ghaemiyeh.com
نهج البلاغة
خطب ، رسائل ، كلام ، وصايا
عهود ، حكم ، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام
الطبعة الأولى
1424ه - 2003م
دار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان
محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي
نهج البلاغة
خطب ، رسائل ، كلام ، وصايا
عهود ، حكم ، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام
منهَاج البراعة
شرح
نهج البلاغة
لِمُوْلَفِهِ
العلامة الحقوق والحاج میرزا حبیب الله هاشمي الحق في قدس سره
طبعة جديدة
ضبط وتحقيق
على عاشور
مكتبة الروضة الحيدرية
4495
2005/1/29
المجلد الثامن
دار الحياء التراث العربى
بيروت - لبنان
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1424ه - 2003م
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان. شارع دكاش - هاتف: 272652 - 272900 - 272782 - 272783 فاكس: 850717 - 850623 ص.ب. 11/7957
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/1
بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ثم أنه علیه السلام لما فرغ من تعداد أفضل الوسائل إلى الله سبحانه، وأشرف ما يتقرب به إليه تعالى أردفه بالأمر بما هو موجب لكماله وتمامه فقال علیه السلام:
(أفيضوا) أي اندفعوا (في ذكر الله فإنه أحسن الذكر) لما يترتب عليه من القمرات الدنيوية والأخروية حسبما عرفته في «التنبيه الثاني» من تنبيهات الفصل السادس من فصول الخطبة الثانية والثمانين (وارغبوا فيما وعد المتقين)
بقوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ ورضوان من الله والله بصيرا بالعِبَادِ [آل عمران : 15].)والرّغبة فيه إنّما هو بتحصيل التقوى والاتصاف بأوصاف المتقين الذين :(الذين يقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا وَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّار المديرين والفكينينوَالْقَسِنِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران: 16 - 17] (1).
(فإن وعده) سبحانه (أصدق الوعد) أي لا يخلف الميعاد لأن الخلف منشأه إما البخل أو العجز، وكلاهما محالان على الله سبحانه (واقتدوا بهدى نبيكم ) أي بسيرته صلی الله علیه واله وسلم (فإنه أفضل الهدى ) لأنّه إذا كان أفضل الأنبياء كانت سيرته أفضل السير (واستنوا بسنته ) أي بطريقته سلام الله عليه وآله (فإنّها أهدى السنن ) وأقرب الطرق الموصلة إلى الحق سبحانه (وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث)، أي أحسن الكلام، وسمّى الكلام به لتجدده وحدوثه شيئاً فشيئاً، وقد مضى في شرح الفصل السابع عشر من فصول الخطبة الأولى بعض الأمور المهمة المتعلقة بالقرآن، ولعلوّ مقامه وسموّ مكانه وحسن نظمه وجلالة قدره وبعد غوره وعذوبة معناه ودقة مغزاه واشتماله على ما لم يشتمل عليه غيره من كلام المخلوقين ، كان أحسن الكلام وأمر علیه السلام بتعلّمه بذلك الاعتبار مضافاً إلى ما يترتب على تعلمه من عظيم الفوائد ومزيد القسم والعوائد.
كما يشهد به ما رواه ثقة الإسلام الكليني عطر الله مضجعه عن علي بن محمد عن عليّ بن العبّاس عن الحسين بن عبد الرحمن عن سفيان الحريري عن أبيه عن سعد الخفاف
1) تفسير جوامع الجامع : 270/1 ، وتفسير الأصفى: 142/1.
عن أبي جعفر علیه السلام قال : يا سعد تعلموا القرآن فإن القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليه الخلق، والناس صفوف عشرون ومائة ألف صف ثمانون ألف صف أمة محمد صلی الله علیه واله وسلم وأربعون ألف صف من سائر الأمم فيأتي على صف المسلمين في صورة رجل فيسلم فينظرون إليه، ثم يقولون : لا إله إلا الله الحليم الكريم إن هذا الرجل من المسلمين نعرفه بنعته
وصفته غير أنه كان أشدّ اجتهاداً منافي القرآن ، فمن هناك أعطى من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه، ثم يتجاوز حتى يأتي على صف الشهداء فينظر إليه الشهداء ثم يقولون : لا إله إلا الله الرّب الرحيم إن هذا الرجل من الشهداء نعرفه بسمته وصفته غير أنه من شهداء البحر، فمن هناك أعطى من البهاء والفضل ما لم نعطه ، قال فيجاوز حتى يأتي صف شهداء البحر في صورة شهيد ، فينظر إليه شهداء البحر فيكثر تعجبهم ويقولون إن هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته وصفته، غير أن الجزيرة التي أصيب فيها كانت أعظم هولاً من الجزيرة التي أصبنا فيها فمن هناك أعطى من البهاء والجمال والنور ما لم نعطه ، ثم يجاوز حتى يأتي صف النبيين والمرسلين في صورة نبي مرسل ، فينظر النبيون والمرسلون إليه، فيشتد لذلك تعجبهم ويقولون : لا إله إلا الله الحليم الكريم إنّ هذا النبي مرسل نعرفه بصفته وسمته غير أنه أعطى فضلاً كثيراً، قال : فيجتمعون فيأتون رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيسألونه ويقولون : يا محمدمن هذت؟ فيقول لهم : أو ما تعرفونه؟ فيقولون ما نعرفه هذا ممن لم يغضب الله عليه فيقول رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: هذا حجة الله على خلقه فيسلم، ثم يجاوز حتى يأتي على صف الملائكة في صورة ملك مقرب، فينظر إليه الملائكة فيشتد تعجبهم ويكبر ذلك عليهم، لما رأوا من فضله ويقولون : تعالى ربّنا وتقدس إن هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته وصفه غير أنّه كان أقرب الملائكة إلى الله عزّ وجلّ مقاماً، فمن هناك ألبس من النور والجمال ما لم نلبس، ثم يجاوز حتى ينتهي إلى ربّ العزة تبارك وتعالى فيخرّ تحت العرش فيناديه تبارك وتعالى : يا حجتي في الأرض وكلامي الصادق الناطق ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فيرفع رأسه فيقول الله تبارك : كيف رأيت عبادي؟ فيقول: يا رب منهم من صانني وحافظ علي ولم يضيع شيئاً، ومنهم من ضيعني واستخف بحقي وكذب بي وأنا حجتك على جميع خلقك فيقول الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأثيبن عليك اليوم أحسن الثواب ، ولأعاقبن عليك اليوم أليم العقاب ، قال فيرفع القرآن رأسه في صورة أخرى قال : فقلت له : يا با جعفر في أي صورة يرجع ؟ قال : في صورة رجل شاحب متغير ينكره أهل الجمع، فيأتي الرجل من شيعتنا الذي كان يعرفه ويجادل به أهل الخلاف فيقوم بين يديه فيقول : ما تعرفني فينظر إليه الرّجل فيقول : ما أعرفك يا عبد الله ، قال : فيرجع في صورته التي كانت في الخلق الأول، فيقول: ما تعرفني؟ فيقول : نعم، فيقول القرآن : أنا الذي أسهرت ليلك وأنصبت عيشك، وسمعت في الأذى ورجمت بالقول ، إلا وأن كل تاجر قد استوفى تجارته وأنا وراءك اليوم، قال: فينطلق به إلى ربّ العزّة تبارك وتعالى فيقول : يا ربّ عبدك وأنت أعلم به قد كان نصباً بي مواظباً عليّ
يعادي بسببي ويحبّ في ويبغض، فيقول الله عزّ وجل ادخلوا عبدي جنتي واكسوه حلة من حلل الجنّة وتوجوه بتاج، فإذا فعل به ذلك عرض على القرآن فيقول له : هل رضيت بما صنع بوليك؟ فيقول : يا رب إني أستقل هذاله فزده مزيد الخير كله ، فيقول عز وجل : وعزّتي وجلالي وعلوي وارتفاع مكاني لأنحلن له اليوم خمسة أشياء مع المزيد له، ولمن كان بمنزلته إلا أنهم شباب لا يهرمون، وأصحاء لا يسقمون، وأغنياء لا يفتقرون، وفرحون لا يحزنون ، وأحياء لا يموتون، ثم تلا هذه الآية : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى )[الدخان: 56 ] .
قال :قلت يا أبا جعفر وهل يتكلّم القرآن؟ فتبسم علیه السلام ثم قال : ثم قال : رحم الله منالضعفاء شيعتنا إنهم أهل تسليم ، ثم قال علیه السلام: نعم يا سعد والصلاة تتكلّم، وله صورة وخلق تأمر وتنهى ، قال سعد: فتغير لذلك لوني وقلت : هذا شيء لا أستطيع التكلّم به في الناس، فقال أبو جعفر علیه السلام: وهل الناس إلا شيعتنا، فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقنا، ثم قال : يا سعد أسمعك كلام القرآن؟ قال سعد : فقلت بلى صلى الله عليك ، فقال : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر، فالنهي كلام والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر الله ونحن أكبر (1).
(وتفقهوا فيه) أي تفهموا في القرآن (فإنه ربيع القلوب)، واستعار له لفظ الرّبيع باعتبار كونه جامعاً لأنواع الأسرار العجيبة والنكات البديعة والمعاني اللطيفة والعلوم الشريفة التي هي متنزه القلوب، كما أن الربيع جامع لأنواع الأزهار والرياحين التي الأبصار ومحصل المعنى ، أنّه يجب عليكم أخذ الفهم في القرآن كي لا تحرموا من فوائده ولا تغفلوا عن منافعه فإنه بمنزلة الربيع المتضمن للفوائد الكثيرة والمنافع ، العظيمة هذا .
ويحتمل أن يكون المراد بالتفقه التبصر على حذو ما ذهب إليه بعض الشارحين في شرح قوله صلی الله علیه واله وسلم: ( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً بعثه الله فقيهاً عالماً) (2)، حيث قال: ليس المراد به الفقه بمعنى الفهم فإنه لا يناسب المقام ، ولا العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية فإنه مستحدث، بل المراد البصيرة في أمر الدين ، والفقه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى، وإليها أشار علیه السلام بقوله : (لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله وحتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة، ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشدّ مقتاً) .
ثم قال : هذا البصيرة إما موهبية وهي التي دعا بها النبي صلی الله علیه واله وسلم الأمير المؤمنين علیه السلام لحين
أرسله إلى اليمن حيث قال: اللهم فقهه في الدين (1)، أو كسبية وهي التي أشار إليها أمير المؤمنين علیه السلام حيث قال لولده الحسن علیه السلام: وتفقه يا بني في الدين ، (2)انتهى .
وعلى هذا الاحتمال ، فتعليل الأمر بالتفقه بكونه ربيعاً إشارة إلى أن الربيع كما أنه مورد الاعتبار بما أودع الله فيه من عجائب العبر والأسرار، وأخرج فيه من بدائع النبات والأزهار وغيرها من شواهد الحكمة وآثار القدرة، فكذلك القرآن محلّ الاستبصار بما تضمنه من حكاية حال الأمم الماضية والقرون الخالية وتفصيل ما أعطاه الله سبحانه للمطيعين من عظيم الثواب وجزاه للمسيئين من أليم العقاب والعذاب ، وغير ذلك مما فيه تذكرة لأولي الأبصار وتبصرة الأولي الألباب.
(واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور) من الأسقام الظاهرة والباطنة والأمراض الحسية والعقلية .
كما يدلّ عليه ما رواه في «الكافي» بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره، فإنّ التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور.
وفيه عن أبي جميلة قال : قال أبو عبد الله علیه السلام كان في وصيّة أمير المؤمنين علیه السلام لأصحابه : اعلموا أن القرآن هدى النهار ونور الليل المظلم على ما كان من جهل وفاقة.
وفيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه علیه السلام قال : شكى رجل النبي صلى الله عليه واله وسلم وجعاً في صدره فقال : استشف بالقرآن فإنّ الله عز وجل يقول وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس : 57]، إلى غير ذلك مما لا نطيل بروايتها وتأتي طائفة كثيرة منها في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة المائة والسابعة والتسعين إن شاء الله تعالى .
(وأحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص) يعني أنه لما كان أحسن القصص وأنفعها كما يرشد إليه قوله تعالى : نحن نقص عليك أحسن القصص، لا جرم ينبغي أن يحسن قدرته وأن يتلى حق التلاوة بحسن التدبير والنظر لتدرك منافع قصصه ، وتنال بها فيها من الفوائد العظيمة .
روى في «الكافي» بإسناده عن عبد الله بن سليمان قال : سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله عزّ وجل : ورتل القرآن ترتيلاً ، قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام: بينه تبياناً ولا تهده هذ الشعر
ولا تنثره نثر الرّمل ، ولكن أفزعوا قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة (1).
ثم إنه علیه السلام لما أمر بتعلم القرآن وعقبه بأمور ملازمة للعمل به من التفقه فيه والاستشفاء بنوره وحسن تلاوته ، علل ذلك بقوله : ( فإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر) أي المتحير (الذي لا يستفيق من جهله ) في اشتراكهما في التورّط في الضلال والعدول عن قصد السبيل (بل الحجة عليه أعظم ) لانقطاع معذرته بمعرفته وعدم تمكنه من أن يعتذر ويقول : إنا کنا عن هذا غافلين .
وقد مرّ في شرح الفصل الثاني من فصول الخطبة الثانية والثمانين تحقيق الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه ، وروينا هنالك عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قال: يا حفص يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد (2)(والحسرة له ألزم )كما يوضحه رواية سليم بن قيس الهلالي المتقدمة ثمة .
وقال الشارح البحراني «قدس الله سره» : إن النفوس الجاهلة غير عالمة بمقدار ما يفوتها من الكمال بالتفصيل، فإذا فارقت أبدانها فهي ، وإن كانت محجوبة عن ثمار الجنة وما أعدّها الله فيها لأوليائه العلماء، إلا أنها لما لم تجد لذتها ولم تطعم حلاوة المعارف الإلهية لم تكن لها كثير حسرة عليها ولا أسف على التقصير في تحصيلها، بخلاف العارف بها العالم بنسبتها إلى اللذات الدنيوية، فإنّه بعد المفارقة إذا علم وانكشف له أن الصارف له والمانع عن الوصول إلى حضرة جلال الله هو تقصيره في العمل بما علم مع علمه بمقدار ما فاته الكمالات
من والدرجات، كان أسفه وحسرته على ذلك أشد الحسرات، وجرى ذلك مجرى من علم قيمة جوهرة ثمينة تساوي جملة من المال، ثم اشتغل عن تحصيلها ببعض لعبه فإنّه يعظم حسرته عليها وندمه على التفريط فيها بخلاف الجاهل بقيمتها .
(وهو عند الله ألوم) وشدّة اللائمة مساوق لشدّة العقوبة ، وهو باعتبار أن عدم قيامه بوظائف علمه وأتباعه هواه كاشف عن منتهى جرأته على مولاه، فبذلك يستحق من اللوم والعتاب والخزي والعذاب ما لا يستحقه غيره ممن ليس له هذه الجرأة ، فهو عند الله أشد لوماً وعتاباً، وأعظم نكالاً وعقاباً.
إعلم أن هذه الخطبة الشريفة حسبما أشرنا إليه ملتقطة من خطبة طويلة روى تمامها
الشيخ المحدث الثقة أبي محمد الحسن بن علي بن شعبة قدس الله سره في كتاب «تحف العقول ».
قال : خطبته علیه السلام المعروفة بالديباج : الحمد لله فاطر الخلق وخالق الإصباح ومنشر الموتى وباعث من في القبور ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلی الله علیه واله وسلم .
عباد الله إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله جل ذكره الإيمان بالله وبرسله وما جاءت به من عند الله ، والجهاد في سبيله فإنه ذروة الإسلام، وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة ، وإقامة الصلاة فإنّها الملة ، وإيتاء الزكاة فإنها فريضة وصوم شهر رمضان فإنه جنة حصينة ، وحج البيت والعمرة فإنهما ينفيان الفقر ويكفران الذنب ويوجبان الجنة، وصلة الرحم فإنها ثروة في المال ومنساة في الأجل وتكثير للعدد، والصدقة في السّر فإنها تكفّر الخطأ وتطفيء ، غضب الرب تبارك وتعالى ، والصدقة في العلانية فإنها تدفع ميتة السوء، وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع السوء، وأفيضوا في ذكر الله جل ذكره فإنه أحسن الذكر، وهو أما من النقاق وبراءة من النار، وتذكير لصاحبه عند كلّ خير يقسمه الله جلّ وعزّ له دوي تحت العرش، وارغبوا فيما وعد المتقون فإن وعد الله أصدق الوعد ، وكلّما وعد فهو آت كما وعد ، فاقتدوا بهدي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فإنّه أفضل الهدي ، واستنوا بسنته فإنها أشرف السنن، وتعلّموا كتاب الله تبارك وتعالى فإنه أحسن الحديث وأبلغ الموعظة، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنّه شفاء لما في الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنّه أحسن القصص، وإذا قرأ عليكم القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم من علمه لعلكم تفلحون .
فاعلموا عباد الله أن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجة عليه أعظم وهو عند الله ألوم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه مثل ما على هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما حائر بائر مضل مفتون مبتور ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون .
عباد الله لا ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا ، فتكفروا ولا تفكروا فتندموا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا وتذهب بكم الرّخص مذاهب الظلمة فتهلكوا ، ولا تداهنوا في الحق إذا ورد عليكم وعرفتموه فتخسروا خسراناً مبيناً .
عباد الله إن من الحزم أن تتقوا الله ، وإن من العصمة أن لا تغتروا بالله .
عباد الله إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه، وأغشهم لنفسه أعصاهم له.
عباد الله إنه من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعصيه يخب ويندم ولا يسلم .
عباد الله سلوا الله اليقين ، فإن اليقين رأس الدين ، وارغبوا إليه في العافية فإن أعظم النعمة العافية فاغتنموها للدنيا والآخرة وارغبوا إليه في التوفيق فإنه أس وثيق، واعلموا أن خير ما لزم القلب اليقين ، وأحسن اليقين التقى، وأفضل أمور الحق عزائمها ، وشرها محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وبالبدع هدم السنن ، المغبون من غبن دينه، والمغبوط من سلم له دينه وحسن يقينه ، والسّعيد من وعظ بغيره ، والشقي من انخدع لهواه .
عباد الله اعلموا أن يسير الزياء شرك، وإن إخلاص العمل اليقين، والهوى يقود إلى النار، ومجالسة أهل الهوى ينسي القرآن ويحضر الشيطان ، والنسىء زيادة في الكفر وأعمال العصاة تدعو إلى سخط الرحمن وسخط الرحمن يدعو إلى النار، ومحادثة النساء تدعو إلى البلاء وتزيغ القلوب ، والرّمق لهنّ يخطف نور أبصار القلوب، ولمح العيون مصائد الشيطان، ومجالسة السلطان يهيج النيران .
عباد الله أصدقوا فإنّ الله مع الصادقين ، وجانبوا الكذب فإنّه مجانب للإيمان وإن الصادق على شرف منجاة وكرامة ، والكاذب على شفا مهواة وهلكة ، وقولوا الحق تعرفوا به ، واعملوا به تكونوا من أهله ، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها، وصلوا أرحام من قطعكم ، وعودوا بالفضل على من حرمكم، وإذا عاقدتم فأوفوا ، وإذا حكمتم فاعدلوا، وإذا ظلمتم فاصبروا، وإذا أُسيء إليكم فاعفوا واصفحوا كما تحبون أن يعفى عنكم، ولا تفاخروا بالآباء، ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان، ولا تمازحوا ، ولا تغاضبوا، ولا تباذخوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، ولا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب، ولا تباغضوا فإنها الحالقة ، وافشوا السلام في العالم، وردّوا التحية على أهلها بأحسن منها، وارحموا الأرملة واليتيم، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين، وفي الرقاب والمكاتب والمسكين ، وانصروا المظلوم ، واعطوا الفروض ، وجاهدوا أنفسكم في الله حق جهاده فإنه شديد العقاب، وجاهدوا في سبيل الله، وأقروا الضيف وأحسنوا الوضوء، وحافظوا على الصلوات الخمس في أوقاتها، فإنها من
الله عزّ وجلّ بمكان .
(وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة : 158] (عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا ) [المائدة: 2] (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَالِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102 ].
واعلموا عباد الله أن الأمل يذهب العقل ويكذب الوعد ويحثّ على الغفلة ويورث الحسرة، فأكذبوا الأمل فإنّه غرور وأن صاحبه مأزور، فاعملوا في الرغبة والرهبة فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا واجمعوا معها رغبة ، فإنّ الله قد تأذن للمسلمين بالحسنى ولمن شكر بالزيادة، فإنّي لم أر مثل الجنة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها ، ولا أكثر مكتسباً ممن كسبه
ليوم تذخر فيه الذخائر وتبلى فيه السرائر، وإن من لا ينفعه الحق يضرّه الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى تضرّه الضلالة، ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك، وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد، ألا أن أخوف ما أتخوّف عليكم إثنان : طول الأمل واتباع الهوى ألا وإنّ الدنيا أدبرت وآذنت بانقلاع، ألا وأن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع ، ألا وإن المضمار اليوم والسباق غداً، ألا وإن السبقة الجنّة والغاية النار، ألا وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل ، فمن أخلص لله عمله في أيامه قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضره أجله، ومن لم يعمل في أيام مهله ضرّه أجله ولم ينفعه عمله .
عباد الله أفزعوا إلى قوام دينكم بإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة في حينها، والتضرّع والخشوع وصلة الرحم، وخوف المعاد وإعطاء السائل وإكرام الضعيفة والضعيف وتعلم القرآن والعمل به ، وصدق الحديث والوفاء بالعهد وأداء الأمانة إذا ائتمنتم ، وارغبوا في ثواب الله وارهبوا عذابه وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، وتزوّدوا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم واعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز بالخير من قدّم الخير ، أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم (1).
لا يخفى على الضابط المحيط بما تقدّمت من الخطب أن الأشبه أن تكون الخطبة الثامنة والعشرون، وأواخر الخطبة الخامسة والثمانين، وهذه الخطبة التي نحن في شرحها جميعاً ملتقطة من تلك الخطبة المعروفة بالديباج، فإنّك إذا لاحظتها ترى توافق هذه الخطبة لأوائل من تلك الخطبة، وأواخر الخامسة والثمانين لأواسطها، والثامنة والعشرين لأواخرها، وإن كان بينها اختلاف يسير في بعض العبارات، وتقديم وتأخير في بعض الفقرات، ولا ضير فيه فإنّه من تفاوت مراتب حفظ الرواة في القوة والضعف، وهو عمدة جهات الاختلاف في الأخبار
كما هو غير خفي على أولى الأبصار .
1) تحف العقول: 153 ، ونهج السعادة : 221/3
از جمله خطبههای شریفه آن حجت زمان و قدوت عالمیان است در وصف
شعائر اسلام و حثّ و ترغیب بر آن ، می فرماید:
به تحقیق بهترین چیزی که تقرب می کنند به آن تقرب جویندگان به سوی پروردگار عالمیان که منزّه و مقدس است از هرگونه عیب و نقصان ، ایمان و تصدیق است به ذات او و به پیغمبر برگزیده او و جهاد است در راه او، پس به تحقیق که جهاد بلندی اسلام است ، دیگر از اسباب تقرب كلمه اخلاص یعنی کلمه طيبه لا اله الا الله است ، پس به درستی که آن کلمه مبارکه توحید است و معرفت؛ دیگر برپا داشتن نماز پنج گانه ، پس به تحقیق که او است ملت و دادن زکات است که او است فرض و واجب و روزه ماه مبارك رمضان است که سپر است از عقوبت و حجّ خانه خدا و عمره به جا آوردن است در آن که آن حج و عمره بر می دارند فقر و پریشانی را و میشویند گناه را و صله ارحام است که مایه افزونی مال است و درازی عمر و صدقه دادن است پنهان که کفّاره گناهان است و صدقه دادن است آشکارا که دفع کننده مردن زشت است چون سوختن و غرق شدن و مثل آن و کارهای نیکو کردن است که نگه میدارد کردن آنها از کشته شدن در مواضع ذلّت.
کوچ نمایید و سیر کنید در ذکر خدا ، پس به درستی که ذکر خدا بهترين ذكرها است و رغبت نمایید به چیزی که وعده فرموده پرهیزکاران را ، پس به تحقیق که وعده او راستترین وعدهها است و متابعت کنید به صیرت پیغمبر خودتان که بهترین سیرتها است و راه بروید به طریقه او که هدایت کننده ترین طریقها است و یاد بگیرید و بیاموزید قرآن کریم را که بهترین کلامها است و بفهمید نکات آن را که بهار قلبها است و طلب شفا کنید با نور قرآن که آن شفای سینهها است و خوب تلاوت نمایید آن را پس به درستی که آن نافع ترین قصه ها است. به تحقیق که عالمی که به علم خود عمل نکند مثل جاهل و نادان سرگردانی است که از مستی و جهالت خود به هوش نیاید، بلکه حجت خدا آن عالم بزرگتر است و
بر حسرت و افسوس مر آن علم را لازم تر است و او در نزد خدا بیشتر مستحق
آن مذمت و ندامت است.
ورواها المحدث العلامة المجلسي (قدس الله سره) في «البحار» من كتاب مطالب السؤول باختلاف كثير تطلع عليه إن شاء الله بعد شرح ما رواء الرضي (قدس الله سره) وهو قوله :
أَمَّا بَعْدُ فَإنّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيا فَإِنَّها حُلْمٌ حَضِرَةٌ حُفْتِ بِالشَّهَوَاتِ، وتَحَبَّبَتْ بِالعَاجِلَةِ، وراقتْ بِالقَليل، وتَحَلَّتْ بِالآمال، وتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ ، لا تَدُومُ خبرتها، ولا تُؤْمَنُ فَجْعَتُها، غَزارَةٌ، ضَرَارَةٌ ، حائِلَةٌ زائِلَةٌ ، نافِذَةٌ ، بائِدَةٌ، أَكالَةٌ، غَوّالَةٌ، لا تَعْدُو إِذا تَناهَتْ إِلى أُمْنِية أَهْل الرَّغْبَةِ فيها وَالرّضا بها أَنْ تَكُونَ كَما قال الله تعالى سُبْحانَهُ :(كَمَاء أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ نَبَات الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذَرُوهُ الرِّيحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ) لَمْ يَكُنْ امْرُءٌ مِنْها فِي حَبْرَةٍ إِلا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَها عِبْرَةً ، ولَمْ يَلْقَ مِنْ سَرَائِها بَطْناً إِلا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَائِها ظَهْراً، ولَمْ تَطُلَّهُ فيها ديمَةً رَخاءٍ إِلا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاءِ ، وحَريَّ إذا أَصْبَحْتَ لَهُ مُنتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكَّرَةً، وإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَاحْلَوْلي أَمَرَّ مِنْها جانِبٌ فَأَوْبى لا يَنالُ امْرُهُ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً إِلَّا أَرْهَفَتْهُ مِنْ نَوائِبِها تَعَباً، ولا يُمْسِي مِنْهَا في جَناحِ أَمْنِ إِلا أَصْبَحَ عَلى قَوادِمِ خَوْفٍ، غَرَارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا، فَانِيَةً فَانٍ مَنْ عَلَيْها، لا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوادِها إِلا التَّقْوى ، مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمّا يُؤْمِنُهُ، ومَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَا يُوبِقُهُ وزالَ عَمّا قَليلٍ عَنْهُ ، كَمْ مَنْ واثِقِ بِها قَدْ فَجَعَتْهُ، وذي طُمَانِينَةٍ قَدْ صَرَعَتْهُ، وذي أَنْهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقيراً، وذي نَحْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذُليلاً، سُلْطانُها دُوَل، وعَيْشُها رَبَقٌ، وعَذْبُها أَجاجٌ ، وحُلْوُها صَبِرٌ ، وغَذاؤها سمامٌ ، وأَسْبابُها رِمامٌ، حَيُّها مَوْتِ، وصَحيحُهَا بِعَرْضِ سَقَم، مُلكُها مَسْلُوبٌ ، وعَزيزُها مَغْلُوبٌ ، ومَوْفُورُها مَنْكُوبٌ، وجارُها مَحْرُوتٍ أَلَسْتُمْ فِي مَساكِنِ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْماراً، وأبقى آثاراً، وأَبْعَد آمالاً، وأَعَدَّ عديداً، وأَكْثَفَ جُنُوداً، تَعَبدُوا لِلدُّنْيا أَي تَعَبدِ، وآثرُوها أي إيثار، ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيرِ زادٍ مبلغ، ولا ظَهْرٍ قاطع، فَهَلْ بَلَعْكُمْ أَنَّ الدُّنْيا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ، أَوْ أَعانَتَهُمْ بِمَعُونَةٍ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ ضُحْبَةٌ، بَلْ أَرْهَقَتْهُم بِالفَوادِح وأَوْهَنَتْهُمْ بالقوارع ، وضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوائِبِ، وعَفَرَتْهُمْ لِلمَآخِرِ ، ووَطِئَتَهُمْ بِالْمَناسِم ، وأعانَتْ عَلَيْهُمْ رَيْبَ الْمَنُونِ، فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكَّرَها لِمَنْ دانَ لها وآثَرَها وَأَخْلَدَ إِلَيْهَا حَتَّى طَعْنُوا عَنْهَا لِفَراقِ الأَبَدِ، هَلْ زَوَّدتْهُمْ إِلا السَّغَبِ، أَو أَحَلَّتْهُمْ إِلا الضَّنْكَ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلا الظُّلمَةَ، أَوْ أَعْقَبْتُهُمْ إِلا النَّدامَةَ ، أَفَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ؟ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُونَ؟ أَمْ عَلَيْها تَحْرِصُونَ؟ فَبِئْسَتِ الدّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمُها ولَمْ يَكُنْ فيها على وجل مِنْهَا، فَاعْلَمُوا وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِأَنْكُمْ تارِكُوها وضاعِنُونَ عَنْها وَاتَّعِظُوا فيها بِالَّذِينَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنا قُوَّةً، حُمِلُوا إِلى قبُورِهِمْ، فَلا يُدْعَوْنَ رُكْباناً، وأنزِلُوا الأجداث فَلا يُدْعَوْنَ ضيفاناً، وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصفيح
أَجْنَانٌ، ومِنَ التُرابِ أَكْفانٌ ، ومِنَ الرُّفاتِ جيرانٌ ، فَهُمْ جيرَةٌ لا يُجيبُونَ داعياً، ولا يَمْنَعُونَ ضَيْماً، ولا يُبالُونَ مَندُبَةً ، إِنْ جيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا ، وإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا ، جَميعٌ وهُمْ آحَادٌ ، وجيرَةً وهُمْ أَبْعادٌ ، مُتَدانُونَ لا يَتزاوَرُونَ ، وقَريبُونَ لا يَتَقارَبُونَ ، حُلَماءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْعَانُهُمْ ، وجُهَلاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقادُهُمْ ، لا يُخْشى فَجْعُهُمْ، ولا يُرْجى دَفْعُهُمْ، إِسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الأَرْضِ بَطْناً، وبالسَّعة ضيقاً، وبالأَهْلِ غُرْبَةَ ، وبالنُّورِ ظُلمَةَ، فَجاؤُها كَما فَارَقُوها حفاةً غَرَاةً، قَدْ ظَعَنُوا بِأَعْمَالِهِمْ إِلى الحَياةِ الدّائِمَةِ، وَالدّارِ الباقِيَةِ، كما قال سبحانه: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ ﴾ [الأنبياء : 104] (1).
(الحبرة) بفتح الحاء المهملة وضمها أيضاً، وسكون الباء الموحدة النعمة والحسن
و الوشى و (حائلة) من حال الشيء الحول إذا تغير و (غاله) غولاً من باب قال: قتله (الهشيم) من النبات اليابس المتكسر ولا يقال له الهشيم وهو رطب و (ذرت) الرّيح الشيء ذرواً وأذرت وذرّته أطارته ونسفته و (الطل) المطر الخفيف ويقال أضعف المطر و (الديمة) بالكسر المطر يدوم أياما في سكون بلا رعد وبرق .
و (هتنت) السماء تهتن هتناً وهتوناً وتهاتنت أنصبت، و (المزنة) القطعة من السحاب ذي الماء أو الأبيض منه و (رغباً) بفتح الغين مصدر رغب مثل تعب تعباً، و (أرهقته) تعباً ألحقت ذلك به وأغشته إيّاه، و (القوادم) مقاديم الريش و (منتصرة) في أكثر النسخ بالنون ثم التاء من الإنتصار بمعنى الانتقام، وفي بعضها بالعكس من تنصر أي تكلّف النصرة و (الأبهة) وزان سكرة العظمة والبهجة والكبر والنخوة و (الصبر) بكسر الباء نبات معروف، ثمّ يطلق على كلّ مرّو (السمام) بالكسر جمع السّم مثلثة و (المناسم) جمع منسم بكسر السين كمسجد وهو باطن الخف ، وقيل هو للبعير كالسنبك للفرس و (السغب) محركة الجوع في تعب و (الصفيح) وجه كل شيء عريض .
قوله : (أن تكون كما قال الله تعالى ) بحذف حرف الجر متعلقة بتعدو أي لا تتجاوز عن أن تكون ، وحذفها عن (أن) المصدرية وأختها أن مطرد ومنه قوله سبحانه :
(وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ [النساء : 127] .
وفاعل (حرى) ضمير مستكن عائد إلى الدنيا، والتذكير باعتبار أن المراد وأن شأنها جدير بأن يفعل كذا ، (واللام ) في قوله: (له منتصرة ) ، للتعليل، وفي قوله : (له متنكرة)
1) تفسیر نور الثقلين : 463/3 ع 187 ، وتفسير الميزان : 336/14 .
للتقوية، وعلى رواية منتصرة من التنصر ، فاللام ثمة أيضاً للتقوية كما لا يخفى (وجانب) في قوله : (إن جانب أعذوذب) (ا ه-) مرفوع بفعل محذوف يفسّره ما بعده على حد قوله تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ [التوبة : 6] . (وزال) ، عطف على استكثر أي من استكثر منها زال المستكثر منها عما قليل عنه، وقوله : (الستم في مساكن) استفهام تقريري، وقوله علیه السلام : (تعبدوا للدنيا) الجملة استئنافية بيانية وأيّ تعبد ، بنصب (أيّ) صفة محذوف الموصوف أي تعبدوا للدنيا تعبداً أي تعبد ، والظاهر أن (أي) هذه في الأصل هي أي الاستفهامية، لأن معنى مررت برجل أي رجل برجل عظيم أو كامل يسأل عن حاله لأنه لا يعرفه كل أحد حتى يسأل عنه، ثمّ ثمّ نقلت عن الاستفهامية إلى الصفة فاعتور عليها إعراب الموصوف .
والاستفهام في قوله (فهل بلغكم ) ، على سبيل الإنكار والإبطال ، وفي قوله (هل ذوّدتهم إلا السعب ) للتقرير وفي قوله : (أفهذه تؤثرون ) ، على سبيل التوبيخ والتقريع، وقوله : (فاعلموا وأنتم تعلمون بأنكم تاركوها ) ، تعدية اعلموا (بالباء) لتضمينه معنى اليقين، أو أن (الباء) زائدة وجملة (وأنتم تعلمون) معترضة على حد قوله :
ألا هل أتاها والحوادث جمة *** بأنّ امرء القيس بن تملك يبقرا
فإن جملة والحوادث جمة معترضة بين الفعل أعني أتاها ، ومعموله الذي هو (بأن) (ا ه-) (والباء) زائدة فيه أيضاً، ويحتمل جعل الجملة حالاً من مفعول اعلموا فتكون في محل النصب، وعلى هذا فهي في المعنى قيد لعامل الحال، ووصف له بخلاف ما لو كانت معترضة فإن لها تعلقاً بما قبلها، لكن ليست بهذه المرتبة أشار إلى ذلك صاحب «الكشاف» في تفسير قوله :
(ثمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ، وَأَنتُمْ ظَلِمُونَ ﴾ [البقرة : 92] .
حيث قال: إنه حال أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها ، أو اعتراض، أي وأنتم عادتكم الظلم، هذا .
وفي بعض نسخ المتن : فاعملوا، بدل فاعلموا، وعليه فيكون قوله علیه السلام (بأنكم معمولاً لتعلمون)، كما هو واضح .
إعلم أن الغرض من هذه الخطبة الشريفة هو التحذير عن الدنيا والتنفير عنها بالإشارة إلى عيوباتها ومساوئها ، والتنبيه على زوالها وفنائها وانقضائها على ما فصله بقوله :
(أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنّها حلوة خضرة ) أي متصفة بالحلاوة والخضرة، واستعارتهما للدنيا باعتبار التذاذ النفس بهما وتخصيصهما من بين سائر الأوصاف لكونهما من أقوى المستلذات وأكملها (حقت بالشهوات) يعني أنها محاطة بالشهوات لا ينال بها إلا بالإنهماك فيها، ولا يمكن إدراكها إلا بالاقتحام في مشتهياتها (وتحتيت) إلى الناس (بالعاجلة) أي صارت محبوبة عندهم أو أظهرت المحبة لهم بلذاتها العاجلة الحاضرة التي مالت إليها القلوب بسببها، وذلك لأن القلوب إنما تميل إلى العاجل دون الآجل، والنفوس ترغب إلى النقد دون النسية قال الشاعر :
فأطعمنا من فومها وسنامها *** شواء وخير الخير ما كان عاجله
(وراقت بالقليل) أي أعجبت أهلها بشيء قليل حقير عند متاع الآخرة كماً وكيفاً (وتحلت بالآمال ) أي تزيّنت لأهلها بما يؤملون فيها من الآمال التي أكثرها باطلة (وتزينت) عند الناس (بالغرور) أي بما هو في نفس الأمر غرور وباطل لا حقيقة له ولا أصل .
(كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْثَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) [النور: 39].
(لا تدوم حبرتها ) ونعمتها (ولا تؤمن فجعتها) ورزيّتها (غرارة ضرارة ) أي كثيرة الغرور والضرر (حائلة زائلة ) أي متغيرة لا بقاء لها (نافدةبائدة) أي فانية هالكة لا دوام لها (أكالة غزالة) أي : كثيرة الأكل والاغتيال للنّاس مثل السبع العقور الذي يأكل الناس، وبغتاً لهم أي يأخذهم ويهلكهم من حيث لا يدرون ولا يشعرون (لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرّضا بها أن تكون كما قال الله تعالى ) يعني أنها إذا بلغت وانتهت إلى غاية ما يريده الراغبون فيها والراضون بها لا تعدو ولا تتجاوز عن كون حالها مثل المثل الذي ضرب الله سبحانه لها حيث قال في سورة الكهف : وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا [الكهف: 45] .(كَمَا أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذَرُوهُ الرِّيحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُل شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف : 45] .
فإنّ المراد بالآية تشبيه حالها في نضرتها وبهجتها وزهرتها وكونها على وفق منية أهلها مع ما يتعقبها من الهلاك والفناء بحال النّبات الحاصل من الماء يكون أخضر
وطبق بغية طالبيها ناضراً شديد الخضرة والطراوة يعجب الزارع، ثم ييبس فيكون هشيماً تذروه الرياح، وهو من باب التشبيه المركب على ما حققناه في الديباجة .
(لم يكن امرء منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ) يعني أن سرورها ولذتها معاقب للحزن والحسرة، ونعمتها منابع للنقمة (ولم يلق من سرائها بطناً إلا منحته من ضرَائها ) أي لم يلق امرء من خيرها وفضلها بطناً لها إلا بذلته من مشقتها وشدتها (ظهرا) لها وهو كناية عن كون إقبالها ملازماً لإدبارها ، وكون خيرها معقباً لشرها.
والمقصود أنه إن أقبلت إلى أحد بالخير والمنفعة واستقبلته بالوجه والبطن عقبت ذلك لا محالة بذل الضرر والمشقة، وأردفته بالضرورة بالأدبار، وبما ذكرنا علم وجه تخصيص البطن بالسّراء والظهر بالضراء، فإن من يلقى صاحبه بالشر والسّرور يلقاه بوجهه وبطنه، ومن يلقاه بالمساءة والتنكير يلقاه بظهره مولياً عنه دبره .
وقوله : (منحته)، من باب الاستعارة التهكمية إذ المنح هو البذل والإعطاء أعني إيصال النفع ، فاستعير لإيصال الضرر على سبيل التهكم نظير قوله تعالى: فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم [آل عمران : 21] ، حيث استعير التبشير الذي هو الإخبار بما يظهر سرور المخبر له للإنذار الذي هو ضدّها بإدخاله في جنسها على سبيل التهكم ، أي أنذرهم بعذاب أليم.)(ولم نطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء إسناد هتنت إلى مزنة من بار التوسع والمعنى أنه لم تمطر على أحد في الدنيا ديمة أي مطر خفيف موجب على رخاء حاله وسعة عيشه إلا أنصبت عليه أمطار كثيرة من مزنة البلاء وسحابة، فتوجب شدة حاله وضيق عيشه ، والغرض أنها إذا أعطت أحداً قليلاً من الخير أعقبت ذلك بكثير من الضّر .)(وحرى إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة يعني أنها جديرة حين أصبحت محبّة لامرء منتقمة لأجله من عدوه أو متكلفة لنصره بأن تمسي مبغضة ومتغيرة له، (وإن جانب منها اعذوذب واحلولى) أي : صار عذباً وحلواً ( أمر منها جانب فأوبى) أي صار مراً فادفع في المرض وفي هذا المعنى قال الشاعر :)إلا أنّما الدنيا غضارة أيكة *** إذا اخضر منها جانب جف جانبفلا تكتحل عيناك منها بغيره *** على ذاهب منها فإنك ذاهب(لا ينال امرء من غضارتها رغباً إلا أرهقته من نوائبها تعباً أراد أنه لا يبلغ أحد من طيب عيشها وسعتها ونعمتها رغبته وإرادته إلا حملته وأغشته من نوائبها ومصائبها التعب والمشقة، كما هو يدرك بالعيان ويشاهد بالوجدان، ولا يخفى ما في إتيان ينال بصيغة المضارع، وأرهقته بصيغة الماضي من النكتة اللطيفة ، وهي الإشارة إلى أن نيل الرغبة من غضارتها أمر متوقع مشكوك وإرهاق التعب من نوائبها أمر محقق ثابت .)(ولا يمسى منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف أراد به عدم ثبات أمنها وسرعة انتقاله منه إلى الخوف ، ولا يخفى ما في تخصيص الأمن بالجناح والخوف بالقوادم لأن الجناح محلّ الأمن والساكن تحته مصون من الأذى، ونيل المكروه متحصن بحصن السلامة ألا ترى أنّ الطائر يحصن فرخه بجناحه حفظاً له من المكاره والآلام، وأما القوادم وهي مقاديم الزيش فلا ريب أن الراكب عليها في معرض خطر عظيم وسقوط قريب، هذا.)وقال الشارح البحراني (رحمت الله : وإنما خص الأمن بالجناح، لأن الجناح محلّ التغير بسرعة)
فتنبه به على سرعة تغييراتها، وإنما خص الخوف بالقوادم من الجناح لأن القوادم هي رأس الجناح وهي الأصل في سر عة حركته وتغيره ، وهو في مساق ذمها والتخويف منها، فحسن ذلك التخصيص ومراده أنه وإن حصل فيها أمن وهو في محل التغير السريع والخوف إليه أسرع لتخصيصه بالقوادم انتهى، والأظهر ما ذكرناه .(غزارة غرور ما فيها فانية فان من عليها لا يخفى ما في هاتين القرينتين من حسن الاشتقاق وجزالة المعنى، فإن القرينة الأولى تنبيه على خسة الدنيا وحقارتها، وعلى أن ما فيها تدليس وتلبيس وغرور وباطل بمنزلة امرأة شوهاء هتماء زخرفت من ظاهرها وألبست أنواع الحلى والحلل تدليساً وتقتيناً، فاغتر بها وافتتن من رأى حسن ظاهرها غافلاً عن قبح باطنها، والقرينة الثانية تذكرة لكونها مع هذه الخسه والحقارة في معرض الفناء والزوال والأزوف والانتقال، وكذلك الرّاغبون فيها والخاطبون لها كما قال عز من قائل :)(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَام [الرحمن : 26 - 27] .)(لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى لأنه هو الذي يتقوى به لسلوك سفر الآخرة وطي منازلها ، والوصول إلى حظيرة القدس التي غنية كل طالب ومنية كل راغب، ولذلك أمر بذلك ربّ العزة بقوله :)(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوى [البقرة : 197] . وقد تقدّم توضيح ذلك بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الخامسة والسبعين، وإنما جعله من أزواد الدّنيا لأن تحصيله إنما يكون فيها والآخرة دار جزاء لا تكليف كما سبق بيانه في شرح الخطبة الثانية والستين، وتقدّم ثمة أيضاً ما يوضح أن غير التقوى من أزواد الدنيا لا خير فيها، ويشهد بذلك قوله سبحانه :
(المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيتُ الصَّالِحَاتُ خَير عند ربك ثوابا وخير أملا) [الكهف: 46] .
(من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه) يعني أن من ذهب في الدنيا واكتفى بالقليل من متاعها طلب الكثير ممّا يوجب أمنه ونجاته في الآخرة، ومن رغب فيها طلب الكثير من متاعها استكثر مما يوجبه هلاكه فيها، لأنه إن كان الحلال ففيه طول الحساب، وإن كان من الحرام ففيه أليم العذاب.
(وزال عمّا قليل عنه ) إشارة إلى مفسدة أخرى فيما استكثره مضافة إلى إيجابه هلاكه وهي أنه لم يبق له بل زال بعد حين قليل عنه .
ثم أشار علیه السلام إلى مفاسد الركون إليها والاعتماد عليها بقوله : (كم من واثق بها قد
فجعته ) بأنواع الأحزان (وذوي طمأنينة إليها قد صرعته )في مصارع الهوان (وذي أبهة) وعظمة (قد جعلته حقيراً) مهيناً (وذي نخوة )وكبر (قد ردّته ذليلاً) مستكيناً (سلطانها دول) يتداوله السلاطين بينهم يكون تارة لهؤلاء ولهؤلاء أخرى، (وعيشها رنق )متكذر (وعذبها أجاج) مالح (وحلوها صبر) مرّ استعار لفظي العذب والحلو للذاتها ولفظي الأجاج والمز لما يشوبها من الكدر والأسقام والجامع الإشتراك في الإلتذاذ والإيلام (وغذائها سمام) قاتلة (وأسبابها) أي حبالها (رمام) بالية .
(حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ) أراد به أشراف الأحياء بالممات والأصحاء بالأسقام وقربهم منها (ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب وموفورها منكوب وجارها محروب ) أي وافر المال وصاحب الثروة فيها مثاب وجارها حريب أي مأخوذ منه جميع ماله ، هذا .
ولما حذر من الدنيا بذكر معايبها أحد ذلك بالتنبيه على السابقين فيها وقال: (ألستم في مساكن من كان قبلكم ) لكونهم (أطول أعماراً ) فقد لبث نوح علیه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومثله كثير (وأبقى آثاراً ) كما يشهد به الهرمان والإيوان وسد يأجوج ومنارة الإسكندرية ونحوها (وأبعد آمالاً ) لأنّ الأعمار إذا كانت أطول كانت الأمال أبعد لترتب طول الأمل على طول العمر غالباً، (وأعدّ عديداً) أي عدد كثيراً من الجيوش (وأكشف جنوداً) كفرعون و بخت نصر وغيرهما .
(تعبدوا للدنيا أي تعبد) أي قضروا هممهم في الدنيا وأظهروا العبودية والتذلل لها وأخذوها معبوداً لهم ، وتعبدوا لها كمال تعبد (وآثروها أي إيثار) أي اختاروها على الآخرة تمام اختيار ( ثم ظعنوا) وارتحلوا (عنها بغير زاد مبلغ ) له إلى منزله (ولا ظهر) أي مركوب (قاطع ) الطريقه وهما استعارتان للطاعات والقربات المؤدية له إلى حظيرة القدس الموصلة إلى مجلس الأنس.
(فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفساً بفدية )استفهام على سبيل الإنكار كما أشرنا إليه سابقاً، والمراد أنها جادت لهم حين ارتحالهم منها بطيب نفسها فداء ليكون عوضاً عنهم حتى لا يموتوا ولا يرتحلوا، أو أنها ما بذلت لهم نفساً بأن تكون في هذا النفس فداءً لهم (أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة ) مع فرط محبتهم لها وغاية رغبتهم إليها وشدّة أنسهم بها .
(بل أرهقتهم بالفوادح ) أي أغشتهم بالمثقلات ( وأوهنتهم بالقوارع) أي أضعفتهم بالمحن والدواهي القارعات (وضعضعتهم بالنوائب ) والمصائب، (وعفرتهم للمناخر) أي ألصقتهم على العفر والتراب لانوفهم (ووطئتهم بالمناسم) والأخفاف وداستهم بالسنابك والأظلاف (وأعانت عليهم ريب المنون ) أي كانت معيناً لحوادث الدهر عليهم.
(فقد رأيتم تنكرها ) وتغيرها (لمن دان لها) وتقرب بها (وآثرها) واختارها على غيرها (وأخلد إليها )واعتمد عليها (حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد ) أي : مفارقة دائمة لا عود بعدها (هل زوّدتهم إلا السغب) والجوع (أو أحلتهم إلا الضنك )والضيق (أو نورت لهم إلا الظلمة) أي جعلت الظلمة نوراً لهم كما جعلت الجوع لهم زاداً ( أو أعقبتهم إلا لندامة ) والحسرة (أفهذه ) الغدارة الغرارة (تؤثرون أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون ) مع ما رأيتم من مكائدها وجربتم من خياناتها.
(فبئست الدار لمن لم يتهمها) في نفسه (ولم يكن فيها على وجل منها ) على عرضة فكانت موجبة لهلالكه وعطبه ، وأما المتهم لها بالخديعة والغرور والخائف منها والحذر فنعمت الدار في حقه لكونه منها على وجل دائم وخوف لازم، فيأخذ حذره بعد عدته ويقدم الزاد ليوم المعاد ويتزوّد لحال رحيله ووجه سبيله.
(فاعلموا وأنتم تعلمون) واستيقنوا (بأنكم تاركوها وظاعنون ) أي مرتحلون (عنها واتعظوا فيها بالذين )كانوا قبلكم ، و (قالوا من أشدّ منا قوة ) وعدة وانتقلوا عن دورهم و (حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً، وأنزلوا الأجداث) بعد الأدعاث (1)(فلا يدعون ضيفاناً) يعني أنهم انقطعت عنهم بعد ارتحالهم بعد ارتحالهم أسماء، الأحياء فلا يسمون بالركبان ولا بالضيفان.
وكانت عادة العرب أنهم إذا ركبوا يسمون ركباناً، وإذا نزلوا يسمون ضيفاناً، وهؤلاء الأموات مع كون الجنائز حمولة لهم وكونهم محمولين عليها كالراكبين لا يطلق عليهم إسم الركب، وكذلك هم مع نزولهم بالأجداث والقبور لا يطلق عليهم إسم الضيف، وإن كان تسمية الضيف إنما هي بذلك الاسم باعتبار نزوله ، وهذا الاعتبار موجود فيهم مأخوذ من ضافه ضيفاً إذا نزل عنده ، فافهم.
(وجعل لهم من الصفيح أجنان) أي من وجه الأرض من العريض قبور (ومن التراب أكفان ) وفي بعض النسخ بدله أكنان ، وهي الستائر جمع الكن وهي السترة أي ما يستتر به، وعلى ذلك فالكلام على حقيقته، وعلى الرواية الأولى فلا بد من ارتكاب المجاز بأن يقال إن جعل التراب أكفاناً لهم باعتبار إحاطته عليهم كالأكفان أو باعتبار المجاورة بينه وبينها، أو من أجل اندراس الكفن وانقلابه تراباً كما قيل، والأظهر الأولان.
(ومن الرفات) والعظام البالية (جيران فهم جيرة ) أي: جيران كما في بعض النسخ (لا يجيبون داعياً ولا يمنعون ضيماً ) أي ظلماً عن أنفسهم أو عمن استجار بهم لانقطاع الاقتدار عنهم، ولا يبالون (مندبة) أي لا يكترثون بالندب والبكاء على ميت.
1) الدعث: المرض والجمع أدعاث.
(إن جيدوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا) يعني إن جادت السماء عليهم بالمطر لا يفرحون، وإن احتبست عنهم المطر لا ييأسون كما هو شأن الأحياء فإنهم يفرحون عند الخصب ويحزنون عند الجدب (جميع) أي مجتمعون (وهم آحاد) متفردون (وجيرة وهم أبعاد) متباعدون (متدانون لا يتزاورون وقريبون لا يتقاربون ) إلى هذا المعنى نظر السجاد علیه السلام في ندبته حيث قال :
وأضحوا رميماً في التراب واقفرت *** مجالس منهم عطلت ومقاصر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم *** وأنّى لسكان القبور التزاور
فما أن ترى إلا جني قد ثووا بها *** سنمة تسفى عليه الأعاصر
وقال آخر :
لكل أناس معمر في ديارهم *** فهم ينقصون والقبور تزيد
فكائن ترى من دار حي قد أخربت *** وقبر بأكنان التراب جديد
هم جيرة الأحياء أما مزارهم *** فدان وأمّا الملتقى فبعيد
(حلماء قد ذهبت أضغانهم وجهلاء قد ماتت أحقادهم ) يعني أنهم بموتهم وانقطاع مادة الحياة عنهم صاروا حلماء جهلاء لا يشعرون شيئاً، فارتفع عنهم الضغن والحقد والحسد وسائر الصفات النفسانية المتفرعة عن الحياة ، وتوصيفهم بالحلم والجهل في تلك الحال من باب التوسع والمجاز باعتبار أنهم لا يستفزهم الغضب ولا يشعرون وإلا فالحلم هو الصفح والأناة والعقل والجهل عدم العلم عمّن من شأنه أن يكون عالماً وهما من صفات الأحياء كما
لا يخفى.
(لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم) يعني أنهم بارتفاع الاقتدار عنهم لا يخشون ولا
يرجون فلا يخشى أحد من أن ينزل عليه بهم فجيعة ورزيّة ، ولا يرجو أحد أن يدفع بهم من نفسه نازلة وبلية (استبدلوا بظهر الأرض بطناً وبالسعة ضيقاً وبالأهل غربة وبالنور ظلمة) .
ضربوا بمدرجة الفناء قبائهم *** من غير أطناب ولا أوتاد
ركب أناخوا لا يرجى منهم *** قصد لاتهام ولا ولا أنجاد
كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة *** ل-ل-دّهر نازلة لكل مفاد
فتهافتوا عن رحل كل مذلّل *** وتطاوحوا عن سرج كل جواد
بادون في صور الجميع وأنّهم *** متفردون تفرد الا حياء
(فجاؤوها كما فارقوها حفاة عراة ) قيل : إن المراد بمجيئهم إليها فيها وبمفارقتهم لها خروجهم عنها، ووجه الشبه كونهم حفاة عراة وقيل : إن المراد بمجيئهم إليها دفنهم فيها
وبمفارقتهم لها خلقتهم منها كما قال تعالى: هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ [غافر: 67] وهو أقرب من الأوّل بل أقوى، لأن جملة فجاؤرها معطوفة على جملة استبدلوا، والفاء العاطفة موضوعة للتعقيب والترتيب ولا ترتيب كما لا تعقيب بين مضمون الجملتين على الأوّل، وأما على الثاني فهو من قبيل عطف تفصيل المجمل على المجمل على حد قوله :)(وَنَادَى نوح رَّبِّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود : 45] الآية .
وههنا لما ذكر علیه السلام استبدالهم بظهر الأرض بطنها عقب ذلك ببيان تفصيل حالهم بأنّهم جاؤوا إليها حال كونهم حافين عارين ليس لهم نعال ولا لبائس ، ولكن ينبغي أن يعلم أن اللازم على هذا القول حمل المفارقة على الولادة حتى يستقيم كونهم حفاة عراة .
أقول : والأظهر عندي يرجع الضمير في قوله ، (فجاؤوها كما فارقوها إلى ظهر
الأرض)، والتأنيث باعتبار المضاف إليه، فإنه قد يكتسب المضاف المؤنث من المضاف إليه المذكر التأنيث إذا صحت إقامته مقامه كما في قوله : (كما شرقت صدر القناة من الدم ) ويراد بمجيئهم إليها بعثهم فيها وإعادتهم إليها بعد مفارقتهم لها كما قال تعالى :
(مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ [طه: 55] .
وعلى هذا فالأنسب جعل حفاة عراة حالين من ضمير الجمع في جاؤوها لا فارقوها، إلا أنه يبعده قوله : (قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة والدار الباقية ) إذ الظاهر كونه حالاً من فاعل فارقوها مؤكدة لعاملها، كما أن حفاة عراة مؤسسة، وإن أمكن توجيهه بأنه على جعله حالاً من ضمير جاؤوها يكون فيه نحو من التوكيد أيضاً، ويؤيد ذلك أن الحياة الدائمة إنما هي بعد البرزخ والبعث .
فإن قلت: هذا التوجيه ينافيه الضمير في عنها، لأن ظعنهم على ما ذكرت إنما هو عن بطن الأرض، والضمير في جاؤوها كان راجعاً ظهر الأرض.
قلت : غاية الأمر يكون أنه من باب الاستخدام، ولا يقدح ذلك في كونه حالاً منه، فافهم جيداً، ويقزب ما ذكرناه من الوجه استشهاده علیه السلام بالآية الشريفة أعنى قوله : (كما قال سبحانه) أي في سورة الأنبياء :
(يومَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَي السجل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأَنَا أَوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنا فعلين ﴾ [الأنبياء : 104] فإنّها مسوقة لبيان حال البعث والنشور ، ومعناها نبعث الخلق كما ابتدأناه ، أي قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء .
روى في «الصافي » عن النبي صلی الله علیه واله وسلم أنه قال : تحشرون يوم القيامة عراة حفاةً كما بدأنا أوّل
خلق نعیده (1).
وقيل معناها كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة عزلاً كذلك نعيدهم .
قال الطبرسي : روى ذلك مرفوعاً وهو يؤيد القول الثاني أعني قول من قال أن المراد بفارقوها خلقهم منها، وإن كان لا يخلو عن دلالة على ما استظهرناه أيضاً، فليتأمل وقوله تعالى: (وعداً) ، منصوب على المصدر أي وعدناكم ذلك وعداً علينا إنجازه إنا كنا فاعلين ذلك لا محالة .
تكملة
إعلم أن هذه الخطبة رواها المحدث العلامة المجلسي «قدس الله سره » في «البحار» من كتاب «مطالب السؤول » لمحمّد بن طلحة باختلاف كثير أحببت إيرادها بتلك الطريق على عادتنا المستمرة.
قال : قال علیه السلام: أحذركم الدنيا فإنّها خضرة حلوة حقت بالشهوات وتخيبت بالعاجلة وعمّرت بالآمال وتزينت بالغرور، ولا يؤمن فجعتها ولا يدوم خيرها ، ضرّارة غدارة غرّارة زائلة يائدة أكالة عوّالة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرّضا بها والرغبة فيها أن يكون كما قال الله عز وجل : (كَمَاءٍ أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ )[يونس : 24].
على أن امرة لم يكن فيها في حيرة (2)إلا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق من سرّائها بطناً إلا منحته من ضرائها ظهراً، ولم تنله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء، وحرى إذا أصبحت له منتصرة أن تمسى له متنكرة، فإن جانب منها أعذوذب لامرء واحلولى ، أمر عليه جانب وأوباه، وإن لقي امرء من غضارتها زوّدته من نوائبها تعباً، ولا يمسي امرء منها في جناح أمن إلا أصبح في خوافي خوف وغرور .
فانية فان من عليها من أقل منها استكثر مما تؤمنه ، ومن استكثر منها لم تدم له وزال عما قليل عنه ، كم من واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته ، وذي خدع قد خدعته، وذي أبهة قد صيّرته حقيراً، وذي نخوة قد صيّرته خائفاً فقيراً، وذي تاج قد أكبّته لليدين والفم، سلطانها دول وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام ، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام ، عزيزها مغلوب ، وملكها مسلوب ، وضيفها مثلوب، وجارها محروب.
ثمّ من وراء ذلك هول المطلع وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل ليجزى
الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، ألستم في منازل من كان أطول منكم أعماراً وآثاراً، وأعد منكم عديداً، وأكثف جنوداً وأشد منكم عنوداً تعبدوا الدنيا أي تعبد، وآثروها أي إيثار، ثم طعنوا عنها بالصغار فهل يمنعكم أنّ الدنيا سخت لهم بفدية أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب، بل قد أوهنتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنوائب، وعفّرتهم للمناخر، وأعانت عليهم ريب المنون .
فقد رأيتم تنكرها لمن دان بها وأجد إليها حتى طعنوا عنها بفارق أبدا لي آخر المستند، هل أحلّتهم إلا الضنك، أو زوّدتهم إلا التعب ، أو نورت لهم إلا الظلمة، أو أعقبتهم إلا النار، أفهذه تؤثرون ، أم على هذه تحرصون ، أم إلى هذه تطمئنون، يقول الله جلّ من قائل:
(من كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوفِ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَيكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود : 15 - 16 ] .
فبئست الدار لمن لا يتهمها، وإن لم يكن فيها على وجل منها، اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد، فإنما هي كما نعتها الله لهو ولعب ، واتعظوا بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية تعبثون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، واتعظوا بالذين قالوا من أشدّ منا قوة ، واتعظوا بإخوانكم الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركباناً قد جعل لهم من الضريح أكناناً أكناناً ومن التراب أكفاناً ومن الزفات جيراناً، فهم جيرة لا يجيبون داعياً، ولا يمنعون ضيماً، قد بادت أضغانهم ، فهم كمن لم يكن وكما قال الله عز وجل :
فَيْلكَ مَسَكَنُهُمْ لَمْ تُشكن مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِينَ [القصص : 58]. استبدلوا بظهر الأرض بطناً، وبالسّعة ضيقاً، وبالأهل غربة، جاؤوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد كما قال عزّ من قائل:
(كَمَا بَدَأْنَا أَوّلَ خَلق تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنا فعلين ) [الأنبياء : 104] (1).
1) بحار الأنوار : 453/14 ، والمعيار والموازنة : 267.
از جمله خطب شریفه آن بزرگوار امام انام است در مذمت دنیا و تحذير خلایق
از آن غدّار و بیوفا که فرموده :
اما بعد از حمد و ثناء خداوند ربّ الارباب و صلوات بر سیّد ختمی مآب، پس به درستی که من می ترسانم شما را از دنیا ، پس به تحقیق که آن شیرین است و سبز، یعنی نفس لذت می برد از آن به جهت حلاوت و خضرویت و طراوت آن در حالتی که احاطه کرده شده است به خواهشات نفسانیت و اظهار محبت نموده است به طالبان خود به لذتهای عاجله خود و به شگفت آورده و مردمان را به زیورهای قلیل و اندك و آراسته گشته به امیدهای بی بنیاد و آرایش یافته به باطل و فساد، دوام نمی یابد سرور آن و ایمن نمیتوان شد از درد و مصیبت آن، فریبنده ای است مضرت رساننده ، تغییر یابنده ای است زایل شونده، موصوف است به فناوهلاك و متصف است به کثرت خوردن مردمان و اخذ نمودن و هلاك كردن ایشان ، تجاوز نمیکند وقتی که متناهی شد به نهایت آرزوی کسانی که راغب و هستند در آن و خوشنودند به آن از اینکه باشد حال آن به قراری که خداوند متعال بیان فرموده و وصف نموده در سوره کهف که فرموده :
"مثل زندگانی دنیا همچو آبی است که نازل کردم آن را از آسمان ،
پس آمیخته شد به آن آب گیاه زمین ، پس برگشت آن گیاه خشك و درهم شکسته ، پس پراکنده می گرداند آن را بادها و از بیخ برمی کند و هست خدا به هر چیز صاحب اقتدار "؛
محصل مرام این است که خدا تشبیه نموده صفت زندگانی دنیا را در بهجت ولذت و سرور و شکفتگی آن که آخرش منتهی میشود به مرگ و هلاك به صفت گیاهی که می روید از زمین به سبب آبی که از آسمان نازل میشود که پنج روز سبز و خرّم و تروتازه میباشد و بعد از آن در زمان قلیلی خشك شکسته
و گردد و بادها آن را از بیخ کنده و میپرانند .
بهار عمر بسی دلفریب و رنگین است *** ولی چه سود که دارد خزان مرگ از پی
پس فرمود : نیست هیچ مردی از دنیا در سرور و شادی مگر اینکه در پی درآورد او را بعد از آن شادی به گریه و زاری و ملاقات نکرد هیچ احدی از خیر و منفعت دنیا به شکمی مگر اینکه بخشش نمود به آن از دشواری و مشقت خود آتشی را و نبارید به احدی در دنیا باران نرم آسانی و رفاهیت مگر اینکه ریخته شد بر باران بزرگ قطره از ابر بلا و مصیبت و سزاوار است زمانی که با مداد کند مراورا دادستاننده آنکه شبانگاه کند او را تغییر نماینده و ناخوش شمرنده و اگر بسیار خوش و شیرین باشد جانبی از آن دنیا ، تلخ میگردد جانبی دیگر از آن و ناخوشی می آورد، نرسد هیچ مردی از طیب عیش و نعمت دنیا به رغبت و ارداتی مگر اینکه پوشانید و بار کرد او را از حوادث و مصائب خود تعب و مشقتی و شبانگاه نکرد احدی از دنیا در بال امنیت و آسایش مگر اینکه صباح نمود بر پرهای دراز خوف و ترسی.
دنیا بسیار فریبنده است ، فریب است آنچه در او است ، فنایابنده است، فانی است آن کسی که بر او است ، هیچ خیر و منفعتی نیست در چیزی از توشه های دنیا مگر پرهیزکاری و تقوی ، هرکس که اندك نمود از لذایذ دنیا و شهوات آن ، بسیار خواست از چیزی که ایمن گرداند او را از عذاب قیامت و هرکس که بسیار خواست از شهوات دنیا ، بسیار خواست از چیزی که هلاک نماید او را در آخرت و زایل شد بعد از اندک زمانی از آن.
بسا اعتماد کننده به دنیا که دردمند ساخت او را و بسا صاحب اطمینانی به سوی آن که در خاك هلاك انداخت او را و بسا صاحب عظمتی که گردانید او را حقیر و بی مقدار و بسا صاحب نخوتی که گردانید او را ذلیل و خوار ، سلطنت پادشاهی آن دوران کننده است از دستی به دستی و عیش آن کدرآمیز است و آب شیرین آن شور است و بی مزه و حلاوتهای آن تلخ و طعامهای آن زهرهای قاتل است و ریسمانهای آن ریسمانهای آن پوسیده است ، زنده آن پوسیده است زنده آن در معرض مرگ است و صحيح آن در معرض ناخوشی است ، ملك و مال آن ربوده شده است و عزیز آن مغلوب است و صاحب ثروت آن صاحب نکبت شده است و همسایه آن ربوده شده از آن تمام مال او .
آیا نیستید شما در مسکنهای کسانی که بودند پیش از شما در حالی که درازتر بودند از حیثیت عمرها و باقی تر بودند از حیثیت اثرها و دورتر بودند از حیثیت
آرزوها و آماده تر بودند از حیثیت شمار و انبوه تر بودند از حیثیت لشگر؟ پرستیدند از برای دنیا پرستیدنی و برگزیدند آن را چه برگزیدنی ، پس از آن کوچ کردند از آن بدون توشه ای که به منزل برساند و بدون مرکبی که قطع مراحل نماید .
پس آیا رسید به شما که دنیا سخاوت ورزید از برای آنها از روی طیب نفس به فدیه دادن و رها نمودن ایشان؟ یا آنکه یاری کرد ایشان را به معاونتی؟ یا اینکه
خوب نمود از برای ایشان صحبتی؟ و معلوم است که هیچکدام از اینها ننمود ، بلکه پوشانید به ایشان و بار نمود ایشان را کارهای سنگین و ضعیف نمود به محنتهای کوبیده و مضطرب کرد ایشان را به حوادث و به خاک مالید ایشان را به سوراخهای دماغها و لگدکوب کرد ایشان را به دستها و پایها و اعانت نمود به ضرر ایشان حادثات دوران را .
پس به تحقیق دیدید شما تغییر دنیا را مرآن کسی را که تقرب جست به آن و برگزید او را و چسبید به آن تا اینکه کوچ کردند از آن به فراق دائمی؛ آیا توشه داد ایشان را به غیر از گرسنگی؟ یا فرود آورد ایشان را غیر از تنگی؟ یا روشن کرد از برای ایشان غیر از تاریکی؟ یا آنکه از پی درآورد ایشان را غیر از پریشانی؟ آیا پس این دنیای بی اعتبار اختیار میکنید؟ یا به سوی آن مطمئن می باشید؟ یا حریص می شوید؟ پس بد سرایی است آن از برای کسی که متهم ندارد او را و نباشد در او بر ترس و هراس از آن .
پس بدانید و اعتقاد نمایید و شما عالم هستید به آن که شما ترك كننده آن هستید و کوچ کننده اید از آن و پند گیرید در آن به آن کسانی که گفتند که کیست سخت تر از ما از حیثیت قوت ، برداشته شدند به سوی قبرهای خود ، پس خوانده نشدند سواران و فرود آورده شدند در قبور، پس خوانده نشدند مهمانان و گردانیده شد از برای ایشان از روی زمین قبرها و از خاك كفنها یا پوشاکها و از استخوانهای پوسیده همسایه ها ، هستند که اجابت نمیکنند خواننده را و ممانعت نمیکنند ظلم را و باک نمیدارند از نوحه و زاری ، اگر داده شدند باران ، شاد نگشتند و اگر رسیدند به قحط و تنگی ، نومید نشدند.
اجتماع دارند و حال آن که ایشان تنهایند و همسایگانند و حال آن که ایشان دورند ، نزديكاند به یکدیگر و حال آن که ایشان زیارت یکدیگر نمی توانند کنند و
خویشند به همدیگر و حال آن که اظهار خویشی نمی نمایند، حلیم هستند در حالی که رفته است کینههای ایشان ، نادانند در حالی که مرده است جسدهای ایشان ، ترسیده نمی شود از اندوه و مصیبت ایشان و امید گرفته نمیشود دفع نمودن ایشان ، عوض کردند به ظاهر زمین ، باطن را و به فراخی ، تنگی را و به انسیت ، غریبی را و به نور و روشنی ، تاریکی را .
پس آمدند به روی زمین چنان چه مفارقت کردند از آن در حالی که پابرهنگان و تن برهنگانند در حالی که کوچ نمودند از آن با عملهای خودشان به سوی زندگانی دائمی و سرای باقی ، چنان فرموده است حق سبحانه و تعالى : "همچنان که در ابتدا آفریدیم خلق را اعاده میکنیم ایشان را وعده کردنی در حالتی که بر ما است و فاکردن ما است و فاکردن به آن ، به درستی که ما کنندگانیم آن را لا محاله وعده بعث و اعاده را داده و قادر هستیم بر انجاز آن وعده " .
يذكر فيها ملك الموت وتوفية الأنفس.
هَلْ يُحَسُّ إذا دَخَلَ مَنْزِلاً، أَمْ هَلْ تَراهُ إِذا تَوَفَّى أَحَداً، بَلْ َكيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنين في بطن أُمِّه ، أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعض جَوارِها ، أَمْ أَجابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّها ، أَمْ هُوَ سَاكِنُ مَعَهُ فِي أَحْشائِها، كَيْفَ يَصِفُ الهَهُ مَنْ يَعْجِرُ عَنْ صِفَةِ مَخْلوقٍ مِثْلِه (1).
(توفية الأنفس ) في بعض النسخ على وزن التفعل مصدر توفاه الله أي قبض روحه وأماته، وفي بعض النسخ الأخرى توفية الأنفس وزان التفعلة مصدر باب التفعيل، و (يحسّ) بالبناء على المفعول وفي بعض النسخ بدله تحس به بصيغة الخطاب و (الجنين) الولد في البطن والجمع أجنّة (الأحشاء) جميع الحشاء وهو ما فى البطن من المعاء وغيره.
(توفية الأنفس) من إضافة المصدر إلى فاعله وعلى ما في بعض النسخ من (توفيه الأنفس) من إضافته إلى مفعوله ، وقوله (هل يحس ) استفهام على سبيل الإنكار .
إعلم أن هذا الفصل على ما في شرح البحراني من خطبة طويلة ذكره علیه السلام في معرض التوحيد والتنزيه الله تعالى عن اطلاع العقول البشرية على كنه وصفه، وما ظفرت بعد على هينها (2)وقد ذكر فيها ملك الموت وتوفية الأنفس أي قبضه للأرواح على سبيل الاستطراد ، وهو نوع من فنون البيان وهو أن تخرج بعد أن تمهد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره فتذكره، وكأنك غير قاصد لذكره بالذات بل قد حصل ووقع ذكره عن غير قصد فتمر به مروراً كالبرق الخاطف ، ثم تتركه وتنساه وتعود إلى ما مهدته أولاً كالمقبل عليه وكالملغي عمّا استطردت بذكره إذا عرفت ذلك فأقول :
قوله: (هل يحس إذا دخل منزلاً أم هل تراه إذا توفّى أحداً) تنبيه على عدم إمكان الإحساس به في دخول منازل المتوفّين ، وعلى عدم إمكان رؤيته عند إماتة الناس، وذلك لكونه جسماً لطيفاً هوائياً غير قابل للإدراك بالحواس، وقال الشارح البحراني : ونبه باستنكار الإحساس به على أنه ليس بجسم، إذ كان كل جسم من شأنه أن يحس بإحدى الحواس الخمس «انتهى»، وهو مبني على كون الملائكة جواهر مجردة غير متحيزة كما هو مذهب الفلاسفة، وتحقيق ذلك موكول إلى محله .
ثم قال: (بل كيف يتوفى الجنين في بطن أمه ) وهو استعظام لأمره في قبض روح الجنين، والأقسام المتصوّرة في كيفية ذلك القبض ثلاثة أشار إليها بقوله : (أيلج عليه من بعض جوارحها أم الزوح أجابته بإذن ربها أم هو ساكن معه في أحشائها) وهذا التقسيم حاصر لا يمكن الزيادة عليه . لأنه إذا فرضناه جسماً يقبض الأرواح التي في الأجسام إمّا أن يكون مع الجنين في جوف أمه فيقبض روحه عند حضور أجله، أو خارجاً عنها، والثاني ينقسم قسمين: أحدهما أن يلج جوف أمه لقبض روحه، وثانيهما أن يقبضها من غير حاجة إلى الولوج إلى جوفها، وذلك بأن تطيعه الروح وتكون مسخرة له ومنقادة لأمره إذا أراد قبضها امتدت إليه.
والأظهر الأقوى أن يكون توفية الجنين من قبيل القسم الأخير، ويدل عليه الزواية الآتية للصدوق في «الفقيه» عن الصادق علیه السلام وغيرها أيضاً، وعلى مذاق المعتزلة فهو من قبيل الوسط، لأنّهم قالوا : إن كيفية القبض ولوج الملك من الفم إلى القلب، لأنه جسم لطيف هوائي لا يتعذر عليه النفوذ في المخارج الضيقة، فيخالط الروح التي هي كالشبيهة بها، لأنها بخاري، ثم يخرج من حيث دخل وهي معه ، ويلزم عليهم أن يغوص الملك في الماء لقبض روح الغريق تحت الماء، والتزموا ذلك، وأجابوا بأنه لا يستحيل أن يتخلل الملك مسام الماء، فإنّ في الماء مسام ومنافذ كما في غيره من الأجسام، ولو فرضنا أنه لا مسام فيه لم يبعد أن يلجه الملك فيوسع لنفسه مكاناً كالحجر والسمك ونحوهما ، وكالريح الشديدة التي تقرع ظاهر البحر فتقعره وتحفره، وقوة الملك أشدّ من قوة الريح .
وكيف كان فلما بيّن أن ملك الموت لا يمكن للإنسان وصف حاله وعرفان صفته أردفه بالتنبيه على عظمة الله سبحانه بالنسبة إليه فقال : (كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله) يعني أنه إذا عجز الإنسان عن وصف مخلوق هو مثله ، فبالأولى أن يعجز عن وصف خالقه وإدراك ذات مبدعه الذي هو أبعد الأشياء عنه مناسبة .
تنبیه
في بيان معنى الموت وإيراد بعض الأخبار الواردة في وصف حال ملك الموت.
فأقول : قال الشارح البحراني أخذاً من أبي حامد الغزالي في كتاب «إحياء العلوم»: إن الموت ليس إلا عبارة عن تغيّر حال ، وهو مفارقة الرّوح لهذا البدن الجاري مجرى الآلة لذي الصنعة ، وإن الرّوح باقية بعده كما شهدت به البراهين العقلية بين مظانها، والآثار النبوية المتواترة، ومعنى مفارقتها له هو انقطاع تصرّفها فيه لخروجه عن حد الانتفاع به. فما كان من الأمور المدركة لها تحتاج في إدراكه إلى الله فهي منقطعة عنه بعد مفارقة البدن إلى أن تعاد إليه في القبر أو يوم القيامة ، وما كان مدركاً لها لنفسها من غير الله فهو باق معها يتنعم به ويفرح أو يحزن من غير حاجة إلى هذه الآلة في بقاء تلك العلوم والإدراكات الكلية لها هناك.
قال الغزالي : تعطل الجسد بالموت يضاهي تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه وبشدّة تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الروح فيها، فتكون الرّوح العالمة العاقلة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء، وقد استعصى عليها بعضها ، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها وكلّ الأعضاء آلات، والروح هي المستعملة لها، فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلّها، وحقيقة الإنسان نفسه وروحه وهي باقية ، نعم تغير حاله من جهتين :
إحداهما : أنه سلب منه عينه وأذنه ولسانه ويده ورجله وجميع أعضائه، وسلب منه أهله وولده وأقاربه وسائر معارفه، وسلب منه خيله ودوابه وغلمانه ودوره وعقاره وسائر أملاكه ، ولا فرق بين أن يسلب هذه الأشياء من الإنسان أو يسلب الإنسان من هذه الأشياء، فإن المؤلم هو الفراق، والفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرّجل وتارة بأن يسلب الرجل عن الملك والمال، والألم واحد في الحالتين وإنما معنى الموت سلب الإنسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم، فإن كان له في الدنيا شيء يأنس به ويستريح إليه، ويعتذ بوجوده فيعظم تحسّره عليه بعد الموت، ويصعب شقاؤه في مفارقته، ويلتفت إلى واحد واحد من ماله وجاهه وعقاره حتى إلى قميص كان يلبسه مثلاً، ويفرح به، وإن لم يكن يفرح إلا بذكر الله ولا يأنس إلا به عظم نعيمه وتمّت سعادته، إذ خلى بينه وبين محبوبه وقطعت عنه العوائق والشواغل المانعة له عن ذكر الله .
والجهة الثانية : أنه ينكشف له بالموت ما لم يكن له مكشوفاً في الحياة، كما ينكشف للمتيقظ ما لم يكن مكشوفاً في النوم، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، هذا.
وقد مضى الكلام في شرح حال الاحتضار وكيفية زهوق الروح وشرح حال المين حينئذٍ في التذييل الثالث من تذييلات الفصل السابع من فصول الخطبة الثانية والثمانين، وفي شرح الفصل الثاني من الخطبة المائة والثمانية ومضى ثمة أيضاً وصف حال ملك الموت ونورد هنا ما لم يسبق ذكره هناك فأقول :
روى في «الكافي» بإسناده عن أسباط بن سالم مولى أبان قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام : جعلت فداك يعلم ملك الموت بقبض من يقبض ؟ قال علیه السلام: لا إنما هي صكاك (1)تنزل من السماء اقبض نفس فلان ابن فلان .
وعن زيد الشحام قال : سئل أبو عبد الله علیه السلام عن ملك الموت فقال : يقال : الأَرض بين يديه كالقصعة يمد يده منها حيث يشاء، فقال علیه السلام : نعم .
وعن هشام بن سالم قال : قال أبو عبد الله علیه السلام: ما من أهل بيت شعر ولا وبر إلا و ملك الموت يتصفحهم في كل يوم خمس مرات (2)
وعن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال : سألته عن لحظة ملك الموت قال علیه السلام أما رأيت الناس يكونون جلوساً فتعتريهم السكينة فما يتكلم أحد منهم فتلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم (3).
وفي «الفقيه » قال الصادق علیه السلام : قيل لملك الموت علیه السلام : كيف تقبض الأرواح وبعضها في المغرب وبعضها في المشرق في ساعة واحدة؟ فقال: أدعوها فتجيبني، قال : وقال ملك الموت علیه السلام : إن الدنيا بين يدي كالقصعة بين يدي أحدكم فيتناول منها ما شاء والدنيا عندي كالدرهم في كفّ أحدكم يقلبه كيف يشاء (4)
بقي الكلام في أن قابض الأرواح هل هو الله سبحانه ، أم ملك الموت فقط، أم هو مع سائر الملائكة .
فأقول : الآيات في ذلك كالروايات مختلفة، ووجه الجمع بينها أمور أشير إليها في أخبار أهل البيت علیه السلام .
ففي «الفقيه »: وسئل الصادق علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ :
( اللهُ يَتَوَفَى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] وعن قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّنَكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وكل بِكُمْ [السجدة: 11] وعن قوله تعالى ( الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ طَيِّبِينَ) [النحل: 32] الَّذِينَ تَتَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النحل : 28] وعن قوله عزّ وجلّ (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ) وعن قوله عزّ وجلّ : (وَلَوْ نَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَيكَةُ ) [الأنفال: 50].
وقد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلا الله عزّ وجل، فكيف هذا ؟ فقال علیه السلام : إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الأنس ، فيبعثهم في حوائجه فتتوفاهم الملائكة ويتوفاهم ملك الموت من الملائكة ما مع يقبض هو، ويتوفاهم الله ملك الموت (1).
وفي «الاحتجاج »: عن أمير المؤمنين علیه السلاملأنه سئل عن قول الله تعالى :
(اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [الزمر: 42] وقوله: قُلْ يَتَوَفَّنَكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: 11] وقوله عزّ وجلّ : (تَوَفَّتَهُ رُسُلُنَا) [الأنعام: 61] وقوله تعالى: تَوفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ [النحل : 28] ، فمرة يجعل الفعل لنفسه، ومرّة لملك الموت ومرّة للرّسل ، ومرّة للملائكة فقال علیه السلام : إن الله تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولّى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون ، فاصطفى من الملائكة رسلاً وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم :)( الله يضطفِي مِنَ الْمَلَيْكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّامِنَ [الحج : 75] .
فمن كان من أهل الطاعة تولّت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من الملائكة الرحمة والنقمة يصدرون عن أمره وفعلهم فعله ، وكلّ ما يأتونه منسوب إليه ، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت ففعل ملك الموت فعل الله لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء ، ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب على يد من يشاء، وإن فعل أمنائه فعله كما قال (2):
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ [التكوير : 29]. وفي «التوحيد » بسند ذكره عن أبي معمر السعداني ، أن رجلاً أتى أمير المؤمنين علي بن طالب علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين إني قد شككت في كتاب الله المنزل قال له علي علیه السلام : ثكلتك أمك وكيف شككت في كتاب الله المنزل؟ قال : لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضاً فكيف لا أشك فيه، فقال علي بن أبي طالب علیه السلام إن كتاب الله ليصدق بعضه بعضاً ولا يكذب بعضه بعضاً، وأظنك لم ترزق عقلاً تنتفع به فهات ما شككت فيه من كتاب الله - فذكر الرجل آيات مختلفة الظواهر ، ومن جملتها الآيات التي قدمناها - فقال أمير المؤمنين علیه السلام : إن الله تبارك وتعالى يدبّر الأمور كيف يشاء، ويوكّل من خلقه من يشاء بما يشاء، أما ملك الموت فإن الله يوكله بخاصة من يشاء، ويوكل رسله مسن الملائكة خاصة بمن يشاء من خلقه ،
والملائكة الذين سماهم الله عزّ ذكره، وكلهم بخاصة من يشاء من خلقه تعالى يدبر الأمور كيف يشاء، وليس كل العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكل الناس، لأن منهم القوي والضعيف، ولأنّ منه ما يطاق حمله ومنه ما لا يطيق حمله إلا من يسهل الله حمله، وأعانه عليه من خاصة أوليائه ، وإنّما يكفيك أن تعلم أن الله المحيي والمميت، وأنه يتوفى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته وغيرهم ، قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين أمتع الله المسلمين بك (1)
1) ميزان الحكمة 2963/4 ، والتوحيد : 268.
از جمله خطب شریفه آن بزرگوار و سید ابرار است که ذکر فرمود در آن ملك
الموت و قبض نمودن او روح ها را :
آیا ادراک کرده میشود به حواس زمانی که داخل بشود منزلی؟ یا آیا می بینی او را زمانی که بمیراند احدی را؟ بلکه چه نحو قبض میکند روح بچه را در شکم مادر خودش؟ آیا داخل میشود بر او از بعض اعضاء مادر او؟ یا آن که روح بچه اجابت می کند او را به اذن پروردگار خود؟ یا آن كه ملك الموت ساکن است با آن بچه در آلات اندرون مادر؟ چگونه وصف میکند معبود خود را کسی که عاجز است از وصف مخلوقی که مثل او است در امکان افتقار .
وأَخَذْرُكُمُ الدُّنْيا فَإنَّها مَنْزِلُ قُلعَةٍ ولَيْسَتْ بِدار تُجْعَةٍ ، قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِها ، وغَرَّتْ بزينتها، دار هانَتْ عَلى رَبِّها ، فَخَلَطَ حَلالَها بحرامِها، وخَيْرَها بِشَرِّها ، وحَيُوتَها بِمَوْتها، وحُلْوها يمرها ، لَمْ يُصَفِّهَا الله تعالى لأوْلِيائِهِ، وَلَمْ يَضِنَّ بِها عَلَى(1)أَعْدائِهِ ، خَيْرُهَا زَهيدٌ، وشَرُّها عَتِيدٌ ، وجَمْعُها يَنْفَدُ ، ومُلْكُها يُسْلَبُ، وعامِرُها يُخْرَبُ، فَما خَيرُ دارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ البِناءِ ، وعُمْرِ يَفْنى فِناءَ الزّادِ، ومُدَّةٍ تَنْقطِعُ انْقِطاعَ السِّيرِ، إِجْعَلُوا (2)مَا افْتَرَضَ الله عَلَيْكُمْ مِنْ طَلِبَتِكُمْ، وَاسْألوه مِنْ أَداءِ حَفْه ما سَأَلَكُمْ، وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدعى بِكُمْ، إِنَّ الزّاهِدينَ في الدُّنْيا تَبكي قُلُوبُهُمْ وإِنْ ضَحِكُوا ، ويَشْتَدَّ حُزْنُهُم وإِنْ فَرِحُوا ، ويَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وإِن اغْتَبِطُوا بِما رُزِقُوا ، قَدْ غابَ عَنْ قُلوبِكُمْ ذِكرُ الآجال، وحَضَرَتْكُمْ كَواذِبُ الأَمالِ، فَصارَت الدُّنْيا أَمَلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَالْعاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآجِلَةِ، وإِنَّما أَنْتُمْ إِخْوانُ على دينِ الله ما فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلا خُبْتُ السَّرائِرِ ، وسُوءُ الضّمائرِ ، فَلا تَوازَرُونَ، وَلا تَناصَحُونَ، ولا تَبالُونَ، ولا تَوادُّونَ ، ما بالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسيرِ مِنَ الدُّنْيا تُدْرِكونَهُ، ولا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ
، الآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ ، ويُقَلْقِلُكُم الْيَسيرُ مِنَ الدُّنْيا (حينَ حُ) يَفُوتُكُمْ حَتى يَتَبَيَّنَ ذلِكَ في وُجُوهِكُمْ وقِيَّةِ صَبْرِكُمْ عَمّا زُويَ مِنْها عَنْكُم، كَأَنَّها دارُ مُقامِكُمْ وكَأَنَّ مَتاعَها باقٍ عَلَيْكُمْ، وما يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَن يَسْتَقْبِلَ أَخاهُ بِما يَخافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلا مَخافَةَ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ، قَدْ تَصافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآجل، وحُبِّ العاجل، وصار دينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلى لِسانِهِ، صُنْعَ «صَنيع»مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ (3)عَمَلِه ، وأَحْرَزَ رضى سَيْدِه (4).
(القلعة) بالضم العزل والمال العارية أو مالاً يروم ومنزلنا منزل قلعة وقلعة وقلعة ، وزان همزة أي ليس بمستوطن أو لا تدري متى تتحول عنه أو لا تملكه ، و (النجعة) بالضم طلب الكلاء في موضعه ، و( يخرب) بالبناء على الفاعل مضارع باب فعل كفرح ، وفي بعض النسخ بالبناء على المجهول مضارع أخرب، وفي بعضها يتخرب مضارع باب التفعل مبنياً على الفاعل
أيضاً، و (الطلبة) بفتح الطاء وكسر اللام ما طلبته، و (مقته) مقتاً أبغضه فهو مقيت وممقوت .
وقوله : (فلا توازرون) بفتح التاء من باب التفاعل بحذف إحدى التائين، وفي بعض النسخ بضمها وكسر الزاء مضارع باب المفاعلة، ومثله الأفعال الثلاثة بعده وقوله : (ما بالكم) في بعض النسخ بدله ما لكم و (اللعقة) بالضم اسم لما يلعق أي تؤكل بالاصبع أو بالملعقة وهي آلة معروفة .
جملة (قد تزينت )في محل النصب على الحال من الدنيا ، وفي بعض النسخ وقد تزبنت بالواو، (والفاء) في قوله (فخلط حلالها بحرامها)، فصيحة أي إذا كانت مهانة على الله فخلط ، وفي بعض النسخ عن أعدائه بدل على أعدائه، فلا بد من تضمين معنى القبض أي لم يضربها قابضاً لها عن أعدائه ، وقوله (فما خير دار تنقض ) ( ا ه- ) ما استفهامية وإضافة خير إلى دار بمعنى في ، أي منفعة في دار وصفها كذا ، (ومن) في قوله : (من طلبتكم ) للتبعيض، ويحتمل الزيادة على مذهب الأخفش والكوفيين من تجويز زيادتها في الإيجاب استدلالاً بقوله تعالى :
و( يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ [الأحقاف: 31] ، وذهب سيبويه إلى أنها فيه للتبعيض أيضاً.
وقوله : (واسألوه من أداء حقه ما سألكم)، أي اسألوا منه على الحذف والإيصال ، (وما) موصولة منصوبة المحل مفعول اسألوه، (وسألكم) صلتها والعائد محذوف أي الذي سأله منكم، (ومن أداء حقه) بيان لما كما في قولك : عندي من المال ما يكفي، وإنما جاز تقديم (من) المبينة على المبهم في هذا وأمثاله، لأنّ المبهم الذي فسّر (بمن) مقدّم تقديراً كأنك قلت عندي شيء من المال ما يكفي، فالمبين بفتح الباء في الحقيقة محذوف، والذي بعد (من) عطف بيان له، والمقصود بذلك تحصيل البيان بعد الإبهام، لأن معنى أعجبني زيد، أي شيء من أشيائه بلا ريب ، فإذا قلت : كرمه أو وجهه ، فقد تبينت ذلك الشيء المبهم .
(والفاء) في قوله : (فصارت الدنيا فصيحة) ، وفي قوله : (فلا توازرون)، عاطفة مفيدة للسببية نحو يقوم زيد فيغضب عمرو أي صار قيامه سبباً لغضب عمرو، وجملة (تفرحون وتدركونه وتحرمونه ويفوتكم ) في محال النصب على الحال ، وفي بعض النسخ (حين يفوتكم)، بإضافة (حين)، (وقلة صبركم)، بالجز عطف على (وجوهكم) .
إعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة للتنفير عن الدنيا والترغيب في الآخرة، ونبّه على جهات النفرة بقوله : (وأحذركم) من (الدنيا) والركون إليها والاعتماد عليها والاغترار بها وبزخارفها (فإنها منزل قلعة)أي : لا تصح للسكنى والاستيطان أو لا تدري متى يكون لك منها التحوّل
والارتحال والمضيّ والانتقال، (وليست بدارنجعة) يطلب فيها الكلاء ويروى من الظماء، وهو كناية عن أنها لا ينال فيها المراد ولا يوفق فيها السداد (قد تزينت ) للناس (بغرورها) وأباطيلها (وغرّت) المفتونين بها أي خدعتهم (بزينتها ) وزخارفها .
وهي (دار هانت على ربّها ) واتصفت بالذل والهوان لعدم تعلّق العناية الإلهية عليها بالذات، وإنما خلقت لكونها وسيلة إلى غيرها.
قال أبو عبد الله علیه السلام: مر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بجدي أسك ملقى على مزبلة ، فقال لأصحابه : كم يساوي هذا؟ فقالوا : لعله لو كان حيّاً يساوي درهماً، فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : والذي نفسي بيده الدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله (1).
وقوله : (فخلط حلالها بحرامها وخيرها بشرها وحياتها بموتها وحلوها بمرها ) ، يعني أنها من أجل حقارتها لم تكن خيراً محضاً، بل كان كل ما يعد فيها خيراً مشوباً بشر يقابله ، بخلاف الدار الآخرة، فإنها خير كلّها وصفو كلها ، ولذلك ( لم يصفها الله لأوليائه) بل جعلهم فيها مبتلى بأنواع الغصص والمحن ، وأصناف المصائب والحزن فمشربهم فيها رنق ومترعهم فيها روغ، (ولم يضنّ بها على أعدائه ) بل أعطاهم فيها غاية المأمول، ومنتهى المسئول ، فحازوا نفائس الأموال وفازوا نهاية الآمال، وليس عدم التصفية للأولياء وعدم الضنة بها في حق الأعداء إلا إكراماً للأولين وإضلالاً للآخرين.
قال أبو عبد الله علیه السلام : إن المؤمن ليكرم على الله حتى لو سأله الجنة بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئاً، وإنّ الكافر ليهون على الله حتى لو سأله الدنيا بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئاً، وإن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الغائب أهله بالطرف ، وإنّه ليحميه الدنيا كما يح- الطبيب المريض.
وفي رواية أخرى عنه علیه السلام قال : ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيراً ولا كافراً إلا غنياً ، حتى جاء إبراهيم فقال : ( الاربَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [الممتحنة : 5].
فصير الله في هؤلاء أموالاً وحاجة ، وفي هؤلاء أموالاً وحاجة (2).
وبالجملة فعدم تصفيتها للأولياء وجعلهم فيها مبتلى بأوصاف البلاء ليس إلا ليصبروا أياماً قليلة، ويصيروا إلى راحة طويلة، وعدم قبضها من الأعداء لهوانها عليه سبحانه كهوانهم عنده ولو تساوي عنده تعالى جناح بعوضة لما أعطى أعدائه منها حنّة ولا سقاهم منها شربة .
(خيرها زهيد ) قليل (وشرها عتيد) حاضر (وجمعها ينفد) ويفنى (وملكها يسلب) ويؤخذ
(وعامرها يخرب) ويهدم (فما خبر دار ) أي أتي خير ومنفعة في دار (تنقض نقض البناء وعمر يفني فناء الزاد، ومدة تنقطع انقطاع السير) لا يخفي حسن التشبيه في القرائن الثلاث وتمام المناسبة والإئتلاف بين طرفي التشبيه في كلّ منها، هذا.
ولما نبه علیه السلام على معائب الدنيا ومساوئها عقبه بالأمر بأخذ ما هو لازم فيها فقال : (اجعلوا ما افترض الله عليكم ) من العقائد الحقة والمعارف الإلهية والعبادات الفرعية (من طلبتكم ) أي: من جملة ما تطلبونه أو نفس ما تطلبونه على زيادة من وعلى الثاني ففيه من المبالغة ما لا يخفى ، يعني أن اللازم عليكم أن يكون مطلوبكم في الدنيا الفرائض وأدائها، وتكون همتكم مقصورة فيها، (واسألوه من أداء حقه ما سألكم ) أي اسألوا منه سبحانه التوفيق والتسديد والإعانة لما أمركم به وفرضه عليكم من أداء حقوقه الواجبة وتكاليفه اللازمة، فإن الإتيان بالواجبات والانتهاء عن السيئات لا يحصل إلا بحول الله وقوته وتوفيقه وتأييده وعصمته ، فيلزم على العبد أن يقرع باب الرّب ذي الجلال بيد الذل والمسكنة والسؤال لأن يسهل له مشاق الأعمال، ويصرفه عما يورطه في ورطة الضلال، ويوقعه في شدائد الأهوال، كما قال سيد العابدين وزين الساجدين سلام الله عليه وعلى آبائه وأولاده الطاهرين في دعاء يوم عرفة :
وخذ بقلبي إلى ما استعملت به القانتين ، واستعبدت به المتعبدين، واستنقذت به المتهاونين، وأعذني مما يباعدني عنك ويحول بيني وبين حظي منك ويصدني عما أحاول لديك، وسهل لي مسلك الخيرات إليك ، والمسابقة إليها من حيث أمرت والمشاحة فيها على ما أوردت .
وفي دعاء الاشتياق إلى طلب المغفرة :
اللهم وإنّك من الضعف خلقتنا، وعلى الوهن بنيتنا، ومن ماء مهين ابتدأتها ولا حول لنا إلا بقوتك ، ولا قوة لنا إلا بعونك، فأيّدنا بتوفيقك، وسدّدنا بتسديدك وأعم أبصار قلوبنا عمّا خالف محبتك، ولا تجعل لشيء من جوارحنا نفوذاً إلى معصيتك .
وفي دعائه علیه السلام في ذكر التوبة :
اللهم أنه لا وفاء لي بالتوبة إلا بعصمتك، ولا استمساك بي عن الخطايا إلا عن فوتك، فقوني بقوة كافية ، وتولني بعصمة مانعة (1)، هذا.
وإطلاق السؤال على الفرائض والأوامر في قوله ما سألكم من باب المجاز بجامع الطلب، أوان الإتيان بلفظ السؤال لمجرد المشاكلة بينه وبين قوله ، واسألوه وهي من محسنات
1) الصحيفة السجادية : 161 .
البديع كما مرّ في ديباجة الشرح وقوله : (وأسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم ) أراد به التهيؤ للموت قبل حلول الفوت والاستعداد له قبل نزوله ، بأن يجعله نصب عينيه ويذكر شدّة ما يكون في تلك الحال عليه من سكرة ملهئة وغمرة كارثة ، وأنّة موجعة وجذبة مكربة وسوقة متعبة .
ثم نبه علیه السلام على أوصاف خيرة العباد من العباد والزهاد لترمق أعمالهم، ويقتدي لهم في أفعالهم فقال : (إن الزاهدين في الدنيا ) الراغبين في الآخرة (تبكي قلوبهم ) من خشية الحق (وإن ضحكوا ) مداراة مع الخلق (ويشتد حزنهم ) من خوف النار وغضب الجبار ( وإن فرحوا) حيناً ما من الأعصار ( ويكثر مقتهم) وبغضهم (أنفسهم) لكونها أمارة بالسوء والفساد صارفة عن سمت السداد والرشاد فلا يطيعونها ولا يلتفتون إليها ولا يخلعون لجامها لتقتحم لهم في العذاب الأليم، وتوردهم في الخزي العظيم ( وإن اغتبطوا ) أي اغتبطهم الناس ( بما رزقوا ) من فوائد النعم وعوائد المزيد والقسم .
ثم وتخهم على ما هم عليه من حالة الغرّة والغفلة فقال : (قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال ) فلم تمهدرا في سلامة الأبدان (وحضرتكم كواذب الآمال ) فلم تعتبروا في أنف الأوان، (فصارت الدنيا أملك بكم من الآخرة ) لاستيلائها عليكم ونفوذ تصرفها فيكم وأتباعكم عليها أتباع العبد على سيده ، والمملوك على مولاه (والعاجلة أذهب بكم من الآجلة ) لفرط محبتكم لها ودخول حبّها شغاف قلوبكم، فذهبت بقلوبكم كما يذهب المحبوب بقلب محبه، (وإنّما أنتم إخوان مجتمعون على دين الله ) وفطرته التي فطر الناس عليها بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات : 10] (ما فرق بينكم إلا خبث السرائر وسوء الضمائر) أي لم يفرق بينكم إلا خبث البواطن وسوء العقائد والنّبات ، ومن ذلك ارتفعت عليكم آثار التواخي والمودة ولوازم المحبة والإخوة ، (فلا توازرون ولا تناصحون ولا تباذلون ولا توادّون )، أي لا يعين أحدكم صاحبه ولا يقويه ولا يناصحه ولا يبذل ماله له ولا يقوم بلوازم المودة.
روى في «الكافي » عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن اليماني، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : حق المسلم على المسلم أن لا يشبع ويجوع أخوه ولا يروي ويعطش أخوه ولا يكتسي ويعرى أخوه (1)، فما أعظم حق المسلم على أخيه المسلم .
وقال : أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك، وإذا احتجت فاسأله، وإن سألك فأعطه، لا تمله خيراً ولا يمله لك ، كن له ظهراً فإنه لك ظهر، إذا غاب فاحفظه في غيبته ، وإذا شهد فزره وأجله وأكرمه فإنه منك وأنت منه، فإن كان عليك عاتباً فلا تفارقه حتى تسئل سميحته، وإن أصابه خير فاحمد الله، وإن ابتلي فأعضده، وإن يمحل له فأعنه، وإذا قال الرجل لأخيه :
1) كتاب المؤمن : 42 ح 95 ، والكافي : 2/ 170 ح 4 .
أفُ انقطع ما بينهما من الولاية، وإذا قال : أنت عدوّي كفر أحدهما ، فإذا اتهمه إنماث الإيمان في قلبه كما يماث الملح في الماء (1).
وبإسناده عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال : من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته ويواري عورته ، ويفرج عنه كربته ، ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده (2).
أقول : قد أستفيد من هذين الخبرين ، وغيرهما لم نورده شرائط الأخوة بين المسلمين، وعلم بذلك أن من لم يقم بوظائفها فليس هو في الحقيقة بأخ لصاحبه، ولذلك قال الباقر والصادق علیه السلام فيما رواه عنهما في «الكافي»: لم تتواخوا على هذا الأمر وإنما تعارفتم عليه (3).
ثم استفهم على المخاطبين على سبيل التقريع فقال : (ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا ما تدركونه ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه )مع أن هذا اليسير فان زائل ، أن هذا اليسير فان زائل، وذلك الكثير باق دائم (ويقلقلكم) أي يزعجكم (اليسير من الدنيا يفوتكم حتى يتبين ذلك ) القلق والاضطراب ويظهر أثره (في وجوهكم و) في (قلة صبركم عمّا زوى ) أي قبض (منها) أي من الدنيا وخيرها
وفضلها (عنكم) فتحزنون وتتأسفون بذلك (كأنها دار مقامكم وكأن متاعها باق عليكم ().
ثم ذمّهم على عدم كون محافظتهم على إخوانهم بظهر الغيب عن وجه الخلوص والصفاء، وعلى عدم كون كتمانهم لعيوب أخوتهم لمجرّد ملاحظة الصدقة والأخاء فقال : (وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف ) الأخ منه (من عيبه إلا مخافة أن يستقبله ) أخوه (بمثله) يعني أنه لا مانع لأحد منكم من مواجهة أخيه بإظهار عيوبه التي يخاف الأخ من إظهارها إلا مخافة أن يواجهه أخوه بمثل ما واجهه به ، فيذكر مثالبه ويظهر معايبه، وهو إشارة إلى عدم مبالاتهم في الدين وعدم خوفهم من الله سبحانه في إذاعة سرّ المؤمنين مع أن حق المؤمن من المؤمن إذا رأى منه عيباً أو عرف منه ذنباً هو الإخفاء والكتمان، لا الإذاعة والإعلان، قضاء لحق الأخوة ورعاية لوظيفة التقوى والمروة قال الله سبحانه :
( إنّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 19] .
وقال أبو عبد الله علیه السلام : من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه و هدم مروّته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان رواه في «الكافي».
وفيه أيضاً عن زيد عن أبي عبد الله علیه السلام قال : فيما جاء في الحديث عورة المؤمن على المؤمن حرام ، قال : ما هو أن ينكشف فترى منه شيئاً إنما هو أن تروي عليه أو تعيبه (1).
ثم قال : (قد تصافيتم على رفض الآجل وحب العاجل )أي تواخيتم على ترك الأخرى ومحبة الدنيا، (وصار دين أحدكم لعقة على لسانه) قال الشارح البحراني استعار لفظ اللعقة لما ينطق به من شعار الإسلام والدين كالشهادتين ونحوهما من دون ثبات ذلك في القلب ورسوخه والعمل على وفقه .
وقال الشارح المعتزلي : وأصل اللعقة شيء قليل يؤخذ بالملعقة من الإناء يصف دينهم بالنزارة، ولم يقنع بأن جعله لعقة حتى جعله على ألسنتهم فقط أي ليس في قلوبهم (صنع من) أي صنعهم مثل صنيع من (قد فرغ من عمله وأحرز رضى سيده ) بإتيان أوامره وأحكامه ، ووجه التشبيه الاشتراك في الأعراض من العمل.
1) الكافي : 359/2 ،3 ، وبحار الأنوار: 170/72 - 42 .
از جمله خطبههای آن حضرت است در مذمّت دنیا و تنفیر مردمان از آن غدار
بیوفا ، چنان چه فرموده :
میترسانم شما را از دنیا شما را از دنیا ، پس به درستی که آن منزلی است که قابل اخذ وطن نیست و نیست سرایی که طلب آب و گیاه کرده شود در آن ، به تحقیق که آراسته شده به باطل خود ، فریب داده به آرایش خود، خانه ای است که ذلیل و خوار شده بر پرودگار خود، پس آمیخته حلال آن را به حرام آن و خیر آن را به شرّ آن و زندگانی آن را به مرگ آن و شیرینی آن را به تلخ آن ، صافی نفرموده است آن را از برای دوستان خود و بخیلی ننموده آن را بر دشمنان خود ، خیر آن کم است و شر آن حاضر است و جمع شده آن تمام می شود و پادشاهی آن آن ربوده ربوده میشود و آباد آن خراب میشود.
پس چه منفعت است در خانه ای که شکسته میشود چون شکسته شدن بنای بی اعتبار و در عمری که فانی میشود چون فانی شدن توشه و در مدتی که منقطع می شود چون انقطاع رفتار ، بگردانید آن چه که واجب نمود خداوند تعالی بر شما از جمله مطالب خود و سؤال کنید از حق تعالی توفیق و اعانت آن چه را که خواهش فرموده از شما از اداء حق او و بشنوانید دعوت مرگ را به گوشهای خودتان پیش از این که دعوت نمایند و بخوانند شما را به دار القرار.
به درستی صاحبان زهد در دنیا گریه میکند قلبهای ایشان و اگرچه خنده کنند به حسب ظاهر و شدت می یابد پریشانی ایشان و اگر چه شاد باشند بر روی ناظر و بسیار میشود دشمنی ایشان با نفسهای خودشان و اگر چه غبطه کرده شوند و مردمان آرزوی نیکویی حال ایشان را نمایند به آن چه که روزی داده شدند در این
جهان.
به تحقیق که غائب شده از قلبهای شما یاد کردن اجلها و حاضر شده شما را دروغهای آرزوها ، پس گردید دنیا مالك تر و متصرف تر شد به شما از آخرت و دنیا برنده تر شد شما را به سوی خود از عقبا و جز این نیست که شما برادرانید بر
دین خدای تعالی تفرقه نینداخته در میان شما مگر ناپاکی شرها و بدی اندیشه ها، پس اعانت یکدیگر نمیکنید و بار گردن یکدیگر را بر نمی دارید و نصیحت نمی کنید یکدیگر را و بخشش نمیکنید به یکدیگر و دوستی نمیورزید با یکدیگر .
چیست شأن شما در حالتی که شاد میباشد به اندکی از دنیا در حالتی که در می یابید آن را و محزون نمیکند شما را بسیاری از آخرت در حالتی که محروم می شوید از آن و مضطرب می نماید شما را اندکی از متاع دنیا هنگامی که فوت میشود از شما تا آن که ظاهر میشود اثر آن اضطراب در بشره رویهای شما کمی صبر و شکیبایی شما از آن چه پیچیده شده است از متاع دنیا از شما ، گوییا دنیا سرای اقامت شما است و گوییا متاع آن باقی است بر شما و مانع نمیشود یکی از شما را از این که مواجهه کند برادر دینی خود را به چیزی که میترسد برادر از عیب آن مگر ترس آن که مواجهه نماید برادر او با او با مثل گفتار او ، به تحقیق که دوستی ورزیده اید با یکدیگر بر ترك آخرت و بر محبت دنیا و گردیده برتر است دین یکی از شما آن چه كه به يك بار لیسیده میشود بر زبان و عمل نمودید ترك در امورات اخروی مثل کار کسی که فارغ شود از عمل خود و فراهم آورده باشد خوشنودی و رضای مولای خود را .
أَلْحَمْدُ للهِ الواصِلِ الحَمْدَ بِالنِّعَم ، وَالنْعَمَ بِالشَّكْرِ، نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِه كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلآئِهِ، ونَسْتَعينُهُ عَلى هَذِهِ النُّفُوسِ البِطَاءِ عَمّا أَمِرَتْ بِهِ ، السِّراع إلى ما نُهِيَتْ عَنْهُ، ونَسْتَغْفَرُه مِما أَحاطَ بِه عِلْمُهُ، وأَحْصاهُ كِتابُهُ عِلْمٌ غَيرُ قاصِرٍ ، وكِتابٌ غَيْرُ مُغادِرٍ، ونُؤْمِنُ بِه إِيمانَ مَنْ عايَنَ الْغُيُوبَ، ووَقَفَ عَلى الْمَوْعُودِ ، إيماناً نَفي إخلاصُهُ الشِّرْكَ ، ويَقينُهُ الشَّكَ ، ونَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الله صلی الله علیه واله وسلم، شَهَادَتَينِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ، وَتَرْفَعانِ الْعَمَلَ ، لا يَخِفُّ ميزان تُوضَعانِ فِيهِ، ولا يَنْقُلُ ميزان تُرْفَعانِ عَنْهُ، أُوصِيكُمْ عِبادَ الله بِتَقْوَى الله التي هِيَ الزّادُ ، وبِهَا الْمَعادُ، زاد مُبلغ، ومعادٌ مُنْجِحٌ، دَعا إِلَيْها أَسْمَعُ داع، ووعيها خَيرُ واع فَأَسْمَعَ داعيها، وفاز واعيها ، عِبادَ اللهِ، إِنَّ تَقْوَى اللهِ حَمَتْ أَوْلِياءَ الله مَحارِمَهُ، وأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخافَتَهُ ، حَتى أَسْهَرَتْ لَيالِيَهُمْ ، وأظمَاتْ هَواجِرَهُمْ، فَأَخَذُوا الرّاحَةَ بِالنَّصْبِ ،والرّيّ بِالظَّماً، وَاسْتَقْرَبُوا الأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ ، وكَذَّبُوا الأَمَلَ، فَلاحَظُوا الأَجَلَ .
ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيا دارُ فَناء وغناء، وغير وعِبَر، فَمِنَ الْفَناءِ إِنَّ الدَّهْرَ مُوتِرُ قَوْسِه، ولا تُخطي سهامه، ولا تُوسى جراحُهُ ، يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ، وَالصَّحيحَ بِالسَّقَم، وَالنّاجِيَ بِالْعَطَبِ، اَكِلٌ لا يَشْبَعُ، وَشارِبٌ لا يَنْفَعُ ، ومِنَ العَناءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ ما لا يأْكُلُ، ويبني ما لا يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الله لا مالاً حَمَلَ ، ولا بناءً نقل، ومِنْ غَيرها أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً، وَالْمَغْبُوطُ مَرْحُومَاً ، لَيْسَ ذلِكَ إِلا نَعيماً زَلَّ، وبُؤساً نَزَلَ، وَمِنْ عِبَرها أَنَّ الْمَرْءَ يَشْرُفُ عَلى أَمَلِه ، فَيَقْتَطِعُهُ حُضُوراً أَجَلِهِ، فَلا أَمَلْ يُدْرَكُ، ولا مُؤمَّلْ يُتْرَكُ، فَسُبْحانَ اللهِ ما أَغَرَّ سُرُورَها، وأَظْماً رِيَّها، وأضحى فَيْنَها ، لا جاء يُرَدُّ ، ولا ماض يَرْتَدَّ فَسُبْحانَ الله ما أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيَّتِ للحاقه به ، وأَبْعَدَ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيْ لانقطاعه عَنْه ، إِنَّهُ لَيْس شَيْءٌ بِشَرٌ مِنَ الشَّرِّ إِلا عِقابُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيرِ مِنَ الْخَيرِ إِلا ثوابُهُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا سِماعة أَعْظَمُ مِنْ عِيانِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الآخِرَةِ عِيانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سِماعِه ، فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيانِ السَّماعُ، وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ .
وَاعْلَمُوا أَنْ ما نَقَصَ مِنَ الدُّنْيا وزادَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وزاد في الدُّنْيَا، فَكُم مِنْ مَنْقُوصٍ رابح ، ومَزيدٍ حَاسِرٍ ، إِنَّ الَّذي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ، وما أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، فَذَرُوا ما قَلَّ لِما كَثُرَ ، وَما ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ ، قَدْ تُكفّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ، وأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ ، فَلا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلِى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ، مَعَ أَنَّهُ وَالله لَقَدَ اعْتَرَضَ الشَّكُ وَدَخَلَ الْيَقينُ حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَكَأَن الذي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ، فَبَادِرُوا الْعَمَل ، وخافُوا بَغْتَةَ الأَجلِ، فَإِنَّهُ لا
يُرْجى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمْرِ مَا يُرْجى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ، ما فاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيادَتُه ، وما فاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمْرِ لَمْ يُرْجَ رَجْعَتُهُ، الرَّجاءُ مَعَ الجاني، وَالْيَأْسُ مَعَ الماضي، «فَاتَّقُوا الله حَنْ تُقاتِه وَلاَ تَمُوتُنَّ إلا وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ » (1).
(البطاء) على وزن الفعال من بطوء بطئاً كقرب ضد السراع ، و (غادره) مغادرة وغداراً تركه وبقاه ، و( المعاد) بالدال المهملة مصدر بمعنى العود أي الرجوع إلى الله سبحانه، وفي بعض النسخ بالذال المعجمة بمعنى الملاذ و (النجح) بالضم الظفر بالمطلوب وأنجح زيد صار نجح فهو منجح ، و (أسمع واع) بناء أفعل لههنا من الرباعي أي أشد إسماعاً، مثل قولهم ما أعطاه للمال وما أولاه للمعروف، وهذا المكان أقفر من غيره ، أي أشدّ اقفاراً، وفي بعض الروايات : وأحسن واع ، بدله و (الظماء) محرّكة العطش أو شدّته، و (الهواجر) جمع الهاجرة وهو كالهجر والهجيرة نصف النهار أو من عند زوال الشمس إلى العصر، لأن الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا ، وشدة الحر .
(والري) بالكسر إسم من روى من الماء واللبن ريا و (الغير) اسم من غيره جعله غير ما كان، وحوّله وبدله وغير الدهر وزان عنب أحداثه المغيرة ، و (موتر) من باب الأفعال أو التفعيل وكلاهما مرويّان يقال : أوتر القوس أي جعل لها وتراً ووترها توتيراً شدّ وترها ، والوتر محركة شرعة القوس ومعلقها ، والجمع أوتار و (أسى) الجرح أسواً وأسى داواه، أسوت بين القوم أصلحت و (أضحى) فيئها من ضحى الرجل إذا برز للشمس ، و (العيان) بالكسر المعاينة يقال لقيه عياناً أي معاينة لم يشك في رؤيته إياه ، و (دخل اليقين ) أي تزلزل كما في قوله : كنت أرى إسلامه مدخولاً، أي متزلزلاً، و (الرجعة) الرجوع و (التقاة) الخوف وأصله تقية وزان تهمة .
(إيماناً) بالنصب بدل من إيمان الأول، (وجملة تصعدان) صفة للشهادتين، وجملة (لا يخف) (آه) تحتمل الوصفية أيضاً، والحالية لوقوعها بعد نكرة مخصصة بالوصف ،(وداعيها) فاعل اسمع ، (وواعيها) فاعل فاز، والباء في قوله (بالنصب وبالظمأ) للمقابلة، وأكل بالرفع خبر لمبتدأ محذوف ، وقوله (لا ما لا حمل)، (لا) للنفي (وما لا) منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده ، وجملة المنفي حال من فاعل يخرج، (وطلبه) بالرفع بدل (اشتمال) من المضمون وليس فاعلاً له على حد قولهم : جاءني المضروب أخوه ، وذلك لأن الرزق حصوله
1) الكافي: 307/18 ح 8، والخصال: 309.
