الذي ناجاك به رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين أدخلك تحت ثيابه ؟ فقال : علمني ألف باب كل باب يفتح ألف باب(1).)قال الشارح على الله عنه : ما في هذا الحديث من قصة سوادة مناف للأصول المحكمة والأدلة القاطعة العقلية والنقلية الدالة على كون الأنبياء معصومين من السهو والخطأ والنسيان كعصمتهم من المعاصي مطلقاً حسبما عرفته تفصيلاً في شرح الفصل الثاني عشر من الخطبة الأولى،، فلا بد من تأويله على وجه لا ينافي العصمة أورده لمخالفته لأصول مذهب الإمامية، ولعل الصدوق رواه بناء على مذهبه من تجويزه السهو على النبي كما صرح به في الفقيه وغيره.وفي (كشف الغمة من كتاب أبي إسحاق الثعلبي قال :)دخل أبو بكر على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وقد ثقل فقال : يا رسول الله متى الأجل؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «قد حضر» قال أبو بكر: الله المستعان على ذلك، فإلى ما المنقلب؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إلى السدرة المنتهى والجنة المأوى وإلى الرفيق الأعلى والكأس الأوفى والعيش المهني»، قال أبو بكر: فمن يلي غسلك؟ قال: «رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى»، فقال: فقيم نكفنك؟ قال: «في ثيابي هذه التي عليّ أو في حلة يمانية أو في بياض مصر»، قال: كيف الصلاة عليك؟ فارتجت الأرض بالبكاء.)فقال لهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «مهلاً عفى الله عنكم، إذا غسلت فكفنت فضعوني على سريري في بيتي على شفير قبري ثم اخرجوا عني ساعة فإن الله تبارك وتعالى أول من يصلي علي ثم يأذن الملائكة في الصلاة علي الصلاة عليّ، فأول من ينزل جبرئيل ثم إسرافيل ثم ميكائيل ثم ملك الموت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في جنود كثير من الملائكة بأجمعها، ثم ادخلوا عليّ زمرة زمرة فصلوا عليّ وسلموا تسليماً ولا تؤذوني بتزكية ولا رنّة وليبدأ بالصلاة علي الأدنى فالأدنى من أهل بيتي، ثم النساء، ثم الصبيان زمراً».)
1) البحار : 511/22.
قال أبو بكر : فمن يدخل قبرك ؟ قال : «الأدنى فالأدنى من أهل بيتي مع ملائكة لا ترونهم قوموا فأدوا عني إلى من ورائكم فقلت للحارث بن مرة من حدثك بهذا الحديث؟ قال عبد الله بن مسعود عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)قال: كان جبرئيل ينزل على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في مرضه الذي قبض فيه في كل يوم وليلة فيقول : السلام عليك إن ربك يقرؤك السلام فيقول : كيف تجدك وهو أعلم بك ولكنه أراد أن يزيدك كرامة وشرفاً إلى ما أعطاك على الخلق وأراد أن يكون عيادة المريض سنّة في أمتك.)فيقول له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إن كان وجعاً : «يا جبرئيل أجدني وجعاً»، فقال له جبرئيل : إعلم يا محمد أن الله لم يشدد عليك وما من أحد من خلقه أكرم عليه منك، ولكنه أحب أن يسمع صوتك ودعاءك حتى تلقاه مستوجباً للدرجة والثواب الذي أعد لك والكرامة والفضيلة على الخلق.)وإن قال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «أجدني مريحاً في عافية» قال له: فاحمد الله على ذلك فإنه يحب أن تحمده وتشكره ليزيدك إلى ما أعطاك خيراً فإنه يحب أن يحمد ويزيد من يشكر.)قال : وإنه نزل عليه في الوقت الذي كان ينزل فيه فعرفنا حسّه فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: فخرج من كان في البيت غيري فقال له جبرئيل : يا محمد إن ربك يقرؤك السلام ويسألك وهو أعلم بك كيف تجدك ؟ فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أجدني ميتاً»، قال له جبرئيل: يا محمد ابشر فإن الله إنما أراد أن يبلغك بما تجد ما أعد لك من الكرامة، قال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن ملك الموت استأذن علي فأذنت له فدخل واستنظرته مجيئك»، فقال له جبرئيل : يا محمد إن ربك إليك مشتاق فما استأذن ملك الموت على أحد قبلك ولا يستأذن على أحد بعدك فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لا تبرح يا جبرئيل حتى يعود».)ثم أذن للنساء فدخلن عليه فقال لابنته: «إدني مني يا فاطمة»، فأكبّت عليه فناجاها فرفعت رأسها فعيناها تهملان دموعاً، فقال لها : «ادني مني» فدنت منه فأكتت عليه فناجاها فرفعت رأسها وهي تضحك.فتعجبنا لما رأينا فسألناها فأخبرتنا أنه نعى إليها نفسه فبكت فقال لها : «يا بنية لا تجزعي فإني سألت الله أن يجعلك أول أهل بيتي لحاقاً بي فأخبرني أنه قد استجاب لي» فضحكت.قال : ثم دعا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فقبلهما وشمّهما وجعل يترشفهما وعيناه تهملان.)
قال الشارح على الله عنه : ولقد كنت عند نقلي هذه الرواية للثعلبي كاد أن يشرح قلبي بالسكاكين مما تضمنه صدرها من شنيع فعل أبي بكر وإصراره في سؤال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ومن أجله وغسله ودفنه وكفته ومنقلبه في هذه الحال من شدّة مرضه وضعفه، وقد أحاطت به غمرات الآلام وغشيته طوارق الأوجاع والأسقام وكيف تمالك نفسه ولم تخنقه عبرته وبالغ في السؤال حتى ارتجّت الأرض بالبكاء وألجأ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى ردعه بقوله: «مهلاً، فيا الله ما أقلّ حياء الرجل وأسوء أدبه وأقسى قلبه وأقبح فعله» (1).)وفي (البحار من المناقب عن سهل بن أبي صالح عن ابن عباس أنه أغمي على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مرضه فدق بابه فقالت فاطمة من ذا؟ قال: أنا رجل غريب أتيت أسأل رسول الله أتأذنون لي في الدخول عليه؟ فأجابت: امض رحمك الله لحاجتك فرسول الله عنك مشغول.)فمضى ثم رجع فدق الباب وقال : غريب يستأذن على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أتأذنون للغرباء؟ فأفاق رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) من غشيته وقال : يا فاطمة أتدرين من هذا؟ قالت : لا يا رسول الله قال : هذا مفرّق الجماعات ومنقض «منغص» اللذات، هذا ملك الموت ما استأذن والله على أحد قبلي ولا يستأذن على أحد بعدي استأذن علي لكرامتي على الله انذني له، فقالت : ادخل رحمك الله، فدخل كريح هفافه وقال : السلام على أهل بيت رسول الله، فأوصى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالصبر عن الدنيا وبحفظ فاطمة بالصبر عن الدنيا وبحفظ فاطمة وبجمع القرآن وبقضاء دينه وبغسله وأن يعمل حول قبره حائط وبحفظ الحسن والحسين (2).)وفي (كشف الغمة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لما حضر النبي الوفاة استأذن عليه رجل فخرج إليه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : ما حاجتك؟ قال : أريد الدخول على رسول الله، فقال علي: لست تصل إليه فما حاجتك؟ فقال الرجل : أنه لا بد من الدخول عليه، فدخل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستأذن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأذن له، فدخل فجلس عند رأس رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم).)ثم قال: يا نبي الله إني رسول الله إليك، قال: «وأي رسل الله أنت؟» قال: أنا ملك الموت أرسلني إليك يخيّرك بين لقائه والرجوع إلى الدنيا، فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «فامهلني حتى ينزل جبرئيل فأستشيره».)ونزل جبرئيل فقال: يا رسول الله الآخرة خير لك من الأولي ولسوف يعطيك ربك فترضی، لقاء الله خير لك، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «لقاء ربي خير لي فامض لما أمرت به، فقال جبرئيل)
لملك الموت : لا تعجل حتى أعرج إلى السماء «ربي خ» وأهبط، قال ملك الموت: لقد صارت نفسه في موضع لا أقدر على تأخيرها، فعند ذلك قال جبرئيل: يا محمد هذا آخر هبوطي إلى الدنيا إنما كنت أنت حاجتي فيها (1.)وفي (البحار من كتاب (أعلام الورى) قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال جبرئيل : يا محمد هذا آخر نزولي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي منها، قال : وصاحت فاطمة وصاح المسلمون ويضعون التراب على رؤوسهم ومات (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من الهجرة، وروى أيضاً لاثني عشر ليلة من ربيع الأول صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً (2).)الرابعة ما أشار إليه بقوله : (ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي.)قال الشارح البحراني: أراد بنفسه دمه، يقال : إن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم قاء وقت موته دماً يسيراً وأن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسح بذلك الدم وجهه، ولا ينافي ذلك نجاسة الدم لجواز أن يخصص دم الرسول كماروى أن أبا طيبة الحجام شرب دمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين حجمه فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إذاً لا ينجع بطنك»، انتهى كلامه ومثله الشارح المعتزلي.):أقول: أما طهارة دم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فلا ريب فيها كما قال الشاعر :)فإن تفق الأنام وأنت منهم***فإن المسك بعض دم الغزالويشهد بها آية التطهير.فإن قلت: لو كان طاهراً لم حذر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أبا سعيد الخدري من شربه كمارواه في (البحار) من تفسير الإمام في حديث طويل قال فيه :)وأما الدم فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ احتجم مرة فدفع الدم الخارج قدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري وقال له : «غيبه»، فذهب فشربه فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ما صنعت به؟» قال له شربته يا رسول الله قال: «ألم أقل لك غيبه ؟» فقال له : غيبته في وعاء حريز، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إياك وأن تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرم على النار لحمك ودمك لما اختلط بلحمي ودمي» (3).)قلت: لعل تحذيره عن شربه لأجل حرمته لا لأجل النجاسة.وأما حمل النفس في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: ولقد سالت نفسه بمعنى الدم فلا يخفى بعده بل)
ضعفه والأقوى عندي أن يراد بالنفس نفسه الناطقة القدسية التي هي مبدأ الفكر والذكر والعلم والحلم والنباهة ولها خاصية الحكمة والنزاهة، فيكون محصل المراد بالكلام أن روحه الطيبة الكاملة التي هي المصداق الحقيقي لقوله : قل الروح من أمر ربي، والمقصود الأصلي بقوله : ونفخت فيه من روحي لما فارقت جسده الطاهر فاضت بيدي فمسحت بها على وجهي.ولعل هذا مراد من قال: إن المراد بسيلان النفس هبوب النفس عند انقطاع الأنفاس هذا.وإنما مسح بها على بها على وجهه إما تيمناً أو لحكمة عظيمة لا نعرفها.وإنما فعل (عَلَيهِ السَّلَامُ ذلك بوصية منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما رواه في (البحار) من مناقب ابن شهر آشوب قال: ومن طريقة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أن عائشة دعت أياها فأعرض عنه ودعت حفصة أباها فأعرض عنه ودعت أم سلمة علياً فناجاه طويلاً ثم أغمى عليه فجاء الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وأراد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن ينحيهما عنه، فأفاق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم قال : يا علي دعهما أشمهما ويشماني وأتزود منهما ويتزوّدان مني.)ثم جذب عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ تحت ثوبه ووضع فاه على فيه وجعل يناجيه، فلما حضره الموت قال له : «ضع رأسي يا علي في حجرك فقد جاء أمر الله فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ثم وجهني إلى القبلة وتولّ أمري وصل عليّ أول الناس ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي واستعن بالله عزَّ وجل».)وأخذ عليّ برأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه فبكت فاطمة فأومى إليها بالدنو منه، فأسر إليها شيئاً تهلل وجهها - القصة -.ثم قضى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و مد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يده اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثم وجهه ومد عليه إزاره واستقبل بالنظر في أمره.)وفي (البحار من كتاب أعلام الورى قضى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره (1).)الخامسة: ما أشار إليه بقوله : (ولقد وليت أي باشرت (غسله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والملائكة أعواني) باطناً، والفضل بن عباس يعينه ظاهراً، وكان مباشرته بغسله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيضاً بوصيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)
1) بحار الأنوار 524/22.
كما بدل عليه ما رواه في (البحار من المناقب عن أبان بن بطة قال يزيد بن بلال : قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أوصى النبي ألا يغسله أحد غيري فإنه لا يرى عورتي أحد إلا طمست عيناه :قال : فما تناولت عضواً إلا كأنما يقلبه معي ثلاثون رجلاً حتى فرغت من غسله.)وروى أنه لما أراد على (عَلَيهِ السَّلَامُ غسله استدعا الفضل بن عباس ليعينه وكان مشدود العينين وقد أمره علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك إشفاقاً عليه من العمى وفي هذا المعنى قال العبدي:)من ولي غسل النبي منلفقه من بعد في الكفنوقال آخر :غسّله إمام صدق طاهرمن دنس الشرك وأسباب الغيرفأورث اللّه عليّاً علمه***وكان من بعد إليه يفتقروفي (البحار من كتاب الطرف لابن طاووس نقلاً من كتاب (الوصية) للشيخ عيسى بن المستفاد الضرير عن موسى بن جعفر عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال :)قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يا علي أضمنت ديني تقضيه عني ؟» قال نعم قال «اللهم فاشهد»، ثم قال: «يا علي تغسلني ولا يغسلني غيرك فيعمى بصره»، قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولم يا رسول الله؟ قال: «كذلك قال جبرئيل عن ربي أنه لا يرى عورتي غيرك إلا عمى بصره»، قال علي : فكيف أقوى عليك وحدي؟ قال: «يعينك جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وإسماعيل صاحب السماء الدنيا» قلت : فمن يناولني الماء؟ قال : «الفضل بن العباس من غير أن ينظر إلى شيء مني فإنه لا يحل له ولا لغيره من الرجال والنساء النظر إلى عورتي، وهي حرام عليهم، فإذا فرغت من غسلي فضعني على لوح وأفرغ علي من بئري بثر غرس أربعين دلواً مفتحة الأبواب» أو قال: «أربعين قربة» شككت أنا في ذلك، «ثم ضع يدك يا علي على صدري واحضر معك فاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) من غير أن ينظروا إلى شيء من عورتي ثم تفهم عند ذلك تفهم ما كان وما هو كائن إن شاء الله».)ومن كتاب (فقه الرضا وقال جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أوصى إلى علي أن: «لا يغسلني غيرك»، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا رسول الله من يناولني الماء، وإنك رجل ثقيل لا أستطيع أن أقلبك؟ فقال: «جبرئيل معك يعاونك ويناولك الفضل الماء، وقل له فليغط عينيه فإنه لا عورتي یری أحد عورتي غيرك إلا انفقات عيناه»، قال : كان الفضل يناوله الماء وجبرئيل يعاونه وعليّ يغسله (1).)
1) كفاية الأشر 125، وبحار الأنوار 302/78.
وقوله : (فضحت الدار والأفنية ملاء يهبط وملاء يعرج نسبة الضجيج إلى الدار والأقنية من التوسع والإسناد إلى المكان والمراد به ضجيج الملائكة النازلين فيهما حين موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبكاؤهم عليه مثل ضجيج سائر الحاضرين لديه.)ويشهد على ذلك ما في (البحار من كتاب الطرف لابن طاووس في الحديث الذي قدمنا روايته آنفاً وفيه بعد قوله : «تفهم ما كان وما هو كائن»: «أقبلت يا علي؟» قال: نعم قال : «اللهم فاشهد».)قال: «يا علي ما أنت صانع لو قد تأمر القوم عليك بعدي وتقدّموا عليك وبعث إليك طاغيتهم يدعوك إلى البيعة ثم لبيت بثوبك تقاد كما يقاد الشارد من الإبل مذموماً مخذولاً محزوناً مهموماً وبعد ذلك ينزل بهذه الذل».قال : فلما سمعت فاطمة ما قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ صرخت وبكت، فبكى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لبكائها وقال: «يا بنية لا تبكين ولا تؤذين جلساءك من الملائكة، هذا جبرئيل بكى لبكائك وميكائيل وصاحب سرّ الله إسرافيل يا بنية لا تبكين فقد بكيت السماوات والأرض لبكائك».)فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: يا رسول الله انقاد للقوم وأصبر على ما أصابني من غير بيعة لهم ما لم)أصب أعواناً لم أناجز القوم، فقال رسول الله «اللهم اشهد» (1.)وفيه من الكتاب المذكور أيضاً من كتاب الوصية لعيسى الضرير عن موسى بن جعفر عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ قال :)لما كانت الليلة التي قبض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في صبيحتهما دعى علياً وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأغلق عليه وعليهم الباب وقال : «يا فاطمة»، وأدناها منه فناجاها من الليل طويلاً، فلما طال ذلك خرج علي ومعه الحسن والحسين وأقاموا بالباب والناس خلف الباب ونساء النبي ينظرون إلى علي ومعه إبناه.)فقالت عائشة : لأمر ما أخرجك منه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وخلا بابنته دونك في هذه الساعة؟)فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: قد عرفت الذي خلا بها وأرادها له وهو بعض ما كنت فيه وأبوك وصاحباه مما قد سماه فوجمت أن ترد عليه كلمة.)قال علي فما لبثت أن نادتني فاطمة عليها السلام دخلت على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وهو)
1) الصراط المستقيم 93/2.
يجود بنفسه فبكيت ولم أملك نفسي حين رأيته بتلك الحال يجود بنفسه.فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لي: «ما يبكيك يا علي ليس هذا أوان البكاء فقد حان الفراق بيني وبينك فاستوعدك الله يا أخي فقد اختار لي ربي ما عنده، وإنما بكائي وغمّي وحزني عليك وعلى هذه - أي فاطمة - أن تضيع بعدي، فقد أجمع القوم على ظلمكم وقد استودعكم الله وقبلكم مني وديعة يا علي قد أوصيت فاطمة ابنتي بأشياء وأمرتها أن تلقيها إليك فأنفذها فهي الصادقة المصدّقة».)ثم ضمها إليه وقبل رأسها وقال : «فداك أبوك يا فاطمة»، فعلا صوتها بالبكاء ثم ضمها إليه وقال : «والله لينتقمن الله ربي وليغضبن لغضبك، فالويل ثم الويل للظالمين» ثم بكى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)وقال علي : فوالله لقد حسبت بضعة مني قد ذهبت لبكائه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ حتى هملت عيناه مثل المطر حتى بلت دموعه لحيته وملاءة كانت عليه وهو يلتزم فاطمة لا يفارقها ورأسه على صدري وأنا مسنده والحسن والحسين يقبلان قدميه ويبكيان بأعلى أصواتهما.)قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: فلو قلت أن جبرئيل في البيت لصدقت لأني كنت أسمع بكاء ونغمة لا أعرفها وكنت أعلم أنها أصوات الملائكة لا أشك فيها، لأن جبرئيل لم يكن في مثل تلك الليلة يفارق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولقد رأيت بكاء منها أحسب أن السماوات والأرضين قد بكت لها.)ثم قال لها : «يا بنية الله خليفتي عليكم وهو خير خليفة».«والذي بعثني بالحق لقد بكى لبكائك عرش الله وما حوله من الملائكة والسماوات والأرضون وما بينهما».«يا فاطمة والذي بعثني بالحق لقد حرّمت الجنة على الخلائق حتى أدخلها وأنك لأول خلق الله يدخلها بعدي كاسية حالية ناعمة، يا فاطمة هنيئاً لك».«والذي بعثني بالحق إنك لسيدة من يدخلها من النساء والذي بعثني بالحق إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلا صعق فينادى إليها أن يا جهنم يقول لك الجبار اسكني بعزّي واستقري حتى تجوز فاطمة بنت محمد إلى الجنان لا يغشيها قترة ولا ذلّة».والذي بعثني بالحق ليدخلن حسن وحسين، حسن عن يمينك وحسين عن يسارك ولتشرفنّ من أعلى الجنان بين يدي الله في المقام الشريف ولواء الحمد في المقام الشريف ولواء الحمد مع علي بن أبي طالب يكسى إذا كسيت ويحبى إذا حبيت».
«والذي بعثني بالحق لأقومن لخصومة أعدائك وليند من قوم أخذوا حقك وقطعوا مودتك وكذبوا علياً وليختلجن دوني فأقول : أمتي أمتي فيقال أنهم بدلوا بعدك وصاروا إلى السعير» (1.)قال الشارح على الله عنه : وإنما أوردت هذه الرواية بتمامها وطولها مع كون موضع الحاجة منها بعضها كأكثر الأخبار المتقدمة في شرح هذه الخطبة، لكونها متضمنة مثل سائرها تقدم للغرض الذي سوق هذه الخطبة لأجله مؤكدة له وهو إفادة مزيد اختصاصه (عَلَيهِ السَّلَامُ برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و قرباه منه، على أنا أحببنا أن يكون شرح هذه الخطبة متكفلاً لجمل أخبار وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)وقوله : (وما فارقت سمعي هينمة منهم أي لم تغب أصواتهم عن سمعي ولم تخف عليّ، ويدل عليه عموم الأخبار المفيدة لكونه محدثاً يسمع صوت الملك ولا يرى شخصه وقد تقدمت جملة منها في التنبيه الثاني من شرح الفصل الثامن من الخطبة المائة والحادية والتسعين.)ويدل عليه خصوصاً بل يدل على رؤيته (عَلَيهِ السَّلَامُ لهم أيضاً في تلك الحال ما رواه في البحار) من كتاب بصائر الدرجات عن أحمد بن محمد وأحمد بن إسحاق عن القاسم بن يحيى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :)لما قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ هبط جبرئيل ومعه الملائكة والروح الذين كانوا يهبطون في ليلة القدر، قال: ففتح لأمير المؤمنين بصره فرآهم في منتهى السماوات إلى الأرض يغسلون النبي معه ويصلون عليه معه ويحفرون له، والله ما حفر له غيرهم حتى إذا وضع في قبره نزلوا مع من نزل، فوضعوه فتكلم، وفتح لأمير المؤمنين سمعه فسمعه يوصيهم به فبكى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسمعهم يقولون لا نالوه جهداً وإنما هو صاحبنا بعدك إلا أنه ليس يعايننا ببصره بعد مرتنا هذه.)حتى إذا مات أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ رأى الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) مثل ذلك الذي رأى ورأيا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعين الملائكة مثل الذي صنعوا بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)حتى إذا مات الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ رأى منه الحسين مثل ذلك ورأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعينان الملائكة.)حتى إذا مات الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ رأى علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) منه مثل ذلك ورأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلياً والحسن (عَلَيهِم السَّلَامُ) يعينون الملائكة.)
1) البحار 492/22 ح 36، وبصائر الدرجات 245 ح 17، ومدينة المعاجز 381/30.
حتى إذا مات علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ رأى محمد بن علي مثل ذلك ورأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلياً والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) يعينون الملائكة.)حتى إذا مات محمد بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُرأى جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل ذلك ورأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلياً والحسن والحسين وعلي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) يعينون الملائكة.)حتى إذا مات جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ رأى موسى منه مثل ذلك، هكذا يجري إلى آخرنا (1).)وقوله : (يصلون عليه صريح في صلاة الملائكة، وقد مر في شرح قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ولقد قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رواية الأمالي إن أول من يصلي عليه هو الله سبحانه ثم الملائكة، ثم المسلمون.)وروى في (الكافي بسنده عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لما قبض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)صلت عليه الملائكة والمهاجرون والأنصار فوجاً فوجاً.)وقال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول في صحته وسلامته: إنما أنزلت هذه الآية عليّ في الصلاة بعد قبض الله لي : (إِنَّ اللهَ وَمَلَائكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيُّ يَاأَيُّهَا الذين ءامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56] (2).)وفي (البحار من الاحتجاج وفي رواية سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي أنه قال :)أتيت علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو يغسل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد كان أوصى أن لا يغسله غير علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخبر عنه أنه لا يريد أن يقلب منه عضو إلا قلب له، وقد قال أمير المؤمنين لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال: «جبرئيل».)فلما غسله وكفّنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسناً وحسيناً (عَلَيهِم السَّلَامُ فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها ثم أدخل عشرة عشرة من المهاجرين والأنصار فيصلون ويخرجون، حتى لم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه الخبر (3).)ومن كتاب (أعلام الورى قال أبان : وحدثني أبو مريم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال الناس : كيف الصلاة عليه ؟ فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إمامنا حياً وميتاً فدخل عليه عشرة عشرة فصلوا عليه يوم الإثنين وليلة الثلاثاء حتى صلى عليه كبيرهم وصغيرهم وذكرهم)
وأنثاهم وضواحي المدينة بغير إمام.ومن المناقب قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال الناس : كيف الصلاة؟ فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إمام حياً وميتاً، فدخل عليه عشرة عشرة فصلوا عليه فدخل عليه عشرة عشرة فصلوا عليه يوم الإثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح ويوم الثلاثاء حتى صلى عليه الأقرباء والخواص، ولم يحضر أهل السقيفة وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنفذ إليهم بريدة، وإنما تمت بيعتهم بعد دفنه (1).)ومن (المناقب وسئل الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) كيف كانت الصلاة على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟ فقال : لما غسله أمير المؤمنين وكفنه وسجاه وأدخل عليه عشرة فداروا حوله، ثم وقف أمير المؤمنين في وسطهم فقال : (إِنَّ اللهَ وَمَلَاكَئتَهُ) الآية، فيقول القوم مثل ما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي (2). قال المحدّث العلامة المجلسي (قد) بعد إيراد هذه الأخبار في (البحار): يظهر من مجموعها أن الصلاة الحقيقية هي التي كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صلاها أولاً صلاها أولاً مع الستة المذكورين في خبر سليم، ولم يدخل في ذلك سوى الخواص من أهل بيته وأصحابه لئلا يتقدم أحد من لصوص الخلافة في الصلاة أو يحضر أحد من هؤلاء المنافقين فيها، ثم كان يدخل عشرة عشرة من الصحاب فيقرأ الآية ويدعون ويخرجون من غير صلاة.
وقوله : (حتى واريناه في ضريحه) روى في البحار) من المناقب قال : واختلفوا أين يدفن فقال بعضهم : في البقيع وقال آخرون : في صحن المسجد، فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الله لم يقبض نبياً إلا في أطهر البقاع فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيها، فاتفقت الجماعة على قوله ودفن في حجرته.
ومن فقه الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلما أن فرغ من غسله وكفنه أتاه العباس فقال : يا علي إنّ الناس قد اجتمعوا على أن يدفن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في بقيع المصلى وأن يؤمهم رجل منهم، فخرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الناس فقال : يا أيها الناس أما تعلمون أن رسول الله إمامنا حياً وميتاً وهل تعلمون أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعن من جعل القبور مصلى ولعن من جعل مع الله إلهاً، ولعن من كسر رباعيته وشق لثته :قال فقالوا الأمر إليك فاصنع ما رأيت، قال: وإني أدفن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في البقعة التي قبض فيها، الحديث (3).
ومن (أعلام الورى) عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : وخاض المسلمون في موضع دفنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الله لم يقبض نبياً في مكان إلا وارتضاه لرمسه فيه وإني دافنه في حجرته التي قبض فيها فرضى المسلمون بذلك.
فلما صلى المسلمون عليه أنفذ العباس إلى أبي عبيدة بن الجراح وكان يحفر لأهل مكة ويضرح، وأنفذ إلى زيد بن سهل أبي طلحة وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد فاستدعاهما وقال: اللهم خرّ لنبيك، فوجد أبو طلحة فقيل له : احفر الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فحفر له لحداً ودخل أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والعباس والفضل وأسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أن يذهب ادخل منا رجلاً يكون لنا حظ به من مواراة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال : ليدخل أوس بن خولى رجل من بني عوف بن الخزرج وكان بدرياً، فدخل البيت وقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنزل القبر، فنزل ووضع عليّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على يديه ثم ولاه حفرته، ثم قال له : اخرج فخرج ونزل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكشف عن وجهه ووضع خده على الأرض موجهاً إلى القبلة على يمينه ثم وضع عليه اللبن وأهال عليه التراب (1).
ومن (الديوان) المنسوب إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رثائه صلوات الله وسلامه عليه وآله :
أمن بعد تكفين النبي ودفنه***بأثوابه آسى على هالك ثوى
رزئنا رسول الله فینا فلن نری***بذاك عديلاً ما حيينا من الرّدى
وكان لنا كالحصن من دون أهله***له معقل حرز حريز من الرّدى
وكنا بمرأه نرى النور والهدى***صباحاً ومساء راح فينا أو اغتدى
لقد غشيتنا ظلمة بعيد موته***نهاراً فقد زادت على ظلمة الدّجى
فيا خير من ضم الجوانح والحشا***ويا خير ميت ضمّه الترب والثرى
كانت أمور الناس بعدك ضمنت***سفينة موج حين في البحر قد سما
وضاق فضاء الأرض عنهم برجة***لفقد رسول الله إذ قيل قد مضى
فقد نزلت بالمسلمين مصيبة***كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا
فلن يستقل الناس تلك مصيبة***ولم يجبر العظم الذي منهم وهى
وفي كل وقت للصلاة يهيجه***بلال ويدعو باسمه كلما دعا
ويطلب أقوام مواريث هالك***وفينا مواريث النبوة والهدى
1) الإرشاد 188/1، والأنوار البهية 48.
وقالت فاطمة (عليها السلام) في رثائه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيضاً :
إذا اشتدّ شوقي زرت قبرك باكياً***أنوح وأشكو لا أراك مجاوبي
فيا ساكن الصحراء علمتني البكا***وذكرك أنساني جميع المصائب
فإن كنت عني في التراب مغيّباً***فما كنت عن قلب الحزين بغائب
ولها صلوات الله وسلامه عليها أيضاً :
إذا مات يوماً ميت قل ذكره***وذكر أبي قد مات والله أزيد
تذكرت لما فرّق الموت بيننا***فعزّيت نفسي بالنبي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
فقلت لها إن الممات سبيلنا***ومن لم يمت في يومه مات في غد
ولها أيضاً ما اشتهر في الألسنة والأفواه :
ماذا على من شم تربة أحمد***أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها***صبت على الأيام صرن لياليا
هذا، ولما مهد (عَلَيهِ السَّلَامُ) المقدمات المفيدة لمزيد اختصاصه برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقربه منه في حال حياته وحين مماته حسبما عرفته تفصيلاً تحقيقاً فرع على ذلك قوله :
(فمن ذا أحق به مني حياً وميتاً) وهو استفهام على سبيل الإنكار والإبطال يقتضي أن ما بعده غير واقع وأن مدعيه كاذب فيفيد كونه أولى به في حياته وأحق بالخلافة والوصاية بعد موته، وهو حق لا ريب فيه على رغم الناصب الجاحد والمبغض المعاند.
(فانفذوا) أي أسرعوا إلى قتال عدوكم مستقرين (على بصائركم) وعقائدكم الحقة (ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم) أي انهضوا إلى عدوكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة سالمة من اعتراض الشك والريب والشبهة ولا يوسوسنكم الشيطان بكونهم من أهل القبلة والإسلام غير جائز قتلتهم وقتالهم، لأنكم أتباع الإمام الحق وهم تابعوا الإمام الباطل.
(فو) الله (الذي لا إله إلا هو أني لعلى جادة الحق وأنهم لعلى مزلّة الباطل) كما يشهد به النبوي المعروف بين الفريقين عليّ مع الحق والحق مع علي.
ولا يخفى حسن المقابلة بين جادة الحق وبين مزلّة الباطل كما لا يخفى لطف إضافة الجادة إلى الحق وإضافة المزلة إلى الباطل، لأن طريق الحق لما كان واضحاً جلياً ثابتاً بالبينة والبرهان يوصل سالكها إلى منزل الزلفى وجنات النعيم وطريق الباطل لما كان تمويهاً وتدليساً مخالفاً للواقع يزل فيه قدم سالكة ويزلق فيهوى إلى دركات الجحيم.
(أقول ما تسمعون) من قول حق وكلام صدق (وأستغفر الله لي لكم).
الأول: روى الشارح المعتزلي في شرح هذه الخطبة من قصة وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما هو ظاهر بل نص في الطعن على المتخلفين المنتحلين للخلافة وعلى المتعصبين لهم السالكين لطريقتهم من العامة العمياء أحببت أن أذكر ملخص ما أورده مما يطعن به عليهم فأقول :
قال الشارح : قد روى من قصة وفاة رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أنه أنه عرضت له الشكاة التي عرضت في أواخر من سنة إحدى عشرة للهجرة، فجهز جيش أسامة بن زيد بالمسير إلى البلقاء حيث أصيب زيد وجعفر من الروم.
وخرج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في تلك الليلة إلى البقيع وقال : «إني قد أمرت بالاستغفار عليهم»، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا أهل القبور ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها»، ثم استغفر لأهل البقيع طويلاً (1)
ثم انصرف إلى بيته، فخطب الناس في غده وأعلمهم بموته ثم نزل فصلّى بالناس صلاة خفيفة، ثم دخل بيت أم سلمة.
ثم انتقل إلى بيت عائشة يعلله النساء والرجال، أما النساء فأزواجه وبنته، وأما الرجال فعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والعباس والحسن والحسين وكانا غلامين يومئذ وكان الفضل بن العباس يدخل أحياناً إليهم.
ثم حدث الاختلاف بين المسلمين أيام مرضه.
فأول ذلك التنازع الواقع يوم قال : «أئتوني بدواة وقرطاس»، وتلى ذلك حديث التخلف عن جيش أسامة، ثم اشتد به المرض وكان عند خفّة مرضه يصلي بالناس بنفسه، فلما اشتد به المرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس.
وقد اختلف في صلاته بهم فالشيعة تزعم أنه لم يصل بهم إلا صلاة واحدة وهي الصلاة التي خرج رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فيها يتهادى بين علي والفضل فقام في المحراب مقامه وتأخر أبو بكر، والصحيح عندي وهو الأكثر الأشهر أنها لم تكن آخر الصلاة في حياته بالناس جماعة وأن أبا بكر صلّى بالناس بعد ذلك يومين.
ثم مات (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فمن قائل يقول : توفى لليلتين بقيتا من شهر صفر وهو الذي تقوله الشيعة
1) الكافي 599/2 ح 2، والوسائل 171/6 ج 7657.
والأكثرون أنه توفى في شهر ربيع الأول بعد مضي أيام منه، وقد اختلفت الرواية في موته فأنكر عمر ذلك وقال : إنه لم يمت وإنه غاب وأنه سيعود فثناه أبو بكر هذا القول وتلى عليه الآيات المتضمنة أنه سيموت، فرجع إلى قوله.
وصلوا عليه أرسالاً لا يؤمهم أحد، وقيل: إن علي وقيل : إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشار بذلك فقبلوه وأنا أعجب من ذلك لأن الصلاة عليه كانت بعد بيعة أبي بكر فما الذي منع من أن يتقدم أبو بكر فيصلي عليه إماماً؟.
وتنازعوا في تلحيده وتضريحه فأرسل العباس عمه إلى أبي عبيدة بن الجراح وكان يحفر لأهل مكة ويضرح على عادتهم رجلاً وأرسل إلى أبي طلحة الأنصاري وكان يلحد لأهل المدينة على عادتهم رجلاً وقال: اللهم اختر لنبيك، فجاء أبو طلحة فلحد له وأدخل في اللحد.
وتنازعوا فيمن ينزل معه القبر فمنع علي الناس أن ينزلوا معه وقال : لا ينزل قبره غيري وغير العباس، ثم أذن في نزول الفضل وأسامة بن زيد مولاهم ثم ضجّت الأنصار وسألت أن ينزل منها رجل في قبره فأنزلوا أوس بن خولى وكان بدرياً.
فأما الغسل فإن علياً تولاه بيده وكان الفضل يصبّ عليه الماء، انتهى ما أهمنا نقله من كلامه.
ووجوه الطعن في تلك القضية على ما صدر من أهل الخلافة غير خفيّة على الفطن العارف إلا أنا ننبه على بعضها لكونها أشد تشنيعاً وطعناً.
أولها: ما أشار إليه الشارح بقوله : فأول ذلك التنازع الواقع يوم قال: «أنتوني بدواة وقرطاس»، فقد روت العامة والخاصة أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أراد في مرضه أن يكتب لأمته كتاباً لثلا يضلوا بعده ولا يختلفوا فطلب دواة وكتفاً أو نحو ذلك، فمنع عمر من إحضار ذلك وقال : إنه ليهجر أو ما يؤدي هذا المعنى، وقد وصفه الله سبحانه بأنه لا ينطق عن الهوى وأن كلامه ليس إلا وحياً،يوحى وكثر اختلافهم وارتفعت أصواتهم حتى تسأم وتزجر فقال بعضهم : احضروا ما طلب وقال بعضهم: القول ما قاله عمر، وقد قال الله سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينا [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء : 65].)روى في (البحار من كتاب «الطرائف» للسيد علي بن طاووس (رضي الله عنه) أنه قال : من أعظم طرائف المسلمين أنهم شهدوا جميعاً أن نبيهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتاباً لا)
يضلون بعده أبداً، وأن عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك الكتاب وسبب ضلال من ضل من أمته وسبب اختلافهم وسفك الدماء بينهم وتلف الأموال واختلاف الشريعة وهلاك اثنين وسبعين فرقة من أصل فرق الإسلام وسبب خلود من يخلد في النار منهم، ومع هذا كله فإن أكثرهم أطاع عمر بن الخطاب الذي قد شهدوا عليه بهذه الأحوال في الخلافة وعظموه وكفّروا بعد ذلك من يطعن فيه وهم من جملة الطاعنين وضلّلوا من يذمّه وهم من جملة الضالين وتبرؤوا ممن يقبح ذكره وهم من جملة المقبحين.فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدي في (الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من المتفق عليه في صحته من مسند عبد الله بن عباس قال : لما احتضر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفي بيته رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً»، فقال عمر بن الخطاب: إن النبي قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب ربكم.)وفي رواية ابن عمر من غير كتاب الحميدي قال عمر : إن الرجل ليهجر.وفي كتاب الحميدي قالوا : ما شأنه هجر.وفي المجلد الثاني من (صحيح مسلم فقال: إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يهجر.)قال الحميدي : فاختلف الحاضرون عند النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فبعضهم يقول : القول ما قاله النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقربوا إليه كتاباً يكتب لكم، ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر.)فلما أكثروا اللفظ «اللغط» والاختلاط قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «قوموا عني فلا ينبغي عندي التنازع»، فكان ابن عباس يبكي حتى يبل دموعه الحصا ويقول : يوم الخميس وما يوم الخميس.)قال راوي الحديث فقلت يا ابن عباس وما يوم الخميس؟ فذكره عبد الله بن عباس يوم منع رسول الله من ذلك الكتاب، وكان يقول : الرّزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَوبین کتابه (1).)وثانيها : حديث التخلف عن جيش أسامة فإن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا من جيشه وقد كرّر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لما اشتد مرضه الأمر بتجهيز جيشه ولعن المتخلف عنه فتأخروا عنه واشتغلوا بعقد البيعة في سقيفة بني ساعدة وخالفوا أمره، وشملهم اللعن وظهر أنهم لا يصلحون للخلافة.)
1) سعد السعود 297، والطرائف 433.
قال أصحابنا : ولو تنزّلنا عن هذا المقام وقلنا بما ادعاه بعضهم من عدم كون أبي بكر من الجيش نقول : لا خلاف أن عمر منهم، وقد منعه أبو بكر من النفوذ معهم، وهذا كالأول في كونه معصية ومخالفة لرسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم.)أما أنهم كانوا من جيش أسامة، فقد رواه علم الهدى في (الشافي بطرق كثيرة من العامة.)قال (رَحمهُ اللّه : إن كون أبي بكر في جيش أسامة قد ذكره أصحاب السير والتواريخ.)قال : وقد روى البلاذري في (تاريخه وهو معروف ثقة كثير الضبط وبريء من مماثلة الشيعة: إن أبا بكر وعمر كانا معاً في جيش أسامة وأورد روايات أخرى من أراد الاطلاع عليها فعليه بالمراجعة إلى الكتاب المذكور، وستطلع عليه مما نحكيه عن (المفيد) في الإرشاد في الطعن الآتي.)وأما تخلّفهم عن الجيش فلا ينازع فيه أحد.وأما إن ذلك قادح في خلافتهم وموجب للطعن عليهم، فلاستحقاقهم بسبب التخلف للعن الصريح من الله ومن رسوله والملعون لا يصلح للإمامة.أما اللعن من الله فإنهم لما خالفوا أمر رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم بعد تأكيده وتكريره آذوه فيدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) [الأحزاب: 57]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة : 61]. وأما لعن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فلما رواه الشهرستاني في كتاب (الملل والنحل) عند ذكر الاختلافات الواقعة في مرض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الخلاف الثاني أنه قال : جهزوا جيش أسامة لعن من الله تخلف عن جيش أسامة فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة وقال قوم: قد اشتد مرض النبي فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحال هذه، فنصير حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.
وثالثها : صلاة أبي بكر بالناس وعدم إقرار رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليها دليل على عدم قابليته للإمامة في الصلاة، فكيف بإمامة الأمة؟
قال المفيد في كتاب (الإرشاد) في قصة وفات النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) :
واستمر به المرض في بيت عائشة أياماً وثقل فجاء بلال عند صلاة الصبح ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مغمور بالمرض فنادى الصلاة رحمكم الله، فأؤذن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) بندائه فقال : «يصلي بالناس بعضهم فإني مشغول بنفسي» فقالت عائشة : مروا أبا بكر، وقالت حفصة:
مروا عمر، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين سمع كلامهما ورأى حرص كل واحدة منهما على التنويه بأبيها وافتتانهما بذلك ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيّ : «أكففن فإنكن صويحبات يوسف».
ثم قام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مبادراً خوفاً من تقدم أحد الرجلين وقد كان أمرهما بالخروج مع أسامة ولم يك عنده أنهما قد تخلّفا، فلما سمع من عائشة وحفصة ما سمع علم أنهما متأخران عن أمره، فبدر لكف الفتنة وإزالة الشبهة فقام عليه الصلاة والسلام وأنه لا يستقل على الأرض من الضعف، فأخذ بيده علي بن أبي طالب والفضل بن العباس فاعتمد عليهما ورجلاه تخطان الأرض من الضعف.
فلما خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب، فأومأ إليه بيده أن تأخر عنه، فتأخر أبو بكر، وقام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مقامه فكبر وابتدأ الصلاة التي كان قد ابتدأها ولم يين على ما مضى من أفعاله فلما سلّم انصرف إلى منزله.
واستدعا أبا بكر وعمر وجماعة ممن حضر بالمسجد من المسلمين ثم قال: «ألم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة؟» فقالوا : بلى يا رسول الله قال: «فلم تأخرتم عن أمري؟» قال أبو بكر: إني خرجت ثم رجعت لأجدد بك عهداً، وقال عمر : يا رسول الله إني لم أخرج لأنني لم أحب أن أسأل عنك الركب، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «انفذوا جيش أسامة» يكررها ثلاث مرات.
