منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة المجلد 7

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لِمُؤلّفه:العلامة المحقق الحاج ميرزا حبیب الله هاشمي الخوئي قدس سره

طبعة جديدة

ضبط وتحقيق

علي عاشور

المجلد السابع

دار إحياء التراث العربى

بیروت - لبنان

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424ه- 2003 م

محرر الرقمي: وحيد شيرزاد

اشارة

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424ه- 2003 م

دار إحياء التراث العربي DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI

للطباعة والنشر والتوزيع Publishing & Distributing

بیروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف 272652 - 272655 - 272782 - 272783 فاکس: 850767 850623 م س 11/7957

Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tal 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لِمُؤلّفه:العلامة المحقق الحاج ميرزا حبیب الله هاشمي الخوئي قدس سره

طبعة جديدة

ضبط وتحقيق

علي عاشور

المجلد السابع

دار إحياء التراث العربى

بیروت - لبنان

نهج البلاغة

خطب، رَسَائِلٌ، كلام، وصايا عهود، حكم ومواعظ

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل السادس

اشارة

منها في صفة الأرض ودحوها على الماء.

»كَبَس الأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْواجِ مُسْتَفْحِلَةٍ ولُجَجِ بحارٍ زاخِرَةِ، تَلْتَطِمُ أواذِي أمْواجِها، وتَصْطَفِقُ مُتَقاذفات أثباجِها، وترغو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِياجِهَا، فَخَضَعَ جِماحُ الْماءِ المُتَلاطِم لِثِقلِ حَمْلِها، وسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِها، وَذَلَّ مُسْتَخِذْنَا إِذْ تَمَعَكَتْ عَلَيْهِ بِكَواهِلِها، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْلِحابِ أَمْواجِه ساجِياً مَقْهُوراً، وفي حَكَمةِ الذُّلِّ مُنْقاداً أَسيراً، وسَكَنت الأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَارِهِ، ورَدَّتْ مِنْ نَحْوَةِ بَأْوِه وَاعْتِلائِه، وشُمُوخ أَنْفِه، وسُمرُ غُلَوائِه وَكَعَمَتْهُ على كِفْةِ جَريْتَه فَمَهَدَ بَعْدَ نَزَقاتِه، ولَبَدَ بَعْدَ زَيْفانِ وثَباتِهِ، فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ السماءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنافِها، وحَمَلَ شَواهِقَ الْجِبالِ البُنَّحْ عَلى أَكْتافِها فَجَرَ يَنابيعَ العُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أَنُوفِها، وفَرَّقَها في سُهُوبٍ بَيْدِها وأخاديدها، وعَدَّلَ حَرَكاتِها بالرّاسِياتِ مِنْ جَلامِيدِها، وَذَواتِ الشناخيبِ الشَّمُ مِن صَياحيدِها فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيدانِ بِرُسُوِبِ الْجِبالِ في قطع أديمها وتَغَلْغُلِها، مُتَسرَّبَةٌ في جَوْباتِ خياشيمها ورُكُوبِها أَعْناقَ سُهُولِ الأَرَضِينَ وجَراثيمها، وفَسَحَ بَينَ الْجَوِّ وبَيْنَها وأَعَدَّ الْهَواءَ مُتَنَسْماً لِساكِنها، وأَخْرَجَ إِلَيْها أَهْلَها على تَمَام مَرافِقِها، ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الأَرْضِ الَّتي تَقْصُرُ مِياهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوابيها، ولا تَجِدُ جَداوِلُ الأَنْهَارِ ذَريَعةً إِلى بُلُوغها، حَتَّى أَنْشَأَ لَها ناشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَواتَها، وتَسْتَخْرِجُ نَباتَها، أَلْفَ غَمامَها بَعْدَ افْتِرَاقِ لَمَعِه، وتَبايُنِ قُزَعِه، حتى إذا تَمَخَضَتْ لَجَّةِ الْمُزْنِ فيه، وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ في كُفَفِه، ولَمْ يَنَمْ وميضُهُ فِي كَنْهور، ربَابِه ومُتَراكَم سَحابه أَرْسَلَهُ سَحًا مُتَدارِكاً قَدْ أَسَف هَيْدَبُهُ، تَمْريهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أهاضيبه، ودُفعَ شَآبيبه، فَلَمّا أُلْقَت السَّحابُ بَرْك بوانيها، وبَعاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِه مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُول عَلَيْها، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوامِدِ الأَرْضِ النَّبات، ومِنْ زُعْرِ الجِبالِ الأَعْشَابَ فَهِيَ تَنْهَجُ بِزِينَةِ رياضها، وتَزْدَهي بما أَلْبَسَتْهُ مِنْ رَيْطٍ أَزاهيرها، وحِلْيَةِ ما سُمْطَتْ بِه مِنْ ناصِرِ أَنْوَارِها، وَجَعَلَ ذلِكَ بَلاغاً لِلأنام، ورِزْقاً للأنْعامِ وخَرَقَ الْفِجاج في آفاقِها، وأقامَ الْمَنارَ لِلسّالِكِينَ في جَوادٌ طرقها(1)


1) بحار الأنوار: 113/54، وشرح نهج البلاغة: 438/6.

اللغة

(دحا) الله الأرض يدحوها دحواً بسطها ودحياً لغة، و (كبس) الرجل رأسه في قميصه إذا أدخله فيه، وكبس البئر والنهر إذ طنها بالتراب، وفي شرح”المعتزلي»كبس الأرض أي أدخلها الماء بقوة واعتماد شديد، و (استفحل) الأمر تفاقم واشتد و (اللجج) جمع اللجة وهي معظم الماء قال سبحانه: (فِي بَحرِ لُجي بَغْشَهُ مَوْجٌ ﴾ [النور: 40].

و (الأواذى) جمع الآذى بالمد والتشديد وهو الموج الشديد و (الصفق) الضرب يسمع و له صوت والصرف والزد، و (الثبج) بتقديم الثاء المثلثة على الباء الموحدة معظم البحر والجمع أثباج كسبب وأسباب، وفي»شرح المعتزلي» أصل الثبج ما بين الكاهل إلى الظهر، والمراد أعالي الأمواج و (ترغوزبداً) من الرغا وهو صوت الإبل، وقيل: من الزغوة مثلثة وهي الزبد يعلو الشيء عند غليانه يقال: رغا اللبن أي صارت له رغوة ففيه تجريد، و (جماح) الماء غليانه من جمح الفرس إذا غلب فارسه ولم يملكه و (هيج) الماء ثورانه وفورته و (الارتماء) الترامي والتقاذف، وأصل (الوطى) الدوس بالقدم، و (الكلكل) بالتخفيف الصدر قال امرء القيس:

فقلت له لما تمطى بصلبه *** وأردف أعجازاً وناء بكلكل

وربما جاء في ضرورة الشعر بتشديد اللام الثانية، و (ذل) أي صار ذليلاً أو ذلولاً ضد الصعب، وفي بعض النسخ كلّ أي عرض له الكلال من كل السيف إذا لم يقطع، و (المستخذى) بغير همز كما في النسخ الخاضع والمنقاد، وقد يهمز على الأصل و (تمغكت) الدابة تمرغت في التراب، و (الكاهل) ما بين الكتفين و (الاصطخاب) افتعال من الصخب وهو كثرة الصياح واضطراب الأصوات و (الحكمة) محركة وزن قصبة حديدة في اللجام تكون على حنك الفرس تذللها لراكبها حتى تمنعها الجماح ونحوه مأخوذة من الحكم وهو المنع يقال: حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج منه.

و (التيار) الموج، وقيل أعظم الموج، ولجته أعمقه و (النخوة) الافتخار والتعظم والأنفة والحمية و (البأو) الكبر والفخر، يقال بأي كسعي وكدعا قليل بأواً وبأواء فخر وتكبر ونفسه رفعها وفخر بها، و (شمخ) الجبل شموخاً علا وطال والرجل بأنفه تكبر، و (الغلواء) بضم الغين المعجمة وفتح اللام، وقد تسكن الغلو وأوّل الشباب وسرعته ومثله الغلوان بالضم، و (كعمت) البعير من باب منع شددت فاه بالكعام وهو على وزن كتاب شيء يجعل في فيه إذا هاج لئلا يعض أو يأكل.

و (الكظة) شيء يعترى الممتلى من الطعام يقول: كظه الطعام ملاء حتى ى لا يطيق التنفس، واكتظ المسيل بالماء ضاق به لكثرته أو هو من الكظاظ، وزن كتاب وهو الشدة

والتعب وطول الملازمة، و (الجرية) بكسر الجيم مصدر جرى الماء أو حالة الجريان، و (همدت) الريح سكنت و همود النار خمودها، و (نزق) الفرس من باب نصر وضرب وسمع نوقاً ونزوقاً نزى ووثب والنزقات دفعاته.

و (لبد) بالأرض من باب نصر لبوداً لزمها وأقام بها، ومنها اللبد وزن صرد وكتف لمن لا يبرح منزله ولا يطلب معاشاً، و (زاف) البعير يزيف زيفاً وزيفاناً تبختر في مشيته، وفي بعض النسخ بعد زفيان وثباته بتقديم الفاء على الياء وهو شدة هبوب الريح يقال: زفت الريح السحاب إذا طردته و (الوثبة) الطفرة و (الاكتاف) بالنون جمع الكتف محركة كالأسباب والسبب وهو الجانب والناحية و (شواهق) الجبال عواليها و (البذخ) جمع الباذخ وهو العالي، و (الينبوع) ما انفجر من الأرض من الماء وقيل الجدول الكثير الماء، و (عرنين الأنف) أوّله تحت مجتمع الحاجبين و (السهب) الفلاة البعيدة الأكناف والأطراف و (البيد) بالكسر جمع جمع بيداء بيداء وهي الفلاة التي تبيد سالكها أي ينقطع ويهلك، و (الأخاديد) جمع الأخدود وهو الشق في الأرض قال تعالى:

(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ) [البروج: 4]. ).

و (الراسيات) جمع الراسية من رسى السفينة وقفت على البحر وأرسيته قال تعالى:

(بسم اللهِ مجْرِيهَا وَمُرْسَهَا ) [هود: 41]

و (الجلاميد) جمع جلمدوزن جعفر وهو الصخر كالجلمود بضم، و (الشناخيب) جمع شنخوب بالضّم أيضاً وهو أعلى الجبل، و (الشم) جمع الشميم أي المرتفع و (الصياخيد) جمع الصّيخود وهي الصخرة الصلبة في قطع اديمها في بعض النسخ وزن عنب جمع قطعة بالكسر وهي الطائفة من الشيء تقطع، والطائفة من الأرض إذا كانت مفروزة وفي بعضها بسكون الطاء، وزن حبر وهي طنفسة(1)يجعلها الراكب تحته ويغطي كتفي البعير وجمعه قطوع وأقطاع.

و (أديم) الأرض وجهها والأديم أيضاً الجلد المدبوغ، و (التغلغل) الدخول و (السرب) محركة بيت في الأرض لا منفذ له يقال: تسرب الوحش وانسرب في جحره أي دخل و (الجوبة) الحفرة والفرجة و (الخيشوم) أقصى الأنف، و (جرثومة) الشيء أصله وقيل التراب المجتمع في أصول الشجرة وهو الأنسب و (فسح) له من باب منع أي وسع و (المتنسم) موضع التنسم والتنفس من تنسم إذ طلب النسيم واستنشقه و (مرافق) الدار ما يستعين أهلها ويحتاج إليه في التعيش، وفي”القاموس»مرافق الدار مصاب الماء ونحوها، و (الجرز) بضمتين الأرض التي لا نبات بها ولا ماء وقال تعالى:


1) الطفسة مثلثة الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء بالعكس: واحدة الطنافس للبسط والثياب.

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) [السجدة: 27].

و (الرابية) ما ارتفع من الأرض، وكذلك الربوة بالضم، و الجدول وزن جعفر النهر الصغير و (ناشئة) السحاب أوّل ما ينشأ منه أي يبتدء ظهوره ويقال: نشأت السحاب إذا ارتفعت و (الغمام) جمع غمامة بالفتح فيهما وهي السحابة البيضاء، و (اللمع) على وزن صرد جمع لمعة وهي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليبس كأنها تلمع وتضيء من بين سائر البقاع، و (القزع) جمع قزعة بالتحريك فيهما وهي القطعة من الغيم وفي الحديث كأنهم قزع الخريف و (تمخضت) أي تحركت بقوة من المخض وهو تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده و (المزن) بضم الميم جمع مزنة وهي السحابة، و (كففه) حواشيه وجوانبه و طرف كل شيء كفه بالضم.

وعن الأصمعي كل ما استطال كحاشية الثوب والرّمل فهو كفة بالضم، وكل ما استدار ككفة الميزان فهو كفة بالكسر، ويجوز فيه الفتح، و (وميض) البرق لمعانه و (الكنهور) وزن سفرجل قطع من السحاب كالجبال أو المتراكم منه، و (الرباب) السحاب الأبيض جمع ربابة، و»في شرح المعتزلي» يقال: أنه السحاب الذي تراه كأنه دون السحاب، وقد يكون أسود وقد يكون أبيض، و (المتراكم) والمرتكم المجتمع، و (السف) الصب والسيلان من فوق و (تدارك) القوم إذا لحق آخرهم، اولهم، و (أسف) الطائر دنا من الأرض، و (الهيدب) السحاب المتدلي أو ذيله من هدبت العين طال هدبها وتدلى أشفارها، و (تمريه) الجنوب من مري الناقة يمريها أي مسح ضرعها فأمرت هي أي در لبنها وعدى ههنا إلى مفعولين.

وفي بعض النسخ تمري بدون الضمير هكذا قال في»البحار» والأنسب والأنسب عندي أن يجعل تمري على تقدير وجود الضمير كما في أكثر النسخ بمعنى تستخرج يقال: مري الشيء إذا استخرجه وهو أحد معانيه كما في”القاموس”، و (الدرر) كعنب جمع درة بالكسر وهو الصب والاندقاق و (الأهاضيب) جمع هضاب وهو جمع هضب وهو المطر، و (دفع) جمع دفعة بضم الدال فيهما وهي المرة من المطر، و (الشآبيب) جمع شؤبوب وهو ما ينزل من المطر دفعة بشدّة وقوة و (البرك) الصدر، و (البواني) قوائم الناقة.

وفي”شرح المعتزلي”: بوانيها بفتح النون تثنية بوان على فعال بكسر الفاء وهو عمود الخيمة والجمع، بون قال في”البحار»في النسخ القديمة المصححة على صيغة الجمع وفي ( (النهاية)) فسّر البواني بأركان البنية، وفي ( (القاموس)) بقوائم الناقة قال: والبواني(1)أضلاع الزور(2)وقوائم الناقة والقي بوانيه أقام وثبت (والبعاع) كالسحاب ثقلة من المطر، و


1) الزور وسط الصدر.

2) وفي القاموس في باب النون البوان بالضم والكسر عمود للخباء جمعه أبونه وبون بالضم كصرد.

استقلت أي: نهضت وارتفعت واستقلت به حملته، ورفعته و (العبء) بالكسر وزن حبر الحمل والثقل، و (الهوامد) من الأرض رض التي لا نبات بها و (زعر) الجبال بالضم جمع أزعر كحمر واحمر وهي القليلة النبات وأصله من الزعر بالتحريك وهو قلة الشعر في الرأس يقال، رجل أزعر و (الأعشاب) جمع عشب كقفل وهو الرطب من الكلاء.

(وبهج) يبهج من باب منع سر، وفرح وفي بعض النسخ بضم الهاء من باب شرف أي حسن و (تزدهي) افتعال من الزهر وهو الكبر والفخر و (ألبسته) في بعض النسخ بالبناء على الفاعل وفي بعضها بالبناء على المفعول، و (الربط) جمع ريطة بالفتح فيها وهي كل ملأة غير ذات لفقين أي قطعتين كلها نسج واحد وقطعة واحدة أو كل ثوب رقيق لين و (الأزاهير) جمع أزهار جمع زهرة بالفتح وهي النبات أو نورها، وقيل: الأصفر منه وأصل الزهرة الحسن والبهجة و (الحلية) ما يتزين به من مصوغ الذهب والفضة والمعدنيات.

و (سمطت) بالسين المهملة على البناء للمفعول من باب التفعيل، أي علقت، وفي بعض النسخ الصحيحة بالشين المعجمة من الشمط محركة وهو بياض الرأس يخالط سواده، فمن النبات ما يخالط سواده النور الأبيض، وفي”القاموس»شمطه يشمطه خلطه والإناء ملأه والنخلة انتشر بسرها والشجر انتشر ورقه والشميط من النبات ما بعضه هائج وبعضه أخضر و (البلاغ) ما يبتلغ به ويتوسل إلى الشيء المطلوب، و (الفج) الطريق الواسع بين الجبلين والفجاج جمعه و (الجادة) وسط الطريق ومعظمه.

الإعراب

(على) في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مور بمعنى في كما في قوله تعالى: دخل المدينة على حين غفلة، وجملة (تلتطم) منصوبة المحل على الحالية، و (أواذي) بالرفع فاعله، وترغو زبداً إن كان ترغو من الرغا فزبداً منصوب بمقدر أي ترغو قاذفة زبداً، وإن كان من الرغوة فانتصابه به على التجريد، أي ترمي زبداً ويشعر بتضمنه معنى ترمي قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الخطبة الأولى: فرمى بالزبد ركامه، فافهم.

(ومدحوه) منصوبة على الحال، و (في لجة) إما للظرفية أو بمعنى على والأول أولى إذ الأصل الحقيقة وقوله: (ردّت) فاعله ضمير مستكن عائد إلى الأرض ومفعوله محذوف وهو الضمير الراجع إلى جماح الماء (والباء) في قوله بالراسيات تحتمل الصلة والسببية كما سنشير إليه، وذوات الشناخيب بالكسر عطف على جلاميدها (وتغلغلها) (وركوبها) بالجرّ معطوفان على الرسوب، وقوله: (متسربة) حال مؤكدة من ضمير تغلغلها على حد قوله تعالى ولى مدبراً، وعلى في قوله على تمام مرافقها للاستعلاء متعلق بمحذوف أي مستقرين ومتمكنين

على تمام مرافقها، و (أرسله) جواب إذا تمخضت (وسحاً) حال من مفعول أرسل والمصدر بمعنى الفاعل.

وقوله: (تمريه الجنوب) درر أحاضيبه الضمير في تمريه مفعول بالواسطة والجنوب فاعله والدرر مفعول به أي تمري الجنوب منه درر، اهاضيبه والإضافة في ( برك بوانيها)لأدنى ملابسة.

المعنى

اعلم أن هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسوق للإشارة إلى قدرته سبحانه وتدبيره في كيفية إيجاد الأرض ودحوها على الماء وخلقة الغمام والمطر والبرق والنبات والأنهار والأزهار ومتضمن لما أعد الله للناس فيها من المنافع العظيمة والفوائد الجسيمة، والرفد، الروافع، والنعم السوابغ وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):

(كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة) استعار لفظ الكبس لخلقه لها غائصاً معظمها في الماء كما يغوص ويكبس بعض الزق المنفوخ، ونحوه في الماء بالاعتماد عليه، ووصف الأمواج بالاستفحال لشدّتها أو لكونها كالفحول في الصولة، (ولجج بحار (زاخرة) أي: كثيرة ماؤها مرتفعة أمواجها حال كونها (تلتطم أواذي أمواجها) أي تضرب شدائد أمواجها بعضها، بعضاً، (وتصطفق متقاذفات اثباجها) أي تردّ متراميات أمواجها العالية المعظمة (وترغو زبداً كالفحول عند هياجها) أي تصوت قاذفة زبداً أو ترمى زبداً عند اضطرابه وغليانه كالفحول الهائجة (فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حمله) استعار لفظ الجماح لغليان الماء واضطرابه وجريانه على غير نسق كما يجمع الفرس الجموح بحيث لا يتمكن من ردّه ومنعه يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ذل اضطراب الماء لثقل حمل الأرض عليه).

(وسكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها) أي: سكن ثوران تراميه وتقاذفه حين وطئته الأرض و داسته بصدرها تشبيهاً لها بالناقة وتخصيص الصدر بالذكر لقوته، (وذل مستخذياً إذ تمغكت عليه بكواهلها) أي: صار ذليلاً منقاداً حين تمرغت عليه الأرض كالدابة المتمرغة وتخصيص الكواهل بالذكر للقوة أيضاً، (فأصبح بعد اصطحاب أمواجه) واضطرابها (ساجياً مقهوراً) أي ساكناً مغلوباً، (وفي حكمة الذل منقاداً أسيراً) كالدابة المذللة بالحكمة المنقادة لصاحبها، هذا.

ومحصل كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قوله: فخضع إلى هنا أن هيجان الماء وغليانه وموجه سكن بوضع الأرض عليه.

واستشكل فيه بأن ذلك خلاف ما نشاهده وخلاف ما يقتضيه العقل، لأن الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب وتموّج وصعد علوّاً، فكيف الماء المتموج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه.

وأجيب بأن الماء إذا كان تموجه من قبل ريح هائجة جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه وبين تلك الرّيح، ولذلك إذا جعلنا في الإناء ماء وروّحناه بمروحة يموجه فإنه يتحرّك، فإن جعلنا على سطح الماء جسماً يملؤ حافات الإناء وروّحناه بالمروحة، فإن الماء لا يتحرك لأن ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة وبين سطح الماء، فمن الجائز أن يكون الماء الأول هائجاً لأجل ريح محرّكة له فإذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء وبين تلك الريح.

وقد مرّ في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الفصل الثامن من فصول الخطبة الأولى ذكر هذه الزيح وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ثم أنشأ سبحانه ريحاً اعتقم مهبها وأدام مربها) إلى أن قال: (أمرها بتصفيق الماء الزخار وإثارة موج البحار فمخضه مخض السّقاء وعصفت به عصفها بالفضاء)، إلى آخر ما مر.

قال المحدث العلامة المجلسي ره”في البحار»بعد ذكر هذا الأشكال والجواب: والأولى أن يقال: إن غرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس نفي التموّج مطلقاً بل نفي الشديد الذي كان للماء إذ حمله سبحانه على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة بقدرته الكاملة، وأنشأ ريحاً تمخضه مخض السقاء فكانت كرة الماء تدفق من جميع الجوانب وترد الريح أوّله على آخره وساجيه على مائره كما مر في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أي في الفصل المذكور من الخطبة الأولى، ثم لما كبس الأرض بحيث لم يحط الماء بجميعها فلا ريب في انقطاع الهبوب والتمويج من ذلك الجانب المماس للأرض من الماء(1).

وأيضاً لما منعت الأرض سيلان الماء من ذلك الجانب إذ ليست الأرض كالهواء المنفتق المتحرّك الذي كان ينتهي إليه ذلك الحد من الماء كان ذلك أيضاً من أسباب ضعف التموج وقلة التلاطم.

وأيضاً لما تفرقت كرة الماء في أطراف الأرض ومال الماء بطبعه إلى المواضع المنخفضة من الأَرض وصار البحر الواحد المجتمع بحاراً متعدّدة، وإن اتصل بعضها ببعض وأحاطت السواحل بأطراف البحار بحيث منعت الهبوب إلا من جهة السطح الظاهر سكنت الفورة الشديدة بذلك التفرق وقلة التعمّق وانقطاع الهبوب وكل ذلك من أسباب السكون الذي أشار إليه عليه السلام.

وأقول: وممّا يبين ذلك أنه إذا فرضنا حوضاً يكون فرسخاً في فرسخ، وقدرنا بناء عمارة عظيمة في وسطه فلا ريب في أنه يقل بذلك، امواجه وكلّما وصل موج من جانب من الجوانب إليه يرتدع ويرجع


1) البحار: 143/54.

ثم إن هذه الوجوه إنما تبدي جرياً على قواعد الطبيعيين وخيالاتهم الواهية وإلا فبعد ما ذكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا حاجة لنا إلى إبداء وجه، بل يمكن أن يكون لخلق الأرض وكبسها في الماء نوع آخر من التأثير في سكونه لا تحيط به عقولنا الضعيفة كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وسكنت الأرض) حال كونها (مدحوة) مبسوطة، (في لجة تياره) أي: أعمق موجه ومعظمه (وردت الماء من نخوة بأوه واعتلائه) أي: فخره وترفعه (وشموخ أنفه وسمو غلوائه) أي: تكبره وعلوّ غلوه.

وهذه كلها استعارات للماء في هيجانه واضطرابه بملاحظة مشابهته بالإنسان المتجبر المتكبر التياه في حركاته وأفعاله والغرض بيان سكون الأرض في الماء المتلاطم ومنعها إياه من تموجه، وهيجانه (وكعمته على كظة جريته)، والمراد بكفّة الجرية ما يشاهد من الماء الكثير في جريانه من الثقل نحو ما يعتري المملي من الطعام أو أراد به شدّة جريانه وطول ملازمته له، أو التعب العارض له من الجريان على سبيل الاستعارة تشبيهاً له بالإنسان المتعب من كثرة المزاولة لفعل فهمد بعد (نزقاته أراد به سكونه بعد وثباته ولبد بعد زيفان وثباته):أي: أقام بعد تبختره في طفراته.

(فلما سكن هيج الماء تحت أكنافها) يعني أطراف الأرض وجوانبها (وحمل شواهق من الجبال البذخ على أكتافها) استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ الاكتاف للأرض لكونها محلاً لحمل ما يثقل من الجبال كما أن كتف الإنسان وغيره من الحيوان محل لحمل الأثقال.

(فجرينا بيع العيون) لعله (عَلَيهِ السَّلَامُ)) اعتبر في الينبوع الجريان بالفعل فيكون من قبيل إضافة الخاص إلى العام أو التكرار للمبالغة وإن كان الينبوع بمعنى الجدول الكثير الماء على ما مرّ فهو مستغن عن التكلف وقوله:

(من عرانين أنوفها) من باب الاستعارة تشبيهاً للجبال بالإنسان ولأعاليها ورؤوسها بعرنينه وأنفه، وإنما خص الجبال بتفجر العيون فيها لأن العيون أكثر ما يتفجر من الجبال والأماكن المرتفعة وأثر القدرة فيها أظهر ونفعها، اتم، (وفرقها):أي: الينابيع (في سهوب بيدها وأخاديدها المراد بالأخاديد) مجاري الأنهار (وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها).

قال المحدث المجلس:”قد»لعل تعديل الحركات بالراسيات أي الجبال الثابتات جعلها عديلاً للحركات بحيث لا تغليه أسباب الحركة فيستفاد سكونها فالباء صلة لا سببية، أو المعنى سوّى الحركات في الجهات أي جعل الميول متساوية بالجبال فسكنت لعدم المرجع فالباء سببية، ويحتمل أن يكون المراد أنه جعلها بالجبال بحيث قد تتحرك بالزلازل وقد لا تتحرك ولم يجعل الحركة غالبة على السكون مع احتمال كونها دائماً متحركة بحركة ضعيفة غیر محسوسة، ومن ذهب إلى استناد الحركة السريعة إلى الأرض لا يحتاج إلى تكلف.

وكيف كان فالمعنى أنه سبحانه عدل حركات الأرض بالجبال الثابتة من صخورها

و (بذوات الشناخيب الشم من صياخيدها) أي بصاحبات الرؤوس المرتفعة من صخورها الصلبة (فسكنت) الأرض من (الميدان) والاضطراب (برسوب الجبال في قطع أديمها) أي دخولها في قطعات وجه الأرض وأعماقها (وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها) أي دخولها حال كونها نافذة في حفرات أنوف الأرض وفرجاتها (وركوبها أعناق سهول الأرضين وجراثيمها) استعار لفظ الركوب للجبال والأعناق للأرضين كناية عن إلحاقهما بالقاهر والمقهور، وذكر السهول ترشيح ولعل المراد بجراثيمها المواضع المرتفعة منها.

ومفاد هذه الفقرات أن الأرض كانت متحركة مضطربة قبل خلق الجبال فسكنت بها وظاهره أن لنفوذ الجبال في أعماق الأرض وظهورها وارتفاعها عن الأرض كليهما مدخلاً في سكونها، وقد مر الكلام في ذلك في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة الأولى فتذكر.

(وفسح بين الجووبينها) لعل في الكلام تقدير مضاف أي وسع بين منتهى الجو وبينها، أو المراد بالجوّ منتهاه أي السطح المقعر للسماء ( وأعد الهواء متنسّماً لساكنها) أي جعل الهواء محلاً لطلب النسيم واستنشاقه وفائدته ترويح القلب حتى لا يتأذى بغلبة الحرارة، (وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها) والمراد به إيجادهم وإسكانهم فيها بعد تهيئة ما يصلحهم المعاشهم والتزود لمعادهم.

(ثم لم يدع) سبحانه وتعالى (جرز الأرض التي) لا نبات بها ولا ماء من حيث إنها (تقصر مياه العيون عن) سقي (روابيها) ومرتفعاتها (ولا تجد جداول الأنهار ذريعة) ووسيلة (إلى بلوغها) والوصول إليها (حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيى مواتها) من باب المجاز في الإسناد (و) كذلك (تستخرج نباتها) لأن المحيى والمخرج هو الله سبحانه والسحاب سبب قال الله تعالى:

والله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [النحل: 65]. وقال: وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: 99].

(ألف) تعالى (غمامها) النمير راجع إلى الأرض كسائر الضمائر والإضافة لأدنى ملابسة، والمراد أنه سبحانه ركب السحاب المعدّة لسقيها (بعد افتراق لمعه وتباين قزعه) أي بعدما كانت أجزاؤها اللامعة متفرقة وقطعاتها متباينة متباعدة (حتى إذا تمَخَضَتْ لجة المزن فيه) الضمير راجع إلى المزن أي حتى إذا تحركت اللجة أي معظم الماء المستودع في الغيم واستعدت للنزول (والتمع برقه في كففه) أي أضاء البرق في جوانبه وحواشيه (ولم ينم وميضه) أي: لم ينقطع لمعان البرق (في كنهور ربابه) أي: في القطع العظيمة من سحابه

البيض (ومتراكم سحابه) أي: المجتمع الذي ركب بعضه بعضاً.

(أرسله) الله سبحانه (سحًا متداركاً) أي حال كونه يصب الماء صباً متلاحقاً (قد أسف هيدبه) ودنا من الأرض ما تدلى منه حال كونه (تمريه الجنوب دور أهاضيبه) أي: تستخرج منه الجنوب أمطاره المنصبة، والجنوب ريح مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا وهي أدر للمطر ولذا خصها بالذكر.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): ( ودفع شآبيبه) أراد به الدفعات من المطر المنزلة بشدة وقوة، (فلما ألقت السحاب برك بوانيها) استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ البرك والبوان للسحاب وأسند إليه الإلقاء تشبيهاً لها بالجمل الذي أثقله الحمل، فرمى بصدره الأرض، أو بالخيمة التي جرّ عمودها على اختلاف التفسرين المتقدمين، (وبعاع ما استقلت به من العبء المحمول عليها)، أي ثقل ما ارتفعت به الحمل المحمول عليها يعني المطر، (أخرج) سبحانه (به) أي: بذلك العبء من هوامد الأرض) التي لا حياة بها ولا عود (النبات) كما قال تعالى:

وتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةُ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج [الحج: 5]. (ومن زعر الجبال) أي: المواضع القليلة النّبات منها (الأعشاب) والرطب من الكلا (فهي) أي: الأرض (تبهج) وتفرح (بزينة رياضها) ومستنقع مياهها (وتزدهي) وتفتخر (بما ألبسته من ربط أزاهيرها) أي: بأشجار البست الأرض إيّاها لباس أنوارها، وعلى ما في بعض لنسخ من كون من كون ألبسته بصيغة المجهول فالمعنى أن الأرض تفتخر بما اكتسبت به من النبات والأزهار والأنوار فيكون لفظة من على هذا بياناً لها كما أنها على الأول صلة لألبسته، والثاني أظهر.

(و) تتكبر ب- (حلية ما سمّطت) وعلّقت (به من ناضرأنوارها) أي أنوارها المتصفة بالنضرة والحسن والطراوة (وجعل) الله سبحانه (ذلك) أي: ما أنبت من الأرض (بلاغاً للأنام) يبتلغون به ويتوسلون إلى مقاصدهم ومطالبهم (ورزقاً للأنعام) تأكل منه وترعى عند جوعها وحاجتها قال تعالى:

(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ [البقرة: 22].

(وخرق الفجاج في آفاقها) أي: خلق الطرق على الهيئة المخصوصة بين الجبال في نواحي الأرض وأطرافها قال سبحانه:

(الذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 10]

وقال (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِنَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجَاه [نوح: 19 - 20].

(وأقام المنار للسالكين في جواد طرقها) والمراد بالمنار العلامات التي يهتدي بها السالكون من الجبال والتلال أو النجوم والأول أظهر بملاحظة المقام.

واعلم أن هذا الفصل لمّا كان متضمناً لبعض ما في عالم العناصر من دلائل القدرة وبدائع الحكمة وعجائب الصنعة، وما أودع الله سبحانه فيه من المنافع العامة والفوائد التامة لا جرم أحببت تذييل المقام بهدايات فيها دراية على مقتضى الترتيب الذكري الذي جرى عليه هذا الفصل.

فأقول: وبالله التكلان وهو المستعان.

الهداية الأولى

في دلائل القدرة في الأرض والمنافع المعدة فيها للخلق وهي كثيرة لا تحصى لكنا نقتصر على البعض بما ورد في الكتاب وأفاده أولوا الألباب.

فمنها: أنه سبحانه جعلها مدحوة على الماء وبارزة منه مع اقتضاء طبعها الغوص فيه وإحاطة البحار بها، وذلك لحكمة الافتراش وأن يكون بساطاً للناس كما قال تعالى:

(الذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَرَشا وَالسَّمَاءَ بِنَاء ﴾ [البقرة: 22] وقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَرَارًا [غافر: 64]، وقال:

(جعل لكم الأَرْضَ بِسَاطًا ﴾ [نوح: 19].

فلو كانت غائصة في الماء لبطل تلك الحكمة فأخرج سبحانه بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً ومهاداً.

ومنها: كونها ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك؛ لأن الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد حركة الأرض فيما بيننا إلى جهة السماء، فكذلك يستبعد هبوطها في مقابلة ذلك لأن ذلك الهبوط صعود أيضاً إلى السماء، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها إلى علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها، وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته.

(إن الله يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاً ولئِن ذالَتَا إِن أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) [فاطر: 41].

ومنها: توسطها في الصلاة واللين:

(وهو الذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِيهَا) [الملك: 15].

إذ لو كانت في غاية الصلابة كالحجر لكان المشي والنوم عليها مما يؤلم البدن ولتعذرت الزراعة عليها ولامتنع إجراء الأنهار وحفر الآبار فيها ولم يمكن اتخاذ الأبنية والآنية منها لتعذر تركيبها ولو كانت في غاية اللين بحيث تغوص فيه الرّجل كالماء لامتنع الاستقرار والافتراش والنوم والمشي واستحال الزرع والحرث.

ومنها: أنه جعل لونها الغبراء لتكون قابلة للإنارة والضياء إذ ما كان في غاية اللطافة والشفافية لا يستقر النور عليه وما كان كذلك فإنه لا يتسخن بالشمس يبرد جداً ولا يمكن، جواره هكذا قال الرازي وصدر المتألهين. والأولى ما في»شرح البحراني”“قد»من أنها لو كانت مخلوقة في غاية الشفافية واللطافة، فإما أن تكون ذلك جسماً سيالاً كالهواء لم يتمكن من الاستقرار عليه أو يكون جسماً ثابتاً صقيلاً براقاً احترق الحيوان وما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس عليها كما يحرق القطن إذا قرب من المرايا المحاذية للشمس والبلور، لكنه خلقها غبراء ليستقر النور على وجهها فيحصل فيها نوع من السخونة وخلقها كثيفة لئلا تنعكس الأشعة منها على ما فيها فتحرقه فصارت معتدلة في الحر والبرد تصلح أن تكون فراشاً ومسكناً للحيوان.

ومنها كونها يتولّد منها النبات والحيوان والمعادن.

(وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونِ ﴾ [الحجر: 19].

ومنها أن يتخمر الرّطب بها فيحصل التماسك في أبدان المركبات.

ومنها اختلاف بقاعها فمنها أرض رخوة وصلبة ورملة وسبخة وعذبة وحزنة وسهلة،

وقال تعالى:

وَفِي الْأَرْضِ قِطَعَ مُّتَجَوِرَتٌ [الرعد: 4]. ومنها: اختلاف ألوانها فأحمر وأبيض وأسود ورمادي اللون وأغبر قال سبحانه:

وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدُ بِيضُ وَحُمْرُ تُختَلِفُ أَلْوَنَهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر: 27]. ومنها: انصداعها بالنبات (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصّنع ﴾ [الطارق: 12].:

ومنها: كونها خازنة للماء المنزل من السماء.

(و انزلنا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ ﴾ [المؤمنون: 18]. ومنها: إجراء العيون والأنهار فيها.

(وأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَبِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الزمر: 21] (وأمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خِلَها أَنْهَا﴾ [النمل: 61].

ومنها أن لها طبع السماحة والجود تدفع إليها حبة واحدة وهي تردها عليك سبعمائة.

(كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِ سُبُلَةِ يَائَةُ حَبَّةٌ﴾ [البقرة: 261].

ومنها موتها في الشتاء وحياتها في الربيع.

(فَسُفْتَهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيْتِ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُور﴾ [فاطر: 9].

ومنها: إنبثاث الدواب المختلفة فيها:

(وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَابَّةٍ ﴾ [البقرة: 164] (فَيْنَهُم مَن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ. وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى

رجلين وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٌ يَخلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [النور: 45].

ومنها كونها مبدأ الخلائق ومنشأها.

(مِنها خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنهَا نُخْرِجُكُم تَارَةٌ أُخْرَى ﴾ [طه: 55]

وجعل ظهرها مقر الأحياء وبطنها موطن الأموات.

(و ألم نجعل الأرض كفانا * أَحْيَاهُ وَأَمْوَنًا ﴾ [المرسلات: 25 - 26].

ومنها ما فيها من النباتات المختلفة الألوان والأنواع والمنافع.

(وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج ﴾ [الحج: 5].

فبعضها للإنسان وبعضها للحيوان.

(كلُوا وَارْعَوْا أَنْعَمَكُمْ﴾ [طه: 54].

وما للإنسان بعضها طعام وبعضها إدام وبعضها فواكه وبعضها دواء وبعضها ربعضها لباس كالقطن والكتان.

ومنها: ما فيها من الأحجار المختلفة، فبعضها للزينة كالدز والياقوت والعقيق ونحوها، وبعضها للحاجة كما تستخرج منه النار، فانظر إلى قلة الأول وكثرة الثاني، ثم انظر إلى قلة المنفعة بذلك الخطير وكثرة المنفعة بذلك الحقير إلى غير ذلك من آثار القدرة ودلائل الصنع والعظمة والعجائب والغرائب التي يعجز عن إدراك معشارها عقول البشر، ويحتار في البلوغ إليها الأذهان والفكر.

الثانية

في انفجار الينابيع والعيون من الأرض المشار إليه بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فجر ينابيع الأرض من عرانين أنوفها)، فأقول: ظاهر قوله سبحانه:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَبِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ) [الزمر: 21]،

وقوله: أَفَرَيَتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * وَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ الواقعة: 68 - 69].

هو كون ماء العيون والأنهار هو الماء المنزل من السحاب و به صرّح جمع من الأصحاب في باب طهورية الماء بقول مطلق بعد الاستدلال عليها بقوله سبحانه:

(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ [الفرقان: 48].

ويدلّ عليه ما رواه علي بن إبراهيم في”تفسيره»قال في”رواية أبي الجارود»عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى:

(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ ﴾ [المؤمنون: 18].

في الأنهار والعيون والآبار ومحصل ذلك أن القادر المختار أنزل بقدرته الكاملة وحكمته البالغة من السماء ماء فأسكنه في الأرض وأخرج منه العيون والآبار والقنى والأنهار ما اقتضاه الحكمة والتدبير في بقاء نوع الإنسان والحيوان وإصلاح النباتات والزراعات وغير ذلك من وجوه الحاجات وإليه ذهب أبو البركات البغدادي حيث قال: إن هذه المياه متولدة من أجزاء مائية متولدة من أجزاء متفرقة في ثقب أعماق الأرض ومنافذها إذا اجتمعت ويدلّ عليه أن مياه العيون والأنهار تزيد بزيادة الثلوج والأمطار.

وقالت الحكماء: إن البخار إذا احتبس في داخل من الأرض لما فيها من ثقب وفرج يميل إلى جهة فيبرد بها فينقلب مياها مختلطة بأجزاء، بخارية، فإذا كثر لوصول مدد متدافع إليه متد بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاق الأرض وانفجرت منه العيون.

أما الجارية على الولاء فهي إما لدفع تاليها سابقها أو لانجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء وفاض إلى وجه الأرض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلا يكون خلاء، فينقلب هو أيضاً ماء ويفيض وهكذا استتبع كلّ جزء منه جزء ء آخر.

وأما العيون الراكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من قوتها وكثرة مواذها أن يحصل منها پمعاونة شديدة أو يدفع اللاحق السابق.

وأما مياه القنى والآبار فهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن يشق الأرض، فإذا أزيل ثقل الأرض، عن وجهها صادفت منفذاً تندفع إليه بأدنى حركة، فإن لم يجعل هناك مسيل فهو البئر وإن جعل فهو القناة، ونسبة القنا إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة وإنما كثر تفجر العيون في الجبال والأماكن المرتفعة لشدة احتقان الأبخرة تحتها بالنسبة إلى سائر الأماكن

الهابطة الرخوة، فإنّ الأرض إذا كانت رخوة نفضت(1)فلا يكاد يجتمع منه قدر ما يعتد به.

وقال الشيخ: هذه الأبخرة إذا انبعث عيوناً أمدت البحار بصب الأنهار إليها، ثم ارتفع من البحار والبطاح والأنهار وبطون الجبال خاصة أبخرة أخرى، ثم قطرت ثانياً إليها فقامت بدل ما يتحلّل منها على الدور دائماً.

الثالثة

في حكمة خلق الهواء المشار إليها بقوله: (وأعد الهواء متنسماً لساكنها)، فأقول: فيه نفع عظيم للإنسان والحيوان، لأنه من ضروريات العيش لأنها مادة النفس الذي لو انقطع ساعة عن الحيوان، لمات وقيل هنا: إن كل ما كانت الحاجة إليه أشد كان وجدانه أسهل، ولما كان احتياج إنسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتى لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شيء، وبعد الهواء الماء، فإن الحاجة إليه أيضاً شديدة فلا جرم سهل أيضاً وجدان الماء، ولكن وجدان الهواء أسهل لأن الماء لا بد فيه من تكلف الاعتراف بخلاف الهواء فإن الآلات المهيأة لجذبه حاضرة أبداً.

ثم بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة، ولكن دون الحاجة إلى الماء فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين والأدوية النادرة قليلة فلا جرم عزّت هذه الأشياء، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من الياقوت والزبرجد نادرة جداً، فلا جرم كانت كانت في نهاية العزة فثبت أن كل ما كان الاحتياج إليه أشدّ كان وجدانه أسهل، وكل ما كان الحاجة إليه أقلّ كان وجدانه، اصعب وما ذاك إلا رحمة منه سبحانه على العباد قال الشاعر:

سبحان من خصّ القليل بعزة *** والناس مستغنون عن أجناسه

وأذل أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس لمحتاج إلى أنفاسه

الرابعة

في دلائل القدرة وبراهين الجلال والجبروت في خلق السحاب والمطر والبرد والثلج والرعد والبرق والصواعق قال تعالى:

(وهُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الشَّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَيكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ المحال ﴾ [الرعد: 12 - 13].


1) نفذت): في نسخة

قال الرازي: في كونها خوفاً وطمعاً وجوه الأول عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث الثاني أنه يخاف من المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في خزينته التمر والزبيب ويطمع فيه من له نفع الثالث أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم وشرّ بالنسبة إلى آخر فكذلك المطر خير في حق من يحتاج في أوانه وشرّ في حق من يضره ذلك إما بحسب المكان أو بحسب الزمان.

ثم اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله سبحانه وبيانه أن السحاب لا شك انه جسم مركب من أجزاء مائية وأجزاء هوائية (1)، ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية أنه والماء جسم بارد رطب والنار جسم حار يابس، فظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلابد من صانع مختار يظهر الضد من الضد.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الرّيح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقاً عنيفاً فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق.

فالجواب أن كلّ ما ذكرتموه خلاف المعقول من وجوه:

الأوّل: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال أينما حصل البرق، فلا بد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحاصل من تمزق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك، فإنه كثيراً ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد.

الثاني: أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة بالطبيعة المائية الموجبة للبرد، وعند حصول هذا المعارض القوي كيف تحدث النارية بل نقول: النيران العظيمة ينتفي لصبّ الماء عليها والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية.

الثالث: من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة في أجزاء السحاب، لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر، فثبت أن السبب الذي ذكروه، ضعيف، وأن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصاً لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم.

وقال في قوله: (وينشىء السحاب الثقال): السحاب اسم الجنس والواحدة سحابة، الثقال جمع ثقيلة أي الثقال بالماء.

وأعلم أن هذا أيضاً من دلائل القدرة والعظمة، وذلك لأن هذه الأجزاء المائية إما يقال


1) (نارية) في نسخة.

إنّها حدثت في جوّ الهواء، أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض، فإن كان الأول وجب أن يكون حدوثها بأحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب، وإن كان الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض، فلمّا وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت ورجعت إلى الأرض.

فنقول: هذا باطل، وذلك لأن الأمطار مختلفة، فتارة تكون القطرات كبيرة، وتارة صغيرة، وتارة تكون متقاربة وأخرى تكون متباعدة، وتارة تدوم مدة نزول المطر زماناً طويلاً، وتارة قليلاً، فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة وطبيعة الأشعة المسخنة للبخارات واحدة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار.

وأيضاً فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثراً عظيماً، ولذلك شرعت صلاة الاستسقاء فعلمنا أن المؤثر فيه قدرة الفاعل لا الطبيعة الخاصة.

وفي”الصافي»في قوله: ويسبح الرعد بحمده، روى عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه سئل عن الرعد

فقال: ملك موكل بالسحاب مع مخاريق من النار يسوق بها السحاب(1).

وفي”الفقيه روى أن الرعد صوت ملك أكبر من الذباب وأصغر من الزنبور، وفيه عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه بمنزلة الرجل يكون في الإبل فيزجرهاهاىهاى كهيئة ذلك(2)وقوله: (وَالْمَلَيْكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ [الرعد: 13] من خوفه وإجلاله (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ) [الرعد: 13] من عباده فيهلكه وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِي اللهِ [الرعد: 13]. حيث يكذبون رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيما يصفه تعالى من الفرد بالألوهية وَهُوَ شَدِيدُ المَحَالِ [الرعد: 13]

أي: المماحلة والمكايدة لأعدائه وقيل: من المحل أي شديد القوة، وقال علي بن إبراهيم القمي أي شديد الغضب هذا، وقال الرّازي في تفسير قوله سبحانه:

(ألم تَرَ أَنَّ اللهَ يُرجى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلّف بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ وَكَامًا فَتَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) [النور: 43].

قال أهل الطبائع: إن تكون السحاب والمطر والثلج والبرد والطلّ والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار وفي الأقل من تكاثف الهواء، أما الأول فالبخار الصاعد أن كان قليلاً وكان في الهواء، من الحرارة ما يحلّل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء، وإما إن


1) بحار الأنوار: 357/56، والتفسير الصافي: 61/3.

2) مستدرك سفينة البحار: 4 / 166، وتفسير القرآن الكريم: 202/4.

كان البخار كثيراً ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلّله، فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن يبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ، فإن بلغت فإما أن يكون البرد قوياً أو لا يكون، فإن لم يكن البرد هناك قوياً تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد واجتمع وتقاطر، فالبخار المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم.

وأما إن كان البرد شديداً فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبّات كباراً، أو بعد صيرورتها كذلك، فإن كان على الوجه الأوّل نزل ثلجاً، وإن كان على الوجه الثاني نزل برداً.

وأما إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهي: إما أن تكون قليلة أو تكون كثيرة، فإن كانت كثيرة فهي تنعقد سحاباً ماطراً وقد لا تنعقد، أما الأول فذاك لأحد أسباب خمسة أولها: إذا منع هبوب الزياح عن تصاعد تلك الأبخرة، وثانيها أن تكون الرياح ضاغطة لها إلى اجتماع بسبب وقوف جبال أمام الرّيح، وثالثها: أن تكون هناك رياح متقابلة متضادة فتمنع صعود الأبخرة حينئذ، ورابعها أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطوء حركته، ثم تلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة المدد، وخامسها لشدّة برد الهواء القريب من الأرض فقد يشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعوداً يسيراً حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون، والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس.

أما إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة، فإذا ضربها برد الليل كثفها وعقدها ماء يكون محسوساً ونزل نزولاً متفرّقاً لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به، فإن لم يجمد كان طلا، وإن جمد كان صقيعاً ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر، وأما أن تكون السحاب من انقباض الهواء وذلك عندما يبرد الهواء، وينقبض وحينئذ تحصل منه الأقسام المذكورة.

والجواب: أنا لما دللنا على حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادراً مختاراً يمكنه إيجاد الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه، لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه وأيضاً فهب أن الأمر كما ذكرتم، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر ثم إنّها متماثلة فاختصاص كل واحد منها بصفة معينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقاً لتلك الطبائع وتلك الطبائع مؤثرة في هذه الأحوال، وخالق السبب وخالق المسبب فكان سبحانه هو الذي يزجي سحاباً، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جوّ الهواء، ثم إن تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها والتصق

بعضها بالبعض فهو سبحانه الذي جعلها ركاماً، فثبت على جميع التقريرات أن وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر، بين انتهى.

تحقيق المقام هو ما ذكره بما لا مزيد عليه.

وأقول: دلائل القدرة في خلق السحاب مضافاً إلى ما ذكره هو أن الماء بطبعه ثقيل يقتضي النزول، فبقاؤه في الجوّ خلاف الطبع، ولذلك إذا انفصل منه قطرة نزلت دفعة فلا بد من قادر قاهر يمسكه في الجوّ على ثقله بقهره وقدرته.

وأيضاً، لو دام السحاب لعظم ضرره حيث يستر ضوء الشمس، وتكثر الأمطار وتبتل المركبات فتفسد ولو انقطع لعظم ضرره لإفضائه إلى القحط فيهلك المواشي والإنسان، فكان تقديره بالمقدار المعلوم مقتضى الحكمة والمصلحة.

وأيضاً ترى السحاب يرش الماء على الأرض ويرسله قطرات متفاضلة لا يدرك قطرة منها قطرة، ولا يعلم عددها إلا الذي أوجدها ثم إن كلّ قطرة منها عينت لجزء من الأَرض ولحيوان معين فيها من طير ووحش ودود مكتوب عليها بخط غيبي غير محسوس أنه رزق الحيوان الفلاني في الموضع الفلاني في الوقت الفلاني هذا مع ما في انعقاد البرد الصلب من الماء اللطيف وفي تناثر الثلوج كالقطن المندوف من العجائب التي لا تحصى، كل ذلك عناية من الله سبحانه ورحمة منه على العباد وفيها هداية لمن استهدى ودراية لمن ابتغى الرشاد.

الخامسة

في دلائل القدرة والعظمة في إنبات النبات والأشجار قال سبحانه:

)وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَننَا فِيهَا مِن كُلِ زَوّج كَرِيم ﴾ [لقمان: 10] وقال)وَنَزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مبركًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتِ لَمَا طَلْمٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وأحيينا به بلدة ميْنا كَذَلِكَ الْحَرُوجُ) [ ق: 9 - 11]. ﴾

ودلائل القدرة في ذلك من وجوه :

الأول: أن الماء ثقيل بطبعه، كما قلنا سابقاً إنه إذا انفصل قطرة منه من المزن تنزل إلى الأرض ولا تبقى في الجو بمقتضى طبعه فانظر إلى قدرته تعالى كيف رقا الماء المصبوب في أسفل الأشجار هذا الطبع والثقل إلى أعالي أغصانها، فهوي إلى سفل ثم ارتفع إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار شيئاً فشيئاً بحيث ينتشر في جمع الأوراق، فغذاء كل جزء من كل ورقة تجري إليه في تجاويف العروق، ففي كل ورقة عرق ممتد طولاً وينشعب منه عروق صغار كثيرة عرضاً وطولاً، فكان الكبير نهراً وما انشعب عنها جداول، ثم ينشعب من الجداول سواقي أصغر منها، ثم ينتشر منها خيوط عنكبوت دقيقة خارجة عن إدراك البصر حتى تنبسط

في جميع عرض الورق فيصل الماء في أجوافها إلى سائر أجزاء الورق لتسقيها وتغذيها بمنزلة العروق المبثوثة في بدن الإنسان والحيوان التوصل الغذاء إلى كل جزء منه، وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه، فإن الماء المتحرك بطبعه إلى أسفل كيف انجذب إلى فوق من غير حامل أو، قاسر، فعلم أن له جاذباً آخر ومحركاً خارجاً عن الحس ليسخّره ويدبره وينتهي بالآخرة إلى مدبّر السماوات والأرض جلّت عظمته وتعالى شأنه.

الثاني: أن أصناف النبات والأشجار لما كانت محتاجة إلى الغذاء الدائم في بقاء نضرته وطراوته كحاجة الحيوان إلى الغذاء ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان جعل لها أصول مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذا فتؤديه إليها، فصارت الأرض كالأم المربية وصارت أصولها كالأفواه الملتقمة للأرض، وأيضاً لولا تلك الأصول لما انتصبت تلك الأشجار الطوال العظام ولم يكن لها ثبات ودوام في الريح العاصف، فهي لها بمنزلة عُمد الفساطيط والخيم تمد بالأطناب من كل جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل ثم انظر إلى هذه العروق الصغار المنشعبة من الأصول المركوزة وأنها على دقتها وضعفها كيف تجري في أعماق الأرض وتسير فيها على صلبها عرضاً وطولاً.

الثالث: إخراج أنواع مختلفة من النبات وأصناف متشتة من الأشجار من حبّ وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمان وفواكه كثيرة مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروائح يفضل بعضها على بعض في الأكل مع أنّها جميعاً يسقي بماء واحد ويخرج من أرض واحدة.

فإن قلت سبب اختلافها بذورها وحبوبها.

قلنا: هل يكفي ذلك في ترتب هذه الآثار؟ فإن الحبوب على اختلافها متشابهة في الصورة والجوهر فكيف يصير بهذا الاختلاف موجبة لهذه الأنواع المتباعدة المتباينة في الصور الجوهرية والكيفيات، والخاصية فهل كان في النواة نخلة مطوّقة بعناقيد الرّطب؟

سلّمنا أن اختلافها من المرجّحات، لكن نسوق الكلام إلى موجد هذه الاختلافات وفاعلها، فانظر إلى اختلاف طبائع النبات وخواصها ومنافعها فهذا يغذي وهذا يقوي، وهذا يقتل وهذا يحي وهذا داء وهذا دواء، وهذا يسخن وهذا يبرد، وهذا يسهل الصفرا وهذا يولد السوداء، وهذا يقمع البلغم وهذا يولده، وهذا يستحيل دماً وهذا يطفيه، وهذا يسكر وهذا ينوّم، وهذا يفرح وهذا يضعف إلى غير هذا مما لو أردنا استقصاء العجائب المودعة فيها انقضت الا الأيام.

ومع ذلك فالحكم الباطنة والمصالح الكامنة فيها أكثر جداً مما وصلت إليه عقولنا القاصرة، فهذه هي دلائل القدرة وعلامات العظمة وآثار الصنع والحكمة في الأشياء المذكورة نبهنا عليها على وجه الاختصار إذ الاستقصاء فيها خارج عن الطوع والاختيار فسبحان من

أقام الحجة على مخلوقاته بما أراهم من بدائع آياته وجعلها تذكرة لأولى الألباب، وهو تو أعلم بالصواب.

الترجمة

بعض دیگر از این خطبه در صفت زمین و گسترانیدن او است بر روی آب، می فرماید:

فرو برد حضرت باری تعالی زمین را بر بالای موجهای باشدت و صولت و بر روی لجّه های دریاهای پرشدت برآمده در حالتی که میزدند موج های باشدت آنها بعضی بعضی را و رد میکردند یکدیگر را دفع کننده های موج های بزرگ بلند آنها و میانداختند کف را مانند شتران نر در وقت هیجان آنها پس فروتنی نمود سرکشی آب موج زننده و ردکننده یکدیگر به جهت سنگینی باران زمین و ساکن گردید هیجان مدافعه آن وقتی که در نوردید، زمین آن آب را به سینه خود و خوار شد آب در حالتی که خاضع و فروتن بود وقتی که غلطید زمین بر او به دوش های خود مانند غلطیدن حيوان در خاك.

پس گردید آب بعد از اضطراب و شدت موجهای او ساکن و ذلیل و در حلقه آهنین لجام ذلت گردن نهاده و گرفتار و ساکن شد زمین در حالتی که گسترانیده شده بود در میان موج عمیق آن آب و بازگردانید آب را از نخوت فخر و بلندی آن و از پربادی دماغ آن و بلندی از اندازه گذشتن آن و بیست آب را بر پری روان شدن آن، را پس ساکن شد آب بعد از سبکی و جهیدنهای خود و ایستاد بعد از تبختر کردن در جستنهای، خود پس چون ساکن گردید هیجان آب از زیر اطراف زمین و بار فرمود حق تعالی کوههای بلند بالا را بر دوشهای، زمین روان گردانید چشمه های آب را از بالای بینیهای زمین و پراکنده ساخت آن چشمهها را در بیابان های گشاده آن و مجاری نهرهای آن و تعدیل فرمود حرکتهای زمین را به کوه های ثابت شونده از سنگهای آن و به کوههایی که صاحب سرهای بلندند از سختیهای سنگهای آن.

پس ساکن شد زمین از اضطراب به جهت فرورفتن کوهها در قطعه های سطح

آن و به سبب درآمدن کوهها در عمق زمین در حالتی که درآمده اند در خانههای اندرون بینیهای زمین بهواسطه سوار شدن کوهها بر گردنهای زمینهای هموار و بر بلندیهای آن و فراخ کرد حق تعالی میان هوا و میان زمین را و مهیا فرمود هوا را محل تنفس کشیدن از برای ساکنین آن و بیرون آورد به سوی زمین اهل آن را بر تمامیت منافع و مصالح آن.

پس از آن ترک نکرد زمین بی گیاه را که قاصر باشد آبهای چشمهها از سیراب نمودن بلندیهای آن زمین و نمی یابد رودخانهها وسیله رسیدن بدان زمین تا این که ایجاد فرمود از برای آن ابری ظاهر شده که زنده می کند مردههای آن را و بیرون می آورد گیاه آن را جمع و ترکیب فرمود ابرهای سفید آن را بعد از تفرّق قطعههای درخشان آن ابر و مباینت پارههای آن تا این که چون متحرّك شد معظم ابرهای سفید در آن ابر و درخشان گشت برق آن در جوانب و اطراف آن و خواب نکرد یعنی ساکن نشد لمعان آن در میان پارههای ابر سفید آن و میان متراکم ابر کشیده، ان فرستاد حق تعالی آن ابر را در حالتی که ریزاننده آب است و دریابنده بعضی بعضی را.

به تحقیق که نزديك شد به زمین ابری که بهواسطه ثقل مایل است به زمین که بیرون می آورد یاد جنوب از ابر بارانهای به هم ریخته او را و دفعه دفعه های بارانهای با شدت او را پس چون افکند ابر سینه که قریب به اضلاع او است چون شتر گران بار که سینه خود بر زمین نهد و انداخت گرانی چیزی را که بلند شده بود با او از باد گرانی که بار شده بود بر آن بیرون آورد به آن آب از موضع بی گیاه زمین گیاه روییده را و از کوههای کم گیاه گیاههای تر و تازه را.

پس آن ز آن زمین بهجت مینماید به زینت مرغزارهای خود و تفاخر می ی کند کند به آنچه که پوشانیده شده به او از چادرهای شکوفههای نوردهنده خوش شکل و خوش بوی خود و تکبر مینماید به زیور آنچه که معلق شده به آن از شکوفه های بانضرت و طراوت آن و گردانیده است حق سبحانه و تعالی آن را که بیرون آورده از زمین مایه وصول عالمیان به مقصود خودشان و روزی از برای چهارپایان و شکافت حضرت باری راههای گشاده را در اطراف زمین و برپا نمود نشانهها از برای سالکین بر میانهای راههای زمین.

الفصل السابع

اشارة

»فَلَمّا مَهَّدَ أَرْضَهُ وأَنْفَذ أَمْرَهُ، اختارَ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) خِيَرَةً مِنْ خَلْقِه، وجَعْلَهُ أَوَّلَ جِبلّتِهِ، وأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وأَرْغَدَ فيها أكُلَهُ، وأَوْعَزَ إِلَيْهِ فيما نَهَاهُ عَنْهُ، وأَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الإقدام عَلَيْهِ التَّعرُّضَ لِمَعْصِيَتِه، وَالمُخاطَرَةُ بِمَنْزِلَتِه، فَأَقْدَمَ عَلى ما نَهاهُ عَنْهُ مُوافاةٌ لِسابِقِ عِلمه، فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِه، ولِيُقيم الحُجَّةَ بِه عَلى عِبادِه ولَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمّا يُؤَكدُ عَلَيْهم حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ، ويَصِلُ بَيْنَهُمْ وبَينَ مَعْرِفَتِهِ، بَلْ تَعاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنَبِيانِه، ومُتَحَمّلي ودائع رِسالاتِه، قَرْنا فَقَرنَا، حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و حُجَّتُهُ، وبَلَغَ المَقْطَعَ عُذْرُهُ ونُذْرُهُ، وقَدَّرَ الأَرْزاقَ، فَكَثَّرهَا وقَلَّلَها، وقَسَّمَها عَلى الضيقِ وَالسَّعةِ، فَعَدَلَ فيها، لِيَبْتَلِي مَنْ أَرادَ بِمَيْسُورها ومَعْسُورِها، ولِيَخْتَبِرَ بِذلِكَ الشَّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيها وفقيرها، ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِها عقابيلَ، فاقَتِها، وبِسَلامَنِها طَوارِقَ، افاتِها، وبفُرج أفراجها عُصَصْ أَتْرَاحِهَا، وَخَلَقَ الأَجالَ، فَأَطالَها وقَصَّرَها، وقَدَّمَها وأَخْرَها، ووَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسبابها، وجَعَلَهُ خَالِجاً لأشطانها، وقاطِعاً لمراير أقرانها(1).

اللغة

(الخيرة) على وزن العنبة المختار وقد يسكن الياء، وفي”القاموس»خار الرجل على غيره خيرة وخيراً، وخيرة، فضله على غيره كخيرة وفي”شرح المعتزلي»الخيرة اسم من اختاره الله يقال: محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خيرة الله و (الجبلة) بكسر الجيم والباء وتشديد اللام الخلقة والطبيعة وقيل في قوله تعالى:

(وخَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الأَولِينَ ﴾ [الشعراء: 184].

أي ذوي الجبلة، ويحتمل أن يكون من قبيل الخلق بمعنى المخلوق، وقيل الجبلة الجماعة من الناس، و (الأكل) بضمتين الرزق والحظ قال تعالى:

(هو أكُلُهَا دَابِمُ رَظِلُّهَا ﴾ [الرعد: 35].

و (أوعزت) إلى فلان في فعل أو ترك أي تقدمت، وأمرت، و (خاطر) بنفسه وماله أشفاهما على خطر وألقاهما في المهلكة قال في المغرب (تعهد) الصيغة وتعاهدها أتاها وأصلحها وحقيقته جدّد العهد بها، و (القرن) أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران فكأنّه المقدار


1) بحار الأنوار: 148/5 11، وميزان الحكمة: 2954/4.

الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم فقيل: أربعون سنة وقيل ثمانون سنة وقيل: مائة،

و (مقطع) الشيء منتهاه كأنه قطع من هناك، و (العذر والنذر) إما مصدران بمعنى الأعذار والانذار أو ما بين للمكلفين من الأعذار في عقوبته لهم إن عصوه، وما أنذرهم به من الحوادث وقوله:

(فعدل) بالتخفيف وفي بعض النسخ بالتشديد و (الميسور والمعسور) مصدران بمعنى اليسر والعسر كالمفتون بمعنى الفتنة ويمتنع عند سيبويه مجيء المصدر على وزن مفعول قال: الميسور الزمان الذي يوسر فيه و (العقابيل) جمع عقبول وعقبولة، وهي قروح صغار تخرك غبّ الحمى بالشفة و (الفرج) جمع فرجة وهي التفصي من الهم، و (الغصص) جمع وهي ما اعترض في الحلق و (الاتراح) جمع الترح محركة كأسباب وسبب الهم غصة والهلاك والانقطاع، و (خلجه) يخلجه من باب نصر، جذبه و ( الاشطان) جمع الشطن بالتحريك وهو الحبل أو الطويل منه.

و (المراثر) جمع مرير ومريرة وهي الحبال المقتولة على أكثر من طاق وقيل: الحبال الشديدة الفتل وقيل: الطوال الدقاق منها، و (الأقران) جمع قرن بالتحريك وهو حبل يجمع به البعيران.

الإعراب

قوله: (خيرة) منصوب إما على المصدر أو على كونه إسماً منه كما حكيناه عن”القاموس»وعن”شرح المعتزلي”، فيكون المعنى اختاره اختياراً أي فضله تفضيلاً واختاره خياراً، وانتصاب اسم المصدر بالفعل أيضاً غير عزيز يقال: توضأ وضوء وتطير طيرة، وافتدى فدية وعلى كونه بمعنى المختار فهو منصوب على الحال (وموافاة) منصوب على الحدث بحذف العامل أي فوافى المعصية، موافاة وطابق بها سابق العلم مطابقة، ولا يجوز جعله مفعولاً له له حتى يكون علة للفعل لاستلزامه كون علمه السابق علة لإقدامه على المعصية وهو لا يستقيم على أصول العدلية.

المعنى

إعلم أنّ هذا الفصل متضمن لتمجيد الله سبحانه باعتبار خلقه آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتفضيله على غيره وإتمام نعمته عليه ومقابلته بالعصيان ومقابلة عصيانه بقبول توبته وإهباطه إلى الأرض وإكرام ذرّيته بعده يبعث الأنبياء فيهم، وقسمته بينهم معيشتهم وآجالهم بالقلة والكثرة والضيق والسعة وابتلائه لهم بذلك.

فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فلما مهد أرضه) أي: سواها وأصلحها أو بسطها على الماء، ولعلّ المراد

هنا إتمام خلق الأرض على ما تقتضيه المصلحة في نظام أمور ساكنيها، وفي”شرح البحراني»أي جعلها مهاداً كقوله تعالى:

(ألم نجعل الْأَرْضَ مِهَدَا ﴾ [النبأ: 6].

أو جعلها مهداً كقوله تعالى:

(جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ﴾ [الزخرف: 10].

وعلى التقدير الأوّل أراد أنه خلقها بحيث يسهل على العباد أن يتصرفوا فيها بالقعود والقيام والزراعة وسائر جهات المنفعة وعلى التقدير الثاني يكون لفظ المهد استعارة لها بملاحظة تشبيهها بمهد الصبي في كونها محل الراحة والنوم، (وأنفذ أمره) أي: أمضى أمره التكويني في إيجاد المخلوقات، وإتمامها وكان من تمامها خلقة نوع الإنسان وترجيحه على الأشباه والأقران كما أشار إليه بقوله: (اختار) أبا البشر (آدم) على نبينا وآله وعليه السّلام (خيرة من خلقه) وفضله سبحانه وذريته على سائر مخلوقاته كما قال عزّ من قائل:

(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى وَادَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 33 - 34].

وقد أشير إلى بعض جهات التفضيل والاصطفاء في الآيات الشريفة.

قمنها: أنه سبحانه شرفه بالاستخلاف كما قال

(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ﴾ [البقرة: 30].

ومنها: إضافة روحه إليه كما قال:

(وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ [الحجر: 29].

ومنها: إضافة خلقته إلى يديه كما قال:

(مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ ص: 75].

ومنها أمر الملائكة بالسجود له كما قال:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إبليس [البقرة: 34]. ومنها تعليمه الأسماء وإيثاره بذلك على ملائكة السماء كما قال:

(وَعَلَم ءَادَمَ الأَسْمَاءَ كُلَهَا ﴾ [البقرة: 31].

ومنها: تكرمته وذريته بما أشير إليه بقوله:

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي مَا دَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِن الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْتَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) [الإسراء: 70].

ومنها: جعلهم قابلاً لإتيان الطاعات وحمل الأمانات كما قال:

(إنا عرضنا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسن) [الأحزاب: 72]

ومنها: تصويره لهم بالصور الحسنة كما قال:

(وَصَوَرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ) [غافر: 64].

ومنها تعليمهم البيان كما قال:

(و خلق الْإِنسَنَ * عَلَمَهُ البَيَانَ ﴾ [الرحمن: 3 - 4].

ومنها: تعديل الأعضاء واستقامة القامة كما قال:

(لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم﴾ [التين: 4].

ومنها: التعليم بالقلم كما قال:

(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِى عَلَمَ بِالْقَلَمِ * عَلَمَ الإِنسَانَ مَا لم يعلم) [العلق: 3 - 5].

ومنها كونه نسخة جامعة لما في الملك والملكوت وكتاباً مبيناً لأسرار القدرة والجبروت، ولذلك عقب بيان خلقته بقوله:

(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَيْلِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14].

وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما نسب إليه:

دواءك فيك فلا تبصر *** داؤك منك فلا تشعر

وأنت الكتاب المبين *** الذي بأحرفه تظهر المضمر

أتزعم أنك جم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر

فقد ظهر بذلك كله أنه سبحانه اختاره على غيره (وجعله أول جبلته) أي: أول شخص من نوع الإنسان وأوّل خليفة خلقت في الأرض. وفيه ردّ على من قال بقدم الأنواع المتوالدة (وأسكنه جنته) وأباحها له بقوله:

(اسكُن أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ [البقرة: 35].

(وأرغد فيها أكله) أي: جعله واسعاً طيباً وقال له ولزوجته:

(وكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِنْتُمَام [البقرة: 35].

(وأوعز إليه فيما نهاه عنه) أي تقدّم إليه في الأكل من الشجرة ونهاه عن ذلك وعاهده في ذلك كما قال:

(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمَا ﴾ [طه: 115].

(وأعلمه أن في الأقدام عليه) أي على ما نهاه عنه (التعرض لمعصيته) كما قال:

(ولا تقربا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35].

(والمخاطرة بمنزلته) أي: إشراف منزلته على الخطر وانحطاط درجته كما قال:

(فَقُلْنَا يَتَعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [ طه: 117].

فالضمير في منزلته راجع إلى آدم ويحتمل رجوعه إليه سبحانه كضمير معصيته على الظاهر (فأقدم على ما نهاه عنه).

(فأكلا منها فَدَتْ هَمَا سَوْءَاتُهُما وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَعَوَى ﴾ [طه: 121]

وقد مر تأويل تلك المعصية وأضرابها في شرح الفصل الثاني عشر والفصل الثالث عشر من فصول الخطبة الأولى، ولا حاجة إلى الإعادة وقوله: (موافاة لسابق علمه) أراد أنه وافى بالمعصية وطابق بها سابق العلم فأقدم على المنهي عنه بما قدر عليه وكتب في حقه في القضاء الإلهي السابق على وجوده.

يدلّ عليه ما ورد في بعض الأخبار أن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) حجّ لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال موسى:”أنت خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته فلم عصيته؟»قال آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) له:”أنت موسى الذي اتخذك الله كليماً وأنزل عليك التّوراة؟»قال له: نعم قال له:”كم من سنة وجدت الذنب قدر علي قبل فعله؟»قال:”كتب عليك قبل أن تفعله بخمسين ألف عام”، قال:”يا موسى أتلومني على أمر قد كتب عليّ فعله قبل أن أفعله بخمسين ألف سنة؟”(1).

فإن قلت: إذا كانت المعصية مكتوبة عليه مقدرة في حقه ثابتة في العلم الإلهي قبل ، وجوده، فلا بد أن يكون مجبوراً فيها غير متمكن من تركها.

قلت: العلم ليس علة للمعلوم بل حكاية له، وكونها مقدّرة في حقه لا يستلزم اضطراره إذا لم يكن ذلك قدراً حتماً وقضاء لازماً، وإلا لما استحق اللوم والعتاب بقوله:

أَلَمْ و ألذ أنهَكُمَا عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مين [الأعراف: 22]. ولم ينسبا العصيان إلى أنفسهما ولم يقولا:


1) سير أعلام النبلاء: 278/5.

(رينا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23].

فإن قلت: كيف لم يكن قدراً حتماً والمستفاد من بعض الأخبار أن أكلهما منها كانا بمشية حتم وإرادة ملزمة، وهو ما رواه في”الكافي»عن علي بن إبراهيم عن علي بن معبد عن واصل بن سليمان عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سمعته يقول:”أمر الله ولم يشأ وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشاء أن لا يسجد ولو شاء لسجد، ونهى آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل”(1)

وعن علي بن إبراهيم أيضاً عن المختار بن محمد الهمداني ومحمد بن الحسن عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعاً عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”إنّ الله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم، وإرادة، عزم ينهي وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت شهوتهما مشيئة الله تعالى وأمر إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يذبح إسحاق ولم يشأ أن يذبحه، ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشيئة الله (2).

قلت ظاهر الخبرين وإن كان يفيد أن صدور الأكل منهما إنما كان عن مشيئته الملزمة وأنّه لو لم يشأ الأكل أي شاء عدم الأكل لما أمكن لهما الأقدام عليه وإلا لزم غلبة مشيئتهما مشيئته سبحانه فيلزم منه العجز تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، إلا أنه يمكن توجيههما على وجه يطابق الأصول العدلية ولا ينافيها.

فنقول: أمّا الرّواية الأولى فقد وجهت بوجوه:

الأول: حملها على التقيّة لكونها موافقة لأصول الجبرية.

الثاني: أن يقال المراد بالمشيئة العلم، فالمقصود أنه أمر بشيء ولم يعلم وقوع ذلك الشيء لعدم وقوعه فلا يتعلّق علمه بوقوعه وشاء يعني علم وقوع شيء ولم يأمر به لكونه غير مرضي له.

الثالث: أن يقال: المراد بمشيئة الطاعة هداياته وألطافه الخاصة التي ليست من ضروريات التكليف وبمشيئة المعصية خذلانه وعدم فعل تلك الألطاف بالنسبة إليه وشيء منهما لا يوجب جبره على الفعل والترك، ولا ينافي استحقاق الثواب والعقاب.

الرابع ما قيل: إنّ المراد تهيئة أسباب فعل العبد بعد إرادة العبد ذلك الفعل.


1) الكافي: 1/ 151 ح 3، وتفسير نور الثقلين: 1/62ح119.

2) الكافي: 151/1 ح،4، وشرح أصول الكافي: 267/4 ح 4.

الخامس: أنه إسناد للفعل إلى العلة البعيدة، فإن العبد وقدرته وإرادته لما كانت مخلوقة الله تعالى فهو جلّ وعلا علة بعيدة لجميع أفعاله.

السادس: أن يقال: إن المراد بمشيئته عدم جبره على فعل الطاعة أو ترك المعصية، وبعبارة أخرى سمي عدم المشيئة مشيئة، العدم، فمعنى الحديث أنه أمر الله بشيء على وجه الاختيار وأراده على وجه التفويض والاختيار، شاء ولم يشأ ذلك الشيء مشيئة جبر ولم يرد إرادة قسر، وشاء ولم يأمر يعني شاء شيئاً مشيئة تكليفية وإرادة تخييرية ولم يأمر به على وجه القسر ولم يرده على وجه الجبر.

ثم أوضح ذلك بقوله: أمر إبليس أن يسجد لأدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سبيل الاختيار، وأراد منه السجود من غير القسر والإجبار، وشاء أن لا يسجد بالجبر والقسر ولو شاء لسجد، أي لو سجوده لآدم على الجبر والقسر لسجد له لأن الأفعال القسرية لا تخلف عن الفاعل وحيث لم يسجد علم انتفاء المشيئة القسرية والإرادة الجبرية، ونهى آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أكل الشجرة على وجه الاختيار وكره منه أكل ثمرتها من غير الإلجاء، والإجبار، وشاء أن يأكل منها أي شاء أن يكون الأكل أمراً اختيارياً، وأراد أن لا يكون مجبوراً في تركه وفي قبول النهي عنه، ولو لم يشأ لم يأكل، أي لو لم يشأ أن يكون له اختيار في أكله وكان مجبوراً على تركه لم يأكل لأن المجبور على ترك الشيء ومسلوب الاختيار عن فعله لا يقدر على الإتيان به وحيث أكل علم أنه صاحب القدرة والاختيار فيه وأنه تعالى أراد أن يكون فعل العبد وتركه بقدرته واختياره حفظاً لنظام التكليف وتحقيقاً لمعنى الثواب والعقاب. وإما الرواية الثانية فقد وجهها الصدوق (ره) بمثل التوجيه السادس في الرواية السابقة، قال ره في”محكي كلامه»عن كتاب التوحيد بعد إيراد الرواية:

إن الله تعالى نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة، وقد علم أنهما يأكلان منها لكنه عزّ وجلّ شاء أن لا يحول بينهما وبين الأكل بالجبر والقدرة كما منعهما من الأكل منها بالنهي والزجر، فهذا معنى مشيئته فيهما، ولو شاء عزّ وجلّ منعهما عن الأكل بالجبر، ثم أكلا منها لكان مشيئتهما قد غلبت مشيئة الله، كما قال العالم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تعالى الله عن العجز علوّاً كبيراً انتهى.

أقول: وسائر الوجوه السابقة جارية هنا أيضاً كما لا يخفى ولعلنا نشبع الكلام على هذا المرام عند تحقيق مسألة الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين في مقام مناسب لذلك إن شاء الله هذا.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فأهبطه بعد التوبة) نص صريح في كون التوبة قبل الإهباط وهو المطابق للترتيب الذكري في آية طه قال تعالى:

(وَعَصَى عَادَمُ رَبَّكُر فَفَوَى ثُمَّ اجْبَهُ رَبُّكُمُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا) [طه:123 - 122 - 121].

إلا أنا استظهرنا في التنبيه الأوّل من تنبيهات الفصل الثالث عشر من فصول الخطبة الأولى أن الإهباط كان قبل التوبة لدلالة الأخبار الكثيرة على ذلك، ويمكن الجمع بين الأدلة بحمل ما دلّ على تقدم التوبة على الهبوط على نفس التوبة وما دلّ على تأخرها عنها على قبولها ويقال: بتأخره عن التوبة، أو حمل ما دلّ على تأخرها على التوبة الكاملة، والله العالم.

وكيف كان فإنما أهبطه سبحانه (ليعمر أرضه بنسله وليقيم الحجة به على عباده)، قد مر كيفية ابتداء النسل في شرح الفصل الرابع عشر من الخطبة الأولى، وأما إقامة الحجة به على عباده فالمراد به کونه خليفة الله سبحانه في أرضه وحجته على خلقه كان معه من أولاده ممن أتى بعده من الذين كانوا على شرعه وقال الشارح المعتزلي: المراد بإقامة الحجة به أنّه، إذا كان أبوهم أخرج من الجنّة بخطيئة واحدة فأخلق بها أن لا يدخلها ذو خطايا جمة، ومن والأظهر ما قلناه.

(ولم يخلهم بعد أن قبضه) الله سبحانه إليه (مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته ويصل بينهم وبين معرفته) أراد أنه لم يخل الخلق بعد قبض آدم إليه من الحجج المؤكدة لأذلة ربوبيته والموصلة للخلق إلى معرفته، وفي الإتيان بلفظ التأكيد إشارة إلى أن أذلة الربوبية وآيات القدرة وبراهين التوحيد وشواهد التفريد للخالق تعالى ساطعة، قائمة وآثار الجلال والجبروت في الأنفس والآفاق للحق سبحانه نيّرة، واضحة وإنما الغرض من بعث الرسل وإنزال الكتب محض التأكيد والتأييد، وإلا فالأدلة العقلية في مقام الحجيّة كافية وافية.

وقوله: (بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ومتحملي ودائع رسالاته قرناً فقرنا)، أي أصلحهم وجدد العهد بهم في كل قرن بالحجج الجارية على ألسن الأنبياء والرسل، والمودعة في الصحف والكتب حسبما مر توضيحه في شرح الفصل الرابع عشر من الخطبة الأولى في الرّواية الطويلة لأبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)

(حتى تمت بنبينا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الله حجته) وأكمل به دينه وختم به أنبياءه ورسله (وبلغ المقطع عذره ونذره) أي بلغ الغاية والنهاية إعذاره وإنذاره وقيل المراد بالعذر ما بين الله سبحانه للمكلفين من الأعذار في عقوبته لهم إن عصوه وبالنذر ما أنذرهم به من الحوادث وخوفهم به، وقد مز (وقدر الأرزاق) في حق الخلائق وكتبها في أم الكتاب كما قال سبحانه:

(وفي السَّمَاءِ رِزْقَكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22].

قيل: أي في السماء تقدير رزقكم أي ما قسمه لكم مكتوب في اللوح المحفوظ لأنه في السماء (فكثرها وقللها) أي: كثرها في حق طائفة وقلّلها في حق طائفة أخرى على ما تقتضيه

الحكمة، أو كثرها وقلّلها بالنسبة إلى شخص واحد بحسب اختلاف الأزمان والحالات، (وقسمها على الضيق والسعة) لما كان المتبادر من القسمة البسط على التساوي بين ما أراده بذكر الضيق والسعة، ولما كان ذلك موهماً للجور أردفع بذكر العدل وقال: (فعدل فيها) أي في تلك القسمة.

ثم أشار إلى نكتة العدل وحكمته بقوله: (ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها) نشر على ترتيب اللّف على الظاهر والضمير فيهما راجع إلى الأرزاق وفي الإضافة توسع، ويحتمل عوده إلى الأشخاص المفهوم من المقام أو إلى الدنيا أو إلى الأرض، ولعلّ أحديهما أنسب ببعض الضمائر الآتية، وقد مر تحقيق معنى اختبار الله سبحانه وابتلائه في شرح الخطبة الثانية والستين.

ومحصل المراد أنه سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ويجعل بعضهم غنيّاً وبعضهم فقيراً، ويختبر بذلك الشكر من الأغنياء والصبر من الفقراء، لإعظام مثوباتهم وإعلاء درجاتهم إن شكروا وقنعوا وتشديد عقوباتهم واحتطاط مقاماتهم إن كفروا وجزعوا ويجيء، لذلك إن شاء الله مزيد توضيح في شرح الخطبة القاصعة.

(ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها) لا يخفى ما في تشبيه الفاقة وهي الفقر والحاجة أو آثارها بالعقابيل من اللطف لكونها مما يقبح في المنظر وتخرج في العضو الذي لا يتيسر ستره عن النّاس، وتشتمل على فوائد خفية، وكذلك الفقر وما يتبعه وأيضاً تكون غالباً بعد التلذذ والتنعم (وبسلامتها طوارق آفاتها) أراد بها متجددات المصائب وما يأتي بغتة من الطروق وهو الإتيان بالليل (وبفرج أفراجها غصص أتراحها) أراد أن التفصي من همومها مقارن لغصصها، و نشاطها معقب لهلاكها قال الأعشى:

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن *** إذا صلحت كفاي عاد فأفسدا

شباب وشيب وافتقار وثروة *** فلله هذا الذهر كيف ترددا

وقال الحريري:

وقع الشوائب شیب *** والدهربالناس قلِّب

إن دان یوماً لشخص *** ففی غدیتغلَّب

فلا تثق بومیض من *** برقه فهو خلَّب

وقال آخر:

استقدر الله خيراً وأرضين به *** فبينما العسر إذ دارت مياسير

وبينما المرء في الإحياء مغتبط *** إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير

(وخلق الاجال فأطالها وقصرها وقدّمها وأخرها) قال في»البحار»: الأجل محرّكة مدّة الشيء وغاية الوقت في الموت وحلول الدين وتعليق الإطالة والتقصير على الأوّل واضح، وأما التقديم والتأخير فيمكن أن يكون باعتبار أن لكل مدة غاية، وحينئذ يرجع التقديم إلى التقصير والإطالة إلى التأخير، ويكون العطف للتفسير تأكيداً، ويحتمل أن يكون المراد بالتقديم جعل بعض الأعمار سابقاً على بعض وتقديم بعض الأمم على بعض مثلاً فيكون تأسيساً، ويمكن أن يراد بتقديم الآجال قطع بعض الأعمال لبعض الأسباب كقطع الرحم مثلاً، كما ورد في الأخباروبتأخيرها مدّها لبعض الأسباب فيعود الضمير في قدمها وأخرها إلى الأجل بالمعنى الثاني على وجه الاستخدام أو نوع من التجوز في التعليق كما مرّ.

(ووصل بالموت أسبابها) الضمير راجع إلى الآجال والمراد باتصال أسبابها به على كون الأجل بمعنى مدة العمر هو اتصال أسباب انقضاء الاجال، به وعلى المعنى الثاني هو اتصال أسباب نفس الاجال به والمراد بالأسباب على ذلك هي بعض الأمراض المفضية إلى الموت ونحوها من الأسباب المؤدية إليه.

(وجعله خالجاً لأشطانها) أي: جعل الموت جاذباً لحبائل الآجال إليه وأراد بها الأعمار تشبيهاً لها بالأشطان في الطول والامتداد واستعار لفظ الخلج للموت باعتبار استلزام الموت لقرب الأجل كما أن الجاذب يقرب المجذوب إلى نفسه، (وقاطعاً لمراثرأقرانها) قال المجلسي: ولعل المراد بمرائر أقران الآجال الأعمار التي يرجى امتدادها لقوة المزاج أو البنية ونحوها، والله العالم.

الترجمة

پس چون بسط فرمود و گسترانید حق سبحانه و تعالی زمین خود را و اجراء کرد امر خود را اختیار نمود جناب آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) را اختیار کردنی یا اینکه برگزید او را برگزیده شده از میان خلقان و گردانید او را اوّل طبیعتی از نوع انسان و ساکن فرمود او را در بهشت خود و وسعت داد در آنجا رزق او را و مقدّم داشت به سوی وی در آنچه نهی کرد او را از آن یعنی اکل از شجره و اعلام کرد او را که در اقدام نمودن بر آن فعل متعرّض شدن است به معصیت او و در خطر افکندن و ضایع ساختن است منزلت و مرتبت او پس اقدام کرد جناب آدم بر آنچه که نهی فرموده بود خدا از آن و موافقت کرد این موافقت نمودنی با علم سابق حضرت باری.

پس فرود آورد او را به زمین بعد از توبه و انابت تا اینکه آباد نماید زمین خود را با نسل او و تا اینکه اقامه حجت نماید با او به بندگان خود و خالی نگذاشت بندگان خود را بعد از قبض فرمودن روح آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) از چیزی که مؤكّد شود حجت پروردگاری او را و وصل کند میان ایشان و میان معرفت، او بلکه تجدید عهد فرمود با ایشان به حجتها و دلیلها بر زبان برگزیدگان از پیغمبران خود و متحملان امانتهای پیغامهای خود در قرنی بعد از قرنی تا اینکه تمام شد به پیغمبر ما که محمّد بن عبدالله صلوات الله عليه و آله است حجت بالغه او و به نهایت رسید عذر او در عذاب عاصیان و ترساندن او از آتش سوزان.

و مقدّر فرمود روزیها را پس بسیار گردانید آن را بر بعضی و کم گردانید آن را بر بعض آخر و قسمت کرد آنها را بر تنگی و وسعت پس عدالت کرد در آن قسمت تا اینکه امتحان نماید هر که را بخواهد با آسانی روزی و دشواری آن و تا اینکه اختیار نماید با این شکر و صبر را از توانگر و درویش آن.

پس از آن مقارن ساخت به فراخی روزی، ها تبخالهای فقر و فاقه آن و به سلامتی های، ان مصیبتهای ناگهان آن را و به گشادگیهای شادیهای آن غصههای هلاکتهای آن را و خلق کرد اجلها را پس دراز نمود آن را و کوتاه گردانید و مقدّم فرمود بعض آن را و تأخیر انداخت بعض دیگر را و چشانید به مرگ أسباب اجلها را و گردانید مرگ را کشنده ریسمانهای اجلها و برنده ریسمان های محکم پرتاب آنها.

الفصل الثامن

اشارة

»عالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ، ونَجْوَى المُتَخَافِتينَ، وخَواطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ، وعُقد عَزيماتِ اليَقينِ، ومَسارِقِ ِإيْمَاضِ الجُفُونِ، وما ضَمِنَتْهُ أَكْنانُ القُلُوب، وغيابات الغُيُوب، وما أَصْغَتْ لاِسْتِرَاقِه مَصائِحُ الأَسْماع، ومَصائِفِ الذُّرُ، ومَشاتِي الْهَوامُ، وَرَجْعِ الحَنَين مِنَ المُولَهاتِ وهَمْس الأقدام، ومُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلائِجِ غُلْفِ الأكمام، ومُنْقَمَعَ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرانِ الجِبالِ وأَوْدِيَتِها، وَمُخْتَبَى البَعُوضِ بَينَ سُوقِ الأَشْجارِ وَأَلْحِيَّتِها، ومَغْرَزِ الأَوْراقِ مِنَ الأَفْنانِ، ومَحَطُ الأَمْشَاحِ مِنْ مَسارِبِ الأَصْلابِ، وناشِئَةِ الْغُيُومِ وَمُتَلاحِمِها، ودُرُورِ قَطْرِ السَّحابِ في مُتَراكمها، وما تَسْفي الأعاصيرُ بِذُبُولِها، وتَعْفُو الأَمْطَارُ بِسُيُولِها، وعَوْمِ نَباتِ الأَرْضِ فِي كُثبانِ الرِّمالِ، ومُسْتَقَرُ ذَواتِ الأَجْنِحَةِ بِذُرى شَناخيبِ الجِبالِ، وتَغْرِيدِ ذَواتِ الْمَنْطِقِ في دَياجِيرِ الأَوْكارِ، وما أَوْعَتْهُ الأصْدافُ وحَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْواجُ الْبِحارِ، وما غَشِيَتْهُ سُدْفَهُ لَيْلِ أَوْ ذَرْ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهارٍ، ومَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْباقُ الدَّياجيرِ وسُبُحاتُ النُّورِ، وأَثَرِ كُلِّ خَطوَةِ، وَحِسٌ كُلِّ حَرَكَةِ، ورَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ، وتَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ، ومُسْتَقَرٌ كُلِّ نَسَمَةٍ، ومِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ، وهَماهِم كُلِّ نَفْسٍ هامَّةٍ، وما عَلَيْها مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ، أَوْ قَرارَةِ نُطْفَةٍ، أَوْ نُقاعَةِ دَم ومُضْغَةٍ، أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وسُلالَةٍ، لَمْ يَلْحَقَهُ في ذلِكَ كُلْفَةٌ، وَلا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَهُ مِنْ خَلْقِه، عارضَةٌ، ولا اغْتَوَرَتْهُ في تَنفيذ الأمورِ وتَدابيرِ الْمَخْلُوقينَ مَلالَةٌ ولا فَتْرَةٌ، بَلْ نَفَذَ فِيهِمْ عِلْمُهُ، وأَحْصاهُمْ عَدهُ، ووَسِعَهُمْ عَدْلُهُ، وغَمَرَهُمْ فَضْلُهُ، مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ ما هُوَ أَهْلُهُ..

أَللهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الجَميلِ، وَالتَّعْدادِ الكَثيرِ، إِنْ تُؤْمَلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ، وإِنْ تُرْجَ فَأَكْرَمُ مَرْجُو، اللهم وقد بسطت لي فيما لا أَمْدَحُ به غَيْرَكَ ولا أثنى به عَلى أَحدٍ سواك، ولا أَوَجْهُهُ إلى مَعادِنِ الْخَيْبَةِ، ومَواضِع الرَّيْبَةِ، وعَدَلْتَ بِلساني عَنْ مَدائِحِ الآدميينَ، وَالثَّنَاءِ عَلَى المَرْبُوبينَ الْمَخْلُوقينَ، أَللَّهُمَّ وَلِكُلِّ مُثْن على مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزاءِ، أَوْ عارِفَةٌ مِنْ عطاء، وقَدْ رَجَوْتُكَ دَليلاً على ذَخائِرِ الرَّحْمَةِ، وكُنُوزِ الْمَغْفِرَة.

أَللَّهُمَّ وهذا مَقامُ مَنْ أَفَرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذي هُوَ لَكَ، ولَمْ يَرَ مُسْتَحِقَّا لِهذِهِ المَحامِدِ وَالْمَمَادِحَ غَيْرَكَ، وبي فاقَةٌ إِلَيْكَ، لا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَها إِلا فَضْلَكَ، ولا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِها إِلا مَنكَ وجُودُكَ، فَهَبْ لَنا في هذَا المَقامِ رِضاكَ، وأغننا عَنْ مَدَّ الأَيْدِي إِلَى سِواكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير(1).


1) بحار الأنوار: 54/114، وشرح نهج البلاغة: 7/31.

اللغة

(السر) هو ما يكتم وهو خلاف الإعلان، و (ضمير) الإنسان قلبه وباطنه والجمع ضمائر على التشبيه بسريرة وسرائر، لأن باب فعيل إذا كان اسماً لمذكر يجمع كجمع رغيف وأرغفة ورغفان قاله الفيومي، وفي”القاموس»الضمير السّر وداخل الخاطر و (النجوى) اسم مصدر بمعنى المسارة من انتجى القوم وتناجوا تسازوا و (التخافت) كالإخفات خلاف الجهر قال الشاعر:

أخاطب جهراً إذ لهن تخافت

وشتان بين الجهر والمنطق الخفت

و (الخاطر) ما يخطر في القلب من تدبير أمر ونحوه، و (العقد) جمع عقدة بالضم وعقدة كلّ شيء الموضع الذي عقد منه و وأحكم وأحكم و (أومضت) المرأة إذا سارقت النظر وأومض البرق إذا لمع لمعاً خفيفاً وأومض فلان أشار إشارة خفية و (الاكنان) والاكنة جمع الكن وهو اسم لكلّ ما يستتر فيه الإنسان لدفع الحر والبرد من الابنية ونحوها وستر كل شيء ووقائه قال تعالى:

(وجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَا) [النحل: 81].

قال الشارح المعتزلي: ويروى أكنة القلوب وهي غلقها وأغطيتها قال تعالى:

وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ [الانعام: 25]. (غيابة) البئر قعره قال تعالى:

وَأَلْقُوهُ فِي غَبَبَتِ الْجُبْ [يوسف: 10]. وغيابة كلّ شيء ما يسترك منه و (استراق) السمع الاستماع في خفية قال تعالى:

(إِلَّا مَنِ اسْتَرَفَ السَّمْعَ فَأَبَعَهُ شِهَابٌ تُبِينُ ﴾ [الحجر: 18].

و (الذر) جمع ذرّة وهي صغار النمل و (الهوام) جمع الهامة وهو كلّ ذات سم يقتل كبعض الحيّات وما لا يقتل فهو السّامة كالزنبور، وقد يطلق الهوام على ما يدب من الحيوان كالحشرات و (منفسح) الثمرة بالنون والحاء المهملة من باب الانفعال موضع انفساحها ویروى متفسخ الثمرة بالتاء والسين المشددة والخاء المعجمة من باب التفعل يقال: تفسخ الشعر عن الجلد زال) و (الولايج) المواضع الساترة جمع وليجة وهي كالكهف يستتر فيه المارة من مطر أو غيره ويقال: أيضاً في جمعه ولج وأولاج، و (الغلف) بضمة أو ضمتين جمع غلاف ككتاب ويوجد في النسخ على الوجهين و (الاكمام) جمع الكم بالكسر وهو وعاء الطلع وغطاء النور، ويجمع أيضاً على الأكمة وكمام.

و (منقمع) الوحوش من باب الانفعال محلّ الانقماع والاختفاء، وفي بعض النسخ من باب التفعل بمعناه و (الغيران) جمع غار وهو ما ينحت في الجبل شبه المغارة، فإذا اتسع قيل كهف، وقيل: الغار الحجر يأوي إليه الوحش أو كل مطمئن في الأرض أو المنخفض من الجبل و (الالحية) جمع اللحاء ككساء و وهي قشر الشجر و (الامشاج) قيل: مفرد وقيل جمع مشج بالفتح أو بالتحريك أو مشيج وزن يتيم وأيتام أي المختلط.

و (المسارب) المواضع الذي يتسرب فيها المني أي يسيل أو يختفي من قولهم تسرب الوحش إذا دخل في سربه أي جحره واختفى أو مجاري المني من السرب بمعنى الطريق، وتفسيرها بالأخلاط التي يتولد منها المني كما احتمله (الشارح البحراني) بعيد (في متراكمها) في بعض النسخ ومتراكمها بالواو، و (الأعاصير) جمع الأعصار وهو بالكسر الريح التي تهب صاعداً من الأرض نحو السماء كالعمود وقيل: التي فيها نار وقيل: التي فيها العصار وهو الغبار الشديد، و (العوم) السباحة وسير السفينة، و (بنات الأرض) بتقديم الباء على النون على ما في أكثر النسخ وفي بعضها بالعكس، و (ذرى) جمع ذروة بالكسر والضم (وغرد) الطائر كفرح وغرد تغريداً رفع صوته وطرب به و (الحضن) بالكسر ما دون الابط إلى الكشح أو الصدر والعضدان وما بينهما وحضن الصبي من باب نصر جعله في حضنه.

و (ذرت) الشمس تذر ذروا أي طلعت وشرقت و (شرقت) الشمس وأشرقت أي أضاءت، و (التعداد) بالفتح مصدر للمبالغة والتكثير، وقال الكوفيون أصله التفعيل الذي يفيد المبالغة قلبت ياؤه ألفاً وبالكسر شاذ و (المحامد) جمع المحمدة بفتح العين وكسرها يقال: حمده كسمعه حمداً ومحمداً ومحمداً ومحمدة ومحمّدة أثنا عليه.

الإعراب

(عالم) السرّ) خبر لمبتدأ محذوف بدلالة المقام، وكلمة (من) في قوله: (من ضمائر المضمرين) بيانية إن كان الضمير بمعنى السر وهو الأظهر، وبمعنى (في) على حد قوله تعالى:

(إذا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ) [الجمعة: 9].

إن كان بمعنى القلب ونجوى المتخافتين على كون (من) بيانية عطف على الضمائر، وعلى كونها بمعنى (في) يكون عطفاً على السر والأوّل أظهر، لأنّ نجوى المتخافتين وما يتلوه من المعطوفات كلها من قبيل الأسرار، وقوله: (من ولائج غلف الأكمام) حرف من بيانية أو تبعيضية على رواية منفسح بالنون والحاء المهملة وصلة أو بيانية على روايته بالتاء والخاء المعجمة، وإضافة الغلف إلى الأكمام من قبيل إضافة العام إلى الخاص لإفادة الاختصاص إذ كل كم غلاف دون العكس وجملة (لم يلحقه) إما حال من فاعل عالم السر المصدرية الفصل أو استئناف بياني، والثاني أظهر.

وقوله: (فخير مأمول) خبر لمبتدأ محذوف، وقوله: (بسطت لي فيما لا أمدح) كلمة (في) إما زائدة أو للظرفية المجازية، ومفعول بسطت محذوف أي بسطت لي القدرة أو اللسان أو الكلام فيما لا أمدح، و (الباء) في قوله: (عدلت بلساني) للتعدية ودليلاً منصوب إما على الحال من مفعول رجوتك أو مفعول له، و (من) في قوله: (من خلتها) زائدة، و (الفاء) في قوله: (فهب لنا (فصيحة).

المعنى

اعلم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما ذكر في الفصول السّابقة عجائب قدرته تعالى وبدائع صنعته ودلائل حكمته وبراهين، عظمته، أردفها بهذا الفصل للتنبيه على عموم علمه سبحانه بجزئيات الأمور وخفايا الأسرار، وقد مضى بعض الكلام في هذا المعنى في الخطبة الخامسة والثمانين والخطبة التاسعة والأربعين، ومر تحقيق عموم علمه بجميع الأشياء في تنبيه الفصل السابع من فصول الخطبة الأولى، إلا أن هذا الفصل قد تضمن ما لم تتضمنه الخطب السابقة، فإن فيه مع جزالة اللّفظ وعظم خطر المعنى وفصاحة العبارة وغزارة الفحوى الإشارة إلى أصناف خلقه وأنواع بريته وعجائب ربويته، وقد أحصا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه من خفيات المخلوقات وخبيات الموجودات ومكنونات المصنوعات ما لا يوجد في كلام غيره بل لا يقدر عليه سواه، تنبيهاً بذلك على برهان علمه تعالى بها، لأن خلقه لها وحفظه وتربيته لكل منها وإظهار بدائع الحكمة في كل صفة من أوصافها وحال من أحوالها لا يتعقل إلا ممن هو عالم بها مدرك لحقائقها، كما قال عز من قائل:

أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14]. قال الشارح المعتزلي(1)ولنعم ما قال: لو سمع هذا الكلام أرسطو طاليس القائل بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات هذا الكلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لخشع قلبه ووقف شعره واضطرب فكره ألا ترى ما عليه من الرُّواء والمهابة والعظمة والفخام والمتانة والجزالة مع ما قد أشرب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة، لا أرى كلاماً يشبه هذا إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه، فإن هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة، وجدول من ذلك البحر، وجذوة من تلك النار كأنه شرح قوله تعالى:

(و عِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَر وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59].

فلنعد إلى شرح كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعجز اللسان وقصور البيان عن إحصاء فضائله واستقصاء خصائصه فأقول قوله: (عالم السرّ من ضمائر المضمرين) أراد به أنه خبير بمكتوبات السرائر


1) بحار الأنوار: 157/54.

ومحيط بمكنونات الضمائر لا يعزب عن علمه شيء منها كما قال عز من قائل:

(وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ وَأَخْفَى) [طه: 7].

(ونجوى المتخافتين) أي مسارة الذين يسرون المنطق كما قال تعالى:

(هل ما يكون مِن نَجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرُ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ﴾ [المجادلة: 7].

(وخواطر رجم (الظنون) يعني ما يخطر بالقلب مما يسبق إليه الظنون من غير برهان، وعقد عزيمات اليقين) أي: محكمات العقائد الناشئة عن اليقين التي عقد عليها القلب واطمأنت إليها النفس (ومسارق إيماض الجفون) يعني خفيات إشارة الجفون أو المراد بالجفون العيون مجازاً وبالمسارق النظرات الخفية التي للعيون كأنّها تسرق النظر لإخفائها فيكون المقصود علمه بالنظرات الخفية للعيون حين تومض أي تلمع لمعاً خفيفاً يبرز لمعانها تارة، ويختفي أخرى عند فتح الجفون وطبقها كوميض البرق.

(وما ضمنته أكنان القلوب) أي: أستارها وأغطيتها (وغيابات الغيوب) أي: ستراتها حجاباتها المانعة من إدراك ما فيها (وما أصفت لاستراقه مصائح الإسماع) يعني: تسمعت ومالت إلى استماعه خفية مخارق الأسماع التي تسمع وتصاخ بها، (ومصائف الذر ومشاتي الهوام) يعني: المواضع التي يصيف فيها أي يقيم بالصيف صغار النمل والمواضع التي تشتو فيها، أي تأوى بالشتاء حشرات الأرض، (ورجع الحنين من المولهات) أراد به ترجيع الصوت وترديد شدة البكاء من النوق وكل أنثى حيل بينها وبين أولادها، (وهمس الأقدام) أخفى ما يكون من صوتها.

(ومنفسح الثمرة من ولائج غلف الأكمام) أي: موضع نموها أو محل انقطاعها من بطانة الأكمام والمواضع المستترة منها (ومنقمع الوحوش) محل اختفائها من غيران الجبال وأغوارها أي حجراتها التي تأوى إليها الوحش (وأودينها) الضمير راجع إلى الجبال، وفي الإضافة توسع ومختبىء البعوض موضع اختفاء البق (بين سوق الأشجار وألحينها) أي: بين جذعها وقشرها (ومغرز الأوراق من الأفنان) محلّ وصلها من الاغصان (ومحط الامشاج من مسارب الأصلاب) أي انحدار الأخلاط أو محل انحدارها من مجاري الأصلاب ومسيلها أو مخفاها. قيل في قوله تعالى:

إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمَشَاحِ [الإنسان: 2]. أي: أخلاط من الطبائع من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وقيل: من الأجزاء المختلفة في الاستعداد، وقيل: أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة وكل منهما مختلفة الأجزاء في الرقة والقوام والخواص، ولذلك يصير كلّ جزء منهما مادة عضو وقيل: ألوان فإن

ماء الرّجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اختلطا، اخضرا، وكلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يؤيد بعض الوجوه كما لا يخفى فيكون محط الأمشاج مقرّ النطفة من الرحم أو من الأصلاب على بعض الوجوه في المسارب فافهم.

(وناشئة الغيوم ومتلاحمها) أراد أوّل ما ينشأ منها ولم يتكامل اجتماعها وما يلتصق بعضها ببعض ويلتحم (و درور قطر السحاب في متراكمها):أي: سيلان المطر في متكاثف السحاب ومجتمعها (وما تسفي الأعاصير) أي تذروه وتثيره من التراب ونحوه (بذيولها) بأطرافها التي تجرها على الأرض، ولطف الاستعارة ظاهر (وتعفو الأمطار بسيولها) أي: تمحوه وتدرسه من الآثار بمائها الكثير السائل.

(وعوم) بنات الأرض في كثبان الرمال) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببنات الأرض الحشرات والهوام التي تكون في تلال الرّمال وتنشأ فيها، استعار لحركتها فيها لفظ العوم الذي هو السباحة في الماء بمشابهة عدم استقرارها أو غوصها فيها، وعلى ما في بعض النسخ من تقديم النون فلفظ العوم استعارة لحركة عروق النباتات فيها كأرجل السابحين وأيديهم في الماء.

(ومستقر ذوات الأجنحة من الطيور بذرى شناخيب الجبال) وأعالي رؤوسها (وتغريد ذوات المنطق) أي: تطريب صاحبات النطق من الأطيار ورفع أصواتها بالغناء (في دياجير الأوكار) وظلماتها (وما أوعنه الأصداف) أي حفظته وجمعته من اللثالي، (وحضنت عليه أمواج البحار) من السمك والعنبر وغيرهما، استعار لفظ الحضن للأمواج في انطباقها بملاحظة شبهها بالحواضن في ضم فرخها وبيضها إلى حضنها (وما غشيته) وغطته (سدفة ليل) وظلمتها (أو ذر عليه شارق نهار) أي: طلعت عليه الشمس المضيئة بالنهار.

(وما اعتقبت) وتعاقبت (عليه أطباق الدياجير) وأغطية الظلم (وسبحات النور) أي: ما يجري ويسبح عليه النور من سبح الفرس وهو جريه والمراد بما تعاقب عليه النور والظلمة ما تغطيه ظلمة بعد نور و نور بعد ظلمة، ويحتمل أن يراد تعاقب أفراد كل منهما (وأثر كلّ خطوة) أي علامة كل مشيئة تبقى في الأرض، (وحس كل حركة) وصوتها الخفي، (ورجع كل كلمة) أراد به ما ترجع به من الكلام إلى نفسك وتردّده في فكرك، أو جواب الكلمة أو ترديد

الصوت وترجيعه عند التلفظ بالكلمة أو إرجاع النفس للتلفظ بكلمة بعد الوقف على كلمة.

(وتحريك كلّ شفة ومستقر كل نسمة) أي: كل إنسان أو كل دابة فيها روح، ومستقرها إما الصلب أو الرّحم أو القبر أو مكانه في الدنيا أو في الآخرة أو الأعم (ومثقال كل ذرة) يعني وزنها لا المثقال المعروف كما قال تعالى:

فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ 7 وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ [الزلزلة: 7-8]. (وهماهم كل نفس هامة) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ترديدات الصوت في الحلق أو تردداته في الصدر من

الهم والحزن من كل نفس ذات همة تعزم على أمر (وما عليها) أي: على الأرض المفهومة بقرينة المقام وإن لم يسبق لها ذكر في الكلام على حد قوله تعالى كل من عليها (فإن من ثمر شجرة أو ساقط ورقة أو قرارة نطفة) مستقرها (أو نقاعة دم) أي: نقرة يجتمع فيها الدّم ( ومضغة) قطعة لحم بقدر ما يمضغ، (أو ناشئة خلق) أي: الصورة ينشئها سبحانه في البدن أو الروح التي ينفخها فيه، (وسلالة) وهي في الأصل ما استل واستخرج من شيء وسمي الولد ونطفة الإنسان سلالة باعتبار أنهما استلا منه وفي هذه الفقرات إشارة إلى قوله تعالى:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينِ رَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ علقة فخلقنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا وَاخَرَّ فتباركَ اللهُ أَحْسَنُ الخَلِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 12 - 14].

ثمّ إنّه بعد بيان عموم علمه بالمخلوقات على اختلاف أنواعها وأصنافها نبه على تنزهه سبحانه في ذلك عن صفات البشر فقال: (لم يلحقه في ذلك) أي: في علمه بالجزئيات المذكورة أو خلقه لها على اختلاف موادها وماهيّاتها وخواصها وحالاتها (كلفة) ومشقة في (ولا اعترضته) ومنعته (في حفظ ما ابتدع من خلقه عارضة)، أي حالة أو خصلة مانعة عن الحفظ ولا اعتورته) قيل أحاطت به (في تنفيذ الأمور) وإمضائها (وتدابير المخلوقين) وإجراء أمورهم على وفق المصلحة والعلم بالعواقب (ملالة) وضجر و (لا فترة) أي: كسر بعد حدّة ولين بعد شدّة.

(بل نفذ فيهم علمه) وأحاط بظواهرهم وبواطنهم لا يعزب عنه شيء منه، (وأحصاهم عدة)، وفي بعض النسخ عدوه (ووسعهم عدله وغمرهم) أي غطاهم وشملهم وسترهم (فضله) ونواله (مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله) وحقيقة ما هو مستحقه من الثناء الجميل والوصف على جهة التعظيم والتبجيل، وأن يعبد حق العبادة، ويعرف حق المعرفة.

وفيه تنبيه على حقارة ثنائهم وعبادتهم في جنب جلاله وعظمته واستحقاقه هو أهله لما ليدوم شكرهم وثناؤهم ولا يستكثروا شيئاً من طاعاتهم وعباداتهم، ثمّ إنه لما حمد الله وأثنا عليه ووصفه بأوصاف الكمال ونعوت الكبرياء والجلال أردفه بالدعاء والسؤال والتضرع والابتهال فقال:

(اللهم أنت أهل الوصف الجميل) دون غيرك لاتصافك بالصفات الحسنى والأمثال العليا والتعداد الكثير من النعم والالاء والمنن والعطايا (إن تؤمل) للكرم والامتنان (ف) أنت (خير مأمول وإن ترج) للرحمة والغفران (ف) أنت (أكرم مرجو) لأن كرمك لا يضيق عن سؤال أحد ويدك بالعطاء أعلى من كلّ يد.

(اللهم وقد بسطت لي) القدرة (فيما) كناية عن بلاغة الكلام وفصاحة البيان وعذوبة

اللسان (لا أمدح به غيرك ولا أثنى به على أحد سواك) لاختصاصك بالفضل والكمال وتفردك بالعظمة، والجلال (ولا أوجهه) أي لا أصرف ما أعطيتني من الفصاحة والبلاغة في الحمد والمدح (إلى معادن الخيبة ومواضع الريبة) يعني: أني أقصر حمدي وثنائي عليك ولا أصرفه إلى أحد غيرك من المخلوقين علماً منّي بأنهم معادن الخيبة ومظان الحرمان، لأن عطاياهم قليلة فانية مع أنّهم لا يعطون غالباً فإن أعطوا قلوا وإن لم يعطوا ملوا، وعرفاناً بأنهم مواضع الريبة والتهمة لعدم الاعتماد على إعطائهم وعدم الوثوق بمواعيدهم، لكونهم عاجزين محتاجين مفتقرين مثل السائلين عنهم، فمن توجّه بحاجة إليهم وأناخ مطايا الرجاء في بابهم فقد تعرّض للحرمان واستحق فوت الإحسان.

اللهم (و) قد ( عدلت بلساني عن مدائح الآدميين) إلى مدائحك (والثناء على المربوبين المخلوقين) إلى الثناء عليك.

(اللهم ولكلّ مثن) ومادح (على من) مدحه و (أثنا عليه مثوبة من جزاء) مكافأة على ثنائه (أو عارفة من عطاء) مقابلة لمدحه (وقد رجوتك وقصرت رجائي عليك لكونك (دليلاً على ذخائر الرحمة) موصلاً إلى أسبابها بالتوفيق والتأييد والعناية والمراد بها عظائم العطايا المذخورة ليوم الحاجة والمعدّة لحال الفاقة، (و) أملتك هادياً إلى (كنوز المغفرة) أراد بها خزائن الغفران ومعادن الإحسان وكونه سبحانه هادياً ودليلاً عليهما باعتبار أنه بيده مفاتيح الكرم والجود وهو ولي الرحمة والمغفرة لكل موجد موجود.

(اللهم وهذا) المقام الذي أنا فيه مشغول بتعظيمك وتوحيدك وخطيب بمحاسن محامدك (مقام من أفردك بالتوحيد الذي هو لك) والتمجيد الذي هو مختص بك، (ولم ير مستحقاً لهذه المحامد والممادح غيرك) لانحصار أوصاف الجمال ونعوت الكمال التي بها يستحق الحمد والثناء فيك (وبي) فقر و (فاقة إليك) وهي الحاجة إلى كرمه وإحسانه ورحمته وغفرانه ومرضاته ورضوانه مما لا ينجحها أحد من المخلوقين ولا يقدر على رفعها إلا رب العالمين ولذلك قصر، عليه وقال: (لا يجبر مسكنتها إلا فضلك ولا ينعش من خلتها إلا منك وجودك) أي: لا يصلح ذلّ تلك الفاقة وسوء حالها إلا فضلك ولا يرفع خصاصتها إلا منك (فهب لنا في هذا المقام رضاك، وأغننا من مد الأبدي إلى سواك إنك على كل شيء قدير) وبالإجابة حقيق جدير.

قال الشارح المسكين: وأنا أتأسى في هذا المقام بجدي أمير المؤمنين وسيد الوصيين، وأتوسل به إلى حضرة ذي الجلال وأناديه بلسان التضرع والابتهال، وأقول:

يا ربي ورب كلّ شيء قد كثرت ذنوبي، وجمت خطيئتي، وأوقرت الخطايا، ظهري وأنت الغفور الرحيم العزيز الكريم، وكثير ما أسألك يسير في وجدك وخطير ما أستوهبك

حقير في وسعك فاجعل ما أوضحته في شرح هذه الخطبة الشريفة من دلائل توحيدك وبراهين تفريدك وكشفت الغطاء عنه من شواهد ربوبيتك، وأدلّة قدرتك، وأسرار تدبيرك وحكمتك، ذخيرة مأمولة ليوم فقري، وفاقتي وعدة مرجوّة لحال مسكنتي وحاجتي، وممحاة لكبائر سيأتي، ووسيلة لارتفاع درجتي، ولا تقطع رجائي منك، ولا تبت سببي عنك، وتفضّل علي بإتمام شرح الكتاب بمحمّد وآله الأطياب إنك أنت المفضّل الوهّاب.