مضمون لا طلبه كما هو ظاهر، ويحتمل أن يكون رفعه بالابتداء (وأولى بكم) خبره ، وجملة المبتدأ والخبر في محل النصب خبراً (ليكون)، والأول أحسن وأنسب .
إعلم أن الغرض بهذه الخطبة الشريفة الأمر بملازمة التقوى والتنفير عن الدنيا والترغيب في العقبا افتتحها بالحمد والثناء فقال :
(الحمد لله الواصل الحمد بالنعم والنّعم بالشكر ) المراد بوصل أحدهما بالآخر شدّة الارتباط بينهما، فيكون التكرير للتأكيد أو أنه أراد بوصل الحمد بالنّعم إيجابه الحمد عليها وأمره به عند حصولها ، وبوصل النّعم بالشكر جعل الشكر سبباً لمزيدها كما قال : لئن شكرتم لأزيدنكم، وهذا هو الأظهر، ولذا اختار الشكر على الحمد لمحاً للآية الشريفة .
(نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه ) وهذا من باب التشبيه المقلوب والغرض منه عائد إلى المشبه به وهو إيهام أنّه أتم من المشبه ، وإن كان الحمد على الآلاءِ أكثر وأشهر ، ومثله قوله :
وبدا الصباح كأن غ-رت-ه *** وجه الخليفة حين يمتدح
فإنه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم في الوضوح والضياء من الصباح، وإن كان الأمر بحسب الواقع بالعكس هذا ، وفيه إرشاد للعباد على القيام بوظائف الحمد عند الشراء والضراء، والملازمة بمراسم التحية والثناء في حالتي الشدّة والرخاء لأن الرضاء بالقضاء والصبر على البلاء يوجبان الثواب الجميل والأجر الجزيل في العقبى، فبذلك الاعتبار البلاء منه سبحانه أيضاً نعمة توجب الحمد الله تعالى قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ [البقرة: 155] الآيات .
وفي «رواية الكافي » عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن فيما أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران یا موسی بن عمران ما خلقت خلقاً أحب إلي من عبدي المؤمن ، وإني إنما أبتليه لما هو خير له، وأزوي عنه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي أكتبه في الصديقين عندي إذا عمل برضائي وأطاع أمري (1).
(ونستعينه على هذه النفوس) المائلة بمقتضى جبلتها إلى المفاسد والمقابح والراغبة عن المنافع والمصالح (البطاء عما أمرت به )من العبادات والطاعات (السراع إلى ما نهيت عنه ) من
1) الكافي : 62/2 7 ، والأمالي : 238 ح 421.
المعاصي والسيئات (ونستغفره ممّا أحاط به علمه وأحصاه كتابه ) من صغائر الذنوب وكبائرها وبواطن السيئات وظواهرها وسوالف الزلات وحوادثها (علم غير قاصر) عن شيء ولا يعزب عنه مما في الأرض والسماءِ من شيء (وكتاب غير مغادر) شيء أي لا يغادر ولا يبقي صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها .
(ونؤمن به ) أي نصدقه بقول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول وأتباع الرسول (إيمان من عاين الغيوب) وشاهد بعين اليقين الغيب المحجوب عن غمرة الموت وسكرته وضيق القبر وظلمته، وطول البرزخ ووحشته ، وعقبات الساعة ودواهيها ، وأهوال القيامة وشدائدها (ووقف) أي اطلع (على الموعود ) من الرّفد المرفود والطلح المنضود والسدر المخضود والظل الممدود وغيرها ممّا وعد به المتقون ، أو النار ذات الوقود والقيح والشديد والعذاب الشديد ، ونزل الحميم وتصلية الجحيم ونحوها مما وعد به المجرمون .
وإنّما خص إيمان المعاين الواقف بالبيان لكونه أقوى درجات الإيمان، فإن من الإيمان ما يكون بحسب التقليد ، ومنه ما يكون بحسب البرهان وهو علم اليقين، وأقوى منه الإيمان بحسب الكشف والمشاهدة، وهو عين اليقين، وذلك هو الإيمان الخالص .
وفي «الكافي » بإسناده عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم صلي بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفراً لونه، وقد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : كيف أصبحت يا فلان :قال أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من قوله وقال : إن لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فقال: إن يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هو اجري فعرفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي، وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الأرائك متكؤون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي ، فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لأصحابه : هذا عبد نور الله قلبه بالإيمان ، ثمّ قال له : الزم ما أنت عليه ، فقال الشاب : ادع الله لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك، فدعى له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلى الله عليه واله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر (1).
وحيث كان إيمانه علیه السلام من أقوى درجات الإيمان وأعلى مراتبه ، موصوفاً بالخلوص واليقين كما قال علیه السلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً (2)أتبعه بقوله : (إيماناً نفى إخلاصه
الشرك ويقينه الشك) أما نفي إخلاصه للشرك فواضح، وأما نفي يقينه للشك فلأن اليقين عبارة عن الاعتقاد بأن الأمر كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن أن لا يكون إلا كذا، فهو مناف للشك لا محالة .
(ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً صلی الله علیه واله وسلم عبده ورسوله ) وقد مضى تفصيل ما يتعلق بالشهادتين في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثانية ولا حاجة إلى الإعادة .
(شهادتين تصعدان القول ) أي الكلم الطيب (وترفعان العمل )أي : العمل الصالح، وإنما تكونان كذلك إذا كانتا صادرتين عن صميم القلب ووجه اليقين وخلوص الجنان فتكونان حينئذ فاتحة الإحسان وعزيمة الإيمان تصعدان الكلمات الطيبات ، وترفعان الأعمال الصالحات، وتزيدان في الدرجات ، وتكفران الخطيئات ، وأمّا الصادرة عن مجرد اللسان فلا فائدة فيها إلا تطهير ظاهر الإنسان ، وخيرها زهيد ونفعها فقيد هذا.
وفي قوله : (لا يخف ميزان توضعان فيه ولا يثقل ميزان ترفعان عنه ) دلالة على أن لهما مدخلية في ثقل الميزان وخفته بوضعهما فيه ورفعهما عنه
ويشهد به صريحاً في الجملة ما قدمنا روايتها في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثانية، من ثواب الأعمال عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : قال الله جل جلاله لموسى بن عمران: يا موسى لو أن السماوات وعامريهن عندي والأرضين السبع في كفّة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله (1)
ثم وصى علیه السلام العباد بما لا يزال يوصي به فقال : (أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي هي) الذخيرة و (الزاد وبها )المرجع و (المعاد زاد) يتقوى به إلى طي منازل الآخرة وسلوك سبيل الجنان (مبلغ) إلى غاية الرّضوان (ومعاد منجح) يصادف عنده الفوز والنجاح، وينال به منتهی الأرباح (دعا إليها ) أي إلى التقوى (أسمع داع ووعاها )أي حفظها (خير واع ) يحتمل أن يكون المراد بأسمع داع هو الله سبحانه، لأنه أشد المسمعين اسماعاً، وقد دعى إليها كثيراً وندب إليها في غير واحد من الكتب السماوية وغير آية من الآيات القرآنية، ومن جملتها قوله
سبحانه :
(وَنَزَوَدُواْ فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة : 197] .
وبخير واع هو الأنبياء والمرسلون أو الأعم منهم، ومن سائر المسارعين إلى داعي الله أفضل القوابل الإنسانية، وأن يكون المراد بأسمع داع رسول الله وبخير واع
الذين هم نفسه علیه السلام .
1) ثواب الأعمال 2 والجواهر الندية : 61 .
ويؤيده قوله تعالى: أُذُنٌ وَعِيَّةٌ [الحاقة 12]، بما روى «الكافي » عن الصادق علیه السلام قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : هي
أذنك يا علي (1).
(فاسمع داعيها ) أي لم يبق أحد من المكلفين إلا أسمعه تلك الدعوة (وفاز واعيها)
المتدبر فيها الأخذ بها .
ثم نبه على آثار التقوى وخواصها في الأولياء فقال : (عباد الله إن تقوى الله حمت) أي منعت (أولياء الله) من حماه سبحانه وهو (محارمه) كما قال صلی الله علیه واله وسلم ألا وإن لكل ملك حمى وإن الله محارمه فمن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه ، أي قرب أن يدخله (وألزمت قلوبهم مخافته ) وخشيته ( حتى أسهرت لياليهم وأظمأت هواجرهم) نسبة الشهر إلى الليالي والظمأ إلى الهواجر من باب التوسع والمجاز على حد قولهم : نهاره صائم وليله قائم ، والمراد أن التقوى وشدّة الخوف أوجبت سهرهم في الليالي للقيام إلى الصلاة، والدوام على المناجاة وعطشهم في الهواجر لملازمتهم بالصّيام والكف عن الشراب والطعام ، فهم عمش العيون من البكاء ذبل الشفاه من الدعاء حدب الظهور من القيام خمص البطون من الصيام، صفر الوجوه من السهر ، عليهم غبرة الخاشعين .
(فأخذوا الراحة ) في الأخرى (بالنصب) والتعب في الدنيا (والري) من عين سلسبيل (بالظمأ) والعطش في زمان قليل، (واستقربوا الأجل فبادروا العمل وكذبوا الأمل فلاحظوا الأجل) يعني أنهم عدوا الآجال أي مدة الأعمار قريباً، فسارعوا إلى الأعمال الصالحة وتهيؤوا زاد الآخرة، وأنهم كذبوا الآمال الباطلة ولم يغتروا بالأمنيات العاطلة فلاحظوا الموت.
وبما ذكرنا ظهر أن الأجل في الفقرة الأولى بمعنى مدة العمر، وفي الثانية بمعنى الموت، فلا تكرار كما ظهر أن (الفاء) في قوله : (فبادروا) ، للسببية مفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها، وأما في قوله (فلاحظوا) فيحتمل أن تكون كذلك أي لإفادة سببية ما قبلها لما بعدها، ويحتمل العكس فيكون مفادها (لام) التعليل كما في قولك أكرم زيداً فإنّه فاضل ، يعني أكرمه لكونه فاضلاً، فيدل على أن فضله علة لإكرامه .
والاحتمالان مبنيان على أن الدنيا والآخرة ضرتان متضادتان فبقدر التوجه إلى إحداهما يغفل عن الأخرى وطول الأمل إنّما ينشأ من حب الدنيا والميل إليها، فملاحظة الآخرة أعني الأجل وما بعده والالتفات إليها والتوجه لها يستلزم الإعراض عن الدنيا وعن الآمال الباطلة المتعلقة بها لا محالة، وهو معنى تكذيبها كما أن انتزاع محبة الدنيا عن القلب وعدم الاغترار بآمالها يستلزم ملاحظة الآخرة، فبين الأمرين ملازمة في الحقيقة يكون تكذيب الآمال سبباً
1) شرح أصول الكافي : 88/7، والتفسير الأصفى : 1343/2.
الملاحظة الآخرة، وباعتبار آخر تكون ملاحظة الآخرة علة لتكذيب الآمال وأعني بالعلية والسببية الارتباط والملازمة، وإن لم تكن تامة ، فافهم جيداً.
ويمكن أن يراد بالأجل في الفقرة الأولى الموت، وفي الثانية مدة العمر عكس ما قدمنا، ويحتاج حينئذ إلى نوع تكلف، بأن يراد بملاحظة الأجل بملاحظة قصر مدة العمر وقلتها حتى يستفهم العلية المستفادة من (الفاء) فتدبّر .
ثم أنه علیه السلام وصف الدنيا بأوصاف منفرة وعن الركون إليها فقال : (ثم أن الدنيا دار فناء وعناء وغير وعبر ) أي دار موصوفة بالفناء والمشقة والتغير والاعتبار (فمن الفناء أن الذهر موتر قوسه ) شبه الدهر بالرامي بالقوس على سبيل الاستعارة بالكناية ، والجامع بينهما أن الدهر يرمي بمصائبه وحوادثه المستندة إلى القضاء الإلهي الذي لا يتغير ولا يتبدّل، كما أن الرامي يرمي بسهامه الغير الخاطئة، وذكر القوس تخييل ، وذكر الإيتار ترشيح (و) رشح ثانية بقوله : (لا تخطىء سهامه و )ثالثة بأنه( لا توسى جراحه ) أي لا تداوى ولا تصلح.
ولما جعل الدهر بمنزلة الرامي بيّن كيفية رميه بقوله : (يرمي الحي بالموت والصحيح بالسقم والناجي بالعطب )والهلاك، وقوله : (آكل لا يشبع وشارب لا ينقع) يعني أن الدهر آكل لا يشبع من أكل لحوم الناس وإفنائهم، وشارب لا يرتوي من شرب دمائهم، وهو من باب التشبيه البليغ على حد قولنا زيد أسد ، لا الاستعارة كما توهمه البحراني ، لأن مبنى مبنى الاستعارة على تناسي التشبيه مبالغة كما في قولك رأيت أسداً يرمي، فيلزمه أن لا يؤتي بطرفي التشبيه معاً فى الكلام، لأَنّ الإتيان بهما يبطل ذلك الغرض، وقد تقدّم تحقيقه في ديباجة الشرح.
(ومن العناء) أي من عناء الدّنيا ومشقتها (أن المرء يجمع ) فيها (مالاً يأكل ويبني ما لا يسكن) لا يزال مشغولاً بالجمع والبناء حتى تتم المدة وتنقضي، (ثم يخرج إلى الله سبحانه) فيدع ما جمع ويذر ما بنى تأكله الأعقاب والأبناء ويسكنه الأباعد والأعداء ( لا مالاً حمله ) إلى محطة (ولا بناء نقله )إلى مخطه (1)وفي هذا المعنى قال الشاعر :
هبك بلغت كلما تشتهيه *** وملكت الزمان تحكم فیه
هل قصارى الحياة إلا الممات *** يسلب المرء كلّ ما يقتنيه
(ومن غيرها) أي تغير الدنيا وانقلابها (إنك ترى المرحوم مغبوطاً والمغبوط مرحوماً) يعني ترى من ترحمه الخلائق بسبب الضر والفقر والمسكنة يصير في زمان قليل موصوفاً باليسار ، والرخاء والسعة فيغبطونه بذلك، وترى من تغبطه الخلائق بالعز والمنعة والغني يصير عما قليل مبتلاً بالذل والفقر والعناء، فيرحمونه لأجل ذلك.
1) المحط والمخط بالحاء المهملة والخاء المعجمة معاً : القبر
و ( ليس ذلك إلا نعيماً زل بؤساً نزل ) أي ليس كون المغبوط مرحوماً إلا بنعيم انتقل من المغبوط إلى غيره ، أو شدّة نزلت عليه وفقر وسوء حال حلّ به.
(ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيقتطعه حضور أجله ) أي : يطلع على أمله ويعلو عليه بحيث يكاد يدركه ، فيحضر إذا أجله ويقتطعه عنه ويحول بينه وبينه (فلا أمل يدرك ولا مؤمَل يترك)، ثم تعجب من بعض حالات الدنيا وأطوارها وقال : (فسبحان الله ما أعزّ سرورها وأظمأ ريها وأضحى فينها ) أراد بالرّي استتمام لذتها وبفيئها الركون إلى قنياتها والاعتماد عليها، أي أتي شيء أوجب لكون سرورها سبباً للغرور، وكون ريها سبباً للعطش وظلها سبباً للحرارة، فإن الضحى هي وقت ارتفاع الشمس وعنده تكون الحرارة.
ونسبة الغرور إلى السرور والظمأ إلى الرّي والضحى إلى الفيء باعتبار أن سرورها ولذاتها وزخارفها هي الصوارف عن العمل للآخرة، والشواغل عن الإقبال إلى الله سبحانه ، فكان سرورها أقوى سبب للاغترار بها، وريها من أكد الأسباب للعطش في الآخرة والحرمان من شراب الأبرار، وفيئها من أقوى الدواعي إلى إيراده في حرّ الجحيم وتصلية الحميم.
ويحتمل أن يكون المراد بإظماء ريّها أن الارتواء منها لا ينقع ولا ينفع من الغلة ، بل يزيد في العطش كمن شرب من الماء المالح والأجاج، فيكون كناية عن كون الاكثار منها سبباً المزيد الحرص عليها، وكذا يكون المراد بإضحاء فيئها أن من طلب الراحة فيها اعتماداً على ما جمعها منها لا يجد فيها الراحة ولا ينجو به من حرارة الكبد وفرط المحبة إلى جمعها وتحصيلها وإكثارها، بل هو دائماً في التعب والعطب للتحصيل والطلب إلى أن يموت فيكفن ويخرج فيدفن (لا جاء يرد ) به أراد به الموت (ولا ماض يرتد ) أراد به الميت .
ثم تعجب ثانية وقال : (فسبحان الله ما أقرب الحي من الميت للحاقه به وأبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه) وهو من أفصح الكلام وأحسنه في تأدية المرام يعرف ذلك من له دراية في صناعة البيان وإحاطة بلطائف فن المعان .
ثمّ نبه على شدّة عقاب الآخرة وعظم ثوابها بقوله : (إنّه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه ) قال الشارح البحراني : يحتمل أن يريد الشر والخير المطلقين ويكون ذلك للمبالغة إذ يقال للأمر الشريف: هذا أشد من الشديد وأجود من الجيد، ويحتمل أن يريد شر الدنيا وخيرها ، فإن أعظم شر في الدنيا مستحقر في عقاب الله ، وأعظم خير فيها مستحقر بالنسبة إلى ثواب الله ، انتهى.
والاحتمال الأوّل أظهر، وعليه فالمراد أنه ليس شيء يكون أشر الأشياء، إلا عقاب ذلك الشيء، ولا شيء يكون أعظم الأشياء خيراً إلا ثواب ذلك الشيء .
إلا أن الاحتمال الثاني يؤيده قوله : (وكلّ شيء من الذنيا ) خيراً كان أو شراً (سماعه
أعظم من عيانه)، أما خيرها فلأن الإنسان لا يزال يحرص على تحصيل الدرهم والدينار وسائر القنيات الدنيوية، ويكون قلبه مشغولاً بتحصيلها مسروراً بانتظار وصولها، فإذا وصل إليها هانت عليه وارتفع وقعها لديه كما تشهد به التجربة والوجدان، وأما شرها فلأن أعظم شرّ يتصورها الإنسان بالسماع ويستهوله ويستنكره ممّن يفعله هو صورة القتل والجرح، فإذا وقع في مثل تلك الأحوال واضطر إلى المخاصمة والقتال سهل عليه ما كان يستصعبه منها، وهو معنى قوله في بعض كلماته الآتية : إذا هِبْتَ أمراً فقع فيه .
(وكلّ شيء من الآخرة ) ثواباً كان أو عقاباً ( عيانه أعظم من سماعه)، فإن جل الخلق بل كلهم إلا الصدّيقين إذا سمعوا أحوال الآخرة خيرها وشرها، إنما يتصورونها كأحوال الدنيا ويزعمونها مثلها ويقيسونها إليها، بل بعضهم يتوهمونها أهون منها مع أنه لا نسبة لها إليها، ولذلك قال عز من قائل في طرف الثواب : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفي طرف العقاب.
(كلًا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَو تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرُونَ
الجَحِيمَ ) [التكاثر : 3 - 6] .
حيث جعل الرؤية بالعين أعلى المراتب لأنه يحصل بها ما لا يحصل بغيرها، وأمّا الصدّيقون فلا تفاوت لهم بين السّماع والعيان ، فقد قال سيدهم ورئيسهم : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً .
وحيث كانت أهوال الآخرة وشدائدها أعظم من أن تعبر باللسان وتدرك بالآذان ، ويطلع عليها على ما هي عليها قبل خروج الأرواح من الأبدان (فليكفكم من العيان السماع ومن الغيب الخير) أي : ليكفكم من معاينة تلك الأهوال سماعها ومما غاب عنكم منها أنبائها، ومما حجب منها أخبار المخبرين الصادقين بأخبارها لتأخذوا لها عدتها وتهيئوا لها جنّتها .
(واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا) لأن ما يزاد للآخرة فهو باق دائم وما يزاد للدنيا فهو، فان زائل وأيضاً في زيادة الدنيا طول الحساب والعقاب، وفي زيادة العقبى مزيد الفوز والثواب .
(فكم من منقوص رابح )كما قال سبحانه
( إنَّ الله اشترى مِن الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَسِلُونَ فِي سَبِيلِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا التَّوْرَةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعَتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111] وقال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُل سُنبلة ياتَهُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ [البقرة : 261] .
(و) كم من (مزيد خاسر) لقوله سبحانه: يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيرٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْثِرُونَ [التوبة : 34 - 35] وقوله تعالى : (ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا هُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْراً قَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ مَّ سَيَطوقُونَ مَا يَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ﴾ [آل عمران: 180] الآية .
ثم قال : (إن الذي أمرتم به أوسع مما نهيتم عنه وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم )الأظهر أن الجملة الثانية توكيد للأولى فيكون المراد بالمأمور به في الأولى مطلق ما رخص في ارتكابه، فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح بالمتساوي الطرفين، وبالنهي عنه فيها ما نهى عنه نهي تحريم ، وأوسعية الثاني بالنسبة إلى الأول على ذلك واضحة لأن المنهي عنه قسم واحد والمأمور به أقسام أربعة .
لا يقال : الأمر حقيقة في الوجوب على ما حقق في الأصول فكيف يعم الأقسام؟
لأنا نقول : سلمنا إلا أنه إذا قامت قرينة على المجاز لا يكون بأس بحمل اللفظ عليه، والقرينة في المقام موجودة وهي الأوسعية والعلاقة هي اشتراك سائر الأقسام مع الواجب في أن كلاً منها مأذون فيها مرخص في فعلها وتناولها، ويدل على كثرة الحلال بالنسبة إلى الحرام صريحاً قوله سبحانه :
(خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة : 29] .
فإن كلمة (ما) مفيدة للعموم، ولفظ (الجميع) تأكيد لها، (واللام) للانتفاع فيدل على جواز الانتفاع بجميع ما في الأرض.
فإن قلت : إن الآية لا تفيد العموم لأن شرط حمل المطلقات على العموم أن لا يكون المقام مقام الإجمال، بل يكون مقام البيان ، وههنا ليس كذلك إذ المقصود بيان أن في خلق الأشياء منفعة لكم للإيمان (1)أن الأشياء مما ينتفع بها .
قلت : فيه بعد ما عرفت أن الموصول مفيد للعموم لاسيما مع التوكيد بلفظ الجميع إن الآية واردة في مقام الامتنان المقتضي للتعميم كما لا يخفى ، فيدل على إباحة الانتفاع وحله بجميع ما في الأرض فيكون الأصل الأولى في الجميع هو الحل والإباحة إلى أن يقوم دليل على الخطر والحرمة، فيحتاج إلى تخصيص ما ثبتت حرمته من عموم الآية، ويدل عليه أيضاً قوله سبحانه :
1) في نسخة للإيماء .
(قُل لاَ أَجِدُ في مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِرٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَن يَكُونَ مَيْنَةٌ أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيزِيرِ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطَرَ غير باغ ولا عاد فإن ربك غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنعام: 145] .
فإنّ تخصيص المحرمات بما بعد إلا دليل على أنّ غير المستثنى ليس حراماً، وعدم وجدان النبي صلی الله علیه واله وسلم دليل على عدم وجود الحرمة واقعاً ، ويدل عليه أيضاً قوله سبحانه: أُحِلَ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ [المائدة: 4] ، فإن الطيب هو ضد الخبيث الذي يتنفّر عنه الطبع فيكون، المراد بالطيبات ما تستلذها الطباع فيدل على حلية جميع المستلذات ويخصص بما دلّ على حرمة بعضها بالخصوص ، وهذه الآيات تدل على إباحة جميع ما لم يقم دليل على حرمته، ولذا استدل بها الأصوليون في مسألة الحظر والإباحة على أن الأصل الأولى في الأشياء هو الإباحة.
ومثلها في الدّلالة عليها قوله صلی الله علیه واله وسلم: كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي (1)، إلا أن ذلك يدل على الإباحة الظاهرية فيما شك في إباحته وحرمته، وهذه على الإباحة الواقعية، فمعناه أن كلّ شيء مرخص فيه من قبل الشارع حتى يرد فيه نهى ، فالناس في سعة مما لم يعلموا بورود نهي فيه .
ثمّ أنّ أصالة الإباحة كما تجري في الأعيان مثل التفاح ونحوه بقوله : خلق لكم ما في الأرض جميعاً، فتباح الأفعال المتعلقة بها، كذلك تجري في الأفعال كالغنا مثلاً إن فرض عدم قیام دليل على حرمته لقوله : (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَةُ ﴾ [المائدة : 4] ، فالأصل المذكور يجري في القسمين المذكورين من دون تأمّل .
وربّما يقال : باختصاص أصالة الإباحة بالأعيان، وأن الأصل الذال على حلية الأفعال يسمى بأصالة الحلّ فهما أصلان ناظران إلى موردين ، ونحن نقول إن ذلك لا بأس به إذ لا مشاحة في الاصطلاح ، لكن لا يختص أحدهما بالحجية دون الآخر ضرورة أن الأدلة وافية بحجيتهما معاً، وإن كانا مختلفي المورد.
وعلى ذلك فيمكن أن لا يجعل العطف في كلامه علیه السلام تفسيرياً بأن يكون المراد بما أمرتم به وما نهيتم عنه الأعيان المباحة والمنهيّة، وبما حل وما حرم الأفعال المحللة والمحرمة .
وكيف كان، فلما أفصح عن كون المباح أوسع من المنهى والحلال أكثر والحلال أكثر من الحرام الحرام أمر بترك المحرمات والمنهيات فقال : (فذروا) أي اتركوا (ما قل لما كثر وما ضاق لما اتسع) يعني
1) الاستبصار : 4 / 75 ح 8 ، ووسائل الشيعة : 123/24 .
أنه بعد ما كان الحرام قليلاً والحلال كثيراً فلا حرج عليكم في ترك الأول وأخذ الثاني، ولا عسر في ذلك وكذلك المباح والمحظور نعم لو كان الأمر بالعكس لكان التكليف أصعب، ولكنه سبحانه من على عباده بما بين السماء والأرض، وجعل الملة سمحة سهلة، وما جعل في الذين من حرج علماً منه بضعف النفوس عن القيام بمراسم عبوديته بمقتضى الجبلة البشرية ، فسبحان الله ما أعظم مننه وأسبغ نعمه وأوسع كرمه.
ثم نهى عن تقديم طلب الرزق على الاشتغال بالعبادة وترجيحه عليه فقال: (قد تكفّل لكم بالرزق وأمرتم بالعمل ) أما الأمر بالعمل فواضح، وأما التكفّل بالرزق فقد تقدم الكلام فيه، وفي معنى الرّزق بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الأول من فصول الخطبة التسعين (قلا يكون المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله ) وهذا يدلّ صريحاً على المنع من ترجيح الطّلب على العمل حسب ما أشرنا إليه ، ولا دلالة فيه على ترك الطلب بالكلية، بل المستفاد من الروايات الكثيرة كراهة ذلك مثل الأول.
منها ما رواه في «الكافي»بإسناده عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام رجل قال : لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدنَ ربّي، فأما رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد الله علیه السلام : هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم .
وفيه عن معلى بن خنيس قال : سئل أبو عبد الله علیه السلام عن رجل وأنا عنده فقيل : أصابته الحاجة ، فقال : ما يصنع اليوم؟ قيل : في البيت يعبد ربه ، قال : فمن أين قوته؟ قال : من عند بعض إخوانه، فقال أبو عبد الله علیه السلام : إن الذي يقوته أشد عبادة (1).
ثم وبخهم بقوله : (مع أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين) أي: اعترض الشك فی المضمون والمفروض وتزلزل اليقين بضمان المضمون وبفرض المفروض (حتى كان الذي ضمن لكم قد فرض عليكم ) فبالغتم في تحصيله وطلبه والجد له ، (وكان الذي فرض عليكم قد وضع عنكم )فتوانيتم فيه ولم تبالوا به (فبادروا العمل ) المأمور به قبل حلول الموت (وخافوا بغتة الأجل )، وفجأة الفوت (فإنه لا يرجى من رجعة العمر) وعوده (ما يرجى من رجعة الرزق) هذا في مقام التعليل للمبادرة إلى العمل وترجيحه على طلب الرزق بيانه :
أنّ العمر ظرف للعمل وما فات ومضى منه فلا يعود ولا يرجى عوده، ويفوت العمل كسائر الزمانيات المتعلقة به بفواته لا محالة ، ولا يمكن استدراكه بعينه فإذا وجبت المبادرة إليه والإتيان به وإليه أشير في قوله علیه السلام :
ما فات مضى وما سيأتيك فأين *** قم فاغتنم الفرصة بين العدمين
1) الكافي 4،78/5 ووسائل الشيعة: 25/17 ح 21890.
وقال آخر :
إنما هذه الحياة متاع *** والسّفيه الغوى من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب *** ذلك الساعة التي أنت فيها
وأما الرزق فهو مقسوم وما نقص منه في الماضي أمكن جبرانه في الغابر، وإليه أشار بقوله : (ما فات اليوم من الرزق رجى غداً ،زيادته، وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته ) لأن العمر عبارة عن زمان الحياة ومدته والزمان كم متصل غير قار الذات، والجزء الثاني منه عادم للجزء الأول، والجزء الثالث عادم للجزء الثاني، وهكذا فلا يمكن رجوع الجزء الأوّل بعد مضيه أبداً، وهذا بخلاف الرزق كالمآكل والمشارب والأموال، فإن الإنسان إذا فاته شيء منها قدر على ارتجاعه بعينه إن كانت عينه باقية ، وما لا يبقى عينه يقدر على اكتساب مثله ، نعم يشكل ذلك لو عممنا الرزق بالنسبة إلى التنفس في الهواء، فإنه كالعمل أيضاً من الزمانيات لا يمكن استدراكه، اللهم إلا أن يقال إنّه فرد نادر، ونظر الإمام
علیه السلام في كلامه إلى الأفراد الشائعة والأعم الأغلب، فإن سائر أفراد الرزق عموماً قابل للاستدراك .
وقوله علیه السلام: (الرجاء مع الجاني واليأس مع الماضي ) مؤكّد لما سبق وأراد بالجائي الرزق وبالماضي العمر .
ولما أمرهم بالمبادرة إلى العمل مخافة بغتة الأجل، أكد ذلك بالأمر بملازمة التقوى فقال: (فاتقوا الله حق تقاته ) أي حق تقواه وما يجب منها وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجبات والاجتناب عن المحرمات (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وهو اقتباس من الآية في سورة آل عمران قال تعالى :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ وَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَالِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ [آل عمران: 102] الآية . 10] قال في «مجمع البيان» معناه واتقوا عذاب الله أي احترسوا وامتنعوا بالطاعة من عذاب الله كما يحق ، فكما يجب أن يتقي ينبغي أن يحترس منه، وذكر في قوله (حق تقاته ) وجوه أحدها: أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وهو المروي عن أبي عبد الله علیه السلام (1)، وثانيها : أنه اتقاء جميع معاصيه، وثالثها : أنه المجاهدة في الله وأن لا تأخذه فيه لومة لائم وأن يقام له بالقسط في الخوف والأمن وقوله :
(ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران : 102] .
1) تحف العقول: 362 ، ووسائل الشيعة : 235/15
معناه لا تتركوا الإسلام وكونوا عليه حتى إذا ورد عليكم الموت صادفكم عليه، وإنما قال بلفظة النهي عن الموت من حيث إن الموت لا بد منه ، وإنما النهي في الحقيقة عن ترك الإسلام لأن لا يهلكوا بالانقطاع عن التمكن منه بالموت إلا أنه وضع كلام موضع كلام على جهة التصرّف والأبدال بحسن الاستعارة وزوال اللبس، وروى عن أبي عبد الله علیه السلام : وأنتم مسلمون ، بالتشديد ومعناه مستسلمون لما أتى به النبي صلى الله عليه واله وسلم منقادون له، والله الموفق (1).
1) بحار الأنوار: +269/67 ، ومستدرك سفينة البحار: 107/5 .
از جمله خطب شریفه آن حضرت است در تنبیه بر تقوی و پرهیزکاری و تزهید
از این جهان فانی به این قرار که می فرماید:
حمد بی قیاس معبود به حقی را سزا است که وصل کننده است حمد را به نعمتها و پیوند کننده است نعمتها را به شکر، حمد می کنیم بر نعماء او هم چنان که سپاس میکنیم بر بلاء او و طلب اعانت میکنیم از او بر این نفسهایی که دیر حرکت کننده اند از آن چه مأمور شده اند ، به او شتابنده اند به سوی آن چه نهی گشته اند از آن و استغفار میکنیم از او آن چه که احاطه کرده به او علم آن و شمرده است او را کتاب آن ، علمی که کوتاه نیست از چیزی و کتابی که ترک کننده نیست چیزی را و ایمان میآوریم او را مثال ایمان کسی که دیده باشد غیب ها را به عین الیقین و واقف بشود به چیزی که وعده داده شده است از احوال يوم الدين، ایمانی که نفی کند اخلاص آن شرك را از دلها و زایل نماید یقین او شك را از قلبها و شهادت می دهیم به اینکه نیست هیچ معبود به حقی به جز خدا در حالتی که یکتا است شريك نيست او را و به اینکه محمد بن عبدالله بنده پسندیده و پیغمبر برگزیده او است ، شهادتینی که بلند میگردانند گفتار پاکیزه را و رفع می کنند عمل صالح را در حالتی که سبك نمی شود میزانی که نهاده شوند آن دو شهادت در او و سنگین نمیشود میزانی که برداشته شوند آن دو شهادت از آن .
وصیّت میکنم شما را ای بندگان خدا به تقوی و پرهیز کاری از خدا ، چنان پرهیزکاری که آن است توشه راه آخرت و با او است رجوع به حضرت ربّ العزّت، چنان توشه ای که رساننده است به مقصود و رجوعی که ادراک کننده است مطلوب را ، دعوت نمود به سوی آن تقوی شنواننده ترین دعوت کنندگان و حفظ نمود و نگاه داشت آن را بهترین نگاه دارندگان، پس شنوانید دعوت کننده آن و فایز شد نگاه دارنده آن.
ای بندگان خدا ، به درستی که تقوی و پرهیزکاری از خدای تعالی حفظ نمود دوستان خدا را از محرمات آن و لازم گردانید قلبهای ایشان را ترس او را تا
اینکه بیدار گردانید آن ترس شبهای ایشان را به جهت عبادت و تشنه ساخت روزهای گرم ایشان را به جهت روزها و کثرت طاعت ، پس فرا گرفتند استراحت آخرت را به عوض چند روزها زحمت و سیرابی را به عوض تشنگی و نزديك شمردند دند مد مدت عمر را، پس مبادرت نمودند به سوی اعمال صالحه و تکذیب نمودند آرزوهای باطله را ، پس ملاحظه کردند مرگ را .
پس به درستی که دنیا دار فنا و مشقت و تغیر و عبرت است ، پس از جمله فناء دنیا این است که روزگار به زه کرده کمان خود را ، خطا نمیکند تیرهای او و دوا کرده نمی شود زخمهای او ، میاندازد زنده را به مرگ و تندرست را به بیماری
نمیشود و رستگار را به هلاکت و گرفتاری ، خورنده ای است که سیر نمیشود و آشامنده ای است که سیراب نمی باشد و از جمله مشقتهای دنیا این است که نمیباشد به درستی مرد جمع می کند چیزی را که ساکن نمی شود ، پس بیرون می رود به سوی خدا در حالتی که نه مالی باشد که برداشته باشد و نه بنایی باشد که نقل نماید.
و از جمله تغیرات دنیا این است که تو میبینی فقیر عاجزی که خلایق به حال او رحم می نمایند ، غبطه برده به جهت ثروت و مال و کسی که به حال او غبطه می نمایند رحم شده به جهت فقر وفاقه ؛ یعنی در اندک زمانی پریشانی فقیر به رفاه حال مبدل میشود و رفاه حال غنی به فقر تبدیل مییابد ، نیست این حال ، يعنى تبدّل حال غنی به پریشانی مگر نعمتی که منتقل شده باشد و شدتی که فرود آمده باشد.
و از جمله عبرتهای دنیا این است که مرد مشرف و نزدیک میشود به ادراك
آرزوی خود ، پس جدا می کند او را حاضر شدن مرگ او ، پس سبحان الله، چه چیز سبب غرور گردانیده شادی دنیا را و تشنه ساخته سیرابی دنیا را و گرم گردانیده سایه دنیا را ، نه آینده باز گردانیده میشود نه برگذشته رجوع می نماید .
پس سبحان الله چه چیز غریب و عجیب باعث شده بر نزدیکی زنده از مرده
به جهت سرعت لحوق او به آن؟ و چه چیز باعث شده به دوری مرده از زنده به جهت بریده شدن او از آن؟ به درستی که نیست بدتر از بد مگر عقاب آن و نیست بهتر از خوب مگر ثواب آن و هر چیز از دنیا شنیدن آن بزرگ تر است از دیدن آن و هر چیزی از آخرت دیدن او بزرگ تر است از شنیدن آن ، پس باید که کفایت نماید
شما را از دیدن امور اخروی شنیدن آن و از غيبها خبر او و بدانید آن چیزی که ناقص شود از دنیا و زیاده شود بر آخرت بهتر است از چیزی که ناقص شود از آخرت و زاید شود بر دنیا ، پس بسا کم شده ای است که باعث ربح و منفعت است و بسا زیادهای است که باعث ضرر و خسارت .
به درستی که آن چیزی که خداوند که خداوند شما را امر فرموده به آن فراختر است از که نهی فرموده خدا شما را از آن و چیزی که حلال شده از برای شما اکثر
چیزی است از چیزی که حرام شده، بر ترك نمایید چیزی که اندك است از برای
پس چیزی که بسیار است و چیزی که تنگ است از برای چیزی که وسعت دارد ، به تحقیق که کفالت شده است از برای شما به روزی و مأمور شده اید به عمل ، پس باید نباشد چیزی که ضمانت شده است از برای شما طلب کردن آن اولی به شما از چیزی که فرض و واجب شده است بر شما عمل آن .
با وجود این به حق خدا پیش آمده است شما را شك در ضمان روزی و مدخول و متزلزل شده است یقین در فرض ربّ العالمین ، حتی این که گویا آن چه که ضمانت شده برای شما واجب کرده شده است شما و چیزی که فرض کرده
بر شما انداخته شده است از گردن شما ، پس بشتابید به سوی عمل و بترسید از
ناگهان رسیدن اجل ، پس به درستی که امید گرفته نمیشود از بازگشتن عمر آن چه که امید گرفته میشود از بازگشتن روزی ، آن چه که فوت شده است امروز از روزی، امید گرفته میشود فردا افزونی آن و آن چه که فوت شده است دیروز از عمر ، امید گرفته نمی شود امروز بازگشتن آن ، امید با آینده است که روزی فردا
نمیشود است و نومیدی با گذشته است که عمر دیروزی است بس و بترسید از خدا حق تقوی و ترس کاری و ممیرید مگر در حالتی که شما هستید مسلمان و تسلیم دارید حكم ملك منّان .
وهي ملتقطة من خطبة طويلة أوردها الصدوق في «الفقيه» باختلاف كثير نأتي بها بعد الفراغ من شرح ما رواه السيد (رحمت الله) في الكتاب لكثرة فوائدها ومزيد عوائدها.
أَللَّهُمَّ قَدْ انْصاحَتْ جِبالُنا ، وأَغْبَرَتْ أَرْضُنا، وهامَتْ دَوابُنا (1)، وعَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكالى عَلى أَوْلادِها ، ومَلْتِ التَّرَدَّدَ في مَراتِعِها ، وَالْحَنينَ إِلى مَوارِدِها، اللَّهُمَّ فَأَرْحَمْ أَنينَ الآنَّةِ، وحَنينَ الْحَانَّةِ ، أَللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيرَتَها فِي مَذاهِبها، وأنينها في مَوالِجِهَا، أَللَّهُمَّ خَرَجْنا إِلَيْكَ حينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنا حَدابِيرُ السِّنينَ ، وأَخْلَفَتْنا مَخائِلُ الْجُودِ، فَكُنْتَ الرّجاءَ لِلْمُبْتَيسِ وَالْبَلاغَ لِلْمُلْتَمِس، نَدْعُوكَ حينَ قَنِطَ الأنامُ، ومُنِعَ الْغَمامُ ، وهَلَكَ السَّوامُ، أَلا تُؤاخِذَنا بِأَعْمَالِنا، ولا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنا، وَانْشُرْ عَلَيْنا رَحْمَتَكَ بِالسَّحابِ المُنبَعِقٍ، وَالرَّبِيعِ المُعْدِقِ ، وَالنَّبَاتِ المُونِقِ، سُحْاً وابلاً تُحْيِي به ما قَد ماتَ، وتَرُدَّ به ما قَدْ فاتَ ، أَللَّهُمَّ سُقْياً مِنْكَ مُحْيِيَةٌ مُزوِيَةً تامَّةً عامةً طَيِّبَةً مُبارَكَةً هَنيئَةً مَرِيئَةً مَريعَةً زاكِياً نَبْتُها ، ثامِراً فَرْعُها، ناضِراً وَرَقُها، تَنْعَشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبادِكَ، وتخيى بهَا الْمَيْتَ مِن بلادِكَ.
أَللَّهُمَّ سُقْياً مِنْكَ تَعْشَبُ بِها نِجادُنا، وتَجْري بها وهادُنا ، وتَخْصِبُ بِها جَنابُنا، وتُقْبِلُ بِها ثِمارُنا ، وتَعيش بها مواشينا ، وتَنْدى بها أقاصينا وتَسْتَعينُ بها ضواحينا، مِنْ بَرَكاتِكَ الْواسِعَةِ، وعطاياكَ الْجَزيلَةِ عَلى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ، ووَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ، وأَنْزِلْ عَلَيْنا سَماءَ مُخَضَلَّةً مِدْرَاراً هاطِلَةً، يُدافِعُ الوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْق، ويَحْفِرُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ، غَيْرَ خُلْبٍ بَرْقُها، ولا جهام عارِضُها، ولا قَزَع رَبابُها، ولا شَفَانٍ ذِهابُها حَتَّى يُخْصِبَ لأَمْراعِهَا المُجْدِبُونَ، وَيَحْيا بِبَرَكَتِهَا المُسْنِتُونَ، فَإِنَّكَ تَنزِلُ الْغَيْتَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، وتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ ، وأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَميدُ (2).
قال السيد رضی (رحمت الله) قوله : (انصاحت ) جبالنا أي تشققت من المحول يقال: إنصاح الثوب إذا انشق ويقال أيضاً انصاح النبت وصاح وصوح إذا جف ويبس كله بمعنى، وقوله : (هامت دوابنا ) أي عطشت والهيام العطش وقوله : (حدابير السنين) جمع حدبار وهي الناقةالتي أنضاها السير، فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب قال ذو الرمة :
حدابير ما تنفك إلا مناخة *** على الخسف وترمي بها بلداً قفراً
وقوله : (ولا قزع ربابها ) القزع الصغار المتفرقة من السحاب ، وقوله : (ولا شفان ذهابها ) فإن تقديره ولا ذات شفّان ذهابها والشفان الريح الباردة، والذهاب الأمطار اللينة فحذف ذات لعلم السامع به .
(الاستسقاء) استفعال بمعنى طلب السقي مثل الاستمطار لطلب المطر، واستسقيت فلاناً إذا طلبت منه أن يسقيك، وقد صار حقيقة شرعية أو متشرعة في طلب الغيث بالدعاء (وهامت دوابنا ) يجوز أن يكون من الهائم بمعنى المتحير ، و (ثكلت) المرأة ولدها ثكلاً من باب تعب فقدته والإسم الثكل وزان قفل فهي ثاكل ، وقد يقال ثاكلة وثكلى والجمع ثواكل وثكالى، وفي بعض النسخ الثكلى بدل الثكالي و (أن) الرجل أنا وأنيناً تأوه و (الحنين) الشوق وشدة البكاء و (الأنة الحانة) الشّاة والناقة يقال ماله آنة ولا حانة
و (عکر) على الشيء يعكر عكراً وعكوراً، واعتكر كز وانصرف، والعكار الكرار العطاف، واعتكر الظلام اختلط ، و (الجود) بفتح الجيم المطر الغزير، وفي بعض النسخ الجود بضم الجيم و (قنط) يقنط من بابي ضرب وتعب ، وفي لغة من باب قعد فهو قانط وقنوط ( وانبعق) السحاب انبعج وانفرج بالمطر و (المغدق) من أغدق الشجر إذا ظهرت ثمرته و (السح) بالضم الضب والسيلان من فوق و (السقيا) وزان فعلى بالضم مؤنثة إسم من سقاه الله الغيث أنزله له ، و (مروية) من باب الأفعال أو التفعيل ومنه يوم التروية لثامن ذي الحجة لأن الماء كان قليلاً بمُنى فكانوا يرتوون من الماء لما بعد.
و (تعشب) بفتح المضارعة مضارع عشب وزان تعب أو بضمها من باب الأفعال يقال : عشب الأرض وأعشبت أي نبتت فهي عشيبة وعاشبة ومعشبة أي كثيرة العشب، ويقال: أعشبت الأرض أيضاً أي أنبتت العشب فتكون الهمزة للتعدية والعشب بالضم الكلاء الرطب في أوّل الربيع، وفي بعض النسخ تعشب بالبناء على المفعول.
و (النجاد) بكسر الأوّل جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض، ويجمع مع أيضاً على نجود كفلس وفلوس و( الوهاد) بكسر الأول أيضاً جمع الوهد الوهد وهي المنخفضة من الأرض و (خصب) الأرض من باب ضرب وعلم واخصبت أي اتصفت بالخصيب وهو بكسر الخاء كثرة العشب ورفاعة العيش ، و (الجناب) بفتح الجيم الفناء بالكسر وهو سعة أمام البيت، أو ما امتد من جوانبه، ويطلق الجناب على الجانب من كلّ شيء أيضاً و (أرمل) فلان أي افتقر وفقد زاده .
و (اخضله) المطر أي بله والسماء المخضلة أي تخضل النبت وتبله ، وفي أكثر النسخ مخضلة وزان مبيضة من افضل النبت اخضلالاً أي ابتل و (حفزه) كضربه دفعه بشدة (البرق
الخلب ) المطمع المخلف والسحاب (الجهام ) الذي لا ماء فيه و (العارض) السحاب الذي يعترض في أفق السماء و (القزع) محركة قطع من السحاب متعرقة جمع قزعة، و (الرباب) بفتح الأوّل السحاب الأبيض و (الذهاب) بكسر الذال جمع الذهبة بالكسر أيضاً المطرة الضعيفة، و (مرع) الوادي بالضم مراعة أخصب بكثرة الكلاء فهو مريع والجمع إمرع وأمرع مثل يمين وإيمن وأيمن.
(وأرض محل ) ومحول ومحلة وممحل وممحلة أي اتصفت بالجدب وانقطاع المطر وأنضاها السير أي هزلها و (الحدابير) في بيت ذي الرمة مما لم يذكره إلا السيد (رحمت الله)، والموجود في كتب الأدبية حراجيج، وهكذا روى الشارح المعتزلي وهكذا روى الشارح المعتزلي عن ابن الخشاب ، وهي جمع حرجوج الناقة الضامرة و(الخسف ) الذل (والبلد القفر) لا ماء فيه ولا نبات .
(منع الغمام ) فعل لم يسم فاعله رعاية للأدب، واستكراهاً لإضافة المنع إلى الله سبحانه وهو منبع النعم ومبدأ الجود والكرم، وفي بعض النسخ منع الغمام بصيغة المعلوم فلا بد من حذف المتعلق أي منع الغمام من المطر ، (وسخاً) منصوب على المصدر أي تسح سخاً، وجملة (تحيى به ) منصوبة المحل على الحال من فاعل نشر (وسقياً منك) منصوب على المصدر أيضاً (ونجادنا) بالرفع فاعل (تعشب)، ويروي بالنصب فيكون مفعولاً له بناء على كونه من باب الأفعال متعدّياً حسبما مر في بيان اللغة.
وقوله ( على بريتك) ظرف لغو متعلق بالجزيلة أو الواسعة على التنازع، (وسماء مخضلة) تأنيث الوصف رعاية للفظ الموصوف، وإن كان المعنى مذكراً، وجملة ( يدافع الودق) منصوبة المحل صفة لسماء أو حال منها لكونها نكرة موصوفة أو من ضمير هاطلة، والوجهان جاريان في نصب (غير خُلِب).
وأما بيت ذي الزمة فقد اعترض عليه غير واحد من علماء الأدبية بكونه مخالفاً للقواعد النحوية حيث إن شرط الاستثناء المفرغ أن يكون في الكلام الغير الموجب، وهذا الشرط مفقود هنا، لأن (تنفك ) الناقصة مثل زال نفيها إثبات وإثباتها نفي فكما لا يجوز أن يقال ما زال زيد إلا قائماً ، فكذلك لا يجوز ما تنفك إلا مناخة ، ولذلك قال الأصمعي : إن ذا الرّمة غلط في ذلك إذ لا يقال جاء زيد إلا راكباً.
وأجيب بوجوه : الأول : أن الرواة غلطوا فيه وأن الرواية الصحيحة (إلا مناخة) بالتنوين أي شخصاً الثاني : أن تنفك تامة بمعنى تنفصل، فنفيها نفي أي ما تنفصل عن التعب أو ما تخلص منه، (ومناخة) حال من الضمير في (تنفك) أي لا تنفصل منه في حالة حالات إلا في حالة الإناخة ، الثالث: أنها ناقصة والخبر على الخسف (ومناخة) حال .
قال ابن هشام : وهذا فاسد لبقاء الإشكال إذ لا يقال جاء زيد إلا راكباً يعني أن الإشكال الذي هو وقوع الاستثناء المفرغ في الإيجاب لا يرتفع بهذا الجواب بل هو باق بحاله .
وقد يعترض عليه بأن الاستثناء المفرغ يقع في الإيجاب بشرطين، كما صرح به ابن الحاجب أحدهما أن يكون المستثنى فضلة لا عمدة ، الثاني أن تحصل به فائدة فلا يجوز ضربت إلا زيداً إذ من المحال أن يضرب جميع الناس إلا زيداً، ويجوز قرأت إلا يوم كذا، لجواز أن يقرأ في جميع الأيام إلا في ذلك اليوم، وعلى هذا فيرتفع الإشكال ولا يبقى بحاله، لأن (مناخة) إذا كان خبراً كان عمدة ، وأمّا إذا كان حالاً كان فضلة، وكان الكلام مفيداً، الرابع : أن (إلا) زائدة ذهب إليه ابن جني وحكى عن الأصمعي كما ذهب إليه ابن مالك قوله :
أرى الدهر إلا منجنوناً بأهله *** وما صاحب الحاجات إلا معذباً
هذا ، وقوله :(من بركاتك )، بدل من قوله : منك ، أي سقيا من بركاتك، (ومخضلة) صفة لسماء والتأنيث باعتبار لفظ الموصوف، وإن كان باعتبار معناه أعني المطر مذكراً، وجملة (يحفز القطر) (ا ه-) عطف تفسير .
إعلم أن هذه الخطبة كما ذكره السيده (رحمت الله) خطب علیه السلام بها في الاستسقاء أي في مقام طلب السقيا وتوفير المياه، قال شيخنا الشهيد طاب ثراه : والاستسقاء أنواع أدناه الدّعاء بلا صلاة ولا خلف صلاة ، وأوسطه الدّعاء خلف الصّلاة، وأفضله الاستسقاء بركعتين .
وكيفيته على ما وردت في الأخبار ونبه عليه علماؤنا الأخيار أن يخرج الناس بعد التوبة وردّ المظالم وتهذيب الأخلاق وصوم ثلاثة أيام يكون ثالثها يوم الإثنين، ويبرزوا في الثالث إلى الصحراء، وإن كانوا بمكة فإلى المسجد الحرام حفاة مشاة ونعالهم في أيديهم بسكينة ووقار متخشعين مخبتين مستغفرين، ويخرجون الشيوخ والصبيان والبهائم وأهل الزهد والصلاح، فإذا حضروا في المصلى ينادي المؤذنون بدل الأذان ، الصّلاة ثلاثاً، فيصلى الإمام بالناس ركعتين : يقرأ في الأولى بعد الحمد سورة بالجهر، ثم يكبر ويقنت عقيب كلّ تكبيرة ويدعو في القنوت بالاستغفار وطلب الغيث وإنزال الرحمة ، ومن المأثور فيه : اللهم اسق عبادك وإمائك وبهائمك وانشر رحتمك وأحي بلادك الميتة، ثم يكبر السادسة ويرجع ويسجد السجدتين ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيفعل مثل ما فعل في الأولى إلا أن التكبيرات فيها أربع ، ويقنت أربعاً أيضاً عقيب التكبيرات، ثم يكبر الخامسة ويركع ويسجد ويشهد ويسلم.
فعندما يفرغ من الصلاة يصعد المنبر ويحول رداءه فيجعل الذي على يمينه على يساره والذي على يساره على يمينه تأسياً برسول الله صلی الله علیه واله وسلم، وسئل الصادق علیه السلام عن تحويل النبي صلی الله علیه واله وسلم رداه إذ استسقى علیه السلام قال : علامة بينه صلی الله علیه واله وسلم وبين أصحابه يحول الجدب خصباً،
ويخطب بخطبتين، ثم يستقبل القبلة فيكبر الله مائة تكبيرة رافعاً بها صوته، ثم يلتفت إلى يمينه فيسبح الله مائة مرّة رافعاً بها صوته، ثم يلتفت إلى يساره فيهلل الله مائة تهليلة رافعاً بها صوته، ثم يستقبل الناس بوجهه فيحمد الله مائة رافعا بها صوته والناس يتابعونه في الأذكار دون الالتفات إلى الجهات ، فإن سقوا ، والا عادوا ثانياً وثالثاً من غير قنوط بانين على الصوم الأوّل ن لم يفطروا وإلا فبصوم مستأنف (1).
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ من أفضل الخطب المأثورة في هذا المقام وأفصحها ما خطب إمام الانام علیه السلام وهو قوله : (اللهم قد انصاحت جبالنا) أي تشققت من المحل والجدب (وأغبرت أرضنا ) أي صارت كثيرة الغبار بانقطاع الأمطار (وهامت دوابنا) أي عطشت وتحيرت في مرابضها ومباركها من الظمأ ، وفقدان النبات والكلاء.
(وعجت) أي صرخت مثل (عجيج الثكالى على أولادها ) يحتمل رجوع الضمير إلى
( الثكالى ورجوعه إلى الدواب والأوّل أظهر (وملت التردد في مراتعها والحنين إلى مواردها)، وذلك لأنّها أكثرت من التردد في مراتعها المعتادة فلم تجد فيها نبتاً ترعاه فملت من التردّد، وكذلك لم تجد ماء في الغدران والموارد المعدة لشربها ، فحنت إليها وملت من الحنين ،ويئست من الأنين .
(اللهم فارحم أنين الآنة )من الشياة (وحنين الحانة ) من النوق، (اللهم فارحم حيرتها في مذاهبها) ومسالكها (وأنينها في موالجها) ومداخلها وإنما ابتدأ علیه السلام بذكر الدواب والأنعام لأنها أقرب إلى الرحمة ومظنة الافضال بها على المذنبين من الأمّة .
ويرشد إلى ذلك ما في منتخب التوراة ، يا ابن آدم كيف لا تجتنبون الحرام ولا اكتساب الآثام، ولا تخافون النيران ، ولا تتقون غضب الرّحمن فلولا مشايخ ركّع، وأطفال رضع ، وبهائم رتّع ، وشباب خشع، لجعلت السماء فوقكم حديداً والأرض صفصفاً ، والتراب رماداً، ولا أنزلت عليكم من السماء قطرة، ولا أنبت لكم من الأرض حبة، ويصب عليكم العذاب صباً .
وفي النبوي : لولا أطفال رضع ، وشيوخ ركع، وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا (2).
وفي «الفقيه » عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قال: إن سليمان بن داود علیه السلام خرج ذات يوم مع أصحابه ليستسقى فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمها إلى السماء وهي تقول : اللهم إنا خلق من خلقك لا غناء بنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب بني
آدم، فقال سليمان لأصحابه، ارجعوا فقد سقيتم بغيركم (1).
وروى الرازي عن رجل أنه قال : أصاب النّاس في بعض الأزمنة قحط شديد فأصحروا يستسقون، فلم يستجب لهم ، قال الراوي : فأتيت وقتئذ إلى بعض الجبال فإذا بظبية قلقة من كثرة العطش وشدّة الهيام مبادرة نحو غدير هناك، فلما وصلت إلى الغدير ولم تجد فيها ماء تحيرت واضطربت ورفعت رأسها إلى السماء تحركه وتنظر إليها، فبينما هي كذلك رأيت سحابة ارتفعت وأمطرت حتى امتلاء الغدير فشربت منه وارتوت ثم رجعت .
ثم قال علیه السلام : (اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت ) أي تكرّرت (علينا حدابير السنين ) تشبيه السنين بالحدابير من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ووجه الشبه عقلي، وهو أن الحدابير كما تتعب راكبها فكذلك السنون تتعب أهلها كما لا يخفى .
(وأخلفتنا مخائل الجود ) أي الإمارات التي توقع الجود في الخيال وأراد بها البرق
والسحاب التي يظن أنها تمطر وليست بماطرة، فكأنها وعدت بالمطر فأخلفت ولم تف بوعده (فكنت الرجاء للمبتئس) أي ذي البؤس الحزين (والبلاغ للملتمس ) أي كفاية للطالب المسكين (ندعوك حين قنط الأنام ) ويأس (ومنع الغمام )وحبس (وهلك السوام) أي الإبل السائمة الراعية .
(ألا تؤاخذنا بأعمالنا ولا تأخذنا بذنوبنا ) قال الشارح المعتزلي : الفرق بين المؤاخذة والأخذ أن الأول عقوبة دون الثاني لأن الأخذ هو الاستئصال والمؤاخذة عقوبة .
أقول : إن كان نصّ بذلك من أهل اللغة فلا بأس ، وإلا فقولهم زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني يفيد عكس ما قاله ، وكيف كان ففي كلامه علیه السلام دلالة على أن للذنوب والمعاصي مدخليّة في منع اللطف والرحمة واستحقاق المؤاخذة والسخطة، وسرّ ذلك أن الجود الإلهي لا بخل فيه ولا مانع له من قبله سبحانه، وإنما يصل إلى المواد بحسب القابلية والاستعداد ، والمنهمكون في المعاصي راغبون عن الله تعالى وعن تلقي آثار رحمته ، فهم لانهماكهم في الفساد أسقطوا أنفسهم عن الاستعداد ، وحري بمن كان كذلك أن يمنع من الفيوضات ويحرم من البركات .
وقد روى في «الأخبار» أن كلا من أصناف الذنوب تورث نوعاً خاصاً من المؤاخذات
من الدنيوية، مثل ما رواه في «الفقيه» عن عبد الرحمن بن كثير عن الصادق علیه السلام لأنه قال : إذا فشت أربعة ظهرت أربعة إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل ، وإذا أمسكت الزكاة هلكت الماشية،
1) الكافي: 246/8 ح 344 ، ومن لا يحضره الفقيه : 524/1ح 1490 .
وإذا جار الحاكم في القضاء أمسك المطر من السماء، وإذا خفرت(1)الذمة نصر المشركون على المسلمين (2).
وفي «الكافي » عن أبان عن رجل عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: «خمس إن أدركتموهن فتعوذوا بالله منهن : لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدّة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوّهم وأخذوا بعض ما في أيديهم، ولم يحكموا بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم »(3).
وعن أبي حمزة عن أبي جعفر علیه السلامقال : وجدنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة، وإذا طفف المكيال والميزان أخذهم الله بالسنين والنقص ، وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها، وإذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهد سلط الله عليهم عدوّهم ، وإذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار، وإذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي سلّط الله عليهم شرارهم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم» (4)
ثم قال علیه السلام : (وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق) أي المنفرج بالمطر والسائل الكثير السيلان (والربيع المغدق ) المظهر للثمر ( والنبات المونق) المعجب (سحّاً) أي صباً (وابلاً) أي مطراً شديداً ، (تحيى به ما قد مات وترد به ما قد فات ) من الزرع والنّبات (اللهم سقيا منك محيية) للموات (مروية) للنبات (تامة) ثمراتها ( عامة ) بركاتها (طيبة مباركة هنيئة مريئة مربعة) أي سائغة لذيذة خصيبة واسعة ، (زاكياً) نامياً (نبتها ثامراً فرعها ) أي يكون فرعها ذا ثمر ناضراً (ورقها ) أي : يكون ورقها ذا نضرة وحسن وبهجة (تنعش) وترفع (بها الضعيف من عبادك وتحيي بها الميت من بلادك، اللهم سقياً منك تعشب بها نجادنا ) أي تنبت بها أراضينا المرتفعة (وتجري بها وهادنا) أي تسيل بها أراضينا المنخفضة المطمئنة (وتخصب بها جنابنا) أي : تكثر بها عشب فنائنا وجوانبنا (وتقبل بها ثمارنا وتعيش بها مواشينا وتندي) أي تنتفع بها (أقاصينا) وأباعدنا (وتستعين بها ضواحينا ) ونواحينا (من بركاتك الواسعة وعطاياك الجزيلة ) العظيمة الكثيرة ( على بريتك المرملة) المفتقرة (ووحشك المهملة) المرسلة التي لا
راعي لها ولا صاحب يشفق بها، (وأنزل علينا سماء مخضلة) مبتلة (مدراراً هاطلة) أي كثيرة الدرور متتابعة ( يدافع الودق منها الودق ويحفز القطر منها القطر) أراد بذلك كثرتها وشدتها وكونها أعظم وأغزر .
وأكد ذلك بقوله : (غير خلب برقها ولا جهام عارضها ولا قزع ربابها ولا شفان ذهابها ) أي : لا يكون برقها مطمعاً مخلفاً، ولا سحابها المعترض في أفق السماء خالياً من الماء، ولا سحابها الأبيض قطعاً متفرقة ، ولا أمطارها اللينة الضعيفة ذات ريح باردة بالزرع والنبت مضرة وأراد بذلك كله عموم نفعها وكثرة منفعتها عموم نفعها وكثرة منفعتها (حتى يخصب لأمراعها المجدبون) أي يتصف أهل الجدب بالخصب ورفاغة العيش لكثرة كلائها ( ويحيى ببركتها المسنتون) الذين أصابتهم السنة وجهد القحط (فإنّك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك )وهذا إشارة إلى حسن الظن بالله وعدم القنوط واليأس من روح الله (وأنت الولي) للنعم والإحسان و (الحميد ) بالكرم والامتنان وأنت على كلّ شيء قدير وبالإجابة حقيق جدير .
تكملة
ينبغي أن نورد تمام تلك الخطبة على ما في «الفقيه» ونتبعها بتفسير بعض ألفاظها الغريبة، فأقول : قال الصدوق (رحمت الله ) : وخطب أمير المؤمنين علیه السلام في الاستسقاء فقال :
الحمد الله سابغ النعم، ومفرج الهم، وبارى النسم ، الذي جعل السماوات لكرسيه عماداً، والجبال للأرض أوتاداً، والأرض للعباد مهاداً ، وملائكته على أرجائها، وعرشه على أمطائها، وأقام بعزّته أركان العرش، وأشرق بضوئه شعاع الشمس، وأحيا بشعاعه ظلمة الغطش الدياجير، وفجر الأرض عيوناً، والقمر نوراً ، والنجوم بهوراً، ثمّ علا فتمكن ، وخلق فأتقن ، وأقام فتهيمن ، فخضعت له نخوة المستكبر، وطلبت إليه خلة المتمسكن (1)، اللهم فبدرجتك الرفيعة ومحلتك المنيعة وفضلك السابغ، وسبيلك الواسع، أسألك أن تصلي على محمّد وآل محمد كما دان لك، ودعا إلى عبادتك، ووفا بعهدك ، وأنفذ أحكامك، وأتبع أعلامك، عبدك ونبيك وأمينك على عهدك إلى عبادك القائم بأحكامك، ومؤيد من أطاعك وقاطع عذر من عصاك، اللهم فاجعل محمّداً أجزل من جعلت له نصيباً من رحمتك ، وأنضر من أشرق وجهه بسجال عطاياك ، وأقرب الأنبياء زلفة يوم القيامة عندك، وأوفر حظاً رضوانك، وأكثرهم صفوف أمة في جنابك، كما لم يسجد للأحجار، ولم يعتكف للأشجار، ولم يستحلّ السباء، ولم يشرب الدماء.
اللهم خرجنا إليك حين فاجأتنا المضائق الوعرة، وألجأتنا المحابس العسرة وعضتنا
1) في نسخة المتمكن .
علائق الشين ، وتأثلت علينا لواحق المين ، واعتكرت علينا حدابير السنين وأخلفتنا مخائل الجود ، واستظمانا لصوارخ القود، وكنت رجاء المبتئس ، والثقة للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام، ومنع الغمام وهلك السوام ، يا حي يا قيوم عدد الشجر والنجوم ، والملائكة الصفوف ، والعنان المكفوف، ألا تردنا خائبين ولا تؤاخذنا بأعمالنا، ولا تخاصمنا بذنوبنا، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنساق والنبات المونق ، وامنن على عبادك بتنويع الثمرة ، وأحي بلادك ببلوغ الزهرة ، واشهد ملائكتك الكرام السفرة ، سقياً منك نافعة دائمة غزرها واسعاً درها ، سحاباً وابلاً ، سريعاً عاجلاً تحيى به ما قد مات وتردّ به ما قد فات، وتخرج به ما هو آت .
اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ممرعا طبق عا طبقاً مجلجلاً متتابعاً خفوقه ، منبجسة بروقه، مرتجسة هموعه ، وسیبه مستذر ، وصوبه مستطر، لا تجعل ظلله علينا سموماً، وبرده علينا حسوماً، وضوئه علينا رجوماً، ومائه أجاجاً، ونباته رماداً رمدداً .
اللهم إنّا نعوذ بك من الشرك وهواديه ، والظلم ودواهيه ، والفقر ودواعيه، يا معطي الخيرات من أماكنها ، ومرسل البركات من معادنها ، منك الغيث المغيث وأنت الغياث المستغاث، ونحن الخاطئون وأهل الذنوب ، وأنت المستغفر الغفار، نستغفرك للجهالات من ذنوبنا ، ونتوب إليك من عوام خطايانا .
اللهم فأرسل علينا ديمة مدراراً، واسقنا الغيث واكفا مغزاراً، غيثاً واسعاً وبركة من الوابل نافعة ، تدافع الودق بالودق ، ويتلو القطر منه القطر، غير حلب برقه ولا مكذب رعده، ولا عاصفة جنائبه، بل ريّا يقص بالرّي ربابه ، وفاض فانضاع به سحابه، جری آثار هیدبه جنابه ، سقيا منك مجلبة (1)مروية مفضلة محفلة زاكياً نبتها ، نامياً زرعها ، ناضراً عودها، ممرعة آثارها ، جارية بالخصب والخير على أهلها ، تنعش بها الضعيف من عبادك، وتحيى بها الميت عن بلادك، وتنعم بها المبسوط من رزقك، وتخرج بها المخزون من رحمتك، وتعم بها من نأى من خلقك حتى يخصب الأمراعها المجدبون ، ويحيى ببركتها المسنتون، وتترع بالقيعان غدرانها، وتورق ذرى الاكام زمراتها ، ويدهام بذرى الآجام شجرها ، ويستحق علينا بعد اليأس شكراً منة مننك مجللة ، ونعمة من نعمك مفضلة على بريتك المرملة ، وبلادك المعرنة ، وبهائمك المعملة، ووحشك المهملة .
اللهم منك ارتجاؤنا، وإليك مآبنا ، فلا تحبسه علينا لتبطنك سرائرنا، ولا تؤاخذ بما فعل السفهاء منا، فإنّك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد .
1) في نسخة محيية.
ثم بكى علیه السلام فقال : سيدي صاحت جبالنا ، وأغبرت أرضنا ، وهامت درابنا وقنط الناس منا أو من قنط منهم، وتاهت البهائم، وتحيرت في مراتعها، وعجت عجيج التكالي على أولادها، وملت الدوران في مراتعها حين حبست عنها قطر السماء، فدق لذلك عظمها، وذهب لحمها وذاب شحمها ، وانقطع درها.
اللهم ارحم أنين الآنة، وحنين الحانّة ، [اللهم ] ارحم تحيرها في مراتعها، وأنينها في
مرابضها (1)، هذا .
أن أردف هذه الخطبة الشريفة بخطبتي السيدين الجليلين الإمامين الهمامين
ويعجبني النورين النيرين أبي محمد الحسن وأبي عبد الله الحسين عليهما وعلى جدهما وأبيهما والطيبين من آلهما صلوات الله وسلامه ملء الخافقين ، ليعلم أن كلامهما تالي كلام أبيهما في الفصاحة، وأن الكلّ قد بلغ الغاية في البراعة والبلاغة.
(ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِ أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [إبراهيم: 24 -25 ] .
قال في «الفقيه »: وجاء قوم من أهل الكوفة إلى علي علیه السلام فقالوا: يا أمير المؤمنين ادع لنا بدعوات في الاستسقاء، فدعا علي علیه السلام الحسن والحسين علیه السلام فقال : يا حسن ادع ، فقال الحسن علیه السلام:
اللهم هيج لنا السحاب بفتح الأبواب، بماء عباب ، ورباب بانصباب و انسكاب یا وهاب ، واسقنا مطبقة مغدقة مونقة ، فتح أغلاقها ، وسهل اطلاقها ، وعجل سياقها بالأندية في الأودية يا وهاب ، بصوب الماء يا فعال ، اسقنا مطراً قطراً ظلاً مظلاً طبقاً مطبقاً عاماً معما رهماً بهماً رحيماً رشاً مرشاً واسعاً كافياً عاجلاً طيباً مباركاً سلاطح بلاطح يناطح الأباطح مغدودقا مطبوبقا مغرورقا ، واسق سهلنا وجبلنا ويدونا وحضرنا ، حتى ترخص به أسعارنا ، وتبارك به في ضياعنا ومدننا أرنا الرزق موجوداً والغلا مفقوداً، آمين ربّ العالمين (2).
ثم قال للحسين علیه السلام : ادع ، فقال الحسين علیه السلام : اللهم معطي الخيرات من مظانها، ومنزل الرحمات من معادنها، ومجرى البركات على أهلها ، منك الغيث المغيث، وأنت الغياث والمستغاث ، ونحن الخاطئون وأهل الذنوب، وأنت المستغفر الغفار، لا إله إلا أنت، اللهم أرسل السماء علينا ديمة مدراراً ، واسقنا الغيث واكفا مغزاراً، غيثاً مغيثاً واسعاً مسبغاً
مهطلاً مريئاً مريعاً غدقاً مغدقاً عباباً مجلجلاً صحاً صحصا حابساً بساساً مسبلاً عاماً ودقاً مطفاحاً، تدفع الودق بالودق دفاعاً ويطلع القطر منه القطر غير خلب البرق، ولا مكذب الرعد، تنعش بها الضعيف من عبادك ، وتحيى به الميت من بلادك، وتستحق علينا مننك آمين رب العالمين (1)
فما تم كلامه علیه السلام حتى صبّ الله الماء صباً، فسئل سلمان الفارسي فقيل : يا أبا عبد الله ء هذا شيء علمناه؟ فقال : (رضی الله عنه) ويحكم ألم تسمعوا قول رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حيث يقول : أجريت الحكمة على لسان أهل بيتي (2).
«النسم» جمع النسمه محركة وهي الإنسان و «الأرجاء» جمع الرجاء وهي الناحية و «الامطاء» جمع المطاء وهو الظهر والضمير في ضوئه راجع إلى العرش كما روى أن نور الشمس من نور العرش، و «غطش» الليل أظلم، قال الطريحي وفي الحديث أطفأ أطفأ بشعاعه ظلمة الغطش أي ظلمة الظلام و «الدياجير» جمع الديجور وهو الظلام وليلة ديجورة أي مظلمة و «البهور» المضىء و «المهيمن» من أسمائه تعالى القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم وقيل : الرّقيب على كلّ شيء .
و «النخوة» بالفتح فالسكون الافتخار والتعظم و «الخلّة » الفقر والخصاصة و «المستمسكين » الطالبون للمسكة وهو بالضم ما يمسك الأبدان، من الغذاء والشراب، وفي بعض النسخ المتمسكين أي المعتصمين به و «السجال » دلو عظیم مملؤة، والكاف في قوله «كما لم يسجد » للتعليل على حد قوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنكُمْ [البقرة : 198] ، أي لأجل هدايتكم.
و «السباء» بالكسر والمد الخمر و«الوعر» ضدّ السهل و «العسرة» الصعبة الشديدة و «الشين » خلاف الزين ، وقيل ما يحدث في ظاهر الجلد من الخشونة يحصل به تسوية الخلقة «تأثلت » علينا أي اجتمعت و «المين » الكذب و «القود» بالفتح الجمل المسن وهو الذي جاوز في السن الباذل ، قال الطريحي : وفي حديث الاستسقاء واستظمأنا لصوارخ القود ، أي ظمأنا من ظمأظماء مثل عطش عطشاً وزناً ومعنى والقود الخيل .
وقوله : «عدد الشجر» من متعلقات ندعوك قال الجوهري «عنان » السماء هو ما عن لك منها أي بدأ إذا رفعت رأسك و «زهر» النبات نوره الواحدة زهرة كتمر وتمرة وقد تفتح الهاء
و«الغزر» شدة النفع وعمومه ، و «غيثاً مغيثاً » أي مطراً نافعاً و «ممرعاً» أي خصيباً واسعاً و«طبقاً» أي مغطياً للأرض مالئاً لها كلها ، من قولهم غيم طبق أي عام واسع أي من طبق الغيم تطبيقاً إذا أصاب بمطره جميع الأرض ومطر طبق أي عام.
و «مجلجلاً » أي مشتملاً على الجلجلة وهو صوت الرعد و «خفق» المطر خفوقاً إذا سمع دوي جريه و «منبجسة بروقه » أي منفجرة بروقه بالماء من الإنبجاس وهو الانفجار قال سبحانه :
(فَانْجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ [الأعراف : 160].
و «مرتجسة هموعه » الهموع بالضم السيلان أي يكون هموعه مشتملة على الرّجس وهو بالفتح الصّوت الشديد من الرعد يقال رجست السماء وعدت شديداً وتمخضت «والسيب» بالفتح مصدر ساب أي جرى ومشى مسرعاً، وبالكسر مجرى الماء و «الضوب» الانصباب و«المستطر» المنتشر و «الظلل» جمع الظلة وهي ما وارى الشمس منه من السحاب و «الحسوم » بالضم الشؤم و «رماد مدد » کزبرج و درهم كثير دقيق جداً أو هالك و «الهوادي» الأوائل جمع الهادي و «الدواهي» جمع الذاهبة النائبة والمصيبة و «عوام خطايانا » وزان دواب والظاهر أنه جمع عام قال في «القاموس »: والتعويم وضع الحصيد قبضة فإذا اجتمع فهي عامة والجمع عام.
و «در» السماء بالمطر درا دروراً فهي مدرار ، و وكف البيت يكف قطر، وكف البيت بالمطر سال و «عاصفة جنائبه » قال الطريحي كأنه يريد الرياح الجنوبية فإنها تكثر السحاب وتلحق روادفه بخلاف الشمالية فإنها تمزقه، و «الري» بالكسر إسم من روى من الماء ريّاً وريّاً بالفتح والكسر، و«يقص بالرّي» أي يرجع و «الفيضان » السيلان «الانضياع » التحرك أو من انضاع الفرخ بسط جناحيه إلى أمه لتزقه ، و« الهيدب» السحاب المتدلى و «الجناب» الفناء والناحية و «محفلة » من حفل الماء واللبن اجتمع والوادي بالسيل جاء بمليء جنبيه والسماء اشتد مطرها، و «من نأى من خلقك » أي خلقك أي من تباعد منهم عن ذكر الله من الناي وهو البعد .
«وتترع بالقيعان غدرانها » أي تملاء ، والقيعان جمع القيعة وهي كالقاع ما استوى من الأَرض ، والغدران الغدران جمع الغدير وهو الغدير وهو النهر و «الأكام» كأعناق جمع أكمه وهو التل الصغير و«الزمرة » الجماعة والباء في قوله : «بذرى الآجام » للظرف و «بلادك المعرنة » من عرنت الدار عراناً بعدت وديار عران و عارنة بعيدة، «وبهائمك المعملة » أي المعدة المعمل يقال ناقة عملة كفرحة بيّنة العمالة فارهة والعوامل لبقر الحرث ، و« التبطنك سرائرنا » مصدر باب التفعل أي لوقوفك على بواطن سرائرنا و «عباب » الماء معظمته .
و «اسقنا» مطبقة مغدقة مونقة المطبقة السحابة بعضها على بعض والمغدقة بالغين
المعجمة والدال المهملة الكثيرة الغزيرة ، والمونقة المفرحة من الأنق وهو الفرح والسرور أو المعجبة .
و «الأندية» الندى جمع وهو المطر و «الظلّ» من السحاب ما وارى الشمس منه أو سواده ، و «المظل» صاحب الظل و «طبقاً مطبقاً» أي مطراً عاماً مغطياً للأرض و «عاماً معماً» أي مطراً شاملاً يعم بخيره قال في «القاموس»: يقال عمّهم بالعطية وهو معم خير بكسر أوله يعم بخيره وعقله ، و «رهما» وزان عنب جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الدائمة ويقال الرهمة أشدّ دفعاً من الديمة .
و «البهيم » الخالص الذي لم يشبه غيره ،و «الرحيم » مبالغة في الراحم من رحمت زيداً رحمة رققت له وحننت و «رشت » السماء أمطرت وأرشت بالهمزة لغة ومنه مرشاً ورش الماء صبه قليلاً قليلاً.
و «سلاطح بلاطح يناطح الأباطح » السلاطح بالضم وزان علابط العريض، قال الفيروز آبادي وسلاطح بلاطح أتباع، وقال الطريحي السلطح الصلطح الضخم والبلطح كبلاح الذي يضرب بنفسه الأرض، والسلاطح والصلاطح كعلابط العريض وقوله علیه السلام في «الاستسقاء»: سلاطح بلاطح يناطح الأباطح يريد كثرة الماء وقوته وفيضانه، وحينئذٍ فلا حاجة إلى جعل بلاطح من الأتباع كشيطان ليطان، انتهى .
و «نطحه » نطحاً ضربه وأصابه بقرنه ، و «الأباطح» جمع الأبطح وهو مسيل واسع دقاق الحصى و «الديمة » بالكسر المطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق أو تدوم خمسة أو ستة أو سبعة أو يوماً وليلة ، و «مهطلاً » أي متتابعاً من الهطل وهو تتابع المطر المتفرق العظيم القطر و«صحا صحصاحاً » الصح بالضم البراءة من كل عيب وصحصاحا قال الطريحي: كأنه أراد مستوياً متساوياً و «بسا بساساً » البس بالفتح إرسال الماء وتفريقها في البلاد والبساس مبالغة فيه ، «مطفاحا» من طفح الإناء امتلاء وارتفع وطفاح الأرض ملاءها، هذا.
والله العالم بحقائق كلام أوليائه علیه السلام .
از جمله خطب شریفه آن مقتدای کونین و پیشوای ثقلین است در مقام خواستن
ناله باران :
بارخدایا ، شکافته شدند کوههای ما از خشکی و گرد آلود شدند زمین ما و
بسیار تشنه شدند چهارپایان ما و و متحیر شدند در محلهای خوابیدن خود و کردند مثل ناله زنان بچه مرده بر فرزندان خود و ملال آوردند از تردّد نمودن در چراگاههای خود .
بارخدایا ، رحم کن بر ناله ناله کنندگان و اشتیاق و فغان مشتاقان.
بار خدایا ، پس رحم کن بر حیرت و سرگردانی ایشان در مواضع رفتن ایشان و رحمت فرما بر ناله ایشان در مکانهای در آمدن ایشان
بار خدایا، بیرون آمدیم به سوی تو در حینی که مختلط شد ما شتران لاغر بر قحط سالها و وعده خلافی کرد ما را علامتهای باران ، پس هستی تو امید مر اندوهگین را و رساننده به مطلوب التماس کننده حزین را ، میخوانیم تو را در زمانی که ناامید شدند مردمان و ممنوع شد از باریدن ابرهای آسمان و هلاک شد چرندگان اینکه مؤاخذه نکنی بر عملهای ما و اخذ نکنی ما را به گناهان ما و نشر کن بر ما رحمت بی نهایت خود را به ابرهای منفجر به باران سخت و با شدّت و با بهار ظاهر کننده میوهها و با نبات و گیاه تعجب آورنده خلق ها ، در حالتی که بریزد بر ما ریختنی به باران فراوان که زنده سازی به آن ، آن که مرده و باز گردانی به ،آن آن چه که فوت گشته .
بارخدایا ، آب ده ما را آب دادنی از جانب خود که زنده سازد زمین مرده را و سیراب گرداننده باشد و متصف شود به تمامی و عموم منفعت و پاکیزگی و به برکت و گوارایی و وسعت ، در حالتی که نمو کننده باشد گیاه آن ، میوه دهنده باشد شاخ آن ، تروتازه باشد برگ آن که بلند نمایی به آن و قوت دهی عاجز و ذلیل را از بندگان خود و زنده سازی به آن مرده را از شهرهای خود .
بار خدایا ، آب ده ما را آب دادنی از نزد خود که پرگیاه شود به آن زمینهای بلند ما و جاری شود به آن زمینهای نشیب ما و به فراخ سالی در آید به سبب آن اطراف و جوانب ما و روی آورد و اقبال کند به جهت آن میوههای ما و زندگانی نماید به آن چهارپایان ما و نمناک بشود به آن جماعتی که از ما دورند و استعانت جویند به آن مردمانی که در نواحی ما هستند از برکتهای با وسعت خودت و عطاهای بزرگ خودت بر مردمان صاحب احتیاج خود و حیوانات وحشی بی صاحب خود و نازل کن بر ما باران ترکننده بارنده بسیار ریزان که دفع کند باران بزرگ قطره دیگر را از غایت شدّت و بر انگیزاند قطرهها از آن قطرههای دیگر را ، در حالتی که نباشد برق آن طمع آورنده و خلف کننده و نه ابر پهن شده در کنار آسمان آن خالی از آب و نه ابرهای سفید آن پارههای كوچك كوچك و نه بارانهای نرم آن صاحب بادهای خنك تا آن که فراخ سالی یابند به جهت بسیاری گیاههای آن قحط یابندگان و زنده شوند به برکت آن سختی کشیدگان ، پس به درستی که تو فرو فرستی باران را از پس آن که نومید میشوند مردمان و پراکنده میسازی رحمت خود را بر عالمیان و تویی ولی نعمتها و ستوده در صفتها .
أَرْسَلَهُ داعِياً إِلَى الْحَقِّ، وشاهِداً عَلَى الْخَلْقِ، فَبَلْغَ رِسالاتِ رَبِّه غَيرَ وان، ولا مُقَصْرٍ
، وجاهَدَ في اللهِ أَعْداءَهُ غَيرَ واهِنِ ولا مُعَذِّرٍ ، إمامُ مَنِ اتَّقى، وبَصَرُ مَنِ اهْتَدى .
منها وَلَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ مِمّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذا لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصَّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلى أَعْمالِكُمْ ، وتَلْتَدِمُونَ عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوالَكُمْ لاَ حارِسَ لَها وَلا خَالِفَ عَلَيْها، ولَهَمَّتْ كُلَّ امْرِ مِنْكُمْ نَفْسُهُ ، لا يَلْتَفِتُ إِلى غَيرها، ولكِنَّكُمْ نَسَيْتُمْ ما ذُكِّرْتُمْ ، وأَمِنْتُمْ ما حُذَرْتُمْ، فَتاه عَنْكُمْ رَأَيْكُمْ، وَتَشَئْتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ الله فَرَّقَ بَيْني وبَينَكُمْ، وَالْحَقْني بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بي مِنْكُمْ، قَوْمٌ وَالله مَيامِينُ الرَّأْي ، مراجيعُ الْحِلْمِ، مَقاوِيلُ بِالْحَقِّ، مَتاريكُ لِلْبَغْيِ، مَضُوا قدْماً عَلى الطَّريقَةِ ، وأَوْجَفُوا عَلى الْمَحَجَّةِ، فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ ، وَالْكَرامَةِ الْبارِدَةِ ، أَما والله لَيُسَلْطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلامُ ثَقيف الذّيّالُ الْمَيالُ، يَأْكُلُّ خَضِرَتَكُمْ ، ويُذيبُ شَحْمَتَكُمْ، إيهِ أَبا وذحةٍ (1).
قال السيد (رحمت الله) أقول : الوذحة الخنفساء وهذا القول يؤمى به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره .
(الواني) الفاتر الكال و (المعذر) بالتثقيل الذي يعتذر من تقصيره بغير عذر كما قال
تعالى: وَجَاءَ الْمُعَذِرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ [التوبة : 90] و (الصعدات) جمع الصّعد وهو جمع صعيد قال الشارح المعتزلي: الصعيد التراب ويقال وجه الأرض والجمع صعد وصعدات كطريق وطرق وطرقات ، وعن النهاية فيه إيّاكم والقعود بالصعدات هي الطرق وهي جمع صعد، وصعد جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات ، وقيل : هي جمع صعدة كظلمة وهي فناء باب الدار وممرّ النّاس بين يديه ، ومنه الحديث لخرجتم إلى الصعدات تجارون .
و (الإلتدام) ضرب النساء وجوههن في النياحة (ولهمت كل امرء ) قال الشارح المعتزلي: أي أذابته وأمحلته هممت الشحم أي أذبته ، ويروي : ولا همّت كل امرء وهو أصح من الرواية الأولى ، أهمني الأمر إذا أحزنني ، انتهى. وفيه نظر الآن هم أيضاً يكون بمعنى أهم قال الفيرز آبادي : همه الأمر هما حزنه كأهمه فاهتم والسقم جسمه إذا به وأذهب لحمه والشحم أذابه، فإنهم ذاب.
1) بحار الأنوار: 41 ج 332 ح 54 ، وميزان الحكمة : 2222/3
(ومراجيح) الحلم قال الجوهري : راجحته فرجحته أي كنت أرزن منه ومنه قوم مراجيح الحلم، و (المقاويل) جمع مقوال، و (المتاريك) جمع متراك، و (قدما) بالضم وبضمتين و (الذيال) هو الذي يجز ذيله على الأرض تبختراً يقال : ذال فلان من باب منع ذألا وذالاناً تبختر ، و (الخضرة ) بفتح الخاء وكسر الضاد الزرع، والبقلة الخضراء والغض، وقال في «القاموس»: (الوذح) محركة ما تعلّق بأصواف الغنم من البعر والبول الواحدة بها، والجمع وذح كبدن ، وقال الشارح المعتزلي في قول السيد (رحمت الله) : الوذحة الخنفساء ولم أسمع هذا من شيخ من أهل الأدب، ولا وجدته في كتاب من كتب اللغة ولا أدري من أين نقل الرضى ذلك .
(داعياً وشاهداً )(وغير وان وغير واهن )، منصوبات على الحال، (وإمام) خبر محذوف المبتدأ ، (وكل) منصوب على المفعول والفاعل نفسه ، (وإيه) اسم فعل يراد به الاستزادة أي زدوهات ، قال في «القاموس»: (إيه) بكسر الهمزة والهاء وفتحها وتنوّن المكسورة كلمة استزادة واستنطاق، وقال الطريحي (إيه) إسم سُمي به الفعل لأن معناه الأمر يقال لرجل زد إذا استزدته من حديث أو عمل (إيه ) بكسر الهاء، قال ابن السكيت فإن وصلت نونت فقلت ايه حديثاً، وإذا أردت التبعيد بايه قلت (أيها) بفتح الهمزة بمعنى هيهات، ومن العرب من يقول (أيهات) وهو في معنى هيهات .
وفي كتاب «شرح الإثبات »: إذا قلت (إيه) بغير تنوين فكأن مخاطبك كان في حديث ثم أمسك فأمرته بالشروع في الحديث الذي كان فيه أي هيهات الحديث، فإذا قلت إيه بالتنوين فكأنك أمرته ابتداء بأن يحدث حديثاً أي هات حديثاً .
اعلم أن هذه الخطبة على ما يستفاد من شرح البحراني ملتقطة من خطبة طويلة خطب علیه السلام بها في الكوفة لاستنهاض أصحابه إلى حرب الشام وما ظفرت بعد على تمامها، وما أورده السيد (رحمت الله) منها في الكتاب يدور على فصلين :
الأول : في ذكر ممادح النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وذكر بعض أوصافه الجميلة ونعوته الجليلة، وهو قوله : (أرسله داعياً إلى الحق ) بالحكمة والموعظة الحسنة ، (وشاهداً على الخلق ) يوم القيامة كما قال تعالى: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج: 3] فقد فسر الشاهد بمحمد صلی الله علیه واله وسلم ، والمشهود بيوم القيامة أمّا الأول فلقوله تعالى : (نَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِمٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شهيدا ) [النساء : 41] وأمّا الثاني فلقوله تعالى: وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود : 103] .
وقد تقدّم تحقيق هذه الشهادة بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الحادية والسبعين فتذكر.
(فبلغ رسالات ربّه ) سبحانه (غير وان) في الابلاغ (ولا مقصر) في الانذار، (وجاهد في الله ) تعالى (أعدائه غير واهن ) في الجهاد (ولا معذر) من قتال الأنجاد وهو (إمام من اتقى) لأنه قدوة المتقين في كيفية سلوك سبيل التقوى والصلاح (وبصر من اهتدى) لأنه نور المهتدين في المسير إلى طريق الخير والفلاح كما يهتدي بالبصيرة إلى سبيل الرشاد ، ويسلك بها نحو القصد والسداد يهتدي بالبصر إلى الجادّة الوسطى والطريق المستقيم .
والفصل الثاني: إخبار عن الغيب وإظهار لما يبتلى به أهل الكوفة بسوء أعمالهم وقبح فعالهم وهو قوله علیه السلام : (ولو تعلمون ما أعلم ممّا طوى ) وأخفى (عنكم غيبه) وبطانه (إذ لخرجتم إلى الضعدات) أي: خرجتم عن البيوت وتركتم الاستراحة والجلوس على الفرش للقلق والانزعاج وجلستم في الطريق أو على التراب ، (تبكون على أعمالكم) التي كان الواجب تركها (وتلتدمون على أنفسكم) للتقصير فيما يجب عليكم فعله ، (ولتركتم أموالكم لا حارس لها) يحرسها (ولا خالف عليها) يستخلفها (ولهمت كلّ امرء منكم نفسه ) أي أذابته أو حزنته لا يلتفت إلى غيرها، (ولكنكم نسيتم ما ذكرتم وأمنتم ما حذرتهم ) أراد بذلك ما ذكرهم علیه السلام به ممّا فيه نظام أمورهم وتحذيرهم مما أوجب إدالة الأعداء منهم وتسلّط الولاة السّوء عليهم، وهو النفاق وتشتت الأهواء، واختلاف الآراء .
(فتاه) أي ضل وتحير أو هلك واضطرب (عنكم رأيكم) أي عقلكم وتدبيركم (وتشتت
عليكم أمركم ) بغلبة العدو على بلادكم.
ثم تمنّى مفارقتهم بقوله : (ولوددت أن الله فرق بيني وبينكم وألحقني بمن هو أحق) رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وحمزة وجعفر ومن لم يفارق الحق من الصحابة (قوم والله ميامين الرأي ) ومبارك الآراء (مراجيح الحلم) وثقال الحلوم لا يستخفنهم جاهلية الجهلاء (مقاويل بالحق متاريك للبغي) أي: أكثرون قولاً بالحق والصدق وتركاً للبغي والظلم (مضوا قدماً) أي : متقدمين (على الطريقة) الوسطى (وأوجفوا) أي أسرعوا (على المحجة) البيضاء غير ملتفتين عنها (فظفروا) وفازوا (بالعقبى الدائمة والكرامة الباردة ) التي ليس فيها تعب ولا مشقة حرب .
ولما حذرهم عمّا طوى عنهم غيبه أراد التنبيه ببعض ذلك المطوي والتصريح ببعض ما يلحقهم من الفتن العظيمة فقال علیه السلام : (أما والله ليسلطن عليكم )وفي الإيماء بحرف التنبيه والقسم والنون ما لا يخفى من التأكيد لوقوع المخبر به أي لا محالة يسلط عليكم (غلام ثقيف ) أراد به الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود من بني ثقيف (الذيال) الذي يجر ذيله على الأرض تبختراً وهو كناية عن كثرة نخوته (الميال) كثير الظلم والميل عن
الحق ( يأكل خضرتكم ويذيب شحمتكم) أراد بذلك أخذ الأموال وتعذيب الأبدان واستئصال النفوس ووقع ذلك الخبر على ما أخبر علیه السلام به مشهور وفي الكتب مسطور، وقد تقدم شطر من فعله بأهل العراق في شرح الخطبة الخامسة والعشرين .
وروى في «البحار» من الخرائج أن الأشعث بن قيس استأذن على علي علیه السلام فرده قنبر فأدمى أنفه، فخرج علي علیه السلام وقال : ما ذاك يا أشعث أما والله لو بعبد ثقيف مررت لاقشعرت شعيرات استك، قال: ومن غلام ثقيف؟ قال طط ، غلام يليهم لا يبقى بيت من العرب إلا أدخلهم الذلّ ، قال : كم يلي؟ قال عشرين إن بلغها (1)، قال الراوي : ولي الحجاج سنة خمس وسبعين ومات خمس وتسعين .
ثم قال علیه السلام (إيه أبا وذحة ) أي زِدْ وهات ما عندك أبا الخنفساء على ما ذكره الرّضي من تفسير الوذحة بالخنفساء، قال الشارح المعتزلي: إن المفسرين بعد الرّضي (رحمت الله ) قالوا في قصة هذه الخنفساء وجوهاً :
منها : أن الحجاج رأى خنفساء تدبّ إلى مصلاه فطردها فعادت ، ثم طردها فعادت ، فأخذ بها بيده وحذف بها فقرصته قرصاً ورمت يده منه ورماً كان فيه حتفه قالوا: وذلك لأنّ الله تعالى قد قتله بأهون مخلوقاته كما قتل نمرود بن كنعان بالبقة التي دخلت في أنفه فكان فيها هلاكه.
ومنها : أن الحجاج كان إذا رأى خنفساء تدبّ قريبة منه يأمر غلمانه بإبعادها ويقول: هذه وذحة من وذح الشيطان ، تشبيهاً بالبعرة المعلقة بأذناب الشّاة .
ومنها : أن الحجاج قد رأى ذات مجتمعات فقال : واعجبا لمن يقول إنّ الله خلق هذه، قيل : فمن خلقها أيها الأمير ؟ قال : الشَّيطان، إنّ ربّكم لأعظم شأناً أن يخلق هذه الوذحة، فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره فأكفروه .
ومنها : أن الحجاج كان مثفاراً أي ذا ابنة ، وكان يمسك الخنفساء حية ليشفي بحركتها في الموضع حكاكه ، قالوا : ولا يكون صاحب هذا الداء إلا شانياً مبغضاً لأهل البيت، قالوا: ولسنا نقول كلّ مبغض فيه هذا الداء، وإنّما قلنا كلّ من به هذا الداء فهو مبغض، قالوا: وقد روى أبو عمرو الزاهد ولم يكن من رجال الشيعة في «أماليه» وأحاديثه عن السيارى عن أبي خزيمة الكاتب قال : ما فتشنا أحداً فيه هذا الداء إلا وجدناه ناصبياً (2).
قال أبو عمر وأخبرني العطاني عن رجاله قالوا: سئل جعفر بن محمد عن هذا الصنف من الناس فقال: رحم منكوسة يؤتى ولا يأتي وما كانت هذه الخصلة في ولي الله قط، ولا تكون أبداً، وإنما تكون في الكفار والفساق والناصب للطاهرين(1).
أقول : ويدل على ذلك ويؤيده :
ما رواه في «الكافي» عن أحمد عن عليّ بن أسباط عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ما كان في شيعتنا فلم يكن فيهم ثلاثة أشياء : من يسأل في كفه ولم يكن فيهم أزرق أخضر، ولم يكن فيهم من يؤتى في دبره.
أحمد عن جعفر بن محمد الأشعري عن ابن القداح عن أبي عبد الله علیه السلام قال : وعن جاء رجل إلى أبي، فقال : يا ابن رسول الله إنّي ابتليت ببلاء فادع الله لي، فقيل له : إنّه يؤتى في دبره، فقال: ما أبلى الله عزّ وجلّ بهذا البلاء أحداً له فيه حاجة، ثمّ قال أبي : قال الله عزّ وجلّ ، وعزّتي وجلالي لا يقعد على استبرقها وحريرها من يؤتى في دبره (2).
وفي «البحار » من الخصال للصدوق عن أبيه عن سعد عن البرقي عن من عدة أصحابنا عن علي بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ما ابتلى الله به شيعتنا فلن يبتليهم بأربع : بأن يكون لغير رشده، أو أن يسألوا بأكفهم، أو أن يؤتوا أدبارهم، أو أن يكون فيهم أزرق .
وفيه منه عن ابن الوليد عن محمد العطار عن أحمد بن محمد عن أبي عبد الله الرازي عن ابن أبي عثمان عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام، قال : أربع خصال لا تكون في مؤمن : لا يكون مجنوناً، ولا يسأل عن أبواب النّاس، ولا يولد من الزّنا، ولا ينكح في دبره (3).
وفيه من قرب الاسناد عن محمد بن عيسى عن القداح عن جعفر عن أبيه علیه السلام قال: جاء رجل إلي علي علیه السلام فقال : إني لأحبكم أهل البيت ، قال : وكان فيه لين، قال: فأثنى عليه عدة فقال علیه السلام له : كذبت ما يحبّنا مخنث ولا ديوث ولا ولد زنا ولا من حملت به أمّه في حيضها، قال: فذهب الرّجل، فلمّا كان يوم صفين قتل مع معاوية (4)
وحكى المحدّث الدربندي قال : كنت (1)ابن سنّة عشر من أولاد بعض علماء بلدنا معروفاً بهذا الفعل الشنيع، فبينا أنا مع جمع تكثر السرور والفرح في يوم عيد الغدير دنا مني هذا الشخص، وقال: مالك كأني أراك تظن أن الله قد أعطاك في هذا اليوم من سلطنة الدنيا؟ قلت : إن كرامة الله على محبّي أمير المؤمنين وسيد الوصيين علیه السلام في هذا اليوم الشريف أعظم سلطنة الدنيا، فقال : ناشدتك بالله هل تحب علي بن أبي طالب؟ فقلت : ويلك هل يوجد أحد اتصف بالإسلام ولا يحب أمير المؤمنين علیه السلام؟ فقال : والله أنا لا أحبه ، فقلت : الحمد الله الذي لم يدخل مثلك النجس الخبيث المخنث في حزب محبّي الأطيب الأطهر أمير المؤمنين ولعنة الله عليك وعلى أمثالك من المخنثين، قال: فلم يمض على ذلك إلا مدة قريبة من مدة سنة أن اختار الشرك وأظهر الكفر ودخل في مذهب النصرانية .
وفي الأنوار النعمانية للمحدّث الجزائري (رحمت الله) عن جلال الدين السيوطي في «حواشي القاموس » عند تصحيح لغة الابنة قال : وكان في جماعة في الجاهلية أحدهم سيدنا عمر، وقال ابن الأثير وهو من أجلاء علماء العامة :زعمت الروافض أن سيدنا عمر كان مخنثاً ، كذبوا ولكن به داء دواؤه ماء الرجال .
ثمّ قال الجزائري : ولم أر في كتب الرافضة مثل هذا ، نعم روى العياشي منهم حديثاً حاصل معناه أن لفظ أمير المؤمنين قد خص الله به علي بن أبي طالب، ولهذا لم تسم الرافضة أئمتهم بهذا الاسم ومن سمّها نفسه به غير علي بن أبي طالب علیه السلام فهو مما يؤتى في دبره، وهو شامل لجميع المتخلفين من الأموية والعباسية لعنهم الله ، انتهى.
وقد أوردنا رواية العياشي مع غيرها في ديباجة الشرح في نور ألقاب أمير المؤمنين علیه السلام ، فتذكر، وفي أخبار كثيرة من طريق أهل البيت علیه السلام أن هؤلاء لا خير فيهم، وفي بعضها أنّه لا يبتلى به أحد الله فيه حاجة .
ثم قال الشارح المعتزلي بعد ذكر ما أوردنا من كلامه في تفسير أبا وذجة : فهذا مجموع ما ذكره المفسرون وما سمعته من أفواه النّاس في هذا الموضع ، ويغلب على ظني أنه أراد معنى آخر، وذلك أن عادة العرب أن تكنّي الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنة التعظيم كقولهم : أبو الهول وأبو المقدام وأبو المغوار ، فإذا أرادت تحقيره والغض منه كنته بما يستحقر ويستهان به كقولهم في كنية يزيد بن معاوية لعنه الله يعنون القرد ، وكقولهم: في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدث أبو القارد، وكقولهم للطفيلي: أبو لقمة «إلى أن قال » فلما كان أمير المؤمنين علیه السلام يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي والذنوب التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشّاة كناه أبا وذجة.
1) في نسخة كان.
ويمكن أن يكنيه بذلك لدمامته في نفسه وحقارة منظره وتشويه خلقته، فإنّه كان قصيراً دميماً نحيفاً أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه أصلع الرأس فكناه علیه السلام بأحقر الأشياء وهو البعرة.
وقد روى قوم هذه اللفظة بصيغة أخرى فقالوا إيه أبا ودجة، قالوا: واحدة الأوداج كنّاه بذلك لأنه كان قتالاً يقطع الأوداج بالسيف، ورواه قوم أبا وحرة وهي دويبة تشبه الحرباء قصيرة الظهر شبهته بها قال : وهذا وما قبله ضعيف وما ذكرناه أقرب إلى الصواب (1).
1) شرح النهج : 281/7 ، ، انظر لسان العرب : 11/13.
از جمله خطب بلیغه آن بزرگوار و امام ابرار است در نعت حضرت خاتم الانبياء و مذمت اهل کوفه به جهت سنگینی از جهاد اعداء و اعلام ایشان به فتنه حجاج بی ایمان ، چنان چه فرمود که :
فرو فرستاد خداوند آفریدگار رسول مختار را در حالتی که خواننده بود مردمان را به سوی حق و گواه بود بر خلق ، پس رسانید پیغامهای پروردگار خود را در حالتی که سستی ننمود در اداء پیغام و تقصیر کننده نبود در تبلیغ احکام و جهاد کرد در راه خدای متعال با اعداء ربّ ذوالجلال در حالتی که سست نبود در قتال و عذرخواهی نکرد به عذر ناموجه از مقاتله ابطال پیشوای صاحبان تقوی است و بینایی طالبان هدایت .
و اگر بدانید آن چه من می دانم از چیزی که کتمان شده از شما غیب آن در آن هنگام هر آینه خارج می شدید به سوی راه ها ، یعنی ترک استراحت می کردید در خانهها در حالتی که گریه میکردید بر عملهای خودتان و میزدید بر نفسهای خود و هر آینه ترک می نمودید مالهای خود را در حالتی که هیچ مستحفظی نباشد آنها را و هیچ جانشینی نباشد بر آنها و هر آینه محزون و غمگین می ساخت یا اینکه گداخت هر مردمی را از شما نفس او که اصلا التفات نمیکند به غیر خود و لیکن شما فراموش کردید چیزی را که پند داده شدید به آن و ایمن گشتید از چیزی که ترسانیده شدید از آن ، پس حیران گشت از شما اندیشه و تدبیر شما و پراکنده شد بر شما کار شما ، هر آینه دوست میدارم این که خدای تعالی جدایی افکند میان من و میان شما و لاحق نماید مرا به کسانی که ایشان سزاوارترند به من از شما، ایشان قومی بودند قسم به خدا که صاحبان رأى مبارك بودند و موصوفان به افزونی بردباری ، بسیار سخن گوینده بودند به راستی و زیاد ترك كننده بودند ظلم و گمراهی را ، گذشتند در حالتی که پیش قدم بودند بر راه راست و شتافتند بر طریقه درست و فایز شدند به آخرت بینهایت و به کرامت خالی از زحمت .
آگاه باشید قسم به خدا ، هرآینه البته مسلط می شود شما پسری از قبیله
سود بر
ثقيف، یعنی حجاج بن یوسف ثقفی که کشنده باشد دامن خود را بر زمین از روی غرور و نخوت و عدول کننده باشد از راه عدالت که می خورد زراعت شما را و می گدازد پیه شما را ، زیاده کن و بیاور آن چه که در پیش تو استای پدر جعل .
فَلا أَمْوالَ بذَلْتُمُوها لِلَّذِي رَزَقَها، ولا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بها لِلذي خَلَقَها ، تَكْرُمُونَ باللهِ عَلى عباده، ولا تُكْرِمُونَ الله في عِبادِه ، فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنازِلَ مَنْ كَانَ قَبلَكُمْ، وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوانِكُمْ (1).
(خاطرتم بها )من المخاطرة وهي ارتكاب ما فيه خطر وهلاك، و (تكرمون) الأول من
باب فعل، والثاني من باب أفعل يقال كرم الرجل كرماً من باب حسن عز ونفس فهو كريم.
(أموال وأنفس) منصوبان على الاشتغال ، (واللام) في (الذي) رزقها تحتمل الصّلة والتعليل، وفي للذي خلقها للتعليل لا غير كما هو غير خفي، (وانقطاعكم) عطف (على نزولكم) .
اعلم أن مدار هذا الفصل على التوبيخ بالبخل بالأموال والأنفس، والأمر بالاعتبار بتقلبات الدّهر وتغيرات الزمان فلا مهم أولاً بترك بذل الأموال (فلا أموال بذلتموها للذي رزقها )، لا يخفى ما في التعبير بهذه العبارة من اللطف والنكتة وهو أن التعبير بقوله: (للذي رزقها ) فيه من زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام ما ليس في التعبير بقوله الله كما في قوله :
أعباد المسيح يخاف صحبي *** ونحن عبيد من خلق المسيحا
فإنه أدل على عدم خوفهم النصارى من أن يقول نحن عبيد الله، وذلك لأن غرضه علیه السلام لومهم وتوبيخهم على البخل والإمساك عن بذل الأموال والتعبير بالموصول أكد في إفادة ذلك المطلوب لدلالته على اتصافهم بغاية البخل حتى أنهم يمسكون أموالهم عن معطيها ورازقها فضلاً عن غيره، فيستحقون بذلك غاية اللوم والمذمّة .
1) ميزان الحكمة: 1810/3 ، وشرح نهج البلاغة : 282/7
ومثله قوله : (ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها ) فإنّه أدلّ على البخل بالأنفس وأثبت لذلك الغرض، فإنهم إذا لم يخاطروا بأنفسهم ولم يلقوا بها إلى المهالك لرضاء الخالق مع كونه أحق وأولى بها منهم، فكيف لغيره.
ثمّ أحد التوبيخ بقوله : (تكرمون بالله على عباده ولا تكرمون الله في عباده ) ولذلك وصل هذا الكلام بما سبق ولم يفصل بالعاطف، لكون ذلك أو فى بتأدية المراد مما سبق ، يعني أنكم تتنافسون وتظهرون العز والشرف على عباد الله تعالى بالله سبحانه ، أي بما خوّلكم وأعطاكم ومنحكم من النّعم الدنيوية والأخروية، ولا تكرمون الله ولا تطيعونه في الإحسان إلى عباده والإفضال عليهم ، بل بنعمته تبخلون ، وعن عباده تمسكون (فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم ) من طحنتهم الآجال وضاق بهم المجال وارتهنوا بالأعمال كما قال عز من قائل: (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا
لَكُمُ الْأَمْثَالَ ) [إبراهيم: 45] .
(وانقطاعكم عن أوصل إخوانكم ) حتى انتقلوا إلى ضيق المضجع ووحشة المرجع ، فستصيرون مثلهم وتنزلون منزلتهم، فاسلكوا مسلك العاجلة حميداً، وقدموا زاد الآجلة سعيداً .
از جمله کلام بلاغت نظام آن امام است در توبیخ و عتاب مذمّت اصحاب بر عدم بذل اموال در راه ذوالجلال، فرموده:
پس هیچ مالهای دنیا را بذل نکردید برای کسی که روزی شما گردانید آنها را و هیچ جانها در مهالك نيفکندید برای کسی که خلق کرد آنها را ، کریم و عزیز شوید به سبب خدا بر بندگان خدا و گرامی نمی دارید خدا را در بندگان خدا ، پس عبرت بگیرید به نازل شدن خودتان به منزلهای کسانی که بودند پیش از شما و به
بریدن خود از اقرب برادران خود .
أَنْتُمُ الأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ، وَالإخوان في الدِّينِ، وَالجُننُ يَوْمُ الْبَأْسِ، وَالبِطانَةُ دُونَ النّاسِ، بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ ، وأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ ، فَأَعَينُونِي بِمُناصَحَةٍ جَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشُ، سَليمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ (1).
(الجنن) جمع الجنة وهي ما استترت به من سلاح و (بطانة) الرّجل خاصته وأصحاب
سره و (جلية) في بعض النسخ بالجيم وفي بعضها بالخاء.
(دون) ظرف إما بمعنى عند أو بمعنى سوى ، (والفاء) في قوله : (فأعينوني) .فصيحة.
اعلم أن هذا الكلام على ما رواه الشارح المعتزلي من المدائني والواقدي قاله أمير المؤمنين علیه السلام للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل، والغرض بذلك مدح أصحابه واستمالة قلوبهم إلى مناصحته فقوله علیه السلام: (أنتم الأنصار على الحق) أي الناصرون لي والمعينون على الحق الذابون على الباطل، (والإخوان في الدين ) لقوله سبحانه: «إنما المؤمنون إخوة» (والجنن) والترس (يوم البأس ) أي يوم الشدة والحرب (والبطانة) أي خاصتي وخالصتي الذين لا أطوي عنكم سرّي (دون الناس ) أي عندهم يعني أنكم عندهم معروفون باختصاصي، أو أنتم البطانة لي سوى الناس أي ليس لي بطانة غيركم ، (بكم أضرب المدبر) عن الحق (وأرجو طاعة المقبل) يعني من أقبل إلي إذا رأى أخلاقكم الحميدة أطاعني بصميم قلبه، ويمكن أن يراد بالمقبل من كان من شأنه الإقبال والطاعة، وإذا كنتم بهذه المثابة (فأعينوني بمناصحة جلية ) أي صافية أو خالية (من الغش) والتدليس (سليمة من الريب) أي : من الشك في سالمة استحقاقي للخلافة والولاية (فوالله إني لأولى الناس بالناس) وأحق بالإمامة .
1) ميزان الحكمة : 4/ 2279، وبحار الأنوار: 236/32
از جمله کلام آن حضرت است در مدح اصحاب خود که فرموده:
شما یاری کنندگانید بر راه راست و برادرانید در دین و سپرهایید در روز سختی و شدت و خواص منید در نزد مردمان ، به اعانت شما میزنم پشت گرداننده از حق را و به وجود شما امید می وجود شما امید میدارم رو آورنده را ، پس اعانت نمایید نصیحت کردنی که خالی است از نقص و عیب و سالم است از شك و ريب، پس قسم به خدا به درستی من بهترین مردمانم به مردمان و اولایم به ایشان از دیگران.
وقد جمع الناس وحضّهم على الجهاد فسكتوا مليا .
فقال علیه السلام : ما بالُكُمْ أَمُخْرَسُونَ أَنْتُمْ . فَقالَ قَوْمٌ مِنهُمْ : يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ سِرْتَ سِرْنا مَعَكَ.
فَقالَ علیه السلام: ما بالكُمْ لا سُدّدْتُمْ لِرُشْدِ، ولا هديتُمْ لِقَصْدِ، أَفي مِثْلِ هذا يَنْبَغِي لي أَنْ أَخْرُجَ ، إِنَّما يَخْرُجُ في مثل هذا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضاهُ مِنْ شُجَعَائِكُمْ وذَوي بَأْسِكُمْ ، ولا ينبغي لي أَنْ أَدَعَ الْجُندَ وَالْمِصْرَ وبَيْتَ الْمالِ وجِبَايَةَ الأَرْضِ وَالْقَضاء بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ والنَّظَرَ فِي حُقوقِ الْمُطالِبينَ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةِ أتَّبِعُ أُخرى، أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْح في الجفير الفارغ ، وإِنَّما أنا قُطْبُ الرَّحى تَدُورُ عَلَيَّ وأنا بمكاني، فإذا فارَقْتُهُ اسْتَحارَ مَدارُها ، وَاضْطَرَبَ ثِقَالُها، هذا لَعَمْرُ اللَّهِ الرَّأْيُ السُّوءُ، وَاللَّهِ لَوْلا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقانِي الْعَدُوِّ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكابي، ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ، وَلا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وشِمال ، طَعَانِينَ، عَيابينَ، حَيَادِينَ، رَوْاغينَ ، وإِنَّهُ لا غِناءِ فِي كَثرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اجتماع قُلُوبِكُمْ، لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلى الطَّريقِ الواضِحِ التي لا يَهْلِكُ عَلَيْها إلا هالِكٌ، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ، ومَنْ زَلَّ فَإِلى النَّارِ (1).
(الملي) الهواء من الدهر والساعة الطويلة من النهار قال تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيَّا [مريم : 46] ، و (مخرسون) اسم مفعول من أخرسه الله و (سدّدتم) بالتخفيف والتشديد و (الشجعاء) جمع شجيع ، وفي بعض النسخ شجعانكم بالتون وهو بالضم والكسر جمع شجاع ، و (الكتيبة) القطعة العظيمة من الجيش و (القدح) بالكسر السهم قبل أن يراش وينضل، و (الجفير) الكنانة وقيل وعاء للسهام أوسع من الكنانة و( استحار مدارها ) قال الشارح المعتزلي : اضطرب ولم نجده بهذا المعنى في اللغة ، والظاهر من استحار إذا لم يهتد بسبيله يقال : استحار السحاب أي لم يتجه جهة ، وعن الجوهري المستحير سحاب ثقيل متردد ليس له ريح تسوقه ، و (الثفال) كالكتاب والغراب الحجر الأسفل من الرّحى ، و (الركاب ) كالكتاب أيضاً الإبل التي يسار عليها.
1) نهج السعادة : 602/2 ، وميزان الحكمة : 3465/4
(ملياً) منصوب على الظرف، وقوله : (والله لولا رجائي الشهادة) جواب القسم، قوله: لقربت ركابي وهو ساد مسد جواب لولا ، وجملة (لو قد حم لي لقائه) شرطية معترضة بين القسم وجوابه كما في قوله :
لعمري وما عمري علي بهين *** لقد نطقت بطلاً على الأقارع (1)
وجواب (لو) محذوف بدلالة سياق الكلام عليه ، أي لو قدحم لي لقائه لقيته، ودخول (قد) في شرط (لو) نادر ، ومثله ما رواه في «حواشي المغني » من صحيح البخاري قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: «لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا هكذا »(2)، واختلف في المرفوع بعد (الولا) وأن رفعه لماذا ، قال ابن هشام (لولا) تدخل على جملة إسمية ففعلية لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، نحو لولا زيد لأكرمتك، أي لولا زيد موجود إلى أن قال ، وليس المرفوع بعد (الولا) فاعلاً بفعل محذوف، ولا (بلولا) لنيابتها عنه ، ولا بها أصالة ، خلافاً لزاعمی ذلك، بل رفعه الابتداء ، وطعانين مع المنصوبات الثلاثة بعدها حالات من ضمير الخطاب في قوله أطلبكم، وجملة (لقد حملتكم) جواب لقسم محذوف، والطريق يذكر ويؤنث ولذا أتى بصفة أولاً بالتذكير ، وثانياً بالتأنيث جرياً على اللغتين.
إنّ هذا الكلام قاله أمير المؤمنين علیه السلام بعد انقضاء أمر صفين والنهروان في بعض غارات أهل الشام على أطراف العراق ، (وقد جمع الناس وحضّهم ) أي حنّهم (على الجهاد فسكتوا مليّاً )، أي ساعة طويلة ، فقال علیه السلام: توبيخاً لهم على تثاقلهم (ما بالكم أمخرسون أنتم ) فلا ما تنطقون، (فقال قوم منهم يا أمير المؤمنين علیه السلام إن سرت ) إلى العدوّ (سرنا معك فقال علیه السلام: ما بالكم لاسددتم لرشد ولا هدينم لقصد) دعاء عليهم بعدم الاستقامة والسداد لما فيه الصّلاح والرّشاد وعدم الاهتداء للقصد أي الأمر المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي الافراط والتفريط .
(أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج ) استفهام على سبيل التوبيخ والانكار ، والإتيان باسم الإشارة للتحقير كما في قوله تعالى: اَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ الهَتَكُمْ [الأنبياء : 36] (إنما يخرج في مثل هذا رجل ممّن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم ) وشجاعتكم.
ثمّ أشار علیه السلام إلى وجوه الفساد في خروجه بنفسه بقوله : ( ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض ) أي : جمع فيها وخراجها ، (والقضاء بين المسلمين) وفصل خصوماتهم (والنظر في حقوق المطالبين) ودفع ظلاماتهم وغير ذلك مما فيه نظام الدولة وانتظام المملكة ومهام العباد وقوام البلاد، (ثم أخرج في كتيبة أتبع) في كتيبة (أخرى أتقلقل) أي اضطراب (تقلقل القدح في الجفير الفارغ ) من السهام ، والغرض التشبيه في اضطراب الحال والانفصال عن الجنود والأعوان بالقدح الذي لا يكون حوله قداح تمنعه من التقلقل ولا يستقر مكانه .
وقال الشارح البحراني : شبه خروجه معهم بالقدح في الجفير، ووجه الشبه أنه كان قد نقد الجيش وأراد أن يجهز من بقي من الناس في كتيبة أخرى، فشبه نفسه في خروجه في تلك الكتيبة وحده مع تقدم أكابر جماعة وشجعانها بالقدح في الجفير الفارغ في كونه يتقلقل، وفي العرف يقال للشريف إذا مشى في حاجة ينوب فيها من هو دونه، وترك المهام التي لا تقوم إلا به ترك المهم الفلاني ومشى يتقلقل على كذا، والأشبه ما ذكرنا .
(وإنما أنا قطب الرحى تدور علي وأنا بمكاني ) شبه عليه السلام نفسه بالقطب وأمور الإمارة والخلافة المنوطة عليه بالرحى ، ووجه الشبه دوران تلك الأمور عليه دوران الرّحى على القطب، كما أشار إليه بقوله : تدور علي، وهو من قبيل التشبيه المجمل المقرون بذكر وصف المشبه به كما في قوله : هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها .
وقوله : (فإذا فارقته استحار مدارها واضطرب ثفالها ) إشارة إلى الغرض من التشبيه وهو فساد الأمور المذكورة واضطرابها بمفارقته علیه السلام لها وانتقاله علیه السلام عن مكانه ، وكذلك يبطل الغرض المقصود من الرّحا بارتفاع قطبها وانتفائه ، ومعنى استحار مدارها على تفسير الشارح المعتزلي اضطراب دورانها وخروجه عن الحركة المستديرة إلى المستقيمة، وعلى ما قدمنا من عدم مجيء الاستحارة بمعنى الاضطراب فالأنسب أن يكون كناية عن الوقوف عن الحركة، ويكون اضطراب ثفالها كناية عن عدم تأتي الغرض المطلوب منه .
ولما نبه على فساد رأيهم أكد ذلك بالقسم البار وقال : (هذا لعمر الله الرأي السوء ) ثم أقسم باستكراهه لهم واستنكافه منهم ونفرة طبعه عن البقاء معه- إلا أن له مانعاً عن ذلك وهو قوله : (والله لولا رجائي) لقاء الله ب- (الشهادة عند لقائي العدوّ لو قدحمّ) وقدر (لي لقائه لقربت ركابي ثم شخصت عنكم ) وفارقتكم غير متأسف عليكم (فلا أطلبكم ) سجيس الليالي (ما اختلف جنوب وشمال )تبرماً من سوء صنيعتكم وقبح فعالكم ومخالفتكم لأوامري حال کونكم ، (طغانين) على النّاس (عنابين) عليهم ( حيادين) ميالين عن الحق (رواغين) عن الحرب روغ الثعلب، (وأنه لا غناء) ولا نفع ( في كثرة عددكم مع قلة اجتماع قلوبكم ) ونفاقكم (لقد حملتكم على الطريق الواضح التي لا يهلك عليها ) أي :كائناً عليها أو بسببها ( إلا هالك
من استقام ) واعتدل ولزم سلوكها (ف-) مرجعه (إلى الجنة) بنفس مطمئنة (ومن زل) وعدل عنها (ف) مصيره( إلى النار) وبئس القرار .
از جمله کلام بلاغت اسلوب آن امام است در حالتی که جمع کرده بود مردمان را و ترغیب میفرمود ایشان را بر جهاد ، پس ساکت شدند زمان درازی ، پس فرمود که :
چیست شما را؟ آیا گنگ ساخته اند شما را؟ پس گفتند طایفه از ایشان : ای مولای مؤمنان ، اگر سیر بفرمایید سیر میکنیم با تو ، کنیم با تو پس فرمود که :
چه میشود شما را؟ موفق نباشید بر راه قویم و هدایت نیابید بر طریق مستقیم، آیا در مثل این کار مختصر سزاوار است مرا که بیرون بروم به کارزار؟ جز این نیست که خارج میشود در مانند این امر مردی از کسانی که پسند من بوده باشد از دلیران شما و صاحبان قوت و شجاعت شما و سزاوار نیست مرا که ترک کنم لشکر را و شهر را و بیت المال و خراج گرفتن زمین را و حکم نمودن در میان مسلمانان و نظر کردن در حقهای طلب کنندگان حقوق را ، بعد از آن خارج شوم در طایفهای از لشگر که متابعت نمایم طایفه دیگر را ، جنبش نمایم مثل جنبش نمودن تیر بی پر در تیردان خالی از تیر و جز این نیست که من مثل قطب آسیا هستم که می گردد آن آسیا بر من و من در جای باشم ، پس هنگامی که من جدا شوم از آن، متحیّر و سرگردان شود دوران آن و مضطرب گردد سنگ زیرین آن.
این که شما میگویید قسم به خدا بدرایی است و اندیشه کج است و به خدا سوگند اگر نبود امیدواری من به شهادت در حین ملاقات دشمن اگر مقدر بشود از برای من ملاقات آن ، هر آینه نزديك مى گردانیدم شتر سواری خود را بعد از آن رحلت میکردم از شما ، پس طلب نمی کردم شما را ابداً مادامی که اختلاف
نمیکرد دارند باد جنوب و شمال در حالتی که هستید طعن نمایندگان مردمان ، عیب جویندگان ، برگردندگان از راه حق ، ترسندگان و به درستی هیچ منفعتی نیست در
كثرت عدد و شماره شما با وجود کمی اجتماع قلبهای شما ، هر آینه به تحقیق که حمل نمودم شما را بر راه روشن و آشکار که هلاک نمیشود بر آن مگر هلاك شونده گمراه ، کسی که مستقیم شد بر آن راه پس رجوع آن به سوی بهشت است و کسی که لغزید از آن راه پس بازگشت آن به سوی آتش است.
قال الشارح المحتاج إلى غفران الله تعالى ورحمته ، المتوسل إلى الله سبحانه برسول الله وعترته سلام الله عليه وعليهم ما اختلف الليل والنهار والجنوب والشمال : هذا هو المجلد الثالث من مجلدات شرح النهج، قد يسر الله إتمامه وأحسن بالخير ختامه، ويتلوه إن شاء الله سبحانه المجلد الرابع، وهذه هي النسخة الأصل التي كتبتها بيميني، والمرجو من الله سبحانه أن يبثها في صحائف الحسنات ، ويجعلها ممحاة للسيئات بفضله الواسع، وكرمه السابع ، وبمحمد وآله الطاهرين ، وكان الفراغ سلخ شهر ذي القعدة الحرام 1306 .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي هدانا إلى نهج الحق ومنهج الصواب ، والاعتصام بالعروة الوثقى والحبل المتين في المبدأ والمآب، والصلاة والسلام على من آتاه الحكم وفصل الخطاب، وبعثه ليتم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، شجرة الاصطفاء وثمرة الاجتباء شريف الحسب وكريم الأنساب، ختم الأنبياء وأنف البطحاء نخبة العرب وشامخ الألقاب، وعلى أوصيائه الذين هم أعلام التوحيد ومنار التفريد وعندهم علم الكتاب ، وأهل الذكر المسؤولون المؤيدون في كل فصل وباب ، والمعصومون المسدّدون في الشيب والشباب ، وإليهم حشر الخلائق ونشرهم وإليهم الإياب وعليهم الحساب ، وبولايتهم تقبل الأعمال وتنال الأمال ويفاز عظيم الزلفي وحسن الثواب .
یا بنی احمد ناديكم اليوم *** وأن---ت--م غ--داً ل------رة ج----واب-----ي
ألف باب أعطيتم ثم أفضی *** كل باب منها إلى ألف باب
لكم الأم مرکله والیکم *** ولديكم يؤل فصل الخطاب
لا سيما أعظم النعيم والنبأ العظيم والضراط المستقيم أبو الأئمة الأطهار الأطياب، هادي الأمم وكاشف الظلم وسيّد العرب والعجم والعبيد والأرباب ، علم الهدى وكهف الورى وطود النهى وبحر السدى وماطر السحاب ، من أحبه سعد مولده وطاب، ومن أبغضه ضل سعيه وخسر وخاب .
وبعد فهذا هو المجلد الرابع من مجلدات منهاج البراعة في شرح «نهج البلاغة» إملاء راجي عفور به الغني حبيب الله بن محمد بن هاشم الهاشمي العلوي الموسوي أعطاه الله كتابه بيمناه ، وجعل عقباه خيراً من أولاء ، وأسأله سبحانه من نواله ، أن يمن عليّ بإكماله، بجاه محمّد وآله .
فأقول : قال السيد رضي الله عنه :
تَاللهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْليغَ الرِّسالاتِ، وإِثْمامَ الْعِداتِ، وتَمامَ الْكَلِمَاتِ، وعِنْدَنَا أَهْلِ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْم، وضياءُ الأَمْرِ ، أَلا وإِنَّ شَرائِعَ الدِّينِ واحِدَةٌ ، وسُبُلَهُ قاصِدَةٌ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وغَنمَ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْها ضَلَّ ونَدِمَ، إِعْمَلُوا لِيَوْم تُذَخَرَ لَهُ الذخائِرُ ، وتبلى فيهِ السَّرائِرُ ، ومَنْ لا يَنْفَعُهُ حاضِرُ لُبه ، فَعازِبُهُ أَعْجَرُ ، وغائِبُهُ أَعْوَزُ، وَاتَّقُوا ناراً حَرَّها شَديدٌ ، وقَعْرُها بَعيدٌ ، وحِلْيَتُها حديدٌ ، وشَرابُها صديد، ألا وإنَّ اللّسانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ الله لِلمَرْءِ في النَّاسِ خَيْرٌ مِنْ مَالٍ يُورِثُهُ مَنْ لا يَحْمِدُهُ (1).
(علمت) في أكثر النسخ على صيغة المجهول من باب التفعيل ، وفي بعضها بالتخفيف على المعلوم، قال الشارح المعتزلي والزواية الأولى أحسن و (الحكم) في أكثر النسخ بالضم وسكون الكاف ، وفي بعضها بالكسر وفتح الكاف جمع الحكمة و (عزب) التي من باب قعد بعد عنى وغاب ، و (عوز) الشيء كفرح إذا لم يوجد والرجل افتقر وأعوزه الدهر أفقره.
قوله علیه السلام : ( وعندنا أهل البيت ) في أكثر النسخ بالجرّ ، وفي بعضها بالنصب، أما الثاني فعلى الاختصاص، وأما الأوّل فعلى كونه بدلاً من ضمير المتكلم كما يراه بعض علماء الأدبية أو على أنه عطف بيان كما هو الأظهر .
فإن قلت : صرح الأدبيون بأنّ عطف البيان إنّما يؤتي به لإيضاح متبوعه، ولههنا المتبوع أعرف من التابع فكيف يجوز الاتباع؟
قلت: هذا مبني على الأغلب وإلا فقد يؤتى بالبيان لقصد المدح كما قاله المحقق التفتازاني، حيث قال : فائدة عطف البيان لا تنحصر في الإيضاح لما ذكر صاحب «الكشاف» أن البيت الحرام في قوله تعالى :( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ البَيْتَ الْحَرَامَ فِيمَا لِلنَّاسِ ﴾ [المائدة : 97] ، عطف بيان جيء به للمدح لا للإيضاح كما تجيء الصفة لذلك، انتهى .
1) نهج السعادة : 146/3 ، وميزان الحكمة : 2782/4 .
وجملة (تذخر له الذخائر) مجرورة المحل على الوصف وجملة (يجعله الله) في محل
النصب على الحال أو الوصف ، وجملة (يورثه من لا يحمده ) وصفية .
اعلم أن المقصود بهذا الكلام كما يفهم من سياقه الإشارة إلى وجوب أتباعه وملازمته ، والتمسك بذيل ولايته وأتباع الطيبين من عترته وذريته ، ووجوب أخذ معالم الدين وأحكام الشرع المبين عنهم علیه السلام ، وعقبه بالأمر بأخذ الزاد ليوم المعاد، ولذلك ذكر جملة من فضائله المخصوصة به المفيدة لتقدّمه على غيره ، والدالة على وجوب تقديمه نظراً إلى قبح ترجيح المرجوح على الراجح، وغير خفي على الذكي البصير أن كلاً هذه الخصائص برهان واضح وشاهد صدق على اختصاص الخلافة والولاية بهم علیه السلام ، وعلى أنها حق لهم دون غيرهم .
وافتتح كلامه بالقسم البار تحقيقاً للمقصد فقال : ( الله لقد علمت تبليغ الرسالات ) أي : علمنيه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بتعليم من الله سبحانه ، وأعلمنيه بأمر منه تعالى لا أنه علمه بوحي كما توهمه بعض الغلات، لأن الأئمة علیه السلام محدّثون، والرسالة هو الإخبار عن مراد الله تعالى بكلامه بدون واسطة بشر، والمراد أنه علیه السلام علمه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إبلاغ ما جاء به إلى الخلق على اختلاف ألسنتهم وتعدد لغاتهم سواء كان ذلك في حال حياة الرسول كبعثه صلی الله علیه واله وسلم له علیه السلام بسورة براءة إلى أهل مكة وعزله لأبي بكر معللاً بقوله صلی الله علیه واله وسلم: أمرت أن لا يبلغها إلا أنا أو رجل منّي ، وبعثه له إلى الجن ونحو ذلك، أو بعد وفاته صلی الله علیه واله وسلم، فقد كان هو وأولاده الطاهرون سلام الله عليهم أوعية علم النبي صلی الله علیه واله وسلم وحملة سرّه وحفظة شرعه مؤدّين له إلى أمته، وكان عمدة نشر الأحكام وانتشار مسائل الحلال والحرام وانفتاح باب العلم في زمنهم علیه السلام وكانوا مأمورين بالتبليغ والانذار كما كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مأموراً بذلك .
ويشهد بذلك ما رواه الكليني والطبرسي والعياشي عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى :(و أوحى إِلَى هَذَا الْقُرْوَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَع ﴾ [الأنعام: 19] ، قال : ومن بلغ أن يكون إماماً من آل محمد صلی الله علیه واله وسلم ، فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله صلی الله علیه واله وسلم (1).
وفي «غاية المرام » عن الصدوق بإسناده عن يزيد (2)بن معاوية العجلي قال : قلت لأبي جعفر علیه السلام: إنما أنت منذر ولكلّ قوم ،هاد فقال : المنذر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وعلي الهادي، وفي
كلّ وقت وزمان إمام منا يهديهم إلى ما جاء به رسول الله صلی الله علیه واله وسلم (1).
وفيه أيضاً عن الصدوق مسنداً عن أبي هريرة قال: دخلت على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وقد نزلت هذه الآية: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الأعراف: 7]، فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: أنا المنذر ، أتعرفون الهادي؟ قلنا لا يا رسول الله ، قال صلی الله علیه واله وسلم هو خاصف النعل، فطولت الأعناق إذ خرج علينا علي عله السلام من بعض الحجر وبيده نعل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ثم التفت إلينا وقال : ألا إنه المبلغ عني والإمام بعدي وزوج ابنتي وأبو سبطي، ففخراً نحن أهل بيت أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيراً من الدنس (2)، الحديث .
وفي «البحار» عن بصائر الدرجات بإسناده عن أنس بس مالك خادم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «يا علي أنت تعلم النّاس تأويل القرآن بما لا يعلمون»، فقال علي علیه السلام :ما أبلغ رسالتك بعدك يا رسول الله ، قال : تخبر الناس بما أشكل عليهم من تأويل القرآن .
وفيه أيضاً من كشف الغمة من كتاب محمّد بن عبد الله بن سلیمان مسنداً عن أنس قال : كنت أخدم النبي صلی الله علیه واله وسلم فقال لي أنس بن مالك : يدخل علي رجل أمام المؤمنين، وسيّد المسلمين وخير الوصيين ، فضرب الباب فإذا علي بن أبي طالب علیه السلام فدخل بعرق فجعل النبي صلی الله علیه واله وسلم يمسح العرق عن وجهه ويقول : أنت تؤدّي عنّي أو تبلغ عني ، فقال : يا رسول الله أولم تبلغ رسالات ربك؟ فقال صلی الله علیه واله وسلم : بلى ولكن أنت تعلم النّاس (3).
(وإتمام العدات) أي إنجازها يحتمل أن يكون المراد بها ما وعده الله سبحانه في حقه، فقد علمه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بأن الله سيفي به بما أنزل عليه في القرآن حيث قال : (أَفَمَن وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيهِه ﴾ [القصص : 61] .
روى في «غاية المرام» عن الحسن بن أبي الحسن الديلمي بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام التالية في هذه الآية قال : الموعود عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، وعده الله أن ينتقم له من أعدائه في الدنيا، ووعده الجنّة له ولأوليائه في الآخرة (4).
ولكن الأظهر أن يراد بها العدات والعهود التي عاهد عليها الله سبحانه ، ويشهد به قوله تعالى: (وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا
تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23]. فقد روت الخاصة والعامة أنّها نزلت في علي علیه السلام وجعفر وحمزة.
روى في «غاية المرام »عن عليّ بن يونس صاحب كتاب صراط المستقيم قال : قال : روى المفسرون أنها نزلت في عليّ وحمزة، ولا ريب أنه لما قتل حمزة اختصت بعلي فأمن منه التبديل بحكم التنزيل، وروى اختصاصها بعلي علیه السلام بن عباس والصادق علیه السلام وأبو نعيم.
وفيه أيضاً عن محمد بن العباس الثقة في «تفسيره» فيما نزل في أهل البيت علیه السلام بإسناده عن جابر عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیه السلام عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال : قال علي علیه السلام: كنت عاهدت الله ورسوله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة بن الحارث على أمر وفينا به الله ورسوله، فتقدمني أصحابي وخلفت بعدهم لما أراد الله عزّ وجلّ، فأنزل الله سبحانه فينا :
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: 23] حمزة وجعفر وعبيدة وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23]. أنا المنتظر وما بدلت تبديلاً.
أو يراد بها مواعيد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم و التي وعدها للناس فقد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أنت وصيي ووارثي وقاضي ديني ومنجز عدتي، وعلمه علیه السلام كيفية أدائها ومن أين يؤديها (1).
وقد روى في «غاية المرام» ، عن محمد بن علي الحكيم الترمذي من أعيان علماء العامة في كتابه المسمى «بفتح المبين من كتاب الأوصال »قال : وروى أنّ أمير المؤمنين كرم الله وجهه قد أدّى سبعين ألفاً من دينه صلی الله علیه واله وسلم، وكان أكثره من الموعود.
وفيه أيضاً من كتاب «ثاقب المناقب » قال: حدثني شيخي أبو جعفر محمد بن حسين الشهرابي في داره بمشهد الرضا علیه السلام بإسناده إلى عطا عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قدم أبو الصمصام العيسى إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم هو وأناخ ناقته على باب المسجد ودخل وسلّم وأحسن التسليم ثم قال : أيكم الفتى الغوي الذي يزعم أنه نبي؟
فوثب إليه سلمان الفارسي «رض» فقال : يا أخا العرب أما ترى صاحب الوجه الأقمر، والجبين الأزهر ، والحوض والشفاعة ، والتواضع والسكينة، والمسألة والإجابة، والسيف والقضيب ، والتكبير والتهليل، والأقسام والقضية، والأحكام الخفية، والنور والشرف ، والعلو والرفعة، والسخاء والشجاعة والنجدة، والصلاة المفروضة والزكاة المكتوبة، والحج والإحرام، وزمزم والمقام ، والمشعر الحرام ، واليوم المشهود ، والمقام المحمود، والحوض
1) الأمالي : 450 ، وبشارة المصطفى: 101
المورود، والشفاعة الكبرى، وذلك مولانا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .
فقال الأعرابي : إن كنت نبياً فقل متي تقوم الساعة ومتى يجيء المطر وأي شيء في بطن ناقتي وأي شيء اكتسب هذا هذا ومتى أموت؟
فبقيت علیه السلام ساكتاً لا ينطق بشيء فهبط الأمين جبرائيل فقال : يا محمد اقرأ :
( إنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْتَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكِيبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِي أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِرُ ﴾ [لقمان: 34] .
قال الإعرابي: مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأقرّ أنّك رسول الله، فأي شيء عندي إن آتيك بأهلي وبني عمّي مسلمين؟ فقال له النبي صلی الله علیه واله وسلم : لك عندي ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق ، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز .
ثم التفت النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى علي بن أبي طالب علیه السلام قال صلی الله علیه واله وسلم: اكتب يا أبا الحسن : «بسم الله الرّحمن الرحيم أقرّر محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف ، وأشهد على نفسه في صحة عقله وبدنه وجواز أمره أنّ لأبي الصمصام عليه وعنده ، وفي ذمته ثمانين ناقة حمر الظهور ، بيض البطون ، سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز، وأشهد عليه جميع أصحابه .
وخرج أبو الصمصام إلى أهله فقبض النبي صلی الله علیه واله وسلم، فقدم أبو الصمصام وقد أسلم بنو عيسى كلها، فقال أبو الصمصام ما فعل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم؟ قالوا : قبض ، قال : فمن الوصي بعده؟ قالوا ما خلف فينا أحداً ، قال : فمن الخليفة بعده؟ قالوا أبو بكر فدخل أبو الصمصام المسجد فقال : يا خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إن لي على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الديناً ثمانين ناقة حمر الظهور ، بيض البطون، سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز، فقال أبو بكر : يا أخا العرب سألت ما فوق العقل ، والله ما خلف فينا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم و لا صفراء ولا بيضاء، خلف فينا بغلته الذلول، ودرعه الفاضلة فأخذها علي بن أبي طالب، وخلف فينا فدكا فأخذناها بحق ، ونبينا محمد صلی الله علیه واله وسلم لا يورث .
فصاح سلمان : کردى و نكردى وحق أمير بردى ، ردّ العمل إلى أهله، ثم مديده إلى أبي الصمصام فأقامه إلى منزل علي بن أبي طالب علیه السلام وهو يتوضأ وضوء الصلاة، فقرع سلمان الباب، فنادى عليه صلی الله علیه واله وسلم : أدخل أنت وأبو الصمصام العيسى، فقال أبو الصمصام : أعجوبة ورب الكعبة ، من هذا الذي سماني ولم يعرفني؟
فقال سلمان الفارسي «رضی الله عنه » هذا وصي رسول الله ، هذا الذي قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب، هذا الذي قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : علي خير البشر فمن رضى فقد شكر ومن أبى فقد كفر، هذا الذي قال الله تعالى فيه :
(وَجَعَلْنَا لَكُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيَّا ) [مريم: 50] .
هذا الذي قال الله تعالى فيه : (هو أفمن كان مؤمنا كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَستَونَ 18)
[السجدة : 18].
وهذا الذي قال الله تعالى فيه : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُانَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة : 19].
هذا الذي قال الله تعالى فيه : يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ من ريكَ وَإن [المائدة: 67 ] .)هذا الذي قال الله تعالى فيه : (فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلمِ [آل عمران: 61] الآية .
هذا الذي قال الله تعالى فيه : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُو تطْهِيرًا [الأحزاب: 23] .
هذا الذي قال الله عزّ وجلّ فيه : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[المائدة: 55].)أدخل يا أبا الصمصام وسلّم عليه، فدخل وسلم عليه ، ثم قال : إن لي على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ثمانين ناقة حمر الظهور بيض البطون، سود الحدق ، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز، فقال علیه السلام أمعك حجّة ؟ قال : نعم، ودفع الوثيقة فقال علیه السلام : ناد يا سلمان في الناس : ألا من أراد أن ينظر إلى قضاء دين رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فليخرج إلى خارج المدينة .فلمّا كان بالغد خرج الناس ، وقال المنافقون كيف يقضي الدين وليس معه شيء غداً يفتضح من أين له ثمانون ناقة حمر الظهور ، بيض البطون ، سود الحدق عليها من طرائف اليمن، ونقط الحجاز، فلما كان الغد اجتمع الناس وخرج علي علیه السلام في أهل بيته ومحبيه، وفي الجماعة من أصحاب رسول الله أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وأسر الحسن علیه السلام سرّاً لم يدر أحد ما هو .ثم قال : يا أبا الصمصام أمض مع ابني الحسن إلى كثيب الرمل، فمضى ومعه أبوالصمصام ، وصلى ركعتين عند الكثيب ، وكلم الأرض بكلمات لا يدري ما هي ، وضرب على الكثيب بقضيب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فانفجر الكثيب عن صخرة ململمة مكتوب عليها سطران ، على الأول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وعلى الآخر لا إله إلا الله وعلي ولي الله ، وضرب الحسن علیه السلام تلك الصخرة بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة فقال الحسن علیه السلام: قد يا با الصمصام ، فقاد فخرج منها ثمانون ناقة ، حمر الظهور، بيض البطون سود الحدق ، عليها من طرائف اليمن، ونقط الحجاز، ورجع إلى علي علیه السلام فقال علیه السلام : استوفيت حقك يا أبا
الصمصام؟ فقال : نعم ، فقال علیه السلام : سلم الوثيقة، فسلّمها إليه فخرقها فقال : هكذا أخبرني ابن عمي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إن الله عزّ وجلّ خلق هذه النوق في هذه الصخرة قبل أن يخلق ناقة صالح بألفي عام (1، ثم قال المنافقون : هذا من سحر علي قليل.)قال صاحب ثاقب المناقب : ويروي هذا الخبر على وجه آخر وهو ما روى أبو محمدالإدريسي عن حمزة بن داود الديلمي عن يعقوب بن يزيد الأنباري عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حبيب الأحول عن أبي حمزة الثمالي عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال :لما قبض النبي صلى الله عليه واله وسلم وجلس أبو بكر نادى في النّاس ألا من كان له على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عدة أو دين فليأت أبا بكر وليأت معه شاهدين ، ونادى علي علیه السلام بذلك على الإطلاق من غير طلب شاهدين ، فجاء أعرابي متلثم متقلداً سيفه متنكنا كنانته وفرسه لا يرى منه إلا حافره ، وساق الحديث ولم يذكر الاسم والقبيلة، وكان ما وعده مائة ناقة حمراء بأزمتها وأثقالها موقرة ذهباً وفضة بعبيدها .فلما ذهب سلمان بالأعرابي إلى أمير المؤمنين علیه السلام قال له حين بصر به : مرحباً بطالب عدة والده من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : فقال : ما وعد أبي يا أبا الحسن؟قال : إن أباك قدم على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : أنا رجل مطاع في قومي إن دعوتهم أجابوك، وإنّي ضعيف الحال فما تجعل لي إن دعوتهم إلى الإسلام فأسلموا فقال صلی الله علیه واله وسلم : من أمر الدنيا أم من أمر الآخرة؟ قال : وما عليك أن تجمعهما بي يا رسول الله، وقد جمعهما الله لأناس كثيرين، فتبسم النبي صلی الله علیه واله وسلم وقال : أجمع لك خير الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فأنت رفيقي في الجنة، وأمّا في الدنيا فما تريد ؟ قال : مائة ناقة حمر بأزمتها وعبيدها موقرة ذهباً وفضة، ثم قال : وإن دعوتهم فأجابوني وقضى علي الموت ولم ألقك فتدفع ذلك إلى ولدي قال : نعم على أني لا أراك ولا تراني في دار الدنيا بعد يومي هذا ، وسيجيبك قومك، فإذا حضرتك الوفاة فليصر ولدك إلى وليي من بعدي ووصيي، وقد مضى أبوك ودعا قومه فأجابوه وأمرك بالمصير إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أو إلى وصيه، وها أنا وصيه ومنجز وعده .فقال الأعرابي : صدقت يا أبا الحسن، ثم كتب علیه السلام له على خرقة بيضاء وناول الحسن علیه السلام ، وقال : يا أبا محمد سر بهذا الرجل إلى وادي العقيق وسلم على أهله وأقذف الخرقة وانتظر ساعة حتى ترى ما يفعل ، فإن دفع إليك شيء فادفعه إلى الرجل، ومضيا بالكتاب.قال ابن عباس: فسرت من حيث لم يرني أحد ، فلما أشرف الحسن علیه السلام على الوادي
1) نهج الإيمان : 644 ، وبحار الأنوار: 37/42 ح 11 .
نادى بأعلى صوته السلام عليكم أيها السكان البررة الأتقياء أنا ابن وصي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنا الحسن بن علي سبط رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وابن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ورسوله إليكم، وقد قذف الخرقة في الوادي فسمعت من الوادي صوتاً لبيك لبيك يا سبط رسول الله وابن البتول وابن سيد الأوصياء سمعنا وأطعنا أنتظر ليدفع إليك، فبينا أنا كذلك إذ ظهر غلام لم أدر من أين ظهر وبيده زمام ناقة حمراء تتبعها ستة فلم يزل يخرج غلام بعد غلام في يد كل غلام قطار حتى عددت مائة ناقة حمراء بأزمتها وأحمالها، فقال الحسن علیه السلام خذ بزمام نوقك وعبيدك ومالك وامض يرحمك الله ، (1هذا .)وقد روى : هذا الحديث بطرق أخرى من العامة والخاصة نحواً مما رويناه .وأما قوله : (وتمام الكلمات فقد فسره الشارح المعتزلي بتأويل القرآن وبيانه الذي يتم به ، قال : لأن في كلامه تعالى المجمل الذي لا يستغني عن متمم ومبين يوضحه.)أقول : إذا كان متنم القرآن ومبينه هو أمير المؤمنين علیه السلام ولم يكن الاستغناء فيه عنه علیه السلام، فكيف يمكن مع ذلك تقديم أجلاف العرب الذين لا يعرفون من القرآن إلا اسمه عليه وترجيحهم عليه، فإن القرآن هو إعجاز النبوة وأساس الملة وعماد الشريعة، فلا بد أن يكون القيم به والعارف له والحافظ الأسراره، هو الحجة لا غير كما هو غير خفي على الذكي علي ذي الفطنة .ثم أقول الذي عندي أنه يجوز أن يراد بالكلمات الكلمات القرآنية خصوصاً أعني الآيات وما تضمنته من التأويل والتنزيل والمفهوم والمنطوق والظهر والبطن والنكات والأسرار، وما فيها من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والمثل والقصص والترغيب والترهيب إلى غير ذلك، فإن تمام ذلك وكله عند أمير المؤمنين علیه السلام والعلم بجميع ذلك مخصوص به وبالطاهرين من أولاده سلام الله عليهم حسبما عرفته تفصيلاً وتحقيقاً في التذييل الثالث من تذييلات الفصل السابع عشر من فصول الخطبة الأولى.وإن يراد بها مطلق كلمات الله النازلة على الأنبياء والرسل في الكتب السماوية والصحف الإلهيّة، وقد مضى ما يدلّ على معرفتهم بتمام هذه في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الثانية عند قوله علیه السلام: (وكهف كتبه .)وأن يراد بها الأعم من هذه أيضاً، وهو الأنسب باقتضاء عموم وظيفتهم علیه السلام، فيكون المراد بها ما ورد في غير واحد من الأخبار من أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علم علياً كلمة تفتح كلمة وألف كلمة تفتح كل كلمة ألف كلمة، وعبر عنها في أخبار آخرى بلفظ الباب وفي
1) مدينة المعاجز : 535/1 ، والأنوار العلوية : 162 .
بعضها بلفظ الحديث وفي طائفة بلفظ الحرف .مثل ما رواه في «غاية المرام » عن المفيد مسنداً عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين علیه السلام قال : علم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علياً كلمة تفتح ألف كلمة، وألف كلمة تفتح كلّ كلمة ألف كلمة .وفيه عن «المفيد» أيضاً بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبيد اللهعلیه السلام قال : علم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علياً عليّاً حرفاً يفتح ألف حرف كل حرف منها يفتح ألف حرف (1.)وفيه أيضاً عن محمد بن الحسن الصفار مسنداً عن أبي حمزة الثمالي عن أبي إسحاق السبيعي قال : سمعت بعض أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام ممن يثق به يقول : سمعت عليا علیه السلام يقول : إن في صدري هذا لعلماً جماً علمنيه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لو أجد له حفظة يرعونه حق رعايته ويروونه عنّي كما يسمعونه مني إذا لأودعتهم بعضه ، يعلم به كثيراً من العلم مفتاح كلّ باب وكلّ باب يفتح ألف باب (2.)وفيه أيضاً عن محمد بن علي الحكيم الترمذي عن صاحب «الينابيع» قال: سأل قوم من اليهود عمر في زمن خلافته عن مسائل بشرط إن أجابهم أو غيره من أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم آمنوا صلی الله علیه واله وسلم به وقالوا :ما قفل السماء وما مفتاح ذلك القفل ؟ وما القبر الجاري؟ ومن الرسول الذي وعظ قومه ولم يكن من الجن ولا من الانس؟ ومن الخمسة الذين يسيرون في الأرض ولم يخلقوا في أرحام الأمهات؟ وما يقول الديك في صوته؟ والدراج في هديده؟ والقمري في هديره؟ والفرس في صهيله؟ والحمار في نهيقه؟ والضفدع في نقيقه ؟ فأطرف عمر زماناً ثم رفع رأسه قال لا أدري، فقالوا : علمنا أن دينكم باطل ، فغدا سلمان «ض » جداً وأخبر علياً بالقصة فأتى فلما رأه استقبله وعانقه وأخبره بالقصة فقال كرم الله وجهه : لا تبال فإن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم علمني ألف باب من العلم كان يتشعب منه ألف باب آخر ، قال عمر فاسألوه عنها، فقال في جوابهم:أما قفل السماء فهو الشرك، وأما مفتاح ذلك القفل فقول لا إله إلا الله محمد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، قالوا : صدق الفتى ، ثم قال : وأما القبر الجاري فهو الحوت الذي كان يونس في بطنه حيث دار في سبعة أبحر، وأما الرسول الذي لم يكن من الجن والانس فنملة سليمان كما قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل: 18] . وأما الخمسة الذين لم يخلقوا في أرحام الأمهات فآدم ، وحوا، وناقة صالح، وكبش
إبراهيم، وثعبان موسى ، وأما الديك فيقول : اذكروا الله أيها الغافلون، وأما الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى، وأما القمري فيقول : اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، وأما الفرس فيقول عند الغزو ، اللهم انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، وأما الحمار فيلعن العشار ولا ينهق إلا في وجه الشيطان ، وأما الضفدع فيقول : سبحان ربي المعبود في لجج البحار (1).
وروى أنهم كانوا ثلاثة فآمن منهم اثنان ، وقام ثالثهم فسأل عن أصحاب الكهف وعن أسمائهم وأسماء كهفهم واسم كلبهم، فأخبر بكلها علي رضي الله عنه كما رواه عنه صاحب «الكشاف» في تفسير سورة الكهف، وقص قصتهم، فآمن اليهودي.
ثم قال علیه السلام : ( وعندنا أهل البيت أبواب الحكم ) يجوز أن يراد بالحكم على رواية ضم الحاء وسكون الكاف القضاء والفصل بين الناس في الخصومات والدعاوى، وأن يراد به الحكم الشرعي الفرعي أعني خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلفين .
فعلى الأول : فالظاهر أنّ المراد بأبوابه هو طرقه ووجوهه، فإنهم علیه السلام كانوا عالمين بها عارفين بتمامها يحكمون في القضايا الشخصية على ما تقتضيه المصلحة الكامنة الظاهرية أو الواقعية .
ففي بعضها : كانوا يحكمون بظاهر الشريعة على ما يقتضيه اليمين والبيئة، وهو المراد بما روى عن النبي علیه السلام أنه قال : إنّما أنا بشر مثلكم وإنما تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون أعرف بحجته من بعض فأقضي له على نحوما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار (2).
وفي بعضها : بمر الحق على وجه التدبير واستخراج وجه الحيلة والاحتيال في أعمال الحق واستخراج الأفراد بالحقوق الباطنة بلطائف الفكر كما كان يفعله أمير المؤمنين علیه السلام في أيام خلافة عمرو غيرها كثيراً، مثل قضائه في المرأة التي استودعها رجلان وديعة، وفي التي توفي عنها زوجها وادعى بنوها أنها فجرت وفي الجارية التي افتضتها سيدتها اتهاماً ورميا لها بالفاحشة حسبما تقدم تفصيل ذلك كله في شرح الفصل الثاني من فصول الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية .
ومثل ما رواه عنه في «الفقيه» قال : قال أبو جعفر علیه السلام: توفي رجل على عهد أمير المؤمنين وخلف ابناً وعبداً فادعى كل واحد منهما أنه الابن وأن الآخر عبد له فأتيا أمير المؤمنين علیه السلام فتحاكما إليه ، فأمر أمير المؤمنين أن يثقب في حائط المسجد ثقبتان، ثم أمر كلّ
واحد منهما أن يدخل رأسه في ثقب ، ففعلا، ثم قال : يا قنبر جرد السيف، وأشار إليه لا تفعل ما آمرك به، ثم قال علیه السلام : اضرب عنق العبد قال : فنحى العبد رأسه فأخذه أمير المؤمنين علیه السلام وقال للآخر أنت الابن وقد أعتقته وجعلته مولى لك(1)
وفي بعضها : بالحكم الواقعي المحض وبه يحكم القائم من آل محمد سلام الله عليه وعليهم بعد ظهوره، وهو المعبر عنه بحكم داود وآل داود في الأخبار، فإن داود علیه السلام كان يعمل زماناً على مقتضى علمه بالوحي من دون أن يسأل عن البينة، ثمّ إن بني إسرائيل اتهموه لبعده عن طور العقل، فرجع إلى العمل بالبينات، وقد رويناه في شرح الفصل المذكور من الخطبة الشقشقية عن الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام بما تحكمون إذا حكمتم ؟ فقال : بحكم الله وحكم داود، (2)الحديث، وقد مضى ثمة أخبار أخرى بهذا المعنى .
وكان أمير المؤمنين علیه السلام يحكم بهذا الحكم أحياناً، مثل ما روى عنه في محاكمة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم مع الإعرابي.
قال في «الفقيه» : جاء أعرابي إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم فادعى عليه سبعين درهماً ثمن ناقة باعها منه، فقال صلی الله علیه واله وسلم قد أوفيتك ، فقال : اجعل بيننا وبينك رجلاً يحكم بيننا فأقبل رجل من قريش فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : احكم بيننا، فقال للأعرابي : ما تدعى على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم؟ قال : سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منه ، فقال : ما تقول يا رسول الله؟ قال: قد أوفيته، فقال للأعرابي : ما تقول؟ قال : لم يوفني، فقال الرسول الله صلی الله علیه واله وسلم: ألك بينة على أنك قد أوفيته؟ قال : لا ، قال للأعرابي : أتحلف أنك لم تستوف حقك وتأخذه؟ فقال: نعم، فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: لأتحاكمن مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم الله عزّ وجلّ، فأتى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علي بن أبي طالب علیه السلام ومعه الأعرابي فقال علي علیه السلام: يا أعرابي ما تدعي على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم؟ قال : سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منه ، فقال : ما تقول يا رسول الله ؟ فقال قد أوفينه ثمنها ، فقال : يا أعرابي أصدق رسول الله فيما قال ؟ قال : لا ، ما أوفاني شيئاً، فأخرج علي علیه السلام سيفه فضرب عنقه، فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : لم فعلت ذلك يا علي؟ فقال : يا رسول الله نحن نصدقك على أمر الله ونهيه وعلى أمر الجنة والنار والثواب والعقاب ووحي الله عزّ وجلّ ، ولا نصدقك في ثمن ناقة هذا الإعرابي! وإني قتلته لأنه كذبك لما قلت له أصدق رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيما قال ، فقال لا ما أوفاني شيئاً، فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أصبت يا علي فلا تعد إلى مثلها ، ثم التفت صلی الله علیه واله وسلم إلى القرشي وكان قد تبعه فقال صلی الله علیه واله وسلم : هذا حكم الله لا ما حکمت به (3).
وفي رواية محمّد بن بحر الشيباني عن أحمد بن الحارث قال : حدثنا أبو أيوب الكوفي قال : حدثنا إسحاق بن وهب العلاف قال : حدثنا أبو عاصم النبال عن ابن جريح عن الضحاك عن ابن عباس قال:
خرج رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من منزل عائشة فاستقبله أعرابي ومعه ناقة فقال : يا محمّد تشري هذه الناقة؟ فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم: نعم بكم تبيعها يا أعرابي ، فقال : بمأتي درهم ، فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم: بل ناقتك خير من هذا ، قال : فما زال النبي هذا قال فما زال النبي صلی الله علیه واله وسلم يزيد حتى اشترى الناقة بأربعمائة درهم ، قال : فلمّا دفع النّبي صلی الله علیه واله وسلم إلى الأعرابي الدراهم ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة فقال: الناقة ناقتي والدراهم دراهمي فإن كان لمحمد شيء فليقم البينة ، قال : فأقبل رجل فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم: أترضى بالشيخ المقبل؟ قال : نعم يا محمد ، فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم: تقضي فيما بيني وبين هذا الأعرابي فقال : تكلم يا رسول الله ، فقال النبي الله : الناقة ناقتي والدراهم دراهم الإعرابي فقال الأعرابي : بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي إن كان لمحمد شيء فليقم البينة ، فقال الرجل : القضية فيها واضحة يا رسول الله، وذلك أن الاعرابي طلب البينة، فقال له النبي صلى الله عليه واله وسلم : اجلس فجلس ، ثم أقبل رجل آخر فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم: أترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل ؟ فقال : نعم يا محمد ، فلما دنى قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: اقض فيما بيني وبين هذا الأعرابي ، فقال تكلّم يا رسول الله فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي ، فقال الأعرابي : بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي إن كان لمحمد شيء فليقم البينة، فقال الرجل : القضية فيها واضحة يا رسول الله لأنّ الأعرابي طلب البينة ، فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : اجلس حتى يأتي الله عزّ وجلّ بمن يقضي بيني وبين الأعرابي بالحق ، فأقبل علي بن أبي طالب علیه السلام ، فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم أترضي بالشاب المقبل ؟ فقال : نعم، فلما دنى قال النبي صلی الله علیه واله وسلم: يا أبا الحسن اقض فيما بيني وبين الأَعرابي فقال : تكلم يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم : الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي فقال الأعرابي، بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي إن كان لمحمد شيء فليقم البينة ، فقال علي صلی الله علیه واله وسلم: خلّ بين الناقة وبين رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، فقال الأعرابي : ما كنت بالّذي أفعل أو يقيم البيئة، قال فدخل علي علیه السلام منزله فاشتمل على قائم سيفه، ثم أتى فقال خل بين الناقة وبين رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، قال : ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البينة، قال: فضربه عليّ ضربة فاجتمع أهل الحجاز على أنه رمى برأسه ، وقال بعض أهل العراق : بل قطع عضواً منه قال فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم: ما حملك على هذا يا عليّ؟ فقال: يا رسول الله نصدقك على الوحي من السماء ولا نصدقك على أربعمائة درهم (1)، قال الصدوق (رحمت الله) بعد رواية هذين الحديثين انهما غير مختلفين لأنهما في قضيتين وكانت هذه القضية قبل القضية التي ذكرتها قبلها، هذا.
1) من لا يحضره الفقيه : 3/ 108 ، ومستدرك الوسائل : 383/17.
وقد تقدّم في شرح الكلام الثامن والخمسين ما ينفعك في هذا المقام.
وعلى الثاني : أي على كون المراد بالحكم الأحكام الشرعية، فالمراد بأبوابه هو طرق الافتاء بيان المسائل على ما تقتضيه المصلحة فيفتون بعض الناس بالحكم الواقعي ووجوه وبعضهم بالتقية حقنا لدمائهم أو لدماء السائلين حسبما تقدم تفصيل ذلك أيضاً في شرح الكلام الثامن والخمسين في «بيان وجوه التفويض»، فتذكر.
وكيف كان فقد وضح وظهر ممّا قررنا أن الأئمة علیه السلام عندهم أبواب الحكم بأي معنى أخذ الحكم وأنهم عارفون بها محيطون بأقطارها ، وهذا الوصف مخصوص بهم لا يوجد في غيرهم، لأن معرفة المصالح الكامنة لا تحصل إلا بتأييد إلهي وقوة ربانية مخصوصة بأهل العصمة والطهارة .
ولذلك أي لقصد الاختصاص والتخصيص قدم علیه السلام المسند وقال : وعندنا أبواب الحكم (وضياء الأمر) والمراد بالأمر إما الولاية كما كنى به عنها كثيراً في أخباره أهل البيت علیه السلام، وفي قوله تعالى وأولى الأمر منكم والضياء حينئذ بمعناه الحقيقي أي عندنا نور الإمامة والولاية، وأما الأوامر الشرعية فالضياء استعارة المحق لأن الحق يشبه بالنور كما أن الباطل يشبه بالظلمة قال سبحانه:
( الله ولي الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ ﴾ [البقرة: 257].
فالمقصود أن الأئمة علیه السلام عندهم حق الأوامر الشرعية والتكاليف الإلهية، وإليه أشير في قوله سبحانه :
(اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن ﴾ [النساء : 59] .
وأما مطلق الأمور المقدرة في الكون كما قال تعالى :
(تنَزَّلُ المَلتيككَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَهِم مِّن كُل أمي ﴾ [القدر: 4] .
أي تنزل إلى ولي الأمر بتفسير الأمور على ما تقدم تحقيقه بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الثانية .
ثم أنه علیه السلام بعد ما ذكر جملة من فضائله وفضائل آله الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين أردف ذلك بالإشارة إلى وجوب أتباعهم وأخذ معالم الدين عنهم علیه السلام فقال: (الأوان شرائع الدين ) وطرقه أي قواعده وقوانينه (واحدة وسبله قاصدة ) أي معتدلة مستقيمة وهي ما دل عليها
أهل بيت العصمة والطهارة، لأنهم أولياء الذين وأبواب الإيمان وأمناء الرحمن والأدلاء على الشريعة والهداة إلى السنة (من أخذ بها ) واتبع أئمة الهدى سلك الجادة الوسطى و (لحق) بالحق (وغنم) النعمة العظمي (ومن وقف عنها )وانحرف عن الصراط الأعظم والسبيل الأقوم وأخذ في أمر الدين بطرق الأقيسة ووجوه الاستحسانات العقلية، أو رجع فيه إلى الهمج الرعاع وأئمة الضلال العاملين فيه لعقولهم الفاسدة وأرائهم الكاسدة (ضل وندم)، وقد تقدم في شرح الكلام السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر ما ينفعك في هذا المقام .
ثم أمر بتحصيل الزاد ليوم المعاد فقال علیه السلام: (اعملوا ليوم تذخر له الذخائر) وهي الأعمال الصالحة (وتبلى فيه السرائر ) الغرض بالوصف إما تخصيص الموصوف أو التهويل حثاً بالعمل كما في قوله سبحانه :
(في يومي كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) [السجدة : 5] .
والجملة الثانية مأخوذة من الكتاب العزيز قال تعالى : (يوم تبلى الشرابرُ ) [الطارق : 9] أي تختبر والسرائر : ما أسر القلوب من العقائد والنيات وغيرها وما خفي من الأعمال، قال الطبرسي : والسرائر أعمال بني آدم والفرائض ما أوجبت عليه وهي سرائر في العبد تختبر تلك السرائر يوم القيامة حتى يظهر خيرها وشرها .
وعن معاذ بن جبل قال : سألت النبي ما هذه السرائر التي تبلى بها العباد يوم القيامة؟ قال علیه السلام: سرائركم هي أعمالكم من الصلاة والزكاة ، والصيام والوضوء والغسل من الجنابة وكلّ مفروض لأن الأعمال كلها سرائر خفية فإن شاء قال صليت ولم يصل، وإن شاء قال توضأت ولم يتوض، فذلك قوله : يوم تبلى السرائر ، (1)هذا .
ولما كان كمال القوة العملية لا يحصل إلا بكمال القوة النظرية أردفه بقوله : (ومن لا ينفعه حاضر لبه فعازبه ) أي بعيده (أعجز وغايبه أعوز) أي أعدم للمنفعة يعني أن من لا ينفعه ليه الحاضر وعقله الموجود فهو بعدم الانتفاع بما هو غير حاضر ولا موجود عنده من العقل أولى وأحرى.
وقيل في «تفسيره» وجوه أخرى : الأول: من لا يعتبر بلبه في حياته فأولى بأن لا ينتفع به بعد الموت ، الثاني: أن من لم يعمل بمافهم وحكم به عقله وقت إمكان العمل فأحرى أن ينتفع به بعد انقضاء وقته بل لا يورثه إلا ندامة وحسرة، الثالث: أن من لم يكن له من نفسه رادع وزاجر فمن البعيد أن ينزجر ويرتدع بعقل غيره وموعظة غيره كما قيل : وزاجر من النفس خير من عتاب العواذل .
1) تفسير مجمع البيان: 324/10 ، والتفسير الصافي : 314/5.
ولما حث بالعمل أكّده بالتحذير من النار فقال : (واتقوا نار أحرها شديد وقعرها بعيد وحليتها حديد وشرابها صديد)، لا يخفى ما في هذه الفقرة من حسن الخطابة حيث ناط بكل لفظة ما يناسبها ويلائمها لو نيطت بغيرها لم تلائم ، والإضافة في القرينة الأولى على أصلها، وفي الأخيرة لأدنى المناسبة، وفي الوسطين تحتمل الأول والثاني، واستعارة الحلية للقيود والاغلال من باب التحكم، والقرينة الأخرى مأخوذة عن قوله سبحانه: وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صدید [إبراهيم: 16] ، وهو القيح والدم، وقيل: هو ديد القيح والدّم ، وقيل : هو القيح كأنه الماء في رقته والدّم في شكله، وقيل: هو ما يسيل من جلود أهل النار وكيف كان فتوصف النار بهذه الأوصاف الأربعة للتحذير والترهيب منها كما أن في ذكر حلية أهل الجنّة وشرابهم في قوله تعالى :)﴿ وَحُلُوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان: 21] .
ترغيباً وتشويقاً إليها .
ثم قال : (ألا وإن اللسان الصالح) أي الذكر الجميل تسمية للشيء باسم مسببه ( يجعله الله للمرء في الناس خير له لا يحمده) وقد مرّ نظير هذه العبارة في الفصل الثاني من فصلي الخطبة الثالثة والعشرين، والمراد أن تحصيل مكارم الأخلاق ومحاسن لأفعال من البذل والإنفاق ونحوهما مما يوجب الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى خير من تحصيل المال وجمعه وتوريثه من لا يشكره عليه أي وارثه الذي لا يعد ذلك الإيراث فضلاً ونعمة لا يجابه العذاب الأليم والندم الطويل وهو شاهد بالعيان معلوم بالوجدان .
از جمله کلام بلاغت فرجام آن امام انام است که فرموده:
قسم به خداوند ، به تحقیق که تعلیم کرده شده ام من به رسانیدن رسالتها را و تمام کردن وعده ها را و تمامی کلمه ها را و نزد ما اهل بیت است بابهای احکام و روشنی امورات . آگاه باشید و بدانید که طرق دین یکی است و راههای آن معتدل و مستقیم است ، هر که فرا گرفت آن را رسید به مقصد و غنیمت یافت و هر که واایستاد از آن گمراه شد و به ضلالت و ندامت شتافت ، عمل نمایید از برای روزی که ذخیره کرده میشود از برای آن روز ذخیرهها و امتحان کرده میشود در آن روز عقاید صحیحه و فاسده و نیات حقه و باطله و کسی که فایده نبخشد او را
ا عقل او که حاضر است ، پس عقلی که بعید است از او عاجزتر است از نفع بخشیدن و عقلی که غایب است از آن عادم تر است منفعت را و بترسید از آتشی که گرمی آن سخت است و ته آن دور است و زینت آن آهن است و شراب آن زرد آب است . بدانید که به درستی که زبان خوشی که بگرداند او را خداوند تعالی برای مرد در میان خلق بهتر است مراو را از مالی که ارث بگذارد آن را به کسی که ستایش نکند او را به کثیر و قليل آن ؛ و لنعم ما قيل :
کسی کو شد به نام نيك مشهور *** پس از مرگش بزرگان زنده دانند
ولی آن را که بدفعل است و بدنام *** اگر چه زنده باشد مرده خوانند
و قال آخر :
سعدیا مرد نکونام نمیرد هرگز *** مرده آن است که نامش به نکویی نبرند
وقد قام إليه رجل من أصحابه فقال نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندري أي
الأمرين أرشد ، فصفق (علیه السلام) إحدى يديه على الأخرى ثم قال :
هذا جزاء مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةِ، أَما وَالله لَوْ أَنِّي حينَ أَمَرْتُكُمْ بِما أَمَرْتُكُمْ بِه حَمَلْتُكُمْ عَلَى المَكْرُوة الذي يَجْعَلُ الله فيه خيراً فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ، وإنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوْمَتُكُمْ ، وإِنْ أَبَيْتُمْ تَدارَكْتُكُمْ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى وَلكِنْ بِمَنْ وَإِلى مَنْ؟ أُريدُ أَنْ أَداوِي بِكُمْ وأَنْتُمْ دائي كَنَاقِشِ الشَّوكَةِ بِالشَّوْكَةِ وهُوَ يَعْلَمُ أَنْ ضَلَعَها مَعَها ، أَلَّهُمْ قَدْ مَلَّتْ أطباء هذَا الدّاءِ الدَّرِي، وَكَلَّتِ النَّزَعَةُ بِأَشْطانِ الرَّكِيُّ ، أَنَّنَ الْقَوْمُ الَّذينَ دُعُوا إِلَى الإسلام فَقَبِلوُهُ، وقَرَوْوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ ، وهيجُوا إلى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهُ اللقاح إِلى أَوْلادِها ، وَسَلَبُوا السَّيُوفَ أَعْمادَها ، وأَخَذُوا بِأَطْرافِ الأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً، وصَفًّا صَفًا، بَعْضَ هَلَكَ ، وبَعْضٌ نَجى، لا يُبْشَرُونَ بِالأَحْياءِ، ولا يُعَزُونَ عَنِ الْمَوْتى، مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكاءِ ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصّيام، ذُبْلُ الشَّفاءِ مِنَ الدُّعاءِ، صُفْرَ الألوانِ مِنَ السَّهَرِ، عَلي وُجُوهِهِمْ (1)غَبَرَةُ الْخاشِعِينَ ، أُولئِكَ إِخواني الذَاهِبُونَ، فَحَقُّ لَنا أَنْ نَظْمَا إِلَيْهِمْ ، ونَعضُ الأَيْدي عَلى فِراقِهِمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنّى لكُم طُرُقَهُ، ويُريدُ أَنْ يَحلَّ دينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً، ويُعْطِيكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفِرْقَة (2)فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَعاتِه ونَفَثَاتِه، وَاقْبَلُوا النَّصيحَةَ مِمَّنْ أَهْداها إِلَيْكُمْ، وَاعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ (3).
(العقدة) بالضم الرأي والحزم والنظر في المصالح وما تمسكه وتوثقه و (نقش الشوكة) إذا استخرجها من جسمه وبه سمي المنقاش الذي ينقش به ، و (الضلع) محركة الميل والهوى وضلعك مع فلان أي ميلك وهواك قال الفيروزآبادي، قيل والقياس تحريكه، لأنهم وضلع مع يقولون فلان كفرح ولكنهم خفّفوا ، انتهى . ويستفاد منه جواز القراءة بفتح (اللام) وسكونها معاً، الأول على القياس لكونه مصدر ضلع من باب فرح، والثاني على التخفيف .
و (الذاء الدوي) الشديد كقولهم يسيل السيل وشعر شاعر و (النزعة) جمع نازع كمردة ومارد وهو الذي يستقي الماء و (الأشطان) جمع الشَّطن كالأسباب والسبب وهو الجهل، و (الركي) جمع الركية وهي البئر وفي بعض النسخ : فولهوا اللقاح، بإسقاط لفظة الوله و (اللقاح) بكسر (اللام ) الابل الواحدة لقوح كصبور وهي الحلوب أو التي نتجت هي لقوح إلى شهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون . و(زحف )إليه كمنع زحفاً وزحوفاً وزحفاناً مشى، والزحف أيضاً الجيش لأنّهم يزحفون إلى العدو ويمشون و (الصف) مصدر كالتصفيف، ويقال أيضاً للقوم المصطفين .
و (المُرْهُ) بضم الميم وسكون الراء مرض في العين بترك الكحل من مرهت عينه كفرحت فسدت بترك الكحل، و (خمص البطن) مثلثة خلاه ( ذبل) الشيء ذبولاً من باب قعد قلت نضارته وذهب ماؤه، و (الظمأ) محركة شدة العطش و (سنّاه) تسنية فتحه وسهله و (الفرقة)، وفي بعض النسخ بكسر الفاء وهو الطائفة من الناس والجمع فرق كسدرة وسدر، وفي بعضها بالضم وهو إسم من فارقته مفارقته وفراقاً .
(أما) حرف استفتاح يبتدأ بها الكلام وتدخل كثيراً على القسم كما هنا، وقوله (والله لو أني) ، (لو) حرف شرط، (وإني حملتكم)، واقع موقع الشرط لكون (أن) بالفتح فاعلاً لفعل محذوف يفسره قوله : حملتكم، وهذا أعني تقدير الفعل بعد لو التي يليها أنّ هو مذهب المبرد ، وقال السيرافي : الذي عندي أنه لا يحتاج إلى تقدير الفعل، ولكن (أن) تقع نائبة عن الفعل الذي يجب وقوعه بعد (لو) لان خبران إذا فعل ينوب لفظه عن الفعل بعد لو ، فإذا قلت لو أن زيداً جائني، فكأنك قلت لو جائني زيد .
وقوله : (حين أمرتكم)، متعلق بحملتكم والتقدم للتوسع، وجواب (لو) محذوف استغناء عنه بجواب القسم وهو قوله: (لكانت الوثقى)، وإنما جعلناه جواباً للقسم دون (لو) بحكم علماء الأدبية، قال نجم الأئمة : إذا تقدّم القسم أول الكلام وبعده كلمة الشرط سواء كانت إن ، أو لو ، أو لولا ، أو اسم الشرط، فالأكثر والأولى اعتبار القسم دون الشرط فيجعل الجواب للقسم، ويستغني عن جواب الشرط لقيام جواب القسم مقامه، نحو:
(وَلَوْ أَنَّهُمْ وَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِندِ اللهِ خَيْرٌ ﴾ [البقرة: 103].
وتقول : والله إن لو جئتني لجنتك، (واللام) جواب القسم لا جواب (لو)، ولو كانت جواب (لو) لجاز حذفها ولا يجوز في مثله، وكذا تقول : والله لو جئتني ما جئتك ، ولا تقول لما جئتك ، ولو كان الجواب (للو) لجاز ذلك، انتهى
وقوله علیه السلام : (ممن وإلى من ) حذف متعلقهما بقرينة المقام وستعرفه في بيان المعنى ، وقوله (أين القوم) (أين) كلمة استفهام استعملت هنا مجازاً في التحسر والتأسف على السّلف الماضين، وهو من باب تجاهل العارف (وأغمادها) منصوب بنزع الخافض أو بدل من السيوف، (وأخذوا بأطراف الأرض)، إما من باب القلب أي أخذوا الأرض بأطرافها كما تقول : أخذوا بزمام الناقة، أو (الباء ) زائدة، أي أخذوا على الناس أطراف الأرض أي حصروهم .
(وزحفاً زحفاً وصفاً صفا)، منصوبان على الحال من فاعل أخذوا، أي زحفاً بعد زحف وصفاً بعد صف، أي ذوي صفوف كثيرة ولا يمنع جمودهما إما لعدم اشتراط الاشتقاق في الحال، أو لإمكان التأويل المشتق بناء على الاشتراط، ويجوز انتصابهما على المصدر، أي يزحفون زحفاً ويصطفون صفاً.
والتنوين في قوله : (بعض هلك وبعض نجى)، للتعويض ، أي بعضهم هلك وبعضهم نجى ، وكذلك (اللام ) في قوله : (لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون بالموتى)، وجملة (أولئك إخواني الذاهبون)، استئنافية بيانية، و(الباء) في قوله : ( ويعطيكم بالجماعة الفرقة) للمقابلة والعوض.
اعلم أن صدر هذا الكلام الشريف مسوق لدفع شبهة الخوارج، وعقبه بالتضجر
والاشتكاء منهم وبالتأسف على السلف الصالحين من رؤساء الدين، وختمه بالموعظة والنصح لهم ، وينبغي أن نذكر أولاً شبهة الخوارج، ثمّ نتبعها بما يدفعها .
فأقول : قد تقدم في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين عند ذكر كيفية التحكيم بدء أمر الخوارج، وعرفت هناك أن أول خروجهم كان بصفين بعد عقد الصلح، وذلك أن أهل الشّام لما رأوا عقيب ليلة الهرير أنّ إمارات الفتح والظفر وعلامات القهر والغلبة قد ظهرت ولاحت لأهل العراق، فعدلوا عند ذلك عن القراع إلى الخداع ، وبذلوا القتال بالاحتيال، ورفعوا المصاحف على الرماح بخديعة ابن النابغة ، ونادوا الله الله يا معشر العرب في البنات والأبناء، والذراري والنساء ، هذا كتاب الله بينكم وبيننا، فلما رأى ذلك أهل العراق وسمعوه، رفعوا أيديهم عن السيوف، وتركوا الجهاد ، وأصروا على التحكيم، وكلما منعهم أمير المؤمنين علیه السلام ونهاهم عن ذلك وح- وحثهم على الجهاد، لم يزددهم منعه إلا تقاعداً وتخاذلاً، ولما رأى تخاذلهم وقعودهم عن الحرب وإصرارهم على الصلح والمحاكمة وقولهم له : يا علي أجب القوم إلى كتاب الله وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان ، أجابهم إليه كرهاً لا رغبة ، وجبراً لا اختياراً .
ثم لما كتب صحيفة الصلح على ما تقدم تفصيلها، وقرأها أشعث بن قيس على صفوف
أهل العراق، فنادى القوم لا حكم إلا لله لا لك يا علي ولا لمعاوية، وقد كنا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالحكمين، قد بان لنا خطأنا فرجعنا إلى الله وتبنا فارجع أنت وتب إلى الله كما تبنا، فقال علي علیه السلام ويحكم أبعد الرّضا والميثاق والعهد نرجع؟ أليس الله قد قال: أوفوا بالعقود، فأبى عليّ علیه السلام أن يرجع ، وأبت الخوارج إلا تضليل الحكم والطعن فيه (1).
فمن ذلك نشأت الشبهة لهم ، واعترضوا عليه علیه السلام وقال له علیه السلام بعضهم: (نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندري أي الأمرين ارشد )محصله أنه إن كانت في الحكومة مصلحة فما معنى النهي عنها أولاً، وإن لم تكن فيها مصلحة فما معنى الأمر بها ثانياً، فلا بد من أن يكون أحد الأمرين خطأ.
ولما كان هذا الاعتراض غير وارد عليه علیه السلام ، وكان الخطأ لا منه، تغيرعلیه السلام (فصفق إحدى يديه على الأخرى ) فعل المتغير المغضب ، (ثم قال هذا جزاء من ترك العقدة) يجوز أن يكون المشار إليه بهذا الجهل والحيرة التي يدل عليها قولهم ، فما ندري أي الأمرين أرشد ، فيكون ترك العقدة منهم لا منه علیه السلام، والمعنى أن هذا التحيّر جزاءكم حيث تركتم العقدة والرأي ، والأصوب المقتضي للثبات على الحرب والبقاء على القتال، وأصررتم على إجابة أصحاب معاوية إلى المحاكمة، فوقعتم في التيه والضلال ، ويجوز إبقائه على ظاهره وهو الألصق بقوله بعد ذلك : لو حملتكم على المكروه لكانت الوثقى، فالمراد أن هذا جزائي حين تركت العقدة ، أي هذا الاعتراض مما يترتب على ترك العقدة.
فإن قلت : فعلى هذا يتجه اعتراضهم عليه حيث ترك العقدة.
قلت: لا، لأن تركه لها كان اضطراراً لا اختياراً، ولا عن فساد رأي كما يدلّ عليه صريح قوله في الخطبة الخامسة والثلاثين : وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ونخلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر ، فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة (ا ه-)، وقوله علیه السلام هنا : ( ولكن بمن وإلى من )، ومن المعلوم أن ترك الأصلح إذا لم يمكن العمل بالأصلح مما لا فساد فيه ، ولا ريب في عدم إمكان حربه علیه السلام بعد رفعهم المصاحف وافتراق أصحابه ونفاق جيشه على ما سمعت .
والحاصل أن الاعتراض إنما كان يرد عليه لو كان تركه العقدة طوعاً واختياراً لا جبراً واضطراراً، فظهر من ذلك كله أن المصلحة الكامنة كانت في النهي عن الحكومة ولما نهاهم عنها فلم ينتهوا وأصروا على المخالفة أجابهم إليها ، خوفاً من شق عصا الجماعة، وحقناً لدمه فكانت المصلحة بعد المخالفة والإصرار وظهور النفاق والافتراق في الإجابة إليها .
1) بحار الأنوار : 54532، ووقعة صفين : 514 .
وإلى هذا يشير بقوله: (أما والله لو أني حين )ما (أمرتكم بما أمرتكم به ) من المصالحة والتحكيم إجابة لكم وقبولاً لمسألتكم مع إصراركم فيها اغتراراً منكم بمكيدة ابن النابغة، وافتتاناً بخديعته، تركت الالتفات إليكم ولم أجب إلى مأمولكم (حملتكم) أي ألزمتكم (على المكروه الذي ) هو الثبات على الحرب والجد في الجهاد حيث كرهته طباعهم وتنفروا عنها بطول المدة وأكل الحرب أهلها وهو الذي (يجعل الله فيه خيراً كثيراً) وهو الظفر وسلامة العاقبة كما نطق به الكتاب العزيز حيث قال :
(كتب عليْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216] .
ثمّ لما كانت الوجوه المتصورة من أحوالهم حين حملهم على المكروه وفرض أمرهم بالجهاد ثلاثة أشار إليها وأردف كل وجه بما يترتب عليه وهو قوله :
(فإن استقمتم) وأطعتم أمري (هديتكم) إلى وجوه مصالح الحرب وطرق الظفر والغلبة، (وإن أعوججتم ) أي رفع منكم بعض الاستواء، ويسير من العصيان بقلة الجذ وفتور العزم والهمة (قومتكم ) بالتأديب والإرشاد والتحريص والتشجيع والنصح والموعظة (وإن أبيتم) وعصيتم (تداركتكم) إما بالاستنجاد بغيركم من أهل خراسان والحجاز وغيرهم من القبائل ممن كان من شيعته ، أو ببعضكم على بعض، وأما بما يراه في ذلك الوقت من المصلحة التي تحكم بها الحال الحاضرة (لكانت) العقدة (الوثقى) والخصلة المحكمة (ولكن بمن )كنت أستعين وأنتصر ( وإلى من ) كنت أركن وأعتمد .
وبذلك يعلم أنه لو حملهم على المكروه كان منهم الإباء والامتناع، والتمرد والعصيان وهو ثالث الوجوه المتصورة من حالهم وإنه حينئذٍ لا يمكن له تداركهم لأن الاستنجاد من أهل البلاد النائية من الشيعة لم يكن فيه ثمرة، لأنهم إلى أن يصلوا إليه كانت الحرب قد وضعت أوزارها ، وكان العدو قد بلغ غرضه .
والاستنجاد ببعضهم على بعض كان من قبيل ناقش الشوكة بالشوكة كما يشير إليه قوله : (أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي ) استعار لفظ الداء والدواء لفساد الأمور وصلاحها ، أي أريد أن أصلح بكم الأمور وأعالجها، وأنتم المفسدون لها ( كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضلعها) وهواها (معها) وهو مثل يضرب لمن يستعان به على خصم وكان ميله وهواه مع الخصم .
وأصله أن الشوكة إذا نشبت في عضو من أعضائك من يدك أو رجلك أو غيرهما، فإنها لا يمكن استخراجها بشوكة أخرى مثلها، فإن الأولى كما انكسرت في عضوك وبقيت في
لحمك فكذلك الثانية تنكسر ، لأن ميلها معها، والمقصود أن طباع بعضكم يشبه طباع بعض ويميل إليها كما تميل الشوكة إلى مثلها .
ثم اشتكى إلى الله سبحانه وقال : (اللهم قد ملت أطباء هذا الداء الدوى) الشديد أراد به داء الجهالة التي كانت في أصحابه وما هم عليه من مخالفته وعصيانه ، ومرض الحيرة والغفلة عن إدراك وجوه المصلحة، واستعار لفظ الأطباء لنفسه وأعوانه ، أوله ولسائر من دعا إلى الله الأنبياء والأوصياء والخلفاء، فإنّهم الأطباء الإلهيون معالجون لأسقام القلوب وأمراض الجهالات والذنوب ، وقد مضى توضيح ذلك في شرح الفصل الأول من الخطبة المائة والثامنة .
(وكلت النزعة بأشطان الزكي )أي أعيت المستقين من الآبار بالأشطان والحبال ، وهو من قبيل الاستعارة المرشحة حيث شبه نفسه بالنازع من البئر فاستعار له لفظه ، ثم قرن الاستعارة بما يلائم المستعار منه أعني الأشطان والركي، والجامع أن من يستقي من البئر العميقة لإحياء الموات الوسيعة كما يكل ويعجز عن الاستقاء ويقل تأثير استقائه فيها، فكذلك هو علیه السلام استخرج من علومه الغزيرة لإحياء القلوب الميتة وقل تأثير موعظته فيها، وعجز عن إحيائها، وقد مرّ في شرح الفصل الأول من فصول الخطبة الثالثة تشبيه علومهم علیه السلام بالماء وتأويل البئر المعطلة والقصر المشيد بهم، فالقصر مجدهم الذي لا يرتقى والبئر علمهم الذي لا ينزف .
ثمّ تأسف على السلف الماضين من رؤساء الدين كحمزة وجعفر وسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ونظرائهم وتحسّر على فقدهم فقال: (أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه) بأحسن القبول (وقرؤوا القرآن فأحكموه) أي جعلوه محكماً وأذعنوا بكونه من الله، وإن المورد له رسول الله، وتدبروا في معانيه وعملوا بمضامينه وأخذوا تأويله وتنزيله ممن نزل في بیته .
(وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها ) أي اشتاقوا إلى الجهاد اشتياق الناقة المرضعة إلى أولادها ، وعلى النسخة الثانية المتضمنة لسقط لفظ الولد فالمعنى أنهم جعلوا اللقاح والهة إلى أولادها لركوبهم إياها عند خروجهم إلى الجهاد، (وسلبوا السيوف) من (أغمادها) وجفونها أو سلبوا أغماد السيوف منها، (وأخذوا بأطراف الأرض) أي أخذوا الأرض بأطرافها وتسلطوا عليها، أو أخذوا على النّاس أطرافها وحصروهم وضيقوا عليهم، (زحفاً زحفاً وصفاً صفا) يعني حال كونهم جيشاً بعد جيش وصفا بعد صف (وبعض هلك وبعض نجي ) كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: فَمِنْهُم مِّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23] .)ثم أشار إلى انقطاع علائقهم من الدنيا بقوله : (لا يبشرون بالإحياء ولا يعزون عن
الموتى يعني إذا ولد لهم ولد فهم لا يبشرون به، وإذا مات منهم أحد فهم لا يعزّون عنه، أو أنهم لشدة ولههم إلى الجهاد لا يفرحون ببقاء حيهم حتى يبشروا به، ولا يحزنون لقتل قتيلهم حتى يعزوا عنه، وهذا هو الأظهر سيما على ما في بعض النسخ من لفظ القتلى بدل الموتى .)ثمّ أشار إلى مراتب زهدهم وخوفهم وخشيتهم من الله تعالى فقال : (مُرْهُ العيون من البكاء خمص البطون من الصيام ذبل الشفاة من الدعاء صفر الألوان من السهر أراد أنهم من شدة بكائهم من خوف الله سبحانه صارت عيونهم فاسدة ، ومن كثرة صيامهم ابتغاء لمرضاة الله صارت بطونهم ضامرة ، ومن المواظبة على الدعاء ظلت شفاههم قليلة النداوة والنظارة ، ومن المراقبة على التهجد والقيام باتت ألوانهم متغيرة مصفرة .)(عليهم غبرة الخاشعين وسيماء الخائفين، (أولئك إخواني الذاهبون فحق لنا )وخليق بنا (أن نظمأ) ونشتاق (إليهم) أسفاً عليهم (ونعض الأيدي على فراقهم) حسرة على فقدانهم.)قال الشارح المعتزلي بعد أن ذكر أن المشار إليه بأولئك من كان في بدء الإسلام وخموله وضعفه أرباب زهد وعبادة وشجاعة كمصعب بن عمير وسعد بن معاذ وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وكعمار وأبي ذر والمقداد وسلمان وخباب وجماعة من أصحاب الصفة ما هذا لفظه :وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : إن الجنّة لتشتاق إلى أربعة : علي ، وعمار ، وأبي ذر ، والمقداد (1، وجاء في الأخبار الصحيحة أيضاً أن جماعة من أصحاب الصفة مرّ بهم أبو سفيان بن حرب بعد الإسلام فعضوا أيديهم عليه وقالوا وأسفاه كيف لم تأخذ السيوف مأخذها من عنق عدو الله، وكان معه أبو بكر فقال لهم : أتقولون هذا لسيد البطحاء؟ فرفع قوله إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فأنكره وقال صلی الله علیه واله وسلم لأبي بكر : «انظر لا تكون أغضبتهم فتكون قد أغضبت ربك »(2)، فجاء أبو بكر إليهم وترضاهم سألهم أن يستغفروا له، فقالوا : غفر الله لك .)أقول : إذا كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قد أنكر ما صدر من أبي بكر في حق أهل الصفة مع أنه لم يكن بشيء يعبأ به فكيف لا ينكر ما صدر عنه في حق أمير المؤمنين من غصبه عليه الخلافة، مع أن نسبة أهل الصفة إليه ليست إلا نسبة الرعية إلى السيد والعبد إلى المولى، وإذا كان غضبهم موجباً لغضب الرب فكيف لا يوجب غضبه علیه السلام غضبه سبحانه ؟وقد قال تعالى : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة.
ثم أقول : أنظر إلى تزوير هذا اللعين كيف ترضا أهل الصفة فيما قال مع أنه لو كان ذنباً فلم يكن إلا من صغائر الذنوب وهيئات السيئات ولم يطلب الرضا من علي المرتضى فيما فعل فی حقه من الظلم والخطأ مع كونه من عظائم الجرائر وموبقات الكبائر، ولم يسأل الاستغفار من فاطمة الزهراء عليها السلام بنت خاتم الأنبياء ما فعل في حقها من الظلم والأذى، حيث غصب منها فدك وألجأها إلى الخروج من قعر بيتها إلى الملاء، وألبسها ثوب الصغار والصماء مع أن هذا كان أولى بسؤال الاستغفار فأولى.ثمّ العجب من الشارح مع روايته لهذه الأحاديث الفاضحة وحكمه بصحتها كيف يركن إلى أبي بكر ويتخذه وليّاً؟ بلى من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.ثم نبههم علیه السلام على مكائد الشيطان وتدليساته وعلى أن غرض هذا اللعين أن يصدفهم عن منهج الرشاد والسداد إلى وادي التيه والفساد فقال : (إن الشيطان يسني لكم طرقه أي يفتحها ويسهلها ويريد (أن يحل دينكم ) الذي عقدتم واحكمتموه في صدوركم (عقدة) بعد (عقدة ويعطيكم بالجماعة الفرقة ) أي يبدل اجتماعكم بالافتراق وإتفاقكم بالنفاق .)وغرضه من ذلك كما علمت أن يحيدهم عن جادة الهداية إلى طريق الضلالة فيوقع بينهم الفتنة والعداوة كما قال في بعض النسخ (وبالفرقة الفتنة - فاصدفوا أي أعرضوا (عن نزعاته) وفساداته التي يفسد بها القلوب (ونفثاته) أي وساوسه التي ينفث بها في الصدور، (وأقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم ) أراد به نفسه علیه السلام (واعقلوها على أنفسكم) أي اربطوها عليها وشدوها بها كما يعقل البعير الشموس بالعقال، ويشدّ الفرس الجموح بالوثاق .)تكملةهذا الكلام مروي في «الاحتجاج » إلى قوله : بأشطان الركي قال : احتجاجه علیه السلام على الخوارج لما حملوه على التحكيم، ثمّ أنكروا عليه ذلك ونقموا عليه أشياء غير ذلك، فأجابهم علیه السلام عن ذلك بالحجة وبين لهم أن الخطأ من قبلهم بدأ وإليهم يعود، روى أن رجلاً من أصحابه قام إليه فقال : نهيتنا عن الحكومة إلى آخر ما رواه كما في الكتاب إلا أن فيه بدل : يجعل الله خيراً، جعل الله خيراً .
### الترجمةاز جمله کلام آن پیشوای عالمیان است در آن حال که برخاست به سوی او مردی از اصحاب او، پس گفت : نهی کردی ما را از حکومت حکمین ، پس از آن امر کردی ما را به آن ، پس نمی دانیم ما که کدام یک از این دو کار بهتر است، پس برهم زد آن حضرت یکی از دو دست خود را بر دست دیگر ، پس از آن فرمود:این است جزای کسی که ترك كرده است رأی محکم و تدبیر متقن را ، آگاه باشید به خدا سوگند ، اگر من در وقتی که امر کردم شما را به آنچه امر کردم شما آن را ، حمل مینمودم بر چیزی که مکروه طبع شما بود که عبارت باشد از ثبات بر جهاد آن چنان مکروهی که میگردانید خداوند متعال در آن خیر و منفعتی را ، پس اگر مستق- اگر مستقیم میشدید هدایت میکردم شما را و اگر کجی مینمودید راست می ساختم شما را و اگر امتناع می کردید تدارك امتناع شما را می نمودم ، هر آینه شده بود کار محکم و خصلت استوار ولیکن با که معاونت می جستم و انتقام میکشیدم و به که اعتماد میکردم و خاطر جمع میشدم ، میخواهم مداوا کنم و معالجه نمایم با شما و حال آن که شما درد من هستید، هم چو کسی که بخواهد بیرون آورد خار را با خار دیگر و حال آن که میداند که میل خار به خار است.بار پروردگارا ، به تحقیق ملال آورد طبیبهای این درد سخت و عاجز شد کشندگان آب به ریسمانهای چاه ، کجایند گروهی که دعوت شدند به اسلام پس قبول کردند او را و خواندند قرآن را ، پس محکم نمودند آن را و برانگیخته شدند به سوی جهاد ، پس شوقمند شدند به آن مثل اشتیاق شتران شیرده به سوی اولاد خود و کشیدند شمشیرها را از غلافهای آنها و گرفتند اطراف زمین را بر مردمان دسته به دسته و صف به صف ، بعضی از ایشان هلاک شدند و بعضی نجات یافتند در حالتی که بشارت داده نمی شدند بر زندگان و تعزیه کرده نمی شدند بر مردگان .ایشان تباه چشمان بودند از شدت گریه و لاغر شکمان بودند از کثرت روزه ،
خشک لبان بودند از بسیاری دعا و زاری ، زردرنگان بودند از زیادتی تهجد و بیداری ، بر روی ایشان است غبارهای خشوع کنندگان ، ایشان برادران روندگان من اند ، پس سزاوار است که مشتاق شویم به سوی وصال ایشان و بگزیم انگشتان خود را بر حسرت و فراق ایشان . به درستی که شیطان ملعون سهل و آسان می گرداند برای شما راههای خود را و میخواهد که بگشاید دین شما را گره گره و بدهد شما را به عوض جمعیت جدایی را و بهواسطه جدایی فتنه و فساد را ، پس اعراض نمایید از فسادهای او و از وسوسههای او و قبول نمایید نصیحت را از کسی که هدیه کرد آن نصیحت را به سوی شما و ببندید آن نصیحت را به نفسهایخود.
## ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والأحد والعشرون من المختار في باب الخطب### اشارةقاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة فقال (علیه السلام :)أَكْلُكُمْ شَهِدَ مَعَنا صِفِّينَ؟ فقالوا : منا من شهد ومنا من لم يشهد، قال علیه السلام : فَامْتَازُوا فِرْقَتَينِ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً ومَنْ لَمْ يَشْهَدْها فِرْقَةٌ حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاً مِنْكُمْ بِكَلامِه ونادَى النَّاسَ فَقَالَ علیه السلام: أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلامِ وأَنْصِتُوا لِقَوْلي واقْبَلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ، فَمَنْ نَشَدْناهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِه فليقل يعلمه فيها .ثم كلمهم علیه السلام بكلام طويل منه :أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفع المُصاحِفِ حيلة وغيلَةً ومَكْراً وخديعة إخواننا وأَهْلُ دَعْوَتِنا اسْتَقالُونا وَاسْتَراحُوا إِلى كِتابِ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَالرَّأْيُّ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، وَالتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ؟ فَقُلْتُ لَكُمْ: هذا أَمْرٌ ظاهِرُهُ إيْمانُ، وباطِنُهُ عُدْوانٌ، وأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَآخِرُهُ نَدامَةٌ، فَأَقِيمُوا عَلى شَأْنِكُمْ، والزمُوا طَريقَتَكُمْ ، وعَضُوا عَلى الْجِهادِ بِنَواجِدِكُمْ، ولا تَلْتَفِتُوا إلى ناعِقِ نَعَقَ، إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ ، وإِنْ تُرِكَ ذَلّ، وقَدْ كانَتْ هذه الْفَعْلَةُ وقَدْ رأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوها ، والله لَئِنْ أَبيتُها مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَريضَتُها، ولا حَمْلَنِي الله ذَنْبَها ، ووَالله إِنْ جِئْتُها إِنِّي لَلْمُحِقِّ الذي يُتَّبَعُ، وَإِنَّ الكِتابَ لَمَعي ما فارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ، فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله وسلم وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ بَينَ الأَباءِ وَالأَبْناءِ وَالإِخْوانِ وَالْقَراباتِ، فَما نَزْدادُ عَلى كُلِّ مُصِيبَةٍ وشِدَّة إِلا إِيْمَاناً ومُضِيَّا عَلى الحَقِّ، وتَسْلِيماً لِلأَمْرِ وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِراح ، وَلكِنَّا إِنَّما أَصْبَحْنا نُقاتِلُ إِخواننا في الأَسْلام عَلى ما دَخَلَ فِيهِ مِنَ الرِّيغِ والإعوجاج، وَالشُّبَهَةِ وَالتَّأْوِيلِ فَإِذا طَمِعْنا في خَصْلَةٍ يَكُمُ الله بِها شَعْتَنا، ونَتَدانا بها إلى الْبَقيَّةِ فيما بيننا ، رَغِبْنا فيها ، وأَمْسَكْنَا عَمّا سِواها (1.)### اللغة(المعسكر بفتح الكاف محلّ العسكر، وعن النهاية (نشدتك )الله (والرحم) أي سألتك بالله وبالرحم ، وقال الفيومي : نشدت الضالة نشداً من باب قتل طلبتها ونشدتك الله وبالله نشدتك ذكرتك به واستعطفتك أو سألتك به مقسماً عليك ، و (الغيلة ) بالكسر الخديعة و (نفس) تنفيساً فرّج تفريجاً و (نعق) الراعي بغنمه ينعق من باب ضرب نعيقاً صاح بها وزجرها ،)
1) الاحتجاج : 1/ 275 ، وبحار الأنوار : 369/33.
(الفعلة بالفتح المرة من الفعل و (المضض) كالألم لفظ ومعنى و (جرحه) جرحاً من باب نفع والاسم الجرح بالضم والجراحة بالكسر وجمعها جراح وجراحات بالكسر أيضاً و (الخصلة) بفتح الخاء .)و (البقية قال الشارح المعتزلي : هي الإبقاء والكف ، وقال البحراني (رحمت الله) بقاء ما بقي فيما بيننا من الإسلام، وفي «البحار» والأظهر عندي أنه من الإبقاء بمعنى الرحم والإشفاق والإصلاح كما في الصحيفة: لا تبقى على من تضرّع إليها، وقال في «القاموس»: أبقيت ما بيننا أي لم أبالغ في إفساده والإسم البقية وأولو بقية ينهون عن الفساد أي إبقاء .)### الإعرابالهمزة في قوله (ألم تقولوا استفهامية للتقرير بما بعد النفي كما قاله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) [البقرة: 106]، والأظهر أنها للإنكار الإيطالي المفيدة لإثبات ما بعدها إذا دخلت على النفي، قال تعالى: أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36]، أي كاف عبده . (وحيلة وغيلة ومكراً وخديعة )، منصوبات على نزع الخافض، (وإخواننا) بالرفع خبر محذوف المبتدأ ، والجملة في محلّ النصب مقول تقولوا، (واللام) في قوله : (لئن أبيتها)، لام ابتداء جي بها تأكيداً للقسم، وجملة (ما وجبت) جواب القسم استغنى به عن جواب الشرط كما صرح به علماء الأدبية .
قال ابن الحاجب : وإذا تقدّم القسم أوّل الكلام على الشرط لزمه المضي لفظاً أو معنى، وكان الجواب للقسم لفظاً مثل والله إن أتيتني وإن لم تأتني لأكرمنك، وقال نجم الأئمة إذا تقدم القسم أول الكلام ظاهراً أو مقدراً وبعده كلمة الشرط، فالأكثر والأولى اعتبار القسم دون الشرط، فيجعل الجواب للقسم ويستغني عن جواب الشرط لقيام القسم مقامه كما في قوله تعالى: (لَنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَبِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ ﴾ [الحشر: 12] الآية، وقد تقدّم حكاية ذلك الكلام عنه في شرح الكلام السابق باختلاف يسير .
ومنه يظهر الكلام في قوله : ( والله إن جئتها أني للمحق الذي آه)، قال نجم الأئمة: جواب القسم إذا كان جملة إسمية مثبتة يصدر (بان) مشدّدة أو مخففة أو (باللام) وهذه (اللام) لام الابتداء المفيدة للتأكيد لا فرق بينها وبين (أن) إلا من حيث العمل، وإنما أجيب القسم بهما لأنهما مفيدان لتأكيد الذي لأجله جاء القسم، وقال في موضع آخر من «شرح الكافية» في تحقيق إن إن المسكورة مع جزئيها في تقدير الجملة، ولذلك دخلت (اللام) في خبرها دون المفتوحة : إعلم أن هذه اللام (لام ) الابتداء المذكورة في جواب القسم وكان حقها أن تدخل أول الكلام، ولكن لما كان معناها ومعنى (إن) سواء أعني التوكيد والتحقيق، وكلاهما حرف
ابتداء كرهوا اجتماعهما فأخروا اللام وصدّروا (إن) لكونها عاملة والعامل حتى بالتقديم على معموله وخاصة إذا كان حرفاً إذ هو ضعيف العمل (آه ) .
وجملة (يلم الله بها شعثنا )في محل الجر صفة (الخصلة)، وجملة (رغبنا) جواب (إذاطمعنا ) .
اعلم أنه قد تقدم في التذييل الثاني من شرح الخطبة السادسة والثلاثين كيفية قتال الخوارج وجملة من احتجاجاته علیه السلام معهم، وهذا الكلام أيضاً قاله للخوارج احتجاجاً عليهم (وقد خرج إلى معسكرهم). أي محل عسكرهم ومحطه (وهم مقيمون على إنكار الحكومة) عليه (فقال علیه السلام) لهم (أكلكم شهد معنا صفّين وحضرها) (فقالوا منا من شهد ومنا من لم يشهد قال علیه السلام فامتازوا) أي تفردوا (فرقتين فليكن من شهد صفين فرقة ومن لم يشهدها فرقة حتى أكلم كلا منكم بكلامه ) الذي يليق به وفيه إسكانه ورفع شبهته ، (ونادى الناس فقال امسكوا عن الكلام وأنصتوا لقولي وأقبلوا بأفئدتكم إلي ) وتدبّروا فيما أقول (فمن نشدناه) أي سألنا منه (شهادة فليقل بعلمه فيها )ولا يكتمها .
(ثم كلمه علیه السلام بكلام طويل، منه ألم تقولوا ) أي قد قلتم (عند رفع المصاحف ) بتدليس ابن العاص اللعين ( حيلة وغيلة ومكراً وخديعة) هؤلاء (إخواننا) في الدين والإسلام (وأهل دعوتنا) أي دعاهم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى الإسلام فأجابوه (استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه ) أي طلبوا منا الإقالة ورفع اليد عما كنا عليه من المحاربة والقتال، وسألوا الراحة بالرجوع إلى كتاب الله والعمل بما يقتضيه، (فالرأي القبول عنهم ) لملتمسهم (والتنفيس عنهم) لكربتهم .
(فقلت لكم ) تنبيهاً على حيلتهم وإرشاداً إلى خديعتهم وإيقاظاً لكم من نوم الغفلة والجهالة (هذا) أي رفعهم المصاحف (أمر ظاهره إيمان ) لتسليمهم ظاهراً الرجوع إلى الكتاب وإيهامهم العمل بما فيه من الأحكام (وباطنه عدوان ) إذ كان مقصودهم به الحيلة والظلم والغلبة والخديعة (وأوله رحمة) منكم لهم (وآخره) ندامة عليكم منهم .
(فأقيموا على شأنكم ) وما أنتم فيه من القتال وبراز الأبطال (والزموا طريقتكم وعضوا على الجهاد بنواجذكم) وهو كناية عن المبالغة في الثبات عليه (ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق ) أراد به معاوية أو عمرو بن العاص حيث كان رفع المصاحف بتدبيره( إن أجيب أضلّ ) من أجاب (وإن ترك ذلّ ) وخاب (وقد كانت هذه الفعلة) وهي الرضا بالحكومة (وقد رأيتكم أعطيتموها) وأقدمتم عليها .
ثم أراد رفع شبهتهم بقوله : (والله لئن أبيتها ما وجبت علي فريضتها ولا حملني الله ذنبها، ووالله إن جئتها إني للمحق الذي يتبع، وإن الكتاب لمعي ما فارقته مذ صحبته) يعني أن الحكومة على تقدير امتناعي عنها لم تكن واجبة حتى تجب عليّ فريضتها أي الأحكام الواجبة بسببها والمترتبة عليها، وما كنت مذنباً يترك الواجب، وعلى تقدير إقدامي عليها لم تكن محرّمة حتى تكونوا بإتباعكم إياي في الأقدام عليها مرتكبين للحرام، فإني أن المحق الذي أحق أن يتبع ويقتدى، وإن كتاب الله سبحانه لمعي لفظاً ومعنى لا أفارقه ولا يفارقني ، فلا أقدم على أمر مخالف للقرآن موجب للعصيان.
فإن قلت : المعلوم من حاله علیه السلام حسبما ظهر من الروايات المتقدمة في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين أنه امتنع من الحكومة أولاً وحث أصحابه على الجهاد والثبات عليه، ويدل عليه أيضاً الكلام الذي نحن بصدد شرحه، ثم لما رأى إصرارهم في الإحابة إلى أهل الشام والبناء على التحكيم رضي علیه السلام به وبنا عليه، فقد كان الأباء أولاً والأبناء ثانياً من فعله علیه السلام، وكان عالماً بذلك، فما معنى الإتيان بالشرط المنبىء عن الشك؟
قلت : إنما أتى بالشرط مع جزمه وعلمه به تجاهلاً لاقتضاء المقام التجاهل والإبهام، وذلك لأن أصحابه علیه السلام كانوا فرقتين فرقة ترى التحكيم واجباً، وهم جل أصحابه وهم الذين أشار إليهم في هذا الكلام بقوله : (الم تقولوا عند رفع المصاحف إخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم )، وفرقة تراه حراماً والإقدام عليه معصية، وهم الخوارج الذين قالوا لا حكم إلا الله ولا حكم إلا لله، فأجمل الكلام وأبهم المرام لاقتضاء المقام، وساق المعلوم مساق المجهول إسكاتاً للفريقين، فإنه لو صرّح بما يوافق رأى إحدى الفرقتين تبرأت عنه الفرقة الأخرى وانجز الأمر إلى الفساد كما مر نظيره في كلامه الذي قاله في قتل عثمان : لو أمرت به لكنت قاتلاً أو نهيت عنه لكنت عاصياً، وهو الثلاثون من المختار في باب الخطب.
ومحصل جوابه علیه السلام عن إنكارهم للتحكيم يعود إلى أنّه إمام مفترض الطاعة وأن الأمر إليه وهو ولي الأمر لو رأى المصلحة في الآباء منه كان الإباء واجباً، ولو رآها في الإجابة إليه كانت الإجابة واجبة ، وعلى التقديرين فاللازم عليهم التسليم والانقياد لا الانكار والاعتراض ، والاقتداء والمتابعة لا الرّد والامتناع .
فإن قلت: فلم أكد الكلام في جانب الآباء بتأكيدين أعني القسم واللام وفي الجانب الآخر أتى بأربع تأكيدات وهو القسم، وإن واللام وإسميّة الجملة، حيث قال: ووالله إن جئتها إنّي للمحق، بل وأكد خامساً بالوصف وقال : الذي يتبع .
قلت : النكتة في ذلك أن مخاطبته بهذا الكلام لما كانت مع الخوارج الزاعمين لكون
الإقدام على الحكومة معصية وحراماً دون الآباء، وكانوا مصرين على إنكارها استدعى المقام زيادة التأكيد ردّاً لزعم المخاطبين، وإبطالاً لإنكارهم ولهذه النكتة أيضاً أتى بالموصول تفخيماً لشأنه، وجعله وصفاً تأكيداً لحقيقته، وأكد سادساً بقوله : وإن الكتاب لمعي، إشارة إلى أنه لا يرد ولا يصدر في شيء من الأبواب بحكم الكتاب، وهذه التحقيقات في هذا المقام من لطائف البلاغة قصرت عنها أيدي الشارحين ولله الحمد .
ثم رغب علیه السلام في التأسي بالسلف الماضين من خيار الصحابة بقوله: (فلقد كنا مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وإن القتل ليدور بين الآباء والأبناء والإخوان والقرابات فما نزداد على كلّ مصيبة وشدّة ) أصابتنا وابتلينا بها (إلا إيماناً ومضياً إلى الحق وتسليماً للأمر )ورضاً بالقضاء (وصبراً على مضض الجراح ) أي وجع الجراحات وألمها ، وقد تقدّم نظير هذه الفقرات منه علیه السلام في الكلام الخامس والخمسين .
ومحصله أنا إذا قاتلنا بين يدي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كنا له مسلمين ولأمره مطيعين ومنقادين، ولا يزداد ما نزل بنا من المصائب إلا نوراً وإيماناً ، وتسليماً وإذعاناً، فلا بد لكم أن تكونوا كذلك، وأن تردّوا الأمر إلى ولي الأمر، ولا تكونوا له مخالفين، وعن حكمه متمردين.
ثمّ أكّد إبطال إنكارهم للحكومة بقوله : (ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام) أراد به أهل الشام ، وإطلاق المسلم عليهم لإقرارهم ظاهراً بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وإن كانوا محكومين بكفرهم ليغيهم على الإمام المفترض الطاعة يعني أنا إنما قاتلناهم (على ما دخل فيه )أي الإسلام منهم (من الزّيغ ) أي العدول عن الحق (والاعوجاج) عن الصراط المستقيم (والشبهة) في الدين (والتأويل) للكتاب المبين .
(فإذا طمعنا في خصلة ) أراد بها الحكومة (یلم الله به شعثنا ) أي يجمع الله بها تفرّقنا وانتشار أمورنا (ونتدانا بها إلى البقية فيما بيننا) أي نتقرب بتلك الخصلة إلى الإصلاح والإشفاق والرّحم وترك الفساد فيما بيننا (رغبنا فيها وأمسكنا عما
سواها ) .
وحاصله أن مقصودنا بالذات من قتال هؤلاء لم يكن محض استئصال النفوس وإراقة الدماء بهوى الأنفس والعناد، وإنما المقصود إرجاعهم عن الضلال إلى الهدى ، ومن الفساد إلى الرّشاد، فإذا رجونا حصول ذلك الغرض وإمكان التوسل إليه بالحكومة لا بد لنا من المصير إليها والكف عن إراقة الدماء كما نبه علیه السلام على ذلك في كلامه الرابع والخمسين بقوله : فوالله ما وقعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة لتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها .
تنبیه
قد أسقط في أكثر نسخ الكتاب قوله : (وقد كانت هذه الفعلة )، إلى قوله : (مذ صحبته) ومن جملة تلك النسخ نسخة الشارح المعتزلي قال في الشرح : هذا الكلام ليس يتلو بعضه بعضاً ولكنه ثلاثة فصول لا تلتصق أحدها بالأخرى، وهذه عادة الرضى ينتخب من جملة الخطبة الطويلة كلمات فصيحة يوردها على سبيل التتالي وليست متتالية حين تكلّم بها صاحبها، آخر الفصل الأول قوله : وإن ترك ذل، وآخر الفصل الثاني قوله : (على مضض الجراح )، والفصل الثالث ينتهي إلى آخر الكلام ، هذا.
وروى ذلك الكلام له علیه السلام في «الاحتجاج » عن قوله : (ألم تقولوا)، إلى آخر الكلام مثل ما في أكثر النسخ بإسقاط ما سقط إلا أن فيه بدل قوله (على شأنكم) (على نياتكم) (ولا تلتفتوا إلى ناعق في الفتنة نعق إن أجيب أضل وإن ترك أذل)، والله العالم.
از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است که گفته است آن را به خوارج نهروان در حالتی که بیرون رفته بود به سوی لشگرگاه ایشان و ایشان ایستاده بودند بر انکار حکومت حکمین ، پس فرمود :
آیا همه شما حاضر بودید با ما در صفین؟ پس بودید با ما در صفین؟ پس :گفتند بعضی از ما حاضر شد بود و بعضی از ما حاضر نشده بود ، فرمود : پس جدا شوید از یکدیگر به دو فرقه ، پس باید باشد کسانی که حاضر صفّین شده بودند يك فرقه و جماعتی که حاضر نبودند در آن معركه كه يك فرقه دیگر تا آن که تکلّم بکنم با هر فرقه از شما به کلامی که لایق حال او باشد و صدا کرد مردمان را، پس فرمود که :
باز ایستید از حرف زدن و ساکت شوید از برای شنیدن قول من و متوجه باشید با قلبهای خودتان به سوی من ، پس هر کسی که طلب کنم از آن شهادتی را، پس باید که بگوید به مقتضای علم خود در آن شهادت .
بعد از آن تکلّم فرمود با ایشان به کلام دراز؛ از جمله آن کلام این است که گفت :
آیا نگفتید شما در هنگام برداشتن ایشان مصحفها را از روی حیله گری و تباه کاری و مکاری و فریفتن که : ایشان برادران مایند و کسانی هستند که دعوت شده اند به اسلام و قبول کرده اند ، طلب کردهاند از ما اقاله و فسخ گذشته ها را و راحت جستند به سوی کتاب خدا ، پس رأی صواب این است که قبول خواهش ایشان را بکنیم و غم و اندوه ایشان را برطرف سازیم ، پس گفتم شما را که این کارشان کاری است که ظاهر آن ایمان است و باطن آن نفاق و عدوان و اول آن ترحم است از شما به ایشان و آخر آن ندامت است و خسران ، اقامت نمایید بر کار خودتان که عبارت است از محاربه دشمنان و ثابت قدم بشوید بر راه خود و بگزید بر بالای جهاد به دندانها و التفات نکنید به سوی صداکننده که صدا کرد، یعنی معاویه ، اگر جواب داده شود آن صدا کننده به ضلالت افکند جواب دهنده خود را و اگر ترك كرده شود ، یعنی جوابش را ندهند خوار و ذلیل گردد.
و به تحقیق که شد این یک کار یعنی رضای شما به حکومت حکمین و به
تحقیق دیدم شما را که عطا کردید آن را و اقدام نمودید به آن ، به خدا سوگند هر آینه اگر من امتناع میکردم از آن ، واجب نمیشد بر من واجبات آن و بار نمی کرد بر من خداوند گناه آن را و به خدا سوگند اگر میآمدم به سوی آن ، به درستی و به تحقیق که منم محق و درستکار که تبعیت کرده میشوم و به درستی کتاب عزیز
خدا با من است که جدا نشده ام من از آن از زمانی که مصاحب او شده ام.
پس به تحقیق که بودیم با حضرت رسول مختار صلوات الله علیه و آله در حالتی که کشتن دوران میکرد در میان پدران و پسران و برادران و خویشان ، پس زیاده نمی کردیم ما بر بالای بالای هر محنت و شدتی مگر ایمان را به خدا و گذشتن بر حق و منقاد شدن بر امر و صبر کردن بر سوزش جراحتها ولكن ما غیر از این نیست که گشتیم مقاتله کنیم با برادران اسلامی خود بر آن چه داخل شده است در اسلام از جانب ایشان از لغزش و گمراهی و اشتباه و تأویل باطل، پس زمانی که طمع کردیم در خصلتی که جمع کند خداوند متعال به سبب آن خصلت پراکندگی ما را و تقرب کنیم با یکدیگر به جهت آن خصلت به سوی مهربانی و شفقت در میان ما ، رغبت میکنیم در آن خصلت و دست برداریم از غیر آن.
قاله للأصحاب في ساعة الحرب .
وَأَيُّ امْرِءٍ مِنْكُمْ أَحَسٌ مِنْ نَفْسِه رباطة جأش عِنْدَ اللقاء، ورأى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوانِه فَشَلاً، فَلْيَذُبْ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتي فُضْلَ بِها عَلَيْهِ كَما يَذُبُ عَنْ نَفْسِه، فَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ ، إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثُ ، لا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، ولا يُعْجِزُهُ الْهارِبُ، إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ، وَالَّذي نَفْسُ ابْنُ أَبي طالب بِيَدِه لألفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مَيْتَةٍ عَلَى الفِراش (1).
(ربطه) يربطه من بابي نصر وضرب شده ، قال الفيروز آبادي ورابط الجأش وربيطه شجاع وربط جاشه رباطه بالكسر أشدّ قلبه والله على قلبه الهمه الصبر وقواه و (النجدة) الشجاعة قال الشارح المعتزلي (الميتة) بالكسر هيئة الموت كالجلسة والركبة هيئة الجالس والراكب يقال مات فلان ميتة حسنة قال : والمروي في «نهج البلاغة » بالكسر في أكثر الروايات، وقد روى من موتة، وهو الأليق يعني المرة الواحدة ليقع في مقابل الألف.
(أني) شرطية مرفوعة على الابتداء ، وجملة (أحسن) خبر ، وجملة (فليذب) جواب
والباقي واضح .
اعلم أن هذا الكلام (قاله علیه السلام للأصحاب في ساعة الحرب) ولم أظفر بعد على أنه أي حرب ، والمقصود به أمرهم بقضاء حق الأخوة ورعاية شرائط المواساة والمحبة والذب عن إخوانهم المسلمين وحماية بيضة الإسلام وحوزة الدّين .
قال علیه السلام: (وأي امرء منكم أحسَ) أي علم ووجد (من نفسه رباطة جأش )وقوة قلب (عند اللقاء) أي عند القتال ولقاء الأبطال (ورأى من أحد من إخوانه) المؤمنين (فشلاً) وجنباً
1) عيون الحكم والموعظ: 154 ، وبحار الأنوار : 18932
(فليذب) أي ليدفع المكروه عن أخيه بفضل نجدته وشجاعته (التي فضل) أي فضله الله (بها عليه كما يذب) ويدفع (عن نفسه) بنهاية الاهتمام والجد ، (فلو شاء الله لجعله مثله )أي لجعل أخاه الجبان شجاعاً مثله ، وحيث آثره بتلك النعمة وتفرد بهذه الفضيلة واختص بها ولم يجعل أخوه مثله فلا بد له من القيام بوظائف النعم والتشكر بالدفع عن الآخر .
وذلك (أن الموت طالب )للإنسان ( حثيث) أي سريع في طلبه (لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب )يعني لا يخلص منه الراضي به المقيم له ، ولا ينجو منه الساخط له الهارب عنه، ومع ذلك فلا ينبغي للعاقل أن يختار الفرار على القرار، ويؤثر البقاء على اللقاء، مع إيجابه العارفي الأعقاب، والنار يوم الحساب وأيضاً قال :( إن أكرم الموت القتل )موجب للذكر الجميل في الدنيا والأجر الجزيل في العقبى، ومع ذلك فلا يجوز للبصير تفويت هذا النفع الكثير على نفسه والإقدام على الموت بحتف أنفه قال الشاعر :
وإن تكن الأبدان للموت أنشئت *** فقتل امرء والله بالسيف أفضل
ثم حاول علیه السلام تحريص أصحابه وتحريضهم على الجهاد والثبات عليه ، وجعل طباعهم مناسبة لطبيعته فقال : (والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي ) وأسهل (من ميتة على الفراش ).
فإن قلت : حلفه ذلك هل هو على الحقيقة أو من باب المجاز والمبالغة ترغيباً لأصحابه في الجهاد؟
قلت : بل هو على حقيقته ، لأنه لفرط محبته في الله ومنتهى شوقه إلى الله وغاية رغبته في ابتغاء مرضات الله سبحانه كان في أعلى مراتب الفناء في الله والبقاء بالله، فارغاً عن نفسه في جنب مولاه ، ذلك الحال لا تأثير فيه لضربات السيوف وطعنات الرماح البته .
ومع ويشهد بذلك ما رواه غير واحد من أنه علیه السلام قد أصابت رجله الشريف نشابة في غزوة صفّين ولم يطق الجراحون إخراجها من رجله لاستحكامها فيه ، فلما قام إلى الصلاة أخرجوها حين كونه في السجدة، فلما فرغ من الصلاة علم بإخراجها وحلف أنه لم يحس ذلك أصلاً.
ويؤيد ذلك ما عن عن الخرائج مسنداً عن أبي جعفر علیه السلام قال الحسين علیه السلام قبل أن يقتل إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : يا بني إنك ستساق إلى العراق وهي أرض قد التقى بها النبيون وأوصياء النبيين، وهي أرض تدعى غموراً وأنك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم من الحديد، وتلى صلی الله علیه واله وسلم :يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، تكون الحرب عليك وعليهم سلما (1)، الحديث .
1) الخرائج والجرائح : 848/2 63 ، ومعجم أحاديث الإمام المهدي (عجل الله نعالی فرجه الشریف) : 114/5 ج 1537 .
وجه التأييد أن أصحاب الحسين علیه السلام مع كونهم من أدنى عبيد أمير المؤمنين إذا لم يجدوا ألم الحديد بما فيهم من المحبّة والشوق إلى لقاء الحق، فكيف به علیه السلام مع خوضه في بحار المعرفة وكماله في مقام المحبّة .
هذا كله على ما في أكثر النسخ من رواية كلامه علیه السلام كما أوردنا، وفي نسخة الشارح المعتزلي هكذا : لألف ضربة بالسيف أهون من ميتة على فراش في غير طاعة الله، وعليه فلا إشكال أصلاً لأن ألم السيوف دنيوي، والميتة على الفراش بغير الطاعة معقبة للألم الأخروي، والأوّل أهون وأسهل من الثاني لا محالة ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى .
والعجب من الشارح أنه حمل ذلك على المجاز والمبالغة حيث قال ، بعد إيراد كلامه علیه السلام على ما حكينا من نسخته : الواجب أن يحمل كلامه إما على جهة التحريض فيكون قد بالغ كعادة العرب والخطباء في المبالغات المجازية، وإما أن يكون أقسم على أنه يعتقد ذلك وهو صادق فيما أقسم لأنه هكذا كان يعتقد بناء على ما هو مركوز في طبعه من محبة القتال وكراهية الموت على الفراش (1)، انتهى . وفيه ما فيه .
1) شرح النهج : 302/7 .
از جمله کلام آن حضرت است که فرموده آن را به اصحاب خود در ساعت جنگ :
و هر مردی از شما که احساس کند و بفهمد از نفس خود قوت قلب را هنگام ملاقات اعداء و ببیند از یکی از برادران خود ترس و جبن را ، پس باید که دفع نماید از برادر خود به زیادتی شجاعت خود که تفضیل داده شده به آن شجاعت به برادر خود هم چنان که دفع میکند از نفس خود ، پس اگر می خواست خداوند تعالى هر آینه می گردانید او را در شجاعت مثل آن ، به درستی که مرگ طلب کننده است شتابان که فوت نمی شود از او اقامت کننده و عاجز نمیکند او را گریزنده ، به درستی که گرامی ترین مرگ کشته شدن است ، به حق آن کسی که جان پسر أبي طالب به ید قدرت او است هر آینه هزار ضربت با شمشیر سهل و آسان تر است بر من از مردن بر روی بستر .
وكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُونَ كَشيش الضباب، لا تَأْخُذُونَ حَقًّا، ولا تَمْنَعُونَ ضَيْماً، قد خليتُمُ والطريق، فَالنَّجاةُ لِلمُقْتَحِم ، وَالْهَلَكَةُ لِلْمُتَلوم (1).
(کششت) الأفعى كشيشاً من باب ضرب إذا صاتت جلدها لا من فمها قال الشارح المعتزلي : الكشيش الصوت يشوبه خور مثل الخشخشة قال الراجز :
كشيش أفعى أجمعت بعض *** فهي تحك بعضها ببعض
وعن «النهاية» كشيش الأفعى صوت جلدها إذا تحركت، وقد كشت تکش وليس سوت فمها لأنّ ذلك فحيحها ، و (الضب) دابة برية وجمعه ضباب بالكسر كسهم وسهام.
جملة (لا تأخذون) (آه) في محل النصب على الحال من فاعل (تكشون)، (والطريق)
منصوب على المفعول معه .
اعلم أن المستفاد من بعض نسخ النهج أن هذا الكلام ، وكذلك الكلام الآتي كليهما من فصول الكلام السابق، حيث إن العنوان فيه في كلّ منهما بلفظ منه، وفي بعضها عنوان ذلك بلفظ منه ، وعنوان ما يتلوه بلفظ ومن كلامه له علیه السلام، وفي نسخة ثالثة العنوان في كل منهما بلفظ منها، والظاهر أنه سهو من النساخ لأن العنوان فيما سبق حسبما عرفت بلفظ ومن كلام له علیه السلام فلا يناسبه إرجاع الضمير المؤنث إليه.
ولعل الأظهر أن كلا منها كلام مستقل لعدم ارتباط أحدها بالآخر، حيث إن الكلام السابق حسبما عرفت قاله للأصحاب في ساعة الحرب للتحريض والتشجيع وهذا الكلام كما ترى وارد في مقام التوبيخ والتقريع لهم، والكلام الآتي وارد في مقام تعليم رسوم الحرب،
1) بحار الأنوار: 455/33 ، وبحار الأنوار : 40/97
فلا مناسبة لأحدها مع الآخر لو لم يكن الوسط مضاداً لهما ، اللهم إلا أن يكون السيد (رحمت الله) قد أسقط ما يوجب الائتلاف والارتباط على ما جرت عليه عادته في الاسقاط الكتاب من والالتقاط ، وبعض فقرات هذا الكلام تأتي في «رواية الإرشاد»، وهو أيضاً يخيل كونه كلاماً مستقلاً، وستطلع في شرح الكلام الآتي ما يفيد استقلاله أيضاً .
وكيف كان فقد قال علیه السلام لأصحابه (وكأني أنظر إليكم ) بما فيكم من الجبن والفشل (تكشون كشيش الضباب) المجتمعة يعني أن أصواتكم غمغمة بينكم من الهلع الذي قد اعتراكم، فهي أشبه شيء بأصوات الضباب ، أو المراد بيان حالهم في الازدحام والهزيمة (لا تأخذون) الله (حقاً ولا تمنعون ضيما) وذلاً (قد خليتم والطريق) أي طريق الآخرة (فالنجاة للمقتحم والهلكة للمتلوم ) أي النجاة في الدنيا من العار وفي الآخرة من النار للداخل في الجهاد والمقدم عليه، والهلاك الدائم للمتوقف عن القتال المتثبّط فيه، أو أن النجاة من سيف الأعداء للمطرق المقدم، لأنه مع إقدامه وتجلّده يرتاع له خصمه وتنخذل عنه نفسه والهلاك بسيف الأعداء للمتثبط المتلوّم لأن نفس خصمه تقوى عليه وطمعه يزداد فيه كما هو مشاهد بالعيان وتشهد به التجربة والوجدان وفي هذا المعنى قال:
ذق الموت إن شئت العلى وأطعم الردى *** قتيل الأماني بالمنية مكتوب
خض الحتف تأمن خطة الخسف إنما *** يبوح ضرام الخطب والخطب مشيوب
يشبه أن يكون هذا الكلام ملتقطاً من كلام له علیه السلام رواه في «البحار» من الإرشاد قال : من كلامه صلوات الله عليه في هذا المعنى بعد حمد الله والثناء عليه :
«ما أظن هؤلاء القوم، يعني أهل الشام إلا ظاهرين عليكم، فقالوا له: بماذا يا أمير المؤمنين؟ فقال علیه السلام: أرى أمورهم قد علت ، ونيرانكم قد خبت ، وأراهم جادين، وأراكم وانين ، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرقين ، وأراهم لصاحبهم مطيعين ، وأراكم لي عاصين ، أم والله لئن ظهروا عليكم لتجدنهم أرباب سوء من بعدي لكم، لكأني أنظر إليهم، وقد شاركوكم في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم فيئكم، وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب، ولا تأخذون حقاً، ولا تمنعون الله من حرمة، وكأني أنظر إليهم يقتلون صالحيكم، ويحيفون(1)قراءكم، ويحرمونكم، ويحجبونكم، ويدنون الناس دونكم . فلو قد رأيتم الحرمان والأثرة ووقع السيوف ونزول الخوف، لقد ندمتم وحسرتم على تفريقكم في جهادكم وتذاكرتم ما أنتم فيه اليوم من الحفض والعافية حين لا ينفعكم التذكار (2).
از جمله کلام آن امام انام است که فرمود :
گویا نظر میکنم کنم به سوی شما که آواز میکنید در ازدحام نمودن به هزیمت و فرار هم چو آواز نمودن پوست های سوسمار که بر هم خورند در رفتار ، در حالتی که اخذ نمیکنید به جهت خدا حقی را و منع نمی کنید ذلّتی را ، به تحقیق که رها شده اید با طریق آخرت ، پس نجات مر کسی را است که داخل شود بدون تأمل در قتال و جهاد و هلاکت مرکسی را است که توقف کند از محاربه اعداء.
قاله للأصحاب في صفين، وقد رواه غير واحد باختلاف تعرفه إن شاء الله .
