منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة المجلد 11

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

مِنْهاجُ البَراعَة

في شَرْح نَهجُ البَلاغَة

لِمُؤلفة

العَلّامة المُحَقِّق الحَاج میرزا حَبیبُ الله الهَاشِمی الخُوئِی قُدِّسَ سِرّهُ

صنفها

الفاضل البارع المحقق الشیخ حسن (حسن زاده) الآملی

مُوسّسة التَاریخ العَربی

محرر الرقمي: روح الله الشيراني

اشارة

مَکتَبَةُ الرَّوضَة الحَیدَریَة

www.haydarya.com

نَهْجُ البَلاغَةِ

خُطَبْ، رَسَائِلْ، کَلامْ، وَصَایا

عهُود، حِکَمْ، وَمَواعظ

الإمَامْ عَليْ بن أبيْ طَالِب علیه السلام

مِنْهاجُ البَراعَة في شَرْح نَهْجُ البَلاغَةِ

لِمُؤلفِهِ

العَلّامة المُحَقِّق الحَاج میرزا حَبیبُ الله الهَاشِمی الخُوئِی قُدِّسَ سِرّهُ

طبعة جَدیدة

ضَبط و تَحقیق

عَلي عاشور

اَلمَجلَّد الحَادِي عَشَر

دَارُ احیَاءُ التُراثِ العَرَبِي

بیروت- لبنان

جميع الحقوق محفوظة للناشر

الطبعة الأولى

1423 ه- - 2002 م

دار إحياء التراث العربي DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI

للطباعة والنشر والتوزيع Publishing & Distributing

بيروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف: 272652 - 272655- 272782 - 272783 فاكس: 850717- 850623 ص.ب: 79957/ 11

Beyrouth - Liban Rue Dakkache - Tel. 272652 . 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623P.O. Box: 7957/11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والرابعة والثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

ورواها الطبرسي في الاحتجاج مثله.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَ لَا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَ لَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ، وَ لَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ؛ الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ، وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ، الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ، وَ ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ، وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ، وَ عَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ، مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَ بِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ، وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ، وَ دَائِمٌ لَا بِأَمَدٍ، وَ قَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ، تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَةٍ، وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي لَا بِمُحَاضَرَةٍ، لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا، وَ بِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا، وَ إِلَيْهَا حَاكَمَهَا، لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً، وَ لَا بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً، بَلْ كَبُرَ شَأْناً، وَ عَظُمَ سُلْطَاناً.

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اَلصَّفِيُّ، وَ أَمِينُهُ اَلرَّضِيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ اَلْحُجَجِ، وَ ظُهُورِ اَلْفَلَجِ، وَ إِيضَاحِ اَلْمَنْهَجِ، فَبَلَّغَ اَلرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا، وَ حَمَلَ عَلَى اَلْمَحَجَّةِ دَالاًّ عَلَيْهَا، وَ أَقَامَ أَعْلاَمَ اَلاِهْتِدَاءِ، وَ مَنَارَ اَلضِّيَاءِ، وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ اَلْإِسْلاَمِ مَتِينَةً، وَ عُرَى اَلْإِيمَانِ وَثِيقَةً(1).

منها - في صفة خلق أصناف من الحيوان

وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ اَلْقُدْرَةِ، وَجَسِيمِ اَلنِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلَى اَلطَّرِيقِ، وَخَافُوا عَذَابَ اَلْحَرِيقِ، وَلَكِنَّ اَلْقُلُوبَ عَلِيلَةٌ، وَاَلْبَصَائِرَ مَدْخُولَةٌ، أَ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وَ فَلَقَ لَهُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ، وَ سَوَّى لَهُ اَلْعَظْمَ وَ اَلْبَشَرَ.

اُنْظُرُوا إِلَى اَلنَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَ لَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ اَلْبَصَرِ، وَ لاَ بِمُسْتَدْرَكِ اَلْفِكْرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ اَلْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَ تَعُدُّهَا


1) بحار الأنوار: 223/18 ح 59، وميزان الحكمة: 3206/4.

فِي مُسْتَقَرِّهَا، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولَةٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوَفْقِهَا، لاَ يُغْفِلُهَا اَلْمَنَّانُ، وَ لاَ يَحْرِمُهَا اَلدَّيَّانُ، وَ لَوْ فِي اَلصَّفَا اَلْيَابِسِ، وَ اَلْحَجَرِ اَلْجَامِسِ.

وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا، وَ فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا، وَ مَا فِي اَلْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَ مَا فِي اَلرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً، فَتَعَالَى اَلَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا، لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، وَ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ، وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ اَلدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ اَلنَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ اَلنَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وَ غَامِضِ اِخْتِلاَفِ كُلِّ حَيٍّ، وَ مَا اَلْجَلِيلُ وَ اَللَّطِيفُ، وَ اَلثَّقِيلُ وَ اَلْخَفِيفُ، وَ اَلْقَوِيُّ وَ اَلضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ، وَ كَذَلِكَ اَلسَّمَاءُ وَ اَلْهَوَاءُ وَ اَلرِّيَاحُ وَ اَلْمَاءُ.

فَانْظُرْ إِلَى اَلشَّمْسِ وَ اَلْقَمَرِ، وَ اَلنَّبَاتِ وَ اَلشَّجَرِ، وَ اَلْمَاءِ وَ اَلْحَجَرِ، وَ اِخْتِلاَفِ هَذَا اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ، وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ اَلْبِحَارِ، وَ كَثْرَةِ هَذِهِ اَلْجِبَالِ، وَ طُولِ هَذِهِ اَلْقِلاَلِ، وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اَللُّغَاتِ، وَ اَلْأَلْسُنِ اَلْمُخْتَلِفَاتِ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ جَحَدَ الْمُقَدِّرَ،وأَنْكَرَ اَلْمُدَبِّرَ، يَزْعَمُونَ «زَعَمُواخ» أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ، وَ لاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ، وَ لَمْ يَلْجَأوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا اِدَّعَوْا، وَ لاَ تَحْقِيقٍ لِمَا أَوْعَوْا، وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ.

وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي اَلْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ، وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ، وَ جَعَلَ لَهَا اَلسَّمْعَ اَلْخَفِيَّ، وَ فَتَحَ لَهَا اَلْفَمَ اَلسَّوِيَّ، وَ جَعَلَ لَهَا اَلْحِسَّ اَلْقَوِيَّ، وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ، وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ، يَرْهَبُهَا اَلزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ، وَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ، حَتَّى تَرِدَ اَلْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا، وَ تَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا، وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لاَ يَكُونُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً.

فَتَبَارَكَ اَلَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمَوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ يُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً، وَ يُلْقِي بِالطَّاعَةِ إِلَيْهِ سِلْماً وَ ضَعْفاً، وَ يُعْطِي لَهُ اَلْقِيَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً، فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ، أَحْصَى عَدَدَ اَلرِّيشِ مِنْهَا وَ اَلنَّفَسِ، وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى اَلنَّدَى وَ اَلْيَبَسِ، وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا، وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا، فَهَذَا غُرَابٌ، وَ هَذَا عُقَابٌ، وَ هَذَا حَمَامٌ، وَ هَذَا نَعَامٌ، دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ، وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ، وَ أَنْشَأَ اَلسَّحَابَ اَلثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا، وَ عَدَّدَ قَسْمَهَا، فَبَلَّ اَلْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا، وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبها(1).


1) بحار الأنوار: 27/3، ودرر الأخبار: 54.

اللغة

(العمد) بالتحريك جمع العمود (والمرائي) جمع المرئي كمرمي وهو ما يدرك بالبصر أو جمع مرآة بفتح الميم يقال فلان حسن في مرآة عيني قاله الشارح المعتزلي، وسيأتي ما فيه و(تجسيماً وتجسيداً) مصدران من باب التفعيل وفي بعض النسخ من باب التفعل، ويفرق بين الجسم والجسد بأن الجسم يكون حيواناً وجماداً ونباتاً، والجسد مختص بجسم الإنس والجن والملائكة ويطلق على غير ذوي العقول وقوله تعالى: (عِجّلًا جَسَدًا) [الأعراف: الآية 148] أي ذا جثّة على التشبيه بالعاقل أو بجسمه.

و(فلجت) فلجاً وفلوجاً ظفرت بما طلبت وفلج بحجّته أثبتها وأفلج الله حجّته بالألف أظهرها قال الشارح المعتزلي: الفلج النصرة وأصله سكون العين وإنما حرّكه ليوازن بين الألفاظ لأَن الماضي منه فلج الرّجل على خصمه بالفتح ومصدره الفلج بالسّكون.

و(الأمراس) الحبال جمع المرس وهو جمع المرسة بالتحريك الحبل و(البشر) جمع البشرة مثل قصب وقصبة ظاهر الجلد و(النملة) واحدة النمل و(جثة) الإنسان شخصه.

و(استدرك) الشي وإدراكه بمعنى واستدركت ما فات وتداركته بمعنى واستدركت الشيء أي حاولت إدراكه به، ومستدرك الفكر يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الإدراك وأن يكون اسم مفعول و(الفكر) وزن عنب جمع فكرة بالكسر وهو إعمال النظر وقيل اسم من الافتكار وفي بعض النسخ الفكر بسكون العين.

و (صبّت) على البناء للمفعول من صبّ الماء أراقه، وفي بعض النّسخ بالضاد المعجمة والنون على بناء المعلوم أي بخلت و(الجحر) بالضم الحفرة التي تحتفرها الهوام والسّباع لأنفسها (وفي ورودها لصدرها) الورود في الأصل الإشراف على الماء للشرب ثمّ أطلق على مطلق الإشراف على الشيء دخله أو لم يدخله كالورود والصدر بالتحريك اسم من صدر صدراً ومصدراً أي رجع، وفي نسخة الشارح البحراني في وردها لصدرها.

و(كفل) كفالة من باب نصر وعلم وشرف ضمن وكفلته وبه وعنه إذا تحملت به و(المنان) من المن بمعنی العطاء لا من المنّة و(الذيان) الحاكم والقاضي وقيل القهار، وقيل السائس أي القائم على الشيء بما يصلحه و(الصفا) بالقصر الحجر وقيل الحجر الصّلبة الضخم لا ينبت شيئاً والواحدة صفاة و(الجامس) الجامد وقيل أكثر ما يستعمل في الماء جمد وفي السمن وغيره جمس.

و(أكلها) بالضمّ في بعض النسخ وفي بعضها بضمتين المأكول و(علوها) و(سفلها) بالضم فيهما في بعض النسخ وبالكسر في بعضها و(الشراسيف) مقاط الأضلاع وهي أطرافها

التي تشرف على البطن، وقيل الشرسوف كعصفور غضروف معلّق بكلّ ضلع مثل غضروف الكتف و(الأذن) بالضم ويضمّتين على اختلاف النسخ و(العجب) التّعجب أو التّعجب الكامل و(الضرب في الأرض) السّير فيها أو الإسراع به و(الدلالة) بالكسر والفتح اسم من دلّه إلی الشيء وعليه أي أرشده وسدّده و (الغامض) خلاف الواضح و(القلال) وزن جبال جمع قلّة بالضمّ وهي أعلى الجبل، وقيل الجبل.

و(وعا) الشيء وأوعاه حفظه وجمعه وفي بعض النسخ وعوه على المجرّد بدل أوعوه و(جنا) فلان جناية بالكسر أي جرّ جريرة على نفسه وقومه، وجنيت الثمرة واجتنيتها اقتطفتها واسم الفاعل منهما جان إلّا أنّ المصدر من الثاني جنى لا جناية و(الناب) من الأسنان خلف الرباعية و(المنجل) وزن منبر حديدة يقضب بها الزرع و(نزا) كدعا نزواً وثب و(العفر) بالتحريك وقد يسكن وجه الأرض ويطلق على التراب وعفّره تعفيراً مرغه فيه.

و(السّلم) بالكسر كما في بعض النسخ الصّلح والمسالم، وبالتحريك كما في بعضها الاستسلام والانقياد و(القياد) بالكسر ما يقاد به وإعطاء القياد الانقياد و(اليبس) بالتحريك ضدّ الرطوبة وطريق يبس لا نداوة فيه ولا بلل و(الحمام) بالفتح كلّ ذي طوق من الفواخت والقمارى وغيرهما والحمامة تقع على الذكر والأنثى كالحيّة.

و(النعام) بالفتح اسم جنس النعامة و(الهطل) بالفتح تتابع المطر أو الدمع وسيلانه وقيل تتابع المطر المتفرق العظيم القطر و(الديمة) بالكسر مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق والجمع ديم كعنب و(البلة) بالكسر ضد الجفاف بالفتح و(الجدوب) بالضم انقطاع المطر ويبس الأرض.

الإعراب

بل في قوله بل تجلى للإضراب، والباء في بها للسبيّة، وتجسيمها وتجسيداً منصوبان على الحال، والباء في قوله: بوجوب الحجج تحتمل المصاحبة والسببيّة، وجملة لا تكاد تنال حال من النملة والعامل انظروا، وقوله: كيف دبّت، في محل الجر بدل من النملة أو كلام متسأنف والاستفهام للتّعجب.

ومكفولة برزقها ومرزوقة بوفقها بالرفع في أكثر النسخ خبران لمبتدأ محذوف قال الشارح البحراني تنصب على الحال وفي بعض النسخ رزقها ووفقها بدون الباء، وعجباً مفعول به لقضيت قال الشارح البحراني: ويحتمل المفعول له على كون القضاء بمعنى الموت وهو بعيد.

وقوله: فالويل لمن جحد المقدر، جملة إخبارية أو إنشائية دعائية قال سيبويه: الويل

مشترك بين الدّعاء والخبر، والواو في قوله: وخلقها، للحال والفاء في قوله: فتبارك، فصيحة، وطوعاً وكرهاً منصوبان على الحال، وخداً ووجهاً منصوبان على المفعول به، وسلماً وضعفاً منصوبان على الحال أو التميز، ورهبة وخوفاً منصوبان على المفعول لأجله.

المعنى

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة مشتملة على مطالب نفيسة من العلم الإلهي ومقاصد لطيفة من آثار قدرته، وبدايع تدبيره وحكمته في مصنوعاته، وافتتحها بما هو حقيق بالافتتاح فقال:

(الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد) أراد بالشواهد الحواس وتسميتها بها إمّا لحضورها من شهد فلان بكذا إذا حضره، أو لشهادتها عند العقل على ما تدركه وتثبته، وعدم إمكان إدراكها له سبحانه لانحصار مدركاتها في المحسوسات واختصاص معلوماتها بالأجسام والجسمانيات، وهو سبحانه منزّه عن ذلك حسبما عرفته في شرح الفصل الثاني من المختار الأوّل وغيره.

(ولا تحويه المشاهد) أي المجالس والأمكنة، لأن حواية المجلس والمكان من صفات الإمكان كما مرّ في شرح الفصل الخامس من المختار الأَول وغيره.

(ولا تراه النواظر) أي نواظر الأبصار وتخصيصها بالذكر مع شمول الشواهد لقوّتها ووقوع الشبهة في أذهان أكثر الجاهلين في جوار إدراكه تعالى بها كما هو مذهب المجسمة المشبهة والكرامية والأشاعرة المجوزين للرؤية، وقد عرفت فساد قولهم في شرح المختار التاسع والأربعين، والمختار المائة والثامن والسبعين وغيرهما.

(ولا تحجبه السواتر) لأن المحجوبيّة بالسواتر الجسمانية من أوصاف الأجسام وعوارضها حسبما عرفت تحقيقه في شرح المختار المائة والثاني والخمسين، (الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده) يعني أن حدوث خلقه دليل على وجوده وقدمه معاً، وقد مرّ تحقيقه أيضاً في شرح المختار المائة والثاني والخمسين والمختار التاسع والأربعين.

(وباشتباههم على أن لا شبه له) أي بإبدائه المشابهة بين الموجودات دل على أن لا شبه له ولا نظير، وقد مرّ تحقيقه أيضاً في شرح المختار الذي أشرنا إليه.

(الذي صدق في ميعاده) أي في وعده لأن الخلف في الوعد كذب قبيح، محال عليه سبحانه كما قال عزّ من قائل: (إن اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عِمران: الآية 9] واستدلّ على عدم جواز الكذب عليه بأنّه إذا جاز وقوع الكذب في كلامه ارتفع الوثوق عن أخباره

بالثواب والعقاب والوعد والوعيد وساير ما أخبر به من أخبار الآخرة والأولى، وفي ذلك تفويت مصالح لا تحصى وهو سبحانه حكيم لا يفوت عنه الأصلح بنظام العالم، فعلم من ذلك عدم جواز الخلف في وعده ووعيده.

(و) بذلك أيضاً علم أنه تعالى: (ارتفع عن ظلم عباده) لكون الظلم قبيحاً عقلاً ونقلاً. يعني أنّه سبحانه منزه عن حال ملوك الأرض الذين من شأنهم ظلم رعيتهم إذا شاهدوا أن في ظلمهم منفعة لهم، وفي ترك الظلم مضرّة، فيظلمون من تحت ملكهم نيلاً إلى تلك المنفعة، ودفعاً لتلك المضرّة، وتحميلاً لذلك الكمال الحقيقي أو الوهمي، والله سبحانه كامل في ذاته غير مستكمل بغيره.

(وقام بالقسط) والعدل (في خلقه وعدل عليهم في حكمه) يعني أنّه سبحانه خلقهم وأوجدهم على وفق الحكمة ومقتضى النظام والمصلحة وأجرى فيهم الأَحكام التكوينيّة والتكليفيّة على مقتضى عدله وقسطه قال تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَيكَةُ وَأُولُوا اَلْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ) [آل عمران: الآية 18].

قال الطبرسي: أي أخبر بما يقوم مقام الشهادة على وحدانيته من عجيب حكمته وبديع صنعته، وشهدت الملائكة بما عاينت من عظيم قدرته وشهد أولوا العلم بما ثبت عندهم وتبين من صنع الذي لا يقدر عليه غيره.

قال: وروى عن الحسن أنّ في الآية تقديماً وتأخيراً أو التقدير شهد الله أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، وشهدت الملائكة أنه لا إله إلّا هو قائماً بالقسط، وشهد أولوا العلم أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، والقسط العدل الذي قامت به السماوات والأرض ورواه أصحابنا أيضاً فى في التفسير، وقيل: معنى قوله قائماً بالقسط أنّه يقوم بإجراء الأمور وتدابير الخلق وجزاء الأعمال بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجري في أفعاله على الاستقامة.

(مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته) أي مستدلّ بحدوثها على قدمه سبحانه وقد عرفت وجه الدلالة في شرح المختار المائة والثاني والخمسين.

وقال العلامة المجلسي رحمه الله الاستشهاد طلب الشهادة أي طلب من العقول بما بين لها من حدوث الأشياء الشهادة على أزليّته أو من الأشياء أنفسها بأن جعلها حادثة، فهي بلسان حدوثها تشهد على أزليّته، والمعنى على التقديرين أن العقل يحكم بأن كلّ حادث يحتاج إلى موجد وأنه لا بدّ ان تنتهي سلسلة الاحتياج إلى سلسلة الاحتياج إلى من لا يحتاج إلى موجد، فيحكم بأنّ علّة العلل لا بدّ أن يكون أزلياً وإلّا لكان محتاجاً إلى موجد آخر بحكم المقدّمة الأولى.

( وبما وسمها به من العجز على قدرته) يعني أنه استشهد على قدرته بالعجز الذي وسم

ووصف به خلقه، ووجه شهادته عليها أنا نرى أن غيره تعالى لا يقدر على ما يقدر عليه هو جلّ وعلا من الموجودات بل لا يقدر على شيء أصلاً ولا يملك لنفسه موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فضلاً عن غيره، ولا يتمكّن من أن يخلق ذباباً فضلاً عما هو أعظم منه، فعلم فعلم بذلك أن الموجودات على كثرتها وعظمتها لا بدّ من انتهاء وجوداتها على من هو قادر عليها كلّها بالإيجاد والإعدام والتصريف والتقليب قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِرَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ) [فَاطِر: الآية 44] (ولا في الأرض أنه كان عليها قديرا).

وقال العلامة المجلسي رحمه الله في تفسير هذه الفقرة: الوسم الكي شبه ما أظهر عليها من آثار العجز والإمكان والاحتياج بالسمة الّتي تكون على العبيد والنعم وتدل على كونها مقهورة مملوكة(1).

وقال الصدوق رحمه الله الدليل على أن الله قادر أن العالم لما ثبت أنه صنع لصانع ولم نجد أن يصنع الشيء من ليس بقادر عليه بدلالة أن المقعد لا يقع منه المشي والعجز لا يتأتى منه الفعل صحّ أن الذي صنعه قادر، ولو جاز غير ذلك لجاز منّا الطيران مع فقد ما يكون به من الآلة ويصحّ لنا الإدراك وإن عدمنا الحاسّة فلما كان إجازة هذا خروجاً عن المعقول كان الأوّل مثله.

(وبما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه) المراد من اضطرارها إلى الفناء حكم قدرته القاهرة على ما استعدّ منها للعدم بإفنائه حين استعداده بحكم قضائه المبرم، ودلالة ذلك على دوامه سبحانه أن الفناء لما كان دليلاً على الحدوث والإمكان دلّ فناؤها على أن صانعها ليس كذلك وأنه أزليّ أبديّ سرمديّ.

(واحد لا بعدد) یعني أن وحدته ليست وحدة عددية بأن يكون معه ثان من جنسه، وقد مر تحقيق ذلك مستوفي في شرح المختار الرابع والستين.

قال الصّدوق رحمه الله في «التوحيد» في تفسير أسماء الله الحسنى: الأحد الواحد الأحد معناه أنّه واحد في ذاته أي ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا أعضاء، ولا يجوز عليه الإعداد والاختلاف لأن اختلاف الأشياء من آيات وحدانيّته ممّا دلّ به على نفسه ويقال لم يزل الله واحداً، ومعنى ثان أنه واحد لا نظير له ولا يشاركه في معنى الوحدانية غيره، لأن كلّ من كان له نظراء أو أشباه لم يكن واحداً في الحقيقة ويقال فلان واحد الناس أي لا نظير له فيما يوصف به، والله واحد لا من عدد لأنّه عزّ وجلّ لا يعدّ في الأجناس ولكنه واحد ليس له نظیر(2).


1) بحار الأنوار: 224/4.

2) التوحيد: 196، وبحار الأنوار: 188/4.

(دائم لا بأمد) قال الشارح البحراني قد سبق بيان أن كونه دائماً بمعنى أن وجوده مساوق لوجود الزمان، إذ كان تعالى هو موجد الزمان بعد مراتب من خلقه ومساوقة الزمان لا يقتضي الكون في الزمان، ولما كان الأمد الغاية من الزمان ومنتهى المدّة المضروبة لذي الزمان من زمانه، وثبت أنه تعالى ليس بذي زمان يفرض له الأمد ثبت أنّه دائم لا أمد له.

وقال الصّدوق رحمه الله الدائم الباقي الذي لا يبيد ولا يفنى.

(قائم لا بعمد) أي ليس قيامه قياماً جسمانياً يكون بالعمد البدنية أو بالاعتماد على الساقين، أو أنّه قائم باق من غير استناد إلى سبب يعتمد عليه ويقيمه كساير الوجودات الممكنة.

وفي حديث الرّضا علیه السلام المروي في الكافي عنه علیه السلام مرسلاً قال: «وهو قائم ليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد كما قامت الأشياء»، ولكن قائم يخبر أنّه حافظ كقول الرَّجل القائم بأمرنا فلان والله هو القائم على كل نفس بما كسبت والقائم أيضاً في كلام النَّاس الباقي، والقائم أيضاً يخبر عن الكفاية كقولك للرجل قم بأمر بني فلان، أي أكفهم والقائم منّا قائم على ساق فقد جمعنا الاسم ولم يجمع المعنى، الحديث(1).

قال صدر المتألهين في «شرح الكافي»: قوله: وهو قائم ليس على معنى انتصاب، یعني أن الأسماء المشتركة بين الخالق والخلق اسم القائم لكن في كلِّ منهما بمعنى آخر، فإن القائم من الأجسام ما ينتصب على ساق كما نحن ننتصب عند القيام بأمر على سوقنا في كبد ومشقّة، وأما الباري جل مجده فاسم القيام به يخبر بأنه حافظ للأشياء مقوم لوجودها ولا يؤده حفظهما وأنه القائم على كل نفس بما كسبت فاختلف المعنى واتحد الاسم.

وقد يطلق القائم في كلام الناس بمعنى الباقي وهو أيضاً معناه مختلف فمعنى الباقي في الخلق ما يوجد في زمان بعد زمان حدوثه، وأما في حقّه تعالى فليس بهذا المعنى لارتفاعه عن مطابقة الزمان، بل بقاؤه عبارة عن وجوب وجوده و امتناع العدم عليه بالذات وبقاؤه نفس ذاته.

والقائم قد يجيء بما يخبر عن الكفاية كما يقال: قم بأمر بني فلان أي اكفه ولا شك أن هذا المعنى فيه تعالى على وجه أعلى وأشرف، بل لا نسبة بين كفايته للخلق كافة لا بآلة وقوة وتعمل وتكلّف، وبين كفاية الخلق بعضهم لبعض بتعب ومشقة، فقد اتفق الاسم


1) التوحيد: 189 ، وشرح أصول الكافي: 38/4.

واختلف المعنى.

(تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة) أي لا من طريق المشاعر والحواس، والمراد بتلقي الأذهان له تقبّلها، أي إدراكها لما يمكن لها إدراكه من صفاته السّلبية والإضافية لا تلقي ذاته، لما عرفت مراراً من عجز العقول والأوهام والأذهان والأَفهام عن تعقل ذاته.

(وتشهد له المرائي لا بمحاضرة) يعني تشهد له المرئيات والمبصرات وتدل على وجوده وصفات كماله حسبما عرفته في شرح المختار التاسع والأربعين.

ولما كان بناء الشهادة غالباً على حضور الشاهد عند المشهود به كما يشعر به تصاريف تلك المادة مثل قوله سبحانه: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرِ) [البَقَرَة: الآية 185] الآية أي من كان حاضراً غير مسافر فليصمه، وقولهم: الشاهد يرى ما لا يراه الغايب، وشهدت مجلس فلان أي حضرته، وسمي الشهيد شهيداً لحضور ملائكة الرحمة عنده فعيل بمعنى المفعول إلى غير ذلك من تصاريفها، وكان قوله تشهد له المرائي موهماً لكون شهادتها بعنوان الحضور.

استدرك بقوله: لا بمحاضرة، من باب الاحتراس دفعاً للتوهم المذكور، يعني أن شهادتها ليست بعنوان الحضور كما في ساير الشهود، بل المراد من شهادتها دلالتها عليه من باب دلالة الأثر على المؤثر والفعل على الفاعل.

هذا كلّه على كون المرائي جمع المرئى وهو الشيء المدرك بالبصر قال الشارح المعتزلي: والأولى أن يكون المرائي ههنا جمع مرآة بفتح الميم من قولهم هو حسن في مرآة عيني يقول إن جنس الرّؤية يشهد بوجود الباري من غير محاضرة منه للحواس انتهى.

وتبعه العلامة المجلسي رحمه الله في «البحار» وكذا الشارح البحراني قال: والمرائي جمع مرآة بفتح الميم وهي المنظر يقال فلان حسن في مرآة العين وفي رأي العين أن المنظر انتهى إلّا أنّه جعل المرائي بمعنى النواظر.

أقول: ويتوجّه عليهم أولاً أن كون المرائي جمعاً للمرآة لم يثبت من أهل اللّغة.

وثانياً سلمنا لكن لا بد من جعل المرآة الّتي هي مفردها اسم مكان بمعنى محلّ الرؤية حتّى يصحّ بناء الجمع منها إذ لو جعلناها مصدراً بمعنى نفس الرّؤية كما هو ظاهر كلام الأولين لا يصح أن يبنى منها جمعاً، كما أن المناظر التي هي جمع المنظر يراد بها محال النظر، وفسرها في القاموس بإشراف الأرض.

والحاصل أن المرآة التي هي واحدة المرائي على زعمهم بمعنى المنظر فإن جعلناها

مصدراً لا يصحّ أن يبنى منها جمع. وإن جعلناها اسماً للمكان فيصحّ بناؤه منها إلّا أنّه لا وجه حينئذ للحكم بكون المرائي جمعاً لها أولى كونها جمعاً للمرئي إذ لا تفاوت بينهما في المعنى كما لا يخفى.

وأمّا الشارح البحراني فلا يفهم وجه تفسير المرائي بالنواظر بعد تفسير المرآة بمعنى المنظر إلا أن يقال أن مراده بالمرائي محال النظر أي الأبصار فيصحّ التعبير عنها بالنواظر والمناظر كليهما فتأمل جيّداً.

(لم تحد به الأوهام بل تجلى لها بها وبها امتنع منها وإليها حاكمها) قال الشارح المعتزلي: الأوهام ههنا هي العقول يقول: إنّه سبحانه لم تحط به العقول أي لم تتصوّر كنه ذاته، ولكنه تجلّي للعقول بالعقول، وتجلّيه ههنا هو كشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من صفاته السّلبيّة والإضافية وكشف ما يمكن أن تصل إليه العقول من أسرار مخلوقاته، فأما غير ذلك فلا.

وقوله: وبالعقول امتنع من العقول، أي وبالعقول وبالنظر علمنا أنه تعالى يمتنع أن تدركه العقول.

وقوله: وإلى العقول حاكم العقول أي جعل العقول المدّعية أنها أحاطت به وأدركته كالخصم له سبحانه ثم حاكمها إلى العقول السّليمة الصحيحة النظر فحكمت له سبحانه على العقول المدّعية لما ليست أهلاً له انتهى.

وقيل: يحتمل أن يكون أحد الضميرين في كلّ من الفقرات الثلاث راجعاً إلى الأوهام، والآخر إلى الأذهان فيكون أن بالأوهام وخلقه تعالى لها وأحكامها أو بإدراك الأوهام آثار صنعته وحكمته تجلّي للعقول، وبالعقول وحكمها بأنه تعالى لا يدرك بالأوهام امتنع من الأوهام، وإلى العقول حاكم الأوهام لو ادعت معرفته حتّى تحكم العقول بعجزها عن إدراك جلال هذا.

ويجوز أن يراد بالأَوهام الأَعم منها ومن العقول وإطلاقه على هذا المعنى شايع، فالمراد تجلّى الله لبعض الأَوهام أي العقول ببعض الحواس وهكذا على سياق ما مرّ.

(ليس بذي كبر امتدّت به النهايات فكبرته تجسيماً) الكبير يطلق على معان: أحدها العظيم الحجم والمقدار والكبير في الطول والعرض والسمك الثاني العالي السنّ من الحيوان الثالث رفيع القدر وعظيم الشأن.

إذا عرفت ذلك نقول: إن إطلاق الكبير على الله سبحانه ووصفه به كما ورد في الكتاب العزيز ليس باعتبار المعنى الأوّل والثاني، لأن الكبير بهذين المعنيين من عوارض الأجسام

والأحجام، فلا بد أن يراد به حيثما يطلق عليه المعنى الثالث وهو معنى قوله علیه السلام ليس بذي كبرآه يعني أنه موصوف بالكبر ولكن لا بالمعنى الموجود في الأجسام بأن يكون ممتداً طولاً وعرضاً وعمقاً، وإنّما أسند الامتداد به إلى النهايات لأنّها غاية الطبيعة بالامتداد يقف عندها وينتهي بها، فكانت من الأَسباب الغائية، فلذلك أسند إليها، وكذلك إسناد التكبر إليها إذ كان التكبير من لوازم الامتداد إليها، فمعنى قوله: فكبرته تجسيماً أنه كبّرته النهايات مجسّمة له أو حال كونه سبحانه ومجسماً.

روى في «الكافي» عن ابن محبوب عمّن ذكره عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رجل عنده: الله أكبر، فقال: الله أكبر من أي شيء؟ فقال: من كلّ شيء فقال أبو عبد الله علیه السلام: حددته، فقال الرجل: كيف أقول؟ قال: قل: الله أكبر من أن يوصف(1).

قال بعض شراح الكافي: لما كان الأكبر من أسماء التفضيل كالأعظم والأطول والأعلم ونحوها، والموصوف بها من جنس ما يفضل عليه فيهما، فإنك إذا قلت هذا أطول ذلك أنه وجد لهذا مثل الذي في ذلك من الطول مع زيادة، وكان الحق بحيث لا مجانس له في ذاته وصفاته، فلم يجز إطلاق الأكبر عليه بالمعنى الذي يفهمه الناس من ظاهر اللفظ، إذ الكبر والصغر من صفات الجسمانيات ولا ينبغي أيضاً أن يكون المفضل عليه شيئاً خاصاً أو عاماً كما يقال: الله أكبر من العرش أو من العقل أو من كلّ شيء، لأنه لأنّه يوجب التحديد والتجنيس كما علمت، فلذلك أفاد علیه السلام أن معنى الله أكبر أنّه أكبر من أن يوصف لئلا يلزم التحديد.

(ولا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيداً) ومعناها كسابقتها، يعني أن اتصافه بالعظمة وإطلاق العظيم عليه في القرآن الكريم وغيره ليس بالمعنى المتبادر إلى الأفهام المتصوّر في الأجسام أعني العظم في القطر والجسد، بل المراد أنه عظيم السلطان رفيع الشأن.

وهو معنى قوله علیه السلام في حديث ذعلب المتقدم روايته عن الكافي في شرح المختار المائة والثامن والسّبعين: ويلك يا ذعلب أن ربّي لطيف اللطافة لا يوصف باللّطف عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ.

وإلى ما ذكرناه أشار هنا بقوله (بل كبر شأناً وعظم سلطاناً) أي كبره من حين الشأن، وعظمته من حيث السّلطنة.


1) الكافي: 117/2 ح8، والتوحيد: 313. 117/2.

ولما فرغ من حمد الله سبحانه وثنائه وأوصاف جلاله وكبريائه أردفه بالشهادة بالرسالة التي هي مبدأ لكمال القوّة العملية من النفوس البشرية بعد كمال قوتها النظريّة بما تقدّم فقال:

(وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصفيّ) أي الصافي الخالص في مقام العبوديّة عن الكدر النّفسانيّة، أو المصطفى أي المختار من مخلوقاته (وأمينه) على وحيه (الرضيّ) المرتضى على تبليغ وحيه ورسالاته صلّی الله علیه و آله أرسله بوجوب الحجج أي أرسله مصاحباً بالحجج الواجبة قبولها على الخلق لكفايتها في مقام الحجيّة من المعجزات الظاهرات والآيات البيّنات، أو المراد أنّه أرسله بسبب وجوب الحجج عليه تعالى، يعني أنّه لما كان الإعذار والإنذار واجباً عليه تعالى بمقتضى اللطف أرسله لذلك ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

(وظهور الفلج) أي مع ظهور الظفر، أو لأن يظهر ظفره على ساير الأديان كما قال سبحانه: (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: الآية 33].

(وإيضاح المنهج) أي ما يضاح بنهج الشرع القويم، والإرشاد إلى الصراط المستقيم المؤدّي إلى نضرة النعيم والفوز العظيم.

(فبلغ الرسالة صادعاً بها) امتثالاً لأمره تعالى وهو قوله: (بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: الآية 67] وقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الحجر: الآية 94] وأصل الصّدع هو الشق في شيء صلب والفرقة من الشيء فاستعير هنا لإبلاغ المأمور، قال في القاموس: فاصدع بما تؤمر أي شق جماعاتهم بالتوحيد أو أجهر بالقرآن وأظهر أو احكم بالحق وافصل بالأمر واقصد بما تؤمروا فرق به بين الحق والباطل.

(وحمل) النّاس (على المحجة) والجادة الواضحة وهي طريق الشريعة (دالاً عليها) وهادياً إليها ، (وأقام) بين الأمة (أعلام الاهتداء ومنار الضياء) أي أعلاماً توجب اهتداءهم بها ومناراً تستضيئون بنورها.

والماد بها المعجزات الظاهرة والقوانين الشرعيّة الباهرة، فإنها تهدي من غياهب الجهالة، وتنقذ ظلمات الضلالة، وتدل على حظاير القدس ومحافل الأنس (وجعل أمراس الإسلام) وحبال الدّين (متينة) متقنة (وعرى الإيمان) وحبال اليقين (وثيقة) محكمة.

(منها)

أي من جملة فصول تلك الخطبة (في صفة) عجيب (خلق أصناف من الحيوان) أي في وصف عجایب خلقتها الدالة على قدرة بارئها وعظمة مبدئها وتدبيره وحكمته في صنعتها، وقد تقدم فصل واف من الكلام على هذا المعنى في الخطبة المائة والرابعة والستين وشرحها.

وقال علیه السلام هنا: (ولو فكّروا) أي تفكروا واعملوا نظرهم (في عظيم القدرة) أي في آثار قدرته العظيمة الظاهرة في مخلوقاته (وجسيم النعمة) أي عظيم نعمته التي أنعم بها على عباده (لرجعوا إلى الطريق) والصراط المستقيم (وخافوا عذاب الحريق) وعقاب الجحيم لكفايتها في الهداية إليه والإخافة منه.

قال تعالى في الإشارة إلى عظيم قدرته (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ).

وقال (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: الآية 30].

قال الطبرسي رحمه الله في هذه الآية استفهام يراد به التقريع والمعنى أو لم يعلموا أن الله سبحانه الذي يفعل هذه الأشياء ولا يقدر عليها غيره فهو الإله المستحق للعبادة دون غيره.

وقال في الدلالة على جسيم نعمته (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجَبَالَ أَوْتَادًا (7)وَخَلَقْتَكُم أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشَا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا (13) وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخرجَ بِهِ، حَبَّا وَنَباتا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) ) [النبا: الآيات 6-17].

فإن في تعداد تلك النعم إشارة إلى عظيم ما منّ به على عباده فمن تفكّر فيها أناب إلى طريق الحق ونهج الصواب، وخاف من سوء المآل وأليم العذاب.

(ولكن) الناس بمعزل عن هذا بعيدون عن الاهتداء إليه لأن (القلوب عليلة) سقيمة (والأبصار) أي البصاير كما في بعض النسخ (مدخولة) معيبة، فكان مرضها وعلّتها مانعة عن التدبّر والتفكر.

والمراد بعلّتها خروجها عن حدّ الاعتدال والاستقامة بسبب توجّهها إلى الشهوات بالنفسانيّة والعلايق البدنية، لأن مرض القلوب عبارة عن فتورها عن درك الحق بسبب شوبها

بالشكوك والشبهات وفسادها بالعلايق والأمنيات، كما أن مرض الأعضاء عبارة عن فتورها عن القيام بالآثار المطلوبة منها بسبب طرو الفساد عليها وخروجها عن حدّ الاعتدال.

قال تعالى: (وفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) [البَقَرَة: الآية 10] وقال: (وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ) [البَقَرَة: الآية 7] أي غطاء، فإنهم لما أعرضوا عن النظر فيما كلفوه أو قصروا فيما أريد منهم جهلوا ما لزمهم الإيمان به، فصاروا كمن على عينيه غطاء وهو معنى العيب في الأبصار.

فإن قيل: لم خص القلوب والأبصار بالذكر.

قلت: لأن القلب محل الفكر والنظر والأَبصار طريق إليه وإن كانت الأسماع طريقاً أيضاً إلا أنّ الأبصار لكونها أعظم الطرق خصّت بالذّكر وقد جمعتها جميعاً الآية الشريفة (وخَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [البقرة: الآية 7].

ولما أشار إلى عظيم قدرته إجمالاً ووبخ على غفلة القلوب وعيب الأبصار وكان المقصود بذلك جذب نفوس المخاطبين وتوجيه قلوبهم إلى إقبال ما يذكرهم به أو تشويقهم إلى إصغاء ما يتلى عليهم أردفه بالتنبيه على لطيف صنعه تعالى في صغير ما خلق فقال:

(ألا ينظرون إلى صغير ما خلق) من أنواع الحيوان (كيف أحكم خلقه) وأتقنه (وأتقن تركيبه) وأحكمه (وفلق) أي شقي (له السمع والبصر وسوّى) أي عدل (له العظم والبشر) مع ما هو عليه من الصغر.

ثم تخلص إلى تفصيل المرام بعد ما كساه ثوب الإجمال والإبهام، لأن ذكر الشيء مبهماً ثم مفسّراً ومفصّلاً أوقع في النفوس وأثبت في القلوب فقال علیه السلام:

(انظروا إلى النملة) نظراً يوجب البصيرة ويعرف به عظيم القدرة (في صغر جثتها) وشخصها (ولطافة هيئتها) وكيفيتها (لا تكاد تنال بلحظ البصر) أي النظر وهكذا في بعض النسخ (ولا بمستدرك الفكر).

قال العلامة المجلسي رحمه الله مستدرك الفكر على بناء المفعول يحتمل أن يكون مصدراً أي إدراك الفكر أو بطلبها الإدراك ولعله أنسب بقوله: بلحظ البصر، وأن يكون اسم مفعول أي بالفكر الذي يدركه الإنسان ويصل إليه أو يطلب إدراكه أي منتهى طلبه لا يصل إلى إدراك ذلك، وأن يكون اسم مكان والباء بمعنى في.

(كيف دبّت على أرضها) الإضافة لأدنى ملابسة (وصبّت على رزقها) قيل هو على العكس أي صب رزقها عليها.

قال الشارح المعتزلي والكلام صحيح ولا حاجة فيه إلى هذا، والمراد وكيف ألهمت حتى انصبّت على رزقها انصباباً أي انحطت عليه قال: ويروى وضنّت على رزقها أي بخلت، انتهى.

وعلى الأوّل فلفظ الصّب استعارة لسرعة الحركة إليه كما في الماء المصبوب نحو ما ينصب فيه. وعلى الثاني فضنتها لعلمها بحاجتها إلى الرزق وسعيها في الإعداد والحفظ (تنقل الحبّة إلى جحرها) وبيتها (وتعذها في مستقرها) أي تهيّؤ الحبّة في محلّ استقرارها (تجمع في حرّها لبردها) أي في أيّام الصيف للشتاء (وفي ورودها لصدرها) أي تجمع في أيام التمكن من الحركة لأَيام العجز لأَنها تظهر في أيّام الصّيف وتختفي في أيّام الشّتاء لبرودة الهواء (مكفولة) أي مضمون (برزقها مرزوقة بوفقها) أي بما يوافقها من الرزق كماً وكيفاً.

(لا يغفلها المنان) أي لا يتركها غفلة عنها وإهمالاً من غير نسيان الله الذي هو كثير المنّ والعطاء (ولا يحرمها الدّيان) أي لا يجعلها محرومة من رزقها الدّيان المجازي لعباده ما يستحقون من الجزاء.

وقد يفسّر الدّيان بالحاكم، والقاضي، والقهار، وبالسايس القائم على الشيء بما يصلحه كما تفعل الولاة والأمراء بالرعيّة.

ووجه المناسبة على الأول أنها حيث دخلت في الوجود طايعة لأمره وقامت فيه منقادة لتسخيره، وجبت في الحكمة الإلهيّة جزاؤها ومقابلتها بما يقوم بوجودها فلا تكون محرومة من مادة بقائها على وفق تدبيره، قاله الشارح البحراني.

وعلى الثاني أن إعطائه كلّ شيء ما يستحقه ولو على وجه التفضل من فروع الحکم بالحق.

وعلى الثالث الإشعار بأن قهره سبحانه لا يمنعه من العطاء كما يكون في غيره أحياناً.

وعلى الرّابع أن مقتضى قيمومته بالأصلح عدم الحرمان كما هو شأن الموالى بالنسبة إلى العبيد.

وكيف كان فهو سبحانه لا يمنعها من الرزق (ولو) كانت (في الصّفا) الصلد (اليابس) الذي لا ينبت شيئاً (والحجر) الجامد (الجامس) الذي لا يتحول من موضع موضعاً بل يفتح عليها أبواب معاشها في كلّ مكان ويهديها إلى أقواتها في كلّ زمان.

ثمّ نبّه على مجال آخر للفكرة في النملة موجبة للتنبيه والعبرة فقال (ولو فكرت في مجاري أكلها) أي مجاري ما تأكله الطعام وهي الحلق والأمعاء (وفي علوها وسفلها).

قال الشارح البحراني علوها بسكون اللام نقيض سفلها وهو رأسها وما يليه إلى الجزء المتوسّط وسفلها ما جاوز الحر من طرفها الآخر.

أقول: فعلى ذلك الضميران مرجعهما نفس النملة على حذو ما سبق، ويحتمل رجوعهما إلى المجاري والمراد واحد.

(وما في الجوف من شراسيف بطنها) أي أطراف أضلاعها المشرفة على بطنها (وما في الرّأس من عينها وأذنها).

قال الشارح المعتزلي ولا يثبت الحكماء للنمل آذاناً بارزة عن سطوح رؤوسها ويجب إن صحّ ذلك أن يحمل كلام أمير المؤمنين علیه السلام على قوة الإحساس بالأصوات فإنّه لا يمكن الحكماء إنكار وجود هذه القوة لها، ولهذا إذا صيح عليهنّ هدین(1).

وقوله علیه السلام (لقضيت من خلقها عجباً) جواب لو أي لو فكرت في هذه الأمور التي أبدعها الله سبحانه فيها بحسن تدبيره وحكمته وقدرته مع مالها من الصّغر واللطافة لأدّيت من ذلك عجباً أي تعجبت غاية التّعجب (ولقيت من وصفها تعباً) ومشقّة إن وصفتها حق الوصف.

(فتعالى الله الذي أقامها على قوائمها) مع ما بها من الدّقة واللطافة لا يكاد أن يدركه الطرف لغاية دقتها كالخيوط الدقيقة (وبناها على دعائمها) استعار الدّعامة التي هو عمود البيت لما يقوم به بدنها من الأجزاء القائمة مقام العظام والأَوتار وفيه تشبيهها بالبيت المبني على الدّعائم (لم يشركه في فطرتها) أي خلقتها وإيجادها (فاطر) مبدع (ولم يعنه على خلقها قادر) مدبّر بل توحّد بالفطر والتدبير وتفرّد بالخلق والتقدير فسبحانه ما أعظم شأنه وأظهر سلطانه.

(ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته) أي لو سرت أو أسرعت في طريق فكرك الأدلة وأجزاء الأَدلة لتصل إلى غايات الفكر في الموجودات والمكونات (ما دلتك الدلالة) أي لم يدلك الدليل (إلا على أن فاطر النملة) على صغرها (هو فاطر النخلة) على طولها وعظمتها، يعني أن خالقهما واحد والغرض منه دفع توهم يسر الخلق وسهولته في الأشياء الصّغيرة (الدقيق تفصيل كل شيء وغامض اختلاف كلّ حيّ).

يعني أن كلا من الأجسام والأشياء صغيراً كان أو كبيراً فتفصيل جسمه وخلقته وهيئته تفصيل دقيق واختلاف أشكالها وصورها وألوانها ومقاديرها اختلاف غامض السّبب، فلا بد للكلّ من مدبّر حكيم خصّصه بذلك التفصيل والاختلاف على اقتضاء التدبير والحكمة فثبت بذلك أنها لا تفاوت فيها بين الصّغر والكبر في الافتقار إلى الصّانع المدبّر.


1) شرح نهج البلاغة: 63/13.

وأكّد ذلك الغرض بقوله (وما الجليل واللّطيف) كالنخلة والنملة (والثقيل والخفيف) كالتراب والسحاب (والقوي والضعيف) كالفيلة والسخلة (في خلقه إلّا سواء) لاستواء نسبة قدرته التي هي عين ذاته إليها.

والغرض بذلك دفع استبعاد نسبة الخلقة العظيمة والخلقة الصّغيرة إلى صانع واحد، ووجه الدفع أن المخلوقات وإن اختلفت من حيث الطبايع والهيئات والأشكال والمقادير صغراً وكبراً وثقلاً وخفة وضعفاً وقوّة إلا أنها لا اختلاف فيها من حيث النسبة إلى القدرة الكاملة للفاعل المختار.

(وكذلك السماء والهواء والرياح والماء) على اختلاف هيئاتها وهيئاتها وتباينها وتضادها مشابهة للأمور السابقة مستوية لها من حيث الانتساب إلى القدرة.

(فانظر إلى الشمس والقمر والنّبات والشجر والماء والحجر واختلاف هذا اللّيل والنّهار وتفجّر هذه البحار وكثرة هذه الجبال وطول هذه القلال وتفرّق هذه اللّغات والألسن المختلفات).

لا يخفي ما في هذه الفقرة وسابقتيها من الرقة والسّلاسة واللّطافة من حيث اللّفظ والعبارة، حيث تضمنت سياقة الإعداد مع مراعاة التطبيق والازدواج وملاحظة الأسجاع، وأمّا من حيث المعنى فالمراد بها الأمر بالتدبر فيما أودع في هذه الأشياء من غرايب الصنعة ولطايف الحكمة وبراهين القدرة والعظمة حسبما عرفت نبذاً منها في شرح الفصل الرابع والسادس من المختار التسعين فانظر ماذا ترى.

وقال الشارح المعتزلي: المراد بها الاستدلال بإمكان الأعراض على ثبوت الصّانع، بأن يقال كلّ جسم يقبل لجسميته المشتركة بينه وبين ساير الأجسام ما يقبله غيره من الأجسام، فإذا اختلف الأجسام في الأعراض فلا بد من مخصص وهو الصّانع الحكيم(1).

وقرّره الشارح البحراني بتقرير أوضح وهو أن هذه الأجسام كلّها مشتركة في الجسميّة واختصاص كلّ منها بما يميّز به من الصفات المتعدّدة ليست للجسميّة ولوازمها، والأوجب لكلّ منها أوجب للآخر، ضرورة اشتراكها في علة الاختصاص فلا مميّز له هذا خلف، ولا لشيء من عوارض الجسمية لأن الكلام في اختصاص كلّ منها بذلك العارض كالكلام في الأوّل ويلزم التسلسل، فيبقى أن يكون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحكيم المخصص لكل منها بحد من الحكمة والمصلحة.


1) بحار الأنوار: 43/61.

أقول: وقد أشير إلى هذا الاستدلال في قوله عزّ وجلّ: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الروم: الآية 22 - 24].

قال الطبرسي: أي من دلالاته على وحدانيته وكمال قدرته (خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البَقَرَة: الآية 164] وما فيهما من عجايب خلقه وبدایع صنعه مثل ما في السماوات من النجوم والشمس والقمر وجريها في مجاريها على غاية الاتساق والنظام، وما في الأرض من الجماد والنبات والحيوان المخلوفة على وجه الإحكام(1).

(وَاخْتِلَفُ أَلْسِنَنِكُمْ) [الروم: الآية 22] الألسنة جمع لسان واختلافها هو أن ينشأها الله مختلفة في الشّكل والهيئة والتركيب فيختلف نغماتها وأصواتها حتى أنه لا يشتبه صوتان من نفسين هما أخوان، وقيل: إن اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات من العربية والعجمیّه وغيرهما، ولا شيء من الحيوانات يتفاوت لغاتها كتفاوت لغات الإنسان فإن كانت اللّغات توقيفيّاً من قبل الله فهو الذي فعلها، وإن كانت مواضعة من قبل العباد فهو الذي يسرها.

(وألوانكم) أي واختلاف ألوانكم من البياض والحمرة والصفرة والسّمرة وغيرها فلا يشبه أحد أحداً من التشاكل في الخلقة، وما ذلك إلا للتراكيب البديعة واللّطائف العجيبة الدالة على كامل قدرته وحكمته حتى لا يشتبه إثنان من النّاس ولا يلتبسان مع كثرتهم.

(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ) [يُونس: الآية 67] أي أدلة واضحات (لِلْعَالَمِينَ) [الفُرقان: الآية 1] أي للمكلّفين.

(وَمِنْ آيَاتِهِ) [الرُّوم: الآية 20] الدالة على توحيده وإخلاص العبادة له (مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) [الرُّوم: الآية 23] أي النّوم الذي جعله الله راحة لأبدانكم بالليل وقد تنامون بالنهار فإذا انتبهتم انتشرتم لابتغاء فضل الله (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: الآية 67] ذلك فيقبلونه ويتفكرون فيه، لأنّ من لا يتفكر فيه لا ينتفع به فكأنه لم يسمعه.

(وَمِنْ ءَابَيْهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) [الروم: الآية 24] معناه ومن دلالالته أن يريكم النار تنقدح من السحاب يخافه المسافر ويطمع فيه المقيم، وقيل: خوفاً من الصواعق وطمعاً في الغيث (وَيُنَزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الرُّوم: الآية 24] أي غيثاً ومطراً (فَيُحْيِي بِهِ)


1) تفسیر مجمع البيان: 8/ 54.

[الرُّوم: الآية 24] أي بذلك الماء (الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [البَقَرَة: الآية 164] أي بعد انقطاع الماء عنها وجدوبها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرعد: الآية 4] أي للعقلاء المكلفين.

(فالويل) أي الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وقيل إنه علم واد في جهنم (لمن جحد المقدّر وأنكر المدبّر) وهم الدّهريون الذين قالوا ما هي إلا حياتنا الدّنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدّهر (ويزعمون أنهم كالنبات) النابت في الصحاري والجبال من غير زرع فكما أنّه ليس له زارع ومدبّر من البشر فكذلك هؤلاء.

(ما لهم زارع) أصلاً (ولا لاختلاف صورهم صانع) قطعاً وذكر اختلاف الصّور لكونه أوضح دلالة على الصانع وقيل: المراد أنهم قاسوا أنفسهم على النبات الذي جعلوا من الأصول المسلمة أنه لا مقدّر له بل ينبت بنفسه من غير مدبر (ولم يلجأوا) أي لم يستندوا (إلى حجة فيما ادعوا) من جحود المقدر (ولا تحقيق لما) حفظوا و(أوعوا) من إنكار المدبر بل دعواهم مستندة إلى مجرد الظن والحسبان ومحض الهوى والاستحسان كما نطق به الفرقان.

قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)[الجاثية الآيتان: 23 - 24].

وروى «في الصّافي من الكافي» عن الصادق علیه السلام في حديث وجوه الكفر قال علیه السلام: فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة وهو قول من يقول: لا ربّ ولا جنّة ولا نار، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدّهرية وهم الّذين يقولون وما يهلكنا إلاّ الدّهر وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان عنهم على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشيء مما يقولون قال الله عزّ وجلّ: (وإن هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [الجَاثِيَة: الآية 24] إنّ ذلك كما يقولون.

قال الفخر الرازي: وأما شبهتهم في إنكار الإله الفاعل المختار فهو قولهم (وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية: الآية 24] يعني تولد الأشخاص إنما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاج الطبايع وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة، وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت، فالموجب للحياة والموت تأثيرات الطبايع وحركات الأفلاك، ولا حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإله وبين إنكار البعث والقيامة ثم قال تعالى: (وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [الجَاثِيَة: الآية 24].

والمعنى أن قبل النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات بأسرها قائمة، فالذي قالوه يحتمل

وضده أيضاً يحتمل، وذلك هو أن يكون القول بالبعث والقيامة حقاً والقول بوجود الإله الحكيم حقّاً فإنّهم لم يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية في أن هذا الاحتمال الثاني باطل، ولكنه خطر ببالهم هذا الاحتمال الأوّل فجزموا به وأصروا عليه من غير حجة ولا بينة، فثبت أنّهم ليس لهم علم ولا جزم ولا يقين في صحة القول الذي اختاروه بسبب الظن والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب وحجة ودليل، هذا.

ولما دعا علیه السلام على الجاحدين بالويل والثبور زيف قولهم بعدم استناده إلى حجة وبيّنة ولو كانت ضعيفة هيئة، عاد إلى تقريعهم وتوبيخهم بإقامة البرهان المحكم والدلالة الواضحة على بطلان قولهم وفساد به منهم، فقال على سبيل الاستفهام بقصد الإنكار والإبطال.

(وهل يكون بناء من غير بان وجناية من غير جان) يعني افتقار الفعل إلى الفاعل ضروري وإنكاره باطل ومنكره ضال جاهل.

روى في «البحار» من جامع الأخبار قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن إثبات الصانع فقال علیه السلام: البعرة تدلّ على البعير، والروثة تدلّ على الحمير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علويّ بهذه اللطافة ومركز سفليّ بهذه الكثافة كيف لا يدلاّن على اللطيف الخبير.

وفيه من «كتاب التوحيد» للصّدوق رحمه الله بسنده عن هشام بن الحكم قال: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله علیه السلام فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها فقيل له هو بمكّة، فخرج الزنديق إلى مكّة، ونحن مع أبي عبد الله علیه السلام فقاربنا الزنديق ونحن مع أبي عبد الله علیه السلام في الطواف فضرب كتفه «كفه» كتف أبي عبد الله علیه السلام.

فقال له جعفر علیه السلام: ما اسمك؟ قال: اسمي عبد الملك، قال: فما كنيتك؟ قال: أبو عبدالله قال علیه السلام: فمن الملك الذي أنت له عبد أمن ملوك السماء أم من ملوك الأرض؟ وأخبرني عن ابنك أعبد إله السماء أم عبد إله الأرض؟ فسكت، فقال أبو عبد الله علیه السلام «قل ما شئت تخصم»، قال هشام بن الحكم: قلت للزنديق: أما تردّ عليه، فقبح قولي.

فقال له أبو عبد الله علیه السلام: «إذا فرغت من الطواف فأتنا».

فلما فرع أبو عبد الله علیه السلام أتاه الزنديق فقعد بين يديه، ونحن مجتمعون عنده، فقال للزنديق: أتعلم أن للأرض تحت وفوق؟ قال: نعم، قال علیه السلام: فدخلت تحتها؟ قال: لا، قال: فما يدريك بما تحتها؟ قال: لا أدري إلا أنّي لأظنّ أن ليس تحتها شيء، قال أبو عبد الله علیه السلام: فالظن عجز ما لم تستيقن.

قال أبو عبد الله علیه السلام: فصعدت إلى السّماء؟ قال: لا، قال: فتدري ما فيها؟ قال لا، قال: فعجبا لك لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ولم تنزل تحت الأرض ولم تصعد إلى

السماء ولم تجز هنالك فتعرف ما خلقهن وأنت جاحد ما فيهنّ وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟! فقال الزنديق: ما كلمني بهذا أحد غيرك.

فقال أبو عبد الله علیه السلام: «فأنت في شك من ذلك فلعلّ هو ولعلّ ليس هو؟» قال الزّنديق: ولعلّ ذاك.

فقال أبو عبد الله علیه السلام: «أيّها الرّجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم فلا حجة للجاهل يا أخا أهل مصر تفهم عنّي فإنا لا نشك في الله أبداً، أما ترى الشّمس والقمر واللّيل والنهار يلجان ليس لهما مكان إلا مكانهما فإن كانا يقدران على أن يذهبا ولا يرجعان فلم يرجعان؟ فإن لم يكونا مضطرين فلم لا يصير الليل نهار أو النهار ليلاً؟ اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر منهما»، قال الزنديق: صدقت.

ثم قال أبو عبد الله علیه السلام: «يا أخا أهل مصر الذي تذهبون وتظنونه بالوهم فإن كان الدّهر يذهب بهم، لم لا يردّهم؟ وإن كان يردّهم لم لا يذهب بهم القوم مضطرون يا أخا أهل مصر السَّماء مرفوعة والأرض موضوعة لم لا تسقط السماء على الأرض ولم لا تنحدر الأرض فوق طباقها فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما؟ فقال الزنديق، أمسكهما والله ربّهما وسيّدهما، فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله علیه السلام(1).

وقد أوردت هذه الرواية على طولها لتماميتها في إبطال مذهب الدّهرية ونزيد إيضاحها بكلام أمير المؤمنين علیه السلام، ولو تأملتها حقّ التأمل ظهر لك أنّها في الحقيقة بمنزلة الشرح لقوله: ولم يلجأوا إلى حجة، إلى قوله: جان، فتدبّر لتبصر.

ولما نبّه على لطايف الحكمة ودقائق القدرة الشاهدة بوجود الصّانع المدبّر الحكيم في خلقة النملة أردف ذلك تأكيداً وتثبيتاً بذكر دقايق الصنع وبراهين التدبير في خلق الجرادة فقال علیه السلام:

(وإن شئت قلت في الجرادة) نظير ما قلته في النملة من القول البين كالكاشف عن تدبّر الصّانع الحكيم المدبّر (إذ خلق لها عينين حمراوين وأسرج لها حدقتين قمراوين) أي جعلهما مضيئتين كالسراج منيرتين كالليلة المنيرة بالقمر (وجعل لها السمع الخفيّ) أي عن أعين الناظرين وقيل: أراد بالخفيّ اللطيف السامع لخفيّ الأصوات.

قال الشارح البحراني: فوصفه بالخفاء مجازاً إطلاقاً لاسم المقبول على قابله.

(وفتح لها الفم السّوي) أي المستوى قال الشارح البحراني: والتسوية التعديل بحسب المنفعة الخاصة بها.


1) الكافي: 74/12، والتوحيد: 295.

أقول: ويحتمل أن يكون المراد به أن فمها مشقوق عرضاً مثل فم السرطان وليس كأفواه الزنابير وساير ذوات الأجنحة من الحيوان.

(وجعل لها الحسّ القويّ) قال البحراني: أراد بحسّها قوتها الوهمية وبقوته حذقها فيما ألهمت إياه من وجوه المعاش والتصرف يقال: لفلان حسّ حاذق إذا كان زكياً فطناً درّاكاً.

أقول: والظاهر أن المراد به قوة سامعتها وباصرتها، فإنا قد شاهدنا غير مرّة أنها تقع على الزرع في أوانه بزحفها فيصحن ويأكلن الزرع ويفسدنه فإذا ظهر في الجوّ واحد من الطير المعروف بطير الجراد يمرّ عليهنّ ولو على غاية بعد منهنّ يشاهدنه أو يسمعن صوته فيسكتن ويمسكن عن أصواتهن مخافة أن يقع عليهن فيقتلهنّ، وهو دليل على قوة سمعها وبصرها.

(و) جعل لها (نابين) أي سنين (بهما تقرض) وتقطع الزرع والحب (ومنجلين) أي يدين أو رجلين شبيهتين بالمنجل الذي يقضب أي يقطع به الزرع ووجه الشبه الاعوجاج والخشونة بهما تقبض).

ومن لطيف الحكمة في رجليها أن جعل نصفهما الذي يقع عليه اعتمادها وجلوسها كالمنشار ليكون لها معيناً على الفحص ووقاية لذاتها عند جلوسها وعمدة لها عند الطيران.

(يرهبها الزّراع في زرعهم ولا يستطيعون ذبّها ولو أجلبوا بجمعهم) أي يخافها الزارعون ولا يقدرون على دفعها ولو تجمعوا وتألّبوا بجمعهم، ألا ترى أنها إذا توجهت بزحفها إلى بقعة وهجمت على زروعها وأشجارها أمحلته، ولا يستطيع أحد دفعها حتّى لو أنّ ملكاً ملوك الدنيا أجلب عليها بخيله ورجله وأراد ذبّها عن بلاده لم يتمكّن من ذلك.

وفي ذلك تنبيه على عظمة الخالق حيث يسلّط أضعف خلقه على أقوى خلقه.

قيل لأعرابي: ألك زرع؟ فقال: نعم ولكن أتانا زجل من جراد بمثل مناجلي الحصاد فسبحان من يهلك القويُّ الأكول بالضعيف المأكول.

وفي «حياة الحيوان» للدميري عن ابن عمران جرادة وقعت بين يدي رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم فإذا مكتوب على جناحها بالعبرانية: نحن جند الله الأكبر ولنا تسع وتسعون بيضة ولو تمّت لنا المائة لأكلنا الدنيا بما فيها.

وكيف كان فلا يستطيع أحد لدفعها (حتى ترد الحرث في نزواتها) ووثباتها (وتقضى منه شهواتها) فترد الحرث باختيارها وترحل عنها باختيارها.

قال الأصمعي: أتيت البادية فإذا أعرابي زرع برّاً له، فلما قام على سوقه وجاد سنبله أتاه زجل جراد فجعل الرّجل ينظر إليه ولا يدري كيف الحيلة فيه فأنشأ يقول:

مرّ الجراد على زرعي فقلت لها *** لا تأكلن ولا تشغل بإفساد

فقام منهم خطيب فوق سنبلة *** إنا على سفر لا بدّ من زاد

وقوله (وخلقها كلّه لا يكون إصبعاً مستدقة) تنبيه على تمام التعجب بما أودع فيها من بديع الصنعة، يعني أنّها يرهبها الزراع ويخافها الحراث ويهابها الملاك، والحال أنها مخلوق ضعيف صغير حقير حتّى أنها لو شرح أوصافها المذكورة لمن لم يرها أصلاً اعتقد أن الموصوف بها لا بد أن يكون خلقاً عظيم الجثة قوي الهيكل حتّى يصلح استناد هذه الأوصاف إليه ولم يكن له مزيد تعجّب، فإذا تبيّن له صغر حجمه زاد تعجبّاً.

(فتبارك) أي تعالى: (الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها) أراد بالسجدة معناها الحقيقي، لأنه يسجد له الملائكة والمؤمنين من الثقلين طوعاً حالتي الشدّة والرخا، والكفرة له كرهاً حال الشدّة والضرورة فقط أو معناها المجازي أعني مطلق الخضوع أعمّ من التكليفي والتكويني أي الدخول تحت ذل الافتقار والحاجة، والأوّل مبني على كون لفظة من مخصصة بذوي العقول والثاني على عدم الاختصاص.

ويؤيّد الأوّل قوله (ويعفّر له خذّا ووجها) لظهوره في التمريغ أي تقليب الوجه والخد بالأَرض، اللهم إلا أن يكون كناية عن غاية الخضوع (ويلقي إليه بالطاعة) أي يطيع له (سلماً وضعفاً) أي من حيث التسليم والضعف أوحا لكونه مستسلماً ضعيفاً (ويعطي له القياد رهبة وخوفاً) أي ينقاد له لأجل الخوف والرهبة.

(فالطير مسخرة لأمره) كما قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَرَاتٍ فِي جَوِ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النحل: الآية 79].

قال الطبرسي: أي ألم تتفكّروا وتنظروا إلى الطير كيف خلقها الله خلقة يمكنها معها التصرّف في جوّ السّماء صاعدة ومنحدرة وذاهبة وجائية، مذللات للطيران في الهواء بأجنحتها تطير من غير أن تعتمد على شيء - (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ) [النحل: الآية 79] - أي ما يمسكهن عن السقوط على الأرض من الهواء إلا الله فيمسك الهواء تحت الطير حتّى لا ينزل فيه كإمساك الهواء تحت السابح في الماء حتّى لا ينزل فيه، فجعل إمساك الهواء تحتها إمساكاً لها على التوسّع، فإنّ سكونها في الجوّ إنما هو فعلها، فالمعنى ألم ينظروا في ذلك فتعلموا أن لها مسخّراً أو مدبّراً لا يعجزه شيء ولا يتعذر عليه شيء وأنه إنّما خلق ذلك ليعتبروا.

ولما نبّه على كونها مسخرة مقهورة تحت قدرته، أردفه بإحاطة علمه تعالى عليها بجميع أجزائها فقال (أحصى عدد الريش منها والنفس) وإحصائه كناية عن علمه به (وأرسى قوایمها على الندى واليبس) أي أثبت قوايمها بعضها على الندى كطير البحر وبعضها على اليبس كطير

البرّ (قدّر أقواتها) أي جعل لكلّ منها قوتاً مقدّراً معيّناً على قدر الكفاية (وأحصى أجناسها) وهو كتابة عن إحاطته بأنواعها.

وفصّلها بقوله (فهذا غراب وهذا عقاب وهذا حمام وهذا نعام دعا كلّ طاير باسمه).

قال الشارح البحراني: الدّعاء استعارة في أمر كل نوع بالدخول في الوجود وذلك الأمر يعود إلى حكم القدرة الإلهية العظيمة عليه بالدخول في الوجود، ووجه الاستعارة ما يشترك فيه معنى الدّعاء والأمر من طلب دخول مهيّة المطلوب بالدّعاء والأمر في الوجود وهو كقوله تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَالْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنْبَنَا طَایعِينَ) [فُصّلَت: الآية 211] (فقضيهن) الآية، ولما استعار لفظ الدّعاء رشح بذكر الاسم لأن الشيء إنما يدعى باسمه، ويحتمل أن يريد الاسم اللغوي وهو العلامة فإن لكل نوع من الطير خاصّة وسمة ليست للآخر ويكون المعنى أنه تعالى أجرى عليها حكم القدرة بمالها من السّمات والخواص في العلم الإلهي واللّوح المحفوظ.

قال: وقال بعض الشارحين: أراد أسماء أجناس وذلك أنّ الله تعالى كتب في اللّوح المحفوظ كلّ لغة تواضع عليها العباد في المستقبل، وذكر الأسماء الّتي يتواضعون عليها، وذكر لكلّ اسم مسمّاه فعند إرادة خلقها نادى كلّ نوع باسمه فأجاب دعواه وأسرع في إجابته.

(وكفل له برزقه) أي ضمنه ثمّ أشار إلى كمال قدرته تعالى في خلق المطر والسحاب فقال (وأنشأ السحاب الثقال) أي الثقيلة بما فيها من الماء، وهو اقتباس من قوله سبحانه في سورة الرعد: (وهو الذي يريكم ..... السحاب الثقال) وقد تقدّم في الهداية الرابعة في شرح الفصل السادس من المختار التسعين تفسير هذه الآية ونبّهنا هناك على ما تضمنها الرّعد والبرق والسحاب والمطر من عجائب القدرة والعظمة والحكمة فليراجع ثمة.

وقوله: (فأهل ديمها) أي جعل ديمها هاطلة سائلة متتابعة (وعدّد قسمها) أي أحصى ماقدر منها لكلّ بلد وأرض على وفق الحكمة والمصلحة (فبلّ الأرض بعد جفوفها وأخرج نبتها بعد جدوبها) كما قال عزّ من قائل في سورة الحجّ: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا علَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج) [الحَجّ: الآية 5] أي ترى الأرض ميتة يابسة فإذا أنزلنا عليها المطر تحركت بالنبات وانتفخت وأنبتت من كلّ نوع من أنواع النبات موصوف بالبهجة والحسن والنضارة وفي سورة الروم (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الروم: الآية 24].

تبصرة

لما كان هذه الخطبة الشريفة متضمّنة بوصف خلقة أصناف من الحيوان وتشريح

ما

أبدعه الله سبحانه فيها من دلائل القدرة والحكمة وبراهين التّوحيد والتفريد والعظمة، بعضها بالتفصيل كالنملة والجرادة، وبعضها بالإجمال والإشارة كالغراب والعقاب والحمامة والنعامة أحببت أن أذكر فصلاً وافياً في وصف هذه الأنواع الستّة من الحيوان التي تضمّنها كلام أمير المؤنين علیه السلام على الترتيب الوارد في كلامه، والمقصود بذكر هذا الفصل تأكيد الغرض المسوق له هذه الخطبة الشريفة وهي الدّلالة على قدرة الصانع وحكمة المبدع عزّ وجلّ فأقول:

تذنيبات

الأول - في خلقة النملة

قال الدميري في كتاب «حياة الحيوان»: النمل معروف الواحدة نملة والجمع أنمال، وأرض نملة ذات نمل، والنملة بالضمّ النميمة يقال رجل نمل أي نمام، وما أحسن قول الأَوّل:

اقنع بما تلقي بلا بلغة *** فلیس ینسی ربنا النملة

إن أقبل الدّهر فقم قائماً *** وإن تولی مدبراً نم له

قال: وسميت النملة نملة لتنمّلها وهو كثرة حركتها وقلّة قوائمها، والنمل لا يتزاوج ولا يتلاقّح إنّما يسقط منه شيء حقير في الأرض فينمو حتى يصير بيظتا ثم يتكوّن منه، والبيض كلّه بالضاد المعجمة إلا بيض النمل فإنّه بالظاء المشالة والنمل عظيم الحيلة في طلب الرّزق فإذا وجد شيئاً أنذر الباقين يأتون إليه، وقيل إنما يفعل ذلك منه رؤساؤها، ومن طبعه أنه يحتكر في أيّام الصيف للشتاء، وله في الاحتكار من الحيل ما أنه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسّمه نصفين ما خلا الكسفرة فإنه يقسمها أرباعا لما ألهم من أن كلّ نصف منها ينبت، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره، وأكثر ما يفعل ذلك ليلاً في ضوء القمر ويقال: إن حياته ليست من قبل ما يأكل ولا قوامه، وذلك إنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام ولكنه مقطوع نصفين، وإنما قوته إذا قطع الحبّ في استنشاق ريحه فقط وذلك يكفيه.

أقول: وظاهر كلام أمير المؤمنين علیه السلام في هذه الخطبة أعني قوله علیه السلام في مجاري أكلها ومن شراسيف بطنها يدلّ على فساد زعم هذا القائل، والتجربة أيضاً تشهد بخلافه، فإنا قد شاهدنا كثيراً أن الذّر وهي صغار النمل تجتمع على حبوبات الطعام ونحوها ويأكلها حتى يفنيه بتمامها.

قال الدميري: وقد روى عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شيء يخبا قوته إلا الإنسان

والعقعق والنمل والفار، وبه جزم في «الأحياء» في كتاب التوكل، وعن بعضهم أن البلبل يحتكر الطعام ويقال: إن للعقعق مخابي إلّا أنه ينساها، والنمل شديد الشم، ومن أسباب هلاكه نبات أجنحته فإذا صار النمل كذلك أخصبت العصافير لأنها تصيدها في حال طيرانها، وقد أشار إلى ذلك أبو العتاهية بقوله:

فإذا استوت للنمل أجنحة *** حتی تطير فقد دنا عطبه

وكان الرشيد يتمثل بذلك كثيراً عند نكبة البرامكة.

وهو يحفر قرية بقوائمه وهي ستّ فإذا حفرها جعل فيها تعاويج «تعاريخ خ» لئلا يجري إليها ماء المطر، وربما اتخذ قرية فوق قرية لذلك وإنما يفعل ذلك خوفاً على ما يدّخره من البلل.

قال البيهقي في «الشعب»: وكان عدي بن حاتم الطائي يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنهنّ جارات ولهنّ علينا حقّ الجوار.

وسيأتي في الوحش عن الفتح بن خرشف الزاهد أنّه كان يفتّ الخبز لهنّ في كلّ يوم فإذا كان عاشوراء لم تأكله.

وليس في «الحيوان» ما يحمل ضعف بدنه مراراً غيره على أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف حتّى أنّه يتكلف حمل نوى التمر وهو لا ينتفع به وإنما يحمله على حمله الحرص والشره وهو يجمع غذاء سنين لو عاش ولا يكون عمره ولا يكون عمره أكثر سنة.

ومن عجايبه اتخاذ القرية تحت الأرض، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقات تملأها حبوباً وذخاير للشتاء، ومنه ما يسمّى الذر الفارسي وهو من النمل بمنزلة الزنابير من النحل، ومنه أيضاً ما يسمّى بنمل الأسد سمّي بذلك لأَن مقدمه يشبه وجه الأَسد ومؤخره يشبه النمل.

وروى البخاري ومسلم وأبو داود النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلّی الله علیه و آله أنه قال: نزل نبيّ من الأنبياء علیهم السلام تحت شجرة فلذعته، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها وأمر بها فأحرقت بالنار فأوحى الله تعالى إليه هلاّ نملة واحدة(1).

قال أبو عبد الله الترمذي في «نوادر الأصول»: لم يعاتبه على تحريقها وإنما عاتبه بكونه أخذ البريء بغير البريء، وهذا النّبي هو موسى بن عمران علیه السلام وأنّه قال يا ربّ تعذّب أهل


1) صحيح ابن حبان: 463/13 ح 5645 ، وبحار الأنوار: 243/61.

قرية بمعاصيهم وفيهم الطايع، وكأنّه أحبّ أن يريه ذلك من عنده فسلّط عليه الحرّ حتّى التجأ إلى شجرة مستروحاً إلى ظلّها وعندها قرية نمل فغلبه النوم فلما وجد لذة النوم لذعته نملة فدلكهنّ بقدمه فأهلكهنّ وأحرق مسكنهنّ فأراه تعالى الآية في ذلك عبرة لما لذعته نملة كيف أصيب الباقون بعقوبتها، يريد أن ينبّهه على أن العقوبة من الله تعالى تعم الطايع والعاصي، فتصير رحمة وطهارة وبركة على المطيع، وشرّاً ونقمة وعدواناً على العاصي، وعلى هذا ليس في الحديث ما يدلّ على كراهة ولا خطر في قتل النّمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك ولا أحد من خلق الله أعظم حرمة من المؤمن وقد أبيح لك دفعه بضرب أو قتل على ماله من المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخّرت المؤمن وسلّط عليها.

قال الدميري: وروى الطبراني والدارقطني أنّه قال: لما كلّم الله موسی علیه السلام كان يبصر دبيب النملة على الصفاء في اللّيلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ(1).

قال: وروى أن النملة التي خاطبت سليمان أهدت إليه نبقة فوضعها علیه السلام في كفّه فقالت:

ألم ترنا نهدي إلى الله ماله *** وإن كان عنه ذاغني فهو قابله

ولو كان يهدي للجليل بقدره *** لقصر عنه البحر حين يساجله

ولكنّنا نهدي إلى من نحبّه *** فيرضى بها عنبا ويشكر فاعله

وما ذاك إلا من كريم فعاله *** وإلا فما في ملكنا من يشاكله

فقال سليمان علیه السلام: بارك الله فيكم فهو بتلك الدعوة أكثر خلق الله، انتهى ما أهمنا نقله من كتاب «حياة الحيوان».

أقول: ومن عجيب قصّة النمل ما جرى له مع سليمان علیه السلام وقد أخبر به سبحانه في كتابه العزيز قال تعالى في سورة النمل: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذا أََتَوا عَلَى وَادٍ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَى وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ) [النَّمل: الآية 17 - 19].

قال الطبرسي «أتوا على واد النمل» هو واد بالطائف وقيل بالشام «قالت نملة» أي صاحت بصوت خلق الله لها، ولما كان الصوت مفهوماً لسليمان عبر عنه بالقول، وقيل:


1) بحار الأنوار: 244/61، وميزان الحكمة: 3096/4 - 17.

كانت رئيسة النّمل (لَا يَحْطِمَنَّكُمْ) [النَّمل: الآية 18] أي لا يكسرنكم (سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النَّمل: الآية 18] بحطمكم أو وطئكم فإنهم لو علموا بمكانكم لم يطأوكم.

وهذا يدلّ على أن سليمان وجنوده كان ركباناً ومشاة على الأرض ولم تحملهم الريح، لأن الريح لو حملتهم بين السّماء والأرض لما خافت النملة أن يطأوها بأرجلهم ولعلّ هذه القصّة كانت قبل تسخير الله الريح السليمان علیه السلام.

فإن قيل: كيف عرفت النّملة سليمان وجنوده حتّى قالت هذه المقالة؟

قلنا: إذا كانت مأمورة بطاعته فلا بد وأن يخلق الله لها من الفهم ما تعرف به أمور طاعته، ولا يمتنع أن يكون لها من الفهم ما تستدرك به ذلك وقيل: إن ذلك كان منها على سبيل المعجز.

(فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا) [النَّمل: الآية 19] وسبب ضحكه التعجب لأنّه رأى ما لا عهد له به وقيل إنه تبسّم بظهور عدله حتّى عرفه النمل، وقيل: إنّ الريح أطارت كلامها إليه من ثلاثة أميال حتى سمع ذلك فانتهى إليها وهي تأمر النمل بالمبادرة، فتبسّم علیه السلام من حذرها، هذا.

قال بعض أهل العلم: إن النملة تكلّمت بعشرة أنواع من البديع قولها: يا نادت، أيّها، نبّهت، النمل، سمّت، ادخلوا، أمرت، مساكنكم، نعتت، لا يحطمنّكم، حذرت، سلیمان، خصّت، وجنوده، عمّت، وهم، أشارت، لا يشعرون، اعتذرت.

وفي «البحار: من تفسير علي بن إبراهيم (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ) [النَّمل: الآية 17] قعد على كرسيه وحملته الرياح على واد النمل وهو واد ينبت الذّهب والفضة، قد وكَّل الله به النمل وقول الصادق علیه السلام: إن لله وادياً ينبت الذهب والفضة قد حماه الله بأضعف خلقه وهو النمل لورامه البخاتي ما قدرت عليه، فلما انتهى سليمان إلى وادي النمل (قالت نملة) الآية(1).

وفي «البحار» من العيون العلل بسنده عن داود بن سليمان الغازي قال: سمعت علي بن موسى الرضا علیه السلام يقول عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد علیه السلام في قوله عزّ وجلّ: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا) [النَّمل: الآية 19].

قال: لما قالت النملة (يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ) [النَّمل: الآية 18] حملت الريح صوت النملة إلى سليمان وهو مارّ في الهواء والريح قد


1) بحار الأنوار: 91/14 ح 1، وتفسير القمي: 127/2. 1 127/2.

حملته فوقف وقال: عليّ بالنملة.

فلما أتى بها قال سليمان: يا أيّتها النملة أما علمت أني نبيّ الله وأني لا أظلم أحداً؟ قالت النّملة: بلى، قال سليمان: فلم حذّر تنيهم ظلمي؟ وقلت: يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم؟ قالت النملة: خشيت أن ينظروا إلى زينتك فيفتتنوا بها فيبعدوا عن ذكر الله.

ثمّ قالت النملة: أنت أكبر أم أبوك داود؟ قال سليمان: بل أبي داود، قالت النملة: فلم زيد في حروف اسمك حرف على حروف اسم أبيك داود؟ قال سليمان علیه السلام: ما لي بهذا علم، قالت النملة: لأن أباك داوى جرحه بودّ فسمّى داود وأنت يا سليمان أرجو أن تلحق بأبيك.

ثمّ قالت النّملة: هل تدري لم سخّرت لك الرّيح من بين سائر المملكة؟ قال سليمان: ما لي بهذا علم، قالت النّملة: يعني عزّ وجلّ بذلك لو سخرت لك جمیع المملكة كما سخرت لك هذه الرّيح لكان زوالها من يدك كزوال الريح (فَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا) [النَّمل: الآية 19].

قال العلامة المجلسي رحمه الله: معنى التعليل الذي ذكره النملة أن أباك لما ارتكب ترك الأَولى وصار قلبه مجروحاً بذلك فداواه بودّ الله ومحبّته فلذا سمّى بداود واشتقاقاً من الدواء بالودّ، وأنت لما ترتكب بعد وأنت سليم منه سميت سلیمان فخصوص العلتين للتسميتين صارتا علة لزيادة اسمك على اسم أبيك(1).

ثم لما كان كلامها موهماً لكونه من جهة السّلامة أفضل من أبيه استدركت ذلك بأن ما صدر منه لم يصر سبباً لنقصه بل صار سبباً لكمال محبّته وتمام مودّته وأرجو أن تلحق أنت أيضاً بأبيك في ذلك ليكمل محبّتك.

وفي «حياة الحيوان» عن الثعلبي وغيره أنها كانت مثل الذئب في العظم وكانت عرجاء ذات جناحين.

وفي «تفسير» المولى فتح الله من كشف الغمّة: كانت مثل الدّيك(2)، ومن «زاد المسيرة»: كانت بعظم نعجة، ومن «كشف الأسرار» سألها سليمان علیه السلام عن مقدار جيشها فقالت: أربعة آلاف قائد، ولكلّ قائد أربعون ألف نقيب، ولكلّ نقيب أربعون ألفاً.

وفي «روضة الصفا» قال لها سليمان علیه السلام: أما علمت أني نبيّ الله لا أرضى يظلم أحد؟


1) البحار بحار الأنوار: 93/14، وقصص الأنبياء: 416.

2) بحار الأنوار: 246/61.

قالت: نعم، قال: فلم حذرتهم؟ قال: يلزم على السائس أن ينصح قومه، وأيضاً فقد خفت من جنودك أن يحطمنّهم من حيث لا يشعرون، فاستحسن علیه السلام قولها.

ثمّ قال لها تلطفاً: سلطانك أعظم أم سلطاني؟ قالت: بل سلطاني، قال: فكيف ذلك؟ قالت: لأن سريرك على الريح وسريري كفك.

ثمّ قال: جندك أكثر أم جندي؟ قالت: بل جندي، قال من أين هذا؟ قالت فارجه حتّى أعرض عليك بعض جيشي، فصاحت عليهم أن اخرجوا من حجراتكم حتى ينظر إليكم نبيّ الله، فخرج سبعون ألف فوج لا يعلم عددهم إلا الله قال علیه السلام: هل بعد ذلك؟ قالت: لو خرج كلّ يوم مثلها إلى سبعين عاماً لم تنفدوا، ثمّ لما أراد المسير أهدت إليه نصف رجل جراد واعتذرت كما قال الشاعر:

أهدت سليمان يوم العرض نملته *** تأتي برجل جراد كان في فيها

ترنمت بفصيح القول واعتذرت *** إن الهدايا على مقدار مهدیها

الثاني - في الجرادة

قال في «حياة الحيوان»: الجراد معروف الواحدة جرادة الذكر والأنثى فيه سواء يقال هذه جرادة أنثى كنملة وحمامة، قال أهل اللّغة: وهو مشتق من الجرد قالوا: والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدّاً يقال: ثوب جردت أي أملس، وثوب جرد إذا ذهب زبره.

وهو أصناف مختلفة فبعضه كبير، وبعضه صغير، وبعضه أصفر وبعضه أبيض وإذا خرج من بيضه يقال له الدبا، فإذا طلعت أجنحته وكبرت فهو الغوغا، الواحدة غوغاة وذلك حين يموج بعضه في بعض، فإذا بدت فيه الألوان واصفرت الذكور واسودت الإناث سمّي جراداً حينئذ وإذا أراد أن يبيض التمس لبيضه المواضع الصّلدة والصخور الصّلبة التي لا تعمل فيها المعاول فيضر بها بذنبه فتفرج له فيلقي بيضه في ذلك الصّدع فيكون له كالأفحوص ويكون حاضناً له ومربياً.

وللجرادة ستّة أرجل يدان في صدرها وقائمتان في وسطها ورجلان في مؤخّرها وطرفا رجليها منشاران، وهو من الحيوان الّذي ينقاد لرئيسه فيجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تتابع جمیعه ظاعناً وإذا نزل أوله نزل جميعه، ولعابه سمّ ناقع للنبات لا يقع على شيء منه إلاّ أهلكه.

قال: وفي الجراد خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه: وجه فرس وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل، ورجلا نعامة، وذنب حيّة.

وقد أحسن القاضي محيي الدّين في وصف الجراد بذلك في قوله:

فخذا بكر وساقا نعامة *** وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم

حبتها أفاعي الأرض بطناً وأنعمت *** عليها جياد الخيل بالرأس والفم

قال الشارح المعتزلي: قال أبو عثمان في كتاب «الحيوان»: من عجائب الجرادة التماسها لبيضها الموضع الصّلد والصّخور الملس ثقة بأنها إذا ضربت بأذنابها فيها انفرجت لها، ومعلوم أن ذنب الجراد في خلقة المنشار ولا طرف ذنبه كحدّ السّنان ولا لها من قوة الأسر ولا لذنبها من الصّلابة ما إذا اعتمدت به على الكدية جرح فیها، کیف و هي تتعدى إلى ما هو أصلب هو ذلك(1).

وليس في طرفها كإبرة العقرب وعلى أن العقرب ليس تخرق القمقم بذنبها من جهد الأيد وقوة البدن، بل إنما ينفرج ألمها بطبع مجعول هناك، وكذلك انفراج الصخور لأذناب الجراد.

ولو أن عقاباً أرادت أن تخرق الجاموس لما انخرق لها إلّا بالتكلّف الشديد والعقاب هي التي تكدر على الذئب فتقد بدابرتها ما بين صلوه إلى موضع الكاهل فإذا غرزت الجرادة وألقيت بيضها وانضمت عليها تلك الأخاديد التي أحدثتها وصارت كالأفاحيص لها، صارت خاضنة لها ومربية وحافظة وصائنة واقية.

حتّى إذا جاء وقت دبيب الرّوح فيها حدث عجب آخر لأنّه تخرج من بيضه أصهب إلى البياض، ثمّ يصفر ويتكوّن فيه خطوط سود وبيض، وحجم جناحه ثمّ يستقل فيموج بعضه في بعض.

قال في «الحياة الحيوان»: تكتب هذه الكلمات وتجعل في أنبوبة قصب وتدفن في الزرع أو في الكرم فإنّه لا يؤذيه الجراد بإذن الله تعالى وهي:

«بسم الله الرّحمن الرّحيم اللّهمّ صلّ على سيّدنا محمّد وعلى آل سيّدنا محمّد وسلّم، اللّهمّ أهلك صغارهم واقتل كبارهم، وافسد بيضهم وخذ بأفواههم عن معايشنا وأرزاقنا إنّك سميع الدّعاء، إنّي توكّلت على الله ربّي وربّكم ما من دابة إلّا هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم، اللّهمّ صلّ على سيّدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلّم واستجب منّا يا أرحم الرّاحمين» وهو عجيب مجرّب.


1) شرح نهج البلاغة: 67/13.

الثالث - في الغراب

اشارة

قال في «حياة الحيوان»: الغراب معروف سمّي بذلك لسواده ومنه قوله تعالى: (وَغَرَابِيبٌ سُودٌ) [فَاطِر: الآية 27] وكنيته أبو المرقال قال: قال الشاعر:

إن الغراب وكان يمشي مشية *** فيما مضى من سالف الأجيال

حسد القطاة ورام يمشي مشيها *** فأصابه ضرب من العقال

فأضلّ مشيته وأخطأ مشيها *** فلذاك سمّوه أبا المرقال

وهو أصناف: العذاف، والزاغ، والأكحل، وغراب الزرع، والأورق، وهذا الصنف یحکي جمیع ما يسمعه، والغراب الأعصم عزيز الوجود قالت العرب: أعز من الغراب الأَعصم.

وقال صلّی الله علیه و آله و سلّم: مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأَعصم في مئة غراب، رواه الطبراني من حديث أبي أمامة(1).

وفي رواية ابن أبي شيبة قيل: يا رسول الله وما الغراب الأَعصم؟ قال: الذي إحدى رجليه بيضاء.

وقال في «الأخبار»: الأَعصم أبيض البطن، وقيل: أبيض الجناحين، وقيل: أبيض الرجلين، وغراب الليل قال الجاحظ: هو غراب ترك أخلاق الغربان وتشبه بأخلاق البوم فهو من طير الليل.

وقال أرسطاطاليس: الغراب أربعة أجناس: أسود حالك، وأبلق، ومطرف ببياض لطيف الجرم يأكل الحب، وأسود طاووسي براق الرّيش ورجلاه كلون المرجان يعرف بالزاغ.

قال صاحب «المنطق»: الغراب من لئام الطير وليس من كرامها ولا من أحرارها ومن شأنه أكل الجيف والقمامات.

وهو إما حالك السّواد شديد الاحتراق، ويكون مثله في النّاس الزنج فإنّهم شرار الخلق تركيباً ومزاجاً كمن بردت بلاده ولم تنضجه الأرحام، أو سخنت بلاده فأحرقته الأَرحام، وإنما صارت عقول أهل بابل فوق العقول وكمالهم فوق الكمال لأَجل ما فيها من الاعتدال، فالغراب الشديد السّواد ليس له معرفة ولا كمال.


1) الكافي: 551/5 ح 2، وسائل الشيعة: 20/ 40 ح 24978.

والغراب البين الأَبقع قال الجوهري: هو الذي فيه سواد وبياض، وقال صاحب المجالسة: سمّي الغراب البين لأَنه بان عن نوح علیه السلام لما وجّهه لينظر إلى الماء، فذهب ولم يرجع، ولذلك تشاءموا به.

وقال صاحب «منطق الطير»: الغربان جنس من الأَجناس التي أمر بقتلها في الحلّ والحرم من الفواسق، اشتق لها ذلك الاسم من اسم إبليس لما يتعاطاه من الفساد الذي هو شأن إبليس، واشتق ذلك أيضاً لكلّ شيء اشتد أذاه، وأصل الفسق الخروج عن الشيء، وفي الشرع الخروج عن الطاعة.

وقال الجاحظ: غراب البين نوعان: أحدهما غراب صغير معروف باللّوم والضعف وأمّا الآخر فإنه ينزل في دور الناس ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها وبانوا منها، فلما كان هذا الغراب لا يوجد إلاّ عند بينونتهم عن منازلتهم اشتقوا له هذا الاسم من البينونة.

وقال المقدسي: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب وينعق بين الحلال «الخلاّن» والأَحباب، وإذا رأى شملاً مجتمعاً أنذر بشتاته، وإن شاهد ربعاً عامراً بشّر بخرابه ودروس عرصاته، يعرّف النازل والساكن بخراب الدّور والمساكن، ويحدّر الآكل غصة المآكل، ويبشّر الراحل بقرب المراحل، ينعق بصوت فيه تحزين، كما يصيح المعلن بالتأذين، وأنشد على لسان حاله:

أنوح على ذهاب العمر منّي *** وحق أن أنوح و أن أنادي

وأنذر كلّما عاينت ركباً *** حدا بهم لو شك البین حادي

يعنّفني الجهول إذا رآني *** قد أل-بست أثواب الحداد

فقلت له اتعظ بلسان حالي *** فإني قد نصحتك باجتهاد

وها أنا كالخطیب و لیس بدعاً *** علی الخطباء أثواب السّواد

ألا ترني إذا عاینت رکباً *** أنادي بالنوی في کلّ ناد

أنوح على الطلول فلم يجبني *** بساحتها سوی خرس الحماد

فأكثر في نواحيها نواحي *** من البين المفتت للفؤاد

تيقظ ياثقيل السّمع وافهم *** إشارة من تسیسر به الغوادي

فما من شاهد في الكون إلا *** علیه من شهود الغيب بادي

کمن من رائح فيها وغاد *** ینادي من دنوّ أو بعاد

لقد أسمعت لو ناديت حيّاً ** ولكن لا حياة لمن ينادي

قال الدميري: والعرب تتشاءم بالغراب ولذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب.

وقال الجاحظ: وإنما كان الغراب عندهم هو المقدم في باب الشؤم لأنه لما كان أسود ولونه مختلفاً إن كان أبقع ولم يكن على إبلهم شيء أشدّ من الغراب وكان حديد البصر يخاف من عينيه كما يخاف من عين المعيان قدموه في باب الشؤم انتهى.

ويقال: إن الغراب يبصر من تحت الأرض بقدر منقاره، وفي طبع الغراب كله: الاستتار عند السّفاد، وهو يسفد مواجهة ولا يعود إلى الأنثى بعد ذلك أبداً لقلة وفائه. والأنثى تبيض أربع بيضات أو خمساً.

وإذا خرجت الفراخ من البيض طردتها لأَنّها تخرج قبيحة المنظر جدّاً إذ تكون صغار الأَجرام عظام الرؤوس والمناقير، جرو اللون متفاوتات الأعضاء، فالأبوان ينكران الفراخ ويطيران لذلك ويتركانه، فيجعل الله قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشه إلى أن يقوى وينبت ريشه، فيعود إليه أبواه وعلى الأنثى الحضن وعلى الذكر أن يأتيها بالمطعم.

وفي طبعه أنه لا يتعاطى الصّيد بل إن وجد جيفة أكل منها وإلاّ مات جوعاً أو يتقمقم كما يتقمقم صغار الطير، وفيه حذر شديد وتنافر، والعذاف يقاتل البوم ويخطف بيضها ويأكله.

ومن عجيب إن الإنسان إذا أراد أن يأخذ فراخه تحتمل الأنثى والذكر في أرجلهما حجارة ويتحلقان في الجو ويطرحان الحجارة عليه يريدان بذلك دفعه.

قال أبو الهيثم: يقال إن الغراب يبصر من تحت الأرض بقدر منقاره، والحكمة في ذلك أن الله تعالى بعث إلى قابيل لما قتل أخاه هابيل غراباً ولم يبعث له غيره من الطير ولا من الوحش إن القتل كان مستغرباً جداً إذ لم يكن معهوداً قبل ذلك، فناسب بعث الغراب.

عجيبة

نقل القزويني عن أبي حامد الأندلسي أن على البحر الأَسود من ناحية الأندلس كنيسة من الصّخر منقورة في الجبل عليها قبّة عظيمة، وعلى القبّة غراب لا يبرح وفي مقابل القبّة مسجد يزوره النّاس يقولون: إن الدّعاء فيه مستجاب، وقد قرر على القسيسين ضيافة من يزور ذلك المسجد من المسلمين، فإذا قدم زائر دخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبّة وصاح صيحة، وإذا قدم اثنان صاح صيحتين وهكذا كلما وصل زوار صاح على عددهم، فتخرج الرّهبان بطعام يكفي الزائرين وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب، وزعم القسيسون

أنهم ما زالوا يرون غراباً على تلك القبة ولا يدرون من أين يأكل أو يشرب.

الرابع - في العقاب

قال الدّميري: العقاب طاير معروف والجمع أعقب قال في «الكامل»: العقاب سيّد الطيور والنسر عريفها، قال ابن ظفر: حاد البصر ولذلك قالت العرب: أبصر من عقاب، والأنثى منه تسمّى لقوة وقال ابن خلكان: يقال: إن العقاب جميعه أنثى وإن الّذي يسافده طير آخر من غير جنسه، وقيل: إن الثعلب يسافده، قال: وهذا من العجايب، ولابن عنين الشاعر في هجو شخص يقال له: ابن سيدة.

ما أنت إلا كالعقاب فأمّه *** معروفة وله أب مجهول

والعقاب تبيض ثلاث بيضات في الغالب، وتحضنها ثلاثين يوماً وما عداها من الجوارح يبيض بيضتين ويحضن عشرين يوماً، فإذا خرجت فراخ العقاب ألقت واحداً منها لأَنها يثقل عليها طعم الثلاث وذلك لقلة صبرها، والفرخ الذي تلقيه يعطف عليه طائر آخر يسمى كاسر العظام، فيربيّه، ومن عادة هذا الطائر أن يزق كلّ فرخ ضائع.

والعقاب إذا صادت شيئاً لا تحمله على الفور إلى مكانها، بل تنقله من موضع إلى موضع، ولا تقعد إلا على الأماكن المرتفعة، وإذا صادت الأرانب تبدأ بصيد الصّغار ثمّ الكبار.

ومن عجيب ما ألهمته أنّها إذا اشتكت أكبادها أكلت أكباد الأرانب والثعالب فتبرأ، وهي تأكل الحيّات إلا رؤوسها، والطيور إلاّ قلوبها، ويدلّ لهذا قول امرىء القيس.

كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً *** لدي وكرهاً العناب والحشف البالي

ومن شأنها أن جناحها لا يزال يخفق قال عمرو بن خرام:

لقد تركت عفراء قلبي كأنّه *** جنح عقاب دائم الخفقان

وهي أشد الجوارح حرارة وأقواها حركة، وأيبسها مزاجاً، وهي خفيفة الجناح سريعة الطيران، تتغدى بالعراق وتتعشى باليمن، وريشها الذي عليها فروتها بالشتاء وحليتها في الصّيف، ومتى ثقلت عن النهوض وعميت حملتها الفراخ على ظهورها ونقلتها من مكان إلى مكان، فعند ذلك تلتمس لها عيناً صافية بأرض الهند على رأس جبل فتغمسها فيها ثمّ تضعها في شعاع الشمس فيسقط ريشها وينبت لها ريش جديد وتذهب ظلمة بصرها، ثمّ تغوص في تلك العين فإذا هي قد عادت شابة كما كانت فسبحان القادر على كلّ شيء الملهم كلّ نفس هداها.

الخامس - في الحمام

قال الجوهري: هو عند العرب ذوات الأَطواق نحو الفواخت والقماري وساق حرّ والقضاء والوراشين وأشباه ذلك، يقع على الذكر والأنثى لأَن الهاء إنما دخلت على أنّه واحد من جنس لا للتأنيث، ونقل الأَزهري عن الشافعي أن الحمام كل ما عبّ وهدر.

قال الدّميري: الحمام الذي يألف البيوت قسمان:

أحدهما البرّي وهو الذي يلازم البروج وما أشبه ذلك وهو كثير النفور وسمّي بريّاً لذلك.

والثاني الأَهلي وهو أنواع مختلفة وأشكال متباينة منها الرواعب، والمراعيس والعذاد، والسداد، والمضرب، والقلاب، والمنسوب، وهو بالنسبة إلى ما تقدّم كالعتاق من الخيل وتلك كالبراذين.

قال الجاحظ: الفقيع من الحمام كالصصلاب «الصقلاب ظ» من الناس وهو الأَبيض.

قال الدّميري: ومن طبعه أنّه يطلب وكره ولو أرسل من ألف فرسخ ويحمل الأَخبار ويأتي بها من البلاد البعيدة في المدّة القريبة، وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فراسخ في يوم وحد، وربما اصطيد وغاب عن وطنه حتّى يجد فرصة فيطير إليه.

وسباع الطير تطلبه أشدّ الطلب وخوفه من الشاهين أشدّ من خوفه من غيره، وهو أطير منه ومن ساير الطيور كلّها لكنّه يذعر منه ويعتريه ما يعتريه الحمار من الأَسد والشاة إذا رأت الذئب والفار إذا رأى الهرّ.

ومن عجيب الطبيعة فيه ما حكاه ابن قتيبة في «عيون الأخبار» عن المثنى بن زهير، أنّه قال: لم أر شيئاً قط من رجل وامرأة إلا وقد رأيته في الحمام، رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها وذكراً لا يريد إلا أنثاه إلا أن يهلك أحدهما أو يفقد، ورأيت حمامة تتزيّن للذكر ساعة يريدها، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن آخر ما تعدده، ورأين حمامة تقمط حمامة ويقال إنها تبيض من ذلك ولكن لا يكون لذلك البيض فراخ؛ ورأيت ذكراً يقمط ذكراً، ورأيت ذكراً يقمط كل ما رأى ولا يزاوج وأنثى يقمطها كلّ ما رآها من الذكور ولا تزاوج، وليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلاّ الإنسان والحمام، وهو عفيف في السّفاد يجرّ ذنبه ليعفي أثر الأنثى كأنه قد علم ما فعلت فيجتهد في إخفائه، وقد يسفد لتمام ستة أشهر والأنثى تحمل أربعة عشر يوماً وتبيض بيضتين إحداهما ذكر والثانية أنثى، وبين الأولى والثانية يوم وليلة، والذكر يجلس على البيض ويسخنه جزء من النّهار والأنثى بقية النهار، وكذلك في اللّيل، وإذا باضت الأنثى وابت الدخول على بيضها لأَمر ما ضربها الذكر واضطرّها

للدخول، وإذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه من الذكر «الوكر» وقد ألهم هذا النوع إذا خرجت فراخه من البيض بأن يمضغ الذكر تراباً مالحاً ويطمّها إياه ليسهل به سبيل المطعم، وزعم أرسطو أن الحمام يعيش ثماني سنين.

وذكر الثعلبي وغيره عن وهب بن منبه في قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القَصَص: الآية 68] قال: اختار من النعم الضأن، ومن الطير الحمام.

وذكر أهل التاريخ أن المسترشد بالله لما حبس رأى في منامه كأن على يده حمامة مطوقة، فأتاه آت فقال له: خلاصك في هذا، فلما أصبح حكى ذلك لابن السكينة فقال له: ما أوّلته؟ قال: أولته ببيت أبي تمام.

هن الحمام فإن كسرت عيانة *** من حائهن فإنهن حمام

وخلاصي من حمامي، فقتل بعد أيام يسيرة سنة تسع وعشرين وخمس مئة.

وفي «البحار من الكافي» عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوفلي عن السّكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «اتخذوا الحمام الراعبية في بيوتكم فإنّها تلعن قتلة الحسين علیه السلام»(1).

وفيه من العيون والعلل سأل الشامي أمير المؤمنين علیه السلام عن معنى هدير الحمام الراعبية فقال علیه السلام: «تدعو على أهل المعازف والقيان والمزامير والعيدان»(2).

ومن «الكافي» عن أبي حديجة قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «هذه الحمام حمام الحرم من نسل حمام إسماعيل بن إبراهيم التي كانت له»(3).

وعن أبي سلمة قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: «الحمام طير من طيور الأنبياء علیهم السلام الّتي كانوا يمسكون في بيوتهم وليس من بيت فيه حمام إلاّ لم يصب ذلك البيت آفة من الجنّ، إن سفهاء الجن يعبثون بالحمام ويدعون الناس، قال فرأيت في بيت أبي عبد الله علیه السلام حماماً لابنه إسماعيل»(4).

السادس - في النعام

قال في «حياة الحيوان»: معروف يذكر ويؤنث، وهو اسم جنس مثل حمام وحمامة


1) الكافي: 547/6، وكامل الزيارات: 198.

2) علل الشرائع: 596/2، ووسائل الشيعة: 314/17 - 22635.

3) وسائل الشيعة: 516/11 ح 15416، وبحار الأنوار: 17/12 ح 17.

4) الكافي: 547/6 8، وبحار الأنوار: 233/47.

وجراد وجرادة وتجمع النعامة على نعامات قال الجاحظ: والفرس يسمّونها شترمرغ، وتأويله بعير وطائر قال الشاعر:

ومثل نعامة تدعى بعيراً *** تعامیا إذا ما قيل طيري

فإن قيل احملي قالت فإني *** من الطير المرفه في الوكور

قال: وتزعم الأعراب أن النعامة ذهبت تطلب قرنين فقطعوا أذنيها، فلذلك سميت بالظليم، انتهى.

وكأنّهم إنما سموها ظليماً لأنّهم إنّما ظلموها حين قطعوا أذنيها ولم يعطوها ما طلبت، وهذا بناء على اعتقادهم الفاسد.

قال الدّميري: والنّعام عن المتكلّمين على طبايع الحيوان ليست بطاير، وإن كانت تبيض ولها جناح وريش، ويجعلون الخفاش طيراً، وإن كان يحبل ويلد وله أذنان بارزتان وليس له ريش لوجود الطيران فيه ومراعاة لقوله تعالى: (وَإِذْ تَخلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذنِي) [المائدة: الآية 110] وهم يسمّون الدجاجة طيراً وإن كانت لا تطير.

وظن بعض النّاس أن النعامة متولدة من جمل وطاير، وهذا لا يصحّ، ومن أعاجيبها أنّها تضع بيضها طولاً بحيث لو مدّ عليها خيط لاشتمل على قدر بيضها ولم تجد شيء منه خروجاً عن الآخر، ثمّ إنّها تعطي كلّ بيضة منه نصيبها من الحضن إذ كان كلّ بدنها لا يشتمل على عدد بيضها، وهي تخرج لعدم الطعم. فإن وجدت بيض نعامة أخرى تحضنه وتنسى بيضها. ولعلّها أن تصاد فلا ترجع إليه وهذا توصف بالحمق ويضرب بها المثل قال الشاعر:

فإني وتركي ندى الأكرمین *** وقدحي بكفي زناداً شحاحاً

كتاركة بيضها بالعراء *** وملبسة بيض أخرى جناحاً

قال الدّميري: والنعام من الحيوان الذي يعاقب الذكر الأنثى في الحضن وكل ذي رجلين، إذا انكسرت له إحداهما استعان بالأخرى فى نهوضه وحركته ما خلا النعامة فإنها تبقي في مكانها جاثمة حتّى تهلك جوعاً قال الشاعر:

إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد *** على أختها نهضاً ولا باستها حبوا

وليس للنعام حاسة السمع ولكن له شمّ بليغ، فهو يدرك بأنفه ما يحتاج فيه إلى السمع، فربما شم رائحة القناص من بعد، ولذلك تقول العرب: هو أشم من النعامة.

قال ابن خالويه: ليس في الدّنيا حيوان لا يسمع ولا يشرب الماء أبداً إلا النعام ولا مخ له ومتى رميت رجل واحدة له لم ينتفع بالباقية، والضبّ أيضاً لا يشرب ولكنه يسمع،

ومن حمقها أنها إذا أدركها القناص أدخل رأسها في كثيب رمل تقدّر أنها قد استخفت منه، وهو قوية الصّبر على ترك الماء وأشدّ ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح، وكلّما اشتدّ عصوفها كانت أشدّ عدواً، وتبتلع العظم الصلب والحجر والمدر والحديد فتذيبه وتميعه كالماء.

قال الجاحظ: من زعم أن جوف النعام يذيب الحجارة لفرط الحرارة فقد أخطأ، ولكن لا بدمع الحرارة من غرائز آخر بدليل أن القدر يوقد عليها الأيام ولا تذيب الحجارة، وكما أن جوفي الكلب والذئب يذيبان العظم ولا يذيبان نوى التمر، وكما أن الإبل تأكل الشوك وتقتصر عليه وإن كان شديداً كالسّمر وهو شجر أم غيلان وتلقيه ردماً، وإذا أكلت الشعير ألقته صحيحاً انتهى.

وإذا رأت النعامة في أذن صغير لؤلؤة أو حلقة اختطفتها وتبتلع الجمر فيكون جوفها هو الحامل في إطفائه ولا يكون الجمر عاملاً في إحراقه، وفي ذلك أعجوبتان إحداهما التغذي بما لا يتغذى به، والثانية الاستمراء والهضم، وهذا غير منكر لأن السّمندل يبيض ويفرخ في النار.

فسبحان من أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى، وأبدع في الملك والملكوت من لطايف القدرة من الحكمة ما فيه كفاية لمن اهتدى، وأودع فيهما من بدائع الصنع والخلقة ما لا يعدّ ولا يحصى، وفي أدنى مصنوعاته ومكوّناته تذكرة وذكرى لأولي النهي، شرح الله صدورنا للاهتداء إلى مناهج المعرفة بالتحقيق، والارتقاء إلى معارج اليقين والتصديق إنه ولي التوفيق.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام أنام ووصي والامقام است در صفات کمال و نعوت جمال حضرت ذو الجلال و شهادت برسالت حضرت خاتم الأنبياء ونبي مصطفى صلّی الله علیه و آله و سلّم وذكر عجایب مخلوقات و غرايب مصنوعات میفرماید:

حمد و ثنامر خداوندیرا سزاست که درک نمیتواند بکند اورا حواس، واحاطه نمیتواند بکند بر او مجلسها و نمیبیند او را چشمها، و محجوب نمیسازد اورا پردها دلاات کننده است بر قدم خود بحدوث خلق خود، وبحدوث مخلوقات خود بروجود خود، و با مشابه بودن مخلوقات بر اینکه شبیه نیست او را ، آن خداوندیکه صادق است در وعدهای خود و مرتفع است از ظلم است از ظلم بندگان خود، وقائمست بعدالت در خلق خود، وعادل است برایشان در حکم خود، شاهد آورنده است با حادث بودن أشياء برأزليت خود، و با چیزیکه علامت زده بر آنها که عجز و انکسار است بر قدرت خود، و با چیزیکه مضطر نموده است آنها را بسوی آن که فنا و نابودیست بر دوام وجود خود.

یکی است نه به شماره عدد، دائم الوجود است نه با مدت، وقائمست نه باعتماد بچیزی. استقبال میکنند اورا ذهنها نه با طریق مشاعر وحواس، وشهادت میدهند بر وجود اومرئيات و مبصرات نه با عنوان حضور، واحاطه نکرد او را وهمها بلکه هویدا شد از برای اوهام بأوهام و بسبب عقلها ممتنع شد از ادراك عقول و بسوى عقلها محاکمه کرد عقلها را خداوند متعال صاحب بزرگی نیست چنان بزرگی که ممتد بشود بوجود او نهايات و اطراف پس بزرگ گرداند نهایات او را در حالتیکه صاحب جسم باشد، وصاحب عظمت نیست چنان عظمتيكه منتهی بشود بأوغايتها پس عظیم نمایند او را در حالتیکه صاحب جسد باشد بلکه بزرگست از حیثیت شأن و عظیمست از حیثیت سلطنت.

و شهادت میدهم که محمد بن عبد الله صلّی الله علیه و آله و سلّم بندۀ برگزیده او است و امین پسندیده او، فرستاد او را با حجت های واجب، و باظفر و غلبۀ ظاهر، وبا واضح نمودن

راه پس رسانید رسالت را در حالتیکه شکافنده بود میان حق و باطل را، و حمل کرد خلق را براه راست در حالتیکه دلالت کننده بود بر آن، و برپا نمود علمهای راه یافتن و منارهای روشنی را، و گرداند کوههای اسلام را محکم و ریسمانهای ایمان را بغایت استوار.

و بعضی از فقرات این در وصف خلفت عجیبه وغريبۀ اصنافی از حيواناتست میفرماید:

اگر فکر میکردند در قدرت عظیمه و نعمت جسیمۀ پروردگار هر آینه برمیگشتند براه راست، و میترسیدند از عذاب آتش، ولكن قلبها ناخوش است و دیدها معیوب آیا نظر نمیکنند بسوی كوچك آنچه خلق فرموده از حیوان چگونه محکم ساخته خلقت آنرا و استوار گردانیده ترکیب آن را، و شکافته از برای آن گوش و چشم را، و معتدل نمود از برای او استخوان و پوسترا.

نظر بکنید بسوی مورچه در غایت خوردی جثۀ او و لطافت هيئت او نزديك نیست که ادراك شود بنگریستن بگوشۀ چشم و نه با طلب درك فكرها چگونه حرکت مینماید بر زمین خود، و هجوم آورد بر روزي خود، نقل میکند دانه را بسوی سوراخ خود، و مهیا مینماید آن دانه را در مقر خود، و جمع میکند آن را در گرمای خود از برای سرمای خود، و در أيام تمكّن خود براى أيام عجز خود، کفیل کرده شده بروزی آن، و روزی داده شده بچیزیکه موافق مزاج او است در حالتی غفلت نمینماید از آن خداوندیکه کثیر العطاء است، و محروم نمیفرماید آنرا خدائیکه جزا دهنده بندگانست اگرچه بوده باشد آن مورچه در سنگ سخت و خشك و در سنگ محكم و استوار.

و اگر فکر نمودی در مجراهای غذای او و در بلندی و پستی أعضای او و در آنچه در درون او است از أطراف دنده ها که مشرفست بشکم او، و در آنچه که در سر او است از چشم او و گوش او هر آینه تعجب میکردی از خلقت آن بغایت تعجب، وملاقات میکردی از وصف آن بتعب و مشقت، پس بلند است خداوندیکه برپا داشت آنرا بقائمهای آن که دست و پای او است، و بنا نمود عمارت بدن آنرا برستونهای آن که اعضا و جوارح او است، در حالتیکه شريك نشد او را در آفریدن آن هیچ آفریننده

و اعانت نکرد او را در خلقت آن هیچ صاحب قدرت.

و اگر سیر کنی در راههای فکر خودت تا برسی بنهایتهای آن راه ننماید تو را راه نماینده مگر بر اینکه خالق مورچه كوچك همان خالق درخت خرمای بزرگ است از جهت دقت و لطافت تفصیل هر شيء و از جهت صعوبت و غموض اختلاف هر ذى حياة، و نیست بزرگ جثه ولطيف بدن و سنگين وسبك وصاحب قوّت وصاحب ضعف در ایجاد فرمودن او مگر یکسان، و همچنین آسمان و هوا و آب و باد.

پس نظر کن بسوی مهر و ماه و درخت و گیاه و آب و سنگ و بسوی اختلاف نمودن این شب و روز و منفجر شدن این دریاها و بسیاری این کوهها و درازی این سرهای کوهها و متفرق شدن این لغتها و زبانهای مختلف گوناگون.

پس وای بر کسیکه انکار نماید خداوند صاحب تقدير را، و کافر شود بخداوند صاحب تدبیر، و گمان کرده اند که ایشان مثل گیاه خودرویند که نیست ایشانرا زراعت کننده، و نه از برای صورتهاي مختلفۀ ایشان آفریننده، و استناد نکردند بدليلي در آن چیزیکه ادعا نمودند، و بتحقيقي در آن چیزیکه حفظ کردند و ذهنی ایشان شد، آیا ممکن بشود بنائي بدون بنا کننده یا جنايتي بدون جنايت زننده.