ثم أغمي عليه من التعب الذي لحقه والأسف الذي ملكه فمكث هنيهة مغمى عليه، وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ونساء المسلمين وجميع من حضر من المسلمين، فأفاق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فنظر إليهم.
ثم قال: «أئتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً»، ثم أغمي عليه فقام بعض من حضره يلتمس دواة وكتفاً فقال له عمر ارجع فإنه يهجر، فرجع وندم من حضر على ما كان منهم من التضجيع في إحضار الدواة والكتف وتلاوموا بينهم وقالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون لقد أشفقنا من خلاف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
فلما أفاق قال بعضهم : ألا نأتيك بدواة وكتف يا رسول الله؟ فقال: «أبعد الذي قلتم؟ لا، ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيراً»، وأعرض بوجهه عن القوم فنهضوا، انتهى ما أهمنا نقله من كلامه (رضي الله عنه) (1).
وقد ذكرناه بطوله لأنه قد ثبت أنه ثقة مقبول الكلام عند العامة والخاصة لا مغمز فيه لأحد ولا يطعن بالعصبية والهوى.
1) بحار الأنوار 469/2.
ثم أقول: يا أولي الأبصار انظروا بنظر الإنصاف والاعتبار إلى سوء حركات هؤلاء الأوغاد الأشرار كيف آذوا رسول الله في تلك الحال وقد استولت عليه غمرات الأمراض والآلام وطوارق الأوجاع والأسقام، ولم يتركوه وحاله ليستريح في فراشه ويشغل نفسه، حتى الجاوه إلى الخروج إلى المسجد ورجلاه يخطان الأرض وكابدوه الخصص بالتخلف عن الجيش ونسبوه إلى الهذيان عند طلب الكتف والدواة لعنهم الله وأبعدهم وعذبهم عذاباً أليماً.
رابعاً : إنكار عمر لموته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبلوغه في الجهل إلى حيث لم يعلم بأن كل نفس ذائقة الموت وأنه يجوز الموت عليه وأنه أسوة الأنبياء فى ذلك، فقال : والله ما مات حتى يقطع أيدي الرجال وأرجلهم، فقال له أبو بكر : أما سمعت قول الله عزّ وجل : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم ميّتون [الزمر: 30] وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ، أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ) [آل عمران: 144].
قال : فلما سمعت ذلك أيقنت بوفاته وسقطت إلى الأرض وعلمت أنه قد مات فمن بلغ من غاية الجهل إلى هذه المرتبة كيف يليق بالخلافة الكلية والرئاسة الإلهية؟!.
الثاني: لما كانت هذه الخطبة الشريفة التي نحن في شرحها مسوقة لذكر مناقبه وخصائصه الجميلة المخصوصة به المفيدة لكونه أحق وأولى بالخلافة والإمامة من غيره أحببت أن أورد رواية متضمنة لجل كراماته وبيناته التي لم يشركه فيها أحد تأكيداً للغرض المسوق له الخطبة الشريفة وتكميلاً له وهو :
ما رواه في (البحار) من الخصال عن القطان والسنان والدقاق والمكتب والوراق جميعاً عن ابن زكريا القطان عن ابن حبيب عن ابن بهلول عن سليمان بن حكيم عن ثور بن يزيد عن مكحول قال : قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ): لقد علم المستحفظون من أصحاب النبي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لو أنه ليس فيهم رجل له منقبة إلا وقد شركته فيها وفضلته ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم قلت يا أمير المؤمنين فأخبرني بهن، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
إن أول منقبة لي : أني لم أشرك بالله طرفة عين ولم أعبد اللات والعزى.
والثانية : أني لم أشرب الخمر قط.
والثالثة : أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) استوهبني من أبي في صباي فكنت أكيله وشريبه ومونسه ومحدثه.
والرابعة : إني أول الناس إيماناً وإسلاماً.
والخامسة : أن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال : «يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».
والسادسة : أني كنت آخر الناس عهداً برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ووليته في حفرته.
ابو الثاني عشر من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة
والسابعة : أن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أنا مني على فراشه حيث ذهب إلى الغار وسجاني ببرده فلما جاء المشركون ظنوني محمداً فأيقظوني وقالوا ما فعل صاحبك؟ فقلت : ذهب في حاجته، فقالوا : لو كان هرب لهرب هذا معه.
وأما الثامنة : فأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علّمني ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب ولم يعلم ذلك أحداً غيري.
وأما التاسعة : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لي : «يا علي إذا حشر الله عزّ وجل الأولين والآخرين نصب لي منبراً فوق منابر النبيين ونصب لك منبراً فوق منابر الوصيين فترتقي عليه».
وأما العاشرة: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: «لا أعطي في القيامة شيئاً إلا سألت لك مثله».
وأما الحادية عشرة : فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «أنت أخي وأنا أخوك يدك في يدي حتى ندخل الجنة».
وأما الثانية عشرة: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: «يا علي مثلك في أُمتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق».
وأما الثالثة عشرة : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عممني بعمامة نفسه بيده ودعى لي بدعوات النصر على أعداء الله فهزمتهم بإذن الله عزّ وجل.
وأما الرابعة عشرة فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمرني أن أمسح يدي على ضرع شاة قد يبس ضرعها فقلت يا رسول الله بل امسح أنت، فقال: «يا علي فعلك فعلي»، فمسحت عليها يدي فدرّ عليّ من لبنها فسقيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شربه، ثم أتت عجوز فشكت الظماء فسقيتها فقال رسول الله : «إني سألت الله عزَّ وجل أن يبارك في يدك ففعل».
وأما الخامسة عشرة: فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أوصى إلي وقال : يا علي لا يلي غسلي غيرك، ولا يواري عورتي غيرك، فإنه إن رأى عورتي غيرك تفقأت عيناه، فقلت له : كيف لي بتقليبك يا رسول الله ؟ فقال: «إنك ستعان»، فوالله ما أردت أن أقلب عضواً أمو أعضائه إلا قلب لي.
وأما السادسة عشرة: فإني أردت أن أجرده عليه السلام فنودیت : يا أخ «وصى خ» محمد لا تجرده فغسلته والقميص عليه، فلا والله الذي أكرمه بالنبوة وخصه بالرسالة ما رأيت له عورة خصني الله بذلك من بين أصحابه.
وأما السابعة عشرة: فإن الله عزّ وجل زوجني فاطمة وقد كان خطيها أبو بكر وعمر، فزوجني الله من فوق سبع سماواته فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «هنيئاً لك يا علي فإن الله عزّ وجل قد زوجك فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وهي بضعة مني» فقلت : يا رسول الله أولست منك؟ قال: «بلى يا علي أنت مني وأنا منك كيميني من شمالي لا أستغني عنك في الدنيا والآخرة».
وأما الثامنة عشرة: فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: «يا علي أنت صاحب لواء الحمد في الآخرة وأنت يوم القيامة أقرب الخلائق مني القيامة أقرب الخلائق مني مجلساً يبسط لي ويبسط لك فأكون في زمرة النبيين وتكون في زمرة الوصيين ويوضع على رأسك تاج النور وإكليل الكرامة يحف بك سبعون ألف ملك حتى يفرغ الله عزَّ وجل من حساب الخلائق».
وأما التاسعة عشرة: فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لي : «ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين فمن قاتلك منهم فإن لك بكل رجل منهم شفاعة في مائة ألف من شيعتك»، فقلت : يا رسول الله فمن الناكثون؟ قال: «طلحة والزبير سيبايعانك بالحجاز وينكثانك بالعراق، فإذا فعلا ذلك فحاربهما فإن في قتالهما طهارة لأهل الأرض»، قلت : فمن القاسطون؟ قال: «معاوية وأصحابه»، قلت : فمن المارقون؟ قال: «أصحاب ذو الثدية وهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فاقتلهم فإن في قتلهم فرجاً لأهل الأرض وعذاباً مؤجلاً عليهم وذخراً لك عند الله عزَّ وجل يوم القيامة».
وأما العشرون: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «مثلك في أمتي مثل باب حطة في بني إسرائيل فمن دخل في ولايتك فقد دخل الباب كما أمره الله عزّ وجل».
وأما الحادية والعشرون: فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولن يدخل المدينة إلا من بابها» ثم قال: «يا علي أنك سترعى ذمتي وتقاتل على سنتي وتخالفك أمتي».
وأما الثانية والعشرون: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «إن الله تبارك وتعالى خلق ابني الحسن والحسين من نور ألقاه إليك وإلى فاطمة وهما يهتزان كما يهتز القرطان إذا كانا في الأذنين ونورهما متضاعف على نور الشهداء سبعين ألف ضعف، يا علي إن الله عزّ وجل قد وعدني أن يكرمهما كرامة لا يكرم بها أحداً ما خلا النبيين والمرسلين» (1).
وأما الثالثة والعشرون: فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أعطاني خاتمه في حياته ودرعه ومنطقه
1) بحار الأنوار 426/31.
وقلدني سيفه وأصحابه كلهم حضور وعمّي العباس حاضر، فخصني الله عزَّ وجل دونهم.
وأما الرابعة والعشرون: فإن الله عزّ وجل أنزل على رسوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَى نجواكُمْ صَدَقَةٌ) [المجادلة: 12] فكان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله أصدق قبل ذلك بدرهم، ووالله ما فعل هذا أحد من أصحابه قبلي ولا بعدي، فأنزل الله عزَّ وجل : (ءأَشْفَقَهُم أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَاكُمْ صَدَقَتْ فَإِذ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: 13] الآية، فهل تكون التوبة إلا من ذنب كان؟.
وأما الخامسة والعشرون: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: «الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا وهي محرّمة على الأوصياء حتى تدخلها أنت يا علي إن الله تبارك وتعالى بشرني فيك ببشرى لم يبشر بها نبياً قبلي بشرني بأنك سيد الأوصياء وأن ابنيك الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة يوم القيامة.
وأما السادسة والعشرون: فإن جعفراً أخي الطيار في الجنة مع الملائكة المزين بالجناحين من در ویاقوت و زبرجد.
وأما السابعة والعشرون: فعمي حمزة سيد الشهداء.
وأما الثامنة والعشرون: فإن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال : «إن الله تعالى وعدني فيك وعداً لن يخلفه، جعلني نبياً وجعلك وصياً، وستلقى من أمتي من بعدي ما لقى موسى من فرعون فاصبر واحتسب حتى تلقاني فأوالي من والاك وأعادي من عاداك».
وأما التاسعة والعشرون: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: «يا علي أنت صاحب الحوض لا يملكه غيرك وسيأتيك قوم فيستسقونك فتقول : لا ولا مثل ذرّة، فينصرفون مسودة وجوههم وسترد عليك شيعتي وشيعتك فتقول : رؤوا رواء مرويين فيردون مبيضة وجوههم».
وأما الثلاثون فإني سمعته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «يحشر أمتي يوم القيامة على خمس رايات: فأول راية ترد علي راية فرعون هذه الأمة وهو معاوية، والثانية مع سامري هذه الأمة عمرو بن العاص والثالثة: ما جاثليق هذه الأمة وهو أبو موسى الأشعري والرابعة مع أبي الأعور السلمي، وأما الخامسة: فمعك يا علي تحتها المؤمنون وأنت أمامهم، ثم يقول الله تبارك وتعالى للأربعة : ارجعوا ورائكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وهم شيعتي ومن والاني وقاتل معي الفئة الباغية والناكثة الفئة الباغية والناكثة عن الصراط وباب الرحمة هم شيعتي، فينادي هؤلاء: ألم نكن معكم؟ قالوا: بل ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي موليكم وبئس المصير، ثم ترد أُمتي وشيعتي فيروون من
حوض محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبيدي عصا عوسج أطرد بها أعدائي طرد غريبة الإبل».
وأما الحادية والثلاثون: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «لولا أن يقول فيك الغالون من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمر بملاء من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يستشفون».
وأما الثانية والثلاثون: فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «إن الله تبارك وتعالى نصرني بالرعب فسألته أن ينصرك بمثله فجعل لك من ذلك مثل الذي جعله لي».
وأما الثالثة والثلاثون: فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التقم أذني وعلمني ما كان وما يكون إلى يوم القيامة فساق الله عزَّ وجل ذلك إلى لسان نبيه (1).
وأما الرابعة والثلاثون : فإن النصارى ادعوا أمراً فأنزل الله عزَّ وجل: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ من بعد ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) [آل عمران: ران : 61] فكانت نفسي نفس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والنساء فاطمة والأبناء الحسن والحسين، ثم ندم القوم فسألوا الأعفاء فأعفاهم والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد لو باهلوا لمسخوا قردة وخنازير.
وأما الخامسة والثلاثون فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجهني يوم بدر فقال: «ائتني بكف حصياة مجموعة في مكان واحد» فأخذتها ثم شممتها فإذا هي طيبة تفوح منها رائحة المسك، فأتيته بها فرمى بها وجوه المشركين وتلك الحصيات أربع منها كن من الفردوس وحصاة من المشرق وحصاة من المغرب وحصاة من تحت العرش مع كل حماة مائة ألف ملك مدداً لنا، لم يكرم الله عزّ وجل بهذه الفضيلة أحداً قبل ولا بعد».
وأما السادسة والثلاثون: فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «ويل لقاتلك إنه أشقى من ثمود ومن عاقر الناقة وإن عرش الرحمن ليهتز لقتلك فابشر يا علي فإنك في زمرة الصديقين والشهداء والصالحين».
وأما السابعة والثلاثون فإن الله تبارك وتعالى قد خصني من بين أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعلم الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاص والعام، وذلك مما منّ الله به علي وعلى رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقال لي الرسول : «يا علي إن الله عزّ وجل أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأعلمك ولا أجفوك وحق علي أن أطيع ربي وحق عليك أن تعي».
وأما الثامنة والثلاثون فإن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) بعثني بعثاً ودعا إلي بدعوات وأطلعني على
1) الخصال 575، والشيعة في أحاديث الفريقين 111.
ما يجري بعده، فحزن لذلك بعض أصحابه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال : لو قدر محمد أن يجعل ابن عمه لجعله فشرفني الله بالاطلاع على ذلك على لسان نبيّه.
أنه يحبني
نساً
وأما التاسعة والثلاثون: فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «كذب من زعم ويبغض عليّاً، لا يجتمع حبي وحبه إلا في قلب مؤمن، إن الله عزّ وجل جعل أهل حبي وحبك يا علي في أول زمرة السابقين إلى الجنة، وجعل أهل بغضي وبغضك في أول الضالين من أمتي إلى النار» (1).
وأما الأربعون : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجهني في بعض الغزوات إلى ركيّ فإذا ليس فيه ماء، فرجعت إليه فأخبرته فقال: «أفيه طين؟»، فقلت: نعم، فقال: «ائتني منه»، فأتيت منه بطين فتكلم فيه ثم قال: «إلقه في الركي»، فألقيته فإذا الماء قد نبع حتى امتلأ جوانب الركي فجئت إليه فأخبرته فقال لي: «وفّقت يا علي وببركتك نبع الماء»فهذه المنقبة خاصة لي من دون أصحاب النبي.
وأما الحادية والأربعون : فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «أبشر يا علي فإن جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أتاني فقال لي: يا محمد إن الله تبارك وتعالى نظر إلى أصحابك فوجد ابن عمك وختنك على ابنتك فاطمة خير أصحابك، فجعله وصيك والمؤدى عنك».
وأما الثانية والأربعون : فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول: «أبشر يا علي فإن منزلك في الجنة مواجه منزلي، وأنت معي في الرفيق الأعلى في أعلى عليين»، قلت يا رسول الله وما أعلى عليّون؟ فقال : «قبة من درّة بيضاء لها سبعون ألف مصراع مسكن لي ولك يا علي».
وأما الثالثة والأربعون : فإن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال : «إن الله عزّ وجل رسخ حبي في قلوب المؤمنين، وكذلك رسخ حبك يا علي في قلوب المؤمنين ورسخ بغضي وبغضك في قلوب المنافقين فلا يحبك إلا مؤمن تقي ولا يبغضك إلا منافق كافر».
وأما الرابعة والأربعون : فإني سمعت رسول الله يقول : «لن يبغضك من العرب إلا دعي، ولا من العجم إلا شقي ولا من النساء إلا سلقلقية».
وأما الخامسة والأربعون: فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعاني وأنا رمد العين فتفل في عيني وقال: «اللهم اجعل حرّها في بردها وبردها في حرّها»، فوالله ما اشتكت عيني إلى هذه الساعة.
1) بحار الأنوار 439/31، والخصال 576.
وأما السادسة والأربعون: فإن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أمر أصحابه وعمومته بسد الأبواب وفتح بابي بأمر الله عزّ وجل، فليس لأحد منقبة مثل منقبتي
وأما السابعة والأربعون: فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمرني في وصيته بقضاء ديونه وعداته، فقلت : يا رسول الله قد علمت أنه ليس عندي مال، فقال: «سيعينك الله»، فما أردت أمراً من قضاء ديونه وعداته إلا يسره الله لي حتى قضيت ديونه وعداته وأحصيت ذلك فبلغ ثمانين ألفاً وبقي بقية فأوصيت الحسن أن يقضيها (1).
وأما الثامنة والأربعون : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أتاني في منزلي ولم نكن طعمنا منذ ثلاثة أيام فقال : «يا علي هل عندك من شيء؟» فقلت : والذي أكرمك بالكرامة واصطفاك بالرسالة ما طعمت وزوجتي وإبناي منذ ثلاثة أيام فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا فاطمة ادخلي البيت وانظري هل تجدين شيئاً؟»، فقالت : خرجت الساعة فقلت : يا رسول الله أدخله أنا ؟ فقال : «ادخل باسم الله»، فدخلت فإذا بطبق موضوع عليه رطب وجفنة من ثريد فحملتها إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : «يا علي رأيت الرسول الذي حمل هذا الطعام؟» فقلت: نعم، فقال: «صفه لي»، فقلت: من بين أحمر وأخضر وأصفر، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «تلك خطط جناح جبرئيل مكللة بالدر والياقوت»، فأكلنا من الثريد حتى شبعنا فما رأى إلا خدش أيدينا وأصابعنا، فخصني الله عزّ وجل بذلك من بين أصحابه (2).
وأما التاسعة والأربعون: فإن الله تبارك وتعالى خصّ نبيه بالنبوة، وخصني النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)بالوصية، فمن أحبني فهو سعيد يحشر في زمرة الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وأما الخمسون : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعث ببرائة مع أبي بكر، فلما مضى أتى جبرئيل فقال : يا محمد لا يؤدّى عنك إلا أنت أو رجل منك، فوجهني على ناقته الغضباء، فلحقته بذي الحليفة فأخذتها منه، فخصني الله عزّ وجل بذلك منه.
وأما الحادية والخمسون : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أقامني للناس كافة يوم غدیر خم فقال : «من كنت مولاء فعلي مولاه، فبعداً وسحقاً للقوم الظالمين».
وأما الثانية والخمسون : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «يا علي ألا أعلمك كلمات علمنيهن جبرئیل؟» فقلت بلى قال: «قل یا رازق المقلين ويا راحم المساكين ويا أسمع السامعين
ويا أبصر الناظرين ويا أرحم الراحمين ارحمني وارزقني»(1).
وأما الثالثة والخمسون : فإن الله تبارك وتعالى لن يذهب بالدنيا حتى يقوم منا القائم يقتل ولا يقبل الجزية ويكسر الصليب والأصنام ويضع الحرب أوزارها، ويدعو إلى أخذ المال فيقسمه بالسوية ويعدل في الرعية.
وأما الرابعة والخمسون فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «يا علي سيلعنك بنو أمية ويردّ عليهم ملك بكل لعنة ألف لعنة، فإذا قام القائم لعنهم أربعين سنة».
وأما الخامسة والخمسون: سمعت أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «سيفتتن فيك طوائف من أمتي فتقول : إن رسول الله لم يخلف شيئاً فيما إذا أوصي عليّاً، أو ليس كتاب ربي أفضل الأشياء بعد الله عزّ وجل، والذي بعثني بالحق لأن لم تجمعه باتقان لم يجمع أبداً»، فخصني الله عزّ وجل بذلك من دون الصحابة.
وأما السادسة والخمسون» فإن الله تبارك وتعالى خصني بما خص به أولياءه وأهل طاعته، وجعلني وارث محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فمن ساءه ساءه، ومن سره سره، وأومى بيده نحو المدينة.
وأما السابعة والخمسون: فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان في بعض الغزوات ففقد الماء، فقال لي يا علي قم إلى هذه الصخرة وقل: أنا رسول رسول الله انفجري إلى ماء، فوالله الذي أكرمه بالنبوة لقد أبلغتها الرسالة فاطلع منها مثل ثدي البقر فسال من كل ثدي منها ماء، فلما رأيت ذلك أسرعت إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأخبرته فقال: «انطلق يا علي فخذ من الماء»، فجاء القوم حتى ملأوا أقربهم وأدواتهم وسقوا دوابهم وشربوا وتوضؤوا فخصني الله عزّ وجل بذلك من دون الصحابة.
وأما الثامنة والخمسون : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمرني في بعض غزواته وقد نفد الماء وقال: «يا علي ائت بثور» فأتيته به فوضع يده اليمنى ويدي معها في الثور، فقال: «انبع»، فنبع الماء من بين أصابعنا.
وأما التاسعة والخمسون : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجهني إلى خيبر، فلما أتيته وجدت الباب مغلقاً فزعزعته تا فزعزعته شديداً فقلعته ورميت به أربعين خطوة فدخلت، فبرز إلي مرحب فحمل إلي وحملت عليه وسقيت الأرض دمه، وقد كان وجه رجلين من أصحابه فرجعا منكسفين.
وأما الستون : فإني قتلت عمرو بن عبدود وكان يعد بألف رجل.
1) الخصال 578 وبحار الأنوار 442/31.
وأما الحادية والستون : فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) يقول : «يا علي مثلك في أمتي مثل قل هو الله أحد، فمن أحبك بقلبه فكأنما قرأ ثلث القرآن ومن أحبك بقلبه وأعانك بلسانه فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن أحبك بقلبه ولسانه ونصرك بيده فكأنما قرأ القرآن كله» (1).
وأما الثانية والستون: فإني كنت مع رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) في جميع المواطن والحروب وكانت رايته معي.
وأما الثالثة والستون : فإني لم أفر من الزحف قط، ولم يبارزني أحد إلا سقيت الأرض من دمه.
وأما الرابعة والستون : فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أتي بطير مشوي من الجنة فدعى الله عزَّ وجل أن يدخل عليه أحب الخلق إليه، فوفقني الله تعالى للدخول عليه حتى أكلت معه منذلك الطير.
وأما الخامسة والستون : فإني كنت أصلي في المسجد فجاء سائل فسأل وأنا راكع فناولته خاتمي من أصبعي فأنزل الله تبارك وتعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [المائدة: 55].
وأما السادسة والستون : فإن الله تبارك وتعالى ردّ عليّ الشمس مرتين ولم يردها على أحد من أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) غيري.
وأما السابعة والستون فإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمر أن أدعى بإمرة المؤمنين في حياته وبعد موته، ولم يطلق ذلك لأحد غيري.
وأما الثامنة والستون : فإن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال: «يا علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : أين سيد الأنبياء؟ فأقوم، ثم ينادى أين سيد الأوصياء؟، فتقوم ويأتيني رضوان بمفاتيح الجنة ويأتيني مالك بمقاليد النار فيقولان : إن الله جل جلاله أمرنا أن ندفعها إليك ويأمرك أن تدفعها إلي علي بن أبي طالب فتكون يا علي قسيم الجنة والنار» (2).
وأما التاسعة والسبعون : فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : «لولاك ما عرفت المنافقون من المؤمنين».
وأما السبعون: فإن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) نام ونؤمني وزوجتي فاطمة وابني الحسن والحسين وألقى علينا عباءة قطوانية فأنزل الله تبارك وتعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ
أهل البيتِ وَيُظهِرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33]، وقال جبرئيل : أنا منكم يا محمد فكان سادسنا جبرئیل (1).)
1) الخصال 580.
### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن امام مبین است در ذکر مزید اختصاص خود به حضرت رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم و اولویت خود به خلافت میفرماید)و البته دانستهاند مطلعان به اسرار رسالت که مأمور به حفظ آن بودند از صحابه محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ این که به درستی من ردّ ننموده ام بر خدای تعالی و بر رسول او هر ساعتی فرمایش آنها را و به تحقیق مواسات نمودم من با آن بزرگوار به نفس خودم در مواردی که پس بر می گشتند در آنها شجاعان و تأخیر می نمودند در آنها قدمها به جهت سطوت و شجاعتی که گرامی داشته بود خدای تعالی مرا به آن.)و به تحقیق که قبض شد روح پرفتوح حضرت رسالت مآب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ در حالتی که مبارك او بالای سینه من بود و به تحقیق که سیلان نمود نفس نفیس آن برگزیده پروردگار در دست من پس کشیدم من آن را بر روی خودم.)و به تحقیق مباشر شدم غسل آن سید ابرار را در حالتی که ملائکه معین من بودند، پس ناله نمود خانه و اطراف خانه جماعتی هبوط می کردند و جماعتی عروج مینمودند و مفارقت نکرد قوه سامعه من از صوت ایشان نماز میکردند بر آن تا این که دفن کردیم و پنهان نمودیم آن برگزیده ناس را در قبر خود پس کیست که اولی باشد به او از من در حالت زندگی او و در حالت مردگی او؟ پس بشتابید بر بصیرتهای خودتان و باید که با صدق رفتار نمایید در جهاد دشمن خودتان.پس قسم به پروردگاری که نیست معبود به حقی غیر از او به درستی که من بر راه راست حقم و به درستی که ایشان بر محل لغزش باطل اند میگویم آن چیزی را که میشنوید و طلب مغفرت میکنم از پروردگار عزّوجل از برای خود و از برای شما.
## ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ وهي المائة والسابعة والتسعون من المختار في باب الخطب)### إشارة:وشرحها في فصول ثلاثة :### الفصل الأول#### إشارة:«يَعْلَمُ عَجِيجَ الوُحُوشِ في الفَلَواتِ، ومَعاصِيَ العِبادِ في الخَلَواتِ، وَاخْتِلاف النينانِ في البحار الغامراتِ، وتَلاطُمَ الماءِ بِالرِّياحِ العاصِفاتِ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ نَجِيبُ الله وسَفِيرُ وَحْيهِ، ورَسُولُ رَحْمَتِه.)أمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعادُكُمْ، وبِه نَجاحُ طلِبَتِكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْتَهى رَغْبَتِكُمْ، ونَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وإِلَيْهِ مَرامي مَفْزَعِكُمْ، فَإِنَّ تَقْوَى الله دَواءُ داءِ قُلوبُكُمْ وَبَصَرُ عَلَى أَفْئِدَتِكُمْ، وشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسادِكُمْ، وَصَلاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وطَهُورٍ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ، وجلاءُ غِشاءِ أَبْصارِكُمْ، وأمْنُ فَزَع جاشِكُمْ، وضِياءُ سَوادِ ظُلْمَتِكُمْ.فَاجْعَلُوا طاعَةَ الله شِعاراً دُونَ دِثارِكُمْ، ودَخِيلاً دُونَ شِعارِكُمْ، ولَطيفاً بَينَ أَضْلاعِكُمْ وأميراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ، ومَنْهَلاً لِحين ورُودِكُمْ، وشَفيعاً لِدَرْكِ طَلِبَتِكُمْ، وجُنَّةٌ لِيَوْمٍ فَزَعِكُمْ، ومصابيح لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ وَسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ، وَنَفَساً لِكَرْبِ مَواطِنِكُمْ.فَإِنَّ طَاعَةَ الله حِرْزُ مِنْ مَتالِف مُكْتَنفَةٍ، ومخاوف مُتَوَقِّعَةٍ، وأوارٍ نيرانِ مُوقَدَةٍ، فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَىٰ غَرَبَتْ «عزبت خ» عَنْهُ الشَّدائِدُ بَعْدَ دُنُوّها، وَاحْلُوْلَتْ لَهُ الأُمُورُ بَعْدَ مَرارتها، وانْفَرَجَتْ عَنْهُ الأَمْواجُ بَعْدَ تَراكُمها، وأسْهَلَتْ لَهُ الصعابُ بَعْدَ انْصبابها، وهَطَلَتْ عَلَيْهِ الكَرامَةُ بَعْدَ فُحُوطِها، وتَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِها، وتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النَّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِها، ووَبَلَتْ عَلَيْهِ البَرَكَةُ بَعْدَ إِرْدَادِها.فَاتَّقُوا الله الذي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِه، ووَعَظَكُمْ برسالَتِه، وامْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِه، فَعَبُدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبادَتِهِ، وَاخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ (1.)
1) بحار الأنوار 284/67، ونهج البلاغة 174/2.
#### اللغة(عج عجّاً من باب ضرب وعجيجاً أيضاً رفع صوته بالتلبية، ومنه الحديث أفضل الأعمال إلى الله العج والنج، فالعج رفع الصوت في التلبية والثج إسالة الدماء من الذبح والنحر في الأضاحي.)و (النينان جمع نون وهو الحوت، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَضِبَا) [الأنبياء: 87]، ونهر (غامر) أي كثير الماء يغمر من يدخله أي يغطيه ويستره وغمره البحر من باب نصراي إذا علاه وغطاه و (الطلبة) بكسر اللام ما طلبته.)و (غشاء أبصاركم في بعض النسخ بالغين المعجمة والمد وزان كساء وهو الغطاء، قال تعالى : (فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [يس: 9] أي جعلنا على أبصارهم غشاوة وغطاء وفي بعضها بالعين المهملة (والقصر) سوء البصر بالليل والنهار مصدر عشي، يقال: عشى عشي من باب تعب ضعف بصره فهو أعشى والمرأة عشواء، و (الجأش) القلب. و (الشعار) الثوب الملاصق للبدن وهو الذي يلي شعر الجسد و (الدثار) ما فوق الشعار من الثياب و (دخلة) الرجل ودخله ودخيلته ودخيله نيته ومذهبه وخلده و (المنهل) المشرب والشرب والموضع الذي فيه المشرب و (الطلبة) بكسر اللام كالطلب محرّكة إسم من طالبه بحقه مطالبة، وقال الشارح المعتزلي : الطلبة ما طلبته من شيء فيكون إسم عين.
و (النفس) محركة إسم وضع موضع المصدر الحقيقي من نفس تنفيساً ونفساً أي فرج تفريجاً و (الأوار) بضم الهمزة وزان غراب حرّ النار والشمس والعطش واللهب و (هطل) السماء تهطل من باب ضرب أمطرت هطلاً وهو بالفتح تتابع المطر المتفرّق العظيم القطر والمطر الضعيف الدائم و (نضب) الماء نضوباً غار و (وبلت) السماء تبل أمطرت وابلاً وهو المطر الشديد الضخم القطر و (ارذّت) السماء بتشديد الذال المعجمة أمطرت رذاذاً، وهو بالفتح كسحاب المطر الضعيف أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار.
(الباء) في قوله : بالرّياح سببية ونحوه منصوب بنزع الخافض والفاء في قوله : (فإنّ)، تقوى الله للتعليل وفي قوله : فاجعلوا فصيحة.
إعلم أن الغرض الأصلي من هذا الفصل من الخطبة الشريفة هو النصح والموعظة والوصية بالتقوى والطاعة والترغيب عليهما بالتنبيه على عظم ما يترتب عليهما من الثمرات
والمنافع المرّغبة، وصدّر الفصل باقتضاء صناعة البلاغة ورعاية براعة الاستهلال بذكر إحاطة علمه بجزئيات الموجودات تنبيهاً به على أنه عزَّ وجل لا يخفى عليه طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
(يعلم عجيج الوحوش في الفلوات) أي صياحها فيها بالتسبيح ورفع أصواتها إلى عزّ جنابه تبارك وتعالى بالتقديس وتضرعها إليه سبحانه في إنجاح طلباتها وتنفس كرباتها وسؤالها منه لدفع شدائدها.
وفيه حثّ للمخاطبين على الطلب والسؤال والتضرّع والابتهال والإنابة إليه عزَّ وعلا وعلى كل حال لأنهم أولى بذلك من الحيوانات العجم.
ويشهد بذلك الحديث الذي قدمناه : أفضل الأعمال إلى الله العج والثجّ.
وفي حديث آخر مروي في الوسائل من (الكافي) عن حريز رفعه قال : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما أحرم أتاه جبرئيل فقال له : مر أصحابك بالعج والثجّ والعج رفع الصوت بالتلبية والثج نحر البدن.
وفي (الكافي) في كتاب الدعاء بإسناده عن حنان بن سدير عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيّ العبادة أفضل؟ قال : ما من شيء أفضل عند الله عزَّ وجل من أن يسأل ويطلب مما عنده وما أحد أبغض إلى الله عزّ وجل ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده (1).
وفيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سمعته يقول : ادع ولا تقل قد فرغ من الأمر، فإن الدعاء هو العبادة إن الله عزّ وجل يقول : (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر: 60]، وقال : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ﴾ لكن [غافر: 60].
وفيه مسند عن ميسر بن عبد العزيز عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال لي : يا ميسر میسر ادع ولا تقل إن الأمر قد فرغ منه إن عند الله عزَّ وجل منزلة لا تنال إلا بمسألة، ولو أن عبداً سد فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً فاسأل تعط، يا ميسر إنه ليس من باب يقرع إلا يوشك أن يفتح لصاحبه (2).
(و) يعلم (معاصي العباد في الخلوات) بمقتضى عموم علمه بالسرّ والخفيات وما تحت
الثرى وفوق الأرضين والسماوات وفيه تحذير للسامعين عن ارتكاب الخطيئات وحثّ لهم عن الإزعاج من السيئات وتخصيصها بها لكون الخلوة مظنّة الوقوع في المعصية بعدم وجود الرادع والحاجز.
(واختلاف النينان في البحار الغامرات) أي ترددها فيها وسبحها في البحر صعوداً وهبوطاً طولاً وعرضاً.
(وتلاطم الماء بالرياح العاصفات) أي اضطراب ماء البحار وتراكم أمواجها بالرياح الشديدة الهبوب ثم عقب بالشهادة بالرسالة فقال :
(وأشهد أن محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نجيب الله) أي الكريم الحسيب أفضل الناس حسباً ونسباً، شرّفه الله تعالى بهذا الوصف الشامخ واختاره به من خلقه.
(وسفير وحبه ورسول رحمته) كما قال عزَّ من قائل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] أي نعمة عليهم لأن ما بعث به سبب لصلاح معاشهم ومعادهم موجب للسعادة الدائمة وكونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال.)قال في (مجمع البيان: قال ابن عباس : رحمة للبر والفاجر والمؤمن والكافر، فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة ورحمة للكافر بأن عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والمسخ.)قال: وروي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وقال لجبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما نزلت هذه الآية : «هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟» قال: نعم، إني كنت أخشى عاقبة الأمر فآمنت بك لما أثنى الله علي بقوله : (وذي قوة عِندَ ذى العرش مكين) [ التكوير : 20]، وقيل : إن الوجه في أنه نعمة على الكافر أنه عرّضه للإيمان والثواب الدائم وهداه وإن لم يهتد كمن قدم الطعام إلى جائع فلم يأكل فإنه منعم عليه وإن لم يقبل(1).)(أما بعد فإني أوصيكم عباد الله (بـ) ما لا أزال أوصيكم به أعني (تقوى الله الذي ابتدأ خلقكم) وفي الإتيان بهذه الجملة وما يتلوها من الجملات الوصفية تعظيم لشأنه عزَّ وجل وتأكيد للغرض المسوق له الكلام، لأن العلم باتصافه بهذه الصفات يوجب مزيد الملازمة بالتقوى والمواظبة على أوامره ونواهيه عزَّ وتعالى.)والمراد بهذه الجملة أن الله الذي حباكم خلعة الخلقة وأخرجكم من العدم وأفاض عليكم نعمة الوجود التي هي أصل جميع النعم صغيرها وكبيرها وجليلها وحقيرها أحرى بأن
1) بحار الأنوار 306/16.
يخشى منه ويتقى ولا يقابل نعمه العظام بالكفران وآلائه الجسام بالتمرد والطغيان.(وإليه يكون معادكم أي عودكم ورجوعكم يوم حشركم ونشركم، فإن الكل إليه راجعون، فيجازيهم بما كانوا يعملون وأما الذين اتقوا فأولئك هم الفائزون، وأما الذين ظلموا فلا ينفع معذرتهم ولا هم يستعتبون كما قال عزَّ من قائل: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَلٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)[المرسلات: 4441].)(وبه نجاح طلبتكم وإليه منتهى رغبتكم أي الظفر بمطالبكم وقضاء مقاصدكم ونيل حوائجكم، فإنه تعالى قاضي حوائج السائلين، ومنجح طلبات الراغبين، ومن كان هذا شأنه يجب أن يُطاع ويُعبد لا أن يُعصى لحكمه ويتمرّد.)(ونحوه قصد سبيلكم لأنه منتهى سير السالكين، وغاية مراد المريدين فلا بد من سلوك صراطه المستقيم المؤدي إلى قربه وزلفاه، وهو صراط الملازمين لطاعته وتقواه وأما غيرهم فإنهم عن الصراط لناكبون وعن لقائه محرومون.)(وإليه مرامي مفزعكم يعني إذا دهمكم الخوف والفزع ترميكم الأفزاع نحوه، لأنه يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء عنه إذا ناداه.)وفي الحديث: ليس وراء الله مرمى، قال الطريحي أي مقصد ترمى إليه الآمال ويوجه نحوه الرجاء، تشبيهاً بالهدف التي ترمي إليها السهام، وإذا كان شأنه العزيز أنه إذا فاجأكم الفزع فإليه تضرعون، وإذا مسكم الضر فإليه تجأرون، فلا بد من أن يُطاع ولا يُعصى، ويُذكر ولا يُنسى (1.)ثم لما وصف الله عزّ وعلا بأوصاف توجب منه الإتقاء أردفه بالتنبيه على منافع التقوى والثمرات المترتبة عليها في الدين والدنيا لمزيد الحثّ والترغيب إليها فقال :(فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم يعني أنها رافعة للأمراض القلبية والرزائل النفسانية الموبقة من البخل والحسد والنفاق والعداوة والبغضاء وغيرها، لأنها مضادة لها كما أن الدواء ضد الداء.)(وبصر على أفئدتكم بيان ذلك أن حصول وصف العمى للأعمى لما كان موجباً لعجزه عن إدراكه للمحسوسات، وسبباً لضلاله عن الطريق، فكذلك حصول هذا الوصف للأفئدة الناشيء من اتباع الهوى والانهماك في الشهوات موجب لقصورها عن إدراك)
1) الخصال 24 ح 90، وبحار الأنوار 53/67 ح 16.
المعقولات وعن الاهتداء إلى الصراط المستقيم.وكما أن بحس البصر يرتفع عمى الأبصار الظاهرة ويحصل إدراك المحسوسات فكذلك بالتقوى يرتفع عمى الأفئدة ويتمكن من إدراك المعقولات ويهتدي إلى الصراط المستقيم لكونها مانعة من متابعة الهوى وانهماك الشهوات الموجبين لعماها، وهذا معنى كونها بصراً لعمى أبصار الأفئدة.روي في (الصافي في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج : 46] من التوحيد والخصال عن السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن للعبد أربع أعين عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح الله له العينين اللتين في قلبه فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته، وإذا أراد الله به غير ذلك ترك القلب بما فيه (1). وفيه من (الكافي) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنما شيعتنا أصحاب الأربعة أعين : عينان في الرأس، وعينان في القلب، ألا وإن الخلائق كلهم كذلك إلا أن الله عزَّ وجل فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم (2).
(وشفاء مرض أجسادكم) هذا وارد مورد الغالب لأن عمدة سبب المرض هو الشبع والبطنة وأهل التقوى لكونه متصفاً بقلة الأكل وقناعته بالحلال حسبما عرفت في الخطبة المائة والثانية والتسعين وشرحها يسلم جسده غالباً من الأمراض والأسقام.
ويرشد إلى ذلك ما رواه المحدّث الجزائري في (زهر الربيع) أن حكيماً نصرانياً دخل على الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : أفي كتاب ربكم أم في سنة نبيكم شيء من الطب؟ فقال: أما في کتاب ربنا فقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تَشْرِفُوا [الأعراف: 31]، وأما في سنّة نبينا : «الإسراف في الأكل رأس كل داء والحمية منه أصل كل دواء».
وفيه أيضاً عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه لو سئل أهل القبور عن السبب والعلة في موتهم لقال أكثرهم : التخمة.
وفيه أيضاً قال وروي أن المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء (3).
وقد تقدم في شرح الفصل الثاني من الخطبة المائة والتاسعة والخمسين فصل واف في فوائد الجوع وآفات الشبع فليراجع ثمة.
(وصلاح فساد صدوركم) لأن فساد الصدور وهو كونها ساقطة عن الاعتبار خالية عن المنفعة، وإنما ينشأ من طريان ما يفسدها من الغل والحقد والحسد ونحوها من الوساوس النفسانية عليها وبالتقوى ترتفع هذه كلها ويحصل صلاحها، وبه يظهر أيضاً معنى قوله :
(وظهور دنس أنفسكم) لأن هذه الطوارىء أيضاً أوساخ موجبة لتدنس النفوس بها، والتقوى مطهرة لذلك الدنس والوسخ.
(وجلاء غشاء أبصاركم) يعني أن التقوى تجلو وتكشف غطاء أبصار البصائر وتستعد بذلك لإدراك المعقولات، كما أن الباصرة إذا ارتفع حجابها وانجلت غشاوتها تصلح لإدراك المبصرات.
(وأمن فزع جاشكم) إذ بها تحصل قوة القلب في الدنيا، وهي أمان من أفزاع يوم القيامة وأخاويفها كما قال تعالى في سورة الأعراف : (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يحزنونَ) [35] وفي سورة النمل : (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَزَعَ يَوْمَيدٍ ءَامِنُونَ﴾، [89]، وفي سورة الأنبياء: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتتلَقَّاهُمُ الْمَلَائكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [103].
(وضياء سواد ظلمتكم) الظاهر أن المراد بالظلمة هو المراد بالظلمة هو ظلمة القلوب الحاصلة لها من اكتساب الآثام وانهماك الشهوات فإن المعاصي توجب ظلمة القلب واسوداد الوجه وبالتقوى والطاعة يحصل له نور وضياء واستعداد لقبول الإفاضات الإلهية، هذا.
ولا يخفى ما في هذه الفقرة وما تقدمت عليها من الفقرات السبع من حسن المطابقة ولطفها.