الترجمة

خداوند، تعالی، عالم راز و سر است از ضمیرهای صاحبان ضمیر و از نجوای راز گویندگان و از خاطرهای انداخته شده ظن و گمان؛ یعنی خاطرهایی که سبقت نماید به سوی آن ظنّها و از آنچه منعقد میشود در قلب از عزیمت های یقین و از نظرهای خفیه چشمها در وقت نگریستن و از آنچه که در برگرفته است او را پردههای قلبها و حجابهای غیبها و از آنچه که گوش داده است از برای نهان شنیدن آن مواضع سوراخ گوشها و از جایهای تابستانی موران و از جای های زمستانی جنبندگان و از بازگردانیدن آواز آه و ناله از مادران جداشده از فرزندان و از صوت نهان قدمها و از جای روییدن میوه از مداخل و بواطن غلاف هایی که در آن میوه مخلوق میشود و از محل اختفاء وحشها از غارهای کوهها و از رودخانههای آنها و از موضع پنهان شدن پشه ها در میان ساقه های درختان و پوستهای آنها و از مکان رستن برگها از شاخهها رستن برگها از شاخهها و از محل فرود آمدن اخلاط نطفه از مجاری صلبها و از تازه برآمده ابرها و به هم پیوسته آنها و از ریزان شدن قطرهها از ابرها و به هم برنشسته آنها و از آنچه که می برنشسته آنها و از آنچه که می باشد آن را گرد بادها به دامنهای خود و محو میکند آن را بارانها به سیلهای خود و از فرورفتن و سير نمودن حشرات الارض در تلهای ریگها و از محل استقرار صاحبان بالها به بلندیهای سرهای کوهها و از آواز گردانیدن به نغمات و سرود صاحبان نطق از مرغان در تاریکیهای آشیانها و از آنچه که حفظ نموده است آن را صدف، ها یعنی از لؤلؤ و مروارید و دایگی نموده است آن را موجهای دریاها یعنی از عنبر و ماهی و از آنچه که پوشیده آن را تاریکی شب یا طلوع نموده بر آن روشنی دهنده روز و از آنچه که پی در پی می آید بر او طبقهای ظلمتها و مجاری نور و از علامت هر کام و از حس و حرکت هر جسمی از اجسام و از بازگردانیدن و از حرکت دادن هر لب و از قرارگاه هر آفریده و از مقدار هر ذره

جواب هر کلمه و از آوازهای پنهان هر نفس صاحب همت و از آنچه که بر زمین است از میوه درختی یا از افتاده برگی یا از آرام گرفتن نطفه یا نقاعهای که محل اجتماع خون است و مضغه یا صورتی که آفریده شده در بدن و نطفه ای که بیرون کشیده شده از

پشت حیوان.

نرسیده است به ذات باری تعالی در این چیزها که آفریده مشقتی و عارض نشده است او را در حفظ آنچه که ایجاد فرموده از مخلوقات عارضه و احاطه نکرده او را در اجراء امورات و تدبیر مخلوقات ملالت و کدورتی و نه ضعف و، فتوری بلکه نافذ شده در ایشان علم او و به شماره درآورده ایشان را شمردن او و فرا گرفته است ایشان را عدالت او و پوشیده گناهان ایشان را فضل، او با وجود تقصیر کردن ایشان از پایان رسانیدن آنچه که خداوند سبحانه سزاوار او است از مراتب معرفت و عبادت

بارپروردگارا تویی سزاوار اوصاف حسنه بیشمار و اهل شمار نمودن شماره های بسیار اگر امید گرفته شوی، تو پس تو بهترین امید داشته شدههایی و اگر رجا به تو، باشد پس تو گرامی ترین رجا داشته شده گانی

بار، خدایا به تحقیق که گسترانیدی از برای من قدرت را در آنچه که مدح نمی کنم با او غیر تو را و ثنا نمیکنم با او بر احدی غیر از تو و متوجه نمیکنم مدح و ثنای خود را به سوی مخلوقین که معدنهای نومیدی و محلهای تهمت می باشند و بازداشتهای زبان مرا از مدحهای آدمیان و ثنا گفتن بر مخلوقان که تربیت یافته نعمت تواند.

بار، خدایا هر آن یا خوبی از عطا کردن و به تحقیق که امید گرفتم به تو از جهت اینکه تو ره نمایی بر ذخیرههای بخشش و خزانههای مغفرت و آمرزش.

ثناکننده را بر کسی کسی که در حق او ثنا گفته ثوابی هست از پاداش ، بار خدایا این مقامی که مشغول هستم به ذکر حمد و ثنای تو مقام کسی است که منحصر دانست تو را به یگانگی که اختصاص دارد به تو و ندید کسی را که مستحق باشد مراین ستایشها و ثناها را غیر از ذات تو و مرا است حاجتی به سوی تو که جبر و اصلاح نمیکند ذلّت آن را مگر فضل تو و برنمی دارد فقر و فاقت آن را مگر عطا و جود، تو پس ببخش ما را در این مقام رضا و خشنودی خود را و مستغنی کن ما را از دراز نمودن دستها به سوی غیر تو؛ به درستی که تو بر آنچه میخواهی صاحب قدرت می باشی.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أريد على البيعة وهو الواحد والتسعون من المختار في باب الخطب

اشاره

وقد رواه غير واحد من العامة والخاصة حسبما نشير إليه:”دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوانٌ لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، ولا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ، وإنّ الآفاق قَدْ أَغامَتْ والْمُحَجَّةَ قَدْ تَنكُرَتْ، وَاعْلَمُوا أَنّي إن أَجْبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ ما أَعْلَمُ، ولم أصغ إلى قولِ القَائِلِ وعَشب العاتِبِ، وإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنا كَأَحَدِكُمْ، ولَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وأَطُوعُكُمْ لِمَنْ وَلِيتُمُوهُ أمْرَكُمْ وأَنَّا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنّي أَميراً”(1).

اللغة

(غامت) الأفاق وأغامت وأغيمت وغيمت تغييماً وتغيمت غطاها الغيم، وغيم الليل جاء كالغيم، و (المحجّة) الطريق الواضح و (التنكر) التغير عن حال تسرّك إلى حال تكرهها والاسم النكير، و (العتب) كالعتاب الملامة و (الوزير) حباء الملك أي جليسه الذي يحمل ثقله ويعينه برأيه.

الإعراب

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وأنا لكم) الواو للحال، والجملة بعدها منصوبة المحل على الحالية، (وأنا) مبتدأ وخير) خبره والظرفان متعلقان به (ووزيراً وأميراً) منصوبان على الحال، واختلف علماء الأدبية في عامل الحال إذا وقع في مثل هذا المثال فمنهم من جعله أفعل التفضيل ومنهم من جعله كان محذوفة تامة صلة لإذا، والتقدير أنا إذا كنت لكم وزيراً خير مني لكم إذا كنت أميراً.

وتحقيق ذلك أنهم بعد حكمهم على عدم جواز تقديم الحال على عامله إذا كان إسم تفضيل من حيث ضعفه في العمل لأجل شباهته بالفعل الجامد في عدم قبوله علامة التأنيث والتثنية والجمع كما يقبلها أسماء الفاعلين والمفعولين والصفة المشبهة فلا يتصرف(2)فی


1) بحار الأنوار: 36/32، وميزان الحكمة: 320/1.

2) يعني أن الفعل الجامد لا يتصرف في مفعوله وكذلك أشبهه فيجب تأخير الحال فيهما يقال ما أحسنه مقبلاً وهذا أفصح الناس خطيباً.

معموله بالتقديم، كما لا يتصرّف في الفعل الجامد استثنوا من ذلك ما إذا كان اسم التفضيل عاملاً في حالين: إحداهما مفضلة على الأخرى فإنه يجب حينئذ تقديم الحال الفاضلة لخوف اللبس، ومثلوا له بقولهم هذا بسراً أطيب منه رطباً، قال سيبويه في”المحكي»عنه: انتصب بسراً على الحال من الضمير في أطيب وانتصب رطباً على الحال أيضاً من الضمير المجرور، بمن والعامل فيهما أطيب بما فيه من معنى المفاضلة بين شيئين، كأنه قال: هذا في حال کونه بسراً أطيب من نفسه في حال كونه رطباً، تريد أن تفضل البسر على الرطب، قال: فأطيب ناب مناب، عاملين لأن التقدير يزيد طيبه في حال كونه بسراً على طيبه في حال كونه رطباً، وأشار بذلك إلى التمر والمعنى بسره أطيب من رطبه انتهى.

وبه قال غير واحد من النحاة كالمازني والفارسي وابن كيسان وابن جني وابن هشام في”التوضيح”، وذهب المبرد والزجاج وابن السراج والسيرافي إلى أن الناصب في المثال كان محذوفة تامة صلة لإذا، وإذا فإن قلت ذلك وهو بلح فالمقدر إذا وان قلته وهو تمر فالمقدر إذ والصاحبان المضمران في كان لا المضمر في أطيب والمجرور بمن وقدم الظرف يعني إذا وإذا على أطيب لاتساعهم في الظروف ولهذا جاز كل يوم لك ثوب ولم يجز زيد جالساً في الدار.

وكيف كان فقد اتفق الفريقان بعد اختلافهم في عامل الحال على وجوب تقديم أحد الحالين على اسم التفضيل وتأخير الآخر ليظهر الفضل بين المفضّل والمفضل عليه إذ لو جميعاً حصل الالتباس.

فإن قيل: إن جعل أحدهما تالياً لأفعل لا يحصل الالتباس، قلنا: يؤدي إلى الفصل بين أفعل وبين من ومجرورها وهو غير جائز لكونهما بمنزلة الصلة والموصول.

فإن قلت: فكيف فصل بالظرف في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ قلت: ذلك فصل جائز للاتساع في الظروف بما لا يتسع في غيره.

المعنى

اعلم أن المستفاد من الروايات الآتية وغيرها في سبب هذا الكلام هو أن خلفاء الجور

بعدما غيّروا سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسيرته التي كان ها من العدل بالقسمة والمواساة بين

يسير الرّعية، ففضّلوا العرب على العجم والموالي على العبيد والرؤساء على السفلة، وآثر عثمان أقاربه من بني أمية على سائر الناس وجرى على ذلك ديدنهم سنين عديدة، واعتاد الناس ذلك أزمنة متطاولة حتى نسوا سيرة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان غرض الطالبين لبيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يسير (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهم مثل سيرة من سبق عليه من المتخلفين من تفضيل الشريف على الوضيع، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفرس ذلك منهم وعرفه من وجنات حالهم.

خاطبهم بهذا الكلام إتماماً للحجة وإعلاماً لهم بأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن قام فيهم بالأمر لا يجيبهم إلى ما طمعوا فيه من الترجيح والتفضيل.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (دعوني والتمسوا غيري) للبيعة (فأنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان) وهو إنذار لهم بالحرب وإخبار عن ظهور الفتنة واختلاف الكلمات وتشتت الآراء وتفرق الأهواء، يعني أني إن أجبت إلى ملتمسكم فلا بد من ابتلاء أمر له أحكام صعبة وتكاليف شاقة من محاربة الناكثين والقاسطين والمارقين والتسوية في القسمة والعدل بين الرعية إلى غير ذلك، وهو مما (لا تقوم له القلوب) أي لا تصبر عليه (ولا تثبت عليه العقول) بل تنكره (وإن الآفاق قد أغامت) أي أظلمت بظهور البدع وخفاء شمس الحق تحت سحاب شبه أهل الباطل، والمحجة قد تنكرت أراد به تغيّر الحنيفية البيضاء والملة الغراء وجهالة جادة الحق، (وأعلموا أني إن أجبتكم) إلى ما تلتمسونه منّي (ركبت بكم ما أعلم) أي جعلتكم راكبين على محض الحق وأسير فيكم بسيرة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، (ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب) أي لم يأخذني في الله لومة لائم (وإن تركتموني فأنا كأحدكم) يعني إن تركتموني فهو أنفع لكم وأرفه لحالكم لأني حينئذ أكون مثل واحد منكم.

والمراد بتركهم إياه عدم طاعتهم له واختيار غيره للبيعة حتى لا تتم شرائط الخلافة لعدم الناصر، كما قال في”الخطبة الشقشقية”:”الولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر الألقيت حبلها على غاربها»وليس الغرض ردعهم عن البيعة الواجبة بل إتمام للحجة وتوطئة لإبطال ما علم (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم من ادعاء الإكراه بعد البيعة كما فعل طلحة والزبير بعد النكث.

وقوله: (ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم) لعله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد أنه إذا تولى الغير أمر الإمامة ولم تتم الشرائط في خلافته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن ليعدل عن مقتضي النقية فيكون أكثر الناس إطاعة لوالي الأمر بخلاف سائر الناس، فإنّه يجوز عليهم الخطأ.

(وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً) يعني وزارتي خير لكم من إمارتي، لأن فيه موافقة الغرض أو سهولة الحال في الدنيا، فإنه على تقدير الإمارة وبسط اليد يجب عليه القيام بمحض الحق وهو صعب على النفوس ولا يحصل به آمال الطامعين بخلاف ما إذا كان وزيراً، فإن تكليف الوزير هو الإشارة بالرأي مع تجويز التأثير في الأمير مير وعدم الخوف ونحوه من شرائط الأمر بالمعروف، ولعلّ الأمير الذي يولونه الأمر يرى في كثير من الأمور ما يوافق آمال القوم، ويطابق أطماعهم ولا يعمل بما يشير الوزير فيكون وزارته أوفق لمقصود القوم.

فالحاصل أن ما قصدتموه وطمعتم فيه من بيعتي لا يتم لكم، ووزارتي أوفق لغرضكم، والمقصود إتمام الحجّة وإفهام حقيقة الأمر كيلا يعترضوا عليه بعد البيعة إذا لم يحصل غرضهم منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا يقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين هذا

واعلم أن ما ذكرته في شرح هذا الكلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو الذي ينبغي أن يحمل الكلام عليه وهو أقرب وأظهر ممّا قاله الشارح البحراني (قد) من أن مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكلامه ذلك هو التمنع عليهم لتقوى رغبتهم إليه، فإنه لا بد لكلّ مطلوب على أمر من تعزز فيه وتمنع، والحكمة في ذلك أن الطالب له يكون بذلك أرغب فيما يطلب فإن الطبع حريص على ما منع سريع النفرة عمّا سورع إلى إجابته فيه.

وأمّا الشارح المعتزلي فقد تمشي فيه على مذهبه وقال هذا الكلام يحمله أصحابنا على

: ظاهره ويقولون: إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن منصوصاً عليه بالإمامة من جهة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإن كان أولى الناس بها وأحقهم بمنزلتها، لأنه لو كان منصوصاً عليه بالإمامة من جهة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما جاز له أن يقول: دعوني والتمسوا غيري ولا أن يقول ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن

وليتموه أمركم، ولا أن يقول: وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً.

ثم ذكر تأويل الإمامية بأن الخطاب للطالبين منه أن يسير فيهم مثل سيرة الخلفاء بتفضيل بعضهم على بعض في القسمة والعطاء، فاستعفاهم وسألهم أن يطلبوا غيره ممن يسير بسيرتهما إلى أن قال: وقد حمل بعضهم كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على محمل آخر فقال: هذا كلام مستزيد شاك من أصحابه يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) ل لهم: دعوني والتمسوا غيري على طريق التضجر منهم والتسخط لأفعالهم، لأنّهم كانوا عدلوا عنه من قبل واختاروا غيره عليه، فلما طلبوه بعد أجابهم جواب العاتب المتسخط.

ثم قال: وحمل قوم منهم الكلام على وجه آخر فقالوا: إنّه أخرجه مخرج التهكم والسخرية، أي أنا لكم وزيراً خير مني لكم أميراً فيما تعتقدونه كما قال سبحانه:

(ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49].

أي بزعمك واعتقادك ثمّ قال: واعلم أن ما ذكروه ليس ببعيد أن يحمل الكلام عليه لو كان الذليل قد دلّ على ذلك، فأما إذا لم يدلّ عليه دليل فلا يجوز صرف ف اللّفظ عن ظاهره. ونحن نتمسك بالظاهر إلى أن يقوم دلالة على مذهبهم تصدّنا عن حمل اللفظ على ظاهره ولو جاز أن يصرف الألفاظ عن ظواهرها لغير دليل قاهر يصدّ عنها لم يبق وثوق بكلام الله عزّ وجل وبكلام، رسوله انتهى كلامه هبط مقامه.

وأورد عليه المحدث العلامة المجلسي طاب رمسه في المجلد الثامن من البحار بعد نقل کلامه بقوله: ولا يخفى على اللبيب بعد الإغماض عن الأدلة القاهرة والنصوص المتواترة لا فرق بين المذهبين في جوب التأويل ولا يستقيم الحمل على ظاهره إلا على القول بأن إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مرجوحاً وأنّ كونه وزيراً كان أولى من كونه أميراً، وهو ينافي القول بالتفضيل الذي قال به، فإنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا كان أحق بالإمامة وبطل تفضيل المفضول على ما هو الحق، واختاره أيضاً كيف يجوز للناس أن يعدلوا عنه إلى غيره وكيف يجوز له (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يأمر الناس بتركه

والعدول عنه إلى غيره مع عدم ضرورة تدعو إلى ترك الإمامة؟ ومع وجود الضرورة كما جاز ترك الإمامة الواجبة بالدليل جاز ترك الإمامة المنصوص عليها فالتأويل واجب على التقديرين ولا نعلم أحداً، قال بتفضيل غيره عليه ورجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان، على أن الظاهر للمتأمل في أجزاء الكلام حيث علّل الأمر بالتماس الغير باستقبال أمر لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول ويتنكر المحجة وأنه إن أجابهم حملهم على أن السبب في ذلكمحض الحق، هو وجود المانع دون عدم النّص وأنه لم يكن متعيّناً للإمامة أو لم يكن أحق وأولى به ونحو ذلك(1).

تنبيه

متضمّن لبعض الأخبار المناسبة للمقام، قال ابن الأثير في”المحكي»عنه في كتاب الكامل: لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من المهاجرين والأنصار، وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)فقالوا له: لا بد للنّاس من إمام قال: لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضیت، به فقالوا: ما نختار غيرك وتردّدوا إليه مراراً، وقالوا في آخر ذلك: إنا لا نعلم أحداً أحق به منك ولا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا تفعلوا فإني أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً، فقالوا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ففي المسجد فإنّ بيعتي لا يكون خفيّاً ولا يكون إلا في المسجد، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيته وقيل في حائط لبني عمرو بن منذر، فخرج إلى المسجد وعليه إزار وقميص وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئاً على قوسه، فبايعه الناس فكان أوّل من بايعه طلحة بن عبيد ، الله، فنظر إليه حبيب بن ذويب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أوّل من بدأ بالبيعة يد شلاء لا يتمّ هذا الأمر، وبايعه الزبير وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر وبايعه الناس.

وجاءوا بسعد بن أبي وقاص فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): بايع قال: لا حتى يبايع النّاس والله ما عليك مني، باس، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): خلوا سبيله، وجاءوا بابن عمر فقالوا: بايع، فقال: لا حتى يبايع الناس قال: ائتني بكفيل قال: لا أرى كفيلاً، قال الأشتر: دعني أضرب عنقه قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): دعوه أنا كفيله.

وبايعت الأنصار إلا نفراً يسيراً منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشیر، وزید بن ثابت وكعب بن مالك، ورافع خديج، وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة كانوا عثمانية، فأما النعمان بن بشير فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي قتل فيه،


1) البحار: 37/32 ح.

فلحق بالشام فكان معاوية يعلّق قميص عثمان وفيه الأصابع، فإذا رأوا ذلك أهل الشام ازدادوا غيظاً وجدوا في أمرهم (1).

قال: وروى أنهم لما أتوا عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليبايعوه قال: (دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول)، فقالوا ننشدك الله ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى الإسلام؟ ألا ترى الفتنة؟ ألا تخاف الله ؟ فقال: قد أجبتكم واعلموا أني إن أجبتكم أركب بكم ما أعلم فإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه.

وروى الشارح المعتزلي عن الطبري وغيره أن الناس غشوه وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأبى ذلك ويقول: دعوني والتمسوا غيري فأنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تثبت عليه العقول ولا تقوم له القلوب قالوا: ننشدك الله ألا ترى الفتنة؟ ألا ترى إلى ما حدث في الإسلام؟ ألا تخاف الله ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد أجبتكم لما أرى منكم واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، فقالوا: ما نحن تباركيك.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن كان لا بد من ذلك ففي المسجد إنّ بيعتي لا يكون خفيّاً ولا يكون إلا عن رضاء المسلمين وفي ملأ، وجماعة فقام والناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون فبايعوه وفيهم طلحة والزبير (2).

وفي”البحار»من المناقب في جمل أنساب الأشراف أنه قال الشعبي في خبر لما قتل عثمان أقبل الناس إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكليبايعوه ومالوا إليه فمذوا يده فكفها وبسطوها فقبضها حتى بايعوه.

وفي سائر التواريخ أن أوّل من بايعه طلحة بن عبد الله وكانت إصبعه أصيبت يوم فشلت، فبصر بها إعرابي حين بايع فقال: ابتدأ هذا الأمر يد شلاء لا يتم، ثم بايعه الناس في المسجد، ويروى أن الرّجل كان عبيد بن ذويب فقال: يد شلاء وبيعة لا يتم.

وفي”البحار»وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وعن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أن اليوم الذي بويع فيه أمير المؤمنين ثانية كان يوم النيروز(3)، هذا.

ولما بويع أنشد عطيّة هذه الأبيات:


1) بحار الأنوار: 8/32.

2) بحار الأنوار: 24/32، وشرح نهج البلاغة: 9/11.

3) بحار الأنوار: 35/32 ح 22.

رأيت عليّاً خير من وطيء الحصا *** وأكرم خلق الله من بعد أحمد

وصي رسول المرتضى وابن عمه *** وفارسه المشهور في كل مشهد

تخيره الرّحمن من خير أسرة *** لأطهر مولود وأطيب مولد إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا

إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا *** ببيعته بعد النبي محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

وأنشد خزيمة بن ثابت:

إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا *** أبو حسن ممّا نخاف من الفتن

وجدناه أولى الناس بالناس أنه *** أطب قريش بالكتاب وبالسنن

وإنّ قريشاً لا تشق غباره *** إذا ما جرى يوماً على ضمر البدن

ففيه الذي فيهم من الخير كله *** وما فيهم مثل الذي فيه من حسن

وصي رسول الله من دون أهله *** وفارسه قد كان في سالف الزمن

وأوّل من صلى من الناس كلهم *** سوى خيرة النسوان والله ذي المنن

وصاحب كبش القوم في كل وقعة *** يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن

فداك الذي تثنى الخناصر باسمه *** إمامهم حتّى أغيب في الكفن

الترجمة

از جمله کلام بلاغت نظام آن امام عالی مقام است وقتی که اراده شد بر بیعت بعد از کشته شدن عثمان بی ایمان میفرماید:

ترک نمایید مرا از این کار و معاف بدارید و طلب کنید غیر مرا پس به درستی که ما استقبال نماینده گانیم کاری را که مراو را است وجهها و رنگهای گوناگون که نمی ایستد و صبر نمی نماید آن کار را قلبها و ثابت نمیشود بر آن عقلها و به درستی که آفاق و اطراف عالم را ظلمت گرفته و راه روشن شریعت تغییر یافته و بدانید اینکه به درستی من اگر اجابت نمایم و قبول کنم حرف شما را سوار گردانم شما را به آنچه که خودم میدانم و گوش نمی دهم به گفتار گوینده و ملامت ملامت کننده و اگر بگذارید مرا به حال خود و معذور بدارید پس من می باشم مثل یکی از شماها و شاید اینکه گوش دادن و اطاعت نمودن من بیشتر از شماها باشد به کسی که والی امر خود قرار بدهید و من از برای شما در حالتی که وزیر باشم بهترم از برای شما از من در حالتی که امیر باشم

زیرا که در حالت امارت و بسط يد تكليف من قيام نمودن است به محض حق و آن صعب است در حق اکثر مردم و امّا در حالت وزارت تكليف من نصیحت است و مشاورت و، بس خواه والی امر قبول نماید و خواه قبول ننماید.

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي الثانية والتسعون من المختار في باب الخطب

اشارة

خطب بها بعد انقضاء أمر النهروان وهي من خطبه المشهورة رواها غير واحد حسبما تطلع عليه وشرحها في ضمن فصلين:

الفصل الأول

»أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَأَنَا فَقَاتُ عَينَ الْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِى عَلَيْها أَحَدٌ غَيري بَعْدَ أَنْ ماجَ غَيْهَبُها، وَاشْتَدَّ كَلَبُها، فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ يما بَيْنَكُمْ وبَينَ السَّاعَةِ، وَلا عَنْ فِئَةٍ تَهْدي مائة وتُضِلُّ مائةٍ إِلا أَنْبَأْتُكُمْ بِناعِقِها، وَقائِدِها، وسائقها ومُناخ ركابها، ومحط رحالها، ومَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِها قَتْلاً، ويَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً، وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي ونَزَّلَتْ بِكُمْ كَرائِهُ الأُمُورِ، وحَوازِبُ الْخُطُوبِ، لأطْرَقَ كَثيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ، وفَشِلَ كَثيرٌ مِنَ الْمَسْؤولينَ، وذلك إذا قَلَصَتْ حَرْبُكُمْ، وشَمْرَتْ عَنْ ساقٍ، وضاقَتِ الدُّنْيا عَلَيْكُمْ ضيقاً، تستطيلُونَ أَيَّامَ البَلاءِ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يَفْتَحَ الله لِبَقِيَّةِ الأبرار منكُمْ، إن الفتن إذا أقبلت إِنَّ الْفِتَنَ أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وإذا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرُونَ مُقبلات، ويُعْرَفْنَ مُذبِراتٍ، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّياحِ، يُصِبْنَ بَلَداً، ويُخطينَ بَلَداً “(1).

اللغة

(فقات) عينالفتنة من باب منع قلعتها وشققتها و (الغيهب) الظلمة و (كلب) الكلب كلباً فهو كلب من باب تعب وهو داء يشبه الجنون يأخذه فيعقر الناس، وفي”القاموس»الكلب بالتحريك صياح من عضة الكلب الكلب وجنون الكلاب المعتري من أكل لحوم الإنسان وشبه جنونها المعتري للإنسان من عضها و (نعق) بغنمه من باب منع وضرب صاح بها لتعود إليه وزجرها ونعق الغراب صاح.

و (مناخ) الإبل بضم الميم موضع إناختها أي مبركها، وفي”شرح المعتزلي»يجوز جعله مصدراً كالمقام بالضم بمعنى الإقامة، و (الركاب) بالكسر المطي أي الإبل التي يسار عليها


1) الغارات: 677/2، وبحار الأنوار: 349/41.

واحدتها راحلة من غير لفظها، والجمع الرّكب ككتب، و (المحط) بفتح الميم قال الشارح المعتزلي: يجوز كونه مصدراً كالمرد في قوله تعالى: وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ [غافر: 43]، وكونه موضعاً كالمقتل و (الرحال) كأرحل جمع الرّحل وهو مركب للبعير، ويقال له راحول أيضاً و (الحوازب) جمع الحازب من حزبه الأمر إذا اشتد عليه أو ضغطه، و (الخطوب) جمع الخطب وهو معظم الأمر، و (الاطراق) السكوت والإقبال بالبصر إلى الصدر و (فشل فشلاً فهو فشل من باب تعب وهو الجبان الضعيف القلب.

(إذا قلصت حربكم) بتخفيف اللام من باب ضرب أي كثرت وتزايدت، وفي”المصباح»قلصت شفته انزوت وقلص الثوب انزوى بعد غسله وفي بعض النسخ عن حربكم، وفي بعض النسخ بالتشديد أي انضمت واجتمعت و (شبهت) بالبناء على المعلوم أي جعلت أنفسها شبيهة بالحق أو على المجهول أي أشكل أمرها والتبس على الناس و (نبهته) من النوم أيقظته و (حام) الطائر حول الماء إذا دار وطاف لينزل عليه و (يخطين) من الخطو وهو المشي.

الإعراب

جملة (ولو قد فقدتموني) إمّا استئنافية أو قسمية بحذف المقسم به بدلالة السياق، ولو الشرطية بمعنى أن مفيدة للتعليق في الاستقبال إلا أنه جيء بالشرط والجزاء بصيغة الماضي تنبيهاً على تحقق وقرعهما لا محالة، وهو من المحسنات البيانية (والحرب) مؤنث سماعي ولذا أنّث الفعل المسند إليه ومفعول (شمّرت) محذوف أيضاً، وضاقت عطف على شمرت، وجملة تستطيلون حال من المجرور في عليكم، وجملة (ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات) بدل كلّ من جملة (إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت نبهت كما) في قوله تعالى:

وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ [الفرقان: 68 - 69]. وجملة ( يحمن) منصوب المحل على الحال.

المعنى

اعلم أن هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسوق لإظهار مناقبه الجمة وفضائله الدئرة. والتنبيه على علو مقامه ورفعة مكانه والغرض به التعريض على المخاطبين بغفلتهم عن سمو شأنه وجهالتهم بقدره وعدم معرفتهم به حق، المعرفة ليرقدوا بذلك عن نوم الغفلة والجهالة ويعرفوه حق المعرفة ويعظموا قدره ومنزلته ويقيموا بوظائف طاعته على ما يليق به سلام الله عليه وآله.

وأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) أولا إلى فضيلته وشجاعته وكمال مهابته بقوله: (أما بعد أيها الناس فأنا فقات عين الفتنة) أي: شققتها وقلعتها بشحمها أو أدخلت الأصبع فيها، وهو استعارة لكسر

ثورانها وإسكان هيجانها، والمراد بالفتنة إما خصوص فتنة أهل البصرة والنهروان كما وقع الإشارة إليه منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية إبراهيم الثقفي وسليم بن قيس الهلالي الآتية في ذيل شرح الفصل الثاني، أو عموم فتن المنافقين والكافرين والمصدر المحلي باللام، وإن لم يكن مفيداً للعموم بحسب الوضع اللغوي حسبما قرر في”الأصول”، إلا أنه لا ينافي إفادته له بقرينة الحال.

فقد ظهر واتضح لنا ظهور الشمس في رابعة النهار أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رد نخوة بأو الكفار واعتلائهم يوم بدر، وشموخ أنفهم وسموّ غلوائهم يوم أحد، وكسر صولتهم يوم خيبر وفقاً أعينهم بقتل ابن عبد ود يوم الأحزاب، وهكذا سائر الحروب والخطوب فقد علمنا علماً يقيناً أنه لو لا سيفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قام للإسلام، عمود، ولا أخضر للإيمان عود.

ولذلك قدم المسند إليه على المسند ليفيد التخصيص، وجعل المسند جملة للتقوى كما قرر في علم المعان، وأكده بقوله: (ولم يكن ليجتري عليها أحد غيري) وتصديق ذلك أما في وقعة الجمل والنهروان فلأن الناس كانوا لا يتجاسرون على قتال أهل القبلة ويخافون من ذلك الإثم والعصيان، وكانوا يحسنون الظن بطلحة والزبير مع كون زوجة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيهم.

وأهل النهروان كانوا أهل قرآن وصلاة واجتهاد، وعبادة وكان الناس يهابون قتالهم ويقولون كيف نقاتل من يصلي كصلاتنا ويؤذن كأذاننا ويصوم كصومنا على ما عرفت في شرح الخطبة السادسة والثلاثين.

وكذا التبس الأمر في وقعة صفين، ولذلك أمسك مثل خزيمة بن ثابت الأنصاري عن القتال حتى قتل عمار، فتيقن ضلالة القاسطين وقاتل حتى قتل كما مر مشروحاً في تذييل الكلام الخامس والستين.

وأما في سائر الوقائع والحروب التي كانت في زمن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): فقد زاغت الأبصار

وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنونا واضطرب المؤمنون وَزُلْزِلُوا زِلْزَالَا شَدِيدًا [الأحزاب: 11] ودارت أعين المنافقين (كالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوتِ [الأحزاب: 19] 11]:وقالوا (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [الأحزاب: 12] (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾ [الأحزاب: 25] بوجوده (وكان الله فَوِيًّا عَزِيزا) [الأحزاب: 25] وأنزل في حقه [الأحزاب: 25] بوجوده وفي عمه حمزة وأخيه جعفر (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومنهم من يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23].

وإلى شدّة تلك الفتن وظلمتها أشار بقوله: (بعد أن ماج غيهبها) وكنى بتموّج، ظلمتها عن شمول ظل لها لأن الظلمة إذا تموجت شملت أماكن كثيرة غير الأماكن التي تشملها لو كانت ساكنة، وإلى غلبة شرّها وأذاها بقوله: (واشتد كلبها) ثم أشار إلى فضيلة علمه بقول ما زال يقوله وهو قوله: (فاسألوني قبل أن تفقدوني) قال الشارح المعتزلي: روی صاحب کتاب

الاستيعاب وهو أبو عمر محمد بن عبد البر عن جماعة من الرواة والمحدثين قالوا لم يقل أحد من الصحابة عنهم سلوني إلا علي ابن أبي طالب، وروى شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتاب نقض العثمانية عن علي بن الجعد عن ابن شبرمه قال: ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر سلوني إلا علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أقول: وذلك لأن أنواع السؤلات غير محصورة ولا، محصاة، وأصناف الطلبات غير معدودة ولا مستقصاة فبعضها يتعلق بالمعقول وبعضها بالمنقول وبعضها بعالم الشهود وبعضها بعالم الغيب وبعضها بما كان وبعضها بما يكون وبعضها بما هو كائن وهكذا فلا، يمكن الجواب عن هذا كله ولا يقدر على مثل ذلك إلا من تأيد بقوّة ربانية واقتدر بقدرة الهية، ونفث في روعه الروح الأمين وتعلم علوم الأولين والآخرين، وصار منبع العلم الكمال والمعرفة، وهو أمير المؤمنين ويعسوب الدين، ووارث علم النبيين والحكمة، وينبوع وبغية، الطالبين وحلال مشكلات السائلين فلا ينصب نفسه في هذا المنصب إلا جاهل ولا يدعي لنفسه هذا المقام إلا تائه غافل وفي هذا المقام قال الشاعر:

ومن ذا يساميه بمجد ولم يزل *** يقول سلوني ما يحل ويحرم

سلوني ففي جنبي علم ورثته *** عن المصطفى ما فات مني به الفم

سلوني عن طرق السموات إنني *** بها عن سلوك الطرق في الأرض أعلم

ولو كشف الله الغطا لم أزد به *** يقيناً على ما كنت أدري وأفهم

وقد روينا في”التذييل»الثاني من شرح الكلام الثالث والأربعين أن ابن الجوزي قال يوماً على منبره سلوني قبل أن تفقدوني فسألته امرأة عما روي أن علياً سار في ليلة إلى سلمان فجهزه ورجع، فقال: روي ذلك، قالت فعثمان ثم ثلاثة أيام منبوذاً في المزابل وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاضر، قال نعم فقالت فقد لزم الخطأ لأحدهما، فقال: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة الله وإلا فعليه فقالت: خرجت عائشة إلى حرب علي بإذن النبي أو لا؟ فانقطع ولم يحر جواباً.

ورووا أيضاً أن قتادة دخل الكوفة فالتفت إليه الناس فقال: اسألوني عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو إذا غلام حدث السن، فقال: اسألوه عن نملة سليمان أكان ذكراً أم انثى فسألوه فانقطع، فقال أبو حنيفة كان أنثى فقيل له بسم عرفت ذلك؟ قال من كتاب الله وهو قوله تعالى قالت نملة، ولو كان ذكراً لقال: قال نملة وذلك لأن لفظ النملة يقع على الذكر والأنثى كلفظ الحمامة والشاة(1)، وإنما يميز بينهما بعلامة التأنيث


1) حاشية سفلية 75. بحار الأنوار: 246/61.

فانظر إلى هذين المغرورين المعجبين كيف عَيباً عن جواب أدنى مسألة، فكيف بهما إذا سئلا عن حجب الأسرار وسرادقات الأنوار والغيب المكنون والسرّ المكتوم، وعجائب الملكوت، وبدائع الجبروت، فاشهد أن عريف ذلك والخبير بكل ذلك لم يكن إلا أمير المؤمنين، ووصي رسول ربّ العالمين وعنده علم الكتاب كله وفيه خبر السماء وخبر الأرض وخبر ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة كما قال عز من قائل:

(ولَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلا في كتب تبين ﴾ [الأنعام: 59].

أي في إمام، مبين، وقد سئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مقامات شتى عن مسائل مشكلة متفرقة فأجاب عنها بأجوبة شافية تاهت فيها العقول ودهشت بها القلوب حسبما نشير إلى بعضها بعد الفراغ عن شرح الفصل.

ثمّ أقسم بالقسم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الباز أنه عالم بما هو كائن إلى يوم القيامة وقال: (فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنباتكم به)، ونحوه ما رواه في البحار»من بصائر الدرجات بإسناده عن أبي بصير عن جعفر قال: سئل علي عن علم النبي،، فقال: علم النبي الله علم جميع النبيين وعلم ما كان وعلم ما هو كائن إلى قيام الساعة، ثم قال: والذي نفسي بيده إنّي لأعلم علم النبي وعلم ما كان وعلم ما هو كائن فيما بيني وبين قيام الساعة(1)

(ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة) تخصيص هذا العدد بالبيان ليس لقصد الاختصاص وإنما هو جار على سبيل المثل وإشارة إلى الكثرة إذ ما دون مائة حقير لا يعتد به قال الأعشى:

الواهب المائة الهجان وعبدها *** عوذاً يزجي خلفها أطفالها

وقال أيضاً:

هو الواهب المائة المصطفاة *** إمّا مخاضاً وإما عشاراً

وقد كثر في الأخبار ذكر السبعين على سبيل المثل، وقيل في قوله سبحانه:

(إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لمْ ﴾ [التوبة: 80].

إن المقصود به نفي الغفران جملة وإنما جاء السبعون مجرى المثل للتكثير وكيف كان فمفهوم العدد ليس العدد ليس بحجة كما قرر في”الأصول”، والغرض أنه لا تسألوني عن جماعة هادية لطائفة كثيرة ومضلة لطائفة كثيرة أخرى، (إلا أنبأتكم بناعقها) أي الداعي إليها وزاجرها (وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها) قال الشارح البحراني: استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأوصاف


1) بحار الأنوار: 26/ 110 ح 6، والإمام علي للهمداني: 349 ح.9.

الإبل ورعائها وأصحابها من الناعق والقائد والسائق والمناخ والركاب والرحال للفئة المهدية والضالة ومن يهديهم ويضلّهم ملاحظة لشبههم بالإبل في الاجتماع والانقياد لقائد وراع (ومن يقتل من أهلها) أي أهل الفئة المذكورة (قتلاً ويموت منهم موتاً).

ثم نبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أنّه أعظم نعمة أنعم الله سبحانه بوجوده عليهم، وأن قدره مجهول عندهم وهم غافلون عن فوائد مقامه بين أظهرهم وأنهم سوف يعلمون إذا نزلت بهم الدواهي وحلت بهم الرزايا فقال:

(ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور) أي المصائب التي تكرهها النفوس (وحوازب الخطوب) أي شدائد الأحوال (لأطرق كثير من السائلين) أي أرخوا أعينهم ينظرون إلى الأرض، وذلك لصعوبة الأمر وشدته حتى أنه يبهته عن السؤال ويتحير كيف يسأل (وفشل كثير من المسؤولين) أي جبنوا عن ردّ الجواب لجهلهم بعواقب تلك الخطوب وما يسألون عنه منها، (وذلك إذا قلصت حربكم) أي إطراق السائلين وفشل المسؤولين إذا تزايدت حربكم وكثرت أو انضمت واجتمعت وهو كناية عن شدّتها وصعوبتها، لأن الجيوش إذا اجتمعت كلها واصطدم الفيلقان كان الأمر أصعب وأشدّ من أن تتفرّق ويحارب كل كتيبة كتيبة أخرى في بلاد متباعدة، ومن روى قلصت عن حربكم فالمراد إذا انكشفت كرائه الأمور وحوازب الخطوب عن حربكم.

(وشمّرت عن ساق) أي شمّرت الحرب ورفعت الساتر عن ساقها وهو كناية عن اشتدادها والتحامها على سبيل الاستعارة والغرض تشبيه الحرب بالمجد في أمر الساعي فيه فإنّ الإنسان إذا جد في السعي شمر عن ساقه ودفع ثوبه لئلا يعوقه ويمنعه، وربما قيل بأنه جار على الحقيقة ومعنى الساق الشدّة أي كشفت عن شدة ومشقة وبه فسر قوله سبحانه:

(وَيَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ [القلم: 42].

(وضاقت الدنيا عليكم ضيقاً) بطروق الخطوب وابتلاء المصائب حال كونكم (تستطيلون أيام البلاء عليكم)، وذلك لأنّ أيام البلاء تكون في نظر الإنسان طويلة وأيام السعة والرخاء قصيرة قال الشاعر:

فأيام الهموم مقصصات

وأيام السّرور تطیر طيراً

(حتى يفتح الله لبقية الأبرار منكم) يحتمل أن يكون المراد ببقية الأبرار أولادهم، وإن لم يكونوا أبراراً في أنفسهم إن كان إشارة إلى ظهور دولة بني العباس إلا أن الأظهر أن المراد هو ظهور الدولة الحقة القائمية عجل الله له الفرج وأقر الله عيون مواليه بظهوره (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(إن الفتن إذا أقبلت شبهت) أي جعلت نفسها أي الأمور الباطنة شبيهة بالحق، أو أشكل أمرها والتبس على الناس (وإذا أدبرت نبهت) أي: أيقظت القوم من نوم الجهالة وظهرت

بطلانها عليهم، ألا ترى أن الناس كانوا أن الناس كانوا في بدو فتنة الجمل والنهروان في حيرة واشتباه لا يدرون أنّ الحق في أي الجانبين، فلما انقضت الحرب ووضعت أوزارها ارتفع الاشتباه وتميز الحق من الباطل وانتبه القوم من جهالتهم.

وأكد (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى بقوله: ( ينكرن مقبلات) أي لا يعرف حالهن في حالة إقبالها (ويعرفن مدبرات) ثم وصفها بأنها ( يحمن حوم الرياح) أي يطفن مثل طواف الرياح (يصين بلداً ويخطين بلداً).

تنبيهان الأول

قد قلنا إنه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):”سلوني قبل أن تفقدوني»كلام ما زال (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقوله حتى أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقوله بعد ما ضربه ابن ملجم لعنه الله وقبل وفاته بيوم كما مر في شرح في شرح الكلام التاسع ، والستين ونكتة ذلك أن اللازم على إمام الزمان أن يبذل فيوضاته للمواد القابلة بقدر الإمكان.

(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةِ وَيَحْيَى مَنْ حَى عَنْ بَيْنَ﴾ [الأنفال: 42].

روى الصدوق في التوحيد قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان وعلي بن محمّد بن عمران الدقاق قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان قال: حدثنا أحمد بن محمد بن العباس قال: حدثني محمد بن أبي السري قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس عن سعد الكناني عن الأصبغ بن نباته قال: لما جلس علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الخلافة وبايعه الناس خرج إلى المسجد متعمماً بعمامة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له لابساً بردة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) متنقلاً نعل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) متلقداً سيف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فصعد إلى المنبر فجلس عليه متمكناً، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه.

ثم قال:»يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط(1)العلم، هذا لعاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، هذا ما زقني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) زقاً زقاً، سلوني فإن عندي علم الأولين والآخرين، أم والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في وأفتيت أهل الإنجيل بانجيلهم حتى ينطق الإنجيل فيقول: صدق علي ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله في وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً، فهل فيكم أحد يعلم ما أنزل فيه، ولولا آية في كتاب الله أخبرتكم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة وهي هذه الآية:

(يمحو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: 39]”.


1) السقط بالطاء ما يخبى فيه الطيب ونحوه، مصباح.

ثم قال:”سلوني قبل أن تفقدوني فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن أية آية في ليل نزلت أو في نهارٍ أنزلت مكيها ومدنيها، سفريها وحضريها، ناسخها، ومنسوخها، محكمها، ومتشابهها، وتأويلها، وتنزيلها، لأخبرتكم”.

فقام إليه رجل يقال له: ذعلب وكان ذرب(1)اللسان بليغاً في الخطب شجاع القلب فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاةً صعبة لأخجلته اليوم لكم في مسألتي إيّاه فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك ؟ قال:”ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد رباً لم أره”، قال: كيف رأيته صفه لنا، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويلك يا ذعلب إن ربّي لا يوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بقيام قيام انتصاب ولا يمجيء ولا بذهاب لطيف اللطافة لا يوصف باللطف عظيم العظمة لا يوصف بالعظم كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة مدرك لا بمحسّة، قائل لا بلفظ هو في الأشياء على غير ممازجة خارج منها على غير مباينة، فوق كل شيء فلا يقال شيء، فوقه وأمام كل شيء فلا يقال له، امام داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل وخارج منها لا كشيء من شيء خارج”، فخر ذعلب مغشياً عليه ثم قال تالله ما سمعت بمثل هذا الجواب والله لا عدت إلى مثلها.

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”سلوني قبل أن تفقدوني”، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتاباً وبعث إليهم رسولاً حتى كان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلما أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيها الملك دنّست علينا ديننا وأهلكته، فأخرج نطهرك ونقيم عليك الحدّ وقال لهم: اجتمعوا واسمعوا كلامي فإن يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلا فشأنكم، فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أن الله لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم وامناحوا؟ قالوا: صدقت أيها الملك، قال: أفليس قد زوّج بنيه بناته وبناته من بنيه؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين فتعاقدو على ذلك، فمحا الله تعالى ما في صدورهم من العلم ورفع عنهم الكتاب فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب والمنافقون أشد حالاً منهم»قال الأشعث: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب والله لأعدت إلى مثلها أبداً.

ثم قال:”سلوني قبل أن تفقدوني”، فقام رجل من أقصى المسجد متوكئاً على عصاه فلم يزل يتخطأ الناس حتى دنا منه فقال: يا أمير المؤمنين دلّني على عمل إذا أنا عملت نجاني الله من النار.


1) لسان ذريب أي فيه حدة.

قال له:”اسمع يا هذا، ثم افهم، ثم استيقن قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله وبفقير، صابر، فإذا كتم العالم علمه وبخل الغني بماله ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور وعندها يعرف العارفون أن الدار قد رجعت إلى بديها أي الكفر بعد الإيمان.

أيها السائل فلا تغترن بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتى إنما النّاس ثلاثة: زاهد وراغب، وصابر، فأما الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن منها على شيء فاته، فأما الصابر فيتمناها بقلبه، فإن أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها، وأما الراغب فلا يبالي من حلّ أصابها أم من حرام قال له يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ قال:”ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه وينظر إلى ما خالفه فيتبرأ منه، وإن كان حميماً قريباً”، قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ثم غاب الرّجل فلم نره فطلبه الناس فلم يجدوه، فتبسم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنبر ثم قال:»ما لكم هذا أخي الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ)»

ثم قال:”سلوني قبل أن تفقدوني، فلم يقم إليه أحد فحمد الله وأثنا عليه وصلّى على نبیه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)”.

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحسن:”يا حسن قم فاصعد المنبر، فتكلم بكلام لا يجهلك قريش من بعدي فيقولون إن الحسن بن عليّ لا يحسن شيئاً”، قال الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ):”يا أبه كيف أصعد وأتكلم وأنت في الناس تسمع وترى؟»قال له:”بأبي وأمي أواري نفسي عنك واسمع وأرى ولا تراني”، فصعد الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنبر فحمد الله بمحامد بليغة شريفة وصلّى على النبي الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صلاة موجزة، ثم قال:”أيها الناس سمعت جدي رسول الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: أنا مدينة العلم وعلي بابها”، وهل تدخل المدينة إلا من بابها ثم نزل، فوثب إليه عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحمله وضمه إلى صدره.

ثم قال للحسين:”يا بني قم فاصعد المنبر وتكلم بكلام لا يجهلك قريش من بعدي فيقولون إن الحسين بن علي لا يبصر شيئاً، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك”، فصعد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنبر فحمد الله وأثنا عليه وصلّى على نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للصلاة موجزة ثم قال:”معاشر الناس سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له وهو يقول: إن عليّا هو مدينة هدى فمن دخلها نجى ومن تخلف عنها هلك”، فوثب إليه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضمه إلى صدره وقبله.

ثم قال:”معاشر الناس اشهدوا أنهما فرخا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ووديعته التي استودعنيها،

وأنا استودعكموها، معاشر الناس ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سائلكم عنهما) “(1)


1) الأمالي 425 والتوحيد: 308 ح 1.

الثاني

اعلم أن هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) متضمن للتنبيه على علمه بالأخبار الغيبية والوقائع الآتية وما يكون بعده إلى يوم القيامة، وقد تقدم في شرح الكلام السادس والخمسين شطر من تلك الوقائع والأخبار.

وقال الشارح المعتزلي في”شرح هذا الفصل”: أعلم أنه قد أقسم في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده أنّهم لا يسألون عن أمر يحدث بينهم وبين القيامة إلا أخبرهم به، وأنه ما من طائفة من الناس تهتدي بها مائة وتضل بها مائة إلا وهو مخبر لهم إن سألوه برعاتها وقائديها وسائقيها، ومواضع نزول ركابها وخيولها ومن يقتل منها قتلاً ومن يموت منها موتاً، وهذه الدعوى منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لیست ادعاء الربوبية ولا ادعاء النبوة، ولكنه كان يقول إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخبره بذلك.

ولقد امتحنا أخباره فوجدناه، موافقاً، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة.

كأخباره عن الضربة التي تضرب في رأسه فتخضب لحيته وإخباره عن قتل الحسين ابن)عَلَيهِ السَّلَامُ ( وما قاله في كربلا حيث مر بها وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده، وإخباره عن الحجاج وعن يوسف بن عمر، وما أخبره من أمر الخوارج بالنهروان وما قدمه إلى أصحابه من أخباره بقتل من يقتل منهم، وصلب من يصلب، وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين، والمارقين، وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى البصرة الحرب أهلها وإخباره عن عبد الله بن الزبير وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه:”خب ضبّ(1)يروم امر(2)، ولا يدركه ينصب حبالة الذين لاصطياد الدنيا وهو بعد مصلوب قريش”.

وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق وهلاكها تارة أخرى بالزنج وهو الذي صحفه قوم فقالوا بالرّيح، وكإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي(3)وغيرهما في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وإن لآل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالطالقان لكنزاً سيظهره الله إذا شاء دعاة حتى تقوم بإذن الله فتدعو إلى دين الله(4).

وكإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون بيني رزيق بتقديم المهملة وهم آل مصعب منهم طاهر بن الحسين وإسحاق ابن إبراهيم،


1) خب الرجل منع ما عنده ونزل المنهبط من الأرض ليجهل موضعه بخلاف، فلان خب ضب أي خداع خبيث مراوغ وقيل خب ضب إذا كان فاسداً مفسداً مراً، منه.

2) أي الخلافة.

3) هو حسن بن علي الملقب بالناصر الكبير وناصر الحق، وحسن بن زيد الملقب بالداعي الكبير ومحمد بن زيد الملقب بالداعي الصغير وكان ابتداء إمارتهم في طبرستان في سنة مأتين وخمسين

4) الغارات: 680/2، وبحار الأنوار: 352/41.

وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية، وكإخباره عن مقتل النفس الزكية(1)بالمدينة وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه يقتل عند أحجار الزيت وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول يقتل بعد أن يظهر ويقهر أن يقهر، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيه أيضاً يأتيه سهم عزب(2)يكون فيه منيته فيا بؤس للرامي شلت بعد يده ووهن عضده.

وكإخباره عن قتلى فخ وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهم:”هم خير أهل الأرض”، أو”من خير أهل الأرض»وكإخباره عن المملكة العلوية(3)بالغرب وتصريحه بذكر "كتائته(4)

جمع الكتيبة، منه.

وهم الذين نصروا أبا عبد الله الدّاعي المعلم، وكقوله يشير إلى عبيد الله المهدي، وهو أوّلهم: ثم يظهر صاحب القيروان(5)الغض البض(6)ذو النسب المحض المنتجب من سلالة ذي البداء المسجى بالردا، وكان عبيد الله المهدي مترفاً مشرباً رخص البدن تار الأطراف وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأن أباه أبا عبد الله جعفراً (عَلَيهِ السَّلَامُ) سجّاه برداه لما مات وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته وتزول عنهم الشبهة(7)في أمره.

وكإخباره عن بني بويه وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهم ويخرج من ديلمان بنو الصياد”، وكقوله فيهم”ثم يستشرى أمرهم حتى يملكوا الزوراء ويخلعوا الخلفاء»إشارة إليهم، وكان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو وعياله بثمنه، فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكاً ثلاثة(8)، ونشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم، وكقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهم:”والمترف بن الأجذم يقتله ابن عمه على دجلة”، وهو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين، وكان معزّ الدولة أقطع اليد قطعت يده في الحرب، وكان ابنه عز الدولة بختيار مترفاً صاحب لهو وشرب قتله عضد الدولة فناخسر وابن عمه بقصر الجصّ على دجلة في الحرب وسلبه ملكه، فأما خلعهم للخلفاء فإن معز الدولة خلع المستكفي ورتب عوضه المطيع وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتب عوضه القادر وكانت مدة ملكهم كما أخبر به (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) هو محمد بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن (ع) منه.

2) أي لا يدري.راميه.

3) هم إدريس بن عبد الله المحض وعشرة من ولده.

4) الكتائت في نسخة الشارح المعتزلي بالتاثني والظاهر أنه من الكتيت وهو كما في القاموس: صوت في صدر الرجل كصوت البكر في شدة الغيظ والبخل، ويحتمل التحريف في النسخة ويكون الأصل كتائبه بدله هي

5) أمراء مصر وقيروان من الإسماعيلية.

6) الطري القوي.

7) أي شبهة الإمامة.

8) وهم عماد الدولة علي بن بابويه وركن الدولة حسن بن بابويه ومعز الدولة أحمد بن بويه وولدهم منه.

وكإخباره لعبد الله بن العباس (ره) عن انتقال الأمر إلى أولاده، فإن علي بن عبد الله لمّا

ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخذه وتفل في فيه وحنّكه بتمرة قد لاكها ودفعه إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك هكذا الرواية الصحيحة وهي التي ذكرها أبو العباس المبرد في”الكامل»وليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة ولا منقولة من كتاب معتمد عليه(1).

وكم له (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ممّا لو أردنا استقصاءه لكرسنا له كراريس كثيرة وكتب السير يشتمل عليها مشروحة.


1) الغارات: 2/681، والبحار: 41/353.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام مبین است که اشاره فرموده در آن به کمالات نفسانیه و مقامات معنویه خود و بعضی از اخبار، غیبیه به این نحو که فرموده اما بعد از حمد و ثنای الهی و درود نامعدود بر حضرت رسالت،پناهی ای گروه خلایق، پس من برکندم چشم فتنه را و حال آنکه نبود هیچ کس که جرأت نماید بر دفع آن فتنه غیر از من بعد از آنکه مضطرب شد ظلمت آن فتنه و سخت گردید شرّ و اذیت، ان پس سؤال نمایید از من از مسائل مشکله و مطالب معضله پیش از آنکه نیابید، مرا پس قسم به خداوندی که نفس من در قبضه اقتدار او، است سؤال نمی نمایید از من از چیزی که در میان شما است و در میان روز قیامت و نه از گروهی که هدایت نمایند صد کس را و گمراه سازند صد کس دیگر را، مگر اینکه خبر دهم شما را به خواننده آن و کشنده آن و راننده آن و محل فرود آمدن شتران بارگیر ایشان و جای فرود آوردن بارها با پالانهای ایشان و به آنکه کشته میشود از ایشان کشته شدنی و آنکه می میرد از ایشان مردنی.

و اگر مفقود کنید مرا و نازل بشود بر شما امورات مکروهه و حالات شدیده هر آینه سر در پیش اندازند بسیاری از سائلان و میترسند بسیاری از مسؤولان و این آن زمانی است که در هم کشیده شود و جمع شود حرب شما و بردارد رخت را از ساق خود و تنگ باشد دنیا به شما تنگ شدنی در حالتی که در از شمارید ایام بلا را بر خودتان تا آنکه فتح کند خداوند از برای بقیه نیکوکاران از شما.

به درستی که فتنهها زمانی که رو آورند، شبهه میاندازند مردمان را و زمانی که پشت برگردانند آگاه مینمایند ایشان را شناخته نمی شوند آن فتنه ها در حالتی که اقبال می کنند و شناخته میشوند در حالتی که ادبار می نمایند دوران می کنند برمی گردند آنها مثل گردیدن بادها می رسند به شهری و تخطی می کنند و دور میگذرند از شهری دیگر.

الفصل الثاني

»أَلا إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِندِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَني أُمَيَّةَ، فَإنَّها فِتْنَةٌ عَمْياءٌ مُظْلِمَةٌ، عَمَّتْ خُطتها، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُها، وأَصابَ الْبَلاءُ مَنْ أَبْصَرَ فيها، وَأَخْطَأَ الْبَلاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْها، وأَيْمُ الله لَتَجِدُنَّ بَني أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ، تَعْذِمُ، فيها، وتَخْبِطُ بِيَدِها، وتَزينُ بِرِجْلِها، وتَمْنَعُ دَرَّها، لا يَزالُونَ بِكُمْ حَتَّى لا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلا نافعاً لَهُمْ، أَوْ غَيرَ ضائِرِ بِهِمْ، وَلا يَزالُ بلاؤهُمْ حَتَّى لا يَكُونَ انْتِصارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلا مِثْلَ انْتِصارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، وَالصّاحِبِ مِنْ مُسْتَضْحَبِهِ، تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوهاءَ مَحْشِيَّةً، وقِطَعاً جاهِليَّةً، لَيْسَ فيها مَنارُ هُدى، ولا عَلَمٌ يُرى، نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْها بِمَنْجاة، ولَسْنا فيها بِدُعاة، ثُمَّ يُفَرِّجُ اللَّه عَنْكُمْ كَتَفْريحِ الأَديم بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً، وَيَسُوقُهُمْ عُنْفاً، ويَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ، ولا يُعْطِيهِمْ إِلا السَّيْفَ ولا يَحْلِسُهُمْ إِلا الْخَوْفَ، فَعِنْدَ ذلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٍ بِالدُّنْيا وما فيها لَوْ يَرَوْنَني مَقاماً واحِداً ولَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ، لأَقْبَلَ مِنْهُمْ ما أَطْلُبُ اليَوْمَ بَعْضَهُ، فَلا يُعْطُونَنى”(1).

اللغة

(الخطة) بالضم: الأمر والجهل والخصلة والحالة وشبه القضة، و (التاب) الأنثى المسنة من النوق وجمعها نيب وأنياب و (الضروس) الناقة السيئة الخلق تعض حالبها و (عذم) الفرس يعذم من باب ضرب عض أو أكل بجفاء، و (خبط) البعير الأرض ضربها بيده و (زبنت) الناقة حاليها زبناً من باب ضرب دفعته برجلها فهي زبون بالفتح فعول بمعنى فاعل و (الدر) اللبن.

و (الصاحب من مستصحبه) قال في”المصباح”: صحبته أصحبة صحبة فأنا صاحب، والأصل في هذا الإطلاق لمن حصل له رؤية، ومجالسة، وكلّ شيء لازم شيئاً فقد استصحبه قاله ابن الفارس، وغيره و (الشوه) قبح الخلقة وهو مصدر شوه من باب تعب، ورجل اشوه قبيح المنظر وامرأة شوهاء والجمع شوه مثل أحمر وحمراء وحمر وشاهت الوجوه تشوه قبحت، و (القطعة) الطائفة من الشيء والقطع جمعها مثل سدرة، وسدر، و (المنجاة) مصدر بمعنى النجاة واسم مكان و (سام) فلاناً الأمر كلفه إيّاه أو أولاه إياه كسومه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر، و (الخسف) الذهاب في الأرض والغيبة فيها، وفي”القاموس»سامه خسفاً إذا أولاه ذلاً و (العنف) مثلثة ضدّ الرفق.


1) الغارات: 12/1 ح 8، وبحار الأنوار: 349/41.

و (المصبرة) الممزوجة بالصبر وهو وزن كتف عصارة شجر مرّ، ويجوز أن يكون المصبرة بمعنى المملؤة إلى أصبارها قال في”القاموس»ملأ الكاس إلى أصبارها أي رأسه وأخذه بأصباره بجميعه و (حلس) البعير يحلسه غشاه بحلس وهو كساء يجعل على ظهر البعير تحت، رحله والجمع أحلاس كحمل وأحمال، و (الجزور) الناقة التي تجزر أي تنحر.

الإعراب

كلمة (أيمن) إسم استعمل في القسم والتزم رفعه كما التزم رفع لعمر الله، وهمزته عند البصريين وصل واشتقاقه عندهم من اليمن وهو البركة، قالوا ولم يأت في الأسماء همزة وصل مفتوحة غيرها، وعند الكوفيين قطع لأنه جمع يمين عندهم، وقد يختصر عنه فيقال: وأيم الله بحذف النون، ويختصر ثانياً فيقال أم الله بضم الميم وكسرها وقد يدخل عليها اللام لتأكيد الابتداء قال الشاعر:

فقال فريق القوم لما نشدتهم *** نعم وفريق ليمن الله ما ندري

ورفعه بالابتداء وخبره محذوف وجوباً، أي أيمن الله، قسمي، وإذا خاطبت به أحداً تقول: ليمنك كما تقول لعمرك، وقوله: (لا يزالون بكم)، الظرف متعلق بمحذوف معلوم بقرينة المقام خبر لزال أي لا يزالون قائمين بكم أو موذين بكم أو نحو ذلك، و (شوهاء) منصوبة على الحالية من فاعل ترد وهو العامل فيها، و (جاهلية) صفة لقطعاً، وجملة (ليس فيها) إما استئنافية بيانية أو مرفوعة المحل على كونها صفة لفتنتهم، أو منصوبة على كونها صفة لقطعاً و (الباء) في قوله بالدنيا للبدل على حد قول الحماسي:

فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا *** شدّوا الإغارة فرساناً وركباناً

و (ما فيها) عطف على الدنيا، و (ما) موصولة ولفظة (لو) في قوله لو يرونني مصدر بمعنى إن إلا أنها لا تنصب كما تنصب إن قال سبحانه:

وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9]. وفي قوله (ولو) قدر جزر جزور) بمعنى إن الوصلية وحذف بعده كان كما هو الغالب وقوله: ( لأقبل) متعلّق بتود وقوله: (فلا يعطونني) فاعل يعطون ضمير قريش وضمير المتكلّم مفعوله الأوّل، وحذف مفعوله الثاني، وفي بعض النسخ فلا يعطوننيه بإثبات المفعولين كليهما

المعنى

اعلم أن هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) متضمن للأخبار عن فتن بني أمية لعنهم الله قاطبة وما يرد على الناس فيها من الشدائد والمكاره، وعن انقراض دولتهم بعد سلطنتهم واستيلائهم

كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية) وإنما كانت أخوف الفتن لشدّتها وكثرة بلوى أهل الدين بها وعظم رزء المسلمين فيها، ويكفي في عظمها هتكهم حرمة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقتلهم سبطيه وهدمهم البيت الحرام وإساءتهم الأدب بالنسبة إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على رؤوس منابر الإسلام ثمانين سنة حتى راب عليه الصغير وهرم عليه الكبير، وأمرهم للناس بالتبري منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتلهم كل من امتنع من ذلك واستئصالهم وتخريب دورهم وتشريدهم من البلاد وجعلهم البدعة سنة والسنة بدعة.

كما يشير إلى ذلك كله قوله: (فإنها فتنة عمياء مظلمة) أي فتنة موجبة للعمى والظلام لا يهتدى فيها إلى سبيل الحق، كما لا يهتدي الأعمى والسالك في الظلمة إلى النهج المطلوب.

ومحصل المراد أنها فتنة موجبة للضلال والعدول عن منهج الحق، ويحتمل أن يكون من باب التشبيه المحذوف الأداة مبالغة أي فتنة بمنزلة العمياء في كون جريانها على غير استقامة وهي فتنة (ع- فتنة (عمت خطتها) لكونها رئاسة كليّة وسلطنة عامة، (وخضت بليتها) بأئمة الدين ومواليهم المؤمنين وشيعتهم المخلصين من أهل التقوى واليقين، (وأصاب البلاء من أبصرفيها) أي: من كان ذا بصيرة فيها وهو مصاب بأنواع البلاء لحزنه في نفسه بما يشاهد من أفعالهم السّوءَة وقصدهم له بأصناف العقوبة والأذى، (وأخطأ البلاء من عمى عنها) أي: من كان ذا عمى وجهالة عن تلك الفتنة فهو في أمن وسلامة من إصابة البلية لكونه منقاداً لدعوتهم منساقاً تحت رايتهم مطيعاً لأوامرهم ممتثلاً لنواهيهم، (وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي) يطلق الرّبّ على المالك والمنعم والسيد والمتمّم والمدبّر والمربي، ويصح إرادة كلّ منها في المقام ولا يطلق على الإطلاق إلا على الله سبحانه.

وبيّن جهة السّوء بقوله: ( كالناب الضروس تعذم بفيها وتخبط بيدها وتزين برجلها وتمنع درها) شبههم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالناقة السيئة الخلق المتصفة بالأوصاف الرّدية المذكورة أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنها كما تعض بفيها وتضرب بيدها وتدفع حالبها برجلها وتمنع الناس من لبنها، فكذلك هؤلاء في أفعالهم الردية وحركاتهم المؤذية من قصد الناس بالقتل والضرب والأذية ومنعهم ما يستحقونه من بيت المال (لا يزالون) قائمين (بكم) مسلّطين عليكم قاصدين لكم (حتى لا يتركوا منكم) في الأرض ولا يبقوا (إلا نافعاً لهم) سالكاً مسلكهم ينفعهم في مقاصدهم (أو غير ضائر بهم) بإنكار المنكرات عليهم أي من لا يكون مضراً لهم في أمور دولتهم، (ولا يزال بلاؤهم) عليكم (حتى لا يكون انتصار أحدكم) أي انتقامه (منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه) وانتقامه من مولاه (و) كانتصار (الصاحب) الملازم التابع (من مستصحبه) أي ممن اتبعه ولزمه.

والغرض بذلك إما نفي إمكان الانتقام رأساً فيكون المقصود بالإثبات هو النفي أي كما لا يمكن للعبد الانتقام من مولاه وللمستصحب الذي من شأنه الضعف وعدم الاستقلال الانتصار من مستصحبه فكذلك هؤلاء الموجودون في تلك الأزمان الناجون من سيف البغي

والعدوان لا يمكنهم الانتصار من بني أمية ومروان لكونهم أذلاء مقهورين بمنزلة العبيد المملوكين، وإما إثبات الانتصار في الجملة عند الغيبة بمثل الغيبة والسب والذم ونحوها مع الامن من الوصول إلى المغتاب والمسلوب والمذموم مع إظهار الطاعة والانقياد عند الحضور، ويؤيد ذلك ما يأتي في رواية الثقفي من الزيادة وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه إذا رآه أطاعه وإذا توارى عنه شتمه).

(ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية) أي: حال كونها قبيحة عقلاً وشرعاً مخوّفة للنفوس مرعبة للقلوب (وقطعاً جاهلية) أي: طوائف ودفعات منسوبة إلى الجهالة متصفة بالضلالة لكونها على غير قانون، عدل وما يظهر من كلام الشراح من كون المراد بالجاهلية الحالة التي كانت العرب عليها قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر والتعصب والأخلاق الذميمة، فيه أن معنى الجاهلية وإن كان ذلك إلا أن ظاهر التركيب لا يساعد حمله على ذلك المعنى في المقام ولو كان مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك لقال: وقطع الجاهلية أي قطعاً مثل قطع الجاهلية فافهم.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ليس فيها منار هدى ولا علم يرى) بيان لوجه الجهالة أي ليس فيها إمام هدى يهتدى به ويستضاء، بنوره ولا قانون عدل يسلك به سبيل الحق.

ثم أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى براءة ساحتهم من تلك الفتنة بقوله: (نحن أهل البيت منها بمنجاة ولسنا فيها بدعاة) أراد نجاتهم من الدخول فيها ومن لحوق آثامها وتبعاتها وعدم كونهم من الداعين إليها وإلى مثلها وليس المراد نجاتهم من أذيتها وخلاصهم من بليتها لكونهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعظم الناس بلية وأشدّهم أذية فيها، وكفى بذلك شاهداً شهادة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأولاده وأصحابه وهتك حريمه ونهب أمواله وما أصاب سائر أئمة الدين من الطغاة الظالمين لعنهم الله أجمعين.

ثمّ بشر بظهور الفرج بقوله: (ثم يفرج الله) ويكشف عنكم (كتفريج الأديم) قيل أي ككشف الجلد عن اللحم حتى يظهر ما تحته.

وقال في”البحار”: يحتمل أن يكون المراد بالأديم الجلد الذي يلف الإنسان فيه للتعذيب لأنه يضغطه شديداً إذا جف وفي تفريجه راحة وكيف كان فالمقصود انفتاح باب الفرج لهم بمن (بسومهم خسفاً) أي: يكلّفهم ويوليهم خسفاً) أي: يكلفهم ويوليهم ذلاً وهواناً أو خسفاً في الأرض. (ويسوقهم عنفاً) أي بعنف وشدّة (ويسقيهم بكأس مصبرة) ممزوجة بالصبر أو المراد مملوة إلى أصبارها (ولا يعطيهم إلا السيف ولا يحلسهم إلا الخوف) استعار لفظ الاحلاس بمشابهة جعلهم الخوف شعاراً لهم غير منفك عنهم كالحلس الملازم للبعير الذي يكسى على ظهره ويلاصق جسده.

قال الشراح: وهذه الفقرات إشارة إلى انقراض دولة بني أمية بظهور بني العباس، وإن بني العباس أولوهم ذلاً وهواناً وأذاقوهم كأس العذاب طعوماً مختلفة وأروهم عيان الموت ألواناً شتّى كما هو مذكور في كتب السير والتواريخ.

أقول: والأظهر بملاحظة الزيادات الآتية في رواية سليم بن قيس الهلالي وإبراهيم الثقفي أنها إشارة إلى ظهور السلطنة الإلهية والدولة القائمية، وعلى هذا يكون قوله: يسومهم خسفاً إشارة إلى خسف الأرض بجيش السفياني في البيداء كما هو مروي في أخبار الرجعة.

ثمّ أشار إلى مآل حال الفرقة المنقلبة من قريش ومنتهى ذلّتهم وضعفهم بقوله: (فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لو يرونني مقاماً واحداً ولو قدر جزر جزور لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني) أي: حينئذ يتمنّى قريش بدل الدنيا وما فيها أن يروني مقاماً قصيراً بمقدار جزء جزور فيطيعوني إطاعة كاملة، وقد رضيت منهم اليوم بأن يطيعوني إطاعة ناقصة فلم يقبلوا.

ويصدق هذا ما روي في السير أن مروان بن محمد وهو آخر ملوك بني أمية قال يوم الزاب(1)لما شاهد عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف بن خراسان لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلاً من هذا الفتى وعلى ما استظهرناه فيكون الإشارة بذلك إلى التمني عند قيام القائم (عَلَيهِ السَّلَامُ).

تكملة

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة ملتقطة من خطبة طويلة أوردها في البحار»بزيادة واختلاف كثير لما أورده السيد (ره) في الكتاب أحببت أن أورد تمامها توضيحاً للمرام وغيرة على ما أسقطه السيد (ره) اختصاراً أو اقتصاراً من عقائل الكلام فأقول:

روى المحدّث العلامة المجلسي (ره) من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي، عن إسماعيل بن أبان عن عبد الغفار بن القسم عن المنصور بن عمر عن زر بن حبيش، وعن أحمد بن عمران بن محمد بن أبي ليلى عن أبيه عن ابن أبي ليلى عن المنهال ابن عمرو عن زر بن حبيش قال خطب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنهروان فحمد الله وأثنا عليه ثم قال:

»أيّها النّاس: أما بعد أنا فقأت عين الفتنة لم يكن أحد ليجتري عليها غيري”، وفي حديث ابن أبي ليلى لم يكن ليقفاها أحد غيري ولو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل ولا أهل صفين ولا أهل النهروان وأيم الله لولا أن تتكلموا وتدعوا العمل لحدّثتكم بما قضى الله


1) الزاب نهر بالموصل.

على لسان نبيكم لمن قاتلهم مبصراً لضلالتهم عارفاً للهدى الذي نحن عليه”.

ثم قال:”سلوني قبل أن تفقدوني سلوني عمّا شئتم سلوني قبل أن تفقدوني إني ميت أو مقتول بلى(1)قتل ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم وضرب بيده إلى لحيته، والذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تضل مائة أو تهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها”.

فقام إليه رجل فقال: حدثنا يا أمير المؤمنين عن البلاء، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”إنكم في زمان إذا سأل سائل فليعقل، وإذا سئل مسؤول فليثبت، ألا وإن من ورائكم أموراً أتتكم جللاً مزوجاً وبلاء مكلحاً، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أن لو فقدتموني ونزلت بكم كرايه(2)الأمور وحقائق البلاء لقد أطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين، وذلك إذا قلصت حربكم وشمرت عن ساق وكانت الدنيا بلاء عليكم وعلى أهل بيتي حتى يفتح الله لبقية الأبرار فانصروا أقواماً كانوا أصحاب رايات يوم بدر ويوم حنين تنصروا وتوجروا ولا تسبقوهم فتصر عكم البلية”.

فقام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين حدثنا عن الفتن قال:”إن الفتنة إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت أسفرت يشبهن مقبلات ويعرفن، مدبرات، إن الفتن تحوم كالرياح يصبن، بلداً ويخطين، اخرى، ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية إنها فتنة عمياء مظلمة مطينة عمّت فتنتها وخصت بليتها وأصاب البلاء من أبصر فيها وأخطأ البلاء من عمى عنها، يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى يملأ الأرض عدواناً، وبدعاً، وإن أول من يضع جبروتها ويكسر عمدها وينزع أوتادها الله ربّ العالمين.

وأيم الله لتجدنّ بني أمية أرباب سوء لكم بعدي كالناب الضّروس تعض بفيها وتخبط بيديها وتضرب برجليها وتمنع درها لا يزالون بكم حتى لا يتركوا في مصركم إلا تابعاً لهم أو غير ضار، ولا يزال بلاؤهم بكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربّه إذا رآه أطاعه، وإذا توارى عنه شتمه.

وأيم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله شرّ يوم لهم ألا إن من بعدي جماع شتى ألا إنّ قبلتكم واحدة وحجكم واحد وعمرتكم واحدة والقلوب مختلفة، ثمّ أدخل أصابعه بعضها في بعض فقام رجل فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا هكذا يقتل هذا هذا ويقتل هذا هذا قطعاً جاهلية ليس فيها هدى ولا علم،يرى نحن أهل البيت منها بنجاة ولسنا فيها بدعاة.


1) »بل»في نسخة

2) جمع كريهة.

فقام رجل فقال يا أمير المؤمنين ما نصنع في ذلك الزمان؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”انظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استصر خوكم فانصروهم، توجروا ولا تسبقوهم فتصر عكم البلية”.

فقام رجل آخر فقال: ثم ما يكون بعد هذا يا أمير المؤمنين؟.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”ثم إن الله يفرج الفتن برجل منا أهل البيت كتفريج الأديم بأبي ابن خيرة الإماء يسومهم خسفاً ويسقيهم بكأس، مصبرة، ولا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجاً، يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر، وذت قريش عند ذلك بالدنيا وما فيها لو يروني مقاماً واحداً قدر حلب شاة أو جزر جزور لأقبل منهم بعض الذي يرد عليهم حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا، فيغريه الله يبني أمية فجعلهم”(1):

(ملعُونِينَ أَيْنَمَا تُقِفُوا أَخِذُوا وَقُتِلُوا تَفْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 61 - 62].

بیان ورواه في”البحار»أيضاً من كتاب سليم بن قيس الهلالي نحو ما رواه من كتاب”الغارات»مع زيادات كثيرة في آخره، ولا حاجة لنا إلى إيرادها وإنما المهم تفسير بعض الألفاظ الغريبة في تلك الرواية فأقول:”الجلل بالضم جمع جلي وزن ربّي وهو الأمر العظيم و”مزوجاً»في النسخة بالزاء المعجمة والظاهر أنه تصحيف والصحيح مروجا بالمهملة من راج الريح، اختلطت ولا يدري من أين يجيء، ويمكن تصحيحه بجعله من زاج بينهم يزوج زوجاً إذا أفسد بينهم وحرش و كلح) كلوحاً تكثر في عبوس كتلكح ودهر كالح شديد و”طان) الرجل البيت والسطح يطينه من باب باع طلاه بالطين وطينه بالتثقيل مبالغة وتكثير والمطينة فاعل منه وفي رواية سليم بن قيس بدلها، مطبقة و”جماع»النّاس کرمان أخلاطهم من قبائل شتى ومن كلّ شيء مجتمع أصله وكل ما تجمع وانضم بعضه إلى بعض، و لبد بالمكان من باب نصر وفرح لبداً ولبوداً أقام ولزق.

وقوله:”بأبي ابن خيرة الإماء»إشارة إلى إمام الزمان الغائب المنتظر عجل الله فرجه: وسهل مخرجه و”هرجا هرجا»منصوبان على المصدر قال في”القاموس»هرج الناس يهرجون وقعوا في فتنة واختلاط، وقتل وفي رواية سليم بن قيس حتى يقولوا ما هذا من قريش لو كان هذا من قريش ومن ولد فاطمة، لرحمنا و”غرى»بالشيء غرى من باب تعب أولع به من حيث لا يحمله عليه حامل وأغريته به إغراء.


1) شرح الأخبار 288/2، وكتاب الغيبة: 229 ح 11.

الترجمة

آگاه باشید و به درستی که ترسناک ترین فتنهها نزد من بر شما فتنه بنی امیه است پس به درستی که آن، فتنه فتنه ای است که باعث کوری و ظلمت است که عام است حالت آن به جهت احاطه او به جمیع مسلمانان و خاص است بلیه آن بر خواص اهل ایمان و یقین و رسید بلای آن به کسی که صاحب بصیرت است در او و خطا نمود بلاء از کسی که کور و بی بصیرت گشت از آن و قسم به خدا هر آینه البته می یابید بنی امیه را از برای خود صاحبان بد بعد از من، مثل ناقه بدخلق گزنده در وقت دوشیدن که دندان میگیرد با دهان خود و میزند با دستهای خود و لگد میزند با پاهای خود و منع مینماید از شیر خود.

همیشه باشند اذیت کننده به شما تا اینکه نگذارند از شما احدی را مگر اینکه فایده دهنده به ایشان یا ضرر نرساننده بر ایشان و همیشه باشد با شما بلاء ایشان تا اینکه نباشد انتقام یکی از شما از ایشان مگر مثل انتقام کشیدن غلام از آقای خود و مثل انتقام کشیدن تابع از متبوع خود وارد میشود بر شما فتنه ایشان در حالتی که قبيح است و ترسیده شده و طایفه به طایفه که منسوب است به جهالت که نباشد در میان آن فتنه های مناره هدایت و نه علامت دیده شده.

ما اهل بیت از آن فتنه در نجات هستیم و نیستیم در آن دعوت کننده به مثل پس از آن بگشاید خداوند آن فتنه را از شما مثل شکافتن و جدا نمودن پوست از، گوشت به دست آن کسی که بنماید به ایشان ذلّت را و براند ایشان را به درشتی و سیراب مینماید ایشان را با کاسه که تلخ شده باشد و ندهد ایشان مگر بر شمشیر خون آشام و نمی پوشاند بر ایشان مگر لباس خوف را، پس نزد آن واقعه دوست میدارد قریش عوض دنیا و مافیها اینکه ببیند مرا در یک مکانی اگرچه بوده باشد آن زمان دیدن به قدر کشتن شتر قربانی تا اینکه قبول نمایم از ایشان آنچه را که می خواهم از ایشان امروز بعض آن را پس نمی دهند آن را به من.

ومن خطبة له وهي الثالثة والتسعون من المختار في باب الخطب

اشارة:

فَتَبارَكَ الله الذي لا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمَ، ولا يَنالُهُ حِسُّ(1)الفِطَنِ، الأَوَّلُ الذي لا غايَةَ لَهُ فَيَنْتَهي، وَلا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي”.

منها(2):”فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَع، وأَفَرَّهُمْ في خَيرِ مُسْتَقَرٌّ، تَناسَخَتْهُمْ كَرائِمُ الأَصْلابِ إِلى مُطَهَّرات الأرحام، كُلَّما مَضى مِنْهُمْ سَلَفٌ، قامَ مِنْهُمْ بِدين الله خَلَفٌ، حَتَّى أَفْضَتْ كَرامَة الله سُبْحَانَهُ إِلى مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعادِنِ مَنْبِتاً، وأَعز الارُوماتِ مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي صَدَعَ مِنْها أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَخَبَ مِنْها أَمناءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ، وأَسْرَتُهُ خَيرُ الأَسَرِ، وشَجَرَتُهُ خَيرُ الشَّجرِ، نَبَتَتْ في حَرَم، وبَسَقَتْ في كَرَم لَها فُرُوعٌ طِوالٌ، وثَمَرَةٌ لا تُنالُ، فَهُوَ إمامُ مَنِ اتَّقى، وبَصيرَةُ مَنِ اهْتَدى، سراجٌ لَمَعَ ضَوْهُ وشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ، وزَنْدُ بَرَقَ لَمْعُهُ، سيرتهُ الْقَصْدُ، وسُنَّتُهُ الرَّشْدُ، وكَلامُهُ الْفَضلُ، وحُكْمُهُ العَدْلُ، أَرْسَلَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ، وغَبَاوَةِ مِنَ الأَمَم، إِعْمَلُوا رَحِمَكُمُ الله على أغلام بَيْنَة، فالطريق نَهْجُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلام، وأَنْتُمْ في دارٍ مُسْتَعْتَب عَلى مَهَلٍ وفَراغ، وَالصَّحُفُ مَنْشُورَةٌ، والأقلام جاريةٌ، والأبدان صحيحةً، وَالأَلسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالتّوبَةُ مَسْمُوعَةً، والأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ(3).

اللغة

(تبارك الله) من البركة وهو كثرة الخير وزيادته يقال: بارك الله لك وفيك وعليك وباركك بالتعدية بنفسه و (النسخ) الإزالة والنقل يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته ونسخت الكتاب وانتسخته و استنسخته، أي نقلت ما فيه والمنقول منه النسخة بالضم، و (السلف) كل من تقدمك من آبائك أو قرابتك، والجمع سلاف وأسلاف و (الخلف) بالتحريك الولد الصالح ويقال: على من حضر من الحي، وإذا كان الولد فاسداً يقال خلف بسكون اللام وربما استعمل كلّ منهما مكان الآخر، و (الإفضاء) إلى الشيء الوصول والانتهاء إليه و (المعدن) وزن مجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه، و (الأرومات) جمع الأرومة بفتح الهمزة وضمها أصل الشيء والجمع أيضاً على الأروم، و (غرس) الشجر يغرسه من باب ضرب أثبته في الأرض كأغرسه، و (الصدع) الشق في شيء صلب ونبات الأرض قال سبحانه: والأرض ذات الصدع.


1) في بعض المصادر حوس، وفي بعض خطب النهج غوص وفي أخرى حَدْسٌ وحُسْنُ.

2) منها في وصف الأنبياء.

3) ميزان الحكمة: 3/2121– 1894، والبحار: 16/379.

و (العترة) نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون من مضى وغير كذا في”القاموس»وسيأتي تحقيق الكلام فيه و (أسرة) الرجل وزن غرفة رهطه وعشيرته الأدنون وأهل بيته، والجمع أسر كغرب و (بسق) النخل بسوقاً من باب قعد طال قال سبحانه والنخل باسقات و (الطوال) بالكسر جمع الطويل، والطوال بالضم و (الشهاب) كلّ شيء مضيء، و (الزند) بالفتح فالسكون العود الذي يقدح به النار وهو الأعلى والسفلى الزندة، و (برقت) السماء بروقاً وبرقاناً لمعت أو جاء ببرق وبرق الشيء برقاً وبريقاً وبرقاناً لمع، و (الفترة) ما بين كل نبتين ورسولين، و (الغباوة) الجهل وقلة الفطنة و (نهج) الطريق الواضح منه، و (المستعتب) يجوز كونه مصدراً ومكاناً من استعتبه أي استرضاه وطلب إليه العتبى أي الرّضا.

الإعراب

يجوز في محلّ الموصول أعني قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الذي لا يبلغه الرفع على كونه تابعاً الله بكونه بدلاً منه أو نعتاً له، والنصب على تقدير المدح أي أعني الذي أو أمدح الذي، وإضافة البعد إلى الهمم والحس إلى الفطن لامية، والأوّل إما خبر لمبتدأ محذوف أو تابع الله.

واستشكل الشارح المعتزلي في (الفاء) العاطفة في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): فينتهي فينقضي، بأن الفاء إنّما تدخل فيما إذا كان الثاني غير الأوّل، كقولهم: ما تأتينا فتحدثنا وليس الثاني ههنا غير الأَوّل؛ لأن الانقضاء هو الآخرية بعينها فكأنّه قال: لا آخر له فيكون له آخر، وكذلك القول في اللّفظة الأولى.

وأجاب بأن المراد لا آخر له بالإمكان والقوة، فينقضي بالفعل فيما لا يزال، ولا هو أيضاً ممكن الوجود فيما مضى فيلزم أن يكون وجوده مسبوقاً بالعدم وهو معنى قوله فينتهي، بل هو واجب الوجود في الحالين فيما مضى وفي المستقبل، وهذان مفهومان متغايران وهما العدم وإمكان العدم، فاندفع الأشكال انتهى كلامه(1).

أقول: وفيه نظر إذ الغالب في (الفاء) العاطفة لجملة على جملة على ما صرح به علماء الأدب أن يكون مضمون الجملة الثانية عقيب مضمون الجملة الأولى، تقول قام زيد فقعد عمرو، وأما اشتراط التغاير بين الجملتين فممنوع، وقد تفيد الفاء كون المذكور بعدها كلاماً مرتباً في الذكر على ما قبلها لا أن مضمونه عقيب مضمون ما قبلها في الزمان كقوله تعالى: و فادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ) [النحل: 29] وقوله: (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَسبوا مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ ﴾ [الزمر: 74].


1) شرح النهج: 62/7.

فإن ذكر ذم الشيء ومدحه يصح بعد جري ذكره، ومن هذا الباب عطف تفصيل المجمل على المجمل؛ لأنّ موضع ذكر التفصيل بعد الإجمال قال سبحانه:

(وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45].

وتقول أجبته فقلت لبيك، ومن هذا علم أن شرطية التغاير غير معتبرة فلا حاجة إلى ما تكلّفه في الجواب، وإنّما مساق كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المساق هذه الآية الشريفة ومساق قوله:

(وكُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيتا ﴾ [الأعراف: 4]. ز

فإن ذكر نفي الانتهاء للشيء، إنّما يصح بعد ذكر نفي النهاية والغاية عنه وكذا ذكر نفي الانقضاء يحسن بعد ذكر نفي الأخر عنه، وسيأتي له مزيد توضيح في بيان المعنى، وجملة نبتت في حرم استئنافية بيانية، وكذا جملة لها فروع طوال، والفاء في قوله: فهو امام فصيحة و (الواو) في قوله ( وأنتم في دار مسعتب حالية).

ودار في أكثر ما رأيناه من النسخ بالتنوين فلا بد من جعل مستعتب اسم مكان بدلاً منه أو عطف بيان على ما هو الحق الذي ذهب إليه الكوفيون من جواز البيان في النكرات، إلا أنه يبعده ويبعد الوصفية أن الدار من المؤنثات الشماعية، فكان اللازم أن يقال: مستعتبة بالتاء للزوم المطابقة بين الصفة والموصوف والبيان والمبين في التذكير والتأنيث وإن أمكن التصحيح بالتأويل في الموصوف أو عدم لزوم المطابقة في الصفة إذا كانت من أسماء المكان فليتأمل.

وفي نسخة الشارح المعتزلي بلا تنوين على الإضافة وهو أولى فيصح على ذلك جعل

مستعتب مصدراً فيكون إضافة دار إليه، لامية، وجعله اسم مكان فتكون الإضافة بيانية، و (على) في قوله على مهل للاستعلاء المجازي.

المعنى

اعلم أنه صدّر هذه الخطبة بتقديس الله سبحانه وتنزيهه عن صفات النقص والإمكان وعقبه بذكر وصف الأنبياء والأولياء، وذيله بالموعظة والتصيحة فقال سلام الله عليه وآله فتبارك الله) أي: ثبت الخير والبركة عنده وفي خزائنه وقيل: أي تعالى الله لأن البركة ترجع معناها إلى الامتداد والزيادة وكل ما زاد على الشيء فقد علاه، وقيل ند، علاه وقيل أصله من البروك وهو الثبات فكأنه قال: والبقاء والدوام والثبات له فهو المستحق للتعظيم والثناء (الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله حسّ الفطن) قد مضى الكلام في شرح هذه الفقرة في الفصل الثاني من فصول الخطبة الأولى وأقول هنا:

إن نعوت الجلال وصفات الكمال لله سبحانه المتعال لمّا كانت غير متناهية ولا محدودة نبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك على عدم إمكان الوصول إليها وتعذر إدراكها، إذ كل مدرك متناه محدود،

فالمعنى أنه تعالى لا يبلغه الهمم والقصود على بعدها، وعلوها ولا يصل إليه إدراك الفطن، وإن ذكت واشتدت في ذكائها وحدتها وسرعة انتقالها من المبادىء إلى المطالب، بل كل سابح في بحار جلاله غريق وكلّ مريد للوصول إلى أنوار جماله حريق.

(الأول الذي لا غاية له فينتهي ولا آخر له فينقضي) تقدم تحقيق الكلام في أوليته وآخريته سبحانه في شرح الخطبة الرابعة والستين والفصل الأوّل من فصول الخطبة التسعين بما لا مزيد عليه والمراد هنا أنه تعالى أول الأشياء لا غاية له في البداية فينتهي إليها، ولا آخر له في النهاية فيكون له الانصرام والانقضاء عندها، بل هو أزلي باق غير منقطع الوجود بداية ونهاية، وبرهان ذلك أنّ الغاية والنهاية من عوارض الأجسام ذوات الأوضاع والمقادير تعرض لها بالذات، وللواحقها كالأزمنة والحركات، وللأمور المتعلقة بها كالقوى والكيفيات بالعرض والأول سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا متعلق به ضرباً من التعلق فهو منزه عن الحد والنهاية.

قال السيد ره (منها) أي: بعض فصول تلك الخطبة في شرح حال الأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فاستودعهم في أفضل مستودع) وهو أصلاب الأباء (وأقرهم في خير مستقر) وهو أرحام الأمهات قال سبحانه:

(وَهُوَ الَّذِي أَنشَاكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَةٌ قَد فَضَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) [الأنعام: 98].

(تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام) أي نقلتهم الأصلاب الكريمة إلى الأرحام المطهرة من السفاح كما لو وقع عقد النكاح على غير الوجه الشرعي لخلل في لفظ العقد أو في القصد بأن يقع على غير المقصود إنكاحه أو نكاحه أو بغير رضا الطرفين، أو أحدهما أو من يعتبر رضاه أو لوقوعه على المحارم ونحو ذلك. روى عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطريق العامة عن النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في قوله تعالى:

(ولقد جاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128].

قال: نسباً وصهراً وحسباً ليس في آبائي لدن آدم، سفاح كلنا بنكاح، قال الكلبي: من كتبت للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له خمسمائة، ام، فما وجدت فيهن سفاحاً ولا شيئاً مما كان عليه أهل الجاهلية(1)هذا.

وقال الشارح البحراني: وتناسخ الأصلاب لهم إلى مطهرات الأرحام نقلهم إليها نطفاً، وكرائم الأصلاب ما كرم منها وحق لأصلاب سمحت بمثلهم أن توصف بالكرم، ومطهرات الأرحام ما ظهر منها وحق لما استعدّ منها لانتاج مثل هذه الأمزجة وقبولها أن تكون طاهرة


1) الدر المنثور: 294/3، والشفا بتعريف حقوق المصطفى: 15/1.

من كدر الفساد والشيعة يطهرون أصول الأنبياء من طرف الآباء والأمهات عن الشرك، ونحوه قول رسول الله نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية(1).

وفي حديث جابر المروي في”الفقيه»في كيفية خلقة الإنسان وولادته قال: فقلت: يا رسول الله هذه حالنا فكيف حالك وحال الأوصياء بعدك في الولادة؟ فسكت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مليّاً ثم قال: يا جابر لقد سألت عن أمر جسيم لا يحتمله إلا ذو حظ عظيم، إن الأنبياء والأوصياء مخلوقون من نور عظمة الله جلّ ثناؤه يودع الله أنوارهم أصلاباً طيبة وأرحاماً طاهرة يحفظها بملائكته، ويربيها بحكمته ويغذوها بعلمه، فأمرهم يجلّ عن أن يوصف وأحوالهم تدق عن أن تُعلم لأنهم نجوم الله في أرضه وأعلامه في بريته وخلفاؤه على عباده، وأنواره في بلاده، وحججه على خلقه هذا من مكنون العلم ومخزونه فاكتمه إلا من أهله(2).

وبالجملة فالمراد أنه تعالى خلق الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأودع أنوارهم في الأصلاب والأرحام، وأخرجهم إلى وجه الأرض على تعاقب الزمان وكرور الأيام، وأرسلهم تترى لمسيس الحاجة واقتضاء المصلحة، وهو الدلالة على التوحيد والمعرفة وإكمال الدين والملة ولم يخل الخلق منهم بل (كلما مضى منهم سلف) وارتحلوا من الدنيا إلى العقبا، (قام منهم بدين الله) و نشر شرائعه وأحكامه، (خلف حتى أفضت كرامة الله) وانتهت نبوّته (إلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) وبلغت بوجوده الشريف سلسلة النّبوة والرسالة الغاية وأشرق وجه الأرض بنور جماله، وأضاءت الدنيا بأشعة،كماله، وقد كان في عالم المعنى الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة قشوراً لذلك اللب أحاطت به إحاطة الأشعة بالسراج، فهو مفارق لتلك المحال الشريفة في التقدير، وإن كان مقارناً لها في التدبير.

ولأجل هذا كان كلّ من انتقل إليه ذلك النور أشرق وجهه حتى يعرف بذلك النور إلى أن ينتقل منه إلى رحم الطاهرة، فيسلب منه النور ويتلألأ بوجه الحامل إلى أن تضع الجنين فيخرج مشرقاً بما فيه فيسلب الله النور.

روى الصدوق بإسناده إلى أبي ذر قال: سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو يقول: خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد نسبح الله يمنة العرش قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما أن خلق الله آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) جعل ذلك النور في صلبه، ولقد سكن الجنة ونحن في صلبه ولقد همّ بالخطيئة ونحن في صلبه، ولقد ركب نوح بالسفينة ونحن في صلبه، ولقد قذف إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) النار ونحن في صلبه، فلم يزل ينقلنا الله عزّ وجل من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة حتى انتهى بنا إلى عبد المطلب، فقسمنا فجعلني في صلب عبد الله وجعل عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الله في


1) ميزان الحكمة 4/ 3019 ح 3775، ومستدرك سفينة البحار: 42/1.

2) المحتضر: 147، وبحار الأنوار: 353/57.

صلب أبي طالب، وجعل في النبوة والبركة وجعل في عليّ الفصاحة والفروسية، وشق لنا اسمين من أسمائه، فذو العرش محمود وأنا محمد والله العلي الأعلى وهذا عليّ(1).

وعن المناقب لأحمد مد بن حنبل والنائي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن أخطأ. الله خلق خلقه في ظلمة، ثمّ رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من النور شيء اهتدى ومن

ضل”(2).

ثم فسره علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال:”إنّ الله عزّ وجل حين شاء تقدير الخليقة وذرء البرية وإبداع المبدعات ضرب الخلق في صور كالهباء قبل وجود الأرض والسماء وهو سبحانه في انفراد ملكوته وتوحد جبروته، فأشاع نوراً من نوره فلمع، وقبأ من ضيائه فسطع، ثم اجتمع ذلك النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق صورة نبينا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال الله له: أنت المختار المنتخب وعندك ثابت نوري، وأنت كنوز هدايتي، ثم أخفى الخليفة في غيبه وسترها في مكنون علمه، ثم وسط العالم وبسط الزمان وموج الماء، وأثار الزبد وأفاج الرّيح، فطفى عرشه على الماء فسطح الأرض على

ظهر الماء، ثمّ أنشأ الملائكة من أنوار ابتدأها وأنوار اخترعها، وقرن بتوحيده نبوة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ظاهراً فهو أبو الأرواح ويعسوبها كما أن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبو الأجساد وسببها، ثم انتقل النور في جميع العوالم عالماً بعد عالم وطبقاً بعد طبق وقرناً بعد قرن إلى أن ظهر محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالصورة والمعنى في آخر الزمان ويطابق هذا الكلام قول عمي العبّاس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: يا رسول الله أريد أن أمدحك قال: قل لا يفضض الله فاك قال (ره):

من قبلها طبت في الظلال وفي *** مستودع حيث يخصف الورق

ثم انبطت البلاد لا بشر *** أنت ولا مضغة ولا علق

بل نطفة تركب السفين وقد *** الجمت نسرا و اهله الغرق

وردت نار الخليل مكتنماً *** تجول فیها ولست تحترق

تنقل من صالب إلى رحم *** إذا مضى عالم بدا طبق

حتی احتوی بیتک المهیمن *** من خندق(3)علیا تحتها النطق

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض *** ضاءت بنورک الافق

فنحن فی ذلک الضیاء وفی *** النور و سبل الرشاد تحترق(4)


1) بحار الأنوار: 23/ 116 ح25وكتاب السنة:107 ح241.

2) روضة الواعظين: 67، وبحار الأنوار: 11/15 ح 12.

3) خندف وزن زبرج أم مدركة بن الياس أحد أجداد النبي واسمها ليلى كما في القاموس

4) مناقب آل أبي طالب: 1/27، وتفسير القرطبي: 13/146.

(فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً وأعز الأرومات مغرساً) يحتمل أن يكون المراد بذلك مكة زادها الله شرفاً لأنها لما سمحت بمثله صلوات الله وسلامه عليه صار أجدر بأن تكون أفضل المعادن وأعزّ، الأصول، ويشعر به قول الآتي: [ نبتت في حرم)، فافهم.

والأظهر أن يراد به إما إبراهيم خليل الله أو إسماعيل ذبيح الله، فإن كلا منهما لما كان محلاً لجوهر الرسالة وأصلاً لشجرة النبوة صار حقيقاً بأن يكون أفضل المعادن وأعزّ الأصول، ويستعار لهما هذان اللفظان.

ويناسب ذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتجب منها أمناءه)، فإن الأظهر أن المراد بها أحدهما (عَلَيهِ السَّلَامُ) للكون الأنبياء من فروع تلك الشجرة المباركة وانتهاء سلسلة النبوة الخاصة لمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إليهما، ويعرف ذلك بذكر نسبه الشريف وهو كما في”البحار»أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب واسمه شيبة بن الحمد بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي(1)، واسمه زید بن کلاب(2)بن مرة بن كعب بن لوي(3)بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر(4)بن نزار بن معد(5)بن عدنان بن أود بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن تارخ بن ناخور بن ساروع(6)بن ارغوا بن فالغ(7)بن عابر وهو هود بن شالح بن أرفحشد بن سام بن نوح بن ملك بن متوشلخ(8)بن اخنوخ، وهو إدريس(9)بن یارد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم أبي البشر (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميعاً.

روى مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم”(10).

و (عترته خير العتر) وهم الذين أوصى فيهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال: إنّي مخلف فيكم الثقلين


1) بفتح القاف والصاد وتشديد الياء، منه.

2) بكسر الكاف وفتح اللام.

3) بضم اللام وفتح الواو وتشديد الياء، منه.

4) بضم الميم وفتح الصاد المعجمة.

5) بفتح الميم والعين المهملة وشديد الدال.

6) وفي بعض الروايات بدلها شاروع وفي بعضها شروغ بالشين والغين المعجمتين.

7) قالع في نسخة.

8) بميم مفتوحة ثم تاء مشددة ثم واو ساكنة ثم شين معجمة ثم مفتوحتين ثم خاء معجمة عن جواهر اللغة.

9) سمى إدريس لكثرة تدريسه كتاب الله.

10) الأمالي: 216، والجامع الصغير: 1/256ج 1683.

كتاب الله وعترتي وأنهما، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين، وضم سبابتيه فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ومن عترتك؟ قال: علي والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى يوم القيامة رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين ومعاني الأخبار بإسناده عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه لي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

وقال الصدوق (ره) في”محكي كلامه»حكى محمد بن بحر الشيباني عن محمد بن عبد الواحد صاحب أبي العباس تغلب في كتابه الذي سماه كتاب الياقوتة أنه قال: حدثني أبو العباس تغلب قال: حدثني ابن الأعرابي، قال:

العترة قطاع المسك الكبار في النافجة وتصغيرها عتيرة والعترة الريقة العذبة والعترة شجرة تنبت على باب وجار الضب وأحسبه أراد وجار الضبع؛ لأن الذي للضب مكو وللضبع وجار، ثم قال: وإذا خرجت الضب من وجارها تمرغت على تلك الشجرة فهي لذلك لا تنمو ولا تكبر والعرب تضرب مثلاً للذليل والذلة فيقولون أقل من عترة والعترة ولد الرّجل وذريته من صلبه فلذلك سميت ذرّية محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من علي وفاطمة: عترة محمد.

قال:تغلب: فقلت لابن الأعرابي فما معنى قول أبي بكر في السقيفة: نحن عترة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ قال: أراد بلدته وبيضته وعترة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا محالة ولد فاطمة عليها السلام والدليل على ذلك ردّ أبي بكر وإنفاذ علي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بسورة براءة وقوله:”أمرت أن لا يبلغها عني إلا أنا أو رجل مني، فأخذها منه ودفعها إلى من كان منه دونه، فلو كان أبو بكر من العترة نسباً دون تفسير ابن الأعرابي أنه أراد البلدة لكان محالاً أخذ سورة براءة منه ودفعها إلى عليّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

وقد قيل: إنّ العترة الصّخرة العظيمة يتّخذ الضب عندها جحراً يأوى إليه وهذا لقلة هدايته، وقد قيل إن العترة أصل الشجرة المقطوعة التي تنبت من أصولها وعروقها والعترة في غير هذا المعنى قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”لا فرعة ولا عتيرة”.

قال الأصمعي: كان الرّجل في الجاهلية ينذر نذراً على أنه إذا بلغت غنمه مائة أن يذبح رجبية(1)وعتاير فكان الرّجل ربما بخل بشانه فيصيد الظباء يذبحها عن غنمه عن آلهتهم ليوفي بها نذره، وأنشد الحرث بن حلزة:

عنناً باطلاً ظلماً كما *** تعتر عن حجرة الربيض الظباء

يعني يأخذونها بذنب غيرها كما يذبح أولئك الظباء عن غنمهم، وقال الأصمعي: والعترة الريح والعترة أيضاً شجرة كثيرة اللبن صغيرة يكون (نحو القامة ويقال: العترة الذكر


1) قال في القاموس: الترجيب ذبح السائك ولعل الرجيبة مأخوذة منه.

وعتر يعتر عتراً إذا الغظ وقال الرياشي سألت الأصمعي عن العترة فقال هو نبت مثل المرزنجوش(1)ينبت متفرقاً.

ثم قال الصدوق: العترة علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذريته من فاطمة وسلالة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهم الذين نص الله عليهم بالإمامة على لسان نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهم اثنا عشر أولهم عليّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وآخره القائم عليهم السّلام على جميع ما ذهبت إليه العرب من معنى العترة(2).

وذلك إنّ الأئمة عليهم السلام من بين جميع بني هاشم ومن بين جميع ولد أبي طالب كقطاع المسك الكبار في النافجة وعلومهم العذبة عند أهل الحكمة والعقل، وهم الشجرة التي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أصلها وأمير المؤمنين فرعها والأئمة من ولده أغصانها وشيعتهم ورقها وعلمهم ثمرتها، وهم عليهم السلام أصول الإسلام على معنى البلدة والبيضة. وهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهداة على معنى الصخرة العظيمة التى يتخذ الضب عندها جحراً بأوي إليه لقلّة هدايته، أصل الشجرة المقطوعة لأنهم وتروا وظلموا وجفوا وقطعوا ولم يوصلوا، فنبتوا من أصولهم وعروقهم لا يضرهم قطع من قطعهم وإدبار من أدبر عنهم، إذ كانوا من قبل الله منصوصاً عليهم على لسان نبي الله ومن معنى العترة هم المظلومون المؤاخذون بما لم يجرموه ولم يذنبوه ومنافعهم كثيرة.

وهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينابيع العلم على معنى الشجرة الكثيرة اللبن، وهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكران غير إناث على قول من قال إن العترة هم الذكر وهم جند الله عزّ وجل وحزبه على معنى قول الأصمعي إن العترة الريح، قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الله: الريح جند الله الأكبر في حديث مشهور عنه، والريح عذاب على قوم ورحمة للآخرين، وهم كذلك كالقرآن المقرون إليهم بقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي قال الله عزّ وجلّ:

(وَنُنَزِلُ مِنَ الْفُرْمَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82]، وقال عز وجل: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَنَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَفِرُونَ [التوبة: 124 - 125].

وهم أصحاب المشاهد المتفرقة على المعنى الذي ذهب إليه من قال إن العترة هو نبت مثل المرزنجوش ينبت متفرقاً وبركاتهم منبثة في المشرق والمغرب.

(وأسرته) أي رهطه وعشيرته (خير الأسر)، ويدل عليه ما في تفسير الإمام عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن الله عزّ وجل خياراً من كلّ ما خلقه: فله من


1) وهو المردقوش.

2) كمال الدين: 246، ومعاني الأخبار: 92.

البقاع خيار وله من الليالي والأيام خيار، وله من الشهور خيار، وله من عباده خيار، وله من خيارهم خيار.

فأما خياره من البقاع فمكة والمدينة وبيت المقدس، وإن صلاتاً في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى، يعني مكة وبيت المقدس، وأما خياره من الليالي فليالي الجمع وليلة النصف من شعبان وليلة القدر وليلة العيد، وأما خياره من الأيام فأيام الجمع والأعياد، وأما خياره من الشهور فرجب وشعبان وشهر رمضان، وأما خياره من عباده فولد آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخياره من ولد آدم من اختاره على علم منه، بهم، فإن الله عز وجل لما اختار خلقه اختار ولد آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم اختار من ولد آدم العرب، ثمّ اختار من العرب، مضر، ثم اختار من مضر، قريشاً، ثم اختار من قريش هاشماً، ثم اختارني من هاشم، وأهل بيتي كذلك، فمن أحب العرب فيحبني وأحبهم ومن أبغض العرب فيبغضني وأبغضهم»ونعم ما قيل:

الله فی عالمه صفوة *** و صفوةالخلق بنو هاشم

و صفوة الصفوةمن هاشم *** محمدالطهرابوالقاسم

ويشهد به أيضاً ما روي بطريق العامة عن عائشة عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال:”أتاني جبرئيل فقال: قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلاً أفضل من محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولم أر ابن أب أفضل من بني هاشم”.

وفي رواية ابن عمر أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال:”إن الله اختار خلقه فاختار منهم بني آدم، ثم اختار بني آدم فاختار منهم العرب، ثم اختار العرب فاختار منهم قريشاً، ثم اختار قريشاً فاختار منهم بني هاشم ثم اختار بني هاشم فاختارني منهم، فلم أزل خياراً من خيار ألا ألا من أحب العرب فيحبني أحبهم ومن أبغض العرب فيبغضني أبغضهم”(1).

(وشجرته خير الشجر) أي أصله خير الأصول، وأراد بها إنا هاشماً أو إسماعيل على سبيل الاستعارة، ويجوز أن يراد بها نفسه صلوات الله وسلامه عليه وآله على كون الإضافة بيانية.

ويدل عليه ما في”البحار»من معاني الأخبار بإسناده عن جابر قال: سألت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله عزّ وجلّ:

(كشجرَة طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حين) [إبراهيم: 24 – 25]


1) بحار الأنوار: 53/37، والمعجم الأوسط: 200/6.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما الشجرة فرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفروعها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وغصن الشجرة فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وثمرها أولادها عليهم السّلام، وورقها شيعتنا ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن المؤمن من شيعتنا ليموت فيسقط من الشجرة، ورقة وإن المولود من شيعتنا ليولد فتورق الشجرة ورقة.

وبمعناه أخبار كثيرة، وقد نظم بعض الشعراء مضمونها وقال:

يا حبذا دوحة في الخلد نابتة *** ما مثلها نبتت في الخلد من من شجرپ

المصطفى أصلها والفرع فاطمة *** ثمّ اللقاح علي سيد البشر

والهاشميان سبطاه لها ثمر *** والشيعة الورق الملتف بالثمر

هذا مقال رسول الله جاء به *** أهل الزواية في العالي من الخبر

وقيل: أراد بالشجرة إبراهيم الخليل وهو بعيد لمنافاته بظاهر قوله: (نبتت في حرم) لظهوره في مكة إلا أن يراد به حرم العز والمنعة، (وبسقت في كرم) أي طالت وارتفعت في العز والكرامة، (لها فروع طوال) إن كان المراد بالشجرة إبراهيم أو إسماعيل، فالمراد بالفروع الأنبياء من ذريتها، وإن كان المراد بها هاشم أو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الله فأراد بها الأئمة عليهم السّلام ووصفها بالطول إشارة إلى بلوغها في الشرف والكمال منتهى النهاية (وثمرة لا تنال) كنى بها عن علوم الأنبياء والأئمة أو مكارم أخلاقهم ومحاسن مآثرهم، وبعدم نيلها عن شرفها وغموض أسرارها يعني أنها لشرفها وعلوها لا يمكن الوصول إليها، أو أنها لغموضها ودقتها لا تصل الأذهان إليها.

(فهو إمام من اتقى وبصيرة من اهتدى) يعني أنه صلوات الله عليه وآله قدوة المتقين وتبصرة المهتدين لهم فيه اسوة حسنة وهو (سراج لمع ضؤه وشهاب سطع نوره وزند برق لمعه) شبهه (عَلَيهِ السَّلَامُ) له بالسراج والشهاب والزند في كونه سبب هداية الخلق كما أن هذه الثلاثة كذلك، ورشح التشبيه الأول بلمعان الضوء، والثاني بارتفاع النور، والثالث ببروق اللمع، ويحتمل أن يكون وجه الشبه في الثالث إثارة أنوار الهداية.

(سيرته القصد) والاعتدال (وسنته الرشد) والصواب، (وكلامه الفصل) بين الحق والباطل (وحكمه العدل) خال عن الحرف والميل، (أرسله على حين فترة من الرّسل) أي: على حين سكون وانقطاع من الرّسل وقد تقدم توضيح ذلك في شرح الخطبة الثامنة والثمانين فتذكر (وهفوة من العمل)، أي زلة منه وغباوة من الأمم أي غفلة منها، وذلك لأن خلو الزمان من الرسول موجب لكثرة الزلات وتزايد الغفلات وفرط الجهالات، فتخصيص إرساله بذلك

الزمان وتلك الحال إشارة إلى كمال تلك النعمة وعظمة هذه الموهبة حيث هداهم بوجوده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الضلالة وأنقذهم بمكانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الجهالة هذا.

ولما فرغ من شرح حال الرّسالة عقبه بالذكرى والموعظة فقال: (اعملوا رحمكم الله على أعلام بينة) أي: اعملوا الصالحات على ما دلّت عليها الأعلام البينات والمنار الواضحات الظاهرات، وكنّى بها عن أئمة الدين ومصابيح اليقين فإنهم علامات الهدى في غياهب الدّجى (فالطريق) أي طريق الشريعة (نهج) واضح (يدعو) ويؤدي (إلى دار السلام وأنتم في دار مستعنب) أي: يمكنكم فيها استعتاب الخالق سبحانه واسترضاؤه بصالح الأعمال وإصلاح الحال لأنكم (على مهل وفراغ) أي: على إمهال وإنظار وفراغ من عوائق الموت.

(و) الحال أن (الصحف) أي صحائف أعمالكم (منشورة) لم تطو بعد (والأقلام) أي: أقلام كرام الكاتبين (جارية) لم تجف (والأبدان صحيحة) وسالمة من الأمراض المانعة من القيام لوظائف العبودية (والألسن مطلقه) من الخرس والاعتقال (والتوبة مسموعة والأعمال مقبولة) لأنكم في دار التكليف يمكنكم فيها تدارك ما فات والورود على ما هو آت، وأما بعد طي الصحف وجف الأقلام واعتقال اللسان وخروج الأرواح من الأبدان، فلا يمكنكم الاستزادة من صالح العمل ولا الاستعتاب من سيء الزلل كما قال تعالى:

(فيومئذ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبونَ ﴾ [الروم: 57].

الترجمة

از جمله خطبه های شریفه آن جناب ولایت مآب است که می فرماید:

پس بلند است معبود به حق آن معبودی که نمیرسد به او همّتهای بعیده و درک نمی نماید او را ادراك ذكاوتها اوّلی که هیچ غایتی نیست او را پس نهایت برسد و آخری ندارد او را تا اینکه منقضی شود.

بعضی از این خطبه در صفت انبیا است می فرماید:

پس امانت نهاد خداوند متعال ایشان را در افضل محل امانتها که عبارت است از صلبهای پدران و برقرار فرمود ایشان را در بهترین مقرها که عبارت است از رحمهای مادران نقل نمود آنها را از صلبهای کریمه پدرها به رحم های پاکیزه، مادرها هرگاه گذشت از ایشان، سلفی ایستاد به ترویج دین خدا از ایشان خلفی تا اینکه منجر شد کرامت حق سبحانه و تعالی که عبارت است از منصب نبوّت به محمّد بن عبدالله صلوات الله سلامه عليه و آله پس بیرون آورد

آن بزرگوار را از بهترین معدنها از حیثیت روییدن و عزیزترین اصلها از حیثیت نشاندن از درختی که شکافته و بیرون آورده از آن پیغمبران خود را و برگزیده از آن امینان خود را.

عترت آن حضرت بهترین عترتها است و قبیله آن حضرت بهترین قبیله ها است و درخت آن حضرت بهترین درختها است در حالتی که روییده است آن درخت در حرم محترم و بلند شده در مجد و کرم مر آن درخت را است شاخه های بلند و میوههایی که دست نمی رسد به آن.

پس آن حضرت پیشوای کسی است که متصف است به صفت تقوی و بینایی کسی است که متصف است به صفت، اهتدا چراغی است که درخشان است روشنایی او و ستاره ای است که ظاهر است نور او و آتش زنه ای است که برق میدهد لمعان، او روش آن حضرت میانه روی است و طریقه او رشادت است و کلام او جدا کننده است میان حق و باطل و حکم او عدل است.

فرستاد حق تعالی او را در حین فتور و انقطاع از پیغمبران و زمان لغزش عاملان از عمل و وقوع غفلت از امت، ها عمل نمایید خدا رحمت کند بر شما، طبق آنچه که دلالت نموده بر آن علامات ظاهر آن علامات، ظاهره پس طریق حق واضح و روشن است که دعوت مینماید و می خواند به دار سلامت که عبارت است از جنت و حال آنکه شما در سرایی هستید که ممکن است شما را ترضیه پروردگار و بر مهلت و فراغت میباشد در حالتی که نامهای اعمال نشر کرده شده و پیچیده نیست و قلمهای کرام الکاتبین روان است و بدن ها صحيح است و زبانها روان است و گویان و توبه شنوده شده است و عملها مقبول، است پس فرصت را غنیمت شمارید و وقت را از دست مگذارید.