و اگر خواستی گفتی در ملخ آنچه که در مورچه گفتی هنگامیکه خلق فرمود خداوند عالم از برای آن دو چشم سرخ، و برافروخت از برای آن دو حدقه روشن، و گردانید از برای آن قوّه سامعه که پنهان است و واز نمود از برای آن دهن مساوی، و قرار داد از برای آن قوّه حسّاسه با قوّت و دو دندان که با آنها قطع میکند گیاه را و دو پای مثل دو داس که بآنها قبض میکند علف را، میترسند از آن صاحبان زراعت در زراعت خودشان و استطاعت ندارند دفع کردن آن را اگرچه جمع آوری نمایند چه جمعیّت خودشان را و حال آنکه خلقت آن تماما بأندازه انگشت باريك نمیشود.

پس بلند است آن خدائی که سجده میکند او را أهل آسمانها و زمين با رضا وكرامت، و ميمالد بخاك از برای او رخسار و روی را، و میاندازند جلو فرمان برداریرا بسوی او از حیثیت ضعف و تسلیم، و میدهند او را افسار انقياد از جهة خوف وترس

پس مرغها مسخّرند از برای أمر او، شمرده شمارۀ پرها و نفسهای آنها را، و محکم ساخته و ثابت نموده پاهای آنها را برتری و برخشکی، مقدر فرموده روزیهای آنها را، و شمرده و ضبط کرده جنسهای آنها را، پس این کلاغ است، و این هما است و این کبوتر است، و این شتر مرغ است، دعوت فرمود هر مرغی را بنام خود، و کفالت کرد بروزی آن، و ایجاد نمود ابر سنگین را، پس بارانید باران نرم بي رعد وبرق آن را، و شمرد قسمتهای آن را که بهر ولایت باندازه معین تقسیم شده پس تر ساخت آن باران زمین را پس از خشک شدن آن، و بیرون آورد گیاه آن را بعد از قحط سالی آن.

ومن خطبة له علیه السلام وهي المئة والخامسة والثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

وهي مروية في الاحتجاج من قوله علیه السلام: لا يشمل بحدّ إلى آخرها مثل ما في المتن من دون اختلاف إلاّ في ألفاظ يسيرة.

قال السيد رحمه الله: وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة.

«مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَ لاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَ لاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، وَ لاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ تَوَهَّمَهُ، كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ، وَ كُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ، فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِيٌّ لاَ بِاسْتِفَادَةٍ، لاَ تَصْحَبُهُ اَلْأَوْقَاتُ، وَ لاَ تَرْفِدُهُ اَلْأَدَوَاتُ، سَبَقَ اَلْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ، وَ اَلْعَدَمَ وُجُودُهُ، وَ اَلاِبْتِدَاءَ أَزَلُهُ.

بِتَشْعِيرِهِ اَلْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ، وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ اَلْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ، وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ اَلْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ، ضَادَّ اَلنُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَ اَلْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ، وَ اَلْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَ اَلْحَرُورَ بِالصَّرَدِ، مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا، مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا، مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا، لاَ يُشْمَلُ بِحَدٍّ، وَ لاَ يُحْسَبُ بِعَدٍّ وَ إِنَّمَا تَحُدُّ اَلْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا، وَ تُشِيرُ اَلْآلاَتُ إِلَى نَظَائِرِهَا، مَنَعَتْهَا مُنْذُ اَلْقِدَمِيَّةَ، وَ حَمَتْهَا قَدُ اَلْأَزَلِيَّةَ، وَ جَنَّبَتْهَا لَوْلاَ اَلتَّكْمِلَةَ، بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَ بِهَا اِمْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ اَلْعُيُونِ، لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ اَلسُّكُونُ وَ اَلْحَرَكَةُ، وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، وَ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ يَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ، إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ، وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ، وَ لاَمْتَنَعَ مِنَ اَلْأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَ لَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ، وَ لاَلْتَمَسَ اَلتَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ اَلنُّقْصَانُ، وَ إِذاً لَقَامَتْ آيَةُ اَلْمَصْنُوعِ فِيهِ، وَ لَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ، وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ اَلاِمْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهِ.

اَلَّذِي لاَ يَحُولُ وَ لاَ يَزُولُ، وَ لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ اَلْأُفُولُ، لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، وَ لَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً، جَلَّ عَنِ اِتِّخَاذِ اَلْأَبْنَاءِ، وَ طَهُرَ عَنْ مُلاَمَسَةِ اَلنِّسَاءِ، لاَ تَنَالُهُ اَلْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، وَ لاَ تَتَوَهَّمُهُ اَلْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، وَ لاَ تُدْرِكُهُ اَلْحَوَاسُّ فَتَحُسَّهُ، وَ لاَ تَلْمِسُهُ اَلْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ، وَ لاَ يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، وَ لاَ يَتَبَدَّلُ بِاَلْأَحْوَالِ، وَ لاَ تُبْلِيهِ اَللَّيَالِي وَ اَلْأَيَّامُ، وَ لاَ تُغَيِّرُهُ اَلضِّيَاءُ وَ اَلظَّلاَمُ، وَ لاَ يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْأَجْزَاءِ، وَ لاَ بِالْجَوَارِحِ وَ اَلْأَعْضَاءِ، وَ لاَ بِعَرَضٍ مِنَ اَلْأَعْرَاضِ، وَ لاَ بِالْغَيْرِيَّةِ وَ اَلْأَبْعَاضِ، وَ لاَ يُقَالُ لَهُ حَدٌّ وَ لاَ نِهَايَةٌ، وَ لاَ اِنْقِطَاعٌ وَ لاَ غَايَةٌ، وَ لاَ أَنَّ اَلْأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيهِ، أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ.

وَ لَيْسَ فِي اَلْأَشْيَاءِ بِوَالِجٍ، وَ لاَ عَنْهَا بِخَارِجٍ، يُخْبِرُ لاَ بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ، وَ يَسْمَعُ لاَ بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ، يَقُولُ وَ لاَ يَلْفِظُ، وَ يَحْفَظُ وَ لاَ يَتَحَفَّظُ، وَ يُرِيدُ وَ لاَ يُضْمِرُ، يُحِبُّ وَ يَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ، وَ يُبْغِضُ وَ يَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، يَقُولُ لِمَا أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ لاَ بِصَوْتٍ يَقْرَعُ، وَ لاَ بِنِدَاءٍ(1)يُسْمَعُ وَ إِنَّمَا كَلاَمُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مِثْلُهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً، وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً، لاَ يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ اَلصِّفَاتُ اَلْمُحْدَثَاتُ(2)، وَ لاَ يَكُونُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ فَصْلٌ وَ لاَ لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَيَسْتَوِيَ اَلصَّانِعُ وَ اَلْمَصْنُوعُ، وَ يَتَكَافَأَ اَلْمُبْتَدِعُ وَ اَلْبَدِيعُ، خَلَقَ اَلْخَلاَئِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ.

وَ أَنْشَأَ اَلْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اِشْتِغَالٍ، وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ وَ أَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وَ حَصَّنَهَا مِنَ اَلْأَوَدِ وَ اَلاِعْوِجَاجِ وَ مَنَعَهَا مِنَ اَلتَّهَافُتِ وَ اَلاِنْفِرَاجِ، أَرْسَى أَوْتَادَهَا، وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا، وَ اِسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وَ خَدَّ أَوْدِيَتَهَا، فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَ لاَ ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ.

هُوَ اَلظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ، وَ هُوَ اَلْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ وَ اَلْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلاَلِهِ وَ عِزَّتِهِ، لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ وَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَ لاَ يَفُوتُهُ اَلسَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ، وَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ، خَضَعَتِ اَلْأَشْيَاءُ لَهُ، وَ ذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ، لاَ تَسْتَطِيعُ اَلْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ، وَ لاَ كُفْوءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ، وَ لاَ نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ.

هُوَ اَلْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا، وَ لَيْسَ فَنَاءُ اَلدُّنْيَا بَعْدَ اِبْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اِخْتِرَاعِهَا، وَ كَيْفَ وَ لَوِ اِجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا، وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا، وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَ أَجْنَاسِهَا، وَ مُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَ أَكْيَاسِهَا، عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا، وَ لاَ عَرَفَتْ كَيْفَ اَلسَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا، وَ لَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ وَ تَاهَتْ، وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ، وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً، عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا.

وَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ اَلدُّنْيَا، وَحْدَهُ لاَ شَيْءَ مَعَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ اِبْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا، بِلاَ وَقْتٍ وَ لاَ مَكَانٍ، وَ لاَ حِينٍ وَ لاَ زَمَانٍ، عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ اَلْآجَالُ وَ اَلْأَوْقَاتُ،


1) في نسخة نداء.

2) في نسخة: صفات المحدثات.

وَ زَالَتِ اَلسِّنُونَ وَ اَلسَّاعَاتُ، فَلاَ شَيْءَ إِلاَّ اَللّٰهُ اَلْوٰاحِدُ اَلْقَهّٰارُ اَلَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ اَلْأُمُورِبِلاَ قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ اِبْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وَ بِغَيْرِ اِمْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا، وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى اَلاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا.

لَمْ يَتَكَاءَدْهُ(1)صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَ لَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا بَرَأَهُ وَ خَلَقَهُ، وَ لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَ لاَ لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ، وَ لاَ لِلاِسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ، وَ لاَ لِلاِحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ، وَ لاَ لِلاِزْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَ لاَ لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ، وَ لاَ لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا.

ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لاَ لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَ تَدْبِيرِهَا، وَ لاَ لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ، وَ لاَ لِثِقْلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ، لاَ يُمِلُّهُ(2)طُولُ بَقَائِهَا، فَيَدْعُوهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا، وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَ أَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ.

ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ اَلْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَ لاَ اِسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَ لاَ لاِنْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اِسْتِئْنَاسٍ، وَ لاَ مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَ اِلْتِمَاسٍ، وَ لاَ مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَةٍ إِلَى غِنًى وَ كَثْرَةٍ، وَ لاَ مِنْ ذُلٍّ وَ ضَعَةٍ إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَةٍ(3).

اللغة

(وضح) يضح من باب وعد إذا انكشف وانجلى و (البهمة) لعلّها مأخوذة من أبهم الأَمر واستيهم إذا اشتبه و(الحرور) بفتح الحاء في أكثر النسخ وهكذا ضبطه الشارح المعتزلي قال الفيومي: الحرور وزان رسول الريح الحارة، قال الفراء تكون ليلاً ونهاراً، وقال أبو عبيدة: أخبرنا روبة أن الحرور بالنهار والسّموم بالليل وقال أبو عمرو بن العلا: الحرور والسّموم باللّيل والنهار، وفي القاموس: الحرور الريح الحارة بالليل وقد تكون بالنّهار وحرّ الشمس والحرّ الدائم والنار، وفي نسخة الشارح البحراني الحرور بالضمّ قال في القاموس: الحرّ ضدّ البرد كالحرور بالضمّ والحرارة و(اللهوات) جمع لهات بفتح اللاّم فيهما وهي اللحمة في سقف أقصى الفم.

و (المراح) بالضمّ قال الشارح المعتزلي هي النعم ترد إلى المراح بالضمّ أيضاً وهو


1) في نسخة: يتكاءده.

2) في نسخة: لم يملّه.

3) الاحتجاج: 304/1، والفصول المهمة في أصول الأئمة: 300/1.

الموضع الذي تأوي إليه النعم، وقال البحراني: مراحها ما يراح منها في مرابطها، ومعاطنها وسائمها ما أرسل منها للرعي.

أقول: يستفاد منهما أن المراح هنا اسم مفعول وظاهر غير واحد من اللّغويين أنه اسم للموضع فقط، قال في «القاموس»: أراح الإبل ردّها إلى المراح بالضمّ المأوى.

وقال الفيومي في «مصباح اللّغة»: قال الأزهري وأما راحت الإبل فهي رائحة فلا يكون إلا بالعشي إذا أراحها راعيها على أهلها يقال: مرحت بالغداة إلى الرعي وراحت بالعشي على أهلها أي رجعت من المرعى إليهم، وقال ابن فارس: الرواح رواح العشي وهو من الزوال إلى اللّيل، والمراح بالضمّ حيث تأوي الماشية باللّيل والمناخ والمأوى مثله وفتح الميم بهذا المعنى خطأ لأنه اسم مكان واسم المكان والزمان والمصدر من أفعل بالألف مفعل بضم الميم على صيغة اسم المفعول، وأما المراح بالفتح فاسم الموضع من راحت بغير ألف، واسم المكان من الثلاثي بالفتح، انتهى.

وقال في مادة السوم: سامت الماشية سوماً رعت بنفسها ويتعدى بالهمزة فيقال أسامها راعيها، قال ابن خالويه: ولم يستعمل اسم مفعول من الرّباعي بل جعل نسياً منسيّاً ويقال أسامها فهي سائمة.

فقد ظهر من ذلك أن جعل المراح اسم مفعول من أراح كما زعمه الشارحان غير جايز فهو اسم مكان ولا من تقدير مضاف في الكلام وتمام الكلام في بيان المعنى. و(التبلّد) ضد التجلّد من بلد بلادة كشرب وفرح فهو بليد أي غير فطن ولا كيس و(لم یتكاده) بالتشديد والهمزة من باب التفعل، وبالمد أيضاً من باب التفاعل مضارع تكاد يقال تكأّدني الأَمر وتكاءدني أي شق عليّ، وعقبة كؤدة صعبة.

الإعراب

قوله: منعتها منذ القدمة وحمتها قد الأزليّة وجنبتها لولا التكملة، المرويّ من نسخة الرضي نصب القدمة والتكملة والأزليّة، ومن بعض النسخ رفعها، فعلى الرواية الأولى الضماير المتصلة معفولات أول للأَفعال الثلاثة، ولفظة منذ وقد ولولا في موضع الرّفع على الفاعل، والمنصوبات الثلاث مفعولات ثانية بالواسطة، وعلى الرواية الثانية فارتفاع الأسماء الثلاثة على الفاعليّة، والضماير المتّصلة مفاعيل ومنذ وقد ولولا مفاعيل ثوان.

المعنى

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة كما قاله السيد رحمه الله مشتملة على مطالب نفيسة ومباحث

شريفة من العلم الإلهي مع تضمنها للفصاحة والبلاغة وانسجام العبارات وحسن الأسلوب وبديع النظم، ولعمري أنها فصل من كلامه علیه السلام في أرجائه مجال المقال واسع، ولسان البيان صادع، وثاقب المطالب لامع، وفجر المدايح طالع، ومراح الامتداح جامع، فهو لمن تمسّك بهداه نافع، ولمن تعلّق بعراه رافع، فيا له من فصل فضل كؤوس ينبوعه لذّة للشاربين، و دروس مضمونه مفرحة للكرام الكاتبين يعظم للمحققين قدر وقعه، ويعم للمدققين شمول نفعه.

كيف لا والموصوف به الحق الأول رب العالمين، وديّان الدّين، وخالق السّماوات والأَرضين، إله الخلق أجمعين.

والواصف جامع علوم الأوّلين والآخرين، خليفة الله في الأرضين، معلم الملائكة والنبيّين، أمير المؤمنين الذي بحار علومه ومآثره لا ينال قعرها بغوص الأفهام وجبال فضايله ومفاخره لا يرتقى قلالها بطير العقول والأَوهام.

وتالي هذه الخطبة الشريفة خطبة أخرى لأَبي الحسن الرضا علیه السلام يأتي إنشاء الله ذكرها، في شرح المختار المئة والثامن وهي أيضاً تجمع من أصول علم التوحيد ما لا يحصى كما يعرفه الناقد البصري ذو الفهم الثاقب.

إذا عرفت ذلك فأقول: صلّی الله علیه و آله و سلّم قد وصف الله الملك العلام في هذه الخطبة بأوصاف سلبية وإضافية.

إذا أولها قوله علیه السلام (ما وحّده من كتيفه) أي من جعله مكيفاً ووصفه سبحانه بالكيف فلم يجعله واحداً ولم يقل بوحدانيّته، لكنّه تعالى واحد وتوحيده واجب لقيام الأَدلة العقلية والنقليّة عليه حسبما مر في تضاعيف المتن والشرح غير مرة فتكييفه مطلقاً باطل.

وإنّما كان التكييف منافياً للتوحيد لأن الكيف بأقسامها الأربعة أعني الكيفيات المحسوسة راسخة كانت كصفرة الذهب وحلاوة العسل وتسمى انفعاليات أو غير راسخة كحمرة الخجل وصفرة الوجل وتسمّى انفعالات، والكيفيات الاستعدادية سواء كانت استعداداً نحو الانفعال أي التهيؤ لقبول أثرها بسهولة أو سرعة كالممراضية واللين، أو استعداداً نحو اللانفعال أي التهيؤ للمقاومة وبطوء الانفعال كالمصحاحية والصلابة، والكيفيات النفسانيّة المختصّة بذوات الأَنفس الحيوانيّة راسخة كانت وتسمّى ملكة كالعلم والشجاعة والعدالة، أو غير راسخة وتسمى حالاً كغضب الحليم ومرض الصّحاح، والكيفيات المختصّة بالكميّات متصلة كانت كالاستقالة والانحناء والشكل والخلقة، أو منفصلة كالزوجية والفردية.

فهو بهذه الأقسام الثابتة له بالحصر العقلي أو الاستقرائي من أقسام العرض، والعرض

هو الموجود الحال في المحل على وجه الاختصاص الناعت أي يكون أحد الشيئين بالنسبة إلى الآخر بحيث يكون مختصّاً به على وجه يوجب ذلك الاختصاص كون الأوّل نعتاً والثاني منعوتاً كما في السواد بالنسبة إلى الجسم، فإن اختصاصه به أوجب اتصافه به فيقال جسم أسود فلو كان الحق الأوّل سبحانه موصوفاً بالكيف بأيّ قسم من أقسامه لزم اقترانه به، والمقارنة بين الموصوف والوصف مستلزم للتثنية لما قد مرّ في الفصل الرابع من المختار الأوّل من قوله علیه السلام: «فمن وصف الله فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه»، والتثنية مناف للتوحيد، هذا.

وقد مرّ دليل آخر على استحالة اتصافه بالكيف في شرح الفصل الثاني من المختار التسعين فليراجع هناك.

وتوضيح ما قاله من جهة النقل ما رواه في «البحار» من كتاب كفاية النصوص لعليّ بن محمد بن عليّ الخزار الرازي عن أبي المفضّل الشّيباني عن أحمد بن مطوق بن سوار عن المغيرة بن محمد بن المهلب عن عبد الغفار بن كثير عن إبراهيم بن حميد عن أبي هاشم عن مجاهد عن ابن عباس قال:

قدم يهودي على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقال له: نعثل.

فقال: يا محمد إني سائلك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين فإن أنت أجبتني عنها أسلمت على يدك، قال: سل يا با عمارة.

فقال: يا محمد صف لي ربّك فقال صلّی الله علیه و آله و سلّم: «إن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه وكيف يوصف الخالق الذي يعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده والأبصار عن الإحاطة به، جلّ عمّا يصفه الواصفون، نأى في قربه، وقرب في نائه كيّف الكيفية فلا يقال له كيف، وأين الأين فلا يقال له أين، منقطع الكيفوفيّة والأينونيّة، فهو الأَحد الصّمد كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد».

قال: صدقت يا محمد أخبرني عن قولك إنه واحد لا شبيه له أليس الله واحد والإنسان واحد فوحدانيته أشبهت وحدانية الإنسان؟

فقال صلّی الله علیه و آله و سلّم: «الله واحد واحدي المعني والإنسان واحد ثنويّ المعني، جسم وعرض وبدون وروح، فإنما التشبيه في المعاني لا غير»(1).

والثاني قوله علیه السلام (ولا حقيقته أصاب من مثله) أي من أثبت له المثل فلم يعرفه حق


1) كفاية الأثر: 13، وبحار الأنوار: 304/3.

معرفته، لأنه سبحانه واجب الوجود ليس كمثله شيء، فالجاعل له مثلاً لم يعرفه بوجوب الوجود لأن وجوب الوجود ينفي المثل.

والمقصود بالكلام تنزيهه سبحانه عن المماثل وتحقيق أنه سبحانه لا مثل له هو أن المثل هو المشارك في تمام الماهية وهو تعالى ليس له شريك فليس له مثل، وأيضاً قد تقرر أنه تعالى لا مهية له فلا يكون له مثل إذ الاشتراك في المهيّة فرع وجود المهيّة.

وقال الشارح البحراني: كلّ ماله مثل فليس بواجب الوجود لذاته، لأن المثليّة إما أن يتحقق من كل وجه فلا تعدّد إذا لأَن التعدد يقتضي المغايرة بأمر ما وذلك ينافي الاتحاد والمثليّة من كل وجه هذا خلف، وإما أن يتحقق من بعض الوجود.

وحينئذ ما به التماثل إما الحقيقة أو جزؤها أو أمر خارج عنها.

فإن كان الأوّل كان به الامتياز عرضياً للحقيقة لازماً أو زائلاً لكن ذلك باطل لأن المقتضى لذلك العرضية إمّا المهية فيلزم أن يكون مشتركاً بين المثلين لأن مقتضى الماهية الواحدة لا يختلف فما به الامتياز لأَحد المثلين عن الآخر حاصل للآخر هذا خلف، أو غيرها فتكون ذات واجب الوجود مفتقرة في تحصيل ما تميزها من غيرها إلى غير خارجي هذا محال.

وإن كان ما به التماثل والاتحاد جزءاً من المثلين لزم كون كل منهما مركباً فكل منهما ممكن هذا خلف.

وبقي أن يكون التماثل بأمر خارج عن حقيقتهما مع اختلاف الحقيقتين لكن ذلك باطل.

أمّا أولاً فلامتناع وصف واجب الوجود بأمر خارج عن حقيقته لاستلزام إثبات الصفة له تنثيته وتركيبه على ما مرّ.

وأمّا ثانياً فلأن ذلك الأمر الخارجي المشترك إن كان كمالاً لذات واجب الوجود فواجب الوجود لذاته مستفيد للكمال من غيره هذا خلف، وإن لم يكن كمالاً كان إثباته له نقصاً، لأن الزيادة على الكمال نقص فثبت أن كل ماله مثل فليس بواجب الوجود لذاته.

والثالث قوله علیه السلام (ولا إيّاه عني من شبّهه) ومعناه مثل سابقه والغرض به تنزيهه عن الشبیه.

وقال صدر المتألهين في «شرح الكافي»: الضابطة الكليّة في تنزيهه تعالى عن الاشتراك مع غيره في شيء من الصّفات أو أمر من الأمور الوجوديّة أنه يلزم عند ذلك إما المماثلة في

الذات أو المشابهة في الصفة، لأن ذلك الأمر المشترك إن كان معتبراً في ذاته تعالى فيلزم المثل، وإن كان زايداً عليه فأشبه وكلاهما محال.

أمّا الأوّل فللزوم التركيب المستلزم للإمكان والحاجة، ولم تقدّم من البرهان على نفي الماهية عن واجب الوجود، وأن كل ذي مهيّة معلول، وأيضاً قد برهن على أن أفراد طبيعة واحدة لا يمكن أن يكون بعضها سبباً للبعض مقدماً عليه بالذات، والله موجد كلّ ما سواه فلا مثل له في الوجود.

وأمّا الثاني فذلك الأمر الزايد إن كان حادثاً لزم الانفعال والتغير الموجبين للتركيب تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، وإن كان أزليّاً لزم تعدد الواجب تعالى وهو محال.

والرابع قوله علیه السلام (ولا صمده من أشار إليه وتوهمّه) أي لم يقصده سبحانه من أشار إليه بالإشارة الحسيّة أو العقليّة، لأَن من أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله حسبما عرفته في شرح الفصل الخامس من المختار الأوّل، وفي شرح المختار المئة والثّاني والخسمين، فالموجّه قصده إلى من يشير إليه موجّه له إلى شيء ممكن ليس واجب، وكذلك من وجّه قصده إلى شيء موهوم موجه له إلى مخلوق مصنوع مثله لا إلى المعبود بالحق الواجب لذاته، لتنزّهه سبحانه عن إدراك العقول والأوهام، وتقدّسه عن درك الإفهام حسبما عرفته في شرح الفصل الثاني من المختار الأول وغيره.

وقد قال الباقر علیه السلام: كل ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مثلكم ولعل النمل الصّغار تتوهم أن الله زبانين «زبانيين» فإن ذلك كمالها وتتوهم أن عدمهما نقصان لمن لا يتّصف بهما(1).

والخامس قوله علیه السلام: (كل معروف بنفسه مصنوع) والغرض منه نفي العلم به بحقيقته بیان ذلك أنه تعالى لو كان معروفاً بنفسه أي معلوماً بحقيقته لكان مصنوعاً، إذ كل معروف مصنوع لكن التالي باطل فالمقدّم مثله، أما بطلان التالي فلأَن المصنوع مفتقر إلى الصانع، والمفتقر ممكن لا يكون واجباً، وأما وجه الملازمة فلأَن كلّ معلوم بحقيقته فإنّما يعلم من جهة أجزائه وكلّ ذي جزء فهو مركّب محتاج إلى مركّب يركّبه وصانع يصنعه، فثبت بذلك أن كل معلوم الحقيقة مصنوع فانقدح منه أنّه تعالى شأنه غير معروف بنفسه بل معروف بآثاره وآياته.

والسادس قوله علیه السلام (وكل قائم في سواه معلول) والغرض منه نفي كونه قائماً بغيره، إذ


1) بحار الأنوار: 292/66، نور البراهين: 93/1.

لو كان قائماً بغيره لكان معلولاً، لأن كلّ قائم في سواه معلول لكن التالي باطل لأَن المعلولية ينافي وجوب الوجود فالمقدم مثله، ووجه الملازمة أن القائم بغيره محتاج إلى محل وكل محتاج ممكن وكل ممكن معلول فظهر منه أنه تعالى لا يكون قائماً بغيره، بل كل شيء قائم به موجود بوجوده.

ويمكن تقرير الدليل بنحو آخر وهو أن يقال: كل قائم في سواه معلول والواجب تعالى ليس بمعلول فينتج أنه ليس قائماً بغيره، ويأتي مثل هذا التقرير في الفقرة السابقة أعني قوله كلّ معروف (اه-).

السابع أنه تعالى (فاعل لا باضطراب آلة) يعني أنه خالق الخلائق أجمعين جاعل السماوات والأرضين موجد الأولين والآخرين من دون حاجة في فعله وإيجاده إلى اكتساب الآلات وتحصيل الأدوات، لأن الافتقار إليها من صفات الإمكان ولوازم النقصان وإنما أمره تعالى إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

الثامن أنه (مقدر لا بجول فكرة) يعني أنه سبحانه قدر لكل شيء ما يستحقه من الوجود وأعطى كل موجود المقدار الذي يستعده من الكمال كماً وكيفاً في الأَرزاق والآجال ونحوها من دون افتقار في ذلك إلى جولان الفكر كما يفتقر إليه غيره من البشر، لأَن الفكرة لا تليق إلا بذوي الضمائر وهو تعالى منزه عن الضمير وسائر الآلات البدنية.

التاسع أنه سبحانه (غني لا باستفادة) يعني أن غناه تعالى بنفس ذاته الواجب لا كالأَغنياء منّا مستفيداً للغنى من الخارج، وإلا لزم كونه تعالى ناقصاً في ذاته مستكملاً بغيره وهو محال، وأيضاً كل غنيّ غيره فقد صار موجوداً بوجوده وحصل له الغنى من بحر كرمه وجوده، ومعطي الشيء لا يكون فاقداً له البتة.

العاشر أنه (لا تصحبه الأوقات) لأَنه تعالى قديم والوقت والزمان حادث والحادث لا يكون مصاحباً للقديم لاستلزام المصاحبة للمقارنة والمعية.

روى في «البحار من التوحيد والأمالي» عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون والانتقال، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

(و) الحادي عشر أنه (لا ترفده الأَدوات) أي لا تعينه الآلات فيما يوجده وأيده لغنائه عن الحاجة إلى الإعانة وتنزهّه عن الاستعانة حسبما عرفته آنفاً.

والثاني عشر أنه (سبق الأَوقات كونه) أي وجوده أي كان وجوده سابقاً على الأَزمنة والأوقات بحسب الزمان الوهمي أو التقديري وكان علة لها وموجداً إياها.

(و) الثالث عشر أنه سبق (العدم وجوده) أي وجوده لوجوبه سبق وغلب العدم فلا يعتريه عدم أصلاً.

وقال الشارح البحراني: المراد عدم الممكنات لأَن عدم العالم قبل وجوده كان مستنداً إلى عدم الداعي إلى إيجاده المستند إلى وجوده، فوجده سبق على عدم الممكنات.

وقيل: أريد به إعدام الممكنات المقارنة لابتداء وجوداتها فيكون كناية عن أزليته وعدم ابتداء لوجوده.

(و) الرابع عشر أنه سبق (الابتداء أزله) أي سبق وجوده الأزلي كل ابتداء فليس لوجوده ولا شيء من صفات ذاته ابتداء، أو أن أزليته سبق بالعلية كل ابتداء ومبتدأ.

الخامس عشر أنه تعالى (بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له) أي بخلقه وإيجاده المشاعر الإدراكية والحواس وإفاضتها على الخلق عرف أن لا مشعر له، إما لما مر من أنه تعالى لا يتصف بخلقه، أو لأنا بعد إفاضة المشاعر علينا علمنا حاجتنا في الإدراك إليها فحكمنا بتنزّهه تعالى عنها لاستحالة الاحتياج عليه سبحانه.

وقال الشارح المعتزلي: لأَن الجسم لا يصح منه فعل الأجسام وهذا هو الدليل الذي يعول عليه المتكلمون في أنه تعالى ليس بجسم.

وقال الشارح البحراني: وذلك أنه تعالى لما خلق المشاعر وأوجدها وهو المراد بتشعيره لها امتنع أن يكون له مشعر وحاسة وإلا لكان وجودها له إما من غيره وهو محال، أما أوّلاً فلأَنه مشعر المشاعر وأما ثانياً فلأَنه يكون محتاجاً في كماله إلى غيره، فهو ناقص بذاته هذا محال، وإما منه وهو أيضاً محال لأَنه إن كان من كمالات الوهيّته كان موجوداً لها من حيث فاقد كمالاً فكان ناقصاً بذاته هذا محال، وإن لم يكن كما لا كان إثباتها له نقصاً لأَن الزيادة على الكمال نقصان فكان إيجاده لها مستلزماً لنقصانه وهو محال انتهى.

واعترض عليه صدر المتألهين في «شرح الكافي» وقال فيه بحث من وجوه:

أحدها بطريق النقض فإن ما ذكره لو تم يلزم أن لا يثبت له تعالى على الإطلاق صفة كمالية كالعلم والقدرة ونحوهما بأن يقال امتنع أن يكون له علم مثلاً وإلا لكان وجوده له إما من غيره، إلى آخر ما ذكره.

وثانيها بالحلّ وهو أن ههنا احتمالاً آخر نختاره، وهو أن يكون ذلك المشعر عين ذاته كالعلم والقدرة فإن بطلانه لو كان بديهياً لم يحتج إلى الاستدلال إذ كل ما يحتمل قبل الدليل أن يكون عارضاً له يحتمل أن يكون عيناً له.

وثالثها أنّ ما ذكره من الكلام على تقدير تمامه استدلال برأسه لم يظهر فيه مدخلية قوله بتشعيره المشاعر في نفي المشعر عنه تعالى، وإنما استعمله في إثبات مقدمة لم تثبت به وقد ثبت بغيره كما لا يخفى على الناظر فيه.

فالأَولى أن يقال: قد تقرر أن الطبيعة الواحدة لا يمكن أن يكون بعضها علة لبعض آخر لذاته بأن يقال: لو فرض كون نار مثلاً علّة لنار أخرى فعليّة هذه ومعلولية هذه إمّا لنفس كونهما ناراً فلا رجحان لإحداهما في العلية وللأخرى في المعلوليّة لتساويهما في النارية، بل يلزم أن يكون كلّ نار علّة للأخرى بل علّة لذاتها ومعلولاً لذاتها وهو محال وإن كان العلية لانضمام شيء آخر فلم يكن ما فرضناه علّة بل العلّة حينئذ ذلك الشيء فقط لعدم الرجحان في إحداهما للشرطيّة والجزئية أيضاً لاتحادهما من جهة المعنى المشترك وكذلك الحال لو فرض المعلولية لأَجل ضميمة، فقد تبيّن أن جاعل الشيء يستحيل أن يكون مشاركاً لمجعوله.

وبه يعرف أن كل كمال وكل أمر وجودي يتحقق في الموجودات الإمكانية، فنوعه وجنسه مسلوب عنه تعالى ولكن يوجد له ما هو أعلى وأشرف منه.

أمّا الأَوّل: فلتعاليه عن النقص وكل مجعول ناقص، وإلا لم يكن مفتقراً إلى جاعل وكذا ما يساويه في المرتبة وآحاد نوعه كآحاد جنسه.

وأمّا الثاني: فلأَن معطي كل كمال ليس بفاقد له، بل هو منبعه ومعدنه وما في المجعول رشحه وظلّه انتهى.

(و) السادس عشر أنه سبحانه (بمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له) لأَن الضد يطلق على معنيين.

أحدهما المعنى الاصطلاحي فيقال الضّدان في الاصطلاح على الأَمرين الوجوديّين اللذين يتعاقبان على موضوع واحد ومحل واحد.

والثاني المعنى العرفي الذي هو المكافىء للشيء والمساوي له في القوة وعلى أيّ معنی كان فليس يجوز أن يكون له سبحانه ضدّ.

أما على الأوّل فلأَنه لما خلق الأضداد في محالها وجدناها محتاجة إليها علمنا عدم كونه ضدّ الشيء للزوم الحاجة إلى المحل المنافية لوجوب الوجود أو لأُنا لما رأينا كلاً من الضدّين يمنع وجود الآخر ويدفعه ويفنيه علمنا أنه تعالى منزه عن ذلك، أو أن التضاد إنما يكون للتحدد بحدود معيّنة لا تجامع غيرها كمراتب الأَلوان والكيفيات، وهو سبحانه منزه عن الحدود وأيضاً كيف يضاد الخالق مخلوقه والفايض مفيضه؟

وأما على الثاني فلأن المساوي للقوّة في الواجب يجب أن يكون واجباً فيلزم تعدد الواجب وهو باطل.

وقال الشارح البحراني: إنه لما كان خالق الأَضداد فلو كان له ضد لكان خالقاً لنفسه ولضده وهو محال، ولأَنك لما علمت أن المضادة من باب المضاف وعلمت أن المضاف ينقسم إلى حقيقي وغير حقيقي، فالحقيقي هو الذي لا نعقل مهيّته إلا بالقياس إلى غيره، وغير الحقيقي هو الذي له في ذاته مهيّة غير الإضافة تعرض لها الإضافة، وكيف ما كان لا بد من وجود الغير حتى يوجد المضاف من حيث هو مضاف، فيكون وجود أحد المضافين متعلقاً بوجود الآخر، فلو كان لواجب الوجود ضد لكان متعلق الوجود بالغير فلم يكن واجب الوجود لذاته هذا خلف انتهى.

أقول: وأنت خبير بأن ما ذكره أخيراً في علّة إبطال الضّد أعني قوله: لو كان لواجب الوجود ضدّ لكان متعلق الوجود بالغير (اه-). إنما يتمشُّى في القسم الأوّل أعني المضاف الحقيقي، وأمّا في القسم الثاني فلا، إذ تعلق وجوده بالغير ممنوع لأن له في ذاته مهية موجودة كما صرح به وإنما إضافته موقوفة على الغير كما لا يخفى.

فالأَولى أن يساق الدليل إلى قوله حتى يوجد المضاف من حيث هو مضاف على النحو الذي ساقه ثم يقال: وهو محال عليه تعالى.

أما على التقدير الأَول فظاهر إذ لا مكافىء ولا مضادّ له في الوجود لما أشرنا إلينا.

وأمّا على الثاني فلأَن صفاته عين ذاته وليس له صفة عارضة فلا يتصف بالإضافة العرضية، هذا كله بعد الغض عما برهن عليه من أن الواجب سبحانه لا مهية له فافهم جيداً.

وبه يظهر الجواب عما ربما يعترض في المقام بأنه تعالى بذاته مبدأ الأَشياء وخالقها وموجدها وكل هذه الأمور إضافات فيكون مضافاً حقيقياً.

وجه ظهور الجواب أن المضاف من أقسام المهية التي لها أجناس عالية؛ والوجود ليس بمهية كلية ولا جنس له ولا فصل سيما وجود الواجب الذي لا يشوبه عموم ولا مهيّة، ألا ترى أن كونه موجوداً لا في موضوع لا يوجب كونه جوهراً، إذ الجواهر مهيّة حقّها في الوجود الخارجي أن لا يكون في موضوع، والأَوّل تعالى لا مهيّة له فلا يكون جوهر أو كذا لا يكون مضافاً.

(و) السابع عشر أنه (بمقارنته بين الأَشياء عرف أن لا قرين له) والكلام فيه كما مر في سابقه حرفاً بحرف.

بأن يقال: إنه تعالى خلق المقترنات ومبدأ المقارنة بها فلو كان مقارناً لغيره لكان خالقاً

لنفسه ولقرينه وهو محال، وأيضاً المقارنة من باب المضاف ويمتنع أن يلحق الواجب لما تقدم.

وقال صدر المتألهين في «شرح الكافي»: برهانه أنه خالق المقترنات ونحو وجودها الذي بحسبه يكون مقترناً بالذات، أو يصح عليه المقارنة.

فالأوّل ككون الشيء عارضاً لشيء أو معروضاً ملزوماً له أو صورة شيء أو مادة شيء أو جزء شيء.

والثاني ككون الشيء معروضاً بشيء بعد ما لم يكن أو مادة ككون جسم ملاقياً لجسم آخر وهذه كلّها مما لا يجوز لحوقه لكلّ موجود اتفق، بل من الموجود ما يستحيل عليه لذاته الاقتران بشيء كالمفارقات مثلاً وكالأضداد بعضها البعض.

والغرض أن كون الشيء بحيث يجوز عليه المقارنة شيء آخر أمر يرجع إلى خصوصيّة ذاته ونحو وجوده، وقد علمت أن خالق كلّ موجود ليس من نوع ذلك الوجود، فلو كان ذاته مقارناً بشيء آخر وإنحاء المقارنات محصورة وكل منها قد وجد في المخلوقات فيلزم كونه من نوع المخلوقات بل يلزم كونه خالقاً لنفسه كما مرّ.

الثامن عشر أنّه مضادّ بين الأمور المتضادة وهو في الحقيقة تأكيد للوصف السّادس عشر، لأَنه قد ذكر جملة من أقسام المتضادات والمتفرقات ليتبيّن أن مضادّها ومفرّقها ليس من جنسها، ويتضح أنه ليس متصفاً بها ولا بالتضاد فقال:

(ضاد النّور بالظلمة) وهو دليل بظاهره بصيغة الفاعل على كون الظلمة أمراً وجودياً مطابق لقوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور) [الأنعام: الآية 1] إذ لو كان أمراً عدميّاً لم يكن مجعولاً مخلوفاً، وهو مذهب المحققين من المتكلّمين حسبما عرفته في شرح الفصل الأوّل من المختار الرابع، خلافاً للإشراقيين وأتباعهم حيث ذهبوا إلى أنّها ليست إلا عدم النّور فقط، من غير اشتراط الموضوع القابل.

قال الصّدر الشيرازي: والحق إنها ليست عدماً صرفاً بل هي عبارة عن عدم الضوء، عما من شأنه أن من يضيء وإذا ليست بعدم صرف، ومع ذلك يتعاقب مع الضوء على موضوع واحد كالهواء ونحوه، فصح عليه إطلاق الضدّ على اصطلاح المنطقيين حيث لا يشترط في اصطلاحهم المنطقي كون كلا الضدين وجوديين، بل الشرط عندهم التعاقب على موضوع واحد انتهى.

وعلى ذلك أي كونها عبارة عن عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئاً تقابل الضوء تقابل العدم والملكة، ويكون إطلاق الضد عليها بحسب الاصطلاح الحكمي مجازاً كما لا يخفى.

(و) ضاد (الوضوح بالبهمة) أي الظهور بالإبهام والجلاية بالخفاء، وفسّرهما الشارحان المعتزلي والبحراني بالبياض والسواد ولا يخفى بعده (والجمود بالبلل) أي اليبوسة بالرطوبة (والحرور بالصرد) أي الحرارة أو الحرارة الريح الحارة بالبرودة.

التاسع عشر أنه تعالى (مؤلّف بين متعادياتها مقارن بين متبايناتها مقرب بين متباعدانها) لا يخفى حسن الأسلوب ولطافة التطبيق في هذه الفقرات الثلاث والفقرة الرابعة الآتية، حيث طابق بين التأليف والتعادي والتقارن والتباين والتقريب والتباعد والتفريق والتداني.

والمقصود أنه جمع سبحانه بقدرته الكاملة وحكمته البالغة بين الأمور التي في غاية التباين والتباعد، مثل جمعه بين العناصر المختلفة الكيفيّات وبين الروح والبدن، والقلوب المتشتّتة والأهواء المتفرقة، فبدّل ذلك الجمع والتأليف الواقع على خلاف مقتضى الطبائع على قاهر يقهرها عليه، وقاسر يقسر العناصر على الامتزاج والالتيام والاستحالة، حتّى يحصل بينها كيفية متوسّطة هي المزاج إذ لو كان كلّ منها في مكانه لم يحصل بينها امتزاج فلم يتحصل منها مزاج.

العشرون أنّه (مفرّق بين متدانياتها) لا يخفى حسن المقابلة بين هذه القرينة والقرائن الثلاث السابقة، حيث جعل التفريق في قبال التأليف والقران والتقريب وجعل التداني في مقابلة التباعد والتباين والتعادي.

والمراد أنه فرق بين الأشياء على الأشياء على منتهى قربها مثل تفريقه بين أجزاء العناصر لبطلان تركيبها وبين الرّوح والبدن بالموت، وبين أجزاء المركبات عند انحلالها والأَبدان بعد موتها، فدلّ ذلك التفريق على وجود المفرق وقدرته، قال تعالى: (وَمِن كُلِ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الذاريات: الآية 49].

قيل في تفسيره: إن في خلق الزوجين دلالة على المفرق والمؤلّف لهما، لأنه خلق الزوجين من واحد بالنوع فيحتاج إلى مفرق يجعلهما متفرّقين وجعلهما مزاوجين مؤتلفين ألفه بخصوصهما فيحتاج إلى مؤلّف يجعلهما مؤتلفين.

الحادي والعشرون أنّه (لا يشمل بحدّ) أي لا يشمله حدّ ولا يكون محدوداً به، لا بالحدّ الاصطلاحي ولا بالحدّ اللغوي، لما مرّ غير مرّة في تضاعيف الشرح من أنّ الحدّ الاصطلاحي وهو القول الشارح لمهيّة الشيء المؤلف من المعاني الذاتية المختصة به، فلا بدّ أن يكون المحدود به مركّباً ذا أجزاء، والواجب تعالى ليس بمركب فلا يكون محدوداً، والحدّ اللّغوي عبارة عن نهاية الشيء الذي يقف عندها ولا يتجاوز عنها، وهو من لواحق الكم المتّصل والمنفصل والكّم من الأعراض ولا شيء من الواجب بعرض أو محلّ له فامتنع

أن يوصف به.

(و) الثاني والعشرون أنه (لا يحسب بعدّ) قال الشارح البحراني: أي لا يلحقه الحساب والعدّ فيدخل في جملة المحسوبات بالمعدودة وذلك أن العدّ من لواحق الكمّ المنفصل الذي هو العدد كما هو معلوم في مظانه والكّم عرض، وقد ثبت أنه تعالى ليس بعرض ولا محل له.

وقال الشّارح المعتزلي: يحتمل أن يريد به أنّه لا تحسب أزليته بعدّ أي لا يقال له منذ وجد كذا وكذا كما يقال للأَشياء المتقاربة العهد ويحتمل أن یرید به أنّه ليس مماثلاً للأَشياء فيدخل تحت العدّ كما يعدّ الجواهر وكما تعدّ الأمور المحسوسة(1).

وقال العلامة المجلسي رحمه الله: لا يحسب بالأجزاء والصّفات الزائدة المعدودة(2).

أقول: والكلّ صحيح محتمل لا غبار عليه وإن كان الأوّل أشبه، فالمقصود به أنّه ليس من جملة المعدودات كما ربما يسبق ذلك إلى الوهم إذا وصفناه سبحانه بأنه واحد فيتوهّم منه أنّه واحد ليس له ثان وأن وحدته وحدة عدديّة، واندفاع ذلك الوهم بأن معنى كونه واحداً أنّه إحدى الذات، وأنّه ليس له مثل ونظير لا أنّه واحد بالعدد، لأَنه لا يحسب بعد فيكون مساقه مساق قوله علیه السلام في الخطبة السابقة واحد لا بعدد، هذا.

ولما نزّهه تعالى عن كونه محدوداً بحدّ ومعدوداً بعدّ أكد ذلك بقوله (وإنما تحدّ الأدوات نفسها وتشير الآلات إلى نظايرها) يعني أنه سبحانه لو رام أحد أن يحدّه أو يعدّه فلا بد أن يكون تحديده وعدّه بالآلات الدنيّة والقوى الجسمانيّة ظاهريّة كانت كالأصابع واليد واللّسان وغيرها، أو باطنية كالمتوهمّة والمتفكرة والمتخيّلة، لكن شيئاً منها لا يقدر على ذلك.

أمّا الجوارح الظاهرة فلانحصار مدركاتها في عالم المحسوسات والأجسام والجسمانيات، فهي إنما تدرك وتحدّ أنفسها أي أجناسها وأنواعها وتعدّ نظائرها أي ذوات المقادير وتشير إلى ما هي مثل في الجسمية والجسمانية، وصانع العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا ذي مقدار فاستحال أن تحدّه الآلات وتعدّه الأدوات.

وأمّا المشاعر الباطنة فإن مدركاتها وإن لم تكن مقصورة في المحسوسات والموجودات، إلاّ أنها إذا حملت على ما ليس بموجود في الخارج ترجع وتخترع صورة


1) شرح نهج البلاغة: 13/ 75.

2) البحار 256/4.

مماثلة للموجود، حسبما عرفته في شرح الفصل الثاني من المختار الأوّل فهي أيضاً لا تتعلّق إلّا بما يماثلها في الإمكان ولا تحيط إلّا بما هو في صورة جسم أو جسماني.

فاتضح بذلك أن أفعال الأدوات والآلات وآثارها إنما توجد في الأشياء الممكنة الّتي هي مثلها لا فيه تعالى، هذا.

ولما ذكر أنّه سبحانه أجلّ وأعظم شأناً وقدساً من دخوله في عداد المحدودات وأكّده باستحالة التحديد والإشارة إليه سبحانه من الآلات والأَدوات لكون مدركاتها مقصورة محصورة في أسناخها وأشباهها من الممكنات والمحسوسات وأكّده ثانياً بالتنبيه على أنّ الآلات موصوفة بالحدوث والإمكان والنقص، والحق الأوّل جل شأنه وعظم سلطانه موصوف بالقدم والوجوب والكمال، فكيف لها أن تحوم حوم حضرة القدس وأنى للحادث أن يحدّ القديم والممكن الإشارة إلى الواجب وللناقص الإحاطة بمن هو في غاية العظمة والكمال والجبروت والجلال.

وذلك قوله: (منعتها منذ القدمة وحمتها قد الأزلية وجنبنها لولا التّكملة) فالمقصود بهذا الكلام التنبيه على حدوث الآلات والأَدوات ونقصها صراحة والإشارة إلى قدم الباري تعالى وكماله ضمناً أو بالعكس، والأوّل مبني على كون منذ وقد ولولا مرفوعات المحل على الفاعلية، والثاني على انتصابها بالمفعوليّة وكون الفاعل القدمة والأزليّة والتكملة والأوّل أولى وأنسب لمطابقته لنسخة الرضي كما روي ولكون قرب هذه الجمل بقوله وإنما تحدّ الأدوات آه مشعراً بكون عمدة النظر فيهما إلى بيان وصف الآلات بالحدوث وإظهار نقصها وقصورها وإن كان المقصود بالذات منهما جميعاً الدلالة على تنزيه الباري سبحانه من القصور والنقصان.

وكيف كان فتوضيح دلالة هذا الكلام على المرام يحتاج إلى تمهيد مقدمة أو بيّنة وهي:

أن لفظ منذ مثل أختها مذ لها معنيان.

أحدهما أوّل المدة أي ابتداء زمان الفعل الذي قبلها مثبتاً أو منفياً تقول رأيته منذ یوم الجمعة أو ما رأيته منذ يوم الجمعة أي أوّل مدّة الرؤية أو انتفاؤها يوم الجمعة.

وثانيها جمیع مدّة الفعل الذي قبلها مثبتاً أو منفياً، نحو صحبني منذ يومان أي مدّة صحبته يومان فيليها الزمان الذي فيه معنى العدد، ويجب أن يليها مجموع زمان الفعل من أوّله إلى آخره المتصل بزمان التكلم.

وقد يقع بعدها مصدر أو فعل أوان فيقدر زمان مضاف إلى هذه نحو ما رأيته منذ سفره أو منذ سافر أو منذ أنه سافر أي منذ زمان سفره ومنذ زمان سافر ومنذ زمان أنه سافر.

ولفظة قد إذا دخلت على الماضي تفيد التحقيق وتقريب الماضي من الحال تقول: قد ركب زيد أي حصل ركوبه عن قريب، فإن قلت ركب زيد احتمل الماضي القريب والبعيد ولذلك لا تدخل على الفعل الغير المنصرف مثل نعم وبئس وعسى وليس لأنّها ليست بمعنى الماضي حتى يقرب معناها من الحال.

ولفظة لولا موضوعة للدخول على جملة اسمية ففعلية لربط امتناع الثانية بالأولى تقول لولا زيد لأكرمتك أي لولا زيد موجود، فهي تدل على امتناع الإكرام بسبب وجود زيد، وتقول فى الأَشياء البديعة المعجبة ما أحسنها وألطفها لولا ما فيها من عيب كذا، فتفيد انتفاء شدّة الحسن والإعجاب بوجود العيب الموجود فيها.

وإذا مهّدت هذه المقدّمة الشريفة نقول:

معنى كلامه علیه السلام على رواية رفع منذ وقد ولولا بالفاعلية أن صحة إطلاق هذه الألفاظ الثلاثة بمعانيها المذكورة واطراد استعمالها في الآلات والأدوات في نفسها وما يتعلّق بها من أوصافها أوفى أهلها أعني من له تلك الآلات تدلّ على حدوثها ونقصانها وذلك لأن دخول لفظة منذ عليها في قولنا: هذه الآلات وجدت منذ زمن طويل أو قصير أو أعوام كذا تمنعها من كون تلك الآلات قديمة، إذ القديم متعال عن الزمان ولا ابتداء لوجوده.

وكذا دخول لفظة قد عليها في قولنا: قد وجدت تلك الآلات في وقت كذا يمنعها من كونها أزليّة لإفادتها تقريب زمان وجودها من الحال المنافي للأزليّة إذ الأزلي ما لا بداية لوجوده فكيف يكون الزمان الماضي ظرفاً لوجوده فضلاً عن القرب إلى الحال.

وكذا صحّة استعمال لولا فيها في قولنا: ما أحسن تلك الآلات وأكملها أو أحسن وأكمل أربابها لولا فنائها يجنّبها أي تجعلها أجنبيّة من التكملة والوصف بالكمال.

فملخص المعنى أنها منعتها صحة دخول منذ من قدمتها، وصحّة دخول قد

من أزليتها وجعلها صحّة استعمال لولا أجنبية من تكملتها أي من توصيفها بالكمال.

وأما على رواية النّصب وكون القدمة والأزليّة والتكملة مرفوعات بالفاعلية فالمراد بيان قدم الباري وكماله سبحانه.

ومعنى الكلام أن هذه الآلات منعها كون الباري قديماً من جواز استعمال لفظة منذ المربوط معناها بالزمان فيه تعالى وإطلاقها عليه سبحانه، لأَن القديم سابق على الوقت والزمان، وكذا منعها كونه سبحانه أزلياً من جواز استعمال قد فيه عزّ شأنه، وجنّبها كونه على غاية العزّ والكمال ومنتهى العظمة والجلال من دخول لفظة لولا المفصحة عن القصور والنقصان على ذاته وصفاته تعالى هذا.

ولما ذكر علیه السلام قدسه تعالى عن الاتصاف بحدّ والاحتساب بعدّ وارتفاع ذاته عن تحديد الآلات والمشاعر، وتعاليه عن إدراك الممكنات عن الأعراض والجواهر وأشار إلى حدوث الآلات وقصورها ونقصانها وقدمة الباري وأزليته وكماله أردفه بقوله:

(بها تجلى صانعها للعقول وبها امتنع عن نظر العيون) تنبيهاً على أنها على ما فيها من القصور والنقص غير عادم المدخلية في معرفته سبحانه، إذ بها عرفنا صفات جماله، وبها علمنا صفات جلاله.

فمعنى قوله علیه السلام: بها تجلّي صانعها للعقول، أنه بخلقه تلك المشاعر والآلات على وجه الإتقان والأحكام، وتقديره إيَّاها على النظام الأَكمل إفاضتها علينا وإهداء كلّ منها إلى ما خلق لأَجلها من المصالح والمنافع التي لا تعد ولا تحصى، تجلّي سبحانه لعقولنا وعلمنا علماً لا يعتريه شك وريب أن لها صانعاً قادراً عالماً مدّبراً حكيماً.

وأيضاً فإنه سبحانه لما خلق تلك الآلات والحواس المدركة لبدايع ما في عالم الإمكان عرفنا بإدراكها أن لذلك العالم مبدعاً قادراً وصانعاً قاهراً فكانت تلك الآلات طرقاً لعرفان العقل كما قال عزّ من قائل (سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: الآية 53].

ومعنى قوله: وبها امتنع عن نظر العيون، أنه بها استنبطنا استحالة كونه مرئياً بحاسة البصر، وذلك لأَنا بالمشاعر والحواس كملت عقولنا استخرجنا الدلالة على أنّه لا تصحّ رؤيته، وعرفنا أنه يستحيل أن يعرف بغير العقل وأن قول من قال إنا سنعرفه رؤية ومشافهة بالحاسة باطل، هكذا قال الشارح المعتزلي.

وقال الشارح البحراني: إنّه بإيجادها وخلقها بحيث تدرك بحاسّة البصر علم أنّه تعالى يمتنع أن يكون مرئياً مثلها، وذلك لأن تلك الآلات إنما كانت متعلقة حس البصر باعتبار أنّها ذات وضع وجهة ولون وغيره من شرايط الرؤية، ولما كانت هذه الأمور ممتنعة في حقّه تعالى لا جرم امتنع أن يكون محلاً لنظر العيون.

وقال العلامة المجلسي رحمه الله: لما رأينا المشاعر إنما تدرك ما كان ذا وضع بالنسبة إليها علمنا أنه لا يدرك بها، لاستحالة الوضع فيه.

والثالث والعشرون أنه سبحانه (لا يجري عليه السكون والحركة) لأنهما من أقسام الأعراض وأوصاف الأَجسام فيستحيل جريانهما عليه سبحانه، وأوضح ذلك الدّليل بوجوه:

أحدها ما أشار إليه بقوله (وكيف يجري عليه ما هو أجراء ويعود فيه ما هو أبداء ويحدث فيه ما هو أحدثه) استفهام على سبيل الإنكار والإبطال لجريهما عليه تعالى.

تقريره أنه عزّ وجلّ هو جاعل الحركة والسّكون ومبدؤهما وموجدهما فهما من مجعولاته وآثاره سبحانه في الأَجسام، وكلّ ما كان من آثاره فيستحيل اتصافه به.

أمّا أنهما من آثاره سبحانه فواضح.

وأمّا استحالة اتصافه بهما فلأن المؤثر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فذلك الأَثر:

إمّا أن يكون معتبراً في صفات الكمال فيلزم أن يكون الواجب ناقصاً بذاته مستكملاً بغيره من آثاره، والنقص عليه محال.

وإمّا أن لا يكون معتبراً في صفات الكمال فله الكمال المطلق بدون ذلك الأَثر فيكون إثباته له وتوصيفه به نقصاً في حقه لأن الزيادة على الكمال المطلق نقصان وهو عليه محال.

ثانيها: ما أشار إليه بقوله (إذاً لتفاوتت ذاته) يعني أنه لو جريا عليه لكان ذاته متفاوتة متغيّرة بأن يكون تارة متحركة وأخرى ساكنة والواجب لا يكون محلاً للحوادث والمتغيّرات لرجوع التغيير فيها إلى الذات.

ثالثها: ما أشار إليه بقوله (ولتجزء كنهه) أي لو كان متصفاً بهما يلزم أن يكون ذاته وكنهه متجزءاً كما قد أفصح عنه في الفصل الرابع من الخطبة الأُولى بقوله؛ فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزاه.

وتوضحيه أنّهما من الأَعراض الخاصّة بالأجسام فلو اتّصف الواجب تعالى بهما لكان جسما وكلّ جسم مركب قابل للتجزئة وكل مركب مفتقر إلى أجزائه وممكن، فيكون الواجب مفتقراً ممكناً وهو باطل.

وقيل في وجه الملازمة: إن اتصافه بهما يستلزم شركته مع الممکنات فيلزم ترکبه ممّا به الاشتراك وممّا به الامتياز، وما قلناه أولى.

رابعها: ما أشار إليه بقوله (ولامتنع من الأزل معناه) وهو في الحقيقة تعليل لما سبق أي إذا استلزم اتصافه بهما للتركيب والتجزئة التي هي من خواص الأجسام فيمتنع استحقاقه للأزليّة لأنه حينئذ يكون جسماً وكل جسم حادث.

خامسها: ما أشار إليه بقوله (ولكان له وراء إذ وجد له أمام) وهذا الدليل مخصوص بنفي الحركة.

قال الشارح المعتزلي: يقول لو حلته الحركة لكان جرماً وحجماً ولكان أحد وجهيه غير وجهه الآخر لا محالة فكان منقسماً.

وقال الشارح البحراني: لو جرت عليه الحركة لكان له إمام يتحرّك إليه وحينئذ يلزم أن

يكون له وراء إذ له أمام لأنهما إضافتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى لكن ذلك محال لأَن كل ذي وجهين فهو منقسم، وكل منقسم ممكن.

وسادسها ما أشار إليه بقوله (ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان) وهذا الدليل أيضاً مخصوص بنفي الحركة ويستفاد منه نفي السكون بالأولوية يقول علیه السلام: إنّه سبحانه لو كان متحركاً لكان ملتمساً بحركته كمالاً لم يكن له حال سكونه لأَن السكون كما قاله الحكماء عدم ونقص، والحركة وجود وكمال، فلو كان الواجب تعالى متحرّكاً لكان طالباً بالحركة الطارية على سكونه الكمال والتمام لكنه يستحيل أن يكون له حالة نقصان وإن يكون له حال بالقوة وأخرى بالفعل.

قال الشارح البحراني في تقريره: إن جريان الحركة عليه مستلزم لتوجّهه بها إلى غاية إما جلب منفعة أو دفع مضرّة، إذ من لوازم حركات العقلاء ذلك، وعلى التقديرين فهما كمال مطلوب له لنقصان لازم لذاته، لكن النقصان بالذات والاستكمال بالغير مستلزم للإمكان فالواجب ممكن، هذا خلف.

أقول: وإن شئت مزيد توضيح لهذا الدليل فهو موقوف على تحقيق معنى الحركة وبسط الكلام في المقام فأقول:

عرّفها أرسطو ومن تابعه بأنها كمال أول لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة.

وعرّفها المتكلمون بأنها حصول الجسم في مكان بعد آخر، وتقييدهم الحصول بالمكان بناء على أنّهم لا يثبتون الحركة في ساير المقولات بل يخصونها بمقولة الأَين فقط، وأمّا الأوّلون فيحكمون بوقوعها في الأين والوضع والكمّ والكيف، وتفصيل ذلك موكول إلى الكتب الكلاميّة، والمراد بالكمال في تعريفهم هو الحاصل بالفعل.

قال الشارح القوشجي: وإنما سميّ الحاصل بالفعل كمالاً لأَن في القوة نقصاناً والفعل تمام بالنسبة إليها، وهذه التسمية لا يقتضي سبق القوة بل يكفيها تصوّرها وفرضها.

واحترز بقيد الأوّلية عن الوصول، فإن الجسم إذا كان في مكان مثلاً وهو ممكن الحصول في مكان آخر كان له إمكانان إمكان الحصول في ذلك المكان وإمكان التوجّه إليه، وهما كمالان والتوجّه مقدّم على الوصول فهو كمال أوّل والوصول كمال ثان.

ثم إنّ الحركة تفارق ساير الكمالات من حيث إنّها لا حقيقة لها إلّا التوجه إلى الغير فالسّلوك إليه، فلا بدّ من مطلوب ممكن الحصول ليكون التوجّه توجّهاً إليه، ومن أن لا يكون ذلك المطلوب حاصلاً بالفعل، إذ لا توجّه بعد حصول المطلوب.

فالحركة إنما تكون حاصلة بالفعل إذا كان المطلوب حاصلاً بالقوة. لكن من حيث هو بالقوة لا من حيث هو بالفعل من حيثية أخرى كساير الكمالات فإن الحركة لا تكون كمالاً للجسم في جسميّته أو في شكله أو نحو ذلك، بل من الجهة التي هو باعتبارها كان بالقوة أعني الحصول في المكان الآخر.

واحترز بهذا القيد عن كمالاته التي ليست كذلك كالصّورة النوعيّة، فإنّها كمال أوّل للمتحرك الذي لم يصل إلى المقصود، لكن لا من حيث هو بالقوّة بل من حيث هو بالفعل.

وأنت إذا عرفت ذلك تعرف أن الحق الأوّل تعالى شأنه يمتنع جريان الحركة عليه سواء كانت بالمعنى الذي يقوله الفلاسفة أو بالمعنى الذي يقوله المتكلمون.

أما على الثاني فواضح لأَنها عندهم هو حصول الجسم في مكان بعد آخر وهو تعالى ليس بجسم ولا حاجة له إلى المكان.

وأما على الأوّل فأوضح.

أما أولاً فلأَن محلها عندهم هو المقولات الأربع أعني الكم والكيف والوضع والأَين وكلها من أنواع العرض والله سبحانه ليس بعرض ولا جوهر بل خالق الجوهر والعرض وجاعل الوضع والكم وهو الذي أيّن الأين بلا أين وكيّف الكيف بلا كيف.

وأمّا ثانياً فلأَنه تعالى ليس له كمال بالفعل وكمال بالقوّة بل جميع كمالاته فعلية.

وأمّا ثالثاً فلأنه ليس عادماً بشيء من الكمالات حتى يحتاج بحركته إلى تحصيل كامل بل هو كامل في ذاته وتمام في صفاته جامع لجميع الكمالات الذاتية والصّفاتية، هذا.

وقد نبه على عدم جريان الحركة عليه سبحانه بمعنييه أبو إبراهيم موسى بن جعفر علیه السلام في الحديث المروي في «الكافي» عن يعقوب بن جعفر الجعفري قال:

ذكر عند أبي إبراهيم علیه السلام قوم يزعمون أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السّماء الدّنيا فقال علیه السلام: «إن الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل إنما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم أما قول الواصفين أنّه ينزل تبارك وتعالى فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة وكلّ متحرك محتاج إلى من يحرّكه ويتحرك به فمن ظن بالله الظنون هلك، فاحذروا في صفاته أن تقفوا له على حدّ يحدّونه بنقص أو زيادة أو تحريك أو تحرّك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود، فإن الله جل وعز عن صفة الواصفين ونعت الناعتين

وتوهّم المتوهّمين وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلّبك في الساجدين»(1).

قال بعض الأفاضل في شرح الحديث:

قوله علیه السلام: «إن الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل» لأَن المتحرك من مكان إلى مكان إنما يتحرك لحاجة إلى الحركة إذ ليست نسبته إلى جميع الأَمكنة نسبة واحدة بل إذا حضر له مكان أو مكاني غاب عنه مكان أو مكاني آخر، وإذا قرب من شيء بعد عن شيء آخر فإذا حصل في مكان وكان مطلوبه في مكان آخر فيحتاح في حصول مطلوبه إلى الحركة إلى مطلوبه أو حركة مطلوبه إليه، والله سبحانه لما لم يكن مكانياً كان نسبته إلى جميع الأمكنة والمكانيات نسبة واحدة وليس شيء أقرب إليه من شيء آخر ولا أبعد ولا هو أقرب إلى شيء من شيء آخر ولا أبعد إلا بمعنى آخر غير المكاني وهو القرب بالذات والصّفات ونحو ذلك والبعد الذي بإزائه وإلى ذلك أشار علیه السلام بقوله: «إنما منظره في القرب والبعد» يعني المكانيين «سواء».

وقوله علیه السلام: «ولم يحتج إلى شيء» تعميم لقوله: ولا يحتاج إلى أن ينزل، فالأَول إشارة إلى البرهان على نفي الحركة في المكان بما ذكره في تساوي منظره في القرب والبعد من الأَحياز والأَمكنة، وهذا إشارة إلى البرهان على نفي الحركة والتغير مطلقاً بأن معنى الحركة الخروج من القوّة إلى الفعل، وبعبارة أخرى كمال ما بالقوّة من جهة ما هو بالقوة وکل ما هو بالقوّة في شيء فهو فاقد له محتاج إليه لأنّه كمال وجودي له، وإلاّ لم يتحرك إليه، والحق تعالى غير محتاج إلى شيء أصلاً فهو غير متحرك بوجه من الوجوه لا في المكان ولا في غيره.

وإنما قلنا أنه لم يحتج إلى شيء لأن ما سواه من الأَشياء كلها إنما حصلت منه وهو أصلها ومنبعها ومنشاؤها، وهو المتطول عليها المتفضل المنعم بالإحسان إليها، فهي المحتاجة إليه تعالى، فلو احتاج هو إلى شيء يلزم افتقار الشيء إلى ما يفتقر إليه من حیثیة واحدة، وذلك محال، لاستلزامه توقف الشيء على نفسه وذلك قوله علیه السلام «بل يحتاج إليه وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم».

ولما ذكر علیه السلام القاعدة الكليّة بالبيان البرهاني على نفي الحركة المكانية أولاً ثم على تفي الحركة والتغير على الإطلاق أراد أن يشير إلى المفاسد التي يلزم من القول بوصفه تعالى بنزوله من مكان إلى مكان فقال: «أما قول الواصفين أنه ينزل تبارك وتعالى فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة» يعني أن النزول ضرب من الحركة وأن كل ما يتحرك سواء


1) الكافي: 152/1 ح 1، التوحيد: 183 ح 18.

كانت الحركة في الأَين أو في غيره فهو خارج من نقص إلى كمال، فيلزم على هؤلاء الواصفين ربهم بالنزول أن ينسبوه إلى نقص، وذلك قبل الحركة أو إلى زيادة وهي بعد الحركة، والخروج من القوة إلى الفعل، وكل ما يوصف بنقص أو زيادة ففي ذاته إمكان أن ينفعل من غيره، فيتركب ذاته من قوّة وفعل، بل هي من مادة بها يكون بالقوة، ومن صورة بها يكون بالفعل وكلّ مركب فهو ممكن الوجود محتاج إلى غيره، فيلزم أن لا يكون إله العالم واجب الوجود، وهذا محال.

وقوله: «وكل متحرك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرك به» إشارة إلى حجة أخرى على بطلان توهّم الحركة، وهي أن كل متحرك لا بد له من محرّك غيره، سواء كان مبايناً له كالحركات النفسانية وهو المعبّر عنه بقوله من يحرّكه، أو مقارناً له كالحركات الطبيعيّة وهو المعبّر عنه بقوله أو يتحرّك وذلك لأن الحركة صفة حادثة لكون أجزائها غير مجتمعة في الوجود، وكل جزء منها مسبوق بجزء آخر فيكون جميعها حادثة وما يتركب فهو أولى فهي لكونها صفة تحتاج إلى قابل ولكونها حادثة تحتاج إلى فاعل، ولا بدّ أن يكون فاعلها غير قابلها لأَن المحرّك لا يحرّك نفسه بل بشيء يكون متحركاً بالقوة كما أن المسخّن لا يسخّن نفسه بل لأَمر يكون سخونته بالقوّة فقابل الحركة أمر بالقوّة وفاعلها أمر بالفعل فكل متحرك يحتاج إلى محرّك يغايره والمحتاج إلى الغير لا يكون واجباً فيلزم أن لا يكون إله العالم واجبا وهو محال.

وسابعها ما أشار إليه بقوله (وإذا لقامت آية المصنوع فيه) أي لو كان فيه الحركة والسّكون لقامت فيه علامة المصنوع لكونهما من صفات المصنوعات الحادثة، فيلزم أن لا يكون إله العالم صانعاً بل مصنوعاً مفتقراً إلى صانع، كساير الممكنات والمصنوعات الموصوفة بالحدوث.

وثامنها ما أشار إليه بقوله (ولتحول دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه) يعني أنا استدللنا على وجوده سبحانه بحدوث الأَجسام وتغيراتها وحركاتها وانتقالاتها من حال إلى حال، فلو كان إله العالم متغيراً متحركاً منتقلاً من حال إلى حال لاشترك مع غيره في صفات الإمكان وما يوجب الافتقار إلى العلّة فكان دليلاً على صانع صنعه وأحدثه لا مدلولاً عليه بأنه صانع وهو باطل، هذا.

ولما ذكر المفاسد التي تترتب على جريان الحركة والسكون عليه سبحانه، وأبطل جوازهما عليه بالوجوه الثمانية عقبه بقوله (وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره) واختلف شراح النهج فيما عطفت هذه الجملة عليه:

فقال الشارح المعتزلي: إنها عطف على قوله علیه السلام كان مدلولاً عليه، وتقدير الكلام

كان يلزم أن يتحول الباري دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه وبعد أن خرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما أثر في غيره.

وقال الشارح البحراني: قد يسبق إلى الوهم إنها عطف على الأَدلة المذكورة وظاهر أنه ليس كذلك بل هو عطف على قوله: امتنع أي بها امتنع عن نظر العيون وخرج بسلطان ذلك الامتناع أي امتناع أن يكون مثلها في كونها مرئية للعيون ومحلاً للنظر إليها عن أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره من المرئيات وهي الأجسام والجسمانيات، وظاهر أنه لما امتنع عن نظر العيون لم يكن جسماً ولا قائماً به، فخرج لسلطان استحقاق ذلك الامتناع عن أن يكون يؤثر فيه ما يؤثر في غيره من الأجسام والجسمانيات وعن قبول ذلك.

وقال بعض الشارحين: إنها عطف على قوله: تجلّى، أي بها تجلّي صانعها للعقول وخرج بسلطان الامتناع عن كونه مثلاً لها أي بكونه واجب الوجود ممتنع العدم عن أن يكون ممكناً فيقبل إثر غيره كما يقبله ساير الممكنات.

أقول: وأنت خبير بسخافة هذا القول كسابقه وإباءِ سوق كلامه علیه السلام عنهما جميعاً، لأنه علیه السلام قد ذكر هذه الجملة في ذيل المفاسد المترتبة على جريان الحركة والسكون، لا في ذيل تجلي الصانع للعقول وامتناعه عن نظر العيون، فلا ارتباط له بشيء منهما مع طول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملات أجنبيّة تنيف على عشر.

نعم ما قاله الشارح المعتزلي لا بأس به إلا أن الأَظهر الأَولى أن تجعل الواو في هذه الجملة حالية لا عاطفة وتكون الجملة في محل النصب على الحال بتقدير قد على حدّ قوله تعالى: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء: الآية 90] وذو الحال هو الضمير المستتر في تحول الراجع إلى الله سبحانه، فيكون تحول عاملاً فيها ولا غبار عليه عند المشهور من علماء الأدبية.

وأما على قول بعضهم من أن جميع العوامل اللفظية تعمل في الحال إلا الأفعال الناقصة فاجعلها حالاً من ضمير فيه في قوله: ولقامت آية المصنوع فيه.

فالعامل حينئذ قامت وحسن ارتباطه بالجملتين مضافاً إلى قربهما غير خفيّ على صاحب الذوق السّليم فإنّه علیه السلام لما ذكر استلزام جريان الحركة عليه سبحانه لقيام علامة الصنع وآثار الإمكان فيه المفيد لتأثره من صانعه، وذكر أيضاً استلزامه لكونه تعالى دليلاً على مدلوله المفيد لكونه معلولاً منفعلاً من علته وفاعله، عقبه بهذه الجملة تنبيهاً على بطلان اللازمين كليهما المستلزم لبطلان ملزومهما، وهو جريان الحركة عليه.

فمحصّل نظم الكلام أنه تعالى لو جرى عليه الحركة واتصف بها لقام فيه أثر صانعه

المحرك، وظهر عليه فعل علته الفاعل له، والحال أنه قد خرج بسلطنة الكلية على جميع من سواه وامتناع التأثر واستحالة الانفعال بماله من وجوب الوجود عن أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره من الممكنات وأن يتأثر من غيره كساير الموجودات، لأَن غيره ومن سواه جميعاً بكونه دليلاً في قيد الإمكان مفتقر إلى المؤثر محتاج إلى العلّة فوجوده وأفعاله مكتسب من الغير فهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً، وأما إله الحي القيوم العزيز الشأن فوجوده وصفاته الذاتية عين ذاته وأفعاله الصّادرة بنفس ذاته المقدّسة فلا افتقار له إلى المؤثر ولا حاجة له إلى المدبّر، بل هو المؤثر في جميع العالم، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

والرابع والعشرون أنه (الذي لا يحول ولا يزول) أي لا يمضي ولا يكون زائلاً من مکان إلى مكان ومن حال إلى حال لاستحالة التغير والانتقال عليه عز وجل.

(و) الخامس والعشرون أنه (لا يجوز عليه الغيبة) و(الأفول) لاستلزامه الانتقال والحركة الدالة على الحدوث.

ولذلك استدل به إبراهيم علیه السلام على عدم ربوبية الكوكب والشمس والقمر كما حكاه سبحانه عنه في كتابه العزيز بقوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) «فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)) [الأنعام: الآيات 76 - 78]

قال الطبرسي رحمه الله: وإنما استدل إبراهيم بالأفول على حدوثها لأن حركتها بالأفول أظهر ومن الشبهة أبعد، وإذا جازت عليها الحركة والسكون كانت مخلوقة محدثة محتاجة إلى المحدث.

السادس والعشرون (لم يلد فيكون مولوداً ولم يولد فيصير محدوداً) أما أنه سبحانه لم يلد شيئاً ولم يولد من شيء فقد مر بيانه في شرح الخطبة التي رواها عنه نوف البكالي وهي الخطبة المئة والإحدى والثمانين.

وأما الملازمة بين مقدم القضية الأولى وتاليها.

فأما بناء على ما هو المتعارف المتعاد بحسب الاستقراء من أن كل ماله ولد فإنه يكون مولوداً وإن لم يجب ذلك عقلاً كآدم أبي البشر أنه علیه السلام والد وليس بمولود وكأُصول أنواع الحيوان الحادثة.

أو بناء على ما قاله الشارح المعتزلي من أنه ليس معنى الكلام أنه يلزم من فرض وقوع

أحدهما فرض وقوع الآخر، وإنما المراد أنه يلزم من فرض صحة كونه والداً صحة كونه مولوداً والتالي محال وجهة التلازم أنه لو أنه لو صح أن يكون والداً على التفسير المفهوم من الوالدية وهو أن يتصوّر من بعض أجزائه حي آخر من نوعه على سبيل الاستحالة لذلك الجزء كما نعقل في النطفة المنفصلة من الإنسان المستحيلة إلى صورة أخرى حتى يكون منها بشر آخر من نوع الأول لصح عليه أن يكون هو مولوداً من والد آخر قبله.

وذلك لأَن الأجسام متماثلة في الجسميّة وقد ثبت ذلك بدليل عقلي واضح وكلّ مثلين فإن أحدهما يصح عليه ما يصحّ على الآخر، فلو صحّ كونه والدأ صحّ كونه ولداً.

وأمّا بطلان التالي فلأنّ كلّ مولود متأخر بالزمان عن والده ومحدث والحق الأوّل عز وجلّ قديم فلا يجوز عليه أن يكون مولوداً، وأيضاً لو كان مولوداً لكان محدوداً كما صرّح به في القضية الثانية والثاني باطل فالمقدّم مثله.

ووجه الملازمة أنه لو كان مولوداً لكان محاطاً ومحدوداً بالمحلّ المتولّد منه وأيضاً الشيء المتولّد من شيء لا بدّ له من مادة وصورة وغيرهما من شرايط وجوده وتركيبه، ومن جزئين بأحدهما يشارك أفراد نوعه وبالآخر يتميز عنهم وهي أجزاؤه التي يقف عندها وينتهي عند التحليل إليها، فثبت أنه لو كان مولوداً لكان محدوداً.

وأمّا بطلان التالي فلما قد مرّ في تضاعيف الشرح غير مرّة وفي شرح هذه الخطبة بخصوصها عند تفسير قوله: لا يشمل بحدّ، من أنه سبحانه منزّه عن الحدّ مطلقاً اصطلاحياً كان أعني القول الشارح لمهيّة الشيء لاستلزامه التركيب المستحيل عليه أو لغوياً أعني غاية الشيء ونهايته، لأَنه سبحانه غاية الغايات ومنتهى النهايات لا غاية له ولا نهاية.

وبعبارة أخرى كونه مولوداً يلزمه الحواية وإحاطة المحلّ المتولّد منه به وهو يستلزم كونه ذا نهاية وحدّ وهو محال، لأن النهاية والحدّ من عوارض الأَجسام وذات الأوضاع والمقادير تعرض لها بالذات وللواحقها كالأَزمنة والحركات وللأمور المتعلّقة بها كالقوى والكيفيّات بالعرض، والأوّل تعالى ليس بجسم ولا جسماني ولا متعلّق به ضرباً من التعلّق فهو منزّه عن الحدّ والنهاية.

فظهر بذلك كله أنه سبحانه ليس بمحدود، فليس بمولود فليس بذي ولد بل هو الواحد الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

السابع والعشرون إنه (جل عن اتخاذ الأبناء) وهو تأكيد لما سبق لأنه لما ذكر آنفاً أنه ليس بذي ولد أكّده بذلك تنبيهاً على جلالة شأنه من اتخاذ الولد لأَن من اتخذ ولداً فإنما يتخذه لدواعي تدعوه إليه من العطوفة والشفقة والمعاونة في حياته والوراثة عنه والخلافة في

مقامه بعد مماته إلى غير ذلك من الدواعي التي هي من عوارض الممكن، والواجب تعالى منزّه عن ذلك كلّه.

(و) الثامن والعشرون إنه (طهر عن ملامسة النساء) لأَن ملامستهن من مقتضيات القوة البهيميّة الحيوانية المنزّه قدسه عنها مع أن الملامسة من صفات القوة اللامسة التي هي من خواص الأَجسام.

والتاسع والعشرون إنه (لا تناله الأوهام فتقدّره) قال الشارح البحراني أي لو نالته الأَوهام لقدرته لكن التالي باطل فالمقدّم كذلك.

بيان الملازمة أن الوهم إنّما يدرك المعاني المتعلقة بالمادة ولا ترفع إدراكه عن المحسوسات وشأنه فيما يدركه أن يستعمل المتخيلة في تقديره بمقدار مخصوص وكميّة معيّنة وهيئة معيّنة ويحكم بأنّها مبلغه ونهايته فلو أدركته الأَوهام لقدّرته بمقدار معين وفي محلّ معين.

فإما بطلان التالي فلأَن المقدر محدود مركب ومحتاج إلى المادة والتعلّق بالغير قد سبق بیان امتناعه.

(و) الثلاثون أنّه (لا تتوهمّه الفطن فتصوره) فظن العقول هو حذقها وجودة استعدادها لتصور ما يرد عليه، وبعبارة أخرى هو سرعة حركتها في تحصيل الوسط لاستخراج المطالب.

قال: وإنّما لا تتوهّمه الفطن، لأن القوة العاقلة عند توجّهها لتحصيل المطالب العقلية المجردة لا بدّ لها من استتباع الوهم والمتخيلة والاستعانة بها في استثباتها بالنسج والتصوير بصورة تحطها إلى الخيال كما علمته في شرح الفصل الثاني من المختار الأوّل، فظهر بذلك إنها لو أدركته لكان ذلك بمشاركة الوهم فكان يلزمه أن يصوّره بصورة خيالية، لكنه تعالى منزّه عن الصّورة فاستحال لها إدراكه وتصويره.

(و) الأحد والثلاثون أنّه (لا تدركه الحواس فتحسّه) أي لا يمكن لها إدراكه سبحانه فيوجب ذلك كونه تعالى محسوساً، لأن إدراكاتها مقصورة على ذوات الأَوضاع والأجسام والجسمانيات، والله سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا ذي وضع وأيضاً لا يمكن حضور الأَنوار الحسيّة في مشهد نور عقلي بل يضمحل ويفني فكيف في مشهد نور الأَنوار العقلية.

(و) الثاني والثلاثون إنه (لا تلمسه الأَيدي فتمسّه) ربما يستعمل اللّمس والمسّ بمعنى واحد، وقد يفرق بينهما بأن المس إيصال الشيء بالبشرة على وجه تأثر الحاسّة به واللّمس كالطلب له قاله البيضاوي يعني اللّمس ينبيء عن اعتبار الطلب سواء كان داخلاً في مفهومه أو لازماً له، وعلى الأوّل فالمراد به أن الأَيدي لا يمكن لها لمسه فيوجب ذلك كونه ملموساً

ممسوساً، وعلى الثاني فالمراد أنها لا يمكن لها الطلب به فتصل إليه لاستلزامه الجسميّة على التقديرين.

كما يدل عليه صريحاً ما رواه في البحار من عقايد الصّدوق بإسناده عن عبد الله بن جوين العبدي عن أبي عبد الله علیه السلام أنه كان يقول: الحمد لله الذي لا يحسّ ولا يجسّ ولا يمسّ ولا يدرك بالحواس الخمس ولا يقع عليه الوهم ولا تصفه الألسن وكل شيء حسّسته الحواس أو لمسته الأيدي فهو مخلوق، الحمد لله الذي كان ولم يكن شيء غيره وكوّن الأَشياء فكانت كما كوّنها وعلم ما كان وما هو كائن.

والثالث والثلاثون أنّه (لا يتغير بحال) من الأحوال وبوجه من الوجوه أي أبداً، لأن التغيّر من عوارض الإمكان.

(و) الرابع والثلاثون أنه (لا يتبدّل بالأَحوال) أي لا ينتقل من حال إلى حال لما عرفت سابقاً من امتناع الحركة والانتقال عليه.

(و) الخامس والثلاثون أنه (لا تبليه الليالي والأيام) لاستلزام الإبلاء للتغير المستحيل عليه، ولأَن البلى إنما يعرض للأمور المادية وكل ذي مادة من مركب فاستحال عروضه عليه سبحانه.

(و) السادس والثلاثون أنه (لا تغيره الضياء والظلام) لتنزّهه من التغيّر وأمّا غيره سبحانه من ذوي الحواس فالضياء سبب لأبصارهم المبصرات من الأَلوان والأَشكال والمقادير والحركات وغيرها والظلام مانع عنه، فيهما يتغيّر حالهم بالإدراك وعدم الإدراك والحق الأوّل جل شأنه لما كان منزهاً عن الحواس بصيراً لا بالاحساس فلا يوجب الضياء والظلام تفاوتاً وتغيراً في إدراكه.

(و) السابع والثلاثون أنه (لا يوصف بشيء من الأَجزاء) الذّهنية والعقلية والخارجية بل هو سبحانه أحديّ الذات بسيط الهوية، لأنّ المركب من الأَجزاء مفتقر إلى جزئه الذي هو غيره والافتقار من صفات الإمكان.

(و) الثامن والثلاثون أنه (لا) يوصف (بالجوارح والأعضاء) لأَن كل ذي جارحة وعضو فهو جسم مصوّر بصورة مخصوصة وهو تعالى منزله عن الجسمية والتركيب والتجزية والصورة.

روى في «الكافي» عن محمد بن الحسن عن سهل بن زياد عن حمزة بن محمد قال: كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام أسأله عن الجسم والصورة، فكتب: سبحانه من ليس كمثله شيء لا جسم ولا صورة.

قال صدر المتألهين: نفى الجسم والصورة عنه تعالى بوجه الإشارة إلى برهانه وهو أن الله لا مثل له. إذ لا مهية له وكلّ جسم له مثل فلا شيء من الجسم بإله.

وفيه أيضاً بإسناده عن محمد بن الحكيم قال: وصفت لأَبي إبراهيم علیه السلام قول هشام بن سالم الجواليقي وحكيت قول هشام بن الحكم أنه جسم، فقال: إن الله لا يشبهه شيء أيّ فحش أو خناء أعظم عن قول من يصف خالق الأَشياء بجسم أو بصورة أو بخلقه أو بتحديد أو بأعضاء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

حكى في «شرح الكافي من كتاب الملل والنحل» عن هشام أنه قال: إنه تعالى على صورة الإنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو ساطع يتلألأ، له حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم، وله وفرة سوداء هو نور أسود لكنه ليس بلحم ولا دم.

(و) التاسع والثلاثون إنه (لا) يتصف (بعرض من الأَعراض) التسعة وهي الكم والكيف والمضاف والأين ومتى والوضع والملك والفعل والانفعال، وتسمي هذه الأقسام مع القسم العاشر وهو الجوهر بالمقولات العشر والأجناس العالية.

وإنما لا يجوز اتصافه سبحانه بشيء منها، لأَنها كلها مخلوقات محدثة واتصاف القديم بالحادث محال لأََن ذلك الحادث إن كان صفة كمال يلزم أن يكون الواجب ناقصاً بدونه مستكملاً به بعد وجوده والنقص ممتنع عليه سبحانه، وإن لم يكن صفة كمال فله الكمال المطلق بدونه وحينئذ كان إثباته عليه وتوصيفه به نقصاً، لأَن الزيادة على الكمال المطلق نقصان حسبما قلناه سابقاً.

وأيضاً وصفه تعالى بصفات زائدة على ذاته يوجب التجزية والتركيب المستحيل عليه كما عرفته في شرح الفصل الرابع من الخطبة الأولى وغيره أيضاً.

(و) الأربعون إنه (لا) يتصف (بالغيرية والأَبعاض) أي ليس له أبعاض وأجزاء يغاير بعضها بعضاً، لأَنه وحداني الذات بسيط الهوية وإلا فيلزم عليه التركيب والتجزية المتنعان عليه.

(و) الأحد والأربعون أنه (لا يقال له حد ولا نهاية) أي ليس لأَوليته حدّ ونهاية لأَن الحدود والنهايات من عوارض الأجسام وذوات الأوضاع والمقادير وهو سبحانه ليس بجسم وجسماني، ولا في قوله: ولا نهاية، زائدة أو تأكيد للنفي السابق.

(و) الثاني والأربعون أنه (لا انقطاع له ولا غاية) أي ليس لآخريته انقطاع وغاية، بل هو سبحانه أزليّ أبديّ لا ابتداء لوجوده ولا انقطاع لبقائه.

قال صدر المتألّهين: ومما يجب أن يعلم أنه تعالى وإن سلب عنه النهاية فليس بحيث بوصف باللانهاية بمعنى العدول، بل كلاهما مسلوبان عنه، لأن اللانهاية أيضاً كالنهاية من عوارض الكميّات، فإذا وصف بأنه غير متناه كان بمعنى السّلب البسيط التحصيلي كما يوصف بسلب الحركة بمعنى السّلب السازج لا الذي يساوق السّكون، فإذا قيل: إنّه أزليّ باق ليس يراد به أن لوجوده زماناً غير منقطع البداية والنهاية، إذ الزمان من مخلوقاته المتأخرة عن الحركة المتأخرة عن الجسم المتأخر عن المادة والصّورة والمتأخّرين عن الجوهر المفارق المتأخّر ذاته عن ذاته تعالى بل الزمان بجميع أجزائه كالآن الواحد بالقياس إلى سرمديّته كما أنّ الأمكنة والمكانيّات كلّها بالقياس إلى عظمته ووجوده كالنقطة الواحدة.

والثالث والأربعون ما أشار إليه بقوله (ولا أن الأَشياء تحويه فتقلّه) أي لا يحويه شيء من الأَشياء ولا يحيط به فيحمله كما تحمل الريح السحاب، قال تعالى: (أَقلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا) [الأعراف: الآية 57] أي حملت الريح سحاباً ثقالاً بالماء (أو تهويه) أو تجعله هاوياً إلى جهة تحت وهابطاً به.

(أو) لا (أن شيئاً يحمله فيميله أو يعدّله) أي يميله من جانب إلى جانب أو يعدله إلى جميع الجوانب كما يميل الريح السّحاب ويسوقه من صقع إلى صقع.

والمراد أنه ليس في شيء أو على شيء يرتفع بارتفاعه وينخفض بانخفاضه ويحرّك به من جهة إلى جهة.

روى في «الكافي» بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «من زعم أنّ الله من شيء أو في شيء أو على شيء فقد كفر». قلت: فسّر لي، قال: أعني بالحواية من الشيء له أو بإمساك له أو من شيء سبقه.

وفي رواية أخرى من زعم أن الله من شيء فقد جعله محدثاً، ومن زعم أنه في شيء فقد جعله محصوراً، ومن زعم أنه على شيء فقد جعله محمولاً.

أي من زعم أنه سبحانه من مادة أو من أجزاء بأن يزعم أنّه ذو مادة أو ذو أجزاء أو من أصل له مدخل في وجوده كالأبوين أو من مبدأ مفيض لوجوده كالفاعل أو في شيء كالصفة في الموصوف والصّورة في المادة والعرض في المحل والجزء في الكل والجسم في الهواء المحيط به والمظروف في الظرف أو على شيء بالاستقرار فيه والاعتماد عليه كالملك على السّرير والراكب على المركوب والسقف على الجدران والجسم على المكان، أو بالاستقرار والاعتماد عليه كالهواء على الماء والسّماء على الهواء، فقد كفر، لاستلزامه التجسيم حيث وصفه بصفات المخلوقين وأنكر وجوده لأن ما اعتقده ليس بإله العالمين.

ثم فسّر علیه السلام الألفاظ لا على ترتيب اللف فقوله: «أعني بالحواية من الشيء» تفسير

لمعنى في شيء لأن كل ما هو في شيء فيحويه ذلك الشيء، وقوله: «أو بإمساك له» تفسير لمعنى على شيء، لأَن كلّما هو على شيء فذلك الشيء ممسك له، وقوله : «أو من شيء سبقه» تفسير لمعنى من شيء لأَن ما كان من شيء فذلك الشيء مبدؤه وسابق عليه.

ولذلك قال علیه السلام في الرواية الأخيرة: من زعم أن الله من شيء فقد جعله محدثاً، لأَن معنی المحدث هو الموجود بسبب شيء سابق عليه في الوجود، وقال: من زعم أنه في شيء فقد جعله محصوراً أي محويّاً فيلزمه الحواية من ذلك الشيء وقال: ومن زعم أنّه على شيء فقد جعله محمولاً، فإذا له حامل يمسكه.

والرابع والأربعون أنه (ليس في الأَشياء بوالج ولا عنها بخارج) لأَن الدخول والخروج من صفات الأَجسام وهو سبحانه ليس بجسم ولا جسماني.

ولأَنه لو دخل في شيء فإما أن يكون مع افتقاره إلى ذلك الشيء أو بدونه والأَوّل مستلزم للإمكان، وعلى الثاني فهو غنيّ عنه مطلقاً، والغنيّ المطلق يستحيل دخوله في شيء ووجوده في ضمنه واتباعه له في الوجود.

ولأَن دخوله فيه إن كان من صفات الكمال لزم اتصافه بالنقص قبل وجود ذلك الشيء، وإن لم يكن من صفات كماله كان دخوله فيه مستلزماً لاتصافه بالنقص حسبما قلناه سابقاً.

ولو خرج عن شيء لزم خلو ذلك الشيء عنه واختصاصه سبحانه بغيره وهو باطل لأَنه تعالى مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة، وهذه الفقرة نظير قوله علیه السلام في الفصل الخامس من الخطبة الأولى: ومن قال فيم فقد ضمنه ومن قال على من قد أخلى منه.

ومحصل المراد أنه تعالى ليس داخلاً في شيء من الأَشياء وحالاً فيه كما يقوله المجسّمة والحلوليّة، ولا خارجاً عنها بأن يعزب شيء منها عن علمه، بل هو سبحانه القيّوم المحيط بكلّ شيء .

الخامس والأربعون أنه (يخبر لا بلسان ولهوات) أي لحمات متصلة بأقصى الفم من فوق.

أمّا إخباره فلأنّه قد أطبقت الشرايع واتفقت الملل على كونه متكلّماً والخبر من أقسام الكلام.

وأما أن أخباره ليس باللّسان واللهوات فلأَن النطق باللهات واللسان مخصوص بنوع الإنسان، فيعود معنى إخباره سبحانه إلى إيجاده الخبر في جسم من الأَجسام كالملك والشجر وقد مرّ نظير هذه العبارة في الخطبة المئة والحادية والثمانين ومرّ تحقيق الكلام في كونه

سبحانه متكلماً في شرح المختار المئة والثامن والسبعين.

(و) السادس والأربعون أنه (يسمع لا بخروق وأدوات) أمّا أنه عزّ وجلّ يسمع فلشهادة الكتاب العزيز في غير واحدة من الآيات بكونه تعالى سميعاً بصيراً وأما أن إدراكه بالمسموعات ليس بالآذان والصماخات فتنزّهه سبحانه عن الافتقار إلى الآلات الجسمانية فيعود معنى سمعه إلى علمه بالمسموعات إطلاقاً لاسم السبب على المسبب.

والسابع والأربعون أنه (يقول ولا يلفظ) هذا الكلام صريح في جواز نسبة القول إليه سبحانه دون اللفظ.

أمّا الأوّل فالكتاب الكريم مليء منه قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين) إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى إيراده.

وأمّا الثاني فلعله مبنيّ على أن اللفظ هو خصوص القول الصادر عن اللسان ففهم من ذلك ومما تقدّم قبيل ذلك أن القول يساوق الكلام في جواز استنادهما إلى الله سبحانه، والنطق واللفظ يساوقان في عدم جواز الاستناد إليه.

(و) الثامن والأربعون أنه (يحفظ ولا يتحفظ) قال الشارح البحراني حفظه يعود إلى علمه بالأشياء، ولما كان المعروف من العادة أن الحفظ يكون بسبب التحفظ وكان ذلك في حقّه محالاً لاستلزامه الآلات الجسمانية لا جرم احترز عنه.

قال: وقال بعض الشارحين: إنما يريد بالحفظ أنه يحفظ عباده ويحرسهم ولا يتحفظ منهم أي لا يحتاج إلى حراسة نفسه منهم وهو بعيد الإرادة هنا انتهى.

أقول: الحفظ قد يطلق على الحفظ عن ظهر القلب يقال حفظ القرآن إذا وعاه على ظهر قلبه. وقد يطلق على الحراسة والوقاية من المكاره يقال حفظه أي حرسه والتحفظ هو قبول الحفظ عن الغير على كون تاء التفعل للمطاوعة أو تكلف الحفظ كما في قولك تحلم زيد، أي استعمل الحلم وكلّف نفسه إيّاه ليحصل، فمعنى التكلّف هو أن يتعانى الفاعل ذلك الفعل ليحصل بمعاناته فيقتضي أن يكون الفعل غير ثابت للفاعل ويكون الفاعل طالباً لتحصله بالممارسة، وقال في القاموس التحفظ هو الاحتراز وفسّر الاحتراز كالتحرز بالتوقي ولعلّه مبنيّ على جعل تاء للاتخاذ فمعنى التحفظ هو اتخاذ الحفظ أي اتخاذ الحرز والوقاية.

إذا عرفت ذلك فأقول: إن الحفظ قد استند إلى الله سبحانه في غير واحدة من الآيات قال تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) وقال: (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يُوسُف: الآية 64] وقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقال: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ

حَفِيظٌ) [هود: الآية 57]، وقال: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ) [سبأ: الآية 21]، إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره.

والحفيظ والحافظ من جملة أسمائه الحسنى فلا غبار في وصفه سبحانه بالحفظ على المعنى الثاني أعني الوقاية والحراسة، وهو المراد به في الآية الأولى والثانية والثالثة أيضاً وفي غيرها احتمالاً، وأما على المعنى الأوّل أعني الحفظ عن ظهر القلب فلا، لأَنّه سبحانه منزّه عن القلب والجوارح اللّهم إلاّ أن يراد به العلم مجازاً، لأَنه بهذا المعنى مستلزم للعلم، فالحفيظ هو العليم والحافظ هو العالم أطلق اسم الملزوم على اللازم تجوزاً.

قال في «القاموس»: والحفيظ في الأسماء الحسنى الذي لا يعزب عنه شيء في السماوات ولا في الأرض تعالى شأنه.

فظهر بذلك ضعف ما قاله الصّدوق في التوحيد في شرح الأَسماء الحسنى حيث قال: الحفیظ هو فعيل بمعنى فاعل، ومعناه أنه يحفظ الأَشياء ويصرف عنها البلاء ولا يوصف بالحفظ على معنى العلم لأَنّا نوصف بحفظ القرآن والعلوم على المجاز، والمراد بذلك أنا إذا علمناه لم يذهب عنا كما إذا حفظنا الشيء لم يذهب عنا، انتهى، فتأمّل جيّداً.

وأمّا التحفظ فلا يوصف به سبحانه على أحد من معانيه الثلاثة.

أمّا على المعنى الأَوّل والثاني فواضح، لأَن المطاوعة والتكلف مستلزمان للانفعال والتغير اللذين هما من صفات الأَجسام.

وأمّا على الثالث فلأَنّه تعالى لا مضاد ولا مضار له في ملكه ولا منازع ولا معاند له في سلطانه فلا حاجة له إلى التوقي والاحتراز بل هو العزيز الغالب والقوي القاهر على كل شيء.

(و) التاسع والأربعون إنه تعالى (يريد ولا يضمر) يعني أنه يريد الأشياء فيوجدها على وفق مشيته وإرادته ولا يحتاج في إيجادها كواحد منا إلى الإضمار أي إلى عزم القلب يقال: أضمر في ضميره شيئاً عزم عليه وضمير الإنسان قلبه وباطنه وهو سبحانه ليس بذي ضمير حتّى يتصور فيه الإضمار، وقد مرّ تحقيق الكلام بما لا مزيد عليه في إرادته سبحانه في شرح الناصة الفصل الثالث من المختار التسعين، وقدمنا هناك عن المفيد رواية صفوان بن يحيى الناقصة بالفرق بين إرادة الله سبحانه وإرادة العبد.

وينبغي إعادة تلك الرواية هنا واتباعها بشرح ما تضمنته من المرام لمزيد ارتباطها المقام وإيضاحها لكلام الإمام علیه السلام فأقول:

روى في «الكافي» عن عن أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبّار عن صفوان بن يحيى، وفي «البحار» من توحيد الصّدوق رحمه لله و«العيون» عن ابن إدريس عن أبيه عن محمد بن عبد الجبّار عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأَبي الحسن علیه السلام أخبرني عن الإرادة من الله عزّ وجلّ ومن الخلق، فقال: الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غير ذلك لأَنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكّر هذه الصّفات منفية عنه وهي من صفات الخلق، فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لذلك كما أنّه بلا كيف(1).

قال صدر المتألّهين في «شرح الكافي»: الإرادة فينا كيفيّة حادثة تحدث عقيب تصوّر الشيء الملائم والتّصديق بثبوته ونفعه تصديقاً علمياً أو جهلياً أو ظنياً أو تخييليّاً راجحاً، وربما يحصل ذلك التصديق الراجح بعد تردد واستعمال روية، فإذا بلغ حد الرجحان وقع العزم الذي هو الإرادة، فإذا حصلت الإرادة سواء كانت مع شوق حيواني كالشهوة أو الغضب أم لا يصدر الفعل لا محالة ويبدو في الوجود.

وأمّا إرادة الله الحادثة فليست صفة له لاستحالة حدوث صفة أو كيفيّة في ذاته وهي ليست إلّا إضافة إحداثه لأَمر كاين لا غير لتعاليه عن الرّوية والهمّة والفكر لما علمت أن هذه منفية عنه تعالى لكونها صفات المخلوقين وكما لا مثل لذاته لا شبه الصفاته، بل صفاته الحقيقية ذاته.

وقال العلامة المجلسي رحمه الله في «البحار» في بيان معنى الحديث: إنّ إرادة الله كما ذهب إليه أكثر متكلّمي الإمامية هي العلم بالخير والنفع وما هو الأَصلح ولا يثبتون فيه تعالى وراء العلم شيئاً، ولعل المراد بهذا الخبر وأمثاله في الأَخبار الدالة على حدوث الإرادة هو أنه يكون في الإنسان قبل حدوث الفعل اعتقاد النّفع فيه ثم الرّوية ثم الهمة ثم انبعاث الشوق منه ثمّ تأكّده إلى أن يصير إجماعاً باعثاً على الفعل، وذلك كلّه إرادة فينا متوسطة بين ذاتنا وبين الفعل وليس فيه تعالى بعد العلم القديم بالمصلحة من الأمور المقارنة للفعل سوى الأحداث والإيجاد، فالأحداث في الوقت الذي تقتضي المصلحة صدور الفعل فيه قائم مقام ما يحدث من الأمور في غيره تعالى، فالمعنى أن ذاته تعالى بصفاته الذاتية الكمالية كافية في حدوث الحادث من غير حاجة إلى حدوث أمر في ذاته عند حدوث الفعل(2).

وقال الشارح المازندراني «للكافي» في شرحه: إن الراوي سأل عن الفرق بين إرادة الله


1) الكافي: 1/ 110، التوحيد للصدوق: 147 ح17.

2) بحار الأنوار: 137/4.

وإرادة الخلق وطلب معرفتهما فقال علیه السلام: «الإرادة من الخلق الضمير» أي تصوّر الفعل وتوجّه الذهن إليه «وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل» من صلة ليبدو لا بيان لما لأَن الفعل هو المراد دون الإرادة، اللهم إلّا أن يراد بالفعل مقومات الإرادة مثل تصوّر النفع والإذعان به والشوق إليه والعزم له وتحريك القدرة إلى تحصيل الفعل المراد(1).

والحاصل أن إرادة الخلق عبارة عن تصوّر الفعل ثمّ تصوّر النفع سواء كان النفع عقليّاً أو خياليّاً أو عينيّاً أو دنيويّاً أو أخرويّاً، ثم التصديق بترتب ذلك النفع على ذلك الفعل والإذعان به جازماً أو غير جازم، ثم الشوق إليه، ثم العزم الراسخ المحرك للقوّة والقدرة المحركة للعضو إلى تحصيل الفعل على ما ينبغي.

فالفعل يصدر عن الخلق من هذه المبادىء المترتبة التي هي عبارة عن إرادتهم التامة المستتبعة له.

«وأما من الله فإرادته إحداثه لا غير ذلك» يعني أن إرادته بسيطة وهي إحداث الفعل وإيجاده على وجه يوافق القضاء الأَصلي ويطابق العلم الأَزلي من الكمال والمقدار والخواص والآثار، لا مركبة من الأمور المذكورة في إرادة الخلق ولا شيء منها، «لأَنه تعالى لا يروّي» أي لا يفعل باستعمال الرّوية أي النظر في الأَمر وعدم التعجيل «ولا يهم» أي لا يقصده «ولا يتفكّر» ليعلم حسنه وقبحه.

والحاصل أنّه لا ينظر إلى الفعل ليعلم نفعه ووجه حسنه ولا يهمه بالشوق والعزم المتأكّد ولا يتفكر ولا يتأمّل فيه ليعلم حسن عاقبته لتنزّهه عن استعمال الرأي وإحالة الهمّة وتحريك الشوق والعزم وارتكاب التعمق في الأمور والتفكّر في أمر عاقبتها.

«وهذه الصفات منفية عنه تعالى» لأَنها من لواحق النفوس البشرية وتوابع الجهل ونقصان العلم وهو سبحانه منزه عن جميع ذلك «وهي من صفات الخلق» لاحتياجهم في تحصيل مقاصدهم وتكميل أفعالهم على وفق مطالبهم إلى حركات فكرية وهمة نفسانية وأشواق روحانية وآلات بدنية، بحيث لو فقدت إحداها بقوا متحيرين جاهلين لا يجدون إلى وجه الصواب دليلاً، ولا إلى طريق الفعل سبيلاً.

«فإرادة الله هي الفعل» أي الإيجاد والأحداث «لا غير ذلك» من الضمير المشتمل على المعاني المذكورة.

والخمسون أنه (يحبّ ويرضى من غير رقة) الرّضا والمحبة قيل: إنهما نظيران وإنما


1) شرح أصول الكافي: 267/2 ح3.

يظهر الفرق بضدّيهما، فالمحبة ضدّها البغض، والرضا ضدّه السخط.

قال الشارح البحراني: الرّضا قريب من المحبة ويشبه أن يكون أعمّ منها لأَن كلّ محبّ راض عما أحبه ولا ينعكس.

وكيف كان فالمراد أنه يحبّ المؤمنين ويرضى عنهم قال سبحانه: (وَمَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: الآية 54] وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة) [الفَتْح: الآية 18].

وقوله: من غير رقة إشارة إلى أنّ المحبة والرضا بالمعنى الذي يوصف به من الله سبحانه وليس بالمعنى الذي يوصف به المخلوق، فإن المحبة فينا هو الميل الطبيعي إلى المحبوب بسبب تصوّر اللّذة، والرضا هو سكون النفس بالنسبة إلى موافقة وملاءمة عند تصوّر كونه ملائماً وموافقاً.

ولما كان المحبة والرّضا بهذا المعنى يستلزم الرقة القلبية والانفعال النفساني الناشيء عن تصور المعنى الذي لأَجله حصلت المحبة والميل إليه والداعي إلى الرضا عنه، وكان سبحانه منزهاً عن الانفعالات النفسانية والتغيرات الطبيعية لتنزهه عن قوابلها، لا جرم قال: من غير رقة.

فالمراد بمحبته سبحانه إما إدراك الكمال في المحبوب أو إرادته سبحانه للثواب والخير في حق العبد وللتكميل له.

فقد قيل في تفسير الآية السابقة أعني قوله: (يَأْتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: الآية 54] إن محبة الله من صفات فعله فهي إحسان مخصوص يليق بالعبد، ومحبة العبد لله حالة يجدها في قلبه يحصل منها التعظيم وإيثار رضاه والاستئناس بذكره.

وقيل: محبته تعالى للعباد إنعامه عليهم وأن يوفقهم لطاعته ويهديهم لدينه الذي ارتضاه، وحبّ العباد أن يطيعوه ولا يعصوه.

وقال بعض المحققين: محبة الله للعبد كشف الحجاب عن قلبه وتمكنه من أن يطأ على بساط قربه فإنما يوصف به سبحانه باعتبار الغايات لا المبادىء، وعلامة حبّه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقي إلى عالم النور والأنس بالله والوحشة ممن سواه وصيرورة جميع الهموم هماً واحداً، والمراد رضاه عن العبد قال الشارح المعتزلي: هو أن يحمد فعله، وقال البحراني: رضاه يعود إلى علمه بموافقته لأَمره وطاعته له.

وقال الطبرسي في تفسير قوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) [الفتح: الآية 18]

رضا الله سبحانه عنهم هو إرادته تعظيمهم وإثابتهم(1).

(و) الواحد والخمسون أنه (يبغض ويغضب من غير مشقة) يظهر معنى هذه الفقرة مما قدمناه في الفقرة السابقة، فإن البغض ضدّ الحبّ والغضب ضدّ الرضا.

فمعنى البغض فينا هو الكراهة للغير وميل النفس عنه لتصوّر كونه مضراً ومؤلماً، ويلزم ذلك النفرة الطبيعية وثوران الغضبية عليه وإرادة إهانته.

ومعنى الغضب فينا هو ثوران النفس وحركة القوّة الغضبيّة عن تصور المؤذي والمؤلم الإرادة دفعه والانتقام منه.

ولما كانا مستلزمين لإزعاج القلب وغليان دمه وأذى النفس وحصول التعب والمشقة. وكان وصف الله سبحانه بهما بهذا المعنى مستحيلاً لتنزّهه من صفات الأَجسام لا جرم قيدهما بقوله: «من غير مشقة».

فالمراد بهما إذا نسبا إلى الله سبحانه غاياتهما، وهي إرادة العقوبة والإهانة والتعذيب.

قال الطبرسي رحمه الله في تفسير قوله: «فلما آسفونا انتقمنا منهم» أي أغضبونا، وغضب الله سبحانه على العصاة إرادة عقوبتهم، ورضاه عن المطيعين إرادة ثوابهم الذي يستحقونه على طاعتهم(2).

وفي رواية عمرو بن عبيد مع أبي جعفر علیه السلام وقد قال له قوله تعالى: (وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ فَقَدْ هَوَى) [طه: الآية 81] ما هذا الغضب؟ فقال علیه السلام: «هو العقاب يا عمرو، إنّه من زعم أن الله قد زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة المخلوقين»(3).

وفي «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن العباس بن عمرو عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبد الله علیه السلام أن قال له: فله رضى وسخط فقال: أبو عبد الله علیه السلام: «نعم لكن ليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، وذلك إنّ الرضا حالة تدخل عليه فتنقله من حال إلى حال لأَن المخلوق أجوف معتمل مركب للأَشياء فيه يدخل، وخالقنا لا يدخل للأَشياء فيه لأَنّه واحد واحدي الذات واحدي المعنى، فرضاه ثوابه وسخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيّجه وينقله من حال إلى حال، لأَن ذلك من صفة المخلوقين


1) شرح أصول الكافي: 442/11 ح24.

2) تفسیر مجمع البيان: 88/9.

3) تفسير غريب القرآن: 116، والفصول المهمة في أصول الأئمة: 199/1.

العاجزين المحتاجين»(1).

يعني أن عروض تلك الحالات والتغيّرات إنّما يكون لمخلوق أجوف له قابلية ما يحصل فيه ويدخله - معتمل - بالكسر أي يعمل بأعمال صفاته وآلاته أو بالفتح أي مركب يعمل فيه الأجزاء والقوى، والأول أولى ليكون تأسيساً، مركب من أمور متباينة في الحقيقة مختلفة في الصورة والكيفية للأشياء من الصفات والجهات والكيفيّات النفسانيّة مثل الرّضا والغضب وغيرهما، فيه يدخل وخالقنا لا يدخل للأَشياء فيه لاستحالة التركيب عليه، لأنه واحد ليس كمثله شيء واحدي الذات لا تركيب فيه أصلاً لا ذهناً ولا خارجاً، واحدي المعنى والصّفات، فإذاً لا كثرة فيه لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقيّة، وإنما الاختلاف في الفعل فيثيب عند الرضا ويعاقب عند السّخط والغضب من غير مداخلة شيء فيه يهيجه أي يوجب لهيجانه وثوراته، وينقله من حال إلى حال، لأَن ذلك ينافي وجوب الوجود فلا يكون من صفاته سبحانه بل من صفات المخلوقين العاجزين.

والحاصل أنه إذا نسب الرضا والسخط والحب والبغض والموالاة والمعاداة إلى الله سبحانه وجب تأويلها وصرفها إلى معنى يصح في حقه، لأَن نسبة معانيها المعروفة فينا إليه غير صحيحة.

إذ ، الرّضا فينا حالة للنفس توجب تغيّرها وانبساطها لإيصال النفع إلى الغير أو الانقياد لحكمه.

والسخط حالة أخرى توجب تغيّرها وانقباضها وتحرّكها إلى إيقاع السوء به أو الإعراض عنه.

والمحبّة حالة لها توجب ميلها إليه أو نفس هذا الميل.

والبغض حالة لها توجب الإعراض عنه وإيصال الضرر إليه.

وقريب منهما الموالاة والمعاداة، وكل عليه سبحانه محال، فوجب التأويل.

والتأويل أن الرضا والمحبة والموالاة بمعنى الإثابة والإحسان وإيصال النفع والسخط والبغض والمعاداة بمعنى العقوبة والعذاب وعدم الإحسان والله المستعان.

والثاني والخمسون أنه (يقول لما أراد كونه كن فيكون) قال الشارح البحراني: فإرادته لكونه هو علمه بما في وجوده من الحكمة والمصلحة، وقوله: كن إشارة إلى حكم قدرته


1) الكافي: 1/ 110 ح 6. ومعاني الأخبار: 20 ح3.

الأزلية عليه بالإيجاد ووجوب الصدور عن تمام مؤثريته وقوله: فيكون إشارة إلى وجوده، ودلّ على اللّزوم وعدم التأخر بالفاء المقتضية للتعقيب بلا مهلة.

وفي «مجمع البيان» في قوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: الآية 82] والتقدير بأن يكوّنه فيكون فعبر عن هذا المعنى بكن لأَنه أبلغ فيما يراد، وليس هنا قول وإنما هو إخبار بحدوث ما يريده.

وقال عليّ بن عيسى: الأَمر ههنا أفخم من الفعل، فجاء للتفخيم والتعظيم قال: ويجوز أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين، فإنّه إذا أراد فعل شيء فعله بمنزلة ما يقول للشيء كن فيكون في الحال وأنشد:

فقالت له العينان سمعاً وطاعة *** وحدرتا كالدّر لمّا یثقب

وإنما أخبر عن سرعة دمعه دون أن يكون ذلك قولاً على الحقيقة.

وفي «الكشاف» إنما أمره أي شأنه إذا أراد شيئاً إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف، أن يقول له كن أن يكوّنه من غير توقف فيكون فيحدث أي فهو كائن موجود لا محالة.

فإن قلت: ما حقيقة قوله كن فيكون؟

قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل، لأَنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، والمعنى أنه لا يجوز عليه مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئاً ممّا تقدر عليه من المباشرة بمحال المقدور واستعمال الآلات وما يتبع ذلك من المشقّة والتعب واللّغوب، وإنما أمره وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل فيتكون.

وأنت بعد الخبرة بما ذكرنا تعرف أن قوله علیه السلام (لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع) من باب الاحتراس، فإنّ ظاهر قوله علیه السلام: يقول لما أراد كونه كن، لما كان موهماً أن قوله وكلامه تعالى من قبيل الحروف والأصوات أتى بذلك دفعاً لما يسبق إلى وهم العوام وتنبيهاً على أن قول كن منه ليس بلفظ مركب من الكاف والنّون متضمن بصوت يقرع الأَسماع، ولا خطاب قابل للسّماع والاستماع.

وذلك لأن الصوت كيفيّة حادثة في الهواء حاصلة من تموّجه المعلول للقرع الذي هو أساس عنيف أو القلع الذي هو تفريق عنيف بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع، ويعرض له أي للصّوت كيفيّة مميّزة له عن غيره من الأَصوات المماثلة له يسمى باعتبار تلك الكيفيّة حرفاً، فالحرف تلك الكيفية العارضة عند بعضهم، وذلك الصوت المعروض عند

آخر ومجموع العارض والمعروض عند غيرهم.

وعلى أي تقدير فالحروف الملفوظة المركبة منها الكلام هي من خصائص الإنسان يخرج من الحلق والحنجرة واللسان، فيقرع الهواء المجاور لفم اللفظ ويموّجه صدماً بعد صدم مع سكون بعد سكون حتّى يقع ويقرع العصبة المفروشة في سطح صماخ السامع فيحصل به السماع والاستماع.