فَقَدِّمُوا الدّارِعَ ، وأخرُوا الْحاسِرَ ، وعَضُوا عَلى الأَصْراسِ فَأَنَّهُ أَنبا للسيوف عن الهام، وَالْتَوُوا فِي أَطْرافِ الرِّماحِ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلأَسِنَةِ، وغُضُّوا الأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ للجاشِ وَأَسْكَنُ لِلقُلوبِ ، وأَميتُوا الأَصْواتُ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلفَشَلِ، ورايَتَكُمْ فَلا تَميلوها ولا تُخَلوها ولا تَجْعَلُوها إِلا بِأَيْدي شَجْعَانِكُمْ وَالْمانِعَينَ الذّمارَ مِنْكُمْ، فَإِنَ الصّابِرينَ عَلى نُزُولِ الْحَقائقِ هُمُ الَّذِينَ يَحِفُونَ بِرايَاتِهِمْ ويَكْتَنِفُونَها حِفافَيْها ووراءها وأمامها، لا يَتَأْخَرُونَ عَنْها فَيُسْلِمُوها، ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْها فَيُفْرِدُوها ، أَجْزَأَ امْرَزْ قِرْنَهُ، وآسى أَخاهُ بِنَفْسِه، ولَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلى أَخِيهِ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ قرْنُهُ وقِرْنَ أَخيهِ، وأَيْمُ اللهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعاجِلَةِ لا تَسْلَمُوا مِنْ سَيفِ الآخِرَةِ، وأَنْتُمْ لَهاميمُ الْعَرَبِ ، وَالسَّنامُ الأَعْظَم، إِنَّ فِي الْفِرارِ مُوجِدَةَ الله وَالذُّلَّ اللازم، وَالْعارَ الْباقي، وإِن الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ في عُمْرِه ، ولا مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وبَينَ يَوْمِهِ ، مَنْ رائِحٌ إِلَى اللَّهِ كَالظَّمَآنِ يَرِدُ الْمَاءَ ، الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرافِ العوالي ، الْيَوْمَ تُبْلَى الأَخْبارُ ، وَالله لأنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيارِهِمْ ، أَللَّهُمْ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَانضَضْ جَمَاعَتَهُمْ ، وشَتْتْ كَلِمَتَهُمْ ، وأبسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ، إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَواقِفِهِمْ دُونَ طَعْنِ دِرَاكِ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسيمُ ، وضَرْبٍ يُفْلِقُ الْهام، ويُطيحُ الْعِظَامَ، ويُنْدِرُ السَّواعِدَ وَالأقدامَ ، وحَتَّى يُرْمُوا بِالْمَناسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَناسِرُ ، ويُرْجَمُوا بِالْكَتائِبِ، تَقْفُوهَا الحلائِبُ ، وحَتَّى يَجُرَّ بِلادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ وحَتَّى تَدْعَقَ الْخُبُولُ فِي نَواحِرِ أَرْضِهِمْ، وبأعْنانِ مَسارِيهِمْ ومَسارِجهمْ (1).
قال السيد (رحمت الله ) : (الدعق) ، (الدق)، أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم، ونواحر أرضهم، متقابلاتها يقال : منازل بني فلان تتناحر أي تتقابل .
(الدارع) لابس الدرع و الحاسر) الذي لا درع عليه ولا مغفر و (نبا) السيف، عن الضريبة كلّ عنها وارتد ولم يمض ، و (التوى) انعطف و (المور) التحريك والاضطراب قال
1) وسائل الشيعة : 61/15 ، والإرشاد: 268/1
تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور (9] ، و (الذمار ) بالكسر ما يلزمك حفظه وحمايته، وعن الجوهري فلان حامي الذمار أي إذا ذمر وغضب حمى، وفي شرح المعتزلي الذمار ما وراء الرّجل مما يحق عليه أن يحميه وسمّى ذماراً لأنه يجب على أهله التذمّر له أي الغضب .
و (الحقائق) جمع الحقيقة بمعنى ما يحق للزجل أن يحميه ، أو بمعنى الراية كما ذكره في «القاموس» وحكى عن الصحاح، وقال الشارح المعتزلي وتبعه غيره أن الحقائق جمع حاقة وهي الأمر الصعب الشديد ، ومنه قوله تعالى : (الحَاقَّةُ مَا الْحَافَةُ ﴾ [الحاقة : 1 -2 ] . يعني الساعة، وفي كونه جمعاً لها نظر .
و (الحفاف) وزان كتاب الجانب، وفي (امرو) ثلاث لغات : فتح الراء دائماً وضمها دائماً، واختلافها باختلاف حركة الآخر، تقول: هذا امرؤٌ ورأيت امرءاً ومررت بامرء و (القرن) بالكسر كفوك في الشجاعة أو عام لكل كفو، و (آس) اخاه بالهمزة أي جعله اسوة لنفسه ويجوز وأسيت زيداً بالواو وهي لغة ضعيفة ،و (اللهاميم) جمع اللهموم بالضم كعنقود وعناقيد الجواد من الناس والخيل ، و (سنام) الإبل معروف و (الموجدة) الغضب والسخط ، وفي بعض النسخ (والذل اللاذم ) بالذال المعجمة أيضاً بمعنى اللازم بالزاء يقال : لذمت المكان أي لزمته، و (العوالي) جمع العالية وهي أعلى القناة أو رأسها أو نصفها الذي يلي السنان.
و (تبلى الأخبار) هنا بالباء الموحدة، وفي بعض النسخ بالياء المثناة التحتانية و (أبسلته) أسلمته إلى الهلكة و( النسيم) الريح اللينة، وفي بعض النسخ النسم أي طعن بخرق الجوف بحيث يتنفّس المطعون من الطعنة ، وروى (القشم) بالقاف والشين المعجمة وهو اللحم والشحم و (فلقت ) الشيء أفلقه بكسر اللام فلقاً شفقته ،و (المناسر) جمع المنسر بفتح الميم وكسر السين وبالعكس أيضاً قطعة من الجيش تكون أمام الجيش الأعظم.
و (الحلائب) بالحاء المهملة جمع حليبة وهي الطائفة المجتمعة من حلب القوم حلبا من باب نصر أي اجتمعوا من كل وجه ، ويقال احلبوا إذا جاؤوا من كل أوب للنصرة، و (الخميس) الجيش لأنه خمس فرق : المقدّمة، والقلب والميمنة والميسرة، والسارقة و (المسارب) و (المسارح) جمع المسربة والمسرح وهو المرعى.
قال الشارح المعتزلي : (ونواحر أرضهم ) قد فسره الرضى ويمكن أن يفسر بأمر آخر، وهو أن يريدأقصى أرضهم وآخرها من قولهم لآخر ليلة في الشهر ناحرة والمسارب ما فيه المال الراعي ، والمسارح ما يسرح فيه والفرق بين سرح وسرب أن السروح إنما يكون في أول النهار ، وليس ذلك بشرط في السروب.
جملة ( لا يتأخرون عنها) (آه) ، بدل من جملة (يكتنفونها ) كما في قوله تعالى :
(وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا )(يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ ﴾ [الفرقان: 69]
وقوله : (أجزأ امرو قرنه) (آه)، قال الشارح المعتزلي : من الناس من يجعل هذه الصيغة وهِي صيغة الأخبار بالفعل الماضي في معنى الأمر كأنه قال ليجزى كل امرؤ قرنه لأنه إذا جاز الأمر بصيغة الأخبار في المستقبل جاز الأمر بصيغة الماضي، وقد جاز الأول نحو قوله :
(والوالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) .
فوجب أن يجوز الثاني، ومن الناس من قال معنی ذلك هلا أجزأ امرؤٌ قرنه فيكون
تحضيضاً محذوف الصيغة، انتهى .
أقول : معنى التحضيض في الماضي التوبيخ واللوم على ترك الفعل، وفي المضارع الحصّ على الفعل والطلب له ، وهذا الكلام له علیه السلام كما ترى وارد في معرض الحث والترغيب لا اللوم والتوبيخ ، فلا بد أن يجعل ههنا على تقدير حذفها حرف عرض، وقوله: من رائح إلى الله رائح خبر لمبتدأ محذوف والجملة صلة (من)، وفي بعض النسخ الرائح إلى الله كالظمآن ، وهو الأوفق، ويجوز على الأول كون خبر (من) لفظ كالظمآن وجملة (يرد) صفة للظمآن، ويجوز كون كالظمآن صفة لرائح وخبر (من) جملة يرد، وعلى ذلك فلا بد أن يراد بالماء الحياة الأبد على سبيل المجاز، وفي بعض النسخ كالظمآن يرد إلى الجنة، وهو يؤيد كون جملة (يرد) خبراً كما هو ظاهر .
اعلم أن الشارح المعتزلي بعد تقطيعه في الشرح هذا الكلام له علیه السلام على فصول ثلاثة قال في شرح الفصل الثاني منه وهو قوله : أجزء امرؤ قرنه إلى قوله وأبسلهم بخطاياهم : وهذه الألفاظ لا يتلو بعضها بعضاً وإنما هي منتزعة من كلام طويل انتزعها الرضي (رحمت الله) وأطرح ما عداها .
أقول : وما ظفرت بعد على تمامه ، والمستفاد من الروايات الآتية في التكملة الآتية أنه ليس منتزعاً من كلام واحد، بل منتزع من كلام متعدد حسبما تطلع عليه .
وكيف كان فالغرض منه حث أصحابه على الجهاد، وتحريضهم وتعليمهم آداب الحرب ورسومها علیه السلام قال (فقدموا الدارع) اللابس للدرع (وأخروا الحاسر) العاري عنه لأن سورة الحرب وشدتها تلتقي وتصادف الأول فالأول، فوجب أن يكون أوّل القوم مستلثماً، ويقدم
المستلئم (1)على غير المستلئم (وعضوا على الأضراس فإنه أنبأ للسيوف عن الهام) كما مضى توضيحه في شرح الكلام الحادي عشر مع ما فيه من إظهار الغيظ والخنق على الخصم (والتووا في أطراف الرماح فإنّه أمور للأسنة ) أي إذا وصلت إليكم أطراف الرماح فانعطفوا ليزلق ويتحرك فلا ينفذ ، وحمله الشارح البحراني (رحمت الله) على الالتواء عند إرسال الرمح ورميه إلى العدو بأن يميل صدره ويده، فإنّ ذلك أنفذ وليس بشيء .
(وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش) ورواع القلب إذا اضطرب (وأسكن للقلوب) من الفزع وإنما أمرهم بغضها لئلا يروا من العدو ما يهولهم ويدهشهم ، وكي لا يرى العدو منهم جبناً وفشلاً قد مضى ذلك أيضاً في شرح الكلام الحادي عشر (وأمينوا لأصوات ) أراد به قلة الكلام وترك رفع الأصوات (فإنه أطرد للفشل )والجبن والجبان يصيح ويرعد ويبرق كما مر في الكلام التاسع (ورايتكم فلا تميلوها )لأن ميلها من أسباب انكسار العسكر، لأنهم ينظرون إليها (ولا تخلوها ) من محام لها ، (ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم ) لضعف الجبناء عن إمساكها.
كما ضعف الأول والثاني عن إمساكها يوم خيبر وانهزما بأقبح وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كزار غیر فرار يفتح الله عليه (2)، فلما كان الغد طاولت الأعناق لها، وكلّ رَجا أن يدفعها إليه فلم يدفعها إلا إلى أمير المؤمنين علیه السلام، وفي هذا المعنى قال الشارح المعتزلي في قصيدته التي قالها في فتح خيبر :
وما أنس لا أنس اللذين تقدما *** وفرهما والفرّ قد علماً حوب
وللراية العظمى وقد ذهبا بها *** ملابس ذل فوقها وجلاب وجلابيب
يشلها من آل موسى شمردل *** طويل نجاد السيف أجيد يعبوب
إلى أن قال :
دعا قصب العلياء يملكها امرؤ *** بغير أفاعيل الدناءة مقضوب
يرى أن طول الحرب والبؤس راحة *** وأن دوام السلم والخفض تعذيب
فلله عينا من رآه مبارزاً *** وللحرب كأس بالمنية مقطوب
إلى آخر ما قال ، وقوله : (والمانعين الذمار منكم ) أي الذابين عمّن يجب عليهم حفظه وحمايته، فإن من كان كذلك لا يترك الراية حتى يظفر أو يقتل وعلله بقوله: (فإنّ الصابرين على نزول الحقائق ) أي : نزول الرايات منازلها أو نزول ما يعرض لهم في الحرب من الحالات
التي يجب ويحق الحماية عنها، أو نزول الأمور الصعبة الشديدة كما ذكره الشارح المعتزلي (هم الذين يحفون براياتهم ) ويحيطون بها، (ويكتنفونها حقافيها ) وجانبيها أي اليمين واليسار، (ووراءها وأمامها لا يتأخرون عنها فيسلموها ولا يتقدمون عليها فيفردوها) بل يلازمونها أشدّ الملازمة ويراقبونها كمال المراقبة ويحاربون حولها ويضربون خلفها وأمامها .
ثم قال : (أجزا امرؤ قرنه وآسا أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه ) وهو أمر لهم بالمواساة يقول : ليجزء وليكفي كل أمر منكم قرنه وكفوه وليواس أخاه بنفسه، ولم يدع قرنه ينضم إلى قرن أخيه فيصيرا معاً في مقاومة الأخ المذكور، فإن ذلك قبيح كاسب للأئمة، ناشيء عن دناءة الهمّة، إذا أولو العزم وذوو الهمم العالية لا يرضى أحد منهم بأن يقاتل أخوه اثنين وهو ممسك يده قد خلّي قرنه إلى أخيه هارباً منه أو قائماً ينظر إليه .
ثم أقسم بالقسم البار فقال : (وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة ) لحب البقاء والحياة، (لا تسلموا من سيف الآخرة ) أي من عذاب الله وعقابه سبحانه على قراركم وتخاذلكم، وتسميته العذاب بالسيف إما مبني على الاستعارة أو على المشاكلة، (وأنتم لهاميم العرب) أي ساداتها وأجوادها (والسنام الأعظم ) أراد شرفهم وعلو نسبهم على سبيل الاستعارة أو التشبيه البليغ لأن السنام أعلى أعضاء البعير وأرفعها (إن في الفرار ) من الجهاد (موجدة الله) سبحانه وغضبه يوم الحساب (والذل اللازم والعار الباقي ) في الأعقاب، (وإن الفار لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه ) يعني أن الفرار لا يزيد في عمر الفار ولا يحجز بينه وبين اليوم الذي قدر فيه موته كما قال تعالى في حق المنافقين المعتلين في الرّجوع يوم الأحزاب بأن بيوتهم عورة.
(قل لن ينفعكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا تمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلا * قُل مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِن أَراد بكم سوم أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَحدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [الأحزاب: 16 - 17] .
يعني قل للذين استأذنوك في الرجوع واعتلوا بأن بيوتهم يخاف عليها : لن ينفعكم القرار من الموت أو القتل ، إن كان حضر آجالكم فإنه لا بد من واحد منهما ولا ينفعكم الهرب والفرار، وإن لم يحضر آجالكم وسلمتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لن تتمتعوا في الدنيا إلا أياماً قلائل .
ثم أكد الحث عليهم بالترغيب والتشويق فقال : (من) هو (رائح إلى الله ) وذاهب إلى رضوان الله سبحانه (كالظمآن) العطشان ( يرد الماء) ويروي غلته (الجنة تحت أطراف العوالي) وأسنة الرماح وتحت ظلال السيوف (اليوم تبلى الأخبار) أي أخبار الحرب من الثبات والفرار وتمتحن السرائر والضمائر من الإيمان والنفاق والشجاعة والجبن وغيرها، ويمنحن الأخيار من
الأشرار (والله لأنا أشوق) وأرغب (إلى لقائهم) أي الأعداء (منهم إلى ديارهم ) ثم دعا عليهم بقوله :
(اللهم فإن ردوا الحق ) وأرادوا إبطاله (فافضض جماعتهم وشتت كلمتهم ) أي بدل اجتماعهم بالافتراق واتفاق قولهم بالاختلاف والنفاق الموجب للهزيمة، (وأبسلهم بخطاياهم ) أي أهلكهم وأسلمهم إلى الهلاك ولا تنصرهم بما اكتسبوا من الإثم والخطأ كما قال سبحانه :
(وذَرِ الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَذَكَرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذَ مِنْهَا أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أَبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: 70] .
ثمّ أشار إلى جد الخصم في الجهاد تهييجاً لأصحابه على المقاومة والثبات فقال علیه السلام (إنهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك) متدارك متتابع يتلو بعضه بعضاً (يخرج النسيم ) والريح اللينة لسعته كما قال الشاعر :
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر *** لهانفدلولا الشعاع أض-اه-ا
ملکت بها کفی فانهرت فتقها *** يرى قائم من دونها ما وراها
أن هذه الطعنة لاتساعها يرى الإنسان المقابل لها ببصره ما وراءها، وأنه لولا شعاع الدّم لبان منها الضوء، (وضرب يفلق الهام) ويشقق الرؤوس( ويطيح العظام ويندر السواعد والأقدام ) أي يسقطها من مواضعها ومحالها (وحتى يرموا بالمناسر) والجيوش (تتبعها المناسر) الأخرى (ويرجموا) أي يغزوا (بالكتائب) وطوائف الجيوش (تقفوها) وتتبعها (الجلائب) والطوائف الأخرى المجتمعة من كل صقع وناحية النصرها والمحاماة عنها (وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه) ويعقبه (الخميس) الآخر ( وحتى تدعق الخيول ) وتدق بحوافرها (في نواحر أرضهم ) أي متقابلاتها أو أواخرها (وبأعنان مساربهم ومسارحهم) أي أطراف مراعيهم يعني ونواحيها .
هذا الكلام رواه المحدث العلامة المجلسي (رحمت الله) بطرق متعدّدة واختلاف كثير أحببت أن أورد ما رواه طلباً لمزيد الفائدة فأقول :
روى (قدس الله سره) في «البحار » من «الكافي» في حديث مالك بن أعين قال : حرّض أمير المؤمنين علیه السلام الناس بصفين فقال : إن الله عزّ وجل قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفى بكم على الخير، الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله وجعل ثوابه مغفرة للذنب ومساكن طيبة في جنات عدن وقال جل وعزّ :
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُم بَين مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4] .
فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، فقدموا الدارع وأخروا الحاسر، وعضوا على النواجذ، فإنه أنبأ للسيوف عن الهام ، والتووا على أطراف الرماح فإنّه أمور للأسنة، وغضوا الأبصار فإنّه أربط للجاش وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار، ولا تميلوا براياتكم ولا تزيلوها ، ولا تجعلوها إلا مع شجعانكم، فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ ، ولا تمثلوا بقتيل ، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سرا(1)ولا تدخلوا داراً، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ، ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسبين أمرائكم وصلحائكم ، فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول، وقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة فيعيّر بها وعقبه من بعده .
واعلموا أن أهل الحفاظ الذين يحفون براياتكم ويكتنفونها، ويصيرون حفافيها ووراءها وأمامها، ولا يضيعونها ولا يتأخرون عنها فيسلموها ولا يتقدمون عليها فيفردوها رحم الله امرءاً واسا أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك اللائمة، ويأتي بدناءة، وكيف لا يكون كذلك وهو يقاتل الاثنين، وهذا ممسك يده قد خلى قرنه على أخيه هارباً ينظر إليه، وهذا فمن يفعله يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله عز وجل فإنما ممركم إلى الله، وقد قال الله عز وجل :
(لن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِن الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: 16] .
وأيم الله لئن فررتم من سيوف العاجلة لا تسلمون من سيوف الآجلة، فاستعينوا بالصبر والصدق فإنما ينزل النصر بعد الصبر فجاهدوا في الله حق جهاده ولا قوة إلا بالله (2).
وإذا لقيتم هؤلاء القوم غداً فلا تقاتلوهم حتى يقاتلونكم، فإذا بدؤوا بكم فانهدوا إليهم وعليكم السكينة والوقار، وعضوا على الأضراس فإنه أنبأ للسيوف عن الهام ، وعضوا الأبصار، ومدّوا جباه الخيول ووجوه الرّجال ، وأقلوا الكلام فإنه أطرد للفشل، وأذهب بالوهل، ووطنوا أنفسكم على المبارزة والمنازلة والمجادلة، وأثبتوا، واذكروا الله عز و وجل
كثيراً فإن المانع للذمار عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحقون براياتهم ويضربون حافتيها وأمامها، وإذا حملتم فافعلوا فعل رجل واحد ، وعليكم بالتحامي فإن الحرب سجال لا يشدون عليكم كرة بعد فرّة ، ولا حملة بعد جولة، ومن ألقى إليكم السلام فأقبلوا منه واستعينوا بالصبر فإن بعد الصبر النصر من الله عزّ وجلّ(1)
(أن الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128] .
وفي «البحار» من الإرشاد قال من كلامه علیه السلام أيضاً في هذا المعنى أي في تحضيضه على القتال يوم صفين :
معشر الناس إن الله قد دلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، وتشفي بكم على الخير العظيم : الإيمان بالله ورسوله صلی الله علیه واله وسلم والجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ومساكن طيبة في جنات عدن، ثم أخبركم أنه:
(يحب الذين ينتلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْينُ تَرْصُوص ﴾ [الصف : 4] .
فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس فإنّه أنبأ للسيوف عن الهام والتووا في أطراف الرماح فإنه أمور للأسنّة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب ، وأميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل وأولى بالوقار، ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها ولا تجعلوها إلا في أيدي شجعانكم، فإن المانعين للذمار الصابرين على نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكتنفونها، رحم الله امرءاً منكم آسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك اللائمة ، ويأتي به دناءة ولا تعرضوا لمقت الله ، ولا تفروا من الموت فإن الله تعالى يقول :
(قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِن الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: 16].
وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآجلة، فاستعينوا بالصبر والصلاة والصدق في النية فإن الله تعالى بعد الصبر ينزل النصر (2)، هذا .
وقد مر أكثر الفقرات الأخيرة من هذا الكلام الذي نحن بصدد شرحه في رواية نصر بن مزاحم عن الشعبي في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين عند ذكر كيفية التحكيم فليراجع، ثمة .
بيان : ما لعله يحتاج إلى التفسير من ألفاظ الروايتين فأقول قال الجوهري (رضصت)
الشيء رضاً ألصقت بعضه ببعض ومنه بنيان مرصوص، و (الحفاظ) بالكسر الذب المحارم (وحفافيها) متعلق بقوله : يكتنفونها أو بقوله : يصيرون أيضاً على سبيل التنازع، قال في «البحار» وفي بعض النسخ وراءها بدون العطف فهما الأمام والوراء و (نهد) الرجل نهض ولعدوه صمد لهم.
وقوله علیه السلام: (اومدوا جباه الخيول ووجوه الرّجال) قال في «البحار» لعل المراد بهما تسوية الصفوف وإقامتها راكبين وراجلين ، أو كناية عن تحريكها وتوجيهها إلى جانب العدو و (الوهل) الضعف والفزع، وقوله (فإن الحرب سجال )أي مرّة لنا ومزة علينا، وأصله أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجلّ، والسجل الدلو الكبير و( السّلام) الاستسلام، وقد مرّ تفسير سائر ما يحتاج إلى التفسير في شرح المتن .
قد قدمنا في شرح الكلام الخامس والستين شطراً من وقائع صفين، وأوردنا تمام وقائعها في شرحه وشرح سائر الخطب المتقدّمة عليه حسبما مرت الإشارة إليها هنالك ، من أراد الاطلاع عليها، فليراجع ثمة .
از جمله کلام بلاغت نظام آن جناب است در تحریض و ترغیب اصحاب خود بر مقاتله و محاربه معاویه و اصحاب او که فرموده :
پس مقدمم دارید زره پوش را و مؤخر نمایید عاری از زره را و بگزید بر دندان ها یعنی دندانها را بالای همدیگر محکم بگذارید ، پس به درستی که استحکامی دندانها باز گرداننده تر است شمشیرها را از فرق و پیچده شوید در اطراف نیزه ها ، پس به تحقیق که آن پیچیدگی حرکت دهنده تر است نیزه ها را از نفوذ آنها و فروخوابانید دیده ها ، را پس به درستی که آن موجب زیادتی ثبات دل بی آرام است و شدّت سكون قلبها است و ترك كنید بلندی آوازها را ، پس به درستی که آن راننده تر است جبن را.
و علم خودتان را ، پس میل ندهید آن را و خالی نگذارید آن را و مگردانید آن
را مگر بر دست شجاعان خودتان و مگر بر دست کسانی که بازدارندگانند بی غیرتی را از شما در روز هیجا ، پس به درستی کسانی که صبر نماینده اند بر نزول نزول حقیقت کارهایی که حقیق است ، به حمایت ایشان اشخاصی هستند که احاطه میکنند به علمهای خود و دور آنها را میگیرند از دو جانب چپ و راست آنها و از پس آنها ، و پیش آنها یعنی محافظت می کنند علمها را از چهار طرف و پس نمی افتند از آن علمها تا تسلیم کنند آنها را بر اعدا و پیش نمیروند از آنها تا اینکه تنها گذارند آنها را .
باید که کفایت کند مرد کفو خودش را در کارزار و مواسات کند با برا خودش به نفس خود و واگذار ننماید قرین و و کفو خود را به برادر خود تا مجتمع شود بر او قرین او و قرین برادر او و به خدا خدا سوگند گند. اگر بگریزید از شمشیر دنیا سلامت نمانید از شمشیر آخرت و حال آن که اشراف عرب هستید و کوهانهایی بزرگ تو ارباب ادب میباشید ، به درستی که در گریختن از جنگ غضب پروردگار است و ذلت و خواری همیشگی است و عار و سرکوبی باقی است و به درستی که فرار کننده از جنگ زیاده کننده نیست در عمر خود و بازداشته شده نیست میان خود
و میان روز موعود خود .
کسی که رونده است به سوی آفریدگار مثل تشنه ای است که وارد شود بر آب بهشت عنبر سرشت ، در زیر اطراف نیزههای بلند مقدار است ، امروز آشکار می شود خبرها .
بار پروردگارا ، اگر رد کنند این قوم بدبنیاد حق را ، پس پراکنده نما جماعت ایشان را و متفرق گردان سخنان باطل ایشان را و هلاک بگردان ایشان را به گناهان خودشان ، ایشان هرگز زایل نمیشوند از موقفهای خودشان بی زدن نیزه پی در
پی که خارج بشود از او به جهت گشادی او نسیم و بی ضربتی که بشکافد کاسه سر را و بیاندازد استخوانها را و بیافکند بازوها و قدمها را و تا آن که انداخته شوند به لشگرهایی که مقدمه لشگر دیگر باشند که تابع شوند به ایشان مقدمة الجيش دیگر و سنگسار شوند به لشگرهای گران که تبعیت نماید به ایشان لشگران جمع شده از هر طرف تا آن که کشیده شود به شهرهای ایشان سپاهی که در عقب آن باشد سپاهی دیگر و تا آن که بکوبند به سمهای خود و در اواخر بلاد ایشان و به نواحی مراعى و چراگاههای ایشان ، یعنی اگر جد و کوشش نشود در جهاد ایشان دست از طغیان خود برنخواهند داشت.
ورواه الطبرسي في «الاحتجاج » إلى قوله لأول البغي نحوه، قال علیه السلام :
إِنَّا لَمْ نُحَكّم الرّجالَ وإِنَّما حَكَمْنَا الْقُرْآنَ وهذَا الْقُرْآنُ إِنَّما هُوَ خَطْ مَسْطُورٌ بَينَ الدَّفْتَين ، لا يَنْطِقُ بِلسان ولا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجَمَانٍ، وإِنَّما يَنْطِقُ عَنْهُ الرّجالُ ، ولَمّا دَعانَا الْقَوْمُ إِلى أَنْ نُحَكُمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنْ الْفَرِيقَ الْمُتَوَليَ عَنْ كِتابِ اللهِ تَعالى ، وَقَدْ قَالَ سُبْحانَهُ : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، فَرَدَّهُ إِلَى اللهِ أَنْ نَحْكُم بِكِتابِهِ، ورَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذُ بِسُنَّتِه، فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتابِ اللهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ النّاسِ بِه ، وإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ الله صلی الله علیه واله وسلم فَنَحْنُ أَوْلاهُمْ بِه ، وأَمَّا قَوْلُكُمْ لم جَعَلْتُ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ أَجَلاً في التحكيم فَإِنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبيَّنَ الْجاهِلُ، ويَتَثبتِ العَالِمُ وَلَعلَّ اللَّه أَنْ يُصْلِحَ في هذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هذِهِ الأُمَّةِ ، ولا تُؤْخَذَ بأَكْظامِها فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيَّنِ الْحَقِّ ، وتَنْقَادَ لأَوَّلِ الْغَيِّ ، إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ الْعَمَل بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وإِنْ نَقَصَهُ وكَرِثَهُ مِنَ الْباطِلِ وإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَة وزادَهُ فَأَيْنَ يُتاهُ بِكُمْ ومِنْ أَيْن أتيتُمْ ، إِسْتَعِدُّوا لِلمَسيرِ إِلى قَوْم حَيارى عَنِ الْحَقِّ لا يُبْصِرُونَهُ، ومُوَزّعينَ بِالْجَوْرٍ ولا يَعْدِلُونَ جُفَاةِ عَنِ الْكِتَابِ نَكْبِ عَنِ الطَّرِيقِ مَا أَنْتُمْ بوثيقة يُعْلَقُ بها، ولا زَوافِرَ عِزّ يُعْتَصَمُ إِلَيْها ، لَبِئْسِ حُشَاشُ نارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ ، أَي لَكُمْ لَقَدْ لَقيتُ مِنْكُمُ تَرَحاً يَوْماً أُناديكُمْ ويَوْماً أَنا جيكُمْ ، فَلا أخرارُ صِدْقٍ عِندَ النّداءِ ، ولا إِخوانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجاءِ (1).
(دقتا) المصحف جانباه المكتنفان به و (الترجمان ) وزان زعفران وعنفوان وريهقان مفسّر اللسان باللسان الآخر، والتاء أصلية والألف والنون زائدتان والفعل ترجم والتبين يستعمل لازماً ومتعدّياً و (التثبت) التأني في الأمور و (الهدنة) بالضمّ المصالحة والدّعة والسكون و (الاكظام) جمع كظم كأسباب وسبب ومخرج النفس من الحلق و (كرثه) الغم من باب نصر وضرب وأكرثه اشتد عليه وبلغ منه المشقة.
و (تاه) يتيه تيها تحير وضل أو تكبر و (انيتم) بالبناء على المفعول و (أوزعته) بكذا
1) بحار الأنوار: 371/33 ، والغارات : 453/2
ألهمته، وقال الجوهري أوزعته بالشيء أغريته به، و (جفات) جمع جاف من جفا السرج عن ظهر الفرس نبا وارتفع، و (نكب) عن الطريق ينكب نكوباً من باب قعد عدل ، و (زافرة) الرّجل خواصه وأنصاره ، و (الحشاش) بضم الحاء وتشديد الشين جمع حاش وهو الموقد للنار، ويروي حشاش بالكسر والتخفيف وهو ما يحش به النار أي يوقد، و (البرج) الشدة، وفي بعض النسخ بالتاء وهو الحزن و (النجاء) المناجاة مصدر ناجيته نجاء مثل صارعته صراعاً وضاربته ضراباً .
قوله :(بين الدفتين) ظرف لغو متعلق بقوله مسطور أو مستقر صفة لخط أو حال ضمير مسطور، ومثله في احتمال الوصفية والحالية جملة لا ينطق آه ، ولعل الله أن (يصلح) (آه) لعل حرف موضوع للتوقع وهو الترجي المحبوب والاشفاق من المكروه وتنصب الاسم وترفع الخبر مثل سائر الحروف المشبهة بالفعل، ويقترن خبرها كثيراً ( بأن) كما في هذا المقام وفي قوله :
لع-ل-ك ي--وم--اً أن تلم ملمة *** عليك من اللاء يد عنك أجدعاً (1)
حملا لها على (عسى) لاشتراكهما في الدلالة على الترجي على سبيل الإنشاء.
فإن قلت : أن تجعل مدخولها في تأويل المصدر وعليه فكيف يصح الحمل في قوله : لعل الله أن يصلح، وقولك لعل زيداً أن يقوم إذ الحدث لا يكون خبراً عن الجثة .
قلت : هذا إشكال تعرض له علماء الأدبية في باب (عسى) وتقضوا عنه بوجوه : أحدها : أن يقدر هنا مضاف إما في الاسم أو في الخبر، فمعنى عسى زيد أن يقوم (عسى) حال زيد أن يقوم أو عسى زيد صاحب أن يقوم، ونوقش فيه بأنه تكلف إذ لم يظهر هذا المضاف إلى اللفظ أبداً لا في الإسم ولا في الخبر، وثانيها : أن (أن) زائدة ، وردّ بأن الزائدة لا تلزم إلا مع بعض الكلم ولزومه مطرداً في موضع معين مع أي كلمة كانت بعيدة ، وثالثها : ما قاله الكوفيون وهو أن (أن) مع الفعل في محلّ الرّفع بدلاً مما قبله بدل اشتمال كقوله تعالى :
(لا يتهكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ في الدين ﴾ [الممتحنة : ] إلى قوله : (أن نبروهم ).
أي لا ينهيكم الله عن أن تبروهم قال نجم الأئمة : والذي أرى أن هذا وجه قريب فيكون في نحو یا زیدون عسى أن يقوموا قد جاء بما كان بدلاً من الفاعل مكان الفاعل، والمعنى
1) أجدعاً : أي مقطوع الأنف
أيضاً يساعد على ما ذهبوا إليه، لأن (عسى) بمعنى يتوقع، فمعنى عسى زيد أن يقوم أي يتوقع يرجا قيامه، وإنما غلب فيه بدل الاشتمال لأن فيه إجمالاً، ثم تفصيلاً، وفي إبهام الشيء ثم تفسيره وقع عظيم لذلك الشيء في النفس .
وقوله (ولا يؤخذ بأكظامها ) عطف على قوله (يتبين)، وقوله : (حيارى وجفاة ونكب )بالجر صفة (القوم)، وقوله (ما أنتم بوثيقة) بالجر على حذف المضاف أو الموصوف، أي بذوي وثيقة أو بعروة وثيقة ، (والباء) في قوله (ولا يعدلون به ) إما بمعنى (عن) كما ذهب إليه الكوفيون في قوله تعالى : فاسأل به خبيراً ، أي عنه ويؤيده ما في بعض النسخ بدل (به) (عنه) أوصلة بمعناها الأصلي.
اعلم أن هذا الكلام قاله علیه السلام في مقام الاحتجاج على الخوارج حيث أنكروا عليه التحكيم، وقد مضى في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين كيفية التحكيم وبدء خروج الخوارج، وفي شرح الخطبة السادسة والثلاثين احتجاجاته علیه السلام معهم من كتابي المناقب لابن شهر آشوب وكشف الغمة لعلي بن عيسى الأربلي، ونقول هنا قد روى الطبرسي في «الاحتجاج» احتجاجه معهم نحو ما قدمناه من المناقب ولا بأس بإيراده هنا لاختلاف الروايتين وتوضيحاً للمقام وتأكيداً لما تقدّم .
فأقول : قال (رحمت الله) : وروي أن أمير المؤمنين علیه السلام أرسل عبد الله بن العباس إلى الخوارج وكان بمرئي منهم ومسمع قالوا له في الجواب : إنا نقمنا يا ابن عباس على صاحبكم خصالاً كلها مكفرة موبقة تدعو إلى النار .
أما أولها : فإنّه محا اسمه من إمرة المؤمنين ، ثم كتب ذلك بينه وبين معاوية فإذا لم يكن أمير المؤمنين ونحن المؤمنون فلسنا نرضى بأن يكون أميرنا .
وأما الثانية : فإنه شك في نفسه حيث قال للحكمين انظرا فإن كان معاوية أحق بها فأثبتاه، وإن كنت أولى بها فأثبتاني ، فإذا هو شك في نفسه ولم يدر أهو حق أم معاوية فنحن فيه أشدّ شكاً.
والثالثة : أنه جعل الحكم إلى غيره وقد كان عندنا أحكم الناس .
والرابعة : أنه حكم الرّجال في دين الله ولم يكن ذلك إليه .
والخامسة : أنه قسم بيننا الكراع والسلاح يوم البصرة ومنعنا النساء والذرية .
والسادسة : أنه كان وصيّاً فضيع الوصية .
قال ابن عباس : قد سمعت يا أمير المؤمنين مقاله القوم وأنت أحق بجوابهم، فقال علیه السلام : نعم، ثم قال : يا ابن عباس قل لهم ألستم ترضون بحكم الله وحكم رسوله علیه السلام؟ قالوا : نعم ، قال : أبدأ بما بدأتم به في بدء الأمر ثم قال علیه السلام:
كنت أكتب لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم الوحي والقضايا والشروط والأمان يوم صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو فكتبت : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أبا سفيان بن صخر بن حرب وسهيل بن عمرو فقال سهيل إنا لا نعرف الرحمن الرحيم، ولا نقرّ أنّك رسول الله، ولكن نحسب ذلك شرفاً لك أن تقدّم اسمك قبل أسمائنا وإن كنا أسن منك وأبي أسن من أبيك، فأمرني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال : اكتب مكان بسم الله الرحمن الرحيم : باسمك اللهم ، فمحوت ذلك وكتبت باسمك اللهم ومحوت رسول الله وكتبت محمد بن عبد الله، فقال لي : إنك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره .
وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص : هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص فقالا : لقد ظلمناك إن أقررنا أنك أمير المؤمنين وقاتلناك، ولكن اكتب علي بن أبي طالب، فمحوت كما محى رسول الله، فإن أبيتم ذلك فقد جحدتم ؛ فقالوا: هذه لك خرجت منها قال :
وأما قولكم إني شككت في نفسي حيث قلت للحكمين انظرا فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتاه، فإن ذلك لم يكن شكا مني، ولكني أنصفت في القول قال الله تعالى :
(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [سبأ : 24] .
ولم يكن ذلك شكاً وقد علم الله أن نبيه على الحق قالوا : وهذه لك قال علیه السلام :
وأما قولكم إني جعلت الحكم إلى غيري وقد كنت عندكم أحكم النّاس ، فهذا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة ، وقد كان من أحكم الناس فقد قال الله تعالى:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِم أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الممتحنة: 6] .
فتأسیت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قالوا : وهذه لك بحجتنا قال :
وأما قولكم إنّي حكمت في دين الله الرجال، فما حكمت الرجال وإنما حكمت كلام
الربّ الذي جعله الله حكماً كماً بين أهله، وقد حكم الله الرجال في طائر فقال :
(ومن قتله مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: 95] .
قدماء المسلمين أعظم من دم طائر قالوا ، وهذه لك بحجتنا قال :
وأما قولكم إني قسمت يوم البصرة لما أظفر الله بأصحاب الجمل الكراع والسلاح ومنعتكم النساء والذرّية فإني مننت على أهل البصرة كما منّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على أهل مكة، وإن كان عدوّاً علينا أخذناهم بذنوبهم ولم نأخذ صغيراً بكبير، وبعد، فأيكم كان يأخذ عائشة في سهمه؟ قالوا: وهذه لك بحجتنا قال :
وأما قولكم إني كنت وصيّاً وضيعت الوصيّة فأنتم كفرتم وقدمتم عليّ وأزلتم الأمر عني، وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم إنما يبعث الأنبياء علیه السلام فيدعون إلى أنفسهم، وأمّا الوصي فمدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه ، وذلك لمن آمن بالله ورسوله ولقد قال الله تعالى:
(وَلِلَّهِ عَلَ النَّاسِ حِجَ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ).
فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت ليكفر بتركهم إياه، ولكن كانوا يكفرون بتركهم لأن الله قد نصبه لهم علماً، وكذلك نصبني علماً حيث قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، أنت مني بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي .
فقالوا: هذه لك بحجتنا فادعونا، فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممّن كانوا قعدوا عنه، فقاتلهم وقتلهم (1).
إذا عرفت ذلك فأقول : إنّه قد ظهر لك من هذه الرواية ومن رواية المناقب المتقدمة أن من جملة ما نقم الخوارج عليه علیه السلام تحكيمه للرّجال، ومن جملته أنه علیه السلام ضرب للتحكيم أجلاً معيناً، فساق هذا الكلام دفعاً لشبهتهم.
وقال في رد الأول ودفعه : إن دعواكم علي بتحكيم الرجال غير صحيحة (إنا لم نحكم الرجال، وإنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا ينطق بلسان، ولا بد له من مفسّر وترجمان وإنما ينطق عنه) ويترجمه( الرجال ولما دعانا القوم ) أي أهل الشام (إلى أن نحكم بيننا القرآن) حسبما مر تفصيله في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين( لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله سبحانه وقد )ذم الله أقواماً على ذلك حيث قال : (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ الله ليحكم بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ [آل عمران: 23] بل لا بد لنا من التسليم والإجابة امتثالاً لأمره تعالى حيث (قال عز من قائل فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول )، ولما كان الردّ إلى الله والرسول مجملاً محتاجاً إلى التفسير والبيان فسره بقوله : (فرده إلى الله )سبحانه ( أن نحكم بكتابه) العزيز (ورده إلى الرسول أن تأخذ بسنته ) القويمة (فإذا حكم بالصدق في كتاب الله ) أي بقول مطابق للواقع لا بتفسيره عن رأي واعتقاد فاسد، (فنحن
1) الاحتجاج : 279/1 ، وبحار الأنوار: 380/33
أحق الناس به ) أي بالله أو بكتاب الله أو بالحكم الصدق المستنبط من الكتاب، ووجود بمقتضاه الحكم بخلافتنا ووجوب المتابعة لنا لأن الله سبحانه قد قال فيه : (أَفَمَن يَهْدِي إلى الْحَقِّ اَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَّا يَهدِى إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [يونس: 35] وقال: قُل هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَبِ [الزمر: 9] .
(وأن حكم بسنة رسول الله ) بالحق لا بتأوله عن هوى النفس (فنحن أولاهم بها ) أي بالسنة، وفي بعض النسخ به أي بالحكم الحق المستفاد من السنة أو أولاهم بالرسول لقوله فيه أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وغيره مما قال فيه من الأخبار الدالة على أولويته علیه السلام حسبما قدمناها في شرح الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية وغيرها أيضاً.
ومحصل جوابه علیه السلام أنه لما نقموا عليه بتحكيم الرجال أجاب لهم بأن القوم لما رفعوا المصاحف على الرماح ودعونا إلى كتاب الله سبحانه والعمل بحكمه لم يسعنا التولي والاعتراض، وإن كانت دعوتهم في الظاهر إيماناً وفي الباطن كفراً وعدواناً، فأجبنا إليهم دعوتهم ورضينا بالتحكيم بالقرآن ، وحيث إن القرآن خط مسطور محتاج إلى المفسر والمترجم قررنا الرجلين لمسيس الحاجة إلى التفسير والترجمة، فالحكم في الواقع والحقيقة هو القرآن لا الرجلان، وإنما وجودهما توصلاً إلى التفسير والبيان وحاجة إلى المفسر والترجمان ، مع أنه قد مرّ غير مرّة أن رضاه علیه السلام بالتحكيم كان إجباراً واضطراراً، لا رغبة واختياراً ، هذا.
ولما كان هناك مظنة أن يقال إنك بعد ما رضيت بالحكمين ولو من باب الحاجة إلى الترجمة فهلا أنفذت قولهما ولِمَ لَمْ ترض بحكمهما ؟ فأجاب علیه السلام عنه بأن الواجب علينا اتباعهما لو كانا يحكمان في السنة والكتاب بالصدق والصواب ، ولو حكما بالحق لكنا أحق، لكنهما حكما بالهوى والخطأ فلا يجب علينا الرضاء والاتباع ولا التنفيذ والامضاء، هذا.
والعجب من الشارح المعتزلي حيث ذكر في هذا المقام سؤالاً وجواباً ملخصه أنه إذا كان البناء على تفسير الرجلين وترجمتهما وحكمهما في واقعة أهل العراق وأهل الشام بما في القرآن دلالة عليه، فمن الجائز اختلافهما في تفسيره وتأويله واستدلال كل منهما بدليل يوافق غرضه أو تفسير كل منهما لآية واحدة على ما يطابق رأيه، إذ ليس فيه نص صريح يحسم مادة النزاع ويرفع الخلاف من البين .
وأجاب بأن الحكمين لو تأملا الكتاب حق التأمل لوجدا فيه النّص الصريح على خلافة أمير المؤمنين، لأن فيه النص الصّريح على أن الإجماع حجة، ومعاوية لم يكن مخالفاً في هذه المقدمة وأهل الشام، وإذا كان الإجماع حجة فقد وقع الإجماع لما توفي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على أن اختيار خمسة من صلحاء المسلمين لواحد منهم وبيعته توجب لزوم طاعته وصحة خلافته،
وقد بايع أمير المؤمنين خمسة من صلحاء الصحابة بل خمسون ، فوجب أن تصح خلافته ، وإذا صحت خلافته نفذت أحكامه ، فقد ثبت أن الكتاب لو تؤمل حق التأمل لكان الحق مع أهل العراق ولم يكن لأهل الشام ما يقدح في استنباطهم المذكور، انتهى كلامه هبط مقامه(1).
أقول : أما قوله إن الحكمين لو تأملا الكتاب لوجدا فيه النّص الصريح على خلافة أمير المؤمنين، فهو حق لا ريب فيه، لأن الآيات الدالة على خلافته علیه السلام كثيرة لا تحصى، وقد مضى جملة منها في مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية وأشرنا إلى بعضها هنا أيضاً.
وأما قوله لأن فيه النّص الصريح على حجية الاجماع، فلا يخفى ما فيه من الخبط والخطأ، لأنه مع وجود النّص من القرآن على أصل الخلافة لا داعي إلى إقامته النص على حجية الإجماع، ثم الاستدلال به على خلافته، وإنما هو أشبه شيء بالأكل القفاء .
ولعل الشارح إنما التزم به لأجل حماية الحمى، وذاباً عن الخلفاء، لأنّه لو التزم بوجود النص على أصل الخلافة لم يجد بداً من الالتزام ببطلان خلافة المتخلفين كالإلتزام ببطلان خلافة معاوية ، وفي ذلك إبطال ما اختاره من المذهب والدين .
وبعد الغضّ عن ذلك أقول : أي نص صريح في القرآن على حجية الإجماع فإن الآيات التي استدل بها الجمهور عليها من قوله سبحانه: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء : 115] وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطا ) [البقرة : 143] وقوله : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [آل عمران: 110]، وقوله: فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59]
وغير ذلك مما استدلوا بها عليها جلّها بل كلها غير خال عن المناقشة والفساد، كما نبه عليه الفحول في كتب الأصول، فانظر إلى كتابي «التهذيب» و «النهاية» للعلامة الحلي طاب ثراه تجد صدق ما قلناه .
وبعد التنزل والتسليم أقول : غاية الأمر أن هذه الأدلة من قبيل الظواهر لا من قبيل النصوص، ثم لا أدري ماذا يريد بقوله : فقد وقع الإجماع لما توفي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى قوله : وصحة خلافته، وأي شيء كان غرضه من إقحامه في البين مع عدم ربطه بالدعوى وعدم الحاجة إليه في إثبات المدعي ، لأنه إذا دل الدليل من القرآن على حجية الإجماع، وقام الإجماع على خلافة أمير المؤمنين فتثبت خلافته من غير حاجة إلى مقدمة أخرى .
اللهم إلا أن يقال بأن غاية ما دلّ عليه القرآن هو حجية الإجماع، وأما أن المعتبر في حصول الإجماع على البيعة هل هو اتفاق الكل أو يكفي اتفاق البعض؟، وعلى الثاني فأقل ما
1) شرح النهج : 106/8 .
يحصل به هل هو اتفاق سبعة أو خمسة أو ثلاثة أم يكفي الاثنان كما ذهب إلى كل منها قوم؟ فهذا شيء لا دلالة في القرآن عليه فاحتيج في تعيين القدر المعتبر في حصوله إلى دليل آخر، فذكر هذه المقدمة لإثبات أن المعتبر فيه هو اتفاق الخمسة لا الزائد، فعلى هذا فلا تكون تلك المقدّمة مستغناً عنها، إذ على فرض اعتبار اتفاق الكل في حصوله لا ينهض هذا الدليل على إثبات المدعي كما لا يخفى.
إلا أنه يتوجه عليه أنه بعد اشتراط اعتبار الخمسة في مقام الاختيار والبيعة لا بد له من مقدمات الالتزام ببطلان خلافة أبي بكر، لما قد مرّ في المقصد الثاني من المقدّمة الثانية من الخطبة الشقشقية من أنّ خلافته لم تنعقد إلا ببيعة عمر وأبي عبيدة وسالم، ولم يكن هنالك خمسة نفر، وقد مضى ثمة حكاية كلام من صاحب المواقف وشارحه ينفعك ذكره في هذا المقام .
ولو سلّمنا وجود خمسة أيضاً حينئذ لما يجديه لاشتراطه في الخمسة هنا أن يكونوا من صلحاء المسلمين ، ومن الواضح أن الصلحاء يومئذ قد كانوا من المنكرين لخلافته لا المبايعين، وإنما بايعه طغاة طغام وعبيد كالأنعام وتخلف عنه وجوه الصحابة في بيت أمير المؤمنين، ثم أخرجوا ملتبين وبايعوا مكرهين كما عرفت ذلك كله في مقدمات الخطبة الشقشقية وغيرها .
هذا كله على التنزل والمماشاة، وإلا فقد قدمنا في مقدمات الخطبة المذكورة من أن الإمامة لا تكون إلا بالنص من الله ورسوله لاشتراط العصمة فيه التي لا يعرفها إلا الله ورسوله ، ولا تنعقد ببيعة أجلاف العرب ولا أشرافها كما لا تبطل بعدم بيعتهم، فافهم ذلك واغتنم وبالهدى فاستقم ، هذا.
وقال علیه السلام في ردّ الثاني، (وأما قولكم لم جعلت بينكم وبينهم أجلافي التحكيم فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل) ويظهر له وجه الحق (ويثبت العالم) ويطمئن قلبه، (ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة ) والمصالحة (أمر هذه الأمة) المفتونة (و) إنما فعلته أيضاً لئلا (تؤخذ) الأمة (بأكظامها) أي مجاري أنفاسها (فتعجل عن تبين الحق وتنقاد لأول الغي) وهو أول شبهة عرضت لهم من رفع المصاحف .
يعني أني لو أعجلت في الأمر وتركت ضرب الأجل بيني وبينهم والتنفيس عنهم لالجأهم الإرهاق وضيق الخناق إلى البقاء على الجهل والعمى والانقياد إلى الغي والغوى وعدم ظهور وجه الحق والهدى وهو مناف للغرض المطلوب للشارع ومخالف للمقصود .
( إن أفضل الناس عند الله ) سبحانه (من) آثر الحق و (كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكرثه ) أي يوجب لنقصانه ويوقعه في الشدّة والمشقة (من الباطل وإن جر إليه قائدة رزاده) .
ثم قال: (فأين يتاه بكم ) وتذهبون في التيه والحيرة (ومن أين أتيتم ) أي من أي وجه أتاكم الشيطان واستحوذ عليكم ، أو من أي المداخل دخلت عليكم الشبهة والحيلة والاستفهام على التعجب.
ثم حثهم على الجهاد وقال: (استعدّوا للمسير إلى قوم حيارى عن الحق) متحيرين عنه 0لا يبصرونه وموزعين )ملهمين (بالجور لا يعدلون ) به أي عنه إلى غيره أو لا يجعلون له مثلاً وعديلاً (جفاة عن الكتاب) بعيدون عنه ( نكب عن الطريق ) أي عادلون عن طريق الهدى إلى سمت الردى.
ثمّ وبخهم على التثاقل والتساهل فقال : (ما أنتم (ب-) عروة (وثيقة يعلق) ويتمسك (بها) عند القتال (ولا زوافر عز يعتصم )ويلتجأ (إليها) عند براز الأبطال (البئس حشاش نار الحرب أنتم أفٍّ لكم لقد لقيت منكم ترحاً ) أي شدّة وأذى (يوماً أناديكم) جهاراً للحث على الجهاد (ويوماً أناجيكم ) سراً بتدبير أمور الحرب والإرشاد إلى الرشاد (فلا أحرار صدق عند النداء) حتى تنصرون وتحمون (ولا إخوان ثقة عند النجاء) حتى تكتمون السر وتحفظون .
از جمله کلام بلاغت نظام آن امام عالی مقام است در خصوص تحکیم عمرو عاص و ابی موسی اشعری و رد کردن شبهه خوارج ، فرمود که :
به درستی ما حکم نگردانیدیم مردمان را ، بلکه حکم قرار دادیم ما قرآن را و این قرآن جز این نیست که خطی است نوشته شده میان دو جلد که نطق نمیکند به زبان و ناچار است مر او را از ترجمان و جز این نیست که گویا میشود از آن مردمان و هنگامی که دعوت کرد ما را قوم معاویه ملعون به آن که حاکم گردانیدیم در میان خود قرآن را نشدیم گروهی که اعتراض نماید از کتاب خدا و حال آن که خدا فرموده در کتاب مجيد : "فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" ، یعنی :" پس اگر نزاع کردید در چیزی از امور دنیا و آخرت، پس رد کنید آن را به سوی خدا و رسول "، پس رد کردن شيء متنازع فيه به سوى خدا آن است که حکم کنیم با کتاب خدا و رد کردن آن به سوی رسول الله ( صلی الله علیه واله وسلم ) آن است که اخذ کنیم سنّت و طريقه او را ، پس اگر حکم کرده شود به صدق و راستی در کتاب خدا، ما سزاوارترین مردمانیم به آن و اگر حکم کرده شود به طریقه رسول الله (صلی الله علیه واله وسلم ) پس ما اولویت داریم به آن .
و اما قول شما که چرا گردانیدی در میان خود و ایشان مدتی معین در تحکیم ، پس جز این نیست که کردم آن را که دانا شود جاهل و تأمل نماید عالم و شاید که خداوند اصلاح نماید در این مدت مصالحه امر این امت را و به تنگی نیفتد و گرفته نشود مجاری نفس ایشان ، پس شتابانیده شوند از دانستن حق و گردن نهاده شوند مراول گمراهی را ، به درستی افضل مردمان در نزد خداوند تعالی کسی است که عمل کردن به حق محبوب تر باشد به سوی او ، اگرچه نقصان برساند به او و اندوهگین نماید او را از عمل کردن به باطل ، اگر چه جلب منفعت کند به سوی او .
پس از کجا به حیرت افتاده شدید؟ و از کجا آمده شدید؟ (یعنی از کجا آمد شيطان ملعون به سوی شما و مسلط شد بر شما ؟) ومهیا شوید برای رفتن به سوی
جهاد قومی که حیران و سرگردان اند از راه حق که نمی بینند آن را و الهام نمیبینند و الهام شدند به ظلم و ستم که عدول نمیکنند از آن و دورانند از فهم مضامین کتاب و اعراض کنندگانند از راه صواب.
نیستید شما صاحبان وثوق که تمسك بشود به او و نه اعوان و انصار عزت که چنگ زده شود به آنها ، هر آینه بدفروزندگان آتش حربید شما ، دلتنگی باد شما را هر آینه ملاقات کردم از شما به شدت و اذيت ، يك روزی صدا میکنم شما را از برای جنگ در راه خدا يك روز نجوی میکنم با شما از تدبیر امور اعداء، پس نیستید شما از مردانی که صفت آزادی و حمیت در آنها هست در وقت ندا و نه برادرانی که اعتماد میشود بر ایشان هنگام رازگویی و نجوی .
وقد روى بطريق آخر على اختلاف تطلع عليه .
أَتَأْمُرُوني أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَورِ فيمَنْ وُلْيْتُ عَلَيْهِ، وَالله ما أَطُورُ بِهِ ما سَمَرَ سَمِيرٌ وما أَمْ نَجْمٌ في السَّمَاءِ نَجْماً، لَوْ كانَ الْمالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ ، فَكَيْفَ وإِنَّمَا الْمَالُ مالُ الله ، ألا وإنَّ إعطاء المالِ فِي غَيرِ حَقَّه تَبْذِيرٌ وإِسْرافٌ ، وهُوَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ في الدُّنْيا، ويَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ، ويُكْرِمُهُ في النَّاسِ، ويُهينُهُ عِنْدَ الله ، ولَمْ يَضَعَ امْرُؤٌ مالَهُ في غَيْر حَقَّه ولا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلا حَرَّمَهُ الله شُكْرَهُمْ ، وكانَ لِغَيرِه وُدَّهُمْ، فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ حَدينِ، وَأَلَمْ خَليل(1).
(الأسوة) بالضم القدوة وتصيير الناس أسوة التسوية بينهم كأن كلا منهم قدوة صاحبه و (تأمروني) بالتشديد أصله تأمرونني بنونين فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية قال تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَهلُونَ [الزمر : 64] و (وليت) الشيء وعليه وزان رضيت إذا ملكت أمره ، وفي بعض النسخ وليت بالبناء على المفعول من باب التفعيل أي ولاني الله عليه و (طار) حول الشيء يطور طوراً إذا حام.
و (ما سمر سمير ) قال في «القاموس»: السمر محرّكة الليل وحديثه، وما أفعله ما سمر سمير، أي ما اختلف الليل والنهار، قال الطريحي سمر فلان إذا تحدث ليلاً، والأسامرة هم الذين يتحدثون ليلاً، قال : وفي حديث عليّ علیه السلام (لا يكون ذلك ما سمر سمير) أي ما اختلف الليل والنهار، والمعنى لا يكون ذلك أبداً، وهو من كلام العرب يقولون : ما أفعله ما سمر السمير قال الجوهري : وابنا سمير الليل والنهار يسمر فيهما ، تقول : ما أفعله ما سمر بنا سمير أي أبداً، ولا أفعله السمر والقمر أي ما دام الناس يسمرون في ليلة القمر، وفي شرح المعتزلي السمير الدّهر وابناء الليل والنهار ، و (الخدين ) الصديق من خادنت الرجال أي صادقته .
1) بحار الأنوار: 49/3 ، مستدرك سفينة البحار : 476/9 .
(الباء) في قوله (بالجور) للمقابلة، وفي قوله (زلت به التعل) للتعدية، والباقي واضح.
اعلم أنّ سنّة رسول الله قد كانت جارية في تقسيم بيت المال والفيء والصدقات على العدل والتسوية من غير ترجيح وتفضيل لأولي الشرف والسابقات على غيرهم، ولما ولى أبو بكر حذا حذوه، ولما ولى عمر ترك السنة وبنى في العطية على الترجيح والتفضيل حسب تطلع عليه بتفصيل، ولما ولي عثمان بلغ في ذلك الغاية وأعطى الناس على ما يراه، وسلك في الإعطاء إليهم بمقتضى هواه حسب ما عرفته في شرح الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية .
فلما قام أمير المؤمنين علیه السلام بالأمر، وقد كان الناس اعتادوا التفضيل والترجيح أزمنة متطاولة ومدة متمادية ، وأرادوا التسوية في العطيّة والعمل بسنة الرّسول صلى الله عليه واله وسلم شق ذلك على الناس وصعب عليهم تغيير العادة، وكان ذلك سبباً لنقض البيعة من زبير وطلحة وأكد أسباب تقاعد الناس عنه علیه السلام والحوقهم بمعاوية حيث رأوا منه الصنيعة حسب ما عرفته في شرح الخطبة الرابعة والثلاثين.
فعند ذلك مشى إليه طائفة من أصحابه وسألوه تفضيل أولي السّابقات والشرف في العطاء أي تفضيل ذوي الخصال الحميدة من السبق في الإسلام والهجرة وشهود الحروب من البدر والأحزاب وسائر الخطوب وذوي المجد والشرف والمتصفين بعلوّ الحسب والنسب .
فلما سألوه ذلك أجابهم علیه السلام بقوله : ( أتأمروني أن أطلب النصر بالجور) استفهام على سبيل التقريع والتوبيخ : أي كيف تأمرونني أن أطلب النصر منكم بالجور والظلم (في) حق (من وليت عليه ) وملكت أمره من المسلمين الذين لا سوابق لهم ولا شرف في حسبهم ونسبهم بنقصهم في العطاء عن غيرهم وبخسهم حقهم كما فعله عمر وعثمان (والله ما أطور به ) ولا أحوم حومه (ما سمر سمير) واختلف الليل والنهار (وما أمّ) وقصد (نجم في السماء نجماً) أي دائماً لأنّ النجوم لا يزال يقصد بعضها بعضاً بحركتها .
(لو كان المال لي لسويت بينهم ) تبعاً لسيرة الرسول وسنته وقضاء لحق المواساة (فكيف وإنما المال مال الله ) والفقراء عيال الله فلا ينبغي إزواء ماله عن عياله وصرفه إلى غيره .
ثم نبه علیه السلام على مفاسد صرف المال في غير أهله بقوله : (ألا وإنّ إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف ) وقد نهى الله عنه وقال : (إِنَّ الْمُذِرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الإسراء: :27] وقال: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف : 31].
(وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله ).
ثمّ نبّه على ما يترتب على وضع المال في غير محله في الدنيا بقوله: (ولم يضع امرو ماله في غير حقه ولا عند غير أهله ) رجاء للمكافات والجزاء أو توقعاً للشكر والثناء (إلا حرمه الله شكرهم وكان لغيره وذهم فإن زلت به النعل يوماً ) أي إذا عثر وافتقر يوماً (فاحتاج إلى معونتهم ف-)هم إذا (شر خدين ) وصديق (وألم خليل) ورفيق كما هو معلوم بالتجربة المشاهدة بالعيان .
قد أشرنا إلى أنّ أوّل من فتح باب التفضيل في الصدقات لأولي الشرف والسابقات هو عمر بن الخطاب، فحذا حذوه عثمان بن عفان ، وتبعهم معاوية بن أبي سفيان، فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وغيّروا سنّة رسول الله، وكان ذلك من أعظم المطاعن على فاتح الباب، حيث خالف السنّة والكتاب ، وترتب على ذلك من المفاسد ما لا يحصى ، ومن البدعات ما لا تستقصى، ولا بأس بإشباع الكلام في هذا المرام تنبيهاً على ما ترتب عليه من الهفوات والآثام.
فأقول : قال الشارح المعتزلي في شرح هذا الكلام : واعلم أن هذه مسألة فقهية ورأي علي وأبي بكر فيه واحد ، وهو التسوية بين المسلمين في قسمة الفيء والصدقات، وإلى هذا ذهب الشافعي، وأما عمر فإنّه لما ولى الخلافة فضّل بعض الناس على بعض : فضل السابقين على غيرهم ، وفضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل المهاجرين كافة على الأنصار كافة، وفضل العرب على العجم، وفضل الصّريح على المولى، وقد كان أشار على أبي بكر أيام خلافته فلم يقبل : وقال : إنّ الله لم يفضّل أحداً على أحد ولكنه قال : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ [التوبة : 60] ، ولم يخص قوماً دون قوم، فلما أفضت إليه الخلافة عمل بما كان أشار أوّلاً .
قال : وقد ذهب كثير من فقهاء المسلمين إلى قوله ، والمسألة محل اجتهاد وللإمام أن يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده، وإن كان اتباع علي علیه السلام عندنا أولى لاسيما إذا عضده موافقة أبي بكر، وإن صح الخبر أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم سوى فقد صارت المسألة منصوصاً عليها، لأن فعله علیه السلام كقوله ، انتهى (1).
أقول : كون المسألة منصوصة لا غبار عليها حسبما تعرفه ، والاجتهاد في مقابل النص باطل .
وقال الشارح في شرح الكلام المائتين والأربعة والعشرين عند ذكر مطاعن عمر : إنه كان
1) شرح النهج : 11/8.
يعطي من بيت المال ما لا يجوز حتى أنه كان يعطي عائشة وحفصة عشرة آلاف درهم في كل سنة، ومنع أهل البيت خمسهم الذي يجري مجرى الواصل إليهم من قبل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وإنه كان عليه ثمانون ألف درهم من بيت المال على سبيل القرض إلى أن قال : ونحن نذكر ما هذا الباب مختصراً نقلناه من كتاب أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي فعله عمر في المحدث في أخبار عمر وسيرته .
روى أبو الفرج عن سلمة بن عبد الرحمن قال استشار عمر الصحابة بمن يبدأ في القسم والفريضة ، فقالوا : إبدأ بنفسك ، فقال : بل أبدأ بآل رسول الله وذوي قرابته فبدأ بالعباس .
قال ابن الجوزي: وقد وقع الاتفاق على أنّه لم يفرض لأحد أكثر مما فرض لأحد أكثر ممّا فرض له، وروى أنه فرض له اثنا عشر ألفاً وهو الأصح .
ثم فرض لزوجات رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لكل واحدة عشرة آلاف ، وفضل عائشة عليهن بألفين فأبت فقال : ذلك بفضل منزلتك عند رسول الله فإذا أخذت فشأنك ، واستثنى من الزوجات جويريه وصفية وميمونة، ففرض لكلّ واحدة منهن ستة آلاف، فقالت عائشة: إنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان يعدل بيننا، فعدل عمر بينهن وألحق هؤلاء الثلاث بسائر هن .
ثمّ فرض للمهاجرين الذين شهدوا بدراً لكلّ واحد خمسة آلاف ولمن شهدها من الأنصار لكل واحد أربعة آلاف ، وقد روى أنه فرض لكلّ واحد ممن شهد بدراً من المهاجرين أو من الأنصار أو من غيرهم من القبائل خمسة آلاف .
ثمّ فرض لمن شهد أحداً وما بعدها إلى الحديبية أربعة آلاف، ثمّ فرض لكلّ من شهد المشاهد بعد الحديبية ثلاثة آلاف ، ثم فرض لكلّ من شهد المشاهد بعد وفاة رسول الله ألفين وخمسمائة وألفين وألفاً وخمسمائة وألفاً واحداً إلى مائتين وهم أهل هجر ومات عمر على ذلك .
قال ابن الجوزي: وأدخل عمر في أهل بدر ممن لم يحضر بدراً أربعة : وهم الحسن والحسين وأبو ذر وسلمان ففرض لكلّ واحد منهم خمسة آلاف.
قال ابن الجوزي: وروى السدي أن عمر كسا أصحاب النبي صلی الله علیه واله وسلم فلم يرتض في الكسوة ما يستصلحه للحسن والحسين علیه السلام فبعث إلى اليمن فأتى لهما بكسوة فاخرة، فلما كساها قال : الآن طابت نفسي.
قال ابن الجوزي: فأما ما اعتمده في النساء فإنه جعل نساء أهل بدر على خمسمائة، ونساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربعمائة، ونساء من بعد ذلك على ثلاثمائة، وجعل نساء أهل القادسية على مائتين ثمّ سوّى بين النساء بعد ذلك.
قال الشارح بعد رواية ما أوردنا : ولو لم يدلّ على تصويب عمر فيما فعله إلا إجماع الصحابة واتفاقهم عليه وترك الإنكار لذلك، كان كافياً .
وقال ثمّة أيضاً بعد ما ذكر جواب قاضي القضاة عن ذلك الطعن واعتراض المرتضى (رحمت الله) عليه بأنّ تفضيل الأزواج لا سبب فيهن يقتضي ذلك وإنما يفضل الإمام في العطاء ذوي الأسباب المقتضية لذلك مثل الجهاد وغيره من الأمور العام نفعها للمسلمين ما لفظه : وكيف يقول المرتضى ما جاز أن يفضّل أحداً إلا بالجهاد ، وقد فضل الحسن والحسين على كثير من أكابر المهاجرين والأنصار وهما صبيان ما جاهدا ولا بلغا الحلم بعد ، وأبوهما أمير المؤمنين موافق على ذلك راض به غير منكر له ، وهل فعل عمر ذلك إلا لقربهما من رسول الله؟ انتهى (1).
أقول لا يخفى ما في ذلك من وجوه الكلام وضروب الملام .
أما أولاً : فلأن كون القسم بالسوية موافقاً للسنة ومنصوصاً عليه مما لا غبار عليه ، ومخالفة عمر لها في إبداع التفضيل وكونه بدعة لاخفاء فيه .
ويدل على ذلك ما رواه في «البحار » من البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيد عديدة أن النبي صلی الله علیه واله وسلم وقال للأنصاري في مقام التسلية قريباً من وفاته : ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض (2)، وهل يرتاب عاقل في أنّ هذا القول بعد أن كان يسوي بين المهاجرين والأنصار مدة حياته إخبار بما يكون بعده من التفضيل ، ويتضمن عدم إباحته وعدم رضاه به وما تقدّم آنفاً في رواية ابن الجوزي من قول عائشة لعمر أن رسول الله كان يعدل بيننا وما تقدّم أيضاً في كلام الشارح من قول أبي بكر لعمر إنّ الله لم يفضل أحداً على أحد ولكنه قال: إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ [التوبة: 60] .
ولم يخص قوماً دون قوم، ويفيده أيضاً تسوية أمير المؤمنين في التقسيم، وهو يدور مع الحق والحق يدور معه حيثما دار ، بنص الرسول صلی الله علیه واله وسلم كما تظافرت به الروايات من طرق المخالف والمؤالف، واحتجاجه على المهاجرين والأنصار لما كرهوا عدله في القسمة بمخالفة التفضيل للشريعة بما مرّ في هذا الكلام الذي شرحناه بقوله :( أتأمروني أن أطلب النصر بالجور)، وقوله : ( ألا وإن إعطاء المال غير حقه تبذير وإسراف)، واحتجاجه على طلحة والزبير
: بما يأتي إن شاء الله في الكلام المائتين والأربعة من قوله : وأما ما ذكرتما من أمر الأسوة فإنّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأي ولا وليته هوى مني بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله
قد فرغ منه فلم أحتج اليكما فيما قد فرغ قسمه وأمضى فيه حكمه فليس لكما والله عندي ولا لغيركُما في هذا عتبي (1).
فلو كان رسول الله يقسم على التفضيل لاحتج به عمر على أبي بكر ولأقام المهاجرون والأنصار وطلحة والزبير بذلك على أمير المؤمنين حجة
والعجب من الشارح أنه مع ذلك كله يشك في كون المسألة منصوصاً عليها ومع ما قاله في بعض كلامه من قوله .
فإن قلت: إن أبا بكر قد قسم بالسوية كما قسمه أمير المؤمنين علیه السلام ولم ينكروا عليه كما أنكروا على أمير المؤمنين علیه السلام.
قلت: قسم أبو بكر محتذياً بقسم رسول الله، فلما ولى عمر الخلافة وفضل قوماً على قوم ألفوا ذلك ونسوا تلك القسمة الأولى وطالت أيام عمر وأشربت قلوبهم حبّ المال وكثرة العطاء، وأما الذين اهتضموا فقنعوا ومرثوا على القناعة ولم يخطر لأحد من الفريقين أن هذا الحال ينقض ويتغيّر بوجه ما ، فلمّا ولى عثمان أجرى الأمر على ما كان عمر يجريه فازداد وثوق العوام بذلك، ومن ألف أمراً شقّ عليه فراقه وتغيير العادة فيه، فلما ولي أمير المؤمنين أراد أن يرد الأمر إلى ما كان في أيام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأبي بكر وقد نسي ذلك ورفض وتخلل بين الزمانين اثنتان وعشرون سنة، فشق ذلك عليهم وأكبروه حتى حدث ما حدث من نقض البيعة ومفارقة الطاعة والله أمر هو بالغه ، انتهى .
وأقول : مضافاً إلى هذا كله إنّه لو كان إلى جواز التفضيل ومصانعة الرؤساء والأشراف للمصالح سبيل ، لما عدل أمير المؤمنين إلى العدل والتسوية مع ما رآه عياناً من تفرق أصحابه لذلك، وتقاعد النّاس عنه ولحوقهم بمعاوية حيثما عرفته في شرح الخطبة الرابعة والثلاثين، ومن نقض طلحة والزبير بيعته حسبما عرفته فيما تقدّم وتعرفه مفصلاً أيضاً إن شاء الله تعالى في شرح الكلام المائتين والأربعة، ولما اختار فيه إراقة الدماء وحدوث الفتن، ولما كان يمنع عقيلاً صاعا من برّ فيذ برّ فيذهب إلى معاوية ، إلى غير ذلك مما ترتب عليه .
وأما ثانياً : فلان استدلال الشارح على تصويب عمر فيما فعله بإجماع الصحابة فيه :
أولاً : منع الإجماع إذ لم يجمع على ذلك إلا أجلاف العرب والخاضمون لمال الله خضم الإبل نبتة الرّبيع ، والناس أبناء الدنيا يحبّون المال حبّاً جماً ويأكلونه أكلاً لما ، فإذا وصل إليهم منه منافع جزيلة وفوائد جليلة وانتفعوا بها في دنياهم وكانوا أهل يسار وثروة بعد ما كانوا ذوي فقر وفاقة وخصاصة كيف ينكرون فعله
1) بحار الأنوار: 32/ 50 34 ، والمعيار والموازنة : 114 .
وثانياً : منع حجية ذلك الإجماع خصوصاً مع مخالفته لسنة الرسول صلی الله علیه واله وسلم .
وأما ثالثاً : فلان ما ذكره الشارح في الاعتراض على المرتضى من عدم انحصار أسباب التفضيل في الجهاد وجواز كون سببه رعاية القرابة من رسول الله مستدلاً بتفضيل الحسنين علیه السلام مع رضاء أبيهما وعدم إنكاره له فيه :
إن عدم انحصار السبب في الجهاد على فرض جواز أصل التفضيل مسلّم، واعتراضه على المرتضى بذلك حق إلا أن أصل التفضيل ممنوع كما عرفته، ورعاية عمر لقرابة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم باطل إذ لو كان ملاحظاً للقرابة لما منع بضعة الرسول وابنته البتول من حقها كما هو ظاهر لا يخفى .
وأما رضاء أمير المؤمنين بتفضيل الحسنين علیه السلام فإما أنه للتقية، أو لأنه لما حرمهم حقهم من الخمس والفيء والأنفال أخذا ما أخذا عوضاً من حقوقهم.
قال في «البحار» : ويمكن أن يقال لما كان أمير المؤمنين علیه السلام ولي الأمر فلعل ما أخذ صرفه في مصارفه وكان الأخذ من قبل الاستنفاذ من الغاصب والاستخلاص من السارق، إذا عرفت ذلك فلنشر إلى ما ترتب على هذه البدعة وما أثمرته هذه الشجرة الملعونة فأقول :
قال العلامة المحدث المجلسي :
واعلم أنّ أكثر الفتن الحادثة في الإسلام من فروع هذه البدعة فإنه لو استمر الناس على ما عوّدهم الرّسول صلی الله علیه واله وسلم من العدل وجرى عليه الأمر في أيام أبي بكر لما نكث طلحة والزبير بيعة أمير المؤمنين علیه السلام، ولم تقم فتنة الجمل، ولم يستقرّ الأمر لمعاوية، ولا تطرق الفتور إلى أتباع أمير المؤمنين وأنصاره ولو كان المنازع له في أوّل خلافة معاوية الدفعه بسهولة، ولم ينتقل الأمر إلى بني أمية، ولم يحدث ما أثمرته تلك الشجرة الملعونة من إراقة الدماء المعصومة وقتل الحسين وشيوع سبّ أمير المؤمنين على المنابر ، ثم انتقال الخلافة إلى بني العباس وما جرى من الظلم والجور على أهل البيت وعلى سائر أهل الإسلام.
وقد كان من الدواعي على الفتن والشرور بدعته الأخرى وهي الشورى إذ جعل طلحة والزبير مرشحين للخلافة نظيرين لأمير المؤمنين علیه السلام فشق عليهما طاعته والصبر على الأسوة والعدل، وهذا في غاية الوضوح.
وقد روى ابن عبد ربه في كتاب «العقد» على ما حكاه العلامة عنه في كشف الحق قال : إنّ معاوية قال لابن الحصين : أخبرني ما الذي شنّت أمر المسلمين وجماعتهم وفرق ملائهم وخالف بينهم ؟ فقال : قتل عثمان ، قال : ما صنعت شيئاً، قال : ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين قال: فأنا أخبرك أنه لم يشنّت بين المسلمين ولا فرق أهوائهم إلا الشورى جعلها عمر في سنّة ثمّ فسّر معاوية ذلك فقال : لم يكن من الستة رجل إلا هواها لنفسه
ولقومه، وتطلعت إلى ذلك نفوسهم، ولو أن عمر استخلف كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف ، وقد تم إثارة الفتنة بإغواء معاوية وعمرو بن العاص واطماعهما في الخلافة ، وكان معاوية عامله على الشام وعمرو بن العاص عامله وأميره على مصر، فخاف أن يصير الأمر إلى عليّ فقال لما طعن وعلم أنّه يموت : يا أصحاب محمد صلى الله عليه واله وسلم تناصحوا فإن لم تفعلوا عليكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان روى ذلك ابن أبي الحديد.
ثم حكى عن شيخنا المفيد (رحمت الله) أنه قال : كان غرض عمر بالقاء هذه الكلمة إلى النّاس أن تصل إلى عمرو بن العاص ومعاوية فيتغلبا على مصر والشام لو أفضى الأمر إلى علي علیه السلام (1).
وبالجملة جميع ما كان وما يكون في الإسلام من الشرور إلى يوم النشور إنما أثمرته شجرة فتنته فغرس أصل الفتن يوم السقيفة ، وربي بما أبدعه من التفضيل في العطاء ووضع الشورى وغير ذلك، فهو السهيم في جميع المعاصي والجرائم، والحامل لجملة الأوزار والآثام .
قد مرّ رواية هذا الكلام له علیه السلام في شرح الخطبة الرابعة والثلاثين عن علي بن سيف المدائني باختلاف عرفته .
ورواه أيضاً في مجلد الفتن من «البحار» من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن عليّ بن سيف عن أبي حباب عن ربيعة وعمارة.
قال : إن طائفة من أصحاب علي مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن تخاف خلافه من الناس وفراره، وإنما قالوا له ذلك للذي كان من معاوية يصنع بمن أتاه، فقال لهم علي : أتأمروني أن أطلب النصر بالجور ، والله لا أضل (2)ما طلعت شمس وما لاح في السماء نجم، والله لو كان مالهم لي لواسيتُ بينهم فكيف وما هي إلا أموالهم .
قال ثمّ أزم طويلاً ساكتاً ثمّ قال : من كان له مال فإيّاه والفساد فإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو ذكر لصاحبه في الدنيا ويضعه عند الله ولم يضع رجل ماله في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم ، وكان لغيره ودّهم ، فإن بقي معه من يودّه ويظهر له البشر فإنّما هو ملق وكذب، وإنّما ينوي أن ينال من صاحبه مثل الذي كان يأتي إليه من قبل ،
فإن زلت بصاحبه النعل فاحتاج إلى معونته ومكافأته فشر خليل وألم خدين، ومن صنع المعروف فيما آتاه الله فليصل به القرابة ، وليحسن فيه الضيافة ، وليفك به العاني، وليعن به الغارم وابن السبيل والفقراء والمهاجرين ، وليصبر نفسه على الثواب والحقوق، فإنّ الفوز بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة (1).
ورواه أيضاً في «الكافي» عن العدة عن أحمد بن أبي عبد الله عن محمد بن عليّ عن بن أحمد بن عمرو بن سليمان البجلي عن إسماعيل بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار عن إبراهيم بن إسحاق المدائني عن رجل عن أبي مخنف الأزدي.
قال : أتى أمير المؤمنين علیه السلام الرهط من الشيعة فقالوا: يا أمير المؤمنين لو أخرجت هذه الأموال ففرقتها في هؤلاء الرؤساء والأشراف وفضلتهم علينا حتى إذا استوسقت الأمور عدت إلى أفضل ما عوّدك الله من القسم بالسوية والعدل، فقال أمير المؤمنين : أتأمروني ويحكم أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الإسلام ، لا والله لا يكون ذلك ما سمر سمیر وما رأيت في السماء نجماً والله لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم فكيف وإنما هي أموالهم .
قال : ثمّ أزم ساكتاً طويلاً ثم رفع رأسه فقال : من كان فيكم له مال فإياكم والفساد، فإنّ إعطائه في غير حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع ذكر صاحبه في النّاس ويضعه عند الله ولم يصنع امرؤ ماله في غير حقه ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم، وكان لغيره وذهم، فإن بقي معه منهم بقية ممن يشكر له ويريه النّصح فإنّما ذلك ملق منه وكذب، فإن زلّت بصاحبهم التعل ثم احتاج إلى معونتهم ومكافئتهم فألئم خليل وشرّ خدين ، ولم يضع امرؤٌ ماله في غير حقه وعند غير أهله إلا لم يكن له من الحظ فيما أتى إلا محمدة اللثام، وثناء الأشرار ما دام عليه منعماً مفضلاً، ومقالة الجاهل ما أجوده، وهو عند الله بخيل فأتي حظ أبور وأخسر من هذا الحظ، وأي فائدة معروف أقل من هذا المعروف ، فمن كان منكم له مال فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به العاني والأسير وابن السبيل فإنّ الفوز بهذه الخصال مكارم الدنيا وشرف الآخرة (2).
از جمله کلام فصاحت انتظام آن جناب است در وقتی که سرزنش کردند او را مساوی نمودن در عطا و برگردانیدن او مردمان را پیروی شده یکدیگر در مقام
بر اعطاء بی تفضیل دادن صاحبان سبقت در اسلام و جهاد و هجرت و موصوفان به شرف حسب و نسب و نجابت ، به این نحو که فرمود:
آیا امر می کنید شما مرا به این که طلب یاری کنم از شما به ظلم و ستم نمودن در حق کسی که والى امر و صاحب اختیار او هستم؟ به به خدا سوگند که نزديك نشوم به این خواهش شما مادامی که افسانه گوید زمانه و مادامی که قصد کند ستاره در آسمان ستاره دیگر را ، (یعنی ابداً اقدام در این کار نمیکنم ) اگر بودی این مال که قسمت میکنم از من ، هرآینه رعایت برابری و مواسات می نمودم در میان ایشان ، پس چگونه ترك مواسات نمایم و حال آن که جز این نیست که این مال ، مال خداست؟
آگاه باشید و بدانید که اعطا نمودن مال در غیر حق خود بیاندازه خرج کردن
و اسراف است و آن بیاندازگی بلند می میکند صا کند صاحب خود را در دنیا و پست می نماید او را در آخرت و عزیز مینماید او را در نزد خلایق و خوار میکند او را در نزد خالق و نگذارد و مصرف نکرد رد و مصرف نکرد هیچ کس مال خود را در غیر مصرف آن و در غیر اهل آن مگر آن که محروم نمود او را خدای تعالی از تشکر و پاداش دادن ایشان و باشد به جهت غیر او دوستی ایشان ، پس اگر بلغزد به او پای او روزی از روزها ، پس پس محتاج بشود به یاری ایشان ، پس بدترین صدیق باشند و لئیم ترین رفيق .
فإِنْ أَبَيْتُمْ إِلا أَنْ تَزْعَمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وضَلِلْتُ فَلِمَ تُضَلَّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه واله وسلم بضلالي؟ وتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطاي؟ وتُكَفُرُونَهُمْ بِذُنُوبي؟ سُيُوفُكُمْ عَلى عَواتِقِكُمْ تَضَعُونَها مَواضِعَ الْمُزءِ (1)وَالسَّقَم، وتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذنب، وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه واله وسلم رَجَمَ الزَّانِي الْمُحْصِنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وقَتَلَ الْقاتِلَ ووَرَّثَ ميراثَهُ أَهْلَهُ، وقَطَعَ السّارِقُ ، وجَلَّدَ الزّانِي غَيرَ الْمُحْصِنِ، ثُمَّ قَسمَ عَلَيْهِما مِنَ الْفَيْء، ونَكَحَا الْمُسْلِماتِ ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ الله صلی الله علیه واله وسلم بِذُنوبِهِمْ ، وأَقامَ حَقَّ الله فِيهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهمهُمْ مِنَ الإِسْلامِ، وَلَمْ يُخْرِج أَسْمانَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، ثُمَّ أَنْتُمْ شِرارُ النّاسِ ومَنْ رَمى به الشَّيْطَان مَرامِيهِ، وَضَرَبَ بِه تَيْهَهُ، وسَيَهْلِكُ فِي صِنّفانِ : مُحِبُّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحَبُّ إِلى غَيرِ الْحَقِّ، ومُبْغِضٌ مُفَرُطُ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلى غَيْرِ الْحَقِّ، وخَيرُ النَّاسِ في حالاَ النَّمَطُ الأَوْسَطُ فَأَلْزِمُوهُ، وأَلْزِمُوا السَّوادَ الأَعْظَمَ، فَإِنَّ يَدَ الله عَلَى الْجَمَاعَةِ ، وإِناكُمْ وَالْفَرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّاذَ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطانِ، كَما إِنَّ الشَّاذُ مِنَ الْغَنَمِ لِلذَّئب ، أَلا مَنْ دَعا إِلى هَذَا الشَّعارِ فَاقْتُلُوهُ وَلَوْ كانَ تَحْتَ عِمامَتي هذه ، وإِنَّما (2)حُكْمَ الْحَكَمانِ لَيُحْيِيا ما أَحْيَا الْقُرْآنُ ، ويُميتاً ما أماتَ الْقُرْآنُ ، وإِحْياؤهُ الإِجْتِماعُ عَلَيْهِ، وإماتَتُهُ الإفتراقُ عَنْهُ، فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمْ إِتَّبعناهُمْ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَّيْنا اتَّبَعُونَا، فَلَمْ آتِ لا أباً لَكُمْ بخراً، ولا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ وَلا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ، إِنَّمَا اجْتَمَعَ َرأْيُ مَلائِكُمْ عَلَى اخْتِيارِ رَجُلَينِ أَخَذْنا عَلَيْهِما أَنْ لا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتاها عَنْهُ، وتَرَكَا الْحَقِّ، وهُما يُبْصِرانِه، وكانَ الْجَوْرُ هَواهُما ، فَمَضَيا عَلَيْه ، وقَدْ سَبَقَ اسْتِثناؤنا عَلَيْهِما فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ، وَالصَّمْدِ للحقِّ سُوءٍ رئيهما، وجُوْر حُكْمِهما (3).
(ضللت) بكسر اللام وفتحها وفي بعض النسخ (البراءة) بدل البرء ومعناهما واحد و (أحصن ) الرّجل إذا تزوّج فهو محصن بالكسر على القياس وبالفتح على غير القياس وكلاهما مروي (وضرب به تيهه ) أي وجهه إليه من ضربت في الأرض إذا سافرت، والتيه بالفتح الحيرة
وبالكسر المفازة التي يتاه فيها .
وعن النّهاية في حديث علي علیه السلام خير هذه الأمة النمط الأوسط (النمط) الطريقة من الطرائق والضرب من الضروب يقال ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك الضرب، والنمط الجماعة من الناس أمرهم واحد و (شعار) القوم علامتهم التي بها يتميزون في الحرب و (العمامة) بالكسر المغفر والبيضة وما يلفّ على الرأس و (البحر) بالضم الشر والأمر العظيم و (الملاء) من الناس الأشراف والرؤساء الذين يرجع إليهم، وإنّما قيل لهم ذلك لأنهم ملأوا بالرأي والغناء، و (الصمد) بالفتح فالسكون القصد .
جملة (وقد علمتم ) حال من فاعل (تضللون) أو (تكفرون) على سبيل التنازع ، (والباء) في قوله: (رمي به وضرب ) به للتعدية ، وحالاً منصوب على التميز ، (وبجراً) مفعول (آت)، وجملة (لا أبالكم ) معترضة بينهما، (وسوء رأيهما) بالنصب مفعول سبق .
اعلم أن مذهب الخوارج أن مرتكب الكبائر كافر ، وزعموا أن التحكيم كبيرة ، فحكموا بكفر أمير المؤمنين علیه السلام وأصحابه لذلك كما مرّ تفصيل ذلك في شرح الخطبة الخامسة والثلاثين والخطبة السادسة والثلاثين، وقد مرّ في شرح الكلام المائة والخامس والعشرين في «رواية الاحتجاج» قولهم لابن عباس: إنا نقمنا على صاحبك خصالاً كلها مكفّرة، فاحتج علیه السلام بهذا الكلام عليهم إيطالاً لما زعموا بوجوه أربعة بعضها ناظر إلى منع الصغرى، وبعضها إلى
منع الكبرى، وبعضها مبني على التنزل والمماشاة وحسبما تعرفه حيثما بلغ الكلام محله .
وقدّم ما بناءَهُ على المماشاة رعاية لقانون المناظرة، وذلك أن الخوارج لما قالوا إنّ الدّار دار كفر لا يجوز الكف عن أحدٍ من أهلها وقتلوا من لقوه حتى الأطفال والبهائم حسبما مرّ في شرح الخطبة السادسة والثلاثين فقال لهم : مماشاة معهم (فإن أبيتم إلا أن تزعموا ) وتظنوا (إنّي أخطأت وضللت ) بنصب الحكمين والرّضاء بالتحكيم (فلم تضللون عامة أمة محمد صلی الله علیه واله وسلم بضلالي وتأخذونهم بخطاي وتكفّرونهم بذنوبي) وتقتلونهم حيثما لقيتم ولا تكفون عن أحد بر أو فاجر ما ذنبهم وما جريرتهم (سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسقم وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب) يعني تقصير التحكيم على زعمكم إنّما هو مقصور عليّ ومؤاخذته راجع إلي فما بال من لم يكن دخيلاً في هذا الأمر ولم يكن منه في مراح ولا مغدي.
ثم بين فساد ما زعموه من كون صاحب الكبيرة كافراً ، وهو راجع إلى منع الكبرى معللاً
بأن رسول الله حكم في مرتكبي الكبائر بأحكام الإسلام، وسلك معهم مسلك سائر المسلمين فقال : (وقد علمتم أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الرجم الزاني المحصن).
قال الشهيد (رحمت الله) الرّجم يجب على المحصن إذا زنى ببالغة عاقلة، والإحصان إصابة البالغ العاقل الحرّ فرجا مملوكاً له بالعقد الدائم أو الزق يغدو عليه ويروح إصابة معلومة.
وقال الشهيد الثاني في شرحه : فهذه قيود ثمانية :
أحدها الإصابة أي الوطىء قبلا على وجه يوجب الغسل فلا يكفي مجرد العقد ولا
الخلوة التامة ولا إصابة الدبر ولا ما بين الفخذين ولا في القبل على وجه لا يوجب الغسل .
وثانيها : أن يكون الواطىء بالغاً فلو أولج الصبي حتى غيب مقدار الحشفة لم يكن محصناً وإن كان مراهقاً .
وثالثها: أن يكون عاقلاً فلو وطىء مجنوناً وإن عقد عاقلاً فلا يتحقق الإحصان ويتحقق بوطیه عاقلاً وإن تجدّد جنونه .
ورابعها : الحرّية فلو وطىء العبد زوجة حرّة وأمة لم يكن محصناً، وإن عتق ما لم يطأ بعده .
وخامسها : أن يكون الوطء بفرج فلا يكفي الدبر ولا التفخيذ ونحوه كما سلف. وسادسها : كونه مملوكاً له بالعقد الدائم أو ملك اليمين فلا يتحقق بوطيء الزنا ولا الشبهة وإن كان بعقد فاسد ولا المتعة .
وسابعها : كونه متمكناً منه عدواً ورواحاً، فلو كان بعيداً عنه لا يتمكّن منه فيهما ، وإن تمكن فى أحدهما دون الآخر أو فيما بينهما أو محبوساً لا يتمكن من الوصول إليه لم يكن محصناً، وإن كان قد دخل قبل ذلك .
وثامنها : كون الإصابة معلومة ويتحقق العلم بإقراره بها أو بالبينة لا بالخلوة ولا الولد لأنهما أعم.
(ثم صلّى عليه وورثه أهله ) فلو كان الزنا مع كونه كبيرة موجباً للكفر لما صلى عليه ولا وزته لعدم جواز الصلاة على الكافر وكون الكفر من موانع الإرث (و) كذلك (قتل) صلی الله علیه واله وسلم (القاتل وورث ميراثه أهله ) فلو كان القتل مع أنه كبيرة موجباً للكفر لما ورث أهله منه .
وهذا بظاهره يدل على أن المسلم لا يرث الكافر وهو خلاف المذهب لأن الكفر مانع من الإرث في طرف الوارث لا الموروث ، قال المحدّث العلامة المجلسي : ولعله إلزام عليهم .
أقول : وهو يتم لو كان مذهب الخوارج كونه مانعاً من التوارث من الطرفين وإلا فلا .
(و) كذلك (قطع) يد( السارق وجلد الزاني غير المحصن، ثمّ قسم عليهما من الفيء) ولم يجعل الشرقة والزنا مكفّراً مانعاً من تقسيم مال الإسلام إليهما (و) كذلك (نكحاً) أي السارق والزاني (المسلمات) ولم يمنعهما رسول الله من ذلك بل قررّهما عليه ، (فأخذهم ) أي هؤلاء المذكورين من أهل الكبائر (رسول الله بذنوبهم وأقام حق الله فيهم) وحده بجرمهم (ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ) من التوريث والتقسيم وتقرير النكاح وغيرها، (ولم يخرج أسمائهم من بين أهله ) أي أهل الإسلام ، وهذه كلها تدل على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج بذنبه من حد الإسلام إلى الكفر .
ثمّ نبّه على اتصافهم بالغفلة والجهالة ، وهلكهم في أودية الضلالة فقال : (ثم أنتم شرار النّاس ) بخروجكم على الإمام الحق وبغيكم على من هو بالأتباع أحق، (ومن رمى به الشيطان مراميه ) من طرق الضلال التي يقودكم بوساوسه إليها، (وضرب به تيهه) ووجه إليه (وسيهلك في صنفان محب مفرط ) مجاوز للحد (يذهب به الحب إلى غير الحق )كالغلاة وهم فرق كثيرة اتفق كلّهم لعنهم الله على إبطال الشرائع كما نبه عليه البرسي في «مشارق الأنوار».
منهم السبائية وهم أصحاب عبد الله بن سبأ وهو أول من غلا كما مرّ في شرح الكلام الثامن والخمسين، وكان يهودياً يتستر بالإسلام وينتحله ومذهبه أن الله لا يظهر إلا في أمير المؤمنين وحده، وأن الرسل كانوا يدعون إلى علي علیه السلام وأنّ الأئمة أبوابه فمن عرف أن علياً خالقه ورازقه سقط عنه التكليف ، وفي «شرح المعتزلي » قال السبائية إن عليّاً لم يمت والرّعد في السماء صوته والبرق ضوءه، وإذا سمعوا صوت الرعد قالوا السّلام عليك يا أمير المؤمنين .
ومنهم الخصيبية أصحاب يزيد بن الخصيب وعنده أن الله لا يظهر إلا في أمير المؤمنين والأئمة من بعده، وأن الرسل هو أرسلهم يحثون عباده على طاعته وإنّ عمر هو إبليس الأبالسة وأن ظلمة زريق قديمة مع نور عليّ لأن الظلمة عكس النور .
ومنهم المفوّضة وهم قالوا إنّ الله فوض الخلق والأمر والموت والحياة والززق إلى عليّ والأئمة علیه السلام، وإن الذي يمر بهم من الموت فهو على الحقيقة وإن الملائكة تأتيهم بالأخبار .
ومنهم من يقول : إن الله يحلّ في هذه الصورة ويدعو بنفسه إلى نفسه إلى غير ذلك من مزخرفاتهم التي لا يجوز تضييع الأوقات في نقلها وحكايتها، وفرقهم تزيد على عشرين حسبما ذكره البرسي في «مشارق الأنوار » وغيره، وبالجملة فهؤلاء كلهم هالكون لإفراطهم في المحبّة وادعائهم للإمام ما لا يرضي به وتجاوزهم فيه عن مرتبة العبودية إلى مرتبة الألوهية والربوبية .
(و) مثل هؤلاء في الاتصاف بالهلاك (مبغض مفرط يذهب به لبغض إلى غير الحق)
كالنواصب والخوارج، قال في« البحار» : وتقييد البغض بالإفراط لعله لتخصيص أكمل الأفراد بالذكر، أو لأن المبغض مطلقاً مجاوز عن الحد ، أو لأن الكلام إخبار عمّا سيوجد منهم مع أنّ فيه رعاية الازدواج والتناسب بين الفقرتين .
أقول: هذا كلّه بناء على كون لفظة مفرط من باب الأفعال ، وأما على كونها من باب التفعيل كما في بعض النسخ فلا حاجة إلى التكلف، (وخير الناس في حالاً النمط الأوسط) وهم التاركون لطرفي الإفراط والتفريط ، والمهتدون إلى الجادة الوسطى والصراط المستقيم السالك بهم إلى الجنان ، والموصل لهم إلى أعظم الرّضوان .
ولذلك أمر بلزومه بقوله : (فألزموه وألزموا السواد الأعظم ) أي جملة الناس ومعظمهم المتجمعين إلى طاعة السلطان العادل وسلوك المنهج المستقيم والنهج القويم (فإنّ يد الله على الجماعة) وهو كناية عن الحفظ والدفاع عنهم يعني أن الجماعة من أهل الإسلام في كنف الله سبحانه (وإياكم والفرقة ، فإن الشاذ من الناس) طعمة (للشيطان كما أنّ الشاذ من الغنم ) فريسة (للذئب).
ثمّ قال: (ألا من دعا إلى هذا الشعار) قال البحراني: أي مفارقة الجماعة والاستبداد بالرأي. وقال الشارح المعتزلي : يعني شعار الخوارج وكان شعارهم أنهم يحلقون وسط رؤوسهم ويبقون الشعر وسطه مستديراً حوله كالإكليل، وقيل شعارهم ما ينادون به في الحرب من قولهم : لا حكم إلا الله أو لا حكم إلا الله ، (فاقتلوه ولو كان ) الدّاعي (تحت عمامتي هذه) قيل: وهو كناية عن نفسه أي ولو كان الداعي أنا، وقال الشارح المعتزلي : أي ولو كان اعتصم واحتمى بأعظم الأشياء حرمة ، فلا تكفوا عن قتله .
ثمّ أشار إلى بطلان الصغرى ومنع كون التحكيم كبيرة بقوله: (وإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن ) يعني أن تحكيم الحكمين إنّما كان المقصود به التوصل إلى حكم القرآن من حيث إنه خط مستور بين الدفتين محتاج إلى الترجمان لا المطلوبيتهما بالذات حسبما مرّ في كلامه المائة والخامس والعشرين وشرحه، فالحكم في الحقيقة هو القرآن لا الرّجلان فوجدهما إنّما هو إحياء ما أحياه القرآن وإماتة ما أماته .
(وإحيائه الاجتماع عليه ) والاتباع له والالتزام على ما شهد باستصوابه واستصلاحه (وإماتته الافتراق عنه ) والتولي والإعراض عمّن شهد بضلاله (فإن كان جزنا القرآن إليهم اتبعناهم وإن جرهم إلينا اتبعونا ) ومن المعلوم أن القرآن إنّما كان يجرهم إليه علیه السلام إلا أن الحكمين خالفا حكم الكتاب ولم يحييا ما أحياه ولم يميتا ما أماته .
(فلم) آت لا أبا لكم بجراً) أي داهية وشراً (ولا ختلتكم) وخدعتكم (عن أمركم ولا لبسته عليكم ) أي ما جعلت الأمر مشتبهاً ومتلبساً عليكم ، ومحصله أني ما أتيت بشيء موجب للكفر
والضلال حتى تكفروني وتضللوني .
ثمّ أبطل زعمهم الفاسد واعتقادهم الكاسيد بوجه آخر أشار إليه بقوله (وإنّما اجتمع رأي ملائكم ) ورؤسائكم (على اختيار رجلين) يعني أني ما أقدمت على التحكيم برضاء واختيار مني وإنّما اجتمع رأي اشرافكم عليه وكنت مجبوراً فيه ومستكرهاً له ومع ذلك فقد (أخذنا عليهما أن لا يتعديا القرآن) ولا يخالفا حكمه (فتاها عنه وتركا الحق وهما يبصرانه) فنبذا الكتاب ونكبا عن سمت الهدى والصواب (وكان الجور هواهما فمضيا عليه ) وأقاما فيه (و) أيضاً ف- (قد سبق استثناؤنا عليهما في الحكومة بالعدل والصمد) أي القصد (للحق سوء رأيهما وجور حكمهما) يعني أنا اشترطنا عليهما في كتاب الصلح أن لا يتجاوزا حكم القرآن، ولا يحكما بهوى النفس وسوء الرّأي، فخالفوا (1)الكتاب المبين، وخانوا(2)في حق المسلمين، فكانت اللائمة في ذلك إليهما، والعبؤ عليهما، فلا يجب علينا إذا اتباع حكمهما فنضل ونخزى .
از جمله کلام آن حضرت است که فرمود به خارجیان بی ایمان :
پس اگر امتناع مینمایید از اطاعت مگر به جهت این که گمان فاسد می کنید که من خطا کردم و به ضلالت افتاده ام ، پس چرا گمراه میدانید عموم امت پیغمبر را به گمراهی من و اخذ میکنید ایشان را به خطای من و تکفیر میکنید آنها را به گناهان من ، شمشیرهای شما بر دوشهای شما ، مینهید آنها را بر محلهای سلامتی و بیماری و میآمیزید گناهکار را به غیر گنه کار و حال آن که به تحقیق عالم هستید به این که حضرت رسول (صلى الله عليه واله وسلم) سنگسار نمود زناکار صاحب زن را ، از آن نماز کرد بر او و داد میراث او را به وارثان او و به قتل آورد قاتل را از روی قصاص و ارث داد میراث او را به وراثان او و برید دست دزد را و تازیانه زد بر زناکننده غیر صاحب زن ، پس قسمت کرد بر ایشان از مال غنیمت و نکاح کردند آن دو نفر زنان مسلمه را ، پس مؤاخذه نمود به ایشان رسول الله (صلی الله علیه واله وسلم ) به جهت گناهان ایشان و اقامه نمود حق خدا را در ایشان و با وجود آن منع نفرمود که داشتند از اسلام و خارج نکرد نام ایشان را از میان اهل
ایشان را از سهمی اسلام.
شما شریرترین مردمانید و کسی هستید که انداخته است او را شیطان لعین
پس به مواضع انداختن خود و برده است او را به بیابان گمراهی خود و زود باشد که هلاك شود در حق من دو صنف : یکی دوست افراط کننده که ببرد او را آن دوستی به سوی غیر حق و یکی دشمن تقصیر کننده است که ببرد او را آن دشمنی به سوی غیر حق و بهترین مردمان در حق من از حیث حال جماعتی هستند که وسط باشند میان افراط و تفریط ، پس لازم شوید به آن جماعت و ملازم باشید به سواد اعظم ، پس به درستی که دست عنایت پروردگار بر سر جماعت است و بپرهیزید از تفرقه ، پس به درستی که شخصی که تنها شده است از خلق ، طعمه شیطان لعین است چنان چه تنها مانده از گوسفندان طعمه گرگ است.
آگاه باشید و بدانید هر کسی که بخواند مردمان را به سوی این شعار خارجیان ،
پس بکشید او را و اگرچه شود آن شخص در زیر عمامه من و جز این نیست که تحکیم ساخته شدند آن دو نفر حاکم تا اینکه زنده سازند چیزی را که زنده ساخته آن را قرآن و بمیرانند چیزی را که میرانیده آن را قرآن و زنده گردانیدن آن عبارت است از اجتماع و اتفاق به آن و میرانیدن آن عبارت است از افتراق از آن ، پس اگر کشیده بود ما را قرآن به سوی ایشان ، تبعیت ایشان میکردیم و اگر کشیده بود ایشان را به سوی ما ، متابعت می کردند ما را .
پس نیاوردم پدر مباد شما را به جهت شما شری را و فریب ندادم شما را از
کار شما و مشتبه نکردم آن کار را آن کار را بر شما و جز این و جز این نیست که که جمع شد رأی های رؤسای شما بر اختیار کردن دو مرد ، اخذ پیمان کردیم از ایشان که تجاوز نکنند از حکم قرآن ، پس متحیر و سرگردان شدند از آن و ترک کردند حق را و حال آن که می دیدند حق را و بصیر بودند به آن و بود ظلم و جور جور آرزوی ایشان ، پس بگذشتند به آن و حال آن که سابق شد استثنا کردن ما بر ایشان در حکم کردن به عدالت و قصد کردن مر حق سوء رای ایشان را و حکم به جور ایشان را ، یعنی در اول امر استثنا کرده بودیم که این دو نفر اگر اندیشه بد و حکم جور نمایند معتبر نخواهد شد.
وشرحها في فصلين :
يا أَحْنَفُ كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لاَ يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ ولا لَجَبٌ ولا قَعْقَعَةُ لُجُم ولا حَمْحَمَةُ خَيْلِ، يُثيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ .
قال السيد (رحمت الله) : يوميء بذلك إلى صاحب الزنج ثم قال علیه السلام : وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتي لَها أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ ، وخَراطيمُ كَخَراطِيم الْفِيَلَةِ مِنْ أُولئِكَ الَّذينَ لا يُنْتَذَبُ قَتيلُهُمْ ، ولا يُفتقد غائبُهُمْ ، أنا كاب الدُّنْيَا لِوَجْهِها، وقادِرُهَا بِقَدَرِها، وناظرها بعینها (1).
(الملحمة) هي الحرب أو الوقعة العظيمة فيها وموضع القتال ، مأخوذ من اشتباك الناس فيها كاشتباك لحمة الثوى بالسدى و(اللجب) محرّكة الجلبة والصياح و(القعقعة) تحريك الشيء اليابس الضلب مع صوت وتفسيره بحكاية صوت السلاح ونحوه غير مناسب للمضاف إليه و (اللجم) جمع اللجام ككتب وكتاب و (الحمحمة) صوت الفرس حين يقصر في الصهيل ويستعين بنفسه و (النعام) اسم لجنس النعامة ويقع على الواحد و (النسر) طائر معروف ويجمع على أنسر على وزن أفعل ونسور و (الفيلة) وزان عنبة جمع الفيل و (كيبت) فلان على وجهه تركته ولم ألتفت إليه، وكبه قلبه وصرعه .
قول السيد : (بالبصرة) إمّا ظرف لغو متعلق بقوله يخبر أو مستقر صفة (للملاحم) وكلاهما جائزان ، لأن هذه الخطبة قد خطب بها في البصرة كما أن تلك الملاحم كانت فيها، وجملة (وقد سار ) منصوبة المحل على الحال من وقوله (به)، والعامل محذوف والتقدير كأني
1) شرح مائة كلمة : 244 ، وبحار الأنوار : 250/32 ح 32 197.
أبصر به وقد سار وجملة ( يثيرون) حال من (الجيش)، والباقي واضح .
اعلم أن هذه الخطبة قد خطب بها في البصرة كما صرح به الشارح المعتزلي والشارح البحراني، والمستفاد من التأني أنّها من فصول الخطبة التي قدمنا روايتها منه في شرح الكلام الثالث عشر، وأنه علیه السلام يخطبها بعد الفراغ من حرب أهل البصرة ووقعة الجمل على ما تقدّم ثمّة وهو من جملة الأخبار الغيبية له علیه السلام .
وهذا الفصل كما نبه عليه السيد (رحمت الله) إشارة إلى خروج صاحب الزنج وهو رجل اسمه أنّه عليّ بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال الشارح المعتزلي : وأكثر الناس يقدحون في نسبه خصوصاً الطالبيون وجمهور النسابين اتفقوا على أنه من عبد القيس وأنه علي بن محمد بن عبد الرحيم، وأمه أسدية من أسد بن خزيمة جده محمد بن حكيم الأسدي من أهل الكوفة أحد الخارجين مع زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، وذكر المسعودي في «مروج الذهب» أن أفعال علي بن محمد صاحب الزنج تدل على أنه لم يكن طالبياً وتصدق ما رمى به من دعوته في النسب، لأن ظاهر
حاله كان ذهابه إلى مذهب الأزارقة في قتل النساء والأطفال والشيخ الفاني والمريض.
وكيف كان فقد كان ظهوره في البصرة في سنة خمس وخمسين ومائتين، فتبعه الزنج الذين كانوا يسبخون السباخ في البصرة وكان أكثر أتباعه في أول أمره عبيد الدهاقين بالبصرة، واستمالهم إلى الفتنة بالمواعد واستنقاذهم من أيدي ساداتهم واستخلاصهم من سوء الحال وما يلقونه من شدّة العبودية والخدمة ومناهم أن يجعلهم قوّاد جيشه، ويملكهم الضياع والأموال، وحلف لهم بالأيمان المغلظة أن لا يخدع بهم ولا يخذلهم ولا يدع شيئاً من الإحسان إلا أتى إليهم، واجتمع إليه السودان من كل جهة، وتبعه جمع كثير من غيرهم، وفعل بأهل البصرة ما هو مشهور وفي كتب السير مسطور مأثور، وقد ذكره الشارح المعتزلي على تفصيله وغيرهم من أراد الإطلاع، فليراجع إليه .
إذا تمهد ذلك فلنعد إلى شرح كلامه فأقول : قوله : (يا أحنف ) قيل كان اسمه صخر وقيل الضحاك بن قيس بن معاوية من بني تميم وكنيته أبو بحر شهد مع أمير المؤمنين علیه السلام الجمل ولم يشهد صفين مع أحد الفريقين قال البحراني : والخطاب مع الأحنف، لأنه كان رئيساً ذا عقل وسابقة في قومه وبسببه كان إسلام بني تميم حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فلم يجيبوا ، فقال لهم الأحنف: إنه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق فأسلموا وأسلم الأحنف .
(كاني به) أي علي بن محمد صاحب الزنج (وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار )أصلاً أو الغبار الشديد الذي جرت العادة بسطوعها عند مسير الجيوش والفرسان وثورانها من
حوافر الخيل (ولا لجب) وصياح (ولا قعقعة لجم ولا حمحمة خيل )إذ لم يكونوا ركباً بل كانوا مشاة حفاة (يثيرون الأرض بأقدامهم كأنها أقدام النعام) تشبيه أقدامهم بأقدام النعام لكونها فی الأغلب قصاراً عراضاً منتشرة الصدر مفرّجات الأصابع كما في النعام ، وأراد بإثارتهم الأرض بأقدامهم شدّة وطئهم لها ، وكنّى بها عنها وما قيل : من أن المعنى أنهم يثيرون التراب بأقدامهم لأن أقدامهم في الخشونة كحوافر الخيل ففيه أنه لا يلائم ظاهر قوله لا يكون له غيار إلا أن يحمل المنفي على الغبار الشديد حسبما قدمناه .
ثم قال: (ويل لسكككم العامرة ) أي لطرقكم المستوية وأزقتكم المعمورة (والدور المزخرفة) المموّهة بالزخرف والذهب (التي لها أجنحة كأجنحة النسور) أراد بأجنحة الدور رواشنها وما يعمل من الأخشاب والبواري بارزة عن السقوف حفظاً للحيطان وغيرها عن الأمطار وشعاع الشمس (وخراطيم كخراطيم الفيلة ) أراد بخراطيمها ميازيبها التي تعمل من الخوص على شكل خرطوم الفيل وتطلى بالقار يكون نحواً من خمسة أذرع أو أزيد تدلى من السطوح ليسيل منها ماء المطر ويحفظ السطوح والحيطان (من أولئك الذين لا ينتدب قتيلهم) قيل إنه وصف لهم لشدّة البأس والحرص على القتال ولا يبالون بالموت، وقيل: لأنهم كانوا عبيداً غرباء لم يكن لهم أهل وولد ممّن عادتهم الندبة (ولا يفتقد غائبهم ) لكثرتهم وكونهم إذا
قتل منهم قتيل سد مسده غيره ، أو لكونهم غرباء ليس لهم أقرباء من شأنهم افتقاد الغائب .
ثم قال : (أنا كاب الدنيا لوجهها ) كناية عن عدم التفاته إليها كما حكى مثله عن عيسى أنه قال : أن الذي كببت الدنيا على وجهها ليس لي زوجة تموت ولا بيت يخرب وسادي الحجر وفراشي المدر وسراجي القمر، أو أراد به علمه بأسرارها وبواطنها كما يقال قلب الأمر ظهراً لبطن .
(وقادرها بقدرها ) أي معامل لها بمقدارها (وناظرها بعينها ) أي ناظر إليها بعين البصيرة والعبرة ، أو أنظر إليها نظراً يليق بها وهو نظر الحقارة والذلة.
كما يشهد به ما رواه في «غاية المرام »من رسالة الأهواز للصادق علیه السلام قال: قال علي بن الحسين سمعت أبا عبد الله الحسين عليهما السلام يقول : حدثني أمير المؤمنين علیه السلام قال : إني كنت بفدك في بعض حيطانها وقد صارت لفاطمة ، قال : فإذا أنا بامرأة قد قحمت عليّ وفي يدي مسحاة أعمل بها، فلما نظرت إليها طار قلبي مما تداخلني من جمالها، فشبهتها بثنية بنت عمر الجمحي وكانت من أجمل نساء قريش ، فقالت : يا ابن أبي طالب هل لك أن تزوّج بي فأغنيك عن هذه وأدلك على خزائن الأرض فيكون لك المال ما بقيت ولعقبك من بعدك ؟ فقلت لها : من أنت حتى أخطبك من أهلك؟ قالت : أنا الدنيا، قلت لها : ارجعي واطلبي زوجاً غيري ، وأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول:
لقد خاب من غرته دنيا دنيّة *** وما هي إن غرت قروناً بطائل
أتتنا على زيّ العزيز ثنية *** وزينتها في مثل تلك الشمائل
فقلت لها غري سواي فإنّني *** عزوف عن الدنيا ولست بجاهل
وما أنا والدنيا فإن محمداً *** أحلّ صريعاً بين تلك الجنادل
وهبها أتتنا بالكنوز و درها *** وأموال قارون وملك القبائل
أليس جميعاً بالفناء مصيرها *** تطلب من خزانها بالطوائل
فغرّي سواي إنني غير راغب *** بمافيك من ملك وعز ونائل
فقد قنعت نفسي بما قد رزقته *** فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل
فإنّي أخاف الله أخاف الله يوم لقائه *** وأخشى عذاباً دائماً غير زائل (1)
فخرج من الدنيا وليس في عنقه تبعة لأحد حتى لقى الله سبحانه محموداً غير ملوم ولا مذموم، ثم اقتدت به الأئمّة من بعده بما قد بلغكم لم يتلطخوا بشيء من بوائقها صلّى الله عليهم أجمعين وأحسن مثواهم.
1) وسائل الشيعة 152/12 ، وعدة الداعي : 110.
از جمله خطب شریفه آن سرور دین و قدوه ارباب یقین است در آن چه خبر می دهد به آن از وقایع عظیمه در شهر بصره به این نحو که می فرماید:
اى أحنف گویا من نظر میکنم به آن شخص در حالتی سير که کند بالشگری که نباشد مر آن را گرد و غباری و نه آواز هائلی و نه صدای حرکت لجامها و نه آواز اسب ها ، بشورانند خاک را به قدمهای خود گویا که قدم های ایشان قدم های شتر مرغان است در پهنایی و کوتاهی و در گشادگی انگشتان . اشاره می فرماید آن حضرت به این کلام به علی بن محمّد رئیس لشگر زنگیان.
بعد از آن فرمود :
وای در آن زمان به راههای آبادان شما و به خانهای زراندودی که مر آنها را است بالها مثل بالهای کرکسان و خرطومها مانند خرطومهای فیلان از این لشگری که گریسته نشود بر مقتولان ایشان و جسته نشود غایبان ایشان ، من افکننده دنیا هستم به روی او ، یعنی بی اعتنا هستم به آن و اندازه کننده اویم به اندازه آن و نظر کننده اویم به چشمی که مناسب و لایق او هست.
كَأَنى أراهُمْ قَوْماً كَأَنْ وُجُوهَهُمُ الْمَجانُ الْمُطْرَقَةُ ، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيباج، ويُعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِناقَ ، ويَكُون هنالِكَ استخرارُ قَتْلِ حَتَّى يَمْشِي المَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، ويَكُونُ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُور.
فقال له بعض أصحابه : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب؟ فضحك علیه السلام وقال للرّجل وكان كلبيّاً : يا أخا كَلْبِ لَيْسَ هُوَ بِعِلْم غَيْب وإِنَّما هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذي عِلم، وَإِنَّما عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: 34] الآية، فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ ما فِي الأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وقبيح أَوْ جَميلٍ، وَسَخِي أَوْ بَخِيلٍ، وشَقِي أَوْ سَعِيدِ ، وَمَنْ يَكُونُ في النّارِ حَطباً، أَوْ فِي الْجِنانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرافقاً، فَهَذا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ إِلا اللَّهُ، وَمَا سِوى ذلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ صلی الله علیه واله وسلم فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيهُ صَدْري، وتضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوانِحي (1).
(المجان) بفتح الميم وتشديد النون جمع المجن بكسر الميم وهو الترس أو المجنة بالكسر أيضاً كالمحاش والمحشة وهو الدبر إلا أنه بالفتح وهو مأخوذ من الجن وهو الستر كأن التّرس يستتر به ومنه الجن لاستتاره عن النظر والجنين لاستتاره في الرحم، والمجنون لإستار عقله، والجنان للقلب والجنّة لإلتفافها بالأشجار واستتارها بها وقال سبحانه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اَلَّيْلُ أي ستره .)و(المطرقة وزان مكرمة من باب الأفعال قال في «القاموس» والمجان المطرقة كمكرمة الذي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة المخصوفة، ويروي المطرقة بالتشديد كمعظمة أي التي طرق وركب بعضها على بعض ، وأطراق البطن ما ركب بعضها على بعض، والطراق كلّ خصيفة يخصف بها النّعل ويكون حذوها سواء، وكلّ صنعة على حذو ، وجلد النّعل وأن يقوّر جلد على مقدار التّرس فيلزق بالتّرس .)و(السرق محرّكة شقق الحرير الأبيض أو الحرير عامة والواحدة سرقة و(يعنقبون الخيل))
1) الإيضاح : 467 ، وشرح مائة كلمة : 247 .