من خطبة له وهي الرابعة والتسعون من المختار في باب الخطب

اشارة

بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلال في حَيْرَةِ، وخابِطُونَ في فِتْنَةٍ، قَدِ استَهوتَهُمُ الأَهْواءُ، وَاسْتَزَلْتُهُمْ الكبرياء، وَاسْتَخَفْتَهُمُ الْجاهِلِيَّةُ الجِهْلاءُ، حيارى في زلزال مِنَ الأَمْرِ، وبَلاءِ مِنَ الْجَهْلِ، فَبَالَغَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ في النَّصيحة، ومضى عَلى الطَّريقَةِ، ودَعى إلى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ(1).

اللغة

(خابطون) بالخاء المعجمة والباء الموحدة بعدها الطاء من الخبط وهو السير على غير هدى وفي بعض النسخ حاطبون بالحاء المهملة بعدها الطاء جمع حاطب وهو الذي يجمع الحطب، و (حيارى) بفتح الحاء وضمها جمع حاير من حار يحار حيراً وحيرة وحيراناً نظر إلى الشيء فغشي عليه ولم يهتد لسبيله فهو حيران وحائر وهم حيارى.

الإعراب

الواو في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): والناس حالية، (وفي حيرة) خبر بعد خبر أو متعلّق بضلال ووصف الجاهلية بالجهلاء للتوكيد من قبيل ليل أليل ووتد واتد وداهية دهياً وقوله: (حيارى) حال من مفعول استخفتهم، وقوله في (زلزال من الأمر) حال مؤكدة من فاعل حياري على حد قوله: فتبسم ضاحكاً.

المعنى

أعلم أن المقصود بهذا الفصل تقرير فضيلة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والتنبيه على فوائد، بعثته وقد مضى بعض القول في ذلك المعنى في شرح الفصل السادس عشر من فصول الخطبة الأولى، وفي شرح الفصل الأوّل من فصول الخطبة السادسة والعشرين ونقول هنا: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(بعثه والناس ضلال في حيرة) أراد به أنه تعالى بعثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هو حال كون الناس ضالين عن طريق الحق في حيرة من أمر الدين (وخابطون في فتنة) أي: كانت حركاتهم على غير نظام وكانوا في فتنة وضلال، وأما على رواية حاطبون فهو استعارة والمراد أنهم جامعون في


1) بحار الأنوار: 18/219ح51 ومكاتب الرسول: 1/190.

ضلالهم وفتنتهم بين الغث والسمين مأخوذاً من قولهم في المثل: فلان حاطب ليل أي يجمع بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وأصله أن الحاطب كذلك يجمع في حبله ما لا يبصر.

(قد استهوتهم الأهواء) أي جذبتهم الأهواء الباطلة والآراء العاطلة إلى مهاوي الهلاك أو إلى أنفسها، (واستزلتهم الكبرياء) أي: قادهم التكبر والتجبر إلى الخطأ والخطل والهفوة والزلل (واستخفتهم الجاهلية الجهلاء) أي جعلتهم حالة الجاهلية إخفاء العقول سفهاء الحلوم حال كونهم (حبارى) أي حائرين تائهين مغمورين (في زلزال) واضطراب (من الأمر) لا يهتدون إلى وجوه مصالحهم (وبلاء من الجهل) أي: ابتلاء بالقتل والغارات ناشئاً من جهالتهم لعواقب الأمورات، فبالغ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في النصيحة) للأمة (ومضى على الطريقة) المستقيمة (ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة) أي: دعا إلى سبيل الله بهما امتثالاً لأمر الله سبحانه وهو قوله:

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ يمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].

قال الطبرسي: أي أدع إلى دينه لأنه السبيل إلى مرضاته بالحكمة أي بالقرآن، وسمّى القرآن حكمة لأنه يتضمن الأمر بالحسن والنهي عن القبيح، وأصل الحكمة المنع ومنه حكمة اللجام، وإنما قيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لا ينبغي أن يختار، وقيل: إنّ الحكمة هي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد، لأن بمعرفة ذلك يقع المنع من الفساد والاستعمال للصدق والصواب في الأفعال والأقوال.

والموعظة الحسنة معناه الوعظ الحسن وهو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع وقيل: إن الحكمة هي النبوّة والموعظة الحسنة مواعظ القرآن.

وجادلهم بالتي هي أحسن أي ناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من الحجج وتقديره بالكلمة التي هي أحسن والمعنى اقتل المشركين واصرفهم عماً هم عليه من الشرك بالرفق والسكينة ولين الجانب في النصيحة ليكونوا أقرب إلى الإجابة، فإن الجدل هو قتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج، وقيل: هو أن يجادلهم على قدر ما يحتملونه كما جاء في الحديث: لأمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم النّاس على قدر عقولهم”(1).


1) مجمع البيان: 6/211.

الترجمة

از جمله خطب شریفه در ذکر وصف خاتم نبوّت و بیان منافع بعثت می فرماید که:

خداوند عزّوجل مبعوث و برانگیخته فرمود حضرت خاتم الانبياء محمد مصطفى ( (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) را و حال آنکه مردمان گمراه بودند در تحیر و سرگردانی و خبط کننده در فتنه و بلا به تحقیق که از راه برده بود ایشان را خواهشات نفسانیه و لغزانیده بود ایشان را غرور و نخوت شیطانیه و سبك گردانیده بود ایشان را نادانی و جاهلیت در حالتی که حیران، بودند در اضطراب بودند از کار خود و در ابتلا بودند از جهالت پس مبالغه فرمود حضرت خاتم الانبیاء، عليه سلام الرّب الاعلی در نصیحت و گذشت بر طریقه حضرت عزّت که عبارت است از جاده شریعت و دعوت فرمود مردمان را به حکمت که برهان وافی است و به موعظه که بیان شافی است؛ ولنعم ما قيل:

از ظلمات ضلال راه که بردی برون

گر نشدی نور او شمع ره رهروان

ومن أخرى وهي الخامسة والتسعون من المختار في باب الخطب

اشارة:

أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الأَوَّلِ فَلا شَيْءٍ قَبْلَهُ وَالآخِرِ فَلا شَيْءَ بَعْدَهُ، وَالظَّاهِرِ فَلا شَيْءٍ فَوْقَهُ، وَالْباطِنِ فَلا شَيْءَ دُونَهُ.

منها في ذكر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٌ، ومَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ، في مَعادِنِ الكَرَامَةِ، وَمَمَاهِدِ السَّلامَةِ، قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الأبرار، وتُنيَتْ إِلَيْه أَزِمَّةُ الأَبْصارِ، دَفَنَ اللهُ بِهِ الضَّعَايِنَ وأَطْفَاً بِهِ النَّوائِرَ، أَلَّفَ به إخواناً وفَرْقَ بِه أَقْراناً، أَعَزُّ بِهِ الذِّلَّةَ، وأَذَلُّ بِهِ الْعِزَّة، كَلامُهُ بَيان، وصُمْتُهُ لِسانٌ”(1).

اللغة

(المهد) والمهاد الفراش وموضع تهيأ للصبي وجمع الأوّل مهود كفلس وفلوس وجمع الثاني مهد ككتاب وكتب وأما المماهد فلم يضبط فيما رأيته من كتب اللغة، قال الشارح البحراني: جمع ممهد والميم، زائدة وقال الشارح المعتزلي: المهاد الفراش ولما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معادن وهي جمع معدن قال بحكم القرينة والازدواج ومماهد، وإن لم يكن الواحد منها ممهداً كما قالوا الغدايا والعشايا ومأجورات ومأزورات ونحو ذلك (وثنيت) الشيء ثنياً من باب رمي إذا عطفته ورددته، و (الضغاين) جمع الضغينة وهي الحقد، و (النوائر) جمع الناثرة وهي العداوةوالمخاصمة

الإعراب

قوله: (في معادن الكرامة) خبر بعد خبر ويجوز كونه صفة أو حالاً من الخبر لكونه نكرة غير محضة وجملة قد صرفت في محل النصب على الحال، (وقد) للتحقيق.

المعنى

صدر هذه الخطبة الشريفة مسوق للثناء على الواجب تعالى باعتبار نعوت العظمة والجلال، وصفات العزة والكمال، وذيلها بمدح الرسول والإشارة إلى فوائد البعثة فقال: (الحمد لله الأول فلا شيء قبله والآخر فلا شيء بعده)، وقد مر معنى الأول والآخر في شرح


1) بحار الأنوار: 16/380 ح 92، ومكاتب الرسول: 1/ 190.

الخطبة الرابعة والستين وفي شرح الفصل الأول من فصول الخطبة التسعين بما لا مزيد عليه، (والظاهر فلا شيء فوقه والباطن فلا شيء دونه) وقد مرّ معنى الظاهر والباطن في شرح الخطبة الرابعة والستين أيضاً.

وأقول هنا: يحتمل أن يكون المراد بالظاهر والباطن كونه تعالى ظاهراً بآياته وآثار قدرته فلا شيء فوقه من حيث الظهور والجلاء، بل هو أجلى الأشياء وأظهرها، أجلى الأشياء، وأظهرها وباطناً من حيث ذاته وحقيقته فلا شيء دونه من حيث البطون والخفاء، وقد أوضحناه في شرح قوله: كل ظاهر غيره غير باطن من الخطبة التي أشرنا إليها، وأن يكون المراد بالظاهر الغالب القاهر على كل شيء فكلّ شيء مقهور دون قدرته ذليل تحت عزّته، وبالباطن العالم بما بطن من خفيات الأمور فلا شيء دونه أي أقرب منه سبحانه إليه، هذا.

قال السيد (ره) منها أي: بعض فصول تلك الخطبة (في ذكر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) وبيان شرفه ومناقبه الجميلة وهو قوله: (مستقره خير مستقر ومنبته أشرف منبت) يمكن أن يكون المراد بالمستقر والمنبت الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، وأن يكون المراد بالأول مكة وبالثاني الطيبة (في معادن الكرامة) أي: الرسالة أو ما هو أعم من هذه، (ومماهد السلامة) أي: المهد المتصفة بالسلامة من الأدناس والأرجاس، والبراءة من العيوب الظاهرة والباطنة (قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار) أي: صرف الله سبحانه أفئدتهم إليه (وثنيت إليه أزمة الأبصار) أي: عطفت إليه أزمة مطايا البصائر والقلوب، وهذا كله كناية من التفات الخلق إليه وتلقيهم له بقلوبهم ومحبة الأبرار له (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإجابة لدعوة إبراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قال:

(ربنا إني أسكنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبِّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلوةَ فَأَجْمَل أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ ﴾ [إبراهيم: 37].

أي أسكنت بعض ولدي وهو إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن ولد منه، وعن العياشي عن الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)

»نحن هم ونحن بقية تلك الذرية”، وفي”المجمع»عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) علي أنه قال”نحن بقية تلك العترة»

وقال”كانت دعوة إبراهيم لنا خاصة”(1).

وقوله: فاجعل أفئدة من الناس أراد بعضهم وهو المؤمنون الأبرار كما أشير في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصرح به الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في”رواية العياشي»قال:”أما أنه لم يعن الناس كلهم أنتم أولئك ونظراؤكم إنما مثلكم في النّاس مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو مثل الشعرة السوداء في الثور الأبيض، ينبغي للناس أن يحجوا هذا البيت ويعظموه لتعظيم الله إياه، وأن تلقونا حيث كنا نحن الأدلاء على الله”(2).


1) بحار الأنوار: 12/89، وتفسير مجمع البيان: 6/84.

2) التفسير الصافي: 3/89، وبحار الأنوار: 65/86ح9.

وفي”الصافي عن الكافي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى: تهوى إليهم ولم يعن البيت فيقول إليه فنحن والله دعوة إبراهيم.

وعن الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):”والأفئدة من الناس تهوى إلينا، وذلك دعوة إبراهيم حيث قال أفئدة من الناس تهوى إليهم”.

وروى علي بن إبراهيم عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه تعالى عنى بقوله: وارزقهم من الثمرات، ثمرات القلوب أي أحبهم إلى النّاس ليأتوا(1)إليهم (دفن به الضغائن وأطفأ به النوائر) أي: ( أخفى بوجوده الشريف الأحقاد العربية بعد أن كانت ظاهرة علانية وأطفأ به نوائر العداوات وخصومات الجاهلية بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة، (و ألف) به على الإسلام (إخواناً) كما كان بين أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسلمان، (وفرق به) على الشرك (أقراناً) كما كان بين حمزة وأبي لهب (أعزّ به الذلة وأذل به العزة):أي: أعز به ذلّة الإسلام وأذل به عزّة الكفر، فقد رفع الإسلام سلمان، فارس، وقد وضع الكفر أبا لهب (كلامه بيان) للأحكام (وصمته لسان) الحدود الحلال والحرام، أراد أن سكوته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الا الله و كان كالتكلّم والبيان في الاشتمال على الفائدة فإن سكوت المعصوم في مقام التقرير حجّة كقوله وأيضاً ربما كان يسكت عن بعض المطالب إفهاماً للناس عدم جواز خوضهم فيها.


1) بحار الأنوار: 74/27، والتفسير الصافي: 91/3.

الترجمة

از جمله خطبه های دیگر آن حضرت است:

حمد و ثنا خداوند را سزا است که اوّل است، پس نیست هیچ چیز پیش از او و آخر است، پس نیست هیچ چیز بعد از او و ظاهری است پس نیست هیچ چیز بالاتر از او در ظهور و جلا و باطنی است پس نیست هیچ چیز نزديك تر از او به اشياء.

و بعض دیگر از این خطبه در ذکر رسالت مآب ( (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) است:

محل استقرار او بهترین محل استقرارها است و مکان روییدن او شریف ترین روییدنها، است ثابت است در معدنهای بزرگواری و کرامت و مواضع امنیت و سلامت در حالتی که گردانیده شده به طرف او قلبهای نیکوکاران و میل داده شده به سوی او مهارهای بصیرتهای، مؤمنان دفن کرد و بر طرف فرمود بهوجود شریف او کینههای دیرینه را و خاموش نمود و زایل فرمود به سبب ذات او آتش های عداوت در سینههای پرکینه و الفت داد به واسطه او میان برادران از اهل ایمان و پراکنده ساخت به جهت او اقران را از، مشرکان عزیز گردانید به او ذلّت اسلام را و ذلیل گردانید به او عزّت کفر را کلام او بیان شرایع و احکام است و سكوت او زبانی است حدود حلال و حرام را از جهت اینکه تقریر معصوم مثل فعل او و قول او حجت و سند شرعی است.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو السادس والتسعون من المختار في باب الخطب

اشارة:

وَلَئنْ أَمْهَلَ الله الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخَذُهُ، وَهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلى مَجاز طَريقِه، وبِمَوْضِعِ الشجى مِنْ مَساغِ ريقه، أما وَالَّذي نَفسي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلَيْكُمْ، لَيْسَ لأَنَّهُمْ أَوْلى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ لإسْراعِهِمْ إلى باطِل صاحِبِهِمْ، وإنطائِكُمْ عَنْ حَفّي، وَلَقَدْ أَصْبَحَتِ الأُمَمُ يَخافُ ظُلْمُ رُعاتِها، وأَصْبَحْتُ أخافُ ظُلَمَ رَعِيَّتِي إِسْتَنْفَرْتُكُمْ للجهادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، ودَعَوْتُكُمْ سِراً وجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، ونَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، أَشُهُودٌ كَغُيَابٍ، وعَبيدٌ كَأَرْباب، أَتْلُو عَلَيْكُمُ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْها، وأَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ البالِغةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وأَحْتُكُمْ على جهادِ أَهْل الْبَغْيِ فَما أتى عَلَى آخِرُ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَّادِي سَبا، تَرْجِعُونَ إلى مَجالِسِكُمْ وَتَتَخادَعُونَ عَنْ مَواعِظِكُمْ أَقُومُكُمْ عُدْوَةً، وتَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ، عَجَزَ المُقَرُمُ، وأَعْضَلَ الْمُقَومُ.

أَيُّهَا الشَّاهِدَةُ أَبْدانُهُمْ الْعَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْواؤهُمْ المُبْتَلَى بِهِمْ أَمَراؤهُمْ،، صاحِبُكُمْ يُطيعُ الله وأَنتُمْ تَعْصَوْنَهُ، وصاحِبُ أَهْل الشام يَعْصِي الله وَهُمْ يُطِيعُونَهُ، لَوَدَدْتُ والله إِنَّ مُعاوِيَةَ صارفني بِكُمْ صَرْفَ الدِّينارِ بِالدِّرْهَم فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ، يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنيتُ مِنْكُمْ بِثَلاث وإِثْنَتَيْن: صُمَّ ذَورُ أَسْماع، وبُكُمْ ذُورُ كَلام، وعُمْيٌ ذَوُو أَبْصارِ، لا أخرارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللقاء، ولا إخوانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلاءِ، تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ، يَا أَشْبَاءَ الإِبِلِ غابَ عَنْها رُعاتُها، كُلَّما جُمِعَتْ مِنْ جانبِ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ وَاللهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فيما أَخالُ أَنَّ لَوْ حَمِس الوغى، وحَميَ الضُرابُ، قَدِ انْفَرَجَتُمْ عَنْ ابن أبي طالب انْفِراجَ الْمَرأةِ عَنْ قُبُلِها، وإنّي لَعَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، ومِنْهَاجِ مِنْ نَبِيِّي، وإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْواضِحِ أَلْقُطْهُ لَقْطاً. أَنْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ، فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدَى، وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ في رَدَى، فَإِنَّ لَبُدُوا فَالْبُدُوا، وإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا، وَلا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتُهْلِكُوا لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحابَ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَما أرى أحَداً مِنْكُمْ يُشْبِهُهُمْ، لَقَدْ كانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً، قَذ باتُوا سُجَّداً وقياماً، يُراوِحُونَ بَينَ جِباهِهِمْ وحُدُودِهِمْ، ويَقِفُونَ عَلي مِثلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعادِهِمْ، كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبُ المِعْزى مِنْ طُول سُجُودِهِمْ، إِذا ذُكِرَ الله هَمَلَتْ أَعْيُتُهُمْ حَتَّى تَبلَّ جُيُوبُهُمْ، ومادُوا كَما يَميدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ العقاب، وزجاء للثّوابِ(1).


1) نهج السعادة: 638/2، وبحار الأنوار: 307/66 - 29.

اللغة

(رصد) فلاناً من باب نصر رقبه كترصده والمرصاد الطريق والمكان يرصد فيه العدو و (الشجي) ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره وموضع الشجى هو الحلق نفسه، و (المساغ) اسم مكان من ساغ الشراب سوغا سهل مدخله قال الشاعر:

وساغ لي الشراب وكنت قبلا *** أكاد أغص بالماء الفرات

ويقال أيضاً سغت الشراب أسوغه أي أوصلته إلى المعدة باللزوم والتعدية، و (ظهر) عليه غلب و (الرعاة) كالرعاء بالهمز جمع الراعي وهو كلّ من ولي أمر قوم والقوم رعيته، و الاستنفار) الاستنصار أو طلب التفور والإسراع إلى الجهاد و (تنفرون) منها من نفرت الدابة نفوراً من بابي نصر وضرب شرد و (أيادي سبا) مثل يضرب للمتفرقين وأصله قوله تعالى عن أهل سبا ومزقناهم كلّ ممزق وسبأ بالهمزة وزن جبل يصرف ولا يصرف وهو بلدة بلقيس ولقب ابن يشحب بن يعرب بن قحطان اسمه عبد شمس، و (الأيادي) جمع الأيدي وهو جمع اليد، قال الرّضى وهو كناية عن الأبناء والأسرة لأنّهم في التقوى والبطش بهم بمنزلة الأيدي، ويقال ذهبوا أيدي سبا وأيادي سبا الياء ساكنة، وكذلك الألف هكذا نقل المثل أي ذهبوا متفرّقين وهما اسمان جعلا اسماً واحداً مثل معدى كرب ضرب المثل بهم لأنهم لما غرق مكانهم وذهبت جناتهم تبددوا في البلاد.

روى الطبرسي في تفسير سورة سبأ في قصة تفرّق أولاد سبأ عن الكلبي عن أبي صالح قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء وكانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها وما حولها فأصابتهم الحمى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما، الحمى فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون وهو مفرّق بيننا قالوا فماذا تأمرين؟ قالت من كان منكم ذا هم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد وكانت أزد عمان(1)، ثم قالت: من كان منكم ذا جلد وقسر وصبر على أزمات الدّهر فعليه بالأراك من بطن مر(2)، وكانت خزاعة، ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل، وكانت الأوس والخزرج ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير والملك والتأمير وملابس التاج والحرير فليلحق ببصري وعوير وهما من أرض الشام وكان الذين سكنوها آل خفية بن غسان. ثم قالت من كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز.


1) وكانت ازد عمان أي كانت القبيلة الملحقة لقصر عمان.

2) »نمر»في نسخة.

الأرزاق والدّم المهراق، فليلحق بأرض العراق وكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة وآل محرق.

(وتتخادعون) قال في”القاموس”: تخادع فلان أرى أنه مخدوع وليس به انتهى ولا يجوز إرادة هذا المعنى في المقام بل الأظهر أنه من قولهم سوق خادعة مختلفة متلونة، وخلق خادع متلوّن أي تختلفون وتتلونون في قبول الوعظ، ولكنه يبعده لفظة عن اللّهم إلا أن يضمن معنى الإعراض فافهم، ويأت له معنى آخر إن شاء الله

و (الحنية) وزن غنية القوس والجمع حنى وحنايا، و (المقوّم) الأوّل على زنة الفاعل، والثاني على زنة المفعول، و (تربت) أيديكم كلمة يدعا بها على الإنسان قال في”القاموس: ترب كثير ترابه وصار في يده التراب ولزق بالتراب وخسر وافتقر ترباً ومترباً ويداه لا أصاب خيراً، وعن النّهاية هذه الكلمة جارية على ألسن العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر بها، كما يقولون قاتل الله وقيل: معناه الله درّك، قال: وكثيراً يرد للعرب ألفاظ ظاهرها الذم وإنما يريدون بها المدح كقولهم لا أب لك ولا أم لك ولا أرض لك ونحو ذلك.

و (خال) الشيء يخاله أي ظنه وتقول خلت أخال بكسر الهمزة وبالفتح لغة بني أسد، كما في أكثر النسخ و (حمس) كفرح اشتد و (حمی) کرضی اشتد حره، و (ألقطه لقطاً) في ( أكثر النسخ بالقاف المثناة والطاء المهملة من الالتقاط وفي بعضها الفظه لفظاً بالفاء والظاء المعجمة أي أبينه بياناً، و (البد) الشيء بالأرض من باب نصر التصق بها و (الجمر) جمع جمرة وهي النار الموقدة، و ركب المعزى جمع الرّكبة بالضم فيهما و (هملت) عينه هملاً من باب نصر وضرب فاضت.

الإعراب

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فلن يفوت أخذه برفع أخذه) على الفاعلية والمفعول محذوف، أي لن يفوته، اخذه، وقوله: ( على مجازطريقه) بدل من قوله بالمرصاد وقوله: (ليظهرنّ) منصوب بأن مضمرة في محل رفع على الابتداء وجملة (ليس لأنهم) مرفوعة المحل على الخبر، وجملة المبتدأ والخبر جواب القسم، ويحتمل أن يكون جملة ( ليظهرنّ) فقط جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة (ليس لأنهم) استئنافاً.بيانياً.

وقوله: (أشهود كغياب) استفهام تقريري أو توبيخي وفي بعض النسخ بلا همز وعليه فهو خبر محذوف المبدأ، (وأيادي سبا) منتصب على إقامته مقام المصدر، أي متفرقين تفرق أيادي سبا، ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة بتقدير المضاف أي مثل أيادي سبا، وقوله: (أنها

الشاهدة) برفع الشاهدة صفة محذوف الموصوف وجملة (كلما جمعت) بدل بعض من جملة غاب عنها على حد قوله سبحانه.

(وَاتَّقُوا الَّذِى أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَرٍ وَبَنِينَ ﴾ [الشعراء: 132 - 133].

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذه الخطبة الشريفة ذم أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتوبيخهم على تثاقلهم من جهاد معاوية وأصحابه لعنهم الله، وصدّر الكلام بالتهديد والتعريض لأهل الشام أو لأصحابه، كما سيأتي من نسبة الظلم إليهم فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ولئن أمهل الله الظالم) ومتعه في دار الدنيا (فلن يفوته أخذه) وعقوبته كما قال تعالى:

(ولَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ [آل عمران: 178].

قال أبو القاسم البلخي معناه: ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم رضا بأفعالهم وقبول لها بل هو شر لهم لأنا نملي لهم وهم يزدادون إثماً يستحقون به العذاب الأليم، فالمقصود أنه سبحانه وإن أمهل الظالم وهو مغمور في ظلمه مستبشر بجوره ولكنه مدركه لا محالة وآخذه بالنكال العظيم والعذاب الأليم.

(وهو له بالمرصاد) وعليه طريق العباد فلا يفوته أحد وهو من ألفاظ الكتاب العزيز قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: 14]، قال الطبرسي والمعنى أنه لا يفوته شيء من أعمالهم لأنه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم كما لا يفوت من هو بالمرصاد، وروى عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال:”معناه إن ربك قادر على أن يجزى أهل المعاصي جزاؤهم”(1)، وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال:”المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمةعبد”(2)، وقال عطا يعني يجازي كلّ أحد وينتصف من الظالم للمظلوم، انتهى.

أقول: ما رواه عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو المعنى الحقيقي للمرصاد، وما رواه عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيان للمراد عن كونه سبحانه على المرصاد ومحصله أنه تعالى أجل وأعلى من أن يكون في المكان لأن ذلك من صفات الإمكان فلا بد من حمل كونه بالمرصاد على التوسع والمجاز وإرادة عدم إمكان الهرب والفوت منه، كما لا يمكن الفوت ممن هو بالرصد والترقب، وهذا هو المراد أيضاً بقوله (على مجاز طريقه) ونظيره قوله: (وبموضع الشجى من مساغ ريقه) أراد أنه سبحانه يكاد أن يغضه بشجيء عقوباته ويشجوه بغصص نقماته بما هو عليه من رحب بلعومه وسوعه اللذائذ.


1) بحار الأنوار: 8/64، والتفسير الصافي: 5/325.

2) بحار الأنوار: 323/72 ح 54، والتفسير الصافي: 325/5.

ثم أردف (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك بالقسم البار بظهور أهل الشام عليهم وقال: (أما والذي نفسي بيده ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم) ونبه على دفع ما لعلهم يتوهمون من كون علة ظهورهم وغلبتهم كونهم على الحق وكون أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الباطل بقوله: (ليس لأنهم أولى بالحق منكم) وأنتم أولى بالباطل منهم.

وأشار إلى علة الظهور بقوله: (ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم وإبطائكم عن حقي) أراد بذلك أن ظهورهم عليكم ليس من جهة كونهم أهل حق وكونكم أهل باطل حتى يوجب ذلك تخاذلكم عن جهادهم، وإنما ظهورهم من أجل اتفاق كلمتهم واجتماعهم على طاعة إمامهم الباطل واختلاف آرائكم وتشتت أهوائكم في طاعة الإمام الحق، ومن المعلوم أن مدار الفتح والظفر والنصرة والغلبة في الحرب على الاتفاق والاجتماع بطاعة الجيش للرئيس الموجب لانتظام أمرهم لا على أحقية العقيدة وإلا لما ظهر أهل الشرك على أهل التوحيد أصلاً، والوجدان كثيراً ما يشهد بخلافه.

وأوضح (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المعنى بقوله: (ولقد أصبحت الأمم يخاف ظلم رعاتها وأصبحت أخاف ظلم رعيتي)وغرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك الحاق التقصير واللائمة في المغلوبية عليهم والإشارة إلى أن له الحجّة على الحق لا لهم عليه مع التنبيه على كونهم ظالمين في حقه عاصين له، فإنّ شان الرعية الخوف من الوالي وبه يستقيم له أمور الولاية وينتظم أمور الرعية، وأما إذا كان الأمر بالعكس فلا يكون له حينئذ في الرعية رأى نافذ ويختل الأمر ويطمع فيه وفي رعيته غيره كما هو معلوم بالوجدان ومشاهد بالعيان.

ومن كان خبيراً بأحواله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خلافته، وتأمل مجاري حالاته مع رعيته عرف صدق هذا الكلام وظهر له أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان كالمحجور عليه لا يتمكن من إظهار ما في نفسه، إذ العارفون بحاله والمخلصون له كانوا قليلين، وكان السواد الأعظم لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقاده فيه وكان يتعامل معهم بالتقية ويداري معهم بحسن التدبير والسلوك والاناة مع ما كان يشاهده (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم غير مرة من التمرد والعصيان كما أشار إليه بقوله: (استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا وأسمعتكم فلم تسمعوا ودعوتكم سراً وجهراً فلم تستجيبوا) دعوتي

(ونصحت لكم فلم تقبلوا) نصيحتي.

ثم شبههم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي بقوله: (أشهود كغياب) بالغائبين مع كونهم شاهدين، لأن ثمرة المشاهدة هو الاستفادة الاستفادة والانتفاع ومع عدمها فالشاهد والغائب سواء.

وكذلك شبههم بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وعبيد كأرباب) بالأرباب مع كونهم عبيداً، وهو إما من باب القلب ومبني على المبالغة أي أنتم أرباب من صناديد العرب ورؤسائها، ولكنكم كالعبيد في رزالة النفس ودناءة الهمة، أو المراد أنّكم عبيد ورعايا لي مفترض طاعتي عليكم، ولكنكم

تأبون عنها وتمردون عنها كالسادات وهذا أنسب بالفقرة السابقة، أو أن أخلاقكم أخلاق العبيد من الخلاف والنفاق ودناءة الأنفس والتواني والتخاذل، وأنتم مع ذلك تدعون الاستقلال وتتكبرون وتتغرّون وتستبدّون بالآراء كالأرباب والأحرار.

ثم أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى وجه تقصيرهم بقوله: ( أتلو عليكم (الحكم) الحسنة (فتنفرون منها وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي) أراد به أهل الشام (فما أتى على آخر قولي حتى أراكم متفرقين) مثل تفرّق (أيادي سبا ترجعون إلى) بيوتكم و (مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم) أي تتلوّنون وتختلفون معرضين عن قبول المواعظ، وقال الشارح المعتزلي: أي تمسكون عن الاتعاظ من قولهم كان فلان يعطي ثمّ خدع أي أمسك وأقلع، وقال الشارح البحراني: المخادعة هي لاستغفال عن المصلحة أي المصلحة أي أنهم إذا رجعوا من مجلس وعظه أخذ كلّ منهم يستغفل صاحبه عن تذكّر الموعظة ويشغله بغير ذلك من الأحاديث، وإن لم يكن عن قصد خداع بل تقع منهم صورة المخادعة.

(أقومكم غدوة) بإصلاح أخلاقكم وإرشادكم السداد والرشاد (وترجعون إلى عشية كظهر الحنية) أي معوّجين كظهر القوس منحرفين عن مكارم الأخلاق (عجز المقوم) أراد به نفسه الشريف (وأعضل المقوّم) أراد به قومه أي أشكل تقويمهم وأعياني داؤهم علاجاً.

ثم ناداهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر معايبهم تنفيراً لهم عنها فقال: (أيها) الفئة (الشاهدة أبدانهم الغائبة عنهم عقولهم) لعل المراد بغيبة العقول ذهابها أو عدم قيامهم بما تقتضيها والثاني أظهر، (المختلفة أهواؤهم المبتلى بهم أمراؤهم) أي ابتلى امراؤهم بسبب نفاقهم بسوء الحال وعدم انتظام الأمر (صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه) وهو إشارة إلى اتصافهم برذيلة مخالفة الأمر مع كون أميرهم مطيعاً الله سبحانه (صواحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه) وهو إشارة إلى اتصاف أهل الشام بفضيلة الطاعة مع كون أميرهم عاصياً له تعالى وجعل ذلك مقايسه بينهم ليظهر الفرق فتدركهم الغيرة.

ثم أردفه لتحقيرهم وتفضيل عدوهم عليهم في البأس والنجدة فقال: (لوددت والله إن معاوية) لعنه الله ( صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم) ولا يخفى ما في هذا الكلام من وجوه التحقير حيث جعل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أهل الشام بمنزلة الذهب وجعل أصحابه بمنزلة الفضة ورجح واحداً منهم على عشرة من أصحابه حيث ودّ مبادلتهم به وأكد ذلك بالقسم الباز واللام وإنّ.

ثم نبه على ما ابتلى به منهم فقال: (يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث واثنتين) أي ابتليت منكم بخمس خصال وإنّما لم يجمع الخمس لكون الثلاث من جنس والاثنتين من آخر أو لكون الثلاث إيجابية والاثنتين سلبية.

أمّا الثلاث الأول فهو أنّكم (صم ذوو أسماع وبكم ذوو كلام وعمى ذور أبصار) توصيفهم بها مع أضدادها وارد في مقام التعجب ومعرض التوبيخ حيث إن المقصود بخلق هذه الجوارح والآلات في الإنسان انتفاعه بها وصرفه لها في المصالح الدينية والدنيوية لينتظم بها أمر معاشه ومعاده، وإذا لم تنتفع بها كان واجدها وفاقدها، سواء، وأحرى أن يلحق بالبهائم والأنعام بل هو أضل سبيلاً.

وأما الإثنتان الباقيتان فنيه عليهما بقوله: (لا أحرار صدق عند اللقاء) أي لا يرى منكم عند الحرب ولقاء الأبطال ما يصدق حرّيتكم من البأس والنجدة والشجاعة، بل يشاهد منكم صفات العبد من التخاذل ودناءة الهمة وبقوله: ( ولا إخوان ثقة عند البلاء) أي لستم ممّن يوثق بأخوتكم عند الابتلاء بالنوازل (تربت أيديكم) دعا بعدم إصابة الخير (يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها كلّما جمعت من جانب تفرقت من آخر) شبههم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإبل الموصوفة وعقبه بذكر وجه الشبه وهو فقد الانتظام بفقدان الراعي الناظم، وأشار به إلى عصيانهم له وكونهم مطلقي العنان بمنزلة من لا أمير لهم.

(والله لكأني) أبصر (بكم فيما أخال) وأظنّ بظهور الإمارات والمخائل التي توجب الظن (أن لو حمس الوغا) وعظم الحرب (وحمى الضراب) واشتد حز الطعان (قد) تفرقتم و (انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها). قال الشارح المعتزلي: أي وقت الولادة وقال البحراني: شبه انفراجهم عنه بانفراج المرأة عن قبلها ليرجعوا إلى الأنفة وتسليم المرأة قبلها وانفراجها عنه إما وقت الولادة أو وقت الطعان (انتهى) وقيل: تسليم المرأة لقبلها وانفراجها عنه وقت الولادة أو وقت الطعان والتشبيه في العجز والدنائة والغرض إرجاع القوم إلى الأنفة والحمية وتنبيههم على الخطأ في تفرجهم وعدم انقيادهم له (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أقول: وجميع ما قالوه كما ترى مما ينفر عنه الذوق السّليم ويأباه الطبع المستقيم لا سيما التأويل بوقت الطعان أقبح سماجة، ولعلّ الأظهر أن يجعل الانفراج عن القبل كناية عن الانفراج عن الولادة أو مجازاً مرسلاً بعلاقة كون القبل محل الولادة، ويكون المراد بالتشبيه الإشارة إلى شدّة محبّتهم في الانفراج ومنتهى رغبتهم في التفرق عنه، فإن المرأة في حال المخاض على غاية الشدة والاضطراب لا شيء أحب إليها من الطلق والانفراج، فإذا طلقت استراحت ورجعت إليها نفسها وسكن، وجعها والغرض بذلك توبيخهم ولومهم وتشبيه حالتهم عند حضور الجهاد واشتعال نائرة الحرب بحالة المرأة بحالة المرأة التي أخذها المخاض ووجع الولادة، وحسن هذا المعنى مما لا يخفى على أولي الأذهان السليمة والأفهام المستقيمة، هذا.

ويحتمل بعيداً أن يكون أصل الرواية عن قبلها بفتحتين وإن كان النسخ لا يساعده، في”القاموس»والقبل محركة ضرب من الخرز بؤخذ بها، أو شيء من عاج مستدير يتلألأ يعلق في صدر المرأة.

ثم عاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذكر مناقبه الجميلة المحركة لهم إلى أتباعه ومتابعته فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وإني لعلي بيّنة (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحجّة واضحة (من ربي) وهي الآيات الباهرة والأدلة الزاهرة المفيدة لمعرفته وتوحيده سبحانه (ومنهاج) وجادة مستقيمة (من نبني) وهي السنة النبوية والطريقة المصطفوية على صاحبها أفضل الصلاة والسّلام والتحية، (وإني لعلى الطريق الواضح) وهو طريق الدين ونهج الشرح المبين (القطه) من بين الطرق الضلال (لقطاً) ولعل في التعبير بلفظ اللقطة إشارة إلى غلبة طرق الضلال وكثرتها وتنبيها على أن سالك طريق الهدى يحتاج إلى الجد والاجتهاد والاهتمام حتى يميزه من بينها ويلتقطه من ههنا وههنا، فإن سالك طريقة مكتنفة بالشوك والقتاد من جانبيها يحتاج إلى أن يلتقط المنهج التقاطاً.

ثم نبه على وجوب طاعته وملازمته فقال (انظروا أهل بيت نبيكم) أراد به نفسه الشريف والطيبين أولاده الأئمة الأحد عشر (فألزمو سمتهم) أي جهتهم وطريقتهم (واتبعوا أثرهم) من و علل وجوب الاقتداء والإئتمام بهم بقوله (فلن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى) أي ردى الجاهلية والضلال القديم، فإنّهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وفيه تعريض على أن متابعة غيرهم توجب الخروج من الهدى والعود إلى الزدى.

(أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَّا يَهِدِى إِلَّا أَن يُهْدَى [يونس: 35].

(فإن لبدوا فالبدوا) أي إن قعدوا عن طلب الخلافة أو الجهاد ولزموا البيوت فتابعوهم (وإن نهضوا فانهضوا) أي: إن قاموا بالخلافة فانصروهم (ولا تسبقوهم) فيما لم يأمروكم به ولا تفعلوا ذلك (فتضلوا) لأن متقدّم الذليل شأنه الضلال عن القصد (ولا تتأخروا عنهم) فيما يأمرونكم به ولا تخالفوهم (فتهلكوا) لأنّ المتخلف عن الهاد يتيه عن الرشاد فلا يدري إنه هلك في أي واد.

ثم تنبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بعض أوصاف الأصحاب الأنجاب للتهييج والالهاب فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ولقد رأيت أصحاب محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ)) وهم الذين أدركوا صحبته بالإيمان وماتوا بالإيمان (فما أرى أحداً منكم بشبههم) في الزهد والورع والخوف والخشية من الحق سبحانه (لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً) أي متغيري الشعر ومغبر الرؤوس من غير استحداد ولا تنظف من قشف العبادة وكثرة الرياضة (قد باتوا) وأحيوا لياليهم (سجداً وقياماً يراوحون بين جباههم وخدودهم) أي: يسجدون بالجبهة مرّة وبالخدود أخرى تذللاً وخضوعاً (ويقفون على مثل الجمر من ذكرمعادهم) كناية عن قلقهم واضطرابهم من خوف المعاد (كان بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم) وأراد ببين أعينهم جباههم مجازاً يعني أن جباههم من طول السجود وكثرة مس الأرض صارت كركب المعزى وثفنات البعير في الغلظة والخشونة (إذا ذكر الله هملت أعينهم) وسالت (حتى تبل جيوبهم)، وفي بعض النسخ جباههم بدل جيوبهم وبلها ممكن في حال السجود (ومادو كما يميد الشجر) أي اضطربوا مثل اضطراب الشجر (يوم الريح العاصف

خوفاً من العقاب ورجاء للثواب) يعني أن اضطرابهم تارة يكون من الخوف والوجل وأخرى من الرجاء والاشتياق وهذا هو شأن المؤمن المخلص الآخذ بين مرتبتي الخوف والرجاء والآمل من الله الحسنى إنّه الغفور الرحيم ذو المن العظيم.

تكملة

هذا الكلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يشبه أن يكون ملتقطاً من خطبة طويلة قدّمنا روايتها من كتاب احتجاج والإرشاد في شرح الخطبة التاسعة والعشرين وتقدم أيضاً بعض فقراتها في التنبيه الثاني من شرح الكلام السابع والثلاثين في ضمن رواية سليم ابن قيس الهلالي، فتذكر

الترجمة

از جمله کلام آن قدوه انام است، می فرماید:

و اگر مهلت بدهد خداوند ظالم را پس هرگز فوت نمی شود از او عقوبت او و حق تعالی مر ظالم را بر محل ترقب و نگهبانی است بر مکان گذشتن راه او و به موضع چیزهای گلوگیر است از جای فرو بردن آب دهان او آگاه باش، قسم به آن خدایی که نفس من در قبضه اقتدار او است هر آینه قالب شدن این قوم که عبارت باشند از اهل شام به شما نیست به جهت اینکه ایشان اقرب به حق اند از شما ولكن به جهت شتافتن ایشان است به سوی باطل صاحب خودشان و اهمال نمودن شما است از حق من و هر آینه به تحقیق که صباح کردند امّتها در حالتی که می ترسند از ستم والیان خودشان و صباح کردم من در حالتی که میترسم از جور رعیت خود.

طلب یاری کردم از شما به جهت جهاد، پس یاری نکردید و شنواندم شما را قول حق را پس گوش ندادید و خواندم شما را به حق در نهان و آشکار پس اجابت نکردید و نصیحت نمودم شما را پس قبول ننمودید. آیا شما حاضران هستید مثل غایبان و غلامان هستید مثل خواجه گان؟ تلاوت میکنم به شما حکمتهای حسنه را پس رم میکنید از آن موعظه میکنم شما را با موعظه، بالغه پس پراکنده میشوید از آن و ترغیب میکنم شما را بر جهاد اهل بغی و، ظلم پس نمی آید به من آخر گفتار خودم تا اینکه میبینم شما را متفرق میشوید.

مثل متفرق شدن اولاد سبا برمی گردید به مجالس خودتان و اختلاف می نمایید از مواعظ، خودتان راست میگردانم شما را در بامداد و بازمی گردید به سوی من در شبانگاه مانند پشت کمان کج، شده عاجز شد راست سازنده و مشکل شد راست شده.

ای جماعتی که حاضر است بدنهای ایشان و غایب است از ایشان عقلهای، ایشان مختلف است خواهشهای، ایشان مبتلا است به جهت ایشان امیران، ایشان صاحب شما اطاعت میکند خدای را و شما عصیان کند خدای را و شما عصیان مینمایید او را و صاحب اهل شام نافرمانی میکند حق را و ایشان اطاعت می نمایند او را هر آینه دوست میدارم قسم به، خدا اینکه معاویه صرافی کند با من شما را مثل صرافی دینار به، در هم پس بگیرد از من ده نفر از شما را و عوض دهد به من يك نفر از اهل شام را.

ای اهل، کوفه مبتلا شدم من از شما به سه خصلت و دو خصلت؛ اما سه خصلت این است که هستید کران صاحب گوش، ها گنگان صاحب، گفتار کوران صاحب چشمها؛ اما دو خصلت این است که نیستید آزادگان راست، در وقت ملاقات شجاعان و نه برادران محل وثوق و اطمینان هنگام ابتلائات، زمان، خاك آلود باد دستهای شما.

ای امثال شتران در حالتی که غایب باشد از ایشان شتربانان ایشان که هر وقت جمع کرده شوند از طرفی پراکنده شوند از طرف دیگر؛ قسم به خدا گوئیا می بینم شما را در آنچه ظن و خیال میکنم اینکه اگر شدت بیابد جنگ و سخت شود حرارت کارزار به تحقیق که منکشف شوید از پسر ابی طالب همچو منکشف شدن زن از زاییدن خود و به درستی که من بر حجت و بینه هستم از جانب پروردگار خود و بر جاده مستقیمه هستم از جانب پیغمبر خود و به درستی که من بر راه روشن می باشم که پیدا می کنم آن آن راه را پیدا کردنی.

نظر نمایید به سوی پیغمبر، خودتان پس لازم شوید به سمت ایشان و متابعت نمایید اثر ایشان را پس هرگز خارج نمیکنند ایشان شما را از هدایت و هرگز برنمی گردانند ایشان شما را به ضلالت و هلاکت پس اگر بازایستند از طلب امری باز ایستید شما و اگر بایستند به امری بایستید شما و پیشی نگیرید به

ایشان، پس گمراه شوید گمراه شوید و پس نیفتید از، ایشان، پس هلاك شويد.

و به تحقیق دیدم من اصحاب حضرت رسالت مآب ( (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) را، پس ندیدم هیچ یکی از شما را که شبیه ایشان، باشید به تحقیق که بودند ایشان صباح میکردند ژولیده مویی غبارآلوده سر به تحقیق که شب را به روز میآوردند در حالتی که سجده کنندگان و ایستادگان، بودند راحت مینمودند میان پیشانی و رخساره های خودشان را؛ یعنی گاهی به پیشانی سجده مینمودند و گاهی رویشان را به زمین مینهادند و می ایستادند مثل اخگر از یاد کردن قیامت و معاد، خودشان گوئیا که میان چشمان ایشان زانوهای بز است که پینه است از درازی سجده ایشان هرگاه ذکر شود خداوند سبحانه ریزان میگردید آب چشمهای ایشان تا آنکه تر می شد گریبانهای ایشان از اشك چشم و مضطرب شدند مثل مضطرب شدن و جنبیدن درخت در روز باد تند به سبب ترسیدن از عذاب و به سبب امیدواری در ثواب.

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو السابع والتسعون من المختار في باب الخطب

اشارة:

ويستفاد من كتاب الغارات أنه قاله بعد أمر الخوارج والنهروان ورواه في”البحار»عن المسيب بن نجبة الفزاري نحوه وسنشير إليه إن شاء الله.

»والله لا يَزالُونَ حَتَّى لا يَدَعُوا الله مَحْرَماً إِلا اسْتَحَلُوهُ، ولا عَقْداً إِلا حَلُوهُ، وحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ ونَبا بِه سُوءُ رَغِيهِمْ وحَتَّى يَقُومَ الباكِيان يبكيان:، باكِ يَبكي لِدِينِهِ، وباكِ يَبكي لُدُنياهُ، وحَتى يَكُونَ نُصْرَةُ أحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِم كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيْدِهِ: إِذا شَهِدَ أَطاعَهُ، وإذا غاب اتابَهُ، وحَتى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فيها عَناءَ أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنَّا، فَإِنْ أَتَاكُمُ الله بِعافِيَةِ فَاقْبَلُوا، وإِن ابْتَليتُمْ، فاصْبِرُوا، فَإِنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ”(1).

اللغة

(محرماً) في أكثر النسخ وزن مقعد بفتح الميم وتخفيف الراء وهو ما حرمه الله سبحانه والجمع محارم وعن بعضها محرّماً يضم الميم وتشديد الراء وجمعه محارم و محرمات، (ونیا) منزله به بتقديم النون على الباء إذا لم يوافقه، و (رعيهم) في أكثر النسخ بالياء المثناة التحتانية مصدر رعا يرعى بمعنى الحكومة والإمارة، وفي بعض النسخ بالتاء الفوقانية مصدر ورع يقال ورع يرع بالكسر فيهما ورعا ورعة وهو التقوى و (ابتليتم) بالبناء على المفعول.

الإعراب

خبر (زال) محذوف أي لا يزالون على الجور أو ظالمين، وإضافة نصرة أحدكم ونصرة العبد من إضافة المصدر إلى فاعله (وأعظمكم) بالنصب خبر كان قدم على إسمها وهو أحسنكم ويروى برفع الأول ونصب الثاني على العكس والأوّل أنسب.

المعنى

اعلم أن المقصود بهذا الكلام الإشارة إلى شدّة طغيان بني أمية وما يصيب المسلمين منهم من الجور والظلم والأذية، وصدر الكلام بالقسم البار تحقيقاً وتصديقاً فقال: (والله لا يزالون) ظالمين (حتى لا يدعو الله محرماً إلا استحلوه) أي عدوه حلالاً واستعملوه استعمال


1) بحار الأنوار: 545/31 48، ونهج السعادة: 582/2.

المحللات ولا يبالون به ويشهد بذلك ما صدر منهم من القتل وإتلاف النفوس التي لا تحصى، فإذا كان حالهم في أعظم الكبائر ذلك فكيف بغيرها.

(ولا) يتركوا (عقداً إلا حلوه) والمراد به إما العقد والعهود المعاهدة بينهم وبين الناس فالمراد بحلها نقضها، وأول ما وقع من ذلك ما كان من معاوية حيث نقض المعاهدة بينه وبين الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإما العهود المأخوذة عليهم من الله تعالى وهو أحكام الدين وقوانين الشرع المبين، فيكون حلّها عبارة عن مخالفتها وعدم العمل بها، (وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم) أراد ببيت المدر ما يعمل من الطين والجص ونحوه في القرى والبلدان، وببيت الوبر الخباء والخيم المتخذة من الشعر والصوف والوبر ونحوها في البوادي (ونبا به سوءرعيهم) أي ضره وخالفه سوء إمارتهم أو سوء تقواهم.

( وحتى يقوم الباكيان يبكيان باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه) لعلّ المراد بالباكي لدينه من لم يكن متمكناً من إظهار معالم الدين من القيام بوظائف شرع سيّد المرسلين، وبالباكي لدنياه من كان مصاباً بنهب الأموال ومبتلى بسوء الحال، وحتى يكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده إذا شهد أطاعه وإذا غاب اغتابه الظاهر أن المراد بالنصرة في المقامين هو الانتصار فيكون المجرد بمعنى المزيد وقد مرّ نظير هذه العبارة في الخطبة الثانية والتسعين وأوضحنا معناها هنالك.

قال الشارح المعتزلي: وقد حمل قوم هذا المصدر أي نصرة أحدكم على الإضافة إلى المفعول، وكذلك نصرة العبد وتقدير الكلام حتى يكون نصرة أحد هؤلاء الولاة لأحدكم كنصرة سيّد العبد السيء الطريقة إياه، ومن في الموضعين مضافة إلى محذوف تقديره من جانب أحدهم ومن جانب سيده.

قال الشارح: وهذا ضعيف لما فيه من الفصل بين العبد وبين قوله إذا شهد أطاعه، وهو لكلام الذي إذا استمر المعنى جعل حالاً من العبد لقوله من سيده(1).

:أقول: لعلّ مراد الشارح بما ذكره في وجه الضعف من استلزام الفصل هو اختلال نظام الكلام من حيث المعنى لا من حيث التركيب النحوى، فإن الاتساع في الظروف وشبهها مما هو معروف، والفصل بهما بين أجزاء الكلام بما لا يسوغ لغيرهما مشهور مأثور، نعم اختلال المعنى لا ريب فيه فإن محصل معنى الكلام على ما ذكره القوم حتى يكون منصورية أحدكم من جانب أحدهم كمنصورية العبد من جانب سيده وعلى ذلك فلا يلائمه قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إذا شهد) أطاعه (آه) فإن ظاهر هذا الكلام يعطي كونه بياناً لحالة نصرة العبد سيّده بمعنى ناصريته له، لا لحالة منصوريته منه فافهم.


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي: 97/7.

(وحتى يكون أعظمكم فيها) أي في هذه الفتنة المفهومة بسياق الكلام (عناء) وجهداً (أحسنكم بالله ظناً) لظهور أن حسن الظن بالله من صفات المؤمنين والأولياء الكاملين ومعلوم أن عداوتهم لهم تكون أشد وعناءهم وتعبهم منهم يكون أكثر وأكد، (فإن أتاكم الله بعافية) ونجاة من تلك البلية (فاقبلوها بقبول حسن) واشكروا له سبحانه (وإن ابتليتم) وأصبتم بمصيبة (فاصبروا) عليها وتحاملوا بها (فإنّ العاقبة للمتقين) والله لا يضيع أجر المحسنين.

تنبيه

أعلم أن المستفاد من كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي على ما حكى عنه في البحار أن هذا الكلام قاله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد واقعة النّهروان بعد ما رجع إلى الكوفة وأغار سفيان بن عوف العامري بأمر معاوية على الأنبار على ما تقدّم تفصيله في شرح الخطبة السابعة والعشرين.

قال صاحب”الغارات»بعد ما أورد شطراً من الآثار في غارة سفيان: وعن ثعلبة بن يزيد الحماني أنّه قال: بينما أنا في السوق إذ سمعت منادياً ينادي الصلاة جامعة، فجئت أهرول والناس يهرعون فدخلت الرحبة فإذا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على منبر من طين مجصص وهو غضبان قد بلغه أن أناساً قد أغاروا بالسواد، فسمعته يقول:”أما وربّ السّماء والأرض، ثمّ ربّ السماء والأرض إنّه لعهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إن الأمة ستغدر بي”.

وعن المسيب بن نجبة الفزاري أنّه قال: سمعت عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ل يقول:”إنّي قد خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم بطاعتهم إمامهم ومعصيتكم إمامكم، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم، وبصلاحهم في أرضهم وفسادكم في أرضكم وباجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم حتى تطول دولتهم وحتى لا يدعو الله محرماً إلا استحلوه حتى لا يبقى بيت وبر ولا بيت مدر إلا دخله جورهم وظلمهم حتى يقوم الباكيان باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه، وحتّى لا يكون منكم إلا نافعاً لهم أو غير ضارّ بهم، وحتى يكون نصرة أحدكم منهم كنصرة العبد من سيده إذا شهد أطاعه وإذا غاب سبّه، فإن أتاكم الله بالعافية فاقبلوا، وإن ابتلاكم فاصبروا، فإن العاقبة للمتقين”(1)، هذا(2).

وأقول: لا يخفى على الناقد الخبير بالأخبار والمطلع على الأثار أن ما أخبر به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأشار إليه في هذا الكلام من عموم جور بني أمية، وانتهاكهم المحارم واستحلالهم الدّماء وإضرارهم بالمسلمين وسعيهم في إطفاء نور ربّ العالمين، فقد وقع كله مطابقاً لما أخبر به.


1) نهج السعادة: 582/2، والمعجم الكبير: 102/3 ح 2801.

2) الغارات: 486/2.

فقد روى في البحار من كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبان عن سليم وعمر ابن أبي سلمة قالا: قدم معاوية لعنه الله حاجاً في خلافته المدينة بعد ما قتل أمير المؤمنين صلوات الله عليه وصالح الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي رواية أخرى بعد ما مات الح (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستقبله أهل المدينة فنظر فإذا الذي استقبله من قريش أكثر من الأنصار، فسأل عن ذلك فقيل: إنّهم محتاجون ليست لهم دواب.

فالتفت معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا معشر الأنصار ما لكم لا تستقبلوني مع إخوانكم من قريش.

فقال قيس وكان سيّد الأنصار وابن سيدهم: أقعدنا يا أمير المؤمنين إن لم يكن لنا دواب قال معاوية فأين النواضح، فقال قيس افنيناها يوم بدر واحد وما بعدهما في مشاهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين ضربناك وأباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون قال معاوية: اللهم غفرا(1).

قال قيس: أما إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال:”سترون بعدي أثرة”، ثم قال:”يا معاوية تعيّرنا بنواضحنا والله لقد لقيناكم عليها يوم بدر وأنتم جاهدون على إطفاء نور الله وأن تكون كلمة الشيطان هي العليا، ثم دخلت أنت وأبوك كرهاً في الإسلام الذي ضربناكم عليه”(2)، فقال معاوية: كأنك تمن علينا بنصرتكم إيانا فلله ولقريش بذلك المنّ والطول، ألستم تمنّون علينا يا معشر الأنصار بنصرتكم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو من قريش وهو ابن عمّنا ومنا؟ فلنا المنّ والطول أن جعلكم الله أنصارنا وأتباعنا فهداكم بنا.

وقال قيس: إن الله بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رحمة للعالمين، فبعثه إلى الناس كافة وإلى الجن والإنس والأسود والأحمر والأبيض، اختاره لنبوته واختصه برسالته فكان أوّل من صدقه وآمن به ابن عمّه عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبو طالب يذبّ عنه ويمنعه ويحول بين كفار قريش وبين أن يروعوه ويؤذوه، وأمر أن يبلغ رسالة ربه فلم يزل ممنوعاً من الضيم والأذى حتى مات عمه أبو طالب وأمر ابنه بموازرته فوازره ونصره وجعل نفسه دونه في كلّ شدة وضيق وكل خوف واختص الله بذلك عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بين قريش وأكرمه من بين جميع العرب والعجم، فجمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جميع بني عبد المطلب فيهم أبو طالب وأبو لهب وهم يومئذ أربعون رجلاً، فدعا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونادمه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حجر عمه أبي طالب فقال:”أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي، فأمسك القوم حتى أعادها ثلاثاً فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ):”أنا يا رسول الله”، فوضع رأسه في حجره وتفل في


1) أي اللهم اغفر لي غفراً واللهم افتتاح الكلام والخطاب لقيس أي اغفر ما وقع مني واستر معائبي، بحار.

2) بحار الأنوار 33 / 174، والغدير: 106/2.

فيه وقال:”اللهم املاً جوفه علماً وفهماً وحكماً”، ثم قال لأبي طالب:”يا أبا طالب اسمع الآن لابنك وأطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى “، وآخا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين نفسه.

فلم يدع قيس شيئاً من مناقبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا ذكرها واحتج بها، وقال: منهم جعفر ابن أبي طالب الطيار في الجنة بجناحين اختصه الله بذلك من بين النّاس ومنهم حمزة سيّد الشهداء، ومنهم فاطمة سيّدة نساء أهل الجنة، فإذا وضعت من قريش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأهل بيته وعترته الطيبين فنحن والله خير منكم يا معشر قريش وأحبّ إلى الله ورسوله وإلى أهل بيته منكم، لقد قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و فاجتمعت الأنصار إلى أبي ثم قالوا نبايع سعداً فجاءت قريش فخاصمونا بحجة علي وأهل بيته وخاصمونا بحقه وقرابته فما يعدو قريش أن يكونوا ظلموا الأنصار وظلموا آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولعمري ما لأحد من الأنصار ولا لقريش ولا لأحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وولده من بعده.

فغضب معاوية وقال: يا بن سعد عمن أخذت هذا؟ وعمّن رويته؟ وعمن سمعته؟ أبوك أخبرك بذلك وعنه أخذته؟

فقال قيس: سمعته وأخذته ممن هو خير من أبي وأعظم عليّ حقاً من أبي، قال: من؟ قال: علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) العالم هذه الأمة وصديقها الذي أنزل الله فيه:

(كفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي رَبِّيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتب ﴾ [الرعد: 43] فلم يدع آية الْكِتَبِ نزلت في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا ذكرها.

قال معاوية: فإن صديقها أبو بكر وفاروقها عمر والذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام.

قال قيس: أحق هذه الأسماء وأولى بها الذي أنزل الله فيه:

(أفمن كان عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: 17].

والذي نصبه رسول الله بغدير خم فقال:”من كنت مولاه أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه”، وقال في غزوة تبوك”أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”.

وكان معاوية يومئذ بالمدينة فعند ذلك نادى مناديه وكتب بذلك نسخة إلى عُماله ألا برأت الذمة ممن روى حديثاً في مناقب علي وأهل بيته وقامت الخطبة في كل مكان على المنابر بلعن علي بن أبي طالب والبراءة منه والوقيعة في أهل بيته واللعنة لهم بما ليس فيهم (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثمّ إنّ معاوية لعنه الله مرّ بحلقة من قريش، فلما رأوه قاموا إليه غير عبد الله بن عباس،

فقال له: يا ابن عبّاس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة علي بقتالي إياكم يوم صفين، يا ابن عباس إن عمّي عثمان قتل مظلوماً، قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل قبله مظلوماً، قال: فتسلم الأمر إلى ولده وهذا ابنه قال: إن عمر قتله مشرك، قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ قال: قتله المسلمون قال فذلك أدحض لحجتك وأحلّ لدمه إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلا بحق.

قال: فإنّا كتبنا في الآفاق ننهي عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته فكف لسانك يا بن عبّاس وأربع على نفسك، قال: فتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا، قال: فتنهانا عن تأويله؟ قال نعم قال: فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟ قال نعم قال فأيّما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ قال: العمل به، قال: فكيف نعمل حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟

قال: يسأل ممّن يتأوّله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك قال: إنّما نزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط واليهود والنصارى والمجوس؟ قال: فقد عدلتني بهؤلاء؟ قال: لعمري ما أعدلك بهم إلا إذا نهيت الأمة أن يعبدوا الله بالقرآن وبما فيه من أمر أو نهي أو حلال أو حرام أو ناسخ أو منسوخ أو عام أو خاص أو محكم أو متشابه وإن لم تسأل الأمة عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا قال: فاقرأوا القرآن ولا ترووا شيئاً و مما أنزل الله فيكم ومما قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وارووا ما سوى ذلك.

قال: ابن عباس: قال الله تعالى في القرآن:

(يُرِيدُون أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَفِرُونَ) [التوبة: 32].

قال معاوية: يا ابن عباس اكفني عن نفسك وكفّ عنّي لسانك، وإن كنت لا بد فاعلاً فليكن سرّاً ولا يسمعه أحد علانية، ثم رجع إلى منزله فبعث إليه بخمسين ألف درهم، وفي رواية أخرى مائة ألف درهم.

ثم اشتد البلاء بالأمصار كلها على شيعة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة واستعمل عليها زياداً ضمها إليه مع البصرة وجمع له العراقين، وكان يتبع الشيعة وهو بهم، عالم، لأنه كان منهم قد عرفهم وسمع كلامهم أوّل شيء، فقتلهم تحت كل كوكب وتحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل منهم وصلبهم على جذوع النخل وسمل أعينهم وطردهم وشردهم حتى انتزحوا على العراق فلم يبق بها أحد منهم إلا مقتول أو مصلوب أو طريد أو هارب.

وكتب معاوية إلى عُمّاله وولاته في جميع الأرضين والأمصار ألا يجيز لأحد من شيعة علي ولا من أهل بيته ولا من أهل ولايته الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه شهادة.

وكتب إلى عُمّالِه: انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل بيته وأهل ولايته الذين يروون، فضله، ويتحدثون بمناقبه فأدنوا مجالسهم وأكرموهم وقربوهم وشرفوهم واكتبوا إلي بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه واسم أبيه وممن هو.

ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في عثمان الحديث، وبعث إليهم بالصلات والكساء وأكثر لهم القطائع من العرب والموالي فكثروا في كل مصر وتنافسوا في المنازل والضياع واتسعت عليهم الدنيا فلم يكن أحد يأتي عامل مصر من الأمصار ولا قرية، فيروي في عثمان منقبة أو يذكر له فضيلة إلا كتب اسمه وقرب وشفع فمكثوا بذلك ما شاء الله.

ثمّ كتب إلى عُماله أن الحديث قد كثر في عثمان وفشا في كل مصر ومن كل ناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوهم إلى الزواية في أبي بكر وعمر فإنّ فضلهما وسوابقهما أحبّ إليّ وأقرّ لعيني وأدحض لحجّة أهل هذا البيت وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله، فقرأ كل قاض وأمير من ولاية كتابه على النّاس، وأخذ الناس في الزوايات فيهم وفي مناقبهم.

ثم كتب كتب نسخة جمع فيها جميع ما روى فيهم من المناقب والفضائل، وأنفذهما إلى عماله وأمرهم بقراءتها على المنابر في كل كورة وفي كل مسجد، وأمرهم أن ينفذوا إلى معلمي الكتاتيب أن يعلموها صبيانهم حتى يرووها ويتعلموها كما يتعلمون القرآن حتى علموها بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيئة أنه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان ولا تجيزوا له شهادة.

ثم كتب كتاباً آخر من اتهمتموه ولم تقم عليه بيّنة فاقتلوه، فقتلوهم على التهم والظن والشبه تحت كل كوكب حتى لقد كان الرّجل يسقط بالكلمة فيضرب عنقه.

ولم يكن ذلك البلاء في بلد أشد ولا أكبر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى أن الرّجل من شيعة علي وممن بقي من أصحابه بالمدينة وغيرها ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، ثمّ يلقي عليه ستراً فيخاف من خادمه ومملوكه فلا يحدثه حتى يأخذ الأيمان المغلظة عليه ليكتمن عليه.

وجعل الأمر لا يزداد إلا شدة وكثر عندهم عدوّهم وأظهروا أحاديثهم الكاذبة في أصحابهم من الزور والبهتان، فينشأ الناس على ذلك ولا يتعلمون إلا منهم ومضى على ذلك قضاتهم وولاتهم وفقهاؤهم.

وكان أعظم الناس في ذلك بلاء وفتنة القرّاء المراؤون المتصنعون الذين يظهرون لهم الحزن والخشوع والنسك، ويكذبون ويعلمون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويدنوا لذلك، مجالسهم، ويصيبوا بذلك الأموال والقطائع والمنازل حتى صارت أحاديثهم تلك

ورواياتهم في أيدي من يحسب أنها حق وأنها صدق، فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها وأحبوا عليها وأبغضوا وصارت بأيدي الناس الذين لا يستحلون الكذب ويبغضون عليه أهله فقبلوها وهم يرون أنها حق ولو علموا أنها باطل لم يرووها ولم يتديّنوا بها، فصار الحق في ذلك الزمان، باطلاً والباطل، حقاً، والصدق كذباً، والكذب صدقاً.

وقد قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)”اليشملتكم فتنة يربو فيها الوليد وينشأ فيها الكبير يجري النّاس عليها ويتخذونها سنة، فإذا غيّر منها شيء قالوا أتى الناس منكراً غيرت السنة”.

فلما مات الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يزل البلاء والفتنة يعظمان ويشتدان فلم يبقى ولي الله إلا خائفاً على دمه، وفي رواية أخرى إلا خائفاً على دمه أنه مقتول وإلا طريداً وشريداً، ولم يبق عدو الله إلا مظهر الحجّة غير مستتر ببدعته وضلالته، الحديث(1).

ألا لعنة الله على القوم الظالمين وسيعلم الذين ظلموا آل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أي منقلب ينقلبون.


1) کتاب سليم بن قيس: 319 والاحتجاج: 392/1.

الترجمة

از جمله کلام بلاغت نظام آن امام انام است که اشاره فرموده در آن به اعمال قبیحه بنی امیه و گفته:

به خدا سوگند که همیشه باشند بنی امیه تا اینکه نگذارند مرخداوند عالم را حرامی مگر که حلال شمارند آن را و نه گرهی از گرههای دین مگر اینکه بگشایند آن را و تا اینکه باقی نماند خانه ای از کلوخ ساخته شده و نه خیمه ای از پشم برپا بوده مگر اینکه داخل شود در او ظلم آنها و متزلزل سازد آن را بدی حکومت و امارت ایشان تا آنکه برخیزد دو شخص گریه کننده که گریه کند؛ يك گريه کننده گریه کند از برای دین خود و گریه کننده دیگر گریه کند از برای دنیای خود و تا اینکه باشد انتقام کشیدن یکی از شما از یکی از ایشان مثل انتقام کشیدن بنده از مولای، خود به این وجه که اگر حاضر باشد نزد، مولایش اطاعت او را مینماید و هر گاه غایب باشد از او غیبت او میکند تا آنکه باشد بزرگترین شما از روی مشقت نیکوترین شما از روی گمان گمان و امیدواری به امیدواری به، خدا پس اگر عطا کند خداوند شما را سلامتی و عافیتی پس قبول نمایید و اگر مبتلا شوید به بلایی پس صبر، نمایید پس به درستی که عاقبت کار پرهیزکاران را است.

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي الثامنة والتسعون من المختار في باب الخطب

اشارة

»نَحْمَدُهُ عَلى ما كانَ، ونَسْتَعينُهُ مِنْ أَمْرِنا عَلى ما يَكُونُ، ونَسْألُه الْمُعافاة في الأديان، كَما نَسْأَلُهُ الْمُعافاة في الأَبْدانِ”.

عِبادَ اللهِ أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهذِهِ الدُّنْيا التّارِكَةِ لَكُمْ وإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَها، وَالْمُبْلِيَةِ لأَجْسامِكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَها، فَإِنَّما مَثَلُكُمْ ومَثَلُها كُسَفْر سَلَكُوا سَبِيلاً فكأَنهُمْ قَدْ قطَعُوهُ، وأُمُوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوه، وكُمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَها، وما عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لا يَعْدُوهُ، وطالِبٌ حَثِيثُ يَحْدُوهُ في الدُّنْيا حَتى يُفارِقَها، فَلا تَنافَسُوا في عِزّ الدُّنْيا وفَخْرِها، وَلا تَعْجَبُوا بِزينَتِها ونعيمها، ولا تَجْزَعُوا مِنْ ضرَآئِها، ويُؤْسِها، فَإِنَّ عِزّها وفَحْرَها إِلَى انْقِطاع، وإِنَّ زينَتَها ونَعيمها إلى زوالٍ، وضَرّاءها ويُؤْسَها إلى نَفَادِ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فيها إلى انْتِهاءِ، وَكُلُّ حَيٍّ فيها إلى فَناءِ، أَوَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الأَوَّلِينَ مُزْدَجِرٌ، وفي آبائكُمُ الماضينَ تَبْصِرَةً ومُعْتَبَرُ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ! أَوَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُونَ، وَإِلى الخَلَفِ الباقينَ لا يَبْقُونَ! أَوَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيا يُمْسُونَ ويُصْبِحُونَ على أخوالٍ شَتّى فَمَيِّتٌ يُنكى وآخَرُ يُعَزَّى وصَرِيعٌ مُبْتَلى وعائدٌ يَعُودُ، وَآخَرُ بِنَفْسِه يَجُودُ،

: وطالبٌ لِلدُّنيا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وغافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وعَلى أَثَرِ الماضي ما يُمْضي الباقي ! أَلا فَاذْكُرُوا هادِمَ اللَّذَاتِ، ومُنَغْصَ الشهوات، وقاطِعَ الاِمْنِياتِ عِنْدَ المُساوَرَةِ لِلأَعمالِ القَبيحةِ، واسْتَعينُوا الله على أداء واجب حَقَّه، وما لا يُخصى مِنْ أَعْدادِ نِعمه وإِحْسانِه”(1).

اللغة

(عافاه) الله من المكروه معافاة وعافية وهب الله له العافية من العلل والبلاء كإعفاء والعافية دفاع الله عن العبد، و (رفضت) الدنيا رفضاً من باب نصر وضرب تركتها و (سفر) بسكون العين جمع سافر كركب وراكب وصحب وصاحب، و (جرى) الفرس جرياً وأجريته أنا أرسلته وحملته على السير، و (حثثت) الإنسان على الشيء حقاً من باب قتل حرضته عليه وذهب حثيثاً أي مسرعاً، و (حدوت) بالإبل حثثتها على السير بالحداء وزن غراب وهو الغناء لها وحدوته على كذا بعثته عليه و (الضريع) من الأغصان ما تهدل وسقط إلى الأرض ومنه قيل للقتيل صريع، وفي بعض النسخ ضريع بالضاد المعجمة من ضرع ضرعاً وزن شرف، ضعف وأضرعته الحمى أو هنته و (المساورة) المواثبة.


1) شرح نهج البلاغة: 817، ونهج السعادة: 501/1 ح 11.

الإعراب

قوله: (وكم عسى المجرى)، أما لفظة (كم) استفهامية للتحقير بمعنى أي مدة، (وعسى) فعل من أفعال المقاربة مفيد للرجاء والطمع والمرفوع بعده في مثل عسى زيد أن يخرج اسمه وأن مع الفعل في محلّ النصب على الخبر، أي رجا زيد الخروج وقال الكوفيون: إن مع الفعل في محل رفع بدلاً ممّا قبله بدل الاشتمال كقوله تعالى:

(ولا ينهكم اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ) [الممتحنة: 8] إلى قوله: (أن تبروهم).

أي لا ينهيكم الله عن أن تبروهم وعلى هذا فمعنى عسى زيد أن يخرج يتوقع ويرجا خروج، زيد، والأشهر الأوّل هذا.

وقد يقع أن الفعل فاعلاً له مستغناً به عن الخبر لكونه حينئذ تاماً بمعنى قرب تقول عسی أن يخرج زيد أي قرب خروجه.

وقال الرّضي: (إنّ) من ذهب إلى أن مع الفعل في عسى زيد أن يخرج خبر عسى، جاز أن يقول في عسى أن يخرج زيد أن (أن يخرج) خبر أيضاً وهو من باب التنازع يعني يجوز في المثال جعل زيد اسماً لعسى وأن مع الفعل خبراً مقدماً له في محلّ النصب فيضمر في الفعل ضمير عائد إلى زيد كما يجوز جعل زيد فاعلاً للفعل وجعل عسى مسنداً إلى أن والفعل مستغنى بهما عن الخبر.

إذا عرفت ذلك فأقول: إن لفظة عسى في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله كم عسى ناقصة والمجرى اسمها وأن يجري إليها، خبرها، وفي قوله وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه تامة وقعت بعد ما النافية، وأن يكون في محل الرفع على الفاعل ويكون تامة أيضاً بمعنى،يوجد، والواو في قوله وطالب آه للحال والضمير في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (يجدوه عائد) إلى (من) الموصولة (والفاء) في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فلا تنافسوا فصيحة) والهمزة في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (أوليس لكم) استفهام على سبيل السلام الإنكار الإبطالي، ويحتمل جعلها تقريراً بما بعد النفي كما ذهب إليه الزمخشري في قوله تعالى:

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ ﴾ [البقرة: 106].

ومثلها الهمزة في قوله: (أولستم ترون) (آه)، وما في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ما يمضي الباقي) مصدرية أو زائدة.

المعنى

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة مسوقة للوصية بالتقوى والأمر برفض الدنيا والتنغير عنها

بذكر معايبها ومثالبها، وافتتح الكلام بحمد الملك المتعال واستعانة الرّب ذي الجلال لأن ذكره سبحانه مفتاح للمطالب، ووسيلة إلى المآرب فقال:

(نحمده على ما كان ونستعينه من أمرنا على ما يكون) تخصيص الحمد بما كان والاستعانة بما يكون من حیث إن الثناء على من نعمة موقوف ومترتب على وقوعها فيما مضى، وطلب العون على أمر لا يتصور إلا فيما يأتي وما هو بصدد أن يفعله.

(ونسأله المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان)، فإن الأديان لها سقم وشفاء كما للأبدان، ومرض الأولى أشد وأكد وتأثيره أكثر وأزيد، ولذلك قدم طلب العافية لها، لأن مرض الأبدان عبارة عن انحراف المزاج الحيواني عن حد الاعتدال، ونقصانه يقع على الأعضاء والجوارح الظاهرة، ومرض الأديان عبارة عن ميل القلب عن الصراط المستقيم والمنهج القويم، وتأثيره يقع على القلب وضرره يعود إلى القوة القدسية ونعم ما قيل:

وإذا مرضت من الذنوب فداوها *** بالذكر إنّ الذكر خير دواء

والسقم في الأبدان ليس بضائر *** والسقم في الأديان شرّ بلاء

(عباد الله أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم، وإن لم تحبوا تركها) أمر برفض الدنيا وتركها ونفّر عنها بالتنبيه على أنها تاركة لكم لا محالة مفارقة إياكم وإن كانت محبوبة عندكم عزيزاً عليكم، فراقها، فإن طبعها التلطف في الاستدراج أولاً والتوصل إلى الإهلاك آخراً، وهي هي كامرأة تتزين للخطاب حتى إذا نكحوها ذبحتهم، فمن كان ذا بصيرة لا يعقد قلبه على محبة محبوبة كذلك، ولا يخاطب امرأة شأنها ذلك.

وقد روى أن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول لأصحابه:”يا بني آدم اهربوا من الدنيا إلى الله وأخرجوا قلوبكم عنها فإنكم لا تصلحون لها ولا تصلح لكم ولا تبقون لها ولا تبقى لكم، هي الخداعة الفجاعة المغرور من اغتر بها، والمفتون من اطمأن إليها، الهالك من أحبها وأرادها(1).

وروى أن عیسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء(2)عليها من كلّ زينة فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها كم تزوّجت؟ قالت: لا أحصيهم، قال فكلهم مات عنك أم كلّهم طلقك؟ قالت بل كلّهم قتلت، فقال عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، وكيف تهلكينهم واحداً بعد واحد ولا يكونون منك على حذر.

ثم نبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عيب لها آخر بقوله: ( والمبلية لأجسادكم وإن كنتم تحبون تجديدها)


1) الأمالي: 650 ح،884، وبحار الأنوار: 388/14 - 13.

2) أي الساقطة أسنانها أو المنكسرة ثناياها من أصولها.

وهذا الوصف أيضاً منفّر عنها، لأن تجديد الأجساد والأبدان إذا كان محبوباً للإنسان وكانت الدنيا حائلة بينه وبين محبوبه مانعة له عن نيله ووصوله بسهام الأسقام ونشاشيب الأمراض والأوصاب، فمن شأنها أن تبغض وترفض وتجتنب ولا تحب.

قال بعض الحكماء: الأيَّام سهام والناس أغراض والدهر يرميك كل يوم بسهامه، ويخترمك بلياليه وأيامه، حتى يستغرق جميع أجزائك، فكيف بقاء لسلامتك مع وقوع الأيام بك، وسرعة الليالي في بدنك لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كلّ يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعات بك، ولكن تدبير الله فوق تدبير الاعتبار.

ثم ضرب (عَلَيهِ السَّلَامُ) للدنيا مثلاً في قصر مدتها بقوله: (فإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلاً فكأنهم قد قطعوه، وأموا علماً فكأنهم قد بلغوه) جعل أهل الدنيا والكائنين فيها بمنزلة المسافرين جعلها بمنزلة سبيل يسلكه المسافر، وجعل سرعة سيرهم وانتقالهم فيها وقربهم من الموت الذي هو آخر منازلها بمنزلة قطع المسافر منازله، وبلوغ قاصد علم ومنار مقصده، يعني أنهم في حال كونهم غير قاطعين له كأنهم قاطعون له وفي حال كونهم غير بالغين له كأنهم بالغون له، لأنه لما قرب زمان إحدى الحالتين من زمان الحالة الأخرى شبهوا وهم في الحال الأولى بهم أنفسهم وهم على الحالة الثانية ولنعم ما قيل:

يا راقد الليل مسروراً بأوّلها *** إنّ الحوادث قد يطرقن أسحاراً

أفنى القرون التي كانت منعمة *** کرالجدیدین إقبالاً وإدباراً

كم قد أبادت صروف الدهر من ملك *** قد كان في الدهر تفاعاً وضراراً

يا من يعانق دنياً لا بقاء لها *** يمسی ويصبح في دنياه سفاراً

هلاً تركت من الدنيا معانقة *** حتّى تعانق في الفردوس أبكاراً

إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها ***/ فينبغي لك أن لا تأمن النارا

(وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها) يعني أي مدة يرجو ويطمع المرسل مركوبه إلى وصول غاية إرساله إليها حتى يصلها، والغرض منه تحقير ما يرجوه من مدة الجري وهي مدة الحياة أي لا تظنن لها طولاً ولا تغترن بتماديها فإنها عن قليل تنقضي وتنصرم، وفي هذا المعنى قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الديوان:

ألا إنّما الدنيا كمنزل راكب *** أناخ عشيّاً وهو في الصبح راحل

(وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه) يعني ما قرب وجود البقاء لمن له يوم لا يجاوزه، وهو تحقير لما يؤمل من مذة البقاء أي بقاء من له يوم ليس وراءه بقاء وهو يوم الموت ليس بشيء يعتد به (و) الحال أنه له (طالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها) لعله أراد بالطالب الحثيث الموت وكنى بحدائه له عن سوق أسباب الموت ومقدماته التي هي كر

الليالي ومرّ الأيام له إليه.

وإذا كانت الدنيا بهذه المثابة (فلا تنافسوا) أي لا تحاسدوا ولا تضنّوا (في عزّ الدنيا وفخرها ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها) نهى عن المنافسة فيها والإعجاب بها والجزع منها معللاً وجوب الانتهاء عن الأوّل بقوله: (فإن عزها وفخرها إلى انقطاع) وما كان منقطعاً لا يحرص عليه لبيب ولا ينافس فيه أريب، وعلل وجوب الانتهاء عن الثاني بقوله: (وزينتها ونعيمها إلى زوال) وما كان زائلاً لا يرغب إليه العاقل ولا يعجب به إلا جاهل وعن، الثالث بقوله: (وضراءها وبؤسها إلى نفاد) وما كان نافداً فانياً أحرى بأن يصبر عليه ولا يجزع منه، (وكل مدة فيها إلى انتهاء) سواء كانت مدة عز ومتعة أو زينة ونعمة أو منه ضر وشدّة، (وكل حي فيها إلى فناء) سواء كان ذي شرف ورفعة أو ذلّ ومحنة أو ابتهاج ولذة.

وكلّ شباب أو جديد إلى البلى *** وكلّ امرء يوماً إلى الله صائر

(أوليس لكم في آثار الأولين) من الإخوان والأقران والآلاف والأسلاف (مزدجر وفي آبائكم الماضين) الأقربين منهم والأبعدين (تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون) بلى في النظر إلى أدنى ما جرى عليهم تبصرة واعتبار، والفكر في أهون ما لاقوه تذكرة وانزجار عد إلى ذكر المنقول إلى الثرى والمدفوع إلى هول ما ترى:

هوى مصرعاً في لحده وتوزعت *** مواريه أرحامه والأواصر

وأنحوا على أمواله بخصومة(1)فما حامد منهم عليها وشاكر

فيا عامر الدّنيا ويا ساعياً لها *** ويا آمناً من أن تدور الدوائر

كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة (أولم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون) فما لهم يذهبون ولا يعودون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا (وإلى الخلق الباقين لا يبقون) بل يمضون إرسالاً ويحتذون مثالاً قال قس ابن ساعدة الأيادي:

في الأولين الذاهبين من القرون لنا بصائر *** ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر

لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر *** أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر

وقال زهير بن أبي سلمى:

ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى *** الأمر أو يبدو لهم ما بدا بدا ليا

بدی لی أن الناس تفنى نفوسهم *** وأموالهم ولا أرى الدهر فانياً


1) يخضمونها في نسخة.

وإني متى أهبط من الأرض تلعة ***(1)أجد أثراً قبلي جديداً وعافياً

أراني اني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى *** فشم إذا أمسيت أمسيت عادياً

لى حفرة(2)أهوى إليها مضمة *** يحث إليها سائق من وراثيا

كأنّي وقد خلفت سبعين حجّة ***(3)خلعت بها إن منكبي ردائياً

بدا لي أني لست مدرك ما مضى *** ولا سابق شيئاً إذا كان جائياً

وما أن أرى نفسي تقيها(4)عزيمتي *** وما أن تقي نفسي كرائم ماليا

ألا لا أرى على الحوادث باقياً *** ولا خالداً إلا الجبال الزواسيا

وإلا السماء والبلاد وربنا *** وأيامنا معدودة واللياليا

أراني إذا ما شئت لاقيت آية *** تذكّرني بعض الذي كنت ناسياً

ألم تر أنّ الله أهلك تبعاً *** وأهلك لقمان بن عاد وعادي(5)

وأهلك ذا القرنين من قبل مایری *** وفرعون جبّار معاً والنجاشيا

ألا لا أرى ذا أمّة أصبحت به *** فتتركه الأيام وهي كماهيا

ألم ترللمنعمان كان بنجوة *** (6)من الشر لو أن امرء كان ناجياً

فغیِّرعنه رشد عشرين حجّة *** من الدهر يوم واحد كان غادياً

فلم أر مسلوباً له مثل ملکه *** أقل صديقاً صافياً وموالياً

فأين الذي قد كان يعطي جياده ***(7)بإرسانهن والحسان الحواليا(8)

وأين الذين كان يعطيهم القرى *** بغلاتهن والمثين الغواليا(9)

وأين الذين يحضرون جفانه *** إذا قدمت القوا عليها المراسيا(10)


1) التلعة: اسم ما على من مسيل الوادي وما سفل.

2) الحفرة: القبر.

3) الحجة السنة.

4) تقيها تصونها.

5) عادياً هو أبو السمول كان له حصين يقال له الأبلق.

6) النجوة بالجيم الارتفاع لغة.

7) والفرس الجواد بين الجودة جمعه جياد.

8) والحوالي لعله جمه الحولى وهو ما أتى عليه حول من ذي يحافر وغيره منه.

9) الإبل الغالية الأثمان لغة.

10) وقدر راسية لا تبرح مكانها لعظمها.

رأيتهم لم يشركوا(1)بنفوسهم *** منيته لمّا رأوا أنهاهیا هذا ولما أرشد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الاتعاظ بأحوال السلف الماضين وبفناء الغابرين الباقين نبه على اختلاف حالات أهل الدنيا ليستدلّ به السامعون على عدم بقائها، ويستفيدوا به عبرة أخرى فقال: (أولستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى) وحالات مختلفة (ف) منهم (ميت يبكي) عليه ويشق الجيوب لديه ويخرج من سعة قصره إلى ضيق، قبره ويحثون بأيديهم عليه التراب ويكثرون عنده التلدد والانتحاب (وآخر يعزى) ويسلّى إذا يئس عن برء عليله أو جزم بموت خليله (وصريع مبتلي) بأنواع الأوجاع والأسقام وطوارق الأمراض والآلام (وعائد يعود) المريض عند المرض ويتحسّر عليه إذا شاهده على غصص الجرض (وآخر بنفسه يجود)إبلس عنه زواره وعواده وأسلمه أهله وأولاده وغضوا بأيديهم عينيه ومدوا إلى جنبيه يديه ورجليه وهو في سكرة ملهئة وغمرة كارثة وأنة موجعة وسوقة مكربة وجذبة متعبة.

(و) منهم (طالب للدنيا) ساع لها (والموت يطلبه) ويحثه حتى يدخله في حفرته (و) منهم (غافل) عمّا خلقه الله لأجله (وليس بمغفول عنه) بل الله عالم به ومجزيه بأعماله (وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي) قال سيد العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه المعنى:

إذا كان هذا نهج من كان قبلنا *** فإنا على آثارهم نتلاحق

فكن عالماً أن سوف تدرك من مضى *** ولو عصمتك الراسيات الشواهق

ثم أمرهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذكر الموت ووصفه بلوازمه المنفرة عنه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ألا فاذكروا هادم اللذات) الدنيوية (ومنغص الشهوات) النفسانية (وقاطع الأمنيات) والآمال الباطلة (عند المساورة) والمواثبة (للأعمال القبيحة) لترتدعوا بذكره عنها (واستعينوا الله) سبحانه واطلبوا منه التوفيق (على أداء واجب حقه) الذي أوجبه عليكم وهو الإتيان بالطاعات والقيام بوظائف العبادات (و) على أداء واجب (ما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه) الذي أنعمه عليكم وأحسنه إليكم وهو القيام بوظائف الحمد والثبات بمراسم الثناء.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض كلماته: أيها النّاس إنّ الله في كل نعمة حقاً، فمن أذاه زاده، ومن قصر عنه خاطر بزوال النعمة وتعجّل العقوبة فليراكم الله من النعمة وجلين كما يراكم من الذنوب فرقين.


1) لم يشركوا أي لن يواسوه بنفوسهم.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آنحضرت است که متضمن تنفیر از دنیا و از محبت آن غدّار بیوفا است، چنانچه فرموده:

حمد میکنیم خداوند را بر آنچه بوده است از نعمت ها و استعانت می نماییم از خدا از کارهای خود بر آنچه میباشد و سؤال میکنیم از او بذل عافیت را در بدنها همچنانکه سؤال میکنیم از او بذل عافیت را در دین ها.

ای بندگان خدا وصیت میکنم شما را به ترك نمودن این دنیایی که ترک نماینده است شما را و اگرچه دوست ندارید ترک نمودن او را و کهنه کننده است جسدهای شما را و اگرچه دوست دارید تازگی آنها را پس به درستی که مثل شما و مثل دنیا همچو مسافرانی است که روند به راهی پس گویا که ایشان قطع نموده باشند آن راه را و قصد نمایند نشانه و علامتی را پس گویا که ایشان رسیده باشند به آن مقصد و چقدر مدت را امید میگیرد شخصی که جاری کننده است مرکب خود را به سوی غایتی جاری نمودن آن را به سوی آن غایت تا برسد به آن و چه چیز امید گرفته میشود باقی ماندن کسی که او را است يك روزی که تجاوز نمی نماید از آن و حال آنکه او را است طلب کننده شتاباننده که میراند او را در دنیا تا اینکه مفارقت نماید از آن.

پس حسد و بخل نکنید بر یکدیگر در عزّت دنیا و فخر آن و خوشحال و دلشاد نشوید به زینت و نعمت آن و جزع ننمایید از دشواری و سختی آن از جهت اینکه عزّت و فخر آن منتهی میشود به انقطاع و نعمت و زینت آن منتهی میشود به زوال و فنا و دشواری و سختی آن منجر میشود به نیستی و نابودی و هر مدتی که در او است میکشد کشد به انتها و هر زنده که در او است باز میگردد به فنا.

آیا نیست مر شمارا در اثرهای پیشینیان و در پدران گذشتگان شما بینایی و عبرت اگر بوده باشید تعقل کننده؟ آیا نگاه نمیکنید به سوی گذشتگان از خودتان که بازنمی گردند و به سوی خلفهایی باقی ماندگان که باقی نمی مانند؟

آیا نیستید شما که میبینید اهل دنیا را که شام و صباح می نمایند بر حالت

های مختلفه؟ پس بعضی مرده است که بر او گریه می کنند و بعضی را و بعضی را سر سلامتی مي دهند و بعضی دیگر ضعیف است مبتلا به انواع مرضها و برخی عیادت کننده است بیمار را که می رود به عیادت و دیگری در حال جان دادن است و یکی طلب کننده است دنیا را و حال آنکه مرگ طلب میکند او را و یکی هست که بی خبر است از آخرت و حال آنکه غفلت نشده از او در هیچ حالت و بر اثر گذشته است گذشتن باقی مانده.

آگاه باشید، پس یاد آورید مرگ را که شکننده لذتها است و مکدر نماینده شهوتها و قطع کننده آرزوها است در هنگام جستن برای اعمال قبیحه و حرکات ناشایست و طلب یاری نمایید از خدا بر ادا کردن حق واجب او را و ادا کردن آن چیزی که شمرده نمی شود از شمارهای نعمتها و احسان بی پایان آن؛ والله اعلم بالصواب.

و من أخری وهی التاسعة والتسعون من المختار فی باب الخطب

اشارة

خطب بها فی الجمعة الثالثة من خلافته كما فی شرح المعتزلی:

»أَلْحَمْدُ اللهِ النَّاشِرِ فِی الْخَلْقِ فَضْلَهُ، وَالْباسِطِ فیهِمْ بِالْجُودِ یدَهُ، نَحْمَدُهُ فی جَمیع أُمُورِه، ونَسْتَعِینُهُ عَلی رِعَایةِ حُقُوقِه، ونَشْهَدُ أَنْ لا إله غَیرَهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُةٌ، أَرْسَلَهُ صادِعاً، وبذكره ناطقاً، فَأَدی أمیناً، ومضی رَشیداً، وَخَلَّفَ فینا رایةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَها مَرَقَّ، ومَنْ تَخَلَّفَ عَنْها زَهَقَ، ومَنْ لَزِمَها لَحِقِّ، دَلیلُها مَكیتُ الْكَلام، بَطیء الْقِیامِ، سَریع إذا قامَ، فَإِذا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقائِكُمْ، وأَشَرْتُمْ إِلَیهِ بِأَصابِعكُمْ، جاءهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِه فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ ما شاءَ اللَّهَ حَتَّی یطْلَع الله لَكُمْ مَنْ یجْمَعَكُمْ وَیضَمُّ نَشَرَكُمْ، فَلا تَطْمَعُوا فی غَیر مُقْبِلِ، وَلا تَیأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ، فَإِنَّ الْمَدْبِرَ عَسَی أَنْ تَزِلُّ إِحْدی قائِمَیتَهِ وتَثْبُتَ الأخری فَتَرْجِعا حَتَّی تَثْبِّنَا جَمیعاً، أَلا إِنْ مَثَلَ آلِ مَحمَّد (صَلَّی اللّه عَلَیهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)كَمَثَلِ نُجُومِ السَّماءِ، إِذا حَوی نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكامَلَتْ مِنَ الله فیكُمُ الصَّنائِعُ، وأَراكُمْ مَا كُنتُمْ تَأْمَلُونَ(1).

اللغة

(الرشد) إصابة الصواب وقیل الاستقامة علی طریق الحق مع تصلب فیه وبهما فسّر قوله سبحانه:وَلَقَدْ عَالَینَا إِبْرَاهِیمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ [الأنبیاء: 51]، (ومرق) السهم من الزمیة خرج عن المرمی و (زهق)الشیء: من باب منع بطل، وهلك و (المكیث) البطیء و (خوی) النجم مال للمغیب، و (الصنائع) جمع اصنیعة وهی الإحسان.

الإعراب

(فضله ویده) منصوبان علی المفعولیة، (وغیره) منصوب علی الوصف (وصادعاً وناطقا) حالان من مفعول أرسله ویحتمل كون الأول حالاً من أمره والثانی من ذكره علی نحو قوله:

(هذا كتبنا ینطق علیكُم بِالْحَقِّ) [الجاثیة:29].

(وأمیناً ورشیداً) منصوبان علی الحال أیضاً، وجملة (من تقدمها) فی محل النصب صفة للرایة ودلیلها بالرفع مبتدأ (ومكیث الكلام) خیره.


1) میزان الحكمة: 131/1، وعصر الظهور: 341.

المعنی

اعلم أن هذه الخطبة الشریفة من جملة الأخبار الغیبیة الأمیر المؤمنین (عَلَیهِ السَّلَامُ) أخبر فیها بما یكون بعده (عَلَیهِ السَّلَامُ) من أمر الأئمة (عَلَیهِ السَّلَامُ) ، وأعلم الناس بموته (عَلَیهِ السَّلَامُ) بعد اشتهار أمره واجتماع الخلق له، وافتتح بالحمد والثناء والشهادة بالتوحید والرسالة، وذكر وصف الرسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أولاً فقال (صَلَّی اللّه عَلَیهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

(الحمد لله الناشر) أی المفرق (فی الخلق فضله) وإحسانه (والباسط فیهم بالجود یده) أی نعمته من باب إطلاق اسم السیب علی المسبب أو بسط الید كنایة عن العطاء (نحمده) سبحانه (فی جمیع أموره) الصادرة عنه سواء كان من قبیل العطاء والنعمة أو البلاء والشدة. فإن كل ما صدر عنه سبحانه نعمة كان أو غیرها جمیل اختیاری یستحق به حمداً وثناء، ولازم حق العبودیة ومقتضی كمال المعرفة القیام بوظائف الحمد فی كل باب، والرضاء بالقضاء علی جمیع الأحوال.

ولا حاجة إلی ما تمحله الشارح البحرانی »ره» وتكلفه من أن الحمد بالشدائد اللاحقة باعتبار كونها من نعمه أیضاً فإنها إذا قوبلت بصبر جمیل استلزمت ثواباً جزیلاً كما قال تعالی: (وبشر الصبیرین) [البقرة: 155)، وظاهر أن أسباب النعم نعم.

(ونستعینه علی رعایة حقوقه) الواجبة والإتیان بها سواء كانت حقوقاً مالیة كالخمس والزكاة والحج ونحوها، أو غیر مالیة كسائر ما أوجبه علی عباده (ونشهد أن لا إله غیره وأن محمداً (صَلَّی اللّه عَلَیهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) (عبده ورسوله) ذكر الشهادتین فی هذه الخطبة كأكثر الخطب لما روی من أن كل خطبة لیس فیها تشهد فهی كالید الجدماء.

(أرسله) سبحانه (بأمره صادعاً) أی مظهراً مجاهراً امتثالاً لقوله سبحانه:

(فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: 94).

(وبذكره ناطقاً) الطاعة لما أمره بقوله:

فَذَكَرْ بِالْقُرْءَانِ مَن یخَافُ وَعِیدِ (ق: 45).)(فادی ما حمله (أمیناً) مؤتمناً، (ومضی) إلی الحق (رشیداً) صاباً، (وخلف فینا رایة الحق) المراد بها إما الثقلان المخلفان أعنی كتاب الله والعترة، أو الثقل الأكبر فقط. والاستعارة عنهما بالرایة باعتبار أنهما یهتدی بهما السالكون فی سبیل الله كما أن الرایة سبب الهدایة فی منازل الدنیا، (من تقدمها) ولم یعتد بها، (مرق) من الذین مروق السهم من الرمیة. ومن تخلف عنها ولم یتابعها، (زهق) وهلك فی الوادی الضلالة (ومن لزمها) ولم یفارق عنها (الحق) بالحق وأصاب الصواب فی كل باب.)

قال الشارح البحرانی: أشار برایة الحق إلی كتاب الله وسنته، وأشار بتقدمها والتخلف عنها إلی طرفی الإفراط والتفریط من فضیلة الاستقامة علیها أی أن من كان تحتها لاحقاً بها فهو علی حاق الوسط من الفضائل، و من تقدمها كان علی طرف الإفراط، وقد تعدی فی طلب الذین وأغلی فیه علی جهل منه كما فعلت الخوارج و من تخلف عنها كان علی طرف التفریط والتقصیر فهلك فی طرق الضلال والحیرة.(دلیلها أی دلیل تلك الرایة، وأراد به حاملها، أو الدلیل الذی یكون أمام الرایة ویتبعه حاملها فإن المسافرین والقوافل ربما یكون معهم رایة ودلیل، یتقدمهم الدلیل ویتبعه حامل الرایة ویكون سیرها معه ویتبعهما المسافرون ویسیرون بهما، والاحتمال الثانی أظهر، وعلی كل تقدیر فاستعار به عن نفسه الشریف سلام الله علیه وآله، ووجه الاستعارة علی الاحتمال الأول واضح، لأنه (عَلَیهِ السَّلَامُ) حامل الكتاب والعالم بما فیه، وأما علی الثانی فلعله باعتبار أن الكتاب لا یفارقه وهو لا یفارق الكتاب، كما یدل علیه أخبار الثقلین وأنه (عَلَیهِ السَّلَامُ) أمام الكتاب لكونه مفسراً له مظهراً عما فیه.)وقوله: (مكیث الكلام أی بطیئه یعنی أنه (عَلَیهِ السَّلَامُ) ذو تدبر وتثبت فی أقواله، فإن قلة الكلام من صفات المدح، وكثرته من صفات الذم، و من هنا قبل لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكر فإن كان له قال، وإن كان علیه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه فإن هم بالكلام تكلم به من غیر ترو سواء كان له أم علیه، ویأتی عنه (عَلَیهِ السَّلَامُ) نظیره فی أواخر الكتاب.)وقوله : (بطیء القیام إشارة إلی تأنیه فی الأمور فإن التؤدة من صفات العقل والتسرع من صفات الجهل.)روی فی (الوسائل عن الصدوق بإسناده عن أمیر المؤمنین (عَلَیهِ السَّلَامُ) فی وصیته لمحمد بن الحنیفة قال (عَلَیهِ السَّلَامُ):»من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ، و من تورط فی الأمور غیر ناظر فی العواقب فقد تعرض المقطعات النوائب، والتدبیر قبل العمل یؤمنك من الندم. والعاقل وعظه التجارب، وفی التجارب علم مستأنف، وفی تقلب الأحوال علم تجارب الرجال» (1).)وفیه من مجالس الشیخ بإسناده عن أبی قتادة القمی قال : قال أبو عبد الله (عَلَیهِ السَّلَامُ (لیس الحاقن رأی، ولا لملول صدیق، ولا لحود غنی، ولیس بحازم من لا ینظر فی العواقب والنظر فی العواقب تلقیح)للقلوب» (2.)


1) من لا یحضره الفقیه: 388/8 ووسائل الشیعة: 281/15 ح 20517.

2) وسائل الشیعة: 282/15،25021، وبحار الأنوار: 197/75.

و من محاسن البرقی مستنداً عن أبی حمزة الثمالی عن أبی جعفر (عَلَیهِ السَّلَامُ قال:»أتی رجل رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : علمنی یا رسول الله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): علیك بالیأس مما فی أیدی الناس فإنه الغنی الحاضر، قال: زدنی یا رسول الله قال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إیاك والطمع فإنه الفقر الحاضر، قال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): زدنی یا رسول الله ، قال : إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن یك خیراً ورشداً فاتبعه، وإن یك غیاً فاجتنبه»(1).)والأخبار فی هذا المعنی كثیرة، وفیه قال الشاعر:وكل أناة فی المواطن سؤدد *** ولا كأناة من قدیر محكموما الرأی إلا بعد طول تثبت *** ولا الحزم إلا بعد طول تلوموقوله (عَلَیهِ السَّلَامُ: (سریع إذا قام) یعنی أنه إذا ظهر له بعد التثبت والتروی وجه المصلحة فی القیام بأمربادر إلیه، وقام به سریعاً وانتهض الفرصة.)ثم أخذ (عَلَیهِ السَّلَامُ یذكرهم بموته بقوله : (فإذا أنتم النتم له رقابكم) وهو كنایة عن طاعتهم له وانقیادهم لأمره (وأشرتم إلیه بأصابعكم) وهو كنایة عن الإجلال، (جاءه الموت فذهب به).)قال الشارح المعتزلی: نقل أن أهل العراق لم یكونوا أشد اجتماعاً علیه من الشهر الذی قتل فیه، وجاء فی الأخبار أنه (عَلَیهِ السَّلَامُ عقد للحسن (عَلَیهِ السَّلَامُ) ابنه علی عشرة آلاف، ولأبی أیوب الأنصاری علی عشرة آلاف، ولفلان وفلان حتی اجتمع له مائة ألف سیف، وأخرج مقدمته أمامه یرید الشام فضربه اللعین ابن ملجم وكان من أمره ما كان وانقضت تلك الجموع وكانت كالغنم فقد راعیها (فلبثتم بعده ما شاء الله) عدم التعیین لمدة اللبث إشارة إلی طولها (حتی یطلع الله) ویظهر (لكم من یجمعكم ویضم نشركم) أی تفرقكم، وأشار (عَلَیهِ السَّلَامُ) به إلی الأمام المنتظر أعنی المهدی صاحب الزمان (عَلَیهِ السَّلَامُ)، وقیل : أشار به إلی قائم بنی العباس بعد انقضاء دولة بنی أمیة والأول أظهر.)(فلا تطمعوا فی غیر مقبل قال المجلسی (ره) : أی من لم یقبل علی طلب هذا الأمر ممن هو أهله فلا تطمعوا فیه، فإن ذلك لاختلال بعض شرائط الطلب كما كان شأن أكثر أثمننا ، وقیل: أراد بغیر المقبل من الحرف عن الدین بارتكاب منكر، فإنه لا یجوز الطمع فی أن یكون أمیراً لكم، وفی بعض النسخ فلا تطعنوا فی عین مقبل أی من أقبل علی هذا الأمر من أهل البیت فلا تدفعوه عما یرید.)(ولا تیأسوا من مدبر قال المجلسی (ره): أی من أدیر عن طلب الخلافة ممن هو أهل)


1) وسائل الشیعة: 282/15،20522، والكافی: 150/8 ح 130.

لها فلا تیأسوا من عوده وإقباله علی الطلب، فإن إدباره یكون فقد بعض الشروط كقلة الناصر (فإن المدیر عسی أن تزل إحدی قائمنیه وهو كنایة عن اختلال بعض الشروط و (تثبت الأخری) وهو كتابة عن وجود بعضها (فترجعا حتی تثبنا جمیعاً) وهو كتابة عن استكمال الشرائط، ولا ینافی النهی عن الإیاس النهی عن الطمع، لأن عدم الیاس هو التجویز، والطمع فوق التجویز، أو لأن النهی عن الطمع فی حال عدم الشروط والإعراض عن الطلب لذلك أیضاً، والنهی عن الإیاس الجواز حصول الشرائط هذا.)وقوله (عَلَیهِ السَّلَامُ: (ألا إن مثل آل محمد كمثل نجوم السماء) أراد به الأئمة الاثنی عشر سلام الله علیهم أجمعین، وتشبیههم بالنجوم إما من حیث أنهم یهتدی بهم فی سبیل الله كما یهتدی بالنجم فی ظلمات البر والبحر قال سبحانه:)(وعلمت وبالنجم هم یهتدون [النحل : 16].)ویدل علیه ما فی تفسیر علی بن إبراهیم فی قوله تعالی:(وَهُوَ الَّذِی جَعَلَ لكم التعوم یهتدوا بها فی حلمت البر والبحر [الأنعام: 97].)قال: النجوم آل محمد(1، وقد من توضیح ذلك بما لا مزید علیه فی شرح الخطبة الرابعة، وإما من حیث أنهم كلما مضی منهم إمام قام مقامه آخر كالنجوم (إذا خوی نجم) أی مال للمغیب (طلع نجم) آخر.)ثم بشرهم بقوله: (فكأنكم قد تكاملت من الله فیكم الصنائع أی النعم والآلاء (وأراكم) الله (ما كنتم تأملون) أی لا تیأسوا عسی الله أن یأتی بالفرج عن قریب، والمتحقق الوقوع قریب وإن كان بعیداً، ویمكن أن یكون إرائة المخاطبین مأمولهم فی الرجعة، والله العالم.)


1)

### الترجمةاز جمله خطب شریفه دیگر آن امام انام است که فرموده: حمد و سپاس خداوند را سزا است که پراکنده کننده است در میان خلق فضل و اکرام خود را و گستراننده در میان ایشان به جود و بخشش احسان و انعام خود را حمد می کنیم او را در همه کارهای او و طلب یاری میکنیم از او بر رعایت حق های او و شهادت می دهیم آنکه نیست هیچ معبودی به حق غیر از او و آنکه محمد بن عبدالله صلوات الله علیه و آله بنده و رسول او است فرستاده او را در حالتی که اظهار کننده بود امر او را و گوینده بود ذکر او را و یا اینکه فرستاده او را به امر خود در حالتی که شکافنده بود آن امر بیضه شرك را و به ذکر خود، در حالتی که گوینده بود آن ذکر حق را.پس ادا نمود حضرت خاتم نبوت اوامر و احکام حق را در حالتی که امین بود در تبلیغ رسالت و گذشت به سوی حق در حالتی که راستگار یا مستقیم بود بر طریق هدایت و واپس گذاشت در میان ما علم حق را که عبارت باشد از کتاب الله و عترت، چنان علمی که هر کس به پیش افتاد از او خارج شد از دین و ملت و هر کس تخلف نمود از آن هلاک شد در بیابانهای ضلالت و هر که ملازم شد آن را لاحق گردید به ارباب کمال و سعادت.دلیل و حامل آن علم صاحب تانی است در تکلم نمودن و صاحب بطوه است در ایستادن یعنی کلام و قیام او با فکر و تدبیر و با ملاحظه مال کار و عاقبت اندیشی است و صاحب سرعت است آنوقتی که ایستاد به امری از امور اسلام.و اینها همه اشاره است به نفس شریف خود آن امام (عَلَیهِ السَّلَامُ چنانچه می فرماید:پس زمانی که شما نرم نمودید برای او گردنهای خود را به اطاعت و تسلیم و اشاره نمودید به سوی آن به انگشتان خود از روی اجلال و تعظیم، بیاید به سوی او مرگ، پس ببرد او را پس درنگ نمایید بعد از او به مقداری که خواهد خدا تا)

اینکه ظاهر سازد خداوند از برای شما کسی را که جمع کند شما را و به هم آورد پراکندگی شما را پس طمع نکنید در کسی که اقبال ننماید به خلافت و مأیوس و ناامید نشوید از کسی که ادبار نماید به خلافت از جهت اینکه این ادبار کننده شاید که بلغزد یکی از دو قائمه او و این کنایه است از انتفاء بعض شرایط و ثابت شود قائمه دیگر او و این کنایه است از وجود بعض شرایط پس رجوع نمایند هر دو قائمه تا اینکه ثابت شوند هر دوتا و این کنایه است از استکمال شروط.آگاه باشید به درستی که مثل اهلبیت پیغمبر صلوات الله علیه و آله، مثل ستاره های آسمان است هرگاه میل کند به غروب ستاره ای طلوع نماید ستاره دیگر، پس گویا شما به تحقیق کامل شده از جانب خدا در حق شما نعمت ها و احسان ها و نموده به شما چیزی را که بودید آرزو میکردید آن را و این بشارت است مر ایشان را به قرب فرج و کرامت.

## ومن أخرى وهي المائة من المختار في باب الخطب### اشارةومن الخطب التي تشتمل على ذكر الملاحم.»الأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلِ، وَالآخِرُ بَعْدَ كُلِّ، اخِرِ بِأَوْلِيَّته وَجَبَ أَنْ لا أَوَّلَ لَهُ، وبِآخِرِيَّته وجَبَ أَنْ لا آخِرَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله شَهادَةً يُوافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلانَ، وَالْقَلْبُ النِّسَانَ، أَيُّهَا النَّاسُ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقي، وَلا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْياني، وَلا تَتَرامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَما تَسْمَعُونَهُ مِنِّي، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وبَرَأ السَّسْمَةَ، إِنَّ الَّذي أُنبِّئُكُمْ بِه عَنِ النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ما كَذَبَ الْمُبَلِّغُ، وَلا جَهِلَ السّامِعُ، لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى ضِلّليلِ قَدْ نَعَقَ بِالشّام، وفَحَصِ براياته في ضواحي كُوفانِ، فَإِذا فَغَرَت فَاغِرَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ شَكَيمَتُهُ، وَثَقُلَتْ في الأَرْضِ وَطأتَهُ، عَضَتِ الفِتْنَةُ أَبْنَاءها بِأَنْيابِها، وماجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْواجِها، وبَدا مَنَ الأَيَّام كُلُوحُها، ومِنَ الليالي كُدُوحُها، فَإِذا أَيْنَعَ زَرْعُهُ، وقَامَ عَلى يَنْعِه، وهَدَرَتْ شَقاشِقُهُ، وبَرَقَتْ بَوارِقُهُ عُقِدَتْ راياتُ الْفِتَنِ المُعْضِلَةِ، وأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ المُظْلِم، وَالْبَحْرِ المُلْتَطِم، هذا وَكَمْ يَخْرُقِ الْكُوفَة مِنْ قاصِفَ، وَيَمُرُ عَلَيْهَا مِنْ عاصِفٍ، وعَنْ قَليلِ تَلْتَفُ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ، ويُحْصَدُ القائِمُ، ويُخطَمُ المَحْصُودُ “(1).)### اللغة(الملحمة الوقعة العظيمة القتل مأخوذة من التحم القتال أي اشتبك واختلط اشتباك لحمة الثوب بالسّدى و (النسمة) محركة الربح كالنسيم، ثمّ سمّيت بها النفس والجمع نسم مثل قصبة وقصب و (ضليل) وزن سكيت الكثير الضلال، و (نعق) الراعي لغنمه من باب ضرب صاح بها وزجرها، و (فحص) القطا التراب اتخذ فيه مفحصاً بفتح الميم والحاء وهو يجثمه والموضع الذي تبيض فيه و (ضاحية) البلد ناحيته القريبة منه.)و (الكوفان الكوفة قال الفيومي: وهي مدينة مشهورة بالعراق قيل: سمّيت كوفة لاستدارة بنائها، لأنه يقال تكوّف القوم إذا اجتمعوا واستداروا، وفي”القاموس»الكوفة بالضم الرّملة الحمراء المستديرة أو كل رملة يخالطها حصباء ومدينة العراق الكبرى، وقبة الإسلام ودار هجرة المسلمين مصرها سعد بن أبي وقاص، وكان منزل نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبنى مسجدها، سميت بها لاستدارتها واجتماع النّاس بها ويقال لها كوفان ويفتح، وكوفة الجند لأنه)


1) بحار الأنوار: 41/356ح64، وشرح نهج البلاغة: 7/98.

اختطت فيها خطط العرب أيام عثمان خططها السائب بن الأقرع الثقفي، أو سميت بكوفان وهو جبل صغير فسهِلوه واختطوا عليه، أو من الكيف القطع لأن أبرويزا قطعه لبهرام، أو لأنها قطعة من البلاد والأصل كيفة، فلما سكنت الياء وانضم ما قبلها جعلت واواً، أو من قولهم هم في كوفان، بالضم ويفتح وكوّفان محركة مشدّدة الواو أي في عزّ ومنعة أو لأن جبل ساتيدما محيط بها، أو لأن سعداً لما ارتاد هذه المنزلة للمسلمين قال لهم: تكوّفوا، أو لأنه قال كوّفوا هذه الرملة أي نحوها.و (فغر الفم فغراً من باب نصر ونفع انفتح، وفغرته فتحته يتعدى ولا يتعدي و (الفاغرة) أصول النيلوفر ويستعار للفم باعتبار انفتاحها يقال: وفغرت فاغرته أي انفتح فوه و (الشكيمة) في اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس والجمع شكائم، يقال: فلان شديد الشكيمة أنف أبي لا ينقاد، لأن شدة الشكيمة وقوتها تدل على قوة الفرس و (الوطأ) الدوس بالقدم والوطأة الأخذة الشديدة والضغطة و ( كلح) يكلح من باب منع كلوحاً وكلاحاً يضمهما تكشر في عبوس و (الكدوح) بالضم جمع كدح وهو الخدش وأثر الجراحة.)و (أينع الزرع وزن أكرم، وكذلك ينع من باب منع وضرب ينعاً إذا نضج وحان قطافه وقام على ينعه أي على نضجه فيكون مصدراً ويحتمل أن يكون جمع يانع مثل صحب وصاحب واليانع الثمر الناضج و (هدر) البعير هدراً من باب ضرب صوّت و (الشقاشق) جمع الشقشقة بالكسر وهو شيء يشبه الزية يخرج من فم البعير عند الهياج، ويقال للخطيب ذو شقشقة تشبيهاً له بالفحل ومنه الخطبة الشقشقية وقد مرّ.)و (المعضلة كالمشكلة لفظاً ومعنى يقال: أعضل الأمر أي أشكل وأعضلني الأمر أي أعياني يتعدى ولا بتعدي، وداء عضال لا يهتدي بعلاجه و (المظلم) كمحسن الكثير الظلام و (التطم) البحر ضرب أمواجه بعضها بعضاً فهو يلتطم، و (حصد) الزرع قطعه بالمنجل و (الحطم) الكسر.)### الإعراب (الأول) خبر لمبتدأ محذوف والضمير في ما تسمعونه راجع إلى الكلام المستفاد بالسّياق على حد قوله تعالى: (تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ ص: 32] أي الشمس، أو يجعل ما موصولة والضمير راجعاً إليها وعن النبي متعلق بمقدر خبر أن أي صادر عن النبي أو مأخوذ عنه ونحو ذلك. وجملة ما كذب المبلّغ استئناف بياني، واللام في قوله لكاني جواب قسم محذوف، وكان للتقريب وفاغرته بالضمّ فاعل فغرت وعلى في قوله على ينعه للاستعلاء المجازي، (وكم) في قوله كم يخرق خبرية بمعنى كثير على حد قوله سبحانه:

﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا [الأعراف: 4].

ومن قاصف تميز لكم، و (عن) في قوله (وعن قليل) بمعنى (بعد) على حد قوله:عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَدِمِينَ [المؤمنون: 40].

