منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة المجلد 6

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

مِنْهاج البَراعَة

شَرْحِ

نَهْجُ البَلاغَةِ

لَمؤلفِهِ

الْعَلامَةِ المُحِقَّقِ الْحاجّ میرزا حَبیبُ اللهُ الهاشِمّی الْخوُئی قُدِّس سِرُّه

طبعة جَديدة

ضَبْط وَ تَحقيَق

عَلي عَاشور

الطبعة الأولى

1424ه- - 2003م

اَلمجَلَّد السَّادِسْ

دَارُ احيَاء التُراثِ العَرَبي

بيروت- لبنان

لِمُؤلّفِهِ

الْعَلامَةِ المُحِقَّقِ الْحاجّ میرزا حَبیبُ اللهُ الهاشِمّی الْخوُئی قُدِّس سِرُّه

صنفها

الفاضل البارع المحقق الشیخ حسن (حسن زاده) الاملی

مؤسِّسَة التَاریخ العَرَبی

مَكْتَبَةُ الرَّوضَة الحَيْدَريَّة

www.haydarya.com

محرر الرقمي: ميلاد الأحمدي

اشارة

نَهْجُ البَلاغَةِ

خطَبْ، رَسَائِلٌ، كلَامْ، وصَايا عهُود، حِكَمْ، وَ مَواعظ

الإمَامْ عَليْ بن أبيْ طَالِب عَلیْهِ السَّلَامْ

مِنْهاج البَراعَة

شَرْحِ

نَهْجُ البَلاغَةِ

لَمؤلفِهِ

الْعَلامَةِ المُحِقَّقِ الْحاجّ میرزا حَبیبُ اللهُ الهاشِمّی الْخوُئی قُدِّس سِرُّه

طبعة جَديدة

ضَبْط وَ تَحقيَق

عَلي عَاشور

اَلمجَلَّد السَّادِسْ

دَارُ احيَاء التُراثِ العَرَبي

بيروت- لبنان

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424ه- - 2003م

دار إحياء التراث العربي DAR EHIA AL TOURATH AL-ARABI

للطباعة و النشر و التوزيع Publishing & Distributing

بيروت- لبنان- شارع دكاش- هاتف 272652 - 272655- 272782 - 272783 فاکس: 850717- 850623 ص.ب. 11/7957

Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11

بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِِ الرَّحِيمِ

الفصل السادس

اشارة

وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَجازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ و مَزالِقِ دَحْضِه، و أَهاويلِ زَلَلِه، و تاراتِ أَهْوالِهِ، فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ ذي لُبِّ شَغَلَ التَّفَكرُ قَلْبَهُ و أَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ، وَ أَسْهَرَ التَّهَجُدُ غِرارَ نَوْمِهِ، و أََظْمَأُ الرَّجاءُ هَواجِرَ يَوْمِهِ، و ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَواتِهِ، و أََوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسانِهِ، و قَدمَ الْخَوْفَ لأمانِهِ، وَ تَنكََّبَ الْمَخالِجَ عَنْ وَضَح السَّبِِيلِِ ، و سَلَكَ أَقْصَدَ المَسالِكَ إِلَى النَّهْج المطلُوبِ، وَ لَمْ تَفْتِلُهُ فاتِلاتُ الْغُرور، وَ لَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَهاتُ الأُمُورِ، ظافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى، وَ راحَةِ النُّعْمَى، في أَنْعَم نَوْمِهِ، وَ آمَنَ يَوْمِهِ، قَدْ عَبَرَ مَعْبَر الْعاجِلَةِ حَميداً، و قَدَّمَ زَادَ (1الآجِلَةِ سَعِيداً، و بادَرَ مِنْ وَجَلٍ، و أَكْمَشَ في مَهَلٍ، و رَغِبَ فِي طَلَبِ، و ذَهَبَ عَنْ هَرَب، و راقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، و نَظَرَ قُدْماً أَمامَهُ ، فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَواباً و نَوالاً، و كَفى بالنّارِ عِقاباً و وَبالاً، و كَفَى بِاللهِ مُنتَقِماً و نَصيراً، و كَفَى بِالْكِتاب حَجِيجاً و خصيماً، أوصيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الّذي أَعْذَرَ بِما أَنْذَرَ، وَ احْتَجُ بِِما نَهَج، و حَذْرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ في الصُّدُورِ خَفِيّاً، و نَفَثَ في الآذَانِ نَجِيَّاً، فَأَضَلَّ و أََُرْدَى، وَ وَعَدَ فَمَنّى، و ِزَيَّنَ سَيِّئاتِ الْجَرائِم، و هَوَّنَ مُوبقاتِ الْعَظائِمِ، حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ، وَ اسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ، أَنْكَرَ ما زَيَّنَ، وَ اسْتَعْظَمَ ما هَوّنَ، و حَذَرَ ما آمَنَ (2)) (3)«أَمَّنَ خ».

اللغة

(المزالق) جمع المزلق و هو الموضع الذي يزلق فيه القدم و لا تثبت و مكان (دحض) و يحرّك زلق و (التّارات ) جمع تارة و هي المرّة و الحين و (النّصب) التّعب و (هجد و تهجد) نام و هجد و تهجد سهر و استيقظ فهو من الأََضداد و (الغرار) بكسر (الغين) المعجمة القليل من النّوم و (الظمأ) العطش و (الهواجر) جمع الهاجرة و هو نصف النّهار عند اشتداد الحرّ يقال أتينا أهلنا مهجرين أي سائرين في الهاجرة و (ظلف) نفسه عنه يظلفها من باب ضرب منعها من أن تفعله أو تأتيه أو كفّها عنه و (أوجف) في سيره أسرع و الوجيف ضرب من سير الإبل و الخيل.


1) في نسخة: قَدِمَ.

2) في نسخة: أمَّنَ.

3) عيون الحكم و المواعظ: 507، و ميزان الحكمة: 1451/2.

وَ قَدَّمَ اَلْخَوْفَ لِأَمَانِهِ هكذا في نسختين للمعتزلي و البحراني و في بعض النّسخ لإبانه (بالباء) الموحّدة المشدّدة بعد الهمزة المكسورة و بعد (الباء) (بالنّون). قال في «القاموس» ابّان الشيء بالكسر حينه أو أوّله و الأوّل أظهر و أوفق و (نكب) عنه من باب نصر و فرح نكْباً و نكَباً و نكوباً عدل كنكب و تنكب و نكبه تنكيباً لازم متعدّ و طريق منكوب على غير قصد. و (المخالج) المشاغل من خلج يخلج أي شغل و جذب و (الوضح) محجة الطريق و (فتله) يقتله من باب ضرب لواه و فتل وجهه عنهم صرف و (النّعمى) و النّعيم الخفض و الدّعة و المال كالنّعمة، و أنعم الله صباحك من النَعومة جعله ذا رفاهيّة و (أكمش) أسرع و (القدم) بالضمّ و بضمّتين و القدمة كالقدم محركة السّابقة في الأَُمر و (نفث) ينفث من باب نصر و ضرب من النّفث و هو كالنّفخ و منه النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ و نفث الشّيطان في قلبه القاه و (استدرجه) خدعه و أدناه و قرين الشّيطان و (قرينته) التّابع لرأيه.

قال الشّارح المعتزلي: القرينة ههنا الإنسان الذي قارنه الشّيطان و لفظه لفظ التأنيث و هو مذكر أراه القرين و (غلق) الرّهن من باب فرح إذا استحقّه المرتهن و ذلك إذا لم يفتكك في الوقت المشروط.

الإعراب

(شهواته) منصوب بنزع الخافض، (و أوجف الذّكر) في كثير من النّسخ بنصب الذّكر فتكون (الباء) في قوله بلسانه للاستعانة و في بعض النّسخ بالرّفع فتكون الباء زائدة كأن المعنى حرك الذّكر لسانه مسرعاً، وَ قَدَّمَ اَلْخَوْفَ لِأَمَانِهِ (اللاّم) للتّعليل، و عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ متعلّق بالمخالج، (و حميداً و سعيداً) حالان من فاعل (عبر و زاد)، قوله: (و بادر من وجل)، كلمة تعليليّة كما في قوله مِمَّا خَطِیئاتِهِم أغْرِقُوا، (و الباء) في قوله (بالجنّة و بالنّار و بالله و بالكتاب) زائدة، (و ثواباً و نوالاً و عقاباً و وبالاً) منصوبات على التميز، (و منتقماً و نصيراً و حجيجاً و خصيماً) منصوبات على الحال.

المعنى

اعلم أن هذا الفصل متضمنّن للإنذار بالصّراط و التّحذير من أهواله و الأَمر بالتّقوى تأكيداً لأَوامره السّابقة فانذر أوّلاً بالصّراط حيث قال وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَکُمْ عَلَی اَلصِّرَاطِ الذي هو جسر جهنّم و عليه ممرً جميع الخلائق حسبما تعرفه تفصيلاً وَ مَزَالِقِ دَحْضِهِ وَ أَهَاوِیلِ زَلَلِهِ لكونه أدقّ من الشّعر و أحد من السّيف كما يأتي في الأَخبار الآتية.

و في النّبوي قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ثلاث مواطن لا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتّى يعلم أيخفّ ميزانه أو يثقل، و عند تطاير الصّحف حتّى يعلم أيقع كتابه في يمينه أم شماله أم من وراء

ظهره، و عند الصّراط إذا وضع بين ظهر جهنّم حتّى يجوز (1) قال الشّارح المعتزلي (و تارات أهواله) هو كقولك دفعات أهواله و إنّما جعل أهواله تارات لأنّ الأُمور الهائلة إذا استمرّت لم يكن في الازعاج و التّرويع كما يكون إذا طرأت تارة و سكنت تارة.

ثمّ أمر عَلیْهِ السَّلَامْ بملازمة التّقوى و تحصيله في أقصى مراتب كماله مثل تقوى من كمل في مقام العبوديّة و استجمع صفات الإيمان فقال عَلیْهِ السَّلَامْ فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ في الله و في صنعه (قلبه) من التوجه و الالتفات إلى الدّنيا و أباطيلها (و أنصب الخوف) من الله و من عذابه ( بدنه) حتّى صار ناحل الجسم من ذكر النّار و أهاويلها (و أسهر التّهجّد) و عبادة اللّيل (غرار نومه) فلم تترك له نوماً حتّى كان قائم اللّيل (و أظمأ الرّجاء) رجاء ما اعدّ لأَولياء الله (هواجر يومه) فأكثر صوماً حتّى كان صائم النّهار.

و نسبة السّهر إلى الغرار و الظّمأ إلى الهواجر من باب التّوسّع و المجاز على حدّ قولهم: قام ليله و صام نهاره، فأقيم الظرف مقام المظروف أي أسهره التّهجّد من غرار نومه و أظماه الرّجاء في هواجر يومه.

روى في «الوسائل» عن سهل بن سعد قال: جاء جبرئيل إلى النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فقال: يا محمّد عش ما شئت فإنّك ميّت، و أحبب ما شئت فإنّك مفارقه، و اعمل ما شئت فإنّك تجزى به، و اعلم أنّ شرف الرّجل قيامه باللّيل، و عزّه استغناؤه عن النّاس.

و فيه أيضاً عن «المفيد» في «المقنعة» قال: روى أنّ صلاة اللّيل تدر الرّزق و تحسن الوجه و ترضى الرّب و تنفي السّيئات.

قال: و قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إذَا قَامَ العَبدُ مِن لَذِيذِ مَضجَعِهِ وَ النُّعاسُ فِي عَينَهِ لِيُرضِي رَبَّهُ بِصَلاةِ لَيلِهِ بَاهَي اللهُ بِهِ المَلائِكَةَ (2)و قال تعالى: اشهَدُوا أنِّي قَد غَفرتُ لَهُ.

قال : و قال: كذب من زعم أنّه يصلي باللّيل و يجوع بالنّهار.

و قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إنّ البيوت الّتي تصلّى فيها باللّيل و بتلاوة القرآن تضيء لأََهل السّماء كما تضيء نجوم السّماء لأَهل الأَرض (3)


1) معاني القرآن: 373/4، و تفسير الثعالبي: 163/4.

2) بحار الأنوار: 156/84 ح 40، و مستدرك الوسائل: 332/6 ح 6934.

3) من لا يحضره الفقيه: 473/1 ح 1367، و ثواب الأعمال: 42.

و فيه أيضاً عن جعفر بن محمّد عَلیْهِما السَّلَامْ قال: الْمَالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46]، و ثمان ركعات في آخر اللّيل و الوتر زينة الآخرة (1)، و تأتي أخبار أخر في هذا المعنى إن شاء الله في شرح المختار المائة و الثاني و الثمانين (و ظلف الزّهد) في الدّنيا (شهواته) و كفّه منها (و أوجف) إلى (الذّكر بلسانه) و لم يبطىء فيه أو أسرع الذّكر لسانه فلم يسكت عنه قال تعالى:

وَ اذكُر رَبِّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَ خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُِوٍ وَ الْأَصَالِ وَ لَا تَكُن مِّنَ الْغافِلِينَ [ الأعراف: 205]. (و قدم الخوف) من الله (لامانه) أي ليأمن به من عذابه الأَليم و نكب المخالج عن وضح السّبيل أي نَحَتْهُ الشّواغل و الصّوارف عن صراطه المستقيم (و سلك أقصد المسالك) و أعدلها إلى النّهج المطلوب الذي هو منهج الشّرع القويم ﴿و لم تقتله فاتلات الغرور من الاتيان بالطاعات و لم تعم عليه مشتبهات الأمور فيقتحم في الهلكات ظافراً بفرحة البشرى و راحة النَعمى أي مستبشراً بخطاب، ﴿بشريكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار) و مستريحاً بسعة العيشة و لذّة النّعمة في دار القرار في أنعم نومه و آمن يومه أي في أطيب راحته و آمن أوقاته و اطلاق اسم النّوم على الرّاحة من باب اطلاق اسم الملزوم على اللازم و إلى الأَمن و الاستراحة اشير في الآية قال سبحانه:

إنّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَ عُيُونٍ* اَدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ 46 وَ نَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ* لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَ مَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَمِينَ [الحجر: 45- 48]. أي يقال لهم ادخلوا الجنات بسلامة من الآفات و براءة من المكاره و المضرّات آمنين من الإخراج منها ساكني النّفس إلى انتفاء الضرر فيها قد عبر معبر العاجلة حميداً و قدّم زاد الآجلة سعيداً أي جاز مجاز الدّنيا العاجلة حميداً في فعاله، و قدم الزاد الآخرة سعيداً في أحواله.

و المقصود بذلك أنّه زهد في الدّنيا فترك العيش العاجل و رغب في الآخرة فنال الثواب الأجل و بادَرَ مِنْ وَجَلٍ و أَکْمَشَ فی مَهَلٍ يعني عَلیْهِ السَّلَامْ بادر إلى الطاعات من أجل الخوف من العقوبة و أسرع إلى العبادات في أيّام الرفق و المهلة وَ رَغِبَ فِي طَلَبٍ وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ أي كان طلبه للحقّ و سعيه إليه عن شوق و رغبة، و ذهابه عن الباطل و بعده عنه عن خوف و رهبة.

قال المحقّق الطوسي في محكي كلامه عن أوصاف الأَشراف في تفسير الرّهبة: هو تألّم النّفس من العقاب بسبب ارتكاب المنهيّات و التّقصير في الطاعات كما في أكثر الخلق، و قد يحصل بمعرفة عظمة الحق و مشاهدة هيبته كما في الأَنبياء و الأَولياء.


1) بحار الأنوار: 150/84 ح 26.

و فرّق بعض العارفين بين الخوف و الرّهبة فقال: الخوف هو توقّع الوعيد و هو سوط الله يقوّم به الشّاردين عن بابه و يسير بهم على صراطه حتّى يستقيم به أمر من كان مغلوباً على رشده، و من علامته قصر الأَمل و طول البكاء، و الرّهبة هي انصباب إلى وجهة الهرب بل هي الهرب رهب و هرب مثل جبذ و جذب، فصاحبها يهرب أبداً لتوقّع العقوبة و من علاماتها حركة القلب إلى الانقباض من الداخل و هربه و انزعاجه عن انبساط حتى أنّه يكاد أن يبلغ الرّهابة في الباطن مع ظهور ظهور الكمد (1)و الكآبة على الظاهر، انتهى.

و الرّهابة كسحابة عظم في الصّدر مشرف على البطن وَ رَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ وَ نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ أي لا حظ في دنياه آخرته فادّخر لها و نظر في سابقة أمره إلى ما بين يديه و لم يلتفت إلى غيره.

ثمّ قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فَكَفى بِالْجَنَّةِ ثَواباً وَ نَوالاً و هو ترغيب إلى السّعي إليها وَ كَفى بِالنَّارِ عِقاباً وَ وَبالاً و هو تنبيه على وجوب الهرب منها وَ كَفى بِاللّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِيراً و هو إشارة إلى لزوم قصر الخشية و الاستعانة عليه سبحانه وَ كَفى بِالْكِتابِ حَجِيجاً وَ خَصِيماً أي كفى كتاب الله محاجّاً و مخاصماً، و هو إشارة إلى وجوب تعليم القرآن و تعلّمه و إكرامه و حرمة إضاعته و إهانته.

قال الشّارح البحراني و نسب الاحتجاج و الخصام إلى الكتاب مجازاً.

أقول: بل هو حقيقة إذ المستفاد من الأخبار أنّه يؤتى به يوم القيامة في صورة إنسان فيكون بنفسه حجيجاً خصيماً.

فقد روى في «الوسائل» عن محمّد بن يعقوب الكلينيّ معنعناً عن سعد الخفاف عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ أنّه قال: يا سعد تعلّموا القرآن فإنّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق «إلى أن قال» حتّى ينتهي إلى ربّ العزّة فيناديه تبارك و تعالى يا حجّتي في الأَرض و كلامي الصّادق النّاطق ارفع رأسك وسل تعط و اشفع تشفّع كيف رأيت عبادي؟ فيقول: يا ربّ منهم من صانني و حافظ عليّ، و منهم من ضيّعني و استخفّ بي و كذب بي و أنا حجّتك جميع خلقك، فيقول الله عزَّ وَ جلّ: و عزتي و جلالي و ارتفاع مكاني لأثيينّ اليوم عليك أحسن الثّواب، و لأعاقبن عليك اليوم أليم العقاب الحديث.

و بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: يجيء القرآن يوم القيامة في أحسن منظور إليه صورة « إلى أن قال» حتّى ينتهي إلى ربّ العزّة فيقول: يا ربّ فلان بن فلان اظمأت هَواجِرُهُ و أسهرت ليله في دار الدّنيا و فلان بن فلان لم أظم هَوَاجِرُهُ و لم أسهر ليله، فيقول


1) الكمد هو تغير اللون و ذهاب صفائه.

تبارك و تعالى: أدخلهم الجنة على منازلهم فيقوم فيتبعونه فيقول للمؤمن: اقرأوا و ارقه، قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فَیَقْرَءُ وَ یَرْقَا حَتَّی یَبْلُغَ کُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ اَلَّتِی هِیَ لَهُ فَیَنْزِلَهَا (1)

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة و فيما أو ردناه كفاية في المقام و الزّيادة على ذلك تطلب في شرح المائة و الخامسة و السبعين، و نروي تمام رواية الخفاف السّالفة هناك إن شاء الله من أصل كتاب الكلينيّ.

ثمّ عاد عَلیْهِ السَّلَامْ إلى الحثّ على التّقوى أيضاً بقوله: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ أي أزال العذر عنه بما أنذركم به من العقوبات وَ احْتَجَّ بِمَا نَهَجَ أي أقام الحجة عليكم بما أوضحه لكم من الأدلة و الآيات وَ حَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً وَ نَفَثَ فِي الْآذَانِ نَجِيّاً أراد به تحذير الله سبحانه و تعالى في غير واحدة من آيات كتابه الكريم من عداوة الشيطان اللّعين كما قال في سورة البقرة:

وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ و في سورة يوسف: إِنَّ الشَّيْطَنَ للإنسَنِِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ و في سورة يس: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنبَنِى ءَادَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60 ). إلى غير ذلك، و توصيفه بالنفوذ في الصّدور و النّفث في الأذان إشارة إلى أنّه ليس مثل سائر الأعداء يرى بالأبصار و يدرك بالعيان، بل هو عدوّ ينفذ في القلوب و يجري من ابن آدم مجرى الدّم في العروق، و يلقى في الآذان زخرف القول و غروره، و يمكن أن يراد بالعدو الأَعمّ من شيطان الجنّ و الانس فيكون الوصف بالنّفوذ بالنظر إلى شيطان الجنّ، و الوصف بالنّفث بالنظر إلى شيطان الإنس كما قال سبحانه:

مِن شَرِ الْوَسْوَاسِِ الْخَنَّاسِ(4 الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ (6)) [الناس : 4- 6]. قال المفسّر أي من شر ذي الوسواس الذي يوسوس في الصّدور، ثمّ فسّره بقوله: من الجنّة و النّاس كما يقال نعوذ بالله من شرّ كلّ مارد من الجن و الإنس، و على هذا فيكون وسواس الجنّة هو وسواس الشّيطان، و وسواس الإنس اغواء من يغويه من الناس، فشيطان الجنّ يوسوس و شيطان الإنس يأتي علانية و يرى أنّه ينصح و قصده الشرّ و يموه و يلقى في سمعه زخرف القول الذي يستحسن ظاهره و يقبح باطنه.

فَأَضَلَّ وَ أَرْدَی وَ وَعَدَ فَمَنَّی أي أضلّ بنفوذه في الصدور و وسوسته في القلوب عن طريق


1) شرح أصول الكافي : 19/11 ح 11، و وسائل الشيعة: 166/6 ح 7637.

الهداية و أوقع في أودية الهلاكة أعني هلاكة الآخرة الموجبة لاستحقاق النار و لغضب الجبار و وعدهم بالمواعيد الكاذبة و مَنّاهُمُ الأماني الباطلة كما قال سبحانه:

وَ مَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا * يَعِدُهُم وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * أُوْلَئِكَ مَأْوَئهُمْ جَهَنَّمُ وَ لَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [النساء: 119- 121] الآية. أي يمنّيهم الأَهواء الباطلة و يلقيها في قلب الإنسان فيمنّيه طول البقاء و أنّه ينال من الدّنيا مقصوده و يستولي على أعدائه و يوقع في نفسه أن الدّنيا دول فربّما تيسّرت لي كما تيسّرت لغيري، و يشوّش بذلك فكره في استخراج الحيل الدّقيقة و الوسائل اللّطيفة في تحصيل مطالبه الشهويّة و الغضبيّة فيصدّه عن الطاعة و يوقعه في المعصية و تسويف التّوبة.

و هذه الأَماني انّما تنشأ من الثّقة بقوله و الوثوق بوعده، و وعده تارة يكون بإلقاء الخواطر الفاسدة و أخرى بألسنة أوليائه من شياطين الإنس، فربّما يعد بالمغفرة مع الكبيرة كما قال تعالى: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف: 169]، و ربّما يعد أنّه لا قيامة و لا حساب و لا ثواب و لا عقاب و يقول للإنسان اجتهد في استيفاء اللّذات العاجلة و اغتنم الحياة الزّائلة.

وَ زَیَّنَ سَیِّئَاتِ اَلْجَرَائِمِ وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ اَلْعَظَائِمِ أي زين في نظر الإنسان قبائح المعاصي و هوّن مهلكات الكبائر و منشأ تزيينه للسّيئات كتهوينه الموبقات أيضاً مواعيده الكاذبة و أمانيه الباطلة فما لم يثق بقوله و لا يطمئنّ بوعده لا يهوّن الإنسان ما هون، و لا يميل إلى ما زيّن. توضيح ذلك و تحقيقه أنّ مقصود الشّيطان هو التّرغيب في الاعتقاد الباطل و العمل الباطل و التنفير عن اعتقاد الحقّ و عمل الحقّ، و معلوم أنّ التّرغيب في الشيء لا يمكن إلاّ بان يقرّر عنده أنّه لا مضرّة في فعله، و مع ذلك فإنّه يفيد المنافع العظيمة و التّنفير عن الشيء لا يمكن إلاّ بأن يقرّر عنده أنّه لا فائدة في فعله و مع ذلك فيفيد المضارّ العظيمة.

إذا ثبت هذا فنقول إنّ الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد و أن يقرّر أوّلاً أنّه لا مضرّة في فعله البتّة، و ذلك لا يمكن إلاّ إذا قال لا معاد و لا جنّة و لا نار و لا حياة بعد هذه الحياة، فهذا الطريق يقرّر عنده أنّه لا مضرّة البتّة في فعل هذه المعاصي و إذا فرغ من هذا المقام قرّر عنده و زيّن في نظره أن هذا الفعل يفيد أنواعاً من اللّذة و السّرور و لا حياة للإنسان إلاّ في هذه الدّنيا فتفويتها غبن و حسرة.

و أمّا طريق التّنفير عن الطاعات فهو أن يقرّر أوّلاً عنده أنّه لا فائدة فيها من وجهين:

الأول: أنّه لا جنّة و لا نار و لا ثواب و لا عقاب.

و الثاني: أنّ هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد و لا للمعبود فكانت عبثاً محضاً، و إذا فرغ هذا المقام قال: إنّها توجب التّعب و المحنة و ذلك أعظم المضارّ فهذه مجامع تلبيس إبليس و توضيح وعده و أمانيه و تزيينه و تهوينه.

حَتَّی إِذَا اِسْتَدْرَجَ قَرِینَتَهُ وَ اِسْتَغْلَقَ رَهِینَتَهُ أي إذا خدع قرينه و تابعه بتزيين الباطل في نظره و تنفيره عن الحق و أوقعه في الغلق بالذّنوب التي اكتسبها كالرّهن المغلق في مقابل المال أَنْکَرَ مَا زَیَّنَ وَ اِسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وَ حَذَّرَ مَا أَمَّنَ كما قال سبحانه في سورة الأَنفال: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَ قَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِِ وَ إِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَ اللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48). قال الطبرسي: أي أذكر إذ زيّن الشّيطان للمشركين أعمالهم أي أحسنها في نفوسهم و ذلك أنّ إبليس حسّن لقريش مسيرهم إلى بدر لقتال النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و قال: لا يغلبكم أحد من النّاس لكثرة عددكم و قوّتكم و إنّي مع ذلك جار لكم أي ناصر لكم و دافع عنكم السّوء، و إنّي عاقد لكم عقد الأمان من عدوّكم، فلمّا التقت الفرقتان نكص على عقبيه، أي رجع القهقرى منهزماً ورائه و قال: إنّي بريء منكم، أي رجعت عمّا ضمنت لكم من الأَمان و السّلامة لأَني أرى من الملائكة الذين جاؤوا لنصر المسلمين ما لا تروون، و كان إبليس يعرف الملائكة و هم كانوا يعرفونه، إنّي أخاف الله، أي أخاف عذاب الله على أيدي من أراهم، و الله شديد العقاب، لا يطاق عقابه و في سورة الحشر:

كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِىءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَلِدَيْنِِ فِيهَا وَ ذَلِكَ جَزَاؤُا الظََّالِمِينَ [الحشر: 16- 17]. أي مثل المنافقين في إغراء اليهود أي بني النّضير للقتال كمثل الشّيطان في إغرائه للإنسان، فإنّه أبداً يدعو الإنسان إلى الكفر ثمّ يتبرّأ منه وقت الحاجة مخافة أن يشاركه في العذاب و يقول: إنّي أخاف الله رب العالمين، و لا ينفعه ذلك كما قال: فكان عاقبتهما أي الدّاعي و المدعوّ من الشّيطان و من أغواء، أنّهما معذّبان في النّار.

قال ابن عبّاس: إنّ المراد بالإنسان في هذه الآية هو عابد بني إسرائيل قال: إنّه كان في بني إسرائيل عابد اسمه برصيصاً عبد الله زماناً من الدّهر حتّى كان يؤتى بالمجانين يداويهم و يعوّذهم فيبرؤون على يده، و أنّه أتى بامرأة في شرف قد جنّت و كان لها اخوة فأتوه بها فكانت عنده فلم يزل به الشّيطان يزيّن له حتّى وقع عليها فحملت، فلمّا استبان حملها قتلها و دفنها، فلمّا فعل ذلك ذهب الشّيطان حتّى لقى أحد إخوتها فأخبره بالذي فعل الرّاهب و أنّه دفنها في مكان كذا.

ثمّ أتى بقيّة إخوتها رجلاً رجلاً فذكر ذلك له فجعل الرّجل يلقى أخاه فيقول و الله لقد أتاني آت فذكر لي شيئاً يكبر عليّ ذكره، فذكر بعضهم لبعض حتّى بلغ ذلك ملكهم فصار الملك و النّاس، فاستنزلوه فأقر لهم بالذي فعل فأمر الملك به، فصلب، فلمّا رفع على خشبته تمثّل له الشّيطان فقال: أنا الذي ألقيتك في هذا فهل أنت مطيعي فيما أقول اخلّصك ممّا أنت فيه؟ قال: نعم، قال: اسجد لي سجدة واحدة، فقال: كيف أسجد لك و أنا على هذه الحالة؟ فقال: أكتفي منك بالإيماء،فأومى له بالسّجود فكفر بالله و قتل الرّجل، فهو قوله: كمثل الشّيطان إذ قال للإنسان اكفر.

اللّهم إنّا نعوذ بك من خداع إبليس و من شرور الأََنفس و من سوء الخاتمة.

تنبيهات ثلاثة متضمنة لتحقيق بعض ما تضمنه هذا الفصل

الأول: في تحقيق الصراط و بيانه

فأقول: إنّ الصّراط ممّا يجب الإيمان به و هو من جملة ضروريات الدّين و هو جسر جهنم.

قال الصدوق (رَحِمَه اللهُ) في محكي كلامه عن اعتقاداته: اعتقادنا في الصراط أنّه حق و أنه جسر جهنم و أنّ عليه ممرّ جميع الخلق قال الله تعالى:

وَ إِن مِّنكُمْ إلَّا وَارِِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71). قال :(رَحِمَه اللهُ): و الصراط في وجه آخر اسم حجج الله فمن عرفهم في الدّنيا و أطاعهم أعطاه الله جوازاً على الصراط الذي هو جسر جهنم قال (رَحِمَه اللهُ) و قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لعلي عَلیْهِ السَّلَامْ: يَا عَلِيُّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَقْعُدُ أَنَا وَ أَنْتَ وَ جَبْرَئِيلُ عَلَى الصِّرَاطِ وَ لَا يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ بَرَاءَةٌ بِوَلاَيَتِكَ (1)و قال المفيد (رَحِمَه اللهُ): الصراط بمعنى الطريق و لذلك يقال على ولاية أمير المؤمنين و الأَئمة من ذريتهم عَلیْهِ السَّلَامْ: الصراط، لكونها طريق النجاة.

أقول: الصراط بهذين المعنيين مما أشير إليه في غير واحد من الأَخبار، ففي «الصافي» و «البحار»من «معاني الأخبار» و تفسير الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ في تفسير قوله:


1) معاني الأخبار: 36، و بحار الأنوار: 66/8 ح 4.

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم(6) [الفاتحة: 6]. عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ: يعني ارشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبّتك و المبلّغ إلى جنّتك و المانع من أن نتّبع أهوائنا فنعطب أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك (1)

و عنه أيضاً هي الطريق إلى معرفة الله و هما صراطان صراط في الدّنيا و صراط في الآخرة، فأمّا الصراط في الدّنيا فهو الإمام المفترض الطاعة من عرفه في الدّنيا و اقتدى بهداه مرّ على الصّراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، و من لم يعرفه في الدّنيا زلت قدمه عن الصّراط في الآخرة فتردى في نار جهنّم، و في رواية نحن الصّراط المستقيم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي عن حفص بن غياث قال: وصف أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ الصّراط فقال: أَلْفَ سَنَةٍ صُعُودٌ وَ أَلْفَ سَنَةٍ هُبُوطٌ وَ أَلْفَ سَنَةٍ حُذَالٌ.