ولما أوصى بالتقوى ورغب فيها بالتنبيه على ما يترتب عليها من الثمرات العظيمة أكد ذلك بالأمر بملازمة الطاعة المحصلة لها وبالغ في المواظبة عليها فقال :
(فاجعلوا طاعة الله شعاراً دون دثاركم) أي بمنزلة الشعار الملاصق للبدن لا الدثار الذي فوق الشعار وهو إشارة إلى المواظبة عليها باطناً لا ظاهراً فقط، وأكد استبطانها بقوله :
(ودخيلاً دون شعاركم) أي داخلاً في باطنكم تحت الشعار، وبقوله: (ولطيفاً بين اضلاعكم) وهو غاية المبالغة في إدخالها في الباطن، وأكَّد دلالة عليه من سابقيه والغرض منه جعله مكنوناً في الخلد متمكناً الخلد متمكناً في القلوب.
وقوله : (وأميراً فوق أموركم) أي يكون ورودكم وصدوركم في أموركم الدنيوية بأمره ونهيه كسائر الأمراء بالنسبة إلى الرعية.
(ومنهلاً لحين ورودكم) أي مشرباً تشربون من صفوها وعذبها حين الورود يوم القيامة كما قال عزَّ من قائل: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَا تَفْجِيرًا [الإنسان: 5-6].)(وشفيعاً لدرك طلبتكم أي واسطة ووسيلة لإدراك مطالبكم الدنيوية والأخروية إذ بالتقوى والطاعة يحصل الاستعداد لدركها كما قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ يَخرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغْ أَمْرِه) [الطلاق: 2-3].)فقد دل قوله: يجعل له مخرجاً على أنها حصن حصين وحرز حريز بها تحصل النجاة من الشدائد والوقاية من المكاره وقوله ويرزقه من حيث لا يحتسب على أنها كنز كاف بها يدرك المطالب ويفاز بالمآرب، وقوله : ومن يتوكل على الله فهو حسبه، على أنه تعالى كاف لمن توكل عليه واكتفاه قادر على إنجاح ما يبتغيه ويتمناه.(وجنة ليوم فزعكم أي وقاية يوم القيامة من النار وغضب الجبّار كما قال تعالى : (ثمّ تنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا) [مريم : 72].)(ومصابيح لبطون قبوركم فإن القبر بيت الظلمة، والعمل الصالح يضيء قبر صاحبه كما يضيء المصباح الظلمة على ما جاء في الخبر.)(وسكناً لطول وحشتكم أي في القبور، فإنها بيت الغربة والوحدة والوحشة والأعمال الصالحة كما ورد في أخبار كثيرة تتصور في صور حسنة يستأنس بها صاحبها ويسكن إليها ويطيب بها نفسه ويرفع عنه وحشة القبر.)روى في (الكافي بسنده عن سالم عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : ما من موضع قبر إلا وهو ينطق كل يوم ثلاث مرات أنا بيت التراب أنا بيت البلاء، أنا بيت الدّود (1).)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: فإذا دخله عبد مؤمن قال مرحباً وأهلاً أما والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري فكيف إذا دخلت بطني فسترى ذلك؟.)قال: فيفسح له مد البصر ويفتح له باب يرى مقعده من الجنة.قال : ويخرج من ذلك رجل لم تر عيناه شيئاً قط أحسن منه، فيقول: يا عبد الله ما
1) الكافي 241/3 ح 4731، وبحار الأنوار 266/6، ح 114.
رأيت شيئاً قط أحسن منك، فيقول : أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه وعملك الصالح الذي كنت تعمله قال : ثم تؤخذ روحه فتوضع في الجنة حيث رأى منزله ثم يقال له: نم قرير العين فلا تزال نفحة من الجنة تصيب جسده ويجد لذتها وطيبها حتى يُبعث (1.)وفي (البحار من المحاسن بإسناده عن أبي بصير عن أحدهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قال : إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره سنة صور فيهن صورة أحسنهن وجهاً وأبها من هيئة وأطيبهنّ ريحاً وأنظفهن صورة.)قال : فتقف صورة عن يمينه وأخرى عن يساره وأخرى بين يديه وأخرى خلفه وأخرى عند رجله، وتقف التي هي أحسنهن فوق «رأسه ظ» فإن أتى عن يمينه منعته التي عن يمينه، ثم كذلك إلى أن يؤتى من الجهات السَّت قال : فتقول أحسنهن صورة ومن أنتم جزاكم الله خيراً؟ فتقول التي عن يساره أنا الزكاة وتقول التي بين يديه : أنا الصيام وتقول التي خلفه : أنا الحج والعمرة وتقول التي عند رجليه : أنا برّ بر من وصلت وصلت من إخوانك، ثم يقلن : من أنت؟ فأنت أحسننا وجهاً وأطيبنا ريحاً وأبهانا هيئة؟!، فتقول أنا الولاية لآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين (2.)(ونفساً لكرب مواطنكم أي سعة وروحاً لكرب منازل الآخرة ومواقف القيامة (فإن طاعة الله حرز من حرز من متالف مكتنفة) أي عوذة من المهالك المحيطة (ومخاوف متوقعة) أي مخاوف الآخرة المنتظرة الوقوع (وأوار نيران موقدة) أراد به حر نار الجحيم.)(فمن أخذ بالتقوى وعمل صالحاً (غربت) أي بعدت وغابت (عنه الشدائد بعد دنوها) أي شدائد الآخرة وأهاويلها، ويجوز أن يراد بها الأعم لأن المتقي بقناعته وخفّة مؤنته واعتزاله عن مخالطة أبناء الدنيا ومجالستهم سالم غالباً من المحن والشدائد وإيذاء أبناء النوع.)(واحلولت له الأمور بعد مرارتها أي صارت الأمور الدنيوية والأخروية حلواً له، أما الدنيوية كضيق العيش والجوع والفقر والعرى وما ضاهاها فلما له من الرضا بالقضاء، وأما الأخروية كمشاق الطاعات والعبادات فلكونها أحلى وألذ عنده من كل شيء وإن كان مرّاً في ذوقه في مبدأ السلوك، وذلك لما له من علم اليقين بأن هذه المشقة القليلة توجب راحة طويلة، وتلك المرارة اليسيرة تجلب لذة دائمة.)
(وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها أي انكشفت عنه أمواج الفتن الدنيوية بعد تراكمها وكثرتها، وذلك لأن الآخذ بالتقوى لكونه بمعزل من الدنيا وأهلها سالم من الفتن والمحن التي ابتلي بها أهلها.)(وأسهلت له الصعاب بعد انصبابها أي صارت الأمور الصعبة والمشاق النفسانية سهلة له بعد إيقاعها إياه في النصب والتعب، وذلك لما عرفت آنفاً من أن المتقي لمعرفته بعظم ما يترتب على طاعته وتقواه من الثمرات الأخروية يسهل عليه كل خطب ويهون له الشدائد (وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها) شبه كرامة الله سبحانه الشاملة للمتقي بالمطر العظيم القطر المتتابع على سبيل الاستعارة المكنية، وإثبات الهطل تخييل والقحوط ترشيح ونظيرها الفقرتان المتقدمتان فإنهما أيضاً من قبيل الاستعارة المكنية التخيلية الترشيحية.)والمراد أن أهل التقوى انصبت عليه وتتابعت في حقه كرامة الله العزيز عزّ وجل بسبب اتصافه بالتقوى بعد احتباسها ومنعها عنه، وذلك قبل أن يستعد بالتقوى لها ويشهد بذلك أي بإفاضة كرامته على المتقي صريحاً نص قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات : 13].)(وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها أي تعطفت عليه الرحمة الإلهية بعد ما كانت نافرة عنه حين ما لم يكن متصفاً بالتقوى ومستعداً لها. وهذه الفقرة أيضاً مثل سوابقها حيث شبه الرحمة بالناقة العاطفة على ولدها على سبيل الاستعارة بالكناية وأثبت التحدّب تخييلاً والنفور ترشيحاً.)(وتفجّرت عليه النعم بعد نضوبها إما استعارة مكنية مثل ما مرت تشبيهاً للنعم بالينابيع الجارية المنفجرة، فيكون ذكر التفجر والنضوب تخييلاً وترشيحاً، أي انفجرت عليه ينابيع النعم بعد اغورارها.)ويجوز أن يراد بالتفجر التتابع بعلاقة الملازمة فيكون مجازاً مرسلاً، والنعم قرينة التجوز أو أُريد بالتفجر الإفاضة والجامع التتابع والدوام فيكون استعارة تبعية وعلى هذين الاحتمالين فيراد بالنضوب الفقدان مجازاً ولا يخفى على المتدبر أن هذين الاحتمالين يأتيان أيضاً في بعض القرائن المتقدمة كالقرينة المتأخرة، أعني قوله :(ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها فيجوز أن تكون الاستعارة بالكناية بأن يشبه البركة بالمطر الشديد العظيم القطر والوبل والإرذاذ تخييل وترشيح وأن تكون استعارة تبعية بأن يستعار الوبل للفيض الكثير والجامع الكثرة، وأن يكون مجازاً مرسلاً ويراد بالوبل النزول وعلى التقديرين فيراد بالإرذاذ القلّة والضعف مجازاً.)
ثم بعد التنبيه على جملة من ثمرات التقوى والمنافع العظيمة المترتبة عليها عاد إلى الأمر بها تأكيداً وتقوية لما قدم فقال :(فاتقوا الله الذي نفعكم بموعظته وهي ما وعظكم بها في كتابه المبين ولسان نبيه الأمين وهداكم بها إلى الجنة وأنقذكم بها من النار وأي منفعة أعظم من هذه وأنفع.)(ووعظكم برسالته التي بعث بها رسله ولم يبق عذر لعاذر بعد مواعظهم البليغة في ترك التقوى والطاعة.)(وامتن عليكم بنعمته الغير المحصاة التي لا يجوز للعاقل أن يقابلها بالكفران ويكافئها يترك التقوى والطاعة والعصيان.)(فعبدوا أنفسكم لعبادته أي ذللوها لحمل أثقال العبادة.)(واخرجوا إليه من حقّ طاعته أي من طاعته التي هو حق عليكم وثابت في ذمتكم أو من طاعته التي حقيق به عزَّ وجل أي اخرجوا إليه من كمال طاعته التي يليق بحضرته.)### الترجمةمی داند خداوند تبارك و تعالی صدای وحشیان را در بیابانها و معصیتهای بندگان را در مکان خلوت و تردّد ماهیان را در دریاهای گود و تلاطم آب دریاها را با بادهای تند وزنده و شهادت میدهم به این که محمد مصطفى صلوات الله و سلامه عليه و آله بنده نجیب خدا است و ایلچی و حی او و پیغمبر رحمت است.اما پس از ثنای خدا پس به درستی که من وصیت میکنم شما را به تقوی و پرهیزکاری خداوندی که ایجاد فرموده خلقت شما را و به سوی او است بازگشت شما و با عنایت او است رسیدن مطالب شما و به طرف او است قصد راه شما و به سوی او است نشانگاه فزع و خوف شما پس به درستی که تقوی دوای درد قلبهای شما است و چشم کوری دلهای شما و شفای ناخوشی بدنهای شما و صلاح فساد سینههای شما و پاکیزگی کثافت نفسهای شما است و جلای پردههای بصرهای شما و خاطر جمعی خوف قلبهای شما و روشنی سیاهی تاریکی قلب شما است.
پس بگردانید طاعت و عبادت پروردگار را لباس باطنی خودتان نه لباس ظاهری و داخل در باطن خود نه شعار ظاهری و چیزی لطیف در میان دنده های خودتان و امیر حکمران بالای جمیع کارهای خودتان و محل آب خور از برای زمان ورود آن و واسطه از برای درک مطالب خودتان و سپر از برای روز فزع خود و چراغها از برای بطون قبرهای خود و مایه انس از برای طول وحشت خود و فرج و راحت از برای اندوه و محنت مواطن خودتان.پس به درستی که طاعت خدا حرز است از مهلکههای محیطه و از محلهای خوفی که متوقع است و از حرارت آتشهای روشن شده پس کسی که اخذ نمود تقوی را غایب شد از آن شدتها بعد از نزدیکی آنها به او و شیرین شد از برای او کارها بعد از تلخی آنها و منکشف شد از او موجها بعد از تراکم و تلاطم آنها و آسان شد از برای او کارهای صعب بعد از مشقت انداختن آنها و بارید به او بارانهای،کرامت بعد از قحطی آن و برگشت با مهربانی بر او رحمت خدا بعد از رمیدن آن و منفجر شد بر او چشمههای نعمتها، بعد از نایابی آنها و بارید به او باران برکت با شدت بعد از ضعف و قلت آن.پس پرهیز نمایید از خدا چنان خداوندی که نفع بخشید به شما با موعظه بالغه خود و موعظه فرمود به شما با رسالت رسولان خود و منت گذاشت بر شما با نعمت فراوان خود پس ذلیل نمایید نفسهای خودتان را با بار عبادت او و خارج شوید به سوی او از حق اطاعت او که لایق حضرت او است.
### الفصل الثاني#### إشارة:«ثُمَّ إِنَّ هَذَا الإِسْلامَ دِينُ الله الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَنَعهُ عَلَى عَيْنِهِ، وَأَصْفَاهُ خَيْرَةَ خَلْقِهِ، وَأَقامَ دَعائِمَهُ عَلى مَحبَه، أذَلَّ الأَدْيَانَ بِعِزَّنِهِ، وَوَضَعَ العِلَلَ بِرَفْعِه، وَأهانَ أَعْدائه بِكَرامَتِه، وخَذَلَ مُحادّيهِ بِنَصْرِهِ، وهَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلالَةِ بِرُكْنِهِ، وَسَقَى مَنْ عَطَشَ مِنْ حِيَاضِهِ، وَأَتَاقَ الحِياض بِمَواتجه.ثُمَّ جَعَلَهُ لا انفِصَامَ لعُرْوَتِهِ، وَلا فَكَّ لِحَلْقَتِه، وَلا انهدام لأَسَاسِهِ، وَلا زَوالَ لِدَعائِمِه، وَلا انْقِلاعَ لِشَجَرَتِهِ، وَلا انْقِطاعَ لِمُدَّتِهِ، وَلا عَفاءَ لِشَرابِعِه، وَلا جَدَّ لِفُرُوعِه، وَلا ضَنْكَ لِطُرُقِه، وَلا وُعُوثَة لِسُهُولَتِهِ، وَلا سَوادَ لِوَضحه، وَلا عِوَجَ لانْتِصابِهِ، وَلا عَصَلَ فِي عُودِه، وَلا وَعْثَ لِفَجِّه، وَلا انْطِقَاءَ لِمَصابيحه، وَلا مَرارَةَ لِحَلاوَتِه.فَهُوَ دَعائِمُ أساخَ في الحَقِّ أَسْناعها، وَثَبَّتَ لَها أساسها، وَيَنابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا، وَمَصابيحُ شُبَّتْ نيرانُهَا، وَمَنارٌ اقتدى بها سُفّارُها، وأعلامٌ قُصِدَ بِها فِجاجُها، وَمَناهِلُ رُوِيَ بِهَا وُرَادُها جَعَلَ الله فِيهِ مُنْتَهى رِضْوانِهِ، وذِرْوَةَ دَعائِمِهِ، وَسَنامَ طَاعَتِه.فَهُوَ عِنْدَ الله وَثِيقُ الأَرْكَانِ، رَفِيعُ البُنْيَانِ، مُنيرُ البُرْهانِ، مُضِيءُ النِّيرانِ، عَزيز السُّلْطانِ، مُشْرِفُ المَنارِ مُعْوِزُ المَثارِ، فَشَرِّفُوهُ، وأدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ، ووَضَعُوهُ مواضِعَهُ (1،)#### اللغة(اصطنعه على عينه افتعال من الصنع، والصنع اتخاذ الخير لصاحبه كذا في (مجمع البيان)، وقيل: من الصنيعة وهي العطية والإحسان والكرامة يقال : اصطنعتك لنفسي اخترتك لأمر استكفيكه واصطنع خاتماً أمر أن يصنع له، قال تعالى في سورة (طه) مخاطباً لموسى : ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِءَاياتِي وَلَا تَنَيَا فِي ذِكْرِى) [41-42].)وقال الشارح المعتزلي : اصطنعه على عينه كلمة يقال لما يشتد الاهتمام به، تقول للصانع إصنع لي خاتماً على عيني أي اصنعه صنعة كالصنعة التي تصنعها وأنا حاضر أشاهدها.وقال الزمخشري في (الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: 39]
1) نهج البلاغة 175/2، وبحار الأنوار 344/65 ح 16.
لتربى ويُحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك كما يرعى الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به، وتقول للصانع اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي.
و (الخيرة) بفتح (الياء) وزان عنبة كالخيرة بسكونها إسم من اخترت الرجل أي فضلته على غيره و (الدعائم) جمع الدعامة بالكسر عماد البيت والخشب المنصوب للتعريش و (حاده) محادّ عاده وغاضبه وخالفه مأخوذ من الحدد وهو الغضب، قال تعالى: يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة : 22].
و (تثق) الحوض من باب فرح امتلأ ماء وأتاق الحياض ملاها و (المواتح) جمع الماتح، وهو الذي يستقى بالدلو من المتح وهو الاستقاء. يقال متحت الدلو أي استخرجتها و (عروة) الكوز مقبضه و (الجذ) (بالذال) المعجمة القطع أو القطع المستأصل، وفي بعض النسخ (بالحاء) المهملة وهو القطع، وفي بعضها (بالجيم) (والدال) المهملة وهو القطع أيضاً والفعل في الجميع كمد.
و (وعث) الطريق وعوثة من باب قرب وتعب إذا شقّ على السالك فهو وعث، وقيل: الوعث رمل دقيق تغيب فيه الأقدام فهو شاق، ثم استعير لكل أمر شاق من تعب وإثم وغير ذلك، ومنه وعثاء السفر أي شدّة النصب والتعب
و (الوضح) محرّكة بياض الصبح والقمر ومحجة الطريق و (العصل) محركة الاعوجاج في صلابة ومنه العصال بالكسر وهو السهم المعوّج و (الفج) الطريق الواسع بين الجبلين و (ساخت) قوائمه في الأرض أي غابت وساخت بهم الأرض أي خسفت وبعدى بالهمزة فيقال : أساخه الله و (الينبوع) العين ينبع منه الماء أي يخرج وقيل : الجدول الكثير الماء وهو أنسب و (غزر) الماء بضم (الزاء) المعجمة غزارة كثيرة فهو غزير و (شبت نیرانها) بضم (الشين) بالبناء على المفعول أي أوقدت.
و (وزادها) جمع وارد قال الشارح المعتزلي : وروى روّادها الشارح المعتزلي : وروى روّادها جمع رائد وهو الذي يسبق القوم فيرتاد لهم الماء والكلاء و (ذروة) الشيء بالكسر والضم أعلاه و (سنام) بالفتح وزان سحاب أيضاً أعلاه و (عوز) الشيء عوزاً من باب تعب عزّ فلم يوجد، وعزت الشيء أعوزه من باب قال : احتجت إليه فلم أجده وأعوزني مثل أعجزني وزناً ومعنى وأعوز الرّجل إعوازاً أفتقر، وأعوزه الدّهر أفقره.
و (ثار) الغبار يثور ثوراً وثوراناً هاج وثار به الناس أي وثبوا عليه، وفلان أثار الفتنة أي هيجها والمثار مصدر أو إسم للمكان.
قوله : (على عينه) ظرف مستقر حال من فاعل اصطنع وقوله : (على محبة) يحتمل أن يكون ظرف لغو متعلق بقوله : (أقام)، فالضمير راجع إلى الله، وأن يكون ظرفاً مستقراً حالاً من فاعل أقام أو من الضمير في دعائمه، فالضمير فيه على الأول أيضاً راجع إلى الله، وعلى الثاني فيعود إلى الإسلام ويجوز جعل على بمعنى (اللام) للتعليل كما في قوله تعالى: (ولتكبروا الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة : 185] وعلى هذا أيضاً ظرف لغو والضمير يصح عوده إلي الله وإلى الإسلام فتدبّر (والباء) في قوله : (بعزّته) للسببية، وقوله : (ثم جعله لا انفصام لعروته) المفعول الثاني لجعل محذوف وجملة (لا انفصام لعروته) صفة له.
إعلم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أوصى في الفصل السابق بالتقوى والطاعة أردفه بهذا الفصل المتضمن لشرف الإسلام وفضائله لكونهما من شؤونه فقال :
(ثم إن هذا الإسلام دين الله) أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: 19] وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، [آل عمران: 85] أي من يطلب غيره ديناً يدين به لن يقبل منه بل يعاقب عليه وهو من : الهالكين في الآخرة، وفيه دلالة على أن الدين والإسلام واحد وهما عبارتان عن معبر واحد وهو التسليم والانقياد بما جاء به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)وهو (الذي اصطفاه الله واختاره من بين سائر الأديان (لنفسه) أي لأن يكون طريقاً إلى معرفته وطاعته مؤدياً إلى جنته.)(واصطنعه على عينه أي اتخذه صنعة واختاره حال كونه مراعياً حافظاً له، مراقباً عليه مشاهداً إيَّاه، ويجوز جعل العين مجازاً في العلم فيكون المعنى أنه اصطنعه وأسس قواعده على ما ينبغي وعلى علم منه به أي حال كونه عالماً بدقائقه ونكاته أو بشرفه وفضله.)ويحتمل أن يكون معنى اصطنعه أنه طلب صنعته أي أنه أمر بصنعته والقيام به حال كونه بمرئى منه أي كالمصنوع المشاهد له، وذلك أن من صنع لغيره شيئاً وهو ينظر إليه صنعه كما يحب ولا يتهيأ له خلافه، أو أنه أمر بأن يُصنع أي بصنعه وصنيعته أي بكرامته والإتيان به على وجه الكمال.وعلى هذا الاحتمال فالصانع له أي المأمور بالصنعة والصنع والصنيعة المكلفون
المطلوب منهم الإسلام.وهذا نظير ما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيني [طه: 39] على قراءة لتصنع بلفظ الأمر مبنيّاً للمفعول إن المعنى ليصنعك غيرك أي لتربّى وتغذى ويحسن إليك بمرئى مني أي يجري أمرك على ما أريد من الرفاهة.)(واصطفاء خيرة خلقه أي آثر واختار للبعثة به خير خلقه محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أو جعل خيرة خلقه خالصاً لتبليغه دون غيره.)(وأقام دعائمه على محبته أي أثبت أركان الإسلام فوق محبته تعالى، فإن من أحبه سبحانه أسلم له، أو أنه أقام دعائمه حال كونه تعالى محباً له أو حال كون الإسلام محبوباً له تعالى أو لأجل حبه إياه أو لأجل محبوبيته عنده على الاحتمالات المتقدمة في الإعراب.)ثم المراد بدعائمه إما مطلق أركانه التي يأتي تفصيلها منه في أوائل باب المختار من حكمه لمه وهو الأنسب.أو خصوص ما أشير إليه في الحديث المروي في (البحار من أمالي الصدوق بسنده عن المفضل عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : بني الإسلام على خمس دعائم على الصلاة والزكاة والصوم والحج، وولاية أمير المؤمنين والأئمة من ولده صلوات الله عليهم (1).)(أذل الأديان بعزّته أراد بذلتها نسخها أو المراد ذلّة أهلها على حذف المضاف.)ويحتملهما قوله : (ووضع الملل برفعه ويصدّق هاتين القرينتين صريحاً قوله تعالى : (اَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّين كله) [التوبة : 33].)(وأهان أعداءه بكرامته أي أمان أعداء الإسلام وهم اليهود والنصارى والمشركون وكل من عانده ولم يتديّن به من أهل الملل المتقدمة، وإهانتهم بالقتل والاستئصال وأخذ الجزية والذل والصغار.)(وخذل محاقيه بنصره أي ترك نصرة المخالفين للإسلام المحادين له، وأخزاهم بنصرته للإسلام وأهله.)(وهدم أركان الضلالة بركنه ركن الشيء جانبه الذي يستند إليه ويقوم به، فاستعار أركان الضلالة للعقائد المضلة أو رؤساء أهل الضلالة أو الأصنام، وأراد بركنه أصوله وقواعده أو النبي أو كلمة التوحيد.)
1) الكافي 2/ 18 ج 1، والأمالي 340 ح 404.
(وسقى من عطش من حياضه المراد بمن عطش الجاهل بقواعد الإسلام المبتغي له، وبالحياض النبي والأئمة سلام الله عليهم المملؤون بمياه العلوم الحقة، أو الأعم الشامل للعلماء الراشدين أيضاً ويسقيه هدايته له إلى الاستفادة وأخذ علوم الدين عنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ).)(وأتاق الحياض بمواتحه أي ملأ صدور أولي العلم (عَلَيهِم السَّلَامُ) من زلال المعارف الحقة والعلوم الدينية بوساطة المبلّغين من الله تعالى من الملائكة وروح القدس والإلهامات الإلهية. وإن أريد بالحياض الأعم الشامل للعلماء فيعمم المواتح لللأئمة لأنهم يستفيدون من علومهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) ويستضيؤون بأنوارهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) وقيل هنا : معان أخرى، والأظهر ما قلناه.)(ثم جعله وثيقاً (لا انفصام لعروته) كما قال تعالى: ﴿قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا) [البقرة: 256].)قال أمين الإسلام الطبرسي (قد : قد ظهر الإيمان من الكفر والحق من الباطل، فمن يكفر بما خالف أمر الله ويصدق بالله وبما جاءت به رسله فقد تمسك واعتصم بالعصمة الوثيقة وعقد لنفسه من الدين عقداً وثيقاً لا يحله شبهة لا انفصام لها أي لا انقطاع لها كما لا ينقطع من تمسك بالعروة وكذلك لا ينقطع أمر من تمسك بالإيمان، ومحصله أن من اعتصم بعروة الإسلام فهي تؤديه إلى غاية مقصده من رضاء الحق ورضوانه ونزول غرفات جنانه لأنها وثيقة لا تنقطع ولا تنفصم.)(و اجعله محكماً (لا فك لحلقته) قال الشارح البحراني : كناية عن عدم انقهار أهله وجماعته.)(و مشيداً (لا انهدام لأساسه) قال البحراني: استعار لفظ الأساس للكتاب والسنة الذين هما اساس الإسلام، ولفظ الانهدام لاضمحلالهما انتهى ولا بأس به، وقد يفسر في بعض الروايات بالولاية.)وهو ما رواه في (البحار من أمالي الشيخ بإسناده عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده (عَلَيهِم السَّلَامُ)قال : لما قضى رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) مناسكه من حجة الوداع ركب راحلته وأنشأ يقول : «لا يدخل الجنة إلا من كان مسلماً»، فقام إليه أبو ذر الغفاري فقال : يا رسول الله وما الإسلام؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الإسلام عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وملاكه الورع وكماله الدين وثمرته العمل، ولكل شيء أساس وأساس الإسلام حبنا أهل البيت» (1).)
1) بحار الأنوار /227 ح 22 ومستدرك سفينة البحار 113/5.
(و ثابتاً (لا زوال لدعائمه) قال البحراني : إستعار لفظ الدعائم لعلمائه أو للكتاب والسنّة وقوانينهما، وأراد بعدم زوالها عدم انقراض العلماء أو عدم القوانين الشرعية، انتهى.)والأولى أن يراد بالدعائم ما يأتي تفصيلها منه (عَلَيهِ السَّلَامُ في أوائل باب المختار من حكمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ثالث أبواب النهج.)(و راسخاً (لا انقلاع لشجرته) الظاهر أنه من قبيل إضافة المشبه به على المشبه كما في لجين الماء، والمراد أن الإسلام كشجرة ثابتة أصلها ثابت وفرعها في السماء كما أشير إليه في قوله : مَثَلًا كَلِمَةُ طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة [إبراهيم : 24]، الآية.)قال الطبرسي: قال ابن عباس : هي كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله كشجرة زاكية نامية راسخة أصولها في الأرض عالية أغصانها، وثمارها في السماء، وأراد به المبالغة في الرفعة والأصل سافل والفرع عال إلا أنه يتوصل من الأصل إلى الفرع.قال : وقيل: إنه سبحانه شبه الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، وشبّه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبه ما يكسبه المؤمنون من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وحين بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر.وفي (البحار من علل الشرائع بإسناده عن معمر بن قتادة عن أنس بن مالك في حديث قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «قال حبيبي جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة الإيمان أصلها والصلاة عروقها والزكاة ماؤها والصوم سعفها، وحسن الخلق ورقها والكف عن المحارم ثمرها فلا تكمل شجرة إلا بالثمر كذلك الإيمان لا يكمل إلا بالكف عن المحارم» (1).)(و متمادياً (لا انقطاع لمدته) لاستمراره وبقائه إلى يوم القيامة.)(و جديداً (لا عفاء لشرائعه) أي لا اندراس لما شرع الله منه لعباده ولا انمحاء لطرقه وشعبه التي يذهب بسالكها إلى حظائر القدس ومحافل الأنس.)(و زاكياً (لا جدّ لفروعه) أي لا ينقطع ما يتفرع عليه من الأحكام التي يستنبطها المجتهدون بأفكارهم السليمة من الكتاب والسنة، ويحتمل أن يراد بها ما يتفرع عليه من الثمرات والمنافع الدنيوية والأخروية.)
1) وسائل الشيعة : 14/1 ح 3 وعلل الشرائع : 249/1 ح 5.
(و وسيعاً (لا ضنك لطرقه) أي لا ضيق لمسالكه بحيث يشقّ على السالكين سلوكه، والمراد أنها ملة سمحة سهلة ليس فيها ثقل على المكلفين كما كان في الملل السابقة.)قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبي الأمي الذى يجدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والانجيل يأمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: 157]. قال أمين الإسلام الطبرسي : معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة ويحرم عليهم القبائح وما تعافه الأنفس، وقيل: يحلّ لهم ما اكتسبوه من وجه طيب ويحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث وقيل : يحل لهم ما حرمه عليهم رهبانيهم وأحبارهم وما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر والسوائب وغيرها ويحرّم عليهم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر معها (1).
(ويضع عنهم إصرهم) أي ثقلهم شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل، وذلك إن الله سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم وجعل توبة هذه الأمة الندم بالقلب حرمة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
والأغلال التي كانت عليهم قيل : يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم وما أشبه ذلك من تحريم السبت وتحريم العروق والشحوم وقطع الأعضاء الخاطئة ووجوب القصاص دون الدية، انتهى.
وقيل : الإصر الثقل الذي يأصر حامله أي يحبسه في مكانه لفرط ثقله.
وقال الزمخشري : هو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وفرض موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم وتحريم العروق في اللحم وتحريم السبت.
وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى الأعناق، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة.
(و) سهلاً (لا وعوثة لسهولته) يعني أنه على حد الاعتدال من السهولة، وليس سهلاً مفرطاً كالوعث من الطريق يتعسر سلوكه ويشق المشي فيه الرسوب الأقدام.
1) بحار الأنوار: 126/62، وتفسير مجمع البيان: 374/4.
(و) واضحاً (لا سواد لوضحه) يعني أن بياضه لا يشوبه الظلام كما قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «بعثت إليكم بالحنيفية السمحة السهلة البيضاء»، وبياضه كناية عن السهلة البيضاء، وبياضه كناية عن صفائه عن كدر الباطل.
(و) مستقيماً (لا عوج لانتصابه) أي لا اعوجاج لقيامه كما قال تعالى : (قُلْ إِنَّنِي هَدَاني ربي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قيامَا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: 161]، والمراد أنه صراط مستقيم مؤدّ لسالكه إلى الجنة، رضوان الله تعالى ليس فيه عوج ولا أمت.
(و) مستوياً (لا عصل في عوده) وهو أيضاً كناية عن استقامته وأدائه إلى الحق.
(و) يسيراً (لا وعث لفجه) أراد بالفج مطلق الطريق مجازاً من إطلاق المقيد على المطلق، ويمكن إرادة المعنى الحقيقي ويكون النظر في التشبيه إلى أنه الجادة الوسطى بين طرفي الإفراط والتفريط، كما أن الفجّ هو الطريق الواسع بين الجبلين.
(و) مضيئاً (لا انطفاء لمصابيحه) الظاهر أن المراد بمصابيحه أئمة الدين وأعلام اليقين
الذين هم مصابيح الدجى ومنار الهدى، وأراد بعدم انطفائها عدم خلق الأرض منهم (عَلَيهِم السَّلَامُ).
(و) حلواً (لا مرارة الحلاوته) لأنه أحلى وألذ في أذواق المتدينين من كل حلو، ولذيذ لا يشوبه مرارة مشقة التكليف.
كما قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كتب عليكم الصيام [البقرة: 183] لذة ما في النداء أزال تعب العبادة والعناء.)(فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها يعني أن الإسلام دعائم العبودية فلا ينافي حملها عليه هنا لما تقدم سابقاً من إضافتها إليه في قوله : أقام دعائمه على محبته وقوله ولا زوال لدعائمه نظراً إلى أن ظهور الإضافة في التغاير.)وجه عدم المنافاة أن الغرض فيما سبق تشبيه الإسلام والدين بالبيت فأثبت له الدعائم على سبيل الاستعارة المكنية التخييلية، فهو لا ينافي كون الإسلام نفسه أيضاً دعائم لكن للعبودية.ويمكن دفع المنافاة بوجه آخر وهو أنا قد بينا فيما سبق أن المراد بدعائم الإسلام إما الدعائم التي يأتي تفصيلها منه (عَلَيهِ السَّلَامُ في باب المختار من حكمه أو خصوص العبادات الخمس، أعني الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، حسبما أشير إليه في الحديث الذي رويناه في (البحار) وفي أحاديث كثيرة غيره تركنا ذكرها وعلى أي تقدير فلما كان قوام الإسلام بتلك الدعائم وثباته عليها حتى أنه بدونها لا ينتفع بشيء من أجزائه فجعله نفس تلك الدعائم مبالغة من باب زيد عدل.)ويوضح ذلك ما في (البحار من (الكافي) عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث)
قال: إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال : «الصلاة عمود دينكم»(1).)وفي (الكافي أيضاً بإسناده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الأطناب والأوتاد والغشاء وإذا انكسر العمود لم ينفع طناب ولا وتد ولا غشاء» (2).)وأما قوله : (أساخ في الحق أسناخها فمعناه : أنه تعالى أثبت أصولها في الحق يعني أنه بناء محكم بني على الحق وثبت قوائمه عليه دون الباطل كما قال تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [الروم: 30] أي ذلك الدين المستقيم الحق. (وثبت لها أساسها) أي أحكم لهذه الدعائم أبنيتها.
(وينابيع غزرت عيونها) يعني جداول وأنهار كثيرة ماء عيونها التي تجريان منها والظاهر أنه من التشبيه البليغ والمراد أن الإسلام بما تضمنه من الأحكام الكثيرة الإسلامية بمنزلة ينابيع وصفها ما ذكر، ووجه الشبه أن الينابيع منبع مادة حياة الأبدان والأحكام الإسلامية منشأ مادة حياة الأرواح، إذ بامتثالها يحصل القرب من الله المحصل لحياة الأبد.
وفي وصف المشبه به بغزارة العيون إشارة إلى ملاحظة ذلك الوصف في جانب المشبّه أيضاً لأن الأحكام الإسلامية صادرة عن صدر النبوة وصدر الأئمة التي هي معادن العلوم الإلهية وعيونها، وكفى بها كثرة وغزارة.
(ومصابيح شبت نيرانها) وهو أيضاً من التشبيه البليغ، يعني أن الإسلام بما فيه من الطاعات والعبادات التي من وظائفه مثل المصابيح الموقدة النيران المشتعلة التي هي في غاية الإضاءة، ووجه الشبه أن المصابيح التي وصفها ذلك كما أنها ترفع الظلام المحسوس فكذلك الطاعات الموظفة في دين الإسلام إذا أقيست عليها تنوّر القلوب وتجلو ظلمتها المعقولة.
(ومنار اقتدى بها سفارها) يعني أنه بما فيه من الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة التي يستدل بها العلماء في المقاصد، مثل منائر يهتدي بها المسافرون في الفلوات وإضافة سفار إلى ضمير المنار من التوسع.
ومثله قوله : (وأعلام قصد بها فجاجها) أي مثل أعلام قصد بنصب تلك الأعلام إهداء
المسافرين في تلك الفجاج.
(ومناهل روى بها ورادها) يعني أنه بما فيه من العلوم الإسلامية النقلية والعقلية بمنزلة مشارب تروي بمائها العطاش الواردون إليها.
(جعل الله فيه منتهى رضوانه) أي غاية رضاه لكونه أتمّ الوسائل وأكملها في الإيصال إلى قربه وزلفاه كما أشير إليه في قوله : (أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُم الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وقوله: إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَام [آل عمران: 19].
(وذروة دعائمه) الظاهر أن المراد بالدعائم العبادات التي بنيت عليها بيت العبودية، ولما كان دين الإسلام أشرف الأديان وأفضلها تكون العبادات الموظفة فيه أفضل العبادات وأعلاها، وإضافة الدعائم إلى الله من باب التشريف والتكريم باعتبار أنها مجعولات له سبحانه أو من أجل كونها مطلوبة له تعالى.
وبه يظهر أيضاً معنى قوله : (وسنام طاعته) ويستفاد من بعض الأخبار أن ذروة الإسلام وسنامه هو خصوص الجهاد.
وهو ما رواه في (البحار) من (الكافي) بإسناده عن عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: ألا أخبرك بأصل الإسلام وفرعه وذروة سنامه؟ قلت بلى جعلت فداك قال أما أصله فالصلاة وفرعه الزكاة، وذروة سنامه الجهاد (1).
قال المحدث العلامة المجلسي : الإضافة في ذروة سنامه بيانية أو لامية إذ للسنام الذي هو ذروة البعير ذروة أيضاً هو أرفع أجزائه، وإنما صارت الصلاة أصل الإسلام لأنه بدونها لا يثبت على ساق والزكاة فرعه لأنه بدونها لا تتم والجهاد ذروة سنامه لأنه سبب لعلوّه وارتفاعه وقيل : لأنه فوق كل برّ كما ورد في الخبر.
وكيف كان (فهو عند الله وثيق الأركان) لابتنائه على أدلة محكمة وأصول متقنة
(رفيع البنيان) كناية عن علو شأنه ورفعة قدره على سائر الأديان.
(منير البرهان) أي الدليل الدال على حقيقته من الآيات والمعجزات الباهرة منير واضح.
(مضيء النيران) كناية عن كون أنواره، أي العلوم والحكم الثاقبة التي فيه في غاية الضياء بحيث لا تُخفى على الناظر المتدبر.
1) الكافي 24/2، ودعائم الإسلام 342/1.
(عزيز السلطان) يريد أن حجته قوية أو أن سلطنته غالبة على سائر الأديان كما قال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّين كله) [التوبة : 33].
(مشرف المنار) أي مرتفع المنارة، قال الشارح البحراني وكنى به عن علوّ قدر علمائه وأئمته وانتشار فضلهم والهداية بهم.
(معوز المثار) قيل : أي يعجز الناس إزعاجه وإثارته لقوته وثباته ومتانته. وقال البحراني: أي يعجز الخلق إثارة دفائنه واستخراج ما فيه من كنوز الحكمة ولا يمكنهم استقصاؤها، وفي بعض النسخ معوز المثال أي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله، وفي بعضها معوز المنال أي يعجزون عن النيل والوصول إلى نكاته ودقائقه وأسراره.
(فشر فوه) أي عظموه وعدوه شريفاً واعتقدوه كذلك (واتبعوه وأدوا إليه حقه) أي ما يحقه من الاتباع الكامل (وضعوه مواضعه) أراد به الكف عن تغيير أحكامه والعلم بمرتبته ومقداره الذي جعله الله له، أو العمل بجميع ما تضمنه من الأوامر والنواهي، وفقنا الله لذلك بجاه محمد وآله سلام الله عليه وعليهم.
فصل ثانی از این خطبه شریفه در وصف اسلام است و ذکر فضایل آن می فرماید:
پس به درستی این اسلام دین خدا است که پسند فرموده آن را از برای خودش و برگزیده آن را در حالتی که عالم است به فضیلت آن و خالص گردانیده به او بهترین خلق خود را که پیغمبر آخرالزمان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باشد و برپا داشته ستونهای آن را بر بالای محبت خود، ذلیل نموده دینها را به سبب عزیزی آن و پست فرموده ملتها را به جهت بلندی آن و خوار نموده دشمنهای خود را به جهت گرامی داشتن آن و ذلیل کرده معاندین خود را با یاری کردن آن و خراب کرده ارکان ضلالت و گمراهی را با رکن آن و سیراب فرموده تشنگان را از حوض های آن و پر کرده حوضها را با آب کشندگان آن.
پس گردانیده آن را که گسیخته نمیشود جای دستگیر آن و فک نمی شود حلقه
آن و خرابی نیست اساس آن را و زوال نیست ستونهای آن را و برکندگی نیست درخت آن را و انقطاع نیست مدت او را و اندراس نیست شریعتهای او را و بریدگی نیست شاخهای او را و تنگی نیست راههای آن را و دشواری نیست از برای سهولت آن و سیاهی نیست از برای سفیدی آن و کجی نیست از برای استقامت آن و اعوجاج نیست از برای چوب آن و صعوبت نیست از برای راههای آن و خاموشی نیست چراغهای آن را و تلخی نیست شیرینی آن را.
پس آن اسلام، ستونهایی است که ثابت و محکم کرده خدا در حق، اصلهای آنها را و به غایت و به غایت مستحکم نموده از برای آنها بنیانهای آنها را و نهرهای پرآبی است که زیاده است آبهای چشمههای آنها و چراغهایی است که افروخته شده آتشهای آنها و مناره هایی است که هدایت یافته با آنها مسافران آنها و علم هایی است که قصد کرده شده با آنها راه روندگان گدوکهای آنها و سرچشمههایی است که سیراب شده با آنها واردین به آنها گردانیده است خداوند تبارك و تعالی در او غایت رضای خود را و بلندتر ستونهای خود را و کوهان طاعت خود را.
پس او است در نزد خدا که محکم است رکنهای آن و بلند است بنایی آن نورانی است دلیل آن روشن است آتشهای آن عزیز است سلطنت آن بلند است مناره آن نایاب است معارضه گری آن پس مشرف و گرامی دارید او را و تبعیت نمایید به آن و ادا کنید به او حق او را و بگذارید او را جایی که لایق او است.
«ثُمَّ إِنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حِينَ دَنا مِنَ الدُّنْيَا الانْقِطاعُ، وأَقْبَلَ مِنَ الآخِرَةِ الاطلاع، وأَظْلَمَتْ بَهْجَتُها بَعْدَ إِشْرَاقٍ، وقَامَتْ بِأَهْلِها عَلى ساقٍ، وَخَشُنَ مِنْها مِهادٌ، وَأَزفَ مِنها قياد، فِي انْقِطَاعِ مِنْ مُدَّتِها، وَاقْتِراب من أشراطها، وتَصَرُّم مِنْ أَهْلِها، وانْفِصَامَ مِنْ حَلْقَتِها، وَانْتِشارٍ مِنْ سَبَبها، وعَفَاءٍ مِنْ أَعْلامِها وَتَكَشفِ مِنْ عَوْرَاتِها، وَقِصَرٍ مِنْ طُولِها.