ولما كان سبحانه منزهاً عن الآلات البدنية والجوارح الإنسانية يستحيل أن يخرج منه صوت يصدر منه لفظ، فإذاً لا يمكن أن يكون تكوينه للأَشياء بكلام ملفوظ أو نداء مسموع وهذا معنى قوله علیه السلام: «لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع»، هذا.

والعجب من الشارح البحراني أنه قال في شرح لا بصوت يقرع: أي ليس بذي حاسّة فيقرعها الصوت، لأَن الصوت حال تعرض الأجسام فلو كان له تعالى آلة سمع لكان جسماً لكن التالي باطل بالمقدم مثله انتهى.

وأنت خبير بأن هذا الكلام نص في أن الغرض منه نفي كون تكوينه للأشياء بالأوامر الملفوظة والخطابات المنطوقة لا نفي كونه ذا سمع وتنزيهه من القوة السامعة، هذا.

ولما نفى كون تكوينه بكلام ملفوظ ونداء مسموع وكان المقام مقتضباً لبيان معنى كلامه عزّ وجلّ لا جرم عقبه بقول: (وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله).

قال الشارح البحراني: أي أوجده في لسان النبي وصوّره في لسانه وسوّى مثاله في ذهنه.

وقال الشارح المعتزلي: مثّل القرآن لجبرائيل أي صوّر مثاله بالكتابة في اللوح المحفوظ فأنزل على محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم.

(لم يكن) كلامه (من قبل ذلك) الإنشاء والإحداث (كائناً) إذ لو كان كذلك لكان قديماً لأن القديم ليس إلّا ما لا يكون مسبوقاً بالعدم لا يفتقر الإنشاء والتكوين (ولو كان قديماً) كما زعمه الحنابلة حسبما عرفته في شرح المختار المائة والثامن والسبعين لكان واجب الوجود لذاته ولو كان واجب الوجود (لكان إلهاً ثانياً) لكن التالي باطل فالمقدم مثله.

وبيان الملازمة أنه لو لم يكن واجباً بل ممكناً موجوداً في الأزل لكان وجوده مفتقراً إلى المؤثر فذلك المؤثر إن كان غير ذاته تعالى فهو محال، لأنه يلزم افتقاره تعالى في تحصيل صفته إلى غيره وهو واضح البطلان، ويلزم أيضاً أن يكون في الأَزل مع الله غیره يكون الاستناد إليه في حصول تلك الصفة فيكون إلهاً ثانياً بل هو أولى باللألوهية وهو

محال، وإن كان المؤثر فيه ذاته فهو محال أيضاً لأَنّ المؤثر واجب التقدم بالوجود على الأثر فتعيّن أنه لو كان قديماً لكان واجب الوجود لذاته فكان إلهاً ثانياً.

وإما بطلان التالي فلقيام البراهين العقليّة والنقلية على وحدانيته تعالى حسبما مر مر كثير منها في تضاعيف الشرح، ونورد هنا حديث الفرجة الذي هو من غوامض الأَحاديث لمناسبته بالمقام ونعقبه بحلّه وشرحه فأقول:

روى في «الكافي» عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله علیه السلام وكان من قول أبي عبد الله علیه السلام:

لا يخلو قولك إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين أو يكونا ضعيفين أو يكون أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً، فإن كانا قويين فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه وينفرد بالتدبير، وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنّه واحد بالربوبية كما نقول للعجز الظاهر في الثّاني وإن قلت إنّهما اثنان لم يخل من أن يكونا متفقين من كل وجه أو متفرقين من كلّ جهة.

فلما رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً والتدبير واحداً واللّيل والنهار والشمس والقمر دل صحة الأَمر والتدبير وائتلاف الأَمر على أن المدبّر واحد ثمّ يلزمك أن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتّى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما فيلزمك ثلاثة فإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتّى يكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة ثم تتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة(1).

ورواه في «البحار من توحيد الصّدوق» مسنداً عن هشام بن الحكم مثله.

وشرحه على ما شرحه صدر المتألهين في «شرح الكافي» بتلخيص منّا هو إنه إشارة إلى حجتين: إحداهما عامية مشهورة والأخرى خاصيّة برهانية.

أما الأولى فقوله علیه السلام: لا يخلو قولك - إلى قوله - للعجز الظاهر في الثاني» ومعناه أنه لو فرض قديمان فلا يخلو أن يكون كلاهما قويين أو كلاهما ضعيفين أو أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً والثلاثة بأسرها باطلة.

أمّا الأول فلأَنه إذا كانا قويين وكلّ منهما في غاية القوّة من غير ضعف وعجز كما هو المفروض والقوة تقتضي القهر والغلبة على كلّ شيء سواه فما السبب المانع لأَن يدفع كلّ واحد منهما صاحبه حتى ينفرد بالتدبير والرّبوبية والغلبة على غيره، إذ اقتضاء القهر والغلبة والاستعلاء مركوز في كل ذي قوة على قدر قوته والمفروض أن كلاً منهما في غاية القوة.


1) الكافي: 81/1، والفصول المهمة في أصول الأئمة: 131/1.

وأما فساد الشق الثاني فهو ظاهر عند جمهور الناس لما حكموا بالفطرة من أن الضعف ينافي الإلهية ولظهوره لم يذكره علیه السلام.

وأيضاً فساده يعلم بفساد الشق الثالث وهو قوله: «وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه» أي الإله «واحد كما» نحن «نقول للعجز الظاهر» في المفروض ثانياً، لأَن الضعف منشأ العجز، والعاجز لا يكون إلهاً بل مخلوقاً محتاجاً لأنّه محتاج إلى من يعطيه القوة والكمال والخيريّة.

وأما الحجة البرهانية فأشار إليها بقوله: «وإن قلت أنهما اثنان» وبيانه أنه لو فرض موجودان قديمان فإمّا أن يتفقا من كل جهة، أو يخلتفا من كل جهة أو يتفقا بجهة ويختلفا بأخرى والكل محال.

أمّا بطلان الأوّل فلأن الاثنينية لا تتحقق إلا بامتياز أحد الاثنين عن صاحبه ولو بوجه من الوجوه.

وأمّا بطلان الثاني فلما نبه عليه بقوله «فلما رأينا الخلق منتظماً»، وتقريره أن العالم كلّه كشخص واحد كثير الأجزاء والأعضاء مثل الإنسان، فإنا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصة وتباين صفاتها وأفعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض ويفتقر بعضها إلى بعض، وكلّ منها يعين بطبعه صاحبه وهكذا نشاهد الأَجرام العالية وما ارتكن فيها من الكواكب النيّرة في حركاتها الدّورية وأضوائها الواقعة منها نافعة للسّفليات محصلة لأَمزجة المركبات التي يتوقف عليها صور الأنواع ونفوسها وحياة الكائنات ونشوء الحيوان والنبات، فإذا تحقق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام واتصال التدبير دلّ على أن إلهه واحد وإليه أشار بقوله «دل صحة الأَمر والتدبير وائتلاف الأمر على أن المدبر واحد».

وأمّا بطلان الشق الثالث وهو أنهما متفقان من وجه ومختلفان من وجه آخر فبأن يقال كما أشار إليه بقوله «ثم يلزمك» أنه لا بد فيهما من شيء يمتاز به أحدهما عن صاحبه وصاحبه عنه، وذلك الشيء يجب أن يكون أمراً وجودياً يوجد في أحدهما ولم يوجد في الآخر أو أمران وجوديّان يختص كل منهما بواحد، وأمّا كون الفارق المميّز بكلّ منهما عن صاحبه أمراً عدميّاً فهو ممتنع بالضرورة، إذ الإعدام بماهي إعدام لا تمايز بينها ولا تميز بها، فإذا فرض قديمان فلا أقل من وجود أمر ثالث يوجد لأحدهما ويسلب عن الآخر، وهو المراد بالفرجة، إذ به يحصل الانفراج أي الافتراق بينهما لوجوده في أحدهما وعدمه في الآخر، وهو أيضاً لا محالة قديم موجود معهما وإلا لم يكونا اثنين قديمين، فيلزم أن يكون القدماء ثلاثة وقد فرض اثنان وهذا خلف، ثم يلزم من كونهم ثلاثة أن يكونوا خمسة وهكذا إلى أن يبلغ عددهم إلى ما لا نهاية وهو محال.

أقول: ولا يخفي عليك أنه يمكن جعل الحديث الشريف إشارة إلى ثلاث حجج:

إحداها ما أشار إليه بقوله: لا يخلو قولك إلى قوله: للعجز الظاهر في الثاني. وثانيها ما أشار إليه بقوله: وإن قلت إنهما اثنان إلى قوله: دلّ على أن المدبر واحد. وثالثها ما أشار إليه بقوله: ثم يلزمك، إلى آخر الحديث، فعليك بالتأمل في استخراجها والله الموفق.

الثالث والخمسون أنه عزّ وجل (لا يقال) في حقه (كان بعد أن لم يكن) هو نظير قوله علیه السلام في الفصل السادس من المختار الأوّل: كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، أي ليس وجوده بمحدث مسبوق بالعدم، بل هو قديم أزلي واجب الوجود لذاته أو توضح أن يقال في حقه ذلك لا تصف بالحدوث (فتجري عليه الصّفات المحدثات) وفي بعض النسخ صفات المحدثات بالإضافة وهو الأنسب الأحسن بعود الضميرين الآتيين في بينها وعليها إليها.

وعلى أيّ تقدير فالغرض أن وصفه بالكينونية بعد العدم أي وصفه بوصف الحدوث مستلزم لجريان الصّفات المحدثات أو صفات المحدثات عليه، لكن التالي أعني جريان تلك الصفات عليه باطل فالمقدم مثله.

وأشار إلى بطلان التالي بقوله (ولا يكون بينها) أي الصّفات المحدثات أو نفس المحدثات (وبينه) تعالى شأنه (فصل) لاشتراكهما في الحدوث والإمكان (ولا له عليها فضل) لاستوائهما في الافتقار والحاجة إلى المحدث (فيستوي) إذا (الصانع والمصنوع ويتكافاً المبتدع) أي يتماثل المخترع من الموجودات (و البديع) أي المبدع الصانع سبحانه.

فالفعيل بمعنى فاعل قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البَقَرَة: الآية 117]، وعن نسخة الرضي ويتكافأ المبدع والبديع ومعناه كما ذكرنا وعن نسخة أخرى المبدع بكسر الدال والبديع، فالمراد بالأوّل الصانع، وبالثاني المصنوع المبدع فالفعيل على ذلك بمعنى المفعول.

وعلى أي تقدير فالغرض أن اتصافه بصفات المحدثات مستلزم لاشتراكه معها في وصف الحدوث وهو ظاهر البطلان، بيّن الاستحالة.

والرابع والخمسون أنه (خلق الخلائق على غير مثال خلا) أي مضى وسبق (من غيره) يعني فعله وصنعه بعنوان الإبداع والاختراع فهو الخالق للأَشياء على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذى عليه من معبود خالق كان قبله، وقد عرفت تحقيقه في شرح الفصل السابع من

(المختار) الأوّل وشرح الفصل الثاني من «المختار» التسعين.

والخامس والخمسون أنه (لم يستعن على خلقها) أي الخلائق (بأحد من خلقه) وإلا لكان ناقصاً بذاته مفتقراً إلى من هو مفتقر إليه وهو محال.

(و) السادس والخمسون أنه عزّ وجلّ خالق الأَرض وباسطها مشتملة على ما فيها من بدائع الصنع، وعجائب القدرة ودلائل الكبرياء والعظمة، وقد مضى شرح واف لهذا المعنى في شرح الفصل الثالث والثامن من «المختار» الأول وشرح الفصل السادس من «المختار» التسعين وأشار هنا إلى بعض ما فيها من شواهد الربوبيّة وبراهين التوحيد والتفريد فقال:

(أنشأ الأَرض فأمسكها من غير اشتغال) أي أمسكها على بين الماء «كذا» بقدرته الكاملة من غير أن يشتغل بإمساكها عن سائر أفعاله وصنائعه، فإنّه لا يشغله شأن عن شأن وهو تنزيه الصّفات البشرية، فإن الواحد منا إذا أمسك جسماً ثقيلاً اشتغل به عن سائر أموره.

(وأرساها على غير قرار) أي أثبتها على غير قرار يعتمد عليه ولا مقرّ يتمكن عليه.

(وأقامها بغير قوائم) أي أقامها على مور أمواج مستفحلة، ولجج بحار زاخرة بغير قوائم يقوم عليها.

(ورفعها بغير دعائم) أي رفعها على الماء بغير عماد ودعامة تعلو عليها وتستند إليها.

(وحصنها من الأود والاعوجاج) أي جعلها حصينة منيعة من أن تميل عن مركزها الحقيقي وتعوج إلى أحد جوانب العالم.

(ومنعها من التهافت والانفراج) أي جعلها كرة واحدة ثابتة في حيزها ومنعها من أن تتساقط قطعاً وينفرج بعض أجزائها عن بعض.

(أرسى أوتادها) أي أثبت فيها الجبال الراسيات التي هي لها منزلة الأَوتاد المانعة لها من الميدان والاضطراب على ما عرفت تحقيقه في شرح الفصل الثالث من «المختار» الأوّل.

(وضرب أسدادها) أي نصب بين بقاعها وبلادها على اقتضاء الحكمة والمصلحة أسداداً حاجزة وحدوداً مايزة من الجبال الراسية والأَنهار الجارية ونحوها قال تعالى: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) [الكهف: الآية 94].

(واستفاض عيونها) أي أفاض العيون وأجرى منها الماء الذي هو مادة حياة الأَحياء (وحذ أوديتها) أي شقها وجعلها مراتع للبهايم ومزارع للناس لعلّهم يعقلون.

لما عدا علیه السلام عدداً من بدائع الصنع وآثار العظمة فرع عليه قوله: (فلم يهن ما بناه ولا ضعف ما قواه) تنبيهاً على عظمة صانعها ومبدعها، لأن عدم تطرق الوهن والضعف على تلك

الآثار مع طول الزمان ومرور الدهور كاشف عن كمال قدرة المؤثر وقوته وعظمته.

والسابع والخمسون ما أشار إليه بقوله (هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته) أي الغالب القاهر على الأَرض وما فيها باستيلاء قدرته وقوته وسلطنته القاهرة وعظمته الباهرة.

والثامن والخمسون ما أشار إليه بقوله (وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته) أي الخبير عليها وعلى ما فيها بعلمه الذي لا يعزب عنه شيء ولما كان المتبادر من الظهور والبطون الظهور والبطون الحسيين، قيد الأوّل بالسلطان والعظمة والثّاني بالعلم والمعرفة تنبيهاً على أن المراد بهما إذا نسبتا إلى الله سبحانه، ليس معناهما المتعارف لاستحالته في حقه تعالى واختصاصه بالأَجسام والجسمانيات بل معنى آخر يليق بذاته ولا ينافي قدسه.

(و) التاسع والخمسون أنه (العالي على كل شيء منها) لا بالعلو الحسي المتصور في الأَجسام كما يزعمه المجسمة القائلون بأنه على العرش متشبثين بقوله: (الرحمن على العرش استوى) لما عرفت مراراً فساد هذا الزعم، كما عرفت تأويل الآية الشريفة بل بالعلوّ المعنوي وهو العلو (بجلاله وعزته) والمراد بجلاله تنزهه عن صفات النقصان وتقدّسه عن عوارض الإمكان، فهو باعتبار تنزهه عنها في أوج الكمال الأَعلى والمراد بعزّته قهره وغلبته وسلطانه.

الستون أنه (لا يعجزه شيء منها طلبه) لتمام سلطانه وقدرته وافتقار جميع من سواه إليه في وجوده وبقائه وتقلباته فكيف يتصوّر أن يعجز من هو محتاج في ذاته وصفاته وحركاته وسكناته وجميع حالاته إليه قال عز من قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر: الآية 44].

(و) الواحد والستون (لا يمتنع عليه شيء فيغلبه) لما قلناه من تمام سلطانه وكمال قدرته وافتقار كل إليه، فلا راد لقضائه ولا دافع لحكه كما قال في كتابه العزيز: («إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) وفي آية أخرى: (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) [الكهف: الآية 45].

(و) الثاني والستون أنه (لا يفوته السريع منها فيسبقه) أي لا يفوته سريع السير والحركة الأَشياء فيسبقه بقوة حركته، لاستلزام ذلك نقصاً في قدرته وعجزاً في ذاته والاستواء نسبة الأمكنة والمكانيات والأزمنة والزمانيات إليه سبحانه قال تعالى: (كَلَّا إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ فَلَا أُنِيمُ بِرَبِّ الْمُشْرِقِ وَالْمَغَرِبِ إِنَّا لَقَدِرُونَ عَلَى أَن تُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُونِينَ) [المعارج: الآيات 39 - 41].

قال الطبرسي: يعني أنا نقدر على أن نهلكهم ونأتي بدلهم بقوم آخرين خيراً منهم وأن هؤلاء الكفار لا يقوون بأن يتقدموا على وجه يمنع من لحاق العذاب بهم فإنهم لم يكونوا

سابقين ولا العقاب مسبوقاً منهم، والتقدير وما نحن بمسبوقين لفوت عقابنا إيّاهم فإنهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا.

(و) الثالث والستون أنّه (لا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه) لأَنّه الغني المطلق وماسواه مفتقر إليه فكيف يفتقر إلى ما هو محتاج إليه، والمقصود بذلك وبما سبق كلّه تنزيهه من الصفات البشرية.

والرابع والستون أنه (خضعت الأشياء) كلها (له وذلت مستكينة) خاضعة مهانة (لعظمته) لكونها جميعاً أسيرة في قيد الإمكان مقهورة في سلسلة الحدوث والافتقار والنقصان.

فحيث كانت بهذه المثابة من الذل والانقهار ف- (لا تستطيع الهرب) والفرار (من سلطانه إلى غيره) لأَن الهارب والمهروب إليه سيان في جهة التّذلل والافتقار وكلّ شيء خاشع له، وكلّ قوي ضعيف عنده، وكلّ عزيز ذليل لديه.

وعلى ذلك (ف-) لا يمكن للهارب أن (يمتنع) بالهرب إلى الغير والاعتصام به (من نفعه وضره) أي مما قضاه الله سبحانه في حقه وقدره من النفع والضرر.

فإن قلت: الممتنع إنّما يمتنع من الضرر والهارب يهرب منه دون المنفعة فما معنى قوله: من نفعه؟

قلنا: المراد منه سلب القدرة على تقدير امتناعه منه والإشارة إلى أنه قادر على ردّ شیء مما قدره الله في حقه مطلقاً وأنه لا عاصم له من أمر الله أصلاً، فهو نظير قوله سبحانه: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [الأحزاب: الآية 17] أي من ذا الّذي يدفع عنكم قضاء الله ويمنعكم من الله إن أراد بكم عذاباً وعقوبة أو أراد بكم رحمة فإن أحداً لا يقدر على ذلك، ولا يجدون من دون الله وليّاً يلي أمورهم ولا نصيراً ينصرهم ويدفع عنهم.

(و) الخامس والستون (لا كفوء له فيكافئه ولا نظير له فيساويه) أي ليس له سبحانه مكافي ومماثل.

إذ لو فرضنا له مكافئاً في رتبة الوجود فذلك المكافىء لو كان ممكن الوجود كان محتاجاً إليه متأخراً عنه في الوجود فكيف يكون مكافئاً له في رتبة الوجود.

وإن كان واجب الوجود فهو ينافي الأَحدية ويستلزم التركيب لأن كلّ ماله مثل فذاته مركب من جزئين أحدهما جهة الاتحاد والمجانسة والثاني جهة الامتياز والأثنينية.

وأيضاً لا يتشخص المهيّة المشتركة بين شييئن أو الأشياء إلا بواسطة المادة الجسمانية

وعلائقها وهو سبحانه لبراءته من الأجسام والمواد ولكون أنيته نفس مهيته وليس له مهية سوى الهوية المحضة الوجودية كما أشير إليه في قوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: الآية 1] لا يكون له مثل أصلاً.

وبتقرير أوضح نقول: أنه سبحانه واحد أحد أحدي الذات فلا يمكن أن يكون له مماثل ومكافىء.

بيان ذلك كل مهيّة مركبة فهي مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزاء الشيء غيره، فكل مركب مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره متأخر عنه فهو ممكن محتاج في وجوده إلى ذلك الغير فلم يكن إلها واجب الوجود، والإله الذي هو مبدء لجميع الممكنات يمتنع أن يكون مركباً ممكناً فهو في نفسه أحد وإذا ثبت كونه أحداً ثبت كونه واحداً فرداً إذ لو لم يكن فرداً لكان له مجانس أو مماثل يشاركه في الوجود ولكان امتيازه عنه بمميّز فصلي فيعود التركيب هذا خلف.

السادس والستون ما أشار إليه بقوله: (هو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها) يعني أنه سبحانه يفني الأشياء ويعدمها حتى يصیر ما هو موجود كأن لم یکن موجوداً أصلاً أو الكاف زائدة أي يصير موجودها مفقوداً معدوماً.

وهو ظاهر بل صريح في فناء الجميع، وأصرح منه قوله الآتي: أنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده، لا شيء معه، وأصرح منهما قوله الذي يتلوه أعني: فلا شيء إلا الله الواحد القهار، لأن النكرة في سياق النفي يفيد العموم مؤكّداً بالاستثناءِ.

وقد وقع خلاف عظيم في هذه المسألة أعني مسألة طريان العدم على الأَشياء حتى ضارت معركة للآراء.

فذهب جمهور الحكماء إلى امتناع طريان العدم على أكثر أجزاء هذا العالم كالعقول المجرّدة والنفوس الناطقة والأجسام الفلكية والمادة العنصريّة، فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه لا لذاته بل لدوام علته وهذا لا ينافي الإمكان لأَن الممكن ما يجوز عليه أصل العدم وهو مما لا نزاع فيه، وإنما نزاعهم في طريان العدم.

وذهب جمهور علماء الإسلام إلى جواز طريانه على جميع أجزائه ولكن اختلفوا في وقوعه.

فمنهم من قال: بعدم انعدام العرش قال الفخر الرازي في «الأربعين»: واعلم أن كثيراً من علماء الشريعة وعلماء التفسير قالوا إن في وقت قيام القيامة ينخرق الأَفلاك وينهدم

الكواكب إلا أن العرش لا ينخرق، والتخصيص بالأَكثر بالنسبة إلى عدم تخرق العرش وإلا فتخرق الأَفلاك وانهدام الكواكب مما لا خلاف فيه.

ومنهم من قال: بتجرد النفس الناطقة وعدم قبولها للفناء.

وذهب الأكثرون إلى طريان العدم على جميع أجزائه أخذاً بظواهر الآيات والأَدلة المفيدة لذلك مثل قوله سبحانه: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) [الأنبياء: الآية 104] وقوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)، وقوله: (وكُل مَنْ عَلَيْهَا فَانِ) [الرحمن: الآية 26]. وقوله: «هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، ومعلوم أنه تعالى مبدىء لجميع الأشياء فيكون معيداً للجميع ولا يتصور الإعادة إلا بعد الإعدام فلا بد من إعدام الجميع.

ثم وقع الخلاف بين هؤلاء القائلين بإعدام الجميع في معنى الإعدام الواقع وأن المراد به هل هو إفناء الجواهر والذوات بأسرها أو تفريق الأجزاء، وإزالة الأعراض.

فمن جوّز إعادة المعدوم بعينه قال بالأول.

ومن قال بامتناعه كما هو الحق الموافق للتحقيق وعليه المحققون حتى ادعى بعضهم أنه من البديهيات وقال الشيخ إن كل من رجع إلى فطرته السليمة ورفض عن نفسه الميل والعصبيّة شهد عقله الصريح بأن إعادة المعدوم ممتنع، فذهب إلى الثاني.

وإلا امتنع القول بالمعاد الجسماني لأَن الغرض من المعاد هو إيصال الثواب على المطيع والعقاب على العاصي فمع إعدام الذوات والجواهر وامتناع إعادة المعدوم يكون المعاد غير المطيع والعاصي السابقين المستحقين للمثوبة والعقوبة، فالعقاب على المعاد يكون عقاباً على غير المستحق وهو خلاف العدل، فلا بد من المصير إلى أن المراد بالفناء والهلاك والعدم الوارد في الآيات والأَخبار هو تفرق الأجزاء وزوال التأليف والتركيب عنها وخروجها عن حد الانتفاع.

قالوا: إن الله يفرق الأَجزاء ويزيل التأليف عنها ولكنه لا يعدمها فإذا أعاد التأليف إليه وخلق الحياة فيه مرة أخرى كان هذا الشخص هو عين الشخص الذي كان موجوداً قبل ذلك فحينئذ يصل الثواب إلى المطيع والعقاب على العاصي وتزول الأشكال.

وقال في «التجريد»: والإمكان يعطي جواز العدم والسمع دل عليه بتأوّل في المكلّف بالتفرق كما في قصّة إبراهيم علیه السلام يعني كون العالم ممكناً يعطي جواز عدمه والأَدلة السمعية دلت على وقوعه ولا ينافي في ذلك امتناع إعادة المعدوم.

أما في غير المكلّفين فإنه يجوز أن يعدم بالكليّة ولا يعاد.

وإمّا بالنسبة إلى المكلّفين فإنّه يتأول العدم بتفرق الأَجزاء ويتأول المعاد بجمع تلك الأجزاء وتأليفها بعد التفريق.

والذي يصحح هذا التأويل قصة إبراهيم علیه السلام على ما حكى عنه الكتاب حيث قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البَقَرَة: الآية 260] قال الله تعالى في جوابه: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) [البَقَرَة: الآية 260].

ولكن استشكل الفخر الرازي فيه أي في القول بأن المراد بالعدم هو التفرق بأن المشار إليه لكل أحد بقوله: أنا ليس مجرّد تلك الأجزاء وذلك لأَنا لو قدرنا أن هذه الأجزاء تفرقت وصارت تراباً من غير حياة ولا مزاج ولا تركيب ولا تأليف فإن كل أحد يعلم أن ذلك القدر من التراب الصرف ليس عبارة عن زيد، بل الإنسان المعبر بأنا إنما يكون موجوداً إذا تركبت تلك الأجزاء وتآلفت على وجه مخصوص ثمّ قام بها حياة وعلم وقدرة وعقل وفهم، فثبت أن الشخص المعيّن ليس عبارة عن مجرد تلك الأجزاء والذّوات، بل هو عبارة عن ذلك الأجزاء الموصوفة بالصفات المخصوصة، وإذا كان كذلك كانت تلك الصفات أحد أجزاء ماهية ذلك الشخص من حيث إنه ذلك الشخص، وعند تفرق الأجزاء يبطل تلك الصّفات وتفنى، فإن امتنعت الإعادة على المعدوم امتنعت على تلك الصفات فيكون العائد صفات أخرى لا تلك الصفات التي باعتبارها كان ذلك الشخص، وعلى هذا التقدير لم يكن العائد ثانياً هو الّذي كان موجوداً أولاً، فلم يكن الزيد الثاني عين الزيد الأوّل، فثبت بما ذكرنا أنَّا إن جوزنا إعادة المعدوم فلا حاجة إلى ما ذكروه، وإن منعنا إعادة المعدوم كان الإشكال المذكور باقياً، سواء قلنا إنه تعالى لا يفنيها أو قلنا إنه يفنيها، انتهى.

ووافقه ذلك الشارح البحراني حيث قال: إن بدن زيد مثلاً ليس عبارة عن تلك الأَجزا المتشذبة المتفرقة فقط، فإن القول بذلك مكابرة للعقل بل عنها مع سائر الأَعراض والتأليفات المخصوصة والأَوضاع فإذا شذب البدن وتفرق فلا بد أن يعدم تلك الأعراض وتفنى وحينئذ يلزم فناء البدن من حيث إنه هذا البدن، فعند الإعادة إن أعيد بعينه وجب إعادة تلك الأَعراض بعينها فلزمت إعادة المعدوم، وإن لم يعد بعينه عاد غيره فيكون الثواب والعقاب على غيره وذلك تكذب للقرآن الكريم: (وَلَا تَزِِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: الآية 164].

اللهم إلا أن يقال: إن الإنسان المثاب والمعاقب إنما هو النفس الناطقة، وهذا البدن كالآلة فإذا عدم لم يلزم عوده بعينه بل جاز عود مثله، لكن هذا إنما يستقيم على مذهب الحكماء القائلين بالنفس الناطقة لا مذهب من يقول بالتشذب وتفرق الأجزاء، ومذهب أكثر المحققين من علماء الإسلام يؤل إلى هذا القول، انتهى.

أقول: بعد القول بالمعاد الجسماني وكونه من ضروريات الدين، وبعد القول بامتناع إعادة المعدوم وكونه من البديهيّات حسبما أشرنا إليه، لا مناص من القول بالتفرق.

وأمّا الإشكال المذكور فالجواب عنه بناء على نفي الجزء الصوري للأَجسام وحصر أجزائها في الجواهر الفردة كما هو مذهب المتكلّمين ظاهر.

وأما بناء على ثبوت الجزء الصوري فربما يجاب عنه بأنه يكفي في المعاد الجسماني عود الأجزاء المادية بعينها، ولا يقدح تبدل الجزء الصوري بعد أن كان أقرب الصور إلى الصورة الزائلة.

لا يقال: إن هذا يكون تناسخاً.

لأَنا نقول: الممتنع هو انتقال النفس إلى بدن مغاير له بحسب المادة لا إلى بدن يتألف من عين مادة هذا البدن وصورة هي الصّور إلى الصورة الزائلة، فإن سمّيت ذلك تناسخاً فلا بد من البرهان على امتناع فإن النزاع إنما هو في المعنى لا في اللفظ، هذا.

وقد أشير إلى هذا الجواب في ما رواه في «الاحتجاج» عن الصادق علیه السلام وهو أنه سأله ابن أبي العوجاء عن قوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء: الآية 56]، فقال: ما ذنب الغير؟ قال علیه السلام ويحك هي هي وهي غيرها، قال: فمثّل لي في ذلك شيئاً من أمر الدنيا قال علیه السلام: نعم أرأيت لو أن رجلاً أخذ لبنة فكسرها ثم ردها في ملبتها فهي هي وهي غيرها(1).

ثم إن شئت مزيد توضيح لهذه المسألة أعني كون الإعدام والإفناء بالتفريق والتشذيب والإعادة بالجمع والتركيب فعليك بالرجوع آيات الكتاب وأخبار الأئمة علیهم السلام الأطهار الأطياب.

قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس: الآيتان 78 - 79] وقد مضى تفسير الآية مفصلاً وتحقيق الكلام في إثبات المعاد الجسماني بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثالث من «المختار» الثاني والثمانين.

وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) [القِيَامَة: الآيتان 3 - 4] وقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) [البقرة: الآية 243].


1) الاحتجاج: 2/ 104، والفصول المهمة في أصول الأئمة: 344/1.

روى في «الكافي» عن الباقر والصادق علیهما السلام أن هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام وكانوا سبعون ألف بيت قال لهم الله موتوا جميعاً، فماتوا من ساعتهم وصاروا رميماً يلوح، وكانوا على طريق المارة فكنستهم المارة فنحوهم وجمعوهم في موضع فمر بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فلما رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال: يا رب لو شئت لأَحییتهم الساعة كما أمتّهم، فأوحى الله عزّ وجلّ أن قل كذا وكذا، فقال الذي أمر الله عز وجل أن يقوله فلما قال ذلك نظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض فعادوا أحياء ينظر بعضهم إلى بعض - والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة(1).

وقال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: الآية 259] أي انظر إلى عظامك كيف نرفع بعضها إلى بعض للتركيب، وقرء ننشرها بالراء المهملة من أنشر الله الموتى أحياهم.

روى عليّ بن إبراهيم القمي في حديث طويل عن الصادق علیه السلام- وساق الحديث إلى أن قال - فخرج أرميا على حمار ومعه تين قد تزوده وشيء من عصير فنظر إلى سباع البر وسباع البحر وسباع الجو تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعة ثم قال: أنّي يحيي الله هؤلاء وقد أكلتهم السّباع، فأماته الله مكانه وهو قول الله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) [البَقَرَة: الآية 259] الآية، وبقي أرميا ميّتاً مائة سنة ثم أحياه الله فأوّل ما أحيا الله منه عينيه في مثل عزقي البيض فنظر فأوحى الله إليه كم لبثت قال لبثت يوماً ثم نظر إلى الشّمس قد ارتفعت فقال أبو بعض يوم فقال الله تعالى بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه أي لم يتغيّر، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للنّاس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطرة تجمع إليه وإلى اللحم الذي قد أكلته السباع يتألف إلى العظام من ههنا وههنا ويتلزق بها حتى قام وقام حماره فقال: إن الله على كل شيء قدير(2).

وفي «الاحتجاج» في حديث عنها علیه السلام قال: وأمات الله أرميا النبي الذي نظر إلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر فقال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم أحياه ونظر إلى أعصابه كيف تلتئم وكيف تلبس اللحم وإلى مفاصله وعروقه كيف


1) الكافي: 199/88، وشرح أصول الكافي: 263/12 - 237.

2) بحار الأنوار: 34/7 ح3، التفسير الصافي: 290/1.

توصل، فلما استوى قاعداً قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير(1).

ثمّ إنه علیه السلام لما ذكر أنه تعالى يفني الأشياء بعد الوجود، وكان ذلك مستبعداً عند الأذهان القاصرة ومورداً للتعجب لاستبعادها طريان العدم على هذه الأشياء الكثيرة العظيمة کالسماوات الموطدات وما فيهن، والأرضين المدحوات وما عليهن وغيرها من الممكنات الموجودات أراد دفع الاستبعاد والتعجب فقال:

(وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها) لأن الإنشاء والإفناء إن لوحظا بالنسبة إلى قدرة الواجب تعالى فليس بينهما فرق، إذ نسبة جميع المقدورات إليه تعالى سواء، لأَنها كلّها ممكنة قابلة للوجود والعدم لذواتها وهو سبحانه على كل شيء قدير، وإن لوحظا بالنظر إلى أنفسهما مع قطع النظر عن القدرة فالإبداع أغرب وأعجب من الإعدام سيّما إذا كان المبدع مشتملاً على بدائع الخلقة وأسرار الحكمة التي لا يهتدي إلى معشارها بعد الهمم ولا يصل إليها غوص الفطن كما أشار إليه بقوله:

(وكيف) أي كيف يكون الفناء أعجب (ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها) أي من ذي مراحها أي الذي أراحه راعيه فيه بالعشي (وأصناف أسناخها وأجناسها ومتبلدة أممها وأكياسها) أي غبيّها وذكيّها (على إحداث) أصغر حيوان وأحقره وأضعفه من (بعوضة) ونحوها (ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها) كما قال عز من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) [الحج: الآية 73].

ومحصّل المراد أنه كيف يكون الفناء أعجب من الإبداع وفي إبداع أضعف حيوان وأحقره وهي البعوضة ما يعجز عن تكوينه وإحداثه قدرة كلّ من تنسب إليه القدرة، وتقصر عن معرفة الطريق إلى إيجادها ألباب الأَلباء.

(ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت وعجزت قواها وتناهت) فإنها على صغرها وضعفها قد ودع فيها من بدائع الصنع وعجائب الخلقة ما لا يخفى، فإنه سبحانه قد خلقها على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء من الفيل، فإن للفيل أربع أرجل وخرطوماً وذنباً، ولها مع هذه الأعضاء رجلان زائدتان وأربعة أجنحة، وخرطوم الفيل مصمت وخرطومها مجوّف نافذ للجوف، فإذا طعنت به جسد الإنسان استقى الدّم وقذفت به إلى جوفها فهو لها كالبلعوم والحلقوم ولذلك اشتد عضها وقويت على خرق الجلود الغلاظ قال الراجز:


1) الاحتجاج: 88/2، وبحار الأنوار: 176/10.

مثل السّفاة دائماً طنينها *** ركب في خرطومها سکّینا

ومما ألهمها الله تعالى أنها إذا جلست على عضو الإنسان لا تزال تتوخى بخرطومها المسام التي يخرج منها العرق لأَنها أرق بشرة من الجلد، فإذا وجدها وضعت خرطومها فيها، وفيها من الشره أن تمصّ الدّم إلى أن تنشق وتموت أو إلى أن تعجز عن الطيران فيكون ذلك سبب هلاكها.

وكان بعض الجبابرة من الملوك يعذب بالبعوض فيأخذ من يريد قتله فيخرجه مجرداً إلى بعض الآجام التي بالبطايح ويتركه فيها مكتوفاً فيقتل في أسرع وقت وأقرب زمان، قال الفتح البستي في هذا المعنى:

لا تستخفن الفتى بعداوة *** أبداً وإن كان العدوّ ضئیلا

إن القذى يؤذي العيون قليله *** ولربما جرح البعوض الفیلا

وقال آخر:

لا تحقرن صغيراً في عداوته *** إن البعوضة تدمي مقلة الأسد

فقد ظهر من ذلك أن عقول العقلاء لو فكرت في إيجادها وفيما أبدع من عجائب الصنع لتحيّرت وتاهت وعرفت أن القوى عاجزة عن إيجادها.

(ورجعت خاسئة) أي صاغرة ذليلة (حسيرة عارفة بأنها مقهورة) عاجزة غير متمكنة (مقرّة بالعجز عن إنشائها مذعنة بالضعف عن إفنائها).

فإن قلت: كيف تذعن العقول بالضعف عن إفناء البعوضة مع إمكان ذلك وسهولته؟

قلت: إن الله سبحانه وإن خلق للعبد قدرة على الفعل والترك والإيذاء والإضرار لغيره، لكنه تعالى جعل للبعوضة أيضاً القدرة على الهرب والطيران والامتناع من ضرر الغير فضلاً عن إهلاكه، فلولا تسخير الرب القاهر لها وتمكينه إياها لما قدر العبد على قتلها وإهلاكها وما كان متمكناً من إفنائها وإعدامها.

ثمّ إنّه لما ذكر أنّه تعالى يفني الأشياء بعد وجودها حتّى يصير موجودها كمفقودها، وعقبها بجملات متعددة معترضة للاستبعاد وإفنائها عاد إلى إتمام ما كان بصدده من شرح حال الفناء فقال:

(وإنه سبحانه يعود بعد فناءِ الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها) يعني أنه يبقى بعد فناء الأَشياء وحده لا شيء معه منها كما كان قبل وجودها.

قال الشارح البحراني: وقوله: ( يعود)، إشعار بتغير من حالة سبقت إلى حالة لحقت وهما يعودان إلى ما تعتبره أذهاننا له من حالة تقدّمه على وجودها وحالة تأخّره عنها بعد عدمها، وهما اعتباران ذهنيان يلحقانه بالقياس إلى مخلوقاته.

وقوله: (بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان) يحتمل أن يكون قيداً بقوله: وحده أو قوله: يكون، فيكون إشارة إلى بقائه سبحانه بعد فناء الأشياء متوحداً منزهاً عن الزمان والمكان، بريئاً عن لحوقهما كما كان قبل وجودها كذلك، لأَن الكون في المكان والزمان من خصائص الإمكان وخواص الأجسام.

ويحتمل أن يكون قيداً لقوله: فنائها أتى به تأكيداً له، يعني أنه يفني الأَشياء حتّى لا يبقى وقت ولا زمان ولا مكان.

وذلك لأَن المكان إمّا الجسم الذي يتمكّن عليه جسم آخر، أو الجهة، وكلاهما لا وجود له بتقدير عدم الأفلاك وما في حشوها من الأجسام أما الأَوّل فظاهر وأمّا الثاني فلأَن الجهة لا تتحقق إلا بتقدير وجود الفلك لأنها أمر إضافي بالنسبة إليه فبتقدير عدمه لا يبقى لها تحقق أصلاً.

وأما الزمان فلأنه عبارة عن مقدار حركة الفلك فإذا قدرنا عدم الفلك فلا حركة فلا زمان.

وفيه ردّ على الفلاسفة القائلين بعدم فناء الأفلاك حسبما أشير إليه سابقاً ولدفع زعمهم الفاسد أيضاً أكده ثانياً بقوله:

(عدمت عند ذلك) أي عند فناء الأشياء (الآجال والأوقات، وزالت السّنون والساعات) لأنّ كل ذلك أجزاء للزّمان وحيث انعدم الزّمان لانعدام الفلك انعدم ذلك كله (فلا شيء إلا الله الواحد القهار) هذا نص صريح في فناء الأَشياء.

وهو على القول بطريان العدم عليها بجواهرها وذواتها لا غبار عليه.

وأما على القول بأن الفناء هو التشذب وتفرق الأَجزاء كما عليه بناء المحققين حسبما عرفته سابقاً فلا بدّ من ارتكاب التأويل وفي أمثاله ينصرف لا عن نفي الجنس إلى نفي الكمال كما في لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد أي لا شيء يصحّ منه الانتفاع فإن الأجزاء المنشذبة المتفرّقة وإن صحّ إطلاق اسم الشيء عليها إلاّ أنّها خرجت بتفرقها عن حيّز الانتفاع، فكأنّها ليست بشيء أي لا يبقى بعد فناء الأَشياء شيء معتدّ به إلا الله الواحد القههار للأَشياء بالعدم والفناء، والغالب عليها بالإعدام والإفناء، بحيث لا يطبق شيء منها من الامتناع من حكمه ومما يريد الإنفاذ فيها من أمره.

(الذي إليه مصير جميع الأمور) ومرجعها عاقبتها كما قال عزّ من قال: (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) [الشورى: الآية 53].

وقال الطبرسي: أي إليه ترجع الأمور والتدبير يوم القيامة فلا يملك ذلك غيره.

وقال البحراني: معنى مصيرها إليه أخذه لها بعد هبته لوجودها.

ولما ذكر قهاريته على الأشياء وصيرورتها كلها إليه تعالى عقبه بقوله:

(بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها وبغير امتناع منها كان فناؤها) تنبيهاً على أن لازم قاهريته ذلك أي كون الكلّ مقهوراً تحت مشيته غير مقتدر على إيجاد نفسه ولا على الامتناع من فنائه فهو عاجز ضعيف داخر ذليل لا يملك لنفسه موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

(و) لما كان عدم اقتدارها على خلقتها بديهيّاً مستغيناً عن التعليل بخلاف اقتدارها على الامتناع علل الثاني بأنها (لو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها) لكن التالي باطل فالمقدّم مثله، ووجه الملازمة أن الفناء مكروه بالطبع لكلّ موجود فلو تمكن من الامتناع منه لامتنع فدام، وأما بطلان التالي فلما ثبت أنّه سبحانه يفنيها فلا يدوم بقاؤها فلا يكون لها قدرة على الامتناع.

والسابع والستون أنه تعالى (لم يتكأده صنع شيء منها إذ صنعه) أي لم يشق عليه سبحانه صنع شيء من المصنوعات، لأَن صنعه تعالى ليس بقوّة جسمانية حتّى يطرئه الانفعال والتعب، بل فعله الإفاضة وصنعه الإبداع الناشيء عن محض علمه وإرادته من غير استعمال آلة أو حركة.

ونحن لو كنا بحيث لو وجد من نفس علمنا وإرادتنا شيء لم يلحقنا من وجوده تعب وانفعال، لكنا نحتاج في أفعالنا إلى حركة واستعمال آلة على أن علمنا وإرادتنا زائدتان على ذواتنا، فالله تعالى أولى بأن لا يلحقه تغيّر من صنعه، لأن فعله بمجرّد علمه ومشيئته الموجبتان لقوله وأمره الواسطتان لفعله وصنعه كما قال عز وجل: (إنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: الآية 82].

(و) الثامن والستون إنّه (لم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه) أي لم يثقله إيجاد ما أوجده من المخلوقت، لأن الثقل والإعياء إنما يعرض لذي القوى والأعضاءِ من الحيوان، وإذ ليس سبحانه بجسم ولا ذي آلة جسمانية لم يلحقه بسبب فعله إعياء ولا تثقل ولا تعب كما قال سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) [الأحقاف: الآية 33]. وقال: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).

(و) التاسع والستون أن تكوينه وإيجاده للأشياء ليس لجلب منفعة لنفسه أو دفع مضرّة عنها، لما قد عرفت في شرح الخطبة الرابعة والستين مفصلاً من أنه ليس بفعله داع وغرض غير ذاته، فلو كان غرضه من التكوين جلب المنفعة أو دفع المضرة لزم نقصانه في ذاته واستكماله بغيره، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

(و) أشار إلى تفصيل وجوه المنافع المتصورة في التكوين والمضار المترتبة على عدمه ونفيها جميعاً بقوله:

(لم يكوّنها لتشديد سلطان) قد مضى شرحه في شرح الخطبة الرابعة والستين (ولا لخوف من زوال ونقصان) أي لخوفه من الزوال والعدم فخلقها ليتحصن بها من ذلك أو خوفه من النقصان فخلقها لأَن يستكمل بها، وقد تقدّم تنزهه سبحانه عن الخوف في شرح الخطبة المذكورة أيضاً.

(ولا لاستعانة بها على نذ مكاثر) متعرض للغلبة (ولا للاحتراز بها من ضدّ مثاور) موائب ومحارب له (ولا للازدياد بها في ملكه) ومملكته بتكثير الجند والعساكر وأخذ الحصون والبلاد والقلاع (ولا لمكابرة شريك في شركه) أي لمفاخرة الشريك في الملك كما يكاثر الإنسان غيره ممن يشاركه في الأموال والأولاد قال سبحانهُ: (ألهاكم التكاثر) وإنما لم يكن تكوينه لأجل هذه الأمور لاستلزامه العجز والضعف والنقصان حسبما عرفته في شرح الخطبة التي أشرنا إليها.

(ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها) لتنزهه تعالى عن الاستيحاش والاستيناس حسبما تقدّم تفصيلاً في شرح الفصل السادس من الخطبة الأولى.

والسبعون أن إفنائه للأشياء ليس أيضاً من أجل جلب النفع أو دفع الضرر، وإليه أشار بقوله (ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم) وملال (دخل عليه في تصريفها وتدبيرها)، لأَن الضجر والملال إنما يلحقان للمزاج الحيواني فيمتنع أن يكون فناؤه لها لأَجل دفعهما عنه لتنزّهه من المزاج.

( ولا ل-) تحصيل (راحة واصلة إليه) بسبب إعدامها (ولا ل-) دفع مضرّة (ثقل شيء منها عليه) حال وجودها، لأن هذا كلّه من لواحق الإمكان ولوازم الضعف والنقصان (لا يملّه طول بقائها) كما يمل غيره (فيدعوه إلى سرعة إفنائها) لما ذكرنا من تنزّهه من السأم والملال و(الكنّه سبحانه دبّرها بلطفه) أي ببرّه وإنعامه وتكرمته.

ومعنى تدبيره لها تصريفه إيّاها لتصريفها كلّياً وجزئيّاً على وفق حكمته وعنايته من غير مماسة بها ومباشرة لها لأَن المباشرة والملامسة من صفات الأَجسام.

(وأمسكها بأمره) أي بحكمه النافذ وسلطانه القاهر (وأتقنها بقدرته) أي جعلها متقنة محكمة مصونة من التزلزل والاضطراب بنفس قدرته الكاملة، فإذا كان تدبيرها باللطف وإمساكها بالحكم وإتقانها بمحض القدرة من غير حاجة فيها إلى المزاولة والمباشرة، امتنع عروض الثقل والملال عليه سبحانه بسبب بقائها ووصول الراحة إليه بسبب فنائها كما هو واضح لا يخفى.

والحادي والسبعون أن إعادته للأشياء بعد الفناء ليس أيضاً لأَجل الأغراض البشريّة من جلب منفعة أو دفع المضرّة وإليه أشار بقوله:

(ثمّ يعيدها بعد الفناء) أي يعيد الأَشياء لا جميعها بل بعضها وهو جميع أفراد النوع الإنساني قطعاً وجملة من غيره مما ورد في الأَخبار الإخبار بإعادته، فالضمير عائد إلى الدّنيا أو إلى الأمور في قوله مصير جميع الأمور وأريد به البعض على طريق الاستخدام.

وكيف كان فإنه سبحانه يعيد من الأَشياء ما اقتضت الحكمة إعادتها (من غير حاجة منه إليها) لأَن الحاجة من صفات الممكن (ولا استعانة بشيء منها عليها) أي استعانة ببعضها على بعض (ولا لانصراف من حال وحشة) كانت له عند فقدانها (إلى حال استيناس) حصلت له عند وجودها (ولا) لانتقال (من حال جهل وعمي) حاصلة له بإعدامها (إلى حال علم والتماس) أي إلى استجداد علم ولمس (ولا من فقر وحاجة إلى غني وكثرة ولا من ذلّ وضعة إلى عزّ وقدرة) لأَن هذه الأَغراض كلّها إنما تليق بالممكنات الناقصة، وأمّا الواجب تعالى فله الكمال المطلق في ذاته وصفاته، فيتمنع أن يكون أفعاله لمثل هذه الأَغراض المنبئة عن النقص والفاقة.

تنبيه

لا تحسبنّ من نفي الأغراض المذكورة عنه سبحانه في إيجاد الأَشياء وإفنائها وإعادتها كون أفعاله عزّ وجل خالية عن الغرض مطلقاً كما زعمته الأشاعرة فيلزم كونه لاعباً عابثاً في فعله، تعالى شأنه عن ذلك علواً كبيراً وقد قال عزّ من قائل: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بينهما لَعِبِينٌ) [الأنبياء: الآية 16] (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا) [آل عِمران: الآية 191] (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثَا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَلَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: الآية 116].

بل المنفي عنه سبحانه هو الأَغراض المستلزمة لنقصانه في ذاته واستكماله بمخلوقاته من قبيل جلب المنافع ودفع المضار.

وتحقيق المقام يتوقف على بسط في الكلام.

فأقول: ذهبت الطائفة المحقة الأمامية والمعتزلة من العامة إلى أن أفعاله سبحانه معلّلة بالأَغراض والمصالح والحكم والمنافع، وخالفهم الأَشاعرة.

قال العلامة الحلى قدّس الله روحه في كتاب «نهج الحق»: قالت الإمامية: إن الله إنما يفعل لغرض وحكمة وفائدة ومصلحة يرجع إلى المكلفين ونفع يصل إليهم، وقالت الأَشاعرة: إنّه لا يجوز أن يفعل شيئاً لغرض ولا لمصلحة ترجع إلى العباد ولا لغاية من الغايات، ولزمهم من ذلك كون الله تعالى لاعباً عابثاً في فعله فإنّ العابث ليس إلا الّذي يفعل لا لغرض وحكمة بل محاباً والله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) [الأنبياء: الآية 16] والفعل الذي لا غرض للفاعل فيه باطل ولعب، تعالى عن ذلك على كبيراً.

وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور: قالت الإماميّة: إن الله لم يفعل شيئاً عبثاً بل إنما يفعل لغرض ومصلحة وإنما يمرض لمصالح العباد ويعرض المؤلم بحيث ينتفى العبث والظلم، وقالت الأَشاعرة: لا يجوز أن يفعل شيئاً لغرض من الأَغراض ولا لمصلحة ويؤلم العبد بغير مصلحة ولا غرض بل يجوز أن يخلق خلقاً فى النّار مخلّدين فيها أبداً من غير أن يكون قد عصوا أولاً، انتهى كلامه رفع مقامه.

وقال الشارح المعتزلي: أوجد الله تعالى الأشياء أولاً للإحسان إلى البشر وليعرفوه، فإنه لو لم يوجدهم لبقي مجهولاً لا يعرف، ثمّ كلف البشر ليعرضهم للمنزلة الجليلة التي لا يمكن وصولهم إليها إلا بالتكليف وهي الثواب، ثم يفنيهم لأنه لا بد من انقطاع التكليف ليخلص الثواب من مشاق التكاليف، ثمّ إنه يبعثهم ويعيدهم ليوصل إلى كلّ إنسان ما يستحقه من ثواب أو عقاب، ولا يمكن إيصال هذا المستحق إلا بالإعادة انتهى(1).

وقال الأول أيضاً في محكى كلامه من كتاب نهاية الفصول: إن النصوص دالة على أنه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد ثمّ إن الإماميّة والمعتزلة صرحوا بذلك وكشفوا الغطاء حتى قالوا: إنه تعالى يقبح منه فعل القبيح والعبث بل يجب أن يكون فعله مشتملاً على مصلحة وغرض، وأما الفقهاء قد صرّحوا بأنّه تعالى إنما شرع الحكم لهذا المعنى ولأَجل هذا الحكمة ثمّ يكفرون من قال بالغرض مع أن معنى الكلام الغرض لا غير، انتهى.

فقد ظهر من كلامهما جميعاً اتفاق العدلية على كون أفعاله تعالى وأحكامه وجميع ما صدر عنه تكوينيّا كان أو تكليفيّاً معلّلاً بأغراض، وأنّ الغرض منها جميعاً إيصال النفع إلى المكلّفين والإحسان إليهم واللطف في حقهم.


1) شرح نهج البلاغة: 94/13.

ويشهد لهم صريحاً الآيات الكثيرة من الكتاب والأَخبار التي لا تعدّ ولا تحصى مثل قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذّاريَات: الآية 56] وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) [يونس: الآية 5] وقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَالِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ) [المائدة: الآية 32] الآية وقوله: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) [الأحزاب: الآية 37].

وفي الحديث القدسي: لولاك لما خلقت الأَفلاك، ويا إنسان خلقت الأَشياء لأجلك وخلقتك لأَجلي، وكنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأَعرف(1). إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى إيراده.

وكفاك شاهداً في هذا الغرض كتاب «علل الشرائع» الّذي ألّفه الصدوق «قده» في علل تشريع الأَحكام الشرعيّة.

واستدل الأَشاعرة على مذهبهم بأنه لو كان فعله تعالى لغرض من جلب منفعة أو دفع مفسدة لكان ناقصاً بذاته مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنه لا يكون غرضاً للفاعل إلا ما هو أصلح له من عدمه، وذلك لأن ما استوى وجوده وعدمه بالنظر إلى الفاعل وكان وجوده مرجوحاً بالقياس إليه لا يكون باعثاً له على الفعل وسبباً لإقدامه عليه بالضرورة، فكلّ ما كان غرضاً يجب أن يكون وجوده أصلح للفاعل وألبق به من عدمه وهو معني الكمال، فإذاً يكون الفاعل مستكملاً بوجوده ناقصا بعدمه.

قالوا: وأما قول القائلين بكون أفعاله للغرض إنه لولاه لكان الله لاعباً عابثاً، فالجواب التحقيقي عنه إن العبث ما كان خالياً عن الفوائد، وفعاله تعالى محكمة متقنة مشتملة على حكم ومصالح لا يحصى راجعة إلى مخلوقاته تعالى، لكنها ليست أسباباً باعثة على إقدامه وعللاً مقتضية لفاعليته فلا يكون أغراضاً له ولا عللاً غائية لأَفعاله حتّى يلزم استكماله بها، بل يكون غايات ومنافع لأَفعاله وآثاراً مترتبة عليها، فلا يكون شيء من أفعاله عبثاً خالياً عن الفوائد، وما ورد من الظواهر الدالة على تعليل أفعاله تعالى فهو محمول على الفائدة والمنفعة دون الغرض والعلّة.

أقول: هكذا قرر الشارح الناصب روزبهان خفضه الله دليل الأشاعرة في «شرح نهج الحق» والمستفاد منه اتفاق الأشاعرة والعدلية على كون أفعاله سبحانه مشتملة على الحكم والمصالح العائدة إلى الخلق لا إليه تعالى، وعلى أن ظواهر الأَدّلة العلّية والغاية.


1) الغدير: 383/11 ح 102، ونظرة إلى الغدير: 173.

وإنما النزاع في كون تلك المصالح والحكم غرضاً وعلة للفعل، فذهب العدلية إلى الغرض والعلّية مستدلين بظواهر الأَدلة، وأنكرها الأشاعرة وصرفوا الأَدلة عن ظواهرها بزعمهم استلزام القول بالغرض النّقصان بالذات والاستكمال بالغير وهو محال على الحق الأوّل سبحانه.

واعترض عليه الشارح الفاضل القاضي نور الله نور الله مرقده.

أولاً بأنّه إنما يلزم الاستكمال لو كان الغرض عائداً إليه تعالى ونحن لا نقول بذلك، بل الغرض إما عائد إلى مصلحة العبد أو إلى اقتضائه نظام الوجود بمعنى نظام الوجود لا يتمّ إلا بذلك الغرض فيكون الغرض عائداً إلى النظام لا إليه وعلى كلّ من الأَمرين لا يلزم الاستكمال.

فإن قيل: أولوية عود الغرض إلى الغير يفيد استكماله بالغير ومساواته بالنسبة إليه تعالى ينافي الغرضية.

قلت: لا نسلّم أنه لو استوى حصول الغرض وعدم حصوله بالنسبة إليه تعالى لم يصلح أن يكون غرضاً داعياً إلى فعله، وإنا يلزم لو لم يكن الفعل أولى من الترك بوجه من الوجوه، وههنا ليس كذلك فإنه بالنسبة إلى العبد أولى.

ولو سلم فنقول: الغرض كالإحسان مثلاً أولى وأرجح من عدمه عنده تعالى يعني أنه عالم بأرجحية الإحسان في نفس الأَمر ولا يلزم أولوية الإحسان بالمعنى المذكور عنده استكماله تعالى به، لأَن الأَنفع أرجح في نفس الأمر، فلو لم يكن عالماً بالأَرجحية يلزم عدم علمه بكونه أنفع، فيلزم النقص فيه وهو منزّه عن النقص.

وثانياً بأن تعليل أفعاله راجع إلى الصّفات والكمالات الفعلية كخالقية العالم ورازقية العباد، والخلو عنها ليس بنقص قطعاً وإنما النّقص خلوه عن الصّفات الحقيقية.

وثالثاً بأن ما ذكره من الجواب الّذي سمّاه تحقيقاً فبطلانه ظاهر لأَنّه مع منافاته لما ذكروه في بحث الحسن والقبح العقليّين من أنه ليس في الأَفعال قبل ورود الأَمر والنهي جهة محسنة ومقبحة تصير منشئاً للأمر والنهي مردود بأن الفاعل إذ فعل فعلاً من غير ملاحظة فائدة ومدخليتها فيه يعدّ ذلك الفعل عبثاً أو في حكم العبث في القبح وإن اشتمل على فوائد ومصالح في نفس الأمر، لأَن مجرّد الاشتمال عليها لا يخرجه عن ذلك، ضرورة أن ما لا يكون ملحوظاً للفاعل عند إيقاع الفعل ولا مؤثراً في إقدامه عليه في حكم العدم كما لا يخفى على من اتصف بالإنصاف، هذا.

وذكر اعتراضات آخر غير خالية عن التأمّل والنظر طوينا عن ذكرها كشحاً وإن كان

بعض هذه الاعتراضات التي ذكرناها غير خال عن المناقشة أيضاً كما لا يخفى هذا.

ولصدر المتألهين مسلك آخر في تقرير كون أفعاله تعالى معلّلة بالأَغراض وتحقيق عميق في بيان معنى الغرض والغاية أشار إليه في مواضع عديدة بعضها إجمالاً وبعضها تفصيلاً من «شرح الكافي».

قال في شرح الحديث الخامس من الباب السادس وهو باب الكون والمكان من كتاب «التوحيد» ما لفظه:

إن الأَسباب لوجود ما له سبب ينحصر في أربعة: الفاعل، والغاية، والمادة، والصورة، والأَخيرتان داخلتان في وجود المسبب عنهما إحداهما ما به وجود الشيء بالقوة كالخشب للسرير، والثانية ما به وجود الشيء بالفعل كهيئة السرير لأَنها متى وجدت وجد السرير بالفعل، وأمّا الأوّلان فهما خارجان عن وجود المسبّب، والفاعل ما يفيد وجود الشيء، والغاية ما لأَجله.

ومن المعاليل ما لا يحتاج إلى السّببين الداخلين لكونه بسيطاً، وأمّا الفاعل والغاية فليس يمكن لشيء من الممكنات الاستغناء عنهما.

ثم الغاية لها اعتباران:

أحدهما: اعتبار كونها بحسب الوجود العلمي باعثة على فاعلية الفاعل، فهي متقدّمة على الفعل وكون الفاعل فاعلاً لأَنها علة فاعليّة لفاعلية الفاعل فهي فاعل الفاعل بما هو فعل، وهذا في الفواعل الّتي في هذا العالم من المختارين الّذين يفعلون أفاعيلهم بقصد زائد وداعيه إرادة زائدة مكشوف معلوم، فإنهم ما لم يتصوروا غاية وفائدة لم يصيروا فاعلاً بالفعل، فالعلّة الغائية فيهم مغايرة للعلّة الفاعلة، وأما الاوّل تعالى فلما كان علمه بنظام الخير في العالم الّذي هو عين ذاته داعياً لإيجاده للعالم فالفاعل والغاية هناك شيء واحد بلا تغاير في الذات ولا تخالف في الجهات.

وثانيهما: اعتبار كونها غاية وثمرة مترتبة على الفعل، فربما يتأخر وجودها الخارجي عن وجود المعلول فيكون وجودها معلول معلول الفاعل كما في الغايات الواقعة تحت الكون.

ثمّ أعلم أنه قد وجد في كلام الحكماء أن أفعال الله تعالى غير معلّلة بالأَغراض والدّواعي. ووجد أيضاً كثيراً من ألسنتهم على طبق ما ورد في هذه الأَحاديث أنّه تعالى غاية الغايات وأنه المبدأ والغاية، وفي الكلام الإلهي (ألا إلى الله تصير الأمور) (وإن إلى ربك

الرجعي) إلى غير ذلك مما لا يعد ولا يحصى.

فإن كان المراد من نفس التعليل وسلب اللمية عن فعله تعالى نفي ذلك عنه بما هو غير ذاته فهو كذلك، لأَنه تعالى تام في فاعليته كما هو تام في ذاته، لكن لا يلزم من ذلك نفي الغاية والداعي عن فعله مطلقاً حتّى لزم العبث والجزاف، تعالى عما يظنّه الجاهلون، بل علمه بنظام الخير الّذي هو نفس ذاته علّة غائية وغرض بالذات لفعله ووجوده، وهذا مما ساق إليه الفحص والبرهان وشهدت به عقول الفحول وأذهان الأَعيان.

وقال في شرح الحديث الأَول من الباب الرابع عشر وهو باب الإرادة من كتاب «التوحيد»:

التحقيق أن الإرادة تطلق بالاشتراك الصناعي على معنيين:

أحدهما: ما يفهمه الجمهور وهو الّذي ضده الكراهة وهي التي قد تحصل فينا عقيب تصوّر الشيء الملائم وعقيب التردّد حتى يترجح عندنا الأمر الداعي إلى الفعل أو الترك، فيصدر أحدهما منا وهذا المعنى فينا من الصفات النفسانية، وهي والكراهة فينا كالشهوة والغضب فينا وفي الحيوان، ولا يجوز على الله بل إرادته نفس صدور الأفعال الحسنة منه من جهة علمه بوجه الحسن وكراهته عدم صدور الفعل القبيح منه لعلمه بقيحه.

وثانيهما: كون ذاته بحيث يصدر عنه الأشياء لأَجل علمه بنظام الخير فيها التابع لعلمه بذاته، لا كاتباع الضوء للمضيء والسخونة للمسخن ولا كفعل الطبائع لا عن علم وشعور ولا كفعل المجبورين والمسخرين ولا كفعل المختارين بقصد زائد وإرادة زائدة ظنية يحتمل الطرف المقابل.

فإذا هو سبحانه فاعل للأَشياء كلّها بإرادة ترجع إلى علمه بذاته المستتبع لعلمه بغير المقتضي لوجود غيره في الخارج لا لغرض زائد وجلب منفعة أو طلب محمدة أو ثناء أو التخلص من مذّمة، بل غاية فعله محبّة ذاته.

فهذه الأَشياء الصادرة عنه كلها مرادة لأَجل ذاته لأَنها من توابع ذاته وعلمه بذاته، فلو كنت تعشق شيئاً لكان ما يصدر عنه معشوقاً لك لأَجل ذلك الشيء، وإليه الإشارة بما ورد في الحديث الإلهي عن نفسه تعالى: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف.

وقال في شرح الحديث السادس من الباب الخامس والعشرين من كتاب «التوحيد» وهو باب المشيئة والإرادة:

ليس لفعله تعالى غاية وغرض زائدتين على ذاته، وإنما الغاية والغرض لأَفاعيل ما سواه من الفاعلين والغاية والغرض اسمان لشيء واحد بالذات متغاير بالاعتبار، فالذي لأَجله يفعل الفاعل فعله ويسأل عنه بلم وهو يقع في الجواب يقال له الغاية بالنسبة إلى الفعل والغرض بالنسبة إلى الفعل، فإذا قلت لباني الفعل لم تبني البيت؟ فيقول في جوابك لأَسكن فيه فالسّكنى غاية للبناء وغرض للبناء.

إذا علمت هذا فاعلم أن وجود الأشياء عنه تعالى من لوازم خيريته تعالى ليس يريد بإيجادها شيئاً آخر غير ذاته، بل كونه على كماله الأقصى يقتضي ذلك، إذ كلّ فاعل يقصد في فعله شيئاً فذلك الشيء أفضل منه وهو أدون منزلة من مقصوده.

فلو كان للأَوّل تعالى قصد إلى ما سواه أي شيء كان من إيصال خيريّة أو نفع أو مثوبة إلى أحد أو طلب ثناء أو شكر أو محمدة أو غير ذلك لكان في ذاته ناقصاً مستكملاً بقصده، وذلك محال لأَن وجوده على أقصى درجات الفضل والكمال إذ كلّ كمال وشرف وفضل فهو رشح من رشحات وجوده، فكيف يعود إليه من مجعولاته شيء من الفضيلة لم تكن في ذاته.

وأيضاً لو كان له قصد زائد أو لفعله غرض يلحق إليه بواسطة الفعل يلزم فيه الكثرة والانفعال، وقد ثبت أنه واحد أحد من كل وجه هذا خلف.

فإذا قد ظهر أنّه لالمية لفعله ولا يسأل عمّا يفعل وكلّ فاعل سواء فله في فعله غرض و لفعله غاية يطلبها هي لا محالة فوقه.

وتلك الغايات متفاصلة متفاوتة في الشرف على حسب تفاوت الفواعل.

والذي عنده من الملائكة المقرّبين ومن في درجتهم من عباده المكرمين فلا غاية لفعله وعبادته وتسبيحه إلّا لقاء ذاته تعالى لا غير.

ولمن دونهم من الملائكة السّماوية والنفوس المدبرة غايات أخرى يشتاقون إليها ويتشبّهون بها ويصلون إليها هي بعد ذاته تعالى.

وهكذا يتنازل الغايات حسب تنازل النفوس والطبائع حتى أن الجمادات والعناصر لها في استحالاتها وحركاتها غايات طبيعيّة جعلها الله مركوزة في ذاتها مجبولة على قصدها وطلبها («وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة: الآية 148].

فاتضح وتبين أن لكل أحد في فعله غاية يسأل عنها وهو معنى قوله: (وَهُمْ يُسْئَلُونَ) [الأنبياء: الآية 23].

وليس معنى قوله: (وَلَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [الأنبياء: الآية 23] كما زعمه علماء العامة

من الأَشاعرة وغيرهم أن ذاته تعالى لا يقتضي الخير والنظام ولا يجب منه أن يكون العالم على أفضل ما يمكن من الخير والتمام والشرف والنظام بحيث لا يتصوّر ما هو أكمل وأتم مما هو عليه، مستدلين على صحّة ما ادعوه من المجازفة بأن لا اعتراض لأَحد على المالك فيما يفعله من ملكه، والعالم ملكه تعالى فله أن يفعل فيه كلّ ما يريده سواء كان خيراً أو شراً أو عبثاً أو جزافاً، وهم لا يقولون بالمخصّص والمرجح في اختياره تعالى لشيء قائلين إن الإرادة تخصص أحد الطرفين من دون حاجة إلى مرجح لأَنّه لا يسأل عن اللّمية فيما يفعله.

وهو كلام لا طائل تحته فإن الإرادة إذا كان الجانبان بالنسبة إليها سواء لا يتخصّص أحد الجانبين إلّا بمرجح، ولا يقع الممكن إلّا بمرجح، وبذلك يثبت الحاجة إلى وجود الصّانع وأمّا الخاصية الّتي يقولونها فهو هوس أليس لو اختار الجانب الآخر الذي فرض مساوياً لهذا الجانب كانت تحمل هذه الخاصيّة.

ثم تعلّق الإرادة بشيء مع أن النّسبة إلى الجانبين سواء هذيان، فإن الإرادة ما حصلت أوّلاً إرادة بشيء ما ثم تعلّقت بشيء مخصّص، فإن المريد لا يريد أيّ شيء اتفق ولا يكون للمريد إرادة غير مضافة إلى شيء أصلاً ثم يعرض لها أن تعلقت ببعض جهات الإمكان.

نعم إذا وقع التصوّر وحصل إدراك يرجح أحد الجانبين يحصل إرادة مخصّصة بأحدهما، فالترجيح مقدّم على الإرادة.

فإذا علمت أن كلّ مختار لا بدّ في اختياره أحد طرفي وجود شيء من مرجح فيجب أن يكون المرجح في فعل الغني المطلق غير زائد على ذاته وعلمه بذاته، فذاته الغاية هي المقتضية لفعله لا شيء آخر إذ لا يتصوّر أن يكون أمر أولى بالغنى المطلق أن يقصده، وإلا لكان الغني المطلق فقيراً في حصول ما هو الأولى له إني ذلك الشيء وهو محال.

فإذا هو الغاية للكلّ كما هو الفاعل للكلّ فهكذا يجب عليك أن تعلم تحقيق المقام لتكون موحداً مخلصاً مؤمناً حقّاً.

وقال في «شرح الهداية»:

إن من المعطّلة قوماً جعلوا فعل الله خالياً عن الحكمة والمصلحة متمسّكين بحجج أوهن من بيت العنكبوت.

منها قولهم: كون الإرادة مرجّحة صفة نفسيّة لها وصفات النفسية ولوازم الذات لا تعلّل كما لا يعلّل كون العلم علماً والقدرة قدرة، وهو كلام لا حاصل له، فإن مع تساوي طرفي الفعل كيف يتخصّص أحد الجانبين والخاصيّة الّتي يقولونها هذيان، فإن تلك الخاصية كانت حاصلة أيضاً لو فرض اختيار الجانب الآخر الذي فرض مساوياً لهذا الجانب.

ومنها قولهم بأن الإرادة متحققة قبل الفعل بلا اختصاص بأحد الأمور ثمّ تعلّقت بأمر دون أمر وهذا كاف في افتضاحهم، فإن المريد لا يريد أي شيء إذ الإرادة من الصفات الإضافية فلا يتحقق إرادة غير متعلّقة بشيء ثمّ يعرضها التعلّق ببعض الأَشياء.

نعم إذا حصل تصوّر شيء قبل وجوده ويرجح أحد جانبي إمكانه يحصل إرادة متخصصة حينئذ فالترجيح مقدم على الإرادة.

فالحاصل أن المختار متى كانت نسبة المعلول إليه إمكانية من دون داع ومقتض لصدوره عنه يكون صدوره عنه ممتنعاً، لامتناع كون المساوي راجحاً، فإن تجويز ذلك من الفاعل ليس إلاّ قولاً باللّسان دون تصديق بالقلب، فذلك الداعي هو غاية الإيجاد.

وهو قد يكون نفس الفاعل كما في الواجب تعالى لأَنه تام الفاعلية فلو احتاج في فعله إلى معنى خارج عن ذاته لكان ناقصاً في الفاعلية وسيعلم أنه سبب الأسباب وکل ما یکون سبباً أولاً لا يكون لفعله غاية غير ذاته.

فإن لم يستند وجودها إليه لكان خلاف الفرض وإن استند إليه فالكلام عائد فيما هو داعية لصدور تلك الغاية حتى ينتهي إلى غاية أي عين ذاته دفعاً للدور والتسلسل، وقد فرض كونها غير ذاته هذا خلف، فذاته تعالى غاية للجميع كما أنّه فاعل لها، انتهى كلامه.

ومحصله أن العلّة الغائية عنده من صفات الذات وهو علمه بنظام الخير وهو الداعي إلى إيجاد الموجودات والغرض من إيجادها هو ذاته تعالى فهو سبحانه الفاعل لها وهو الغرض منها، فالفاعل والغاية في أفعاله تعالى سواء لا مغايرة بينهما .

والمستفاد من صاحب إحقاق الحق ونهج الحق وغيرهما حسبما عرفت أنها من صفات الفعل راجعة إلى خالقيته تعالى ورازقيته، وأنها مغايرة للعلة الفاعلة كما أنها في غيره سبحانه كذلك، فالفاعل للأشياء هو الذات والغرض منها إيصال النفع والإفضال على العباد.

وعلى أيّ من القولين فقد تبيّن واستبان واتضح كل الوضوح أن إيجاد المجودات ليس خالياً عن الحكم والمصالح والغايات حسبما زعمته أبو الحسن الأَشعري وأتباعه، غفلة عما يلزم عليه من المحالات التي مرّت الإشارة إلى بعضها هنا وذكر جملة منها العلامة الحلي قدس الله سره في كتاب «نهج الحق» من أراد الاطلاع عليها فليراجع.

والحمد لله على توفيقه وعنايته، والصّلاة على رسول الله وخلفائه وعترته، ونسأل الله بهم وبالمقرّبين من حضرته أن يثبت ما أتينا به في شرح هذه الخطبة الشريفة من أصول العلم الإلهي في صحائف أعمالنا، وبثبتنا عليه عند الممات كما ثبتنا عليه حال الحياة، ويجعله نوراً یسعی بین أیدینا في الظلمات، ظلمات يوم الجمع وعند الجواز على الصّراط إنه على ذلك قدير، وبالإجابة حقيق جدير.

الترجمة

از جملۀ خطب شریفه آن ولي دین و امام مبین است در بیان توحید خداوند و جمع میکند این خطبه از اصول علم الهی مطالبی را که جمع نکرده است آن را هیچ خطبه میفرماید که:

واحد و یگانه ندانست کسی که او را مکیّف نمود بكيفيات نفسانيه، وبحقيقت او نرسیده کسیکه از برای او مثلی قرار داده باشد، و او را قصد نکرده کسیکه او را شبیه قرار بدهد، و قصد نکرده او را کسیکه اشاره نماید بسوی او با اشاره حسیّه یا عقلیّه و بوهم و خیال خود آورد او را، هر شناخته شدۀ بذات و حقیقت مصنوع است نه صانع، هر قائم بغیر خود معلول است نه علّت فاعل است بذاته محتاج نیست در فعل خود بتحريك آلات و ادوات، مقدّر است که در تقدیر خود احتیاج ندارد بجولان دادن فکر و خلجان خواطر، غنی است نه با اکتساب، مصاحب وجود او نمیشود وقتها، و اعانت و یاری نمیکند او را آلات وقوی، پیشی گرفته بوقتها هستی او، و بعدم وجود او، وبابتداء داشتن أزلیّت و همیشه بودن او.

بسبب ایجاد مشاعر وحواس شناخته شد که او مبرّا از مشاعر وآلات ادراك است، و بايجاد ضدّیت در ميان أشياء شناخته شد که ضدّ نیست اورا، و بایجاد اقتران درمیان أشیاء شناخته شد که قرینی نیست اورا ضدّ گردانید نور را با ظلمت، و آشکار را با ابهام، و خشکی را با رطوبت، و گرمی را با سردی، ترکیب کننده است بقدرت کامله میان امور متباينه، و مقارن کننده است میان امور متضاده، نزديك گردانیده است میان دورها، و جدا سازنده است میان نزدیکها، فرو گرفته نشده بحدی از حدود، وبحساب آورده نمیشود با شمردن، جز این نیست که محدود میکند ادوات و قوای مدرکه نفسهای خودرا، و اشاره میکند آلات بدنیه بنظایر خودش.

مانع شد أدوات و آلات را دخول لفظ منذ از قدیمی آنها، و منع کرد دخول لفظ قد از ازلی بودن آنها، و کنار نمود دخول لفظ لولا در کامل بودن آنها، با ایجاد

مشاعر و قوی آشکار گشت صانع آنها از برای عقول دراکه، و با آنها معلوم شد امتناع او از مشاهده چشمها، جاری نمیشود بر او حرکت وسکون، و چگونه جاری شود بر او چیزیکه او جاری کرده است آنرا، و چگونه باز گردد در او چیزیکه او اظهار فرموده آنرا، و چگونه حادث میشود در او چیزیکه او حادث کرده است آن را.

هر گاه صانع متّصف با حرکت و سکون باشد هر آینه متفاوت شود ذات او و متجزى شود کنه او، و ممتنع باشد از أزلی بودن حقیقت او، و هر آینه میشد اورا پشت سر در صورتیکه یافته شد او را پیش رو، و هر آینه خواهش تمامیت و کمال مینمود در صورتیکه لازم بود او را نقصان، و هر گاه خواهش تمامیّت نماید هر آینه برپا شود و ثابت باشد در او علامت ممنوع و مخلوق، و هر آینه بگردد واجب تعالی دلیل بر وجود صانع بجهت تضمّن علامت مصنوعیت بعد از اینکه بود مدلول همۀ عالم دلیل بر او بودند حال آنکه خارج شده بسبب سلطنت و امتناع تاثر اتصاف بصفت مخلوقات از اینکه تأثیر بکند در او چیزیکه تأثیر میکند در غیر او.

و آنچنان پروردگاری که منتقل نمیشود از حالی بحالی، وزایل نمیشود از مکانی بمکانی، و جایز نمیشود بر او غایب شدن از مخلوقات، خارج نبوده از او چیزی تولید نکرده چیزیرا تا اینکه متولّد شود او از چیز دیگر، وزائیده نشده تا اینکه محدود بحد متناهی بوده باشد.

بزرگست ذات او از أخذ اولاد و پسران، و پاکست وجود او از ملامست و معاشرت زنان، ادراک نمیکند او را عقلها تا اینکه مقدّر بقدر معيّني نمايند اورا و بوهم و خیال نمیآورد او را ذکاوتها تا اینکه مصوّر بصورت شخصی کنند او را، و درک نمیکند او را حواس ظاهره وباطنه تا اینکه احساس بکند اورا ، وطلب مس او نمیکند دستها تا اینکه مس نمایند او را، متغیّر نشود بهیچ حال، متبدل نشود در أحوال وأوصاف.

کهنه و فانی نمیکند او را شبها و روزها، تغییر نمیدهد او را روشنی و تاریکی وصف نمیشود با چيزي از اجزاء، ونه با جوارح واعضا، و نه با عرضی از اقسام اعراض، و نه با مغایرت و ابعاض يعنى متّصف بأجزاء نیست که بعضی مغایر بعضی بوده باشد.

گفته نمیشود از برای او حدّی و نه نهایتی، و نه از برای بقاء او انقطاعی ونه غاية ومنتهائى، و گفته نمیشود در حق او که أشیاء فرو گرفته او را تا بلند گردانند اورا یا پست نمایند یا اینکه چیزی بردارد او را تا میل دهد او را بطرفی، یا بعدل نگه دارد او را.

نیست پروردگار حلول کننده در چیزها، ونه بیرون بوده از آنها، خبر میدهد نه بواسطۀ زبان و پاره گوشتهائی که در آخر دهان از طرف بالا متصل بزبان است، و میشنود نه بواسطۀ سوراخهای گوش و آلتهای شنفتن، میگوید پروردگار واحداث نمیکند لفظ را که معتدد بر تقاطع و مخارج است و از لوازم بشر است، و میداند و یاد میدارد خدا همه چیز را و نمیباشد دانستن او از جهت عادت کردن و کثرت مراجعه، یا اینکه خدا نگه میدارد همه چیز را و احتیاج ندارد بچیزیکه خودش با او نگه دارد، واراده میکند و چیزی در دل پنهان نمیکند، زیرا که دل ندارد و دوست میدارد و خوشنود میشود بدون آنکه رقتّی و تغیری در ذات اقدسش پیدا بشود، و دشمن میدارد و غضب مینماید بدون اینکه او را زحمت و گرفتگی حاصل بشود.

میفرماید هر آن چیزیرا که خواسته است بودنش را باش پس میشود، لکن گفتن خدا نه با صدائیست که بگوید هوا با صماخ گوش را و نه با خواندنی که شنفته شود، و اینست جز این نیست گفتار خدا فعلیست که ایجاد کرده او را ومصوّر بيك صورتي کرده و نبود پیش از ایجاد موجود واگر بنا باشد که کلام الهی قدیم باشد چنانچه حنابله میگویند هر آینه این خدای دویم میباشد.

گفته نمیشود بود خدا شود بود خدا پس از اینکه نبود از اینکه نبود تا اینکه جاری باشد در او صفات تازه یا صفات چیزهای تازه، و نباشد در این وقت فرقی میان خدا و آنها، و نباشد مر خدا را بر آنها زیادتی و برتری، پس خالق و مخلوق برابر میشوند و متماثل میشود آفریننده و آفرینش شده.

آفرید مخلوقات را بر غیر صورتی که از کس دگر یادگار بوده باشد و كمك نگرفت برخلقشان احدی از خلق را.

و آفرید زمین را پس نگه داشت او را بی اینکه این کارش واگذارد از کارهای دیگر، و ثابت کرد او را نه بر بالای چیزی که بر او تکیه بدهد، و برپا داشت او را

بدون اینکه او را دست و پا بوده باشد، و برداشت او را بیستونها، و منع کرد زمین را از کجی و انحراف، و منع کرد او را از افتادن و پاره شدن، و ثابت گردانید میخهای زمین یعنی کوهها را، و نصب نمود سدهای او را، وجاری گردانید چشمهایش و پاره کرد بیابانهایش پس سست نشد چیزیکه او بنا کرد، و نه ضعیف شد چیزیکه خدا قوّتش داد.

و او است غالب بر زمین بپادشاهی و بزرگی خود، و او است آگاه بر او بدانائی و معرفتش، و برتر است بهر چيزي از او بجلال و عزتش، عاجز نمیکند او را چیزی که از آن میطلبد، و امتناع و نافرمانی ندارد بر او تا غالب آید براو، وفوت نمیشود شتابنده از آن تا پیش دستی کند بر او، و احتیاج ندارد بسوی صاحب مالي تاروزی بدهند مر او را.

پست شدند چیزها برای او، و ذلیل شدند در غایت خواری بواسطۀ بزرگیش اقتدار ندارند گریختن را بسوی دیگری تا اینکه امتناع و خودداری نمایند از نفع وضرر خدا، و نیست مر او را مثلی تا مماثلت نماید با او، و نه مانندی هست او را تا مساوی باشد او را.

اوست نابود کنندۀ أشياء بعد از هستیشان تا اینکه موجودشان مثل نابود میباشد از جهت عدم فائده، و نیست نابود شدن دنیا بعد از هستی آوردنش عجب تر از اصل ایجاد و اختراعش از نیستی بهستی.

و چگونه عجیب تر باشد و حال آنکه اگر جمع بشود جميع جنبندهای أشیاء از مرغان و چهار پایان و هر چه هست از صاحب مراح ومسكن نشین و چرنده آنها و اقسام سنخها و جنسها و از نافهم و کندهای طوائفشان و تیز فهمها بر ایجاد کردن یکپشه هر آینه قادر نمیشوند بر ایجاد، و نمی شناسند چگونه است راه بر ایجاد و هر آینه عقولشان متحیّر میماند در دانستن این، و سرگردان میمانند و عاجز میشود قوای ایشان و بآخر میرسد و بر میگردد در همه آنها در حالتیکه ذلیل اند حسرتناک، شناسنده بر اینکه ایشان مقهورند، اقرار کننده اند بعاجز بودن از آفریدن آن، گردن گذارنده اند بر ناتوانی از نابود کردن.

بدرستیکه خداوند بر میگردد بعد از نیستی دنیا بتنهائی و چيزي با او نیست چنانچه بود پیش از خلق عالم همچنین میباشد بعد از نابودی او، میماند پروردگار تنها بدون اینکه وقت و مکان باشد یا حین و زمان بلکه همه اینها فانی شده نیست شده باشد در این وقت مدّتها ووقتها، وزایل میشود سالها وساعتها، پس چيزي نمیباشد مگر یگانه قهر کننده، چنین خدائی که بسوی اوست بازگشت جمیع چیزها، بدون قدرت و توانائی بود أوّل خلقت أشياء یعنی از خودشان قدرتی نداشتند و بيمضايقه و امتناع شد نابود شدن آنها واگر میتوانستند که مضایقه کنند هر آینه همیشگی بود ماندن شان در دنیا.

بملال و اندوه نینداخت ساختن چيزي از آنها خدا را در زمانی که ساخت اورا، وسنگینی نکرد بر او از آنها آفریدن آنچه او را آفرید.

ونيافريد آنها را بجهة محكم ساختن پادشاهی خودش، و نه از برای ترسیدن از رفتن و بر طرف شدن مملکت یا کم شدن و کاهیدن عزّت و دولت، و نه از برای یاری جستن با آنها برضرر دشمن که بر صدد غلبه بر آمده است، و نه از برای خودداری و نگه داشتن با آنها از صدمات دشمن برجهنده از برای محاربه، ونه از برای علاوه کردن بسبب آنها در ملک و سلطنت و لشكر ورعيّت، ونه از برای تفاخر بکثرت از برای آنکسی که شرکت دارد با او در بعضی چیزها، ونه از برای ترس تنهائی که بوده است از او سابقاً پس خواسته که انس بگیرد با مخلوقات.

بعد از اینها همه خداوند فانی میکند آن مخلوقات را بعد از اینکه ایشان را بهستی در آورده نه از جهت اندوه و ملال که وارد آمده بر او از جهت تصرّف کردن در آنها، وتغيير دادن از حالی بحالی و از جائی بجائی، و نه از جهت تحصیل راحت که میرسد با و از فانی شدن آنها، و نه از جهت سنگینی چیزی از آنها براو، بملال نیانداخت او را بسیار ماندن آنها در دنیا تا اینکه وادار نماید او را بشتابیدن بسوی نابود کردنشان، ولی خداوند سبحان تدبیر کرد آنها را بلطف خود و نگه داشتشان بحكم خود، و محكم نمود آنها را بقدرت و توانائی خود.

پس از آن میگرداند آنها را بسوی وجود بعد از عدم بدون اینکه حاجتی داشته

باشد بسوی آنها، و بی اینکه یاری بجوید با چیزی از آنها بچیز دیگر از آنها، و نه از برای برگشتن از حال تنهائی و وحشت بحال انس گرفتن والفت، و نه از حال نادانی و کوری بحالت دانائی و مسّ کردن چیزی که خوشش بیاید، و نه از حال گدائی و پریشانی بحالت نیازمندي و دولت، و نه از حالت خواری و پستی بسوی عزت و قدرت، بجهت اینکه اینها همه از اوصاف امکان و لوازم نقص است که خدا از او منزّه است، والله أعلم بحقيقة المقال.

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والسادسة والثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

تختصّ بذكر الملاحم: أَلَا بِأَبِي وَ أُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي اَلسَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ، وَ فِي اَلْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ، أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ، وَ اِنْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ، وَ اِسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ، ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ اَلسَّيْفِ عَلَى اَلْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ اَلدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ، ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ اَلْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ اَلْمُعْطِي، ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ، بَلْ مِنَ اَلنِّعْمَةِ وَ اَلنَّعِيمِ، وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اِضْطِرَارٍ، وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ‌ (إخوا ج خ ل)، ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ اَلْبَلاَءُ كَمَا يَعَضُّ اَلْقَتَبُ‌ غَارِبَ اَلْبَعِيرِ، مَا أَطْوَلَ هَذَا اَلْعَنَاءَ، وَ أَبْعَدَ هَذَا اَلرَّجَاءَ‌.

أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَلْقُوا هَذِهِ اَلْأَزِمَّةَ‌ اَلَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا اَلْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ وَ لاَ تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ، وَ لاَ تَقْتَحِمُوا مَا اِسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ اَلْفِتْنَةِ، وَ أَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا، وَ خَلُّوا قَصْدَ اَلسَّبِيلِ‌ لَهَا، فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا اَلْمُؤْمِنُ، وَ يَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ اَلْمُسْلِمِ‌، إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ اَلسِّرَاجِ فِي اَلظُّلْمَةِ يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا، فَاسْمَعُوا أَيُّهَا اَلنَّاسُ وَعُوا، وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا(1).

اللغة

(الملاحم) جمع الملحمة وهي الوقعة العظيمة و(الوصل) جمع الوصلة وزان غرفة يقال ما بينهما وصلة أي اتّصال (والمعطي) الأَوّل صيغة المفعول، والثاني بصيغة الفاعل و(النعمة) في بعض النسخ بفتح النون وهي غضارة العيش، وفي بعضها بالكسر وهي الخفض والدّعة والمال و(النعيم) هو النعمة بالمعنى الثاني و(أحرجه) أي ألجأه وأوقعه في الحرج والضيق وفي بعض النسخ من غير إحواج بالواو أي من غير أن يحوجكم أحد إليه، و(عضضت) اللقمة من باب سمع ومنع أمسكتها بأسناني، وعضّ بصاحبه لزمه، وعضّ الزمان والحرب شدّتهما و(القتب) بالتحريك معروف و(الغارب) ما بين العنق والسّنام و(الصّدع) الشق والفرقة، و(الاقتحام) الدخول في الشيء من غير روية و(وعيت) الحديث وعياً حفظته وتدبّرته والأَمرع مثل ق من وقي وعواجمع ع.


1) عيون الحكم والمواعظ: 359، ونهج السعادة: 390/8.

الإعراب

قوله: بأبي وأمّي الباء للتفدية والجار والمجرور خبر مقدّم وهم مبتدأ، ومن في قوله من عدّة يحتمل التبعيض والتبيين والزيادة على ما قاله الأَخفش والكوفيّون من جواز زيادتها في الإثبات، ومثله في الاحتمال الأَوّل والأَخير من في قوله من إدبار، وقوله: ما أطول هذا العناء قد مرّ إعرابه في شرح الفصل الأوّل من المختار المائة والثامن مفصّلاً فليراجع هناك، وعلى في قوله: على سلطانكم بمعنى عن كما في قول الشاعر:

إذا أضبت علي بنو قشیر *** لعمر الله أعجبني رضاها

المعنى

أعلم أن هذه الخطبة الشريفة كما قاله السيّد رحمه الله واردة فيذكر الملاحم الآتية في غابر الزمان، ومن جملة أخباره الغيبية، والغرض منه الإخبار بما سيكون من ذلّ الشيعة وما يجري عليهم وذكر العدّة للأَسف عليهم والتحزن بما يصيبهم من الظلم والجور.

وقوله: (ألا بأبي وأمّي هم) أي هم مفدى بأبي وأمي أي يكون أبي وأمي فداء لهم.

واختلف في المشار إليهم بالضمير فقال الشارح البحراني: المراد بهم أولياء الله فيما يستقبل من الزمان بالنسبة إلى زمانه علیه السلام.

وقال الشارح المعتزلي: الإماميّة تقول هذه هم الأئمة الأحد عشر من ولده، وغيرهم يقول إنّه عني الأَبدال الّذين هم أولياء الله، وظاهر أن ذكر انتظار فرج الشيعة كما اعترف الشارح به بعد ذلك لا ارتباط له بحكاية الأَبدال(1).

وقوله: (من عدة أسماؤهم في السماء معروفة وفي الأَرض مجهولة) أي هؤلاء أشخاص معدودة أو من أشخاص معدودة معروفة أسماؤهم في السماء مشهورة عند الملائكة المقرّبين وفي الملأ الأَعلى لعلوّ درجاتهم وسموّ مقاماتهم، وكون طينتهم مأخوذة من علّيين وكون أهل الملأ الأَعلى مخلوقاً من فاضل طينتهم فكانوا أعرف بهم من أهل الأرض.

وأمّا أهل الأرض فهم عند أكثرهم مجهولون لاستيلاء الضّلال على أكثر السّتر «البشرظ» وغلبة الجهال يعني أن أكثر الناس لا يعرفونهم ولا يعرفون قدرهم ومنزلتهم، فلا ينافي معرفة الخواص لهم وإن كانوا أيضاً لا يعرفونهم حق معرفتهم، أو أراد به جهالة أسمائهم في وقت إيراد الكلام والتخصيص فيه أقلّ من الاحتمال الأول كما لا يخفى.


1) شرح نهج البلاغة: 96/13.

ثم خاطب علیه السلام أصحابه بذكر الملاحم والفتن الحادثة في مستقبل الزمان فقال (ألا فتوقعوا من إدبار أموركم وانقطاع وصلكم واستعمال صغاركم) أي تفرق أموركم المنتظمة وانقطاع الاتصالات والانتظامات الحاصلة في أمر المعاش والمعاد من أجل تشتت الآراء واختلاف الأهواء وتفرق الكلمات، وتقديم الصّغار سناً على المشايخ وأرباب التجارب في الأعمال والولايات، أو تقديم الأوغاد والأراذل والصّغار قدراً على الأشراف والأكابر وذوي البيوتات، فإن استعمال هؤلاء وتوليتهم موجب لفساد النظام واختلال الانتظام.

وقد قيل لحكيم: ما بال انقراض دولة آل ساسان؟ قال لأَنهم استعملوا أَصاغر العمال على أعاظم الأَعمال فلم يخرجوا من عهدتها، واستعملوا أعاظم العمال على أصاغر الأَعمال فلم يعتنوا عليها، فعاد وفاقهم إلى الشتات ونظامهم إلى البنات.

ولذلك كتب علیه السلام للأشتر في عهده إليه حين استعمله على مصر حسبما يأتي من باب المختار من كتبه علیه السلام إنشاء الله تعالى:

ثمّ انظر في أمور عمالك وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أغراضاً وأقل في المطامع إشرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً إلى آخر ما يأتي في مقامه بتوفيق الله وعنايته.

(ذاك حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من الدرهم من حلّه) أي ذلك المذكور من انقطاع الوصل وإدبار الأمور حيثما يكون احتمال ضربة السيف على المؤمن أقل مشقة احتمال مشقة اكتساب الدّرهم الحلال لأَجل اختلاط المكاسب واشتباه الحرام بالحلال وغلبة الحرام فيها.

(ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجراً من المعطي) أي يكون المحسن إليه أعظم أجراً من المحسن، لأن أكثر الأموال في ذلك الزمان يكون من الحرام، وأيضاً لا يعطونها على الوجه المأمور به بل يعطونها للأغراض الفاسدة من الرياء والسمعة وهوى النفس الأمارة، وأما المحسن إليه فلكونه فقيراً يأخذ المال لسدّ خلّته وخلّ عياله الواجب النفقة لا يلزمه البحث عن المال وحليته، وحرمته فكان أعظم أجراً من المعطي.

قال الشارح المعتزلي: وقد خطر لي فيه معنى آخر، وهو أن صاحب المال الحرام إنما يصرفه في أكثر الأحوال في الفساد، فإذا أخذه الفقير منه على وجه الصدقة فقد فوّت عليه صرفه في القبائح فقد كفه الفقير بأخذه المال من ارتكاب القبيح(1).


1) شرح نهج البلاغة: 97/13.

وتبعه على ذلك الشارح البحراني، ولا يخلو عن بعد وكيف كان فأفعل التفضيل أعني قوله: أعظم أجراً مثل ما في قوله تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) [الفرقان: الآية 15].

(ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النعمة والنعيم) استعار لفظ السكر لغفلتهم عما يلزم عليهم من صلاح أمورهم، ولما كان المعنى الحقيقي للسّكر ما كان عن الشراب فأتى بقوله: من غير شراب، ليكون صارفاً عن الحقيقة إلى المجاز، وقد قيل: سكر الهوى أشدّ من سكر الخمر.

(وتحلفون من غير) إجبار و(اضطرار) أي تتهاونون باليمين وقد نهى الله سبحانه عنه بقوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةٌ لأَيْمَنِكُمْ) [البقرة: الآية 224].

(وتكذبون من غير إحراج) أي تكذبون من غير ضرورة توقعكم في الضيق والحرج وتلجئكم إلى الكذب بل لكونه عادة وملكة لكم واعتيادكم به تكذبون.

(ذلك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير) أي يشتد عليكم البلاء ويؤذيكم كما يؤذي القتب غارب البعير، فاستعار لفظ العض للأذية من باب الاستعارة التبعيّة، أو شبه البلاء بالجمل الصعب الشموس على سبيل الاستعارة المكنيّة وذكر العض تخييلاً، ثم شبه عض البلاء بعض القتب من باب تشبيه المعقول بالمعقول.

قال الشارح المعتزلي: هذا الكلام غير متصل بما قبله، وهذه عادة الرضى يلتقط الكلام التقاطاً ولا يتلو بعضه بعضاً.

قال: وقد ذكرنا هذه الخطبة أو أكثرها فيما تقدم من الأجزاء الأول، وقبل هذا الكلام ذكر ما ينال شيعته من البؤس والقنوط ومشقة انتظار الفرج.

قال: وقوله: (ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء) حكاية كلام شيعته علیه السلام انتهى كلام الشارح.

فيكون المراد بالرجاء رجاء ظهور القائم علیه السلام فعلى هذا يكون المعنى أنهم في غيبته علیه السلام يصابون بالبلاء ويمتد زمن ابتلائهم ومشقتهم حتى يقولوا ما أطول هذا التعب والمشقة وما أبعد رجاء ظهور الدولة الحقة القائمية والخلاص من العناء والرّزية.

وقال الشارح البحراني: ويحتمل أن يكون الكلام متّصلاً ويكون قوله: ما أطول آه، كلاماً مستأنفاً في معنى التوبيخ لهم على إعراضهم عنه وإقبالهم على الدّنيا وإتعابهم أنفسهم في طلبها، وتنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبهم وبعد الرجاء لما طلبهم وبعد الرجاء لما يرجى منها، أي ما

أطول هذا العناء اللاحق لكم في طلب الدنيا وما أبعد هذا الرجاء الذي ترجونه منها.

ثم خاطب أصحابه وقال (أيها الناس ألقوا هذه الأزمة التي تحمل ظهورها الأثقال أيديكم) قال العلامة المجلسي رحمه الله: أي ألقوا من أيديكم أزمة الآراء الفاسدة والأعمال الكاسدة التي هي كالنوق والمراكب في حمل التبعات والآثام انتهى.

فيكون المراد بإلقاء أزمتها الإعراض عنها والترك لها، وبالأثقال أثقال الخطايا والذنوب قال سبحانه: (ولتحملن أثقالهم مع أثقالهم) وقال: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) [الأنعام: الآية 31] هذا.

ولما كان اتباع تلك الآراء والاستبداد بها مستلزماً للتولي والإعراض عنه علیه السلام ونهى عن الملزوم ضمناً اتبعه بالنهي عن التلازم صريحاً فقال:

(ولا تصدّعوا على سلطانكم) أي لا تفرقوا عن إمامكم وأميركم المفترض الطاعة، وأراد به نفسه الشريف، وعلل عدم جواز التصدع بقوله )فتذّ مواغب فعالكم) يعني لو تفرقتم لعلمتم سوء فعالكم وذممتم عاقبتها وندمتم على ما فرطتم وهو تنفير عن التفرق بذكر ما يلزمُه من العاقبة المذمومة بسبب استيلاء العدو وتظاهر الفتن وانقلاب حالهم من العزّ إلى الذّلة ومن الرخاء إلى الشدة.

(ولا تقتحموا ما استقبلتم) وفي بعض النسخ ما استقبلكم (من فور نار الفتنة) أي هیجانها وغليانها، وإضافة النار إلى الفتنة من إضافة المشبه به إلى المشبّه، ووجه الشّبه شدّة الأذى، أي لا تسرعوا في دخول الفتن المستقبلة.

(وأميطوا عن سننها) أي تنحوا وتبعّدوا عن طريقتها (وخلوا قصد السبيل لها) أي دعوا واتركوا للفتنة سواء الطريق أي الطريق المستقيم لتسلكها ولا تتعرضوا لها لتكونوا حطباً لنارها.

(فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن ويسلم فيها غير المسلم) هذا بمنزلة التعليل للتنحي عن طريق الفتنة ولتخلية السبيل لها، والمراد إنكم إن سلكتم سبيلها وتعرضتم لها هلكتم، لأن أكثر من يصاب ويستأصل عند ظهور الفتن هو المؤمن المخالف رأيه لرأي أهل الفتنة، وأكثر من يسلم هو المنافق الموافق لهم في أباطيلهم والمتابع لهم على مساوي أعمالهم، وهو في الحقيقة أمر لهم بالانزواء والاعتزال عن الفتنة وأهلها، وهو نظير قوله في المختار الثاني والمائة: وذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نومة إن شهد لم يعرف وإن غاب لم يفتقد، أولئك مصابيح الهدى وأعلام السرى ليسوا بالمسابيح ولا المذابيع البذر.

ولما نهاهم عن التصدّع عن سلطانهم وعن اقتحام الفتن معلّلاً بما يوجبه من الهلاك

أردفه بذكر فضل نفسه تنبيهاً على وجوب اتباعه وهو قوله:

(وإنما مثلي بينكم مثل السراج في الظلمة يستضيء به من ولجها) شبه نفسه بالسراج ووجه الشبه الاستضاءة التي أشار إليها فكما أن السراج يستضاء بضوئه في الظلمات الحسيّة فكذلك يستضاء به علیه السلام ويهتدي بنور علمه وهدايته في الظلمات المعقولة وهي ظلمات الجهالات كما أشار إلى ذلك في المختار الرابع بقوله: بنا اهتديتم الظلماء. وقد مضى في شرح ذلك «المختار» أخبار ومطالب نافعة في هذا المقام.

ولما نبه على كونه نوراً يستضاء به في ظلمات الجهالة ويهتدى به في غياهب الضلالة أمر المخاطبين باقتباس أنواره واتباع آثاره فقال:

(فاسمعوا أيها الناس وعوا) واحفظوا ما يقرع أسماعكم من جوامع الكلم (واحضروا آذان قلوبكم) لما يتلى عليكم من المواعظ ومجالس الحكم كي (تفهموا) معناها تدركوا مغزيها وتهتدوا إلى النهج القويم والمنهاج المستقيم فتفوزوا بنضرة النعيم.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن حضرت است که مخصوص است بذكر ملاحم وحوادث آینده میفرماید:

آگاه باشید پدر و مادرم فدای ایشان باد - یعنی ائمه هدى سلام الله عليهم - ایشان جماعت معدوده که نامهای نامی ایشان در آسمان معروفست و در زمین مجهول آگاه باشید پس انتظار کشید چیزیرا که خواهد شد از ادبار کارهای خودتان و از انقطاع پیوندهای شما، و عامل گرفتن کوچکان بر أعمال بزرگ ، وقوع این حادثها در آن مکان خواهد شد که باشد ضربت شمشیر بر مؤمن آسان تر از کسب در هم از وجه حلال، و در آن زمان خواهد شد که باشد فقیر عطا شونده بزرگتر از حيثيت اجر از عطا کننده، و در آن زمان خواهد شد که مست میباشید شما بدون شرب شراب بلکه از کثرت نعمت و نعيم، وقسم میخورید بدون اضطرار، و دروغ میگوئید بدون ضرورت این آنوقت خواهد شد که بگزد شما را بلاء وفتنها چنانکه میگزد پالان کوهان شتر را، چه قدر دور است این مشقت و چه قدر دور است این امیدواری.

ای مردمان بیندازید این مهارها را که برداشته است پشتهای آنها کرانیها را از دستهای خودتان، و متصدّع نباشید بر سلطان خودتان پس مذمت نمائید نفسهای خورا در عقب فعلهای خود، وبي مبالات داخل مباشید آن چیزیرا که استقبال نمودید از جوشیدن آتش فتنه، و دور شوید از طریقه، وخالی نمائید وسط راه را از برای آن فتنه، قسم بزند گانی خودم هلاک میشود در زبانه آتش آن فتنه مرد مؤمن، و سلامت بماند در آن غیر مسلمان. بدرستیکه مثل من در میان شما مثل چراغیست در تاریکی، روشنی میطلبد باو کسیکه داخل شود در آن تاریکی، پس بشنويد أى مردمان و حفظ نمائید، و حاضر بسازید گوشهای قلبها را تا بفهمید.

ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والسابع والثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

أُوصِيكُمْ‌ أَيُّهَا النَّاسُ‌ بِتَقْوَى اللّٰهِ، وكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلاَئِهِ إِلَيْكُمْ‌، ونَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ‌، وبَلاَئِهِ لَدَيْكُمْ‌، فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَة، وتَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَة أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ‌، وتَعَرَّضْتُمْ لاَِخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ‌، وأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وإِقْلاَلِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ‌، وكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ‌، وطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ‌، فَكَفَى واعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ‌، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ‌، وأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ‌، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وكَأَنَّ الاْخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً، أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ‌، وأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ‌، وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا، وأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا، لَاعَنْ قَبِيح يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالا، وَلَا فِي حَسَن (حسنه خ) يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً، أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ‌، ووَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ‌.

فَسَابِقُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ إِلَى مَنَازِلِكُمُ اَلَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا، وَ اَلَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا، وَ دُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَ اِسْتَتِمُّوا نِعَمَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَ اَلْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ اَلْيَوْمِ قَرِيبٌ، مَا أَسْرَعَ اَلسَّاعَاتِ فِي اَلْيَوْمِ(1)(في الأيّام خ ل)، أَسْرَعَ اَلْأَيَّامَ فِي اَلشَّهْرِ وَ أَسْرَعَ اَلشُّهُورَ فِي اَلسَّنَةِ، وَ أَسْرَعَ اَلسِّنِينَ فِي اَلْعُمُرِ(2).

اللغة

قال الفيومي (تدارك) القوم لحق آخرهم أوّلهم واستدركت ما فات وتداركته وأصل التدارك اللحوق يقال أدركت جماعة من العلماء إذا لحقتهم و(أعورتم له) أي أبديتم عورتكم له، والعورة كل شيء يستره الإنسان أنفة وحياء والنساء عورة و (تعرّض) لكذا إذا تصدى له.

الإعراب

جملة أعورتم استئناف بياني قوله: فكفى واعظاً بموتى، لفظ موتى في محلّ الرفع فاعل كفى والباء زائدة كما في قوله تعالى: (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [الرعد: الآية 43].

وواعظاً إمّا حال من الفاعل قدم على ذيها للاتساع فيها، أو تميز رافع للإبهام عن


1) في نسخة: الأيام.

2) ميزان الحكمة: 1245/2 وشرح نهج البلاغة: 99/13.

النسبة كما في قوله تعالى: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا) [يُوسُف: الآية 64] وقوله: لله دره فارساً، قال أكثر علماء الأَدبيّة في هذا المثال إنه تميز، وقال بعضهم إنه حال، أي ما أعجبه في حال فروسيته، ورجح ابن الحاجب الأَوّل قال: لأن المعنى مدحه مطلقاً بالفروسية، وإذا جعل حالاً اختص المدح ويقيد بحال فروسيته، قال نجم الأئمة وأنا لا أرى بينهما فرقاً لأن معنى التمييز عنده: ما أحسن فروسيته، فلا يمدحه غير حال الفروسية إلاّ بها، وهذا المعنى هو المستفاد من ما أحسنه في حال فروسيته، وتصريحهم بمن في الله درّك من فارس دليل على أنه تمييز، وكذا قولهم: عزّ من قائل.

وجملة عاينتموهم، في محل الرفع صفة لموتى، وجملة حملوا تحتمل الحال والاستئناف البياني، والفاء في قوله: فسابقوا، فصيحة وفي قوله: فإن غداً للتعليل.

المعنى

إعلم أن هذه الخطبة الشريفة واردة في مقام النصح والموعظة والأمر بتكميل الحكمة العمليّة والوصيّة بالتقوى وذكر الموت، وقدّم الوصية بالتقوى لأنّها العمدة الكبرى فيما يوصى به فقال:

(أوصيكم أيها الناس بتقوى الله) التي هي الزاد وبها المعاد وزاد رابح ومعاد منهج (وكثرة حمده على آلائه إليكم ونعمائه عليكم) لأن كثرة الحمد عليها موجبة لكثرتها وزيادتها، (وبلاته لديكم) وقد مضى بيان حسن الثناء على البلاء كحسنه على الآلاء، في شرح الخطبة المائة والثالثة عشر فتذكر.

(فكم خصّكم بنعمة وتدارككم برحمة) لفظة كم للتكثير أتى بها تنبيهاً على كثرة آلائه النازلة والطاقة الواصلة.

وأشار إلى بعضاً بقوله (اعورتم له فستركم) أي أظهرتم وكشفتم له سبحانه سوآئكم وعوراتكم وقبائح أعمالكم وفضائح أفعالكم، فسترها لكم بمقتضى ستاريته وغفاريته تعالى، وهذه النعمة من أعظم النعماء وأجلّ الآلاء.

ولجلالتها وكونها من عمدة النعم جعل سيّد العابدين وزين الساجدين سلام الله عليه وعلى آبائه وأولاده أجمعين من جملة أدعيّته في «الصحيفة الكاملة» دعاء طلب الستر والوقاية وقال علیه السلام هناك:

«ولا تبرز مكتومي، ولا تكشف مستوري، ولا تحمل على ميزان الإنصاف عملي، ولا تعلن على عيون الملأ خبري، واخف عنهم ما يكون نشره عليّ عاراً، واطو عنهم ما يلحقني

عندك شناراً »(1).

وقال علیه السلام في دعائه بعد الفراغ من صلاة الليل:

«وتعدّيت عن مقامات حدودك إلى حرمات انتهكتها، وكبائر ذنوب اجترحتها، كانت عافيتك لي من فضائحها ستراً «إلى أن قال» اللهم وإذ سترتني بعفوك وتغمدتني بفضلك في دار الفناء بحضرة الأكفاءِ فأجرني من فضيحات دار البقاء عند مواقف الأشهاد من الملائكة المقرّبين والرّسل المكرمين والشهداء والصالحين، من جار كنت أكاتمه سيأتي، ومن ذي رحم كنت أحتشم منه في سريراتي، لم أثق رب بهم في الستر عليّ ووثقت بك رب في المغفرة لي، وأنت أولى من وثق به وأعطى من رغب إليه وأرأف من استرحم، فارحمني»(2).

(وتعرضتم لأَخذه فأمهلكم) أي تعرّضتم للمعاصي الموجبة لمؤاخذته فأمهلكم ولم يعاجلكم بالعقوبة.

وهذه أيضاً نعمة عظيمة وموهبة كبيرة منه سبحانه على عباده العاصين، لأَنه سبحانه عفوه أعلى من عقابه، ورحمته سابقة على غضبه، فإمهالهم للخاطئين ليس غالباً إلا كرامة لهم، وتفضّلاً منه سبحانه عليهم، فلا يعجل ولا يبادر في عقاب من عصاه، بل يحلم ويمهل ليتدارك المذنب ذنبه بالتوبة ونحوها.

ومن أسمائه الحسنى: الحليم أي الذي لا يستخفه شيء من المعاصي ولا يستفزه الغضب عليهم قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) [فاطر: الآية 20].

وقال سيد الساجدين علیه السلام في دعاء الاستقالة من الذنوب من أدعية «الصحيفة الكاملة»:

«سبحانك ما أعجب ما أشهد به على نفسي وأعدوه من مكتوم أمري، وأعجب من ذلك إناتك عنّي وإبطاؤك عن معاجلتي، وليس ذلك من كرمي عليك، بل تأنياً منك لي، وتفضّلاً منك عليّ لأَن أرتدع عن معصيتك المسخطة، وأقلع عن عن سيئتي المخلقة، ولأَنّ عفوك عنّي أحبّ إليك من عقوبتي»(3).

روى عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي


1) الصحيفة السجادية الكاملة: 197، والصحيفة السجادية : 193.

2) الصحيفة السجادية الكاملة: 171، والصحيفة السجادية: 171.

3) المزار: 158.

لا أخرج عبداً من الدنيا وأنا أريد أن أرحمه حتى أستوفي منه كل خطيئة عملها إما بسقم في جسده، وإما بضيق في رزقه؛ وإما بخوف، في دنياه، فإن بقيت عليه بقية شددت عليه عند الموت»(1).

والأخبار في هذا المعنى كثيرة، هذا.

ولما أوصاهم بالتقوى أردفه بالإيصاء بذكر الموت الّذي هو هادم اللّذات وقاطع الأمنيات فقال:

(وأوصيكم بذكر الموت) أي بكثرة ذكره (وإقلال الغفلة عنه) وإنما أوصاهم به لاستلزامه الإعراض عن الدنيا والرغبة إلى الآخرة، والإقلاع عن الإثم والمعصية والتقصير في الأمل والجد في العمل.

ومن هنا قال بعض العلماء: حق العاقل أن يكثر ذكر الموت، فذكره لا يقرب أجله ويفيده ثلاثاً: القناعة بما رزق، والمبادرة بالتوبة، والنشاط في العبادة.

وقال آخر: ذكر الموت يطرد فضول الأمل ويهون المصائب ويحول بين الإنسان والطغيان. وما ذكره أحد في ضيق إلا وسّعه عليه، ولا في سعة إلا ضيّقها عليه.

وكان علي بن الحسين علیه السلام من جملة دعائه إذا نعي إليه ميّت:

«اللهم صل على محمد وآل محمد واكفنا طول الأمل، وقصّره عنا بصدق العمل، حتى لا نؤمل استتمام ساعة بعد ساعة، ولا استيفاء يوم بعد يوم، ولا اتصال نفس بنفس ولا لحوق قدم بقدم، وسلمنا من غروره، وآمنا من شروره، وانصب الموت بين أيدينا نصباً، ولا تجعل ذكرنا له غبّاً، واجعل لنا من صالح الأَعمال عملاً نستبطىء معه المصير إليك، ونحرص له على وشك اللحاق بك، حتّى يكون الموت مأنسنا الذي نأنس به، ومألفنا الّذي نشتاق إليه، وحامتنا التي نحب الدنو منها».

فإن قوله علیه السلام: (وانصب الموت بين أيدينا نصباً)، أراد به أن يجعله على ذكر بحيث لا يغيب عن الذهن لحظة، وهو تمثيل بحال ما ينصب أمام الإنسان فهو لا يغيب عن نظره وقتاً ما.

وقوله: (ولا تجعل ذكرنا له غبّاً)، أي وقتادون وقت ويوماً دون يوم، والغبّ في أوراد الإبل أن تشرب يوماً وتدعه يوماً.


1) شرح أصول الكافي: 189/10 ح 3، ومستدرك الوسائل: 331/11 ح 13180.

وإلى هذا المعنى يلمح قوله علیه السلام في الدّيوان المنسوب إليه:

جنبي تجافي عن الوساد *** خوفاً من الموت والمعاد

من جاف عن بکرة المنایا *** لم یدر ما لذة الرقاد

قد بلغ الزرع منتهاه *** لا بد للزرع من حصاد

ثم استفهم عن غفلتهم على سبيل التوبيخ والتقريع، وقال:

(وكيف غفلتكم عما ليس يغفلكم وطمعكم فيمن ليس يمهلكم) يعني أنكم إن غفلتم عنه بأنسكم بالدّنيا وفرط محبّتكم لها وطمعكم في بقائها، فهو ليس غافلاً عنكم ولا تاركاً ممهلاً لكم البّتة، قال في الدّيوان المنسوب إليه علیه السلام:

یا مؤثر الدّنیا علی دینه *** و التّائه الحیران عن قصده

أصبحت ترجو الخلد فیها وقد *** أبرز ناب الموت عن حدّه

هیهات أن الموت ذو أسهم *** من یرمه یوماً بها یرده

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: عما ليس يغفلكم، هو الموت وبقوله: فيمن ليس يمهلكم، هو ملك الموت، أي كيف غفلتكم عن الموت الّذي لا يترككم غافلاً عنكم، وطمعكم في ملك الموت الّذي لا يمهلكم، لكونه مأمورا بعدم الإنظار والإمهال.

ولأَجل شدة الاعتبار والاتعاظ اتبعه بقوله (فكفى واعظاً بموتاً عاينتموهم) كيف انتقلوا من ذروة القصور إلى خطّة القبور، ومن العزّ والمنعة إلى الذّل والمحنة (حملوا إلى قبورهم غير راكبين وانزلوا فيها غير نازلين).