و فيه عن سعد بن مسلم عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: سألته عن الصّراط فقال: هُوَ أَدَقُّ مِنَ اَلشَّعْرِ وَ أَحَدُّ مِنَ اَلسَّیْفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ یَمُرُّ عَلَیْهِ مِثْلَ اَلْبَرْقِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ یَمُرُّ عَلَیْهِ مِثْلَ عَدْوِ اَلْفَرَسِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ یَمُرُّ عَلَیْهِ مَاشِیاً، وَ مِنْهُمْ مَنْ یَمُرُّ عَلَیْهِ حَبْواً، وَ مِنْهُمْ مَنْ یَمُرُّ عَلَیْهِ مُتَعَلِّقاً فَتَأْخُذُ اَلنَّارُ بَعضُه وَ تَتْرُکُ بَعضُه (2)

و فيه قال: حدّثني أبي عن عمر بن عثمان عن جابر عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: لمّا نزلت هذه الآية:

وَ جِاْیَءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكُرُ الْإِنسَنُ. سئل عن رسول الله فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: أخبرني الرّوح الأَمين أنّ الله لا إله غيره إذا برز الخلائق و جمع الأَوّلين و الآخرين أتى بجهنّم تقاد بألف زمام أخذ بكلّ زمام مائة ألف ملك تقودها من الغلاظ الشّداد لها هدّة و غضب و زفير و شهيق و أنّها لتزفر الزّفرة فلو لا أنّ الله أخرهم للحساب لأَهلكت الجميع، ثم يخرج منها عنق فيحيط بالخلائق البرّ و الفاجر ما خلق الله عبداً من عباد الله ملكاً و لا نبيّاً إلاّ ينادي ربّ نفسي نفسي و أنت يا نبيّ الله تنادي أمّتي أمّتي، ثمّ يوضع عليها الصراط أدقْ من حدّ السّيف عليها ثلاث قناطر فأمّا واحدة فعليها الأَمانة و الرّحم، و الثّانية فعليها الصّلاة، و الثالثة فعليها ربّ العالمين لا إله غيره فيكلفون بالممرّ عليها فيحبسهم الرّحم، و الأَمانة فإن نجوا منها حبستهم الصّلاة فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين و هو قوله:


1) وسائل الشيعة: 49/27، و بحار الأنوار: 9/24 ح 1.

2) التفسير الصافي: 85/1، و تفسير نور الثقلين: 1/ 21 ح 93.

إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 4] .

و النّاس على الصراط فمتعلّق بيد و تزلّ قدم و تستمسك بالقدم و الملائكة حولها ينادون حولها يا حليم اعف و اصفح وعد بفضلك و سلّم سلّم و النّاس يتهافتون في النّار كالفراش فيها فإذا نجى ناج برحمة الله مرّ بها فقال: الحمد لله و بنعمته تتمّ الصّالحات و تزكو الحسنات و الحمد لله الذي نجاني منك بعد اياس بمنّه و فضله إنّ ربّنا لغفور شكور (1)

و في «غاية المرام» للسّيد هاشم البحراني من طريق العامة عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: إذا كان یوم القيامة أمر الله مالكاً أن يسعر النّيران السّبع و أمر رضوان أن يزخرف الجنان الثّمان و يقول: يا ميكائيل مدّ الصّراط على متن جهنّم و يقول: يا جبرائیل انصب میزان العدل تحت العرش و ينادي يا محمّد: قرب أمّتك للحساب.

ثمّ يأمر الله تعالى أن يعقد على الصّراط سبع قناطر طول كلّ قنطرة سبع عشر ألف فرسخ، و على كلّ قنطرة سبعون ألف ملك قيام فيسألون هذه الأمّة نسائهم و رجالهم على القنطرة الأولى عن ولاية أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ و حبّ أهل بيت محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فمن أتى به جاز على القنطرة الأولى كالبرق الخاطف و من لم يحب أهل بيته نبيّه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم سقط على أمّ رأسه على قعر جهنّم و لو كان معه من أعمال البر عمل سبعين صدّيقاً.

و على القنطرة الثّانية فيسألون عن الصّلاة، و على الثّالثة يسألون عن الزكاة، و على الرّابعة عن الصيام، و على الخامسة عن الحجّ، و على السّادسة عن الجهاد، و على السّابعة عن العدل، فمن أتى بشيء من ذلك جاز على الصّراط كالبرق الخاطف و من لم يأت عذّب و ذلك قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسؤولونَ يعني معاشر الملائكة قفوهم يعني العباد على القنطرة الأولى أنّهم مسؤولون عن ولاية عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ و حبّ أهل البيت عليهم السلام.

و في «البحار» من تفسير الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ المفسر بإسناده إلى أبي محمّد العسكري عَلیْهِ السَّلَامْ في قوله:

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6) [الفاتحة: 6]. قال: أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا، و الصّراط المستقيم هو صراطان: صراط في الدّنيا، و صراط في الآخرة فأمّا الصّراط المستقيم في الدّنيا فهو ما قصر عن الغلو و ارتفع عن التقصير و استقام فلم يعدل إلى شيء من

(2) معاني الأخبار: 33 ، وبحار الأنوار: 70/8


1) بحار الأنوار: 126/7، و التفسير الصافي: 327/5.

الباطل و أمّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة الذي هو مستقيم لا يعدلون عن الجنّة إلى النّار و لا إلى غير النّار سوى الجنّة (1)

الثاني: في تحقيق الذكر و المستفاد من قوله عليه السلام: و أوجف الذكر بلسانه الحث و الترغيب عليه

فأقول: إنّ ذكر الله عزّ و جلّ على أقسام:

الأول: أن يذكره تعالى عند إرادة المعصية الّتي يريد ارتكابها فيتركها له.

الثّاني: ذكره عند الطاعة فيسهل عليه مشقّة العبادة.

الثالث: ذكره عند الرّفاهية و النّعمة فيذكره و يؤدّي شكره.

الرّابع: ذكره عند الابتلاء و المحنة فيتضرّع له لصرف البلاء و الصّبر عليه.

الخامس: ذكره بالقلب بأن يتفكّر في صفاته الجلالية و نعوته الجماليّة و غيرها من العلوم و معارف الحقّة.

السادس: الذكر باللّسان بأن يسبّح له و يقدّسه و يمجّده و يشتغل بذكر فضائل أهل البيت و تعليم القرآن و تدريس العلوم الشّرعيّة و أنحائها.

و كلّ ذلك ممّا ورد الحثّ عليه في الأخبار و الآيات.

قال سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو وَ الْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَ لَا بَيعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقَامِ الصَّلَوةِ وَ إِيتَاءِ الزَّكَوةَ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الأَبْصَرُ [النور: 36- 37] و قال: أيضاً: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لَا تَكْفُرُونِ(152) [البقرة: 152] و قال: وَ اذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَ خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِِ وَ الأَصَالِ وَ لَا تَكُن مِّنَ الْغَفِلِينَ [الأعراف: 205].

قال الطبرسي (رَحِمَه اللهُ) هو عام في الأَذكار و قراءة القرآن و الدّعاء و التّسبيح و التهليل و تضرعاً و خيفة أي متضرّعاً و خائفاً، و دون الجهر من القول، أي و متكلّماً كلاماً دون الجهر، لأنّ الإخفاء أدخل في الإخلاص و أبعد من الرّيا و أقرب إلى القبول.


1) وسائل الشيعة: 149/7 ح 1، و قصص الأنبياء: ط 34.

و فی «الكافي» و «عدّة الدّاعي» لأَحمد بن فهد الحلّي عن النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: مكتوب في التّوراة الّتي لم تغير أنّ موسى سأل ربّه فقال: يا ربّ أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله إليه يا موسى أنا جليس من ذكرني، فقال موسى: فمن في سترك يوم لا ستر إلاّ سترك؟ فقال تعالى: الَّذینَ یَذکُرونی فَأَذکُرُهُم و یَتَحابّونَ لِیَّ فَاُحِبُّهُم فَاُولئِکَ الَّذینَ إذا أرَدتُ أن اُصیبَ أهلَ الأَرضِ بِسوءٍ ذَکَرتُهُم فَدَفَعتُ عَنهُم بِهِم (1)

و في عدّة الدّاعي عن النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: مَا جَلَسَ قَوْمٌ یَذْکُرُونَ اَللَّهَ إِلاَّ قَعَدَ مَعَهُمْ عِدَّةٌ مِنَ اَلْمَلاَئِکَةِ

و روى أبو بصير عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَجْلِسٍ لَمْ يَذْكُرُوا اللّهَ وَ لَمْ يَذْكُرُونَا إِلاّ كَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثمّ قال: قال أبو جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ إنَّ ذِکرَنا مِن ذِکرِ اللّهِ، و ذِکرَ عَدُوِّنا مِن ذِکرِ الشَّیطانِ (2)

و روى الحسن بن الحسن الدّيلمي عن النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنّ الملائكة يمرّون على حلق الذّكر فيقومون على رؤوسهم و يبكون لبكائهم و يؤمنون لدعائهم، فإذا صعدوا إلى السّماء يقول الله تعالى: يا ملائكتي أين كنتم؟ و هو أعلم، فَيَقولونَ: یا رَبَّنا إنّا حَضَرنا مَجلِساً مِن مَجالِسِ الذِّکرِ فَرَأَینا أقواماً یُسَبِّحونَکَ و یُمَجِّدونَکَ و یُقَدِّسونَکَ و یَخافونَ نارَکَ، فَیَقولُ اللّهُ سُبحانَهُ: یا مَلائِکَتی اِذوُدها عَنهُم و اُشهِدُکم أنّی قَد غَفَرتُ لَهُم و آمَنتُهُم مِمّا یَخافونَ، فَيَقولونَ: ربّنا إنّ فيهم فلاناً و إنّه لم يذكرك فيقول تعالى: قَدْ غَفَرْتُ لَهُ بِمُجَالَسَتِهِ لَهُمْ، الحديث.

و عنه أيضاً من ذكر الله في السّوق مخلصاً عند غفلة النّاس وشغلهم كتب الله له ألف حسنة و يغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر.

و فی «عدّة الدّاعي» عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إنّ موسى عَلیْهِ السَّلَامْ انطلق ينظر إلى أعمال العبّاد فأتى رجلاً من أعبد النّاس فلمّا أمسى حرّك الرّجل شجرة إلى جنبه فإذا فيها رمانتان قال فقال: يا عبد الله من أنت إنّك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء الله ما أجد في هذه الشّجرة إلاّ رمّانة واحدة و لو لا أنّك عبد صالح ما وجدت رمّانتين قال: أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران.

قال: فلمّا أصبح قال تعلم أحداً أعبد منك؟ قال: نعم فلان الفلاني، قال: فانطلق إليه فإذا هو أعبد منه كثيراً فلمّا أمسى أوتي برغيفين و ماء فقال: يا عبد الله من أنت إنّك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء الله و ما أوتي إلاّ برغيف واحد و لو لا أنّك عبد صالح ما أوتيت برغيفين


1) وسائل الشيعة: 153/7 ح 8981، و بحار الأنوار: 72ج 468 ح 20.

2) وسائل الشيعة: 1240/4، و بحار الأنوار: 468/72 ح 20.

قال: أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران.

ثمّ قال موسى: هل تعلم أحداً أعبد منك؟ قال: نعم فلان الحداد في مدينة كذا و كذا، قال: فأتاه فنظر إلى رجل ليس بصاحب العبادة بل إنّما هو ذاكر لله تعالى و إذا دخل وقت الصّلاة قام فصلّى فلمّا أمسى نظر إلى غلّته فوجدها قد أضعفت قال: يا عبد الله من أنت إنّك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء الله غلتي قرب بعضها من بعض و اللّيلة قد أضعفت فمن أنت؟ قال: أنا رجل أسكن في أرض موسى بن عمران.

قال: فأخذ ثلث غلّته فتصّدق بها، و ثلثاً أعطى مولىّ له، و ثلثاً اشترى له طعاماً فأكل هو و موسى، قال فتبسّم موسى عَلیْهِ السَّلَامْ فقال: من أيّ شيء تبسّمت؟ قال: دلّني نبيّ بني إسرائيل على فلان فوجدته من أعبد الخلق فدلّني على فلان فوجدته أعبد منه فدلّني فلان عليك و زعم أنّك أعبد منه و لست أراك شبه القوم.

قال: أنا رجل مملوك أليس تراني ذاكر الله تعالى أو ليس تراني أصلي الصّلاة لوقتها و إن أقبلت إلى الصّلاة أضررت بغلّة مولاي و أضررت بعمل النّاس أتريد أن تأتي بلادك؟ قال: نعم.

قال: فمرّت به سحابة فقال الحدّاد :يا سحابة تعالي، قال: فجاءت، قال: أين تريدين؟ فقالت: أريد كذا و كذا، قال: انصرفي ثمّ مرت به أخرى قال: يا سحابة تعالي فجاءت فقال: أين تريدين؟ فقالت أريد أرض كذا و كذا، قال: انصرفي ثمّ مرت به أخرى قال: يا سحابة تعالي فجاءته فقال أين تريدين ؟ قالت: أريد أرض موسى بن عمران قال : تعالي و احملي هذا حمل دقيق وضعيه في أرض موسى بن عمران وضعاً دقيقاً.

قال: فلمّا بلغ موسى عَلیْهِ السَّلَامْ بلاده قال: يا ربّ بما بلغت هذا ما أرى؟ قال تعالى: إنّ عبدي هذا يصبر على بلائي و يرضى بقضائي، و يشكر على نعمائي (1)

و في «البحار» من تفسير الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: الا فاذكروا يا أمّة محمّداً محمّداً و آله عند نوائبكم و شدائدكم لينصرنّ الله بهم ملائكتكم على الشّياطين الذين يقصدونكم، فإنّ كل واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته و ملك عن يساره يكتب سيئاته، و معه شيطانان من عند إبليس يغويانه.

فإذا وسوسا في قلبه ذكر الله و قال: لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ حُبِسَ الشَّيْطَانَانِ ثُمَّ سَارَ إِلَى إِبْلِيسَ فَشَكَوَاهُ وَ قَالا لَهُ: قَدْ أَعْيَانَا أَمْرُهُ فَأَمْدِدْنَا بِالْمَرَدَةِ فَلَا يَزَالُ يُمِدُّهُمَا حَتَّى يُمِدَّهُمَا بِأَلْفِ مَارِدٍ فَيَأْتُونَهُ فَكُلَّمَا رَامُوهُ ذَكَرَ اللَّهَ وَ صَلَّى عَلَى


1) مستدرك الوسائل: 486/15، و بحار الأنوار: 347/13.

مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ لَمْ يَجِدُوا عَلَيْهِ طَرِيقاً وَ لَا مَنْفَذاً. قالوا لإبليس ليس له غيرك تباشره بجنودك فتغلبه فتغويه فيقصده إبليس بجنوده، فيقول الله تبارك و تعالى للملائكة: هَذَا إِبْلِيسُ قَدْ قَصَدَ عَبْدِي فُلَاناً أَوْ أَمَتِي فُلَانَةَ بِجُنُودِهِ أَلَا فَقَاتِلُو، فيقاتلوه بإزاء كلّ شيطان رجيم منهم مائة ألف ملك و هم على أفراس من نار بأيديهم سيوف من نار و رماح من نار وقسى و نشاشيب (1)و سكاكين و أسحلتهم من نار.

فلا يزالون يجرحونهم و يقتلونهم بها و يأسرون إبليس فيضعون عليه تلك الأَسلحة فيقول: يا ربّ وعدك و عدك قد أجلتني إلى يوم الوقت المعلوم، فيقول الله تبارك و تعالى للملائكة: وعدته أن لا أميته و لم أعده ان لا أسلّط عليه السّلاح و العذاب و الآلام اشتقوا منه ضرباً بأسلحتكم فإنّي لا أميته فيسخنونه بألجراحات ثمّ يدعونه، فلا يزال سخين العين على نفسه و أولاده المقتولين المقتّلين و لا يندمل شيء من جراحاته، إلاّ بسماعه أصوات المشركين بكفرهم.

فإن بقي هذا المؤمن على طاعة الله و ذكره و الصّلاة على محمّد و آله بقي إبليس على تلك الجراحات، فإن زال العبد عن ذلك و انهمك في مخالفة الله عزّ و جلّ و معاصيه اندملت جراحات إبليس ثمّ قوى على ذلك العبد حتّى يلجمه و يسرج على ظهره و يركبه ثمّ ينزل عنه و يركب ظهره شيطاناً من شياطينه و يقول لأَصحابه أما تذكرون ما أصابنا من شأن هذا ذلّ و انقاد لنا الآن حتّى صار يركبه هذا.

ثمّ قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تُدِیمُوا عَلَی إِبْلِیسَ سُخْنَهَ عَیْنِهِ وَ أَلَمَ جِرَاحَاتِهِ فَدَاوِمُوا عَلَی طَاعَهِ اَللَّهِ وَ ذِکْرِهِ، وَ اَلصَّلاَهِ عَلَی مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ إِنْ زِلْتُمْ عَنْ ذَلِکَ کُنْتُمْ أُسَرَاءَ إِبْلِیسَ فَیَرْکَبُ أَقْفِیَتَکُمْ بَعْضُ مَرَدَتِهِ هذا، و الله المستعان و به الاعتصام في النّجاة من مكائد الشّيطان (2)


1) نشاشيب جمع النشاشب و هو التبل.

2) بحار الأنوار: 272/60، و تفسير الإمام العسكري: 398.

الثالث: في تحقيق معنى الرجاء و الخوف على في ما شرح البحراني أخذاً من «إحياء العلوم» لأبي حامد الغزالي بتغيير و تصرف يسير

فاعلم أنّ الرّجاء من جملة مقامات السالكين و حالات الطالبين، و هو ارتياح النّفس لانتظار ما هو محبوب عندها فهو حالة لها فصدر عن علم و تقتضي عملاً.

بيان ذلك أن ما تتصوّره النّفس من محبوب أو مكروه فإمّا أن يكون موجوداً في الماضي أو في الحال أو يوجد في الاستقبال، و الأَوّل يسمى ذكراً و تذكيراً، و الثّاني يسمى و جداً لأنَّها حالة تجدها من نفسك، و الثّالث و هو أن يغلب على ظنّك وجود شيء في الاستقبال لنفسك به تعلق يسمّى ذلك إنتظاراً و توقعاً، فإن كان مكروهاً حدث منه في القلب تألم يسمّى خوفاً و اشفاقاً، و إن كان محبوباً حصل من انتظاره و تعلق القلب به لذة للنفس و ارتياح بأخطار وجوده بالبال يسمّى ذلك الارتياح رجاءً.

و لكن ذلك المحبوب المتوقع لا بد و أن يكون له سبب، فإن كان توقعه لأَجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق، و إن كان إنتظاره مع العلم بإنتفاء أسبابه فإطلاق إسم الغرور و الحمق عليه أصدق من اسم الرجاء، و إن كانت الأَسباب غير معلومة الوجود و لا معلومة العدم فاسم التمنّي أصدق على انتظاره.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أرباب القلوب و العرفان قد علموا أنّ الدّنيا مزرعة الآخرة، فالقلب كالأَرض و البذر هو الإيمان و المعارف الإلهيّة و تأثر القلب بالمواعظ و النّصائح و الاتيان بالطّاعات جار مجرى تقليب الأَرض و اصلاحها و مجرى سياق الماء إليها و اعدادها للزراعة.

و القلب المستغرق بحب الدّنيا و الميل إليها كالأَرض الصلبة أو السبخة التي لا تقبل الزّرع و الانبات و لا تنمو فيها البذر لصلب الأَرض أو لمخالطة الأَجزاء المحلية، و يوم القيامة يوم الحصاد و لا حصاد إلا من زرع و لا زرع إلا من بذر و كما لا ينفع الزّرع في أرض صلبة سبخة كذلك لا ينفع إيمان مع حب القلب و قساوته و سوء الأَخلاق.

فينبغي أن يقاس رجاء العبد لمغفرة الله و رضوانه برجاء صاحب الزّرع و كما أن من طلب أرضاً طيّبة و قلبها و ألقى فيها بذراً جيّداً غير متعفّن و لا مسوس ثمّ أمدّه بالماء العذب و سائر ما يحتاج إليه في أوقاته، ثمّ طهره عن مخالطة ما يمنع نباته من الشَوك و الحشيش و نحوهما، ثمّ جلس منتظراً من فضل الله رفع الصواعق و الآفات المفسدة إلى أن يتمّ الزّرع و يبلغ غايته كان ذلك رجاء في موضعه و استحق اسم الرجاء إذا كان في مظنة أن يفوز بمقصده من ذلك الزّرع.

و من بذر في أرض كذلك إلاّ أنّه بذر في أخريات النّاس و لم يبادر إليه في أَوّل الأَوقات أو قصر في بعض أسبابه مع حصول غالب الأَسباب، ثمّ أخذ ينتظر ثمرة ذلك الزّرع و يرجو الله سبحانه في سلامة له فهو من جملة الرّاجين أيضاً.

و من لم يحصل بذراً أو بذر في أرض سبخة أو صلبة غير قابلة للإنبات، ثمّ أخذ ينتظر الحصاد فذلك الانتظار حمق فكان اسم الرجاء إنّما يصدق على انتظار ما حصل جميع أو غالبها الداخلة تحت اختيار العبد و لم يبق إلاّ مالا يدخل تحت اختياره و هو فضل الله تعالى بصرف المضّار و المفسدات.

كذلك حال العبد إن بذر المعارف الإلهية في قلبه في وقته و هو أنف البلوغ و مبدأ التكليف و دام على سقيه بماء الطاعات و اجتهد في تطهير نفسه عن شوك الأَخلاق الردية التي تمنع نماء العلم و زيادة الإيمان و انتظر من فضل الله أن يثبته على ذلك إلى زمان وصوله و حصاد عمله فذلك الانتظار هو الرجاء الحقيقي المحمود و هو درجة السّابقين.

و إن ألقى بذر الإيمان في نفسه لكنه قصر في بعض الأَسباب إما بتأخير في البذر أو تسامح في السقي في الجملة ثمّ أخذ ينتظر وقت الحصاد و يتوقع من فضل الله تعالى أن يبارك له و يعتمد عليه على أنه الرّزاق ذو القوة المتين فيصدق عليه أنه راج أيضاً لحصول أكثر الأسباب.

و أما من لم يزرع من قواعد الإيمان في قلبه شيئاً أو زرع و لم يسقه بماء الطاعة أو لم یطهر نفسه من رزائل الأخلاق و اشتغل بالسّيئات أو انهمك في الشهوات ثمّ انتظر المغفرة و الفضل من الله فانتظاره حمق و غرور.

قال سبحانه خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا و قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: الأحْمَقُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهُ و تَمنّی علی اللّهِ الجَنَّة (1)، قال الشّاعر:

إذا أنت لم تزرع و عاينت حاصداً *** ندمت على التفريط في زمن البذر

فأعظم الحمق و الاغترار التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة و توقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، و انتظار زرع الجنّة ببذر النّار و طلب دار المطيعين بالمعاصي و انتظار الجزاء بغير عمل و التمني على الله مع الإفراط و التجري.

ترجو النّجاة و لم تسلك مسالكها *** إن السّفينة لا تجري على اليبس


1) الإيضاح: 116، و ميزان الحكمة: 890/2 ح 1211.

الترجمة

و بدانید ای مردمان که عبور شما بر صراط است و بر محل های لغزش او است و خوف های لغزیدن او است و هول های مکرر او است، پس بپرهیزید از خدا هم چو پرهیز نمودن شخصی که مشغول نماید تفکر در معارف حقه قلب او را و بر تعب اندازد ترس خدا بدن او را و بیدار گردانیده باشد عبادت شب خواب اندك او را و تشنه ساخته باشد رجاء به خدا روزهای گرم او را.

مانع شده باشد زهد از شهوت آن و سرعت نماید ذکر به زبان آن و مقدم بدارد خوف را به جهت امن از عقوبت و کناره جوئی کند از چیز هایی که شاغل است از راه روشن هدایت و سلوك نماید در اعدل راه ها به سوی منهج مطلوب که عبارت است از ثواب و جزاء مرغوب و صارف نشود صوارف نخوت و غرور و پوشیده نشود بر او مشتبهات امور در حالتی که فایز است به شادی بشارت و راحت نعمت در آسوده ترین خواب و ایمن ترین وقت.

به تحقیق که گذشته باشد از گذرگاه دنیا در حالتی که پسندیده است و مقدم داشته باشد توشه آخرت را در حالتی که سعید است و شتافته است به عمل خیر از ترس خداوند گار و سرعت نموده است به کردار خوب در مهلت روزگار و رغبت نموده در طلب خشنودی و رضای پروردگار و در رفته از باطل به جهت خوف از کردگار و ملاحظه کرده در دنیای خود آخرت خود را و نظر کرده در اول امر خود پیش روی خود را.

پس کفایت است بهشت از حیثیت عطا و ثواب و کافی است جهنم از حیثیت عذاب و وبال و کافی است خداوند در حالتی که انتقام کشنده است و یاری کننده و کافی است کتاب خدا در حالتی که حجت آرنده است و خصومت کننده.

وصیت می کنم شما را به پرهیز کاری خدا، آن خدائی که عذر را زایل نمود از خود با آن چه که ترسانید خلایق را به آن از انواع عقوبات و اقامه حجت نمود بر ایشان با آن چه که روشن نمود از براهین و بینات و ترسانیده شما را از دشمنی که نفوذ کرد و روان شد در سینه ها در حالتی که پنهان است از نظر و دمید در گوش

ها در حالتی که نجوی کننده است به سر، پس گمراه کرد تابع خود را و به هلاکت انداخت و وعده کرد مطیع خود را.

پس آرزومند نمود و زینت داد بدی های جرم ها را در نظر او و آسان کرد مهلکات معصیت ها را در نزد او تا آن که چون خدعه نمود قرین و هم نشین خود را و به غلق انداخت و فرو بست رهین خود را، انکار کرد آن چیزی را که زینت داده بود در نظر او و بزرگ شمرد آن چیز را که آسان کرده بود در نزد او و ترسانید از آن چیزی که ایمن کرده بود او را از آن.

و مقصود از همه این، تحذیر است از مكايد شيطان لعين و از تدلیسات آن عدوّ مبین که انسان را به ارتکاب معاصی جری می کند و بعد از ارتکاب از او تبرّی می نماید.

غافل مشو که مرکب مردمان راه را *** در سنگلاخ وسوسه پی ها بریده اند

الفصل السابع منها في صفة خلق الإنسان

اشارة

أَمْ هَذَا الَّذي أَنْشَأَهُ في ظُلُماتِ الأَرْحَامِ و شُغُفٍ الأَسْتَارِ نُطْفَةً دهاقاً، و عَلْقَةً مُحاقاً، و جَنيناً و راضِعاً، و وَليداً و يافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حافظاً، و لِساناً لا فِظاً، و بَصَراً لا حظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، و يَقْصِرَ مُزْدَجَراً حَتَّى إِذا قامَ اعْتِدَالُهُ، و اسْتَوى مِثالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، و خَبَطَ سادِراً ماتحاً في غَرْبِ هَواهُ، كادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ، في لَذَاتِ طَرَبِهِ، و بَدَوَاتِ أَرَبِهِ، لَا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةٌ، و لا يخْشَعُ تَقِيَّةَ، فَماتَ في فَتْنَتِهِ غَريراً، و عاشَ في هَفْوَتِهِ يَسيراً، لَمْ يُفِدْ عِوَضاً، وَ لَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً، دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ في غُبَّرِ جَماحِهِ، و سَنَنِِ مِراحِهِ، فَظَلَّ سادِراً، و باتَ ساهِراً، في غَمَرَاتِ الآلام و طَوارِقِِ الأَوْجَاعِ و الأَسْقَام، بَينَ أَخ شقيق، و والِدِ شَفيق، و داعِيَةِ بِالْوَيْلِِ جَزْعاً، و لا دِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقَاً، وَ الْمَرْءُ في سَكْرَةٍ مُلْهِِثَةٍ، و غَمْرَةٍ كارِثَةِ، وَ أَنَّةٍ مُوْجِعَةٍ، وَ جَذْبَةً مُكْرِبَةِ، وَ سَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ، ثُمَّ أَدْرجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً، و جُذِبَ مُنْقاداً سَلِساً، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الأَعْوادِ رَجيعَ وَصَبٍ، و نِضْوَ سَقَم، تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلدانِ، وَ حَشَدَةُ الإِخْوَانِ، إِلى دَارٍ غُرْبَتِهِ، و مُنْقَطَعَ زَوْرَتِهِ، حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ، و رَجَعَ الْمُتَفَجُعُ، أَقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيَّا لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ، وَ عَثْرَةِ الإِمْتَحَانِ، و أَعْظَمُ ما هُنالِكَ بَلِيَّةٌ نُزُلُ الْحَميم، و تَصْلِيَةُ الْجَحِيم، و فَوْرَاتُ السَّعِيرِ، وَ سَوْرَاتُ الزَّفِيرِ، لا فَتْرَةٌ مُريحَةٌ، وَ لا دَعَةٌ مُريحَةٌ، وَ لاَ قُوَّةٌ حاجِزَةٌ، و لا مَوْتَةٌ ناجِزَةٌ، و لا سِنَّةٌ مُسْلِيَةٌ، بَينَ أَطْوارِ الْمَوْتَاتِ، و عَذَابِ السّاعاتِ، إِنَّا بِاللَّهِ عائِدُونَ (1)

اللغة

(الشّغف) بضمتين جمع شغاف كسحاب و هو غلاف القلب و (الدّهاق) (بالدال) المهملة من دهق الماء أفرغه إفراغاً شديداً، و في بعض النّسخ دفاقاً من دفق الماء دفقاً من باب قتل انصب لشدة و يقال أيضاً دفقت الماء أي صببته يتعدى فهو دافق و مدفوق، و أنكر الأَصمعي استعماله لازماً قال: و أمّا قوله تعالى من ماء دافق فهو على أسلوب أهل الحجاز و هو أنّهم يحوّلون المفعول فاعلاً إذا كان في موضع نعت و المعنى من ماء مدفوق، و قال ابن القوطية ما يوافقه سرّ كاتم أي مكتوم و عارف أي معروف و عاصم أي معصوم.

و (المحاق) بضم (الميم) و الكسر لغة قال الفيومي: محقه محقاً من باب نفع نقصه و أذهب منه بركة، و قيل هو ذهاب الشيء كله حتى لا يرى له أثر منه و يمحق الله الربا و انمحق الهلال الثلاث ليال في آخر الشّهر لا يكاد يرى لخفائه و الاسم المحاق بالضم و الكسر لغة.


1) تفسير نور الثقلين: 230/5 ح 116.

و في «القاموس» المحاق مثلثة آخر الشهر أو ثلاث ليال من آخره أو أن يستتر القمر فلا يرى غدوة و لا عشية سمى به لأَنه طلع مع الشّمس فمحقته.

و غلام (يافع) و يفع و يفعة مرتفع و (السادر) المتحير و الذي لا يهتم و لا يبالي ما صنع و (الماتح) الذي يستسق الماء من البئر و هو على رأسها و المائح الذي نزل البئر إذا قل ماؤها فيملأ الدلاء فالفرق بين المعنيين كالفرق بين النقطتين و (الغرب) الدلو العظيم و (كدح) في العمل من باب منع سعى و (بدا) بدوا و بدوّاً و بداء و بدوء و بداوة ظهر، و بداوة الشّيء أول ما يبدو منه؛ و باديء الرأي ظاهره و بدا له في الأَمر بدواً و بداءةً نشأ له فيه رأي و هو ذو بدوات.

قال الفيومي و (الأرب) بفتحتين و الأربة بالكسر و المأربة بفتح الراء و ضمها الحاجة و الجمع المآرب و الأرب في الأصل مصدر من باب تعب يقال أرب الرّجل إلى الشيء إذا احتاج إليه فهو أرب على فاعل و ( دهمه) الشيء من باب سمع و منع غشيه و (غبر) الشيء بضم (الغين) و تشديد (الباء) بقاياه جمح غابر كركّع و راكع و (جمع) الفرس جمحا و جماحاً بالكسر اغتر فارسه و غلبه و جمح الرّجل ركب هواه و (سنن) الطريق مثلثة و بضمتين نهجه و جهته و (مرح) مرحاً من باب فرح نشط و تبختر و المراح ككتاب اسم منه.