جَعَلَهُ الله سُبْحانَهُ بَلاغاً لِرِسالَتِه، وَكَرَامَةً لِأُمَّتِهِ، وَرَبيعاً لأهْلِ زَمانِهِ، وَرِفْعَةً لأَعْوَانِهِ، وَشَرَفاً لأَنْصَارِهِ.
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ نُوراً لا تُطفأ مَصابيحُه، وَسِراجاً لا يَحُبُو تَوَقُدُهُ، وبَحْراً لا يُدْرَكَ فَعْرُهُ، وَمِنْهَاجاً لا يَضِلُّ نَهْجُهُ، وَشُعاعاً لا يُظْلَمُ ضَوْتُهُ، وَفُرْقاناً لا يُحْمَدُ بُرهانُهُ، وَبُنْياناً لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَشِفَاءٌ لا تُخْشَى أَسْقامُهُ، وَعِزّاً لا تُهْزَمُ أَنْصارُهُ، وَحَقاً لا تُخَذَلُ أعوانُهُ.
فَهُوَ مَعْدِنُ الإِيمَانِ وَبَحْبُوحَتُهُ، وَيُنَايِيعُ العِلْم وبُحُورُهُ، وَرِياضُ العَدْلِ وَغُدْرانُهُ، وَأَثَافِيُّ الإسلام وَبُنْيانُهُ، وَأُوْدِيَةُ الحَقِّ وَغِيطَانُهُ، وَبَحْرٌ لا يَنْزِفُهُ المُسْتَنْزِفُونَ «المُنتزفون خ ل»، وَعُيُونٌ لا يَنْضِبها الماتِحُونَ، وَمَناهِلُ لا يَغِيضُها الوارِدُونَ، وَمَنازِلَ لا يُضِلُّ نَهْجَها المُسَافِرُونَ، وَأَعْلامٌ لا يَعْمَى عَنْهَا السّائِرُونَ، وَآكامٌ لا يَجُوزُ عَنْهَا القَاصِدُونَ.
جَعَلَهُ الله رِياً لِعَطَشِ العُلَماءِ، وَرَبيعاً لِقُلُوبِ الفُقَهَاءِ، وَمَجاجٌ لِطُرُقِ الصَّلَحاءِ، وَدَواءً مَعَهُ «بَعْده خ ل» داءٌ، وَنُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلَمَةٌ، وَحَبْلاً وثيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلاً منيعاً ذِرْوَتُهُ، وَعِزّاً لِمَنْ تَوَلاهُ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَهُدى لِمَنِ ائتَمَّ بِهِ، وَعُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ، وَبُرْهاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ به، وشَاهِداً لِمَنْ خاصَمَ بِهِ، وَفُلْجاً لِمَنْ حَاجَّ به، وَحامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ، ومَطِيَّةٌ لِمَنْ أَعْمَلَهُ، وَآيَةٌ لِمَنْ تَوَسمَ، وَجُنَّةٌ لِمَنِ اسْتَلامَ، وَعِلْماً لِمَنْ وَعَى، وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوى، وَحُكْماً لِمَنْ قضى» (1).
(الإطلاع) الإشراف من موضع عال و (السّاق) الشدّة، قال تعالى: وَالْتَفَّتِ السَانُ بِالسَّاقِ [القيامة: 29] أي اتصلت آخر شدّة الدنيا بأول شدّة الآخرة و (المهاد بالكسر كالمهد)
1) نهج البلاغة 178/2، وتحف العقول 163.
موضع يهيأ للصبي والفراش و (قاد الرّجل الفرس قوداً من باب قال : وقياداً بالكسر وهو نقيض السوق. قال الخليل: القود أن يكون الرجل أمام الدابة آخذاً بقيادها، والسوق أن يكون خلقها، فإن قادها لنفسه قيل : اقتادها والمقود بالكسر الحبل يقاد به والقياد مثله مثل لحاف وملحف.)و (العورة السوءة وكل أمر يستحى منه و (الطول) الامتداد يقول : طال الشيء طولاً بالضم امتدّ وخلاف العرض، وفي بعض النسخ: من طولها وزان عنب وهو حبل تشدّ به قائمة الدّابة أو تشدّ وتمسك طرفه وترسلها ترعى، وطال طولك وطيلك وطيالك أي عمرك أو مكثك أو غيبتك.)(ومنهاجاً لا يضلّ نهجه المنهاج والنهج وزان فلس الطريق الواضح، ونهج الطريق نهجاً من باب منع سلكه، ويضل من باب الأفعال وفي بعض النسخ بصيغة المجرد.)و (الغدران جمع الغدير وهو النهر و (الأثافي) بفتح الهمزة وتشديد الياء كأثاف جمع الأثفية بالضم والكسر وهو الحجر يوضع عليه القدر والأثافي في الأحجار الموضوع عليها القدر على شكل مثلث و (نضب) الماء نضوباً من باب قعد غار في الأرض وينضب بالكسر من باب ضرب لغة.)و (غاض الماء غيضاً من باب سار نضب وقلّ، وغاضه الله يتعدّى ولا يتعدّى فالماء مغيض. قال الشارح المعتزلي: وروى لا يغيضها بالضمّ على قول من قال : أغضت الماء وهي لغة غير مشهورة (1).)و (الأكمة بالتحريك التلّ، وقيل : شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، وربما غلظ والجمع أكم وأكمات مثل قصبة وقصبات وجمع الأكم آكام مثل جبل وجبال وجمع الآكام أُكُم بضمتين مثل كتاب وكتب وجمع الآكم أكام مثل عنق وأعناق، هكذا قال الفيومي.)و (المحجة بالفتح جادة الطريق و (الفلج) بالضم إسم من الفلج وهو الظفر والفوز، وفلج بحجته أثبتها وأفلج الله حجّته أظهرها و (وعى) الحديث وعياً من باب وعد حفظه وجمعه وتدبّره.)### الإعرابقوله : (في انقطاع من مدتها ظرف لغو متعلق بقوله : أزف و (في) بمعنى (مع)،)
1) شرح النهج : 199/10.
ويحتمل أن يكون ظرفاً مستقراً متعلقاً بمقدّر حالاً من قياد وقوله : نوراً بدل من الكتاب وقوله : ومنهاجاً لا يضلّ نهجه إن كان من باب الإفعال (فنهجه منصوب على المفعول والفاعل ضمير مستكن راجع إلى منهاجاً، وإن كان بصيغة المجرّد فهو مرفوع على الفاعل وإسناد الفعل إليه من المجاز العقلي والمصدر بمعنى الفاعل فمجاز لغوي والإسناد حينئذ على حقيقته.)### المعنىإعلم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ لم لما ذكر في الفصل السابق فضل الإسلام وشرفه أردفه بهذا الفصل وأشار فيه إلى بعثة من جاء بالإسلام، وشرح حال زمان البعثة تنبيهاً بذلك على عظم ما ترتب على بعثه من الفوائد العظيمة، ثم عقب بذكر أعظم نعمة أنعم الله به على عباده ببعثه وهو تنزيل الكتاب العزيز وذلك قوله :)(ثم إن الله بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالهدى ودين الحق (حين دنا من الدنيا الإنقطاع وأقبل من الآخرة الإطلاع) الظاهر أن المراد به قرب انقطاع دنيا كل أمة وإقبال آخرتهم بحضور موتهم حسبما عرفت تفصيله في شرح قوله : أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع وأن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع من الخطبة الثامنة والعشرين.)ويحتمل أن يراد به قرب زوالها بالكلية وإشراف الآخرة والقيامة الكبرى بناء على أن ما مر من عمر الدنيا أكثر مما بقي ويعضده بعض الأخبار.مثل ما رواه في (البحار من البرسي في (مشارق الأنوار) عن الثمالي عن علي بن الحسين قال : إن الله خلق محمداً وعلياً والطيبين من ذريتهما من نور عظمته وأقامهم أشباحاً قبل المخلوقات ثم قال : الظن إن الله لم يخلق خلقاً سواكم بلى والله لقد خلق الله ألف ألف آدم وألف ألف عالم وأنت والله في آخر تلك العوالم (1).)وفيه أيضاً من (جامع الأخبار قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن موسى سأل ربه عز وجل أن يعرفه بدء الدنيا منذ كم خلقت؟ فأوحى الله عزّ وجل إلى موسى : تسألني عن غوامض علمي؟ فقال : يا رب أحب أن أعلم ذلك فقال : يا موسى خلقت الدنيا منذ مائة ألف ألف عام عشر مرات وكانت خراباً خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فعمرتها خمسين ألف عام، ثم خلقت فيها خلقاً على مثال البقر يأكلون رزقي ويعبدون غيري خمسين ألف عام، ثم أمتهم كلهم في ساعة واحدة، ثم خربت الدنيا خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فمكثت)
1) الخصال 652 ح 54، والتوحيد 277 ح 2.
عامرة خمسين ألف عام، ثم خلقت فيها بحراً فمكث البحر خمسين ألف عام لا شيء مجاجاً من الدنيا يشرب، ثم خلقت دابة وسلطتها على ذلك البحر فشربته بنفس واحد، ثم خلقت خلقاً أصغر من الزنبور وأكبر من البق فسلطت ذلك الخلق على هذه الدابة فلدغها وقتلها، فمكثت الدنيا خراباً خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فمكثت خمسين ألف سنة، ثم جعلت الدنيا كلها آجام القصب وخلقت السلاحف وسلطتها عليها فأكلتها حتى لم يبق منها شيء، ثم أهلكتها في ساعة واحدة، فمكثت الدنيا خراباً خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين ألف عام، ثم خلقت ثلاثين آدم ثلاثين ألف سنة من آدم إلى آدم ألف سنة، فأفنيتهم كلهم بقضائي وقدري، ثم خلقت فيها ألف ألف مدينة من الفضة البيضاء، وخلقت في كل مدينة مائة ألف ألف قصر من الذهب الأحمر، فملأت المدن خردلاً عند الهواء يومئذ ألذ من الشهد وأحلى من العسل وأبيض من الثلج، ثم خلقت طيراً أعمى وجعلت طعامه في كل ألف سنة حبة من الخردل أكلها كلها حتى فنيت، ثم خرّيتها فمكثت خراباً خمسين ألف عام، ثم بدأت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين ألف عام، ثم خلقت أباك آدم بيدي يوم الجمعة وقت الظهر ولم أخلق من الطين غيره، وأخرجت من صلبه النبي محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ» (1).)وهذان الخبران كما ترى يعضدان ما ذكرناه من كون الغابر من الدنيا أكثر من الباقي.لكن العلامة المجلسي (قدّس سِرُّه قال في المجلد التاسع من (البحار) بعد إيراد رواية البرسي : لا أعتمد على ما تفرد بنقله، وقال في المجلد الرابع عشر بعد رواية الخبر الثاني من (جامع الأخبار): هذه من روايات المخالفين أوردها صاحب (الجامع) فأوردتها ولم أعتمد عليها.)فعلى ذلك لا يمكن التعويل عليهما مع منافاتهما لما رواه المحدّث الجزائري في (الأنوار عن ابن طاووس (رَحمهُ اللّه) أن عمر الدنيا مائة ألف سنة يكون منها عشرون ألف سنة ملك جميع أهل الدنيا، ويكون ثمانون ألف سنة منها مدة ملك آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والأولى ردّ علم ذلك إلى الله والراسخون في العلم هذا.)وقوله : (وأظلمت بهجتها بعد إشراق أراد به أنه سبحانه بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين فترة من الرّسل بعدما كانت الدنيا مبتهجة بوجودهم مشرقة مضيئة بأنوار هدايتهم فأظلمت بهجتها أي ذهب حسنها ونضارتها بطول زمان الفترة وتمادي مدة الغفلة والضلالة.)(وقامت بأهلها على ساق قد مضى تحقيق معنى هذه الجملة في شرح الخطبة المائة)
1) بحار الأنوار 331/54.
والثامنة والثلاثين فليراجع ثمة.ومحصل المراد بلوغها حين بعثته إلى غاية الشدة بأهلها لما كانت عليه العرب حينئذ من ضيق العيش والضر والحروب والقتل والغارة وإثارة الفتن وتهييج الشرور والمفاسد، كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ في الخطبة السادسة والعشرين : إن الله بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شر دين وفي شردار منيخون بين حجارة خشن وحيات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دمائكم وتقطعون أرحامكم (اهـ)(1).)(وخشن منها مهاد كناية عن عدم الاستقرار بها وفقدان طيب العيش والراحة لأن ذلك إنما يتم بانتظام الشرائع وثبات قوانين العدل ويرتفع بارتفاعها.)(وأزف منها قياد أي قرب منها اقتياد أهلها وتعريضهم بالهلاك والفناء، أو انقيادها بنفسها للعدم والزوال والثاني أظهر بملاحظة الظروف التي بعدها أعني قوله :)(في انقطاع من مدتها وانخراطها في سلك العدم.)(واقتراب من أشراطها أي آياتها وعلاماتها الدالة على زوالها، والمراد بها أشراط الساعة التي أشير إليها في قوله تعالى: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَعْتَةٌ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطها) [محمد: 18]، وقوله : ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا) [الزخرف: (61]، وقوله : (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: 10-11]. وإنما جعلها من أشراط الدنيا مع كونها من أشراط الساعة لوقوعها في الدنيا مع أنها كما تدل على قرب القيامة تدل على انقطاع الدنيا وتمامها، فتكون أشراطاً لهما معاً، ومضى تفصيل هذه الأشراط في شرح الخطبة المائة والتاسعة والثمانين.
وروى في (الصافي) في حديث أشراط الساعة أول آيات الدخان ونزول عيسى ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر.
وفي (البحار) من (مجمع البيان): وروي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «بادروا بالأعمال ستاً : طلوع الشمس من مغربها والدابة والدجال والدخان وخويصة أحدكم أي موته وأمر العامة»، يعني القيامة (2).
(وتصرّم من أهلها) أي انقطاع منهم (وانفصام من حلقتها) أي انكسار واندراس من
نظام أهلها واجتماعهم على الشريعة والدين (وانتشار من سببها) أي تفرق من حبلها وربقتها المشدودة بها رقاب أهلها وهو حبل الإسلام
(وعفاء من أعلامها) أي دروس منها وهو كناية عن فقدان الأنبياء والعلماء الصالحين الذين يهتدى بهم في ظلمات الجهالة ويستضاء بأنوارهم في بوادي الضلالة
(وتكشف من عوراتها) أي ظهور من معايبها ومساوتها التي كانت مستورة بحجاب الشرائع وأستار الإسلام.
(وقصر من طولها) أي من تماديها وامتدادها، أو المراد قصر عمرها على رواية طول بكسر الطاء وفتح الواو.
وتعديد هذه الحالات التي كان عليها الناس حين بعثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشرحها وبسطها تذكيراً للمخاطبين بأن بعثه في مثل تلك الحالات أعظم من منّ الله تعالى به على عباده ليؤذ السامعون بتذكره وذكراء وظائف شكر تلك النعمة العظمى ويقوموا بمراسم حمده حيث أنقذهم ببعثه سلام الله عليه وآله من ورطات الكفر والضلال، وأنجاهم من العقاب والوبال.
(جعله الله سبحانه بلاغاً لرسالته) أي تبليغاً لها كما في قوله تعالى: وَمَا عَلَی الرَّسُولِ إِلَّا البَلاعُ [النور: 54] أي إلا أداء الرسالة وبيان الشريعة أو كفاية لها كما في قوله تعالى في وصف القرآن : (هَذَا بَلَاغ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا به) أي موعظة بالغة كافية [إبراهيم: 52] وعلى المعنيين فلا بد من جعل المصدر بمعنى الفاعل أي جعله عزَّ وجل مبلغاً للرسالة أو كافياً لها أي غير محتاج معه إلى رسول آخر، ولذلك كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خاتم النبوة.
(وكرامة لأمته) أي أكرمهم عزّ وجل بجعله رسولاً لهم وجعلهم أمة له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفضلهم بذلك على سائر الأمم.
(وربيعاً لأهل زمانه) تشبيهه بالربيع إما من أجل ابتهاجهم ببهجة جماله مثاله كما جماله وبديع يبتهج الناس بالربيع ونضراته وطراوته أو من أجل أن أهل زمانه قد خرجوا بوجوده الشريف من ضنك المعيشة إلى الرخاء والسعة كما أن الناس يخرجون في الربيع من جدب الشتاء وضيق عيشها إلى الدعة والرفاهة.
(ورفعة لأعوانه وشرفاً لأنصاره) يحتمل رجوع الضميرين إلى الله كما في الفقرة الأولى وإلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما في الفقرتين الأخيرتين وعلى أي تقدير فالمراد بالأعوان والأنصار المسلمون، أما كونهم أنصاراً له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فواضح، وأما جعلهم أنصاراً وعوناً الله عزّ وجل على الاحتمال الأول فلكونهم أنصار دين الله وأعوان رسوله، أضافهما إليه تعالى تشريفاً وتكريماً.
وكيف كان فقد شرّف الله تعالى المسلمين ورفع شأنهم في الدنيا والآخرة بمتابعتهم لرسوله ومعاونتهم له وسلّطهم على محاديه وجاحديه لعنهم الله تعالى وعذبهم عذاباً أليماً، هذا.
ولما ذكر بعثة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأشار إلى بعض فوائد بعثه أردفه بذكر أعظم معجزات النبوة وهو الكتاب العزيز، وأشار إلى جملة من أوصافه ومزاياه تنبيهاً على علو قدره وعزّة شأنه فقال :
(ثم أنزل عليه الكتاب) وعد به اثنين وأربعين منقبة.
أولها : كونه نوراً (لا تُطفىء مصابيحه) أما أنه نور فلاهتداء الناس به من ظلمات الجهل كما يُهتدى بالنور المحسوس في ظلمة الليل قال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقوم [الإسراء: 9]، وأما مصابيحه فاستعارة لطرق الاهتداء وفنون العلوم التي تضمنها القرآن.)(و الثانية : كونه (سراجاً لا يخبو توقده) أما أنه سراجاً فلما مرّ آنفاً، وأما أنه لا يخبو توقده فالمراد به عدم انقطاع اهتداء الناس به واستضاء تهم بنوره)(و الثالثة : كونه (بحراً لا يُدرك قعره) استعارة البحر له باعتبار اشتماله على النكات البديعة والأسرار الخفية ودقائق العلوم التي لا يدركها بعد الهمم ولا ينالها غوص الفطن كما لا يدرك الغائص قعر البحر العميق.)(و الرابعة : كونه (منهاجاً لا يضلّ نهجه) أي طريقاً واضحاً مستقيماً إلى الحق لا يُضل سالكه أو لا يَضلّ سلوكه.)(و الخامسة : كونه (شعاعاً لا يظلم ضوءه). أي حقاً لا يدانيه شك وريب، أي لا تشوبه ظلمة الباطل فتغطيه وتستره كما قال تعالى : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: 2] وقال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَميد) [فصلت: 42].
قال الطبرسي : قيل : إن الباطل الشيطان، ومعناه لا يقدر الشيطان أن ينقص منه حقاً أو يزيد فيه باطلاً وقيل : لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات فلا تناقض في ألفاظه ولا كذب في أخباره ولا يعارض ولا يزاد فيه ولا يغيّر بل هو محفوظ حجة على المكلفين إلى يوم القيامة، ويؤيده قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: 9] (1).
1) مجمع البيان: 27/9.
(و) السادسة: كونه (فرقاناً لا يخمد برهانه) أي فارقاً بين الحق والباطل وفاصلاً بينهما لا تنتفي براهينه الجلية وبيناته التي بها يفرق بينهما كما قال تعالى : (إِنَّهُ لَقَولُ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالهزل) [الطارق 13 - 14]، وقال: (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185].
(و) السابعة: كونه (بنياناً لا تُهدم أركانه) شبهه ببنيان مرصوص وثيق الأركان فاستعار له لفظه والجامع انتظام الأجزاء واتصال بعضها ببعض، وقوله : لا تهدم أركانه ترشيح للاستعار وفيه إشارة إلى أن البنيان الوثيق كما أنه مأمون من التهافت والهدم والانفراج فكذلك الكتاب العزيز محفوظ من طرو النقص والخلل والاندراس.
(و) الثامنة كونه (شفاء لا تخشى أسقامه) يعني أنه شفاء للأبدان والأرواح.
وأما الأبدان فبالتجربة والعيان مضافاً إلى الأحاديث الواردة في خواص أكثر الآيات المفيدة للاستشفاء والتعويذ بها.
مثل ما في (الكافي) بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : شكي رجل إلى النبي وجعاً في صدره فقال : «استشف بالقرآن فإن الله عزّ وجل يقول : وشفاء لما في الصدور»(1).
عن سلمة بن بن محرّز قال : سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : من لم يبرءه الحمد لم يبرءه شيء (2).
وعن إبراهيم مهزم عن رجل سمع أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: من قرأ آية الكرسي عند منامه لم يخف الفالح إنشاء الله، ومن قرأها في دبر كل فريضة لم يضره ذو حمة (3).
وفي (مجمع البيان) من كتاب العياشي بإسناده أن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: «ألا أعلمك أفضل سورة أنزلها الله في كتابه؟» قال: فقال له جابر: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله علمنيها، قال: فعلمه الحمد أم الكتاب، ثم قال: «يا جابر ألا أخبرك عنها ؟» قال بلى بأبي أنت وأمي فأخبرني، فقال : «هي شفاء من كل داء إلا السام»، والسّام الموت، إلى غير هذه مما لا حاجة إلى إيرادها (4).
وأما الأرواح فلأنه بما تضمنه من فنون العلوم شفاء لأمراض الجهل.
فقد ظهر بذلك كونه شفاء للأبدان من الأوجاع والأسقام وشفاء للقلوب من كل شك وريب وشبهة، ويصدق ذلك قوله تعالى في سورة السجدة: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هدي وَشِفَاء) [فصلت: 44] وفي سورة بني إسرائيل : وَنُنَزِلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولَا يَزِيدُ الظَّلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82].)قال أمين الإسلام الطبرسي : : وجه الشفاء فيه من وجوه :منها ما فيه من البيان الذي يزيل عمى الجهل وحيرة الشك.ومنها ما فيه من النظم والتأليف والفصاحة البالغة حد الإعجاز الذي يدل على صدق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فهو من هذه الجهة شفاء من الجهل والشك والعمى في الدين ويكون شفاء للقلوب.)ومنها أنه يتبرك به وبقراءته ويستعان به على دفع العلل والأسقام ويدفع الله به كثيراً من المكاره والمضارّ على ما يقتضيه الحكمة.ومنها ما فيه من أدلة التوحيد والعدل وبيان الشرائع، فهو شفاء للناس في دنياهم وآخرتهم، ورحمة للمؤمنين أي نعمة لهم، وإنما خصهم بذلك لأنهم المنتفعون به انتهى.فقد تحصل من ذلك أنه شفاء لا يخاف أن يعقب سقماً، لأن الكمالات النفسانية الحاصلة من قراءته وتفكّره وتدبر آياته تصير ملكات راسخة لا تتبدل بأضدادها ولا تتغير.(و التاسعة : كونه (عزاً لا تهزم أنصاره) أي لا تغلب ولا تقهر.)(و العاشرة : كونه (حقاً لا تخذل أعوانه) والمراد بأعوانه وأنصاره هم المسلمون العارفون بحقه العاملون بأحكامه وعدم هزمهم وخذلانهم نص قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلكَفِارِينَ عَلَى المُؤمِنِينَ سَبِيلاً) [النساء : 141].)قال في (مجمع البيان فيه أقوال:)أحدها: أن المراد لن يجعل الله لليهود على المؤمنين نصراً ولا ظهوراً.وقيل : لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً بالحجة وإن جاز أن يغلبوهم بالقوّة، لكن المؤمنين منصورون بالدلالة والحجة.وقيل : لن يجعل لهم في الآخرة عليهم سبيلاً لأنه مذكور عقيب قوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة : 131] بين الله سبحانه أنه إن يثبت لهم سبيل على المؤمنين في الدنيا
بالقتل والقهر والنهب والأسر وغير ذلك من وجوه الغلبة فلن يجعل لهم يوم القيامة عليهم سبيلاً.
والحادية عشر ما أشار إليه بقوله : (فهو معادن الإيمان وبحبوحته).
أما أنه معدن الإيمان، فلأن المعدن عبارة عن منبت الجوهر من ذهب وفضة ونحوهما ولما كان الإيمان بالله ورسوله جوهراً نفيساً لا جوهر أنفس منه ولا أغلى عند ذوي العقول، وكان يستفاد من القرآن ويستخرج منه جعله معدناً له.
وأما أنه بحبوحته ووسطه فلأن الإيمان بجميع أجزائه وشرائطه ومراسمه يدور عليه، فهو بمنزلة القطب والمركز لدائرة الإيمان كما هو ظاهر.
(و) الثانية عشر: أنه (ينابيع العلم وبحوره).
أما أنه ينابيع العلم فلأن العلوم بجميع أقسامه منه تفيض كالعيون الجارية منها الماء.
وأما أنه بحوره فلاحتوائه بفنون العلم كاحتواء البحر بمعظم الماء.
(و) الثالثة عشر : أنه (رياض العدل وغدرانه).
أما كونه رياض العدل فلأن الرياض عبارة عن مجامع النبات والزهر والرياحين التي تبتهج النفوس بخضرتها ونضرتها، وتستلذ الطباع بحسنها وبهجتها، كما قال تعالى : (حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة) [النمل: 60] فشبه التكاليف الشرعية المجعولة عن وجه العدل والحكمة بالزهر والنبات الحسن لإيجابها لذة الأبد وجعل الكتاب العزيز رياضاً لها لاجتماعها فيه واستنباطها منه.
وأما كونه غدران العدل فلأن الغدير عبارة عن مجمع الماء فشبه الأحكام العدلية بالماء لما فيها من حياة الأرواح كما أن بالماء حياة الأبدان وجعله غديراً لجامعيته لها.
(و) الرابعة عشر : أنه (أثافي الإسلام وبنيانه) لما قد عرفت من أن الأثافي عبارة عن الأحجار التي عليها القدر، فجعله أثافي للإسلام لاستقراره وثباته عليه مثل استقرار القدر على الأثافي.
وبهذا الاعتبار أيضاً جعل الصلاة والزكاة والولاية أثافية في حديث البحار من (الكافي) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : أثافي الإسلام ثلاثة الصلاة والزكاة والولاية، لا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتها.
قال العلامة المجلسي : وإنما اقتصر عليها لأنها أهم الأجزاء ويدل على اشتراط قبول كل منها بالآخرين، ولا ريب في كون الولاية شرطاً لصحة الأخريين.
(و) الخامسة عشر : أنه (أودية الحق وغيطانه) يعني أن طالب الحق إنما يجده في هذه الأودية والأراضي المطمئنة. قال الشارح البحراني : واللفظان مستعاران باعتبار كونه معدناً للحق ومظنّة له، كما أن الأدوية والغيطان مظانّ الكلاء والماء.
(و) السادسة عشر: أنه (بحر لا ينزفه المستنزفون) أي لا ينزحه كله ولا يفنيه المستقون، وهو إشارة إلى عدم انتهاء العلوم المستفادة منه فإن فيه علم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة حسبما عرفت في شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الأولى.
(و) السابعة عشر : أنه (عيون لا ينضبها الماتحون) أي لا يغيّرها المستسقون.
(و) الثامنة عشر : أنه (مناهل لا يغيضها الواردون) أي مشارب لا ينقص مائها الواردون على كثرة ورودهم عليها.
(و) التاسعة عشر : أنه (منازل لا يضلّ نهجها المسافرون) يعني أنه منازل السالكين إلى الله لا يضلّ مسافروه منهاج تلك المنازل لكونه واضحاً جلياً وجادة مستقيمة
(و) العشرون : أنه (أعلام لا يعمى عنها السائرون) لاستنارتها وإضاءتها.
(و) الحادية والعشرون : أنه (أكام لا يجوز عنها القاصدون) قال الشارح البحراني : استعار لفظ الأعلام والآكام للأدلة والإمارات فيه على طريق إلى معرفته وأحكامه باعتبار كونها هادية إليها كما تهدى الأعلام والجبال على الطرق.
(و) الثانية والعشرون : أنه (جعله الله تعالى ربّاً لعطش العلماء) شبّه شدّة اشتياق نفوس العلماء وحرصهم على المعارف الحقة الإلهية بعطش العطاش وحيث إن الكتاب العزيز كان رافعاً لغللهم جعله مرويّاً لهم كما كما يروى الماء الغليل. (1)
(و) الثالثة والعشرون: أنه جعله سبحانه (ربيعاً لقلوب الفقهاء) لابتهاج قلوبهم به واستلذاذهم منه كما يبتهج الناس بالربيع.
(و) الرابعة والعشرون : أنه جعله (محاجّ لطرق الصلحاء) أي جواد واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا خفاء، لأنه يهدي للتي هي أقوم.
(و) الخامسة والعشرون : أنه جعله (دواء ليس معه داء) حسبما عرفته في شرح قوله : وشفاء لا تخشى أسقامه.
1) الكافي 18/2 ح 4، ووسائل الشيعة 16/1 ح 7.
(و) السادسة والعشرون: أنه جعله (نوراً ليس معه ظلمة) أي حقاً لا يشوبه باطل حسبما عرفته في شرح قوله : وشعاعاً لا يظلم نوره
وفي (الكافي) بإسناده عن أبي جميلة قال : قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان في وصية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه : إن هذا القرآن هدى النهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهد وفاقة (1).
وفيه عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره، فإن التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور (2).
(و) السابعة والعشرون : أنه جعله (حبلاً وثيقاً عروته) لا يخشى من انفصامه من تمسك به واتبع بأحكامه نجا ومن تركه هلك.
(و) الثامنة والعشرون : أنه جعله (معقلاً منيعاً ذروته) أي ملجأ وحصناً حصيناً يمنع الملتجي إليه من أن يناله المكروه وسوء العذاب.
(و) التاسعة والعشرون : أنه جعله (عزّاً لمن تولاه) يعني من اتخذه ولياً وألقى إليه أزمة أموره وعمل بأوامره ونواهيه فهو عزّة له في الدارين.
(و) الثلاثون أنه جعله عزَّ وجل (سلماً لمن دخله) قال الشارح البحراني : أي أمناً، ودخوله الخوض في تدبّر مقاصده واقتباسها وبذلك الاعتبار يكون مأمناً من عذاب الله ومن الوقوع في الشبهات التي هي مهاوي الهلاك، وقيل: استعار لفظ السلم باعتبار عدم أذاه لمن دخله فهو كالمسالم له.
(و) الحادية والثلاثون أنه جعله (هدى لمن ائتم به) وهو واضح كما قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2].
(و) الثانية والثلاثون : أنه جعله (عذراً لمن انتحله) ولعل المراد كونه عذراً منجياً من العذاب يوم القيامة لمن دان به وجعله نحلته وقيل : إن المراد أن من انتسب إليه بأن جعل، نفسه من أهل القرآن وافتخر بذلك كان القرآن نفسه عذراً له، لعلو شأنه، وما ذكرناه أقرب.
(و) الثالثة والثلاثون : أنه جعله (برهاناً لمن تكلم به) أي حجة واضحة وبياناً جلياً لمن احتج به.
(و) الرابعة والثلاثون : أنه جعله شاهداً لمن خاصم به أي دليلاً محكماً للمستدل.
(و) الخامسة والثلاثون أنه جعله (فلجاً لمن حاجّ به) أي ظفراً وفوزاً للمخاصم يعني أن من خاصم واحتج به فاز بمقصده وغلب خصمه.
روى في (البحار) من (كنز الفوائد) بإسناده عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : يا معشر الشيعة، خاصموا بسورة (إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] تفلجوا، فوالله إنها لحجة الله تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنها لسيدة دينكم وإنها لغاية علمنا يا معشر الشيعة خاصموا بـ (حم * وَالْكِتَابِ المُبِينِ) [الزخرف: 1-2] فإنها لولاة الأمر خاصة بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
(و) السادسة والثلاثون أنه جعله (حاملاً لمن حمله) يعني أن من حمل القرآن وحفظه وعمل به واتبع أحكامه حمله القرآن إلى دار القدس وغرفات الجنان.
روى في (الكافي) بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا معاشر قراء القرآن اتقوا الله عزّ وجل فيما حملكم من كتابه فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنّتي» (1).
وفيه عن السكوني عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والمجتهدون قواد أهل الجنة والرّسل سادات أهل الجنة».
وعن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن أحق الناس بالتخشع في السر والعلانية لحامل القرآن وإن أحق الناس في السر والعلانية بالصلاة والصوم لحامل القرآن»، ثم نادى بأعلى صوته : «يا حامل القرآن، تواضع به يرفعك الله ولا تعزّز به فيذلك الله يا حامل القرآن تزيّن به الله يزينك الله به ولا تزيّن به للناس فيشينك الله به، من ختم القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه ولكنه لا يوحى إليه ومن جمع القرآن فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه، ولا يغضب فيمن يُغضب عليه، ولا يحد فيمن يحدّ عليه، ولكنه يعفو ويصفح ويغفر ويحلم لتعظيم القرآن ومن أوتي القرآن فظنّ أن أحداً من الناس أوتي أفضل مما أوتي فقد عظم ما حقر الله، وحقر ما عظم الله» (2).
(و) السابعة والثلاثون أنه جعله (مطية لمن أعمله) أي مركباً سريع السير يبلغ بمن أعمله إلى منزله ومقصده، وهو حظائر القدس ومجالس الأنس والمراد بأعماله هو حفظه
والمواظبه عليه وعدم الغفلة عنه.
روى في (الكافي) بإسناده عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إن الرجل إذا كان يعلم السورة ثم نسيها وتركها ودخل الجنة أشرفت عليه من فوق في أحسن صورة فتقول : تعرفني؟ فيقول : لا، فتقول: أنا سورة كذا وكذا لم تعمل بي وتركتني أما والله لو عملت بي لبلغت بك هذه الدرجة وأشارت بيدها إلى فوقها.
وعن يعقوب الأحمر قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن علي ديناً كثيراً وقد دخلني شيء ما كاد القرآن يتفلت مني، فقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): القرآن القرآن، إن الآية من القرآن والسورة لتجيء يوم القيامة حتى تصعد ألف درجة يعني في الجنة، فتقول : لو حفظتني لبلغت بك لهنا.
وعن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من نسي سورة من القرآن مثلت له في صورة حسنة ودرجة رفيعة في الجنة، فإذا رآها قال : ما أنت ما أحسنك ليتك لي، فتقول: أما تعرفني؟ أنا سورة كذا وكذا ولو لم تتسني لرفعتك إلى هذا (1).
(و) الثامنة والثلاثون أنه جعله (آية لمن توسّم) أي دلالة للمتفكّر المعتبر وعلامة يستدل بها المتفرّس، وأصل التوسّم هو النظر في السمّة أي العلامة الدالة، قال تعالى: إِنَّ في ذَلِكَ لاَيَاتِ لِلْمُتَوَسَمِينَ [الحجر: (75] أي دلالات للمتفكرين المعتبرين.)وقال في (مجمع البيان: وقد صح عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: «اتقوا فراسة المؤمن وأنه ينظر بنور الله»، وقال: «إن الله عباداً يعرفون الناس بالتوسم»، ثم قرأ هذه الآية (2).)(و التاسعة والثلاثون أنه جعله (جنة لمن استلام) أي وقاية وسلاحاً لطالب الدرع والسلاح، والمراد كونه وقاية لقارء من مكاره الدنيا والآخرة.)أما الآخرة فواضحة، لأنه يوجب النجاة من النار والخلاص من غضب الجبار جل جلاله.وأما الدنيا فيدلّ على كونه وقاية من مكارهها صريح قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورا [الإسراء : 45])
قال الطبرسي: قال الكلبي وهم أبو سفيان والنضر بن الحرث وأبو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب حجب الله رسوله عن أبصارهم وكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه (1.)وفي (الصافي من قرب الإسناد عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أم جميل امرأة أبي لهب أتته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين نزلت سورة (تبت) ومع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أبو بكر بن قحافة فقال يا رسول الله هذه أم جميل منخفضة أو مغضبة تريدك ومعها حجر تريد أن ترميك به، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إنها لا تراني»، فقالت لأبي بكر أين صاحبك ؟ قال : حيث شاء الله، قالت : لقد جئته لو أراه لرميته فإنه هجاني واللات والعزى إني لشاعرة فقال أبو بكر : يا رسول الله لم ترك؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لا، ضرب الله بيني وبينها حجاباً مستوراً» (2).)وأما سائر الناس فيشهدوا بكونه جنّة لهم من المكاره.ما رواه في (الكافي بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه قال : والذي بعث محمداً بالحق وأكرم أهل بيته ما من شيء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابة من صاحبها أو آبق إلا وهو في القرآن، فمن أراد ذلك فليسألني :قال : فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عما يؤمن من الحرق والغرق؟)فقال : إقرأ هذه الآيات: (اللهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: 196] وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: 91] إلى قوله سبحانه: فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[الأعراف: 190] فمن قرأها فقد أمن من الحرق والغرق قال: فقرأها رجل واضطرمت النار في بيوت جيرانه وبيته وسطها فلم يصبه شيء.)ثم قام إليه رجل آخر فقال : يا أمير المؤمنين إن دابتي استصعبت علي وأنا منها على وجل، فقال: إقرأ في أذنها اليمنى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وإليه يرجعُونَ [آل عمران: 83] فقرأها فذلت له دابته. (3) وقام إليه آخر فقال : يا أمير المؤمنين إن أرضي أرض مسبغة إن السباع تغشي منزلي ولا تجوز حتى تأخذ فريستها فقال :إقرأ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسبى اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ العَظِيم [التوبة: 128 - 129] فقر أهما الرجل فاجتنبته السباع.
ثم قام إليه آخر فقال : يا أمير المؤمنين إن في بطني ماء أصفر فهل من شفاء؟ فقال : نعم بلا درهم ولا دينار ولكن اكتب على بطنك آية (الكرسي وتغسلها وتشربها وتجعلها ذخيرة في بطنك فتبرأ بإذن الله عزّ وجل ففعل الرجل فيراً بإذن الله.)ثم قام إليه آخر فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن الصّالة؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: إقرأ (يس) في ركعتين وقل: يا هادي الصالة ردّ عليّ ضالتي، ففعل فرد الله عليه ضالته.)ثم قام إليه آخر فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن الآبق ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: إقرأ (أو كظلمات فِي بَكْرٍ أَي يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ - إلى قوله - (وَمَن أَو يجعل الله له نُورًا فَمَا لَم من نور) [النور: 40]، فقالها الرجل فرجع إليه الآبق.)ثم قام إليه آخر فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن السّرق فإنه لا يزال قد يسرق الشيء بعد الشيء ليلاً، فقال له : إقرأ إذا أويت إلى فراشك : (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَان أَنا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلِكَ سَبِيلًا إلى قوله : (وَكَبره تكبيرا) [الإسراء: 110-111].)ثم قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: من بات بأرض قفر فقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) إلى قوله : (تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 54] حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين.)قال : فمضى الرجل فإذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرأ هذه الآية فغشته الشياطين وإذا هو آخذ بخطمه فقال له صاحبه: انظره، واستيقظ الرجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه : أرغم الله أنفك احرسه الآن حتى يُصبح.فلما أصبح رجع إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ فأخبره فقال له : رأيت في كلامك الشفاء والصدق ومضى بعد طلوع الشمس فإذا هو بأثر شعر الشياطين مجتمعاً في الأرض (1).)(و الأربعون : أنه جعله (علماً لمن وعى) أي علماً كاملاً بالمبدأ والمعاد لمن حفظه وعقله وجعله في وعاء قلبه قال الطريحي : وفي الحديث لا يعذب الله قلباً وعى القرآن أي عقل القرآن إيماناً منه وعملاً، فأما من حفظ الفاظه وضيّع حدوده فهو غير واع له، وفيه: خير القلوب أوعاها أي أحفظها للعلم وأجمعها له.)(و الحادية والأربعون أنه جعله (حديثاً لمن روى) قال أمين الإسلام الطبرسي في تفسير قوله تعالى : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِها مَثَانِيَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ)
1) الكافي 625/2، وبحار الأنوار 183/4.
ربَّهم [الزمر: 23] يعني القرآن، وإنما سمّاه الله حديثاً لأنه كلام الله والكلام سمى حديثاً كما يسمى كلام النبي حديثاً، لأنه حديث التنزيل بعدما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء، وهو أحسن الحديث لفرط فصاحته ولإعجازه ولاشتماله على جميع ما يحتاج المكلّف إليه من التنبيه على أدلة التوحيد والعدل وبيان أحكام الشرائع وغير ذلك من المواعظ وقصص الأنبياء والترغيب والترهيب كتاباً متشابهاً يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً، ليس فيه اختلاف وتناقض وقيل إنه يشبه كتب الله المتقدمة وإن كان أعم وأجمع وأنفع. : (و) الثانية والأربعون : أنه جعله (حكماً لمن قضى) يعني من يقضي بين الناس، فالقرآن حكم له لا حكم له غيره لأنه الحكم الحق وغيره باطل، كما قال تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأَوْلَئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: 45].)قيل في توجيهه : إن الحاكم بغير ما أنزل الله إن كان لامع الاعتقاد فهو إما ظالم أو فاسق، وإن حكم بذلك مع اعتقاد أنه غير ما أنزل الله فهو كافر، هذا.وقد تقدم في شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الأولى وغيره فصل واف في فضل الكتاب العزيز وما يتعلق به فليراجع هناك، ونسأل الله سبحانه أن يجعلنا من العارفين بفضله، والعاملين بأحكامه، والواعين لعلمه والرّاوين لحديثه والقاضين بحكمه بجاه محمد وآله سلام الله عليه وعليهم.