المعنى

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة من الخطب التي تشتمل على ذكر الملاحم والوقائع العظيمة التي اتفقت بعده (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبر فيها عما يكون قبل كونه وافتتحها بأوصاف العظمة والكمال لله المتعال فقال: (الأول قبل كل أوّل والآخر بعد كلّ آخر) قد مضى تحقيق الكلام مستقصى في أوليته وآخريته سبحانه وأنه لا شيء قبله وبعده في شرح الخطبة الرابعة والستين والرابعة والثمانين والخطبة التسعين.

وأقول هنا إن قوله الأول قبل كلّ أوّل، أخبار عن قدمه، وقوله والآخر بعد كل آخر، أخبار عن استحالة عدمه يعني أنه تعالى قديم أزلي ودائم أبدي وهو أوّل الأوائل وآخر الأواخر، فلو فرض وجود شيء قبله لزم بطلان، قدمه ولو فرض وجود شيء بعده لزم جواز عدمه، وكلاهما محال لتنافيهما لوجوب الوجود.

ولا بأس بتحقيق الكلام في قدمه تعالى فنقول: إن القديم على ما حققه بعض المتألهين له معنيان بل معان ثلاثة:

أحدها: القديم الزماني، وهو أن لا يكون للزمان ووجوده ابتداء والله سبحانه لا يتصف بالقدم بهذا المعنى، لأنه تعالى برىء عن مقارنة الزمان والتغيّر والتقدر بالمقدار، سواء كان مقداراً قاراً كالجسم والخط، أو غير قار كالزمان.

والثاني: القديم الذاتي، وهو أن لا يكون ذاته من حيث ذاته مفتقراً إلى غيره حتى يكون متأخراً عنه بالذات، ولا أن يكون معه شيء آخر معية بالذات حتى يتأخرا جميعاً عن شيء ثالث تأخراً بالذات، فإن المعية الذاتية بين شيئين هو أن لا يمكن انفكاك أحدهما نظراً إلى ذاته عن صاحبه وهذا المعنى يستلزم أن يكون كلاهما معلولي علة واحدة، فإن الذاتين إذا لم یكن بينهما علاقة ذاتية افتقاريه بأن يكون إحديهما سبباً للأخرى، أو يكونا جميعاً مسببين عن ثالث موجب لهما، فيجوز عند العقل انفكاك كلّ منهما عن صاحبه فكانت مصاحبتهما لا بالذات بل بالاتفاق في زمان أو نحوه.

فالحق تعالى إذ هو مبدأ كل شيء كان الزمان مخلوقاً له متأخراً عنه، فلم يكن قديماً بالزمان، فهو قديم بالذات لأن ذاته غير متعلّق بشيء فلا شيء قبله قبلية بالذات، ولا معه معية بالذات لما علمت وإذ كل ما سواه مفتقر الذات إليه فيكون متأخراً عنه فيكون حادثاً.

فظهر بذلك عدم جواز كون شيء قبله أو قبله أو معه لأنه لو كان معه شيء لم يكن الله سبباً

موجداً له، بل يلزم أن يكون ثالث موجداً لهما، ولو كان قبله شيء لكان ذلك القبل خالقاً والخالق مخلوقاً له.

وتحقق من ذلك بطلان قول من قال: إن العالم، قديم لأنه إن أراد به أنه قديم بالذات فهو يناقض كونه عالماً مفتقراً إلى غيره، وإن أراد أن ذاته وإن أراد أن ذاته مع ذات الباري فحيث ذات الباري لم يكن له وجود في تلك المرتبة أصلاً، وإن قال إنّه قديم بالزمان فالزمان ليس إلا كمية الحركة وعددها والحركة ليست حقيقتها إلا الحدوث والتجدد فكذلك كل ما فيها أو معها بذلك أن لا قديم بالذات إلا الأوّل تعالى.

وإذا أطلق على غيره كان بمعنى ثالث نسبي غير حقيقي وهو أن يكون ما مضى من وجود شيء أكثر مما مضى من وجود شيء آخر وهو القديم العرفي هذا.

ولما عرفت أن معنى أوليته سبحانه كونه قديماً بالذات ومبدأ للموجودات للموجودات ومعنى آخريّة كونه أبدياً وغاية الغايات تعرف بذلك أنه سبحانه (بأوليته وجب أن لا أوّل له وبآخريته وجب أن لا آخر له) يعني أنه سبحانه لما كان بذاته أولاً آخراً لا يمكن أن يكون لذاته أوّل وبداية، ولا له آخر ونهاية كما لا يمكن أن يكون له أوّل سبقه، ولا له آخر بعده.

ويوضح ذلك رواية ميمون البان التي تقدمت في شرح الخطبة الرابعة والثمانين قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد سئل عن الأول والآخر، فقال:”الأول لا عن أوّل قبله ولا عن بدىء سبقه، وآخر لا عن نهاية كما يعقل عن صفة المخلوقين، ولكن قديم أوّل آخر لم يزل ولا يزول بلا بدىء ولا نهاية لا يقع عليه الحدوث ولا يحول من حال إلى حال، خالق كلّ شيء”(1).

قال بعض شراح الحديث: البديء فعيل بمعنى المصدر أي البداية لوقوعه في مقابل النهاية وعن الثانية بمعنى إلى والمراد أن أوّليته تعالى لا عن ابتداء وآخريته لا إلى نهاية فهو الأول لم يزل بلا أوّل سبقه ولا بداية له، وهو الآخر لا يزول بلا آخر بعده ولا نهاية له.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ولكن قديم) أوّل آخر بترك الواو العاطفة إشارة إلى أن أوليته عين آخريته ليدلّ على أن كونه قديماً ليس بمعنى القديم الزماني، أي الامتداد الكمي بلا نهاية إذ وجوده ليس بزماني سواء كان الزمان متناهياً أو غير متناه، وإلا لزم التغير والتجدد في ذاته بل وجوده فوق الزمان، والذهر نسبته إلى الأزل كنسبته إلى الأبد، فهو بما هو أزلي أبدي، وبما هو أبدي أزلي، وأنه وإن كان مع الأزل والأبد، لكنه ليس في الأزل ولا في الأبد حتى يتغير ذاته، وإليه الإشارة بقوله: لا يقع عليه الحدوث إذ كل زمان وزماني، وإن لم يكن ذا بداية فهو حادث إذ


1) مستدرك سفينة البحار: 445/8.

كلّ من وجوده مسبوق بعدم سابق فهو حادث.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (لا يحول من حال إلى حال)، إما تفسير للحدوث وإما إشارة إلى أن لا تغيّر أصلاً في صفاته كما لا تغير في ذاته، فليست ذاته ولا صفاته الحقيقية واقعة في الزمان والتغير.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (خالق كل شيء)، كالبرهان لما ذكر فإنه تعالى لما كان خالق كل شيء سواء كان خالقاً للزمان والدهر، فيكون وجوده قبل الزمان قبلية بالذات لا بالزمان وإلا لزم تقدّم الزمان على نفسه وهو محال، فإذا حيث هو تعالى لا زمان ولا حركة ولا تغير أصلاً فهو تعالى أوّل بما هو آخر وآخر بما هو أوّل نسبته إلى الأزل والأباد نسبة واحدة ومعيّة قيومية غير زمانية.

(وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة يوافق فيها السر الإعلان والقلب اللسان) أي شهادة صادرة عن صميم القلب خالصة عن شؤب النفاق والجحود هذا.

ولما كان قصده (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإخبارهم عما يكبر في صدورهم ويضعف عنه قلوبهم، ويكاد أن ينسبوه إلى الكذب فيه لا جرم أيههم أوّلاً وحذرهم عن التكذيب بقوله: (أیّها الناس لا يجر منكم شقاقي) أي لا يحملنكم معاداتي وخلافي على أن تكذبوني، (ولا يستهيونكم عصياني) أي لا يذهبن معصيتي بهواكم وعقلكم، وقيل: أي لا تستهيمنكم ويجعلكم هائمين وهو قريب مما قلناه، (ولا تتراموا بالأبصار عند ما تسمعونه منّي) أي لا ينظر بعضكم بعضاً فعل المنكر المكذب عند سماع الأخبار الغيبية مني (فوالذي فلق الحبة) أي خلقها أو شقها بإخراج النبات منها (وبرأ النسمة) أي خلق النفس الإنساني وأوجدها (إن الذي انبئكم به) ما أقوله من تلقاء نفسي فتسرعوا وتبادروا إلى تكذيبي، وإنما هو متلقى ومأخوذ (عن النبي) الصادق الأمين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أجمعين (ما كذب المبلغ ولا جهل السامع) أراد بالمبلغ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في تبليغه عن الله سبحانه وبالسّامع نفسه الشّريف، فيكون فيه إشعار بأن ما يخبرهم به مأخوذ الله سبحانه.

من قال الشارح المعتزلي:”والمبلغ والسامع هو نفسه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يقول: ما كذبت على الرّسول تعمداً ولا جهلت ما قاله فانقل عنه غلطاً “(1)، والأول أظهر هذا.

ولما وطن نفوس السامعين لقبول ما يقوله ونحاهم من الاستيحاش شرع في مقصده وما هو بصدده من الأخبار عما سيكون فقال ( لكأني) أي تالله لكاني (انظر إلى ضليل) أي إلى رجل كثير الضلال واختلف في هذا الرّجل فقيل: إنّه السفياني الموعود، وقيل: إنّه معاوية وقيل: بل يمكن أن يريد به شخصاً آخر يظهر بعد بالشام والأشبه كما في شرح المعتزلي أنه


1) شرح نهج البلاغة - الخطبة رقم (100) - الجزء السابع.

أراد به عبد الملك بن مروان.

واستبعد الشارح كون المراد به معاوية بأن ظاهر الكلام يدل على إنسان ينعق فيما بعد ومعاويه كان في أيام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نعق بالشام ودعاهم إلى نفسه، واستقرب عبد الملك بأنّ هذه الصفات والإمارات كان فيه أتمّ منها في غيره فإنه (قد نعق بالشام) أي صاح فيه حين دعا أهله إلى نفسه أو صاح بهم وزجرهم حين الشخوص إلى العراق، (وفحص براياته في ضواحي كوفان) أي: أخذ نواحي كوفة مفحصاً لراياته كما تأخذ القطاة في الأرض مفحصاً لها، وذلك حين شخص عبد الملك بنفسه إلى العراق وقتل مصعباً واستخلف الأمراء من بشر بن مروان أخيه وغيره عليه حتى انتهى الأمر إلى الحجاج.

(فإذا فغرت فاغرته) أي انفتح فوه وهو استعارة لافتحامه للناس وافتراسه لهم بالفتك والقتل كما يفتح الأسد فاه عند افتراس فريسته.

وما في شرح المعتزلي وغيره من أن تأنيث الفاغرة للفتنة لا يفهم معناه، بل الظاهر أن التأنيث بملاحظة أصل المعنى المستعار منه على ما قدمناه.

واشتدت شكيمته) وهو كناية عن شدة بأسه، وقوته لأن الفرس القوي شديد الرأس يحتاج إلى قوة الشكيمة (وثقلت في الأرض وطأته) وهو كناية شدة جوره وظلمه قال عن الشارح المعتزلي: وذلك حين ولي الحجاج على العراق فصعب الأمر جداً وعند ذلك (عضت الفتنة أبناءها بأنيابها) شبه الفتنة بحيوان صائل وأثبت لها النّاب على سبيل التخييل ورشح الاستعارة بذكر العض وأراد بأبناء الفتنة، اهلها، والمراد أنه إذا قويت سلطنة ذلك الضليل كثرت الفتن ويقع أهلها في الشذة والألم.

قال الشارح: وهو إشارة إلى تفاقم الفتن بين عبد الملك وبين الخوارج وعبد الرّحمن بن الأشعث (وماجت الحرب بأمواجها) كالبحر المتلاطم التيار المتراكم الزخار (وبدا من الأيام كلوحها) نسبة الكلوح إلى الأيام من التوسع في الإسناد وأراد به كثرة ما يلقى الناس فيها من العبوس وسوء الحال، وكذلك نسبة الكدوح إلى الليالي في قوله: (ومن الليالي كدوحها) وهو إشارة إلى ما يبتلى به النّاس فيها من المصائب الشبيهة بآثار الجراحات والخدوش والجنايات.

(فإذا أينع زرعه) أراد به انتظام أمره وكمال شوكته (وقام على ينعه) أي على نضجه وكماله (وهدرت شقاشقه) وهو إشارة إلى ظهور طغيانه وبأسه (وبرقت بوارقه) أي سيوفه ورماحه البارقة (عقدت رايات الفتن المعضلة) أي الموجبة للأعضال والأشكال أو التي يعيى عن رفعها وعلاجها ( وأقبلن كالليل المظلم) وجه تشبيهها بالليل كونها لا يهتدي فيها إلى حق كما لا يهتدي في ظلمة الليل إلى المقصد والبحر الملتطم) أي كثير الأمواج وتشبيهها به في

عظمها، وفي التوصيف بالملتطم إشارة إلى خلط الخلق فيها بعضهم ببعض ومحق بعضهم بعضاً كما تلطم الأمواج بعضها بعضاً هذا.

وقال الشارح: أراد بعقد رايات الفتن الموصوفة بالأوصاف المذكورة ما وقع بعد عبد الملك من حروب أولاده مع بني بني المهلب وحروبهم مع زيد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والفتن الكائنة بالكوفة أيام يوسف بن عمر وخالد القسرى وعمر بن هبيرة وغيرهم وما جرى فيها من الظلم واستئصال الأموال وذهاب النفوس.

وإلى ذلك أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله: (هذا وكم يخرق الكوفة) أي يجوبها ويقطعها (من) ريح (قاصف) وهي التي تقصف كلّ ما مرت عليه (وتمرّ عليها من) ريح (عاصف) قال الشارح البحراني: استعار وصفي القاصف والعاصف لما يمر بها ويجري على أهلها من الشدائد.

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وعن قليل تلتف القرون بالقرون ويحصد القائم ويحطم المحصود) أي بعد برهة من الزمان تجتمع الأمم بالأمم وتختلط أجيال النّاس بعضهم ببعض، وحصد القائم وحطم المحصود، قيل: إشارة إلى عموم البلاء وحصد القائم كناية عن قتل القوى، وحطم المحصود كناية عن استئصال الضعيف.

وقال الشارح البحراني: كني (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتفاف بعضهم ببعض عن اجتماعهم في بطن الأرض، واستعار لهم لفظ الحصد والحطم لمشابهتهم الزرع يحصد قائمه ويحطم محصوده، فكنّى بحصدهم عن قتلهم أو موتهم ويحطم محصودهم عن فنائهم وتفرّق أوصالهم في التراب.

وقال الشارح المعتزلي: وهو كناية عن الدولة العباسية التي ظهرت على دولة بني أمية، ويحصد القائم ويحطم المحصود كناية عن قتل الأمراء من بني أمية في الحرب، ثم قتل المأسورين منهم صبراً، فحصد القائم قتل المحاربة، وحطم الحصيد القتل صبراً، وهكذا وقعت الحال عبد الله بن علي وأبي العباس السفاح.

وقيل: التفافهم كناية عن جمعهم في موقف الحساب أو طلب بعضهم مظالمهم من بعض، وحصدهم عن إزالتهم عن موضع قيامهم أي الموقف وسوقهم إلى النّار، وحطمهم عن تعذيبهم في نار جهنم والله العالم بحقائق الكلام.

الترجمة

از جمله خطب دیگر است که متضمّن اخبارات غیبیه است و مشتمل میباشد بر ذکر واقعههای عظیمه می فرماید:

خداوند تعالی اولی است پیش از هر اوّل و آخری است بعد از هر، اخر به مقتضای اوّل بودنش واجب است که نبوده باشد هیچ اوّل مراورا و به مقتضای آخر بودنش واجب است که نبوده باشد هیچ آخر مر او را و شهادت میدهم آنکه نیست هیچ معبودی به حق غیر از واجب الوجود بالذات چنان شهادتی که موافقت نماید در او باطن با ظاهر و قلب با زبان.

ای مردمان باید که باعث نشود شما را عداوت و مخالفت من بر تكذيب من و متحیر نگرداند شما را نافرمانی کردن با من و میندازید دیده ها را به یکدیگر نزد شنیدن اخبار غریبه از من پس قسم به حق آن کسی که شکافت دانه را و خلق فرمود انسان را به درستی که آنچه خبر می دهم شما را به آن اخذ شده است از پیغمبر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، دروغ نگفته رساننده آن خبر که عبارت است از پیغمبر و جاهل نبوده شنونده آن که عبارت است از نفس نفیس خود.

گویا که نگاه می کنم به مردی که متصف است به نهایت گمراهی که بانگ زده در شام و منزل اخذ کند به علمهای خودش در اطراف کوفه پس هرگاه که گشوده شود دهان او و سخت شود دهنه لجام او و گران شود در زمین گام زدن او بگزد فتنه پسران خود را به دندانهای خود و موج زند جنگ به موجهای خود ظاهر میشود از روزها بسیاری عبوس و ترش رویی او و از شبها اثرهای و جراحت او.

پس چون به سرحد کمال رسد زراعت آن مرد گمراه و بایستد بر کمال خود و آواز دهد شقشقهای او که عبارت است از چیزهایی که مثل شش از دهن شتر بیرون میآید در حال مستی و درخشان شود شمشیرها و نیزههای براق، او، بسته شود علمهای فتنه ها و روی آورند مانند شب تاريك و مثل دریاهای مواج فراگیر این مطلب را و بسا میشود که بدرد کوفه را باد سخت شکننده و بگذرد به کوفه

باد تند جهنده (و این کنایه است از شدّتها و مصیبتها که وارد میشود به اهل (کوفه و بعد از زمان قلیلی جمع شود قرنها با قرنها و مختلط شود گروهی با گروهی و درویده میشود ایستاده و شکسته شود درویده شده و این کنایه است می از استیصال و هلاك شدن صاحب قوت و صاحب ضعف).

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجري هذا المجرى وهي المائة والواحدة من المختار في باب الخطب

اشارة:

»وذلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ الله فيهِ الأَوَّلين والآخِرينَ لِنقاشِ الْحِسابِ، وجَزَاءِ الأَعْمالِ، خُضُوعاً قياماً، قَدْ أَلْجَمْهُمُ الْعَرَقُ، ورَجَفَتْ بِهِمُ الأَرْضُ فَأَحْسَنُهُمْ حالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً، ولِنَفْسِه مُتَسَعاً.

منها: فِتَنْ كَقِطَع اللَّيْلِ الْمُظْلِم، لا تَقُومُ لَها قائِمَةٌ، ولا تُرَدُّ لَها رايَةٌ تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً يَحْفِرُها قائِدُها، ويَجْهَدُها راكِبُها أَهْلُها قَومٌ شَديدٌ كَلْبُهُمْ، قَليلٌ سَلَبُهُمْ، يُجاهِدُهُمْ في، سَبيل الله، قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرينَ في الأَرْضِ مَجْهُولُونَ، وفي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ، فَوَيْلٌ لَكَ يا بَصْرَةُ عِنْدَ ذلِكَ مِنْ جَيْشِ مِنْ نِقَمِ اللهِ لا وَهَجَ لَهُ وَلا حِسٌ وسَيُبْتَلى أَهْلُكَ بِالْمَوْتِ الأَحْمَرِ، وَالْجُوعِ الأَغْبَرِ”(1)

اللغة

(ناقشته) مناقشة استقصيته في الحساب (والقطع) قطعة كسدر وسدرة وهي الطائفة من الشيءقال الشارح المعتزلي: قطع الليل جمع قطع وهو الظلمة قال تعالى:

(فاشر بأهْلِك يقطع مِنَ الَّيْلِ﴾ [هود: 81].

ولعله سهو و (زممت) البعير زماً شددت عليه زمامه فهو مزموم) و (الرحل) كلّ شيء يعد للرحيل من وعاء المتاع ومركب البعير والحلس والرّسن وجمعه رحال وأرحل مثل سهام وأفلس و (جهدت) الدابة واجهدتها حملت عليها في السير فوق طاقتها و (الكلب) محرّكة الشر والأذى و (السّلب) محركة أيضاً ما يأخذه أحد القرنين في القتال من قرنه مما يكون عليه من ثوب أو سلاح أو درع أو غيرها و (النقم) جمع نقمة وهي العقوبة و (الرهيج) محركة الغبار.

الإعراب

(خضوعاً قياماً) منصوبان على الحال من مفعول يجمع وجملة (لا تقوم) مرفوعة المحلّ على أنها وصف لفتن وجملة (تأتيكم) استئنافية أو حال من مفعول تقوم وجملة (يحفزها) حال من فاعل تأتيكم، ومجهولون وصف ثان لقوم.


1) ميزان الحكمة: 3/2319، وسفينة البحار: 1/362.

المعنى

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة تجري مجرى الأخبار عن الملاحم أيضاً كالخطبة السالفة حيث إنها مشتملة على فصلين والفصل الثاني منها من هذا القبيل، وأما الفصل الأوّل فمتضمن لبيان بعض أهوال يوم القيامة وشدائدها وقد مضى الكلام فيها مفصلاً في الفصل الثالث من فصول الخطبة الثانية والثمانين وشرحه.

وقال: هنا (وذلك يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين) كما قال تعالى في سورة هود.

(ذلك يومٌ تَجَمُوعُ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [هود: 103] وفي سورة الواقعة: قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيفَنتِ يَوْمٍ تَعْلُوم [الواقعة: 49 - 50].

وإنما جمعهم (النقاش الحساب وجزاء الأعمال) أي ليناقش في حسابهم ويستقصى فيه ويجزى كلّ جزاء عمله إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً.

(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ هُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقُ * خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَالُ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَلِدين فيها ما دامت السموات وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاهُ غَيْرَ مَجدُون ﴾ [هود: 106 - 108].

(خضوعاً قياماً) أي خاضعين خاشعين من هول، المعاد قائمين لربّ العباد (قد ألجمهم العرق) أي بلغ محلّ لجامهم من كثرة التزاحم والاجتماع وشدّة الحرارة قال الطبرسي في تفسير قوله تعالی:

(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 6].

المعنى يوم يقوم الناس من قبورهم لأمر ربّ العالمين ولجزائه أو حسابه، وجاء في الحديث أنّهم يقومون في رشحهم إلى إنصاف آذانهم وفي حديث آخر يقومون حتى يبلغ الرشح إلى أطراف آذانهم.

وفي الحديث عن سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)

يقول: إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون الشمس بقدر ميل أو ميلين قال سليم فلا أدري أمسافة الأرض أو الميل الذي تكحل به العين ثم قال صهرتهم الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبه ومنهم من يلجمه الجاماً، قال: فرأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)يشير بيده إلى فيه قال يلجمه الجاماً”(1).


1) مجمع البيان: 291/10، وتفسير نور الثقلين: 528/5 ح 7.

(ورجفت بهم الأرض) لعله إشارة إلى الرجفة في النفخة الثانية على ما أشير إليها في قوله سبحانه:

و إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَنْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسانُ مَا لَمَا * يَوْمَيذٍ تُحَذِتُ أَخْبَارَهَا ﴾ [الزلزلة: 1 - 4].

(فأحسنهم حالاً) في هذا اليوم (من وجد لقدميه موضعاً ولنفسه متسعاً) وهو إشارة إلى شدّة الضيق على الناس فيه هذا والفصل الثاني الذي التقطه السيد (ره).

منها: قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فتن كقطع الليل المظلم) في عدم الاهتداء فيها إلى النهج الحق والصّراط المستقيم (لا تقوم لها قائمة) أي لا تنهض لدفعها فئة قائمة أو لا تقوم لها قائمة من قوائم الخيل وهو كناية عن عدم إمكان مقابلتها بالحرب وعدم التمكن من قتال أهلها أو لا تقوم لها بنية أو قلعة قائمة بل تخرب وتنهدم فيكون كناية عن قوتهم، وكذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ولا ترذ لها راية) أي لا تنهزم راية من راية تلك الفتنة ولا تفرّ بل تكون غالبة دائماً، أو لا ترجع لحربها راية من الرّايات التي هربت عنها.

ثمّ شبهها بناقة تامة الأدوات كاملة الآلات واستعار لها أوصافها فقال (تأتيكم مزمومة مرحولة) أي كناقة معدّة للركوب عليها زمامها ورحالها (يحفزها قائدها) أي يسوقها بشدّة وأراد بالقائد أعوانها ( ويجهدها راكبها) أي يوقعها في الجهد والمشقة ويحمل عليها في السّير فوق الطاقة، وأراد بالرّاكب أرباب تلك الفتنة وكنى بالحفز والجهد عن سرعتهم ومبادرتهم إليها (أهلها قوم شديد كلبهم قليل سلبهم) أي شديد شرهم وأذاهم وقليل ما سلبوه من الخصم إذ همّتهم القتل لا السّلب كما قال الشاعر:

هُم الاسود أسود الغاب همتها *** يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

واختلف في تلك الفتنة وأهلها: فقال الشارح المعتزلي: إشارة إلى ملحمة تجري في آخر الزمان ولم يأت بعد واستقر به المحدث المجلسي”ره»في”البحار”، وقال الشارح البحراني: إشارة إلى فتنة صاحب الزنج لاتصافهم بشدة الكلب وقلة السلب إذ لم يكونوا أصحاب حرب وعدة وخيل كما يعرف ذلك من قصتهم المشهورة، وسيذكر طرف منها في شرح بعض الخطب الآتية وهي الخطبة المائة والثامنة والعشرون.

واستبعده في”البحار»بأن مجاهديهم لم يكونوا على الأوصاف التي أشار إليها بقوله: (يجاهدهم في الله قوم أذلة عند المتكبرين في الأرض مجهولون، وفي السّماء معروفون) إلا أن يقال: لشقاوة الطرف الآخر أمدهم الله بالملائكة، وهم مجهولون في الأرض لعدم كونهم من أبناء الدنيا المشهورين بنعيمها، ومعروفون في السماء لكونهم من أهل العلم والعرفان يعرفهم

ربهم بالطاعة ويعرفهم سائر الملائكة بالعبادة(1)ولا يخفى بعده، وقال الشارح المعتزلي: كونهم مجهولين في الأرض لخمولهم قبل هذا الجهاد(2).

ثم خاطب (عَلَيهِ السَّلَامُ) البصرة على سبيل إنذار أهلها وقال: (فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم الله لا رهج له ولا حس) قال الشارح البحراني وهو إشارة إلى فتنة الزنج وظاهر أنهم لم يكن لهم غيار ولا أصوات إذ لم يكونوا أهل خيل ولا قعقعة لجم، فإذا لا رهج لهم ولا حس، وظاهر كونهم من نقم الله للعصاة وإن عمت الفتنة إذ قلما تخص العقوبة النازلة يقوم دون بعضهم كما قال تعالى:

(وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: 25].

وفيه أن ظاهر عبارته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشعر يكون هذا الجيش غير ما أخبر به أوّلا، فإذا كان الأول إشارة إلى صاحب الزنج وجيشه حسبما زعمه الشارح فكيف يمكن جعل ذلك إشارة إليهم أيضاً، وإن كانوا بالأوصاف المذكورة، وقال الشارح المعتزلي كنى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الجيش عن طاعون يصيبهم حتى يبيدهم.

أقول: والأولى وكول علم ذلك إليهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأن أهل البيت أدرى بما فيه ثم قال: (وسيبتلي أهلك بالموت الأحمر والجوع الأغبر) الموت الأحمر إما كناية عن الوباء ووصفه بالحمرة لشدته، ووصف الجوع بأنه أغبر لأن الجائع يرى الأفاق كان عليها غبرة وظلاماً كما في شرح المعتزلي أو الأول كناية عن قتلهم بالسيف كما قيل، أو عن هلاكهم بالغرق كما في شرح البحراني قال ووصف الجوع بالأغبر لأن شدة الجوع ما أغبر معه الوجه لقلة مادة

الغذاء أو رداءته أو لأنه يلصق بالغبراء وهي الأرض.

أقول: ويمكن أن يكون وصف الجوع به من حيث كونه ناشئاً من كثرة اغبرار الأرض وجدبها بقلة الأمطار، والله العالم.

تنبيه

قد تقدّم في أول تنبيهات الكلام الثالث عشر خطبة طويلة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخطب بها بعد الفراغ من قتال أهل البصرة وهى متضمّنة لأكثر فقرات هذه الخطبة ومشتملة على زيادات كثيرة فعليك بالرجوع إليها فإنه لا يخلو من منفعة.


1) البحار 32/249.

2) شرح النهج: 7/104.

الترجمة

و از جمله خطب شریفه آن سرور عالمیان و امام متقیان است که جاری شده در موضع اخبار از ملاحم مثل خطبه سابقه، می فرماید:

و آن (یعنی روز قیامت) روزی است که جمع می کند خداوند، عالم اوّلین و آخرین را از برای استقصاء و دقت نمودن در حساب و جزا دادن بر عملها در حالتی که همه خضوع کننده باشند و ایستاده به جهت امر پروردگار به تحقیق که رسیده باشد عرق به دهان ایشان از کثرت حرارت و شدت ازدحام خلقان و بلرزد بر ایشان عرصه، زمین پس نیکوترین ایشان از حیثیت حال کسی است که بیابد به جهت قدمهای خود مکانی و به جهت نفس خود محل وسعت و.فضایی.

از جمله فقرات این خطبه که متضمّن اخبار از وقایع آتیه است این است که فرموده:

فتنه هایی است مثل پارههای شب تاريك كه برنخیزد از برای دفع آن جماعتی ایستاده و بازنگرداند از برای او علم برپا شده بیاید به سوی شما مانند شتری که افسار کرده باشد و پالان برنهاده در حالتی که میراند آن را با شدت کشنده آن وبه مشقت می اندازد آن را سوارشونده، ان اهل فتنهها گروهی هستند که شدید باشد اذیت و شرارت ایشان و کم باشد ثیاب و سلاح دریافت نشده از خصم ایشان و آن کنایه از این است که غرض ایشان کشتن خصم است نه غنیمت بردن جهاد می کند با ایشان گروهی که خوار و ذلیل باشند در نزد متکبرین گم نام باشند در نزد اهل، زمین مشهور باشند در پیشاهل آسمان برین.

پس وای باشد تو را ای بصره از لشگری که پدید آید از غضب و عقوبت خدا در حالتی که نباشد آن لشگر را گرد و غباری و نه حس و حرکتی از جهت اینکه ایشان را خیل وقعقعه سلاح نباشد و به زودی مبتلا شوند اهل تو ای بصره به مرگ سرخ که کشته شدن است با شمشیر و به گرسنگی غبار آلوده .

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائة والثانية من المختار في باب الخطب

اشارة

وشرحها في فصلين:

الفصل الأول

»اُنظُرُوا إِلَى الدُّنْيا نَظَرَ الزاهدين فيها الصَّادِفِينَ عَنْها فَإِنَّها وَالله عَمّا قَليل تُزيلُ النَّاوِيَ السّاكِنَ، وتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الأمِنَ لا يَرْجِعُ ما تَوَلّى مِنْها فَأَدْبَرَ، ولا يُدْرى ما هُوَ آتِ مِنْها فَيُنتَظَرُ، سُرُورُها مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ، وجَلَدُ الرِّجالِ فيها إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ، فَلا تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ ما يُعْجِبُكُمْ فيها لِقِلَّةِ ما يَصْحَبُكُمْ مِنْها رَحِمَ اللهُ امْرَءً تَفَكَّرَ، فاعْتَبَرَ، وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ، فَكَأَنَّ ما هُوَ كَائِنْ مِنَ الدُّنيا عَنْ قَليلٍ لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ ما هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخِرَةِ عَمَّا قَليلٍ لَمْ يَزَلْ، وكُلُّ مَعْدُودٍ

مُنْقَضٌ وكُلُّ مُتَوقَّع آتٍ، وَكُلُّ آتِ قَريبٌ دان.

منها العالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ لا يَعْرِفَ قَدْرَهُ، وإِنَّ مِنْ أَبْغَض الرِّجالِ إِلى اللهِ لَعَبْدٌ وَكَّلَهُ الله إِلى نَفْسِه، جائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، سَائِرٌ بِغَيرِ دَليلٍ، إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنيا عَمِلَ، وإِنْ دُعِيَ إِلى حَرْثِ الآخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وكَأَنَّ ما وَنى فيهِ ساقِطْ عَنْهُ”(1).

اللغة

(صدفت) عنه أصدف من باب ضرب أعرضت وصدفت المرأة فهي صدوف وهي التي تعرض وجهها عليك ثم تصدف عنك و (ثوى) بالمكان وفيه وربّما يتعدّى بنفسه من باب رمى يثوى ثواء بالمد أقام فهو ثاو قال تعالى:

(وما كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدينَ ﴾ [القصص: 45].

و (فجعه) يفجعه من باب منع وجعه كفجّعه أو الفجع أن يوجع الإنسان بشيء يكرم عليه فيعدمه و (اترفته) النعمة أطغته والمترف وزن مكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع و (الجلد) محركة الشدة والقوة فهو جلد وجليد أي شديد قوي و (النقض) كالانتقاض ضد الإبرام، وفي بعض النسخ منتقض بدل منقض و (ونى) في الأمر ينى ونياً من باب وعد ضعف وفتر فهو وان قال سبحانه: وَلَا تَنَيَا فِي ذِكْرِى [طه: 42].


1) بحار الأنوار: 2/58 ح 37، وميزان الحكمة: 3/2704.

الإعراب

(الفاء) في قوله فأدبر عاطفة للجملة على جملة الصّلة وفي قوله فلا تغرنّكم فصيحة وجملة (رحم الله أمرء) دعائية لا محل لها من الإعراب (وعن) في قوله عن قليل بمعنى، بعد وكذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عما قليل) (وما) زائدة على حد قوله سبحانه:

(عَمَّا قَلِيلِ لَيُصْبِحُنَّ نَدِمِينَ) [المؤمنون: 40].

(واللام) في قوله العالم من عرف قدره للجنس والتعريف لقصد الحصر مبالغة ومن في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)”إنّ من أبغض الرّجال لعبد) زائدة في إسم إنّ ولعبد بالرفع خبرها كما زيدت في اسم كان في قوله تعالى:

(وما كَانَ مَعَم من إِلَه ﴾ [المؤمنون: 91].

وإليه ذهب الكسائي في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصوّرون وفي نسخة للشارح المعتزلي لعبداً بالنصب، وكذلك جائراً وسائراً فيكون حينئذ من للتبعيض وهي مع مدخولها خبر إن مقدّماً ولعبداً اسم لها وجائراً وسائراً يحتملان الحال والوصف.

المعنى

اعلم أن هذا الفصل من الخطبة متضمن للتزهيد عن الدنيا والتنفير منها بالتنبيه على عيوبها المرغَبة عنها، وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفاً في الخطبة الثانية والعشرين وشرحها وفي غيرها من الخطب السالفة وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنا: (انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصادقين عنها) قد مر تحقيق معنى الزهد وبيان مراتبه وأقسامه بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة التاسعة والسبعين، وقدمنا هنالك بعض الأخبار الواردة فيه ونورد هنا بعض ما لم نروه فأقول:

روى في”الكافي»عن علي بن إبراهيم عن علي بن محمد القاساني عمّن ذكره عن عبد الله بن القاسم عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال”إذا أراد الله بعبد خيراً زهده في الدنيا وفقهه في الذين وبصر عيوبها ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة”.

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لم”يطلب أحد الحق من باب أفضل من الزّهد في الدنيا، وهو ضدّ لما طلب أعداء الحق قلت: جعلت فداك مماذا؟ قال: من الرغبة فيها”

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”ألا من صبار كريم فإنما هي أيام قلائل إلا أنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا»

قال: وسمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إذا تخلى المؤمن(1)من الدنيا سما ووجد حلاوة


1) لعله من أخل بالشيء إذا ترك وغاب عنه.

حب الله وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط، وإنما خالط القوم حلاوة حبّ الله فلم يشتغلوا بغيره”

قال: وسمعته يقول”إنّ المؤمن إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو”(1).

وبإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن من أعون

الأخلاق على الذين الزّهد فى الدنيا”(2)، هذا.

ولما أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنظر إلى الدنيا نظر الزاهدين المعرضين من الأنبياء والمرسلين والأئمة المعصومين وغيرهم من عباد الله الصالحين، وأوجب اقتفاء آثارهم والتأسي بهم علل ذلك بقوله: (فإنّها والله عما قليل تزيل الثاوي الساكن وتفجع المترف الأمن) مؤكداً بالقسم الباز تنزيلاً للمخاطبين منزلة المنكر لما شاهد منهم رغبتهم إليها واعتمادهم بها، يعني أن من شأنها نقل المقيمين الساكنين بها إلى دار الآخرة وإفجاع المنعمين الامنين بحيلولتها بينهم وبين يحبّونه، فإذا كان شأنها ذلك فكيف الأمن بها والركون إليها شعر:

هب الدنيا إليك تساق عفواً *** ألیسمصبرذاکالی انتقال

ما دنیاك إلا مثل فيء *** أظلّك لك ثم آذن بالزوال

(لا يرجع ما تولّى منها فأدبر ولا يدري ما هو آت منها فينتظر) آت منها فينتظر يعني ما كنت مبتهجاً به فيها من الشباب والقوة والنعمة والعزّة واللذة قد أدبر وتولّى ومضى وانقضى فلا رجوع له أخرى، وما يأتي بعد ذلك فهو غير معلوم لك إذ لا تدري أنه نعمة أو نقمة، عزّة أو ذلّة، ثروة أو مسكنة حياة أم ممات ضيق أو سعة وبالجملة لا تدري أنه ملائم لطبعك فتنتظر أو مناف له فتنفر، قال الشاعر:

واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به *** ولا حصلت على علم من الباقي

(سرورها مشوب بالحزن وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن) وهذا مدرك بالوجدان مشاهد بالعيان إذ قلّ ما ترى مسروراً فيها ومبتهجاً بها إلا ومبتلاً في كلّ لمحة وأن يفوت مطلوب أو فقد محبوب، ونرى بضاضة الشباب مبدلة بحوانى الهرم وغضارة الصحة مرهونة بنوازل السقم (قلا يغرنّكم كثرة ما يعجبكم فيها) من عزّ وسلطان وجنود وأعوان وحصون ومقاصر وضياع ودساكر ونساء وبنين وعشيرة وأقربين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والأنعام والخيل المسوّمة (لقلة ما يصحبكم منها) إذ ليس إلا كفن وحنوط وقطن وعود قال الشاعر:

فماتزود مما كان يجمعه *** إلا حنوطاً غداة البين في خرق


1) شرح أصول الكافي: 368/8 ح 10، والكافي: 130/2.

2) الكافي: 12/27 ح 3 ووسائل الشيعة: 12/16 ح 20830.

وغير نفحة أعواد شببن له *** وقل ذلك من زاد لمنطلق (1)

ثم دعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وترحم لأولى الفكر بقوله: (رحم الله امرء تفكر) في أمر نفسه ومبدأه ومعاده ( فاعتبر) أي فكان ذا اعتبار واتعاظ (واعتبر فأبصر) أي أوجب اعتبار حاله نور بصيرة وذلك إنّما يحصل بالانقطاع من الشهوات والتجافي عن الأمنيات.

قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهشام بن الحكم:”يا هشام من سلط ثلاثاً على ثلاثة فكأنّما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطول أمله، ومحى طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه فكأنّما أعان هواه على هدم عقله ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.

ثم نبه على سرعة انقضاء متاع الدنيا بقوله: (فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن) يعني أن ما هو كائن من الدنيا من زبرجها وزخارفها ولذائذها سيصير بعد زمان قليل معدوماً فكأنه لم يكن موجوداً أصلاً ولم يكن شيئاً مذكوراً.

ونبه على سرعة لحرق الآخرة بقوله: (وكأن ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل) يعني أن ما هو كائن من شدائد الآخرة وأحوالها وأهوالها بعد زمان قليل قصير يكون موجوداً ثانياً، والإتيان بلفظ كأن في المقامين للتقريب وتشبيه وجود الدنيا بعدمه في الأول وتنزيل عدم الآخرة منزلة الوجود في الثاني تأكيداً ومبالغة في قصر زمان تصرم الدنيا وقلة زمان لحوق الآخرة.

ثم قال: (وكلّ معدود منقض) أراد أن أيّام العمر ولياليه وساعاته وأنفاس الحياة معدودة محصاة، وكل ما هي معدودة فهي منقضة منصرمة منقضية منتهية (وكل متوقع آت وكل آت قریب دان) فكلّ متوقع قريب، دان، وأراد بالمتوقع الموت.

ونظير هذه الفقرة من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقول قس بن ساعدة الأيادي: مالي أرى يذهبون ثم لا يرجعون أرضوا، فأقاموا أم تركوا فناموا أقسم قس قسماً إن في السماء لخبراً، وفي الأرض لعبراً، سقف مرفوع، ومهاد موضوع ونجوم، تمور، وبحار لا تغور اسمعوا أيها النّاس، وعوا من عاش مات ومن مات، فات وكل ما هو آت آت هذا قال السيد (ره).

(منها): أي بعض فصول تلك الخطبة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (العالم من عرف قدره وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره) يعني أن العالم الكامل الحقيق بأن يطلق عليه اسم العالم حقيقة من اتصف بعرفان قدره وعدم تجاوز، طوره ومن لم يعرف ذلك فهو حقيق بأن يطلق عليه اسم الجاهل، وذلك كاف في جهالته، والمراد بقدره مقداره المعين ومحله المرسوم ومرتبته المقررة


1) النفحة من العود القطعة منه ونفحة القوس المتروك منه وشبين له أي رفعن له من شب الفرس شباباً رفع بيديه، مينه.

له في الوجود، وذلك إنّما يكون بكمال العقل.

كما قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):”ما أخال رجلاً يرفع نفسه فوق قدرها إلا من خلل في عقله(1).

وفي رواية أخرى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ):”ما هلك امرء عرف قدره”.

يعني أن من عرف قدره ولم يتعد طوره المرسوم له في دائرة الوجود وعرف أنه ما هو ولأي شيء خلق خلص من ظلمات الجهالة، ونجى من بوادي الهلاكة لأنه يلازم قدره المقدر ومقامه المعين ويسلك الطريق المؤدي إلى النّجاة، ويحترز من طرفي التفريط والإفراط.

ويوضح ذلك ما رواه في”الكافي»عن عدة من أصحابنا أصحابنا عن أحمد بن محمد مرسلاً قال: قال أبو عبد الله: دعامة الإنسان العقل والعقل منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم وبالعقل يكمل، وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً حافظاً ذاكراً فطناً فهماً، فعلم بذلك كيف ولم وحيث وعرف من نصحه ومن غشه، فإذا عرف ذلك عرف مجراه وموصوله، ومفصوله، وأخلص الوحدانية لله والإقرار بالطاعة، فإذا فعل ذلك كان مستدركاً لما فات ووارداً على ما هو آت يعرف ما هو فيه ولأي شيء فيه ولأي شيء هو ههنا، ومن أين يأتيه وإلى ما هو صائر وذلك كله من تأييد العقل”(2).

يعني أن قيام أمر الإنسان ونظام حاله بالعقل فهو له كالعمود للبيت ومنه يحصل الفطنة وسرعة إدراك الأمور على الاستقامة، ويحصل الفهم والحفظ والعلم وبه يكمل الإنسان، وهو دليله على الحق وموجب لكونه ذا بصيرة ومفتاح لأمره به يفتح ما أغلق عليه من الأمور الدينية والدنيوية والمسائل المعضلة الغامضة، فإذا كان عقله مؤيداً بالنور أي بنور الحق وخلا عن شوائب الأوهام، وكان عالماً بما يحتاج إليه، حافظاً لعلمه بحيث لا يتطرق عليه سهو أو نسيان أصلاً أو غالباً، ذاكراً لربّه فطناً فهماً في غاية الكمال من القوتين النظرية والعملية، فعلم بذلك كيف أي كيفية الأعمال والأخلاق أو كيفية السلوك إلى الآخرة والوصول إلى الدرجات العالية، أو حقائق الأشياء وحقيقة نفسه أهو من المقربين أم من المبعدين ولم الأشياء، وعلل وجودها وما يؤدي إليها كعلة الأخلاق الحسنة حتى يكتسبها، وعلة الأخلاق الرذيلة حتى يجتنبها، أو يتفكر في علة العلل وسائر العلل المتوسطة، أو يتفكر في وأنه إنما خلقه الله للمعرفة والطاعة وحيث أي يعلم مواضع الأمور ويعرف مقام نفسه فيضعها فيه ولا يتعدى، قدره وعرف الناصح له ممّن غشه فيقبل النصح من الأوّل وإن كان عدواً له، ويحترز من تدليس الثاني، وإن كان صديقاً له فإذا عرف ذلك عرف مجراه أي سبيله الذي


1) مشكاة الأنوار: 430، وشرح نهج البلاغة: 108/7.

2) الكافي: 25/21 ح 23، ومستدرك الوسائل: 210/11 210/11 ح 12766.

يجري فيه إلى الحق أو يعلم أنه متوجه إلى الآخرة فيعمل بمقتضى هذا العلم ولا يتشبث بالدنيا وشهواتها وموصوله، ومفصوله، أي ما ينبغي الوصل معه من الأعمال والأشخاص وما ينبغي الفصل منه وأخلص الوحدانية الله سبحانه وعلم أنه الواحد الحقيقي لا جزء له عقلاً وذهناً وخارجاً ولا شريك له أصلاً، وأقرّ بأنه لا يستحق الطاعة غيره فإذا فعل ذلك أي الإخلاص والإقرار، كان مستدركاً في غابر الزمان لما فات منه في سالف الأيام من التكاليف التي كان يلزم عليه القيام بها واستدراكها إنما هو بالتوبة والقيامة بوظائفها، ووارد على ما هو آت من الأعمال الحسنة أو المراتب العالية، يعرف ما هو فيه أي النشأة الفانية وفنائها ومعاتبها، ولأتي شيء هو ههنا يعني يعرف أنه إنما أنزله الله تعالى إلى دار الدنيا للمعرفة وتحصيل السعادات الأخروية، فيبذل همته وجهده فيها، ومن أين يأتيه أي النّعم، والخيرات، ويعلم موليها فيشكره ويتوكل عليه ويتوسل به لا بغيره أو الأعم منها، ومن البلايا والشرور والأفات والمعاصي فيعلم أن المعاصي من نفسه الأمارة ومن الشيطان فيحترس منهما، وإلى ما هو صائر أي الموت وأحوال القبر وأهوال الآخرة ونعيمها وعذابها أو الأعم منها ومن درجات الكمال ودركات النقص، وذلك كله من تأييد العقل أي من ثمرات كون العقل مؤيداً بالنور حسبما عرفت فافهم واغتنم هذا.

وقد ظهر بما ذكرنا كلّه أن العالم من كمل عقله وعرف قدره ولازم مقامه ولا يرفع فوق قدرها ولا يتعدّى وظيفته ولا يدعي الأنبة له، فإن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها (وإن من أبغض الرّجال إلى الله) سبحانه المغضوب عنده المصروف عنه نظر العناية الأزلية والألطاف الربانية (لعبد) استبد برأيه واستقل بظنه ف- (وكله الله إلى نفسه) وجعله وكوله واعتماده عليها حيث زعم لنفسه الاستقلال وتمزد عن طاعة الزب المتعال فهو (جائر عن قصد السبيل) الموصل له إلى قرب الرّحمن المؤدّي له إلى روض الجنان (سائر بغير دليل) ينجيه من المهالك ومن سار بغير دليل فهالك.

والمراد بالدليل من يدله على مناهج الدين ويرشده إلى شرائع الشرع المبين، وهم أمناء الرّحمن وأبواب الإيمان وحملة أسرار الجليل وتراجمة الوحي والتنزيل من، تخلّف عنهم هلكومن تقدّمهم مرق ومن لازمهم لحق.

(إن دُعي) هذا الرجل المبغوض (إلى حرث الدنيا) استعارة للأفعال والأعمال المتوقع نفعها وثمرتها فيها من التجارة والزراعة والفلاحة ونحوها (عمل) واشتغل به واستغرق أوقاته فيه (وان دعى إلى حرث الآخرة) استعارة للطاعات والعبادات التي ترجى ثمرتها فيها (كسل) وتوانى وأعرض وتاب جانبه (كان ما عمل له) أي لنفسه من أشغال الدنيا (واجب عليه وكان ماونى فيه) من أعمال الآخرة (ساقط عنه) مع أنّ ما كسل عنه أولى بالقيام وما اشتغل به أحرى بالسقوط.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام مبین و ولی مؤمنین است که فرموده:

نظر نمایید به سوی، دنیا همچو نظر کسانی که زاهد شوند در دنیا و اعراض نمایند از آن پس به درستی که آن دنیا به حق خدا بعد از اندک زمانی زایل می سازد مقیم آرام گرفته را و فجعه میآورد بیباک و ایمن را به آن نمی گردد آنچه که روگردان شد از آن پس پشت کرد و دانسته نمیشود آن چیزی که آینده است از آن تا اینکه انتظار کشیده شود و شادی آن آمیخته شده به اندوه و قوت مردان در آن منتقل است به سوی ضعف و سستی.

پس البته مغرور ننماید شما را زیادتی آن چیزی که خوش آیند شما است در آن از جهت قلت و کمی چیزی که مصاحب و همراه باشد شما را از آن که عبارت است از قطن و کفن رحمت کند خداوند مردی را که تفکر کند، پس عبرت بگیرد و عبرت بگیرد پس صاحب بصیرت، شود پس گویا آنچه واقع است در دنیا، پس از اندکی نبوده است و گویا آنچه که واقع خواهد شد از آخرت پس در اندك زمانی ثابت و موجود است و هر شمرده شده به نهایت خواهد رسید و هر انتظار کشیده شده خواهد آمد و هر آينده نزديك است و قريب.

بعض دیگر از فصلهای آن خطبه این است که فرموده:

عالم کسی است که بشناسد قدر خود را و کفایت مینماید به مرد از حیثیت جهالت و نادانی آنکه نشناسد قدر خود را و به درستی که از دشمن ترین مردان به و سوی خدا هر آینه بندهای است که واگذارد خدای تعالی او را با نفس خودش عدول کننده باشد از میانه راه حق سیر کننده باشد بدون راهنما اگر خوانده شود به سوی کشف و زراعت دنیا عمل می میکند کند و مشغول شود و اگر خوانده شود به سوی کشت و زراعت، اخرت کسالت میگیرد و کاهل میباشد گویا آنچه که عمل کرد از برای خود از امور دنیا واجب است بر او و گویا آنچه که کاهلی نمود در آن از امور آخرت ساقط است از او.

الفصل الثاني

منها: وذلِكَ زَمانُ لا يَنْجُو فِيهِ إِلا كُلِّ مُؤْمِن نُؤَمَةٍ، إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَف، وإِنْ عَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ أُولئِكَ مَصابيحُ الهُدى، وأغلامُ السُّرى لَيْسُوا بالمسابيح وَلا الْمَذابيع البذر، أُولئِكَ يَفْتَحُ اللَّه لَهُمْ أَبْوابَ رَحْمَتِه، ويَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَاءَ نِقْمَتِه، أَيُّهَا النَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ يُكَفا فيه الإِسْلامُ كَما يُكْفَأُ الإناء بمائه(1)، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله تَعَالَى قَدْ أَعاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيكُمْ، وَقَدْ قال جَلَّ مِنْ قَاتِل»(وإنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَنتِ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)”(2)

[المؤمنون: 30].

قال السيد (ره) قوله: (كلّ مؤمن نؤمة)، فإنّما أراد الخامل الذكر القليل الشر، و (المسابيح) جمع مسياح وهو الذي يسيح بين النّاس بالفساد والنمائم، و (المذابيع) جمع مذياع وهو الذي إذا سمع لغيره فاحشة أذاعها ونوّه بها، و (البذر) جمع بذور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منقطه.

اللغة

(نؤمة) وزن همزة في بعض النسخ بالواو وفي بعضها بالهمزة قال ابن الأثير في»المحكى»عن النهاية في حديث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه ذكر آخر الزمان والفتن ثم قال:”خير أهل ذلك الزمان كلّ مؤمن نؤمة”، بوزن الهمزة الخامل الذكر لا يؤبه به وفي”القاموس»نؤمة كهمزة أمير مغفل أو خامل.

أقول: ولعله مأخوذ عن النوم لأنّ الإنسان إذا نام يحمل ويحمل عنه، ويؤيده ما في”القاموس»قال النوم النعاس أو الرقاد كالنيام بالكسر والاسم النئمة بالكسر وهو نائم ونؤم ونؤمة كهمزة وصرد.

و (السّرى) كالهدی سیر عامة الليل وقوله تعالى: أسرى بعبده ليلاً، تأكيد و (المذياع) من لا يكتم السر بل يذيعه ويفشيه ويظهره أو ينادي به في النّاس و (البذر) جمع بذور كزبر و زبور وصبر وصبور قال الشارح المعتزلي وهو الذي يذيع الأسرار وليس كما قال الرضى (ره) فقد يكون الإنسان بذوراً، وإن لم يكثر سفهه ولم يلغ منطقه، بأن يكون علنة مذياعاً من غير سفه ولا لغو.

أقول: ويؤيده ما في”القاموس»قال البذور والبذير النّمام ومن لا يستطيع كتم، سره


1) بما فيه في نسخة.

2) ميزان الحكمة: 1/ 300 ح 395، والتفسير الصافي: 399/3 395.

ورجل بذر ككتف وبيذار وبيدارة، وتبذار كتبيان وبيذراتي كثير الكلام و (يكفاً) بالبناء على المفعول من كفاه كمنعه وصرفه وكلبه قلبه»و”نوه»بها أي رفعها.

الإعراب

جملة (ليسوا بالمسابيح) منصوبة المحل على الحال، وتحتمل البدل من الخبر وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقد قال جل من قائل جملة (وقد قال) حال مؤكدة من فاعل (يعذكم) وجملة (جل) حال من فاعل (قال)، (ومن قائل) تميز لرفع إيهام النسبة في (جل) إلى فاعله.

المعنى

اعلم أنه أشار في هذا الفصل إلى ما يكون بعده من غلبة الفساد والشرور على أهل الزمان وعدم النجاة فيه إلا لأهل الإيمان كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نؤمة) أراد به خامل الذكر منهم المشتغل بربّه عنهم كما فسره بقوله: (إن شهد لم يعرف وإن غاب لم يفتقد) يعني أنه إن حضر مجالس أهل ذلك الزمان لا يعرفوه وإن غاب عنهم يفتقدوه، أي لا يسألون عنه ولا يقولون: أين هو وكيف صار وما يضع، وذلك لكونه بمعزل عنهم وعدم انتفاعهم بوجوده، وسنشير إلى فوائد العزلة وثمراتها بعد الفراغ من شرح الفصل.

(أولئك مصابيح الهدى وأعلام السّرى) يهتدي لهم السالكون في سبيل الله ويصلون بنور وجودهم إلى حظائر القدس (ليسوا بالمسابيح) أي الذين يسيحون ويجرون بين الناس بالفساد والنميمة (ولا المذابيع البذر) أي الذين يذيعون الأسرار ويفشون الفواحش (أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته) ورأفته (ويكشف عنهم ضراء نقمته) وشدّة عقوبته وفي بعض النسخ يفتح الله بهم ويكشف بهم ، اي ببركات وجودهم ينزل الخيرات ويكشف النقمات.

ثم أخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عما يكون بعده من الفتن والفساد فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أيها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الإسلام كما يكفأ الإناء بمائة) قال الشارح البحراني: شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قلبهم للإسلام بقلب الإناء بما فيه، ووجه الشبه خروج الإسلام عن كونه منتفعاً به بعد تركهم للعمل به كما يخرج ما في الإناء الذي كبّ عن الانتفاع، يعني أنه يأتي زمان ينقلب فيه الأمور الدينية إلى أضدادها ولا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من الكتاب إلا درسه، وأشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أن ذلك منه سبحانه ليس من باب الظلم والجور، بل من باب الاختيار والامتحان ليجزي الذين أحسنوا الحسنى جزاء أعمالهم ويذيق الذين عملوا السوء نكال وبالهم وهو قوله:

(أيها الناس إنّ الله قد أعاذكم) أي عصمكم (من أن يجور عليكم) وقد قال: وما ربّك بظلام للعبيد (ولم يعدكم) أي لم يعصمكم (من أن يبتليكم) ويختبركم، يعني أنه إذا غلب على أهل الزمان الفساد لا يلجاهم إلى الصلاح والسداد، ولكن يتركهم واختيارهم امتحاناً لهم واختباراً (وقد قال جلّ من قائل) في سورة المؤمنين بعد حكاية حال سفينة نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إن في

ذلك لايت وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ [المؤمنون: 30] قال الطبرسي: أي في أمر نوح والسفينة وهلاك أعداء الله دلالات للعقلاء يستدلون بها على التوحيد وإن كنا مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره ومتعبدين عبادنا بالاستدلال بتلك الآيات على قدرتنا ومعرفتنا.

أقول: غرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الاستدلال بالآية الشريفة الإشارة إلى أن عادة الله سبحانه جارية في الأمم الماضية والقرون الخالية، وكذلك في غابر الزمان ومستقبل الأيام على اختبار عباده وابتلائهم لإظهار جودة العبد ورداءته ليئب تمام العيار في قالب الامتحان ويعاقب الناقص الجوهر بالخزى، والخذلان وقد مرّ في شرح الخطبة الثانية والستين تحقيق معنى البلاء والابتلاء ولا حاجة إلى الإعادة هذا.

وينبعي التنبيه على أمور الأول

في فوائد العزلة وخمول الذكر وهي على ما ذكره أبو حامد الغزالي: تنقسم إلى فوائد دينية ودنيوية والدينية تنقسم إلى ما يمكن من تحصيل الطاعات في الخلوة والمواظبة على العبادة والفكر وتربية العلم، وإلى تخلص من ارتكاب المناهي يتعرض لها الإنسان بالمخالطة كالرياء والغيبة والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة من جلساء السّوء.

وأما الدنيوية فتنقسم إلى ما يمكن من التحصيل بالخلوة كتمكن المحترف في خلوته إلى ما يخلص من محذورات يتعرض لها بالمخالطة كالنّظر إلى زهرة الدنيا وإقبال الخلق عليها وطمعه في الناس وطمع الناس فيه وانكشاف ستر مروته بالمخالطة والتأذي بسوء خلق الجليس في مزائه أو سوء ظنه أو نميمته أو محاسدته أو التأذي بثقله وتشويه خلقته، وإلى هذا ترجع مجامع فوائد العزلة فلنحصر ستّ فوائد

الفائدة الأولى

التفرغ للعبادة والفكر والاستئناس بمناجاة الله عن مناجاة الخلق والاشتغال باستكشاف أسرار الله في أمر الدنيا والآخرة وملكوت السماوات والأرض، فإن ذلك يستدعي فراغاً ولا فراغ مع المخالطة، فالعزلة وسيلة إليه، ولذلك كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في بدو أمره يتبتل في جبل حراء ويختار العزلة لنفسه حتى بعث وأمر بالتبليغ فخالط الناس وكان ببدنه معهم وبقليه مقبلاً على الله، ولا يحجب مخالطتهم عن توجهه بالباطن ولن يسع الجمع بين المخالطة ظاهراً والإقبال باطناً إلا قوة النبوّة والولاية، فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك، فإن المخالطة مانعة لهم عن الفكر والذكر، والعزلة أولى بهم.

ولذلك قيل لبعض الحكماء: ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة؟ فقال: يستدعون بذلك دوام الفكرة وتثبت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيبة ويذوقوا حلاوة المعرفة.

وقيل: لبعض الرهبان ما أصبرك على الوحدة؟ فقال: ما أنا وحدي أنا جليس الله تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإذا شئت أن أناجيه صليت.

وقيل: بينما أويس القرني جالس إذا أتاه رجل فقال له أويس ما جاء بك؟ قال: جئت لأنس بك فقال أويس ما كنت أرى أن أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره.

وقال الفضيل: إذا رأيت الليل مقبلاً فرحت به وقلت أخلو بربّي، وإذا رأيت الصبح أدركني استرجعت كراهة لقاء الناس وأن يجيئني من يشغلني عن ربي.

وقال بعض الصالحين: بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال، فلما نظر إلي تنحى إلى أصل شجرة وتستر بها فقلت سبحان الله تبخل علي بالنظر إليك؟ فقال: يا هذا إنّي أقمت في هذا الجبل دهراً طويلاً أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفني فيه عمري فسألت الله تعالى أن لا يجعل حطّي من أيامي في مجاهدة، قلبي فسكنه الله تعالى عن الاضطراب وألفه الوحدة والانفراد، أنا نظرت إليك فخفت أن أقع في الأمر الأول، فإليك عني فإني أعوذ من شرك بربّ العارفين وحبيب القانتين، ثم صاح واغماه من طول المكث في الدنيا، ثم حوّل وجهه عني، ثم نفض يديه. وقال: إليك عنّي يا دنيا لغيري فتزيني وأهلك فغرّي، ثم قال سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذة الخدمة وحلاوة الانقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور الحسان وجمع همتهم في ذكره فلا شيء ألذ عندهم من مناجاته، ثم مضى وهو يقول قدوس قدوس.

فإذا في الخلوة أنس بذكر الله واستكثار من معرفة الله، وفي مثل ذلك قيل:

وإنّي لأستغشى ومابي غشوة *** لعلّ خيالاً منك يلقي خياليا

وأخرج من بين الجلوس لعلني *** أحدث عنك النفس بالسز خالياً

قال بعض الحكماء: إنّما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة فيكثر حينئذ ملاقاة النّاس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويستخرج العلم والحكمة وقد قيل: الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس.

فقد وضح بذلك كله أن التجرد والعزلة في حق الخواص أفضل من المخالطة بالناس، لأنّ غاية العبادات وثمرة المعاملات أن يموت الإنسان عارفاً بالله محباً له ولا محبّة إلا بالأنس

الحاصل بدوام الذكر، ولا معرفة إلا بدوام الفكر وفراغ القلب شرط في كل واحد منهما، ولا فراغ مع المخالطة.

الفائدة الثانية

التخلّص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرّض الإنسان غالباً لها بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة، وهي أربعة: الغيبة والزياء والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدنيا.

أما الغيبة: فإن التحرز منها مع المخالطة عظيم لا ينجو منها إلا الصديقون لأنّ عادة الناس كافة التمضمض بأعراض الناس والتفكه والتنقل بحلاوتها، وهي طعمتهم ولذتهم، وإليها يستروحون من وحشتهم في الخلوة فإن خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله، وإن سكن كنت شريكاً، والمستمع أحد المغتابين وإن أنكرت أبغضوك وتركوا ذلك المغتاب واغتابوك، فازدادوا غيبة إلى غيبة وربّما تعدّوا عن الغيبة إلى الاستخفاف والاستهزاء عصى مشاهدة والشتم.

وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمن خالط الناس فلا بد له من المنكرات، فإن سكت الله به، وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر والأذى، وفي العزلة خلاص من ذلك، فإن الأمر في إهماله شديد والقيام به شاق فإنّه كجدار مائل يريد الإنسان أن يقيمه فيوشك أن يسقط عليه، فإذا سقط عليه يقول: يا ليتني تركته مائلاً، نعم لو وجد أعواناً أمسكوا الحائط حتى يحكمه بدعامة لاستقام، وأنت اليوم لا تجد الأعوان فدعهم وأنج بنفسك قال الشاعر:

وكم سقت في آثاركم من نصيحة *** وقد يستفيد البغضة المتنصح

وأما الرياء فهو الداء العضال الذي يعسر الاحتراز منه على الأوتاد والأبدال وهو إما في العبادات أو في العادات، وقد مرّ تحقيق الكلام في الأوّل في شرح الخطبة الثالثة والعشرين، وعرف هنالك أن الاعتزال من الناس علاجه ودواؤه النافع له.

وأمّا الثاني أعني الرّياء في العادات فكل من خالط الناس داراهم ومن داراهم رآهم ومن راهم وقع فيما وقعوا فيه، وهلك وأقل ما يلزم فيه النّفاق فإنك إن ترى متعاديين ولم تلق كلّ واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضاً إليهما جميعاً، وإن جاملتهما كنت عن شرار النّاس.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”إن من شرار الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه”.

وفي”الكافي»بإسناده عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)”من لقى المسلمين

بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسان من نار”(1).

وعن عبد الرحمن بن حماد رفعه قال: قال الله تبارك وتعالى لعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ال يا عيسى لتكن لسانك في السر والعلانية لساناً واحداً وكذلك قلبك إني أحذرك نفسك وكفى بي خبيراً لا يصلح لسانان في فم واحد ولا سيفان في عمد واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان.

وأقل ما يجب في مخالطة الناس إظهار الشوق والمبالغة فيه، ولا يخلو ذلك عن كذب عن إمّا في الأصل وإما في الزيادة وإظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال بقولك كيف أنت وكيف أهلك وأنت في الباطن فارغ عن همومه وهو نفاق محض وآية ذلك أنك تقول كيف أنت ويقول الآخر كيف أنت فالسائل لا ينتظر بالجواب والمسؤول يشتغل بالسؤال ولا يجيب وذلك لمعرفتهم بأن ذلك عن رياء وتكلّف، ولعلّ القلوب لا تخلو من ضغائن الأحقاد والألسن تنطق بالسؤال.

قال بعضهم: إنّي لأعرف أقواماً كانوا لا يتلاقون ولو حكم أحدهم على صاحبه بجميع ماله لبذله وأرى الآن أقواماً يتلاقون ويتساءلون حتى عن الدّجاجة في البيت، ولو انبسط أحدهم لحبّة من مال صاحبه لمنعه هل هذا إلا مجرد الزياء والنفاق، وكلّ ذلك مذموم بعضه محرم وبعضه مكروه، وفي العزلة خلاص منه، فإن من لقي الخلق ولم يتخلق بأخلاقهم مقتوه واستثقلوه واغتابوه وتشتروا لإيذائه فيذهب دينهم فيه ويذهب دينه ودنياه في الانتقام منهم.

وأما مسارقة الطبع مما يشاهد من أخلاق النّاس وأعمالهم فهو داء دفين داء دفين قلما ينتبه له العقلاء فضلا عن عن الغافلين فلا يجالس الإنسان فاسقاً مدة مع كونه منكراً عليه في باطنه إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما تفرقة في النفرة عن الفساد، فاستثقاله إذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هيناً على الطبع فيسقط وقعه واستعظامه له، وإنما الوازع عنه شدّة وقعه في القلب، فإذا صار مستصغراً بطول المشاهدة أوشك أن تنحل القوة الوازعة ويذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه ومهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استصغر الصغائر واستحقرها من نفسه.

ولذلك يزدري إلى الأغنياء نعمة الله عليه، فتؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده وتؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما أبيح له من النعم، وكذلك النظر إلى المطيعين والعاصين وهذا تأثيره في الطبع.

فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال أولياء الدين والسلف الصالحين في العبادة


1) الكافي: 343/2 1، ووسائل الشيعة: 256/12 ح 143.

والمجاهدة والزّهد عن الدّنيا لا يزال ينظر إلى نفسه بعين الاستصغار، وإلى عبادته بعين الاستحقار فيجتهد في العبادة ويرغب في الطاعة ويزهد في الدنيا استكمالاً واستتماماً للاقتداء بهم والحذو بمثلهم، ومن نظر إلى غالب أهل الزمان ورأى أعراضهم عن الله وإقبالهم على الدنيا واعتيادهم المعاصي استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه، وذلك هو الهلاك ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر فضلاً عن مشاهدته.

فبهذه النكتة يعرف سرّ قوله: عند ذكر الصالحين ينزل الرحمة وإنما الرحمة دخول الجنة ولقاء الحق، ولا ينزل عند ذكر الصالحين عين ذلك، ولكن سببه الذي هو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الاقتداء بهم والاستنكاف عما هو ملابس له من القصور والتقصير ومبدأ الرحمة فعل الخير ومبدأ فعل الخير الرغبة ومبدأ الرغبة ذكر أحوال الصالحين فهذا معنى نزول الرحمة.

ويفهم من فحوى ذلك أن عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة لأن كثرة ذكرهم تهوّن على الطبع أمر المعاصي واللعنة هي البعد من الحق ومبدأ البعد هو المعاصي والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ العاجلة والشهوات الحاضرة المخطورة، ومبدأ المعاصي سقوط ثقلها وتفاحشها عن القلب،، ومبدأ سقوط الثقل وقوع الأنس بها بكثرة السماع، وإذا كان هذا حال ذكر الصّالحين والفاسقين فما ظنك بمشاهدتهم ومخالطتهم.

وقد مرّ في شرح الخطبة الخامسة والثمانين وشرح الكلام الثالث عشر أخبار كثيرة في النهي عن مجالسة أهل المعاصي والبدع ومخالطتهم، وظهر هناك أن مجالستهم منساة للإيمان محضرة للشيطان، فعليك بمراجعة المقامين.

وبالجملة فقد ظهر مما ذكرنا أنّ الطبيعة سرّاقة تستفيد الخير والشر من مشاهدة الغير فعليك بالفرار من الناس، إذ لا ترى منهم إلا ما يوجب زيادة حرصك على الدنيا وغفلتك عن الآخرة، ويهون عليك المعصية ويسقط وقعها عن قلبك.

ومما يوضح سقوط وقع المعاصي من القلوب بكثرة المشاهدة أنّ أكثر الناس إذا رأوا مسلماً أفطر في شهر رمضان من غير عذر استبعدوا ذلك استبعاداً يكاد يفضي إلى اعتقادهم كفره، وربما يشاهدون من يخرج الصّلاة عن أوقاتها ويترك بعضها أحياناً ولا تنفر عنه طباعهم كما تنفرون عن المفطر في شهر رمضان مع أنّ الصّلاة أفضل من الصيام قطعاً ولا سبب لذلك إلا أن الصلاة تتكرر والتساهل فيها يكثر فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب بخلاف الصوم.

فعليك بالعزلة والوحدة إلا من الجليس الصالح الذي يوجب مجالسته الرغبة في الطاعات والميل إلى العبادات، وينفرك مصاحبته عن الدنيا وزحارفها وشهواتها ويشوقك

مخالطته إلى الرّغبة في الآخرة ونعيمها ودرجاتها.

الفائدة الثالثة

الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتّعرّض لأخطارها، وقلّما تخلو البلاد عن تعصبات وخصومات فالمعتزل في سلامة منها.

روى أبو سعيد الخدري أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن من شاهق إلى شاهق.

وفي رواية أخرى عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة(1)طار إليها أو رجل في شعفة في غنيمة ويعبد الله حتى يأتيه الموت(2).

وروی عبد الله بن مسعود أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فرّ بدينه من قرية إلى قرية ومن شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر كالثعلب الذي،يروغ قيل له ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له: إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله، فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة:قالوا وكيف يا رسول الله وقد أمرتنا بالتزويج ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إذا كان ذلك الزمان كان هلاك الزجل على يد أبويه، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته، وولده، فإن لم يكن فعلى يدي، قرابته قالوا وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يعيرونه بضيق اليد فيتكلف ما لا يطيق حتى يورده ذلك موارد الهلكة”(3).

وهذا الحديث وإن كان في العزوبة إلا أنه يدل على حسن العزلة إذ لا يستغني المتأهل عن المعيشة والمخالطة، ثم لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله حسبما استفيد من الرواية.

قيل: لما بنى عروة قصره بالعقيق ولزمه قيل له: لزمت القصر وتركت مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ فقال: رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة في فجاجكم عالية، وفيما هناك عمّا أنتم فيه عافية، فإذا الحذر من الخصومات ومثارات الفتن إحدى فوائد العزلة.

الفائدة الرابعة الخلاص من شر الناس

فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة، ومرة بسوء الظن والتهمة ومرة بالاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها، وتارة بالنميمة والكذب، فربما يرون منك من الأعمال أو الأقوال


1) قال جار الله الهيعة: الصيحة التي يفزع منها، أصلها من هاع يهيع إذا جبن والشعفة رأس الجبل والمعنى خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه واستعد للجهاد في سبيل الله ورجل اعتزل النّاس وسكن في بعض رؤوس الجبال في غنم له قليل يرعاها ويكتفي بها في أمر معاشه أمر معاشه ويعبد الله حتى يأتيه الموت.

2) مستدرك الوسائل: 388/11، وشرح نهج البلاغة: 47/10.

3)

ما لا تبلغ عقولهم كنهه فيتخذون ذلك ذخيرة يدّخرونها لوقت تظهر فيه فرصة الشر، فإذا اعتزلتهم استغنيت من التحفظ عن جميع ذلك.

ولذلك قال بعض الحكماء لغيره: اعلمك بيتين خير من عشرة آلاف درهم قال: ما هما؟ قال:

اخفض الصوت إن نطقت بليل *** والتفت بالنّهار قبل المقال

ليس للقول رجعة حين يبدو *** بقبيح يكون أو بجمال

ولا شك أنّ من اختلط بالناس وشاركهم اختلط بالناس وشاركهم في الأعمال لا ينفك من حاسد وعدو يسيء الظَّن به ويتوهم أنه يستعد لمعاداته ونصب المكيدة عليه وتدسيس غائلة ورائه، والناس مهما اشتد حرصهم على أمر يحسبون كلّ صيحة عليهم هم العدوّ وقد اشتد حرصهم على الدنيا فلا يظنون بغيرهم إلا الحرص عليها قال المتنبي:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه *** وصدق ما يعتاده من توهّم

وعادى محبيه بقول عدائه *** فأصبح في ليل من الشك مظلم

وقد قيل: معاشرة الأشرار تورث سوء الظن بالأبرار، وأنواع الشر الذي يلقاه الإنسان من معارفه وممن يختلط به كثيرة، ولا حاجة إلى تفصيلها وفي العزلة خلاص من جميعها.

وعن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه أراد الحج فسمع بذلك ثابت البناني فقال له: بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن أصحبك، فقال له الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): ويحك دعنا نتعاشر بستر الله علينا إنّي أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه(1).

وهذه إشارة إلى فائدة أخرى في العزلة، وهو بقاء السرّ على الدين والمروة والأخلاق والفقر وسائر العورات، وقد مدح الله سبحانه المتسترين فقال: (يَحْبُهُمُ الْجَاهِلُ أغنياة مِن التَّعَفُّفِ ﴾ [البقرة: 273] قال الشاعر:

ولا عار أن زالت عن الحرّ نعمة *** ولكن عاراً أن يزول التجمّل

ولا يخلو الإنسان في دينه ودنياه وأخلاقه وأفعاله عن عورات الأولى في الدين والدنيا سترها ولا تبقى السلامة مع انكشافها.

قال أبو الدرداء: كان النّاس ورقاً لا شوك فيه فالناس اليوم شوك لا ورق فيه، فإذا كان هذا حكم زمانه وهو في أواخر القرن الأول فما حال أمثال زماننا.

وقال أبو الدرداء أيضاً: اتقوا الله واحذروا الناس فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه ولا


1) شرح نهج البلاغة: 48/10.

ظهر جواد إلا عقروه ولا قلب مؤمن إلا خربوه.

وقال بعضهم: أقل المعارف فإنه أسلم لدينك وقلبك وأخف لسقوط الحقوق عنك، لأنه كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق وعسر القيام بالجميع.

وقال آخر: أنكر من، تعرف ولا تتعرّف إلى من لا تعرف.

الفائدة الخامسة

أن ينقطع طمع الناس عنك وطمعك عن الناس، فأما انقطاع طمع الناس عنك ففيه منافع كثيرة، فإن رضاء النّاس لا تضبط وأغراضهم لا تدرك والاشتغال بإصلاح النفس أولى من الاشتغال بإتيان مقصود الغير وتحصيل رضائه.

ومن أهون الحقوق وأيسرها حضور الجنازة وعيادة المريض وحضور الولائم وزيارة الأحباء، وفيها تضييع الأوقات وتعرض للآفات، وربما تعوق عن بعضها العوائق والموانع وتستقبل فيها المعاذير ولا يمكن إظهار كل الأعذار فيقولون قمت في حق فلان وقصرت في حقنا ويصير ذلك سبباً للعداوة.

فقد قيل: من لم يعد مريضاً في وقت العيادة فقد اشتهى موته مخافة الخجالة إذا عاد المريض إلى السلامة، ومن عمّم النّاس كلهم بالحرمان رضوا عنه كلهم ولو خصص البعض استوحشوا، ولو قام بحقوق الجميع لم يف له طول الليل والنهار ولو تجرد به فكيف من له مهم يشغله في دينه أو دنياه، ومن هنا قيل كثرة الأصدقاء كثرة العرناء وقال الشاعر:

عدوّك من صديقك مستفاد *** فلا تستكثرنّ من الصحاب

فإنّ الدّاء أكثر ما تراه *** یكون من الطعام أو الشراب

وأما انقطاع طمعك عنهم فهو أيضاً فائدة أخرى جزيلة، فإن من نظر إلى زهرة الدنيا وزينتها تحرك وانبعث بقوة الحرص وطمعه ولا يرى إلا الخيبة في أكثر الأحوال فيتأذى بذلك، ومهما اعتزل لم يشاهد ومتى لم يشاهد لم يشته ولم يطمع، ولذلك قال الله سبحانه:

(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا) [ طه: 131]

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا

تزدروا نعمة الله عليكم”(1).

وقال بعضهم: كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموماً كنت أرى ثوباً أحسن من ثوبي


1) المعجم الصخير: 121/2.

وفرساً أفره من دابتي فجالست الفقراء فاسترحت.

وبالجملة فمن شاهد زينة الدنيا فأما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر فيكون محتاجاً إلى أن يتجرع مرارة الصبر، وهو أمر من الصبر أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدنيا فيهلك ملاكاً مؤبداً، أما في الدنيا فبالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات فليس كل من يطلب الدنيا يتيسر له.

ماكل مايتمنى المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

وأمّا في الآخرة فبإيثاره زينة الحياة الدنيا على متاع الآخرة، ولذلك قال ابن الأعرابي:

إذا كان باب الزّل من جانب الغني *** سموت إلى العليا من جانب الفقر

الفائدة السادسة

الخلاص من مشاهدة الثقلاء والسفهاء ومقاساة حمقهم وأخلاقهم، فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر.

قال:جالينوس: لكلّ شيء حتى وحمّى الروح النظر إلى الثقلاء، وقال الشافعي: ما جالست ثقيلاً إلا وجدت الجانب الذي يليه من بدني أثقل علي من الجانب الآخر.

ويحكي أنه دخل أبو حنيفة على الأعمش فقال له: إن من سلب الله كريمتيه عوّضه الله عنهما ما هو خير منهما فما الذي عوّضك؟ فقال له في معرض المطايبة عوضني عنهما أنه كفاني رؤية الثقلاء وأنت منهم.

وهذه فوائد العزلة وثمراتها بعضها متعلق بالدنيا وبعضها متعلق بالآخرة، والله سبحانه ولي التوفيق وإليه مصير العاقبة.

الثاني

في النميمة، وهو إسم من تم الحديث ينمه من بابي ضرب وقتل سعى به ليوقع فتنة أو وحشة فهو نم ونمّام قال تعالى:

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّامِ نَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍ بَعدَ ذَلِكَ [القلم: 10 - 13]. قال في”التفسير”: أي لا تطع كثير الحلف بالباطل لقلة مبالاته بالكذب، وصاحب المهانة أي قلة الرّأي والتميز أو صاحب الذلة والحقارة عند الله سبحانه، والقارع في الناس المغتاب والقتاة الساعي بين الناس بالنميمة طلباً للفساد وضرب بعضهم ببعض، والبخيل بالمال كثير المنع منه والمتجاوز عن الحق الغشوم الظلوم والأثيم الفاجر، وقيل معتد في ظلم

غيره أثيم في ظلم نفسه، ظلم نفسه، عتل بعد ذلك زنيم أي هو مع كونه مناعاً للخير معتدياً أثيماً فاحش سي ء الخلق، وزنيم أي دعي ملصق إلى قوم ليس منهم وقال سبحانه:

وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد: 4]. قيل: إنها كانت تنم على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في”رواية الكافي”:”ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال:”المشّاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبّة الباغون للبراء المعائب”(1).

وعن أبي ذر عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال:”من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حق شانه الله بها في النار يوم القيامة”.

وعن أبي الدرداء عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال:”أيما رجل أشاع على رجل كلمة وهو منها برىء ليشينه

بها في الدنيا كان حقاً على الله أن يذيبه بها يوم القيامة في النار”(2).

ويقال اتبع رجل حكيماً سبع مائة فرسخ في سبع كلمات فلما قدم عليه قال: إنّي جئتك للذي أتاك الله من العلم أخبرني عن السماء وما أثقل منها، وعن الأرض وما أوسع منها، وعن الصخر وما أقسى منها، وعن النار وما أحرّ منها وعن الزمهرير وما أبرد منه، وعن البحر وما أغنى منه وعن اليتيم وما أذلّ منه؟

فقال له:الحكيم البهتان على البريء أثقل من السماوات، والحق أوسع والحق أوسع من الأرض. والقلب القانع أغنى من البحر، والحرص والحسد أحر من النار، والحاجة إلى القريب إذا لم ينجح أبرد من الزمهرير قلب الكافر أقسى من الحجر، والنمام إذا بان أمره أذل من اليتيم هذا.

وينبغي أن يعلم أن مراد التمام بنميمته إما إرادة السوء للمحكي عنه، أو إظهار الحب للمحكي له أو التفرّج بالحديث والخوض في الفضول والباطل وعلى كل تقدير فاللازم للمحكى له عندما سمع النميمة أمور ستة:

الأَوّل: أن لا يضدقه لأن التمام فاسق وهو مردود الزواية قال تعالى:

(ياتها الذين امنوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَاء فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَهِ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نادِمین [الحجرات: 6].

وقد روى إن عمر بن عبد العزيز دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئاً فقال له عمر:


1) مصباح الفقاهة: 432/1، ومصباح المنهاج: 385.

2) الجامع الصغير: 458/10 2966، وكنز العمال: 38/16.

إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية: إن جاءكم فاسق، وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية: هماز مشاء بنميم، وإن شئت عفونا عنك، قال: العفو لا أعود إليه أبداً.

الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله قال الله تعالى:

(وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ [لقمان: 17].

روى في بعض مؤلفات أصحابنا من إرشاد القلوب أن رجلاً دخل على عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال له: إن فلاناً لا يزال يذكرك في قصصه بشر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له:”يا هذا والله ما راعيت حق مجالسة الرّجل حيث نقلت إلينا حديثه وخنته فيما ائتمنك به. ولا أديت حقي أيضاً حين أعلمتني ما أكره، أما علمت أنّ النّمام من سكان النار؟ ولكن قل له: إن الموت يعمنا، والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين(1)، نقلناه بالمعنى.

الثالث: أن يبغضه في الله فإنّه بغيض عند الله، ويجب بغض من يبغضه الله تعالى وأيضاً فإنّه قد واجهك بما لم يواجهك به من حكى عنه، حيث استحياك وذكرك بسوء في غيبتك والنمام ذكرك بسوء في مواجهتك ولم يستح منك، وقد قيل: سبك من بلغك.

روي إن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سعي إليه برجل فقال: يا هذا نحن نسأل عما قلت، فإن، كنت صادقاً، مقتناك وإن كنت كاذباً، عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين(2).

الرابع: ألا تظن بأخيك الغائب السوء لقوله تعالى:

(اجتنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّن انه﴾ [الحجرات: 12].

قال رجل لعبد الله بن عامر وكان أميراً: بلغني أن فلاناً أعلم الأمير أني ذكرته بسوء:قال: قد كان ذلك، قال: فأخبرني بما قال حتى أظهر كذبه عندك، قال: ما أحب أن أشتم نفسي بلساني، وحسبي أني لم أصدقه فيما قال ولا أقطع عنك الوصال.

الخامس: أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث عن حقيقة ما قاله لقوله تعالى: وَلَا تَجَسَّسُوا [الحجرات: 12].السادس: أن لا ترضى لنفسك ما نهيت التمام عنه ولا تحكي نميمته فتكون نماماً ومغتاباً وتكون قد أتيت ما نهيت عنه.


1) شرح أصول الكافي: 381/9 ح 4، وبحار الأنوار: 246/72 ح 8.

2) بحار الأنوار: 270728، ومستدرك سفينة البحار: 157/10.

روى كعب الأخبار أن بني إسرائيل أصابهم قحط فاستسقى موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ مرات فما سقوا، فأوحى الله تعالى إليه أني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم تمام قد أصر على التميمة، فقال فقال موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ):يا ربّ من هو دلّني عليه حتى أخرجه من بيننا قال: يا موسى أنهيكم عن النميمة وأكون نمّاماً، فتابوا جميعاً فسقوا.)بقي الكلام في السعاية وهي النميمة إلا أنها إذا كانت إلى من يخاف من جانبه كالسلطان والأمير ونحوهما تسمى سعاية وهي أقبح من النميمة وأفحش منها لما يترتب عليها من المضار.قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ:”الساعي بالنّاس إلى الناس لغير رشدة “(1)، قيل: يعني ليس بولد حلال، وذكرت السعاية عند بعض الصالحين فقال: ما ظنكم بقوم يحمد الصدق من كل طائفة من الناس إلا منهم.)ورفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نيه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته فوقع على ظهرها:”السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فإن كنت أجريتها مجرى النصح : فخسرانك فيها أفضل من الربح، ومعاذ الله أن نقبل مهتوكاً في مستور، ولولا أنك في خفارة شيبتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك، فتوق يا ملعون العيب، فإن الله أعلم بالغيب، الميت رحمه الله واليتيم جبره الله والمال ثمره الله والساعي لعنه الله”.وبالجملة فشرُّ النّمام عظيم وخطره جسيم ينبغي التوقي منه والحذر من نميمته كيلا تقع في طول حسرة وندامة.فقد روى روى حماد بن سلمة أنّه باع عبداً وقال للمشتري: ما فيه عيب إلا النميمة قال: قد رضیت فاشتراه فمكث الغلام أياماً، ثم قال لزوجة مولاه: إن سيدي لا يحبّك وهو يريد أن يتسري(2عليك فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره عليها فيحبك، ثم قال للزوج: إنّ امرأتك اتخذت خليلاً وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى فظنّ أنّها تريد قتله فقام إليها فقتلها، فجاء أهل المرأة وقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين واشتد الفساد في البين.)الثالثفي إذاعة الأسرار وإفشاء الفواحش وقد نهى عنهما في الشرع الأنور لما فيهما من الأذىوالتهاون بحق الإخوان والأصدقاء وحذر عن الثاني في الكتاب الكريم قال تعالى:


1) الجواهر السنية: 78، وبحار الأنوار: 268/72.

2) التسري: الزواج بالسر.

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا هُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النور: 19].)ولا يخفي دلالته على المقصود فإن إنشاء الفاحشة لا يكون إلا عن محبة إشاعتها وإن كان حبّ الإشاعة أعم، إذ يصدق على حبّ شيوعها بين المؤمنين وإن لم يكن الإشاعة من المحت نفسه.وحذر عن الأوّل في غير واحد من الأخبار مثل ما روى في”الكافي”، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: قلت له عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال:”نعم”:قلت تعني سفلويه؟ قال:”ليس حيث تذهب إنما هو إذاعة سره “(1)وعن زيد عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال:”فيما جاء في الحديث عورة المؤمن على المؤمن حرام”، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”ما هو أن ينكشف فترى منه شيئاً إنّما هو تروى عليه أو تعيبه”.)وعن محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول:”إنّ الله عزّ وجلّ عيّر أقواماً بالإذاعة في قوله”(2):)﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ [النساء: 83]. فإياكم والإذاعة.

محمد وعن مع بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”يحشر العبد يوم القيامة وما ندى دماً فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك فيقال: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا رب إنك لتعلم أنّك قبضتني وما سفكت دماً فيقول: بلى سمعت من فلان رواية كذا وكذا فرويتها عليه فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها فهذا سهمك من دمه»هذا.

ويتأكد الحرمة في إذاعة أسرار الأنبياء والأئمة (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويدل عليه ما في”الكافي»بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قول الله عز وجلّ:

(وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَيَّ) [آل عمران: 112].

فقال:”أما والله ما قتلوهم بأسيافهم، ولكن أذاعوا سرّهم وأفشوا عليهم فقتلوا”.

وعن يونس بن يعقوب عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله قال:”ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ولكن قتلنا قتل عمد”.


1) مجمع الفائدة: 12/ 350، وكتاب الطهارة: 3/353.

2) الكافي: 370/2، والمحاسن: 256/1 ح 293.

وعن محمد الخزاز عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقنا”(1).

وعن نصر بن ساعد مولى أبي عبد الله عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”مذيع السرّ شاك، وقائله عند غير أهله كافر. ومن تمسك بالعروة الوثقى فهو ناج، قلت: ما هو ؟ قال التسليم”.

وعن أبي خالد الكابلي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه قال:”إن الله جعل الدولتين دولتين: دولة آدم وهي دولة الله ودولة إبليس فإذا أراد الله أن يعبد علانية كانت دولة آدم وإذا أراد الله أن يعبد في السر كانت دولة إبليس، والمذيع لما أراد الله ستره مارق من الدين”.

وعن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”من استفتح نهاره بإذاعة سرّنا سلّط الله عليه حرّ الحديد وضيق المحابس”(2)، هذا.

والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وفيما رويناه كفاية لمن له دراية والله الهادي.


1) مجمع الفائدة: 349/12، والكافي: 370/2 ح 2.

2) الكافي: 372/22 ح 12، وتحف العقول: 311.

الترجمة

بعض دیگر از این خطبه اشاره است به فساد زمان بنی امیه و بنی مروان و حال روزگار سایر، مخالفان، چنانچه فرموده:

و آن زمان زمانی است که نجات نیابد در آن مگر هر مؤمنی که گمنام، باشد اگر حاضر شود آن مؤمن در مجالس نشناسند او را و اگر غایب شود نجویند او را، ایشانند چراغهای هدایت در صراط مستقیم و نشانهای سیر و حرکت در شب به سوى منهج، قویم نیستند در میان مردمان گردش کنندگان با فساد و سخن چینی و نه فاش سازندگان اسرار و عیبهای، بندگان ایشان میگشاید حق تعالی از برای ایشان درهای رحمت خود را و ببرد از ایشان شدت عقوبت خود را.

ای گروه، مردمان زود باشد که بیاید بر شما زمانی که سرنگون کرده میشود در او اسلام همچنان که سرنگون میشود ظرف با آنچه در او است. ای جماعت، مردمان به درستی که خداوند تعالی نگاه داشته شما را از اینکه ظلم و جور نماید در حق شما و نگه نداشته شما را از اینکه امتحان نماید شما را و گفته در حالتی که بزرگ است از حیثیت گویندگی: "إنّ في ذلك لأيات و إن كنا لمبتلين "؛ يعنى به درستی که در این نشانها و علامتهایی است و اگرچه هستیم ما آزمایش و امتحان کنندگان.

ومن خطبة له وهي المائة والثالثة من المختار في باب الخطب

اشارة

خطب بها عند خروجه إلى البصرة وقد تقدّم مختارها بخلاف هذه الرواية وهي الخطبة الثالثة والثلاثون.

»أَمَّا بعد، فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا الله ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتاباً، ولا يَدَّعي وِ نُبُوَّةً ولا وَحْياً، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطاعَهُ مَنْ عَصاهُ يَسُوقُهُمْ إِلى مَنْجاتِهِمْ، وَيُبَادِرُ بِهِمْ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَّ بِهِمْ، يَحْسِرُ الْحَسِيرُ، ويَقِفُ الكَسيرُ، فَيُقيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ عَايَتَهُ إلا مالِكاً لا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أراهُمْ مَنْجاتَهُمْ، وبَوْأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدارَتْ رَحاهُمْ وَاسْتَقامَتْ قَناتُهُمْ، وأَيْمُ الله لَقَدْ كُنتُ في ساقتِها حَتَّى تَوَلَّتْ بِحذافيرها، وَاسْتَوْسَقَتْ في قِيادِها، ما ضَعُفْتُ ولا جَبْنْتُ، ولا حنتُ ولا وَهَنْتُ، وَأَيْمُ اللهِ لأبقُرنُ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خاصرَتِه”(1).

اللغة

(المنجاة) محلّ النجاة ويحتمل المصدر و (حسر) البصر يحسر حسوراً من باب قعد كلّ وانقطع من طول مدى ونحوه وهو حسير، وحسر البعير ساقه حتى أعياه كأحسره، وحسر البعير أيضاً من باب ضرب وفرح أعيا كاستحسر فهو حسير يتعدى ولا يتعدي وناقة (كسير) مكسورة و (استوسقت) الإبل اجتمعت و (قياد) وزن كتاب حبل يقاد ومضى تفسیر سائر الألفاظ في شرح الخطبة المشار إليها المتقدمة.

الإعراب

جملة (ليس أحد) حال من فاعل بعث والرابط الواو، وجملة ( يسوقهم) حال من فاعل قاتل والرابط الضمير، وقوله (أن تنزل) بهم إما بدل من الساعة أو مفعول له ليبادر أي مخافة أن تنزل بهم على حد قوله تعالى:

(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ﴾ [النساء: 176].

أي كراهة أن تضلوا، وإلا هالكاً إما استثناء من مفعول يلحقه أو من الضمير في عليه، والثاني أظهر لأنّه كان مقيماً على الهالك وغيره إلا أنّ الإلحاق إلى الغاية كان مختصماً بغير


1) الإرشاد: 248/1.

الهالك فحسن الاستثناء.

فإن قلت: إذا كان إقامته عليهما على السواء فما معنى الاستثناء من الضمير؟

قلت: إنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإن كان مبعوثاً إلى الناس كافة مقيماً عليهم مريداً لإلحاقهم إلى الغاية طامعاً في إيمانهم جميعاً، إلا أن اللحوق المترتب على الإلحاق الذي كان غاية للإقامة لما لم يكن ممكناً في حق الهالك فجاز الاستثناء من كل من الإقامة والإلحاق باعتبار اللحوق المترتب عليهما، ووجه أظهرية الاستثناء في الثاني هو أن ترتب اللحوق عليه بلا واسطة وعلى الأوّل مع الواسطة فافهم، ويوضح ما ذكرته من كونه مقيماً على الكل حريصاً على إيمانهم وإن لم يؤمنوا قوله تعالى:

(وأَمَّا مَنِ اسْتَفى فأنت لم تصدى ليلا وما عليك ألا یزکی) [عبس: 75] وقوله (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ) [القصص: 56]. ﴾

المعنى

اعلم أنّه قد تقدّم في شرح الخطبة الثالثة والثلاثين أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطب بهذه الخطبة عند الخروج لحرب أهل الجمل وأن غرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه التنبيه على أن حربه ال معهم إنما هي لإقامة الحق وإزالة الباطل، وتقدّم أيضاً تحقيق الكلام فيها وفي توضيح أكثر فقراتها ولا حاجة إلى إعادة ما تقدّم ونذكر هنا ما لم يسبق ذكره ثمة فنقول:

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وليس أحد من العرب) حين بعثه (يقرأ كتاباً ولا يدعى نبوة) وهو محمول على بعض العرب أي الغالب منهم أو المراد بالكتاب الكتاب الحق إن أريد بهم العموم فلا ينافي وجود الصحف المحرفة من التوراة والإنجيل والزبور بينهم حسبما مرت إليه الإشارة.

(فقاتل بمن أطاعه من عصاه) أي جاهد باستعانة المؤمن الموحد العاصي المتمزد (يسوقهم إلى منجاتهم ويبادر بهم الساعة أن تنزل بهم) أي يسارع بهم إلى الإرشاد والهداية، ويعجل في انقاذهم من الجهالة مخافة أن تنزل بهم الساعة على ما هم عليه من العمى والضلالة فيستحقوا بذلك السخط والعقاب ويستوجبوا به أليم العذاب.

(يحسر الحسير ويقف الكسير فيقيم عليه حتى يلحقه غايته) يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنه كان ينقطع الغي العاجر ويقف المكسور فكان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)لا يزال مقيماً عليه حتى يلحقه الغاية ويوصله الغرض وهو من باب الاستعارة شبه النّاس في سلوكهم طريق الآخرة بابل يسار بها في الأسفار، وأثبت لهم وصف الحسير والكسير الذي هو من أوصاف الإبل.

والمراد أن من عجز ووقف قدم عقله في سلوك طريق الحق لضعف في اعتقاده أو

قصور في آلة إدراكه لا يزال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الله مقيماً عليه آخذاً بعضده جاذباً له بأنواع التدبير والجواذب إلى ما يمكن من العقيدة المرضية والأعمال الزكية التي هي الغاية القصوى من خلقة الإنسان.

وقريب من ذلك ما في شرح المعتزلي قال: هذا الكلام من باب الاستعارة والمجاز يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و الحرصه على الإسلام وإشفاقه على المسلمين ورأفته بهم يلاحظ حال من تزلزل اعتقاده أو عرضت له شبهة أو حدث عنده ريب لا يزال يوضح يوضح له، ویر شده حتى يزيل ما خامر سرّه من وساوس الشيطان ويلحقه بالمخلصين من المؤمنين ولم يكن ليقصّر في مراعاة أحد المكلفين في هذا المعنى (إلا هالكاً لا خير فيه) أصلاً لعناده وإصراره على من الباطل ومكابرته للحق كأبي جهل وأبي لهب ونظرائهما (حتى أراهم منجاتهم وبوأهم محلتهم) أراد بهما دين الإسلام إذ به ينجي في العقبى وينزل في أشرف المنازل ويؤتى.

(فاستدارت) به (عَلَيهِ السَّلَامُ) (رحاهم واستقامت قناتهم) كنى باستدارة رحاهم عن انتظام أمورهم لأن الزحى لا تستدير إلا بعد تكامل الآلة وانتظام أدواته، وأراد باستقامة قناتهم ظهور قهرهم وغليتهم وحصول القوة لهم، لأن القناة سبب للقوة ولا تستقيم إلا في حال الظفر والغلية.

(وأيم الله لقد كنت في ساقتها حتى تولّت بحذافيرها) قال الشارح المعتزلي: هذا الضمير المؤنث يرجع إلى غير مذكور لفظاً، والمراد الجاهلية كأنه جعلها مثل كتيبة مصادمة لكتيبة الإسلام، وجعل نفسه من الحاملين عليها بسيفه حتى فرت وأدبرت وأتبعها يسوقها سوقاً وهي مولية بين يديه حتى أدبرت بحذافيرها أي كلها عن آخرها(1)(واستوسقت في قيادها) أي اجتمعت في ذل الانقياد كالإبل التي تستوثق في قيادها.

ثم أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى شجاعته وأمانته بقوله: (ما ضعفت) في القتال (ولا جبنت) من لقاء الأبطال (ولا خنت) في تبليغ أمر الله (ولا وهنت) في إقامة دين الله (وأيم الله) سبحانه (لأبقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته) تقدّم معناه فيما سبق فليراجع ثمة.

تكملة

هذه الخطبة رواها المحدّث العلامة المجلسي (ره) في”البحار»من إرشاد الشيخ بنحو آخر أوجبت الحال إيرادها قال:

لما توجه أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى البصرة نزل الزبده فلقاه بها آخر الحاج فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه قال ابن عباس رضي الله عنه، فأتيته فوجدته


1) شرح نهج البلاغة - خطبة (103) - الجزء السابع.

يخصف نعلاً فقلت له (عَلَيهِ السَّلَامُ): نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منها إلى ما تصنع فلم يكلمني حتى فرغ من نعله، ثمّ ضمها إلى صاحبتها وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لي: قومهما، فقلت: ليس لهما قيمة، قال: على ذلك(1)قلت: كسر درهم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): والله لهما أحب إلي من أمركم هذا إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً، قلت إن الحاج اجتمعوا ليستمعوا من كلامك فتأذن لي أن أتكلم فإن كان حسناً كان منك وإن كان غير ذلك كان مني، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا، أنا أتكلم، ثم وضع (عَلَيهِ السَّلَامُ) يده على صدري وكان ستن الكفّين فالمني ثم قام فأخذت بثوبه وقلت نشدتك(2)الله والرحم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا تنشدني ثم خرج فاجتمعوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

»أما بعد، فإن الله بعث محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لله وليس في العرب أحد يقرأ كتاباً ولا يدعى نبوة فساق الناس إلى منجاتهم، أم والله ما زلت في ساقتها ما غيّرت ولا بذلت ولا خنت حتى تولّت بحذافيرها مالي ولقريش أم والله لقد قاتلتهم كافرين ولا قاتلتهم، مفتونين وإن مسيري هذا عن عهد إلي، فيه أم والله لأبقرنّ الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته، ما تنقم منا قريش، إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا وأنشد:

أدمت لعمري شربك المحض خالصاً *** وأكلك بالزبد المقشرة التمرا

ونحن وهبناك العلاء ولم تكن *** علياً وحطنا حولك الجرد والسمرا” (3).

ولما نزل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذي قار أخذ البيعة على من حضره، ثم تكلم فأكثر من الحمد لله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم قال: قد جرت أمور صبرنا عليها وفي أعيننا القذى تسليماً لأمر الله فيما امتحننا به رجاء القواب على ذلك، وكان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون ويسفك دماؤهم نحن أهل البيت وعترة الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأحق الخلق بسلطان الرّسالة ومعدن الكرامة التي ابتدأ الله بها هذه الأمّة، وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة ولا من ذرية الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين رأيا أن الله قد ردّ علينا حقنا بعد أعصر لم يصبرا حولاً واحداً ولا شهراً كاملاً حتى وثبا علي دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني(4)، ثم دعا عليهما.


1) بحار الأنوار: 32/113ح 90، والإرشاد: 1/247 أي على ذلك التحقير الذي تظهره.

2) الإرشاد: 248/1، ونهج السعادة 250/1 لعله نشره على أن يدع الكلام إليه ظناً منه إن المصلحة ذلك.

3) الإرشاد (249/1، ونهج السعادة: 268/1. الجزء فضاء لا نبات فيه والسمرة بالضم من شجر الطليع والجمع السمر ومضى في شرح الخطبة الثالثة والثلاثين لها معنى آخر أحسن من ذلك فليتذكر، منه.

4) نهج السعادة: 1/ 222 ح 12، وميزان الحكمة: 2222/3.

الترجمة

از جمله خطب عالية المضامين آن امام مبین است که فرموده:

امّا بعد از حمد خدا و درود بر حضرت مصطفی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) پس به درستی که حق تعالی برانگیخت محمّد بن عبدالله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)را در حالتی که نبود هیچ احدی از عرب که بخواند کتاب حق را و نه دعوی نبوتی بکند و نه وحی و خطابی را از جانب خدا، پس مقاتله کرد به معونت کسانی که اطاعت نمودند او را با کسانی که پس معصیت و نافرمانی کردند به او در حالتی که میراند ایشان را به جانب راستگاری.

مبادرت مینمود بر ایشان بر ساعت موت که مبادا نازل شود بر ایشان در حالتی که عاجز میشد عاجز شونده و می ایستاد شکسته، پس اقامت می نمود ختمی مآب سلام الله عليه و آله و ثابت قدم می شد بر آن عاجز پریشان و شکستهناتوان تا اینکه میرسانید هريك از ایشان را به مقصد خودشان مگر کسی که در هلاکت بوده که در آن هیچ امید خیری و صلاحی نبوده باشد.

تا اینکه بنمود به مردم محل نجات ایشان را و جای داد ایشان را در مقام خودشان پس دوران نمود آسیای ایشان و راست شد نیزه ایشان

و سوگند گند به خدا، به تحقیق که بودم من از جمله رانندههای لشگر جهالت و ضلالت تا اینکه بازگشتند آن لشگر به تمامی و مجتمع شدند در قید و ریسمان خودشان که جامع ایشان، بود در حالتی که ضعیف نشدم و نترسیدم و خیانت ننمودم و سستی نکردم و قسم به خدا هر آینه البته میشکافم باطل را تا اینکه بیرون آورم حق را از تهی گاه آن.

ومن خطبة له وهي المائة والرابعة من المختار في باب الخطب

اشارة

وشرحها في فصلين:

الفصل الأول

»حَتَّى بَعَثَ الله مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهيداً وبَشيراً ونذيراً خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً، وَأَنْجَبَها كَهْلاً، وأَظْهَرَ الْمُطَهَّرينَ شَيْمَةٌ، وأَجْوَدَ المُسْتَمْطَرينَ دَيْمَةً، فَما أَحْلَوْلَتْ لَكُمْ الدُّنْيا في لَذَاتِها، ولا تَمَكَّنتُمْ مِنْ رَضاع أَخْلافِها إِلا مِنْ بَعْدِ ما صادَفْتُمُوها جائِلاً خطامها قلقاً وضينها، قَدْ َصارَ حَرامُها عِنْدَ أَقْوامِ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ المَحْضُودِ، وحَلالُها بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ، وصادَفْتُمُوها وَاللَّهِ ظِلا مَمْدُوداً إِلى أَجَلٍ مَعْدُودٍ، فَالأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وأَيْدِيكُمْ فِيها مَبْسُوطَةٌ، وأَيْدِي القادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ، أَلا إِنَّ لِكُلِّ دَم ثائراً، ولِكُلِّ حَقٍ طالباً، وإِنَّ الثَّائِرَ في دِمَائِنَا كَالْحاكِم في حَقٌّ نَفْسِه، وهُوَ اللَّه الذي لا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ، ولا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ، فَاقْسِمُ بِاللهِ يا بَني أُمَيَّةَ عَمّا قَليلٍ لَتَعْرِفُنَّها في أَيْدي غَيرِكُمْ، وفي دارِ عَدُوكُمْ»(1).

اللغة

(الكهل) بفتح الأوّل من جاوز الثلاثين، وقيل من بلغ الأربعين، وقيل من جاوز أربعاً وثلاثين إلى إحدى وخمسين و (جادت) السماء جوداً بالفتح أمطرت وقيل الجود المطر الغزير و (المستمطرين) في أكثر النسخ بصيغة المفعول وهو الأظهر، وفي بعض النسخ بصيغة الفاعل و (الدّيمة) المطر الدائم في سكون.

و (احلولى) الشيء صار حلواً، و (الرّضاع) بالفتح مصدر رضع الصبي أمه بالكسر أي امتص ثديها، و (الأخلاف) خلف بالكسر وهو حلمة ضرع الناقة أو نفس الضرع لكلّ جمع ذات خف وظلف و (الخطام) بالكسر ما يقاد به البعير و (قلق) ككتف المضطرب المتحرّك الذي لا يستقر في مكانه و (الوضين) بطان منسوج بعضه ببعض يشدّ به الرّحل على البعير كالحزام للشرج.

وقال الشارح المعتزلي: ما يشدّ به الهودج على بطن البعير كالبطان للقتب والتصدير


1) نهج السعادة: 251/1، والإرشاد: 248/1.

للرحل والحزام للسرج، و (المخضد) عطف العود اللين يقال خضدت العود فانخضد أي ثنيته فانثنى من غير كسر وخضدت الشجر أي قطعت شوكه والسدر المخضود الذي انثنى أغصانه من كثرة الحمل أو الذي قطع شوكه فصار ناعماً أملس.

و (شغرت) الأرض كمنعت أي لم يبق بها أحد يجمعها ويضبطها، وبلدة شاغرة برجها إذا لم تمنع من غارة أحد، وعن النهاية قيل الشغر الاتساع ومنه حديث علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فالأرض لكم شاغرة أي واسعة و (الثار) الدم والطلب به وثار به کمنع طلب دمه كثاره وقتل قاتله والثائر الذي لا يبقى على شيء حتى يدرك ثاره.

الإعراب

(شهيداً وبشيراً ونذيراً) منصوبات على الحال من مفعول بعث، (وخير البرية) والمعطوفات عليه منصوبات على الوصف وتحتمل الحال أيضاً، (وطفلاً وكهلاً) منصوبان على الحال، ايضاً وإضافة أطهر إلى المطهرين معنوية وشيمة تميز وإضافة أجود إلى المستمطرين معنوية أيضاً بمعنى من إن كان المضاف إليه بصيغة المفعول كما في أكثر النسخ، وبمعنى اللام إن كان بصيغة الفاعل.

(وديمة) تميز على الأوّل وعلى الثاني يحتمل التميز وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون مفعولاً للمستمطرين فتدبر (والفاء) في قوله: (فالأرض فصيحة)، (وعن) في قوله عما قليل بمعنى بعد وما زائدة كما مرّة غير مرّ.

المعنى

اعلم أن صدر هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسوق لذكر محامد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومناقبه، وبعده إشارة إلى بيان حال بني أمية لعنهم الله، قاطبة وذيله أخبار بما سيكون من مال حال بني أمية وتنبيه على أنهم يسعون في دماء عترة الرسول فينتقم الله منهم ويجزيهم بما كسبت أيديهم، والله عزير ذو انتقام.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (حتى بعث الله محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهيداً) على أوصيائه وأمته وعلى الأنبياء وأممهم كما قال تعالى:

(وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِك شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء) [النحل: 89].

وقد مرّ تحقيق هذه الشهادة في شرح الخطبة الإحدى والسبعين بما لا مزيد عليه فليرجع إليه (وبشيراً ونذيراً) وهما من ألفاظ الكتاب العزيز قال تعالى:

(إنا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُنتَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) [البقرة: 119].

قال الطبرسي: أرسلناك يا محمد بالحق قيل بالقرآن وقيل: بالإسلام، وقيل على الحق بشيراً من أتبعك بالثواب ونذيراً من خالفك بالعقاب ولا تسأل عن أصحاب الجحيم أي لا تسأل عن أحوالهم، وفيه تسلية للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذ قيل له: إنما أنت بشير ونذير ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، وليس عليك إجبارهم على القبول منك (1).

(خير البرية طفلاً) لأنّ الخيرية إنما هي با الصالحة والأخلاق الفاضلة، والتسديد بسلوك سبيل الحق وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الا الله منذ أيام طفوليته وصباه كان ملازماً لذلك سابقاً فيه على غيره.

(وأنجبها كهلاً) أي أفضلها وقيل: أكرمها فلقد كان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حال كهوليته ودعوته منبع كلّ كرم وفضل، (أطهر المطهرين شيمة) أي طبيعة وجبلة وخلقاً لم تدنسه الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها، (وأجود المستمطرين ديمة) أي أجود الأشخاص الذين يطلب منهم الأمطار ويرجى منهم الإحسان(2)، أو أكثر جوداً للذين يطلبون البذل والإنعام، وعلى كلّ تقدير فقد شبهه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسحاب الماطر والغيث الهاطل وأراد بذلك كثرة جوده وعطاياه، فلفظ المستمطرين استعارة للراجين أو المرجوّين منهم الإحسان وذكر الجود والديمة ترشيح للاستعارة، هذا.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فما احلولت لكم الدنيا في لذاتها) قال الشارح المعتزلي الخطاب لمن في عمره من بقايا الصحابة ولغيرهم من التابعين الذين لم يدركوا عصر النبي عصر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقيل: الخطاب لبني أمية وأمثالهم، والأول أوفق بظاهر المخاطبة، والثاني أظهر بملاحظة سياق الكلام والفقرات الآتية.

وكيف كان فالمعنى أنه ما صارت لكم الدنيا حلوة في لذاتها، (ولا تمكنتم من رضاع أخلافها) استعارة بالكناية شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الدنيا بناقة مرضعة تنتفع بها ويمتص من ثدييها، والجامع وجوه الانتفاع وأثبت لها الأخلاف تخييلاً، وذكر الرّضاع ترشيح والمقصود أنكم ما تمكنتم من الانتفاع بالدنيا والابتهاج بلذاتها، (إلا من بعد ما صادفتموها) أي أصبتموها ووجدتموها (جائلاً خطامها قلقاً وضينها) استعارة بالكناية أيضاً، وذكر الخطام والوضين تخييل، وذكر الجولان والقلق ترشيح.

قال المحدث المجلسي (ره): والغرض عدم تمكنهم من الانتفاع بالدنيا وصعوبتها عليهم وعدم انقيادها لهم كما يستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام قلقة الوضين


1) مجمع البيان: 368/1.

2) هذا مبني على كون المستمطرين بصيغة المفعول وإضافة أجود إليه بمعنى من والثاني مبني على كونه بصيغة الفاعل وكون الإضافة بمعنى اللام فافهم.

لا يثبت رحلها تحت راكبها.

أقول: والأظهر عندي أن الغرض بذلك الإشارة إلى أنّهم لم يتمكنوا من الانتفاع بالدنيا ومن رضاع أخلافها وتولية أمرها إلا من بعد ما أصابوها وليس لها صاحب ولا فيها أمر وسلطان حق يمنعهم من تولي أمرها والتصرف فيها بمنزلة ناقة ليس لها صاحب ولا لها راكب، فإن الناقة إذا كان لها راكب يركبها يمسك خطامها ويشد وضينها ويملك أمرها ويمنع من تسلط الغير عليها فجولان، الخطام واضطراب الوضين إنما يكونان مع عدم من يملك أمرها وبتلك الحال يتمكّن منها من يصادفها.

ويؤيد ما ذكرته قوله (قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود) فإنّه ظاهر في أنّ المراد بالأقوام الخلفاء المتقدمين الذي ولوها بلا وجه شرعي فانجر الأمر منهم إلى بني أمية وتداولوها بينهم دولة جاهلية هذا.

وتشبيه الحرام بالسدر المخضود إشارة إلى كثرة أكلهم له ورغبتهم به إن كان المخضود بمعنى المعطوف من كثرة الحمل وإن كان بمعنى مقطوع الشوك فوجه الشبه أن نواهي الله سبحانه ووعيداته(1)على فعل الحرام تجري مجرى الشوك للسّدر في كونها مانعة منه زاجرة عنه كما يمن- يمنع الشوك عن اجتناء ثمرة السدر، ولما كان هؤلاء الأقوام قد اغمضوا عن النواهي والوعيدات(2)ولم يبالوا بها فصار الحرام عندهم بمنزلة السدر الناعم الأملس الخالي عن الشّوك في سهولة التناول (و) من أجل عدم المبالاة أيضاً صار (حلالها بعيداً غير موجود) أي بين هؤلاء الأقوام أو بين عموم الناس لعدم دليل لهم يرشدهم إلى الحلال وينقذهم من الحرام.

ثم نبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سرعة زوال الدنيا وانقضائها بقوله: (وصاد فتموها والله ظلاً ممدوداً إلى أجل معدود) تهديداً لهم عن الابتهاج بها وتحذيراً عن الاغترار بلذاتها.

ثم أشار إلى تسلّطهم في الأرض وتمكنهم من التصرف فيها بأي نحو شاؤوا وقال (فالأرض لكم شاغرة) أي ليس بها حام يحميها ولا أمير يضبطها ويمنعكم منها بل هي مخلاة لكم أو أنها غير ضيقة عليكم وأنتم فيها في اتساع (وأيديكم فيها مبسوطة) بالجور والعدوان ووجوه التصرف بأي نحو كان (وأيدي القادة) أي الولاة الحق (عنكم مكفوفة) لقلة الناصر والمعين وغلبة الشقاق والنفاق (وسيوفكم عليهم مسلطة وسيوفهم عنكم مقبوضة) وكأنه إشارة إلى وقعة كربلا وما كان من بني أمية وتابعيهم فيها من سفك الدماء.

ونبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أن الدم الذي سفكوه لا يكون هدراً، وأن له طالباً يطلبه فقال (ألا إن لكلّ دم ثائراً ولكل حق طالباً وأن الثائر في دمائنا) والطالب لحقنا (كالحاكم في حق نفسه)


1) وعيده.

2) وعيده.

يستوفي حقه بنفسه ويحكم بعلمه من غير افتقار إلى بينة وإثبات وحكم حاكم آخر (وهو الله الذي لا يعجزه من طلب ولا يفوته من هرب) أي: لا يعجزه مطلوب ولا يفوته هارب بل ينتقم منه ويأخذ بقوده.