و (غمرة) الشيء شدته و مزدحمه و الجمع غمرات و غمار و (لهث) لهثاً من باب سمع و لهاثاً بالضم أخرج لسانه عطشاً و تعباً أو إعياءً، و في بعض النسخ و سكرة ملهية (بالياء) أي مشغلة و (كرثه) الغم يكرثه من باب نصر أشدّ عليه و بلغ المشقّة و هو كريث الأمر إذا ضعف و جبن و (أنّ) المريض إنا إذا تأوه و (أبلس) يئس و تحير و منه سمى إبليس و ناقة (رجع) سفر و رجيع سفر قد رجع فيه مراراً و (الوصب) محرّكة المرض و الوجع.

و (النضو) بالكسر المهزول من الإبل و غيره و (السّقم) كالجبل المرض و (الحشدة) جمع حاشد من حشدت القوم من باب قتل و ضرب و حشد القوم يعدي و لا يعدي إذا دعوا فأجابوا مسرعين أو اجتمعوا لأمر واحد و حفوا في التعاون و (البهت) بالفتح الأَخذ بغتة و التحير و الانقطاع و (النزل) بضمتين طعام النزيل الذي يهيؤ له قال سبحانه: هَذَا نُزُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ(56) [الواقعة: 56].

و (الحميم) الماء الحار و (تصلية) النار تسخينها و (السورة) الحدة و الشدة و (زقر) النّار تسمع لتوقدها صوت و (الدعة) السعة في العيش و السكون و (الإزاحة) الإزالة.

الإعراب

اختلف الشراح في كلمة (أم) في قوله (أَمْ هَذَا اَلَّذِی أَنْشَأَهُ)، ففي شرح المعتزلي (أم) ههنا إما استفهامية على حقيقتها كأنه قال: أعظكم و اذكركم بحال الشيطان و إغوائه أم بحال

الإنسان منذ ابتداء وجوده إلى حين مماته، و إما أن تكون منقطعة بمعنى بل كأنه قال عادلاً و تاركاً لما وعظهم به بل أتلو عليهم نبأ هذا الإنسان الذي حاله كذا و كذا.

و في شرح البحراني (أم) للاستفهام و هو استفهام في معرض التقريع للإنسان و أمره باعتبار حال نفسه و دلالة خلقته على جزئيات نعم الله عليه مع كفرانه لها و كأن (أم) معادلة لهمزة الاستفهام قبلها، و التقدير أليس فيما أظهره الله لكم من عجائب مصنوعاته عبرة أم هذا الإنسان و تقلبه في أطوار خلقته و حالته إلى يوم نشوره.

أقول: لا يخفى ما في ما ذكره من الاغلاق و الابهام بل عدم خلوه من الفساد، إذ لم يفهم من كلامه أن (أم) متصلة أم منفصلة، فان قوله: (أم) للإستفهام مع قوله: و كأن (أم) معادلة لهمزة الاستفهام يفيد كون (أم) متصلة إلاّ أنه ينافيه قوله هو استفهام في معرض التّقريع لأَنّ (أم) المتّصلة لا بدّ أن تقع بعد همزة التسوية و نحو قوله تعالى:

سَوَاءٌ عَلَيْهِِمْ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ [البقرة: 6]. أو بعد همزة الاستفهام الّتي يطلب بها (وبأم) التعيين مثل أزيد عندك (أم) عمرو و لا بد أن يكون الاستفهام على حقيقة لتكون معادلة لها في افادة الاستفهام كمعادلتها لهمزة التسوية في إفادة التّسوية و لذلك أيضاً سمّيت متّصلة لا تصالها بالهمزة حتّى صارتا في إفادة الاستفهام بمنزلة كلمة واحدة، ألا ترى أنهما جميعاً بمعنى (أي) و ينافيه أيضاً قوله و التقدير أليس فيما أظهره (آه) بظهوره في كون الاستفهام للانكار التوبيخي و إن جعل (أم) منفصلة فلا يحتاج إلى المعادل الذي ذكره، فالأَولى ما ذكره الشارح المعتزلي و إن كان هو أيضاً لا يخلو عن شيء.

و التحقيق عندي هو أن (أم) يجوز جعلها متّصلة مسبوقة بهمزة الاستفهام أي أذكركم و أعظكم بما ذكرته و شرحته لكم أم أذكركم بهذا الذي حاله كذا و كذا، و يجوز جعلها منفصلة مسبوقة بالهمزة للاستفهام الانكاري الإبطالي، و التقدير أليس فيما ذكرته تذكرة للمتذكر و تبصرة للمتبصر، بل في هذا الإنسان الذي حاله فلان فيكون من قبيل قوله سبحانه:

أَلَهُمْ أَرْجُلُ يَمْشُونَ بِِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا [الأعراف: 195]. و هذا كلّه مبني على عدم كون الخطبة ملتقطة و أن لا يكون قبل قوله عَلیْهِ السَّلَامْ أم هذا (آه)، حذف و إسقاط من السّيد و إلا فمعرفة حال (أم) موقوفة على الاطلاع و العثور بتمام الخطبة، هذا.

و المنصوبات الاثنان و العشرون أعني نطفة و علقة و جنيناً و راضعاً و وليداً و يافعاً و معتبراً و مزدجراً و مستكبراً و سادراً و ماتحاً و كادحاً و لا يحسب و لا يخشع و غريراً و مبلساً و منقاداً و سلساً و رجيع و صب و نضو سقم و نجيّاً كلّها أحوال، و العامل في كلّ حال ما قبله من الأَفعال.

(و سعياً) مصدر بغير لفظ عامله من قبيل أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً، و في لذّات طربه متعلّق بقوله كادحاً، و يحتمل الحاليّة، و تقيّة مفعول لأَجله، (و يسيراً) صفة للظرف المحذوف بقرينة المقام أي زماناً يسيراً، (و جزعاً و قلقاً) منصوبان على المفعول له.

المعنى

إعلم أنّه لما وعظ المخاطبين بالحكم و المواعظ الحسنة عقب ذلك و أكده بذكر حال الإنسان و ما أنعم الله به عليه من النعم الظاهرة و الباطنة بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً حتّى أنّه إذا كبر و بلغ أشده نفر و استكبر و لم يأت ما أمر و لم ينته عما ازدجر ثم أدركه الموت في حال عتوه و غروره فصار في محلة الأَموات رهين أعماله مأخوذاً بأفعاله مبتلاً بشدائد البرزخ و أهواله كما قال عَلیْهِ السَّلَامْ.

أَمْ هَذَا اَلَّذِی أَنْشَأَهُ الله سبحانه بقدرته الكاملة و حكمته التامة الجامعة فِی ظُلُمَاتِ اَلْأَرْحَامِ وَ شُغُفِ اَلْأَسْتَار العطف كالتفسير، و المراد بالظلمات هي ما أشيرت إليها في قوله سبحانه: يَخلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلَقَا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَثْ [الزمر: 6]، و هي إما ظلمة البطن و الرحم و المشيمة أو الصلب و الرحم و البطن و الأوّل رواه الطبرسي عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ (نطفة دهاقاً) أي مفرغة إفراغاً شديداً (و علقة محاقاً) أي ناقصة لم تتصور بعد بصورة الإنسانية في الاتيان بهذه الأوصاف تحقيراً للإنسان كما أومى إليه بالإشارة وَ جَنِيناً وَ رَاضِعاً وَ وَلِيداً وَ يَافِعًا و هذه الأَوصاف الأَربعة كسابقيها مسوقة على الترتب الطبيعي المشار إليه بقوله سبحانه: مَّا لكمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَ قَارًا * وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح: 13- 14]. فإنّه سبحانه قد خلق الإنسان أولاً عناصر ثمّ مركبات يغذي الإنسان ثمّ أخلاطاً ثمّ نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظاماً ولحوماً كما قال: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينِ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَمًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا اَخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَلقِينَ [المؤمنون: 12- 14].

ثمّ إنّه ما دام في الرّحم يسمى جنينا كما قال: وَ إِذْ أَنتُمْ اَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُُمَّهَتِكُمْ [النجم: 32] ، و بعد ولادته يكون راضعاً يرضع أُمّه أي يمتص ثديها، ثم يكون وليداً أي فطيماً فإذا ارتفع قيل يافع.

قال في سر الأَدب في ترتيب أحوال الإنسان: هو ما دام في الرحم جنين فإذا ولد فوليد: ثمّ ما دام يرضع فرضيع ثمّ إذا قطع منه اللّبن فهو فطيم، ثمّ إذا دب ونمى فهو دارج،

فإذا بلغ طوله خمسة أشبار فهو خماسي، فإذا سقطت رواضعه فهو مشغور، فإذا نبتت أسنانه بعد السّقوط فهو مثغر، فإذا تجاوز العشر أو جاوزها فهو مترعرع و ناشىء، فإذا كاد يبلغ الحلم أو بلغه فهو يافع و مراهق، فإذا احتلم و اجتمعت قوته فهو حرّ، و اسمه في جميع هذه الأَحوال غلام فإذا اخضر شاربه قيل قد بقل وجهه، فإذا صارفتاة فهو فتى و شارح، فإذا اجتمعت لحيته و بلغ غاية شبابه فهو مجتمع، ثمّ ما دام بين الثلاثين و الأَربعين فهو شاب،ّ ثمّ هو كهل إلى أن يستوفي الستين و قيل إذا جاوز أربعاً و ثلاثين إلى إحدى و خمسين، فإذا جاوزها فهو شيخ.

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح قوله عَلیْهِ السَّلَامْ ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَ لِسَاناً لاَ فِظاً وَ بَصَراً لاَ حِظاً أي أعطاه عقلاً و نطقاً و نظراً و منحه ذلك و منَّ عليه بذلك لِيَفْهَمَ مُعْتَبرِاً وَ يُقَصَّرَ مُزْدَجِراً أي ليعتبر بحال الماضين و ما نزل بساحة العاصين و ينتهي عما يفضيه إلى أليم النّكال و شديد الوبال، و ليفهم دلائل الصنع و القدرة و يستدل بشواهد الربوبية على وجوب الطاعة و الانتهاء عن المعصية فينزجر عن الخلاف و العصيان و يتخلص عن الخيبة و الخسران.

حَتَّى إِذا قامَ اعْتِدالُهُ بالتناسب و الاستقامة و التوسط بين الحالين في كم أو كيف أي تمّ خلقته و صورته و تناسب أعضاؤه و خلت عن الزّيادة و النّقصان، و كمل قواه المحتاج إليها و استوى مثاله أي اعتدل مقداره و صفته، و يقال استوى الرجل إذا بلغ أشده أي قوته و هو ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين (نفر) و فرعن امتثال الأَحكام الشّرعية و التّكاليف الإلهيّة (مستكبراً) و متعنَتاً (و خبط) أي سلك و سار على غير هداية (سادراً) لا يبالي ما صنع (ما تحافي غرب هواه) شبّه الهوا بالغرب لأَن ذي الغرب إنما يستسقي بغرب الماء ليروي غلله و كذلك صاحب الهوى يجلب بهواه ما تشتهيه نفسه و تلتذ به و تروي به غلیل صدره و ذكر المتح ترشيح للتشبيه. و أما ما قاله البحراني من أنّه استعار الغرب لهواه الذي يملأ به صحائف أعماله من المآثم كما يملأ ذو الغرب غربه من الماء ورشح تلك الاستعارة بذكر المتح فليس بشيء، أمّا أوّلاً: فلأَنّ طرفي التشبيه مذكور في كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ فكيف يكون استعارة بل هو تشبيه بليغ، و أمّا ثانياً : فلأنّ الهوى الذي يكون سبباً لملأ صحائف الأعمال لا ربط له بالغرب الذي يملأ فيه الماء إذ المملوّ بالماء هو الغرب و المملو بالمآثم هو الصحائف لا الهوا نفسه، و كذلك لا مناسبة بين الإثم و الماء و الوجه ما ذكرناه، فافهم جيّداً.

و قوله: کَادِحاً سَعْیاً لِدُنْیَاهُ أي كان سعيه و همته من جميع جهاته مقصورة في دنياه غير مراقب بوجه لآخرته فِي لَذّاتِ طَرَبِهِ وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ أي حاجته التي تبدو له و تظهر و تختلف فيها آرائه و دواعيه لاَ یَحْتَسِبُ رَزِیَّةً وَ لاَ یَخْشَعُ تَقِیَّةً يعني لم يكن يظن أن تنزل عليه مصيبة و لم يكن يخشع و يخاف من الله لأجل تقيّة و ذلك من فرط اغتراره بالدّنيا و شدّة تماديه في الشهوات.

فَمَاتَ فِي فِتنَتِهِ أي في ضلالته (غريراً) و مغروراً وَ عَاشَ فِي هَفْوَتِهِ و زلته زماناً (يسيراً) قليلاً لَمْ يُفِدْ عِوَضاً وَ لَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً أي لم يستفد و لم يكتسب من الكمالات و الخيرات عوضاً ممّا أنعم الله سبحانه به عليه، و لم يأت شيئاً من الطاعات و التكاليف التي فرض الله تعالى عليه. دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ يعني فاجأته دواهي الموت في بقايا ركوبه هواه و في طرق نشاطه (فظل سادراً) متحيراً وَ بَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ الاْلاَمِ و شدائدها وَ طَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَسْقَامِ و نوازلها (بين أخ شقيق) عطوف (و والد شفيق) رؤوف وشقّ الشيء و شقيقه هو نصفه. و توصيف الأَخ بالشّقيق لكونه كالشق منه و بمنزلة جزء بدنه و قلبه و داعِیَهٍ بِالْوَیْلِ جَزَعاً من النّساء و الأماء ولا دمة للصّدر قلقاً من البنات و الأمهات و هذا كلّه تشريح لحال أهل الميّت فإنّه، إذا يئس عنه الطّبيب و أبلس الحبيب فهنالك خفّ عنه عوّاده و أسلمه أهله و أولاده، فشقت جيوبها نساؤه، و لطمت صدورها اماؤه، و اعول لفقده جيرانه، و توجع لرزيته إخوانه؛ و غضّوا بأيديهم عينيه، و مدّوا عند خروج نفسه يديه و رجليه.

فكم موجع یبکی عليه تفجعاً *** و مستنجداً صبراً و ما هو صابر

و مسترجع داعٍِ له الله مخلصاً *** يعدّ و منه خير ما هو ذاکر

و كم شامتٍ مستبشرٍ بوفاته *** و عما قليل كالذي صار صائر

هذا حالهم، و أمّا حال الميّت فقد أشار إليه بقوله وَ الْمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِثَةٍ يولك لسانه و يخرجه تعباً و عطشاً (و غمرة كارثة) أي شدّة بلغ الغاية من المشقّة.

روى في «الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة عن السّكوني عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إنّ الميّت إذا حضره الموت أوثقه ملك الموت و لو لا ذلك استقر (1)(و أنّة موجعة) أي تأوه موجب لوجع الحاضرين و السّامعين وَ جَذْبَهٍ مُکْرِبَةٍ وَ سَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ و المراد بهما جذب الملائكة للرّوح و سوقهم له إلى خارج البدن كما قال تعالى:

وَ لَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَ الْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: 92- 93]. قال الطّبرسي: أي في شدائد الموت عند النّزع و الملائكة الذين يقبضون الأَرواح باسطو أيديهم لقبض أرواحهم يقولون أخرجوا أنفسكم من أجسادكم عند معاينة الموت ازهاقاً لهم و تغليظاً عليهم و إن كان إخراجها من فعل غيرهم.


1) الكافي: 25/3 ح 2، و بحار الأنوار: 166/6 ح 37.

و قال الشّارح البحراني: اعلم أنّ تلك الجذبة تعود إلى ما يجده الميّت حال النّزع و هو عبارة عن ألم ينزل بنفس الرّوح يستغرق جميع أجزائه المنتشرة في أعماق البدن و ليس هو كسائر ما يجده الرّوح المختص ببعض الأَعضاء كعضو شاكته شوكة و نحوها، لاختصاص ذلك بموضع واحد فألم النّزع يهجم على نفس الرّوح و يستغرق جميع أجزائه و هو المجذوب من كلّ عرق و عصب و جزء من الأجزاء و من أصل كلّ شعرة و بشرة لا تسألن عن بدن يجذب منه كلّ عرق من عروقه، و قد يمثّل ذلك بشجرة شوك كانت داخل البدن ثمّ جذبت منه فهي الجذبة المكربة، و لمّا كان موت كلّ عضو عقيب الأَمراض التي ربّما طالت تدريجاً فتلك هی السّوقة المتعبة ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً أي آيساً أو حزيناً (و جذب) من وطنه إلى الخارج (منقاداً سلساً) أي سهلاً ليّناً ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَعْوَادِ أي الأَسرّة حال كونه رَجِيعَ وَصَبٍ وَ نِضْوَ سَقَمٍ یعنی أنّه من جهة إبتلائه بتارات الأَمراض و تردّده في أطوار الأَتعاب و الأَوصاب صار كالإبل الرّجيع الذي يردد في الأسفار مرّة بعد أخرى و لأَجل نحول جسمه من الأَسقام كان كالجمل النّضو الذي يهزل من كثرة الأَحمال و الأَثقال تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ وَ حَشَدَةُ الْإِخْوَانِ یعنی أنّه بعد الفراغ من تغسيله و تكفينه و حمله على سريره أقبلوا على جهازه و شمروا لإبرازه و حمله أعوانه و ولدانه و أحباؤه و اخوانه.

فظل احبّ القوم كان لقربه *** يحثّ على تجهيزه و يبادر

و شمر من قد احضروه لغسله *** و وجه لما فاظ (1)للقبر حافر

و كفّن في ثوبين فاجتمعت له *** مشيّعة إخوانه و العشائر

ثمّ أخرج من بين صحبته (إلى دار غربته و) من محلّ عزته إلى (منقطع زورته) و من سعة قصره إلى ضيق قبره فحثوا بأيديهم التراب و أكثروا التلدد و الإنتحاب و وقفوا ساعة عليه و قد يئسوا من النّظر إليه، ثمّ رجعوا عنه معولين، و ولّوا مدبرين حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ المُشَيِّعُ وَ رَجَعَ المُتَفَجِّعُ انتبه من نومته و أفاق من غشيته و أُقْعِدَ فِی حُفْرَتِهِ نَجِیّاً لِبَهْتَهِ اَلسُّؤَالِ و دهشته (و عثرة الامتحان) و زلّته.

و لعلّ المراد به أنّه يقعد في قبره مناجياً للمنكر و النكير أي مخاطباً و مجاوباً لهما سرّاً لعدم قدرته على الإعلان من أجل الدّهشة و الحيرة العارضة له من سؤالهما و العثرة التي ظهرت منه بسبب اختيارهما، أو المراد أنّه يناجي ربّه في تلك الحال من هول الامتحان و السؤال و يقول ربّ ارجعون لعليّ اعمل صالحاً وَ أَعْظَمُ ما هُنالِکَ بَلِیَّةً و ابتلاء نُزُلُ اَلْحَمِیمِ وَ تَصْلِیَهُ اَلْجَحِیمِ كما قال تعالى:


1) فاظ الرجل: أي مات، م.

وَ إِنَّ لِلطََّاغِينَ لَشَرِّ مَئَابٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ 56 هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَسَّاقٌ [ص: 57-55] و في سورة النَّبَأ لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَ لَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَ غَسَّاقا [النبأ: 24 -25]. قال بعض المفسرين: إنّ (الغسّاق) عين في جهنم يسيل إليها سمّ كلّ ذات حمة من حیة و عقرب، و قيل هو ما يسيل من دموعهم يسقونه من الحميم، و قيل هو القيح الذي يسيل منهم يجمع و يسقونه، و قيل إنّ الحميم الماء الحارّ الذي انتهت حرارته (و الغساق) الماء البارد الذي انتهت برودته فهذا يحرق ببرده و ذاك يحرق بحرّه.

و قال الطّريحي: الحميم الماء الحارّ الشّديد الحرارة يسقي منه أهل النار أو يصبّ على أبدانهم، و عن ابن عبّاس لو سقطت منه نقطة على جبال الدّنيا لأذابتها، و كيف كان فقوله عَلیْهِ السَّلَامْ مأخوذ من الآية الشّريفة في سورة الواقعة قال سبحانه:

وَ أَمَّا إن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92 فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)). و أمّا قوله: (و فورات السّعير) فأراد به شدّة غليان نار الجحيم و لهبها، و كذلك أراد بقوله (و سورات الزّفير) شدّة صوت توقد النّار (لا فترة مريحة) لهم من العذاب (و لا دعة مزيحة) عنهم العقاب كما قال سبحانه:

إِنَّ الْمُجْرِِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف: 74- 75]. (و لا قوة حاجزة) تمنعه عن النّكال (و لا موتة ناجزة) أي عاجلة تريحه من ألم الوبال إذ الموت ربّما يكون نعمة و يعده الإنسان راحة كما قال مجنون العامري و نعم ما قال:

فلا ملك الموت المريح يریحنی

(و لا سنة مسلية) لهمّه و نومة منسية لغمّه و في الحديث: إنّ الله ألقى على عباده السّلوة بعد المصيبة لو لا ذلك لا نقطع النّسل بَیْنَ أَطْوَارِ اَلْمَوْتَاتِ وَ عَذَابِ اَلسَّاعَاتِ أراد بالموتات الآلام الشديدة و المشاق العظيمة مجازاً فلا ينافي قوله عليه الصّلاة و السّلام: «و لا موتة ناجزة»، فإنّ المراد به الحقيقة إِنَّا بِاللهِ عائِذُونَ أي ملتجئون من شرّ المال و سوء الحال؛ و قد راعى في أكثر فقرات هذا الفصل السّجع المتوازي،هذا.

و ينبغي تذييل المقام بأمور مهمة

الأول:

في تحقيق بدو خلق الإنسان فأقول

قال سبحانه في سورة المؤمنين: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ (12 ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينِ(13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَمًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَلِقِينَ(14)) [المؤمنون: 12- 14].

و هذه الآية الشّريفة أجمع الآيات لأدوار الخلقة و أشملها لمراتب الفطرة، و هذه المراتب على ما أشيرت إليها فيها سبع.

المرتبة الأولى: ما أشار إليه بقوله:

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ [المؤمنون: 12]. أي من خلاصة من طين و هو مبدأ نشو الآدمي لتولد النّطفة منها، و ذلك لأَنّ النّطفة إنّما تتولّد من فضل الهضم الرّابع، و هو إنّما يتولّد من الأَغذية، و هي إما حيوانية و إمّا نباتية، و الحيوانية تنتهي إلى النباتية و النّبات إنّما يتولّد من صفو الأَرض و الماء، فالإنسان بالحقيقة يكون متولّداً سلالة من من طين.

المرتبة الثّانية: أنّ السلالة بعدما تواردت عليها أدوار الفطرة تكون نطفة في أصلاب الآباء فتقذف بالجماع إلى أرحام النّساء التي هي قرار مكين لها و إليه أشار سبحانه بقوله:

خُلِقَ مِن مَّاءٍِ دَافِقٍٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ [الطارق: 6-7]. المرتبة الثّالثة: أنّ النّطفة بعد ما استقرت في الرّحم أربعين يوماً تصير علقة و هي الدّم الجامد.

المرتبة الرّابعة: أنّ العلقة بعد ما مكثت في الرّحم أربعين يوماً أيضاً تصير مضغة أي قطعة لحم حمراء كأنّها مقدار ما يمضغ.

المرتبة الخامسة: أنّ المضغة تمكث فيه أربعين ثالثة و يجعلها الله صلباً فتكون عظاماً.

المرتبة السّادسة: ما أشار إليه بقوله: فكسونا العظام لحماً أي ممّا بقي من المضغة أو ممّا أنبته عليها ممّا يصل إليها و إنّما جعل اللحم كسوة لستره العظم كما يستر اللّباس البدن.

المرتبة السابعة: ما أشار إليه بقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) أي خلقاً متبايناً للخلق الأَوّل

بإضافة الرّوح إليه مبايناً ما أبعدها، و ذلك بعد تمام ثلاثة أربعين أي كمال أربعة أشهر فكان حيواناً بعد ما كان جماداً، و حيّاً بعد ما كان ميتاً، و ناطقاً و كان أبكم، و سميعاً و كان أصم؛ و بصيراً و كان أعمى، و أودع باطنه و ظاهره بل كلّ عضو من أعضائه عجائب صنعته و بدائع حكمته التي لا يحيط بها وصف الواصفين و لا شرح الشّارحين، فتبارك الله أحسن الخالقين، هذا.

و روى الصّدوق (رَحِمَه اللهُ) في «الفقيه» عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن إسماعيل بن مهران، عن مرازم، عن جابر بن يزيد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إذا وقع الولد في جوف أمّه صار وجهه قِبَلَ ظهر أمّه إن كان ذكراً، و إن كان أنثى صار وجهها قبل بطن أمّها و يداها على و جنتيها و ذقنها على ركبتيها كهيئة الحزين المهموم، فهو كالمصرور منوط بمعاء من سرّته إلى سرّة أمّه، فبتلك السرّة يغتذي من طعام أمّه و شرابها إلى الوقت المقدّر لولادته، فيبعث الله عزّ و جلّ ملكاً إليه فيكتب على جبهته: شقيّ أو سعيد، مؤمن أو كافر غنيّ أو فقير، و يكتب أجله و رزقه و سقمه و صحّته.فإذا انقطع الرّزق المقدّر له من سرّة أمّه زجره الملك زجرة فانقلب فزعاً من الزّجرة و صار رأسه قبل الفرج، فإذا وقع إلى الأَرض وقع إلى هول عظيم و عذاب أليم إن أصابته ريح أو مشقّة أو مسّته يد وجد لذلك من الأَلم ما يجد المسلوخ عنه جلده.يجوع فلا يقدر على الاستطعام، و يعطش فلا يقدر على الاستسقاء، و يتوجّع فلا يقدر على الاستغاثة، فيوكَّل الله تبارك و تعالى برحمته و الشّفقة عليه و المحبّة له أمّه فتقيه الحرّ و البرد بنفسها، و تكاد تفديه بروحها، و تصير من التّعطف عليه بحال لا تبالي أن تجوع إذا شبع و تعطش إذا روى، و تعرى إذا كسى.و جعل الله تعالى ذكره رزقه في ثدي أمّه في إحداهما شرابه و في الأخرى طعامه، حتّى إذا رضع أتاه الله عزّ و جلّ في كلّ يوم بما قدر له فيه من رزق، فإذا أدرك فهمّه الأَهل و المال و الشّره و الحرص، ثمّ هو مع ذلك معرض الآفات و العاهات و البليّات من كلّ وجه، و الملائكة تر شده، و تهديه، و الشّياطين تضلّه و تغويه فهو هالك إلاّ أن ينجيه الله عزّ و جلّ»، و قد ذكر الله تعالى ذكره نسبة الإنسان في محكم كتابه فقال عزّ و جل:﴿وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِن طِينٍ(12 ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينِ(13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَمًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14) ثُمَّ إِنَّكُم بَعد ذلِكَ لَمَيِّتُونَ(15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ تُبْعَنُونَ)[ المؤمنون: 12- 16].

قال جابر بن عبد الله الأَنصاري: فقلت: يا رسول الله هذه حالنا فكيف حالك و حال

الأَوصياء بعدك في الولادة؟ فسكت رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ملیّاً ثمّ قال: يا جابر لقد سألت عن أمر جسیم لا يحتمله إلاّ ذو حظ عظيم، إن الأَنبياء و الأوصياء مخلوقون من نور عظمة الله عزّ و جلّ ثناؤه يودع الله أنوارهم أصلاباً طيّبة و أرحاماً طاهرة يحفظها بملائكته و يربّيها بحكمته و يغذوها بعلمه، فأمرهم يجلّ عن أن يوصف، و أحوالهم تدّق عن أن تعلم، لأَنّهم نجوم الله في أرضه، و أعلامه في بريته، و خلفاؤه على عباده، و أنواره في بلاده، و حججه على خلقه، يا جابر هذا من مكنون العلم و مخزونه فاكتمه إلاّ أهله (1)

و في توحيد المفضّل عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ قال: و سنبتدأ يا مفضّل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به، فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرّحم و هو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، و ظلمة الرّحم، و ظلمة المشيمة، حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء و لا دفع أذى و لا استجلاب منفعة و لا دفع مضرّة، فإنّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النّبات فلا يزال ذلك غذاه.

حتّى إذا كمل خلقه و استحكم بدنه و قوي أديمه على مباشرة الهواء و يصره على ملاقات الضّياء هاج الطّلق بأمّه فأزعجه أشدّ إزعاج و أعنفه حتّى يولد، فإذا ولد صرف ذلك الدّم الّذي كان يغذوه من دم أمّه إلى ثدييها، فانقلب الطّعم و اللّون إلى ضرب آخر من الغذاء، و هو أشدّ موافقة للمولود من الدّم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمط و حرّك شفتيه طلباً للرّضاع فهو يحدي ثدي أمّه كالاداوتين المعلقتين لحاجته، فلا يزال يغتذي باللّبن ما دام رطب البدن رقيق الأَمعاء ليّن الأَعضاء.

حتّى إذا تحرّك و احتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ و يستوي بدنه و طلعت له الطّواحين و الأَضراس ليمضغ به الطعام فيلين عليه و يسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتّى يدرك، فإذا أدرك و كان ذكراً طلع الشّعر في وجهه فكان ذلك علامة الذّكر و عزّ الرّجل الذي يخرج به عن حد الصّبا و شبه النّساء و إن كانت انثى يبقى وجهها نقيّاً من الشّعر لتبقى لها البهجة و النّضارة التي تحرّك الرّجال لما فيه دوام النسل و بقاؤه، الحديث (2)


1) من لا يحضره الفقيه: 414/4، و بحار الأنوار: 353/57.

2) شرح أصول الكافي: 1/ 103، و بحار الأنوار: 63/3.

الثاني:

في تحقيق السؤال في القبر و ذكر شبهة المنكرين له و دفعها

اعلم أنّ كلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ في هذا الفصل صريح في ثبوت السؤال في القبر و هو حقّ يجب الإيمان و الإذعان به، و عليه قد انعقد إجماع المسلمين بل هو من ضروريات الدّين، و منكره كافر خالد في الجحيم لا يفتر عنه العذاب الأَليم، و لم يخالف فيه إلا بعض من انتسب إلى الإسلام كضرار بن عمر و طائفة من المعتزلة و جمع من الملاحدة مموهين على العوام الّذين يصغون إلى كلّ ناعق بأنّ الميّت بعد وضعه في قبره إن حشى فمه بالجصّ و نحوه و دفن ثمّ يؤتى إليه في اليوم الآخر و ينبش قبره فإنّك تراه على حاله لم يتغيّر فلو كان في القبر سؤال و حساب لتغيّرت حالته و لا نفتح فمه و سقط الجصّ، و أيضاً فإنّا لا نسمع عذابه في القبر مع شدّته و صعوبته.

و فساد ذلك الكلام غنيّ عن البيان، لأنّ هذه العين و الأذن لا تصلحان لمشاهدة الأمور الملكوتيّة و سماعها؛ و كلّ ما يتعلّق بالآخرة فهو من عالم الملكوت.

ألا ترى أنّ الصّحابة كانوا يجلسون عند النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حين نزول جبرئيل عليه و هو يراه و يتكلّم معه في حضورهم و النّاس لا يرونه و لا يسمعون كلامه؟ و كذلك ملكا القبر لا يمكن للنّاس أن يدركوا سؤالهما و جواب الميّت لهما بهذه الحواس، و كذلك الحيّات و العقارب في القبر ليس من جنس الحيّات و العقارب في هذا العالم حتّى تدرك بالحس.