أي يحتبسونها ويرتبطونها من اعتقب السلعة إذ أحبسها من المشتري ليقبض الثّمن أو يجبنونها لينتقلوا من غيرها إليها ، و(اضطم الشيء جمعه إلى نفسه ، و(الجوانح) الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر ويروي جوارحي بدل جوانحي .)#### الإعراب(قوماً منصوب على البدل من ضمير الجمع في (أراهم) وإبدال الظاهر من الضمير الغائب لا غبار عليه بتصريح علماء الأدبية، وجملة (يلبسون) منصوبة المحل على الحال من ضمير الجمع أيضاً، والإضافة في (أخا كلب ) لانتسابه إلى تلك القبيلة وهي من الإضافات الشائعة في لهجة العرب والرابط إلى الموصول في قوله (لا يعلم ) أحد محذوف.)#### المعنىاعلم أنّ الموجود في نسخ «النهج » غير نسخة الشارح البحراني عنوان هذا الفصل بلفظ : منها، وأما نسخة الشارح فالعنوان فيها بقوله : ومن كلام له علیه السلام وهو يفيد كون ذلك كلاماً مستقلاً لا من فصول الكلام السابق والأمر سهل .قال السيد (رحمت الله: ويومىء به إلى وصف الأتراك، وهم أمة تسمون بالتتار، وكانت مساكنهم في أقاصي بلاد المشرق في جبال خاج من حدود الصين ، وبينهم وبين بلاد الإسلام التي ما وراء النهر ما يزيد على مسير ستة أشهر، وكان عددهم في الكثرة متجاوزاً عن حد الإحصاء، وكانوا من أصبر الناس على القتال لا يعرفون الفرار ، ويعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم ومن أصبر خلق الله على الجوع والعطش والشقاء، يأكلون الميتة والكلاب والخنازير، وكانت ثيابهم من أخشن الثياب ، ومنهم من يلبس جلود الكلاب والدواب الميتة، وهم أشبه شيء بالوحش والسباع ، وكان جنكيز خان رئيسهم وابن رئيسهم ، وما زال سلفه رؤساء تلك الجهة، وكان شجاعاً مدبراً عاقلاً موفقاً منصوراً في الحرب فأحب الملك وطمع في البلاد فنهض بمن معه من أقاصي الصّين ، إلى حدود تركستان في سنة ستة عشر وستمائة، وحارب الملوك ملوك الخطأ وقفجاق وما وراء النهر وخراسان والعراقين وآذربيجان وأرمنية والشام وغيرها، وملك هذه البلاد، وقتل من الذكور والإناث في كل ما مز عليه جيشه من البلدان ما لا يحصى عددهم إلا الله سبحانه، وقد نهبوا أكثر ما مروا عليه من المدن والقرى، وأحرقوه وخربوه واستأصلوا أهله ، وسبوا الحرم، واسترقوا الغلمان، وفعلوا كل قبيح منكر)فيها، ولم يتركوا من الظلم والجور على المسلمين والمعاهدين شيئاً على ما هو في كتب التواريخ والسير مسطور ، وفي الألسنة إلى زماننا هذا وقد مضى من زمانه نحواً من سبعمائة سنة مشهور مأثور، وكان ظهورهم في عصر الشارح المعتزلي، فأورد طرفاً من حالهم ووقائعهم في الشرح من أراد الإطلاع، فليراجع إليه .
إذا تمهد لك ذلك فأقول : إنه علیه السلام يخبر عن حالهم ويقول: (كأني أراهم قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة تشبيهها بالمجان في الاستدارة والعظم والانبساط وتوصيفها بالمطرقة للخشونة والغلظة (يلبسون السّرق والديباج )ولا منافاة ذلك وبين ما قدّمنا من كون لباسهم أخشن اللباس، لأن ما قدمناه كان في بدو حالهم وذلك بعد ما ظهرت دولتهم وعلا أمرهم ، أو أن ذلك وصف حال الرؤساء، وما قدمنا وصف ثياب الأتباع مع أنّه لا داعي إلى الجمع لأن ما تقدم من نقل أرباب التواريخ وكلام الإمام هو الصحيح الأحق بالأتباع .)(ويعتقبون الخيل العناق أي يحتبسونها لينتقلوا من غيرها إليها عند الحاجة ومقام الضرورة (ويكون هناك استحرار قتل) وشدته (حتى ) ينتهي الأمر إلى أن (يمشي المجروح) منهم (على المقتول) منهم لعدم مبالاة الجرحى بقتل القتلى أو من مقاتليهم فيكون إشارة إلى كونهم مجروحين وكون مقابليهم مقتولين( ويكون المفلت) الناجي من أيديهم (أقل من المأسور فقال له بعض أصحابه لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فضحك علیه السلام) .)قال الشارح المعتزلي : وسرّ هذا الضحك أنّ النبي والولي إن تجددت عنده نعمة الله سبحانه أو عرف الناس وجاهته عند الله فلا بد أن يسرّ بذلك، وقد يحدث الضحك من السّرور وليس ذلك بمذموم إذا خلا من التيه والعجب وكان محض السّرور وقد قال سبحانه :(الفَرِحِينَ بِمَا وَاتَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ [آل عمران: 170]. أقول : وفي هذا المعنى قوله سبحانه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِتْ [الضحى: 11] ، فإنّ التحدث بالنعمة أعني إظهارها وإشاعتها قد يكون الداعي إليه هو العجب والشهرة وإظهار الكبر والنخوة به على الخلق فهو قبيح محرّم مذموم ، وقد يكون السبب له محض إظهار أنها ممّا منَّ الله سبحانه بها عليه فيشكر عليه ويحمد له ، وهذا حسن ممدوح مأمور به في الآية وإليه الإشارة في الحديث بقوله : والتحديث بنعمة الله شكر وتركه كفر .
وقال الصادق علیه السلام في رواية «الكافي» : إذا أنعم الله بعبده بنعمة فظهرت عليه سمي حبيب الله محدثاً بنعمة الله، وإذا أنعم الله على عبده بنعمة فلم تظهر عليه سمي بغيض الله مكذباً بنعمة الله (1).
(وقال علیه السلام للرجل وكان كلبياً : يا أخا كلب ليس هو ) أي ما أخبرت به من خبر الأتراك (بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم ) أراد به رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كما سيصرح به (وإنما علم الغيب) هو العلم بأمور خمسة أشار إليها سبحانه في سورة لقمان وهو (علم الساعة وما عدّده الله سبحانه بقوله :
1) الكافي: 3،438/6، ووسائل الشيعة : 5 / 8 - 5749.
(إنّ اللّهَ عِندَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكسِبُ غدا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِي أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [لقمان : 34].
يعني عنده سبحانه علم وقت قيامها واستأثر به ولم يطلع عليه أحد من خلقه، ويعلم نزول الغيث في مكانه وزمانه ، ويعلم ما تحمله الحوامل (فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد ومن يكون في النار حطباً أو في الجنان للتبتين مرافقاً) وما تدري نفس ماذا تكسب غداً من خير أو شرور بما تعزم على شيء فتفعل خلافه وقيل ما يعلم بقائه غداً فكيف يعلم تصرفه، وما تدري نفس في أي أرض تموت وقيل إنّه إذا أرفع خطوة لم يدر أنه يموت قبل أن يضع الخطوة أم لا .
(فهذا ) أي ما ذكر من العلم بالأمور الخمسة المعدودة (علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله سبحانه وما سوى ذلك فعلم علمه سبحانه نبيه صلی الله علیه واله وسلم فعلمنيه) رسول الله بإذن من الله (ودعا لي بأن يعيه) أي يحفظه (صدري وتضطم عليه جوانحي ) أي يضبطه قلبي ويشتمل عليه، وكنى بالجوانح عن القلب لاشتمالها عليه.
أقول : ومحصل ما استفيد من كلامه أن ما أخبر به من خبر الأتراك ونحوه مما يكون ويحدّث به في غابر الزمان فليس هو من علم الغيب وإنّما علم الغيب هو العلم بالأمور الخمسة المعدودة في الآية الشريفة إلا أنه يشكل بوجهين.
أحدهما : أنّه كيف يمكن نفي علم الغيب عمّا أخبر به مع أنك قد عرفت في شرح
الفصل الثاني من الخطبة التسعين أن الغيب عبارة عمّا غاب عن الخلق علمه وخفي مأخذه، ومن المعلوم أن الحوادث التي تحدث والملاحم التي تقع في غابر الزمان ممّا هو غائب عن نظر الخلق وحواسهم.
وثانيهما: أنه كيف يصلح حصر علم الغيب في الأمور الخمسة فإنّه بعدما كان المدار على التعلم من ذي علم فلا تفاوت حينئذ بين تلك الأمور وغيرها ، لا مكان العلم بها بتعليم ذي العلم، بل هو واقع ، وتحقيق المقام يحتاج إلى بسط في الكلام لكونه من مزال الأقدام .
فأقول بعد الاعتصام بالملك العلام والتمسك بذيل أئمة الأنام عليهم الصّلاة والسّلام : إن مقتضى بعض الأدلة هو اختصاص علم الغيب بالله سبحانه ونفيه عمّن سواه تعالى ، ومقتضى البعض الآخر إثباته لغيره تعالى من الأنبياء والأئمة والملائكة والرسل عليهم السلام، ومفاد طائفة ثالثة من الأدلة هو التفصيل.
أما الأدلة الأولى فمنها قوله تعالى في سورة الأنعام: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هو [الأنعام (59] وفي سورة الأعراف: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّفَ السُّوء [الأعراف: 188]، وفي سورة يونس وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ وَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا
الغيب لِلّهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ [يونس : 20] وفي سورة هود والنحل، (ووَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النحل: 77] ، وفي سورة النمل (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا الله) [النمل: 65] ، وبمعناها آيات وأخبار أخر . وأما الأدلة الثانية فمثل ما دلّ بعلم المدبّرات من الملائكة بأوقات وقوع الحوادث، وما دل بعلم ملك الموت بأوقات الآجال، وما دلّ على أخبار الأنبياء بالمغيبات، وما دلّ على علم النبي والأئمة بما كان وما يكون وما هو كائن.
كما في «البحار» من «بصائر الدرجات » عن ابن معروف عن حماد عن حريز عن أبي بصير عن أبي جعفر علیه السلام قال : سئل علي علیه السلام عن علم النبي فقال : علم النبي علم جميع النبيين وعلم ما كان وعلم ما هو كائن إلى قيام الساعة، ثم قال: والذي نفسي بيده إنّي لأعلم علم النبي وعلم ما كان وعلم ما هو كائن فيما بيني وبين قيام الساعة (1)
وفيه أيضاً من «البصائر» عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن يونس عن الحرث بن مغيرة وعدة من أصحابنا فيهم عبد الأعلى وعبيدة بن عبد الله بن بشر الخثعمي وعبد الله بن بشير سمعوا أبا عبد الله علیه السلام يقول : إني لأعلم ما في السماوات وأعلم ما في الأرضين وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون ، ثم مكث هنيهة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه فقال : علمت من كتاب الله إن الله يقول : فيه تبيان كلّ شيء (2).
وفيه من «مصباح الأنوار » بإسناده إلى المفضل قال : دخلت على الصادق علیه السلام ذات يوم فقال لي: يا مفضل هل عرفت محمّداً وعليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام كنه معرفتهم؟ قال : يا مفضّل من عرفهم كنه معرفتهم كان مؤمناً في السنام الأعلى، قال : قلت : عرفني ذلك يا سيدي ، قال : يا مفضل تعلم أنّهم علموا ما خلق الله عزّ وجلّ ، وذَراهُ وبَراهُ وأنهم كلمة التّقوى وخزان السماوات والأرضين والجبال والرمال والبحار، وعلموا كم في السماء من نجم وملك ووزن الجبال وكيل ماء البحار وأنهارها وعيونها ، وما تسقط من ورقة إلا علموها ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، وهو في علمهم، وقد علموا ذلك ، فقلت : يا سيدي قد علمت ذلك وأقررت به وآمنت، قال: نعم يا مفضل ، نعم يا مكرم ، نعم يا محبور (3)، نعم يا طيب طبت وطابت لك الجنّة ولكلّ مؤمن بها (4).
وفي «الكافي » عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي حمزة قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : لا والله لا يكون عالم جاهلاً أبداً، عالماً بشيء جاهلاً بشيء ، ثم قال : الله أجلّ وأعزّ وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه ، ثم قال : لا يحجب ذلك عنه (1).
إلى غير ذلك من الأخبار المتظافرة بل المتواترة الدالة على عموم علمهم عليهم السلام بما في الآفاق والأنفس، وعلى كونهم أعرف بطرق السماء من طرق الأرض، وكونهم شهداء على النّاس والشهادة فرع العلم ومعرفتهم على الناس لحقيقة الإيمان وحقيقة الكفر وعلمهم بعدد أهل الجنة وأهل النّار، وغير ذلك مما كان أو يكون وقد مضى كثير من تلك الأخبار في شرح الخطب السابقة ، ولا حاجة إلى الإعادة المفضية إلى التكرار والإطالة .
وأمّا الطائفة الثالثة الأدلة من فيستفاد منها التفصيل وبه يجمع بين الأدلتين المتقدمتين ويقيد إطلاقهما أو يخصص عمومهما ووجه الجمع أمور ثلاثة :
أن يكون المراد بالأدلة الأولى الحاصرة للغيب في الله سبحانه النافية له عن غيره أنه سبحانه عالم به بذاته لا يعلمه غيره كذلك فيكون المراد بالأدلة الأخرى أنّ غيره يعلم الغيب بعلم مستفاد منه سبحانه بوحي أو إلهام أو نكت في القلوب ونقر في الأسماع أو غير ذلك من جهات العلم .
ويدلّ على ذلك : قوله سبحانه في سورة آل عمران : و وَمَا كَانَ اللهُ يُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاهُ [آل عمران (179] وفي سورة الجن : عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا [الجن: 26 -27 ].)روى في «الصافي» عن «الخرائج » عن الرّضا علیه السلام في هذه الآية قال : فرسول الله عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة (2.)ويأتي في رواية «الكافي» و«البحار» من «البصائر» عن أبي جعفر علیه السلام أنه قال في هذه الآية، وكان محمد ممّن ارتضاه ، ومضى في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة السادسة والثمانين في رواية «البحار» قول أمير المؤمنين لسلمان : يا سلمان أمّا قرأت قول الله عزّ وجلّ
حيث يقول: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولِ [الجن: 26 - 27] ، فقلت : بلى يا أمير المؤمنين ، فقال أنا ذلك المرتضى من الرسول الذي أظهره الله عزّ وجلّ على غيبه (1).)أقول : والمستفاد من هذه الرواية كون لفظة (من في قوله من رسول الله ابتدائية، كما أنّ المستفاد من الروايتين السابقتين كونها بيانية ولا منافاة لأنّ هذا تأويل للباطل وما تقدّم تفسير للظاهر كما هو ظاهر، هذا .)وقال الطبرسي في تفسير هذه الآية : ثم استثنى فقال إلا من ارتضى من رسول، يعني الرسل، فإنّه يستدلّ على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب فيكون آية ومعجزة لهم، ومعناه أن من ارتضاه واختاره للنبوّة والرسالة فإنّه يطلعه على من شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة وهو قوله : ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: 27] . والرّصد الطريق أي يجعل له إلى علم ما كان من قبله من الأنبياء والسّلف وعلم ما يكون بعده طريقاً (2)
وقال (رحمت الله) في قوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [هود: 123] : معناه والله علم ما غاب في السماوات والأرض لا يخفى عليه شيء منه، ثمّ قال (رحمت الله) وجدت بعض المشايخ ممّن يتّسم بالعدل والتشيّع قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره فقال : هذا يدل على أن الله تعالى يختص بعلم الغيب خلافاً لما تقول الرافضة : إنّ الأئمة عليهم السلام يعلمون الغيب، ولا شك أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الاثنى عشر ويدين بأنّهم أفضل الأنام بعد النبي عليهم السلام، فإنّ هذا دأبه وديدنه، فهو يشنّع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم وينسب القبائح والفضائح إليهم ولا نعلم أحداً استجار الوصف بعلم
الغيب لأحلا لأحد حد من الخلق، وإنّما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا يعلم مستفاد ، وهذه صفة القديم سبحانه ، العالم لذاته لا يشركه فيه أحد من المخلوقين، ومن اعتقد أنّ غير الله الله سبحانه يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملة الإسلام (3).
وأما ما نقل عن أمير المؤمنين علیه السلام ورواه عنه الخاص والعام من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرهما كإخباره عن صاحب الزنج وعن ولاية مروان بن الحكم وأولاده وما نقل من هذا الفن عن أئمة الهدى عليهم السلام، فإن جميع ذلك ملقى من النبي مما اطلعه الله عليه ، فلا معنى لنسبة ما روى عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين
بالغيب، وهل هذا إلا سب قبيح وتضليل لهم بل تكفير ولا يرتضيه من هو بالمذهب خبير ، والله يحكم بينه وبينهم وإليه المصير (1).
وفي «البحار» من «بصائر الدرجات » بإسناده عن عبد الأعلى وعبيدة بن بشير قال : قال أبو عبد الله ابتداء منه : والله إنّي لأعلم غيب السّماوات والأرض وما في الجنة وما في النار وما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، ثم قال : أعلمه من كتاب الله أنظر إليه هكذا ثم بسط كفّيه ثم قال : إنّ الله يقول (2)
(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَين يَدَيْهِ ﴾ [المائدة : 48] .
وفيه من «مجالس المفيد » بإسناده عن أبي المغيرة قال : كنت أنا أبي المغيرة قال : كنت أنا ويحيى بن عبد الله الحسين عند أبي الحسن علیه السلام فقال له يحيى جعلت فداك إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب؟ قال : سبحان الله ضع يدك على رأسي فوالله ما بقيت شعرة فيه ولا جسدي إلا قامت، ثم قال : لا والله ما هي إلا وراثة عن رسول الله (3).
يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت وما عرفني إلا الله وأنت وما عرفك إلا الله وأنا إرشاد القلوب 209/2 ، ومشارق انوار اليقين : 112 ورمز له بالصحة ..
وقال صلی الله علیه واله وسلم مخاطباً علياً علیه السلام :«هذا رجل لا يعرفه إلا الله ورسوله .. مشارق انوار اليقين : 112 وكيف يُعرف علي وهو القائل :
«بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة نهج البلاغة : 53 الخطبة 5 والارشية الحبال والطوي البشر والتذكرة الحمدونية : 91/1 166 بلفظ : لقد اندمجت .
ويصف الإمام الصادق علیه السلام هذا العلم ليقول : ان عندنا والله سراً من سرّ الله وعلماً من علم الله والله ما يحتمله ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن قلبه للايمان والله ما كلف الله ذلك أحداً غيرنا ولا استعبد بذلك أحداً غيرنا .
وان عندنا سراً من سرّ الله وعلماً من علم الله أمرنا بتبليغه فبلغناء عن الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه ». أصول الكافي : 1 / 402 باب حديثهم صعب مستصعب ح 5 ، وبحار الانوار 25/ 385 باب غرائب أفعالهم ح 44 .
سبب اخفاء النبي للعلم الرباني
آل محمد صلی الله علیه واله وسلم كانوا يخفون كثيراً من علومهم حتى أخبروا أنفسهم بالعلة وهي عدم الكتمان، فعن أبي عبد الله علیه السلام : «والله لو أن على أفواههم أوكية لأخبرت كل رجل منهم ما لا يستوحش إلى شيء، ولكن فيكم الإذاعة والله بالغ أمره بحار الانوار: 26 / 141 ح 13 باب انه لا يحجب عنهم شيء وعن الإمام الباقر علیه السلام : « لو كان لألسنتكم أوعية لحدثت كل امرىء بما له وعليه . بحار الانوار: 26 / 149 ح 34 باب انه لا يحجب عنهم شيء .
وقال الإمام زين العابدين علیه السلام :
اني لأكتم من علمي جواهره *** كيلا يرى الحق ذو جهل فيفت
وقد تقدم في هذا أبو حسن *** إلى الحسين ووصى قبله الحسنا
يارب جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت تمن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا
الأصول الأصيلة : 167 ، وغرر البهاء الضوي: 318 ، ومشارق انوار البقين ،17 ، وجامع الأسرار : 35 ع 66 .
وقال الإمام الصادق علیه السلام لمن سانه عن سبب رفع النبي عليا علیه السلام على كتفه ؟
فقال : «ليعرف الناس مقامه .
ورفعته فقال : زدني ؟
فقال علیه السلام : ليعلم الناس انّه أحق بمقام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .
فقال : زدني ؟
فقال : « ليعلم الناس انه إمام بعده والعلم المرفوع .
فقال : زدني ؟
فقال : هيهات والله لو أخبرتك بكنه ذلك لقمت عني وأنت تقول ان جعفر ابن محمد كاذب في قوله أو مجنون ». مشارق انوار اليقين : 17 .
وقال الإمام الصادق علیه السلام : خالطوا الناس بما يعرفون ودعوهم مما ينكرون ولا تحملوا على أنفسكم وعلينا ؛ إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان ، الأصول الأصيلة : 169 .
وقال علیه السلام: « لا تذيعوا سرنا ولا تحدّثوا به عند غير أهله فان المنيع سرنا أشدّ علينا من عدوّنا »، الخرائج والجرائح : 267 باب 7 .
وقد بيّن الإمام العسكري علیه السلام علة عدم اخبارهم بالأمور بالأمور الغيبية بقوله لموسى الجوهري : ألسنا قد قلنا لكم لا تسألونا عن علم الغيب، فنخرج ما علمنا منه ما علمنا منه إليكم، فيسمعه من لا يطيقه إستماعه فيكفر ... الهداية
الكبرى : 334 باب 13 .
على أن الظروف التي كان يعيشها النبي صلی الله علیه واله وسلم وكذلك بعض الأئمة كانت مختلفة فرسول الله صلی الله علیه واله وسلم كان في بداية الدعوة الإسلامية وقريب عهد بالجاهلية .
بينما أمير المؤمنين علیه السلام جاء بعده بسنوات، وهكذا الأئمة واحداً بعد واحد .
وإذا أردنا أن نبرم هذا الكلام فلا بأس بنقل كلام لسماحة الشيخ محمد الحسين المظفر الذي يصلح أن يكون جواباً عن هذا المطلب قال بعد أن ذكر توقف الرسالة على علم النبي صلی الله علیه واله وسلم يا لها بكل الأشياء : فعلم الرسول بالعالم وإحاطته بما يحدث فيه وقدرته على تعميم الاصلاح للداني والقاصي والحاضر والباد؛ من أسس تلك الرسالة العامة وقاعدة لزومية لتطبيق تلك الشريعة الشاملة .
غير ان الظروف لم تسمح لصاحب هذه الرسالة صلی الله علیه واله وسلم أن يظهر للأمة تلك القوى القدسية والعلم الرباني الفياض ، وكيف يعلن بتلك المواهب والاسلام غض ،جديد والناس لم تتعرّف تعاليم الإسلام الفرعية بعد ؟!
فكيف تقبل أن يتظاهر بتلك الموهبة العظمى وتطمئن إلى الايمان بذلك العلم، بل ولم يكن كل قومه الذين انضووا تحت لوائه من ذوي الايمان الراسخ، وما خضع البعض منهم للسلطة النبوية إلا بعد اللتيا والتي وبعد الترهيب والترغيب . علم الإمام: 9 . 10 .
أقول : عدم افصاح النبي الأعظم صلی الله علیه واله وسلم عن كنه علمه كان بالنسبة لعامة الناس.
وإلا فقد أفصح لخاصة أصحابه عن كنه حقيقته وحقيقة علمه، بل وفي بعض الأحيان كان يفصح للكثير من الصحابة عن بعض الأمور الغيبية أو الغامضة الجديدة، كما تقدّم في كثير من الأحاديث حول عالم الأنوار، وأنّه كان حول العرش هو وآله، وأنه كان نبياً وآدم بين الطين والماء .
إضافة إلى أحاديث أمير المؤمنين علیه السلام في وصف النبي الأعظم وعلمه وأنّه علَّمه الف باب من العلم يفتح منه ما أراد، والذي يشعر بأنه ليس تعليماً كسبياً، بل إشارة إلى المنحة الربانية التي أفاضها النبي على محمد (عليهم السلام).
وفي «الكافي» عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن معمر بن
خلاد
قال: سأل أبا الحسن علیه السلام رجل من أهل فارس فقال له : أتعلمون علم الغيب فقال قال أبو جعفر : يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنّا فلا نعلم ، وقال : سر الله عزّ وجلّ أسره إلى جبرئيل وأسرّه جبرئيل إلى محمد صلی الله علیه واله وسلم، وأسره محمد إلى من شاء الله (1)
قال المفيد (رحمت الله) في محكي كلامه من كتاب «المسائل »: أقول : إن الأئمة من آل محمد عليهم السلام قد كانوا يعرفون ضمائر بعض عبادهم، ويعرفون ما يكون قبل كونه وليس ذلك بواجب في صفاتهم ، ولا شرط في إمامتهم ، وإنّما أكرمهم وإنّما أكرمهم الله تعالى به وعلمهم إياه للطف طاعتهم والتبجيل بإمامتهم، وليس ذلك بواجب عقلاً، ولكنه وجب لهم من جهة السماع، فأما إطلاق القول عليهم بأنهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد ، لأن الوصف بذلك إنما يستحقه من علم الأشياء بنفسه، لا يعلم مستفاد وهذا لا يكون إلا لله عز وجلّ ، وعلى قولي هذا جماعة أهل الدهامة إلا من شذ عنهم من المفوّضة ومن انتمى إليهم من الغلاة(2)
قال رجب البرسي : وها إننا نورد في هذا الفصل شمة من أسرار الأئمة الهداة والبررة السادات، والميامين الولاة، ونطقهم بالمغيبات، وإظهارهم الكرامات وإبرازهم الخفيات توبيخاً لأهل الجهالات الذين أنكروا هذه الحالات، ومنعوا هذه الصفات، وزعموا أنهم من العداه .
وكيف لا يطلعون على الغيب ؟
وعلمه واجب لهم من وجوه : الأوّل أن الله سبحانه سطر في اللوح المحفوظ علم ما كان وما يكون ، ثم أبرز إلى كل نبي منهم ما يكون له ولأوصياته ، إلى ظهور الشريعة التي تأتي بعده حتى ختمت الرسل بفاتحهم، وختمت الشرايع بخاتمها، فوجب أن يكون عنده علم ما سبق وما يلحق إلى يوم القيامة، لكونه خاتماً لأن كتابه الجامع المانع ، ثم إنه ليلة المعراج لما وصل المقام الأسنى، وكان قاب قوسين أو أدنى، وعلا على اللوح المحفوظ رفعة وعلماً، وخوطب من الأسرار الإلهية بما ليس في اللوح، فكان علم الغيب الأول والآخر عنده وله ، بل هو اللوح المحفوظ لأنه السابق على الكل وجوداً، والممد للكل جوداً، فعلم ما كان وما يكون عنده وعند أو صيانه (مشارق : 107 ) .
أقول : الذي يدّعي علم الغيب للإمام والنبي : لا يدعيه على نحو الاستقلالية، بل يدعي أن الله أطلع نبيه وأهل بيته على الأمور الغيبية التي لم يطلع عليها أحداً .وإن شئت قلت : علم الغيب لذات الشخص وبلا توسط من الغير هو العلم الثابت لواجب الوجود والذي هو عین الذات، وهذا مختص بالله ولغيره كفر.
أمّا العلم بالغيب الذي هو بتوسط الله تعالى وليس هو عين الذات فهذا الذي علمته الأئمة ورسول الله صلی الله علیه واله وسلم وعليه دلت الآيات والروايات :
فعن أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال : « والله لقد أعطينا علم الأولين والآخرين.
فقال له رجل من أصحابه جعلت فداك أعندكم علم الغيب ؟
فقال له علیه السلام: ويحك إنّي أعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ويحكم وسعوا صدوركم ولتبصر أعينكم ولتع قلوبكم، فنحن حجّة الله تعالى في خلقه ولن يسع ذلك إلا صدر كلّ مؤمن قوي قوته كقوة جبل تهامة إلا بإذن الله والله لو أردت أن أحصي لكم كل حصاة عليها لأخبرتكم» (بحار الانوار: 26 / 28 ح 28 باب جهات علومهم عن مناقب آل أبي طالب : 3 / 374 ).
وقال رسول الله لعلي علیه السلام : «إنّ الله أطلعني على ما شاء من غيبه وحياً وتنزيلاً واطلعك عليه إلهاماً» (مشارق أنوار اليقين : 135 - 136 و 25 وفي بحار الأنوار: 26 / 4 ح 1 : أنا صاحب اللوح المحفوظ 135 . ألهمني الله علم ما فيه) .
وقيل لأبي جعفر علیه السلام : إن شيعتك تدعي أنك تعلم كيل ما في دجلة . وكانا جالسين على دجلة .
فقال له أبو جعفر علیه السلام : «يقدر الله عز وجل أن يفوض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه ؟»
قال : نعم .
فقال علیه السلام: «أنا أكرم على الله من بعوضته » ثم خرج إثبات الوصية : 191 - 192).
وقال أمير المؤمنين علیه السلام في خطبة يصف فيها الإمام : ( فهو الصدق والعدل . يطلع على الغيب ويعطى التصرف على الإطلاق» (بحار الأنوار: 25 / 170 ح 38 ومشارق أنوار اليقين : 115).
وقال الإمام الصادق علیه السلام: « يا مفضل من زعم أن الإمام من آل محمد يعزب عنه شيء من الأمر المحتوم فقد كفر بما نزل على محمّد، وإنا لنشهد أعمالكم ولا يخفى علينا شيء من ،أمركم وإن أعمالكم لتعرض علينا، وإذا كانت الروح وارتاض البدن أشرقت أنوارها وظهرت أسرارها وأدركت عالم الغيب مشارق أنوار اليقين : 138).
وقال أمير المؤمنين علیه السلام: والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه شأنه لفعلت ولكن أخاف أن تكفروا في رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، ألا وإني مفضيه إلى الخاصة (نهج البلاغة : 250 الخطبة 175 ).
وقالت عائشة للإمام الحسن علیه السلام بعد أن أخبرها بما فعلته يوم وفاة الأمير ولم يطلع عليه أحد سواها يا ابن خبوت جدّك وأبوك في علم الغيب، فمن ذا الذي أخبرك بهذا عنّي !! (الهداية الكبرى : 197. 198 ، ذيل الباب الرابع).
وعندما أخبرها بخفايا ضميرها وما أخبرها به رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من حربها الأمير علیه السلام قالت : جدّك أخبرك بذلك أم هذا من غيبك ؟! قال علیه السلام : «هذا من علم الله وعلم رسوله وعلم أمير المؤمنين) (الهداية الكبرى: 197 - 198 ، ذيل الباب وقال الإمام الحسن العسكري علیه السلام لمن سأله عن القائم المنتظر عجل الله فرجه : «ألسنا قد قلنا لكم لا تسألونا عن علم الغيب فنخرج ما علمنا منه إليكم فيسمعه من لا يطيق استماعه فيكفر» (الهداية الكبرى : 334 باب 13) .
وعن الإمام زين العابدين علیه السلام: « ألا إن للعبد أربع أعين عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح له العينين في قلبه فأبصر بهما الغيب في أمر آخرته وأمر آخرته]) (الخصال: 1 / 240 ح 90 باب الأربعة).
ورواه المتقي الهندي في كنز العمال بلفظ : «ما من عبد إلا وفي وجهه عينان يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد بعبد خيراً فتح عينيه اللتين في قلبه ؛ فأبصر بهما ما وعده بالغيب، فآمن بالغيب على الغيب » (كنز العمّال : 2 / 42 - 3043).
وفي قصة أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة ما يؤكد علم الإمام الكاظم علیه السلام الغيب حيث قال أحدهما لصاحبه: جئنا لنسأله عن الفرض والسنّة وهو الآن جاء بشيء من علم الغيب.
:فسالا: من أين أدركت أمر هذا الرجل الموكل بك أنّه يموت في هذه الليلة ؟
قال الإمام علیه السلام «من الباب الذي أخبر بعلمه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علي بن أبي طالب علیه السلام الخرايج والجرايح : 287. 288 الباب الثامن).
وأيضاً في قصة إخبار الإمام الرضا علیه السلام ابن هذاب بما يجري عليه ما يزيل الشك في الباب حيث قال علیه السلام له : ( إن أخبرتك أنك ستبلى في هذه الأيام بذي رحم لك كنت مصدّقاً لي ؟ )
قال : لا ، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى .
قال : أوليس الله يقول : (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول) فرسول الله صلی الله علیه واله وسلم عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وإن الذي أخبرتك يا ابن هذاب لكائن إلى خمسة أيام فإن لم يصح ما قلت فبهذه المدّة، وإلا فإني كذاب ،مفتر، وإن صح فتعلم أنك الراد على الله وعلى رسوله.
ولك دلالة أخرى فتصاب ببصرك وتصير مكفوفاً فلا تبصر سهلاً ولا جبالاً وهذا كائن بعد أيام .
ولك عندي دلالة أخرى أنك ستحلف يميناً كاذبة فتضرب بالبرص».
قال محمد بن الفضل بالله لقد نزل ذلك كله بابن هذاب (الخرائج والجرايح : 306 الباب التاسع).
أقول : هذه رواية صريحة في علمهم للغيب لا ينكرها إلا ناصبي .
وعن أمير المؤمنين علیه السلام في خطبة له : والإمام يا طارق بشر ملكي وجسد سماوي، وأمر إلهي وروح قدسي، ومقام عليّ ونور جليّ وسرّ خفي، فهو ملك الذات إلهي الصفات زائد الحسنات عالم بالمغيبات ؛ خصاً من ربّ العالمين ونصّاً من الصادق الأمين» (بحار الأنوار: 25 / 172 ح 38 باب جامع في صفات
الإمام).
وعن أبي جعفر الجواد علیه السلام لما أخبر أمّ الفضل بنت المأمون بما فاجأها مما يعتري النساء عند العادة.
قالت له : لا يعلم الغيب إلا الله .
قال علیه السلام: وأنا أعلمه من علم الله تعالى الإرشاد إلى ولاية الفقيه : 254 .
أقول: وهذه رواية أخرى تنص على علمهم للغيب فلا تغفل وأزل الشك من قلبك .
وفي خطبة الأمير المؤمنين يذكر فيها صفات الإمام جاء فيها : ويلبس الهيبة وعلم الضمير، ويطلع على الغيب ويعطى التصرّف على الإطلاق مشارق أنوار اليقين : 115 ..
هذا إضافة إلى روايات إخبارهم بأمور غيبية جزئية ليس هنا محل ذكرها . وقال تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول) الجن: 26 .
قال الإمام الرضاء علیه السلام لعمرو بن هذاب عندما نفى عن الأئمة ( عليهم السلام) علم الغيب محتجاً بهذه الآية : «إن رسول الله هو المرتضى عند الله، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على غيبه فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة» (بحار الأنوار: 12 / 22 و 15 / 74).
وقال أبو جعفر علیه السلام: « إلا من ارتضى من رسول » وكان والله محمد ممن ارتضاه ( الإرشاد الى ولاية الفقيه : 257 ، وقريب منه في الخرائج والجرايح : 306 ) .
وقال : (ذلك من أنباء الغيب توحيه إليك . تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ) آل عمران: 44 ، هود 49، يوسف : 102
وقال: (وعلمك ما لم تكن تعلم ) النساء : 113 ، وهي عامه .
(وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) يس: 12، والإمام المبين هو أمير المؤمنين علي علیه السلام (ينابيع المودة : 1/ 77 ط . اسلامبول و 87 ط . النجف، وتفسير نور الثقلين : 4 / 379 مورد الآية والهداية الكبرى : 98 الباب الثاني والأنوار النعمانية 1 / 47 و 2 / 18).
وقال تعالى: (وما يعزب عن رنك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) يونس : 61 ، وسبأ : 3 .
وقال عز من قائل: (وكل شيء أحصيناه كتاباً ) النبأ : 29 . وهم الكتاب المبين (ينابيع المودة : 1 / 81 ط . النجف و 1 / 71 ط . تركيا ومشارق أنوار اليقين : 136).
وقال تعالى: ورحمني وسعت كل شيء الأعراف : 156 .)فروي عن الإمام الباقر علیه السلام في تفسيرها : « علم الإمام، ووسع علمه الذي هو من علمه كل شيء نور الثقلين : 2 / 78 ح 288 عن الكافي.)وقال أمير المؤمنين علیه السلام: « أنا رحمة الله التي وسعت كل شيء» (الهداية الكبرى : 400.
، هذا.)وأنت بعدما أحطت خبراً بما ذكرنا تقدر على دفع ما استشكلناه في كلامه علیه السلام من نفيه
علم الغيب عمّا أخبر به عن خبر الأتراك، ومحصل دفعه أن قوله : (يا أخا كلب إنه ليس هو)
يعلم غيب، لم يرد به نفي علم الغيب عنه رأساً أراد به سلب علم الغيب على زعم الكلبي السائل فإنه علیه السلام لما أخبر بما أخبر من الغيب توهّم السائل أنه علیه السلام علمه من تلقاء نفسه بدون توسط معلم كما هو زعم الغلاة فرده علیه السلام بقوله : (ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم.)فإن قلت : قول السائل لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ينافي ذلك لظهوره في أنّ اعتقاده أن الله أعطاه العلم بذلك، لا أنه علمه بنفسه .قلنا: لفظ الإعطاء لا ينافيه لإمكان أن يكون مراده منه أنه علیه السلام آتاه الله قوة يقتدر بها على علم الغيب من غير حاجة إلى وساطة النّبي علیه السلام أو إلهام إلهي أو توسط الملائكة النازلين في ليلة القدر ونحو ذلك وبالجملة من دون حاجة إلى تعليم معلم ، فافهم وتأمل .والحاصل أنهم عليهم السلام لا يعلمون إلا ما علمهم الله سبحانه ، وتعليمه في كُلِّ آن فلو لم يعلمهم في آن ما كان عندهم شيء ولا يعلمهم الله إلا بواسطة محمّد وهو قولهم الحق كما في «الكافي » عن زرارة قال سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : لولا أنا نزاد لأنفذنا ، قال :قلت : تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ؟ قال : أما إنّه إذا كان ذلك ؟ قال : أما إنّه إذا كان ذلك عرض على رسول
الله ثمّ على الأئمة ثم انتهى الأمر إلينا (1.)وعن يونس بن عبد الرحمن عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ليس شيء يخرج من عند الله عزّ وجلّ حتى يبدأ برسول الله ، ثم بأمير المؤمنين، ثم بواحد بعد واحد لكي لا يكون آخرنا أعلم من أوّلنا (2.)فملخص الكلام وفذلكة المرام ما ورد في الأخبار وذكره علماؤنا الأخيار من أنهم لا يعلمون الغيب لا ينافي بإخبارهم بأشياء كثيرة من الغيب ، لأن ذلك كله من الوحي الذي نزل على رسول الله فعلمهم رسول الله ذلك بأمر من الله ، ولأنّ عندهم علم القرآن كله وفيه تبيان كلّ شيء، وتفصيل كل شيء وهو مستور محجوب عن الأغيار وقد كشفه الله سبحانه لمحمّد وآله الأطهار الأبرار، وما أخبروا به من ذلك المستور عن غيرهم ذلك المستور عن غيرهم، وأيضاً عندهم الإسم الأكبر وبه يعلمون ما شاؤوا كما ورد في أحاديثهم فعلى ما ذكر لو قيل أنهم لا يعلمون الغيب بمعنى من ذاتهم فهو حق ، وأما لو قيل إنهم لا يعلمونه أصلاً فلا ، بل قد علموا كثيراً منه بتعليم الرّسول وعلموا بعضه بما عندهم من الاسم الأكبر وبعضه بما كتب في القرآن ومصحف فاطمة والجامعة والجفر، وبعضه بالملائكة الذين ينزلون إليهم ليلة القدر وبغيرهم من الملائكة المسخّرين لهم، والجان الذين يخدمونهم وينقلون إليهم علوم ما غاب عنهم وما لم يكن مشاهداً وعلى هذه كلها دلّت أخبارهم وهذه العلوم الغائبة هي المشار إليها في قوله: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ) [الجن: 26 - 277]، وفي قوله : (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) [آل عمران : 179] هي المراد بقوله في الزيارة الجامعة: واصطفاكم بعلمه وارتضاكم لغيبه واختاركم لسرّه (3).
أن يقال : إنّ الغيب على قسمين قسم هو غيب عند الكلّ ، وقسم هو غيب عند بعض شهادة عند آخر، والأول قد يعبر عنه بالعلم المكفوف وهو مختص بالله سبحانه وعليه يحمل الأدلة الدالة على أنّ الغيب الله ، والثاني هو المعبّر عنه بالعلم المبذول وعليه يحمل الأدلة المثبتة لعلمهم بالغيب وهذه القسمة مستفادة من أخبار كثيرة.
مثل ما في« البحار» من «بصائر الدرجات » بإسناده عن بشير الدهان قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إنّ الله علماً لا يعلمه أحد غيره، وعلماً قد علمه ملائكته ورسله فنحن نعلمه.
عن سماعة أبي عبد الله علیه السلام قال إنّ الله علماً علّمه ملائكته وأنبياءه ورسله فنحن نعلمه، وعلماً لم يطلع عليه أحد من خلق الله (1).
وعن سدير قال : حمران بن أعين يسأل أبا جعفر علیه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: ( بديع السمواتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [البقرة : 117]، قال أبو جعفر علیه السلام إن الله ابتدع الأشياء كلّها على غير مثال ، كان وابتدع السماوات والأرض ولم يكن قبلهن سماوات ولا أرضون، أما تسمع لقوله تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء [هود ] ، فقال حمران: عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا [الجن: 26] ، فقال له أبو جعفر علیه السلام: (إلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) [الجن: 27] ، وكان الله ومحمد ممّن ارتضاه ، وأما قوله عالم الغيب بأن الله تبارك وتعالى عالم بما غاب عن خلقه ممّا يقدّر من شيء ويقضيه في علمه ، فذلك يا حمران علم موقوف عنده إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ويبدو له فلا يمضيه، فأما العلم الذي يقدره الله ويقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله ثمّ إلينا (2)
ورواه في «الكافي» عن سدير نحوه إلا أن فيه بعد قوله : ويقضيه في علمه، قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة .
وفي «البحار» من «البصائر» أيضاً عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن الله علمين : علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء، وعلم علمه ملائكته ورسله وأنبياءه ونحن نعلمه .
قال العلامة المجلسي : قوله من ذلك يكون البداء أي إنّما يكون البداء فيما لم يطلع الله عليه الأنبياء والرسل حتماً لئلا يخبروا فيكذبوا ، هذا.
وربما يظهر من بعض الأخبار أنّه قد يخرج من العلم المخزون إليهم عليهم السلام ما لا يخرج إلى غيرهم ، وهو ما رواه في «البحار» من «البصائر» عن ابن هاشم عن البرقي رفعه قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : إن الله علمين ، علم تعلمه ملائكته ورسله ، وعلم لا يعلمه غيره ، فما كان ممّا يعلمه ملائكته ورسله فنحن نعلمه، وما خرج من العلم الذي لا يعلم غيره فإلينا يخرج (3).
ويدل على ذلك ما قدمناه في تحقيق معنى السر في شرح الفصل الرابع من فصول
الخطبة الثانية، فليراجع إليه .
وقال بعض الأعلام في «توضيح المرام» : اعلم أن المراد بالغيب ما غاب عن الحسّ، فإذا قيل غيب الله يراد به ما غاب عن بعض خلقه أو عن كلّهم، لأن الله سبحانه لم تغب عنه غائبة فلا يكون عنده غيب ، وأمّا خلقه فلهم غيب وشهادة، وقد يكون غيب في امكان عند بعض شهادة عند بعض آخر، وقد يكون غيب عند الكلّ .
أمّا الأول هو الغيب الذي ارتضاهم عليهم السلام له، وهو غيب عند غيرهم وشهادة عندهم .
وأمّا الثاني وهو ما كان غيباً عند كلّ الخلق فهو ما دخل في الإمكان وأحاطت به المشيئة إلا أنه لم تتعلّق به تعلّق التكوين، وهذا لا يتناهى ولا ينفد أبد الآبدين وذلك هو خزائنه التي لا تفنى ولا يتصوّر فيها نقص بكثرة الإنفاق ، فهو عزّ وجلّ ينفق منها كيف يشاء، والذي ينفق منه في أوقات الإنفاق وأمكنته ينزل من الغيب إلى البيوت التي ارتضاهم لغيبة ينزل من أبوابها ما يشاء .
وذلك المخزون منه محتوم، ومنه موقوف فالمحتوم منه ما لا يمكن تغييره وهو كون ما كان فإنّه لا يمكن بعد أن كان ألا يكون ، ومنه ما يمكن تغييره ولكنّه وعد ألا يغيره وهو يخلف الميعاد . وقال تعالى في محتوم الخير : فلا كفران لسعيه وإنا له لكاتبون ، وفي محتوم الشر : (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [السجدة : 13] ، وهذا المحتوم لو شاء غيره ومحاه .
والموقوف مشروط فيكون كذا إن حصل كذا وإن لم يحصل كذا لكان كذا وكذا، والشرط هو السبب وأما المانع فقد يكون في الغيب والشهادة ، وقد يكون في الغيب ولا يكون في الشهادة ؛ لأنه إذا وجد في الشهادة وجد في الغيب ولا يلزم العكس .
فإذا وجد المقتضى فإن وجد المانع منه فإن اعتدلا فهو الموقوف كما ذكر وان رجّح أحدهما فالحكم له .
فإذا وجد المقتضى وفقد المانع فإن فقد في الغيب والشهادة حتم وجوده، فإن تمت قوابله وجد ووصل إليهم علمه لأنه ممّا شاء، وإن انتظرت جاز في الحكمة الاخبار به فيخبر به على جهة الحتم ولا بد أن يكون إلا أنّه قبل كونه في الصفحة الثانية من اللوح، وهذا عندهم عليهم السلام ومنه ما كان ومنه ما يكون، وإلى هذا القسم أشاروا في إخبارهم أن عندنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
وإن فقد المانع في الغيب خاصة جاز في الحكمة الإخبار به فیخبر به من غیر حتم ، وهذا قد يكون وقد لا يكون ، والفائدة في الإخبار به مع أنه سبحانه لا يكذب نفسه ولا يكذب
أنبياءه ورسله وحججه هي إظهار التوحيد بالخلق والأمر والاستقلال بالملك وإرشاد الخلق إلى اعتقاد البداء، لأنه ما عبد الله شيء أفضل من البداء أي إثبات البداء الله تعالى، وهذا يجوز للحجج الإخبار به لا على سبيل الحتم بل عليهم أن يعرفوا من لا يعرفوا إن الله يفعل ما يشاء وإنه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
ولهذا قالوا عليهم السلام ما معناه إذا أخبرناكم بأمر فكان كما قلنا فقولوا : صدق الله ورسوله، وإن كان بخلاف ذلك فقولوا : صدق الله ورسوله تؤجروا مرّتين (1).
وليس عليهم أن يعرفوا من لا يعرف هذا في خصوص الواقعة، لأن ذلك يوجب الشك في تصديقهم عند أكثر النّاس، وقد يلزمهم من ذلك التقول على الله لأنه سبحانه لم يأمر بذلك في كلّ واقعة ، وإن كان قد يأمر بذلك كما في وعد موسى بين ثلاثين وأربعين في معرض التقرير والهداية والبيان وقد يلزم من البيان خلاف المقصود من الإخبار ، وهذا القسم قد يكون يوجد مانعة في الشهادة كالصدقة في دفع البلاء المبرم يعني الذي أبرم في الغيب لعدم المانع هناك والدعاء في ردّ البلاء وقد أبرم إبراماً كذلك، وكبعض الأفعال بل وكلّ الطاعات وتفصيل ذلك يطول .
أن يحمل الأدلة الحاصرة لعلم الغيب في الله سبحانه على الخمسة المذكورة في الآية، والأدلة المثبتة له على غيره تعالى على ما سوى الخمسة ويدلّ على هذا الجمع هذا الكلام لأمير المؤمنين علیه السلام الذي نحن في شرحه .
ويدلّ عليه أيضاً ما في «البحار» من تفسير علي بن إبراهيم القمّي (رحمت الله) بعد ذكر الآية قال الصادق علیه السلام : هذه الخمسة أشياء لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي من صفات الله عزّ وجلّ (2).
ومن الخصال عن ابن الوليد عن الصفار عن ابن هاشم عن عبد الرحمن بن حماد عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي أسامة عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال لى أبي ألا أخبرك بخمسة لم يطلع الله عليه أحداً من خلقه؟ قلت: بلى قال علیه السلام :( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) [لقمان: 34] ، الآية (3).
ومن «البصائر» عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن الأصبغ
بن نباتة قال سمعت أمير المؤمنين علیه السلام يقول : إنّ الله علمين : علم استأثر به في غيبه فلم يطلع عليه نبياً من أنبيائه ولا ملكاً من ملائكته وذلك قول الله تعالى ملائكته وذلك قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وينزل الغَيْثَ وَيَعلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا نَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَتِي أَرْضِ تَمُوتُ [لقمان: 34] ، وله علم قد أطلع عليه ملائكته فما أطلع عليه ملائكته فقد أطلع عليه محمداً وآله ، وما أطلع عليه محمّداً وآله فقد أطلعني عليه بعلمه الكبير منا والصغير(1).
وبمعناها أخبار أخرى مفيدة لتفرّد الله سبحانه بهذه الأمور الخمسة إلا أن هذا الجمع يشكل من وجهين :
أحدهما أنّ أشياء كثيرة أخبروا عليهم السلام بأنهم لا يعلمونها، وليست من هذه الخمسة .
وثانيهما : أنّهم عليهم السلام كثيراً ما أخبروا بكثير من هذه الأمور الخمسة كما هو غير خفي على من تتبع الأخبار والآثار .
منها إخبار أمير المؤمنين بحمل الجارية التي اختصم فيها قومه وإعلامه بأن الجنين في بطنها علقة وزنها سبعمائة وخمسون درهماً ودانقان ، فوجدوها كما قال علیه السلام حتى قال أبوها : أشهد أنك تعلم ما في الأرحام والضمائر، وأنت باب الذين وعموده في قصة بیت الطست المعروفة .
ومنها إخباره بوقت قتله ومقتله وقاتله وكذلك الحسين علیه السلام .
ومنها إخبارهم بآجال النّاس مثل ما في «الكافي» عن أحمد تمد بن مهران عن محمد عليّ عن سيف بن عميرة عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت العبد الصالح ينعى إلى الرّجل نفسه، فقلت في نفسي : وإنّه ليعلم متى يموت الرّجل من شيعته فالتفت إلي شبه المغضب وقال: يا إسحاق قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا والإمام أولى بعلم ذلك ، ثم قال : يا إسحاق اصنع ما أنت صانع فإنّ عمرك قد فنا وإنّك تموت إلى سنتين وإخواتك وأهل بيتك لا يلبثون إلا يسيراً حتى تتفرق كلمتهم ويخون بعضهم بعضاً حتى يشمت بهم عدوهم ، فكان هذا في نفسك، فإني أستغفر الله بما عرض في صدري، فلم يلبث اسحاق بعد هذا المجلس إلا يسيراً حتى مات ، فما أتى عليهم إلا قليل حتى قام بنو عمّار بأموال الناس فأفلسو (2)
وفيه عن إسحاق قال حدثني محمد بن الحسن بن شمون قال حدثني أحمد بن محمد قال كتبت إلى أبي محمد علیه السلام حين أخذ المهتدي في قتل الموالي يا سيدي الحمد لله الذي شغله عنا، فقد بلغني أنه يهددك ويقول والله لأجليتهم عن جديد الأرض فوقع أبو محمد بخطه علیه السلام (1): ذاك أقصر لعمره، عد من يومك هذا خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف يمرّ به ، فكان كما قال علیه السلام.
وفي «العيون» عن سعد بن سعد عن أبي الحسن الرضا علیه السلام أنه نظر إلى رجل فقال له يا عبد الله أوص بما تريد واستعد لما لا بد منه فكان ، فمات بعد ذلك بثلاثة أيام (2).
وفي «الاحتجاج» فيما خرج من التوقيع إلى أبي الحسن الشمري رابع الوكلاء الأربعة : بسم الله الرّحمن الرّحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنّك ميت ما بينك وبين ستة أيام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التّامة ، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة ، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتري ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فنسخوا هذا التوقيع وخرجوا من عنده فلمّا كان اليوم السادس عادوا إليه وهو يجود بنفسه، فقال له بعض النّاس : من وصيّك بعدك ، فقال : الله أمر هو بالغه وقضى ، فهذا آخر كلام سمع منه رضی الله عنه وأرضاه (3)، هذا .
والأخبار الدّالّة على علمهم عليهم السلام بالمنايا والبلايا والأنساب، وبعلمهم بأنهم متى يموتون، ويعلمهم بما في الأرحام، وبما يصيبون ويكتسبون، وبنزول المطر فوق حد الإحصاء متجاوزة عن حد الاستقصاء .
روى أبو بصير عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال : ان الإمام لو لم يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحجّة الله على خلقه (4).
وإذا عرفت ذلك فأقول : ويمكن التقصي عن هذين الإشكالين.
أما عن الأول : فيحمل ما أخبروا بأنهم لا يعلمونه على أنهم عليهم السلام لا يعلمونه من تلقاء أنفسهم على ما تقدّم تفصيلاً في أوّل وجوه الجمع .
وأما عن الثاني : فيما في المجلد السابع من «البحار» قال (رحمت الله) بعد ما عقد باباً على أن الأئمة عليهم السلام لا يعلمون الغيب وأورد الآيات والأخبار الدالّة لذلك :
قد عرفت مراراً أن نفي علم الغيب عنهم معناه أنّهم لا يعلمون ذلك من أنفسهم بغير تعليمه تعالى بوحي أو إلهام وإلا فظاهر أنّ عمدة معجزات الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام من هذا القبيل وأحد وجوه إعجاز القرآن أيضاً اشتماله على الأخبار بالمغيبات ونحن نعلم أيضاً كثيراً من المغيبات بأخبار الله تعالى ورسوله والأئمة صلوات الله عليهم كالقيامة وأحوالها والجنة والنار والرجعة وقيام القائم ونزول عيسى علیه السلام وغير ذلك من أشراط الساعة والكرسي والملائكة .
وأمّا الخمسة التي وردت في الآية فتحتمل وجوهاً :
الأَوّل: أن يكون المراد أن تلك الأمور لا يعلمها على التعيين والخصوص إلا الله تعالى، فإنّهم إذا أخبروا بموت شخص في اليوم الفلاني فيمكن أن لا يعلموا خصوص الدقيقة التي تفارق الروح الجسد فيها مثلاً، ويحتمل أن يكون ملك الموت لا يعلم ذلك .
الثاني: أن يكون العلم الحتمي بها مختصاً به تعالى وكل ما أخبر الله به من ذلك محتمل للبداء .
الثالث : أن يكون المراد عدم علم غيره تعالى إلا من قبله فيكون كسائر الغيوب، ويكون التخصيص بها لظهور الأمر فيها أو لغيره.
أقول : ويؤيد ذلك ما رواه سدير قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إن أبي مرض مرضاً شديداً حتّى خفنا عليه ، فبكى بعض أهله عند رأسه ، فنظر إليه فقال علیه السلام إني لست بميت من وجعي هذا إنّه أتاني اثنان فأخبراني أني لست بميت من وجعي هذا قال: فبرأ ومكث ما شاء أن يمكث فبينما هو صحيح ليس به بأس قال علیه السلام : يا بني إن الذين أتياني من وجعي ذاك أتياني فأخبراني أني ميت يوم كذا وكذا ، قال : فمات في ذلك اليوم (1).
الرابع : ما أومأنا إليه سابقاً، وهو أنّ الله تعالى لم يطلع على تلك الأمور كلية أحداً من الخلق على وجه لابداء فيه، بل يرسل علمها على وجه الحتم في زمان قريب من حصولها، كليلة القدر أو أقرب من هذا ، وهذا وجه قريب تدلّ عليه أخبار كثيرة، إذ لا بد من علم ملك الموت بخصوص الوقت كما ورد في الأخبار وكذا ملائكة السحاب والمطر وقت نزول
1) بحار الأنوار: 27/27 ح 6، وبصائر الدرجات: 501.
المطر، وكذا المدبّرات من الملائكة بأوقات وقوع الحوادث، هذا.
وقد أطنبنا الكلام في هذا المقام لكونه من مزال الأقدام، وقد أتينا فيه ما يقتضيه التأمل ويسوق إليه النظر والتدبر في أخبار الأئمة عليهم السّلام، والأمر بعد ذلك موكول إليهم، فإنّ أهل البيت أدرى بما فيه وسرّ الحبيب مع الحبيب ليس قلم يحكيه ، وما التوفيق إلا بالله ، والحمد لله على ذلك .
بعضی دیگر از این خطبه است و اشاره میفرماید به آن به سوی وصف ترکان
و بیان حال ایشان :
گویا من میبینم ایشان را گروهی ، گویا روهای ایشان سپرهایی است که پوست در پوست دوخته شده باشند در استداره و غلظت در حالتی که میپوشند جامهای حریر و دیبا تریر و دیبا و جنیه میکشند اسبهای خود کشند اسبهای خوب نجیب و باشد در آن مکان شدّت قتل و قتال تا این که راه میرود مرد زخم دار بر مرد کشته شده و باشد نجات یابنده کمتر از اسیر و دستگیر .
پس گفت مر آن حضرت را بعض اصحاب او : هر آینه به تحقیق عطا شده یا اميرالمؤمنین علم غیب را ، پس تبسم فرمود آن حضرت و فرمود به آن مرد و بود او از قبیله کلب :
ای برادر کلب ، نیست آن چه که خبر دادم من از آن علم غیب و جز از این نیست که آن آموختنی است از صاحب علم یعنی حضرت رسالت مآب (صلی الله علیه واله وسلم) و غیر از این است که علم غیب علم به وقت قیامت است و به آن چه که خداوند تبارك و تعالی تعداد فرمود آن را با کلام معجز نظام خود که فرموده: "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام" تا آخر آيه، یعنی : " به درستی خداوند عالم در نزد اوست علم قیامت و فرو میفرستد باران را و میداند آن چه در رحم داند حق تعالی آن چه در رحمها است از مذکر یا مؤنث
مادران است "، پس می و زشت یا خوب و صاحب سخاوت و بخیل و صاحب شقاوت یا سعادت را و آن کسی را که باشد در آتش دوزخ سوزان و در بهشت عنبر سرشت رفیق پیغمبران، پس این است علم غیب که نمیداند او را هیچ کس جز خدا و آن چه که غیر از این است ، پس علمی است که تعلیم فرموده آن را خداوند متعال به پیغمبر خود، پس تعلیم فرمود پیغمبر سلام الله عليه به من آن را و دعا کرده در حق من به این که نگه دارد آن علم را سینه من و ضبط کند آن را قلب من ؛ والله اعلم بالصواب.
عِبَادَ الله إِنَّكُمْ وما تَأْمَلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أثرياء مُؤجُلُونَ، ومدينُونَ مُقْتَضُونَ، أَجَلٌ منقوص، وعَمَل مَحْفُوظٌ، فَرُبَّ دانِب مُضَيْع ، ورُبِّ كادح خاسِرٍ ، وقَدْ أَصْبَحْتُمْ في زَمَن لا يَزْدادُ الْخَيْرُ فيه إِلا إِدْباراً، وَالشَّرُّ فِيهِ إِلا إِقْبَالاً ، وَالشَّيْطَانُ في هَلاكِ النَّاسِ إِلا طَمَعاً، فَهذا أوان قويَتْ عُدَّتُهُ، وعَمَّتْ مُكِيدَتُهُ، وأَمْكَنَتْ فَريسته ، اضرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلا فَقيراً يُكايدُ فَقْراً ، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرَاً، أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وفراً، أَوْ مُتَمَرْداً كَأَنَّ بِأذْنِهِ عَنْ سَمْع الْمَواعِظِ وَقْراً، أَيْنَ خِيارُكُمْ وصُلْحَاؤُكُمْ وأَحْرَارُكُمْ وسُمَحاؤُكُمْ ، وأَيْنَ الْمُتَوَرْعُونَ في مَكاسِبِهِمْ، وَالْمُتَنَزَّهُونَ في مَذاهِبِهِمْ؟ أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَميعاً عَنْ هِذِهِ الدُّنْيَا الدنيّنَةِ وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَغْصَةِ، وهَلْ خَلْفْتُمْ إِلا في حُثالة لا تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتانِ اسْتِصْغاراً لِقَدْرِهِمْ ، وذَهاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلاَ مُنْكَرٌ مُتَغَيَّرُ، وَلا زاجِرٍ مُزْدَجرٍ ، أَفَبِهَذا تُريدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا الله في دارٍ قُدْسِهِ، وتَكُونُوا أَعَزُّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ، هَيْهَاتَ لا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، ولا تُنالُ مَرْضاتُهُ إِلا بطاعَتِهِ، لَعَنَ اللهُ الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عن الْمُنكَر العاملين به (1).
(المكائيل) جمع المكيال وهو ما يكال به الطعام كالكيل والمكيل والمكيلة و (أثوياء) جمع ثوي كأغنياء وغني وهو الصيف والأسير والمجاور بأحد الحرمين من ثوى المكان وبه يشوي ثواء أطال الإقامة به و (دنت) الرّجل أقرضته وهو مدين ومديون ودنت أيضاً استقرضت وصار علي دين فأنا دائن يعدّي ولا يعدى و(مقتضون) جمع مقتضى كمرتضون جمع مرتضى و(مضيع) يروى بالتشديد والتخفيف و(زاه الله خيراً ) وزيدة ، فزاد وازداد و(الفرس) القتل والفريس القتيل وفرس الأسد فريسته دق عنقها ، والأسد فراس وفارس ومفترس وفروس و(المنغصة) بتشديد الغين وتخفيفها وكسرها وفتحها و(الحثالة) الساقط الزديء من كلّ شيء (فلا منكر متغير) كلاهما بصيغة المفعول والأول من باب الأفعال والثاني من باب التفعيل وفي
1) وسائل الشيعة : 151/16 ح ،21216 ، وميزان الحكمة : 3397/4 .
بعض النسخ كلاهما بصيغة الفاعل إلا أنّ الأول من باب الأفعال والثاني من باب التفعيل مغيّر بدل متغيّر .
(أجل وعمل ) خبران محذوف المبتدأ، وقوله : (أين خياركم ) ، استفهام على سبيل التحسر ،والتحزن ، وقوله : (أليس قد ظعنوا) ، استفهام على سبيل الإبطال والإنكار أو التقرير لما بعد النقي، وقوله : (أفبهذا)، استفهام على سبيل التوبيخ والتقريع.
اعلم أنّ هذه الخطبة كما ذكره السيد خطبها في ذكر المكائيل والموازين قال الشارح المعتزلي : ولست أرى في هذه الخطبة ذكراً للمكائيل والموازين التي أشار إليه الرضي (رحمت الله) اللهم إلا أن يكون قوله : وأين المتوزعون في مكاسبهم، أو قوله: ظهر الفساد، ودلالتهما على المكائيل والموازين بعيدة ، انتهى (1).
وقد يقال إنّ ذلك ابتناء على ما هو دأب السيد (رحمت الله) وعادته في الكتاب من التقطيع والالتقاط ، فلعله أسقط ما اشتمل على ذكر الموازين والمكائيل ، ولا يبعد أن يكون ذكر عنده تطفيف النّاس في المكائيل والموازين واشتهار ذلك بينهم فخطب بهذه الخطبة نهياً لهم عن ذلك المنكر على سبيل الإجمال ووبخهم على فعلهم بقوله (أين المتورعون) ونحو ذلك، فالمراد بقوله : في ذكر المكائيل : عند ذكرها وفي وقته لا أنّها مذكورة في الخطبة صريحاً.
وكيف كان فقد نبه علیه السلام أولاً على فناء الدنيا وزوالها وزهادة قدرها إزعاجاً للمخاطبين عن الركون إليها والاعتماد عليها والشعف بها فقال : (عباد الله إنّكم وما تأملون من هذه الدنيا أثوياء مؤجلون ) أي أنتم ما ترجونه من هذه الدنيا الدنيئة من البقاء والتعيش فيها بمنزلة أضياف منزلين في منزل مقترين إلى أجل معلوم ووقت معدود (ومدينون مقتضون ) أي ما أوتيتم فيها من زبرجها وزخارفها مطالبون بها ومحاسبون عليها كالمديون المطالب بدينه ، وقيل استعار لفظ المدين لهم باعتبار وجوب التكاليف المطلوبة منهم وليس بشيء.
(أجل منقوص وعمل محفوظ ) أي آجالكم منقوصة بمضي الليالي والأيام وانقضاء
الشهور والسنين، وأعمالكم محفوظة بأيدي الكرام الكاتبين .
ثم أشار علیه السلام إلى عدم جواز الاغترار بالأعمال والابتهاج بها بقوله : (فرب دائب مضيع ورب كادح خاسر) يعني كم من مجد في العبادة متعب نفسه في الإتيان بها مضيع لها بما يلحقها من العجب والرّياء ونحو ذلك مما يبطلها ويضيعها ، كإبطاله صدقاته بالمن والأذى،
1) شرح النهج : 244/8 .
وكم من ساع خاسر وهم الأخسرون أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، الذين يأتون بالطاعات فاقدة لشرائطها المعتبرة في القبول كطاعة الخوارج والنواصب والغلاة ومن يحذو حذوهم.
(وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً والشر إلا إقبالا) لغلبة اتباع الهوى والنكوب عن سمت الرشاد والهدى (والشيطان في هلاك الناس إلا طمعاً )لأنه بعد ما ضعف جانب الحق وقوى جانب الباطل فهنالك يطمع إبليس في إغواء الناس وإهلاكهم ويستولي على أوليائه (فهذا أوان قويت عذته) استعارة للشرور والمفاسد التي هي زاد الشيطان وذخيرته (وعمت مكيدته) للناس إلا الذين سبقت لهم من الله الحسنى (وأمكنت فريسته )أي أمكنته فريسته من نفسها حتى سهل عليه افتراسها ، وهي استعارة لأهل الضلال باعتبار هلاكهم في يده واستيلائه عليهم وتمكّنه من إغوائهم وإضلالهم .
ثم شرح علیه السلام أنواع الشرور التي لا تزيد إلا اقبالاً بقوله : (اضرب بطرفك) أي أمعن النظر (حيث شئت من النّاس فهل تبصر إلا فقيراً يكابد فقراً) أي يتحمّل مشاقته ويقاسي مرارته ومتاعبه ، وهو إشارة إلى استكراه الفقير لفقره واستنكافه منه، ولا شك أن ذلك محبط لأجره واضع لقدره .
ولذلك قال علیه السلام يا معشر الفقراء أعطوا الله الرّضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم (1).
وعن أمير المؤمنين علیه السلام إن الله عقوبات ومثوبات بالفقر، فمن علامة الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن إليه خلقه ويطيع ربه ولا يشكو حاله ويشكر الله تعالى على فقره ومن علامته أن يكون عقوبة أن يسوء إليه خلقه ويع- ويعصي ربه ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء .
(أو غنيّاً بدل نعمة الله كفراً ) لأنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فيلهيه غناءه عن ذكر الله تعالى كما قال سبحانه: الهَنكُمُ التَّكَاثُرُ [التكاثر : 1] وقال: وَإِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً قَالُوا [الأعراف: 28] .)بيان ذلك أن ذكر الله سبحانه وشكره والثناء عليه والتفكر في جلاله يستدعي قلباً فارغاً، والغنيّ لا فراغ له ، وإنّما يصبح ويمسي وهو متفكر في إصلاح ماله ، مصروف الحواس إلى حفظه .قال عيسى علیه السلام : في المال ثلاث آفات : أن يأخذه من غير حلّه، فقيل : إن أخذه من حله ، فقال : يضعه في غير حقه ، فقيل : إن وضعه في حقه ، فقال : يشغله إصلاحه عن الله تعالى.
1) ميزان الحكمة : 2450/3 ، وكنز العمال: 485/6
وفي «إحياء العلوم » عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : سيأتي بعدكم قوم يأكلون أطائب الدنيا وألوانها، ويركبون فره الخيل وألوانها ، وينكحون أجمل النساء وألوانها ، ويلبسون أجمل الثياب وألوانها ، لهم بطون من القليل لا تشبع ، وأنفس بالكثير لا تقنع ، عاكفين على الدنيا، يغدون ويروحون إليها، اتخذوها آلهة من دون إلههم، ورتا دون ربّهم، إلى أمرها ينتهون، ولهواهم يتبعون، فعزيمة من محمّد بن عبد الله لمن أدركه ذلك الزمان من عقب عقبكم وخلف خلفكم أن لا يسلّم عليهم ولا يعود مرضاهم، ولا يتبع جنائزهم، ولا يوفّر كبيرهم، فمن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام (1.)(أو بخيلاً اتخذ البخل بحق الله وفرا أي ثروة وكثرة في المال، ولما كان البخيل هو)الذي لا يطيب قلبه بالعطاء وهذا على إطلاقه ليس حراماً ولا من أفراد الشر الذي أشار علیه السلام إلى إقباله وازدياده ولا جرم خصّه بالبخيل في عرف الشرع وهو الذي يمنع من أداء الواجب عليه ، والبخل في غير الواجب مكروه مذموم وفاعله ملوم ، وفي الواجب موجب للعقاب والعتاب مبعد لفاعله من حظيرة القدس وحضرة ربّ الأرباب كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا الهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمَّ بَل هُوَ شَرٌّ لَّهُمَّ سَيْطَوَقُونَ مَا يَخِلُوا الْقِيَمَةِ [آل عمران: 180] .)(أو متمرداً كأنَّ بأذنه عن سمع المواعظ والنصائح (وقرا) وثقلاً فلهم أعين لا يبصرون بها، ولهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم.)ثمّ تحسّر وتأسف على فوت الخيار وموت الصلحاء الأخيار فقال (أين خياركم وصلحائكم وأحراركم وسمحائكم أي أخياركم وأسخيائكم (وأين المتوزعون في مكاسبهم) المراقبون لشرائط التجارات والمواظبون لرسوم المعاملات الآخذون بوظائف العدل والانصاف ، والمجانبون عن التطفيف والبخس والاعتساف (والمتنزهون في مذاهبهم ) أي المتباعدون عن الأخذ بالمقاييس والإرادة الفاسدة وبالاستحسانات العقلية والعقائد الكاسدة (أليس قد ظعنوا) وارتحلوا (جميعاً عن هذه الدنيا الدنيئة والعاجلة المنغصة) المكدرة فلم يبق منهم من تأخذون منه مكارم الآداب والأخلاق ، وترجعون إليه في صالح الأعمال والأفعال لعلكم تقتبسون آثارهم وتتبعون أفعالهم .)ثم نبه على حقارة الباقين ورذالتهم فقال (وهل خلفتم إلا في حثالة لا تلتقي بذمهم الشفتان أي ما بقيتم إلا في أوغاد الناس وأراذلهم وطغاتهم وحمقائهم يأنف الإنسان أن يذمهم ولا يطبق إحدى الشفتين منه على الأخرى ليتكلم فيهم (استصغاراً لقدرهم وذهاباً ) أي ترفعاً)
1) ميزان الحكمة : 2324/3 ، وتذكرة الموضوعات : 174 .
(عن ذكرهم واحتقاراً لهم (فإنّا لله وإنا إليه راجعون ) من إصابة هذه المصائب وابتلاء تلك البليّة، فإنّ المبتلي والمصاب إنّما يسترجع إذا وقع في بليّة أو ابتلى بمصيبة (ظهر الفساد )في النّاس بارتفاع المعروف واشتهار المنكر (فلا منكر متغير) أي لا يتغيّر فعل منكر لعدم وجود المغيّر والمنكر أو لعدم تأثير إنكاره لعدم تأثره في نفسه عن قبيح فعله، ويؤيده ما في بعض النسخ من قوله فلا منكر مغيّر بدله أي ليس منكر بغير سوء فعله (ولا زاجر مزدجر) عن قبيح عمله فيكون القرينة الثانية تفسيراً للأولى، والمقصود أنه لا ينتهي الناهي عن المنكر عما ينهي عنه، ولا زاجر يزدجر ويتعظ .)(أفبهذا الحال (تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه ) وتسكنوا جنته (وتكونوا عزّ أوليائه عنده ) وتلقوا النضرة والسّرور ، وتنزلوا الغرف والقصور وتشربوا الشراب الطهور وتلبسوا الديباج والحرير، وتزوجوا بالحور العين ، وتخدموا الولدان المخلدين (هيهات لا يخدع الله عن جنّته ولا تنال مرضاته إلا بطاعته ) لأن الخديعة إنّما تجوز على من لا يعلم السر دون من هو عالم بالسّر وأخفى يعلم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، فالطمع في نزول الجنان والدرجات ونيل الرضوان والمرضاة ليس إلا من اغترار الأنفس وأماني إبليس، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور .)(لعن الله الأمرين بالمعروف التاركين له ، والناهين عن المنكر العاملين به لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو بعد الإتيان بالأوّل والانتهاء عن الثاني، قال الله تعالى:(ويَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف : 2 - 3] ، وقد مضى أخبار كثيرة في هذا المعنى في شرح الفصل الثاني من فصول الخطبة المائة والرابعة .
از جمله خطب شریفه آن امام مبین و سید وصیین است در ذکر پیمان ها و ترازوها :
بندگان خدا ، به درستی که شما و آنچه امید میدارید به آن در این دنیا مهمانانید مهلت داده شده تا مدت معین و قرض دارانید طلب کاری شده ، اجل شما اجلی است نقصان یافته و عمل شما عملی است نگه داشته شده ،پس بسا جهد کننده در عبادت که ضایع کننده او است و بسا سعی کننده که زیان کار است و
به تحقیق صباح گردید در زمانی که زیاد نمیشود نیکویی در آن مگر ادبار او و نه بدی مگر اقبال آن و نه شیطان لعین در هلاك مردمان مگر طمع او ، پس این زمان زمانی است که قوت یافته ذخیره مهیا شده آن لعین و فرا گرفته است کید و مکر او غالب خلق را و دست داده از شکار او.
بگردان نظر خود را هرجا که میخواهی از مردمان ، پس نمی بینی مگر فقیر که می کشد رنج و تعب فقر را یا غنی که بدل نموده نعمت خدا را به کفران یا بخیلی که اخذ نموده بخل به حق خدا را از کثرت مال یا گردن کشی که گویا در گوش او از شنیدن موعظه ها سنگینی و گره است ، کجایند اخیار شما و صالحین شما و آزاد مردان شما و سخیان شما؟ و کجایند کسانی که پرهیزکار بودند در كسبهای خودشان و دوری می جستند از شبهه باطله در مذهبهای خودشان؟ آیا رحلت نکردند همگی ایشان از این دنیای پست و بی مقدار و از این شتاب کننده کدورت آمیز؟ واپس گذاشته نشده اید مگر در پست و بد مردمان که به هم نمی آید به مذمّت ایشان لبها به جهت حقیر شمردن قدر ایشان و به جهت اظهار رفعت از ذکر ایشان.
پس به درستی که ما بندگانیم خداوند تعالی را و به تحقیق که ما به سوی او رجوع خواهیم کرد ، ظاهر گردید فساد در میان عباد، پس نیست انکار کننده معاصی تغییر دهنده عمل قبیح خود را و نه منع کننده از قبایح بازدارنده خود از معصیت ، آیا پس به این حال میخواهید مجاور باشید خدا را در سرای پاکیزه او و بشوید عزیزترین دوستان او در نزد او ، چه دور است این آرزو ، فریب داده نمی شود خدای متعال از بهشت خود و درک نمیشود خشنودی او مگر به طاعت او ، لعنت کند خدا امر به معروف کنندگانی که ترک کننده آن معروف باشند و نهی
کنندگان از منکر که عمل کننده باشند به آن منکر .
وهو مروي في «روضة الكافي » بتفصيل تطلع عليه إن شاء الله
يا أَبا ذَرُ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ ، إِنَّ الْقَوْمَ خافُوكَ عَلى دُنْيَاهُمْ وخِفْتُهُمْ عَلَى دِينكَ، فَاتَّرُكُ في أيْديهِمْ ما خَافُوكَ عَلَيْهِ ، وَاهْرُبْ مِنْهُمْ بِما خِفْتُمْ عَلَيْهِ، فَما أحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ، وأَغْناكَ عَمّا مَنَعُوك ، وسَتَعْلَمُ من الرّابِحُ غَداً، والأَكْثَرُ حُسَداً، وَلَوْ أَنَّ السَّمَواتِ والأَرْضَيْنَ كَانَتَا عَلَى عَبْدِ رَتْقًا ثُمَّ اتَّقَى اللَّه لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً، لا يُؤنِسَنَّكَ إلا الْحَقُّ ، وَلاَ يُوحشئكَ إِلا الْباطِلُ ، فَلَوْ قَبِلتَ دُنْيَاهُمْ لأَحَبُّوكَ، وَلَوْ تَرَضْتَ مِنْهَا لأَمِنُوك (1).
قال الطريحي (الربذة) بالتحريك قرية معروفة قرب المدينة نحواً من ثلاثة أميال كانت عامرة في صدر الإسلام فيها قبر أبي ذر الغفاري وجماعة من الصحابة وهي في هذا الوقت دارسة لا يعرف لها أثر ولا رسم و (الرتق) ضد الفتق قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا [الأنبياء : 30 ] ، ورتقت المرأة رتقاً من باب تعب إذا ، انسد مدخل الذكر من فرجها فلا يستطاع جماعها فهي رتقاء واسع (القرض) القطع ومنه الحديث كان بني إسرائيل إذا أصاب أحداً قطرة من بول قرضوا لحومهم بالمقاريض أي قطعوها، وسمّى القرض المصطلح وهو ما تعطيه لتقضاه به لأنه قطيعة من مالك (الأمن) ضدّ الخوف وأمن كفرح أمناً وأماناً بفتحهما .
قد مضى تحقيق الكلام في (ما) في مثل قوله (فما أحوجهم) في شرح الخطبة المائة والثامنة ، (وما) في ما منعتهم تحتمل المصدر والموصول فالعائد محذوف ومثله على الاحتمال الثاني (ما) في (عما منعوك)، فافهم.
اعلم أن هذا الكلام حسبما أشار إليه السيد (رحمت الله ) قاله لأبي ذر لما أخرج إلى الربذة بأمر
1) الكافي : 207/8 ، والغدير : 300/8 . 07/8
عثمان اللعين ، وستعلم نبأه بعد حين (يا أبا ذر إنك غضبت ) القوم (الله سبحانه فارج من غضبت له ) وإنّما أتى بالموصول ولم يقل فارج الله لما فيه من تقرير الغرض المسوق له الكلام، فإن المقصود بهذا الكلام تسلية هم أبي ذر رحمه الله وسلب وحشته وكآبته، فإنّه إذا كان غضبه الله سبحانه وفي الله سبحانه خالصاً مخلصاً فلا بد أن يكون رجاه بالله وحري حينئذ عليه سبحانه الذي كان غضبه له أن لا يخيب رجاه ولا يقطع أمله بل يكون مؤنسه في الوحشة وأنيسه في الوحدة ، وناصره ومعينه وحافظه على كل حالة، ففي التعبير بالموصول زيادة تقرير لعدم تخيب رجاه، وفيه من التسلية له ما لا يخفى .
(أن القوم ) أراد به عثمان ومعاوية وأمثالهما (خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك ) يعني أنّهم خافوا منك أن تفسد دنياهم كما أنك خفت أن يفسدوا دينك (فاترك في أيديهم ما خافوك عليه واهرب منهم بما خفتهم عليه فما أحوجهم إلى ما منعتهم) أي ما أعظم احتياجهم إلى منعك إياهم لأنك إنّما تمنعهم من المنكرات وفي هذا المنع لهم من الفوائد ما لا تحصى وفي تركه من المضارّ ما لا تستقصى ، أو ما أكثر حاجتهم إلى الذي منعته منهم بخروجك من بين أظهرهم وهو دينك الذي خفتهم عليه (و) ما (أغناك عما منعوك) أي ما كثر غنائك عن الذي منعوك منه وهو دنياهم التي خافوك عليها (وستعلم من الرابح غداً ) أي في الآخرة (والأكثر حسداً) .
ثمّ أراد زيادة ترغيبه في الثّقة والاعتماد على الله سبحانه فقال (ولو أن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقا ) أي مرتقين منسدين وهو كناية عن شدة الضيق أي لو كان العبد في غاية الشدة ونهاية الضنك والضيق بحيث ضاقت عليه السّماوات والأرض بما رحبت (ثم اتقى الله ) سبحانه( لجعل الله له منهما مخرجاً) حسبما وعده في الكتاب العزيز بقوله: وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ يَخَريجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 2 - 3 ] .
(لا يؤنسنك إلا الحق ولا يوحشتك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم ) ولم تمنعهم من زبرجها وزخارفها وقيناتها (لأحبوك ولو قرضت منها ) وقطعت قطيعة لنفسك من مالها وقبلت ما يعطونك منها إليك (لأمنوك) أي كنت في أمن من شرورهم، ولم يصل إليك أذاهم .
في ذكر نبذ من أحوال أبي ذر وفضائله وكيفية إسلامه وإخراجه إلى الربذة : فأقول : أبو ذر اسمه جندب بن السكن كما قال الطريحي، أو جندب بن جنادة كما قاله المجلسي وهو الأشهر فسمّاه الأشهر فسمّاه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عبد الله، وهو من بني غفار وزان كتاب .
أما كيفية إسلامه ففي «الروضة» من «الكافي» عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد
الجبار عن عبد الله بن محمد عن سلمة اللّؤلؤي عن رجل عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ألا أخبركم كيف كان إسلام سلمان وأبي ذر؟ فقال الرّجل وأخطأ : أما إسلام سلمان فقد عرفته فأخبرني بإسلام أبي ذر ، فقال : إن أبا ذر كان في بطن مز يرعى غنماً فأتى ذئب عن يمين غنمه فهش بعصاه على الذئب فجاز الذئب عن شماله فهش عليه أبو ذر فقال له أبو ذر ما رأيت ذئباً أخبث منك ولا شراً، فقال الذئب : والله شر مني أهل مكة بعث الله عزّ وجلّ نبياً فكذبوه وشتموه، فوقع في أذن أبي ذر فقال لامرأته هلمي مزودي وأداوتي وعصاي ، ثم خرج على رجليه يريد مكة ليعلم خبر الذئب وما أتاه به حتى بلغ مكة، فدخلها في ساعة حارة وقد تعب ونصب وأتى زمزم وقد عطش فاغترف دلواً فخرج لبناً ، فقال في نفسه : هذه دالة تدلني على أن خبر الذئب وما جئت له حق فشرب وجاء إلى جانب من جوانب المسجد فإذا حلقة من قريش فجلس إليهم فرآهم يشتمون النبي صلی الله علیه واله وسلم كما قال الذئب ، فما زالوا في ذلك من ذكر النبي والشتم له حتى جاء أبو طالب من آخر النهار، فلما رأوه قال بعضهم لبعض : كفوا فقد جاء عمه ، قال : فكفوا ، فما زال يحدّثهم ويكلّمهم حتى كان آخر النّهار، ثمّ قام وقمت على أثره فالتفت إليّ فقال : اذكر حاجتك، فقلت هذا النبي المبعوث فيكم؟ قال : وما تصنع به؟ قلت: أؤمن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشيء إلا أطعته، فقال: وتفعل؟ فقلت: نعم ، قال : فقال : غداً في هذا الوقت إلي حتى أدفعك إليه ، قال : فبت تلك الليلة في المسجد حتى إذا كان الغد جلست معهم، فما زالوا في ذكر النبي وشتمه حتى طلع أبو طالب فلما رأوه قال بعضهم لبعض امسكوا فقد جاء عمه فأمسكوا فما زال يحدثهم حتى قام فتبعته فسلمت عليه فقال : اذكر حاجتك ، فقلت : النبي المبعوث فيكم؟ قال : وما تصنع به؟ قلت: أؤمن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشيء إلا أطعته قال : وتفعل؟ قلت: نعم، قال: قم معي، فتبعته فدفعني إلى بيت فيه حمزة علیه السلام فسلمت عليه وجلست فقال لي: ما حاجتك؟ فقلت هذا النبي المبعوث فيكم؟ قال: وما حاجتك إليه؟ قلت: أؤمن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشيء إلا أطعته ، فقال : تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال : فشهدت قال : فدفعني حمزة إلى بيت فيه جعفر فسلمت عليه وجلست، فقال لي جعفر : ما حاجتك؟ فقلت هذا النبي المبعوث فيكم؟ قال : وما حاجتك إليه؟ قلت : أؤمن به وأصدقه واعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشي إلا أطعته ، فقال : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، قال : فشهدت ، فدفعني إلى بيت فيه علي علیه السلام فسلمت وجلست فقال : ما حاجتك؟ قلت: هذا النبي المبعوث فيكم؟ قال : وما حاجتك إليه ؟ قلت: أؤمن به وأصدقه وأعرض عليه نفسي، ولا يأمرني بشيء إلا أطعته ، قال : تشهد إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، قال : فشهدت فدفعني إلى بيت فيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فسلمت وجلست فقال لي رسول الله : ما حاجتك؟ قلت : النبي المبعوث فيكم؟ قال : وما حاجتك إليه؟ قلت : أؤمن به وأصدقه ولا يأمرني بشيء إلا أطعته ، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ
محمّداً رسول الله فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فقال لي: يا أبا ذر إنطلق إلى أهلك فإنّك تجد ابن عمّم لك قد مات وليس له وارث غيرك، فخذ ماله وأقم عند أهلك حتّى يظهر أمرنا، قال: فرجع أبو ذر وأخذ وأقام عند أهله حتى ظهر أمر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فقال أبو عبد الله علیه السلام : هذا حديث أبي ذر وإسلامه «رض» (1).
فأكثر من أن تحصى، وكفى في فضله اختصاصه برسول الله وكونه من خيار صحابته وتالي مرتبة سلمان ، وأنه ارتد النّاس بعد رسول الله إلى أعقابهم القهقرى ولم يبق غيرهما وغير عمّار والمقداد وقد قال فيه رسول الله ما أقلت الغبراء ولا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، قيل بماذا فضله الله بهذا وشرفه؟ قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : لأنه كان بفضل عليّ أخى رسول الله قوّالا ، وله في كلّ الأحوال مذاحاً ، ولشانئه وأعدائه شانئاً، ولأوليائه وأحبّائه موالياً، سوف يجعله الله فى الجنان من أفضل سكانها، يخدمه ما لا يعرف عدده إلا الله من وصائفها وغلمانها وولدانها (2)
وعن عليّ بن إبراهيم عن الصادق علیه السلام قال : نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَانَتْ هُمَّ جَنَّتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف: 107] ، في أبي ذر والمقداد وسلمان وعمّار (3).
وفي «الكافي » عن سهل عن محمّد بن عبد الحميد عن يونس عن شعيب العقرقوفي قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام شيء يروى عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول ثلاث يبغضها النّاس وأنا أحبها : أحب الموت ، وأحب الفقر، وأحبّ البلاء، فقال: إن هذا ليس على ما تروون إنّما عنى الموت في طاعة الله أحب إلي من الحياة في معصية الله والبلاء في طاعة الله أحب إلي من الصحة في معصية الله ، والفقر في طاعة الله أحب إلي من الغنى في معصية الله (4).
وفي تفسير الإمام عند تفسير قوله : (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة)، قال: وحدثني أبي عن أبيه أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كان من خيار أصحابه أبو ذر الغفاري فجاء ذات فقال: یا رسول الله إنّ لي غنيمات قدر ستين شاة أكره أن أبدأه فيها وأفارق حضرتك
وخدمتك، وأكره أن أكلها إلى راع فيظلمها ويسيء رعيها، فكيف أصنع ؟ فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إبدأ فيها، فبدأ فيها، فلمّا كان في اليوم السابع جاء إلى رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : يا أبا ذر ، فقال : لبيك يا رسول الله ، قال : ما فعلت غنيماتك ؟ فقال : يا رسول الله إن لها قصّة عجيبة ، قال : وما هي ؟ قال : يا رسول الله بينا أنا في صلاتي إذ عدا الذئب على غنمي فقلت: يا ربّ صلاتي يا ربّ غنمي فآثرت صلاتي فأحضر الشيطان ببالي يا أبا ذر أين أنت إن عدت الذئاب على غنمك فآثرت صلاتي فأحضر الشيطان ببالي يا أبا ذر أين أنت إن عدت الذئاب على غنمك وأنت تصلي فأكلها وما بقي لك في الدنيا ما تتعيش به؟ فقلت للشيطان : يبقى لي توحيد الله والإيمان بمحمد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وموالاة أخيه سيد الخلق بعده علي بن أبي طالب علیه السلام وموالاة الأئمة الهادين الطاهرين من ولده عليهم السلام ومعاداة أعدائهم وكلّما فات من الدنيا بعد ذلك سهل وأقبلت على صلاتي، فجاء ذئب فأخذ حملاً وذهب به وأنا أحسّ به إذا أقبل على الذئب أسد قطعه نصفين واستنقذ الحمل وردّه إلى القطيع ثم نادى يا أبا ذر أقبل على صلاتك فإن الله قد وكلني بغنمك إلى أن تصلي ، فأقبلت على صلاتي وقد غشيني التعجب ما لا يعلمه إلا الله تعالى حتى فرغت منها، فجاءني الأسد وقال لي امض إلى محمّد فأخبره إنّ الله تعالى قد أكرم صاحبك الحافظ شريعتك ووكل أسداً بغنمه يحفظها ، فتعجب من كان حول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : صدقت يا أبا ذر ولقد آمنت به أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فقال بعض المنافقين : هذا بمواطأة بين محمد وأبي ذر يريد أن يخدعنا بغروره واتفق منهم عشرون رجلاً وقالوا : نذهب إلى غنمه فننظر إليها وننظر إلى أبي ذر إذا صلى هل يأتي الأسد ويحفظ غنمه فنبين بذلك كذبه، فذهبوا ونظروا وأبو ذر قائم يصلي والأسد يطوف حول غنمه ويرعاها ويرد إلى القطيع ما يشذ عنه منها حتى إذا فرغ من صلاته ناداه الأسد هاك قطيعك مسلّماً وافر العدو سالماً، ثم ناداهم الأسد معاشر المنافقين أنكرتم تولّي محمد وعلي والطيبين من آلهما والمتوسل إلى الله تعالى بهما أن يسخرني ربّي لحفظ غنمه، والذي أكرم محمّداً وآله الطيبين، لقد جعلني الله طوع يدي أبي ذر حتى لو أمرني بافتراسكم وإهلاككم لأهلكتكم، والذي لا يحلف بأعظم منه لو سئل الله بمحمد وآله الطيبين أن يحول البحار دهن زنبق وبان والجبل مسكاً وعنبراً وكافوراً وقضبان الأشجار قضب الزمرد والزبرجد لما منعه الله ذلك، فلما جاء أبو ذر إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : يا أبا ذر إنك أحسنت طاعة الله فسخّر الله لك من يطيعك في كف العواري عنك، فأنت من أفضل من مدحه الله عزّ وجلّ بأنهم يقيمون الصلاة (1)
1) مستدرك الوسائل : 85/3 ، وبحار الأنوار : 232/81
فقد رواه العامة والخاصة قال الشارح المعتزلي وعالم الهدى في «محكي الشافي » واللفظ للثاني : إنّ عثمان لما أعطى مروان بن الحكم ما أعطاه وأعطى الحرث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم جعل أبو ذر يقول: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويتلو قول الله عزّ وجلّ وَالَّذِينَ (يَكْرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم ) [التوبة : 34] ، فرفع ذلك مروان إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر رحمه الله نائلاً مولاه أن انته عمّا يبلغني عنك، فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله عزّ وجلّ وعيب من ترك أمر الله، فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إليّ وخير لي من أن أرضي عثمان بسخط الله ، فأغضب عثمان ذلك فأحفظه وتصابر، وقال عثمان يوماً : أيجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضاه؟ فقال كعب الأخبار : لا بأس بذلك، فقال أبو ذر رحمه الله : يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان : قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي إلحق بالشام ، فأخرجه إليها ، فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار فقال أبو ذر: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا حاجة لى فيها وردّها عليه ، وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال أبو ذر : يا معاوية إن كانت هذه من مال الله فهى الخيانة ، وإن كانت من مالك فهو الإسراف، فكان أبو ذر يقول : والله لقد حدثت أعمالاً ما أعرفها والله ما هي في كتاب الله ولا في سنة نبية، والله إنّي لأرى حقاً يطفأ وباطلاً يحيى وصادقاً مكذباً وأثرة بغير تقى وصالحاً مستأثراً عليه .
وقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية : إنّ أبا ذر لمعضد عليكم الشام فتدارك أهله إن كان لكم فيه حاجة، فكتب معاوية إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية أما بعد ، فاحمل جنيدباً إلي على أغلظ مركب وأوعره، فوجه به مع من سار به الليل والنهار، وجمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتّى قدم بالمدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد .
أقول : وعن المسعودي في «مروج الذهب» أنه ردّ إلى المدينة على بعير عليه قتب يابس معه خمسمائة الصقالية يطردون به حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد يتلف، فقيل له : إنّك تموت ، قال : هيهات لن أموت حتى أنفى .
قال السيد (رحمت الله) في رواية الواقدي أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال : لا أنعم الله بك عيناً يا جنيدب، فقال أبو ذر رحمه الله : أنا جندب وسماني رسول الله عبد الله فاخترت اسم رسول الله الذي سمّاني به على إسمي ، فقال عثمان : أنت الذي تزعم أنا نقول إنّ يد الله مغلولة وإنّ الله فقير ونحن أغنياء، فقال أبو ذر : لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مال الله على
عباده، ولكن أشهد أني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول : إذا بلغ ابن أبي العاص ثلاثين رجلاً و جعلوا مال الله دولاً، وعباد الله خولا(1)، ودين الله دخلاً ثم يريح عباد الله يريح عباد الله منهم، فقال عثمان لمن حضر : اسمعتموها من رسول الله ؟ فقالوا : ما سمعناه ، فقال عثمان : ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله؟ فقال أبو ذر لمن حضر : أما تظنون أني صدقت؟ قالوا: لا والله ما ندري ، فقال عثمان : ادعوا لي عليّاً فدعى فلما جاء قال عثمان لأبي ذر : أقصص عليه حديثك في بني أبي العاص ، فحدّثه، فقال عثمان لعلي: هل سمعت هذا من رسول الله ؟ فقال : لا وصدق أبو ذر ، فقال : كيف عرفت صدقه؟ فقال : لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : ما
، أظلّت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر (2)، فقال من حضر من أصحاب النبي جميعاً : لقد صدق أبو ذر ، فقال أبو ذر : أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله ثم تتهموني ما كنت أظنّ أن أعيش حتى أسمع من أصحاب محمد صلی الله علیه واله وسلم .
قال السيد (رحمت الله) وروى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلمتين قال : رأيت أبا ذر يوماً دخل به على عثمان فقال له : أنت الذي فعلت وفعلت؟ فقال له أبو ذر : قد نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني، فقال عثمان : كذبت ولكنّك تريد الفتنة وتحبها قد قلبت الشّام علينا ، فقال له أبو ذر : اتبع سنة صاحبيك لا يكون لأحد عليك كلام ، فقال له عثمان : ما لك وذلك لا أم لك، فقال أبو ذر : والله ما وجدت لي عذراً إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغضب عثمان فقال : أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله فإنّه قد فرّق جماعة المسلمين أو أنفيه من الأرض، فتكلم علي علیه السلام وكان حاضراً فقال : أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون قال : إن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب فأجابه عثمان بجواب غليظ لم أحب أن أذكره وأجابه علي علیه السلام مثله (3).
أقول : هذا الجواب الذي لم يحب ذكره هو قوله لعنه الله : بفيك التراب، فأجابه
علیه السلام بقوله : بل بفيك التراب كما يأتي في رواية «تقريب المعارف».
قال الواقدي : ثمّ إنّ عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه، فمكث كذلك أياماً ثم أمر أن يؤتى به ، فلما أتى به ووقف بين يديه قال : ويحك يا عثمان ما رأيت رسول الله ورأيت أبا بكر وعمر هل رأيت هديك هديهم إنك لتبطش في بطش جبّار ، فقال : أخرج عنا من بلادنا، فقال أبو ذر : فما ابغض إلي جوارك فإلى أين أخرج؟ قال : حيث شئت، قال:
فأخرج إلى الشام أرض الجهاد ، فقال : إنما أجلبتك من الشام لما قد أفسدتها أفأرتك إليها؟ قال : إذا أخرج إلى العراق قال : لا ، قال : ولم ؟ قال : تقدم على قوم أهل شبهة وطعن على الأئمة ، قال : فاخرج إلى مصر ، قال : لا ، قال : فإلى أين أخرج قال حيث شئت فقال هو إذا التعرّب بعد الهجرة أخرج إلى نجد ، قال عثمان : الشرق الشرق الأبعد أقصى فأقصى ، فقال أبو ذر : قد أبيت ذلك عليّ، قال: امض على وجهك هذا ولا تعودن الزبدة.
وفي «البحار» من «تقريب المعارف» لأبي الضلاح عن الثقفي في «تاريخه» عن عبد الملك ابن أخي أبي ذر قال كتب معاوية إلى عثمان : إن أبا ذر قد حرّف قلوب أهل الشام وبغضك إليهم فما يستفتون غيره ولا يقضي بينهم إلا هو ، فكتب عثمان إلى معاوية أن أحمل أبا ذر على ناب صعب وقتب ثم ابعث معه من يبخش به بخشاً عنيفاً حتى يقدم به عليّ، قال: فحمله معاوية على ناقة صعبة عليها قتب ما على القتب إلا مسح ثم بعث معه من يسيره سيراً عنيفاً وخرجت معه فما لبث الشيخ إلا قليلاً حتى سقط ما يلي القتب من لحم فخذيه وقرح، فكنت إذا كان الليل أخذت ملائي فألقيتهما تحته فإذا كان السحر نزعتهما مخافة أن يروني فيمنعوني من قدمنا المدينة، وبلغ عثمان ما ألقى أبو ذر من الوجع والجهد فحجبه جمعة وجمعة حتى مضت عشرون ليلة أو نحوها وأفاق أبو ذر ثم أرسل إليه وهو معتمد على يدي فدخلنا عليه وهو متكي ، فاستوى قاعداً فلما دنى أبو ذر منه قال عثمان :
لا أنعم الله ب--ع--م--رو عینا *** تحيّة السخط إذا التقينا
فقال له أبو ذر : فو الله ما سماني الله عمراً ولا سماني أبواي عمراً وإنّي على العهد الذي فارقت عليه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ما غيرت ولا بدلت ، فقال له عثمان : كذبت لقد كذبت على نبينا وطعنت في ديننا وفارقت رأينا وضغنت قلوب المسلمين علينا، ثم قال لبعض غلمانه : ادع لي قريشاً، فانطلق رسوله فما لبثنا أن امتلأ البيت من رجال قريش ، فقال لهم عثمان إنا أرسلنا إليكم في هذا الشيخ الكذاب الذي كذب على نبينا وطعن في ديننا وضغن قلوب المسلمين علينا، وإنّي قد رأيت أن أقتله أو أصلبه أو أنفيه من الأرض، فقال بعضهم: رأينا لرأيك تبع، وقال بعضهم : لا تفعل فإنّه صاحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وله حق فما منهم أحد أدّى الذي عليه فبينا هم كذلك إذا جاء عليّ بن أبي طالب يتوكأ على عصا سراً، فسلّم عليه ونظر ولم يجد مقعداً فاعتمد على عصاه فما أدري أتخلّف عهد أم يظنّ به غير ذلك، ثم قال علي فيما أرسلتم إلينا؟ قال عثمان : أرسلنا إليكم في أمر قد فرّق لنا فيه الرّأي فأجمع رأينا ورأى المسلمين فيه على أمر ، قال علي علیه السلام : والله الحمد أما انّكم لو اشرتمونا لم نألكم نصيحة، فقال عثمان : إنّا أرسلنا إليكم في هذا الشيخ الذي قد كذب على نبينا وطعن في ديننا وخالف رأينا وضعن قلوب المسلمين علينا، وقد رأينا أن نقتله أو نصلبه أو ننفيه من الأرض، قال علي علیه السلام: أفلا أدلكم على غير من ذلكم وأقرب رشداً تتركونه بمنزلة آل فرعون ، إن يك كاذباً فعليه كذبه وإن
يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إنّ الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، فقال عثمان لعنه الله : بفيك التّراب، فقال له علي علیه السلام بل بفيك التراب، وسيكون به، فأمر بالناس فاخرجوا (1).
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ [البقرة : 84] الآية ، أنها نزلت في أبي ذر رحمه الله وعثمان بن عفان ، وكان سبب ذلك لما أمر عثمان بن بنفي أبا ذر إلى الربذة، دخل عليه أبو ذر وكان عليلاً متوكئاً على عصاه وبين يدي عثمان مائة ألف درهم قد حملت إليه من بعض النواحي وأصحابه حوله ينظرون إليه ويطمعون أن يقسمها فيهم، فقال أبو ذر لعثمان : ما هذا المال؟ فقال له عثمان : مائة ألف درهم حملت إليّ من بعض النواحي أريد أن أضم إليها مثلها وأرى فيه رأيي ، فقال أبو ذر : يا عثمان أيما أكثر مائة ألف درهم أو أربعة دنانير ؟ فقال : بل مائة ألف درهم، فقال : أما تذكر أنا وأنت وقد دخلنا على رسول الله عشيّاً فرأيناه كثيباً حزيناً فسلّمنا عليه فلم يرد علينا السّلام، فلما أصبحنا أتيناه فرأيناه ضاحكاً مستبشراً فقلنا له : بآبائنا وأمهاتنا دخلنا عليك البارحة فرأيناك كتيباً حزيناً ، ثم عدنا إليك اليوم فرأيناك ضاحكاً مستبشراً، فقال صلی الله علیه واله وسلم : نعم كان قد بقي عندي من فيء المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسمتها وخفت أن يدركني الموت وهي عندي وقد قسمتها اليوم واسترحت منها، فنظر عثمان إلى كعب الأحبار فقال له : يا أبا إسحاق ما تقول في رجل أذى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيء؟ فقال : لا ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شيء، فرفع أبو ذر عصاه وضرب به رأس ابن كعب ثمّ قال له : يا ابن اليهودية الكافرة ما أنت والنظر في أحكام المسلمين قول الله أصدق من
قولك حيث قال :
(يكترُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيرٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كنتُم تَكْتِرُونَ ﴾ [التوبة : 34 - 35]
فقال عثمان يا أبا ذر إنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك ولولا صحبتك لرسول الله لقتلتك ، فقال : كذبت يا عثمان أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال : إنهم لا يفتنونك ولا يقتلونك وأما عقلي فقد بقي منه ما أحفظ حديثاً سمعته من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيك وفي قومك، فقال: ما سمعت في وفي قومي؟ قال: سمعته يقول : إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلاً صيروا مال الله دولاً، وكتاب الله دخلا ، وعباده خولاً والفاسقين حزباً والصالحين حرباً، فقال عثمان: يا معشر أصحاب محمد هل سمع أحد منكم هذا من رسول الله؟ قالوا: لا ما سمعنا
1) الصراط المستقيم 333، وبحار الأنوار: 179/31
هذا من رسول الله ، فقال عثمان : ادع لي عليّاً فجاء أمير المؤمنين علیه السلام فقال له عثمان: يا أبا الحسن انظر ما يقول هذا الشيخ الكذاب، فقال علیه السلام : مه یا عثمان لا تقل كذاب فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، فقال أصحاب رسول الله : صدق أبو ذر فقد سمعنا هذا من رسول الله ، فبكى أبو ذر عند ذلك فقال : ويلكم كلكم قد مدّ عنقه إلى هذا المال ظننتم أني أكذب على رسول الله ، ثم نظر إليهم فقال : من خيركم؟ فقالوا : أن تقول إنك خيرنا قال : نعم خلفت حبيبي رسول الله على هذه الجبّة وهي عليّ بعد وأنتم قد أحدثتم أحداثاً كثيرة والله سائلكم عن ذلك ولا يسألني، فقال عثمان : يا أبا ذر أسألك بحق رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلا ما أخبرتني عن شيء أسألك عنه، فقال أبو ذر : والله لو لم تسألني بحق رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أيضاً لأخبرتك فقال : أتي البلاد أحب إليك أن تكون فيها ؟ قال : مكة الله حرم وحرم رسوله أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت ، فقال: لا ولا كرامة، قال المدينة حرم رسول الله قال: لا ولا كرامة لك ، قال: فسكت أبو ذر، فقال عثمان : أتي البلاد أبغض إليك أن تكون فيها ؟ قال : الزبدة التي كنت فيها على غير دين الإسلام، فقال عثمان : سمر إليها، قال أبو ذر : قد سألتني فصدقتك وأنا أسألك فاصدقني ، قال : نعم ، فقال : أخبرني لو بعثتني فيمن بعثت من أصحابك إلى المشركين فأسروني فقالوا لا تقديه إلا بثلث ما تملك ، قال : كنت أفديك ، قال : فإن قالوا لا نفديه إلا بنصف ما تملك قال : كنت أفديك قال : فإن قالوا لا نفديه إلا بكل ما تملك قال : كنت أفديك قال أبو ذر رحمه الله : الله أكبر قال لي حبيبي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يوماً : يا أبا ذر كيف أنت إذا قيل لك : أي البلاد أحب إليك فتقول : مكة الله وحرم رسوله أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت، فيقال لك لا ولا كرامة لك، فتقول : فالمدينة حرم رسول الله، فيقال لك : لا ولا كرامة لك ثم يقال لك : أي البلاد أبغض إليك أن تكون فيها، فتقول : الربذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام، فيقال لك سر إليها ، فقلت : إن هذا لكائن يا رسول الله ؟ فقال : أي والذي نفسي بيده إنّه لكائن فقلت : يا رسول الله أفلا أضع سيفي هذا على عاتقي فاضرب به قدماً قدماً؟ قال صلی الله علیه واله وسلم: لا إسمع واسكت ولو لعبد حبشي وقد أنزل الله تعالى فيك وفي عثمان آية، فقلت: وما هي يا رسول الله فقال : قوله تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيرِهِمْ تَظْهَرُونَ عَلَيْهِم بِالاثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَتَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ من يفعل ذالك مِنكُمْ إِلَّا خرى فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة : 84-85] (1)
1) الكافي: 390/2، وقرب الإسناد : 7.
وفي الروضة» من «الكافي » عن سهل عن محمد بن الحسن عن محمد بن حفص
التميمي قال حدثني أبو جعفر الخثعمي قال :
لمّا سيّر عثمان أبا ذر إلى الربذة شيّعه أمير المؤمنين وعقيل والحسن والحسين عليهما السلام وعمّار بن ياسر رضي الله عنه، فلمّا كان عند الوداع قال أمير المؤمنين علیه السلام : يا أبا ذر إنّما غضبت الله عزّ وجلّ فارج من غضبت له إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فأرحلوك عن الفناء وامتحنوك بالبلاء، لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقا ثم اتقى الله جعل له مخرجاً، لا يؤنسنّك إلا الحق ولا يوحشنّك إلا الباطل.
ثمّ تكلّم عقيل وقال : يا أبا ذر أنت تعلم أنا نحبك ونحن نعلم أنّك تحبّنا وأنت قد حفظت فينا ما ضيّع الناس إلا القليل ، فثوابك على الله عزّ وجلّ، ولذلك أخرجك المخرجون وسيرك المسيرون، فثوابك على الله عزّ وجلّ فاتق الله واعلم أن استعفاؤك البلاء من الجزع واستبطاؤك العافية من الإياس فدع اليأس والجزع فقال :حسبي الله ونعم الوكيل .
ثم تكلم الحسن علیه السلام وقال : يا عماه إن القوم قد أتوا إليك ما قد ترى وأنّ الله بالمنظر الأعلى، فدع عنك ذكر الدنيا بذكر فراقها، وشدّة ما يرد عليك لرخاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبتك صلی الله علیه واله وسلم وهو عنك راض إن شاء الله .
ثم تكلم الحسين علیه السلام فقال : يا عماه إنّ الله تبارك وتعالى قادر أن يغير ما ترى وهو كلّ يوم في شأن ، القوم منعوك دنياهم ومنعتهم دينك فما أغناك عمّا منعوك وأحوجهم إلى ما منعتهم فعليك بالصبر، وإن الخير في الصبر والصبر من الكرم ودع الجزع فإنّ الجزع لا يغنيك .
ثمّ تكلم عمّار رضى الله عنه فقال : يا أبا ذر أوحش الله من أوحشك وأخاف من أخافك، إنه والله ما منع الناس أن يقولوا الحق إلا الركون إلى الدنيا والحبّ لها، ألا إنّما الطاعة على الجماعة والملك لمن غلب عليه، وإنّ هؤلاء القوم دعوا الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين .
ثمّ تكلّم أبو ذر رحمه الله فقال : عليكم السلام ورحمة الله وبركاته بأبي وأمي هذه الوجوه، فإنّي إذا رأيتكم ذكرت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بالكلام و ما لي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم وإنّه ثقل على عثمان جواري بالمدينة كما ثقل على معاوية فإلى أن يسيرني إلى بلدة وطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة، فزعم أنه يخاف أن أفسد على أخيه الناس بالكوفة وآلى بالله ليسيرني إلى بلدة لا أرى بها أنيساً ولا أسمع بها حسيساً وإني والله ما أريد إلا الله عزّ وجلّ صاحبا ومالي مع الله وحشة حسبي الله لا إله إلا هو توكلت عليه وهو رب العرش العظيم
وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين (1).
وفي «البحار» عن المسعودي في «مروج الذهب» بعد أن أورد كيفية ردّ عثمان له رحمه الله إلى المدينة وساق الحديث إلى نفيه له منها قال :
فقال له عثمان: وار وجهك عنّي قال : أسير إلى مكة ، قال : لا والله، قال: فإلى الشام، قال : لا والله ، قال : فإلى البصرة قال : لا والله فاختر غير هذه البلدان ، قال لا والله لا أختار غير ما ذكرت لك ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئاً من البلدان فسيّرني حيث شئت من البلاد ، قال : إني أسيرك إلى الربذة ، قال : الله أكبر صدق رسول الله قد أخبرني بكل ما أنا لاق قال : وما قال لك؟ قال : أخبرني أني أمنع من مكة والمدينة وأموت بالربذة ويتولى دفني نفر يريدون العراق إلى نحو الحجاز وبعث أبو ذر إلى جمل فحمل عليه امرأته وقيل ابنته ، وأمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة.
ولما طلع عن المدينة ومروان يسيره عنها طلع علي بن أبي طالب علیه السلام ومعه الحسن والحسين عليهما السلام وعقيل أخوه وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر فاعترض مروان وقال : يا علي إن أمير المؤمنين نهى الناس أن يمنحوا أبا ذر أو يشيّعوه، فإن كنت لم تعلم بذلك فقد أعلمتك ، فحمل علیه السلام عليه بالسوط وضرب بين أذني ناقة مروان وقال : تنخ نحاك الله إلى النّار، ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف فلما أراد علیه السلام الانصراف بكى أبو ذر وقال: رحمكم الله أهل البيت إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم.
فشكى مروان إلى عثمان ما فعل به عليّ علیه السلام ، فقال عثمان يا معشر المسلمين من يعذرني من علي ردّ رسولي عمّا وجهته له وفعل وفعل والله لنعطينه حقه، فلما رجع علي علیه السلام استقبله النّاس وقالوا : إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر ، فقال علي علیه السلام : غضب الخيل على اللجم ، فلما كان بالعشي وجاء عثمان قال : ما حملك على ما صنعت بمروان ولم اجترأت علي ورددت رسولي وأمري؟ فقال : أما مروان فاستقبلني بردّي فرددته عن ردي، وأما أمرك لم أرده ، فقال : ألم يبلغك أني قد نهيت النّاس عن أبي ذر وتشييعه؟ فقال علي علیه السلام: أو كلّما أمرتنا به من شيء نرى طاعة الله والحق في خلافه اتبعنا فيه أمرك لعمر الله ما نفعل، فقال عثمان : أقد مروان ، قال : ومتم أقيد قال : ضربت بين أذني راحلته وشتمته فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك، قال علي : أمّا راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فعل ، وأما أنا فوالله لئن شتمني لاشتمنّك بمثله لا كذب فيه ولا أقول إلا حقاً، قال عثمان : ولم لا يشتمك إذا شتمته فوالله ما أنت بأفضل عندي منه، فغضب
1) الكافي : 208/8 ، وبحار الأنوار: 436/22 . :
علي علیه السلام وقال : لي تقول هذا القول أَمرُوان يُعدَّل فلا والله أنا أفضل منك ، وأبي أفضل من أبيك وأمّي أفضل من امك وهذه نبلي قد نثلتها فانثل نبلك، فغضب عثمان واحمر وجهه وقام ودخل، وانصرف علي فاجتمع إليه أهل بيته ورجال المهاجرين والأنصار .
فلما كان من الغد واجتمع الناس شكى إليهم عليّاً، وقال: إنّه يغشني وبظاهر من يغشني يريد بذلك أبا ذر وعماراً وغيرهما، فدخل الناس بينهما حتى اصطلحا وقال علي : والله ما أردت بتشييعي أبا ذر إلا الله تعالى ، هذا(1)
وقد روى الشارح المعتزلي أكثر ما أوردناه من الأخبار في تلك القصة بطرق أخرى نحو ما رويناه وهي كافية في الطعن على عثمان والقدح فيه ؛ لأن إيذائه لأبي ذر رحمه الله وإهانته يه في حكم المعاداة الله ولرسوله، وقد قال الله تعالى : من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وشهادته على أبي ذر بالكذب بعد ما سمع من أمير المؤمنين شهادة النبي عليه بالصدق وكونه أصدق النّاس لهجة تكون في الحقيقة راجعة إلى تكذيب رسول الله ورداً لقوله، وأعظم ذلك منازعته في تلك القضية مع أمير المؤمنين وإساءته الأدب في وهي كافية في وجوب طعنه ولعنه .
والعجب أنّ الشارح المعتزلي بعد ما أورد الأخبار الدالة على إخراجه من المدينة بالإجبار اتبعه بقوله : واعلم أن أصحابنا قد رووا أخباراً كثيرة معناها أنه أخرج إلى الرّبذة باختياره «إلى أن قال » ونحن نقول : هذه الأخبار وإن كانت قد رويت لكنها ليست في الاشتهار والكثرة كتلك الأخبار والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان وحسن الظن بفعله أنه خاف الفتنة والاختلاف في كلمة المسلمين فيغلب على ظنه أن إخراج أبي ذر (رحمت الله) إلى الربذة أحسم للشعب وأقطع للأطماع من أن يشرئب إلى شق العصا ، فأخرجه مراعاة للمصلحة، ومثل ذلك يجوز للإمام هكذا يقول أصحابنا المعتزلة وهو الأليق بمكارم الأخلاق فقد قال الشاعر :
إذا ما أتت من صاحب لك زلّة *** فكن أنت محتالاً لزلته عذراً
وإنما يتأول أصحابنا حال من يحتمل حاله التأويل كعثمان، فأما من لا يحتمل حاله التأويل وإن كانت له صحبة سالفة كمعاية وأضرابه فإنّهم لا يتأولون لهم إذ كانت أفعالهم وأقعابهم لا وجه لتأويلها ولا تقبل العلاج ، والإصلاح، انتهى كلامه هبط مقامه (2).
أقول : أما ما حكاه عن أصحابه من روايتهم الأخبار الدالة على اخراجه بالاختيار، ففيه أنّ هذه الأخبار مما تفرد بروايته أولياء عثمان المتعصبون له دفعاً للعار والشنار عنه، وهي لا
تكافؤ أخبار الإجبار عدداً وسنداً وشهرة بين المؤلف والمخالف، مضافاً إلى ما فيها من مخايل الصدق ودلائل الصواب والصحة ، وهل تظنّ في حق مثل أبي ذر أو يحكم عقلك بأنه ترك إقامة حرم الله وحرم رسوله صلی الله علیه واله وسلم ومجاورة قبره ومصاحبة أمير المؤمنين وآله المعصومين واختار المهاجرة إلى الفلاة والأرض القفر بالطوع والاختيار والزغبة والرضاء كلا ثم كلاً وكيف يرضى من له أدنى عقل وكياسة من المسلمين أن يموت في أرض اليهود ويكون فيها ويرجحها على الدفن في حرم الرسول فضلاً عن أبي ذر وأمثاله، إن هذا إلا مفترى.