لما كان المتعارف في الركوب والنزول ما كان عن قصد واختيار وشعور، وإرادة وعلى مثل الخيل والبغال، وكان حمل الموتى على الأسرة والجنائز وأعواد المنايا وإنزالهم منها لا عن شعور وإدراك، لا جرم نفي عنهم وصفي الركوب والنزول.

وبعبارة أخرى الركوب والنّزول من الأَفعال الاختيارية للإنسان فبعد الموت وانقطاع الحسّ والحياة وارتفاع الإدراك والاختيار يكون مثل جماد محمول، فكما لا يوصف الجماد بالركوب فهكذا الميّت.

وهذه الفقرة مثل قوله علیه السلام في الخطبة المائة والعاشرة: «حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفاناً».

(فكأنّهم لم يكونوا للدّنيا عماراً، وكأن الآخرة لم تزل بهم داراً) يعني أنهم لطعنهم عن الدنيا وتركهم لها بكلّيتها كأنهم لم يكونوا ساكنين فيها وعامرين لها. وأنهم لارتحالهم إلى

الآخرة واستمرارهم فيها أبد الآباد كأنّها كانت لهم منزلاً ومقيلاً.

(أوحشوا ما كانوا يوطنون) من دار الدنيا (وأوطنوا ما كانوا يوحشون) من الدار الأخرى استبدلوا بظهر الأرض بطناً وبالسعة ضيقاً وبالأهل غربة وبالنّور ظلمة.

(واشتغلوا بما فارقوا وأضاعوا ما إليه انتقلوا) أي اشتغلوا بما فارقوا عنه من نعيم الدّنيا وقيناتها وأضاعوا ما انتقلوا إليه من نعيم الآخرة ولذاتها.

وذلك لكون اشتغالهم بالدنيا وشعفهم بلذاتها الحاضرة مانعاً لهم عن الالتفات إلى الكمالات المؤدية إلى لذات الآخرة، فذهبت هذه اللذات ضياعاً، وفاتت عنهم لما فرطوا فيها وقصروا في تحصيلها وأعقبهم فواتها طول الحسرة والندامة، وملامة النفس اللوامة، وذلك لعظم ما حصلت لهم من الخيبة والخسران، وعدم إمكان تدارك تلك الحسرة والحرمان وإليه أشار بقوله:

(لا عن قبيح يستطيعون انتقالاً ولا في حسن يستطيعون ازدياداً) أي لا يقدرون على الانتقال والإزعاج عن أعمالهم القبيحة المحصلة للعذاب، ولا على الإكثار والازدياد من الأَعمال الحسنة الكاسبة للثواب، إذ الانتقال عن الأولى والازدياد من الأخرى إنما يتمكّن منهما في دار التكليف، والآخرة دار الجزاء.

ولذلك إن كلّا منهم إذا دخل في قبره وشاهد هول المطلع قال: (رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت)، ويقال في الجواب: (كلا أنها كلمة هو قائلها).

(أنسو بالدنيا فغرتهم) لأَنها حلوة خضرة حفت بالشهوات، وتحببت إلى الناس بلذاتها العاجلة الحاضرة فأنسوا بها ونسوا الآخرة (ووثقوا بها فصرعتهم) أي اطمئنوا إليها واعتمدوا عليها لما شاهدوا من حسن ظاهرها فصرعتهم في مصارع الهوان فنسبت الدار لمن لم يتهمها ولم يكن منها على وجل فقد رأينا تنكرها وتغيّرها لمن دان له وأثرها داخلة إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأَبد هل زودتهم إلا السغب أو أحلتهم إلا الضنك أو نوّرت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلّا الندامة فكيف يثق بها اللبيب أو يركن إليها الأريب، هذا.

ولما أوصاهم بذكر الموت وأتبعه بشرح حال الأَموات تنفيراً عن الدّنيا وتحذيراً من الركون إليها فرّع عليها قوله:

(فسابقوا رحمكم الله إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها) وهي منازل الآخرة ودرجات الجنان، والمسابقة إليها وإلى عمارتها إنما تكون بصالح الأعمال المشار إليه بقول ذي الجلال (واستبقوا الخيرات) (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: الآية 133].

(و) تلك الجنة هي (التي رغبتم فيها ودعيتم إليها) أي دعاكم الله إليها بالآية السابقة الآمرة بالمسارعة إليها وبأمثالها ورغبكم فيها بقوله: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ) [آل عِمران: الآية 15] وبما ضاهاها من الآيات.

(واستتموا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته والمجانبة لمعصيته) فإن الصّبر على الطاعات والتحمل لمشاق العبادات والتجنب عن المعاصي والسيئات مؤدّية إلى شمول الأَلطاف الإلهية وإفاضة الآلاء الدنيويّة والأخروية، كما أفصحت عنه محكمات الكتاب، وشهدت به روایات الأَئمة الأطياب، هذا.

ويحتمل أن يكون المراد من استتمام النعم بما ذكر هو طلب تمامها بإضافة النعم الأخروية على الدنيويّة وانضمامها إليها، فإنّها لا تحصل إلا بالمواظبة على الحسنات والمجانبة عن السيّئيات كما هو مقتضى رحمته هو مقتضى رحمته الرّحيمية، وليست كالنعم الدنيويّة تنعم بها على البر والفاجر باقتضاء الرحمة الرحمانية، وقوله: واستتمّوا، لا يخلو من الإشعار بهذا الاحتمال كما هو غير خفي على صاحب الذّوق السليم.

ثمّ إنه لما أمر بالاستباق إلى منازل الجنان وباستتمام النعم، علل حسن الاستباق والمبادرة بقصر المدّة وقلّة زمان الفرصة وقال:

(فإن غداً من اليوم قريب) وكني بالغد عن يوم الممات وأوضح قربه بقوله: (ما أسرع الساعات في اليوم وأسرع الأيام في الشهور وأسرع الشهور في السنين وأسرع السنين في العمر) يعني سرعة مضيّ الساعات موجبة لسرعة مضيّ اليوم، وسرعة مضيّ الأيام مستلزمة لسرعة انقضاء الشهور، وسرعة انقضائها مستلزمة لسرعة انقضاء السنين، وسرعة انقضائها مستلزمة لسرعة زوال العمر والحياة، وسرعة زواله موجبة لقرب زمان حلول الموت المكنى عنه بالغد.

وفي الإتيان بلفظة ما المفيدة للتعجب تأكيداً لبيان تلك السّرعة، ومحصله أن الساعات مفنية للأَيام، والأَيام مفنية للشهور، والشهور مفنية للسّنين، والسّنين مفنية للعمر ومقربة للأّجل.

وهذه الفقرة تفصيل ما أجمله بقوله في الخطبة المائة والثالثة عشر: فسبحان الله ما أقرب الحي من الميت للحاقه به، هذا.

وما ذكرناه من كون الغد كناية عن زمان الموت أظهر من جعله كناية عن يوم القيامة كما قاله الشارح البحراني.

الترجمة

از جمله کلام شریف آنحضرت است در وصیّت بتقوی میفرماید:

وصیّت میکنم شما را ای مردمان بپرهیز کاری خداوند، و بر كثرة حمدا و در مقابل نعمتهای او که رسیده بسوی شما، و بر نعماء او که نازل شده برشما، وبربلا که نزد شما است، پس چه بسیار مخصوص فرموده شما را بنعمتي، و دریافت نموده شما را برحمت وعاطفتي، و آشكار كرديد شما قبایح و فضایح معاصی را از برای او پس پرده کشید بر شما، ومتعرّض شديد بر مؤاخذه آن پس مهلت داده بشما.

ووصیّت میکنم شما را بذکر مرگ و به کم کردن غفلت از مرگ، و چگونه است غفلت شما از چیزیکه غفلت نمی کند از شما، وطمع شما در چیزیکه مهلت نمیدهد شمارا، و کفایت میکند از حیثیت واعظ بودن مردهائیکه معاینه دیدید ایشان را که برداشته شدند بسوی قبرها در حالتیکه نبودند سوار شوندگان، و فرود آورده شدند در قبرها در حالتیکه نبودند فرود آیندگان، گویا نبودند از برای دنیا عمارت کنندگان، و گویا که همیشه سرای آخرت خانه ایشان بوده، وحشت کردند از چیزیکه وطن میکردند در آن، ووطن نمودند در چیزیکه وحشت داشتند از او، مشغول شدند بچیزی که از او مفارقت نمودند، وضایع کردند چیزیرا که بسوى او منتقل شدند، نه از فعل قبیح استطاعت انتقال دارند، و نه در فعل حسن استطاعت زیاده نمودن دارند، انس گرفتند بدنیا پس دنیا فریب داد ایشان را ووثوق و اعتماد کردند بر او پس هلاک ساخت ایشان را.

پس سبقت کنید ای مردمان خدا رحمت کند بر شما بسوي منزلهای خودتان که مأمور شدید بتعمير آنها، و آن منزلهائی که ترغیب شدید بآن، ودعوت شدید بسوی آن، وطلب نمائید تمامیت نعمتهای خدارا بر خود با صبر نمودن بر طاعت او و با اجتناب کردن از معصیت او، پس بدرستیکه فردا نزدیکست از امروز، چه قدر سرعت کننده اند ساعتها در روز، و سرعت کننده اند روزها در ماه و سرعت کننده اند ماهها در سال، وسرعت کننده اند سالها در انقضاء وزوال عمر.

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والثامنة والثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

«فَمِنَ اَلْإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي اَلْقُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ بَيْنَ اَلْقُلُوبِ وَاَلصُّدُورِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ اَلْمَوْتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ اَلْبَرَاءَةِ، اَلْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا اَلْأَوَّلِ، مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ اَلْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ اَلْإِمَّةِ وَ مُعْلِنِهَا، لاَ يَقَعُ اِسْمُ اَلْهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِمَعْرِفَةِ اَلْحُجَّةِ فِي اَلْأَرْضِ، فَمَنْ عَرَفَهَا وَ أَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ، وَ لاَ يَقَعُ اِسْمُ اَلاِسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ اَلْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ، وَ وَعَاهَا قَلْبُهُ، إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لاَ يَحْمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ (مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِي مُرْسَلٌ أو مُؤْمِنٌ خ ل) اِمْتَحَنَ اَللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَ لاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَ أَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ، أَيُّهَا اَلنَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَلَأَنَا بِطُرُقِ اَلسَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ اَلْأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا، وَ تَذْهَبُ بِأَحْلاَمِ قَوْمِهَا»(1).

اللغة

(العواريّ) بالتشديد جميع العاريّة به أيضاً كما عن الصحاح وغيره، قال الفيومي: وقد تخفف في الشعر وتجمع على العواري بالتخفيف أيضاً، قال الفيومي وهي أي العارية مأخوذة من تعاوروا الشيء واعتوروه تداولوه، والأَصل فعلية بفتح العين قال: قال الأَزهري: نسبته إلى العارة وهي اسم من الإعارة يقال أعرته الشيء إعارة وعارة مثل أطعته إطاعة وطاعة وأجبته إجابة وجابة، قال: وقال الليث سمّيت عارية لأَنها عار على طالبها، وقال الجوهري مثله، وقال بعضهم مأخوذة من عار الفرس إذا وهب من صاحبه لخروجها من يد صاحبها، قال الفيومي بعد نقل كلامهما: وهما غلط، لأَن العارية من الواو، لأَن العرب تقول هم يتعاورون العواري ويعتورونها بالواو إذا عار بعضهم بعضاً، والله أعلم والعار وعار الفرس من الياء، قال: فالصحيح ما قاله الأَزهري.

و(مستسّر الأمة ومعلنها) بصيغة الفاعل يقال استسرّ القمر وخفي والسرّ ما يكتم، وأسررت الحديث أسراراً أخفيته وهو خلاف الإعلان و(مستصعب) مروي بفتح العين وكسرها و(شغر برجلها) رفعها وشعر الكلب شغراً من باب نفع رفع إحدى رجليه ليبول، وشعرت المرأة رفعت رجلها للنكاح وشغرتها فعلت بها ذلك يتعدى ولا يتعدى.


1) بحار الأنوار: 227/66 19، وحياة أمير المؤمنين: 222/2.

و(الخطم) بالخاء المعجمة والطاء المشالة وزن فلس من كل طائر منقاره ومن كل دابة مقدّم أنفه، وخطام البعير معروف وهو ما يوضع في أنفه، لينقاد به وجمعه خطم مثل کتاب وكتب سمّي بذلك لأَنه يقع في خطمه.

الإعراب

قوله: ما كان الله (ا ه)، قال القطب الراوندي في محكى كلامه: ما ههنا نافية، ومن في قوله: من مستسرّ الأمة، لبيان الجنس أي لم يكن الله في أهل الأرض ممن أسرّ دينه أو أعلنه حاجة.

وقال الشارح المعتزلي: إنّها ظرفيّة ومن زائدة ولا حاجة لها إلى المتعلق قال: فلو حذفت لجر المستسرّ بدلاً من أهل الأرض، ومن إذا كانت زائدة لا تتعلق نحو ما جاءني من أحد انتهى(1).

وقوله : برجلها، الضمير راجع إلى فتنة لجواز الإضمار قبل الذكر لفظاً فقط.

المعنى

أعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة لشرح أقسام الإيمان، وقد مضى تحقيق الكلام في بیان معنى الإيمان بما لا مزيد عليه في شرح المختار المائة والتاسع، وتلخص لك ممّا حققناه هناك أنّه عبارة عن الإذعان والتصديق بالله سبحانه وبرسوله وبولاية أمير المؤمنين والطّيبين من ذريته علیهم السلام والبراءة من أعدائهم.

وقد اختلف كلام الشراح في شرح هذه الخطبة وقصرت أفهامهم عن إدراك ما فيها من كنوز الدقائق ورموز الحقائق، وتفرقوا في شرحها أيادي سبأ وأيدي سبأ ووقعوا في طخية عمياء وشوهاء كما هو غير خفي على من راجع إلى الشروح.

وذلك لقصور باعهم عن الإحاطة بأقطار الأَخبار وأطراف الآثار المأثورة عن العترة الأَطهار، فهيهات التنبّه للرمزة الدّقيقة الشأن واللّمحة الخفيّة المكان، ممن قلّ أنسه بروايات أولياءِ الدّين وكلمات الأَئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.

إذا عرفت هذا فأقول مستمداً من الله سبحانه ومنه التوفيق والإعانة:

إن عمدة نظر أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين سلام الله عليه وآله في هذه الخطبة الشريفة


1) شرح نهج البلاغة: 105/13.

إلى تقسيم الإيمان باعتبار ما تضمنه من الإذعان بالولاية، لا باعتبار ما تضمنه من الإذعان بالله سبحانه أو بالرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم فقسمه بالاعتبار الّذي ذكرنا على قسمين وقال:

(فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم) يعني أن الإيمان أي التصديق بوجود الصّانع سبحانه وما له من صفات الجلال ونعوت الكمال والإذعان برسالة رسول صلّی الله علیه و آله و سلّم وما جاء به من عند الله والاعتقاد بولاية الأَئمة الهداة قسمان:

قسم منه يكون ثابتاً مستقراً في القلوب راسخاً في النّفوس، وهو الإيمان الحقيقي البالغ إلى مرتبة اليقين وحد الملكة، لا يحركه العواصف ولا يزبله القواصف، لكونه مستنداً إلى الدليل القطعي والبرهان القاطع، وإليه الإشارة بقوله سبحانه: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: الآية 27] أي بالقول الّذي ثبت عندهم بالحجّة والبرهان وتمكّن في قلوبهم واطمأنت إليه أنفسهم، فلا يزلون في الدّنيا إذا افتتنوا في دينهم ولا يلتئمون في الآخرة إذا سئلوا عن معتقدهم.

وقسم آخر يكون غير راسخ فيها ولا بالغ إلى حدّ الملكة، لعدم استناده إلى الحجّة فيزول بتشكيك المشكك وتفتين المفتن، وشبهه بالعواري باعتبار كونه في معرض الزوال كما أن العواري في معرض الاسترجاع والرد، أو باعتبار ذهابه من القلوب وخروجه منها إن جعلنا العارية مأخوذة من عار الفرس، كما قاله بعض اللّغويّين حسبما تقدم، وهو الأنسب بالمقام.

وأتى بقوله: إلى أجل معلوم، ترشيحاً للتشبيه، إذ من شأن العارية أن تستعار إلى وقت معين، ويحتمل أن يكون قيداً للمشبه فيكون المراد أن بقائه في القلوب مستمر إلى وقت معين عند الله سبحانه وأجل معلوم تعلقت مشيئته سبحانه ببقائه فيها إليه، فقد تحصّل من ذلك أن الإيمان على قسمين مستقرّ ومستودع، هذا.

وقوله: (فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت فعند ذلك يقع حد البراءة) تفريع على كون الإيمان بكلا قسميه أمراً قلبيّاً، يعني أنّه إذا كان الإيمان أمراً باطنيّاً لا يمكن العثور عليه وأردتم التبرّي من أحد بمجرّد سوء الظن به، وزعم عدم كونه مؤمناً أو بمشاهدة المنكرات منه فاجعلوا ذلك الشخص موقوفاً أي لا تسرعوا إلى البراءة منه إلى حين حضور موته، فإن أدركه الموت ولم يصدر منه عمل صالح يستدل به على إيمانه أو توبة جابرة للمنكر الصادر عنه فعند ذلك يسوغ البراءة، إذ عند حضور الموت ينقطع زمان التكليف ولا يبقى بعده حالة ترجى وتنتظر، فالموت هو حدّ البراءة ومنتهاها.

وبقاؤه على سوء الظاهر مدّة عمره وتركه الصالحات رأساً إلى ذلك الحدّ يكون كاشفاً عن خبث باطنه، إذ بالإيمان يستدلّ على الصّالحات وبالصالحات تستدلّ على الإيمان كما صرّح به في المختار المائة والخامس والخمسين.

وأمّا إلى حين الموت فلا تسوغ التبرّي إذ ربما يكون عمله منكراً ظاهراً وله محمل صحیح باطناً، كالكذب المتضمن لإنجاء مؤمن من القتل أو حفظ ماله أو عرضه ونحو ذلك وعليه تدلّ الأخبار الآمرة بحمل فعل المسلم على الصحّة، وعلى فرض عدم محمل صحيح لفعله وكونه قبيحاً باطناً أيضاً كما هو قبيح ظاهراً، فربما يتدارك ذنبه بالتوبة ونحوها.

ويفصح عنه ما رواه في «البحار من كنز جامع الفوائد» قال: روى شيخ الطائفة بإسناده عن زيد بن يونس الشحام قال: قلت لأبي الحسن موسى علیه السلام: الرجل من مواليكم عاص يشرب الخمر ويرتكب الموبق من الذنب نتبرأ منه؟ فقال: تبرؤوا من فعله ولا تبرّؤوا من خيره، وابغضوا عمله، فقلت: یسع لنا أن نقول: فاسق فاجر؟ فقال: «لا الفاسق الفاجر الكافر الجاحد لنا ولأوليائنا، أبى الله أن يكون وليّنا فاسقاً فاجراً وإن عمل ما عمل، ولكنّكم قولوا فاسق العمل فاجر العمل مؤمن النفس خبيث الفعل طيّب الروح والبدن»(1)، الحديث.

وقد تقدّم تمامه في شرح الفصل الثّاني من «المختار» المائة والثاني والخمسين، هذا.

ويحتمل أن يكون تفريعاً على خصوص القسم الأَخير من الإيمان، فيكون المراد به النّهي عن التسرع إلى البراءة عن مؤمن بمحض احتمال كون إيمانه مستودعاً وعارية إلى أجل معين، واحتمال انقضاء ذلك الأَجل وخروجه عن وصف الإيمان إلى النفاق لأَن اليقين لا ينقض إلا بيقين مثله، فلا بدّ من الحكم ظاهراً ببقائه على إيمانه وبأنّه مؤمن إلى أن يظهر منه إلى حين موته أمر بيّن يدلّ على خروجه من حدّ الإيمان إلى حدّ الكفر والنّفاق كما ظهر من طلحة وزبير وأمثالهما من المنافقين، فعند ظهور ذلك الأَمر البيّن يعلن أن إيمانه كان مستودعاً وحينئذ يجوز التبرّي عنه، وأمّا قبل ظهوره فلا.

ويرشد إلى ذلك قول الله سبحانه: (وَلَا نَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنَا) [النساء: الآية 94] الآية.

ويرشد إليه قول رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم فيما رواه القمّي: في تفسير هذه الآية: من أنه لما رجع أسامة إليه صلّی الله علیه و آله و سلّم وأخبره بقتل مرداس اليهودي بعد أن شهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال له رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «أفلا شققت الغطاء عن قلبه لا ما قال بلسانه قبلت ولا


1) مستدرك الوسائل: 237/12، وبحار الأنوار: 137/27 ح139.

ما كان في نفسه علمت»(1)، هذا.

ولما قسّم الإيمان على قسمين وكان القسم الأوّل هو المطلوب، وكانت مطلوبيته من البديهيات الأَوّليّة غنية عن البيان، لا جرم طوى عنه وأتى ما هو أحرى بالبيان وأهم بالتنبيه عليه، وهو الطريق الموصل إلى وصف الإيمان فقال:

(والهجرة قائمة على حدها الأَوّل) لم تتغير ولم تتبدل أي من أراد الفوز بالإيمان والوصول إلى معارج اليقين فليهاجر إلى أئمة الدين، لأَن الهجرة قائمة على حدّها الأَوّل الذي كان في بدء البعثة، إذ الغرض الأَصلي في ذلك الزمان لم يكن إلاّ الوصول إلى حضور حجة الله ورسوله وتحصيل الإيمان والمعرفة ومعالم الشرع معه، وهذا الغرض موجود الآن ويحصل بالوصول إلى حضور الأَئمة، لكونهم حجج الله على عباده وخلفائه في بلاده وقائمين مقام الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم، فالهجرة إليهم هجرة إليه.

ويشهد به ما رواه في «الصافي» عن العيّاشي عن محمد بن أبي محمد بن أبي عمير قال: وجّه زرارة بن أعين ابنه عبيداً إلى المدينة يستخبر له خبر أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام وعبد الله، فمات قبل أن يرجع إليه عبيد، قال محمد بن أبي عمير: حدثني محمد بن حكيم قال ذكرت لأَبي الحسن زرارة وتوجيهه عبيداً إلى المدينة، فقال: «إنّي لأَرجو أن يكون زرارة ممن قال الله تعالى: (وَمَن يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه) [النِّساء: الآية 100]»(2).

وفي الوسائل من معاني الأَخبار عن حذيفة بن منصور قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: المتعرّب بعد الهجرة التارك لهذا الأَمر بعد معرفته»(3)هذا.

ولما ذكر قيام الهجرة وبقائها على حدّها الأوّل تنبيهاً بذلك على مطلوبيتها ووجوبها أردفه بقوله (ما كان الله في أهل الأرض حاجة من مستسرّ الأمة ومعلنها) إشارة إلى أن مطلوبيّتها ليس لأجل حاجة وافتقار منه إلى المهاجرين وغيرهم من أهل الأرض مضمرين لما قصدوه بالهجرة أو مظهرين له.

وبعبارة أخرى أنه سبحانه طلب الهجرة من المهاجرين، لا لأَجل حاجة منه في هجرتهم وغرض عائدة إليه تعالى من جلب منفعة أو دفع مضرّة أو طلب ثناء ومحمدة، بل هو الغني المطلق المتعالي عن الفاقة والافتقار، وإنما حثهم على الهجرة وعلى الإيمان المتحصّل


1) بحار الأنوار: 11/21 ح 6، وتفسير القمي: 148/1.

2) الكافي: 378/1 ح 2، وتفسير أصول الكافي: 359/6 ح2.

3) الكافي: 277/2 ح 3، وبحار الأنوار: 267/75 ح 180.

بالهجرة وسائر التكاليف الشرعيّة المتفرّعة عليه لأَجل إيصال النفع إلى العباد وإنجائهم من العقوبة يوم المعاد.

فهذه الجملة أعني قوله: ما كان الله اه، بمنزلة الاستئناف البياني فإن قوله: والهجرة قائمة اه، لما كان دالاً بدلالة التنبيه والإشارة على مطلوبيّة الهجرة، وربما يسبق منه إلى الأَوهام القاصرة أن مطلوبيتها لأَجل حاجة إليها منه سبحانه أتى بهذه الجملة دفعاً لذلك التوهم.

فقد ظهر بما ذكرناه ضعف ما قاله الشّارح المعتزلي من أن معناه: ما دام الله في أهل الأرض المستسرّ منهم باعتقاده والمعلن حاجة أي ما دام التكليف باقياً زعماً منه أن جعل ما نافية موجب لإدخال كلام منقطع بين كلامين يتصل أحدهما بالآخر.

وجه الضعف منع استلزام كونها نافية، لانقطاع هذه الجملة عما قبلها إذ قد ظهر بما ذكرناه اتصالها وحسن ارتباطها به كما لا يخفى.

مضافاً إلى أن وصف الله سبحانه بالحاجة على إبقائها على حقيقتها باطل، وعلى تأويلها بالمعنى المجازي كما أوّلها الشارح البحراني حيث جعل لفظ الحاجة مستعاراً في حقه تعالى باعتبار طلبه للعبادة بالأوامر وغيرها كطلب ذي الحاجة لها مما يشمئز منه الطباع ويأبى عنه الذوق السليم كما لا يخفى.

وبالجملة فهذه الجملة معترضة بين الجملتين، والغرض من الاعتراض تنزيه الله سبحانه من الحاجة والافتقار إلى عبادة أهل الأرض، فهي نظير الجملة المعترضة في قوله سبحانه: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) [النحل: الآية 57] فإن قوله (سبحانه) جملة لكونه بتقدير الفعل وقعت في أثناء الكلام، لأَن قوله: ولهم ما يشتهون، عطف على قوله: الله البنات، والنكتة فيه تنزيه الله وتقديسه عما ينسبونه إليه.

وكيف كان فلما ذكر قيام الهجرة على حدّها الأول أوضحه وشرحه بقوله (لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض فمن عرفها وأقرّ بها فهو مهاجر) يعني أنه لا يستحق أحد لإطلاق اسم المهاجر عليه وبوصفه بالهجرة إلا بمعرفة حجة الله في أرضه والإيمان به، وهذا الحجّة هو النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم في زمانه والأئمة المعصومون القائمون مقامه بعده.

وذلك لما ذكرناه من أن الغرض الأَصلي من الهجرة هو الوصول إلى حضور الحجة، وتحصيل الإيمان والمعرفة ومعالم الشريعة منه، لا مجرد ترك الأوطان والهجرة من البلدان والمسير من مكان إلى مكان، فالمهاجر في الحقيقة هو الضارب في الأرض لمعرفة أمام زمانه والإيمان به.

ويؤمى إلى ذلك ما رواه في «الصافي» عن عليّ بن إبراهيم القمي رحمه الله في قوله:

«والسّابقون الأولون من المهاجرين والأنصار» قال: هم النقباء وأبوذر والمقداد وسلمان وعمّار ومن آمن وصدق وثبت على ولاية أمير المؤمنين علیه السلام(1).

ويدل عليه ما رواه في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن قال: حدثنا حمّاد عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول العامة إن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية»، فقال علیه السلام: الحق والله قلت: فإن إماماً هلك ورجل بخراسان لا يعلم من وصيّه لم يسعه ذلك؟ قال: لا یسعه إنّ الإمام إذا هلك وقعت حجة وصيّه على من هو معه في البلد وحق النفر علي من ليس بحضرته إذا بلغهم إن الله عز وجل يقول: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التّوبَة: الآية 122] قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم، قال: إن الله عزّ وجلّ يقول: (وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهُ) [النساء: الآية 100](2).

بل لا يبعد أن يقال إن من عرف إمام زمانه واتبعه وآمن به فيصح أن يسمى باسم المهاجر من دون حاجة إلى المسافرة، وبعبارة أخرى مجرّد المعرفة والاتباع كاف في صحّة التسمية كما يفصح عنه قوله صلّی الله علیه وآله وسلّم: «فمن عرفها وأقرّ بها فهو مهاجر»(3).

وصحّة إطلاقه عليه ذلك إما باعتبار اشتراكه مع المهاجر المسافر في الغاية القصودة وإن افترقا بالمسافرة وعدم المسافرة، أو باعتبار كونه مهاجراً بسبب معرفته من الضلالة إلى الهدى كما أن المهاجر الاصطلاحي مهاجر من بلد إلى بلد آخر.

وعلى هذا فيكون قوله (ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعها أذنه ووعاها قلبه) توكيداً لما فهم من الجملة السابقة، فإنه لما كان مدلولها المطابقي على الاحتمال الأَخير أن العارف بإمام زمانه مهاجر وحقيق بأن يوصف بالمهاجريّة من دون حاجة إلى السفر أتى بهذا الكلام توضيحاً لمدلولها الالتزامي.

فيكون محصل مراده حينئذ أن من بلغته حجيّة الحجة فسمعها بأذنه وحفظها بقلبه أي عرفها حق المعرفة ولو في وطنه ومع عدم تجشم السفر فهو ليس بمستضعف بل مهاجر، ولا يجوز عدّ مثل هذا الشخص في عداد المستضعفين المستحقين للذّم والعقاب بترك المهاجرة


1) التفسير الصافي: 369/2، والتفسير الأصفى: 486/1.

2) بصائر الدرجات: 59، والكافي: 6/1.

3) بحار الأنوار: 99/97 ح 1.

والمسافرة المشار إليهم في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: الآية 97].

فإن هذه الآية كما قيل نزلت في أناس من أهل مكّة أسلموا ولم يهاجروا حين کانت الهجرة واجبة في بدو الإسلام، فإن المفروض عليهم يومئذ هو المهاجرة بالأَبدان وعلى من بعدهم هو المعرفة والإيمان من دون لزوم الهجرة بالبدن هذا.

ولكن الأَظهر أن المراد بهذه الجملة أن من بلغته خبر الحجرة فسمعه ووعاه بقلبه أي علم علماً قطعياً بوجود الحجة فلا يقع عليه اسم الاستضعاف أي لا يسوغ له التقصير في الإيمان به والاعتذار بكونه مستضعفاً فلو قصر وفرط دخل في زمرة المستضعفين المذكورين في الآية السابقة الّذين لم يكونوا مستضعفين في الحقيقة، ولذلك استحقوا التقريع والعقوبة بالمقصّر المفرط يكون مثلهم في استحقاق السّخط .

ويشهد بذلك ما رواه في «الصافي من الكافي» عن الصادق علیه السلام أنه سئل ما تقول في المستضعفين؟ فقال: «شبيهاً بالفزع فتركتم أحداً يكون مستضعفاً وأين المستضعفون فوالله لقد مشى بأمركم هذا العواتق إلى العواتق في خدورهن وتحدثت به السقاآت في طرق المدينة»(1).

وعن الكاظم علیه السلام أنه سئل عن الضعفاء فكتب علیه السلام: «الضعيف من لم ترفع له هذا حجة ولم يعرف الاختلاف فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف»(2).

ويؤيّده ما فيه عن عليّ بن إبراهيم في الآية المتقدمة أنها نزلت فيمن اعتزل أميرالمؤمنين علیه السلام ولم يقاتلوا معه، فقالت الملائكة لهم عند الموت فيم كنتم، قالوا: كنّا مستضعفين في الأَرض أي لم نعلم مع من الحقّ فقال الله تعالى: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أي دين الله وكتاب الله واسع فتنظروا فيه)(3).

ووجه التأييد غير خفي على المتدبّر فتدبر، هذا.

ولما فهم من الجملات السابقة تصريحاً وتلويحاً وجوب السعي والهجرة إليه علیه السلام وإلى الطيّبين من ذريّته لكونهم حجّة الله في عباده وخليفة الله في بلاده وعلم أنه لا يسوغ التقصير


1) الكافي: 405/2، ومعاني الأخبار: 302.

2) الكافي: 406/2 ح 11، وشرح أصول الكافي: 80/12.

3) تفسير القمي: 149/1، والتفسير الصافي: 490/1.

والاستضعاف في معرفة حقهم أردف ذلك بالتنبيه على أن معرفتهم حق المعرفة من خواص المؤمنين المخلصين فقال علیه السلام:

(إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان) والغرض بذلك تشويق المخاطبين وترغيبهم إلى المهاجرة إليهم والمبادرة إلى معرفة شؤونات ولايتهم ليدخلوا في زمرة المؤمنين الممتحنين الكاملين في مقام العرفان والإيقان الحائزين قصب السبق في مضمار التصديق والإيمان.

وفي بعض النسخ لا يحتمله إلاّ ملك مقرب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان وهذا المعنى قد ورد عنهم علیهم السلام في أخبار كثيرة.

فقد روى في «الكافي» عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد سنان بن عن عمار بن مروان عن جابر قال: قال أبو جعفر علیه السلام: قال رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلّم: «إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد، فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزّت منه قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد وإنما الهلاك أن يحدث أحدكم بشيء منه لا يحتمله فيقول: والله ما كان هذا والله ما كان هذا والإنكار هو الكفر»(1).

ورواه في «البحار من الخرائج ومنتخب البصائر» عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام مثله إلاّ أن في أخره: والإنكار لفضائلهم هو الكفر.

وفیه عن أحمد بن إدريس عن عمران بن موسى عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة، عن بن أبي عبد الله علیه السلام قال: ذكرت التقية يوماً عند عليّ بن الحسين علیه السلام فقال علیه السلام: «والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله»، ولقد آخا رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلّم بينهما فما ظنكم بسائر الخلق، إن علم العلماء صعب مستصعب لا يحتمله إلّا نبيّ مرسل أو ملك مقرّب أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، فقال علیه السلام وإنما صار سلمان من العلماء لأنّه امرؤ منا أهل البيت فلذلك نسبته إلى العلماء(2).

وقد مضى أحاديث آخر في هذا المعنى في شرح الفصل الرابع من «المختار» الثاني وقدّمنا هناك بعض الكلام في تحقيق معنى هذه الأَحاديث.


1) الكافي: 401/1، وروضة الواعظين: 211.

2) الكافي: 401/12 ح2، وبحار الأنوار: 190.

وأقول هنا مضافاً إلى ما سبق:

إن المراد من أمر آل محمد علیهم السلام وعلمهم وحديثهم الوارد في هذه الروايات على اختلاف عناوينها شيء واحد، وهو ما يختص بهم علیهم السلام وما هو خصائص ولايتهم من شرافة الذات ونورانيتها والكمالات الكاملة والأخلاق الفاضلة والإشراقات التي يختصّ بها عقولهم والقدرة على ما لا يقدر عليه غيرهم وما لهم من المقامات النورانية والعلوم الغيبيّة والأسرار الإلهيّة والأَخبار الملكوتيّة والآثار اللاهوئية والأَطوار الناسوتية والأَحكام الغريبة والقضايا العجيبة، فإن هذه الشؤونات صعب في نفسه مستصعب فهمه وتسليمه على الخلق لا يذعن به ولا يقبله إلّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان وأعدّه بتطهيره و امتحانه وابتلائه بالتكاليف العقلية والنقلية حتى تحلّى بالكمالات العلمية والعملية، والفضائل الخلقية والنفسانية، وعرف مبادىء كمالاتهم وقدرتهم ولا يستنكر ما ذكر من فضائلهم وما صدر عنهم من قول أو فعل أو أمر أو نهي، ولا يتلقى شيئاً من ذلك بالتكذيب ولا ينسبهم علیهم السلام فيه إلى الكذب وذلك لكونه مخلوقاً من فاضل طينتهم معجوناً بنور و ولايتهم مضافاً إليهم، فإذا ورد عليه شيء منهم وصل إليه فهمه وعرفه على ما هو حقه آمن به تفصيلاً، وإذا قصر عنه عقله آمن به إجمالاً ولا ينكره، كما قال عزّ من قائل: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ وَامَنَّا كُل مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَكَرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَبِ) [البَقَرَة: الآية 269].

وأما غير من ذكر فإذا ورد عليهم شيء من أمرهم وعلمهم وأحاديثهم وفضائلهم علیهم السلام لم نفرت قلوبهم واشمأزّت نفوسهم وتاهت عقولهم وسارعوا إلى ردّه وإنكاره ولا يحتملونه ولا يتحملونه بل يكفرون به ويكذبونه كما قال علیه السلام في «المختار» السبعين: «ولقد بلغني أنكم تقولون: عليّ يكذب، قاتلكم الله فعلى من أكذب أعلى الله؟ فأنا أوّل من آمن به أم على نبيّه؟ فأنا أوّل من صدّقه، كلا والله ولكنّها لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها ويل أمّه كيلا بغير ثمن لو كان له دعاء(1).

(و) قوله (لا يعي حديثنا إلا صدور أمنية وأحلام رزينة) توكيد لما دلت عليه الجملة السابقة أي لا يحفظ حديثنا الصعب المستصعب إلا قلوب متصفة بالأمانة وعقول ذات ثقل ووقار ورزانة.

روى في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن البرقي، عن ابن سنان أو غيره رفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال: «إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا صدور منيرة أو قلوب سليمة أو أخلاق حسنة، إن الله أخذ من شيعتنا الميثاق كما أخذ على بني آدم ألست


1) نهج البلاغة: 1/ 119 والاختصاص: 155.

بربكم، فمن وفى لنا وفي الله له بالجنّة، ومن أبغضنا ولم يرد «يوادخ» إلينا حقّنا ففي النار خالداً مخلّداً»(1).

والمراد أنّه لا يحفظ ولا يحتمل حديثنا إلا صدور أمنية في احتماله وحفظه وكتمانه وستره إلى أن يؤديه إلى أهله على وفق ما احتمله وتحمله من دون تغير وتبديل ولا تحريف ولا زيادة ولا نقصان كما هو شأن الأَمين يحفظ الأمانة ويردّها إلى أهلها صحيحة سالمة.

ويرشد إليه ما رواه في «الكافي» عن محمد بن يحيى وغيره عن محمد بن بن أحمد عن بعض أصحابنا قال كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر علیه السلام جعلت فداك ما معنى قول الصادق علیه السلام: «حديثنا لا يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان؟»(2)فجاء الجواب إنما معنى قول الصادق علیه السلام أي لا يحتمله ملك ولا نبيّ ولا مؤمن أن الملك لا يحتمله حتى يخرجه إلى ملك غيره، والنبيّ لا يحتمله حتى يخرجه إلى نبيّ غيره، والمؤمن لا يحتمله حتّى يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدّي علیه السلام هذا.

ووصف الأحلام بالرزانة إشارة إلى أنها لا يستنفرها صعوبة ما سمعتها من الأَحاديث الفضائل إلى ردّها وإنكارها ولا يستخفنها غرابتها إلى نشرها وإذاعتها.

روى في «البحار» من منتخب البصائر بسنده عن الحذاءِ قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: «إن أحبّ أصحابي إليّ أفقههم وأورعهم وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم إليّ الّذي إذا الحديث ينسب إلينا ويروي عنّا واشمأزّ منه جحده، وأكفر من دان به ولا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند فيكون بذلك خارجاً من ديننا(3).

وفيه منه بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) [فصلت: الآية 30] قال: هم الأَئمة ويجري فيمن استقام من شيعتنا وسلم لأَمرنا وكتم حديثنا عن عدونا تستقبله الملائكة بالبشرى من الله بالجنّة وقد والله مضى أقوام كانوا على مثل ما أنتم عليه من الذين استقاموا وسلّموا لأمرنا وكتموا حديثنا ولم يذيعوه عند عدونا ولم يشكوا فيه كما شككتم فاستقبلتهم الملائكة بالبشرى من الله بالجنّة(4)، هذا.


1) الكافي 401/1، ومجمع البحرين: 4/ 53.

2) شرح أصول الكافي 8/7 والكافي: 402/1 ح4.

3) بصائر الدرجات 557 ومستدرك الوسائل: 1/ 8.

4) بحار الأنوار 202/2 وبصائر الدرجات: 114.

ولما فرغ علیه السلام من قسمة الإيمان إلى قسميه وندب إلى المهاجرة ورغب في احتمال أحاديثهم وتحملها وحفظها، عقب ذلك كله بالأَمر بالسؤال وأرشدهم إلى المسألة عنه قبل الأزداف والانتقال فقال علیه السلام:

(أيّها النّاس سلوني قبل أن تفقدوني) وقد قدمنا في شرح الفصل الأَوّل من المختار الثاني والتسعين أن هذا كلام تفرد علیه السلام به وليس لأَحد أن يقول على المنبر سلوني إلا هو وتقدّم هناك فصل واف فيما يترتب على العنوان.

وأقول هنا: إن أمره للمخاطبين بالمسألة في كلّ موقف ومكان وكلّ وقت وزمان مع عدم تقييد المسؤول عنه بشيء مخصوص يدل على غزارة علمه وأنه البحر الذي لا يساحل، والحبر الّذي لا يطاول، وأنه عالم بجميع العلوم وفارس ميدانها وسابق حلباتها وحائز قصبات رهانها ومبيّن غوامضها وصاحب بيانها، والفارس المتقدّم عند إحجام فرسانها وتأخر أقرانها، وأنّه فيها كلها قد بلغ الغاية القصوى وفضل فيها جميع الورى، فاسمع به وأبصر فلا نسمع بمثله غيره ولا ترى، واهتد إلى اعتقاد ذلك بناوه فما كلّ نار أضرمت نار قرى ولنعم ما قيل:

قال اسألوني قبل فقدی ذوا *** إبانة عن علمه الباهر

لو شئت أخبرت عما قد مضی *** و ما بقی فی الزمن الغابر

ويكفي في إيضاح ذلك قوله: «علّمني رسول الله صلّی الله علیه وآله و سلّم من العلم ألف باب فانفتح لي من كلّ باب ألف باب»، فإذا كان المعلم المؤدب رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلّم وهو أكمل العالمين وأعلاهم في درجات العرفان واليقين والتلميذ المتعلم أمير المؤمنين علیه السلام وهو في الفطنة والذكاء أفضل البارعين، فيحق له أن يبلغ أقصى غايات الكمال، وينال نهايات معارج العلم والمعرفة، ويتمكن من قول سلوني قبل أن تفقدوني.

(فلأَنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض) وقد ضمن بعض العشر ذلك وقال:

و من ذا یسامیه بمجد ولم یزل *** یقول سلوني ما یحلّ ویحرم

سلوني ففي جنبي علم ورثته *** عن المصطفی ما فات مني به الفم

سلوني عن طرق السماوات أنني *** بها عن سلوك الطرق في الأَرض أعلم

ولو کشف الله الغطا لم أزد به *** یقیناً علی ما کنت أدري وأفهم

قال الشارح المعتزلي: المراد بقوله ذلك ما اختص به من العلم بمستقبل الأمور ولاسيما في الملاحم والدّول قال: وقد تأوّله بعضهم على وجه آخر قالوا: أراد أنا بالأَحكام

الشرعية والفتاوى الفقهيّة أعلم مني بالأمور الدّنيوية، فعبّر عن تلك بطرق السماء لأَنها أحكام إلهية، وعبّر عن هذه بطرق الأرض لأَنها الأمور الأَرضيّة، قال: والأوّل أظهر، لأَن فحوى الكلام وأدلته يدل على أنّه المراد(1).

وقال الشارح البحراني: أراد بطرق السماء وجوه الهداية إلى معرفة سكّان السماوات من الملأ الأَعلى ومراتبهم من حضرة الربوبيّة ومقامات أنبياءِ الله وخلفائه من حظایر القدس وانتقاش نفسه القدسيّة عنهم بأحوال الفلك ومدبراتها والأمور الغيبية مما يتعلق بالفتن والوقائع المستقبلة، إذ كان له الاتصال التّام بتلك المبادىء، فبالحريّ أن يكون علمه بما هناك أتم وأكمل من علمه بطرق الأَرض أي إلى منازلها.

ثمّ نقل عن الوبري أنّه قال: أراد أن علمه بالدّين أوفر من علمه بالدّنيا.

أقول: لا يخفى عن المتوقد الزّكي العارف بنكات العبارة وأساليب الكلام من أهل الجودة والذكاء والفطنة أن الشراح قصرت أفهامهم عن معرفة مراد الإمام وعزب أذهانهم عن فهم مغزى الكلام، لأنه علیه السلام أمرهم بالسؤال قبل فقدانه، وقبل ظهور فتنة كما مفاد قوله الآتي قبل أن تشغر برجلها فتنة، وعلل ذلك بأنه أعلم بطرق السماء منه بطرق الأرض، وهذا ملخص معنى كلامه علیه السلام.

فعلى هذا فليس للمعنى الذي حكاه الشارح المعتزلي عن بعضهم، وكذا المعنى الذي نقله البحراني عن الوبري ربط بالمقام أصلاً ولا شيء منهما مراداً من الكلام قطعاً.

وأمّا المعنى الّذي قاله الشارح المعتزلي فليس بذلك البعد ولكنّه لم يتبين منه جهة التعبير عن العلم بمستقبل الأمور بالعلم بطرق السماء كما لم يتبيّن وجه أعلميّته بها أي جهة التفضيل وكونه علیه السلام أعلم بها من علمه بطرق الأرض.

وأمّا ما قاله الشارح البحراني من أنه أراد بطرق السماء وجوه الهداية آه، ففيه أن أن وجوه الهداية إلى معرفة منازل سكان السماوات ومقامات الأَنبياء وأحوال الفلك ومدبّراتها لا ربط لها بالمقام، فكيف يصح جعلها علة لقوله: سلوني آه.

وأما وجه الهداية إلى الأمور الغيبيّة فهو مناسب للمقام إلاّ أنّه قاصر عن تأدية المعنى المراد.

فإن قلت: إذا زيفت جميع ما ذكروه فماذا عندك في هذا المقام وما الّذي أراده بهذا الكلام وما المعنى المناسب السليم من النقض والإبرام؟


1) شرح نهج البلاغة: 13/ 101 وبحار الأنوار: 128/10.

قلت: الّذي اهتديت إليه بنور التوفيق وأدّى إليه النظر الدقيق.

إنّه لما كان عالماً بما يظهر بعده من الفتن والملاحم أراد من باب اللطف أن يرشد المخاطبين إلى ما هو أصلح لهم عند ظهورها، وأوفق بانتظام أمورهم عاجلاً وآجلاً ، فأمرهم بأن يسألوه قبل أن يفقدوه، وقبل أن يظهر تلك الفتن حتّى يهتدوا بسؤاله علیه السلام إلى وجوه مصالحهم فيها، وعلّل ذلك بكونه أكمل علماً بطرق السماء من طرق الأَرض.

وفهم معنى هذه العلّة وجهة ارتباطها بالمعلول يحتاج إلى تمهيد مقدمة وهي:

إن جميع ما يجري في عالم الملك والشهادة من المقضيات والمقدرات فهو مثبت في عالم الأَمر والملكوت ومكتوب في أمّ الكتاب بالقلم الربّاني كما قال جل وعزّ: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينِ) [الأنعام: الآية 59] وقال: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [النمل: الآية 75] وظهورها في هذا العالم مسبوق بثبوتها في ذلك العالم، وإليه الإشارة في قوله سبحانه: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) [الحجر: الآية 21] فالخزائن عبارة عما كتبه القلم الأَعلى أوّلاً على الوجه الكلي في لوح القضاء المحفوظ عن التبديل الّذي يجري منه ثانياً على الوجه الجزئي في لوح القدر الّذي فيه المحو والإثبات مدرجاً على التنزيل، فإلى الأَوّل أشير بقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) [الحجر: الآية 21] وبقوله: (وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ) [الرّعد: الآية 39] وإلى الثاني بقوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر: الآية 21] ومنه تنزل وتظهر في عالم الشهادة.

إذا عرفت ذلك فأقول: إنه علیه السلام أراد بطرق السماء مجاري الأمورات المقدرة ومسالكها نازلة من عالم الأَمر بتوسط المدبرات من الملائكة المختلفين بقضائه وأمره إلى عالم الشهادة، وبطرق الأرض مجاري تلك الأمور في ذلك العالم ومحال بروزها منها، وإلى نزولها أشار سبحانه بقوله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) [القدر: الآية 4] فإن كل أمر لفظ عام لم يبق بعده شيء كما في رواية أبي جعفر الثاني علیه السلام، والمنزل إليه هو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين علیه السلام بعده والأَئمة القائمون مقامه.

كما روى في «البحار» من تفسير العياشي عن محمد بن عذافر الصيرفي عمن أخبره عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إن الله تعالى خلق روح القدس ولم يخلق خلقاً أقرب إليه منها، وليست بأكرم خلقه عليه، فإذا أراد أمراً ألقاه إليها فألقاه إلى النجوم فجرت به(1).


1) بحار الأنوار: 70/5 وتفسير نور الثقلين: 87/3.

قال العلامة المجلسي رحمه الله والظاهر أن المراد بالنجوم الأَئمة علیهم السلام، وجريانها به كناية عن علمهم بما يلقى إليهم ونشر ذلك بين الخلق.

وفي تفسير «الصافي من تفسير القمي» قال: تنزل الملائكة والروح القدس على إمام الزمان ويدفعون إليه ما قد كتبوه(1).

وعن الصادق علیه السلام إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون من قضاء الله تلك السنة، فإذا أراد الله أن يقدم شيئاً أو يؤخّره أو ينقص شيئاً أمر الملك أن يمحو ما يشاء ثمّ أثبت الّذي أراد(2).

وفي «الكافي» عن أبي جعفر علیه السلام قال الله عزّ وجلّ في ليلة القدرة: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم) [الدخان: الآية 4] يقول ينزّل فيها كل أمر حكيم «إلى أن قال» إنه ينزل في ليلة القدر إلى أولي الأَمر تفسير الأمور سنة يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا وفي أمر النّاس بكذا وكذا، وإنّه ليحدث لولي الأَمر سوى ذلك كل يوم علم الله عزّ وجل الخاص والمكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأَمر ثم قرء: («وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [لقمان: الآية 27](3).

ثمّ أقول: قد ظهر بدلالة هذه الرّوايات أن ما ينزل من عالم الأَمر فإنّما ينزل أولاً إلى وليّ الأمر، ثمّ يجري بعده في المواد المقدرة، ولازمه كون ولي الأَمر عالماً بها وبكيفيّة نزولها في مسالكها ومجاريها العلوية والسفلية.

وأوضح دلالة منها ما رواه في «البحار من بصائر الدّرجات» عن سماعة بن سعد الخثعمي أنه كان مع المفضل عند أبي عبد الله علیه السلام فقال له المفضّل: جعلت فداك يفرض الله طاعة عبد على العباد ثمّ يحجب عنه خبر السماء؟! قال: الله أكرم وأرأف بعباده من أن يفرض عليه طاعة عبد يحجب عنه خبر السماء صباحاً أو مساء(4).

وفيه من «البصائر» عن الثمالي قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: «لا والله لا يكون عالم جاهلاً أبداً عالم بشيء جاهل بشيء، ثمّ قال: الله أجلّ وأعزّ وأعظم وأكرم من أن


1) تفسير الصافي: 353/5 وتفسير القمي: 431/2.

2) بحار الأنوار: 99/4 وتفسير القمي: 366/1.

3) الكافي: 248/1، وبحار الأنوار: 183/24.

4) الكافي: 261/1، وبحار الأنوار: 109/26.

يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه ثمّ قال: لا لا يحجب ذلك عنه»(1).

بل قد يظهر من أخبار آخر علمهم علیهم السلام بجميع ما في السماء مثل علمهم بما في الأَرض وقد مرّ كثير من هذه الأَخبار في تضاعيف الشرح ونورد هنا بعضها.

وهو ما في «البحار» من تفسير علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن مرار عن يونس عن هشام عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَليَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الأنعام: الآية 75] قال: «كشط له عن الأَرض ومن ومن عليها وعن السماء وما فيها والملك الّذي يحملها والعرش ومن عليه، وفعل ذلك برسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم وأمير المؤمنين صلوات الله عليه(2).

ومن بصائر الدرجات عن ابن مسكان عن أبي عبد الله علیه السلام في هذه، قال: «كشط الإبراهيم السماوات السبع حتّى نظر إلى ما فوق العرش وكشط له الأرض حتّى رأى ما في الهواء وفعل بمحمّد صلّی الله علیه و آله و سلّم مثل ذلك، وإني لأَرى صاحبكم والأَئمة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك»(3).

وفيه من «البصائر» عن بريدة الأَسلمي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «يا علي إن الله أشهدك معي سبع مواطن حتى ذكر الموطن الثاني أتاني جبرئيل فأسرى بي إلى السماء فقال أين أخوك؟ فقلت: ودعته خلفي، قال: فقال: فادع الله يأتيك به، قال: فدعوت فإذا أنت معي، فكشط لي عن السماوات السبع والأَرضين السبع حتّى رأيت سكانها وعمّارها وموضع كلّ ملك منها فلم أر من ذلك شيئاً إلا وقد رأيته كما رأيته»(4).

وفيه من «البصائر» عن عبد الأَعلى وعبيدة بن بشير قال: قال أبو عبد الله علیه السلام ابتداء منه: «والله إنّي لأَعلم ما في السماوات وما في الأَرض وما في الجنّة وما في النّار وما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، ثمّ قال: أعلمه من كتاب الله أنظر إليه هكذا، ثم بسط كفّيه ثمّ قال: إنّ الله يقول: (أنزلنا إليك الكتاب فيه تبيان كل شيء).

والأخبار فى هذا المعنى أكثر من أن تحصى ولا حاجة إلى الإكثار من روايتها وكلّها متفق معنى في الدلالة على علم أمير المؤمنين علیه السلام والأَئمة الطاهرين من ذرّيته سلام الله


1) الكافي: 261/1، وشرح أصول الكافي: 44/6.

2) تفسير القمي: 1/ 205، وبحار الأنوار: 146/17.

3) بحار الأنوار: 12/ 72.

4) بحار الأنوار: 406/18.

عليهم بالسماوات وما فيها وبطرقها وأبوابها وأخبارها غير محجوب عنهم علیهم السلام شيء من ذلك.

فإن قلت: غاية ما ظهر من هذه الأَخبار كون الإمام عالماً بالسماء وما فيها كعلمه بالأَرض وما عليها، ولم يظهر منها وجه التفضيل المستفاد من قوله: فلأَنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض فاللازم عليك بيان جهة التفضيل ومعناه.

قلت: قوله علیه السلام فلأَنا بطرق السماء أعلم، يحتمل معنيين.

أحدهما: أنّه علیه السلام أسبق علماً بها، وذلك لما علمت أن الأمورات المقدرة في عالم الشهادة مبادئها في السماء ومنتهاها في الأَرض، والمبدء مقدّم على المنتهى وسابق عليه، فيكون العلم به أسبق من العلم بالمنتهى كما يؤدي إليه النظر الدقيق.

وثانيهما: أنّه علیه السلام أكمل وأتمّ علماً بها، وذلك لأَنه مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والأَئمة من ذريتهما قد كانوا أنواراً مخلوقة قبل خلقة آدم وعالم بألفي عام أو أربعة عشر ألف عام أو خمسة عشر ألف عام أو أربعين ألف عام أو أربعمائة ألف سنة وأربعة وعشرين ألف سنة أو ألف ألف دهر على اختلاف الروايات الواردة في خلقتهم.

وقد كان منزلهم ومآويهم في تلك المدّة المتطاولة في سرادقات العزّة وحجابات العظمة وظلّ العرش والسماوات العاليات، ثمّ اهبطوا باقتضاء مصالح التكليف وإرشاد العباد إلى عالم الشهادة واكتسوا جلباب البشريّة ولبثوا في الأَرض مدّة قليلة ثمّ رجعوا إلى أوطانهم الأَصلية ومساكنهم النورانيّة، وقد دلت على ذلك كلّه الأخبار الصحيحة.

فبطول مدّة الإقامة والمكث فيها وتمادي توطنهم وبقائهم في الملأ الأعلى يكون علمهم بعالم الملكوت البتّة أكمل وأتمّ من علمهم بعالم الناسوت كما لا يخفى.

وبقي الكلام بعد ذلك كلّه في جهة ارتباط العلّة بالمعلول أعني ارتباط قوله: فلأنا بطرق السّماء أعلم، بقوله: سلوني قبل أن تفقدوني قبل أن تشغر فتنة آه.

وجهة الارتباط أنه لما أرشدهم إلى السؤال عن الفتن والملاحم المستقبلة علّله بذلك، لأَن الفتن الحادثة مثل سائر الأمورات المقدورة مكتوبة في الألواح السّماوية قبل حدوثها وظهورها، وينزل علمها إلى الإمام في ليلة القدر وغيرها كما قال عزّ من قائل: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد: الآية 22] أي ما يحدث من مصيبة وقضيّة في الأَرضِ وفي أنفسكم إلاّ وقد كتبناها والحكم المتعلّق بها في كتاب من قبل أن نخلق المصيبة أو الأَنفس.

روى القميّ رحمه الله عن الصادق علیه السلام في هذه الآية قال: صدق الله وبلغت رسله كتابه في السّماء علمه بها، وكتابه في الأَرض علومنا في ليلة القدر وغيرها(1).

فعلم أمير المؤمنين علیه السلام بالفتن وما يتعلّق بها لما كان حاصلاً المبادىء العالية والطرق السماوية حسن تعليل الأَمر بالسؤال عن الفتن بعلمه بطرق السّماء.

وأيضاً قد أخبر الله سبحانه الفتن الحادثة في كتابه الكريم وهو حبل ممدود من السماء إلى الأرض لنبيّه صلّی الله علیه و آله و سلّم بعضها في ظواهر آياته وبعضها في بواطنها، وأعلمها النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم أمير المؤمنين علیه السلام.

فمما أخبر بها في الظاهرة قوله سبحانه: «ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون).

روى في «المجمع» عن النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم أنه لما نزلت هذه الآية قال: لا بد من فتنة تبتلى به الأمّة بعد نبيّها ليتعيّن الصادق من الكاذب، لأَن الوحي قد انقطع وبقي السّيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة(2).

ومنه أيضاً قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء: الآية 60] الآية فإنه إخبار عن فتن بني أميّة وملكهم كما ورد في غير واحد من الأَخبار.

وممّا يدلّ على أن الفتن الحادثة وغيرها من سائر الأمورات مدرجة في مفاهيم الآيات قوله تعالى: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [النَّمل: الآية 75] أي من خصلة غائبة يعني جميع ما أخفاه عن خلقه و غیبه عنهم مبین في الکتاب.

روى في «البحار من بصائر الدرجات» عن محمد بن الحسن عن حماد عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبيه عن أبي الحسن الأَوّل علیه السلام في حديث وإن كان في كتاب الله لآيات ما یراد بها أمر من الأمور التي أعطاها الله الماضين النبيين والمرسلين، وقد جعله الله ذلك كله لنا في أم الكتاب، إن الله تبارك وتعالى يقول: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في کتاب مبين) ثم قال عزّ وجلّ: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا) [فاطر: الآية 32] فنحن الذين اصطفانا الله، فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شيء(3).


1) تفسير القمي: 351/2، وتفسير الصافي: 137/5.

2) تفسیر مجمع البيان: تفسیر مجمع البيان: 79/4، والتفسير الصافي 110/4.

3) بصائر الدرجات: 68، وشرح أصول الكافي: 307/5.

هذا ما اهتديت إليه في شرح هذا المقام بالتمسك بولاية أمير المؤمنين وآله الطاهرين علیهم السلام، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

وبعدما أسفر لك وجه المرام واتضح لك معنى الكلام فاستمع لما يتلى عليك في شرح قوله علیه السلام:

(قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها) قال الشارح البحراني: أراد فتنة بني أميّة وأحكامهم العادلة عن العدل وما يلحق النّاس في دولتهم من البلاء، وكني بشغر رجلها عن خلوّ تلك الفتنة عن مدبّر يدبّرها ويحفظ الأمور وينتظم الدّين حين وقوع الجور، انتهى.

وأقول: أمّا حمله الفتنة على فتنة بني أميّة فلا بأس به لأَنه نكرة في سياق الإثبات فلا تفيد العموم، فباقتضاء كونها أقرب الفتن إلى زمانه علیه السلام ومحلاً لابتلاء المخاطبين بها يكون حملها عليها أنسب وأولى ليسألوه علیه السلام عنها وعما ينجيهم من ورطاتها ويعرفوا مناصهم منها ومن هفواتها.

وأما جعله شغر رجلها كناية عن خلوّها عن المدبر ففيه أنه مبني على ما زعمه من أن لفظ تشغر هنا مأخوذ من شعرة البلدة إذا خلت عن مدبرها كما صرّح به في بيان لغته، وهو زعم فاسد.

أما أولاً فلأن قوله برجلها قرينة على أنه ليس هنا بمعنى الخلوّ من المدبر فافهم.

وأما ثانياً فلأَنه بعد الغض عن ذلك يتوجه عليه أن فتنة بني أمية لم تكن خالية عن مدبر كيف ومثل معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص اللّعين ومروان بن الحكم وسائر الخلفاء الأمويين وأضرابهم من قادة الكفر وأولياء الضلال عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين كانوا مدبّرين لأَمر تلك الفتن. وكانت أوقاتهم مستغرقة في تدبيرها وترويحها ونظم أمورها وحفظها وترتيبها.

نعم أمور الدّين وأحكام الشرع المبين قد كانت يومئذ معطلة مختلة مضطربة ليس لها حافظ ولا مدبّر لغلبة التقية وكون أئمة الحق في زاوية الخمول غير متمكنين من إقامة دعائم الشريعة ومن حفظ مراسمها وإصلاح معالمها.

فإن قلت: الظاهر أن مراد الشارح بقوله: عن مدبر يدبرها، من يدبر في رفع تلك الفتنة لا من يدبر في ترويجها وتقويتها، والقرينة على أن مراده ذلك قوله ويحفظ الأمور وينتظم الدّين كما هو غير خفي.

قلت: سلّمنا ظهور كلامه بقرينة الجملتين المعطوفتين في كون مراده ما ذكرت إلاّ أن

بقوله علیه السلام قبل أن تشعر برجلها فتنة لا يدلّ على هذا المعنى أصلاً كما هو واضح لا يخفى.

والذي عندي في شرح هذه الفقرة أنه شبه الفتنة على سبيل الاستعارة بالكناية بالبعير الشموس الذي يرفع رجله ويدوس من لقاه ويطأ في خطامه ويخبط من قاربه ودناه، لعدم قائد يقوده ولا ممسك يمسكه فأثبت لها الشغر بالرجل والوطاء في الخطام تخييلاً وترشيحاً للاستعارة.

ووجه الاستعارة أنّ البعير الموصوف بالأَوصاف المذكورة كما أنه يكون عام الضرر ليس له من أذية رافع ولا رادع، فكذلك هذه الفتنة عند بروزها وظهورها لا يكون من مضارها و مفاسدها راد ولا مانع.

ونظير هذا التشبيه ما مرّ في «المختار» الثاني في قوله: في فتن داستهم بأخفافها ووطأتهم بأظلافها وقامت بهم على سنابكها.

وقوله: (وتذهب بأحلام قومها) نظير ما مرّ في «المختار» الثاني تلو العبارة المتقدّمة آنفاً: فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون.

والمراد أن تلك الفتنة لشدتها وقوّة الباطل فيها وضعف الحق فيها وغلبة الضلال على أهلها، يذهب بعقول ذوي العقول فيتردّدون في معرفة الحق، ولا يهتدون إلى سبيل الرّشاد وطريق الصلاح والسداد إلاّ من عصمه الله بفضله وهداه إلى قصد سبيله، وهو الهادي إلى النهج القويم والصراط المستقيم.

الترجمة

از جملۀ خطب شریفۀ آن امام بحق وولیّ مطلق است در قسمت ایمان میفرماید.

پس قسمی از ایمان آنستکه میباشد ثابت و بر قرار در دلها، و قسمی دیگر از او آنست که میشود مثل عاریتها در میان دلها و سینها تا وقت معلوم، پس هرگاه باشد شما را برائت و بيزاري از أحدی از آحاد ناس پس موقوف دارید او را وصبر نمائید تا آنکه حاضر شود او را مرگ پس در این حالت حضور مرگ واقع میشود حدّ برائت و هجرت از ضلالت بسوی رشاد و هدایت قائم است برحدّ اوّل خود نبوده است خداوند عزّ وجلّ را در أهل زمین هیچ احتیاج از کسانی که پنهان کننده باشند دین خود را با اظهار و آشکار کننده باشند.

واقع نمیشود اسم هجرت بر أحدى مگر بمعرفت و شناختن حجت خدا در زمین پس هر که شناخت او را و اقرار نمود باو پس او است مهاجر وواقع نمیشود اسم استضعاف و مستضعف گفته نمیشود بر کسیکه رسیده باشد باو حجت پس بشنود آنرا گوش او و نگه داشته باشد آنرا قلب او.

بدرستيكه أمر ما بالغاية صعب و دشوار است و متحمل نمیشود آن را مگر بندۀ مؤمنی که امتحان کرده باشد خداوند تعالی قلب او را از برای ایمان و حفظ نمیکند حدیث ما را مگر سینهای أمین و عقلهای سنگین.

ای جماعت مردمان بپرسید از من علوم اوّلین و آخرین را قبل از اینکه نیابید مرا، پس هر آینه من براههای آسمان داناترم از خود براههای زمین، پیش از اینکه بلند نماید پای خود را فتنۀ که پازند در مهار خود و ببرد عقلهای قوم خود را

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والتاسعة والثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

أَحْمَدُهُ شُكْراً لِإِنْعَامِهِ، وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ، عَزِيزَ اَلْجُنْدِ، عَظِيمَ اَلْمَجْدِ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ وَ قَاهَرَ أَعْدَاءَهُ، جِهَاداً عَنْ دِينِهِ، لاَ يَثْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ اِجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَ اِلْتِمَاسٌ لِإِطْفَاءِ نُورِهِ.

فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، وَ مَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ، وَ بَادِرُوا اَلْمَوْتَ وَ غَمَرَاتِهِ، وَ اِمْهَدُوا (وأَمهدوُا خ) لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَ أَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَإِنَّ اَلْغَايَةَ اَلْقِيَامَةُ، وَ كَفَى بِذَلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَ مُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ،وَ قَبْلَ بُلُوغِ اَلْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ: مِنْ ضِيقِ اَلْأَرْمَاسِ، وَ شِدَّةِ اَلْإِبْلاَسِ، وَ هَوْلِ اَلْمُطَّلَعِ وَ رَوْعَاتِ اَلْفَزَعِ وَ اِخْتِلاَفِ اَلْأَضْلاَعِ، وَ اِسْتِكَاكِ اَلْأَسْمَاعِ، وَ ظُلْمَةِ اَللَّحْدِ، وَ خِيفَةِ اَلْوَعْدِ وَ غَمِّ اَلضَّرِيحِ، وَ رَدْمِ اَلصَّفِيحِ.

فَاللَّهَ اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ فَإِنَّ اَلدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ، وَ أَنْتُمْ وَ اَلسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ، وَ كَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا، وَ أَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا وَ وَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا، وَ كَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلاَزِلِهَا، وَ أَنَاخَتْ بِكَلاَكِلِهَا، وَ اِنْصَرَمَتِ (وانصرَمَت خ ل) اَلدُّنْيَا بِأَهْلِهَا، وَ أَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى، أَوْ شَهْرٍ اِنْقَضَى، وَ صَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً، وَ سَمِينُهَا غَثّاً، فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ اَلْمَقَامِ، وَ أُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ، وَ نَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا، عَالٍ لَجَبُهَا، سَاطِعٍ لَهَبُهَا، مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا، مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا، بَعِيدٍ خُمُودُهَا، ذَاكٍ وُقُودُهَا، مَخُوفٍ وَعِيدُهَا، عَمٍ قَرَارُهَا مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا.

وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً، قَدْ أُمِنَ اَلْعَذَابُ، وَ اِنْقَطَعَ اَلْعِتَابُ، وَ زُحْزِحُوا عَنِ اَلنَّار،ِ وَ اِطْمَأَنَّتْ بِهِمُ اَلدَّارُ، وَ رَضُوا اَلْمَثْوَى وَ اَلْقَرَارَ، اَلَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي اَلدُّنْيَا زَاكِيَةً، وَ أَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وَ كَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُّعاً وَ اِسْتِغْفَارًا، وَ كَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً تَوَحُّشاً وَ اِنْقِطَاعاً، فَجَعَلَ اَللَّهُ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ مَآباً، وَ اَلْجَزَاءَ ثَوَاباً، وَ كٰانُوا أَحَقَّ بِهٰا وَ أَهْلَهٰا، فِي مُلْكٍ دَائِمٍ وَ نَعِيمٍ قَائِمٍ.

فَارْعَوْا عِبَادَ اَللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَ بِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَ مَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ، وَ كَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ اَلْمَخُوفُ فَلاَ رَجْعَةً تَنَالُونَ، وَ لاَ عَثْرَةً تُقَالُونَ.

اِسْتَعْمَلَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ، وَ عَفَا عَنَّا وَ عَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، اِلْزَمُوا

اَلْأَرْضَ وَ اِصْبِرُوا عَلَى اَلْبَلاَءِ، وَ لاَ تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَ سُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَ لاَ تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اَللَّهُ لَكُمْ. فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً، وَ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّٰهِ، وَ اِسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ، وَ قَامَتِ اَلنِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلاَتِهِ بِسَيْفِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَ أَجَلاً(1).

اللغة

(الوظائف) جمع الوظيفة وهو ما يقدّر للإنسان من عمل ورزق وطعام وغير ذلك، ووظفت عليه العمل توظيفاً قدرته، (وقاهر أعداءه) وفي بعض النسخ قهر أعداءه يقال: قهره قهراً غلبه فهو قاهر و (ثنيت) الشيء ثنياً من باب رمى إذا عطفته ورددته، وثنيته عن مراده إذا صرفته عنه و (المعقل) بفتح الميم وكسر القاف قريب من الحصن ويطلق على الملجأ و (الذّروة) بضمّ الذال وكسرها من كل شيء أعلاه، و (مهد) الرّجل مهداً من باب منع كسب وعمل ومهده كمنعه بسطه وهيّأه والمهد للصّبي السّرير الذي هيّأ له ويقال بالفارسيّة گهواره، في نسخة الشارح المعتزلي وأمهدوا له من باب الأفعال أي اتخذوا له مهاراً أي بساطاً وفراشاً قال سبحانه: (وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) [البَقَرَة: الآية 206] أي بئس ما مهّد لنفسه في معاده.

و (الرمس) التراب تسميته بالمصدر ثم سمّي به القبر ويجمع على أرماس ورموس مثل فلس وفلوس ورمست الميّت رمساً من باب قتل دفنته وأرمسته بالأََلف لغة و (أبلس) الرّجل إبلاساً حزن وسكت من غم وأيس فلان آيس قال تعالى: (فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام: الآية 44] ومنه سمّى إبليس لإياسه من رحمة الله تعالى.

و (طلع) الشمس طلوعاً ظهر قال الفيومي: كلّ ما بدا لك من علوّ فقد طلع عليك، وطلعت الجبل طلوعاً يتعدّى بنفسه أي علوته وطلعت فيه رفعته، وأطلعت زيداً على كذا مثل أعلمته وزناً ومعنى فاطلع على افتعل أي أشرف عليه وعلم به، والمطّلع مفتعل اسم مفعول موضع الاطلاع من المكان المرتفع إلى المكان المنخفض، وهول المطّلع من ذلك شبه ما يشرف عليه من أمور الآخرة بذلك، وقال الطريحي وفي الدّعاء، وأعوذ بك من هول المطلع، بتشديد الطاء المهملة والباء للمفعول أمر الآخرة وموقف القيامة الذي يحصل الاطلاع عليه بعد الموت.


1) وسائل الشيعة: 15/ 55 ح 19978، وبحار الأنوار: 144/52 ح63.

و (استكت) مسامعه أي ضمتت و (اللّحد) الشق في جانب القبر والجمع لحود مثل فلس وفلوس واللّحد بالضمّ لغة وجمعه ألحاد مثل قفل وأقفال ولحدت اللحد لحداً من باب منع حفرته ولحدت الميّت وألحدته جعلته في اللّحد.

و(غمّه) الشيء غمّاً من باب قتل غطاه ومنه قيل للحزن غمّ، لأَنّه يغطي السرور و (ردمت) الثلمة ونحوها ردماً من باب قتل سددتها و(صفح) السّيف بفتح الصاد وضمّها عرضه، وهو خلاف الطول، والصفح بالفتح من كلّ شيء جانبه، والصّفحة مثله ويقال لكلّ شيء عريض صفيحة وصفيح ومنه الصّفيح الأَعلى للسماء.

و(السّنن) محركة الطريقة و(القرن) محركة الحبل الذي يشدّ به البعير و(الأَشراط) جمع شرط بالتحريك مثل أسباب وسبب وهو العلامة و(الإفراط) جمع فرط بالتحريك أيضاً وهو من يتقدّم القوم في طلب الماء يهيىء الدّلاء والإرشاء يقال: فرط القوم فروطاً من باب قعد إذا تقدّم لذلك يستوي فيه الواحد والجمع يقال: رجل فرط وقوم فرط، ومنه يقال للطفل الميّت: اللّهمّ اجعله فرطاً، أي أجراً متقدّماً، وفي بعض النسخ بإفراطها مصدر أفرط يقال أفرط في الشيء إفراطاً أي تجاوز عن الحدّ وبلغ الغاية.

و(الكلاكل) جمع كلكل وهو الصّدر ويقال للأمر الثقيل: قد أناخ عليهم بكلكله، أي هدّهم ورضّهم كما يهدّ البعير البارك من تحته بصدره و(انصرفت الدنيا) وفي بعض النسخ وانصرمت بمعنى انقضت و(الموقف) وزن مسجد موضع الوقوف و(ذكى) النار بالذال المعجمة وذكّيتها بالتثقيل أي أتممت وقودها.

و(الوقود) بالضم المصدر من وقدت النار وقداً ووقداً ووقدة وقوداً ووقداناً اشتعلت وبالفتح ما يوقد به قال الشارح المعتزلي: ووقودها ههنا بضم الواو وهو الحدث، ولا يجوز الفتح لأَنّه ما يوقد به كالحطب ونحوه، وذاك لا يوصف بأنه ذاك، وأقول أن أغمضنا عن ضبط النسخ فما ذكره من العلّة لا ينهض بإثبات كونه بالضم إذ كما يصحّ إن يقال نار تام الاشتعال، فكذلك يصحّ أن يقال نار تام الحطب، وهو ظاهر نعم لو علله بأنه علیه السلام جعله في مقابل الخمود وهو قرينة على كونه بالضمّ لأَن الخمود إنما يقابل الاشتعال لكان حسناً.

و(غمّ قرارها) صفة مشبّهة من الغمّ بمعنى التغطية أو من غم اليوم فهو غمّ أي اشتد حرّه. فيأخذ بالنفس و(المثوى) بفتح الميم والعين المنزل والمقام من ثوى بالمكان وفيه أقام و(زكا) الرّجل يزكو إذا صلح فهو زاك.

وقوله (فلا رجعة تنالون) قال الشارح المعتزلي: الرواية بضمّ التاء أي تعطون يقال أنلت فلاناً مالاً منحته، وقد روى تنالون بفتح التاء.

الإعراب

قوله: شكراً لأنعامه، منصوب على المصدر بغير لفظ فعله وهو أحمد لكون المراد بالحمد هنا الشكر بقرينة إنعامه، وعزيز الجند وعظيم المجد، منصوبان على الحال من الضمير في أستعينه وليس إضافتهما إلى المعرفة مانعة من حاليتهما لأنها إضافة لفظية لا تفيد إلا تخفيفاً فلا يخرجان من النكارة التي هي شرط الحال.

وجهاداً منصوب إلى الحال من فاعل قاهر لكونه بمعنى الفاعل أي مجاهداً وقال الشارح البحراني: إنّه انتصب نصب المصادر عن قوله قاهر من غير لفظه إذ في قاهر معنى جاهد، وعن دينه عن هنا بمعنى التعليل كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ) [التّوبَة: الآية 114] وقوله: (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءَالهَيْنَا عَن قَوْلِكَ) [هود: الآية 53] ويجوز إبقاؤها على معناها الاصلي بتضمين جهاداً معنى الذّب والدفع والإبعاد.

وجملة لا يثنيه منصوب المحل على الحالية أيضاً من فاعل دعا أو قاهر.

وقوله: وقبل بلوغ الغاية، ظرف مستقرّ متعلّق بمقدّر في محلّ الرّفع على الخبر قدم على مبتدئه وهو قوله: ما تعلمون أي ما تعلمونه حاصل قبل بلوغ الغاية، وجملة المبتدأ والخبر في محلّ النصب حال من فاعل كفى والرابط للحال هو الواو، والعجب من الشارح البحراني أنه جعل الواو للعطف وقال: قوله: وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون عطف على قوله قبل نزوله، وفيه من السماجة ما لا يخفى ومن في قوله: من ضيق بيان لما.

وقوله: فالله الله، منصوبان بالتحذير أي اتقوا الله، أو بالإغراء أي راقبوا الله أو اعبدوا له ونحو ذلك قال نجم الأَئمة الرضي: وحكمة اختصاص وجوب الحذف يعني حذف العامل بالمحذر منه المكرر كون تكريره دالاً على مقارنة المحذر منه للمحذر بحيث يضيق الوقت إلاّ عن ذكر المحذر منه على أبلغ ما يمكن وذلك بتكريره ولا يتسع لذكر العامل مع هذا المكرر، وإذا لم يكرر الاسم جاز إظهار العامل اتفاقاً.

وقوله: في موقف متعلق بصار، وقوله: شديد كلبها، وما يتلوه من المجرورات التي تنيف على عشرة كلها صفات بحال متعلّقات موصوفاتها.

وقوله: وكان ليلهم في دنياهم نهاراً، الموجود في النسخ برفع ليل ونصب نهار على أنهما معمولان لكان الناقصة قال الشارح البحراني: وفي نسخة الرضي بخطه كان ليلهم نهار برواية كان للتشبيه ونصب ليل ورفع نهار، وكذا في القرينة الثانية أعني قوله: وكان نهارهم ليلاً برواية كأنّ نهارهم ليل.

وقوله وكان قد نزل، كان مخففة المثقلة واسمها ضمير شأن مستتر، وقوله فلا رجعة تنالون ولا عثرة تقالون، كلمة لا لنفي الجنس، ورجعة وعثرة في بعض النسخ بالبناء على الفتح وفي بعضها بالنصب على إلغاء لا التّبرية عن العمل وجعلهما مفعولين مقدمين على فعليهما.

وقوله: ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم وهوى ألسنتكم، هكذا في بعض النسخ وعليه فيحتمل زيادة الباء في المفعول أي لا تحرّكوا أيديكم اه على حدّ قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهَلُكَةِ [البَقَرَة: الآية 195] ويؤيّده ما في بعض النسخ من إسقاط الباء، ويحتمل عدم زيادتها بأن يجعل الباء للسببية والمفعول محذوفاً أي لا تحركوا الفتنة بأيديكم.

وقوله: وهوى ألسنتكم عطف على سيوفكم وفي بعض النسخ في هوى ألسنتكم فلفظة في للظرفية المجازيّة كما في قوله علیه السلام: في النّفس المؤمنة مائة من الإبل أي في قتلها فالسّبب الّذي هو القتل متضمن للدّية تضمن الظرف للمظروف وهذه هي الّتي يقال إنّها للسبيّة وهذه الرواية أيضاً مؤيدة لكون الباء في قوله: بأيديكم للزيادة، ويحتمل عدم زيادتها عليها أيضاً بأن تجعل للاستعانة، فافهم.

ويروى في بعض النسخ هوى ألسنتكم بدون في والواو فيكون منصوباً بإسقاط الخافض أي لا تحرّكوا أيديكم لهوى ألسنتكم.

المعنى

إعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة من أعيان خطبه علیه السلام وناصع كلامه ورايقه وفيها من لطايف البلاغة ومحاسن البديع وسهل التركيب وحسن السّبك خالية من التكلّف والعقادة ما لا يخفى، تكاد تسيل من رقتها وتنحدر انحدار الماء في انسجامها، كيف وخطيبه سلام الله عليه وآله قطب البلاغة الذي عليه مدارها، وإليه إيرادها وإصدارها، إن ذكرت الرقة فهو علیه السلام سوق رقيقها، أو الجزالة فهو صفح عقيقها.

وهي مسوقة في معرض النصح والموعظة والأَمر بالتقوى وأخذ الزاد ليوم المعاد والنهي عن الرّكون إلى الدّنيا والاغترار بزخارفها والتحذير عن الموت الذي هو هادم اللّذات وقاطع الأمنيات، والتذكير بما بعده من شدائد البرزخ وظلمات القبر وأهوال القيامة، وفورات السعير وسورات الزفير وغيرها مما تطلع عليها.

وافتتح كلامه بما هو أحقّ أن يفتتح به كلّ كلام فقال: (أحمده شكراً لأنعامه) أي لأَجل كونه تعالى منعماً وكون النعم كلها من عنده صغيرها وكبيرها وحقيرها وخطيرها، فإن الشكر عليها موجب للمزيد دافع للعذاب الشديد.

روى في «الصافي من العيون» عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه سئل عن تفسير الحمد لله فقال: «إن الله عرف عباده بعض نعمه عليهم جملاً إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل لأَنها أكثر من أن تحصى أو تعرف، فقال: قولوا: الحمد الحمد لله على ما أنعم به علينا»(1).

وقد مضى فصل وافٍ في تحقيق معنى الشكر وما يتعلّق به في شرح الفصل الأوّل من الخطبة الثانية.

(وأستعينه على وظائف حقوقه) أي أطلب منه التوفيق والإعانة على حقوقه الواجبة والمندوبة التي وظيفتها عليّ وقدرها في حقي من الصوم والصلاة والخمس والزكاة والبرّ والصدقات وحج بيت الله والجهاد في سبيل الله ونحوها من العبادات الموظفة والطاعات المقررة.

قال: في تفسير الإمام عند تفسير سورة الحمد الله وإياك نستعين على طاعتك وعبادتك وعلى دفع شرور أعدائك وردّ مكائدهم والمقام على ما أمرت(2).

وفي الاستعانة منه تعالى على وظائف حقوقه إشارة إلى أن القيام بمراسم حقوقه وتكاليفه لا يمكن إلا بإعانته وتوفيقه سبحانه.

وذلك لأَن التكاليف الشرعية والحقوق الإلهية كلها على كثرتها موقوفة على القدرة والاستطاعة البدنية والمالية، والعبد من حيث وصف الإمكان فيه عاجز ضعيف في ذاته لا يقدر على شيء أصلاً إلاّ بإقدار الله سبحانه وإفاضة القوى الظاهرة والباطنة والإعانة منه مالاً وبدناً وهو مستلزم لاتصافه تعالى بالقدرة والقوّة والعظمة والجلال وهو معنى قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: الآية 15] أي الغني المستقل في ذاته والحميد المحمود في صفاته.

فهو القادر القاهر (عزيز الجند) ومالك الملك (عظيم المجد) فباعتبار قدرته وعزّة جنده يطلب منه الإعانة في الجهاد، فإن حزبه هم الغالبون، وباعتبار عظمته ومجده يطلب منه التوفيق والإمداد لإقامة مراسم حقوقه المؤدية إلى الرشاد في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، فلعم من ذلك أنه سبحانه بماله من صفة العزّة والعظمة مبدأ الاستعانة به على القيام بوظائف التكاليف ولذلك عقبه بذكر الوصفين وآثرهما على سائر أوصافه.

ولما كان أعظم حقوقه الموظفة وأهمها بالقيام به معرفة الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم والإذعان برسالته


1) علل الشرائع: 417/2، وبحار الأنوار: 274/26 ح 17.

2) بحار الأنوار: 252/89، وتفسير الإمام العسكري علیه السلام 41 ح 18.

اتبع ثنائه سبحانه وبالشهادة برسالته قضاء لحقه الأَعظم وفرضه الأَهم فقال: (وأشهد أن محمداً) صلّی الله علیه و آله و سلّم (عبده) المنتخب (ورسوله) المصطفى (دعا) عباده (إلى طاعته) بالحكمة والموعظة الحسنة (وقاهر أعداءه جهاداً عن دينه) أي قهرهم وغلبهم حال كونه مجاهداً لهم لأجل نصب قوائم الدّين ورفع دعائم الإسلام، أو جاهدهم جهاداً طرداً لهم وإبعاداً عن هدم أركان الدّين وإطفاء أنوار اليقين (لا يثنيه من ذلك) أي لا يصرفه من الدعوة إلى الطاعة أو من جهاد الأَعداء (اجتماع على تكذيبه) مع قلّة ناصريه وكثرة معانديه (والتماس لإطفاء نوره) أي طلبهم لإيطال ما جاء به من عند الحق مع اهتمامهم به وجدّهم فيه.

واستعار لفظ النور لما جاء به من دين الحق وقرنه بالإطفاء الملائم للمستعار منه فهو استعارة تحقيقية مرشحة، والجامع أنّ الّذين يهدي إلى الصّراط المستقيم ونضرة النعيم كما أن النور يهتدي به في الغياهب والظلمات إلى نهج الرشاد ومنهج الصّلاح والسّداد.

ولما ذكر الغرض الأصلي من البعثة والرسالة وهو الدّعوة إلى الدّين والطاعة ونبّه على أن جهاد الكافرين قد كان لحماية الدّين أردف ذلك بأمر المؤمنين بحماية حماه والمواظبة عليه إجابة لدعوة الرسول وقضاء لحق ما لهم من الإيمان فقال:

(فاعتصموا بتقوى الله) التي هي الزاد وبها المعاد، زاد رابح ومعاد منجح وتقواه عبارة عن طاعته وعبادته وخشيته وهيبته وهي عاصمة مانعة من عذاب النار وغضب الجبار، ولذلك أمرهم بالاعتصام بها وعلله بقوله (فإنّ لها حبلاً وثيقاً عروته) أي محكماً مقبضه لا يخشى من انفصامه، واستعار لفظ الحبل لدين الإسلام وهو استعارة تحقيقية ورشحها بالوصف لوثاقة العروة والجامع أن التّمسك بدين الإسلام سبب النجاة عن الرّدى كما أنّ التمسّك بالحبل الموثوق به سبب السّلامة عن التردي.

وقد وقع نظير هذه الاستعارة في الكتاب الكريم قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عِمرَان: الآيتان 102 - 103] أي بدينه الإسلام والإيمان به.

قال في «الكشاف»: قولهم اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بحمايته بامتساك المتدلى من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد، أو ترشيحاً لاستعارة الحبل بما يناسبه والمعنى واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تفرّقوا عنه، أو واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده وهو الإيمان والطاعة.

وربما استعير للإسلام لفظ العروة قال تعالى: (فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ

فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا) [البَقَرَة: الآية 256] قال الصادق علیه السلام: «هي الإيمان بالله وحده لا شريك له».

وقال تعالى أيضاً: (وَمَن يُسْلِمَ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثقَی) [لقمان: الآية 22].

وبالجملة فقد أمر أمير المؤمنين علیه السلام بالاعتصام بالتقوى معللاً بأن لها حبلاً وثيق العروة، ففيه تنبيه على أن المعتصم بالتقوى متمسك بالحبل المتين والعروة الوثقى التي ليس لها انفصام ولا انقطاع، وهو الدّين القويم والحنيفيّة البيضاء، فيستفاد منه أن من لم يعتصم بها لم يتمسّك بالعروة الوثقى فقد ضلّ وغوى وتهوّر في النار وتردّى كما صرّح علیه السلام به في المختار المائة والسادس بقوله: «فمن يبتغ غير الإسلام ديناً تتحقق شقوته وتنفصم عروته وتعظم كبوته ويكن مآبه الحزن الطويل والعذاب الوبيل، هذا».

وعلل أخرى بقوله (ومعقلاً منيعاً ذروته) أي ملجأً مانعاً أعلاه لمن التجأ إليه من نيل المكروه.

والظاهر أنه استعار لفظ المعقل لمقام القرب من الحق فكما أن المعقل يمنع الملتجىء إليه من إصابة السّوء فكذلك التقرب إلى الله سبحانه يمنع المتقرّب من نيل المكاره والمساوىء، فيكون محصل المعنى أن من اعتصم بالتقوى فقد التجأ إلى معقل منيع وحصن حصين وذلك الحصن هو رضوان الله سبحانه والزلفى لديه.

قال سبحانه: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ) [آل عِمران: الآية 15] وقال: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: الآية 72] هذا.

وقد شبه علیه السلام لنفس التقوى بالحصن والحرز في بعض كلماته وهو قوله في المختار المائة والأَربعة والخمسين: اعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز والفجور دار حصن ذليل لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه.

ولما أمر بالاعتصام بالتقوى عقبه وأكده بالأَمر بالمسارعة إلى الموت فقال (وبادروا الموت وغمراته) أي شدائده وسكراته، ومعنى المبادرة إليه المسارعة إليه بالخيرات والصالحات قال سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البَقَرَة: الآية 148] (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [آل عِمران: الآية 133] أي سارعوا إلى أسباب المغفرة وموجباتها وهي الأَعمال الصالحة لتكون زاداً للموت ولما بعده من الشدائد والأهوال.

ففي الحقيقة أمره علیه السلام بمبادرة الموت إلزام بالسّرعة إلى تهيئة الأَسباب والمقدّمات النافعة عند قدومه، وإلا فلموت كلّ أحد أجل معيّن لا يتقدم عليه ولا يتأخر، وهو كذلك فلا يتصوّر فيه المسارعة والبدار قال سبحانه: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: الآية 34].

ويوضح ما قلناه قوله علیه السلام (وامهدوا له قبل حلوله) فإنّه توضيح وتفسير للفقرة السابقة، أي اعملوا له واكتسبوا من صالح الأَعمال لأَجله قبل حلوله.

(وأعدّوا له قبل نزوله) أي هيّؤوا له من الحسنات والصالحات قبل نزوله، لأَنّه إذا نزل والزاد معدّ والأسباب ممهدة والمقدمات مهيّأة فلا يكون في نزوله تكلّف ولا محنة، بل يكون بمنزلة ضيف عزيز في قدومه قرة عين للمضيف لكونه واسطة للوصول إلى محبوبه والنيل إلى مطلوبه وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء ومن بيت الذل والمحنة إلى بيت العزو المنعة، ومن مجالسة الأَشرار إلى مرافقة الأَبرار.

فطوبى لمن كان موته سبباً للنزول على حظائر القدس ومجالس الأنس، وويل لمن لم يمهد الزاد ولم يدخر للمعاد وقدم عليه موته بلا مهاد فأخرجه إلى بيت وحدة ومنزل وحشة ومفرد غربة، فصار له من الصفح أجنان ومن التراب أكفان ومن الرّفات جيران، فقارب وسدّد واتق الله وحده ولا تستقل الزاد فالموت طارق هذا.

وعلل البدار إلى الموت وأخذ الزاد والمهاد له بقوله (فإن الغاية القيامة) إنذاراً وتحذيراً بذكر الغاية، وتنبيهاً على أنّ البلية ليست منحصرة في الموت والأَمر بأخذ الزاد ليس لأَجله فقط، بل هو أوّل منازل الآخرة والداهية الدّهياء والمصيبة العظماء آخر منازلها وهو يوم القيامة التي إليها مصير الخلائق (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعهْنِ الْمَنفُوشِ) [القارعة: الآيتان 4 - 5] (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: الآية 2].

(وكفى بذلك واعظاً لمن عقل) أي كفى ذكر الموت وغمراته والقيامة وشدائدها، واعظاً للعقلاء، (ومعتبراً لمن جهل) أي محلّ عبرة للجهلة والغافلين.

(و) الحال أن (قبل بلوغ الغاية ما تعلمون) وهو تحذير بأهوال البرزخ ودواهيه.

وفي إتيان المسند إليه بالموصول وإبهامه من التهويل والتفخيم ما لا يخفى، مثل قوله سبحانه: (فغشيهم من أليم ما غشيهم).

ثمّ فسّر هذه الأَهوال وفصلها، لأَن ذكر الشيء مبهماً ثمّ مفسّراً أوقع في النفوس فقال:

(من ضيق الأرماس) والقبور (وشدّة الإبلاس) أي الهم والغمّ والحزن بمفارقته من المال والأَولاد والوطن وانقطاعه من الأحباب واحتباسه في سجن التراب (وهول المطلع) أي هول موقف الاطلاع ومقام الإشراف على الأمور الأخرويّة من الأهوال والإفزاع الّتي كان غافلاً عنها وكانت محجوبة منه فاطلع عليها وعاينها بعد الموت وارتفاع الحجاب قال تعالى: (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق: الآية 22].

(وروعات الفزع) أي تارات الخوف ومراته قال الشارح البحراني: وإنّما حسن إضافة روعات إلى الفزع وإن كان الروع هو الفزع باعتبار تعدّدها وهي من حيث هي آحاد مجموع إفراد مهيّة الفزع. فجازت إضافتها إليها.

أقول: ومثل هذه الإضافة في كلامه علیه السلام غير عزيز كقوله: وسكائك الهواء في الخطبة الأولى، وقوله: لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم، في الخطبة التسعين.

وما ذكره الشارح من العلّة غير مطرد إذ قد ورد في كلامه علیه السلام لفظة رخاء الدّعة وهو من إضافة الشيء إلى نفسه بدون تعدد في المضاف.

قال نجم الأئمة الرضي وأمّا الإسمان اللذان ليس في أحدهما زيادة فائدة كشحط النوى وليث أسد فالفراء يجوز إضافة أحدهما للتخفيف: قال: إن العرب يجيز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، ثمّ قال الرضي: والإنصاف أن مثله لا يمكن دفعه ولو قلنا إن بين الاسمين في كلّ موضع فرقاً لاحتجنا إلى تعسفات كثيرة.

(واختلاف الأَضلاع) أي اشتباكها الحاصل بضغطة القبر (واستكاك الأَسماع) أي صممها الحاصل من شدّة الأصوات الهائلة، (وظلمة اللّحد وخيفة الوعد) أي خوف العذاب الموعود الذي وعده الله في كتابه وألسنة رسله، (وغم الضريح) أي الكرب الحاصل بضيق القبر بعد فتحه المنازل الدّنيويّة (وردم الصّفيح) أي سدّ الحجر العريض الّذي يسدّ به اللّحد.

وهذا كلّه تحذير للمخاطبين بما يحل عليهم بعد الموت وتذكير بأنهم سوف ينزلون من ذروة القصور في وهدة القبور ويستبدلون بظهر الأَرض بطناً، وبالسعة ضيقاً وبالأَهل غربة، وبالأَمن خوفاً، وبالأنس وحشة، وبالنور ظلمة، وصارت الأَجساد شحبة بعد بضّتها والعظام نخرة بعد قوتها، ليس لهم من عقوبات البرزخ فترة مريحة، ولا رعدة مزيحة، ولا قوة حاجزة، ولا موتة ناجزة، بين أطوار الموتات، وعقوبات الساعات.

(فالله الله عباد الله فإنّ الدّنيا ماضية بكم على سنن) أي على طريقة واحدة سبيل من مضى

قبلكم من السّلف الماضين والعشيرة والأَقربين، فكما طحنتهم المنون وتوالت عليهم السّنون فأنتم مثلهم صائرون، وعلى أثرهم سائرون.

فكن عالماً أن سوف تدرك من مضى *** ولو عصمتك الراسيات الشواهق

(وأنتم والساعة في قرن) تهويل بالقيامة وقربها القريب كأنها وإياهم مشدودة بحبل واحد ليس بينهما فصل مزيد ولا أمد بعيد.

وأكّد زيادة قربها بقوله (وكأنّها قد جاءت بأشراطها) ووجه التأكيد الإتيان بلفظة كأنّ

المفيدة لتشبيهها في سرعة مجيئها بالتي جاءت، والإتيان بلفظة قد المفيدة للتحقيق، وبماضوية الجملة.

وقد أشير إلى قربها في غير واحدة من الآيات القرآنية.

قال سبحانه في سورة بني إسرائيل (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا، «يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: الآيتان 51 - 52] وفي سورة الأحزاب: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب: الآية 63] وفي سورة النبأ: (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) [النّبإ: الآية 40] وفي سورة المعارج (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج: الآيات 4 - 7] وفي سورة محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) [محَمَّد: الآية 18] أي علاماتها وإماراتها الّتي تدلّ على قربها.

روى في «الصافي من العلل» عن النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم في أجوبة مسائل عبد الله بن سلام أما أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب(1).

ومن «الكافي» عن الصادق علیه السلام قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «من أشراط الساعة أن يفشو الفالج وموت الفجأة»(2).

ومن «روضة الواعظين» عن النّبي صلّی الله علیه و آله و سلّم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويفشو الزّنا ويقل الرجال وتكثر النساء حتّى أن الخمسين امرأة فيهنّ واحد من الرجال»(3).


1) علل الشرائع: 95/1، ومعج أحاديث الإمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) 239/2.

2) الكافي: 261/3 ح 39، ومستدرك سفينة البحار: 130/8.

3) روضة الواعظين: 485، والتفسير الصافي: 24/5.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القمي عن أبيه عن سليمان بن مسلم الخشاب عن عبد جريح المكيّ عن عطاء بن أبي رياح عن عبد الله بن عبّاس قال: حججنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حجة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثم أقبل علينا بوجهه فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ألا أخبركم بأشراط السّاعة؟» وكان أدنى منه يومئذ سلمان رحمه الله فقال: بلى يا رسول الله.

فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إن من أشراط القيامة إضاعة الصّلوات واتباع الشهوات والميل إلى الأهواء وتعظيم أصحاب المال وبيع الدّين بالدّنيا، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذاب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره»، قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والذي نفسي بيده إن عندها يليهم أمراء جورة ووزراء فسقة وعرفاء ظلمة وأمناء خونة»، فقال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سليمان إن عندها يكون المنكر معروفاً والمعروف منكراً ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ويصدق الكاذب ويكذب الصادق» قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان فعندها تكون إمارة النساء ومشاورة الإماء وقعود الصبيان على المنابر، ويكون الكذب ظرفاً والزكاة مغرماً والفيء مغنماً ويجفو الرجل والديه ويبرىء صديقه ويطلع الكوكب المذنب»، قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والذي نفسي بيده يا سلمان وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة ويكون المطر قيضاً ويغيض الكرام غيضاً ويحتقر الرّجل المعسر فعندها تقارب الأسواق إذا قال هذا لم أبع شيئاً وقال هذا لم أربح شيئاً فلا ترى إلاّ ذا مّا لله، قال سلمان: إنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان فعندها يليهم أقوام إن تكلّموا قتلوهم وإن سكتوا استباحوهم ليستأثرون بفيئهم وليطؤون حرمتهم وليسفكنّ دماءهم وليملأَن قلوبهم دغلاً ورعباً فلا تراهم إلا وجلين خائفين مرعو بن مرهوبين»، قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان إن عندها يؤتى بشيء من المشرق وشيء من الغرب يلون أمتّي فالويل لضعفاء أمتّي منهم والويل لهم من الله لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً ولا يتجافون «يتجاوزون خ» عن مسيء جثّته جثّة الآدميّين وقلوبهم قلوب

الشياطين»، قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان وعندها يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال ويركبن ذوات الفروج السّروج فعليهنّ من أمّتي لعنة الله« قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان إن عندها تزخرف المساجد كما تزخرف البيع والكنائس وتحلّي المصاحف وتطول المنارات وتكثر الصفوف بقلوب متباغضة وألسن مختلفة»، قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان وعندها تحلّي ذكور أمّتي بالذهب ويلبسون الحرير والدّيباج ويتخذون جلود النمور صفافاً»، قال سلمان: وإن هذ الكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان وعندها يظهر الربا ويتعاملون بالغيبة والرشاء ويوضع الّدين وترفع الدّنيا» قال سلمان: إنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان وعندها يكثر الطلاق فلا يقام الله حدّ ولن يضر الله شيئاً» قال سلمان: وإن هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان وعندها تظهر القينات «المغنيات خ» والمعازف وتليهم أشرار أمّتي»، قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان وعندها تحج أغنياء أمّتي للنزهة وتحج أوساطها للتجارة وتحج فقرائهم للرياء والسّمعة فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير الله ويتخذونه مزامير ويكون أقوام يتفقهون لغير الله ويكثر أولاد الزنا ويتغنون بالقرآن ويتهافتون بالدّنيا»، قال سلمان: إنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده، يا سلمان ذلك إذا انتهكت المحارم واكتسب الماثم وتسلّط الأشرار على الأخيار ويفشو الكذب وتظهر الحاجة «اللجاجة خ» وتفشو الفاقة ويتباهون في اللباس، ويمطرون في غير أوان المطر ويستحسنون الكوبة والمعازف وينكرون الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتّى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذلّ من الأَمة ويظهر قرّاؤهم وعبادهم فيها بينهم التلازم «خ التلاوم» فأولئك يدعون في ملكوت السّماوات الأرجاس الأنجاس» قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان فعند ذلك لا يخشى الغني إلاّ الفقر حتى أن السائل يسأل فيما بين الجمعتين لا يصيب أحداً يضع في كفّه شيئاً»، قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أي والّذي نفسي بيده يا سلمان عندها يتكلّم الرويبضة» فقال: سلمان وما الرّويبضة يا رسول الله فداك أبي وأمي؟ قال: «يتكلّم في أمر العامة من لم يكن يتكلّم، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى تخور الأَرض خورة فلا يظن كل قوم إلا أنّها خارت في ناحيتهم فيمكثون ما شاء الله ثم ينكثون في مكثهم فتلقى لهم الأَرض أفلاذ كبدها قال: ذهب وفضّة ثمّ أومى بيده إلى الأساطين فقال: مثل هذا، فيؤمئذ لا ينفع ذهب ولا فضّة فهذا معنى قوله: فقد جاء أشراطها»(1).

(وأزفت بأفراطها) أي قربت بمقدماتها فتكون عطف تفسير للجملة السابقة، وعلى رواية أفراطها بكسر الهمزة فالمعنى أنها قربت بتجاوزها عن الاعتدال في الشدائد والأهوال.

(ووقفت بكم على صراطها) نسبة الوقوف بهم إلى الساعة من باب المجاز العقلي، وقد مرّ تفصيل الكلام في الصراط في شرح الفصل السادس من فصول «المختار» الحادي والثمانين.

(وكأنها قد أشرفت بزلازلها) أي أشرفت عليكم بزلازلها الهائلة وكفى شاهداً على هولها وشدّتها تهويله تعالى منها وتفخيمه لها بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحَجّ: الآيتان 1 - 2].

قال في «المجمع البيان»: معناه يا أيها العقلاء المكلفون اتقوا عذاب ربكم واخشوا معصية ربكم إن زلزلة الأَرض يوم القيامة أمر عظيم هائل لا يطاق يوم ترونها أي الزلزلة أو أن الساعة تشغل كلّ مرضعة عن ولدها وتنساه وتضع كلّ ذات حمل حملها أي تضع الحبالي في بطونها، وفي هذا دلالة على أنّ الزلزلة تكون في الدّنيا فإن الرضاع ووضع الحمل إنّما يتصوّر فيها، ومن قال إن المراد به يوم القيامة قال إنّه تهويل لأَمر القيامة وتعظيم لما يكون فيه من الشدائد، أي لو كان ثمّ مرضعة لذهلت أو حامل لوضعت وإن لم يكن هناك حامل ولا مرضعة؛ وترى الناس سكارى من شدّة الخوف والفزع، وما هم بسكارى من الشراب


1) معجم أحاديث الإمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه الشریف): 2/ 220، والتفسير الصافي: 27/5.

ولكن من شدّة العذاب يصيبهم ما يصيبهم(1).

وقوله (وأناخت بكلاكها) تمثيل لهجومها عليهم بأهاويلها الهائلة ورضها لهم بشدائدها الفادحة بإناخة الجمل المناخ الّذي ترض من تحته بثقله ويهده بكلكله فيكون استعارة تمثيليّة، أو أنه شبهها بالجمل الفادح بحمله على سبيل الاستعارة بالكناية فيكون إثبات الكلكل تخييلاً والإناخة ترشيحاً، والأَوّل أظهر.

وإنّما أتى بجمع لفظ الكلاكل مبالغة في شدة أهوالها وتنبيهاً على كونها كثيرة متعددة، هذا.

ولما ذكر أن الغاية القيامة ونبّه على قربها وحذر بأهوالها وبأهوال البرزخ الّذي قبلها، أردف ذلك بالتنبيه على زوال الدّنيا وفنائها وسرعة انقضائها فقال (وانصرفت الدّنيا بأهلها) أي ولّت وأدبرت ظاهر مساق الكلام يعطي كون هذه الجملة معطوفة على جملة أشرفت وأناخت، لكنّه يأبى عنه أن الجملتين السابقتين خبران لقوله كأنها وهذه الجملة لا یصح جعلها خبراً، لأَن الضمير في كأنّها راجع إلى الساعة فلا يكون ارتباط بين اسم كان وخبرها إلاّ أن يجعل الضمير فيها ضمير القصّة ولكنه يبعده أن كأنّها هذه عطف على قوله وكأنّها قد جاءت، والضمير في المعطوف عليها راجع إلى الساعة قطعاً فليكن في المعطوفة كذلك.

وبعد هذا كلّه فلا مناص إلاّ أن يجعل الجملة مستأنفة غير مرتبطة على سابقتها ولا بأس بذلك، لأَن الجملات السابقة في بيان أهوال الساعة، وهذه الجملة وما يتلوها في بيان أحوال الدّنيا.

وممّا حققنا ظهر فساد ما قاله الشارح البحراني حيث قال: (لما كانت الأَفعال من قوله: وأناخت إلى قوله: وصار سمينها غثاً)، معطوفاً بعضها على بعض دخلت في حكم الشبه أي وكأن الدّنيا قد انصرفت بأهلها وكأَنّكم قد أخرجتم من حضنها إلى آخر الأفعال، والمشبه الأَوّل الدنيا باعتبار حالها الحاضرة، والمشبه به هو انصرافها بأهلها وزوالهم، ووجه الشبه سرعة المضي أي كأنّها من سرعة أحوالها الحاضرة كالتي وقع انصرافها، وكذلك الوجه في باقي التشبيهات انتهى.

وملخص وجه الفساد إن القواعد الأَدبيّة آبية من عطف الجملات بعضها على بعض.

وقوله: (وأخرجتهم من حضنها) استعارة بالكناية شبهها بالأُم المربية لولدها في حضنها ثمّ أعرضت عنه وأخرجته من حضن تربيته وأسلمته إلى نفسه (فكانت) نسبتها إلى أهلها في


1) تفسیر مجمع البيان: 127/7.

قصر الزمان وقلة المدّة (كيوم مضى أو شهر انقضى).

وأشار إلى تغيّر ما فيها وفساده بقوله: (وصار جديدها رثاً) أي خلقاً بالياً (وسمينها غثاً) أي رثیثاً مهزولاً قال الشارح البحراني: والسمين والغث يحتمل أن يريد بهما الحقيقة، ويحتمل أن يكنّى به عن ما كثر من لذاتها وخيراتها وتغيّر ذلك بالموت والزوال.

أقول: لا وجه لجعل الاحتمال الثاني في مقابل الاحتمال الأَوّل قسيماً له، بل هما كنايتان ولا ينافيها إرادة الحقيقة لما قد مرّ في ديباجة الشرح من أنّ الكناية استعمال اللفظ في غير ما وضع له مع جواز إرادة ما وضع له.

ثمّ الظاهر أنّهما كنايتان عما عليه أهل المحشر من كون أجسادهم شحبة بعد بضّتها وعظامهم وهنة بعد قوتها لشدّة ما عاينوه من الأَهوال والشدائد.

وقوله (في موقف ضنك المقام) أي صار جديدها وسمينها رثاً وغثاً في موقف القيامة، ووصفه بالضّنك والضيق لكثرة الخلائق ومزيد ازدحامهم فيه (قل إن الأولين والآخرين المجمعون إلى ميقات يوم معلوم).

أو لصعوبة الوقوف به وطوله مع تراكم الدواهي والأهاويل العظيمة وعدم إمكان المخلص منها (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ، كَلَّا لَا وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) [القِيَامَة: الآيات 7 - 12].

(وأُُمور مشتبهة عظام) أراد بها أهاويلها العظيمة الملتبسة التي أوجبت التحير في وجه الخلاص منها والنجاة عنها، فهم فيها تائهون هائمون حائرون.

وإن شئت أن تعرف تفصيل ما تضمّنه هاتان الفقرتان من هول موقف القيامة وضيق مقامها ومزيد زحامها وزيادة شدّتها وطول مدّتها والتباس أمورها فعليك بما يتلى عليك من أنبائها.

فنقول: إن يوم القيامة يوم عظيم شأنه، مدید زمانه، قاهر سلطانه، يوم ترى السماء فيه قد انفطرت، والكواكب من هوله قد انتثرت، والنجوم الزواهر قد انكدرت، والشمس قد كوّرت، والجبال قد سيّرت، والعشار قد عطّلت، والوحوش قد حشرت، والبحار قد سجّرت، والنفوس مع الأبدان قد زوّجت، والجحيم قد سعّرت، والجنّة قد أزلفت، والأرض قد مدّت.

يوم ترى الأَرض قد زلزلت فيه زلزالها. وأخرجت أثقالها.

فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقّت السّماء فهي يومئذ واهية، والملك على أرجائها ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية.

يوم تذهل فيه كلّ مرضعة عما أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى الناس سکارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد.

يوم يمنع فيه المجرم من الكلام، ولا يسأل فيه عن الإجرام بل يؤخذ بالنواصي والأقدام.

يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمد بعيد.

يوم تعلم فيه كلّ نفس ما أحضرت، وتشهد ما قدّمت وأخّرت.

يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه يوم لا يقدرون أن ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، وعلى النار يفتنون، ولا ينفع مال ولا بنون.

يوم تبلى فيه السرائر وتبدى الضمائر وتردّ فيه المعاذير.

یوم تكشف الأستار وتخشع الأَبصار وتنشر الدواوين وتنصب الموازين.

يوم يوم تسكن فيه الأصوات ويقل الالتفات، وتبرز الخفيّات، وتظهر الخطيئات.

يوم يساق العباد، ومعهم الأَشهاد الأشهاد، ويشيب الصغير، ويهرم الكبير.

يوم تغيّرت الألوان وخرس اللّسان ونطق جوارح الإنسان وبرّزت الجحيم وأغلى الحميم، وسعّرت النار، وبئس الكفار.

وتفكر في طول هذا اليوم الّذي تقف فيه الخلائق شاخصة أبصارهم، منفطرة قلوبهم، لا يكلّمون ولا ينظر في أمورهم، يقفون ثلاثة مائة عام لا يأكلون فيه أكلة، ولا يشربون فيه شربة، ولا يجدون فيه روح النسيم، ولقد أفصح عن طوله الكتاب الكريم وأبان عنه ذو العرش العظيم في سورة المعارج بقوله: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا).

وتأمل في ازدحام الخلائق واجتماعهم في موقف يجمع فيه أهل السّماوات السبع والأرضين السبع: من ملك، وجنّ، وإنسان، ووحش، وطير، وسبع، وشيطان، فأشرقت عليهم الشمس وقد تضاعف حرّها، وتبدّلت عما كان عليه من خفة أمرها، ثم أدنيت من رؤوس أهل العالمين مثل قاب قوسين، فأصهرتهم بحرّها، واشتد كربهم وغمّهم من وهجها، ثمّ تدافعت الخلائق ودفع بعضهم بعضاً لشدة الزحام، واختلاف الأقدام، وضيق المقام،

وانضاف إلى ذلك شدّة الخجل والحياء، عند العرض على مليك الأَرض والسماء، فاجتمع وهج الشمس وحرّ الأنفاس، واحتراق القلوب بنار الخوف، ففاض العرق من أصل كلّ شعرة حتّى سال على صعيد القيامة، ثمّ ارتفع على الأبدان فبعضهم بلغ العرق ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، وبعضهم إلى شحمة أذنيه.

قال عقبة بن عامر: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «تدنو الشمس من الأَرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته. ومنهم من يبلغ فاه فالجمها، ومنهم من يغطيه العرق» وضرب بيده على رأسه هكذا(1).

فتدبر أيّها العاصي والجاهل القاسي في هول ذلك اليوم وطول تعبه، وشدّة كربه وفيما عليه أهله من ضيق المقام، وطول القيام، ومساءة الحال، وعظم الشفق من سوء فمنهم المآل، فمنهم من يقول ربّ أرحني من هذا الكرب والانتظار، ولو إلى النار.

وكلّ ذلك ولم يلقوا بعد حساباً ولا كتاباً ولم يصيبوا عذاباً ولا عقاباً،

فكيف إذا فرغوا من الحساب وعاينوا الكتاب وحقّت عليهم كلمة العذاب.

فبيناهم وقوفاً ينتظرون ويخافون العطب، ويشفقون سوء المنقلب إذ نادى مناد من عند ذي العرش المجيد (ألقيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنيد) [ق: الآية 24].

فيبادر إليهم الزبانية بمقامع من حديد، ويستقبلونهم بعظائم التهديد، ويسوقونهم إلى العذاب الشديد (و) يدخلونهم في (نار شديد كلبها) أي شرّها وأذيها وحارتها (عال لجبها) أي صوتها وصياحها أو اضطراب أمواجهاً كالبحر الزخار (ساطع لهبها) أي شعلتها (متغيّظ زفيرها) أي صوتها الناشيء من توقدها متّصف بالهيجان والغليان.

قال الشارح البحراني: ولفظ التغيّظ مستعار للنّار باعتبار حركتها بشدّة وعنف كالغضبان انتهى.

وهذا التغيظ قد نطق به القرآن في سورة الفرقان قال: (وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إذَا رَأَتْهُم مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا هَا تَفيُّظًا وَزَفِيرًا) [الفرقان: الآيتان 11 - 12] قال: بعض المفسرين التغيظ الصوت الذي بهمهم به المغتاظ، والزفير صوت يخرج من الصدر، وعن ابن عرفة أي من شدة الحريق تغيظت الهاجرة إذا اشتد حميمها فكان المراد الغليان.


1) صحیح ابن حبان: 324/16 والمعجم الكبير: 302/17.

متأجّج سعيرها) أي متوقد ومتلهّب نارها المتحرقة (بعيد خمودها) أي سكونها (ذاك وقودها) أي وقودها متّصف بشدّة الوهج والاشتعال (مخوف وعيدها) قال بعض الشارحين أي توعدها لأَهلها بإنطاقه سبحانه إيّاها أو كناية عن اشتدادها تدريجاً (غمّ قرارها) أي متغطّى قعرها وقرارها بحيث لا يكاد أن يدرك بالبصر لظلمته أو غاية عمقه أو تراكم لهبه.

وفي نسخة الشارح البحراني: عم قرارها، بالعين المهملة قال: أسند العمى إلى قرارها مجازاً باعتبار أنه لا يهتدي فيه لظلمته أو لأَن عمقها لا يوقف عليه لبعده. (مظلمة أقطارها) أي أطرافها وجوانبها (حامية قدورها فظيعة أمورها) أي شديدة شنيعة بلغت الغاية في الشدّة والشناعة، هذا.

وقد مضى فصل واف من أوصاف الجحيم وأهله في شرح الفصل الثالث من المختار المائة والثمانية وإنما فصّل علیه السلام هنا بعضها تخويفاً منها وتحذيراً عنها وتنفيراً عن المعصية ومتابعة الهوى الموقعة فيها وترغيباً إلى الزهد والتقوى العاصمة منها، لأَن حقيقة التقوى هو أخذ الوقاية من النار ومن غضب الجبّار.