### الترجمةفصل سیم و چهارم از این خطبه در بیان بعثت حضرت رسالت مآب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و اشاره بر فواید بعثت است و ذکر نزول کتاب کریم و اشاره بر مناقب آن می فرماید:)پس به درستی که خداوند تعالی مبعوث فرمود محمد بن عبدالله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ را با حق، هنگامی که نزديك شده از دنیای فانی بریده شدن آن و اقبال کرده بود از آخرت مشرف بودن آن و ظلمانی شده بود شکفتگی دنیا بعد از روشنایی آن و برپا ایستاده بود به اهل خود به غایت شدّت و ناهموار شده بود از آن بساط آن و نزديك شده بود از آن انقیاد آن به زوال در انقطاع مدت آن و نزدیکی علامتهای فنای آن و بریده شدن اهل آن و گسیخته شدن حلقه آن و تفرّق ریسمان آن و اندراس علمهای آن و انکشاف قبایح آن و کوتاهی درازی آن.)گردانید او را حق تعالی کفایت کننده از برای رسالت خود و کرامت از برای امت او و بهار از برای اهل زمان او و سربلندی به جهت اعوان او و شرف مر یاران او را.پس نازل فرمود بر آن بزرگوار کتاب عزیز خود را نوری که خاموش نمی باشد چراغهای آن و چراغی که نابود نمیگردد اشتعال آن و دریایی که درک نمی شود ته آن و جاده واضحی که ضلالت نمی افتد سالك آن و شعاعی که تاريك نمی باشد روشنایی آن و فرقانی که خاموش نمی شود برهان و دلیل آن و بنیادی که خراب نمی شود رکنهای آن و شفایی که ترسیده نمیشود مرضهای آن و عزیزی که مغلوب نمی باشد ناصران آن و حقی که خوار نمیباشد یاران آن.پس آن کتاب معدن ایمان و وسط او است و چشمههای علم و دریاهای او است و باغهای عدالت و گودالهای آب او است و پایههای اسلام و بنیان او است و بیابانهای حق و گودیهای او است و دریائی است که نمیتواند بکشد آب آن را آب کشندگان و چشمههایی است که تمام نمیکند آب آن را آب بردارندگان و
سرچشمههایی است که ناقص نمی نماید آن را واردان و منزلهایی است که گم نمی کند راه آن را مسافران و علامتهایی است که نابینا نمیشود از آنها سیرکنندگان و تلهایی است که تجاوز نمی نماید از آنها قاصدان.گردانید خداوند آن را سیرابی از برای تشنگی عالمیان و بهار از برای قلبهای فقیهان و راههای روشن از برای طرق صالحان و دوایی که نیست بعد از آن دردی و نوری که نیست با وجود آن ظلمتی و ریسمانی که محکم است جای دستگیر آن و پناهگاهی که مانع است بلندی آن و عزیزی از برای کسی که آن را به جهت خود دوست اخذ نموده باشد و امن امان از برای کسی که داخل آن شود و هدایت از برای کسی که اقتدا نماید به آن و عذر از برای کسی که نسبت آن را به خود بدهد و برهان واضح به جهت کسی که با آن تکلم نماید و شاهد صادق به جهت کسی که مخاصمه نماید با آن و غلبه و ظفر برای کسی که احتجاج کند با آن و بردارنده مرحاملان خود را و مرکب از برای کسی که اعمال نماید آن را و علامت از برای کسی که تفکر نماید و زره از برای کسی که طالب سلاح باشد و علم کامل کسی را که حفظ کند آن را و حدیث صحیح کسی را که روایت نماید و حکم به حق از برای کسی که حکم نماید.
## ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو المائة والثامن والتسعون من المختار في باب الخطب)### إشارة:وهو مروي في (الكافي ببسط واختلاف كثير تطلع عليه بعد الفراغ من شرح ما أورده السيد (رَحمهُ اللّه) هنا.)«تَعاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاةِ وحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْها، وتَقَرَّبُوا بها، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتَاً، أَلا تَسْمَعُونَ إِلى جَوابِ أَهْلِ النَّارِ حَيْثُ سُلُوا مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر، قالوا: لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ، وَإِنَّها لَتَحُبُّ الذنوب حَتَّ الوَرَقِ، وَتُظْلِقُها إطلاق الرِّبَقِ، وَشَبَّهَها رَسُولُ الله بالحَمَّةِ تَكُونُ عَلى بَابِ الرَّجُلِ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ، فَما عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ، وَقَدْ عَرَفَ حَقَّها رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذينَ لا تَشْغَلُهُمْ عَنْها زِينَةُ مَتاعِ، وَلا قُرَّةٌ عَيْنٍ مِنْ وَلَدٍ ولا مالٍ يَقُولُ الله سُبْحانَهُ : (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تجارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِنَاءِ الزَّكَوة [النور: 37] وَكانَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نَصِباً بِالصَّلاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالجَنَّةِ، لِقَوْلِ الله سُبْحانَهُ : (وَأمر أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [طه: 132]، فَكانَ لو يَأْمُرُ أَهْلَهُ وَيُصَيَّرُ عَلَيْها نَفْسَهُ.)ثُمَّ إِنَّ الزَّكاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاةِ قُرْباناً لأهْلِ الإِسلام، فَمَنْ أَعْظها طَيِّبَ النَّفْسِ بِها فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمِنَ النَّارِ حِجازاً وَوِقايَةٌ، فَلا يُثْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ، وَلا يُكْثِرَنَّ عَلَيْها لَهْفَهُ، فَإِنَّ مَنْ أَعْطاها غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِها يَرْجُو بِها ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْها، فَهُوَ جاهِلٌ بالسُّنَّةِ، مَغْبُونُ الآخر، ضال العَمَلِ، طويلُ النَّدَم.ثُمَّ أَداءُ الأَمَانَةِ فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِها إِنَّها عُرِضَتْ عَلَى السَّماواتِ المَبْنِيَّةِ، والأرضَينَ المَدْحُوَّةِ، وَالجِبالِ ذاتِ الطُّولِ المَنْصُوبَةِ فَلا أَطْوَلَ وَلا أَعْرَضَ وَلا أَعْلى، وَلا أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَو امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُولٍ، أَوْ عَرْض، أَوْ قُوَّةٍ، أَوْ عِزّ، لأمْتَنَعْنَ ولكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ العُقُربَةِ، وَعَقِلْنَ ما جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ، وَهُوَ الإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً.إِنَّ الله سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مَا العِبادُ مُقْتَرِفُونَ في لَيْلِهِم وَنَهارِهِمْ لَطْفَ بِهِ خُبْراً، وَأَحاطَ بِهِ عِلْماً، أَعْضاتُكُمْ شُهُودُهُ، وَجَوارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وَضَمائِرُكُمْ عُيُونُهُ، وَخَلَواتُكُمْ عيانه».### اللغة(تعاهدوا أمر الصلاة وروى تعهدوا بدله، يقال : تعهدت الشيء وتعاهدته ترددت إليه وتفقدته وأصلحته، وحقيقته تجديد العهد به، وفي الدعاء عند الحجر الأسود: ميثاقي تعهدته)
لتشهد لي بالموافاة يوم القيامة، وفي رواية (العلل عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعاهدته بدله، أي جددت العهد به قال الفيومي: قال الفارابي : تعهدته أفصح من تعاهدته، وقال ابن فارس: ولا يقال تعاهدته لأن التعاهد لا يكون إلا من اثنين ويردّه كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على رواية السيد، ودعاء الحجر على رواية (العلل) وما في الحديث من قوله «تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم» (1).)و (حتّ الرجل الورق من الشجر حتاً من باب مد أسقطه وأزاله، وتحاتت الشجرة تساقط ورقها و (الرّبق) وزان عنب جمع ربق بالكسر وزان حمل حبل فيه عدة عرى يشدّ به اليهم، وكل عروة ربقة و (الحمة) بفتح الحاء المهملة كل عين فيها ماء حار ينبع يستشفى بها الأعلاء، وفي بعض النسخ بالجيم وهي البئر الكثيرة الماء و (الدرن) محركة الوسخ.)و (إقام الصلاة أصله اقوام مصدر أقوم مثل أكرم إكراماً، (والتاء) في إقامة عوض من (العين) الساقط بالأعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض و (نصب) نصباً كتعب وزناً ومعنى فهو نصب.)و (يصبر عليها نفسه بالتثقيل أي يأمرها بالصبر من صبرته أي حملته على الصبر بوعد الأجر، وقلت له اصبر ويروى بالتخفيف أي يحبس عليها نفسه و (القربان) كفرقان إسم لما يتقرب به إلى الله من أعمال البرّ.)وقوله : (فلا يتبعنها بنون التوكيد مثقلة من اتبعت فلاناً لحقته، قال تعالى : (فَأَتبعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُوده) [طه: 78] أي لحقهم و (العيان) بالكسر المعاينة يقال : لقاه عياناً أي معاينة لم يشك في رؤيته إياه.)### الإعرابقوله : (على المؤمنين متعلق بقوله : موقوتاً قوله : (فما عسى أن يبقى عليه من الدرن) كلمة (ما) نافية وعسى تامة بمعنى (كاد)، وأن يبقى عليه في موضع رفع بأنه فاعل (عسى) كما في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا) [البقرة: 216] وفاعل (يبقى) محذوف (ومن الدرن) بيان للفاعل المحذوف أي يبقى عليه شيء من الدرن.)وقوله تعالى: (رِجَالٌ فاعل يسبّح المذكور قبل ذلك، قال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو وَالْآصَالِ رِجَالُ لا تُلْهِيهِمْ) [النور: 36 – 37] وعلى قراءة يسبّح مبنياً للمفعول فالجار والمجرور أعني له نائب عن الفاعل ورجال مرفوع بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور
1) نهج البلاغة 2 / 180، ومنهج السعادة 57/8.
كأنه بعدما قيل : يسبّح له سئل عن المسبح فقال : رجال أي يسبّح له رجال على حد قول الشاعر :
لِيَبْكِ يزيد ضارع لخصومة***ومختبط مما تطيح الطوايح
أي يبكيه ضارع، وقوله : طيب النفس، منصوب على الحال من فاعل أعطى وقوله : غير طيب النفس، وجملة يرجو بها منصوبان لفظاً ومحلاً أيضاً على الحال، وقوله : لا يخفى عليه ما العباد مقترفون كلمة (ما) موصولة منصوبة محلاً مفعول يخفى وما بعدها صلة لها والعائد محذوف أي مقترفون له.
إعلم أن مدار هذا الكلام الشريف على فصول ثلاثة :
الفصل الأول: في الأمر بالصلاة والحث عليها.
والفصل الثاني : في الترغيب في الزكاة والإلزام بها.
والفصل الثالث: في التحضيض على أداء الأمانة والتحذير من المعاصي.
فهو قوله : (تعاهدوا أمر الصلاة) أي جددوا العهد بها وراقبوا عليها في أوقاتها المخصوصة ولا تضيعوها ولا تغفلوا عنها، لأنها عماد الدين ومعراج المؤمنين، وقربان كل تقي ومؤمن نقي، وأول ما يحاسب به العبد إن قبلت قبل ما سواها وإن ردّت ردّ ما سواها.
وقد ذم الله أقواماً توانوا عنها واستهانوا بأوقاتها فقال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: 4 - 5]، قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية الخصال: يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها (1).
(وحافظوا عليها) أي على أوقاتها ورعاية آدابها وسننها وحدودها ومراسمها وشروطها وأركانها.
فلقد قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من ترك صلاته متعمداً فقد هدم دينه».
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لا تضيعوا صلاتكم فإن من ضيع صلاته حشره الله تعالى مع قارون وفرعون وهامان لعنهم الله وأخزاهم وكان حقاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين، فالويل
1) تفسير نور الثقلين 677/5 ح 4.
لمن لم يحافظ على صلاته» (1).
وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن الصلاة إذا ارتفعت في أول وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة، تقول : حفظتني حفظك الله، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة تقول : ضيعتني ضيعك الله (2).
وقد أمر الله عزّ وجل بمحافظتها في الكتاب العزيز بقوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصلوة الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238].)قال أمين الإسلام الطبرسي : أي داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها، ثم خص الوسطى تفخيماً لشأنها فقال : والصلاة الوسطى (3.)وقال المحدّث العلامة المجلسي : ويدل بناء على كون الأمر مطلقاً أو خصوص أمر القرآن للوجوب على وجوب المحافظة على جميع الصلوات إلا ما أخرجها الدليل، وربما يستدل بها على وجوب صلاة الجمعة والعيدين والآيات، ولكن في بعض الروايات أن المراد بها الصلوات الخمس وعلى تقدير العموم يمكن تعميمها بحيث تشمل النوافل والتطوعات أيضاً، فلا يكون الأمر على الوجوب، ويشمل رعاية السنن في الصلاة الواجبة أيضاً كما يفهم في بعض الأخبار.وخص الصلاة الوسطى بذلك بعد التعميم لشدة الاهتمام بها لمزيد فضلها أو لكونها معرضة للضياع من بينها فهي الوسطى بين الصلاة وقتاً أو عدداً أو الفضلى من قولهم : للأفضل الأوسط.وقد قال بتعيين كل من الصلوات الخمس قوم إلا أن أصحابنا لم يقولوا بغير الظهر والعصر كما يظهر من المنتهى وغيره.فقال الشيخ في (الخلاف: إنها الظهر، وتبعه جماعة من أصحابنا وبه قال زيد بن ثابت وعائشة وعبد الله بن شداد لأنها بين صلاتين بالنهار، ولأنها في وسط النهار، ولأنها تقع في شدة الحر والهاجرة وقت شدّة تنازع الإنسان إلى النوم والراحة، فكانت أشق، وأفضل العبادات أحمزها، وأيضاً الأمر بمحافظة ما كان أشق أنسب وأهم ولأنها أول صلاة فرضت ولأنها في الساعة التي يفتح فيها أبواب السماء فلا تغلق حتى تصلى الظهر ويستجاب فيها الدعاء.)
وروى الجمهور عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشدّ على أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منها، فنزلت الآية.)وروى الترمذي عن أبو داود عن عائشة عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قرأ: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» (1).)قال في :(المنتهى والعطف يقتضي المغايرة لا يقال: (الواو) زائدة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين) [الأحزاب: 40] لأنّا نقول : الزيادة منا فيه للأصل فلا يصار إليه إلا لموجب والمثال الذي ذكروه يمنع زيادة (الواو) فيه بل هي للعطف على بابها.)وقال في (مجمع البيان: كونها الظهر هو المروي عن الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وروى فيه عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنها الجمعة يوم الجمعة والظهر في سائر الأيام.)وقال السيد المرتضى : هي صلاة العصر، وتبعه جماعة من أصحابنا، وبه قال أبو هريرة وأبو أيوب وأبو سعيد عبيدة السلماني والحسن والضحاك وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد.ونقله الجمهور عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ قالوا : لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار.)واحتج السيد (رَحمهُ اللّه بإجماع الشيعة.)والمخالفون بما رووا عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً» (2).)وفي (الوسائل بعد رواية الأخبار الدالة على أنها الظهر قال: وتقدم ما يشعر بأنها العصر، وهو محمول على التقية في الرواية.)وقيل : إنها إحدى الصلوات الخمس لم يعينها الله وأخفاها في جملة الصلوات المكتوبة ليحافظوا على جميعها كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان واسمه الأعظم في جميع الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة لئلا يتطرّق التشاغل بغيرها بل يهتم غاية الاهتمام بالكل فيدرك كمال الفضل.(واستكثروا منها فإنها خير موضوع فمن شاء أقل ومن شاء أكثر.)روى في (البحار من البصائر عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن بن أبي هاشم بن)
العتبة العابدة قال : سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ وذكر عنده الصلاة فقال : إن في كتاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي أملاه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إن الله لا يعذب على كثرة الصلاة والصيام ولكن يزيده جزاء»«خيراً خ» (1).)وفي (الوسائل عن الشيخ بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : أتي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رجل فقال : إدع الله أن يدخلني الجنة، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أعنى بكثرة السجود» (2).)وفيه عن الصدوق بإسناده عن أبي جعفر العطار قال سمعت الصادق جعفر بن محمد (عَلَيهِم السَّلَامُ يقول : جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فقال : يا رسول الله كثرت ذنوبي وضعف عملي، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «أكثر السجود فإنه يحط الذنوب كما تحت الريح ورق الشجر» (3).)(وتقربوا بها إلى الله سبحانه فإنها قربان كل تقي)كما رواه في (البحار من العيون بإسناده عن محمد بن الفضيل عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : الصلاة قربان كل تقي.)وفيه من ثواب الأعمال بإسناده عن موسى بن بكر عن أبي الحسن (عَلَيهِم السَّلَامُ قال : صلاة النوافل قربان كل مؤمن (4).)بل هي أفضل ما يتقرب به إليه تعالى.كما يدلّ عليه ما رواه في (الكافي بإسناده عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربّهم؟ فقال: ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أن العبد الصالح عيسى بن مريم (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيَّا) [مريم : 31]، هذا.)ولما أمر بتعاهدها ومحافظتها والتقرّب بها عقب (عَلَيهِ السَّلَامُ ذلك وعلله بوجوه مرغبة.)أحدها قوله : (فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً اقتباس من الآية الشريفة في سورة (النساء).)قال في (مجمع البيان: اختلف في تأويله فقيل : إن الصلاة كانت على المؤمنين واجبة مفروضة، وهو المروي عن الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وقيل : معناه فرضاً موقوتاً أي منجماً)
تؤدّونها في أنجمها.وفي (الكافي بإسناده عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): قوله تعالى : (إن الصلوة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنين كتابا! موقوتا) [النساء : 103]، قال: كتاباً ثابتاً وليس إن عجلت قليلاً أو أخرت قليلاً بالذي يضرك ما لم تضيّع تلك الإضاعة فإن الله عزّ وجل يقول لقوم : (أَضَاعُوا الصَّلوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّا) [مريم : 59](1).)وفيه عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ في هذه الآية أي كتاباً موجوباً «موجباً خ ل» هذا.)وتخصيص المؤمنين بالذكر في الآية الشريفة لتحريضهم وترغيبهم على حفظها وحفظ أوقاتها حالتي الأمن والخوف ومراعاة جميع حدودها في حال الأمن وإيماء بأن ذلك من مقتضى الإيمان وشعار أهله فلا يجوز أن تفوتهم وإن التساهل فيها يخل بالإيمان وأنهم هم المنتفعون بها لعدم صحتها من غيرهم.الثاني : قوله : (ألا تسمعون إلى جواب أهل النار والاستفهام للتقرير بما بعد النفي أو للتوبيخ والتقريع والغرض منه تنبيه المخاطبين على أن ترك الصلاة يوجب دخول النار وسخط الجبار ليتحرزوا من تركها ويحافظوا عليها.)وذلك أن أهل النار (حين سئلوا أي سألهم أهل الجنة على ما حكى الله عنهم في سورة (المدثر) بقوله : (كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ * إِلَّا أَصْحَابُ اليمينِ *في جَنَّاتٍ يَتسَاءلُونَ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَوْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بيوم الدين *حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) [المدثر : 38-47].)قال أمين الإسلام الطبرسي في تفسير الآية: كل نفس بما كسبت رهينة أي محبوسة بعملها مطالبة بما كسبته من طاعة أو معصية، ثم استثنى سبحانه أصحاب اليمين وهم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم، وقال الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين (2).)في جنات يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضاً، وقيل : يسألون عن المجرمين أي عن حالهم وعن ذنوبهم التي استحقوا بها النار.ما سلككم في سقر ؟، هذا سؤال توبيخ أي تطلع أهل الجنة على أهل النار فيقولون: ما أوقعكم في النار ؟.
قالوا : (لم نك من المصلين، أي كنا لا نصلي الصلاة المكتوبة على ما قررها الشرع، وفي هذا دلالة على أن الإخلال بالواجب يستحق به الذمّ والعقاب لأنهم علقوا استحقاقهم العقاب بالإخلال بالصلاة، وفيه دلالة أيضاً على أن الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعية لأنه حكاية عن الكفار بدليل قوله : وكنا نكذب بيوم الدين.)وقوله : (ولم نك نطعم المسكين، لم نك نخرج الزكوات التي كانت واجبة علينا والكفارات التي وجب دفعها إلى المساكين وهم الفقراء.)(وكنا نخوض مع الخائضين أي كلما غوى غاو بالدخول في الباطل غوينا معه والمعنى كنا نلوث أنفسنا في المرور بالباطل كتلويث الرجل بالخوض، فهؤلاء لما كانوا يجرون مع من يكذب بالحق مشيعين لهم في القول كانوا خائضين معهم.)(وكنا نكذب بيوم الدين مع ذلك، أي نجحد يوم الجزاء وهو يوم القيامة.)(حتى أتانا اليقين أي أتانا الموت على هذه الحالة وقيل حتى جاءنا علم اليقين من ذلك بأن عايناه، هذا.)وفي (الصافي عن (الكافي) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله : لم نك من المصلين قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لم نك من أتباع الأئمة الذين قال الله فيهم : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أَوْلَئكَ الْمُقَرَّبُونَ) [الواقعة: 10-11]، أما ترى الناس يسمون الذي يلي السابق في الحلبة مصلّياً، فذلك الذي عنى حيث قال : (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [المدثر : 43] أي لم نك من أتباع السابقين (1). وعن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ): يعني أنا لم نتول وصي محمد والأوصياء من بعده ولم نصل عليهم، وهذان لا ينافيان التفسير المتقدم لأن المتقدم تنزيلها وهذا تأويلها (2).
(و) الثالث : (إنها لتحت الذنوب حتَّ الورق) أي تسقطها من الرقاب سقوط الأوراق من الأشجار.
كما وقع التصريح به في رواية (الوسائل) من مجالس ابن الشيخ بإسناده عن سلمان الفارسي قال: كنا مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ظل شجرة، فأخذنا غصناً منها فنفضه فتساقط ورقه فقال: ألا تسألوني عما صنعت؟ فقالوا : أخبرنا يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال: «إن العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تحاطت خطاياه كما تحاطت ورق هذه الشجرة»، هذا (3).
والتشبيه في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، وكذلك في قوله :
(وتطلقها إطلاق الرّبق) والكلام على القلب، والمراد أنها تطلق أعناق النفوس أي تفكّها من أغلال الذنوب إطلاق أعناق البهائم من الأرباق.
ولما ذكر إسقاطها للذنوب أيّده بقوله : (وشبهها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالحمة تكون على باب الرّجل) وأشار إلى وجه الشبه بقوله : (فهو يغتسل منها) ويطهر جسده من الأوساخ (في اليوم والليلة خمس مرات فما عسى أن يبقى عليه) شيء (من الدرن) وكذلك من صلى الصلوات الخمس لا يبقى عليه شيء من الذنوب.
وقد تقدم في شرح الخطبة المائة والتاسعة رواية متن الحديث النبوي من الفقيه عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إنما مثل الصلاة فيكم كمثل السرى وهو النهر على باب أحدكم، يخرج إليه في اليوم والليلة، يغتسل منه خمس مرات فلم يبق الدرن على الغسل خمس مرات، ولم يبق الذنوب على الصلاة خمس مرات» (1).
والرابع ما أشار إليه بقوله : (وقد عرف حقها وقدرها (رجال من المؤمنين) وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) رئيسهم وسيدهم وأفضلهم حسبما تطلع عليه في الأخبار الآتية وهم (الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ولا قرة عين من ولد ولا مال) لعلمهم بأن المال والبنين زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربهم ثواباً ثواباً وخير أملاً.
(يقول الله سبحانه) في وصفهم في سورة (النور) (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَمُ فِيهَا بِالْغُدُو وَالْآصَالِ) [36] (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع) من عطف الخاص على العام لشمول التجارة سائر أنواع المكاسب (عن ذكر الله وإقام الصلاة وإبناء الزكاة) يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.
قال في (مجمع البيان): روى مرفوعاً أنه سئل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما قرأ الآية : أي بيوت هذه؟ فقال : «بيوتات الأنبياء»، فقام أبو بكر فقال : يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هذه البيوت منها ؟ - لبيت علي وفاطمة - قال : «نعم من أفاضلها» (2).
والمراد بالرفع التعظيم ورفع القدر من الأرجاس والتطهير من المعاصي، ويذكر فيها اسمه أي يتلى فيها كتابه يسبّح له فيها بالغدو والآصال أي يصلي فيها بالبكر والعشايا رجال لا تلهيهم أي لا تشغلهم ولا تصرفهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة، أي
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أي إخلاص الطاعة الله، وقيل : يريد الزكاة المقروضة.
وروى عن كتاب (غاية المرام) من تفسير مجاهد والى يوسف يعقوب بن سفين «كذا» قال ابن عباس في قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لهَواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائماً [الجمعة: 11] إن دحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشام بالمسيرة فنزل عند أحجار الزيت ثم ضرب بالطبول ليأذن بقدومه ومضوا الناس إليه إلا علي والحسن والحسين وفاطمة وسلمان وأبو ذر والمقداد وصهيب وتركوا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائماً يخطب على المنبر فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لقد نظر الله يوم الجمعة إلى مسجدي فلولا هؤلاء الثمانية الذين جلسوا في مسجدي لاضطرمت المدينة على أهلها ناراً وحصبوا بالحجارة كقوم لوط، فنزل فيهم : (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِاجَرَةٌ وَلَا بيع) [النور: 37] (1).
وفيه عن محمد بن العباس عن محمد بن همام عن محمد بن إسماعيل عن عيسى بن داود قال : حدثنا الإمام موسى بن جعفر عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) في قول الله عزّ وجل :(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] الآية قال : بيوت آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بيت علي وفاطمة والحسن والحسين وحمزة وجعفر (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قلت : بالغدو والآصال قال : الصلاة في أوقاتها قال ثم وصفهم الله عزّ وجل: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصاَرُ) [النور: 37] قال : هم الرجال لم يخلط الله معهم غيرهم، ثم، قال: ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله قال ما اختصهم به من المودة والطاعة المفروضة وصير مأواهم الجنة والله يرزق من يشاء بغير حساب.
(و) الخامس: إن في المحافظة على الصلاة أسوة بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلقد (كان رسول الله نَصِباً بالصلاة) أي تعباً بها كل التعب.
حتى روى أنه كان يصلّي الليل كله ويعلّق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم فعاتبه الله على ذلك وأنزل عليه : (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى) [طه: 1-2] وأمره بأن يخفف على نفسه وذكر أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل هذا التعب.
روى في (الصافي) من الاحتجاج عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لقد قام رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه واصفر وجهه يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال الله عزّ وجل : (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى) بل لتسعد (2).
قيل : الشقاء شائع بمعنى التعب ومنه أشقى من رائض المهر، وسيد القوم أشقاهم ولعله عدل إليه للإشعار بأنه أنزل إليه ليسعد.
وقوله : (بعد التبشير له بالجنة) إشارة إلى أنه لم تكن مواظبته على الصلاة شوقاً إلى الجنة ولا خوفاً من النار، بل قد كان انصبابها مع وجود تلك البشارة متحملاً كل التعب امتثالاً (لقول الله سبحانه) وأمره له بالصبر عليها في سورة (طه) حيث قال :
(وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (لَا نَسْئَلْكَ رِزْقًا نَحنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [132].
قال في (مجمع البيان): معناه وأمر يا محمد أهل بيتك وأهل دينك بالصلاة واصبر على فعلها، وفي (الصافي) : وداوم عليها، لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، بل كلفناك العبادة وأداء الرسالة وضمنا رزق الجميع، نحن نرزقك وإياهم ففرّغ بالك للآخرة، والعاقبة المحمودة لذوي التقوى.
قال في (مجمع البيان): روى أبو سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يأتي باب فاطمة وعلي تسعة أشهر عند كل صلاة فيقول : «الصلاة رحمكم الله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» (1).
قال: وقال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): أمره الله أن يخص أهله دون الناس ليعلم الناس أن لأهله عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس عامة ثم أمرهم خاصة (2).
وفي (الصافي) من العيون عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الآية قال: خصنا الله هذه الخصوصية إذ أمرنا الأمة بإقامة الصلاة، ثم خصنا من دون الأمة فكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يجيء إلى باب علي وفاطمة بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات فيقول: «الصلاة رحمكم الله، وما أكرم الله أحداً من ذراري الأنبياء بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها وخصنا من دون جميع أهل بيتهم» (3).
(فكان) (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (يأمر) بها (أهله ويصبر عليها نفسه) أي يأمر نفسه بالصبر والتحمل على تعبها هذا.
وقد تقدم في شرح الخطبة المائة والتاسعة تفصيل الكلام في فضل الصلاة وآدابها وأسرارها وعقاب تاركها، فليراجع هناك.
فقد أشار إليه بقوله : (ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قرباناً لأهل الإسلام) يعني كما جعل الله سبحانه الصلاة قرباناً للمسلمين يتقربون بها إليه تعالى جعل الزكاة أيضاً قرباناً لهم مثلها.
ويدل على ذلك أنه سبحانه عقب الأمر بإقام الصلاة في أكثر آيات كتابه العزيز بالأمر بإيتاء الزكاة، فجعل الزكاة تالي الصلاة في المطلوبية.
ويشهد به أيضاً ما في (الوسائل) عن الصدوق بإسناده عن المجاشعي عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال: «بني الإسلام على خمس خصال على الشهادتين والقرينتين، قيل له : أما الشهادتين فقد عرفناهما، فما القرينتان؟ قال: «الصلاة والزكاة، فإنه لا يقبل إحداهما إلا بالأخرى، والصيام وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، وختم ذلك بالولاية» (1).
وقد مضى الكلام في فضلها وعقوبة تاركها وأقسامها في شرح الخطبة المائة والتاسعة بما لا مزيد عليه فليراجع ثمة.
ولما ذكر كونها قرباناً لأهل الإسلام نبه على شرط قربانيتها وهو كون إتيانها عن وجه الخلوص وطيب النفس، وطيب النفس، وسرّ ذلك ما قدمناه في شرح الخطبة التي أشرنا إليه ومحصل ما قدمناه أن الإسلام موقوف على توحيد الرب عزّ وجل وكمال توحيده عبارة عن الإخلاص له، ومعنى الإخلاص إفراده بالمعبودية والمحبوبية وإخلاء القلب عن محبة ما سواه فلا تجتمع محبة المال محبة المال مع محبته تعالى.
(فـ) ـعلم من ذلك أن (من أعطاها طيب النفس بها) حباً له تعالى وامتثالاً لأمره وابتغاء المرضاته وتقرّباً إليه عزَّ وجل (فإنها) حينئذ تقربه إليه وتوجب حبه تعالى له والقرب والزلفى لديه و (تجعل له) من الذنوب (كفارة ومن النار حجازاً ووقاية) أي حاجزاً مانعاً من النار ووقاية من غضب الجبار.
كما يشهد به ما رواه في (الفقيه) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : خياركم سمحاؤكم وشراركم بخلاؤكم، ومن خالص الإيمان البرّ بالإخوان والسعي في حوائجهم، وإن البار بالإخوان ليحبه الرحمن وفي ذلك مرغمة للشيطان وتزحزح عن النيران ودخول الجنان. ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجميل: يا جميل أخبر بهذا غرر أصحابك قلت: جعلت فداك من غرر أصحابي؟
1) وسائل الشيعة 17/1 ح 33.
قال : هم البارون بالإخوان في العسر واليسر، ثم قال: يا جميل إعلم أن صاحب الكثير يهوّن عليه ذلك وإنما مدح الله في ذلك صاحب القليل، فقال في كتابه: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كان بهم خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر : 9] (1).)وبعد ذلك (فـ اللازم أن (لا يتبعنها أحد) من المعطين لها (نفسه ولا يكثرنّ عليها لهفه) وتحسّره، لأن اتباع النفس وإكثار اللهف كاشف محبته لها وهو ينافي محبته تعالى فكيف يتقرب بإعطائها إليه ويبتغي القرب والزلفى لديه.)(فإن من أعطاها على وجه الإكراه (غير طيب النفس بها) والحال أنه (يرجو) ويتوقع (بها ما هو أفضل منها) من رضوان الله تعالى والخلد في جنانه (فهو) كاذب في دعوى المحبة (جاهل بالسنّة) لأن السنّة في أدائها أن تكون بطيب النفس، ولذلك مدح الله الباذلين للمال كذلك بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حبّه مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُم جَزَاهُ وَلَا شُكُورًا) [الإنسان : 8 - 9 ].)(مغبون الأجر لأن الأجر مترتب على العمل، فإذا كان العمل لا على وجه الرضا يكون الجزاء المترتب عليه كذلك ومن هنا قيل كما تدين تدان وقد قال سبحانه: ﴿وَمَا اتَيْتُم مِّن رِبًا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللهِ وَمَا ءَاتَيتُم مِّن زَكَوة تُرِيدُونَ وَجَدَ اللَّهِ فَأُولئكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [الروم: 39].
(ضال العمل) حيث أتابه على غير الوجه المطلوب شرعاً (طويل الندم) في الآخرة على ما فوّته على نفسه من الأجر الجزيل والجزاء الجميل.
فهو ما أشار إليه بقوله : (ثم أداء الأمانة) التي جعل الله المحافظة عليها من وصف المؤمنين الموصوفين في قوله : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) إلى قوله : (وَالَّذِينَ هُمْ لِأُمَنَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-8] والأخبار في فضلها بالغة حدّ الاستفاضة.
منها ما في (البحار من الكافي) عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن الله عزّ وجل لم يبعث نبياً إلا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر (2).
ومن قرب الإسناد عن ابن طريف عن ابن علوان عن جعفر عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «الأمانة تجلب الغنى والخيانة تجلب الفقر» (1).
ومن (الأمالي) عن عمر بن يزيد قال : سمعت الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «اتقوا الله وعليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم فلو أن قاتل أمير المؤمنين ائتمنني على أمانة لأديتها إليه» (2).
وعن الثمالي عن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : سمعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول لشيعته : عليكم بأداء الأمانة، فوالذي بعث محمداً بالحق نبياً لو أن قاتل أبي الحسين بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ) ائتمنني على السيف الذي قتله به لأذيته إليه (3).
وعن أحمد بن محمد الهمداني عن أبي جعفر الثاني عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال : «لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة» (4).
وعن الحسين بن أبي العلاء عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : سمعته يقول : أحب العباد إلى الله عزّ وجل رجل صدوق في حديثه، محافظ على صلاته وما افترض الله عليه مع أداء الأمانة، ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): من اؤتمن على أمانة فأدّاها فقد حلّ ألف عقدة من من عنقه عقد النار، فبادروا بأداء الأمانة، فإن من اؤتمن على أمانة وكل به إبليس مائة شيطان من مردة أعوانه ليضلوه ويوسوسوا إليه حتى يهلكوه إلا من عصم الله عزَّ وجل(5).
(فقد) علم من ذلك أنه (خاب من ليس من أهلها) أي خسر في الدنيا وفي الآخرة من لم يكن من أهلها بل كان من أهل الخيانة فإن الخيانة حسبما عرفت تجلب الفقر في الدنيا والنار في العقبى وخسر أهلها خسراناً عظيماً.
وإن شئت أن تعرف عظم الخطب ومزيد ثقل التكليف فيها فاستمع لما يتلى عليك من قوله :
(إنها عرضت على السماوات المبنية والأرضين المدحوة) المبسوطة على الماء
(والجبال) الراسيات (ذات الطول المنصوبة) المرفوعة على الأرض ولكنها مع أنها أعظم ما خلق الله عزَّ وجل في الكون (فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها) امتنعن من حمل هذا التكليف أي تكليف الأمانة وأبَيْنَ أن يحملنها لثقلها وصعوبتها لا للعظمة والاستكبار عن الطاعة، بل للخوف والإشفاق من المعصية.
(ولو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لامتنعن) بل كن أولى بالامتناع بما لهن من أوصاف العظمة التي ليست في غيرهن (ولكن أشفقن من العقوبة وغفلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الإنسان) فحملها مع ما به من الضعف والنقصان (إنه كان ظلوماً جهولاً).
قال الشارح البحراني : وذكر كون السماوات مبنية والأرض مدحوة والجبال بطولها وعرضها وعظمتها، تنبيه للإنسان على جرئته على المعاصي وتضييع هذه الأمانة إذا هي لها وحملها وتعجب منه في ذلك، فكأنه يقول : إذا كانت هذه الأجرام العلوية التي لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانة حين عرضت عليها فكيف حملها من هو أضعف منها ؟.
أقول : تحقيق هذا المقام يحتاج إلى بسط الكلام.
قال الله تعالى في سورة الأحزاب : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْن أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72].
وقد اختلفت أقوال المفسرين كالإخبار في تفسير هذه الآية في مواضع :
الأول: أن المراد بالأمانة المعروضة ماذا ؟
فقيل : هي ما أمر الله به من طاعته ونهى عنه من معصيته وبعبارة أخرى هي التكاليف والأحكام الشرعية المطلوبة من الإنسان فإن الله سبحانه لما اقتضت عنايته لإيجاد هذه العبادة المخصوصة وأن يجعل في الأرض خليفة لعمارتها خلق الإنسان وجعله واسطة بين الملك والحيوان فهو كالحيوان في الشهوة والغضب والتناسل وسائر القوى البدنية المخصوصة بالحيوان وكالملك في العقل والعلم والعبادة وسائر الكمالات النفسانية، فلو كان خالياً من العقل والفهم لم يتأهل لمعرفته وعبادته الخاصة كسائر أصناف الحيوان ولو كان خالياً عن الشهوة والغضب مثل الملك لم يصلح لعمارة الأرض وخلافته، ولذلك قال الله للملائكة: (إنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] فإذا هذه العبادة الخاصة لا يصلح لها إلا الإنسان، وهي المراد بالأمانة في الآية.
ويؤيد هذا القول ما في (الصافي) من العوالي أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلون فيقال له: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: جاء وقت الصلاة، وقت
أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها (1).
وقيل : هي أمانات الناس والوفاء بالعهود.
ويؤيده ما في (البحار) من (مشكاة الأنوار) نقلاً من كتاب (المحاسن) قال : وسئل أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله عزّ وجل : (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ) الآية ما الذي عرض عليهن؟ وما الذي حمل الإنسان؟ وما كان هذا؟ قال: فقال : عرض عليهن الأمانة بين الناس وذلك حين خلق الخلق (2).
وعن بعض أصحابه رفعه قال: قال لابنه يا بني أذ الأمانة تسلم لك دنياك وآخرتك وكن أميناً تكن غنياً.
وقيل : إن المراد بها الإمامة قال في تفسير القمي : تفسير القمي: الأمانة الإمامة والأمر والنهي، والدليل على أن الأمانة هي الإمامة قول الله عزّ وجل للأئمة: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَاناتِ إلَى أَهْلِهَا [النساء : 58] يعني الإمامة، فالأمانة هي الإمامة عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها أن يدعوها أو يغصبوها أهلها وأشفقن منها وحملها الإنسان يعني الأول إنه كان ظلوماً جهولاً، انتهى.
ويدل على ذلك أخبار كثيرة مثل ما في (البحار) من (كنز الفوائد) عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الآية قال يعني ولاية أمير المؤمنين (3).
ومن (جامع الأخبار والعيون) عن الحسين بن خالد قال: سألت الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله عزّ وجل : (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ) الآية، قال: الأمانة الولاية والإنسان أبو الشرور المنافق (4).
ومن (البصائر) عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول الله تبارك وتعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ [الأحزاب: 72 قال الولاية أبَيْنَ، : أن يحملنها كفراً بها، وحملها الإنسان والإنسان الذي حملها أبو فلان إلى غير هذه مما لا نطيل بروايتها (5).
قال المحدث العلامة المجلسي بعد رواية هذه الروايات على تأويلهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) يكون
اللام في الإنسان للعهد وهو أبو البشر، ورأى أبو بكر أو للجنس ومصداقه الأول في هذا الباب أبو بكر، والمراد بالحمل الخيانة والمراد بالولاية الخلافة وادعائها بغير حق، فعرض ذلك على أهل السماوات والأرض أو عليهما بأن يبين لهم عقوبة ذلك وقيل لهم هل تحملون ذلك؟ فأبوا إلا هذا المنافق وأضرابه حيث حملوا ذلك مع ما بين لهم من العقاب المترتب عليه (1).
الثاني : اختلفوا في المراد بعرض الأمانة على السماوات والأرض.
فقيل : إن المراد به عرضها على نفس الأرض والسماء وإنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهماً وقال : إني فرضت فريضة وخلقت جنّة لمن أطاعني وناراً لمن عصاني فقلن: نحن مسخّرات لأمرك لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثواباً ولا عقاباً، ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله وكان ظلوماً لنفسه بتحمّلها ما يشق عليها جهولاً لوخامة عاقبته.
وهذا القول أعني عرضها على نفس السماوات والأرض مروي عن ابن عباس ويدل عليه ظاهر كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المتن حيث قال : وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن (2).
ويشهد به أيضاً ما رواه في (البحار) و (غاية المرام) من مناقب أبي بكر الشيرازي في نزول القرآن في شأن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإسناد عن مقاتل عن محمد بن حنفية عن أمير المؤمنين في قوله : (إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ) عرض الله أمانتي على السماوات السبع بالثواب والعقاب فقلن : ربنا لا نحملنها بالثواب والعقاب ولكنا نحملها بلا ثواب ولا عقاب، وإن الله عرض أمانتي وولايتي على الطيور، فأول من آمن بها البزاة البيض والقنابر وأول من جحدها اليوم والعنقا، فلعنهما الله تعالى من بين الطيور، فأما البوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبغض الطير لها، وأما العنقاء فغابت في البحار، وإن الله عرض أمانتي على الأرضين فكل بقعة آمنت بولايتي جعلها طيبة زكية وجعل نباتها وثمرتها حلواً عذباً وجعل ماءها زلالاً، وكل بقعة جحدت إمامتي وأنكرت ولايتي جعلها سبخاً وجعل نباتها مرّاً علقماً، وجعل ثمرها العوسج والحنظل، وجعل ماءها ملحاً أجاجاً، ثم قال : وحملها الإنسان يعني أمتك يا محمد ولاية أمير المؤمنين وإمامته بما فيها من الثواب والعقاب، إنه كان ظلوماً لنفسه جهولاً لأمر ربه، من لم يؤدّها بحقها ظلوم غشوم (3).
ومحصل هذا القول : أن المراد بالأمانة التكليف بالعبودية على وجهها والتقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكل عبد بحسب استعداده لها وأعظمها الولاية والخلافة الإلهية، ثم تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها وعدم ادّعاء منزلتها لنفسه، ثم سائر التكاليف الشرعية، والمراد بعرضها على السماوات والأرض والجبال اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبإبائِهِنَّ الإباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة والاستعداد وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وتحمّله إياها وكونه ظلوماً جهولاً، تقصيره في أدائها لما غلب عليه من القوة الشهوية والغضبية.
وقيل : إن المراد العرض على أهلها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وعرضها عليهم هو تعريفها إياهم أن في تضييع الأمانة الإثم العظيم، وكذلك في ترك أوامر الله وأحكامه فبيّن سبحانه جرأة الإنسان على المعاصي وإشفاق الملائكة من ذلك، فيكون المعنى: عرضنا الأمانة على أهل السماوات والأرض والجبال من الملائكة والجن والإنس فأبى أهلهن أن يحملوا تركها وعقابها والمآثم فيها وأشفقن أهلها من حملها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً لنفسه بارتكاب المعاصي جهولاً بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها.
وقيل : إنه على وجه التقدير إلا أنه جرى عليه لفظ الواقع، لأن الواقع أبلغ من المقدر، والمعنى أنه لو كانت السماوات والأرض والجبال عاقلة ثم عرضت عليها الأمانة وهي وظائف الدين أصولاً وفروعاً بما فيها من الوعد والوعيد لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها وشدّتها وقوتها ولا متنعت من حملها خوفاً من القصور عن أداء حقها، ثم حملها الإنسان مع ضعف جسمه ولم يخف الوعيد لظلمه وجهله.
الثالث : قوله : وحملها الإنسان.