و يوضح ذلك أنّ النائم بحضور الجالسين قد يشاهد في نومه الحيّات و العقارب و سائر المؤلمات و المؤذيات تؤلمه و تؤذيه و تلدغه فيتألم و يتأذى بحيث يرشح جبينه و يعرق و يبكي في نومه من شدّة الأَلم و الأَذىو مع ذلك كلّه فلا يرى الحاضرون ممّا يرى و يسمع شيئاً.

و بالجملة فلا يعتد بهذه التّرهات و التمويهات، و المنكر قد وجد جزاء إنكاره و هو في قبره مقرّ بما أنكر مذعن بما كفر مدرك لما أنكره بالسّمع و البصر، و الحمد لله الذي منّ علينا بالإيمان بالغيب، و خلّص قلوبنا من الشّك والرّيب.

قال الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ في رواية الصّدوق: ليس من شيعتنا من أنكر ثلاثة: المعراج، و سؤال القبر، و الشفاعة (1)

و في كتاب «السّماء و العالم» للمحدّث المجلسي عن «الكافي» عن بعض أصحابه عن عليّ بن العبّاس عن الحسن بن عبد الرّحمن عن أبي الحسن الأوَّل قال: إنّ الأَحلام لم تكن


1) الأمالي: 370 ح 464 و بحار الأنوار: 223/6 ح 23.

فيما مضى في أوّل الخلق و إنّما حدثت، فقلت: و ما العلّة في ذلك؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّ الله عزّ ذكره بعث رسولاً إلى أهل زمانه فدعاهم إلى عبادة الله و طاعته سبحانه فقالوا: إن فعلنا ذلك فما لنا فو الله ما أنت بأكثرنا مالاً و لا بأعزّنا عشيرة قال لهم: إنّكم إن أطعتموني أدخلكم الله الجنّة، و إن عصيتموني أدخلكم الله النّار، فقالوا: و ما الجنّة و ما النار؟ فوصف لهم ذلك، فقالوا: متى نصير إلى ذلك؟ فقال: إذا متم، فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاماً و رفاتاً فازدادوا له تكذيباً و به استخفافاً، فأحدث الله عزّ و جلّ فيهم الأَحلام فأتوا فأخبروه بما رأوا و ما أنكروا من ذلك، فقال لهم: إنّ الله سبحانه أراد أن يحتجْ عليكم بهذا، هكذا تكون أرواحكم إذا متّم و إن بليت أبدانكم تصير الأَرواح إلى عقاب حتّى تبعث الأبدان (1، هذا.)و بقي الكلام في عموم سؤال القبر قال العلاَمة المجلسي (رَحِمَه اللهُ المشهور بين متكلّمي الإماميّة عدم عمومه و اختصاصه بمحض المؤمن و محض الكافر و أنّه ليس على المستضعفين و لا على الصّبيان و المجانين سؤال، و حكى عن الشّهيد (رَحِمَه اللهُ) انّه قال: إنّ السؤال حقّ اجماعاً إلا في من يلقن حجّته.)أقول: و يدلّ على ذلك و على اختصاصه بالمؤمن و الكافر المحض الأَخبار المتظافرة في «الكافي» و غيره و سيجيء بعضها في ضمن الأَخبار الآتية.#### الثالث:##### اشارةفي حالات الميت حين أشرف على الموت و حين إزهاق روحه و عند الغسل و التكفين و حمله على سريره و إذا وضع في قبره و كيفية السؤال في القبر و ضغطة القبر و بعض عقوباته في البرزخ و مثوباتهو نحن نشرح كلّ ذلك بما وصل إلينا في ذلك الباب من الأخبار المرويّة عن أئمّتنا الأَطياب الأَطهار سلام الله عليهم ما تعاقب اللّيل و النّهار، فأقول:##### أما حالة الاحتضارو أعني بها حالة إشراف الميّت على الموت فهي حالة يلهو المرء فيها بكليّته عن الدّنيا و يكون توجّهه إلى الآخرة، و يحضر حينئذٍ عنده رسول الله و الأَئمة سلام الله عليهم و الملائكة الموكّلون بقبض روحه كما يحضر عنده أهله و عياله و أحبّاؤه و أقرباؤه فتارة تكون مخاطبته مع


1) الكافي: 90/8 ح 57، و بحار الأنوار: 243/6 ح 68.

الأَوّلين و أخرى مع الآخرين.روى عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسير قوله:﴿یُثَيِّتُ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ فِي الآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللهُ الظََّلِمِينَ [إبراهيم: 27]. بإسناده عن سويد بن الغفلة عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إنّ آدم إذا كان في آخر يوم من الدّنيا و أوّل يوم من الآخرة مثل له أهله و ماله و ولده و عمله، فينظر إلى ماله فيقول: و الله إنّي كنت عليك لحريصاً شحيحاً فماذا عندك؟ فيقول: خذ منّي كفنك، ثم يلتفت إلى ولده فيقول: و الله إنّي كنت لكم لمحباً و إنّي كنت عليكم لمحامياً فماذا عندكم؟ فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك و نواريك فيها، ثمّ يلتفت إلى عمله فيقول: و الله إنّي كنت من الزّاهدين فيك و إنّك كنت علىّ ثقيلاً فماذا عندك؟ فيقول : أنا قرينك في قبرك و يوم حشرك حتّى اعرض أنا و أنت على ربّك.

فإن كان لله وليّاً أتاه أطيب النّاس ريحاً أحسنهم منظراً و أزينهم رياشاً فيقول: أبشر بروح من الله و ريحان و جنّة النّعيم قد قدمت خير مقدم فيقول: من أنت؟ قال: أنا عملك الصّالح ارتحل من الدّنيا إلى الجنّة و أنّه ليعرف غاسله و يناشد حامله أن يعجله.

فإذا أدخل قبره أتاه ملكان و هما فتّان القبر يجران أشعارهما و يبحثان الأَرض بأنيابهما و أصواتهما كالرّعد القاصف و أبصارهما كالبرق الخاطف فيقولون له: من ربّك، و من نبيّك و ما دينك؟ فيقول: الله ربي و محمّد نبيّي و الإسلام ديني فيقولان له: ثبّتك الله بما تحبّ و ترضى و هو قول الله:

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: 27] الآية. فيفسحان له في قبره مدّ بصره و يفتحان له باباً إلى الجنّة و يقولان له: نم قرير العين نوم الشّاب النّاعم، و هو قوله:

أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: 24]. و إذا كان لربّه عدوّاً فإنّه يأتيه أقبح من خلق الله رياشاً و أنتنه ريحاً فيقول: من أنت؟ فيقول: عملك فيقول: ابشر بنزل من حميم و تصلية جحيم، و أنّه ليعرف غاسله و يناشد حامله أن يحبسه.

فإذا ادخل قبره أتياه ممتحناً القبر فألقيا أكفانه ثمّ قالا له: من ربّك، و من نبيّك، و ما دينك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: لا دريت و لا هديت، فيضربانه بمرزبة ضربة ما خلق الله دابّة إلاّ و تذعر لها ما خلا الثّقلين، ثمّ يفتحان له باباً إلى النّار، ثمّ يقولان له: تم بشر حال.

فهو من الضيق مثل ما فيه القنا (1)من الزّج حتّى أن دماغه يخرج من ما بين ظفره و لحمه، و يسلّط الله عليه حيّات الأَرض و عقاربها و هوامها فتنهشه حتّى يبعث الله من قبره. و أنّه ليتمنّى قيام السّاعة ممّا هو فيه من الشّر (2)

و رواه في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم مسنداً عن سويد بن غفلة عنه عَلیْهِ السَّلَامْ مثله.

و في الكافي عن أبي اليقظان عمّار الأَسدي عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: لَوْ أَنَّ مُؤْمِناً أَقْسَمَ عَلَی رَبِّهِ أَنْ لاَ یُمِیتَهُ مَا أَمَاتَهُ أَبَداً، وَ لَکِنْ إِذَا کَانَ ذَلِکَ أَوْ إِذَا حَضَرَ أَجَلُهُ بَعَثَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَیْهِ رِیحَیْنِ: رِیحاً یُقَالُ لَهَا اَلْمُنْسِیَهُ وَ رِیحاً یُقَالُ لَهَا اَلْمُسْخِیَهُ، فَأَمَّا اَلْمُنْسِیَهُ فَإِنَّهَا تُنْسِیهِ أَهْلَهُ وَ مَالَهُ، وَ أَمَّا اَلْمُسْخِیَهُ فَإِنَّهَا تُسْخِی نَفْسَهُ عَنِ اَلدُّنْیَا حَتَّی یَخْتَارَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ (3)

و عن أبي خديجة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: مَا مِنْ أَحَدٍ یَحْضُرُهُ الْمَوْتُ إِلاَّ وَ کَّلَ بِهِ إِبْلِیسُ مِنْ شَیَاطِینِهِ مَنْ یَأْمُرُهُ بِالْکُفْرِ وَ یُشَکِّکُهُ فِی دِینِهِ حَتَّی یَخْرُجَ نَفْسُهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْه فَإِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَلَقِّنُوهُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله و أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله حَتَّى يَمُوتَ (4)

و في رواية أخرى قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: فلقنه كلمات الفرج و الشّهادتين و يسمّى له الإقرار بالأئمة عليهم السَّلام واحداً بعد واحد حتّى يتقطع عنه الكلام (5)

و عن سدير قال: قلت لأبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: جُعِلْتُ فِدَاکَ یَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ هَلْ یُکْرَهُ اَلْمُؤْمِنُ عَلَی قَبْضِ رُوحِهِ؟ قَالَ عَلیْهِ السَّلَامْ: لاَ و الله إنّه إِذَا أَتَاهُ مَلَکُ اَلْمَوْتِ لِقَبْضِ رُوحِهِ جَزِعَ عِندَ ذَلِکَ فَیَقُولُ لَهُ مَلَکُ اَلْمَوْتِ: یَا وَلِیَّ اَللَّهِ لاَ تَجْزَعْ فَوَ اَلَّذِی بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لَأَنَا أَبَرُّ بِکَ وَ أَشْفَقُ عَلَیْکَ مِنَ وَالِدِ رَّحِیمِ لو حضرك، اِفْتَحْ عَیْنَیْکَ فَاُنْظُرْ قَالَ: وَ یَتَمَثَّلُ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وَ أَمِیرُ اَلْمُؤْمِنِینَ وَ فَاطِمَةُ وَ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَیْنُ وَ اَلْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّیَّتِهِمْ عَلَیْهِمُ السَّلاَمُ فَیَقُالُ له: هَذَا رَسُولُ اللهِ وَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَیْنُ وَ الأَئِمَّةُ عَلَیْهِمُ السَّلاَمُ رُفَقَاؤُکَ، قَالَ: فَیَفْتَحُ عَیْنَیهُ فَیُنَادِی رُوحَهُ مُنَادٍ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعِزَّهِ فَیَقُولُ:

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَنَّةُ [الفجر: 27] إلى محمّد و أهل بيته ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً


1) القنا جمع قناة و هو الرمح و الزج بالضم حديدة في أسفل الرمح منه.

2) الكافي: 233/3، و الأمالي: 349.

3) معاني الأخبار: 143، و بحار الأنوار: 153/6 ح 7.

4) الكافي: 123/3 ح 6، من لا يحضره الفقيه : 133/1 ح 350.

5) الكافي: 134/3، وسائل الشيعة: 458/2 ح 2643.

[الفجر: 28] بالولاية مَّرْضِيَّةٌ [الفجر: 28] بالثّواب فَادْخُلِي فِي عِبَدِى [الفجر: 29] يعني محمّداً و أهل بيته وَ ادْخُلِیِ جَنَّتِي [الفجر: 30] فما شيْء أحبُ إليه من استلال روحه﴾ (1)

و عن عليّ بن عقبة عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: يَا عُقْبَةُ لا يَقْبَل اللهُ مِنَ العِبَادِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاّ هَذَا الأَمْرَ الذِي أَنْتُمْ عَليْهِ، و مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ و بَيْنَ أَنْ يَرَى مَا یَقَرُّبِهِ عَيْنُهُ إِلاّ أَنْ تَبْلغَ نَفْسُهُ إِلى هَذِهِ، ثُمَّ أَهْوَى بِيَدِهِ إِلى الوَرِيدِ، ثُمَّ اتَّكَی.

و كان معي المعلّى فغمزني أن أسأله فقلت: يا ابن رسول الله فإذا بلغت نفسه هذه أيّ شيء يرى؟ فقلت له بضعة عشر مرّة: أي شيء يرى، فقال في كلّها: يرى، لا يزيد عليها، ثمّ جلس في آخرها فقال: يا عقبة، فقلت: لبيّك و سعديك، فقال: أبيت إلا أن تعلم؟ فقلت: نعم يا ابن رسول الله إنّما ديني مع دينك فإذا ذهب ديني كان ذلك كيف لي بك يا ابن رسول الله كلّ ساعة و بكيت. فرق لي فقال: يراهما و الله، فقلت: بأبي و أمي من هما؟قال: ذلك رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ يا عقبة لن تموت نفس مؤمنة أبداً حتى تراهما قلت: فإذا نظر إليهما المؤمن أيرجع إلى الدّنيا؟ فقال: لا، يمضي أمامه إذا نظر إليهما مضى أمامه فقلت له: يقولان شيئاً؟ قال: نعم يدخلان جميعاً على المؤمن.

فيجلس رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم عند رأسه و عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ عند رجليه فيكبّ عليه رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فيقول: یَا وَلِیَّ اَللَّهِ أَبْشِرْ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِنِّي خَيْرٌ لَكَ مِمَّا تَرَكْتَ مِنَ الدُّنْيَا.

ثمّ ينهض رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فيقوم عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ حتّى يكب عليه فيقول: يَا وَلِيَّ اللَّهِ أَبْشِرْ أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي كُنْتَ تُحِبُُّ أَنََا لَأَنْفَعَنَّكَ، ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: إِنَّ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَقُلْتُ :أَيْنَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فِي يُونُسَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَاهُنَا:

اَلَّذِينَ وَ آمَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ فِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس: 63- 64]. و عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ إذا حيل بينه و بين الكلام أتاه رسول الله و من شاء الله فجلس رسول الله عن يمينه و الآخر عن يساره فيقول له رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: أَمَّا مَا کُنْتَ تَرْجُو فَهُوَ ذَا أَمَامَکَ وَ أَمَّا مَا کُنْتَ تَخَافُ مِنْهُ فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْهُ.

ثمّ يفتح له باب إلى الجنّة فيقول هذا منزلك من الجنّة فإن شئت رددناك إلى الدّنيا و لك فيها ذهب و فضة، فيقول: لا حاجة لي في الدّنيا فعند ذلك يبيض لونه و يرشح جبينه و تقلص


1) الكافي: 13/3، دعائم الإسلام: 320/1.

شفتاه و تنتشر منخراه و تدمع عينه اليسرى فأي هذه العلامات رأيت فاكتف بها، فإذا خرجت النفس من الجسد فيعرض عليها كما عرض عليه و هي في الجسد فتختار الآخرة، الحديث (1)

أقول: و الأخبار في رؤية النّبي و الأَئمة صلوات الله عليه و عليهم كثيرة كادت تبلغ حد التواتر، و يأتي بعضها بعد ذلك، و بتلك الأَخبار تطيب نفوسنا و تسكن قلوبنا إلى الموت، و بها أيضاً يعلم أنّ كراهة المؤمن للموت على ما في الحديث القدسي من قول الله سبحانه: ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت و أكره مساءته إنّما هي قبل الاستبشار برؤيتهم عليهم السلام، و أمّا بعد معاينتهم فليس شيء أحبّ إليه من الموت كما عرفت في الرّوايات.

و يدلّ عليه صريحاً في «الكافي» عن عبد الصّمد بن بشير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قلت: أَصْلَحَکَ اَللَّهُ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اَللَّهِ أَحَبَّ اَللَّهُ لِقَاءَهُ؟ وَ مَنْ أَبْغَضَ لِقَاءَ اَللَّهِ أَبْغَضَ اَللَّهُ لِقَاءَهُ! قال عَلیْهِ السَّلَامْ: «نعم»، قلت : فَوَ اَللَّهِ إِنَّا لَنَکْرَهُ اَلْمَوْتَ، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ:لَیْسَ ذَاکَ حَیْثُ تَذْهَبُ إِنَّمَا ذَلِکَ عِنْدَ اَلْمُعَایَنَهِ إِذَا رَأَی مَا یُحِبُّ فَلَیْسَ شَیْءٌ أَحَبَّ إِلَیْهِ مِنْ أَنْ یَتَقَدَّمَ وَ اَللَّهُ تَعالی یُحِبُّ لِقَاءَهُ وَ هُوَ یُحِبُّ لِقَاءَ اَللَّهِ حِینَئِذٍ وَ إِذَا رَأَی مَا یَکْرَهُ فَلَیْسَ شَیْءٌ أَبْغَضَ إِلَیْهِ مِنْ لِقَاءِ اللّهِ وَ اللّهُ يُبْغِضُ لِقَاءَهُ.

و فيه عن يحيى بن سابور قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: فِی اَلْمَیِّتِ تَدْمَعُ عَیْنَاهُ عِنْدَ اَلْمَوْتِ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: ذَلِکَ عِنْدَ مُعَایَنَهِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فَیَرَی مَا یَسُرُّهُ، ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: أَ مَا تَرَی اَلرَّجُلَ یَرَی مَا یَسُرُّهُ وَ مَا یُحِبُّ فَتَدْمَعُ عَیْنَاهُ وَ یَضْحَکُ (2)(2)

و أما صفة ملك الموت و كيفية قبض الروح

فروى السّيد السّند السّيد نعمة الله الجزائري أنّ الخليل عَلیْهِ السَّلَامْ قال لملك الموت يوماً: يا ملك الموت أحبّ أن أراك على الصّورة الّتي تقبض فيها روح المؤمن، فقال: يا إبراهيم اعرض عنّي بوجهك حتى أتصوّر على تلك الصّورة، فلمّا رآه إبراهيم عَلیْهِ السَّلَامْ رأى صورة شابّ حسن الوجه أبيض اللون تعلوه الأَنوار في أحسن ما يتخيّل من الهيئة فقال: يا إبراهيم في هذه الصّورة اقبض روح المؤمن فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن إلا لقائك لكفاه راحة.

ثم قال عَلیْهِ السَّلَامْ: أريد أن أراك على الصّفة التي تقبض فيها روح الكافر، فقال: يا إبراهيم لا تقدر، فقال: أحبّ ذلك، فقال: أعرض بوجهك فأعرض بوجهه ثمّ قال: أنظر فنظر إليه


1) الكافي: 132/3 ح 6، معاني الأخبار: 236 ح 2.

2)

فإذا هو أسود كاللّيل المظلم و قامته كالنّخل الطّويل و النار و الدّخان يخرجان من منخريه و فمه إلى عنان السّماء.

فلمّا نظر إليه غشي على إبراهيم عَلیْهِ السَّلَامْ فرجع ملك الموت إلى حالته فلمّا أفاق الخليل عَلیْهِ السَّلَامْ قال: يا ملك الموت لو لم يكن للكافر هول من الموت إلاّ رؤيتك لكفاه عن سائر الأَهوال.

فإذا أتى إلى المؤمن سلّ روحه سلاًّ رقيقاً لطيفاً حتّى أنّه يحصل له الرّاحة من ذلك السّل لما يشاهده من مكانه في الجنّة و إن كان كافراً أتى إليه بجديدة محميّة بنار جهنّم فأدخلها في حلقومه و جذب روحه بها يخيل إليه أنّ أطباق السّماوات و الأَرض قد وقعت عليه وطبقته حتّى تخرج زبدة على فمه كالبعير.

أقول: و يدلّ عليه ما في «الكافي» عن ابن الفضيل عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: إنّ آية المؤمن إذا حضره الموت بياض وجهه أشد من بياض لونه و يرشح جبينه و يسيل من عينيه كهيئة الدّموع فيكون ذلك خروج نفسه، و إنّ الكافر تخرج نفسه سلاً من شدقه كزبد البعير أو كما تخرج نفس البعير (1)

و فيه بإسناده عن عمّار بن مروان قال: حدّثني من سمع أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: منكم و الله يقبل، و لكم و الله يغفر إنّه ليس بين أحدكم و بين أن يغتبط و يرى السّرور و قرّة العين إلاّ أن تبلغ نفسه ههنا و أومى بيده إلى حلقه.

ثم قال عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّه إذا كان ذلك و احتضر حضره رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ و جبرئيل و ملك الموت فيدنو منه عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ فيقول: يا رسول الله إنّ هذا كان يحبّنا أهل البيت فأحبّه، و يقول رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: يا جبرئيل إنّ هذا يحبّ الله و رسوله و أهل بيت رسوله فأحبّه و يقول جبرئيل عَلیْهِ السَّلَامْ: يا ملك الموت إن هذا يحبّ الله و رسوله و أهل بيت رسوله فأحبّه و أرفق به.

فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك أخذت أمان براءتك تمسّكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدّنيا؟ قال: فيوفّقه الله عزّ و جلّ فيقول: نعم، فيقول: و ما ذاك؟ فيقول: ولاية عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ فيقول: صدقت أما الذي كنت تحذره فقد آمنك الله منه، و أمّا الذي كنت ترجوه فقد أدركته أبشر بالسّلف الصّالح مرافقة رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و علي و فاطمة عليهما السلام.

ثمّ يسلّ نفسه سلاً رفيقاً، ثمّ ينزل بكفنه من الجنّة و حنوطه من الجنّة بمسك أذفر فيكفن


1) الكافي: 134/2 ح 11، من لا يحضره الفقيه: 135/1 ح 3.

بذلك الكفن و يحنط بذلك الحنوط، ثمّ يكسى حلّة صفراء من حلل الجنّة.

فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب الجنّة يدخل عليه من روحها و ريحانها، ثمّ يفتح له عن أمامه مسيرة شهر و عن يمينه و عن يساره، ثمّ يقال له: نم نومة العروس على فراشها أبشر بروح ريحان و جنّة نعيم و ربّ غير غضبان.

ثمّ يزور آل محمّد سلام الله عليهم في جنان رضوى فيأكل معهم من طعامهم، و يشرب معهم من شرابهم، و يتحدّث معهم في مجالسهم حتّى يقوم قائمنا فإذا قام قائمنا بعثهم الله تعالى فأقبلوا معه يلبون زمراً زمراً و عند ذلك يرتاب المبطلون و يضمحلّ المحلّون و قليل ما يكونون هلكت المحاضرون و نجا المقرّون (1)

من أجل ذلك قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لعليّ عَلیْهِ السَّلَامْ: أَنْتَ أَخِی وَ مِیعَادُ مَا بَیْنِی وَ بَیْنَکَ وَادِی اَلسَّلاَمِ.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ و إذا احتضر الكافر حضره رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ و جبرئيل و ملك الموت فيدنو منه علي عَلیْهِ السَّلَامْ فيقول: یَا رَسُولَ اَللَّهِ إِنَّ هَذَا کَانَ یُبْغِضُنَا أَهْلَ اَلْبَیْتِ فَأَبْغِضْهُ و يقول رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: یَا جِبْرَئِیلُ إنَّ هَذَا کَانَ یُبْغِضُ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ أَهْلَ بَیْتِ رَسُولِهِ فَأبْغِضْهُ، فيقول جبرئيل عَلیْهِ السَّلَامْ: یَا مَلَکَ المَوْتِ إنَّ هَذَا کَانَ یُبْغِضُ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ أَهْلَ بَیْتِ رَسُولِهِ فَأَبْغِضْهُ وَ اعْنُفْ عَلَیْهِ.

فيدنو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله أخذت فكاك رهانك و أمان براءتك تمسّكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدّنيا؟ فيقول: لا، فيقول: أبشر يا عدو الله بسخط الله عزّ و جلّ و عذابه و النّار؛ أمّا الذي كنت تحذر فقد نزل بك.

ثمّ يسلّ نفسه سلا عنيفاً ثمّ يوكّل بروحه ثلاث مائة شيطان كلّهم يبزق في وجهه و يتأذى بروحه فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النّار فيدخل عليه من فيحها و لهبها (2)

و عن الهيثم بن واقد عن رجل عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: دخل رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم على رجل من أصحابه و هو يجود بنفسه فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: یَا مَلَكَ الْمَوْتِ ارْفُقْ بِصَاحِبِی فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فقال: أبشر يا محمّد فإنّي بكلّ مؤمن رفيق.

و اعلم يا محمّد أني أقبض روح ابن آدم فيجزع أهله فأقوم في ناحية من دارهم فأقول ما هذا الجزع فو الله ما تعجلناه قبل أجله و ما كان لنا في قبضه من ذنب فإن تحتسبوه و تصبروا


1) في نسخة: المقربون.

2) الكافي: 132/3، و بحار الأنوار: 199/6.

تؤجروا، و إن تجزعوا تأثموا و توزروا، و اعلموا أنّ لنا فيكم عودة ثمّ عودة فالحذر ثم الحذر إنّه ليس في شرقها و لا في غربها أهل بيت مدر و لا وبر إلاّ و أنا أتصفحهم في كلّ يوم خمس مرّات و لأنا أعلم بصغيرهم و كبيرهم منهم بأنفسهم و لو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت عليها حتّى يأمرني ربّي بها.

فقال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إِنَّمَا یَتَصَفَّحُهُمْ فِی مَوَاقِیتِ اَلصَّلاَهِ فَإِنْ کَانَ مِمَّنْ یُوَاظِبُ عَلَیْهَا عِنْدَ مَوَاقِیتِهَا لَقَّنَهُ شَهَادَةَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ نَحَّی عَنْهُ مَلَکُ اَلْمَوْتِ إِبْلِیسَ

و عن السّكوني عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إِنَّ اَلْمَیِّتَ إِذَا حَضَرَهُ اَلْمَوْتُ أَوْ ثَقَهُ مَلَکُ اَلْمَوْتِ وَ لَوْ لاَ ذَلِکَ مَا اِسْتَقَرَّ (1)

و أما التغسيل و التكفين

فقد ورد في الرّوايات أنّ الرّوح بعد خروجها من الجسد تكون مطلاً على الجسد و أنّه ليرى ما يفعل به.

و في رواية أصبغ بن نباتة أنّه يناشد الغاسل و يقول له عند تغسيله: بالله عليك يا عبد الله رفقاً بالبدن الضّعيف فوالله ما خرجت من عرق إلاّ انقطع، و لا من عضو إلاّ انصدع، فو الله لو سمع الغاسل ذلك القول لما غسل ميّتاً أبداً.

و في «جامع الأَخبار» قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: فَوَ اَلَّذِی نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِیَدِهِ لَوْ یَرَوْنَ مَکَانَهُ وَ یَسْمَعُونَ کَلاَمَهُ لَذَهَلُوا عَنْ مَیِّتِهِمْ وَ لَبَکَوْا عَلَی نُفُوسِهِمْ حَتَّی إِذَا حُمِلَ اَلْمَیِّتُ عَلَی نَعْشِهِ رَفْرَفَ رُوحُهُ فَوْقَ اَلنَّعْشِ وَ هُوَ یُنَادِی: یَا أَهْلِی وَ یَا وُلْدِی لاَ تَلْعَبَنَّ بِکُمُ اَلدُّنْیَا کَمَا لَعِبَتْ بِی (2)، الحديث هذا.

و في «الوسائل» في عدّة روايات الأَمر بإجادة الأَكفان و المغالات في أثمانها معلّلاً بأنّ الموتى يبعثون بها و بأنّهم يتباهون بأكفانهم.

و فيه أنّ موسى بن جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ كفن في حبرة استعملت له بمبلغ خمس مائة دينار عليها القرآن كلّه.

و فيه عن يونس بن يعقوب عن أبي الحسن الأوّل عَلیْهِ السَّلَامْ قال: سمعته يقول: إنّي كفنت أبي في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما و قميص من قمصه و عمامة كانت لعليّ بن


1) الكافي: 3/ 250 ح 2، و بحار الأنوار: 166/6 ح 37.

2) بحار الأنوار: 161/6 ح 28، و درر الأخبار: 82.

الحسين عليهما السلام و في برد اشتريته بأربعين ديناراً، و لو كان اليوم ساوى أربع مائة دينار (1)

و أما حالته إذا حمل على سريره

فهو أنّه إن كان مؤمناً خرجت روحه تمشي بين يدي القوم قدماً و تلقاه أرواح المؤمنين و يبشّرونه بما أعدّ الله له جلّ ثناؤه من النّعيم.

و إن كان عدوّاً لله سبحانه فهو كما ورد في رواية الكلينيّ عن جابر عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إذا حمل عدوّ الله إلى قبره نادى حملته ألا تسمعون يا إخوتاه إنّي أشكو إليكم ما وقع فيه أخوكم الشّقي إنّ عدوّ الله خدعني فأوردني ثمّ لم يصدرني و أقسم لي أنّه ناصح لي فغشني و أشكو إليكم دنيا غرّتني حتّى إذا اطمأننت إليها صرعتني، و أشكو إليكم أخلاّء الهوى منّوني ثمّ تبرّؤوا منّي و خذلوني، و أشكو إليكم أولاداً حميت عنهم و آثرتهم على نفسي فأكلوا مالي و أسلموني.و أشكو إليكم مالاً ضيّعت فيه حق الله سبحانه فكان وباله عليّ و كان نفعه لغيري، و أشكو إليكم داراً أنفقت عليها حربيتي (2و صار سكانها غيري أشكو إليكم طول الثواء في قبري ينادي أنا بيت الدّود و أنا بيت الظلمة و الوحشة و الضّيق.)يا إخوتاه فاحيسوني ما استطعتم و احذروا مثل ما لقيت فإنّي قد بشّرت بالنّار و بالذّل و الصّغار و غضب العزيز الجبّار واحسرتاه على ما فرّطت في جنب الله و يا طول عولتّاه فمالي من شفيع يطاع و لا صديق يرحمني فلو أنّ لي كرّة فأكون من المؤمنين (3)

و في رواية أنّ أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ كان يبكي إذا ذكر هذا الحديث.

ثمّ إنّه إذا أتيت بالميّت إلى شفير قبره فأمهله ساعة فإنّه يأخذ أهبته للسّؤال كما وردت رواية أبي الحسن موسى عَلیْهِ السَّلَامْ.

و إذا حضر المؤمنين للصّلاة عليه و شهدوا له بالخير و الصّلاح فقد ورد في الخبر أنّ الله سبحانه يجيز شهادتهم و يكتبه عنده من الأَخيار و إن كان في علمه عزّ و جلّ من الأشرار.

قال الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ: إذا حضر الميت أربعون رجلاً فقالوا: اللهمّ إنّا لا نعلم منه إلاّ خيراً، قال الله تعالى: قد قبلت شهادتكم له و غفرت له ما علمت ممّا لا تعلمون (4)


1) الكافي: 476/1.

2) حربية الرجل: ما يعيش به.

3) الكافي: 233/3 ح 4710، و بحار الأنوار: 258/6 ح 94.

4) الكافي: 254/3 ح 14، والدر المنثور: 145/1.