ولما ذكر سوء حال المجرمين أردفه بشرح حال المتقين حثّاً على اقتفاء آثارهم واقتباس أنوارهم فقال:

(وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) اقتباس من الآية الشريفة في سورة الزمر وآخرها (حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخولها خالدين) أي يساقون المتّقون إسراعاً بهم إلى دار الكرامة مكرمين زمرة بعد زمرة أي أفواجاً متفرقة بعضها في أثر بعض على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلوّ الدّرجة ويساقون راكبين كما عرفت في شرح الفصل التاسع من «المختار» الأَول، حتّى إذا جاؤوها وقد فتحت أبواب الجنّة لهم قبل مجيئهم انتظاراً بهم، وقال لهم خزنتها عند استقبالهم: سلام عليكم أي سلامة الله عليكم يحيّونهم بالسلامة ليزدادوا بذلك سروراً، طبتم أي طبتم بالعمل الصّالح في الدّنيا وطابت أعمالكم الصّالحة أو طاب مواليدكم لا يدخل الجنّة إلاّ طيب المولد، فادخلوا الجنّة خالدين مخلّدين وقد مضى فصل واف في وصف الجنّة وأوصاف أهلها في شرح الفصل التاسع من «المختار» الأَوّل وشرح الفصل الثالث من «المختار» المائة والثمانية.

وقوله (قد أمن العذاب وانقطع العتاب وزحزحوا عن النار واطمأنت بهم الدار ورضوا المثوى والقرار) أراد أنهم يساقون إلى الجنّة حال كونهم مأمونين من العقاب والعذاب، منقطعاً عنهما خطاب العتاب، مبعدين عن النار، مطمئنين بالدار راضين بالمثوى والقرار، أي بالمقام والمقر.

ونسبة مطمئنة إلى الدار من المجاز العقلي والإسناد إلى المكان أو من الكلام من باب

الاستعارة بالكناية فإنّ الدّار لما كانت مخلوقة لأَجلهم معدّة لهم كما قال عزّ من قائل: (جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) شبهها بالمنتظر لقدوم محبوبه، حتى إذا قدم إليه ارتفع عنه الانتظار وحصل له الاطمئنان، فتكون الدار استعارة بالكناية وذكر الاطمئنان تخييلاً للاستعارة.

وأما كونهم راضين بالمثوى والقرار فلأََجل ما أعدّ لهم فيها من جميع ما نشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

قال سبحانه: (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البَيِّنَة: الآيتان 7 - 8].

وهم (الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية) أي طيبة طاهرة من شوب الشرك والرّياء أو متصفة بالصلاح والسداد (وأعينهم باكية) من خشية الله والخوف من عذابه والإشفاق من عقابه.

والروايات في فضل البكاء من خشيته سبحانه كثيرة جداً ونشير إلى بعضها فأقول:

روى في «الوسائل» عن الصادق عن آبائه علیهم السلام عن النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم في حدي المناهي قال: «ومن ذرفت عيناه من خشية الله كان له بكلّ قطرة قطرت من دموعه قصر في الجنة مكلّل بالدّر والجواهر فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»(1).

وفيه من ثواب الأَعمال عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «ليس شيء إلاّ وشيء يعدله إلاّ الله فإنه لا يعدله شيء ولا إله إلا الله لا يعدله شيء ودمعة من خوف الله فإنه ليس لها مثقال فإن سالت على وجهه لم يرهقه قتر ولا ذلة بعدها أبداً»(2).

وعن جعفر بن محمد عن أبيه علیه السلام قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «كل عين باكية يوم القيامة إلاّ ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعین غضت عن محارم الله وعين باتت ساهرة في سبيل الله)(3).

وعن الرضا علیه السلام قال: «كان فيما ناجى الله به موسى علیه السلام أنه ما تقرب إليّ المتقربون بمثل البكاء من خشيتي، وما تعبد لي المتعبدون بمثل الورع عن محارمي ولا تزين لي


1) الأمالي: 517، ووسائل الشيعة: 223/15 ح 15.

2) ثواب الأعمال: 3، ووسائل الشيعة: 225/15 ح 20338.

3) من لا يحضره الفقيه: 1/ 318 ح 942، والخصال: 98 ح46.

المتزينون بمثل الزهد في الدّنيا عما يهم الغنى عنه، فقال موسى علیه السلام: يا أكرم الأَكرمين فما أثبتهم على ذلك؛ فقال: يا موسى أما المتقرّبون لي بالبكاء من خشيتي فهم في الرفيق الأَعلى لا يشركهم فيه أحد، وأما المتعبدون لي بالورع عن محارمي فإني أُُفتش الناس عن أعمالهم ولا أُُفتشهم حياء منهم، وأما المتزينون لي بالزهد في الدنيا فإني أبيحهم الجنة بحذافيرها يتبوّؤن منها حيث يشاؤون»(1).

وفيه من «العيون» عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه علیهم السلام قال: قال الصادق علیه السلام «أن الرجل ليكون بينه وبين الجنة أكثر مما بين الثرى إلى العرش لكثرة ذنوبه فما هو إلاّ أن يبكي من خشية الله عزّ وجلّ ندماً عليها حتى يصير بينه وبينها أقرب من جفنه إلى مقلته»(2).

وفيه من «الكافي» عن أبي عبد الله علیه السلام: «ما من شيء إلاّ وله كيل ووزن إلاّ الدّموع فإنّ القطرة تطفىء بحاراً من نار، فإذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، فإذا فاضت حرّمها الله على النار، ولو أنّ باكياً بكي في أمة لرحموا»(3).

وفي «عدّة الدّاعي» لأَحمد بن فهد الحلّى قال: وفيما أوحى الله إلى عيسى علیه السلام: «یا عيسى ابن البكر البتول ابك على نفسك بكاء من قد ودّع الأَهل وقلى الدّنيا وتركها لأَهلها وصارت رغبته عند إلهه»(4).

وفيه عن أمير المؤمنين علیه السلام لما كلم الله موسى علیه السلام قال: «إلهي ما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك؟ قال: يا موسى أقي وجهه من حرّ النّار وآمنه يوم الفزع الأكبر»(5).

وفيه عن أبي حمزة عن أبي جعفر علیه السلام: «ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دموع في سواد اللّيل مخافة من الله لا يراد بها غيره»(6).

وفيه عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم في خطبة الوداع: «ومن ذرعت عيناه من خشية الله كان له بكلّ قطرة من دموعه مثل جبل أحد تكون في ميزانه من الأَجر، وكان له بكلّ قطرة عين من الجنة على حافتها من المدائن والقصور ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر بقلب بشر»(7).


1) وسائل الشيعة: 226/15 ح20341.

2) عيون أخبار الرضا: 6/1 ح4، ووسائل الشيعة: 227/15.

3) الكافي: 481/2 ح1، ووسائل الشيعة: 227/15 ح20343.

4) الأمالي: 607 ، ووسائل الشيعة: 77/7 ح8776.

5) بحار الأنوار: 328/90 ح1، وعدة الداعي: 157.

6) الكافي: 482/2 ح3، ووسائل الشيعة: 228/15.

7) عدة الداعي: 99، وبحار الأنوار: 191/8 ح168.

وفيه عن أبي جعفر علیه السلام أن إبراهيم النبي علیه السلام قال: إلهي ما لعبد بلّ وجهه بالدموع من مخافتك؟ قال الله تعالى: (جزاؤه مغفرتي ورضواني يوم القيامة)- إلى غير هذه مما لا نطيل بروايتها.

ثم وصف المتقين بوصفين آخرين.

أحدهما قوله (وكان ليلهم في دنياهم نهاراً تخشعاً واستغفاراً) يعني أنهم يسهرون لياليهم ويقومون من مضاجعهم ويتركون لذة الرقاد اشتغالاً بمناجاة رب العباد، فيجعلون ليلهم بمنزلة النهار في ترك النوم والقرار ويقومون بين يدي الرب المتعال بالخضوع والخشوع والتضرع والابتهال، ويواظبون على الدعاء والصلاة والاستغفار إلى أن يذهب الليل ويؤب الفجر والنهار.

وقد مدحهم في كتابه العزيز بقوله: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عِمران: الآية 17] وقال: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع) [السجدة: الآية 16].

وقال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «إذا قام العبد من لذيذ مضجعه والنعاس في عينيه ليرضي ربّه عزّ وجلّ لصلاة ليله باهى الله به ملائكته فقال: أما ترون عبدي هذا قد قام من لذيذ مضجعه إلى صلاة لم أفرضها عليه، أشهدوا أنّي غفرت له»(1).

وقد مضى أخبار كثيرة في فضل صلاة الليل وقيامه في شرح الفصل السادس من الخطبة الثانية والثمانين وفي شرح الخطبة المائة والثانية والثمانين.

وأقول هنا مضافاً إلى ما مر: يكفي في فضل قيامه أمر الله سبحانه ورسوله صلّی الله علیه و آله و سلّم به في قوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [المُزمّل: الآيات 1-6].

قال أمين الإسلام الطبرسي: المعنى يا أيها المتزمل بثيابه المتلفف بها، قم اللّيل للصلاة إلاّ قليلاً من اللّيل نصفه، بدل من الليل أي قم نصف الليل أو انقص من النصف أو زد على النصف، وقال المفسرون: أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث أو زد على النصف إلى الثلثين.

وقوله: ورتل القرآن ترتيلا روى في «الصافي من الكافي» عن الصادق علیه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: قال أمير المؤمنين علیه السلام: بيّنه بياناً ولا تهذّه هذّ الشعر ولا تنثره نثر الرّمل، ولكن أفرغوا قلوبكم القاسية، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة.


1) بحار الأنوار: 156/84 ح40، ورسائل الشيعة: 157/8 ح10297.

إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً - قيل أي القرآن، لأَنه لما فيه من التكاليف ثقيل على المكلفين، قال عليّ بن إبراهيم القمي: قولاً ثقيلاً قال علیه السلام قيام الليل وهو قوله أن ناشئة الليل الآية، وقيل: أي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث، وفي المجمع عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیهما السلام أنهما قالا: هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل.

هي أشد وطأةً: أي أكثر ثقلاً وأبلغ مشقة، لأَن الليل وقت الراحة والعمل يشق فيه، ومن قرء وطاء بالمد فالمعنى أشدّ مواطأة للسمع والبصر يتوافق فيه قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفكر والتفهم إذ القلب غير مشتغل بشيء من أمور الدّنيا.

وأقوم قيلا: أي أسدّ مقالاً وأصوب «خ أثبت» للقراءة، لفراغ البال وانقطاع ما يشغل القلب، هذا.

وفي «عدة الداعي» عن النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم من كان له حاجة فليطلبها في العشاء فإنّها لم يعطها أحد من الأمم قبلكم، يعني العشاء الآخرة(1).

وفي رواية في السّدس الأَوّل من النصف الثاني من الليل، ويعضدها ما ورد من الترغيب والفضل لمن صلّى اللّيل والنّاس نيام وفي الذكر في الغافلين، ولا شك في استيلاء النوم على غالب الناس في ذلك الوقت، بخلاف النصف الأَوّل، فإنّه ربما يستصحب الحال فيه النهار، وآخر اللّيل ربما انتشروا فيه لمعايشهم وأسفارهم، وإنّما مخّ اللّيل هو وقت الغفلة و فراغ القلب للعبادة، لاشتماله على مجاهدة النفس ومهاجرة الرقاد ومهاجرة وثير المهاد والخلوة بمالك العباد وسلطان الدّنيا والمعاد، وهو المقصود: ومن جوف الليل وهي ما رواه عمر بن أذينة قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إنّ في الليل ساعة ما يوافق فيها عبد مؤمن يصلّي ويدعو الله فيها إلا استجاب له، قلت: أصلحك الله وأيّ ساعة الليل هي؟ قال: إذا مضى نصف الليل، وبقي السّدس الأَوّل من النصف الثاني.

وأمّا الثلث الأَخير فمتواتر قال: صلّی الله علیه و آله و سلّم: إذا كان آخر الليل يقول الله سُبحانه وتعالى: (هل من داع فأجيبه هل من سائل فأعطيه سؤاله هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه)(2).

وروى إبراهيم بن محمود قال: قلت للرضا علیه السلام: ما تقول في الحديث الّذي يرويه


1) مستدرك الوسائل: 282/5 ح5858، بحار الأنوار: 167/84.

2) الأمالي: 496، ووسائل الشيعة: 69/7 8749.

الناس عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم أنه قال: إن الله تعالى ينزل في كلّ ليلة إلى السماء الدّنيا؟ فقال علیه السلام: لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم كذلك إنما قال صلّی الله علیه و آله و سلّم: إنّ الله تعالى ينزل ملكاً إلى السماء الدّنيا كلّ ليلة في الثلث الأَخير وليلة الجمعة من أوّل اللّيل فيأمره فينادي: هل من سائل فأعطيه سؤاله، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، يا طالب الخير أقبل، يا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي بها حتى يطلع الفجر، فإذا طلع عاد إلى محلّه من ملكوت السماء، حدّثني بذلك أبي عن جدّي عن آبائه عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم(1).

إذا عرفت ذلك فأقول: طوبى لعبد يتجافى جنبه عن المضجع والمهاد، ويسلب عن عينه لذة الرقاد، ويشتغل بعبادة ربّ العباد، ويناجيه في غلس الظلام والناس نيام، تارة بالقعود والسجود، وأُُخرى بالرُّكوع والقيام، فيقوم بحضرة الملك الجليل قيام العبد الذّليل ويجعل ذنوبه وخطاياه نصب عينيه فيبكي على حاله ويسأله أن يعفو عنه، ويرحم عليه. ويرفع إلى الله سبحانه المسكنة والسؤال، ويقول بالتضرّع والذل والابتهال:

طرقت باب الرّجا والناس قد رقدوا *** وجئت أشکو إلی مولاي ما أجد

وقلت ما أملي في کل نائبة *** ومن علیه بکشف الضر أعتمد

أشکو إلیك أموراً أنت تعلمها *** مالي علی حملها صبر ولا جلد

وقد مددت یدي بالذّل خاضعة *** إلیك یا خیر من مدّت إلیه ید

فلا تردّنها یا ربّ خائبة *** فبحر جودك یروي کل من یرد

یا من یغیث الوری من بعد ما قنطوا *** ارحم عبیداً أتوا بالذل قد نکسوا

الوصف الثاني قوله علیه السلام: (وكان نهارهم ليلاً توحشاً وانقطاعاً) وهو من التشبيه البليغ المحذوف الأداة، وعلى رواية كأنّ بالتشديد فهو تشبيه اصطلاحي، وطرفاه حسيّان وقد أشير إلى وجه الشبه وهو التوحش والانقطاع، فيكون من التشبيه المفضّل المذكور فيه أركان التشبيه بحذافيرها، ومثله القرينة السابقة أعني قوله: وكان ليلهم نهاراً (اهـ) وما ذكرناه هنا آت ثمة حرفاً بحرف وكيف كان فالمراد إن المتقين جعلوا نهارهم بمنزلة اللّيل في التوحش من الخلق والاعتزال منهم والانقطاع عنهم إلى الله سبحانه والفراغ للعبادة والطاعة، وقد مضى تفصيل الكلام في فوائد الاعتزال والانقطاع بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثاني من المختار المائة والثاني فليراجع ثمة.


1) دعائم الإسلام: 180/1، والأمالي: 496.

ولما وصف حال المتقين وتمحيضهم العبادة الله وخلوصهم في مقام العبودية واستيحاشهم من الخلق واستيناسهم بالخالق أراد أن ينبّه على ما منحه الله عليهم جزاء لعملهم فقال:

(فجعل الله لهم الجنة مآباً) أي مرجعاً ومنزلاً ومقيلاً كما قال تعالى: (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ، جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ) [ص: الآية 50] وقال: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) [آل عمران: الآية 198].

(والجزاء ثوابا) كما قال عزّ من قائل: («إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا، وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا، وَكَأْسًا دِهَاقًا، لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا، جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا) [النّبإ: الآيات 31 - 36].

(وكانوا أحق بها وأهلها) أي بالجنّة وبأهلها من الحور العين والولدان المخلّدين، أو أنّه من التقديم والتأخير والتقدير كانوا أهلها وأحقّ بها أي كان المتّقون أهل الجنّة واحتسابها من الفاسقين والكافرين، أو المراد أنهم كانوا أحق بدخول الجنة وأهلاً لها، وعلى أيّ احتمال ففيه إشارة إلى أنهم بصالح أعمالهم استحقوا بذلك الجزاء الجميل والأجر الجزيل وكانوا أحق بتلك النعمة العظيمة.

وأشار إلى بقائها وعدم نفاذها بقوله: (في ملك دائم ونعيم قائم) كما قال تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون: الآيتان 10 و 11].

ثمّ أكد الحث على التقوى بعبارة أخرى مرغبة إلى أخذها محذرة من تركها فقال: (فارعوا عباد الله ما برعايته يفوز فائزكم وبإضاعته يخسر مبطلكم) أي حافظوا على ما بحفظه ومواظبته يفوز الفائزون وهو التقوى وصالح العمل كما نطق به كتاب الله عزّ وجلّ قال: (ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) وقال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [التوبة: الآية 20].

وبإضاعته وتركه يخسر المبطلون أي الآخذون بالباطل وسبىء العمل، وهم التاركون للتقوى والمنهمكون في الزيغ والزلل قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ) [الجاثية: الآية 27].

(وبادروا آجالكم) الموعودة (بأعمالكم) الصالحة أي استعدوا للموت قبل حلول الفوت (فإنّكم مرتهنون بما أسلفتم) من الذّنوب محتاجون إلى فك رهانتها.

قال الشارح البحراني: لفظ المرتهن مستعار للنفوس الآثمة باعتبار تقيدها بالسيّئة وإطلاقها بالحسنة كتقيد الرهن المتعارف بما عليه من المال وافتكاكه بأدائه (ومدينون بما قدمتم) أي مجزيّون به إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشراً.

ثمّ نبّه على قرب الموت منهم بقوله: (وكأن قد نزل بكم المخوف) أي أشرف عليكم وأظلكم (فلا رجعة تنالون ولا عثرة تقالون) يعني أنّه إذا نزل فليس بعد نزوله رجعة تعطوها ولا عثرة تقالون منها، لأن إقالة العثرات بالتوبة إنا تكون في دار الدّنيا، لأَنها دار التكليف والعمل وأما الآخرة فهي دار الجزاء لا ينفع فيه الندّم والاستقالة، ولو قال أحدهم ربّ أرجعوني لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت قيل له: كلا إنّها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون.

(استعملنا الله وإياكم بطاعته وطاعة رسوله) هو دعاء للتوفيق والإعانة منه سبحانه على القيام بوظائف تكاليفه ومراسم طاعته (وعفا عنا وعنكم بفضلـ)ه الواسع وكرمه السابع و(رحمته) الّتي وسعت كل شيء، هذا.

ولما فرغ من نصح المخاطبين ووعظهم والدّعاء لهم بما اقتضته الحال والمقام، عقب ذلك كله بالأَمر بلزوم الأَرض والصبر على البلاء فقال:

و(الزموا الأَرض) وهو كناية عن ترك النهوض إلى الحرب (واصبروا على البلاء) وأذى الأَعداء، لأَن الصبر مفتاح الفرج والله مع الصّابرين (ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم وهوى السنتكم) أي لا تحركوا شيئاً منها لإثارة الفتنة وقد مضى في تفسيرها احتمالات أخر في بيان إعرابها فتذكر، وأراد بهوى الألسنة هفوات اللّسان وسقطات الأَلفاظ من السّب والشّتم والنميمة والغيبة ونحوها من فضول الكلام المهيجة للفتنة والفساد الناشئة من هوى الأَلسنة وميلها إليها باقتضاء هوى النفس الإمارة.

(ولا تستعجلوا بما لم يعجّله الله لكم) أي لا تسرعوا بإتيان ما لم يفرض عليكم فيكون نسبة التعجيل إلى الله من باب المشاكلة أو المراد ما لم يفرضه عليكم فوراً بل متراخياً وبعد حين لفقدان شرطه أو اقتضاء المصلحة لتأخيره.

قال الشارح المعتزلي: أمر علیه السلام أصحابه أن يثبتوا ولا يعجلوا في محاربة من كان مخالطاً من ذوي العقائد الفاسدة كالخوارج، ومن كان يبطن هوى معاوية، وليس خطابه هذا تثبيطاً لهم عن حرب أهل الشام كيف وهو لا يزال يقرعهم ويوبخهم عن التقاعد والإبطاء في ذلك، ولكن قوماً من خاصته كانوا يطلعون على ما عند قوم من أهل الكوفة ويعرفون نفاقهم

وعنادهم ويرومون قتلهم وقتالهم، فنهاهم عن ذلك، وكان يخاف فرقة جنده وانتشار حبل عسكره فأمرهم بلزوم الأَرض والصّبر على البلاء.

وقال الشارح البحراني: الخطاب خاص ممّن يكون بعده، فأمره بالصّبر في مواطنهم وقعودهم عن النهوض لجهاد الظالمين في زمن عدم قيام الإمام بالحق بعده.

واحتمل بعض الشارحين أن يكون الأَمر بالصبر عند استدعاء الأَصحاب لحرب أهل الشام أو الخوارج في زمان يقتضي المصلحة تركه وتأخيره.

أقول: والأَظهر ما قاله الشارح المعتزلي كما هو غير خفي على المتدبر.

وكيف كان فلما كان أمرهم بالصّبر والثبات موجباً ليأسهم مما كانوا يرجونه بالحرب من تحصيل السعادة والفوز بالثواب، تدارك ذلك جبراً لانكسار قلوبهم، وبشارة لهم بقوله:

(فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربّه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً) يعني من مات على فراشه مذعناً بتوحيد الله سبحانه ورسالة رسوله صلّی الله علیه و آله و سلّم معتقداً بإمامة الأَئمة الهداة من أهل بيته لحق بدرجة الشهداء وفاز ثواب السعداء (ووقع أجره على الله) تعالى (واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله وقامت النية مقام اصلاته بسيفه) يعني أنه استحق ثواب ما كان قصده الإتيان به من العمل الصالح وقامت نيّته مقام سلّه بسيفه.

وملخصه أنّه إذا كان عارفاً بحق الله وحق رسوله وبولاية الأَئمة علیهم السلام، وكان من نيّته الحرب لمن حارب الله ورسوله وقع أجره على الله سبحانه واستوجب الثواب الجميل والأَجر الجزيل لقيام نيّته مقام فعله، ونيّة المؤمن خير من عمله، وقد مرّ نظير مضمون هذا الكلام منه علیه السلام في «المختار» الثاني عشر.

وعلل حسن الصبر وترك الاستعجال بقوله (فإن لكلّ شيء مدّة وأجلاً) لا ينبغي التسرع إليه قبل مضي تلك المدّة وحلول ذلك الأَجل، وبالله التوفيق.

الترجمة

از جمله خطب شریفۀ آنحضرت است در ترغیب بتقوی و پرهیز کاری و تحذير از أهاویل قیامت و شداید برزخ و عقوبات دوزخ و تشویق بنعيم بهشت میفرماید:

شکر میکنم خداوند را شکر کردنی از برای نعمت دادن او، و استعانت میکنم از او بروظیفهای حقهای او در حالتیکه غالب است لشکر او، و بزرگ است بزرگواری او، و شهادت میدهم باینکه محمد بن عبدالله صلّی الله علیه و آله و سلّم بندۀ او ورسول او است دعوت فرمود آنحضرت بسوی اطاعت او، و غلبه کرد دشمنان او را در حالتیکه جهاد کننده بود از برای دین او، باز نمیگردانید او را از دعوت بطاعت اتفاق کردن كفار بر تکذیب او، وطلب نمودن ایشان فرو نشاندن نور او را.

پس تمسّك نمائيد بتقوى و پرهیز کاری از جهت اینکه مر تقوی را است ریسمانی که محکم است گوشۀ آن، و پناه گاهی که مانع است بلندی آن، ومبادرت نمائید بسوی مرگ در سختیهای آن، و مهیا نمائید از برای آن مرگ پیش از حلول کردن او، و آماده نمائید از برای آن قبل از نازل شدن او، پس بدرستیکه منتها إليه خلایق قیامت است، و کفایت میکند مرگ و قیامت در حالتیکه واعظ است مر صاحب عقل را در حالتیکه محلّ عبرتست مر صاحب جهل را.

و پیش از رسیدن غایة که قیامت است آنچیزیست که میدانید شما از تنگی قبرها، وشدّت مأيوسى، و ترس محلّ اطلاع و ترسهای فزع عذاب و بهم در رفتن استخوانها از فشار قبر، و کر شدن گوشها، و تاریکی لحد گور، وترس وعدۀ عذاب، و پوشانیدن شکاف قبر، و استوار کردن سنگهای بالای لحد.

پس بترسید از خدا ای بندگان خدا پس بدرستیکه دنیا گذرنده است بشما بر یکطريقه، وشما وقیامت گویا بسته شده ايد بيك ريسمان، و گویا که روز قیامت آمده است با علامتهای خود، و نزديك بوده است با مقدّمات خود، و نگه داشته است شما را بالای صراط خود، و گویا که آن مشرف بوده بازلزلهای خود، وفرو

خوابانیده سینهای خود را که عبارتست از سنگینیهای آن، و رو برگردانده دنیا باهل خود، و بیرون کرده ایشان را از کنار تربیت خود، پس گشت دنیا بمنزلۀ روزی که گذشت، و بمنزلۀ ماهی که بنهایت رسید، و گردید تازۀ او کهنه، وفربه اولاغر در موقفی که تنگ است محل ایستادن او و در کارهائی که مشتبه اند و بزرگ، و در آتشی که سخت است حدت و أذیت آن، بلند است آواز آن، درخشنده است شعلۀ آن، صاحب غیظ است صدای منکر آن، برافروخته است آتش سوزاننده آن، دور است خاموشی آن، تمام است اشتعال آن، ترسناکست وعدۀ آن، پوشیده است قعر آن، تاريك است اطراف آن، گرم است ریگهای آن، فضاحت دارد کارهای آن.

و رانده شدند با سرعت کسانی که پرهیزکاری پروردگار خود نمودند بسوی بهشت فوج فوج در حالتیکه أمن حاصل شده است از عذاب، و بریده شده سرزنش و عتاب و دور کرده شده اند ایشان از آتش جحیم، و آرام گرفته بایشان دارنعیم، وخوشنود شده اند بمنزل ومقر، چنان کسانیکه بود عملهای ایشان در دنیا پاك پاكيزه، و چشمهای ایشان پر از گریه، وبود شب ایشان بمنزلۀ روز از جهت خضوع وخشوع وطلب مغفرت، و روز ایشان بمنزله شب از جهت وحشت از خلق روزگار و بریده شدن از ایشان بسوی پروردگار، پس گردانید خداوند عالم از برای ایشان بهشت را محلّ بازگشت، و جزای عمل ایشان را ثواب بی نهایت، و بودند ایشان سزاوارتر ببهشت و أهل بهشت در پادشاهی دائمی و نعمت باقي.

پس رعایت کنید ای بندگان خدا چیزیرا که بسبب رعایت آن فایز شود راستكار شما، وبسبب ضایع نمودن آن زیان میبرد تبه کار شما، و مبادرت نمائید براجلهای خودتان با عملهای خود، پس بدرستی که شما گرو گذاشته شده اید بسبب آنچه که پیش فرستاده اید، و جزا داده شده اید بجهت آنچه که مقدّم ساخته اید، و گویا که نازل شد بشما مرگ هولناك، پس بعد از مرگ بازگشتنی نیست که عطا کرده شويد، ونه لغزشی که عفو کرده شوید.

توفیق بدهد خداوند ما را و شما را باطاعت خود و اطاعت رسول خود، و عفو فرماید از ما و از شما بافضل و احسان خود و رحمت خود، لازم بشوید و آرام باشید در زمین خود، وصبر نمائید بر بلا، و حرکت ندهید دستهای خود و شمشیرهای خود و خواهشات زبانهای خودتان را، وتعجيل نكنيد بجيزيكه تعجیل نفرموده خدای تعالی آنرا از برای شما، پس بدرستیکه آنکس که مرد از شما بررختخواب خود در حالتی که عارف باشد بحق پروردگار خود و بحق رسول خود و بحق أهل بیت او مرده است در حالتی که شهید بوده، و واقع شده أجر آن بر خدای تعالی، و مستحق بوده بثواب آنچه نیت کرده بود از عمل صالح خود، و نایب میشود نیت او مناب بر کشیدن او شمشیر خود را، پس بدرستی که هر چیزیرا مدتی و أجلی است.

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والتسعون من «المختار» في باب الخطب

اشارة

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْفَاشِي «فِي اَلْخَلْقِ خ ل» حَمْدُهُ، وَ اَلْغَالِبِ جُنْدُهُ، وَ اَلْمُتَعَالِي جَدُّهُ، أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ اَلتُّؤَامِ، وَ آلاَئِهِ اَلْعِظَامِ، اَلَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا، وَ عَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَ عَلِمَ مَا «بِماخ» يَمْضِي وَ مَا مَضَى، مُبْتَدِعِ اَلْخَلاَئِقِ بِعِلْمِهِ، وَ مُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ، بِلاَ اِقْتِدَاءٍ وَ لاَ تَعْلِيمٍ، وَ لاَ اِحْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِيمٍ، وَ لاَ إِصَابَةِ خَطَّإٍ، وَ لاَ حَضْرَةِ مَلَّإٍءٍ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، اِبْتَعَثَهُ وَ اَلنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، وَ يَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ، قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ اَلْحَيْنِ، وَ اِسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ اَلرَّيْنِ.

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ، فَإِنَّهَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَ اَلْمُوجِبَةُ عَلَى اَللَّهِ حَقَّكُمْ، وَ أَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ، وَ تَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اَللَّهِ، فَإِنَّ اَلتَّقْوَى فِي اَلْيَوْمِ اَلْحِرْزُ وَ اَلْجُنَّةُ، وَ فِي غَدٍ اَلطَّرِيقُ إِلَى اَلْجَنَّةِ، مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَ سَالِكُهَا رَابِحٌ، وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ، لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى اَلْأُمَمِ اَلْمَاضِينَ وَ اَلْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً إِذَا أَعَادَ اَللَّهُ مَا أَبْدَا، وَ أَخَذَ مَا أَعْطَى، وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى، فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وَ حَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا أُولَئِكَ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً، وَ هُمْ أَهْلُ صِفَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ -وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ اَلشَّكُورُ- فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وَ أَکِظُُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا، وَ اِعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً، وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً، أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، وَ اِقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَ أَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَ اِرْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَ دَاوُوا بِهَا اَلْأَسْقَامَ، وَ بَادِرُوا بِهَا اَلْحِمَامَ، وَ اِعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَ لاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا، أَلاَ وَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا.

وَ كُونُوا عَنِ اَلدُّنْيَا نُزَّاهاً، وَ إِلَى اَلْآخِرَةِ وُلاَّهاً، وَ لاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ اَلتَّقْوَى، وَ لاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ اَلدُّنْيَا، وَ لاَ تَشِيمُوا بَارِقَهَا، وَ لاَ تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا، وَ لاَ تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَ لاَ تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَ لاَ تُفْتَنُوا بِأَعْلاَقِهَا، فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ، وَ نُطْقَهَا كَاذِبٌ، وَ أَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ، وَ أَعْلاَقَهَا مَسْلُوبَةٌ، أَلاَ وَ هِيَ اَلْمُتَصَدِّيَةُ اَلْعَنُونُ، وَ اَلْجَامِحَةُ اَلْحَرُونُ، وَ اَلْمَائِنَةُ اَلْخَؤُونُ، وَ اَلْجَحُودُ اَلْكَنُودُ، وَ اَلْعَنُودُ اَلصَّدُودُ، وَ اَلْحَيُودُ اَلْمَيُودُحَالُهَا اِنْتِقَالٌ، وَ وَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ، وَ عِزُّهَا ذُلٌّ، وَ جِدُّهَا هَزْلٌ، وَ عُلْوُهَا سُفْلٌ، دَارُ حَرَبٍ وَ سَلَبٍ وَ نَهْبٍ وَ عَطَبٍ، أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَ سِيَاقٍ، وَ لَحَاقٍ وَ فِرَاقٍ، قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا، وَ أَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا، وَ خَابَتْ مَطَالِبُهَا، فَأَسْلَمَتْهُمُ اَلْمَعَاقِلُ، وَ لَفَظَتْهُمُ اَلْمَنَازِلُ، وَ أَعْيَتْهُمُ اَلْمَحَاوِلُ، فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ، وَ لَحْمٍ مَجْزُورٍ، وَ شِلْوٍ مَذْبُوحٍ، وَ دَمٍ مَسْفُوحٍ، وَ عَاضٍّ عَلَى يَدَيْهِ، وَ صَافِقٍ بِكَفَّيْهِ «لكَفَّيْهِ خ» وَ مُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ، وَ زَارٍ عَلَى رَأْيِهِ، وَ رَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ،وَ قَدْ أَدْبَرَتِ اَلْحِيلَةُ، وَ أَقْبَلَتِ اَلْغِيلَةُ، وَ لاَتَ حِينَ مَنَاصٍ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وَ ذَهَبَ

مَا ذَهَبَ وَ مَضَتِ اَلدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا -فَمٰا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمٰاءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مٰا كٰانُوا مُنْظَرِينَ(1).

اللغة

(فشا) الخبر يفشو فشواً أي ظهر وشاع وانتشر، وأفشيته وفشت أمور النّاس افترقت وفشت الماشية مرحت و(الجدّ) العظمة وهو مصدر يقال منه جدّ في عيون النّاس من باب ضرب أي عظم والجدّ أيضاً الحظّ يقال وجدت بالشيء من باب تعب أي حظظت به، وقيل الجد أصله القطع، ومنه الجدّ العظمة لانقطاع كلّ عظمة عنها لعلوّها عليه ومنه الجدّ أبو أب الأَب لانقطاعه بعلوّ أبوته وكلّ من فوقه لهذا الولد أجداد والجدّ الحظ لانقطاعه بعلوّ شأنه، والجدّ خلاف الهزل لانقطاعه عن السخف ومنه الجديد لأَنه حديث عهد بالقطع.

و(التوأم) جمع توأم وزن فوعل وهو أبو المقارن أخاه في بطن واحد وكلّ واحد من الولدين توأم وهذا توأم هذا وهذه توأمته، والجمع توائم مثل جندل وجنادل، ويجمع أيضاً على توام وزن فعال كما في هذه الخطبة.

و(استغلقني) بيعته واستغلق عليّ بيعته أي لم يجعل لي خياراً في ردّه و(الرّين) الدنس يقال: ران على قلبه ذنبه أي دنسه ووسخه و (أهطع) في عدوه أي أسرع وأهطع البعير إذا مدّ عنقه وصوّب رأسه، وفي بعض النسخ بدل فأهطعوا فانقطعوا بأسماعكم، فلا بدّ من التضمين أي انقطعوا مستمعين بأسماعكم.

و(أكظوا) أمر من الكظ وهو الجهد يقال كظه الأَمر جهده والكظاظ طول الملازمة وشدّة الممارسة، وفي بعض النسخ: وألظوا من ألظّ في الأَمر أي ألح فيه وألظّ المطر أي دام في بعض النسخ: وواكظوا من المواكظة وهي المداومة على الأمر و(الجدّ) في الشيء بالكسر المبالغة والاجتهاد فيه و(رحضت) الثوب رحضاً من باب منع غسلته و(شام) البرق يشمه إذا نظر إليه انتظاراً للمطر و(تصدّى) له تعرّض و (عنّ) الشيء يعن من باب ضرب عناً وعنناً وعنوناً إذا ظهر أمامك واعترض و (جمح) الفرس براكبه يجمح من باب منع جماحاً وجموحاً استعصى حتى غلبه فهو جموح وزن رسول وجامح، وجمحت المرأة خرجت من بيتها غضبي بغير إذن بعلها.

و (حرن) الدابة حروناً من باب قعد فهي حرون وهي الّتي إذا استدرّ جريها وقفت و(مان) يمين ميناً كذب فهو مائن و(حادت) الناقة عن كذا أي مالت عنه فهي حيود و(مادت)


1) شرح نهج البلاغة: 116/13.

أي مالت فهي ميود فإن كانت عادتها ذلك سمّيت الحيود الميود و(الجدّ) في الكلام بالكسر ضدّ الهزل و(الحرب) بسكون الراء معروف وجمعه حروب وبفتحها مصدر يقال حربه حرباً مثل طلبه طلباً أي سلب ماله (وسلبه) سلباً وسلباً اختلسه و (والنهب) بسكون الهاء الغنيمة.

و(الساق) ما بین الكعب والركبة قال سبحانه: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) [القِيَامَة: الآية 29]. والسّاق أيضاً الشدّة، ومنه قامت الحرب على ساق إذا اشتد أمرها وصعب الخلاص منها، وربما فسّرت الآية بهذا المعنى أني التفّت آخر شدّة الدّنيا بأوّل شدّة الآخرة.

(والسّياق) مصدر من ساق الماشية سوقاً وسياقة وساق المريض سوقاً وسياقاً شرع في نزع الروح و(جزرت) الجزور نحرتها و(الشلو) بالكسر العضو والجسد من كل شيء وكلّ مسلوخ أكل منه شيء وبقيت منه بقيّة والجمع أشلاء كحبر وأحبار و(ارتفق) إتكاء على مرفق يده أو على المخدة و (الغيلة) الشرّ أو بمعنى الاغتيال وهو الخديعة و(المناص) المهرب من ناص عن قرنه ينوص نوصاً إذا هرب والمناص أيضاً الملجأ.

وقوله (لحال بالها) قال الشارح المعتزلي كلمة يقال فيها انقضى وفرط أمره وقيل: البال القلب ورخاء النفس أي مضت الدّنيا لما يهواه قلبها.

الإعراب

جملة وقد أدبرت الحيلة في محلّ النصب حال من فاعل راجع وقوله: ولات حين مناص، لا مشبهة بليس والتاء زايدة وحين بالنصب خبر لا واسمها محذوف، قال نجم الأَئمة: وقد يلحق لا التاء نحو لات فيختص بلفظ الحين مضافاً إلى نكرة، نحو لات حين مناص، وقد يدخل على لفظة أوان ولفظة هنا أيضاً وقال الفراء يكون مع الأوقات كلّها وأنشد: ولات ساعة ساعة مندم.

والتاء في لات للتأنيث كما في ربة وثمة قالوا: إما لتأنيث الكلمة أي لا، أو لمبالغة النفي كما في علامة فإذا وليها حين فنصبه أكثر من رفعه ويكون اسمها محذوفاً وحين خبرها أي لات الحين حين مناص وتعمل يعني لات عمل ليس لمشابهتها له بكسع التاء إذ يصير على عدد حروفه ساكنة الوسط ولا يجوز أن يقال بإضمار اسمها كما في نحو عبد الله ليس منطلقاً، لأَن الحرف لا يضمر فيه وإن شابه الفعل، وإذا رفعت حين على قلّته فهو اسم لا والخبر محذوف أي لات حين مناص حاصلاً، ولا يستعمل إلاّ محذوفة أحد الجزئين.

هذا قول سيبويه وعند الأَخفش أن لات غير عاملة والمنصوب بعدها بتقدير فعل، فمعني لات حين مناص لا أرى حين مناص، والمرفوع بعدها مبتدأ محذوف الخبر، وفيه ضعف لأَن وجوب حذف الفعل الناصب وخبر المبتدأ له مواضع متعينة.

قال نجم الأََئمة: ولا يمتنع دعوى كون لات هي لاء التبرية، ويقوّيه لزوم تنكير ما أُضیف حين إليه، فإذا انتصب حين بعدها فالخبر محذوف كما في لا حول وإذا ارتفع فالاسم محذوف أي لات حين حين مناص كما في لا عليك، ونقل عن أبي عبيد أن التاء من تمام حين كما جاء:

العاطفون تحين ما من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم

وقد ضعف لعدم شهرة تحين في اللّغات واشتهار لات حين، وأيضاً فإنّهم يقولون لات أوان ولات هنا ولا يقال تاوان وتهنا.

وكيف كان فجملة ولات حين مناص في موضع النصب حال من فاعل أقبلت، وقوله: هيهات هيهات اسم فعل فيه معنى البعد، وفيه ضمير مرتفع عائد إلى مناص والمعنى بعد المناص جدّاً حتى امتنع.

قال نجم الأَئمة وكل ما هو من أسماء الأَفعال بمعنى الخبر ففيه معنى التعجّب فمعنى هيهات أي ما أبعده، وشتان أي ما أشدّ الافتراق، وسرعان ووشكان أي ما أسرعه، وبطان أي ما أبطأه.

وقال الزمخشري في «الكشاف» في قوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) [المؤمنون: الآيتان 35 و36] قرأ هيهات بالفتح والكسر والضمّ كلّها بتنوين وبلا تنوين وبالسّكون على لفظ الوقف.

وقال أبو علىّ وإنّما كرّر هيهات في الآية وفي قول جرير:

فهيهات هيهات العقيق ومن به *** وهيهات وصل بالعقيق فواصله

للتأكيد أمّا اللتان في الآية ففي كلّ واحد ضمير مرتفع يعود إلى الإخراج إذ لا يجوز خلوّه من الفاعل والتقدير: هيهات إخراجكم، لأَن قوله: أنّكم مخرجون بمعنى الإخراج أي بعد إخراجكم للوعد إذ كان الوعد إخراجكم بعد موتكم، استبعد أعداء الله إخراجهم لما كانت العدة به بعد الموت، ففاعل هيهات هو الضّمير العائد إلى أنكم مخرجون الّذي هو بمعنى الإخراج.

وأمّا في البيت ففي هيهات الأَوّل ضمير العقيق وفسّر ذلك ظهوره مع الثّاني، هذا.

وذكر في «القاموس» في هيهات إحدى وخمسين لغة لامهم بنا إلى ذكرها.

المعنى

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة المشتملة على كثير من محاسن البلاغة والبديع من

الانسجام وحسن السّبك وأنواع من الجناس وحسن الإسجاع والقوافي والاشتقاق ونسبة الاشتقاق وغيرها مما يعرفها الناقد البصير مسوقة للترغيب إلى التقوى والترهيب من الدنیا، وقبل الشروع في المقصود ابتدأ بحمد الله سبحانه وذكر جملة من نعوت جماله وصفات جلاله كما هو دأبه وديدنه في مقام الخطابة فقال:

(الحمد لله الفاشي حمده) أي الشائع المنتشر ثناؤه في جميع مخلوقاته بعضها كالكفار بلسان الحال فقط وبعضها به وبلسان المقال أيضاً.

قال تعالى في سورة الرّعد: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) [الرعد: الآية 13] وفي سورة النحل: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ، وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) [النحل: الآيتان 48 و 49] وفي سورة بني إسرائيل (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء: الآية 44] وفي سورة النور (ألم تر إن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلواته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون) إلى غير هذه من الآيات الدالة على تسبيح كلّ شيء وتقديسه وحمده الله سبحانه.

والمراد بالتسبيح حسبما أشرنا إليه معنى منتظم لما ينطق به لسان الحال ولسان المقال بطريق عموم المجاز.

وذهب بعض أهل العرفان إلى أن المراد به التسبيح بلسان المقال حيث قال: خلق الله الخلق ليسبّحوه فأنطقهم بالتسبيح له والثناء عليه والسّجود له فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ) [النور: الآية 41] الآية وقال أيضاً: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) [الحَجّ: الآية 18] الآية وخاطب بهاتين الآيتين نبيّه صلّی الله علیه و آله و سلّم الذي أشهده ذلك وأراه فقال: ألم تر، ولم يقل: أم تروا فإنا ما رأيناه فهو لنا إيمان ولمحمد صلّی الله علیه و آله و سلّم عيان، فأشهده سجود كل شيء وتواضعه الله، وكل من أشهده الله ذلك وأراه دخل تحت هذا الخطاب، وهذا تسبيح فطري وسجود ذاتي نشأ عن تجل تجلّى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي، وهذه هي العبادة الذاتيّة الّتي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه.

قال: وليس هذا التسبيح بلسان الحال كما يقوله أهل النظر ممن لا كشف له.

قال: ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف، فقد سمعنا الأحجار تذكر الله رؤية عين

بلسان تسمعه آذاننا منها، وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله ممّا ليس يدركه كل إنسان انتهى.

وفيه ما ذكره من الدّليل لا يفي بإثبات مدّعاه إذ التسبيح الذاتي والسجود الفطري الذي ذكره ليس أمراً وراء التسبيح بلسان الحال فما معنى قوله وليس هذا التسبيح بلسان الحال كما يقوله أهل النظر.

وبعبارة أخرى التسبيح، إما قاليّ وهو التسبيح بالنطق واللّسان مثل قول: سبحان الله ونحوه، وإما حاليّ وهو دلالة المخلوق على ما لا يليق بذاته تعالى من لواحق الإمكان ولواحق الحدوث والنقصان، إذ ما من موجود إلا وهو بإمكانه وحدوثه يدلّ دلالة واضحة على أن له صانعاً قادراً عليماً حكيماً واجب الوجود قطعاً للتسلسل.

فإن أراد بالسجود الذاتي هذا المعنى فينافيه قوله وليس هذا التسبيح بلسان الحال.

وإن أراد المعنى الأَوّل فدليله لا ينهض به إذ محصّل ما ذكره من الدليل أن الخطاب في الآيتين متوّجه إلى النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم بخصوصه، ولذلك قال: ألم تر ولم يقل: ألم تروا، ولو كان المراد التسبيح بلسان الحال لقال ألم تروا، لأن التسبيح الحالي يعرفه كلّ أحد بخلاف التسبيح القولي فإنّه مختص رؤيته بالنبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم.

ويتوجّه عليه أنا نمنع اختصاص الخطاب صلّی الله علیه و آله و سلّم به بل متوجّه إلى كلّ من يتأتى منه الرؤية والنظر لو قلنا بالقول الآخر، ويشهد بذلك قوله في سورة النحل: (ولم يروا إلى ما خلق الله من شيء) حيث أتى بصيغة الجمع فلا فرق بين هذه الآية والآيتين المتقدمتين، غاية الأَمر أن الاستفهام في الأوليين للتقرير وإن كان الخطاب مختصّاً بالنبي صلّی الله علیه و آله و سلّم، وفي هذه للتوبيخ والتقريع، ومن المعلوم أن التوبيخ إنّما توجّه عليهم بسبب تمكّنهم من الرؤية، والرؤية العيانية كما ذكره هذا القائل غير ممكنة، فلا بدّ من حمل السجود على السجود بلسان الحال، والرؤية بالرّؤية بمعنى التفكر.

ثمّ ما ادّعاه أخيراً من الكشف وأنّه سمع بإذنه ذكر الأحجار بعد الغض عن أنّه دعوى بلا برهان يناقض ما قرره أولاً من اختصاص الرؤية العيانية بالنبي صلّى الله عليه و آله و سلّم لأنّه على زعمه يكون شريك النبوّة في الرؤية العيانية مع سائر أرباب المكاشفة، وهذا يتقضي أن يؤتى الخطاب في الآيتين بصيغة الجمع ويقال: لم تروا.

اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم له قوّة الرؤية لسجود جميع الأَشياء، وهذا القائل ادعى تسبيح البعض كالأَحجار، ولما ذكر سبحانه في الآيتين سجود الجميع وتسبيحهم لا جرم خصّ رؤيته بالنبيّ لكونه فقط متمكّناً من رؤية الكل، هذا.

وربما استدل على ما قاله هذا القائل من أن الجماد والنبات والحيوان كلها ناطقة بالحمد والثناء والتسبيح والتقديس قولاً لقوله: (وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: الآية 44] فإنّ التسبيح الّذي لا نفقهه هو التسبيح المقالي، وأمّا التسبيح الحالي فيفقهه كلّ من له عقل ونظر.

وفيه أولاً النقض بقوله: (أول يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيوء ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون) فإنّه سبحانه وبخهم على ترك رؤية سجود ما خلق الله، ولازم ذلك أن تكون الرّؤية ممكنة وإلاّ لم يحسن التوبيخ، والسجود المقالي غير ممكنة الرؤية إذ لا نفقهه فلا بد أن يكون سجودهم بالحال حتّى يمكن رؤيته ويحسن التوبيخ على تركها.

وثانياً بالحلّ وأنّه لا يثبت المدّعى، لأَنّ قوله: (لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: الآية 44] كما يجوز أن يراد به التسبيح القولي ويكون عدم فهم المخاطبين له من أجل اختلاف اللغات وعدم معرفتهم بأصوات الحيوانات والجمادات وسائر المخلوقات، كذلك يجوز أن يراد به التسبيح الحالي ويكون عدم فهم المخاطبين له لأََجل التشاغل والأََغراض، أي لا تعلمون تسبيح هذه الأَشياء حيث لم تنظروا فيها ولم تعرفوا كيفيّة دلالتها على صانعها.

ولذلك قال المفسرون إن الخطاب فيها للمشركين أي لا تفقهون أيّها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيح الّذي به يفقه ذلك، وإلى هذا أشير في قوله سبحانه (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يُوسُف: الآية 105].

وعلى ما قلنا فيكون مفاد هذه الآية موافقاً لمفاد الآية السابقة أعني قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إلى مَا خَلَقَ اللهُ) [النحل: الآية 48] ولمفاد سائر الآيات المتقدمة، فيكون المراد بالتسبيح والسجود والحمد في جميعها المعنى الأََعم مما كان بلسان المقال، ويكون المراد بالرؤية فيها هو الرؤية بمعنى التأمّل والتدبّر في ملكوت السماوات والأََرض ومعرفته دلّهم الله سبحانه قولاً وحالاً، هذا.

ولما كان هذا المقام من مطارح الأَنظار ومسارح الأَفكار أحببت أن أشبع فيه الكلام بتوفيق الملك العلام وإعانة الأَئمة الكرام علیهم السلام.

فأقول: إنّ التسبيح والثناء الله سبحانه على قسمين.

أحدهما حاليّ، وهو دلالة أحوال المخلوق على وجود خالقه وتوحيده، والتسبيح، والثناء بهذا المعنى لا ريب في اتصاف جميع المخلوقات به (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء: الآية 44] إذ كل موجود سوى القديم حادث يدعو إلى تعظيمه لافتقاره إلى صانع

غیر مصنوع صنعه، أو صنع من صنعه فهو يدعو إلى تثبيت قديم غني بنفسه عن كلّ شيء سواه، ولا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات.

وبعبارة أخرى نقصانات الخلائق دلائل كمالات الخالق، وكثراتها واختلافاتها شواهد وحدانيّته، وانتفاء الشريك والضّد والنّد عنه كما قال علیه السلام في المختار المائة والخمس والثمانين: بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأَشياء عرف أن لا قرين له.

والثاني قاليّ، وهو في الإنسان والملك والجنّ قول: سبحانه الله والحمد لله ونحو ذلك من الأَلفاظ المتضمّنة للتنزيه والتقديس الخارجة من اللسان والمسموعة بالأَسماع والآذان.

وأمّا في أصناف الحيوان فكلّ صنف بما اختصّ به من النطق وامتاز به عن سائر أبناء جنسه كالفرس في صهيله، والبعير في هديره، والحمار في نهيقه، والغراب في نعيقه وهكذا.

وأمّا في الجماد والنبات والماء والشجر والأَرض والهواء فنحو آخر مثل الصرير في الأَبواب، والجري في المياه، والانقضاض في الجدران والأخشاب، ونحو ذلك مما يعلمه الله سبحانه وتعالى.

إذا عرفت ذلك فأقول: أما ذوو العقول فلا كلام في تسبيحهم الله سبحانه حالاً وقالا، كما لا كلام في اتصاف غير ذوي العقول حيواناً أو جماداً بالتسبيح الحالي: وإنما الكلام في اتّصافها بالتسبيح القالي، والحق فيه أيضاً الإمكان بل الوقوع خلافاً لعلم الهدى السيّد المرتضى في كتاب «الغرر والدّرر»، وللفخر الرازي في «التفسير الكبير».

لنا على جوازه ووقوعه في الحيوان أن الأدلة من الكتاب والسّنة قد دلت على أن الأنواع على اختلافها منطقاً مفهوماً وألفاظاً تفيد أغراضها بمنزلة الأَعجمي والعربي اللّذين لا يفهم أحدهما كلام صاحبه وإنما يفهمه المشارك له في هذه اللهجة فإذا جاز لها النطق في سائر أغراضها جاز لها النّطق في تسبيح خالقها أيضاً.

والشاهد على أنها ذوات نطق وإدراك وشعور، وأنها تنطق بتوحيده وتسبيحه تعالى قوله سبحانه حكاية عن نملة سليمان قالت نملة: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا) [النَّمل: الآيتان 18 و 19] وقوله تعالى: حكاية عن سليمان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) [النَّمل: الآية 16] وقوله عزّ وجلّ حكاية عن الهدهد وتكلّمه مع سليمان (فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ

بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النَّمل: الآيات 20 - 27].

وفي هذه الآية وجوه من الدلالة على المدّعى.

أحدها دلالة هذه الآيات بمجموعها على أن سليمان كان مع الهدهد في مقام الخطاب والسؤال والجواب حتّى نزله في آخر مقاله منزلة العاقلين وجعل خبره محتملاً للصدق والكذب وقال: (سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَذِبِينَ) [النَّمل: الآية 27] وذلك كلّه يدلّ على أنه كان عالماً فهماً شاعراً لما يقول ويجيب به.

الثاني قوله: (لَأُعَذِبَنَّهُ عَذَابًا) [النَّمل: الآية 21] فإنّ التعذيب لا يجوز من النبي المعصوم إلا مع التقصير في التكليف، والهدهد لما كان مأموراً بطاعته كسائر الوحوش والطيور استحق العقاب لغيبته بدون إذنه، واعترف الرازي أيضاً بذلك حيث قال قوله: (لأعذبنَّهُ عَذَابًا) [النَّمل: الآية 21] (اه-) فهذا لا يجوز أن يقوله إلاّ فيمن هو مكلّف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأَن يؤدّب.

الثالث قوله: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) [النَّمل: الآية 22] فقد قال الرازي: فيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى خلق الله من أحاط علماً بما لم يحط به، فيكون ذلك لطفاً له في ترك الإعجاب والإحاطة بالشيء أن يعلم من جميع جهاته.

الرابع ما دلّ عليه قوله (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ) [النَّمل: الآية 24] إلى قوله: (لَا يَهْتَدُونَ) [النَّمل: الآية 24] من أن الهدهد كان له معرفة بالله وبوجوب السجود له وأنه أنكر سجودهم للشمس وأضافه إلى الشيطان وتزيينه.

وما قاله الجبائي من أن الهدهد لم يكن عارفاً بالله وإنما أخبر بذلك كما يخبر مرهقو صبياننا لأَنه لا تكليف إلاّ على الملائكة والإنس والجنّ، فيرانا الصّبي على عبادة الله فيتصور أن ما خالفها باطل، فكذلك الهدهد تصور أن ما خالف فعل سليمان باطل.

فهو خلاف ظاهر القرآن لأَنه لا يجوز أن يفرق بين الحق الذي هو سجود لله وبين الباطل الذي هو السجود للشمس، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح إلاّ العارف بالله وبما يجوز عليه وبما لا يجوز عليه خصوصاً مع نسبة تزيين أعمالهم وصدّهم عن طريق الحقّ إلى

الشيطان، وهذا مقالة من يعرف العدل وأن القبيح غير جايز على الله سبحانه.

الخامس استنكاره عليهم في ترك السجود لله بقوله (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) [النَّمل: الآية 25] على القول بأن هذا الكلام إلى قوله (الْعَظِيمُ) [التوبة: الآية 72] من تمام الحكاية لمقال هدهد كما عليه أكثر المفسرين لا جملة معترضة ومن كلامه سبحانه كما ذهب إليه بعضهم.

السادس قوله: (الذي يخرج الخبأ) إلى قوله: (وَمَا يُعْلِنُونُ) [هُود: الآية 5] نص في معرفة الهدهد بقدرة الله وبعلمه.

السابع قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [النَّمل: الآية 26] فإنّه نص صريح في معرفته بالله وتوحيده وتنطّقه بكلمة التوحيد وتسبيحه له وتقديسه من الشريك ووصفه بالربوبية، هذا.

ومن الأدلّة أيضاً قوله سبحانه في سورة النور: (ألم ترى أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلواته وتسبيحه) على أنّ الضمير في علم راجع إلى الطير كما عليه جملة من المفسّرين.

ومن السنة الأخبار الكثيرة العامية والخاصية الدالة على أنّ لها تسبيحاً وذكراً، وأنها تعرف خالقهم ومصالحهم ومفاسدهم، وأنه لا يصاد صيد في برّ أو بحر من طير أو وحش إلاّ بتضييعه التسبيح.

فمنها ما رواه في «البحار» من قصص الأنبياء عن ابن عبّاس عن أمير المؤمنين علیه السلام في حديث طويل أجاب فيه عن مسائل قوم من أحبار اليهود قال: قالوا: فأخبرنا ما تقول هذه الحيوانات؟ قال علیه السلام: درّاج يقول: الرّحمن على العرش استوى، والدّيك يقول: اذكروا الله يا غافلين، والفرس يقول إذا مشى المؤمنون إلى الكافرين: اللّهم انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، والحمار يلعن العشّار وينهق في عين الشيطان، والضفدع يقول: سبحانه ربي المعبود والمسبّح في لجج البحار، والقنبر يقول: اللّهم العن مبغضي محمد وآل محمّد(1).

وعن «حياة الحيوان» ذكر السرحان سبحان ربي، وذكر الدّراج: الرّحمن على العرش استوى، والعقاب: البعد عن الناس راحة، والخطاف: الفاتحة إلى آخرها وتمدّ صوته بقوله ولا الضّالين، والبازي: سبحان ربّي وبحمده، والقمري: سبحان ربي الأعلى، والغراب: يلعن العشار، والحدثة: كلّ شيء هالك إلا الله، والقطاة: من سكت سلم، والعنقا: ويل


1) بحار الأنوار: 412/14، وقصص الأنبياء: 256.

لمن كانت الدّنيا همّه، والزرزور: اللّهم أسألك رزق يوم بيوم يا رزّاق، والقبرة: اللّهم العن مبغضي محمد وآل محمد، والدّيك: اذكروا الله يا غافلين، والنسر: يا ابن آدم عش ما شئت فإن آخره الموت، والفرس: عند ملتقى الجمعين: سبّوح قدوسٌ ربّ الملائكة والرّوح، والحمار يلعن المكاري وكسبه، والضّفدع سبحان ربّي القدّوس.

ومنها ما ورد في أخبار كثيرة في حديث المعراج وغيره من أن الله ملكاً في صورة الدّيك براثينه في الأَرضين السابعة وعرفه تحت العرش وله جناحان يصفق بهما فإذا كان وقت السحر يسبح الله سبحانه ويقول في تسبيحه: سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والرّوح، وفي رواية سبحان الملك القدوس سبحان الله الكبير المتعال لا إله إلاّ الحي القيوم، فلا يبقى في الأَرض ديك إلا أجابه ورفع صوته بالتسبيح، قال أمير المؤمنين علیه السلام وذلك قول الله عزّ وجلّ: (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) [النور: الآية 41].

ومثلها الأَخبار الواردة في مدح أجناس الطير والبهائم كالحمام والبلبل والقنبر والحجل والدّراج وما شاكل، كل ذلك من فصيحات الطّير معلّلاً بأنّها تنطق بالثناء على الله وعلى أوليائه ودعا لهم ودعا على أعدائهم، وذم أجناس أخر كالفواخت والرخم والعنقا والبوم والجرى والمارماهي والوزغ ونحوها لتنطقهم بذمّ أولياء الله وإنكارهم للولاية.

وهذه الأَخبار فوق حدّ الإحصاء فلا يبقى مجال لإنكار تسبيحها القولي بمحض استبعاد الأَوهام أو تقليداً للفلاسفة الّذين استبدوا بالعقول ولم يؤمنوا بما جاءت به الأَنبياء الكرام علیهم السلام، وأيّ دليل على عدم شعورها وإدراكها للكليات وعدم تكلمها ونطقها، فإن كثيراً ما نسمع بعض كلام النّاس مع غيرهم ممن لا نفهم لغاتهم بوجه، فنظن أن كلامهم كأصوات الحيوانات لا نميّز بين كلماتهم ونتعجب من فهم البعض كلام بعض ولا استبعاد في كونها مكلفة ببعض التكاليف وتعذب في الدّنيا بتركها بأن يصاد أو يذبح. أو في الآخرة أيضاً كما روى في تأويل قوله تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) [التّكوير: الآية 5] وإن لم يكن تكليفها عاماً وعقابها أبديّاً لضعف إدراكها.

قال السيّد المحدّث الجزائري في كتاب «زهر الرّبيع»:

تحقيق المقام أنّ النفس الناطقة إن كانت عبارة عن قوة النطق وإبراز الكلام فالحيوانات لها كلام يفهمه بعضها عن بعض كما عن بعض كما هو المشاهد منها خصوصاً مع أولادها، وفسّر كلام بعضها الأَنبياء والأئمة علیهم السلام.

وإن كان المراد منها إدراك الكليات والعلوم كما هو الشائع في إطلاق النفس الناطقة، ففي الحيوانات من يدرك من جزئيات العلوم ما لا يدركه أعقل الناس كإدراك القرد من

لطائف الحيل ودقائق الأمور ما لا يخفى، وكذلك النحل.

وإن كان المراد من النفس الناطقة فهم كتابي الشفاء والإشارات ونحوهما، فإن بعد كثير من الناس عن هذا أبعد من الثرى إلى الثريا.

قال: وإلى هذا ذهب الشيخ شهاب الدين، وقد صرّح ابن سينا في جواب أسئلة بهمنيار إنّ الفرق بين الإنسان والحيوانات في هذا الحكم مشكل.

وقال القيصري في «شرح فصوص الحكم»: ما قاله المتأخرّون من أن المراد بالنطق إدراك الكليات لا التكلم مع كونه مخالفاً بوضع اللغة لا يفيدهم لأَنه موقوف على أنّ النفس الناطقة المجرّدة خاصّة بالإنسان، ولا دليل لهم على ذلك ولا شعور لهم بأن الحيوانات ليس لها إدراك الكليات، والجهل بالشيء لا ينافي وجوده وإمعان النظر فيما يصدر عنها من العجايب يوجب أن يكون لها إدراك الكليات انتهى.

وقال المحقق الدواني في «شرح هياكل النور»: اعتقادنا أن جميع الحيوانات لها نفوس مجرّدة كما في الإنسان، وبعض القدماء على ذلك بل صرّح بعضهم بأن النبات لها نفوس ناطقة أيضاً.

إذ عرفت ذلك فلنذكر ما ذكره الفخر الرازي في هذا المقام.

قال في تفسير قوله تعالى: (يسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن): اعلم أن الحيّ المكلف يسبّح الله بوجهين: الأَوّل بالقول كقوله باللسان سبحان الله، والثاني بدلالة أحواله على توحيد الله وتقديسه وعزته، فأمّا الّذي لا يكون مكلفاً مثل البهائم ومن لا يكون حيّاً كالجمادات فهي إنّما تسبّح الله بالطريق الثاني، لأَن التسبيح لا يحصل إلاّ مع الفهم والعلم والإدراك والنطق وكلّ ذلك في الجماد محال فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلاّ بالطريق الثاني.

وأنت بعد الخبرة بما ذكرنا تعرف فساد ما ادعاه بما لا مزيد عليه، والعجب أنّه عمم دعواه للبهائم والجماد وخصّ دليله بالجماد فقط، فإن كان مقصوده أن البهايم مثل الجماد في عدم العلم والإدراك وكان اكتفاؤه بالجماد من باب الاختصار فهو ممنوع لما ذكرناه من الآيات الصّريحة في أنّ لها إدراكاً وفهماً وشعوراً، وإلاّ فدليله أخصّ من مدّعاه وستعرف بطلان دليله في الجماد أيضاً إنشاء الله تعالى.

وأما علم الهدى فقد بالغ في إنكار تسبيح الحيوان، وشدّد النكير على من ادّعاه وأطال الكلام في تأويل الآيات والأخبار بما يشمئزّ منه الطباع ويأبى عنه الذّوق السليم والطبع المستقيم، وصرفها عن ظواهرها بغير دليل.

وعمدة جهة مصيره إلى الخلاف هو عدم عمله بأخبار الآحاد، وقد أقام علماؤنا الأصوليّون أدلّة معتبرة من معتبرة من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل على حجيّتها، وبعد ثبوت الحجّية فالأَخبار الّتي يثبت المدعى وتبطل قول المرتضى فوق حدّ الإحصاء هذا تمام الكلام في التسبيح القالي للحيوان.

وأما في الجماد والنّبات والسّماء والأَرض وغيرها مما ليس لها حركات إرادية فالظاهر من أخبار الأَئمة الأَطهار علیهم السلام ثبوته أيضاً.

فقد روى في «الصّافي من الكافي» عن الصادق علیه السلام: «تنقض الجدر تسبيحها»(1).

وعن الباقر علیه السلام أنه سئل أتسبّح الشجر اليابسة؟ فقال: «نعم أما سمعت خشب البیت كيف ينقض فذلك تسبيحه فسبحان الله على كلّ حال»(2).

وفي «البحار من العيون» عن الرضا عن آبائه عن الحسين بن علي ومحمد بن الحنفية عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين قال: سمعت رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم يقول: «تختّموا بالعقيق فإنّه أوّل جبل أقرّ الله بالوحدانيّة ولي بالنبّوة ولك يا علي بالوصيّة»(3).

والأَخبار في هذا المعنى كثيرة لا حاجة إلى الإطالة بروايتها.

وقد خالفنا فيه الرازي أيضاً فإنّه قال: من لا يكون حيّاً مثل الجمادات فهي إنّما تسبّح الله بالطريق الثاني، لأنّ التسبيح بالطريق الأَوّل لا يحصل إلاّ مع الفهم والعلم والإدراك وكل ذلك في حق الجماد محال فلم يبق حصول التسبيح في حقّه إلا بالطريق الثاني ثمّ قال:

واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالماً متكلّماً لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى عالماً قادراً على كونه حيّاً وحينئذ ينسدّ علينا باب العلم بكونه حيّاً وذلك كفر، فإنّه يقال إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبيحه مع مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء عالماً قادراً متكلماً كونه حيّاً وذلك جهل وكفر لأَن من المعلوم بالضرورة أنّ من ليس بحيّ لم يكن عالماً قادراً، انتهى.

ومحصل دليله أمران: أحدهما: أن التسبيح القالي مستلزم للعلم والفهم والإدراك وهو حق الجماد محال وثانيهما أنه لو كان متكلّماً لانسدّ باب الاستدلال على حياة الله سبحانه بالتقريب الّذي ذكره.


1) التفسير الصافي: 195/3.

2) بحار الأنوار: 57/ 177 ح6، وتفسير العياشي: 294/2 ح84.

3) علل الشرائع: 1/ 158 ح3. وعيون أخبار الرضا (علیه السلام): 1/ 75 ح324.

ويتوجه على دليله الأول أنه إن أراد الاستحالة العقلية فممنوعة وإن أراد الاستحالة العادية فلا تثبت المدّعي ولا تفيد الامتناع، والشاهد على ذلك قوله سبحانه في سورة سبأ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) [سَبَإ: الآية 10] أي رجعي معه التسبيح قال عليّ بن إبراهيم القميّ أي سبّحي الله وقال: كان داود إذ مرّ بالبراري يقرء الزبور وتسبّح الطير معه والوحوش، وقال الرازي قوله: (يا جبال أوّبى معه) قال الزمخشري يا جبال بدل من قوله فضلاً معناه وآتيناه فضلاً قولنا يا جبال أو من آتينا ومعناه قلنا يا جبال أوبى، انتهى.

فتقول: إذا جاز تعلّق خطابه سبحانه على الجبال بالتأويب تفضّلاً منه على داود فيجوز تعلّق خطابه عليها في غير هذا المقام أيضاً، وبعبارة أخرى إذا كان الجبال قابلة للخطاب هناك كانت قابلة له مطلقاً غاية الأمر أن تأويبها مع داود علیه السلام كان ظاهراً يسمعه كلّ من حضر لإعجاز داود علیه السلام نظير تسبيح الحصى في يد رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم، وفي سائر المقامات كان خفيّاً لا يسمعه الناس كما قال تعالى: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: الآية 44].

وأوضح من ذلك دلالة قوله تعالى في سورة ص: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) [ص: الآيات 17 - 19] فإن الآية السابقة أفادت تعلق خطابه سبحانه على الجبال بالتسبيح، وهذه الآية دلّت على قبولها لذلك الخطاب ونصّت بأنّها يسبّحن بالرواح والصباح وأنّ الطير شاركتها في التسبيح وأن كلاً منها أوّاب له أيّ رجّاع إلى ما يريد مطيع له بالتسبيح.

والعجب أن الجبائي مع إنكاره لعرفان الهدهد بالله حسبما حكينا عنه في تفسير آية النّمل قال في تفسير هذه الآية: ولا يمتنع أن يكون الله خلق في الطيور من المعارف ما يفهم به أمر داود ونهيه فتطيعه فيما يريده منها وإن لم تكن كاملة العقل مكلفة.

وقال الفخر الرازي: قوله (وسَخَرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ) [ص: الآية 18] الآية إن الله سبحانه خلق في جسم الجبال حياة وعقلاً وقدرة منطقاً وحينئذ صار الجبل مسبّحاً لله وقوله: (یُسَبِّحنَ) [الأنبياء: الآية 79] يدلّ على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً فشيئاً وحالاً بعد حال، وكان السامع محاضر تلك الجبال يسمعها تسبّح وقوله (وَالطَّير مَحْشُورَةٌ) [ص: الآية 19] معطوفة على الجبال والتقدير وسخّرنا الطير محشورة قال ابن عبّاس: كان داود إذا سبّح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبّحت معه، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون حاشرها هو الله سبحانه.

ثم قال الرازي: فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنّه لا عقل لها؟ قلنا لا يبعد أن يقال: إن الله كان يخلق لها عقلاً حتّى يعرف الله فيسبّحه حينئذ، وكلّ ذلك كان

معجزة لداود علیه السلام وقوله: (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) [ص: الآية 19] معناه كل واحد من الجبال والطير أوّاب أي رجّاع، أي كلما رجع داود إلى التسبيح فهذه الأشياء أيضاً كانت ترجع إلى تسبيحاتها، والفرق بين هذه الصّفة وبين ما قبلها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبّحت مع تسبيح داود، وبهذا اللّفظ فهمنا دوام تلك الموافقة، انتهى كلامه هبط مقامه.

فقد ظهر بذلك أنّه معترف بتسبيح الجبال والطيور مقر بأنه لا يبعد إفاضة الله إليها عقلاً فتعرف الله وتسبح غاية الأَمر أنّه يقول إنّ ذلك كله كان معجزة لداود علیه السلام.

ويتوجّه عليه أنّه إذا لم يستبعد أن يفيض الله إليها عقلاً فيأمرها بالتسبيح لغرض الإعجاز فأيّ بعد في إفاضة العقل إليها وأمرها بالتسبيح لا لذلك الغرض بل لمصالح آخر اقتضت ذلك، وهذا يهدم مادة الاستحالة الّتي ادّعاها، فافهم جيّداً واغتنم وتدبّر، هذا.

ويتوجه على دليله الثاني أن إثبات الحياة الله سبحانه لا ينحصر دليله في العقل بل الإجماع والأدلّة النقليّة على اتّصافه بالحياة قائمة، وقد دللنا على جملة من صفاته بالسمع ككونه متكلماً سميعاً بصيراً فليكن صفة الحياة مثلها.

قال صدر المتألهين في المبدأ والمعاد: الحياة في حقنا يتمّ بإدراك هو الإحساس وفعل هو التحريك منبعثين عن قوتين مختلفتين، ولما ورد الشريعة بإطلاقها عليه تعالى فالحيّ في حقه تعالى هو الدراك الفعال، فإذا كان علمه مبدأ للوجود كله فهو حي إذ لم يزد علمه على ذاته ولا افتقار له في الفعل إلى قوّة محركة دالة كما لنا بل ذاته يعلم ويفعل فذاته حياته، انتهى.

فقد انقدح مما ذكرنا أن انتقاض دليل العقل للحياة بتسبيح الجماد لا يستلزم انتفاء الدليل مطلقاً حتّى من السمع، فلا يكون انتقاضه موجباً لانسداد باب الاستدلال رأساً ولا للكفر أصلاً، فلا إله إلاّ الله الحيّ القيوم تعالى شأنه وعظم سلطانه.

هذا كله على أن نقول بأن تسبيح السّماء والأرض والجماد والنبات مثل تسبيح ذوي العقول وأنه بالذكر والبيان والنطق واللسان.

وأما على القول بأن تسبيحها مغائر لتسبيحهم وأن تسبيح السماء بدورانها. والماء بجريانها، وتسبيح سائر الأَشياء على حسبما طلبه منها ربّها وبارئُها كما قال به أهل العرفان والمعقول، ونطق به أخبار آل الرسول فيرتفع الإشكال رأساً.

قال القميّ في تفسير قوله تعالى: (يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله) الآية تحويل كلّ ظلّ خلقه الله هو سجود لله، وقال بعض أهل المعرفة في تفسير هذه الآية إن أمثال

هذه الآيات تدلّ على أنَّ العالم كله في مقام الشهود والعبادة إلاّ مخلوق له قوّة التفكر وليس إلاّ النفوس الناطقة الإنسانية والحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم، فإنّ هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء البدن كلها مسبّحة ناطقة ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأَيدي والأَرجل والأَلسنة والسمع والبصر وجميع القوى، فالحكم الله العلي الكبير.

وقال صدر المتألّهين في كتاب «المبدأ والمعاد»: ومما يجب عليك أن تعتقد أن الواجب تعالى كما أنّه غاية الأَشياء بالمعنى المذكور، فهو غاية بمعنى أن جميع الأَشياء طالبة لكمالاتها ومتشبّهة به تعالى في تحصيل ذلك بحسب ما يتصوّر في حقها، ولكلّ منها شوق وعشق إليه إراديّاً كان أو طبيعيّاً، والحكماء الإلهيون حكموا بسريان العشق والشوق في جميع الموجودات على تفاوت طبقاتهم، فلكل وجهة هو موليها يحسن إليها ويقتبس بنار الشوق نور الوصول لديها، وإليه أشير في قوله (وإن من شيء إلا يسبح بحمده).

وقد صرّح الشيخ الرّئيس في عدّة مواضع من التعليقات بأن القوى الأَرضية كالعقول الفلكية في أن الغاية في أفاعيلها ما فوقها إذ هي لا تحرك المادة لتحصيل ما تحتها من المزاج وغيره، وإن كانت هذه من التوابع اللازمة، بل الغاية في تحريكاتها كونها على أفضل ما يمكن لها ليحصل لها التشبه بما فوقها كما في تحريكات نفوس الأَفلاك أجرامها بلا تفاوت، فقد ثبت أن غاية جميع المحركات من القوى العالية والسّافلة في تحريكها لما دونها استكمالها بما فوقها وتشبهها به إلى أن ينتهي سلسلة التشبهات والاستكمالات إلى الغاية الأَخيرة والخير الأَقصى الذي يسكن عنده السلك وتطمئن به القلوب، وهو الواجب جلّ مجده، فيكون غاية بهذا المعنى أيضاً، وبهذا نعلم حقيقة كلامهم: لولا عشق العالي لانطمس السّافل، ثم لا يخفى عليك إن فاعل التسكين كفاعل التحريك في أن مطلوبه ليس ما تحته كالأَين مثلاً، بل كونه على أفضل ما يمكن له كما قال المعلم الثّاني: صلت السّماء بدورانها والأَرض برجحانها وقيل في الشعر:

وذلك من عمیم اللّطلف شکر *** وهذا من رحیق الشوق شکر

وقد ظهر بما ذكرنا كلّه أن حمده سبحانه وثناءه وتسبيحه وتقديسه فاش في مخلوقاته حالاً أو مقالاً وعلم أنّه لا حاجة إلى تكلف حذف المضاف في قوله الفاشي حمده بأن يقال: المراد الفاشي سبب حمده وهو النعم التي لا يقدر قدرها كما تكلفه الشارح المعتزلي.

(والغالب جنده) كما قال سبحانه (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات: الآية 173]

وقوله: (فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ) [المائدة: الآية 56] أي جنده، والمراد بجنده في السماء هو الملائكة قال تعالى: (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) [التّوبَة: الآية 26] وقال أيضاً: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة: الآية 40].

والمراد بجنده في الأَرض الناصرون لدينه.

روى في «الصافي»: من التوحيد عن الصادق علیه السلام: يجيء رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم يوم القيامة آخذاً بحجزة ربه ونحن آخذون بحجزة نبينا صلّی الله علیه و آله و سلّم وشيعتنا آخذون بحجزتنا فنحن وشيعتنا حزب الله وحزب الله الغالبون، والله ما يزعم أنها حجزة الإزار ولكنها أعظم من ذلك رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم آخذاً بدين الله ونحن نجيء آخذين بدين نبينا ويجيء شيعتنا آخذين بديننا.

فإن قيل: غلبة جنده السماوي في كلّ وقت لا غبار عليه ولا إشكال فيه، وأما جند الأَرض فربما يكون مغلوباً وكفى به شاهداً وقعة الطف وشهادة سيد الشهداء علیه السلام مع أولاده وإخوانه وأتباعه وأنصاره مع كونهم حزب الله وأنصار دين الله فما معنى قوله علیه السلام: الغالب جنده؟ وقوله تعالى: (فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ) [المائدة: الآية 56].

قلت: يحتمل أن يكون غلبة جنده وحزبه محمولاً على الغلبة بالحجة أو على الأَغلب لأَنّه سبحانه أعزّ جنده ونصر أنصار دينه في أغلب الأَوقات وأيّدهم بالجنود السماوية كما قال عزّ من قائل (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) [التوبة: الآيتان 25 و 26].

ويجوز أن يقال: إنّ جنده وإن كان مغلوباً أحياناً في أوّل الأمر ولكن الغلبة لهم في آخره كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: الآيتان 32 و 33].

روى في «الصافي»: من الإكمال عن الصادق علیه السلام وقد ذكر شق فرعون بطون الحوامل في طلب موسى كذلك بني أميّة وبنو العبّاس لما أن وقفوا على أن زوال ملك الأمراء والجبابرة منهم على يد القائم علیه السلام ناصبونا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم وإبادة نسله طمعاً في الوصول إلى قتل القائم علیه السلام فأبى الله أن يكشف أمره

لواحد من الظلمة إلاّ أن يتم نوره ولو كره المشركون(1).

وفيه من الإكمال عن الصادق علیه السلام في قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ) [التوبة: الآية 33] والله ما نزل تأويلها بعد ولا نزل تأويلها حتى يخرج القائم فإذا خرج القائم علیه السلام لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلا كره خروجه حتّى لو كان كافر أو مشرك في بطن صخرة لقالت يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله(2).

وعن الباقر علیه السلام: «القائم منّا منصور بالرّعب مؤيّد بالنصر، تطوى له الأَرض وتظهر له الكنوز يبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر الله دينه على الدّين كلّه فلا يبقى في الأَرض خراب إلاّ عمر»(3).

(والمتعالى جدّه) قال الطبرسي في قوله سبحانه: (تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) [الجنّ: الآية 3] معناه تعالى جلال ربنا وعظمته عن اتخاذ الصّاحبة والولد عن الحسن ومجاهد، وقيل: معناه تعالت صفات الله الّتي هي له خصوصاً وهي الصفات العالية الّتي ليست للمخلوقين، وقيل: معناه تعالى جدّ ربّنا في صفاته فلا تجوز عليه صفات الأَجسام والأعراض وقيل: تعالى قدرة ربّنا عن ابن عبّاس وقيل: تعالى ذكره، وقيل: فعله وأمره، وقيل: علا ملك ربنا، وقيل: تعالى آلاؤه ونعمه على الخلق، قال الطبرسي: والجميع يرجع إلى معنى واحد وهو العظمة والجلال، انتهى(4).

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم عن الصادق علیه السلام في تفسير هذه الآية قال: هي شيء قالته الجن بجهالته فلم يرضه الله منهم، ومعنى جدّ ربّنا بخت ربّنا.

وفي «المجمع» وعن التهذيب والخصال عن الباقر علیه السلام: «إنما هو شيء قالته الجن جهالة فحكي الله عنهم، يعني ليس لله جد وإنما قالته الجن جهالة»(5).

فإن قلت: لفظ الجدّ قد استعمله أمير المؤمنين علیه السلام و أيضاً في كلامه ووصف الله سبحانه به فكيف التوفيق بينه وبين روايتي الباقر والصادق علیهما السلام.

قلت: الجدّ حسبما عرفت قد يطلق بمعنى العظمة والجلال، وقد يطلق بمعنى البخت


1) الغيبة: 170، وتفسير نور الثقلين: 2/ 211 ج 119.

2) معجم أحاديث الإمام المهدي (علیه السلام): 145/5، والتفسير الصافي: 2/ 338.

3) تفسير نور الثقلين 21/ 212 ج 124، والتفسير الصافي: 339/2.

4) تفسیر مجمع البيان: 145/10.

5) من لا يحضره الفقيه: 401/1 ح 1191، والخصال: 50، وتهذيب الأحكام: 316/2 ح 1290.

والطالع، ولا بأس باستعماله فيه تعالى بالمعنى الأول كما في كلام أمير المؤمينين علیه السلام وأما استعماله فيه سبحانه بالمعنى الثاني فغير جائز، ولما عرف الأَئمة علیهم السلام أن الجنّ يصفونه سبحانه به مریدین به المعنى الثاني لا جرم نسبوهم إلى الجهالة.

ولما حمد الله سبحانه باعتبارات لا يليق إلا له عقبه بالإشارة إلى سبب الحمد فقال:

(أحمد، على نعمه التوأم وآلائه العظام) أي على نعمه المترادفة المتواترة التي لا فترة بينها كالتوأمين الأَولاد اد يجيء أحدهما على الآخر، وعلى آلائه العظيمة التي يعجز عن معرفتها العقول ويحصر عن إحصائها اللسان ويقصر عن وصفها المنطق والبيان، وإن شئت أن تعرف نموذجاً من نعم الله سبحانه عليك فلنقتصر على نعمة الأكل التي بها قوام بدن الإنسان ونشر إلى جملة من الأَسباب التي بها تتم نعمة الأَكل.

فنقول: إن الأَكل فعل من الأَفعال وكلّ فعل فهو حركة والحركة لا بدّ لها من جسم متحرّك هو آلتها، ولا بدّ لها من قدرة على الحركة، وإرادة محرّكة له فلنذكر الأَعضاء الّتي لها مدخلية في الأَكل ليقاس عليها غيرها.

فنقول: إذا رأيت الطعام من بعد واشتهيت أكله فلا بدّ لك من الحركة إليه، وحركتك لا تنفع ما لم تتمكن من أخذه فافتقرت إلى آلة باطشة فأنعم الله عليك بخلق اليدين وهما طويلتان مشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات فتمتدّ وتثني إليك، فلا تكون كخشبة منصوبة ثمّ جعل رأس اليد عريضاً يخلق الكف ثمّ قسم رأس الكف بخمسة أقسام هي الأَصابع، وجعلها في صفين ليكون الإبهام في جانب ويدور على الأَربعة الباقية، ولو كانت جميعها في صف واحد لم يحصل بها تمام الغرض، فوضعها بحيث إن بسطتها كانت لك مجرفة، وإن ضممتها كانت مغرفة، وإن جمعتها كانت آلة للضرب، وإن نشرتها ثمّ قبضتها كانت لك آلة في القبض.

ثمّ خلق لها أظفار لتصون رؤوس الأَصابع من التفتت ولتلتقط بها الأَشياء الدقيقة الّتي لا تحويها الأصابع فتأخذها برؤوس أظفارك.

فإذا أخذت بها الطعام فلا ينفعك الأخذ إلا إذا أمكنك إيصاله إلى المعدة، وهي في الباطن فلا بدّ وأن يكون في الظاهر دهليز إليها حتّى يدخل الطعام منه، فلا ينفعك منه.

فجعل الفم منفذاً إلى المعدة مع ما فيه من الحكم الكثيرة وراء كونه منفذاً للطعام إلى المعدة.

ثمّ إذا وضعت الطعام في الفم وهو قطعة فلا يتيّسر لك ابتلاعه حتّى تطحن فخلق لك اللحيين من عظمين وركب فيهما الأسنان وطبق الأضراس من العليا على السفلى لتطحن بهما

الطعام طحناً.

ثمّ الطعام تارة يحتاج إلى الكسر وتارة إلى القطع، ثمّ إلى الطحن بعد ذلك، فقسّم الأسنان إلى عريضة طواحن كالأضراس، وإلى حادة قواطع كالرباعيات، وإلى ما يصلح للكسر كالأنياب.

ثمّ جعل مفصل اللحيين متخلخلاً بحيث يتقدّم ويتأخر حتّى يدور على الفك الأَعلى دوران الرحى، ولولا ذلك لما تيسّر إلا ضرب أحدهما على الآخر مثل تصفيق اليدين ولا يتحصل به الطحن، فجعل اللّحي الأسفل متحركاً حركة دورية واللّحي الأعلى ثابتاً لا يتحرك عكس الرحى الذي يصنعه المخلوق، فإن الحجر الأسفل منه يسكن والأَعلى يتحرك.

ثمّ إنّك إذا وضعت الطعام في فضاء الفم فهو يحتاج إلى التصريف والتقليب والحركة من جانب إلى جانب، ولا يمكن أن يكون حركته باليد وهو في داخل الفم، فأنعم الله سبحانه بخلق اللسان، فإنّه يطوف في جوانب الفم ويرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة التي ترد الطعام إلى الرحى، هذا.

مضافاً إلى ما فيه من فائدة الذّوق وقوّة النطق والحكم الّتي لا نطيل بذكرها.

ثمّ لما كان الطعام ربما يكون يابساً فلا يمكن ابتلاعه إلا بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة، خلق الله سبحانه تحت اللسان عيناً يفيض منها اللعاب، وينصب بقدر الحاجة حتّى يتعجن به الطعام.

ولما لم يكن إيصاله إلى المعدة بدفعه باليد ولم تكن المعدة ممتدة حتّى تجذبه من الفم إلى نفسها، هيّا الله سبحانه المريء والحنجرة وجعل على رأسها طبقات تنفتح لأَخذ الطعام ثمّ تنطبق وتنضغط حتّى ينقلب الطعام بضغطه فيهوي إلى المعدة في دهليز المريء.

فإذا ورد الطعام على المعدة وهو خبز وفاكهة مقطعة فلا يصلح أن يصير لحماً وعظماً ودماً على هذه الهيئة بل لا بد وأن يطبخ طبخاً تامّاً حتّى تتشابه أجزاؤه، فخلق الله تعالى المعدة على هيئة قدر فيقع فيها الطعام وتحتوي عليه وتغلق عليه الأبواب، فلا يزال يلبث فيها إلى أن يتم الهضم وينضج بالحرارة الّتي تحيط بالمعدة من الأعضاء الباطنة، إذ من جانبها الأيمن الكبد، ومن الأيسر الطحال، ومن قدام الترائب، ومن خلف لحم الصّلب، فتتعدى الحرارة إليها من تسخين هذه الأَعضاء التي بها ينطبخ الطعام ويصير مائعاً متشابهاً يصلح للنفوذ في تجاويف العروق، وعند ذلك يشبه ماء الشعير في تشابه أجزائه ورقته، وهو بعد لا يصلح للتغذية، فخلق الله تعالى بينها وبين الكبد مجاري من العروق وجعل لها فوهات كثيرة حتّى ينصب الطعام فيها فينتهي إلى الكبد.

والكبد معجون من طينة الدّم حتّى كأنّه دم، وفيه عروق كثيرة شعرية منتشرة في أجزاء الكبد، فيصبّ الطعام الرقيق النافذ فيها وينتشر في أجزائها حتى تستولي عليه قوة الكبد، فتصبغه بلون الدم فيستقر فيها ريثما يحصل له نضج آخر ويحصل له هيئة الدم الصافي الصّالح لغذاء الأَعضاء إلاّ أن حرارة الكبد هي التي تنضج هذا الدم.

فيتولّد هذا الدّم فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ أحدهما شبيهة بالدردي والعكر وهو الخلط السّوداوي، والأخرى شبيهة بالرغوة وهي الصّفراء، ولو لم تفصل عنه فضلتان فسد مزاج الأَعضاء.

فخلق الله المرارة والطحال وجعل لكل منهما عنقاً ممدوداً إلى الكبد داخلاً في تجويفه فتجذب المرارة الفضلة الصّفراوية، ويجذب الطحال العكر السّوداوي فيبقى الدم صافياً ليس فيه إلاّ زيادة رطوبة ورقة.

فخلق الله سبحانه الكليتين وأخرج من كلّ منهما عنقاً طويلاً إلى الكبد ومن عجائب حكمة الله تعالى أن عنقها ليس داخلاً في تجويف الكبد بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد حتّى يجذب ما يليها بعد الطلوع من العروق الدّقيقة التي في الكبد، إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ ولم يخرج من العروق، فإذا انفصلت منه المائية فقد صار الدّم صافياً من الفضلات الثلاث نقيّاً من كلّ ما يفسد الغذاء.

ثمّ إنّ الله اطلع من الكبد عروقاً، ثم قسّمها بعد الطلوع أقساماً، وشعّب كلّ قسم بشعب، وانتشر ذلك في البدن كله من الفرق إلى القدم ظاهراً وباطناً فيجري الدّم الصافي فيها ويصل إلى أجزاء البدن تماماً.

ولو حلّت بالمرارة آفة فلم تجذب الفضلة الصفراوية فسد الدّم وحصل منه الأَمراض الصفراويّة كاليرقان والبثور والحمرة.

وإن حلّت بالطحال آفة فلم يجذب الخلط السّوداوي حدثت الأَمراض السّوداوية كالبهق والجذام والماليخوليا وغيرها.

وإن لم تندفع المائية نحو الكلي حدث منه الاستسقاء وغيره.

ثم انظر إلى بديع حكمته سبحانه كيف رتب المنافع على هذه الفضلات الثلاث الخسيسة.

أمّا المرارة فإنّها تجذب بأحد عنقيها وتقذف بالعنق الآخر إلى الأَمعاء ليحصل له في ثقل الطعام رطوبة زلقة ويحصل في الأَمعاء لذع يحركها للدفع فتنضغط حتّى يندفع الثفل

وينزلق ويكون صفرته لذلك.

وأمّا الطحال فإنّه يحيل تلك الفضلة إحالة يحصل بها فيه حموضة وقبض ثم يرسل منها في كل يوم شيئاً إلى فم المعدة فيحرك الشهوة بحموضته وينبّهها ويثيرها ويخرج الباقي مع الثفل.

وأما الكلية فإنّها تغتذي مما في تلك المائية من دم وترسل الباقي إلى المثانة.

ولنقتصر على هذا القدر من بيان نعم الله تعالى في الأَسباب التي أعدّت للأكل، وقد مرّ في شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة الثانية والثمانين بعض الكلام في تشريح جملة أعضاء الإنسان وقد علم مما أوردناه هناك وههنا أن الله سبحانه أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهذا الّذي أوردناه قطرة من بحار نعم الله بل جملة ما عرفناه وعرفه الخلق من نعمه سبحاته بالإضافة إلى ما لم نعرفه ولم يعرفوه أقلّ من قطرة من بحر إلا أن من علم شيئاً من ذلك عرف شمة من معاني قوله تعالى: (وإن تعدو نعمة الله لا تحصوها) ونسأل الله سبحانه التوفيق لشكر نعمه، والثّناء عليها.

ولما حمده سبحانه على نعمه المترادفة وآلائه العظيمة أردفه بالإشارة إلى أعظم نعمه سبحانه وهو نعمة العفو فقال:

(الذي عظم حلمه فعفى) والحلم في الإنسان فضيلة يعسر معها انفعال النفس عن المكروهات المنافية للطبع، وأما في الله سبحانه فيعود إلى عدم تعجيله بالعقوبة والحليم من أسمائه الحسنى.

قال أحمد بن فهد: الحليم هو ذو الصّفح والأناة الذي لا يغيره جهل جاهل ولا غضب مغضب ولا عصيان عاص.

ولما وصف حلمه تعالى بالعظمة فرّع عليه وصفه بالعفو، لأَن عظم الحلم مستلزم للعفو والعفو من الأَسماء الحسنى أيضاً.

قال ابن فهد: هو المحّاء للذّنوب الموبقات ومبدلها بأضعافها من الحسنات، والعفو فعول من العفو وهو الصّفح عن الذّنب وترك مجازاة المسيء وقيل: مأخوذ من عفت الريح إذ درسته ومحته.

وقوله (وعدل في كل ما قضى) يعني أن جمیع مقتضياته ومقدراته على حد الاعتدال ووجه الكمال مصون من التفريط والإفراط، لجريانها جميعاً على مقتضى الحكمة والنظام الأَصلح، ويحتمل أن يكون المراد بما قضاه ما حكم به، فالمعنى أنه سبحانه عادل في

تكاليفه وأحكامه الشرعيّة وما يترتّب عليها من المثوبات والعقوبات، لأن الظلم قبيح محال في حقه سبحانه وما ربّك بظلام للعبيد.

(وعلم ما يمضي وما مضى) لا يخفى ما في هذه القرينة من حسن الاشتقاق وتقديم يمضي على مضي لاقتضاء السجع والقافية مضافاً إلى ما فيه من نكتة لطيفة، وهو الإشارة إلى أن علمه بالمستقبل كعلمه بالماضي.

وبعبارة أخرى علمه بالمستقبل والماضي واحد بخلاف غيره فإن علمهم بالماضي أسبق وأكمل من علمه بالمضارع، فإذا أريد وصف غيره بالعلم يقال: فلان علم ما كان وما يكون أو يقال: علم ما مضى وما يأتي، فقدّم في وصفه سبحانه ما يأتي على ما سبق تنبيهاً على أن علمه ليس كعلم المخلوقين، والمقصود به الإشارة إلى إحاطته سبحانه بجميع الأمور مستقبلها وماضيها كلّيها وجزئيها، وقد مضى تحقيق ذلك في شرح الفصل السابع من المختار الأَوّل وغيره أيضاً فليتذكر.

(مبتدع الخلائق بعلمه) أي مبدعهم ومخترعهم بإرادته التي هي العلم بالأصلح والنظام الخير فيكون علمه سبباً وعلة لما ابتدع من مخلوقاته مقدماً عليه، وعلى هذا فالباء في بعلمه سببيّة.

والمستفاد من الشارح المعتزلي أنها باء المصاحبة حيث قال: قوله: مبتدع الخلائق بعلمه، ليس يريد أن العلم علة في الإبداع كما يقال: هوى الحجر بثقله، بل المراد أبدع الخلق وهو عالم كما تقول خرج زيد بسلاحه أي خرج متسلّحاً.

والظّاهر أنّه وافق في ذلك المتكلمين حيث قالوا: إنّ العلم تابع للمعلوم والتابع يمتنع أن يكون سبباً فالباء على رأيهم أيضاً للاستصحاب، والحق ما ذكرناه لما مر من أمير المؤمنين علیه السلام في المختار المختار الأَول من قوله: عالماً قوله عالماً بها قبل ابتدائها، فإنه صريح في أن علمه سبحانه بالأَشياء مقدّم على الأَشياء وليس تابعاً لها، وشرحناه هنا بما لا مزيد عليه، وقد تقدّم الكلام مستوفي في أن إبداع الأَشياء إنما هو بالإرادة والعلم في شرح الفصل الثالث من «المختار» التسعين ولا حاجة هنا إلى الإطالة.

(ومنشئهم بحكمه) أي موجدهم بحكمه الإلزامي التكويني الذي لا يمتنع منه شيء هو وحكم قدرته النافذ في الأَشياء كلها بالوجود وإنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

ويحتمل أن يكون المراد بالحكم الحكمة يعني أنه أوجد المخلوقات على وفق الحكمة والمصلحة ووضع كلاً منها موقعه اللائق به، ولا أحكام ولا نظام فوق أن يكون الموجودات على كثرتها وتفصيلها متفاوتة متعاضدة منتفعة بعضها ببعض مؤدية بعضها إلى بعض، ويكون

كثرتها ككثرة أعضاء شخص واحد وحركاتها المختلفة المتضادة كحركات صاحب الرقص المنتظم حيث يكون مع اختلاف هيآتها سرعة وبُطاً وتعويجاً وتقويماً كهيئة واحدة، فأجزاؤها جميعاً مشدودة في رباط واحد مع أن كلاً منها متوجّه نحو غاية مخصوصة تترتب عليه، والكلّ من حيث هو كلّ له غاية واحدة وهو التوجّه إلى مبدعه ومنشئه.

ولما ذكر إيجاده سبحانه للأَشياء على نحو الإبداع والإنشاء والاختراع لا بعنوان الاستفادة من الغير أكّد ذلك إيضاحاً بقوله.

(بلا اقتداء ولا تعليم ولا احتذاء لمثال صانع حكيم) يعني صنعه وإبداعه ليس باقتداء صانع صنع قبله فاتبعه ولا بتعليم ذلك الصانع له فيتعلمه لأنه سبحانه قبل القبل ليس شيء قبله حتى يستفيد منه ويتبعه ويحتذي حذوه، وقد مضى نظير هذه الفقرة في الفصل الثاني من فصول المختار التسعين وذكرنا هنا ما ينفعك في هذا المقام.

(ولا إصابة خطّاء) قال الشارح البحراني: أي لم يكن إنشاؤه للخلق أولاً اتفاقاً على سبيل الأضرار والخطاء من غير علم منه ثمّ علمه بعد ذلك فاستدرك فعله وأحكمه فأصاب وجه المصلحة فيه، والإضافة بمعنى اللام لأنّ الإصابة من لواحق ذلك الخطأ، انتهى.

أقول: محصله أنه سبحانه لم يخطىء في شيء من خلقه فيصيبه ويصلحه أي يجبر خطائه بالصواب وفساده بالصلاح، ويحتمل أن يكون الإصابة بمعنى المصادفة والوصول إلى الشيء.

(ولا حضرة ملاء) أي لم يكن خلقه للأَشياء بحضور جماعة من العقلاء وأصحاب الرأي بحيث يشير كلّ منهم عليه برأيه ويعينه بقوله في كيفية خلقه كما هو المعروف في الصّناع البشريّة إذا أرادوا صنعة شيء معظم يجتمعون مع أبناء نوعهم ويشاورونهم ويستمدون منهم فيشيرون عليهم ويعينونهم، لأَن ذلك مستلزم للنقص والافتقار والحاجة وهو سبحانه منزّه عنه.

وأيضاً فإنّ الملاء من جملة مخلوقاته فكيف يتصوّر حضورهم في خلق أنفسهم قال سبحانه: (وما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) أي أعواناً وهذا كلّه تنزيه لفعله من أن يكون مثل أفعال العباد محتاجاً إلى معاونة الغير.

ولما حمد الله سبحانه وأثنى عليه بما هو أهله اتبعه بالشهادة على رسالة رسوله صلّی الله علیه و آله و سلّم فقال:

(وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ابتعثه) أي بعثه (و) الحال أنّ (الناس) يوم بعثه

(يضربون في غمرة) أي يسيرون في الانهماك في الضلال والباطل لأَنهم يومئذ كما قال علیه السلام في الفصل السادس عشر من «المختار» الأَوّل: ملل مفترّقة وأهواء منتشرة وطرائق متشتتة بین مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه أو مشير به إلى غيره.

أو أنهم يسيرون في الشدّة والزّحمة كما قال علیه السلام في الفصل الأَوّل من «المختار» السّادس والعشرين: «إن الله بعث محمداً صلّی الله علیه و آله و سلّم وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شر دار منيخون بين حجارة خشن وحيات صم تشربون الكدر وتأكلون الجشب وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم».

(ويموجون في حيرة) أي يضطربون ويختلفون في حيرة وجهالة لكثرة الفتن في أيام الفترة وزمان البعثة كما قال علیه السلام في الفصل الثالث من «المختار»: «والناس في فتن تنجذم فيها حبل الدّين وتزعزت سواري اليقين واختلف النجر وتشتت الأَمر وضاق المصدر وعمى المخرج «إلى قوله» فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون».

(وقد قادتهم أزمة الحين) أي أزمة الهلاك كانت تجرّهم وتقودهم إلى الهلاك الدّائم والخزي العظيم، فالمراد بالحين الهلاك الأخروي لا الهلاك الدنيوي والموت كما زعمه البحراني، واستعار لفظ الأَزمة للمعاصي والآثام وشبههم بالحيوان الذي يتبع قائده ويسير خلفه، يعني أنّهم يتبعون الشّهوات ويسيرون خلف السّيئات فتقودهم إلى هلاك الأَبد.

(واستغلقت على أفئدتهم إقفال الرّين) شبه رين الذنوب وهو وسخها ودنسها بالأَقفال المغلقة وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ووجه الشبه أن الأَقفال إذا أغلقت على الأَبواب تمنع من الدخول في البيت فكذلك رين الذنوب إذا طبع على القلوب يمنع من دخول أنوار الحق فيها كما قال سبحانه: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطفّفين: الآية 14] وذكر الاستغلاق ترشيح للتشبيه أي استحكمت في قلوبهم أوساخ الذّنوب بحيث صارت مانعة من إفاضة أنوار الحق إليها كالبيوت المغلقة بالأقفال المانعة من الدخول عليها.

ثمّ شرع فيما هو الغرض الأصلي من الخطبة وهو النّصح والموعظة فقال:

(أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنّها حق الله عليكم) لما كان التقوى عبارة عن إتيان الواجبات واجتناب المنهيات جعلها حقّاً الله سبحانه، إذ حقه على عباده أن يعبدوه ويوحّدوه كما قال عز من قائل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذّاريّات: الآية 56].

(والموجبة على الله حقّكم) أي جزاءكم، وأتى بلفظ الحق للمشاكلة ومثله ما صدر عن صدر النبوة في رواية معاذ المتقدمة في شرح الفصل الرابع من «المختار» الأوّل قال: كنت رفقت النّبي صلّی الله علیه و آله و سلّم فقال يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد؟ يقولها ثلاثاً قلت: الله

ورسوله أعلم فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: «حق الله عزّ وجلّ على العباد أن لا يشركوا به شيئاً»، ثمّ قال: هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ألاّ يعذّبهم أو قال ألاّ يدخلهم النار.

(وإن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله) لا يخفي ما في هذه القرينة من حسن المقابلة، والمراد بالاستعانة عليها بالله أن يطلب منه سبحانه التوفيق والإعانة على تحمل مشاق التكاليف الشرعية، وبالاستعانة بها على الله الاستعداد بها على الوصول إلى قرب الحق وجواره وساحل عزته وجلاله.

(فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة) لم يقل فإنها بل وضع المظهر موضع المضمر لزيادة التمكين في ذهن السامع كما في قوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ، اللهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص: الآيتان 1 و 2] أو إيهام الاستلذاذ بذكره كما في قوله:

ليلاي منكن أم ليلا من البشر

يعني أنها في دار الدنيا حرز حريز وحصن حصين يمنع المتحرز بها والمتحصن فيها من شرّ الأعداء كما قال تعالى: (إن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) وهي جنّة وترس يقي المستتر بها من شدائد الدّنيا كما قال سبحانه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخرَجا) [الطلاق: الآية 2].

(وفي غد الطريق إلى الجنة) أي في يوم القيامة طريق إلى الجنة والخلود فيها كما قال عزّ وجل: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: الآية 133].

(مسلكها واضح) جلي وهي جادة الشريعة وأي مسلك أوضح منها (وسالكها رابح) مليّ لأَنه يسلك بها الجنّة وأي سفر أربح منها (ومستودعها حافظ) لما كان التقوى زاداً للآخرة شبّهها بالوديعة المودعة عند الله سبحانه وجعله تعالى بمنزلة المستودع، أي قابل الوديعة، والمراد أن مستودع التقوى وهو الله سبحانه حافظ لهذه الوديعة التي هو زاد الآخرة من التلف والضّياع كما قال تعالى: (أنا لا نضيع أجر من أحسن عملا).

ويجوز أن يراد بالمستودع الملائكة الحفظة الّتي هي وسائط بين الخلق وبين الله، فإنهم لما كانوا مأمورين بكتابة أعمال العباد وحفظها وضبطها كما قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [ الانفطار: الآيات 10 - 12]شبّههم بالمستودع أي المستحفظ الّذي يطلب منه حفظ الوديعة.

ثم أشار إلى عموم منفعتها وعدم اختصاص مطلوبيّتها بالمخاطبين فقال:

(لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منكم والغابرين) أي لم تزل تعرض نفسها على اللّف والخلف كالمرأة الصالحة الحسناء العارضة نفسها على الرجال للتزويج والاستمتاع والانتفاع منها في محن الدّهر ونوائب الزّمان وكذلك هذه عرضت نفسها على الأمم لينتفعون بها في الدّنيا.

(ولحاجتهم إليها غداً) أي في العقبى (إذا أعاد الله ما أبدا وأخذ ما أعطى وسأل عمّا أسدى) يعني أنهم محتاجون إليها إذا أنشر الله الموتى وإذا أخذ من الناس ما خوّلهم من متاع الدّنيا، وإذا سأل العباد عما أسدى وأحسن إليهم من النعم والآلاء، أو إذا سأل عما أسداه وأهمله من الجوارح والأَعضاء.

وإنما كانوا محتاجين إليها في تلك الأَحوال لوقايتها لهم من أهوال ذلك اليوم وداهي هذه الأَحوال، فالمتقون بما لهم من التقوى من فزع النشر والمعاد آمنون، وإلى زادهم حين أخذها أعطى مطمئنون، وبصرف ما أسدى إليهم من الأَموال في مصارفه وما أسداه من الأَعضاء في مواقعها من مناقشة السؤال سالمون كما قال عز من قائل: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف: الآية 35] وقال: (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخرَجَاً) [الطّلاق: الآية 2] (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: الآية 4] (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: الآية 5].

وأما غير المتقين فعند نشرهم يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون، وحين أخذ ما أعطى فإنهم إذاً لخاسرون، وإذا سئل عما أسدى فيخاطبون بخطاب قفوهم إنهم مسؤولون، فاليوم نختم على أفواههم وتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون.

ثم تعجب من قلّة الآخذين بالتقوى مع كونها محتاجاً فقال:

(فما أقل من قبلها وحملها حق حملها) أي شرائطها ووظائفها المقررة الموظفة (أولئك الأقلّون وهم أهل صفة الله سبحانه) أي القابلون الحاملون لها الذين وصفهم الله تعالى في كتابه (إذ يقول) في حقهم: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سَبَإ: الآية 13] ربما فسّر الشكور بمن تكرر منه الشكر وقيل: الشكور المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته وقيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر وقال ابن عباس: أراد به المؤمن الموحّد وفي هذا دلالة على أن المؤمن الشاكر يقل في كلّ عصر وزمان.

أقول: ويحتمل أن يراد بالشكور كثير الطاعة لله ويشهد به ما رواه في «الكافي» عن الباقر علیه السلام قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم عند عائشة ليلتها فقالت يا رسول الله لم تتعب نفسك قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: يا عائشة أما أكون عبداً شكوراً».

ولما ذكر ثمرات التقوى ونبه على الاحتياج إليها غداً أمر المخاطبين بالمواظبة عليها فقال:

(فأهطعوا بأسماعكم إليها) أي أسرعوا بأسماعكم إلى سماع وصفها ونعتها لتعرفوها حق المعرفة وتعملوا على بصيرة؛ (وأكظوا بجدّكم عليها) أي اجهدوا وداوموا بالجدّ والمبالغة (واعتاضوها من كل سلف خلفا) أي اجعلوها عوضاً من جميع ما سلف بكم وخذوها خلفاً منه لأَنّه خير خلف محصل للسعادة الأَبدية والعناية السرمدية، (ومن كلّ مخالف موافقا) الظاهر أن المراد بالمخالف والموافق المخالف لطريق الحق والموافق له، فيكون المعنى اجعلوا التقوى حال كونها موافقاً لطريق الحق عوضاً وبدلاً من كلّ ما يخالف طريقه، (وأيقظوا بها نومكم واقطعوا بها يومكم) الظاهر أنه أراد بهما قيام اللّيل وصيام النهار واللذين هما من مراسم التقوى، ويحتمل أن المراد بالأَوّل الأَمر بالانتباه بها من نوم الغفلة، وبالثاني الأَمر بختم النهار بالعبادة.

(وأشعروا بها قلوبكم) قال الشارح المعتزلي يجوز أن يريد اجعلوها شعاراً لقلوبكم، وهو ما دون الدثار وألصق بالجسد منه، ويجوز أن يريد اجعلوها علامة يعرف بها القلب التقي من القلب المذنب كالشعار في الحرب يعرف به قوم من قوم، ويجوز أن يريد الإشعار بمعنى الإعلام من أشعرت زيداً بكذا أي عرفته إياه أي اجعلوها عالمة بجلالة موقعها وشرف محلها.

(وأرحضوا بها ذنوبكم) أي اغسلوها بها لأنّها كفّارة لها كما قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [الطّلاق: الآية 5، (وداووا بها الأسقام) أي أسقام الذّنوب وأمراض القلوب (وبادروا بها الحمام) أي الموت.

(واعتبروا بمن أضاعها ولا يعتبرون بكم من أطاعها) أمرهم بالاعتبار بالأمم الماضية قبلهم ممن أضاع التقوى واتبع الهوى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى قال تعالى: (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [الأعراف: الآيتان 165 و 166] ونهيهم عن كونهم عبرة للمطيعين وهو في الحقيقة نهي عن دخولهم في زمرة المضيعين، أي ادخلوا في حزب المطيعين لتعتبروا بغيركم ولا تدخلوا في حزب المضيعين حتّى يعتبر بكم غيركم.

(ألا وصونوها وتصونوا بها) أي صونوها حق الصيّانة واحفظوها من شوب العجب والرياء والسمعة وتحفظوا أنفسكم بها لأَنها الحرز والجنّة.

ثمّ أمر بالزّهد في الدّنيا والوله إلى الآخرة لاستلزامهما للتقوى وهو قوله:

(وكونوا عن الدّنيا نزاها) متباعدين (وإلى الآخرة ولاّها) أي والهين مشتاقين، فإن الوله إلى الآخرة يوجب تحصيل ما يوصل إليها وهو التباعد عن الدّنيا والملازمة للتقوى (ولا تضعوا من رفعته التقوى) وهو نهي عن إهانة المتقين لكونه خلاف التقوى (ولا ترفعوا من رفعته الدنيا) وهو نهي عن تعظيم الأَغنياء الذين ارتفاع شأنهم عند الناس ووجاهتهم من جهة ثروتهم، فإن تعظيمهم من هذه الجهة مناف للتقوى.

(ولا تشيموا بأرقها) أي لا تنظروا إلى سحابها صاحب البرق انتظاراً للمطر قال الشارح البحراني: استعار لفظ البارق لما يلوحُ للناس في الدنيا من مطامعها ومطالبها، ووصف الشيم لتوقع تلك المطالب وانتظارها والتطلع إليها على سبيل الكناية عن كونها كالسحابة التي يلوح بارقها فيتوقع منها المطر.

(ولا تسمعوا ناطقها ولا تجيبوا ناعقها) وهو نهي عن مخالطة أهل الدنيا ومعاشرتهم أي لا تسمعوا إلى مادحها ومن يزيّنها ويصفها بلسانه وبيانه ولا تصدقوا قوله، ولا تجيبوا صائحها أي لا تتبعوا ولا توافقوا المنادي إليها لأَن سماع الناطق وإجابة الناعق يوجب الميل إليها، ويحتمل أن يكون الناطق والناعق استعارة لمتاع الدنيا ومالها، فإنّه لما كان يرغب فيها بلسان حاله ويدعو إليها شبه بالناطق والناعق.

(ولا تستضيئوا بإشراقها ولا تفتنوا بأعلاقها) استعار لفظ الإشراق لزينة الدنيا وزخارفها وزبرجها وأموالها ولفظ الاستضاءة للالتذاذ والابتهاج بتلك الزخارف أي لا تبتهجوا بزخارف الدنيا ولا تفتنوا بنفائسها.

ولما نهى عن شيم البارق وسماع الناطق وإجابة الناعق وعن الاستضاءة بالإشراق والافتتان بالأعلاق، أردفه بالإشارة إلى علل تلك المناهي فعلل النهي عن شيم البارق بقوله:

(فإن برقها خالب) أي خال من المطر فيكون الشيم والنظر خالياً من الثمر، قال الشارح البحراني: استعار لفظ الخالب لما لاح من مطامعها، ووجه المشابهة كون مطامعها وآمالها غير مدركة وإن أدرك بعضها ففي معرض الزوال كأن لم يحصل فأشبهت البرق الذي لا ماء فيه وإن حصل معه ضعيف غير منتفع به فلذلك لا ينبغي أن يشام بارقها.

وعلل النهي عن سماع الناطق وإجابة الناعق بقوله (ونطقها كاذب) أي ناطقها كاذب لأنّ قوله مخالف لنفس الأَمر وما يزيّنه ويرغب فيه ويدعو إليه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

وعلل النّهي عن الاستضاءة بالإشراق بقوله (وأموالها محروبة) أي مأخوذة بتمامها، وما شأنها ذلك فلا يجوز الابتهاج والشغف بها.

وعلل النهي عن الفتون بالأعلاق بقوله (وأعلاقها مسلوبة) أي منهوبة مختلسة وما حالها ذلك فكيف يفتن بها ويمال إليها. ثمّ وصف الدنيا بأوصاف أخرى منفرة عنها فقال:

(ألا وهي المتصدّية العنون) أي مثل المرأة الفاجرة المتصدية المتعرضة للرجال المولعة في التعرّض لهم، وهو من التشبيه البليغ ومن قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، ووجه الشبه أن المرأة الموصوفة كما تزين نفسها وتعرضها على الرجال لتخدعهم عن أنفسهم فكذلك الدنيا تتعرض بقيناتها لأَهلها فتخدعهم.

(والجامحة الحرون) أي مثل الدّابة السيّئة الخلق التي لا تنقاد لراكبها البالغة في عدم الانقياد غايته، والتشبيه هنا مثل التشبيه في الفقرة السابقة، ووجه الشبه أن الدابة الموصوفة كما لا تنقاد لصاحبها ولا يتمكن من حملها وركوبها مهما أريد، فكذلك الدّنيا لا يتمكّن أهلها من تصريفها وتقليبها والانتفاع بها في مقام الضرورة والحاجة.

(والمائنة الخؤون) أي الكاذبة كثيرة الخيانة حيث إنها تخدع الناس بزينتها وتغرّهم بحليّها وتوقع في وهمهم وخيالهم لقيائها لهم، فما قليل ينكشف كذبها وتتبين خيانتها إذا زالت عنهم.

(والجحود الكنود) أي كثيرة الإنكار والكفران كالمرأة التي تكفر نعمة زوجها وتنكر معروفه وإحسانه، ويكون من شأنها الغدر والمكر، وكذلك الدّنيا تنفر عمن رغب فيها وسعى إليها واجتهد في عمارتها وتكون سبب سبب هلاكه ثمّ تنتقل عنه إلى غيره.

(والعنود الصدود) لما كان من شأن الدّنيا الانحراف والميل عن القصد والعدول عن سنن قصود الطالبين الراغبين منها، شبّهها بالعنود الصدود، وهو الناقة العادلة عن مرعي الإبل والرعاية في جانب منه ووصفها بالصدود لكثرة إعراضها.

(والحيود الميود) أي كثيرة الميل والتغيّر والاضطراب (حالها انتقال) أي شأنها وشيمتها انتقال من حال إلى حال وانقلاب من شخص إلى شخص (ووطأتها زلزال) أي موضع قدمها متحرك غير ثابت (وعزّها ذلّ* أي العزّ الحاصل لأَهل الدّنيا بسبب الثروة والغنى فهو ذلّ في الحقيقة، لأَنّ ما تعززه به، من المال إن كان من حلال ففيه حساب وإن كان من حرام ففيه عقاب، فعزّتها موجب لانحطاط الدرجة عند الله سبحانه، ولذلك قال سيّد الساجدين علیه السلام في بعض أدعية الصحيفة: «فإنّ الشريف من شرّفته طاعتك، والعزيز من أعزّته عبادتك»(1).