المراد بالإنسان إما نوع الإنسان أي بنو آدم، أو خصوص أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فالمراد بحملهم لها قبولهم للإتيان بما كلّف عليهم من الطاعات والعبادات والتسليم لإمامة أئمة الدين، وكونه ظلوما جهولاً لعدم خروجهم عن عهدة التكاليف وعدم وفائهم بما حملوه من طاعة الأئمة وتقصيرهم في أداء الأمانة، وهو وصف للجنس باعتبار أغلب أفراده الأنبياء والأولياء والمؤمنون القائمون بوظائف العبودية الرّاعون لعهد الإمامة خارجون عن عموم الآية قطعاً.
وأما خصوص فرد منه وهو أبو بكر حسبما تقدم في الأخبار، وعليه فالمراد بحمله للأمانة أي الخلافة ادعائه لها لنفسه من غير استحقاق وأهلية، وبعبارة أخرى خيانته وتقصيره فيها وظلمه على من كان مستحقاً به وجهله بمرتبة نفسه حيث وضعها موضعاً ليس له.
وقيل : إن المراد بالإنسان هو آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واعترض عليه في (مجمع البيان) بقوله : ولا يجوز أن يكون الإنسان محمولاً على آدم لقوله: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَم [آل عمران: 33] فكيف يكون من اصطفاه الله من بين خلقه موصوفاً بالظلم والجهل.)هذا تفصيل ما قيل، أو يقال في تفسير الآية الشريفة، وقد ظهر منه اختلافهم في المراد بالأمانة المذكورة فيها على أقوال.وأما في كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ فالظاهر أن المراد بها خصوص الأمانة المعهودة بين الخلق حسبما عرفتها في الأخبار المتقدمة وإنما قلنا: إن الظاهر ذلك، لإشعار تقديم ذكر الصلاة والزكاة عليها على عدم كون المراد بها مطلق التكاليف الشرعية، بل التكليف المخصوص الذي في عداد الصلاة والزكاة القسيم لهما.)لكن الأظهر بمقتضى الحال والمقام، وأن وصيته بهذا الكلام إلى أصحابه كان في مقام الحرب مع الناكثين والقاسطين والمارقين حسبما تعرفه في التكملة الآتية هو : أن المراد بها الإمامة والولاية، فيكون غرضه بقوله : ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها آه الطعن والتعريض على المعارضين له والجاحدين لولايته والناصبين له العداوة من معاوية وطلحة والزبير وأتباعهم وأهل النهر وأمثالهم بكونهم خائبين خاسرين لعدم كونهم أهلاً للأمانة أي الخلافة والولاية، وبأنهم حملوا وادعوا ما أبت السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامهما من حملها وادعائها، وأشفقن من ذلك، وبأنهم كانوا متصفين بالظلم والجهل حيث ظلموه حقه وجهلوا بشأنه ومقامه.وكيف كان فلما أمر وأوصى أصحابه بالصلاة والزكاة وأداء الأمانة، وشدّد الترغيب فيها والتحذير من مخالفتها بكون الخائن أو المقصر ظلوماً جهولاً، عقبه بالتنبيه على أن كل ما يفعله العباد من خير أو شر بعين الله التي لا تنام وعلمه الذي لا تخفى عليه خافية لتأكيد تحضيض المخاطبين بمواظبة هذه العبادات الثلاث وسائر الحسنات وتحذيرهم من مخالفتها فقال :(إن الله سبحانه لا يخفى عليه ولا يعزب عن علمه (ما العباد مقترفون) أي مكتسبون له من خير أو شر حسن أو قبيح (في ليلهم ونهارهم) يعني أن الليل والنهار سيان بالنسبة إلى علمه وليس كغيره من مخلوقاته يكون إدراكه للمحسوسات بطريق الإحساس حتى تكون ظلمة الليل حجاباً وحجازاً عن إدراكه.)وقدم الليل على النهار لمزيد الاهتمام من حيث كونها مظنة لاختفاء ما يفعل فيها من المعاصي، وأردف بالنهار لدفع توهم الاختصاص.
(لطف به خبراً أراد به علمه بخفيّات أفعال العباد وخبرويّته بها، واللطيف الخبير حسبما تقدم في شرح الخطبة السابقة من جملة أسمائه الحسنى عزَّ وعلا.)وتسميته باللطيف من جهة علمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة وأخفى منها وموضع النشوء منها والعقل والشهوة للفساد والحدب على نسلها ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في المفاوز والأودية والقفار.ومعنى الخبير هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجري شيء في الملك والملكوت ولا تتحرك ذرّة ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرة، وهو بمعنى العليم إلا أن العليم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة، وقد مرّ تفصيل نفاذ علمه في خفاء الأشياء في الفصل الثامن من الخطبة التسعين.(وأحاط به علماً وقد تقدم في شرح غير واحدة من الخطب المتقدمة كالخطبة الأولى والخطبة التاسعة والأربعين والخامسة والثمانين وغيرها تحقيق إحاطة علمه تعالى بالكليات والجزئيات ولا حاجة إلى الإعادة.)(أعضاؤكم شهوده يعني أنها تشهد على العباد بما اقترفوه من المعاصي والآثام.)(وجوارحكم جنوده يعني أنها تكون معينة له عليهم، وذلك لأن جنود الملك عبارة عن أعوانه على أعدائه فتلك الأعضاء والجوارح لما شهدت على المجرمين بما فعلوه صارت بمنزلة المعين له بذلك الاعتبار.)ويشهد بشهادة الأعضاء والجوارح قول الله تعالى في سورة (يس : (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [65] أي نستنطق الأعضاء التي كانت لا تنطق في الدنيا لتشهد عليهم ونختم على أفواههم التي عهد منها النطق وهذا حقيقة الختم يوضع على أفواه الكفار يمنعها من النطق والكلام.)قال علي بن إبراهيم القمي قال إذا جمع الله عزّ وجل الخلق يوم القيامة دفع إلى كل إنسان كتابه فينظرون فيه فينكرون أنهم عملوا من ذلك شيئاً، فتشهد عليهم الملائكة فيقولون : یا رب ملائكتك يشهدون لك، ثم يحلفون أنهم لم يعملوا من ذلك شيئاً، وهو قول الله عزّ وجل : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَمُ كَمَا يَحْلِفُونَ لكم [المجادلة: 18]، فإذا فعلوا ذلك ختم الله على ألسنتهم وتنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون.)وقال تعالى في سورة (فصلت: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن)
يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لا يعلم كثيرا مما تَعْمَلُونَ [فصلت: 19 - 22].)قال أمين الإسلام الطبرسي : أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ولا يتفرقوا، حتى إذا جاؤوا النار التي حشروا إليها شهد عليهم سمعهم بما قرعه من الدعاء إلى الحق فأعرضوا عنه ولم يقبلوه، وأبصارهم بما رأوا من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى فلم يؤمنوا، وسائر جلودهم بما باشروه من المعاصي والأفعال القبيحة(1.)وقيل في شهادة الجوارح قولان: أحدهما: أن الله تعالى يبينها بينة الحيّ ويلجئها إلى الاعتراف والشهادة بما فعله أصحابها والآخر: أن الله يفعل فيها الشهادة أي يجعل فيها كلاماً، وإنما نسب الكلام إليها لأنه لا يظهر إلا من جهتها.وقيل : فيه وجه ثالث وهو أن معنى شهادتها وكلامها أن الله تعالى يجعل فيها من الآيات ما يدل على أن أصحابها عصوا الله بها، فسمّى ذلك شهادة منها كما يقال : عيناك تشهدان بِسَهَرِك.وقيل : إن المراد بالجلود الفروج.أقول : وهو المروي في (الصافي عن (الكافي) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن الفقيه عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ثم أنطق الله ألسنتهم فيقولون لجلودهم : لم شهدتم علينا ؟ فتقول في جوابهم : أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، ثم قال سبحانه: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ [فصلت: 21] الآية، وليس هذا من جواب الجلود. وقول : (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) معناه وما كنتم تستخفون أي لم يكن يتهيأ لكم أن تستتروا أعمالكم عن هذه الأعضاء لأنكم كنتم بها تعملون فجعلها الله شاهدة عليكم يوم القيامة، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعلمون فاجترأتم على المعاصي لذلك. وقيل: بل معناه ما كنتم تتركون المعاصي حذراً أن يشهد عليكم جوارحكم بها لأنكم ما كنتم تظنون ذلك، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعلمون، لجهلكم بالله فهان عليكم ارتكاب المعاصي لذلك، هذا.
وفي (الصافي) من (الكافي) عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عزّ وجل : (فمن أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُولَئكَ يَقْرَءُونَ كِتَابُهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: 71](2).
وقوله : (وضمائركم عيونه) قال الشارح البحراني : أي طلائعه وجواسيسه كقوله تعالى: وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأنعام: 130] وتلك الشهادة بلسان الحال، انتهى.
أقول: يعني أن الضمائر لا تخفى ما فيها من الأسرار ولا تكتمها عليه تعالى كما أن من شأن الجاسوس المراقب بشيء أن لا يكتمه ممن وكله به، وعلى ذلك فالمراد بالضمائر القلوب، ويحتمل أن يكون المراد بالضمائر ما تضمره القلوب من الأسرار والخفيات
(والعيون) جمع العين بمعنى الحاضر وهو أحد معانيه كما في (القاموس) وغيره فيكون المعنى أن جميع ما أضمرته نفوسكم فهو حاضر لديه سبحانه غير محجوب عنه كما قال تعالى: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة : 33]، وقال : (إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ﴾ [آل عمران : 29].
ومحصل المراد أنه لا يخفى ما في النفوس عليه عزّ وجل كما يخفى على غيره فيكون مساقه مساق قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة التسعين : (عالم السرّ من ضمائر المضمرين ونجوى المتخافتين)، وقوله في الخطبة المائة والسابعة : (خرق علمه باطن غيب السترات وأحاط بغموض عقائد السريرات).
وقوله: (وخلواتكم عيانه) قال البحراني: كني بالخلوات عما يفعل فيها من معاصي الله مجازاً، وإنما خصصها لأنها مظنة المعصية، ويحتمل أن يريد بالخلوة مصدر قولك خلوت أخلو لا المكان، فيكون حقيقة، وظاهر كونها عيناً الله أي معاينة له.
وكل ذلك تحذير وتنفير عن تحريك الجوارح والخلوة بها فيما لا ينبغي من المعاصي، وبالله التوفيق والعصمة.
الآية التي استدل بها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الكلام على وجوب المحافظة على الصلاة أعني قوله تعالى حكاية عن المجرمين : (لَم نَكَ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر : 43] مما استدل بها أكثر أصحابنا الأصوليون كالمعتزلة على أن الكفار مكلفون بالفروع حسبما أشار إليه أمين الإسلام الطبرسي (رَحمهُ اللّه) أيضاً في تفسير الآية على ما حكيناه عنه الآية على ما حكيناه عنه سابقاً، وحيث إن هذه المسألة من المسائل الغامضة المعظمة، ويتفرع عليها كثير من الأحكام الشرعية فلا بأس بتحقيق الكلام وبسطه فيها لكونها حقيقة بذلك.
فأقول وبالله التوفيق :
المشهور بين أصحابنا بل كاد أن يكون إجماعاً أن الكفار مكلفون بفروع العبادات كما أنهم مكلفون بأصول الإعتقادات وهو مذهب جمهور العامة أيضاً، ولم ينقلوا فيها خلافاً إلا
عن أبي حنيفة ولم أجد منا مخالفاً أيضاً إلا شرذمة من الأخبارية كالأمين الأسترابادي وصاحب (الحدائق) وصاحب (الوافي)، وهو الحق الموافق للتحقيق، وأستدل له بوجوه :
الأول : عموم الأدلة على التكاليف مثل قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إلا ليَعبُدُونِ [الذاريات: 56]، وقوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ [آل عمران: 97]، وقوله : (ياأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) [البقرة: 21]، و (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [النساء : 1] وغيرها، فإنها تشمل الكافر مثل شمولها للمؤمن.
والاعتراض عليه بحملها على المؤمنين حملاً للمطلق على المقيد والعام على الخاص كما في (الحدائق) فاسد لما تطلع عليه عند ذكر أدلة الخصم.
الثاني: أن الكفر لا يصلح للمانعية حيث إن الكافر متمكن من الإتيان بالإيمان أولاً حتى يصير متمكناً من الفروع.
واعترض عليه صاحب (الحدائق) أيضاً بأنه مصادرة محضة.
وفيه مع عدم كونه مصادرة لأن المدعي أن الكفار مكلفون بالعبادات ومخاطبون بها والدليل أن ما زعمه الخصم مانعاً من توجه الخطاب عليهم ومن الإتيان بها على الوجه الصحيح وهو الكفر لا يصلح للمانعية فكيف يكون مصادرة؟.
ومحصله أن ما دل على التكليف بالفروع عام ولا يمنع من ذلك عدم التمكن من الصحيح حال الكفر لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار على أن الإيمان من شرائط الوجود التي يجب تحصيلها على المكلف لا شرائط الوجوب، فلا مانع من التكليف حال عدمها مع التمكن منها.
الثالث : قوله تعالى: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ [المدثر : 43] فإنه حكاية عن الكفار وأنهم عللوا دخولهم النار بتركهم للصلاة على ما تقدم تفصيله سابقاً.
واعترض صاحب (الحدائق) أيضاً ما يحمل على المخالفين المقرين بالإسلام إذ لا تصريح فيه بالكفار، ويدل عليه ما ورد في تفسير علي بن إبراهيم من تفسيرها باتباع الأئمة، أي لم نَكُ من أتباع الأئمة وهو مروي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حسبما عرفت سابقاً وعن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعني أنا لم نتول وصي محمد من بعده ولم نصل عليهم (1).
وفيه أن الصلاة حقيقة شرعية في الأركان المخصوصة وظاهر معنى المصلين هو
1) التفسير الصافي : 251/5، وعوائد الأيام 99.
المقيمون للصلاة أي الأركان المخصوصة والحمل على المعنى اللغوي أي التابعين خلاف الظاهر المتبادر منه، فلا وجه لحملها على المخالفين، وإنكار التصريح فيه بالكفار مورد تعجب لأن قوله حكاية عنهم : وكنّا نكذب : وكنا نكذب بيوم الدين صريح في كونهم كافرين منكرين للمعاد فكيف يكونون مقرين بالإسلام؟ وأما الخبران المرويان عن الصادق والكاظم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فلا دلالة فيهما، لكونهما تفسيراً بالباطن كما قلناه عند شرح المتن فلا يوجبان رفع اليد عن الظاهر، ويشهد بذلك استدلال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الكلام الذي نحن في شرح بظاهرها على وجوب المحافظة على الصلوات الخمس وتعاهدها.
الرابع : قوله تعالى: فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة : 31-32].)واعترض عليه أيضاً بجواز حمل الصلاة فيها على ما دلت عليه الأخبار في الآية الأولى وأن اللفظ من الألفاظ المجملة المتشابهة المحتاجة في تعيين المراد منها إلى التوقيف، فالاستدلال بها والحال كذلك مردود بتصادم الاحتمالات والدخول تحت قوله : (فيتّبعون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران ] الآية على أن ما ذكرنا من المعنى هو الموجود في تفسير علي بن إبراهيم كما لا يخفى على من راجعه.
وفيه :أولاً : منع كون الآية من المتشابهات التي يتبعها الذين في قلوبهم زيغ، بل من المحكمات التي تؤخذ بظواهرها وهن أم الكتاب وظاهر الآية كما ترى أنه لم يصدّق بكتاب الله ورسوله ولا صلى الله ولكن كذب بالكتاب والرسول وأعرض عن الإيمان، وهذا وصف الكافر لا المخالف.
ويدل على ذلك ما في (مجمع البيان) قال : وجاءت الرواية أن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أخذ بيد أبي جهل ثم قال له : (أَوَلَی لَكَ فَأَولَی * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَولى) [القيامة : 34 - 35] فقال أبو جهل : بأي شيء تهددني ؟ لا تستطيع أنت وربك أن تفعلا بي شيئاً وإني لأعزّ أهل هذا الوادي فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، هذا.
وأما ما في تفسير علي بن إبراهيم من أنه كان سبب نزولها أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعا إلى بيعة علي يوم غدير خم فلما بلغ الناس وأخبرهم في علي ما أراد أن يخبر رجع الناس فاتكي معاوية على المغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري ثم أقبل يتمطى نحوه ويقول ما نقرّ بالولاية لعلي أبداً ولا نصدق محمداً مقالته فأنزل الله جل ذكره : (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلى) [القيامة: 31] الآيات، فصعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المنبر وهو يريد البراءة منه فأنزل الله عزّ وجل : (لا تحرك بيه لسانك لتعجل به) [القيامة : 16] فسكت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
1) تفسير القمي : 397/2، والتفسير الصافي : 258/5.
فالجواب عنه أن ظاهر قوله سبحانه فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى يفيد أنه لم يصدق أصلاً لا ظاهراً ولا باطناً، ولم يقم الصلاة بل كذب وأعرض ظاهراً وباطناً، وهذا شأن الكافر لا المخالف المصدّق ظاهراً فقط، والمكذب المعرض باطناً فقط.
وعلى ذلك فاللازم ترجيح الرواية المفيدة لكون المراد بهذه الآية هو أبو جهل الكافر كما في (مجمع البيان) على ما في تفسير القمي من (المفيد) كون المراد بها معاوية لأن في الأخذ بالرواية الأولى إبقاء الآية على ظاهرها والأخذ بالثاني يوجب صرفها إلى خلاف ما هو الظاهر المتبادر.
ويؤيد كون المراد به أبو جهل أن هذه الآية في سورة (القيامة) وهي مكية كما صرح به في (مجمع البيان) في تفسير هذه السورة ورواه أيضاً في تفسيره سورة (هل أتى) فإنه يقوي الظن يكون نزولها بمكة في حق أبي جهل لا في غدير خم في حق معاوية، والله العالم.
الخامس : قوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ [فصلت: 6-7] وهو نص صريح في المطلوب)السادس : قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ [المرسلات : 48] ذمّ الله المكذبين بتركهم للركوع.)قال في (الصافي: روى أنها نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالصلاة فقالوا لا نحني، وفي رواية : لا نجبّي فإنها سبّة، ورواها في (المجمع) قال: فقال : لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود :أقول أي لا نحني بالمهملة والنون أي لا نعطف ظهورنا، وعلى الرواية بالجيم والباء الموحدة المشددة أي لا ننكب على وجوهنا وهما متقاربان.)وأما ما في تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : إذا قيل لهم تولوا الإمام لم يتولّوه، فهو تفسير بالباطن لا يوجب صرف اليد عن الظاهر كما لا يخفى.)واحتج القائلون بالعدم بوجوه فضلها صاحب (الحدائق في مبحث غسل الجنابة من الكتاب المذكور لا بأس بذكر عبارته على تفصيلها ثم نتبع كل وجه بما يتوجه عليه من وجوه الكلام وضروب الملام.)فأقول : قال في (الحدائق:)المشهور بين الأصحاب رضي الله عنهم، بل كاد أن يكون إجماعاً، أنه يجب الغسل على الكافر لأن الكفار مكلفون بالفروع ولم ينقلوا في المسألة خلافاً من أحد من من الخاصة بل من العامة إلا عن أبي حنيفة قالوا لكن لا يصح منه حال كفره لاشتراط الصحة بالإسلام ولا يجبه الإسلام وإن جبّ الصلاة لخروجها بدليل خاص.وما ذكروه منظور عندي من وجوه.
الأول : عدم الدليل على التكليف المذكور وهو دليل العدم كما هو مسلّم بينهم، وما استدلوا به مما سيأتي ذكره مدخول بما سنذكره.أقول : وفيه أنك قد عرفت الأدلة المحكمة على هذا التكليف كما عرفت اندفاع الاعتراضات التي اعترض بها عليها.الثاني : الأخبار الدالة على توقف التكليف على الإقرار والتصديق بالشهادتين.منها ما رواه في (الكافي في الصحيح عن زرارة قال: قلت للباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ قال : إن الله تعالى بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى الناس أجمعين رسولاً وحجة الله على خلقه في أرضه، فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واتبعه وصدّقه فإن معرفة الإمام منا واجبة عليه ومن لم يؤمن بالله ورسوله ولم يتبعه ولم يصدّقه ويعرف حقهما فكيف يجب عليه معرفة الإمام، وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما؟، الحديث (1).)وهو كما ترى صريح الدلالة على خلاف ما ذكروه وأنه متى لم يجب معرفة الإمام قبل الإيمان بالله ورسوله فبالطريق الأولى معرفة سائر الفروع التي هي متلقاة من الإمام. والحديث صحيح السند باصطلاحهم صريح الدلالة فلا وجه لردّه وطرحه والعمل بخلافه إلا مع الغفلة عن الوقوف عليه.قال وإلى العمل بالخبر المذكور ذهب المحدث الكاشاني حيث قال في (الوافي بعد نقله ما صورته : وفي هذا الحديث دلالة على أن الكفار ليسوا مكلفين بشرائع الإسلام كما هو الحق، خلافاً لما اشتهر بين أصحابنا، انتهى.)قال : ويظهر ذلك أيضاً من الأمين الاسترابادي في (الفوائد المدنية حيث صرّح فيها بأن حكمة الله اقتضت أن يكون تعلّق التكاليف بالناس على التدريج بأن يكلّفوا أولاً بالإقرار بالشهادتين ثم بعد صدور الإقرار عنهم يكلفون بسائر ما جاء به النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)ومن الأحاديث الدالة على ذلك صحيحة زرارة في (الوافي ثم ساق الرواية بتمامها.)قال : وقال أيضاً بعد نقل جملة من أخبار الميثاق المأخوذ على العباد في عالم الدّر بالتوحيد والإمامة ونقل جملة من الأخبار الدالة على فطرة الناس على التوحيد وأن المعرفة من صنع الله تعالى ما لفظه أقول هنا فوائد إلى أن قال الثالثة: أنه يستفاد منها أن ما زعمه الأشاعرة من أن مجرد تصوّر الخطاب من غير سبق معرفة إلهامية بحقائق العالم، وبأن
1) الكافي 181/1، ومستدرك سفينة البحار 152/9.
له رضاً وسخطاً وأنه لا بد له من معلّم من جهته ليعلم الناس ما يصلحهم وما يفسدهم كاف في تعلّق التكليف لهم ليس بصحيح، انتهى.واعترض عليه أولاً بأن الاستدلال يتوقف على القياس بطريق الأولى، وهو ممن أنكره في مقدمات الكتاب وأنكره أشد الإنكار فكيف يجوز له التمسك به في هذا المقام مضافاً إلى أنه مع القول بحجيته كما هو الحق الحقيق بالاتباع الموافق للآية وللأخبار المسلّم عند كافة علمائنا الأبرار حتى عند المستدل في مواضع عديدة ومنها هذا الموضع يتوقف على ثبوت الحكم في المقيس عليه ومسلميّته وقبوله وعدم مخالفته للضرورة والأمر في المقام ليس كذلك وذلك فإنه لا خلاف ولا إشكال عند أحد حتى عند المستدل حيث جعل محل نزاعه مع كافة العلماء عدا أبي حنيفة في خصوص الفروع، والإمامة من الأصول لا من الفروع إجماعاً منه ومن علمائنا.وثانياً : أن مقتضى هذه الصحيحة عدم التكليف بالإمامة وسائر الفروع إلا بتصديق الله ورسوله وهو حقيقة في التصديق والإذعان القلبي لا مجرد الإقرار باللسان وعلى تقدير تسليم العموم فالمراد هنا التصديق القلبي جزماً لقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: (ويعرف حقهما) فإن المعرفة ليس مما يتوهم فيه حصوله باللسان خاصة، بل هو أمر قلبي جزماً وإذعان نفساني قطعاً، فحينئذ تدلّ هذه الصحيحة على أن المنافقين ومنهم الخلفاء الثلاثة لم يكونوا مأمورين بالإمامة ولا سائر الفروع، ومقتضى هذا أنه لم يكن عليهم إثم في غصب الخلافة وسائر ما فعلوه بالنسبة إلى أهل البيت من ضرب فاطمة (عليها السلام) وغصب حقها وإضرام النار حول بيتها وإلقاء الحبل على رقبة مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغير ذلك مما فعلوه بالنسبة إليهم وإلى غيرهم من البدع التي ابتدعوها في الدّين وتضييع دين خاتم النبيين وسيد المرسلين، وكذا ما فعله يزيد وسائر جنود المخالفين مع سبط الرسول الأمين وما فعله المخالفون بالنسبة إلى شيعتهم وغير ذلك، وفي جميع ذلك لم يكونوا مأثومين أصلاً بل هم وغيرهم من الكفار الذين لم يصدر منهم شيء من ذلك متساويين في عقاب واحد وهو عدم الإيمان بالله ورسوله، وذلك من حيث عدم تصديقهم الله ورسوله ومعرفة حقهما، فإنهم وإن أقروا باللسان إلا أنهم لم يصدقوهما قلباً ولم يعرفوا حقهما، فبمقتضى الصحيحة نظراً إلى عدم إيمانهم بالله ورسوله ومعرفتهم حقهما كيف يكلّفهم الله تعالى بالإمامة وسائر الفروع، وليس في الصحيحة أن مجرد الإقرار باللسان كان في ذلك، وعلى هذا لم يكن لشكاويهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن المخالفين والخلفاء الثلاثة وطعنهم ولعنهم وإثبات الويل عليهم وتكفيرهم من الجهات التي ذكرت وتفسيقهم وكذا طعن علمائنا ومتهم المستدل عليهم وجه، بل كان لغواً محضاً ويلزمه أنه لو فعل ذلك أو شيئاً من ذلك غير المنافقين من سائر الكفار الذين لم يقروا بالإسلام بالنسبة إلى سادة الأنام وفاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسبطيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) وغيرهم من شيعتهم وأولادهم وذراريهم)
بالقتل والنهب والأسر أنه لم يكن عليهم في ذلك شيء، ويكونون هم وسائر من لم يحدث أمثال هذا عنه في العقاب متساويين، وقطعي أن المستدل لا يقول به أيضاً إذ القول بذلك من أشنع الشنائع وأقبح الفضائح وهل كان مراد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بقوله في حق فاطمة (عليها السلام): «من آذاها فقد آذاني» وغير ذلك بالنسبة إليها وإلى غيرها من الحسنين وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأولادهم خصوص المؤمنين المصدقين الله ولرسوله العارفين بحقهما، أو المراد منه الأعم بل ملحوظ نظره خصوص المخالفين، أفيجوّز المستدل ذلك بالنسبة إلى غيرهم فيحكم بجواز أسر غيرهم للسادات والعلويات والفاطميات وقتلهم ونهب أموالهم وهتك عرضهم وغير ذلك من الناس، بل الأنبياء؟ ما هذا إلا شيء عجيب أقرب من الكفر لو لم يكن كفراً.)وثالثاً : إن المخالفين عند المستدل كفار حقيقة بالكفر المقابل للإسلام فيلزمه جريان أحكامهم فيه، ومنها القول الذي استحدثه من عدم العقاب على ترك شيء من التكاليف ما هذا إلا أمر غريب وشيء عجيب وبالجملة فإن الصحيحة صريحة في عدم تكليف المخالفين بالإمامة ولا بشيء من الفروع، ويفصح عنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما، وذلك بالتقريب الذي تقدّم ونزيد حينئذ وجه دلالته على ذلك هنا فنقول: إن مقتضاها أن التكليف بالإمامة فرع الإيمان بالله ورسوله وهو على ما عرفوه وورد به الخبر، وقد ذكره في أول كتاب الصلاة هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان ولا ريب في أن ذلك لم يتحقق في حق الخلفاء الثلاث لعدم تصديقهم بالجنان، هذا أفتجوّز أيها العاقل أن الكفار المحاربين للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والكاسرين لأسنانه، والقاتلين للمسلمين في زمنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والمتصدين لإيقاع البلايا والمحن عليه أن يكونوا في جميع ذلك معذورين غير مأثومين؟! وأن دعاءه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليهم في بعض الحروب كان عبثاً ولغواً بلا منشأ وأن المنشأ هو عدم الإقرار مع أنه لا وجه لدعائه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عليهم في ذلك الحين خاصة دون غيرهم أو لهم في غير تلك الحال.)ورابعاً : أن هذه الصحيحة معارضة بما في (التهذيب في باب أن الجزية واجبة على جميع أهل الكتاب عن محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز، قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن صدقات أهل الذمة وما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم ولحم خنازيرهم وميتتهم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): عليهم الجزية في أموالهم، يؤخذ منهم من ثمن لحم الخنزير أو خمر كل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم وثمنه للمسلمين حلال، يأخذونه في جزيتهم (1).)
1) الكافي 181/1، وتحريرات في الأصول 333/5.
وهذا الخبر ليس في سنده من يتوقف فيه سوى إبراهيم بن هاشم وهو على المشهور حسن كالصحيح وعند المحققين من المتأخرين كما ذكره المستدل وارتضاه ثقة، والسند المشتمل عليه إذا كان الباقي من رجال السند لا يتوقف فيه صحيح، هذا.مع أنه لم يقل بهذا الاصطلاح الذي تصدّى لنا سلبه متأخراً وأصحابنا - شكر الله سعيهم - فالحديث حجّة عنده ولو كان راويه من أكذب البرية وصرّح بكذبه الأئمة، وتصحيح سنده منا تبرعى وسد لباب فرار الخصم لو ادعى مراعاة الصحة في السند بعد وقوع المعارضة بینه وبین ما صح سنده، ومع صحة سنده كما ترى صريح في ثبوت الوزر عليهم في استحلالهم ثمن ما لا يحل ثمنه في ملة الإسلام ومع ثبوت الوزر عليهم في ذلك يثبت في المعاصي التي ذكرناها التي هي أشدّ منها. ومقتضى الأولوية التي تمسّك بها في إثبات مطلبه ثبوت الوزر عليهم في المعاصي التي هي أشد بطريق الأولوية هذا، مضافاً إلى عدم القول بالفصل.قال المحقق الثاني المحقق الشيخ علي بعد ذكر هذا الخبر :فيه دلالة على أن الكافر يؤخذ بما يستحلّه إذا كان حراماً في شريعة الإسلام، وأن ما يأخذونه على اعتقاد الحل حلال علينا وإن كان ذلك الأخذ حراماً عندنا.ومراده بقوله : يؤخذ بما يستحله المؤاخذة عليه وإيجاب ذلك العقاب لا أخذ الجزية لتبادر الأول من العبارة.و به اعترف من كتاب (الزكاة في مسألة استحباب ما سوى الزكاة من الحقوق التي في المال من الضغث بعد الضغث والحفنة بعد والحفنة بعد الحفنة يوم الجذاذ حيث إنه من القائلين بالاستحباب مستنداً إلى رواية معاوية بن شريح قال : سمعت الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : في الزرع حق تؤخذ به وحق تعطيه (1).)حيث قال : المتبادر من هذه العبارة العقاب على تركه وهو كناية عن الوجوب والإلزام به شرعاً.واستشهد لذلك بما في (المصباح المنير من قوله : وأخذ بذنبه، عاقبه عليه، وإن كان في الاستشهاد نوع تأمّل.)وهذه الصحيحة مع صراحتها في ذلك معتضدة بعمل كافة العلماء إلا أبا حنيفة على اعترافه ومعتضده بأدلة العقلاء التي ديدنه التمسك بها فكيف يعارضها التي ذكرها المستدل؟
1) الكافي 3 / 564 ح 6008، ووسائل الشيعة 196/9 ح 11820.
مضافاً إلى معارضة الكتاب العزيز لها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [التوبة: 28] وقد نهاهم الله عن القرب من المسجد الحرام، وبمقتضى الصحيحة لم يكن لهذا التكليف وجه وكذا تكليفهم بالجزية وأخذها منهم وإيجابها عليهم.)ويدل على أنهم مكلفون بشريعة الإسلام وفروعها زيادة على الإيمان قوله عزّ من قائل: (وقاتلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة : 29].)أنظر أيدك الله تعالى إلى ظهور هذه الآية في كونهم مكلّفين بتحريم ما حرم الله والتدين بدين الحق، بل وصراحتها في ذلك، فإنهم لو لم يكونوا مكلفين بذلك لما كان لإرداف قوله: ﴿وَلَا يُحْرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ إلى آخره بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)، وإيراد ذلك في بيان منشأ مقابلتهم وأخذ الجزية منهم وجه، إذ كان عدم الإيمان كافياً في ذلك، فيصير الارداف المذكور لغواً بحتاً وخالياً عن الفائدة بالمرة تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. وقال سبحانه أيضاً : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَها اَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثَامًا * يُضَاعَفَ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الفرقان: 68 – 69].
أنظر إلى صراحة هذه الآية أيضاً، فجعل العذاب المضاعف جزاء لهم على الأفعال المذكورة ومن جملتها قتل النفس والزنا، فلولا أن كلاً من الأمور المذكورة يصير سبياً لضعف العذاب يوم القيامة أو المجموع من حيث المجموع لما كان لتأخير الإشارة أي لفظة ذلك عن جميع ذلك وجه، بل كان المتاسب بل اللازم دفعاً لتوهم الاشتراك إردافها بالأمر الأول فقط وهو الشرك ليفيد انفراده في السببية.
والآيات الظاهرة في ذلك كثيرة، والعمل بالصحيحة يوجب ردّها بأجمعها، وأي عاقل يرضى بهذا وقد أمروا (عَلَيهِم السَّلَامُ) في أخبار كثيرة مستفيضة بالأخذ بما وافق الكتاب، وهذه الأخبار متلقاة بالقبول حتى عند المستدل فالصحيحة الموافقة له وهي ما ذكرناها ترجح على الصحيحة المخالفة له وهي ما ذكرها.
وبعد هذا كله نقول :
الذي يفهم من الصحيحة غير ما فهمه المستدل وذكره بل المراد منها والله العالم وقائله أعلم أن مخاطبة الكفار المنكرين غير المقرين بالله ورسوله إلى معرفة الإمام الذي هو نائبه وخليفته ومن تجب إطاعته، وتوجيه الخطاب بذلك إليهم يكاد أن يكون ذلك لغواً،
وذلك لا يستلزم عدم إرادتها ومطلوبيتها منهم.
ونظير ذلك في الشرع كثير منه تكليف النائم وكذا الغافل وكذا فاقد الطهور عند المحققين في الأخير وعند الكل في الأولين بقضاء الصلاة التي فاتتهما الذي هو عبارة عن تدارك ما فات اتفاقاً، فلولا أن الصلاة مرادة ومطلوبة منهم في تلك الأحوال لما كان للأمر بالقضاء معنى.
ولذلك مثال في العرف كأن يكون لشخص عبد لا يطيعه ويعصيه فلا يأمره بإطاعة وكيله مثلاً، ولا يوجه إليه الخطاب بإطاعة الوكيل مع أنه لو وجهه لا يطيعه جزماً، فإن ذلك لا يوجب عدم المطلوبية منه وعدم إرادته على وجه الوجوب واللزوم لينحصرا فيما دل عليه الأمر الخطابي.
فالمراد بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): كيف يجب عليه معرفة الإمام؟ أنه كيف يوجه الخطاب إليه.
ولذلك مثال آخر وهو أن الأمر بالشيء عند المحققين لا يستلزم الأمر بما هو مقدمة لوجوده، ويقولون بعدم حرمته من حيث إنها مقدمة ومع ذلك يقولون : إن الخطاب بالإباحة وعدم الحرمة يكون لغواً وإن كان ما تضمنه الخطاب حقاً، ويكون مثله كبيان الواضحات مثل أن النائم لا يبصر، والأسود الزنجي لا يعلم الغيوب، وأمثال ذلك. فعدم توجه الخطاب من حيث القبح في الصدور لا يستلزم عدم ما تضمنه لو صدر وقبحه وذلك واضح لا يخفى.
قال صاحب (الحدائق) :
ومنها ما رواه الثقة الجليل أحمد بن أبي طالب الطبرسي في (الاحتجاج) عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث الزنديق الذي جاء إليه مستدلاً عليه بآي القرآن قد اشتبهت حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
فكان أول ما قيدهم به الإقرار بالوحدانية والربوبية وشهادة أن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالنبوة والشهادة بالرسالة، فلما انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج، الحديث (1).
وفيه بعد تسليم حجيته بحسب السند حيث إنه ليس من أخبار الكتب التي يدعي قطعيتها أن التكليفات في صدر الإسلام وأول البعثة صدرت تدريجاً ولم تنسخ الشريعة السابقة دفعة بل إنما نُسِخت شيئاً فشيئاً، وليس ذلك من محل النزاع في شيء؛ فإنه لا ريب أنهم متعبدون بشريعتهم السابقة، ولكن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم ينسخها عنهم دفعة بل أبقاهم في أول
1) بحار الأنوار 122/90، والتفسير الصافي 225/4 ح 46.
الشريعة على شريعتهم ونسخ منها شيئاً فشيئاً فأوجب عليهم بعض التكاليف تدريجاً، وذلك لا يستلزم عدم كونهم مكلفين بالتكاليف في شريعتنا بعد انتساخ شريعتهم، قال:
ومنها ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في (تفسيره) عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفسير قوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوْةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافَرُونَ [فصلت: 6 - 7]، حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):)أترى أن الله عزّ وجل طلب من المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به حيث يقول : (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، إنما دعى إنما دعى الله العباد للإيمان به، فإذا آمنوا بالله ورسوله افترض عليهم الفرض (1).)قال المحدّث الكاشاني في كتاب (الصافي بعد نقل الحديث المذكور :)أقول: هذا الحديث يدل على ما هو التحقيق عندي من أن الكفار غير مكلفين بالأحكام الشرعية ما داموا باقين على الكفر، انتهى.وفيه بعد تسليم السند الحمل على التقية لكونه مذهب أبي حنيفة كما اعترف، وهو قد كان في زمان مولانا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ و من تلامذته ومذهبه كان مشهوراً بينهم في زمانه.)والشاهد على الحمل على التقية وتعينه أنه مع عدم هذا الحمل يلزم مناقضة مضمون الخبر لنص الآية فإنها صريحة في أن المراد بالمشركين هم الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة حيث وصفهم فيها بقوله: ﴿وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافَرُونَ.
وحينئذ فمقتضى الخبر أن مورد الآية إما المسلمون أو الذين لا نعرفهم أو لا مورد لها، والأخيران باطلان جزماً، وكذلك الأول لأنه يلزم أن يكون المسلمون والمؤمنون مشرکین کافرین باليوم الآخر، فيحكم بنجاستهم وكفرهم وعدم قربهم من المسجد الحرام وغير ذلك من أحكام الكفر، كما فعل ذلك المستدل في الحكم بكفر المخالفين من حيث إطلاق الكفر عليهم في الأخبار وجعلهم بذلك كفاراً حقيقة بالكفر المقابل للإسلام، فإذا كان المؤمن لا يؤتي الزكاة يلزم الحكم بكفره وشركه ونجاسته واستحقاقه للخلود في النار وهو قطعي الفساد عند المستدل وعند الكل هذا.
مع أن الشرك والكفر بالآخرة الواقعين في الآية وصفاً لمن لا يؤتي الزكاة حقيقة فيمن صدر عنه هذان الوصفان وليس المسلم كذلك جزماً ووجداناً، وحينئذ فالعمل بالخبر يستلزم إلغاء الآية وعدم وجود مصداق لها أو القول بكفر من لا يؤتي الزكاة من المؤمنين وشركه
1) بحار الأنوار 234/9، وتفسير الصافي 262/2.
وترتب أحكامهما عليه ولا أراه يقول به.
وبالجملة، ظاهر الخبر مناقض لصريح الآية، وقد قالوا في أخبار كثيرة ما خالف الكتاب فاضربوه على الحائط، وأي مخالفة أشد من هذه المخالفة؟.
ولو قيل بكون هذا الخبر تفسيراً لها ووجوب المصير إليه لزم منه طرح تلك الأخبار، ويلزم منه أن لا يوجد مصداق لتلك الأخبار الآمرة لضرب المخالف للقرآن على الحائط إذ كل خبر مخالف يحتمل أن يكون تفسيراً للقرآن وإن لم يرد في تفسيره فأي خبر يعلم منه المخالفة للقرآن؟
وبمقتضى جميع ما ذكر يتعين الحمل على التقية التي هي باعتراف المستدل رأس كل آفة وبلية.
مع أنه يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر ما قدمناه في الاعتراض على الخبر الأول من أن عدم توجه الخطاب إليهم لا ينافي مطلوبيته منهم، أو ما قدمناه في الاعتراض على الخبر الثاني من أنهم في صدر الإسلام وأول البعثة لم يؤمروا بذلك، وإنما كلفوا بالتكاليف شيئاً فشيئاً، وإليه يشير قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخر الخبر: إنما دعا الله العباد للإيمان، وعلى ذلك فلا دلالة فيه على ما رامه.