قال السيّد الجزائري في «الأنوار النّعمانية» روى الشّيخ الكليني قدّس الله روحه بإسناده إلى الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ قال:

كان في بني إسرائيل عابد فأوحى الله تعالى إلى داود على نبيّنا و عَلیْهِ السَّلَامْ أنّه مرائي قال: ثمُّ إنّه مات فلم يشهد جنازته داود، فقام أربعون من بني إسرائيل فقالوا اللهمّ إنا لا نعلم منه إلاّ خيراً و أنت أعلم به منّا فاغفر له قال فلمّا غسل أتى إليه أربعون غير الأََربعين و قالوا: اللّهمّ إنّا لا نعلم منه إلاّ خيراً فأنت أعلم به منّا فاغفر له قال عَلیْهِ السَّلَامْ فأوحى الله إلى داود: ما منعك أن تصلّي قال داود: للذي أخبرتني به، قال: فأوحى الله إليه إنّه قد شهد له قومه فأجزت شهادتهم و غفرت له و علمت ما لم تعلموا.##### و أما حاله بعد وضعه في قبرهففي الحديث: إنّ الرّوح يدخل إلى حقويه و يسمع لفظ أيدي القوم من تراب قبره فعند ذلك ينظر يميناً و شمالاً فلا يرى إلاّ ظلمات ثلاث: ظلمة الأَرض، و ظلمة العمل، و ظلمة الوحشة فيا لها من داهية عظيمة و رزيّة جسيمة، و أوّل ملك يدخل عليه يسمّى رومان فتان القبور، و في رواية اصبغ بن نباتة يسمي منبّه.قال السيّد الجزائري رحمه الله: روى عبد الله بن سلام أنّه قال: سألت رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم عن أوّل ملك يدخل في القبر على الميت قبل منكر و نكير، فقال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ﴿ملك يتلأَلاً وجهه كالشّمس اسمه رمان يدخل على الميّت ثمّ يقول له: اكتب ما عملت و من سيّئته، فيقول بأي شيء أكتب أين قلمي و دواتي و مدادي؟ فيقول له: ريقك مدادك و قلمك أصبعك، فيقول: على أيّ شيء أكتب و ليس معي صحيفة؟ قال: صحيفتك كفنك فاكتبه فيكتب ما عمله في الدّنيا خيراً.فإذا بلغ سيئاته يستحي منه فيقول له الملك: يا خاطيء ما تستحي من خالقك حين عملتها في الدّنيا و تستحي الآن، فيرفع الملك العمود ليضربه فيقول العبد: ارفع عنّي حتّى أكتبها، فيكتب فيها جميع حسناته و سيئاته ثمّ يأمره أن يطوي و يختم فيقول له: بأيّ شيء أختمه و ليس معي خاتم؟ فيقول له: اختمه بظفرك و علّقه في عنقك إلى يوم القيامة (1)كما قال تعالی:

وَ كُلَّ إِنسَنٍٍِ اَلْزَمْنَهُ طَئِرَهُ في عُنُقِهِ وَ تُخرِِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ كِتَبَا يَلْقَئهُ مَنشُوراً [الإسراء: 13].


1) بتفاوت في بحار الأنوار: 234/56، و مجمع البحرين: 82/3.

و في رواية أخرى أنّه يأتي إلى الميت فيسمه فإن عرف منه خيراً أخبر منكراً و نكيراً حتّى یرفقا به وقت السؤال، و إن عرف منه شراً أخبرهما حتّى يشدّدا عليه الحال و العذاب.

و أما السؤال عنه

فقد علمت سابقاً أنّه من ضروريّات الدّين و عليه اتّفاق المسلمين و في الأَخبار الكثيرة أنّ لله سبحانه ملكين يسمّى أحدهما منكراً و الآخر نكيراً وكَّل تعالى السؤال إليهما.

و في بعض الرّوايات أنّهما بالنّسبة إلى المؤمن مبشر و بشير، و بالنّسبة إلى الكافر منكر و نكير، لأَنّهما يأتيان إلى المؤمن بصورة حسنة و يبشّرانه بالثواب و النّعيم، و يأتيان إلى الكافر و المخالف بصورة نكرة مهيبة و يوعدانه بالعذاب و الجحيم.

روى في «الكافي» بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إنّ المؤمن إذا خرج من بيته شيّعته الملائكة إلى قبره و يزدحمون عليه حتّى إذا انتهى به إلى قبره قالت له الأرض: مرحباً بك و أهلاً أما و الله لقد كنت أحبّ أن يمشي عليَّ مثلك لترين ما أصنع بك فيوسع له مد بصره.و يدخل عليه ملكا القبر و هما قعيدا القبر منكر و نكير فيلقيان فيه الرّوح إلى حقويه فيقعدانه و يسألانه فيقولان: من ربّك؟ فيقول: الله تعالی: فيقولان: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولان: و من نبيّك؟ فيقول محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فيقولان: و من امامك؟ فيقول: فلان، قال: فينادي مناد من السّماء صدق عبدي افرشوا له في قبره من الجنّة و افتحوا له في قبره باباً إلى الجنّة و ألبسوه من ثياب الجنّة حتّى يأتينا و ما عندنا خير له، ثمّ يقال له نم نومة عروس، نم نومة لا حلم فيها.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: و إن كان كافراً خرجت الملائكة شيّعته إلى قبره يلعنونه حتّى إذا انتهى إلى قبره قالت له الأَرض: لا مرحباً بك و لا أهلاً أما و الله لقد كنت أبغض أن يمشي عليّ مثلك لا جرم لترين ما اصنع بك اليوم، فتضيق عليه حتّى يلتقي جوانحه.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: ثمّ يدخل عليه ملكا القبر و هما قعيدا القبر منكر و نكير.

قال أبو بصير: جعلت فداك يدخلان على المؤمن و الكافر في صورة واحدة؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: لا.

قال: فيقعدانه فيلقيان فيه الرّوح إلى حقويه فيقولان: من ربّك؟ فيتلجلج و يقول: قد سمعت النّاس يقولون، فيقولان: لا دريت، و يقولان له: ما دينك؟ فيتلجلج فيقولان له: لا دريب، و يقولان له من نبيّك؟ فيقول: قد سمعت النّاس يقولون فيقولان له: لا دريت و يسأل عن إمام زمانه.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: و ينادي مناد من السّماء كذب عبدي افرشوا له في قبره من النّار و افتحوا له باباً إلى النّار حتّى يأتينا و ما عندنا شرّ له فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات ليس منها ضربة إلا و يتطاير منها قبره ناراً لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة لكانت رميماً.

و قال أبو عبد الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: و يسلّط الله عليه في قبره الحَيات تنهشه نهشاً و الشّيطان يغمّه غمّاً، قال و يسمع عذابه من خلق الله إلاّ الجنّ و الإنس، و قال عَلیْهِ السَّلَامْ إنّه ليسمع خفق نعالهم و نفض أيديهم و هو قول الله عزّ و جلّ (1)﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27].

و عن إبراهيم بن أبي البلاد عن بعض أصحابه عن أبي الحسن موسى عَلیْهِ السَّلَامْ قال: يقال للمؤمن في قبره من ربّك؟ قال: فيقول الله، فيقال له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقال: من نبيّك؟ فيقول: محمد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فيقال: من إمامك؟ فيقول: فلان فيقال: كيف علمت بذلك؟ فيقول: أمر هداني الله له و ثبتني عليه، فيقال له: نم نومة لا حلم فيها نومة العروس، ثمّ يفتح له باب إلى الجنّة فيدخل إليه من روحها و ريحانها ليقول: يا رب عجل قيام السّاعة لعلي أرجع إلى أهلي و مالي.

و يقال للكافر: من ربّك؟ فيقول: الله، فيقال: من نبيّك؟ فيقول: محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فيقال: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقال: من أين علمت ذلك؟ فيقول: سمعت النّاس يقولون فقلته، فيضربانه بمرزبة لو اجتمع عليه الثّقلان الإنس و الجن لم يطيقوها.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فيذوب كما يذوب الرّصاص، ثم يعيدان فيه الرّوح فيوضع قلبه بين الوحين من نار فيقول: يا رب أخّر قيام السّاعة (2)و عن جابر قال قال أبو جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ: قال النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ﴿إنّي كنت أنظر إلى الإبل و الغنم و أنا أرعاها و ليس من نبيّ إلاّ و قد رعى الغنم، و كنت أنظر إليها قبل النبوّة و هي متمكّنة في (3المكينة ما حولها شيء يهيجها حتّى تذعر فتطير فأقول ما هذا و أعجب، حتّى حدّثني جبرئيل عَلیْهِ السَّلَامْ أنّ الكافر يضرب ضربة ما خلق الله شيئاً إلا سمعها و یذعر لها إلاّ الثّقلين فقلنا: ذلك لضربة الكافر، فنعوذ بالله من عذاب القبر) (4)


1) بحار الأنوار: 265/6، و التفسير الصافي: 87/3.

2) الكافي: 239/3، و بحار الأنوار: 263/6 ح 107.

3) في نسخة ممتلية. الكافي: 233/3 ح 4709.

4) بحار الأنوار: 226/6 ح 28، و الكافي: 233/3 ح 4709.

و عن بشير الدّهان عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: يجيء الملكان منكر و نكير إلى الميت حين يدفن أصواتهما كالرّعد القاصف و أبصارهما كالبرق الخاطف، يخطان الأَرض بأنيابهما و يطآن في شعورهما فيسألان الميت من ربّك و ما دينك؟

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فإذا كان مؤمناً قال: الله ربّي، و ديني الإسلام، فيقولان له: ما تقول في هذا الرّجل الذي خرج بين ظهرانيكم؟ فيقول: أعن محمّد رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم تسألاني؟ فيقولان: تشهد أنّه رسول الله؟ فيقول: أشهد أنّه رسول الله، فيقولان له: نم نومة لا حلم فيها و يفسح له في قبره تسعة أذرع و يفتح له باب إلى الجنّة و يرى مقعده فيها.

و إذا كان الرّجل كافراً دخلا عليه و أقيم الشّيطان بين يديه عيناه من نحاس فيقولان له: من ربّك و ما دينك؟و ما تقول في هذا الرّجل الذي خرج من بين ظهرانيكم؟ فيقول: لا أدري فيخليان بينه و بين الشّيطان،فيسلّط عليه في قبره تسعة و تسعين تنيناً لو أن تنيناً واحداً منها نفخت في الأَرض ما أنبتت شجراً أبداً، و يفتح له باباً إلى النّار و يرى مقعده فيها.

و عن محمّد بن أحمد الخراساني عن أبيه رفعه قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يسأل الميت في قبره عن خمس، عن صلاته و زكاته و حجّه و صيامه و ولايته إيانا أهل البيت فتقول الولاية من جانب القبر للأَربع: ما دخل فيكن من نقص فعليّ تمامه (1)

و في «الوسائل» عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ ما على أحدكم إذا دفن ميّته و سوى عليه و انصرف عن قبره أن يتخلّف عند قبره ثمّ يقول: يا فلان بن فلان أنت على العهد الذي عهدناك به من شهادة أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّداً رسول الله و أنّ عليّاً أمير المؤمنين إمامك، و فلان و فلان حتّى يأتي آخرهم، فإنّه إذا فعل ذلك قال أحد الملكين لصاحبه: قد كفينا الوصول إليه و مسألتنا إيّاه فإنّه قد لقّن حجته فينصرفان عنه و لا يدخلان إليه (2)

و فيه عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: ينبغي أن يتخلّف عند قبر الميّت أولى النّاس به بعد انصراف عنه و يقبض على التّراب بكفّيه و يلقّنه برفيع صوته، فإذا فعل ذلك كفى الميت المسألة في قبره (3)

و في «الكافي» بإسناده عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: لا يسأل في القبر إلاّ من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً و الآخرون يلهون عنه (4)


1) الكافي: 241/3 ح 4727، و بحار الأنوار: 266/6.

2) وسائل الشيعة 202/3، و وسائل الشيعة: 863/2 ح 2.

3) علل الشرائع: 308/1.

4) الكافي: 1/ 296 ح 5، و بحار الأوار: 184/6 ح 17 في نسخة: فترات.

و نحوه أخبار أخر فيه عنه عَلیْهِ السَّلَامْ، و ظاهر الكليني كالصّدوق هو الأَخذ بظواهر هذه الأَخبار لروايتهما لها من غير تعرّض لتأويلها، و قد حكى ذلك عن الشّيخ البهائي (رَحِمَه اللهُ).

و قال الشّهيد (رَحِمَه اللهُ) في محكي كلامه: إنّ هذا الخبر محمول على سؤال خاصّ ليوافق الأخبار العامّة في سؤال القبر.

و قال السّيد الجزائري رحمه الله و يمكن أن يراد بالملهو عنهم الذين وردت الأَخبار في شأنهم أنّهم يكلفون يوم القيامة بأن تؤجج لهم نار فيؤمروا بالدّخول فيها مثل البله و المجانين و من كان في فطرات الأَنبياء و الشّيخ الفاني و العجوز الفانية و نحوهم، و هؤلاء لم يمحضوا الإيمان و هو ظاهر، و لم يمحضوا الكفر أيضاً لقصورهم عن ورود الموردين فيبقون على حالتهم في قبورهم حتّى يمنحهم الله سبحانه في القيامة قوّة إدراك التكاليف و العقل القابل له.

و أما ضغطة القبر و ضمته

ففي «الكافي» بإسناده عن سالم عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: مَا مِنْ مَوْضِعِ قَبْرٍ إِلَّا وَ هُوَ يَنْطِقُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَنَا بَيْتُ التُّرَابِ أَنَا بَيْتُ الْبَلَاءِ أَنَا بَيْتُ الدُّودِ، قال عَلیْهِ السَّلَامْ فَإِذَا دَخَلَهُ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ قَالَ: مَرْحَباً وَ أَهْلًا أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أُحِبُّكَ وَ أَنْتَ تَمْشِی عَلَی ظَهْرِی فَكَیْفَ إِذَا دَخَلْتَ بَطْنِی فَسَتَرَی ذَلِكَ.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فَیُفْسَحُ لَهُ مَدَّ اَلْبَصَرِ وَ یُفْتَحُ لَهُ بَابٌ یَرَی مَقْعَدَهُ مِنَ اَلْجَنَّةِ، قال عَلیْهِ السَّلَامْ: و يخرج من ذلك رجل لم تر عيناه شيئاً قطّ أحسن منه فيقول: يا عبد الله ما رأيت شيئاً قط أحسن منك فيقول: أنا رأيك الحسن الذي كنت عليه و عملك الصالح الذي كنت تعمله.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: ثمّ تؤخذ روحه فتوضع في الجنّة حيث رأى منزله، ثمّ يقال له: نم قرير العين فلا تزال نفحة من الجنّة تصيب جسده و يجد لذّتها و طيبها حتّى يبعث.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: و إذا دخل الكافر قبره قالت الأرض: لا مرحباً بك و لا أهلاً أما و الله لقد كنت أبغضك و أنت تمشي على ظهري فكيف إذا دخلت بطني سترى ذلك.قال: فتضمّ عليه فتجعله رميماً و يعاد كما كان و يفتح له باب إلى النّار فيرى مقعده من النّار، ثمّ قال: ثمّ انّه يخرج منه رجل أقبح من رأى قط قال: فيقول يا عبد الله من أنت ما رأيت شيئاً أقبح منك، قال: فيقول: أنا عملك السيّىء الذي كنت تعمله و رأيك الخبيث.قال ثمّ تؤخذ روحه فتوضع حيث رأى مقعده من النّار، ثمّ لم تزل نفحة من النّار تصيب جسده فيجد ألمها و حرّها في جسده إلى يوم يبعث، و يسلّط الله على روحه تسعة و تسعين تنّيناً

تنهشه ليس فيها تنين ينفخ على ظهر الأَرض فتنبت شيئاً (1)و هذه الضّغطة هي التي ضمنها رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لفاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ. و قد روي أنّه لما أنّه لما حفر لها قبر اضطجع فيه رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فقيل له صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في ذلك فقال: إنّي ذكرت ضغطه القبر عندها يوماً و ذكرت شدّتها فقالت: و اضعفاه ليس لي طاقة عليها فقلت لها: إنّي أضمن لك على الله فاضطجعت في قبرها لذلك (2)و في «الكافي» عن أبي بصير قال: قلت لأَبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: ﴿أيفلت من ضغطة القبر أحد؟ قال: فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: نعوذ بالله منها ما أقلّ من يفلت من ضغطة القبر، إنّ رقيّة لمّا قتلها عثمان وقف رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم على قبرها فرفع رأسه إلى السّماء فدمعت عيناه و قال للنّاس: ذكرت هذه و ما لقيت فرققت لها و استوهبتها من ضمّة القبر، قال: فقال: اللّهم هب لي رقية من ضمّة القبر فوهبها الله له. قال عَلیْهِ السَّلَامْ: و إنّ رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم خرج في جنازة سعد و قد شيعه سبعون ألف ملك فرفع رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم رأسه إلى السّماء ثمّ قال: مثل سعد يضمّ؟ قال: قلت جعلت فداك: إنا نحدّث أنّه كان يستخف بالبول، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: معاذ الله إنّما كان من زعارة في خلقه على أهله قال: فقالت أمّ سعد هنيئاً لك يا سعد، قال: فقال لها رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: يا أمّ سعد لا تحتمي على الله (3)

و عن أبي بصير عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: يسأل و هو مضغوط.

قال المحدث المجلسي «رَحِمَه اللهُ» في حقّ اليقين :يفهم من الأَحاديث المعتبرة أنّ ضغطة القبر للبدن الأَصلي و أنّها تابعة للسؤال، فمن لا سؤال عنه لا ضغطة له.

و فيه عن الصّدوق عن الصادق عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أن ضغطة القبر للمؤمن كفّارة عمّا صدر عنه من تضييع نعم الله سبحانه (4)

و في «الكافي» عن يونس قال: سألته عن المصلوب يعذّب عذاب القبر؟ قال: فقال: نعم إنّ الله عزّ و جلّ يأمر الهواء أن يضغطه.

و في رواية أخرى سئل أبو عبد الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم عن المصلوب يصيبه عذاب القبر، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّ ربّ الأَرض هو ربّ الهواء فيوحي الله عزّ و جلّ إلى الهواء فيضغطه ضغطة هو أشدّ من


1) الكافي: 242/3، و تفسير نور الثقلين:557/3.

2) الكافي: 454/1، و بحار الأنوار: 279/6.

3) بحار الأنوار: 144/22 ح 133.

4) علل الشرائع: 309/18، و الأمالي: 633 ح 845.

ضغطة القبر،

و فيه في رواية أبي بصير التي تقدّم صدرها في ذكر حالة الإحتضار عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ ، فإذا أدرج في أكفانه و وضع على سريره خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدماً و تلقاه أرواح المؤمن و يبشّرونه بما أعدّ الله له جلّ ثناؤه من النّعيم، فإذا وضع في قبره رد إليه الرّوح إلى و ركيه ثمّ يسأل عمّا يعلم فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فيدخل عليه من نورها و بردها و طيب ريحها.

قال: قلت جعلت فداك فأين ضغطة القبر؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: هيهات ما على المؤمنين منها شيء و الله إنّ هذه الأَرض لتفتخر على هذه فيقول: وطىء على ظهري مؤمن و لم يطأ على ظهرك مؤمن، و الله لقد كنت أحبّك و أنت تمشي على ظهري فأما إذا وليتك فستعلم ماذا أصنع بك فتفسح له مدّ بصره، هذا (1)

و في «الحقّ اليقين» بعد إيراده الأَخبار الواردة في الضغطة ممّا قدّمنا روايتها و ما لم يتقدّم قال: و الجمع بين هذه الأَخبار في غاية الإشكال إذ لو حملنا المؤمن فيها على المؤمن الكامل فأي كامل أكمل من فاطمة بنت أسد و رقية إبنة النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و سعد بن معاذ.

اللّهمّ إلاّ أن يحمل ما في فاطمة و رقيّة على الاحتياط و الاطمئنان و حصول الاضطجاع و الدّعاء أو يقال المراد بالمؤمن المعصوم و من يتلو مرتبة العصمة كسلمان و أبي ذر و نظرائهما، و يمكن حمل أخبار عدم الضغطة للمؤمن على عدم الضّغطة الشّديدة أو حمل أخبار عدم الضّغطة له على ما تكون على وجه الغضب، و ما تدلّ عليها على ما تكون على وجه اللطف و ليكون قابلاً لدخول الجنّة كما أنّ ابتلاءه بمحن الدّنيا و بلاياها كان لذلك.

و يمكن أن يقال: إنّها كانت في صدر الإسلام عامّة للمؤمن و غيره، ثمّ اختصّت بغيرهم بشفاعة الرّسول و الأَئمة صلوات الله و سلامه عليه و عليهم، هذا.

و بقي الكلام فيما يوجب ارتفاع الضّغطة و الأََمن من بعض عقوبات البرزخ و هي أمور كثيرة.

منها: رش الماء على القبر فقد روي في «الكافي» عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ أنّه قال: یَتَجَافَی عَنْهُ اَلْعَذَابُ مَا دَامَ اَلنَّدَی فِی اَلتُّرَابِ (2)

و منها الجريدتان ففي «الوسائل» عن الصّدوق بإسناده إلى زرارة قال: قلت لأَبي


1) الكافي: 130/3، و بحار الأنوار: 197/6.

2) الكافي: 200/3 ح 6، و وسائل الشيعة: 196/3ح 3389.

جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ: أرأيت الميت إذا مات لم تجعل معه الجريدتان؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: يتجافى عنه العذاب أو الحساب ما دام العود رطباً إنّما العذاب و الحساب كلّه في يوم واحد في ساعة واحدة قدر ما يدخل القبر و يرجع القوم و إنّما جعلت السعفتان لذلك فلا يصيبه عذاب و لا حساب بعد جفوفهما إن شاء الله (1)

و منها: الوفاة ليلة الجمعة أو يومها ففي «الأَنوار» للسّيد الجزائري رحمه الله قد ورد في «الأخبار المعتبرة»، أنّ من مات من المؤمنين ليلة الجمعة أو يومها أمن من ضغطة القبر، قال «رَحِمَه اللهُ» و ربّما ورد أن بعض أَعمال البر و الأدعية المأثورة تدفعها أيضاً، و هو ليس ببعيد فإن رحمة الله قريبة من المحسنين.

و منها الدفن في وادي السّلام فقد روى في «الأَنوار» أيضاً من كتاب «إرشاد القلوب» في فضل المشهد الشّريف الغروي و ما لتربته و الدّفن فيها من المزيّة و الشّرف.

روي عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ أنّه قال: الغري قطعة من الجبل الذي كلّم الله موسی عليه تكليماً، و قدّس عليه تقديساً و اتّخذ عليه إبراهيم خليلاً، و محمّداً صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حبيباً و جعله للنّبيّين مسكناً.

و روي أنّ أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ نظر إلى ظهر الكوفة فقال: مَا أَحْسَنَ مَنْظَرَکِ وَ أَطْیَبَ قَعْرَکِ، اَللَّهُمَّ اِجْعَلْ قَبْرِی بِهَا (2).

قال: و من خواص تربته إسقاط عذاب القبر و ترك محاسبة منكر و نكير من المدفون هناك كما وردت به الأخبار الصّحيحة عن أهل البيت عَلیْهِم السَّلَامْ.

أقول: و نظير ما رواه عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ ما رواه في «الكافي» عن حبّة العرني قال: خرجت مع أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ إلى الظهر فوقف بوادي السّلام كأََنّه مخاطب لأَقوام، فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتّى مللت، ثمّ قمت حتّى نالني مثل ما نالني أوّلاً، ثمّ جلست حتّى مللت.

ثمّ قمت و جمعت ردائي فقلت يا أمير المؤمنين إنّي قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثمّ طرحت الرّداء ليجلس عليه فقال لي: يا حبة إن هو إلا محادثة مؤانسته قال: قلت: يا أمير المؤمنين و إنّهم كذلك؟ قال: نعم، و لو كشف لرأيتهم حلقاً حلقاً محتبين يتحادثون، فقلت: أجساد أم أرواح؟ فقال لي: أرواح و ما من مؤمن يموت في بقعة


1) الكافي: 152/3 ح 4، و وسائل الشيعة: 21/3.

2) مستدرك سفينة البحار: 54/9 ظ

من بقاع الأَرض إلاّ قيل: الحقي بوادي السّلام و إنّها لبقعة من جنّة عدن (1)

و المستفاد من هذه الرّواية و كثير من الأَخبار المعتبرة أنّها جنّة الدّنيا و أنّ أرواح المؤمنين فيها كما أنّ أرواح الكفّار في بشر البرهوت.

فقد روي في «الكافي» عن أحمد بن عمر رفعه عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قلت له: إنّ أخي ببغداد و أخاف أن يموت بها، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: مَا یُبَالِی حَیْثُ مَا مَاتَ أَمَا إِنَّهُ لاَ یَبْقَی فِی شَرْقِ اَلْأَرْضِ وَ غَرْبِهَا إِلاَّ حَشَرَ اَللَّهُ رُوحَهُ إِلَی وَادِی اَلسَّلاَمِ، قال: قلت له: و أين وادي السّلام؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: ظَهْرُ اَلْکُوفَةِ، أَمَا إِنِّی کَأَنِّی بِهِمْ حَلَقٌ حَلَقٌ قُعُودٌ یَتَحَدَّثُونَ (2)

و عن محمّد بن أحمد بإسناد له قال قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: شَرُّ بِئْرٍ فِی اَلنَّارِ بَرَهُوتُ اَلَّذِی فِیهِ أَرْوَاحُ اَلْکُفَّارِ (3)

و عن السّكوني عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: شَرُّ مَاءٍ عَلَی وَجْهِ اَلْأَرْضِ مَاءُ بَرَهُوتَ،وَ هُوَ وادِ بِحَضْرَ مَوْتَ تَرِدُ عَلَیهِ هَامُ اَلْکُفَّارِ (4)

و الأَخبار في هذا المعنى كثيرة و لا حاجة إلى ذكرها نعم في المقام خبر يستلذّ النّفس و يسرّ القلب به و هو ما رواه في «الأنوار» عن القاضي بن بدر الهمداني الكوفي و كان رجلاً صالحاً متعبّداً.

قال: كنت في جامع الكوفة ذات ليلة مطيرة فدقّ باب مسلم جماعة ففتح لهم و ذكر بعضهم أنّ معهم جنازة فأدخلوها و جعلوها على الصّفة التي تجاه باب مسلم بن عقيل، ثمّ إنّ أحدهم نعس فنام فرأى في منامه قائلاً يقول لآخر: ما تبصره حتّى نبصر هل لنا معه حساب أم لا، فكشف عن وجه الميّت و قال لصاحبه بل لنا معه حساب و ينبغي أن نأخذه معجلاً قبل أن يتعدّى الرّصافة فما يبقى لنا معه طريق.

فانتبه و حكى لهم المنام و قال: خذوه عجلاً فأخذوه و مضوا به في الحال إلى المشهد الشّريف صلوات الله و سلامه على مشرّفها.

أقول: رزقنا الله سبحانه و إخواني المؤمنين مجاورة حضرت مولاي و مولى العالمين عليه الصّلاة و السّلام حيّاً و ميّتاً، و أنا أوصي خليفتي و وليّ أمري بعدي أن يدفنني في ذلك المقام


1) الذكر: 78، و الكافي: 243/3 ح 4734.

2) الكافي: 243/3 ح 4735، و بحار الأنوار: 268/6 ح 118.

3) الكافي: 243/3 ح 4735، و بحار الأنوار: 268/6 ح 118.

4) الكافي: 346/3 ح 3، و بحار الأنوار: 289/6 ح 11.

الشّريف.

و أقول له:

إذا مت فادفني إلى جنب حيدرٍ *** أبي شُبرِ أكرم به و شبیر

فلست أخاف النّار عند جواره *** و لا أتّقي من منكرٍٍ و نكير

فعار على حامي الحمى و هو في الحمى *** إذا ضلّ في البيداء عقال بعیر

ثم أقول:

ولايتي لأَمير النّحل تكفيني *** عند الممات و تغسيلي و تكفيني

و طينتي عجنت من قبل تكويني *** بحب حيدر كيف النّار تكويني

ثم أناجي ربي و أقول:

و فدتُ على الكريم بغ- سير زادٍ *** من الحسنات و القلب السليم

فحمل الزّاد أقبح كل شيء *** إذا كان الوفود على الکریم

الترجمة

و بعض دیگر از این خطبه شریفه در صفت خلقت انسان است که می فرماید: آیا یاد آوری نمایم شما را به این انسانی که ایجاد فرمود او را صانع حکیم ظلمت های رحم ها و در غلاف های پرده ها در حالتی که نطفه ای بود رخته شده و علقه ای ناقص گشته و بچه پنهان در شکم زنان و طفل شیر خواره و از شیر باز گرفته و به سن احتلام رسیده.

پس از آن عطا فرمود او را قلب حفظ کننده و زبان گوینده و دیده نگرنده تا فهم کند در حالتی که عبرت گیرنده باشد و باز ایستد از معصیت در حالتی که نفس خود را زجر کننده شود تا این که قایم شد حد اعتدال او و راست شد پیکر و مثال او، رمید و نفرت نمود از حق در حالتی که گردن کش بود و خبط کرد در حالتی که بی باک بود.

آب کشنده بود در دل و بزرگ هوس و هوای خود، رنج کشنده بود بود و سعی از برای دنیای خود در لذّت های شادیش و در حاجت های خطور کننده قلب خویش در حالتی که گمان نمی نمود مصیبتی که برسد به او و نمی ترسید از محذوری که وارد شود به او، پس مرد در ضلالت خود در حالتی که غافل بود از غضب مالك الملك و زندگانی کرد در لغزیدن خود در زمان اندك.

كسب ننمود عوض نعمت ها را در دنیا و به جا نیاورد فرایض لازمه بر خود را، هجوم آور شد بر او اندوه های مرگ در بقایای سواری او بر هوای خود و در راه های سرور و شادی خود؛ پس متحیّر گشت و شب را بر بیداری به روز آورد در شدّت های درد ها و نازل شده های الم ها و بیماری ها در میان برادر که شقّه ای است از جان و پدر مهربان و مادر واویلا گوینده از روی جزع و خواهر به سینه زننده از روی اضطراب و فزع و حال آن که آن مرد در سکرات موت است مشتمله بر تعب و شدت و در غمرات مرگ است متّصفه با نهایت مشقّت و در ناله های درد آورنده و در کشش روح اندوه آورنده و راندن رنجاننده.

پس پیچیده شد در کفن های خود در حالتی که مأیوس و حزین و کشیده شد

در حالتی که اطاعت کننده بود آسان و لیّن، پس انداخته شد در چوب های نعش مثل شتر مردّد در اسفار و هم چو شتر لاغر از کثرت بار، در حالتی که بردارند او را فرزندان یاری دهنده و برادران جمع شونده به سوی قبر که سرای غربت او است و جای بریدن زیارت از او است.

تا آن که چون رجوع تشییع کننده و بر می گردد اندوه خورنده، نشانده می شود در قبر در حالتی که راز گوینده باشد از جهت بهت و حیرتی که حاصل می شود او را از سؤال و به جهت لغزش در امتحانی که او را است در عقاید و اعمال و بزرگ ترین چیزی که آن جا است از حیثیت بلا، پیش کش آب گرم و جوشان است در آوردن او است در آتش سوزان و جوشش های آتش سرخ شده و شدت های صدای نار موقده.

نیست آن جا سستی که راحت کننده از عذاب باشد و نه آرمیدنی که زایل کننده عقاب باشد و نه مرگ حاضر که باعث استراحت او شود و نه خواب اندك كه سبب فراموشی زحمت او گردد ،بلکه همیشه در میان انواع مرگ ها باشد و در میان غذاب های ساعت به ساعت، به درستی که پناه می بریم به خدا از این عذاب و عنا.

الفصل الثامن

اشارة

عِبادَ اللهِ، أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعَمُوا، و عُلِّمُوا فَفَهمُوا، وَ أَُنْظرُوا فَلَهَوْا، و سُلِّمُوا فَنَسَواء أَُمْهِلُوا طَويلاً،وَ مُنِحُوا جَميلاً، وَ حُذِّرُوا أَلِيماً، وَ وِِعُدُوا جَسيماً، احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُورِِطَةَ، وَ الْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ، أُولي الأَبصارِ و الأََسْمَاع، وَ الْعَافِيَةِ وَ الْمَتَاعِ، هَلْ مِنْ مَنَاصِ أوْ خِلاصِ، أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلاذٍ، أَوْ فِرَارٍٍ أَوْ مَحارٍٍ، أَمْ لا فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ، أَمْ بماذا تَغْتَرُونَ، وَ إِنَّما حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ أَرْضِ، ذاتِ الطُّولِ وَ الْعَرْضِِ ، قَيْدُ قَدِّه، مُنْعَفِراً عَلَى خَدِّهِ، الآنَ عِبَادَ اللَّهِ وَ الْخِنَاقُ مُهْمَلٌ، وَ الرَّوْحُ مُرْسَلٌ، في فِيئَةِ الإِرْشَادِ، و رَاحَةِ الأَجْسَادِ، و بَاحَةِ الإِحْتِشَادِ، و مَهَلِ البَقِيَّة، و أنْفِ الْمَشِيَّةِ، و إنْظارِ التّوبَة، و انْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ، قَبْلَ الضَّنْكِ، وَ الرّوع و الزُّهُوقِ، وَ قَبْلَّ قَدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِِ، و أَخْذَةِ الْعَزيزِِ الْمُقْتَدِرِ. قال السّيّد (رَحِمَه اللهُ) و في الخبر أنّه عَلیْهِ السَّلَامْ لمّا خطب بهذه الخطبة إقشعرّت لها الجلود و بكت العيون و رجفت القلوب، و من النّاس من يسمي هذه الخطبة الغرّاء.