(وجدّها هزل) قال الشارح البحراني: استعار لفظ الجدّ وهو القيام في الأمر بعناية


1) الصحيفة السجادية الكاملة: 181.

واجتهاد لإقبالها على بعض أهلها بخيراتها كالصديق المعتني بحال صديقه ولإدبارها عن بعضهم وإصابتها له بمكروهها كالعدو القاصد لهلاك عدوّه، واستعار لجدّها لفظ الهزل الذي هو ضدّه، ووجه الاستعارة كونها عند إقبالها على الإنسان كالمعتنية بحاله، وعند إعراضها عنه ورميه بالمصائب كالقاصدة لذلك، ثمّ تسرع انتقالها عن تلك الحال إلى ضدّها فهي في ذلك كالهازل اللاعب.

(وعلوها سفل) وهو في معنى قوله: وعزّها ذلّ، أي العلوّ الحاصل بسببها موجب لانحطاط الرتبة في الآ الآخرة.

(دار حرب وسلب ونهب وعطب) أي دار محاربة أو دار سلب واختلاس وغارة وهلاكة لأنّ أهلها ومالها غرض للآفات وهدف للقتل والغارات، أو أن مالها يسلب عن أهلها ويحرب وينهب بموت صاحب المال وهلاكه.

(أهلها على ساق وسياق) إن فسر الساق بساق القدم فالمراد بالجملة الإشارة إلى زوالها وانقضائها، يعني أن أهلها قائمون على سوقهم وأقدامهم مستعدون للسياق والمسير إلى الآخرة، وإن فسّر بالشدة فالمراد أن أهلها في شدّة ومحنة وعرضة للموت، ومعلوم أنها إذا كانت دار حرب ونهب وسلب وعطب يكون أهلها في شدّة لا محالة.

(ولحاق وفراق) أي أهلها يلحق بعضهم بعضاً أي يلحق أحياؤهم بالأموات ويفارقون من الأَموال والأولاد.

(قد تحيرت مذاهبها) من المجاز العقلي أي تحيّر أهلها في مذاهبها ومساكلها لا يهتدون إلى طريق جلب خيرها ودفع شرّها، وذلك لاشتباه أمورها وعدم ووضح سبلها الموصلة إلى المقصود.

(وأعجزت مهاربها وخابت مطالبها) إسناد الإعجاز إلى المهارب والخيبة إلى المطالب أيضاً من باب المجاز، والمراد أن من أراد الهرب والفرار من شرورها فهو عاجز في مواضع الهرب، ومن أراد النيل إلى عيشها ومآربها فهو خائب في محال الطلب، وأشار إلى بعض ملازمات الخيبة بقوله:

(فأسلمتهم المعاقل) أي لم تحفظهم من الرزايا ولم تحصنهم «تحرزهم خ ل» من المنايا (ولفظتهم المنازل) أي ألقتهم ورمت بهم نحو سهام المنيّة (وأَعيتهم المحاول) أي تصاريف الدّنيا وتغيرات الزمان أو الحيل لإصلاح أمورها.

ثم قسّم أهلها باعتبار ما يصيبهم من حوادثها ومزورها إلى أصناف بعضها أحياء وبعضها أموات وهو قوله:

(فمن ناج معقور) أي مجروح كالهارب من الحرب بعد مقاساة الأحزان والشدائد، وقد جرح بدنه، وهذا صفة الباقين في الدّنيا قد نجوا من الموت ولكن صاروا غرضاً للآفات.

(ولحم مجزور) أي قتيل صار لحماً مقطوعاً (وشلو مذبوح) قال الشارح البحراني: أراد ذي شلو أي عضو مذبوح أي قد صار بعد الذبح أشلاء متفرقة، ويحتمل أن يكون مذبوح صفة للشلو، وأراد بالذبح مطلق الشق كما هو في أصل اللغة (ودم مسفوح) أي ذي دم مسفوك (وعاض على يديه) بعد الموت ندماً على التفريط في أمر الله وهو وصف للظالمين، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) [الفرقان: الآية 27] (يا ويلتي ليتني لم اتخذت فلانا خليلا) (وصافق بكفيه) أي ضارب إحداهما على الأخرى تأسّفاً وتحسّراً (ومرتفق بخديه) أي جاعل راحة كفيه تحت خديه متكاً على مرفقيه هماً وحزناً (وزار على رأيه) أي عائب على اعتقاده فإنه لما كان عقيدته طول المكث والبقاء في الدنيا وامتداد زمان الحياة وكان ذلك موجباً للالتفات بكليته إليها وانقطاعه عن الآخرة وانهماكه في الشهوات، ثم انكشف بالموت فساد تلك العقيدة وبطلان ذلك الاعتقاد لا جرم أزرى على رأيه وعابه (وراجع عن عزمه) أي من قصده، وذلك لأَن قصده لما كان السّعي في تحصيل الدنيا وعمارتها والإكثار من قيناتها وكان منشأ ذلك أيضاً زعم تمادى مدّة الحياة واللّبث فيها فانكشف خلافه، كان ذلك موجباً لرجوعه عن عزمه وندمه عليه، هذا.

ولما كانت الجملات المتعاطفات الأَخيرة كلها مشتركة المعنى في إفادة ندم الأَموات على ما فرّطوا في جنب الله عقبها بالجملة الحالية أعنى قوله:

(وقد أدبرت الحيلة وأقبلت الغيلة) تنبيهاً بها على أنه لا ثمر للندم ولا منفعة في العض على اليدين والصفق بالكفين والارتفاق بالخدين ولا فائدة في الإزراء على الرأي والرجوع عن العزم، والحال أنه قد ولي الاحتيال وأقبل الهلاك والاغتيال.

لأَن الحيلة للخلاص من العقاب والتدبر وللفوز بالثواب إنّما هو قبل أن يغتال مخالب المنية كما قال سبحانه: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) [النساء: الآية 17].

وأما بعد ما أنشبت أظفارها فلا كما قال سبحانه: (ولیست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال أني تبت الآن) ولو قال بعد الموت (رب أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت) يقال له: (كلا أنها كلمة هو قائلها) فانقطع العلاج وامتنع الخلاص.

(ولات حين مناص هيهات هيهات) أي بعد المناص والخلاص جدّاً والحال أنه (قد

فات ما فات وذهب ما ذهب) الإتيان بالموصول في المقامين تخفيماً بشأن الفائت الذاهب أي فات زمان تدارك السيئات، وذهبت أيام جبران الخطيئات، وانقضى وقت تحصيل النجاة من العقوبات، والخلاص من ورطات الهلكات.

(ومضت الدنيا لحال بالها) أي بما فيها خيراً كان وشرّاً وقيل: أي مضت الدّنيا لما يهواه قلبها وللسّبيل الّذي أرادت ولم تكترث لحال القوم ولم تهتم لأَمرهم بل نسيتهم، وهذا مثل قولهم: مضى فلان لسبيله، ومضى لشأنه.

(فما بكت عليهم السّماء والأَرض وما كانوا منظرين) اقتباس من الآية الشريفة في سورة الدخان.

واختلف في معناها على وجوه:

أحدها أنّه لم تبك عليهم أهل السماء وأهل الأَرض، لأَنهم لا يستحقون أن يتأسّف علیهم أحد ويحزن لفقدهم وكأنهم توقعوا ذلك لعزّتهم ورفعة درجتهم في نظرهم.

الثاني أنّه ما بكى عليهم المؤمنون من أهل الأرض ولم يبك عليهم أهل السماء كما يبكون على فقد الصالحين، لأَنّ هؤلاء مسخوط عليهم، وهو قريب من الوجه الأَوّل.

الثّالث أنّه سبحانه أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر، فإن العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت: بكاه السّماء والأَرض، وأظلم لفقده الشمس والقمر، قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:

فالشمس طالعة ليست بكاسفة *** تبكي عليك نجوم اللّيل والقمر

أي ليست مع طلوعها كاسفة نجوم اللّيل والقمر لأَن عظم المصيبة قد سلبها ضوءها، وقال النابغة:

تبدو كواكبه والشّمس طالعة *** لا النور نور ولا الإظلام إظلام

الرابع أن يكون ذلك كناية عن أنّه لم يكن لهم في الأَرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء، وقد روي عن ابن عبّاس أنه سئل عن هذه الآية فقيل: وهل يبكيان على أحد؟ قال: نعم مصلاه في الأَرض، ومصعد عمله في السماء، وروي عن أنس عن النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم ما من مؤمن إلاّ وله باب يصعد منه عمله وباب نزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه.

قال الطبرسي: على هذا يكون معنى البكاء الإخبار عن الاختلال بعده، قال مزاحم العقيلي:

بكت دارهم من أجلهم فتهلّلت *** دموعي فأيّ الجازعین ألوم

أمستعبراً يبكي من الهون والبلى *** أم آخر يبكي شجوه ویهیم

وقوله: وما كانوا منظرين، أي عوجلوا بالعقوبة ولم يمهلوا، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا التوبة قبل حلول الفوت، وللإنابة قبل نزول الموت، وأن لا يجعلنا في زمرة من غضب عليه، ومن نادى واحسرتا على ما فرّطت في جنب الله بمحمّد وآله الكرام عليهم الصلاة والسلام.

الترجمة

از جمله خطب بلیغه آن بزرگوار است در تحریض مردمان بتقوی و پرهیزکاری میفرماید:

حق و سپاس معبود بحقی را سزااست که آشکار است حمد او، و غالب است شکراو، و بلند است عظمت و جلال او، حمد میکنم بر نعمتهای متواتر او، وبرعطاهای بزرگ و متکاثر او، چنان خداوندیکه بزرگ شد حلم او پس عفو فرمود. وعدالت بجا آورد در هر چه که حکم نمود، و عالم شد بآنچه میگذرد و بآنچه گذشت، آفریننده مخلوقاتست با علم شامل خود، ایجاد کنندۀ ایشان است با أمر کامل خود بدون اقتدا نمودن بکسی در ایجاد آنها، و بدون تعلیم دادن دیگری او را، و بی اندازه گرفتن مرنمونه صنعت کار حکیم را، و بی رسیدن خطا و بدون حضور جماعتی از عقلا که مشاورت کند با ایشان در امر ایجاد.

و شهادت می دهم باینکه محمّد بن عبد الله صلّی الله علیه و آله و سلّم بنده و رسول او است، مبعوث فرمود او را در حالتیکه مردمان سیر میکردند در شدت و ضلالت، و موج میزدند در حيرت وجهالت، در حالتیکه کشیده بود ایشان را مهارهای هلاکت، و بسته بود بردلهای ایشان قفلهای وسخ ذنوب.

وصیّت میکنم شما را أی بندگان خدا بپرهیزکاری پروردگار، پس بدرستیکه تقوی حق خدا است برذمه شما، و واجب کننده است حق شما را بر خدا، ووصیت میکنم باینکه استعانت نمائید بر تقوی از خدا، واستعانت نمائید از تقوی بر خدا، پس بتحقیق که تقوی در این روز دنیا پناه است و سپر، و در فردای آخرت راه است ببهشت، راه آن تقوی واضح است و آشکار، و راه رونده آن صاحب ربح است و با منفعت، وأمانت گيرنده آن حافظ است آنرا از تلف.

همیشه تقوی اظهار کننده است نفس خود را بر امّتهائی که گذشته اند و باقی مانده بجهت حاجت ایشان بآن در فردا زمانی که بازگرداند خدا آنچه را که ایجاد فرموده بود، و بگیرد آنچه را که عطا نموده بود، وسؤال نماید از چیزی که احسان کرده بود، پس چه قدر کم است اشخاصی که قبول تقوا کردند و برداشتند آنرا حق برداشتن آنجماعت متقیان کم اند از حیثیّت عدد، و ایشان کسانی هستند که وصف فرموده خدا ایشان را در کتاب مجید خود وقتیکه میفرماید - وقليل من عبادى الشكور- يعني اندك است از بندگان من شکر کننده.

پس بشتابید بسمعهای خود بسوی شنیدن منافع تقوی، و مداومت نمائید با جد و جهد خودتان بر تقوی، وعوض نمائید آن را از هر گذشته از جهت خلف صالح بودن، و عوض نمائید آنرا از هر چیزی که مخالف طریق حق است در حالتیکه آن موافق حق است، و بیدار نمائید با آن تقوی خواب خود را، و ببرید با آن روز خودرا، و شعار قلبهای خود نمائید آن را، و بشوئید با آن گناهان خود را، و دوا نمائید با آن ناخوشیهای خودرا، و مبادرت کنید با آن بسوی مرگ، و عبرت بگیرید با کسیکه ضایع ساخت تقوی را، والبته نباید عبرت گیرد با شما کسیکه اطاعت نماید بآن، آگاه باشید پس نگاه دارید تقوی را و نگاه داری کنید با آن نفس خود را.

و باشید از دنیا دور شوندگان بسوی آخرت شیفته گان، و پست مسازید کسی را که بلند نموده است او را تقوی، و بلند مسازید کسیرا که بلند نموده است او را دنیا، و چشم ندوزید بزخارف برق زننده دنیا، و گوش ندهید بمدح کننده آن، و قبول نکنید خواننده بدنیا را، و روشنی مخواهید باروشنی آن، و مفتون نشوید بنفایس آن از جهت اینکه برق آن خالی است از باران، و گفتار آن دروغ است، و مالهای او گرفته شده است بتمامی، و نفایس آن ربوده شده بناکامی.

آگاه باشید که دنیا مثل زن فاجره است که متعرض شونده مردها است، كثير التعرض است بایشان مثل حیوان سرکشی است نافرمان، و کاذبست بغایت خاین، و منکرات زیاده ناسپاس، و منحرفست بسیار عدول کننده و برگردنده است زیاده متغیّر و مضطرب، شأن آن زوال و فنا است و موضع قدم آن اضطرابست

و حرکت، و عزت آن خواریست و همت آن سخریّه است و استهزا، و بلندی آن پستی است، خانه ستاندن و ربودن و غارت و هلاکت است، أهل آن بر شدّت اند و رحلت و بر لاحق شدن روندگان اند و مفارقت از باقی ماندگان.

بتحقیق متحیّر بوده است راههای آن، و عاجز نموده محلهای گریز از آن، وخایب و ناامید شده مکانهای طلب او، پس فرو گذاشت و ترك نمود ایشان را پنا کاهها، و انداخت ایشان را منزلها، و عاجز ساخت آنها را انقلابات روزگار.

پس بعضی از ایشان نجات یابنده است صاحب جراحت، و بعضی گوشتی است پاره پاره، و عضوی است بریده شده، و خونیست ریخته شده، و گزنده است با دندان دستهای خود را از روی ندامت، و زننده است کف دستهایش را بهم از روی حسرت، و نهنده است مرفقین خود را زیر خدّین خود از جهت پریشانی و اندوه، و عیب کننده است بر عقیدۀ فاسد خود، و رجوع کننده است از عزم و قصد خود.

و حال آنکه بتحقیق که ادبار نموده حیله و تدبیر، و اقبال کرده مرگ ناگهان، و نیست این وقت وقت چاره چه دور است بغایت دور چاره وعلاج، و حال آنکه فوت شد آنچه که فوت شد، و رفت آنچه که رفت، و گذشت دنیا بحال دل خود نه بخواهش اهل روزگار، پس نه گریست بأهل روزگار آسمان وزمین، و مهلت داده نشدند و زود گرفتار عذاب گشتند.

ومن خطبة له علیه السلام تسمى بالقاصعة وهي المائة والحادية والتسعون من المختار في باب الخطب

اشارة

قال السيد رحمه الله: وهي تتضمن ذم إبليس على استكباره وتركه السجود لآدم علیه السلام وأنه أول من أظهر العصبية وتبع الحميّة وتحذير النّاس من سُلوك طريقته.

أقول: وهذه الخطبة أبسط خطب النهج وأطولها، وشرحها في فصول، وقد روي بعض فصولها في ساشر كتب الأخبار باختلاف تطلع عليه إنشاء الله تعالى.

الفصل الأول

اشارة

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لَبِسَ اَلْعِزَّ وَ اَلْكِبْرِيَاءَ، وَ اِخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَ جَعَلَهُمَا حِمًى وَ حَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَ اِصْطَفَاهُمَا لِجَلاَلِهِ، وَ جَعَلَ اَللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ، ثُمَّ اِخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلاَئِكَتَهُ اَلْمُقَرَّبِينَ لِيَمِيزَ اَلْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ هُوَ اَلْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ اَلْقُلُوبِ، وَ مَحْجُوبَاتِ اَلْغُيُوبِ -إِنِّي خٰالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ، فَسَجَدَ اَلْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلاّٰ إِبْلِيسَ- اِعْتَرَضَتْهُ اَلْحَمِيَّةُ، فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ وَ تَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ، فَعَدُوُّ اَللَّهِ إِمَامُ اَلْمُتَعَصِّبِينَ، وَ سَلَفُ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ اَلَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ اَلْعَصَبِيَّةِ، وَ نَازَعَ اَللَّهَ رِدَاءَ اَلْجَبْرِيَّةِ، وَ اِدَّرَعَ لِبَاسَ اَلتَّعَزُّزِ، وَ خَلَعَ قِنَاعَ اَلتَّذَلُّلِ.

أَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اَللَّهُ بِتَكَبُّرِهِ، وَ وَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي اَلدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَ أَعَدَّ لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ سَعِيراً، وَ لَوْ أَرَادَ اَللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ اَلْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَ يَبْهَرُ اَلْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَ طِيبٍ يَأْخُذُ اَلْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ، لَفَعَلَ، وَ لَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ اَلْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً لَهُ، وَ لَخَفَّتِ اَلْبَلْوَى فِيهِ عَلَى اَلْمَلاَئِكَةِ، وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْيِيزاً بِالاِخْتِبَارِ لَهُمْ، وَ نَفْياً لِلاِسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَ إِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ مِنْهُمْ، فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اَللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ اَلطَّوِيلَ، وَ جَهْدَهُ اَلْجَهِيدَ، وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اَللَّهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ لاَ يُدْرَى أَمِنْ سِنِي اَلدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِيّ اَلْآخِرَةِ عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍفَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اَللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ، كَلاَّ مَا كَانَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً، إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ اَلسَّمَاءِ وَ أَهْلِ اَلْأَرْضِ لَوَاحِدٌ، وَ مَا بَيْنَ اَللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى اَلْعَالَمِينَ(1).


1) بحار الأنوار: 466/14، وأجوبة مسائل جار الله: 28.

اللغة

(قصع) الرجل قصعاً من باب منع إذا اتبلع جرع الماء وقصعت الناقة بجرّتها إذا ردّتها إلى جوفها أو مضغتها أو هو بعد الدسع وقبل المضغ أو هو بأن تملأ فاها أو شدة المضغ، وقصع الماء عطشه سكّنه، وقصع القملة بالظفر قتلها، وقصع فلاناً صغّره وحقّره، وقصع الله شبابه أكداه، وقصع الغلام أو هامته ضربه ببسط كفه على رأسه، قيل: والذي يفعل به ذلك لا يشبّ، وغلام مقصوع وقصيعُ وقصعٌ كادي الشباب.

و (حمى) الشيء يحميه حمياً وحمايةً ومحمية منعه وكلاء حمى مثل رضى محمى والحميّة الأنف و(تجبّر) الرجل إذا تكبّر، والجبّار من الأسماء الحسنى القاهر المتكبّر الذي لا ينال، والجبّار في المخلوق العاتي المتمرد، والمتكبر الّذي لا يرى لأَحد عليه حقاً، والجبريّة بكسر الجيم وسكون الباء والجبريّة بكسرات والجبريّة بالفتحتين، والجبريّة بفتح الأَوّل وسكون الثاني، والجبروة بالواو المضمومة والجبروت وزن برهوت كلّها مصادر بمعني العظمة والجلالة.

و(ادّرع) الرّجل وتدرّع لبس درع الحديد و(القناع) بالكسر ما تقنع به المرأة رأسها وهو أوسع من المقنعة و(العرف) بفتح الأَوّل وسكون الثاني الريح طيّبة أو منتنة وأكثر استعماله في الطيّبة و(الخيلاء) والخيل والخيلة الكبر و(الهوادة) اللين والرخصة وما يرجى به الصّلاح.

الإعراب

وتحذير في كلام الرضي بالنّصب عطف على مفعول تتضمّن وجملة اعترضته استئنافية بيانية، وتمييزاً مفعول لأَجله لقوله يبتلى، وقوله: عن كبر ساعة، متعلق بقوله: أحبط ، وعن للتعليل كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَة) [التّوبَة: الآية 114] وعلى في قوله: يسلم على الله، بمعنى من كما في قوله تعالى: (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) [المطفّفين: الآية 2] أي منهم، وقوله بأمر أخرج به، الباء الأولى للمصاحبة، والثانية للسببيّة.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة كما أشرنا إليه أطول خطب هذا الكتاب، ويخطف بالأبصار ضياؤها، يبهر من العقول رواؤها، ويذهب بالأحلام انسجامها، وقبل الشروع في شرحها فلنقدّم هنا فوائد:

الأولى - في اسمها ووجه تسميتها

قال الرّضي رحمه الله: تسمى بالقاصعة، وهي مأخوذة من القصع والمعاني السبعة التي ذكرناها لتلك المادة في بيان اللّغة كلّها ممكنة الإرادة هنا.

فعلى المعنى الأَوّل والثاني نقول: إن المواعظ والنصائح لما كانت في هذه الخطبة متتابعة مردّدة من أوّلها إلى آخرها شبّهت بجرع الماء المتتابعة المبتلعة جرعة بعد جرعة، وبجرات الناقة الّتي تقصع جرّة بعد جرة.

وعلى المعنى الثالث فلأنّ هذه الخطبة يذهب شموخ أنف المتكبّرين واعتلائهم، ويسكن نخوة بأدهم وسموّ غلوائهم إن استمعوا إليها وتدبّروا فيها، فشبهت بالماء المسكن للعطش.

وأما على المعنى الرابع فلأَنّها بما فيها من المذام والمطاعن التي لإبليس وجنوده كالقاتلة لهم.

وأما على المعنى الخامس فلتضمّنها تصغير إبليس وتحقيره مع اتباعه، وهذا أحسن المعاني وأنسبها.

وأما على السادس والسابع فلأَنها لبلوغها الغاية في ذم إبليس ومتابعيه من المتكبّرين، وتجاوزها الحد والنهاية في الكشف عن سوأتهم، صارت كالقاصعة اللاطمة على رأسهم، وصار إبليس بذلك كالمقصوع القميء الذي لا يشبّ ولا يزداد، وكذلك متابعوُه.

وقيل هنا وجه آخر: وهم أنه علیه السلام حين خطب بهذه الخطبة كان راكباً على ناقته وهي تقصع بجرتها، فأصل الخطبة القاصعة الخطبة التي كانت خطابتها على الناقة القاصعة، ثم كثر الاستعمال فخفف وقيل: خطبة القاصعة من إضافة الشيء إلى ملابسه، ثم توسع فيه فجعل القاصعة صفة للخطبة نفسها فقيل: الخطبة القاصعة.

الفائدة الثانية

نقلوا في سبب هذه الخطبة أن أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته علیه السلام قد فسدوا وكانوا قبائل متعددة، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمرّ بمنازل قبيلة أخرى فيصيبه أدنى مكروه فينادي: باسم قبيلته، مثلاً يا للنخع يا لكندة نداء عالياً يقصد به الفتنة وإثارة الشرّ، فيتألّب عليه فتيان القبيلة، فينادُون يا لتميم ويا لربيعة، ويقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه، فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها فتثور الفتن وتسلّ السيوف، ولا يكون لها أصل في الحقيقة إلا تعرض الفتيان بعضهم ببعض، وكثر ذلك فخرج علیه السلام على ناقته فخطبهم بهذه الخطبة كسراً لصولتهم.

الفائدة الثالثة

قال السيد الله رحمه الله (وهي تتضمن ذم إبليس على استكباره وتركه السجود لآدم علیه السلام وإنّه أول أظهر العصبية وتبع الحمية وتحذير الناس من سلوك طريقته).

أقول: لله درّ السيّد فقد وقف على أنجد هذه الخطبة ولم يقف على أغوارها، وخاض في ضحاضحها ولم يلجج في غمارها، أو أن تقريره قصر عن التعبير بما انطوى عليه ضميره، فإن الغرض الأَصلي لأمير المؤمنين علیه السلام من هذه الخطبة هو تقريع المتكبّرين، وتوبيخ المتجبّرين، وتهديد المستكبرين، وزجرهم وإزعاجهم عن التجبر والاستكبار، وردعهم عن الاتصاف بهذه الصفة الخبيثة الخسيسة والخصلة الرذيلة.

ولما كان اقتصاص حال إبليس أبلغ في التأدية إلى هذا الغرض وآكد في مقام الرد والإبعاد، وأشد في التهديد والإيعاد، لا جرم صدّر الكلام باقتضاء الحال والمقام لشرح حال إبليس اللّعين، وأطنب ببيان ما نزل به من النكال العظيم والعذاب الأليم.

وقد ذكرنا في ديباجة الشرح أن اللازم على الخطيب المصقع أن يراعي حسن الابتداء ويصدّر كلامه بما يناسب الغرض المسوق لأَجله الكلام.

إذا عرفت ذلك ظهر لك إن كنت من الصناعة أن هذه الخطبة تقطر الفصاحة من أعطافها، وتؤخذ البلاغة من ألفاظها، وإن تدبّرت عرفت فيها حسن كفايتها في أداء ما سيق الكلام لأَجله، وأنها في التحذير والتنفير عن الكبر والتهديد والتوعيد والطرد والإبعاد للمستكبرين كلام ليس فوقه كلام، بل إن أمعنت النظر فيها يظهر لك أنها تالي سورة البراءة، وما أشبهها بها.

فإنّها كما سيقت من أوّلها إلى آخرها لأَجل تقريع الكفار والمنافقين والكشف عن فضائحهم والإفصاح عن مخازيهم ومقابحهم، وافتتحت بإظهار البراءة منهم ولأَجل ذلك لم تصدّر بالبسملة، لأَن بسم الله للأَمان والرّحمة، وهذه السورة نزلت لرفع الأمان بالسّيف، وفتحتها تشهد بخاتمتها.

فكذلك هذه الخطبة من بدئها إلى ختمها ترهيب وتهويل وتهديد وتوعيد وتخويف وتزيد على ذلك حسناً ورواء أن راعى في مطلعها صناعة براعة الاستهلال فقال:

(الحمد لله الّذي لبس العزّ والكبرياء) وهو من باب الاستعارة المكنيّة تشبيهاً للعزّ والكبرياء باللّباس فيكون ذكر اللبس تخييلاً، والجامع أنّ اللباس كما يحيط بلابسه فكذلك

العزّ والكبرياء لما كانا محيطين بذاته أي كان ذاته غير فاقد لهما، بل هما عين ذاته لكونهما من صفات الذات فشبها باللباس الّذي يتلبس به لابسه.

ويجوز أن يجعل من باب الاستعارة التبعية بأن يستعار اللّبس للاتصاف، فيكون نسبته إلى العزّ والكبرياء قرينة للاستعارة، والجامع أنّ اللباس كما يكون مختصّاً بلابسه وبه يعرف ويتميز، فكذلك هذان الوصفان لما كانا مخصوصين بذاته سبحانه استعار لاتصافه بهما لفظ اللبس.

ومعنى العزّ هو الملك والقدرة والغلبة والعزيز من أسمائه الحسنى قال الصدوق: هو المنيع الذي لا يغلب وهو أيضاً الّذي لا يعادله شيء وأنه لا مثل له ولا نظير وقد يقال للملك كما قال إخوة يوسف: يا أيها العزيز، أي يا أيها الملك.

وقال الطبرسي: العزيز القادر الذي لا يصحّ عليه القهر، والكبرياء هو السلطان القاهرة والعظمة القاهرة والعلوّ والرفعة، هذا.

وإنما قلنا: أنّ العزّ والكبرياء من صفات الذات، لأَن صفة الذاتية ما لا يصحّ سلبه عنه سبحانه ولا يصح تعلق القدرة عليه.

قال صدر المتألهين في شرح الكافي في الفرق بين صفة الذات وصفة الفعل: إن القدرة صفة ذاتية تتعلق بالممكنات لا غير، ونسبتها بما هي قدرة إلى طرفي الشيء الممكن علی السواء، فلا يتعلّق بالواجب ولا بالممتنع، فكلّ ما هو صفة الذات فهو أزلي غير مقدور، وكل ما هو صفة الفعل فهو ممكن مقدور، وبهذا يعرف الفرق بين الصّفتين، فإذا نقول: لما كان علمه بالأَشياء ضرورياً واجباً بالذات وعدم علمه بها محالاً ممتنعاً بالذات فلا يجوز أن يقال: يقدر أن يعلم ولا يقدر أن لا يعلم، لأَن أحد الطرفين واجب والآخر ممتنع بالذات، ومصحّح المقدورية هو الإمكان، وكذا الكلام في صفة الملك والعزة والحكمة والجود وغيرها من صفات الذات كالعظمة والكبرياء والجلال والجمال والجبروت وأمثالها، وهذا بخلاف صفات الفعل.

ثمّ لما كان المستفاد من قوله: لبس العزّ والكبرياء اتصافه سبحانه بهما ولم يستفد منه اختصاصهما به تعالى الاختصاص الحقيقي المفيد لعدم جواز اتصاف الغير بهما، لا جرم أكد ذلك بقوله:

(واختارهما لنفسه دون خلقه) والمراد باختيارهما لذاته تفرده باستحقاقهما لذاته، فإنّ المستحق للعزّ والكبرياء بالذات ليس إلا هو وأما غيره سبحانه فعزّه وعظمته وملكه عرضية مستفادة منه عزّ وجلّ كما قال: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ

تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) [آل عِمرَان: الآیة 26].

فهذان الوصفان مثل ساير الصفات الذاتية، فكما أن العلم والقدرة إذا نسبا إليه سبحانه وقيل: إنه عالم قادر يراد به أنه عالم بذاته والعلم ذاته وقادر بذاته والقدرة ذاته، وإذا نسبا إلى المخلوق وقيل: زيد عالم قادر يراد به أنه عالم بعلم زائد على ذاته ويقدر بقدرة زائدة على ذاته، فكذلك إذا قيل: فلان عزيز عظيم يراد به أنه عزيز بعزة زائدة وعظيم بعظمة كذلك، وأما إذا قيل: الله عزيز عظيم فعزته وعظمته عين ذاته.

وأيضاً فالعزّ والعظمة في الله هو العزّ المطلق والعظمة القاهرة المطلقة لا يستحقها غيره، وأما في المخلوق فهو عز ناقص وعظمة ناقصة فقول إخوة يوسف («يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ) [يوسف: الآية 78] أرادوا أنه عزيز مصر، فالعز المطلق لله الواحد القهار المتكبّر العزيز الجبّار وله الكبرياء في السماوات والأَرض وهو العزيز الحكيم.

فقد علم بذلك أن العز المطلق الكامل والكبرياء أي السلطان القاهر لله سبحانه ومن الصفات المخصوصة به تعالى، فلا يجوز لغيره أن يتعزز ويتكبّر ويدّعي العز الكبرياء لنفسه.

وإلى هذا ينظر ما في الحديث القدسي قال أبو هريرة: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول الله تبارك وتعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنّم ولا أبالي.

وفي رواية أبي عبد الله علیه السلام قال: قال أبو جعفر علیه السلام «العزّ رداء الله والكبرياء إزاره فمن تناوله شيئاً منه أكبه الله في جهنّم»(1)، هذا.

وقد تقدّم تفصيل الكلام في بيان حقيقة الكبر والأَدلة الواردة في ذمها ومفاسدها بما لا مزيد عليه في شرح «المختار» المائة والسابع والأربعین.

(وجعلهما حمى وحرماً على غيره) تشبيههما بهما باعتبار أن الحمى كما يحمى من أن يتصرف فيه الغير ويحفظ من أن يحام حوله، ولو دخله الغير كان مسؤولاً مؤاخذاً، فكذلك هذان الوصفان مخصوصان به سبحانه ليس لأُحد أن يحوم حولهما ويدعيهما لنفسه ولو ادّعاهما كان معاقباً مدحوراً.

(واصطفاهما لجلاله) أي لتقدّسه وعلوّه عن شبه مخلوقاته، (وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده) أي جعل الطرد والإبعاد عن الرّحمة والدخول في النار والعذاب على


1) ثواب الأعمال: 221.

المتكبّرين المتعززين المجادلين لله سبحانه في عزّه وسلطانه قال: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزُّمَر: الآية 60] وقال: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [النحل: الآية 29].

(ثم اختبر بذلك ملائكته المقرّبين) أي اختبرهم بالتكبّر وعدمه، أي عاملهم معاملة المختبر الممتحن فهو استعارة تبعية لأَنّ حقيقة الاختبار وهو طلب الخبرة والمعرفة بالشيء محال على الله العالم بالسرائر والخبير بالصدوق والضمائر، وإنما هو في حق من لا يكون عارفاً ولكن لما كان شأنه أن لا يجازي عباده على ما يعلمه منهم أنهم سيفعلونه قبل أن يقع ذلك الفعل، وإنما يجازيهم على تكليفهم بما كلّفهم به فيثيب المطيعين منهم ويعاقب العاصين، فأشبه ذلك باختبار الإنسان لعبيده وتميزه لمن أطاعه ممن عصاه فاختباره لهم مجاز عن تكليفه إيّاهم وتمكينه لهم من اختيار أحد الأَمرين، ما يريده الله وما يشتهيه العبد، وقد عرفت الكلام في تحقيق اختباره أبسط من ذلك في شرح المختار الثاني والستين.

والحاصل أنّه سبحانه امتحن بذلك ملائكته وهو يعلم المفسد من المصلح ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيي من حي عن بيّنة.

و(ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين) فيثيب الأَوّلين وهم من أصحاب اليمين بجنّة عرضها السماوات والأَرضين، ويعاقب الآخرين وهم من أصحاب الشمال بالجحيم ولبئس مثوى المتكبّرين.

(فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب) جملة معترضة أدمجها بين القول ومقوله تنزيهاً له سبحانه عن كون اختباره عن جهل كما في غيره والاعتراض هنا كما في قوله تعالى: (يجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) يعني أنّه تعالى اختبر ملائكته بأن قال لهم مع عمله بباطنهم:

(إني خالق بشرا من طين) (فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ) [الحجر: الآية 29] يعني إذا عدلت خلقته وأتممت أعضاءه وصورته وأحبيته وجعلت فيه الروح. وإضافة الروح إلى نفسه للتشريف، ومعنى نفخت فيه إفاضته عليه من غير سبب وواسطة كالولادة المؤدّية إلى ذلك، فإنّ الله شرّف آدم وكرّمه بهذه الحالة. وقد مضى تفصيل الكلام في شرح خلقة آدم علیه السلام بما لا مزيد عليه في شرح الفصل العاشر من «المختار» الأوّل.

(فسجد الملائكة كلّهم أجمعون) طاعة لأَمر رب العالمين (إلا إبليس) استكبر وكان من الكافرين وقد مضى تفصيل الكلام في أمر الملائكة بالسجود له وكيفيّة سجدتهم وإباء إبليس عنها وسائر ما يتعلق بهذا العنوان في شرح الفصل الحادي عشر من «المختار» الأول فليتذكر،

وأشار إلى علّة امتناع إبليس من السجدة بقوله:

(اعترضته الحمية) والعصبيّة والآنيّة (فافتخر على آدم بخلقه وتعصب عليه لأَصله) أي تعزز بخلقة النار واستوهن خلق الصلصال فقال: )خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [الأعراف: الآية 12] (اسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون).

وفي الحقيقة استفهامه ذلك كان اعتراضاً على الله عزّ وجل وإنكاراً عليه بأنه كيف يسوغ له أن يأمر الأَشرف بتعظيم الأَدنى ويرجح المخلوق من الطين على المخلوق من النّار.

وقد غلط الملعون في اعتراضه وأخطأ في قياسه، حيث قصر نظره بما للنار من النور ولم يمعن النظر فيما لآدم من النور الذي يضحي عنده كلّ نور وهو نور الأَشباح الخمسة الذي كان آدم وعاء له وكان أمر الملائكة بالسّجود لأَجله، وقد بيّنا فساد قياس الملعون في شرح الفصل الحادي عشر من «المختار» الأَوّل بوجوه عديدة.

(فعدوّا لله) إبليس (إمام المتعصبين) ومقتديهم حيث إنّه أوّل من أسّس أساس العصبية (وسلف المستكبرين) ومقدمهم لأَنه أوّل من بنى بنيان الاستكبار والنخوة وإليه أشار بقوله:

(الذي وضع أساس العصبية ونازع الله رداء الجبريّة) جعل استكباره وادعاءه لما ليس له وانتحاله للصفة الخاصة بالله سبحانه وهو صفة الكبرياء والجبروت بمنزلة منازعته إياه سبحانه، فتجوز بلفظ المنازعة عن ذلك.

وبعبارة أوضح كما أن من نازع لآخر في شيء يريد أن يجذب باب النزاع إلى نفسه ويستأثر به، فكذلك ذلك الملعون لتكبّره صار بمنزلة المنازع لله المريد للاستثثار بصفة الكبرياء.

(وادّرع لباس التعزّز) والتجبّر الذي هو وظيفة الرّبوبيّة (وخلع قناع التذلل) والتواضع الذي هو وظيفة العبودية.

ولما قص قصة إبليس أمر المخاطبين بالنظر فيما آل إليه أمره وأثمره كبره ليحذرُوا من اقتفاء أثره، ويجتنبوا من سلوك سننه فقال:

(ألا ترون كيف صغره الله بتكبره ووضعه بترفعه) وتجبّره (فجعله في الدنيا) مذموماً (مدحوراً) وقال: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) [الحجر: الآيتان 34 و 35] (وأعد) الله (له في الآخرة سعيراً) وقال: لاملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين).

ثم نبه على نكتة خلقِهِ آدم علیه السلام من الطين بقوله (ولو أراد الله سبحانه أن يخلق آدم علیه السلام

من نور يخطف الأبصار) أي يسلبها ويأخذها (ضياؤه ويبهر العقول رواؤه) أي يغلبها حسن منظره (وطيب بأخذ الأنفاس عرفه) أي ريحه وعطره (الفعل) لأَنه أمر ممكن مقدور وهو سبحانه على كلّ شيء قدير (ولو فعل) ذلك (لظلت الأعناق خاضعة له ولخفت البلوي فيه على الملائكة).

يعني أنه سبحانه لو أراد أن يخلق آدم في بدء خلقته من نور باهر يخطف سنا برقه بالأَبصار لكان مقدوراً له سبحانه، ولو خلقه كذلك لصارت أعناق الملائكة وإبليس خاضعة منقادة له، ويسهل عليهم الامتحان في سجود آدم علیه السلام ولم يشق عليهم تحمل ذلك التكليف، ولساغ لهم السجود له وطاب أنفهسم به لما رأوا من شرف جوهره وعلوّ مقامه وفضل خلقته، لأَن الشريف جليل القدر إنما يأبى ويستنكف من الخشوع والخضوع لمن هو دُونه، ولذلك قال إبليس اللعين خلقتني من نار وخلقته من طين، وأما من كان أصله مناسباً لأصله ومقارناً له في الشرف أو أعلى رتبة منه فلا، وخف حينئذ البلوى.

(ولكن الله سبحانه) لم يرد ذلك ولم يتعلّق مشيئته بخلقه من نور وصفه كيت كيت، وإنما خلقه من طين وصلصال من حمإ مسنون ليصعب تحمل التكليف سجوده ويثقل حمله، فيتميّز بذلك المحسن من المسيىء والمطيع من العاصي، ويستحق المطيع له على ثقله مزيد الزلفي والثواب لكون إطاعته عن محض الخلوص والتعبد والتسليم والانقياد، ويستحق العاصي لأَليم العقاب لأَجل كشف عصيانه عن كونه في مقام التمرد والآنية والعناد.

وكذلك جرت عادة الله سبحانه على أن (يبتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزاً بالاختبار لهم، ونفياً للاستكبار عنهم، وإبعاداً للخيلاء منهم) يعني أنّه سبحانه يكلفهم بأحكام لا يعلمون دليلها وسرّها ونكتتها والغرض منها، ليميّز المنقاد من المتمرّد والمتذلّل من المستكبر.

ألا ترى أن أكثر الأَحكام الشرعيّة الّتي في شرعنا مما لم يستقل العقل بحكمه من هذا القبيل.

وكذلك غالب أحكام سائر الشرائع تعبدّيات صرفة مثل وجوب حمل الأمم السالفة قرابينهم على أعناقهم إلى بيت المقدّس، فمن قبل قربانه جاءته نار فأكلته، فإن علة وجوب حملها على الأعناق ونكتة ذلك التكليف الشاق غير معلومة.

وكذا المصلحة في إحراق القربان ذي الحياة بالنّار ممّا لا نفهمها.

ومثل ما امتحن الله به جنود طالوت من شرب الماء حيث قال: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) [البَقَرَة:

الآية 249].

ومثله ما اختبر به أصحاب السّبت من نهيهم عن الصيد في يوم السّبت، فإن العقل لا يفرق بين أيام الأسبوع ولا يدرك قبح الصّيد في ذلك اليوم وجهة النهي عنه وحسنه في سائر الأيام وجهة إباحته، فانظر إلى عظم البلوى في ذات التكليف كيف أوقعهم التعدي عنه في الحزى العظيم. فكانوا قردة خاسئين.

كما قال سبحانه (وَسْئَلْهُمْ) أي اليهود (عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأعرَاف: الآية 163] إلى قوله: (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَم كُونُوا قِرَدَةً خَسِنِينَ [الأعراف: 165].

قال في تفسير الإمام قال علي بن الحسين علیه السلام قال الله عزّ وجلّ: (فَلَمَّا عَتَوْا) [الأعرَاف: الآية 166] صاروا وأعرضوا وتكبّروا عن قبول الزّجر (عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) مبعدين من الخير مبغضين، هنا.

ولما ذكر علیه السلام من بدء الخطبة إلى هنا اختصاص وصف العزّ والكبرياء بالربّ الأَعلى وأن المنازع له فيهما ملعون مطرود من مقام الزلفي، ونبه على أن إبليس اللعين استحق النار وسخط الجبّار للتعزّز والترفع والاستكبار، تخلص إلى غرضه الأصلي من خطابة هذه الخطبة وهو نصح المخاطبين، فأمرهم بالاعتبار بحال هذا الملعون، وأنه كيف أحبط أعماله التي عملها في المدّة المتطاولة، وألوف من السنين بتكبّره وتمرّده عن أمر رب العالمين فقال:

(فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط) أي أبطل ثواب (عمله الطويل وجهده الجهيد) أي اجتهاده المستقصى وسعيه البالغ إلى النهاية (وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة) وهكذا في رواية «البحار» المتقدّمة في شرح الفصل الحادي عشر من «المختار» الأَوّل عن العياشي عن ابن عطية عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إن إبليس عبد الله في السماء في ركعتين ستة ألف سنة لكن في رواية القمي المتقدمة هناك عن زرارة عنه لأنه ركعهما في أربعة آلاف سنة»، وفي رواية أخرى في ألفي سنة، وفي رواية رابعة في سبعة ألف سنة.

قال المحدّث العلامة المجلسي رحمه الله ويمكن دفع التنافي بين أزمنة الصلاة والسجود بوقوع الجميع أو بصدور البعض موافقاً لأقوال العامة تقية(1).


1) بحار الأنوار: 60/ 241.

وقوله: (لا يدري أمن سني الدّنيا أم سني الآخرة) لا دلالة فيه على عدم علمه علیه السلام بذلك إذ لفظ يدري بصيغة المجهول ويكفي في صدقه جهل المخاطبين به وإنما لم يفسّره لهم لما كان يعلمه علیه السلام في إبهامه المصلحة كعدم تحاشي كعدم تحاشي السامعين من طول المدّة.

وروى الشارح البحراني من نسخة الرّضي ما لا ندري بصيغة المتكلّم مع الغير، وهو أيضاً لا يستلزم جهله علیه السلام لأَن غيره لا يدرونه فغلبهم على نفسه وباب التغليب باب واسع في المجاز.

أمّا مدّة سني الآخرة فقد أشير إليها في قوله سبحانه في سورة الحج: (وَإِن يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَالْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) [الحَجّ: الآية 47] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن زيد في تفسيرها: إن يوماً من أيام الآخرة يكون كألف سنة من أيام الدنيا.

وفي «الصافي» من إرشاد المفيد عن الباقر علیه السلام في حديث: وأخبر أي الله سبحانه بطول يوم القيامة وأنه كألف سنة مما تعدون(1).

ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة السجدة: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) [السَّجِدَة: الآية 5] روى في مجمع البيان عن ابن عباس في هذه الآية أن معناها يدبر الله سبحانه أمر الدنيا فينزل القضاء والتدبير من السماء إلى الأرض مدّة أيام الدنيا، ثم يعرج الأمر ويعود التدبير إليه بعد انقضاء الدنيا وفنائها حتى ينقطع أمر الأمراء وحكم الحكام وينفرد الله بالتدبير في يوم كان مقدار ألف سنة، وهو يوم القيامة فالمدة المذكورة هو مدّة يوم القيامة إلى أن يستقرّ الخلود في الدارين.

قال الطبرسي: ويدلّ عليه ما روى: إن الفقراء يدخلون الجنّة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام.

فإن قلت: فما تقول لقوله سبحانه في سورة المعارج : (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج: الآية 4] وما وجه الجمع بينه وبين الآيتين السالفتين؟

قلت: ربما يجمع بينهما بأن المراد بآية السجدة أن الملائكة ينزل بالتدبير والوحي ويصعد إلى السماء في يوم واحد من أيام الدنيا مسافة ألف سنة مما تعدون لأَن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مائة عام لابن آدم، فيكون نزوله خمس مائة عام وصعوده خمس مائة


1) الإرشاد: 385/2، والتفسير الصافي: 384/3.

عام، فمسافة الصعود والنزول إلى السماء الدّنيا في يوم واحد للملك مقدار مسيرة ألف سنة لغير الملك.

والمراد بآية المعارج هو مسافة الصعود والنزول إلى السماء السابعة، فإنها مقداره مسيرة خمسين ألف سنة.

ويؤيّده ما عن الاحتجاج عن أمير المؤمنين علیه السلام وقد ذكر النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم قال: «أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام أقل من ثلث ليلة» انتهى إلى ساق العرش، هذا.

وقد يجمع بينهما بأن الآيتين المتقدّمتين محمولتان على مدة يوم القيامة والآية الأَخيرة أريد بها بيان مدّة الدّنيا، يعني أن أوّل نزول الملائكة في الدّنيا وأمره ونهيه وقضائه بين الخلائق إلى آخر عروجهم إلى السماء وهو يوم القيامة خمسون ألف سنة، فيكون مقدار الدّنيا هذه المدّة لا يدري كم مضى وكم بقي وإنما يعلمها الله سبحانه.

فإن قلت: هذان الوجهان وإن كان يرفع بها التنافي بين الآيات إلاّ أنّه على البناء على الوجه الأَول لا يبقى في الآيتين دلالة على كون مقدار يوم الآخرة ألف سنة كما هو المقصود، وعلى الثاني فدلالتهما مسلمة لكنه ينافي ما ذكرتم في الآية الثالثة من أن المراد بها بيان مدّة الدّنيا ما رواه في «الكافي» عن الصادق علیه السلام: «إنّ للقيامة خمسين موقفاً كلّ موقف مقام ألف سنة »ثمّ تلا: (وفِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعَارج: الآية 4] فإن هذه الرواية كما ترى تدل على أن مقدار القيامة خمسون ألفاً، وأن الآية ناظرة إلى ذلك.

قلت: يمكن الجواب عنه بما أجاب به الطبرسي حيث قال بعدما روى عن ابن عباس: كون مقدار يوم القيامة ألف سنة، فأمّا قوله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فإنه أراد سبحانه على الكافر جعل الله ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة، فإن المقامات في يوم القيامة مختلفة، انتهى.

يريد أنّه يطول ذلك اليوم في نظر الكافر هذه المدّة لشدّة عذابه، وأمّا في حق المؤمن فلا.

ويرشد إليه ما رواه الطبرسي عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله ما أطول هذا اليوم؟ فقال: «والذي نفس محمد بيده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا»(1).


1) مجمع البيان: تفسير مجمع البيان: 1/ 120.

وهذا كما يقال في المثل: أيّام السرور قصار وأيّام الهموم طوال، ويقال أيضاً سنة الفراق سنة وسنة الوصال سنة، قال الشاعر:

یطول اليوم لا ألقاك فيه *** وحول نلتقي فیه قصیر

هذا ما يستنبط من الأَدلة في هذا المقام والعلم عند الله وعند حججه الكرام علیهم السلام هذا.

وبعد البناء على أن مقدار يوم من أيام الآخرة ألف سنة من أيّام الدّنيا يكون مدّة عبادة إبليس في السّماء إذا كانت ستّة آلاف سنة من سني الآخرة هو ألفا ألف ألف ومائة ألف ألف وستّون ألف ألف سنة من سني الدُّنيا، ولما رأى أمير المؤمنين علیه السلام عدم تحمل أذهان أكثر السّامعين لذلك أبهم القول عليهم، وقال: لا يدري أمن سني الدّنيا أم سني الآخرة.

(عن كبر ساعة واحدة) أي أحبط عمله الذي بلغ ما بلغ لأَجل كبر ساعة واحدة (فمن ذا الذي بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته) استفهام إنكاري إبطالي، أي من الّذي يبقى بعد إبليس سالماً من عذابه وسخطه سبحانه وقد جاء بمثل معصيته واتصف بصفته.

(كلاّ) حرف ردع أتى بها تأكيداً لما استفيد من الجملة السّالفة وتنبيهاً على أن زعم السّلامة العذاب للمتكبر فاسد ومدّعيه كاذب إذ (ما كان الله سبحانه ليدخل الجنّة بشراً) مصاحباً ومتلبساً (بأمر) ذي ذنب (أخرج به) أي بسبب ذلك الذنب (منها ملكاً)، وكيف يتوهم ذلك والحال أن البشر لو قيس عمله إلى عمله وجهده وإن استقصى إلى جهده لم يكن إلاّ نسبة القطر إلى البحر.

والتعبير عن إبليس بالملك لكونه في السّماء وطول مخالطته بالملائكة لما قدمنا في شرح الفصل الحادي عشر من «المختار» الأَوّل من الأَدلة على أنه كان من الجنّ دون الملائكة.

ولما كان هنا مظنة أن يعترض معترض ويقول: إنا لا نسلم استلزام إخراج الملك لعدم إدخال البشر إذ يمكن أن يكون إخراجه مستنداً إلى كمال قربه، فإن أدنى ذنب من المقرّبين يقع في موقع عظيم، وأمّا البشر فلعدم قربه ذلك القرب لا يؤثر ذنبه ذلك التأثير فيجوز دخوله في الجنّة، وإن أذنب مثل ذنب الملك وأيضاً فمن الجائز أن يكون تحريمه للتكبّر مخصوصاً بأهل السّماء فقط، أجاب علیه السلام عن ذلك الاعتراض على طريق الاستئناف البياني بقوله:

«إن حكمه في أهل السماء والأَرض لواحد وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين».

ومحصّل الجواب أن حكمه في أهل السّماء والأَرض واحد لا اختلاف فيه والمطلوب من الجمع أن يكونوا داخرين في رق العبوديّة ويعرفوا ربِّهم بالعظمة والربوبيّة، وقد جعل

الكبرياء رداءه والعظمة إزاره واختارهما لنفسه وجعلهما حمى وحرما على غيره وحرّم على جميع العالمين من أهل السّماء والأَرضين أن يحوموا حوم ذلك الحمى وينازعوه فيهما كما عرفته في أوّل شرح هذا الفصل مفصلاً.

وعلى ذلك فلا يبقى احتمال إباحة لأَحد في دخول ذلك الحمى، ولا تجويز أن يكون بينه وبينه هوادة ومحابة ورخصة في تلبّس لباس العزّ والكبرياء، فمن انتحل شيئاً منهما سواء كان من أهل الأَرض أو من أهل السّماء صار محروماً من الجنان ومنازل الأَبرار، مستحقاً للنيران ومهاوي الفجار ولبئس مثوى المتكبرين ومهوى المستكبرين.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن بزرگوار است که معروف است بخطبۀ قاصعه از جهت اینکه متضمن تحقیر شیطان ملعون است.

سيّد رضي (رحمه الله) گفته که این خطبه متضمّن است مذمت ابلیس را بر سرکشی وتكبّر او وترك كردن او سجده نمودن جناب آدم علیه السلام را و این را که او اوّل کسی است که اظهار سرکشی نمود و متابعت غیرت و حمیت کرد ، و متضمن است ترساندن مردمان را از رفتن راه او.

و شرح آن در ضمن چند فصل است فصل أوّل ميفرمايد:

حمد وثنا معبود بحقی را سزاست که پوشیده لباس عزّت و بزرگواری را و اختیار فرموده این دو وصف را برای ذات خود نه از برای خلق خود، و گردانیده آن دو صفت را قوروق و حرام بر غیر خود، و برگزیده این هر دو را برای جلال خود، و گردانیده لعنت را بر کسی که منازعت نماید با او در آن دو وصف از بندگان خود، پس از آن امتحان فرموده با این ملائکه مقرّبین خود را تا اینکه تمیز بدهد متواضعان ایشان را از متکبّران، پس فرمود خداوند سبحانه و حال آنکه عالم است به پنهانی های قلبها و پوشیدهای غیبها - بدرستی که من آفریننده ام بشریرا از گل پس زمانی که تمام نمودم خلقت او را و دمیدم در او روحی را که پسندیدۀ من است

پس بررو در افتید از برای اکرام او در حالتیکه سجده کنندگان باشید، پس سجده کردند ملائکه همه ایشان بهیئت اجتماع مگر ابلیس - ملعون که عارض شد او را حمیّت و عصبیّت، پس فخر کرد بر آدم بسبب خلقت خود، و متعصّب شد بر اواز جهت أصل خود که آتش بود.

پس دشمن خدا امام متعصبیّن است و پیشرو متکبّرین که نهاد بنیاد عصبیت را و نزاع کرد در رداء کبریاء، و عظمت، و پوشید لباس عزّت را و برکند لباس ذلّت را.

آیا نمی بینید چگونه تصغیر و تحقیر نمود او را خدای تعالی تكبّر او، و پست کرد او را بجهت بلند پروازی او، پس گردانید در دنیا او را رانده شده از رحمت، و مهیا فرمود از برای او در آخرت آتش برافروخته را، و اگر میخواست خدای تعالی که خلق نماید جناب آدم علیه السلام را از نوری که برباید دیدها را روشنی آن، وغلبه نماید بر عقلها نضارت زیبائی آن، و از عطری که بگیرد نفسها را بوی خوش آن، هر آینه مینمود.

و اگر مینمود خلقت آن را باین قرار هر آینه میگردید از برای آن گردنها خضوع کننده، و هر آینه سبك میشد امتحان در خصوص آن بر ملائكه، ولكن حق سبحانه و تعالی امتحان میفرماید مخلوقات خود را ببعض چیزها که جاهل باشند بأصل آن از جهت تمیز دادن ایشان بسبب امتحان، و از جهت سلب نمودن گردن کشی را از ایشان، و از جهت دور گردانیدن تكبّر وتجبّر را از ایشان.

پس عبرت بگیرید با آنچه که شد از کار خدا در حق ابلیس زمانی که باطل نمود عمل دراز اورا و جد وجهد بی اندازه او را و حال آنکه عبادت کرده بود خدارا در ظرف شش هزار سال معلوم نبود که آیا آن سالها از سالهای دنیا بود یا از سالهای آخرت از جهت كبر يك ساعت.

پس کیست بعد از ابلیس که سلامت بماند از عذاب پروردگار که اقدام نموده باشد بمثل معصیت ابلیس، همچنین نیست، نیست خدا که داخل نماید در بهشت آدمی را بأمریکه خارج نمود بسبب آن أمر از بهشت ملکی را، بدرستی که حکم خداوند در حق أهل آسمان وزمین یکی است، و نیست میان خدا و میان هیچ أحدی از خلق او رخصت و محبت در مباح ساختن قوروقي را که حرام گردانیده آن را بر جمیع عالمیان.

الفصل الثاني

اشارة

فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ عَدُوَّ اَللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ اَلْوَعِيد،ِ وَ أَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ اَلشَّدِيدِ وَ رَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ -وَقَالَ رَبِّ بِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ- قَذْفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ، وَ رَجْماً بِظَنٍّ غَيْرِ مُصِيبٍ، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ اَلْحَمِيَّةِ، وَ إِخْوَانُ اَلْعَصَبِيَّةِ، وَ فُرْسَانُ اَلْكِبْرِ وَ اَلْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى إِذَا اِنْقَادَتْ لَهُ اَلْجَامِحَةُ مِنْكُمْ، وَ اِسْتَحْكَمَتِ اَلطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ، فَنَجَمَتِ اَلْحَالُ مِنَ اَلسِّرِّ اَلْخَفِيِّ إِلَى اَلْأَمْرِ اَلْجَلِيِّ، اِسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ اَلذُّلِّ، وَ أَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ اَلْقَتْلِ، وَ أَوْطَؤُوكُمْ إِثْخَانَ اَلْجِرَاحَةِ، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ وَ حَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ، وَ دَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ، وَ قَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ، وَ سَوْقاً بِخَزَائِمِ اَلْقَهْرِ إِلَى اَلنَّارِ اَلْمُعَدَّةِ لَكُمْ، فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً، وَ أَوْرَى فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً، مِنَ اَلَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ، وَ عَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ.

فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ، وَ لَهُ جِدَّكُمْ، فَلَعَمْرُ اَللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَ وَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ، وَ دَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَ أَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ وَ قَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ، يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَ يَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ، لاَ تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَ لاَ تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ، فِي حَوْمَةِ ذُلٍّ، وَ حَلْقَةِ ضِيقٍ، وَ عَرْصَةِ صَوْتٍ، وَ جَوْلَةِ بَلاَءٍ.

فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ اَلْعَصَبِيَّةِ، وَ أَحْقَادِ اَلْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّمَا تِلْكَ اَلْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي اَلْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ اَلشَّيْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ وَ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ، وَ اِعْتَمِدُوا وَضْعَ اَلتَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ، وَ إِلْقَاءَ اَلتَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَ خَلْعَ اَلتَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَ اِتَّخِذُوا اَلتَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَ جُنُودِهِ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً، وَ رَجِلاً وَ فُرْسَاناً.

وَ لاَ تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى اِبْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اَللَّهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ اَلْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ اَلْحَسَدِ، وَ قَدَحَتِ اَلْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ اَلْغَضَبِ، وَ نَفَخَ اَلشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ اَلْكِبْرِ اَلَّذِي أَعْقَبَهُ اَللَّهُ بِهِ اَلنَّدَامَةَ، وَ أَلْزَمَهُ آثَامَ اَلْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ(1).

اللغة

(أعداه) الداء أصابه مثل ما بصاحب الداء وفي كلام العرب إن الجرب ليعدي أي يجاوز من صاحبه إلى من قاربه، والعدوى وزن جدوى ما يعدي من جرب وغيره و(الرجل)


1) بحار الأنوار: 467/14، وميزان الحكمة: 7656/3.

بفتح الراء وسكون الجيم اسم جمع لراجل مثل ركب راكب و (فوق) السهم وزن قفل موضع الوتر والجمع أفواق وفوقت السهم تفويقاً جعلت له فوقاً وإذا وضعت السهم في الوتر لترمي به قلت أفقته إفاقة ورجمته رجماً من باب نصر ضربته بالرجم وهو الحجارة و(جمح) الفرس اعتز راكبه وغلبه و (طمع) فيه طمعاً وطماعاً وطماعيّة حرص عليه و(نجم) الشيء نجوماً طلع وظهر و(دلف) دلفاً ودلفافاً مشى مشي المقيّد وفوق الدّبيب، ودلفت الناقة لجمها نهضت به.

و (الولجة) محرّكة كهف يستتر فيه المارة من مطر وغيره و(أوطأه) فرسه إذا حمله عليه فوطئه وأوطأوهم جعلوهم يطئون فهراً و(أثخن) في القتل إثخاناً أي أكثر منه وبالغ وأثخنته أو هنته بالجراحة وأضعفته قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ) [محمَّد: الآية 4] أي غلبتموهم وكثر فيهم الجراح و (الخزائم) جمع خزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير فيشدّ فيها الزمام) و(ورى) الزند يرى ورياً من باب وعد خرجت ناره، وفي لغة ورى يرى بالكسر فيهما، وأورى بالأَلف أخرج ناره و (القدح) بالفتح إخراج النار من الزّند يقال قدح بالزند رام ألا يراد به وقدح فيه طعن و (الحومة) معظم الماء والحرب وغيرهما و(النزغ) الإفساد و (المسلحة) بفتح الميم قال في النهاية القوم الذين يحفظون الثغر من العدو يكونون ذوي صلاح، أو لأََنهم يسكنون المسلحة وهي كالثغر والمرقب يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة انتهى، وفي «القاموس»: المسلحة بالفتح الثغر والقوم ذوو سلاح.

الإعراب

قوله: إن يعديكم في محلّ النصب بدل من عدو الله، والباء في قوله: بدائة للتعدية وفي قوله: بما أغويتني، للقسم، وما مصدريّة، وجوابه لأُزينن، وقيل: أنها سببيّة وعلى التقديرين فمفعول أُزيننّ محذوف أي أزينن لهم المعاصي، وقذفا ورجما منتصبان على الحال، وهما مصدران بمعنى الفاعل، والباء في قوله: صدقه به، بمعنى في، وجملة صدقه في محلّ الجر صفة ظنّ، وروى صدقه أبناء الحميّة بدون لفظ به، واستفحل جواب حتّى إذا.

وأثخان الجراحة بالنصب مفعول أوّل لأوطنكم كما في قولك: أعطيت درهماً زيداً، أي جعلوا أثخان الجراحة واطئاً لهم، لا أنه جعلهم واطئين له على أنه مفعول ثان كما توهّمه الشارح المعتزلي، أو أنه منصوب بنزع الخافض أي جعلوهم موطوئين بأثخان الجراحة قهراً وغلبة، وعلى التقديرين فقوله: طعناً وحزاً ودقاً كلها منصوب على الأبدال أثخان، وقصداً وسوقاً منصوبان على المصدر، والعامل محذوف، ويجوز انتصاب المنصوبات الخمسة جميعاً على المصدر.

وفي بعض النسخ أوطأوكم لإثخان الجراحة، باللام على المفعول له، وعلى هذا

فالمنصوبات الثلاثة الأول يحتمل كونها مفاعيل أوطأوا، أي أوطأوكم الطعن أي جعلوا الطعن واطئاً لكم لأَجل أثخان جراحتكم، ويحتمل انتصابها على المصدر كما مر، والباء في قوله: بخزائم، للآلة والاستعانة لا للمصاحبة كما توهم، وأورى بصيغة التفصيل عطف على أعظم، وجرحاً وقدحاً منتصبان على التميز، وجملة يقتنصون حال من رجله أو خيله.

وقوله: في حومة بلاء، قال الشارح المعتزلي: حال من مفعول يقتنصون.

أقول: ويجوز كونه ظرف لغو متعلّق بيضربون أو بيقتنصون بدلاً من قوله: بكلّ مكان، وأن يكون حالاً من فاعل تمتنعون، وهو أنسب وأولى، وما في قوله علیه السلام من غير ما فضل، زائدة للتأكيد.

المعنى

اعلم أنه علیه السلام لما أمر في الفصل السابق بالاعتبار بحال إبليس وبما فعل الله به من الطرد والإبعاد والإحباط لعمله، اتبعه بهذا الفصل وأمر فيه بالتحدّر عن متابعته، وبيّن فيه شدّة عداوته وحث على ملازمة التواضع والتذلّل فقال (فاحذروا عباد الله) من (عدو الله) إبليس (أن يعديكم بدائه) أي أن يجعل داءه مسرياً إليكم فتكونوا متكبّرين مثله (وأن يستفزكم) أي يستخفكم (بخيله ورجله) قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: الآية 64].

قال الطبرسي: الاستفزاز الإزعاج والاستنهاض على خفة وإسراع، وأصله القطع فمعنى استفزّه استزلّه بقطعه عن الصّواب أي استزلّ من استطعت وأضلّهم بدعائك ووسوستك، من قولهم صوت فلان إذا دعاه، وهذا تهديد في صورة الأَمر وقيل: بصوتك، أي بالغنا والمزامير والملاهي، وقيل كلّ صوت يدعى به إلى الفساد فهو من صوت الشيطان.

وأجلب عليهم بخيلك ورجلك الأجلاب السوق بجلبة وهي شدّة الصوت، أي أجمع عليهم ما قدرت عليه من مكائدك وأتباعك وذرّيتك وأعوانك، فالباء مزيدة وكلّ راكب أو ماش في معصية الله من الإنس والجنّ فهو من خيل إبليس ورجله وقيل: هو من أجلب القوم وجلبوا، أي صاحوا أي صح بخيلك ورجلك فاحشرهم عليهم بالأغواء، انتهى.

(فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد) قال المحدّث العلامة المجلسي رحمه الله: أي وضع فوق سهمه على الوتر، والظاهر أنه جعل فوق بمعنى أفوق، وإلاّ فقد عرفت في بيان اللّغة أنّ معنى فوقت السّهم جعلت له فوقاً، وعلى إبقاء التفويق على معناه الأَصلي يكون كناية عن التهيّؤ والاستعداد.

(وأغرق إليكم بالنزع الشديد) أي أستوفي مدّ القوس وبالغ في نزعها ليكون مرماه أبعد ووقع سهامه أشدّ.

(ورماكم من مكان قريب) لأَنّه يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق كما ورد في الحديث النبوي صلّی الله علیه و آله و سلّم وكنى علیه السلام به عن أنّ سهامه لا تخطىء (وقال) ما حكاه عنه عزّ وجلّ في سورة الحجر (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: الآيتان 39 و 40]، أي أقسم بإغوائك إياي لأُزيّننّ لهم المعاصي في الدّنيا التي هي دار الغرور، فالمراد بالأَرض هي الدّنيا كما في قوله تعالى: (وَلَكِنَّهُ أَخَلَدَ إلَى الْأَرْضِ) [الأعرَاف: الآية 176] وعلى كون الباء للسببية فالمعنى بسبب إغوائك إياي أفعل بهم ذلك.

فإن قلت: ظاهر الإغواء هو الإضلال فكيف جاز نسبته إلى الله؟

قلت: على إبقائه على ظاهره فلا بدّ من حمله على أنّ إبليس كان جبريّ المذهب.

وأدلّة العدليّة بوجوه: أحدها أن المراد به التخيب أي بما خيبتني من رحمتك لأُخيبنّهم بالدعاء إلى معصيتك.

وثانيها أن معناه بما أضللتني من طريق جنتك لأضلنّهم بالدّاء إلى معصيتك.

وثالثها أن معناه بتكليفك إياي بالسجود لآدم الذي وقعت به في الغيّ لأضلنّهم أجمعين إلا عبادك الذين أخلصوا العبادة الله وانتهوا عما نهوا عنه.

وقوله (قذفاً بغيب بعيد) أي قال إبليس ذلك رمياً بأمر غائب متوهم على بعد خفيت إماراته وشواهده أي رمياً بأمر بعيد المرمى غائب عن النظر.

قال الشارح المعتزلي: والعرب تقول للشيء المتوّهم على بعد: هذا قذف بغيب بعيد، والقذف في الأَصل رمي الحجر وأشباهه وبالغيب الأَمر الغائب وهذه اللفظة من الأَلفاظ القرآنية قال تعالى في كفار قريش: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) [سَبَإ: الآية 53] أي يقولون هذا سحر أو هذا من تعليم أهل الكتاب أو هذه كهانة وغير ذلك مما كانوا يرمونه(1).

قال الطبرسي في تفسير هذه الآية: أي يرجمون بالظن فيقولون لا جنة ولا نار ولا بعث، وهذا أبعد ما يكون من الظن وقيل معناه: يرمون محمداً صلّی الله علیه و آله و سلّم بالظنون من غير يقين، وذلك قولهم هو ساحر وهو شاعر وهو مجنون، وجعله قذفاً لخروجه في غير حق، وقيل:


1) شرح نهج البلاغة: 141/13.

معناه ويبعدون أمر الآخرة فيقولون لأَتباعهم: هيهات هيهات لما توعدون، وذلك كالشيء يرمى في موضع بعيد المرمى(1).

(ورجما بظن مصيب) يعني أنّ قوله: لأُغوينّهم أجمعين كان رجماً بظن قد أصاب فيه وطابق الواقع كما يشهد به قوله سبحانه: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُمُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ) [سَبَأ: الآيتان 20 و 21].

قال أمين الإسلام الطبرسي: المعنى أن إبليس كان قال: لأُغوينّهم ولأُضلنّهم وما كان ذلك عن علم وتحقيق وإنما قاله ظناً فلما تابعه أهل الزيغ والشرك صدّق ظنّه وحقّقه.

وفي بعض النّسخ ورجماً بظن غير مصيب قال الشارح المعتزلي وهذه الرّواية أشهر.

أقول: ووجّه بوجوه أحسنها وأصوبها وجهان:

أحدهما أن قوله: لأُغوينّهم بمعنى الشرك أو الكفر والذين استثناهم بقوله إلا عبادك اه المعصومون من المعاصي، ومعلوم أن هذا الظن غير مصيب لأَنّه ما أغوى كلّ البشر غير المخلصين، الغواية التي هي الشرك والكفر وإنما أغوى بعضهم به وبعضهم بالفسق فقط، فيكون ظنّه أنه قادر على إضلال البشر كلهم بالكفر ظنّاً غير مصيب.

وثانيهما أن إبليس لما ظن أنه متمكن من إجبارهم على الغيّ والضلال، فقال: لأُغوينّهم، مريداً به الإغواء بالجبر وسلب الاختيار حكم علیه السلام بخطأه.

ويوضح ذلك ما ذكره الطبرسي في قوله: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ) [سَبَإ: الآية 21] أي ولم يكن لإبليس عليهم من سلطنة ولا ولاية يتمكن بها من إجبارهم على الغي والضلال، وإنما كان يمكنه الوسوسة فقط كما قال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) [إبراهيم: الآية 22].

فإن قلت: قوله (وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ) [إبراهيم: الآية 22] يدلّ على أنّه لم يكن مراده بقوله: لأُغوينّهم، الإجبار وأنّه لم يكن ظاناً بالقدرة على إجبارهم.

قلت: قوله لأغوينّهم، إنما قاله في بدء خلقته بتوهم التمكن من إجبارهم، وقوله: وما كان لي عليكم من سلطان إنما يقوله يوم القيامة كما يشهد به سابق الآية، قال سبحانه: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ


1) مجمع البيان: تفسير مجمع البيان: 229/8.

سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) [إبراهيم: الآية 22].

فمحصّل الجواب أنّه لا منافاة بين كونه في أوّل الأَمر ظاناً بالتمكن من الإجبار، وبين معرفته في آخر الأَمر بعدم تمكّنه منه وبكونه خاطئاً في ظنّه.

وقوله (صدقه به أبناء الحمية وإخوان العصبية وفرسان الكبر والجاهلية) تأكيد لقوله رجماً بظنّ مصيب يعني أن إبليس ظن أنه يغويهم وكان هؤلاء قد غووا وضلوا بالحميّة والجاهلية والتعصب والتكبر، فكان ضلالهم ذلك تصديقاً فعليّاً منهم لإبليس في ظنّه وفي قوله: لأُغوينّهم، وموجباً لإصابة ظنّه.

وعلى الرواية المشهورة أعني رجماً بظن غير مصيب، فيكون هذه الجملة في معرض الاستدراك، يعني أنّه قال ما قال لا على وجه العلم بل على سبيل الظن والحسبان والمصيب للحق هو العلم دون التوهم أو الظن، لكن اتفق وقوعهما لتصديق أبناء الحميّة فيه ووقوع الغواية منهم.

وعلى هذا فالأَولى أن يجعل جملة: صدقه (اه) استئنافاً بيانياً لا صفة لظن فافهم جيّداً.

(حتى إذا انقادت له) الطائفة (الجامحة) منكم وهم الذين تقدّم ذكرهم أي أبناء الحميّة والعصبيّة والكبر ووصفهم بالجموح لخروجهم وتمردهم عن انقياد ربّهم المالك لهم ولكلّ شيء (واستحكمت الطماعية) أي الطمع (منه فيكم) بسبب مزيد انقيادكم له وإسراعكم إلى إجابة دعوته (فنجمت) أي ظهرت (الحال من السرّ الخفي إلى الأمر الجلي) أي خرج ما بالقوة إلى الفعل وإذ شاع آثار إغوائه (استفحل سلطانه عليكم) أي قوي واشتد وصار فحلاً (ودلف بجنوده نحوكم) أي نهض بهم إليكم (فأقحموكم ولجات الذّل) أي أدخلوكم من غير روية غير أن الذّلة (واحلّوكم ورطات القتل) أي أنزلوكم في مهالك القتل والهلاكة (وأوطأوكم أثخان الجراحة) أي جعلوا أثخان الجراحة واطئاً لكم، وقد مرّ تفصيل معناه في بيان الإعراب والمراد به كثرة وقع جراحات جنود إبليس فيهم وكونهم مقهورين مغلوبين منكوبين بوقوع الجراحات.

وفصل كثرتها بقوله (طعناً في عيونكم وحزّاً) أي قطعاً (في حُلوقكم ودقاً لمناخركم) وهو كناية عن صدماتهم وإحاطتها بالأَعضاء جميعها، فيكون ذكر العيون والحلوق والمناخر من باب التمثيل والمراد بها ما يصيبهم من الصدمات والجراحات من أبناء نوعهم بسبب القتل والقتال، ولما كان منشأها جميعاً هو إغواء إبليس وجنوده نسبها إليهم، ولا يخفى ما في نسبة الطعن إلى العيون والحزّ إلى الحلوق والدق إلى المناخر من حسن الخطابة وصناعة

(وقصداً لمقاتلكم) أي قصدوا قصداً لمحالّ قتلكم تحريضاً على القتل (وسوقاً بخزائم القهر إلى النار المعدة لكم) أي ساقوكم سوقاً إلى النار المهيّأة لكم بالخزائم القاهرة لكم على السياق، أو أنهم ساقوكم إليها بها بالقهر والغلبة.

والتعبير بالخزائم دون الأزمة تشبيهاً لهم بالناقة الّتي تقاد بالخزامة لا الخيل المقاد بالزمام، لأَن الناقة إذا ما تقاد بالخزامة تكون أشدّ انقياداً وأطوع لقائدها من الخيل الّذي يقاد بالزّمام.

وللإشارة إلى هذه النكتة أتى بلفظ القهر واستعار لفظ الخزائم للمعاصي والسيّئات وشهوات النفس الأمّارة المؤديّة إلى النّار، والمراد أن إبليس وجنوده زيّنوا الشهوات والسيّئات في نظرهم فرغبوا فيها وركبوها فكان ذلك سبباً لتقحمهم في النار وسخط الجبار.

(فأصبح أعظم في دينكم جرحاً وأورى في دنياكم قدحاً) أي صار أكثر إخراجاً للنار من حيث إخراجه لها أو من حيث الطعن في دنياكم والثاني أظهر.

أما جرحه في الدّنيا(1)فمعلوم لأَن جميع الصدمات والمضار الدينية من الجرائم والآثام من إغواء هذا الملعون.

وأمّا الإيراء وقحده في الدّنيا فلا لها به نار الفتنة والفساد ونايرة الحسد والبغضاء والعناد بين الناس الموجب للقتل والقتال وتلف الأنفس والأموال ونحوها فجميع المضار الدينية وأغلب المضار الدنيويّة عند أهل النظر والاعتبار من ثمرات هذه الشجرة الملعونة.

فلذلك كان جرحه وقدحه أعظم وأشد (من الذين أصبحتم لهم مناصبين وعليهم متألّبين) أي من أعدائكم الذين نصبتم لهم العداوة وبالغتم في عداوتهم، وتجمعتم أي اجتمعتم من ههنا وههنا على قتلهم وقتالهم واستئصالهم دفعاً لشرهم عنكم.

ولنا نبّه علیه السلام على أنه عدوّ مبين وأعظم المعاندين وأن ضرره عائد إلى الدنيا والدين أمرهم بصرف عزيمتهم وهمّتهم إلى عداوته فقال:

(فاجعلوا عليه حذكم) أي حدّتكم وسورتكم وبأسكم وسطوتكم، (وله جدّكم) أي سبلكم وجهدكم، ثم أقسم بالقسم البار تهييجاً وإلهاباً وتثبيتاً لهم على العداوة له فقال:

(فلعمر الله لقد فخر على أصلكم) أي على أبيكم آدم حيث امتنع من السجود له وقال: (خلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [الأعراف: الآية 12] (ووقع في حسبكم ودفع في نسبكم) أي


1) في نسخة: في الدين.

عاب حسبكم وحقر نسبكم وهو الطين حيث قال: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا، قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: الآيتان 61 و 62] (وأجلب بخيله عليكم وقصد برجله سبيلكم) أي صاح بفرسانه فاحشرهم عليكم بالإغواء وقصد مع راجليه سبيلكم ليزيغوكم عن إجادة الوسطى.

(يقتنصونكم بكل مكان) أي يتصيدونكم ويجعلون ربق الذّل في أعناقكم (ويضربون منكم كل بنان) أي يضربون أطراف أصابعكم ويستقصون في أذاكم واستئصالكم (لا تمتنعون) من ضربهم (بحيلة ولا تدفعون) ضرهم (بعزيمة)، والحال أنكم (في حومة ذلّ وحلقة ضيق وعرصة موت وجولة بلاء) شرح لحالهم في الدّنيا، أي أنتم في معظم ذلّ ودائرة ضيق، لأَن دار الدّنيا لا اتساع فيها ومعرض موت ومجال بلاء لا منجى منه.

فإذا كان شأن إبليس في عداوتكم هذا الشأن من الفخر على الأَصل والوقع في الحسب والدفع في النسب والإجلاب بالخيل والقصد بالرجل وغير ذلك من الأمور المتقدّمة الدالة على كونه مجدّاً في العداوة.

(ف)خذوا منه حذركم وتحرزوا من مصائده (واطفئوا ما كمن) واستتر (في قلوبكم من نيران العصبية) والحميّة (وأحقاد الجاهلية فإنما تلك الحميّة) والنخوة (تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته ونزغاته ونفثانه) أي وساوسه المحركة للفساد يعني ما استتر في قلوبكم من التعصب والتكبر والحقد والحسد نار محرقة لكم في الدّنيا والآخرة فاطفئوها، واجتهدوا في إطفائها بماء التذلّل والتواضع والإصلاح، لأَن منشأها جميعاً هو الشیطان اللعين الّذي هو عدّوكم المبين، فإنّه يوسوس في صدوركم ويوقع في أخاطركم النخوة والحميّة والعصبيّة وينزغ أي يفسد بينكم وبين إخوتكم المؤمنين وينفث أي ينفخ في قلوبكم وفي دماغكم ريح النخوة والغرور والاستكبار.

فإن قلت: لم قال تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان مع أنّ الحميّة في الكافر أيضاً من خطراته فأيّ نكتة في الإتيان بهذا القيد؟

قلت: لما أمر المخاطبين بإطفاء نيران العصبيّة والاستبكار معلّلاً بأنها من وساوس إبليس وخطراته أتى بهذا القيد من باب الإلهاب لأَن المسلم بما له من داعية الإسلام أسرع قبولاً للموعظة وأحق بالانتصاح والارتداع والتجنب من سلوك مسالك الشيطان، فكأنه قال: إن كنتم مسلمين فاتّقوا من متابعته وتوقوا من اقتفاء آثاره كما تقول: إن كنت مؤمناً فلا تظلمني، قال تعالى حكاية عن مريم علیها السلام: (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا).

(واعتمدوا) أي اقصدوا (وضع) تيجان (التذلّل) الّذي جعلتموها تحت أقدامكم (على

رؤوسكم و) تعمدوا (إلقاء) قلانس (التعزز) الّتي جعلتموها على رؤوسكم (تحت أقدامكم) ولا يخفى على أهل الصّنعة لطافة هذه العبارة وشرافتها وعظم خطرها الله درّ قائلها.

(و) اعتمدوا (خلع) أطواق (التكبّر من أعناقكم واتخذوا) التذلّل و(التواضع مسلحة وثغراً بينكم وبين عدوّكم إبليس وجنوده).

ولما أمرهم باتخاذ المسلحة علّله بقوله (فإن له من كلّ أمة) من الجنّ والإنس (جنوداً وأعواناً ورجلاً وفرسانا) تنبيهاً على كثرة جنوده وأعوانه المقتضية للجدّ في اتخاذها توقياً من طروقهم واغتيالهم على غفلة هذا، وقد مضى بيان فضل التواضع والأَخبار الواردة فيه في شرح «المختار» المائة والسابع والأَربعين.

ثم ذكّرهم بقصة ابن آدم علیه السلام لكونها في مقام التذكرة والاعتبار أقوى تحذيراً وتنفيراً من التعزز والاستبكار فقال:

(ولا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه) أي لا تكونوا مثل قابيل الّذي تكبّر على أخيه هابيل.

وإنما قال ابن أمّه مع كونهما من أب وأُم من الأب لأَن الأَخوين من أُمّ أشدّ حنواً ومحبة وتعاطفاً من الأَخوين لأَن الأُم هي ذات الحضانة والتربية، ولذلك قال هارون لأَخيه موسى علیه السلام مع كونه أخا لأَبيه وأُُمّه: ابن أم أن القوم استضعفوني، فذكر الأُم لكونه أبلغ في الاستعطاف، فمقصوده علیه السلام أن قابيل مع كون هابيل ابن أمّه المقتضى للعطوفة والمحبة تسلّط عليه الشيطان فأنساه محبّة الإخوة فتكبّر عليه وقتله بوسوسته إليه، فكونوا من إبليس وعداوته في حذر ولا تكونوا مثل قابيل الّذي لم يتوق منه بل اتبعه وتكبّر.

(من غير ما فضل جعله الله فيه سوى) بمنزلة استثناء منقطع أي غير (ما ألحقت العظمة) والكبرياء (بنفسه من عداوة) نشأت من (الحسد وقدحت) أي أخرجت (الحميّة) والتعصّب (في قلبه من نار) انقدت من (الغضب ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر) المؤدّي إلى قتل أخيه (الذي أعقبه الله به الندامة) لا ندم التوبة بل ندم الحيرة أو شفقة على موت أخيه لا على ارتكاب الذنب (وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة) لأَن من سنّ سنّة سيّئة كان له مثل وزر من عمل بها كما أن من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، فهو لما كان أوّل من سنّ القتل فلا يقتل مقتول إلى يوم القيامة إلا كان له فيه شركة هذا.

وقد تقدّم في شرح الفصل الرابع عشر من «المختار» الأَوّل كيفية قتل قابيل هابيل إجمالاف، لنورد هنا باقتضاء المقام بعض ما لم يتقدّم ذكره هناك من الآيات والأَخبار الواردة في هذا الباب.

فأقول: قال الله عزّ وجل في سورة المائدة:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) [المائدة: الآيات 27-31].

روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي عن ثوير بن أبي فاختة قال سمعت علي بن الحسين علیهما السلام يحدّث رجلاً من قريش: «لما قرّب ابنا آدم قرّب أحدهما أسمن كبش كان في ضانه وقرّب الآخر ضغثاً من سنبل فتقبل من صاحب الكبش وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل فغضب قابيل فقال لهابيل: والله لأَقتلنك، فقال هابيل: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: الآية 27] (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [المائدة : الآيتان 29 و 30] فلم يدر كيف يقتله حتى جاء إبليس لعنه الله فعلّمه فقال ضع رأسه بين حجرين ثمّ أشدخه فلما قتله لم يدر ما يصنع به، فجاء غرابان فأقبلا متضاربان حتى اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر الذي بقي الأَرض بمخالبه ودفن فيه صاحبه، قال قابيل: (يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين) فحفر له حفيرة ودفن فيها فصارت سنة يدفنون الموتى.

فرجع إلى أبيه فلم ير معه هابيل فقال له آدم: أين تركت ابني؟ قال له قابيل: أرسلتني عليه راعياً؟! فقال آدم علیه السلام، انطلق معي إلى مكان القربان، وأحسّ قلب آدم علیه السلام بالذي فعل قابيل.

فلما بلغ مكان القربان استبان قتله فلعن آدم علیه السلام الأَرض التي قبلت دم هابيل، وأمر آدم أن يلعن قابيل ونودي قابيل من السّماء لعنت كما قتلت أخاك، ولذلك لا تشرب الأَرض الدّم فانصرف آدم علیه السلام فبكى على هابيل أربعين يوماً وليلة.

فلما جزع عليه شكى ذلك إلى الله فأوحى الله إليه أنّي واهب لك ذكراً يكون خلفاً من هابيل فولدت حوّاء غلاماً زكيّاً مباركاً، فلما كان اليوم السابع أوحى الله إليه يا آدم إن هذا الغلام هبة منّي لك فسمّه هبة الله، فسمّاه آدم هبة الله(1).

وروى القمي عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب، عن محمد بن مسلم عن


1) بحار الأنوار: 231/11، ومستدرك سفينة البحار: 482/10.

أبي جعفر علیه السلام قال: كنت جالساً معه في المسجد الحرام فإذا طاووس «أي طاووس اليماني» في جانب الحرم يحدث حتى قال: أتدري أيّ يوم قتل نصف الناس؟ فأجابه أبو جعفر علیه السلام فقال أو ربع الناس يا طاووس، فقال: أو ربع الناس، فقال: أتدري ما صنع بالقاتل؟ فقلت: إن هذه المسألة.

فلما كان من الغد غدوت على أبي جعفر علیه السلام فوجدته قد لبس ثيابه وهو قاعد على الباب ينتظر الغلام أن يسرج له فاستقبلني «فاستعجلني خ» بالحديث قبل أن أسأله فقال:

إن بالهند أو من وراء الهند رجل معقول برجل واحدة يلبس المسح موكل به عشرة نفر كلما مات رجل منهم أخرج أهل القرية بدلاً فالناس يموتون والعشرة لا ينقصون يستقبلون بوجهه الشمس حين تطلع يديرونه معها حتى تغيب ثم يصبون عليه في البرد الماء البارد وفي الحر الماء الحار.

قال: فمرّ عليه رجل من الناس فقال له من أنت يا عبد الله؟ فرفع رأسه ونظر إليه ثم قال: إما أن تكون أحمق الناس وأما أن تكون أعقل الناس، إني لقائم ههنا منذ قامت الدنيا ما سألني أحد من أنت غيرك، ثم قال علیه السلام: يزعمون أنه ابن آدم(1).

وفي الصافي من الاحتجاج قال طاووس اليماني لأَبي جعفر علیه السلام: هل تعلم أيّ يوم مات ثلث الناس؟ فقال علیه السلام: يا عبد الله لم يمت ثلث الناس قط إنما أردت ربع الناس قال: وكيف ذلك؟ قال: كان آدم وحوّاء وقابيل وهابيل فقتل قابيل هابيل فذلك الناس، قال: صدقت.

قال أبو جعفر علیه السلام هل تدري ما صنع بقابيل؟ قال: لا، قال: علق بالشمس ينضح بالماء الحار إلى أن تقوم الساعة(2).

وروى القمي بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر علیه السلام قال: جاء رجل النبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم فقال: يا رسول الله رأيت أمراً عظيماً، فقال صلّی الله علیه و آله و سلّم: وما رأيت؟ قال:

كان لي مريض ونعت له ماء من بئر بالأَحقاف يستشفي به في برهوت، قال: فانتهيت ومعي قربة وقدح لآخذ من مائها واصب في القرية، وإذاً بشيء قد هبط من جوّ السّماء كهيئة السّلسلة وهو يقول: يا هذا الساعة أموت، فرفعت رأسي ورفعت إليه القدح لأسقيه فإذا رجل في عنقه سلسلة، فلما ذهبت أنا وله القدح اجتذب حتى علق بالشمس، ثم أقبلت على الماء


1) بحار الأنوار: 232/11، وتفسير القمي: 167/1.

2) الاحتجاج: 61/2، وبحار الأنوار: 229/11 ح7.

أغرف إذ أقبل الثانية وهو يقول العطش العطش اسقني يا هذا الساعة أموت، فرفعت القدح لأسقيه فاجتذب منّي حتى علق بالشمس حتى فعل ذلك ثالثة وشددت قربتي ولم أسقه.

فقال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «ذاك قابيل بن آدم علیه السلام قتل أخاه وهو قول الله عزّ وجلّ: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [الرعد: الآية 14](1).

وفي «البحار» من تفسير العياشي عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال: «إن قابيل ابن آدم علیه السلام معلق بقرونه في عين الشمس تدور به حيث دارت في زمهريرها وحميمها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة صيّره الله إلى النّار».

وفيه من الخصال عن رجل من أصحاب أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول: «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة لسبعة نفر: أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، واثنان في بني إسرائيل هوّدا قومهم ونصّراهم، وفرعون الذي قال: أنا ربّكم الأعلى، واثنان من هذه الأمّة»(2).

قال العلامة المجلسي رحمه الله الاثنان من هذه الأمّة أبو بكر وعمر.

وفيه من علل الشرائع عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: كانت الوحوش والطير والسّباع وكل شيء خلق الله عزّ وجل مختلطاً بعضه ببعض، فلما قتل ابن آدم أخاه نفرت وفزعت فذهب كل شيء إلى شكله(3).


1) الدروع الواقية: 228، وبحار الأنوار: 199/3.

2) الخصال: 346 ح 15، وبحار الأنوار: 313/8.

3) علل الشرائع: 4/1 ج1، وبحار الأنوار: 236/11 ج17.

الترجمة

فصل دویم از این خطبه در تحذیر مردمان است از متابعت شیطان و بیان شدت عداوت آن ملعون است با انسان و تحریص خلق است بتواضع و فروتنی میفرماید

پس حذر کنید ای بندگان خدا از دشمن خدا از اینکه سرایت گرداند بشما درد بی درمان خود را، و از اینکه بلغزاند شما را از راه راست باسواران و پیادگان خود، پس قسم بزندگانی خودم هر آینه مهیا نمود از برای شما تیر وعید را، و بر کشید برای شما کمان را با کشیدن سخت، و انداخت بسوی شما از مکان نزديك و گفت آن ملعون -أى پروردگار من بسبب مأیوس نمودن تو مرا از رحمت خود هر آینه البته زینت می دهم از برای ایشان معاصی را در دنیا و هر آینه البته بضلالت می اندازم همه ایشان را مگر بندگان خالص تورا- در حالتی که اندازنده بود بامر غایب از حواس که دور بود، و در حالتی که رجم کننده بود بگمان و ظن ناصواب.

تصدیق نمود او را بآن ظن پسران حمیت، و برادران عصبیت، و سواران تکبر و جاهلیت تا آنکه زمانی که گردن نهاد برای او سرکشان شما، و مستحکم شد طمع او در شما، پس ظاهر شد حال و حالت از سرّ نهان بسوی امر روشن نمایان قوت یافت سلطنت او بر شما، و سرعت نمود بالشكر خود بسوی شما.

پس انداختند شما را در غارهای ذلت و نازل نمودند شما را در گودالهای کشتن، و پامال کردند شما را با شدت جراحت با نیزه زدن در چشمهای شما، و با بریدن در گلوهای شما، و با کوفتن سوراخهای دماغ شما، و قصد کردند قصد کردنی محلهای کشتن شمارا، و راندند راندنی شما را بحلقه های بینی مهار با قهر و غلبه بسوی آتشیکه مهیا شده بود از برای شما.

پس گردید آن ملعون بزرگتر در دین شما از حیثیت جراحت زدن در دنیای شما بیرون آرنده تر آتش از حیثیت خارج کردن آتش از آن کسان که گردیدید شما از برای ایشان آشکارا عداوت کننده، و بر ایشان جمعیت فراهم آورنده، پس

بگردانید بر ضرر او حدت و تیزی خود را، و از برای دفع او جد و جهد خود را.

پس قسم ببقای پروردگار فخر کرد شیطان بر أصل شما که خاک است، و طعن کرد در حسب شما، و ایراد نمود در نسب شما؛ و کشید سواران خود را بر شما، وقصد کرد با مصاحبت پیادگان خود راه شما را در حالتی که شکار کنند شمارا در هر مکان، و میزنند از شما همه اطراف انگشتان را، امتناع نمی توانید بکنید با هیچ حیله، دفع نمی توانید شر ایشان را با هیچ عزیمتی در حالتی که شمادر معظم مذلت و خواری هستید، و در حلقه تنگی و تنگنائی و در عرصۀ موت و فنا و در گردش بلا می باشید.

پس خاموش کنید آنچه که پنهان است در قلبهای شما از آتش سوزان تعصب و کینهای زمان جاهلیت، و جز این نیست که این حمیت جاهلیت میباشد در مرد مسلمان از وسوسهای شیطان و نخوتهای او، و از افسادهای او، و از دمیدنهای او و قصد نمائید نهادن تواضع را بر سرهای خودتان، و انداختن تکبر را بزیر قدمهاي خودتان، و کندن گردن کشی را از گردنهای خود، و اخذ نمائید فروتنی را سنگر در میان خود و میان دشمن خود که ابلیس و لشگر او است، پس بدرستی که مر اوراست از هر گروهی لشکریان و اعوان و پیادگان وسواران.

و مباشید مثل قابیل تکبّر کننده بر پسر مادر خود که هابیل بود بدون فضل و مزیتی که گردانیده باشد خدا او را و غیر از اینکه لاحق نمود عظمت وتكبّر بنفس او از عداوتی که ناشی بود از حسد، و آتش زد حمیّت و عصبیّت در قلب او از آتش غضب، و دمید شیطان در دماغ او از باد کبر و نخوت چنان کبریکه در پی در آورد او را خدای تعالی بسبب آن کبر ندامت و پشیمانی را، ولازم گردانید بر او مثل گناهان جمیع قاتلین و کشندگان را تا روز قیامت.

الفصل الثالث

اشارة

أَلاَ وَ قَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي اَلْبَغْيِ، وَ أَفْسَدْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ، مُصَارَحَةً لِلَّهِ بِالْمُنَاصَبَةِ، وَ مُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحَارَبَةِ، فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي كِبْرِ اَلْحَمِيَّةِ، وَ فَخْرِ اَلْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُ مَلاَقِحُ اَلشَّنَئَانِ، وَ مَنَافِخُ اَلشَّيْطَانِ اَلَّلاتي خَدَعَ بِهَا اَلْأُمَمَ اَلْمَاضِيَةَ، وَ اَلْقُرُونَ اَلْخَالِيَةَ، حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ، وَ مَهَاوِي ضَلاَلَتِهِ، ذُلُلاً عَنْ سِيَاقِهِ، سُلُساً فِي قِيَادِهِ، أَمْراً تَشَابَهَتِ اَلْقُلُوبُ فِيهِ، وَ تَتَابَعَتِ اَلْقُرُونُ عَلَيْهِ، وَ كِبْراً تَضَايَقَتِ اَلصُّدُورُ بِهِ.

أَلاَ فَالْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَ كُبَرَائِكُمْ اَلَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَ أَلْقَوُا اَلْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَ جَاحَدُوا اَللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، وَ مُغَالَبَةً لِآلاَئِهِ، فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ اَلْعَصَبِيَّةِ، وَ دَعَائِمُ أَرْكَانِ اَلْفِتْنَةِ، وَ سُيُوفُ اِعْتِزَاءِ اَلْجَاهِلِيَّةِ.

فَاتَّقُوا اَللَّهَ وَ لاَ تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً، وَ لاَ لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً، وَ لاَ تُطِيعُوا اَلْأَدْعِيَاءَ اَلَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ، وَ خَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَ أَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَ هُمْ أَسَاسُ اَلْفُسُوقِ، وَ أَحْلاَسُ اَلْعُقُوقِ، اِتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلاَلٍ، وَ جُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى اَلنَّاسِ، وَ تَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ اِسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ، وَ دُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَ نَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ، وَ مَوْطِئَ قَدَمِهِ وَ مَأْخَذَ يَدِهِ.

فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ اَلْأُمَمَ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ وَ صَوْلاَتِهِ وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثُلاَتِهِ، وَ اِتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ، وَ مَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، وَ اِسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ اَلْكِبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنْ طَوَارِقِ اَلدَّهْرِ.

فَلَوْ رَخَّصَ اَللَّهُ فِي اَلْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ، وَ لَكِنَّهُ (لَکِنَّ الله خ) سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ اَلتَّكَابُرَ، وَ رَضِيَ لَهُمُ اَلتَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَ عَفَّرُوا فِي اَلتُّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَ خَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ كَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ، قَدِ اِخْتَبَرَهُمُ اَللَّهُ بِالْمَخْمَصَةِ، وَ اِبْتَلاَهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَ اِمْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ وَ مَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ، فَلاَ تَعْتَبِرُوا اَلرِّضَا وَ اَلسُّخْطَ، بِالْمَالِ وَ اَلْوَلَدِ، جَهْلاً بِمَوَاقِعِ اَلْفِتْنَةِ وَ اَلاِخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ اَلْغِنَى وَ اَلاِفتقارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمٰا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مٰالٍ وَ بَنِينَ نُسٰارِعُ لَهُمْ فِي اَلْخَيْرٰاتِ بَلْ لاٰ يَشْعُرُونَ).

فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ اَلْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَ قَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ عليهماالسلام عَلَى فِرْعَوْنَ وَ عَلَيْهِمَا مَدَارِعُ اَلصُّوفِ، وَ بِأَيْدِيهِمَا اَلْعِصِيُّ، فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ، وَ دَوَامَ عِزِّهِ، فَقَالَ: أَ لاَ تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ

يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ اَلْعِزِّ وَ بَقَاءَ اَلْمُلْكِ وَ هُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ اَلْفَقْرِ وَ اَلذُّلِّ، فَهَلاَّ أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَ جَمْعِهِ، وَ اِحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ(1).

اللغة

(أمعن) في الأرض ذهب فيه بعيداً، وأمعن في الطلب أي جد وأبعد و(صارح) بما في نفسه أي أبداه و(الحميّة) الحرب والعداوة أي عاديته وأظهرت له العداوة و(القحت) المرأة والنخلة لقحاً إذا حملت وألقحت، والنخلة وضعت طلع الذكور في طلع الإناث والقح الفحل الناقة احبلها والملاقح بفتح الميم الفحول جمع ملقح وزن محسن يقال ألقحت الرياح الشجر إذا حملتها فهي لواقح وملاقح كذا قال الفيرزآبادي.

(والشنآن) بفتح الأَوّل والثاني وسكونه البغض والشنان وزن رماد لغة فيه و(المنافخ) جمع منفخ بالفتح مصدر نفخ ونفخ الشيطان نفثه ووسوسته ويقال للمتطاول إلى ما ليس له: نفخ الشيطان في أنفه ويقال: رجل ذو نفخ أي فخر وكبر و(القرون الخالية) جمع قرن وهو من القوم سيّدهم ورئيسهم وكلّ أمّة هلكت فلم يبق منها أحد والوقت من الزمان و(أعنق) إعناقاً أسرع والعنق ضرب من السير سريع.

وليلة ظلماء (حندس) أي شديدة الظلمة و(المهاوي) جمع مهواة وهي الوهدة المنخفضة الأَرض يتردّى الصيد فيها، وقيل الوهدة العميقة وتهاوي الصيد في المهواة سقط بعضه من أثر بعض و(الذّلل) جمع ذلول وهو المنقاد من الإبل وغيره قال تعالى: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ دُلُلَاً) [النحل: الآية 69] و(الهجينة) الخصلة القبيحة، وفي بعض النسخ الهجنة وزن مضغة، قال في «القاموس»: الهجنة بالضم من الكلام ما تعيبه والهجين اللّئيم وعربي ولد من أمة أو من أبوه خير من أمّه وبرذونة هجين غير عتيق.

و(أساس) قال الشارح المعتزلي بالمد جمع أساس والموجود فيما رأيته من النسخ بصيغة المفرد و(الاعتزاء) الادّعاء والشعار في الحرب و(الأدعياء) جمع الدّعي وهو من انتسب إلى أبيه وعشيرته أو يدّعيه غير أبيه فهو فاعل من الأَوّل ومفعول من الثاني قال تعالى: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) [الأحزاب: الآية 37].

(وشربتم لصفوكم) قال الشارح المعتزلي ويروى ضربتم أي مزجتم، ويروى شريتم أي ابتعتم واستبدلتم و(الأحلاس) جمع حلس بالكسر وهو كساء رقيق يكون على ظهر البعير


1) بحار الأنوار: 141/13 ح 61، والتفسير الصافي: 395/4.

ملازماً له فقيل لكلّ ملازم أمر هو حلس له، هكذا قال الشارح المعتزلي والجزري و(سرق) السمع مجاز واسترق السمع استمعه مختفياً واسترق الشيء وتسرّقه سرقة شيئاً فشيئاً.

(ونفثاً في أسماعكم) ويروى نثا في أسماعكم من نث الحديث أفشاه و(وقعت) بالقوم وقيعة وأوقعت بهم قتلت وأثخنت و(المثاوي) جمع المثوى من ثوى بالمكان نزل فيه و(عفر) وجهه ألصقه بالعفر وهو وجه الأرض أو التراب وعفّرت بالتثقيل مبالغة و(مخض) السقاء مخضاً حرّكه شديداً ليخرج زبد اللبن الذي فيه، ويروى ومحّصهم بالحاء والصاد المهملتين من التمحيص وهو التطهير و(أقتر) لعباله إقتاراً وقتر تقتيراً أي ضيق في النفقة و(المدارع) جمع مدرعة بالكسر وهي كالكساء وتدرّع الرّجل لبس المدرعة و(العصيّ) كقسيّ جمع عصا.

الإعراب

مصارحة ومبارزة منصوبان على المفعول له أو على التميز، وقوله: فالله الله بنصبهما على التحذير، وذللا حال من فاعل أعنقوا، وعن في قوله: عن سياقه بمعنى اللام، وفي بعض النسخ على سياقه فعلى للاستعلاء المجازي.

وقوله: أمراً تشابهت القلوب فيه، قال القطب الراوندي: أمراً منصوب لأَنّه مفعول وناصبه المصدر الّذي هو سياقه وقياده تقول سقت سياقاً وقدت قياداً، واعترض عليه الشارح المعتزلي بأنّه غير صحيح، لأَن مفعول هذين المصدرين محذوف تقديره عن سياقه إيّاهم وقياده إيّاهم، وقال الشارح: إنه منصوب بتقدير فعل أي اعتمدوا أمراً، وكبراً معطوف عليه أو ينصب كبراً على المصدر بأن يكون اسماً واقعاً موقعة كالعطاء موضع الإعطاء.

أقول: والأَظهر عندي أن يجعل أمراً منصوباً بنزع خافض متعلّق بقوله أعنقوا، أي أسرعوا إلى أمر وكبر، وعلى هذا التأم معنى الكلام بدون حاجة إلى التكلّف وحذف الفعل.

وعن في قوله تكبروا عن حسبهم إما بمعنى من كما في قوله تعالى: (هو الذي يقبل التوبة عن عباده) أو بمعنى اللام كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَة) [التوبة: الآية 114] فعلى الأَوّل فهي بمعنى من النشوية، وعلى الثاني فبمعنى اللام التعليلية.

ومكابرة ومغالبة منصوبان على المفعول له والعامل جاحدوا، والباء في قوله: شربتم بصفوكم بمعنى مع على رواية شربتم بالباء الموحدة، وعلى رواية شريتم بالياء المثناة التحتانيّة فللمقابلة، واستراقاً مفعول لأَجله لقوله: ينطق أو لقوله: اتخذهم إبليس، والثاني أولى.

وقوله تعالى: (إنما نمدهم به) الآية لفظة ما موصولة اسم إن وجملة نمدهم به صلة ما

لا محلّ لها من الإعراب، وجملة نسارع مرفوعة المحل خبر إنّ، والرابط محذوف أي نسارع لهم به.

والباء في قوله بما ترون بمعنى في، وجملة ألا تعجبون إلى قوله من ذهب مقول قال، وإعظاماً مفعول لأَجله لقال، ويحتمل الانتصاب على الحال فيكون المصدر بمعنى الفاعل أي قال ذلك معظماً للذهب ومحتقراً للصّوف.

المعنى

اعلم أنه لما حذر في الفصل السابق من التكبر ورغب في التواضع عقّبه بهذا الفصل تأكيداً لما سبق، وصدّره بتوبيخ المخاطبين على البغي والفساد فقال:

(ألا وقد أمعنتم في البغي) أي بالغتم في السعي بالفساد والعدول عن القصد والخروج الاعتدال (وأفسدتم في الأرض) أي صرتم مفسدين فيها، وعلل إمعانهم في البغي بقوله: (مسارحة لله بالمناصبة) أي لأَجل مواجهتكم له سبحانه بالمعاداة وكشفكم عن عداوته تعالى صراحة بالترفع والتكبر.

روى في «الكافي» عن أبي جعفر علیه السلام قال: الكبر رداء الله والمتكبر ينازع الله في ردائه(1).

وفيه عن حكيم قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن أدنى الإلحاد، فقال: إن الكبر أدناه(2).

وعلّل الإفساد في الأَرض بقوله: (ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة) لأَن الكبر والعظمة والرفعة على الخلق مثير للفساد، مؤدّ إلى الحرب والجدال، لأَن المتكبر لا يقدر أن يحبّ للمؤمن ما يحبّ لنفسه ولا يتمكن من ترك الرذائل كالحقد والحسد والتقدم في الطرق، والمجالس وطرد الفقراء عن المجالسة والموانسة والغلظة في القول وعدم الرفق بذوي الحاجات والتطاول على الناس والأنف عن سماع الحق وقبوله، كل ذلك خوفاً من أن يفوته عزّه، ومعلوم أن هذه الخصال القبيحة لا محالة تكون سبباً للمحاربة للمؤمنين، بل لمحاربة الله سبحانه كما قال في الحديث القدسي: من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة.

(فالله الله في كبر الحميّة وفخر الجاهلية) أي اتقوه عزّ وجل فيهما، لأنهما من صفة


1) وسائل الشيعة: 299/11 ح5، والكافي: 309/2 ح4.

2) الكافي: 309/22 ح1، ووسائل الشيعة: 374/15 ح20781.

الكافر لا المُسلم والمؤمن قال تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) [الفتح: الآية 26].

وقال أبو عبد الله علیه السلام في رواية «الكافي»: «إذا خلق الله العبد في أصل الخلقة كافراً لم يمت حتى يحبّب الله إليه الشرّ فيقرب منه، فابتلاه بالكبر والجبريّة، فقسا قلبه، وساء خلقه، وغلظ وجهه، وظهر وخشه، وقل حياؤه، وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها، ثم ركب معاصي الله، وأبغض طاعته، ووثب على الناس لا يشبع من الخصومات، فاسألوا الله العافية واطلبوها منه»(1).

ومن ذلك ظهر حسن ما علل التوقي من الكبر والفخر به وهو قوله (فإنّه) أي كل من الكبر والفخر (ملاقح الشنآن) أي سبب توليد البغض والعداوة كما أن الفحول سبب توليد النتاج، والتعبير بصيغة الجمع بملاحظة تكثر أقسام الكبر وتعدد أنواعه باعتبارها به التكبر من العلم والثروة والمال وكثرة العشيرة وحسن الصوت والجمال وغيرها مما هو منشأ الكبر والتفاخر (ومنافخ الشيطان) أي نفحاته ونفثاته كما قال في الفصل السابق: وإنما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونفثاته، وقال أيضاً: ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر.

ووصف المنافخ بأنها (اللاتي خدع بها الأمم الماضية) كقوم نوح وهود وعاد وثمود وفرعون ونمرود وغيرهم ممّن تكبّر وكذّب الرّسل لما زيّن لهم الشيطان نخوتهم فخدعهم وأضلّهم عن السّبيل (والقرون الخالية) عطف تفسير أي الأمم الهالكة والرؤساء الخالية منهم الدّنيا، وعلى جعل القرن بمعنى الوقت فيحتاج إلى تقدير مضاف أي خدع بها أهل الأَزمنة التي خلت منهم، وعلى الأوّل فالصّفة بحال متعلق الموصوف، وعلى الثاني فهي بحال الموصوف نفسه.

وقوله (حتى أعنقوا في حنادس جهالته ومهاوي ضلالته) غاية لخداع الشيطان أي انتهى خداعه للأمم السابقة إلى أن أسرعوا في ظلمات جهالته التي لا يهتدون فيها، ومهاوي ضلالته الّتي يردوا فيها ولم يقدروا على الخروج منها (ذللا عن سياقه سلساً في قياده) أي حال كونهم ذليلين لسوقه سهل الانقياد لقوده (أمراً) أي إلى أمر أي جبرية وتكبّر (تشابهت القلوب فيه) أي صار قلوبهم كلّ منها شبيهاً بالآخر في قبوله (وتتابعت القرون عليه) أي تتابعت على التسليم والانقياد له (وكبراً) أي إلى كبر (تضايقت الصدور به) ولم تسع لإخفائه وكتمانه من جهة كثرته وشدته.


1) الكافي: 2/ 330 ح 2، وشرح أصول الكافي: 375/9 ح2.

ولمّا شاهد علیه السلام أن عمدة منشأ تكبّرهم وتعصّبهم هو اتباع الرّؤساء حذّرهم عن متابعتهم بقوله: (ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم) والتكرير لتأكيد التحذير وأن لا يكونوا مثل الكافرين الذين (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) [الأحزاب: الآيات 66 - 68] أي أطعنا قادة الكفر وأئمة الضلال.

قال الطبرسي: والسّيد المالك المعظم الذي يملك تدبير السواد الأَعظم وهو جمع الأَكثر أي أطعنا هؤلاء فأضلّونا عن سبيل الحق وطريق الرشاد بنا، ربّنا آتهم ضعفين من العذاب لضلالتهم في نفوسهم وإضلالهم إيّانا، والعنهم لعناً كبيراً مرّة بعد أخرى وزدهم غضباً إلى غضبك وسخطاً إلى سخطك.

وقال في سورة الشعراء حكاية لحال التابعين والمتبوعين ولمقالتهم (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) [الشُّعَرَاء: الآيتان 94 و 95] (وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ، فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشعراء: الآيات 99 - 101].

ووصف الكبراء والسادات بأنهم (الذين تكبروا عن حسبهم وترفعوا فوق نسبهم) قال الشارح المعتزلي: أي جهلوا أنفسهم ولم يفكروا في أصلهم من النطف المستقذرة ومن الطين المنتن ونحوه(1).

قال الشارح البحراني: والأظهر عندي أن يراد بتكبرهم عن حسبهم وتجبرهم بما يعدون في أنفسهم من الجود والسخاء والشجاعة ونحوها من المآثر أو ما يعدون في آبائهم من المفاخر.

قال في «القاموس»: الحسب ما تعدّه من مفاخر آبائك أو المال أو الدين أو الكرم أو الشرف في الفعل أو الفعال الصالح أو الشرف الثابت في الآباء، والحسب والكرم قد يكونان لمن لا آباء له شرفاء والشرف والمجد لا يكونان إلا بهم.

روى في «الكافي» عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم آفة الحسب الافتخار والعجب»(2).

وفيه عن عقبة الأَسدي قال: قلت لأَبي جعفر علیه السلام: أنا عقبة بن بشير الأسدي وأنا في


1) شرح نهج البلاغة: 149/13.

2) الكافي: 328/2 ح2، ووسائل الشيعة: 16/ 43 ح 20925.

الحسب الضخم من قومي «عزيز في قومي خ»، قال: فقال: «ما تمنّ علينا بحسبك إن الله رفع بالإيمان من كان الناس يسمونه وضيعاً إذا كان مؤمناً، ووضع بالكفر من كان يسمونه شريفاً إذا كان كافراً، فليس لأَحد فضل على أحد إلا بالتقوى»(1).

والمراد بترفعهم فوق نسبهم وضعهم أنفسهم في مقام لا يليق بهم لا يقتضي نسبهم وضعها فيه، والمراد بنسبهم إما طرف الإباء خاصة أو مع الأَقرباء أيضاً فيكون هذا الكلام منه علیه السلام مبتنياً على ما كان يعرفه في هؤلاء الكبراء والسّادات من عدم الشرف والمجد في آبائهم، أو كنى بنسبهم عن أصلهم الذي انتسابهم إليه وهو الطين والحماً المسنون كما قال في الدّيوان المنسوب إليه:

فإن يكن لهم في أصلهم شرف *** يفاخرون به فاطین والماء

ويحتمل أن يريد به النطفة التي اختلاقهم منها وانتسابهم إليها، وعلى أي تقدير ففي هاتين الجملتين طعن على الرؤساء، وإزراء على افتخارهم وتكبّرهم بالحسب والنسب.

روى في «الكافي» عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لي عليّ بن الحسين علیهما السلام: «عجباً للمتكبّر الفخور الذي كان بالأَمس نطفة نطفة ثمّ غدا هو جيفة»(2).

وفيه عن السّكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «أتا رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم رجل فقال يا رسول الله أنا فلان بن فلان حتّى عدّ تسعة، فقال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: أما أنك عاشرهم في النار»(3).

وفي كتاب «الروضة من الكافي» عن عليّ بن إبراهيم عن عبد الله بن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن حنان قال سمعت أبي يروي عن أبي جعفر علیه السلام قال: «كان سلمان جالساً مع نفر من قريش في المسجد فأقبلوا ينتسبون ويرقون في أنسابهم حتى بلغوا سلمان، فقال له عمر بن الخطاب: أخبرني من أنت ومن أبوك وما أصلك؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالاً فهداني الله جلّ وعزّ بمحمد صلّی الله علیه و آله و سلّم، وكنت عائلاً فأغناني الله بمحمد صلّی الله علیه و آله و سلّم، وكنت مملوكاً فأعتقني الله بمحمد صلّی الله علیه و آله و سلّم، هذا هذا حسبي ونسبي».

قال: فخرج النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم و سلمان يكلّمه فقال له سلمان: يا رسول الله ما لقيت من هؤلاء


1) شرح أصول الكافي: 373/9 ح3.

2) شرح أصول الكافي: 369/9 ح1، وميزان الحكمة: 2381/3.

3) الكافي: 329/2 ح5، ووسائل الشيعة: 42/16 ح 20927.

جلست معهم فأخذوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى إذا بلغوا إليّ قال عمر بن الخطاب: من أنت وما أصلك وما حسبك، فقال النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم فما قلت له يا سلمان؟ قال قلت له: أنا سلمان بن عبد الله کنت ضالاً فهداني الله عزّ ذكره بمحمد صلّی الله علیه و آله و سلّم، وکنت عائلاً فأغناني الله بمحمد صلّی الله علیه و آله و سلّم وكنت مملوكاً فأعتقني الله عزّ ذكره بمحمد صلّی الله علیه و آله و سلّم هذا نسبي وهذا حسبي. فقال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: يا معشر قريش إن حسب الرجل دينه، ومروته خلقه، وأصله عقله، قال الله عز وجل: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: الآية 13].

ثم قال النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم لسلمان: ليس لأَحد من هؤلاء عليك فضل إلاّ بتقوى الله عزّ وجلّ، وإن كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل(1).

وقد مضت مطالب وروايات مناسبة للمقام في شرح الخطبة المائة والسابعة والأَربعين عند التعرض لمعالجات الكبر فتذكر، هذا.