قال صاحب (الحدائق):
ومما يدل على ذلك ما ورد عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير قوله تعالى: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمر منكم [النساء : 59] حيث قال : كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم؟ إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول(1).)أقول : تمام الحديث ما رواه (الكافي عن بريد العجلي، قال: تلا أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (أطيعوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ) وأولي الأمر منكم ثم قال: كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم؟ إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم : (أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) (2).)وهو كما ترى لا دلالة فيه على ما رامه المستدل بوجه بل محصل معناه أنه كان مصحفهم (عَلَيهِم السَّلَامُ: فارجعوه مكان فردّوه ويحتمل أن يكون تفسيراً له، كما أن قوله : فإن خفتم)
تنازعاً للأمر تفسير لقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ، ويستفاد منه أيضاً أنه كان في مصحفهم: وإلى أولي الأمر منكم فيدل على أنه لا يدخل أولوا الأمر في المخاطبين بقوله : إن تنازعتم كما زعمه المفسرون من المخالفين، فقوله : كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم؟ يريد به أن الله سبحانه أمر بطاعتهم أولاً بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمر مِنكُم) ومع ذلك فلا يجوز إدخالهم في المخاطبين بقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ)، إذ وجوب الإطاعة لا تجتمع مع الترخيص في المنازعة فلا بد أن يكون المقصود بالخطاب غيرهم وهم الذين أمروا أولاً بإطاعة الله والرسول وأولي الأمر، فأمروا ثانياً عند التنازع بالرد والرجوع إليهم أيضاً، فافهم جيداً.)الثالث : لزوم تكليف ما لا يطاق، إذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصوراً وتصديقاً عين تكليف ما لا يطاق، وهو مما منعته الأدلة العقلية والنقلية لعين ما تقدم في حكم معذورية الجاهل، وإليه يشير كلام (الذخيرة في مسألة الصلاة مع النجاسة عامداً حيث نقل عن بعضهم الإشكال في إلحاق الجاهل بالعامد وقال بعده والظاهر أن التكليف متعلق بمقدمات الفعل كالنظر والسعي والتعلم وإلا لزم تكليف الغافل أو التكليف بما لا يطاق، والعقاب يترتب على ترك النظر - إلى أن قال - ولا يخفى أنه يلزم على هذا أن لا يكون الكفار مخاطبين بالأحكام، وإنما يكونون مخاطبين بمقدمات الأحكام، وهذا خلاف ما قرره الأصحاب رضي الله عنهم وتحقيق المقام من المشكلات)قال صاحب (الحدائق بعد نقل هذا الكلام :)لا إشكال بحمد الله سبحانه فيما ذكره بعد ورود الأخبار بمعذورية الجاهل حسبما مر، وورودها بخصوص الكافر كما نقلنا هنا، ولكنهم يدورون مدار الشهرة في جميع الأحكام وإن خلت عن الدليل في المقام سيما مع عدم الوقوف على ما يضادها من أخبار أهل الذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ.)وفيه أولاً : أن هذا الدليل أخص من المدعي لا يشمل من تصور أحكام الإسلام وعرفه.و ثانياً : إن كان مراده بذلك الجاهل المستضعف الذي لا يعرف الإسلام ولم يسمع صيته أصلاً فلا كلام فيه.وإن أراد من سمع صيت الإسلام وعرفه فلا نسلّم أنه جاهل تصوّراً وتصديقاً بل لا ريب أنه عالم بالشرائع الموظفة ولو إجمالاً.نعم، ليس عالماً بذلك تفصيلاً فهو متصوّر لما في الإسلام من شريعة وأحكام كما أنا
مثلاً عارفون بدين أهل الكفر وأن لهم شرائع وأحكاماً وإن كنا جاهلين بذلك تفصيلاً، وهذا القدر من العلم يكفي.ولذلك أن أصحابنا لا يعذرون الجاهل في الأحكام نظراً إلى علمه بذلك إجمالاً، ولو لم يكف هذا المقدار لزم أن لا يكلف المقرّ بالله ورسوله بمعرفة الإمام والفروع أصلاً حتى الصلاة والزكاة والحج ولا يعاقب بتركها أيضاً، ويكون الأمر بالمعرفة الواردة في الأخبار ليس فيه فائدة ومن الفروع وجوب تحصيل المعرفة بالأحكام وعلى ما ذكره يلزم أن لا يكونوا مكلفين وهو ممن يقول بوجوب تحصيل المعرفة على المسلمين.وعلى قوله لم يكن فرق بينها وبين سائر الواجبات والمحرمات، إذ الجهل الذي هو علة لعدم تعلق التكليف بما وراء المعرفة من حيث استلزامه التكليف بما لا يطاق جاء في نفس المعرفة أيضاً فأنّى له بالفارق؟، هذا.مع أنه لو صح ما ذكر يلزم قبح التكليف بالأصول أيضاً لاتحاد العلة بل ازديادها فيها، وذلك فإن من تيقن بطلان الإسلام فضلاً عن أن يجهله مكلف بالأصول جزماً فتكليف من هو جاهل بها أولى كما لا يُخفى.ويلزم على ذلك خروج أكثر الكفار لو لم يكن كلهم عن التكليف بالإسلام لاستحالة تكليف الجاهل فضلاً عن العالم، ولا ريب أن كل من دان بدين إلا من شذ متيقن بدينه جازم بصحته، ففي حال الجزم واليقين كيف يكلف بالعلم ببطلان ما علمه وفساد ما تيقن به؟.وبذلك يظهر أنهم ليسوا مكلّفين بالأصول، والحال أن المستدل لا يقول به، وليت شعري كيف لا يلتزم به مع اقتضاء دليله ذلك وجريانه فيه بل أولى بالجريان كما عرفت هذا.وقد يقرر هذا الدليل - أعني لزوم التكليف بما لا يطاق - بوجه آخر وهو أن الكافر غير قادر على الإتيان بالعبادة الصحيحة المشروطة بالإيمان.وأجيب عنه بأنا نقول : أنهم مكلفون بالفروع حال الكفر لا بشرط الكفر، فالكفر ظرف للتكليف لا للمكلّف فلا يلزم التكليف بما لا يطاق.الرابع: الأخبار الدالة على وجوب طلب العلم كقولهم (عَلَيهِم السَّلَامُ: طلب العلم فريضة على كل مسلم، فإن موردها المسلم دون مجرد البالغ العاقل.)وفيه أن الاستدلال بتلك الأخبار موقوف على القول بحجية مفهوم اللقب وهو مع كونه خلاف التحقيق لا يقول به المستدل أيضاً فلا وجه لاستدلاله بها على المدعي.
الخامس: اختصاص الخطاب القرآني (بالذین آمنوا وورود يا (أيها الناس) في بعض، وهو الأقل، يحمل على المؤمنين حملاً للمطلق على المقيد والعام على الخاص كما هو القاعدة المسلمة بينهم.)والجواب ما قدمنا في الدليل السابق وهو أن دلالته من حيث مفهوم اللقب الذي ليس بحجة عنده وعند المحققين.### تكملةهذا الكلام الشريف له (عَلَيهِ السَّلَامُ حسبما أشرنا إليه مروي في (الكافي) عن علي بن إبراهيم أبيه عن بعض أصحابه عن أبي حمزة عن عقيل الخزاعي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان إذا حضر الحرب يوصي للمسلمين بكلمات يقول :)تعاهدوا الصلاة وحافظوا عليها واستكثروا منها وتقربوا بها فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، وقد علم ذلك الكفار حين سألوا ما سلككم في سقر ؟ قالوا : لم نك من المصلين وقد عرف حقها من طرقها وأكرم بها من المؤمنين الذين لا يشغلهم عنها زين متاع ولا قرّة عين من مال ولا ولد، يقول الله عزّ وجل: (رجال لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوة [النور: 37]، وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منصباً لنفسه بعد البشرى له بالجنة من ربه فقال عزّ وجل : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [طه: 132] الآية، فكان يأمر بها أهله ويصبر عليها نفسه (1). ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قرباناً لأهل الإسلام على أهل الإسلام، ومن لم يعطها طيب النفس بها يرجو بها من الثمن ما هو أفضل منها فإنه جاهل بالسنّة، مغبون الأجر، ضال العمر، طويل الندم بترك أمر الله عزَّ وجل الرغبة عما عليه صالحو عباد الله، يقول الله عزّ وجل : ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولّى من الأمانة، فقد خسر من ليس من أهلها وضلّ عمله، عرضت على السماوات المبنية، والأرض المهاد والجبال المنصوبة فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم ولو امتنعن «امتنعت خ ل» من طول أو عرض أو عظم أو قوة أو عزّة امتنعن ولكن أشفقن من العقوية.
ثم إن الجهاد أشرف الأعمال بعد الإسلام وهو قوام الدين والأجر فيه عظيم مع العزّة والمنعة وهو الكرة فيه الحسنات والبشرى بالجنة بعد الشهادة وبالرزق غداً عند الرب والكرامة، يقول الله عزّ وجل : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ)
1) الكافي 36/5 ح 1، ووسائل الشيعة 30/4 ح 8.
[آل عمران: 169] الآية.
ثم إن الرعب والخوف من جهاد المستحق للجهاد والمتوازرين على الضلال ضلال الدين وسلب للدنيا مع الذلّ والصغار، وفيه استيجاب النار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال، يقول الله عزّ وجل : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفَا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) [الأنفال : 15].
فحافظوا على أمر الله عزَّ وجل في هذه المواطن التي الصبر عليها كرم وسعادة، ونجاة في الدنيا والآخرة من فظيع الهول والمخافة، فإن الله عزَّ وجل لا يعبأ بما العباد مقترفون ليلهم ونهارهم لطف به علماً، وكان «كل خ ل» ذلك في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى فاصبروا وصابروا واسألوا النصر، ووطنوا أنفسكم على القتال واتقوا الله عزّ وجل، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
رواه المحدث العلامة المجلسي في (البحار من الكافي) كما رويناه، وقال بعد نقله :
قوله من طرقها لعله من الطروق بمعنى الإتيان بالليل أي واظب عليها في الليالي وقيل : أي جعلها دأبه وصنعته من قولهم : هذا طرقة رجل، أي صنعته.
ولا يخفى ما فيه ولا يبعد أن يكون تصحيف طوّق بها على المجهول، أي ألزمها كالطوق بقرينة أكرم بها على بناء المجهول أيضاً.
قوله : على أهل الإسلام، الظاهر أنه سقط هنا شيء، قوله : من الأمانة، لعله بيان لسبيل المؤمنين أي المراد بسبيل المؤمنين ولاية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهي الأمانة المعروفة.
قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وهو الكرة، أي الحملة على العدو وهي في نفسها أمر مرغوب فيه، إذ ليس هو إلا مرة واحدة وحملة فيها سعادة الأبد، ويمكن أن يقرأ الكرة بالهاء، أي هو مكروه للطباع فيكون إشارة إلى قوله تعالى: كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرهٌ لَكُمْ [البقرة : 216].
وقال الجوهري : زحف إليه زحفاً، مشي، والزحف الجيش يزحفون إلى العدو، وقوله : لطف به الضمير راجع إلى الموصول في قوله : ما العباد مفترقون.
از جمله کلام بلاغت نظام آن امام است وصیت می کرد به آن اصحاب خود را می فرمود:
مواظبت نمایید به امر نماز و محافظت نمایید بر آن و بسیار کنید از گزاردن آن و تقرب جویید به درگاه پروردگار با آن درگاه پروردگار با آن پس به درستی که آن نماز بر مؤمنین فرض واجب آیا گوش نمیکنید به سوی جواب اهل آتش وقتی که سؤال کرده شدند که چه باعث شد به آمدن شما در دوزخ؟ گفتند نبودیم ما در دنیا از نمازگزارندگان و به درستی که آن نماز میریزد گناهان را مثل ریختن برگ از درختان و بر می دارد قید گناهان را از گردن گناه کاران مثل برداشتن بند ریسمان از گردن حیوان.
و تشبیه فرموده است نمازهای پنجگانه را حضرت رسالت مآب (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) به چشمه آب گرمی که باشد در خانه مرد پس بشوید آن مرد بدن خود را در آن چشمه در روز و شب پنج دفعه پس نزديك نيست که باقی ماند بر بدن او چرکی و کثافتی و به تحقیق که شناخت قدر نماز را مردانی از مؤمنین که مشغول نمیکند ایشان را از آن نماز زینت متاع دنیا و نه چشم روشنی از اولاد و نه مال آن؛ می فرماید حق تعالی در شأن ایشان "رجال لا تلهيهم تجارة"، یعنی تسبیح کند خداوند را مردانی که مشغول نمی نماید ایشان را تجارت و خرید و فروش از ذکر پروردگار و از اقامه نماز و از دادن زکات و بود حضرت رسول خدا به غایت متحمل به مشقت و زحمت نماز با وجود این که بشارت بهشت داده بود او را به به جهت فرمایش خدا که خطاب فرمود او را که: " امر کن اهل خود را به نماز و صبر کن به زحمت آن" پس بود آن بزرگوار امر میفرمود اهل خود را و وادار مینمود نفس خود را بر آن.
پس از آن به درستی که زکات گردانیده شده با نماز مایه تقرب خدا از برای اهل اسلام، پس کسی که عطا نماید زکات را در حالتی که با طیب نفس بدهد آن را، پس به درستی که باشد آن از برای او کفاره گناهان و حاجب و مانع از آتش سوزان پس البته نباید احدی چشمش بر پشت آن بدوزد و البته نباید غمگین و
پریشان شود به آن از جهت این که هر کسی که بدهد زکات را با وجه اکراه و عدم طیب نفس در حالتی که امیدوار باشد به جهت دادن آن ثوابی را که افضل باشد از آن، پس آن کس جاهل است به سنت، مغبون است در اجرت، گمراه است در عمل، دراز است پشیمانی و ندامت آن.
پس از آن ادای امانت است پس به تحقیق که نومید شد کسی که نبوده از اهل آن، به درستی که آن امانت اظهار شد آن امانت اظهار شد بر آسمانهای بنا شده و بر زمینهای فرش شده و بر کوههایی که صاحب بلندی و منصوب است بر زمین پس نیست هیچ چیز درازتر و پهن تر و بلندتر و بزرگتر از آنها و اگر امتناع می نمودی چیزی به جهت درازی یا پهنی یا به جهت قوّت یا عزت، هر آینه آنها امتناع می کردند ولکن ترسیدند از عذاب پروردگار و فهمیدند چیزی را که جاهل شد به آن کسی که ضعیف تر از ایشان بود که عبارت باشد از انسان به درستی که آن انسان، بسیار ظالم است، بسیار نادان. به درستی که خدای تعالی مخفی نمیماند بر او چیزی که بندگان کسب نمایند آن را در شب و روز خودشان، لطیف خبیر است به کار ایشان و محیط است با علم خود به آن اعضای شما شاهدان اویند و جوارح شما لشکران او و قلبهای شما جاسوسان او و خلوتهای شما آشکار است در نظر آن.
«والله ما مُعاوِيَةُ بِأَدهى مِنِّي، وَلكِنَّهُ يَغْدِرُ ويَفْجُرُ، وَلَوْلا كَراهِيَّةُ الغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنَّ كُلَّ غَدْرَةٍ فَجْرَةٌ، وكُلَّ فَجْرَةٍ كَفْرَةٌ ولِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وَالله ما أَسْتَغْفَلُ بِالمَكِيدَةِ، وَلَا أَسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ.
(الدهي) بسكون الهاء والدهاء الفكر والأرب وجودة الرأي و (غدر) غدراً من باب ضرب ونصر نقض عهده و (فجر) يفجر من باب قتل و (الغدرة) و (الفجرة) و (الكفرة) كلها في بعض النسخ بفتح (الفاء) وسكون (العين) وزان تمرة فالتاء للمرة وفي بعضها بتحريك (الفاء) و (العين) وزان مردة فيكون جمع غادر وفاجر وكافر، وفي بعضها بضم (الفاء) وفتح (العين) وزان همزة فـ (التاء) للمبالغة أي الكثير الغدر والفجور والكفر، فإن أسكنت (الغين) فالبناء للمفعول تقول : رجل سخرة كهمزة يسخر من الناس، وسُخرة كغرفة من يُسخر منه.
(ولا أستغمز) (بالزاء) المعجمة من الغمز وهو العصر باليد يقال : غمزه غمزاً من باب ضرب، والغمز محركة الرجل الضعيف قال الشارح البحراني : وروي (بالراء) المهملة أي لا أستجهل بشدائد المكائد انتهى ولعله من الغمر بالتحريك وهو من لم يجرب الأمور والأول أصوب وأنسب.
(الباء) في قوله : (بأدهى) زائدة في الخبر جيء بها لتأكيد معنى النفي كما في قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 74]، وقوله : بالشديدة، صفة محذوفة الموصوف أي بالدواهي الشديدة ونحو ذلك.
إعلم أن الغرض من هذا الكلام دفع توهّم من كان معتقداً أن معاوية أجود رأياً وأكثر تدبيراً منه، وتعرض به على معاوية من أجل عدم تحرزه في تدبير الأمور عن الغدر والفجور، وصدّر الكلام بالقسم البار تأكيداً للمقصود، فقال:
(والله ما معاوية بأدهى مني) أي ليس بأجود رأياً وأحسن تدبيراً وأبعد غوراً وأعمق فكراً وأشد دهاء مني، وإن فسر الدهاء بخصوص استعمال العقل والرأي فيما لا ينبغي فعله
من الأمور الدنيوية المعبر عنه بالنكراء، فلا بد من جعل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أدهى، بمعنى أعرف بطرق الدهاء وأبصر بها لعدم اتصافه بالدهاء بهذا المعنى فضلاً عن كونه أدهى.
(ولكنه يغدر ويفجر) أي يستعمل الغدر في أموره السياسية فيزعم أهل الجهل أنه أدهى.
وقوله : (ويفجر)، إشارة إلى نتيجة الغدر، يعني أنه من أجل إقدامه على الغدر يكون فاجراً، وذلك لأن الغدر مقابل الوفاء، والوفاء فضيلة داخلة تحت العفّة، فيكون الغدر رذيلة داخلة تحت الفجور.
وأيضاً الوفاء توأم الصدق والغدر توأم الكذب حسبما عرفت تفصيلاً في الخطبة الحادية والأربعين وشرحها، والكذب من أعظم الفجور.
وإيضاح هذه الفقرة ما تقدم في الخطبة المذكورة حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) هناك :
ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله قد يرى الحوّل القلب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين (1).
وروى في (الكافي) في حديث مرفوع عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت له : ما العقل ؟ :قال ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان قال : قلت : فالذي كان في معاوية؟ فقال : تلك النكراء تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل (2).
ولما نبه على أن اتصاف معاوية بالدهاء من جهة عدم مبالاته بالغدر والفجور عقبه بالتنبيه على ما هو المانع من اتصافه (عَلَيهِ السَّلَامُ) به مع كونه أعرف وأغدر به منه، فقال:
(ولولا كراهية الغدر) والمكر واستلزامه للكذب والغش والخيانة والفجور المنافي المرتبة العصمة (لكنت من أدهى الناس) فيدل هذه الجملة بمقتضى مفاد لولا الامتناعية على امتناع اتصافه بالدهاء الملازم للغدر.
والمراد بالكراهة هنا الحرمة لا معناها المعروف في مصطلح المتشرعة كما صرح به في عبارته التي نقلناها آنفاً من الخطبة الحادية والأربعين أعني قوله : قد يرى الحوّل القلب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها.
وأصرح منه ما رواه في (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم رفعه قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لولا أن المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس (1).
وأصرح منهما قوله : (ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة) وقد روى نظير هذه العبارة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (الكافي) بإسناده عن الأصبغ بن نباته قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذات يوم وهو يخطب على المنبر بالكوفة : أيها الناس، لولا كراهية الغدر كنت أدهى الناس ألا أن لكل غدرة فجرة، ولكل فجرة كفرة، ألا وأن الغدر والفجور والخيانة في النار (2).
قال بعض شرّاح (الكافي) : الظاهر أن (اللام) في لكل مفتوحة للمبالغة في التأكيد، وقوله : الغدر والخيانة في النار، إما على حذف المضاف أي صاحبها، أو المصدر بمعنى الفاعل، هذا.
فإن قلت : استلزام الغدر للفجور المستفاد من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ولكن كل غدرة فجرة) قد عرفنا وجهه سابقاً، وأما استلزام الفجور للكفر المستفاد من قوله : وكل فجرة كفرة، فما الوجه فيه ؟.
قلت : قال بعض الشارحين وجه لزوم الكفر هنا أن الغادر على وجه استباحة ذلك واستحلاله كما كان هو المشهور من حال عمرو بن العاص ومعاوية في استباحة ما علم تحريمه بالضرورة من دين محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجحده هو الكفر.
وقال الشارح البحراني : ويحتمل أن يريد كفر نعم الله وسترها بإظهار معصية كما هو المفهوم اللغوي من لفظ الكفر، انتهى.
ويتوجه على الأول أولاً أنه أخص من المدعي لأن المدعي هو كفر كل غادر كما هو ظاهر المتن لا الغادر المستبيح المستحل للغدر فقط، وثانياً : كون حرمة الغدر من ضروريات الدين غير معلوم.
وعلى الثاني أنه خلاف الظاهر.
والأظهر أنه داخل في القسم الرابع من أقسام الكفر التي تقدم تفصيلها في حديث (الكافي) في شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الأولى، فقد روينا هناك عن الكلبي بإسناده عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال : الكفر في كتاب الله عزَّ وجل على خمسة أوجه - إلى أن قال -
الوجه الرابع من الكفر : ترك ما أمر الله وهو قول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَا تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظْاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسرَى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: 84 – 85]، فكفرهم بترك ما أمر الله ونسبهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم فقال : (فما جزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌّ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ) [البقرة : 85].
وقوله : (ولكل غادر لواء يُعرف به يوم القيامة) قال الشارح المعتزلي: حديث صحيح مروي عن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم).
أقول : وهو تنفير عن الغدر.
ونحوه ما رواه في (الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) : «يجيء كل غادر يوم القيامة بإمام مائل شدقه حتى يدخل النار، ويجيء كل ناكث بيعة إمام أجذم حتى يدخل النار»، هذا (1).
ولما ذكر أن معاوية ليس بأدهى منه ونبه على معرفته بطرق الدهاء وخبروينه بها أكده بقوله :
(والله ما أُستغفل بالمكيدة) أي لا يطمع في إغفالي بالكيد علي، لأني أحذر من الغراب وإن كان الطامع في الكيد أروغ من الثعلب فإن من كان أعرف بطرق الخداع ووجوه التدابير والحيل لا يتمكن من إغفاله ولا يلحقه الغفلة عما يراد في حقه من الكيد والخديعة كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكلام السادس : (والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها).
(ولا أستغمز بالشديدة) أي لا أستضعف بالخطوب الشديدة والدواهي العظيمة لأني البطل الأهيس والحازم الأكيس والشجاع الأسوس.
فقد اتضح كل الوضوح بما أتى به في هذا الكلام بطلان توهم من زعم أن معاوية كان أدهى منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصح تدبيراً.
وقد بسط الكلام في هذا المرام أبو عثمان الجاحظ على أحسن تقرير وتبيان، وفضل الشارح المعتزلي تفصيلاً عجيباً أحببت نقل ما قالا لأنه من لسانهما أحلى، فأقول:
1) الكافي 337/2 ح 2، وبحار الأنوار 201/7 ح 81.
أما الجاحظ فقد قال في محكى كلامه :
الجزء الثاني عشر من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة
وربما رأيت بعض من بطن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتمييز وهو من العامة ويظن أنه من الخاصة يزعم أن معاوية كان أبعد غوراً وأصح فكراً وأجود روية وأبعد غاية وأدق مسلكاً، وليس الأمر كذلك وساري إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه والمكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله.
كان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يستعمل في حربه إلا ما وافق الكتاب والسنة.
وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة كما يستعمل الكتاب والسنّة ويستعمل جميع المكائد حلالها وحرامها، ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى وخاقان إذا لاقى رتبيل.
وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : لا تبدوا بالقتال حتى يبدؤكم، ولا تتبعوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تفتحوا باباً مغلقاً، وهذه سيرته في ذي الكلاع وفي أبي أعور السلّمي وفي عمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة وفي جميع الرؤساء كسيرته في الحاشية والحشو والأتباع والسفلة (1).
وأصحاب الحروب إن قدروا على البينات تبينوا، وإن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا، وإن أمكن ذلك في طرفة عين، ولم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق، وإن أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار، ولم يدعوا أن ينصبوا المجانيق والعراوات والنقب والشريب والدبابات والكمين ولم يدعوا دس السموم ولا التضريب بين الناس بالكذب وطرح الكتب في عساكرهم بالسعايات وتوهيم الأمور وإيحاش بعضهم من بعض، وقتلهم بكل آلة وحيلة كيف وقع القتل وكيف دارت بهم الحال.
فمن اقتصر من التدبير حفظك الله على ما في الكتاب والسنّة وكان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير وما لا يتناهى من المكائد، والكذب أكثر من الصدق، والحرام أكثر عدداً من الحلال، وكذلك الإيمان والكفر والطاعة والمعصية والحق والباطل، وكذلك الصحة والسقم والصواب والخطأ
فعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان ملجماً بالورع عن جميع القول إلا ما هو الله عزّ وجل رضيّ وممنوع اليدين عن كل بطش إلا ما هو الله رضي، ولا يرى الرضاء إلا فيما يرضاه الله ويحبه و ولا يرى الرضاء إلا فيما دل عليه الكتاب والسنّة دون ما يقول عليه أصحاب الدهاء والنكراء
1) الكافي 7/5، ودعائم الإسلام 394/1.
والمكائد والآراء.
فلما أبصرت العوام كثرة بوادر معاوية في المكائد وكثرة غرائبه في الخداع، وما أنفق له وتهيّا على يده، ولم يروا ذلك من علي ظنوا بقصر عقولهم أن ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند علي فقالوا : لو لم ما يُعدّ له من الخدع إلا رفع المصاحف.
ثم انظر هل خدع بها إلا من عصى رأي علي وخالف أمره؟، فإن زعمت أنه قد نال من أراد من الاختلاف فقد صدقت وليس في هذا اختلفنا ولا عن غرارة أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعجلتهم وتسرّعهم وتنازعهم دفعنا وإنما كان قولنا في التمييز بينهما في الدهاء والنكراء وصحة الرأي والعقل.
على أنا لا نصف الصالحين بالدهاء والنكراء، ولا يقول أحد عنده شيء من الخير كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أدهى العرب والعجم، وأنكر قريش وأنكر كنانة.
لأن هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الإرب ومن يتعمق في الرأي في تأكيد أمر الدنيا وزبرجها وتشديد أركانها
فأما أصحاب الآخرة الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر، وإنما يصلحون على تدبير خالق البشر لا يمدحون بالدهاء والنكراء، ولم يمنعوا إلا ليعطوا أفضل منه.
وأما الشارح المعتزلي فقد قال :
إن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره، سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة بمقتضى ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوسق حاله.
وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مقيداً بقيود الشريعة، مدفوعاً إلى اتباعها ورفض ما يصلح من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقاً، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك.
ولسنا زارين بهذا القول على عمر بن الخطاب، ولكنه كان مجتهداً يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء وبالاستنباط من أصول يقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص، ويكيد خصمه، ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة، ويؤدّب بالدرة والسوط من يتغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب، كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤديه إليه نظره
ولم يكن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى ذلك، وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها
إلى الاجتهاد والأقيسة، ويطبّق أمور الدنيا على أمور الدين ويسوق الكل مساقاً واحداً، ولا يضع ولا يرفع إلا بالكتاب والنص، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة.
وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة، وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثير الحلم والصفح والتجاوز فازدادت خلافة ذلك قوة، وخلافة هذا ليناً.
ولم يمنّ عمر بما مني عليّ به من فتنة عثمان التي أحوجته إلى مداراة أصحابه وجنده ومقاربتهم للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة.
ثم تلى تلك الفتنة فتنة الجمل وفتنة صفّين ثم فتنة النهروان وكل تلك الأمور مؤثرة في اضطراب أمر الوالي وإغلال معاقد ملكه، ولم يتفق لعمر شيء من ذلك، فشتّان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة وصحة تدبير الخلافة.
فإن قلت : فما قولك في سياسة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتدبيره؟ أليس كان منتظماً سديداً مع أنه كان لا يعمل إلا بالنصوص والتوقيف من الوحي، فهلا كان تدبير علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسياسته كذلك؟.
قلت: أما سياسة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتدبيره وتدبيره فخارج عما نحن فيه، لأنه معصوم لا تتطرق العلة إلى أفعاله، وليس بواحد من هذين الرجلين بواجب العصمة عندنا - إلى أن قال -:
وكان أبو جعفر بن أبي زيد الحسني نقيب البصرة إذا حدّثناه في هذا يقول : إنه لا فرق عند من قرأ السير بين سيرة النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وسياسة أصحابه أيام حياته وبين سيرة أمير المؤمنين وسياسة أصحابه أيام حياته، فكما أن علياً لو لم يزل أمره مضطرباً معهم بالمخالفة والعصيان والهرب إلى أعدائه وكثرة اختلافه والحروب، فكذلك كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ممنواً بنفاق المنافقين وأذاهم وخلاف أصحابه عليه وهرب بعضهم إلى أعدائه وكثرة الحروب والفتن.
وكان يقول : ألست ترى القرآن العزيز مملوءاً بذكر المنافقين والشكوى منهم والتألم من
أذاهم له؟ كما أن كلام علي مملوء بالشكوى من منافقي أصحابه والتألم من أذاهم له.
ثم ذكر كثيراً من الآيات المتضمنة لنفاق المنافقين والشكوى منهم لا حاجة بنا إلى ذكرها ثم قال :
فمن تأمل كتاب العزيز علم حاله صلوات الله عليه مع أصحابه كيف كانت ولم ينقله الله إلى جواره إلا وهو مع المنافقين له والمظهرين خلاف ما يضمرون من تصديقه في جهاد شديد، حتى لقد كاشفوه مراراً فقال لهم يوم الحديبية: «احلقوا وانحروا» فلم يحلقوا ولم ينحروا ولم يتحرك أحد منهم عند قوله وقال له بعضهم وهو يقسّم الغنائم : اعدل يا محمد
فإنك لم تعدل، وقالت الأنصار له مواجهة يوم حنين: أتأخذ ما أفشاه الله علينا بسيوفنا فتدفعه إلى أقاربك من أهل مكة، حتى أفضى إلى أن قال لهم في مرض موته : ائتوني بدواة كتف أكتب لكم ما لا تضلون بعده فعصوه ولم يأتوه بذلك، وليتهم اقتصروا على عصيانه ولم يقولوا له ما قالوا وهو يسمع (1)قال:
وكان أبو جعفر يقول من هذا ما يطول شرحه والقليل منه ينبيء عن الكثير وكان يقول :
إن الإسلام ما جلا عندهم ولا ثبت في قلوبهم إلا بعد موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين فتح عليهم الفتوح وجاءتهم الغنائم والأموال وكثرت عليهم المكاسب وذاقوا لذة الحياة وعرفوا لذة الدنيا ولبسوا الناعم وأكلوا الطيب وتمتعوا بنساء الروم وملكوا خزائن كسرى، وتبدلوا بذلك التقشف واللبس الخشن وأكل الضباب والقنافذ واليرابيع ولبس الصوف والكرابيس وأكل اللوزينجات والفالوزجات ولبس الحرير والديباج، فاستدلوا بما فتحه الله عليهم وأتاحه لهم على صحة الدعوة وصدق الرسالة.
وقد كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعدهم بأنه سيفتح عليهم كنوز كسرى وقيصر، فلما وجدوا الأمر قد وقع بموجب ما قاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عظموه وأحبوه وانقلبت تلك الشكوى وذلك النفاق وذلك الاستهزاء إيماناً ويقيناً وإخلاصاً، وطاب لهم العيش، وتمسكوا بالدين لأنهم رأوه طريقاً إلى نيل الدنيا فعظموا ناموسه، وبالغوا في إجلاله وإجلال الرسول الذي جاء به.
ثم انقرض الأسلاف وجاء الأخلاف على عقيدة ممهدة وأمر أخذوه تقليداً من أسلافهم الذين دبّوا في حجورهم، ثم انقرض ذلك القرن وجاء من بعدهم كذلك وهلم جراً، قال :
ولولا الفتوح والنصر والظفر الذي منحهم الله تعالى إياه والدولة التي ساقها إليهم لانقرض دين الإسلام بعد وفاة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان يذكر في التواريخ كما يذكر نبوة خالد بن سنان العنسي حيث ظهر ودعا إلى الدين وكان الناس يعجبون من ذلك ويتذاكرونه كما يعجبون ويتذاكرون أخبار من نبغ من الرؤساء والملوك والدعاة الذين انقرض أمرهم وبقيت أخبارهم، وكان يقول :
من تأمل الرجلين وجدهما متشابهين في جميع أمورهما أو في أكثرها.
وذلك لأن حرب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع المشركين كانت سجالاً انتصر يوم بدر وانتصر المشركون عليه يوم أحد، وكان يوم الخندق كفافاً خرج هو وهم سواء لا له ولا عليه لأنهم
1) مكاتيب الرسول 611/1.
قتلوا رئيس الأوس وهو سعد بن معاذ وقتل منهم فارس قريش وهو عمرو بن عبدود وانصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك الساعة التي كانت ثم حارب قريشاً بعدها يوم الفتح فكان الظفر له.
وهكذا كانت حروب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، انتصر يوم الجمل وخرج بينه وبين معاوية على سواء قتل من أصحابه رؤساء ومن أصحابه رؤساء، وانصرف كل واحد من الفريقين عن صاحبه بعد الحرب على مكانه، ثم حارب بعد صفين أهل النهروان فكان الظفر له، قال:
ومن العجب أن أول حروب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانت بدراً وكان هو المنصور.
ثم كان من صحيفة الصلح والحكومة يوم صفين نظير ما كان من صحيفة الصلح والهدنة يوم الحديبية.
ثم دعا معاوية في آخر أيام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى نفسه وتسمّى بالخلافة كما أن مسيلمة والأسود العنسي دعوا إلى أنفسهما في آخر أيام رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وتسميا بالنبوة، واشتد على علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك كما اشتد على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمر الأسود ومسيلمة، وبطل أمرهما بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكذلك بطل أمر معاوية وبني أمية بعد وفاة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ولم يحارب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحد من العرب إلا قريش ما عدا يوم حنين، ولم يحارب علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد من العرب إلا قريش يوم النهروان.
ومات علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهيداً بالسيف، ومات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهيداً بالسم.
وهذا لم يتزوج على خديجة أم أولاده حتى ماتت وهذا لم يتزوج على فاطمة أم أشرف أولاده حتى ماتت.
مات رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن ثلاث وستين سنة ومات علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مثلها وكان يقول : انظروا إلى أخلاقهما وخصائصهما.
هذا شجاع وهذا شجاع، وهذا فصيح وهذا فصيح وهذا سخي جواد وهذا سخي جواد، وهذا عالم بالشرائع والأمور الإلهية وهذا عالم بالفقه والشريعة والأمور الدقيقة الغامضة، وهذا زاهد في الدنيا غير نهم عليها ولا مستكثر منها، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها وهذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة وهذا مثله، وهذا غير محب إليه شيء من الأمور العاجلة إلا النساء وهذا مثله وهذا ابن ابن عبد المطلب بن هاشم وهذا في تعداده، وأبوهما أخوان لأب واحد دون غيرهما من بني عبد المطلب وربّى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حجر والده هذا وهو أبو طالب فكان عنده جارياً مجري أحد أولاده، ثم لما شب وكبر
استخلص من بني أبي طالب وهو غلام فربّاه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به فامتزج الخلقان وتماثلت السجيتان، وإذا كان القرين مقتدياً بالقرين فما ظنك بالتربية والتثقيف الدهر الطويل؟.
فوجب أن تكون أخلاق محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كأخلاق أبي طالب وأن تكون أخلاق علي كأخلاق أبي طالب أبيه وأخلاق محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مربّيه وأن يكون الكل شيمة واحدة وسوساً واحداً وطينة مشتركة ونفساً غير منقسمة ولا متجزئة، وأن لا يكون بين بعض هؤلاء وبعض فرق ولا فضل لولا أن الله اختص محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) برسالته واصطفاه لوحيه لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك، فامتاز رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله : «أخصك بالنبوة فلا نبوة بعدي»، وتخصم الناس بسبع و قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيضاً : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، فأبان نفسه بالنبوة وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركاً بينهما (1).
قال الشارح المعتزلي :
وكان النقيب أبو جعفر غزير العلم صحيح العقل منصفاً بالجدل غير متعصب للمذهب وإن كان علوياً، وكان يعترف بفضائل الصحابة ويثني على الشيخين ويقول : إنهما مهدا دين الإسلام وأرسيا قواعده ولقد كان شديد الاضطراب في حياة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنما مهداه بما تيسر للعرب من الفتوح والغنائم في دولتهما وكان يقول في عثمان : «إن الدولة في أيامه كانت على إقبالها وعلوّ جدها بل كانت الفتوح في أيامه أكثر والغنائم أعظم لولا أنه لم يراع ناموس الشيخين ولم يستطع أن يسلك مسلكهما وكان مضعفاً في أصل القاعدة مغلوباً عليه وكثير الحب لأهله»، وأتيح له من مروان وزير سوء ما أفسد القلوب عليه وحمل الناس على خلعه وقتله (2).
قال الشارح: وكان أبو جعفر لا يجحد الفاضل فضله والحديث شجون، قلت له مرة:
ما سبب حب الناس لعلي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعشقهم له وتهالكهم في هواه؟ ودعني في الجواب من حديث الشجاعة والعلم والفصاحة وغير ذلك من الخصائص التي رزقه الله سبحانه الكثير الطيب منها.
فضحك وقال لي : لم تجمع جراميزك علي ؟ ثم قال لههنا مقدمة ينبغي أن تعلم وهي:
إن أكثر الناس موتورون من الدنيا أما المستحقون فلا ريب في أن أكثرهم محرومون.
نحو عالم يرى أنه لا حظ له من الدنيا، ويرى جاهلاً غيره مرزوقاً موسعاً عليه.
وشجاع قد أبلى في الحرب وانتفع بموضعه ليس له عطاء يكفيه ويقوم بضروراته، ويرى غيره وهو جبان فشل ينفر من ظلمه مالكاً بقطر عظيم من الدنيا وقطعة وافرة من المال والرزق.
وعاقل سديد الرأي صحيح العقل قد قدّر عليه رزقه وهو يرى غيره أحمق مائقاً تدّر عليه الخيرات له أخلاف الرزق.
وذي دين قويم وعبادة حسنة وإخلاص وتوحيد وهو محروم ضيق الرزق ويرى غيره يهودياً أو نصرانياً أو زنديقاً كثير المال حسن الحال حتى أن هذه الطبقات المستحقة يحتاجون في أكثر الوقت إلى الطبقات التي لا استحقاق لها وتدعوهم الضرورة إلى الذل لهم والخضوع بين أيديهم إما لدفع ضرر أو لاستجلاب نفع.
ودون هذه الطبقات من ذوي الاستحقاق أيضاً ما يشاهد عياناً من تجار حاذق أو بناء عالم أو نقاش بارع أو مصور لطيف على غاية ما يكون من ضيق رزقهم وقلة الحيلة بهم، ويرى غيرهم ممن ليس يجري مجراهم ولا يلحق طبقتهم مرزوقاً مرغوباً كثير المكسب طيب العيش واسع الرزق.
فهذا حال ذوي الاستحقاق والاستعداد.
وأما الذين ليسوا من أهل الفضائل كحثو العامة فإنهم أيضاً لا يخلون من الحقد على الدنيا والذم لها والحنق والغيظ منها، لما يلحقهم من حسد أمثالهم وجيرانهم ولا نرى أحداً منهم قانعاً بعيشه ولا راضياً بحاله يتزيد ويطلب حالاً فوق حاله قال :
فإذا عرفت هذه المقدمة فمعلوم أن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مستحقاً محروماً بل هو أمير المستحقين المحرومين وسيدهم وكبيرهم ومعلوم أن الذين تلحقهم النزلة وينالهم الضيم يتعصب بعضهم لبعض ويكونون الباً ويداً واحدة على المرزوقين الذين ظفروا بالدنيا لاشتراكهم في الأمر الذي ألمهم وساءهم وعضهم ومضهم، واشتراكهم في الأنفة والحمية والغضب والمنافسة لمن عليهم وقهر عليهم وبلغ من الدنيا ما لم يبلغوه.
فإذا كان هؤلاء - أعني المحرومين - متساوين في المنزلة والمرتبة وتعصب بعضهم لبعض فما ظنك بما إذا كان رجل عظيم القدر، جليل الخطر كامل الشرف، جامع للفضائل، محتو على الخصائص والمناقب، وهو مع ذلك محروم محدود قد جرعته الدنيا
علاقمها، وعللته عللاً بعد نهل من صباتها وصبرها ولقي منها برحاً بارحاً وجهداً جهيداً وعلا عليه من هو دونه وحكم فيه وفي بيته وأهله ورهطه من لم يكن ما ناله من الإمرة والسلطان في حسابه ولا دائراً في خلده، ولا خاطراً بباله ولا كان أحد من الناس يرتقب ذلك له ولا يراه في الأمران قتل هذا الرجل الجليل في محرابه وقتل بنوه بعده وسبى حريمه ونساؤه وتتبع أهله وبنو عمه بالطرد والقتل والتشريد والشجون مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وسخائهم وانتفاع الخلق بهم.
فهل يمكن أن لا يتعصب البشر كلهم مع هذا الشخص وهل تستطيع أن لا تحبه وتهواه وتذوب فيه وتفنى في عشقه انتصاراً له وحميّة من أجله وأنفة مما ناله وامتعاضاً مما جرى عليه ؟.
وهذا أمر مركوز في الطبائع، مخلوق في الغرائز، كما يشاهد الناس على الجرف إنساناً قد وقع في الماء العميق وهو لا يحسن السباحة فإنهم بالطبع البشري يرقون عليه رقة شديدة.
وقد بلغني أنه رمى قوم قوم منهم أنفسهم في الماء نحوه يطلبون تخليصه لا يتوقعون على ذلك مجازاة منه بمال أو شكر ولا ثواب في الآخرة فقد يكون منهم من لا يعتقد أمر الآخرة، ولكنها رقة بشرية وكان الواحد منهم يتخيل في نفسه أنه ذلك الغريق فكما يطلب خلاص نفسه لو كان بهذا الغريق كذلك يطلب تخليص من هو في تلك الحال الصعبة للمشاركة الجنسية.
وكذلك لو أن ملكاً ظلم أهل بلد من بلاده ظلماً عنيفاً لكان أهل ذلك البلد يتعصب بعضهم لبعض في الانتصار من ذلك الملك والاستعداء عليه.
فلو كان من جملتهم رجل عظيم القدر، جليل الشأن قد ظلمه الملك أكثر من ظلمه إياهم وأخذ أمواله وضياعه وقتل أولاده وأهله كان ليازهم به وانضوائهم إليه واجتماعهم والتفافهم به أعظم وأعظم، لأن الطبيعة البشرية تدعو إلى ذلك على سبيل الإيجاب والاضطرار ولا يستطيع الإنسان منه امتناعاً.
قال الشارح : هذا محصول في قول النقيب أبي جعفر قد حكيته والألفاظ لي والمعنى له، وكان لا يعتقد في الصحابة ما يعتقده أكثر الإمامية فيهم ويسفه رأي من يذهب فيهم إلى النفاق والتكفير وكان يقول : حكمهم حكم مسلم مؤمن عصى في بعض الأفعال فحكمه إلى الله إن شاء أخذه، وإن شاء غفر له.
قلت له مرة أفتقول إنهما من أهل الجنة؟
فقال : إي والله أعتقد ذلك لأنهما إما أن يعفو الله عنهما إبتداء أو بشفاعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو بشفاعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو يؤاخذهم بعقاب أو عتاب ثم ينقلهما إلى الجنة، لا أستريب في ذلك
أصلاً ولا شك في إيمانهما برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وصحة عقيدتهما.
فقلت له : فعثمان؟
قال: وكذلك عثمان، ثم قال: رحم الله عثمان وهل كان إلا واحداً منا وغصناً من شجرة عبد مناف، ولكن أهله كروه علينا وأوقعوا العداوة والبغضاء بينه وبيننا.
قلت له : فيلزم ذلك على ما تراه في أمر هؤلاء أن يجوز دخول معاوية الجنة لأنه لم تكن منه إلا المخالفة وترك امتثال أمر النبوة؟
فقال : كلا إن معاوية من أهل النار لا لمخالفته علياً ولا بمحاربته إياه، ولكن عقيدته لم تكن صحيحة ولا إيمانه حقاً، كان من رؤوس المنافقين هو وأبوه، ولم يسلم قلبه قط وإنما أسلم لسانه، وكان يتذكر من حديث معاوية من فلتات قوله وما حفظ من كلام يقتضي فساد العقيدة شيئاً كثيراً ليس هنا موضع ذكره فأذكره.
وقال لي مرة : حاشى الله أن يثبت معاوية في جريدة الشيخين الفاضلين أبي بكر وعمر والله ما هما إلا كالذهب الإبريز ولا معاوية إلا كالدرهم الزائف، أو قال كالدرهم القمي.