ولا يخفى ما في هذه الفقرات من التأكيد والتهديد، حيث استفتح الكلام أولاً بكلمة ألا الاستفتاحية المفيدة للإيقاظ والتنبيه، وأكده بكلمة إنّ واللام والجملة الإسمية، وعقبه بأن ثائر هو الله القوي العزيز الشأن، ووصفه بأنه حاكم مختار غير مفتقر وقادر قاهر مدرك دمهم مقتدر.

ثم لا يخفى ما في حصر ثائرهم ثائرهم في الله، فإن دماءهم فقد سفكت بالله والله وفي سبيل، الله فحري لها أن يكون ثائرها هو الله تعالى لإضافة تلك الدماء الطيبة إليه سبحانه وتعلّقها عليه دون غيره.

ويشير إلى ذلك المعنى ما في زيارته (عَلَيهِ السَّلَامُ): السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره فإن معنى الإضافة هو أنهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ل لما قتلوا مظلومين في سبيل الله، ولم يسفك دماؤهم إلا أن قالوا ربنا الله، فصار تلك الدّماء حقيقاً بأن تضاف إليه سبحانه وتكون حقاً له مختصة به تعالى، ويحق له جل شأنه أن يكون ثائرها بالاستقلال بالانتقام أو نصرة من وليه على القصاص وقد قال تعالى:

(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) [الإسراء: 33].

روى في”الكافي»عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) »أنها نزلت في الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو قتل أهل الأرض به ما كان مسرفاً»»(1)، هذا.

ويجوز أن يكون الإضافة في ثار الله تشريفاً وتكريماً، فإن الله أجلّ وأعلى من أن يوصف بأوصاف الجسم ويكون له ثار ودم ونحوهما، وإنما يضاف إليه بعض الأشياء إظهاراً لرفعه شأنه وعلو قدره كما يقال روح الله وبيت الله.

ثم إنه لما هددهم بانتقام الله منهم أخبر هم بزوال الملك عنهم فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (فاقسم بالله يا بني أمية عما قيل لتعرفتها) أي الخلافة والإمارة، أو الدنيا كما هي مرجع الضمائر المتقدمة في أيدي غيركم وفي دار عدوّكم وقد وقع الأمر بموجب إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن الأمر بقي في أيدي بني أمية نيفاً وثمانين سنة، ثم عاد إلى البيت الهاشمي، وانتقل إلى أشد الناس عداوة لهم أعني بني العباس.

قال الشارح المعتزلي: سار عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس في جمع عظيم للقاء مروان بن محمد بن مروان وهو آخر خلفاء الأمويين، فالتقيا بالزاب من أرض الموصل


1) شرح أصول الكافي: 12 / 350 - 3674، والتفسير الصافي: 191/3.ح.

ومروان في جموع عظيمة وأعداد كثيرة فهزم، مروان واستولى عبد الله بن عليّ على عسكره وقتل من أصحابه قتلاً عظيماً، وفرّ مروان هارباً حتى أتى الشام وعبد الله يتبعه فسار إلى مصر فأتبعه عبد الله بجنوده، فقتله بنو صبر الاشمونين من صعيد مصر، وقتل خواصه فقتله بنو وبطانته كلّها.

وقد كان عبد الله قتل من بني أمية على نهر أبي فطرس من بلاد فلسطين قريباً من ثمانين رجلاً قتلهم مُثلَة، واحتذى أخوه داود بن علي بالحجاز فعله، قتل منهم قريباً من هذه العدّة بأنواع المثل.

وكان مع مروان حين قتل ابناه عبد الله وعبيد الله وكانا وليّي عهده فهربا في خواصهما إلى اسوان من صعيد مصر، ثم صارا إلى بلاد النوبة ونالهم جهد شديد وضرّ عظيم.

فهلك عبد الله بن مروان في جماعة ممن كان معه قتلاً وعطشاً وضراً، وشاهد من بقي منهمأنواع الشدائد وضروب المكاره.

ووقع عبيد الله في عدة ممن نجا معه من أهله ومواليه في البلاد مستترين راضين أن يعيشوا سوقة بعد أن كانوا ملوكاً، فظفر بعبيد الله أيام السفاح فحبس فلم يزل في السجن بقية أيام السفاح، وأيام المنصور وأيام المهدي، وأيام الهادي، وبعض أيام الرشيد وأخرجه الرشيد وهو شيخ ضرير فسأله عن خبره فقال حبست غلاماً بصيراً وأخرجت شيخاً ضريراً. وقتل عبد الله بن علي بدمشق خلقاً كثيراً من أصحاب مروان وموالي بني أمية وأتباعهم ونزل عبد الله على نهر أبي فطرس فقتل من بني أمية هناك بضعاً وثمانين رجلاً، وذلك في ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

وروى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني:قال نظر عبد الله بن علي في الحرب إلى فتى عليه أبهة الشرف وهو يحارب مستقبلاً فناداه يا فتى لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد قال: إن لا أكنه فلست، بدونه، فقال: لك الأمان ولو كنت من كنت فأطرق ثم أنشد:

اذلَّ الحیاة ذکرة الممات *** فکلا أراه طعاما وبیلا

و إن لم یکن غیر إحداهما *** فسیرا الی الموت سیرا جمیلا

ثم قاتل حتى قتل فإذا هو ابن مسلمة بن عبد الملك بن مروان (1).


1) شرح نهج البلاغة - الجزء السابع - الخطبة 140.

أقول: انقراض الدولة الأموية واستئصالهم وقتل نفوسهم كان بيد عبد الله بن محمد المكنى بأبي العباس الملقب بالسفاح، وهو أوّل خلفاء العباسية كما صرح به وباسمه ولقبه في”القاموس”، والمعروف أن اسمه أحمد، وقد له بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر الربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة صعد المنبر يوم بويع وخطب النّاس، فقام إليه السيد الحميري فأنشد:

ردتکموها یا بنی هاشم *** فجددوا من آیها الطامسا

ردتکموها لا علی کعب من *** أمسی علیکم ملکها نافسا

ردتکموها فألبسوا تاجها *** لا تعدموا منکم له لابسا

خلافة الله و سلطانه *** و عنصر کان لکم دارسا

قد ساسها قبلکم ساسة *** لم یترکوا رطبا و لا یایسا

و لو خیّر المنبر فرسانه *** ما اختار الا منکم فارسا

والملک لو شودر فی سائس *** لما ارتضی غیرکم سایسا

لم یبق عبدالله بالشام من *** آل أبی العاص امرءا عاطسا

فلست من أن تملکوها إلی *** هبوط عیسی منکم آیسا

وقد روى حديثه مع بني أمية أبو مخنف لوط بن يحيى بطرز غريب ونهج عجيب بعبارات فصيحة، وألفاظ بليغة أحببت إيرادها بعينها.

قال: حديث السفاح ما جلس على كرسي الإمارة للخلافة وسبب قتل بني أمية على يده تحريض العبد سديف مولى بني هاشم رضي الله عنه.

قال: حدثنا محمد بن قتادة عن زيد بن علي أنه كان في مجلس رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد سمع أن ملك بني أمية إذا ماد وانقضی رجعت الخلافة إلى بني العباس، وأول من وليها السفاح، وقد تسامعت به ملوك الأرض وأذعنوا له بالطاعة وخطبوا له في مشارق الأرض ومغاربها، وقد نقش اسمه على الدراهم وخافت الملوك والتجأت إليه الأمم وهربت من سطوته شياطين العرب والعجم، وتطايرت بنو أمية شرقاً وغرباً وسهلاً وجبلاً مخافة من سلطانه وشدّة بأسه وسيفه وقهره ولما كان بينهم من الضغائن والحقود القديمة والأمور السالفة.

ثم إنهم كتبوا إليه يطلبون منه الأمان، ويسألوه التعطف والإحسان، وأن لا يؤاخذهم بما كان من المداخلة، وأن يجعلهم أهل بطانته وظهارته وأهل مملكته.

فكتب لهم كتاباً وذكر لهم أنه غير غني عنهم وأنه يحتاج إلى خدمتهم، وضمن لهم الأموال والعطايا والإقطاع.

واجتمع إليه منهم الكبير والصغير، والرؤساء وآل زياد وآل مروان وآل يزيد بن معاوية فلما اجتمعوا كلّهم إليه وكان عدتهم سبعين ألف فارس ويقدمهم يزيد بن عبد الملك بن مروان ساروا في رتبتهم وعددهم حتى قدموا الأنبار ودخلوا إلى أبي العباس أحمد السفاح على مراتبهم، وأعد لهم كراسي من الذهب والفضة ليجلسوا عليها يسلمون عن يمينه وشماله.

ثمّ إنّه جعل منهم أمراء وحجاباً وندماً ووكلاء وكانوا يجلسون من حوله وأقرب الناس فعله إليه وأعزّهم عليه وكان الخاص والعام يتعجبون منه ومن بهم ويقولون ما رأينا رجلاً أعجب من هذا الرّجل قط، يقرّب أعداء، ويقفى أشغالهم ويعطيهم أمواله وضياعه وكان العاقل يقول إنما يفعل بهم ذلك ليبيدهم وينعم عليهم حتى يجتمعوا ويتكاملوا ثم يأخذهم أخذة شديدة فينذرهم.

قال أبو الحسن: فبينما هو ذات يوم جالس على مرتبته وبنو أمية من حوله وعليهم الدروع المطرزة بطراز الذهب والعمائم الملوّنة متقلدين بالسيوف المحلاة بالذهب والفضة وفي أوساطهم المناطق المحلاة بالجوهر.

إذ دخل بعض حجابه وهو مذعور، فقال له: يا أمير المؤمنين العجب كلّ العجب، فقال:. له وما ذلك العجب؟ قال: يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلاً ذميم المنظر عظيم المخبر شخب اللون رث الأطمار وعلاه الغبار ممّا حلّ به من الأسفار ومن تحته مطية بالية قد قطع بها غياهب الدّجى ومهامه(1)الثرى فلو أنّ لها لساناً لنطقت به ممّا لحقها من التعب والنصب، والرّجل فوقها جالس كالنسر البالي والشيخ الفاني، فإني أتعجب منه ومن مطيته وقد أناخها ببابك وعقلها بفاضل زمامها ثم قال لها بشرى يا ناقتي بالكرامة الكبرى والمسرة العظمى، وقد بلغت ما هو لك في سرور وحبور(2)وحللت بمن هو أهل للمحل السعد وقد نال أعلى المراتب فالحمد الله فما عليك بعد اليوم سفر ولا تعب ولا جهد فقلت له: إنّك لعديم العقل تخاطب ناقة عجماء فقال: نعم أخاطبها وأبشرها ثم أنشأ يقول:

أقول لها يا ناق سيري وابشري *** بجودکریم الوالدین هجان

فتى ابتغى منه الكرامة والعطاء *** ومن سفري تعفى وطول هواني

ألا أيها السفاح والسيد الذي *** له همم تسطو بکل مکان

أنت ناقتي تشكو إليك تأسفاً *** فصنها من الاَّسفار


1) المهامة جمع مهمهة وهي المفازة البعيدة والبلد القفراء.

2) حبور سرور.

ثمّ إنّه أقبل يريد الدخول عليك عاجلاً والورود إليك راجلاً فمنعته من ذلك وقلت له: ما الذي تريد منه ؟ فقال: استأذن بالدخول على أمير المؤمنين فإنّي قد أتيت إليه من بلد بعيد وسفر صعب شاق شديد، كنت أخوض سواد الليل وحنادس الظلام وأقطع المهامه والآكام(1)شوقاً إلى طلعته ومحبته في بهجته وأريد التطلع إلى رؤيته والأمور كامنة في الجوارح، والنيران مضرمة في الجوانح، أريد برؤيته إخمادها واطفاء شهوقها من كلامه وفتح منظره و مرآه.

فقلت له امض وتطيب وغير أثوابك ليطرد منك وعث السفر ثم أقبلك حتى أوصلك إلى أمير المؤمنين.

فنظر إلى بعين الغضب وهو مزور (2)وقال: إنّي آليت على نفسي أن لا أنزع ثوباً ولا أستعمل طيباً ولا ألذ بعيش حتى أصل إلى أمير المؤمنين وها هو على الباب منتظر رد الجواب عن أمير المؤمنين.

قال: فلما سمع السفاح بنعته وصفته قال صاحبنا وعبدنا سديف ورب الكعبة ثم إنه أذن له بالدخول عليه وقال: إنّه عزيز علينا قريب إلى قلوبنا.

قال: فلما سمع بنو أمية بذكر سديف تغير لونهم واقشعرت منهم الأبدان ونظر بعضهم إلى بعض وارتعدت منهم الفرائص وأخذهم الجزع والهلع قبل دخول سديف عليهم.

قال أبو الحسن وكان من خبر سديف معهم أنّه كان عبداً لبني هاشم وكان فصيح اللسان قوي الجنان شاعراً ماهراً يصول بلسانه مقتدراً، بكلامه وكان كل موسم من مواسم الحج يخرج فيعلو قبة زمزم ثم يصيح بالناس فيجتمعوا إليه ويعتمدوا بين يديه، فإذا تكاملوا عنده يبسط لسانه بمدح مواليه من بني هاشم ويهجو بني أمية ويصغر ملكهم ويحرّض الناس عليهم ليخلعوا الخلافة منهم ويجعلوها في بني هاشم الذين جعلها الله فيهم وهم أهل بيت محمد المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

فلمّا كان في بعض الأعوام وقد حضر الناس الموسم أكمل ما يكون من المواسم أقبل سديف فضعد زمزم ثم صاح برفيع صوته يا أهل الأرض وبا أهل الأبطح والصفا وباب مكة والكعبة العليا ومن سائر الأقطار شرقاً وغرباً، فدونكم فاسمعوا ما أقول والله على ما أقول وكيل.

ثم تكلّم في بني أمية بكل شؤم فأخذه بنو أمية فضربوه حتى ظنوا أنهم قد قتلوه وألقوه


1) الأكام جمع أكمة وهي التلة الصغيرة.

2) أي نظر بمؤخر عينيه.

على مزبلة فأقبلت إليه امرأة فسقته شراباً ولجأ إلى رؤوس الجبال.

قال: فلما سمع بنو أمية الذين هم عند السفاح بذكر سديف قال بعضهم لبعض: أليس

قد قتل الله سديفاً فأراحنا منه وإنا لنراه قد عاش بعد موته لينال مناه منا. ثم انه دخل على السفاح ونظر إلى بني أمية وما هم عليه وانشأ يقول:

أصبح الملک ثابت الأساس *** بالبهالیل من بنب العباس

طلبوا ثأر هاشم فسقوها *** بعد میل من الزمان و یأس

لا تقیلن عبد شمس عثارا *** وافطعوا کل وصلة وغراس

ذلها أظهر التودد منها *** وبها منکم کجزء (1)المواسی

فلقد غاظنی وغاظ سواری *** قربها من نمارق وکراسی

واذکروا مصرع الحسین وزید *** وقتیلا بجانب المهراس (2)

والقتیل الذی بحّران أضحی (3)*** ثاویا بین غربةوت تناسی

وقيل: أن سديف دخل على السفاح ويده على يد سليمان بن عبد الله ثم أنشأ يقول:

لا یغرّنک ما تری من رجال *** إنَّ بین الضّلوع داءا دویا

فضع السَّیف وارفع الصوت حتی *** لا تری فوقظهرها امویا

طيب نفسك وقرّ عينك هنيّة *** إن صبرك هو الجميل ادياً

قال: فقال له السفاح: أهلاً بطلعتك ومرحباً برؤيتك، قدمت خیر مقدم، وغنمت خير مغنم فلك الإكرام والإنعام وأما ما أنت له، والإنعام وأما ما أنت له من الأعداء فالصفح أجمل، فان أكرم الناس من عفا إذا قدر، وصفح إذا ظفر.

ثم إن السفاح نادى يا غلام علي بتخت من الثياب وكيس من الورق، فأتاه بذلك، فقال السفاح: خذه وغير ثيابك وأصلح حالك وعد إلينا في غداة غد إن شاء الله فلك عندنا ما تحبّ وترضى، وستبلغ الرضا وفوق الرّضا.

قال: فخرج سديف من عند السفاح وهو فرحان شديد الفرح.


1) كحد»في نسخة.

2) أراد به حمزة، والمهراس ماء بأحد.

3) هو إبراهيم بن محمد.

قال: وإن بني أمية بقوا في دهشة وبهتة وحيرة ينظر بعضهم إلى بعض، فعلم السفاح ما عندهم وما خامرهم فأراد أن يطمئنهم حتى يطمئنوا إليه ويقبلوا بأجمعهم إليه.

فقال لهم: يا بني أمية لا يكبرنّ عليكم ما سمعتم من هذا العبد، فانه ما تكلم إلا بقلة عقله وكثرة جهله، وليس له رأي سديد ولا ينبغي أن يلتفت إلى قوله ولا إلى رأي العبيد ولعمري إنّه ما كان الواجب أن يذكر مواليه وأن يفعل ذلك الفعال التي لا يفعلها إلا الجهال فترك ما في قلوبهم وما، خامرهم فقال إن لكم عليّ أفضل الهبات وفوق ما تأملون من الكرامات، فإنّ هذا زمان وذاك زمان ونحن جرثومة العفو ودعامته فابشروا وطيبوا قلوبكم فإنّي أقدّم لكم العطايا، وأحسن لكم الجزاء وأبلغكم الأمل والمنى.

فخرجوا من عنده وقد كشف السفاح بعض ما كانوا يحذرون من الهم والغم ثم اجتمعوا

في مسائهم بالمشورة.

فقال قائلهم: الهرب الهرب ما دام العبد سديف لكم في الطلب والله لا قر لكم قرار ولا كان لكم منجأ ولا من طلبه وثاره ملجأ وقد كان يعاديكم وهو وحيد فريد لا معين له ولا نصير ولا مجير، فكيف وقد أتت أيامه وارتفعت أعلامه وظهرت عداوته، فخذوا لأنفسكم وانظروا أمامكم من قبل أن يغشيكم من هذا الرّجل أمر شنيع.

فقالوا: يا ويلك إن أمير المؤمنين قد أحسن إلينا في الخطاب، ووعدنا بجائزة وسديف أقلّ عنده من ذلك وتفرقوا إلى منازلهم.

فلمّا كان من الغد بكر القوم إلى السفاح فدخلوا إليه وسلّموا إليه، فردّ عليهم بأحسن ردّ وقرب، مراتبهم، وأعلى منازلهم، ورفع مجالسهم، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، ثم أقبل إليهم وسألهم من حالهم ومجيئهم إليه وقضى لهم الحوائج.

فبينما هم في أسر ما كانوا فيه إذ دخل عليهم سديف وقد غير أثوابه، فسلّم على السفاح وأشار إليه بيده وقال: نعم صباحك وبان، فلاحك، وظهر نجاحك كشف الله بك رواكد الهموم، وفداك أبي لأنك آخذ بالثأر، وكاشف عن قومك وضيمة(1)العار، والضارب بالسيف من بني هاشم والسراة من بني عبد مناف ثم أنشأ يقول:

أصبح الملک عالی الدَّرجات *** بکرام رساةو حمات

یا سلیل المطهرین من الرجس *** ویا رأس منبر الحاجات

لک أعنی خلیفة الله غی الارض *** ذا المجد وأهل الحیاة و الممات


1) وضیمة:الظلم.

غدرونا بنو أمية حتى *** صار جسمي سقيما بالمصيبات

واستباحوا حريمنا وسبونا *** ورمونا بالذل والنكبات

أين زيد واين عون و من *** حلّ ثاوياً بالفرات

والإمام الذي بحران أضحى *** هو إمام الهدى ورأس الثقات

كيف أسلو ممن قتلوه جهراً *** وهتكوا بعد ذلك الحرمات

قال: فلما سمع السفاح كلام سديف أطرق إلى الأرض زماناً حتى سكن ما لحقه ثمّ إنّه رفع رأسه وقال له: قل كلامك وتذكر ما فات وخذ ما هو آت فان أحلم الناس من صفح عمن ثلمه وصان عرضه عمن ظلمه فلك عندنا أفضل الكرامة والجزاء، وحسن المنظر وبلوغ المني، فانصرف یا سديف ولا تعد إلى مثلها أبداً.

فخرج سديد من عند السفاح يفور غضباً ويذمّ صحبته. فلما خرج من عندهم أقبل السفاح على بني أمية وهم مطرقون وجلون فقال لهم: إنّي أعلم أن كلام هذا الشيخ العبد قد أرجفكم وقد أثر في قلوبكم فلا تعبأوا بكلامه، فإنّي لكم كما تحبون وفوق ما تأملون وسأزيد لكم العطاء، وأقرب لكم الجزاء واقدمكم على غيركم.

فخرجوا من عنده وقد سكن ما بهم واجتمعوا للمشورة فيما بينهم.

فقال قائل منهم: هلموا بنا حتى ندخل بكليتنا على السفاح ونسأله أن يسلّم الينا العبد فنقتله أو نستعبده، فجدّوا يا قوم في طلبه فانّ السفاح لا يمنعنا من ذلك ولا يعصينا ونحن يعون ألف سيّد لأجل عبد، ذميم، وإنّكم إن فاتكم أو توانيتم لم يزل العبد معه حتى يهلككم ويدمّركم، وأنه لا شك قد نصب لكم أشراكاً فلا يفلت منكم أحد فاحذروا ثم احذروا.

وقال قائل منهم: إن السفاح إنما يظهر لكم ما يظهر لتطمئنوا إليه ثم لتؤخذوا على ما كان منكم فلا تعبأوا بكلام السفاح.

فقال بعضهم: فما كان يمنعه منا وهو مالك رقابنا وما نراه إلا محسناً إلينا ووطأ مجالسنا ورفع مواضعنا ووعدنا بالخير والعطاء الجزيل.

قال: يا قوم قد أضعتم قولي وعصيتم أمري وخالفتموني فإذا دخلتم عليه فليدخل بعضكم ويبقى بعضكم على الباب حتى ننظر ما يكون، فإذا أكرم قوماً بالجزاء والعطاء دخل الباقون ويفعلون مثل ما فعلوا أوّل مرّة، وقدموا عليه وأنتم آمنون على هذا الترتيب.

قال: فلما انسدل الظلام وهجع النوام بعث السفاح إلى سديف فأحضره عنده فلما دخل عليه سديف قال له يا ويلك يا سديف إنك لعجول في أمرك، مُفش لسرّك، لا تستعمل الكتمان.

فقال سديف: الكتمان قد قتلني والتحمّل أمرضني والنظر إلى هؤلاء الظالمين قد أسقمني، ولن يخفى عليك شيء من أمري وما حلّ بي وبأهلك وعشيرتك ومواليك وأقاربك: من قتل الرّجال، وذبح الأطفال، وهنك، النسوان وحمل حريم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الأقتاب بغير غطاء ولا، وطاء يطاف بهم البلدان فأتي عين لا ترقا، مدامعها، وأي قلب لا يتفجع عليهم، فاستوف لهم الدّماء، واضرب بحسامك العدى، وخذ بالثأر من الظلمة لأئمة الهدى ومصابيح الدجى، وسادة الآخرة والأولى.

ثم إن سديفاً بكى وأنشأ يقول:

بق لي أن أدم ما عشت في حزن *** أجرى الدموع على الخدين والذقن

یا آل محمد ما قد كان حزبكم *** كأن حزبكم في الناس لم يكن

رجالكم قتلوا من غير ذي سبب *** وأهلكم هتكوا جهراً على البدن

سكينة لست انسیها وقد خرجت *** في هيئة فجعة من شدة الحزن

أبكي الحسين أم أبكي نسوة هتكت *** أم أبكي فاطمة أم أبكي الحسن

أم أبكي ليث الوغا في الروع حيدرة *** أم أبكي ابن رسول الله ذي المنن

أشكو إلى الله ما ألقاه من أمم *** ما ارتضى منهم بالفعل والسنن

قال: فعند ذلك بكى السفاح بكاء شديداً وزاد عليه الأمر حتى اصفر لونه ونادى بأعلى صوته وامحمداه واعلياه واسيّداه واقو ماه والهلاه و اعشیرتاه ویکی سديف حتى اغمي عليه.

فلما أفاق قال له السفاح يا سديف قد بلغ الكتاب أجله، وقد حان وقرب ما تؤمله فكان بي وقد أطلقت لك السبيل تضرب بسيفك في أعراضهم كيف شئت.

قال سديف: أما والله لأن أطلقت لي السبيل لأرضين الجليل، وآخذ منهم ثأر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأرضينك يا مولاي.

قال له السفاح: نم ليلتك قرير العين وأتني في غداة غد أعطيك أملك، وأبلغك رجاك.

قال: فبات سديف في تلك الليلة أرقاً قلقاً يدعو ربه ويسأله تمام ما وعده السفاح.

ثم إن السفاح لمّا أصبح ذلك اليوم سمّاه يوم النيروز وهو الذي سمّاه بنو العبّاس نوروز القتل لأنه اليوم الذي قتل السفاح فيه بني أمية وسنّ تلك بنو العباس، فأمر السفاح منادياً ينادي، إن أمير المؤمنين أبا العباس السفاح قد بسط الأنطاع، وصبّ عليها خزائنه وقال: اليوم يوم عطاء وجوائز، وضربت البوقات والطبول، ونشرت الرايات وخفقت الأعلام. ثم إن السفاح نصب سرير ملكه وزين قصره وبسط الأنطاع بين يديه، وأفرغ الدنانير

والدراهم والأسورة ومناطق المراكب الثقال من الذهب والفضة.

قال: فلما فرغ من ذلك، ورتب الزينة والعدة عمد إلى أربع مائة من غلمانه أشدّهم وأشجعهم، فدفع إليهم الأعمدة والسيوف، وقال لهم: كونوا في الخبرة وأسبلوا عليكم الستور، فإذا رأيتموني قد جلدت بقلنسوتي الأرض اخرجوا وضعوا السيوف في رقاب كل من ترونه ولو كانوا من بني عمي.

قالوا سمعاً وطاعة، وقرّر معهم الوصيّة، فلما تعالى النهار أقبل إليه الناس في الزينة والبهجة الحسنة للسلام والعطاء.

قال: وأقبل بنو أميّة حتّى تكاملوا السبعين ألف من آل يزيد وآل مروان فلما بلغوا القصر نزلوا عن خيولهم ودفعوا عدادهم وسيوفهم إلى عبيدهم ودخلوا على جاري عادتهم وهم يرفلون في حللهم وأثوابهم ولم يعلموا ما يراد بهم ويزعمون أنهم مسرورون.

قال: وكان فيهم رجل من جلساء السفاح وكان شاعراً وقد مدح السفاح بقصيدة حسنة، وقد أجازه السفاح عليها فقال له الحجاب الذين عرفوه: ارجع فما هو يوم عطاء وإنّما هو يوم مكر وخداع فلا تورد نفسك مورد الهلاك والموت، فقد رأينا أمير المؤمنين قد أعطاك وأرضاك، فما نحب أن تقع في الهلاك، قال: رضيت أن أرد مورد، قومي، وأصدر مصدرهم فقال له ادخل إلى اللعنة والخزي فدخل مع القوم على مراتبهم.

وصعد السفاح إلى أعلى البيت وهو متقلد بسيفه ثم التفت إلى بني أمية فقال: هذا اليوم الذي كنت أعدكم فيه الجزاء والعطاء فمن تحبون أن أبدأ بالعطاء؟ فقالوا ليقربوا إليه خلوا في قلبه: يا أمير المؤمنين ابدأ ببني هاشم واحداً بعد، واحد فإنهم خير العالم وأرباب المراسم، فصاح السفاح بعيد كان عن يمينه وقد أعلمه بما يريد وكان فصيح اللسان فرفعه حتى صار دونه.

ثم قال له: ناد يا غلام بني هاشم واحداً بعد واحد حتى نجزل لهم العطاء ونحسن لهم الجوائز عن رضى بلا غضب.

فنادى الغلام برفيع صوته وقال:

أين أبو عبيدة بن الحارث بن هاشم هلم إلينا فاقبض عطاك، فقال سديف: يا شيخ وأين أبو عبيدة بن الحارث قال وما فعل الله به:قال قتله شيخ من هؤلاء القوم يقال له: شيبة بن ربيعة بن عبد الشمس، فقال: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وادع لنا غيره.

فنادى الغلام ابن أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب بن هاشم هلم إلينا

واقبض عطاك، فقال سديف واين حمزة ؟ فقال السفاح: ما فعل الله به؟ قال: قتلته امرأة من هؤلاء القوم يقال لها هند بنت عتبة بن ربيعة في أحد، وذلك لأنها أعطت الوحشي مولى حيدر بن طاهر عدة حتى قتله، وأقبلت فشقت جوفه وأخذت كبدته لتأكلها فحولها الله تعالى في فيها حجراً فسميت آكلة الأكباد، فلما لم تقدر أن تأكلها قطعت أصابعه وجعتلها قلادة في عنقها، فقال السفاح: ما علمت بذلك يا غلام اضرب باسمه إذا غاب وادع لنا غيره.

قال فنادى الغلام أين عقيل بن عبد المطلب بن هاشم هلم إلينا وخذ عطاك، قال سديف: يا أمير المؤمنين وأين عقيل؟ قال وما فعل الله به؟ قال: قتله هؤلاء القوم وهو خارج من الشام يريد مدينة الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال السفاح ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وهات غيره.

فنادی الغلام این مسلم بن عقيل هلم إلينا واقبض عطاءك، قال سديف يا مولاي وأين مسلم بن عقيل ؟ قال: وما فعل الله به؟ قال: قتله هؤلاء القوم فأخذه عبید الله بن زیاد فرمی به عن قصر الإمارة وربطوا برجليه حبلاً وجزوه في أسواق الكوفة ونادوا هذا جزاء من خرج على أميّة وسبوا آباءه وجده، قال ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب خلافة بني وهات غيره.

فنادى الغلام أين أولى الناس إسلاماً وأفضل الوصيين ويعسوب الدين والإمام البطين علي بن أبي طالب: هلم إلينا وخذ عطاءك، فقال سديف: يا مولاي وأين علي بن أبي طالب؟ قال: وما فعل الله به؟ قال: قتله المرادي عبد الرحمن بن ملجم وزيّن معاوية الشام بقتله أياماً وفرح فرحاً شديداً فقال السفّاح: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وهات غيره.

فنادى الغلام أين ابن بنت رسول الله الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام سيد شباب أهل الجنة هلم إلينا فاقبض عطاءك، فبكى سديف وقال يا مولاي وأين الحسن بن عليّ بن أبي طالب؟ قال السفاح وما فعل بولد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ قال: قتلته جعدة امرأته بسم دسه إليها معاوية من الشام، فقال: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وهات غیره

فنادی الغلام این ابن بنت رسول الله وسيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام هلم إلينا فاقبض عطاءك، فبكي سديف:وقال يا مولاي وأين الحسين بن علي بن أبي طالب؟ قال السفّاح وما فعل لولد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ قال: قتله أمير هؤلاء الذين هم مقربون وهم على كراسي الذهب والفضة بحضرتك قاعدون قتلوه بأرض كربلاء عطشاناً والفرات، ملآن، وأخذوا رأسه وجعلوه على رمح طويل وحملوه من الكوفة إلى أن أدخلوه دمشق إلى يزيد بن معاوية حتى ندبته الجن، ثم رثاه رجل من بعض الناس يقول:

هلال بدا و هلال أفل*** کذلک یجری صروف الدول

ونادى الغلام واين العباس بن علي بن أبي طالب أخو الحسين عليهم السلام هلم إلينا فاقبض عطاءك، فقطع سديف عليه الكلام، ثم قال: كأنك يا أمير المؤمنين تريد تؤاخذ هؤلاء القوم بما فعلوا أو تجازيهم بما صنعوا هؤلاء الذين ذكرتهم بكأس المنية قتلهم هؤلاء بأرض كربلا جياعاً عطاشاً عرايا، قال السفاح: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وهات غيره.

فقال الغلام وأين زيد بن علي بن أبي طالب هلم إلينا فاقبض عطاءك، قال سديف: يا مولاي وأين زيد ؟ قال السفاح وما فعل الله به؟ قال: قتله واحد من هؤلاء القوم يقال له هشام ابن عبد الملك بن مروان وصلبه منكوساً وعششت الفاختة جوفه، ثم إنهم بعد ذلك أحرقوه بالنار وسحقوا عظامه في الهاون وذروه في الهوى فاجتمع على وجه الماء ثم غاص وخرج ينادي برفيع صوته: وَسَبَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227] خلقاً سوياً وهو ينادي برفيع صوته وقتلوا ولده من بعده وقبره هنالك فقال:السفاح ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه وهات غيره.

ثم نادى الغلام ابن الإمام إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن العباس هلم إلينا واقبض عطاءك، فسكت سديف ولم يعد قولاً ولا ردّ جواباً، وأيقن بنو أمية بالهلاك، لأنهم هم الذين قتلوه فقال السفاح ويلك يا سديف كنت إذا ذكر لك رجل من بني هاشم تسرع في الجواب فما لك قد عجزت عن الخطاب عند ذكر أخي قال: لأنّى أستحيى أن أقابلك فأواجهك بما قد فعل بأخيك، فقال السفاح: سألتك بالله إلا ما تخبرني ما فعل بأخي قال: قبضه رجل من هؤلاء القوم يقال له مروان وأدخل رأسه في جراب بقر وركب في أسفله كور الحدادين وأمر النافخ أن ينفخ والجلاد يجلد حتى ضربه عشرة آلاف سوط في ثلاثة أيام.

فقام من أوسط القوم رجل يقال له: يزيد بن عبد الملك وقال يا ويلك يا عبد السوء لقد عظم تعريضك على بني أمية لقد أشرف أمير المؤمنين على هلاكنا أجمع فقال: إن مقصودي ذلك، فرهق السفاح لسديف بمؤخر عينيه وقد امتلأ حنقاً وغيظاً ثم أنشأ يقول:

حسبت أمیّه أن سترضی هاشم *** عنها و یذهب زیدها و حسبنها

کذبت و حقّ محمّد و وصیّه *** حقاً ستبصر ما یسی ظنونها

ستعلم ليلى أي دين تداينت *** وأيّ ديون في البرایا دیونها

قال: ثم إنّ السفاح بكى وعلا صياحه ثم خلع قلنسوته عن رأسه وجلد بها سرير ، ملكه ونادى يا لثارات الحسين يالثارات بني هاشم يا لثارات بني عبد المطلب.

قال: فلما نظر الغلمان إلى السفاح وفعاله فتحوا أبواب الخزائن وخرجوا وفي أيديهم السيوف والأعمدة فوضعوها في رقاب بني أمية فعاد الشاعر يدور بينهم يميناً وشمالاً وهو

يقول: أنا الذي مدحت السفاح فقال السفاح لو لم تكن منهم لما دخلت معهم، فقتله السفاح بیده وجرّد سيفه وعاد يضرب يميناً وشمالاً فلم تكن إلا ساعة أو كحلب ناقة حتى قتلوا عن آخرهم.

فبينما العبيد والخدم والغلمان حول القصر إذ خرج إليهم الدم من الأفنية وامتلأ البواليع من دماء القتلى كأنه السيل أو كأفواه القرب، فعظموا ذلك وأنكروه.

فلما فرغ السفاح من القوم أمرهم أن يجمعوا القتلى ويجعلوهم مثل المصطبة ويفرشوا فوقهم الأنطاع، ففعلوا ذلك وجلس عليها السفاح وسديف وجماعة من بني هاشم وحشمه.

ثم أمر بالموائد فنصبت ونقلوا إليها الطعام فأكل السفاح وأهله وقومه وجعل القتلى يضطربون من تحتهم.

ثم أقبل السفاح على سديف وقال له: برّد ما بقلبك من الغليل؟ فقال: والله يا سيدي ما أكلت أطيب من أكلتي هذه أبداً.

ثمّ إنّ سديف قال: والله لقتل هؤلاء القوم وكبرائهم وأشرافهم في منازلهم قد تفرقوا في أقطاعهم وأعمالهم قال: يا سديف ليت شعري ما أخرج هؤلاء القوم خفت أن يعلموا ما حلّ، بقومهم فينهزموا شرقاً وغرباً وسهلاً وجبلاً، ولكن يا سديف الذي عمل هذه الحيلة قادر أن يعملها على الباقين حتى لا يبقى منهم صغير ولا كبير على وجه الأرض فقال سديف فيها يكون زوال القرحة.

فقال السفاح: يا سديف سترى مني حيلة ما سبقني إليها أحد وتبلغ ما تحبه، فأحضر الصناع فقال لهم: أمكنكم من الأموال ومن كل ما تريدون ثم رسم لهم الأساس فحفروه وكانوا ألف وخمس مائة صانع، فلما فرغوا من حفر الأساس نقل على الحمير والبغال الملح وسدّ به الأساس ولم يزالوا كذلك حتى اكتفى الأساس من الملح.

ثم أمرهم أن يجعلوا اللبن فوق الملح ففعلوا ذلك واستحلف الصناع بالإيمان المغلظة أنّهم لا يفشون ذلك إلى أحد وأنهم متى فعلوا ذلك حل دماؤهم وأموالهم فكتموه ولم يظهروه أن يجزل لهم العطا وأمرهم أن يكونوا في جوانب القصر وأن يخرقوا مجاري القصر ووعدهم للماء إلى الأساس ويصبروا عليه إلى وقت الحاجة ففعلوا ذلك وأحكموه.

ثمّ إنّهم أخذوا في البناء والعمل ورتب قوماً في البناء وقوماً في عمل المقاصير وقوماً في السقوف وقوماً في التخصيص وقوماً يزوقون الأبواب بالذهب والفضة وقوماً في نحت العاج والآبنوس، فما مضت عليهم إلا أيام قلائل حتى فرغوا من القصر وسقوفه وجميع آلاته، ورفعوا مجالسه وركبوا أبوابه وأضاؤوا، مقاصيره، فلما فرغوا من جميع ذلك علقوا الستور الملوّنة.

ثم إنّهم فرشوه وزينوه وحملوا إليه جميع الآلات الحسنة الرّفيعة الغالية من أفخر ما

يكون، ثم أذن للناس بالدخول والتفرج والتنزه فيه، فدخل الخاص والعام وجنح إليه الناس من جميع الأقطار يتعجبون من حسنه وكماله.

ودخل بنو أمية أولهم وآخرهم صغيرهم وكبيرهم، فلما نظروه وعاينوه حاروا ودهشوا وتحالفوا أنه أشبه بإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وجعلوا يقولون لمن عمل هذا القصر واعدت هذه الآلات المفتخرة والزينة، فقال قوم: لا شك أن يكون هذا القصر لأخيه أبي جعفر المنصور، وقال آخرون ما هو إلا لعمه صالح، واختلفت أقاويلهم فيه.

وبلغ ذلك أبا العباس السفاح فركب إليهم وقال: يا بني أمية سيروا إلي حتى أجزل لكم العطاء، وأفضلكم على العرب والسادات من ذوي الرتب فنفروا منه نفوراً عظيماً، فبعث إليهم يقول: يا بني أمية ما عملت هذا القصر إلا لكم فاطمئنوا بكلامي وثقوا بما أقول فانّ قومكم أخبروني بما دخل قلوبكم من الاضطراب وأنّكم تتخلّفون فزعاً مني ومن سطوتي وبأسي، ومن يمنعني منكم إذا أردت بكم بأساً، فادخلوا القصر ولا تدخلوا إلا وهو لكم وأنا أحلف لكم بالله ورسوله إنه لكم.

قال فلمّا جاءتهم البشارة اطمأنوا بها وقال بعضهم: يا ويلكم اسعوا إلى مقاصيركم ومنازلكم لكن ألبسوا سلاحكم وشدّوا عذتكم، فإن ثار عليكم أحد من الناس القوه، ثم إنّكم إن تحصنوا في هذا القصر لا يقدر عليكم أحد، فقالوا هذا هو الرّأي والصواب الذي ليس فيه ارتياب وقال بعضهم: إنا نخشى أنا إذا حصلنا توثق علينا أبوابه وتركب علينا العساكر فنحاصر في القصر فتصير المقاصير والأحجار قبورنا، فقال أحدهم: هيهات هيهات ما يكون ذلك أبداً، لأنه رجل وله اتصال برسول الله وهو زعيم القوم وخليفة الله على خلقه.

ثم اجتمع رأيهم على الانتقال إلى القصر وشاع في النّاس أنه لم ير قط أحلم من السفاح، لأنه عمد إلى قوم قتلوا أسلافه وعشيرته فاقطعهم القطائع وبنى لهم الجنان ورفع لهم المراتب.

قال: فأقبلت إليه السادات ينقلون إلى القصر واحداً بعد واحد يتسابقون إليه وكلّ واحد يطلب له، موضعاً، فإذا استوى الرجل في مقامه لم يغالبه فيه أحد.

ثم إنهم لم يطمئنوا حتى أوقفوا نفراً مع عبيدهم على الباب بالسلاح مخافة الكبسة. فلما تكاملوا أمر السفاح أن يبسط لهم البسط وعمل سماطاً حسناً، وأكثر من الذبائح والحلاوات ثم إنه أجلس القوم على الموائد وجاء إليه الناصح من خلف ظهره وأعلمه بأنّهم كلهم قد حصلوا في القصر إن أردت أن تقتلهم فافعل فما بقي من أعداء الله ورسوله إلا وقد حضر في القصر.

فلم يكن إلا ساعة حتى إذا دار الماء بجوانب القصر وذاب الملح والقوم في القصر على الموائد ما يدرون ما حلّ بهم فارتج القصر وانصدع فهموا بالهزيمة وتصايحت حيطانه

وانهدمت أركانه واهتزت العمد ففزع القوم من ذلك ودهشوا ووضعوا رؤوسهم على ركبهم وظنوا أن الأمر من السماء قد نزل بهم، فقال قائلهم: قد أخذنا بما كان منا، فهم في الكلام إذ سقطت الجدران وانهدمت الأركان ووقع القصر عليهم بأجمعهم فعجل الله بأرواحهم إلى النار وبئس القرار، فأهلكوهم وعبيدهم وإماءهم ونسلهم وذراريهم فكأنما الأرض قد ابتلعتهم.

وبلغ ذلك السفاح، فركب وركب سديف معه وساروا إلى القصر فوجدوهم قد هلكوا، فسجدوا الله شكراً.

فقال السفاح لسديف: هل أخذت بثأرك وثأر مواليك؟ فقال سديف: والله لو قتل مثل هؤلاء ألف ضعف ما وفي ولا عدل شسع نعل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولا لأحد من مواليه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد بلغني أن بالشام خلقاً كثيراً من الأمويين وأن دمشق مملوّة منهم ومن أكابرهم فأنا أرجو من الله أن لا يفوتني منهم أحد.

فقال السفاح قلت في هذا المعنى شيئاً يا سديف؟ قال نعم يا مولاي واسمع ما أقول:

ألا أبلغن سادات هاشم معشري *** وجمع قريش والقبائل من فهر

تميماً ومخزوماً وابناء غالب *** وسكّان بيت الله والركن والحجر

و من کان منهم بالمدينة ثاوياً *** قریباً من النور المغيب في القبر

ومن بالقرى افدي ومن سكن الغرى *** وصي نبي صاحب النهي والأمر

ومن سكن الطف المعظم قدره *** حسين الرضا المدفون في البلد القفر

ومن حوله من أهله ومواليه *** واخوته من خير نسل ومن طهر

بان سديفاً قد شفى الله قلبه *** بزرق طوال ثمّ مرهفه تبر

فعلت أبا العباس فعل أهالك *** فأوفيت ما انذرت في سالف الدهر

من أخذ لثارات الحسين بن حيدر *** وفاطمة والسبط الحسن البز

ومن حلّ بالنهرين في أرض كربلا *** ومن حوله صرعى من الأنجم الزهر

سلام ورضوان على سادة الورى *** خيار بني حوّا وآدم ذو الطهر

صلاة من الرحمن تغشي ائمة *** هداة أصيبوا بالخديعة والمكر

فاحمد أبا العباس یا خیر ناصر *** سديف يرجى منك ان تجلي الفقر

وتجلي كما أجليت منهم قلوبنا *** فقد أيدك ربّ البرية بالنصر

على الأرض منهم لا تخلى واحداً *** واشف نفوساً صادعات من الضر

فانك منصور ونور مشرق *** وحسبك ان الحق أيدك بالنصر

وكم كربة اجليتها من قلوبنا *** بعزم وتأييد تساوي البحر

فيا سائر الأذقان خرّوا وأسجدوا *** لهيبة أبي العباس في الليل والفجر

ولا تقنطوا من فضل من بان فضله *** فمنه إليكم يعقب النهي والأمر

على ظالميهم لعنة الله ما دجى *** وما أضواه ليل من الهجر

قال أبو مخنف: ثم إن السفاح رجع إلى قصره وبات تلك الليلة فرحاناً مسروراً بما أناله الله من العز والهيبة.

فلما أصبح دعا بعمه صالح بن عبد الله بن العباس وعقد له لواء على عسكر واختار من خيار فرسانه وأمره بالمسير إلى الشّام وقال له: وكلتك دمشق وأعمالها فسر إليها وجاز المحسن على إحسانه والمسيء على قدر اساءته، وانظر إلى من بيننا وبينه معاداة فلا تقصر في إهلاكه ودماره، وهذا سديف عندنا فخذه في صحبتك فقد علمت نصحه ومروته فلا تمنعه أمراً يريده وامنه على صحبتك وعشيرتك.

فقال:صالح حباً وكرامة ولو لم توص به لكان حقاً علي أن لا أفعل شيئاً حتى أوقعه فلما عليه وأشاوره فيه سمع السفاح كلام عمّه شكره وجزاه خيراً وجرّد الجيش معه وضمّ إليه سديفاً وساروا جميعاً يجدون في سيرهم حتى دخلوا دمشق فلما دخلوها وجلسوا دار الإمارة جعل يرتب الأعمال في المواضع من أعمالها.

فلما استقر أمره جعل يسأل عن أولاد يزيد وآل مروان بن الحكم فيحضرون بين يديه، وكان يقطعهم القطائع الجيّدة ويعطي لكل منهم ما يطلبه وسديف يستأذن فيهم ويحمل عليهم فيبيدهم ضرباً وطعناً حتى قتل منهم بدمشق ثلاثين ألفاً وهو يقول: والله لو قتلت اضعافاً مضاعفة من بني أمية بل كل من طلعت عليه الشمس منهم لما وافى شسع نعل مولى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وبلغ السفاح ما فعل سديف فسره ذلك، فكتب إلى سديف كتاباً وأعاد فيه الشعر الذي قاله فيه قبل سيره مع صالح، فلما فعل صالح ما فعل وقتل من بقي من بني أمية انهزم قوم منهم إلى الساحل وركبوا البحر طالبين إلى بلاد العرب، فجعل يتابعهم ويأخذ خبرهم فأخبر أنهم ركبوا البحر، فبعث خلفهم سرية وقتل كل من انهزم ولم يسلم منهم أحد إلا قوم ترسموا بزينة النسوان وهم الملثمة إلى يومنا هذا.

فلما عاد صالح إلى دمشق وفى بنذر السفاح وكان قد نذر أنه متى أفنى بني أمية أن يخرب ديارهم فاخربها جميعاً ولم يبق لهم غير الجامع نعمان ودام ملك بني العباس إلى أن ملك منهم أربعون.

حتى تم قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعمه العبّاس لما قال له يا ابن أخي رأيت كأن قد ظهر

من دبري أربعون زنبوراً، فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”يا عم سيظهر لك من مليك أربعون رجلاً ويأخذون الخلافة”، فحزن العباس وهجم نفسه، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لا يا عم فقد قضى الأمر وحق بالقول وكان ذلك في الكتاب مسطوراً (1).

أقول: هذا ما انتهى إلينا من خبر السفاح وسديف وانقراض الدولة الأموية ورويته كما وجدته ولم يكن النسخة التي نقلنا منها خالية من السقم والاختلال فأصلحت ما أمكن بحسب ما أدى إليه النظر، وأستعيذ بالله من هفوات اللسان وزلات البيان.

وقد روى الشارح المعتزلي في الشرح بعض الزوايات في هذا المعنى من كتاب”الكامل»للمبرد، وكتاب”الأغاني»لأبي الفرج الأصفهاني،”ومروج الذهب»للمسعودي وغيرها على غير نظم وترتيب واستطرفت بعض ما أوردها لاشتماله على أشعار جيدة وأحببت أن لا يخلو الشرح منها.

فأقول: في الشرح سئل بعض شيوخ بني أمية عقيب زوال الملك عنهم ما كان سبب زوال ملكهم ؟ فقال: جار عمالنا على رعيتنا فتمنوا الراحة، منا، وتحومل على أهل خراجنا فحملوا عنها وخربت ضياعنا فخلت بيوت أموالنا ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا وامضوا أموراً دوننا أخفوا علمها، عنا، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، واستدعاهم عدونا فظافروه على حربنا وطلبنا أعداؤنا فعجزنا منهم لقلة، انصارنا وكان استتار لأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا.

وفيه لما أتى أبو العباس برأس مروان سجد فأطال، ثم رفع رأسه وقال: الحمد لله الذي لم يبق ثأرنا قبلك وقبل رهطك، الحمد لله الذي أظفرنا بك وأظهرنا عليك ما أبالي متى طرقني الموت، وقد قتلت بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)ألفاً من بني أمية واحرقت شلو هشام بابن عمّي زيد بن علي كما أحرقوا شلوه وتمثل:

لو يشربون دمي لم يُرو شاربهم *** ولا دمائ جمعاً عاً تروّيني

ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد ثانية ثم جلس فتمثل:

أيا قومنا ان تنصفونا فانصفت *** قواطع في أيماننا تقطر الدما

إذا خالطت هام الرجال تركتها *** كبيض نعام في الثرى قد تحطما

ثم قال: فأما مروان فقتلناه بأخي إبراهيم، وقتلنا سائر بني أمية بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن قتل معه وبعده من بني عمنا أبي طالب.

وفيه عن أبي الفرج الأصفهاني قال حدث الزبير بن بكار عن عمه أن السفاح (2)أنشد


1) مستدرك الوسائل: 152/17، وبحار الأنوار: 83/22.

2) »سديفاً»في نسخة.

يوماً قصيدة مدح بها أبا العباس وعنده قوم من بني أمية كان آمنهم على أنفسهم فأقبل على بعضهم فقال: أين هذا مما مدحتم؟ فقال: هيهات والله لا يقول أحد فيكم مثل قول ابن قيس الرقيات فينا:

نقموا من بني أمية إلا *** إنه حلمون إن إن غضرب

وأنهم معدن الملوك فما *** تصلح إلا إلا عليهم العرب

فقال له يا ماص كذا من امه وان الخلافة لفي نفسك بعد خذوهم فاخذوا فقتلوا.

وروى أبو الفرج أيضاً أن أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا وأمر ببساط فبسط عليهم فجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ قال ما أعلم أني أكلت أكلة قط كانت أطيب ولا أهنأ في نفسي من هذه، فلما فرغ من الأكل قال: جروا بأرجلهم وألقوهم في الطريق ليلعنهم النّاس أمواتاً كما لعنوهم أحياء، قال: فلقد رأينا الكلاب يجر بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشي حتى أنتنوا ثم حفروا لهم بئراً فألقوا فيها.

وفيه عن أبي الفرج أيضاً في كتاب”الأغاني»إن سديفاً أنشد أبا العباس وعنده رجال بني أمية فقال:

يا ابن عم النبي أنت ضياء *** إستنبا بك اليقين الجلیّا

جرد السيف وارفع العفو حتى *** لا ترى فوق ظهرها امویّا

قطن البغض في القديم وأضحى *** ثابتاً في قلوبهم مطويّاً

وهي طويلة فقال أبو العباس: يا سديف خلق الإنسان من عجل، ثم أنشد أبو العباس متمثلاً:

أحيى الضغائن آباء لنا سلفوا *** فلن تبيد وللآباء ابناء

ثم أمر بمن عنده فقتلوا.

قال أبو الفرج وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: أنشدني محمد بن يزيد المبرد الرجل من شيعة بني العباس يحضهم على بني أمية:

إياكم أن تلينوا لاعتذارهم *** فليس ذلك إلا الخوف والطمع

لو انهم أمنوا أبدوا عداوتهم *** لكنهم قمعوا بالذل فانقمعوا

أليس في ألف شهر قد مضت لهم *** سقيتم جرعاًمن بعدها جرع

حتى إذا ما انقضت أيام مدتهم *** متوا إليكم بالأرحام التي قطعوا

هیهات لأبدان يسقوا بكأسهم *** رياً وإن يحصدوا الزرع الذي زرعوا

إنا واخواننا الأنصار شيعتكم *** إذا تفرقت الأهواء والشيع

وفيه دخلت احدى نساء بني أمية على سليمان بن علي وهو يقتل بني أمية بالبصرة فقالت: أيها الأمير إن العدل ليمل من الإكثار منه والإسراف فيه فكيف لا تمل من الجور وقطيعة الرحم؟ فأطرق، ثم قال لها:

سننتم علينا القتل لا تنكرونه *** فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر

ثمّ قال: يا أمة الله أوّل راض سنة من يسيرها ألم تحاربوا عليّاً وتدفعوا حقه؟ ألم تسموا حسناً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتنقضوا شرطه؟ ألم تقتلوا حسيناً وتسيروا رأسه؟ ألم تقتلوا زيداً وتصلبوا جسده؟ ألم تقتلوا يحيى وتمثلوا به؟ ألم تلعنوا عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على منابركم ؟ ألم تضربوا أبانا عليّ بن عبد الله بسياطكم ؟ ألم تخنقوا الإمام بجراب النورة في حبسكم ؟ ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: قبض عمّالك أموالي، فأمر بردّ أموالها عليها (1).

وفيه لما استوسق الأمر لأبي العباس السفاح وفد إليه عشرة من أمراء الشام فحلفوا له بالله وبطلاق نسائهم وبأيمان البيعة أنّهم لا يعلمون إلى أن قتل مروان أن لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أهلاً ولا قرابة إلاّ بني أمية.

أقول وذلك لأنهم أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227].


1) شرح النهج: 151/7.

الترجمة

از جمله خطب بلیغه آن حضرت است که صدر آن متضمن بیان محامد حضرت رسالت مآب(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و ذیل آن اشاره است به احوال بنی امیه لعنهم الله و مآل كار ، ایشان چنانچه فرموده

تا آنکه مبعوث فرموده خداوند متعال محمّد مصطفی را در حالتی که شاهد بود بر امتان و بشارت دهنده بود به مطیعان و ترساننده بود عاصیان را که بهترین خلایق بود در حال کودکی و کریم ترین مردمان بود در حال پیری پاکیزه ترین پاك شدگان بود از حیثیت طبیعت و بخشنده ترین اشخاصی بود که از ایشان امید باران احسان گرفته شود از حیثیت بارش.

پس شیرین نشد از برای شما دنیا در لذتهای خود و متمکن نشدید از مکیدن پستانهای آن مگر بعد از اینکه یافتید آن را و رسیدید به آن در حالتی که در جولان بود مهار آن و مضطرب بود تنگ پالان آن.

به تحقیق که گردیده بود حرام آن در نزد طایفه ای به منزله درخت سدر پربار خالی از خار و حلال آن دور بلکه غیر موجود در نزد اهل روزگار و یافتید آن را قسم به خدا در حالتی که سایه بود کشدیده شده تا وقت شمرده شده، پس صفحه زمین از برای شما خالی است از معارض و مانع و دستهای شما آن گشاده

در شده است و دستهای پیشوایان از شما باز داشته شده و شمشیرهای شما بر ایشان مسلط است و شمشیرهای ایشان از شما بازگرفته شده.

آگاه باشید، به درستی که هر خونی را خونخواهی است و هر حقی را طالبی هست و به درستی که طالب قصاص در خونهای ما همچو حکم کننده ای است در حق نفس خود و آن عبارت است از حق سبحانه که عاجز نمیکند او را کسی که او سبحانه طلب کند او را و فوت نمیشود از او کسی که فرار نماید از او.

پس سوگند میخورم به خدای لایزالای بنی، امیه پس از زمان اندکی هر آینه البته میشناسید دنیا را یا خلافت و امارت را در دستهای غیر خودتان و در خانه دشمنان خود که عبارت است از بنی عباس که انتقال خلافت به ایشان شد.

الفصل الثاني

»أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الأَبْصَارِ مَا نَفَذ في الْخَيْرِ طَرْفُهُ، أَلا إِنْ أَسْمَعَ الأَسْماع ما وَعِيَ التَّذْكِيرَ وَقَبِلَهُ أَيُّهَا النَّاسُ: اسْتَصْحِبُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْباح واعِظ مُتْعِظ، وَامْتاحُوا مِنْ صَفْوِ عَينِ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدِرِ، عِبادَ اللهِ لا تَرْكَنُوا إِلى جَهالَتِكُمْ، وَلاَ تَنْقَادُوا إِلى أَهْوائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نازِلُ بِشَفَا جُرُفٍ هارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَى عَنْ ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضِع لِرَأَي يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأي، يُريدُ أَن يُلْصِقَ ما لا يَلْتَصِقُ، ويُقَرِّبَ ما لا يَتَقَارَبُ، فَالله الله أن تَشْكُوا إِلَى مَنْ لا يُشكَى شَجْوَكُمْ، وَلا يُنقِضُ بِرَأْيِهِ ما قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ، إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الإمام إلا ما حَمَلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّه: الإِبْلاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَالإِجْتِهَادُ في النَّصيحَةِ، وَالإحْيَاء لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقَّيها، وإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِها، فبادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَضويح نَبْتِه، ومِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغِلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَانْهُوا غَيرَكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَنَاهُوا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْي بَعْد التناهي»(1).

اللغة

(الطرف) بالفتح نظر العين و (استصبح) بالمصباح استسرج به، و (الامتياح) نزول البشر وملؤ الدلاء منها و (الترويق) التصفية ومنه الرواق بالكسر وهو الصافي من الماء وغيره و (الشفا) شفير الشّيء وجانبه و (الجرف) بالضم وبضمتين ما تجرفته السيول وأكلته من الأَرض، و (الهار) الضعيف الساقط المنهدم يقال هار الجرف يهور هوراً فهو هائر وهار كقاض.

و (اشكيت) زيداً بهمزة الأفعال أزلت شكايته، و (الشجو) الهم والحزن، و (أبرم) الأمر أي أحكمه والحبل أي جعله طاقين ثم فتله و (الإصدار الإرجاع من الصدر وهو الرجوع و (السهمان) كالسهمة بالضم فيهما جمع السهم وهو الحظ والنصيب، (صوح) النبت أي: يبس وتشقق أو جف أعلاه، و (المستثار) مصدر بمعنى الاستثارة وهو الإنهاض والتهييج.

الإعراب

(مصباح) في بعض النسخ بالتنوين فيكون واعظ بدلا وفي بعضها بلا تنوين بالإضافة وعلى ذلك فيحتمل أن يكون الإضافة لامية وأن تكون من إضافة المشبه به إلى المشبه من قبيل لجين الماء، وفي نسخة الشارح المعتزلي من شعلة بمصباح واعظ بتنوين شعلة واضافة مصباح


1) وسائل الشيعة: 11/ 420 ح 12، وميزان الحكمة: 1949/3.

مع الباء الجارة وهي باء الآلة متعلقة باستصبحوا.

وينقل الرّدى عن ظهره (عن) بمعنى (على) كما في قوله:

لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب *** عني ولا أنت دياني فتخزوني

أي الله در ابن عمّك لا أفضلت في حسب علي، وفي أكثر النسخ على ظهره وهو الأنسب، وقوله (قالله الله) بالنصب فيهما والعامل محذوف أي اتقوا الله، واحذركم الله وقوله: الإبلاغ في النّصيحة بالرفع بدل بعض من ما.

المعنى

اعلم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما نبه في الفصل السابق على تقصير المخاطبين من بني أمية ومن يحذو حذوهم فيما يجب عليهم رعايته، وأشار إلى أن المقصرين في حقهم والظالمين لهم والساعين في دمائهم مؤاخذون بتقصيرهم مجزيون بسوء أعمالهم عقبه بهذا الفصل حثاً لهم على طاعته وملازمته، وترغيباً على الاقتباس من أنوار هدايته وتحذيراً من الركون إلى الجهالة والتيه في بوادي الرّدى والضلالة، وصدّر ذلك بذكر محاسن التفكر والبصيرة توطئة وتمهيداً فقال:

(ألا إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخيرطرفه) أراد بنفوذه في الخير رؤيته المحاسن واتباعها، فإن أفضل أبصار البصر ما يفيد للمبصر بصيرة ويجلب له فائدة في تحصيل السعادة الأبدية والكمالات النفسانية، (ألا إن أسمع الأسماع ما وعى التذكير وقبله) أي أفضل سماع الأسماع أن يحفظ التذكير والمواعظ ويتدبّر فيها فيقبلها.

(أيها النّاس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متعظ) أي استسرجوا من شعلة سراج واعظ لغيره متعظ في نفسه، فان من لم يكن متعظاً في نفسه لا يكون موعظته مؤثرة في القلوب، بل تكون القلوب نافرة منه والنفوس مشمئزة قال الشاعر:

لاتنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظیم

ولا يخفى عليك أن إضافة مصباح إلى واعظ إن كانت من إضافة المشبه به إلى المشبه فذكر الشعلة والاستصباح ترشيح الاستعارة، ويحتمل أن يكون ذكر الشعلة تخييلا والاستصباح ترشيحاً على ما ذهب إليه بعض البيانيين من عدم الملازمة بين التخييل والاستعارة بالكناية وإمكان وجوده بدونها، وكذلك لو كان مصباح منوّناً وواعظ بدلاً منه إلا أن المستعار له على لأوّل هو الموعظة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون الموعظة وأن يكون نفس الواعظ.

وكيف كان فالإشارة بالواعظ المتعظ إلى نفسه الشريف ومثله قوله: (وامتاحوا من صفوعين قدر رؤقت من الكدر) فإنه استعار صفو العين للعلوم الحقة وهو من استعارة المحسوس للمعقول الجامع أن العلم به حياة للأرواح كما أن صفو العين به حياة الأبدان وذكر

الترويق والامتياح ترشيح للاستعارة أو الترويق تخييل والامتياح ترشيح على ما مر وأراد الترويق من الكدر خلو تلك العلوم من شوائب الأوهام وبالامتياح أخذها من منبعها وهو أمر لهم باقتباس العلوم الشرعية والمعارف الحقة منه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ولما أمر بذلك أردفه بالنهي عن الركون إلى الجهالة فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عباد الله لا تركنوا إلى جهالتكم) أي لا تميلوا إليها، (ولا تنقادوا إلى أهوائكم) إلى الأهواء الباطلة المخرجة عن کرائم الأخلاق إلى رذائلها وعن حق المصالح إلى باطلها (فإن النازل بهذا المنزل).

يحتمل أن يكون المراد به من ادعى الخلافة من غير استحقاق لها الذي وضع نفسه في مقام ونزل بمنزل ليس له أهلية به ويشعر بذلك ما سيأتي من نهيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الشكاية إلى من لا يقدر على إزالة الشكوى وما ذكر بعده من أوصاف الإمام الحق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

إلا أنّ الأظهر بقرينة ما سبق أن المقصود به من نزل منزل الركون إلى الجهالة ومقام الانقياد إلى الأهواء، فإنّه لما نهى عن الركون والانقياد علله بذلك وأردفه به، يعني أن من ركن إلى جهالته وانقاد إلى هواه واستبد برأيه واستغنى به عن امامه فقد أسس بنيان دينه على باطل لا قوام له ولا ثبات.

ومثله مثل (نازل بشفا جرف هار) مشرف على السقوط والانهدام وهو اقتباس من قوله سبحانه: أَفَمَنْ أَسَسَ بُننَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرُ أَم مَنْ أَسَسَ يُنْسَنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمْ [التوبة: 109].

يعني من أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة هي الحق الذي هو التقوى من الله وطلب مرضاته بالطاعة خير أمن أسس بنيانه على قاعدة هي أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار فى قلة الثبات والاستمساك.

قال الزمخشري في”الكشاف”: وضع شفا الجرف في مقابل التقوى لأنه جعله مجازاً عما ينافي التقوى ثم قال:

فإن قلت: فما معنى قوله فانهار به في نار جهنم؟ قلت: لما جعل الجرف الهائر مجازاً عن الباطل قيل فانهار به في نار جهنم على معنى فطاح به الباطل في نار جهنم إلا أنّه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف وليصوّر أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدلّ على حقيقة الباطل وكنه أمره منه هذا.

ولما نبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أن الرّاكن إلى جهالته والمنقاد إلى هواه المستبد برأيه الزاعم لنفسه الاستقلال مقيم على باطل ونازل بمنزل في معرض السقوط والتهدم، وكان الباطل مستلزماً للهلاك الدّائم، عقبه بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (ينقل الردى) أي الهلاك الناشيء عن باطله (عن ظهره من

موضع إلى موضع لرأي) فاسد (يحدثه بعد رأي يريد أن يلصق ما لا يلتصق ويقرب ما لا يتقارب) أي يريد إثبات باطله بحجج باطلة.

ثمّ حذرهم عن الرجوع إلى الجهال وعن اتباع أئمة الضلال بقوله: (فالله الله أن تشكو إلى من لا يشكو شجوكم) أي لا يقدر على إزالة حزنكم برفع الأسباب الموجبة له، وذلك لعدم بصيرته في مجاري الأمور وعدم معرفته بوجوه المصالح (ولا ينقض برأيه ما قد أبرم لكم) أي لا يقدر على كشف المعضلات وحلّ المشكلات في المعاش والمعاد لقلة البصيرة والمعرفة، وفي بعض النسخ: وينقض برأيه بدون، لا وهو أولى أي لا تشكوا إلى من ينقض برأيه الفاسد ونظره الكاسد ما قد أحكمه الشرع في حقكم بالآيات الباهرة والسنة الزاهرة.

ثمّ لما نهاهم من الرجوع إلى من لا يتمكن من إزالة الشكوى والشجوى ولا يستطيع حلّ المبرمات المغلقات أردفه ببيان ما يجب على الإمام بالنسبة إلى رعيته ليعرفوا وظائف الإمام ولوازم الإمامة فيتابعوا من اتصف بها ويرجعوا إليه في أمر الدين والدنيا، ويرفضوا غيره وينتهوا عنه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ).

(إنه ليس على الإمام) الحق (إلا) القيام ب- (ما حمل من أمر ربه) وهو أمور خمسة الإبلاغ في الموعظة والاجتهاد في النصيحة والإحياء للسنة وإقامة الحدود على مستحقيها وإصدار السهمان على أهلها) ومن المعلوم أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قام بتلك الوظائف فأدى ما حمله وبالغ في الموعظة والنصيحة وكفى به شهيداً ما ضمنه خطبه الشريفة، وأحيا الشريعة وأمات البدعة، وأقام الحدود من دون أن يأخذه في الله لومة لائم، وعدل في القسمة شهد بكل ذلك المؤالف والمخالف.

وأما غيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المنتحلين للخلافة فقد قضروا في ذلك وأحيرا البدعة وفرّطوا في اجراء الحدود، وفضلوا في قسمة السّهام كما يظهر ذلك بالرجوع إلى ما ذكره الأصحاب من مطاعنهم، وقد تقدمت في غير موضع من الشرح وتأتي أيضاً في مقاماتها اللائقة، هذا.

ولعل غرضه من النفي أعني قوله ليس على الإمام إلا ما حمّل قطع الأطماع الفاسدة والتوقع للتفضل في القسمة كما كان دأب المتخلفين وديدنهم.

ولما نهاهم عن الركون إلى الجهل والرجوع إلى قادة الضلال عرفهم ما يجب رعايته على الإمام من لوازم منصب الإمامة وأمرهم بالرجوع إليه وبالأخذ من قبسات علمه فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

(فبادروا العلم من قبل توصيح نبته) أي من قبل أن يجف نباته، وهو كناية عن كناية عن ذهاب رونقه أو عن اختفائه بفقدانه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ومن قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستشار العلم من عند أهل) أي من قبل أن تكونوا مشغولين بتخليص أنفسكم من شرور بني أمية وفتنها التي ستنزل بكم.

عن استثارة العلم وتهييجه واستخراجه من عند أهله وأراد بأهله نفسه الشريف (وانهوا غيركم عن المنكر وتناهوا عنه فانما أمرتم بالنهي بعد التناهي).

قال الشارح المعتزلي: في هذا الموضع إشكال، وذلك أن لقائل أن يقول النهي عن المنكر واجب على العدل والفاسق فكيف قال: (إنما امرتم بالنهي بعد التناهي).

والجواب إنه لم يرد أن جواب النهي عن المنكر مشروط بانتهاء ذلك الناهي من المنكر، وإنما أراد أني لم أمركم بالنهي عن المنكر إلا بعد أن أمرتكم بالانتهاء عن المنكر فالترتيب إنما هو في أمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللهم بالحالتين المذكورتين لا في نهيهم وتناهيهم.

فإن قلت: فلماذا قدم أمرهم بالانتهاء على أمرهم بالنهي؟

قلت: لأن إصلاح المرء لنفسه أهم من الاعتناء بإصلاحه لغيره انتهى.

وأقول: لا حاجة إلى ما تكلفه في الجواب، والأولى أن يقال: إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر بالنهي والتناهي معاً أولاً، وهو دليل على وجوب الأمرين كليهما، واتبعه بقوله: (فإنما أمرتم بالنهي) تنبيهاً على أن التناهي في نظر الشارع مقدم على النهي ووجوبه، اكد، لأن إصلاح النفس مقدم على إصلاح حال الغير، ولأن النهي إنما يثمر بعد التناهي، ويكون تأثيره في النفوس أقوى، وانفعال الطبائع منه أشد وأكد كما يشهد به العقول السليمة والتجربة المستمرة وتوافقت عليه الشرائع والآراء ودلت عليه الأحاديث والأخبار.

ففي”الوسائل»عن الكليني بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله :تعالی

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوو [الأعراف: 165].قال (عَلَيهِ السَّلَامُ”كانوا ثلاثة أصناف: صنف التمروا وأمروا فنجوا، وصنف التمروا ولم يأمروا فمسخوا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا”(1).)وعن الصدوق بإسناده عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ قال في وصيته لولده محمد بن الحنفية: يا بني إقبل من الحكماء مواعظهم وتدبّر أحكامهم، وكن آخذ الناس بما تأمر به وأكف الناس عما تنهي عنه وأمر بالمعروفتكن من أهله فإن استتمام الأمور عند الله تبارك وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(2).)ومن الخصال مسنداً عن محمد حمد بن بن أبي عمير رفعه إلى أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال:”إنما)


1) الكافي: 158/8 151، والخصال: 100 ح 54. ح.

2) وسائل الشيعة: 150/16، ومن لا يحضره الفقيه: 387/4.

يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عامل بما يأمر به تارك لما ينهى عنه، عادل فيما يأمر عادل فيما ينهى رفيق فيما يأمر رفيق فيما ينهى”.ومن”المجالس»بإسناده عن المفضل بن عمر قال قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ بم يعرف الناجي ؟ فقال:”من كان فعله لقوله موافقاً فهو ناج ومن لم يكن فعله لقوله موافقاً فإنما ذلك مستودع»(1).)وعن أبي حمزة عن علي بن الحسين عليهما السلام في حديث وصف المؤمن والمنافق قال (عَلَيهِ السَّلَامُ:”والمنافق ينهي ولا ينتهي ويأمر بما يأتي»(2).)وعن”الإرشاد»للحسن بن محمد الديلمي قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ:”رأيت ليلة أسري بي إلى السماء قوماً تقرض شفاههم بمقاريض من نار ثم يرمى فقلت يا جبرئيل من هؤلاء؟ فقال: خطباء أمتك يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون”.)والرّوايات في هذا المعنى كثيرة وفيما رويناه كفاية لمن له دراية وفي هذا المعنى قال أبو الأسود الدؤلي:وإذا جريت جريت مع السفیه کماجری *** فكلاكما في جريه مذموموإذا عتبت على السفيه ولمته *** في مثل ما تأتي فأنت ظلوملا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيموابدأ بنفسك فانهها عن عيبها *** فإذا انتهيت عنه فأنت حكيمفهناك يقبل ما وعظت ويقتدي *** بالعلم منك وينفع التعليموالله الهادي وهو الموفق.


1) الكافي: 1/ 45 ح 5، والأمالي: 440 ح 583.

2) وسائل الشيعة: 16 / 150 ح 21212.

### الترجمةفصل دویم از این خطبه متضمن نهی از رکون به جهالت و امر به اقتباس انوار علم و هدایت است چنانچه فرموده:آگاه باشید به درستی که بیناترین چشمها آن چشمی است که نفوذ کند در امر خیر نظر با بصیرت او؛ آگاه باشید به درستی که شنواترین گوشها آن گوشی است که حفظ کند نصیحت را و قبول نماید آن را.ای گروه مردمان طلب افروختن چراغ نمایید از شعله چراغ پنددهنده و پند گیرنده و بکشید دلو آب معرفت را از چشمه صافی زلال که صافی شده باشد از کدورت و تیرگی شبهات باطله.ای بندگان خدا میل ننمایید به سوی جهالت خود و اطاعت نکنید مرخواهش های نفسانیه خود را پس به تحقیق که نازل شونده به این منزل نازل شده است به کنار رودخانه سیل برده افتاده در حالتی که نقل میکند هلاکت را بر پشت خود از محلی به محلی به جهت رأی فاسدی که پدید می آرد آن را بعد از رأی فاسد دیگر اراده میکند که کند که بچسباند چیزی را که قابل چسبیدن نیست و نزديك گرداند چیزی را که قابل نزديك شدن نیست.پس میترسانم شما را از خدا از اینکه شکایت کنید به کسی که زایل نتواند نماید اندوه شکایت شما را و به کسی که نتواند بشکند با رای صائب خود آن چیزی را که محکم شده برای شما یعنی نتواند حل مشکلات شما را نماید.به درستی که نیست بر امام مگر آنچه که بار کرده شده است بر او از امر پروردگار خود و آن عبارت است از اکمال موعظه و جهد نمودن در نصیحت و زنده کردن سنت نبویه و اقامه حدود بر مستحقان آن و بازگردانیدن سهم ها و نصيب ها ها بر اهل آن، مبادرت کنید به علم و معرفت پیش از خشك شدن گیاهپس آن و پیش از اینکه مشغول شده باشید به خلاصی نفس خود از فتنهها از بیرون آوردن علم از نزد اهل آن و نهی کنید از کار زشت و قبیح و بازایستید از آن پس جز این نیست که مأمور شده اید شما به نهی کردن، غیر بعد از بازایستادن خود.

## ومن خطبة له وهي المائة والخامسة من المختار في باب الخطب### اشارةوشرحها في ضمن فصلين وصدرها مروية في”الكافي»باختلاف كثير تطلع بعد الفراغ من شرح الفصل إن شاء الله تعالى.### الفصل الأول»أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي شَرَعَ الإِسْلامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ عَالَبَهُ، فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ، وسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وبُرْهَانَا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وشاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، ونُوراً لِمَنْ اسْتَضَاءَ ونَهْماً لِمَنْ عَقَلَ ولُباً لِمَنْ تَدَبَّرَ، وآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ، به، وعِبْرَةً لِمَنْ أَتَّعَظَ، ونَجاةً لِمَنْ صَدَّقَ، وثِقَةٌ لِمَنْ تَوَكَّلَ، وراحَةً لِمَنْ فَوَّضَ، وجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ، فَهُوَ أَبْلَجُ المناهج، وأَوْضَحَ الْوَلائِج، مُشْرِفُ الْمَنارِ مُشْرِقُ الْجَوادُ، مُضيءُ الْمَصابيح، كَريمُ الْمِضْمَارِ، رَفيعُ الْعَايَةِ، جامِعُ الْحَلْبَةِ، مُتَنافِسُ السَّبَقَةِ، شَريفٌ الْفُرْسَانِ، التَّصْدِيقُ مِنْهاجُهُ، وَالصَّالِحاتُ مَنارُهُ، وَالْمَوْتُ غايَتُهُ، وَالدُّنْيا مِضمارُهُ، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سَبَقَتُهُ”.منها في ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ:)»حَتى أَوْرَى قَبْساً لِقَابِسِ، وأَنَارَ عَلَماً لِحابِسٍ، فَهُوَ أَمينُكَ الْمأْمُونُ، وشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وبَعيتُكَ نِعْمَةَ، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةَ، اَللّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ، وَاجْزِهِ مُضاعَفاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِناءِ البانينَ بناءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزَلَهُ، وشَرِّفَ مَنْزِلَتَهُ، وآتِهِ الْوَسيلَةَ، َوأَعْطِهِ السَّناءَ وَالْفَضيلَةَ، وَاحْشُرْنا فِي زُمْرَتِهِ غَيرَ خَزايا ولا نَادِمِينَ، ولا ناكِبِينَ وَلاَ، ناكِثينَ، ولا ضالّينَ وَلا مُضِلِّينَ، وَلاَ مَفْتُونِينَ(1.)قال السيد (ره: وقد مضى هذا الكلام فيما تقدّم إلا أنا كرّرناه ههنا لما في الزوايتين من الاختلاف.)### اللغة(شرع الله لنا كذا من باب منع أي أوضحه وأظهره وسنه والشريعة كالمشرعة مورد الناس للاستسقا سميت بذلك لوضوحها وظهورها، قال الأزهري ولا تسمّيها العرب مشرعة)


1) الغارات: 161/1، وميزان الحكمة: 1708/2 ح 2379.

حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له كماء الأنهار، ويكون ظاهراً معيناً ولا يستقى منه برشاء فإن كان من ماء الأمطار فهو الكرع بفتحتين.و (السلم بكسر السين وسكون اللام الصّلح يقال خذوا بالسّلم أي بالصلح ويطلق على المسالم أي المصالح كما يطلق الحرب على المحارب وعليه ما في الزيارة أنا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم.)و (توسم الشيء تفرسه وتخيّله، و (الابلج) المتّضح من بلج الصبح أضاء وأشرق و ( المنهج) الطريق الواضح المستقيم و (الوليجة) بطانة الزجل وخاصته، وفي شرح المعتزلي هو المدخل إلى الوادي وغيره و (المشرف) المرتفع، و (المضمار) موضع يضمر فيه الخيل للسباق أو زمان التضمير.)و (الحلبة بالحاء المهملة والباء الموحدة وزن سجدة خيل تجمع للسباق من كل أوب ولا تخرج من وجه واحد يقال جاءت الفرس في آخر الحلبة أي في آخر الخيل، و (السبقة) محركة ما يتراهن عليه المستابقان و (القبس) الشعلة، و (أورى) أشعل و (العلم) محركة المنار والجبل ونحوهما مما يرشد به إلى الطريق، و (الحابس) الواقف بالمكان، و (النزل) بضمتين ما يهيأ للنزيل من الطعام، و (السناء) الرفعة، و (الزمرة) الجماعة من الناس، وخزى خزياً من باب علم ذل وهان و (خزايا) جمع خزيان مثل حيران وحيارى وغيران وغياري.)### الإعراب(قبساً بالنصب مفعول أورى أي أورى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبساً ولا يجوز جعله حالاً من فاعل أورى إذ لم يسمع أورى إلا متعدّياً يقال: ورى الزند كوعى خرجت ناره وأوريته ورويته بالتضعيف أخرجت، ناره وعلماً منصوباً على المفعول أيضاً ويحتمل الحال لأن أنار يستعمل متعدّياً ولازماً.)قال الفيومي: النور الضوء وهو خلاف الظلمة والجمع أنوار وأنار الصبح أنارة أضاء ونوّر تنويراً واستنار استنارة كلّها لازمة، بمعنى ونار الشيء ينور نياراً بالكسر أضاء أيضاً فهو نير وهذا يتعدى بالهمزة والتضعيف انتهى.### المعنىاعلم أن هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ ملتقط من فصلين أولهما في ذكر وصف الإسلام وبيان، فضائله وثانيهما في مدح رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتعظيمه وتبجيله وذكر أوصافه الكمالية، وعقبه بالدعاء الخير عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)

أما الفصل الأولفهو قوله(الحمد لله الذي شرع الإسلام أي سن الإسلام أو أوضحه وأظهره، (فسهل شرايعه لمن ورده) شبه الإسلام بنهر جار دائم الجريان واستعار عنه على سبيل الكناية والجامع أن كلا منهما يروي الغليل والعطشان إلا أن الماء يروي من غلل الأبدان والإسلام من غل الأرواح، أو أن بكل منهما يحصل الطهارة والنظافة إلا أن الماء يطهر من القذر والنجس، والإسلام من الكفر والرجس واستعار الشرايع للإسلام على سبيل التخييل، والمراد أنه سبحانه سهل موارد العقول لمن أراد الدخول إلى الإسلام.)قال الشارح البحراني: وتسهيله له إيضاح قواعده وخطاباته بحيث يفهمهما الفصيح پوالألكن، ويشارك الغبي في ورد مناهله الفطن الذكي.(وأعز أركانه على من غالبه استعارة بالكناية أيضاً فإنه شبهه بحصن عال وقصر مشيد مستحكم البنيان وحكم القواعد والأركان واثبات الأركان تخييل والجامع كونهما محفوظاً من أن يهدم ويغالب يعنی أنه سبحانه أعزه وحماه من أن يتسلّط عليه المشركون ويغلب عليه الكافرون كما قال تعالى:)(وَلَن يَجْعَلَ اللهُ الكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: 141]. (فجعله أمناً لمن علقه) لا يخفى ما في هذه الفقرة وما يتلوها من حسن الخطابة حيث ناط بكل واحدة من اللفظات لفظة تلائمها وتناسبها لو نيطت بغيرها لما انطبقت عليها ولا استقرت في قرارها، ألا تراه كيف

رتب الأمن على التعلق، والسّلم على الدخول، والبرهان على التكلّم، والشهادة على المخاصمة وكذا غيرها، فلو غير الأسلوب وقال: أمنا لمن تكلّم، وبرهاناً لمن دخل لكان الإسلام معيباً مختل المعنى خارجاً عن قانون الخطابة.

إذا عرفت ذلك فأقول: مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الفقرة أنه سبحانه جعل الإسلام سبباً لأمن من تعلّق به في الدنيا من إراقة الدماء وفي الآخرة من النار ومن غضب الجبار (وسلماً لمن دخله).

قيل: استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ السّلم باعتبار عدم أذاه لمن دخله فهو كالمسالم له.

أقول: والأشبه أن يكون المراد أن أن يكون المراد أن من دخل الإسلام يكون الإسلام صلحاً بينه وبين المسلمين به يحقن دمه ويقر على ما يملكه

(وبرهاناً لمن تكلّم به) أي من تكلم مصاحباً بالإسلام ومتصفاً به فهو برهان له بمعنى أن فيه بينة وحجة يدل على أحقيته (وشاهداً لمن خاصم به) أي من كان من المسلمين في مقام المخاصمة بالملل الخارجة فالإسلام شاهد له يعني قوله قال سبحانه: یعنی أن فيه ما هو شاهد ويشهد بصحة

(و أفمن كانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ ﴾ [هود: 17]

قال الطريحي: أي برهان من الله وبيان وحجة على أن دين الإسلام حق، وهو دليل العقل ويتلوه العقل أي يتبع ذلك البرهان شاهد يشهد بصحته وهو القرآن (ونوراً لمن استضاء به) إذ به يهتدى إلى الجنّة، ويسلك إليه كما يهتدى بالنور (وفهماً لمن عقل) إذ بالدخول فيه وبرياضة النفس بقواعده وأركانه يتهيأ الذهن لقبول الأنوار الإلهية وفهم الأسرار الحقة فهو سبب للفهم الذي هو جودة تهيؤ الذهن لقبول ما يرد عليه فأطلق لفظه عليه مجازاً من باب إطلاق اسم المسبب على السبب.

(وليّاً لمن تدبير) قال البحراني لما كان اللب هو العقل أطلق عليه لفظ العقل وإن كان سبباً له وأراد العقل بالملكة وما فوقه من مراتب العقل فإن الإسلام وقواعده أقوى الأسباب الحصول العقل بمراتبه (وآية لمن توسم) أي علامة يهتدى به إلى الحق للمتوسم وهو المتفرس المتأمل المتثبت في نظره حتى يعرف حقيقة سمت الشيء (وتبصرة لمن عزم) يعني أنه موجب البصيرة من قصد على فعل الخير وتبصرة له في إتيانه به على ما ينبغي أن يكون عليه.

(وعبرة لمن اتعظ) يعني من كان متديّناً بدين الإسلام ونظر فيما وقع في القرون الخالية للأمم الماضية وأنهم كيف اختر متهم أيدي المنون وانتسفتهم القرون فهو يعتبر بذلك ويتعظ به.

ويحتمل أن يكون المراد أن نفس الإسلام عبرة للمتعظين وذلك لأن من لاحظ رونق الإسلام ونظر في علو قدره وارتفاع كلمته وظهور سلطانه وظفر المسلمين على قلتهم على المشركين مع كثرتهم يحصل له بذلك عبرة وبصيرة في الرّجوع إلى الحق.

(ونجاة لمن صدق) يعني أنه لنجاة من صدق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)فيما جاء به من عند الله سبحانه به يحصل له الخلاص في الدنيا من القتل وفي الآخرة من العذاب (وثقة لمن توكل) إذ من دان بدين الإسلام وعرف المواعيد الكريمة الثابتة في الكتاب والسنة للمتوكلين يحصل له بذلك توكّل على الله وحسن ثقة به (وراحة لمن فوّض) فإن المسلم إذا كمل إسلامه وفوّض أمره إلى الله سبحانه كفاه الله جميع أموره وأراحه من الاهتمام لها وبه يشعر قوله سبحانه:

لو ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].

(وجنّة لمن صبر) أي من صبر على ما فيه من مشاق الطاعات وكلفة العبادات المالية والبدنية يكون الإسلام وقاية له وجنّة من عذاب النار وحز الجحيم.

(فهو أبلج المناهج) أي معروف الطرق وسيأتي بيانها (وأوضح الولايج) أي ظاهر البواطن والأسرار لمن نظر إليه بعين الاعتبار، أو أنه واضح المداخل معروف المسالك كما مرّ في تفسير قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسهل شرايعه لمن ورده.

(مشرف المنار) أي رفيعة، الإعلام، وسيأتي بيان ذلك أيضاً (مشرق الجواد) وهو قريب من أبلج المناهج (مضيء المصابيح) المراد بها إما الأدلة والبراهين الدالة على أحقيته من

الكتاب والسنة، واستعار لها لفظ المصابيح باعتبار أنها يهتدى بها إليه كما يهتدى بالمصباح في الظلمات،

وإما الأئمة الهادون إليه والمرشدون إلى معالمه، وذكر الإضاءة ترشيح.

(كريم المضمار رفيع الغاية جامع الحلبة متنافس السبقة شريف الفرسان) قال الشارح المعتزلي: كأنه جعل الإسلام كخيل السباق التي مضمارها كريم وغايتها رفيعة عالية وحلبتها جامعة حاوية وسبقتها متنافس فيها وفرسانها.أشراف.

أقول: أراد بالفرسان المسلمين المؤمنين، وفسّر سائر ما كان محتاجاً إلى التفسير بقوله: (التصديق منهاجه) الذي تقدم وصفه بأنه أبلج وأراد به التصديق بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله سبحانه والاتيان بلفظ الجمع فيما سبق وبصيغة الإفراد هنا أن الجمع باعتبار تعدد أفراده والافراد بملاحظة نفس النوع ومعلوم أن هذه التصديقات أنوار واضحة الهدى.

(والصالحات مناره) أراد بها الأعمال الصالحة وجعلها مناراً باعتبار إضائتها واشراقها (والموت غايته) وإنما جعله غاية له باعتبار انقطاع التكليف عنده وانتهائه إليه ووصفه بالرفعة فيما سبق باعتبار أنه باب الوصول إلى حظيرة القدس والجنة المأوى التي هي أرفع الغايات ومنتهى المقاصد.

(والدنيا مضماره) لأنه دار مجاز لا دار، قرار ووصفها بالكرم سابقاً باعتبار أن فيها يحصل الاستعداد للفوز بالدرجات العالية والمقامات المتعالية، ولا ينافي ما ورد في ذمها، لأنه ناظر إلى ذمّ من ركن إليها وقصر نظره فيها وغفل عما وراءها، فان من أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته.

(والقيامة حلبته) أي ذات حلبته وموضعها الذي يجتمع الكلّ فيها من كل ناحية لأنها يوم الجمع (والجنة سبقته) جعلها الله سبحانه جزاء للسابقين وفي مثلها فليتنافس المتنافسون.

وأما الفصل الثاني

المسوق لبيان تمجيد الرّسول الله وتعظيمه فهو ما أشار إليه السّيد بقوله: منها في ذكر النبي حتى أورى قبساً لقباس أي أظهر نور الحق وأخرج شعلة الهداية للطالبين المهتدين (وأنا علما لحابس أصل إنارة العلم للحابس أن يوقد عليه النار ويستنار ليهندي به الضّال الحابس أي الذي حبس ناقته ووقف لا يدري كيف يهتدي المنهج واستعاره هنا لإظهاره أنوار الهداية ليهتدي بها من حبسته ظلمة الحيرة والشبهة عن سلوك سبيل الحق.

والمراد بأنوار الهداية المعجزات الباهرة والأدلة القاهرة من الكتاب والسنة، ويحتمل أن يكون العلم مستعاراً لأئمة الدين والإنارة كناية عن النصّ عليهم بالإمامة فهو أمينك المأمون) على أداء رسالاتك وشهيدك يوم الدين على مخلوقاتك وقد تقدم تحقيق هذه الشهادة في شرح الخطبة الحادية والسبعين وبعيثك نعمة)

أي مبعوثك إلى الخلق نعمة عليهم بهدايتهم به

إلى جنتك (ورسولك بالحق و رحمة) لعبادك أن يقعوا في مهاوي الهلاك بسخطك كما قال عز من قائل:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].

ثم دعا في حقه صلوات الله عليه وآله بقوله: (اللهم اقسم له مقسماً من عدلك) أي قسمة وحظاً ونصيباً هو مقتضى عدلك، وهو أن يبلغ نفسه النفيس الذي هو محل الرسالة أقصى مراتب القرب والوصول بما له من الاستعداد والقابلية والكمالات النفسانية التي جعلته قابلاً لذلك.

ولما دعا له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بما يستحقه زاد على ذلك فدعا له بقوله (واجزه مضاعفات الخبر من فضلك) وسأل بذلك أن يتفضل عليه بزيادة من فضله فيضاعف له الخير بمقتضى فضله وكرمه.

اللهم واعل على بناء البانين بناءه) والمراد به إما إعلاء ما بناه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الشريعة وشيده من الدين على سائر ما شيده الأنبياء وبنوه من الشرائع والدين، وإما إعلاء ما بناه لنفسه من مراتب الكمال ودرجات العزّ والجلال، وعلى التقديرين فلفظ البناء استعارة والإعلاء ترشيح.

(وأكرم لديك نزله) استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ النزل لما هيأه الله سبحانه في حقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الثواب الجزيل والأجر الجميل (وشرف عندك منزله) في حظيرة القدس (وآته الوسيلة) وهو امتثال لما طلبه من أمته بقوله: سلوا الله لي الوسيلة.

قال الشارح البحراني: دعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يؤتيه ما يتوسل به إليه ويقربه منه وهو أن يكمل استعداده لما هو أتم القوة على الوصول إليه.

أقول: وليس بشيء، بل المراد بها ما ورد في الأخبار من أنها اعلا درجة في الجنة لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حصر الفرس الجواد مائة عام، وهي ما بين مرقاة جوهر إلى مرقات ياقوت إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة فضّة، فيؤتى بها يوم القيامة حتى تنصب مع درجة النبيين كالقمر بين الكواكب، فلا يبقى يومئذ نبي ولا صديق ولا شهيد إلا قال: طوبى لمن كانت هذه الدرجة درجته (واعطه السناء) أي الرفعة ( (والفضيلة).

ثم دعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنفسه ولصالحي المؤمنين بقوله: (واحشرنا في زمرته) وجماعته (غير خزايا) وخجلين بمعصية الله (ولا نادمين) على التفريط في جنب الله (ولا ناكبين) منحرفين عن سبيل الله (ولا ناكثين) ناقضين لعهد (1)الله (ولا ضالين) عن سواء السبيل (ولا مفتونين) باللغو والأباطيل.


1) المراد به ما عهده لعباده من أن يعبدوه ويخلصوا له الدين كما قال عز من قائل”ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أصل منكم جيلاً أفلم تكونوا تعقلون”، منه.

واعلم أن هذا الفصل أعني الفصل الثاني من هذا الكلام قد مضى روايته من السيد (ره) في الكتاب وهي الخطبة الحادية والسبعون إلا أنه (ره) كرره ههنا لما في الروايتين من الاختلاف وبالمراجعة إليهما يعرف مواقعه وقد قدمنا في شرح ما سبق نكات بديعة وفوائد نافعة من أراد الانتفاع فليراجع إليه.

وهنا لطيفة يعجبني إيرادها في المقام

وهي أن الشارح المعتزلي قال بعد الفراغ من شرح هذا الفصل من كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قلت: سألت النقيب أبا جعفر وكان منصفاً بعيداً عن الهوى والعصبية عن هذا الموضع فقلت له: وقد وقفت على كلام الصحابة وخطبهم فلم أر فيهم من يعظم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعيظم هذا الرجل ولا يدعو كدعائه، فإنا قد وقفنا من”نهج البلاغة»ومن غيره على فصول كثيرة مناسبة لهذا الفصل تدلّ على إجلال عظيم وتبجيل شديد منه الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).

فقال: ومن أين لغيره من الصحابة كلام مدون لتعلم منه كيفية ذكرهم للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهل وجد لهم إلا كلمات متبددة لا طائل تحتها.

ثم قال: إن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان قوي الإيمان برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والتصديق له، ثابت اليقين قاطعاً بالأمر متحققاً له، وكان ذلك يحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) النسبته منه وتربيته له واختصاصه به من دون الصحابة وبعد فشرفه له لأنّهما نفس واحدة في جسمين الأب واحد، والدار واحدة، والاخلاق مناسبة، فإذا عظمه فقد عظم نفسه، وإذا دعا إليه فقد دعا إلى نفسه، ولقد كان يود أن تطبق دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، لأن جمال ذلك لاحق به وعائد إليه، فكيف لا يعظمه ويبجله ويجتهد في اعلاء كلمته؟

قال الشارح فقلت له: قد كنت اليوم أنا وجعفر بن مكي الشاعر نتجاري هذا الحديث.

فقال:جعفر: لم ينصر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحد نصرة أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبنيه له أما أبو طالب ال فكفّله وربّاه ثم حماه من قريش عند إظهار الدّعوة بعد إصفاقهم وإطباقهم على قتله، وأما ابنه جعفر فهاجر بجماعة من المسلمين إلى حبشة فنشر دعوته بها وأمّا علي له فإنه أقام عماد الملة بالمدينة.

ثم لم يمن أحد من القتل والهواء والتشريد بما مني به بنو أبي طالب أما جعفر فقتل يوم مؤتة وأما علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقتل بالكوفة بعد أن شرب نقيع الحنظل وتمنى الموت، ولو تأخر قتل ابن ملجم له لمات أسفاً، وكمداً، ثم قتل ابناه بالسم والسيف وقتل بنوه الباقون مع أخيهم بالطف وحملت نساؤهم على الأقطاب سبايا إلى الشام ولقيت ذريتهم وأخلافهم بعد ذلك من

القتل والهوان والصلب والتشريد في البلاد والحبس والضرب ما لا يحيط الوصف بكنهه، فأي خير أصاب هذا البيت من نصرته ومحبته وتعظيمه بالقول والفعل؟

فقال وأصاب فيما قال: فهلا قلت:

يَمُنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَى إِسْلَمَكُم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَتَكُم لِلإِيمَنِ إن كُنتُمْ صاد قین [الحجرات: 17]. ثمّ قال: إن الله زوى الدنيا عن صالحي عباده وأهل الإخلاص له لأنه لم يرها ثمناً لعبادتهم ولا كفواً لإخلاصهم وأرجا جزاءهم إلى دار أخرى غير هذه الدار في مثلها فليتنافس المتنافسون (1).

أقول: لله در التقيب فلقد أبدع في الكلام وأصاب في الجواب وراعى الانصاف وجانب الاعتساف وأفصح عن الحق وأبان الصدق إلا أنه لا يكاد ينقضي عجبي منه ومن مثله انه مع هذا الفضل والذكاء كيف تشبث بأذيال المتخلفين ولم يتمسك بالعروة الوثقى والحبل المتين، فان محصل ما ذكره يرجع إلى وجوه:

الأَوّل: أن غيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الصحابة لم يوجد لهم كلام منظم ولا بيان منتظم حتى يعرف منه كيفية تعظيمهم للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتبجيلهم له ولا بد أن يكون سرّ ذلك إما قلة معرفتهم بأساس البلاغة أو وهن اعتقادهم في أمر الرّسالة وزعمهم أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بشر مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ومثل ذلك لا يستحق بهذا التبجيل والإكرام والتوقير والإعظام.

الثاني: أن صدور أمثال هذا الكلام من أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان من قوة الإيمان والإيقان وشدة التحقيق والتصديق والقطع واليقين الذي كان له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أمر الرسالة وهو بظاهره يفيد أن غيره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن لهم هذا القطع واليقين ولا لهم معرفة تلك المعرفة وكانوا يظنونه ظنّاً ذلك كيف يجوز ترجيحهم عليه وتقديمهم وتأخيره وتعظيمهم وما هم بمعتقدين ومع النيابة والنائب كلّما كان أشد معرفة بمراتب المنوب عنه وتحقيره ومن المعلوم أن الخلافة هو وآكد يقيناً بشؤونه كان قيامه بوظائف النيابة وإتيانه بمطلوب المنوب عنه ومقاصده أكمل وأتم، ولو لم يكن له معرفة بها فكيف يقوم بالأمر ويتصرف فيه.

الثالث: أنّه كان يحبّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)وكان له نسبة مخصوصة إليه واختصاص خاص به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يكن لسائر الصحابة ذلك الاختصاص والنسبة والمحبة.

أقول: وبعد الاعتراف بذلك كيف يجوز القول بخلافة غيره؟ فإن التجربة والوجدان شاهدان على أن المرء إذا نزلت به داهية أو وقع في بلية أو دنا أجله يفوض أمره إلى خاصته وبطانته ويوصي إليه وصيته ولا يقدّم الأجانب على الأقارب والأباعد على الخواص.


1) شرح النهج: 176/7.

الرابع: أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمنزلة نفس واحدة، وهو كذلك فقد شهدت به آية المباهلة وهي تدلّ على منتهى كماله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفضله وشرفه وبلوغه في ذلك الغاية وتقدمه فيه على الكلّ حيث جعله سبحانه بمنزلة نفس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومع ذلك كلّه كيف جاز ترجيح غيره عليه.

(أفمن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لا يَهْدِى إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ يونس: 35].

وقوله ولقد كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يود أن يطبق دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها.

أقول: فلقد كان كذلك وأما غيره فلقد كانوا: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ ثورو وَلَوْ كَرِة الكَفِرُونَ ﴾ [الصف: 8] هذا.

وأما ما رواه من جعفر بن مكي في”المذاكرة»التي كانت بينه وبينه من أنه لم ينصر أحد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لنصرة أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبنيه وأنه ما ابتلى أحد فيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمثل ما ابتلى فيه هؤلاء فهو كما قال إلا أنه غلط في قوله: وأي خير أصاب هذا البيت من نصرته ومحبته وتعظيمه بالقول والفعل.

أما:أولاً: فلأنه ليس لأمثال هؤلاء الجهال أن يتفوّهوا بمثل هذا الكلام الدال على إبداء المغايرة بين البيتين والمجانبة بين الجسمين الذين هما بمنزلة نفس واحدة حسبما قدمناه.

وأما ثانياً: فلانه كما قال النقيب ليس لآل أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) منة في ذلك على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بل المنة لله ولرسوله على جميع الخلائق.

وأما ثالثاً: فلأنه لم يكن غرض آل أبي طالب فيما فعلوا من الموازرة والنصرة والحماية للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والجهاد بين يديه به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعده جلب المنفعة وطلب الخير وإنما كان قصدهم إحياء السنة وإعلاء لواء الشريعة وإقامة أعمدة الإسلام والملة طلباً لرضوان الحق، وحباً له ووفاء بعهده، كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مرضات الله [البقرة: 207] وقوله: وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23].

وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله”، الحديث.

وأما رابعاً: فلان قوله وأتي خير أصاب ؟

إن أراد به خير الدنيا ففيه أن القنيات الدنيوية وزخارفها وزبرجها إنما لها وقع في أهلها لا في نظرهم وإنّما هي عندهم بجميع ما فيها أهون وأزهد من عرا ما فيها أهون وأزهد من عراق (1)خنزير في يد مجذوم.


1) وهو العظم الذي نحت عنه اللحم.

وإن أراد خير الآخرة فأقول: وأي خير أعظ الآخرة فأقول: وأي خير أعظم من أن هذا البيت كان تالي بيت الرسالة، فقد جعل الله الرسالة في بيت عبد الله والخلافة في بيت أبي طالب وأتى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جوامع الكلم وعلياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عَلَيهِ السَّلَامُ) جوامع الكلام، وجعله مدينة العلم والحكمة، وجعل عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بابها وجعله منه بمنزلة هارون من موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعله وأولاده شهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء وصار نعمة الله على الأبرار ونقمته على الفجار، وفوض إليه سقاية الكوثر وقسمة الجنّة والنار وجعله حامل لواء الحمد وأمين مفاتيح الجنة.

ففي”كشف الغمّة»من”أمالي»الطوسي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول:”أعطاني الله تبارك وتعالى خمساً وأعطى عليّاً خمساً أعطاني جوامع الكلم وأعطى

:عليّاً جوامع العلم، وجعلني نبياً وجعله وصيّاً، وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل، وأعطاني الوحی وأعطاه الإلهام، وأسرى بي إليه وفتح له أبواب السماء والحجب حتى نظر إلي ونظرت إليه”(1).

إلى غير هذه مما روته الخاصة والعامة والله ولي التوفيق.

تكملة

الفصل الأوّل من فصيل هذا الفصل من هذه الخطبة مروي في”الكافي»بطريق آخر أحببت إيراده قال:

روى علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى وعدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد جميعاً عن الحسن بن محبوب عن يعقوب بن السراج عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبأسانيد مختلفة عن الأصبغ بن نباته قال: خطبنا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في داره أو قال في القصر ونحن مجتمعون ثم أمر صلوات الله عليه فكتب في كتاب وقرأ على الناس

وروى غيره أنّ ابن الكمّا سأل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن صفة الإسلام والإيمان والكفر والنفاق فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

»أما بعد فإنّ الله تبارك وتعالى شرع الإسلام وسهل شرايعه لمن ورده وأعزّ أركانه لمن حاربه وجعله عزاً لمن تولاه وسلماً لمن دخله وهدى لمن ائتم به وزينة لمن تجلله وعذراً لمن انتحله وعروة لمن اعتصم به وحبلاً لمن استمسك به وبرهاناً لمن تكلم به ونوراً لمن استضاء به وشاهداً لمن خاصم به وفلجاً لمن حاج به وعلماً لمن وعاه وحديثاً لمن درى وحكماً لمن


1) الأمالي: 105، وبحار الأنوار: 28/8 ح 31.

قضى وحلماً لمن حرب ولباساً لمن تدبر وفهماً لمن تفطن ويقيناً لمن عقل وبصيرة لمن عزم وآية لمن توسّم وعبرة لمن اتعظ ونجاة لمن صدق وتؤدة لمن أصلح وزلفى لمن أقرب وثقة. لمن توكّل ورخاء لمن فوض وسبقة لمن أحسن وخيراً لمن سارع وجنة لمن صبر ولباساً لمن اتقى وظهيراً لمن رشد وكهفاً لمن آمن وأمنة لمن أسلم وروحاً لمن صدق وغنى لمن قنع(1).

فذلك الحق سبيله الهدى ومأثرته المجد وصفته الحسنى فهو أبلج المنهاج مشرق المنار زكي المصباح رفيع الغاية يسير المضمار جامع الحلبة سريع السبقة اليم النقمة كامل العدة كريم الفرسان.

فالإيمان منهاجه والصالحات مناره والفقه مصابيحه والدنيا مضماره والموت غايته والقيامة حلبته والجنة سبقته والنار نقمته والتقوى عدته والمحسنون فرسانه.

فبالإيمان يستدل على الصالحات وبالصالحات تعمر الفقه وبالفقه يرهب الموت وبالموت تختم الدنيا وبالدنيا تجوز القيامة وبالقيامة تزلف الجنّة والجنّة حسرة أهل النار والنّار موعظة للمتقين والتقوى سنخ الإيمان.


1) الكافي: 50/2، وبحار الأنوار: 350/65.

الترجمة

و از جمله خطب شریفه آن امام مبين و وارث علم النبيين است صلواة الله علیه و آله اجمعین در ذکر فضایل ملت اسلام و مناقب حضرت سیدالانام عليه و آله آلاف التحية و السلام می فرماید:

حمد بی حد معبود به حقی را سزا است که پدید آورد و ظاهر نمود دین اسلام را پس آسان گردانید راههای آن را به جهت کسی که بخواهد وارد آن شود و عزیز گردانید رکنهای آن را بر کسی که بخواهد غلبه آن نماید پس گردانید آن را ایمنی از عذاب از برای کسی که در آویخت به آن و صلح و آشتی از برای کسی که داخل شد در آن و دلیل روشن از برای کسی که تکلّم کرد به آن و گواه از برای کسی که مخاصمه نمود بهوسیله آن و نور هدایت از برای کسی که روشنی جست به آنو فهم از برای کسی که عاقل شود و عقل از برای کسی که تدبر نماید و علامت و نشانه از برای کسی که تفرّس و تأمل نماید و آلت بصیرت از برای کسی که صاحب عزم باشد و عبرت از برای کسی که پند گیرد و نجات و خلاصی از برای کسی که تصدیق کرد و وثوق و اعتماد از برای کسی که توکل نمود و راحت و آسایش مرکسی را که تفویض کرد کار خود را به خدا، سپر مرکسی را که صبر نمود به رنج و عنا.

پس آن اسلام روشن تر است راههای، ان آشکارتر است سرهای آن بلند است مناره آن تابان است راههای آن درخشان است چراغهای آن گرامی است میدان، ان بلند است، نهایت، آن جمع کننده است حلبه آن یعنی اسبانی که فراهم آورده میشود از اطراف و نواحی متعدّده به جهت اسب دوانی و مسابقت؛ رغبت کرده شده است سبقت، ان یعنی چیزی که مقرر شده به جهت سقبت کننده از اسب دوان، ها بزرگوار است سوارهای آن.

تصدیق به خدا و، رسول راه راست اسلام است و عمل های صالح مناره او است و مرگ غایت او است و دار دنیا میدان اسب دوانی او است و روز قیامت صاحب حلبه او و بهشت عنبر سرشت سبقت او.

بعضی دیگر از این در ذکر حضرت رسالت مآب صلواة الله وسلامه عليه و آله است که فرمود:

تا اینکه برافروخت پیغمبر خدا شعله انوار دین مبین از برای آتش گیرنده اقتباس نور کننده و روشن گردانید علامت و نشانه را از برای حبس کننده، یعنی کسی که ایستاده باشد در وادی حیرت و ضلالت و مرکب خودش را نگه بدارد به جهت یافتن راه هدایت.

پس حضرت رسالت امین مؤتمن تو است در تبلیغ احکام و شاهد تو است بر امتان و مبعوث و برانگیخته تو است از روی نعمت بر جمیع عالمیان و رسول تو است از روی رحمت به آدمیان.

بار، خدایا قسمت بده از برای او حظ وافر را از عدل کامل خودت و جزا بده به او زیادتیهای خیر را از فضل شامل خود.

بار خدایا و بلند گردان بر بنای بناکنندگان بنای او را و گرامی دار نزد خودت اجر و جزای او را و بده او را وسیله و عطا کن او را بلندی و فضیلت را و محشور گردان ما را در میان گروه او از مؤمنان و صالحان در حالتی که رسوا و خوار نباشیم نزد خلقان نه پشیمانان و نه از راه راست منحرف شوندگان و نه شکنندگان عهد و پیمان و نه گمراهان و نه گمراه کنندگان و نه در فتنه افتاده شدگان.

الفصل الثاني

منها في خطاب أصحابه:»وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لَكُمْ مَنْزِلَةَ تُكْرَمُ بِها إماؤكُمْ، وتُوصَلُ بها، جيرانُكُمْ، ويُعَظْمُكُمْ مَنْ لا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَلاَ يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ، ويَهابُكُمْ مَنْ لاَ يَخافُ لَكُمْ سَطْوَةً، وَلا لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةً، وَقَدْ تَرَوْنَ عَهُودَ اللهِ مَنْقُوضَةً، فَلا تَغْضَبُونَ، وأَنتُم لِنَقْضِ ذِمَم آبائِكُمْ تَأَنفُونَ، وكانَتْ أُمُورُ اللهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ، وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ، وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ، فَمَكَّنتُمُ الظُّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ، وأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ، وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللهِ في أَيْدِيهِمْ، يَعْمَلُونَ في الشُّبُهَاتِ، ويَسرُّونَ في الشَّهَوَاتِ، وأَيمُ اللهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَب لَجَمَعَكُمُ اللهُ لِشَر يَوْمِ لَهُمْ”(1).

اللغة

(الوصل) ضدّ القطع، و (الذمة) العهد والأمان والضمان والحرمة والحق، و (اليد) النعمة، و (انف) انفاً من باب فرح استنكف

الإعراب

(الواو) في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وانتم) للحال، والجملة بعدها حال من فاعل تغضبون وجملة (يعملون في الشبهات) استئنافية بيانية أو حال من الضمير المجرور في أيديهم (ولو) في قوله: (ولو فرقوكم)، بمعنى أن الشرطية إذ لو أبقيت على معناها الأصلي لدلّت على الانتفاء عند الانتفاء كما في قوله تعالى:

(ولَوْ كَانَ فِيهِمَا عَاهَهُ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا ﴾ [الأنبياء: 22].

وهو باطل والإتيان بالشرط والجواب ماضيين إشارة إلى تصوير غير الحاصل بصورة الحاصل أو تنبيهاً على وقوعهما لا محالة.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما قال الشارح المعتزلي خطاب لأصحابه الذين

أسلموا مدنهم ونواحيهم إلى جيوش معاوية التي كان يغير بها على أطراف أعمال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كالأنبار وغيرها مما تقدم ذكرها في الشرح فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم.

(وقد بلغتم من كرامة الله لكم) بالإسلام بعد ان كنتم مجوساً وصابئة وعبدة أصنام


1) الغارات: 11/1، وبحار الأنوار: 367/33.

(منزلة) عظيمة (تكرم بها إماؤكم) وعبيدكم ومن كان مظنة المهانة والمذلة (وتوصل بها جيرانكم) أي الملتجئين إليكم من معاهد أو ذمي، فإنّ الله تعالى حفظ لهم ذمام المجاورة لكم حتى عصم دماءهم وأموالهم ويحتمل أن يراد به المجاورون في المسكن.

(ويعظمكم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده) كالروم والحبشة، فقد عظموا مسلمي العرب لتقمّصهم بلباس الإسلام واظهارهم شعاره (ويها بكم من لا يخاف لكم سطوة ولا لكم عليه إمرة) أي أمارة وسلطنة كالملوك في أقاصي البلاد مثل الهند والصين ونحوها، فانهم هابوا دولة الإسلام وإن لم يخافوا سطوتها وسيوفها وذلك لأنَّه شاع وذاع أنّهم قوم صالحون إذا دعوا الله استجاب الله دعوتهم وينصرهم بملائكته ويمدهم بجنوده، هذا.

ولما قرّر نعمة الله ومنته عليهم أردفه بالتوبيخ لهم على التقصير في أداء واجب حقه، وأشار إلى ارتكابهم بعض مسببات کفران نعمته بقوله: (وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون) أراد بذلك رؤيتهم من أهل الشام وأمثالهم فعل المنكرات من مخالفة الأحكام الشرعية والأوامر الإلهية والبغي والخروج على الإمام المفترض الطاعة والإغارة على المسلمين والمعاهدين وعدم إنكارهم على ذلك وسكوتهم عليه مع تمكنهم من إزالته ودفعه بالجهاد والجدل.

وبالجملة فالمراد أنكم ترون عهود الله التي أخذها على العباد باتيان الواجبات وترك المنهيات منقوضة فلا تنكرونه وتسكتون عليه (وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون) وتستنكفون، ولا ريب أن السكوت عن انكار تلك المنكرات مع الاستنكاف عن نقض ذمم الآباء يدل أن عهود على الله سبحانه أهون وأضعف عندهم من عهود آبائهم، وهو في حد الكفر.

(وكانت أمور الله عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع) قال العلامة المجلسي (ره): أي أنتم المخاطبون بالأوامر والنواهي، أو كنتم قبل ذلك في أيام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) موارد الأمور ومصادرها مطيعين له منكرين للمنكرات وكان المراد بالورود السؤال وبالصدور الجواب وبالرجوع التحاكم. ويمكن تعميم المراد بالورود والصدور، فالمراد بالرجوع رجوع النفع والضرر في الدارين.

وقال الشارح المعتزلي كانت الأحكام الشرعية إليكم ترد مني ومن تعليمي إياكم وتثقيفي(1)لكم، ثم يصدر عنكم إلى من تعلمونه إياها من أتباعكم وتلامذتكم، ثم يرجع إليكم بأن يتعلمها بنوكم وإخوتكم من هؤلاء الاتباع والتلامذة.

(ف) فررتم من الرّحف لما أغارت جيوش الشام عليكم (ومكنتم الظلمة من منزلتكم)


1) التثقيف: التفهيم من ثقفت الحديث فهمته لبرعة، منه.

بتخاذلكم عن جهادكم (وألقيتم إليهم أزمتكم) كالدابة التي زمامها بيد راکبها يوجهها این شاء ويتصرّف فيها كيف يشاء (وأسلمتم أمور الله في أيديهم) أي جعلتم أمور الله وأحكامه الجارية في بلاده وعباده مسلّمة مفوّضة إليهم موكولة إلى آرائهم وكلّ ذلك بالتقصير عن مجاهدتهم. (يعملون في) التكاليف الشرعية والأحكام الإلهية با (الشبهات) الفاسدة والآراء الكاسدة يزعمونها حججاً باهرة وبراهين ساطعة

(ويسيرون في الشهوات) النفسانية وينهمكون فيها.

ثمّ أخبر بمآل حال بني أمية المشار إليهم بالظلمة تحذيراً لهم وإنذاراً بقوله: (وأيم الله لو فرقوكم تحت كل كوكب) وبددوكم في البلاد (لجمعكم الله لشر يوم لهم) وينتقم بسوء أعمالهم منهم، وكنّى بشر اليوم عن ظهور المسودة من أهل العراق وخراسان وانتقامهم من بني أميّة وأهل الشام ويحتمل أن يكون إشارة إلى ظهور إمام الزمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجمعهم في الرّجعة، والمراد جمع صنفهم والله ولي التوفيق.

الترجمة

بعض دیگر از این خطبه شریفه در خطاب به اصحاب خود و توبیخ و ملامت ایشان به تقصیر از جهاد اهل شام و اتباع معاویه بیایمان است، می فرماید:

و به تحقیق که رسیدید شما از کرامت و نوازش حضرت عزّت مرشمارا که عبارت است از مشرف نمودن شما به شرف اسلام به منزله و مقامی که گرامی داشته میشود به سبب آن منزلت کنیزهای شما و پیوند میشود اشخاصی که در امان شما میباشند از اهل باشند از اهل ذمه و معاهدین و تعظیم می کند شما را کسی که هیچ فضیلت و مزیتی نیست شما را بر او و هیچ نعمتی نیست شما را در نزد او و می ترسد از شما کسی که نمی ترسد از قهر و غلبه شما و نیست مرشمارا بر او امارت و حکومت.