وقوله : (وألقوا الهجينة على ربهم) أي نسبوا الخصلة القبيحة إلى الله سبحانه، قال الشارح المعتزلي: أي نسبوا ما في الأنساب من القبح بزعمهم إلى ربهم مثل أن يقولوا للرجل: أنت عجمي ونحن عرب، فإن هذا ليس إلى الإنسان بل هو إلى الله فأي ذنب له فيه.

(وجاحدوا الله على ما صنع بهم) أي أنكروه عزّ وجلّ على الذي أحسن به إليهم وأنعم به عليهم، وذلك لأَن ما منحهم الله عزّ ذكره به من الثروة والعزّة والمجد والشرف وعلوّ النسب ونحوها من صنائعه وعطاياه تعالى كلّها نعم عظيمة موجبة لشكر المنعم وثنائه، ولما جعلوا ذلك سبب التنافس والتكبر والاعتلاء على من ليس فيه هذا السؤدد والشرف وعلى الفقراء والضعفاء كان ذلك منهم كفراناً للنعم وجحود للمنعم وإنكاراً له فيما أوجبه عليهم من الشكر والثناء والانقياد لأَمره ونهيه.

وهذا معنى قوله (مكابرة لقضائه) يعني أن جحودهم لأجل مقابلتهم لما أمر الله به وفرضه عليهم من الشكر ومخالفتهم له ما للقرآن (ومغالبة لآلائه) أي أنبيائه وأوصيائه الذين هم أعظم الآلاء والنعماء.

ولما حذّر من طاعة السادات والكبراء ووصفهم بأوصاف منفرة علله بقوله (فإنهم قواعد أساس العصبية) يعني بهم قوام الكبر والعصبية وثباته كما أن قوام الأَساس بقواعده واستحكامه بها.


1) الكافي: 182/8، وبحار الأنوار: 382/22.

روى في «الكافي» بإسناده عن الزهري قال: سئل علي بن الحسين علیهما السلام عن العصبية فقال: «العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرّجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرین، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم»(1).

وفيه عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال: رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية»(2).

وبسنده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «من تعصب عصبه الله بعصابة من نار»(3).

وعن منصور بن حازم عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه»(4).

(ودعائم أركان الفتنة) شبه الفتنة ببيت ذي أركان ودعامة على سبيل الاستعارة بالكناية، وذكر الأركان تخييل والدعائم ترشيح، وجعلهم بمنزلة الدعائم له لأن قيام البيت وأركانه كما يكون بالدعامة والعماد فكذلك هؤلاء بهم ثبات الفتن وقوامها.

(وسيوف اعتزاء الجاهلية) والمراد باعتزاء الجاهلية هو نداؤهم يا لفلان يا لفلان فيسمون قبيلتهم فيدعونهم إلى المقاتلة وإثارة الفتنة كما أشرنا إليه في شرح الفصل الأول في سبب خطابته علیه السلام بهذه الخطبة.

وإنما أضاف هذه الاعتزاء إلى الجاهلية لأن ذلك كان شعاراً للعرب فيها كما روى في وقعة بدر أن أبا سفيان لما أرسل ضمضم بن عمرو الخزاعي إلى مكة ليخبر قريش بخروج رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم للتعرض بعيرهم أوصاه أن يخرم ناقته ويقطع أذنها حتى يسيل الدم ويشق ثوبه من قبل ودبر فإذا دخل مكّة يولّي وجهه إلى ذنب البعير ويصيح بأعلى صوته يا آل غالب يا آل غالب اللطيمة اللطيمة العير العير أدركوا وما أدريكم تدركون فإنّ محمّداً والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم، ولما وافى مكّة واعتزى هذا العزاء تصايح الناس وتهيّأوا للخروج.


1) الكافي: 309/2، وشرح أصول الكافي: 273/1.

2) الكافي: 2/ 308 ح3، والأمالي: 704 ح 966.

3) الكافي: 2/ 308 ح 4، وشرح أصول الكافي: 321/9.

4) الكافي: 307/2 ح1، ووسائل الشيعة: 370/15 ح20772.

وإنما جعلهم بمنزلة السيوف لاعتزاء الجاهلية لكونهم سبب قوّة للمغترّين ويستمد منهم في مقام الاعتزاء والمهيج للحرب والقتال، وبهم يضرم ناره فشبههم بالسّيف الذي هو آلة ممدة للحرب، وبه يستعان فيها.

ويجوز أن يكون من حذف المضاف أي أصحاب سيوف اعتزاء الجاهلية، قاله بعض الشارحين وما ذكرته ألطف وأحسن.

ثم عاد إلى الأَمر بالتقوى فقال:

(فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمه أضداداً) أي لا تكونوا مضادين لنعمه سبحانه بالبغي والكبر الموجبين للكفران الموجب لزوال النعم وتبدلها بالنقم كما قال تعالى: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) [سَبَاً: الآيتان 16 و 17].

(ولا لفضله عندكم حساداً) يجوز أن تكون اللام زائدة للتقوية فالمحسود نفس الفضل أي لا تكونوا حاسدين بفضله وإحسانه الذي عندكم، وأن تكون للتعليل فالمحسود محذوف في الكلام أي لا تكونوا حاسدين لأنفسكم لأجل فضله كما تحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.

فوجه تشبيههم بالحساد على الاحتمال الأَوّل أن الحاسد إذا بلغ الغاية في حسده يتمنّى ويطلب موت المحسود وعدمه فكان هؤلاء بما فيهم من الكبر والكفران بمنزلة الطالب لزوال الفضل والمتمنّى لانقطاعه فأشبهوا بالحاسد له.

وعلى الاحتمال الثاني أن الحاسد إنما يطلب زوال النعمة من المحسود، فهؤلاء لمّا تكبّروا وبغوا صاروا كأنّهم يحسدون أنفسهم ويطلبون زوال ما آتاهم الله من فضله منها، وعلى أي تقدير ففي الكلام من الدلالة على المبالغة ما لا يخفى.

(ولا تطيعوا الأَدعياء) المنتحلين للإسلام العارين من مراسمه (الذين شربتم بصفوكم كدرهم) أي مزجتم بأصفى من أمور دينكم ودنياكم بكدرهم فشربتموهما معاً، والمراد بكدرهم ما يوجب تكدر عيش المطيعين لهم في الدنيا من الحسد والبغض والقتل والقتال وغير ذلك ممّا ينشأ من طاعة الأَدعياء وإثارتهم للشّر والفساد، وما يوجب تكدّر الأمور الدّينيّة وزوال خلوصها من البخل والحقد والحسد والبغضاء ونحوها من المنهيات والمعاصي التي يرتكبها التابعون بسبب إطاعة المتبوعين، وعلى رواية شريتم بالياء المثناة فالمعنى أنكم استبدلتم كدرهم بالصافي واشتريتم الأَوّل بالثاني.

(وخلطتم بصحتكم مرضهم) أي خلطتم بصحة قلوبكم مرض قلوبهم فحذف المضاف

وأقيم المضاف إليه مقامه، والمراد بصحة القلوب سلامتها لقبول الحق، وبمرضها فتورها عن قبوله كما أن المرض في البدن هو فتور الأَعضاء.

قال تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) [البَقَرَة: الآية 10] قال الزمخشري في «الكشاف»: استعمال المرض فى القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازاً فالحقيقة أن يراد الأَلم كما تقول في جوفه مرض، والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغلّ والحسد والميل إلى المعاصي والعزم عليها واستشعار الهوى والجبن والضعف وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض، كما استعيرت الصحة والسّلامة في تقايض ذلك والمراد به ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر أو من الغل والحسد والبغضاء، لأَن صدورهم كانت تغلي على رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم والمؤمنين غلاً وحنقا ويبغضونهم البغضاء الّتي وصفها الله في قوله: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: الآية 118] ويتحرقّون عليهم حسداً (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) [آل عمران: الآية 120].

(وأدخلتم في حقكم باطلهم) المراد بالحق هو الإيمان والتعبّد بالعبادات الموظفة والمواظبة على صالح الأَعمال، وبالباطل ما يقابل ذلك مما يؤدي إلى الهلكات ويحلّ في الورطات من الكذب والنفاق والبخل والحسد والكبر وغيرها من الرذائل.

(وهم أساس الفسوق) أي هؤلاء الأَدعياء الذين نهيتكم عن طاعتهم أصل الفسوق وعليهم ابتناؤه، والمراد بالفسوق إمّا خصوص الكذب كما في قوله تعالى: (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) على ما فسّر به في غير واحد من الأَخبار، وكونهم أصلا له بما فيهم من وصف النّفاق الملازم للكذب إذ المنافقون يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم أو مطلق الخروج عن طاعة الله وهو الأَظهر.

(وأحلاس العقوق) أي ملازمو العقوق لزوم الحلس للبعير، والمراد بالعقوق مخالفة الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم والإمام من بعده وترك متابعتهم والخروج عن طاعتهم الواجبة بقوله عزّ وجل: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: الآية 59] وإنما عبّر علیه السلام عن مخالفتهما بالعقوق لأَنهما أبوا هذه الأُمّة.

(اتخذهم إبليس مطايا ضلال) أي أخذهم مطايا أي مراكب تمطو أي تسرع في السير إلى الضلال، وإنما شبّههم بالمطايا لأَن المطية حين تركب صارت منقادة لراكبها يسوقها حيث أراد، فهؤلاء لما أعطوا قيادهم لإبليس يقصد بهم نحو الضّلال ذللاً ويسوقهم إليه جعلهم مطايا له.

(وجندا بهم يصول على الناس) أي أعواناً له كما قال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَنُ

(فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المجادلة: الآية 19] بهم يستطيل على الناس ليصرفهم عن طاعة الرب إلى طاعته.

(وتراجمة ينطق على ألسنتهم) وإنما جعلهم ترجماناً لأَن أقوالهم كأفعالهم لما كانت صادرة عن إغواء إبليس ووسوسته تابعة لرضاه كأن أحكامهم أحكامه، وكلامهم كلامه، ونطقهم نطقه، فصار ما يصدر عن ألسنتهم ترجمة لقوله وصاروا بمنزلة الترجمان له.

وهذا الكلام نظير ما تقدّم منه علیه السلام في الخطبة السابقة من قوله: «اتخذوا الشيطان لأَمرهم ملاكاً واتخذهم له أشراكاً، قباض وفرخ في صدورهم ودبّ ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم» (اه-).

وعلّل نطقه على ألسنتهم بقوله (استراقا لعقولكم) أي لأَجل سرقة عقولكم شيئاً فشيئاً وهو كناية عن إغفاله لهم بأقواله الكاذبة عن ذكر الحقّ والآخرة وترغيبهم إلى الباطل كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) [النساء: الآيتان 119 و 120] فإنّ وعده قد يكون بالخواطر الفاسدة، وقد يكون بلسان أوليائه كما أشير إليه في قوله: (ومِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس: الآيات 4 - 6].

روى عن علي بن إبراهيم القمي عن الصادق علیه السلام في هذه الآية قال: «ما من قلب إلاّ وله أذنان: على إحداهما ملك مرشد وعلى الأخرى شيطان مغتر، هذا يأمره وهذا يزجره كذلك من الناس شيطان يحمل الناس على المعاصي كما يحمل الشيطان من الجن»(1).

وأصرح من الآيتين إيضاحاً للمرام قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) [الأنعام: الآية 113].

قال الطبرسي في «تفسير الكلبي» عن ابن عبّاس: إن إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقاً منهم إلى الإنس وفريقاً إلى الجن فشياطين الجنّ والإنس أعداء الرسل والمؤمنين، فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجنّ في كلّ حين فيقول بعضهم لبعض: أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثلها، فذلك وحي بعضهم إلى بعض.


1) بحار الأنوار: 246/60، وتفسير القمي: 450/2.

وروى عن أبي جعفر علیه السلام أيضاً أنه قال: إن الشياطين يلقي بعضهم بعضاً فيلقي إليه بالغوى «ما يغوي ظ» به الخلق حتّى يتعلم بعضهم من بعض(1).

قال الطبرسي: يوحي بعضهم إلى بعض أي يوسوس ويلقي خفية زخرف القول أي المموّه المزين الذي يستحسن ظاهره ولا حقيقة له ولا أصل وقوله ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون، أي لتميل إلى هذا الوحي بزخرف القول أو إلى هذا القول المزخرف قلوب الذين لا يؤمنون(2).

فقد ظهر بذلك أن الأدعياء الذين اتخذهم إبليس مطايا ضلال وجنود أو تراجمة له هم عبارة عن شياطين الإنس، فينطق إبليس بلسانهم بزخرف القول وتميل إليه أفئدة الناس فتسترق بذلك عقولهم ويقترفون أي يكتسبون ما هم مكتسبون من الجرائم والآثام.

وبذلك أيضاً يظهر معنى قوله (ودخولاً في عيونكم) لأَنّه يزّين بتوسّط أتباعه وشياطينه من الإنس المعاصي في نظر الناس، ويموّه بزخرف قوله زينة الحياة الدنيا في أعينهم فيصرفهم عن النظر إلى آيات الله، وهذا معنى الدّخول في العيون.

و به ظهر أيضاً معنى قوله (ونفثاً في أسماعكم) لأَنّه يلقي إليهم بوساطة أوليائه زخرف القول فيستمعون إلى لغو حديثه ولا يستمعون إلى آيات الله التي إذا تليت عليهم زادتهم إيماناً.

وقوله (فجعلكم مرمى نبله وموطأ قدمه ومأخذ يده) تفريع على ماسبق وبمنزلة النتيجة له، يعني أنه إذا استرق عقولكم ودخل عيونكم ونفث أسماعكم فجعلكم بذلك هدفاً لسهامه أي وساوسه الموقعة في هلاك الأبد كما أن السّهم يهلك من يصيبه، وجعلكم محلاً لوطى أقدامه أي داخراً ذليلاً مهيناً إذ من شأن الموطوء بالقدم الذّلة والمهانة، ومأخذاً ليده أي أسيراً في يد اقتداره نافذاً حكمه فيكم متصرفاً فيكم كيف يشاء كما هو شأن الأَسير المقيد المغلول.

ثمّ أمر بالاعتبار بما أصاب المتكبّرين من العذاب الأليم والسّخط العظيم فقال:

(فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم) لأَجل استكبارهم (من بأس الله وصولاته ووقائعه ومثلاته) أي عذابه وعقوباته كما نطق به الكتاب الكريم قال: (وَفِي مُوسَى إِذْ


1) بحار الأنوار: 60 / 150، التبيان: 242/4.

2) مجمع البيان: 140/4.

أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ، وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ، وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الذاريات: الآيات 38 - 46] إلى غير هؤلاء من المتكبرين المتجبرين المتمردين عن عبوديّة ربّ العالمين فانظروا إلى عاقبة أمورهم.

(واتعظوا بمثاوي خدودهم ومصارع جنوبهم) أي منازل خدودهم ومساقط جنوبهم وما هم عليه من غم الضّريح وردم الصّفيح وضيق الأَرماس وشدّة الإبلاس واختلاف الأَضلاع واستكاك الأَسماع وظلمة اللّحد وخيفة الوعد.

(واستعيذوا بالله من لواقح الكبر) أي أسبابه المولدة له والمحصّلة إياه (كما تستعيدونه من طوارق الدهر) وهي نوازله وآفاته بل ليكن استعاذتكم من الأولى أشد وأقوى من استعاذتكم من الثانية، لأَن لواقح الكبر ألم أخروي وطوارق الدَّهر ألم دنيوي والأَلم الأخروي أشد تأثيراً وأخزى، فيكون بالاستعاذة والتوقي أجدر وأحرى.

ثم أشار إلى حمية الكبر مطلقاً وأنه لا رخصة فيه لأَحد من آحاد المكلّفين فقال:

(فلو رخص الله) عزّ وجلّ (في الكبر) وأحلّه (لأَحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه) وجه الملازمة أن الترخيص فيه إنما يكون مع اشتماله على المصلحة وخلوه عن المفسدة ولو كان كذلك لرخص فيه الأَنبياء والأَولياء ومن يخطرهم من فوائده ومنافعه لمكانتهم لديه وقربهم إليه وإلا لزم تفويت ما تضمنه من المصلحة في حقهم وهو غير معقول بما لهم من الزلفى والقرب.

(ولكن) التالي أعني الترخيص فيه للأنبياء والأَولياء باطل فالمقدم مثله، وأشار إلى بطلان التالي بأن (الله كره إليهم التكابر ورضي لهم التواضع) كما يدلّ عليه العمومات والإطلاقات الناهية عن التكبّر من دون استثناء لأَحد، والآمرة بالتواضع كذلك مضافة إلى الخطابات الخاصة بهم في الصّحف السماوية والأَحاديث القدسية.

(فالصقوا بالأَرض خدودهم وعفّروا في التراب وجوههم) امتثالاً لما أمروا به من التواضع والتذلل للخالق.

(وخفضوا أجنحتهم وكانوا قوماً مستضعفين) امتثالاً لما أمروا به من التواضع للخلائق قال العلامة المجلسي رحمه الله: خفض الجناح كناية عن لين الجانب وحسن الخلق والشفقة،

ومثله الشارح البحراني قال: لفظ الأَجنحة مستعار من الطائر ليد الإنسان وجانبه باعتبار ما هو محلّ البطش والنفرة، وخفض الجناح كناية عن لين الجانب.

والأَحسن ما في «الكشاف» قال في تفسير قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشُّعَرَاء: الآية 215] الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلاً في التواضع ولين الجانب، ومنه قول بعضهم:

وأنت الشهير بخفض الجناح *** فلاتك في رفعه أجدلا

ينهاه عن التكبر بعد التواضع وأراد بقوله وكانوا قوماً مستضعفين كونهم متصفين بالضعف والمسكنة في نظر الناس وضيق العيش في الدنيا كما أوضحه بقوله:

(وقد اختبرهم الله بالمخمصة) والجوع (وابتلاهم بالمجهدة) والمشقة (وامتحنهم بالمخاوف) والأَهاويل (ومخضهم) أي حركهم وزلزلهم، أو خلّصهم وطهرهم إن كان من التمحيص (بالمكاره) والشدائد.

ولما ذكر علیه السلام محبوبية التواضع لله سبحانه ومكروهية التكابر له تعالى واتصاف أنبيائه وملائكته المقرّبين مع مكانتهم لديه ومرضيّين عنده بوصف التواضع والتذلل والجوع والفقر والمسكنة فرّع عليه قوله:

(فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد) أي إذا عرفتم أن رضى الله عن أنبيائه وأوليائه بما لهم من الذّل والجهد والمشاق، فلا تجعلوا رضاه منوطاً بزهرة الحياة الدنيا من الأَموال والأولاد وسخطه منوطاً بعدمها (جهلاً بمواقع الفتنة) والابتلاء (والاختبار في مواضع الغنى) والفقر (والاقتار) أي لا تجعلوا المال والولد علامة الرضا وعدمهما دليلاً على السّخط من أجل جهلكم بمواقع الامتحان في مواضع الثروة والفقر، إذ ربما يكون الابتلاء بالفقر والمسكنة لأَجل النيل إلى مقام الزلفى لا من جهة السّخط كما في حق الأَولياء المقربين من الأَنبياء والمرسلين، ويكون الابتلاء بالمال والثروة للاستدراج والازدياد في المعصية لا من جهة الرضى كما يشهد به الكتاب الكريم.

(ف)قد (قال) الله (تعالى) في سورة المؤمنين (أيحبسون إنما نمدهم به من مال وبنین نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) أي أيحسبون أن الذي أمددناهم به تعجيل لهم في الخير.

قال في الكشاف: المعنى أن هذا الامداد ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي

واستجراراً إلى زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات وفيما لهم فيه نفع وإكرام ومعاجلة بالثواب قبل وقته كما يفعل بأهل الخير من المسلمين وقوله: بل، استدراك لقوله: أيحسبون، يعني هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ولا شعور حتّى تأمّلوا ويتفكّروا أهو استدارج أو مسارعة في الخير.

فقد ظهرن ذلك أن الإمداد بالمال والبنين والبسط في الرّزق قد يكون نقمة وبلاء لا رحمة عطاء كما في حق فرعون وملائه الكافرين المستكبرين المسبوق ذكرهم في الآية الشريفة، ويكون الضيق والإقتار تفضلاً وإحساناً لا سخطاً وحرماناً كما في حق الأولياء المستضعفين من عباد الله المكرمين.

(فإن الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم) لا يخفي حسن ارتباط هذه الجملة بسابقتها وليس كلاماً منقطعاً عما قبله يستدعي ابتداء يكون معلّلاً به كما زعمه الشارح البحراني، لأَنّه علیه السلام لما نبّه أن المال والولد ليس مناطاً للرضا والسّخط، ولا الإمداد بهما لأَجل تعجيل الخير، بل لأَجل الاختبار والافتتان للغاوين المستكبرين المكذّبين للرّسل عقبه بهذا الكلام توضيحاً وتبييناً، والمراد به أنه تعالى يمتحن المستكبرين بما أعطاهم من الأَموال والأَولاد والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والأَنعام والحرث ونحوهما من متاع الحياة الدنيا ببعث أوليائه المستضعفين في نظرهم إليهم، وعقبه بذكر قصّة موسى وفرعون لزيادة الإيضاح فقال:

(و) ل (قد دخل) كليم الله (موسى بن عمران ومعه أخوه هارون علیهما السلام على فرعون) اللعين بالرّسالة من ربّ العالمين وعليهما مدارع الصُّوف وبأيديهما العصى فـ)ـدعياه إلى الإيمان بالله والتصديق به (و شرطاً له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزه) وإنما شرطا له ذلك لأُن قبول الدّعوة مع هذا الشرط أسهل فهو أقطع لوزره (فقال) نخوة واستكباراً للملاء حوله (ألا تعجبون من هذين) الإتيان باسم الإشارة للتحقير كما في قوله: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ) [الأنبياء: الآية 36] أي هذا الحقير المسترذل يعني به إبراهيم علیه السلام.

(يشرطان لي دوام العزّ وبقاء الملك وهما) متلبسان (بما ترون من حال الفقر والذّل فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب).

قال صاحب «التلخيص»: هلاّ في الماضي للتنديم، وقال شارح التلخيص ومع هذا فلا يخلو من ضرب من التوبيخ واللوم على ما كان يجب أن يفعله المخاطب قبل أن يطلب منه انتهى.

وعلى هذا فالمراد استحقارهما وتوبيخهما على الخلو من الزينة والتجمل، فإنهم كانوا إذا سوّروا رجلاً سوّروه بسوار من ذهب وطوّقوه بطوق من ذهب.

وقد ورد في الكتاب الكريم حكاية هذا المعنى عن فرعون نحو ما أورده أمير المؤمنين علیه السلام هنا: قال تعالى في سورة الزخرف: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) [الزخرف: الآيات 51 - 53].

أي أفلا تبصرون هذا الملك العظيم وقوّتي وضعف موسى، بل أنا خير من هذا الذي هو ضعيف حقير ولا يكاد يفصح بكلامه وحججه للعقدة الّتي في لسانه، فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب ومقاليد الملك إن كان صادقاً وإنما قال ذلك (إعظاماً للذهب وجمعه واحتقاراً للصوف ولبسه).

تذييل

ينبغي أن نورد هنا شطراً من قصّة بعث موسى علیه السلام إلى فرعون اللّعين.

قال المحدث العلامة المجلسي قدّس الله روحه في المجلّد الخامس من «البحار»: قال الثعلبي: قال العلماء بأخبار الماضين:

لما كلّم الله موسى وبعثه إلى مصر خرج ولا علم له بالطريق، وكان الله تعالى يهديه ويدلّه وليس معه زاد ولا سلاح ولا حمولة ولا شيء غير عصاه ومدرعة صوف وقلنسوة من صوف ونعلين، يظلّ صائماً ويبيت وبيت قائماً ويستعين بالصيد ويعول الأَرض حتى ورد مصر، ولما قرب من مصر أوحى الله إلى أخيه هارون يبشّره بقدوم موسى علیه السلام ويخبره أنه قد جعله لموسى وزيراً ورسولاً معه إلى فرعون، وأمره أن يمرّ يوم السّبت لغرّة ذي الحجة متنكراً إلى شاطىء النيل ليلقى في تلك الساعة بموسى.

قال: فخرج هارون وأقبل موسى علیه السلام فالتقيا على شط النيل قبل طلوع الشمس فاتفق أنه كان يوم ورود الأَسد الماء، وكان لفرعون أسد تحرسه في غيضة محيطة بالمدينة من حولها، وكانت ترد الماء غبّا، وكان فرعون إذ ذاك في مدينة حصينة عليها سبعون سوراً في كل سور رساتيق وأنهار ومزارع وأرض واسعة، في ربض كلّ سور سبعون ألف مقاتل.

ومن وراء تلك المدينة غيضة تولى فرعون غرسها بنفسه وعمل فيها وسقاها بالنيل ثم أسكنها الأَسد، فنسلت وتوالدت حتى كثرت، ثم اتخذها جنداً من جنوده تحرسه، وجعل

خلال تلك الغيضة طرقاً تقضي من يسلكها إلى باب من أبواب المدينة معلومة ليس لتلك الأبواب طريق غيرها فمن أخطأ وقع في الغيضة فأكلته الأَسد، وكانت الأسود إذا وردت النيل ظلّ عليها يومها كلها، ثم تصدر مع الليل.

فالتقى موسى وهارون علیهما السلام يوم ورودها فلما أبصرتهما الأَسد مدّت أعناقها ورؤوسها إليهما وشخصت أبصارها نحوهما وقذف الله في قلوبها الرّعب فانطلقت نحو الغيضة منهزمة هاربة على وجوهها تطأ بعضها بعضاً حتى اندست في الغيضة، وكان له ساسة يسوسونها وذادة يذودونها ويشلونها بالناس، فلما أصابها ما أصابها خاف ساستها فرعون ولم يشعروا من أين أتوا.

فانطلق موسى وهارون علیهما السلام في تلك المسبعة حتى وصلا إلى باب المدينة الأَعظم الذي هو أقرب أبوابها إلى منزل فرعون، وكان منه يدخل ومنه يخرج، وذلك ليلة الاثنين بعد هلال ذي الحجة بيوم، فأقاما عليه سبعة أيام فكلّمهما واحد من الحراس وزبرهما وقال لهما: هل تدريان لمن هذا الباب؟ فقال: إن هذا الباب والأَرض كلّها وما فيها لربّ العالمين وأهلها عبيد له، فسمع ذلك الرّجل قولاً لم يسمع مثله قط ولم يظنّ أن أحداً من الناس يفصح بمثله، فلما ما سمع أسرع إلى كبرائه الذين فوقه فقال لهم: سمعت اليوم قولاً وعاينت عجباً من رجلين هو أعظم عندي وأفظع وأشنع مما أصابنا في الأَسد، وما كانا ليقدما على ما أقدما عليه إلاّ بسحر عظيم، وأخبرهم القصّة، فلا يزال ذلك يتداول بينهم حتى انتهى إلى فرعون.

وقال السّدي: سار موسى علیه السلام بأهله نحو مصر حتى أتاها ليلاً فتضيف أمّه وهي تعرفه وإنما أتاهم في ليلة كانوا يأكلون فيها الطفيشل ونزل في جانب الدار، فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمّه فأخبرته أنّه ضيف، فدعاه فأكل معه فلما أن قعد تحدثا فسأله هارون أنت؟ فقال: من أنت؟ قال: أنا موسى، فقام كلّ واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه فلما أن تعارفا قال له موسی: یا هارون انطلق معي إلى فرعون فإن الله عزّ وجلّ قد أرسلنا إليه، فقال هارون: سمعاً وطاعة، فقامت أمّهما فصاحت وقالت: أنشدكما الله أن تذهبا إلى فرعون فيقتلكما، فأبيا ومضيا لأَمر الله سبحانه فانطلقا إليه ليلاً فأتيا الباب والتمسا الدّخول عليه لیلاً، فقرعا الباب ففزع فرعون وفزع البواب، وقال فرعون: من هذا الذي يضرب بابي الساعة فأشرف عليهما البّواب فكلّمهما موسى: أنا رسول رب العالمين فأتى فرعون فأخبره وقال: إنّ هنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول رب العالمين(1).


1) بحار الأنوار: 143/13.

وقال محمد بن إسحاق بن يسار: خرج موسى علیه السلام لما بعثه الله سبحانه حين قدم مصر على فرعون هو وأخوه هارون حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان: إنا رسول «لا» ربّ العالمين فأذنوا بنا هذا الرّجل، فمكثا سنتين يغدوان إلى بابه ويروحان لا يعلم بهما ولا يجتري أحد أن يخبره بشأنهما حتّى دخل عليه بطال له يلعب عنده ويضحكه فقال له: أيّها الملك إن على بابك رجلاً يقول قولاً عظيماً عجيباً أن له إلهاً غيرك، فقال: ببابي؟ ادخلوه، فدخل موسى ومعه هارون على فرعون، فلما وقفا عنده قال فرعون الموسى: من أنت؟ قال: أنا رسول ربّ العالمين، فتأمّله فرعون فعرفه.

فقال له: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [الشُّعَرَاء: الآيتان 18 و 19] معناه على ديننا هذا الذي تعيبه قال: (فَعَلْتُهَا إِذاً وأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) [الشُّعَرَاء : الآية 20] المخطئين ولم أرد بذلك القتل (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا) [الشُّعَرَاء: الآية 21] أي نبوّة (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [الشُّعَرَاء : الآية 21] ثمّ أقبل موسى ينكر عليه ما ذكر فقال (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشُّعَرَاء: الآية 22] أي اتّخذتهم عبيداً تنزع أبناءهم من أيديهم تسترق من شئت أي إنّما صيّرني إليك ذلك (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ) [الشعراء: الآيات 23 - 25] إنكاراً لما قال «قال» موسی (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: الآيات 26- 27] يعني ما هذا الكلام صحيح إذ يزعم أن لكم إلهاً غيري (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) [الشُّعَرَاء: الآيات 28- 30] تعرف به صدقي وكذبك وحقّي وباطلك (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) [الشعراء: الآيتان 32 و 33] فاتحة فاها قد ملأَت ما بين سماطي فرعون واضعة لحيبها الأَسفل في الأرض والأَعلى في سور القصر حتّى رأى بعض من كان خارجاً من مدينة مصر رأسها، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فارفض عنها الناس وذعر عنها فرعون ووثب عن سريره وأحدث حتى قام به بطنه في يومه ذلك أربعين ذلك أربعين مرّة وكان فيما يزعمون أنه لا يسعل ولا يصدع ولا يصيبه آفة مما يصيب الناس وكان يقوم في أربعين يوماً مرّة وكان أكثر ما يأكل الموز لكيلا يكون له ثقل فيحتاج إلى القيام به وكان هذه الأشياء مما زيّن له أن قال ما قال لأنّه ليس له من الناس شبیه.

قالوا: فلما قصدته الحيّة صاح يا موسى أنشدك بالله وحرمة الرضاع إلا أخذتها وكففتها عني وإني أو من بك وأرسل معك إسرائيل، فأخذها موسی فعادت عصا كما كانت ثم نزع يده من جيبه فأخرجها بيضاء من الثلج لها شعاع كشعاع الشمس، فقال له فرعون: هذه يدك

فلما قالها فرعون أدخلها موسى جيبه ثمّ أخرجها الثانية لها نور ساطع في السماء تكلّ منها الأَبصار وقد أضاءت ما حولها يدخل نورها في البيوت ويرى من الكوا من وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثمّ ردّها موسى إلى جيبه ثمّ أخرجها فإذا هي على لونها الأوّل.

قالوا: فهمّ فرعون بتصديقه فقام إليه هامان وجلس بين يديه فقال له: بينا أنت إله تعبد إذاً أنت تابع لعبد، فقال فرعون لموسى: أمهلني اليوم إلى غد وأوحى الله تعالى إلى موسى أن قل لفرعون إنك إن آمنت بالله وحده عمرتك في ملكك ورددت شابا طرياً، فاستنظره فرعون، فلما كان من الغد دخل عليه هامان فأخبره فرعون بما وعده موسى من ربّه فقال هامان: والله ما يعدل هذا عبادة هؤلاء لك يوماً واحداً ونفخ في منخره ثم قال له هامان أنا أردك شاباً فأتا بالوسمة فخضبه بها فلما دخل عليه موسى فرآه على تلك الحالة هاله ذلك، فأوحى الله إليه لا يهولئك ما رأيت فإنه لا يلبث إلاّ قليلاً حتّى يعود إلى الحالة الأولى(1).

وفي بعض الروايات أن موسى وهارون عليهما السلام لما انصرفا من عند فرعون أصابهما المطر في الطريق فأتيا على عجوز من أقرباء أمّهما ووجّه فرعون الطلب في أثرهما، فلما دخل عليهما اللّيل ناما في دارها وجاءت الطلب إلى الباب والعجوز منتبهة، فلمّا أحست بهم خافت عليهما فخرجت العصا من صبر الباب والعجوز تنظر، فقاتلهم حتى منهم سبعة أنفس ثم عادت ودخلت الدار، فلما انتبه موسى وهارون علیهما السلام أخبرتهما بقصة الطلب ونكاية العصا منهم فآمنت بهما وصدقتهما.

ثم قال الثعلبي: قالت العلماء بأخبار الأَنبياء: إن موسى وهارون وضع فرعون أمرهما وما أتيا به من سلطان الله سبحانه على السحر وقال للملاء من قومه إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما فماذا تأمرون أأقتلهما؟ فقال العبد الصالح خربيل مؤمن آل فرعون: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) [غافر : الآية 28] -إلى قوله- (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر : الآية 29] (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) [الشُّعَرَاء: الآيتان 36 و 37] وكانت لفرعون مدائن فيها السحرة عدّة للأمر إذا حزبه.

وقال ابن عبّاس: قال فرعون لما رأى من سلطان الله في اليد والعصا: أنا لا نغالب موسی إلا بمن هو مثله، فأخذ غلماناً من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال له الغرماء


1) بحار الأنوار: 146/13، قصص الأنبياء: 286.

يعلّمونهم السحر كما يعلّمون الصبيان الكتاب في الكتاب فعلّموهم سحراً كثيراً وواعد فرعون موسى موعداً، فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم ومعهم معلمهم، فقالوا له: ماذا صنعت؟ فقال: قد علّمتهم سحراً لا يطيقه سحر أهل الأَرض إلاّ أن يكون أمر من السماء فإنه لا طاقة لهم به، ثمّ بعث فرعون الشرطي في مملكته فلم يترك ساحراً في سلطانه إلاّ أتى به.

واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون.

فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين ساحراً اثنان منهم من القبط وهما رأسا القوم وسبعون من بني إسرائيل.

وقال الكلبي: كانوا سبعين ساحراً غير رئيسهم وكان الّذي يعلّمهم ذلك رجلين مجوسیّين من أهل نينوى.

وقال السّدي: كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً.

وقال عكرمة: سبعين ألفاً.

وقال محمد بن المنكدر: ثمانين ألفاً.

فاختار منهم سبعة آلاف ليس منهم إلاّ ساحر ماهر ، ثم اختار منهم سبعة مائة ثم اختار من أولئك السبعة مائة سبعين من كبرائهم وعلمائهم.

قال مقاتل: وكان رئيس السحرة أخوين بأقصى مدائن مصر، فلما جاءهما رسول فرعون قالا لأمهما دلّينا على قبر أبينا. فدلّتهما عليه فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما فقالا: إن الملك وجّه إلينا أن نقدم عليه لأَنه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح ولهما عزّ ومنعة وقد ضاق الملك ذرعاً من عزهما ومعهما عصاً إذا ألقياها لا يقوم لها شيء تبلع الحديد والخشب والحجر، فأجابهما أبوهما انظرا إذا هما ناما فإن قدرتما أن تسلا العصا فسلاها، فإنّ الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، وإن عملت العصا وهما نائمان فذلك أمر رب العالمين ولا طاقة لكما به ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا، فأتياهما في خفية وهما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا.

قالوا: ثم واعدوه يوم الزينة وكانوا يوم سوق عن سعيد بن جبير، وقال ابن عباس: کان يوم عاشورا ووافق ذلك يوم السّبت في أوّل يوم من السنة وهو يوم النيروز وكان يوم عید لهم يجتمع إليه الناس من الآفاق، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكان اجتماعهم للميقات بالاسكندرية ويقال بلغ ذنب الحيّة من وراء البحيرة يومئذ.

قالوا: ثمّ قال السحرة لفرعون: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ، قَالَ -فرعون- نَ

نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [الشعراء الآيتان 41 و 42] عندي في المنزلة، فلما اجتمع النّاس جاء موسی علیه السلام وهو متّكي على عصاه ومعه أخوه هارون حتّى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف قومه فقال موسى للسحرة حين جاءهم (وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَ) [طه: الآية 61] فتناجى السحرة بينهم وقال بعضهم لبعض ما هذا قول ساحر فذلك قوله تعالى: (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) [طه: الآية 62] فقالت السحرة لنأتينّك اليوم بسحر لم تر مثله، وقالوا بعزّة فرعون إنا لنحن الغالبون وكانوا قد جاؤوا بالعصيّ والحبال تحملها ستّون بعيراً.

فلما أبوا إلا الإصرار على السّحر قالوا لموسى: إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى، قال بل ألقوا أنتم فألقوا حبالهم وعصيّهم فإذا هي حيّات كأمثال الجبال قد ملأَت الوادي يركب بعضها بعضها تسعى، فذلك قوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) [طه: الآيتان 66 و 67] وقال والله إن كانت لعصيّاً في الله أيديهم ولقد عادت حيّات وما يعدّون عصاي هذه أو كما حدث نفسه فأوحى الله تعالى إليه (لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) [طه: الآيتان 68 و 69].

ففرّج عن موسى وألقى عصاه من يده فإذا هي ثعبان مبين كأعظم ما يكون أسود مدلّهم على أربع قوائم غلاظ شداد وهو أعظم وأطول من البختى وله ذنب يقوم عليه فيشرف فوق حيطان المدنية رأسه وعنقه وكاهله لا يضرب ذنبه على شيء إلا حطمه وقصمه ويكسر بقوائمه الصخور الصّم الضلاب ويطحن كلّ شيء ويضرم حيطان البيوت بنفسه ناراً، وله عينان تلتهبان ناراً ومنخران تنفخان سموماً، وعلى مفرقه كأمثال الرّماح، وصارت الشعبتان له فيما سعته اثنا عشر ذراعاً، وفيه أنياب وأضراس وله محيح وكشيش وصرير وصريف فاستعرضت ما ألقى السحرة من حبالهم وعصيّهم وهي حيّات في عين فرعون وأعين الناس تسعى تلقفها وتبتلعها واحداً واحداً حتّى ما يرى في الوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، وانهزم الناس فزعين هاربين منقلبين، فتزاحموا وتساقطوا ووطى بعضهم بعضاً حتّى مات منهم يومئذ في ذلك الزحام ومواطىء الأقدام خمسة وعشرون ألفاً، وانهزم فرعون فيمن انهزم منخوباً مرعوباً عازباً عقله وقد استطلق بطنه في يومه ذلك أربع مائة مرّة ثمّ بعد ذلك إلى أربعين مرّة في اليوم والليلة على الدوام إلى أن هلك.

فلما انهزم الناس وعاين السحرة ما عاينوا وقالوا لو كان سحراً لما غلبنا ولما خفى علينا أمره، ولئن كان سحراً فأين حبالنا وعصيّنا، فألقوا سجّداً وقالوا آمنا برب العالمين ربّ موسى وهارون، وكان فيهم اثنان وسبعون شيخاً قد انحنت ظهورهم من الكبر وكانوا علماء

السحرة وكان رئيس جماعتهم أربعة نفر سابور وعادور وحطحط ومصّفادهم الذين آمنوا ورأوا ما رأوا من سلطان الله ثم آمنت السحرة كلّهم.

فلما رأى فرعون ذلك أسف وقال لهم متجلّداً (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى، قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا [طه: الآيات 71 - 73].

فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم على جذوع النّخل وهو أوّل من فعل ذلك، فأصبحوا سحرة كفرة وأمسوا شهداء بررة، ورجع فرعون مغلوباً معلولاً، ثمّ أبى إلاّ إقامة على الكفر والتمادي فيه فتابع الله تعالى بالآيات وأخذه وقومه بالسنين إلى أن أهلكهم.

وخرج موسى علیه السلام راجعاً إلى قومه والعصا على حالها حيّة تتبعه وتبصبص حوله وتلوذ به كما يلوذ الكلب الألوف بصاحبه والناس ينظرون إليها يتخزلون ويتضاغطون حتّى وصل موسى علیه السلام عسكر بني إسرائيل وأخذ برأسها فإذا هي عصاه كما كانت أول مرّة، وشتت الله على فرعون أمره ولم يجد على موسى سبيلاً، فاعتزل موسى في مدينته ولحق بقومه وعسكروا مجتمعين إلى أن صاروا ظاهرين كافرين والحمد لله رب العالمين(1).


1) بحار الأنوار: 13 / 150، قصص الأنبياء: 288.

الترجمة

فصل سیّم از این خطبه در توبیخ مخاطبین است بیغی و فساد میفرماید:

آگاه باشید که بغایت مبالغه مشغول شدیدوستم و فساد کردید در زمین از جهت آشکارا مقابل شدن خدا بعداوت و مبارزت نمودن مؤمنان بمحاربه، پس بترسید از خدا در گردن کشی از حمیّت و نازش جاهلیّت، پس بدرستیکه کبر تولید کننده عداوت و دشمنیست، و مواضع نفس زدن شیطان ملعون است که فریب داد بآن أمّتهای گذشته و قرنهای سابقه را تا اینکه سرعت کردند آن امّتها در تاریکیهای جهالت او، و مواضع افتادن ضلالت او، در حالتیکه رام بودند از راندن آن ملعون، وروان بودند در کشیدن آن بسوی امری که متشابه شد قلبها در آن، و متابع شد قرنها بر آن و بسوی کبریکه تنگ شد سینها بسبب آن.

آگاه باشید پس البته حذر نمائید از اطاعت آقایان خود و بزرگان خود که تکبر نمودند از جهت حسب خودشان، و اظهار رفعت نمودند بالای نسب خود، و انداختند کار زشت و قبیح را بر پروردگار خود، و انکار خدا نمودند براحسانی که بایشان کرده بود بجهت انکار کردن برقضای او، و غلبگی جستن مرنعمتهای او را.

پس بدرستیکه آن رؤسا قاعدهای بنای عصبیّت است و ستونهای رکنهای فتنه و شمشیرهای نسبت دادن جاهلیّت.

پس پرهیز نمائید از خدا و مباشید مر نعمتهای او را ضدّها و نه احسان او را که در نزد شما است حسد کنندها، و اطاعت ننمائید به کسانیکه ادّعای اسلام میکنند و عاری از شرایط اسلام میباشند همچنان أشخاصیکه آشامیدید بآب صافی خودتان آب گل آلود ایشان را، و آمیختید بتندرستی خود که خلوص ایمان است ناخوشی ایشان را که عبارتست از نفاق و عصیان، و داخل کردید در حق خود باطل ایشان را، و ایشان بنیان فسقند و ملازمین عقوق رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم وامام علیه السلام اخذ کرد شیطان لعین ایشان را شتران بارکش گمراهی، و لشگرانی که بایشان حمله میکند بر مردمان و ترجمانهائی که حرف میزند بر زبانهای ایشان بجهت دزدیدن،

او عقلهای شما را، و بجهت داخل شدن در دیدهای شما و دمیدن در گوشهای شما، پس گردانید شیطان شما را نشان گاه تیر خود، و محل رفتار قدمهای خود و موضع گرفتن دست خود.

پس عبرت بگیرید بآنچه رسید بامتهائی که استکبار کردند پیش از شما از سطوت خدا و حملهای او و عذابهای او و عقوبات او، و متّعظ بشوید بمقامهای رخسارهای ایشان در قبرها، و مواضع افتادن پهلوهای ایشان، و پناه برید بخدا از اسبابی که تولید کبر مینمایند چنان که پناه میبرید باو از حوادث روزگار.

پس اگر رخصت میداد خداوند متعال در کبر نمودن از برای احدی از بندگان خود را هر آینه رخصت میداد در آن از برای خواص انبیای خود لیکن خدا مکروه گردانید بسوی ایشان تکبّر را، و خوش داشت از برای ایشان تواضع و فروتنی را، پس چسبانیدند آن پیغمبران در زمین رخسارهای خودشان را از غایت تواضع و خشوع، و مالیدند رویهای خود را در خاک از فرط تذّلل و خضوع، وخفض جناح کردند از برای مؤمنان، و بودند آن پیغمبران قومهای ضعیف شمرده شده که امتحان فرمود ایشان را خدای تعالی بگرسنگی، و مبتلا گردانید ایشان را بأنواع مشّقت وزحمت، و امتحان فرمود ایشان را باسباب خوف، و اختبار کرد ایشان را با قسام مكروهات.

پس اعتبار مکنید خوشنودی و غضب خدا را بکثرت مال و فرزند و فقد آن از جهت نادانی شما بمواقع امتحان در جاهای توانگری و درویشی، پس بتحقیق فرموده است خدای عزّ وجلّ در قرآن مجید «آیا گمان میکنند ایشان که آن چیزیکه مدد میدهیم و زیاده میگردانیم ایشان را بآن از مال و اولاد تعجیل میکنیم از برای ایشان در خیرات آن جهان بلکه نمیدانند که این از بابت استدراج و مهلت است نه از جهت سود و منفعت».

پس بدرستی که حقتعالی امتحان میفرماید بندگان خود را که متکبّرانند در نزد خودشان بدوستان مقرّبان خود که ضعیف شمرده میشود در دیدهای آن متكبّران، وبتحقیق که داخل شد موسی بن عمران علیه السلام در حالتیکه با او بود

برادر او هارون علیه السلام بر فرعون ملعون و بر ایشان بود خرقهای پشمین، و بر دست ایشان بود عصای چوبین، پس شرط کردند از برای فرعون اگر مسلمان شود باقی بودن پادشاهی اورا، و همیشگی عزّت وسلطنت او را، پس گفت فرعون بقوم خود از روی حقارت: آیا تعجب نمی کنید از این دو شخص که شرط میکنند از برای من دوام رفعت و بقاء ملك و مملکت را و حال آنکه ایشان بآن حالی است که می بینید از حالت فقر و ذلت، پس چرا انداخته نشد برایشان دست برنجها از طلا، این گفتار عون از جهت بزرگ شمردن طلا و جمع کردن آن بود، و بجهت حقیر شمردن پشم و پوشیدن آن که موسی و هارون پوشیده بودند.

الفصل الرابع

اشارة

وهو مروي في «الكافي» باختلاف تطلع عليه إن شاء الله تعالى.

وَ لَوْ أَرَادَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ اَلذِّهْبَانِ، وَ مَعَادِنَ اَلْعِقْيَانِ، وَ مَغَارِسَ اَلْجِنَانِ، وَ أَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ اَلسَّمَاءِ، وَ وُحُوشَ اَلْأَرَضِينَ لَفَعَلَ،وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ اَلْبَلاَءُ، وَ بَطَلَ اَلْجَزَاءُ وَ اِضْمَحَلَّتِ اَلْأَنْبَاءُ، وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ اَلْمُبْتَلِينَ، وَ لاَ اِسْتَحَقَّ اَلْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ اَلْمُحْسِنِينَ، وَ لاَ لَزِمَتِ اَلْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا، وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ، وَ ضَعَفَةً فِيمَا تَرَى اَلْأَعْيُنُ مِنْ حَالاَتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ اَلْقُلُوبَ وَ اَلْعُيُونَ غِنًى، وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ اَلْأَبْصَارَ وَ اَلْأَسْمَاعَ أَذًى.

وَ لَوْ كَانَتِ اَلْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لاَ تُرَامُ، وَ عِزَّةٍ لاَ تُضَامُ، وَ مُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ اَلرِّجَالِ، وَ تُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ اَلرِّحَالِ، لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى اَلْخَلْقِ فِي اَلاِعْتِبَارِ، وَ أَبْعَدَ لَهُمْ فِي اَلاِسْتِكْبَارِ، وَ لَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ، فَكَانَتِ اَلنِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَ اَلْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً.

وَ لَكِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ اَلاِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ، وَ اَلتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، وَ اَلْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَ اَلاِسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ، وَ اَلاِسْتِسْلاَمُ لِطَاعَتِهِ، أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لاَ تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ، وَ كُلَّمَا كَانَتِ اَلْبَلْوَى وَ اَلاِخْتِبَارُ أَعْظَمَ، كَانَتِ اَلْمَثُوبَةُ وَ اَلْجَزَاءُ أَجْزَلَ.

أَلاَ تَرَوْنَ أَنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ، اِخْتَبَرَ اَلْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صلوات‌الله‌عليه إِلَى اَلْآخِرِينَ مِنْ هَذَا اَلْعَالَمِ بِأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَ لاَ تَنْفَعُ، وَ لاَ تَسْمَعُ وَ لاَ تُبْصِرُ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ اَلْحَرَامَ اَلَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً، ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ اَلْأَرْضِ حَجَراً، وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ اَلدُّنْيَا مَدَراً، وَ أَضْيَقِ بُطُونِ اَلْأَوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ، وَ رِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَ عُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَ قُرًى مُنْقَطِعَةٍ، لاَ يَزْكُو بِهَا خُفٌّ، وَ لاَ حَافِرٌ، وَ لاَ ظِلْفٌ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ وَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَ غَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ اَلْأَفْئِدَةِ،مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ، وَ مَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ، وَ يَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا اَلسَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَ شَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ اَلشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ، اِبْتِلاَءً عَظِيماً، وَ اِمْتِحَاناً شَدِيداً، وَ اِخْتِبَاراً مُبِيناً، وَ تَمْحِيصاً بَلِيغاً، جَعَلَهُ اَللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَ وُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ.

وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ اَلْحَرَامَ، وَ مَشَاعِرَهُ اَلْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ، وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ جَمَّ اَلْأَشْجَارِ، دَانِيَ اَلثِّمَارِ، مُلْتَفَّ اَلْبُنَى مُتَّصِلَ اَلْقُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ، وَ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَ أَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ، وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ، وَ رِيَاضٍ نَاضِرَةٍ، وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ اَلْجَزَاءِ

عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ اَلْبَلاَءِ، وَ لَوْ كَانَ اَلْإِسَاسُ اَلْمَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَ اَلْأَحْجَارُ اَلْمَرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، وَ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَ نُورٍ وَ ضِيَاءٍ، لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ اَلشَّكِّ فِي اَلصُّدُور،ِ وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ اَلْقُلُوبِ، وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ اَلرَّيْبِ مِنَ اَلنَّاسِ.

وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ اَلشَّدَائِدِ، وَ يَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ اَلْمَجَاهِدِ، وَ يَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ اَلْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَ إِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَ أَسْبَاباً ذُلُلاً لِعَفْوِهِ(1).

اللغة

(الذُهبان) بالضم والكسر جمع الذهب كإذهاب وذهوب و(العقيان) بالكسر ذهب ينبت كما في «القاموس»، وقيل: الذهب الخالص وهو الأنسب هنا بملاحظة المعادن و (رام) الشيء روماً كقال طلب و (ضامه) ضيماً كضاره لفظاً ومعنى، وفي القاموس ضامه حمقه واستضامه انتقصه فهو مضيم ومستضام والضيم.

و(شابه) شوباً من باب قال خلطه مثل شوب اللبن بالماء فهو مشوب وقولهم ليس فيه شائبة، قال الفيومي ذلك يجوز أن يكون مأخوذاً من هذا ومعناه ليس فيه شيء مختلط به وإن قل كما قيل ليس فيه علقة ولا شبهة وأن تكون فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية هكذا استعمله الفقهاء ولم أجد فيه نصّاً، نعم قال الجوهري الشائبة واحدة الشوائب وهي الأَدناس والأقذار.

و(قياماً) مصدر وزن صيام و(الوعر ) من الأَرض ضدّ السّهل (والبقاع) كجبال جمع بقعة بالضم والفتح وهي القطعة من الأَرض على غير هيئة الّتي إلى جنبها.

و(النتايق) جمع نتيقة فعيلة بمعنى مفعولة من النتق وهو الرفع والجذب.

قال الشارح البحراني: وسميّت المدن والأماكن المشهورة والمرتفعة نتائق لارتفاع بنائها وشهرتها وعلوّها عن غيرها من الأَرض كأنها جذبت ورفعت، وقال بعض الشارحين: النتايق البقاع المرتفعة وأراد مكة وكنى بنتقها عن شهرتها وعلوها بالنسبة إلى ما استفل عنها من البلاد.

وقال الشارح المعتزلي: أصل هذه اللفظة من قولهم امرأة نتاق أي كثيرة الحمل والولادة ويقال: ضيقة منتاق أي كثيرة الريع فجعل علیه السلام الضياع ذات المدر التي يثار للحرث


1) الكافي: 201/4.

نتايق. وقال علیه السلام: إن مكة أقلها إصلاحاً للزرع لأَن أرضها حجرية.

أقول: والأَظهر عندي أن يكون النتايق مأخوذة من قولهم أنتق فلان إذا حمل مظلّة من الشمس، والمظلّة بالفتح والكسر الكبير من الأخبية وتسمية البلاد بها لاشتمالها على الدّور والأَبنية التي تستظلّ بها.

و (المنتجع) بفتح الجيم اسم مفعول من انتجع القوم إذا ذهبوا لطلب الماء والكلاء في موضعهما و(المفازة) الموضع المهلك من فوّز بالتشديد إذا مات، لأَنّها مظنّة الموت و(القفر) من الأَرض الّتي لا نبات بها ولا ماء (يهلّلون الله) من التهليل وفي بعض النسخ يهلّون من أهلِّ المحرم رفع صوته بالتلبية عند الإحرام وكلّ من رفع صوته فقد أهلّ إهلالاً واستهلّ استهلالاً بالبناء فيهما للفاعل.

و (رمل) فلان رملاً من باب طلب ورملاناً بالتحريك فيهما هرول و(الشعث) محركة انتشار الأمر ومصدر الأَشعث للمغبر الرأس وشعث الشعر شعثاً فهو شعث من باب تعب تغيّر وتلبد لقلة تعهده بالدّهن، والشعث أيضاً الوسخ، ورجل شعث وسخ الجسد، وشعث الرأس أيضاً وهو أشعث أغبر أي من غير استحداد ولا تنظف، والشعث أيضاً الانتشار والتفرق كما يتشعث رأس السواك.

و (السرابيل) جمع السّربال وهو القميص و (البرّة) بالضّم واحدة البرّ وهي الحنطة و(أرياف) جمع ريف بالكسر أرض فيها زرع وخصب وما قارب الماء من أرض العرب أو حيث يكون به الخضرة والمياه والزروع.

و (أحدقت) الروضة صارت حديقة، والحديقة الرّوضة ذات الشجرة والبستان من النخل والشجر أو كل ما أحاط به البناء، أو القطعة من النخل هكذا في القاموس وقال الفيومي: والحديقة البستان يكون عليه حائط فعيلة بمعنى مفعولة، لأَن الحائط أحدق بها أي أحاط، ثمّ توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان بغير حائط والجمع حدائق.

و (عراص) جمع عرصة ككلاب وكلبة وهي البقعة الواسعة الّتي ليس بها بناء و(مغدقة) فيما رأيناه من النسخ بالغين المعجمة والدال المهملة من الغدق بالتحريك وهو الماء الكثير، وأغدق المطر كثر قطره، ويجوز أن يكون من العذق بالذال المعجمة مثل فلس وهو النخلة بحملها وبالكسر القنو منها والعنقود من العنب أو إذا أكل ما عليه و(المعتلج) مصدر بمعنى الاعتلاج من اعتلج الأَمواج اضطربت وتلاطمت واعتلج الأرض طال نباتها، ويجوز كونه مفعولاً من الاعتلاج وفي بعض النسخ بصيغة الفاعل والكلّ صحيح و(الفتح) بضمتين الباب الواسع المفتوح و(الذلل) بضمتين أيضاً جمع ذلول بالفتح من الذّل بالضّم والكسر ضدّ الصّعوبة.

الإعراب

قوله: لفعل، جواب لو، وقوله: ولما وجب، عطف على قوله لسقط، والأَسماء بالنصب كما في أكثر النسخ مفعول لزمت، وفي «شرح البحراني» عن نسخة الرضي (قده) بالرفع على الفاعل والمعنى واحد حسبما تعرفه إن شاء الله، والفاء في قوله: فكانت النيات، فصيحة، وقوله: أموراً خبر يكون، وخاصة، صفة له، وله، متعلق بها قدم عليها لتوكيد الاختصاص، وجملة لا يشوبها في محلّ الرّفع صفة ثانية جيء بها لمزيد التوكيد.

وقوله: بأحجار متعلق بقوله: اختبر، وحجراً ومدراً وقطراً منصوبات على التميز، وجملة لا يزكو بها في محل الجر صفة لقرى، وذللاً، حال من فاعل يهزّوا وله، متعلق بقوله: يرملون، وابتلاء وامتحاناً واختباراً وتمحيصاً منصوبات على المصدر وحذف العوامل من ألفاظها أي ابتلاهم الله بهذه المشاق ابتلاء وامتحنهم بها امتحاناً وهكذا ويحتمل الانتصاب على المفعول له أي يفعلون ما ذكر من التكاليف الشاقة للابتلاءِ العظيم الذي ابتلوا به، وجملة لكان جواب لو أراد.

المعنى

اعلم أنه علیه السلام لما ذكر في الفصل السابق اختبار الله لعباده المستكبرين بأوليائه المستضعفين، ومثل بقصة بعث موسى وهارون علیهما السلام إلى فرعون، أتبعه بهذا الفصل ونبّه علیه السلام فيه على وجه الحكمة في بعث سائر الأَنبياء والرّسل بالضعف والمسكنة والفقر والفاقة والضرّ وسوء الحال، وفي وضع بيته الحرام الذي جعله قبلة للأَنام بواد غير ذي زرع وبلد قفر وأرض وعر، وأشار أن الحكمة في ذلك كلّه هو الابتلاء والاختبار وهو قوله علیه السلام:

(ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم) أي حين بعثهم (إن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان) لينفقوا منها ويكونوا ذي سعة ومنعة وعز ورفعة تدفع بها اعتراض الجاحدين وتنقطع ألسن المعاندين، ولم يقولوا فيهم مثل ما قالوه لنبينا صلّی الله علیه و آله و سلّم: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) [الفرقان: الآيتان 7 و 8].

(وأن يحشر معهم طير السّماء ووحوش الأَرض) احتشاماً وإعظاماً لقدرهم وإجلالاً لشأنهم في أعين المبعوثين إليهم (الفعل) ذلك كلّه لأَنه عزّ وجلّ على كلّ شيء قدير، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

ومحصله أن فتح الكنوز والمعادن وحشر الطيور والوحوش أمورُ ممكنة في نفسها، وهو سبحانه قادر على جميع الممكنات وعالم بها، ولو تعلّقت إرادته بها مع عموم قدرته عليها لزم وقوعها.

(و) لكنه لم يتعلّق إرادته بها فلم يفعلها ولم تقع إذ (لو فعل) لترتب عليه مفاسد كثيرة وأمور كلّها خلاف مقتضى الحكمة الإلهيّة والنظم الأَصلح وهي ستة أمور: أحدها ما أشار إليه بقوله (لسفط البلاء) أي لو وقع هذه الأمور لسقط ابتلاء المتكبّرين بالمستضعفين من الأَنبياء والمرسلين وارتفع اختبارهم بهم، إذ مع وقوعها ارتفع الضعف عنهم وانتفى علّة الاستضعاف.

(و) ثانيها أنه (بطل الجزاء) لأَن الجزاء مترتب على التسليم للأَنبياءِ وعلى امتثال التكاليف الإلهيّة على وجه الخلوص، ومع كون الأَنبياء حين بعثهم بزينة الملوك والسلاطين يكون الانقياد لهم وامتثال أوامرهم ونواهيهم عن رغبة مائلة أو رهبة قاهرة، فلا تكون طاعتهم عن إخلاص حتى يستحق المطيعون للجزاء كما هو واضح لا يخفى.

(و) ثالثها أنه (اضمحلت الأنباء) أي أخبار الأنبياء، والمراد باضمحلالها انمحاؤها وذهاب أثرها.

وذلك لأَن الغرض الأَصلي من بعثهم ورسالتهم أن يجذبوا الخلق إلى الحق الأوّل عزّ وجلّ ويزهّدوهم عن الدنيا ويرغبوهم في الآخرة، فإذا فتحت لهم أبواب الكنوز والمعادن، واشتغلوا بزخارف الدّنيا وكانوا بزّي أهلها لم يؤثر موعظتهم في القلوب ولم يبق وقع للرسالة عند الناس، ولا وجدوا للمبعوثين إليهم مقالاً وتعريضاً عليهم بأن يقولوا يا أيها الرسل لم تقولون ما لا تفعلون، أنتم تزهبدونا عن الدنيا وترغبون فيها، وترغّبونا في الآخرة واشتغالكم بغيرها، فيبطل بذلك المقصود الأَصلي من البعث واضمحلّت الرسالة إذاً هذا.

وقال الشارح البحراني: في وجه اضمحلال الأنباء ما محصله: إن الأَنبياء وإن كانوا أكمل الخلق نفوساً وأقواهم استعداداً لقبول الكمالات النفسانية، إلا أنهم محتاجون إلى الرّياضة التّامة بالإعراض عن الدّنيا وطيباتها وهو الزهد الحقيقي، فيكون تركهم للدّنيا شرطاً في بلوغ درجات الوحي والرّسالة وتلقّي أخبار السّماء، فلو خلقوا منغمسين في الدّنيا وفتحت عليهم أبوابها لانقطعوا من حضرة جلال الله، واضمحلّ بسبب ذلك عنهم الأَنباء، وانقطع عنهم الوحي، وانحطوا عن مراتب الرسالة.

قال: وقال بعض الشارحين: أراد باضمحلال الأنباءِ سقوط الوعد والوعيد والإخبار عن أحوال الجنة والنار وأحوال القيامة انتهى.

والأَظهر بل الأَولى ما قلناه، لأَن استلزام انفتاح أبواب الكنوز والمعادن لانقطاع الوحي والرسالة والانحطاط عن درجة النبّوة ممنوع وعلى فرض التسليم فإبداء الملازمة بين المقدم والتالي غير خال التكلف، ومثله الكلام فيما حكاه عن بعض الشارحين فتدبر.

(و) رابعها أنه (لما وجب للقابلين) لدعوة الرسل أي المتصدّقين لهم المؤمنين بهم (أجور المبتلين) الممتحنين، لأَنه إذا سقط البلاء والامتحان حسبما عرفته آنفاً لا يبقى مبتلي ولا مبتلی به، فلا يكون قبول القابلين وتصديقهم للرسل عن وجه الابتلاء حتى يحسب لهم الأَجر والجزاء بذلك.

(و) خامسها أنه (لا استحق المؤمنون) بالله وبأنبيائه ورسله (ثواب المحسنين) لعدم كون إيمانهم عن وجه الإخلاص حسبما عرفته، فلا يكونون محسنين حتّى يستحقوا الثواب الجزيل والجزاء الجميل، وإنما المؤمنون المحسنون الذين إذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول، ترى أعنيهم تفيض من الدّمع مما عرفوا من الحقّ، يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحقّ ونطمع أن يدخلنا ربّنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين.

(و) سادسها أنّه (لا لزمت الأسماء معانيها) برفع الأسماء ونصبها على اختلاف النسخ، والمراد واحد وهو ارتفاع الملازمة بينها وبين المعاني وانفكاك إحداهما عن الأخرى، لأن إطلاق اسم المسلم على المسلم حينئذ وتسميته به لمحض ماله من صورة الإسلام لا لوجود معنى الإسلام وحقيقته فيه، إذ المفروض أن إسلامه عن رغبة أو رهبة لا عن وجه الحقيقة والتمحيص والإخلاص، فيصدق الاسم بدون المعني، وكذلك التسمية بالمؤمن والمصدق والعابد والزاهد والراكع والساجد وغيرها، هذا.

ولما نبه علیه السلام أنّ الله سبحانه لو أراد بالأنبياء إذ بعثهم انفتاح الكنوز والمعادن والمغارس وحشر الوحوش والطيور لترتب عليه هذه الأمور السّتة الّتي كلّها خلاف الحكمة والمصلحة أراد التنبيه بما هو مقتضى النظم الأصلح فقال على وجه الاستدراك:

(ولكنّ الله سبحانه جعل رسله) حيث بعثهم (أولي قوّة في عزائمهم) وجدّ في تبليغ ما أمروا به من تكاليف ربّهم بالقتال والجهاد والصّبر على تحمل المكاره والأَذى.

وقد قال بعض المفسّرين في قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: الآية 35] إن من للتبيين لا للتبعيض وإن كلّ الرسل أولو عزم لم يبعث الله رسولاً إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال وعقل ووصفهم بالعزم الصبرهم وثباتهم في تبليغ الرّسالات وإنفاذ ما أمروا به.

(و) جعلهم مع ذلك (ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم) لاتصافهم بالضر والمسكنة والفقر والفافة (مع قناعة تملأ القلوب والعيون غني وخصاصة) أي جوع (تملأ الأبصار والأسماع أذى).

قال الشارح البحراني: استعار وصف الملاء للقناعة باعتبار استلزامها لقوة غنائهم وقلّة حاجتهم إلى شيء من متاع الدّنيا بحيث لا تميل نفوسهم ولا عيونهم إلى شيء من زينتها وقيناتها. فكأنها قد امتلأت فلا تتسع لشيء من ذلك فتطلبه وكذلك للخصاصة باعتبار استلزامها لقوّة الأَذى في أسماعهم وأبصارهم، إذ الجوع المفرط مستلزم لأذى هاتين القوتين لتحلّل الأرواح الحاملة لهما وضعفهما فكأنّ الأَذى حشو أبصارهم وأسماعهم بحيث لا تتسع لغيره، كلّ ذلك طلباً لكمال الاستعداد لأَن البطنة تورث القسوة وتذهب الفطنة وتزيل الرقة وتستلزم رذائل كثيرة لا دواء لها إلا الخصاصة. هذا.

وقوله (ولو كانت الأَنبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام) قياس اقتراني آخر من الشكل الأوّل أيضاً تأكيد للقياس المتقدّم ذكره، أي لو أراد الله بالأَنبياء إذ بعثهم أن يكونوا أهل قوّة وقدرة لا يمكن أن تطلب وتقصد لبلوغها الغاية وأهل عزة وقهر وغلبة لا يمكن أن تنتقص أو تظلم أي يظلم صاحبها لانتهائها النهاية.

(و) أهل (ملك) وسلطنة (تمتد نحوه أعناق الرجال وتشد إليه عقد الرحال) أي يأمله الآملون، ويرجوه الراجون فإن كل من أمل شيئاً لاسيما إذا كان ملكاً عظيماً يطمح إليه بصره ويسافر برغبته إليه ويحيط مطايا الآمال عنده، فكنى عن ذلك بمد العنق وشدّ عقد الرحال.

والحاصل أن الأَنبياء لو بعثوا بالقدرة والقوة والملك والسلطنة (لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار) أي أسهل في اعتبارهم بحالهم وأسرع في إجابتهم لدعوتهم كما هو المشاهد بالتجربة، فإن الملوك لا تصعب إجابتهم كما تصعب إجابة الفقراء لاسيما على المتكبّرين المتجبّرين (وأبعد لهم في الاستكبار) لأَن الملوك أبعد من أن يتكبّر عليه ويُستنكف من طاعتهم بخلاف البائس الفقير.

(ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم) على الإيمان (أو رغبة ماثلة بهم) إليه (فكانت النيات) إذا (مشتركة) بین الله وبين ما يأملونه من الشهوات غير خالصة له تعالى من هوى الأَنفس كما قال: (أرأيت من اتخذ إلهه هويه).

(والحسنات مقتسمة) بينه تعالى وبين تلك الشهوات (ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله) وأنبيائه (والتصديق بكتبه) وصحفه السماوية (والخشوع لوجهه) والخنوع لذاته (والاستكانة) والتمكين (لأمره والاستسلام) والانقياد (لطاعته أموراً له خاصة) أي مختصة به

ممحضة له كما قال (وما أمروا ألا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (لا يشوبها) أي تلك الأمور (من غيرها شائبة) رغبة أو رهبة.

وإنما أراد عزّ وجلّ اختصاص هذه الأمور له وخلوصها من شوب الرغبة والرهبة لعظم البلوى والامتحان حينئذ (وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوية والجزاء أجزل) هذا.

ولما نبه علیه السلام على وجه الحكمة والمصلحة في بعث الأنبياءِ بالخصاصة والمسكنة، وأن الوجه في ذلك هو الامتحان والابتلاء ليترتّب على اتباعهم عظيم الأجر وجزيل الجزاء، أردفه بالتنبيه على حكمة وضع البيت الحرام بأوعر البقاع وأقفر البلدان فقال:

(ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الأَولين من لدن آدم علیه السلام إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار) بنى بها البيت (لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع) هذا باعتبار مجموع الأَحجار أو بملاحظته في نظر الخلق فلا ينافي في ما مر في شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الأولى من أن حجر الأَسود أوّل ملك آمن وأقرّ بالتوحيد والنبّوة والولاية وأنّه يجىء يوم القيامة وله لسان ناطق وعين ناظرة يشهد لكلِّ من وافاه إلى ذلك وحفظ الميثاق.

(فجعلها بيته الحرام) ووصفه به لأَنه حرام المشركين دخوله وحرام إخراج من تحصّن به منه حسبما عرفت في شرح الخطبة الأولى.

قال الرّماني: وإنما سمّي به لأَن الله حرّم أن يصاد عنده وأن يعضد شجره، ولأَنّه أعظم حرمة.

قال في «مجمع البيان»: وفي الحديث مكتوب في أسفل المقام: «إنّي أنا الله ذو بكّة حرّمتها يوم خلقت السماوات والأَرض ويوم وضعت هذين الجبلين، وحففتها بسبعة أملاك حفاً، من جاءني زائراً لهذا البيت عارفاً بحقه مذعناً بالربوبيّة حرمت جسده على النار»(1).

(الّذي جعله للناس قياماً) أي مقيماً لأَحوالهم في الدّنيا والآخرة ويستقيم به أمورهم الدنيويّة والآخروية يقال: فلان قيام أهله أي يستقيم به شؤونهم قال سبحانه: (وَجَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ البَيْتَ الْحَرَامَ قياماً لِلنَّاسِ) [المائدة: الآية 97] أي لمعايشهم ومكاسبهم يستقيم به أمور دينهم ودنياهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح عنده التجار بإجماعهم عنده من سائر الأطراف، ويغفر بقصده للمذنب ويفوز حاجّه بالمثوبات.

روى في «مجمع البيان» عن أبي عبد الله علیه السلام قال: من أتى هذا البيت يريد شيئاً للدّنيا


1) مجمع البيان: 2/ 432.

والآخرة أصابه(1).

وقال ابن عبّاس: معناه جعل الله الكعبة أمناً للنّاس بها يقومون أي يؤمنون، ولولاها لفنوا وهلكوا وما قاموا، وكان أهل الجاهليّة يأمنون به فلو لقي الرّجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم ما قتله، وقيل: معنى قوله: قياماً للناس، أنهم لو تركوا عاماً واحداً لا يحجونه ما نوظروا أن يهلكوا.

ورواه علي بن إبراهيم عنهم علیهم السلام قال ما دامت الكعبة يحج الناس إليها لم يهلكوا فإذا هدمت وتركوا الحج هلكوا.

(ثم وضعه) أي البيت (بأوعر بقاع الأَرض حجراً) أي أصعب قطعها وأغلظها من حيث الحجر (وأقل نتائق الدّنيا مداراً) أي أقل بلدانها ومدنها من حيث التراب والمدر، وبذلك لم يكن صلاحية الزرع والحرث كما قال إبراهيم (رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع).

(وأضيق بطون الأودية قطراً) من حيث الناحية والجانب (بين جبال خشنة) غليظة (ورمال دمئة) لينة، والوصف بها إشارة إلى بعدها من الإنبات لأَن الرّمل كلما كان ألين وأسهل كان أبعد من أن ينبت ولا يزكو به الدواب أيضاً لأَنها تتعب في المشي به.

(وعيون وشلة) قليلة الماء (وقرى منقطعة) بعضها عن بعض (لا يزكو بها خف ولا حافر ولا ظلف) أي لا يزيد ولا ينمو بتلك الأَرض ذوات الخف كالإبل والحافر كالخيل والبغال والظلف كالبقر والغنم، وعدم نمائها بها لما عرفت من قلّة مائها ونباتها وخشونة جبالها وسهولة رمالها وخلوّها من المرتع والمرعى.

(ثم أمر آدم علیه السلام وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه) أي يعطفوا ويميلوا جوانبهم معرضين عن كلّ شيء متوجّهين إليه قاصدين العكوف لديه، وقد مضى في شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الأولى عن أبي جعفر علیه السلام أن آدم علیهالسلام أتى هذا البيت ألف آتية على قدميه منها سبعة مائة حجّة وثلاثة مائة عمرة، ومضى هناك حج سائر الأَنبياء والرّسل علیهم السلام فلينظر ثمة.

(فصار) البيت (مثابة) ومرجعاً (لمنتجع أسفارهم) كناية عما يرومونه في سفرهم إليه من المآب والمقاصد والمنافع والتجارات كما قال عزّ من قائل: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنا) [البَقَرَة: الآية 125] وقال: (وليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله).

(وغاية لملقى رحالهم) أي مقصد القصد (تهوي إليه ثمار الأَفئدة) ثمرة الفؤاد كما قيل


1) مجمع البيان: 424/3.

سويدان القلب أي تميل وتسقط باطن القلوب إليه، وهويها كناية عن سرعة سيرها يعني أنّه سبحانه جعل القلوب مايلة إليه محبّة له إجابة لدعاء إبراهيم علیه السلام حيث قال: (واجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم).

قال الشارح البحراني: هوى الأفئدة ميولها ومحبّتها إلاّ أنّه لما كان الّذي يميل إلى الشيء ويحبّه كأنّه يسقط إليه ولا يملك نفسه استعير لفظ الهوى للحركة إلى المحبوب والسعي إليه، والحاصل أن القلوب تسعى وتتوجّه إليه.

(من مفاوز قفار سحيقة) أي الأفلاء البعيدة (ومهاوي فجاج عميقة) أي من الوهاد والطرق العميقة الّتي بين الجبال ووصفها بالعمق على حد قوله تعالى: (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحَجّ: الآية 27] (وجزائر بحار منقطعة) وصف الجزائر بالانقطاع إما باعتبار انقطاع الماء عنها، أو باعتبار انقطاعها عن سائر بقاع الأرض بسبب إحاطة البحر بها.

وقوله (حتى يهزوا مناكبهم ذللاً) غاية لقوى تهوي، أي تسرع إليه قلوب الحاج من المفاوز والمهاوي إلى أن يحرّكوا المناكب مطيعين منقادين.

قال الشارح البحراني: وكنّي بهزّ مناكبهم عن حركاتهم في الطواف بالبيت إذ كان ذلك من شأن المتحرك بسرعة.

وقال المحدث العلامة المجلسي قده: هو كناية عن السفر إليه مشتاقين.

(يهلّلون لله حوله) أي حول البيت، وعلى رواية يهلّون فالمراد أنّهم يرفعون أصواتهم بالتلبية، وعلى هذه الرواية فلا بدّ من التخصيص بغير المتمتع والمعتمر بالعمرة المفردة فإن وظيفتهما قطع التلبية إذا شاهدا بيوت مكة أو حين يدخلان الحرم.

روى معاوية بن عمار عن أبي عبد الله علیه السلام قال: إذا دخلت مكة وأنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية، وحدّ بيوت مكّة الّتي كانت قبل اليوم عقبة المدينين، فإنّ الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن، فاقطع التلبية وعليك بالتكبير والتحميد والتهليل والثناء على الله عزّ وجلّ بما استطعت(1).

وروی مرازم عن أبي عبد الله علیه السلام قال: يقطع صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت


1) الكافي: 4/ 399 ح1، الاستبصار: 176/2 ح583.

الإبل أخفافها في الحرم - وبمعناهما أخبار كثيرة(1).

وأما فضل الإهلال روى في الوسائل عن الصدوق رحمه الله قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام ما من مهلّ يهلّ بالتلبية إلاّ أهلّ من عن يمينه من شيء إلى مقطع التراب، ومن عن يساره إلى مقطع التراب، وقال له الملكان: أبشر يا عبد الله وما يبشّر الله عبداً إلاّ بالجنّة(2).

(ويرملون على أقدامهم شعثاً غيراً له) أي يهرولون على أقدامهم الله سبحانه حال كونهم أشعث الرّؤوس متلبد الشعور متغيّر الأَلوان مغبّر الوجوه والأَبدان وسخ الأَجساد.

(قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم) يحتمل أن يكون المراد بالسرابيل الثياب المعهودة بالإحرام على وجه الاستعارة الاستعارة تشبيهاً لها بالسرابيل في إحاطتها بالبدن فيكون المقصود بنبذها وراء ظهورهم طرحها على عواتقهم ومناكبهم كما هو المعهود في لبس ثوب الإحرام، وأن يكون المراد بها مطلق المخيط من الثياب من باب المجاز المرسل فيكون النبذ وراء الظهور كناية عن خلعها عن الأَبدان، والثاني أظهر.

(وشوهوا) أي قبّحوا (بإعفاء الشعور ) أي إكثارها وإطالتها (محاسن خلقهم) ابتلاهم الله سبحانه بهذه المشاق والبليات (ابتلاءً عظيماً وامتحاناً شديداً واختباراً مبيناً وتمحيصاً بليغاً) أي امتحاناً كاملاً (جعله الله سبباً لرحمته ووصلة إلى جنّته) أي جعل حج البيت والبلاء بهذه الابتلاءات العظيمة والتكاليف الشديدة سبباً لشمول رحمته وطريقاً للوصول إلى جنّته كما يشهد به الأَخبار الواردة في فضل الحجّ، وقد مضى جملة منها في شرح الفصل الثامن عشر من «المختار» الأَوّل هذا.

ولما نبّه علیه السلام على وجه المصلحة في بناء البيت بالأَحجار ووضعه بأوعر البقاع وتكليف ولد آدم علیه السلام بالحجّ إليه على الكيفيّات الخاصّة المتضمنة للتواضع والتذلل، وأشار إلى أن المصلحة في ذلك هو التمحيص والامتحان والاستعداد بذلك لإفاضة رحمة الله والوصول إلى جنّته والاستحقاق لجزيل الجزاء ومزيد الثواب أراد بالتنبيه على أن وضعه بغير هذا المكان من الأَمكنة البهيجة المستحسنة كان موجباً لتصغير الجزاء وتقليل الثواب وهو خلاف المصلحة فقال:

(ولو أراد الله سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام) أي مواضع المناسك (بين جنّات وأنهار وسهل وقرار) من الأَرض (جمّ الأشجار داني الثمار) دنوها كناية عن كثرتها وسهولة تناولها كما قال سبحانه في وصف الجنّة (قُطُوفُهَا دَانِيةٌ) [الحَاقَّة: الآية 23]


1) الكافي: 537/4، من لا يحضره الفقيه: 456/2.

2) وسائل الشيعة: 379/12.

(ملتفّ البنى) أي مشتبك العمارات (متصل القرى) بكثرتها (بين برّة سمراء) أي حنطة حسن اللّون (وروضة خضراء) ذات الخضرة والنضارة (وأرياف محدقة) مشتملة على الحدائق والبساتين (وعراص مغدقة) ذات الماء الكثير والمطر (ورياض ناضرة وطرق عامرة) بكثرة المارة.

(لكان) جواب لو أي لو أراد الله سبحانه أن يضع بيته بين هذه الأَمكنة الحسنة ذات البهجة والنضارة لكان قادراً عليه لكنه خلاف الوجه الأَصلح لأَنّه يلزم حينئذ أن يكون سبحانه (قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء) لما قد مرّ من أنّ الاختبار والبلوى كلّما كانت أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل.

ولما نبه علیه السلام في الشرطية المتقدمة على أن وضع البيت الحرام في غير هذا المكان الذي هو فيه الآن خلاف الحكمة والمصلحة اتبعها شرطية أخرى ونبه علیه السلام فيها على أنّ بناءه بغير هذه الأحجار المتعارقة التي بنى بها أيضاً خلاف مقتضى الحكمة وهو قوله:

(ولو كان الأساس المحمول عليها) البيت (والأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء وياقوتة حمراء ونور وضياء) أي لو كان بناؤه بالأَحجار المعدنية كالزمرّد والياقوت والجواهر النفيسة المتلأَلأَة النيرة والمضيئة (لخفف ذلك مسارعة الشك في الصدور) أي سرعته، وفي بعض النسخ بالضاد المعجمة بمعنى المقاربة وفي بعضها بالصاد المهملة بمعنى المغالبة.

قال الشارح البحراني: وتلخيصه أنه تعالى لو جعل الأساس المحمول عليها بيته الحرام من هذه الأَحجار المنيرة المضيئة لخفف ذلك مسارعة الشك في الصدور إذ يراد شك الخلق في صدق الأَنبياء وعدم صدقهم وشكّهم في أن البيت بيت الله أو ليس، فإنه على تقدير كون الأنبياء بالحال المشهور من الفقر والذلّ وكون البيت الحرام من هذه الأحجار المعتادة، يقوّي الشك في كونهم رسلاً من عند الله وفي كون البيت بيتاً له، وعلى تقدير كونهم في الملك والعز وكون البيت من الأحجار النفيسة المذكورة ينتفي ذلك الشك، إذ يكون ملكهم ونفاسة تلك الأحجار من الأمور الجاذبة إليهم والداعية إلى محبتهم والمسارعة إلى تصديقهم، والحكم بكون البيت بيت الله لمناسبة في كماله ما ينسبه الأنبياء إلى الله سبحانه من الوصف بأكل طرفي النقيض ولكون الخلق أميل إلى المحسوس واستعار لفظ المسارعة للمغالية بين الشك في صدق الأنبياء والشك في كذبهم فإن كلاً منهما يترجح على الآخر.

وبذلك أيضاً ظهر معنى قوله علیه السلام (ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب) فإن حج البيت المبني بالطوب والمدر والقيام بوظائفه وإقامة مناسكه مع ما فيه من المشاق العظيمة والرّياضات التي لا يكاد أن تتحمل عادة لا يتأتى إلا مع جهاد النفس ومجاهدة إبليس، بخلاف ما لو كان مبنيّاً بالجواهر النفيسة الشريفة من الياقوت والزمرّد والزبرجد ونحوها بين

جنات وأنهار وأشجار في أرض سهل وقرار فإن النفوس حينئذ كانت تميل إليه وترغب إلى رؤيته فلا تبقى إذاً حاجة إلى مجاهدة نفسانية أو شيطانية.

يوضح ذلك الحديث الّذي قدمنا روايته عن الفقيه في شرح الفصل الثامن عشر من المختار الأول، ونعيد روايته هنا من «الكافي» باقتضاء المقام، ومزيد إيضاحه للغرض المسوق له هذا الفصل من كلام أمير المؤمين علیه السلام فأقول:

روى ثقة الإسلام الكلينيّ عطر الله مضجعه عن محمد بن أبي عبد الله عن محمد بن أبي یسر(1)عن داود بن عبد الله عن عمر بن محمد عن عيسى بن يونس قال:

كان ابن أبي العوجاء من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد، فقيل له: تركت مذهب أصحابك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة، فقال: إنّ أصحابي كان مخلطاً كان يقول طوراً بالقدر وطوراً بالجبر، وما أعلمه اعتقد مذهباً دام عليه وقدم مكّة متمرّداً وإنكاراً على من يحجّ وكان يكره العلماء مجالسته ومسائلته لخبث لسانه وفساد ضميره، فأتى أبا عبد الله علیه السلام فجلس إليه في جماعة من نظرائه فقال: يا أبا عبد الله إنّ المجالس أمانات ولا بد لكلّ من به سعال أن يسعل أفتأذن لي في الكلام؟ فقال علیه السلام: تكلّم، فقال: إلى كم ندوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المعمور بالطوب والمدر، وتهرولون هرولة البعير إذا نفر، إنّ من فكر هذا وقدر علم أن هذا فعل أسّسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنك رأس هذا الأَمر وسنامه، وأبوك أسّه وتمامه.

فقال أبو عبد الله علیه السلام: إن من أضّله الله وأعمى قلبه استوخم الحق ولم يستعذبه فصار الشيطان وليّه وقرينه، وربّه يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره، وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته وجعله محل أنبيائه وقبلةً للمصلّين إليه فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، ومجمع العظمة والجلال خلقه الله قبل دحو الأَرض بألفي عام فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وذكر الله منشىء الأرواح والصور، هذا(2).

وأما قوله (ولنفي معتلج الريب من الناس) فإنه ربما يعتري الشك على ذوي العقائد الضعيفة أنّه لو كان هذا البيت بيته سبحانه لبناه بما يليق عزه وجلاله من الحسن والبهاء والعزّ والشرف ومع بنائه على هذا الوصف كان ينتفي اعتلاج الريب منهم قطعاً.

(ولكن الله) عزّ وجلّ لم يبنه بهذا الوصف، وإنما بناه بالأَحجار الغير النفيسة اختباراً


1) في نسخة: نصر.

2) الكافي: 198/4، علل الشرائع: 403/2 ح 4.

وامتحاناً وتمحيصاً وابتلاء فإنّه (يختبر عباده بأنواع الشدائد) والمشاق كتروك الإحرام والمناسك العظام (ويتعبدهم بألوان المجاهد) من مجاهدة النفس ومجاهدة إبليس التي عرفت (ويبتليهم بضروب المكاره) التي تكرهها الطباع وترغب عنها النفوس (إخراجاً للتكبر) المبعد من الله سبحانه (عن قلوبهم وإسكانا للتذلل) والتواضع المقرّب إليه تعالى (في نفوسهم وليجعل ذلك) الاستعداد الحاصل لهم من الاختبار والابتلاء (أبواباً فتحاً) مفتوحة (إلى فضله) وإحسانه (وأسباباً ذللا) سهلة (لعفوه) وغفرانه.

تكملة

هذا الفصل من الخطبة رواه ثقة الإسلام الكليني (قدس سره) باختلاف لما أورده السيّد رحمه الله هنا فأحبيت إيراده بروايته مع بيان غريب موارد الاختلاف فأقول:

قال في «الكافي» وروى أن أمير المؤمنين علیه السلام قال في خطبة له:

«ولو أراد الله جلّ ثناؤه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن البلدان ومغارس الجنان وأن يحشر طير السماء ووحش الأَرض معهم لفعل، ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء واضمحل الابتلاء، ولما وجب للقائلين أُجور المبتلين ولا لحق المؤمنين ثواب المحسنين، ولا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبين ولذلك لو أنزل الله من السماء آية فظلّت(1)أعناقهم لها خاضعين، ولو فعل لسقط البلوى عن الناس أجمعين.

ولكنّ الله جلّ ثناؤه جعل رسله أولي قوة في عزائم نياتهم، وضعفةً فيما ترى الأعين من حالاتهم من قناعة تملأ القلوب والعيون غناه، وخصاصة يملأ الأسماع والأبصار أذاه.

ولو كانت الأَنبياء أهل قوّة لا ترام، وعزّة لا تضام، وملك يمدّ نحوه أعناق الرجال ويشد إليه عقد الرحال لكان أهون على الخلق في الاختبار، وأبعد لهم في(2)الاستكبار، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو غبة مائلة بهم، فكانت النيات مشتركة والحسنة مقتسمة.

ولكن الله أراد أن يكون الاتباع لرسله، والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لأَمره، والاستسلام إليه أمور له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة، وكل ما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل.

ألا ترون أن الله جلّ ثناؤه اختبر الأَولين من لدن آدم علیه السلام إلى آخرين من هذا العالم


1) في نسخة: لظلت.

2) في نسخة: من.

بأحجار ما تضرّ ولا تنتفع ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للنّاس قياماً، ثم جعله بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقل نتايق الدنيا مدراً، وأضيق بطون الأودية معاشاً، وأغلظ محالّ المسلمين مياهاً بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، واتر من مواضع قطر المساء، واتر [داثر- كذا في كا] ليس بركوبه خف ولا ظلف ولا حافر.

ثم أمر آدم علیه السلام وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم وغاية لملقى رحالهم، تهوى إليه ثمار الأَفئدة من مفاوز قفار متّصلة وجزائر بحار منقطعة، ومهاوي فجاج عميقة، حتى يهزّوا مناكبهم ذللاً لله حوله، ويرملوا على أقدامهم شعثاً غبراً، قد نبذوا القنع والسرابيل وراء ظهورهم، وحسروا بالشعورُ حلقاً عن رؤوسهم، ابتلاءاً عظيماً، واختباراً كبيراً، وامتحاناً شديداً، وتمحيصاً بليغاً، وفتوناً مبيناً جعله الله سبباً لرحمته، ووصلة ووسيلة إلى جنّته، وعلّة لمغفرته، وابتلاءاً للخلق برحمته.

ولو كان الله تبارك وتعالى وضع بيته الحرام، ومشاعره العظام، بين جنّات وأنهار، وسهل قرار، جم الأَشجار داني الثمار، ملتف النبات، متصل القرى، من برّة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص معذقة، وزروع ناضرة، وطرق عامرة، وحدائق كثيرة، لكان قد صغر الجزاء على حسب ضعف البلاء.

ثم لو كانت الأَساس المحمول عليها، أو الأَحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء وياقوتة حمراء، ونور وضياء لخفّف ذلك مصارعة الشك في الصّدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفي معتلج الريب من الناس.

ولكن الله عزّل وجل يختبر عبيده بأنواع الشدائد، ويتعبدهم بألوان المجاهدة، ويبتليهم بضروب المكاره إخراجاً للتكبّر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل في أنفسهم، وليجعل ذلك أبواباً إلى فضله، وأسباباً ذللاً لعفوه، وفتنة كما قال: «الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: الآيات 1 - 3].

بیان

قوله علیه السلام «واتر من مواضع قطر السماء» واتر أي منفرد منقطع من الوتر وهو الفرد، وواتر الثاني يحتمل أن يكون تأكيداً لفظيّاً للأوّل، وأن يراد به أنّه ناقص من حيث النبات من وتره ماله نقصه، أو أنه مأخوذ من الوتيرة وهي قطعة تستدق وتغلظ من الأَرض.

وقوله: «وحسروا بالشعور» من حسره حسراً كشفه، أي كشفوا شعورهم لأَجل حلقها

عن رؤوسهم، وفتنه فتناً «وفتوناً» اختبره «وعراص معذقة» ضبطه في النسخة التي عندنا بفتح الميم والعين المهملة والذال المعجمة، أي محال العذق «والاس» مثلثة أصل البناء كالأَساس والأسس محركة وأصل كل شيء معه أسياس وزن أسباب وقوله: «كما قال ألم أحسب (اه-)» شاهد لقوله: فتنة، يعني أنّ الله يختبر العبيد ويتعبّدهم بالشدايد والمجاهد لأَجل الامتحان وتميّز الجيّد من الرّدي والمؤمن من المنافق كما نصّ به سبحانه في كتابه المجيد، ليثيب المؤمنين بحسن إيمانهم ويعاقب المنافقين.

الترجمة

میفرماید و اگر اراده میفرمود خداوند متعال به پیغمبران خود وقتی که مبعوث نمود ایشان را اینکه بگشاید برای ایشان خزانهای طلا و معدنهای زر خالص و محلهای کاشتن باغها را، و اینکه جمع نماید با ایشان مرغ آسمان و وحشیهای زمینها را هر آینه مینمود، و اگر مینمود اینها را هر آینه ساقط میشد امتحان و ابتلاء، و باطل میشد جزا و ثواب، و بهم میخورد خبرهای پیغمبران، و هر آینه واجب نمی گردید از برای قبول کنندگان احکام دین اجرهای ممتحنین، و مستحق نمی شد مؤمنان ثواب نیکو کاران را، و لازم نمی گردید اسمها به معنی های حقیقی خود.

وليكن حق سبحانه و تعالی گردانیده است پیغمبرهای خود را صاحبان قوّت در عزمهای خود، و صاحبان ضعف در آنچه می بیند آن را چشمها از حالت های فقر و پریشانی ایشان با قناعتی که پر میکند قلبها و چشم ها را از حیثیت اذیّت.

و اگر بودندی پیغمبرها أهل قوتی که قصد کرده نشود، و أهل عزتی که مغلوب و مظلوم نگردد، و صاحب سلطنت و ملکی که کشیده شود بجانب آن گردنهای مردمان، و بسته شود بسوی او گرههای پالانهای مرکبان، هر آینه میشد آسان تر بر خلق در عبرت بر داشتن از ایشان، و دورتر از برای ایشان از تكبّر نمودن بر ایشان، و هر آینه ایمان می آوردند آن خلق از ترس و خوفی که قهر کننده باشد ایشان را، یا از رغبت و طمعی که میل آورنده باشد ایشان را و می بود نیتهای خلق غیر خالص و مشوب برهبت و رغبت، و أعمال حسنه ایشان قسمت یافته و مخلوط بریاو سمعت.

ولیکن حق تعالی اراده فرمود این را که باشد متابعت پیغمبران او و تصدیق کتابهای او و فروتنی برای ذات او، و تمکین کردن برای حکم او، و گردن

نهادن برای طاعت او کارهائی که مختص بأو باشد که مشوب نباشد بآنها چیزی از زیاء و سمعت، و هر قدر امتحان و ابتلا بزرگ تر باشد ثواب و جزاء زیادتر گردد.

آیا نمی بینید که خداوند تعالی امتحان فرموده اولین را از نزد جناب آدم علیه السلام تا آخرین از این عالم با سنگهائی که نه ضرر دارد و نه منفعت، و نمی بینند و نمیشنوند پس گردانید آنها را بیت الحرام خود چنان بیتی که گردانیده آنرا از برای خلق برپا دارنده أحوال ایشان در دنیا و آخرت پس نهاد آن خانه را به دشوارترین بقعهای زمین از جهت سنك، و کمترین شهرهای زمین از جهت کلوخ و تنك ترین میانهای وادیها از حیثیت قطر در میان کوههای درشت و ریگهای نرم و چشمهای کم آب و دههای بریده که میان آنها بایر است و خراب که فربه نمیشود در آنها شتر و اسب و گوسفند و گاو و امثال آنها.

بعد از آن امر کرد خداوند عالم جناب آدم و فرزندان او را که بر گردانند اطراف و جوانب خود را بسوی آن، پس گردید بیت الحرام محل بازگشت از برای قصد منفعت سفرهای ایشان، و نهایت از برای انداختن بارهای ایشان.

میافتد بسوی آن یعنی مایل میشود بآن باطن قلبها از بیابانهای بی آب و علف دور دراز، و از درّهای واقعه در میان کوهها که گروند و از جزیره های دریاها که بریده اند از سایر قطعات زمین بجهت احاطه آب تا آنکه حرکت میدهند دوشهای خودشان را در حالت ذلت، تهلیل و تکبیر می گویند از برای خداوند در آن، و می دوند بر قدمهای خودشان در حالتیکه ژولیده مو غبار آلوده باشند برای معبود بحق در حالتیکه أنداخته اند پیراهنها را پس پشتهای خود هنگام احرام، و زشت سازنده اند بجهت زیاد کردن مویها نیکوهای خلقت خود را در موسم حج.

امتحان فرمود خداوند ایشان را با این کارها امتحان بزرگ و امتحان باشدّت و امتحان آشکار و امتحان کامل گردانید خداوند حج آن خانه را و ابتلاء این بلیّات را سبب رحمت خود، و مايه اتصال بسوی جنت خود.

و اگر اراده مینمود حق تعالی اینکه بگذارد بیت الحرام خود و مواضع مناسك حج خود را در میان باغهای خوش، و نهرهای دلکش، و زمین نرم و هموار متصفه با کثرت درخت ها، و با نزدیکی میوها و با تویهم بودن بناها، و با اتصال دهها میان گندم مایل بسرخی، و مرغزار سبز و خرّم، و کشت زارهای مشتمله بربساتین، و عرصه های موصوفه بزیادتی آب، و زراعتهای تر و تازه، و راههای آباد و معموره هر آینه میشد، پروردگار كوچك و حقیر میکرد مقدار جزا را بر حسب ضعف و سستی بلا.

و اگر بودی بنائی که نهاده شده بود بر او بنای حرم و سنگهائی که بلند شده با آن خانه خدا میان زمرّد سبز و یاقوت سرخ و سنگهای درخشنده و نور بخشنده هر آینه سبک مینمود اینوضع بنا شتابیدن شك را در سینها و هر آینه فرو نهادی مجاهده شیطان لعین را از قلبها، و هر آینه نابود کردی اضطراب شك را از مردمان.

ولیکن خدای تعالی امتحان میفرماید بندگان خود را با أنواع سختیها، و بندگی میخواهد از ایشان با گوناگون مجاهدها، و مبتلا میسازد ایشان را بأقسام مكروهات از جهت بیرون کردن تکبّر از قلبهای ایشان، و ساکن نمودن تذلل در نفسهای ایشان، و تا بگرداند این را درهای گشاده شده بسوی فضل و انعام خود، و واسطهای رام شده برای عفو و مغفرت خود.

الفصل الخامس

اشارة

«فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي عَاجِلِ اَلْبَغْيِ، وَ آجِلِ وَخَامَةِ اَلظُّلْمِ، وَ سُوءِ عَاقِبَةِ اَلْكِبْرِ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ اَلْعُظْمَى، وَ مَكِيدَتُهُ اَلْكُبْرَى، اَلَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ اَلرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ اَلسُّمُومِ اَلْقَاتِلَةِ، فَمَا تُكْدِي أَبَداً، وَ لاَ تُشْوِي أَحَداً لاَ عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَ لاَ مُقِلاًّ فِي طِمْرِهِ، وَ عَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اَللَّهُ عِبَادَهُ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ، وَ اَلزَّكَوَاتِ، وَ مُجَاهَدَةِ اَلصِّيَامِ فِي اَلْأَيَّامِ اَلْمَفْرُوضَاتِ، تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ، وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ، وَ تَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَ تَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَ إِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ اَلْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَ اِلْتِصَاقِ كَرَائِمِ اَلْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً، وَ لُحُوقِ اَلْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ اَلصِّيَامِ تَذَلُّلاً، مَعَ مَا فِي اَلزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ اَلْأَرْضِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ اَلْمَسْكَنَةِ وَ اَلْفَقْرِ.

اُنْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ اَلْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ اَلْفَخْرِ، وَ قَدْعِ طَوَالِعِ اَلْكِبْرِ، وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ اَلْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ إِلاَّ عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ اَلْجُهَلاَءِ، أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ اَلسُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ لَا (ماخ) يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَ لاَ عِلَّةٌ، أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ، وَ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وَ أَنْتَ طِينِيٌّ، وَ أَمَّا اَلْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ اَلْأُمَمِ فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ «إلی آثار خ) مَوَاقِعِ اَلنِّعَمِ فَقٰالُوا -نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوٰالاً وَ أَوْلاٰداً وَ مٰا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ.

فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ اَلْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ اَلْخِصَالِ، وَ مَحَامِدِ اَلْأَفْعَالِ، وَ مَحَاسِنِ اَلْأُمُورِ اَلَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا اَلْمُجَدَاءُ وَ اَلنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ اَلْعَرَبِ، وَ يَعَاسِيبِ اَلقَبَائِلِ بِالْأَخْلاَقِ اَلرَّغِيبَةِ، وَ اَلْأَحْلاَمِ اَلْعَظِيمَةِ، وَ اَلْأَخْطَارِ اَلْجَلِيلَةِ، وَ اَلْآثَارِ اَلْمَحْمُودَةِ.

فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ اَلْحَمْدِ مِنَ اَلْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَ اَلْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ، وَ اَلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَ اَلْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَ اَلْأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَ اَلْكَفِّ عَنِ اَلْبَغْيِ، وَ اَلْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ، وَ اَلْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَ اَلْكَظْمِ لِلْغَيْظِ، وَ اِجْتِنَابِ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ.

وَ اِحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ اَلْمَثُلاَتِ بِسُوءِ اَلْأَفْعَالِ، وَ ذَمِيمِ اَلْأَعْمَالِ، فَتَذَكَّرُوا فِي اَلْخَيْرِ وَ اَلشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ، وَ اِحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ، فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ اَلْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ، وَ زَاحَتِ اَلْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَ مُدَّتِ اَلْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ «فیه بهم خ» وَ اِنْقَادَتِ اَلنِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ، وَ وَصَلَتِ اَلْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ: مِنَ اَلاِجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَ اَللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ، وَ اَلتَّحَاضِّ عَلَيْهَا، وَ اَلتَّوَاصِي بِهَا، وَ اِجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ، وَ أَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ مِنْ

تَضَاغُنِ اَلْقُلُوبِ، وَ تَشَاحُنِ اَلصُّدُورِ، وَ تَدَابُرِ اَلنُّفُوسِ، وَ تَخَاذُلِ اَلْأَيْدِي.

وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ اَلْمَاضِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ اَلتَّمْحِيصِ وَ اَلْبَلاَءِ، أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ اَلْخَلاَئِقِ أَعْبَاءً، وَ أَجْهَدَ اَلْعِبَادِ بَلاَءً وَ أَضْيَقَ أَهْلِ اَلدُّنْيَا حَالاً، اِتَّخَذَتْهُمُ اَلْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ اَلْعَذَابِ وَ جَرَّعُوهُمُ اَلْمُرَارَ، فَلَمْ تَبْرَحِ اَلْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ اَلْهَلَكَةِ، وَ قَهْرِ اَلْغَلَبَةِ، لاَ يَجِدُونَ حِيلَةً فِي اِمْتِنَاعٍ، وَ لاَ سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ.

حَتَّى إِذَا رَأَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ اَلصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى اَلْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ، وَ اَلاِحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ اَلْبَلاَءِ فَرَجاً، فَأَبْدَلَهُمُ اَلْعِزَّ مَكَانَ اَلذُّلِّ، وَ اَلْأَمْنَ مَكَانَ اَلْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً، وَ أَئِمَّةً أَعْلاَماً، وَ قَدْ بَلَغَتِ اَلْكَرَامَةُ مِنَ اَللَّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ اَلْآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ.

فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ اَلْأَمْلاَءُ مُجْتَمِعَةً، وَ اَلْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً «مُتَّفِقَةٌ خ»، وَ اَلْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً، وَ اَلْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً، وَ اَلسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً، وَ اَلْبَصَائِرُ نَافِذَةً، وَ اَلْعَزَائِمُ وَاحِدَةً.

أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ اَلْأَرَضِينَ، وَ مُلُوكاً عَلَى رِقَابِ اَلْعَالَمِينَفَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِينَ وَقَعَتِ اَلْفُرْقَةُ، وَ تَشَتَّتَتِ اَلْأُلْفَةُ، وَ اِخْتَلَفَتِ اَلْكَلِمَةُ وَ اَلْأَفْئِدَةُ، وَ تَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَ تَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ، قَدْ خَلَعَ اَللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ، وَ بَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ، عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنکُم(1).

اللغة

(البغي) الظلم والعلوّ والاستطالة والعدول عن الحق وتجاوز الحد و(وخم) وخامة كشرف شرافة ثقل وطعام وخيم ثقيل رديء غير موافق و (المصيدة) بكسر الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الدال آلة الصيّد من الشبكة ونحوها و(المكيدة) وزن معيشة مصدر بمعنى الكيد و(ساوره) مساورة دائبه، وسورة الخمر وغيرها حدّتها، ومن البرد شدّته، ومن السّلطان سطوته واعتداؤه.

و (أكدى) الحافر إذا بلغ في حفره إلى موضع صلب لا يمكنه حفره، وأكدت المطالب إذا صعبت في وجه طالبها فعجز عنها و(أشوت) الضربة تشوي أخطأت فلم تصب المقتل، وأشواه يشويه إذا رماه فلم يصب مقتله، ورجل (مقلّ) وأقلّ فقير و(الطمر) بالكسر الثوب الخلق والبالي من الثياب من غير الصوف والجمع أطمار.


1) بحار الأنوار: 473/14، ميزان الحكمة: 764/1.

و (عتاق) الوجوه إما من العتق وهو الكرم والشرف والجمال والحرّية والنجابة قال في القاموس: والعتاق من الخيل النجائب، أو من العتيق وهو الخيار من كلّ شيء، وفي بعض النسخ وعتايق الوجوه جمع عتيقة يقال أمة عتيقة أي خارجة عن الرق و(التمويه) التدليس يقال موّهت النحاس أو الحديد تمويهاً أي طليته بالذهب أو الفضة و (مواقع) النعم جمع موقع اسم مكان ويحتمل المصدر و(المجداء) جمع مجيد مثل فقهاء وفقيه وهو الرفيع العالي والكريم الشريف الفعال (والنجداء) كفقهاء أيضاً جمع نجيد وهو الشجاع الماضي فيما يعجز غيره.

(واليعسوب) أمير النحل ورئيس القوم و(الأخطار) جمع خطر بالتحريك كأسباب وسبب وهو القدر والمنزلة و (الجوار) بالكسر أن تعطي الرّجل ذمّة فيكون بها جارك فتجيره ومصدر جاور يقال جاوره مجاورة وجواراً وجواراً بالضمّ والكسر صار جاره و(الذّمام) أيضاً الحق والحرمة وما يذمّ به الرّجل على إضاعته من العهد.

و(مدت العافية) بالبناءِ للمفعول كما هو الظاهر أو بالبناء على الفاعل من قولهم مدّ الماء إذا جرى وسال، وفي بعض النسخ ومدت العافية فيه بهم، وفي بعضها عليه بهم و (الفقرة) بالكسر ما انتظم من عظام الصّلب من الكاهل إلى العجز والجمع فقر كعنب و (سام) فلاناً أمراً أي كلّفه إياه وأكثر ما يستعمل في الشرّ والعذاب قال سبحانه (يسمونكم سوء العذاب).

و(المرار) بالضّم شجر مرّ إذا أكلت منه الإبل قلصت مشافرها و(الإملاء) جمع الملاء وهو الجماعة و(قصص أخبارهم) في بعض النسخ بكسر القاف جمع قصة، وفي بعضها بالفتح كصدر من قصصت الخبر قصاً حدثت به على وجهه، والأوّل أولى.

الإعراب

قوله: فإنّها مصيدة إبليس، الضمير راجع إلى كلّ من البغي والظلم والكبر أو الأَخير فقط وهو الأظهر، والتأنيث باعتبار الخبر كما في قولهم: وما كانت أمّك فإن الضمير إذا وقع بين مرجع مذکر وخبر مؤنث أو بالعكس فالأولى رعاية جانب الخبر كما صرّح به علماء الأدب.

وقوله: عن ذلك ما حرس الله، قال الشارح المعتزلي: لفظة ما زائدة مؤكدة أي وعن هذه المكائد التي هي الظلم والبغي والكبر حرس الله عباده فعن متعلّقة بحرس.

قال: وقال القطب الراوندي رحمه الله: يجوز أن تكون مصدرية فيكون موضعها رفعاً بالابتداء وخبر المبتدأ قوله لما في ذلك، ويجوز أن يكون نافية أي لم يحرس الله عباده عن ذلك الجاء وقهراً، بل فعلوا اختياراً من أنفسهم.

والوجه الأوّل باطل لأَن عن على هذا التقدير يكون من صلة المصدر فلا يجوز تقديمها عليه، وأيضاً فإن لما في ذلك لو كان هو الخبر لتعلق لام الخبر بمحذوف أي حراسة الله تعالى لعباده عن ذلك كائنة لما في ذلك من تعفير الوجوه، وهذا كلام غير مفيد إلاّ على تأويل بعيد لا حاجة إلى تعسّفه.

والثاني يأباه سياق الكلام، لأَن قوله: تسكيناً وتخشعاً، وقوله: لما في ذلك، تعليل للحاصل الثابت لا للمنفي المعدوم، انتهى.

أقول: أما ما ذكره القطب الراوندي فغير خال من التكلّف حسبما قاله الشارح المعتزلي، ولكن اعتراض الشارح عليه بأن عن على هذا التقدير من صلة المصدر فلا يجوز تقديمها عليه ممنوع، لمنع عدم جواز تقديم معمول المصدر عليه مطلقاً وإنما هو مسلم في المفعول الصريح لضعف عمله، وأما الظرف وأخوه فيكفيهما رائحة الفعل.

قال نجم الأئمة الرضي: وأنا لا أرى منعاً من تقديم معموله عليه إذا كان ظرفاً أو شبهه، نحو قولك: اللّهم ارزقني من عدوّك بالبراءة وإليك الفرار قال تعالى: (ولا تأخذكم بهما رافة) وقال: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعى) [الصَّافات: الآية 102] ومثله في كلامهم كثير وتقدير الفعل في مثله تكلّف.

وأما ما ذكره الشارح من المعنى فلا بأس به وإن كان يتوجه عليه أنّ الأصل عدم زيادة ما وأن جعل مرجع اسم الإشارة هو الظلم والبغي والكبر يأبي عنه الذوق السليم.

والأَظهر عندي أن عن في قوله: عن ذلك للتعليل كما في قوله تعالى: (وَمَا كَان اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ) [التّوبَة: الآية 114] أو بمعنى من النشوية وذلك إشارة إلى تساور هذه المكائد في القلوب وتأثيرها في النفوس تساور السّموم القاتلة، وأن يكون الظرف مستقراً في موضع الرفع خبراً مقدماً على مبتدئه وهو قوله: ما حرس الله، لکونه في تأويل المصدر، والمعنى أنّ حراسة الله لعباده بالصلاة والزكاة والصيام لأَجل مفاسد هذه المكائد أو أنّها ناشئة من ذلك الفساد، وهو تأثيرها في النفوس تأثير السّموم، وعلى هذا فيتم الكلام لفظاً و معنى على أحسن التئام وانتظام، فافهم واغتنم.

وتسكيناً وتخشيعاً وتذليلاً وتخفيضاً وإذهاباً منصوبات على المفعول له والعامل حرس، وعن في قوله: عن علّة، للتعليل أو بمعنى من التشويه، وغيركم، بالنصب استثناء من قوله: أحداً، والعامل وجدت، وقوله: بالأخلاق الرغيبة، متعلق بقوله: تفاضلت.

ولفظة في في قوله: ومدت العافية فيه، بمعنى اللام كما في قوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لمُتَتَّنِى فِيهِ) [يُوسُف: الآية 32] وقوله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «أن امرأة دخلت النار في هرّة حبستها»،

وقوله: من الاجتناب بيان لأمر وجملة: اتخذتهم الفراعنة، استئناف بياني لا محلّ لها من الإعراب.

المعنى

اعلم أنه لما نيه في الفصل السابق على أن المطلوب من العباد هو التواضع والتذلّل وإخلاص النية والعمل، مستشهداً على ذلك ببعث الأنبياء العظام والسفراء الكرام بحال الذلّ والفاقة والفقر والخصاصة، وبوضع البيت الحرام بأقفر البلاد وأوعر الجبال، وختم الفصل بأن التواضع والتذلّل باب مفتوح للفضل والإحسان، وسبب ذلول للعفو والغفران، عقبّه بهذا الفصل تذكيراً للمخاطبين، وترغيباً لهم على ملازمة هذين الوصفين والأَخذ بهما، وتحذيراً لهم عن الأَخذ بضدّهما وهو التكبر والخيلاء، وتنبيهاً على أنّ الغرض الأَصلي في وضع سائر العبادات من الصلاة والزكاة والصيام بكيفيّاتها المخصوصة أيضاً هذا المعنى أعني التذلّل والاستكانة فقال علیه السلام.

(فالله الله في عاجل البغي وآجل وخامة الظلم وسوء عاقبة الكبر) أي اتقوا الله سبحانه واحذروه تعالى فيما يترتب على البغي والظلم عاجلاً وآجلاً من العقوبات الدنيوية والأخروية، والإتيان في الأَوّل بالعاجل وفي الثاني بالآجل لمجرّد التفنن لا للاختصاص.

والمعاني المتقدّمة للبغي كلّها محتملة هنا إلا أن الأَنسب الأَظهر بمساق الخطبة أن المراد به العدول عن الحق والتجاوز عن الحد أو السّعي في الفساد، أو الخروج عن طاعة الإمام وأمّا سوء عاقبة الكبر فلكونه مؤدّياً إلى الهلاك الأخروي الموجب للعذاب الأَليم والنكال العظيم كما يفصح عنه تعليله وجوب الحذر عنه أو عنه وعن سابقيه بقوله:

(فإنّها مصيدة إبليس العظمى) الّتي يصيد بها القلوب ويأخذها ويملكها أخذ الصياد للصّيد بشركه وحبائله.

قال الشارح البحراني: ووصفها بالعظم باعتبار قوّة الكبر وكثرة ما يستلزمه من الرذائل.

(ومكيدته الكبرى) أي خديعته الكبيرة وكيده القوي، لأنّه يحسّنه في نظر المتكبّر ويزيّنه ويذكر محاسنه مع أنها مقابح في الواقع، فيوقعه فيه بتمويهه وتلبيسه من حيث لا يعلم.

ووصفه بالكبر لما نبّه عليه بقوله (الّتي تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة) فإن تزيين ما في باطنه تلك المفسدة العظيمة وذلك السّم الناقع، وتحسينه في نظر المتكبّر وإيقاعه له فيها من حيث لا يشعر إن هو إلا كيد عظيم وحيلة كبيرة.

وكنى بتساورها عن شدّة تأثيرها وحدّتها في القلوب، وشبهه بمساورة السّموم القاتلة

تأكيداً للشدة وتوضحياً لها، بل نقول إنّها أشدّ تأثيراً منها، لأَن تأثير السموم في البدن وتأثير تلك الخصلة الذميمة في القلب، والأوّل موجب للألم الجسماني والهلاك الدنيوي، والثاني للأَلم الرّوحاني والهلاك الأخروي.

وقوله (فما تكدى أبداً ولا تشوى أحداً) تفريع على التشبيه وتوضيح لوجه الشبه، يعني أن السّموم القاتلة كما لا يمنع من تأثيرها في الأبدان مانع، ولا يقاومها شيء من الطبائع، ولا تخطى من إصابة مقاتل أحد من آحاد الناس، فكذلك تلك المكيدة لإبليس لا يردّها من مساورة القلوب شيء أصلاً، ولا يدفعها منها دافع أبداً، ولا يكاد أن يقاومها أحد من النّاس أو يقابلها واحدٌ من العقول، فتخطى من إصابتها وإهلاكها.

ولمزيد توكيد العموم المستفادة من قوله لا تشوى أحداً من حيث كونه نكرة في سياق النفي أتى بقوله (لا عالماً بعلمه ولا مقلاً في طمره) يعني أن العالم مع ماله من الكياسة والعلم بقبح هذه الصّفة الخبيثة وكونها من مكائد إبليس لا يكاد ينجو منها فضلاً عن الجاهل، وكذلك المقلّ المفتقر مع فقره وإعوازه للمال الّذي يتكبّر به لا يخلص من تلك المكيدة فكيف بالغنى الواجد لأَسباب الطغيان والخيلاء، فإن الإنسان ليطغى أن رأه استغنى، هذا.

ولما كانت الأَحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة كما عليه بناء العدلية من الإمامية والمعتزلة، وكان جعل العبادات الموظفة من الشارع لتحصيل تلك المصالح ودفع هذه المفاسد ونبه علیه السلام على أن في الكبر مفسدة عظيمة وسوء العاقبة وأنّه بمنزلة السموم القاتلة أشار بقوله:

(وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصّلوات والزّكوات ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات) إلى أن وجود هذه المفاسد في الكبر سار علة ومنشئاً لجعل تلك العبادات، فإنها لاشتمالها على التواضع والتذلّل المنافي للكبر والمضاد له أمر الله سبحانه عباده المؤمنين بها حراسة لهم وحفظاً عن الكبر ومفاسده العظيمة، وحثّاً على التواضع ومصالحه الخطيرة كما أمر بالحج مع ماله الكيفيّات المخصوصة وباتباع الرّسل مع مالهم من الذّل والمسكنة لهذه النكتة أيضاً حسبما عرفت في الفصل المتقدّم تفصيلاً.