ثم قال لي : فما يقول أصحابكم فيهما؟
قلت: أما الذي استقر عليه رأي المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره : إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أفضل الجماعة، وإنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها وإنه لم يكن هناك نص قاطع العذر، وإنما كانت إشارة وإيماء لا يتضمن شيء منها صريح النص، وإن علياً نازع ثم بايع، وجمح ثم أسحب، ولو قام على الامتناع لم نقل بصحة البيعة له ولا بلزومها، ولو جرّد السيف كما جرّده في آخر الأمر لقلنا بفسق كل من خالفه على الإطلاق إنه فاسق كافر، ولكن رضى بالبيعة أخيراً ودخل في الطاعة، وبالجملة أصحابنا يقولون : إن الأمر كان له وكان هو المستحق والمتعين فإن شاء أخذه بنفسه وإن شاء ولاه غيره، فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره اتبعناه ورضيناه.
فقال : قد بقي بيني وبينكم قليل أنا أذهب إلى النص وأنتم لا تذهبون إليه؟
فقلت : إنه لم يثبت النص عندنا بطريق يوجب العلم، وما تذكرونه أنتم صريحاً، فأنتم تنفردون بنقله، وما عدا ذلك من الأخبار التي نشارككم فيها فلها تأويلات معلومة.
فقال وهو ضجر يا فلان لو فتحنا باب التأويلات لجاز أن نتأوّل قولنا : لا إله إلا الله محمد رسول الله دعني من التأويلات الباردة التي تعلم القلوب والنفوس أنها غير مرادة وأن المتكلمين تكلفوها وتعسفوها فإنما أنا وأنت في الدار ولا ثالث لنا فيستحيي أحدنا من
صاحبه أو يخافه.
قال الشارح فلما بلغنا إلى هذا الموضع دخل قوم ممن كان يخشاه فتركنا ذلك الأسلوب من الحديث وخضنا في غيره انتهى (1).
قال الشارح المحتاج إلى رحمة رب العالمين المتمسك بحبل الله المتين ولاية أمير المؤمنين :
لله در الشارح المعتزلي والنقيب أبي جعفر الحسني، فلقد أجاد كل منهما فيما أفاد وأسفرا النقاب عن وجه المراد وحققا ما هو الحق الأحق بالإتباع، وأفصحا عن صريح مذهب الشيعة الإمامية رضي الله عنهم لولا إنكار الأول للنص الجلي، وتعصب الثاني في حق الشيخين وقوله بأنهما من أهل الجنة بشفاعة الرسول (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أو بشفاعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبعبارة أخرى عدم تبريه من الشيخين مع توليه لأمير المؤمنين.
فإن كان ما قالاه مقتضى التقية التي هي شعار الإمامية أي يكون ما أضمراه خلاف ما اظهراه، فطوبى لهم وحسن مآب وجنات خلد مفتحة الأبواب.
وإن كان سريرتهما وفق علانيتهما فويل لهما من ديان الدين يوم حشر الأولين والآخرين.
وما أدري ماذا يعتذران به إذا لاقيا أمير المؤمنين في موقف حساب رب العالمين وكيف يمكن إنكار النص مع وجود النصوص القاطعة المتواترة العامية والخاصية حسبما عرفت في تضاعيف الشرح وتعرف أيضاً في المواقع اللائقة أم كيف يمكن اجتماع ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومحبته في القلب محبته في القلب مع محبة الشيخين وما جعل الله لرجل في جوفه من
قلبين ولنعم ما قال مجنون العامري:
ولو كان لي قلب يذوب بحبها***وقلب بأخرى أنها لقلوب
وقد تقدم في شرح الخطبة المائة والسابعة والأربعين أخبار كثيرة في عدم اجتماع محبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع محبة غيره فليتذكر هذا.
مضافاً إلى النص الذي هو مسلّم النقيب كما أنه مثبت لخلافة أمير المؤمنين ناف الخلافة المنتحلين المبطلين وبالجملة لازمة الولاية الحقة الثبات في عداوة الثلاثة.
وهنا لطيفة مناسبة للمقام يعجبني ذكرها وهو :
1) شرح النهج : 227/10.
أن الشيخ صالح بن حسن سأل عن الشيخ الأجل بهاء الملة والدين قدّس الله روحه، وقال: ما قول سيدي وسندي في هذه الأبيات لبعض النواصب فالمأمول أن تشرفوا بجواب منظوم يكسر سورته :
أهوى علياً أمير المؤمنين ولا***أرضى بسب أبي بكر ولا عمرا
ولا أقول إذا لم يعطيا فدكاً***بنت النبي رسول الله قد كفروا
الله به علم ماذا يأتيان به***يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا
فأجابه الشيخ قدس سره العزيز التمست أيها الأخ الأفضل الصفي الوفي أطال الله بقاك وأدام في معارج العزّ ارتقاك الإجابة عما هذر به هذا المخذول، فقابلت التماسك بالقبول، وطفقت أقول :
يا أيها المدعي حب الوصي ولم****تسمح بسب أبي بكر ولا عمرا
كذبت والله في دعوى محبته***تبت يداك ستصلى في غد سقرا
فكيف تهوى أمير المؤمنين وقد***أراك في سبّ من عاداه مفتكرا
فإن تكن صادقاً فيما نطقت به***فابرأ إلى الله ممن خان أو غدرا
وأنكر النص في خم وبيعته***وقال إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد هجرا
أتيت تبغي قيام العذر في فدك***أتحسب الأمر في التمويه مستترا
إن كان في غصب حق الطهر فاطمة***سيقبل العذر ممن جاء معتذرا
فكلّ ذنب له عذر غداة غد***وكل ظلم ترى في الحشر مغتفرا
فلا تقولوا لمن أيامه صرفت***في سبّ شيخيكم قد ضل أو كفرا
بل سامحوه وقولوا لا نؤاخذه***عسی يكون له عذر إذا اعتذرا
فكيف والعذر مثل الشمس إذ بزغت***والأمر متضح كالصبح إذ ظهرا
لكن إبليس أغواكم وصيّركم***عمياً وصماً فلا سمعاً ولا بصرا(1)
1) اللمعة البيضاء: 743.
میفرماید: قسم به خدا نیست معاويه زيرك تر از من در تدبیر امورات دنیویه ولكن آن ملعون مکر و حیله میکند و مرتکب فسق و فجور میشود و اگر حیله کردن حرام نمی شد هر آینه میبودم من از زيرك ترین خلق ولكن هر حیله کننده، فاسق و فاجر است و هر فاسق و فاجر، کافر و هر صاحب حیله را علمی است، شناخته می شود با او در روز قیامت به خدا سوگند طلب نمی شود غفلت از من به جهت کید و حیله و طمع نمیشود در ضعف من به جهت شداید و سختی های روزگار.
«أَيُّها النَّاسُ لا تَسْتَوْحِشُوا في طَرِيقِ الهُدى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى مائِدَةٍ شَبِعُها قَصِيرٌ، وَجُوعُها طويلٌ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما يَجْمَعُ النَّاسَ الرّضا والسَّخَط، وإِنَّما عَقَرَ ناقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ الله بِالعَذَابِ لَمّا عَمُوهُ بِالرِّضا، فَقالَ سُبْحانَهُ : (فَعَقَرُهَا فَأَصْبَحُوا نادمين) [الشعراء: 157] فَمَا كَانَ إِلا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالخَسْفَةِ خُوارَ السِّكَّةِ المُحْمَاةِ في الأَرْضِ الخَوّارَةِ، أَيُّها النَّاسُ مَنْ سَلَكَ الطَّريق الواضِحَ وَرَدَ الماءَ، وَمَنْ خالَفَ وَقَعَ في التّية».
قال الأزهري: (العقر) عند العرب قطع عرقوب الناقة ثم جعل النحر عقراً لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره و (الخوار) بالضم صوت البقر والغنم والسهم والخور المنخفض من الأرض، والأرض الخوّارة الكثيرة الخوار و (خسف) المكان غار في الأرض وخسفه الله يتعدّى ولا يتعدّى و (السكة) بالكسر حديدة الفدان التي تثير بها الأرض و (حميت) الحديدة تحمي من باب تعب فهي حامية إذا اشتدّ حرّها بالنار ويعدّى بالهمزة فيقال: أحميتها فهي محماة و (التيه) بكسر (التاء) المفازة التي لا علامة فيها يهتدى بها وتاه الإنسان في المفازة يتيه ضل عن الطريق.
ثمود بالفتحة قبيلة من العرب الأولى، وهم قوم صالح، وصالح من ولد ثمود سمّوا بإسم أبيهم الأكبر ثمود بن عائر بن ارم بن سام بن نوح يصرف ولا يصرف فمن جعله إسم حي أو واد صرفه لأنه حينئذ مذكر، ومن جعله إسم قبيلة أو أرض لم يصرفه للتأنيث والعلمية، وأرض ثمود قريبة من تبوك، ولما عموه في بعض النسخ بتشديد الميم فتكون ظرفية بمعنى (إذ)، وفي بعضها بكسر (اللام) وتخفيف (الميم) فتكون (ما) مصدرية، وقوله : فأصبحوا نادمين إن (كان) أصبحت ناقصة بمعنى صار (فنادمين) خبرها، وإن كانت تامة بمعنى الدخول في وقت الصباح فهو حال من فاعلها ويؤيد الثاني قوله تعالى في سورة الحجر : (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [3]، وكذا قوله : فما كان يحتمل أن تكون (كان) ناقصة واسمها مضمر فيها، أي ما كان الانتقام منهم، وتامة بمعنى وقع.
إعلم أن الغرض من هذا الكلام ترغيب أصحابه على الثبات على ما كانوا عليه من سلوك سبيل الحق ولما كانت العادة جارية بأن يستوحش الناس من الوحدة وقلة الرفيق في الطريق، لا سيما إذا كان طويلاً صعباً غير مأنوس، فنهى عن الاستيحاش في تلك الطريق وقال :
(أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله) وكني به عما عساه يعرض لبعضهم من الوسوسة بأنهم ليسوا على الحق لقلتهم وكثرة مخالفيهم، وأيضاً قلة العدد في الطرق الحسية مظنة الهلاك والسلامة مع الكثرة، فنبههم (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أنهم في طريق الهدى والسلامة وإن كانوا قليلين وأن طرق الآخرة لا تقاس بطرق الدنيا.
ثم نبه على قلة أهل الهدى بأن أغلب الناس مفتونون بحبها الصارف لهم عن طريق الهدى إلى طريق الردى فقال :
(فإن الناس اجتمعوا على مائدة) استعارها للدنيا والجامع كونهما مجتمع اللذات وتفرعها بأن (شبعها قصير وجوعها طويل) وكنى بقصر شبعها عن قصر مدتها وبطول جوعها عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل في الآخرة.
قال الشارح البحراني : لفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت إلى المطاعم الحقيقية الباقية من الكمالات النفسانية الفانية بسبب الغفلة في الدنيا، فلذلك نسب الجوع إليها.
وكيف كان ففيه تنفير للمخاطبين من الاجتماع على تلك المائدة مع المجتمعين عليها من أهل الدنيا وحت لهم على الاجتماع على مائدة شبعها طويل وجوعها قصير مع المجتمعين عليها من أهل الآخرة.
وإنما يحصل ذلك بسلوك صراطهم المستقيم المؤدي إلى جنة النعيم عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين أولئك لهم رزق معلوم، فواكه وهم مكرمون على سرر متقابلين، يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون هذا.
أما قلّة أهل الهدى فقد أشير إليها في كثير من آيات الكتاب العزيز وفي أخبار أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد مدح الله القليل وذم الكثير في كثير من آي التنزيل، قال تعالى: وَقلِيلٌ مِّن عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبا : 34]، وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) [ص: 24]، وقال: وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا
قَلِيلٌ [هود : 40]، وقال : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [العنكبوت: 63]، وقال : ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [الأعراف: 95].)والغرض منها رفع ما يسبق إلى الأوهام العامية من أن الكثرة دليل الحقية والقلة دليل البطلان، ولذا يميل أكثر الناس إلى السواد الأعظم من أن في أن في أعصار جميع الأنبياء كان أعداؤهم أضعاف أضعاف أتباعهم وأوليائهم.روى في (البحار من (الكافي) بإسناده عن سماعة بن مهران قال: قال لي عبد صالح (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا سماعة أمنوا على فرشهم وأخافوني أما والله لقد كانت الدنيا وما فيها إلا واحد يعبد الله ولو كان معه غيره لأضافه الله عزَّ وجل إليه حيث يقول: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل: 120]، فصبر بذلك ما شاء الله ثم أن الله آنسه بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة أما والله إن المؤمن لقليل وإن أهل الكفر كثير، أتدري لما ذلك؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك، فقال : صيروا أُنساً للمؤمنين يثبتون إليهم ما في صدورهم فيستريحون إلى ذلك ويسكنون إليه (1). قال المحدّث العلامة المجلسي بعد نقله: قوله: وأخافوني، أي بالإذاعة وترك التقية، والضمير في أمنوا راجع إلى المدعين للتشيع الذين لم يطيعوا أئمتهم في التقية وترك الإذاعة، وأشار بذلك إلى أنهم ليسوا بشيعة لنا، وقوله : وإن أهل الكفر كثير، المراد بالكفر هنا المقابل للإيمان الكامل كما قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم تُشْرِكُونَ [يوسف: 106]، وقوله : أتدري لم ذاك؟ أي قلة عدد المؤمنين مع أنهم بحسب الظاهر كثيرون أو لأن الله لم يجعل هؤلاء في صورة المؤمنين، والمعنى أن الله جعل هؤلاء المتشيّعة أنساً للمؤمنين لئلا يستوحشوا لقلتهم أو تكون علة لخروج هؤلاء عن الإيمان، فالمعنى أنه جعل المخالفين أنساً للمؤمنين فيبثون - أي المؤمنين إلى المخالفين - أسرار أئمتهم فبذلك خرجوا عن الإيمان.)ويؤيد الاحتمالات المتقدمة ما رواه علي بن جعفر قال: سمعت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُيقول : ليس كل من يقول بولايتنا مؤمناً ولكن جعلوا أنساً للمؤمنين.)وفي (البحار من (الكافي) عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): جعلت فداك ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ألا أحدثك بأعجب من ذلك؟ المهاجرون والأنصار إلا - وأشار بيده - ثلاثة (2)، فقلت : جعلت فداك، ما حال عمار؟ قال :)
رحم الله عماراً أبا اليقظان بايع ومات شهيداً، فقلت في نفسي : ما شيء أفضل من الشهادة، فنظر إليّ فقال : لعلك ترى أنه مثل الثلاثة أيهات أيهات (1.)وفيه من (الكافي عن قتيبة الأعشى قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : المؤمنة أعزّ من المؤمن والمؤمن أعزّ من الكبريت الأحمر، فمن رأى منكم الكبريت الأحمر؟ (2).)والأخبار في هذا المعنى كثيرة وفيما رويناه كفاية.وقوله : (أيها الناس إنما يجمع الناس الرضا والسخط أي يجمعهم في العذاب رضاهم بالمنكرات وفي الخلاص منه سخطهم لها، كما أنه يجمعهم في الثواب رضاهم بالصالحات وفي الحرمان منه سخطهم لها، لأن الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه، ويدل على ذلك أخبار كثيرة.)مثل ما في (الوسائل عن البرقي في (المحاسن) عن محمد بن مسلم قال: قال أمير المؤمنين : إنما يجمع الناس الرضا والسخط فمن رضى أمراً فقد دخل فيه ومن سخطه فقد خرج منه (3).)وفيه من (العيون والعلل بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال : قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا (عَلَيهِم السَّلَامُ): يا ابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إذا خرج القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قتل ذراري قتلة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفعال آبائها، فقال : هو كذلك، فقلت: قول الله عزّ وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164] ما معناه؟ قال : صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضى شيئاً كان كمن أتاه ولو أن رجلاً قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل بالمغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل، وإنما يقتلهم القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم (4). وفيه من (العيون والعلل) بهذا الإسناد عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له : لأيّ علّة أغرق الله عزّ وجل الدنيا كلها في زمن نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له ؟ فقال : ما كان فيهم الأطفال لأن الله عزّ وجل أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاماً فانقطع نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم ما كان الله ليهلك بعذابه من لا ذنب له، وأما الباقون من قوم
نوح فأغرقوا بتكذيبهم لنبي الله نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسائرهم أغرقوا برضاهم بتكذيب المكذبين، ومن غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده وأتاه (1).
وفيه عن العياشي في (تفسيره) عن محمد بن هاشم عمن حدّثه عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لما نزلت هذه الآية: قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران : 183] وقد علم أن قد قالوا : والله ما قتلنا ولا شهدنا، وإنما قيل لهم ابرأوا من قتلتهم، فأبوا (2).
وعن محمد بن الأرقط عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: تنزل الكوفة؟ قلت: نعم، قال: ترون قتلة الحسين بين أظهركم؟ قال: قلت: جعلت فداك ما بقي منهم أحد قال: فأنت إذا لا ترى القاتل إلا من قتل أو من ولي القتل، ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ من قبلي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، فأي رسول قتل الذي كان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بين أظهرهم ولم يكن بينه وبين عيسى رسول؟ وإنما رضوا قتل أولئك فسمّوا قاتلين، هذا (3).
ولما ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الناس يجمعهم الرضا والسخط استشهد عليه بقصة ثمود، فقال :
(وإنما عقر ناقة) الصالح التي جعلها الله آية قومه (ثمود رجل واحد) منهم أزرق أشقر، أحمر يقال له قدار بن سالف وكان ولد زنا ولم يكن ابن سالف وإنما ولد في بيته فانتسب إليه (فعمهم الله بالعذاب) وهي الصيحة والرجفة والصاعقة والزلزلة الشديدة (لما عموه بالرضا) أي أنزل العذاب على جميعهم لما كان الجميع راضين بذلك الفعل، أعني عقر الناقة (فقال تعالى) في سورة الشعراء (فعقروها) نسب العقر إلى جميعهم لما ذكر (فأصبحوا نادمين) على عقرها عند معاينة العذاب.
وفي سورة هود : (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِارِهِمْ جَاثمِينَ) [67]، وفي سورة الأعراف : (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) [78].
قال الطبرسي في تفسير هذه الآية الأخيرة أي الصيحة وقيل : الزلزلة هلكوا بها، وقيل الصاعقة وقيل: كانت صيحة زلزلت به الأرض وأصل الرجفة الحركة المزعجة الشديدة، وإنما قال: فأصبحوا جائمين لأن العذاب أخذهم عند الصباح، وقيل: أتتهم
الصيحة ليلاً فأصبحوا على هذه الصفة، والعرب تقول عند الأمر العظيم واسوء صباحاه.
أقول : ويؤيد الأول قوله تعالى في سورة الحجر: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ) [83] وستعرف تفصيل قصتهم وتمام الآية المذكورة في المتن في التذنيب الآتي إن شاء الله.
(فما كان) عقوبتهم بعد العقر (إلا أن) أخذتهم الرجفة و (خارت أرضهم بالخسفة) أي صوتت بسبب الخسف في الأرض (خوار السكة المحماة في الأرض الخوارة) أي مثل تصويت السكة المحدّدة التي هي أقوى صوتاً وأشد غوصاً في الأرض الصلبة الكثيرة الصوت فارية بالمحماة المحددة مجازاً بعلاقة ما كان لأنها تحمى في النار أولاً ثم تحدد أو بعلاقة الملازمة.
وأبقاه الشارح المعتزلي على معناه الحقيقي وقال : إنما جعلها محماة لأنه يكون أبلغ في ذهابها في الأرض، لأن السكة المحماة تخرق الأرض بشيئين: أحدهما تحدّد رأسها، والثاني حرارتها، فإن الجسم المحدد إذا اعتمد عليه في الأرض اقتضت الحرارة إعانة ذلك الطرف المحدد على النفوذ بتحليلها ما يلاقي من صلابته الأرض، لأن شأن الحرارة التحليل، فيكون غوص ذلك الجسم المحدد في الأرض أسهل انتهى.
وفيه أن الحديد عند التسخين ملين واللين يوجب ضعف النفوذ لا قوته كما هو ظاهر فكيف تكون الحرارة معينة على نفوذها.
ثم إنه فسر الخوارة باللينة وفسرها الشارح البحراني بالضعيفة، فيتوجه عليه أن الأرض اللينة الضعيفة وإن كان نفوذ السكة فيها أبلغ إلا أنها لا يكون لها صوت وإنما يخرج الصوت من اصطدام الحديد بالصلب من الأرض، ولذلك اشترطوا في خروج الصوت مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع هذا.
ولما افتتح كلامه بالنهي عن الاستيحاش في سلوك طريق الهدى، ختمه بالترغيب في سلوكه بالتنبيه على ما فيه من المنافع فقال :
(أيها الناس من سلك الطريق الواضح ورد الماء ومن خالف وقع في التّيه) وهو من قبيل إرسال المثل فإن سالك الجادة الوسطى يصل المنزل ويرد الماء، والآخذ باليمين والشمال يضل عنها ويقع في المفازة الخالية من الماء والكلاء ويهلك من العطش.
والمراد به أن ناهج المنهج القويم والصراط المستقيم يصل إلى جنات النعيم ويشرب من كوثر وتسنيم والتارك له صار إلى الجحيم، ووقع في العذاب الأليم والخزي العظيم نعوذ بالله من اتباع الهوى ومن الضلال بعد الهدى.
ما أوردته في شرح هذا الكلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) جرياً على مقتضى ظاهره المسوق سوق العموم، والذي يقتضيه النظر الدقيق أن نظره (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه إلى أمر الخلافة والحثّ على متابعته والتحذير والتنفير من متابعة أئمة الضلال
فيكون محصل المعنى على ذلك أمر المخاطبين بعدم الاستيحاش من متابعته ومن تخليص الإيمان بولايته لقلة المؤمنين وكثرة المنافقين لأن الناس المجتمعين على عوائد أئمة الضلال وموائدهم والمنتفعون من عطياتهم وجوائزهم لا سيما ما كان في زمن عثمان ومعاوية من خضم مال الله خضم الإبل نبتة الربيع قد اجتمعوا على مائدة فيها اللذة العاجلة القليلة، والنقمة الآجلة الكثيرة والشبع القصير، والجوع الطويل، وحدّرهم عن الرضا بفعل أئمة الضلال من الظلم في حقه مضافاً إلى البدع والمنكرات التي أحدثوها أن يعمهم العذاب ويحيط بهم كما أحاط بقوم ثمود من أجل رضاهم بما فعله واحد منهم من عقر ناقة الله والظلم في حقها.
ثم أكد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك، أي وجوب متابعته وحرمة مخالفته والعدول عنه إلى غيره بالتنبيه على أن سالك سبيل ولايته يشرب من الرحيق المختوم، والعادل عنه إلى غيره تاه في أودية الضلال، ويسقى من الضريع والزّقوم.
ومن ذلك علم حسن إقحام قصة ثمود في البين وارتباط أجزاء الكلام بعضها ببعض ويزيد ذلك وضوحاً :
ما رواه في (البحار) من الثعلبي بإسناد معروف عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يا علي أتدري من أشقى الأولين؟» قال قلت الله ورسوله أعلم قال : عاقر الناقة قال: «أتدري من أشقى الآخرين؟» قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: «قاتلك»، وفي رواية أخرى قال: «أشقى الآخرين من يخضب هذه من هذه» وأشار إلى لحيته ورأسه (1).
وفي (البحار) أيضاً من (قصص الأنبياء) عن الشحام عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث طويل قال : وإنما مثل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والقائم صلوات الله عليهما في هذه الأمة مثل صالح (عَلَيهِ السَّلَامُ)(2).
في تفصيل قصة صالح وثمود وكيفية عقر الناقة فأقول :
قد ذكر الله سبحانه هذه القصة في عدة سور من كتابه العزيز في بعضها إجمالاً وبعضها تفصيلاً وهي: سورة (الأعراف) و (هود) و (الحجر) و (الشعراء) و (النمل) و (السجدة) و (الذاريات) و (القمر) و (الحاقة) و (الفجر) و (الشمس) ونحن نورد الآيات المتضمنة لها في سورة (الشعراء) تبعاً للمتن ونعقيها بالأخبار الواردة في تلك القصة، قال تعالى :
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إلى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْئلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِنْ أَجْرِيَ أجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * اتتركونَ فِي مَا هَاهُنا امنينَ * فِي جَنَّتٍ وَعُيُونِ * وزروع وَنَخْلِ طَلْعُهَا هَضِيمُ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قالُوا إنّما أَنتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ * مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِءَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لهما شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ معْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَسَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [ 141 - 159 ].
روى الكليني في كتاب (الروضة من الكافي) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سأل جبرئيل : «كيف كان مهلك قوم صالح ؟» فقال : يا محمد إن صالحاً بعث إلى قومه وهو ابن ست عشرة سنة، فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومائة سنة لا يجيبونه إلى خير.
قال: وكان لهم سبعون صنماً يعبدونها من دون الله عزَّ ذكره، فلما رأى ذلك منهم :قال يا قوم بعثت إليكم وأنا ابن ست عشرة سنة وقد بلغت عشرين ومائة سنة وأنا أعرض عليكم أمرين إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما سألتموني الساعة، وإن شئتم سألت الهتكم فإن إجابتي بالذي أسألها خرجت عنكم فقد سئمتكم وسئمتموني.
قالوا : قد أنصفت يا صالح فاتعدو اليوم يخرجون فيه.
قال: فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم (1)ثم قربوا طعامهم وشرابهم فأكلوا وشربوا فلما أن فرغوا دعوه، فقالوا يا صالح سل، فدعا صالح كبير أصنامهم، فقال: ما إسم هذا؟ فأخبروه باسمه، فناداه باسمه فلم يجب، فقال صالح ما له لا يجيب؟ فقالوا له: ادع غيره.
1) ظهرهم: أي خارج بلدهم.
قال : فدعاها كلها فلم يجبه منها شيء، فقال : يا قوم قد ترون قد دعوت أصنامكم فلم يجبني واحد منهم فاسألوني حتى أدعو إلهي فيجيبكم الساعة، فأقبلوا على أصنامهم فقالوا لها : ما بالكن لا تجبن صالحاً فلم تجب فقالوا: يا صالح تنحّ عنا ودعنا وأصنامنا قليلاً.
قال فرموا بتلك البسط التي بسطوها بتلك الآنية ونحوا الثياب وتمرغوا في التراب وطرحوا التراب على رؤوسهم وقالوا لها : لئن لم تجبن صالحاً لنفضحن، ثم دعوه فقالوا : يا صالح تعال فاسألها، فعاد فسألها فلم تجبه، فقال لهم : يا قوم قد ذهب صدر النهار ولا أرى الهتكم تجيبني فاسألوني حتى أدعو إلهي فيجيبكم الساعة.
فانتدب له منهم سبعون رجلاً من كبرائهم وعظمائهم والمنظور إليهم منهم، فقالوا يا صالح نحن نسألك فإن أجابنا ربك تبعناك وأجبناك وبايعك جميع أهل قريتنا فقال لهم : سلوني ما شئتم فقالوا : تقدم بنا إلى هذا الجبل وكان الجبل قريباً، فانطلق معهم صالح فلما انتهوا إلى الجبل قالوا يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا من هذا الجبل الساعة ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء بين جنبيها ميل فقال لهم :صالح قد سألتموني شيئاً يعظم علي ويهون على ربي جل وعز وتعالى.
قال : فسأل الله تبارك وتعالى صالح ذلك فانصدع الجبل صدعاً كادت تطير منه عقولهم لما سمعوا ذلك، ثم اضطرب الجبل اضطراباً شديداً كالمرأة إذا أخذها المخاض، ثم لم يفجاهم (1)إلا ورأسها قد طلع عليهم من ذلك الصدع، فما استتمت رقبتها حتى اجترت ثم خرج سائر جسدها ثم استوت قائمة على الأرض.
فلما رأوا ذلك قالوا: يا صالح ما أسرع ما أجابك ربك، ادع لنا يخرج لنا فصيلها.
فسأل الله عزّ وجل ذلك، فرمت به، فدبّ حولها فقال لهم: يا قوم أبقي شيء؟ قالوا : لا، انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا ويؤمنون «يؤمنوام بك.
قال: فرجعوا فلم يبلغ السبعون إليهم حتى ارتد منهم أربعة وستون رجلاً، وقالوا: سحر وكذب.
قال: فانتهوا إلى الجميع فقال الستة حق، وقال الجميع : كذب وسحر قال:فانصرفوا على ذلك ثم ارتابت من الستة واحد وكان فيمن عقرها.
قال ابن محبوب: فحدثت بهذا الحديث رجلاً من أصحابنا يقال له سعد بن يزيد
1) لم يفجأهم : لم يظهر عليهم شيء من أعضائها إلا رأسها.
فأخبرني أنه رأى الجبل الذي خرجت منه بالشام فرأى جنبها قد حك الجبل فأثر جنبها فيه وجبل آخر بينه وبين هذا ميل (1).
وفي (الروضة) عن علي بن العباس عن الحسن بن عبد الرحمن عن علي بن حجرة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قلت له : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُر * فَقَالُوا أَبشرا منا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * أَلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَابُ أشْرٌ) [القمر: 23-25].
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا بما كذبوا صالحاً وما أهلك الله قوماً قط حتى يبعث إليهم قبل ذلك الرسل فيحتجوا عليهم فبعث الله عزّ وجل إليهم صالحاً فدعاهم إلى الله فلم يجيبوه وعتوا عليه عتوّاً وقالوا : لن نؤمن لك حتى تخرج إلينا من هذه الصخرة ناقة عشراء، وكانت الصخرة يعظمونها ويعبدونها ويذبحون عندها في رأس كل سنة ويجتمعون عندها، فقالوا له : إن كنت كما تزعم نبيّاً رسولاً فادع لنا إلهك رسولاً فادع لنا إلهك حتى يخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة عشراء، فأخرجها الله كما طلبوا منه
ثم أوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا صالح قل لهم : إن الله قد جعل لهذه الناقة من الماء شرب يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت ذلك اليوم الماء فيحلبونها فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم.
فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إنهم عنوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا : أعقروا هذه الناقة واستريحوا منها لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم ثم قالوا من الذي يلي قتلها ونجعل له جعلاً ما أحب فجاءهم رجل أحمر، أشقر، أزرق ولد زنا لا يعرف له أب يقال له : قدار، شقي من الأشقياء مشؤوم عليهم، فجعلوا له جعلاً، فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتى شربت الماء وأقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئاً، فضربها ضربة أخرى فقتلها وخرت إلى الأرض على جنبها وهرب فصيلها حتى صعد إلى الجبل، فرغا ثلاث مرات إلى السماء، وأقبل قوم صالح فلم يبق أحد إلا شركه في ضربته واقتسموا لحمها فيما بينهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها.
فلما رأى ذلك صالح أقبل عليهم فقال : يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم أعصيتم ربكم؟
فأوحى الله تعالى إلى صالح : إن قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثها الله إليهم حجة
1) الكافي 185/8 ح 213، وشرح أصول الكافي 243/12.
عليهم ولم يكن عليهم منها ضرر وكان لهم فيها أعظم المنفعة فقل لهم : إني مرسل عليكم عذابي إلى ثلاثة أيام فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم، وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث.
فأتاهم صالح فقال لهم: يا قوم إني رسول ربكم إليكم وهو يقول لكم : إن أنتم تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت لكم.
فلما قال لهم ذلك كانوا أعتى ما كانوا وأخبث وقالوا: يا صالح اثتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال يا قوم إنكم تصبحون غداً ووجوهكم مصفرة، واليوم الثاني وجوهكم محمرة، واليوم الثالث وجوهكم مسوّدة.
فلما أن كان أول يوم أصبحوا ووجوهم مصفرة فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم : لا نسمع قول صالح ولا نقبل قوله وإن كان عظيماً.
فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة، فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا : يا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم : لو أهلكنا جميعاً ما سمعنا قول صالح وما تركنا الهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها ولم يتوبوا ولم يرجعوا.
فلما كان اليوم الثالث أصبحوا ووجوههم مسودة فمشى بعضهم إلى بعض فقال : يا قوم
أتاكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم : قد أتانا ما قال لنا صالح.
فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصرخة أسماعهم وفلقت قلوبهم، وصدعت أكبادهم، وقد كانوا في تلك الثلاثة أيام قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم فلم يبق منهم ناعقة ولا راعية ولا شيء إلا أهلكه الله فأصبحوا في ديارهم ومضاجعهم موتى أجمعين، ثم أرسل الله عليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين، وكانت هذه قصتهم (1).
ورواه المحدث العلامة المجلسي في (البحار من الروضة) كما نقلناه وقال بعد روايته :
(إيضاح) قوله : كذبت ثمود بالنذر بالإنذارات أو المواعظ أو الرسل، فقالوا : أبشراً منا من جنسنا وجملتنا لا فضل له علينا انتصابه بفعل يفسره ما بعده واحداً منفرداً لا تابع
1) تفسیر نور الثقلين 48/2، وقصص الأنبياء 106.
له أو من آحادهم دون أشرافهم، نتبعه إذاً لفي ضلال وسعر كأنهم عكسوا عليه فرتبوا على اتباعهم إياه ما رتب على ترك اتباعهم له أألقي الذكر الكتاب والوحي، عليه من بيننا، وفينا من هو أحق منه بذلك؟، بل هو كذاب أشر، حمله بطره على الرفع علينا بادعائه.
والشرب بالكسر النصيب من الماء والأشقر من الناس من تعلو بياضه حمرة لا يعرف له أب أي كان ولد زنا، وإنما كان ينسب «إلى سالف ظ» لأنه كان وُلد على فراشه قال الجوهري : قدار بضم (القاف) وتخفيف (الدال)، يقال له أحمر ثمود وعاقر ناقة صالح، انتهى.
ورغا البعير صوّت وضجّ، لم يبق منهم ناعقة ولا راعية أي لم يبق جماعة يتأتى منهم النعيق والرعي والنعيق صوت الراعي بغنمه وفي بعض النسخ ثاغية ولا راغية أي شاة ولا ناقة.
وفي (مجمع البيان) فإذا كان يوم الناقة وضعت رأسها في مائهم فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيه ثم ترفع رأسها فتفجج لهم فيحتلبون ما شاؤوا من لبن فيشربون ويدخرون حتى يملأوا أوانيهم كلها.
قال الحسن بن محبوب : حدثني رجل من أصحابنا يقال له سعيد بن يزيد قال: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة بين الجبلين ورأيت أثر جنبيها فوجدته ثمانين ذراعاً وكانت تصدر من غير الفج الذي منه وردت ولا تقدر على أن تصدر من حيث ترد لأنه يضيق عنها وكانوا في سعة ودعة منها، وكانوا يشربون الماء الناقة من الجبال والمغارات، فشق ذلك عليهم وكانت مواشيهم تنفر عنها لعظمها فهموا بقتلها.
يوم
قالوا: وكانت امرأة جميلة يقال لها صدوف ذات مال من إبل وبقر وغنم وكانت أشد الناس عداوة لصالح (عَلَيهِ السَّلَامُ) فدعت رجلاً يقال له : مصدع بن مهرج، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة وامرأة أخرى يقال لها : عنيزة دعت قدار بن سالف وكان أحمر، أزرق قصيراً وكان ولد زنا ولم يكن لسالف الذي يدعى إليه ولكنه وُلد على فراشه، وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قدار عزيزاً منيعاً في قومه، فانطلق قدار بن سالف ومصدع فاستغويا غواة ثمود فاتبعهما سبعة نفر وأجمعوا على عقر الناقة.
قال السدي: ولما ولد قدار وكبر جلس مع أناس يشربون الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم فقال قدار: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا : نعم.
وقال كعب: كان سبب عقرهم الناقة أن امرأة يقال لها : ملكاء كانت قد ملكت ثمود،
فلما أقبل الناس على صالح وصارت الرئاسة إليه حسدته فقالت لامرأة يقال لها : قطام وكانت معشوقة قدار بن سالف، ولامرأة أخرى يقال لها : إقبال، وكانت معشوقة مصدع وكان قدار ومصدع يجتمعان معهما كل ليلة ويشربون الخمر فقالت لهما ملكاء: إذا أتاكما الليلة القدار ومصدع فلا تطيعاهما وقولا لهما : إن الملكاء حزينة لأجل الناقة ولأجل صالح فنحن لا نطيعكما حتى تعقرا الناقة فلما أتياهما قالتا هذه المقالة لهما فقالا : نحن نكون من وراء عقرها.
قالوا : فانطلق قدار ومصدع وأصحابهما السبعة فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن مصدع في أصل أخرى، فمرت على مصدع فرمی بسهم فانتظم به عضلة وخرجت عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس فاسفرت لقدار ثمَّ زمّرته (1)فشدّ على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها سقيتها خ» ثم طعن في لبتها فنحرها وخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه.
فلما رأى الفصيل ما فُعِل بأمه ولي هارباً حتى صعد جبلاً ثم رغا رغاء تقطع منه قلوب القوم، وأقبل صالح فخرجوا يعتذرون إليه إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا.
فقال صالح: انظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى أن يُرفع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه في الجبل فلم يجدوه، وكانوا عقروا الناقة ليلة الأربعاء، فقال لهم صالح :تمتعوا في داركم يعني في محلّتكم في الدنيا ثلاثة أيام، فإن العذاب نازل بكم.
ثم قال: يا قوم إنكم تصبحون غداً ووجوهكم مصفرة، واليوم الثاني تصبحون ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث وجوهكم مسودة.
قلما كان أول يوم أصبحت وجوههم مصفرة، فقالوا : جاءكم ما قال لكم صالح، ولما كان اليوم الثاني احمرت وجوههم، واليوم الثالث أسودت وجوههم.
ولما كان نصف الليل أناهم جبرئيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصرخ بهم صرخة خرقة أسماعهم وصدعت أكبارهم وفلقت قلوبهم، وكانوا قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم، فلم يبق الله منهم ثاغية ولا راغية ولا شيئاً يتنفس إلا أهلكها فأصبحوا في ديارهم موتى جاثمين، ثم أرسل الله إليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين (2).
وفي كتاب علي بن إبراهيم: فبعث الله عليهم صيحة وزلزلة فهلكوا.
نعوذ بالله من غضب الله وسخطه ونتوسل إليه بمحمد وآله أن لا يؤاخذنا بأعمالنا، وأن يغفر لنا ويصفح عنا فإنه كريم الصفح وعظيم المنّ، وحسن التجاوز، وولي الإحسان والكرم والامتنان وعلى كل شيء قدير، وبالإجابة جدير
از جمله کلام بلاغت نظام آن امام انام (عَلَيهِ السَّلَامُ) است در تحریص مردمان به راه هدایت و تحذیر ایشان از طریق ضلالت می فرماید:
ای مردمان مستوحش نباشید در راه هدایت به جهت کمی اهل آن پس به درستی که خلق شدهاند بر طعامی که سیر بودن از آن زمانش کوتاه و گرسنگی آن مدتش طولانی است ای مردمان به درستی که جمع می میکند خلق را در عذاب الهی رضا شدن ایشان به مناهی و خشمناک بودن ایشان به طاعات و جز این نیست که پی نمود ناقه قوم صالح پیغمبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) را يك نفر از ایشان پس شامل کرد خدای تعالی به جمیع ایشان عذاب را وقتی که همه ایشان راضی شدند به فعل قبيح آن يك نفر پس فرمود خداوند در کتاب مجید خود: "فعقروها فاصبحوا نادمين" ؛ یعنی پی کردند و کشتند آن قوم ناقه را پس صباح نمودند در حالتی که پشیمان بودند، پس نشد مؤاخذه و انتقام ایشان مگر این که صدا کرد زمین ایشان به جهت زلزله شدیده و فرورفتن در زمین مثل صدای آهن تیز شده که زمین را با آن شخم میکنند در زمینی که بسیار صدا کننده باشد هنگام شخم ای مردمان هر که راه برود در راه آشکار و راست، وارد میشود به آب و هر که تخلف نماید، می افتد به بیابان گمراهی و هلاکت.
هنا انتهى الجزء الثاني عشر من هذه الطبعة النفيسة القيمة، وقد تم تصحيحه وتهذيبه وترتيبه بيد العبد - السيد إبراهيم الميانجي - عفى الله عنه وعن والديه، وذلك - 25 - من شهر شعبان سنة 1382 - ويليه إنشاء الله الجزء الثالث عشر وأوله :
«ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند دفن الزهراء سلام الله عليها» والحمد لله أولاً وآخراً.
الفصل السابع...5
اللغة ...5
الإعراب ...6
المعنى... 8
الترجمة ...17
الفصل الثامن ...19
اللغة ...19
الإعراب... 20
المعنى... 20
التنبيه الأول... 44
التنبيه الثاني ...74
بیان ...76
بیان ...77
التنبيه الثالث ...78
الترجمة ...84
الفصل التاسع ...86
اللغة ...87
الإعراب ...87
المعنى ...87
تبصرة ...93
الترجمة ...95
ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليا المائة والثانية والتسعون من المختار في باب الخطب ...99
اللغة ...101
الإعراب... 101
المعنى... 103
تكملة ...147
بیان ...149
الترجمة ...151
ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف فيها المنافقين وهي المائة والثالثة والتسعون من المختار في باب الخطب... 156
اللغة ...146
الإعراب ...157
المعنى ...157
الترجمة... 167
ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائة والرابعة والتسعون من المختار في باب الخطب ...169
اللغة... 169
الإعراب ...171
المعنى ...171
بشارة ...182
الترجمة ...187
ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائة والخامس والتسعون من المختار في باب الخطب ...189
اللغة ...189
الإعراب... 190
المعنى ...190
الترجمة ...193
ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائة والسادسة والتسعون من المختار في باب الخطب ...194
اللغة ...194
الإعراب... 194
المعنى... 195
وأما كيفية وفاته صلوات الله وسلامه عليه وآله ...210
تنبيهان ...226
الترجمة ...241
ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائة والسابعة والتسعون من المختار في باب الخطب ...242
الفصل الأول ...242
اللغة ... 243
الإعراب ...243
المعنى... 243
الترجمة ...252
الفصل الثاني ...254
اللغة ...254
الإعراب... 256
المعنى ...256
الترجمة ...264
الفصل الثالث والرابع في بعثة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونبذ من فضائل القرآن ...266
اللغة ...266
الإعراب ...267
المعنى ...268
الترجمة ...283
ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) و هو المائة والثامن والتسعون من المختار في باب الخطب ...285
اللغة ...285
الإعراب... 286
المعنى ...287
أما الفصل الأول ...287
وأما الفصل الثاني ...296
وأما الفصل الثالث ...297
تذييل ...306
تكملة ...320
بیان ...321
الترجمة ...322
ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائة والتاسع والتسعون من المختار في باب الخطب ...324
اللغة ...324
الإعراب ...324
المعنى ...324
الترجمة ...339
كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المائتان من المختار في باب الخطب ...340
اللغة ...340
الإعراب...340
المعنى...341
تنبيه ...341
تذنيب... 346
الترجمة ...347