و به تحقیق میبینید شما عهدهای خداوند شکسته شده پس غضب نمی کنید و متغیّر نمیشوید و حال آنکه شما از برای شکستن عهدهای پدران خود استنکاف دارید و بود امرهای خدا بر شما وارد میشد و از شما صادر می گردید و به شما راجع بود.

پس تمکین دادید ظالمین را از بنی امیه و بنی مروان و سایر اهل شام به منزل خودتان و بیفکندید به سوی ایشان جلو خودتان و مطیع و منقاد شدید به ایشان و سپردید کارهای خدا را در دست.ایشان عمل می کنند آنها به شبهه های باطله و سیر می کنند در شهوات و خواهشات نفسانیه و به خدا سود گند اگر پراکنده کنند ایشان شما را در زیر هر اختری هر آینه جمع کند شما را خدا برای بدترین روزی که از برای ایشان است که عبارت است از روز ظهور امام زمان ( (عَلَيهِ السَّلَامُ)).

ومن خطبة له في بعض أيام صفين وهي المائة والسادسة من المختار في باب الخطب

اشارة

»وقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَالحِيازَكُمْ عَنْ صُفُونِكُمْ، تَحُوزُكُمُ الْجُفاةُ الطَّعَامُ، وأَعْرابُ أَهْلِ الشام، وأَنْتُمْ لَهامِيمُ الْعَرَبِ، ويافيحُ الشَّرَفِ والأَنْفُ الْمُقَدَّمُ، وَالسَّنامُ الأَعْظَمُ، َولَقَدْ شَفَىَ وَحاوِحَ صَدْري أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِآخِرِهِ تَحُوزُونَهُمْ كَما حازُوكُمْ، وتُزيلُونَهُمْ عَنْ مُواقِفِهِمْ كَما أَزالُوكُمْ حَسَاً بِالنِّضال، وشَجْراً بِالرِّماح تَرْكَبُ أولاهُمْ أُخراهُمْ كَالإِبِلِ الهيم الْمَطْرُودَةِ، تُرْمَى عَنْ حِياضِهَا، وتُذادُ عَنْ مُوارِدِها»(1).

اللغة

(جال) الفرس في الميدان يجول جولة وجولانا قطع جوانبه وجال القوم جولة انكشفرا ثم كرّوا و (انحاز) الرجل إلى القوم بمعنى تحيّز إليهم، قال تعالى: أو متحيّزاً إلى فئة أي مائلاً إلى جماعة من المسلمين وفي”القاموس»انحاز القوم تركوا مراكزهم و (حزت) الشيء جمعته وضممته وحزته أيضاً غلبته و (الجفاة) جمع جاف وهو الغليظ من الناس و (الطغام) بالطاء المهملة والغين المعجمة وزن سحاب الأوغاد من النّاس، وهي جمع وغد وهو الأحمق الضعيف الرذل الدني

و (العرب) محركة خلاف العجم مؤنث وهم سكان الأمصار أو عام والأعراب منهم سكان البادية لا واحد لها ويقال للواحد أعرابي و (اللهاميم) جمع اللهميم بالكسر كالقنديل والقناديل وهو السابق الجواد من الناس والخيل أو جمع اللهموم بالفتح كاليعسوب واليعاسيب الناقة الغزيرة والسحابة الغريزة القطر و (اليافيخ) جمع يافوخ وهو ملتقى عظم مقدم الرأس

وهي ومؤخره ويقال لمعظم الشيء أيضاً و (الوحاوح) جمع الوحوحة وهو صوت معه بحح و (الحسن) القتل قال تعالى: إِذْ تَحُشُونَهُم بِإِذْنِهِ [آل عمران: 152]، و (الشجر) الطعن و (الهيم) من الإبل العطاش.

الإعراب

جملة (وأنتم لهاميم العرب) في محلّ النصب على الحال من مفعول تحوز، وقوله (أن رأيتكم) على التأويل بالمصدر فاعل، شفى، (وحساً وشجراً) منصوبان على المصدر.


1) 49/32 بحار الأنوار: 32/ 495 ح 427، والمعيار والمرا: 149.

المعنى

اعلم أنه قد تقدّم في شرح الكلام الخامس والستين رواية هذه الخطبة عن نصر بن مزاحم عن زيد بن وهب باختلاف لما هنا وظهر لك ثمة أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخطب هذه الخطبة لما انهزم ميمنة أهل العراق ثم عادت إلى موقفها واجتمعت إلى الأشتر وحمل الأشتر معهم على صفوف أهل الشام وكشف من بإزائهم فخاطبهم أمير المؤمنين بهذا الكلام فقال:

(وقد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم) أي انكشافكم وميلكم عن صفوفكم وهو كناية عن هزيمتهم وهربهم عدل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التعبير عن اللفظ المنفر إلى لفظ غير منفر قال الشارح المعتزلي: وهو باب من أبواب البيان لطيف وهو حسن التوصل بإيراد كلام غير مزعج عوضاً عن لفظ يتضمن تقريعاً.

(تحوزكم) أي تغلبكم (الجفاة الطغام) أي الغلاظ الأوغاد ( وأعراب أهل الشام) والإتيان بلفظ الأعراب إما بيان للواقع أو تبكيت لأصحابه وتوبيخ لهم بأنه لا يليق بمثلهم في الشرف والسودد أن يحوزه اراذل العرب والبدوي منهم.

وربما يشعر بذلك قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (وأنتم لهاميم العرب) وساداتها (ويافيخ الشرف) تشبيههم باليافيخ لكونهم في علوّهم وشرفهم بالنسبة إلى العرب كاليآفيخ بالنسبة إلى الأبدان (و) كذلك التشبيه با (الانف المقدم والسنام الأعظم) واستعارة لفظي الأنف والسنام لهم باعتبار العز والشرف، فان الأنف أعزّ الأعضاء وأشرفها ومتقدم عليها وحسن الوجه به قال الشاعر

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم *** ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا

وهكذا السنام في عزته وعلوّه بالنسبة إلى باقي أعضاء الجمل (ولقد شفى وحاوح صدري) وهي كناية عن تألمه وحرقة قلبه الناشي عن غلبة العدو (أن رأيتكم بآخره) أي آخر الأمر (تحوزونهم كما حازوكم وتزيلونهم عن مواقفهم) ومراكزهم (كما ازالوكم حساً بالنضال وشجراً بالرماح) أي تقتلونهم قتلاً بالمراماة، وتطعنونهم طعناً بالرماح حال كونهم (تركب أولاهم أخراهم) أي الكتيبة الأولى منهم الكتيبة الأخرى مولّين مدبرين (كالإبل الهيم) العطاش المجتمعة على الحياض للشرب (المطرودة) بعد اجتماعها (ترمى) بالسهام وتدفع (عن حياضها وتذاد) وتطرد (عن مواردها) فإن طردها على ذلك الاجتماع يوجب ركوب بعضها بعضاً ووقوع بعضها على بعض وكذلك تلك الكتائب

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن بزرگوار و سید ابرار است در بعض ایام صفین که خطاب نموده به اصحاب خود در وقتی که شکست خوردند و در مقابل اهل شام فرار را برقرار اختیار کردند پس در مقام تعرض ملامت ایشان فرمود که:

به تحقیق دیدم جولان کردن و هزیمت نمودن و شکست خوردن شما را در صفهای خودتان که جمع میکردند و بهم می چسباندند شما را مردمان زبر و خشن و رذل و عربهای بادیه نشین اهل شام و حال آنکه شما جوانمردان عربید و سرهای شرف و ادب و بینی و پیشی گرفته بر دیگران و کوهان بزرگتر از همه.

و به تحقیق شفا داد آوازهای سینه مرا آنکه دیدم شما را در آخر کار جمع می کردید و به هم می چسبانید ایشان را چنانچه آنها جمع و حیازت می کردند شما را و زایل میکردید ایشان را از محلها و مقامهای خودشان چنانچه ایشان شما را زایل میکردند.

میکشتید و مستأصل مینمودید ایشان را کشتنی با تیراندازی وطعن می کردید به ایشان طعنه با نیزه، ها در حالتی که بر هم مینشستند اوّل ایشان به آخر ایشان مثل شتران تشنه رانده شده که انداخته شده باشند از حوضهای خود و دفع کرده شده باشند از مواضع ورود بر آب.

ومن خطبة له وهي من خطب الملاحم والمائة والسابعة من المختار في باب الخطب

اشارة

وشرحها في فصلين:

الفصل الأول

أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ، وَالظَّاهِرِ لقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ، خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيرِ رَوِيَّةٍ إِذْ كانَتِ الرَّوِئَاتُ لاَ تَليقُ إِلا بِذَوِي الصَّمائِرِ وَلَيْسَ بِذي ضميرٍ في نَفْسِهِ، خَرَقَ عِلْمُهُ باطِنَ غَيْبِ السَّتَرَاتِ، وأَحَاطَ بِعْمُوضٍ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ.

(منها في ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)) اختارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الأَنْبِياءِ، ومِشكاة الضّياء، وذُوْابَةِ الْعَلياء،

وسُرَّةِ الْبَطْحاء، ومَصابيح الظُّلْمَةِ، وينابيعِ الْحِكْمَةِ.

(منها) طَبيبٌ دَوَارٌ بِطِبُه قَدْ أَحْكَمَ مَراهِمَهُ وأَحْمى مَواسِمَهُ، يَضَعُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبِ

عُمْيِ، وآذانِ صُمْ، وَأَلْسِنَةِ بُكُم، مُتَتَبَّعْ بِدَوَائِهِ مَواضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَواطِنَ الحيرَةِ. لَمْ يَسْتَضيؤُا بِأَضْواءِ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُوم الثاقِبَةِ، فَهُمْ في ذَلِكَ كالأَنْعَام السّائِمَةِ، وَالصُّحُورِ الْقاسِيَةِ، قَدْ انْجابَتِ السَّرائِرُ، لأهْل الْبَصَائِرِ، وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لخابِطها، وأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِها، وظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمُتَوَسمِهَا، ما لي أَراكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أزواج، وأزواحاً بِلا أَشباح ونُسّاكاً بِلا صلاح، وتُجاراً بِلا أَرْبَاحٍ وأَيْقَاطاً نُوْماً، وشُهُوداً غَيْباً، وناظِرَةٌ عُمْياً، وسامِعَةً صُمّاً، وناطِقَةٌ بُكْماً “(1).

اللغة

قد مضى تفسير الملحمة بأنها الحرب والقتال والوقعة العظيمة فيها وموضع القتال مأخوذة من اشتباك الناس فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدي و (ضمير) الإنسان قلبه وباطنه وما يضمره من الصور، وجمع على الضمائر تشبيهاً بالسريرة والسرائر لأن باب فعيل إذا كان اسماً لمذكر يجمع على أفعلة وفعلان كرغيف وأرغفة ورغفان و (السترة) بالضم ما استترت به كائناً ما كان و (السريرة كالسر هو ما يكتم و (المشكاة) كوّة غير نافذة يجعل فيها المصباح أو عمود القنديل الذي فيه الفتيلة أو القنديل.


1) ميزان الحكمة: 2162/3، وشرح نهج البلاغة: 187/7.

و (الذؤابة) بالضم مهموزاً الناصية أو منتهاها من الرأس أو الطائفة من شعر الرأس و (العليا) بالفتح والمد كلّ مكان مشرف والسّماء ورأس الجبل و (السرّة) ما تقطعه القابلة وسرة الوادي أفضل مواضعه و (البطحاء) والأبطح مسيل واسع فيه زقاق الحصا و (المراهم) جمع المرهم وهو دواء مركب وطلاء لين يطلى به القروح والجروح قيل إنّه مأخوذ من الراهمة بالكسر وهو المطر الضعيف و (المواسم) كالمياسم جمع الميسم وهو المكواة والحديد الذي يوسم به الخيل وغيرها.

و (قدح) بالزند رام الإبراء به واستخرج النار منه والزند الذي يقدح به النار وهو الأعلى والسفلى الزندة بالهاء والجمع زناد كسهم وسهام و (ثقبت) النّار اتقدت والكواكب اضاءت و (السائمة) من الأنعام خلاف المعلوفة والقاسية) الشديدة الغليظة وانجابت) السحابة انكشفت و (المحجة) بالفتح جادة الطريق و (الخابط) السائر على غير هدى و (سفر) الصبح وأسفر أضاء، وأسفرت المرأة عن وجهها كشفت النقاب عنه و (الشيح) محركة سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد و (النوم) و (الغيب) وزن ركع وسجد جمع نائم وغائب و (العمى) و (الصم)و (البكم) كلها بالضم.

قال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه:

وهُم بُكُمُ عُمّى فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 18].

الأصم الذي ولد كذلك وكذلك الابكم وهو الذي ولد أخرساً، وأصل الصمّ السّد

فالصمم سد الأذن بما لا يقع منه سمع، وأصل البكم الاعتقال في آفة في اللسان، وهو يمنع من الكلام وأصل العمى ذهاب الإدراك بالعين والعمى في القلب مثل العمى في العين آفة تمنع من الفهم ويقال: ما أعماه من عمي القلب ولا يقال ذلك في العين وإنما يقال ما أشدّ عماه وما يجري مجراه.

الإعراب

قوله (وليس بذي) ضمير في نفسه الجار والمجرور متعلّق بمقدر صفة لضمير أي كائن في نفسه، ويحتمل على بعد أن يجعل (في) بمعنى (على) ويكون الظرف متعلقاً بمقدر حالاً من إسم ليس، أي ليس هو بصاحب ضمير مستقراً أو متمكناً على نفسه، والأول أظهر وأصح لاحتياج الثاني إلى تكلف وابتنائه على إعمال الفعل الناقص أعني ليس في الحال وهو خلاف المشهور.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (طبيب دوّار) الظاهر أنه خبر محذوف المبتدأ أو مذكور في أصل الكلام وأسقطه السيد (ره) حين الالتقاط، ويحتمل أن يكون مبتدأ لكونه نكرة موصوفة، وجملة

يضع، خبره، وجملة (قد أحكم): حال من فاعل دوّار، وعلى الاحتمال الأوّل أعني جعل طبيب خبراً يجوز جعل جملة يضع استئنافاً بيانياً والإشارة بلفظ ذلك إلى طبّه.

و (حيث) ظرف مكان ليضع مبنية على الضم للزوم إضافتها إلى الجملة اسمية أو فعلية نحو جلست حيث زيد جالس وحيث جلس، زيد قال ابن مالك في منظومة النحو:

وألزموا إضافة إلى الجمل *** حيث وإذ وإن ينون يحتمل

والحاجة بالضم كما في أكثر النسخ مرفوع على الابتداء وخبره محذوف أو فاعل، الفعل محذوف أي حيث كانت الحاجة إليه أو حيث الحاجة إليه حاصلة والجملة مجرورة المحل بإضافة حيث إليها، وفي بعض النسخ بجرّ الحاجة والأوّل أظهر، لأن إضافة حيث إلى المفرد شاذة كما قال في قوله: ألا ترى حيث سهيل طالعاً بجر سهيل على إضافة حيث إليه وربما قيل بأن سهيل مرفوع على الإبتداء وخبره محذوف فحيث مضافة إلى الجملة والتقدير حيث سهيل مستقر طالعاً.

ومتتبع، خبر لمبتدأ محذوف وجملة لم يستضيئوا منصوبة المحل على الحالية من مفعول متتبع، وقوله: ما لي أراكم أشباحاً، استفهام توبيخي و (لا)، في قوله بلا أرواح وبلا أشباح، زائدة كما في قولهم جئت بلا زاد وغضبت من لا شيء ومعنى الزيادة أنها وقعت بين شيئين متطالبين لا أنها لو أسقطت لم يخل المعنى.

المعنى

اعلم أنّ الفصل الثاني من هذه الخطبة الشريفة في ذكر الملاحم والإشارة إلى الوقائع العظيمة الخطوب التي تكون بعده، وهذا الفصل الذي نحن بصدد شرحه مداره على أمور ثلاثة.

الأول: تحميد الله سبحانه وتمجيده باعتبار نعوته الجلالية والجمالية.

والثاني: تبجيل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتعظيمه وترجيحه على الأنبياء والرسل.

والثالث: الإشارة إلى بعض كمالات نفسه وكرامات ذاته وأتبعه بتوبيخ الجاهلين من المخاطبين وغيرهم الغافلين عن اقتباس أنواره واكتساب فيوضاته.

أما الأول: فهو قوله (الحمد الله المتجلّي لخلقه بخلقه) أي الظاهر المنكشف لمخلوقاته بواسطة ايجاده وابداعه المخلوقات بقدرته الشاملة وحكمته الكاملة ويجوز أن يكون المصدر الثاني أيضاً بمعنى المفعول، فالمعنى أنه سبحانه تجلى للخلق وأجلا معرفته لقلوب عباده بما أوجده من المصنوعات والموجودات حتى أشبهت كل ذرة منها مرآة ظهر بها لهم فهم

يشاهدونه على قدر قبولهم لمشاهدته وتفاوت مراتب المشاهدة بحسب تفاوت أشعة أبصار البصائر.

وقد تقدّم في شرح الخطبة الرابعة والستين في بيان معنى قوله: وكل ظاهر غيره غير باطن تحقيق أنه تعالى أظهر الأشياء وأجلاها وأن منتهى ظهوره صار سبباً لخفائه فليراجع ثمة، فان هناك فوائد جمة.

(والظاهر لقلوبهم بحجته) أي الواضح وجوده لقلوب الذين أنكروه بأوهامهم وألسنتهم بقيام حجته الباهرة، وأدلته القاهرة عليهم بذلك، فانّه سبحانه لم يحجبهم عن واجب معرفته، وقد مرّ تحقيقه في شرح قوله: فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود، في الخطبة التاسعة والأربعين.

(خلق الخلق من غير رونة) وفكر في كيفية خلقه لأن الفكر عبارة عن حركة القوّة المفكرة في تحصيل المطالب من المبادىء وانتقالها منها وإليها، وهي محال عليه سبحانه.

أما أولاً فلما أشار إليه بقوله: (اذ كانت الزويات لا تليق إلا بذوي الضمائر) والقلوب والمشاعر البدنية (وليس بذي ضمير في نفسه) فليس له سبحانه روية.

وأما ثانياً: فلان فائدة الروية هو تحصيل المطالب المجهولة من المعلومات والجهل محال على الله سبحانه، وقد تقدم ذلك في شرح الفصل الثالث من خطبة الأشباح وهي الخطبة التسعون.

(خرق علمه باطن غيب السترات) أي نفذ علمه في كل مستتر وغائب بحيث لا يحجبه ستر ولا يستره حجاب (وأحاط بغموض عقائد السريرات) أي بما دق وخفى من عقائد أسرار القلوب كما قال تعالى:

وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ وَأَخْفَى [ طه: 7].)وقد مرّ بيان علمه بالسرائر في شرح الخطبة الخامسة والثمانين.وأما الثاني منها: وهو الذي في ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وتبجيله وتعظيمه فهو قوله (اختاره من شجرة الأنبياء استعار ل لفظة الشجرة لصنف الأنبياء باعتبار أن هذا الصنف له فروع وأثمار وأوراق كالشجرة، ففروعه أشخاص الأنبياء وأحادهم وأثماره العلوم والكمالات والكرامات التي لهم، وأوراقه المؤمنون والمخلصون من أممهم.)(ومشكاة الضياء قال البحراني (ره) استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ المشكاة لآل إبراهيم ووجه المشابهة أن هؤلاء قد ظهرت منهم الأنبياء وسطع من بينهم أنوار النبوة والهداية كما يظهر نور المصباح من المشكاة.)

أقول: هذا مبني على كون المشكاة بمعنى القنديل أو الكوة وعلى كونها بمعنى عمود القنديل الحامل للفتيلة فوجه المشابهة هو أن هؤلاء محال أنوار النبوة باعتبار أن أكثر الأنبياء فيهم كما أن المشكاة محلّ النور.(وذؤابة العلياء قال الشارح ويشبه أن يشير به إلى قريش ووجه المشابهة تدليهم في أغصان الشرف والعلو عن آبائهم كتدلي ذوابة الشعر عن الرأس.)أقول: وهو مبني على كون الذوابة طائفة من الشعر وأما على كونها بمعنى الناصية فوجه المشابهة بروز شرفهم وظهور علوّهم وفضيلتهم، كما أن الناصية بارزة ظاهرة ولها تفضيل على سائر الأعضاء في العزة والجلاء.(وسرة البطحاء أي أوسطها من باب استعمال المقيد في المطلق كالمشفر في شفة الإنسان أو أفضلها، وعلى كل تقدير فالمراد بالبطحاء مكة للمسيل الواسع الذي فيه ويسمى بالأبطح، قال الشارح المعتزلي: وبنو كعب بن لوي يفتخرون على بني عامر بن لوي بأنهم سكنوا البطاح وسكنت عامر بالجبال المحيطة بمكة وسكن معها بنو فهر بن مالك رهط أبي عبيدة بن الجراح وغيره قال الشاعر:)فحللت منها بالبطاح *** وحل غیرك بالظواهوقال بعض الطالبيين:وأنا بن معتلج (1البطاح إذا غدا *** غيري وراح علی متون ظواهر)يفتر عنّي ركنها وحطيمها *** كالجفن يفتح عن سواد الناظركجبالها شرفي ومثل سهولها *** خلقي ومثل ظبائهن مجاوري(ومصابيح الظلمة وينابيع الحكمة استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ المصابيح والينابيع للأنبياء الأدلاء على الحق باعتبار أنهم يهتدي بهم من ظلمة الجهالة ويروى بهم من غلل الضلالة.)وأما الثالث منها فهو قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ (طبيب دوار بطبّه) استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ الطبيب لنفسه الشريف باعتبار كونه معالجاً لأسقام الأرواح كمعالجة الأطباء لأمراض الأبدان، وذكر الدّوار ترشيح للاستعارة، ووصفه به إشارة إلى كماله لأن الدوار أكثر تجربة وحذاقة من غيره، ورشحها أيضاً بقوله (قد احكم مراهمه) أي أتقنها ومنعها من الفساد وبقوله: (وأحمى مواسمه) أي أسخنها وهيّأها ليكوي بها، ويمكن أن يكونا من باب الاستعارة التمثيلية فيكون المراد بإحكام المراهم البشارة بالثواب أو الأمر بالمعروف، وباحماء المواسم الإنذار من العقاب أو النهى عن المنكر.)


1) اعتلجوا اتخذوا صراعاً وقتالاً.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ (يضع من ذلك) أي من طبّه أو من كل مراهمه ومواسمه (حيث) كانت (الحاجة إليه من قلوب عمي) فيفتح عماها باعدادها لقبول أنوار العلم والهداية وآذان صم) فيشفي صممها ويعدّها لقبول المواعظ والنصائح و (ألسنة بكم) فيعالجها ويعدها للتكلّم بالحق والقول بالصدق.)(متتبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة وهي قلوب الجهال وضمائر الضلال، هذا.)ولا يخفى عليك أنه لو كان الإشارة بلفظة ذلك في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ: يضع من ذلك إلى المراهم والمواسم لابد ان أن يكون قوله قد أحكم مراهمه واحمى مواسمه من باب التمثيل على سبيل الاستعارة، إذ المراهم والمواسم بمعناهما الحقيقي لا ينفعان للقلوب المتصفة بالعمى فلا معنى لوضعهما فيها، ولو كان المشار إليه به الطب كان جملة يضع وما يتلوها إلى قوله ومواطن الحيرة من باب التجريد فيكون كلامه جامعاً بين الاستعارة التحقيقية والترشيح والتجريد، حيث ذكر لفظ الطبيب وأراد نفسه وهو استعارة تحقيقية وقرنها بما يلائم المستعار منه أعني قوله: دوّار إلى قوله: مواسمه وهو الترشيح، ثم قرنها بما يلائم المستعار له أعني قوله: يضع إلى آخر الكلام، وهو التجريد، ومثله قول الشاعر:)لدى أسد شاكي السلاح مقذف *** له لبد أظفاره لم تقلمحيث استعار الأسد للرّجل الشجاع ووصفه بشاكي السلاح وهو تجريد لملاءمة المستعار له ورشحه بذكر اللبد والأظفار لمناسبة المستعار منه ستعار منه فافهم ذلك واغتنم.ثم لا يخفى عليك أن وصفه (عَلَيهِ السَّلَامُ القلوب بالعمى باعتبار أن القلب جار مجرى العين وغريزة العقل فيه جارية مجرى قوة البصر في العين وقوة الأبصار لطيفة تفقد في العمى ويوجد في البصير، وكذلك القوة العقلانية في القلب الجاهل دون العاقل فنسبة البصيرة الباطنة إلى القلب كنسبة الأبصار إلى البصر إلا أنه لا مناسبة بينهما في الشرف لأن القلب بمنزلة الفارس والبدن بمنزلة الفرس وعمى الفارس أضرّ عليه من عمى الفرس، ولموازنة البصيرة للبصر الظاهر سماه الله تعالى باسمه فقال:)(ومَا كَذَبَ الفوادُ مَا رَأَى [النجم: 11] سمّى إدراك الفؤاد رؤية كما سمّى عدم إدراكه عمي في قوله:

(فإنها لا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46] وفي قوله:

(وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 72].

ولما كان عمي القلب أضرّ على الإنسان من عمى البصر، ومعالجته أهم أثر القلوب على الأبصار وقال: وقلوب عمي، ولم يقل وأبصار عمي، وقد استفيد من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن

القلوب والآذان والألسنة الموصوفة بالأوصاف المذكورة كلّها مريضة محتاجة إلى الطبيب.

وهو كذلك، فان كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به ومرضه أن يتعذر عليه فعله الذي خلق لأجله حتى لا يصدر منه أصلاً أو يصدر منه بنوع من الاضطرار.

فمرض اليد أن يتعذر عليها البطش ومرض الأذن أن يتعذر عليها السماع ومرض العين أن يتعذر عليها الأبصار ومرض اللسان أن يتعذر عليه التكلم ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص الذي خلق لأجله وهو العلم والحكمة والمعرفة وحب الله وعبادته والتلذذ بذكره وإيثاره ذلك على غيره والاستعانة بجميع الأعضاء عليه كما قال:

(الرومَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].

ففي كلّ عضو فائدة مخصوصة وفائدة القلب الحكمة والمعرفة وخاصية النفس التي للآدمي ما يتميز بها عن البهائم، فانه لم يتميّز عنها بالقوة على الأكل والوقاع والأبصار ونحوها، بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو الله سبحانه فلو عرف ف كلّ شيء ولم يعرف الله تعالى فكأنه لم يعرف شيئاً، وهو علامة لمرض قلبه كما أنه لو لم يؤثر المواعظ والنصائح في أذنه، والعبر والآيات في نظره ولم يجر الحق على لسانه عرف بذلك أن هذه الجوارح منه مريضة، لكونها علامات لمرضها يستدل بها عليها فلا بد له من معالجتها والخلاص من ألمها.

وربما يحصل له الغفلة عن مرضه فلا يمكن له العلاج، بنفسه فيلزم حينئذ وجود طبيب حاذق دوّار بطبّه لينبهه على مرضه ويداوي، له وليس ذلك إلا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والطيبون من أولاده، فإن غيرهم من الأطباء أعني سائر العلماء قد استولى عليهم المرض، والطبيب إذا كان بنفسه مريضاً كيف يعالج غيره، فهو طبيب إلهي متتبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة معالج لأمراض القلوب وأسقام الأرواح والنفوس وآفات الأعضاء والمشاعر.

وقد روى بعض القدماء في أصل له عن الرّضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) علي مسنداً عن عمار بن ياسر قال: بينا أنا أمشي بأرض الكوفة إذ رأيت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالساً وعنده جماعة من الناس، وهو يصف لكل انسان ما يصلح له فقلت له يا أمير المؤمنين أيوجد عندك دواء الذنوب؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم اجلس فجئوت على ركبتي حتى تفرق عنه الناس، ثمّ أقبل علي وقال: خذ دواء ما أقول لك، قال: قلت: قل يا أمير المؤمنين قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): عليك بورق الفقر، وعروق الصبر، وهليلج الكتمان وبليلج الرضا، وغاريقون الفكر، وسقمونيا الأحزان واشربه بماء الأجفان، وأغله في طبخير الغلق، ودعه تحت نيران الفرق، وصفه بمنخل الأرق، واشرب على الحرق، فذاك دواؤك وشفاؤك يا عليل»(1).


1) مستدرك الوسائل: 12 / 171 ح 13803، وميزان الحكمة: 997/2.

وروى في»الاحتجاج»عن أبي محمد العسكري عن علي بن الحسين زين العابدين عليهم السلام أنه قال: كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاعداً ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيين المدعين للفلسفة والطب فقال له: يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك وأن به جنوناً وجئت لأعالجه فلحقته قد مضى لسبيله وفاتني ما أردت من ذلك، وقد قيل لي: إنك ابن عمه وصهره وارى بك صفاراً قد علاك وساقين دقيقين وما أراهما تقلانك(1)فأما الصفار فعندي دواؤه، وأما الساقان الدقيقان فلا حيلة لتغليظهما والوجه أن ترفق بنفسك في المشي تقلله ولا تكثره وفيما تحمله على ظهرك وتحتضنه بصدرك أن تقللهما ولا تكثرهما، فإن ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما (2)وأما الصفار فدواؤه عندي وهو هذا.

واخرج دواء وقال: هذا لا يؤذيك ولا يخيسك ولكنه يلزمك حمية من اللحم أربعين صباحاً ثم يزيل صفارك.

فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد ذكرت نفع هذا الدواء الصفاري فهل تعرف شيئاً يزيد فيه ويضره؟ فقال الرجل: بلى حبّة من هذا وأشار إلى دواء معه وقال: إن تناوله الإنسان وبه صفار أماته من ساعته وإن كان لا صفار به صار به صفار حتى يموت في يومه.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له فأرني هذا الضار فأعطاه إياه فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ) كم قدر هذا؟ قال قدر مثقالين سم ناقع قدر كلّ حبّة منه يقتل رجلاً، فتناوله علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقمحه وعرق عرقاً خفيفاً وجعل الرّجل يرتعد في نفسه ويقول: الآن أوخذ بابن أبي طالب ويقال قتلته ولا يقبل مني قولي أنه هو الجاني على نفسه، فتبسم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: يا عبد الله أصح ما كنت بدناً الآن لم يضرني ما زعمت أنه سمّ.

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فغمّض عينيك فغمض ثم قال: افتح عينيك ففتح ونظر إلى وجه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإذا هو فإذا هو أبيض أحمر مشرب الحمرة فارتعد الرجل لما رآه فتبسم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال: أين الصفار الذي زعمت أنه بي ؟ فقال: والله لكأنك لست من رأيت قبل كنت مصفاراً وأنت الآن مورد فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فزال عني الصفار بسمك الذي تزعم أنه قاتلي.

وأمّا ساقاي هاتان ومد رجليه وكشف عن ساقيه، فانّك زعمت أني احتاج إلى أن أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه لئلا ينقصف السّاقان وأنا أريك أن طبّ الله عزّ وجلّ طبّ خلاف طبّك، وضرب بيده إلى اسطوانة خشب عظيمة على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه وفوقه حجرتان إحداهما فوق الأخرى وحرّكها فاحتملها فارتفع السّطح والحيطان وفوقهما الغرفتان.


1) أي تحملاتك من أقللته أي حملته.

2) القصف الكسر.

فعشى على اليوناني فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): صبّوا عليه ماء فصبّوا عليه ماء فأفاق وهو يقول: والله ما رأيت كاليوم عجباً، فقال له علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه قوّة الساقين الدقيقين واحتمالهما أفي طبك هذا يا يوناني.

فقال اليوناني: أمثلك كان محمد ؟ فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): وهل علمي إلا من علمه، وعقلي إلا من عقله وقوتي إلا من قوته لقد أتاه الثقفي وكان أطبّ العرب فقال له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن كان بك جنون داويتك، فقال له محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و أتحب أن أريك آية لتعلم بها غناي عن طبّك وحاجتك إلى طبي؟ فقال نعم قال أتي آية تريد ؟ قال تدعو إلي ذلك العذق(1)وأشار إلى نخلة سحوق فدعاها فانقلع أصلها من الأرض وهي تخذ الأرض خَدّاً حتى وقفت بين يديه، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له: أكفاك ؟ قال: لا، قال: فتريد ماذا؟ قال تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت منه وتستقر في مقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها فرجعت واستقرّت في مقرّها.

فقال اليوناني لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا الذي تذكره عن محمد غائب عني، وأنا أقتصر منك على أقل من ذلك، أنا أتباعد عنك فادعني وأنا لا اختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهو آية.

فقال له أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا إنما يكون آية لك وحدك لأنك نفسك أنك تعلم من لم ترده وإني لازلت اختيارك من غير أن باشرت مني شيئاً أو ممن أمرته بأن يباشرك، أو ممن قصد إلى إجبارك وان لم آمره إلا ما يكون من قدرة الله القاهرة وأنت يا يوناني يمكنك ان تدعي ويمكن غيرك أن يقول إني واطأتك على ذلك، فاقترح ان كنت مقترحاً ما هو آية لجميع العالمين.

فقال اليوناني إن جعلت الاقتراح إلي فأنا اقترح أن تفصل أجزاء تلك النخلة وتفرقها وتباعد ما بينها ثم تجمعها وتعيدها كما كانت.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه آية وأنت رسولي إليها يعني إلى النخلة فقل لها: إنّ وصيّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)رسول الله له يأمر أجزاءك أن تفترق وتتباعد.

فذهب فقال لها: فتفاصلت وتهافتت وتناثرت وتصاغرت أجزاؤها حتى لم ير لها: عين ولا أثر حتى كأن لم تكن هناك نخلة قط

فارتعدت فرائص اليوناني وقال: يا وصي محمد رسول الله قد أعطيتني اقتراحي الأول فاعطني الآخر فأمرها أن تجتمع وتعود كما كانت.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنت رسولي إليها فعد فقل لها يا اجزاء النخلة إن وصي محمد رسول الله يأمرك أن تجتمعي وأن تعودي كما كنت.


1) العذق بالفتح النخلة بحملها والسحوق من النخلة الطويلة، ق.

فنادي اليوناني فقال ذلك: فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور ثم جعلت الهواء كهيئة الهباء المنثور ثم جعلت تجتمع جزاً جزاً حتى تصوّر لها القضبان والأوراق وأصول السعف وشماريخ الأعذاق ثم تالفت وتجمعت واستطالت وعرضت واستقر أصلها في مستقرها وتمكن عليها ساقها وترقت على الساق قضبانها وعلى القضبان أوراقها وفي اكمتها اعذاقها وكانت في الابتداء شماريخها متجردة أوان الرّطب والبسر والخلال.

فقال اليوناني: وأخرى أحبّ أن تخرج شماريخها خلالها وتقلبها من خضرة إلى صفرة لبعدها من وحمرة وترطيب وبلوغ أتاه لتأكل وتطعمني ومن حضرك منها.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنت رسولي إليها بذلك فمرها به.

فقال لها اليوناني يأمرك أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن تظهري لنا رطباً فأخلت وأبسرت واصفرت واحمرت وترطبت وثقلت أعذاقها برطبها.

فقال اليوناني: وأخرى أحبّها أن تقرّب من بين يدي أعذاقها أو تطول يدي لتناولها وأحب شيء إلى أن تنزل إلي إحداها وتطول يدي إلى الأخرى التي هي أختها.

فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): مد اليد التي تريد أن تناولها وقل يا مقرب البعيد قرب يدي منها، واقبض الأخرى التي تريد أن ينزل العذق إليها وقل يا مسهل العسير سهل لي تناول ما يبعد منها، ففعل ذلك وقاله: فطالت يمناه فوصلت إلى العذق وانحطت الأعذاق الأخر فسقطت على الأرض وقد طالت عراجينها.

ثم قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنّك إن أكلت منها ولم تؤمن بمن أظهر لك عجائبها عجل الله عليك من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه وجهالهم.

فقال اليوناني: إني إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد وتناهيت في التعرض للهلاك، أشهد أنك من خاصة الله صادق في جميع أقوالك عن الله فأمرني بما تشاء اطعتك.

قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): آمرك أن تفرد الله بالوحدانية وتشهد له بالجودة والحكمة وتنزهه عن العبث والفساد وعن ظلم الإماء والعباد، وتشهد أن محمداً الذي أنا وصيّه سيد الأنام، وأفضل رتبة أهل الإسلام(1)، وتشهد أن عليّاً الذي أراك ما أراك، وأولاك من النعم ما أولادك خير خلق الله بعد محمّد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأحق خلق الله بمقام محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعده وبالقيام الشرائعه وأحكامه، وتشهد أنّ أولياءه أولياء الله وأعداءه أعداء الله وأن المؤمنين المشاركين لك فيما كلفتك المساعدين لك على ما به أمرتك خير أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وصفوة شيعته.


1) دار السلام في نسخة.

وآمرك أن تواسي اخوانك المطابقين لك على تصديق محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتصديقي، والانقياد له ولي مما رزقك الله وفضلك على من فضلك به منهم تسد فاقتهم، وتجبر كسرهم وخلّتهم، كان منهم ومن كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته في مالك بنفسك ومن فاضلاً عليك في دينك آثرته بمالك على نفسك حتى يعلم الله منك أن دينه آثر عندك من مالك، وإنّ أولياءه أكرم عليك من أهلك وعيالك.

وآمرك أن تصون دينك وعلمنا الذي أودعناك وأسرارنا التي حملناك ولا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد ويقابلك من أجلها بالشتم واللعن والتناول من العرض والبدن ولا تفش سرنا إلى من يشنع علينا وعند الجاهلين بأحوالنا ويعرّض أولياءنا البوادر الجهال.

وآمرك أن تستعمل التقية في دينك فان الله عزّ وجلّ يقول:

(لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَالِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَةً ﴾ [آل عمران: 28].

وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف إليه، وفي إظهار البراءة منا إن حملك الوجل عليه، وفي ترك الصلاة المكتوبات إذا خشيت على حشاشتك الآفات والعاهات فان تفضيلك أعداءنا علينا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرنا وإن إظهار براءتك منا عند تقيتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا ولأن تتبرأ منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقى على نفسك روحها التي بها قوامها ومالها الذي به قيامها وجاهها الذي به تماسكها وتصول من عرف بك وعرفت به من أوليائنا وإخواننا وأخواتنا من بعد ذلك بشهور وسنين إلى أن يفرج الله تلك الكربة وتزول تلك النعمة فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل في الذين وصلاح اخوانك المؤمنين.

وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فانك شائط بدمك ودماء إخوانك، معرض لنعمك ونعمتهم على الزوال، مذلّ لك ولهم في أيدي أعداء دين الله، وقد أمرك الله باعزازهم فانك إذا خالفت وصيتي كان ضررك على نفسك وإخوانك أشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا (1).

وقد ذكرت الرواية بتمامها على طولها لاشتمالها على مناقب دثرة وفوائد جمة، وتضمنها توضيح الطب الإلهى.

ثم انه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما وصف نفسه بدورانه بطبه وتتبعه بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة وتفقده حال مرضاء القلوب والأفئدة أردفه بتوبيخ الغافلين الحائرين الجاهلين المفتونين بعدم رجوعهم إليه وتداويهم به واهتدائهم بأنواره وأخذهم من علومه وحكمه وبقائهم على مرضهم


1) وسائل الشيعة: 229/16، والاحتجاج: 355/1.

وابتلائهم بالآلام والأسقام فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

(لم يستضيئوا بأضواء الحكمة) أي لم يكتسبوا شيئاً من أنوار العلوم والأخلاق الفاضلة (ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة) أي لم يستخرجوا المطالب الحقة بالعلوم المضيئة استخراج النار بالزناد (فهم في ذلك) المعنى أي في عدم الاستضائة والقدح (كالأنعام السائمة) في الغفلة والإنخراط في سلك الغضب والشهوة بل هم أضل سبيلاً (والصخور القاسية) في القساوة وعدم اللين بسماع الآيات الحقة كما قال تعالى:

(وثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ فَسَوَةٌ﴾ [البقرة: 74].

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) (قد انجابت السرائر لأهل البصائر) أي انكشفت، قال العلامة المجلسي (ره) والمراد بالسرائر ما أضمره المعاندون للحق في قلوبهم من إطفاء نور الله وهدم أركان الشريعة، وقال الشارح البحراني: إشارة إلى انكشاف ما يكون بعده لنفسه القدسية ولأهل البصائر من استيلاء بني أمية وعموم ظلمهم أو انكشاف أسرار الشريعة لأهلها.

(ووضحت محجّة الحق لخابطها) أي لمن سار فيها على غير هدى، ولعل المراد به الإشارة إلى عدم العذر للخابطين في خبطهم وجهالاتهم مع وضوح معالم الدين والتنبيه على أن ضلالهم ليس لخفاء الحق، بل للإصرار على الشقاق والنفاق.

(وأسفرت الساعة عن وجهها) وهذه الفقرة وما يتلوها واردة في مقام التحذير والانذار بقرب القيامة وشبهها بانسان مقبل وأثبت لها الوجه الذي هو من خواص المشبه به على سبيل الاستعارة، التخييلية، فإن أول ما يبدو من الشخص المقبل وجهه وذكر الاسفار ترشيح.

(وظهرت العلامة لمتوسمها) أي لمتفرسها قال المجلسي (ره) والمراد باسفار الساعة وظهور العلامة قرب القيامة بعدم بقاء نبي ينتظر بعثته وظهور الفتن والوقائع التي هي من أشراطها.

(مالي أراكم أشباحاً بلا أرواح وأرواحاً بلا أشباح) هذا الكلام يفسّر بوجوه:

أحدها: أن المراد بالفقرة الأولى تشبيههم بالجمادات والأموات في عدم انتفاعهم بالعقل وعدم تأثير المواعظ فيهم كما قال تعالى: (وكأنهم خشب مسندة ﴾ [المنافقون: 4]، وبالفقرة الثانية التنبيه على خفتهم وطيشهم.

الثاني:أن المراد الإشارة إلى قصورهم عما يراد بهم من القيام بأمر الجهاد والتنبيه على أنّ بعضهم بمنزلة الميت والجماد وكجسد بلا روح وبعضهم له عقل وفهم ولكن لا قوة له على الحرب كروح بلا جسد فان الروح غير ذات الجسد ناقصة عن الاعتماد والتحريك اللذين كانا من فعلها حيث كانت تدبر الجسد فالمقصود ان الجميع عاطلون عما يراد منهم.

الثالث: أنّه كناية عن عدم نهوض بعضهم إلى الحرب دون بعض إذا دعوا إليه كما يقوم البدن بدون الرّوح والرّوح بدون البدن.

الرابع : أن المراد أنّهم إذا خافوا ذهلت عقولهم وطارت ألبابهم وكانوا كأجسام بلا أرواح، وإذا أمنوا تركوا الاهتمام بأمورهم كأنهم أرواح لا تعلق لها بالأجسام.

(ونساكاً بلا صلاح) أي عباداً ليست عبادتهم على وجه الخلوص وبالوجه المأمور به مقرونة بالشرائط المعتبرة فان منها معرفة الإمام وطاعته.

(وتجاراً بلا أرباح) لعدم ترتب الثواب أو المنفعة على أعمالهم (وأيقاظاً نوماً) أي أيقاظاً بأجسامهم ونوماً بنفوسهم في مراقد الطبيعة ومماهد الغفلة (وشهوداً غيباً) أي شاهدين بأبدانهم غائبين بعقولهم عن التفطن للمطالب الحقة والتلقي لأنوار الهداية (وناظرة عمياً) أي ناظرة الأبصار عمياً بالبصائر (وسامعة صمّاً) أي سامعة بالأذان صمّاً بالقلوب (وناطقة بكماً) أي ناطقة بالألسن الظاهر بكماً بالمشاعر الباطنة.

أو استعارة لفظ العمى والصم والبكم لهم مع توصيفهم بأضدادها باعتبار تقصيرهم وقصورهم عن النظر في آيات الله والسماع لنداء الله والقول بكلام الله فهؤلاء حيث لم ينتفعوا بالأبصار والألسن والأذان صاروا بمنزلة: هُم بُكُمُ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 171].

الترجمة

و از جمله خطب شریفه آن امام مبين و حبل الله المتين است و آن از جمله خطبههایی است که ذکر فرموده در آن حوادث روزگار و فتنه های خونخوار را، چنانچه فرموده:

حمد بی قیاس معبود به حق را سزا است که ظاهر است و هویدا به خلق خود به سبب ایجاد فرمودن مخلوقات خود و آشکار است از برای قلوب منکرین با دلیل های روشن و متین، خود خلق کرد مخلوقات را بدون فکر و رویه از جهت اینکه فکرها لایق نیست مگر به صاحبان قلبها و نیست خداوند متعال صاحب قلب در نفس خود و نافذ شد و دريد علم او باطن آنچه که غایب است از امور مستوره و احاطه کرد به پنهانی عقیدههای غیر ظاهره.

بعض دیگر از این خطبه در ذکر اوصاف حضرت خاتم الانبياء عليه آلاف

التحية والثنا، است چنانچه می فرماید:

اختیار نمود حضرت عزّت آن جناب را از شجره طیبه پیغمبران و از چراغدان روشنی و از چنین مکان عالی و از نافه مکه معظمه و از چراغ های تاریکی و ظلمت و از چشمههای علم و حکمت.

بعض دیگر از این خطبه اشاره است به فضایل خود و ملامت اصحاب می فرماید:

طبیبی است حاذق که بسیار گردنده است با طبّ، خود در حالتی که محکم نموده مرهمهای خود را و گرم نموده آلتهای داغ خود را میگذارد آن طبیب طب خود را به محلی که حاجت بوده باشد به آن از قلبهای کور و گوشهای کر و زبانهای گنگ تتبع کننده است آن طبیب به دوای خود محلهای غفلت و موطنهای حیرت، را کسب روشنی نکردهاند ایشان به روشنیهای حکمت و عرفان و آتش نیفروختهاند به آتش زنههای علمهای درخشان پس ایشان در این ظلمت و غفلت مانند چهارپایان چراکننده هستند و مثل سنگهای سخت باشند.

به تحقیق که منکشف ظاهر شد سرها به جهت اهل بصيرتها و واضح و روشن گردید جاده حق از برای خبط کننده گمراه و کشف نقاب نمود قیامت از روی خود و ظاهر گشت علامت قیامت از برای دریابنده آن به فراست.

چیست مرا که می بینم

شما را قالبهای بی روح و روح های بی غالب و عبادت کنندگان بی صلاحیت و تجارت کنندگان منفعت و بیداران خواب رفته و حاضران غایب شونده و بینایان کور و شنوندگان کر و گویندگان لال، شما بهیعنی حسب مشاعر ظاهره، بیدار و حاضر و بصیر و سمیع و ناطق می باشید و به ملاحظه مشاعر باطنه در خواب و غایب و کور و کر و لال هستید.

الفصل الثاني

رايَةُ ضَلالَةٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطبها، وتَفَرَّقَتْ بشعبها، تكيلُكُمْ بِصاعِها، وتَخْبِطُكُمْ بِباعِها، قآئِدُها خارج مِنَ الْمِلَّةِ، قائِمٌ عَلَى الضَّلَّةِ، فَلاَ يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلا تُفالَةٌ كَثْفَالَةِ الْقِدْرِ، أَوْ نُفَاضَةً كَنْفاضَةِ الْعِكُم، تَعْرِكُكُمْ عَزكَ الأديم، وتَدُوسُكُمْ دُوسَ الْحَصّيد، وتَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنَكُمْ اسْتِخْلاصَ الطَّيرِ الحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَينِ هَزِيلَ الْحَبْ.

أيْنَ تَذْهَبْ بِكُمُ الْمَذاهِبُ، وتتيهُ بِكُمُ الْغَياهِبُ، وتَخْدَعُكُمُ الكَواذِبُ، ومِنْ أَيْنَ تُؤْتُونَ، وَأَنّى تُؤفَكُونَ، ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ولِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ، فَاسْتَمِعُوهُ مِنْ رَبّانْيَكُمْ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، وَاسْتَيْقَظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ، وَلْيَصْدُقُ رائِدٌ أَهْلَهُ، وَليَجْمَعُ شَمْلَهُ، وَلْيُحْضِرُ ذِهْنَهُ، فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الأَمْرَ فَلْقَ الْخَرْرَةِ، وقَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْعَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْباطِلُ مَآخِذَهُ، ورَكِبَ الْجَهْلُ، مراكِبَهُ، وعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ، وقَلَّتِ الدّاعِيَةُ، وصَالَ الدَّهْرُ صِيالَ السَّبع الْعَقُورِ، وهَدَرَ فَنيقُ الْباطِلِ بَعْدَ كَظُوم، وتَواحَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ، وتَهاجَرُوا عَلَى الدِّين، وتحابُّوا عَلَى الْكِذْبِ، وتَباغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ.

فَإِذا كانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً، وَالْمَطَرُ قَيْظاً، وتفيضُ اللُّعَامُ فَيْضاً وتَغيضُ الكِرامُ غَيْضاً، وكانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذئاباً، وسَلاطينه سباعاً، وأَوْساطه أكالاً، وفُقَراؤهُ أَمْواتاً، وغارَ الصِّدْقُ، وفاضَ الْكِذْبُ، وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللّسانِ وتَشاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ، وصارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَالْعَفافُ عَجَباً، ولَيسَ الإِسْلامُ لَيْسَ الْفَرو مقلوبا (1).

اللغة

(القطب) حديدة تدور عليها الرحى وملاك الأمر ومداره، وسيّد القوم و (الشعب) بضم الأول وفتح الثاني جمع شعبة كغرفة وغرف الطائفة و وهي من الشيء، ومن الشجرة الغصن المتفرع منها، وفي بعض النسخ لشعبها بفتح الأوّل وسكون الثاني وزن فلس وهي القبيلة العظيمة.

و (الخبط) بالفتح ضرب الشجر بالعصا ليتناثر، ورقها وخبط البعير الأرض بيده ضربها، (والباع) قدر مد اليدين و (ثفالة) القدر بالضم ما سفل فيه من الطبيخ والثفل ما استقر تحت الشيء من الكدر و (النفاضة) بالضم ما سقط من المنفوض من نفض الثوب حركه لينتفض، و (العكم) بالكسر العدل ونمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها.


1) عيون الحكم والمواعظ: 304 ح 5414، ومعجم أحاديث الإمام المهدي (عج): 19/3.

و (داس) الرّجل الحنطة دقها ليخرج الحبّ من السنبل و (البطيئة) السمينة و (الهزيل) ضدّ البطين و (تاه) يتيه تيهاً بالفتح والكسر تحير و (الغيهب) الظلمة والشديد السواد من الليل، و (تؤتون) بالبناء على المفعول، و (الرّباني) منسوب إلى الرب وفسّر بالمتأله العارف بالله أو الذي يطلب بعلمه وجه الله، أو العالم العامل المعلم و (الرائد) الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث و (الفلق) الشق، و (الخرزة) محركة الجوهر وما ينظم، و (قرفت) الشيء قرفاً من باب ضرب قشرته.

و (الصمغ) ما ينحلب من شجر العضا ونحوها وفي”القاموس»ولكل شجر صمغ والصمغ العربي غراء القرظ والواحدة صمغة والجمع صموغ مثل تمر وتمرة وتمور في المثل وتركته على مثل مقرف الصمغة، ويروى مقلع لأن الصمغة إذا قرفت لم يبق لها أثر.

و ( الهدر) ترديد الصوت في الحنجرة من غير شقشقة، و (الفنيق) بتقديم النون على الياء وزن أمير الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته على أهله ولا يركب، و (الكظوم) الإمساك والسكوت، و (القيظ) بالظاء صميم الصيف وفي بعض النسخ فيضاً بالضاد أي كثيراً.

و (اکالا) بالضم والتشديد جمع آكل مثل طلاب وقال الشارح المعتزلي بعد روايته أكالا بفتح الهمزة وتخفيف الكاف يقال ما ذقت أكالا أي طعاماً، ثم قال: وفي هذا الموضع إشكال لأنهلم ينقل هذا الحرف إلا في الجحد خاصة كقولهم ما بها صافر فالأجود الرواية الأخرى وهي أكالاً بضم آكالاً بمد الهمزة على افعال جمع أكل وهو ما أكل كقفل وأقفال، وقد روى الهمزة على فعال وقالوا إنه جمع أكل كعرق وعراق وظئر وظؤار إلا أنه شاذ عن القياس ووزن واحدهما مخالف لوزن اكال لو كان جمعاً و (غار) الماء في الأرض ذهب و (فاض) أي كثر حتى سال.

الإعراب

قوله ( راية ضلالة) خبر لمبتدأ محذوف، وجملة (تعرككم)، إما صفة لراية أو حال من فاعل، قامت و (الباء) في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أين تذهب بكم المذاهب للتعدية، (وكذا) في قوله تتيه بكم، و (إن) في قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ان هتف بكم)، بكسر الهمزة شرطية وفي بعض النسخ بالفتح فتكون مصدرية أي لهتافه بكم، وفاعل فلق راجع إلى الرائد (والطاغية) فاعل عظمت وهو مصدر بمعنى الطغيان وقيل إنه صفة لمحذوف أي الفئة الطاغية (وكذا) الداعية تحتمل الوجهين.

المعنى

اعلم أن هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) منقطع عما قبله التقطه السيد (ره) من كلامه وأسقط ما قبله على ما هو عادته في الكتاب ولعله إشارة إلى ما يأتي ويحدث في آخر الزمان من الفتن

كظهور السفياني وغيره ولما كان المخبر به محقق الوقوع لكونه مأخوذاً من معدن الرسالة متلقى من الوحي الإلهي بدأ الكلام بالجملة الماضويّة مقرونة بحرف التحقيق فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):

(راية ضلالة) أي: هذه راية ضلالة (قد قامت على قطبها) وهو كناية عن انتظام أمرها (وتفرقت بشعبها) أي:بطوائفها فيكون كناية عن انتشار فتنها في الآفاق وتولد فتن أخرى عنها أو بفروعها فيكون استعارة تشبيهاً لها بالشجرة ذات الأغصان المتفرعة عنها.

وفي شرح المعتزلي ليس التفرّق للرّاية نفسها بل لنصارها وأصحابها، فحذف المضاف ومعنى تفرقهم أنهم يدعون إلى تلك الدعوة مخصوصة في بلاد متفرقة أي تفرق ذلك الجمع العظيم في الأقطار واعين إلى أمر واحد انتهى.

أقول: هذا المعنى مبني على رواية شعبها بسكون العين وعلى ذلك فلا حاجة إلى تقدير المضاف إذ نص معنى الكلام على ذلك أنه تفرقت راية الضلالة بقبيلتها

وقوله: (تكيلكم بصاعها) بصيغة المضارع جرياً على الأصل لكون المخبر به من الأمور المستقبلة، وهو استعارة بالكناية، والمراد به أنها تأخذكم للإهلاك زمرة زمرة كالكيال يأخذ ما يكيل جملة جملة، أو أنه يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم ويتلاعبون بكم يرفعونكم ويضعونكم كما يفعل كيال البرّ به إذا كاله بصاعه أو تكيل لكم بصاعها على حذف اللام كما في قوله تعالى: وَإِذَا كَالُوهُمْ [المطففين: 3] أي تحملكم على دينها ودعوتها وتعاملكم بما]، يعامل به من استجاب لها، أو تفرز لكم من فتنتها شيئاً ويصل إلى كلّ منكم نصيب منها.

وتخبطكم يباعها) أي تضربكم بيدها كالضارب للشجر بعصاه أو البعير الضارب بيده الأرض وعلى الوجهين يفيد الذلة والانقهار، والتعبير بالباع دون اليد لكونه أبلغ في إفادة قوّة الخبط.

قائدها خارج عن الملة) أي ملة الإسلام (قائم على الضلة) أي: مصر على الضلال فلا يبقى يومئذٍ أي: يوم قيامها على قطبها وتفرقها بشعبها (منكم الاثفالة كثفالة القدر) واستعار لفظ الثفالة للبقية منهم باعتبار عدم الخير والمنفعة فيهم وبملاحظة كونهم من الأرذال ليس لهم ذكر بين الناس ولا لهم شهرة ولا يعتنى بقتلهم كما لا يعتنيى بثفالة القدر ولا يلتفت إليها.

وكذلك الكلام في قوله (أو نفاضة كنفاضة العكم) والمراد بها ما يبقي في العدل بعد التخلية من غبار أو بقية زاد لا يعبأ بها فينتفض (تعرككم عرك الأديم) أي تدلككم وتحككم كما يدلك الجلد المدبوغ ويحك، وأراد به تغليب الفتن لهم وتذلّلهم بها، (وتدوسكم دوس الحصيد) أي تدقكم دق الزرع المحصود المقطوع وأشار به إلى منتهى ذلتهم واهانتهم.

(وتستخلص المؤمن) أي: تشخصه لنفسه (من بينكم) مثل (استخلاص الطير الحبة

البطيئة) السمينة (من بين هزيل الحب) والغرض به أنها شخص المؤمن بالقتل والأذى وايقاع المكروه به وتستخلصه من بين سائر الناس بشدة النكاية والأذية.

ثم استفهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنهم على سبيل التقريع لهم والتوبيخ ببقائهم على ضلالتهم وقال (أين تذهب بكم المذاهب) أي: الطرق المنحرفة عن الحق والمراد بها العقائد الفاسدة، واسناد الإذهاب إليها على المجاز مبالغة، (وتتيه بكم الغياهب) أي تجعلكم ظلمات الجهالات تائهين متحيرين في بوادي الضلال، (وتخدعكم الكواذب) أي تمكر بكم الامنيات الكاذبة والأوهام الباطلة التي لا أصل لها.

(كَسَرَابِ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّلَمَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ [النور: 39].

(من أين تؤتون) أي من أي جهة وطريق يأتيكم من يضلكم من الشياطين أو تأتيكم تلك الأمراض المزمنة (وانّى تؤفكون) أي كيف (1)تصرفون عن قصد السبيل أو أين تقلبون وتذهبون، أو متى يكون انصرافكم عن الغفلة والجهالة.

وقوله: (فلكل أجل كتاب ولكلّ غيبة إياب) يحتمل أن يكون منقطعاً عما قبله ويكون بينه وبين ما قبله ما يربطه به فأسقط السيد (ره) على مجرى عادته وأن يكون متصلاً به، فإنه لما استفهم عن تيههم وانخداعهم وتقلبهم توبيخاً وتقريعاً وتنبيهاً على غفلتهم عن الحق أردفه بذلك توكيداً لما أراد وأشار به إلى أنهم ليسوا بمهملين، بل كلّ ما عملوه في زمان الغفلة محفوظ مكتوب وأنهم ليسوا في الدنيا بباقين، وسوف يخرجون منها وينزعون فيكون تهديداً لهم بالإشارة إلى قرب الموت وأنهم بمعرض أن يأخذهم على غفلتهم، والمعنى أنه لكلّ أمد ووقت حكم مكتوب على العباد، ولكلّ غيبة اياب ورجوع.

ثم أكده ثانياً بقوله (فاستمعوا من ربانيكم) أي اصغوا إلى الحكم والمواعظ وما ينجيكم من الردى ويدلكم على الرّشاد من المتأله العارف بالله المبتغي بعلمه وجه الله سبحانه، وأراد به نفسه الشريف (وأحضروه قلوبكم) أراد إقبالهم بكلّهم إليه لا الغيبة بالقلوب والحضور بالأبدان فقط (واستيقظوا ان هتف بكم) أي استيقظوا من نوم الغفلة إن ناداكم وتنبهوا من رقدة الضلة إن دعاكم (وليصدق رائد أهله) أي وظيفة الرائد أن يصدق وفي المثل: الرائد لا يكذب أهله.

ولعل المراد بالرائد نفسه أي وظيفتى الصدق فيما أخبركم به ممّا تردون عليه من الأمور المستقبلة في الدنيا والآخرة، كما أن وظيفتكم التوجه والاستماع واحضار القلب (وليجمع شمله) أي ما تشتت من أمره والمراد به الأفكار والعزائم أي يجب علي نصحكم وتذكيركم


1) هذه التفاسير مبنية على الاختلاف في معنى (أنى) الاستفهامية فقيل: إنها بمعنى كيف وقيل: بمعنى ابن:وقيل: بمعنى متى وإلى كل ذهب فريق في قوله تعالى: (نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شتم وبذلك اختلف آراء الفقهاء في مسألة جواز الوغى في الدير، منه.

بقلب فارغ من الخطرات والوساوس والتوجه إلى هدايتكم وإرشادكم بإقبال تام ويجوز أن يراد بالشمل من تفرق من القوم في فيافي الضلالة (وليحضر ذهنه) فيما يقول ويتفوه به.

(فلقد فلق) الرائد (لكم الأمر فلق الخرزة) أي أوضح لكم أمر الدين وما جهلتموه من أحكام الشرع المبين، أو أمر ما يحدث من الفتن ايضاحاً تاماً، فاظهر لكم باطن الأمر كما يرى باطن الخرزة بعد شقها.

(وقرفه قرف الصمغة) أي ألقاه بكليته إليكم ولم يدّخر شيئاً عنكم كما أن قارف الصمغة لا يترك منها شيئاً إذا قرفها ولا يبقى منها أثر بعد قرفها.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): فعند ذلك قال الشارح البحراني متصل بقوله من بين هزيل الحب فيكون التشويش من السيد (ره)، وفي”البحار»ويمكن أن يكون إشارة إلى كلام آخر سقط من البين.

أقول: والأظهر أن يكون الإشارة به إلى ما سبق من الأمور المذكورة، أي عندما قامت راية الضلال على قطبها وتفرقت بشعبها، وعركتكم عرك الأديم، واستخلصت المؤمن من بينكم استخلاص الطير الحبّ البطين (أخذ الباطل مآخذه) أي ثبت واستحكم (وركب الجهل مراكبه) أي قوى سلطانه وظهر شوكته (وعظمت الطَّاغية) أي الطغيان والضلال أو الفتنة الطاغية (وقلت الدّاعية) أي الدّعوة إلى الحق أو الفرقة الداعية إلى الهدى.

(وصال الدهر) وحمل على أهله (صيال السبع العقور) تشبيه الدهر بالسبع في الصيال باعتبار كونه منشأ لتلك الشرور والمفاسد (وهدر فنيق الباطل بعد كظوم) تشبيه الباطل بالفنيق باعتبار كونه مكرماً عند أهله وذكر الهدر والكظوم من باب ترشيح التشبيه وأراد بهما ظهوره بعد خفائه وخمول أهله في زمان ظهور الحق وقوته.

(وتواخى الناس على الفجور) أي كان محبّة بعضهم لبعض واتصال أحدهم بالأخر على الفجور واتباع الأهواء (وتهاجروا على الذين) أي كان مهاجرة بعضهم عن بعض من جهة كون المهجور عنه صاحب معرفة ودين (وتحابوا على الكذب) وهو من شؤونات التواخي على الفجور (وتباغضوا على الصدق) وهو من شؤوناتالتهاجر على الدين.

(فإذا كان ذلك) وحدثت تلك الأمور (كان الولد غيظاً) على والده عاقاً له أو مبغوضاً لوالده لاشتغال كلّ أمرء بنفسه من شدّة تلك البلية فيتمنى أن لا يكون له ولد (والمطر قيظاً) قد مرّ أن القيظ هو صميم الضيف قال في”البحار»فيحتمل أن يكون المراد تبدل المطر بشدّة الحر أو قلة المطر أو كثرته في الصيف دون الربيع والشتاء، أو المراد أنه سبباً لاشتداد يصير الحر لكثرته في الصيف إذ يثور به الأبخرة ويفسد الهواء أو يصير على خلاف العادة سبباً لشدّة الحرّ، وعن النهاية بعد تفسيره القيظ بما ذكرناه قال: ومنه حديث أشراط الساعة أن يكون

الولد غيظاً والمطر قيظاً، لأن المطر إنما يراد للنبات وبرد الهواء والقيظ ضدّ ذلك (1)، هذا.

وعلى ما في بعض النسخ من رواية فيضاً بالضاد فالمقصود كونه كثيراً مجاوزاً عن الحد، لكونه حينئذ مفسداً للزرع والثمار كما هو المشاهد بالتجربة والعيان (وتفيض اللثام) أي تكثر (فيضاً وتغيض الكرام) أي تقل (غيضاً).

ثمّ قسم أهل ذلك الزمان بقوله: (وكان أهل ذلك الزمان ذئاباً وسلاطينه سباعاً وأوساطه اكالاً وفقراؤه أمواتاً) قال البحراني (ره): أهل كل زمان ينقسمون إلى ملوك وأكابر وأوساط وأداني، فإذا كان زمان العدل كان أهله في نظام سلكه فيفيض عدل الملوك على من يليهم، ثم بواسطتهم على من يليهم حتى ينتهي إلى أداني النّاس، وإذا كان زمان الجور فاض الجور كذلك فكانت السلاطين سباعاً ضارية مفترسة لكلّ ذي سمن وكان أهل ذلك الزمان وأكابره ذئاباً ضارية على أوساط الناس، وكانت الأوساط اكالاً لهم، وكانت الفقراء أمواتاً لانقطاع مادة حياتهم ممن هو أعلى منهم رتبة، وتجوّز بلفظ الأموات عن غاية الشدّة والبلاء لكون الموت غاية ذلك إطلاقاً لاسم السبب الغائي على مسبّبه.

(وغار الصدق) أي قل وذهب كالماء الغائر في الأرض (وفاض الكذب) أي كثر وظهر كالماء الفائض السائل (واستعملت المودة باللسان وتشاجر الناس بالقلوب) لكثرة التفاق وغلبة الشقاق (وصار الفسوق نسباً) أي يحصل أنسابهم من الزنا، وقيل أي يصير الفاسق صديقاً للفاسق حتى يكون ذلك كالنسب بينهم (و) صار (العفاف عجباً) لقلة وجوده بينهم وندرته.

(وليس الإسلام لبس الفرو مقلوباً) الموجود في النسخ رفع الإسلام على أنه فاعل لبس فيكون من باب المجاز العقلي والمقصود أنهم لبسوا الإسلام كلبس الفرو المقلوب، قال المحدّث العلامة المجلسي (ره): الظاهر أن المراد به تبديل شرائع الإسلام وقلب أحكامه واظهار النيات والأفعال الحسنة وإبطان خلافها، وفي شرح البحراني: لما كان الغرض الأصلي من الاسلام أن يكون باطناً ينتفع به القلب ويظهر فيه منفعته فقلب المنافقون غرضه واستعملوه بظاهر ألسنتهم دون قلوبهم أشبه قلبهم له لبس الفرو إذ كان أصله أن يكون خمله ظاهراً لمنفعة الحيوان الذي هو لباسه فاستعمله الناس مقلوباً، والله ولي التوفيق.


1) البحار: 309/6.

الترجمة

این رایت، رایت گمراهی است که قایم شده بر مدار خود و پراکنده شده با فرعها و شاخههای، خود کیل کند شما را به صاع خود و فرو کوبد شما را با دست خود، خود کشنده آن رایت خارج است از دین ایستاده است بر گمراهی.

پس باقی نمیماند در آن روز از شما مگر دردی واپس مانده، دیگ یا خورده ریز ته مانده مثل خورده ریز ته مانده جوال بمالد شما را آن رایت مثل مالیدن چرم و بکوبد شما را مانند کوفتن زرع در ویده در خرمن و برگزیند مؤمن را از میان شما به جهت انداختن در بلا مثل برگزیدن مرغ دانه چاق و فربه را از میان دانه لاغر.

کجا میبرد شما را راههای کج و متحیر میسازد شما را ظلمتهای جهالت و فریب می دهد شما میدهد شما را آرزوهای کاذبه آرزوهای کاذبه و از کجا آورده میشوید و چطور برگردانیده میشوید از جاده، حق پس مرهراجلی را از آجال کتابی است و هر غیبت را بازگشتی است

پس گوش کنید و بشنوید نصیحت را از ربانی، خودتان یعنی از کسی که اهل الله است و عارف است به احکام الله و، مراد خود نفس نفیس آن بزرگوار است و حاضر نمایید به سوی آن ربانی قلبهای خود را و بیدار شوید از خواب غفلت اگر صدا کند شما را و باید که راست گوید مرشد قوم به اهل خود و باید که جمع کند ان مرشد تفرقه خواطر خود را و باید که حاضر سازد ذهن خود را.

پس به تحقیق که شکافت از برای شما کار دین را و واضح نمود مثل شکافتن مهره که ظاهر شود باطن آن و مقشر نمود آن کار را مثل مقشر نمودن صمغ از، درخت یعنی تمام امر را به جهت شما القاء نمود و هیچ چیز از آن فرونگذاشت چنانچه کسی که از درخت صمغ را بازگیرد تمامی آن را بازگیرد که هیچ چیز از آن باقی نمی.گذارد

پس نزد آن حال فراگیرد باطل محل فرا گرفتن خود را و سوار شود جهالت بر مرکبهای خود و بزرگ شود طغیان و کم شود دعوت به سوی حق و حمله آورد روزگار همه حمله حیوان درنده گزنده و آواز دهد شتر نر باطل بعد از سکوت و

خاموشی و مواخات و آشتی کنند مردمان بر فعل ناشایست و مهاجرت میکنند و دوری می کنند از یکدیگر بر دین و دوستی میکنند با یکدیگر بر دروغ و دشمنی کنند بر راستی.

پس زمانی که حال بر این منوال باشد میباشد فرزند این منوال باشد میباشد فرزند سبب خشم پدر و باران سبب گرمایی و حرارت و بسیار شوند لئيمها بسیار شدنی و کم شوند کریمها کم شدنی و میباشد اهل آن زمانی گرگان و پادشاهی آن زمان درندگان و مردمان میانه آن زمان طعمههای ستمکاران و فقرای آن زمان مردگان و نقصان پذیرد و فرو می رود راستی و زیاد میشود دروغ و ناراستی و استعمال کرده میشود دوستی به زبان و تشاجر و تنازع می کنند مردمان به قلبها در آن آوان و بگردد فسق فجور نسب و اصل ایشان و پاکدامنی و عفت مایه شگفت و تعجب و می پوشد اسلام لباس پوستین را در حالتی که بوده باشد آن پوستین پشت رو کرده شده و این کنایه است از تقلب احوال دین و تبدّل احکام شرع مبين؛ والله العالم بحقايق كلام وليه.

ومن خطبة له وهي المائة والثامنة من المختار في باب الخطب

الفصل الأول

»كُلُّ شَيْءٍ حَاضِعٌ لَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ قائِمٌ بِهِ غِنى كُلّ فَقير، وعِزُّ كُلِّ ذَليل، وقُوَّةُ كُلِّ ضعيف، ومَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ، مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ، ومَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ، وَمَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ، ومَنْ ماتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ، لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخَبِرَ عَنْكَ، بَلْ كُنتَ قَبْلَ الْواصِفينَ مِنْ خَلْقِكَ،، لَّمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةِ، وَلاَ اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ، ولا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ، ولا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ، وَلا يُنْقِصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصاكَ، ولا يَزِيدُ في مُلْكِكَ مَنْ أَطاعَكَ، ولا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضاءَكَ، ولا يَسْتَغْنَى عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ كُلُّ سِرْ عِنْدَكَ عَلانِيَةٌ وكلُّ غَيْبٍ عِندَكَ شَهادَةٌ، أَنْتَ الأَبَدُ لا أَمَدَ لَكَ، وأَنْتَ الْمُنْتَهَى لا مَحَيصَ عَنْكَ، وأَنْتَ الْمَوْعِدُ لا منجا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، بِيَدِكَ ناصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ، وَإِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ، سُبْحَانَكَ ما أَعْظَمَ ما نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وما أَصْغَرَ عِظَمَهُ فى جَنب قُدْرَتِكَ، وما أَهْوَلَ ما نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ، وما أَحْقَر ذَلِكَ في ما غابَ عَنا مِنْ سُلْطَائِكَ، ومَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ في الدُّنْيَا، وما أَصْغَرَها في نِعَمِ الآخِرَةِ”.

منها:”مِنْ مَلائِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمواتِكَ، وَرَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ، هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ، وأَخْوَفُهُمْ لَكَ، وأَقْرَبُهُمْ مِنْكَ، لَمْ يَسْكُنُوا الأَصْلابَ، وَلَمْ يُضَمَّنُوا الأَرْحَامَ، وَلَمْ يُخْلَقُوا مِنْ ماء مهين وَلَمْ يُشَعَبُهُمْ رَيْبُ الْمَنُونِ، وَإِنَّهُمْ عَلَى مَكانِهِمْ مِنْكَ، ومَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ واسْتِجْمَاع أَهْوَائِهِمْ فِيكَ، وَكَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ، وَقِلَّةٍ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ، لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ ما خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ، لَحَقَرُوا أَعْمَالَهُمْ، وَلَزَرَوْا عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقٌّ عِبادَتِكَ، وَلَمْ يُطِيعُوكَ حَقٌّ طَاعَتِكَ»(1).

اللغة

(لهف) لهفاً من باب فرح حزن وتحسّر واللهوف واللهيف واللهفان واللاهف المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر و (أفلت) الطائر وغيره إفلاتاً تخلص وأفلته إذا أطلقته وخلصته يستعمل لازماً ومتعدّياً، وفلت فلتاً من باب ضرب لغة وفلته أنا يستعمل أيضاً لازماً ومتعدّياً.

و (الناصية) الشعر المسترسل في مقدم الرأس أي شعر الجبهة وقال الأزهري منبت الشعر


1) ميزان الحكمة: 1804/3 ح 5202، وشرح نهج البلاغة: 2007.

واطلاقها على الشعر مجاز من باب تسمية الحال باسم المحل وماء مهين) أي ضعيف حقير وهي النطفة و انشعبت) اغصان الشجرة وتشعبت تفرقت و (المنون) الدّهر من مننت الشيء، قطعته لأنه يقطع الاعمار و (زرى) عليه زرياً من باب رمى وزرية وزراية بالكسر عابه واستهزأ به قال أبو عمر الشيباني الزاري على الإنسان هو الذي ينكر عليه ولا يعده شيئاً.

الإعراب

قوله: (لم ترك العيون فتخبر عنك)، في بعض النسخ تخبر بالنصب وهو الأظهر وفي بعضها بالجزم، والأوّل مبني على كونه منصوباً بأن مضمرة وجوباً بعد الفاء السببية المسبوقة بالنفي، والثاني مبني على جعل الفاء لمجرد عطف ما بعدها على ما قبلها، فيكون ما بعدها شريكاً لما قبلها في الإعراب.

قال في”التصريح”: ولك في نحو ما تأتيني فاكرمك أن تقدر الفاء لمجرد عطف لفظ الفعل على لفظ ما قبلها فيكون شريكه في اعرابه فيجب هنا الرفع لأن الفعل الذي قبلها مرفوع والمعطوف شريك المعطوف عليه وكأنك قلت ما تأتيني فما أكرمك فهو شريكه في النفي الداخل عليه.

وإن تقدر الفاء أيضاً لعطف مصدر الفعل الذي بعدها على المصدر المؤول مما قبلها، ولكن يقدر النفي منصباً على المعطوف عليه وينتفي المعطوف لأنه مسبب عنه وقد انتفى والمعنى ما يكون منك اتيان فكيف يكون منى اكرام.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لا يفلتك)، من باب الحذف والإيصال أي لا يفلت منك على حد قوله:

استغفر الله ذنباً لست محصيه *** ربّ العباد إليه الوجه والعمل

أي من ذنب، وقوله: (سبحانك ما أعظم ما نرى) (سبحانك) منصوب على المصدر وعامله محذوف وجوباً، أي أسبح سبحاناً فحذف الفعل لسدّ المصدر مسدّه وتبعه اللام أيضاً في الحذف تخفيفاً فأضيف المصدر إلى كاف الخطاب، وهذه اللفظة واردة في هذا المقام للتعجب كما في قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في رواية أبي هريرة سبحان الله إن المؤمن لا ينجس (1)صرح به في”التوضيح”، ومعنى التعجب إنفعال يعرض للنفس عند الشعور بأمر يخفى سببه، ولهذا قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، ويشترط أن يكون المتعجب منه عادم النظير أو قليل النظائر، فما يكثر نظائره في الوجود لا يستعظم فلا يتعجب منه.

قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما أعظم ما نرى تأكيد للعجب، فإن ما في ما أعظم تعجبية أيضاً وما الثانية موصولة، وقد طال التشاجر بين علماء الأدبية في ما التعجب وصيغة أفعل بعدها بعد اتفاقهم


1) المصنف: 199.

على اسميتها وكونها مبتدأ، فالمحكي عن سيبويه وجمهور البصرين أنها نكرة تامة بمعنى شيء وابتدأ بها على نكارتها لتضمنها معنى التعجب.

قال الرّضى (ره): فإن التعجب كما ذكرنا إنما يكون فيما يجهل سببه فالتنكير يناسب فكان معنى ما أحسن زيداً، ما أحسن زيداً في الأصل شيء من الأشياء لا أعرفه جعل زيداً حسناً معنى التعجب، فكان معنى ثم انتقل إلى إنشاء التعجب وانمحى عنه معنى الجعل فجاز استعماله في التعجب عن شيء يستحيل كونه جعل جاعل نحو ما اقدر الله وما أعلمه، وذلك لأنه اقتصر من اللفظ على ثمرته وهي التعجب من الشيء سواء كان مجعولاً وله سبب أولاً، فما مبتدأ وافعل فعل ماض خبره وفيه ضمير راجع إلى ما هو فاعله والمنصوب بعده مفعوله، فعلى ذلك يكون فتحة أفعل فتحة بناء فإعراب ما أحسن زيداً مثل إعراب زيد ضرب عمراً حرفاً بحرف (1).

وقال الأخفش فى أحد قوله إن (ما) موصولة بمعنى الذي وما بعدها من الجملة الفعلية صلة لها لا محلّ لها من الإعراب أو نكرة موصوفة بمعنى شيء وما بعدها صفة لها، فمحلها رفع تبعاً لمحل ما وعلى التقديرين فالخبر محذوف وجوباً أي الذي أحسن زيداً أو شيء أحسن زيداً موجود أو شيء عظيم.

واستعبدوه بأن فيه التزام وجوب حذف الخبر مع عدم ما يسد مسده، وبأنه ليس فيه معنى الإبهام اللائق بالتعجب وأيضاً إذا تضمن الكلام إفهاماً وإبهاماً فالمعتاد تقدم الإبهام، وفيما ذكره يكون الأمر بخلاف ذلك إذ فيه تقديم الافهام بالصّلة أو الصفة وتأخير الإبهام بالتزام حذف الخبر.

وذهب الفراء وابن درستويه وربما عزى إلى الكوفيين إلى أن (ما) استفهامية ما بعدها خبرها.

قال نجم الأئمة وهو قوي من حيث المعنى، لأنه كان جهل سبب حسنه فاستفهم عنه، وقد يستفاد من الاستفهام معنى التعجب نحو ما أدراك ما يوم الدين وأتدري من هو والله درّه أي رجل كان قال والله غنيّاً خيراً أيما فتى.

وربما يضعف بأن فيه نقل من الاستفهام إلى التعجب والنقل من إنشاء إلى إنشاء مما لم يثبت هذا.

وبقي الكلام في أفعل وقد ظهر من كلام البصريين أنه فعل ماض وفتحته فتحة بناء للزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية نحو ما أفقرني إلى رحمة الله وما أحوجني إليها، وقال


1) ومذهب السيبويه ضعيف من وجه وهو إن استعمال ما نكرة غير موصوفة نادر نحو فنعما هي على قول ولم يسمع مع ذلك مبتدأ، شرح الرضي.

الكوفيون غير الكسائي (1)إنه اسم وفتحته فتحة إعراب كفتحة عندك في زيد عندك، ويؤيد قولهم تصغيرهم اياه(2)في نحو ما أحيسنه وما أميلحه قال الشاعر:

يا ما أميلح *** غزلانا شددن لنا

واعتذروا عن فتحة الخبر بأن مخالفة الخبر للمبتدأ تقتضي نصبه وأحسن إنما هو المعنى وصف لزيد لا لضمير ما فلذلك كان منصوباً، بيان ذلك، أن الخبر إذا كان في المعنى هو المبتدأ كالله ربنا أو مشبه به نحو أزواجه امهاتهم ارتفع ارتفاعه، وإذا كان مخالفاً له بحيث لا يحمل عليه حقيقة أو حكماً خالفه في الإعراب كما في زيد عندك، والناصب له عندهم معنوي وهو معنى المخالفة التي اتصف بها، ولا حاجة على قولهم إلى شيء يتعلق به الخبر، وامّا انتصاب زيداً فلمشابهة المفعول به لأن ناصبه وصف قاصر فأشبه نصب الوجه قولك زيد حسن الوجه هكذا قال في”التوضيح»وشرحه.

وقال نجم الأئمة بعد حكاية هذا المذهب أعني مذهب الكوفية في أفعل وكونه اسماً كأفعل التفضيل: ولولا انفتاح أفعل التعجب وانتصاب ما بعده انتصاب المفعول به لكان مذهبهم جديراً بأن ينصر.

وقد اعتذروا لفتح آخره لكونه متضمناً لمعنى التعجب الذي كان حقيقاً بأن يوضع له حرف كما مر في بناء إسم الإشارة، فبنى لتضمنه معنى الحرف وبني على الفتح لكونه أخف.

واعتذروا لنصب المتعجب منه بعد أفعل بكونه مشابهاً للمفعول لمجيئه بعد افعل المشابه لفعل مضمر فاعله فموقعه موقع المفعول به فانتصب انتصابه فهو نحو قوله:

ولدنا بعده بذناب (3)عيش*** اجب الظَّ ليس له سنام

بنصب الظهر، وهو ضعيف، لأن النصب في مثل أجب الظهر وحسن الوجه توطئة لصحة الإضافة إلى ذلك المنصوب ولا يضاف أفعل إلى المتعجب منه هذا.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (لم يخلقوا من ماء مهين) حرف (من) ابتدائية نشوية، وقوله: (وأنهم على مكانهم) جملة مستأنفة وخبر إن الجملة الشرطية الآتية أعني قوله: (لو عاينوا)، و (على) في قوله: على مكانهم للاستعلاء المجازي، والمعنى أنهم حال كونهم مستقرين على مكانهم المعين لهم منك ومنزلتهم الموجودة لهم عندك لو عاينوا ما خفى عليهم الحقروا أعمالهم.


1) فإنه وافق البصريين في القول بكونه فعلاً، منه.

2) وأجيب بأن التصغير في افعل شاذ ووجه تصغيره أنه أشبه الأسماء عموماً لجموده وأنه لا مصدر له وأشبه افعل التفضيل خصوصاً بكونه على وزنه وبدلالته على الزيادة، منه.

3) ذناب كل شيء عقبه والجب القطع وبعير أجب بين الجبب أي مقطوع السنام.

المعنى

قال الشارح المعتزلي: من أراد أن يتعلّم الفصاحة والبلاغة ويعرف فضل الكلام بعضهم على بعض فليتأمّل هذه الخطبة فان نسبتها إلى كل فصيح من الكلام عدا كلام الله ورسوله نسبة الكواكب المنيرة الفلكية إلى الحجارة المظلمة الأرضية، ثم لينظر الناظر إلى ما عليها من البهاء والجلالة والرواء والدّيباجة وما يحدثه من الروعة والرهبة والمخافة والخشية، حتى لو تليت على زنديق ملحد و مصمم على الاعتقاد نفي البعث والنشور لهدت قواه ورعبت قلبه وأصعقت على نفسه وزلزلت اعتقاده.

فجزى الله قائلها عن الإسلام أفضل ما جزى به ولياً من أوليائه، فما أبلغ نصرته له تارة بیده، وسيفه وتارة بلسانه، ونطقه وتارة بقلبه وفكره.

إن قيل: جهاد وحرب فهو سيّد المجاهدين والمحاربين وإن قيل: وعظ وتذكير فهو أبلغ الواعظين والمذكرين وإن قيل: فقه وتفسير فهو رئيس الفقهاء والمفسرين وإن قيل: عدل وتوحيد فهو إمام أهل العدل والموخدين وليس الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد (1).

ثم نعود إلى الشرح فتقول: افتتح (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلامه بالتوحيد والتنزيه والاجلال وذكر نعوت الجمال والجلال وعقبه بالموعظة والتذكير والانذار والتحذير فقال (كلّ شيء خاشع له) أو خاضع له كما في بعض النسخ، أي متذلل معترف بالفاقة إليه سبحانه والحاجة إلى تحليقه وتكوينه وإن من شيء إلا يسبح بحمده.

فالمراد بالخشوع الخضوع التكويني والافتقار الذاتي اللازم المهية الممكن مثل نفس الإمكان، هذا.

وقال الشارح البحراني (ره): الخشوع هنا مراد بحسب الاشتراك اللفظي إذ الخشوع من الناس يعود إلى تطامنهم وخضوعهم لله، ومن الملائكة دؤبهم في عبادتهم ملاحظة لعظمته سبحانه ومن سائر الممكنات انفعالها عن قدرته وخضوعها في رق الإمكان والحاجة إليه، والمشترك وإن كان لا يستعمل في جميع مفهوماته حقيقة فقد بينا أنه يجوز استعماله مجازاً فيها بحسب القرينة وهي هنا إضافته لكلّ شي هنا إضافته لكلّ شيء، أو لأنه في قوة المتعدد كقوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي فكأنه قال: الملك خاشع له والبشر خاشع له، أنتهى.

أقول: وأنت خبير بما فيه.

أما أولاً: فلأن كونه من المشتركات اللفظية ممنوع بل المستفاد من كلام أكثر اللغويين


1) شرح النهج: 203/7.

أنّه موضوع لمطلق الخضوع أعني الذل والاستكانة، وربما يفرق بينه وبين الخضوع كما في مجمع البحرين وغيره بأن الأول في البدن والبصر والقلوب والثاني في البدن، وقال الفيومي خشع خشوعاً خضع وخشع في صلاته ودعائه أقبل بقلبه، وهو مأخوذ من خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنّت، وقال خضع خضوعاً ذل واستكان والخضوع قريب من الخشوع إلا أن الخضوع أكثر ما يستعمل في الأعناق والخشوع في الصوت وقال الفيروز آبادي الخشوع الخضوع أو قريب منه أو هو في البدن والخشوع في الصوت والبصر، وقال خضع خضوعاً تطامن وتواضع وقريب من ذلك كلام سائر أهل اللغة.

وعلى قولهم فهو إما من باب الاشتراك المعنوي فيكون استعماله في الإنسان والملك وغيرها من باب استعمال العام في إفراده.

وإما من باب الحقيقة والمجاز إن خصصناه بذوات الأبدان والأبصار، فيكون إطلاقه على غيرها مجازاً واستعماله في الجميع بعنوان عموم المجاز، وعلى أي تقدير فالقول بكونه مشتركاً لفظياً وتوهم تعدد الوضع فيه باطل.

وأما ثانياً: فلان تجويز استعمال اللفظ المشترك في معانيه المتعددة ولو بالمجاز والقرينة خلاف ما عليه المحققون من الأصوليين، وقد حققناه في ديباجة هذا الشرح وفي حواشينا على قوانين الأصول بما لا مزيد عليه.

نعم لا بأس بجواز استعماله في معنى عام شامل للمعاني المتعددة بعنوان عموم الاشتراك كاستعمال لفظ الأمر في مطلق الطلب الشامل للوجوب والندب على القول بكونه حقيقة، فيهما، كما لا ريب في جواز استعمال اللفظ في معنى عام شامل لمعناه الحقيقي والمجازي ويسمّى بعموم المجاز كالمثال الذي ذكرناه على القول يكون الأمر حقيقة في الوجوب مجازاً في الندب ولا يمكن حمل مراد الشارح على ذلك، لمنافاته بقوله: والخشوع هنا مراد بحسب الإشتراك اللفظي فافهم.

وأما ثالثاً: فلان جعل خاشع بمنزلة المتعدّد بالعطف قياساً بقوله يصلون في الآية الشريفة فاسد، فان يصلون في الآية لفظ جمع وخاشع لفظ مفرد وكون الأول في قوة المتعدد لا يدلّ على كون الثاني كذلك مع امکان منع أصل الدعوى في الآية أيضاً لاحتمال حذف الخبر فيها أي إنّ الله يصلي وملائكته يصلون على حد قوله: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف

أو كونها من باب عموم الاشتراك بأن يكون معنى يصلون يعتنون بإظهار شرف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له وتعظيمه كما فسرها به الطبرسي والبيضاوي وغيرهما على ما مرّ تفصيلاً وتوضيحاً في ديباجة الشرح.

وهذا كله مبني على التنزّل والمماشاة وإلا فنقول: إن كون الآية بمنزلة المفرد المتكرّر المتعدّد لا يوجب إلحاقها به في جميع الأحكام، فإن المفرد المتكرر شيء، وما بمنزلته شيء آخر، فإطلاق المكررات وإرادة المعاني المتعددة منها لا يوجب جواز إرادة المعاني المتعدّدة مما هو بمنزلتها كما لا يخفى.

فقد وضح واتضح بما ذكرنا كلّه أن الآية الشريفة لا دلالة فيها على جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، وأن كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس من هذا القبيل فافهم ذلك واغتنم.

(وكل شيء قائم به)لأن جميع الممكنات إما جواهر أو أعراض، وليس شيء منها يقوم بذاته في الوجود أما الأعراض فظاهر، لظهور حاجتها إلى المحلّ الجوهري، وأما الجواهر فلأن قوامها في الوجود انما هو بعللها، وتنتهى إلى المبدأ الأوّل وعلّة العلل جلّت عظمته فهو إذا الفاعل المطلق الذي به قوام وجود كل موجود هكذا قال الشارح البحراني، ثم قال: وإذا ثبت أنه تعالى غني عن كلّ شيء في كلّ شيء ثبت أن به قوام كلّ شيء فثبت أنه القيوم المطلق إذ مفهوم القيوم هو القائم بذاته المقيم لغيره، فكان هذا الاعتبار مستلزماً لهذا الوصف.

(غني كلّ فقير) قال الشارح ويجب أن يحمل الفقير على ما هو أعم من الفقر المتعارف وهو مطلق الحاجة ليعم التمجيد كما أن الغنى هو سلب مطلق الحاجة وإذا ثبت أن كل ممكن فهو مفتقر في طرفيه منته في سلسلة الحاجة إليه وأنه تعالى المقيم له في الوجود ثبت أنه تعالى رافع حاجة كلّ موجود بل كلّ ممكن وهو المراد بكونه غني له وأطلق عليه تعالى لفظ الغنى وإن كان الغنى به مجازاً إطلاقاً لاسم السبب على المسبّب.

(وعزّ كل ذليل) يعني أنه سبحانه سبب عزّة كلّ من كان به ذلّة، لأنّه العزيز المطلق الذي لا يعادله شيء ولا يغلبه شيء، فكلّ عزّة لكلّ موجود منتهية إليه سبحانه، وقد سبق تفسير العزيز في شرح الخطبة الرابعة والستين.

(وقوة كلّ ضعيف) معنى هذه الفقرة كسابقتها، وقد مرّ تفسير القوي من أسمائه سبحانه في شرح الخطبة الرابعة والستين أيضاً، وروى أن الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: واعجباً لنبي الله لوط إذ قال لقومه: وَلَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ عَاوِى إِلَى رُكْنِ﴾ [هود: 80].

أتراه أراد ركناً أشدّ من الله (1)وفي”المجمع»عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو يعلم أي قوة له، وعن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”رحم الله أخي لوطاً لو يدري من معه في الحجرة لعلم أنه حيث (2)يقول، لو إن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد”، أي ركن أشد من جبرئيل معه معه في الحجرة


1) تفسير مجمع البيان: 310/5، والتفسير الأصفى: 549/1.

2) حين في نسخة.

ورواه في عقاب الأعمال عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله.

(ومفزع كل ملهوف) يعني أنه تعالى ملجأ كل مضطر محزون حال حزنه واضطراره فيفرج همه ويكشف ضرّه ويرفع اضطراره كما قال تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّومَ ﴾ [النمل: 62] وقال: وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تخرُونَ [النحل: 53].

وهذا العطف يستلزم عموم قدرته وشمول علمه تعالى بشهادة فطرة المضطر بنسبة جميع أحوال وجوده إلى جوده وشهادة فطرته أيضاً بعلمه بحاله واطلاعه على ضرورته ووجوه اللهف والاضطرار غير معدودة وجهات الحاجة والافتقار غير محصورة ولا يقدر الإجابة لها على كثرتها إلا الحق والقادر المطلق واما غيره سبحانه فإنما يكون مفزعاً وملجاً لمضطر لا لكل مضطر فكونه مفزعاً مجاز لا حقيقة واتصافه به إضافي لا حقيقي.

فمفزع جميع العباد في الداهية والناوية (1)ليس إلا الله الحي القيوم السميع البصير العالم القادر الخبير المجيب الدعوات الكاشف للكربات المنجح للطلبات المنفّس لكلّ حزن وهم المفرج من كل ألم وغم وقال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ. [الإسراء: 67].يعني إذا كنتم في البحر وخفتم الغرق ذهب عن خواطركم كلّ من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده، فلا ترجون هناك النجاة إلا من عنده.روى في”التوحيد»انه قال رجل للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: يا ابن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دلني على الله ما هو فقد أكثر علي المجادلون وحيروني، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا عبد الله هل ركبت سفينة قط ؟ قال:، بلى قال فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك ؟ قال بلى قال فهل تعلق قلبك هناك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ قال: بلى، قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): فذلك الشيء هو الله القادر على الانجاء حين لا منجي وعلى الاغاثة حيث لا مغیث (2).)و (من تكلم سمع نطقه ومن سكت علم سرّه يعني أنه سبحانه سميع عليم محيط بما أظهره العبد، وأبداء خبير بما أسره وأخفاه في حالتي نطقه وسكوته وهو إشارة إلى عموم علمه وإحاطته سبحانه وعدم التفاوت فيه بين السرّ والإعلان والإظهار والكتمان وقد مضى تحقيق الكلام في هذا المعنى في شرح الفصل السادس والسابع من الخطبة الأولى وفي شرح الخطبة الرابعة والستين.)


1) الناوية وزن سحاب الداهية.

2) علل الشرائع: 552/2، وشرح أصول الكافي: 456/12 - 505.

(ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه منقلبه يعني أنه مرجع العباد الأحياء منهم والأموات، وبه قيام وجودهم حالتي الحياة والممات وتقدم تحقيق الكلام في الرزق في شرح الفصل الأوّل من فصول الخطبة التسعين.)لم ترك العيون فتخبر عنك التفات من الغيبة إلى الخطاب، يعني امتنع الرؤية من العيون لك فامتنع اخبارها عنك، وقد تقدم بيان وجه امتناع الرؤية في شرح الخطبة التاسعة والأربعين، وفي إسناد الأخبار إلى العيون توسع، والمراد نفي إمكان الإخبار المستند إلى المشاهد الحسية عنه تعالى.بل كنت قبل الواصفين من خلقك أي بالذات والعلية وهو وارد في مقام التعلل لنفي الرؤية.قال الشارح المعتزلي: فإن قلت فأي منافاة بين هذين الأمرين أليس من الممكن أن يكون سبحانه قبل الواصفين له، ومع ذلك يدرك بالإبصار إذا خلق خلقه ثم يصفونه رؤي عين.قلت: بل ههنا منافاة ظاهرة وذلك لأنه إذا كان قديماً لم يكن جسماً ولا عرضاً وما ليس بجسم ولا عرض يستحيل رؤيته فيستحيل أن يخبر عنه على سبيل المشاهدة.(لم تخلق الخلق لوحشة لاستحالة الاستيحاش كالاستئناس في حقه سبحانه حسب ما عرفت تفصيلاً في شرح الفصل السادس من فصول الخطبة الأولى (ولا استعملتهم لمنفعة) تعود إليك وإنما هي عائدة إليهم لنقصانهم في ذاتهم ولو كانت عائدة إليه سبحانه لزم نقصه في ذاته واستكماله بغيره وهو محال وقد تقدّم توضيح ذلك في شرح الخطبة الرابعة والستين.)و (لا يسبقك من طلبت أي لا تطلب أحداً فيسبقك ويفوتك (ولا يفلتك من أخذت) أي من أخذته لا يفلت منك بعد أخذه والغرض بهذين الوصفين الإشارة إلى كمال قدرته وتمام ملكه، فإن ملوك الدنيا أيهم فرضت ربما يفوت منهم هارب وينجو من قيد أسرهم المأخوذ بحيلة، ونحوها وأما الله العزيز القادر القاهر فلا يمكن في حقه ذلك.)(ولا ينقص من سلطانك من عصاك ولا يزيد من ملكك من أطاعك وهو تزيد وهو تزيد له سبحانه عن قياس سلطانه وملكه بسلطنة ملوك الزمان، فان كمال سلطان أحدهم إنما هو بزيادة جنوده وكثرة مطيعيه وقلّة مخالفيه وعصاته، ونقصان سلطانه إنما هو بعكس ذلك، فأما الحق تعالى فلما كان سلطانه بذاته لا لغيره مالك الملك يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء لم يتصوّر خروج العاصي بعصيانه عن كمال سلطانه حتى يؤثر في نقصانه، ولا طاعة المطيع في ازدياد ملكه حتى تؤثر في زيادته.)ومحصل ذلك كله أنه تعالى كامل من جميع الجهات في ذاته وصفاته بذاته ولذاته ولا حاجة له في عزه وسلطانه إلى الغير، ولا تأثير للغير في ملكه وسلطنته بالنقصان والزيادة، وإلا

لزم نقصه في ذاته استكماله بغيره وهو باطل.(ولا يرد أمرك من سخط قضائك المراد بالأمر هنا التكويني المشار إليه بقوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: 82]. وأريد الأمر لكونه بارتفاع الوسائط لا بد فيه من وقوع المأمور به لا محالة من غير احتمال تمرّد وعصيان وأما الأمر التشريعي كما في قوله: فَقَعُواْ لَهُ سَعِدِينَ [الحجر: 29] وقوله: وَلَا نَفَريَا هَذِهِ الشَّجَرَةُ [البقرة: 35]

ونحوهما فهو لكونه بالواسطة وعلى ألسنة الرّسل والملائكة، فيمكن فيه العصيان وعدم الطاعة فمعنى قوله: (أنه لا يردّ أمرك الملزم) أي المقدّرات الحادثة على طبق العلم الأزلي من سخط قضائك وكرهه وقد مرّ في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى ماله ربط بتوضيح المقام، وفي هذه الفقرة أيضاً دلالة على كمال قدرته وعموم سلطانه لإفادته أن كل ما علم وجوده فلا بد من وجوده سواء كان محبوباً للعبد أو مبغوضاً له كما قال تعالى: ويأبى الله إلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ ﴾ [التوبة: 32] وقال: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِع ما لَهُ مِن دَافِع [الطور: 7 - 7 8].

وتخصيص الساخط للقضاء بالعجز عن ردّ الأمر لأن من شأنه أن لو قدر على ردّ الأمر والقدر لفعل.

(ولا يستغنى عنك من تولى عن أمرك) أراد به الأمر التشريعي، ومن المعلوم أن من تمزد عن أمره وخالفه أشدّ افتقاراً وحاجة إلى غفرانه ورحمته ممن قام بوظائف الطاعة والعبادة، والأظهر أن يراد به الأعم من ذلك، ويكون المعنى ان من أدبر وتولى عن حكمه ولم يرض بقضائه وقدره لا يمكن استغناؤه عنه وانقطاع افتقاره منه.

ويوضح ذلك ما رواه الصدوق في”التوحيد»بإسناده عن سعد الخفاف”التوحيد) بإسناده عن سعد الخفاف عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرجل:”ان كنت لا تطيع خالقك فلا تأكل، رزقه وإن كنت واليت عدوّه فاخرج من ملكه، وإن كنت غير قانع بقضائه وقدره فاطلب ربا سواه»(1).

(كلّ سرّ عندك علانية وكلّ غيب عندك شهادة) وهما إشارتان إلى عموم علمه وإحاطته، وقد مرّ ذلك في شرح الفصل السابع من الخطبة الأولى ونقول هنا مضافاً إلى ما مر ان واجب الوجود سبحانه مجرد غاية التجرّد، والغيبة والخفاء إنّما يتصوّران بالنسبة إلى القلوب المحجوبة بحجب الطبيعة وسترات الهيئات البدنية والأرواح المستولى عليها نقصان الامكان الحاكم عليها بجهل أحوال ما هو أكمل منها والواجب تعالى لتجرّده وبساطته ومنتهى كماله


1) التوحيد: 372،13 ونور البراهين: 322/2 ح 13 ح.

لا يحجبه شيء عن شيء وفوق كل شيء ليس فوقه حتى يقصر عن إدراكه.

أنت الأبد فلا أمد لك أي أنت الدّائم فلا غاية لك يقف عندها وجودك وذلك لاستلزام وجوب الوجود امتناع العدم والانتهاء إلى الغاية، ويمكن أن يكون إطلاق الأبد عليه سبحانه من باب المجاز مبالغة في الدوام، والأصل أنت ذو الأبد على حد قوله: فانما هي إقبال وإدبار وقوله فأنت إطلاق وهذا المجاز شائع في عرف العرب.

وأنت المنتهى فلا محيص (عنك أي إليه مصير الخلائق ووقوفهم عنده وإليه انتهاؤهم وإيابهم فيجزى كلّ أحد ما يستحقه من الثواب والعقاب، فلا محيد عن حكمه ولا مهرب عن أمره ولا معدل يلجأون إليه كما قال تعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [ النجم: 42] وقال: ﴿إِنَّ إلينا إيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم [الغاشية: 25 - 26].

(وأنت الموعد فلا منجي منك إلا إليك) ومعناها قريب من سابقتها أي لا مخلص ولا ملجأ لأحد منه سبحانه إلا إليه ولا عاصم من عذابه إلا هو عز وجل فيعصم منه ويرفعه عنه اما بالتوبة والإنابة، أو بالمن والرحمة.

(بيدك ناصبة كل دابة) أي أنت مالك لها قادر عليها تصرفها كيف تشاء غير مستعصية عليك، فان الأخذ بالناصية تمثيل لذلك قال المفسرون في تفسير قوله سبحانه: ما مِن دَابَّةٍ إلَّا هُوَ وَاخِذٌ بِنَاصِيَهَا [هود: 56].

هو تمثيل لغاية التسخير ونهاية التذليل وكان العرب إذا أسر الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامه لقهره.

وقال الشارح البحراني: وإنما خصت الناصية لحكم الوهم بأنه تعالى في جهة فوق فيكون أخذه بالناصية، ولأنها أشرف ما في الدابة فسلطانه تعالى على الأشرف يستلزم القهر والغلبة وتمام القدرة.

أقول: والأظهر أن تخصيصها من جهة جريان العادة بان الممسك للدابة والمريد التسخيرها إنما يستمسك ويقبض ناصيتها بيده فأجرى كلامه تعالى وكلام وليه على ما هو المتعارف المعتاد.

(وإليك مصير كلّ نسمة) أي مرجع كل نفس ثم نزهه سبحانه وقدّسه عن أحكام الأوهام بكونه تعالى مشابهاً لمدركاتها فقال: (سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك وما أصغر عظمه في جنب قدرتك) وهو تعجب في معرض التمجيد من عظم ما يشاهد من مخلوقاته تعالى من الأرض والسماء والجوّ والهواء والنبات والماء والشجر والحجر والشمس والقمر والإنسان والحيوان والبر والبحر والليل والنهار والسحاب والغمام والضياء والظلام إلى غير هذه مما لا ينتهي إلى حد ولا يستقصي بعد ثم من حقارة هذه كلها بالنسبة إلى ما تعتبره العقول من

مقدوراته وما يمكن في كمال قدرته من الممكنات الغير المتناهية ومن البين أن قياس الموجود على الممكن ونسبته إليه في العظم والكثرة يستلزم صغره وحقارته.

ثم قال (وما أهول ما نرى من ملكوتك وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك) وهو تعجب من هول ما وصلت إليه العقول من عظمة ملكوته ثم من حقارته بالنسبة إلى ما غاب عنها وخفى عليها مما هو محتجب تحت أستار القدرة وحجب العزة من بدائع الملأ الأعلى وعجائب العالم العلوي وسكان حظائر القدس.

ثم قال (وما أسبغ نعمك في الدنيا وما أصغرها في نعم الآخرة) وهو تعجب من سبوغ نعمه على عباده في الدنيا بما لا تحصى ثمّ من حقارتها بالقياس إلى نعم الآخرة وما أعدّه للمؤمنين فيها من الجزاء الأوفى، فان نسبتها إليها نسبة المتناهي إلى ما لا يتناهى كما هو ظاهر لا يخفى.

ثمّ إنّه سلام الله عليه وآله لما افتتح كلامه بذكر أوصاف العظمة والكبرياء للرب العزيز تبارك وتعالى عقبه بذكر حالات ملائكة السماء وأنهم على ما هم عليه من القدس والطهارة والفضائل الجمة والكمالات الدئرة التي فضلوا بها على الأشباح والأقران وتميزوا بها عن نوع الإنسان، ومن العلم والمعرفة التي لهم بخالقهم، والخوف والخشية التي لهم من بارثهم، والخضوع والخشوع الذي لهم لمعبودهم لم يعبدوه حق عبادته ولم يطيعوه حق طاعته. فقال: (من ملائكة أسكنتهم سماواتك ورفعتهم عن أرضك) هذا محمول على الأغلب أو المراد أن مسكنهم الأصلي هو السّماء، فلا ينافي كون بعضهم في الأرض لاقتضاء المصلحة والتدبير مثل الكرام الكاتبين والمجاورين بمرقد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونظرائهم.

(هو أعلم خلقك) بك لتجردهم وبعد علومهم من منازعة النفس الأمارة التي هي مبدأ السهو والنسيان والغفلة، فيكونون أبلغ معرفة وأكمل علماً (وأخوفهم لك) لأن العلم كلما كان أكمل كان الخوف أكد والخشية أشدّ كما قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا [فاطر: 28].

قال الطبرسي أي ليس يخاف الله حق خوفه ولا يحذر معاصيه خوفاً من نقمته إلا العلماء الذين يعرفونه حق معرفته وإنما خص العلماء بالخشية لأن العالم أحذر لعقاب الله من الجاهل حيث يختص بمعرفة التوحيد والعدل ويصدّق بالبعث والحساب والجنّة والنار (1).

(وأقربهم منك) أي من حيث الشرف والرتبة لا بالمكان والمنزلة، لتنزهه سبحانه عن المحل والمكان وتقدّسه من لوازم الإمكان، وغير خفي أن تفضيلهم على غيرهم في القرب


1) مجمع البيان: 242/8.

والشرف إنما هو إضافي لا حقيقي فقد قدمنا في شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة التسعين أن بعض أفراد البشر كالنبي والأئمة عليهم السلام أفضل منهم وأشرف، وقد تقدم في الفصل المذكور شرح حالات الملائكة مستوفاً، وكذلك في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى من أراد الاطلاع فليراجع إليه.

وقوله: (لم يسكنوا الأصلاب) وما يتلوه من الجملات الثلاث السلبية إشارة إلى ارتفاعهم عن النقصانات البشرية أي لم يسكنوا أصلاب الآباء (ولم يضمنوا الأرحام) أي أرحام الأمهات يعني لم يخالطوا المحال المستقذرة (ولم يخلقوا من ماء مهين) أي ضعيف حقير (ولم يشعبهم ريب المنون) أي لم تفرقهم حوادث الدهر، وهو إشارة إلى سلامتهم من الأمراض والأسقام البدنية العارضة للمواد العنصرية المانعة من الاستغراق التام والتوجه الكلّي لشهود أنوار الحضرة الربوبية.

(وانهم على مكانهم منك ومنزلتهم عندك) يعني أنهم على ما هم عليه من القرب والزلفى (واستجماع اهوائهم فيك) أي كمال محبتهم لك ورغبتهم وشوقهم إليك (وكثرة طاعتهم لك) بحيث لا يفترون عن تسبيحك ولا يسأمون عن تقديسك (وقلة غفلتهم عن أمرك) التعبير بقلة الغفلة لمحض المشاكلة والمقابلة بكثرة الطاعة، وإلا فلا يتصوّر في حقهم الغفلة كما يدلّ عليه قوله سبحانه: فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَمُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ [فصلت: 38].

وفي دعاء الصحيفة العلوية السجادية على صاحبها آلاف الصلاة والسلام والتحية في الصلاة على حملة العرش اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك ولا يسأمون من تقديسك ولا يستحسرون عن عبادتك ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك ولا يغفلون عن الوله إليك.

فإن المقصود ذلك كله الإشارة إلى كمال مراتبهم في صنوف العبادات والتأكيد لاستغراقهم في مقام المعرفة والمحبة وبيان خلو عبوديتهم من النقصانات اللاحقة، فان كلاً من هذه الصفات المنفية لو وجد كان نقصاناً فيما يتعلق به واعراضاً عن الجهة المقصودة.

وبالجملة فالغرض أن هؤلاء الملائكة الروحانيات مع هذه المراتب والكمالات التي لهم (لو عاينوا كنه ما خفى عليهم منك) أي لو عرفوك حق معرفتك (لحقروا أعمالهم) علماً بأنها لا تليق بحضرتك (ولزروا على أنفسهم) أي عابوها وعاتبوها لمعرفتهم بكونهم مقصرين في القيام بوظائف عبوديتك (ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ولم يطيعوك حق طاعتك) لظهور أن العبادة والطاعة إنما هي على قدر المعرفة وكلما كانت المعرفة أكمل كانت العبادة أكمل، فعبادتهم الحالية على قدر معرفتهم الموجودة، فلو ازدادت المعرفة ازدادت العبادة لا منهم محالة.

263

الترجمة

از جمله خطب فصیحه آن سرور عالمیان و مقتدای آدمیان است در ذکر صفات کمال و نعوت جلال خداوند متعال و اوصاف فرشتگان و غرور بندگان به متاع این جهان و بیان حشر و نشر انسان و ذکر صفات پیغمبر آخرالزمان عليه و آله افضل الصّلاة والسّلام چنانچه فرموده:

هر چیز فروتنی کننده است بر حضرت عزّت و هر چیز قایم است در وجود به جناب احدیت، او توانگری هر فقیر است و عزّت هر ذلیل و حقیر و قوت هر ضعیف و ناتوان و پناهگاه هر مضطرّ و محزون هرکس تكلّم، نمود شنود او گفتار او را و هر که خاموش شد دانست اسرار او را و هر که زندگانی، نماید بر او است روزی او و هر که وفات، نماید به سوی او است بازگشت، او ندید تو را چشمها تا خبر دهد از تو صاحبان دیده، ها بلکه بودی تو پیش از وصف کنندگان از خلایق خودت نیافریدی خلق را از جهت ترس و وحشت و طلب عمل ننمودی از ایشان به جهت جلب، منفعت،پیشی نمیگیرد به تو کسی که طلب کردی تو او را و خلاصی نیافت از تو کسی که اخذ نمودی تو او را و کم نمی نماید پادشاهی تو را کسی که معصیت تو را نمود و زیاد نمیکند در ملک تو کسی که اطاعت تو را، کرد رد نمیکند امر تو را کسی که ناخوش دارد حکم تو را و مستغنی نمیباشد از تو کسی که روگردان شود از فرمان تو هر نهانی در نزد تو آشکار است و هر غایبی در نزد تو، حاضر تویی صاحب، دوام پس هیچ نهایتی نیست تو را و تویی محل نهایت خلایق پس هیچ گریزگاهی نیست از تو و تویی وعده گاه همه پس جای نجاتی نیست از تو مگر به سوی تو در دست قدرت تو است موی پیشانی هر جنبنده و به سوی تو است بازگشت هر نفس

تنزیه میکنم تو را تنزیه، کردنی چه بزرگ است آنچه که می بینیم از مخلوقات و چه كوچك است بزرگی آن در جنب قدرت تو و چه هولناک است آنچه که مشاهده میکنیم از پادشاهی تو و چه حقیر است این در جنب آنچه که پنهان است سلطنت تو و چه وافر است نعمتهای تو در دنیا و چه كوچك است این از ما در نعمتها در جنب نعمت های آخرت.

بعض دیگر از این خطبه در صفت فرشتگان فرموده:

از ملائکه که ساکن نمودی ایشان را در آسمانهای خود و برداشتی ایشان را از زمین، خود ایشان داناترین مخلوقات تو است به تو و ترسنده ترین خلایق است مر تو را و مقرب ترین ایشان است از، تو ساکن نشدهاند ایشان در پشت پدران و نهاده نشدهاند در رحمهای مادران و آفریده نشدهاند از نطفه که ضعیف است و بی مقدار و پراکنده نساخته است ایشان را حوادث روزگار.

و به درستی که ایشان در مکان قربی که ایشان را است از تو و منزلت و مرتبتی که ایشان را است نزد تو و کمال خواهشهایی است که ایشان را است در تو و کثرت عبادتی که ایشان را است به تو و کمی غفلتی که ایشان را است از امر تو اگر مشاهده کنند پایان آنچه که پنهان است بر ایشان در معرفت و هر آینه حقیر میشمارند عملهای خودشان را و هرآینه عتاب مینمایند بر نفس های خود و هر آینه می دانند که ایشان نپرستیدهاند تو را حق پرستش و فرمان نبرده اند تو را همچنانکه لایق فرمان برداری تو است.

الفصل الثاني

»سُبْحَانَكَ خالِقاً ومَعْبُوداً، بِحُسْنِ بَلائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ، خَلَقْتَ دَاراً وجَعَلْتَ فيها مَأْدَبَةً، مَشْرَباً، ومَطْعَماً، وأَزْوَاجاً، وخَدَماً وَقُصُوراً، وأنهاراً، وزُرُوعاً، وثِماراً، ثُمَّ أَرْسَلَتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا، فَلاَ الداعي أجابوا ولا فيما رَغَبْتَ إِلَيْهِ رَغِبُوا، ولا إِلَىٰ (1)ما شَوْقْتُ إِلَيْهِ اشْتاقُوا، أَقْبَلُوا عَلى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا، وَاصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّها، ومَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَغْشَى بَصَرَهُ، وأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ غَيْرِ صَحيحَةٍ، ويَسْمَعُ بِأُذُنِ غَيرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَواتُ عَقْلَهُ، وأَماتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ، وَوَلَهَتْ عَلَيْها نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَها، ولِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْتُما زالَت زَالَ إِلَيْها، وحَيْتُما أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لا يَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ، وَلَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِواعِظِ، وهُوَ يَرَى الْمَأَخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ لا إقالَةَ ولا رَجْعَةَ كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ ما كانوا يَجْهَلُونَ، وجاءهُمْ مِنْ فِراقِ الدُّنْيا ما كانُوا يَأْمَنُونَ، وقَدِمُوا مِنَ الآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ.

فَغَيْرُ مَوصُوفِ ما نَزَلَ بِهِمْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ، وحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وتَغَيَّرتْ لَها أَلْوانُهُمْ ثُمَّ ازْدادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحيلَ بَينَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ، يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، ويَسْمَعُ بِأَذُنِهِ، عَلَى صِحْةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وبَقاء مِنْ لُيْهِ، يُفَكِّرُ فيم أَفْتَى عُمْرَهُ وفِيمَ أَذْهَب دَهْرَهُ، ويَتَذَكَّرُ أَمْوالاً جَمَعَها، أَغْمَضَ فِي مَطالِبها، وأَخَذَهَا مِنْ مُصَرِّحاتها، ومُشْتَبِهاتِها، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبعاتُ جَمْعِها، وأَشْرَفَ عَلَى فِراقِها، تَبقى لِمَنْ ورَاءَهُ، يُنَعمُونَ فيها، ويَتَمَتَّعُونَ بها، فَيَكُونُ الْمَهْنَاءُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَالْمَرْءُ قَدْ عَلِقَتْ رُهُونُهُ بِها، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدامَةً عَلى ما أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، ويَزْهَدُ فيما كان يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمْرِهُ، ويَتَمَنَّى أَنَّ الذي كانَ يُغْبِطُهُ بِهَا، ويَحْسُدُهُ عَلَيْها قَدْ حَازَها دُونَهُ.

فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبالِغُ في جَسَدِهِ، حَتَّى خالَطَ لِسَانَهُ سَمْعَهُ، فَصارَ بَينَ أَهْلِهِ، لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلَا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ، يُرَدْدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ في وُجُوهِهِمْ، يُرى حَرَكاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ، ثُمَّ ازْدادَ الْمَوْتُ التِياطاً به فَقَبَضَ بَصَرَهُ كَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جيفَةً بَينَ أَهْلِهِ، قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهُ، وتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ، لاَ يُسْعِدُ باكِياً، ولا يُجيبُ، داعياً، ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطِّ مِنَ الأَرْضِ، فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ (2).


1) »على»في نسخة.

2) نهج السعادة: 652/2، وبحار الأنوار: 165/6.

اللغة

(المأدبة) بفتح الهمزة وضمها وزن مسعدة ومكرمة طعام صنع لدعوة أو عرس من أدب فلان أدباً من باب ضرب إذا عمل مأدبة و (وله) الرّجل من باب ضرب ومنع وحسب إذا تحير من شدّة الوجد وفي بعض النسخ ولهت بالتضعيف ونصب نفسه على المفعول و (الغرة) بكسر الغين المعجمة الاغترار والغفلة يقال اغتره فلان أي أتاه على غرّة منه و (أطراف) البدن الرأس واليدان والزجلان و (ولج) يلج ولوجاً أي دخل و (المصرح) خلاف المشتبه وهو الظاهر البين و (التبعات) جمع التبعة وهو الإثم.

و (المهنا) المصدر من هنا الطعام يهنأ وهنوء يهنوء بالكسر والضم إذا صار هنيئاً و (العبء) الثقل و (أصحر) أي ظهر وانكشف وأصله من أصحر القوم إذا برزوا من المكمن إلى الصحرا و (رجع) الكلام ما يتراجع منه (والالتياط) الالتصاق و (الاسعاد) الاعانة (والمخط من الأرض) بالخاء المعجمة كناية عن القبر يخط أولاً ثم يحفر، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة وهو المنزل من حط القوم إذا نزلوا.

الإعراب

(خالقاً ومعبوداً) منصوبان على الحال من كاف الخطاب في سبحانك، (والعامل) فيهما هو المصدر لتضمنه معنى الفعل ويحتملان الانتصاب على التميز.

قال الشارح المعتزلي: (والباء) في قوله بحسن بلائك، للتعليل كقوله تعالى: ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم، أي لأنهم فتكون متعلقة بما في سبحانك من معنى الفعل أي استحك الحسن بلائك، ويجوز أن تتعلق بمعبود أي يعبد لذلك، انتهى.

والأظهر أن تكون متعلقة بقوله خلقت وتقديمها عليه للتوسع، والمعنى خلقت داراً بسبب حسن بلائك كما تقول ضربت زيداً بسوء أدبه، وقوله مأدبه قال الشارح البحراني: المأدبة هنا الجنة، والمنصوبات الثمانية مميزات لتلك المأدبة.

أقول: وهو غلط إذ المأدبة سواء أريد به معناه الأصلي أو المجازي أعني الجنة لا إبهام فيه حتى يحتاج إلى التميز، بل الظاهر أن المراد به في المقام مطلق ما يصنع لدعوة من طعام أو غيره.

وانتصاب المنصوبات الثمانية إما على أنها عطف بيان كما هو مذهب الكوفيين وجماعة من البصريين من علماء الأدبية حيث جوزوا عطف البيان في النكرات وجعلوا منه قوله سبحانه أو كفارة طعام مسكين فيمن نوّن كفّارة.

وإما على البدل كما هو مذهب جمهور البصريين حيث خصوا عطف البيان بالمعارف

زعماً منهم أن البيان بيان كاسمه، والنكرة مجهولة والمجهول لا يبين المجهول.

وفيه أن بعض النكرات قد يكون أخص من بعض والأخص يبين غير الأخص كما في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقوله: ولا فيما رغبت، رغبوا الظرف متعلق برغبوا، ورغبت صلة ما، والعائد محذوف بقرينة المقام ودلالة الكلام أي فيما رغبت فيه وجملة أقبلوا، استئناف، بياني، ونفسه بالضم فاعل ولهت ولمن في يديه، عطف على لها.

وجملة (وهو يرى) منصوبة المحل على الحال من فاعل يتعظ وقوله (فغير) موصوف ما نزل بهم غير بالرفع خبر مقدم على مبتدئه أعني ماء الموصولة لإفادة الحصر والدلالة على أن غير ما نزل قابل لأن يوصف كما في قوله سبحانه: لا فيها غول، أي ليس غول في خمور الجنة بخلاف خمور الدنيا وإيراد المسند إليه بلفظ الموصول للتفخيم والتهويل كما في قوله: فغشيهم من اليم ما غشيهم.

ووصل جملة اجتمعت لسابقتها لما بينهما من كمال الاتصال وكون الثانية أو في بتمام لمراد واقتضاء المقام الاعتناء بشأنه لكونه فظيعاً في نفسه ونظيرها قوله سبحانه:

(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمُ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْمَرٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّتٍ وَعُيُون ﴾ [الشعراء: 132_132]

فإن المراد التنبيه على نعم الله، والثانية أو في بتأديته لدلالتها عليها بالتفصيل، فالجملة الثانية في المقامين منزلة منزلة بدل البعض، وكذلك وصل جملة يفكر لسابقتها لما بينهما من كمال الاتصال أيضاً لكونها من سابقتها بمنزلة التأكيد المعنوي مثل: لا ريب فيه في قوله:تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه، وزنهما وزن جائني زيد نفسه وهذا كله من محسنات البيان وإنما نبهنا عليه مع عدم مدخلية في الإعراب إشارة إلى بعض وجوه الحسن في كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

المعنى

اعلم أن هذا الفصل من كلامه تحذير للمتمردين العصاة والمذنبين الغواة وتنفير لهم عن الركون إلى الدنيا وإلى زخارفها وما فيها وتذكير لهم بما يحلّ بساحتهم من سكرات الموت وينزل بفنائهم من حسرات الفناء والفوت.

وافتتح بتسبيحه تعالى وتقديسه فقال: (سبحانك خالقاً ومعبوداً) أي أنزهك تنزيهاً عن الشركاء والأمثال في حالة خلقك ومعبوديتك لا موجد غيرك ولا معبود سواك (بحسن بلائك عند خلقك خلقت داراً) أي خلقت داراً بسبب ابتلاء عبادك وامتحاناً لهم وتميزاً بينهم وتفرقة بين السعداء أعني الطالبين المشتاقين إلى تلك الدار، وبين الأشقياء وهم الراغبون المعرضون عنها، والمراد بالدار دار الآخرة، وما في شرح البحراني من أن لفظ الدار مستعار للإسلام

باعتبار أنه أهله يجمع ويحميهم كالذار، لا يخفى بعده والأظهر ما ذكرناه، ويشعر به قوله سبحانه:

(تلك الدار الآخرة جعلها لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].

ويؤيده قوله: (وجعلت فيها مأدبة) فإنّه لو أريد بالدار الإسلام لا بد من حمل الظرف أعني قوله: ( فيها) على المجاز بخلاف ما لو أريد بها الآخرة والأصل في الكلام الحقيقة، والمراد بالمأدبة الجنة التي هيأت للمتقين ودعي إليها عباد الله الصالحون، وأعد الله سبحانه لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وما تشتهيه أنفسهم.

(مشرباً ومطعماً) أي شراباً وطعاماً (وأزواجاً) من الحور العين (وخدماً) من الولدان المخلدين (وقصوراً)عالية (وأنهاراً) جارية ( وزروعاً) زاكية (وثماراً) طيّبة (ثم أرسلت داعياً يدعو) الناس (إليها) أي إلى هذه الدار أو المأدبة، وأراد بالداعي محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو إياه مع سائر الأنبياء.

(فلا الداعي أجابوا ولا فيما رغبت إليه) من الدار الآخرة الباقية ونعيمها (رغبوا ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا) من حور الجنة وقصورها وانهارها وثمارها وسائر ما أعد فيها.

(أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها) استعار (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفظ الجيفة للدنيا باعتبار نفرة طباع أهل البصيرة والمعرفة عنها وكونها مستقذرة في نظر أرباب اليقين وأولياء الدين كالجيفة المنتنة التي ينفر عنها النّاس ويفرون منها، أو باعتبار اجتماع أهلها عليها وفرط رغبتهم إليها وكون هم كلّ واحد جذبها إلى نفسه بمنزلة جيفة منبوذة تجتمع عليها الكلاب ويجذبها كل إليه قال الشاعر:

وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وان تجتذ بها نازعتك كلابها

وأما افتضاحهم بأكلها فلأنها بعد ما كانت بمنزلة الجيفة يكون أكلها مفتضحاً بأكلها لا محالة، وهو ترشيح للاستعارة.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (واصطلحوا على حبّها) أي اتفقوا على محبّتها وتوافقوا عليها، فإن أصل الصلح هو التراضي بين المتنازعين وتجوز به عن التوافق والاتفاق للملازمة بينهما (ومن عشق شيئاً) أي كان مولعاً به شديد المحبة له فإن العشق هو الإفراط في الحب والتجاوز عن حد الاعتدال.

قال جالينوس الحكيم: العشق من فعل النفس وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد

وفي الدماغ ثلاث مساكن التخيل في مقدمه والفكر في وسطه والذكر في آخره فلا يكون أحد عاشقاً حتى إذا فارق معشوقه لم يخل من تخيّله وفكره وذكره فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال قلبه وكبده من النوم باشتغال الدّماغ بالتخيل والذكر والفكر للمعشوق، فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به ومتى لم يكن كذلك لم يكن عاشقاً.

وكيف كان فالمراد أن من أفرط في محبّة شيء (أغشى) ذلك الشيء (بصره وأمرض (قلبه أي يكون فرط حبّه لذلك الشيء مانعاً عن توجهه إلى ما يلزمه التوجه إليه وحاجباً عن النظر إلى مصالحه وما يلزمه الاشتغال به فيكون غافلاً عما عداه، صارفاً أوقاته بكليته إلى، هواه ويكون(1)عشقه مانعاً عن إدراكه العقول، ويكون عشقه أيضاً مانعاً عن إدراكه لعيوب المعشوق، وعن التفاته إلى مساويه، ومن هنا قيل:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدى المساويا

وغرضه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أهل الدنيا لكثرة حبّهم لها وفرط رغبتهم إليها قصرت أبصارهم عن النظر إلى اخراهم ومرضت قلوبهم عن التوجه إلى عقباهم وصرفوا أوقاتهم بكليتها إليها وإلى زخارفها وقنياتها غافلين عن إدراك عيوباتها ومساويها ولم يعرفوا أنها غدارة مكارة غرارة يونق منظرها ويوبق، مخبرها، ولم تف إلى الآن لأحد من عشاقها، ولم تصدق ظن أحد من طالبيها وراغبيها.

(فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة) لغفلته عما سوى المحبوب وعدم تنبهه بما فيه من العيوب فلا ينظر إليه بنظر البصيرة والاعتبار حتى يبصر ما فيه من المفاسد والمضار، ولا يستمع إلى المواعظ والزواجر والنواهي والأوامر حتى يأخذ عدته ليوم تبلى السرائر.

(قد خرقت الشهوات عقله) شبه العقل بالثوب إذ كما أن الثوب زينة الإنسان ووقاية للبدن من الحرّ والبرد فكذلك العقل زينة للمرء ووقاية له من حز نار الجحيم يعبد به الرّحمن ويكتسب به، الجنان وجعل عقل الرجل الموصوف بمنزلة ثوب خلق ورشح الاستعارة بذكر الخرق إذ الثوب إذا كان خرقاً خلقاً ممزقاً لا ينتفع به صاحبه فكذلك العقل إذا كان مفرقاً بالشهوات الباطلة مصروفاً في اللذات العاجلة لا ينتفع به فيما خلق لأجله البتة وفي الحقيقة هذه القوة نكر أو شيطنة وليست بالعقل وإنما هي شبيهة بالعقل.

(وأماتت الدنيا قلبه) فلا انتفاع له به کميت لا نفع له (وولهت عليها نفسه) أي صار في


1) قال أرسطو العشق على الحس عن إدراك عيوب المحبوب وهو من الأمراض المعروفة من أنواع الماليخواليا الذي هو تشريش الظنون والفكر إلى الفساد والخوف وعن الأمالي عن المفضل بن عمر قال: سألت الصادق (ع) عن العشق فقال (ع): قلوب خلت عن ذكر الله فأذاقها الله حب غيره، منه.

فرط محبته للدنيا بمنزلة الواله عليها والمفتون بها (فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها) لأنه إذا كانت همته مصروفة إليها وأوقاته مستغرقة في جمعها وجبايتها صار زمام أمره بيدها (حيثما زالت زال اليها وحيثما أقبلت أقبل عليها) كعبد دائر في حركاته وسكناته مدار مولاه بل عبوديته لها أشدّ وأخس من عبودية العبد لسيده. إذ طاعة العبد وانقياده لسيدة ربما يكون قسرياً وخدمة ذلك لدنياه عن وجه الشوق والرّغبة والرضاء والمحبة وفي هذا المعنى قال الشاعر:

ما النّاس إلا مع الدنيا وصاحبها *** فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا

يعظمون أخا الدنيا فان وثبت *** يوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا

(لا ينزجر من الله بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ وهو يرى) الكتب الإلهية والصحف السماوية والأخبار النبوية المشحونة بذم الدنيا الناهية عن الركون إليها والاعتماد عليها، مضافاً إلى رؤيته المخرجين عن الدنيا بجبر وقهر والمقلعين عنها بكره وقسر (المأخوذين على الغرة) وحالة الاغترار والغفلة المشغولين بالدنيا وشهواتها الغافلين عن هادم اللذات وسكراته (حيث لا إقالة) لهم عن ذنوبهم ( ولا رجعة) لهم إلى الدنيا ليتداركوا سيئات أعمالهم. (كيف نزل بهم) من شدائد الأهوال (ما كانوا يجهلون وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون وقدموا من) عقبات (الآخرة على ما كانوا يوعدون) فإنه لو تفكر في ذلك وتذكر ذلك يوشك أن يؤثر فيه ويقل فرحه بالدنيا وشغفه بها.

لأنه بعدما لاحظ أحوال هؤلاء الماضين وتصوّر تبدد أجزائهم في قبورهم، ومحو التراب حسن، صورهم، وأنهم كيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم، وخلت عنهم مجالسهم ومدارسهم وانقطعت عنهم آثارهم، ومعالمهم، وعرف أنه عن قريب كائن مثلهم انقلع لا محالة عن هواه وارتدع عن حب دنياه.

تفانوا جميعاً فمامخبر *** وماتوا جميعاً ومات الخبر

تروح وتغدو بنات الثرى *** فتمحو محاسن تلك الصور

فيا سائلي عن أناس مضوا *** أما لك فيما تری معتبر

لا سيما لو عمق نظره في ما حل بالأموات بعد موتهم وما نزل بساحتهم حين موتهم لكان ندمه أشد وحسرته اكد.

ف (انه) (غير موصوف ما نزل بهم) من الشدائد والآلام ويحتمل أن يكون ضمير بهم راجعاً إلى الذين لم يجيبوا الداعي المقدّم ذكره بقوله: فلا الدّاعي أجابوا ولا فيما رغبت إليه رغبوا (اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم) وذلك لأن ألم النزع يسري في جميع أعضاء البدن ويستوعب الأطراف ويوجب ضعفها وفتورها.

قال الغزالي واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فانما يعرفها بالقياس إلى الآلام التي أدركها، بيان ذلك القياس أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإذا كان فيه فالمدرك للألم هو الروح فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح فبقدر ما يسري إلى الروح يتألّم، والمؤلم يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء فلا يصيب الروح إلا بعض الألم، فان كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره، فما أعظم ذلك الألم وما أشدّ والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح، فاستغرق جميع أجزائه حتى لم يبق جزء من اجزاء المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم، فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري في جزء من الزوح يلاقي ذلك الموضع الذي أصابته الشوكة وإنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغوص في سائر أجزاء البدن، فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهراً وباطناً إلا وتصيبه النّار، فتحسر الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر أجزاء اللحم، وأما الجراحة فإنّما تصيب الموضع الذي منه الحديد فقط فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار فألم النزع يهجم على نفس الرّوح ويستغرق جميع أجزائه، فإنّه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل ومن أصل كل شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم حتى قالوا إن الموت لأشدّ من ضرب بالسيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض، لأن قطع البدن بالسيف إنما يولمه لتعلقه بالرّوح فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح، وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوته في قلبه وفي لسانه وإنما انقطع صوت الميت وصياحه مع شدّة ألمه لأن الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه وبلغ كل موضع منه، فهد كل قوة وضعف في كل، جارحة فلم يترك له قوة الاستغاثة.

وإلى ذلك أشار بقوله: (ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً فحيل بين أحدهم وبين منطقه)واستعار لفظ الولوج لما يتصوّر من فراق الحياة عضو بعضو فأشبه ذلك دخول جسم في جسم آخر، والمقصود بذلك شدة تأثير الموت في أبدانهم وايجابه لضعف اللسان عن قوة النطق والتكلّم.

نعم في رواية”الكافي) بإسناده عن زرارة عن أبي جعف (عَلَيهِ السَّلَامُ)ر قال:”الحياة والموت خلقان من خلق الله فإذا جاء الموت فدخل في الإنسان لم يدخل في شيء إلا وخرج منه الحياة (1).

فإن ظاهر هذه الرواية مفيدة لكون الولوج في كلامه مستعملاً في معناه الحقيقي اللهم إلا أن يرتكب المجاز في ظاهر هذه أيضاً فافهم.


1) الكافي: 259/3 ح 34، والتفسير الصافي: 200/5.

(وانه لبين أهله ينظر) إليهم (ببصره ويسمع) كلامهم (بإذنه) ولا يتمكن من إظهار ما فيه من الشدّة والحسرة عليهم لمكان ضعفه وعجزه مع أنه (على صحة من عقله وبقاء من لبه) فهو راغب عن الدنيا مقبل إلى الآخرة، مشغول بحاله محاسب على نفسه متحسر على ما قدمت،يداه نادم على ما فرط في جنب مولاه.

(يفكر فيم أفنى عمره وفيم أذهب دهره) ويتأثر على غفلته في أيام مهلته (ويتذكر أموالاً جمعها) واستغرق أوقاته فيها (أغمض في مطالبها) وتساهل في اكتسابه أيامه وذلك لعدم مبالاته بانها من حلال أو حرام (وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها) أي من وجوه مباحة وذوات شبهة.

كما أشير إليه في النبوي المعروف قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإنما الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من المحرمات ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم”(1).

(قد لزمته تبعاتجمعها) وآثام جبايتها (وأشرف على فراقها تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتعون بها) وهم إما أهل طاعة الله فسعدوا بما شقى وإما أهل معصيته فكان عوناً لهم على معصيتهم (فيكون المهنا لغيره والعبء على ظهره) أي يكون هناءة تلك الأموال أي كونها هنيئة لغيره، ووزرها وثقلها على ظهره.

وفي الحديث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المروي عن”إرشاد القلوب»قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش وهو ينادي: يا أهلي وولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعته من حل وغير حلّ وخلفته لكم فالمهنا لكم والتعب علي فاحذروا مثل ما قد نزل

بي»(2)ونعم ما قيل:

يمر أقاربي جنبات قبري *** كأن أقاربي لم يعرفونی

وذو الميراث يقتسمون *** مون مالي وما يالون أن جحدوا ديوني

وقد أخذوا سهامهم وعاشوا *** فيالله أسرع مانسونی

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (والمرء قد غلقت رهونه بها) قال الشارح المعتزلي: معناه أنه لما كان قد شارف الرّحيل وأشفى على الفراق صارت تلك الأموال التي جمعها مستحقة لغيره ولم يبق له فيها تصرف، وأشبهت الزمن الذي غلق على صاحبه، فخرج عن كونه مستحقاً له وصار مستحقاً لغيره وهو المرتهن.


1) الكافي: 68/1، ووسائل الشيعة: 157/27.

2) بحار الأنوار: 161/6 ح 28، ودرر الأخبار: 82.

وأورد عليه بأنه وإن كان محتملاً إلا أنه يضيع فائدة قوله: بها، لأن الضمير يعود إلى الأموال المجموعة، وهو إشارة إلى المال الذي انغلق الرهن به فلا تكون هي نفس الرهن.

وقال الشارح البحراني: ضربه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثلاً لحصول المرء في تبعات ما جمع وارتباطه بها عن الوصول إلى كماله وانبعاثه إلى سعادته بعد الموت، وقد كان يمكنه فكاكها بالتوبة والأعمال الصالحة فأشبه ما جمع من الهيئات الردية في نفسه عن اكتساب الأموال، فارتهنت بها بما على الراهن من المال.

أقول: ويتوجه عليه أن الراهن على ذلك التوجيه هو نفس المراد ولو كان مراده (عَلَيهِ السَّلَامُ)ذلك لقال والمرء قد صار رهيناً بها كما قال تعالى: كلّ نفس بما كسبت رهينة.

والذي يلوح على النظر القاصر هو أن يقال: إنّه من باب الاستعارة التمثيلية والغرض تشبيه حال هذا المرء المحجوب عن الترقي إلى مدارج الكمال الغير المتمكن من الوصول إليها بجمع تلك الأموال بحال من غلقت عليه أمواله المرهونة في مقابل دين المرتهن في عدم إمكان وصوله إليها ومحجوريته عنها، أو أن رهونه استعارة لبعض ما فعله الأعمال من الصالحة وذكر الغلق ترشيح وتشبيه تلك الأعمال بالزهن باعتبار عدم تمكنه من الانتفاع بها ومحجوبيّته عنها بما جمعه من الأموال فصارت تلك الأموال حاجبة مانعة عن انتفاعه بها بمنزلة دين المرتهن المانع عن تصرف الراهن في العين المرهونة الموجب لحجره عنها وعن استفادته بها، وإنما صارت تلك الأموال سبباً للحجب والمنع عن الانتفاع، لكون حق الناس مقدماً على حق الله، ولذلك كان أوّل عقبات القيامة موضوعة للحكم بين الناس وأخذ المظالم، هذا ما يخطر بالخاطر القاصر، والله العالم بحقائق كلام وليه.

(فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره) وانكشف له حينئذ من تفريطه كما يعض يوم القيامة إذا عاين العقاب وشاهد طول العذاب قال سبحانه:

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا *يَنوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذُ فلانا خَلِيلًا * لَقَدْ لَقَدْ أَضَلَّنِی عَنِ الذِّکْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِی وَ کانَ الشَّیْطانُ لِلاْ ِنْسانِ خَذُولاً) [الفرقان: 27 - 29]

قال في التفسير: أي يعض على يديه ندماً، وأسفاً قال عطاء يأكل يديه حتى تذهب إلى المرفقين ثمّ تنبتان لا يزال هكذا كلّما نبتت يداه اكلهما ندامة على ما فعل، هذا فعض اليد في الآية مستعمل على التفسير المذكور في معناه الحقيقي، وفي كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كناية عن القدم والتحسر على ما فرط في جنب الله وقصر في امتثال أمر مولاه.

(ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره) من الأموال التي جمعها وخلفها لغيره (ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه) لما ظهر له من تبعاتها وسوء عاقبتها.

(فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه فصار بين أهله لا) يقدر أن

(ينطق بلسانه ولا) أن (يسمع بسمعه) لانقطاع مادة الحياة عن السمع واللسان (يردد طرفه بالنظر في وجوههم) أي مخاطباتهم و (يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم) أي ما يتراجعونه من الكلام لبطلان قوته السامعة وبقاء قوته الباصرة بعد.

(ثم ازداد الموت التياطاً به) أي: التصاقاً (فقبض بصره كما قبض سمعه وخرجت الروح من جسده) وظاهر هذا الكلام بملاحظة ما سبق من قوله: ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً فحيل بين أحدهم وبين، منطقه وما سبق أيضاً من قوله: (فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه) يفيد لبطلان آلة النطق في الإنسان قبل آلتي السمع والبصر، ثم بطلان آلة البصر وإنّما تبطل مع خروج الروح ومفارقتها عن البدن.

قال الشارح البحراني: وليس ذلك مطلقاً بل في بعض الناس وأغلب ما يكون ذلك فيمن تعرض الموت الطبيعي لالاته وإلا فقد تعرض الآفة لقوة البصر وآلته قبل آلة السمع وآلة النطق والذي يلوح من أسباب ذلك أنه لما كان السبب العام القريب للموت هو انطفاء الحرارة الغريزية عن فناء الرطوبة الأصلية التي منها خلقتا، وكان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزية فيها التجفيف والتحليل، وقد تعينها على ذلك الأسباب الخارجية من الأهوية واستعمال الأدوية المجففة وسائر المجففات كان كلّ عضو أيبس من طبيعته وأبرد أسرع إلى البطلان وأسبق إلى الفساد.

إذا عرفت ذلك فنقول: أما أن آلة النطق أسرع فساداً من آلة السمع، فلأن آلة النطق مبنيّة على الأعصاب المحركة ومركبة، منها، وآلة السمع من الأعصاب المفيدة للحس واتفق الأطباء على أن الأعصاب المحركة أيبس وأبرد لكونها منبعثة من مؤخر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحس، فان جلها منبعث من مقدم الدّماغ فكان لذلك أقرب إلى البطلان، ولأن النطق أكثر شروطاً من السّماع لتوقفه مع الآلة وسلامتها على الصّوت وسلامة مخارجه ومجاري النفس، والأكثر شرطاً أسرع إلى الفساد.

وأما بطلان آلة السمع قبل البصر فلان منبت الأعصاب التي هي محل القوة السامعة أقرب إلى مؤخّر الدّماغ من منابت محل القوة، الباصرة، فكانت أيبس وأبرد وأقبل لانطفاء الحرارة الغريزية، ولأنّ العصب المفروش على الضماخ الذي رتبت فيه قوة السمع احتاج أن يكون مكشوفاً غير مسدود عنه سبيل الهواء بخلاف العصب الذي هو آلة البصر، فكانت لذلك أصلب والأصلب أيبس وأسرع فساداً، هذا.

مع أنه قد يكون ذلك لتحلل الروح الحامل للسمع قبل الروح الحامل للبصر أو لغير ذلك، والله أعلم.

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (فصار جيفة بين أهله) لا يخفى ما في هذا التعبير من النكتة اللطيفة، وهو

التنفير عن التعلّق بهذا البدن العنصري والنهي عن التعزز بهذا الهيكل الجسماني، فان من كان أوله جيفة وآخره جيفة وهو في الدنيا حامل الجيف كيف يجوز له الاغترار بوجوده والتعزّز والتكبر بذاته لا سيما بعد ملاحظة كون آخره جيفة أقذر من سائر الجيف حتى جيفة الكلب والخنزير، حيث إن سائر الجيف لا توجب على من لامسها الغسل بخلاف ميتة الإنسان فان ملامستها توجب غسل المس خصوصاً لو لاحظ أن أقرب الناس إليه وآنسهم به من الآباء والإخوان والبنات والولدان:

(قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه) مع كمال أنسهم به ومحبتهم له وجهة استيحاشهم منه حكم أوهامهم السخيفة على قواهم المتخيلة بمحاكاة حاله في نفس المتوهم وعزل العقل في ذلك الموضع، ولذلك إن المجاور لميت في موضع ظلماني منفرد يتخيل أن الميت يجذبه إليه ويصيره بحاله المنفورة عنها طبعاً.

وبالجملة فالمرء إذا خرجت روحه من جسده تنافر الناس عنه ويبقى فريداً وحيداً (لا يسعد باكياً) على بكائه (ولا يجيب داعياً) على دعائه.

(ثم حملوه) أي حفدة الولدان وحشدة الإخوان (إلى محط من الأرض) أي قبره الذي يحط وينزل فيه وعلى ما في بعض النسخ من رواية مخط بالخاء المعجمة تكون كناية عن القبر لكونه يخط أولاً ثم يحفر أو عن اللحد لكونه كالخط في الدقة (فاسلموه فيه إلى عمله وانقطعوا عن زورته) ووجد ما عمله محضراً فإن كان العمل صالحاً فنعم المؤنس والمعين، وإن كان سيئاً فبئس المصاحب والقرين والعدو المبين.

أقول: لو كان كلام يؤخذ بالأعناق في التزهيد عن الدنيا والترغيب إلى الآخرة لكان هذا الكلام الذي في هذا الفصل وما أبعد غوره وأجزل قدره، فإن عمدة ما أوجب رغبة الراغبين إلى الدنيا والرّاكنين إليها والمغترين بها إنما هي أمور ثلاثة أحدها حب المال. والثاني حبّ الوجود. والثالث: حبّ الأولاد والبنين والأزواج والأقربين، فزهد (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن كل ذلك بأحكم بيان وأوضح برهان.

أما عن المال فبأنه عن قريب يفارقه وينتقل عنه وتكون لذته ومهنؤه لغيره ويبقى وزره وتبعته عليه

وأما عن وجوده ونفسه فبأنه ستنمحي أعضاؤه وجوارحه يبطل قواه وآلاته ويكون بالآخرة جيفة منبوذة بين أهله.

وأما عن الأولاد والأبناء والإخوان والأقرباء فبأنهم سيفارقونه ويتنفرون عنه ويستوحشون منه، فمن كان مآل ما أحبّه ذلك فكيف يغتر بذلك مع علمه بأن كل ذلك واقع لا محالة واعتقاده بأن الموت لا يمكن الفرار منه البتة.

قال علي بن الحسين عليهما السلام عجب كلّ العجب لمن أنكر الموت وهو يرى من يموت كلّ يوم وليلة، والعجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى وقال الله سبحانه:

(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة) [النساء: 78].

روى الأعمش عن خثيمة قال: دخل ملك الموت على سليمان بن داود على نبينا وآله وعليهما السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه، فلما خرج قال الرجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت قال: لقد رأيته ينظر إلي كأنه يريدني قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فماذا تريد؟ قال: أريد أن تخلصني منه فتأمر الريح حتى تحملني إلى أقصى الهند، ففعلت الريح ذلك ثمّ قال سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لملك الموت بعد أن أتاه ثانياً: رأيتك تديم النظر إلى واحد من جلسائي، قال: نعم كنت أتعجب منه، لأني كنت أمرت أن أقبضه بأقصى الهند في ساعة قريبة وكان عندك فتعجبت من ذلك.

وفي”الكافي»عن عليّ بن إبراهيم عن عمرو بن عثمان عن مفضل بن صالح عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له: أخبرني جبرئيل أن ملكاً من ملائكة الله كانت له عند الله منزلة عظيمة فتعتب عليه فأهبطه من السماء إلى الأرض، فأتى إدريس (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: إن لك من الله منزلة فاشفع لي عند ربك، فصلى ثلاث ليال لا يفتر وصام أيامها لا يفطر، ثم طلب إلى الله في السحر في الملك فقال الملك: إنك قد أعطيت سؤلك وقد أطلق لي جناحي وأنا أحب أن أكافيك فاطلب إليّ حاجة قال تريني ملك الموت لعلّي آنس به فانه ليس يهنئني مع ذكره شيء، فبسط جناحه ثم قال: اركب فصعد به يطلب ملك الموت في السماء الدنيا، فقيل له: اصعد فاستقبله بين السماء الرابعة والخامسة فقال الملك: يا ملك الموت ما لي أراك قاطباً ؟ قال: العجب أني تحت ظل العرش حيث أمرت أن أقبض روح آدمي بين السماء الرابعة والخامسة، فسمع إدريس بها فامتعض فخر من جناح الملك فقبض روحه مكانه(1)، وقال الله عز وجل: وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم: 57] ونعم ما قيل:

إن الحبيب من الاحباب مختلس ***لا يمنع الموت بوّاب ولا حرس

فكيف تفرح بالدنيا ولذتها *** یا من بعد عليه اللفظ والنفس

أصبحت يا غافلاً في النقص منغمسا ً *** وأنت دهرك في اللذات منغمس

لايرح الموت ذا جهل لغرته *** ولا الذي كان منه العلم يقتبس

كم أخرس الموت في قبر وقفت به *** عن الجواب لساناً ما به خرس


1) الكافي: 257/3 26، والتفسير الصافي: 286/3.

قد كان قصرك معموراً به شرف *** فقبرك اليوم في الأجداث مندرس

ایقاظ

في ذكر بعض ما ورد في وصف الموت وحالات الميت.

فأقول: قال الغزالي: روى عن مكحول عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: لو أن شعرة من شعر الميت وضعت على أهل السماوات والأرض لماتوا بإذن الله، لأن في كل شعرة الموت ولا يقع الموت بشيء إلا لمات:قال ويروى لو أن قطرة من ألم الموت وضعت على جبال الدنيا كلّها، لذابت:قال وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الله: إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت وان مفاصله يسلّم بعضها على بعض تقول: عليك السلام تفارقني وافارقك إلى يوم القيامة (1).

وفي”الكافي»بإسناده عن جابر قال قال علي بن الحسين عليهما السلام ما ندري كيف نصنع بالناس إن حدثناهم بما سمعنا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له ضحكوا، وإن سكتنا لم يسعنا، قال: فقال ضمرة بن معبد: حدثنا فقال: هل تدرون ما يقول عدوّ الله إذا حمل على سريره؟:قال فقلنا: لا، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فإنه يقول لحملته ألا تستمعون إني أشكو إليكم عدوّ الله خدعني وأوردني ثم لم يصدرني، وأشكو إليكم اخواناً وآخيتهم فخذلوني، وأشكو إليكم أولاداً حاميت عليهم فخذولني(2)وأشكو إليكم داراً أنفقت فيها حريبتي(3)فصار سكانها غيري فارفقوا بي ولا تستعجلوني قال: فقال ضمرة يا أبا الحسن إن كان هذا يتكلم بهذا الكلام

يوشك أن يثب بجهد على أعناق الذين يحملونه؟ قال: فقال علي بن الحسين عليهما السلام اللهم إن كان ضمرة هزأ من حديث رسولك فخذه أخذ اسف، قال: فمكث أربعين يوماً ثمّ مات، فحضره مولی له قال: فلما دفن أتى عليّ بن الحسين عليهما السلام فجلس إليه فقال:له من أين جئت يا فلان؟ قال: من جنازة ضمرة فوضعت وجهي عليه حين سوى عليه فسمعت صوته والله أعرفه كما كنت أعرفه وهو حي يقول: ويلك يا ضمرة بن معبد اليوم خذلك كلّ خليل، وصار مصيرك إلى الجحيم، فيها مسكنك ومبيتك والمقيل قال: فقال علي بن الحسين عليهما السلام أسأل الله العافية هذا جزاء من يهزأ من حديث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (4).

وعن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ:


1) بحار الأنوار 1506، وميزان الحكمة: 2955/4.

2) »فأسلموني»في نسخة.

3) الحريبة: مال الرجل الذي يعيش به ويقوم به أمره - الصحاح النهاية.

4) الكافي: 234/3 4.

(وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) [القيامة: 27 - 28]

قال: فإن ذلك ابن آدم إذا حلّ به الموت قال: هل من طبيب إنه الفراق أيقن بمفارقة الأحبّة قال (وَالْفَتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) التفت الدنيا بالآخرة، (إلَى رَبِّكَ يَوْمَذٍ الْمَسَاقُ) قال: المصير إلى رب العالمين.

وعن عبد الله بن سليم العامري عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) الي قال:”إن عيسى ابن ابن مریم جاء إلى قبر يحيى بن زكريا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان سأل ربه أن يحييه، له فدعا فأجابه وخرج إليه من القبر، فقال له ما تريد مني؟ فقال له: أريد أن تؤنسني كما كنت في الدنيا، فقال له يا عيسى ما سكنت عني حرارة الموت وأنت تريد أن تعيدني إلى الدنيا وتعود علي حرارة الموت، فتركه فعاد إلى قبره (1).

وعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن أبي أيوب عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”إن فتية من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبدين، وكانت العبادة في أولاد ملوك بني إسرائيل وأنهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا فمروا بقبر على ظهر الطريق قد سفى عليه السّافي ليس منه إلا اسمه فقالوا لو دعونا الله الساعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فسألناه كيف وجد طعم الموت، فدعوا الله وكان دعاؤهم الذي دعوا به: الله انت إلهنا يا ربنا ليس لنا إله غيرك والبدىء الدّائم غير الغافل الحي الذي لا يموت لك في كل يوم شأن تعلم كلّ شيء بغير تعليم أنشر لنا هذا الميت بقدرتك، قال: فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس واللحية ينفض رأسه من التراب فزعاً شاخصاً بصره إلى السماء، فقال لهم: ما يوقفكم على قبري؟ فقالوا: دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت فقال لهم: قد سكنت في قبري تسعة وتسعون (2)سنة ما ذهب عني ألم الموت وكربه، ولا خرج مرارة طعم الموت من حلقي فقالوا:له مت يوم مت وأنت على ما نرى أبيض الرّأس واللحية؟ قال: لا ولكن لما سمعت الصيحة أخرج اجتمعت تربة عظامي إلى روحي وبقيت فيه فخرجت فزعاً شاخصاً بصري مهطعاً إلى صوت الداعي فابيض لذلك رأسي ولحيتي»(3).

وفي”عقائد الصدوق»(ره) قال: قيل لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): صف لنا الموت، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”على الخبير سقطتم هو أحد أمور ثلاثة يرد عليه: إما بشارة بنعيم الأبد، وإما بشارة بعذاب الأبد، وإما تخويف وتهويل وأمر مبهم لا يدري من أي الفرق هو، أما ولّينا والمطيع لأمرنا فهو المبشر بنعيم الأبد، وأما عدونا والمخالف لأمرنا فهو الميشر بعذاب الأبد


1) بحار الأنوار /1712/6 47، وتفسير كنز الدقائق: 93/2.

2) »تسعين»في نسخة.

3) الكافي: 261/3 ح 38 وبحار الأنوار: 6/ ج 171 ح 48.

وأما المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤل إليه حاله، يأتيه الخبر مبهماً مخوفاً ثم لن يشوبه الله عزّ وجلّ بأعدائنا ولكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا وأطيعوا ولا تتكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله فان من المسرفين من يلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب الله بثلاثمائة ألف سنة»(1).

قال: وسئل الحسن بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما الموت الذي جهلوه ؟ فقال: أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا من جنّتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد (2).

قال: وقيل لعلي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما الموت؟ قال:”للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة أوفك قيود وأغلال ثقيلة والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح وأوطى المراكب وآنس المنازل وللكافر كخلع ثياب فاخرة والنقل عن منازل أنيسة والاستبدال بأوسخ الشياب وأخشنها وأوحش المنازل وأعظم العذاب»(3).

قال: وقيل للصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): صف لنا الموت فقال:”هو للؤمن كأطيب ريح يشمه السلام فينفس لطيبه فيقطع التعب والألم كلّه عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولذع العقارب وأشد”، قيل له: فإن قوماً يقولون هو أشد من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ورضخ بالحجارة وتدوير قطب أرحية في الأحداق فقال هو كذلك على بعض الكافرين والفاجرين، ألا ترون من يعاين تلك الشدائد، فذلكم الذي هو أشدّ من هذا وهو أشد من عذاب الدنيا، قيل: فما لنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفي وهو يتحدث ويضحك ويتكلم وفي المؤمنين من يكون أيضاً كذلك، وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد؟ فقال: ( ما كان راحة للمؤمن فهو من عاجل ثوابه وما كان من شدة فهو تمحيصه من ذنوبه ليرد إلى الآخرة تقياً طاهراً نظيفاً مستحقاً لثواب الله ليس له مانع دونه، وما كان هناك من سهولة على الكافرين فليستوفي أجر حسناته في الدنيا ليرد إلى الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب، وما كان من شدة على الكافرين هناك فهو ابتداء عقاب الله تعالى عند نفاد حسناته ذلك بأنّ الله عزّ وجل عدل لا يجور) (4).

وروى عن الصادق قال: جاء رجل إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: يا رسول الله ما بالي لا

أحب الموت؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ألك مال؟ قال: نعم، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): قدمته أمامك قال: لا، قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)فمن ثم لا تحب الموت.


1) الاعتقادات: 51، ومعاني الأخبار: 2880.

2) الاعتقادات: 52، وبحار الأنوار: 154/6.

3) والاعتقادات: 53 (3) معاني الأخبار: 289.

4) معاني الأخبار: 288، والاعتقادات: 54.

قال: وجاء رجل إلى أبي ذر رحمه الله وقال: ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم عمّرتم الدنيا وخربتم الآخرة فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب.

وقيل له: كيف ترى قدومنا على الله تعالى؟ فقال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه وهو منه خائف، قيل: وكيف ترى حالنا عند الله؟ قال: اعرضوا أعمالكم على كتاب الله تعالى حيث يقول: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَمِيم [الإنفطار: 13 - 14].

قال رجل (1): فأين رحمة الله؟ قال: إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56.]

تنبيه

أحببت أن أورد هنا الرّواية المتضمنة لتكلّم الميت سلمان الفارسی رضي الله عنه وما أخبره به منحالات سكرات الموت وما بعدها من الشدائد والدواهي لأن فيها تنبيهاً للغافلين وتذكرة للجاهلين.

فأقول: روى غير واحد من أصحابنا أنار الله برهانهم عن أبي الفضل سديد الملة والدين شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل بن أبي طالب القمي في الجزء الثاني من كتابه كتاب الفضائل عن أبي الحسن بن عليّ بن محمّد المهدي بالإسناد الصحيح عن الأصبغ بن نباتة أنه قال: كنت مع سلمان الفارسي وهو أمير المدائن في زمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك أنه قد ولاه المدائن عمر بن الخطاب فقام إلى أن ولي الأمر علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قال الأصبغ: فأتيته يوماً وقد مرض مرضه الذي مات فيه، قال: فلم أزل أعوده في مرضه حتّى اشتد به الأمر وأيقن بالموت قال: فالتفت إلي وقال لي: يا أصبغ عهدي برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول يا سلمان سيكلمك ميت إذا دنت وفاتك وقد اشتهيت أن أدري وفاتي دنت أم لا، فقال الأصبغ بماذا تأمرني يا سلمان يا أخي؟ قال له أن تخرج وتأتيني بسرير وتفرش لي عليه ما يفرش للموتى ثم تحملني بين أربعة فتأتون بي إلى المقبرة.

فقال الأصبغ حباً وكرامة، فخرجت مسرعاً وغبت ساعة وأتيته بسرير وفرشت عليه ما يفرش للموتى، ثم أتيته بقوم حملوه إلى المقبرة، فلما وضعوه فيها قال لهم: يا قوم استقبلوا بوجهي القبلة، فلما استقبل بوجهه القبلة نادي بأعلى صوته:

السّلام عليكم يا أهل عرصة البلاء السّلام عليكم يا محتجبين عن الدنيا قال: فلم يجبه


1) الرجل في نسخة.

أحد فنادى ثانية السّلام عليكم يا من جعلت المنايا لهم غذاء السلام عليكم يا من جعلت الأرض عليهم غطاء السّلام عليكم يا من القوا أعمالهم في دار الدنيا، السلام عليكم يا منتظرين النفخة الأولى سألتكم بالله العظيم والنبي الكريم إلا أجابني منكم مجيب فأنا سلمان الفارسي مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإنه قال لي: يا سلمان إذا دنت وفاتك سيكلمك ميت، قد اشتهيت أن أدري دنت وفاتي أم لا.

فلما سكت سلمان من كلامه فإذا هو بميت قد نطق من قبره وهو يقول: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أهل البناء والفناء المشتعلون بعرصة الدنيا وما فيها، نحن لكلامك، مستمعون ولجوابك مسرعون فسل عما بدا لك يرحمك الله تعالى.

قال سلمان: أيها الناطق بعد الموت والمتكلم بعد حسرة الفوت أمن أهل الجنة بعفوه أم من أهل النار بعدله ؟ فقال: يا سلمان أنا ممن أنعم الله تعالى عليه بعفوه وكرمه، وأدخله الجنة برحمته.

فقال له سلمان: الآن يا عبد الله صف لى الموت كيف وجدته وماذا لقيت منه وما رأيت وما عاينت؟ قال: مهلاً يا سلمان فوالله إن فرضاً بالمقاريض ونشراً بالمناشير لأهون علي من غصّة من غصص الموت، وتسعين ضربة بالسيف أهون من نزعة من نزعات الموت.

فقال:سلمان ما كان حالك في دار الدنيا؟

قال: اعلم أني كنت في دار الدنيا ممن ألهمني الله تعالى الخير والعمل به وكنت أؤدي فرائضه وأتلو كتابه، وكنت أحرص في بر الوالدين وأجتنب الحرام والمحارم وأنزع من المظالم وأكد الليل والنهار في طلب الحلال خوفاً من وقعة السؤال فبينا أنا في ألذ العيش وغبطة وفرح وسرور إذ مرضت وبقيت في مرضي أياماً حتى انقضت من الدنيا مدتي وقرب موتي، فأتاني عند ذلك شخص عظيم الخلقة فظيع المنظر فوقف (1)مقابل وجهي لا إلى السماء صاعداً ولا إلى الأرض نازلاً، فأشار إلى بصري فأعماه، وإلى سمعي، فأصمه، وإلى لساني فأخرسه فصرت لا أبصر ولا أسمع ولا أنطق، فعند ذلك بكى أهلي وإخواني وظهر خبري إلى إخواني وجيراني.

فقلت له عند ذلك: من أنت يا هذا الذي أشغلتني عن مالي وأهلي وولدي فقد ارتعدت فرائصي من مخافتك.


1) لعل هذا الرجل قد كان عليه من الذنوب ما أراد الله تمحيصها عنه عند الموت ولذا رأى ملك الموت على تلك الصورة كما ترى أنه ما ذكر حضور الوصي (ع) عند موته وقد قامت به الضرورة، وفي الأمالي من صام أربعة وعشرين يوماً من رجب فإذا نزل به ملك الموت تراءى له في صورة شاب عليه حلة من ديباج أخضر على فرس من أفراس الجنان وبيده حرير أخضر ممثلاً بالمسك الأذفر وبيده قدح من ذهب مملوء من شراب الجنان فسقاه إياه عند خروج نفسه يهون عليه سكرات الموت، الخبر، نفس الرحمن.

فقال: أنا ملك الموت أتيتك لقبض روحك ولأنقلك من دار الدنيا إلى دار الآخرة، فقد انقضت مدتك من الدنيا، وجاءت منيتك.

كذلك يخاطبني إذا أتاني شخصان ولهما منظر أحسن ما يكون وما رأيت من وبينا هو الخلق أحسن منهما، فجلس أحدهما عن يميني والآخر عن شمالي فقالا: السّلام عليك أيها العبد ورحمة الله وبركاته، قد جئناك بكتابك فخذه الآن وانظر ما فيه.

فقلت لهما: من أنتما يرحمكما الله وأي كتاب لي أنظره وأقرأه؟

فقال: نحن الملكان اللذان كنا معك في دار الدنيا على كتفيك نكتب ما لك وما عليك فهذا كتاب عملك، فلما نظرت في كتاب حسناتي بيد الرقيب فسرّ لي ما فيه وما رأيت من الخير وفرحت وضحكت عند ذلك وفرحت فرحاً شديداً، ونظرت إلى كتاب السيئات وهو بيد العتيد فساءني ما رأيت وأبكاني، فقالا لي: أبشر فلك الخير.

ثم دنى مني الشخص الأوّل فجذب الروح فليس من جذبة يجذبها إلا وهي تقوم مقام كلّ شدّة من السّماء إلى الأرض، فلم يزل كذلك حتى صارت الروح في صدري، ثمّ أشار إلي بجذبة لو أنها وضعت على الجبال، لذابت فقبض روحي من عرنين أنفي فعلا من أهلي أهلي عند ذلك الصراخ وليس من شيء يقال أو يفعل إلا وأنا به عالم.

فلما اشتد صراخ القوم وبكاؤهم جزعاً علي التفت اليهم ملك الموت بغيض وحنق:وقال معاشر القوم منم بكاؤكم فوالله ما ظلمناه فتشكون ولا اعتدينا عليه فتصيحون وتبكون ولكن نحن وأنتم عبيد ربّ واحد ولو أمرتم فينا كما أمرنا فيكم لامتثلتم فينا كما امتثلنا فيكم والله ما أخذناه حتى فني رزقه وانقطعت مدته وصار إلى رب كريم يحكم فيه ما يشاء وهو على كلّ شيء قدير فان صبرتم أو جرتم وإن جزعتم أتمتم كم لي من رجعة إليكم آخذ البنين والبنات والآباء والأمهات.

ثم انصرف عند ذلك عني والروح معه فعند ذلك أتاه ملك آخر فأخذها منه وطرحها فی ثوب أخضر من الحرير وصعد بها ووضعها بين يدي الله في أقل من طبقة جفن.

فلما حصلت الزوح بين يدي ربي سبحانه سألها عن الصغيرة والكبيرة، وعن الصلاة والصيام في شهر رمضان وحج بيت الله الحرام وقراءة القرآن والزكاة والصدقات وسائر الأوقات والأيام وطاعة الوالدين وعن قتل النفس بغير الحق وأكل مال اليتيم ومال الربا والزنا والفواحش وعن مظالم العباد، وعن التهجد بالليل والناس نيام وما يشاكل ذلك، وما بعد ذلك رذت الزوح إلى الأرض بإذن الله تعالى.

فعند ذلك أتاني الغاسل فجردني من أثوابي وأخذ في تغسيلي فنادته الزوح بالله عليك يا عبد الله رفقاً بالبدن الضعيف فوالله ما خرجت من عرق إلا انقطع ولا من عضو إلا انصدع فوالله لو سمع الغاسل ذلك القول لما غسل ميتاً أبداً.

ثم انّه أجرى علي الماء وغسلني ثلاثة أغسال وكفّنني في ثلاثة أثواب وحنّطني بحنوط وهو الزاد الذي خرجت به إلى الآخرة، ثمّ جذب الخاتم من يدي اليمنى فدفعه إلى أكبر أولادي وقال: آجرك الله في أبيك وأحسن لك الأجر والعزاء.

ثمّ أدرجني في الكفن ولفني ونادى أهلي وجيراني وقال هلموا إليه بالوداع فقاموا عند ذلك لوداعي.

فلما فرغوا من وداعي حملت على سرير خشب وحملوني على أكتاف أربعة والرّوح عند ذلك بين وجهي وكفني واقفة على نعشي وهي تقول: يا أهلي وأولادي لا تلعب بكم الدنيا كما لعبت بي فهذا ما جمعته من حل ومن غير حلّ وخلفته بالهناءة والصحة فاحذروني فيه.

ولم أزل كذلك حتى وضعت للصلاة فصلّوا عليّ، فلما فرغوا من الصلاة وحملت إلى قبري أدليت فيه ثم رفعت روحي بين كتفي ووجهي أدنيت من قبري وطرحت على شفير القبر، فعاينت هولاً عظيماً.

يا سلمان يا عبد الله لما وضعت في قبري خيل لي أني سقطت السَّماء إلى الأرض

من في لحدي وشرج على اللبن وحتى على التراب وزاروني (1)وانصرفوا، فرجعت الروح إليّ فأخذت في الندم فقلت: يا ليتني كنت مع الراجعين.

فعند ذلك سلبت الرّوح من اللسان وانقلبت من السمع والبصر فلما نادى المنادي بالانصراف أخذت في الندم وبكيت من القبر وضيقه وضغطته وكنت قلت يا ليتني كنت مع الراجعين لعملت عملاً صالحاً فجاوبني مجيب من جانب القبر:

(كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَابِلَهَا وَمِن وَرَابِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 100].

فقلت من أنت يا هذا الذي تكلمني وتحدّثني؟ قال: أنا منبه قلت: وما منبه؟ قال: أنا ملك وكلني الله بجميع خلقه لانبههم بعد مماتهم ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بين يدي الله.

ثم إنه جذبني وأجلسني وقال لي اكتب عملك وما لك وما عليك في دار الدنيا، قلت:إني لا أحصيه ولا أعرفه قال أو ما سمعت قول ربّك: أحصاه الله ونسوه؟ ثم قال لي: اكتب الآن وأنا أملي عليك، فقلت: أين البياض؟ فجذب جانباً من كفني فإذا هو رقّ فقال: هذه صحيفتك، فقلت: من أين القلم؟ قال: سبّابتك، فقلت: من أين المداد؟ فقال: ريقك

ثم أملى علي جميع ما فعلته في دار الدنيا من أوّل عمري إلى آخره، فلم يبق من أعمالي صغيرة ولا كبيرة ثم تلى عليّ:


1) »واروني»في نسخة.

(لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أَحْصَنَهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضرا ولا يظلم ربك أحد الم) [الكهف: 49].

ثمّ إنّه أخذ الكتاب وختمه بخاتم وطوّقه في عنقي فخيل لي أن جبال الدنيا جميعاً قد

طوّقها في عنقي، فقلت له: يا منبه ولم تفعل بي هكذا؟ قال: ألم تسمع قول ربك:

(وَكُلَّ إِنسَن الزَّمَنَهُ طَبِيرُهُ فِي عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَباً يَلْقَتَهُ مَنشُورًا أقرأ كتبكَ كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: 13 - 14].

فهذا ما تخاطب به يوم القيامة ويؤتى بك وبكتابك بين عينيك منشوراً لتشهد به على نفسك.

ثم انصرف عني فبقيت أبكى على نفسي على حسرة الدنيا وأقول: يا ليتني عملت خيراً حتى لا يكتب عليّ شرّ.

فبينا أنا كذلك وإذا أنا بملك منكر أعظم منظراً وأهول شخصاً ما رأيته في الدنيا، ومعه عمود من الحديد لو اجتمعت عليه الثقلان ما حزكوه فراعني وأفزعني وهددني ودنا مني فجذبني بلحيتي، ثم انه صاح بي صيحة لو سمعها أهل الأرض لماتوا جميعاً ثم قال لي: يا عبد الله أخبرني من ربّك ومن نبيك وما دينك وما كنت عليه في دار الدنيا؟ فاعتقل لساني من فزعه وتحيّرت في أمري وما أدرى ما أقول وليس في جسمي عضو إلا فارقني من الفزع وانقطعت أعضائي وأوصالي من الخوف.

فأتتني رحمة من ربّي فأمسك بها في قلبي وشدّ بها ظهري واطلق بها لساني ورجع إليّ ذهني فقلت له عند ذلك: يا عبد الله لم تفزعني وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأن الله ربي ومحمد نبيّي والإسلام ديني والقرآن كتابي والكعبة قبلتي وعلي إمامي وبعده أولاده الطاهرون أئمتي، والمؤمنين إخواني وأن الموت حق والسؤال حق والضراط حق والجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من القبور فهذا قولي واعتقادي وعليه القى ربّي في معادي.

فعند ذلك قال لي: يا عبد الله أبشر بالسلامة فقد نجوت منّي فنم نومة العروس ثم مضى عني.

ثم أتاني شخص أهول منه يعرف بنكير، فصاح صيحة هائلة أعظم من الصيحة الأولى، فاشتبكت أعضائي بعضها في بعض كاشتباك الأصابع، ثم قال لي: هات الآن عملك يا عبد الله وما خرجت عليه من دار الدنيا ومن ربّك ومن نبيك وما دينك؟ فبقيت حائراً متفكّراً في رد الجواب لا أعرف جواباً ولا أنطق بخطاب لما رأيت وسمعت منه.

فعند ذلك صرف الله عنّي شدّة الروع والفزع وألهمني حجّتي وحسن التوفيق واليقين فقلت: ارفق بي ولا تزعجني يا عبد الله وامهل علي حتّى أقول لك، فقال: قل فقلت: إني خرجت بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة الطاهرين من ذريته أئمتي وأنّ الموت حق والقبر حق والصراط حق والميزان حق والحساب حق ومساءلة منكر ونكير، حق وأن الجنة وما وعده الله فيها من النعيم حق وأنّ النار وما وعد الله من العذاب حق وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.

ثم قال لي: يا عبد الله أبشر بالنعيم الدّائم والخير المقيم ثمّ إنّه أضجعني وقال: نم نومة العروس، ثمّ انه فتح لي باباً من عند رأسي إلى الجنّة وباباً من عند رجلي إلى النار ثم قال لى يا عبد الله انظر إلى ما صرت إليه في الجنّة وإلى ما نجوت منه من نار الجحيم، ثمّ الباب التي من عند رجلي وأبقى الباب الذي هو من عند رأسي فجعل يدخل عليّ من روح الجنة ونعيمها وأوسع لحدي مد البصر (1)واسرج لي سراجاً أضواً من الشمس والقمر وخرج عني.

فهذه صفتي وحديثي وما لقيته من شدّة الأهوال وأنا أشهد بالله أن مرارة الموت في حلقي إلى يوم القيامة، فراقب الله أيها السائل من رفعة المسائل وخف من هول المطلع وما قد ذكرته هذا الذي لقيته وأنا من الصالحين ثم انقطع عند ذلك كلامه عن سلمان.

فقال سلمان للأصبغ ومن كان معه: هلموا إلي واحملوني، فلما وصل إلى منزله قال: حطوني رحمكم الله، فلما حططناه إلى الأرض وشهدناه فقال: اسندوني، ثم رمق بطرفه إلى السماء وقال: يا من بيده ملكوت كلّ شيء وإليه يرجعون وهو يجير ولا يجار عليه بك آمنت وعليك توكلت وبنبيك أقررت وبكتابك صدقت، وقد أتاني ما وعدتني يا من لا يخلف الميعاد فلقني جودك، وأقبضني إلى رحمتك وأنزلني إلى دار كرامتك فإني أشهد الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأن علياً أمير المؤمنين والأئمة من ذريته أثمتي وساداتي فلما أكمل شهادته قضى نحبه ولقى ربه رضي الله تعالى عنه.

فقال: بينما نحن ذلك إذ أتى رجل على بغلة شهباء متلثماً فسلّم علينا فرددنا السّلام عليه فقال: يا أصبغ اجهدوا في أمر سلمان، فأخذنا في أمره فأخذ معه أمره فأخذ معه حنوطاً وكفناً فقال هلموا فإن عندي ما ينوب عنه، فأتيناه بماء ومغسل، فلم يزل يغسله بيده حتى فرغ وكفنه وصلّى عليه فصلّينا خلفه، ثمّ إنّه دفنه بيده


1) في نسخة: ومضى عني وأنا يا سليمان لم أجد عند الله شبئاً يحبه الله أعظم من ثلاثة: صلاة الليلة شديدة البرد، وصوم يوم شديدة الحر، وصدقة بيمينك لا يعلم بها شمالك.

فلما فرغ من دفنه هم بالانصراف تعلّقنا به وقلنا له من أنت يرحمك الله؟ فكشف لنا عن وجهه فسطع النور من ثناياه كالبرق الخاطف فإذا هو أمير المؤمنين فقلت له يا أمير المؤمنين كيف كان مجيوك ومن أعلمك بموت سلمان؟

قال: فالتفت إليّ وقال: أخذ عليك يا أصبغ عهد الله وميثاقه وأنك لا تحدّث به أحداً ما دمت حياً في دار الدنيا، فقلت يا أمير المؤمنين أموت قبلك فقال: لا يا أصبغ بل يطول عمرك، قلت له يا أمير المؤمنين خذ عليّ عهداً وميثاقاً فإنّي لك سامع مطيع اني لا أحدّث به حتى يقضى الله من أمرك ما يقضي وهو على كل شيء قدير.

فقال يا أصبغ بهذا عهد لي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإني قد صليت هذه الساعة بالكوفة وقد خرجت أريد منزلي فلما وصلت إلى منزلي اضطجعت فأتاني آت في منامي وقال: يا علي إنّ سلمان قد قضى نحبه فركبت بغلتي وأخذت معي ما يصلح للموتى فجعلت أسير فقرب الله لي البعيد كما تراني، وبهذا أخبرني رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم انه دفنه وواراه فلم أره أصعد إلى السماء أم في الأرض نزل، فأتى الكوفة والمنادي ينادي بصلاة المغرب فحضر عندهم(1).

وهذا ما كان من حديث وفاة سلمان الفارسي (ره) على التمام والكمال والحمد لله حق حمده وقد رويت الخبر على طوله لاقتضاء المقام ذلك من حيث اشتماله على كثير من أحوال الميت وأهوال البرزخ المسوق لها هذا الفصل من كلامه، وأوردت ذيله مع خروجه عن مقتضى المقام لأني إن ساعدني التوفيق إن شاء الله أورد في شرح باب الكتب والوصايا مبدأ أمر سلمان وكيفية اسلامه وبعض مناقبه فأحببت أن أورد هنا مآل أمره ومنتهاه ليطلع الناظر في الشرح على بداية حاله ونهايته مع ما فيه من إعجاز عجيب لأمير المؤمنين سلام الله عليه وعلى آله الطيبين هذا.

ولا يخفى ما في هذه الرّواية من”الكفاية»للمهتدي الطالب”للرشاد”، بما فيها من التنبيه الإيقاظ من الغفلة، والرقاد، فان هذا الميت مع كونه ممن ألهمه الله الخير والصلاح وكونه من أهل السعادة والفلاح إذا كان حاله ذلك، ومصير أمره كذلك فكيف بنا ونحن المنهمكون في الشهوات والمستغرقون في بحار السيئات.

تروّعنا الجنائر مقبلات *** و نهلو حین تذهب مدبرات

کروعة ثلة المغار ذئب *** فلمّا غاب عادت راتعات

اشتغلنا ببدوات الخواطر، ونسينا الله واليوم الآخر، وغفلنا عن أخذ الزاد ليوم المعاد،


1) البحار (380/22، هذه الرواية كما ترى صريحة في أن وفات سلمان رضي الله عنه كان أيام خلافة أمير المؤمنين (ع) بالكوفة والمستفاد من الروايات الأخر أن وفاته كان عند كونه (ع) بالمدينة ولعلنا نشير إلى تلك في أواخر الشرح إن ساعدنا التوفيق إن شاء الله، منه.

ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب بكثرة المعاصي والذنوب فليس لنا خلاص ومناص ولا معاذ ولا ملاذ، ولامطمع ولا رجاء إلا في بحر الكرم والجود والتفضل من واجب الوجود.

ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت رجائي نحو عفوك سلّما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربّي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل *** تجود وتعفو منة وتكرماً

الترجمة

تنزیه میکنم تو را تنزیه کردنی در آن حال که آفریننده مخلوقاتی و معبود، موجودات به سبب حسن امتحان خود در حین، افریدن، افریدی خانه ای را که عبارت است از خانه آخرت و مهیا نمودی در آن مهمانی را شرابی و طعامی و زنانی و خدمتگذارانی و غرفههای رفیعه و نهرهای لطیفه و زراعتهای خوب و میوههای مرغوب بعد از آن فرستادی دعوت کننده ای را که میخواند مردمان را به سوی آن،پس این مردمان نادان، نه دعوت کننده را اجابت نمودند اجابت نمودند و نه در آنچه ترغیب نمودی راغب شدند و نه به سوی آنچه که مشتاق نمودی به سوی آن شایق گشتند.

روی آوردند بر جیفه دنیای غدّار در حالتی که مفتضح و رسوا شدند به سبب خوردن آن و اتفاق و آشتی کردند بر دوستی آن و هر که عاشق گشت به چیزی پرده کشید آن چیز چشم او را و ناخوش گردانید قلب او را پس او نظر می کند با چشم ناصحیح و میشنود با گوش ناشنوا در حالتی که دریده و پاره کرده شهوات دنیویه عقل او را و کشته دنیای دنی قلب او را و واله و شیفته شده بر دنيا نفس او.

پس آن آن محبّ دنیا بنده دنیا است و بنده کسی است که در دستهای آن چیزی است از متاع، دنیا هر کجا که گردید، دنیا گردید آن شخص به سوی آن و هر کجا

ان که روی آورد، دنیا روی نهاد او بر حالتی که منزجر نمیشود از خدا زجر کننده متعظ نمیشود از حق تعالی به موعظه نماینده و حال آنکه کسانی را که گرفتار شدند در حالت غفلت و مغروری در مکانی که نیست هیچ فسق

و اقاله مرایشان را و نه رجوع و بازگشتنی در حق، ایشان چگونه نازل شد به ایشان چیزی که جاهل بودند به آن و آمد مالشان در مفارقت دنیا چیزی که خاطر جمع بودند از آن و آمدند از آخرت بر آنچه که بودند که وعده داده می شدند به آن.

پس قابل وصف و تعریف نیست چیزی که نازل شد به آنها، جمع شد برایشان سختی و شدّت مرگ و حسرت و پشیمانی، وفات پس سست گشت از جهت سكرات موت اعضاء ایشان و تغییر یافت از جهت آن رنگهای ایشان.

بعد از آن افزون شد مرگ در ایشان از حیثیت، دخول،پس حایل شد میان

هريك از ایشان و میان سخن گفتن او و به درستی که او در میان اهل خود نگاه می کند به دیده خود و میشنود به گوش خود بر صحت عقل خود و باقی بودن ادراك خود، تفکر کند که در چه چیز فانی کرد عمر خود را و در چه چیز گذرانید روزگار خود را و به یاد می آورد مالهایی را که جمع نمود آنها را و اغماض نمود در مواضع طلب آنها و اخذ نمود آنها را از جاهایی که واضح و روشن بود حلّیت آن و از جاهای شبهه ناک آنها، به تحقیق لازم شد او را گناههای جمع آوری آنها و مشرف شد بر مفارقت آنها باقی می ماند آنها از برای پس ماندگان او در حالتی که منعم میشوند بر شوند بر آنها و متمتع می باشند به آنها پس باشد گوارایی آن اموال از برای غیر او و بارگران و وزر و وبال آنها بر پشت او و حال آنکه آن مرد بسته شده گروهای او به سبب آن مالها.

پس او گزد دندان خود را از روی ندامت و پشیمانی بر آنچه که ظاهر شد به او در حین مرگ از امر خود و ترك رغبت میکند در آنچه که راغب بود در آن در مدت عمر خود و آرزو میکند اینکه کاشکی آن شخصی که غبطه مینمود به او به سبب آن اموال و حسد می برد بر او در آنها آن شخص حیازت نمودی و جمع می کردی آنها را نه او.

پس همیشه مرگ ثابت بود مبالغه میکرد در بدن او تا آنکه آمیخته شد به قوه ناطقه او سامعه، او پس گردید در میان اهل خود به حیثیتی که قادر نبود سخن بگوید با زبان خود و نه بشنود با گوش خود در حالتی که گرداند چشم خود را به نگاه کردن در رویهای ایشان بیند حرکتهای زبانهای ایشان را و نمی شنود تردید سخنان و جواب باز دادن ایشان را.

پس از آن زیاده آن زیاده میشود مرگ در حیثیت چسبیدن به او پس اخذ کند چشم او را همچنانکه قبض نمود گوش او را و خارج شود روح از تن او پس گردد جیفه و مرداری در میان اهل خود در حالتی که وحشت کنند از جانب او و دوری جویند از نزدیکی او و موافقت نمی کند گوینده خود را و جواب نمیتواند بدهد بر خواننده خود.

پس از آن بردارند او را به سوی منزل او در، زمین پس سپارند او را در آن منزل به عمل خودش و بریده شوند از زیارت کردن او.

شارح فقير كثير التقصیر میگوید که مخفی نماند کفایت این کلام بلاغت نظام در مقام وعظ و تذکیر و انذار و تحذیر و هدایت سرگشتگان بادیه ضلالت و نجات دادن غرق شدگان دریای غفلت را؛ ولنعم ما قيل:

دلا يك دم از خواب بیدار شو زسرمستی کبر هشیار شو

به عبرت نظر کن سوی رفتگان که فردا شوی عبرت دیگران

بزرگی که سودی بگردون سرش نگه کن که چون خاک شد پیکرش

ز دور زمان نگذرد اندکی که خواهی تو هم بود از ایشان یکی

الفصل الثالث

» إِذا بَلَغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، والأَمْرُ مَقاديرَهُ، وأُلْحِقِّ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوْلِهِ، وجاءَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ما يُريدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ، أَمادَ السَّماءَ وفَطَرَها، وأَرْجُ الأَرْضَ وأَرْجَفَهَا، وَقَلَعَ جِبَالَها وَنَسَفَها، ودَكَ بَعْضُها بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلالِهِ، ومَخُوفِ سَطْوَتِهِ، وأَخْرَجَ مَنْ فيها، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاقِهِمْ وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفْريقِهِمْ، ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِما يُريدُ مِنْ مَسأَلَتِهِمْ: عَنْ خَفايَا الأَعْمَالِ، وحَبايَا الأَفْعَالِ، وجَعَلَهُمْ فَريقَينِ: أَنْعَمَ عَلى هؤلاءِ، وَانْتَقَمَ مِنْ هؤلاء.

فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ، فَأَثَابَهُمْ بِجَوارِهِ، وخَلَدَهُمْ في دارِهِ، حَيْثُ لا يَظْعَنُ النَّزَّالُ، ولا يَتَغَيَّرُ لَهُمُ الحال، ولا تَنُوبُهُمُ الأفزاع، ولا تَنالُهُمُ الأَسْقَامُ، ولا تَعْرِضُ لَهُمُ الأَخْطَارُ، ولا تُشْخِصُهُمُ الأَسْفَارُ، وأمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارِ، وغَلَّ الأَيْدِي إِلَى الأَعْنَاقِ، وقَرَنَ النَّوَاصِيَ بالأَقْدَام، وأَلْبَسَهُمْ سَرابيلَ الْقَطِرانِ ومُقَطَّعاتِ النِّيرانِ في عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ، وباب قَدْ أَطْبَقَ عَلَى أَهْلِهِ، في نارٍ لَها كَلَبٌ ولَجَبٌ، ولَهَبْ ساطِعٌ، وقَصيفٌ هائِلٌ لا يَطْعَنُ مُقيمها، ولا يُفادَى أسيرُها، ولا تُفْصَمُ،كُبُولُهَا لا مُدَّةَ لِلدّارِ فَتَفْنَى، ولا أَجَلٌ لِلْقَوْم فَيُقْضَى»(1).

اللغة

(الكتاب) بمعنى المكتوب من كتب بمعنى حكم وقضى يقال كتب القاضي بالنفقة و (ماد) يميد ميداً وميداناً تحرّك وأماده حرّكه، وفي بعض النسخ أمار، والموران، الحركة (وأرج) الأرض زلزلها أرجّت الأرض وأرخها الله يستعمل لازماً ومتعدّياً وفي بعض النسخ ورج الأرض بغير همز وهو الأفصح المطابق لقوله تعالى إذا رجت الأرض رجاً، و (الرجفة) الزلزلة الشديدة و (نسفها) قلعها من أصولها.

وقوله: (بعد إخلاقهم) في بعض النسخ بفتح الهمزة وفي بعضها بالكسر من خلق الثوب بالضم إذا بلى فهو خلق بفتحتين وأخلق الثوب بالألف لغة وأخلقته يكون الرباعي لازماً ومتعدّياً هكذا»في”المصباح”، وقال الطريحي: وثوب أخلاق إذا كانت الخلوق فيه كله، و (ظعن) طعناً وظعناً من باب نفع سار وارتحل، ويتعدّي بالهمزة وبالحرف يقال أظعنته وظعنت به و (الأخطار) جمع الخطر محركة كأسباب وسبب وهو الإشراف على الهلاك وخوف التلف

و (شخص) يشخص من باب منع خرج من موضع إلى غيره ويتعدّى بالهمزة فيقال


1) عيون الحكم والمواعظ: 544، ونهج السعادة: 656/2.

291

أشخصته، و (السّربال) القميص، و (القطران) بفتح القاف وكسر الطاء وبها قرأ السبعة في قوله تعالى سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ [إبراهيم: 50]، وربما يكسر القاف ويسكن الطاء وهو شيء أسود لزج منتن يطلى به الإبل.

و (المقطعات) الثياب التي تقطع وقيل: هي قصار الثياب و (الكلب) محركة الشدة

ويقال كلب الذهر على أهله إذا الح عليهم واشتذ و (اللجب) بالتحريك أيضاً الصوت و ( القصيف) الصوت الشديدة و (تفصم) بالفاء من انفصم وهو كسر الشيء من غير ابانة وفي بعض النسخ بالقاف وهو الكسر مع ابانة، و (الكبول) جمع الكبل كفلس وفلوس وهو القيد يقال كبلت الأسير وكبلته إذا قيدته فهو مكبول ومكبل قال الشاعر:

لم يبق إلا أسير غير منقلب *** وموثق في عقال الأسر مكبول

الإعراب

قوله: فأما أهل الطاعة فأثابهم بجواره (أما) حرف شرط وتفصيل وتوكيد أما أنها شرط فبدليل لزوم الفاء بعدها، وأما أنها تفصيل فلكونها مكرّرة غالباً قال تعالى: (وأَمَا السَّفِينَةُ فكانتْ لِمَسَكِينَ ﴾ [الكهف: 97]، وَأَمَّا الْغُلَامُ [الكهف: 80]، (وَأَمَّا الْجِدَارُ ﴾ [الكهف: 82] الآيات، وأما أنها مفيدة للتوكيد فقد أفصح عنه الزمخشري حيث قال: فائدة أما في الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنّه بصدد الذهاب وأنه منه على عزيمة تقول: أما زيد، فذاهب ولذلك قال سيبويه في تفسيره مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، فهذا التفسير مفيد لفائدتين: بيان كونه تأكيداً، وأنه في معنى معنى الشرط

وقوله: ( حيث لا يظعن النزال)، (حيث) ظرف مكان بدل من قوله في، داره وهي من الظروف الواجب الإضافة إلى الجمل ومبنية على الضم أما بناؤها فلأنها مضافة في المعنى إلى المصدر الذي تضمنته الجملة إذ معنى جلست حيث جلس زيد جلست مكان جلوسه وإن كانت في الظاهر مضافة إلى الجملة فاضافتها إليها كلا اضافة فشابهت الغايات المحذوف ما أضيفت إليها فلهذا بنيت على الضم كالغايات.

قال نجم الأئمة الرّضي: واعلم أن الظرف المضاف إلى الجملة لما كان ظرفاً للمصدر الذي تضمنته الجملة على ما قررنا لم يجز أن يعود من الجملة إليه ضمير فلا يقال آتيك يوم قدم زيد فيه، لأَن الربط الذي يطلب حصوله من مثل هذا الضمير حصل باضافة الضمير إلى الجملة وجعله ظرفاً لمضمونها، فيكون كأنك قلت يوم قدوم زيد فيه أي في اليوم وذلك غير مستعمل وإنما وجب الربط لما لم يكن الظرف مرتبطاً بأن كان منوناً نحو يوماً قدم فيه زيد قال تعالى: (يوم تسود وجوه) وقد يقول العوام يوم تسود فيه الوجوه ونحوه، وهو شاذ

وبذلك ظهر عدم الحاجة إلى الضمير في قوله حيث لا يظعن النزال فان معناه مكان عدم ظعن النزال فافهم ذلك فانّه ينفعك في كثير من المقامات الآتية.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) متضمّن لبيان حال العباد في المعاد وكيفية محشر ومنشرهم وبعثهم وجمعهم وإثابة المطيعين منهم وعقاب العاصين وأكثر ما أورده (عَلَيهِ السَّلَامُ) هنا مطابق لآيات الكتاب الكريم والقرآن الحكيم حسبما تطلع عليه فيما يتلى عليك فأقول: قوله: (حتى إذا بلغ الكتاب أجله والأمر مقاديره) أراد بالكتاب ما كتبه الله تعالى سبحانه وقضاه في حق الناس من لبثهم في القبور إلى يوم الحشر والنشور وبالأمر (1)الأمورات المقدّرة الحادثة في العالم السفلي المشار إليها بقوله تعالى:

وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَاتُهُ وَمَا نُنَزِّلَهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: 21]. فالمعنى أنه إذا بلغ المقضى في حق العباد غايته ونهايته في الأمورات المقدرة مقاديرها المعلومة وحدودها المعينة التي اقتضت الحكمة الإلهية والتدبير الأزلي بلوغها إليها (وألحق آخر الخلق بأوله) أي انتزعوا جميعاً عن الدنيا وأحاط بهم الموت والفنا واجتمعوا في القبور بعد سكنى القصور (وجاء من أمر الله وحكمه (ما بريده من تجديد خلقه) أي بعثهم وحشرهم (أماد السماء وفطرها) أي حركها وشقها وهو إشارة إلى خراب هذا العالم.

و به نطق قوله سبحانه يوم تمور السّماء موراً، أي تضطرب وتموج وتتحرك، وفي سورة المزمل: السَّمَاءُ مُنفَطِرُ بِهِ كَانَ وَعْدُرُ مَفْعُولًا ﴾ [المزمل: 18]، قال الطبرسي: المعنى أن السماء تنفطر وتنشق في ذلك اليوم من هوله وفي سورة الإنفطار: إذا السماء انفطرت، قال الطبرسي تشققت وتقطعت.

(وأرج الأرض وأرجفها) أي حرّكها وزلزلها كما قال تعالى في سورة الواقعة: إذا رجت الأرض رجاً، قال الطبرسي أي حركت حركة شديدة، وقيل زلزلت زالزالاً شديداً، وقيل معناه رجت بما فيها كما يرج الغربال بما فيه فيكون المراد ترج بإخراج من في بطنها من الموتى، وفي سورة النازعات: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ [النازعات: 6- 7]، قيل أي تضطرب الأرض اضطراباً شديداً وتحرك تحرّكاً عظيماً يعني يوم القيامة تتبعها الرادفة أي اضطرابة اخرى كائنة بعد الأولى في موضع الردف من الراكب فلا تزال تضطرب حتى تفنى كلها.)


1) وقد تقدم في شرح الفصل التاسع من الخطبة الأولى في بيان معنى قوله (ع) ومختلفون بقضائه وأمره، ما ينفعك ذكره في المقام فليراجع منه.

(وقلع جبالها ونسفها وهو موافق لقوله تعالى في سورة طه:)وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نسفا * فيذرُهَا قَاعًا صفصفا ما لا تركى فيها عوجا ولا َمْنَا [ طه: 105 - 107].قال الطبرسي: أي ويسألك منكر والبعث عند ذكر القيامة عن الجبال ما حالها فقل: يا محمّد ينسفها ربّي نسفاً، أي يجعلها ربّي بمنزلة الرّمل، ثمّ يرسل عليها الرياح فيذريها كتذرية الطعام من القشور والتراب فلا يبقى على وجه الأرض منها شيء وقيل يصيرها كالهباء، وقيل إنّ رجلاً من ثقيف سأل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كيف تكون الجبال يوم القيامة مع عظمها؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن الله يسوقها بأن يجعلها كالرمال ثمّ يرسل عليها الرياح فتفرقها فيذرها، أي فيدع اماكنها من الأرض إذا نسفها، قاعاً أي أرضاً، ملساء، وقيل منكشفة، صفصفاً، أي أرضاً مستوية ليس للجبل فيها أثر، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً أي ليس فيها منخفض ولا مرتفع (1).)وفي سورة الواقعة: ﴿وَيُسَتِ الْجِبَالُ بَساه فَكَانَتْ هَبَاءً مننا [الواقعة: 5 - 6].)أي فتت فتاً أو كسرت كسراً، فكانت غباراً متفرقاً كالذي يرى من شعاع الشمس إذا دخل من الكوّة وفي سورة المزمل:(يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الجَبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلا [المزمل: 14].)قال الطبرسي: أي رملاً سائلاً مستأثراً عن ابن عباس وقيل: المهيل الذي إذا وطأه القدم زل من تحتها وإذا أخذت اسفله انهار أعلاه عن الضحاك والمعنى أن الجبال تنقلع من أصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل ودك بعضها بعضاً من هيبة جلاله ومخوف سلطنته، ويشهد به قوله سبحانه في سورة الحاقة:(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا وَكَةً وَاحِدَةٌ * فَيَوْمَيذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)الحاقة: [13- 15].أي رفعت الأرض والجبال من أماكنها وضرب بعضها ببعض حتى تفتت الجبال وسفتها الرّياح وبقيت الأرض شيئاً واحداً لا جبل فيها ولا رابية بل تكون قطعة مستوية، وقال علي بن إبراهيم القمي في تفسيرها قد وقعت فدك بعضها على بعض، وقال الطبرسي أي كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى يستوي ما عليها من شيء مثل الأديم الممدود.(واخرج من فيها فجددهم بعد إخلاقهم أي بعد كونهم خلقاً بالياً أو بعد جعله لهم كذلك (وجمعهم بعد تفريقهم) يحتمل أن يكون المراد به جمع اجزائهم بعد تفتتهم وتأليف أعضائهم بعد تمزيقهم وجمع نفوسهم في المحشر بعد تفرقهم في مشارق الأرض ومغاربها)


1) بحار الأنوار: 74/7، وتفسير مجمع البيان: 56/7.

والثاني أظهر (ثم ميزهم لما يريد من مساءلتهم عن خفايا الأعمال وخبايا الأفعال أي أعمالهم التي فعلوها في خلواتهم (وجعلهم فريقين أنعم على هؤلاء) وانتقم من هؤلاء كما قال تعالى:)(و إِنَّ الْأَبْرَار لَفِي نَعِيمِ * وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَمِير [الانفطار: 13 - 14] وفي سورة الرعد مثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتَهَا الأَنْهَرُ أَكُلُهَا دَابِرُ وَظَلُّهَا تِلْكَ عُقْيَ الَّذِينَ اَتَّقُواْ وَعُقْيَ الْكَفِرِينَ النَّارُ [الرعد: 35]. وإليه أشار بقوله (فأما أهل الطاعة) والسعادة (فاثابهم بجواره) وقربه (وخلدهم في داره) الإضافة للتشريف والتكريم وفيها تشويق وترغيب إلى هذه الدار لا سيما وانها دار خلود (حيث لا يظعن النزال) أي لا يرتحل النازلون فيها عنها ولا يجوز عليهم الانتقال دار سلامة واستقامة، (ولا يتغير لهم الحال) دار أمن وكرامة (ولا تنوبهم الإفزاع) دار صحة وعافية، (ولا تنالهم الاسقام) دار سرور ولذة (ولا تعرض لهم الأخطار) دار، استراحة، (ولا تشخصهم الأسفار) وفي هذه كلها إشارة إلى سلامة أهل الجنان من الهموم والأحزان، وآفات الأجساد والأبدان، وطوارق المحن والبلاء العارضة لأهل الدنيا، وفيها حسبما أشرنا إليه حث وترغيب إليها وإلى المجاهدة في طلبها.

فتنبه أيها المسكين من نوم الغفلة واستيقظ من رقدة الجهالة، وعليك بالمجاهدة والتقوى، ونهى النفس عن الهوى لتصل إلى تلك النعمة العظمى وتدرك الجنة التي عرضها الأرض والسموات العلى وتفكر في هلها وساكنيها.

(تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَمُهُ مِسْدٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 24 - 26].

جالسين على منابر الياقوت الأحمر في خيام من اللؤلؤ الزطب الأبيض فيها بسط من العبقري الأخضر متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل محفوفة بالغلمان والولدان مزيّنة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن الياقوت والمرجان لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان يمشين في درجات الجنان وإذا اختالت احداهن في مشيها حمل أعطافها سبعون ألفاً من الولدان عليها من طرائف الحرير ما تتحير فيه الأبصار مكللات بالتيجان المرصعة باللؤلؤ والمرجان مشكلات غنجات عطرات آمنات من الهرم والبؤس وحوادث الزمان مقصورات في الخيام في قصور من الياقوت بنيت وسط روضات الجنان قاصرات الطرف عين ثم يطاف عليهم وعليهن بأكواب وأباريق وكأس من معين بيضاء لذة للشاربين، ويطوف عليهم ولدان مخلدون كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون، في مقام أمين في جنّات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يرهقهم قتر ولا ذلّة بل عباد مكرمون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومن ريب المنون، امنون خالدون فيها ويأكلون من أطعمتها ويشربون من أنهارها لبناً وخمراً وعسلاً مصفى، وأي أنهار أراضيها من فضة بيضاء

وحصائها مرجان، ويمطرون من سحاب من ماء النسرين على كثبان الكافور ويجلسون على أرض ترابها مسك أذفر، ونباتها زعفران.

فيا عجباً لمن يؤمن بدار هذه صفتها، ويوقن بأنه لا يموت أهلها ولا تحل الفجائع بمن نزل بساحتها، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها كيف يأنس بدار قد اذن الله في خرابها، ونودي بالرحيل، قطانها والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من البلاء، والموت وسائر، الحدثان، لكان جديراً بأن يهجر الدنيا بسببها ولا تؤثر عليها مع كون التنغص والتصرم من ضروراتها فان نعم الدنيا زائلة كلها فانية ونعم الجنة دائمة باقية، وأهل الدنيا كلّهم متنغصون، هالكون وأهل الجنة منعمون آمنون.

قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ينادي منادياً أهل الجنة ان لكم ان تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وان لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبداً وانّ لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً (1)، فذلك قول الله عزّ وجل:

وَنُودُوا أَن يَلكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: 43]. (وأما أهل المعصية) والشقاوة (فانزلهم شردار) وبئس القرار (وغل الأيدي إلى الأعناق) باغلال وسلاسل من نار قال سبحانه:

(وإذِ الأَظْلَلُ فِي أَعْتَقِهِمْ وَالسَلَسِلُّ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) [غافر: 71 -

72]وفي سورة يس: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ [يس: 8].

قال الطبرسي: يعني أيديهم كنّى عنها وإن لم يذكرها لأن الأعناق والأغلال تدلان

عليها، وذلك أن الغل انما يجمع اليد الى الذقن والعنق ولا يجمع الغلّ العنق إلى الذقن وروى عن ابن عباس وابن مسعود إنهما قرءا إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً، وقرأ بعضهم في أيديهم، والمعنى في الجميع، واحد لأن الغلّ لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون العنق، وقوله: فهم مقمحون (2)، أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم ورفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعداً فهم مرفوعو الرّأس برفع الأغلال إيَّاها.

وجعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يس: 9].

إشارة إلى ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدماً ولا متأخراً إذ سذ عليهم جوانبهم فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار.


1) المعجم الصخير: 79/1، ومسند أحمد: 319/2.

2) المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه ويقال: قمح البعير إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء، مجمع البان.

(وقرن النواصي بالأقدام) بالأغلال والأصفاد كما قال تعالى في سورة الرحمن:

(يُعرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَمِي وَالْأَقْدَامِ) [الرحمن: 41].

قال الطبرسي في تفسيره: تأخذهم الزبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغلّ ثمّ يسحبون في النار ويقذفون فيها (وألبسهم سرابيل القطران) كما قال عز من قائل في سورة إبراهيم:

وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن فَطِرانِ ﴾ [إبراهيم: 49 - 50].

قال المفسر وهو ما يطلى به الإبل الجربي فيحرق الجرب والجلد، وهو شيء أسود لزج منتن يطلون به فيصير كالقميص عليهم ثم يرسل النار فيهم ليكون أسرع إليهم وأبلغ في الاشتعال وأشدّ في العذاب وقيل السّربال من قطران تمثيل لما يحيط بجوهر النفس من المهلكات الردية والهيئات الموحشات المؤلمة”ومقطعات النيران»قيل: المقطعات كلّ ثوب يقطع كالقميص والجبة ونحوهما لا ما لا يقطع كالإزار والرداء، ولعلّ السرّ في كون ثياب أهل النار مقطعات كونها أشدّ في العذاب لاشتمالها على جميع البدن وفي”مجمع البيان»في تفسير قوله:

فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِعَتْ هُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ [الحج: 19].

قال ابن عباس: حين صاروا إلى جهنّهم لبسوا مقطعات النيران، وهي الثياب القصار وقيل يجعل لهم ثياب نحاس من نار وهي أشد ما تكون حمى، وقيل إنّ النّار تحيط بهم كاحاطة الثياب التي يلبسونها”في عذاب قد اشتد حره وباب قد أطبق على أهله»لكونهم في العذاب مخلّدين وفي النار، محبوسين، ومن خروج الباب ممنوعين، فالأبواب عليهم مغلقة، وأسباب الخروج بهم منقطعة قال سبحانه:

(كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَدٍ أَعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج: 22].

قال الحسن: ان النار ترميهم بلهبها حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة فذلك قوله: (كلما أرادوا) الآية، وأما أهل الجنة فأبوابها عليهم مفتوحة كما قال تعالى:

(و هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَشَابِ جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ لَهُمُ الْأَبْوَابُ ﴾ [

ص: 49 - 50].

(في نار لها كلب ولجب ولهب ساطع) أي لها شدّة وصوت واشتعال مرتفع (وقصيف هائل) أي صوت شديد مخوف (لا يظعن مقيمها) بل كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها

وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (ولا يفادي أسيرها) أي لا يؤخذ عنه الفدية فيخلص كاسراء الدنيا (ولا تفصم كبولها) وقيودها بل هي وثيقة محكمة (لامدة للدار فتفنى ولا أجل للقوم فيقضى) بل عذابها أبدي سرمدي.

قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيذبح بين الجنّة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود بلا، موت ويا أهل النار خلود بلا موت (1).

فيا أيها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المؤذنة بالزوال والانقضاء، دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه واصرف الفكر إلى موردك ومصيرك وقد أخبرت بأن النار مورد للجميع إذ قيل:

(وإن منكم إلا واردها كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيّا * ثُمَّ نعى الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جیا) [مريم: 71 - 72].

فأنت من الورود على يقين ومن النّجاة في شك، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه، وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفاً ينتظرون حقيقة أنبائها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب وأظلت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيراً وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالهلاك والعطب، وجئت الأمم على الركب، حتى أشفق البراء من سوء المنقلب وخرج المنادي من الزبانية قائلاً أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدنيا بطول الأمل المضيع عمره في سوء العمل فيبادرونه بمقامع من حديد ويستقبلونه بعظائم التهديد ويسوقونه إلى العذاب الشديد، وينكسونه في قعر الجحيم، ويقولون له: ذق انك أنت العزيز الكريم.

فاسكنوا داراً ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، شرابهم فيها الحميم، ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، ومآلهم منها فكاك قد شدّت أقدامهم إلى النواصي واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي.

ينادون من اكنافها ويصيحون في أطرافها يا مالك قد حق علينا الوعيد يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود يا مالك أخرجنا منها فانا لا نعود فتقول أمان لا خروج لكم من دار الهوان فاخسأوا فيها ولا تكلمون ولو الزبانية لات حين اخرجتم لكنتم إلى ما نهيتم عنه، تعودون فعند ذلك يقنطون وعلى ما فرطوا في جنب الله


1) شرح أصول الكافي: 159/12، وبحار الأنوار: 149/7.

يتأسفون، ولا يغنيهم الأسف ولا ينجيهم الندم، إذ زلّت بهم القدم، بل يكبون على وجوههم مغلولين النار من فوقهم والنار من تحتهم والنار عن إيمانهم، والنّار عن شمائلهم فهم غرقى في النار، طعامهم وشرابهم، نار ولباسهم نار ومهادهم نار.

فهم بين مقطعات النيران وسرابيل القطران وضرب المقامع وثقل السلاسل، وهم يتجلجلون في مضايقها؛ ويتحطمون في دركاتها ويضطربون بين غواشيها، تغلى بهم النار كغلي القدور ويهتفون بالويل والعويل والثبور ومهما دعوا بذلك صب من فوق رؤوسهم، الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد تهشم بها جباههم، فيتفجر الصديد من أفواههم، وتنقطع من العطش أكبادهم وتسيل على الخدود أحداقهم ويسقط من الوجنات لحومها، ويتمغط (1)من الأطراف جلودها، وكلما نضجت جلودهم بذلوا جلوداً غيرها قد عريت من اللحم عظامهم فبقيت الأرواح منوطة بالعروق وعلائق العصب، وهي تنش في نفخ تلك النيران وهم مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون.

فكيف بك لو نظرت اليهم وقد اسودت وجوهم أشدّ سواداً من الحميم، وأعميت أبصارهم، وأبكمت السنتهم، وقصمت ظهورهم وكسرت عظامهم، وجدعت آذانهم، ومزقت جلودهم، وغلت أيديهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم وهم يمشون على النار بوجوههم ويطؤون حسك الحديد بأحداقهم، فلهيب النار سار في بواطن أجزائهم، وحيات الهاوية وعقاربها متشبثة بظواهر اعضائهم.

قال أبو الدرداء: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ويستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غضة فيذكرون انهم كانوا يحيزون (2)الغصص في الدنيا فيستغيثون بشراب فيرفع اليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا دخل الشراب بطونهم قطع ما في بطونهم فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، قال: فيدعون فيقولون: أدعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب ويقولون أولم تكن تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، قال فيقولون ادعوا مالكاً، فيدعون فيقولون: يا مالك ليقض علينا ربّك، قال فيجيبهم إنكم ماكثون»(3).

قال الأعمش: انبئت أن بين دعائهم وبين اجابة مالك اياهم ألف عام قال: فيقولون: ادعوا ربكم، فلا أحد خير من ربكم فيقولون.


1) معط الشعر من باب تعب سقط.

2) »يجرعون»في نسخة.

3) كنز العمال: 531/14، وضعيف سنن الترمذي: 306. 531.

(و قالوا ربنا غلبت عَلَيْنَا شِفَوتُنَا وَكُنَّا قوما ضالين * ربنا أخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِن عُدْنَا فَإِنَّا غَلَبَتْ ظَلِمُونَ ﴾ [المؤمنون: 106 - 107].

قال فيجيبهم اخسوا فيها ولا تكلّمون، قال: فعند ذلك يئسوا من كلّ خير وعند ذلك اخذوا في الزفير والحسرة والويل.

وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى:

(سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) [إبراهيم: 21].

قال: صبروا مائة سنة ثمّ جزعوا مائة سنة ثمّ صبروا مائة سنة ثم قالوا سواء علينا اجزعنا أم صبرنا.

وقال محمد بن كعب: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله عزّ وجلّ في أربعة فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبداً يقولون:

(ورَبَّنَا أَمَثَنَا اثْنتين وأحببتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِّن سَبِيلٍ) [غافر: 11] فيقول الله تعالى مجيباً لهم: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكَ بِهِ. تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِي الْكَبِيرِ) [غافر: 12]. ثم يقولون: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا [السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالِ) [إبراهيم: 44] فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ) [فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى:)(أَوَلَمْ نُعَمِّرَكُم مَّا يَتَذَكَرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّلِمِينَ مِن نَصِيرٍ [فاطر: 37] ثم يقولون:)﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقَوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا صَالِينَ لا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون: 106 - 107] فيجيبهم الله تعالى: أَخَشُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108].

فلا يتكلمون بعدها أبداً، وذلك غاية شدّة العذاب وهذه بعض أحوال أهل النار اجمالاً وأمّا تفصيل غمومها وأحزانها ومحنها وحسراتها فلا نهاية لها، فالعجب كلّ العجب لي ولأمثالى نضحك ونلهو ونشتغل بمحقرات الدنيا، وقيناتها ولا ندري أنحن من أهل الجنة وفيها منعمون أم من أهل النار وفيها، معذبون، وكيف لنا بالجنّة مع شرور أنفسنا وغرورها، ولا رجاء بل لا طمع إلا برحمة الغفّار وشفاعة الشفعاء الأطهار نعوذ بالله من النار ومن غضب الجبار.

الترجمة

کند تا اینکه زمانی که برسد مکتوب در حق بندگان به نهایت خود و امورات مقدّره به غایت خود و لاحق گردانیده شود آخر مردمان به اوّل ایشان و بیاید از فرمان خدای متعال آنچه اراده کرده باشد آن را از تازه کردن خلق خود، به حرکت بیاورد آسمان را و بشکافد آن را و حرکت دهد زمین را و بجنباند آن را و برکند کوه های زمین را و پراکنده گرداند اجزای آنها را مثل ریگ و بکوبد بعضی از آنها بعضی را از هیبت جلال پروردگار و ترس سطوت خداوند قهار و بیرون بیاورد هرکس که باشد در بطن زمین، پس تجدید نماید ایشان را بعد از کهنه بودن ایشان و جمع ایشان را بعد از پراکنده نمودن ایشان، بعد از آن تمیز می دهد در مابین ایشان از برای آنچه که اراده نموده است از نوال کردن از عملهای نهان و فعلهای پنهان و بگرداند ایشان را دو فرقه، انعام بفرماید بر این فرقه و انتقام بکشد از آن فرقه.

پس اما اهل طاعت و صلاح، پس جزا میدهد ایشان را به جوار رحمت خود و جاوید گرداند ایشان را در سرای خود، در مکانی که کوچ نکند فرود آیندگان و متغیر نشود به ایشان احوال و نرسد به ایشان خوف ها، درنیاید به ایشان ناخوشی ها و عارض نمی شود به ایشان خطرها و از جایی به جایی نفرستد ایشان را.

و امّا اهل معصیت و شقاوت، پس نازل میکند ایشان را در بدترین سرا ببندد دستهای ایشان را به سوی گردن ها و پیوست گرداند پیشانی ایشان را به قدم ها و بپوشاند بر ایشان پیراهن های قطران جامه های آتش سوزان در عذابی که سخت باشد گرمی آن و در میان دری که به هم آورده باشد به روی اهل آن، در آتشی که باشد او را شدت و صدا و زبانه بلند شده و او را سخت ترساننده که کوچ نکند اقامت کننده در آن و فدیه گرفته نشود از اسیران آن و فدیه گرفته نشود از اسیران و شکسته نشود قیدهای آن، مدت و نهایت نباشد آن سرا را تا فانی شود و وقت معینی نباشد آن قوم را تا به آخر برسد.

الفصل الرابع

منها في ذكر النبي صلى الله عليه وآله:

»قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وصَغْرَها، وأَهْوَنَهَا وهَوَّنَها، وعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَواها عَنْهُ اخْتِيَاراً، وبَسَطَها لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً، فَأَعْرَضَ عَنْها بِقَلْبِهِ، وأَماتَ ذِكْرَها عَنْ نَفْسِهِ، وأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُها عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلا يَتَّخِذَ مِنْها رِياشاً، أَوْ يَرْجُوَ فيها مَقاماً، بَلْغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً، ونَصَحَ لَأُمَّتِهِ مُنْذِراً، ودَعا إلى الجَنَّةِ مُبَشِّراً، نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، ومَحَطَّ الرِّسَالَةِ، ومُخْتَلَفُ الْمَلائِكَةِ، ومَعادِنُ الْعِلْمِ، وينابيعُ الْحِكَمِ، ناصِرُنا ومُحِبُّنَا يَنتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وعَدُونَا ومُبْغِضُنا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ»(1).

اللغة

(هان) الشيء هونا وهواناً ذلّ وحقر فهو هين بالتشديد وهين بالسكون ويتعدّى بالهمزة فيقال أهنته وبالتضيف فيقال هونته أي أذللته وفي بعض النسخ أهون بها بدل أهونها أي لم يعتد بها ولم تكن عزيزة عليه و (زواه) زيّا وزويا نحاه وزوى المال عن صاحبه طواه و (الريش) والرّياش واحد وهو ما ظهر من اللباس الفاخر و (السطوة) القهر والذلة.

الإعراب

(اختياراً) منصوب بنزع الخافض ويحتمل الحال من فاعل زوى أو من ضمير عنه على تأويله بالمشتق أي مختاراً (واحتقاراً) إما منصوب على المفعول له أو حال من فاعل بسط على التأويل بالمشتق أيضاً (ومعذراً ومنذراً ومبشراً) منصوبات على الحال.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) متضمن الأمرين: أحدهما: وصف زهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفيه تعريض على ذم الدنيا وزخارفها والثاني: افتخاره ومباهاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكمالاته النفسانية واختصاصه الخاص الذي كان له برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و المستلزم سبقه على غيره وتقدمه على الكل.

أما الأمر الأول: فهو ما أفصح عنه بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (قد حقر الدنيا وصغرها) التشديد للتكثير فيقتضي زيادة تحقيره وتصغيره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو أبلغ في الثناء عليه (وأهونها وهؤنها) أي عدها هيئة ذليلة في نظره ولم يعتد بها (وعلم ان الله زواها) أي صرفها وطواها (عنه اختياراً) أي مختاراً بصيغة الفاعل وباختيار منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبحانه زويها وحقه أو اختيار منه ذلك لنفسه ورضاه (وبسطها


1) خاتمة المستدرك: 96/3، وبحار الأنوار: 266/26 266/26ج 53.

لغيره احتقاراً) أي محتقراً بالكسر أو لحقارتها عنده سبحانه.

ويشهد بذلك كله ما رواه في”الكافي»بإسناده عن عبد الله بن القاسم عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”إذا أراد الله بعبد خيراً زهده في الدنيا وفقهه في الدين وبصر عيوبها ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة»(1).

وعن عبد الله سنان بن عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”خرج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الأرض فقال يا محمد هذه مفاتيح خزائن الأرض يقول لك ربّك افتح وخذ منها ما شئت من غير أن ينقص شيئاً عندي فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الدنيا دار من لا دار له ملك ولها يجمع من لا عقل، له فقال الملك والذي بعثك بالحق لقد سمعت هذا الكلام من

يقوله في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح»(2).

وعن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):قال امر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بجدي أسك ملقى على مزبلة ميتاً فقال لأصحابه: كم يساوي هذا؟ فقالوا: لعله لو كان حيا لم يساو درهماً، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): والذي نفسي بيده الدنيا أهون على الله هذا الجدي على أهله (3).

من وفي»إحياء العلوم»للغزالي قال: قال: نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)”إن ربي عز وجل عرض عليّ أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت: لا يا رب أجوع يوماً وأشبع يوماً، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك، وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك»(4).

ويأتي إن شاء الله في فصول الخطبة المائة والسابعة والخمسين أخبار أخر مناسبة للمقام.

(فأعرض عنها بقلبه وأمات ذكرها عن نفسه وأحب أن تغيب زينتها عن عينه) قال الغزالي: روى أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مر في أصحابه بعشار من النوق حصل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسها عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والوبر، ولعظمها في قلوبهم قال الله تعالى: وإذا العشار عطّلت قال فأعرض عنها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واغمض بصره، فقيل له: يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لم لا تنظر إليها ؟ فقال: قد نهائي الله عن ذلك ثم تلا قوله تعالى:

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا [ طه: 131] الآية.(كيلا يتخذ منها رياشاً أي لباساً فاخراً (أو يرجو فيها مقاماً) أي إقامة مع الإيمان والإسلام والشرائع والأحكام (بلغ عن ربه معذراً) أي مزيلاً للعذر عن الناس لئلا يكون للناس)


1) الكافي: 2/130، ومستدرك الوسائل: 43/12 ح 13470.

2) بحار الأنوار: 5470 26، والكافي: 129/2 ح 8.

3) الكافي: 129/2 ح 9، وميزان الحكمة: 2/ 0910.

4) عيون الأثر: 427/2.

على الله حجّة وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بيئة ولئلا يقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين (ونصح لأمته منذراً لهم عن أليم العذاب وشديد العقاب (ودعا إلى الجنّة مبشراً) بجزيل القواب وحسن المآب.)أما الأمر الثاني: فهو قوله (نحن شجرة (النبوة أراد به رسول الله ونفسه الشريف وزوجته الصديقة وأولاده الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين وبه فسر قوله سبحانه: (كَشَجَرَة طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) [إبراهيم: 24] الآية وقد مضى توضيحه في شرح الكلام السّادس والستين، وشرح الخطبة الثالثة والتسعين فتذكّر.)(ومحط الرسالة لم يرد بذلك أنهم عليهم السلام جميعاً رسل الله جعلهم محال الرسالة وموضعها كما توهمه بعض الغلاة وزعموا أنّ الأئمة يوحى إليهم كالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد كذبوا لعنهم الله وانما هم محدثون، مفهمون بل المراد به ان قبيلتهم محل نزول الرسالة أو نزلت في بيتهم، أو أن رسول الله مرسل من عند الله وجميع ما أرسله به ووصل إليه فقد وصل إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سلام الله عليه وأولاده الطاهرين فهم موضع الرّسالة ومحطها بهذا المعنى.)ويشهد بذلك ما في”الكافي»بإسناده عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال: إن جبرئيل أتى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و برمانتين فأكل رسول الله إحداهما وكسر الأخرى بنصفين فأكل نصفاً وأطعم علياً نصفاً، ثمّ قال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يا أخي هل تدري ما هاتان الزمانتان؟ قال: لا قال أما الأولى فالنبوّة ليس لك فيها نصيب، وأما الأخرى فالعلم فأنت شريكي فيه فقلت: أصلحك الله كيف يكون شريكه فيه؟ قال: لم يعلم الله محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علماً إلا وأمره أن يعلمه عليّاً”.) وعن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”نزل جبرئيل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) برمانتين من الجنة فلقاه عليه فقال: ما هاتان الرّمانتان اللتان في يديك؟ فقال: أما هذه فالنبوة ليس لك فيها نصيب وأما هذه، فالعلم، ثم فلقها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنصفين فأعطاه نصفها وأخذ رسول الله نصفها ثم قال: أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم يعلم والله رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)حرفاً مما علمه الله إلا وقد علمه عليا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم انتهى العلم إلينا، ثم وضع يده على صدره»(1).

وبالجملة فالمراد أنهم مخزن علم الرسالة وأسرارها (ومختلف الملائكة أي محل اختلافهم وترددهم ومجيئهم وذهابهم مرة بعد أخرى، أما رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)فظاهر، وأما الأئمة عليهم السلام فلأنهم ينزلون إليهم مرة بعد أولى وطائفة بعد أخرى لزيارتهم والتشرف بهم وإنزال الأخبار إليهم.)


1) الكافي: 26/12، والاختصاص: 279.

ويدلّ عليه ما في”الكافي”بإسناده عن مسمع كردين البصري قال: كنت لا أزيد على أكلة بالليل والنهار فربّما استأذنت على أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ وأجد المائدة قد رفعت لعلي لا أراها بين يديه فإذا دخلت دعا بها فأصيب معه من الطعام ولا أتأذى بذلك وإذا عقبت بالطعام عند غيره لم أقدر على أن أقرّ ولم أنم من النفخة فشكوت ذلك إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخبرته بأني إذا أكلت عنده لم أتأذ به، فقال: يا أبا سيّار إنّك تأكل طعام قوم صالحين تصافحهم الملائكة على فرسهم، قال: قلت ويظهرون لكم قال فمسح يده على بعض صبيانه فقال: هم ألطف بصبياننا منا بهم»(1).)وعن الحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال:»قال يا حسين وضرب بيده إلى مساور في البيت مساور طال ما اتكت عليها الملائكة وربما التقطنا من زغبها»(2).)والمساور جمع المسورة وهو المتكأ، والزغب محرّكة صغار الريش ولينه.وفيه عن أبي حمزة الثمالي قال:»دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام فاحتبست في الدار ساعة ثم دخلت البيت وهو يلتقط شيئاً وأدخل يده من وراء الستر فناوله من كان في البيت فقلت: جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقطه أي شيء هو ؟ فقال: فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا خلونا نجعله سبحاً لأولادنا، فقلت جعلت فداك وانهم ليأتونكم؟ فقال: يا أبا حمزة انهم ليزاحمونا على تكانتنا”.والسبح بالباء الموحدة النوم والسكون، وفي بعض النسخ سيحاً بالياء المثناة التحتانية وهو الكساء المخطط، وفي”البحار»عن”بصائر الدرجات»سحاباً بدله وهو ككتاب خيط ينظم فيه خرز ويلبسه الصبيان والجواري والتكأة كهمزة ما يتكأ عليه.وفي”الكافي»أيضاً عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن قال:”سمعته يقول: ما من ملك يهبطه الله في أمر ما يهبطه إلا بدأ بالإمام فعرض ذلك عليه، وأن مختلف الملائكة من عند الله تبارك وتعالى إلى صاحب هذا الأمر»وفي”البحار»من بصائر الدرجات عن أحمد عن الحسين عن الحسن بن برة الأصم عن أبي عبدالله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال:”سمعته يقول:”إن الملائكة لتنزل علينا في رحالنا وتنقلب على فرشنا وتحضر موائدنا وتأتينا من كل نبات في زمانه رطب ويابس وتقلب أجنحتها على صبياننا، وتمنع الدواب أن تصل إلينا وتأتينا في وقت كلّ صلاة لتصليها معنا وما من يوم يأتي علينا ولا ليل إلا وأخبار أهل الأرض عندنا، وما يحدث فيها، وما من ملك يموت في)


1) الكافي: 393/1 ح ا، وبحار الأنوار: 158/47.

2) الكافي: 393/21 ح، وكشف الغمة: 403/2.

الأرض ويقوم غيره إلا وتأتينا بخبره، وكيف كانت سيرته في الدنيا (1.)والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وفي ما ذكرناه كفاية، وقد عقد العلامة المجلسي (ره في المجلد السابع من”البحار»باباً في أن الملائكة تأتيهم وتطاء فرشهم وأنهم يرونهم صلوات الله عليهم أجمعين.)(ومعادن العلم أي مستقره ومحله وقد مضى بيان ذلك في التذييل الثالث السابع عشر من الفصلمن فصول الخطبة الأولى، وفي شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الثانية.)(وينابيع الحكم أي منهم عليهم السلام يخرج الأحكام إلى العباد ويجري إلى المواد القابلة على حسب الاستعداد حسبما يجري المياه من مجاريها ومنابعها فتربط الجأش وتسقي العطاش كما يروّى الماء للغليل ويقوى للعيل، والمراد بالحكم إما الأحكام الشرعية أو فصل الخطاب أعني القضاء وقطع الخصومات بالصواب في كل باب على ما مضى تحقيقه وتفصيله في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الثانية وشرح الفصل الثاني من فصول الخطبة الثالثة هذا.)ويحتمل أن يراد بالحكم الحكمة كما فسر به قوله سبحانه: ﴿وَآتَيْنَهُ الحُكْمَ صَبيَّا [مريم: 12] قال الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ في رواية الكافي: مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، ثم تلى هذه الآية ويؤيد هذا الاحتمال ما في بعض النسخ من ضبط الحكم بكسر الحاء وفتح الكاف وهو جمع الحكمة والحكمة هو الفهم والعقل وبه فسره الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقَمَنَ الحِكْمَةَ) (2)[لقمان: 12] وفي”مجمع البيان”أي أعطيناه العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور، وكيف كان فلا غبار على كون الأئمة متصفين بالحكم بأي معنى يراد وهم الحاكمون بين العباد بالحق والصواب والسداد.)ثم اعلم أن الشارح المعتزلي قد أورد في شرح المقام بعض الأخبار الدالة على غزارة علم أمير المؤمنين وقال بعد ذلك: وبالجملة فحاله (عَلَيهِ السَّلَامُ في العلم رفيعة جداً لم يلحقه أحد فيها ولا قاربه وحق له أن يصف نفسه بأنه معادن العلم وينابيع الحكم فلا أحد أحق به منها بعد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)أقول: وبعد الاعتراف بسبقه على غيره في العلم والحكم وأنه لم يدانيه في ذلك أحد ولم يقاربه فيه، كيف يجوز أن يقدم غيره عليه ويؤتم به دونه.


1) بصائر الدرجات: 114، وبحار الأنوار: 356/26 ح 18.

2) الكافي: 16/1، وتحف العقول: 385.

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلبي [الزمر: 9] وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِع مَن فِي الْقُبُورِ) [فاطر: 22].

إنّه لما أشار إلى بعض فضائله ومناقبه الجميلة عقب ذلك بذكر ما لعله هو الغرض الأصلي من ذكر هذه المناقب وهو الحث والترغيب في نصرته ببشرى ناصريه بالقواب والتحذير والتنفير عن عداوته بإنذار مبغضيه من العقاب وهو قوله:

(ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السطوة) لما كان نزول الرّحمة في حق ناصريه والسخط والعقوبة في حق معانديه معلوماً محقق الوقوع لا محالة جعل كلاً، من الفريقين بمنزلة المنتظرين لما يستحقه من الأمرين كمن أيقن بشيء فانتظره وإلا فلا انتظار للمعاندين حقيقة وإما المحبّون والأنصار فلهم الانتظار حقيقة برحمة الله الغفّار وشفاعة الشفعاء الأطهار سلام الله عليهم ما تعاقب الليل والنهار.

ويدلّ على ما ذكر ما في”البحار»من”أمالي الشيخ»بإسناد أخي دعبل عن الرّضا عن آبائه عليهم السلام أنّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)في الآية: لَا يَسْتَوِىَ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَابِرُونَ ﴾ [الحشر: 20]. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أصحاب الجنة من أطاعني وسلّم لعلي بن أبي طالب بعدي وأقر بولايته، فقيل وأصحاب النار قال من سخط الولاية ونقض العهد وقاتله بعدي (1).

ومن”أمالي الصدوق”بإسناده عن عباد الكلبي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن فاطمة الصغرى عن الحسين بن علي عن أمّه فاطمة بنت محمّد صلوات الله عليهم قالت خرج علينا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)عشية عرفة فقال: إن الله تبارك تعالى باهي بكم وغفر لكم عامة ولعلي خاصة، وإنّي رسول الله إليكم غير محاب لقرابتي، هذا جبرئيل يخبرني أن السعيد كلّ السعيد حق السعيد من أحبّ عليّاً في حياته وبعد موته، وأن الشقي كلّ الشقي حق الشقي من أبغض عليّاً في حياته وبعد وفاته (2).

ومن»العيون»بإسناده عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)”من أحبك كان مع النّبيّين في درجتهم يوم القيامة ومن مات وهو يبغضك فلا يبالي مات يهودياً أو نصرانياً»(3).

والأخبار في هذا المعنى كثيرة جداً وقد تقدّم في التذنيب الثالث من تذنيبات الفصل الرابع من فصول الخطبة الأولى روايات مناسبة للمقام.


1) الأمالي: 364، والتفسير الصافي: 159/5 ح 20.

2) الأمالي: 249، وبحار الأنوار: 75/27 ح 1.

3) عيون أخبار الرضا: 18 / 64 ح 221، وبحار الأنوار: 79/27.

الترجمة

بعض دیگر از این خطبه در ذکر حضرت رسالت مآب و وصف زهد آن جناب است که فرموده:

به تحقیق که حقیر شمرد و كوچك گردانید آن، بزرگوار دنیای غدّار را در نظر خود و اعتنا نفرمود به آن و خوار نمود آن را در نزد خود و دانست به علم یقین که خداوند سبحانه دور نمود و پیچیده کرد دنیا را از او از جهت برگزیدن او سبحانه دوری آن را در حق او و بسط کرد آن را در حق غیر او از برای خوار داشتن آن پس اعراض نمود رسول مختار از دنیا به قلب خود و میرانید یاد دنیا را از نفس خود و دوست داشت آنکه غایب شود زینت دنیا از چشم او تا اینکه اخذ ننماید از زینت آن لباس فاخر یا اینکه امید بدارد در آن اقامه و آسایش را، تبلیغ نمود از جانب پروردگار شریعت و احکام را در حالتی که زایل کننده بود عذر را از خلقان و نصیحت فرمود به امت خود در حالتی که ترساننده بود ایشان را و دعوت کرد به سوی بهشت در حالتی که بشارت دهنده بود به مردمان.

ما درخت نبوّت هستیم و موضع نزول رسالت میباشیم و محل تردّد فرشتگان و معدنهای علم و عرفان و سرچشمههای، احکام نصرت کننده و دوست دارنده ما منتظر میباشد رحمت پروردگار را و خصم و دشمن دارنده ما منتظر می باشد قهر و سطوت کردگار را.