اللغة

(إحذروا) أمر من حذر بالكسر من باب علم و (الورطة) الهلكة و أرض مطمئنة لا طريق فيها و أورطه ألقاه فيها و (المناص) الملجأ و (المحار) المرجع من حار يحور أي رجع قال تعالى:

إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ [الإنشقاق: 14]. و (افك) من باب ضرب و علم افكا بالفتح و الكسر و التحريك كذب و افكه عنه يأفكه صرفه و قلبه أو قلب رأيه و (القيد) كالقاد المقدار و (المعفر) محرّكه التّراب وعفره في التّراب يعفره من باب ضرب و عفّره فانعفر و تعفّر مرّغه فيه أو دسّه و (الخناق) ككتاب حبل يخنق به و يقال أخذ بخناقه أي بحلقه لأنّه موضع الخناق فأطلق عليه مجازاً و (فينة) السّاعة و الحين يقال لقيتة الفينة بعد الفينة و قد تحذف (اللاّم) و يقال لقيته فينة بعد فينة.

و في بعض النسخ الارتياد بدل (الإرشاد) و هو الطّلب و (الباحة) السّاحة و القضاء و (الاحتشاد) الاجتماع و (أنف) الشيء بضمّتين أوّله و (الانفساح) من الفسحة و هو السّعة و (الحوبة) الحالة و الحاجة و (الضّنك) و الضّيق بمعنى واحد و (المضيق) ما ضاق من المكان و المراد هنا القبر و ( الرّوع) الفزع و (زهق) نفسه من باب منع و سمع زهوقاً خرجت و زهق الشيء بطل و هلك.

و «اقشعر جلده» أخذته قشعريرة أي رعدة و «رجفت القلوب» اضطربت و «الخطبة الغرّاء» بالغين المعجمة أي المتّصفة بالغرة قال في «القاموس»: و الغرّة من المتاع خياره و من القوم شريفهم و من الرّجل وجهه و كلّ ما بدا لك من ضوء أو صبح فقد بدت غرته.

الإعراب

قوله: (عباد الله) منصوب على النّداء بحذف حرفه؛ و كذلك قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (أولي الأَبصار)، و قوله: (هل من مناص) استفهام على سبيل الإنكار و الإبطال، و أم في قوله (أم لا) منقطعة بمعنى بل فهي مثل (أم)في قوله:

هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَ النُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ. و الشّاهد في الثّانيه فإنّه سبحانه بعد إبطال استواء الأَعمى و البصير و الظلمات و النّور أضرب عن ذلك و أخبر عن حالهم بأنّهم جعلوا الله شركاء، و كذلك الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ بعد إنكار المناص و الخلاص و إبطاله أضرب عن ذلك و أخبر بأنّه ليس هناك مناص و لا خلاص.

و قوله: (فأنّى تؤفكون)، (أنّى) بمعنى (كيف) أو بمعنى (أين) و من مقدرة قبلها أي من أين تؤفكون، صرّح به نجم الأَئمة الرّضى في مبحث الظروف من شرح «الكافية»، (وذا) في قوله (أم بماذا تغترون) إمّا زائدة و هو الأَظهر أو بمعنى (الذي) كما في ماذا لقيت، (و منعقراً) حال من الضّمیر فی قده.

و قوله: (الآن) من ظروف الزّمان مبنيّ على الفتح و اختلفوا في علّة البناء و الأَظهر ما قاله أبو عليّ من أنّه متضمّن لمعنى (ال) الحضوري لأَن معناه الزّمن الحاضر، (و اللام) فيه زائدة لازمة و ليست للتّعريف كما توهّم السّيرافي و ابن عصفور إذ لا تعرف أنّ التي للتّعريف تكون لازمة و هذه لازمة لأَنّ الآن لم يسمع مجرّداً عنها (و كيف) فهو مفعول فيه و العامل محذوف، و التقدير اعملوا و اغتنموا الفرصة الآن.

و جملة (و الخناق مهمل)، في محل الانتصاب على الحال من عباد الله و العامل النّداء المحذوف لكونه في معنى الفعل، (و اللام) في الخناق عوض عن المضاف إليه أي خناقكم على حدّ و علّم آدم الأسماء، أي أسماء المسمّيات، و كذا في الرّوح و قوله في «فينة الإرشاد»، متعلق بقوله مرسل (و في) للظرفية المجازيّة، و قيل (الضنك) ظرف للفعل المحذوف الذي جعلناه العامل في (الآن).

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل متضمّن للتذكير بحال السّلف و للأَمر بالكف عن المعاصي و للحث على التّدارك للذنوب قبل الموت بتحصيل التوبة و الإنابة و هو قوله:

عِبادَ اللّهِ أَیْنَ الَّذِینَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا أي أعطاهم الله العمر فصاروا ناعمين أي صاحبي سعة في العيش و الغذاء (و علموا ففهموا) أي علمهم الأَحكام ففهموا الحلال و الحرام (و انظروا) في مدة الأجل (فلهوا)بطول الأَمل (و سلموا) في العاجلة (فنسوا) العاجلة (أمهلوا) زماناً (طويلاً) و أمداً بعيداً (و منحوا) عطاء (جميلاً) و عيشاً رغيداً (و حذروا عذاباً أليماً) و جحيماً (و وعدوا) ثواباً (جسيماً) و عظيماً (إحذروا الذنوب المورطة) أي المعاصي الموقعة في ورطة الهلاكة و العقاب (و العيوب المسخطة) أي المساوي الموجبة لغضب رب الأرباب. أُولِي الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ وَ الْعَافِيَةِ وَ الْمَتَاعِ و إنّما خصّ هؤلاء بالنّداء و خصّصهم بالخطاب لأَنهم القابلون للاتعاظ و الاذكار و اللائقون للانتهار و الانزجار بما أعطاهم الله من الأَبصار و البصائر منحهم من الأَسماع و الضمائر و بذل لهم من الصّحة و السّلامة في الأَجساد و من به عليهم من المتاع و الأَموال و الأَولاد الموجبة للأعراض عن العقبا و الرّغبة إلى الدّنيا و الباعثة على ترك سبيل الرّحمن و سلوك سبيل الشّيطان و الداعية إلى ترك الطّاعات و الاقتحام في الهلكات. ثم استفهم على سبيل التكذيب و الانكار بقوله: (هل من مناص) من العذاب (أو خلاص) من العقاب (أو معاذ) من الوبال (أو ملاذ) من النكال (أو فرار) من الحميم (أو محار) من الجحيم أم لا و ليس فَأَنّی تُؤْفَکُونَ و تنقلبون (أم أين تصرفون) و تلفتون (أم بماذا تغترون) و تفتنون وَ إِنَّمَا حَظُّ أَحَدِکُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ الغبراء (ذات الطول و العرض) و الارجاء (قيد قده) و قامته (منعفراً على خده) و و جنته.

اعملوا (الآن) و اغتنموا الفرصة في هذا الزّمان یا عِبادَ اللّهِ و الْخِناقُ مُهْمَلٌ و الرُّوحُ مُرْسَلٌ أي أعناق نفوسكم مهملة من الأَخذ بخناق الموت و أرواحكم متروكة من الجذب بحبال الفناء و الفوت (في فينة الإرشاد) و الهداية إلى الجنان (وراحة الأجساد) و استراحة الأَبدان (وباحة الاحتشاد) أي ساحة اجتماع الأَشباه و الأقران وَ مَهَلِ اَلْبَقِیَّةِ وَ أُنُفِ اَلْمَشِیَّةِ أي مهملة بقيّة الحياة و أول أزمنة الإرادات.

و أشار بذلك إلى أن اللاَزم على الإنسان أن يجعل أوّل زمان إرادته و ميل خاطره إلى اكتساب الفضائل و اجتناب الرّذائل و تكون همّته يومئذٍ مصروفة في اتيان الطاعات و اقتناء الحسنات ليكون ما يرد على لوح نفسه من الكمالات وارداً على لوح صاف من الكدورات سالم عن رين الشّبهات إذ لو انعكس الأَمر و جعل أوائل ميوله و إرادته منصرفة إلى اتيان المعاصي و الخطيئات تسودّ وجه نفسه بسوء الملكات فلم يكد يقبل بعد ذلك الاستضاءة بنور الحقّ و الاهتداء إلى الخيرات.

و إنظار التوبة و انفساح الحوية أراد به إمهال الله لهم لأَجل تحصيل التوبة و إعطائه لهم

اتساع الحالة و وسعة المجال لا كتساب الحسنات و الأَعمال قبل الضّنك و المضيق أي قبل ضيق الزّمان و مضيق المكان و الرّوع و الزّهوق أي الفزع و خروج الرّوح من الأَبدان و قبل قدوم الموت الذي هو الغائب المنتظر و أخذة الذي هو (العزيز) الغالب (المقتدر) فإنّه إذا قدم الموت بطل التكليف و استحال تدارك الذنوب و لا ينفع النّدامة.

و لذلك قال أبو جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: المَوتَ المَوتَ ألا و لا بُدَّ مِن المَوتِ، جاءَ المَوتُ بما فیهِ جاءَ بالرَّوحِ و الرّاحَةِ و الکَرَّةِ المُبارَکةِ إلی جَنَّةٍ عالِیَةٍ لأَهلِ دارِ الخُلودِ الّذینَ کانَ لَها سَعیُهُم و فیها رغبَتُهُم، و جاءَ المَوتُ بما فیهِ بالشِّقوَةِ و النَّدامَةِ و الکَرَّةِ الخاسِرَةِ إلی نارٍ حامیَةٍ لأهل دارِ الغُرورِ الّذینَ کانَ لَها سَعیُهُم و فیها رغبَتُهُم.

ثمّ قال: وَ قَالَ إِذَا اُسْتُحِقَّتْ وَلاَیَةُ اَللَّهِ وَ اَلسَّعَادَةُ جَاءَ اَلْأَجَلُ بَیْنَ اَلْعَیْنَیْنِ وَ ذَهَبَ اَلْأَمَلُ وَرَاءَ اَلظَّهْرِ، وَ إِذَا اُسْتُحِقَّتْ وَلاَیَةُ اَلشَّیْطَانِ جَاءَ اَلْأَمَلُ بَیْنَ اَلْعَیْنَیْنِ وَ ذَهَبَ اَلْأَجَلُ وَرَاءَ اَلظَّهْرِ.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: وَ سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أَیُّ اَلْمُؤْمِنِینَ أَکْیَسُ؟ فَقَالَ: أَکْثَرُهُمْ ذِکْراً لِلْمَوْتِ وَ أَشَدُّهُمْ لَهُ اِسْتِعْدَاداً (1)

قال السّيد (رَحِمَه اللهُ) و في الخبر أنّه لمّا خطب بهذه الخطبة اقشعرّت لها الجلود و أرعدت و بكت العيون و اسكبت و رجفت القلوب و اضطربت و من النّاس من يسمّى هذه الخطبة الغرّاء.

أقول: و هي حقيقة بهذه التسمية لكونها من خيار خطبه و شرائفها و وجوهها لما تضمّنه معناها من الحكمة و الموعظة الحسنة و هي كافية في «الهداية» و «الإرشاد» للطّالب الرّاغب إلى الثّواب و وافية في مقام التحذير و الإنذار للهارب الرّاهب من العقاب.

و لما اشتملت عليه ألفاظها من أنواع المحسّنات البيانيّة و البديعيّة من الإنسجاء و الترصيع و التجنيس و السّجع و المقابلة و الموازنة و المجاز و الاستعارة و الكناية و غيرها.

و ناهيك حسناً قوله عَلیْهِ السَّلَامْ في هذا الفصل: هَلْ مِنْ مَناصٍ أَوْ خَلاصٍ أَوْ مَعاذٍ أَوْ مَلاذٍ أَوْ فِرارٍ أَوْ مَحارٍ، و قوله في الفصل الرّابع، فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ وَ اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ وَ وَجِلَ فَعَمِلَ إلى آخر ما قاله.

فانّك إذا لاحظت كلّ لفظة منها وجدتها آخذة برقبة قرينتها، جاذبة لها إليها دالّة عليها بذاتها و محسّنات كلامه غنيّة عن الاظهار غير محتاجة إلى التّذكار إذ تكلّف الاستدلال على أنّ الشّمس مضيئة يتعب و صاحبه ينسب إلى السّفه و ليس جاحداً لأمور المعلومة بالضرورة بأشد سفهاً ممّن رام الاستدلال عليها.


1) الكافي: 258/3 ح 17 و الأمالي: 532.

تكملة

اعلم أن بعض فصول هذه الخطبة مروي في «البحار» من كتاب «عيون الحكمة و المواعظ» لعليّ بن محمّد الواسطي باختلاف يسير لما هنا، و هو من الفصل الخامس إلى آخرها و لا حاجة لنا إلى إيراده نعم روي كلام آخر له عَلیْهِ السَّلَامْ فيه من الكتاب الذي أشرنا إليه بعض فصول هذه الخطبة مدرّج فيه و أحببت ايراده لاقتضاء المقام ذلك.

قال (رَحِمَه اللهُ) و من كلامه له عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّكم مخلوقون اقتداراً، ومربوبون ايتساراً إلى آخر ما يأتي إن شاء الله في تكملة الشّرح الخطبة المائتين و الرابعة و العشرين.

الترجمة

ای بندگان خدا، کجایند آن کسانی که معمّر شدند، پس منعم شدند به ناز و نعمت و تعلیم شدند، پس فهمیدند به ذکاء و به ذكاء و فطنت و مهلت داده شدند، پس غفلت ورزیدند از طاعت و سالم گردانیده شدند، پس فراموشی اختیار کردند بر تذکیرات. حذر نمائید از ذنوبی که می اندازد به ورطه هلاکت و از عیوبی که باعث میشود به خشم حضرت عزّت.

ای صاحبان دیده های بینا و گوش های شنوا و خداوندان سلامتی و متاع دنیا، آیا هیچ پناهگاهی هست از عذاب یا خلاصی هست از عقاب یا هیچ ملجائی هست از شدت یا ملاذی هست از عقوبت یا هیچ گریزی هست از آتش جحیم یا مرجعی هست از عذاب الیم یا اینکه چاره و علاج نیست و مفرّ و مناص نه؟

پس چگونه گردانیده می شوید از فرمان خدا؟ یا کجا صرف کرده میشوید؟ یا به چه چیز مغرور می باشید؟ و جز این نیست که نصیب هر یکی از شما از زمینی که صاحب طول است و عرض، مقدار قامت او است در حالتی که خاک آلوده باشد بر رخسار خود.

عمل بکنید و فرصت غنیمت شمارید الان ای بندگان خدا و حال آن که آن چیزی که به آن اخذ کرده می شود گردن های نفوس شما که مرگ است وا داشته شده است و روح های شما ترك كرده شده است در ساعت رشادت؛ یعنی کسب کردن چیز هایی که باعث رشد است و در راحت بدن ها و در مهلت بقیه حیات و در اول از منه ارادات و در مهلت دادن به جهت تحصیل توبه و در وسعت فراخی حالت پیش از زمان کوتاه و مکان تنگ و قبل از ترس و رفتن جان از بدن و پیش از آمدن غایب انتظار کشیده شده که عبارت است از موت و پیش از اخذ نمودن خدای غالب صاحب قدرت او را در سلسله عقوبت.

قال الشارح على الله عنه: و ليكن هذا آخر ما أردنا ايراده في هذا المجلّد و هو المجلّد الثّاني من مجلّدات «منهاج البراعة في شرح النّهج»، و يتلوه إن شاء الله المجلّد الثّالث إن ساعدنا الوقت و المجال بتوفيق الله الملك المتعال، و هذه هي النسخة الأَصل التي كتبتها بيميني وأرجو من الله سبحانه أن يثبتها في صحائف أعمالي و يرجح بها ميزان حسناتي و أن يؤتيها بيميني كما أمليتها بيميني إنّه على كلّ شيء قدير و بالإجابة جدير، و كان الفراغ منه في فجر العشرين من شهر ربيع الآخر 1303.

بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين

الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، و الصّلاة و السّلام على عبده و رسوله محمّد حبيب الله، و على آله الذين فضّلهم على العالمين و جعلهم أفضل عباد الله، و اختصّهم بالإمامة و الولاية فصاروا أئمة الدّين و أولياء الله، و أهل بيته الذين اذهب الله عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيراً، و لعنة الله على أعدائهم الذين جعل مأواهم جهنّم لهم فيها زفير و شهيق و ساءت مقاماً و مصيراً. و بعد فهذا هو المجلد الثالث من مجلّدات «منهاج البراعة» املاء راجي عفو ربِّه الغنيّ «حبيب الله بن محمد بن هاشم الهاشمي العلوي الموسوي» أعطاه الله كتابه بيمناه، و جعل عقباه خيراً من أولاه، و المرجوّ منه سبحانه أن يمنّ علىّ باتمامه بقرب محمّد و آله.

فأقول: قال السّيّد (رَحِمَه اللهُ):

و من كلام له عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص و هو الثالث و الثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

و قد رواه غير واحد من المحدّثين على اختلاف تطلع عليه في التّذنيب الثاني إن شاء الله.

عَجَباً لابْنِ النّابِغَةِ يَزعَمُ لأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِي دُعابَةٌ وَ إِنِّي امْرُءٌ تِلْعابَةٌ أُعافِسٌ و أَمارِسُ، لَقَدْ قالَ باطِلاً، و نَطَقَ آثِمَاً، أما و شَرُِّ الْقَوْلِ الْكَذَبُ، إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيَكْذِبُ، و يَعِد فَيُخْلِفُ، و يَسْئَلُ فَيُلْحِفُ، و يُسْئَلُ فَيَبْخَلُ، و يخُونُ الْعَهْدَ، و يَقْطَعُ الإِلَّ، فَإذا كانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زاجِرٍ و آمِرٍ هُوَ مَا لَمْ يَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإذا كانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْتَحَ الْقَوْمَ سَبَّتَهُ، أماً وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعَبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَ إِنَّهُ لَيَمْنَعَهُ مِنْ قَوْلُ الْحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ، إِنَّهُ لَمْ يُبايع مُعْوِيَةً حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيهُ آتِيَّةً، و يَرْضَحَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً.

اللغة

(النّابغة) أم عمرو بن العاص سمّيت بها لظهورها و شهرتها بالبغي، مأخوذة من نبغ الشيء نبوغاً أي ظهر و (يزعم) بمعنى يقول، قال الفيومي: و عليه قوله تعالى:

اَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ [الإسراء: 92]. أي كما أخبرت قال المرزوقي: أكثر ما يستعمل الزّعم فيما كان باطلاً أو فيه ارتياب، قال الخطاني: و لهذا قيل زعم مطيّة الكذب و زعم غير مزعم قال غير مقول صالح و ادّعى ما لا يمكن، و قال أبو البقاء: الزّعم بالضم اعتقاد الباطل بلا تقوّل و بالفتح اعتقاد الباطل بتقوّل و قيل: بالفتح قول مع الظنّ و بالضم ظن بلا قول، و من عادة العرب أن من قال كلاماً و كان عندهم كاذباً قالوا: زعم فلان قال شريح: لكلّ شيء كنية و كنية الكذب زعم، و قد جاء في القرآن في كلّ موضع ذمّاً للقائلين.

و (الدعابة) بضمّ (الدال) المزاح من دعب يدعب مثل مزح يمزح و زنا و معنىّ و في لغة من باب تعب و في الحديث قلت: و ما الدّعابة؟ قال: هي المزاح و ما يستملح و (التلعابة) بكسر (التّاء) كثير اللعب و المزاح (و التّاء) للمبالغة، و التّلعاب بالفتح مصدر لعب و (العافسة) المعالجة في الصراع من العفس و هو الجذب إلى الأَرض في ضغط شديد و الضرب على الأَرض بالرّجل و ( الممارسة) المعالجة و المزاولة و (ألحف) السائل إلحافاً ألحّ و (الأل) العهد و القرابة قال تعالى:

لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لَا دَمَةٌ [التوبة: 10].

و (السبة) الاست و (الآتية) كالعطية لفظاً و معنى و (الرضيخة) الرّشوة من رضخ له رضخاً من باب نفع و رضيخة أعطاه شيئاً ليس بالكثير.

الإعراب

(عجباً) منصوب على المصدرية بحذف عامله، و جملة (يزعم) إمّا في محل النّصب على الحال من (ابن النابغة) لكونه مفعولاً بالواسطة، أو لا محلّ لها من الإعراب لكونها إستئنافاً بيانياً، فكأَنّه عَلیْهِ السَّلَامْ سئل عن علّة التعجب فأجاب بأنّه يزعم و هو الأَظهر و جملة (أعافس و أمارس) في محل الرّفع صفة بعد صفة (لامرء) و هي في المعنى تأكيد لقوله تلعابة و لكمال الاتّصال بينهما ترك حرف العطف و هو من المحسّنات البيانية.

و جملة (لقد قال باطلاً) قسمية (و باطلاً) صفة لمصدر محذوف، (و آئماً) منصوب على الحال و يحتمل أن يكون صفة لمحذوف أيضاً أي نطق نطقاً آثماً فيكون اسناد آثماً إليه من باب التّوسع.

قوله (فأيّ زاجر و آمر هو) لفظة أيّ منصوبة على الحالية و حذف عاملها للقرينة و هي اسم موضوع للدّلالة على معنى الكمال و يستعمل في مقام التّعجب، تقول: مررت برجل أيّ رجل، أي كامل في الرّجولية و بزيد أيّ رجل أي كاملاً فيها قالوا: إنّه إذا وقع بعد المعرفة فحال و إذا وقع بعد النكرة فصفة، و تقدير كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ فهو زاجر أيّ زاجر.

قال الرّضي في «شرح الكافية» بعد ما حكى عنهم كون (أي) إسماً موضوعاً للدلالة على معنى (في) متبوعه و الذي يقوي عندي أن (أيّ) رجل لا يدلّ بالوضع على معنى (في) متبوعه، بل هو منقول عن (أيّ) الاستفهاميّة، و ذلك أن الاستفهاميّة للسؤال عن التّعيين، و ذلك لا يكون إلاّ عند جهالة المسؤول عنه فاستعيرت لوصف الشّيء بالكمال في معنى من المعاني و التّعجب من حاله، و الجامع بينهما أن الكامل البالغ غاية الكمال بحيث يتعجب منه يكون مجهول الحال بحيث يحتاج إلى السؤال عنه.

المعنى

اعلم أن عمرو بن العاص اللّعين ابن اللّعين لمّا كان عدوّاً لأمير المؤمنين سلام الله عليه و آله، معلناً بعداوته كما كان أبوه العاص بن وائل عدواً لرسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لا جرم كان همّة اللّعين مصروفة في الكذب و الافتراء عليه عَلیْهِ السَّلَامْ و كان يروم بذلك أن يعيبه عند النّاس و يسقط محلته عَلیْهِ السَّلَامْ من القلوب و من جملة ما افترى عليه كذباً أنّه قال لأَهل الشّام: إنّما أخّرنا علياً لأنَّ فيه هزلاً لا جِدّ معه، فنسبه عَلیْهِ السَّلَامْ إلى الدّعابة و كثرة المزاح كما نسبه عَلیْهِ السَّلَامْ إلى ذلك عمر بن الخطاب و هذه النسبة من عمرو سيّئة من سيّئات عمر.

فأراد عَلیْهِ السَّلَامْ بكلامه ذلك دفع هذه النسبة و اثبات أنه افتراء و بهتان في حقه و ذكر أوّلاً ما

قاله ابن العاص ثم اتّبعه بردّه فقال:

(عجباً لابن النّابغة) و إنّما كنى عنه بأمّه إذ من عادة العرب النسبة إلى الأم إذا كانت مشهورة بالخسّة و الدّناءة يريدون بذلك ذمّه و القدح فيه، و قد ينسبونه إليها إذا كانت معروفة بالشّرف يريدون بذلك شرفه و مدحه (يزعم لأَهل الشّام) و يقول لهم قصداً للقدح و التّعييب (أنّ فیّ) مزاح و (دعابة و أنى امرء تلعابة) و كثير الممازحة حتّى أنّي (أعافس) و أصارع (و أمارس) و أعالج فعل من اتّصف بفراغ القلب فاستغرق أوقاته باللّهو و اللّعب، و الله (لقد قال) قولاً (باطلاً و نطق) عاصياً (آثماً) لأنَّه كذب فأذنب و افترى فعصى (أما و شرّ القول الكذب) و الافتراء من حيث العقل و النّقل و الدّين و الدّنيا كما ستطلع عليه فيما عليك يتلى.

و هذا الملعون قد اتصف بذلك و بغيره ممّا يوقعه في المهالك و لقد كان جامعاً لجملة من الصّفات الخبيثة الشّيطان و متصفاً بجملة من الرّذائل الخسيسة النّفسانية مضافة إلى ما فيه من فساد الإعتقاد و الكفر و العناد و هي على ما نبّه عليها أمور:

الأول: (أنه ليقول فيكذب) و رذالة هذه الصّفة و قباحته معلومة من حيث العقل و النّقل.

أمّا العقل فلأَن الوجدان شاهد بأن الكذب يوجب اسوداد لوح القلب و يمنعه من انتقاش صور الحق و الصّدق فيه و يفسد المنامات و الالهامات، و ربما يكون سبباً لخراب البلاد و فساد أمر العباد، جالباً للعداوة و البغضاء، باعثاً على سفك الدّماء و لذلك اتفق العقلاء من الملیّين و غيرهم على قبحه و قالت المعتزلة: قبحه معلوم بالضرورة.

و أمّا النّقل فقد قال سبحانه:

يَأیُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ [التوبة: 119] و قال في صفة المؤمنين: وَ الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: 72]. و قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إِیَّاکُمْ وَ اَلْکَذِبَ فَإِنَّ اَلْکَذِبَ یَهْدِی إِلَی اَلْفُجُورِ وَ اَلْفُجُورَ یَهْدِی إِلَی اَلنَّارِ رواه في «جامع الأخبار».

و فيه عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: اَلْمُؤْمِنُ إِذَا کَذَبَ مِنْ غَیْرِ عُذْرٍ لَعَنَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَکٍ وَ خَرَجَ مِنْ قَلْبِهِ نَتْنٌ حَتَّی یَبْلُغَ اَلْعَرْشَ فَیَلْعَنُهُ حَمَلَةُ اَلْعَرْشِ وَ کَتَبَ اَللَّهُ عَلَیْهِ بِتِلْکَ اَلْکَذِبَهِ سَبْعِینَ زَنْیَةً أَهْوَنُهَا کَمَنْ یَزْنِی مَعَ أُمِّهِ (1)


1) مستدرك الوسائل: 86/9، و بحار الأنوار: 263/69 ح 48.

و قال موسى عَلیْهِ السَّلَامْ: يا رب أيّ عبادك خير عملاً؟ قال: من لا يكذب لسانه و لا يفجر قلبه و لا يزني فرجه.

و قال العسكري عَلیْهِ السَّلَامْ: جعلت الخبائث كلّها في بيت و جعل مفتاحها الكذب (1)

و في عقاب الأَعمال عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إنّ الله عزّ و جلّ جعل للشر أقفالاً و جعل مفاتيح تلك الأَقبال الشراب و الشرّ من الشراب الكذب (2)

و في «الوسائل» من «الكافي» بإسناده عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إنّ أوّل من يُكذّب الكذّاب الله عزّ و جلّ ثم الملكان اللّذان معه ثمّ هو يعلم أنه كاذب.

و عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن أبيه عمّن ذكره عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: الكذب هو

خرّاب الإيمان (3)

و عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: إن مما أعان الله به علی الكذابين النسيان.

و عن محسن بن طريف عن أبيه عمّن ذكره عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال عیسی ابن مریم عَلیْهِ السَّلَامْ: من كثر كذبه ذهب بهاؤه (4)

و الأَخبار في هذا المعنى كثيرة و فيما أوردناه كفاية لمن له دراية و سيأتي تحقيق الكلام فيه

و في أقسامه في شرح الخطبة الخامسة و الثّمانين، فانتظر.

(و) الثاني: أنّه (يعد فيخلف) و هذا أيضاً من شئونات الكذب ففيه ما فيه و زيادة، و يقابله الوفاء و هو توأم الصدق كما قد مرّ مشروحاً في الخطبة الحادية و الأربعين.

(و) الثالث: أنه (يسأل فيلحف) و دنائة هذه الصّفة أيضاً واضحة إذ الاصرار في المطالبة و الالحاح في السّؤال من أوصاف الأَرذال موجبة للابتذال لا محالة.

(و) الرابع: أنّه (يسأل فيبخل) يعني أنّه يمنع السّائل و ينهره و يبخل من أداء الحقوق الواجبة و صرفها في جهتها، و قد قال سبحانه:

وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرٌ [الضحى: 10] و قال أيضاً: وَ الَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *


1) بحار الأنوار: 263/69 ح 48.

2) الكافي: 2/ 339 ح 7، و بحار الأنوار: 237/69.

3) الكافي: 2/ 239 ح 4.

4) الكافي: 341/2 ح 13، و وسائل الشيعة: 244/12 ح 16208.

لِلّسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ [المعارج: 24- 25] و قال في موضع آخر: وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنَى* وَ كَذَبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُیَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 8- 10] و في سورة آل عمران: وَ لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَئهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران: 180] و في سورة التوبة: وَ الَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَةَ وَ لَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتَكَوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: 35]. روى في «الوسائل» من «الكافي» بإسناده عن مسعدة سعدة بن صدقة عن جعفر عن آبائه عليهم السلام أنّ أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ سمع رجلاً يقول: إن الشحيح أعذر من الظالم، فقال له: كذبت إن الظالم قد يتوب و يستغفر و يردّ الظلامة على أهلها، و الشّحيح إذا شح منع الزكاة و الصّدقة و صلة الرّحم و قرى الضيف و النفقة في سبيل الله و أبواب البرّ، و حرام على الجنّة أن يدخلها شحيح. (1)

و فيه عن عبد العليّ بن أعين عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: أنّ البخيل من كسب مالاً من غير حلّه و أنفقه في غير حقه.

و عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ في قول الله عزّ و جلّ:

وَ الَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِِ وَ الْمَحْرُومِ [المعارج: 24- 25]. أهو سوى الزّكاة؟ فقال: هو الرّجل يؤتيه الله الثروة من المال فيخرج منه الأَلف و الألفين و الثلاثة و الأقل و الأَكثر فيصل به رحمه و يحمل به الكلّ عن قومه (2)

و یجیء اشباع الكلام في هذا المقام زيادة على ذلك في شرح المائة و التّسع من المختار في باب الخطب إن شاء الله.

(و) الخامس: أنّه (يخون العهد) و هي رذيلة داخلة تحت الفجور، و يقابلها الوفاء قال سبحانه:

وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ وَ لَا تَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوّكِيدِهَا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كفيلاً، ﴿وَ لَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَةٍ أَنكَثا [النحل: 91- 92].


1) الكافي: 44/4 ح 1، و وسائل الشيعة: 35/9 ح 11458.

2) وسائل الشيعة: 29/6 ح 5.

و قد مضى تفصيل الكلام فيه في شرح كلماته السّابعة و السّبعين.