وأما ما اعتذر به الشارح عنه ففيه أن حمل فعل المسلم على الصحة إنما هو إذا لم يكن الغالب على حاله الفساد ، واما إذا كان الغالب على حاله ذلك فلا ، وحال عثمان وسابقه في السوء والفساد معلوم، وكفى بذلك اغتصابهم الخلافة لأمير المؤمنين علیه السلام وتغييرهم شريعة سيّد المرسلين وإحراقهم باب بضعة خاتم النبيين وجعلهم القرآن عضين، واعتياضهم الدنيا بالدين، مضافة إلى مطاعنهم الدئرة وفضائحهم الجمة التي تقدمت في مقامه وتأتي أيضاً .
ومع ذلك فأي شيء أوجب حسن الظن بفعل عثمان حتى تأوّل الأخبار الناصة
بسوء فعله .
ثم أقول : هب أنّ الدّاعي على إخراجه كان خوف الفتنة وشق العصا على زعمك ، ولكن أي شيء كان الدّاعي على حمله من الشام إلى المدينة على جمل صعب ليس عليها إلا قتب يابس حتى سقط لحم فخذيه من الجهد ، وما كان السبب لهذه الأذية؟
فإن قلت : ان معاوية فعل ذلك في حقه.
قلت : عثمان كتب إلى معاوية بأن يحمله على أغلظ مركب وأوعره مع من سار به الليل والنهار.
وأما تفرقة الشارح بين عثمان ومعاوية فهو أعجب ثم أعجب، لأن كليهما من فروع الشجرة الملعونة، وكلّ منهما في مقام المحادة والمعاداة والظلم لأمير المؤمنين ولعترة سيد النبيين ولرؤساء الدين، فلا يمكن إصلاح حالهما وعلاج قبائح أعمالهما وفضائح أفعالهما بعد العين بالأثر ولا بعد الدراية بالخبر، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
از جمله کلام آن بزرگوار است مر ابی ذر غفاری در حینی که اخراج شد از مدینه طیبه به سوی ربذه ، فرمود :
ای ابوذر ، به درستی که تو غضب کردی از برای رضای خدای تبارك و تعالی ، پس امیدوار باش به کسی که از برای او غضب نمودی ، به درستی که این قوم ترسیدند از تو بر دنیای خودشان و ترسیدی تو از ایشان بر دین خود ، پس ترك کن در دست ایشان آن چه را که ترسیدند از تو بر آن و بگریز از ایشان به آن چه که ترسیدی از ایشان بر او ، پس چه بسیار احتیاج دارند به آن چه که منع کردی تو ایشان را، یعنی از دین خود و چقدر بی نیازی تو از آنچه که منع کردند تو را ، یعنی دنیایشان و زود باشد که بدانی که کیست صاحب ربح و منفعت فردای قیامت و بیشتر مردمان در حالتی که حسد برند او را .
اگر آسمانها و زمینها باشند بر بنده بسته شده ، پس بپرهیزد آن بنده از خدای تعالی ، هر آینه بگرداند پروردگار متعال از برای آن بنده محل خروجی از آنها ، یعنی ابواب فرج به روی او مفتوح میشود و نباید مونس بشود تو را مگر خدا ، نباید وحشت آورد تو را غیر از باطل ، پس اگر قبول کرده بودی دنیای ایشان را ، هر آینه دوست میداشتند تو را و اگر قطع کرده بودی و اخذ نمودی از دنیا ،
يعني قبول هدایای ایشان را میکردی ، هر آینه در امان بودی از شر ایشان.
أَيْتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتَّتَةُ ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانَهُم ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُم عُقُولُهُمْ ، أَظْأَرَكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الأَسَدِ، هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلِعَ بِكُمْ سِرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أُقيمَ إِعْوِجَاجَ الْحَقِّ ، أَللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ تَعْلَمُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذي كانَ مِنَا مُنافَسَةً في سُلْطَانٍ، وَلا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرُدَّ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، ونُظْهِرَ الإِصْلاحَ في بلادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وتُقامَ المُعَطِّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَوّلَ مَنْ أَنَابَ، وسَمِعَ وأَجابَ لَمْ يَسْبِقْنِي إِلا رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله وسلم بِالصَّلاةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الوالِي عَلَى الْفُرُوج وَالدِّماءِ وَالْمَعَائِم وَالأَحْكَام وإمامَةِ الْمُسْلِمِينَ البخيلُ، فَتَكُونَ في أَمْوالِهم نَهُمَتُهُ، وَلاَ الْجَاهِلْ فَيُضِلُّهُمْ بِجَهْلِهِ، وَلا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفائِهِ، وَلاَ الْحَائِفُ لِلدُّولِ، فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْم ، وَلاَ الْمُرْتَشي في الحكم ، فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ ويَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقاطِعِ، وَلاَ الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ، فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ (1).
(ظارت) الناقة إذا عطفت على ولد غيرها وظارتها أيضاً أي عطفتها يتعدى ولا يتعدّى و (المعز) من الغنم بخلاف الضأن وهو اسم جنس وكذلك المعزى و(اسرار) العدل قال الفيروز آبادي: السّرار كسحاب من الشهر أخر ليلة كسراره وسرره وقال أيضاً: سرارة الوادي أفضل مواضعه كسرته وسره و سراره ، وقال الكندري في محكي كلامه : سرار الشهر وسرره آخر ليلة منه ، والسّرار المسارة من السر وجمع سرر الكف والجبهة.
و(المنافسة) المغالبة في الشيء النفيس و(الحطام) ما تكسر من اليبس و(النهمة) بلوغ الهمّة والشهوة في الشيء وهو منهوم بكذا مولع به ، وروی نهمته محرّكة وهي إفراط الشهوة في الطعام و(الجفاء) خلاف البر والصلة ورجل جافي الخلق والخلقة أي غليظ منقبض و(الحائف) بالحاء المهملة من الحيف وهو الظلم والجور و(الدول) بضم الدال المهملة جمع الدولة إسم للمال المتداول به قال تعالى : (كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]، وروى الخائف للدول بالخاء المعجمة وكسر الدال جمع دولة بالفتح وهي الغلبة.
1) كتاب الأربعين : 195 ، وبحار الأنوار: 167/25 ح 36.
(الباء) في قوله (أطلع بكم) إما تعدية أو سببيته،( وسرار العدل) إما منصوب على الظرف أو مفعول به حسبما تعرف في بيان المعنى.
اعلم أن المقصود بهذا الكلام توبيخ أصحابه وذنهم على التقصير في إتباع الحق والإعراض عن متابعة الإمام العدل، وأشار إلى بعض مناقبه المستلزمة لوجوب إتباعه وعقبه بالتعريض على المنتحلين للخلافة الغاصبين لها فقال (أيتها النفوس المختلفة ) الأهواء (والقلوب المتشتة) الآراء و (أظأركم) وأعطفكم (على الحق وأنتم تنفرون عنه نفور المعزي من وعوعة الأسد) وصوته ( هيهات أن أطلع بكم سرار العدل) أي بعد أن اظهركم وأبين لكم ما خفى من العدل واستسرّ التخاذلكم وتفرق أهوائكم.
وقال الشارح المعتزلي : يفسّره الناس بمعنى هيهات أن أطلعكم مضيئين ومنوّرين سرار العدل، والسّرار آخر ليلة من الشهر وتكون مظلمة ويمكن أن يفسر عندي على وجه آخر ، وهو أن يكون السرار ههنا بمعنى السرر وهي خطوط مضيئة في الجبهة فيكون معنى كلامه علیه السلام هيهات أن تلمع بكم لوامع العدل وإشراق وجهه ، ويمكن فيه أيضاً وجه آخر وهو أن ينصب سرار على الظرفية ويكون التقدير هيهات أن أطلع بكم الحق زمان استسرار العدل واستخفائه، فيكون حذف المفعول وحذفه كثير ، انتهى .
وعن الكندري قال في محكي كلامه (وسرار العدل) أي ( في سرار ) فحذف حرف الجرّ ووصل الفعل، وقيل أي هيهات أن أظهر بمعونتكم ما خفى واستسر من أقمار العدل وأنواره، انتهى.
وهو أولى ممّا ذكره الشارح المعتزلي والأظهر ما ذكرناه (أو أقيم اعوجاج الحق) أي ما أعوج منه بسبب غلبة الضلال والجهال عليه .
ثم نبه على براءة ساحته وتزكية نفسه في أمر الخلافة فقال (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان )وقع (منا) وهو الرّغبة في الخلافة أو الحروب أو الجميع (منافسة في سلطان ) وحرصاً عليه (والتماس شيء من فضول الحطام ) أي طلباً لشيء من زخارف الدنيا وزينتها الساقطة عن درجة الاعتبار الغير المحتاج إليها (ولكن لنرد المعالم من دينك ) أي الآثار التي يهتدي بها فيه (ونظهر الإصلاح في بلادك )ونرفع الفساد عنها (فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك ).
ولا يخفى ما في هذه الجمل من التعريض على المتقدمين المنتحلين للخلافة والإشارة
إلى أن طلبهم لها إنما كان تنافساً في الملك والسلطنة، ورغبة في القنيات الدنيوية، وإلى أن أنوار الدين في زمانهم قد انطمست ، وآثار الشرع المبين قد اندرست، وأنه شاع الفساد في البلاد وغلب الجور والظلم على العباد وتعطلت الحدود والأحكام وتغير الحلال والحرام.
ثمّ إنّه لما بيّن أن طلبه للخلافة لم يكن للدنيا أكد هذا المعنى بقوله (اللهم إنّي أول من أناب) ورجع إليك ( وسمع) دعوة الرسول صلی الله علیه واله وسلم (وأجاب) إليه (لم يسبقني إلا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بالصّلاة )أما كون هذه الجملة تأكيداً لما سبق فلأنه إذا كان أوّل النّاس إسلاماً مع عدم كون الإسلام معروفاً حينئذ متوقعاً به الانتفاع في الدنيا لا بد وأن يكون إسلامه الله سبحانه وابتغاء لرضاه، ومن كان هذا حاله في بداية أمره كيف يخطر ببال عاقل أنّه يطلب الدنيا وحطامها، ويجرّد عليها السيف في آخر عمره .
وأما كونه علیه السلام أوّل من أناب وأجاب إلى الإيمان والإسلام فهو المتفق عليه بين الشيعة والمشهور بين الجمهور لم يخالف في ذلك إلا شرذمة منهم لا يعتد بخلافهم وستعرف تفصيل ذلك في التنبيه الآتي .
وأما إنّه سبق النّاس بالضلاة ولم يسبقه غيره فيدل على ذلك ما رواه في المجلد التاسع من «البحار» من كتاب «المناقب» للشيخ الفقيه رشيد الدين أبي جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب المازندارني تغمده الله برحمته ، قال ما هذا لفظه :
أبو عبد الله المرزباني وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما فيما نزل من القرآن في عليّ علیه السلام والنظنزي في «الخصائص» عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وروى أصحابنا عن الباقر علیه السلام في قوله تعالى: وَارْكَمُواْ مَعَ الرَّاكِمِينَ [البقرة: 43] نزلت في رسول الله وعلي بن أبي طالب وهما أوّل من صلى وركع (1).
المرزباني عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى : إن (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ أُوْلَبكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة : 82] ، نزلت في علي خاصة وهو أول مؤمن وأوّل من صلى بعد النبي.
تفسير السّدي عن قتادة عن عطاء عن ابن عباس في قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن تلتي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَلْتَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل : 534] ، فأوّل من صلى مع رسول الله علي بن أبي طالب .
تفسير القطان عن وكيع عن سفيان عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى : (طياتها المُدَّثِرُ ) [المدثر : 1] يعني محمّداً اكثر بثيابه ، (قم فَأَنذِر ) [المدثر : 2]، أي
1) مناقب آل أبي طالب 296/1 ، وبحار الأنوار: 120/36.
فصل ادع عليّ بن أبي طالب إلى الصلاة معك ، (وَرَبَّكَ فَكَيّر ﴾ [المدثر : 3] ممّا تقول عبدة الأوثان .
تفسير يعقوب بن سفيان قال : حدثنا أبو بكر الحميدي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي النجيح عن مجاهد عن ابن عباس في خبر يذكر فيه كيفية بعثة النبي ثم قال: بينا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قائم يصلي مع خديجة إذ طلع عليه علي بن أبي طالب فقال له: ما هذا يا محمد ؟ قال : هذا دين الله فآمن به وصدقه، ثم كانا يصليان ويركعان ويسجدان فأبصرهما أهل مكة فقشا الخير فيهم أن محمداً قد جن، فنزلت: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بمَجْنُونِ ﴾ [القلم: 1 - 2](1)
شرف النبي عن الخركوشي قال : وجاء جبرئيل بأعلى مكّة وعلمه الصلاة فانفجرت من الوادي عين حتى توضأ جبرئيل بين يدي رسول الله، وتعلّم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم منه الطهارة ثم أمر به علياً علیه السلام .
تاريخي «الطبري» و«البلاذري»، و«جامع الترمذي » ، و« أبانة العكبري»، و«فردوس الديلمي»، وأحاديث أبي بكر بن مالك ، و«فضائل الصحابة » عن الزعفراني عن يزيد بن هارون عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم ، و «مسند أحمد» عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قالا ، قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : أول من صلى معي علي"(2)
تاريخ النسوي قال زيد بن أرقم : أوّل من صلّى مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على .
«جامع الترمذي » و« مسند أبي يعلى الموصلي» عن أنس ، و «تاريخ الطبري» عن جابر قالا : بُعث النبي يوم الإثنين وصلى عليّ يوم الثلاثاء.
أبو يوسف النسوي في «المعرفة» وأبو القسم عبد العزيز بن إسحاق في «أخبار أبي رافع» عن عشرين طريقاً طريقاً عن أبي رافع قال : صلى النّبي أوّل يوم الاثنين، وصلت خديجة آخر يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء من الغد.
أحمد بن حنبل في «مسند العشرة» وفي «الفضائل» أيضاً، والنسوي في «المعرفة»، والترمذي في «الجامع» ، وابن بطة في «الإبانة» روى علي بن الجعد عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبة العرني قال : سمعت عليا معه خمسمائة يقول : أنا أول من صلى مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم (3).
ابن حنبل في «مسند العشرة » وفي «فضائل الصحابة » أيضاً عن سلمة بن كهيل بن كهيل عن حبة العرني في خبر طويل أنه قال علي علیه السلام : اللهم لا أعرف أن عبداً من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك ثلاث مرّات، الخبر .
وفي «مسند أبي يعلى » ما أعلم أحداً من هذه الأمة بعد نبيها عبد الله غيري ، الخبر .
الحسين بن علي عليهم السلام في قوله تعالى: تَرَتْهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا [الفتح: 29] ،
نزلت في علي بن أبي طالب .
وروى جماعة أنه نزلت فيه : (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَونَ ﴾ [المائدة: 55 ].
في تفسير القطان قال ابن مسعود : قال علي علیه السلام : يا رسول الله ما أقول في السجود في الصلاة؟ فنزل (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى : 1 ] ، قال : فما أقول في الرّجوع؟ فنزَّل (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة: 74] ، فكان أوّل من قال ذلك وأنه صلى قبل الناس كلهم سبع سنين وأشهراً مع النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وصلى مع المسلمين أربع عشرة سنة وبعد النبي ثلاثين سنة
(1). عن ابن فياض في «شرح الأخبار » عن أبي أيوب الأنصاري قال : سمعت النبي صلی الله علیه واله وسلم يقول : لقد صلّت الملائكة عليّ وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين، وذلك أنه لم يؤمن بي ذكر قبله، وذلك قول الله سبحانه : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ [غافر : 7 ] (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ ﴾ [الشورى: 5] .
وفي رواية زياد بن المنذر عن محمّد بن عليّ عن أمير المؤمنين علیه السلام لقد مكثت الملائكة سنين لا تستغفر إلا لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولي وفينا نزلت الملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا ربنا إلى قوله : الحكيم.
وروى جماعة عن أنس وأبي أيوب ، وروى شيرويه في الفردوس عن جابر قال: قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : لقد صلّت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين قبل الناس (2)، وذلك أنّه كان يصلي ولا يصلي معنا غيرنا ، وفي رواية : لم يصل فيها غيري وغيره، وفي رواية : لم يصل معي رجل غير .
في «سنن ابن ماجه » و «تفسير الثعلبي» عن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه أن علياً علیه السلام صلى مستخفياً مع النبي صلی الله علیه واله وسلم سبع سنين وأشهراً .
في تاريخ الطبري وابن ماجه قال عباد بن عبد الله : سمعت علياً علیه السلام يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم سبع سنين (1)
في مسندي أحمد وأبي يعلى قال حبة العرني : قال علي علیه السلام : صليت قبل أن يصلي الناس سبعاً (2).
الحميري :
ألم يصلّ علي قبله حججاً *** ووحد الله ربّ الشَّمس والقمر
وهؤلاء ومن في حزب دينهم *** قوم صلاتهم للعود والحجر
وله :
وكفاه بأنه سبق الناس *** بفضل الصلاة والتوحید
حججاً قب- كوامل سبعاً *** ب--رك---وع لديه أو بسجود
وله :
أليس علي كان أوّل مؤمن *** وأول من ص--ل---ى غ---لام--اً ووح--دا
فما زال في سرّ يروح ويغتدي *** فيرقى بثيراء أو بحراء مصعداً
يصلّي ويدعو ربه فيهما مع *** المصطفى مثنى وإن كان أوحدا
سنين ثلاثاً بعد خمس وأشهر *** كوامل سبعاً قبل أن يتمردا
وهو أوّل من صلى القبلتين صلى إلى بيت المقدس أربع عشرة سنة، والمحراب الذي كان النبي صلی الله علیه واله وسلم يصلي ومعه علي وخديجة معروف، وهو على باب مولد النبي في شعب بني تميم، وقد روبنا عن الشيرازي ما رواه عن ابن عباس في قوله : والسابقون الأولون، نزلت في أمير المؤمنين سبق النّاس كلهم بالإيمان وصلّى القبلتين وبايع البيعتين .
الحميري :
وصلى القبلتين وآل تیم *** واخ---وت---ه---ا ع---دي جاحدونا
وصلى إلى الكعبة تسعاً وثلاثين سنة .
في «تاريخ الطبري » بثلاثة طرق ، و «ابانة العكبري » من أربعة طرق وكتاب «المبعث» عن محمد بن إسحاق، و«التاريخ النسوي»، وكتاب «الثعلبي»، وكتاب «الماوردي» و «مسند أبي يعلى الموصلي »، ويحيى بن معين ، وكتاب أبي عبد الله محمد بن زياد النيسابوري عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بأسانيدهم عن ابن مسعود ، وعلقمة البجلي وإسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده أنّ كلّ واحد منهم قال : رأى عفيف أخو الأشعث بن قيس الكندي شاباً يصلي، ثمّ جاء غلام فقام عن يمينه ، ثم جاءت امرأة فقامت خلفها، فقال للعباس، هذا أمر عظيم ، قال : ويحك هذا محمد، وهذا عليّ ، وهذه خديجة إنّ ابن أخي هذا حدثني أن ربّه ربّ السماوات والأرض أمر بهذا الدين ، والله ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة .
وفي كتاب «النسوي » أنّه كان يقول بعد إسلامه : لو كنت أسلمت يومئذ كنت ثانياً مع علي بن أبي طالب .
وفي رواية محمد بن إسحاق عن عفيف قال : فلما خرجت من مكة إذا أنا بشاب جميل على فرس فقال : يا عفيف ما رأيت في سفرك هذا ؟ فقصصت عليه، فقال لقد صدقك العباس والله إنّ دينه لخير الأديان وإنّ أُمّته أفضل الأمم ، قلت : فلمن الأمر من بعده؟ قال : لابن عمه وختنه على بنته ، يا عفيف الويل كل الويل لمن يمنعه حقه .
عن ابن فياض في «شرح الأخبار » عن ابن أبي الحجاف عن رجل أن أمير المؤمنين علیه السلام هجم على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يعني أبا طالب ونحن ساجدان قال : أفعلتماها ثم أخذ بيدي فقال : انظر كيف تنصره وجعل يرغبني في ذلك ويحضني عليه الخبر .
وفي كتاب «الشيرازي» أنّ النبي صلی الله علیه واله وسلم لما نزل الوحي عليه أتى المسجد الحرام وقام يصلّي فيه، فاجتاز به علي علیه السلام وكان ابن تسع سنين فناداه يا علي إلي أقبل ، فأقبل إليه ملبياً ، قال : أتى رسول الله إليك خاصة وإلى الخلق عامة ، فقال : يا علي فقف عن يميني وصل معي، فقال: يا رسول الله حتى أمضي واستأذن أبا طالب والدي قال : اذهب فإنه سيأذن لك، فانطلق يستأذن في اتباعه فقال : يا ولدي تعلم أنّ محمداً والله أمير منذ كان ، امض واتبعه ترشد وتفلح وتشهد فأتى عليّ علیه السلام ورسول الله قائم يصلي في المسجد، فقام عن يمينه يصلّي معه ، فاجتاز بهما أبو طالب وهما يصليان فقال : يا محمد ما تصنع ؟ قال : أعبد إله السماوات والأرض ومعي علي يعبد ما أعبد ، وأنا أدعوك إلى عبادة الله الواحد القهار (1)، فضحك أبو طالب حتى بدت نواجذه وأنشأ يقول :
1) أبو طالب حامي الرسول 49، وبحار الأنوار: 207/38. :
والله لن يصلوا إليك بجمعه-م *** حتى أغيب في التراب دفيناً
في «تاريخ الطبري » وكتاب محمد بن إسحاق أن النبي كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من قومه فيصليان الصلاة فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك زماناً .
ثم روى الثعلبي معهما أن أبا طالب رأى النبي وعلياً يصليان فسأل عن ذلك فأخبره النبي ودين رسله ودين أبينا إبراهيم في كلام له، فقال علي: يا أبه
أنّ هذا دين ملائكته ودين الله ودين آمنت بالله ورسوله و صدقته بما جاء به وصليت معه الله فقال له : أما إنّه لا يدعو إلا إلى خير فالزمه (1)
ط باب 12 ) .
. ومنها بلسان: علي أقدم امتي سلماً . اولهم او اقدمهم سليماً»
رواه كل من :
أنس ومعقل بن يسار (تاريخ الاسلام : 3 / 628 عهد الخلفاء . علي وشواهد التنزيل : 1 / 108 ح 122 ، والمعجم الكبير : 20 / 230 ترجمة معقل ما روي عنه نافع والمسند: 5 / 26 ط. م و 6 / طرب، وترجمة علي من تاريخ دمشق : 1 / 254 ح 297 ، وشرح النهج لابن أبي :الحديد 13 / 227 خ 238).، أبائه (شرح النهج لابن أبي :الحديد 13 / 227 خ 238). ، وجابر (مائة منقبة : 76 المنقبة 25). وأبي سعيد البيان) للكنجي : 117 باب 9 تصريح النبي بان المهدي من ولد الحسين). وسلمان (كنز العمال : 11 / 616 ح 32991 ، وكتاب سليم : 70 و 93) . ، وبريدة (مناقب الخوارزمي : 106 فصل 9 ح 111، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 263 ح 305 ، وكنز الفوائد (131)، وأبي أيوب (مناقب) الخوارزمي : 112 فصل 9 (122)، والمنصور عن أبائه (مناقب الخوارزمي : 290 2 ح 279 فصل 19 ، وارشاد القلوب : 2 / 430 . ، وأم سلمة مناقب الخوارزمي : 353 ح 364 فصل 20)، وعائشة واسماء ) 353 (فتح الملك العلي : (67)، والاعمش (مناقب ابن المغازلي : 151 ح (188. ، والحارث عن علي (الذرية الطاهرة : 91 ح 83 ) .
ومنها بلسان: «أنا الصديق الأكبر آمنت قبل ان يؤمن أبو بكر واسلمت قبل أن يسلم ».
رواه معاذ العدوية عنه خرجه البلاذري وابن قتيبة في المعارف الكنى والاسماء للدولابي : 2 / 81 من كنيته أبو الفضل الجوهرة ، وأنساب الاشراف: 2/ 379 ، وكنز العمال: 13 / 164 وانساب الاشراف: 2 / 146 ح 146 قبسات من ترجمة علي ، وكنز الفوائد 339 الفصل العاشر من ، رسالة التعجب وذخائر العقبي : 58 وشرح النهج لابن أبي الحديد 13 / 228 خ 238 ، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 62 ح 88 وينابيع المودة : 1 / 239 ،باب وجواهر المطالب : 1 / 38 باب (4).. . ومنها بلسان اولكم» وروداً على الحوض اولكم اسلاماً هو علي بن أبي طالب ».
أخرجه صاحب الفردوس والحارث والطبراني والخطيب وابن عدي والحاكم وابن مردويه وابن أبي عاصم والقلعي عن سلمان وسفيان الثوري الاوائل : 29 ح 67 - 69 ، بغية الطلب في تاريخ حلب : 3 / 1187 ، والمستدرك : 3 / 136 ، واسد الغابة : 4 / 17 ، ومناقب الكلابي : 431 10 والمطالب :العالية : 14 / 57 3952 ، ومناقب الخوارزم 3952، ومناقب الخوارزمي : 52 ح 15 فصل 4 وجواهر المطالب : 1 / 38 باب ، وكنز العمال: 11 / 616 ح 32991 و 13 / 144 ح ،36452 وترجمة علي من تاريخ دمشق : 1 /115 ، وينابيع المودة : 278 - المناقب السبعون ، ومناقب ابن المغازلي : 16 ح 22 ، وكنوز الحقائق 410 والفوائد المجموعة : 346 ذكر مناقب علي ح 47 و تاريخ بغداد: 2 / 79) ..
وزاد ابن أبي الحديد والكراجكي عن أنس : فقال له سلمان قبل أبي بكر وعمر ؟ فقال : ( قبل أبي بكر وعمر) (شرح النهج : 4 / 117 الخطبة 56 ، وكنز الفوائد : 121 فصل في ان امير المؤمنين أول بشر سبق إلى الاسلام). .
. ومنها عن عائشة عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : دعي لي اخي فانه أول الناس بي اسلاماً» (ترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 96 ح 131)..
. ومنها عن انس: « نبيء رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يوم الاثنين وأسلم علي من الغد الثلاثاء وصلی خرجه ابن يوم عساكر وأبو عمر ترجمة علي من تاریخ دمشق: 1 / 00 ، وكنز الفوائد : 121 ، وجواهر المطالب : ، 1 / 50 باب (8) . ونحوه عن حبة عن علي (ترجمة) علي من تاريخ دمشق: 1/ 52 ح 79 ، وكنز الفوائد : 339 فصل 10 من رسالة التعجب).. وخرجه الخلعي عن رافع بن خديج (جواهر المطالب : 1 / 50 باب 8 ) ..
ومنها : ( أما ترضين ان زوجك أول المسلمين اسلاماً . الرسول لفاطمة علیها سلام (المعجم الكبير : 22 / 416 ترجمة فاطمة ما روي عنها ،انس وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 93 ح 127) ..
وعن محمد بن أبي بكر : ... فكان أول من اجاب واناب ووافق وأسلم وسلّم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب فصدقه بالغيب والمكتوم انساب الاشراف: 2 / 392 امر مصر في خلافة علي ومقتل محمد بن أبي بكر.
وقال محمد القرظي : «علي أولهم أسلاماً »الجوهرة : 8) .
1) كتاب الأربعين : 197 ، وبحار الأنوار: 207/38
2) «أولية إسلامه رواه كل من : زيد بن ارقم (مسند أحمد 4 / 367 0 371ط.م و 5 / 499 ط.ب، وصحيح الترمذي : 5 / 342 ط. دار الحديث و 2 / 301 ط. مصر، والطبقات الكبرى 3 / 15 ترجمة علي واسد الغابة : 4 / 17 ، وكنز :العمال: 13 / 144 ح 36451 ، وتاريخ الطيري : 2 / 55 ، وخصائص النسائي : 26 اح ح 3 ، والكامل في ، التاريخ : 1 / 484 ذكر الاختلاف في أول من أسلم، وترجمة علي من تاريخ دمشق : 1/ 75 ح 1014 ، وذخائر العقبي : 58 جواهر المطالب: 1 / 37 باب 4 وأعلام النبوة : 205 باب 12 والاوائل 30 ح ،(7). وحبة العرني (مناقب الخوارزمي: 57 23 ، ومسند أبي حنيفة : 247 ط. مصر)، وجابر (الاصابة: 183/8 القسم 1 ط مصر)، والحارث (اسد الغابة : 5 / (520) ، وابن عباس (مستدرك الصحيحين: 3 / 133 ،مناقبه وذخائر العقبى : 58 ، والمسند: 1 / 373 ط . م و 1 / 616 ط.ب، والطبقات الكبرى 3 / 15 ، والمعجم الكبير : 12 / 77 ترجمة ابن عباس ما روى عنه عمرو بن ميمون ح عمرو بن ميمون ح 12593 ، وشواهد التنزيل : 1 / 125 ع 134 ، وخصائص النسائي : 45 ح 23 ، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 74 ح ،10، وكنز العمال: 13 / 123 ح 36392 ، وتاريخ الاسلام : 3 / 624 ، جواهر المطالب باب 4 وقال: قال أبو عمر هذا حديث صحيح، والاوائل 30 ح (70) ، وأبي هريرة كنز العمال: 11 / ، ح 32925) 32925 ) . ، وعلي علیه السلام ( ترجمة علي من تاريخ دمشق : 1 / 57 ، وشواهد التنزيل: 1 / ، مناقب ابن المغازلي: 15 ح 20 210)، ومالك بن الحويرث (المعجم الكبير : 19 / 291 ترجمته، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 76 ح (102)، وأبي موسى الاشعري (المستدرك : 3 / 465 مناقب أبي موسى الاشعري من كتاب المعرفة وصححه)، وعفيف الكندي (المستدرك: 3/ 183 فضائل خديجة من كتاب المعرفة . وصححه الذهبي)، وسعد بن أبي وقاص (المستدرك: 3 / 500 مناقب سعد). ، وعمر (ترجمة) علي من تاريخ دمشق : 1 / 361 - 401 ، وذخائر العقبى : 58، وشرح النهج لابن أبي ح الحديد: 13 / 230 خطبة 238 ، ومناقب الخوارزمي : 55 ح 19 فصل (4)، وسلمان والمقداد وأبي سعيد وخباب وأبي ذر (شرح النهج لابن أبي الحديد: 13 / 230 خطبة 238 ، والمعجم الكبير : 5 / 84 ح 4652 ترجمة زيد بن الحارث ، و 6 / 265 ترجمة سلمان ما روي عنه الكندي والاستعياب : 2 / 458 ، والمستدرك: 136/3 مناقب الامير والائمة الاثنا عشر : 48). وأبي رافع وبريدة (المعجم الكبير : 22 / 452 ترجمة خديجة، ومجمع الزوائد: 9 / 220 ، والاوائل : 30 ح 70 ، والائمة الاثنا عشر 48). ،وانس (المعجم الكبير : 22 / 411 ترجمة فاطمة . تزويجها، وينابيع المودة 1 / 239 ، وصحيح : 1/ الترمذي : 5 / 640 كتاب المناقب ط دار الحديث وشرح النهج لابن أبي الحديد: 13 / 229). و عمرو ابن ميمونة (مائة منقبة : 76 المنقبة (25) ومحمد بن أبي بكر مروج الذهب : 3 / 11 ذكر معاوية). والحسن علیه السلام (ترجمة علي من تاريخ دمشق : 10 / 45 ح 6865 ، والاستيعاب : 2 / 458 ، 1 والحلية : 4 / 294 ط. مصر (1351). ، وابن اسحاق (تاريخ الطبري : 2 / 57 ذكر الخبر عما كان من امر النبي النبي صلی الله علیه واله وسلم ) ، والكلبي تاريخ الطبري: 2 / 57 ذكر أول من أسلم، وأبي اسحاق (کنز العمال: 5 / 153 مصر، وتاريخ الاسلام 1 / 137 اسلام السابقين، والمعجم الكبير : 1/ 94 ح 156 ترجمة علي . صفته وكنز العمال: 11 / 605 ح 32927) ، وابن عوف (الفتوح لابن اعثم: 1 / 217 كتاب علي لمعاوية قبل صفين وشواهد التنزيل : 1 / 374 ح 343) ، وعروة وسلمان بن يسار أعلام النبوة: 205
ثم إنه علیه السلام لما نبه على أن طلبه للخلافة إنما كان الله سبحانه وتعالى لا تنافساً في
زخارف الدنيا والتماساً لحطامها وعقبه بالإشارة إلى سبقه في الإسلام والصلاة مع النبي المقتضي لتقدّمه على غيره أردفه بالإشارة إلى موانع الإمامة تنبيهاً على أنه هو الإمام دون غيره لوجود المقتضي وإنتفاء الموانع فيه مع عدمه ووجودها في غيره فقال (وقد علمتم) وحصول ذلك العلم لهم إما من الكتاب كقوله تعالى: لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّلِمِينَ [البقرة: 124]، وقوله: (أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لا يَهْدِى إِلا أَن يُهْدَى [يونس : 53]، وقوله : ( وقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) الزمر : 9] ، وما يضاهي ذلك ممّا يستنبط منه شروط الولاية وأحكامها ، وإما بنص من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أو بإعلام سابق منه علیه السلام .
وعلى أي تقدير فالمقصود به الإشارة إلى استحقاقهم للتوبيخ والتقريع لكون تقصيرهم في حق الإمام عن علم منهم لا عن جهل فيعذرون ويعتذرون .
وقوله : (إنه لا ينبغي ) أي لا يجوز (أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل) الشحيح وهو في لسان الشرع من يمنع الواجب (فتكون في أموالهم نهمته) أي حرصه وجشعه أو فرط شهوته (ولا الجاهل فيضلهم بجهله ) وإضلاله معلوم (ولا الجافي) سيء الخلق ( فيقطعهم بجفائه ) وانقباضه عن الوصول إليه أو عن حاجاتهم أو بعضهم عن بعض التفرقهم (ولا الحائف للدول) أي الجائر للأموال والظالم في تقسيمها بأن لا
يقسمها بالسوية بل يرجح بعضهم على بعض (فيتخذ قوماً ) ويخصهم بالعطاء (دون قوم) وعلى رواية الخائف للدول بالخاء المعجمة وكسر الدال فالمراد به من يخاف دول الأيام وتقلبات الذهور وغلبة الأعداء فيتخذ قوماً يرجو نفعهم ونصرهم في دنياه، ويقويهم على غيرهم ويفضّلهم في العطاء وسائر جهات الإكرام على الآخرين.
(ولا المرتشي في الحكم ) أي آخذ الرّشوة وهو بالكسر ما يعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم أو يحمله على ما يريد ، وفي الحديث لعن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الراشي والمرتشي والرايش يعني المعطي للرّشوة والآخذ لها والساعي بينهما يزيد لهذا وينقص لهذا، والحاصل أنه لا يجوز أن يكون آخذ الرّشوة حاكماً (فيذهب بالحقوق) أي حقوق الناس ويبطلها ويخرجها من يد صاحبها (ويقف بها دون المقاطع ) أي يقف عند مقطع الحكم فلا يقطعه بأن يحكم بالحق بل يحكم بالجور أو يسوف الحكم حتى يضطر المحق ويرضى بالصلح ويذهب بعض حقه.
قال العلامة المجلسي (قدس الله سره) : ويحتمل أن تكون (دون) بمعنى (غير) أي يقف في مقطعه (ولا المعطل للسنة ) والطريقة الشرعية النبوية (فيهلك الأمة) في الدنيا أو الآخرة أو كليهما .
تبصرة
قال الشارح المعتزلي في شرح هذا الكلام له علیه السلام في إبداء المناسبة والارتباط بين ما ذكره من سبقه علیه السلام إلى التوحيد والمعرفة والصلاة وما عقبه به من تقرير قاعدة الإمامة والتعرّض لموانعها ما محصله :
أنه علیه السلام إذا كان أوّل السابقين وجب أن يكون أقرب المقربين، لأنه تعالى قال: وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ * أُوْلَيْكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة 10 - 11] ، وإذا كان أقرب المقربين أن وجب تنتفي عنه الموانع الستة التي جعل كل واحد منها صاداً عن الإمامة وقاطعاً عن استحقاقها وهي البخل، والجهل ، والجفاء، والعصبية في دولته ، أي تقديم قوم على قوم ، والارتشاء في الحكم، والتعطيل للسنّة، وإذا انتفت عنه هذه الموانع السنّة تعيّن أن يكون هو الإمام، لأن شروط الإمامة موجودة فيه بالاتفاق ، فإذا كانت موانعها عنه منتفية ولم يحصل لغيره اجتماع الشروط وارتفاع الموانع وجب أن يكون هو الإمام، لأنه لا يجوز خلو العصر من إمام سواء كانت هذه القضية عقلية أو سمعية .
أقول: بعد هذا التحقيق هل بقي للشارح عذر في اعتقاده بإمامة الثلاثة وخلافتهم وجعله علیه السلام الرابعهم؟ والعجب كلّ العجب أنه ينطق بالحق ولا يذعن به كمثل المنافقين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور، ثمّ قال الشارح .
فإن قلت : أفتراه عني بهذا قوما بأعيانهم؟
قلت : الإمامية تزعم أنه رمز بالجفاء والعصبية لقوم دون قوم إلى عمر ورمز بالجهل إلى من كان قبله ، ورمز بتعطيل السنة إلى عثمان ومعاوية ، وأما نحن فنقول : إنه لم ذلك علیه السلام لم يعن وإنما قال قولاً كلياً غير مخصوص، وهذا هو اللائق بشرفه، وقول الإمامية دعوى لا دليل عليها ولا يعدم كلّ أحد أن يستنبط من كلّ كلام ما يوافق عوضه وإن غمض ، ولا يجوز أن تبنى العقائد على مثل هذه الاستنباطات الدقيقة .
أقول : أمّا أن في كلامه رمزاً وإشارة إلى من ذكر فهو ممّا لا غبار عليه، وأما أن فيه دلالة عليه فلم تدعه الإمامية حتى يناقش فيه أو يعترض عليهم، والإشارة غير الدّلالة، وأمّا استبعاد ذلك بعدم لياقته بشرفه علیه السلام ومنافاته لسؤدده، ففيه أن شرافته مقتضية للإرشاد على الهدى والتنبيه على ضلال قادة الردى وهفوة من اتبعهم وأذعن بخلافتهم من أهل العصبية والهوى، لأ لأَنَّه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المناسب لشأن الإمام ووظيفته .
من وقد مر في فقرات الخطبة الشقشقية ما هو نص في هذا المعنى، وأبلغ في الدّلالة على هذا الغرض ، مثل تنبيهه على جفاوة عمر وغلظته بقوله : (فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها )، وعلى جهله بقوله : (ويكثر العثار فيها والاعتذار منها )، وعلى بخل عثمان بقوله : (وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع) (آه) ونحو هذه الألفاظ في تضاعيف كلماته كثير كما هو غير خفي على الخبير البصير .
وبعد الغض عن ذلك كله فأقول : إن عمدة غرض الإمامية التنبيه على اتصاف الخلفاء بتلك الأوصاف الرذيلة، وبعد تسليم الشارح وإذعانه باتصافهم بها لا ضرورة في النقض والإبرام في دلالة كلامه علیه السلام على هذا المرام .
ثم أقول : الأظهر على تقدير كون كلامه علیه السلام رمزاً إليهم أن يشار بالبخيل إلى عثمان لما هو المعلوم من حاله من أكله أموال المسلمين ، ولما مر منه في الخطبة الشقشقية، وبالجاهل إلى جميعهم، وبالجافي إلى عمر ، وبالحائف للدول إلى عمر وعثمان كما هو المعلوم من سيرتهما، وبالمعطل للسنة إلى الجميع .
تنبيه
لا خلاف بين المسلمين إلا من شرذمة من العامة العثمانية في أن أمير المؤمنين علیه السلام سبق الناس كلاً إلى الإسلام والتّوحيد، كما صرح به علیه السلام في هذا الكلام بقوله : (اللهم إنّي أول من أناب وسمع وأجاب)، وفي الكلام السادس والخمسين بقوله: (فإنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة )، ونحو ذلك في كلماته واحتجاجاته كثير، والأخبار في هذا المعنى من طرق العامة والخاصة بالغة حد التواتر، واستقصائها غير ممكن ولا حاجة إلى
إيرادها مع وضوح المطلب وظهوره ظهور الشمس الضحى.
وإنما نورد على وجه التأييد وعلى رغم أنوف المخالفين ما أورده شيخ المحدثين العلامة المجلسي قدس الله روحه ، وشيخ الأمة الشيخ المفيد نور الله ضريحه، ومن المخالفين الشارح المعتزلي أهبط الله قدره .
فأما العلامة المجلسي
فقد قال في المجلد التاسع من «بحار الأنوار» بعد ما أورد في هذا الباب كثيراً من الأخبار ما لفظه :
لا يخفى على من شتم رائحة الإنسانية وترقى عن دركات البهمية والعصبية أنّ سبق إسلامه صلوات الله عليه مع ورود تلك الأخبار المتواترة من طرق الخاصة والعامة من أوضح الواضحات، والشاك فيه كالمنكر لأجل البديهيات، وأن من تمسّك بأن إيمانه كان في طفوليته، ولم يكن معتبراً فقد نسب الجهل إلى سيّد المرسلين، حيث كلفه ذلك ومدحه به في كل موطن ، وبه أظهر فضله على العالمين ، وإلى أشرف الوصيين حيث تمدح وافتخر واحتجّ به في مجامع المسلمين وإلى الصحابة والتابعين حيث لم ينكروا عليه ذلك مع كون أكثرهم من المنافقين والمعاندين.
ثم اعلم أنا قد تركنا كثيراً من الروايات وما يمكن ذكره من التأييدات في هذا المطلب حذراً من التكرار والإسهاب والإطالة والإطناب .
فقد روى ابن بطريق رحمه الله في كتاب «العمدة» في سبق إسلامه وصلاته من «مسند أحمد بن حنبل »ثلاثة عشر حديثاً، ومن «تفسير الثعلبي » أربعة ، ومن «مناقب ابن المغازي » سبعة، وروى في «المستدرك» أيضاً أخباراً كثيرة في ذلك، ورواه صاحب «الصراط المستقيم » بأسانيد من طرقهم، والعلامة في «كشف الحق» و«كشف اليقين » وغيرهما بأسانيد من كتبهم، وقد تركنا إيرادها مع كثير ممّا أورده المفيد في «الإرشاد»، والنيسابوري في «روضة الواعظين»، والطّيرسي في «اعلام الورى »، وابن الصباغ في «الفصول المهمة »، وغيرها من الأصول والكتب التي عندنا ، انتهى كلامه رفع مقامه.
وأما الشيخ المفيد قدس الله روحه
فقد قال في محكي كلامه من كتاب الفصول
أجمعت الأمة على أن أمير المؤمنين علیه السلام أول ذكر أجاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولم يختلف في ذلك أحد ، من أهل العلم إلا أن العثمانية طعنت في إيمان أمير المؤمنين علیه السلام بصغر سنه في حال الإجابة، قالوا: إنه علیه السلام لم يك في تلك الحال بالغاً فيقع إيمانه على وجه المعرفة،
وإن إيمان أبي بكر حصل منه مع الكمال، فكان على اليقين ، والمعرفة والإقرار من جهة التقليد والتلقين غير مساو للإقرار بالمعلوم المعروف بالدّلالة ، فلم يحصل خلاف من القوم في تقدّم الإقرار من أمير المؤمنين للجماعة والإجابة منه للرسول عليه وآله السّلام ، وإنّما خالفوا فيما ذكرناه .
وأنا أبين غلطهم فيما ذهبوا إليه من توهين إقرار أمير المؤمنين وحملهم إياه على وجه التلقين دون المعرفة واليقين بعد أن أذكر خلافاً حدث بعد الإجماع من بعض المتكلمين والناصبة من أصحاب الحديث، وذلك أنّ ههنا طائفة تنسب إلى العثمانية تزعم أن أبا بكر سبق أمير المؤمنين إلى الإقرار وتعتل في ذلك بأحاديث مولّدة بأضعاف .
منها : أنهم رووا عن أبي نضرة (1)قال : أبطأ عليّ والزبير عن بيعة أبي بكر قال : فلقى أبو بكر علياً فقال له أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك ولقي الزبير فقال له : أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك .
ومنها : حديث أبي أمامة عن عمرو بن عنبسة قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أول ما بعث وهو بمكة وهو حينئذٍ مستخف فقلت: من أنت؟ فقال: أنا نبي ، قلت : وما النبي؟ قال: رسول الله ، قلت : الله أرسلك ؟ قال : نعم، قلت بما أرسلك؟ قال : بأن نعبد الله عزّ وجلّ ونكسر الأصنام ونوصل الأرحام ، قلت : نعم ما أرسلك به من تبعك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد يعني أبا بكر وبلالاً، وكان عمر يقول : لقد رأيتني وأنا رابع الإسلام، قال: فأسلمت وقلت : أبايعك يا رسول الله .
ومنها : حديث الشعبي قال: سألت ابن عباس عن أول من أسلم فقال : أبو بكر ثم قال : أما سمعت قول حسّان :
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة *** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أعطاها وأع-دل-ه--ا *** بعد النّبي وأرقاها بما حملا
الثاني الثالي المحمود مشهده *** وأوّل النّاس منهم صدق الرسلا
ومنها : حديث رووه عن منصور عن مجاهد أنّ أوّل من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله وأبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وسمية.
ومنها : حديث رووه عن عمر بن مرّة قال : ذكرت لإبراهيم النخعي حديثاً فأنكره وقال أبو بكر أوّل من أسلم .
1) في نسخة : نضيرة .
قال الشيخ قدس الله روحه فيقال لهم :
أما الحديث الأول : فإنّه رواه أبو نضرة، وهذا أبو نضرة مشهور بعداوة أمير المؤمنين علیه السلام ، وقد ضمنه ما ينقض إضلالهم في الإمامة، ولو ثبت لكان أرجح من تقدّم إسلام أبي بكر وهو أن أمير المؤمنين والزبير أبطئا عن بيعة أبي بكر، وإذا ثبت أنهما أبطئا عن بيعته وتأخرا نقض ذلك قولهم أنّ الأمة اجتمعت عليه ولم يكن من أمير المؤمنين علیه السلام كراهية لأمره ، وإذا ثبت أن أمير المؤمنين علیه السلام قد كان متأخراً عن بيعته على وجه الكراهة لها بدلالة ما رووه من قول أبي بكر له أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك على وجه الحجة عليه في كونه أولى بالإمامة منه، ثبت بطلان إمامة أبي بكر، لأنّ أمير المؤمنين علیه السلام لا يجوز أن يكره الحق ولا أن يتأخر عن الهدى، وقد أجمعت الأمة على أنه علیه السلام لم يوقع خطأ الرسول صلی الله علیه واله وسلم يعثر عليه طول مدة أبي بكر وعمر وعثمان ، وإنّما ادعت الخوارج الخطأ منه في آخر أيامه بالتحكيم وذهبت عن وجه الحق في ذلك وإذا لم يجز من أمير المؤمنين التأخر عن الهدى والكراهة للحق والجهل بموضع الأفضل ، بطل هذا الحديث، وما زلنا نجتهد في إثبات الخلاف لأمره والناصبة تحيد عن قبول ذلك وتدفعه أشدّ دفع حتى صاروا يسلمونه طوعاً واختياراً، وينظمونه في احتجاجهم بفضل صاحبهم، وهكذا يفعل الله تعالى بأهل الباطل لحينهم، ويسلبهم التوفيق حتى يدخلوا فيما يكرهون من حيث لا يشعرون .
على أنّ بإزاء هذا الحديث عن أبي بكر حديثاً ينقضه من طريق أوضح من طريق أبي نضرة، وهو ما رواه علي بن مسلم الطوسي عن زافر بن سليمان عن لوسي عن زافر بن سليمان عن الصلت بن بهرام عن الشعبي قال : مز علي بن أبي طالب ومعه أصحابه على أبي بكر فسلّم ومضى ، فقال أبو بكر: من سره أن ينظر إلى أوّل النّاس في الإسلام سبقاً، وأقرب الناس من نبينا رحماً، وأعظمهم دلالة عليه وأفضلهم فداء عنه بنفسه فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب .
وهذا يبطل ما ادعوه على أبي بكر وأضافه أبو نضرة إليه.
وأما حديث عمرو بن عنبسة : فإنّه من طريق أبي أمامة ولا خلاف أن أبا أمامة كان من المنحرفين عن أمير المؤمنين علیه السلام والمتحرين عنه، وأنه كان في جيش معاوية ثم فيه عن عمر بأنه شهد لنفسه أنه كان رابع الإسلام، وشهادة المرء لنفسه غير مقبولة إلا أن يكون معصوماً أو يدل دليل على صدقه، وإذا لم يثبت شهادته لنفسه بطل الحديث بأسره.
أنّ الرواية قد اختلفت عن عمر من طريق أبي أمامة فروى عنه في حديث آخر أنه
مع قال : أتيت النبي صلی الله علیه واله وسلم بماء يقال له عكاظ، فقلت له : يا رسول الله من تابعك على هذا الأمر؟ فقال: من بين حرّ وعبد ، فأقيمت الصلاة فصليت خلفه أنا وأبو بكر وبلال، وأنا يومئذ رابع الإسلام.
فاختلف اللفظ والمعنى في هذين الحديثين والواسطة واحدة فتارة يذكر مكة وتارة يذكر عكاظاً، وتارة يذكر أنه وجده مستخفياً بمكة، وتارة يذكر أنه كان ظاهراً يقيم الصلاة ويصلي بالناس معه ، والحديث واحد من طريق واحد، وهذا أدل دليل على فساده .
وأما حديث الشعبي : فقد قابله الحديث عنه من طريق الصلت بن بهرام المتضمّن لضدّه وفي ذلك إسقاطه ، مع أنّه قد عزاه إلى ابن عباس والمشهور عن ابن عبّاس ضد ذلك وخلافه، ألا ترى إلى ما رواه أبو صالح عن عكرمة عن ابن عبّاس وهذان أصدق على ابن عباس من الشعبي، لأن أبا صالح معروف بعكرمة وعكرمة معروف بابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم :صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين ، قالوا : ولم ذلك
: یا رسول الله؟ قال: لم يكن من الرّجال غيره، ومن طريق عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أول من أسلم بعد خديجة بنت خويلد علي بن أبي طالب صلوات الله عليه (1).
وأما قول حسان: فإنّه ليس بحجّة من قبل أن حسان كان شاعراً وقصد الدولة والسلطان، وقد كان منه بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم انحراف شديد عن أمير المؤمنين علیه السلام ، وكان عثمانياً وحرض الناس على عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، وكان يدعو إلى نصرة معاوية وذلك مشهور عنه في نظمه ، ألا ترى إلى قوله :
يا ليت شعري وليت الطير يخبرني *** ما كان بين علي وابن عفّاناً
ضجوا بأشمط عنوان السجود به *** يقطع الليل تسبيحاً وفرقاناً
لتسمعن وشيكاً في ديارهم *** الله أك--ب--ر ي-ا ثارات عثماناً
فإن جعلت الناصبة شعر حسان حجّة في تقديم ايمان أبي بكر فلتجعله حجّة في قتل أمير المؤمنين علیه السلام والقطع على أنه أخص الناس بقلته، وان ثاراته يجب أن يطلب منه، فإن قالوا: أن حسّان غلط في ذلك، قلنا لهم وكذلك غلط في قوله في أبي بكر، وإن قالوا لا يجوز غلطه في باب أبي بكر لأنه شهد به بحضرة الصحابة فلم يردوا عليه، قيل لهم ليس عدم إظهارهم الرّد عليه دليلاً على رضاهم به لأنّ الجمهور كانوا شيعة أبي بكر وكان المخالفون له في تقية من الجهر بالتنكير عليه في ذلك مخافة الفرقة والفتنة .
مع أن قول حسان يحتمل أن يكون أبو بكر من المتقدمين في الإسلام والأولين دون أن يكون أوّل الأولين، ولسنا ندفع أن أبا بكر ممّن يعد في المظهرين للإسلام أولاً، وإنّما ننكر أن يكون أوّل الأولين فلما احتمل قول حسّان ما وصفناه لم ينكر المسلمون عليه ذلك .
1) الفصول المختارة : 258 ، وبحار الأنوار: 266/38
مع أنّ حسّان قد حرض على أمير المؤمنين ظاهراً ودعا إلى مطالبته بثارات عثمان جهراً فلم ينكر عليه في الحال، فيجب أن يكون مصيباً في ذلك، فإن قالوا: هذا شيء قاله في مكان دون مكان فلما ظهر عنه أنكره جماعة من الصحابة، قيل لهم : فإن قنعتم بذلك، واقترحتم في الدعوى فاقنعوا منا بمثله فيما اعتقدتموه في شعره في أبي بكر، وهذا ما لا فضل فيه على أن حسان بن ثابت قد شهد في شعره بإمامة أمير المؤمنين علیه السلام نصاً وذكر ذلك بحضرة النبي صلی الله علیه واله وسلم فجزاه خيراً في قوله :
يناديهم يوم الغدير نبيّهم *** بخ-م وأسمع بالرسول منادياً
في أبيات تقدم ذكره منا في مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية وشهد أيضاً لأمير المؤمنين علیه السلام بسبق قريش إلى الإيمان حيث يقول :
جزى الله خيراً والجزاء بكفه *** أبا حسن عنّا ومن كأبي حسن
سبقت قريشاً بالذي أنت أهله *** فصدرك مشروح وقلبك ممتحن
فشهد بتقديم إيمان أمير المؤمنين علیه السلام الجماعة ، وهذا مقابل لما تقدم ومسقط له فإن زعموا أن هذا محتمل، فكذلك ما ذكرتموه عنه أيضاً محتمل .
وأما روايتهم عن مجاهد : فإنّها مقصورة على مذهبه ورأيه ومقاله، وبإزاء مجاهد عالم من التابعين ينكرون عليه ويذهبون إلى خلافة في ذلك وأن أمير المؤمنين علیه السلام أول الناس إيماناً، وهذا القدر كاف في إبطال قول مجاهد، على أن الثابت عن مجاهد خلاف ما ادعاه هؤلاء القوم وأضافوه إليه ، وضده ونقيضه روى ذلك منهم من ولايتهم عليه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وأثره عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم السباق أربعة : يوشع بن نون إلى موسى بن عمران وصاحب يس إلى عيسى ابن مريم، وسبق علي بن أبي طالب علیه السلام إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم(1)ونسي الناقل عن سفيان الآخر، وقد ذكرت في حديث غير هذا أنه مؤمن آل فرعون وهذا يسقط تعلقهم بما ادعوه من مجاهد.
وأما حديث عمرو بن مرة : عن إبراهيم فهو أيضاً نظير قول مجاهد، وإنما أخبر عمرو عن مذهب إبراهيم ، والغلط جائز على إبراهيم ومن فوقه ، وبازاء إبراهيم من هو فوقه وأجلّ قدراً منه يدفع قوله ويكذبه في دعواه كأبي جعفر وأبي عبد الله الصادق عليهما السلام ومن غير أهل البيت قتادة والحسن وغيرهما مما لا يحصى كثرة ، وفي هذا غنى عن غيره.
قال الشيخ قدس الله روحه : فهذه جملة ما اعتمد القوم فيما ادعوه من خلافنا في تقديم إيمان أمير المؤمنين علیه السلام وتعلقوا به، وقد بينت عوارها وأوضحت حالها، وأنا أذكر طرفاً من
1) تاريخ الطبري : 633/1 .
أسماء من روى أنّ أمير المؤمنين كان أسبق الخلق إلى رسول الله وأوّل من الذكور إجابة له وإيماناً به .
فمن ذلك الرواية عن أمير المؤمنين علیه السلام نفسه من طريق سلمة بن كهيل عن حبّة العرني قال: سمعت علياً يقول: اللهم لا أعرف عبداً لك عبدك من هذه الأمة قبلي غير نبيتها عليه وآله السلام ، قال ذلك ثلاث مرات ، ثم قال : لقد صليت قبل أن يصلي أحد سبعاً.
ومن طريق المنهال عن عباية الأسدي عن أمير المؤمنين علیه السلام قال : لقد أسلمت قبل الناس بسبع سنين .
ومن طريق جابر عن عبد الله بن يحيى الحضرمي عن علي علیه السلام قال : صليت مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ثلاث سنين ولم يصل أحد غيري .
ومن طريق نوح بن قيس الطاخي عن سليمان أبي فاطمة عن معاذة العدوية قال : سمعت عليّاً يخطب على منبر البصرة فسمعته يقول : أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم .
ومن طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أمير المؤمنين علیه السلام قال : صليت قبل الناس سبع سنين .
ومن طريق نوح بن دراج عن خالد الخفاف قال : أدركت الناس وهم يقولون : وقع بين علي وعثمان كلام فقال عثمان والله أبو بكر وعمر خير منك، فقال علي علیه السلام: كذبت والله لأنا خیر منك ومنهما، وعبدت الله قبلهما وعبدت الله بعدهما. ومن طريق الحارث الأعور قال : سمعت أمير المؤمنين علیه السلام يقول : اللهم إنّي لا أعرف عبداً من عبادك عبدك قبلي .
وقال علیه السلام قبل ليلة الهرير بيوم ويحرض الناس على أهل الشام : أنا أول ذكر صلّى مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولقد رأيتني أضرب بسيفي قدامه وهو يقول لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي حياتك حياتي وموتك موتي.
وقال علیه السلام وقد بلغه أنّ قوماً يطعنون عليه في الأخبار عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بعد كلام خطبه : بلغني أنكم تقولون إن عليّاً يكذب، فعلى من أكذب أعلى الله فأنا أوّل من آمن به وعبده ووحده ، أم على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فأنا أول من آمن به وصدقه ونصره (1).
وقال علیه السلام لما بلغه افتخار معاوية عند أهل الشام شعره المشهور الذي يقول فيه :
سبقتکم إلى الإسلام طرّاً *** صغيراً ما بلغت أوان حلمي
1) الإرشاد: 279/1 ، ونهج السعادة : 569/2
وأنا أذكر الشعر بأسره في موضع غير هذا عند الحاجة إليه إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك ما رواه أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري بن زيد الأنصاري صاحب رسول الله من طريق عبد الرحمن معمّر عن أبيه عن أبي أيوب رحمه الله ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : صلت الملائكة عليّ وعلى علي بن أبي طالب علیه السلام سبع سنين، وذلك أنه لم يصل معي رجل غيره.
ومن ذلك ما رواه سلمان الفارسي رحمة الله عليه من طريق عليم الكندي عن سلمان قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أولكم وروداً على الحوض أولكم إسلاماً علي بن أبي طالب .
.من ذلك ما رواه أبو ذر الغفاري رحمة الله عليه من طريق محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: أنت أول من آمن بي، في حديث طويل. وروى أبو سخيلة عن أبي ذر أيضاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو آخذ بيد علي علیه السلام يقول : أنت أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة (1).
وقد رواه ابن أبي رافع عن أبيه أيضاً عن أبي ذر قال : أتيته أودعه فقال : ستكون فتنة فعليك بالشيخ علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وتسليمه فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول أنت أوّل من آمن بي.
ومن ذلك ما رواه حذيفة بن اليمان رحمة الله عليه عن طريق قيس بن مسلم عن ربعي بن خراش قال : سألت حذيفة بن اليمان عن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه فقال : ذاك أقدم الناس سلماً وأرجح الناس حلماً.
ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري رحمة الله عليه من طريق شريك عن
عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال : بُعِثَ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يوم الإثنين وأسلم علي علیه السلام يوم الثلاثاء.
ذلك ما رواه زيد بن أرقم من طريق عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار
ومن قال : سمعت زيد بن أرقم يقول : أول من صلى مع النبي صلی الله علیه واله وسلم علي بن أبي طالب .
ذلك ما رواه زيد بن صوحان العبدي من طريق عبد الله بن هشام عن أبيه عن
ومن طريف بن عيسى الغنوي أن زيد بن صوحان خطب في مسجد الكوفة فقال: سيروا إلى أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وأوّل المؤمنين إيماناً .
ومن ذلك ما روته أم سلمة زوج النبي من طريق مساور الحميري عن أنه قالت : قالت
1) الأمالي : 274 304 ، وشرح أصول الكافي : 376/6. ح
أم سلمة : والله لقد أسلم علي بن أبي طالب أوّل النّاس وما كان كافراً، في حديث طويل.
ذلك ما رواه عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رحمة الله عليه من طريق أبي
ومن صالح عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين ، قالوا ولم ذاك يا رسول الله ؟ قال : لم يكن معي من الرّجال غيره(1)، ومن طريق عمرو بن ميمون عنه ما تقدّم ذكره، وروى مجاهد عنه أيضاً مثل ذلك وقد سلف لنا فيما مضى.
ذلك ما رواه قثم بن العباس بن عبد المطلب عن طريق قيس بن أبي حازم عن أبي ومن إسحاق قال: دخلت على قثم بن العباس فسألته عن علي فقال : كان أوّلنا برسول الله صلی الله علیه واله وسلم لحوقاً وأشدنا به الصوقاً .
ومن ذلك ما رواه مالك الأشتر رحمة الله عليه من طريق الفضل بن أدهم المدني قال : سمعت مالك بن الحارث الأشتر يقول في خطبة خطبها بصفّين : معنا ابن عم نبينا صلی الله علیه واله وسلم وسيف من سيوف الله عليّ بن أبي طالب صلّى مع رسول الله صغيراً ولم يسبقه بالصلاة ذكر، وجاهد حتى صار شيخاً كبيراً .
ومن ذلك ما رواه سعيد بن قيس من طريق مالك بن قدامة الأرحبي أن سعيد بن قيس خطب الناس بصفّين فقال : معنا ابن عم نبينا صدق وصلّى صغيراً وجاهد مع نبيكم كبيراً .
ومن ذلك ما رواه عمرو بن الحمق الخزاعي من طريق عبد الله بن شريك العامري قال : قام عمرو بن الحمق يوم صفين فقال : يا أمير المؤمنين أنت ابن عم نبينا وأول المسلمين إيماناً بالله عز وجل.
ومن ذلك ما رواه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص من طريق جندب قال : قال هاشم يوم صفين : نجاهد في طاعة الله مع ابن عم رسول الله وأوّل من آمن بالله وأفقه الناس في دين الله .
ومن ذلك ما رواه محمّد بن كعب من طريق عمر مولى غفرة عن محمد بن كعب قال : أوّل من أسلم علي بن أبي طالب علیه السلام .
ومن ذلك ما رواه مالك بن الحويرث من طريق مالك بن الحسن بن مالك قال : أخبرني أبي عن جدي مالك بن الحويرث قال : أوّل من أسلم من الرّجال علي بن أبي طالب .
ومن ذلك ما رواه أبو بكر عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وأنس بن مالك وعمرو
1) الفصول المختارة : 257 .
بن العاص وأبو موسى الأشعري.
والذي رواه أبو بكر من طريق زافر بن سليمان عن الصلت بن بهرام عن الشعبي قال : مرّ عليّ بن أبي طالب على أبي بكر ومعه أصحابه فسلّم عليهم ومضى فقال أبو بكر : من سرّه أن ينظر إلى أوّل الناس في الإسلام سبقاً وأقرب الناس برسول الله قرابة، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ، الحديث وقدمناه فيما مضى.
وأما عمر فإن أبا حازم مولى ابن عباس قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول :عمر بن الخطاب : كفّوا عن علي بن أبي طالب فإنّي سمعت من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيه خصالاً قال : إنّك أوّل المؤمنين بعدي إيماناً، وساق الحديث (1).
وأما عمرو بن العاص فإن تميم بن جذيم الناجي قال : إنا لمع أمير المؤمنين
علیه السلام بصفّين إذ خرج إليه عمرو بن العاص فأراد أن يكلمه فقال عمرو : تكلّم فإنّك أوّل من أسلم فاهتدى ووحد فصلّى.
ومن ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري عن طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه سلمة عن أبي جعفر عن ابن عباس قال أبو موسى الأشعري: علي أوّل من أسلم.
ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك طريق عباد بن عبد الصمد قال: سمعت أنس بن من مالك يقول : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : لقد صلّت الملائكة عليّ وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين، وذلك أنه لم يرفع إلى السماء شهادة أن لا إله إلا الله وأنّي محمداً رسول الله إلا منّي ومن عليّ صلوات الله عليه (2).
ومن ذلك ما روى عن الحسن بن أبي الحسن البصري من طريق قتادة بن دعامة السدوسي قال: سمعت الحسن يقول : إن عليا علیه السلام صلى مع النبي أوّل الناس فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين (3).
ومن ذلك ما روى عن قتادة من طريق سعيد بن أبي عروبة قال : سمعت قتادة يقول : أوّل من صلّى من الرّجال علي بن أبي طالب (4).
ومن ذلك ما روى عن أبي إسحاق من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال : كان أوّل ذكر آمن وصدق عليّ بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين، ثم أسلم بعده زيد بن حارثة .
ومن ذلك ما روى عن الحسن بن زيد من طريق إسماعيل بن عبد الله بن ابي يونس قال : أخبرني أبي عن الحسن بن زيد أنّ علياً كان أوّل من أسلم (1).
فأما الرواية : عن آل أبي طالب في ذلك فإنّها أكثر من أن تحصى، وقد أجمع بنو هاشم وخاصة آل عليّ لا تنازع بينهم على أنّ أول من أجاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من الذكور علي بن أبي طالب ونحن أغنياء بشهرة ذلك عن ذكر طرقه ووجوهه.
فأما الأشعار: التي تؤثر عن الصحابة في الشهادة له علیه السلام بتقديم الإيمان وأنه أسبق الخلق إليه فقد وردت عن جماعة منهم وظهرت عنهم على وجه يوجب العلم ويزيل الارتياب ولم يختلف فيها من أهل العلم بالنقل والارتياب إثنان.
فمن ذلك قول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين رحمة الله عليه
إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا *** أبو حسن ممّا يخاف من الفتن
وجدناه أولى الناس بالناس أنه *** أطب قريش بالكتاب وبالسنين
وإن قريشاً لا يشق غباره *** إذا ما جرى يوماً على الضمر البدن
ففيه الذي فيه من الخير كله *** وما فيهم مثل الذي فيه من حسن
وصي رسول الله من دون أهله *** وفارسه قد كان في سالف الزمن
وأوّل من صلى من النّاس كلهم *** سوى خيرة النسوان والله ذو منن
وصاحب كبش القوم في كل وقعة *** يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن
فذاك الذي تثني الخناصر باسمه *** إمامهم حتى أغيب في الكفن
ومنه قول كعب بن زهير :
صهر النبي وخير الناس كلهم *** فكل من رامه بالفخر مفخور
صلى الصلاة مع الأمی أولهم *** قبل العباد وربّ الناس مكفور
ومنه قول حسان بن ثابت :
جزى الله خيراً وال- جزاء بكفه
«وقدّمنا البيتين فيما سلف ».
ومنه قول ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب حيث يقول عند بيعة أبي بكر :
ما كنت أحسب أن الأمر منتقل *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
1) بحار الأنوار: 27338، والفصول المختارة : 266
أليس أول من صلّى لقبلتكم *** وأعلم النّاس بالآثار والسنن
وآخر النّاس عهداً بالنّبي ومن *** جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه مافيهم لا يمترون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسن
ما ذا الذي ردكم عنه فنعلمه *** ها إن بيعتكم من أوّل الفتن
وفي هذا الشعر قطع من قائله على إبطال إمامة أبي بكر وإثبات الإمامة لأمير
المؤمنين علیه السلام .
ومنه قول فضل بن عتبة بن أبي لهب فيما رد به على الوليد بن عقبة في مديحه لعثمان ومرثيته له وتحريضه على أمير المؤمنين (علیه السلام) في قصيدته التي يقول في أولها :
ألا إن خير النّاس بعد ثلاثة *** قتيل التجوبي الذي جاء من مضر
فقال الفضل رحمة الله عليه :
ألا إِنْ لا إن خير النّاس بعد محمّد *** مهيمنة التالية في العرف والنكر
وخيرته في خ--ي-ب-ر ورس--ول--ه *** بنيذ عهود الشرك فوق أبي بكر
وأوّل من صل لى وصنو نبيه *** وأوّل من أردى الغواة لدى بدر
فذاك علي الخير من ذا يفوقه *** أبو حسن حلف القرابة والصهر
وفي هذا الشعر دليل على تقدّم إيمان أمير المؤمنين علیه السلام وعلى أنه كان الأمير في سنة تسع على الجماعة وكان في جملة رعيته أبو بكر على خلاف ما ادعته الناصبة من قولهم إن أبا بكر كان الأمير على الجماعة وأن أمير المؤمنين كان تابعاً له .
ومنه قول مالك بن عبادة الغافقي حليف حمزة بن عبد المطلب رحمة الله عليه : رأيت عليّاً لا يلبث قرنه *** إذا ما دعاه ح--اس-ر أو مسربلاً
فهذا وفي الإسلام أول مسلم *** وأول من صلّى وصام وهللا
ومنه قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب :
وكان ولي الأمربعد محمد *** عليّ وفي كل المواطن صاحبه
وصي رسول الله حقاً وجاره *** وأوّل من صلى ومن لان جانبه
وفي هذا الشعر أيضاً دليل على اعتقاد هذا الرجل في أمير المؤمنين علیه السلام أنه كان الخليفة الرسول الله صلی الله علیه واله وسلم بلا فصل .
ومنه قول النجاشي بن الحارث بن كعب :
فقل للمضل من وائل *** ومن جعل الغث يوماً سمينا
جعلت ابن هند وأشياعه *** نظير عليّ أما تستحونا
الی أوّل النّاس بعد الرسول *** أجاب الرسول من ال-ع-ال-م-ينا
ومنه قول جرير بن عبد الله البجلي :
فصلّى الإله عل-ی أحمد *** رسول المليك تمام النعم
وصلى على الطَّهر من بعده *** خلیفتنا القائم المدعم
علیا عنیت وصی النبی ***یجالد عنه غواة الأم
له الفضل والسبق والمكرمات *** وبيت النّبوّة لا المهتضم
وفي هذا الشعر أيضاً تصريح من قائله بإمامة أمير المؤمنين علیه السلام بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأنّه كان الخليفة على من تقدّم.
ومنه قول عبد الله بن حكيم التميمي:
دعانا الزبیر إلى بيعة *** وطلحه بعد ما أثقلا
فقلناصفقنا بأيماننا *** وإن شئتما فخذا الاشملا
نکشتم عليّاً على بيعته *** واسلامه فیکم أولا
ومنه قول عبد الله بن جبل حليف بني جمح :
لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة *** على الدين معروف العفاف موفقا
عفيفاً عن الفحشاء أبيض ماجا *** صدوقاً وللجبّار قدماً مصدقا
أبا حسن فارضوا به وتبايعوا *** فليس كمن فيه الذي العيب منطقاً
علي وصي المصطفى ووزيره *** وأول من صلّى لذي العرض وانتقى
ومنه قول أبي الأسود الدؤلي :
وأن علینا مفخر *** یمشبه بالأسود
أما إنه سي-د العابدین *** بمکه والله لم یعبد
ومنه قول زفر بن زيد بن حذيفة الأسدي :
فحوطوا علياً واحفظوه فإنّه *** وصی وف-ی الإسلام أوّل أوّل
ومنه قول قيس بن سعد بن عبادة بصفين :
هذا علي وابن عم المصطفى *** أول م-ن أج-----اب------ه ممن دعا
ه-ذا إمام لا نبالی من غوی
ومنه قول هاشم بن عتبة بن أبي وقاص بصفين :
أشلّهم بذي الكعوب شلا *** مع ابن عم أحد تجلا
أوّل من ص-دقه وصلی
قال الشيخ قدس الله روحه : وأما قول الناصبة إن إيمان أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يقع على وجه المعرفة وإنّما كان على وجه التقليد والتلقين ومن كان بهذه المنزلة لم يستحق صاحبه المدحة ولم يجب به الثواب ، وادعائهم أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان في تلك الحال ابن سبع سنين ومن كان هذه سنّه لم يكن كامل العقل ولا مكلفاً، فإنّه يقال لهم : إنكم قد جهلتم في ادعائكم انه كان وقت مبعث النبي صلى الله عليه واله وسلم ابن سبع سنين وقلتم قولاً لا برهان عليه يخالف المشهور ويضاد المعروف، وذلك أن جمهور الروايات جاءت بأنه علیه السلام قبض وله خمس وستون سنة وجاء في بعضها أنّ سنه كانت عند وفاته ثلاثاً وستين فأما ما سوى هاتين الروايتين فشاذ مطروح وقد يعرف في صحيح النقل ولا يقبله أحد من أهل الرّواية والعقل .
وقد علمنا أن أمير المؤمنين علیه السلام صحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ثلاثاً وعشرين سنة منها ثلاث عشرة قبل الهجرة ، وعشر بعدها، وعاش بعده ثلاثين سنة، وكانت وفاته في أربعين من الهجرة، فإذا حكمنا في سنه على خمس وستين كما تواترت به الأخبار كانت سنه عند مبعث النّبي صلی الله علیه واله وسلم اثنتي عشرة سنة، وإن حكمنا على ثلاث وستين كانت سنه عند المبعث عشر سنين، وكيف يخرج من هذا الحساب أن يكون سنه عند المبعث سبع سنين .
اللهم إلا أن يقول قائل إنّ سنّه كانت عند وفاته ستين سنة فيصح ذلك له إلا أنه يكون دافعاً للمتواتر من الأخبار ، منكراً للمشهور من الآثار ، معتمداً على الشاذ من الروايات، ومن صار إلى ذلك كان الأولى في مناظرته البيان له على وجه الكلام في الأخبار، والتوقيف على طرق الفاسد من الصحيح فيها دون المجازفة في المقالة، وكيف يمكن لعاقلاً سمع الأخبار أو نظر في شيء من الآثار أن يدعي أن أمير المؤمنين علیه السلام توفي وله ستون سنة مع قوله علیه السلام الشائع عنه الذائع في الخاص والعام عند ما بلغه من أرجاف أعدائه في التدبير والرأي :
وعن الإمام: بلغني أن قوماً يقولون إن علي بن أبي طالب شجاع لكن لا بصيرة له بالحرب الله أبوهم وهل فيهم أحد أبصر بها مني لقد قمت فيها وما بلغت العشرين وها أنا قد ذرفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (1).
1) الغارات : 477/2، وبحار الأنوار: 279/38
فخبر علیه السلام بأنه نيف على الستين في وقت عاش بعده دهراً طويلاً، وذلك في أيام صفين وهكذا يكذب قول من زعم أنه صلوات الله عليه توفي وله ستون سنة مع أن الزوايات قد جاءت مستفيضة ظاهرة بأنّ سنّه كانت عند وفاته بضعاً وستين سنة وفي مجيبها بذلك على الإنتشار دليل على بطلان مقال من أنكر ذلك .
فمن ذلك ما ذكره علي بن عمرو بن أبي سيرة عن عبد الله محمد بن عقيل قال : سمعت محمد بن الحنفية يقول في سنة الجحاف حين دخلت سنة إحدى وثمانين هذه لي خمس وستون سنة وقد جاوزت من أبي قلت : وكم كان سنّه يوم قتل ؟ قال : ثلاثاً وستين سنة .
ومنهم أبو القاسم نعيم قال : حدثنا شريك عن أبي إسحاق قال توفّي علي صلوات الله عليه وهو ابن ثلاث وستين سنة.
ومنهم يحيى بن أبي كثير عن سلمة قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : وقد سئل عن سنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم قبض قال : قد كان نيف على الستين .
ومنهم ابن عائشة من طرق أحمد بن زكريا قال : سمعته يقول : بعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعلي ابن عشر سنين وقتل علي وله ثلاث وستون سنة.
ومنهم الوليد بن هاشم الفخذي (1)من طريق أبي عبد الله الكواسجي (2)قال : أخبرنا الولد بأسانيد مختلفة أنّ عليّاً صلوات الله عليه قتل بالكوفة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين وهو ابن خمس وستين سنة.
فأما من روى أن سنه كانت عند البعثة أكثر من عشر سنين فغير واحد .
منهم : عبد الله بن مسعود من طريق عثمان بن المغيرة عن وهب عنه قال : إنّ أوّل شيء علمته من أمر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أني قدمت مكة فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم فبينا نحن جلوس إذ أقبل رجل من باب الصفا عليه ثوبان أبيضان على يمينه غلام مراهق أو محتلم تتبعه امرأة قد سترت محاسنها حتى قصدوا الحجر، فاستلمه والغلام والمرأة ثم طاف بالبيت سبعاً والغلام والمرأة يطوفان معه، ثم استقبل الكعبة فقام فرفع يديه وكبر فقام الغلام عن يمينه وكبر وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها فكبرت؛ فأطال القنوت ثم ركع فركع الغلام والمرأة معه، ثم رفع رأسه فأطال القنوت، ثم سجد ويصنعان ما صنع فلما رأينا شيئاً ننكره ولا نعرفه بمكة أقبلنا على العباس فقلنا : يا أبا الفضل إنّ هذا الدين
ما كنا نعرفه ، قال : أجد والله ما تعرفون هذا ، قلنا : ما تعرفه قال : هذا ابن أخي محمد بن عبد الله ، وهذا عليّ بن أبي طالب ، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد، والله ما على وجه الأرض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة .
وروى قتادة عن عن الحسن وغيره قال : كان أوّل من آمن علي بن أبي طالب علیه السلام وهو ابن خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة .
وروی شداد بن أوس قال : سألت خباب بن الأرت عن اسلام عليّ بن أبي طالب علیه السلام قال : أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، ولقد رأيته يصلي مع النبي صلی الله علیه واله وسلم وهو مستحكم البلوغ.
وروى علي بن زيد عن أبي نضرة قال: أسلم علي وهو ابن أربع عشرة سنة، وكان له يومئذ ذؤابة يختلف إلى الكتاف .
وروى عبد الله بن زياد عن محمد بن علي قال: أوّل من آمن بالله علي بن أبي
طالب علیه السلام وهو ابن احدى عشرة سنة .
وروى الحسن بن زيد قال: أوّل من أسلم علي بن أبي طالب علیه السلام وهو ابن خمسة عشرة، وقد قال عبد الله بن الحارث بن أبي سفيان بن عبد المطلب. وصلى عليّ مخلصاً بصلاته *** لخمس وعشر من سنيه كوامل
وخ--ل--ى أن--اس-ا ي-ت-ب-ع-ون-ه *** له عمل أفضل به صنع حامل
وروي سلمة بن كهيل عن أبيه عن حبة بن جوين العرني قال : أسلم علي صلوات الله عليه وآله وكان له ذؤابة يختلف إلى الأكتاف .
على أنا لو سلمنا لخصومنا ما ادعوه من أنه كان له عند المبعث سبع سنين لم يدل ذلك على صحة ما ذهبوا إليه من أن إيمانه كان على وجه التلقين دون المعرفة واليقين، وذلك أن صغر السن لا ينافي كمال العقل وليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعي ذلك هذا باتفاق أهل النظر والعقول، وإنّما يراعي بلوغ الحلم في الأحكام الشرعية دون العقلية، فقد قال سبحانه في قصة يحيى: ( وَاتَيْنَهُ الحُكْمَ صَبِنَا ) [مريم: 12]، وقال في قصّة عيسى : (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِينًا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ اتَنِي الْكِتَبَ وجَعَلَنِي بِنَا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِي بِالصَّلَوَة وَالزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيَّا﴾ [مريم : 29 - 31] ، فلم ينف صغر سنّ هذين النّبيين عليهما السلام كمال عقلهما أو الحكمة التى آناهما الله سبحانه، ولو كانت العقول تحيل ذلك لأحالته في كل أحد وعلى كل حال.
وقد أجمع أهل التفسير إلا من شذ عنهم في قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِن كان قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قَبْلِ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَذِبِينَ وَإِن كَانَ فَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ )
وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [يوسف: 26 - 27] ، أنّه كان طفلاً صغيراً في المهد أنطقه الله عزّ وجلّ حتى برأ يوسف من الفحشاء وأزال عنه التهمة.
والناصبة إذا سمعت هذا الاحتجاج قالت : إن هذا الذي ذكرتموه فيمن عددتموه كان معجزاً لخرق العادة ودلالة لنبي من أنبياء الله ، فلو كان أمير المؤمنين مشاركاً لمن وصفتموه في خرق العادة لكان معجزاً له أو للنبي وليس يجوز أن يكون معجزاً له ولو كان معجزاً للنبي لجعله في معجزاته واحتج به في جملة بيناته ولجعله المسلمون في آياته، فلما لم يجعله رسول الله لنفسه علماً ولا عده المسلمون في معجزاته علمنا أنه لم يجر فيه الأمر على ما ذكرتموه .
فيقال لهم : ليس كل ما خرق الله به العادة وجب أن يكون علماً ولا لزم أن يكون معجزاً ولا شاع علمه في العام ولا عرف من جهة الاضطرار، وإنّما المعجز العلم هو خرق العادة عند دعوة داع أو براءة معروف يجري براءته مجرى التصديق له في مقاله، بل هي مقاله، بل هي تصديق في المعنى وإن لم يك تصديقاً بنفس اللفظ والقول، وكلام عيسى إنّما كان معجزاً لتصديق له قوله :( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ اتَنِي الْكِتَب وَجَعَلَنِي نَبِيَّا ) [مريم : 30] ، مع كونه خرقاً للعادة وشاهداً لبراءة أمه الفاحشة، ولصدقها فيما ادعته من الطهارة، وكانت حكمة يحيى في حال صغره تصديقاً له في دعوته في الحال ولدعوة أبيه زكريا فصارت مع كونها خرق العادة دليلاً ومعجزاً، وكلام الطفل في براءة يوسف إنّما كان معجزاً لخرق العادة بشهادته ليوسف علیه السلام للصدق في براءة ساحته ويوسف نبي مرسل فثبت أنّ الأمر ما ذكرنا ولم يكن كما عقل أمير المؤمنين شاهداً في شيء ممن ادعاه ولا استشهد هو علیه السلام به فيكون مع كونه خرقاً للعادة معجزاً ولو استشهد به أو شهد على حد ما شهد الطفل ليوسف وكلام عيسى له ولأمه وكلام يحيى لأبيه بما يكون في المستقبل والحال لكان لخصومنا وجه للمطالبة بأن يذكر ذلك في المعجزات لكن لا وجه له على ما بيناه .على أن كمال عقل أمير المؤمنين علیه السلام لم يكن ظاهراً للحواس، ولا معلوماً بالاضطرار فيجري مجرى كلام المسيح، وحكمة يحيى ، وكلام شاهد يوسف، فيمكن الاعتماد عليه في المعجزات ، وإنّما كان طريق العلم مقال الرسول والاستدلال الشاق بالنظر الثاقب والسر حاله علیه السلام وعلى مرور الأوقات بسماع كلامه والتأمل لاستدلالاته والنظر فيما تؤدّي إلى معرفته وفطنته ثم لا يحصل ذلك إلا لخاص من النّاس ومن عرف وجوه الاستنباطات وما جرى هذا المجرى فارق حكمه حكم ما سلف للأنبياء من المعجزات وما كان لنبينا صلی الله علیه واله وسلم من الإعلام إذا تلك بظواهرها فتقدح في القلوب أسباب اليقين وتشرك الجميع في الحال الظاهرة منها المنبئة عن خرق العادات دون أن تكون مقصورة على ما ذكرناه من البحث الطويل والاستقرار للأحوال على مرور الأوقات أو الرجوع فيه إلى نفس قول
الرسول صلی الله علیه واله وسلم الذي يحتاج في العلم به إلى النظر في معجز غيره والاعتماد على ما سواه من البينات فلا ينكر أن يكون الرسول صلی الله علیه واله وسلم إنما عدل عن ذكر ذلك واحتجاجه به في جملة آياته لما وصفناه .وشيء آخر وهو أنه لا ينكر أن يكون الله سبحانه علم من مصلحة خلقه الكف من رسول الله عن الاحتجاج بذلك والدعاء إلى النظر فيه وأن اعتماده على ما ظاهره خرق العادة أولى في مصلحة الدين .وشيء آخر وهو أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وإن لم يحتج به على التفصيل والتعيين فقد فعل ما يقوم مقام الاحتجاج به على البصيرة واليقين، فابتدأ علياً علیه السلام بالدعوة قبل الذكور كلهم ممن ظاهره البلوغ وافتتح بدعوته قبل ادعاء رسالته، وأعقد عليه في إيداعه سره وأودعه ما كان خائفاً ظهوره عنه، فدلّ باختصاصه بذلك على ما يقوم مقام قوله إنّه معجز له وإن بلوغ عقله علم على صدقه، ثم جعل ذلك من مفاخره وجليل مناقبه وعظيم فضائله، ونوه بذكره وشهره بين أصحابه فاحتج له به في اختصاصه، وكذلك فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه في ادعائه له ، فاحتج به على خصومه وتمدح به بين أوليائه وفخر به على جميع أهل زمانه، وذلك هو معنى النطق بالشهادة بالمعجز له بل هو الحجّة في كونه نائباً في القوم بما خصه الله تعالى منه ونفس الاحتجاج لعلمه ودليل الله وبرهانه وهذا يسقط ما اعتمدوه .وممّا يدلّ على أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان عند بعثة النبي صلی الله علیه واله وسلم بالغاً مكلفاً وأن إيمانه به كان بالمعرفة والاستدلال وأنه وقع على أفضل الوجوه وآكدها في استحقاق عظيم التّواب أنّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم مدحه به وجعله من فضائله وذكره في مناقبه ، ولم يكن بالذي يفضل بما ليس يفضل ويجعل في المناقب ما لا يدخل في جملتها، ويمدح على ما لا يستحق عليه الثواب .فلما مدح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمير المؤمنين علیه السلام بتقدمه الإيمان فيما ذكرناه آنفاً من قوله علیه السلام الفاطمة عليها السّلام : أما ترضين أني زوجتك أقدمهم إسلاماً : وقوله صلی الله علیه واله وسلم في رواية سلمان : أوّل هذه الأمة وروداً على نبيها الحوض أوّلها إسلاماً علي بن أبي طالب وقوله صلی الله علیه واله وسلم: لقد صلّت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين، وذلك إنّه لم يكن من الرّجال أحد يصلّي غيري وغيره (1.)وإذا كان الأمر على ما وصفناه فقد ثبت أن إيمانه وقع بالمعرفة واليقين دون التقليد والتلقين لا سيما وقد سماه رسول الله إيماناً وإسلاماً وما يقع من الصبيان على وجه التلقين لا يسمّى على الإطلاق الديني إيماناً وإسلاماً.
1) روضة الواعظين : 85 وشرح أصول الكافي : 376/6 .
ويدلّ على ذلك أيضاً أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قد تمدّح به وجعله من مفاخره واحتج به على أعدائه وكرّره في غير مقام من مقاماته حيث يقول: اللهم إنّي لا أعرف عبداً لك عبدك هذه الأمة قبلي ، وقوله أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم وقوله صلوات الله عليه لعثمان أنا خير منك ومنهما عبدت الله قبلهما وعبدت الله بعدهما وقوله علیه السلام أنا أول ذكر صلّى، وقوله علیه السلام على من أكذب : أعلى الله فأنا أوّل من آمنبه وعبده .فلو كان إيمانه على ما ذهبت إليه الناصبة من جهة التلقين ولم يكن له معرفة ولا علم بالتوحيد لما جاز منه أن يتمدح بذلك، ولا أن يسمّيه عبادة ولا أن يفخر به على القوم، ولا أن يجعله تفضيلاً له على أبي بكر وعمر ، ولو أنه فعل من ذلك ما لا يجوز لردّه عليه مخالفوه واعترضه فيه مضادّوه وحاجه في بطلانه مخاصموه، وفي عدول القوم عن الاعتراض عليه في ذلك وتسليم الجماعة له ذلك دليل على ما ذكرناه وبرهان على فساد قول الناصبة الذي حكيناه .وليس يمكن أن يدفع ما رويناه في هذا الباب من الأخبار لشهرتها واجماع الفريقين من الناصية والشيعة على روايتها، ومن تعرض للطعن فيها مع ما شرحناه لم يمكنه الاعتماد على تصحيح خبر وقع في تأويله الاختلاف، وفي ذلك ابطال جمهور الأخبار، وإفساد عامة الآثار وهب أن لا يعرف الحديث ولا خالط أهل العلم يقدم على إنكار بعض ما رويناه أو يعاند فيه بعض العارفين به ويغتنم الفرصة بكونه خاصاً في أهل العلم كيف يمكن دفع شعر أمير المؤمنين في ذلك وقد شاع من شهرته على حد ارتفع فيه الخلاف وانتشر حتى صار مسموعاً من العامة فضلاً عن الخواص عن الخواص في قوله علیه السلام:محمد ال-ن-ب-ي أخي وص--ن--وي *** وحمزة سيّد الشهداء عمّيوجعفر الذي يضحي وي-سمی *** يطير مع الملائكة ابن أميوبنت محمّد سكني وعرسي *** مساط لحمها بدمي ولحميوسب-ط-ا أحمد ولداي من-ها *** فمن فیکم له سهم كسهميسبقتكم إلى الإسلام طرا *** على ما كان من فهمي وعلمیوأوجب لي الولاء معا عليکم *** خليلي يوم دوح غدیر خموفي هذا الشعر كفاية في «البيان» عن تقدم إيمانه وأنه وقع مع المعرفة بالحجة والبيان، وفيه أيضاً أنه كان الإمام بعد الرسول بدليل المقال الظاهر في يوم الغدير الموجب للاستخلاف .
وممّا يؤيد ما ذكرناه ما رواه عبد الله بن الأسود البكري عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أنّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم صلى يوم الإثنين وصلت خديجة معه ودعا عليّاً إلى الصلاة يوم الثلاثاء فقال له : أنظرني حتى ألقى أبا طالب فقال له النبي صلی الله علیه واله وسلم : إنها أمانة، فقال علي : فإن كانت أمانة فقد أسلمت لك فصلّى معه وهو ثاني يوم المبعث (1.)وروى الكليني عن أبي صالح عن ابن عبّاس مثله، وقال في حديث إنّ هذا حديث إنّ هذا دين يخالف دين أبي حتّى أنظر فيه وأشاور أبا طالب فقال له النبي صلی الله علیه واله وسلم: أنظر واكتم، قال: فمكث هنيئة ثمّ قال : بل أجبتك وأصدق بك، فصدقه وصلى معة .وروى هذا المعنى بعينه وهذا المقال من أمير المؤمنين على اختلاف في اللفظ واتفاق في المعنى كثير من حملة الآثار ، وهو يدل على أن أمير المؤمنين كان مكلفاً عارفاً في تلك الحال بتوقفه واستدلاله وتمييزه بين مشورة أبيه وبين الإقدام على القبول والطاعة للرسول من غير فكرة ولا تأمل، ثم خوفه أن ألقى ذلك إلى أبيه أن يمنعه منه مع أنه حق فيكون قد صد عن الحق فعدل عن ذلك إلى القبول وعدل من النّبي مع أمانته وما كان يعرفه من صدقه من مقاله وما سمعه من القرآن الذي نزل عليه وأراد الله من برهانه أنه رسول محق فآمن به وصدقه، وهذا بعد أن ميز بين الأمانة وغيرها وعرف حقها وكره أن يفشى سر الرسول وقد ائتمنه عليه وهذا لا يقع باتفاق من صبي لا عقل له ولا يحصل ممن لا تميز معه.ويؤيده أيضاً ما ذكرناه أنّ النبي بدأ به في الدعوة قبل الذكور كلهم وإنّما أرسله الله تعالى إلى المكلفين فلو لم يعلم أنه عاقل مكلّف لما افتتح به أداء رسالته وقدمه في الدعوة على جميع من بعث الله إليه، لأنه لو كان الأمر على ما ادعته الناصبة لكان علیه السلام قد عدل عن الأولى وتشاغل بما لم يكلفه أداء ما كلّفهعن ووضع فعله في غير موضعه، ورسول الله صلی الله علیه واله وسلم يجل عن ذلك .وشيء آخر وهو أنه صلی الله علیه واله وسلم دعا علياً في حال كان مستتراً فيها بدينه كاتماً لأمره خائفاً إن شاع من عدوه فلا يخلو أن يكون قد كان واثقاً من أمير المؤمنين بكتم سره وحفظ وصيته وامتثال أمره وحمله من الدين ما حمله أولم يكن واثقاً بذلك فإن كان واثقاً ولم يثق به علیه السلام إلا وهو في نهاية كمال العقل وعلى غاية الأمانة وصلاح السريرة والعصمة والحكمة وحسن التدبير، لأن الثقة بما وصفناه دليل جميع ما شرحناه على الحال التي قدّمنا وصفها، وإن كان غير واثق من أمير المؤمنين بحفظ سره وغير آمن من تضييعه وإذاعة أمره فوضعه عنده من التفريط وضد الحزم والحكمة والتدبير، حاشا الرسول صلى الله عليه واله وسلم من ذلك ومن كلّ ومن كل صفة نقص وقد أعلى الله عزّ وجلّ رتبته وأكذب مقال من ادعى ذلك فيه .
1) الفصول المختارة : 280 ، وبحار الأنوار: 286/38 .
وإذا كان الأمر على ما بيناه فما ترى الناصبة قصدت بالطعن في إيمان أمير المؤمنين إلاّ عيب الرسول صلی الله علیه واله وسلم والدم لأفعاله ووصفها بالعبث والتفريط ووضع الأشياء غير موضعها والإزراء عليه في تدبيراته وما أراد مشايخ القوم ومن ألقى هذا المذهب إليهم إلا ما ذكرناه والله متم نوره ولو كره الكافرون .وانما أوردت هذا الكلام بطوله مع كثرة فوائده ومزيد عوائده ووثاقة مبانيه ولطافة معانيه وإنبائه عن علوّ شأن قائله ورفعة مقامه وطول باعه في باب المناظرة والجدال وقوة ذراعه في إبطال مقال أهل العصبية والضلال ، فحري له أن يلقب بالمفيد وهنيئاً له أن يخرج باسمه التوقيع الشريف من الإمام الرشيد ، جزاه الله عن مذهب الحق وأهله خير الجزاء.وأما الشارح المعتزلي : فقد قال في شرح الكلام السّادس والخمسين : إنّ أكثر أهل الحديث وأكثر المحققين من أهل السيرة رووا أنه أوّل من أسلم ثم روى منکتاب «الاستيعاب» لأبي عمرو يوسف بن عبد البر روايات كثيرة دالة على سبق إسلامه علیه السلام .وقال بعدها : واعلم أنّ شيوخنا المتكلمين لا يكادون يختلفون في أن أوّل الناس إسلاماً عليّ بن أبي طالب إلا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصريين ، فأما الذي تقرّرت المقالة عليه الآن فهو القول بأنه سبق الناس إلى الإيمان لا تكاد تجد اليوم في تصانيفهم وعند متكلميهم والمحققين منهم خلافاً فی ذلك .قال : واعلم أن أمير المؤمنين ما زال يدعي ذلك لنفسه ويفتخر به ويجعله في أفضليته على غيره ويصرّح بذلك، وقد قال غير مرّة : أنا الصديق الأكبر، وأنا الفاروق الأوّل أسلمت قبل إسلام أبي بكر وصليت قبل صلاته (1.)وروى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمّد بن قتيبة في كتاب «المعارف» وهو غير متهم في أمره ومن الشعر المروي عنه في هذا المعنى الأبيات التي أولها :محمد النبي أخي وصنوي *** وحمزة سيّد الشهداء عمیومن جملتها :سبقتكم إلى الإسلام طرّاً *** غلاماً ما بلغت أوان حلميوالأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جداً لا يتسع هذا الكتاب لذكرها فليطلب من مظانها، ومن تأمل كتب السير والتواريخ عرف من ذلك ما قلناه .ثمّ قال : فأمّا الذاهبون إلى أن أبا بكر أقدمها إسلاماً فنفر قليلون، ونحن نذكر ما أورده
1) شرح النهج : 30/1
ابن عبد البر أيضاً في كتاب «الاستيعاب » في ترجمة أبي بكر وذكر الأخبار الواردة في سبق إسلامه، ثم قال ومعلوم أنه لا نسبة لهذه الروايات التي ذكرناها في ترجمة علي الذالة على سبقه، ولا ريب أن الصحيح ما ذكره أبو عمرو أن علياً كان هو السابق وأن أبا بكر هو أوّل من أظهر الإسلام فظن أن السبق له .فدل مجموع ما ذكرناه أن علياً هو أوّل الناس إسلاماً وأنّ المخالف في ذلك شاذ،والشاذ لا يعتد به .
### الترجمةاز جمله کلام بلاغت نظام آن امام انام است در توبیخ و مذمت اصحاب خودکه فرمود :ای نفسهای مختلف و ای قلبهای پراکنده و متفرق که حاضر است بدن های ایشان و غایب است از ایشان عقلهای ایشان بر می گردانم شما را برحق و شما رم می کنید از آن مثل رم کردن بز از آواز مهیب شیر ، چه دور است که اظهار بکنم به شما نهان عدل را یا اینکه راست بکنم کجی حق را .بارپروردگارا ، البته تو میدانی که نبود آن چه که واقع شد از ما یعنی طلب خلافت و محاربه از برای رغبت کردن در سلطنت دنیا و نه از جهت خواهش چیزی از متاع بی قدر و بها و لیکن این طلب و حرب به جهت این بود که برگردانیم آثار دین تو را و اظهار اصلاح نماییم در شهرهای تو تا این که ایمن شوند ستم رسیده از بندگان تو و برپا شود آن چه که تعطیل افتاد از حدود تو .بارپروردگارا ، به تحقیق من اول کسی هستم که بازگشت نمود به سوی تو و شنید دعوت پیغمبر را و قبول نمود آن را ، سبقت نکرد به من مگر حضرت رسول (صلی الله علیه واله وسلم به نماز و به تحقیق که شما دانسته اید آن که جایز و سزاوار نیست که باشد حاکم والی بر فرجها و بر خونها و غنیمت ها و حکم ها امانت مسلمانان و شخص بخیل تا شود در مالهای ایشان حرص و رغبت او و نه شخص نادان تا به ضلالت اندازد ایشان را به جهالت خود و نه شخص کج خلق تا ببرد ایشان را از یکدیگر به جهت کج خلقی خود و نه شخص ظلم کننده در دولتها تا فراگیرد قوم دون قوم را و ترجیح بدهد بعض ایشان را به بعضی و نه شخص رشوت گیرنده در حکم تا ببرد حقوق مسلمانان را و نگه بدارد آن حقوق را در مقام قطع کردن و قطع و فصل ننماید و نه شخصی که تعطیل کننده است سنّت و شریعت مطهره را تا این که به هلاکت اندازد امت را .)
## ومن خطبة له علیه السلام وهي المانة والثاني والثلاثون من المختار في باب الخطب### اشارةنَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وأَعْطَى ، وعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى ، الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةٍ، وَالْحَاضِرُ لِكُلِّ سَريرَةٍ، الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُ الصُّدُورُ ، وما تَخُونُ الْعُيونُ ، ونَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ غَيْرُهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً صلی الله علیه واله وسلم نَجيبُهُ وبَعيتُهُ ، شَهادَةً يُوافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإِعْلانَ، وَالْقَلْبُ اللَّسَانَ.منها : فَإِنَّهُ وَاللَّهِ الْجِد لا اللَّعِبُ، وَالْحَقُّ لاَ الْكَذِبُ، وما هُوَ إِلا الْمَوْتُ أَسْمَعَ داعِيَهُ، وأَعْجَلَ حَادِيهِ، فَلا يَعْرُنَّكَ سَوادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كانَ قَبْلَكَ مِمَّن جَمَعَ الْمَالَ، وحَذَر الإقلالَ ، وَأَمِنَ الْعَواقِبَ طُول أَمَل ، وَاسْتِبْعَادَ أَجَل ، كَيْفَ نَزلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ مَحْمُولاً عَلَى أَعْوادِ الْمَنايا ، يَتَعاطى بهِ الرِّجالُ الرِّجالَ، حَمْلاً عَلَى الْمَناكِبِ، وَإِمْسَاكاً بِالأَنَامِلِ، أَما رَأَيْتُمُ الَّذينَ يَأْمَلُونَ بَعيداً، ويَبْنُونَ مَشيداً، وَيَجْمَعُونَ كَثِيراً، كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً ، وما جَمَعُوا بُوراً، وصارَتْ أَمْوالُهُمْ لِلوارِثينَ، وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْم آخرين، لا في حَسَنَةٍ يَزيدُونَ، ولا مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ ، فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرَزَ مَهْلَهُ ، وفاز عَمَلَهُ، فَاهْتَبِلُوا هَبَلَها ، وَاعْمَلُوا لِلجَنَّةِ عَمَلَها ، فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ ِدارَ مُقام، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجازاً لِتَزَوْدُوا مِنْهَا الأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَزْفازِ، وقُرِّبُوا الظهور لِلزِّيَالِ (1.)### اللغةقال الشارح المعتزلي (أبلى أي أعطى يقال : قد أبلاه الله بلاء حسناً أي أعطاه قال زهير :)جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم *** وأبلاهما خير البلاء الذي يبلووأما قوله ( وابتلى فالابتلاء إنزال مضرّة بالإنسان على سبيل الاختبار كالمرض والفقر والمصيبة، وقد يكون بمعنى الاختبار في الخير إلا أنه كثيراً ما يستعمل في الشر.)أقول : والظاهر أن استعمال البلاء في الإعطاء أيضاً على الغالب لا دائماً، وإلا فقد قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ [البقرة : 155])
1) ميزان الحكمة 3626/4 ، وشرح نهج البلاغة : 269/8
والتحقيق أن الإبلاء والابتلاء كلاهما من البلاء بمعنى الاختبار والامتحان قال الفيروزآبادي : ابتليت الرّجل اختبرته وامتحنته كبلوته بلواً، ثمّ قال : والبلاء يكون منحة ويكون محنة، وفي «المصباح» بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلواً وأبلاه بالألف وابتلاه ابتلاء بمعنى امتحنه ، والاسم بلاء مثل سلام ، والبلوى والبلية مثله و(كننته أكنه من باب قتل سترته، وأكننته بالألف أخفيته، وقال أبو زيد الثلاثي والرباعي لغتان في السر وفي الإخفاء جميعاً (وتكن الصدور) في النسخ من باب الأفعال.)و(اللعب في بعض النسخ بفتح اللام وكسرها وفي بعضها بتخفيف العين قال ابن قتيبة ولم يسمع في التخفيف فتح اللام مع السكون وهو الظاهر من الفيروز آبادي قال : لعب كسمع لعباً ولعباً ولعباً وتلعاباً ضدّ جد وهو لعب ولعب و (الكذب) أيضاً بعض النسخ بفتح الأوّل وكسر الثاني وفي بعضها بالسكون (دعا) المؤذن الناس إلى الصلاة فهو داعي الله و (حدوت) بالإبل حثثتها على السير بالحداء وحدوته على كذا بعثته عليه و (المشيد) من شدت البيت أشيده من باب باع بنيته بالشيد وهو بالكسر الجص و( البور) الفاسد الهالك وقوم بور أي هلكي قال سبحانه : وكنتم قوماً بوراً ، وهو جمع باير كحول وحائل.)و ( يستعتبون في بعض النسخ على البناء للفاعل وفي بعضها على البناء للمفعول، و (برز مهله ) أي فاق بمعنى أبرز أي أظهر ، والمهل شوط الفرس هكذا قال الشارح المعتزلي، وشوط الفرس جريه مرّة إلى غاية ، والأظهر أن المهل بمعنى التقدّم في الخير كما قاله في «الفردوس» و (اهتبل) فلان الصيد بغاه وطلبه واهتبل كلمة حكمة اغتنمها ، والهبال وزان شداد الصياد ، وذئب هبال أي محتال ، واهتبل هبلك محركة عليك بشأنك و(الأوفاز) جمع وفز بسكون الفاء ويحرّك أيضاً وهو العجلة و(الظهور) كأظهر جمع ظهر الركاب وهم مظهرون أي لهم ظهور ينقلون عليها و (زائله) مزايلة وزيالاً أي فارقه)### الإعرابقوله : (فإنه والله (آه) الضمير إما راجع إلى متقدم ذكره لفظاً في تضاعيف كلامه علیه السلاموأسقطه السيد (رحمت الله) والتقطه غيره على ما هو عادته من التقطيع والالتقاط أو أنه ضمير ير الشّأن كما في قولك هو الأمير مقبل أي الشأن هذا .)قال نجم الأئمة: وهذا الضمير في الحقيقة كأنه راجع إلى المسؤول عنه بسؤال مقدر كأنه سمع ضوضاة وجلبة فاستبهم الأمر فسأل بالشأن والقصة، فقلت هو الأمير مقبل، أي الشأن هذا، فلما كان المعود إليه الذي تضمنه السؤال غير ظاهر قبل اكتفى في التفسير بخبر هذا الضمير بتعقبه بلا فصل لأنه معين للمسؤول عنه ومبين له، فبان لك بهذا أنّ الجملة بعد الضمير لم يؤت بها لمجرد التفسير، بل هي كسائر أخبار المبتدات لكن سمّيت تفسيراً لما
قررته، والقصد بهذا الإبهام ثم التفسير تعظيم الأمر وتفخيم الشأن، فعلى هذا لا بد أن يكون مضمون الجملة المفسرة شيئاً عظيماً يعتني به فلا يقال : هو الذباب يطير، وقد يخبر عن ضمير الأمر المستفهم منه تقديراً بالمفرد تقول : هو الأمر حتى لا تبقى على صرفه باقية .وقال أيضاً في موضع آخر في شرح قول ابن الحاجب : المضمر ما وضع لمتكلم أو مخاطب أو غائب تقدم ذكره لفظاً أو معنى أو حكماً : والتقدم الحكمي أن يكون المفسّر مؤخراً لفظاً وليس هناك ما يقتضي تقدمه على محلّ الضمير إلا ذلك الضمير، فنقول إنه وإن لم يكن متقدماً على الضمير لا لفظاً ولا معنى إلا أنه في حكم المتقدّم نظراً إلى وضع ضمير الغائب وإنّما يقتضي ضمير الغائب تقدّم المفسر لأنه وضعه الواضع معرفة لا بنفسه بل بسبب ما يعود إليه، فان ذكرته ولم يتقدم مفسره بقي مبهماً منكراً لا يعرف المراد به حتى يأتي تفسيره بعده وتنكيره خلاف وضعه ، فالشيء الحامل لهم على مخالفة مقتضى وضعه بتأخير مفسره عنه قصد التفخيم والتعظيم في ذكر ذلك المفسر بأن يذكروا أولاً شيئاً مبهماً حتى تتشوق نفس السامع إلى العثور على المراد به ثمّ يفسروه، فيكون أوقع في النفس وأيضاً يكون ذلك المفسّر مذكوراً مرتين بالإجمال والتفصيل ثانياً فيكون آكد ، انتهى .وقوله: (أسمع داعيه وأعجل حاديه، منصوبان على الحال أمّا لفظاً لو كان أفعل بصيغة التفضيل فيكون داعيه وحاديه مجرورين بالإضافة أفعل إليهما من باب إضافة الصفة إلى مفعوله، ولو كان أسمع فعلاً ماضياً من باب الأفعال فداعيه منصوب بالمفعولية كذا في أكثر النسخ والجملة منصوبة المحلّ على الحال من الموت والعامل معنى الضمير أعني هو لأنه للشأن والشأن بمعنى المصدر كما في قولك ما شأنك واقفاً والمصدر في معنى الفعل مضافاً إلى تقويته معنى بشبه الفعل أخرى ، كأنه قيل : ما الشأن المسؤول عنه إلا الموت ، فافهم جيّداً، وإضافة (داعيه) إلى الضمير من باب إضافة الصفة إلى المفعول، وكذلك الكلام في أعجب حاديه .)وقوله : (فلا يغرنّك سواد النّاس من نفسك، قال الشارح المعتزلي : (من) ههنا إمّا بمعنى (الباء) أي لا يغرنّك الناس بنفسك وصحتك وشبابك فتستبعد الموت اغتراراً بذلك فتكون متعلقة بالظاهر، وإما أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره متمكناً من نفسك وراكناً إليها .)أقول : فعلى ما ذكره تكون بمعنى (الباء السببية، ولكن الأظهر أن تكون بمعنى (عند) كما قاله أبو عبيدة في قوله تعالى : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، فالمعنى لا يغرنك سواد الناس مجتمعين عندك ، ويحتمل أن تكون بمعناها الأصلي، أي لا يغرنّك الناس من إصلاح نفسك ولا يشغلونك عن التوجه إلى ذاتك .)وطول (أمل منصوب على المفعول له لأمن أوله وللأفعال السابقة أيضاً على سبيل)
التنازع ، قال الشارح المعتزلي: ويجوز أن ينصب على البدل من المفعول المنصوب برأيت وهو (من ويكون التقدير فقد رأيت طول أمل من كان ، وهذا بدل الاشتمال، وقد حذف منه الضمير العائد كما حذف من قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَبُ الأَحدُودِ النَّارِ) [البروج : 4 - 5] «انتهى » ولا بأس به والعائد المحذوف في الآية لفظة منه أي النّار منه وقيل النار مرفوع خبر لمبتدأ محذوف أي هو النّار وقيل : التقدير ذي النّار، هذا وروى في بعض النسخ بطول أمل. (وحملاً وإمساكاً) إما منصوبان على المصدر والعامل محذوف حال من فاعل يتعاطى، أو مفعوله أي حال كونهم يحملونه حملاً فيكون حالاً مقدّرة على حد :(فادخلوها خالدین )، أو مفعولان لأجله أي يتعاطونه للحمل والإمساك، (ومشيداً) صفة حذف موصوفه أي بناء مشيداً وقصراً مشيداً ، (ومهله) في بعض النسخ بالرفع وبعضها بالنصب .
اعلم أن مدار هذه الخطبة على فصلين: أحدهما حمد الله المتعال والإشارة إلى جملة من نعوت الكبرياء والجمال ، والثاني التنفير من الدنيا والوصية بالزهد والتقوى .
فهو قوله (نحمده على ما أخذ وأعطى) أي على أخذه وإعطائه، والمراد بالإعطاء واضح ، وأمّا الأخذ فيجوز أن يراد به أخذ الميثاق في عالم الذر بالتوحيد والنّبوة والولاية كما يشهد به قوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي عَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] الآية، أو أخذ عموم التكاليف أو خصوص الحقوق المالية كالخمس والزكاة والصدقات، أو أخذ ما أعطاء على بعض العباد وابتلائهم بالفقر والمسكنة بعد الغني والثّروة ، فإن أخذ ذلك كله من العباد لما كان فعلا جميلاً العباد لما كان فعلا جميلاً منه سبحانه وتعالى عائداً منفعته إليهم ونعمة منه عزّ وجلّ عليهم استحق بذلك حمداً وشكراً، وإن كان في بعضها ضرر دنيوي إلا أنّ ثمرتها الأخروية أعظم وجزائها أدوم.
ويحتمل أن يكون المراد به أخذ المجرمين ، ومؤاخذة العاصين ، وإعطاء المحسنين، وإنعام الصالحين (و) نحمده (على ما أبلى وابتلى ) أي على اختباره وامتحانه بالخير والشر والنفع والضرر ، لأن البلاء للأولياء كرامة ، والصبر على المكاره والتحمل على المشاق من أفضل العبادات وأعظم القربات، وإنّما يوفي الضابرون أجرهم بغير حساب، وقد تقدم تحقيقه في شرح الخطبة المائة والثالثة عشر ، فتذكر .
(الباطن لكلّ خفية) أي الخبير البصير بكلّ ما يبطن ويخفى (الحاضر لكل سريرة ) أي
العالم بكل ما يسرّ ويكتم، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (العالم بما تكن الصدور) وتستره (وما تخون العيون) وتسترقه من الزمزات واللحظات على وجه الخيانة والخلاف كما قال عز من قائل : والله (يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، وقد مضى تحقيق الكلام في عموم علمه سبحانه بالجزئيات والكليات وما يتضح به معنى هذه الفقرات في شرح الفصل السادس والسابع من الخطبة الأولى وشرح الخطبة الرابعة والستين والخامسة والثمانين .
(ونشهد أن لا إله ) إلا الله (غيره) متوحداً في عز جلاله متفرّداً في قدس جماله، متعالياً عن نقص كماله (وأن محمداً صلى الله عليه وآله نجيبه وبعيثه ) أي عبده المنتجب المصطفى من بين كافة الخلق والمرسل المبعوث إلى عامتهم (شهادة يوافق فيها السّر الإعلان والقلب اللسان ) أي صادرة عن صميم القلب ووجه الخلوص وتوافق الباطن للظاهر .
هو قوله علیه السلام (فإنه والله الجد لا اللعب والحق لا الكذب وما هو إلا الموت ) لا يخفى ما في هذا الكلام من التهويل والتخويف والإنذار بالموت لما فيه على وجازته من وجوه التأكيد وضروب التفخيم البالغة إلى عشرة بعضها لفظية وبعضها معنوية كما هو غير خفي على العارف «بأسرار البلاغة» وبدائعها .
أولها : التأكيد بأن .
والثاني : الإتيان بضمير الشأن إبهاماً للمرام وقصداً للتفخيم والإعظام وتشويقاً للسامعين إلى ما يتلوه من النبأ العظيم.
الثالث : إسمية الجملة .
الرابع : الاعتراض بين شطري الكلام ،بقسم، وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم .
الخامس: الإخبار بأنه جد ليس بهزل.
السادس : تعريف الجد (باللام) قصداً للمبالغة من باب زيد الشجاع أي الكامل في هذا الوصف.
السابع : تعقيبه بأنّه ليس بلعب .
الثّامن : إردافه بأنّه حق لا كذب وفيه من وجوه التأكيد ما في قرنيه .
التاسع : الإتيان بضمير الشأن ثانياً قصداً لزيادة التمكن ما يعقبه في ذهن السامعين لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب.
العاشر : الإتيان بكلمة الحصر أعني (ما) (وإلا) .
واتبع ذلك كله بالوجه .
الحادي عشر : فقال (أسمع داعيه) وبالوجه الثاني عشر : فقال (وأعجل حاديه) أي أسمع من دعاه إلى الله سبحانه أي المدعو له وأسرع من ساقه إلى مكانه وحنّه إلى السير إليه ونسبة الإسماع والإعجال إلى الموت من التوسع .
والتوكيد بهذا كله لشدة ما رآه من المخاطبين من الغفلة ونومة الجهالة واشتغالهم عن ذكر الموت وما يحلّ عليهم من الفناء والفوت وعن أخذ الذخيرة والزاد ليوم المعاد، فأنزلهم منزلة المنكرين إيقاظاً لهم عن رقدة الغافلين ، وأعلمهم أنّ الموت حق يقين ليس منه خلاص ولا مناص لا فرار ولا محار ، وأنه يدركهم ولو كانوا في بروج مشيدة وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .
(فلا يغرنك سواد الناس ) وكثرتهم واجتماعهم حولك (من نفسك) ومن الاشتغال بإصلاحها، وقال الشارح البحراني: أي فلا يغرنك من نفسك الأمارة بالسوء وسوستها واستغفالها لك عن ملاحظة الموت برؤية سواد النّاس أي كثرتهم إذ كثيراً ما يرى الإنسان الميت محمولاً فيتداركه من ذلك رقة وروعة ، ثم يعاوده الوسواس الخنّاس ويأمره باعتبار كثرة المشيعين له من الناس. وأن يجعل نفسه من الأحياء الكثيرين بملاحظة شبابه وصحته ويأمره باعتبار أسباب موت ذلك الميت من القتل وسائر الأمراض ، وباعتبار زوال تلك الأسباب في حق نفسه وبالجملة فيبعد في اعتباره عند الموت بكلّ حيلة .
فنهى علیه السلام السامعين عن الانخداع للنفس بهذه الخديعة ، وأسند الغرور إلى سواد الناس لأنّه مادته ، ونبه على فساد تلك الخديعة والاغترار بقوله (فقد رأيت من كان قبلك ممّن جمع المال وحذر الإقلال ) أي خاف من الافتقار ومساءة الحال (وأمن العواقب ) واطمأن بالأقارب (طول أمل واستبعاد أجل كيف نزل به الموت ) وحلّ بساحته الفناء والفوت (فأزعجه) وأقلعه (عن وطنه) وسكنه (وأخذه عن مأمنه ) ومسكنه، وأرهقته منيته دون الأمل، وشدّ به عنه تخرّم الأجل (محمولاً على أعواد المنايا ) والنعوش (بتعاطى به الرجال الرجال) ويتداولونه (حملاً له على المناكب وإمساكاً بالأنامل ) أي بالأيدي تسمية للكلّ بإسم جزئه .