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائة والتاسعة من المختار في باب الخطب

اشارة

وهي ملتقطة من خطبة طويلة معروفة بالديباج رواها حسن بن علي بن شعبة في”تحف العقول»حسبما تطلع عليه بعد شرح ما في المتن وهو قوله:

»إِنَّ أَفْضَلَ ما تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ الإِيْمَانُ بِهِ وبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ في سَبيلِهِ، فَإِنَّهُ ذُرْوةُ الإِسْلامِ، وَكَلِمَةُ الإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةَ، وإيتاء الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَريضَةٌ وَاجِبَةٌ، وصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ، وحِجَّ الْبَيْتِ واعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُما يَنْفِيانِ الْفَقْرَ ويَرْحَضانِ الذَّنْبَ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّها مَثْرأةٌ فِي الْمَالِ وَمَنْسَأَةٌ في الأَجَلِ، وَصَدَقَةُ السِّرْ فَإِنَّهَا تُكَفُرُ الخَطِيئَةَ، وصَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مَيْتَةَ السُّوءِ، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنْها تَقِي مَصارعُ الْهَوانِ.

أَفيضُوا في ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِكْرِ، وَارْغَبُوا فيما وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ، وَاقْتَدُوا بِهْدَى نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهُدَى، وَاسْتَنُوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّها أَهْدَى السُّنن، وتَعَلَّمُوا القُرْآن فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيث، وتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ ربيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفاءُ الصدور، وأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ، فَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لاَ يَسْتَقِيقُ مِنْ جَهْلِهِ، بَلِ الْحَجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَلْوَم»(1).

اللغة

(وسل) إلى الله توسيلاً عمل عملاً تقرب به إلى الله كتوسل و (الايمان) افعال من الأمن الذي هو خلاف الخوف ثم استعمل بمعنى التصديق، فالهمزة فيه إما للصيرورة كان المصدق صار ذا أمن من أن يكون مكذباً، أو للتعدية كأنه جعل المصدّق هنا من التكذيب والمخالفة ويعدي بالباء لاعتبار معنى الإقرار والاعتراف كما في عبارته، ونحوه قوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 2] وباللام لاعتبار معنى الإذعان نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنِ لَنَا [يوسف: 17]، وقد اجتمعا في قوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: 61].

(ذروة) الشيء أعلاه) و (الجنّة) بالضم كل ما وقى و (واعتمر) الرّجل زار البيت والمعتمر الزائر ومنه سميت العمرة عمرة لأنها زيارة البيت يقال اعتمر فهو معتمر أي زار وقصد، وفي


1) نهج السعادة 426/2، وميزان الحكمة: 2095/3.

الشرع زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في محالها و (رحض) الثوب ونحوه بالحاء المهملة والضاد المعجمة من باب منع غسله كأرحضه فهو رحيض ومرحوض و (ثرى) المال ثرا كثر ونما، والثروة كثرة العدد من الناس والمال وهذا مثراة للمال بهمزة وغيره تكثرة و (المنسأة) بالهمز وغيره أيضاً كمثراة وزان مفعلة بالفتح فالسكون محل النساء يقال نسأت التي نسأ أخرته ومنه الحديث: صلة الرحم تنسىء الأجل أي تؤخره و (صرعه) كمنعه طرحه على الأرض والمصرع وزن مقعد موضع الضرع و (الإفاضة) الاندفاع ومنه افاض الناس من عرفات أي اندفعوا وقيل اسرعوا منها إلى مكان آخر قوله تعالى: إذ تفيضون فيه أي تدفعون فيه بكثرة و (الهدى) بالضم الرّشاد مصدر يقال هداه الله هدى وهداية أرشده وبالفتح وزن تمر الهيئة والسيرة والطريقة ومنه قولهم: هدى فلان أي سلك مسلكه و (الحائر) المتحير.

الإعراب

قوله: (إلى الله سبحانه) لفظ سبحانه منصوب على المصدر محذوف عامله وجوباً بإضافته إلى الضمير، والمعنى اسبحك سبحاناً لك، ولنجم الأئمة الرّضي في حذف عوامل المصادر تحقيق نفيس أحببت ايراده.

قال في شرح قول ابن الحاجب وقد يحذف الفعل لقيام قرينة جوازاً كقولك لمن قدم خير مقدم ووجوباً سماعاً نحو سقياً ورعياً وخيبة وجدعاً وحمداً وشكراً وعجيباً أقول: الذي أرى أن هذه المصادر وأمثالها إن لم يأت بعدها ما يبينها ويعين ما تعلقت به من فاعل أو مفعول اما بحرف جر أو بإضافة المصدر إليه فليست مما يجب حذف فعله بل يجوز نحو سقاك الله سقياً ورعاك الله رعياً فأما ما يبيّن فاعله بالإضافة نحو كتاب الله وسنة الله ووعد الله أو يبيّن مفعوله بالإضافة نحو ضرب الرقاب وسبحان الله ولبّيك وسعديك ومعاذ الله، أو يبين بحرف الجز نحو بؤساً لك وسحقاً لك أي بعداً، أو يبيّن مفعوله بحرف جر نحو عقراً فاعلهلك أي حرجاً وشراً لك وحمداً لك وعجباً منك، فيجب حذف الفعل في جميع هذا قياساً.

والمراد بالقياس أن يكون هناك ضابط كلّي يحذف الفعل حيث حصل ذلك الضابط، والضابط ههنا ما ذكرنا من ذكر الفاعل أو المفعول بعد المصدر مضافاً إليه أو بحرف الجر.

وإنّما وجب حذف الفعل مع هذا الضابط لأن حق الفاعل والمفعول به أن يعمل فيهما الفعل فيتصلا به واستحسن حذف الفعل في بعض المواضع إما إبانة لقصد الدوام واللزوم بحذف ما هو موضوع للحدوث والتجدد أي الفعل في نحو حمداً لك وشكراً لك وعجباً منك ومعاذ الله وسبحان الله، وإما لتقدّم ما يدل عليه كما في قوله تعالى: كتاب الله عليكم، وصبغة الله ووعد الله أو لكون الكلام مما يستحسن الفراغ منه بالسرعة نحو لبيك وسعديك. فيقي، المصدر مبهماً لا يدري ما تعلق به من فاعل أو مفعول فذكر ما هو مقصود المتكلم من

أحدهما بعد المصدر ليختص به، فلما بينها بعد المصدر بالإضافة أو بحرف الجر قبح اظهار الفعل بل لم يجز فلا يقال كتاب كتاب الله ووعد وعد الله واضربوا بضرب الرقاب واسبح سبحان الله واحمد حمداً لك وعقر الله عقراً لك.

وذلك لما ذكرناه من أن حق الفاعل والمفعول أن يتصلا بالفعل معمولين له، فلما حذف الفعل لأحد الدواعي المذكورة وبين المصدر إما بالإضافة أو بحرف الجر فلو ظهر الفعل رجع الفاعل أو المفعول إلى مكانه ومركزه متصلاً بالفعل ومعمولاً له.

فاحفظ ذلك فانه ينفعك في كثير من الموارد وإعراب سائر الفقرات واضح.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة للإرشاد إلى بعض أسباب القرب والوسائل التي يتوسل بها إلى الله سبحانه، وللأمر بالإضافة إلى ذكر الله وببعض ما يدرك به رضوان الله حسبما تطلع على تفصيله ان شاء الله، ولما كان أسباب الزلفى والتقرب كثيرة خص أفضلها بالبيان وهو على ما ذكره عشرة:

أولها الإيمان كما أشار إليه بقوله:

(ان أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه الإيمان به وبرسوله) وتقديمه على غيره لكونه أصلاً بالنسبة إليه والمراد به هنا التصديق المجرد عن الإقرار والعمل بقرينة ذكر كلمة الإخلاص التي هو الإقرار وسائر العبادات التي هو من باب الأعمال بعده، وتحقيق المقام يحتاج إلى بسط في المقال وبيان الفرق بين الإسلام والإيمان.

فأقول: إنّك قد عرفت المعنى اللغوي للإيمان وأنه التصديق، وأما الإسلام فمعناه لغة هو التسليم والانقياد وأمّا في لسان الشرع فقد يستعملان على التساوق والترادف كما في قوله، تعالى: فَأَخَرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: 35 –

136].

ولم يكن بالاتفاق إلا بيت واحد وقال تعالى: يَقَوْمِ إِن كُنتُمْ وَآمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ [يونس: 84] وقال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَى إِسْلَامَكُم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلإِيمَانِ [الحجرات: 17].

وربما استعملا على التقابل كما في قوله تعالى:

(قَالَتِ الْأَعْرَابُ مَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيْمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: 14].

فقد نفى عنهم الإيمان مع إثبات وصف الإسلام والمستفاد من كلام أكثر الأصحاب ومعظم أخبار الأئمة الأطهار الأطياب أن الإسلام أعم من الإيمان.

فإن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية الفضيل بن يسار عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ):الإيمان يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الإيمان» (1)

وفي رواية سماعة بن مهران قال:”سألته عن الإيمان والإسلام قلت أفرق بين الإسلام والإيمان؟ قال: فاضرب لك مثله قال: قلت: أراد (2)ذلك قال:”مثل الإيمان والإسلام مثل الكعبة الحرام من الحرم قد تكون في الحرم ولا تكون في الكعبة ولا تكون في الكعبة حتى تكون في الحرم، وقد يكون مسلماً ولا يكون مؤمناً ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً”.

وفي رواية أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أيهما أفضل الإيمان أو الإسلام؟ فإن من قبلنا يقولون إن الإسلام أفضل من الإيمان، فقال:”الإيمان أرفع من الإسلام:قلت فأوجدني ذلك، وقال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمداً؟ قال: قلت يضرب ضرباً شديداً، قال: أصبت فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمداً؟ قلت: يقتل قال أصبت ألا ترى أن الكعبة أفضل من المسجد وأن الكعبة تشرك المسجد والمسجد لا يشرك الكعبة، وكذلك الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان»(3)

فإن المستفاد من هذه الروايات وأمثالها أنّه كلّما وجد الإيمان وجد الإسلام لا بالعكس وذلك.

أما من جهة: أنّ الإسلام عبارة عن التصديق بالظاهر أعني الاعتراف باللسان والإيمان عبارة عن التصديق بالباطن والأوّل غير مستلزم للثاني ولذلك كذب الله سبحانه الأعراب بقوله: قل لم تؤمنوا في دعواهم وصف الإيمان لأنفسهم، حيث قالوا آمنا، وذلك لأجل أنهم لم يكونوا مصدّقين بالباطن ولم يكونوا على ثقة وطمأنينة فيما أقروا به ظاهراً، وأثبت لهم وصف الإسلام بقوله: ولكن قولوا أسلمنا باعتبار شهادتهم بالتوحيد والرسالة واعترافهم ظاهراً.

ويدلّ على ما ذكرنا ما رواه في”الكافي»بإسناد عن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”إن الإيمان يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الإيمان فقلت: فصفهما لي، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):»الإسلام شهادة أن لا


1) شرح أصول الكافي: 77/8.

2) »أورد» في نسخة.

3) شرح أصول الكافي: 77/8، وميزان الحكمة:1/190ح254.

إله إلا الله والتصديق برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة، إن الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر، والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن، وان اجتمعا في القول والصفة».

ونحوه رواية فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”إن الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام إن الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء، والإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان»(1).

فإن قلت: إذا جعلت الإيمان عبارة عن التصديق بالباطن فلا بد أن تكون النسبة بينهما عموماً من وجه إذ كما أن التصديق ظاهراً لا يستلزم التصديق بالباطن كلياً، فكذلك العكس، إذ ربما يذعن المرء بالله وبرسوله من دون أن ينطق بكلمتي الشهادة بأن يصدق بالقلب ولا يساعده من العمر مهلة النطق، نعم لا يحكم بايمانه إلا بعد النطق والكلام، لكون اللسان ترجمان القلب لكنه لا يقدح فيما ذكرنا لأن الكلام في منع الملازمة بين نفس الإيمان والإسلام لا في الحكم بكون الرجل مسلماً ومؤمناً، فافهم.

قلت: التصديق بالباطن ملازم عادة للتصديق بالظاهر وإن لم يكن ملازماً له عقلاً كما فيما ذكرته من المثال فان العرف والعادة قاضية بأن من كان مصدقاً بالباطن يكون لا محالة مصدقاً بالظاهر والمثال المذكور فرد نادر.

نعم لو قيل بأن الإيمان عبارة عن التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان أعني مجموع الثلاثة ارتفع الإشكال رأساً، وكذا على مذهب من يعتبر فيه الإقرار باللسان فقط شطراً كما عزى إلى المحقق الطوسي حيث قال: بأنه مركب من الإقرار والتصديق، أو شرطاً كما نسب إلى المتكلمين من الخاصة وبعض العامة.

وأما من جهة: أن الإسلام عبارة عن الشهادة بالتوحيد والرسالة مع التصديق الباطني وبدونه، سواء كان معه الإقرار بالولاية والإذعان بها أم لا، والإيمان يعتبر فيه ذلك.

ويرشد إليه ما رواه ثقة الإسلام الكليني بإسناده عن سفيان بن السمط قال: سأل رجل أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) له عن الإسلام والإيمان ما الفرق بينهما فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه، ثم التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل فقال له أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ):”كأنه قد أزف منك رحيل فقال نعم فقال: فألقني في البيت فلقاه فسأله عن الإسلام والإيمان ما


1) شرح أصول الكافي: 379/8، وبحار الأنوار: 249/65.

الفرق بينهما ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):»الإسلام ما هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان فهذا الإسلام، وقال: الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فإن أقرّ بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلماً وكان ضالاً».

وعن عجلان بن أبي صالح قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أوقفني على حدود الإيمان،

فقال:”شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والإقرار والإقرار بجميع ما جاء ما جاء من عند الله وصلاة الخمس وأداء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت وولاية ولينا وعداوة عدوّنا والدخول مع الصادقين»(1).

فإن المراد بالدخول مع الصادقين الدخول في زمرة آل محمّد سلام الله عليهم والكون معهم كما قال: (يتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ ﴾ [التوبة: 119] على ما تقدم تفصيله في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة السادسة والثمانين.

وأما من جهة: أن الإيمان يعتبر فيه العمل دون الإسلام أعني العمل بما يقتضيه ذلك التصديق.

ويدل عليه ما في”الكافي»عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال:”الإيمان إقرار وعمل والإسلام إقرار بلا عمل”.

فإنّ الظاهر أن قوله: والإسلام إقرار بلا عمل.هو أن العمل غير معتبر فيه لا أن عدمه فيه معتبر، ويدل عليه أخبار أخر.

وفيه أيضاً بإسناده عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسأله عن الإيمان ما هو فكتب إلي مع عبد الملك بن أعين:”سألت رحمك الله عن الإيمان والإيمان هو الإقرار باللسان وعقد في القلب وعمل بالأركان، والإيمان بعضه من بعض، وهو دار وكذلك الإسلام دار والكفر، دار فقد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً، فالإسلام قبل الإيمان وهو لا يشارك الإيمان فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزّ وجل عنها كان خارجاً من الإيمان ساقطاً عنه اسم الإيمان وثابتاً عليه اسم الإسلام، فان تاب واستغفر عاد إلى دار الإيمان ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال أن يقول للحلال هذا حرام، وللحرام هذا حلال، ودان بذلك فعندها يكون خارجاً من الإسلام والإيمان، داخلاً في الكفر، وكان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثاً فأخرج عن الكعبة وعن


1) الكافي: 2/ 18 2، ونهج السعادة: 66/8.

الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار»(1).

الجزء السابع من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

فقد ظهر لك مما ذكرنا كلّه أن الإسلام يصدق على مجرد الإقرار باللسان من غير تصديق، وعلى الإقرار والتصديق مجرداً عن الولاية، وعلى جميع ذلك مجرداً من العمل، والإيمان يعتبر فيه ذلك، فيكون الإيمان أخص لكن الإنصاف أن العمل ليس داخلاً في مفهوم الإيمان حقيقة وإن كان شرطاً في كماله.

أما أنه غير داخل في حقيقته فللتبادر وعدم صحة السلب ولقوله تعالى:

(ان طَابِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ [الحجرات: 9] وقوله: (يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ في القتلى) [البقرة: 178] وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82].

دل اقتران الإيمان بالمعاصي فيها على أن العمل غير داخل في حقيقته وقوله تعالى:

(الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ ﴾ [البقرة: 25].

دلّ على التغاير وأن العمل ليس بداخل فيه لأن الشيء لا يعطف على نفسه ولا الجزء على كله ومثله كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقام.

وأما أنه شرط في كماله فللخبرين السابقين.

لا يقال: إن ظاهرهما كون العمل داخلاً في مفهومه لا شرطاً في كماله.

لأنا نقول: بعد تسليم الظهور لا بد من حملهما على ما ذكرنا بمقتضى الجمع بينهما وبين الأدلة التي قدمناها آنفاً.

فإن قلت: ما الدليل على هذا الجمع؟

قلت: الدليل على ذلك ما رواه في”الكافي»عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن بكر بن صالح عن القاسم بن بريد قال: حدثنا أبو عمر الزبيري عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قلت له: أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله؟ قال:”ما لا يقبل الله شيئاً إلا به، قلت: وما هو ؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظاً:قال:قلت ألا تخبرني عن الإيمان أقول هو وعمل أم قول بلا عمل؟ فقال: الإيمان عمل كله والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بيّن في كتابه واضح نوره ثابتة حجّته يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه قال: قلت:له صفه لي جعلت فداك حتى أفهمه، قال: الإيمان حالات


1) الكافي: 2/ 28 ح 1، والتوحيد: 229.

و درجات وطبقات ومنازل: فمنه التام المنتهى تمامه ومنه الناقص البين نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه قلت: إن الإيمان ليتم وينقص ويزيد؟ قال نعم قلت كيف ذاك؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكَّلت به اختها فمنها قلبه الذي به يعقل ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما ويداه اللتان يبطش بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قبله (1)ولسانه الذي ينطق به ورأسه الذي فيه وجهه فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به اختها بفرض من الله تبارك وتعالى اسمه، ينطق به الكتاب لها ويشهد به عليها، ففرض على القلب غير ما فرض على العينين وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه (2).

فأما ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأن محمداً عبده ورسوله صلوات الله عليه وآله والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة وهو قول الله عزّ وجلّ:

(إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظمين بالإيمين ولكن مِّن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا) [النحل: 106] وقال: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَينُ الْقُلُوبُ [الرعد: 28] وقال: قَالُوا عَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ [المائدة: 41] وقال: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ [البقرة: 284].

فذلك ما فرض الله عزّ وجلّ على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس إيمان.

وفرض الله على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقرّ به قال الله تبارك وتعالى اسمه:

(وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83] وقال: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 136].


1) »قلبه» في سخة.

2) الكافي: 34/2، ودعائم الاسلام: 5/1.

فهذا ما فرض الله على اللسان وهو عمله.

وفرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله وأن يعرض عمّا لا يحل له مما نهى الله عزّ وجلّ عنه والإصغاء إلى ما أسخط الله عزّ وجلّ فقال في ذلك:

(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ وَآيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْرَا بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غيرو) [النساء: 140].

ثم استثنى الله عزّ وجلّ موضع النسيان فقال:

(وَإِمَّا يُنسِييَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68] وقال: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أَوْلَيكَ الَّذِينَ هَدَتْهُمُ اللهُ وَأَوَلَتَكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: 18] وقال عز وجل: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوةِ فَعِلُونَ ﴾ [المؤمنون: 1 - 4] وقال: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: 55] وقال: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: 72].

فهذا ما فرض الله على السمع من الإيمان أن لا يصغي إلى ما لا يحل له وهو عمله وهو من الإيمان.

وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله عليه وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له وهو عمله وهو من الإيمان فقال تبارك وتعالى:

وقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَعْضُوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [النور: 30].

فنهاهم عن أن ينظروا إلى عوراتهم وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه ويحفظ فرجه أن ينظر إليه وقال:

وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور: 31].من أن تنظر احداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن تنظر إليها وقال كلّ شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فانّها من النظر ثم نظم ما فرض الله عز وجل على القلب واللسان والسمع والبصر في آية أخرى فقال:﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ [فصلت: 22]. يعني بالجلود الفروج والأفخاذ وقال:

(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَبِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36].

فهذا ما فرض الله على العينين من غض البصر عمّا حرم الله وهو عملهما وهو من الإيمان.

وفرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرم الله وأن يبطش بهما إلى ما أمر الله عزّ وجل وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والظهور للصلوات فقال: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينَ ﴾ [المائدة: 6].

وقال: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرَبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَشْخَتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاة حتى تضعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد: 4].

فهذا ما فرض الله على اليدين لأنّ الضرب من علاجهما.

وفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شيء من معاصي الله وفرض عليهماالمشي إلى ما يرضى الله عزّ وجلّ فقال: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِفَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الجَبَالَ طولا [الإسراء: 37] وقال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوتُ الحمير) [لقمان: 19].

وقال فيما شهدت الأيدي والأرجل في أنفسهما وعلى أربابهما من تضييعهما لما أمر الله عزّ وجلّ به وفرضه عليهما.

( الْيَوْمَ نَفْتِرُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: 65]. فهذا أيضاً ممّا فرض الله عزّ وجلّ على اليدين وعلى الرّجلين وهو عملهما وهو من الإيمان.

وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال: يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77].

وهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين وقال في موضع آخر.

ها وأن المسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: 18] وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها ذلك أنّ الله عزّ وجلّ لما صرف نبيه الى الكعبة عن بيت المقدس أنزل عز وجل: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: 143].

فسمّى الصّلاة إيماناً فمن لقى الله عزّ وجلّ حافظاً لجوارحه موقياً كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عزّ وجلّ عليها لقى الله عزّ وجلّ مستكملاً لإيمانه وهو من أهل الجنة، ومن خان في شيء منها أو تعدى ما أمر الله عزّ وجلّ فيها لقى الله عزّ وجل ناقص الإيمان:قلت قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه فمن أين جائت زيادته؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قول الله عزّ

وجلّ: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَتَنا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَفِرُونَ [التوبة: 124 - 125] وقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ وَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدًى الكهف: 13].

ولو كان كلّه واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس وبطل التفضيل ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، وبالزّيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرطون النار»(1).

فإن صدر هذه الرواية الشريفة أعني قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): الإيمان عمل كله، وإن كان موهماً في بادىء الرأي كون العمل داخلاً في مفهوم الإيمان إلا أن ذيلها أعني قوله: لقى الله عزّ وجلّ مستكملاً لإيمانه، إلى قوله: لقى الله عزّ وجلّ ناقص الإيمان إلى آخر الرواية نص صريح في كونه شرطاً في كماله لا جزء من مفهومه وقد استفيد منها أيضاً كونه قابلاً للزيادة والنقصان كما هو مذهب المحققين من الفريقين.

وأما ما توهمه كثير من المتكلمين من أنه إن كان الإيمان هو التصديق فلا يقبلهما، لأن الواجب هو اليقين وهو غير قابل للتفاوت لا بحسب ذاته ولا بحسب متعلّقه أمّا بحسب الذات فلأن التفاوت باعتبار احتمال النقيض ولو بأبعد وجه وهو ينافي اليقين ولا يجامعه، وأما بحسب المتعلّق فلان متعلقه جميع ما علم مجيء الرسول به والجميع من حيث هو جميع يتصور فيه تعدّد، وإلا لم يكن جميعاً، وإن كان هو العمل وحده أو مع التصديق فيقبلهما وهو ظاهر وما وردت في الكتاب والسنة مما يدلّ على قبوله إياهما فباعتبار الأعمال فيزيد بزيدها وينقص بنقصانها.

ففيه منع ذلك أما باعتبار الذات فلأن التصديق من الكيفيات النفسانية المتفاوتة قوّة وضعفاً فيجوز أن يكون التفاوت فيه بالقوة والضعف، فإنّ عين اليقين أعلى مرتبة وأقوى من علم اليقين، وللفرق الظاهر بين ايمان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والأئمة وآحاد الرعيّة، قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً»(2).

وأما باعتبار المتعلّق فلأنّ التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) جزء من الإيمان يثاب عليه، مضافاً إلى ثوابه على تصديقه بالإجمال فكان قابلاً للزيادة والله


1) الكافي: 37/2 ح 1، ونهج السعادة7/220.

2) منتهى المطلب: 44/3 ح 50، ونتائج الأفكار: 209.

الهادي إلى المنهج القويم، والصراط المستقيم.

(و) الثاني

من الوسائل إلى الله سبحانه (الجهاد في سبيله فانه ذروة الإسلام) لما كان ذروة كلّ شيء عبارة عن أعلاه جعل الجهاد ذروة الإسلام باعتبار رفعته وعلوّ رتبته فيه وتقدمه على سائر العبادات البدنية باعتبار اقتضائه قوّة التصديق واليقين بما جاء به خاتم النبيين ما لا يقتضيه سائر الطاعات والقربات وإلا لما القى المجاهد نفسه إلى المهالك مع غلبة ظنه بانه عاطب هالك ولولا سيف المجاهدين لما اخضر للإسلام عود ولا قام له عمود وقد تقدّم في الخطبة السابعة والعشرين انه باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه إلى آخر ما ذكره من فضائله وبينا في شرحها ما فيه كفاية لمن له علم ودراية.

(و) الثالث

(كلمة الإخلاص) أي الكلمة المتضمنة لإخلاص الله تعالى وتنزيهه عن الشركاء والأنداد وهي كلمة التوحيد اعني لا إله إلا الله وقد تقدم في شرح الفصل الثاني من فصول الخطبة الثانية فضائل تلك الكلمة الطيبة المباركة وفوائدها وعلل (عَلَيهِ السَّلَامُ) كونها من أفضل القرب بقوله (فانها الفطرة) أي الفطرة المعهودة الواردة فى الكتاب العزيز المأمور باتباعها بقوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]

وأصلها الخلقة من الفطر بمعنى الخلق ثم جعلت للخلقة القابلة لدين الحق على الخصوص، وربما تطلق على التوحيد والمعرفة وبه فسرت الآية الشريفة وفسّر قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (1)، قال في”مجمع البيان»أي اتبع فطرة الله وهي التوحيد التي فطر الناس أي خلق الناس عليها ولها بها، أي لأجلها والتمسك بها فيكون كقوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وهو كما يقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا ولهذا وبهذا والمعنى واحد.

وعن الصدوق في التوحيد في أخبار كثيرة عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”فطرهم على التوحيد»(2).

وبإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال: سألته عن قول الله: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) [الحج: 31].


1) الكافي: 13/2، والتوحيد: 330 ح 9.

2) الكافي: 13/2، والتوحيد: 329.

وعن الحنفية فقال: هي الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم الله على المعرفة قال زرارة وسألته عن قول الله عزّ وجلّ.

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ [الأعراف: 172] الآية.)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ”أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم واراهم ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”كلّ مولود يولد على الفطرة بأنّ الله عزّ وجلّ خالقه فذلك قوله تعالى (1):)(الاولين سألتهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [القمان: 25]. وقد تقدّم في شرح الفصل الرابع عشر من فصول الخطبة الأولى أخبار أخر في هذا المعنى هذا.

ولما كانت كلمة الإخلاص متضمنة للفطرة التي هي التوحيد والمعرفة دالاً عليها جعلها نفس الفطرة تسمية للدال باسم مدلوله.

(و) الرابع

(إقام الصلاة فانها (الملة) وقال الطريحي الملة في الأصل ما شرع الله لعباده على السنة الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار الله ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها ولا يكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بل يقال ملة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال تعالى: يَلَةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم [الحج: 78]، أي دينه.)أقول: لما كان الصّلاة هو الركن الأعظم من الذين أطلق اسمه عليها وأتى بالملة معرفة بلام الجنس قصداً للحصر مبالغة من باب زيد الأمير ونحوه الحديث النبوي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”الصّلاة عماد الدين”، فإنه لما كان قوام الدين وثباته بها جعلها عماداً له كما صرح ح بذلك في رواية أخرى قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):»مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب والأوتاد والغشاء، وإذا انكسر العمود لم ينفع طنب ولا وتد ولا غشاء»(2).)وفي رواية أخرى عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، والصلاة عماد الدين فمن ترك صلاته متعمداً فقد هدم دينه “ (3).)


1) الكافي: 13/6 ووسائل الشيعة: 125/15ح20130.

2) مدارج الأحكام: 6/3، والحدائق الناضرة: 8/6.

3) مستدرك الوسائل: 98/30 ح 13، وبحار الأنوار: 202/79 ح 1.

وكيف كان فالآيات والروايات في فضلها وعقوبة تاركها فوق حد الإحصاء (1قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْهَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْهَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَدْ بِهِ نَافِلَهُ لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء: 78 - 79] وفي سورة النساء: (فَأَقِيمُوا الصَّلَوةُ إِنَّ الصَّلوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النساء: 14] وفي سورة مريم: ﴿أَضَاعُوا الصَّلوةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: 59] وفي سود العنكبوت: (وَأَقِمِ الصَّلَوةُ إِنَّ الصَّلَوٰةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت: 45] وفي سورة أرأيت: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هم عن صلاتهم ساهون) الماعون: 4 - 5])أي غافلون غير مبالين بها قال علي بن إبراهيم القمّي: عنى به تاركون لأن كل انسان يسهو في الصلاة، وفي”المجمع»عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ»هو الترك لها والتواني عنها».)وعن الخصال عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ»ليس عمل أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من الصلاة فلا يشغلكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا، فإنّ الله عزّ وجلّ ذمّ أقواماً فقال: الذين هم عن صلاتهم ساهون، يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاته»(2).)وفي”الكافي»بإسناده عن معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم وأحب ذلك إلى الله عزّ وجلّ ما هو ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أن العبد الصالح أن العبد الصالح عيسى ابن مريم قال: ﴿وَأَوْصَةِ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيَّا) [مريم: 31]. وعن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سمعته يقول:”أحب الأعمال إلى الله عزّ آخر وصايا الأنبياء عليهم السّلام فما أحسن الرّجل يغتسل أو يتوضأ فيسبغ وجلّ الصّلاة، وهي الوضوء ثمّ يتنحى حيث لا يراه أنيس فيشرف عليه وهو راكع أو ساجد، إن العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس: يا ويله أطاعوا وعصيت وسجدوا وأبيت»(3)، ونحوه في”الفقيه”إلا أن فيه فيشرف الله عليه.

وعن أبي حمزة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:»قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إذا قام العبد المؤمن في صلاة نظر الله إليه أو قال أقبل الله عليه حتى ينصرف وأظلته الرّحمة من فوق رأسه إلى أفق السماء والملائكة تحفه من حوله إلى أفق السماء، ووكل الله به ملكاً قائماً على رأسه


1) مستدرك الوسائل: 98/30 ح 3111، وميزان الحكمة: 1644/2.

2) الخصال: 621، ووسائل الشيعة: 113/4 ح4653.

3) المحاسن: 18/1 1/ 18ح،50، ووسائل الشيعة: 39/4.

يقول: أيها المصلي لو تعلم من ينظر إليك ومن تناجي ما التفت ولا زلت من موضعك أبدأ»(1).

وعن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”الصلاة قربان كل تقى”(2).

وعن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:»من قبل الله منه صلاة واحدة لم يعذبه ومن قبل منه حسنة لم يعذبه”.

وعن الحسين بن سيف عن أبيه قال: حدثني من سمع أبا عبد الله له يقول:”من صلى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين الله ذنب”.

وفي”الفقيه قال الصدوق: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):»ما من صلاة يحضر وقتها إلا نادى ملك بين يدي النّاس: أيها النّاس قوموا إلى نيراكم التي أوقدتموها على ظهوركم فأطفؤها بصلاتكم»(3).

قال: وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):»أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة فإذا قبلت منه قبل سائر عمله وإذا ردت عليه رد عليه سائر عمله»(4).

قال: وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”إنما مثل الصلاة فيكم كمثل البرى وهو النهر على باب أحدكم يخرج إليه في اليوم والليلة يغتسل منه خمس مرات فلم يبق الدرن على الغسل خمس مرات، ولم يبق الذنوب على الصلاة خمس مرات”.

وفي جامع”الأخبار»قال: قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):»لا تضيعوا صلاتكم، فإن من ضيع صلاته حشره الله تعالى مع قارون وفرعون وهامان لعنهم الله وأخزاهم وكان حقاً على الله أن يدخله النار المنافقين فالويل لمن لم يحافظ على صلاته”

قال: وقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): من ترك الصلاة حتى تفوته من غير عذر فقد حبط عمله، ثمّ

قال: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة”.

وعن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)»من ترك الصلاة لا يرجو ثوابها ولا يخاف عقابها فلا أبالي يموت

يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً»(5).


1) الكافي: 265/3 - 5،5 32/4 ووسائل الشيعة: 4 / 32 - 4437.

2) الكافي: 265/3، ووسائل الشيعة: 43/4 ح 4469.

3) من لا يحضره الفقيه: 18 / 208ح 624.

4) منتهى الطلب: 10/4.

5) ميزان المحكمة: 1644/2، وتحرير الأحكام 173/1.

وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”من أعان تارك الصلاة بلقمة أو كسوة فكأنما قتل سبعين نبياً أولهم آدم وآخرهم محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)»هذا.

والأخبار في هذا المعنى كثيرة جداً وفيما أوردناه كفاية للمهتدي المسترشد وإنما المهم الإشارة إلى علة وجوب الصلوات الخمس وبعض أسرارها.

أما علة وجوبها فقد روى في”الفقيه»عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام أنه قال: جاء) نفر من اليهود إلى رسول الله فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فيما ساله انه قال له: أخبرني عن الله لأيّ شيء فرض الله عزّ وجلّ هذه الخمس الصلوات في خمسة مواقيت على أمتك في ساعات الليل والنهار؟ فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)”إنّ الشمس عند الزوال لها حلقة تدخل فيها فإذا دخلت فيها زالت الشمس فيسبح كلّ شيء دون العرش بحمد ربي جل جلاله وهي الساعة التي يصلي فيها علي ربي ففرض الله عليّ وعلى أمتي فيها الصلاة (1)وقال:

(وأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ) [الإسراء: 78].

وهي الساعة التي يؤتى فيها بجهنّم يوم القيامة فما من مؤمن يوافق تلك الساعة أن يكون ساجداً أو راكعاً أو قائماً إلا حرم الله جسده على النار.

وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها من الشجرة فأخرجه الله من الجنّة فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة واختارها لأنتي فهي من احبّ الصّلوات إلى الله عزّ وجلّ وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات. وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله على آدم وكان بين ما أكل من

الشجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء فصلى آدم ثلاث ركعات ركعة لخطيئته وركعة لخطيئة حوا، وركعة لتوبته فافترض الله هذه الثلاث ركعات على أمتي وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء فوعدني الله أن يستجيب لمن دعاه فيها وهي الصلاة التي أمرني ربي بها في قوله:

(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ [الروم: 17].

وأما صلاة العشاء الآخرة فإنّ للقبر ظلمة، وليوم القيامة ظلمة أمرني الله بهذه الصلاة وأمتي لتنوّر الصور وليعطني وأمتي النور على الصراط، وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلا حرم الله جسدها على النار وهي الصلاة التي اختارها الله للمرسلين قبلي.

وأما صلاة الفجر فإن الشمس إذا طلعت تطلع على قرن شيطان، فأمرني الله أن أصلي قبل طلوع الشمس صلاة الغداة وقبل أن يسجد لها الكافر لتسجد امتي الله عزّ وجلّ وسرعتها


1) المحاسن: 322/2 - 63، والأمالي: 256.

أحب إلى الله وهي الصّلاة التي يشهدها ملائكة الليل وملائكة النّهار»(1).

وعلة أخرى: لذلك وهو ما رواه في”الفقيه»أيضاً عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: لما هبط آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الجنّة ظهرت به شأمة سوداء في وجهه من قرنه إلى، قدمه فطال حزنه وبكاؤه على ما ظهر به فأتاه جبرئيل فقال له: ما يبكيك يا آدم؟ فقال: لهذه الشامة التي ظهرت بي قال: قم يا آدم فصل فهذا وقت الصلاة الأولى، فقام فصلى، فانحطت الشامة إلى عنقه، فجاءه في الصلاة الثانية فقال: يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الثانية، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى سرّته، فجاءه في الصلاة الثالثة فقال: يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الثالثة فقام فصلى فانحطت الشامة إلى ركبتيه، فجاءه في الصّلاة الرابعة فقال يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الرابعة فقام فصلّى فانحطت الشامة إلى قدميه فجاءه في الصلاة الخامسة فقال يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الخامسة، فقام فصلى فخرج منها، فحمد الله وأثنا عليه فقال جبرئيل: يا آدم مثل ولدك في هذه الصلاة كمثلك في هذه الشامة من صلى من ولدك في كلّ يوم وليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت هذه الشامة، ويأتي لها علة ثالثة ان شاء الله في شرح الخطبة المائة والحادية والتسعين»(2).

من وأما أسرار الصلاة: فهي كثيرة لا يمكن استقصاؤها وإنّما نشير إلى نبذ منها مما أشير إليها في الروايات ووصل إلينا من أولي الألباب والدرايات وأرباب المعرفة والإشارات فنقول وبالله التوفيق:

أنّ الصّلاة الكاملة قد خصت بين سائر العبادات بأنها بمنزلة انسان كامل مشتمل على روح وجسد منقسم إلى ظهر وبطن وسرّ، وعلن ولروحه وسرّه أخلاق، وصفات ولجسده وعلنه أعضاء وأشكال، فروح الصّلاة أهل معرفة الحق والعبودية له بالإخلاص والتوحيد.

أما أخلاقها وصفاتها الباطنة فيجمعها أمور وهي:حضور القلب، والتفهم والتعظيم والهيبة، والرجاء، والحياء، وهذه ست خصال شريفة وحالات كريمة وملكات عظيمة لا يوجد جميعها إلا في مؤمن امتحن الله قلبه بنور الإيمان والعرفان.

أما حضور القلب: فهو تفريغ القلب من غير ما هو ملابس له ومتكلم به وصرفه إلى ما يتلبس به من الأفعال ويتكلم به من الأقوال، ولا يحصل ذلك إلا بعد معرفة المصلى بأن الغرض المطلوب منه هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى، وأن الصلاة وسيلة إليها، فإذا أضيف إلى تلك المعرفة العلم بحقارة الدنيا وخستها وزوالها انصرف القلب عن مهمات الدنيا لا محالة وتوجّه إلى صلاته الموصلة وإلى سعادات الآخرة وهو معنى حضور القلب.


1) کتاب الصلاة: 192، والأمالي الصدوق: 257.

2) علل الشرائع: 3339/2، ووسائل الشيعة: 16/4.

روى إبراهيم الكرخي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال:»إني لأحب الرجل المؤمن منكم إذا قام في صلاة فريضة أن يقبل بقلبه إلى الله تعالى ولا يشغل قلبه بأمر الدنيا، فليس من عبد يقبل بقلبه في صلاته إلى الله تعالى إلا أقبل الله إليه بوجهه وأقبل بقلوب المؤمنين إليه بالمحبة بعد حب الله إياه»(1).

وعن الخصال بإسناده عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث الأربعمائة قال:”لا يقومن أحدكم في الصلاة متكاسلاً ولا ناعساً ولا يفكرن في نفسه، فانه بين يدي ربه عزّ وجلّ، وإنما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه»(2).

أقول: ومرّ ذلك أن الصلاة في الحقيقة معراج المؤمن ومناجاة الرب المعبود، فلا بد فيه من الإقبال، لأنّ من لا يقبل عليك لا يستحق اقبالك عليه، كما لو حاربك من تعلم غفلته من محاربتك وإعراضه عن محاورتك فإنه يستحق إعراضك عن خطابه واشتغالك بجوابه.

قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)»من أراد أن ينظر منزلته عند الله فلينظر منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد مثل ما ينزل العبد إليه من نفسه»(3).

وأما التفهم: فهو التدبر في معنى اللفظ، وهو أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضراً مع اللفظ ولا يكون حاضراً مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللّفظ هو المراد بالتفهم، وقد ذم الله أقواماً على ترك التدير حيث قال:

(أفلا يتدبرونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].

وروى سيف بن عمير عمن سمع أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”من صلى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين الله ذنب إلا غفر له»(4).

ثم الناس في هذا المقام أي مقام التفهم متفاوتون، إذ ليس يشترك الجميع في تفهم معاني القرآن والتسليمات وكم من معاني لطيفة يفهمها المصلّي في أثناء الصلاة ولم يكن خطر بقلبه قبل ذلك، ومن هذا الوجه كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإنّما يفهم أموراً هي مانعة من الفحشاء لا محالة.

روی یونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال:»اعلم أن الصلاة حجزة الله في الأرض فمن أحب أن يعلم ما أدرك من نفع صلاته فلينظر فان كانت صلاته حجزته عن


1) ثواب الأعمال: 135، والأمالي: 150.

2) دعائم الإسلام: 158/18، والأمالي: 742.

3) عدة الداعي: 167.

4) الكافي: 266/3 ح 12، ووسائل الشيعة: 475/5 ح 7102

الفواحش والمنكر فإنّما أدرك من نفعها بقدر ما احتجز ومن أحب أن يعلم ما له عند الله فليعلم ما الله عنده (1).

وأما التعظيم: فهو أمر وراء حضور القلب والفهم، فربما يخاطب الرجل عبده بكلام وهو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه، ولا يكون معظماً له فالتعظيم أمر زائد عليهما، وهو حالة للقلب منشأها معرفة جلال الرب سبحانه وكبريائه وعظمته مع معرفة حقارة النفس وخشتها وكونها عبداً مسخّراً مربوباً، فيتولد من هاتين المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع الله سبحانه، فيعبر عنه بالتعظيم.

روى الحلبي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: إذا كنت في صلاتك فعليك بالخشوع والإقبال على صلاتك، فان الله تعالى يقول: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 2]، ثمّ الخشوع كما يكون في القلب كذلك يكون في الجوارح، ويدلّ عليه ما رواه الطبرسي في”مجمع البيان»أن النبي رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”أما أنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه»(2).

وأما الهيبة: فأمر زائد على التعظيم وهي عبارة عن خوف منشأه التعظيم، لأن من لا يخاف لا يسمّى هايباً، والمخافة من العقرب والحية وسائر الموذيات ومن العقوبة وسوء خلق العبد وما يجري مجرى ذلك من الأسباب الخسيسة لا تسمّى مهابة، فالهيبة خوف مصدره الإجلال، وهي متولّدة من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ أمره ومشيته فيه مع قلة مبالاته به، وأنه بحيث لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه مثقال ذرة، لا سيما إذا انضم إلى ذلك ملاحظة ما جرى على الأنبياء والأولياء من أنواع المحن والمصائب والبلاء، وكلما زاد العلم بالله وكبريائه زادت الهيبة والخشية، ولأجل ذلك قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا [فاطر: 28].

روى فضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: كان علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا قام إلى الصلاة تغيّر لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقاً.

وعن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) إني رأيت عليّ بن الحسين عليهما السلام إذا قام إلى الصلاة غشي لونه لون، اخر، فقال لي:”والله إنّ علي بن الحسين عليهما السلام كان يعرف الذي يقوم بين يديه”.

وعن جهم بن حميد عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:»قال أبي: كان علي بن الحسين إذا قام إلى الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شيء إلا ما حركت الزيح منه»(3).


1) المحاسن: 252/ ح 18 273، ووسائل الشيعة: 686/ ح 4 252/1.

2) دعائم الإسلام: 174/1، وشرح أصول الكافي: 237/8.

3) الكافي: 300/3 ح 4، ووسائل الشيعة: 4 / 685 ح 7100.

وقد أخرجت هذه الروايات وسابقتها من الوسائل رواها فيه بإسنادها من”الكافي»وغيره.

وأما الرجاء: فلا شك أنّه زائد على ما سبق؛ فكم من معظم ملكاً من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ولا يرجو انعامه، ومبرته والعبد ينبغي أن يكون راجياً بصلاته ثواب الله كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله، ومنشأ الزجاء معرفة لطف الحق وكرمه وعميم جوده وإحسانه وشمول رحمته وانعامه ومعرفة صدقه في وعده على الصلاة بالثواب وبشراء بالجنّة وحسن المآب، فبمجموع المعرفة بلطفه سبحانه والمعرفة بصدقه يحصل الرجاء.

قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”الصلاة مرضاة الله وحب الملائكة، وسنّة الأنبياء ونور المعرفة، وأصل الإيمان، وإجابة الدعاء، وقبول الأعمال وبركة في الرزق وراحة في البدن، وسلاح على الأعداء، وكراهة الشيطان وشفيع بين صاحبها وملك الموت، والسراج في القبر، وفراش تحت جنبه وجواب منكر ونكير ومونس في السراء والضراء، وصائر معه في قبره إلى يوم القيامة»(1).

وأما الحياء: فزيادته على ما سبق واضحة، لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء، حيث لا يتوهم تقصير وخطأ ومنشأ استشعار التقصير وتوهّم الذنب علم المكلف بالعجز عن القيام بوظائف العبودية والتعظيم على ما يليق بحضرة الربوبية سبحانه، ويزيد ذلك بالإطلاع على كثرة عيوب النفس وآفاتها، وفرط رغبتها في أفعالها وحركاتها وسكناتها إلى الدنيا وشهواتها، وقلة اخلاصها في طاعاتها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله وعظمته وكبرياؤه، ومع المعرفة بأنه خبير بصير مطلع على السرائر عالم بالضمائر؛ وهذه المعارف إذا حصلت يقيناً انبعث منها الحياء.

وأما أعضاء الصلاة: وأشكالها فهي القيام والقعود والقراءة، والتشهد والركوع، والسجود وظاهرها يرتبط بظاهر الإنسان، وبه يكلف العوام الذين درجتهم درجة الأنعام ليمتازوا بذلك التعبد الظاهري عن سائر أنواع الحيوان في العاجل، ويستحقوا به نوعاً من الثواب في الآجل، وباطنها يلتزم بباطن الإنسان ممن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

أمّا صلاة الظاهر المأمور بها شرعاً والمفروضة على كافة المكلفين سمعاً فأعدادها معلومة وأوقاتها مرسومة وأركانها، مضبوطة وأحكامها في الكتب مسطورة، لا حاجة بنا ، الى تفصيلها لشهرتها، وكفاية الكتب الفقهيّة في تعيين شرائطها وأحكامها.

وأما صلاة الباطن وصلاة أهل الخصص فنشير إلى بعض أسرارها ويسير مما ينبغي لها


1) شجرة طوبى: 440/2، ومستدرك سفينة البحار: 351/6.

لتكون على ذكر منها عند القيام بها، وتأتي بها على وجه البصيرة والمعرفة إن كنت من أهل القرب والطاعة فنقول وبالله التوفيق:

أما الطهارة: فإذا أتيت بها في مكانك وهو طرفك الأبعد، ثم في ثيابك وهو غلافك الأقرب، ثمّ في بشرتك وهو قشرك الأدنى فلا تغفل عن تطهير ذاتك وإزالة رجس الشيطان عن لبّك بالتوبة والندم على التفريط في جنب الله كما قال سبحانه: وَثِيَابَكَ فَطَعَرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: 4 - 5]، فطهر قلبك فانه منظر معبودك.

وأما ستر العورة: فمعناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق أعني سكان عالم الأرض، فإذا وجب عليك ستر ظاهر البدن عن الخلق وهم مخلوق مثلك فما ظنك في عورات باطنك وفضائح سترك الذي هو موضع نظر معبودك وخالقك، فانها أولى بالستر وأحرى، فاحضر تلك الفضائح ببالك، وطالب نفسك بسترها بالندم والخوف والحياء، ونزل نفسك منزلة العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكساً رأسه من الحياء والخوف.

وأما الاستقبال: فهو صرف ظاهر وجهك من سائر الجهات إلى جهة البيت الحرام أفترى أنك مأمور بذلك ولست مأموراً بتوجيه قلبك إلى معبودك، فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك، وكما لا يمكن التوجه بالبيت إلا بالالتفات عن سائر الجهات فكذلك لا يمكن التوجه إلى الحق إلا بالإعراض عن كل ما عداه والانقطاع بكليته إلى الله.

وأما القيام: فليكن على ذكرك في الحال خطر القيام بين يدي الرب المتعال في القيامة وهول المطلع في مقام العرض والسؤال حين ما أيقن أهل الجرائم بالعقاب وعاينوا أليم العذاب فقم بين يديه سبحانه قیام عبد ذلیل بين يدي ملك جليل، وعليك بخفوت أطرافك وهدر أطراقك وسكون جوارحك وخشوع أجزائك وحاسب نفسك قبل أن تحاسب وزن نفسك قبل أن توزن.

وأما النية: فاعلم أن الأعمال بالنيات وأنّ النية رأس العبادات، فاجتهد في تحصيل الإخلاص رجاء للثواب وخوفاً من العقاب وطلباً للقرب إلى العقاب وطلباً للقرب إلى رب الأرباب.

قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):»إذا كان أوّل صلاته بنية يريد بها ربه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته وليخسأ الشيطان»(1).

وأما التكبير: فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك، فإن كان هواك أغلب عليه من أمر الله وأنت أطوع له منك لله فقد اتخذته إلها لك ومعبوداً من دون الله كما قال عزّ من قائل: (أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنهُ ﴾ [الفرقان: 43] فقولك: الله أكبر يكون حينئذ كلاماً


1) الكافي: 268/3 ح 3، ووسائل الشيعة: 1/ 80 ح 3 80/1.

بمجرد اللسان من دون أن يساعده القلب والجنان فيشهد الله سبحانه عليك بأنك لكاذب في تكبيره وتعظيمه كما شهد على المنافقين بأنهم لكاذبون في قولهم: قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله [المنافقون: 1]، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التدارك بالتوبة والاستغفار.

وأما القراءة: فالناس فيها على ثلاثة أقسام: السابقون وهم المقربون، وأصحاب اليمين وهم أهل الجنّة وأصحاب الشمال وهم أهل النار فرجل يتحرك لسانه وقلبه غافل عما هو فيه ويتكلّم به، بل مشغول الفكر بأعراض نفسه ومعاملاته وتجاراته وخصوماته وغيرها، ورجل يتحرّك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره وهو مقام أصحاب اليمين، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولاً ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه كما ربّما يخطر ببالك شيء فينبعث منك داعية الشوق إلى التكلم به وفرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب وبين أن يكون القلب ترجماناً تابعاً للسان، والمقربون لسانهم ترجمان قلوبهم.

وتوضيح ترجمة المعاني: أنك إذا قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فادفع وساوس قلبك وعجب نفسك، وطهر ساحة قلبك من خطرات إبليس وأحاديث النفس ليتيسر لك الدخول في باب الرّحمة فينفتح لك باب الملكوت بالمغفرة وباب الجبروت بالفضل والكرامة، وإذا قلت: بسم الله الرّحمن الرّحيم، فانو به التبرك باسمه، واعلم أن الأمور كلّها بالله وهي من فيض رحمته في الدنيا والآخرة فإذا كانت النعم الدنيوية والأخروية مبدؤها وجوده وكانت كلها من بحر كرمه وجهوده كما قال عزّ من قائل: وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: 53]، فاعلم أنه لا يليق الحمد والثناء إلا الله سبحانه، فقل: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، فلو كنت ترى نعمة من عند غيره وتتوقع منه الوصول إليها وتقرع بيد السؤال بأبه بزعم استقلاله فيها لا باعتقاد أنه واسطة في ايصالها إليك وآلة لوصولها إلى يديك فتشكره بذلك، ففي تسمينك ونحميدك نقصان وأنت بقدر التفاتك إلى غيره كاذب فيهما.

ثم اعلم أنك تأسيت في تحميدك الله بالملائكة المقربين حيث قالوا قبل أن يخلق الله سبحانه هذه النشأة: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30]، وبعباد الله الصالحين، حيث إنهم بعد ما يحكم بينهم وبين المجرمين يوم الحاقة بالحق فيحمدون ربهم كما أخبر عنهم بقوله: وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ [ الزمر: 75]، وبعد ما يعبرون الصراط ويجدون رائحة الجنان يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا) [الأعراف: 43] وبعد: ما يتمكنون في قصور الجنّات ويجلسون وسط الروضات يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا) [الزمر: 74]، وبعدما ينالون غاية الأمال ويجزون الحسنى بالأعمال يكون آخر كلامهم حمد الزب المتعال، (وَءَاخِرُ دَعْوَنهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس: 10]، فإذا كان بداية العالم ونهايته مبنيّة على الحمد فاجتهد أن يكون بداية عملك ونهايته كذلك، وكما أن حمد هؤلاء المقربين ناش عن وجه الإخلاص واليقين، فليكن ثناؤك كذلك.

وإذا قلت (رَبّ الْعَلَمِينَ ﴾، فاعلم أنّه سبحانه مربيك ومربي سائر الخلائق أجمعين حيث إنه خلقهم وساق إليهم أرزاقهم ودبر أمورهم وقام بمصالحهم وبدأ بالآمال قبل السؤال وأنه رباهم بعظيم ما لديه من دون جلب ربح ومنفعة منهم إليه كما هو شأن سائر المربين والمحسنين فانهم انما يربون ويحسنون ليربحوا على ذلك وينتفعوا بذلك إما ثواباً أو ثناء، فإذا كان تربيته كذلك قلينبعث منك مزيد شوق ورجاء إلى فضله ونواله.

وليشتد ذلك الرجاء إذا قلت: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فإن رحمته سبحانه لا نهاية لها، فبرحمته الرّحمانية خلق الدنيا وما فيها، وبرحمته الرّحيمية يجزى المؤمنين الجزاء الأوفى، وهو الذي ينادي عبده ويشرفه بألطف الخطاب حين ما واراه في التراب، وودعه الأحباب ويقول: عبدي بقيت فريداً وحيداً فأنا أرحمك اليوم رحمة يتعجب الخلائق منها.

ثم لا تغتر بذلك ولا تأمن من غضبه واستشعر من قلبك الخوف، وإذا قلت: ملِكِ يَوْمِ الدين، فاحضر في نظرك أنواع غضبه وقهره على أهل الجرائم والجوائز واعلم أنه مانع ذلك اليوم من سخطه ولا راد من عقابه ولا راد من عقابه لانحصار الملك يومئذ فيه، فلبس لأحد لجأ يؤويه.

ثم إذا حصلت بين الخوف والرجاء فجرد الإخلاص والتوحيد وقل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، أي لا يستحق العبادة إلا أنت ولا معبود سواك ولا نعبد إلا إياك، وتقطن لسرّ التكلم بصيغة الجمع نكتة تشريك الغير معك في الإذعان بالعبودية، وهو أن من باع أمتعة كثيرة صفقة بعضها صحيح وبعضها معيب فاللازم على المشتري إما قبول الجميع أو ردّ الجميع، ولا يجوز له ردّ المعيب وأخذ، الصحيح، فههنا قد مزجت عبادتك بعبادة غيرك من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين وعباد الله الصالحين وعرضت الجميع صفقة واحدة على حضرة ربّ العالمين، فهو سبحانه أجل من أن يرد المعيب ويقبل الصحيح، فإنّه قد نهى عباده عن ذلك فلا يليق بكرمه ذلك، كما لا يليق به ردّ الجميع لكون بعضها مقبولاً البتة فلم يبق إلا قبول الجميع وهو المطلوب.)ثم القيام منك بوظائف العبودية والإتيان بلوازم الطاعة لما لم يكن ممكناً إلا باعانة منه سبحانه وإفاضة منه الحول والقوة إليك فتضرع إليه تعالى واطلب منه التوفيق والإعانة وقل: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا باعانته وأنه لولا توفيقه لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين وإذا أظهرت حاجتك إليه سبحانه في إفاضته الإعانة والتوفيق فعين مسؤولك واطلب منه تعالى أهم حاجاتك وليس ذلك إلا طلب القرب من جواره؛ ولا يكون ذلك إلا بالحركة والسكون نحوه وسلوك السبيل المؤدّي إليه ولا يمكن ذلك إلا بهدايته سبحانه فقل: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم)، قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):»يعني أرشدنا للزوم الطريق المؤذي إلى محبتك والمبلغ إلى جنتك والمانع من أن تتبع أهواءنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك»(1).)


1) التقسير الأصفى: 7/1.

وزد ذلك شرحاً وتفصيلاً وتأكيداً بقولك: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وهم الذين أنعم عليهم بالتوفيق والطاعة لا بالمال والصحة وهم الذين قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَوَلَتَيكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَيكَ رَفِيقًا) [النساء: 69].)وأما الذين انعم عليهم بالمال والصحة فربما يكونون كفّاراً أو فسّاقاً من الذين لعنهم الله وغضب عليهم، أو من الضالين المكذبين، ولذلك حسن التأكيد بأن تقول: (غير الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وهم اليهود قال الله فيهم: (ومَن لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) [المائدة: 60]، وَلَا الضَّالِينَ، وهم النصارى قال الله فيهم (قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا ( [المائدة: 77]. فإذا فرغت من قراءة فاتحة الكتاب فاقرأ ما شئت من السور وعليك بالترتيل وتعمد الإعراب في ألفاظ ما تقرؤها والتفكر في معناها وسؤال الرحمة والتعوذ من النقمة عند قراءة آیتیهما، ثم إذا فرغت من القراءة فجدّد ذكر كبرياء الله سبحانه وعظمته وارفع يديك حيال وجهك وقل: الله أكبر استجارة بعفوه عن عقابه وإتباعاً لسنة رسوله، ثم تستأنف له ذلاً وتواضعاً بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وفي استشعار الخشوع، له وعليك بالطمأنينة والوقار وتسوية ظهرك ومد عنقك.

فقد قال أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ):»من أتم ركوعه لم يدخله وحشة في القبر”.

وفي مرفوعة أبي القاسم بن سلام قال: كان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)إذا ركع لو صبّ على ظهره ماء لاستقر، وأما مد العنق فمعناه إنّي آمنت بك ولو ضربت عنقي.

ثم تشهد على ربّك بالعظمة وأنّه أعظم من كل عظيم فتقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، وتكرر ذلك على القلب وتؤكده بالتكرير، ثم تنتصب قائماً وتقول: سمع الله لمن حمده والحمد لله ربّ العالمين، ثمّ تهوى إلى السجود وهو أعلى درجات التذلّل والاستكانة حيث الصقت أعز جوارحك وأشرفها وهو الجبهة بأذل الأشياء وأختها وهو التراب، وقد نهيت عن السجود على الذهب والفضة والمطاعم والملابس، لأنها متاع الحياة الدنيا والسجدة زاد الآخرة.

روى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنه قال لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): أخبرني عمّا يجوز السجود عليه وعما لا يجوز، قال:”السجود لا يجوز إلا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض: إلا ما أكل أو لبس فقال له جعلت فداك ما العلة في ذلك؟ قال: لأن السجود خضوع الله عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس لأنّ ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون والساجد في سجوده في عبادة الله عز وجل فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها»(1).


1) من لا يحضره الفقيه: 272/1 843، وعلل الشرائع: 341/2 ح 1.

وأما تعدد السجود فسره ما أشار إليه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث سأله رجل ما معنى السجدة الأولى ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):”تأويلها اللهم منها خلقتنا يعني من الأرض، وتأويل رفع ر رأسك: ومنها أخرجتنا والسجدة الثانية وإليها تعيدنا ورفع رأسك منها ومنها تخرجنا تارة أخرى»(1).

أقول: وهو مأخوذ من قوله سبحانه في سورة طه: (مِنها خَلَقْنَتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنهَا تُخْرِجُكُم تَارَةٌ أُخْرَى) [طه: 55].

ثم تجلس لتشهد على يسارك وترفع يمينك وتأويل ذلك: اللهم أمت الباطل وأقحم الحق، فتجدد العهد الله سبحانه بالشهادة بالتوحيد وللنبي بالشهادة بالرّسالة، وتصلي عليه وآله الذين هم وسائط الفيوضات النازلة، وبهم قبول الصلاة وسائر العبادات وبالتقرب إليهم يرجى نزول الرّحمة من الحق، لكونهم واسطة بينك وبين الرسول كما أنّه واسطة بين الله وبين الخلق.

ثم احضر شخصه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في قلبك وقل: السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله ورحمة الله وبركاته لتدخل في زمرة المؤمنين المحبين لنداء يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً، ثمّ سلم على نفسك وعلى عباد الله الصالحين، وتأمل أن الله يردّ عليك سلاماً بعدد عباده الصالحين، وأما قولك: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتقصد بخطابك فيه الأنبياء والملائكة والأئمة عليهم السلام والمؤمنين من الجن والإنس وتحضرهم ببالك وتخاطبهم به، وإلا كان التسليم بصيغة الخطاب لغو وإن كان مخرجاً عن العهدة، وحقيقة هذا التسليم هو الرجوع عن الحق إلى الخلق، فإن الصلاة معراج للمؤمن ومناجاة للعبد مع معبوده وحضور له مع الله وغيبته له عما سواه، فإذا انصرف منه لزم عليه تجديد العهد بالخلق والتسليم عليهم كما يسلم الغائب إذا قدم من سفره.

هذا قليل من كثير ونبذ يسير من أسرار الصلاة والمقام لا يسع الزيادة، والله ولي التوفيق والهداية.

(و) الخامس

من”الوسائل»(ايتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة) والإتيان بالوجوب بعد الفرض لمحض التأكيد والإشارة إلى تأكّد وجوبها نظير قوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِين وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْفَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّن الله وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60].


1) من لا يحضره الفقيه: 314/1 ح 930، ووسائل الشيعة: 331/6 ح 3.

فإنّه سبحانه بعد الأمر بها بالجملة الخبرية التي هي في معنى الإنشاء، عقبه بقوله: فريضة، تأكيداً للوجوب، قال الزجاج: فريضة منصوب على التوكيد، لأن قوله: إنما الصدقات لهؤلاء جار مجرى:قوله: فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر.

قال رفاعة بن موسى: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)يقول:”ما فرض الله على هذه الأمة أشدّ عليهم من الزكاة وفيها تهلك عامتهم (1).

أو الفريضة من الفرض بمعنى القطع والتقدير ومنه قوله سبحانه: لَأَتَخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء: 118] أي منقطعاً محدوداً ويطلقون الفقهاء في باب المواريث على ذوي السهام المقدرة ذوي الفرائض باعتبار أن سهامهم مقدرة معينة في كتاب الله سبحانه وعلى هذا فيكون معنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أنها فريضة واجبة) أنها شيء مقدر منقطع متصف بالوجوب، وكيف كان فهي من أعظم دعائم الذين وأقوى أركان الإسلام والكلام فيها في مقامين.

المقام الأول

في علّة وجوبها وفضلها وعقوبة مانعها.

أمّا فضلها ووجوبها فكفى بذلك أن أكثر الآيات المتضمنة للأمر بإقامة الصلاة متضمنة للأمر بايتاء الزكاة، فجعل الزكاة تالي الصلاة، والأخبار في هذا المعنى فوق حدّ الإحصاء.

ففي”الكافي»بإسناده عن محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام:قالا:”فرض الله الزكاة مع الصلاة”.

وعن مبارك العقرقوفي قال: قال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)»إن الله عزّ وجل وضع الزكاة قوتاً للفقراء وتوقيراً لأموالكم”.

وعن أحمد بن محمد بن عبد الله وغيره عن رجل من أهل ساباط قال قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعمار الساباطي:»يا عمار أنت رب مال كثير ؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: فتؤدي ما افترض الله عليك من الزّكاة؟ فقال نعم قال: فتخرج الحق المعلوم من مالك؟:قال نعم قال فتصل قرابتك ؟ قال: نعم، قال: فتصل إخوانك ؟ قال: نعم، قال: يا عمار إن المال يفنى والبدن يبلى والعمل يبقى والديان حي لا يموت يا عمار إنه ما قدمت فلن يسبقك، وما أخرت فلن يلحقك»(2).ورواه الصدوق في”الفقيه»عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثله.

وفيه أيضاً عن معتب مولى الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):»إنما وضعت الزكاة


1) الكافي: 497/3 3، ودعائم الإسلام: 247/1.

2) الكافي: 501/3 ح 15، ونهج السعادة: 6518.

اختباراً للأغنياء ومعونة للفقراء، ولو أنّ النّاس ردّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً، ولاستغنى بما فرض الله، له إنّ النّاس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلا بذنوب الأغنياء، وحقيق على الله أن يمنع رحمته ممن منع حق الله في ماله، واقسم بالذي خلق الخلق وبسط الرّزق إنه ما ضاع مال في برّ ولا بحر إلا بترك الزكاة وما صيد في برّ ولا بحر إلا بتركه التسبيح في ذلك اليوم وإن أحب الناس إلى الله أسخاهم كفاً، وأسخي الناس من أدّى زكاة ماله ولم يبخل على المؤمنين بما افترض الله لهم في ماله»(1).

وفيه أيضاً أنه كتب الرّضا علي بن موسى عليهما السلام إلى محمد بن سنان فيما كتب إليه من جواب مسائله:»أنّ علّة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء، لأن الله كلّف أهل الصّحة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى كما قال تعالى:

(لَتُبْلَونَ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 186].

في أموالكم إخراج الزكاة وفي أنفسكم توطين النفس على الصبر مع ما في ذلك من داء شكر نعم الله والطمع في الزّيادة مع ما فيه من الرفادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف والعطف على أهل المسكنة والحث لهم على المواساة، وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين وموعظة لأهل الغنى، وعبرة لهم ليستدلوا على فقراء الآخرة بهم ومالهم عن الحث في ذلك على الشكر الله لما خوّلهم وأعطاهم والدّعا والتضرع والخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصدقات وصلة الأرحام واصطناع المعروف»(2).

قال الصدوق: وقال أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام”من أخرج زكاة ماله تاماً فوضعها في موضعها لم يسأل من أين اكتسب ماله”.

قال: وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):»إنما جعل الله الزكاة في كلّ ألف خمسة وعشرين درهماً، لأن الله تعالى خلق الخلق فعلم غنيهم وفقيرهم وقوتهم وضعيفهم، فجعل من كلّ ألف خمسة وعشرين مسكيناً لولا ذلك لزادهم الله لأنه خالقهم وهو أعلم بهم»(3).

أما عقوبة تارك الزكاة ومانعها فقد قال تعالى في سورة آل عمران:

(ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا هُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَّهُمَّ بَل هُوَ شَرٌّ هَم سَيُطَوَقُونَ مَا بخِلُوا بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180] وفي سورة البراءة: يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*


1) من لا يحضره الفقيه: 8/2 ووسائل الشيعة: 12/9 8/2، ووسائل الشيعة: 12/9 ح.11392.

2) من لا يحضره الفقيه: 9/2، ووسائل الشيعة: 13/9.

3) من لا يحضره الفقيه:2/ 9ح 1582، ومسند الإمام الرضا: 204/2 ح 2.

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكنِزُونَ [التوبة: 34 - 35]. ولا يخفى ما في الآيتين من وجوه الحث على الانفاق والوعيد على الإمساك.

أما الآية الأولى: فجهات الإنذار فيها غير خفيّة، الأولى: أنه سبحانه نهى عن حسبان الممسكين امساكهم خيراً لهم ونفعاً في حقهم وأكد ذلك بالنون المفيدة للتوكيد. الثانية: أنه وصف الممسكين بصفة البخل وهي صفة ذم الثالثة: أن ما بخلوا به هو ممّا آتاهم الله فألزم عليهم أن يتصرّفوا فيه بما أمر الله ويصرفوه إلى ما أراده الله.الرابعة:أنّ ذلك شرّ لهم وضر في حقهم. الخامسة: انّهم يطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة.

روى الصدوق عن حريز عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)أنه قال:”ما من ذي ذهب أو فضة تمنع زكاة ماله إلا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقروسلّط عليه شجاعاً اقرع بريده وهو يحيد عنه فإذا رأى أنه لا يتخلّص منه انكسه فقضمها كما يقضم الفجل ثمّ يصير طوقاً في عنقه وذلك:قوله: (سَيُطَوَقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةُ ﴾ [آل عمران: 180].

وما من ذي إبل أو بقر أو غنم يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله القيامة بقاع قرقر تطاهُ يوم كلّ ذات ظلف بظلفها، وينهشه كل ذات ناب بنابها وما من ذي نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاته إلا طوقه الله ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة”.

وفي”الكافي»بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول الله عزّ وجلّ: (سَيُطَوَقُونَ مَا يَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةُ)، فقال:»يا محمد ما أحد يمنع من زكاة ماله من شيئاً إلا جعل الله ذلك القيامة ثعباناً من نار مطوقاً في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من يوم الحساب، ثمّ قال هو قول الله عزّ وجل: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة، يعنى ما بخلوا به من الزكاة»(1).

السادسة: أن ميراث السماوات والأرض كله الله سبحانه بمعنى أنه وحده يبقى وغيره يفنى ويبطل ملك كل مالك إلا ملكه فإذا كان المال في معرض الفناء والزّوال فأجد بالعاقل أن لا يبخل بالإنفاق ولا يحرص على الإمساك، فيكون وزره عليه ونفعه لغيره السابعة: أنه سبحانه خبير بما يعمله المكلفون بصير بمخالفتهم لأمره لا يعزب عن علمه بخلهم بالانفاق ومنعهم عن أهل الاستحقاق، فسيذيقهم وبال أمرهم عند المساق إذا التفت الساق بالساق.

وأما الآية الثانية: فقد روى الطبرسي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لو أنه لما نزلت هذه الآية قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): تبا للذهب والفضة يكرّرها ثلاثاً، فشق ذلك على أصحابه فسأله عمر: أي المال نتخذ؟


1) المحاسن: 18 /87 26، والكافي: 502/3 ح 1.

فقال: لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه (1).

وعن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)»ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أذى زكاته أو لم يؤد”.

وعن”التهذيب»عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)”ما أعطى الله عبداً ثلاثين ألفاً وهو يريد به خيراً وقال ما جمع رجل قط عشرة ألف درهم من حلّ وقد يجمعها لأقوام إذا أعطى القوت ورزق العمل فقد جمع الله له الدنيا والآخرة»(2).

ومحصل المعنى أن الذين يجمعون المال ولا يؤدّون زكاتهم فأخبرهم بعذاب موجع، وللتعبير عن ذلك بلفظ البشارة مبني على التّهكّم، لأن من يكنز الذهب والفضة فانما يكنزهما لتحصيل الوجاهة بهما يوم الحاجة والتوسل إلى الفرج يوم الشدة فقيل له: هذا هو الوجاهة والفرج ما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس إلا الشتم (يومَ يُحْمَى عَلَيْهَا) [التوبة: 35] أي يوقد على الكنوز في نار جهنم حتى تصير ناراً (فَتَكُوى بها) [التوبة: 35] أي بتلك الأموال والكنوز التي منعوا حقوقها الواجبة (جَبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: 35] وتخصيص هذه الأعضاء بالكي بوجوه.

أحدها: أن منظورهم بكسب الأموال وترك الانفاق ليس إلا الأغراض الدنيوية وهو حصول الوجاهة لهم عند الناس وحصول الشبع لهم بأكل الطيبات فينفتح منه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فوقع الكي على هذه الأعضاء جزاء لأغراضهم الفاسدة.

الثاني:أن الجباه كناية عن مقاديم البدن والجنوب عن طرفيه والظهور عن المآخير، والمراد به أن الكي يستوعب تمام البدن.

الثالث: أن الجبهة محل السجود فلم يقم فيه بحقه والجنب مقابل القلب الذي لم يخلص في معتقده، والظهر محلّ الأوزار قال: يحملون أوزارهم على ظهورهم.

لرابع: أن هذه الأعضاء مجوفة وليست بمصمتة وفي داخلها آلات ضعيفة يعظم التالم بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف سائر الأعضاء.

الخامس: وهو أحسن الوجوه وألطفها أن صاحب المال إذا رأى الفقير او لا قبض جبهته وعبس وجهه وإذا دار الفقير يوليه جنبه وإذا دار يولّيه ظهره وقوله (هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُن) [التوبة: 35] أي يقال لهم في حالة الكي هذا هو الذي ادخرتموه لأنفسكم، وهو تبكيت لهم بأن المال الذي بخلتم بانفاقه وادخرتموه لتنتفعوا به صار عذابكم به فكأنكم أكنزتموه ليجعل عقاباً لكم (فَذُوقُوا﴾ [التوبة: 35] عقاب (مَا كُنتُمْ تَكْتِرُونَ﴾ [التوبة: 35] به لا بغيره.


1) الغدير:377/8، وتفسير مجمع البيان: 47/5.

2) تهذيب الأحكام: 328/6 - 907، ووسائل الشيعة: 36/17.

قال الطبرسي صاحب التفسير قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”ما من عبد له مال لا يؤدي زكاته إلا جمع يوم القيامة صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنباه وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار”.

قال: وروى ثوبان عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)”من ترك كنزاً مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبیبتان يتبعه ويقول: ويلك ما أنت فيقول أنا كنزك الذي تركت بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعه سائر جسده»(1).

المقام الثاني

في أسرار الزكاة ودقائق بذل المال وهي أمور:

الأول: أنّ المؤمن الموحد إذا أقرّ بالتوحيد باللسان لزم إذعانه به بالجنان ومعنى التوحيد إفراد المعبود بالمحبوبية وإخلاص القلب عما سواه والفراغ عن كلّ ما عداه، فإنّ المحبة أمر لا يقبل الشركة والأموال محبوبة عند الخلائق، لأنها آلة تمتعهم بالدنيا، وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أنّ فيه لقاء المحبوب، فجعل الله بذل المال امتحاناً لهم وتصديقاً لدعوتهم المحبة له سبحانه والناس في ذلك ثلاثة أصناف:

صنف صدقوا التوحيد وحذفوا عن ساحة قلوبهم ما سوى المعبود وبذلوا أموالهم من غير تعرض بوجوب الزكاة ولم يدخروا لأنفسهم ديناراً ولا درهماً، ولم يتركوا بعدهم صفراء ولا بيضاء، وهم الذين قال الله سبحانه في حقهم: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: 9] وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِينَا وَیَتِيمَا وَأَسِيرًا [الإنسان: 8].

روى في”الكافي»بإسناده عن محمد بن سنان عن الفضل قال: كنت عند أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسأله رجل في كم تجب الزكاة من المال ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له: الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد ؟ فقال: أريدهما جميعاً، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما الظاهرة ففي كل ألف خمسة وعشرون، وأمّا الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك»(2).

وصنف درجتهم دون درجة الصنف السابق وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات، فيكون قصدهم في الادخار الانفاق على نفسه وعياله الواجب النفقة بقدر الحاجة وصرف الفاضل إلى وجوه البر مهما ظهر، وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة وهم الذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم.


1) الغدير: 376/8، ومجمع الزوائد: 64/3.

2) جواهر الكلام (9/15، والكافي: 3/ 500 ح 13.

روى في”الكافي»بإسناده عن أبي بصير قال كنا عند أبي عبد الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومعنا بعض

: أصحاب الأموال، فذكروا الزكاة فقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ):”إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، وانما هو شيء ظاهر إنما حقن بها دمه وسمّى بها مسلماً، ولو لم يؤدّها لم يقبل له صلاة، وإن عليكم في أموالكم غير الزكاة فقلت أصلحك الله ومالنا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال: سبحان الله أما تسمع الله عزّ وجلّ يقول في كتابه: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24 - 25].

قال: ماذا الحق المعلوم الذي علينا ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هو الشيء يعلمه الرجل في ماله يعطه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر غير أنه يدوم عليه (1).

وعن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله في قول الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج: 24-25].

أهو سوى الزكاة ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):»هو الرجل يؤتيه الله الثروة من المال فيخرج منه الألف المال فيخر والألفين والثلاثة آلاف والأقل والأكثر فيصل به رحمه ويحمل به الكلّ عن قومه (2).

وعن القاسم عبد الرحمن الأنصاري قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”إنّ رجلاً جاء إلى أبي علي بن الحسين عليهما السلام فقال له: اخبرني عن قول الله عزّ وجل: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسّابِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24-25] ما هذا الحق المعلوم؟ فقال له علي بن الحسين عليهما السلام الحق المعلوم الشيء يخرجه الرّجل من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضين قال فإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة فما هو ؟ فقال: هو الشيء يخرجه الرّجل من ماله إن شاء أكثر وإن شاء أقل على قدر ما يملك فقال له الرجل: فما يصنع به؟ قال: يصل به رحماً ويقوى به ضعيفاً و يحمل به كلا أو يصل به أخاً له في الله ولنائبة تنويه فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته»(3)هذا.

والمحروم الرجل الذي ليس بعقله بأس ولم يبسط له في الرزق، رواه الكليني عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.

والصنف الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدن عليه ولا ينقصون منه وهي أدنى الرتب، وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وفرط ميلهم إليه وضعف حبّهم للآخرة.


1) الكافي: 500/3 ح 13، ومعاني الأخبار: 153 ح 1.

2) الكافي: 449/3 10، ووسائل الشيعة: 48/9 ح11490.

3) بحار الأنوار: 268/66، وتفسير نور الثقلين: 417/5ح26.

السر الثاني: من أسرار الزّكاة أنها مطهرة من صفة البخل وهي صفة مذمومة من جنود النفس قال سبحانه:

(وخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِرُهُمْ وَتُزَكّهم بها) [التوبة: 103] وقال: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

الثالث:أنّ شكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً وهو على ما قاله العلماء عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم، فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن والعبادات المالية شكر لنعمة المال، فيحكم العقل بوجوبها لكونها شكراً للمنعم، وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وانتقع لونه من مس الجوع ثم لا يسمح نفسه أن يؤدّي شكر الله تعالى على اغنائه عن السؤال واحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله.

قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية سماعة بن مهران المروية في”الكافي”: ومن أدى ما فرض الله عليه فقد قضى ما عليه وأدّى شكر ما أنعم الله عليه في ماله إذا هو حمده على ما أنعم الله عليه فيه بما فضله به من السعة على غيره، ولما وفقه لأداء ما فرض الله عزّ وجلّ عليه وأعانه عليه. (1).

الرابع: أن النفس الناطقة لها قوتان نظرية وعملية فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسناً إلى الخلق، ساعياً في إيصال الخيرات إليهم، دافعاً للأفات عنهم.

الخامس: أن المال سمّى مالاً لميل كلّ أحد إليه وهو في عرض التلف والزوال مهادم في يده فهو غاد ورائح، وإذا أنفق في مصارف الخير ووجوه الله بقى بقاء لا يزول، لأنه يوجب الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، وقد مرّ في الخطبة الثانية والعشرين أنّ لسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره، فان المراد بلسان الصدق هو الذكر الجميل، قال حاتم لامرأته مارية:

أمارتي إنّ المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر

لقد علم الأقوام لو أنّ حاتماً أراد ثراء المال كان له وقر

السادس: أن كثرة المال موجبة لحصول الطغيان والانحراف عن سبيل الرحمان كما قال عزّ من قائل:

(كلا إن الإنسَنَ لَيَطْغَى*أَن رَوَاهُ اسْتَغى) [العلق: 6 - 7].


1) الكافي: 499/3 ح،، ووسائل الشيعة: 47/9.

فأوجب الله الزكاة لتقليل سبب الطغيان وجبراً لمفسدته إلى غير ذلك من الأسرار التي يستنبطها العقل بأدنى توجّه والله الهادي إلى الخيرات.

(و) السادس

(صوم شهر رمضان فإنّه جنّة من العقاب) ووقاية من النار يوم (العقاب ووقاية من النار يوم الحساب، وإنما خصه بهذه العلة مع كون سائر العبادات كذلك لكونه أشد وقاية من غيره بيان ذلك أن استحقاق الإنسان للعقوبة إنما هو بقربه من الشيطان واطاعته له وللنفس الأمارة، وبشدّة القرب وضعفه يتفاوت العقاب شدة وضعفاً، وبكثرة الطاعة وقلتها يختلف العذاب زيادة ونقصاناً، وسبيل الشيطان على الإنسان ووسيلته إليه إنّما هي الشهوات، وقوة الشهوة بالأكل والشرب، فبالجوع والصوم يضعف الشهوة وينكسر صولة النفس وينسد سبيل الشيطان وينجي من العقوبة، والخذلان كما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع (1).

وقال صلوات الله عليه وآله لعائشة:”دوامي قرع باب الجنّة، قالت: بماذا ؟ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): بالجوع”.

قال الغزالي في”إحياء العلوم»في تعداد فوائد الجوع ويأتي إن شاء الله جميعها في التذييل الثاني من شرح الفصل الثاني من الخطبة المائة والتاسعة والخمسين:

»الفائدة الخامسة»وهي من أكبر الفوائد كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء، فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى ومادة الشهوات والقوى لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة وإنما السعادة كلها في أن يملك الرّجل نفسه، والشقاوة في أن تملكه نفسه، وكما أنك لا تملك الذابة الجموح إلا بضعف الجوع، فإذا شبعت قویت و شردت وجمحت فكذلك النفس، وهذه ليست فائدة واحدة، بل هي خزائن الفوائد ولذلك قيل: الجوع خزانة من خزائن الله.

فقد اتضح ذلك كون الصوم جنة من النار، ووقاية من غضب الجبّار، وأن فيه من إذلال النفس وقهر إبليس وكسر الشهوات ما ليس في سائر العبادات وهو واجب بالضرورة من الدين واجماع المسلمين ونص الكتاب المبين قال سبحانه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيام كما كتب على الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم شَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ


1) مستدرك الوسائل: 220/16 19650 19650، وعوالي الثالي: 273/1 ح 97.

وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْوَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كان مريضا أو على سفر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا الله على ما هَدَتكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 183 - 185] قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الآية: لذة ما في النداء أزال تعب العبادة والعناء (1).

وفي قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، إشارة إلى ما ذكرنا سابقاً من أن الصوم جنة ووقاية به يتقي من العقاب وينجى من العذاب.

والمستفاد من الآية الشريفة أنّ الصوم كان مكتوباً مفروضاً على الأمم السالفة كما أنه مكتوب على الأمة المرحومة، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في أن الصوم المفروض علينا بهذه الكيفية المخصوصة في وقته وعدده هل كان في سائر الأمم كذلك.

ذهب بعض العامة إلى ذلك على ما حكاه في”مجمع البيان”، حيث روى فيه عن الشعبي والحسن أنهما قالا إنه فرض علينا صوم شهر رمضان كما كان فرض صوم شهر رمضان على النّصارى، وكان يتفق ذلك في الحرّ الشديد والبرد الشديد فحوّلوه إلى الربيع وزادوا في عدده.

وذهب آخرون إلى أن التشبيه في الآية بين فرض صومنا وفرض صوم من تقدّمنا من الأمم، أي كتب عليكم صيام أيام كما كتب عليهم صيام، ايام، وليس في ذلك تشبيه عدد الصوم المفروض علينا ولا وقته بعدد الصوم المفروض عليهم ولا، وقته قال الطبرسي وهو اختيار أبي مسلم والجبائي (2).

أقول: وهذا هو الأقوى ويدلّ عليه صريحاً ما رواه في”الفقيه عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث النخعي قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”إن شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم، قبلنا فقلت له: فقول الله عزّ وجلّ”:

يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:183]

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):»إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم، ففضل الله به هذه الأمة وجعل صيامه فرضاً على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلى أمته»(3)، هذا.


1) التفسير الصافي: 219/1 ح 183، والتفسير الأصفي: 85/1.

2) مجمع البيان: 6/2.

3) فصائل الشهر الثلاثة: 124 ح 131.

والكلام بعد في علة وجوب الصوم وفضله وفضل صوم شهر رمضان خصوصاً والآداب التي يكون عليها الصائم.

أما علة وجوب الصوم: ففي”الفقيه»سأل هشام بن الحكم أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن علّة الصيام فقال:»إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير وذلك إن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير لأنّ الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه فأراد الله أن يسوّي بين خلقه وأن يذيق الغني من الجوع والألم ليرق على الضعيف ويرحم الجائع» (1).

وكتب أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مس»علة الصّوم عرفان مس الجوع والعطش ليكون ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً صابراً ويكون ذلك دليلاً له على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات واعظاً له في العاجل دليلاً على الأجل ليعلم شدّة مبلغ ذلك من أهل الفقر والمسكنة في الدنيا والآخرة»(2).

وروى عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام أنّه قال:»جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فسأله أعلمهم من مسائل فكان فيما سأله أنّه قال: لأي شيء فرض الله الصوم على أمتك بالنّهار ثلاثين يوماً وفرض على الأمم أكثر من ذلك؟ فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن آدم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوماً ففرض الله على ذريته ثلاثين يوماً الجوع والعطش، والذي يأكلونه بالليل تفضل من الله عليهم وكذلك كان على آدم ففرض الله عزّ وجلّ ذلك على أمتي ثم تلى هذه الآية»(3).

(هو كتب عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

قال اليهودي: صدقت يا محمد فما جزاء من صامها؟ فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):»ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتساباً إلا أوجب الله له سبيع خصال:أولها يذوب الحرام من جسده، والثانية: يقرب من رحمة الله والثالثة: يكون قد كفر خطيئة أبيه آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ). والرابعة: يهون الله عليه سكرات الموت. والخامسة: أمان من الجوع والعطش يوم القيامة والسادسة: يعطيه الله براءة من النار. والسابعة: يطعمه الله من طيبات الجنّة قال: صدقت یا محمد»(4).

وأما فضل الصوم: مطلقاً ففي”الكافي»و»الفقيه»عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال:”بنى الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والصوم والحج، والولاية، وقال


1) علل الشرائع: 378/2 ح 2، ووسائل الشيعة: 7/10 ح 12697.

2) من لا يحضر الفقيه: 2/ 73 1767، وعلل الشرائع: 378/2 ح.

3) من لا يحضره الفقيه: 44/2، والأمالي: 260.

4) الخصال: 346 ح 14، والأمالي: 260.

رسول الله: الصوم جنة من النار»(1).

وفيهما عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لأصحابه:”ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال:”الصوم يسود وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والموازرة على العمل الصالح يقطع دابره والاستغفار يقطع وثينه، ولكلّ شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام»(2).

وفيهما عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”أوحى الله إلى قال:”أوحى الله إلى موسى ما يمنعك من مناجاتي؟ فقال: يا ربّ أجلك عن المناجاة لخلوف فم الصائم، فأوحى الله إليه يا موسى لخلوف فم المسك الصّائم أطيب عندي من ريح.

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للصائم فرحتان:”فرحة حين افطاره، وفرحة حين لقاء ربه»(3).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)»من صام الله يوماً في شدة الحر فأصابه ظمأ وكل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشرونه حتى إذا أفطر قال الله عزّ وجلّ: ما أطيب ريحك وروحك يا ملائكتي اشهدوا أني قد غفرت له”.

وفي»الكافي»عن أبي الصباح عن الصباح عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)قال:”إن الله تبارك وتعالى يقول: الصوم لي وأنا أجزي عليه (4)، ورواه في”الفقيه»عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مثله إلا أن فيه به بدل عليه.

وتخصيصه من بين سائر العبادات مع كون جميعها الله سبحانه من جهة مزيد اختصاصه به تعالى إما لأجل أنّ الصّوم عبادة لم يعبد بها غير الحق سبحانه بخلاف سائر العبادات والركوع والقيام والقربان، ونحوها فانها ربما تؤتى بها للمبعودات الباطلة كما يعبد بها للمبعود بالحق، وأما الصوم فلم يتعبد به إلا الله سبحانه وتعالى، أو لأن الصوم عبادة خفية بعيدة عن الرّيا وليست مثل سائر العبادات التي تعلّقها بالجوارح والأعضاء الظاهرة غالباً، ولذلك لم تسلم من الشرك الخفي والرياء كثيراً.

وأما فضل شهر رمضان: وفضل صومه ففي”الوسائل»عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أعطيت أمّتي في شهر رمضان خمساً لم يعطها الله امة نبي قبلي إذا كان أول يوم منه نظر الله لهم فإذا نظر الله عزّ وجلّ إلى شيء لم يعذبه بعدها، وخلوف أفواههم حين


1) الكافي: 62/4 ح 1، ومن لا يحضره الفقيه: 74/2.

2) الكافي: 65/4 ح 13، ومن لا يحضره الفقيه: 76/2 ح 1779.

3) فضائل الأشهر الثلاثة: 120 ح 120، وروضة الواعظين: 349.

4) الكافي: 663/4، ومن لا يحضره الفقيه: 2/ 75 ح1773.

تمسون أطيب عند الله من ريح المسك، ويستغفر لهم الملائكة كل يوم وليلة منه، ويأمر الله عزّ وجلّ جنته فيقول تزيني لعبادي المؤمنين يوشك أن يستريحوا من نصب الدنيا وأذاها إلى جنتي وكرامتي فإذا كان آخر ليلة منه غفر الله عزّ وجلّ لهم جميعاً.

وعن علي بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام قال:”قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): رجب شهر الله الأصب وشهر شعبان تتشعب فيه الخيرات وفي أول يوم من شهر رمضان تغل المردة من الشياطين ويغفر في كلّ ليلة السبعين ألفاً فإذا كان ليلة القدر غفر الله لمثل ما غفر في رجب وشعبان وشهر رمضان إلى ذلك اليوم إلا رجل بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله عزّ وجلّ انظروا هؤلاء حتي يصطلحوا»(1).

وعن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقول:»إنّ الله عزّ وجلّ في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار سبعين ألف ألف عتيق من النار كلّ قد استوجب النار، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان اعتق مثل ما أعتق في جميعه»(2).

وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حديث قال:”من صام شهر رمضان وحفظ فرجه ولسانه وكف أذاه عن النّاس غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، وأعتقه من النار وأدخله دار القرار وقبل شفاعته بعدد رمل عالج من مذنبي أهل التوحيد»(3).

وفي”العيون»بإسناده عن حسن بن فضال عن أبيه عن الرّضا عن آبائه عن عليّ عليهم السلام إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)خطب ذات يقوم فقال:

»أيّها النّاس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم

، فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب فاسألوا الله ربّكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه فان الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم وارحموا صغاركم وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم وتوبوا إلى الله من ذنوبكم وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات


1) وسائل الشيعة: 315/10 ح13495.

2) الكافي: 4 / 68 ح 7، والأمالي: 113 ح 91.

3) الأمالي: 71 ح 38، وبحار الأنوار: 356/93 ح 24.

صلاتكم، فانّها أفضل الساعات ينظر الله عزّ وجلّ فيها إلى عباده يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.

أيّها النّاس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخفّفوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أنّ الله اقسم بعزّته أن لا يعذب المصلين، والساجدين، وأن لا يروّعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين.

أيّها النّاس من فطر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق نسمة، ومغفر لما مضى من ذنوبه، فقيل يا رسول الله فليس كلنا نقدر على ذلك، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اتقوا النار ولو بشق تمرة اتقوا النار ولو بشربة من ماء”.

»أيها الناس من حسن في هذا الشهر منكم خلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه، ومن كف فيه شره كفّ الله عنه غضبه يوم يلقاه ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أذى فيه فرضاً كان له ثواب من أذى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور ومن أكثر فيه من الصلوات عليّ ثقل الله له ميزانه تخف الموازين ومن تلى فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من يوم ختم القرآن في غيره من الشهور»(1).

أيها الناس إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فاسألوا ربكم أن لا يغلقها عليكم وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم ان لا يسلّطها عليكم”.

قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): فقمت وقلت يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا هذا الشهر؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):»يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزّ وجلّ، ثمّ بکی (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال: أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك، فقلت: يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): في سلامة من دينك ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): يا علي من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، لأنك مني كنفسي وطينتك من طينتي وأنت وصني وخليفتي على أمتي»(2).

وأما آداب الصوم: والحالات التي يجب أن يكون الصائم عليها فنقول: إن الصوم على


1) الأمالي: 155، ووسائل الشيعة: 314/10.

2) الأمالي 155، وروضة الواعظين: 346.

ثلاث مراتب و درجات بعضها فوق بعض. الأولى: صوم العموم. الثانية: صوم الخصوص.الثالثة: صوم الأخص.

أما صوم العموم فهو المفروض على عامة المكلفين، وهو الكف عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب الشرعي مع النية والمشهور في المفطرات أنها عشرة: الأكل والشرب والجماع والبقاء على الجنابة عمداً، وفي حكمه النوم بعد انتباهتين، والغبار الغليظ، وفي حكمه الدخان كذلك، والكذب على الله سبحانه ورسوله والأئمة عليهم السلام والارتماس والاستمناء مع خروج المني والحقنة والقيء والتفصيل مذكور في

الكتب الفقهية.

وأما صوم الخصوص فهو أن يكون جامعاً لشرائط الكمال مضافة إلى شرائط الصحة كما أشار إليه الإمام سيد الساجدين وزين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دعائه عند دخول شهر رمضان حيث قال:”اللهم صلّ على محمد وآل محمد وألهمنا معرفة فضله واجلال حرمته والتحفظ ممّا حظرت فيه وأعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك واستعمالها بما يرضيك حتى لا نصغي باسماعنا إلى لغو ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، وحتى لا نبسط أيدينا إلى محظور ولا نخطو أقدامنا إلى محجور، وحتى لا تعي بطوننا إلا ما أحللت ولا تنطق ألسنتنا إلا بما مثلت ولا نتكلّف إلا ما يدني من ثوابك ولا نتعاطي إلا ما يقي من عقابك، ثم خلص ذلك كله من رياء المرائين وسمعة المسمعين لا نشرك فيه أحداً، دونك، ولا نبغي به معبوداً سواك”.

و محصل شروط الكمال أن لا يكون يوم صومه كيوم فطره ومداره على أمور:

منها غض السّمع والبصر عن محارم الله وعن كلّ ما يلهي النّفس عن ذكر الله، وكذلك حفظ سائر الأعضاء عن المعاصي والآثام.

قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رواية”الكافي”: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك وعدد أشياء غير هذا وقال: لا يكون يوم صومك كيوم فطرك (1)، وتقدم ما يدلّ على ذلك، وسيأتي أيضاً.

ومنها: حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والخصومة بل عن طلق التكلّم إلا بذكر الله.

روي في”الكافي»عن جراح المدائني عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”إنّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قالت مريم: إنّي نذرت للرحمن صوماً أي صمتاً فاحفظوا ألسنتكم وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا”.


1) الكافي: 87/42 ح 1، ومن لا يحضره الفقيه: 108/2 ح 1855.

قال وسمع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) امرأة تسب جارية لها وهي صائمة، فدعى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بطعام فقال لها:كلي، فقالت: إني صائمة فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك، إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب»(1).

قال: وقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)»إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقيح ودع المراء وأذى الخادم وليكن عليك وقار الصيام، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك»(2).

ويأتي إن شاء الله في شرح الكلام المائة والأربعين في ضمن الأخبار الواردة في حرمة الغيبة حديث الفتاتين الصائمتين الذي رواه المحدث الجزائري في”الأنوار النعمانية»وفيه تنبيه على عظم خطر الغيبة في حال الصيام فانتظر لما يتلى عليك وتبصر.

وعن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه عليهم السلام قال:»قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ما من عبد صالح يشتم فيقول: إني صائم سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني إلا قال الرب تبارك وتعالى: استجار عبدي بالصّوم من شرّ عبدي وقد أجرته من النار.

وعن حماد بن عثمان وغيره عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”لا ينشد الشعر بليل ولا ينشد في شهر رمضان بليل ولا نهار فقال له إسماعيل: يا أبتاه وإن كان فيناً، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): وإن كان

فینا»(3).

وبالجملة فاللازم علی الصائم التحفظمن سقطات اللسان وفضول البيان والمواظبة على الاستغفار والدعاء وتلاوة القرآن وسائر الأذكار.

قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):»عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار والدعاء، فأما الدعاء فيدفع به عنكم البلاء، وأما الاستغفار فتمحی به ذنوبکم»(4).

وقال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)»وكان علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا كان شهر رمضان لم يتكلم إلا بالدعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير فإذا أفطر قال: اللهم إن شئت أن تفعل فعلت”.

ومنها: ترك شمّ الرّياحين ولا سيما النرجس.

ومنها: الكفّ عن الإفطار على الشبهات، روى في”الوسائل»عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: جاء قنبر مولى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفطره إليه فجاء بجراب فيه سويق وعليه خاتم


1) الکافی:4/87ح3،و من لایحضره الفقیه:2/109ح1861.

2) النوادر 21 ح 9، والكافي: 187/4.

3) الكافي:4/ 88 ح 6، ووسائل الشيعة: 169/10 ح 13138.

4) الأمالي: 118، وبحار الأنوار: 379/93 ح 2.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن هذا لهو البخل تختم على طعامك قال: فضحك (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم قال:”أو غير ذلك لا أحبّ أن يدخل بطني شيء لا أعرف سبيله»(1).

ومنها: أن لا يكثر من الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلي ويثقل فما من وعاء أبغض إلى الله من بطن مملو.

روى في”البحار»عن مجالس ابن الشيخ (ره) بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام في حديث طويل لإبليس مع يحيى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”قال يحيى (عَلَيهِ السَّلَامُ): فهل ظفرت بي ساعة قط ؟ قال: لا، ولكن فيك خصلة قال تعجبني، السلام يحيى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فما هي؟ قال:

أنت رجل أكول فإذا أفطرت أكلت وشبعت فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل قال يحيى:: فاني أعطي الله عهداً إني لا أشبع من الطعام حتى ألقاه قال له إبليس: وأنا أعطي الله عهداً إني لا أنصح مسلماً حتى ألقاه ثم خرج فما عاد إليه»(2).

ومنها: أن يكون قلبه بعد الإفطار مضطرباً بين الخوف والرجاء إذ لا يدري أن صومه مقبول فهو من المقربين أو مردود فهو من المحرومين.

مر بعض أصحاب العقول بقوم يوم عيدهم وهم ضاحكون مستبشرون فقال: ان الله سبحانه جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته فسبق أقوام ففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كلّ العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه المبطلون.

وأما صوم أخص الخواص فصوم القلوب عن الهمم الدنيوية والأغراض الدنية وكفّه عن التوجه إلى ما سوى الله بالكلية لدوام استغراقه بالحق عن الالتفات بغيره فالفطر في هذا الصوم الذي هو فيه هو الفكر فيما سوى الله واليوم الآخر وصرف الهمة في غير طاعة الله وطاعة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و من أغراض النفس ومقاصد الطبع.

(و) السابع

(حج البيت واعتماده فانّهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب) أي يغسلانه ويطهرانه وقد مضى الكلام في فضل الحج والمشاعر العظام وفضل البيت الحرام بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثامن عشر من فصول الخطبة الأولى ونورد هنا ما لم يسبق ذكره هناك.

فأقول: تعليل الحج والاعتمار بنفي الفقر ورحض الذنب إشارة إلى أن فيهما جمعاً بين منفعة الدنيا ومنفعة الآخرة وإلى ذلك أشار سبحانه في سورة الحج بقوله:


1) وسائل الشيعة: 159/10 ح13109.

2) مستدرك الوسائل: 16 / 216 ح 19639، والأمالي: 340.

(وأذن في النَّاس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * يَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج: 27 - 28].

قال ابن عباس: يعني بالمنافع التجارات، وقال سعيد بن المسيب وعطية: هي منافع الآخرة وهي العفو والمغفرة، وقال مجاهد: هي التجارة في الدنيا والأجر والثواب في الآخرة.

ويشعر به المروي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قال في رواية:”إنّي حيث قال في رواية: إنّي سمعت الله عزّ وجل يقول: ليشهدوا منافع لهم فقيل: منافع الدنيا أو منافع الآخرة ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الكل»(1).

وفي”الفقيه»قال رسول الله (عَلَيهِ السَّلَامُ)”ما من حاج يضحي ملبياً حتى تزول الشمس إلا غابت ذنوبه معها والحج والعمرة ينفيان الفقر كما ينفي الكير خبث الحديد»(2).

وفي”الكافي»بإسناده عن خالد القلانسي عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”قال علي بن الحسين عليهما السلام حجوا واعتمروا تصح أبدانكم وتتسع أرزاقكم وتكفون مؤنات عيالاتكم، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)”الحاج مغفور له وموجوب له الجنّة ومستأنف له العمل ومحفوظ في أهله وماله”.

وعن السكوني عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

»الحجة ثوابها الجنّة والعمرة كفارة لكل ذنب”.

وعن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنّي قد وطنت نفسي على لزوم الحج كلّ عام بنفسي أو برجل من أهل بيتي بما لي، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ)”وقد عزمت على ذلك؟ قال:، قلت نعم قال إن فعلت فأيقن بكثرة”المال» (3).

وعن الفضيل بن يسار قال سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

لا يخالف الفقر والحمى مدمن الحج والعمر».

وعن أبي محمد الفرا قال: سمعت جعفر بن محمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)”تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد»(4).

وعن ابن الطيار قال: قال أبو عبد الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):»حجج تترى وعمر تسعى يدفعن عيلة الفقر


1) الكافي: 264/4 ح 1، وميزان الحكمة: 914/2ح 5.

2) النوادر: 139 ح 359، والكافي: 255/4 ح 12.

3) بحار الأنوار: 96 / 25 ح 107، وميزان الحكمة: 535/1.

4) النوادر: 139 ح 359، والكافي: 255/4 ح 12.

وميتة السوء»(1).

أقول المستفاد من هذه الروايات أن للحج والعمرة بذاتهما مدخلية في زيادة المال ونفي الفقر لا من حيث التجارة الحاصلة في موسم الحج وقيام الأسواق حينئذ كما زعمه الشارح البحراني.

(و) الثامن

(صلة الرحم فانها مثراة في المال ومنساة في الأجل) يعني أنها موجبة للزيادة في المال والتأخير في الأجل ومحلّ لهما، وقد مرّ الكلام فيها مستوفى في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثالثة والعشرين.

قال الشارح البحراني كونها مثراة في المال من وجهين:

أحدهما: أن العناية الإلهية قسمت لكلّ حيّ قسطاً من الرزق يناله مدة الحياة الدنيا وتقوم به صورة، بدنه، فإذا اعدت شخصاً من النّاس للقيام بأمر جماعة وكلّفته بامدادهم ومعونتهم وجب في العناية افاضة أرزاقهم على يده وما يقوم بامدادهم بحسب استعداده لذلك، سواء كانوا ذوي أرحام أو مرحومين في نظره حتى لو نوى قطع أحدهم فربما نقص ماله بحسب رزق ذلك المقطوع، وذلك معنى كونه مثراة للمال.

الثاني: أنّ صلة الرحم من الأخلاق الحميدة التي يستمال بها طباع الخلق فواصل رحمه مرحوم في نظر الكل، فيكون ذلك سبباً لإمداده ومعونته من ذوي الإمداد والمعانات كالملوك ونحوهم فكان صلة الرحم مظنة لزيادة المال.

وكونها منساة في الأجل من وجهين:

أحدهما:أن صلة الرحم توجب تعاطف ذوي الأرحام وتوازرهم ومعاضدتهم لواصلهم فيكون عن أذى الأعداء أبعد وفي ذلك مظنة تأخيره وطول عمره.

الثاني: :أن مواصلة ذوي الأرحام توجب تعلق هممهم ببقاء واصلهم وإمداده بالدعاء، ويكون دعاؤهم وتعلق هممهم ببقائه من شرائط بقائه ونساء أجله فكانت مواصلتهم منسأة في أجله.

(و) التاسع

الصدقة وهي على قسمين:


1) الكافي: 261/4 - 36، ووسائل الشيعة: 124/11 ح 14415.

أحدهما: (صدقة السر فانّها تكفرالخطيئة) وتطفي غضب الرب سبحانه، وانما خصها بذلك مع كون سائر العبادات كذلك لكونها أبعد من الرياء وتضمنها من الخلوص والتقرب ما ليس في غيرها.

روى في»الكافي» عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام قالا:”قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صدقة السر تطفي غضب الرب تبارك وتعالى».

وعن عمار الساباطي قال: قال لي أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ):»يا عمار الصّدقة والله في السرّ أفضل من الصدقة في في العلانية، وكذلك والله العبادة في السّر أفضل منها في العلانية.

وعن معلى بن خنيس قال: خرج أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ليلة قد رشت وهو يريد ظلة بني ساعدة فاتبعته فإذا قد سقط منه شيء فقال:”بسم الله اللهم ردّ علينا”، قال: فأتيته فسلمت عليه فقال:”معلی»قلت: نعم، جعلت فداك، فقال لي:”التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه إلي”، فإذا أنا بخبز منتشر كثير فجعلت أدفع عليه ما وجدت فإذا أنا بجراب أعجز عن حمله من خبز فقلت: جعلت فداك أحمله على رأسي (1)فقال:”لا أنا أولى به منك ولكن امض معي، قال: فأتينا ظلة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام، فجعل يدس الرغيف والرّغيفين حتى أتى على آخرهم ثم انصرفنا فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق ؟ فقال: لو عرفوه لواسيناهم بالدقة والدقة هي الملح إن الله تبارك وتعالى لم يخلق شيئاً إلا وله خازن يخزنه إلا الصدقة فإنّ الرب يليها بنفسه وكان أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا تصدّق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتدّ منه فقبله وشمّه ثمّ ردّه في يد السائل، إن صدقة اللّيل تطفي غضب الرب وتمحو الذنب العظيم وتهوّن الحساب، وصدقة النهار تثمر المال وتزيد في العمر، إن عيسى ابن مريم عليهما السلام لما أن مر على شاطىء البحر رمى بقرص من قوته في الماء، فقال له بعض الحواريين: يا روح الله وكلمته لم فعلت هذا وانما هو من قوتك ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فعلت هذا الدابة تأكله من دواب الماء وثوابه عند الله عظيم”.

(و) الثاني: (صدقة العلانية فانها تدفع ميئة السوء) كالغرق والحرق والهدم ونحوها.

ويدلّ عليه روايات أخر مثل ما رواه ثقة الإسلام الكليني عطر الله مضجعه بإسناده عن عبد الله سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”إن الصدقة باليد تقي ميتة السوء بن وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء وتفك عن لحى سبعين شيطاناً كلهم يأمره أن لا يفعل”.

وعن أبي ولاد قال: سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:»بكروا بالصدقة وارغبوا فيها، فما من مؤمن يتصدق بصدقة يريد بها ما عند الله ليدفع الله بها عنه شر ما ينزل من السماء إلى


1) »عاتقي»في نسخة.

الأرض في ذلك اليوم إلا وقاه الله شر ما ينزل في ذلك اليوم»(1).

وعن السكوني عن جعفر عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إن الله لا إله إلا هو ليدفع بالصدقة الداء والدبيلة(2)والحرق والعرق والهدم والجنون وعد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبعين باباً من السوء (3).

وعن سالم بن مكرم عن أبي عبد الله قال: مز يهودي بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: السّام عليك، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): عليك، فقال أصحابه انما سلّم عليك بالموت، فقال الموت عليك قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): وكذلك رددت، ثمّ قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله، قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله ثم لم يلبث أن انصرف فقال له رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ضعه، فوضع الحطب، فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال: يا يهودي أي شيء عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملاً إلا حطبي هذا احتملته وجئت به فكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): بها دفع الله عنك، فقال: إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان»(4).

وعن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:”إن الصدقة لتدفع سبعين بلية من بلايا الدنيا مع ميتة السوء إن صاحبها لا يموت ميتة السوء أبداً مع ما يدخر لصاحبها من الأجر في الآخرة (5).

(و) العاشر

(صنائع المعروف فانها تقي مصارع الهوان) المعروف اسم لكل فعل يعرف حسنه بالعقل والشرع كالإحسان والبر والصلة والصدقة على الناس والرفق معهم وسائر أعمال الخير واصطناع المعروف لما كان مستلزماً لتأليف قلوب الخلق وجامعاً لهم على محبة المصطنع لا جرم كان وقاية، له والناس يتقون قتله ويجتنبون عن فعل ما يوجب الهوان به وذلته وهو ظاهر.

ونظير هذا الكلام ما رواه عبد الله بن میمون القداح عن أبي عبد الله عن آبائهم عليهم السّلام قال:”صنائع المعروف تقي مصارع السوء”.


1) الكافي: 9/40، وتهذيب الأحكام 105/4.

2) الطاعون وداء في الجوف.

3) الكافي: 5/4 ح 1، ووسائل الشيعة: 384/9 ح 12295.

4) دعائم الإسلام: 242/18، ووسائل الشيعة: 386/9 ح 12300.

5) شرح أصول الكافي: 242/4، ووسائل الشيعة: 269/6 ح 3.

وروى عبد الله بن سليمان قال: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول:”إن صنائع المعروف تدفع مصارع السوء.”.

وهذا من جملة خواصه في الدنيا ومنها أيضاً زيادة البركة.

روى السكوني عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:»قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن البركة أسرع إلى البيت الذي يمتار منه فيه خ المعروف من الشفرة إلى سنام البعير أو من السيل إلى منتهاه»(1).

وأما ثمراته الأخروية فكثيرة أشيرت إليها في أخبار متفرقة ففي”الفقيه»قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”أول من يدخل الجنة المعروف وأهله وأوّل من يرد علي الحوض”، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وتفسيره انه إذا كان يوم القيامة قيل لهم هبوا حسناتكم لمن شئتم وادخلوا الجنة”، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):”كل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان»(2).

وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):»أيما مؤمن أوصل إلى أخيه المؤمن معروفاً فقد أوصل ذلك إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):»المعروف شيء سوى الزكاة فتقربوا إلى الله عزّ وجلّ بالبر وصلة الرحم”، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ):»رأيت المعروف كاسمه وليس شيء أفضل من المعروف إلا، ثوابه، وذلك يراد منه، وليس كلّ من يحب ان يصنع المعروف إلى الناس يصنعه وليس كل من يرغب فيه يقدر عليه ولا كل من يقدر عليه يوزن له فيه فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والاذن فهنالك تمت السعادة للطالب والمطلوب إليه”.

وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً:”رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خصال: تصغيره، وستره وتعجيله فإنّك إذا صغرته عظمته عند من تصنعه إليه، وإذا سترته تممته وإذا عجلته هنأته، وان كان غير ذلك محقته ونكدته، ورواه في”الكافي»بإسناده عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحوه، وهو إشارة إلى بعض آداب صنع المعروف (3).

ومن جملتها أيضاً ما أشير إليه في رواية مفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ):”يا مفضل إذا أردت أن تعلم إلى خير يصير الرجل أم إلى شرّ انظر إلى أين يضع معروفه، فإن كان يضع معروفه عند أهله فاعلم أنه يصير إلى خير وان كان يضع معروفه عنه غير أهله فاعلم انه ليس له في الآخرة من خلاق»(4).


1) الكافي: 4 / 6 ح 6، روسائل الشيعة: 387/9 ح 1233.

2) الكافي: 27/4 ح،4، والخصال: 134ح145.

3) الخصال: 133 ح 143، ومكارم الأخلاق: 136.

4) الكافي: 286/20، ووسائل الشيعة 16 / 300 ح 21600.

هنا انتهى الجزء السابع من هذه الطبعة النفيسة القيمة، وتم تصحيحه وترتيبه وتهذيبه بيد العبد السيد إبراهيم الميانجي عفى عنه وعن والديه وذلك في اليوم الثالث من شهر رجب الأصب سنة 1380 ويليه إن شاء الله الجزء الثامن والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

محتوى الجزء السابع من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

الفصل السادس...5

اللغة...6

الإعراب...9

المعنى...10

الترجمة...25

الفصل السابع...27

اللغة...27

الإعراب...28

المعنى...28

الترجمة...37

الفصل الثامن...38

اللغة...39

الإعراب...40

المعنى...41

الترجمة...47

ومن كلام له لما أريد على البيعة وهو الواحد والتسعون من المختار في باب

لخطب...49

اللغة...49

الإعراب...49

المعنى...50

الترجمة...56

ومن خطبة له وهي الثانية والتسعون من المختار في باب الخطب ...57

الفصل الأول...57

اللغة...57

الإعراب...58

المعنى...58

الترجمة...69

الفصل الثاني...70

اللغة...70

الإعراب...71

المعنى...71

الترجمة...77

ومن خطبة له وهي الثالثة والتسعون من المختار في باب الخطب...78

اللغة...78

الإعراب...79

المعنى...80

الترجمة...89

من خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) و الرابعة والتسعون من المختار في باب الخطب...91

اللغة...91

الإعراب...91

المعنى...91

الترجمة...93

ومن أخرى وهي الخامسة والتسعون من المختار في باب الخطب...94

اللغة...94

الإعراب...94

المعنى...94

الترجمة...97

ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو السادس والتسعون من المختار في باب الخطب...98

اللغة...99

الإعراب...100

المعنى...101

الترجمة...106

ومن كلام له السابع والتسعون من المختار في باب الخطب...109

اللغة...109

الإعراب109

المعنى...109

الترجمة...117

ومن خطبة له وهي الثامنة والتسعون من المختار في باب الخطب...118

اللغة...118

الإعراب...119

المعنى...119

الترجمة...125

ومن أخرى وهي التاسعة والتسعون من المختار في باب الخطب...127

اللغة...127

الإعراب...127

المعنى...128

الترجمة132

ومن أخرى وهي المائة من المختار في باب الخطب...134

اللغة...134

الإعراب...135

المعنى...136

الترجمة....141

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجري هذا المجرى وهي المائة والواحدة من المختار في باد

الخطب...143

اللغة...143

الإعراب...143

المعنى...144

الترجمة...147

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) الام وهي المائة والثانية من المختار في باب الخطب148

الفصل الأول ...148

اللغة...148

الإعراب...149

المعنى...149

الترجمة...154

الفصل الثاني...155

اللغة...155

الإعراب...156

المعنى...156

الترجمة...171

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائة والثالثة من المختار في باب الخطب...172

اللغة...172

الإعراب...172

المعنى...172

الترجمة...176

ومن خطبة له وهي المائة والرابعة من المختار في باب الخطب...177

الفصل الأول...177

اللغة...177

الإعراب...178

المعنى...178

الترجمة...200

الفصل الثاني...201

اللغة...201

الإعراب...201

المعنى...202

الترجمة...207

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائة والخامسة من المختار في باب الخطب...208

الفصل الأول...208

اللغة...208

الإعراب...209

المعنى...209

الترجمة...219

الفصل الثاني...221

اللغة...221

الإعراب...221

المعنى...221

الترجمة...224

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض أيام صفين وهي المائة والسادسة من المختار في باب

الخطب...225

اللغة...225

الإعراب...225

المعنى...226

الترجمة...227

ومن خطبة له وهي من خطب الملاحم والمائة والسابعة من المختار في باب الخطب...228

الفصل الأول...228

اللغة...228

الإعراب...229

المعنى...230

الترجمة...240

الفصل الثاني...242

اللغة...242

الإعراب...243

المعنى243

الترجمة...248

ومن خطبة له وهي عالم المائة والثامنة من المختار في باب الخطب...250

الفصل الأول...250

اللغة...250

الإعراب...251

المعنى...254

الترجمة...263

الفصل الثاني...265

اللغة...266

الإعراب...266

المعنى...267

ايقاظ...277

تنبیه...280

الترجمة...287

الفصل الثالث...290

اللغة...290

الإعراب...291

المعنى...292

الترجمة...300

الفصل الرابع...301

الإعراب...301

المعنى...301

الترجمة...307

ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي المائة والتاسعة من المختار في باب الخطب...308

اللغة...308

الإعراب...309

المعنى...310