(و) السادس: أنه (يقطع الألّ) إن كان المراد بالألّ العهد فالعطف بمنزلة التّفسير و إن كان المراد به القرابة كما هو الأَظهر فالمقصود به قطع الرّحم، و يقابله الصّلة و قد مضى الكلام فيهما في الفصل الثّاني من الخطبة الثالثة و العشرين.

و السابع: الجبن و يقابله الشّجاعة و إليه أشار عَلیْهِ السَّلَامْ بقوله فَإِذَا کَانَ عِنْدَ اَلْحَرْبِ فَأَیُّ زَاجِرٍ وَ آمِرٍ هُوَ بالقتال و براز الأَبطال مَا لَمْ یَأْخُذِ اَلسُّیُوفُ مَآخِذَهَا و الرّماح مراكزها فَإِذَا کَانَ ذَلِکَ و التحم الحرب و شبّ لظاها و علا سناها کَانَ أَکْبَرُ مَکِیدَتِهِ في الذّب عنه و أعظم حيلته في الخلاص عن حدّ السّيف و النجاة منه أَنْ یَمْنَحَ اَلْقِرْمَ سُبَّتَهُ كما ستطلع عليه في التّذنيب الآتي.

ثم إنّه عَلیْهِ السَّلَامْ رجع إلى إبطال دعوى عمرو و بيّن وجه البطلان بأمرين: أحدهما: راجع إليه عَلیْهِ السَّلَامْ و هو قوله أَمَا وَ اَللَّهِ إِنِّی لَیَمْنَعُنِی مِنَ اَللَّعِبِ ذِکْرُ اَلْمَوْتِ فإنّ مذاكرة الموت و مراقبة الآخرة تكون شاغلة عن الدّنيا معرضة عن الالتفات إليها و إلى شهواتها من اللّعب و نحوه لكونه و جلاً من الله و مترصّداً لهجوم الموت و هو واضح بالمشاهدة و العيان و يشهد عليه البداهة و الوجدان، و ثانيها: راجع إلى عمرو و هو قوله وَ إِنَّهُ لَیَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ اَلْحَقِّ نِسْیَانُ اَلْآخِرَِة فإن نسيان الآخرة يوجب صرف الهمّة إلى الدّنيا و طول الأَمل فيها و يبعث على الانهماك في الشّهوات و الانغمار في اللّذات و من كان هذه حاله لا يبالي بما قال و ما يقول و يقدم بدواعي شهواته الكذب على الصدق و الباطل على الحق ليصل غرضه و ينال مناه.

ثمّ نبّه عَلیْهِ السَّلَامْ على بعض ما ترتب على نسيان الآخرة بقوله إِنَّهُ لَمْ یُبَایِعْ مُعَاوِیَةَ حَتَّی شَرَطَ لَه أَنْ یُؤْتِیَهُ عَلى البيعة أَتِیَّةً وَ یَرْضَخَ لَهُ عَلَی تَرْکِ اَلدِّینِ و العدول عن الحق رَضِیخَةً فأعطاه مصر ثمناً و طعمةً على ما قد مضى مفصّلاً في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة السّادسة و العشرين.

تذنيبات الأول

في ذكر نسب عمرو بن العاص اللّعين ابن اللّعين عليه لعنة الله و الملائكة و النّاس أجمعين أبد الآبدين و بيان بعض حالاته الدالة على كفره و شقاوته مع الإشارة إلى ما صدر عنه في صفين من كشف سوءته فأقول:

اعلم أن العاص بن وائل أباه كان من المستهزئين برسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و المعلنين له بالعداوة و الأذى، و فيه و في أصحابه نزل قوله تعالى:

إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ [ الحجر: 95].

و كان يلقّب في الإسلام بالأَبتر لأَنّه قال لقريش: سيموت هذا الأَبتر غداً فينقطع ذكره، يعني رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و يشتمه و يضع في طريقه الحجارة، لأنَّه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم كان يخرج من منزله ليلاً فيطوف بالكعبة فكان يجعل الحجارة في طريقه ليعثر بها، و هو أحد القوم الذين خرجوا إلى زينب ابنة رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لما خرجت من مكة مهاجرة إلى المدينة فروعوها و قرعوا هودجها بكعوب الرّماح حتى أجهضت جنيناً ميتاً من أبي العاص بن الرّبيع بعلها، فلمّا بلغ ذلك رسول الله نال منه و شقّ عليه مشقّة شديدة و لعنهم، رواه الشّارح المعتزلي عن الواقدي (1)

و روي عنه و عن غيره من أهل الحديث أن عمرو بن العاص هجا رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم هجا كثيراً كان تعلمه صبيان مكة فينشدونه و يصبحون رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إذا مرّ بهم رافعين أصواتهم بذلك الهجاء فقال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و هو يصلّي بالحجر: اللَّهُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِی وَ لَسْتُ بِشَاعِرٍ فَالْعَنْهُ بِعَدَدِ مَا هَجَانِی (2)

قال: و روى أهل الحديث أن النّضر بن الحارث و عقبة بن أبي معيط و عمرو بن العاص عمدوا إلى سلا جمل فرفعوه بينهم و وضعوا على رأس رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و هو ساجد بفناء الكعبة فسال عليه فصبر و لم يرفع رأسه و بكى في سجوده و دعا عليهم فجاءت ابنته فاطمة عليها السّلام و هي باكية فاحتضنت ذلك السّلا فرفعته عنه فألقته و قامت على رأسه تبكي فرفع رأسه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و قال: اللّهُمَّ عَلَیکَ بِقُرَیشٍ قالها ثلاثاً، ثمّ قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم رافعاً صوته: إِنِّی مَظْلُومٌ فَانْتَصِرْ (3)، قالها ثلاثاً، ثمّ قام فدخل منزله و ذلك بعد وفاة عمّه أبي طالب بشهرين.

قال: و لشدّة عداوة عمرو بن العاص رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أرسله أهل مكّة إلى النّجاشي ليزهده في الدّين و ليطرد عن بلاده مهاجرة حبشة و ليقتل جعفر بن أبي طالب عنده إن أمكنه قتله، فكان منه في أمر جعفر هناك ما هو مذكور مشهور في السّير.

فأما النّابغة: فقد ذكر الزمخشري في كتاب «ربيع الأَبرار» قال: كانت النّابغة أم عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة فسبيت فاشتراها عبد الله بن جذعان التّيمي بمكة فكانت بغياً، ثمّ أعتقها فوقع عليها أبو لهب بن عبد المطلب و أميّة بن خلف الجهمي و هشام بن المغيرة المخزومي و أبو سفيان بن الحرب و العاص بن وائل السهمي في طهر واحد فولدت عمراً فادّعاه كلّهم فحكمت أمّه فيه فقالت: هو من العاص بن وائل، و ذلك لأَن العاص بن وائل ینفق عليها كثيراً، قالوا و كان أشبه بأبي سفيان.

قال: و روى أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب «الأنساب» أن عمراً اختصم فيه يوم


1) شرح النهج: 282/6.

2) الإيضاح : 85، و بحار الأنوار: 229/33.

3) بحار الأنوار: 229/33 ح 516.

ولادته رجلان: أبو سفيان بن الحرب و العاص بن وائل، فقيل: لتحكم أمّه فقالت أمّه: من العاص بن وائل، فقال أبو سفيان: أما أني لا أشك أني وضعته في بطن (1)أمّه فأبت إلاّ العاص فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسباً، فقالت: ان العاص بن وائل كثير النّفقة عليّ و أبو سفيان شحيح، ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئاً له عن هجاء رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:

أبوك أبو سفيان لا شكّ قد بدت *** لنا فيك منه بيّنات الشّمائل

ففاخر به إمّا فخرت و لا تكن *** تفاخر بالعاص الهجين بن وائل

و إنّ الّتي في ذاك يا عمر و حكمت *** فقالت رجاءً عند ذاك لنائل

من العاص عمرو تخير الناس كلما *** تجمعت الأَقوام عند المحافل

و في «البحار» من «الاحتجاج» في حديث طويل قال الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ مخاطباً لابن العاص: و أما أنت يا عمرو بن العاص الشّاني اللّعين الأبتر فإنما أنت كلب أوّل أمرك امّك لبغية أنّك ولدت على فراش مشترك فتحاكمت فيك رجال قريش منهم أبو سفيان بن حرب و الوليد بن المغيرة و عثمان بن الحارث و النّضر بن الحارث بن كلدة و العاص بن وائل كلّهم يزعم أنّك ابنه فغلبهم عليك من بين قريش الأَمهم حسباً و أخبثهم منصباً و أعظمهم بغية ثمّ قمت خطيباً و قلت أنا شانيء محمّد، و قال العاص بن وائل: إنّ محمّداً رجل أبتر لا ولد له فلو قد مات انقطع ذكره فأنزل الله تبارك و تعالى:

إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر [الكوثر: 3]. و كانت أمّك تمشي إلى عبد قيس يطلب البغية تأتيهم في دورهم و في رحالهم و بطون أوديتهم،ثمّ كنت في كلّ مشهد يشهده رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم من عدوّه أشدّهم له عداوة و أشدّهم له تكذيباً، الحديث.

و في «البحار» من كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبان بن أبي عيّاش عن سليم قال: إن عمرو بن العاص خطب النّاس بالشّام فقال: بعثني رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم على جيش فيه أبو بكر و عمر فظننت أنّه إنّما بعثني لكرامتي عليه فلمّا قدمت قلت يا رسول الله أي النّاس أحبّ إليك؟ فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: عائشة، فقلت: من الرّجال؟ قال: أبوها، و هذا عليّ يطعن على أبي بكر و عمر و عثمان، و قد سمعت رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يقول: إنّ الله ضرب بالحقّ على لسان عمر و قلبه، و قال في عثمان: إنّ الملائكة تستحيي من عثمان.


1) في نسخة: رحم.

و قد سمعت عليّاً و إلاّ فصمّتا يعني أذنيه يروى على عهد عمر أنّ نبي الله نظر إلى أبي بكر و عمر مقبلين، فقال: يا عليّ هذان سيّدا كهول أهل الجنّة من الأَوّلين و الآخرين ما خلا النّبيين منهم و المرسلين و لا تحدثهما بذلك فيهلكا.

فقام عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ فقال: الْعَجَبُ لِطُغَاةِ أَهْلِ الشَّامِ حَیْثُ یَقْبَلُونَ قَوْلَ عَمْرٍو وَ یُصَدِّقُونَهُ وَ قَدْ بَلَغَ مِنْ حَدِیثِهِ وَ كَذِبِهِ وَ قِلَّةِ وَرَعِهِ أَنْ یَكْذِبَ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وَ لَعَنَه رَسُولِ الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم سَبْعِینَ لَعْنَةً وَ لَعَنَ صَاحِبَهُ الَّذِی یَدْعُو إِلَیْهِ فِی غَیْرِ مَوْطِنٍ.

و ذلك أنّه هجا رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بقصيدة سبعين بيتاً فقال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: اللَّهُمَّ إِنِّی لَا أَقُولُ الشِّعْرَ وَ لَا أُحِلُّهُ فَالْعَنْهُ أَنْتَ وَ مَلَائِكَتُكَ بِكُلِّ بَیْتٍ لَعْنَةً تَتْرَی عَلَی عَقِبِهِ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ (1)

ثمّ لما مات إبراهيم ابن رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فقال: إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ صَارَ أَبْتَرَ لَا عَقِبَ لَهُ وَ إِنِّی لَأَشْنَأُ النَّاسِ لَهُ وَ أَقْوَلُهُمْ فِیهِ سُوءً فَأَنْزَلَ فيه:

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر [الكوثر: 3]. يعني هو الأَبتر من الايمان من كلّ خير ما لقيت هذه الأمة من كذابيها و منافقيها لكأنّي بالقراء الضعفة المتهجدين رووا حديثه و صدّقوه فيه و احتجّوا علينا أهل البيت بكذبه: انا نقول خير هذه الأمة أبو بكر و عمر و لو شئت لسمّيت الثالث، و الله ما أراد بقوله في عائشة و انتهى الإرضاء معاوية بسخط الله عزّ و جلّ، و لقد استرضاه بسخط الله.

و أمّا حديثه الذي يزعم أنّه سمعه منّي فلا و الذي فلق الحبّة و برى النسمة ليعلم أنّه قد كذب عليّ يقيناً و أنّ الله لم يسمعه منّي سرّاً و لا جهراً، اللهمّ العن عمراً و العن معاوية بصدّهما عن سبيلك و كذبهما على كتابك و استخفافهما نبيّك صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و كذبهما عليه و عليّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي: دخل رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم المسجد و فيه عمرو بن العاص و الحكم بن أبي العاص قال عمرو: يا أبا الأَبتر و كان الرّجل في الجاهليّة إذا لم يكن له ولد سمي ابتر ثمّ قال عمرو: إنّي لأشنا محمّداً أي ابغضه فأنزل الله على رسوله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:

إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: 1] إلى قوله: إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: 3]. أي مبغضك عمرو بن العاص لا دين له و لا حسب، و بما ذكر كلّه ظهر كفر ابن العاص اللّعين و كفر أبيه كما ظهر عداوته لأَمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ و بغضه و هو ليس ببعيد من أولاد الزنا و لنعم ما قال الشّاعر:


1) بحار الأنوار: 224/33 ح 513، و كتاب سليم بن قيس: 278.

بحبّ عليّ تزول الشّكوك *** و تزكو النّفوس و تصفو البخار

و مهما رأيت محبّاً له *** فثمّ الذّكاء (الزكاء) و ثمّ الفخار

و مهما رأيت عدوّاً له *** ففي أصله نسب مستعار

فلا تعذلوه على فعله *** فحيطان دار أبيه قصار

و أمّا خبر عمرو في صفين ففي «البحار» من «المناقب» وبرز أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ و دعا معاوية قال: و اسألك أن تحقن الدّماء و تبرز إليّ و أبرز إليك فيكون الأمر لمن غلب (1)، فبهت معاوية و لم ينطق بحرف، فحمل أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ على الميمنة فأزالها، ثمّ حمل على الميسر فطحنها ، ثمّ حمل على القلب و قتل منهم جماعة و أنشد:

فهل لك في أبي حسن علي *** لعل الله يمكن من قفاكا

دعاك إلى البراز فعكت عنه *** و لو بارزته تربت يداكا

فانصرف أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ ثمّ برز متنكراً فخرج عمرو بن العاص مرتجزاً:

يا قادة الكوفة من أهل الفتن *** یا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن

كفى بهذا حزناً عن الحزن *** أضربكم و لا أرى أبا الحسن

فتناكل عنه عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ حتّى تبعه عمرو ثمّ ارتجز:

أن الغلام القرشي المؤتمن *** الماجد الأََبيض ليث كالشّطن

يرضى به السادة من أهل اليمن *** أبو الحسين فاعلمن أبو الحسن

فولّى عمرو هارباً فطعنه أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ فوقعت في ذيل درعه فاستلقا على قفاه و أبدا عورته فصفح عَلیْهِ السَّلَامْ الاستحياء و تكرّما، فقال معاوية: أحمد الله عافاك و أحمد استك الذي وقاك، قال أبو نواس:

فلا خير في دفع الرّدى بمذلة *** كما ردّها يوماً بسوءته عمرو

قال وبرز عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ و دعا معاوية فنكل عنه فخرج بسر بن أرطاة يطمع في عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ فصرعه أمير المؤمنين فاستلقى على قفاه و كشف عن عورته فانصرف عنه عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ فقالوا: ويلكم يا أهل الشّام أما تستحيون من معاملة المخانيت لقد علّمكم رأس المخانيت عمرو، و لقد روى هذه السّيرة عن أبيه عن جدّه في «كشف الأستاه» وسط عرصة الحروب.

قال الشّارح المعتزلي: و للشعراء فيهما أشعار مذكورة في موضعها من ذلك الكتاب منها


1) بحار الأنوار: 584/32، و الأنوار العلوية: 237.

فيما ذكر الكلبي و المدائني قول الحرث بن نضر الخثعمي و كان عدواً لعمرو بن العاص و بسر بن أرطاة:

أفي كل يوم فارس ليس يتقي *** و عورته وسط العجاجة بادية

يكف لها عنه عليّ سنانه *** و يضحك منه في الخلاء معاوية

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه *** و عورة بسر مثلها حذ و حاذية

فقولا لعمرو ثمّ بسر ألا أنظرا *** سبيلكما لا تلقيا اللّيث ثانية

و لا تحمدا إلاّ الحيا و خصاكما *** هما كانتا و الله للنّفس واقية

و لو لا هما لم تنجوا من سنانه *** و تلك بما فيها من العود ماهية

متى تلفيا الخيل المشيحة صيحة *** و فيها عليّ فاتركا الخيل ناحية

و كونا بعيداً حيث لا يبلغ القنا *** نحوركما إنّ التجارب كافية

قال نضر بن مزاحم: حدثنا عمرو بن شمر عن النخعي عن ابن عبّاس قال: تعرض عمرو بن العاص لعليّ عَلیْهِ السَّلَامْ يوماً من أيّام صفّين و ظن أنّه يطمع منه في غرّة فيصيبه فحمل عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ فلمّا كاد أن يخالطه أذرى نفسه عن فرسه و دفع ثوبه و شفر برجله فبدت عورته فضرب عَلیْهِ السَّلَامْ وجهه عنه وقام معفراً بالتراب هازماً على رجليه معتصماً بصفوفه فقال أهل العراق: يا أمير المؤمنين أفلت الرّجل، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ أتدرون من هو؟ قالوا: لا، قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فإنّه عمرو بن العاص تلقاني بسوءة فصرفت وجهي عنه، و رجع عمرو إلى معاوية فقال: ما صنعت يا أبا عبد الله؟ فقال: لقيني عليّ فصر عني قال: إحمد الله و عورتك، و الله إنّي لأظنّك لو عرفته لما أقمحت عليه، و قال معاوية في ذلك:

ألا لله من هفوات عمرو *** بعاتبني على تركي برازي

فقد لاقى أبا حسن عليّاً *** فآب الوائليّ مآب خازى

فلو لم يبد عورته لطارت *** بمهجته قوادم أيّ بازي

فإن تكن المنيّة أخطأته *** فقد غنّى بها أهل الحجاز

و روى الواقدي قال: قال معاوية يوماً بعد استقرار الخلافة لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله لا أراك إلاّ و يغلبني الضّحك قال: بماذا؟ قال: ذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفّين فأذريت نفسك فرقاً من شبا سنانه و كشفت سؤتك له، فقال عمرو: أنا منك أشدّ ضحكاً إني لا أذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ منخرك و ربا لسانك في فمك و عصب ريقك و ارتعدت فرائصك و بدا منك ما أكره ذكره، فقال معاوية: لم يكن هذا كله و كيف يكون و دوني عمّك و الأَشعرون، قال: إنّك لتعلم أنّ الذي وضعت دون ما أصابك و قد نزل ذلك بك و دونك

عمك و الأَشعرون فكيف كانت حالك لو جمعكما مآقط الحرب؟ قال: يا أبا عبد الله خض بنا الهزل إلى الجدّ إن الجبن و الفرار من عليّ لا عار على أحد فيهما (1)

الثاني

إعلم أن ما رواه السّيد (رَحِمَه اللهُ) من كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ مرويّ في غير واحد من الكتب المعتبرة، ففي «الاحتجاج» مثل الكتاب، و في «البحار» من «أمالي المفيد» عن محمّد بن عمران عن الحسن بن عليّ عن أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار عن عليّ بن محمّد قال: كان عمرو بن العاص يقول: إنّ في عليّ دعابة، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ فقال: زعم ابن النابغة إنى تلعابة مزاحة ذو دعابة أعافس و أمارس، هيهات يمنع من العفاس و المراس ذكر الموت و خوف البعث و الحساب و من كان له قلب ففي هذا هذاله واعظ و زاجر، أما و شر القول الكذب و إنّه ليحدث فيكذب و يعد فيحلف فإذا كان يوم البأس فأيّ زاجر و أين هو ما لم يأخذ السيوف هام الرّجال، فإذا كان ذلك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم استه (2)و فيه من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمّد الثقفي قال: بلغ عليّا عَلیْهِ السَّلَامْ أن ابن العاص ينتقصه عند أهل الشام، فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثمّ قال: يا عجباً عجباً لا ينقضي لابن النّابغة يزعم لأَهل الشّام، إلى آخر الكلام و جمع بين الرّوايتين.و كيف كان فقد ظهر و تحقق من هذه الرّوايات و ممّا قدمناه في التذنيب الأَوّل أن نسبة ابن العاص له عَلیْهِ السَّلَامْ إلى الدعابة كان منشأها شدّة العناد و العداوة كما قد ظهر كذب اللّعين ابن اللّعين في ذلك بتكذيبه له عَلیْهِ السَّلَامْ مع ما ذكره عَلیْهِ السَّلَامْ من البيّنة و البرهان على كذبه، و هو أن من كان قلبه مستغرقاً بذكر الآخرة و ما فيها لا يكون له فراغ إلى التلفت إلى الدّنيا و مالها.قال الشّارح المعتزلي: و أنت إذا تأمّلت حال عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ في أيّام رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وجدته بعيداً عن أن ينسب إلى الدّعابة و المزاح لأنّه لم ينقل عنه شيء من ذلك أصلاً لا في الشّيعة و لا في كتب المحدّثين، و كذلك إذا تأمّلت حاله في أيام أبي بكر و عمر لم تجد في كتب السيرة حديثاً واحداً يمكن أن يتعلّق به متعلّق في دعابته و مزاحه إلى أن قال:و لعمر الله لقد كان أبعد من ذلك و أتي وقت كان يتسع لعليّ عَلیْهِ السَّلَامْ حتّى يكون فيه على الصّفات، فإن زمانه كلها في العبادة و الذكر و الصّلاة و الفتاوى و العلم و اختلاف النّاس إليه في الأحكام و تفسير القرآن، و نهاره كلّه أو معظمه مشغول بالصّوم، و ليله كلّه أو معظمه مشغول بالصّلاة، هذا في أيّام سلمه،فأمّا أيّام حربه فالسّيف الشّهير و النّشاب الطّرير و ركوب الخيل و قود الجيش و مباشرة الحروب.


1) الغدير: 164/2.

2) الأمالي: 132، و بحار الأنوار: 223/33 ح 511.

و لقد صدق عَلیْهِ السَّلَامْ في قوله إنّه ليمنعني من اللّعب ذكر الموت و لكن الرّجل الشريف النبيل الذي لا يستطيع أعداؤه أن يذكروا له عيباً أو يعدوا عليه و صمة لا بد أن يحتالوا و يبذلوا جهدهم في تحصيل أمرّ ما و إن ضعف يجعلون عذراً له في دمه و يتوسلون به على أتباعهم في تحسينهم لهم مفارقته و الإنحراف عنه، و ما زال المشركون و المنافقون يضعون لرسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم الموضوعات و ينسبون إليه ما قد برأه الله عنه من العيوب و المطاعن في حياته و بعد وفاته إلى زماننا هذا، و ما يزيده الله سبحانه إلا رفعة و علوّاً.فغير منكر أن يعيب علياً عَلیْهِ السَّلَامْ عمرو بن العاص و أمثاله من أعدائه بما إذا تأمله المتأمل علم أنّهم باعتمادهم و تعلّقهم به قد اجتهدوا في مدحه و الثناء عليه لأَنهم لو وجدوا غيره عيباً لذكروه (1)أقول: و لعلّه إلى ذلك ينظر الشاعر في قوله:و إذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأنّي كاملو لعمري أنّه لا بيان فوق ما أتى به الشارح من البيان في توضيح براءة ساحته عَلیْهِ السَّلَامْ مما قاله ابن العاص في حقه من الكذب و البهتان إلاّ أنّه لو أنصف لعلم أن كلّ الصّيد في جوف الفرا، و أن أوّل من فتح أمثال ذلك الباب لابن العاص و نظرائه هو عمر بن الخطاب إذ هو أوّل من صدر عنه هذه اللّفظة فحذا ابن العاص حذوه كما سبق ذلك في التذييل الثاني من تذييلات الفصل الثالث من فصول الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقيّة.و قد اعترف به الشّارح نفسه أيضاً ههنا حيث قال: و أمّا ما كان يقوله عمرو بن العاص في عليّ لأَهل الشام: إن فيه دعابة، يروم أن يعيبه بذلك عندهم فأصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها أعداؤه حتّى جعلها أعداؤه عيباً له و طعناً عليه.و استند في ذلك إلى رواية أحمد بن يحيى في كتاب «الأَمالي» قال: كان عبد الله بن عبّاس عند عمر فتنفّس عمر نفساً عالياً قال ابن عبّاس حتّى ظننت أنّ أضلاعه قد انفرجت فقلت له ما أخرج هذا النّفس منك يا أمير المؤمنين إلاّ همّ شديد؟ قال: أي و الله يا ابن عبّاس فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأَمر بعدي،ثمّ قال: لعلّك ترى صاحبك لها أهلاً؟ قلت: و ما يمنعه من ذلك من جهاده و سابقته و قرابته و علمه قال: صدقت و لكنه امرء فيه دعابة.ثمّ ذكر الخمسة الباقية من أمر أهل الشورى و أثبت لكلّ منهم عيباً نحو ما تقدّم ذكره في شرح الخطبة الشقشقية ثمّ قال: إنّ أحراهم أن يحملهم على كتاب ربّهم و سنّة نبيّهم لصاحبك و الله لئن وليها ليحملنّهم على المحجّة البيضاء و الصّراط المستقيم (2)


1) شرح النهج: 329/6.

2) شرح النهج: 327/6، و عمر بن الخطاب: 210.

ثمّ اعتذر الشارح عن جانب عمر بأن عمر لما كان شديد الغلظة، وعر الجانب خشن الملمس، دائم العبوس ، كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة و أن خلافه نقص و لو كان سهلاً طلقاً مطبوعاً على البشاشة و سماحة الخلق لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة و أن خلافه نقص حتى لو قدّرنا أن خلقه حاصل لعليّ و خلق عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ حاصل له لقال في علي لو لا شراسة فيه، فهو غير ملوم عندي فيما قاله و لا منسوب إلى أنّه أراد الغض من عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ و القدح فيه و لكنه أخبر عن خلقه ظانّاً أن الخلافة لا تصلح إلاّ للشديد الشّكيمة العظيم الوعورة.إلى أن قال: و جملة الأمر أنّه لم يقصد عيب عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ و لا كان عنده معيباً و لا منقوصاً، ألا ترى أنه قال في آخر الخبر أن أحراهم أن يحملهم على كتاب الله و سنّة رسوله لصاحبك، ثمّ أكد ذلك بأن قال لئن وليهم ليحملنّهم على المحجّة البيضاء و الصراط المستقيم، فلو كان أطلق تلك اللّفظة و عنى بها ما حملها عليه الخصوم لم يقل في خاتمة کلامه ما قاله، انتهى ما أردنا إيراده من كلامه.و أقول: لا أدري إلى من يتعصّب هذا الرّجل في حق عمر؟ و حتّام يستصلح عثراته؟ و أيّ شيء رأى منه حتّى اغتر به؟ و أيّ داع له إلى تأويل كلامه؟ فإن لفظة الدّعابة في كلام ابن العاص و ابن الخطاب واحدة فلم يبقيها في حق ابن العاص على ظاهرها و يجريها على أقبح وجهها و يأوّلها في حق ابن الخطاب و يخرّجها على أحسن وجهها مع أن الشمس لا يستر بالحجاب و الحقّ لا يخفى على أولي الأَلباب.و أهل المعرفة يعرف أن كلّ ما يتوجّه في هذا الباب على ابن العاص يتوجه على ابن الخطاب بل و زيادة إذ هو أوّل من صدر عنه هذا التشنيع و أوّل من اتهمه عَلیْهِ السَّلَامْ بهذا الأمر الفظيع.ثمّ أقول: كيف خفي عن الشارح التناقض في كلام عمر مع وضوحه حيث إنّه صدق ابن عبّاس أوّلاً في كون أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ أهلاً للخلافة إلاّ أنّه استدرك بقوله: و لكنه فيه دعابة فجعل الدعابة مانعة له عنها موجبة لسقوطه عن أهليتها و ذلك يناقض صريحاً قوله في آخر الرّواية لئن وليها ليحملتهم على المحجة البيضاء.و بعبارة أخرى إن كانت الدّعابة التي نسبها إليه عَلیْهِ السَّلَامْ أمراً خارجاً عن حدّ الاعتدال مخالفاً للشريعة الغراء كيف يمكن معها حمل الناس على المحجّة البيضاء و على الكتاب و السّنة و الطريقة المستقيمة و إن لم يكن أمراً منافياً لحملهم على ما ذكر فأي مانعية له عن استحقاق الخلافة و الولاية.و أمّا ما اعتذر به الشارح من أن عمر إنّما قال ذلك بمقتضى شدّة غلظته و خشونة جبلته ظاناً أن الخلافة لا تصلح إلاّ للشديد الشكيمة العظيم الوعورة.

ففيه أن الشدّة و الغلظة لو كانت شرطاً للخلافة كما ظنه عمر لوجب أن يكون شرطاً للنّبوة بطريق أولى مع أنّه سبحانه قال:﴿وَ لَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159]. و مدح نبيَّه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بقوله: وَ إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍٍ عَظِيمٍ [القلم: 4].

فاللازم لعمر الذي جعلوه خليفتهم أن يكون سيره و سلوكه على طبق الكتاب لا أن ينبذ الكتاب وراء ظهره و يتكلّم بمقتضى طبيعته و بجانب الاقتداء بنبيّه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في أفعاله و أعماله (1)

و الإنصاف أن من لا حظ و جنات حال عمر يعرف أن كلّ ما صدر عنه من الأَقوال و الأفعال أو أغلبه كان ناشئاً من فرط قوته الغضبية و الشّهوية و مقتضى هوى نفسه الأَمارة، و لم يكن ملاحظاً جانب الشريعة و قدّماً لها على دواعي نفسه و مقتضى جبلته، بل من راجع محاوراته عرف أنّه كان مثل حيّة سمّه في لسانه تلسع المخالف و المؤالف، و عقرب عوجاء لا تفرق بين البرّ و الفاجر.

و كفى بذلك شاهداً ما قاله لرسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حين وفاته صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم على ما قدّمناه مفصّلاً في شرح الكلام السّادس و السّتين في التّنبيه الثاني منه، و ما قاله لأَهل الشّورى حين وصيّته كما مرّ في ثاني تذييلات الفصل الثالث من شرح الخطبة الثّالثة، و ما توعد به جبلة بن الأَيهم حتى عاد إلى النّصرانية حسب ما مر في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الثالثة و مرّ هناك أيضاً أن ابن عبّاس أضمر بطلان القول بالعول في حياته و أظهره بعد وفاته خوفاً منه و أنّه أساء الأَدب في الكلام بالنسبة إلى رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في صلح الحديبيّة إلى غير ذلك ممّا لو أردنا إشباع الكلام فيها لطال.

و يؤيد ذلك كلّه ما رواه الشّارح في شرح هذا الكلام من أنه إذا غضب على أهله لم يسكن غضبه حتّى يعضّ يده عضاً شديداً حتى يدميها.

و بعد ذلك كلّه لا يكاد ينقضي عجبي من الشّارح و أمثاله حيث إنّهم يوردون مثل ما أوردناه في كتبهم و يذكرون مثالب عمر و مطاعنه ثم يغمضون عنها و لا يعرفون مع فضلهم و زكائهم في العلوم أن أدنى شيء من ذلك يوجب سقوط الرّجل عن مرتبة الكمال و عن درجة القبول و الإعتبار فكيف بذلك كلّه و كيف بمرتبة الخلافة و منصب الولاية.

و لا أدري بأي مناقبه يجعلونه قابلاً لولاية الله، و مستحقاً لخلافة رسول الله، و لائقاً لرئاسة الدّين، و أهلاً لأَمارة المؤمنين أبحسن حاله؟ أم مزيد كماله؟ أم شرافة نسبه؟ أم كرامة


1) في نسخة: و أخلاقه.