ثم أكد فساد الاغترار بتقرير آخر فقال (أما رأيتم الذين يأملون ) أملاً ( بعيداً ويبنون) قصراً (مشيداً ويجمعون) مالاً (كثيراً كيف أصبحت ) أي صارت (بيوتهم قبوراً وما جمعوا بوراً) أي فاسداً هالكاً ( وصارت أموالهم للوارثين وأزواجهم لقوم آخرين ) بلى وهو مدرك بالعيان يشهد به التجربة والعيان (لا في حسنة يزيدون ولا من سيئة يستعتبون) أي لا يمكن لهم الزيادة في الحسنات ولا طلب أن يعتب أي يرضى الله منهم في السيئات، وعلى البناء للمجهول فالمعنى
أنّه لا يطلب منهم الاعتاب والاعتذار بعد الانتقال إلى دار القرار، وذلك لأن استزادة الحسنات و استعتاب السيئات إنّما هو في دار التكليف وحالة الحياة وأما الآخرة فهو دار الجزاء ، فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون، فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ، وقد تقدم توضيح ذلك في شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة الثانية والثمانين .
ولما نبه على زوال الدنيا وفنائها أردفه بما هو زاد الأخرى وذخيرتها فقال (فمن أشعر التقوى قلبه) أي لازمه لزوم الشعار بالجسد (برز مهله) أي فاق على أقرانه في جريه إلى مكانه أي تقدّمهم في السير واكتساب الخير أو أنه أبرز جريه وبان سبقه (وفاز عمله ) أي نال إلى جزاء عمله وأدرك منتهى أمله (فاهتبلوا هبلها )واغتنموا فرصتها وعليكم بشأنها (واعملوا للجنة عملها ) الذي به تدركونها وتستقحونها .
(فإن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام) لتنافسوا فيها (وإنّما خلقت لكم مجازاً لتزودوا منها ) صالح (الأعمال) وتتقوّوا للوصول بها (إلى دار القرار ) ومصاحبة الأبرار (فكونوا منها على أوفاز) وعجلة (وقربوا الظهور) والركاب (للزيال) والمفارقة .
قال الشارح المعتزلي : أمرهم أن يكونوا فيها على سرعة في قطع عقباتها وعجل في الارتحال عنها، لأن الثاني فيها يستلزم الالتفات إلى لذاتها والغفلة عن المقصد الحق، واستعار الأعمال الصالحة وتقريبها للزيال هو العناية
له لفظ الظهور وهي الركاب مطايا الآخرة وهي بالأعمال المقربة إلى الآخرة المستلزمة للبعد عن الدنيا والإعراض عنها ومفارقتها(1).
1) شرح النهج : 269/8 .
از جمله خطب آن بزرگوار و مقتدای آن اخیار است :
حمد میکنم معبود به حق را بر این که اخذ فرمود و عطا نمود و بر این که امتحان کرد با خیر و شر خبیر است به هر امر پنهان و حاضر است مر هر سر نهان را عالم است به آن چه پوشیده است آن را سینه ها و بر آن چه خیانت می کند در
آن چشمها و شهادت می دهیم که نیست معبودی غیر از او و این که محمدبن عبدالله ( صلی الله علیه واله وسلم) برگزیده او است و فرستاده او است ، چنان شهادتی که موافقت نماید در آن ظاهر و باطن و قلب با زبان .
بعضی دیگر از فقرات خطبه این است که فرموده :
پس به درستی که آن حقیقت است نه بازیچه و راست است نه دروغ و نیست آن مگر مرگ در حالتی که شنوانید خواننده خود را و شتابانید راننده خود را ، پس مغرور و فریفته ننماید تو را سیاهی مردمان و کثرت ایشان از اصلاح حال تو و حال آن که به تحقیق دیدی تو کسی را که بود پیش از تو از آن کسی که جمع کرد مال را و ترسید از افتقار و پریشانی و ایمن شد از عواقب امور به جهت درازی آرزو و بعید شمردن اجل چگونه فرودآمد به او مرگ ، پس برکند او را از وطن مألوف خود و بگرفت او را از محل امن خود در حالتی که برداشته شده بود بر چوبهای مرکبها فرا میگرفتند او را مردان از مردان به نوبت به جهت برداشتن بر دوشها و نگهداشتن با دست ها ، آیا ندیدید کسانی را که آرزوی دور و دراز میکردند و قصرهای محکم می ساختند و جمع مینمودند مالهای بسیار گردید خانههای ایشان قبرها و آن چه که جمع مینمودند نیست و نابود و گشت مالهای ایشان مال وارثان و زنان ایشان از برای دیگران نه در ثواب قدرت زیاده دارند و نه از گناه قدرت استرضا و معذرت.
پس کسی که شعار قلب خود نمود تقوی و پرهیزکاری را ظاهر شد پیش قدمی او و فائز شد به عمل خود ، پس اهتمام کنید اهتمامی که لایق آن تقوی باشد و عمل نمایید به جهت بهشت عملی که به آن جا برساند ، پس به درستی که دنیای
غدار خلق نشده است از برای شما سرای اقامت و قرار و جز این نیست که خلق شده است برای شما راه گذرگاه تا توشه بردارید از آن عمل های شایسته را که برساند شما را به سوی سرای قرار ، پس باشید از آن برشتاب و نزدیك گردانید
پشتهای مرکب را از برای رحلت و مفارقت نمودن از این دنیای فانی و بیوفا .
وشرحها في فصلين
وَانْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ بِأَزِمُتِها ، وقَذَقَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُونَ مقاليدها، وسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ الأَشجارُ النّاضِرَةُ ، وقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضَبَانِهَا النيرانَ الْمُضِيئَةَ، وَآتَتْ أُكُلَها بِكَلِمَاتِهِ الثَّمَارُ الْيَائِعَةُ .
منها : وكِتابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، ناطق لا يَعْيَا لِسَانُهُ، وبَيْتْ لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ ، وَعِزّ لاَ تُهْزَمُ أَعْوَاتُهُ .
منها : أَرْسَلَهُ عَلَى حِينَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وتَنازُعِ مِنَ الألْسُنِ، فَقَفَى بِهِ الرُّسُل، وخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ، فَجَاهَدَ في اللَّهِ الْمُدْبِرينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلينَ بِهِ (1).
(المقاليد) جمع المقلاد وهو كالمقلد بكسر الميم المفتاح ، وفي «المصباح» المقاليد الخزائن و(قدح) بالزندرام الإيراء (2)به والمقدح والمقداح والقداح حديدته و(القضبان) بالضم جمع القضيب وهو الغصن المقطوع و (النيران) جمع النار و (الأكل) بالضم وبضمتين المأكول، وهو (بين أظهرهم ) وظهريهم وظهرانيهم أي وسطهم وفي معظمهم .
قال الشارح المعتزلي: وإنّما قالت العرب: من بين أظهرهم ولم تقل بين صدورهم، لإرادتهم بذلك الإشعار لشدة المحامات عنه والمرامات من دونه ، لأن الذيل إذا حامى القوم عنه استقبلوا الأسنة والسيوف عنه بصدورهم وكان هو محروساً مصوناً عن مباشرة ذلك وراء ظهورهم و(تهدم ) بالبناء على الفاعل وفي بعض النسخ بالبناء على المفعول و(تهزم) بالعكس من هزمت الجيش هزماً من باب ضربته كسرته .
الباء في قوله : (بالغدو)، بمعنى (في)، وفي قوله : (بكلماته)، للسببية، (والثمار اليانعة )، بدل من أكلها، أو عطف بيان ، (والواو) في قوله : ( وكتاب الله)، إما عاطفة لو كان لها معطوف عليه أسقطه السيد (رحمت الله) على عادته، أو للحال ، أي تفعلون كذا وكتاب الله بينكم ، وقوله : (بين أظهر كهم )، خبر لكتاب الله، فيكون ناطق خبراً لمبتدأ محذوف، أي وهو ناطق، أو بدلاً من بين أظهركم ، ويجوز كونه خبراً لكتاب الله، فيكون (بين أظهركم) صفة لكتاب الله أو حالاً، والأوّل أظهر بل أقوى.
إعلم أن هذا الفصل من الخطبة يدور على فصول ثلاثة على سبيل التقطيع والالتقاط .
الفصل الأول
في تمجيد الله سبحانه باعتبار عموم قدرته ونفاذ أمره وعظمة سلطانه وهو قوله (وانقادت له ) أي الله تعالى السابق ذكره في أوّل الخطبة أسقطه السيد (رحمت الله) على عادته (الدنيا والآخرة بأزمتها ) أراد به نفوذ أمره سبحانه فيهما وكونه مالكاً لأمرهما ودخولهما في ذل الإمكان والافتقار إليه تعالى على سبيل الاستعارة بالكنابة ، تشبيهاً لهما بالحيوان السلس المنقاد لصاحبه الذي بيده زمامه المتمكّن من التصرف فيه كيف شاء، وذكر الأزمة تخييل والانقياد ترشيح .
(وقذفت) أي ألقت (إليه السماوات والأرضون مقاليدها ) وهو كناية عن قدرته وحفظه لها وأنه لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره، وهو اقتباس من قوله سبحانه في سورة الزمر : (لَمُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الزمر: 63] ، قال الزمخشري : أي هو مالك أمرها وحافظها، وهي من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبّر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم : فلان القيت إليه مقاليد الملك ، وهي المفاتيح، وفي «مجمع البيان» يريد مفاتيح السماوات والأرض بالرّزق والرّحمة عن ابن عباس وقتادة ، وقيل خزائن السماوات والأرض يفتح الرّزق على من يشاء ويغلقه عمّن يشاء، عن الضحاك ، وقال في تفسير قوله: لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى: 12] في سورة الشورى : أي مفاتيح أرزاق السّماوات والأرض وأسبابها فتمطر السماء بأمره وتنبت الأرض بإذنه، عن مجاهد، وقيل معناه خزائن السّماوات والأرض، عن السدي يوسع الرزق لمن يشاء ويضيق على من يشاء على ما يعلمه من المصالح.
قال الشارح البحراني (رحمت الله) بعد ما حكى عن ابن عباس كون المقاليد بمعنى المفاتيح : وعن الليث كونه بمعنى الخزائن :
أقول : لفظ القذف مجاز في تسليمها وانقيادها بزمام الحاجة والإمكان إلى قدرته مع جميع ما هي سبب في وجوده سبب في وجوده في هذا العالم ممّا هو رزق ورحمة للخلق وكذلك لفظ المفاتيح على رأي ابن عبّاس استعارة للأسباب المعدة للأرزاق والرحمة، وتلك الأسباب كحركات السماوات واتصالات بعض الكواكب ببعض وكاستعدادات الأرض للنبات وغيره، ووجه الاستعارة أنّ هذه الأسباب باعدادها المواد الأرضية يفتح بها خزائن الجود الإلهي كما يفتح الأبواب المحسوسة بمفاتيحها وكلّها مسلّمة إلى حكمه وجريانها بمشيئه، وعلى قول الليث فلفظ الخزائن استعارة في موادها واستعداداتها ، ووجه الاستعارة أن تلك المواد والاستعدادات يكون فيها بالقوة والفعل جميع المحدثات من الأرزاق وغيرها كما تكون في الخزائن ما يحتاج إليه ، انتهى .
وهو تحقيق نفيس إلا أنّ الأظهر أن المقاليد إن جعلت بمعنى المفاتيح يكون كلامه من باب الاستعارة بالكناية، حيث شبه السّماوات والأرضون بخزائن الملك بجامع أن فيها ما يحتاج إليه الخلق كما يكون في الخزائن ما يحتاج إليه، ويكون ذكر مقاليدها تخييلاً، وذكر القذف ترشيحاً، وفي نسبة القذف إليها نكتة خفيّة وهي الإشارة إلى أنّها لتمكينها التام لبارئها فكأَنها باختيارها ألقت وسلمتا مفاتيحها إليه سبحانه، وعلى هذا فالمقاليد بمعناها الأصلي وليس استعارة كما زعمه الشارح .
وأما إن جعلت بمعنى الخزائن فهو كما قال الشارح استعارة لما فيه من المواد
والاستعدادات، فافهم جيداً.
(وسجدت له بالغدو والآصال الأشجار الناضرة ) أراد به خضوع التكوين وذل الإمكان كما قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّواتُ [الحج: 18] .
(وقدحت له من قضبانها النيران المضيئة ) نسبة القدح إلى الأشجار من باب التوسع والمجاز العقلي، لكون الأشجار سبباً مادياً، والمراد أن تلك الأشجار أورت النار واستخرجتها من أمر الله سبحانه واقتضاء مشيئته، وفيه إشارة إلى كمال القدرة لأنّ إخراج النار من الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب كما قال تعالى في سورة يس : (الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ [يس: 80]، وفي سورة الواقعة : أَفَرَيَتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * وَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَنَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَنَعًا لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ [الواقعة: 71 - 74] .
قال الفخر الرازي : في شجرة النار وجوه :
أحدها: أنها الشجرة التي تورى النار منها بالرند والزندة كالمرخ.
وثانيها : الشجرة التي تصلح لإيقاد النار فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار لأن النار لا تتعلق بكل شيء كما تتعلق بالحطب.
وثالثها : أصول شعلها ووقود شجرتها، ولولا كونها ذات شعل ما صلحت لإنضاج الأشياء، وفي ذلك تذكرة ومتاع للمقوين ، أي للذين يوقدونه فيقوونه ويزيدونه .
(وآتت أكلها بكلماته الثّمار اليانعة ) : الناضجة، والمراد بكلماته قدرته ومشيئته المعبر عنهما بلفظ كن، قال الشارح البحراني : واطلاق الكلمات عليها استعارة وجهها نفوذ تلك الأحكام في المحكومات كنفوذ الأوامر القولية في المأمورات وأراد بإيتاء الثمار دخولها طوعاً في الوجود المعبّر عنه بقوله تعالى فيكون .
الفصل الثاني منها
في ذكر كتاب الله وتعظيمه تنبيهاً على وجوب متابعته وهو قوله:
(وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه ) المراد بكتاب الله إما معناه الحقيقي أعني القرآن فيكون ناطق استعارة تبعيّة لأنّ من شأن الكتاب الدلالة لا النطق إلا أنّه شبه به إيضاح المعنى وإيصاله إلى الذهن فاستعير له لفظ النطق، ويجوز أن يكون مجازاً مرسلاً باعتبار أنّ الدلالة لازم للنطق فذكر الملزوم وأريد اللازم ، وعلى هذا فيكون قوله : (لا يعيا لسانه)، ترشيحاً للاستعارة.
والمقصود أن كتاب الله الكريم بينكم لم يرتفع عنكم ، وهو كلام ربكم ناطق بالسداد ، كاشف عن المراد ، هاد إلى الرّشاد، لا يعجز لسانه ، ولا يقصر بيانه يؤدي مطوّي الكلمات إلى مقتبسيه على مرور الأوقات، كيف لا وهو معجز النّبوّة ، ومستند الأمة، وقد أخرس الفصحاء عن مجازاته ، وقيد البلغاء بالعي عن مباراته، وعاد سحبان بيانهم باقلا، وتناصروا فلم يجدوا إلا خاذلاً، وتعاهدوا وتقاعدوا فعدموا معيناً ونصيراً، وعادوا بالخيبة والخذلان فلا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ومع ذلك كله كيف تجهلون برتبته ومقامه، وترغبون عن حدوده وأحكامها وتخالفونه في حلاله وحرامه .
ويجوز أن يكون استعارة لنفسه الشريف، فيكون من باب الاستعارة المجردة حيث قرن بما يلائم المستعار له وهو ناطق لا يعيا لسانه، وعلى هذا فالنطق واللسان مستعملان في معناهما الحقيقي.
ويحتمل أن يكون لا يعيا لسانه كناية عن عدم قصوره في البيان وتبليغ الأحكام.
قوله (وبيت لا تهدم أركانه ) تشبيه كتاب الله بالبيت الوثيق غير الهادم أركانه سواء أريد به معناه الحقيقي أو المجازي باعتبار أن البيت كما أنه يحفظ أهله فكذلك الكتاب الكريم يحفظ
العامل بما فيه ، وهكذا أمير المؤمنين علیه السلام يحفظ من يأوي إليه ويذعن بولايته في الدنيا والآخرة من العذاب الأليم والسخط العظيم وقوله : لا تهدم أركانه، ترشيح للتشبيه إن جعلنا كلامه من باب التشبيه البليغ كما عليه المحققون، وإن جعلناه استعارة فيكون ذلك ترشيحاً للاستعارة وفي وصف البيت بذلك إشارة إلى استحكام قواعد كتاب الله وبراهينه الناطقة .
وأما قوله ( وعز لا تهزم أعوانه ) فهو ليس على حذو ما سبق وإنما أطلق عليه العزّ لكونه سبباً للعز الأبدي الدائم، والمراد بأعوانه هو الله سبحانه الحافظ له كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا كثر لحفظون [الحجر: (9]، وكذلك الملائكة والرسول صلی الله علیه واله وسلم ، فهم أيضاً حافظون له ذابين عنه .
والفصل الثالث منها
في وصف رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهو قوله (أرسل على حين فترة من الرّسل ) أي في زمان فتور منهم وانقطاع الوحي عنهم واندراس معالم دينهم على ما تقدّم تفصيلاً في شرح الفصل السادس عشر من فصول الخطبة الأولى، وفي شرح الخطبة الثامنة والثمانين .( أيضاً تنازع من الألسن ) أي تشتت الآراء والأهواء الموجب لاختلاف الكلمات، فإنّ الناس في الجاهلية كان قوم منهم يعبدون الأصنام، وقوم يعبدون الشيطان، وطائفة تعبد الشمس، وطائفة تعبد المسيح علیه السلام على ما عرفت تفصيلاً في شرح الفصل السادس عشر من فصول الخطبة الأولى، فكانت كلّ طائفة تحتج على مخالفيها وتجادلهم وتنازعهم بألسنتهم لتصرفهم إلى مذهبهم .
(فقفى به الرسل) واتبعهم به (وختم به الوحي) والرسالة (فجاهد في الله ) سبحانه بالقول والعمل (المديرين عنه والعادلين به ) أي الجاعلين له سبحانه عديلاً ونظيراً.
از جمله خطبههای آن امام زمان و سرور عالمیان است که فرموده:
و گردن نهاد او را دنیا و آخرت به افسارهای خود و انداخت به سوی او آسمان ها و زمینها کلیدها یا خزینه های خود را و سجده نمود مراورا در هنگام صبح و عصر درختهای با طراوت و نضارت و بیرون آورد به جهت حکم او از شاخهای خود آتشهای روشن و ببخشید خوردنی خود را به حکم کلمات تامه او میوه های رسیده.
از جمله آن خطبه این است که فرموده :
و کتاب خداوند تبارك و تعالی در میان شما است گوینده ای است که عاجز نمیشود زبان او و خانه ای است که خراب نمیشود ارکان او و عزّتی است که مغلوب نمیشود یاری کنندگان او .
و بعضی از آن خطبه این است که فرمود :
فرستاد پیغمبر را در زمان سستی از پیغمبران و هنگام اختلاف زبان ها ، پس آورد او را از عقب پیغمبران و ختم کرد با او وحی را ، پس جهاد نمود خاتم انبیاء در راه خدا با کسانی که روگردان بودند از پروردگار و مثل و شبیه قرار داده بودند
خدای را .
وَإِنَّمَا الدُّنْيا مُنْتَهَى بَصَرِ الأَعْمَى لا يُبْصِرُ مِمّا وَرَاءها شَيْئاً، وَالبَصيرُ يَنْفَذُها بَصره، ويَعْلَمُ أَنْ الدّارَ وَراءها ، فَالْبَصيرُ مِنْهَا شاخص، وَالأَعْمَى إِلَيْهَا شاخص ، وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَود ، وَالأَعْمَى لَها مُتَزَوّد.
منها : وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلا يَكادُ صاحِبُهُ أَنْ يَشْبَعَ مِنْهُ أَو يَمُلَّهُ إِلا الْحَياةَ فَإِنَّهُ لاَ يَجِدُ لَهُ فِي الْمَوتِ راحَةَ ، وَإِنَّما ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيْتِ، وبَصَرُ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ، وَسَمْعٌ للأُذُنِ الصَّمَاءِ، وَرِيٌّ لِلضّمان، وفيها الغنى كُلُّهُ، وَالسَّلامَةُ، كِتابُ اللهِ تُبْصِرُونَ وتَنْطِقُونَ بِهِ، وتَسْمَعُونَ بِهِ، ويَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْض ، ويَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْض ، وَلاَ يَخْتَلِفُ في اللهِ ، وَلاَ يُخالِفُ لِصاحِبِهِ عَنِ اللهِ ، قَدْ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلُ فيما بَيْنَكُمْ، ونَبَتَ الْمَرْعَى علَى دِمَنِكُمْ، وَتَصافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الآمَالِ، وتعادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الأَمْوَالِ، لَقَدْ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبيثُ، وتاهَ بِكُمُ الْغَرُورُ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وأَنْفُسِكُمْ (1).
(شخص) يشخص من باب منع شخوصاً خرج من موضع إلى غيره، ويتعدى بالهمزة فيقول أشخصته وشخص شخوصاً أيضاً ارتفع، وشخص البصر إذا ارتفع ويتعدّى بنفسه فيقال: شخص الرّجل بصره إذا فتح عينيه لا يطرف ، وربّما يعدى بالباء فيقال : شخص الرّجل ببصره فهو شاخص وأبصار شاخصة وشواخص و (مللت ) من الشيء مللاً من باب تعب وملالة سئمت وضجرت وهو ملول و(الدمن) بالكسر ما يتلبد من السرجين ، والدمنة موضعه والدمنة آثار الدار والنّاس وما سوّدوه، والحقد القديم وجمع الكلّ دمن كسدر و دمن كعدد (الغرور) بالفتح الشيطان .
(اللام) في قوله : (الدار) وستعرف وجهه ، وقوله : (ويكاد صاحبه أن يشيع)، الغالب في خبر (كاد) أن لا يقترن (بأن) كما في قوله تعالى: (وما كادوا يفعلون)، وهكذا في غير واحد من نسخ المتن ، واقترانه بها قليل ومنه قول الشاعر يرثى ميتاً :
كادت النفس أن تفيض عليه *** إذ غدا ب-ي-ن ري-طة وبرود
1) بحار الأنوار (23/89 ، وميزان الحكمة : 3334/4 .
ومثل ( كاد) في هذا الحكم كرب فيقل اقتران خبره (بأن) وعدّله علماء الأدبية بأنهما يدلان على شدة مقارنة الفعل ومداومته وذلك يقرب من الشروع في الفعل والأخذ فيه فلم يناسب خبرهما أن يقترن غالباً بأن المشعرة بالاستقبال، ولذلك لا تقول كاد زيد يحج إلا وقد أشرف عليه ولا تقول ذلك وهو في بلده، وقوله : (استهام بكم الخبيث)، (الباء) للتعدية أي جعلكم هائمين كما تقول في استنفرت القوم إلى الحرب استنفرت لهم أي جعلتهم نافرين ، ويحتمل أن تكون بمعنى (من)، أي طلب منكم أن تهيموا .
اعلم أن الغرض بهذا الفصل التنفير عن الدنيا وتوبيخ من قصر نظره إليها، وذيله
بالموعظة الحسنة والنصيحة.
فقوله: (وإنّما الدنيا منتهى بصر الأعمى ) استعار لفظ الأعمى للجاهل والجامع قصور الجاهل عن إدراك الحق كقصور عادم البصر عن إدراك المبصرات ومثله قوله سبحانه: وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا الإسراء : 72]، ورشح الاستعارة بقوله (لا يبصر مما وراءها شيئاً ) لأنّ ذلك وصف المستعار له أعني الجاهل، وأما المستعار منه أعني عادم البصر فهو لا يبصر أصلاً وهو تذييل وتوضيح وتفسير لكون الدنيا منتهى بصره ، والمقصود أن الجاهل لكون همته مصروفة معطوفة إلى الدنيا مقصور نظره إليها غافل عما عداها غير ملتفت إلى أنّ وراءها الآخرة وهي أولى بأن تصرف إليه الهمم بما فيها مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من مزيد العوائد والفوائد والنعم.)(والبصير ينفذها بصره أي العارف العالم ينفذ بصره من الدنيا (ويعلم أن الدار وراءها) يعني يعرف أنّ الدار الحقيقي أي دار القرار وراءها فيبلغ جهده في الوصول إليها (قالبصير) النافذ البصر (منها شاخص) راحل لأنه بعدما عرف أن الدار وراءها لا يقف دونها بل يجعلها بمنزله طريق سالك به إلى وطنه ومكانه (والأعمى إليها شاخص ) ناظر لأنه بعدما لم يعرف ورائها شيئاً يزعم أن هذه هي الدار ، وأنّ له فيها القرار، فيقصر نظره إليها.)ولا يخفى ما في هذه القرينة مع سابقتها من الجناس التام والمطابقة بين الأعمى والبصير، ومثلهما في المطابقة قوله : ( والبصير منها متزوّد والأعمى لها متزوّد يعني أن البصير يتزود منها من الأعمال الصالحة والتقوى ما يوصله إلى مقره ومقامه، والأعمى لتوهمه أن وطنه ومسكنه هی الدنيا وأنّ مقرّه تلك الدّار وليس له وراءها دار فيتزوّد لها ويتخذ من زبرجها وزخارفها وقيناتها ما يلتذ ويتعيش به فيها .)ولهذا المعنى أي لأجل اختلاف الناس بالمعرفة والجهالة وافتراقهم بالعمى والبصيرة اختلفت الآراء والأهواء، فبعضهم وهم أهل الدنيا والراكنون إليها يحب الحياة ويغتنمها
وينهمك في الشهوات، وينتهز الفرصة في طلب العيش واللذات ، فيرجح الحياة على الممات ويمدحها كما قال الشاعر :أوفى يصفّق بالجناح مغلسا *** ویصیح من طرب إلى ندمانيا طيب لذة هذه دنياکم *** لو أنها بقيت على الإنسانوالبعض الآخر وهم أهل الآخرة العارفون بأن الدنيا دار الفناء وأن الدار وراءها يرجح الموت على الحياة ويتشوق إليه كما قال :جزى الله عنا الموت خيراً فإنّه *** أبر ربنا من كل برّ وأرأفيعجّل تخليص النفوس من الأذى *** ويدني من الدار التي هي أشرفوقال آخر :من كان يرجو أن يعيش فإنّني *** أصبحت أرجو أن أموت لأعتقافي الموت ألف فضيلة لو أنها *** عرفت لكان سبيله أن يعشقافإن قلت : إذا كان هوى أهل الآخرة ورغبتهم على ما ذكرت في الموت، فكيف التوفيق بينه وبين قوله علیه السلام : (واعلموا أنه ليس من شيء إلا ويكاد صاحبه أن يشبع منه ويمله إلا الحياة فإنّه لا يجد له في الموت راحة فإنّ ظاهر هذا الكلام يفيد أن اللذات كلها لعموم الناس مملول منها إلا الحياة معللاً بأنّه لا استراحة في الممات؟)قلت : ظاهر هذا الكلام وإن كان يعطي العموم وكراهية الموت للكل إلا أنه يحمل على الخصوص أعني كراهيته لأهل الشقاوة جمعاً بينه وبين الأخبار الدالة على محبوبيته لأولياء الله سبحانه كقوله صلی الله علیه واله وسلم : ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله (1.)وربما يوجه بعد إبقائه على العموم تارة بأن الموت يفوت متجر الآخرة وينقطع به الاستعداد لكمال أشرف مما حصل عليه الميت وإن كان ولياً، فلا جرم لا يجد الراحة التي تلحقه بما يفوته من ذلك الكمال، وأخرى بأنّ النفوس البشرية لما لم تكن معارفها ضرورية ولم يتمكن ما دامت في هذه الأبدان من الإطلاع على ما بعد الموت من سعادة أو شقاوة، فبالحري أن لا تجد لها راحة يتصورها في الموت .أقول : وأنت خبير بما فيه، فإنّ عدم التمكن من الاطلاع على ما بعد الموت إنما هو للمحجوبين دون العارفين من الأنبياء والمرسلين، وأولياء الله المتقين، فإنهم من سعادتهم على ثقة ويقين ، ألا ترى إلى قول علي المرتضى سلام الله عليه تترى : لو كشف الغطاء ما ازددت
1) عوالي اللتالي: 276/1 ح 102 ، وكشف الخفاء : 172/2
یقینا (1.)والأوجه ما قاله الشارح البحراني (رحمت الله حيث قال : إن كان مراده علیه السلام : بقوله : (لا يجد في الموت راحة)، أي في نفس الموت مع قطع النظر عن غيره من أحوال الآخرة، فالحق مع قول من عمّم فقدان الراحة في حق الجميع، إذ الموت من حيث هو موت لا راحة فيه لأحد من النّاس كافة ، وإن كان مراده فقدان الرّاحة في الموت وما بعده، فالحق التخصيص بأهل الشقاوة الدائمة، فإنّ شدة محبّة الحياة ونقصانها متفاوتة بحسب تصوّر زيادة الزاحة في الآخرة ونقصانها، وذلك ظاهر عند اعتبار أهل الدنيا المقبلين عليها بالكلية.)ثمّ قال علیه السلام (وإنما ذلك بمنزلة الحكمة اختلف الشارحان المعتزلي والبحراني في المشار إليه بذلك .)فقال الأول : إن هذا الكلام له علیه السلام إلى قوله (والسلامة فصل آخر غير ملتثم بما قبله، وإنّ الإشارة بذلك إلى كلام من كلام الرسول صلی الله علیه واله وسلم رواه لهم وحضّهم على التمسك به والانتفاع بمواعظه ، ثمّ قال : والحكمة المشبه كلام الرسول بها هي المذكورة في قوله تعالى : (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة : 269]. وقال الثاني : قوله علیه السلام : وإنما ذلك، أي الأمر الذي هو أحق بأن لا يمل ولا يشبع منه، بمنزلة الحكمة أي ما كان بمنزلة الحكمة .
أقول: أما قول الأول فهو رجم بالغيب وتأويل من غير دليل، لعدم ثبوت التقطيع والالتقاط بعد في هذه الفقرة وفي الفقرات الآتية كما زعمه ، وعلى تقدير ثبوته فلا يتعين أن تكون الإشارة به إلى كلام رواه من الرّسول بل يحتمل أن يكون إشارة إلى ما وعظهم به ونصحهم من كلام نفسه .
وأما قول الثاني ففيه من التعسف والخبط ما لا يخفى ، لعدم ارتباط هذا الكلام على ما ذكره بما تقدمه من الكلام من حيث المعنى، مضافاً إلى منافرته بل منافاته للقواعد الأدبية والأصول العربية كما هو غير خفي على ذوي الأذهان المستقيمة، وكيف كان فما قيل أو يمكن أن يقال في هذا المقام فإنّما هو تخمين وحسبان لا يمكن أن يوجه به كلام الإمام حتى يقوم عليه دليل بين.
ثم الحكمة عبارة عن معرفة الصانع سبحانه والعلم النافع في الآخرة ويأتي مزيد بيانها في شرح الفصل الثالث من المختار المائة والأحد والثمانين إن شاء الله تعالى .
1) شرح أصول الكافي : 202/7 ، ونهج الإيمان : 269
وللإشارة إلى التفخيم والتعظيم أتبعه بقوله (التي هي حياة للقلب الميت ) القلب الميت هو القلب الجاهل القاصر عن إدراك وجوه المصالح وحياته عبارة عن اهتدائه إلى ما فيه صلاحه ورشده ، وجعل الحكمة حياة له لكونها سبباً للاهتداء، فأطلق عليها لفظ الحياة مبالغة .
(و) قوله (بصر للعين العمياء ) من باب التشبيه البليغ يعني أنها بمنزلة حسن البصر لها، وذلك لأن العين المتصفة بالعمى كما أنّها عاجزة عن إدراك الألوان والأضواء، فإذا كانت لها الأبصار وارتفع عنها العمى تمكنت من إدراكها، فكذلك الحكمة للجاهل تحصل له بها البصيرة، فتمكن بها وتقدر على إدراك المآرب الحقة .
وكذلك قوله (وسمع للأذن الضماء) فإنّ الضم مانع عن إدراك الأذن وبارتفاعه عنها وحصول حسّ السمع لها تقدر على إدراك الأصوات والأقوال، وكذلك بارتفاع الجهالة عن الجاهل وحصول الحكمة والبصيرة له يقدر على الإطلاع على ما هو خير في المال.
وأما قوله (وري للظمآن ) فيحتمل أن يكون من باب التشبيه البليغ كسابقيه ، بأن يراد بالظمآن معناه الحقيقي ووجه الشبه أنّ العطشان كما يؤلمه داء العطش وبإرتوائه بالماء يرتفع عنه تلك الذاء، فكذلك الجاهل يؤذيه داء الجهالة وبحصول الحكمة له يرتفع عنه هذا الداء .
ويحتمل أن يكون من باب الاستعارة بأن يستعار لفظ الظمآن للجاهل والجامع ما سبق من أن كلاً منهما له داء يتأذى به ويحتاج إلى علاجه إلا أن ما للأول وجداني، وما للثاني عقلاني، وعلى هذا الوجه فيكون ذكر الرّي ترشيحاً .
وقوله : (وفيها الغنى كله والسلامة) أما أن فيها الغنى فلأن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وبها يوصل إلى الحق المتعال، ويسبح في بحار معرفة ذي الجلال، وفي ذلك غنى العارفين عما سواه سبحانه من العالمين ، وهو تعالى غاية مراد المريدين، ومنتهى رغبة الراغبين وكنز المساكين .
وأمّا أن فيها السّلامة فلان بها يسلم من داء الجهل في الدنيا، وينجي من سخط الجبار وعذاب النار في الأخرى.
وأما قوله (كتاب الله ) فيحتمل أن يكون كلاماً منفصلاً عما قبله أسقط السيد (رحمت الله) ما بينهما فارتفع الارتباط بالتقطيع والالتقاط ، أو أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هذا كتاب الله ويظهر من الشارح البحراني الاتصال حيث قال : كتاب الله خبر مبتدأ إما خبر ثان لذلك وما كان بمنزلة الحكمة خبر أوّل ، أو لمبتدأ محذوف تقديره : وهو كتاب الله ويحتمل أن يكون عطف بيان لما كان بمنزلة الحكمة.
أقول : لم يتقدّم في كلامه علیه السلام لفظ ما كان بمنزلة الحكمة حتى يجعل خبراً أولاً أو معطوفاً عليه للكتاب، وإنما قال علیه السلام: وإنما ذلك بمنزلة الحكمة .
فإن قلت : لعلّه مقدّر في ضمن الكلام.
قلت : لا دليل على تقديره مع أنا لم نر بياناً حذف مبينه .
وكيف كان فقد وصف الكتاب بأوصاف.
الأول : أنكم (تبصرون به ) لكونه سبباً لإبصار طريق الحق بما فيه من الآيات البينات وأدلة الصدق .
(و) الثاني: أنكم (تنطقون به) في مقام الاحتجاج وترفعون من المعاندين الشبه واللجاج كما قال الله سبحانه وتعالى: فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لدا [مريم : 97] .(و الثالث : أنكم (تسمعون به) الخطابات الإلهية والتكاليف الشرعية تطيعونها وتؤمنون بها وتصلون إلى المراتب العالية العلية (تَنزِيلُ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَبُ فُصِّلَتْ عَايَتُهُ قُرَعَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) [فصلت : 2 - 4] .
(و) الرابع : أنّه( ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض) أي يفسّر بعضه بعضاً ويكشف بعضه عن بعض ويستشهد ببعضه على بعض فإنّ فيه مطلقاً ومقيداً ومجملاً ومبيناً وعاماً وخاصاً ومحكماً ومتشابهاً ، بعضها يكشف القناع عن بعض ويستشهد ببعضها على المراد ببعض آخر .
(و) الخامس : أنه (لا يختلف في الله ) قال الشارح البحراني : لما كان مدار الكتاب على بيان القواعد الكلية التي بها يكون صلاح نوع الإنسان في معاشه ومعاده، وكانت غاية ذلك الجذب إلى الله سبحانه والوصول إلى جواره، لم يكن فيه لفظ يختلف في الدلالة على هذه المقاصد ، بل كلّه متطابق الألفاظ على مقصود واحد ، وهو الوصول إلى الحق سبحانه بصفة الطهارة عن نجاساة هذه الدار وإن تعددت الأسباب الموصلة إلى ذلك المقصود، انتهى .
ومحصله أنه لا يختلف في الدلالة على المقاصد الموصلة إلى الله سبحانه والأظهر أن المراد به أنه لا يختلف في الجذب إلى الله، لأنه معجز النبوة المقصود بها الإيصال إلى الله سبحانه كما قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْوَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ أَخْلَها كَثِيرا [النساء : 82] ، أي لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه كما في «الكشاف»، فكان بعضه بالغاً حدّ الإعجاز، وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته ، وبعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على)
معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتثم، فلما تجارب كلّه بلاغة معجزة فائتة (1لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق أخبار علم أنها ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره ، وعالم بما لا يعلمه أحد سواه.)السادس : أنه (ولا يخالف بصاحبه عن الله أي لا يسده عنه سبحانه ولا يضله عن سبيله فإنّه يهدي للتي هي أقوم، ومن اعتصم به فقد هدى إلى صراط مستقيم .)قال الشارح المعتزلي إن هذا الكلام فصل آخر مقطوع عما قبله ومتصل بما لم يذكره «جامع نهج البلاغة»، وكذلك قال في قوله : (قد اصطلحتم على الغلّ فيما بينكم أنّه إلى آخر الفصل كلام مقطوع أيضاً .)أقول : إن ثبت التقطيع فهو وإلا فجهة ارتباط هذا الكلام بما قبله هو أنه لما وصف كتاب الله سبحانه بأوصاف الكمال تنبيهاً على وجوب اتباعه والاعتصام به للإشارة إلى الحق وهدايته إلى مكارم الأخلاق ، أردفه بتوبيخ السامعين وتقريعهم على ارتكاب رذائل الأخلاق واتباع الشيطان ، والمراد أنكم اتفقتم على الحقد والحسد بحيث لم ينكره منكم أحد .(ونبت المرعى على دمنكم يحتمل أن يكون المراد بالدمن الحسد فيكون قوله : نبت المرعى جارياً مجرى المثل إشارة إلى طول الزمان أي طال حقدكم وحسدكم ودام حتى صار بمنزلة الأرض الجامدة التي ينبت عليها النبات ، ويجوز أن يكون المراد بها المزابل ومواضع البعرة فاستعير للقلوب باكتنافها بالخباثة الباطنية وتضمّنها الضغائن والأحقاد كما يكتنف المزابل بالكثافات والخباثات الظاهرة فيكون قوله : نبت المرعى ، أيضاً مثلاً لأن المقصود به الإشارة إلى عدم الانتفاع بذلك المرعى لأنه لا وقع له ولا يرغب إليه كما قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إياكم وخضراء الدّمن (2).)وقال الشارح البحراني قوله : (نبت المرعى (آه) ، يضرب مثلاً للمتصالحين في الظاهر مع غلّ القلوب فيما بينهم، ووجه مطابقة الممثل أن ذلك الصلح سريع الزوال لا أصل له كما يسرع جفاف النبات في الدمن، والأظهر ما قلناه.)(وتصافيتم على حبّ الآمال أي كنتم في مقام الصفا ظاهراً على محبّة ما يأمل ويرجو كل منكم من صاحبه من جلب نفع أو دفع ضر (وتعاديتم في كسب الأموال ) لأن عمدة الخصومات والعداوات إنما تكون في مال الدنيا ومتاعها فكل من أهلها يجذبه إلى نفسه ويضن به علی غیره .)
(لقد استهام بكم الخبيث أي طلب منكم أن تهيموا وتتحيّروا أو جعلكم هائمين متحیرین أو اشتد عشقه ومحبته لكم (وتاه بكم الغرور) أي أضلّكم الشيطان اللعين وجعلكم تائهين ضالين (والله المستعان) في كل حال (على نفسي وأنفسكم ) من سوء الأعمال.)
#### الترجمةبعضی دیگر از آن خطبه است که فرمود :و به درستی دنیا منتهای نظر جاهل است ، نمی بیند چیزی را که از پس دنیا است و شخص با بصیرت میگذرد از دنیا نظر او و میداند سرای حقیقی در پس این دار فنا است ، پس صاحب بصیرت رحلت کننده است از دنیا و بی بصیرت نظرش مصروف به دنیا است و عاقل توشه گیرنده است از دنیا و جاهل توشه گیرنده است از برای دنیا .و بدانید که نیست هیچ چیزی مگر این که صاحب آن نزديك است كه سير شود از آن و ملال آورد از او مگر زندگانی دنیا به جهت آن که نمی یابد از برای خود در مرگ آسایشی و جز این نیست که آن به منزله حکمت است ، چنان حکمتی که آن زندگی قلب مرده است و بینایی چشم کور و شنوایی گوش کر و سیرابی تشنگان است و در او است بی نیازی تمام و سلامتی از اسقام .او کتاب پروردگار است که میبینید با او و گویا میشوید و میشنوید به او و ناطق و مصدق است بعضی از او به بعضی و اختلاف ندارد در جذب نمودن خلق به سوی خدا و خلاف نمیکند با صاحب خود از خدا و به ضلالت نمی اندازد او را . به تحقیق که متفق شده اید بر حقد و حسد که در مابین شما است و رسته است گیاه بر روی حسد شما و باصفا می باشد در محبت امیدهایی که از یکدیگر دارید و با عداوت میباشد در کسب نمودن مال ها . به تحقیق که شما را متحیر کرده است ابلیس خبیث و به ضلالت افکنده است شما را شیطان لعین و خداوند تعالی یاری خواسته شده است از او بر نفس من و بر نفسهای شما در جميع كارها .
## ومن كلام له علیه السلام وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه وهو المائة والرابع والثلاثون من المختار في باب الخطب### اشارةوَقَدْ تَوَكَّلَ اللهُ لأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الحَوْزَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ والَّذِي نَصَرَهُمْ وَهُمْ قَليل لا يَنتَصِرُونَ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَمْتَنِعُونَ، حَيٍّ لاَ يَمُوتُ إِنَّكَ مَتَى تَسِرُ إِلَى هَذَا الْعَدُو بِنَفْسِكَ، فَتَلْقَهُمْ بِشَخْصِكَ فَتَنكَبْ لا تَكُنْ لِلمُسْلِمِينَ كائِفَةٌ دُونَ أقصى بِلادِهِمْ وَلَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجَعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرباً ، وَأَحْفِرُ مَعَهُ أَهل الْبَلَاءِ وَالنَّصيحَةِ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللهُ فَذَاكَ ما تُحِبَّ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى كُنتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ وَمَثَابَةً لِلْمُسلِمينَ (1.)### اللغةقوله ( وقد توكل الله وعن بعض النسخ بدله كفل الله أي صار كفيلاً و(الحوزة) الناحية وحوزة الإسلام حدوده ونواحيه و (كانفة) أي عاصمة حافظة من كنفه أي حفظه وآواه، ويروى كهفة بدل كانفة وهي ما يلجأ إليه و (المحرب) بكسر الأول وسكون الثاني وفتح الثالث صاحب الحرب وفي بعض النسخ مجرّباً بضم الأول والجيم المعجمة وفتح الراء المشدّدة و(الزدء) العون قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا) [القصص : 34] .
(الذي نصرهم) مبتدأ وخبره (حي)، وجملة (وهم قليل) (آه) حالية معترضة بين المبتدأ الخبر ، (وتنكب) بالجزم معطوف على (تسر)، (والفاء) في قوله : (قابعث)، فصيحة، والباقي واضح.
اعلم أن هذا الكلام قاله علیه السلام لعمر بن الخطاب كما أشار إليه السيد (رحمت الله) إرشاداً له إلى وجه المصلحة وتعليماً له ما فيه صلاح الأمة، وكان ذلك في غزاة فلسطين التي فتح فيها بيت المقدس فأراد عمر أن يشخص بنفسه لما طالت الحرب على المسلمين وضاق الأمر عليهم وكتبوا إليه : إن لم تحضر بنفسك لم يفتح علينا فاستشار أمير المؤمنين علیه السلام في الشخوص إلى
1) بحار الأنوار : 136/21 ، وشرح مئة كلمة : 231
العدو فلم يره صلاحاً لما فيه من الخوف على بيضة الإسلام بالنكتة التي أشار إليها في ضمن هذا الكلام بعد تقديم مقدمة مهدها بقوله علیه السلام .
(وقد توكّل الله لأهل هذا الذين) أي صار وكيلاً لهم قائماً عليهم (باعزاز الحوزة) والبيضة والجمعية (وستر العورة) ومما لا ينبغي اطلاع العدو عليه من الفضائح والقبائح (والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون حتي لا يموت) لا يخفى ما هذه الجملة من حسن الخطابة حيث أورد المسند إليه موصولاً لزيادة التقرير أعني تقرير الغرض المسوق له الكلام، وهو الحث على التوكيل على الله والاعتماد عليه ومزيد الثقة به ثم أكد ذلك المعنى بالجملة الحالية وبإتيان المسند بما يجري مجرى المثل السائر والمراد أنّ من نصرهم في حال قلتهم وعدم تمكنهم من انتقام الأعداء ومنعهم في حال ضعفهم وعدم قدرتهم على الامتناع من سيف المعاندين حي لا يمو يموت فهو أولى في حال كثرتهم بالحفظ والحماية والاعزاز والنصرة .
ثم أشار إلى وجه المصلحة والنكتة في المنع عن الخروج فقال (إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كائفة دون أقصى بلادهم) يعني أن الجهاد على وجهين فيمكن إدالة الكفّار من المسلمين ويمكن إدالة المسلمين من الكفار فلو خرجت بنفسك ولاقيت العدوّ وأصابتك النكبة لم تبق للمسلمين جهة عاصمة يعتصمون بها ولا ملجأ يستندون إليه (وليس بعدك مرجع يرجعون إليه ) وفي ذلك خوف على بيضة الإسلام.
ثم أشار إلى ما هو الأصلح وأقرب إلى الحزم بقوله : (فابعث إليهم) أي إلى الأعداء (رجلاً محرباً) أي ذا خبرة وبصيرة بالحروب أو رجلاً جرّب بكثرة الوقائع والحروب وحصل الوثوق والاعتماد عليه (واحفز) أي ادفع معه (أهل) النجدة (والبلاء والنصيحة) أي المختبرين المجربين بالنصح (فإن أظهرك) (الله) ونصرك (فذاك ما تحب وإن تكن الأخرى ) أي النكبة والانكسار (كنت ردءاً للناس) وعوناً لهم (ومثابة) أي مرجعاً للمسلمين) ومأمناً يأوون إليه.
از جمله آن امام انام است در آن حال که مشورت نمود به او عمربن خطاب در
باب بیرون رفتن به سوی غزوه روم به نفس خود ، پس فرمود آن بزرگوار :
به تحقیق که وکیل شده است خدای تبارك و تعالی از برای اهل این دین با عزیز نمودن و غالب گردانیدن ناحیه مسلمین و پوشانیدن عورت مؤمنین ان و پروردگاری که یاری کرد مسلمانان را در آن حال که اندک بودند و قدرت نداشتند بر انتقام و حفظ نمود ایشان را در حالتی که اندک بودند و تمکن نداشتند از دفع دشمنان از خودشان ، زنده ای است که هرگز نمی میرد. به درستی که هرگاه روانه شوی تو به سوی این دشمن به نفس خود ، پس برسی به ایشان و مصیبتی به تو وارد بیاید و مغلوب شوی . نمی باشد از برای مسلمانان پناهی نزد منتهای ولایتهای ایشان و نباشد بعد از تو مرجعی که بازگشت نمایند به سوی او ، پس برانگیزان به سوی دشمنان مردی جنگ دیده کاردان و دفع کن به او اهل آزمایش و نصیحت را، پس اگر غالب گرداند تو را خداوند تعالی ، پس این است آن چیزی که میخواهید و اگر باشد امر به طور دیگر باشی تو یاور و مدد مردمان و مرجع و پناه برای مسلمانان و پناهگاه ایشان .
ورواه الشارح المعتزلي باختلاف يسير تطلع عليه .
قال السيد (رحمت الله) وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان ، فقال المغيرة بن الأخنس أنا أكفيكه، فقال أمير المؤمنين علیه السلام للمغيرة :
يا ابن اللعين الأبْرِ وَالشَّجَرَةِ التي لا أصل لها وَلا فَرْعَ أَنتَ تَكفيني فوالله ما أعز اللهُ مَنْ أَصْلَ أَنْتَ نَاصِرُهُ، وَلا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ، اخْرُجْ عَنا أَبْعَدَ اللَّهُ نَواكَ، ثُمَّ ابْلغَ جَهْدَكَ فَلا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِن أَبْقَيْتَ (1).
(الأبتر) المنقطع عن الخير وقيل الأبتر الذي لا عقب له ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له ، قوله : (ولا قام )في بعض النسخ ولا أقام بالهمزة و(النّوى) القصد الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد هكذا في شرح البحراني، وقال الطريحي : النوى بالفتح البعد ومنه حديث علي للمغيرة بن الأخنس أبعد الله نواك من قولهم بعدت نواهم إذا بعدوا بعداً شديداً، وفي بعض النسخ أبعد الله نوأك بفتح النون وسكون الواو وبعدها همزة وهو النجم وجمعه أنواء وهي النّجوم التي كانت العرب تنسب إليها وكانوا إذا دعوا على إنسان قالوا أبعد الله نوأك ، أي خيرك .
قال أبو عبيدة في محكي كلامه: هي أي الأنواء ثمانية وعشرون نجماً معروفة المطالع أزمنة السنة يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع الآخر مقابله من ساعته ، وانقضاء هذه الثمانية والعشرين مع انقضاء السّنة وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع الآخر قالوا لا بد أن يكون عند ذلك مطر فينسبون كلّ غيث يكون عند ذلك إلى النّجم ويقولون مطرنا بنوء كذا قال : ويسمى نوءاً لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، وذلك النهوض هو النوء فسمّى النجم به .
وقوله : (ثم أبلغ جهدك ) أمر من إفعل أو فعل وكلاهما ،مرويّ، والجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة وهما مرويان أيضاً و(أبقيت) على فلان أي راعيته ورحمته .
1) بحار الأنوار : 472/31 ، والغدير : 330/8 ح
قوله (أنت تكفيني)، جملة استفهامية محذوفة الأداة، وجملة (ما أعز الله) (آه) تحتمل الخبر والدعاء، وقوله ( إن أبقيت) متعلّقة محذوف بقرنية سابقة أي إن أبقيت علي.
قال الشارح المعتزلي: اعلم أن هذا الكلام لم يكن بحضرة عثمان ولكن أعوانه روى
عن إسماعيل بن خالد عن الشعبي أن عثمان لما كثرت شكايته من علي علیه السلام أقبل لا يدخل إليه من أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلا شكا إليه عليّاً، فقال زيد بن ثابت الأنصاري وكان من شيعته وخاصته، أفلا أمشي إليه فأخبره بموجدتك فيما يأتي إليك؟ قال: بلى، فأتاه زيد ومعه المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي وعداده في بني زهرة وأمه عمة عثمان بن عفان في
جماعة ، فدخلوا فحمد زيد الله وأثنا عليه ثم قال :
أما بعد، فإن الله قدّم لك سلفاً صالحاً في الإسلام وجعلك من الرسول بالمكان الذي أنت به فأنت للخير كل الخير أهل ، وأمير المؤمنين عثمان ابن عمك وولي هذه الأمة فله عليك حقان: حق الولاية ، وحق القرابة، وقد شكاك إلينا أن علياً يعرض ويرد أمري علي وقد مشينا إليك نصيحة لك وكراهية أن يقع بينك وبين ابن عمّك أمر نكرهه لكما ، قال : فحمد علي علیه السلام واثنا عليه وصلى على رسوله صلی الله علیه واله وسلمثم قال :
أما بعد ، فوالله ما أحب الاعتراض ولا الرد عليه إلا أن يأبى حقاً الله لا يسعني أن أقول فيه إلا بالحق، ووالله لأكفن فيه ما وسعني الكف.
فقال المغيرة بن الأخنس وكان رجلاً وقاصاً وكان من شيعة عثمان وخلصانه : إنك والله لتكفنّ عنه أو لتكفّن عنه فإنه أقدر عليك منك عليه وإنّما أرسل هؤلاء القوم من المسلمين إعذاراً ليكون الحجة عندهم عليك .
فقال له علي علیه السلام : يا ابن اللعين الأبتر والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع أنت تكفني فوالله ما أعزّ الله امرءاً من أنت ناصره ، أخرج أبعد الله نواك ثم اجهد جهدك فلا أبقى الله عليك ولا على أصحابك إن أبقيتم (1).
فقال له زيد : إنا والله ما جئناك لنكون عليك شهوداً ولا ليكون مشينا إليك حجّة ، ولكن مشيئا فيما بينكما التماس الأجر وأن يصلح الله ذات بينكما ويجمع كلمتكما، ثم دعا له ولعثمان وقام فقاموا معه، إذا عرفت هذا ، فلنرجع إلى شرح ما أورده السيد (رحمت الله) .
1) : السعادة : 163/1 ، وشرح نهج البلاغة : 303/8
فأقول : قوله علیه السلام للمغيرة : ( يا ابن اللعين الأبتر) لأجل أن أباه وهو الأخنس بن شريق كان من أكابر المنافقين ذكره أصحاب الحديث كلهم في المؤلفة قلوبهم الذين أسلموا يوم الفتح بألسنتهم دون قلوبهم وأعطاه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم مائة من الإبل من غنائم حنين يتألف بها ،قلبه وابنه أبو الحكم بن الأخنس قتله أمير المؤمنين علیه السلام اليوم أُحمد كافراً في الحرب، وهو أخو المغيرة والحقد الذي كان في قلب المغيرة إنما كان من هذه الجهة .
وأما وصفه بالأبتر كوصف العاص بن وائل به في قوله سبحانه : (إن شائِكَ هُوَ الأَبْرُ﴾ [الكوثر : 3]، فلإنقطاعه عن الخير كله فيكون إطلاقه عليه حقيقة ، أو لأنّ من كان عقبه ضالاً خبيثاً فهو كمن لا عقب له بل من لا عقب له خير منه فيكون إطلاقه عليه على سبيل الاستعارة.
وكذلك قوله (والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع ) استعار له لفظ الشجرة الموصوفة بما ذكر إشارة إلى حقارته ودناءته، لأن الشجرة التي ليس لها فرع ولا قرار ساقطة عن درجة الاعتبار حقيرة في الأنظار، ولذلك ضربت مثلاً للكلمة الخبيثة في الآية الشريفة : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُنَّتْ مِن فَوقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ [إبراهيم: 26] .
ويحتمل أن يكون المراد بالوصفين نفي صفة الكمال، بمعنى أنها ليس لها أصل ثابت ولا فرع مثمر فيلاحظ ذلك في المستعار له ويكون عدم ثبوت أصله إشارة إلى الطعن في نسبه، فقد قال جمع من النسابين إن في نسب ثقيف طعناً، وقد فضله الشارح المعتزلي في الشرح ويكون عدم ثبوت فرعه إشارة إلى أن عقبه ضال خبيث عادم الخير والتفع .
ثمّ استفهم على سبيل الإنكار والاستحقار فقال (أنت تكفيني) قال الشارح المعتزلي بعد ما أورد الرواية المتقدمة : وهذا الخبر يدلّ على أن اللفظة أنت تكفّني وليست كما ذكره الرّضي أنت تكفيني، لكن الرّضي طبق هذه اللفظة على ما قبلها وهو قوله : أنا أكفيكه، ولا شبهة أنّها رواية أخرى ( فوالله ما أعزّ الله من أنت ناصره ولا قام أنت من منهضه ) أي مقيمه وذلك لأن العزة والقوّة الله سبحانه والنصرة والخذلان بيد الله، فمن أعزّه الله فهو المنصور ومن أذله فهو المقهور، وإن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده.
ثم طرده وأبعده ودعا عليه بقوله : (أخرج عنا أبعد الله نواك ) أي مقصدك أو خيرك أو طالعك (ثم ابلغ جهدك) أي غايتك وطاقتك في الأذى (فلا أبقى الله عليك إن أبقيت ) علي أي لا رعاك ولا رحمك إن اشفقت علي.
تنبيه
ينبغي أن نذكر ههنا طرفاً من مشاجرة أمير المؤمنين علیه السلام مع عثمان اللعين مما أورده المخالف والمؤالف :
فأقول : روى المحدّث العلامة المجلسي (رحمت الله) في «البحار» من «الأمالي» بإسناده عن عبد الله بن اسعد بن زرارة عن عبد الله بن أبي عمرة الأنصاري قال : لما قدم أبو ذر على عثمان قال : أخبرني أي البلاد أحب إليك؟ قال : مهاجري ، قال : لست بمجاوري، قال: فالحق بحرم الله فأكون فيه ، قال : لا ، قال فالكوفة أرض بها أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، قال : لا قال فلست بمختار ،غيرهن فأمره بالمسير إلى الربذة فقال : إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لي : اسمع وأطع وأنفذ حيث قادوك ولو لعبد حبشي مجدع ، فخرج إلى الربذة فأقام هناك مدة، ثمّ دخل المدينة فدخل على عثمان والنّاس عنده سماطين فقال : إنّك أخرجتني من أرض إلى أرض ليس بها ذرع ولا ضرع إلا شويهات وليس لي خادم إلا همررة ولا ظل شجرة ، فأعطني خادماً وغنيمات أعيش فيها، فتحوّل وجهه عنه إلى السماط الآخر فقال مثل ذلك فقال له حبيب بن سلمة : لك عندي يا أبا ذر ألف درهم وخادم وخمسمائة شاة، قال أبو ذر : أعط خادمك وألفك وشويهاتك من هو أحوج إلى ذلك منّي، فإنّي إنما أسأل حقي في كتاب الله ، فجاء علي علیه السلام فقال له عثمان : ألا تغني عنها سفيهك هذا قال: أتي سفيه ؟ قال : أبو ذر ، قال علي علیه السلام: ليس بسفيه سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول : ما أظلّت الخضراء ولا أقلت الغبراء، على أصدق لهجة من أبي ذر ، أنزله بمنزلة مؤمن آل فرعون إن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم .
قال عثمان : التراب في فيك، قال علي علیه السلام : بل التراب في فيك، أنشد بالله من سمع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول ذلك لأبي ذر ، فقام أبو هريرة وعشرة فشهدوا بذلك قول علي علیه السلام (1).
قال ابن عباس : كنت عند أبي على العشاء بعد المغرب إذ جاء الخادم فقال : هذا أمير المؤمنين بالباب ، فدخل عثمان فجلس فقال له العباس تعش ، قال : تعشيت فوضع يده فلما فرغنا من العشاء قام من كان عنده وجلست وتكلّم عثمان فقال : يا خال أشكو إليك ابن أخيك يعني عليّاً فإنّه أكثر في شتمي ونطق في عرضي وأنا أعوذ بالله في ظلمكم بني عبد المطلب إن يكن هذا الأمر لكم فقد سلّمتموه إلى من هو أبعد مني وإن لا يكن لكم فحقي أخذت، فتكلم العبّاس فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي صلی الله علیه واله وسلم وذكر ما خص الله به قريشاً منه وما خصّ به بني عبد المطلب خاصة ثم قال: أما بعد ، فما حمدتك لابن أخي ولا حمدت ابن أخي فيك، وما هو وحده فقد نطق غيره فلو أنّك هبطت ممّا صعدت وصعدوا ممّا هبطوا لكان ذلك أقرب، فقال: أنت ذلك يا خال، فقال: أتكلّم بذلك عنك ؟ قال : نعم أعطهم عني ما شئت،
وقام عثمان فخرج، فلم يلبث أن رجع فسلم وهو قائم ثمّ قال : يا خال لا تعجل بشيء أعود إليك ، فرفع العباس يديه واستقبل القبلة فقال : اللهم اسبق لي ما لا خير لي في إدراكه ،
1) الأمالي: الأمالي: 710 ح 1514 ، وبحار الأنوار: 450/31 .
فما مضت الجمعة حتّى مات .
وروى الشارح المعتزلي نحوه عن الزبير بن بكار في الموقفيات وزاد فيه بعد قوله : لا تعجل يا خال حتى أوذنك، فنظرنا فإذا مروان بن الحكم جالساً بالباب ينتظره حتى خرج فهو الذي فشاه عن رأيه الأوّل فأقبل على أبي فقال : يا بني ما إلى هذه من أمره شيء ثم قال : يا بني أمسك عليك لسانك حتى نرى ما لا بد منه .
وروى الشارح أيضاً عن الموقفيات عن رجال أسند بعضهم عن بعض عن علي بن أبي طالب علیه السلام قال : أرسل إلي عثمان في الهاجرة فتقنعت بثوبي وأتيته فدخلته وهو على سريره وفي يده قضيب وبين يديه مال دثر صبرتان من ورق وذهب، فقال : دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني، فقلت: وصلتك رحم إن كان هذا المال ورثته، أو أعطاكه معط، أو اكتسبته من تجارة كنت أحد رجلين : إما أخذ وشكر، أو أوفر وأجهد، وإن كان من مال الله وفيه حق المسلمين واليتيم وابن السبيل فوالله مالك أن تعطيه ولا لي أن آخذه ، فقال : أبيت والله ، إلا ما أبيت ثمّ قال : إليّ بالقضيب ، فضربني فوالله ما اردّ يده حتى قضى حاجته، فتقنّعت بثوبي ورجعت إلى منزلي وقلت : الله بيني وبينك إن كنت أمرتك بمعروف ونهيتك عن منكر (1).
أقول : والأخبار في هذا المعنى كثيرة ودلالتها على معاداة عثمان الأمير المؤمنين علیه السلام وإنزاله له منزلة العدوّ صريحة جليّة، وكفى بذلك له أليم العقاب وسوء المآب .
1) بحار الأنوار: 542/3
از جمله کلام آن امام انام است و به تحقیق که واقع شده بود به منازعه میان او و میان عثمان ، پس گفت مغيرة بن اخنس عثمان را من کفایت میکنم از تو او را، یعنی نمیگذارم از امیرالمؤمنین صدمه و آسیبی به تو برسد، پس فرمود امير المؤمنین به مغیره :
ای پسر ملعون بی منفعت و درختی که نه ریشه دارد مراورا و نه شاخ ، تو کفایت میکنی مرا، پس قسم به خدا که عزیز و غالب نگردانید خدا کسی را که تو یاری دهنده اویی و برنخاست کسی که تو برخیزاننده اویی ، بیرون برو از خانه ما ، دور گرداند خداوند تعالی مقصد تو را ، پس از آن برس به نهایت سعی خود، پس رحمت نکند و رعایت نکند خدا تو را اگر مهربانی کنی تو با من .
قاله (علیه السلام) لما تخلف عن بيعته عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص وجماعة أخرى ورواه في «الإرشاد» باختلاف تطلع عليه.
لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً ، ولَيْسَ أَمْرِي وأَمْرُكُمْ واحِداً ، إِنِّي أُريدُكُم لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنَي لأَنْفُسِكُمْ ، أَيُّها النَّاسُ أَعينُوني عَلى أَنْفُسِكُمْ وَأَيْمُ اللهِ لا نُصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، ولأقودَنَّ الظَّالِمَ بِخَزامَتِهِ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَل الْحَقِّ وإِنْ كانَ كارها (1).
(الفلتة) الأمر يقع من غير تدبّر ولا روية و (خزمت) البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير ليشدّ فيها الزّمام ويسهل قياده و (الورد) حضور الماء للشرب والإيراد الإحضار و( المنهل ) المشرب من نهل الماء كفرح شربه .
قوله : (وأيم الله ) لفظة (أيم) من كلمات القسم، وقد مضى بعض الكلام فيها في شرح الخطبة الخامسة وشرح الفصل الثاني من الخطبة الثانية والتسعين :
وأقول هنا : إنّ فيها اثنتين وعشرين لغة قال في «القاموس» : واليمين القسم مؤنث لأنّهم كانوا يتماسحون بأيمانهم فيتحالفون، الجمع ايمن وإيمان وأيمن الله (وأيم الله) ويكسر أولهما أو (يمن الله) بفتح الميم والهمزة ويكسر (أيم الله ) بكسر الهمزة والميم، وقيل ألفه ألف وصل وهيم الله بفتح الهاء وضم الميم (وأم الله) مثلثة الميم ( وإم الله) بكسر الهمزة وضم الميم وفتحها (ومن الله ) بضم الميم وكسر النّون ( ومن الله) مثلثة الميم والنون (وم الله) مثلثة (وليم الله) (وليمن الله) اسم وضع للقسم والتقدير أيمن الله قسمي.
وقال ابن هشام في «المغني »: (أيمن) المختص بالقسم اسم لا حرف خلافاً للزجاج والزماني مفرد مشتق من اليمن وهمزته وصل لا جمع يمين وهمزته قطع خلافاً للكوفيين ويرده
1) بحار الأنوار: 49/32 4 ح ،33 وميزان الحكمة : 147/1 194.
جواز کسر همزته وفتح ميمه ، ولا يجوز مثل ذلك في الجمع من نحو أفلس وأكلب وقول نصيب :
فقال فريق القوم لما نشدتهم *** نعم وفريق ليمن الله ما ندري
فحذف ألفها في الدرج ويلزمه الرفع بالابتداء وحذف الخبر وإضافته إلى اسم الله سبحانه خلافاً لابن درستويه في إجازة جرّه بحرف القسم ولابن مالك في إجازته إضافته إلى الكعبة وكاف الضمير، وجوّز ابن عصفور كونه خبراً والمحذوف مبتدأ أي قسمي أيمن الله .
إعلم أن هذا الكلام له علیه السلام الجمهور أصحابه الذين كان غرضهم في بيعته واتباعه علیه السلام حطام الدنيا لا إحياء شرائع الدين وإقامة معالم الشرع المبين كما يرشد إليه ما سيأتي من قوله: (أنتم تريدونني لأنفسكم)، إذا عرفت ذلك فأقول
قوله : (لم تكن بيعتكم إياي فلتة) فيه تعريض ببيعة أبي بكر وإشارة إلى قول عمر فيها، فقد روت العامة والخاصة عن عمر أنّه قال : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ومن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وفي بعض الزوايات فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه، وقد رواه الشارح المعتزلي في شرح الخطبة السادسة والعشرين بعدة طرق وأطنب الكلام في بيان معنى الفلتة ولا حاجة بنا إلى إيراد ما أورده .
ومقصود أمير المؤمنين علیه السلام أن بيعتكم إياي لم تكن بغتة ومن غير تدبّر وروية وإنما كانت عن تدبر واجتماع رأي منكم فليس لأحدكم بعدها أن ينكث ويندم (وليس أمري وأمركم واحداً ) إشارة إلى اختلاف مقاصده ومقاصدهم وتفريق بينهما ، وجهة التفريق ما أشار إليها بقوله : (إني أريدكم الله وأنتم تريدونني لأنفسكم ) يعني إنما أريدكم لإقامة أمر الله وإعلاء كلمة الله وتأسيس أساس الذين وانتظام قوانين الشرع المبين وأنتم تريدونني لحظوظ أنفسكم من العطاء والتقريب وسائر المنافع الدنيوية .
(أيها الناس أعينوني على أنفسكم ) لما كانت وظيفته الدعوة إلى الله والدلالة إلى سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جعل طاعتهم له وامتثالهم لأوامره وانتهائهم عن المنكرات إعانة منهم له الحصول غرضه وفراغه عن تعب الطلب .
ثم أشار إلى قيامه بوظائف العدل فقال : (وأيم الله لأنصفن المظلوم ) أي أحكم في ظلامته بالعدل والإنصاف وآخذ حقه (من ظالمه ولأقودنَ الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها ) جعل الظالم بمنزلة الإبل الصعب التي لا تنقاد إلا بالخزامة على سبيل الاستعارة بالكناية وذكر الخزامة تخييل والقود ترشيح. أي لأذللن الظالم وأقودنه بالمقود حتى
يخرج من حق المظلوم ويردّ عليه مظلمته وإن كان كارهاً له.
تكملة
هذا الكلام رواه «المفيد» في «الإرشاد» قال : كلامه علیه السلام حين عن بيعته عبد الله بن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وحسّان بن ثابت وأسامة بن زيد وما رواه الشعبي قال : لما اعتزل سعد ومن سميناه أمير المؤمنين علیه السلام وتوقفوا عن بيعته حمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم، وإنّ على الإمام الاستقامة وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتبع غير سبيل أهله ، ولم تكن بيعتكم إياي فلتة وليس أمري وأمركم واحداً، وأني أريدكم الله وأنتم تريدونني لأنفسكم وأيم الله لأنصحن للخصم ولأنصفن للمظلوم، وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة وأسامة وعبد الله وحسّان بن ثابت أمور كرهتها والحق بيني وبينهم (1).
1) الإرشاد : 244/1 ، ونهج السعادة : 197/1
از جمله کلام آن امام انام است که فرموده:
نبود بیعت شما با من چیزی که بدون تروی و تدبّر واقع شده باشد و نیست کار من و کار شما یکی ؛ به درستی من میخواهم شما را از برای خدا و شما می خواهید مرا از برای حظهای نفوس خودتان . ای مردمان ، اعانت نمایید مرا بر قهر و غلبه نفسهای خود و قسم به ذات پاک خداوند ، هر آینه البته حكم انصاف میکنم کنم در حق مظلوم از ظالم او و هر آینه البته میکشم ظالم را به حلقه بینی او تا این که وارد نمایم او را به آبش خور و اگرچه باشد آن ظالم کراهت دارنده.
والأشبه انه ملتقط من خطبة طويلة قدمنا روايتها في شرح الخطبة الثانية والعشرين بطرق عديدة ، فليتذكر.
وَاللَّهِ ما أَنْكَرُوا عَلَيْ مُنْكَراً، ولا جَعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَهُمْ نَصفاً، وإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقًّا هُمْ تَرَكوُهُ، ودَماً هُمْ سَفَكُوهُ، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا وَلَوْهُ دُوني فَما الطَّلَبَةُ إِلا قِبْلُهُمْ وَإِنْ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ مَعِيَ لَبَصِيرَتي ما لَبَّسْتُ وَلاَ لُبْسَ عَلَى وَإنَّها للفئة الباغية فيهَا الْحَما والحمة والشبهة المُغْدَقَةَ ، وَإِنَّ الأمر لواضح، وقد راح الْباطِلُ عَنْ نِصابِهِ، وَانْقَطَعَ لِسانُهُ عَنْ شَعْبِهِ، وأَيْمُ اللَّهِ لأَفَرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ، لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِريءٍ، وَلَا يَعُبُونَ بَعْدَهُ فِي حِسى .
منها : فَأَقْبَلْتُمْ إِلَى إقبال العوذ المطافيل عَلَى أَوْلادِهَا تَقُولُونَ البَيْعَةَ الْبَيْعَةَ، قَبَضْتُ كَفّي فَبَسَطْتُمُوها، ونازَعْتَكُمْ يَدي فَجاذَبْتُمُوها ، اللَّهُمْ إِنَّهُمَا قَطَعاني ، وظَلَماني، ونَكَنَا بَيْعَتي، وألبا النّاسَ عَلَيَّ فاحللْ ما عَقَدَا ، وَلاَ تُحْكِمْ لَهُمَا ما أَبْرَمَا، وأَرِهِمَا الْمَساءةَ فيما أَمَّلا وَعَمِلاً، ولَقَدِ اسْتَتَبْتُهما قَبْلَ الْقِتَالِ، وَاسْتَأْنِيتُ بِهَما قَبْلَ الْوِقاعِ، فَغَمِطَا النَّعْمَةَ، وَرَدًّا الْعَافِيَةَ (1).
(النصف) محرّكة اسم من الإنصاف وهو العدل و(الطلبة) بكسر اللام المطلو و(لبست) بالبناء للفاعل و (لبس) بالبناء للمفعول، قال الشارح المعتزلي، ولبست على فلان الأمر ولبس عليه الأمر كلاهما بالتخفيف ولكن الموجود في ما رأيته من النسخ بالتشديد قال الفيروزآبادي : لبس عليه الأمر يلبسه خلطه وألبسه غطاه، وأمر ملبس وملتبس بالأمر مشتبه التلبيس والتخليط والتدليس، وقال بعض الشارحين : التشديد للتكثير .
و(الحماءِ) بالتحريك كالحماة بالتاء الأسود المنتن ، قال سبحانه: وَمِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَاءِ مَسنُون [الحجر: 26] ، ويروى حمى مقصورة، و(الحمة) بضم الحاء وفتح الميم وتخفيفها العقرب وكلّ شيء يلسع أو يلدغ و(المغدفة) بفتح الدال الخفيفة من أغدقت المرأة قناعها أرسلته على وجهها ، وعن بعض النسخ بكسر الدال من أغدف الليل إذا أظلم و(النصاب) الأصل والمرجع .
1) بحار الأنوار: 32/ 78 ح 51 ، وشرح نهج البلاغة : 38/9
(والشغب) بسكون الغين المعجمة تهييج الشرّ من شغب الحقد شغباً من باب منع وفي لغة ضعيفه بالتحريك وماضيها شغب بالكسر كفرح و (افرطن) بضم الهمزة من باب الأفعال من أفرطت المزادة أي ملانها، ويروى بفتح الهمزة وضم الراء من فرط زيد القوم أي سبقهم فهو فرط بالتحريك و(الماتح) المستقي من فوق و (العبّ) شرب الماء من غير مص أو تتابع الجرع.
(الحسي) في النسخ بكسر الحاء وسكون السين قال الشارح المعتزلي : ماء كامن في رمل يحفر عنه فيستخرج وجمعه أحساء وفي «القاموس» الحسي كالي سهل من الأرض يستنقع فيه الماء أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر وكلما نزحت دلواً جمعت أخرى جمعه إحساء وحساء و(العوذ) بالضم الحديثات النتاج من النوق والظباء وكل أنثى كالعوذان جمعاً عائد كحائل وحول وراع ورعيان و(المطافيل) كالمطافل جمع المطفل وزان محسن ذات الطفل من الإنس والوحش و (التاليب) التحريض والإفساد و (أحكم) الشيء أتقنه و(أبرم) الحبل جعله طاقين ثم فتله وأبرم الأمر أحكمه .
و(استتبتهما). في بعض النسخ بالثاء المثلثة من باب يثوب أي رجع ومنه المثابة للمنزل، لأن الناس يرجعون إليه في أسفارهم وفي بعضها استتبتهما بالتاء المثناة من تاب يتوب أي طلبت منهما أن يتوبا و( استأنيت) من الإناة واستأنى بفلان انتظر به و(غمط) فلان بالنعمة إذا لم يشكرها وحقرها من باب ضرب وسمع.
قال الشارح المعتزلي : (نصفاً) على حذف المضاف أي ذا نصف أي حكماً منصفاً عادلاً يحكم بيني وبينهم .
أقول : والأولى أن يقدر المضاف المحذوف لفظ الحكم أي حكم نصف وعدل إذ على ما ذكره الشارح يحتاج إلى حذف موصوف (ذا) وهو تكلف مستغني عنه، فتأمل .
(وعن) في قوله : ( عن نصابه)، إما بمعناها الأصلي أو بمعنى (بعد) كما في قوله تعالى : (عَمَّا قَلِيلِ لَّيُصْبِحُنَّ نَدِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 40] ، وقوله : ولأفرطن لهم حوضاً، قد مضى اعرابه في شرح الخطبة العاشرة، وجملة (أنا ماتحه)، في محلّ النّصب صفة (الحوضاً)، وجملة (لا يصدرون عنه ) حال من الضمير في (ماتحه)، (والبيعة البيعة)، منصوبان على الإغراء.
اعلم أن هذا الكلام له كما نبه عليه السيد (رحمت الله) وارد في معنى طلحة والزبير أي القصد فيه متوجه إليهما والغرض منه تقريعهما وتوبيخهما وتوبيخ سائر أصحاب الجمل وإبطال ما نقموه عليه وردّ ما تشبثوا به في خروجهم عن ربقة طاعته .
وأشار علیه السلام إلى وجه البطلان بقوله ( والله ما أنكروا عليّ منكراً ) قبيحاً يعني أنّ ما زعموه منكراً من قتل عثمان والتسوية في العطاء فليس هو بمنكر في الواقع حتى يرد علي إنكارهم، وإنّما حملهم على الإنكار الحسد وحب الاستيثار بالدنيا والتفضيل في العطاء (ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً) أي حكماً عدلاً (وأنهم ليطلبون حقاً هم تركوه )قال الشارح المعتزلي : أي يظهرون أنهم يطلبون حقاً بخروجهم إلى البصرة وقد تركوا الحق بالمدينة ، وقيل : المراد بالحق نصرة عثمان وإعانته.
أقول : والظاهر أنه أراد بالحق حق القصاص، يعني أنهم يطلبون حق القود من قاتلي عثمان ولكنّهم هم الذين تركوه حيث أمسكوا النكير على قاتليه، فتقديم المسند إليه للتخصيص ردّاً عليهم إلى زعمهم انفراد أمير المؤمنين علیه السلام وأصحابه بترك الحق.
ومثله قوله (ودماً هم سفكوه) أي لا غيرهم وأراد به دم عثمان، ويدل على سفكهم دمه وكونهم أشدّ النّاس تحريضاً عليه ما قدمناه في شرح الخطبة الثانية والعشرين والكلام الثلاثين.
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه في شرح المعتزلي وغيره أن عثمان قال : ويلي على ابن الخضرميّة، يعني طلحة أعطيته كذا وكذا ذهباً وهو يروم دمي يحرض على نفسي اللهم لا تمتعه به .
قال الشارح : وروى النّاس الذين صنفوا في واقعه الدار أن طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعاً بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار السهام، وأنه لما امتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار فأصعدهم إلى سطحها وتسوّروا منها على عثمان داره فقتلوه .
ورووا أيضاً أن الزبير كان يقول : اقتلوه فقد بدل دينكم، فقالوا : إن ابنك يحامي عنه بالباب ، فقال : ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدأ بابني أنّ عثمان لجيفة على الصراط غداً، وقال مروان بن الحكم يوم الجمل : والله لا أترك ثأري وأنا أراه ولأقتلن طلحة بعثمان فإنّه قتله ثمّ رماه بسهم فأصاب مأب- فأصاب مأبضه (1)فنزف الدم حتى مات .
فقد ظهر من ذلك أنّه لا ريب في إغرائهم وتحريضهم ودخولهم في دم عثمان فلا يجوز لهم المطالبة بدمه منه، لأن دخولهم فيه إما أن يكون بالإشتراك ؛ أو يكون بالاستقلال، وعلى التقديرين فتبطل المطالبة .
أما على التقدير الأول فلما أشار إليه بقوله (فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه ) وليس لأحد الشريكين أن يطالب الشريك الآخر بل اللازم له أن يبدأ بنفسه ويسلّمها إلى أولياء المقتول ثم بالشريك الآخر .
1) المأبض باطن الركبة ومن البعير باطن المرفق .
وأما على التقدير الثاني فلما أشار إليه بقوله ( وإن كانوا ولوه )وباشروه (دوني فما الطلبة) المطلوب (إلا قبلهم ) فاللازم عليهم أن يخصوا أنفسهم بالمطالبة وحدهم (وإنّ أوّل عدلهم ) الذي جعلوه عذراً في نقض البيعة والخروج إلى البصرة حيث قالوا إنما خرجنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العدل وإماتة الباطل وإحياء الحق (للحكم على أنفسهم) والإنكار للمنكر الذي أتوا به واقتصاص الدم الذي هجموا عليه قبل الإنكار، والحكم على غيرهم لان النهي عن المنكر إنّما هو بعد التناهي (وإن معي لبصيرتي) وعقلي (ما لبست ولا لبس علي) وقد مضى معنى هذه الفقرة في شرح الخطبة العاشرة .
ويحتمل احتمالاً قوياً أن يكون المراد أنه ما لبست على نفسي ولا على الناس أمري وأمورهم ولم يلبس أيضاً رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهو الأمر علي بل ما أقدم عليه في أمري وأمر الناس وما أخبرني به النبي صلی الله علیه واله وسلم وهو الحق وبالإتباع أحق ، وفي هذا الكلام تعريض عليهم بأنهم غابت عنهم عقولهم وتاهت حلومهم، وأن ما أقدموا عليه أمر ملتبس ، وأن خروجهم إنما هو بهوى النفس والناس مدلسون ملبسون .
ثمّ قال : (وإنّها للفئة الباغية ) يعني أنّ هذه الفئة للفئة التي أخبرني رسول الله ببغيها وخروجها علي حيث قال صلی الله علیه واله وسلم لا تذهب الليالي والأيام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له الحوأب امرأة من نسائي في فئة باغية (1)، على ما تقدّم في رواية الاحتجاج في التنبيه الثاني من شرح الكلام الثالث عشر، وقد قال صلی الله علیه واله وسلم : له علیه السلام غير مرة أنك ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، أوما هذا معناه .
وتقدّم في شرح الفصل الخامس من الخطبة الثالثة في رواية «غاية المرام » أنّ أم سلمة قالت لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم : يا رسول الله من الناكثون؟ قال : الذين يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة، ولسبق عهد هذه الفئة أتى بها معرّفة بلام العهد.
وقوله : (فيها الحماء والحمة ) قال الشارح البحراني: استعارة للغل والفساد الذي كان في صدور هذه الفئة، ووجه الاستعارة استلزامه لتكدير الإسلام وإثارة الفتنة بين المسلمين كما تكدر الحماة الماء وتخبثه واستلزامه للأذى والقتل كما يستلزم ذلك سم العقرب .
وقال الشارح المعتزلي : أي في هذه الفئة الفساد والضلال والضرر، وإذا أرادت العرب أن تعبّر عن الضلال والفساد قالت الحماء مثل الحماة بالتاء ويروى فيها الحمى بألف مقصورة وهو كناية عن الزبير لأنّ كلّ ما كان بسبب الرّجل فهم الأحماء واحدهم حمى مثل قفا وأقفاء، وما كان بسبب المرأة فهم الأحمات، وقد كان الزبير من عمة رسول الله وقد كان النبي صلی الله علیه واله وسلم
1) الاحتجاج : 243/1 ، وبحار الأنوار: 150/32.
أعلم عليّاً بأن فئة من المسلمين تبغي عليه أيام خلافته فيها بعض زوجاته وبعض أحمائه فكنّى علي علیه السلام عن الزوجة بالحمة وهي سم العقرب وظهر أن الحماء الذي أخبر النبي صلی الله علیه واله وسلم بخروجه مع هؤلاء البغاة هو الزبير ابن عمته .
أقول: وهذا ألطف ممّا ذكره البحراني، ويؤيد ما قاله من أنّه كنى عن الزوجة بالحمة ما يرويه السيد (رحمت الله) عنه في أواخر الكتاب من قوله : المرأة عقرب حلوة اللبسة ، أي حلوة اللسعة.
وقوله : (والشبهة المغدفة) أي الشبهة الخفية المستورة التي لبسوا بها على أكثر النّاس من طلب دم عثمان ومن روى بكسر الدال فالمراد الشبهة المظلمة أي الموقعة في ظلمة الجهالة التي لم يهتد فيها أكثر الخلق حتى قتلوا بسببها كما لا يهتدي في ظلمة الليل .
ثم قال (وإنّ الأمر لواضح ) أي عند ذوي العقول لعلمهم بأني على الحق وأن الباغين عليّ على الباطل وأن خروجهم بعد بيعتهم إنّما هو لمحض الغل والحسد والاستيثار بالدنيا عن اتباع الهوى ( وقد راح) أي تنخى وبعد (الباطل ) أي باطلهم ( عن نصابه ) وأصله يعني ما أتوا به من الباطل لا أصل له (وانقطع لسانه عن شغبه) استعارة بالكناية حيث شبه الباطل بحيوان ذي لسان فأثبت له اللسان تخييلاً وذكر الشعب ترشيح .
ومحصل المراد أنه بعد وضوح الأمر في ، وفي أنّي على الحق لم يبق للباطل أصل وقد خرس واعتقل لسانه عن تهيج شرّه، ويحتمل أن يكون المراد بالباطل الباطل الذي كان له رواج في زمن المتخلفين الثلاثة ، أي قد زال الباطل بعد موتهم وبيعة الناس إلي عن أصله وتزعزعت أركانه وانهدم بنيانه والقطع لسانه بعدما هيج شرّه فلا اعتداد بنكث هؤلاء القوم وبغي هذه الباغية .
ثم تهددهم بقوله (وأيم الله لأفرطن لهم حوضاً أنا ماتحه) وقد سبق شرح هذه الفقرة في شرح الخطبة العاشرة وقوله : (لا يصدرون عنه بريء) يعني أن هذا الحوض ليس كسائر الحياض الحقيقية التي يردها الظمآن فيصدر عنها بريء ويروى غلته ، بل الواردون إليه أن لا يعود (ولا يعبون بعده في حسي) أي لا يشربون بعده بارد الماء أبداً لهلاكهم وغرقهم في ذلك الحوض.
وقال السيد (رحمت الله) (منها) هكذا في أكثر ما عندنا في النسخ ، والأولى منه بدله كما في بعضها ولعلّ الأوّل من تحريف النساخ لأنّ العنوان بقوله : ومن كلام ، فلا وجه لتأنيث الضمير الراجع إليه والغرض بهذا الفصل تأكيد الاحتجاج على الفئة الباغية بنحو آخر وهو قوله : (فأقبلتم إلي) للبيعة مزدحمين منثالين (إقبال العوذ المطافيل) أي الوالدات الحديثات النتاج وذات الطفل على أولادها وتشبيهه إقبالهم بإقبالها لأنها أكثر إقبالاً وأشدّ عطفاً وحنة على أولادها.
(تقولون البيعة البيعة ) أي هلم البيعة أقبل إليها وفائدة التكرار شدة حرصهم إليها وفرط رغبتهم فيها (قبضت كفي) وامتنعت (فبسطتموها ونازعتكم يدي ) من التوسع في الإسناد أي نازعتكم بيدي وتمنعت (فجاذبتموها) فبايعتم عن جد وطوع منكم وكره وزهد مني .
ثمّ شكا إلى الله سبحانه من طلحة والزبير بقوله (اللهم إنهما قطعاني) أي قطعا رحمي لأنّهما كانت لهما رحم ماسة به علیه السلام لكونهم جميعاً من قريش مضافاً إلى ما للزبير من القرابة القريبة فإنّه كان ابن عمة أمير المؤمنين وأنه صفية بنت عبد المطلب علیه السلام (وظلماني) في خروجهما إليّ ومطالبة ما ليس لهما بحق (ونكثا بيعتي) ونقضاها (وألبا الناس) وأفسداهم (علي).
ثم دعا عليهما بقوله (فاحلل ما عقدا ) من العزوم الفاسدة التي أضمراها في نفوسهم (ولا تحكم لهما ما أبرما) أي لا تجعل ما أبرماه واحكماه في أمر الحرب محكماً مبرماً (وأرهما المساءة فيما أملا وعملا ) أي أرهما المساءة في الدنيا والآخرة ولا تنلهما آمالهما واجزهما السوءى بأعمالهما وأفعالهما.
ثمّ اعتذر من قتاله معهما بأنّه إنّما قام بالقتال بعد إكمال النصح والموعظة وإتمام الحجة قاصراً على البغي فتكون اللائمة في ذلك راجعة إليهما لا إليه والذنب عليهما لا عليه وهو معنى قوله ( ولقد استتبتهما قبل القتال ) أي طلبت منهما أن يرجعا عن البغي أو يتوبا عن ذنبهما استعطافاً لهما (واستأنيت بهما قبل الوقاع) أي تأنيت وتثبت بهما قبل وقاع الحرب لعلهما يرجعا إلى الحق (ف-) -لم يقبلا نصحي ولم يسمعا قولي بل أصرًا على البغي والمخالفة و(غمطا النّعمة ) أي استحقرا ما أنعم الله عليهما وهو قسمتهما من بيت المال وطلبا الزيادة والتوفير (وردا العافية) أي السلامة في الدنيا والدين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين.
تنبیه
قال الشارح المعتزلي في شرح قوله علیه السلام: (اللهم إنهما قطعاني) إلى قوله (وعملا)، أما وصفهما بما وصف به من القطع والظلم والنكث والتأليف فقد صدق علیه السلام فيه، وأما دعاؤه فاستجيبت له والمساءَة التي دعا بهما مساءة الدّنيا لا مساءَة الآخرة، فإنّ الله قد وعدهما على لسان رسوله صلی الله علیه واله وسلم بالجنة وإنما استوجبا بالتوبة التي ينقلها أصحابنا عنهما في كتبهم ولولاها لكانا من الهالكين.
أقول : ظاهر قول الإمام علیه السلام وأرهما المساءة هو الإطلاق وتقييدها بمساءة الدنيا لا دليل عليه، وأما وعد الله لهما بالجنّة فغير ثابت ومدعيه كاذب لأنّ المدعي إنّما استند فيه إلى حديث العشرة الذي قدمنا في التذييل الثاني من شرح الكلام الثالث والأربعين ضعفه وبطلانه وأنّه ممّا تفرّد المخالفون بروايته .
ونزيد على ما قدمنا ما قاله الشيخ (رحمت الله) في محكي كلامه من «تلخيص الشافي » عند الكلام على بطلان هذا الخبر إنّه لا يجوز أن يعلم الله مكلفاً ليس بمعصوم من الذنوب بأن عاقبته الجنّة، لأن ذلك يغريه بالقبيح وليس يمكن لأحد اذعاء عصمة التسعة ولو لم يكن إلا ما وقع من طلحة والزبير من الكبيرة لكفى، وقد ذكرنا أن هذا الخبر لو كان صحيحاً لاحتج به أبو بكر لنفسه واحتج به له في السقيفة ،وغيرها، وكذلك عمر وعثمان .
ومما يبيّن أيضاً بطلانه إمساك طلحة والزبير عن الاحتجاج به لما دعوا الناس إلى نصرتهما واستنفارهم إلى الحرب معهما، وأتي فضيلة أعظم وأفخم من الشهادة لهما بالجنّة، وكيف يعدلان مع العلم والحاجة عن ذكره إلا لأنه باطل، ويمكن أن يسلّم مسلم هذا الخبر ويحمله على الاستحقاق في الحال لا العاقبة فكأنه صلی الله علیه واله وسلم لو أراد أنهم يدخلون الجنة إن وافوا بما هم عليه، وتكون الفائدة في الخبر إعلامنا بأنّهم يستحقون الثواب في هذا الحال، هذا.
وأما قول الشارح إنهما استوجبا الجنّة بالتوبة التي ينقلها أصحابنا عنهما ففيه إنا قدمنا في شرح الكلام الثامن بطلان توبة الزبير ، وفي شرح الكلام الثاني عشر بطلان توبة طلحة، وأقول :هنا قال الشيخ (رحمت الله) في محكي كلامه من «تلخيص الشافي » بعد كلام طويل له على بطلان توبتهما تركناه حذراً من الإطالة والإطناب ما لفظه :
وروى الشعبي عن أمير المؤمنين علیه السلام و أنه قال : ألا إن أئمة الكفر في الإسلام خمسة: طلحة ، والزبير ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وقد روى مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود (1).
وروى نوح بن درّاج عن محمد بن مسلم عن حبة العرني قال : سمعت عليّاً علیه السلام حين برز أهل الجمل يقول : والله لقد علمت صاحبة الهودج أن أهل الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي وقد خاب من افترى (2)، وقد روى هذا المعنى بهذه اللفظة أو بقريب منه من طرق مختلفة .
وروى البلاذري في «تاريخه» بإسناده عن جويرية بن أسماء أنّه قال: بلغني أن الزبير حين ولي ولم يكن بسط يده بسيفه اعترضه عمار بن ياسر بالرمح وقال أين يا أبا عبد الله وأنت ما كنت بجبان ولكني أحسبك شككت؟ قال: وهو ذاك ومضى حتى نزل بوادي السباع فقتله ابن جرموز (3)، واعترافه بالشك يدلّ على خلاف التوبة لأنه لو كان تائباً لقال له في الجواب ما
شککت بل تحققت أنك وصاحبك إلى الحق وأنا على الباطل وقد ندمت على ما كان منّي وأي توبة لشاك غير متحقق .
فهذه الأخبار وما شاكلها تعارض أخبارهم لو كان لها ظاهر يشهد بالتوبة، وإذا تعارضت الأخبار في التوبة والإصرار سقط الجميع وتمسكنا بما كنا عليه من أحكام فسقهم وعظيم ذنبهم، وليس لهم أن يقولوا إنّ كلّ ما رويتموه من طريق الآحاد وذلك إن جميع إخبارهم بهذه المثابة، وكثير مما رويناه أظهر ممّا رووه وأفشى وإن كان من طريق الآحاد فالأمران سيان.
وأمّا توبة طلحة فالأمر فيها أضيق على المخالف من توبة الزبير، لأنّ طلحة قتل بين الصفين مباشراً للحرب مجتهداً فيها ولم يرجع عنها حتى أصابه السهم فأتى على نفسه، وادّعا توبة مثل هذا مكابرة، وليس لأحد أن يقول إنّه قال بعد ما أصابه السهم :
ندمت ندامة الكسعي لمّا *** رأت عيناه ما صنعت يداه
لأنّ هذا بعيد عن الصواب والبيت المروي بأن يدلّ على خلاف التوبة أولى لأنه جعل ندامته ندامة الكسعي وخبر الكسعي معروف لأنه ندم بحيث لا ينفعه الندم وحيث فاته الأمر وخرج عن يده ، ولو كان ندم طلحة واقعاً على وجه التوبة الصحيحة لم يكن مثل ندامة الكسعي، بل كان شبيهاً لندامة من تلافي ما فرط فيه على وجه ينتفع به.
وروى حسين الأشقر عن يوسف البزاز عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال أمير المؤمنين علیه السلام الطلحة وهو صريع فقال : اقعدوه، فأقعد ، فقال علیه السلام : قد كان لك سابقة لكن دخل الشيطان في منخريك فأدخلك النار (1)، انتهى كلامه رفع مقامه .
وقد ظهر بذلك بطلان توبتهما كما توهمه الشارح المعتزلي وفاقاً لأصحابه المعتزلية وتبين أنهما في النار خالدين يبغيهم على الإمام المبين ، هذا .
وندامة الكسعي يضرب بها المثل فيقال : أندم من الكسعي، وهو محارب بن قيس من بني كسع حي من اليمن كان يرعى إبلاً بواد معشب فرأى نبقة على صخرة فأعجبته فقطعها واتخذ منها قوساً، فمرت به قطعان من حمر الوحش ليلاً فرمى عشراً فأنفذها وأخرج السهم فأصاب الجبل فأرى ناراً فظنّ أنّه أخطأ، ثمّ مر قطيع آخر فرماه كالأول وفعل ذلك مراراً فعمد إلى قوسه فكسره من حنقه، فلما أصبح ورأى الحمر قتلن مضرجة بالدم فندم وعض إبهامه فقطعها.
1) بحار الأنوار : 33832
از جمله کلام آن امام انام است (علیه السلام) در معنی و مقصودی که متعلق است به طلحه و زبیر و وارد است در مذمّت و توبیخ ایشان و ابطال دعویشان در مطالبه خون عثمان ، می فرماید:
قسم به خدا انکار نکردند بر من فعل منکر قبیح را و قرار ندادند در میان من و میان خودشان حکم عدلی را و به درستی که ایشان حقی را که خود آنها ترك كردند و خونی که خود آنها ریخته اند آن را ،پس اگر باشم من شريك ايشان در آن خون ، پس به درستی مرایشان است نصیبشان از آن خون و اگر مباشر شدند آن را بدون من ، پس نیست مطلوب ایشان مگر پیش خودشان و به درستی که اول عدالت ایشان حکم کردن است برخودشان و به درستی که با من است بصيرت من ، تلبیس نکرده ام و تلبیس کرده نشده بر من و به درستی که این جماعت همان جماعت طاغيه باغیه است که پیغمبر خدا (صلی الله علیه واله وسلم) خبر داده بود ، در این جماعت است گل سیاه متغیر و زهر عقرب و شبه صاحب ظلمت و به درستی امر در این شبه واضح است و به تحقیق که کنار شده است از اصل خود و بریده شده زبان آن از برانگیختن شر و فساد خود و سوگند به خدا هر آینه پر می سازم به جهت ایشان حوض جنگی را که منم کشنده آب آن در حالتی که برنگردند از آن حوض سيراب و نیاشامند بعد از آن آب خوش گوار .
بعضی از این کلام در رد ایشان است به طرز آخر که می فرماید:
پس اقبال کردید به طرف من مثل اقبال شتران نوزایندگان صاحبان طفل بر اولاد خود ، در حالتی که می گفتید :بیا به بیعت اقبال کن به بیعت ، به هم گرفتم و قبض نمودم کف خود را ، پس بسط کردید شما آن را و منازعه کرد با شما دست من ، پس کشیدید دست مرا ، پروردگارا به درستی که طلحه و زبیر قطح رحم کردند از من و ظلم کردند بر من و شکستند بیعت مرا و تحریص کردند و تحريك كردند خلق را بر محاربه من ، پس بگشای آن که بستهاند آن را از عزمهای فاسده و محکم نساز از برای ایشان آن چه که استوار کردند آن را از رأی های باطله و بنمای به ایشان پریشانی را در آن چه که امید دارند و در آن چه که عمل میآورند و به تحقیق که طلب کردم از ایشان بازگشتن ایشان را از بغی و ظلم پیش از مقاتله و منتظر شدم و توقف نمودم به ایشان پیش از محاربه ، پس حقیر شمردند نعمت را و کفران نمودند و رد کردند سلامتی را و خود را به ورطه هلاکت افکندند .
وشرحها في فصلين :
يَعْطِفُ الْهَوى عَلَى الْهُدَى إِذا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوى، ويَعْطِفُ الرأي عَلَى الْقُرْآنِ إذا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرّأي .
منها : حَتّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بادِياً نَواجِدُها ، مَمْلُوؤةً أَخْلافُها، حُلواً رَضاعُها ، عَلقَماً عاقِبَتُها ، أَلا وفي غَدٍ وَسَيَأْتِي عَدْ بِما لا تَعْرِفُونَ، يَأْخُذُ الوالي مِنْ غَيرها عُمّالَها عَلَى مَساوىء أَعْمالِها، وتُخْرِجُ لَهُ الأَرْضُ أَفاليذَ كَبِدِهَا ، وَتُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مقاليدها، فَيُريكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ، ويُحْيِي مَيْتَ الْكِتابِ وَالسُّنَّةِ(1)
(الساق) ما بين الركبة والقدم والجمع سوق قال سبحانه: فطفق مسحاً بالسوق والأعناق، والساق أيضاً الشدّة ومنه قوله تعالى : ويوم يكشف عن ساق ، أي عن شدّة، قال الفيروز آبادي : والتفت الساق بالساق آخر شدة الدنيا بأوّل شدّة الآخرة و(النواجذ) أقصى الأضراس و(الأخلاف) الخلف بالكسر كحمل وأحمال وهو من ذوات الخف والظلف كالثدي للإنسان و(العلقم) الحنظل وقيل قثاء الحمار ويقال لكلّ شيء مرّ .
و(الأفاليذ) جمع أفلاذ وأفلاذ جمع فلذ وهى الق- القطعة من الكبد، هكذا في شرح المعتزلي، وفي «المصباح» للفيومي : الفلذ القطعة من الشيء والجمع فلذ كسدرة وسدر ، وقال الفيروز آبادي : الفلذ بالكسر كبد البعير وبهاء القطعة
: من الكبد ومن الذهب والفضة واللحم والأفلاذ جمعها كالفذ كعنب ومن الأرض كنوزها (الكبد) بفتح الكاف وكسرها وككتف معروف و (المقاليد) المفاتيح .
(إذا) ظرف للزمان المستقبل والناصب فيها شرطها على مذهب المحققين فتكون بمنزلة (متى) (وحيثما) (وأيان) وجزائها على قول الأكثرين كما عزاه إليهم ابن هشام والأظهر هنا أن
1) بحار الأنوار: 549/31 ح 51 ، وميزان الحكمة : 187/1 ح 252 .
يكون ناصبها يعطف لحق التقدم ولما حققه نجم الأئمة حيث قال : العامل في (متى) وكلّ ظرف فيه معنى الشرط شرطه على ما قال الأكثرون ولا يجوز أن يكون جزاؤه على ما قال بعضهم كما لا يجوز في غير الظروف ألا ترى أنك لا تقول أيهم جاءك فاضرب ، بنصب (أيهم)، وأما العامل في (إذا) فالأكثرون على أنه جزاءه، وقال بعضهم: هو الشرط كما في (متى ) وأخواتها ، والأولى أن نفصل ونقول : إن تضمّن إذا معنى الشرط فحكمه حكم أخواته في (متى) ونحوها وإن لم يتضمّن نحو : (إذا) غربت الشمس جئتك بمعنى أجيئك وقت غروب الشمس فالعامل هو الفعل الذي في محل الجزاء وإن لم يكن جزاء في الحقيقة دون الذي في محلّ الشرط وهو مخصص للظروف، انتهى .
ومن المعلوم أن (إذا) في هذا المقام من قبيل (إذا) في قوله : إذا غربت الشمس جئتك ، وليس فيها معنى الشرط، (والباء) في قوله : (حتى تقوم الحرب بكم) بمعنى (في) بدليل قوله تعالى (لا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدُ أَيْسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ﴾ [التوبة : ،108] ، فتكون للظرفية المجازية.
(وبادياً ومملوة وحلواً وعلقماً) منصوبات على الحال والعامل (تقوم)، والمرفوعات بعدها فواعل ورفع (علقماً) لما بعده مع كونه اسماً جامداً لأنه بمعنى المشتق ، أي مريرة عاقبتها .
وقوله : (في غد )متعلق بقوله (يأخذ)، وتقدمه للتوسع، وجملة (وسيأتي غد بما لا تعرفون )معترضه بين الظرف والمظروف، (وسلماً) منصوب على الحال من فاعل (تلقى) ولا بأس بمجهوده لعدم شرطيّة الاشتقاق في الحال أو لتأويله بالمشتق أي تلقى مستسلماً منقاداً كما في قوله اجتهد وحدك أي متوحداً ، وقوله (فيريكم كيف عدل السيرة)، (الفاء) فصيحة (وكيف) خبر مقدم وهو ظرف عند سيبويه وموضعها نصب وما بعدها متبدأ والجملة في محلّ النصب مفعول ثان (ليريكم)، وعلق عنها العامل لأجل الاستفهام ، والمعنى يريكم عدل السيرة على أي نحو .
اعلم أن هذه الخطبة حسبما ذكره السيد (رحمت الله) واردة في ذكر الملاحم أي الوقائع العظيمة المتضمنة للقتل والاستئصال ، واتفق الشراح على أنّ هذا الفصل منها إشارة إلى ظهور القائم المنتظر عجل الله فرجه وسهل الله مخرجه وجعلنا الله فداه ومنحنا إتباع آثاره وهداه.
فقوله : (يعطف الهوى على الهدى ) يريد به أنه علیه السلام إذا ظهر يردّ النفوس الهائرة عن سبيل الله التابعة لظلمات أهوائها عن طرقها الفاسدة ومذاهبها المختلفة إلى سلوك النهج القويم والضراط المستقيم، فتهدي الأمم بظهوره وتسفر الظلم بنوره وذلك ( إذا عطفوا الهدى على
الهوى ) أي إذا ارتدت تلك النفوس عن اتباع أنوار هدى الله تعالى في سبيله الواضح إلى اتباع أهوائها فيجدّد الشريعة المحمدية بعد اندحاضها، ويبرم عقدها بعد انتفاضها، ويعيدها بعد ذهابها وانقراضها.
(ويعطف الرّأي على القرآن ) أي يردّ الآراء الفاسدة المخالفة للقرآن عليه ويأمر بالرجوع إليه، ويأخذها وفق الكتاب وطرح ما خالفه في كل باب وذلك (إذا عطفوا القرآن على الرأي ) وتأوّلوه على ما يطابق مذاهبهم المختلفة وآرائهم المتشتتة فإن فرق الإسلام من المرجية والمشبهة والكرامية والقدرية والمعتزلة وغيرها قد تمسّك كلّ على مذهب الفاسد واستشهد على رأيه الكاسد بآيات الكتاب وزعم أن ما رآه ودان به إنّما هو الحق والصواب مع أن كلاً منهم قد حاد عن سوى الصراط، واعتسف في طرفي التفريط والإفراط، العدولهم عن قيم القرآن، واستغنائهم عن خليفة الرّحمن، وتركهم السؤال عن أهل الذكر والرجوع إلى ولي الأمر، وإنّما يعرف القرآن من خوطب به ومن نزل ببيته ، وهم أهل بيت النبوة ومعدن الوحي والرّسالة، فمن رجع في تفسيره إليهم كالشيعة الإمامية فقد اهتدى، ومن استغنى برأيه عنهم فقد ضلّ وغوى، ومن فسره برأيه فليتبوأ مقعده النار ، وليتهيأ غضب الجبار .
والفصل الثاني منها إشارة إلى الفتن التي تظهر عند ظهور القائم علیه السلام وهو قوله علیه السلام (حتى تقوم الحرب بكم على ساق ) أراد به اشتدادها والتحامها ، قال الشارح البحراني والعلامة المجلسي : وقيامها على ساق كناية عن بلوغها غايتها في الشدّة.
وأقول : والتحقيق أنه أريد بالساق الشدّة فتكون تقوم بمعنى تثبت فتكون مجازاً في المفرد ويكون المجموع كناية عن اشتدادها، وإن أريد بالساق ما بين القدم والركبة فيكون الكلام من باب الاستعارة التمثيلية حيث شبه حال الحرب بحال من يقوم ولا يقعد ، على حد قولهم للمتردّد : أراك تقدّم رِجلاً وتؤخر أخرى، ولا تجوز على ذلك في شيء من مفرداته.
وكذا لو قلنا إن المجموع مركب من تلك المفردات موضوع للإفادة المركب من معانيها، ولم يستعمل فيه واستعمل في مشابهه على طريق التمثيل بأن شبه ثبات الحرب واستقرارها بصورة موهومة وهي قيامها على ساق، فعبر عن المعنى الأول بالمركب الموضوع للمعنى الثاني، كما ذهب عليه جماعة من الأصوليين من أنّ المركبات موضوعة بإزاء معانيها التركيبية كما أنّ المفردات موضوعة بإزاء معانيها الإفرادية.
ويمكن أن يقال: إنّ الحرب نزلت منزلة إنسان ذي ساق على سبيل الاستعارة بالكناية ، ويكون ذكر السّاق تخييلاً والقيام ترشيحاً وكيف كان فالمراد الإشارة إلى شدتها.
وهو المراد أيضاً بقوله (بادياً نواجذها) لأنّ بدو التواجد وظهورها من أوصاف الأسد عند غضبه وافتراسه ، فأثبته للحرب على سبيل التخييل بعد تنزيلها منزلة الأسد المغضب
باعتبار الشدّة والأذى على الاستعارة بالكناية .
وقال الشارح المعتزلي : والكلام كناية عن بلوغ الحرب غايتها كما أن غاية الضحك أن تبدو النواجذ، واعترض عليه البحراني بأنّ هذا وإن كان محتملاً إلا أن الحرب مظنة إقبال الغضب لا إقبال الضحك فكان الأوّل أنسب ، أقول : ويستظهر الثاني بجعله من باب التهكم .
وقوله : (مملؤة أخلافها ) تأكيد ثالث لشدّتها نزلها منزلة الناقة ذات اللبن فى استعدادها واستكمالها عدتها ورحالها كما تستكمل الناقة باللبن وتهيؤه لولدها، وذكر الأخلاف تخييل والمملؤة ترشيح .
وأراد بقوله : (حلواً رضاعها وعلقماً عاقبتها ) أنها عند إقبالها تستلذ وتستحلي بطمع الظفر على الأقران والغلبة على الشجعان، ويكون آخرها مرّاً لأنّه القتل والهلاك، ومصير الأكثر إلى النار، وبئس القرار وفي هذا المعنى قال الشاعر :
الحرب أوّل ما تكون فتية *** تسعی بزینتها لكلّ جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها *** عادت عجوزاً غير ذات خليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت *** مكروهة للشم والتقبيل
ثمّ أشار إلى بعض سيرة القائم فقال (ألا وفي غد وسيأتي غد بما لا تعرفون )تنبيه على عظم شأن الغد الموعود بمجيئه وعلى معرفته بما لا يعرفون ( يأخذ) أي يؤاخذ (الوالي من غيرها عمالها على مساوىء أعمالها ) قال الشارح المعتزلي هذا الكلام منقطع عما قبله ، وقد كان تقدم ذكر طائفة من الناس ذات ملك وأمرة فذكر علیه السلام أن الوالي من غير تلك الطائفة يعني الإمام الذي يخلفه في آخر الزمان يأخذ عمال هذه الطائفة بسوء أعمالهم أي يؤاخذهم بذنوبهم .
أقول : ومن هذه المؤاخذة ما ورد في رواية أبي بصير ومن غيره من أنه علیه السلام إذا ظهر أخذ مفتاح الكعبة من بني شيبة وقطع أيديهم وعلّقها بالكعبة وكتب عليها هؤلاء سراق الكعبة .
ووردت الأخبار أيضاً بملك الجبابرة والولاة السوء عند ظهوره علیه السلام في النبوي الذي رواه «كاشف الغمّة» من كتاب «كفاية الطالب » عن الحافظ أبي نعيم في فوائده والطبراني في معجمه الأكبر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : سيكون بعدي خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الأمراء ملوك جبابرة، ثمّ يخرج المهدي من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جورا (1).
1) كتاب الأربعين : 207 ، وميزان الحكمة : 179/1 ح 232 .
( وتخرج له الأرض أفاليذ كبدها) استعار لفظ الكبد لكنوز الأرض وخزائنها والجامع مشابهة الكنوز للكبد في الخفاء وبذلك الإخراج فسّر قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَنْقَالَهَا الزلزلة : 2] في بعض التفاسير (وتلقى إليه سلماً ) أي منقاداً (مقاليدها ) ومفاتيحها قال الشارح البحراني : أسند لفظ الإلقاء إلى الأرض مجازاً لأن الملقى للمقاليد مسالماً هو أهل الأرض وكنّى بذلك عن طاعتهم وانقيادهم أجمعيهن لأوامره وتحت حكمه .)أقول : والأقرب أن يراد بإلقاء المقاليد فتح المدائن والأمصار.وقد أشير إليهما أعني إخراج الكنوز وإلقاء المقاليد في رواية نبوية عامية هي ما رواه في «كشف الغمة» عن الحافظ أبي نعيم أحمد بن أبي عبد الله بإسناده عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : بينكم وبين الروم أربع هدن يوم الرابعة على يد رجل من آل هرقل يدوم سبع سنين ، فقال له رجل من عبد القيس يقال له المستورد بن غيلان : يا رسول الله من إمام الناس يومئذ؟ قال : المهدي من ولدي ابن أربعين سنة كأن وجهه كوكب دري في خده الأيمن خال أسود عليه عباءتان قطوانيتان كأنه رجال من بني إسرائيل يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الشرك (1.)(فيريكم كيف عدل السيرة أي العدل في السيرة أو السيرة العادلة (ويحيي ميت الكتاب والسنّة) أي يعمل بهما ويحمل الناس على أحكامهما بعد اندراس أثرهما وهو إشارة إلى بعض سيره علیه السلام عند قيامه وطريقة أحكامه .)وقد أشير إلى نبذ منها ومن علامات ظهورها فيما رواه «كاشف الغمة » عن الشيخ المفيد (رحمت الله في كتاب «الإرشاد» قال : قال : فأما سيرته علیه السلام عند قيامه وطريقة أحكامه وما يبينه الله تعالى من آياته فقد جاءت الآثار به حسب ما قدمناه .)فروى المفضل بن عمرو الجعفي قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول : إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعى الناس إلى نفس وناشدهم الله ودعاهم إلى حقه وأن يسير فيهم بسنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ويعمل فيهم بعمله، فيبعث الله تعالى جبرئيل حتّى يأتيه فنزل على الحطيم ويقول له : إلى أي شيء تدعو ؟ فيخبره القائم صلی الله علیه واله وسلم ، فيقول جبرئيل : أنا أوّل من يبايعك وابسط يدك فيمسح على يده وقد وافاه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً فيبايعونه ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف (2.)وروى محمد بن عجلان عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إذا قام القائم علیه السلام دعى الناس إلى
الإسلام جديداً، وهديهم إلى أمر قد دثر فضل عنه الجمهور، وإنّما سمّي القائم مهديّاً لأنه هدى إلى أمر مضلول عنه، وسمّى بالقائم لقيامه بالحق .وروى أبو بصير قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، وحول المقام إلى الموضع الذي كان فيه ، وقطع أيدي بني شيبة وعلّقها بالكعبة، وكتب عليها هؤلاء سراق الكعبة (1.)وروى أبو الجارود عن أبي جعفر علیه السلام في حديث طويل أنه إذا قام القائم فيخرج منها بضعة عشر ألف أنفس يدعون التبرية ، عليهم السلاح، فيقولون له : ارجع من حيث جئت فلا حاجة بنا إلى بني فاطمة، فيضع عليهم السّيف حتى يأتي إلى آخرهم ثم يدخل الكوفة فيقتل فيها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها ويقتل مقاتلتها حتى يرضي الله عزّ وجل .وروى أبو خديجة عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قال : إذا قام القائم جاء بأمر جديد كما دعى رسول الله في بدو الإسلام إلى أمر جديد.وروى عليّ بن عقبة عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور وأمنت به السبل وأخرجت الأرض بركاتها وردّ كلّ حق إلى أهله ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [آل عمران 83] ، وحكم في النّاس بحكم داود وحكم محمّد صلّى الله عليهما فحينئذ تظهر الأرض كنوزها وتبدي بركاتها فلا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته ولا لبره ، لشمول الغنى جميع المؤمنين ثم علیه السلام قال إن دولتنا آخر الدول ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا لئلا يقولوا إذا رأو سيرتنا إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عزّ وجل : وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (2[الأعراف : 128 ] .)وروی «کاشف الغمة » أيضاً عن الشيخ الطبرسي عن أبي جعفر علیه السلام قال : المنصور القائم منا منصور بالرّعب ، مؤيد بالنصر ، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر الله دينه على الذين كله ولو كره المشركون فلا يبقى على وجه الأرض خراب إلا عمر ، وينزل روح الله عيسى ابن مريم فيصلي خلفه (3.)قال الرّاوي : فقلت يا ابن رسول الله ومتى يخرج قائمكم؟ قال : إذا تشبه الرجال بالنساء
والنّساء بالرجال واكتفى الرّجال بالرجال والنساء بالنساء، وركب ذوات الفروج السروج، وقبلت شهادة الزور وردّت شهادات العدل ، واستخف الناس بالزياء وارتكاب الزّناء وأكل الرباء، واتقى الأشرار مخافة ألسنتهم، وخرج السفياني من الشّام ، واليماني من اليمن ، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمد بين الركن والمقام واسمه محمد بن الحسن النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء بأن الحق معه ومع شيعته، فعند ذلك شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا ، فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة واجتمع عليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فأول ما ينطق به هذه الآية : (بَقِيتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [هود : 86] ، ثم يقول : أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم فلا يسلم عليه مسلم إلا قال : السّلام عليك يا بقية الله في الأرض، فإذا اجتمع له العدة عشرة آلاف رجل فلا يبقى في الأرض معبود من دون الله من صنم إلا وقعت فيه نار فاحترق، وذلك بعد غيبة طويلة ليعلم الله من يطيعه بالغيب ويؤمن به (1). تنبيه
قال الشارح المعتزلي في شرح هذا الفصل من الخطبة : هذا إشارة إلى إمام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان وهو الموعود به في الأخبار والآثار، انتهى .
أقول : لا خلاف بین العامة والخاصة في أن الله يبعث في آخر الزمان حجة يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً ، وأنه المهدي من أولاد فاطمة سلام الله عليها، وإنما وقع الخلاف في وقت ولادته وتعيين أمه وأبيه .
فذهب العامة إلى أنّه يخلقه الله في مستقبل الزمان وأنه غير موجود الآن استناداً إلى حجج ضعيفة ووجوه سخيفة مذكورة في محالها ، وعمدة أدلتهم استبعاد طول عمره الشريف، فإنّ بنية الإنسان على ما هو المشاهد بالعيان يأخذها السن ويهدمها طول العمر والعناصر لا يبقى تركيبها أزيد من العمر المتعارف .
وذهبت الخاصة إلى أنّه الإمام الثاني عشر صاحب الزمان محمد بن الإمام حسن العسكري ابن الإمام علي الهادي ابن الإمام محمد الجواد بن عليّ الرّضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين الشهيد ابن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام ، وأمه نرجس أم ولد وأنه حي موجود الآن غائب عن أعين الناس لمصالح اقتضت غيبته .