أما اشتمال الصلاة على التواضع وتنافيها للتكبّر فلكون مدارها بأفعالها وأركانها وأجزائها وشرائطها على ذلك ما يأتي ذكره في كلامه علیه السلام.

وأما كون ذلك علة لجعلها وتشريعها فيدلّ عليه صريحاً ما رواه في الفقيه قال:

كتب الرضا عليّ بن موسى علیه السلام إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله:

«أن علة الصلاة أنها إقرار بالرّبوبية لله تعالى، وخلع الأنداد وقيام بين يدي الجبّار جل

جلاله بالذّل والمسكنة والخضوع والاعتراف والطلب للإقالة من سالف الذّنوب، ووضع الوجه على الأَرض كلّ يوم إعظاماً الله عزّ وجل، وأن يكون ذاكراً غير ناس ولا بطر، ويكون خاشعاً متذلّلاً راغباً طالباً للزيادة في الدّين والدنيا، مع ما فيه من الإيجاب والمداومة على ذكر الله بالليل والنهار لئلا ينسى العبد سيّده ومدبّره وخالقه، فيبطر ويطغى، ويكون في ذكره لربّه وقيامه بين يديه زجراً عن المعاصي ومانعاً له من الفساد(1).

وهذه الرواية كما دلّت على كون الصلاة مانعة من الكبر، فكذا دلّت على كونها مانعة من البغي والظلم المتقدّم ذكرهما في كلامه علیه السلام وغيرهما من المعاصي جميعاً، وهو نصّ قوله تعالى: (وإِن الصَّلَوٰةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت: الآية 45].

وأما اشتمال الزكاة على التواضع فلأَنها شكر النعمة المالية كما أن العبادات البدنية شكر للنعمة البدنية وظاهر أن شكر النعمة ملازم للتذّلل ومناف للتكبر على المنعم، ومن حيث إنها مستلزمة للتعاطف والترحم على الفقراء والضعفاء والمساكين تلازم الائتلاف بهم وتنافي التكبّر عليهم أيضاً كما يدلّ على ذلك:

ما رواه في «الوسائل» عن الصدوق رحمه الله بإسناده عن محمد بن سنان عن الرضا علیه السلام أنه كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله:

«إنّ علة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء، لأنّ الله عزّ وجل كلّف أهل الصّحة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى، كما قال الله تبارك وتعالى (لَتُبْلَونَ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ) [آل عِمران: الآية 186] في أموالكم إخراج الزكاة وفي أنفسكم توطين الأنفس على الصبر، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم الله عزّ وجل، والطمع في الزيادة مع ما فيه من الزيادة والرأفة والرحمة لأَهل الضعف والعطف على أهل المسكنة والحث لهم على المواساة، وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين، وهو «مو»عظة لأَهل الغنى وعبرة لهم ليستدلوا على فقراء الآخرة بهم، ومالهم من الحث في ذلك على الشكر لله تبارك وتعالى لما خوّلهم وأعطاهم، والدّعاء والتضرّع والخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصّدقات وصلة الأَرحام واصطناع المعروف»(2).

وأمّا تضمّن الصيام للتذلّل وتنافيه للتكبر فلكونه موجباً لكسر سورة النفس الأَمارة وذلّتها، وسبباً لتباعد الشيطان عنه، واندفاع وسوسته المنبعثة عنها الكبر ويرشد إلى ذلك:


1) من لا يحضره الفقيه: 215/1، علل الشرائع: 2/ 317 ح2.

2) وسائل الشيعة: 13/9، وسائل الشيعة: 6/ 5 ح7.

ما رواه في «الفقيه» قال: وكتب أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا علیه السلام إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله:

«علة الصّوم عرفان مسّ الجوع والعطش ليكون ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً صابراً، ويكون ذلك دليلاً له على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات، واعظاً له في العاجل دليلاً على الآجل ليعلم شدّة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة»(1).

وفي «الفقيه» أيضاً قال النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم لأَصحابه: «ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كتباعد المشرق من المغرب؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «الصّوم يسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والموازرة على العمل الصالح يقطع وتينه، ولكلّ شيء زكاة وزكاة الأبدان الصّيام»(2)، هذا.

ثمّ المراد بمجاهدة الصّيام بذل الجهد له واحتمال مشاقه ونسبة المفروضات إلى الأَيام من باب المجاز العقلي والإسناد إلى الزمان كما في مثل نهاره صائم إلى الأَيام المفروض فيها الصيام.

هذا تفصيل حصول الحراسة بهذه العبادات عن الكبر وأشباهه، وإجماله ما أشار إليه بقوله (تسكيناً لأَطرافهم) أي للأعضاء والجوارح.

روى في «الوسائل» عن عليّ علیه السلام في حديث الأربعمائة قال: «ليخشع الرجل في صلاته فإن من خشع قلبه لله عز وجل خشعت جوارحه، فلا يعبث بشيء اجلسوا في الركعتين حتى تسكن جوارحكم ثم قوموا فإن ذلك من فعلنا، إذا قام أحدكم من الصلاة فليرجع يده حذاء صدره، فإذا كان أحدكم بين يدي الله جل جلاله فيتحرى بصدره وليقم صلبه ولا ينحنى»(3).

وروى في «مجمع البيان» عن النّبي صلّی الله علیه و آله و سلّم أنّه رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته فقال صلّی الله علیه و آله و سلّم: أما أنّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه(4).

(وتخشيعاً لأَبصارهم).

روى في «الكافي» عن الحلبي عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إذا كنت في صلاتك فعليك


1) من لا يحضره الفقيه: 73/2 ح1767، علل الشرائع: 2/ 378 ح1.

2) فضائل الأشهر الثلاثة: 123، كتاب النوادر: 135.

3) الخصال: 628، وسائل الشيعة: 471/5 ح 7092.

4) دعائم الإسلام: 174/1، أصول الكافي: 227/8.

بالخشوع والإقبال على صلاتك فإنّ الله تعالى يقول: (الذين هم في صلواتهم خاشعون)»(1).

روى في «الصافي» عن القمي في تفسير هذه الآية قال غضك: بصرك في صلاتك وإقبالك عليها(2).

وفي «الصافي» روى أنه صلّی الله علیه و آله و سلّم كان يرفع بصره إلى السماء في صلاته، فلما نزلت الآية طأطأ رأسه ورمى ببصره إلى الأَرض(3).

(وتذليلاً لنفوسهم وتخفيضاً لقلوبهم) باستحضار عظمة الله عزّ وجلّ واستشعار هيبته.

فقد قال النّبي صلّی الله علیه و آله و سلّم: «ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق».

وقال الصادق علیه السلام: «لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب أحد إلاّ وجبت له الجنّة فإذا صلّيت فأقبل بقلبك على الله عزّ وجلّ»(4)الحديث.

وفي «الوسائل» عن الخصال بإسناده عن علي علیه السلام في حديث الأَربع مائة قال علیه السلام: «لا يقومن أحدكم في الصلاة متكاسلاً ولا ناعساً. ولا يفكرّن في نفسه فإنه بين يدي ربّه عزّ وجلّ وإنما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه»(5).

(وإذهاباً للخيلاء) والتكبّر (عنهم) وعلل ذلة النفوس وخفض القلوب وإذهاب الخيلاء بقوله (لما في ذلك) فهو علّة للعلّة أي في ذلك المحروس به المتقدّم ذكره (من تعفير عتاق الوجوه) أي كرائمها وشرائفها وأحرارها (بالتراب تواضعاً) وتذلّلاً (وإلصاق كرائم الجوارح) وهي المساجد السّبعة (بالأرض تصاغراً).

روى في «الفقيه» عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال: «كان موسى بن عمران علیه السلام إذا صلى لم ينفتل حتّى يلصق خده الأَيمن بالأرض وخده الأَيسر بالأرض»(6).

قال: وقال أبو جعفر علیه السلام: «أوحى الله إلى موسى بن عمران علیه السلام أتدري لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال موسى علیه السلام: لا يا رب، قال: يا موسى إني قلبت عبادي ظهراً


1) وسائل الشيعة: 473/5 ح7096.

2) بحار الأنوار: 235/81 ح13.

3) تفسير نور الثقلين: 528/3 ح12.

4) من لا يحضره الفقيه: 1/ 209 ح632.

5) الخصال: 613 وسائل الشيعة: 477/5 ح7107.

6) وسائل الشيعة: 11/7 ح8576، مستدرك سفينة البحار: 367/10.

وبطناً فلم أجد فيهم أحداً أذلّ لي نفساً منك، يا موسى إنك إذا صليت وضعت خديك على التراب»(1).

(ولحوق البطون بالمتون من الصّيام تذلّلاً) فإن الجوع يلحق البطن بالمتن ويوجب ذلة النفس وقمعها عن الانهماك في الشهوات وزوال الأَشر والبطر والخيلاء عنها (مع ما في الزكاة من) علة أخرى لتشريعها وهو (صرف ثمرات الأَرض) من الغلات الأَربع (وغير ذلك) من الأَنعام الثلاثة والنقدين (إلى أهل المسكنة والفقر) المنصوص بهم في الكتاب الكريم بقوله (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) [التّوبَة: الآية 60] والمسكين أسوأ حالاً من الفقير.

روى في «الكافي» عن أبي بصير قال: قلت لأَبي عبد الله علیه السلام: قول الله عزّ وجلّ (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) [التّوبَة: الآية 60] قال علیه السلام: «الفقير الّذي لا يسأل الناس والمسكين أجهد منه والبائس أجهدهم، فكلّ ما فرض الله عليك فإعلانه أفضل من إسراره، وكلّ ما كان تطوّعاً فإسراره أفضل من إعلانه، ولو أن رجلاً يحمل زكاة ماله على عاتقه فقسمها علانية كان ذلك حسناً جميلاً»(2).

(انظروا إلى ما في هذه الأَفعال) وهي الصلاة والزكاة والصّيام (من قمع نواجم الفخر) أي إذلال ما تبدو وتظهر من خصال الفخر والخيلاء (وقدع طوالع الكبر) أي كف ما تطلع من آثار الكبر والاعتلاء.

وإن شئت مزيد المعرفة بأسرار هذه العبادات أعني الصّيام والصلاة والزكاة وبشرائطها وآدابها وعلل وجوبها وغير ذلك مما يتعلق بها، فعليك بمراجعة شرح «المختار» المائة والتسع، هذا.

ولما حذرهم علیه السلام من البغي والظلم والكبر أردفه بتوبيخهم على العصبيّة، والعناد من دون علة مقتضية لذلك فقال:

(ولقد نظرت فما وجدت أحداً من العالمين يتعصّب لشيء من الأَشياء إلا عن علة) مقتضية لتعصبه حاملة له عليه (تحتمل) وفي بعض النسخ تحمل (تمويه الجهلاء) أي تلبيس الأَمر عليهم حتّى يزعمون لمكان جهالتهم صحّة تلك العلة مع بطلانها في نفس الأَمر (أو حجة) ودليل (تليط بعقول السفهاء) أي تلتصق بعقولهم ويظنون بمالهم من السفاهة حقيتها مع أنها باطلة في الحقيقة (غيركم) فيقبلونها أي ما وجدت أحداً يتعصب بشيء إلا وجدت تعصّبه


1) من لا يحضره الفقيه: 332/1 ح975، علل الشرائع: 56/1 ح1.

2) الكافي: 501/3 ح 16، تهذيب الأحكام: 104/4 ح 297.

ناشئاً من علة غيركم. وبعبارة أخرى وجدت كلّ أحد يتعصّب لعلة إلاّ أنتم.

(فإنكم تتعصّبون لأَمر لا يعرف له سبب ولا علة) حاملة لتمويه الجهلاء وملتصقة بعقول السفهاء.

وليس المراد نفي مطلق السبب للعصبيّة، لما قد مر في شرح الفصل الأَوّل والثالث من الخطبة من أن سبب تعصّبهم وثوران الفتنة بينهم هو اعتزاء الجاهلية الّذي كان بينهم، وإنما المراد نفي سبب ذلك الاعتزاء، يعني أنكم تتعصّبون لأَمر وهو الاعتزاء ليس لذلك الأمر سبب معروف ظاهر مقبول ولو عند الجهال فإذا لم يكن للاعتزاء سبب مقبول تكون سببيّته للعصبيّة أيضاً سخيفة هيّنة، فيكون تعصبهم له بمنزلة التعصّب لا لعلة، هذا.

ولما ذكر إجمالاً أن تعصّب كلّ متعصّب من العالمين فإنّما العالمين فإنّما هو علة مقتضية له أراد تفصيل ذلك الإجمال بالإشارة إلى بعض علل التعصّب الناشيء من المتعصّبية فقال:

(أما إبليس) اللعين وهو رئيس المتعصّبين والمستكبرين (فتعصب على آدم لأَصله) واستكبر عليه بشرف جوهره على زعمه لكونه مخلوقاً من النار، (وطعن عليه في خلقته) لكونه مخلوقاً من الطين، ففضل نفسه عليه قياساً للفرع على الأَصل في الشرف والخسة، (فقال: أنا ناريّ وأنت طيني) فكانت علة تعصّبه أنه تعزز بخلقة النار واستوهن خلق الصلصال.

روى في «الكافي» عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إن الملائكة يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله أنّه ليس منهم فاستخرج ما في نفسه بالحميّة والغضب، فقال خلقتني من نار وخلقته من طين»(1).

وقد مرّ تفصيل الكلام في قياسه وبطلان قياسه في شرح الفصل الحادي عشر من «المختار» الأوّل وشرح الفصل الأوّل من هذا «المختار» الذي نحن بصدد شرحه، من أراد الاطلاع عليه فليراجع الفصلين.

(وأمّا الأغنياء من مترفة الأمم) أي الأمم المترفة وهم الذين أطغتهم النعمة أو المتنعمون الذين لا يمنع من تنعمهم أو المتروكون يصنعون ما يشاؤون ولا يمنعون (فتعصّبوا الآثار مواقع النعم).

قال المحدث العلامة المجلسي رحمه الله: مواقع النعم هي الأَموال والأَولاد، وآثارها هي الترفه والغنى والتلذذ بها(2).


1) الكافي: 2/ 308 ح6، شرح أصول الكافي: 322/9 ح6.

2) البحار: 481/14.

وبمثله قال الشارح البحراني حيث قال: مواقعها هي الأَموال والأَولاد، وآثار تلك المواقع هي الغنى والترفه بها والتنعم والالتذاذ وكان تعصّبهم لذلك وفخرهم به، ثمّ قال: ويحتمل أن يريد بالنعم الأَموال والأَولاد وبمواقعها وقوعها، فإنه كثيراً ما يريد بمفعل المصدر وآثارها هى الغنى والترفه كما قدّمنا.

وكيف كان فالمقصود أن تعصّب المترفين وتفاخرهم إنما كان بسبب كثرة الأَموال والأَولاد كما أقروا به، (فقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذّبين) وهو اقتباس من الآية الشريفة في سورة سبأ قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) [سَبَإ: الآيتان 34 و 35].

قال الطبرسي: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ) [سَبَإ: الآية 34] أي من نبي مخوف بالله تعالى: (وإِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا) [سَبَإ: الآية 34] أي جبابرتها وأغنياؤها المتنعمون فيها (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ) [سَبَإ: الآية 34] وفي هذا بيان للنّبي صلّی الله علیه و آله و سلّم أن أهل قريته جروا على منهاج الأوّلين وإشارة إلى أنه كان اتباع الأَنبياء فيما مضى الفقراء وأوساط الناس دون الأغنياء(1).

ثمّ بين سبحانه علّة كفرهم بأن قال: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا) [سَبَإ: الآية 35] أي افتخروا بأموالهم وأولادهم ظنّاً بأن الله سبحانه إنما خوّلهم المال والولد كرامة لهم عنده فقالوا إذا رزقنا وحرمتم فنحن أكرم منكم وأفضل عند الله تعالى فلا يعذّبنا على كفرنا بكم وذلك قوله: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ) [الشُّعَرَاء: الآية 138] ولم يعلموا أن الأَموال والأَولاد عطاء من الله تعالى يستحق به الشكر عليهم، وليس ذلك للإكرام والتفضيل، هذا.

ولمّا وبخهم على التعصبات الباطلة أرشدهم إلى التعصّبات المرغوبة في الشريعة فقال:

(فإن كان ولا بد من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال) وفي بعض النسخ لمكارم الأَخلاق والمعنى واحد، وقد مضى تفصيلها في شرح الفصل الثالث الخطبة السادسة والثمانين، وأقول هنا:

روى في «الوسائل» من الخصال عن الحسن بن عطية عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «المكارم عشر فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن فإنها تكون في الرجل ولا تكون في ولده، وتكون في ولده ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحرّ: صدق النّاس(2).


1) مجمع البيان: 220/8.

2) في نسخة: البأس.

وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، وإطعام السائل، والمكافأة على الصنائع، والتذمم للجار، والتذمم للصّاحب، ورأسهنّ الحياء»(1).

وفي «الوسائل» من معاني الأَخبار وأمالي الصّدوق عن حماد بن عثمان قال: جاء رجل إلى الصادق علیه السلام فقال: يا ابن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم أخبرني عن مكارم الأَخلاق فقال: «العفو عمّن ظلمك، وصلة من قطعك، وإعطاء من حرمك، وقول الحق ولو على نفسك»(2)(ومحامد الأَفعال).

روى في «الوسائل» من المجالس عن المفضل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد علیهم السلام إنّه قال: «عليكم بمكارم الأَخلاق، فإن الله عزّ وجل يحبّها، وإياكم ومذامّ الأفعال فإن الله عزّ وجل يبغضها، وعليكم بتلاوة القرآن «إلى أن قال» وعليكم بحسن الخلق فإنّه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم وعليكم بحسن الجوار فإن الله جل جلاله أمر بذلك، وعليكم بالسّواك فإنّه مطهرة وسنّة حسنة، وعليكم بفرائض الله فأدّوها ، وعليكم بمحارم الله فاجتنبوها»(3).

(ومحاسن الأمور الّتي تفاضلت فيها المجداء والنجداء) أي أولو الشرف والكرم والشجاعة (من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل) أي رؤسائها وساداتها وذلك:

مثل ما رواه في «الكافي» عن حبيب بن ثابت عن علي بن الحسين علیهم السلام قال: «لم يدخل الجنّة حميّة غير حميّة حمزة بن عبد المطلب، وذلك حين أسلم غضباً للنبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم»(4)في حديث السلام الذي ألقي على النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم فإنّ تعصبه للنبيّ صلّی الله علیه و آله و سلّم ودخوله في الإسلام إنما نشأ من فرط الغيرة والعصبية بمقتضى سؤدده و شرف نسبه وعلوّ حسبه وهكذا كان عادة الأشراف والأنجاد فإنهم إنّما كانوا يتعصبون ويتفاضلون (بالأَخلاق الرغيبة) المرغوب فيها (والأَحلام) أي العقول (العظيمة والأَخطار) أي الأَقدار والمراتب (الجليلة والآثار المحمودة).

وقد أشير إليها في الحديث النبوي صلّی الله علیه و آله و سلّم المروي في «الوسائل» قال: قال النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم إنّ خياركم أولو النّهى، قيل: يا رسول الله من أولو النهى؟ قال: هم أولو الأخلاق الحسنة، والأَحلام الرزينة، وصلة الأَرحام، والبررة بالأمهات والآباء، والمتعاهدون بالجيران واليتامى، ويطعمون الطعام ويفشون السلام في العالم ويصلّون والناس نيام غافلون.


1) الكافي: 56/2، الخصال: 431 ح 11.

2) الأمالي: 355 ح433، معاني الأخبار: 191 ح1.

3) الأمالي: 441، وسائل الشيعة: 200/15.

4) الكافي: 308/2 ح5، شرح أصول الكافي: 273/1.

ولما قال: فإن كان ولا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الأخلاق ومحامد الأَفعال نبّه على تفصيلها بقوله (فتعصبوا لخلال الحمد) أي للخصال المحمودة وأورد منها هنا عشراً:

الأولى ما أشار إليه بقول (من الحفظ للجوار) يحتمل أن يكون المراد به حسن المجاورة وحفظ حقوق الجيران.

ففي «الكافي» عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: حسن الجوار يعمر الدّيار وينسي الأعمار(1).

وعن أبي مسعود قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام: حسن الجوار زيادة في الأَعمار وعمارة الدّيار(2).

وفي «الوسائل» عن الصّدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عن علي علیهم السلام عن رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم في حديث المناهي قال: «من أذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنّة ومأواه جهنّم وبئس المصير، ومن ضيّع حقّ جاره فليس منّا، وما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورثه»(3).

قال بعض الأَعلام: ليس حسن الجوار كف الأَذى فقط، بل تحمل الأَذى منه أيضاً، ومن جملة حسن الجوار ابتداؤه بالسلام، وعيادته في المرض، وتعزيته في المصيبة، وتهنئته في الفرح، والصفح عن زلاته، وعدم التطلع على عوراته، وترك مضايقته فيما يحتاج إليه من وضع جذوعه على جدارك، وتسلط ميزابه إلى دارك وما أشبه ذلك.

ويحتمل أن يكون المراد بالجوار أن تعطي رجلاً ذمته وأماناً يكون بذلك جارك، قال الطريحي: وفي الحديث أيّما رجل نظر إلى رجل من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله أي في أمن لا يظلم ولا يؤذي وعلى هذا فمعنى الحفظ للجوار هو المحافظة على ما أعطيته من الذمام والقيام بلوازمه وعدم الإضاعة له.

(و) الثانية (الوفاء بالذمام) أي الوفاء بالعهد والأمان.

روى في «الوسائل» عن الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفليّ عن السكوني


1) شرح أصول الكافي: 153/11 ح7.

2) الكافي 66/22 ح7، وسائل الشيعة: 12/ 129 ح15846.

3) دعائم الإسلام: 88/2، من لا يحضره الفقيه: 13/4.

عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قلت له: ما معنى قول النّبي صلّی الله علیه و آله و سلّم: المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم؟ قال صلّی الله علیه و آله و سلّم: «لو أن جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل فقال: أعطوني الأَمان حتى ألقى صاحبكم وأناظره فأعطاه أدناهم الأَمان وجب على أفضلهم الوفاء به»(1).

وفيه عن الصّدوق بسنده عن حبة العرني قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام: من ائتمن رجلاً على دمه ثم خاس به فأنا من القاتل برىء وإن كان المقتول في النار(2).

(و) الثالثة (الطاعة للبرّ) قيل: البرّ اسم جامع للخير كلّه فيكون المراد من طاعته الانقياد له والإتيان بالخيرات، ويجوز أن يكون بمعنى البارّ أو بحذف المضاف أي لذي البرّ على حدّ قوله تعالى: (ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى) أي البار، أو ذو البر هو المتصف بالتقوى، وعلى هذا فالمراد بالطاعة للبرّ هو الطاعة للأَبرار المتقين.

(و) الرابعة (المعصية للكبر) أي المجانبة والمخالفة بالملازمة للتواضع وإنما عبر بلفظة المعصية لتقدم لفظ الطاعة وكونها في قبالها، فعبّر بها لحسن المجاورة ومراعاة للنظير وهو من محاسن البلاغة.

(و) الخامسة (الأخذ بالفضل) يجوز أن يراد بالفضل التفضل والإحسان على الغير وأن يراد به العمل الصالح وعلى أي تقدير فأخذه عبارة عن المواظبة عليه وبهما فسّر قوله سبحانه (ويمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله).

قال أمين الإسلام الطبرسي قيل: إنّ الفضل بمعنى التفضّل والإفضال أي ويؤت كلّ ذي إفضال على غيره بمال أو كلام أو عمل بيد أو رجل جزاء إفضاله، فيكون الهاء في فضله عائداً إلى ذي الفضل، وقيل: إن معناه يعط كلّ ذي عمل صالح فضله أي ثوابه على قدر عمله، فإن من كثرت طاعته في الدّنيا زادت درجاته في الجنّة وعلى هذا فالأَولى أن تكون الهاء في فضله عائداً إلى اسم الله.

أقول: ويرشد إلى المعنيين ما روى في «الكافي» عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين علیهم السلام قال: سمعته يقول: «إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأَولين والآخرين في صعيد واحد ثمّ ينادي مناد أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتلقّاهم الملائكة فيقولون: ما كان فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو


1) الكافي: 31/5، الخصال: 150 ح173.

2) تهذيب الأحكام: 175/6 ح349، وسائل الشيعة: 69/15.

عمن ظلمنا، قال: فيقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنّة».

(و) السادسة (الكف عن البغي) أي عن الظلم والاعتداء والاستطالة والعدول عن الحق.

روى في «الكافي» عن ابن القداح عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم إن أعجل الشرّ عقوبة البغي.

وعن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال: يقول إبليس لجنوده: ألقوا بينهم الحسد والبغي فإنّهما يعدلان عند الله الشرك.

أي يعدلانه في الإخراج من الدّين والعقوبة والتأثير في فساد نظام الخلق.

(و) السابعة (الإعظام للقتل) أي تعظيمه وعدّه عظيماً، والمراد قتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ فإنّه من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: الآية 93].

روى الصّدوق في عقاب الأَعمال عن جابر بن يزيد عن أبي عبد الله علیه السلام قال أوّل ما يحكم الله في القيامة في الدّماء فيوقف ابني آدم فيفصل بينهما، ثم الذين يلونهم من أصحاب الدّماء حتی لا یبقی منهم أحد، ثمّ الناس بعد ذلك فيأتي المقتول قاتله. فيشخب دمه في وجهه فيقول: هذا قتلني، فيقول أنت قتلته، فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً(1).

وعن سعيد الأَزرق عن أبي عبد الله علیه السلام في رجل قتل رجلاً يقال له: مت أي ميتة شئت إن شئت يهودياً وإن شئت نصرانياً وإن شئت مجوسیاً(2).

وعن أبي الجارود عن محمد بن علي صلوات الله عليهما قال: ما من نفس يقتل برّة ولا فاجرة إلاّ وهو يحشر يوم القيامة معلّقاً بقاتله بيده اليمنى ورأسه بيده اليسرى وأوداجه تشخب دماً يقول: يا رب سل هذا بم قتلني، وإن «فان ظ» كان قتله في طاعة الله عزّ وجلّ أثيب القاتل وذهب بالمقتول إلى النار، وإن كان في طاعة فلان قيل له: اقتله كما قتله، ثمّ يفعل الله فيهما مشيئته.

(و) الثامنة (الإنصاف للخلق) روى في «الكافي» عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام


1) المحاسن: 106/1 ح 88، الكافي: 27/7 ح2.

2) الكافي: 7/ 273 ح59، من لا يحضره الفقيه: 574/3 ح4962.

قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: سيّد الأَعمال إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأَخ في الله، وذكر الله على كلّ حال.

وعن أبي حمزة الثمالي عن عليّ بن الحسين علیهم السلام قال كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول في آخر خطبته: طوبى لمن طاب خلقه وطهرت سجيّته وصلحت سريرته وحسنت علانيته وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، وأنصف الناس من نفسه.

وعن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام في كلام له: إلا أنه من ينصف الناس من نفسه لم يزده الله إلاّ عزّاً.

وعن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله علیه السلام قال: ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله عزّ وجلّ يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب رجل لم تدعه قدرته في حال في غضبه إلى أن يحيف على من تحت يده، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة، ورجل قال بالحق فيماله وعليه.

(و) التاسعة (الكظم الغيظ) روى في «الكافي» عن مالك بن حصين السكوني قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: ما من عبد كظم الغيظ إلا زاده الله عزّ وجلّ عزّاً في الدنيا والآخرة، وقد قال الله عزّ وجل: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: الآية 134] وأثابه الله مكان غيظه ذلك.

وعن سيف بن عميرة قال حدثني من سمع أبا عبد الله علیه السلام يقول: من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأَ الله قلبه يوم القيمة رضاه.

وعن عبد الله بن منذر عن الوصافي عن أبي جعفر علیه السلام قال: من كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه حشا الله قلبه أمناً وإيماناً یوم القيامة.

(و) العاشرة (اجتناب الفساد في الأََرض) وهو الدّعوة إلى عبادة غير الله أو أخذ المال وقتل النفس بغير حق أو العمل بالمعاصي، وبها جميعاً فسّر قوله سبحانه: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: الآية 83] هذا.

ولما أمرهم بأخذ مكارم الخصال ومحامد الأفعال وأن يكون تعصّبهم لها أردفه بالتحذير عن مذام الأَفعال وذمائم الأَعمال بالتنبيه على سوء ما نزل بآخذيها من العذاب الأَليم والخزي العظيم وهو قوله:

(واحذروا ما نزل بالأمم) السابقين (قبلكم من المثلات) والعقوبات (بسوء الأَفعال وذميم الأَعمال) أي سوء أفعالهم وذميم أعمالهم.

(فتذكّروا في الخير والشرّ أحوالهم) أي تذكّروا اختلاف حالاتهم ولاحظوا تفاوتها في الخير الناشيء من الأخذ بصالح الأعمال واللّزوم للائتلاف والاتفاق، والشرّ الناشيء من الأخذ بسوء الأفعال وسلوك مسلك العناد والافتراق.

(واحذروا أن تكونوا أمثالهم) بأن ينزل عليكم المثلاث أيضاً بسوء أفعالكم وذميم أعمالكم.

(فإذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم) بالخير والشر والنعمة والنقمة.

(ف)اسلكوا مسلك الخير و(الزموا كل أمر لزمت العزة به حالهم) أي شأنهم (وزاحت الأَعداء له عنهم) أي زالت وبعدت أعداؤهم عنهم لأَجل ذلك الأَمر (ومذت العافية فيه عليهم) أي انبسطت وجرت العافية عليهم لأَجله والعافية هو كف أذى النّاس عنهم وكف أذاهم عن النّاس (وانقادت النعمة له معهم) لكونه سبباً معداً لإفاضة النعم عليهم (ووصلت الكرامة عليهم حبلهم) قال البحراني: استعار لفظ الوصل لاجتماعهم عن كرامة الله لهم حال كونهم على ذلك الأَمر ورشح بذكر الحبل.

(من الاجتناب للفرقة واللزوم للألفة) بيان للأَمر الموجب لعزّتهم ولسائر ما تقدم من الخصائص الأَربعة يعني أن الأمر الذي لزمت العزّة به شأنهم هو التجنب من الاختلاف والافتراق واللزومُ للمحبة والائتلاف (والتحاضّ) أي الحث والترغيب من الطرفين (عليها والتواصي) أي وصية بعضهم بعضاً (بها) أي بتلك الألفة.

واتركوا مسلك الشر (واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم) أي ظهرهم (وأوهن منتهم) أي قوتهم.

(من تضاغن القلوب) يعني أن الأمر الموجب لكسر ظهرهم هو انطواء قلوبهم على الحقد (وتشاحن الصّدور) أي تباغضها وإعلانها بالعداوة (وتدابر النفوس) أي تقاطعها ومصارمتها وهجران بعضها عن بعض وأصله أن من يعادي أحداً يولّيه دبره بعداوته ويعرض عنه بوجهه (وتخاذل الايدي) أي لا ينصر بعضهم بعضاً، وإضافة التخاذل إلى الأَيدي لأَن الأَغلب أن يكون التناصر بها.

ولما ذكر على وجه العموم أن كل أمة من الأُمم السابقة ترافدت أيديهم وتناصروا وتعاونوا كان ذلك سبباً لعزّتهم وإبعاد الأعداء عنهم، وكلّ أمّة افترقوا وتقاطعوا استلزم ذلك ذلّهم وكسر شوكتهم وضعف قوّتهم، عقبه بتذكير حال خصوص المؤمنين الماضين، وأن اجتماع كلمتهم جعلهم ملوكاً أقطار الأَرضين واختلافها أوجب خلع لباس العزّ عنهم وكونهم مقهورين بعد ما كانوا قاهرين وهو قوله:

(وتدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء) أي حال الاختبار والابتلاء (ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء) أي أثقالاً (وأجهد العباد بلاء وأضيق أهل الدّنيا حالاً) وبيّن شدة ابتلائهم وضيق حالهم بقوله:

(اتخذتم الفراعنة عبيداً) والمراد بهم إما فراعنة مصر كما سنشير إليه وتقدّم ذكرهم في شرح الفصل الثاني من الخطبة المائة والإحدى والثمانين ويدلّ عليه صريحاً.

ما في «البحار» من تفسير القميّ عن أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى: (وقَالَ مُوسَى) [الأعراف: الآية 104] - إلى قوله - (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةَ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [يُونس: الآية 85] فإن قوم موسى علیه السلام لاستعبدهم آل فرعون وقالوا: لو كان لهؤلاء على الله كرامة لما يقولون ما سلطنا عليهم، الحديث(1).

أو مطلق العتاة كما قال الشارح المعتزلي: (فساموهم) أي كلّفوهم وأذاقوهم (سوء العذاب وجرعوهم جرع المرار) أي سقوهم المرار جرعة بعد جرعة، ويستعار شرب المرار لكل من يلقي شديد المشقة.

والمراد بسومهم سوء العذاب إمّا خصوص ذبح الأَبناء وترك البنات، فيكون جرع المرار إشارة إلى سائر شدائدهم، أو الأَعم منه ومن سائر أعماله الشاقة، فيكون عطف وجرّعوهم جرع المرار، من قبيل عطف المسبّب على السبب، يعني أنهم عذّبوهم بسوء العذاب من الذّبح وغيره، فأشربوهم بسبب ذلك التعذيب جرع المرار إلى كلّ من المعنيين ذهب المفسّرون في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) [البقرة: الآية 49].

قال أمين الإسلام الطبرسي: فرعون اسم لملك العمالقة كما يقال لملك رومُ قيصر، ولملك الفرس كسرى، ولملك الترك خاقان، ولملك اليمن تبّع، فهو على هذا بمعنی الصفة، وقيل: إن اسم فرعون مصعب بن الرّيان، وقال محمد بن إسحاق هو الوليد بن مصعب.

قال الطبرسي: فصل سبحانه في هذه الآية النعمة الّتي أجملها فيما قبل فقال: واذكروا إذ نجيّناكم أي خلصناكم، من قوم فرعون وأهل دينه، يسومونكم يلزمونكم سوء العذاب، وقيل: يذيقونكم ويكلّفونكم، ويعذّبونكم، والكلّ متقارب واختلفوا في العذاب الذي نجّاهم الله منه فقال بعضهم: ما ذكر في الآية من قوله يذبّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وهذا تفسيره(2).


1) بحار الأنوار: 13/ 106 ح2، وتفسير القمي: 314/1.

2) مجمع البيان: 384/1 ح743.

وقيل: أراد به ما كانوا يكلّفونهم من الأَعمال الشاقة، فمنها أنهم جعلوهم أصنافاً فصنف بخدموهم، وصنف يحرثون لهم، ومن لا يصلح منهم للعمل ضربوا عليهم الجزية وكانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم مع ذلك، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة إبراهيم: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) [إبراهيم: الآية 6] فعطفه على ذلك يدلّ على أنه غيره، ومعناه يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم يستبقونهن ويدعونهن أحياء ليستعبدون وينكحن على وجه الاسترقاق، وهذا أشد من الذبح، وفي ذلكم أي في سومكم العذاب وذبح الأَبناء ابتلاء عظيم من ربّكم، لما خلى بينكم وبينه حتى فعل بكم هذه الأَفاعيل.

والسّبب في قتل الأَبناء أن فرعون رأى في منامه كان ناراً أقبلت من بيت المقدّس حتى اشتملت على بيوت مصر فاحترقتها واحترقت القبط وتركت بني إسرائيل، فهاله ذلك ودعا السّحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه، فقالوا إنه يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك وتبديل دينك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، وجمع القوابل فقال لهن لا يسقط في أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلاّ قتل، ولا جارية إلاّ تركت ووكل بهنّ، فكن يفعلن ذلك وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل، فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل فيذبح صغارهم ويموت كبارهم ويوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة الّتي لا يذبحون فيها فترك، وولد موسى في السنّة الّتي يذبحون فيها.

وفي «البحار» عن الثعلبي في كتاب عرائس المجالس لما مات الريان بن الوليد فرعون الأَول صاحب يوسف علیه السلام وهو الذي ولى يوسف خزائن أرضه وأسلم على يديه، فلما مات ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب يوسف الثاني، فدعاه يوسف علیه السلام إلى الإسلام فأبى، وكان جبّاراً وقبض الله تعالى يوسف علیه السلام في ملكه ثم هلك وقام بالملك بعده أخوه أبو العباس بن الوليد بن مصعب بن الريان بن أراشة بن مروان بن عمرو بن أراشة بن مروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوز بن سام بن نوح علیه السلام، وكان أعتى من قابوس وأكبر وأفجر، وامتدّت أيام ملكه وأقام بنو إسرائيل بعد وفاة يوسف وقد نشروا وكثروا وهم تحت أيدي العمالقة وهم على بقايا من دینهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم علیهم السلام شرعوا فيهم من الإسلام متمسكين به، حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه ولم يكن منهم فرعون أعتى على الله ولا أعظم قولاً ولا أقسى قلباً ولا أطول عمراً في ملكه ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل، منه وكان يعذّبهم ويستعبدهم فجعلهم خدماً وخولاً وصنفهم في أعماله فصنف يبنون وصنف يحرسون، وصنف يتولون الأعمال القذرة ومن لم يكن من أهل العمل فعليه الجزية كما قال تعالى: (يَسُومُونَكُمْ

سُوءَ الْعَذَابِ) البَقَرَة: الآية 49](1).

(فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة) أي لم يزالوا أذلاء هالكين مقهورين مغلوبين في أيدي الفراعنة وأتباعهم (لا يجدون حيلة في امتناع) منهم (ولا سبيلا إلى دفاع عنهم).

(حتى إذا) طالت المدّة وبلغت الغاية المشقة والشّدة و(رأى الله سبحانه جد الصبر منهم) أي رأى منهم أنهم مجدّون في الصّبر (على الأذى في محبته والاحتمال) أي التحمل (للمكروه من خوفه) وخشيته.

(جعل لهم من مضائق البلاء فرجاً) ومن سوء العذاب مخرجاً (فأبدلهم العز مكان الذل والأَمن مكان الخوف) كما قال عزّ من قائل (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: الآية 137] وقال أيضاً: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ، وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [الدخان: الآيات 30 - 32] أي نجّينا الذين آمنوا بموسى علیه السلام من العذاب المهين، يعني قتل الأبناء واستخدام النساء وتكليف المشاق والاستعباد بعد سنين متطاولة ومدد متمادية.

روى الصّدوق في كتاب «كمال الدّين وإتمام النعمة» عن سعيد بن جبير عن سيّد العابدين علي بن الحسين عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن علي عن أبيه سيد الوصيّين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیهم السلام قال: «قال رسول صلّی الله علیه و آله و سلّم: لما حضرت يوسف الوفاة جمع شيعته وأهل بيته فحمد الله وأثنا عليه ثم حدثهم بشدّة تنالهم تقتل فيها الرجال وتشق بطون الحبالى وتذبح الأَطفال حتى يظهر الله في القائم من ولد لاوي بن يعقوب وهو رجل أسمر طوال ونعته لهم بنعته فتسمّكوا بذلك، ووقعت الغيبة والشدة على بني إسرائيل وهم ينتظرون قيام القائم أربع مائة سنة حتّى إذا بُشّروا بولادته ورأوا علامات ظهوره واشتدّت البلوى وحمل عليهم بالحجارة «بالخشب والحجارة خ ل»(2).

وطلب الفقيه الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر، وراسلهم «وطلبوا خ ل» فقالوا کنا مع الشدّة نستريح إلى حديثك، فخرج بهم إلى الصحارى وجلس يحدثهم حديث القائم ونعته وقرب الأَمر، وكانت ليلة قمراء.


1) بحار الأنوار: 51/13، وتفسير القرطبي: 1/ 384.

2) قصص الأنبياء: 256.

فبيناهم كذلك حتّى طلع عليهم موسى علیه السلام وكان في ذلك الوقت حدث السّن قد خرج من دار فرعون يظهر النزهة، فعدل عن موكبه وأقبل إليهم وتحته بغلة وعليه طيلسان خزّ.

فلمّا رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام إليه وانكب على قدمه فقبّلها ثمّ قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتّى أرانيك، فلما رأى الشيعة ذلك علموا أنّه صاحبهم فأكبوا على الأَرض شكر الله عزّ وجلّ فلم يزدهم على أن قال: أرجو أن يعجّل الله فرجكم.

ثمّ غاب بعد ذلك وخرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب علیه السلام ما أقام فكانت الغيبة الثانية أشدّ عليهم من الأولى، وكانت نيفاً وخمسين سنة، واشتدّت البلوى عليهم.

واستتر الفقيه فبعثوا إليه أنه لا صبر لنا على استتارك عنّا، فخرج إلى بعض الصحارى واستدعاهم وطيّب نفوسهم وأعلمهم أن الله عز وجل أوحى إليه أنّه مفرّج عنهم بعد أربعين سنة، فقالوا بأجعمهم: الحمد لله، فأوحى الله عزّ وجل إليه قل لهم قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد لله، فقالوا : كلّ نعمة من الله، فأوحى الله إليه قل لهم: قد جعلتها عشرين سنة، فقالوا: لا يأتي بالخير إلا الله، فأوحى الله تعالى إليه قل لهم: قد جعلتها عشراً. فقالوا: لا يصرف السوء إلاّ الله، فأوحى الله إليه قل لهم: لا تبرحوا فقد أذنت لكم في فرجكم.

فبيناهم كذلك إذ طلع موسى علیه السلام راكباً حماراً فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به فيه، وجاء موسى علیه السلام حتّى وقف عليهم فسلّم عليهم فقال له الفقيه: ما اسمك؟ قال: موسی، قال: ابن من؟ قال ابن عمران، قال: ابن من؟ قال: ابن فاهت بن لاوى بن يعقوب، قال: بماذا جئت؟ قال: جئت بالرسالة من عند الله عزّ وجل، فقام إليه فقبّل يده ثمّ جلس بينهم فطيّب نفوسهم وأمرهم أمره ثم فرقهم، فكان بين ذلك الوقت وبين فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة.

(فصاروا) أي المؤمنون بعد غرق فرعون وجنوده (ملوكاً حكاماً وأئمة أعلاماً) كما يدل عليه قوله سبحانه في سورة القصص (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) [القصص: الآية 5].

قال الطبرسي: المعنى أن فرعون كان يريد إهلاك بني إسرائيل وإفنائهم ونحن نريد أن نمن عليهم ونجعلهم أئمة أي قادة ورؤساء في الخير يقتدى بهم عن ابن عباس، وقيل: نجعلهم ولاة وملوكاً عن قتادة، وهذا القول مثل الأَوّل، لأن الذين جعلهم الله ملوكاً فهم أئمة ولا يضاف إلى الله سبحانه ملك من يملك الناس ظلماً وعدواناً، وقد قال سبحانه (فَقَدْ

اتَيْنَا وَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَب وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَهُم مُلكًا عَظِيمًا) [النساء: الآية 54] والملك من الله هو الذي يجب أن يطاع فالأَئمة على هذا ملوك مقدّمون في الدين والدّنيا يطأ الناس أعقابهم.

وفي سورة المائدة: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) [المائدة: الآية 20] أي اذكروا نعمة الله وأياديه لديكم إذ جعل فيكم أنبياء يخبرون بالغيب وتنصرون على الأعداء ولم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، وقيل: هم الأنبياء الذين كانوا بعد موسى علیه السلام مقيمين فيهم إلى زمن عيسى علیه السلام مبينون لهم أمر دينهم، وجعلكم ملوكاً أي جعل منكم أوفيكم، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون، وقيل: لما كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم وجعلهم مالكين لأَنفسهم وأمورهم سماهم ملوكاً، وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمین، من فلق البحر وتظليل الغمام والمنّ والسّلوى وغيرها مما أكرمهم الله تعالی به.

(و) قد (بلغت الكرامة من الله لهم ما) أي إلى مقدار (لم تذهب الآمال إليه بهم) أي إلى ذلك المقدار، يعني بلغت كرامة الله لهم إلى غاية الغايات وفوق ما يأمله الآملون ويرجوه الراجون، حيث آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين.

ولذلك منّ الله عليهم في موضعين من سورة البقرة بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البَقَرَة: الآية 47] وذلك إن الله سبحانه فلق لهم البحر وأنجاهم من فرعون وأهلك عدوّهم وأورثهم ديارهم وأموالهم وأنزل عليهم التوراة فيها تبيان كلّ شيء يحتاجون إليه وأعطاهم ما أعطاهم في التيه، وذلك أنهم قالوا أخرجتنا من العمران والبنيان إلى مفازة لا ظلّ فيها ولا كنَّ فأنزل الله عليهم غماماً أبيض رقيقاً ليس بغمام المطر أرق وأطيب وأبرد منه فأظلّهم وكان يسير معهم إذا ساروا، ويدوم عليهم من فوقهم إذا نزلوا، فذلك قوله تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) [البَقَرَة: الآية 57] يعني في التيه تقيكم من حرّ الشمس.

ومن جملة كرامته تعالى لهم أنه جعل لهم عموداً من نور يضيء لهم بالليل إذ لم يكن ضوء القمر، فقالوا: هذا الظل والنور قد حصل فأين الطعام فأنزل الله تعالى عليهم المنّ.

واختلفوا فيه ففي تفسير الإمام هو الترنجبين وبه قال الضحاك، وقال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على الأَشجار وطعمه كالشهد، وقال وهب: هو الخبز الرقاق، وقال السّدي: هو عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه، وقال عكرمة: هو شيء أنزله عليهم مثل الربّ الغليظ.

وقال الزجاج: جملة المنّ ما يمنّ الله به مما لا تعب فيه ولا نصب فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المنّ حلاوته فادع لنا ربّك يطعمنا اللحم فأنزل الله عليهم السّلوى.

اختلفوا فيه أيضاً ففي تفسير الإمام هو السماني أطيب طير لحماً يسترسل لهم فيصطادونه، وقال ابن عباس والأكثر: هو طائر يشبه السّماني، وقال أبو العالية ومقاتل: هو طير أحمر وكانت السّماء تمطر عليهم ذلك، وقيل: كانت طيراً مثل فراخ الحمام طيّباً وسميناً قد تمعط ريشها وزغبها فكانت الريح تأتي بها إليهم فيصبحون وهو في معسكرهم.

ومن جملة كراماته لهم أنهم عطشوا في التيه فقالوا يا موسى من أنزلنا الشراب. فاستسقى لهم موسى، فأوحى الله سبحانه أن أضرب بعصاك الحجر، قال ابن عبّاس: كان حجراً خفيفاً مربعاً مثل رأس الرّجل أمر أن يحمله فكان يضع في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء ألقاه وضرب بعصاه فسقاهم، وكان يسقي كلّ يوم ست مائة ألف.

ومنها أنهم قالوا لموسى: من أين لنا اللباس فجدّد الله لهم ثيابهم التي كانت عليهم حتّى لا تزيد على كرور الأَيام ومرور الأَعوم إلاّ جدة وطراوة لا تخلق ولا تبلى، وقد مضى تفصيل التيه في شرح الخطبة المائة والخامسة والسّتين، هذا.

ولما أمر بالتدبر في أحوال المؤمنين الماضين وتبدّل ذلّهم بالعزّ وخوفهم بالأَمن وانتقالهم من عبوديّة الفراعنة إلى الملك والسلطنة، وبلوغهم من كرامة الله إلى ما لم تذهب إليه الآمال، عقّبه بالأمر بالنظر في حالهم والتّنبيه على أن المستلزم لتلك الخيرات كلّها إنما کان هو الألفة والاجتماع، وأنهم ما دامت كلمتهم متفقة وقلوبهم مؤتلفة كان العزّ والسلطنة فيهم مستقرّة، ولمّا اختلفت الآراء وتفتّتت الأَهواء عاد جمعهم إلى الشتات وعزهم إلى البتات، فأبدلوا الذّل مكان العزّ، والخوف مكان الأَمن وصار مآل أمرهم عبراً للمعتبرين وتذكرة للمتدبّرين وهو قوله:

(فانظروا كيف كانوا) في مبدء أمرهم بعد الخلاص من استرقاق الفراعنة (حيث كانت الإملاء) أي الجماعات والإشراف (مجتمعة والأَهواء مؤتلفة والقلوب معتدلة) محفوظة من الميل إلى طرف الإفراط أو التفريط (والأيدي مترادفة) أي مترافدة متعاونة (والسّيوف متناصرة) نسبة التناصر إلى السيوف من باب التوسع والإسناد إلى السبب (والبصائر نافذة) أي ماضية غير متردّدة فإنّ من نفذت بصيرته في أمر لا يبقى له تردّد فيه لعلمه به وتحققه إياه (والعزائم واحدة) أي الإرادات الجازمة اللازمة على طلب الحق متفقة.

(ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين وملوكاً على رقاب العالمين) الاستفهام للتقرير بما

بعد النفي والمقصود التنبيه على أنهم صاروا ملوكاً وأرباباً بسبب اتصافهم بشؤون الألفة، وملازمتهم لمراسم المحبّة فأمر المخاطبين بالنظر في حالهم ليقتفوا آثارهم في الايتلاف والاجتماع، فينالوا به الفوز العظيم، ثمّ أمرهم بالنظر إلى مآل أمرهم فقال:

(فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم) واحذروا أن تكونوا مثلهم في النفاق والافتراق فتقعوا في مهواة الذّلة ومفازة الهلكة، فإنهم (حين وقعت الفرقة وتشتّتت) أي تفرقت (الألفة واختلفت الكلمة والأفئدة وتشعبوا) أي صاروا شعوباً وقبائل حال كونهم (مختلفين وتفرقوا متحاربين) وفي بعض النسخ متحزبين أي اختلفوا أحزاباً (قد خلع الله عنهم) بسبب التفرق والاختلاف (لباس كرامته) وعزته (وسلبهم غضارة نعمته) أي طيبها ولذّتها (وبقي قصص أخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين منكم).

ومحصّل ما ذكره علیه السلام أنهم خلعوا من لباس الكرامة وسلبوا من غضارة النعمة، ونزعوا من الملك والسلطنة بسبب افتراق الكلمة واختلاف الآراء وتفرقهم بالحرب والبغي والفساد وسفك الدماءِ فضربت عليهم الذّلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيّين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.

وإلى ذلك أشير في قوله سبحانه في سورة المائدة : (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) [المائدة: الآية 32] قال الباقر علیه السلام: «المسرفون هم الذين يستحلّون المحارم ويسفكون الدماء».

وفي الجاثية (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [الجَاثِيَة: الآيتان 16 و 17] (إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) [آل عمران: الآية 19].

وفي سورة الإسراء: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) [الإسراء: الآيات 4 - 7].

قال البيضاوي: وقضينا إلى بني إسرائيل أوحينا إليهم وحياً ومقضيّاً في التوراة، لتفسدنّ في الأَرض إفسادتين أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياً وقتل أرمياً، وثانيتهما قتل

زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى علیه السلام، فإذا جاء وعد عقاب أوليهما بعثنا عليكم عباداً لنا بخت النصر عامل لهراسف على بابل وجنوده، وقيل جالوت، وقيل سحاريب من أهل نينوى، أولي بأس شديد ذوي قوّة وبطش في الحرب شدید، فجاسوا تردّدوا لطلبكم، خلال الديار وسطها للقتل والغارة، قتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرّقوا التوراة وخربوا المساجد، ثمّ رددنا لكم الكرّة أي الدّولة والغلبة عليهم على الذين بعثوا عليكم، وذلك بأن ألقى الله في قلب بهمن بن اسفنديار لما ورث الملك من جدّه كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم، فرد أسراءهم إلى الشام وملك دانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها من اتباع بخت نصر، بأن سلّط داود على جالوت فقتله وجعلناكم أكثر نفيراً، مما كنتم والنفير من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفروهم المجتمعون للذهاب، فإذا جاء وعد الآخرة، وعد العقوبة الآخرة ليسؤوا وجوهكم أي بعثناهم ليسؤوا وجوهكم ليجعلوها بادية آثار المساءة فهيا، وليتبرّوا ليهلكوا ما علوا ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم، تتبيراً وذلك بأن سلّط الله عليهم الفرس مرّة أخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه جورز وقيل جردوس.

قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دماً يغلي، فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منّا فقال: ما صدقتموني فقتل عليه الوفا منهم فلم يهدأ الدّم، ثمّ قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحداً، فقالوا: إنّه دم يحيى علیه السلام، فقال: لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، ثم قال: يا يحيى قد علم ربّي وربك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقى أحداً منهم، فهداً.

وفي «البحار» من قصص الأَنبياء بالإسناد إلى الصّدوق بإسناده إلى وهب بن منبه قال: كان بخت نصر منذ ملك يتوقع فساد بني إسرائيل يعلم أنه لا يطيقهم إلا بمعصيتهم، فلم يزل يأتيه العيون بأخبارهم حتى تغيّرت حالهم وفشت فيهم المعاصي وقتلوا أنبياءهم وذلك قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ) [الإسراء: الآية 4] إلى قوله: (فإذا جاء وعد أوليهما) يعني بخت نصر وجنوده أقبلوا فنزلوا بساحتهم(1).

فلما رأوا ذلك فزعوا إلى ربّهم وتابوا وصابروا على الخير وأخذوا على أيدي سفهائهم وأنكروا المنكر وأظهروا المعروف فردّ الله لهم الكرة على بخت نصر وانصرفوا بعد ما فتحوا المدينة، وكان سبب انصرافهم أن سهماً وقع في جبين فرس بخت نصر فجمح به حتى أخرجه من باب المدينة.


1) قصص الأنبياء: 224.

ثم إن بني إسرائيل تغيّروا فيما برحوا حتّى كر عليهم وذلك قوله تعالى: (فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم) فأخبرهم أرميا أن بخت نصر يتهيّأ بالمسير إليكم وقد غضب الله عليكم وأن الله تعالى جلّت عظمته يستتيبكم لصلاح آبائكم ويقول هل وجدتم أحداً عصاني فسعد بمعصيتي أم هل علمتم أحداً أطاعني فشقي بطاعتي، وأمّا أحباركم ورهبانكم فاتخذوا عبادي خولاً يحكمون فيهم بغير كتابي حتى أنسوهم ذكرى، وأما ملوككم وأمراؤكم فيطروا نعمتي فغرتهم الحياة الدنيا، وأمّا قراؤكم وفقهاؤكم فهم منقادون للملوك يبايعونهم على البدع ويطيعونهم في معصيتي، وأما الأولاد فيخوضون مع الخائضين، وفي كلّ ذلك ألبسهم العافية فلأبدلنّهم بالعزّ ذلاً وبالأمن خوفاً إن دعوني لم أجبهم، وإن بكوا لم أرحمهم.

فلما بلّغهم ذلك نبيّهم كذّبوه وقالوا: وقد أعظمت الفرية على الله تزعم أن الله معطل مساجده من عبادته، فقيدوه، وسجنوه.

فأمر بخت نصر وحاصرهم سبعة أشهر حتى أكلوا خلاهم وشربوا أبوالهم، ثمّ بطش بهم بطش الجبّارين بالقتل والصّلب والإحراق وجدع الأنوف ونزع الأَلسن والأنياب ووقف النساء.

فقيل له: إنّ لهم صاحباً كان يحذرهم بما أصابهم، فاتهموه وسجنوه، فأمر بخت نصر فأخرج من السجن فقال له: أكنت تحذر هؤلاء؟ قال: نعم قال: وأنى علمت ذلك؟ قال: أرسلني الله به إليهم، قال: فكذبوك وضربوك؟ قال: نعم، قال: لبئس القوم قوم ضربوا نبيّهم وكذبوا رسالة ربّهم فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وإن أحببت أن تقيم في بلادك أمنتك؟ قال أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا من أمانه لم يخافوك.

فأقام أرميا علیه السلام مكانه بأرض إيليا وهي حينئذ خراب وقد هدم بعضها فلما سمع به من بقي من بني إسرائيل اجتمعوا فقالوا عرفنا أنّك نبيّنا فانصح لنا، فأمرهم أن يقيموا معه، فقالوا: ننطلق إلى ملك مصر نستجير، فقال أرمياً علیه السلام: إن ذمّة الله أوفى الذمم، فانطلقوا وتركوا أرميا، فقال لهم الملك: أنتم في ذمتي.

فسمع ذلك بخت نصر فأرسل إلى ملك مصر ابعث بهم إلي مصفدين وإلا آذنتك بالحرب، فلما سمع أرميا علیه السلام بذلك أدركته الرحمة لهم فتبادر إليهم لينقذهم، فورد عليهم وقال: إن الله تعالى جلّ ذكره أوحى إليّ أني مظهر بخت نصر على هذا الملك وآية ذلك أنه تعالى أراني موضع سرير بخت نصر الذي يجلس عليه بعد ما يظفر بمصر، ثم عمد فدفن أربعة أحجار في ناحية من الأَرض.

فصار إليهم بخت نصر فظفر بهم وأسرهم، فلما أراد أن يقسم الفيء ويقتل الأسارى ويعتق منهم كان منهم أرميا فقال له بخت نصر: أراك مع أعدائي بعدما عرضتك له من الكرامة، فقال أرمياً علیه السلام: أني جئتم مخوفاً أخبرهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك هذا وأنت بأرض بابل، ارفع سريرك فإن تحت كلّ قائمة من قوائمه حجراً دفنته بيدي وهم ينظرون، فلما رفع بخت نصر سريره وجد مصداق ما قال، فقال لارميا: إني لأقتلنهم إذ كذبوك ولم يصدّقوك، فقتلهم ولحق بأرض بابل.

الترجمة

پس بترسید از خدا در عذاب دنیوی بغى، وعذاب اخروی سنگینی ظلم، و بدی عاقبت کبر، پس بدرستی که اینها اسباب شکار بزرگ شیطان است، و حیله بزرگتر او که میجهد در قلبهای مردان مثل جستن زهرهای کشنده، پس عاجز نمیشود هرگز، و خطا نمی کند از مقتل أحدى، نه از اهل علم بجهت علم خود، ونه از فقیر پوشیده در لباس فقر خود.

و از اینست نگاه داشتن خداوند بندگان مؤمنان خود را بوسیله نمازهاوزکاتها و جدوجهد روزه گرفتن در أیامی که فرض شده اند بجهت ساکن کردن اعضا و جوارح ایشان، و خاشع نمودن چشمهای ایشان، و رام گردانیدن نفسهای ایشان، و پست ومتواضع فرمودن قلبهای ایشان، و بیرون بردن تجبر از ایشان برای آنکه در این مذکوراتست از مالیدن رخسارهای شریفه بخاک از جهت تواضع، و از چسباندن اعضاء کریمه بزمین از جهت حقارت، و از ملحق شدن شکمها بپشتها در روزه گرفتن از جهت ذلّت، علاوه بآنچه در زكاة است از صرف کردن میوهای زمین و غیر آن بسوی درویشان و فقیران نظر نمائید بسوی آنچه در این اعمال است از ذلیل ساختن ظاهر شوندهای فخر، و از نگاه داشتن از طلوع کنندهای کبر.

و بتحقيق نظر کردم بنظر بصیرت پس نیافتم أحدى را از أهل عالم که تعصب کند برای چیزی از چیزها مگر بجهت علّتی که حامل اشتباه کاری جاهلان شود

و بجهت دلیلی که چسبد بعقلهای سفیهان بغیر از شما، پس بدرستیکه شما تعصّب مینمائید بجهت چیزیکه شناخته نمیشود از برای آن هیچ سبب و علتی.

أما شيطان ملعون پس تعصّب کرد و تکبر نمود بجناب آدم علیه السلام بجهت أصل خود که آتش بود، وطعن کرد بر او در خلقت او، پس گفت بآدم علیه السلام: من از آتش خلق شده ام و تو از گل آفریده شدۀ، و امّا توانگران از متنعّمان امّتهاپس تعصّب کردند بجهت آثار وقوع نعمتها پس گفتند ما بیشتریم از حیثیت اموال و اولاد و نیستیم ما عذاب شدگان.

پس اگر لابدّ شود از عصبیت پس باید که شود عصبيتها بجهت مکارم اخلاق و کارهای پسندیده و امورات نیکو که تفاخر میکردند در آنها صاحبان مجدت و نجدت از خانوادهای عربها و رئیسان قبیلها بخلقهای مرغوبه، و عقلهای بزرگ و مرتبه های بلند، و اثرهای پسندیده.

پس تعصّب نمائید بخصلتهاي ستوده از محافظت حقّ همسایگی، ووفانمودن بعهد وأمان، واطاعت نمودن نیکو کار، و مخالفت نمودن کبر، و فرا گرفتن فضل و باز ایستادن از بغی، و بزرگ شمردن کشتن ناحق، و انصاف کردن از برای خلق و فرو خوردن خشم نزد فوران غضب، و پرهیز کردن از فساد در زمین.

وبترسید از چیزی که نازل شد بامُتها که پیش از شما بودند از عقوبتها بسبب بدى فعلها ورشتي عملها، پس متذکر باشید در نیکی و بدى أحوال ايشان را، وحذر نمایید از آنکه باشید امثال ایشان، پس وقتی که تفکر کردید در تفاوت دو حالت ایشان یعنی حالت خوب و حالت بد ایشان.

پس لازم شوید هر کاری را که لازم شد بسبب آن کار عزّت بحال ایشان و دور شد دشمنان بجهت آن کار از ایشان و ممدود شد رستگاری در آنکار بایشان، و منقاد شد نعمت از برای آنکار با ایشان، ووصل کرد کرامت و بزرگواری بر آن کار ریسمان ایشانرا که عبارتست آن کار از اجتناب و پرهیز کردن از نفاق و افتراق ولازم شدن بایتلاف و اتّفاق، و ترغیب کردن بر آن، ووصیت نمودن بآن

و اجتناب نمائید از هر کاری که شکست مهرۀ پشت ایشان را، وسست کرد قوت ایشان را از کینه جوئی قلبها بیکدیگر، و دشمنی سینه ها، و پشت بیکدیگر کردن نفسها، و خوار کردن دستها یکدیگر را.

و تدبّر نمائید در حال گذشتگان از مؤمنین که پیش از شما بودند که چگونه بودند در حال ابتلا و امتحان، آیا نبودند ایشان سنگین ترین خلق از حیثیت بارهای گران، و کوشش کننده ترین خلق از حیثیّت بلا، و تنگ ترین اهل دنیا از حیثیّت حال، اخذ کرد ایشانرا فرعونیان بندگان و غلامان، پس عذاب کردند ایشانرا به بدترین عذاب، و آشامیدند ایشان را جرعه های تلخ، پس بود همیشه حال ایشان در ذلّت هلاکت، و در قهر غلبه در حالتی که نمی یافتند حیله وعلاجی در امتناع از ظلم ایشان، و نه راهی بسوی دفع کردن بلای ایشان.

تا آنکه چون دید خداوند متعال کوشش در صبر از ایشان براذیّت در محبّت او، و متحمّل شدن مکروه را از خوف او، گردانید برای ایشان از تنگیهای بلاو محنت گشایش، پس بدل کرد بر ایشان عزّت را بجای ذلّت، وأمنيت را بجای خوف، پس گشتند پادشاهان و حاکمان و امامانی که علمهای هدایتند، ورسید کرامت از جانب خدا برای ایشان بمقامی که نمی برد آرزوها ایشانرا بآن مقام.

پس نظر نمائید بدیدۀ اعتبار که چگونه بودند ایشان وقتی که بود جماعتها متّفق، و خواهشات موافق، وقلبها معتدل، و دستها یاری یکدیگر کننده، و شمشیرها رو بنصرت یکدیگر نهنده، و بصيرتها نافذ، وعزيمتها متّحد، آیا نبودند ایشان مالکها در اطراف زمینها، و پادشاهان برگردن عالمیان.

پس نظر کنید بسوی آنچه که برگشتند بآن در آخر کارهای خودشان وقتی که واقع شد پراکندگی، و پراکنده شد پیوستگی، و مختلف شد گفتار و قلوب، و منتشر شدند در حالتی که مختلف بودند، و متفرّق گشتند در حالتی که محارب یکدیگر بودند، برکند خدای تعالی از ایشان لباس کرامت خود را، وسلب نمود از ایشان لذّت نعمت خود را، و باقی ماند قصه های خبرهای ایشان در شما عبرتها از برای عبرت کنندگان از شما.

الفصل السادس

اشارة

فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَ بَنِي إِسْحَاقَ وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عليهم‌السلام فَمَا أَشَدَّ اِعْتِدَالَ اَلْأَحْوَالِ، وَ أَقْرَبَ اِشْتِبَاهَ اَلْأَمْثَالِ، تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ لَيَالِيَ كَانَتِ اَلْأَكَاسِرَةُ وَ اَلْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ، يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ اَلْآفَاقِ، وَ بَحْرِ اَلْعِرَاقِ، وَ خُضْرَةِ اَلدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ اَلشِّيحِ، وَ مَهَا فِي اَلرِّيحِ، وَ نَكَدِ اَلْمَعَاشِ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَ وَبَرٍ، أَذَلَّ اَلْأُمَمِ دَاراً، وَ أَجْدَ بَهُمْ قَرَاراً،لاَ يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا، وَ لاَ إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا.

فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَ اَلْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَ اَلْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي بَلاَءِ أَزْلٍ، وَ أَطْبَاقِ جَهْلٍ، مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ، وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَ أَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ، وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ.

فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ، كَيْفَ نَشَرَتِ اَلنِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَ أَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَ اِلْتَفَّتِ اَلْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَ فِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَاكِهِينَ، وقَدْ تَرَبَّعَتِ اَلْأُمُورُ بِهِمْ فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَ آوَتْهُمُ اَلْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ، وَ تَعَطَّفَتِ اَلْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ، فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى اَلْعَالَمِينَ وَ مُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ اَلْأَرَضِينَ، يَمْلِكُونَ اَلْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَ يُمْضُونَ اَلْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ، لاَ تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ وَ لاَ تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ(1).

اللغة

(الأكاسرة) جمع كسرى بالكسر والفتح لقب من ملك الفرس معرّب خسرو أي واسع ويجمع على كياسرة وأكاسر أيضاً وكلّها خلاف القياس والقياس كسرون وزن عيسون.

و (القياصرة) جمع قيصر لقب من ملك الرّوم و(الزيف) بالكسر أرض فيها زرع وخصب وما قارب الماء من أرض العرب، أو حيث يكون به الخضر والمياه والزّروع، و(الشيح) بالكسر نبت معروف يقال له بالفارسيّة درمنه، و(هفت الريح) هفواً هبت وهفت به أي حركته و(عالة) جمع عائل مثل قادة وقائد وهو ذو العيلة أي الفقر قال تعالى: (وإن خفتم فسوف يغنيكم الله من فضله)


1) بحار الأنوار: 474/14، وشرح نهج البلاغة: 177/13.

و (الدّبر) محرّكة الجرح في ظهر البعير من دبره القتب أي عقره، و(الوبر) للبعير بمنزلة الصّوف للغنم و (وأد) بنته دفنها في التراب حيّة قال تعالى: (وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت) و(شن الغارة) عليهم صبّها من كلّ وجه، و (تفكّه به) تمتّع بأكله والفاكهة التّمر والعنب والثّمر كله، وفي بعض النسخ فاكهين بدل فكهين أي ناعمين، وبها قرء قوله تعالى: (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ) [الدّخان: الآية 27] وقال الأصمعي فاكهين مازحين والمفاكهة الممازحة.

(وتربعت) الأمور بهم اعتدلت من قولهم: رجل ربعة وامرأة ربعة أي معتدل وحذف الهاء في المذكر لغة وفتح الباء فيهما أيضاً لغة، وقال الشارح المعتزلي وغيره: تربعت بمعنى أقامت من قولك ربع بالمكان أي أقام به (الذّرى) ذروة بالضم والكسر وهي أعلى الشيء، و(الغمز) العصر والكبس باليد قال الشاعر:

وكنت إذا غمزت قناة قوم *** كسرت كعوبها أو تستقيما

و (القناة) الرّمح و(الصّفاة) الصّرة والحجر الأملس.

الإعراب

جملة يحتازونهم في محلّ النّصب على الحال من الأَكاسرة والقياصرة وتحتمل الاستئناف البياني وقوله: عالة مساكين، حال مترادفة، وقوله: إخوان دبر ووبر، بدل، وجملة: لا يأوون، حالية، والفاء في قوله: فالأَحوال مضطربة، فصيحة.

وقوله: في بلاء أزل، متعلّق بمقدّر أي كائنون في بلاء أزل، فيكون خبراً لمبتدأ محذوف ويحتمل الحال لقوله متفرّقة، وإضافة بلاء إلى الأَزل معنويّة بمعنى من وكذا إضافة أطباق إلى الجهل، هكذا قال الشّارح البحراني ولا بأس به، ومن في قوله: من بنات بيانيّة.

وقوله: في عوائد بركتها، قال الشّارح المعتزلي والبحراني: متعلّق بمحذوف وموضعه نصب على الحال أي جمعتهم الملّة كائنة في عوائد بركتها.

أقول: ويجوز تعلقه بقوله والتفت فيكون مفعولاً بالواسطة.

وقوله: وعن خضرة عيشها، قال الشّارح المعتزلي: عن متعلقة بمحذوف تقديره، فأصبحوا فاكهين فاكهة صادرة عن خضرة عيشها أي خضرة عيش النّعمة سبب لصدور الفكاهة والمزاح عنه.

أقول: لا حاجة إلى تقدير المحذوف لجواز تعلقها بقوله فاكهين كونها بمعني من النشوية أو بمعنى اللام كما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن

مَوْعِدَةٍ) [التوبة: الآية 114].

المعنى

اعلم أنّه لما ذكر في الفصل السّابق محاسن الألفة والاتفاق ومفاسد الفرقة والافتراق، وأمر بالتدبّر في أحوال الماضين وأنّ ألفتهم في بداية حالهم أوجبتهم العزّة والكرامة، وفرقتهم في آخر أمرهم سلبتهم غضارة النعمة فبقي قصص أخبارهم عبراً للمعتبرين من المخاطبين، اتبعه بهذا الفصل تفصيلاً لما أجمله من قصص أخبارهم وتنبيهاً على جهة العبرة في تلك القصص فقال:

(فاعتبروا بحال ولد إسماعيل) الذّبيح ( وبني إسحاق) بن إبراهيم الخليل (وبني إسرائيل) يعقوب بن إسحاق سلام الله عليهم، وعلّل وجوب الاعتبار بقوله:

(فما أشدّ اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأَمثال) يعني أنّ أحوالكم أشدّ اعتدالاً وتناسباً لأَحوالهم وأنّ أمثالكم أي صفاتكم أكثر قرباً ومشابهة لصفاتهم فإذا كانت الأَحوال معتدلة متناسبة، والصفات متشابهة متماثلة وجب لكم الاعتبار بحالهم، وأشار إلى جهة العبرة فيهم بقوله:

(تأمّلوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الأَكاسرة) أي ملوك الفرس (والقياصرة) أي ملوك الروم (أرباباً لهم) أي مالكين لرقابهم، وكانت العرب تسمّى الملوك أرباباً كما في قوله تعالى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) [يوسف: الآية 42].

والمراد من المربوبين كما ذكره الشارح المعتزلي: بنو إسماعيل، فالضمير في أمرهم وتشتتهم وتفرّقهم راجع إليهم، والمراد من الأَرباب بنو إسحاق وبنو إسرائيل لأنّ الأَكاسرة من بني إسحاق، ذكره كثير من أهل العلم، والقياصرة من ولد إسحاق أيضاً، لأنّ الروم بنو العيص بن إسحاق ثمّ قال الشارح:

فإن قلت: فبنو إسرائيل أيّ مدخل لهم ههنا.

قلت: لأَن بني إسرائيل كانوا ملوكاً بالشام حاربوا العرب من بني إسماعيل غير مرّة وطردوهم من الشام والجأوهم إلى المقام ببادية الحجاز، ويصير تقدير الكلام فاعتبروا بحال ولد إسماعيل مع بني إسحاق وبني إسرائيل، وتخصيص ملوك بني إسحاق أي الأكاسرة والقياصرة بالذكر دون ملوك بني إسرائيل لأَن العرب لم تكن تعرف ملوك ولد يعقوب حتّى يذكر أسماءهم في الخطبة، بخلاف ولد إسحاق فإنهم كانوا يعرفون ملوكهم من بني ساسان

وبني الأصفر، هذا ملخّص ما قاله الشارح هنا.

أقول: وهو مع أنّه غير خال عن التكلف مخالف لظاهر كلامه علیه السلام فإنه كما ترى ظاهر في كون الضمائر في أمرهم وتشتتهم وتفرّقهم ولهم جميعاً راجعة إلى بني إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل جمعيهم، ونصّ في كون الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم مسلطين عليهم، ولا حاجة إلى تجشم الاستدلال في انتهاء نسبهم إلى ولد إسحاق، فإنّ تسلطهم على العرب واليهود وغيرهم وبعبارة أخرى بني إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل ملأى منه كتب التواريخ والسير، فلا وجه لتخصيص المقهورين بالعرب والقاهرين من الأكاسرة والقياصرة ببني إسحاق وبني إسرائيل من ملوك الشام كما زعمه الشّارح.

فإن قلت: الوجه في مصير الشّارح إلى هذه التكلفات كلها، ما ذكره في كلامه قبل ما حكينا عنه ملخّصاً، من أنّه لا نعرف أحداً من بني إسرائيل احتازتهم الأكاسرة والقياصرة عن ريف الآفاق إلى البادية إلاّ أن يقال يهود خيبر والنضير وبني قريظة وبني قيقاع، وهؤلاء نفر قليل لا يعتد بهم، مع أن فحوى الخطبة مانع من إرادتهم أيضاً، لأنّهم لم يكونوا أهل دبر ووبر، وإنّما كانوا ذوي حصون وقلاع فهذا الوجه ألجأ الشّارح إلى تخصيصه المقهورين بالعرب خاصّة.

قلت: غرض أمير المؤمنين علیه السلام من سوق كلامه حسبما عرفت سابقاً وتعرفه أيضاً، أحكام لحوق الذّل على فرق الأنام بسبب التفرق واختلاف الكلام من أيّ فرقة كانت، وذكر بني إسماعيل وإسحاق وإسرائيل من باب التمثيل والاستطراد ومزيد التوضيح لهذا المرام، ومن المعلوم أن الذل اللاحق ببني إسرائيل من أجل اختلاف الآراء أظهر وأجلى من الذلّ اللاحق ببني إسماعيل، فكون كلامه ذلك إشارة إلى مقهورية الفرقتين جميعاً أثبت لهذا الغرض وأدخل في التوضيح.

وما قاله الشارح في وجه تخصيص الأذلاء المقهورين بالفرقة الثانية، فقط من عدم المعرفة يحتازه الأكاسرة والقياصرة إلى البداية من بني إسرائيل.

ففيه أوّلاً أنّه بعد ثبوت قوّة سلطنة الأكاسرة والقياصرة واستيلائهم على البلدان وكون هممهم مقصورة على فتح الأَمصار وعلى القتل والنهب في الأصقاع والأَقطار تارة بالعراق وتوابعها، وأخرى بالشام ومضافاتها، فالعادة قاضية بانجلاء أهلها منها حتماً، وهربهم منها إلى البوادي والمفاوز البعيدة حفظاً للدّماء، وحذراً من النّهب والاستئصال، فعدم المعرفة بأعيان المحتازين المشرّدين وعدم وجدانهم لا يدلّ على عدم الوجود بعد شهادة الاستقراء وقضاء العادة وإفادة ظاهر كلامه علیه السلام له.

وثانياً أن مفاد كلامه علیه السلام كما ترى أن بني إسمعيل وإسحاق وإسرائيل كانوا مشرّدين عن عقر دارهم إلى البوادي بفعل الأكاسرة والقياصرة، يكفي في صدق هذا الكلام وصحّته كون المشرّدين من مجموع الفرق الثلاث وإن كان من بعضها قليلاً كبني إسرائيل على زعم الشّارح، ومن البعض الآخر كثيراً كبني إسماعيل، فلا حاجة على ذلك إلى تمحّل التكلّف أصلاً.

وبعد هذا كلّه فلا بأس بأن نذكر طرفاً ممّا وقع على بني إسماعيل وبني إسرائيل من القتل والغارة في دولة الأكاسر والقياصرة بملاحظة اقتضاء المقام ومسيس الحاجة.

فأقول: أمّا بنو إسرائيل أعني العرب فقد قال في روضة الصّفا: إن شابور ذا الأكتاف بن هرمز بن نرسي بن بهرام من الأَكاسرة لمّا بلغ سنّه ستّ عشر سنة انتخب من أصحابه من العجم أربعة آلاف من أنجادهم، فسار معهم إلى حدود فارس، وكان هناك جماعة من الأَعراب أكثروا في تلك الحدود من القتل والنّهب والفساد، فقتل منهم من وجد، وهرب الباقون، ولم يبق منهم في أطراف دجلة والفرات عين ولا أثر، ثمّ سار إلى البحرين وقطيف والحجر، فقتل من قبائل تميم وبكر بن وائل وعبد قيس وغيرها جمّاً غفيراً.

فلمّا ملّ من القتل أمر بأن يثقب أكتاف من بقي من الأَعراب ويدخل في ثقبها الحبال، فلقب من ذلك بذي الأكتاف.

ولمّا قضى وطره من استئصال العرب توجّه إلى بلاد الرّوم ودخل قسطنطنية وجرى له مع قيصر قصة مشهورة فى الكتب مأثورة. وفوض إليه قيصر بلدة نصيبين بين الشام والعراق فأوفد إليها اثني عشر ألفاً من أهل أصبهان وفارس وسائر البلاد فتوطنّوا فيها، ولم يبق من العرب باقية في ملكه وملك سائر الأكاسرة.

وأمّا بنو إسرائيل فقد ظهر مقهوريتهم ممّا ذكرنا في شرح الفصل المتقدّم ونزيد توضيحاً بذكر ما أورده الطبرسي في تفسير الآية المتقدّمة هناك أعني قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الإسراء: الآية 4] إلی قوله: (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) [الإسراء: الآية 7].

قال الطبرسي: اختلف المفسّرون في القصّة عن هاتين الكرّتين اختلافاً شديداً، قالوا: لمّا عتى بنو إسرائيل في المرّة الأولى سلّط الله عليهم ملك فارس وقيل: بخت نصر، وقيل: ملکاً من ملوك بابل، فخرج إليهم وحاصرهم، وفتح بيت المقدس وخرب المسجد وأحرق التوراة وألقى الجيف في المسجد، وقتل على دم يحيى سبعين ألفاً وسبى ذراريهم وأغار عليهم وأخرج أموالهم وسبى سعبين ألفاً وذهب بهم إلى بابل فبقوا في يده مائة سنة يستعبدهم المجوس وأولادهم.

ثمّ تفضّل الله عليهم بالرحمة فأمر ملكاً من ملوك فارس عارفاً بالله سبحانه وتعالى، فردّهم إلى بيت المقدس فأقاموا به مائة سنة على الطريق المستقيم والطاعة والعبادة.

ثمّ عادوا إلى الفساد والمعاصي، فجاءهم ملك من ملوك الرّوم اسمه انطياحوس فخرب بيت المقدس وسبا أهله، وقيل غزاهم ملك الرّومية وسباهم عن حذيفة. وقال محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل يعصون الله تعالى وفيهم الأَحداث والله يتجاوز عنهم، وكان أوّل ما نزل بهم بسبب ذنوبهم أن الله تعالى بعث إليهم شعيا قبل مبعث زكريّا علیه السلام، وشعيا هو الذي بشر بعيسى وبمحمد صلّی الله علیه و آله و سلّم.

وكان لبني إسرائيل ملك كان شعيا يرشده ويسدّده، فمرض الملك، وجاء سنجاريب إلى بيت المقدس بستمائة ألف راية، فدعى الله سبحانه شعيا فبرىء الملك ومات جمع سنجاريب ولم ينج منهم إلا خمس نفر منهم سنجاريب فهرب وأرسلوا خلفه من يأخذه، ثم أمر سبحانه بإطلاقه ليخبر قومه بما نزل بهم، فأطلقوه وهلك سنجاريب بعد ذلك بسبع سنين.

واستخلف بخت نصر ابن ابنه فلبث سبع عشر سنة وهلك ملك بني إسرائيل ومرج أمرهم وتنافسوا في الملك، فقتل بعضهم بعضها، فقام شعيا فيهم خطيباً ووعظم بعظات بليغة وأمرهم ونهاهم فهمّوا بقتله، فهرب ودخل شجرة فقطعوا الشجرة بالمنشار فبعث الله إليهم أرميا من سبط هارون ثمّ خرج من بينهم لما رأى من أمرهم، ودخل بخت نصر وجنوده بیت المقدس وفعل ما فعل، ثمّ رجع إلى بابل بسبايا بني إسرائيل فكانت هذه الدّفعة الأولى.

وقيل أيضاً: إنّ ذلك كان قتل يحيى بن زكريّا، وذلك إنّ ملك بني إسرائيل أراد أن يتزوّج بنت ابنته(1)فنهاه يحيى علیه السلام وبلغ أمّها فحقدت عليه وبعثته على قتله فقتله، وقيل إنّه لم يزل دم يحيى يغلي حتّى قتل بخت نصر منهم سبعين ألفاً أو اثنين وسبعين ألفاً حتّى سكن الدّم.

وذكر الجميع أنّ يحيى بن زكريا هو المقتول في الفساد الثاني، قال مقاتل: وكان بين الفساد الأوّل والثاني مائة سنة وعشر سنين.

وقيل إنما غزا بني إسرائيل في المرّة الأولى بخت نصر وفي المرّة الثانية ملوك فارس والرّوم وذلك حين قتلوا يحيى فقتلوا منهم مائة ألف وثمانين ألفاً وخرب بيت المقدس، فلم يزل بعد ذلك خراباً حتى بناء عمر بن الخطاب، فلم يدخله بعد ذلك رومي إلاّ خائفاً(2).


1) في نسخة: امرأته.

2) بحار الأنوار: 354/14، وتفسير مجمع البيان: 224/6.

فقد ظهر بذلك تسلّط الأَكاسرة والقياصرة على بني إسماعيل وإسرائيل بسبب اختلاف كلماتهم وتشتّتهم وفسادهم في الأَرض وأنّهم كانوا يشرّدونهم عن بلادهم وأوطانهم فيظهر به معنى قوله علیه السلام:

(يحتازونهم) أي يبعدونهم (عن ريب الآفاق) أي الأَماكن المشتملة على المزارع والمراتع، والمنتجع من بلاد الشام وأراضي العرب القريبة من الماء (وبحر العراق) وهو دجلة والفرات، (وخضرة الدّنيا إلى منابت الشيح) وهي أرض العرب الخالي من الماء والكلاء، (ومها في الرّيح) أي المواضع الّتي تهفو فيها الرياح وتهبّ من الفيافي والصّحارى (ونكد المعاش) أي ضيقه وقلّته (فتركوهم عالة) أي فقراء (مساكين إخوان دبر ووبر) أي معاشرين بجمال دبراء عجفاء عقراء، وهو إشارة إلى سوء الحال وضيق المعاش، فإنّ استعمال الجمل الأَدبر والتعيش بوبره علامة الضّر والمسكنة.

قال الشارح المعتزلي: إنّهم أجدبوا حتّى أكلوا الدّم بالوبر وكانوا يسمّونه العلهز(1)، انتهى.

وقد مضى في شرح الخطبة السّادسة والعشرين فصل واف في ضيق حال العرب وسوء معاشهم قبل بعثة النّبي صلّی الله علیه و آله و سلّم.

(أذلّ الأمم داراً) لعدم المعاقل والحصون المنيعة وإن كان لبعضهم حصن فلم يكن بحيث يحصن من عدو ذي عدد وقوة (وأجدبهم قراراً) أي مستقرّاً لخلوه من الزرع والثّمر والخصب (لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها) أي لا يلتجؤون ولا ينضمّون إلى من يحبهم ويحضنهم إذا دعوه واستغاثوا به كما يحمي الطّاير فرخه بجناه ويحضنه.

ووصف الدّعوة بوصف الاعتصام لأَن من عادة العرب إذا هجم عليهم عدوّ لا يتمكّنون من مقاومته يستغيثون بسائر القبائل ويستنجدونهم، فيعتصمون بالاستنجاد والدّعوة عن الشرّ والمكروه قال الشّاعر:

ألا یا أم زنباغ أقیمي *** صدور العیس نحو بني تمیم

هنالك لو دعوتِ أتاك منهم *** فوارس مثل أرمیة الحمیم

(ولا إلى ظلّ ألفة يعتمدون على عزّها) إضافة ظل إلى ألفة من إضافة المشبّه به إلى المشبّه، ووجه الشّبه أنّ الظل سبب الرّاحة والسّلامة من حرارة الشمس والأُلفة سبب الرّاحة والسلامة من نار العدوّ، ووصف الألفة بالاعتماد لأَن الألفة مستلزم العزّ، فبالاعتماد عليها


1) العلهز: القراد الضخم، وطعام من الدم والوبر كان يتخذ في المجاعة.

يحصل العزّ اللازم منها.

ولمّا بيّن مساوىء حالاتهم من الفقر والفاقة والذلّة وضيق المعاش وغيرها فرّع عليه قوله:

(فالأَحوال) أي أحوالهم (مضطربة والأَيدي مختلفة والكثرة متفرّقة) كائنين (في بلاء أزل وإطباق جهل) أي في شدّة بلاء وطبقات من الجهل أي جهل متراكم بعضه فوق بعض، قال الشارح البحراني: وفي نسخة الرّضي وإطباق بكسر الهمزة فيكون المعنى وجهل مطبق عليهم عام.

ثمّ فصل ما نشأ من هذا الجهل من القبائح والفضائح بقوله (من بنات موؤودة) أي من مدفونة حيّة فقد كانت العرب يتدون البنات ويرشد إليه قوله تعالى: (وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت).

وقيل إنّه مختص بني تميم واستفاض منهم في جيرانهم، وقيل: بل كان ذلك أي الوأد في بني تميم وقيس أسد وهذيل وبكر بن وائل ويؤيّده قوله: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم).

واختلفوا في سبب الوأد فقيل: هو الفقر والإملاق، قالوا: وذلك إنّ رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم دعا عليهم فقال: اللّهم اشدد وطأتك على مضر واجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأجدبوا سبع سنين حتّى أكلوا الوبر بالدّم فوأدوا البنات الفقرهم، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه: (وَلَا تَقْتَلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) [الأنعام: الآية 151].

وقيل: بل الأنفة ولحوق العار بهم من أجلهن، وذلك إنّ تميما منعت النعمان بن المنذر الخراج سنة من السّنين فوجّه إليهم أخاه الريّان بن المنذر فأغار عليهم واستاق النّعم وسبی الذّراري، فوفدت بنو تميم إلى النعمان واستعطفوه، فرّق عليهم وأعاد عليهم السّبي وقال كلّ امرأة اختارت أباها ردت عليه وإن اختارت صاحبها تركت عليه، فكلّهن اخترن أباهن إلاّ بنت قيس بن عاصم فإنها اختارت من سباها، فنذر قيس بن عاصم المنقري التميمي أن لا تولد له بنت إلاّ وأدها، ثمّ اقتدى به كثير من بني تميم.

واختلف في كيفية الوأد فقيل: كان الرّجل إذا ولدت له بنت فأراد بقاء حياتها ألبسها جبّة من صوف أو شعر لترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتّى إذا بلغت قامتها ستّة أشبار فيقول لأُمّها طيّببها وزيّنيها حتى أذهب بها إلى أقاربها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها إلى البئر فيقول لها: انظري فيها ثمّ يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتّى يستوي البئر بالأَرض.

وقيل: كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرةً فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتاً رمتها في الحفرة، وإذا ولدت ابناً أمسكته.

وكانت صعصعة بن ناجية ممنّ منع الوأد، فافتخر الفرزدق به في قصيدته الّتي يهجو بها جريراً، وهو قوله:

ومنّا الّذي أحیي الوئید وغالب *** و عمرو ومنا حاجب و الأَقارع

وقد حكينا في ديباجة الشّرح، عن ابن أبي الدّينا أنّه قال: لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن ديناً من صعصعة، وهو الذي أحيى ألف موؤودة وحمل على ألف فرس.

وروى الشّارح المعتزلي هنا قال: إنّ صعصعة لمّا وفد على رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: يا رسول الله إنّي كنت أعمل في الجاهليّة عملاً صالحاً فهل ينفعني ذلك اليوم؟ قال صلّى الله عليه و آله و سلّم: وما عملت؟ قال: أضللت ناقتين عشراوين فركبت جملاً ومضيت في بغائهما فرفع لي بيت حريد فقصدته فإذا شيخ جالس بفنائه فسألته عن الناقتين فقال: ما نارهما؟ قلت: ميسم بني دارم قال: هما عندي وقد أحيى الله بهما قوماً من أهلك من مضر، فجلست معه ليخرجهما إليّ فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال لها: ما وضعت؟ فإن كان سقياً شاركنا في أموالنا وإن كان حائلاً أو أدناها، فقالت العجوز: وضعت أنثى، فقلت له: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟ قلت: إنّما أشتري حياتها ولا اشتري رقها، قال: فبكم؟ قلت: احتكم، قال: بالنّاقتين والجمل، قلت: ذاك لك على أن يبلغني الجمل فياها، قال: قد بعتك، فاستنقذتها منه بالجمل والنّاقتين وآمنت بك يا رسول الله وقد صارت لي سنة في العرب أن أشتري كلّ موؤودة بناقتين عشراوين وجمل، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موؤودة قد أنقذتهنَّ، فقال صلّى الله عليه و آله و سلّم: لا ينفعك ذلك لأَنّك لم تبتغ به وجه الله وإن تعمل في إسلامك عملاً صالحاً تصب عليه(1).

(وأصنام معبودة) قد مضى في شرح السّادس عشر من «المختار» الأوّل أنّ جمهور العرب كانوا عند بعثة النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم عبدة أصنام، ومضى هناك تفصيل أصنامهم المعبودة ولا حاجة إلى الإعادة.

(وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة) أي مصبوبة من كلّ جهة، فإنّ القتل والغارة وقطع الأَرحام كانت من شعار العرب في الجاهليّة، وقد أشار إلى ذلك وإلى بعض ما تقدّم هنا من


1) شرح نهج البلاغة: 177/13.

حالات العرب في الفصل الأوّل من «المختار» السّادس والعشرين حيث قال هناك:

إنّ الله بعث محمد الله صلّی الله علیه و آله و سلّم نذيراً للعالمين، وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار، بين حجارة خشن، وحيّات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأَصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة.

وقد ألّف إبراهيم بن مسعود الثقفي كتاباً سمّاه كتاب «الغارات» جمع فيه غارات العرب وحروبهم، وإن شئت أرشد إلى اثنين من تلك الحروب والغارات فإنّهما أنموذج منها.

أحدهما ما كان بين الأَوس والخزرج من الحروب الّتي تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالإسلام.

وثانيهما ما كان بين تغلب وبكر بن وابل أربعين سنة حتّى صار من أمثال العرب السّائرة أشأم من البسوس.

قيل: إنها امرأة كانت لها ناقة فرآها كليب ترعى في حماه وقد كسرت بيض طائر كان قد أجاره، فرمی ضرعها بسهم فوثب جساس إلى كليب فقتله، فهاجت الحرب بين بكر وتغلب «تغلب وبكر ظ» بن وابل أربعين سنة.

قال التفتازاني: البسوس زارت أختها البهيلة وهي أمّ جساس بجار لها من جرم زياد له ناقة وكليب قد حمى أرضاً من العالية فلم يكن يرعاها إلاّ إبل جساس المصاهرة بينهما، فخرجت في إبل جساس ناقة الجرمى ترعى في حمى كليب فأنكرها كليب فرماها فاختلّ زرعها(1)فولّت حتّى بركت بفناء صاحبها وزرعها(2)تشخب دما ولبناً، وصاحب البسوس: واذلاّه واعزيتاه، فقال جساس أيّتها الحرّة اهدئي فوالله لأَعقرن فحلا هو أعزّ على أهله منها، فلم يزل جساس: يتوقّع عزّة كليب حتّى خرج وتباعد عن الحيّ فبلغ جساساً خروجه، فخرج على فرسه واتّبعه فرمی صلبه حتّى وقف عليه فقال كليب: يا عمرو أغثني بشربة من ماء فأجهز عليه ونشب الشّر بين تغلب وبكر أربعين سنة.

وهذا أنموذج من شن الغارات في العرب وقطع الأَرحام أوردناه تبصرة لك وتوضيحاً لكلامه علیه السلام هذا.

ولمّا ذكر ما كانت العرب عليه قبل بعثة النبي صلّی الله علیه و آله و سلّم من الضّيم والذّل والفقر والجهل، أردفه بالتّنبيه على أعظم ما أنعم الله سبحانه به عليهم من بعث النبيّ الكريم محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم إليهم


1) في نسخة: ضرعها.

2) في نسخة: ضرعها.

وتبديل سوء حالهم بحسن الحال ببركة هذه النعمة العظيمة فقال:

(فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً) كريماً (فعقد) أي الله سبحانه أو الرّسول صلّی الله علیه و آله و سلّم (بملّته طاعتهم) لأَن طاعتهم قد كانت في الجاهليّة تابعة لأَهوائهم الباطلة، متشتّتة بتشتّت الآراء المختلفة، فلذلك اتخذوا لهم آلهة فأطاع كل منهم إلهه وصنمه فعقد الملة طاعتهم لله تعالى بعد الانتشار وعبادة الأصنام.

(وجمع على دعوته) أي الرّسول (ألفتهم) بعد طول تضاغن القلوب وتشاحن الصّدور وأشار إلى تفصيل مواقع نعم الله بقوله:

(كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها) شبّه النعمة أي نعمة الإسلام الحاصلة بالبعثة في انبساطها عليهم بالطائر الباسط لجناحه على فرخه على سبيل الاستعارة بالكناية وذكر الجناح تخييل والنّشر ترشيح.

(وأسالت) أي أجرت (لهم جداول نعيمها) والكلام في هذه القرينة مثله في سابقتها، فإنّ صلّی الله علیه و آله و سلّم شبّه النعمة بالنّهر العظيم الذّ تسيل منه الجداول والأَنهار الصّغار إلى المحال القابلة والمواضع المحتاجة، فأثبت الجداول تخييلاً والإسالة ترشيحاً، ووجه الشّبه أنّ جريان الجداول من النهر سبب لحياة الموات من الأَرض وكذلك إفاضة أنواع النّعم وشؤون الخيرات من نعمة الإسلام الّتي هي أعظم النعماء في المواد المستعدّة سبب لحياة القلوب الميّتة بموت الجهل والضّلالة مضافة إلى الثّمرات الدّنيويّة.

(والتفّت الملّة بهم عوائد بركتها) أي جمعتهم ملّة الإسلام بعدما كانوا متفرّقين في منافعها ومعروفاتها الحاصلة ببركتها، فكأن تلك المنافع ظرفاً لاجتماعهم حاوية لهم محيطة بهم إحاطة الظرف بالمظروف.

(فأصبحوا) أي صاروا بحواية عوائدها لهم (في نعمتها غرقين) والتعبير به مبالغة في إحاطة النعمة عليهم من جميع الجهات إحاطة الماء بالغرقى والغائصين.

(وعن خضرة عيشها فكهين) أي اشربن فرحين بسعة المعاش وطيبه، أو ناعمين مازحين من خضرة العيش.

(وقد تربعت الأمور بهم) أي اعتدلت أمورهم واستقامت (في ظل سلطان قاهر) أي سلطان الإسلام الغالب على سائر الأَديان (و آوتهم الحال) أي ضمّتهم حسن حالهم وأنزلتهم (إلى كنف عز غالب) أي إلى جانبه وناحيته أو كناية عن حرزه كما في قولك: أنت في كنف الله، أي حرزه وستر (وتعطّفت الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت) أي أقبلت السعادات الدّنيوية والأخرويّة عليهم بعد إدبارها عنهم إقبال الشفيق العطوف على من يشفق ويتعطف

عليه في أعالي السّلطنة الثّابتة المستقرّة.

(فهم حكّام على العالمين وملوك في أطراف الأَرضين يملكون الأمور) أي أمور الملك والسلطنة (على من كان يملكها عليهم) من الكفرة الفجرة (ويمضون الأَحكام فيمن كان يمضيها فيهم) من كفار مكّة، وقريش وغيرهم من عبدة الأوثان (لا تغمز لهم قناة ولا تقرع لهم صفاة) إشارة إلى قوّتهم وعدم تمكّن الغير من قهرهم وغلبتهم.

قال الشارح المعتزلي: ويكنّى عن العزيز الّذي لا يضام فيقال: لا يغمز له قناة، أي هو صلب والقناة إذا لم تكن في يد الغامز كانت أبعد عن الحطم والكسر، قال: ولا تقرع لهم صفاة مثل يضرب لمن لا يطمع في جانبه لعزّته وقوّته.

تبصرة

لمّا كان أوّل هذا الفصل من كلامه علیه السلام متضمّناً للإشارة إلى ملك الأكاسرة، وآخرها متضمّناً للإشارة إلى بعثة الرّسول صلّی الله علیه و آله و سلّم، واقتصاص حال أهل الجاهليّة في دولة الأَكاسرة وأيّام الفترة وحين البعثة وبعدها، أحببت أن أورد هنا رواية متضمّنة لهذا المرام، مُبيّناً فيها أسماء الملوك مفضّلاً من زمن عيسى إلى زمن الرسول صلّی الله علیه و آله و سلّم وأسماء المبعوثين قبله صلّی الله علیه و آله و سلّم من الأَنبياء والرسل علیهم السلام لمزيد ارتباطها بالمقام فأقول:

روى الصّدوق في كتاب «إكمال الدّين» عن أبيه ومحمّد بن الحسن رضی الله عنه الله قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى عن العبّاس بن معروف عن عليّ بن مهزيار عن الحسن بن سعيد عن محمّد بن إسماعيل القرشي عمّن حدّثه عن إسماعيل بن أبي رافع عن أبيه أبي رافع قال: قال رسول الله صلّی الله علیه و آله و سلّم: «إنّ جبرئيل نزل عليّ بكتاب فيه خبر الملوك ملوك الأَرض قبلي، وخبر من بعث قبلي من الأَنبياء والرّسل- وهو حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة إليه- قال:

لمّا ملك أشبح بن أشجان وكان يسمى الكيس وكان قد ملك مئتي وستّاً وستّين سنة.

ففي سنة إحدى وخمسين من ملكه بعث الله عزّ وجل عيسى ابن مريم علیه السلام واستودعه النور والعلم والحكم وجميع علوم الأنبياء قبله، وزاده الإنجيل، وبعثه إلى بيت المقدس إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى كتابه وحكمته وإلى الإيمان بالله ورسوله، فأبى أكثرهم إلاّ طغياناً وكفراً، فلمّا لم يؤمنوا به دعا ربه وعزم عليه، فمسخ منهم شياطين ليريهم آية فيعتبروا فلم یزدهم ذلك إلاّ طغياناً وكفراً، فأتى بيت المقدس فمكث يدعوهم ويرغبهم فيما عند الله ثلاثاً وثلاثين سنة حتّى طلبه اليهود وادّعت أنّها عذّبته ودفنته في الأَرض، وادّعى بعضهم أنّهم قتلوه وصلبوه، وما كان الله ليجعل لهم سلطاناً عليه وإنّما شبّه لهم وما قدروا على عذابه

ودفنه وعلى قتله وصلبه لقوله عزّ وجل: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [آل عِمران: الآية 55] ولم يقدروا على قتله وصلبه لأنهم لو قدروا على ذلك كان تكذيباً لقوله تعالى: ولكن رفعه الله إليه بعد أن توفاه علیه السلام.

فلمّا أراد أن يرفعه، أوحى إليه أن استودع نور الله وحكمته وعلم كتابه شمعون ابن حمّون الصّفا خليفة على المؤمنين، ففعل ذلك فلم يزل شمعون في قومه يقوم بأمر الله عزّ وجلّ ويهتدي بجميع مقال عيسى في قومه من بني إسرائيل وجاهد الكفّار، فمن أطاعه وآمن به فيما جاء به كان مؤمناً، ومن جحده وعصاه كان كافراً حتى استلخص ربّنا تبارك وتعالى وبعث في عباده نبيّاً من الصّالحين وهو يحيى بن زكريّا علیه السلام وقبض شمعون.

وملك عند ذلك أردشير بن أشكان «زار كان خ ل» أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، وفي ثمان سنين من ملكه قتلت اليهود يحيى بن زكريا علیه السلام.

ولمّا أراد الله سبحانه أن يقبضه أوحى إليه أن يجعل الوصيّة في ولد شمعون ويأمر الحواريّين وأصحاب عيسى علیه السلام بالقيام معه ففعل ذلك.

وعندها ملك سابور بن أردشير ثلاثين سنة حتّى قتله الله واستودع علم الله ونوره وتفصيل حكمته في ذرّيته يعقوب بن شمعون ومعه الحواريّون من أصحاب عيسى علیه السلام.

وعند ذلك ملك بخت نصر مائة سنة وسبعاً وثمانين سنة، وقتل من اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكريّا وخرّب بيت المقدّس وتفرّقت اليهود في البلدان.

وفي سبعة وأربعين سنة من ملكه بعث الله عزّ وجلّ العزير نبيّاً إلى أهل القرى التي أمات الله عزّ وجلّ أهلها ثمّ بعثهم له وكانوا عن قرى شتى فهربوا فرقاً من الموت فنزلوا في جوار عزير وكانوا مؤمنين وكان عزير يختلف إليهم ويسمع كلامهم وإيمانهم وأحبّهم على ذلك، وأخاهم عليه فغاب عنهم يوماً واحداً ثمّ أتاهم فوجدهم صرعى موتى فحزن عليهم، وقال: (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) تعجباً منه حيث أصابهم قد ماتوا أجمعين في يوم واحد، فأماته الله عزّ وجلّ عند ذلك مائة عام فلبث «وهي خ ل» فيهم مائة سنة ثم بعثه الله وإيّاهم وكانوا مائة ألف مقاتل ثمّ قتلهم الله أجمعين لم يفلت منهم أحد على يدي بخت نصر.

وملك بعده مهروية بن بخت نصر ستّ عشر سنة وستّ وعشرين يوماً.

وأخذ عند ذلك دانيال وحفر له جبّاً في الأَرض وطرح فيه دانيال علیه السلام وأصحابه وشيعته من المؤمنين فألقى عليهم النيران، فلمّا رأى أنّ النّار ليست تقربهم ولا تحرقهم استودعهم الجبّ وفيه الأَسد والسّباع وعذّبهم بكلّ لون من العذاب حتّى خلّصهم الله عزّ وجلّ منه وهم

الذين ذكرهم الله في كتابه العزيز فقال عزّ وجلّ (قُتِلَ أَصْحَبُ الْأَخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوُقُودِ) [البروج: الآيتان 4 و 5].

فلما أراد الله أن يقبض دانيال أمره أن يستودع نور الله وحكمته مكيخا بن دانيال ففعل.

وعند ذلك ملك هرمز ثلاثة وستّين(1)سنة وثلاثة أشهر وأربعة أيّام.

وملك بعده بهرام ستّة وعشرين سنة.

وولّي أمر الله مكيخا بن دانيال وأصحابه المؤمنين وشيعته الصديقون غير أنّهم لا يستطيعون أن يظهروا الإيمان في ذلك الزّمان ولا أن ينطقوا به.

وعند ذلك ملك بهرام بن بهرام سبع سنين، وفي زمانه انقطعت الرّسل فكانت الفترة.

وولّي الأَمر مكيخا بن دانيال وأصحابه المؤمنين فلّما أراد الله عزّ وجلّ أن يقبضه أوحى إليه في منامه أن استودع «يستودع» نور الله وحكمته ابنه انشو بن مكيخا وكانت الفترة بين عيسى وبين محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم أربع مائة وثمانين سنة وأولياء الله يومئذ في الأَرض ذرّية انشو بن مكيخا يرث ذلك منهم واحد بعد واحد ممّن يختاره الجبار عزّ وجلّ.

فعند ذلك ملك سابور بن هرمز اثنين وسبعين سنة، وهو أوّل من عقد التّاج ولبسه. ووليّ أمر الله يومئذ انشو بن مكيخا.

وملك بعد ذلك أردشير اخو سابور سنتين، وفي زمانه بعث الله الفتية أصحاب الكهف والرّقيم.

وولي أمر الله يومئذ في الأرض رسيحا(2)بن انشوبن مكيخا.

وعند ذلك ملك سابور بن أردشير خمسين سنة.

وولّي أمر الله يومئذ رسيحاء بن أنشو.

وملك بعده يزدجرد بن سابور إحدى وعشرين وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً.

وولّي أمر الله يومئذ في الأرض رسيحا علیه السلام، ولما أراد الله عزّ وجل أن يقبض رسيحا أوحى إليه أن استودع علم الله ونوره وتفصيل حكمته نسطورس بن رسيحا.


1) في نسخة: ثلاثين.

2) في نسخة: رشيحا.

فعند ذلك ملك بهرام جورستّا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وثمانية عشر يوماً.

وولّي أمر الله يومئذ نسطورس بن رسيحا.

وعند ذلك ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام سبعة وعشرين سنة.

ووليّ أمر الله يومئذ نسطورس بن رسيحا وأصحابه المؤمنين، فلمّا أراد الله عزّ وجلّ أن يقبضه أوحى إليه في منامه أن استودع نور الله وحكمته وكتبه مرعيداً.

وعند ذلك ملك فلاس بن فيروز أربع سنين.

وولّي أمر الله عزّ وجل مرعيدا.

وملك بعده قباد بن فيروز ثلاثاً وأربعين سنة.

وملك بعده جاماسف أخو قباد ستّاً وأربعين «خ ل ستين» سنة وولّي أمر الله يومئذ في الأَرض مرعيداً.

وعند ذلك ملك كسرى بن قباد ستّاً وأربعين سنة وثمانية أشهر ووليّ أمر الله يومئذ مرعيداً علیه السلام وأصحابه وشيعته المؤمنين، فلمّا أراد الله عزّ وجل أن يقبض مرعيدا أوحى إليه في منامه أن استودع نور الله وحكمته بحيراء الرّاهب ففعل.

فعند ذلك ملك هرمز بن كسرى ثلاث وثمانين سنة.

ووليّ أمر الله يومئذ بحيرا وأصحابه المؤمنون وشيعته الصّديقون.

وعند ذلك ملك كسری بن هرمز بن پرویز وولي أمر الله يومئذ بحيرا.

حتّى إذا طالت المدّة وانقطع الوحي واستخف بالنعم، واستوجب الغير ودرس الدّين و تركت الصلاة، واقتربت السّاعة وكثرت الفرق وصار النّاس في حيرة وظلمة وأديان مختلفة، أمور متشتّتة وسبل ملتبسة، ومضت تلك القرون كلها ومضى صدر منها على منهج نبيّها علیه السلام، وبدّل آخر نعمة الله كفراً وطاعته عدواناً، فعند ذلك استخلص الله عزّ وجل لنبوّته ورسالته من الشجرة المشرفة الطيّبة والجرثومة المتحيّزة(1)التي اصطفاها الله عزّ وجلّ في سابق علمه ونافذ قوله قبل ابتداء خلقه، وجعلها منتهى خيرته وغاية صفوته ومعدن خاصّته محمداً صلّی الله علیه و آله و سلّم واختصّه بالنبّوة واصطفاه بالرّسالة وأظهر بدينه الحق ليفصل بين عباد الله القضاء، ويعطي في الحق جزيل العطاء، ويحارب أعداء رب السّماء وجمع عند ذلك ربّنا تبارك وتعالى


1) في نسخة: المتمرة.

لمحمّد صلّی الله علیه و آله و سلّم علم الماضين وزاده من عنده القرآن الحكيم بلسان عربي مبين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فيه خبر الماضين وعلم الباقين(1).

بیان

ما في هذه الرّواية من كون الفترة بين عيسى ومحمد أربع مائة وثمانين سنة مخالف لما في «البحار»، من كتاب «كمال الدّين» بسنده عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله علیه السلام قال: كان بين عيسى وبين محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم خمس مائة عام منها مائتان وخمسون عاماً ليس فيها نبيّ ولا عالم ظاهر، قلت: فما كانوا؟ قال: كانوا متمسکین بدین عیسی، قلت فما كانوا ؟ قال: مؤمنين ثمّ قال علیه السلام: ولا تكون الأَرض إلا وفيه عالم(2).

وفيه أيضاً من «الاحتجاج» قال: سأل نافع مولى ابن عمر أبا جعفر علیه السلام كم بين عيسی وبین محمّد محمد صلّی الله علیه و آله و سلّم سنة؟ قال: أجيبك بقولك أم بقولي؟ قال: أجبني بالقولين قال علیه السلام: أمّا بقولي فخمس مائة سنة، وأمّا قولك فست مائة سنة(3).

قال المحدّث العلامة المجلسي بعد نقل هذه الأَخبار: والمعوّل على هذين الخبرين، ثمّ قال: ويمكن تأويل الخبر المتقدّم بأن يقال: لم يحسب بعض زمان الفترة من أوّلها لقرب العهد بالدّين.

أقول: أمّا أنّ التعويل على ما تضمّنه الخبران من كون المدّة بينهما خمس مائة عام فلا غبار عليه لشهرته. وأمّا التّأويل الّذي ذكره في الخبر فليس بذلك البعد ولكن في خصوص هذه الفقرة منه إلاّ أنّ السنين المشخّصة فيه لكلّ من السلاطين بين عيسى ومحمّد صلّی الله علیه و آله و سلّم يزيد مجموعها على تسع مائة سنة ومنافاته لكون المدّة بينهما خمس مائة سنة كما مائة سنة كما في الخبرين واضح ولا يمكن دفعه بالتّأويل المذكور، والجمع بينهما محتاج إلى التأمل.


1) كمال الدين: 228، وبحار الأنوار: 520/14.

2) تفسير الميزان: 257/19، وكمال الدين: 161 ح20.

3) بحار الأنوار: 346/14 ح2.

الترجمة

پس عبرت بردارید بحالت فرزندان جناب اسماعیل و پسران جناب إسحاق و فرزندان جناب یعقوب علیهم السلام، پس چه قدر سخت است معتدل شدن حالت شما با حالات ایشان، وچه نزدیکست مشابهت صفات شما بصفتهای ایشان، تدبّر نمائید کار ایشان را در حال پراکندگی ایشان و متفرّق بودن ایشان در شبهائی که بودند پادشاهان فارس و روم پادشاه ایشان، در حالتی که دور میکردند ایشانرا از کشت زار آفاق و از دریای عراق که شطّ وفراتست، و از سبزی دنیا یعنی بلاد معموره بسوى مواضع روئیدن درمنه(1)و مکانهای وزیدن باد و تنگی معاش.

پس گذاشتند پادشاهان ایشان را در حالتی که فقرا و مساکین بودند برادران شتران مجروح صاحب كرك در حالتی که ذلیل ترین امّتها بودند از حیثیت خانه، و قحط ترین ایشان بودند از حیثیّت منزل و مقر، نمی توانستند خودشان را بچسبانند و پناه برند بسوی جناح دعوتی که طلب حفظ کنند با آن، ونه بسوی سايۀ الفتي که اعتماد نمایند بر عزّت آن.

پس احوال ایشان پریشان بود و دستهای ایشان مختلف، و جمعیت و کثرت ایشان متفرّق، در شدّت بلا وجهالت عام از دختران زنده در گور شده، و بتهای عبادت کرده شده، و رحمهای بریده شده، و غارتهای ریخته شده از هر طرف.

پش نظر کنید بمواقع نعمتهای خداوند برایشان وقتی که مبعوث فرمود بسوی ایشان پیغمبری را یعنی محمّد مصطفی صلّی الله علیه و آله و سلّم، پس منعقد ساخت با ملّت خود اطاعت ایشانرا، وجمع فرمود با دعوت خود الفت ایشان را چگونه منتشر ساخت و فراخ گردانید نعمتی که برایشان بود بال کرامت خود را، و جاری ساخت برایشان نهرهای ناز و نعمتهای خود، و پیچیده شد ملّت بایشان یعنی جمع نمود دین اسلام ایشانرا در منافع برکت خود.


1) با ترکی پوشان. م

پس گردیدند در نعمت ملت غرق شدگان، و از سبزی و طراوت عیش آن شادمان، بتحقیق که مستقیم شد کارهای ایشان در سایۀ سلطان غالب، و نازل کرد ایشانرا حالت ایشان بسوی پناه عزّت قاهر، و مهربانی کردند کارها برایشان در بلندیهای پادشاهی ثابت.

پس ایشان حاکمانند بر عالمیان، و پادشاهانند در أطراف زمینها، مالك می شوند در کارها بر کسانی که مالک بودند در آن کارها برایشان، و امضا می کنند و جاری می سازند حکمها را در اشخاصی که امضاء می نمودند آن کارها را در ایشان فشرده نمی شود برای ایشان هیچ نیزۀ بجهت قوت ایشان، و کوبیده نمی شود مر ایشانرا هیچ سنگی بجهت غایت قدرت و جرأت ایشان.

هذا آخر الجزء الحادي عشر من هذه الطبعة النفيسة القيمة، وقد تم تصحيحه وتهذيبه وترتيبه بيد العبد - السيد إبراهيم الميانجي - عفى عنه وعن والديه، وذلك في اليوم الثالث عشر من شهر رجب الأصب، يوم ميلاد الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين سنة 1382 ويليه إن شاء الله الجزء الثاني عشر وأوله «الفصل السابع» والحمد لله رب العالمين.

محتوى الجزء الحادي عشر من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والرابعة والثمانون من المختار في باب الخطب 5

منها - في صفة خلق أصناف من الحيوان 5

اللغة 7

الإعراب 8

المعنى 9

(منها) 17

تبصرة 28

تذنيبات 29

الأول - في خلقة النملة 29

الثاني - في الجرادة 34

الثالث - في الغراب 36

عجيبة 38

الرابع - في العقاب 39

الخامس - في الحمام 40

السادس - في النعام 41

ومن خطبة له علیه السلام وهي المئة والخامسة والثمانون من المختار في باب الخطب 48

اللغة 50

الإعراب 51

المعنى 51

تنبيه 104

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والسادسة والثمانون من المختار في باب الخطب 119

اللغة 119

الإعراب 120

المعنى 120

ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والسابع والثمانون من المختار في باب الخطب 127

اللغة 127

الإعراب 127

المعنى 128

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والثامنة والثمانون من المختار في باب الخطب 135

اللغة 135

الإعراب 136

المعنى 136

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والتاسعة والثمانون من المختار في باب الخطب 156

اللغة 157

الإعراب 159

المعنى 160

ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والتسعون من «المختار» في باب الخطب 186

اللغة 187

الإعراب 188

المعنى 189

ومن خطبة له علیه السلام تسمى بالقاصعة وهي المائة والحادية والتسعون من المختار في باب الخطب 222

الفصل الأول 222

اللغة 223

الإعراب 223

المعنى 223

الأولى - في اسمها ووجه تسميتها 224

الفائدة الثانية 224

الفائدة الثالثة 225

الفصل الثاني 238

اللغة 238

الإعراب 239

المعنى 240

الفصل الثالث 253

اللغة 254

الإعراب 255

المعنى 256

تذييل 269

الفصل الرابع 279

اللغة 280

الإعراب 282

المعنى 282

تكملة 292

بیان 293

الفصل الخامس 298

اللغة 299

الإعراب 300

المعنى 302

الفصل السادس 329

اللغة 329

الإعراب 330

المعنى 331

تبصرة 340

بیان 344

مکتبة الروضة الحیدریة

الرقم 4504

التاریخ 29/ 1/ 2005

طبع علی مطابع

دار إحیاء التراث العربی