فإمامته وغيبته من ضروريات مذهب الإمامية وعليه دلّت الأخبار المتواترة من طرقهم ومن طرق العامة، وقد دونوا فيها أي في الغيبة الكتب، وصنفوا فيها التصانيف مثل كتاب
1) بحار الأنوار : 192/52 ، والأنوار البهية : 375
محمّد بن إبراهيم النعماني الشهير بالغيبة ، وكتاب«الغيبة» للشيخ أبي جعفر الطوسي وكتاب «إكمال الدين وإتمام النعمة » للشيخ الصدوق، والمجلد الثالث عشر من «بحار الأنوار » للمحدّث العلامة المجلسي وغيرها .
بل من العامة من صرّح بتواتر الأخبار عندهم بذلك واستدل على إمامته بروايات كثيرة وبراهين محكمة : مثل الشيخ أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي في كتاب «البيان في أخبار صاحب الزمان» في الجواب عن الاعتراض في الغيبة، وكمال الذين أبو عبد الله محمد طلحة بن محمد بن بن الحسن النصيبي الشافعي في كتاب «مطالب السؤول في مناقب الرّسول»، وإبراهيم بن محمد الحمويني في كتاب «فرائد السمطين » في فضل المرتضى والبتول والسبطين .
وقد أورد المحدّث العلامة السيد هاشم البحراني أكثر ما أورده في كتاب «غاية المرام » وكذلك عليّ بن عيسى الأربلي في «كشف الغمة»، وقد كفانا سلفنا الصالحون ومشايخنا الماضون مؤنة الاستدلال في هذا المقال، وقد أوردوا في كتبهم شبه العامة وأجابوا عنها بوجوه شافية وافية ، ولا حاجة بنا إلى إيرادها إلا الجواب عن قولهم : إنه لا يمكن أن يكون في العالم بشر له من السن ما تصفونه لإمامكم وهو مع ذلك كامل العقل صحيح الحس.
ومحصل الجواب أن من لزم طريق النظر وفرّق بين المقدور والمحال لم ينكر ذلك إلا أن يعدل عن الإنصاف إلى العناد والخلاف، لأن تطاول الزمان للدنيا في وجود الحياة ومرور الأوقات لا تأثير له في القدرة، ومن قرأ الأخبار ونظر في كتاب المعمرين علم أن ذلك ممّا جرت العادة به، وقد نطق الكتاب الكريم بذكر نوح وأنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وقد تظافرت الأخبار بأن أطول بني آدم عمراً الخضر علیه السلام ، وأجمعت الشيعة وأصحاب الحديث بل الأمة بأسرها ما خلا المعتزلة والخوارج على أنه موجود في هذا الزمان كامل العقل صحيح الحسن معتدل المزاج، ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكتاب .
وفي حديث الصدوق بإسناده عن الصادق علیه السلام : وأما العبد الصالح أعني الخضر علیه السلام فإنّ الله ما طول عمره لنبوة قدرها له ، ولا كتاب نزّله عليه ، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء ، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها ، ولا لطاعة يفرضها له، بل إن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم ما يقدر من عمر الخضر، وما قدر في أيام غيبته ما قدر وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، قدر عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم، وليقطع بذلك حجّة المعاندين ، لئلا يكون للناس على الله حجّة (1).
1) مجمع النورين : 243
ولا خلاف أيضاً أن سلمان الفارسي أدرك رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وقد قارب أربعمائة سنة، فهب أن المعتزلة والخوارج يحملون أنفسهم على دفع الأخبار فكيف يمكنهم دفع القرآن في عمر نوح وفي دوام أهل الجنة والنار ، ولو كان ذلك منكراً من جهة العقول لما جاء به القرآن، فمن اعترف بالخضر علیه السلام لم يصح منه هذا الاستبعاد، ومن أنكره فحجته الأخبار والآثار المنبئة عن طول عمر المعمرين زائداً على قدر المعتاد المتعارف .
وقال محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي : وأمّا بقاء المهدي علیه السلام فقد جاء في الكتاب والسنة، أما الكتاب فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عزّ وجل: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى كُلِهِ، وَلَوْ : الدين كله ولو كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة : 33] قال : هو المهدي علیه السلام من عترة فاطمة، وقد قال مقاتل بن سليمان في تفسير قوله عزّ وجلّ : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف: 61]، قال هو المهدي يكون في آخر الزمان ويكون بعد خروجه قيام الساعة وإماراتها وأما السنة فقد تقدم في كتابنا هذا من الأحاديث الصحيحة الصريحة، انتهى .)ولا حاجة بنا إلى إطالة الكلام في هذا المقام وذكر وجوه النقض والإبرام، لأن في كتب علمائنا الصالحين هداية للمسترشد ، وغنية للطالب، وإبطالاً لقول المنكر المجاحد، ولنعم ما قيل فيه علیه السلام :بهم عرف النّاس الهدى فهداهم *** يضل الذي يقلى ويهدي الذي يهوىمو الاتو فرض وح-ي-ه--م ه--دى *** وطاعتهم قربى ووده-م ت-ق-وى
#### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن امام عالی مقام است در ذکر واقعات عظیمه و فتن کثیره که واقع میشود در زمان آینده در وقت ظهور امام زمان و ولی حضرت سبحان ، عجّل الله فرجه ، میفرماید که :برمی گرداند صاحب الزمان (علیه السلام هوای نفس مردمان را بر هدایت در زمانی که برگردانند هدایت را بر هوی و برمی گرداند رأی خلق را بر طبق قرآن در وقتی که برگردانند قرآن را بر طبق رأی .)بعضی از این خطبه اشارت است به شدت ایام ظهور آن بزرگوار ، می فرماید :تا این که قائم شود محاربه به شما بر ساق خود در حالتی که ظاهر شده باشد دندانهای آن حرب چون شیر غضبناك و در حالتی که پر شده باشد پستانهای آن و شیرین باشد شیر دادن آن و تلخ باشد عاقبت آن . آگاه باشید در فردا و زود باشد بیاید فردا به حیثیتی که نمی شناسید شما ، مؤاخذه میکند والی که از غیر آن طائفه است که در روی زمین سلطنت مینمایند عمّال و امراء ایشان را بر بدیهای عمل های ایشان و خارج میکند از برای آن بزرگوار زمین جگرپاره ها (یعنی خزائن و دفائن خود را و بیندازد به سوی او در حالتی که اطاعت کننده است کلیدهای خود را ، پس بنماید به شما که چگونه است عدالت در روش مملکت داری و رعیت پروری و زنده کند مرده کتاب خدا و سنت خاتم الانبياء ( صلى الله عليه واله وسلم) را ، ( یعنی احکام متروکه قرآن و سنت نبوی را احیا مینماید و رواج می دهد و برپامی دارد ).)
### الفصل الثاني منها#### اشارةكَأَنّي قَدْ نَعَقَ بِالشّام، وفَحَصَ بِرَايَاتِهِ في ضواحي كُوفانَ، فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ ، وفَرَشَ الأَرْضَ بِالرُّؤُوسِ قَدْ فَغَرَتْ فَاغرتُهُ، وثَقَلَتْ فِي الأَرْضِ وَطاتُهُ، بَعيدُ الجَوْلَةِ، عَظِيمُ الصَّوْلَةِ، وَاللهِ لَيُشَرْدَنَّكُمْ فِي أَطْرافِ الأَرْضِ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلا قَلِيلُ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، فَلا تَزالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَوْبَ إلَى الْعَرَبِ عَوازِبُ أَحْلامِها ، فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقائِمَةَ، وَالآثَارَ الْبَيْنَةَ ، وَالْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذي عَلَيْهِ باقي النُّبُوَّةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّما يُسَنّي لكُمْ طُر ، قَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَه (1.)#### اللغة(نعق الراعي ينعق من باب ضرب نعيقاً صاح بغنمه وزجرها و(فحصت) عن الشيء وتفخصت استقصيت في البحث، وفحص المطر التراب قلبه وفحص فلان أسرع و(ضواحي) البلد نواحيه البارزة لأنها تضحي وقيل ما قرب منه من القرى و (الضروس) الناقة السيئة الخلق و (فغر ) الفم فغراً من باب نفع انفتح وفغرته فتحته يتعدى ولا يتعدى و (شرد) البعير شروداً من باب قعد ند ونفر وشزدته تشريداً و (عزب) الشيء عزوباً من باب قعد أيضاً بعد وعزب من بابي قتل وضرب غاب وخفي فهو عازب والجمع عوازب و (سناه) تسنية سهله وفتحه و(العقب) مؤخر القدم .)#### الإعراب(الباء في قوله : (بالشام)، بمعنى (في)، وفي قوله : ( وفحص براياته)، للمصاحبة أو زائدة وقال الشارح المعتزلي : لههنا مفعول محذوف تقديره (وفحص الناس براياته) أي نحاهم وقلبهم يميناً وشمالاً.)أقول : إن كان فحص بمعنى أسرع فلا حاجة إلى حذف المفعول وعلى جعله بمعنى قبل فيمكن جعل براياته مفعولاً ( والباء فيها زائدة، وقوله : ( بعيد الجولة) منصوب على الحال وكذلك عظيم الصولة ويرويان بالرفع فيكونان خبرين لمبتدأ محذوف، وإضافتها لفظية لأنها من إضافة الصفة إلى فاعلها.)قال نجم الأئمة الرّضي : وأمّا الصفة المشبهة فهي أبداً جائزة العمل ، فإضافتها أبداً
1) بحار الأنوار: 55/31.
لفظية ، (والفاء في قوله : (فالزموا) فصيحة .)#### المعنىأعلم أن هذا الفصل من كلامه علیه السلام الظاهر أنه إشارة إلى السفياني كما استظهره المحدث العلامة المجلسي طاب ثراه، وقال أكثر الشراح إنّه إخبار عن عبد الملك بن مروان ، وذلك لأنه ظهر بالشام حين جعله أبوه الخليفة من بعده وسار لقتال مصعب بن الزبير إلى الكوفة بعد قتل مصعب مختار بن أبي عبيدة الثقفي فالتقوا بأرض مسكن بكسر (الكاف من نواحي الكوفة، ثمّ قتل مصعباً ودخل الكوفة فبايعه أهلها ، وبعث الحجاج بن يوسف إلى عبدالله بن الزبير بمكة فقتله وهدم الكعبة وذلك سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وقتل خلقاً عظيماً من العرب في وقائع عبد الرحمن بن الأشعث .)إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه علیه السلام فنقول قوله (كأني به أي كأني أبصر بالشخص الذي يظهر وأراه رأي العين (قد نعق) وصاح بجيشه للشخوص( بالشام وفحص ) أي أسرع (براياته في ضواحي كوفان ) أي أطراف الكوفة ونواحيها البارزة (فعطف عليها عطف الضروس) شبّه عطفه أي حمله بعطف الناقة السيئة الخلق التي تعض حالبها لشدة الغضب والأذى الحاصل منه كما فيه .)(وفرش الأرض بالرؤوس استعارة تبعية أي غطاها بها كما يغطي المكان بالفراش، أو استعارة بالكتابة حيث شبه الرؤوس بالفراش في كون كلّ منهما ساتراً لوجه الأرض ومغطياً لها فيكون ذكر فرش تخييلاً والأظهر جعله كناية عن كثرة القتلى فيها (قد فغرت فاضرته ) استعارة بالكناية حيث شبّه بالسبع الضاري يصول وينفتح فمه عند الصيال والغضب فأثبت الفغر تخييلاً.)( وثقلت في الأرض وطأته كناية عن استيلائه وتمكنه فی الأرض لا عن ظلمه وجوره كما توهّمه الشارح المعتزلي إذ لا ملازمة بين ثقل الوطي والجور عرفاً كما هو ظاهر (بعيد الجولة ) أي جولان خيوله وجيوشه في البلاد واتساع ملكه أو جولان رجاله في الحروب بحيث لا يتعقبه السكون (عظيم الصولة) أي صياله في القتال .)ولما فرغ من صفاته العامة أشار إلى ما يفعله بهم مفتتحاً بالقسم البار تحقيقاً لوقوع المخبر به وتحققه لا محالة فقال (والله ليشردتكم أي يطردنكم ويذهبن بكم (في أطراف الأرض حتى لا يبقى منكم إلا قليل كالكحل في العين ) شبه الناجي من شرهم بالكحل بالاشتراك في القلة (فلا تزالون كذلك ) مشرّدين مطرودين منقضين محتقرين (حتى تؤب) وترجع ( إلى العرب عوازب أحلامها ) أي ما كان ذهب من عقولهم العملية في نظام أحوالهم وانتظام أمورهم .)
قال الشارح المعتزلي : والعرب ههنا بنو العباس ومن اتبعهم من العرب أيام ظهور الدولة كقحطبة بن شبيب الطائي وابنيه حميد والحسن وكبني رزيق بتقديم الراء المهملة منهم طاهر بن الحسين وإسحاق بن إبراهيم المصعبي وعدادهم في خزاعة وغيرهم من العرب من شيعة بني العباس وقد قيل إن أبا مسلم أيضاً عربي أصله، وكلّ هؤلاء وآباؤهم كانوا مستضعفين مقهورين مغمورين في دولة بني أمية لم ينهض منهم ناهض ولا وثب إلى الملك واثب إلى أن أفاء الله تعالى هؤلاء ما كان ذهب وعزب عنهم من انائهم وحميتهم فغاروا للدين والمسلمين من جور بني مروان وظلمهم وقاموا بالأمر وأزالوا تلك الدولة التي كرهها الله تعالى وأذن في انتقالها.ثمّ أمرهم باتباع السنة النبوية وسلوك جادة الشريعة بقوله (فالزموا السنن القائمة والآثار البينة أي الواضحة الرّشد (والعهد القريب الذي عليه باقي النبوة) يعني عهده وأيامه علیه السلام .)قال الشارح المعتزلي : وكأنه علیه السلام خاف من أن يكونوا بإخباره لهم بأن دولة هذا الجبار تنقضي إذا آبت إلى العرب عوازب أحلامها يتوهمون وجوب اتباع ولاة الدولة الجديدة في كل ما تفعله ، فوصاهم بهذه الوصية، أنّه إذا تبذلت تلك الدولة فالزموا الكتاب والسنة والعهد الذي فارقتكم عليه .ثم نبه على خدع الشيطان وتسهيله طرق المعاصي لينتبهوا عليها ويحذروا منها فقال (واعلموا أن الشيطان يسنى ويسهل (لكم طرقه لتتبعوا عقبه ) حتى يوقعكم في العذاب الأليم والخزي العظيم .)
#### الترجمةاین فصل از خطبه اشارت است به فتنه سفیانی که قبل از ظهور امام زمان (علیه السلام خروج خواهد کرد یا به فتنه عبدالملك بن مروان عليه اللعنة و النيران ، مى فرماید که :)گویا مینگرم به او در حالتی که فریاد کند در شام و برگرداند علمهای خود را یا سرعت می کند با علمهای خود در اطراف شهر کوفه ، پس حمله می کند بر می آن اطراف مثل حمله کردن ناقه بدخلق گزنده به دندان بردوشندگان خود و فرش می کند زمین را با سرهای مردمان در حالتی که گشاده شود دهان او به جهت استیصال قبائل مثل سبع صائل و سنگین باشد در زمین قدم نهادن او در حالتی که دور و دراز باشد جولان او در شهرها و بزرگ باشد حمله او . قسم به ذات پاک خدا که البته پراکنده گرداند شما را در اطراف زمین به ظلم و جفا تا این که باقی نماند از شما مگر اندکی مانند سرمه در چشم ، پس ثابت میباشید تا این که بازگردد به سوی جماعت عرب عقلهای غایب شده ایشان و چون که حال بر این منوال باشد ، پس لازم شوید بر سنتهای ثابته و نشانهای واضحه و بر عهده و پیمان نزديك كه که بر او است باقی پیغمبری و بدانید که به درستی شیطان ملعون جز این نیست که آسان می گرداند از برای شما راههای خود را تا تبعیت نمایید در عقب او .
## ومن كلام له علیه السلام في وقت الشورى وهو المائة والتاسع والثلاثون من المختار في باب الخطب### اشارةلَنْ يَسْرَعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلى دَعْوَةِ حَقٌّ، وصِلَةِ رَحِم، وعائدَةِ كَرَم ، فَاسْمَعُوا قَوْلي، وَعُوا مَنْطِقي، عَسَى أَن تَرَوْا هَذَا الأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْم تُنتضَى فِيهِ السَّيُوفُ، وتُخانُ فيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُون بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لأَهْلِ الضَّلالَةِ، وشيعَةَ لأَهْلِ الْجَهَالَةِ (1.)### اللغة(العائدة المعروف والصّلة والعطف والمنفعة ومنه يقال : فلان كثير العائدة وهذا أعود أي أنفع و (عوا) جمع ع أمر من وعيت الحديث وعياً من باب وعد حفظته وتدبرت فيه و (نضوت) السّيف من غمده وانتضيته أخرجته.)### الإعرابقوله : (إلى دعوة حق في بعض النسخ دعوة بالتنوين فيكون (حق) صفة له وفي بعضها بالإضافة والإضافة محضة وكذلك الإضافة (في صلة رحم وعائدة كرم) ، (وعسى) في قوله: (عسى أن تروا ) للإشفاق في المكروه.)### المعنىاعلم أنّ هذا الكلام كما أشار إليه السّيد (رحمت الله ونبه عليه الشارح المعتزلي من جملة كلام قاله لأهل الشورى بعد وفاة عمر، وقد مضى أخبار الشورى ومناشداته علیه السلام مع أهل الشورى في التذييل الثاني والثالث من شرح الفصل الثالث من الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية وفيها كفاية لمن أراد الإطلاع .)وأقول ههنا : إنّ غرضه علیه السلام بهذا الفصل من كلامه تنبيه المخاطبين وتحذيرهم من الإقدام على أمر بغير تدبّر وتثبت وروية ، ونهيهم عن التسرع والعجلة كي لا تكون بيعتهم فلتة فيتورّطوا في الهلكات ويلقوا بأيديهم إلى التهلكة .وقدم جملة من فضائله تحريضاً لهم على استماع قوله وترغيباً على حفظ منطقه فقال( لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق أي لن يبادر أحد قبلي إلى إجابة الدعاء الحق فما لم أجب)
1) كتاب الأربعين : 211 ، وميزان الحكمة: 1528/2.
إليه لا يكون حقاً أولن يسبقني أحد إلى أن يدعو إلى حق فما لم أدع إليه لا يكون حقاً، وفي بعض النسخ (لم يسرع بدل (لن يسرع ) فيكون الغرض أن نظري كان فيما مضى إلى الحق فكذلك يكون فيما يستقبل، وكيف كان فالمقصود به الإشارة إلى كونه مع الحق وكون الحق معه كما هو منطوق الحديث النبوي المعروف بين الفريقين .)(وصلة رحم وعائدة كرم أي معروف وإحسان وانعام (فاسمعوا قولي) فإنّ الرّشد في سماعه (وعوا منطقي) فإن النفع والصلاح في حفظه، وإنّما أمرهم بالحفظ والسّماع ليتنبهوا على عاقبة أمورهم وما يترتب عليها من الهرج والمرج فكأنّه يقول إذا كان بناء الأمر أي بناء أمر الخلافة على الخبط والاختلاط والتقلب فيه على أهله ومجاذبة من لا يستحقه :)ف (عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم بحال (تنتضي) وتشتهر (فيه السيوف وتخان فيه العهود) قال الشارح البحراني : وهو إشارة إلى ما علمه من حال البغاة عليه والخوارج والناكثين لبيعته ، فقوله: (حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة) غاية للتغلب على هذا الأمر وأشار بالأئمة إلى طلحة والزبير وبأهل الضلالة إلى اتباعهم وبأهل الجهالة إلى معاوية ورؤساء الخوارج وسائر بني أمية ، وبشيعة أهل الجهالة إلى اتباعهم، انتهى .)أقول : وفيه ما لا يخفى، لأن هذا الكلام إنما قاله في وقت الشورى حيث ما أرادوا عقد البيعة لعثمان ، وكان مقصوده به الإيقاف عن بيعته والتحذير عنه بما كان يترتب عليها من المفاسد ويتعقبها من المضار، فلا ارتباط لخروج الخوارج ونكث الناكثة وبغي القاسطة بهذا المقام حتى يكون كلامه علیه السلام إشارة إليها ، لعدم ترتب تلك الأمور على بيعة عثمان، وإنّما ترتبت على بيعته علیه السلام كما هو واضح .نعم لو كان يقوله لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان مثل ما تقدّم في الخطبة الإحدى والتسعين لم يتأمل في كونه إشارة إلى ما قاله الشارح، وبعد ذلك كله فالأولى أن يجري كلامه مجرى العموم من دون أن يكون إشارة إلى خصوص حال طائفة مخصوصة .وإن كان ولا بد فالأنسب أن يشار به إلى ما ترتب من بيعة عثمان من المفاسد فيكون المراد بالسيوف المنتضاة ما سلت يوم الدار لقتل عثمان، وبالعهود التي خينت فيها ما عهده عثمان لأهل مصر أو خيانته في عهود الله عزّ وجلّ وأحكامه ، وخيانة طلحة والزبير وأمثالهما في ما عقدوا وعهدوا من بيعة عثمان، ويكون قوله : أئمة لأهل الضلالة، إشارة إلى طلحة والزبير حيث كانا أشد الناس إغراء على قتل عثمان وتبعهما أكثر الناس، ووصفهم بالضلالة باعتبار عدم كون قتلهم له على وجه مشروع ظاهراً وقوله : شيعة لأهل الجهالة، إشارة إلى مروان وأضرابه من شيعة عثمان وتبعه الحامين له والذابين عنه .
ويمكن ما قاله الشارح بأن فساد الناكثين والقاسطين والمارقين مما تولّد من بيعة عثمان ونشأ من خلافته، وذلك لأنه فضل في العطاء وراعى جانب بني أمية وبني أبي معيط على سائر النّاس، فلما قام أمير المؤمنين علیه السلام بالأمر تمنى طلحة والزبير منه أن يعامل معهما معاملة عثمان الأقربائه من التفضيل في العطاء والتقريب، فلما لم يحصل ما أملا نكثا، وتبعهما من كان غرضه حطام الدنيا ، وكذلك أقر معاوية على عمل الشام حتّى قويت شوكته، فلما نهض أمير المؤمنين بالخلافة أبى واستكبر من البيعة له وبغي وأجابه القاسطون فكانت وقعة صفين ومنها كان خروج الخوارج، فهذه المفاسد كلها من ثمرات الشجرة الملعونة ومعائب الشورى، والله العالم .### الترجمةاز جمله کلام هدایت نظام آن امام انام است در وقت شوری ، میفرماید که :هرگز مبادرت نمیکند احدی پیش از من به سوی دعوت حق و به رعایت صلهرحم و بر احسان و کرم ، پس گوش کنید گفتار مرا و حفظ نمایید سخنان مرا ، مبادا که ببینید این امر خلافت را که کشیده میشود در او شمشیرها و خیانت کرده شود در او عهدها تا آن که باشد بعضی از شما پیشوایان اهل ضلالت و گمراهی و شیعیان اهل جهالت و نادانی .
## ومن كلام له علیه السلام فی النهي عن غيبة الناس وهو المائة والأربعون من المختار في باب الخطب### اشارةوإِنَّما يَنبَغِي لأهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْمَصْنُوع إِلَيْهِمْ في السَّلامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوب وَالْمَعْصِيَّةِ، ويَكُونَ الشَّكْرَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ، وَالْحَاجِزُ لَهُمْ عَنْهُمْ، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذي عابَ أَخاهُ وعَيَّرَهُ بِبَلْواهُ، أَما ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عابه بِهِ، وكَيْفَ يَذْمُهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى الله فيما سواهُ مِمّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وأَيْمُ اللهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصاهُ فِي الْكَبِيرِ وعَصاهُ فِي الصَّغِيرِ لِجُرْءَته عَلى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ ، يا عَبْدَ اللهِ لاَ تَعْجَلَ في عَيْبٍ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلا تَأْمَنْ عَلى نَفْسِكَ صَغَيرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعذَّبٌ عَلَيْهِ ، فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غيرِهِ لِما يَعْلَم مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ، وَلَيْكُنِ الشَّكْرُ شَاغِلاَ لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتَلَى بِهِ غَيْرُهُ (1.)### اللغة(صنع إليه معروفاً من باب منع صنعاً بالضم فعله والإسم الصنيع والصنيعة و(عافاه ) الله من المكروه معافاة وعافية وهب له العافية من العلل والبلاء كأعفاء.)### الإعرابقوله : (ويكون الشكر هو الغالب، بنصب الغالب خبر يكون وعلى ذلك فلفظ (هو) قبله فصل أتى به للدّلالة على أن ما بعده خبر لا تابع له ، وله فائدة معنوية نشير إليه في بيان المعنى، وعلى مذهب البصريين لا محل له من الإعراب، لأنّه عندهم حرف، وقال الكوفيون: له محلّ فقال الكسائي : محله باعتبار ما بعده ، وقال الفراء : باعتبار ما قبله، فمحله بين المبتدأ والخبر رفع ، وبين معمولي ظن نصب ، وبين معمولي (كان) كما في هذا المقام رفع عند الفراء، ونصب عند الكسائي ، وبين معمولي (انّ) بالعكس هذا وفي بعض النسخ الغالب بالرفع فيكون هو مبتدأ والغالب خبره والجملة خبر (يكون).)وقوله : (فكيف بالغائب، (الباء) زائدة في المبتدأ (وكيف) خبر له قدم عليه، وهو طرف على مذهب الأخفش واسم على مذهب سيبويه، فمحله نصب على الأوّل، وعلى الثاني رفع ويتفرع على ذلك أنك إذا قلت كيف زيد فمعناه على الأوّل على أي حال زيد، وعلى)
1) شرح أصول الكافي : 245/11 ، ووسائل الشيعة: 291/15
الثاني أصحيح زيد مثلاً أم مريض.وأما في قوله ( وكيف يذمّه فهو حال كما نبه عليه ابن هشام حيث قال : ويقع أي كيف خبراً قبل ما لا يستغني عنه نحو كيف أنت وكيف كنت ، ومنه كيف ظننت زيداً وكيف أعلمته فرسك لأنّ ثاني مفعولي (ظنّ) وثالث مفعولات أعلم خبران في الأصل، وحالاً قبل ما يستغني عنه نحو كيف جاء زيد أي على أي حالة جاء زيد ، انتهى .)والاستفهام هنا خارج مخرج التعجب كأنه علیه السلام يتعجب من غيبة الغائب لأخيه ومن مذمة المذنب لمثله، ومن هذا القبيل قوله سبحانه :(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [البقرة : 28] فإنّه أخرج أيضاً مخرج التعجب . وأما في قوله : (أما ذكر موضع ستر الله عليه )، حرف عرض بمنزلة (لولا) فيختصّ بالفعل قال ابن هشام وقد يدعي في ذلك أن الهمزة للاستفهام التقريري مثلها في (ألم) (والأوان) (ما) نافية ، انتهى ، وأراد بالتقرير التقرير بما بعد النفي .
وقد يقال إنها همزة الإنكار ، أي لإنكار النّفي وقال التفتازاني : وأما العرض فمولد من الاستفهام ، أي ليس باباً على حدّه ، فالهمزة فيه همزة الاستفهام دخلت على النّفي وامتنع حملها على حقيقة الاستهفام لأنه يعرف عدم النزول مثلاً فالاستفهام عنه يكون طلباً للحاصل فتولد منه بقرينة الحال عرض النزول على المخاطب وطلبه ، وهي في التحقيق همزة الإنكار، أي لا ينبغي لك أن لا تنزل ، وإنكار النفي إثبات، انتهى .
وقال بعض المحققين : إن حروف التّحضيض تختص بالجمل الفعلية الخبرية فإذا كان فعلها مضارعاً فكونها لطلب الفعل والحض عليه ظاهراً، وأما إذا كان ماضياً فمعناها اللوم على ترك الفعل إلا أنها تستعمل كثيراً في لوم المخاطب على أنه ترك شيئاً يمكن تداركه في المستقبل، فكأنّها من حيث المعنى للتحضيض على فعل مثل (ما فات)، وليكن هذا على ذكره منك ينفعك في معرفة المعنى .
(ومن) في قوله : (من ذنوبه )، إما للابتداء كما في قوله: إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ [النمل: 30] ، أو لبيان الجنس أعني موضع أو للتبعيض أو زائدة في المنصوب كما في قوله: (ما اتخذ الله من ولد ) ، إلا أنه على قول من يجوز زيادتها في الإثبات أي ستر الله عليه ذنوبه، وقوله : (ممّا هو أعظم ) ، إما بدل من ذنوبه أو (من) زائدة ، ويؤيده ما في بعض النسخ من حذف (من) فيكون ما هو أعظم مفعول ستر ، فافهم وتدبّر .)### المعنىاعلم أن هذا الكلام له علیه السلام كما نبه عليه السيد (رحمت الله وارد في مقام النهي عن)
الناس، وهي من أعظم الموبقات الموقع في الهلكات والموجب لانحطاط الدرجات لأنّ المفاسد التي تترتب على ارتكابها أكثر من المفاسد التي تترتب على سائر المنهيات، وضرره ضرر نوعي، وضرر سائر المعاصي شخصي غالباً .بيان ذلك كما قاله الشارح البحراني أنه لما كان من المقاصد المهمة للشارع اجتماع النفوس على هم واحد وطريقة واحدة، وهي سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر والنواهي ولن يتم ذلك إلا بتعاون هممهم وتصافي بواطنهم واجتماعهم على الإلفة والمحبة حتى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه، ولن يتم ذلك إلا بنفي الضغائن والأحقاد والحسد ونحوه، وكانت الغيبة من كلّ منهم لأخيه مثيرة لضغنه، ومستدعية منه مثلها في حقه، لا جرم كانت ضد المقصود الكلي للشارع فكانت مفسدة كلية، انتهى .أقول : هذا هو محصل قوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ [المائدة : 2] وستعرف إن شاء الله معنى الغيبة والأدلة الواردة في ذمها ومفاسدها بعد الفراغ من شرح ما رواه السيد (رحمت الله) . وهو قوله: (وإنما ينبغي لأهل العصمة) وهم الذين الله عصمهم من المعاصي ووقاهم من الجرائر بجعل نفوسهم الأمارة مقهورة لقوتهم العقلانية بما عرفهم من معائب المعاصي ومنافع الطاعات فحصل لهم بذلك ملكة الارتداع عن الذنوب والامتناع عن اقتحام المحارم وهم (المصنوع إليهم في السلامة ) أي الذين اصطنع الله سبحانه إليهم وأنعم عليهم بالسلامة من الانحراف عن صراطه المستقيم والاعتساف عن نهجه القويم، ومن الخروج من النور إلى الظلمات والوقوع في مهاوي الهلكات .
(أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية) لما رأوا منهم الخطيئة والعصيان والغرق في بحر الذل والهوان والتيه في وادي الضلال والخذلان ، والرحمة منهم إنما يحمل بإنقاذهم الغريق من البحر العميق وإرشاد التائه إلى الرّشاد بالتنبه على السداد في العمل والاعتقاد .
(ويكون الشكر ) منهم على ما اصطنع الله إليهم ( هو الغالب عليهم ) والإتيان بضمير الفصل لقصد تخصيص المسند إليه بالمسند أي قصر المسند على المسند إليه على حد قوله سبحانه : (وَأَوَلَتَبكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]، قال صاحب «الكشاف » في هذه الآية : فائدة الفصل الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة ، والتوكيد أي توكيد الحكم بما فيه من زيادة الربط لا التوكيد الإصطلاحي إذ الضمير لا يؤكد الظاهر، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة الله
في المسند إليه دون غيره يعني أنّ اللازم على أهل العصمة أن يكون شكرهم على نعم سبحانه ومن أعظمها عصمته له من الاقتحام في المعاصي هو الغالب عليهم دون غيره ، والشاغل لهم عن حصائد الألسنة وعن التعريض بعيوب الناس (والحاجز لهم عنهم) وعن کشف سؤاتهم وعوراتهم.
وإذا كان اللازم على أهل العصمة مع ما هم عليه من العصمة وترك المعاصي ذلك (فكيف ب-) من هو دونهم من اسراء عالم الحواس والآخذين بهوى الأنفس والمتورطين في الجرائم وموبقات العظائم أعني (العائب الذي عاب) واغتاب (أخاه) بما يكرهه (وغيره) وقرعه (بيلواه) يعني أنّ اللائق بحال أهل العصمة إذا كان ترك التعرض بعيوب الناس فغيرهم مع ما عليهم من العيب أولى بترك التعرض وأحرى .
وقوله (أما ذكر موضع ستر الله عليه من ذنوبه ) توبيخ ولوم لهم على ترك الذكر وتحضيض على تداركه في المستقبل يعني أنه ينبغي له أن يذكر مكان ستر الله عليه ذنوبه مع علمه وإحاطته سبحانه بها صغائرها وكبائرها وبواطنها وظواهرها وسوالفها وحوادثها، وقد ستر عليه من ذنوبه ( مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به ) فإذا ذكر معاملة الله سبحانه مع عبده هذه المعاملة وستره عليه جرائمه وجرائره وعدم تفضيحه له مع علمه بجميع ما صدر عنه من الخطايا والذنوب فكيف به ( وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله ) ولا يذمّ نفسه (فإن لم يكن ركب) مثل (ذلك الذنب بعينه فقد عصى الله سبحانه فيما سواه ما هو أعظم منه وأيم الله) قسما حقاً (لئن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير لجرءته على عيب الناس ) وغيبتهم (أكبر).
ومحصل المراد أنه لا يجوز لأحد أن يغيب أخاه لأنه إما أن يكون بذنب وقد ارتكب الغائب مثله أو أكبر منه أو أصغر ،فإن كان بذنب قد ارتكب مثله أو أكبر كان له في عيب نفسه شغل عن عيب غيره .
وفيه قال الشاعر :
إذا جريت مع السّفيه كما جرى *** نکلا كما في جريه مذموم
وإذا عتبت على السّفيه ولمته *** في مثله ما تأتي فأنت ظلوم
لاتنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
إلى آخر الأبيات التي مرت في شرح الفصل الثاني من الخطبة المائة والرابعة وإن كان بذئب ارتكب أصغر منه فهو ممنوع أيضاً، لأن جرأته على الغيبة وإقدامه عليها أكبر المعاصي باعتبار ما يترتب عليها من المفاسد والمضار الدنيوية والأخروية.
ثم نادى علیه السلام نداء استعطاف فقال (يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعله مغفور له )ولعلّه تائب عنه (ولا تأمن على نفسك صغير معصية فعلك معذب عليه) ومعاتب به .
ثم أكد لهم الوصيّة بقوله (فليكفف من علم منكم عيب غيره) عن غيبته وتوبيخه وتفضيحه (ل-) مكان (ما يعلم عيب نفسه وليكن الشكر شاغلاً له على ) ما أنعم الله سبحانه به عليه من (معافاته) وعصمته له (مما ابتلى به غيره ).
تنبیه
في تحقيق معنى الغيبة والأدلة الواردة في حرمتها وما يترتب عليها من العقوبات ودواعيها ومستثنياتها وعلاجها وكفارتها .
وقد حقق الكلام فيها علماؤنا البارعون قدس الله أرواحهم في كتب الأخلاق والفقه في مقدمات أبواب المعايش بما لا مزيد عليه، بل قد أفرد بعضهم لتحقيقها رسالة مستقلة فأحببنا أن نورد بعض ما فيها حسب ما اقتضته الحال والمجال لكونها من أعظم عثرات الإنسان وأوبق آفات اللسان، فأقول وبالله التوفيق: الكلام في المقام في أمور :
الأمر الأول
في تحقيق معناها ، فأقول : قال الفيومي إغتابه اغتياباً إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حق والاسم الغيبة فإن كان باطلاً فهو الغيبة في بهت ، وفي «القاموس» غابه عابه وذكره بما فيه من السوء، كاغتابه والغيبة بالكسر فعلة منه ، وعن «الصحاح » الغيبة أن يتكلّم خلف إنسان مستور بما يغمّه لو سمعه ، فإن كان صدقاً سمّى غيبة فإن كان كذباً سمّى بهتاناً .
وعن النبي صلی الله علیه واله وسلم وقد سأله أبو ذر عن الغيبة : أنها ذكرك أخاك بما يكرهه .
وفي رواية أخرى عنه صلی الله علیه واله وسلم أتدرون ما الغيبة؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول ، قال صلی الله علیه واله وسلم : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته (1).
والظاهر أن يكون المراد بالذكر في كلامه وكلام غيره كما فهمه الأصحاب الأعم من الذكر القولي وإن كان عبارة «الصحاح» تفيد الاختصاص، فكلّ ما يوجب التذكر للشخص من القول والفعل والإشارة وغيرها فهو ذكر له، وممّن صرّح بالعموم ثاني الشهيدين وصاحب «الجواهر» وشيخنا العلامة الأنصاري في «المكاسب».
قال الغزالي : إن الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه ، فالتعريض به كالتصريح ، والفعل فيه كالقول ، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكلّ ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، فمن ذلك قول عائشة دخلت علينا امرأة فلما ولّت أومأت بيدي أنها قصيرة صلی الله علیه واله وسلم فقال له اغتبتها، ومن ذلك المحاكاة كأن بمشي متعارجاً أو كما يمشي لأنه أعظم في التصوير والتفهيم ولما رأى صلی الله علیه واله وسلم عائشة حاكت امرأة قال صلی الله علیه واله وسلم : ما يسرني أني حاكيت إنساناً ولي كذا وكذا، وكذلك الغيبة بالكتابة فإن القلم
1) شرح كلمات أمير المؤمنين : 38 ح 47 ، وعوالي اللتالي : 275/1 .
أحد اللّسانين (1).
قال شيخنا العلامة الأنصاري : ومن ذلك تهجين المطلب الذي ذكره بعض المصنفين بحيث يفهم منه الإزراء بحال ذلك المصنف فإن قولك : إن هذا المطلب بديهي البطلان تعريض لصاحبه بأنّه لا يعرف البديهيات، بخلاف ما إذا قيل إنه مستلزم لما هو بديهي البطلان، لأن فيه تعريضاً بأن صاحبه لم ينتقل إلى الملازمة بين المطلب وبين ما هو بديهي البطلان، ولعل الملازمة نظرية، هذا .
والمراد من الأخ في النبويين كما صرح به غير واحد من الأعلام هو المسلم فإن غيبة الكافر وإن تسمّى غيبة في اللغة إلا أنّها لا يترتب عليها حكم الحرمة إذ لا أخوة بينه وبين المسلم، بل لا خلاف في جواز غيبتهم وهجوهم وسبهم ولعنهم وشتمهم ما لم يكن قذفاً وقد أمر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حساناً بهجوهم ، وقال : إنّه أشدّ عليهم من رشق النبال .
وبذلك يظهر اشتراك المخالفين للمشركين في جواز غيبتهم كما يجوز لعنهم لانتفاء الأخوّة بينهم وبين المؤمنين ، ولذلك قال ثاني الشهيدين في حدّها : وهو القول وما في حكمه في المؤمن بما يسوءه لو سمعه اتصافه به، وفي «جامع المقاصد» وحدها على ما في الأخبار أن يقول المرء في أخيه ما يكرهه لو سمعه ممّا فيه ، ومن المعلوم أن الله تعالى عقد الأخوّة بين المؤمنين بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات : 10]، دون غيرهم وكيف يتصوّر الأخوّة بين المؤمن والمخالف بعد تواتر الرّوايات وتظافر الآيات في وجوب معاداتهم والبراءة منهم .)فانقدح بذلك فساد ما على الأردبيلي والخراساني (رحمت الله من المنع عن غيبة المخالف نظراً إلى عموم أدلة تحريمها من الكتاب والسنة لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب) [الحجرات : 12]، خطاب للمكلفين أو الخصوص المسلمين، وعلى التقديرين فيعم المخالف والسنّة أكثرها بلفظ النّاس والمسلم وهما معاً شاملان للجميع ولا استبعاد في ذلك إذ كما لا يجوز أخذ مال المخالف وقتله لا يجوز تناول عرضه .)ووجه ظهور الفساد أن ذيل الآية مفيد لاختصاص الخطاب بالمؤمنين، لأن تعليل النهي عنها بأنها بمنزلة أكل لحم الأخ يدلّ على اختصاص الحرمة بمن كان بينه وبين المغتاب أخوة كما أشرنا .قال شيخنا العلامة : وتوهم عموم الآية كبعض الروايات لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم إلا قليلاً مما يتوقف استقامة نظام معاش المؤمنين عليه ، مثل عدم انفعال ما يلاقيهم بالرطوبة، وحلّ ذبائحهم
1) بحار الأنوار: 22472 ، وميزان الحكمة : 2337/3
ومناكحهم وحرمة دمائهم ، لحكمة دفع الفتنة وفسادهم لأن لكل قوم نكاح أو نحو ذلك .وقال صاحب «الجواهر» بعد نقل كلام الأردبيلي : ولعل صدور ذلك منه لشدة تقدّسه وورعه ، لكن لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تظافرت به النصوص بل تواترت من لعنهم وسبهم وشتمهم وكفرهم وأنّهم مجوس هذه الأمة وأشرّ من النصارى وأنجس من الكلاب أن مقتضى التقدس والورع خلاف ذلك، وصدر الآية : الذين آمنوا ، وآخرها التشبيه بأكل لحم الأخ «إلى أن قال »وعلى كل حال فقد ظهر اختصاص الحرمة بالمؤمنين القائلين بإمامة الأئمة الإثنى عشر دون غيرهم من الكافرين والمخالفين ولو بإنكار واحد منهم .ثم الظاهر من المؤمن المغتاب بالفتح أعم من أن يكون حياً أو ميتاً ذكراً أو أنثى بالغاً أو غير بالغ مميزاً أو غير مميز، وقد صرّح بالعموم شيخنا السيد العلامة طاب رمسه في «مجلس الدرس»، ومثله «كاشف الرّيبة » حيث صرّح بعدم الفرق بين الصغير والكبير وظاهره الشمول لغير المميز أيضاً .وقال شيخنا العلامة الأنصاري (قدس الله سره : الظاهر دخول الصبي المميز المتأثر بالغيبة لو سمعها ، لعموم بعض الروايات المتقدّمة وغيرها الدالة على حرمة اغتياب النّاس وأكل لحومهم مع صدق الأخ عليه كما يشهد به قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) [البقرة: 220] ، مضافاً إلى إمكان الاستدلال بالآية وإن كان الخطاب للمكلفين بناءً على عد أطفالهم منهم تغليباً وإن كان دعوى صدق المؤمن عليه مطلقاً أو في الجملة. وعلى ما ذكرناه من التعميم فلا بد أن يراد من السّماع في تعريفهم لها بأنها ذكر المؤمن بما يسوءه لو سمعه الأعم من السماع الفعلي، والمراد بالموصول فيما يسوءه ما يكره ظهوره سواء كره وجوده كالجذام والبرص ونحوهما أم لا كالميل إلى القبائح .
والمستفاد من بعض الروايات كغير واحد من الأصحاب عدم الفرق في ما يكره بين أن يكون نقصاً في الدين أو الدنيا أو البدن أو النسب أو الخلق أو الفعل أو القول أو ما يتعلّق به من ثوبه أو داره أو دابته أو غير ذلك .
أما في الدّين فكقولك هو سارق أو كذاب أو شارب الخمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة أو الزكاة أو لا يحسن الركوع أو السجود أو لا يحترز من النجاسات أو ليس باراً بوالديه .
وأما في الدنيا فكقوله إنّه قليل الأدب متهاون بالنّاس أو لا يرى لأحد على نفسه حقاً أو يرى لنفسه الحق على الناس أو أنه كثير الكلام أو كثير الأكل أو كثير النوم ينام في غير وقته .
وأما البدن فكما تقول إنه طويل أو قصير أو أعمش أو أحول أو أقرع أو لونه أصفر أو أسود ونحو ذلك مما يسوده .
وأما النسب فكقولك : أبوه فاسق أو خسيس أو حجام أو زبال أو ليس بنجيب. وأما الخلق فبأن تقول إنّه سيء الخلق بخيل متكبر مختال مراء شديد الغضب جبان عاجز ضعيف القلب متهوّر وما يجري مجرى ذلك .
وأما الفعل فإما أن يكون متعلقاً بالدين أو الدنيا وقد مر مثالهما .
وأما القول فكقولك إنه كذاب أو سباب أو أنه تمتام أو أعجم أو ألكن أو الثغ أو أليغ ونحو ذلك .
وأما في ثوبه فكقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ التّياب ونحوها.
وأمّا في داره فكما تقول أنه مفحص قطاة أي في الصغر أو كدير النصارى أو نحوهما.
وأما في دابته فكقولك لحصانه إنه برذون أو لبغلته إنّها بغلة أبي دلامة أي كثيرة العيوب دلامة ذلك قصيدة في ذكر معائبها منها قوله :
ولأبي أرى الشهباء تعجن إذ غدونا *** برجليها وتخبزنا بیدین
الثاني في الأدلة الدالة على حرمة الغيبة
وما ترتب عليها من الدّم والعقوبة فأقول : إنها محرمة بالأدلة الأربعة أعني الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فأما الإجماع فواضح، وأما العقل فلأنها موجبة لفساد النظام وانفصام عروة الانتظام، وعليها تبني القبائح ومنها يظهر العدوّ المكاشح على ما مر توضيحه في شرح كلام الإمام علیه السلام .
وأما الكتاب فمنه قوله تعالى: وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات :12] ، فجعل سبحانه المؤمن أخا وعرضه كلحمه والتفكه به أكلاً وعدم شعوره بذلك بمنزلة حالة موته .
قال الفخر الرازي: الحكمة في هذا التشبيه الإشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه وهذا من باب القياس الظاهر، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأنّ ذلك ألم. وقوله : لحم أخيه آكداً في المنع لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدوّ فقال تعالى أصدق الأصدقاء من ولدته أمّك فأكل لحمه أقبح ما يكون، وقوله تعالى: (مَيْتا)، إشارة إلى دفع وهم وهو أن يقال : القول في الوجه يؤلم فيحرم وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم ، فقال : أكل لحم الأخ وهو ميت أيضاً لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع عليه لتألم كما أن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه ذلك، هذا.
والضمير في قوله : فكرهمتوه ، إما راجع إلى الأكل المستفاد من أن يأكل ، أو إلى
اللحم، أي فكما كرهتم لحمه ميتاً فاكرهوا غيبته حياً، أو الميت في قوله ميتاً، والتقدير أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً متغيّراً فكرهتموه فكأنه صفة لقوله ميتاً ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير يعني الميتة إن أكلت لسبب كان نادراً ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلاً فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة.
(والفاء) فيه تفيد التعلّق وترتب ما بعدها على ما قبلها، وهو من تعلّق المسبب بالسبب وترتبه عليه كما تقول جاء فلان ماشياً فتعب، لأن المشي يورث التعب فكذا الموت يورث النفرة والكراهة إلى حد لا يشتهي الإنسان أن يبيت في بيت فيه ميت فكيف يقربه بحيث يأكل منه، ففيه إذا كراهة شديدة فكذلك ينبغي أن تكون حال الغيبة.
ومن الكتاب أيضاً قوله سبحانه: وَيْلٌ لِكُلِ هُمَزَةٍ تُمَزَةٍ [الهمزة: 1] قال الليث : الهمزة هو الذي يعيبك بوجهك ، واللّمزة الذي يعيبك بالغيب ، وقيل : الهمز ما يكون باللسان والعين والإشارة ، واللمز لا يكون إلا باللسان، وقيل: هما بمعنى واحد .
ومنه أيضاً قوله : (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَن ظلم﴾ [النساء : 148] ، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 19] روى في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عزّ وجل (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة) (1)
وأما السنة فيدلّ عليها منها أخبار لا تحصى.
مثل ما رواه في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الغيبة أسرع في دين الرّجل المسلم من الأكلة في جوفه .
قال : وقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : الجلوس في المسجد انتظار الصلاة عبادة ما لم يحدث ، قيل : يا رسول الله وما يحدث. قال الاغتياب (2).
وفيه مسنداً عن مفضّل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام: من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروّته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان (3)
وفي «الوسائل» من المجالس بإسناده عن أبي بصيرة عن النبي صلی الله علیه واله وسلم في وصية له قال : يا أبا ذر إياك والغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزّنا ، قلت : ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنّ الرّجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه ، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها يا أبا ذر سباب المسلم فسوق وقتاله كفر وأكل لحمه من معاصي الله وحرمة ماله كحرمة دمه ، قلت : يا رسول الله وما الغيبة ؟ قال : ذكرك أخاك بما يكرهه ، قلت : يا رسول الله فإن كان فيه الذي يذكر به؟قال : اعلم أنك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته (1).
وفي «الوسائل » عن الحسين بن سعيد في كتاب الزهد مسنداً عن زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : تحرم الجنّة على ثلاثة على المنّان، وعلى المغتاب ، وعلى مدمن الخمر.
وفيه أيضاً عن أبي عبد الله الشامي عن نوف البكالي أنه قال: أتيت أمير المؤمنين وهو في رحبة مسجد الكوفة فقلت : السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، فقلت: يا أمير المؤمنين عظني، فقال: يا نوف أحسن يحسن إليك «إلى أن قال» قلت زدني قال : اجتنب الغيبة فإنّها أدام كلاب النار، ثم قال : يا نوف كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة (2)
وفي «المكاسب» لشيخنا العلامة الأنصاري طاب رمسه عن النبي صلی الله علیه واله وسلم أنه خطب يوماً فذكر الربا وعظم شأنه فقال : إنّ الدّرهم يصيبه الرّجل أعظم من ستة وثلاثين زنية، وإنّ الربا عرض الرّجل المسلم (3).
وعنه صلی الله علیه واله وسلم : من اغتاب مسلماً أو مسلمة لم يقبل الله صلاته ولا صيامه أربعين صباحاً إلا أن يغفر له صاحبه (4).
وعنه صلی الله علیه واله وسلم : من اغتاب مؤمناً بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة، ومن اغتاب مؤمناً بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب خالداً في النار وبئس المصير (5).
وعنه صلی الله علیه واله وسلم : كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة، فاجتنب الغيبة فإنها أدام كلاب النار (6).
وعنه صلی الله علیه واله وسلم : من مشى في غيبة أخيه وكشف عورته كانت أوّل خطوة خطاها وضعها في جهنم (1).
وروى أنّ المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنّة وإن لم يتب فهو أول من يدخل النار .
وعنه صلی الله علیه واله وسلم : إنّ الغيبة حرام على كلّ مسلم وإنّ الغيبة لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (2).
قال شيخنا (قدس الله سره) : وأكل الحسنات إما أن يكون على وجه الإحباط لاضمحلال ثوابها في جنب عقابه، أو لأنها تنقل الحسنات إلى المغتاب كما في غير واحد من أخبار ومن جملتها النبوي يؤتى بأحد يوم القيامة فيوقف بين يدي الرب عزّ وجلّ ويدفع إليه كتابه فلا -يه كتابه فلا يرى حسناته فيه، فيقول إلهي ليس هذا كتابي لا أرى فيه حسناتي، فيقال له: إنّ ربّك لا يضلّ ولا ينسى ذهب عملك باغتياب النّاس، ثم يؤتى بآخر ويدفع إليه كتابه فيرى فيه طاعات كثيرة فيقول إلهي ما هذا كتابي فإنّي ما عملت هذه الطاعات ، فيقال له: إن فلاناً اغتابك فدفع حسناته إليك .
وفي عقاب الأعمال بإسناده عن أبي بردة قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم انصرف مسرعاً حتى وضع يده على باب المسجد ثمّ نادى بأعلى صوته : يا معشر الناس لا يدخل الجنّة من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه ، لا تتبعوا عورات المؤمنين فإنّه من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فيفضحه ولو في جوف بيته.
وفيه أيضاً بإسناده عن حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عليهما السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أربعة تؤذون أهل النار على ما ى ما بهم من الأذى يسقون من الحميم والجم وينادون بالويل والثبور فيقول أهل النار بعضهم لبعض ما لهؤلاء الأربعة قد آذونا على ما بنا من الأذى: فرجل معلّق عليه تابوت من جمر، ورجل تجري أمعاؤه صديداً ودماً أسود نتناً، ورجل يسيل فوه قيحاً ودماً، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول : إنّ الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس لم يجد لها في نفسه أداء ولا وفاء، ثم يقال للذي تجري أمعاؤه : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول : إنّ الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول من جسده، ثمّ يقال للذي يسيل فوه قيحاً ودماً : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول : إن الأبعد كان يحاكي فينظر إلى كلّ كلمة خبيثة ويحاكي بها ثم يغتاب النّاس، ثمّ يقال للذي يأكل لحمه : ما بال الأبعد قد آذانا
على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إنّ الأبعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة ويمشي بالنميمة (1).
وفي «الأنوار النعمانية » للمحدّث الجزائري عن النبي صلی الله علیه واله وسلم أنه قال: مررت ليلة أسري بي إلى السماء على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم ، فقلت : يا جبرائيل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم (2).
وفيه أيضاً وروى أنه أمر بصوم يوم وقال : لا يفطرن أحد حتى أذن له ، فصام الناس حتى إذا أمسوا جعل الرّجل يجيء فيقول : يا رسول الله ظللت صائماً فأذن لي لأفطر فيأذن له، والرّجل والرّجل حتى جاء رجل فقال : يا رسول الله فتاتان من أهلي ظلنا صائمتين فإنّهما تستحيان أن يأتيانك فأذن لهما أن تفطرا فأعرض عنه ، ثم عاوده فأعرض عنه، ثم عاوده فقال صلی الله علیه واله وسلم إنهما لم تصوما وكيف صام من ظل هذا اليوم يأكل لحوم الناس اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيا فرجع إليهما فأخبرهما فاستقائنا فقاءت كلّ واحدة منهما علقة من دم، فرجع إلى النّبي فأخبره ، فقال صلی الله علیه واله وسلم : والذي نفس محمد بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار .
وفي رواية أنه لما أعرض عنه جاءه بعد ذلك وقال : يا رسول الله إنهما والله لقد قائنا وكادتا أن تموتا ، فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : ائتوني بهما فجاءتا فدعى بقدح فقال لإحداهما قيثي فقاءت من قيح ودم صديد حتى ملأت القدح، وقال للأخرى قيئي، فقاءت كذلك، فقال صلی الله علیه واله وسلم إنّ هاتين صامتا عما أحل الله وأفطرتا على ما حرم الله عليهما ، جلست إحداهما على الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس (3)، ورواهما الغزالي في «إحياء العلوم » عن أنس مثلهما .
قال شيخنا العلامة طاب رمسه : ثم إنه قد يتضاعف عقاب المغتاب إذا كان ممّن يمدح المغتاب في حضوره، وهذا وإن كان في نفسه مباحاً إلا أنه إذا انضم مع ذمه في غيبته سمّي صاحبه ذا اللسانين يوم القيامة وتأكد رحمته وذا ورد في المستفيضة أنه يجيء ذو اللسانين يوم القيامة وله لسانان من نار، فإنّ لسان المدح في الحضور وإن لم يكن لساناً من نار إلا أنه إذا انضم إلى لسان الدّم في الغياب صار كذلك.
وعن المجالس بسنده عن حفص بن غياث عن الصادق عن أبيه عن آبائهم عليهم السلام عن علي علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : من مدح أخاه المؤمن في وجهه واغتابه من وراءه فقد انقطعت العصمة بينهما (4).
وعن الباقر علیه السلام : بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطرى أخاه شاهداً ويأكله غائباً إن أعطى حسده وإن ابتلى غضبه (1).
الثالث في دواعي الغيبة
وهي كثيرة وقد أشار إليها الصادق علیه السلام إجمالاً بقوله : الغيبة تتنوع عشرة أنواع شفاء غيظ، ومساعدة قوم ، وتصديق خبر بلا كشف ، وتهمة ، وسوء ظن، وحسد وسخرية ، وتعجب، وتبرّم ، وتزين (2)، رواه في «المكاسب» و«الأنوار النعمانية» وأما تفصيلها فقد نبه عليه أبو حامد الغزالي في «إحياء العلوم» وقال :
فالأول : تشفي الغيظ وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه فإنّه إذا هاج غضبه يشتفي بذلك مساويه فيسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثم دين رادع ، وقد يمتنع تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب بالباطن فيصير حقداً ثابتاً، فيكون سبباً دائماً لذكر المساوىء فالحقد والحسد من البواعث العظيمة على الغيبة .
الثاني: موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، فإنّهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظن أنه مجاملة في الصحبة، وقد يغضب رفقائه فيحتاج إلى أن يغضب بغضبهم إظهاراً للمساهمة في السراء والضراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوىء.
الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه عليه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة فيبادره قبل أن يقبح هو حاله ، ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته أو يبتديء بذكر ما فيه صادقاً ليكذب عليه بعده ، فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد به ويقول ما من عادتي الكذب فإنّي أخبرتكم بكذا وكذا عن أحواله فكان كما قلت .
الرابع: أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله وكان من حقه أن يبرء نفسه ولا يذكر الذي فعل فلا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركاً له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله .
الخامس : إرادة التصنع والمباهات وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره فيقول : فلان جاهل وفهمه ركيك، وغرضه في ضمن ذلك فضل نفسه ويوهم أنه أفضل منه أو يحذر أن يعظم مثل
تعظيمه فيقدح فيه لذلك .
السادس : الحسد وهو أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلاً إليه إلا بالقدح فيه، فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن إكرامه والثناء عليه .
السابع : اللعب والهزل والمطايبة وترجيه الوقت بالذكر وتزيين الوقت بالذكر فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة ومنشؤه التعجب والتعجيب .
الثامن: السخرية والاستهزاء استحقاراً له فإنّ ذلك قد يجري في الحضور ويجري أيضاً في الغيبة ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزء به.
التاسع : الرّحمة وهو مأخذ دقيق ربما يقع فيه الخواص، وهو أن يغتم بسبب ما يبتلى به فيقول مسكين فلان قد غمّني أمره وما ابتلي به فيكون صادقاً في دعوى الاغتمام ويلهيه الغم عن الحذر ذكر اسمه، فيصير بذكره مغتاباً فيكون غمّه ورحمته خيراً لكنّه ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدري والترحم والاغتمام ممكن من دون ذكر اسمه فهيجه الشيطان على ذكر اسمه لیبطل به ثواب اغتمامه وترحمه.
العاشر : الغضب الله تعالى وهو كسابقه في غموض ادراكه وخفائه على الخواص فضلاً عن العوام فإنّه قد يغضب على منكر قارفه انسان إذا رآه أو سمعه فيظهر غضبه ويذكر اسمه وكان الواجب أن يذكر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظهر على غيره أو يستره ولا يذكر اسمه بالسوء.
الرابع في عدم جواز استماع الغيبة
قال شيخنا في «المكاسب»: يحرم استماع الغيبة بلا خلاف ، فقد ورد أن السامع للغيبة أحد المغتابين ، والأخبار في رحمته كثيرة إلا أن ما يدل على كونه من الكبائر كالرواية المذكورة ونحوها ضعيفة السند .
أقول : ومن جملة الأخبار الدالة على حرمته ما رواه الصدوق في «عقاب الأعمال» بإسناده عن أبي الورد عن أبي جعفر علیه السلام : قال من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله وأعانه في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته حقره الله عزّ وجلّ في الدنيا والآخرة (1).
وفيه أيضاً في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : ومن ردّ عن أخيه غيبة سمعها في
1) كتاب المؤمن: 72 ح 197 ، وثواب الأعمال: 148.
مجلس ردّ الله عزّ وجلّ عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة وإن لم يرد عنه كان عليه كوزر من اغتاب (1).
وفي «الوسائل» عن الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي إن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم نهى عن الغيبة والاستماع إليها ، ونهى عن النميمة والاستماع إليها ، وقال : لا يدخل الجنّة قتات ، يعني تماماً، ونهى عن المحادثة التي يدعو إلى غير الله، ونهى عن الغيبة وقال : من اغتاب أمرء مسلماً بطل صومه ونقض وضوءه وجاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذى به أهل الموقف، وإن مات قبل أن يتوب مات مستحلاً لما حرم الله عزّ وجلّ، ألا ومن تطوّل على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردّها عنه ردّ الله عنه ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة، فإن لم يردّها وهو قادر على ردّها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرّة (2).
قال شيخنا : ولعل وجه زيادة عقابه أنه إذا لم يردّه تجزي المغتاب على الغيبة فيصرّ على هذه الغيبة وغيرها ، ثم قال : والظاهر أنّ الرّد غير النهي عن الغيبة والمراد به الانتصار للغائب بما يناسب تلك الغيبة، فإن كان عيباً دنيوياً له بأن العيب ليس إلا ما عاب الله به من المعاصي التي من أكبرها ذكرك أخاك بما لم يعبه الله به، وإن كان عيباً دينياً وجهه بمحامل تخرجه عن المعصية فإن لم يقبل التوجيه انتصر له بأن المؤمن قد يبتلي بالمعصية فينبغي أن يستغفر له ويهتم
له، لا أن يعير عليه، لأن تعييرك إياه لعله أعظم عند الله من معصيته ونحوه .
ثم اعلم أن المحرم إنّما هو سماع الغيبة المحرمة دون ما علم حليتها ولو كان متجاهراً عند المغتاب مستوراً عند المستمع وقلنا بجواز الغيبة حينئذ للمتكلم فالأقوى جواز الاستماع لأنه قول غير منكر، فلا يحرم الإصغاء إليه للأصل والرواية الدالة على كون السامع أحد المغتابين تدلّ على أن السامع لغيبة كقائل تلك الغيبة، فإن كان القائل عاصياً كان المستمع كذلك، فيكون دليلاً على الجواز فيما نحن فيه .
الخامس في مستثنيات الغيبة
أي الموارد التي يجوز فيها الغيبة جوازاً بالمعنى الأعم، فإن المستفاد الأخبار أنّ حرمتها إنما هو لأجل ما فيها من هتك عرض المؤمن وانتقاصه وتأذيه فلو لم توجب هتكاً لكونه مهتوكاً بدونها ككونه متجاهراً بالفسق أو لم يقصد بها الإنتقاص بالذات فلا .
قال في «جامع المقاصد»: وضابط الغيبة كلّ فعل يقصد به هتك عرض المؤمن والتفكه به أو إضحاك النّاس منه، وأما ما كان لغرض صحيح فلا يحرم کنصيحة المستشير والتظلم (آ ه) .
قال شيخنا العلامة : حرمة الغيبة لأجل انتقاص المؤمن وتأذيه منه، فإذا فرض هناك مصلحة راجعة إلى المغتاب بالكسر أو الفتح أو ثالث دلّ العقل أو الشرع على كونها أعظم من مصلحة احترام المؤمن بترك ذلك القول فيه وجب كون الحكم على طبق أقوى المصلحتين كما هو الحال في كل معصية من حقوق الله وحقوق الناس.
إذا عرفت ذلك فنقول : إن مسوّغاتها أمور .
الأول : التظلّم، أي تظلّم المظلوم بذكر ظلم الظالم عند من يرجو رفعه الظلم منه قال سبحانه : (ولا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ير﴾ [النساء : 148]، فعن تفسير القمي أي لا يحب أن يجهر الرجل بالظلم والسوءة ويظلم إلا من ظلم، فأطلق أن يعارض بالظلم.
قال شيخنا العلامة : ويؤيد الحكم فيه إنّ في منع المظلوم من هذا الذي هو نوع من التشفي حرجاً عظيماً، ولأن في تشريع الجواز مظنة ردع للظالم وهي مصلحة خالية عن مفسدة فيثبت الجواز، لأن الأحكام تابعة للمصالح، ويدلّ عليه ما روي عن النبي صلی الله علیه واله وسلم مطل الواجد يحل عقوبته وعرضه .
الثاني : نصح المستشير، فإن النصيحة واجبة للمستشير فإن خيانته قد تكون أقوى مفسدة من مفسدة الغيبة فقد قال النبي صلی الله علیه واله وسلم الفاطمة بنت قيس المشاورة في خطابها : معاوية صعلوك لا مال له وأبو الجهم لا يضع العصا على عاتقه، قال شيخنا : وكذلك النصح من غير استشارة، فإن من أراد تزويج امرأة وأنت تعلم بقبائحها التي يوجب وقوع الرّجل في الغيبة والفساد ريب أنّ التنبيه على بعضها وإن أوجب الوقيعة فيها أولى من ترك نصح المؤمن، مع لأجلها فلا ظهور عدة من الأخبار في وجوبه .
الثالث : الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان حقي فكيف طريقي في الخلاص، قال أبو حامد الغزالي والمحدّث الجزائري : والأسلم التعريض، بأن يقول ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه أو زوجته ، ولكن التعيين مباح بهذا القدر، وقيده شيخنا العلامة بما إذا كان الاستفتاء موقوفاً على ذكر الظالم بالخصوص، وإلا فلا يجوز، وظاهر الأخبار كظاهر كثير الأصحاب هو الإطلاق.
واستدلوا عليه بما روى عن هند زوجة أبي سفيان أنها قالت للنبي صلی الله علیه واله وسلم : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي أفآخذ من غير علمه؟ فقال صلی الله علیه واله وسلم : خذي ما
يكفيك وولدك بالمعروف (1)، فذكرت الظلم والشخ لها ولولدها ولم يزجرها إذ كان قصدها الاستفتاء .
وبصحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبد الله علیه السلام قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال : إنّ أمي لا تدفع يد لامس ، فقال صلی الله علیه واله وسلم : احبسها ، قال : قد فعلت ، فقال : فامنع من يدخل عليها ، قال : قد فعلت ، قال : فقيدها فإنّك لا تبرها بشيء أفضل من أن تمنعها عن محارم الله (2)، واحتمال كونها متجاهرة مدفوع بالأصل.
الرابع: تحذير المسلم من الشر وعن الوقوع في الضّرر لدنيا أو دین ، لأن مصلحة دفع فتنة الشر والضرر أولى من هتك شرّ المغتاب مثل ما يريد أن يشتري مملوكاً وأنت تعلم بكونه صوفاً بالسّرقة أو بعيب آخر ، فسكوتك عن ذكر عيبه إضرار بالمشتري، وكذلك المبتدع الذي يخاف من إضلاله النّاس، فإذا رأيت من يتردّد إلى مبتدع أو فاسق وخفت أن تتعدى إليه بدعته أو فسقه فلك أن تكشف مساويه .
ويدلّ عليه ما عن «الكافي» بسنده الصحيح عن أبي عبد الله علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، وتحذرهم النّاس ولا تتعلموا من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ورفع لكم به الدرجات » (3)، هذا .
وربّما يجعل هذا المورد من باب نصح المستشير بعد تعميمه بالنسبة إلى النصح
المسبوق بالاستشارة وغيره.
الخامس : قصد ردع المغتاب عن المنكر الذي يفعله إذا لم يمكن الردع إلا به فإنّه أولى من ستر المنكر عليه فهو في الحقيقة إحسان في حقه، مضافاً إلى عموم أدلّة النّهي عن المنكر .
السادس: باب الترجيح والتعديد في الزواية لأجل معرفة قبول الخبر وعدمه ومعرفة صلاحيته للمعارضة وعدمها ، وإلا لانسدّ باب التعادل والتراجيح الذي هو أعظم أبواب الاجتهاد وجرت السيرة عليه من قديم الزمان كجريانها على الجرح في باب الشهادة وعلى ترجيح ما دلّ على وجوب إقامتها على ما دلّ على حرمة الغيبة على وجه الإشكال فيه ، وإلا لضاعت الحقوق في الدماء والأموال وغيرها ولغلب الباطل، ويلحق بذلك الشهادة بالزنا وغيره لإقامة الحدود.
السابع: دفع الضرر عن المغتاب في دم أو عرض أو مال وعليه يحمل ما ورد في ذم زرارة من عدة أحاديث وقد ورد التعليل بذلك في بعض الأحاديث ويلحق بذلك الغيبة للتقية على نفس المتكلم أو ماله أو عرضه، فإنّ الضرورات تبيح المحظورات .
الثامن : ذكر الشخص بعينه الذي صار بمنزلة الصفة المميزة التي لا يعرف إلا به كالأعمش والأعرج والأشتر والأحول ونحوها، فلا بأس به إذا صارت الصفة في اشتهار يوصف بها الشخص إلى حيث لا يكره ذلك صاحبها، وعليه يحمل ما صدر عن العلماء الأعلام.
التاسع : إظهار العيوب : إظهار العيوب الخفية للمريض عند الطبيب للمعالجة. العاشر : ردّ من ادعى نسباً ليس له فإنّ مصلحة حفظ الأنساب أولى من مراعات حرمة المغتاب .
الحادي عشر : إذا علم اثنان عن رجل معصية وشاهداها فأجرى أحدهما ذكره في غيبة ذلك العاصي جاز، لأنه لا يؤثر عند السامع شيئاً وإن كان الأولى تنزيه اللسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض الصّحيحة خصوصاً مع احتمال نسيان المخاطب لذلك أو خوف اشتهاره .
الثاني عشر : غيبة المتجاهر بالفسق في ما تجاهر به ، فإنّ من لا يبالي بظهور فسقه بين النّاس لا يكره ذكره بالفسق وقد قال الإمام علیه السلام : إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة، وفي رواية أخرى من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (1)، وأما جواز غيبته في غير ما تجاهر به فقد منع منه الشهيد الثاني وحكى عن الشهيد الأول أيضاً واستظهر الفاضل النراقي الجواز .
قال شيخنا العلامة الأنصاري (قدس الله سره) : ظاهر الروايات النافية لاحترام المتجاهر وغير الساتر هو الجواز ، واستظهره في الحدائق من كلام جملة من الأعلام، وصرّح به بعض الأساطين ، قال شيخنا العلامة : وينبغي إلحاق ما يتستر به بما يتجاهر فيه إذا كان دونه في القبح ، فمن تجاهر والعياذ بالله باللواط جاز اغتيابه بالتعريض للنساء الأجانب، ومن تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بالسرقة ، ومن تجاهر بكونه جلاد السلطان يقتل النّاس وينكلهم جاز اغتيابه بشرب الخمر، ومن تجاهر بالقبائح المعروفة جاز اغتيابه بكل قبيح ، ولعلّ هذا هو المراد بمن ألقى جلباب الحياء لا من تجاهر بمعصية خاصة وعد مستوراً بالنسبة إلى غيرها كبعض عمال الظلمة، هذا.
وهذه الموارد المذكورة هو المعروف استثناؤها بين جمع من الأصحاب، وبعضهم قد زادوا عليها، وبعضهم قد نقصوا ولا حاجة إلى الإطناب بعد ما عرفت أن مدار الحرمة على
1) تحف العقول : 45 ، وشرح أصول الكافي : 11/10 ح 6.
قصد الانتقاص والأذى بالذات، والله العالم .
السادس في معالجة الغيبة
وعلاجها انما هو بالعلم بما يترتب عليها من المفاسد الدنيوية والأخروية وبالتدبّر في المضار المترتبة عليها عاجلاً وآجلاً.
أما المضار الدنيوية : فهو أنّها تورث العداوة والشحناء وتوجب غضب المغتاب فيكون في مقام المكافأة والمجازاة لشنيع قولك فيغضبك ويؤذيك ويهينك ومن ذلك ينبعث الفساد وربّما يؤل الأمر إلى ما لا يمكن علاجه ، بل قد يؤل إلى القتل والجرح والاستئصال وإتلاف الأموال وغيرها.
وأما المضار الأخروية : فيحصل التنبه عليها بالتفكر والتدبر في الآيات والأخبار الواردة في ذمّها وعقوبتها ، وبالعلم بأنها توجب دخول النار وغضب الجبار ومقته تعالى وتحبط الحسنات وتنقلها إلى ميزان حسنات المغتاب ، فإن لم تكن له حسنة نقل الله من سيئات خصمه بقدر ما استباحه من عرضه قال صلی الله علیه واله وسلم : ما النار في اليبس أسرع من الغيبة في حسنات العبد وإن كانت الغيبة في العيب بالخلق فليعلم أنه عيب على الخالق فإنّ من ذم الصنعة فقد ذمّ الصانع، قيل لحكيم : يا قبيح الوجه ، قال : ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه .
وروي أنّ نوحاً علیه السلام مر على كلب أجرب فقال : ما هذا الكلب؟ فنطق الكلب وقال : يا نبي الله هكذا خلقني ربّي فإن قدرت أن تغير صورتي بأحسن من هذه الصورة فافعل، فندم نوح على ما قال وبكى أربعين سنة فسماه الله نوحاً وكان اسمه عبد الملك أو عبد الجبار .
وروي أيضاً أنه مرّ عيسى علیه السلام ومعه الحواريون بجيفة كلب فقال الحواريون ما أنتن ريح هذا الكلب، فقال علیه السلام : ما أشد بياض أسنانه كأنه نهاهم عن غيبة الكلب وتعييبه، فانظر إلى عظم الخطر في تعييب الناس فإذا لم يرض أولياء الذين بعيب ميتة حيوان فكيف يعيب النفوس المحترمة قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب الناس، فإذا أردت أن (1)تذکر عیوب صاحبك فاذكر عيوبك قال الشاعر :
واجراً من رأيت بظهر غيب *** على عيب الرّجال وذو العيوب
فلربما تبصر في عين أخيك القذى ولا تبصر الجذع في عينك .
ومطروفة عيناه عن عيب نفسه *** فإن لاح عيب من أخيه تبصرا
1) كنز العمال: 865/15
وقد قيل للربيع بن خثيم : ما نراك تعيب أحداً قال : لست راضياً عن نفسي فأتفرغ لذكر عيوب الناس ثم قال :
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها *** لنفسي في نفسي عن الناس شاغل
نعوذ بالله من زلات البيان وهفوات اللسان وسقطات الألفاظ ورمزات الإلحاظ .
السابع في كفارة الغيبة
قال المحدث الجزائري (رحمت الله) اعلم أنّ الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويأسف على ما فعل ليخرج من حق الله تعالى ثم يستحل المغتاب فيحله ليخرج عن مظلمته وينبغي أن يستحلّه وهو نادم حزين وإلا فالمرائي قد يطلب المحالة فيكون عليه ذنب آخر، وقد ورد في كفارته حديثان :
أحدهما: قوله علیه السلام: كفّارة من اغتبته أن تستغفر له (1)، وفي حديث آخر : كلما ذكرته، ومعنى قوله : كلما ذكرته على طريقة الغيبة أو كلما عن في خاطرك أو جرى ذكره على لسانك بعد المحالة الأولى.
الثاني : قوله صلی الله علیه واله وسلم : من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فيتحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فيزيد على سيئاته (2).
وجمع بين الحديثين شيخنا الشهيد الثاني قدس الله روحه بحمل الاستغفار له على من يبلغ غيبة المغتاب فينبغي الاقتصار على الدعاء له والاستغفار لأن في محالته إثارة للفتنة وجلباً للضغائن، وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه لموت أو غيبة، وحمل المحالة على من يمكن الوصول إليه مع بلوغه الغيبة .
قال الجزائري ويمكن الجمع بينهما بوجهين :
أحدهما : أنّ الاستغفار له كفارة معجلة تكون مقارنة للغيبة والمحالة متأخرة عنه غالباً فيجب عليه المبادرة بذلك لعدم توقفه على التمكن وعدمه ، والمحالة إذا تمكن بعد هذا فيكون الواجب اثنين لا واحد كما هو مذكور في القول الأول.
الثاني : حمل الاستغفار له على الاستحباب والواجب إنما هو المحالة لا غير، وإذا جاء
إلى المغتاب فينبغي أن لا يظهر له الكلام الذي اغتاب خوفاً من إثارة الشحناء وتجديد العداوة، بل يقول له : يا أخي لك حقوق عرضيّة وأريد أن تحالني منها، ونحو ذلك من العبارات المجملة، ويستحبّ للمعتذر إليه قبول العذر والمحالة استحباباً هو مؤكداً ، انتهى .
أقول : والأظهر في وجه الجمع ما حكاه عن الشهيد بل وهو الأقرب.
والتحقيق ما حققه شيخنا العلامة الانصاري (قدس الله سره) في «المكاسب» حيث قال: مقتضى كون الغيبة من حقوق الناس توقف رفعها على إسقاط صاحبها أما كونها من حقوق الناس فلانه ظلم على المغتاب ، وللأخبار في أن من حق المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه وأن حرمة عرض المسلم كحرمة دمه وماله وأمّا توقف رفعها على إبراء ذي الحق فللمستفيضة المعتضدة بالأصل، ثمّ ذكر جملة من المستفيضة .
ثم قال: ولا فرق في مقتضى الأصل والأخبار بين التمكن من الوصول إلى صاحبه وتعذره، لأنّ تعذر البراءة لا يوجب سقوط الحق كما في غير هذا المقام، لكن روى السكوني عن أبي عبد الله عن النبي صلی الله علیه واله وسلم : إن كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته كلما ذكرته (1)، ولو صح سنده أمكن تخصيص الإطلاقات المتقدمة به ، فيكون الاستغفار طريقاً أيضاً إلى البراءة مع احتمال العدم أيضاً لأن كون الاستغفار كفارة لا يدل على البراءة، فلعله كفارة للذنب من حيث كونه حقا الله تعالى نظير كفّارة قتل الخطأ التي لا توجب براءة القاتل إلا أن يدعي ظهور السياق في البراءة .
ثم ذكر كلام الشهيد الثاني (رحمت الله) وجمعه بين الخبرين المتقدمين المتعارضين على ما تقدّم ذكره في كلام المحدّث الجزائري (رحمت الله) ثم أورد عليه بأنّه إن صح النبوي أي ما رواه السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام عن النبي صلی الله علیه واله وسلم مسنداً، فلا مانع عن العمل به بجعله طريقاً إلى البراءة مطلقاً في مقابل الاستبراء، إلا تعين طرحه والرجوع إلى الأصل وإطلاق الأخبار المتقدّمة وتعذر الاستبراء أو وجود المفسدة فيه لا يوجب وجود مبرء آخر .
نعم أرسل بعض من قارب عصرنا عن الصادق علیه السلام أنك إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه وإن لم يبلغه فاستغفر الله له (2)
وفي رواية السكوني المروية في «الكافي» في باب الظلم عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : ومن ظلم أحداً ففاته فليستغفر الله له فإنه كفارة له (3)
والإنصاف أنّ الأخبار في هذا الباب كلها غير نقية السند وأصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الاستحلال ولا الاستغفار ، وأصالة بقاء الحق الثابت للمغتاب بالفتح على المغتاب بالكسر تقتضي عدم الخروج منه إلا بالاستحلال خاصة، لكن المثبت لكون الغيبة حقاً بمعنى وجوب البراءة منه ليس إلا الأخبار الغير النقية السند، مع أن السند لو كان نقياً كانت الدلالة ضعيفة لذكر حقوق أخرى في الرّوايات لا قائل بوجوب البراءة منها، فالقول بعدم كونه حقاً للناس بمعنى وجوب البراءة نظير الحقوق المالية لا يخلو عن قوة ، وإمكان الاحتياط في خلافه بل لا يخلو عن قرب من جهة كثرة الأخبار الدالة على وجوب الاستبراء منها بل اعتبار سند بعضها والأحوط الاستحلال إن تيسر وإلا فالاستغفار، غفر الله لنا ولمن اغتبناه ولمن اغتابنا بحق محمّد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين .
از جمله کلام آن امام انام (علیه السلام) است در نهی از غیبت مردمان ، می فرماید:
و جز این نیست که سزاوار است اهل عصمت و طهارت و کسانی که انعام شده است ایشان را در سلامتی دین این که رحم نمایند گناهکاران و اهل معصیت را و این که شود شکر خدا غالب بر ایشان از مذمت گنه کاران ، پس چگونه است غیبت کننده که غیبت برادر خود را کند؟ و سرزنش نماید او را به بلایی که گرفتار شده است؟ آیا به یادش نمی آرد مقام پوشانیدن خداوند تعالی بر او از گناهان او گناهی را که بزرگتر است از گناهی که عیب سرزنش نمود برادرش را به او؟ و چگونه مذمّت می کند او را بر گناهی که مرتکب شده است مثل او را؟پس اگر نبوده باشد مرتکب آن گناه ، پس به تحقیق معصیت نموده خدای را در غیر آن از گناهی که بزرگتر است از آن.
و قسم به خدا ، هر آینه اگر نبوده باشد معصیت نموده خدا را در گناه کبیر و عصیان نموده او را در گناه صغیر ، هر آینه جرأت و جسارت او بر عیب و غیبت مردمان بزرگتر است ، ای بنده خدا سرعت مکن در عیب بنده به جهت گناه او ، پس شاید که آن گناه آمرزیده شده او را و ایمن مباش بر نفس خود گناه كوچك را ، پس شاید تو معذب باشی بر آن ، باید که خودداری نماید آن کسی که داند از شما عیب دیگری را از جهت آن که آن که میداند از داند از عیب خود و باید که باشد شکر کردن او مشغول کننده او بر سلامتی خود از گناهی که مبتلا شده است به او غیر او .
أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وثَيقَةَ دين وسَدادَ طَريقٍ فَلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقاويل الرِّجالِ، أَما أَنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرامي، وتُخْطِئ السّهامُ ويُحيلُ الْكَلامُ وباطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ وشَهِيدٌ، أما أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْبَاطِلِ وَالْحَقِّ إِلا أَرْبَعُ أَصابع، فسئل عن معنى قوله علیه السلام هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال : الْباطِلُ أنْ تَقُولَ سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ (1).
(وثق) الشيء بالضم وثاقه قوي وثبت فهو وثيق ثابت محكم و(السداد) بالفتح الصواب من القول والفعل و(الأقاويل) جمع أقوال وهو جمع قول و (أخطأ السهم ) الغرض تجاوزه ولم يصبه و(يحيل الكلام ) في أكثر النسخ باللام مضارع حال بمعنى يستحيل أي يكون محالاً قال في «القاموس»: وكل ما تغير أو تحرك من الاستواء إلى العوج فقد حال واستحال، وقال أيضاً : والمحال بالضم من الكلام ما عدل عن وجهه كالمستحيل، أحال أتى به، وفي «المصباح» المحال الباطل الغير الممكن الوقوع، وفي بعض النسخ بالكاف مضارع حالك أو أحاك قال في «القاموس» : حاك القول في القلب يحيك حيكاً أخذ ، والسيف أثر والشفرة قطعت كأحاك فيهما و (بار) الشيء يبور بوراً بالضم هلك .
إضافة (وثيقة دين وسداد طريق ) من إضافة الضفة إلى موصوفه (والتاء) في (الوثيقة) للنقل من الوصفية إلى الإسمية كما قيل أو للمبالغة ، وجملة (فلا يسمعن) في محلّ الربع خبر (من) ولتضمّن المبتدأ معنى الشرط أتى (بالفاء) في خبره والضمير في قوله : (إنه)، للشأن، (والواو) في قوله : ( وباطل ذلك)، للحال .
اعلم أن المقصود بهذا الكلام النهي عن التسرع إلى التصديق بما يقال في حق الإنسان الموصوف بحسن الظاهر المشهور بالوثوق والصلاح والتدين ممّا يعيبه ويقدحه، وتدل عليه
1) وسائل الشيعة : 16/ 379 ح 21811 ، والغارات : 188/11 379/16
الأدلة الدالة على حرمة الإصغاء إلى الغيبة على ما تقدّم في شرح الكلام السابق، وإليه أشير في قوله سبحانه: ﴿يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَارٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ) [الحجرات : 6] .
إذا عرفت ذلك فأقول قوله : (أيها الناس من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق ) أي ديناً محكماً وطريقاً صواباً، قيل المراد بوثيقة الذين اللزوم للأحكام الشرعية والتقييد لا كمن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه.
ولعل المراد بوثيقة الذين العقيدة ويسداد الطريق حسن العمل كما يشعر به ما رواه الحافظ أبو نعيم بسنده عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال لابنه الحسن علیه السلام : يا بني ما السداد؟ فقال: يا أبتي السداد دفع المنكر بالمعروف ، أي من عرف من أخيه المؤمن حسن الاعتقاد والعمل (فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال ) أي أقاويلهم التي توجب شينه وتهدم مروّته وتسقطه عن أعين الناس .
روى الصدوق في «عقاب الأعمال» بإسناده محمد عن بن الفضيل عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قال : قلت له : جعلت فداك الرّجل من إخواني بلغني عنه الشيء الذي أكرهه فأسأله عنه فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات ، فقال علیه السلام لي: يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك وإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك فصدقه وكذبهم، ولا تذيعنّ عليه شيئاً تشينه به وتهدم به مروته فتكون من الذين قال الله : (وإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ ) (1)[النور: 19] .
وفي «الوسائل » عن العياشي في تفسيره عن الفيض بن المختار قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : لما نزلت المائدة على عيسى قال للحواريين: لا تأكلوا منها حتى آذن لكم، فأكل منها رجل فقال بعض الحواريين : يا روح الله أكل منها فلان، فقال له عیسی علیه السلام : أكلت منها ؟ فقال : لا ، فقال الحواريون : بلى والله يا روح الله لقد أكل منها، فقال عيسى علیه السلام : صدق أخاك وكذب بصرك (2).
ثم علل علیه السلام عدم جواز استماع أقاويل الرجال وتصديقها بالمثل الذي ضربه بقوله : (أما أنه قد يرمي الرامي وتخطىء السهام ) يعني أنه ربما يرمي الزامي سهمه فلا يصيب الغرض بل يخطيه (و) كذلك قد يتكلّم إنسان بكلام يعيب به على غيره أو يغتابه ف- (سيحيل الكلام) ويستحيل ويعدل عن وجه الصواب ويخالف الواقع ولا يعيبه إما لغرض شخصي فاسد للقائل
في المقول عليه من العداوة والشحناء والحسد ونحوها فيرميه بالعيب ويطعنه بالغيب لذلك، وإما لشبهة منه فيه بأن يشتبه الأمر عليه فيظن المعروف منكراً مثل ما لو رأى في يد أحد قارورة مملؤة يشرب منها فظنّها خمراً وهو خلّ فيتهمه بشرب الخمر .
ولذلك ورد في الأخبار المستفيضة حمل فعل المسلم على الصحة مثل ما رواه في «الكافي» عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام في كلام له : ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه ، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً.
وعن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إذا اتهم المؤمن أخاه إنماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء (1).
هذا كله على رواية يحيل باللام وأما على الرواية الأخرى فالمراد به التنبه على أن ضرر الكلام أقوى من ضرر السهام ، وتأثيره أشدّ من تأثيرها، وذلك لأن الرامي قد يرمي فتخطىء سهامه ولا تصيب الغرض، وأما الكلام فيؤثر لا محالة وإن كان باطلاً لأنه يلوث العرض في نظر من لا يعرفه ويسقط محلّ المقول فيه ومنزلته من القلوب .
ثم قال تهديداً أو تحذيراً أو تنبيهاً على ضرر ذلك الكلام الفاسد والقول الباطل على سبيل إرسال المثل (وباطل ذلك يبور والله سميع وشهيد) يعني أن الغرض والغاية من ذلك القول الذي يعاب به باطل نشأ من الحقد والحسد أو التصادم في مال أو جاه أو نحو ذلك من الأغراض الباطلة، والباطل إنّما يبور أي يهلك ويفنى كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) [الإسراء : 81] ووزره يدوم ويبقى لأنه الله السميع البصير الشاهد الخبير بمحاسن الأفعال بعين والأقوال ومقابحها المجازي بالحسنات عظيم الثواب وبالسيئات أليم العقاب .
ثم نبه على الفرق بين الحق والباطل بقوله (أما أنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع فسئل علیه السلام عن معنى قوله هذا) لإجماله وإبهامه (فجمع أصابع) الأربع (ووضعها بين أذنه وعينه ثمّ قال : الباطل أن تقول سمعت ، والحق أن تقول رأيت ) يعني أن الباطل هو المسموع والحق هو المرئي، فتسامح علیه السلام في التفرقة بما ذكر تعويلاً على الظهور، ضرورة أن الباطل ليس قولك سمعت، ولا الحق قولك رأيت، لأن قولك إخبار عن نفسك بالسماع أو الرؤية ، والحق والباطل وصفان للمخبر عنه لا الخبر كما هو ظاهر .
فان قلت : كيف يقول الباطل ما يسمع والحق ما يرى مع أن كثيراً من المسموعات حق لا ريب فيه، فإن جلّ الأحكام الشرعية قد ثبت علينا بطريق النقل والسماع، وكذلك كثير من
1) الكافي : 170/2 د، والخصال: 623 .
العقائد الأصولية كنبوّة نبينا ومعجزاته وكذا نبوة سائر الأنبياء وإمامة الأئمة ومعجزاتهم عليهم السلام وأخبار المعاد من الحشر والنشر والبعث والحساب والجنة والنار وغيرها .
قلت : قد أجاب عنه الشارح المعتزلي بأنه ليس كلامه في المتواتر من الأخبار وإنّما كلامه في الأقوال الشاذة الواردة من طريق الآحاد التي تتضمن القدح فيمن قد علمت (1)نزاهته ، فلا يجوز العدول عن المعلوم بالمشكوك .
وأجاب الشارح البحراني بأن قوله : الباطل أن تقول سمعت ، لا يستلزم الكلية حتى يكون كلّ ما سمعه باطلاً، فإن الباطل والمسموع مهملان يعني أنه ليس بقضية كلية بل كلام خطابي مهمل يصدق بجزئي.
أقول : ولعلّ مرادهما أنّ (اللام) في قوله : (الباطل والحق) ، للعهد ومراده علیه السلام ليس تعريف مطلق الباطل والحق بل التفرقة في إفراد ما يعاب به الغير ويتضمن قدحه بأنه على قسمين : أحدهما ما سمعته من غيرك، فهو باطل لأن من جاءك به فاسق لا يمكن الركون إليه فلا بد من الحكم ببطلان خبره وإن كان ما خاله صدقاً في نفس الأمر والواقع، وثانيهما ما أبصرته بعينك فهو الحق.
فإن قلت : كيف التوفيق بين قوله علیه السلام ذلك المفيد لحقية المرئي وبين روايتي عقاب الأعمال والوسائل المتقدّمتين في شرح قوله علیه السلام: (فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال)، حيث أمر فيهما بتكذيب البصر فيما شاهدته .
قلت : لا منافاة بينهما، لأنّ المراد بتكذيب البصر فيهما عدم ترتيب الآثار على العيب الذي رآه والنهي عن إذاعته وإفشائه للغير، لأن ما رآه ليس بحق ومحصلهما وجوب ستر ما رآه من أخيه وعدم هتك عرضه عند الغير ، مثلاً إذا رأى أنه يشرب الخمر فإن وجد لفعله محملاً صحيحاً كأن يحتمل أنه خل أو أن شربه للدواء والعلاج ، فلا بد من حمل فعله على الصحة، وإن لم يجد له محملاً فيحكم في نفسه بفسق الشارب، ولا يأتمنه في أمور تشترط فيها العدالة، ومع ذلك فلا يجوز إظهار ما فعله لغيره تنقيصاً له على ما تقدّم في شرح الكلام السابق والله العالم.
1) في نسخة : غلبت.
از جمله کلام آن قدوه انام است که فرموده:
ای مردمان ، هر کس که شناخت از برادر مؤمن خودش دین محکم و راه راستی را پس باید البته نشنود در حق او گفتارهای مردمان را ، آگاه شوید که گاه است می اندازد اندازنده خطا و می کند تیرها و محال میباشد سخن باشد سخن و حال این که باطل کلام فاسد و تباه میشود و خدای تعالی شنونده است کلام بدگو را و شاهد است بر آن و جزا دهنده است به آن ، آگاه باشید به درستی که نیست میان حق و باطل مگر چهار انگشت .
پس سؤال کرده شد از آن حضرت از معنی این فرمایش او ، پس جمع فرمود
انگشتان مبارك خود را و نهاد آنها را میان گوش و چشم خود بعد از آن فرمود: باطل آن است که گویی شنیدم و حق آن است که گویی دیدم ، یعنی مادامی که عیب احدی را با چشم خود ندیده ای و یقین نکرده ای ، به مجرد شنیدن از دیگران
باور مكن.
والظاهر أنه ملتقط من كلام طويل له علیه السلام قدمنا روايته في شرح الكلام المائة والسادس والعشرين من «البحار» من كتاب «الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي من كتاب «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكلينى على اختلاف عرفته .
وَلَيْسَ لِواضِعَ الْمَعْرُوفِ في غَيرِ حَقَّه وعِنْدَ غَيرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظُ فيما أتى إلا مِحْمَدَهُ اللّنَام ، وثَناءُ الأَشْرارِ ، ومَقالَةُ الْجُهَالِ ما دامَ مُنْعِمَا عَلَيْهِمْ ما أَجْوَدَ يَدَهُ وَهُوَ عَنْ ذاتِ اللَّهِ بخيل، فَمَنْ آتَاهُ الله مالاً فَلْيَصِلْ بهِ الْقَرابَةَ، وَلْيُحْسِنُ مِنْهُ الضيافة، وَلَيْفُك به الأسير والعانى، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقيرَ وَالْغَارِمَ، وَلْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَالنَّوائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوابِ فَإِنَّ فَوْرًا بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكارِمِ الدُّنْيَا، ودَرَكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ إِنْ شَاءَ الله (1).
قال الفيومي (المحمدة) بفتح الميم نقيض المذمّة، ونقل ابن السراج وجماعة بالكسر و (الغارم) من عليه الدين و (صبرت) صبراً من باب ضرب حبست النفس عن الجزع قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم )، ويستعمل تارة (بعن) كما في المعاصي، وتارة (بعلى) كما في الطاعات، و(النوائب) جمع النائبة وهي النازلة التي تنوب على الإنسان وتنزل عليه .
قوله (ومقالة الجهال ما دام منعماً عليهم ) ، (ما) ظرفية مصدرية، (ودام) فعل ناقص واسمه ضمير مستتر عائد إلى واضع المعروف، (ومنعماً) خبره، وإنما جعلت (ما) مصدرية لأنها تؤل بمصدر مضاف إليه الزمان أي مذة دوامه منعماً، وسميت ظرفية لنيابتها عن الظرف، وهو المدّة، فأصل ما دام منعماً مدة ما دام منعماً ، فحذف المضاف أعني المدة وناب المضاف إليه وهو ما وصلتها عنها في الانتصاب على الظرفية كما ناب المصدر الضريح عن ظرف الزمان في نحو جئتك صلاة العصر، أي وقت صلاة العصر، فعلى هذا يكون قوله : (ما دام منعماً )، ظرفاً للمقالة ومنصوباً بها وقيداً لها .
1) تحف العقول: 186 ، والأمالي : 177 ح 6 .
وجملة (ما أجود بده) ، في محلّ النّصب مقول القول أي مقالتهم ذلك، (والواو) في قوله ، (وهو) حالية ، (والفاء) في قوله : (فمن أتاه)، فصيحة، وعطف (العاني) على الأسير للتفسير، (والفاء) في قوله: (فإن فوزاً)، للسببية.
اعلم أنّ هذا الكلام له علیه السلام وارد في معرض الدم على صرف وارد في معرض الدّم على صرف المال في غير أهله والحث على صرفه في وجوه البرّ ومصارف الخير.
أما الأوّل أعني صرف المال لغير مستحقه فقد نبه على خساسة ثمرته وزهادة منفعته بقوله (وليس لواضع المعروف ) أي البر والإحسان (في غير حقه ) أي غير المحلّ الذي هو حقیق به وحق له (وعند غير أهله ) ومستحقه من الحظ والنصيب فيما أتى وجاء به (إلا محمدة اللثام ) الموصوفين بدناءة النفس ورزالة الطبع ( وثناء الأشرار) والفجار (ومقالة الجهال ما دام منعماً عليهم ما أجود يده ) يعني أن الجهالة والسفاهة يصفونه بالكرم والجود ويقولون إنه جواد ما دام إنعامه عليهم حتّى إذا انقطع إنعامه عنهم يبدلون الشكر بالكفران ، والثناء بالمذمة، بل
ربما يجعلون الشر عوض الشكر استجلاباً لذلك الإنعام المنقطع ، واستعادة له.
فهذا الرّجل وإن كان السفلة والسفهاء يصفونه بالجود لجهلهم بوضع الأشياء في مواضعها التي هي مقتضى العقل والشرع، ولكنه ليس بجواد في نفس الأمر وعند أولى الألباب العارفين بمواضع الأشياء ومواضعها التي يحسن وضعها فيها، بل يصفونه العقلاء بالبخل كما قال علیه السلام (وهو عن ذات الله بخيل ) يعني أنه بخيل عما يرجع إلى ذات الله سبحانه ويحصل رضاه كوجوه البرّ الواجبة والمندوبة من الصدقات وصلة الرّحم والضيافة والحق المعلوم للسائل والمحروم ونحوها .
وتوضيح المرام موقوف على تحقيق الكلام في معنى الجود والبخل .
فنقول : المال خلق لحكمة ومقصود وهو صلاحه لحاجات الخلق، ويمكن إمساكه
عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه، ويمكن التصرف فيه بالعدل وهو أن يحفظ حيث يحب الحفظ، ويبذل حيث يحبّ البذل فالإمساك حيث يحبّ البذل بخل ، والبذل حيث يحبّ الإمساك تبذير وإسراف، والوسط بينهما وهو الجود والسخاء محمود قال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما) [الفرقان: 67]، فالوسط بين الإسراف والإقتار هو الجود ، وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب .
والواجب قسمان: واجب بالشرع وواجب بالمرؤة والعادة، فمن منع واحداً منهما فهو
بخيل، ولكن المانع من واجب الشرع البخل كالمانع من أداء الزكاة ونفقة عياله الواجبي النفقة، وأما واجب المرؤة فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات، فإن ذلك مستقبح ويختلف استقباحه باختلاف الأحوال والأشخاص فيستقبح من الغني ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة، وكذلك من الرّجل مع أهله وأقاربه ما لا يستقبح مع الأجانب، وكذلك يستقبح المضايقة من الجار في حق الجار دون البعيد ، وفي الضيافة دون المعاملة، وبالنسبة إلى العالم دون الجاهل وهكذا .
فمن أدى واجب الشرع وواجب المرؤة اللائقة فقد تبرأ من البخل، نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات، فإذا اتسعت نفسه لبذل المال حيث يوجبه الشرع ولا تتوجه إليه الملامة في العادة فهو جواد بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير، ودرجات ذلك متفاوتة غير محصورة ، فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمرؤة هو الجود ، ولكن يشترط فيه أمران :
أحدهما : أن يكون عن طيب نفسه .
والثاني : أن لا يكون عن طمع عوض ولو ثناء ومحمدة وشكراً، فإن من طمع في الشكر والثناء ممن يحسن إليه أو من غيره فإنّه بياع ليس بجواد ، فإنه يشتري المدح بماله ، والمدح لذيذ وهو مقصود في نفسه وكذلك لو كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلاً أو من ملامة الخلق أو دفع شرّ، فكل ذلك ليس من الجود لأنه مضطر إليه بهذه البواعث نعم لو لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة وتحصيل رضاء الله سبحانه واكتساب فضيلة الجود وتطهير النفس من رذالة الشح فهو الجواد والموصوف بالسخاء .
إذا عرفت ذلك فقد ظهر لك أن وضع المعروف في غير حقه وعند غير أهله أو الرّجاء العوض والمنفعة فليس جو اداً في الحقيقة وعند أهل المعرفة والبصيرة، كما نبه به الإمام علیه السلام ونهى عنه .
ثم أرشد علیه السلام إلى ما ينبغي القيام به لمن آتاه الله المال والثروة بقوله (فمن آتاه الله مالاً فليصل به ) الرّحم و(القرابة) فقد روى في «الوسائل» من «الكافي» بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سئل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أي الصدقة أفضل فقال : على ذي الرّحم الكاشح (1).
وبهذا الإسناد عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر وصلة الإخوان بعشرين وصلة الرحم بأربعة وعشرين (2).
وفي «الوسائل» أيضاً عن الصدوق قال : قال علیه السلام : لا صدقة وذو رحم محتاج عن النبي صلی الله علیه واله وسلم في حديث المناهي قال : ومن مشى إلى ذي قرابة بنفسه وماله ليصل رحمه أعطاه الله عزّ وجلّ أجر مائة شهيد وله بكل خطوة أربعون ألف حسنة ومحى عنه أربعون ألف سيئة، ورفع له من الدرجات مثل ذلك، وكان كأنّما عبد الله عزّ وجلّ مائة سنة صابراً محتسباً (1)، هذا.
وقد مضى جملة من منافع صلة الرحم ومضار القطيعة والأخبار المتضمنة لهذا المعنى في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثالثة والعشرين، فليراجع.
(وليحسن منه الضيافة) قال الصادق علیه السلام الحسين بن نعيم الصحاف في حديث رواه في «الكافي » : أتحب إخوانك يا حسين؟ قلت : نعم ، إلى أن قال أتدعوهم إلى منزلك؟ قلت : نعم ما أكل إلا ومعي منهم الرجلان والثلاثة والأقل والأكثر ، فقال أبو عبد الله علیه السلام: أما إن فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم ، فقلت : جعلت فداك أطعمهم طعامي وأوطئهم رحلي ويكون فضلهم علي أعظم قال : نعم إنّهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك ومغفرة عيالك ، وإذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك وذنوب عيالك (2).
(وليفك به الأسير والعاني وليعط منه الفقير والغارم) أي المديون (وليصبر نفسه على الحقوق ) الواجبة والمندوبة كالزكاة والصدقات، أي ليحبس نفسه على أدائها، وإنما سمّي حبساً لأنّه خلاف ما يميل إليه الطبع والنفس الأمارة (والنوائب) التي تنزل به من الحوادث والمهمات الموجبة لغرمه .
كما في حديث الجهاد عن أبي الحسن علیه السلام في قسمة الغنائم ثم قال: ويأخذ يعني الإمام الباقي فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله وفي مصلحة ما ينويه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة (3).
قال الشارح البحراني : وأشار بالنوائب إلى ما يلحق الإنسان من المصادرات التي يفك بها الإنسان من أيدي الظالمين وألسنتهم، والإنفاق في ذلك من الحقوق الواجبة على الإنسان، انتهى .
والأظهر التعميم حسب ما ذكرنا ولمّا أشار إلى المواضع التي يحسن وضع المال فيها و صرفه إليها أردفه بقوله (ابتغاء الثواب) تنبيهاً على أن حسنه إنّما يكون إذا قصد به وجه الله
سبحانه وطلب جزائه لا عن قصد رياء وسمعة .
ثم نبه على ما يترتب على هذه الخصال الحسنة من الأجر الجميل والجزاء الجزيل بقوله : (فإنّ فوزاً بهذه الخصال)الخمس (شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله ) لأنها توجب الذكر الجميل والجاه العريض في الأولى والثواب الجزيل الموعود لأولي الفضل والتقى في العقبى، هذا.
وإنّما أتى فوزاً بالتنكير ولم يقل فإنّ الفوز بهذه الخصال قصداً إلى التقليل يعني أن قليل فوز بهذه يوجب شرف الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله اكبر) [التوبة : 72] أي رضوان قليل منه سبحانه أكبر من ذلك كله على ما ذهب إليه صاحب «التلخيص » .
وهذا أقرب وأولى بل أظهر ممّا قاله الشارح المعتزلي في وجه تعليل التنكير حيث قال : قوله : (فإنّ فوزاً) أفصح من أن يقول (فإن الفوز) أو (فإن في الفوز ) كما قال الشاعر :
إنّ شواء ونشوة وخبب البازل الأمون *** من لذة العيش للفتى في الدهر والدهر ذو فنون
ولم يقل إن الشواء والنشوة ، والسرّ في هذا أنه كأنه يجعل هذا المصدر وهذا الشواء شخصاً من جملة أشخاص داخلة تحت نوع واحد ويقول : إن واحداً منها أنها كان فهو من لذةالعيش وإن لم يحصل له كلّ أشخاص وذلك النوع ومراده علیه السلام تقرير فضيلة هذه الخصال في النفوس أي متى حصل للإنسان فوز بابها فقد حصل له الشرف، وهذا المعنى وإن أعطاه لفظة الفوز بالألف واللام إذا قصد بها الجنسية إلا أنّه قد يسبق إلى الذهن منها الاستغراق لا الجنسية فأتى بلفظة لا توهم الاستغراق وهي اللفظة المنكرة، وهذا دقيق وهو من لباب علم البيان ، انتهى .
وفيه أولاً أن الذوق السليم يحكم بأن القصد في التنكير هنا إلى التقليل لا إلى الإفراد كما في : جاء رجل من أقصى المدينة وفي قوله : (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء) ، أي كلّ فرد من أفراد الدواب من فرد من أفراد الماء أي النطقة المختصة به، فتأمل تعرف .
وثانياً : أن قوله : وهذا المعنى وإن أعطاه لفظة الفوز ممنوع ، لظهور أنّ النكرة هو الفرد المنتشر، والبعض الغير المعين المعرف بلام الجنس موضوع لماهية من حيث هي وبينهما بون بعيد .
وثالثاً : أنّ قوله : قد يسبق إلى الذهن منها الاستغراق لا الجنسية، يدفعه أن المتبادر من المعرف باللام المفرد هي الماهية لا بشرط، وبعبارة أخرى المتبادر السابق إلى الذهن من المفرد المحلى باللام هي نفس الحقيقة ، من دون نظر إلى الإفراد كلاً أو جزاً، فمن أين يسبق
إلى الذهن الاستغراق إن هو إلا توهم فاسد.
وبه يظهر فساد ما زعمه الشارح البحراني أيضاً حيث قال : وإنّما نكر الفوز لأن تنكيره يفيد نوع الفوز فقط الذي يحصل بأي شخص كان من أشخاصه وهذا وإن كان حاصلاً الألف واللام لتعريف تلك الطبيعة إلا أن ذلك التعريف مشترك بين تعريف الطبيعة والمعهود الشخصي فكان موهماً لفوز شخصي، ولذلك كان الاتيان به منكراً أفصح وأبلغ ، انتهى .
وجه ظهور الفساد منع اشتراك المعزف بلام الحقيقة بين تعريف الطبيعة والمعهود الشخصي ذهنياً كان أو خارجياً، بل هو حقيقة في الأوّل فقط، ومجاز في غيره، وانفهامه منه محتاج إلى القرينة ، وليست فليس ، مضافاً إلى مااستظهرناه من إفادة التنكير للتقليل لا النوع في ضمن أي شخص ، فافهم وتبصر .
تذنيب في الأخبار الواردة في ذم وضع المعروف في غير موضعه ومع غير أهله
ففي «الوسائل» من «الكافي» بإسناده عن سيف بن عميرة قال : قال أبو عبد الله علیه السلام لمفضل بن عمر : يا مفضل إذا أردت أن تعلم أشقي الرّجل أم سعيد فانظر سيبه ومعروفه إلى من يصنعه فإن كان يصنعه إلى من هو أهله فاعلم أنّه إلى خير وإن كان يصنعه إلى أهله غير فاعلم أنه ليس عند الله خير (1).
ومن «الكافي» عن «العدّة» عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن سنان عن مفضل بن عمر قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : إذا أردت أن تعرف إلى خير يصير الرّجل أم إلى شرّ فانظر أين يضع معروفه فإن كان يضع معروفه عند أهله فاعلم أنه يصير إلى خير، وإن كان يضع معروفه مع غير أهله فاعلم أنه ليس له في الآخرة من خلاق (2).
وفي «الوسائل» عن الصدوق بإسناده عن قتادة بن عمرو و وأنس بن مالك عن أبيه جميعاً في وصية النبي صلی الله علیه واله وسلم العلي علیه السلام قال : يا علي أربعة تذهب ضياعاً : الأكل على الشبع، والسراج في القمر ، والزرع في السبخة، والصنيعة عند غير أهلها.
وفيه من مجالس ابن الشيخ عن أبيه عن أبي محمد الفحام عن المنصوري عن عم أبيه عن الإمام علي بن محمد عن أبيه عن آبائه واحداً واحداً عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام : خمس تذهب ضياعاً : سراج تفسده في شمس الذهن يذهب والضوء لا ينتفع به ، ومطر جود على أرض سبخة المطر يضيع والأرض لا ينتفع بها، وطعام يحكمه طاهية يقدم إلى شبعان فلا ينتفع به، وامرأة تزف إلى عنين فلا ينتفع بها، ومعروف يصطنع إلى من لا يشكره (3).
از جمله کلام بلاغت نظام آن امام (علیه السلام) در ارشاد مردمان بر مواقع و مصارف احسان ، می فرماید :
و نیست مرنهنده احسان را در غیر محلی که لایق است به او در نزد غیر اهل و مستحق آن از حظ و نصیب در آن چه آورده مگر ستایش لئيمان و ثناء شريران و گفتار جاهلان مادامی که احسان کننده است بر ایشان : چه سخی نموده دست او را و حال آن که آن شخص بخیل است از ذات باری تعالی ، پس هر که عطا کند او را خداوند سبحانه مالی را ، پس باید وصل نماید آن را به اقربا و اقوام خود و باید که نيك سازد از آن مهمانی را و باید که برهاند به آن اسیر و دست گیر را و باید که بدهد از آن فقیر قرض دار را و باید که حبس نماید نفس خود را بر اداء حقوق واجبه و مندوبه و حوادثات روزگار ، به جهت طلب ثواب از حضرت پروردگار ، پس به درستی که فائز شدن به این خصلتها بزرگواری مکرمتهای دنیا است ورسیدن به فضیلتهای عقبی انشاء الله تعالى .
هنا انتهى الجزء الثامن من هذه الطبعة الجديدة القيمة وتم تصحيحه وتهذيبه بيد العبد «السيد ابراهيم المبانجي» عفى عنه وعن والديه وذلك في اليوم
الرابع والعشرين من المحرم سنة «(1381) ويليه إن شاء الله الجزء
التاسع وأوله أول المختار المائة والثالث والأربعين، والحمد لله
كما هو أهله
محتوى الجزء الثامن من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة
تكملة ... 9
بیان ... 12
الترجمة ... 13
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والعاشرة من المختار في باب الخطب ... 14
اللغة ... 115
الإعراب ... 15
المعنى ... 16
الترجمة ... 26
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والحادية عشر من المختار في باب الخطب ... 30
اللغة ... 30
الإعراب ... 30
المعنى ... 30
الترجمة ... 36
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والثانية عشر من المختار في باب الخطب ... 37
اللغة ... 37
الإعراب ... 38
المعنى ... 38
الترجمة ... 44
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والثالثة عشر من المختار في باب الخطب ... 46
اللغة ... 47
الإعراب ... 47
المعنى ... 48
الترجمة ... 60
ومن خطبة له علیه السلام في الاستسقاء وهي المائة والرابعة عشر من المختار في باب الخطب ... 63
اللغة ... 64
الإعراب ... 65
المعنى ... 66
الترجمة ... 76
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والخامسة عشر من المختار في باب الخطب ... 78
اللغة ... 78
الإعراب ... 79
المعنى ... 79
الترجمة ... 85
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والسادس عشر من المختار في باب الخطب ... 87
اللغة ... 87
الإعراب ... 87
المعنى ... 87
الترجمة ... 89
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والسابع عشر من المختار في باب الخطب ... 90
اللغة ... 90
الإعراب ... 90
المعنى ... 90
الترجمة ... 91
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والثامن عشر من المختار في باب الخطب ... 92
اللغة ... 92
الإعراب ... 93
المعنى ... 93
الترجمة ... 95
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والتاسع عشر من المختار في باب الخطب ... 98
اللغة ... 98
الإعراب ... 98
المعنى ... 99
الترجمة ... 113
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 114
اللغة ... 114
الإعراب ... 115
المعنى ... 116
الترجمة ... 122
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والأحد والعشرون من المختار في باب الخطب ... 124
اللغة ... 124
الإعراب ... 125
المعنى ... 126
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والثاني والعشرون من المختار في باب الخطب ... 132
اللغة ... 132
الإعراب ... 132
المعنى ... 132
الترجمة ... 135
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والثالث والعشرون من المختار في باب الخطب ... 136
اللغة ... 136
الإعراب ... 136
المعنى ... 136
تنبیه ... 137
الترجمة ... 138
ومن كلام له علیه السلام في حث أصحابه على القتال وهو المائة والرابع والعشرون من المختار في باب الخطب ... 139
اللغة ... 139
الإعراب ... 141
المعنى ... 141
تكملة ... 144
وفي كلام له آخر ... 145
تذكرة ... 147
الترجمة ... 148
ومن كلام له علیه السلام في التحكيم وهو المائة والخامس والعشرون من المختار في باب الخطب ... 150
اللغة ... 150
الإعراب ... 151
المعنى ... 152
الترجمة ... 159
ومن كلام له علیه السلام لما عوتب على التسوية في العطاء وتصييره الناس أسوة في العطاء من غير تفضيل أولى السابقات والشرف وهو المائة والسادس والعشرون من المختار في باب الخطب ... 161
اللغة ... 161
الإعراب ... 162
المعنى ... 162
تنبيه ... 163
تكملة ... 168
الترجمة ... 170
ومن كلام له علیه السلام قاله للخوارج وهو المائة والسابع والعشرون من المختار في باب الخطب ... 171
اللغة ... 171
الإعراب ... 172
المعنى ... 172
الترجمة ... 177
و من خطبة له علیه السلام فيما بخبر به الملاحم بالبصرة وهي المائة والثامنة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 179
الفصل الأول ... 179
اللغة ... 179
الإعراب ... 179
المعنى ... 180
الترجمة ... 183
الفصل الثاني منها ... 184
ويوميء بذلك إلى وصف الأتراك ... 184
اللغة ... 184
الإعراب ... 185
المعنى ... 185
الأول ... 189
الوجه الثاني ... 197
الوجه الثالث ... 200
تذكرة ... 203
الترجمة ... 205
ومن خطبة له علیه السلام في ذكر المكائيل والموازين وهي المائة والتاسعة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 206
اللغة ... 206
الإعراب ... 207
المعنى ... 207
الترجمة ... 210
ومن كلام له علیه السلام لأبي ذر (رحمت الله ) لما أخرج إلى الربذة وهو المائة والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 212
اللغة ... 212
الإعراب ... 212
المعنى ... 212
تنبیه ... 213
وأما مناقبه الجميلة وخصاله الحميدة وكراماته البديعة ... 215
وأما كيفية إخراجه إلى الربذة وما جرى بينه وبين عثمان ... 217
الترجمة ... 226
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والأحد والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 227
اللغة ... 227
الإعراب ... 228
المعنى ... 228
الترجمة ... 260
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والثاني والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 261
اللغة ... 261
الإعراب ... 262
المعنى ... 264
أما الفصل الأول ... 264
وأما الفصل الثاني (منها) ... 265
الترجمة ... 268
ومن خطبة له علیه السلام وهي المائة والثالثة والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 270
الفصل الأول ... 270
اللغة ... 270
الإعراب ... 271
المعنى ... 271
الترجمة ... 275
الفصل الثاني منها ... 276
اللغة ... 276
الإعراب ... 276
المعنى ... 277
الترجمة ... 284
ومن كلام له علیه السلام وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه وهو المائة والرابع والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 285
اللغة ... 285
الإعراب ... 285
المعنى ... 285
الترجمة ... 287
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والخامس والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 288
اللغة ... 288
الإعراب ... 289
المعنى ... 289
الترجمة ... 293
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والسادس والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 294
اللغة ... 294
الإعراب ... 294
المعنى ... 295
الترجمة ... 297
ومن كلام له علیه السلام في معنى طلحة والزبير وهو المائة والسابع والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 298
اللغة ... 298
الإعراب ... 299
المعنى ... 299
الترجمة ... 306
ومن خطبة له علیه السلام في ذكر الملاحم وهي المائة والثامنة والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 307
الفصل الأول ... 307
اللغة ... 307
الإعراب ... 307
المعنى ... 308
الترجمة ... 316
الفصل الثاني منها ... 317
اللغة ... 317
الإعراب ... 317
المعنى ... 318
الترجمة ... 320
ومن كلام له علیه السلام في وقت الشورى وهو المائة والتاسع والثلاثون من المختار في باب الخطب ... 321
اللغة ... 321
الإعراب ... 321
المعنى ... 321
الترجمة ... 322
ومن كلام له علیه السلام في النهي عن غيبة الناس وهو المائة والأربعون من المختار في باب الخطب ... 324
الإعراب ... 324
المعنى ... 325
الترجمة ... 346
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والحادي والاربعون من المختار في باب الخطب ... 347
اللغة ... 347
الإعراب ... 347
المعنى ... 347
الترجمة ... 351
ومن كلام له علیه السلام وهو المائة والثاني والأربعون من المختار في باب الخطب ... 352
اللغة ... 352
الإعراب ... 352
المعنى ... 353
الترجمة ... 359
مكتبة الروضة الحيدرية
الرقم 4501
التاريخ 1/29