حسبه؟ أم عذوبة لسانه؟ أم فصاحة بيانه؟ أم علوّ قدره؟ أم طهارة مولده؟ أم كثرة علمه؟ أم وفور فضله؟

وَ الََّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظََّمْئَانُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَ وَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفََّئهُ حِسَابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: 39].

الثالث

في تحقيق الكلام في جواز المزاح و عدمه فأقول إنّ الأخبار في طرفي النفي و الإثبات كثيرة جداً إلاّ أن مقتضى الجمع بينها هو حمل أدلة النفي على الكثير منه الخارج عن حدّ الإعتدال و أدلّة الجواز على القليل كما قال الشّاعر:

أفد طبعك المصدود بالجد راحة *** یجمّ (1)و علله بشيء من المزح

و لكن إذا أعطيته المزح فليكن *** بمقدار ما يعطي الطّعام من الملح

و يدلّ على هذا الجمع الأَدلة المفصلة و السّيرة المستمرة، فإنّ المشاهد من حالات النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الأئمة أنهم كانوا قد يمزحون إدخالاً للسّرور في قلب المؤمنين و مداراة للخلق و مخالطة معهم أو نحو ذلك، و كذلك نوّابهم القائمون مقامهم من المجتهدين و العلماء العاملين، فإنّهم مع كثرة زهدهم و شدّة ورعهم ربما يمزحون و يدعبون.

و بالجملة فالحق في المقام هو الجواز في الجملة للأَدلة الدّالة على ذلك قولاً و فعلاً و تقريراً.

فمنها ما في «الوسائل» عن الكلينيّ بإسناده عن معمّر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ فقلت جعلت فداك الرّجل يكون مع القوم فيجري بينهم كلام يمزحون و يضحكون، فقال: لا بأس ما لم يكن، فظننت أنه عنى الفحش ثمّ قال: إنّ رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم كان يأتيه الأعرابي فيأتي إليه الهدية ثمّ يقول مكانه أعطنا ثمن هديتنا فيضحك رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و كان إذا اغتم يقول ما فعل الأَعرابي ليته أتانا (2).

و عن إبراهيم بن مهزم عمّن ذكره عن أبي الحسن الأوّل عَلیْهِ السَّلَامْ قال: كان يحيى بن زكريّا يبكي و لا يضحك، و كان عيسى ابن مريم يضحك و يبكي، وكان الذي يصنع عيسى عَلیْهِ السَّلَامْ أفضل من الذي كان يصنع يحيى عَلیْهِ السَّلَامْ (3)


1) يجم: أي يستريح.

2) شرح أصول الكافي: 144/11 ح 1، و ميزان الحكمة: 2896/4.

3) الكافي: 2/ 665 ح 20، و بحار الأنوار: 118/14.

و عن الفضل بن أبي قرة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال: ما من مؤمن إلاّ و فيه دعابة، قلت: و ما الدّعابة؟ قال: المزاح.

و عن يونس بن الشيباني قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: كيف مداعبة بعضكم بعضاً؟ قلت: قليل قال: فلا تفعلوا فإن المداعبة من حسن الخلق و إنّك لتدخل بها السّرور على أخيك، و لقد كان رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يداعب الرّجل يريد أن يسرّه (1)

أقول: و يستفاد من هذه الرّواية استحبا بها لشمول أدلّة استحباب حسن الخلق و إدخال السّرور في قلب المؤمن عليها.

روى في «الوسائل» عن الصّدوق في المجالس مسنداً عن محمّد بن علي الرّضا عن آبائه عَلیْهِم السَّلَامْ قال: قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بطلاقة الوجه و حسن اللّقاء فإني سمعت رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يقول: إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوها بأخلاقكم (2)

و في «شرح المعتزلي» روى الناس قاطبة أن رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: إني أمزح و لا أقول إلاّ حقاً.

و فيه أتت عجوز من الأَنصار إليه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فسألته أن يدعو الله تعالى لها بالجنّة فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إنّ الجنّة لا تدخلها العجز، فصاحت فتبسّم عَلیْهِ السَّلَامْ فقال:

إِنَّا أَنشَأْنَهُنَّ إِنشَآءَ 35 فَجَعَلْتَهُنَّ أَبْكَارًا 36 [الواقعة: 35- 36]. قال و كان صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يمازح ابني بنته مزاحاً مشهوراً و كان يأخذ الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ فيجعله على بطنه و هو صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم نائم على ظهره و يقول ترّقه ترقه ترّق عين بقّة (3)

قال: و جاء في الخبر أن يحيى عَلیْهِ السَّلَامْ لقي عيسى عَلیْهِ السَّلَامْ و عيسى مبتسم فقال يحيى: ما لي أراك لاهياً كأنّك آمن، فقال أراك عابساً كأنّك آيس فقال: لا نبرح حتى ينزل علينا الوحي فأوحى الله إليهما أحبّكما إليّ الطّلق البسام أحسنكم ظنّاً بي.

قال: و رأى نعيمان یبیع أعرابي عكّة عسل فاشتراها منه فجاءها إلى بيت عائشة في يومها، و قال: خذوها فظنّ رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنّه أهداها إليه و مضى نعيمان فنزل الأَعرابي على


1) الكافي: 663/2 ح 3، و وسائل الشيعة: 113/12.

2) الكافي: 103/2 ح 1.

3) كفاية الأثر: 85.

الباب فلما طال قعوده نادى يا هؤلاء إمّا أن تعطونا ثمن العسل أو تردّوه علينا، فعلم رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بالقصة و أعطى الأَعرابي الثّمن و قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لنعيمان: ما حملك على ما فعلت ؟ قال: رأيتك يا رسول الله تحب العسل و رأيت العكّة مع الأعرابي، فضحك رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و لم ينكر (1)

و في «زهر الرّبيع» تأليف السّيد نعمة الله الجزائري «قُدِّس سِرُّه» روي أنّه كان يأكل رطباً مع ابن عمه أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ و كان يضع النوى قدام علي عَلیْهِ السَّلَامْ فلما فرغا من الأَكل كان النّوى مجتمعاً عنده، فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: يا عَلَى إِنَّكَ لَاَكولُ، فقال: يا رسول الله الأَكول من يأكل الرطب و النواة.

و روى أنه أتته امرأة في حاجة لزوجها فقال لها: و من زوجك؟ قالت: فلان فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: اَلَّذِی فِی عَیْنَهِ بَیَاضٌ فقالت: لا، فقال: بلى فانصرفت عجلا إلى زوجها و جعلت تتأمّل عينه فقال لها: ما شأنك؟فقالت: أخبرني رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إن في عينك بياضاً، فقال: أما ترين بياض عيني أكثر من سواده؟

قال: و استدبر صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم رجلاً من وراءه و أخذ بعضده و قال من يشتري هذا العبد يعني أنه عبد الله.

و قال: قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لرجل: لاَ تَنْسَ یَا ذَا اَلْأُذُنَیْنِ.

و رأى جملاً يمشي و عليه حنطة فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: تمشي الهريسة.

و جاء أعرابي فقال: يا رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بلغنا أنّ الدّجال يأتي بالثريد و قد هلكوا جميعاً جوعاً أفترى بأبي أنت و أمي أن أكف عن ثريده تعففا؟ فضحك رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، ثمّ قال: بل يغنيك الله بما يعني به المؤمنين.

و قبل خالد القسري خد امرأة فشكت إلى النّبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فأرسل إليه فاعترف و قال: إن شاءت أن تقتصّ فلتقتصّ فإن من دينك القصاص فتبسّم رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و أصحابه و قال: أو لا تعود: فقال: لا و الله يا رسول الله فعفى صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

و قال رجل: إحملني يا رسول الله، فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إِنَّا حَامِلُوکَ عَلَی وَلَدِ نَاقَةٍ فقال: ما أصنع بولد ناقة؟ قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: وَ هَلْ یَلِدُ اَلْإِبِلُ إِلاَّ اَلنُّوقَ؟

(2) بحار الأنوار: 294/16 ح 1.


1) مستدرك الوسائل: 413/8، و مناقب آل أبي طالب: 129/1.

الرابع

فی طائفة من طرائف الكلم و ظرائف الحكم و نوادر الأَخبار، و غرائب الآثار، أردت أن أوردها هنا ليرتفع بها الكلال و يرجع إليها عند الملال، فإن القلوب قد تمل و الأرواح تكلّ كما تكلّ الأَبدان فتحتاج إلى التنزه و الارتياح و التّفرج و السّراح.

فأقول: روي إن أبا حنيفة قال يوماً لمؤمن الطاق: يا أبا جعفر أنت قائل بالرّجعة؟ قال: نعم، قال: فاقرض لي خمس مائة دينار أؤدّيك في الرّجعة، فأجاب «رَحِمَه اللهُ» إن من جملة أحكام الرجعة عندنا أن بعض مبغضي آل محمّد سلام الله عليه و عليهم يرجعون بصورة الكلاب و الخنازير فلا بد أن تؤتيني ضامناً على أنّك ترجع بصورة الإنسان و أخاف أن ترجع بصورة الخنزير.

و قال أيضاً له يوماً: يا أبا جعفر لو كان لعلي حق في الخلافة فلم لم يطالبها؟ قال: خاف أن يقتلها الأَجنّة بحماية أبي بكر و عمر كما قتلت سعد بن عبادة.

قال الراغب في المحاضرات: إن بقزوين قرية أهلها متناهون بالتشيّع فمرّ بهم رجل فسألوه عن إسمه فقال: عمر، فضربوه ضرباً شديداً، فقال: ليس اسمي عمر بل عمران، فقالوا: هذا أشد من الأَوّل فإن فيه عمر و حرفان من عثمان فهو أحق بالضّرب.

و مضى رجل إلى بغداد فاتّهموه بسب الشّيخين فأخذوه إلى القاضي فسأله القاضي، فقال: كذبوا عليّ أنا رجل عاقل أعرف أن هذه البلاد بلاد أهل الخلاف لا ينبغي اللعن و السب و الطّعن فيها هذا شيء يجوز في بلادنا أمّا هذه البلاد فلا و كان القاضي منصفاً فضحك و خلاّه.

روى في «حواشي المغني» عن أبي بكر الأَنباري بسنده إلى هشام بن الكلبيّ قال: عاش عبيد بن شرية الجرهمي ثلاث مائة سنة و أدرك الإسلام فأسلم و دخل على معاوية بالشّام و هو خليفة، فقال: حدّثني بأعجب ما رأيت، فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميّتاً لهم فلما انتهيت إليهم إغرورقت عيناي بالدّموع فتمثّلت بقول الشّاعر:

يا قلب إنّك من أسماء مغرور *** فاذكر و هل ينفعنك اليوم تذكير

قد بحت بالحبّ ما تخفيه من أحدٍ *** حتى جرت لك إطلاقاً محاضير

تبغي أموراً فما تدري أعاجلها *** أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير

فاستقدر الله خيراً و أرضين به *** فبينما العسر إذ دارت مياسير

و بينما المرء في الأحياء مغتبط*** إذ صار في الرّمس يعفوه الأعاصير

يبكي عليه الغريب ليس يعرفه *** و ذو قرابته في الحيّ مسرور

قال: فقال لي رجل: أتعرف من قال هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: إن قائله هو الذي

دفناه السّاعة و أنت الغريب تبكي عليه و لا تعرفه، و هذا الذي خرج من قبره أمسّ الناس رحماً به و أسرّهم يموته فقال له معاوية: لقد رأيت عجباً، فمن الميت قال: هو عنتر بن لبيد الغدري.

روى أن مؤمن الطاق كان بينه و بين أبي حنيفة مزاح و كان يمشي معه يوماً فنادى رجل: من يدلّني على صبيّ ضال؟ فقال مؤمن الطّاق أمّا الصبي الضّالّ فلا أدري إن كنت تبغي الشيخ الضّال فهو هذا، و أشار إلى أبي حنيفة.

و قيل إن أبا حنيفة كان جالساً مع أصحابه فجاء مؤمن الطاق فقال أبو حنيفة لأَصحابه: جاءكم الشيطان و سمعه مؤمن الطّاق فقرأ:

أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَی الكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أََزَّا [مريم: 83] أقول: مؤمن الطاق لقب هشام بن الحكم عند الشّيعة و هو من أصحاب الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ و يسمونه المخالفون شيطان الطاق و له بسطة يد في المناظرات.

قيل: مكتوب في خاتمة التوراة هذه الكلمات: كلّ غنىّ لا راحة له راحة له من ماله ماله فهو و الأجير سواء، و كل امرأة لا تجالس في بيتها فهي و الأَمة سواء، و كلّ فقير تواضع الأَغنياء لغناه فهو و الكلب سواء، وكلّ ملكٍ لا عدل له فهو و فرعون سواء و كلّ عالم لا يعمل بعلمه فهو و إبليس سواء.

المدائني، رأيت رجلاً يطوف بين الصّفا و المروة على بغل ثمّ رأيته راجلاً في سفر فقلت له: تمشي و يركب الناس؟ فقال: ركبت حيث يمشي الناس و حق على الله أن يرجلني حيث يركب النّاس.

ارسطاطالیس، حركة الإقبال بطيئة حركة الإدبار سريعة لأَن المقبل كالصّاعد من مرقاة إلى مرقاة و المدير كالمقذوف به من علوّ إلى سفل.

أرسل رجل سنّي إلى شيعي مقداراً من الحنطة و كانت حنطة عتيقة فردّها عليه ثمّ أرسل إليه عوضاً جديدة و لكن فيها تراب فقبلها و كتب إليه بهذا الشّعر:

بعثت لنا بدال البرّ برّاً *** رجاء للجزيل من الثّواب

رفضناه عتيقاً و ارتضينا *** به إذ جإء و هو أبو تراب

أقول: و غير خفي لطفه فإن عتيق إسم أبي بكر و أبو تراب كنية أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ.

سئل نصراني عيسى عَلیْهِ السَّلَامْ أفضل أم موسى؟ فقال: إنّ عيسى يحيي الموتى و موسى و كز

رجلاً فقضى عليه، و عيسى تكلّم في المهد صبيّاً و موسى قال بعد ثمانين سنة: وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي فانظر أيّهما أفضل.

نقل انّه لما مات عمر بن عبد العزيز و تخلّف بعده يزيد بن عبد الملك قال لوزرائه: دلّوني على خزائن ابن عبد العزيز فدلّوه على حجرة كان يخلو فيها، فلمّا فتحوا قفلها رأوها قاعاً بيضاء و في وسطها تراب متحجر من بكائه و فيها ثياب خشنة و غل من الحديد يضعه في عنقه و يبكي إذا تفرّد بنفسه.

قيل إن أهل خراسان علموا بموته بالشام يوم وفاته قالوا: كنا نرى الذّئب مع الغنم و السباع مع الأنعام حتى افترقت ذات يوم من الأَيّام فعلمنا أنه قد مات.

و قال الشّيخ الرّئيس: النساء من ثلاث إلى عشر سنين لعبة اللاّعبين، و من عشرة إلى خمسة عشرهنّ حور عين و من خمسة عشر إلى عشرين هنّ لحم و شحم ولين، و من عشرين إلى ثلاثين هنّ أمّهات البنات و البنين، و من ثلاثين إلى أربعين هنّ عجوز في الغابرين، و من أربعين إلى خمسين اقتلوهن بالسّكين، و من خمسين إلى ستّين عليهنّ لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين.

قيل دخلت امرأة على داود النّبي عَلیْهِ السَّلَامْ فقالت: يا نبي الله ربّك عادل أم ظالم؟ فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ويحك هو العدل الذي لا يجور ثم قال لها: ما قصّتك؟ قالت: إني امرأة أرملة و عندي ثلاث بنات و إنّي أقوم عليهنّ من غزل يدي فلمّا كان أمس شدّيت غزلي في خرقة حمراء و أردت أن أذهب به إلى السوق و أبيعه فاشتري الطعام للأَطفال فإذا بطائر قد انقض عليّ و أخذ الخرقة و الغزل و طار، و بقيت حزينة مالي شيء أبلغ به أطفالي.

قال الراوي فبينما المرأة مع داود عَلیْهِ السَّلَامْ في الكلام فإذا بطارق يطرق الباب فأذن داود عَلیْهِ السَّلَامْ بالدّخول و إذا هم عشرة من التجار و مع كلّ واحدة مائة دينار فقالوا: يا نبيّ الله بمستحقها فقال عَلیْهِ السَّلَامْ لهم و ما سبب إخراجكم هذا المال؟ قالوا: كنا في مركب فهاجت علينا الريح فعاب المركب و أشرفنا على الغرق و إذا نحن بطائر قد ألقى إلينا خرقة حمراء و فيها غزل فسددنا به عيب المركب فانسدّ و نذرنا أن يصدّق كلّ واحد منا مائة دينار من ماله، و هذا المال بين يديك تصدّق به على من أردت، فالتفت داود إلى المرأة و قال عَلیْهِ السَّلَامْ: ربك يتّجر لك في البحر و تجعلينه ظالماً؟ ثمّ أعطاها الأَلف دينار و قال: إذهبي بها و أنفقيها على أطفالك و الله أعلم بحالك.

حكى أن جماعة من المصريّين لعنهم الله نقبوا في جوار روضة النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و قصدوا إخراج جسده الشريف و نقله إلى مصر و كان ذلك في نصف اللّيل فسمع أهل المدينة من الجوّ: احفظوا نبيكم صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فأوقدوا السّراج و طافوا فرأوا ذلك النقب في الجدار و حوله

الجماعة موتى.

قال السّيد الجزائري: حكى لي جماعة من الثقات أنّه في بعض السّنين نزلت صاعقة فيها نار من السّماء على الضّريح المقدّس النبويّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في المدينة فأحرقت طرفاً منه فقال بعض النواصب شعراً

لم يحترق حرم النبي لحادث *** و لکلّ شیء مبتداً و إزار

لكنّما أيدي الرّوافض لامست *** ذاك الجناب فطهّرته النّار

فقال بعض الشّيعة في الجواب:

لم يحترق حرم النبيّ لحادث *** و لكل شيء مبتداً و عواقب

لکن شيطانين قد نزلا به *** و لكل شيطان شهاب ثاقب

روى في «البحار» أن يحيى بن خالد البرمكي سأل مؤمن الطّاق هشام بن الحكم بمحضر من الرّشيد فقال: أخبرني يا هشام هل يكون الحق في جهتين مختلفتين؟ قال هشام: الظاهر لا، قال فأخبرني عن رجلين اختصما في حكم في الدّين و تنازعا هل يخلو من أن يكونا محقين أو مبطلين أو أن يكون أحدهما محقّاً و الآخر مبطلاً؟ فقال هشام: لا يخلو من ذلك.

قال يحيى: فأخبرني عن عليّ و العبّاس لمّا اختصما إلى أبي بكر في الميراث أيّهما كان المحق و من المبطل إذ كنت لا تقول أنّهما كانا محقّين و لا مبطلين؟ قال هشام: فنظرت فإذا إنّني إن قلت إن عليّاً عَلیْهِ السَّلَامْ كان مبطلاً كفرت و خرجت من مذهبي، و إن قلت: إنّ العباس كان مبطلاً ضرب الرّشيد عنقي و وردت عليّ مسألة لم أكن سئلت عنها قبل ذلك الوقت و لا أعددت لها جواباً.

فذكرت قول أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يا هشام لا تزال مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك فعلمت أنّي لا أخذل و عنْ لي الجواب في الحال فقلت له: لم يكن لأحدهما خطأ حقيقة و كانا جميعاً محقّين و لهذا نظير قد نطق به القرآن في قصّة داود عَلیْهِ السَّلَامْ يقول الله عزّ و جلّ:

وَ هَلْ أَتَئَكَ نَبَوُا الْخَصّمِ إِذْ تَسَوَِّرُوا الْمِحْرَابَ [ص: 21] إلى قوله: خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ [ص: 22]. فأي الملكين كان مخطئاً و أيّهما كان مصيباً أم تقول إنهما كانا مخطئين فجوابك في ذلك جوابي فقال يحيى: لست أقول إن الملكين أخطأ بل أقول إنهما أصابا و ذلك إنّهما لم يختصما فی الحقيقة و لم يختلفا في الحكم و إنّهما أظهرا ذلك لينبّها على داود عَلیْهِ السَّلَامْ في الخطيئة و يعرّفاه الحكم و يوقفاه عليه.

قال هشام: قلت له كذلك عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ و العبّاس لم يختلفا في الحكم و لم يختصما في الحقيقة و إنما أظهرا الاختلاف و الخصومة لينبّها أبا بكر على خطأه و يدلاّه على أنّ لهما في الميراث حقّاً و لم يكونا في ريب من أمرهما و إنما كان ذلك منهما على حدّ ما كان من الملكين، فاستحسن الرّشيد ذلك الجواب.

صلّى إعرابي خلف إمام فقرأ:

إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [الأعراف: 59]. ثمّ وقف و جعل يرددها، فقال الأَعرابي: أرسل غيره يرحمك الله و أرحنا و أرح نفسك و صلّى أخر خلف امام فقرأ:

فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبي [يوسف: 80]. فوقف و جعل يردّدها، فقال الأعرابي: يا فقيه إن لم يأذن لك أبوك في هذه اللّيلة نظل نحن وقوفاً إلى الصّباح؟ ثمّ تركه و انصرف.

في الأَثران: الجاحظ كان من العلماء النّواصب و هو قبيح الصّورة حتّى قال الشاعر:

لو يمسخ الخنزير مسخاً ثانياً *** ما كان إلاّ دون قبح الجاحظ

قال يوماً لتلامذته: ما أخجلني إلاّ امرأة أتت بي إلى صائغ فقالت: مثل هذا، فبقيت حائراً في كلامها، فلمّا ذهبت سألت الصّائغ فقال: استعملتني لأصوغ لها صورة جني فقلت: لا أدري كيف صورته فأتت بك.

في الحديث إن شيطاناً سمينا لقى شيطاناً مهزولاً فقال: لم صرت مهزولاً؟ قال: إنّي مسلّط على رجل إذا أكل أو شرب أو أتى أهله يقول: بسم الله فحرمت المشاركة معه فصرت مهزولاً، و أنت لم صرت سميناً؟ قال: إني مسلّط على رجل غافل عن التّسمية يأكل و يشرب و يأتي أهله غافلاً فشاركته فيها كما قال تعالى:

وَ شَارِِِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ [الإسراء: 64]. حكي إنّ عالماً سئل عن مسألة فقال: لا أدري فقال السّائل: ليس هذا مكان الجهال، فقال العالم: المكان لمن يعلم شيئاً و لا يعلم شيئاً فأما الذي يعلم كلّ شيء فلا مكان له.

و سئل أبو بكر الواعظ عن مسألة فقال: لا أدري قيل له: ليس المنبر موضع الجهّال، فقال: إنّما علوت بقدر علمي و لو علوت بقدر جهلي لبلغت السّماء.

دخل لص دار رجل يسرق طحيناً في اللّيل فبسط رداءه و مضى إلى الطّحين ففطن به صاحب المنزل و مدّ يده وجر الرداء إليه فأتى اللّص بالطّحين و وضعه يظن أنّه فوق الرّداء و إذا

هو في الأَرض فصاح به صاحب الدّار سارق سارق فانفلت اللص هارباً و هو يقول قد علم أيّنا السّارق أنا أو أنت.

قال الأصمعي: دخلت البادية و معي كيس فأودعته عند امرأة منهم فلما طلبته أنكرته فقدمتها إلى شيخ فأقامت على انكارها فقال: ليس عليها إلاّ يمين فقلت كأنّك لم تسمع قوله تعالى:

و لا تقبل لسارقة يميناً *** و لو حلفت بربّ العالمینا

فقال: صدقت ثمّ تهددها فأقرت وردّت إليّ مالي ثمّ التفت إليّ الشّيخ فقال في أي سورة تلك الآية؟ فقلت في سورة:

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا *** و لا تبقی خمور الأَندرينا

قال: سبحان الله لقد كنت ظننت أنها في سورة إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً.

و نظيره أن رجلاً أحضر ولده إلى القاضي فقال: يا مولانا إن ولدي هذا يشرب الخمر و لا يصلي، فأنكر ولده ذلك فقال أبوه: أتكون صلاة بغير قراءة؟ فقال الولد إنّي أقرأ القرآن و أعرف القراءة فقال له القاضي: إقرأ حتى أسمع فقال:

علق القلب رباباً *** بعدما شابت و شابا

إنّ دين الله حقّ *** لا ترى فيه ارتياباً

فقال له أبوه : إنّه لم يتعلّم هذا إلاّ البارحة سرق مصحف الجيران و حفظ هذا منه فقال له القاضي: قاتلكم الله يتعلم أحدكم القرآن و لا يعمل به.

قيل: ما وضعت سرى عند أحد فأفشاء فلمته لأَني أحق باللوم منه إذ كنت أضيق صدراً منه قال الشّاعر:

إذ المرء أفشا سرّه بلسانه *** فصدر الذي يستودع السرّ أضيق

إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه *** و لام عليه آخراً فهو أحمق

رأى الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ يهودي في أبهى زيّ و أحسنه و اليهودي في حال رديء و حال رثة، فقال: أليس قال رسولكم: الدّنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ نعم، فقال: هذا حالي و هذا حالك، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: غلطت يا أخا اليهودي و لو رأيت ما وعدني الله من الثّواب و ما أعدّ لك من العقاب لعلمت أنّك في الجنّة و انّي في السّجن (1)


1) تصحيح اعتقدات الإمامية: 97.

حكى صاحب «الأغاني» قال: صلى دلال يوماً خلف امام بمكّة فقال:

وَ مَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [ياسين: 22]. فقال: ما أدرى و الله، فضحك النّاس و قطعوا الصّلاة، فلمّا فرغوا عاتبه الإمام و قال: ويلك لا تدع الجنون و السّفه قال: كنت عندي إنّك تعبد الله فلمّا سمعتك تستفهم ظننت أنّك قد شككت في ربك فتب إليه.

قيل: دخل أعرابي في الجامع ليصلي و كان اسمه موسى و وجد في طريقه كيساً فيه دنانير فقرأ الإمام:و ما تلك بيمينك يا موسى فرمى إليه الكيس و قال: و الله إنّك لساحر.

حكى أنّ بعضهم تمنّى في منزله و قال: يكون عندنا لحم فنطبخه على مرق فما لبث أن جاء جاره بصحن فقال: اغرفوا لنا فيه قليلاً من المرق، فقال: إن جيراننا يشمّون رائحة الأماني.

قال أبو عليّ بن سينا في رسالة المعراج: إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ مركز الحكمة و فلك الحقيقة و خزانة العقل، و لقد كان بين الصحابة كالمعقول بين المحسوس.

روى أن طائفة من العامة تناظروا تناظروا مع شيخنا بهاء الملة و الدّين فقالوا: كيف تجوزون قتل عثمان مع ما ورد من قوله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: مثل أصحابي كمثل النّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم؟ فقال: جوّزنا قتله بهذا الحديث لأَن بعض الصّحابة افتى بقتله و بعضهم باشر قتله.

قال الحجاج يوماً لرجل: اقرء شيئاً من القرآن فقال: إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ *و رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر: 1، 2].

فقال: ليس كذلك بل هي يدخلون في دين الله، قال: ذلك قبل ولايتك و لكنهم الآن يخرجون بسبّيك، فضحك و أعطاه.

صلی معروف الكرخي خلف إمام فلمّا فرغ من صلاته قال الإمام لمعروف من أين تأكل؟ قال: اصبر حتى أعيد صلاتي خلفك لأَن من شكّ في رزقه شك في خالقه.

قال في «مجمع البيان» في ذكر حكم لقمان: إن مولاه دعاه فقال اذبح شاة فأتني بأطيب مضغتين منها، فذبح شاة و أتاه بالقلب و اللسان، فسأله عن ذلك فقال: إنّهما أطيب شيء إذا طابا و أخبث شيء إذا خبثا.

و فيه قال عبد الله بن دينار: قدم لقمان من سفر فلقى غلامه في الطّريق فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات؛ قال ملكت أمري، قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال: جدّدت فراشي، قال ما فعلت أختي؟ قال ماتت، قال: سترت عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري.

عن كشكول البهائي (رَحِمَه اللهُ) أن أباه حسين بن عبد الصّمد الحارثي وجد في مسجد الكوفة فصّ عقيق مكتوب عليه:

أنا درّ من السّماء نثروني *** يوم تزويج والد السّبطین

كنت أصفى من اللّجين بياضاً *** صبغتني دماء نحر الحسين

قال نعمة الله الموسوي الجزائري (رَحِمَه اللهُ): وجدنا في نهر تستر صخرة صغيرة صفراء أخرجها الحفّارون من تحت الأَرض و عليها مكتوب بخط من لونها: بسم الله الرّحمن الرّحيم لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله عليّ وليّ الله لمّا قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب بأرض كربلاء كتب دمه على أرض حصباء: و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

في رياض الجنّة تأليف بعض أصحابنا أنّ الباري عزّ و جلّ قال لعزرائيل: هل رحمت أحداً و هل هبت من أحد؟ فقال: يا رب أنت أعلم، فقال سبحانه تعالی: صدقت یا عزرائیل و لكن أحب أن تقول ذلك، فقال عزرائيل: إني يا رب رحمت طفلاً يرتضع ثدي أمّه و كان هو و أمه في مركب في البحر فغرق المركب فأمرتني أن أقبض أمّه فقبضتها و بقي الولد في البحر طائفاً على صدر أمّه فرحمته، و إنّي يا ربّ خفت (1)من رجل أمرتني أن أقبض روحه و كان ذا سلطان و مملكة و غلمان كثيرة و هو جالس على سريره في نهاية العافية فلما أردت قبض روحه دخلني خوف و رعب، فقال الباري سبحانه: يا عزرائيل الذي رحمته هو الذي خفت منه، ثمّ قال: المشهور أن الرّجل المذكور هو الشّداد المعروف، و العلم عند الله.

و فيه و في غيره أنّ بهلول وقت جنونه مرّ يوماً على باب دار أبي حنيفة فوقف عند الباب ساعة فسمع أبا حنيفة يحدّث أصحابه و يقول: إنّ جعفر بن محمّد الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: إنّ الله لا يمكن رؤيته و محال عليه الرؤية، و أيضاً إنّ العبد فاعل مختار يفعل فعله بالاختيار، و يقول: إنّ الشّيطان يعذّب بالنار و هذه الأَقوال الثّلاثة غير معقولة عندي.

أمّا الأوّل: فلاءَنّ الله تعالى موجود و كلّ موجود يمكن رؤيته، و الثّاني إنّ العبد لا اختيار له، و الثالث إنّ الشّيطان خلق من النّار فلا يعذّب إذ النّار لا يعذّب بعضها بعضاً.

فلمّا سمع البهلول ذلك الكلام اغتاظ و أخذ مدراً من الأَرض فضرب أبا حنيفة فأصاب رأسه و أوجعه و مضى بعدو، فتلاحقه أصحاب أبي حنيفة وجاؤوا به إليه و لأَجل قرابته من المنصور الخليفة لم يقدروا أن يصلوا إليه بشيء من الضرب قال أبو حنيفة: اذهبوا به إلى الخليفة و أخبروه بما فعل، فلما أخبر المنصور بالقصّة عاتبه و قال له: لم فعلت ذلك و طلب أبا


1) في نسخة: هِبْتُ.

حنيفة يعتذر إليه بحضرة البهلول، فطلب البهلول الرخصة منه في التّكلم مع أبي حنيفة فأذن له.

فقال: يا أبا حنيفة ما أصابك منّي؟ قال: ضربتني بالمدر فوجع رأسي، فقال البهلول: أرني الوجع حتى أنظر إليه،فقال أبو حنيفة: يا مجنون الوجع كيف يرى؟ و كيف يمكن أن تنظر إليه؟ فقال بهلول: يا ملعون الوجع موجود أم لا؟ قال بل موجود، قال بهلول: إنّك ادّعيت أنّ الله یری لأنّه موجود و الوجع أيضاً موجود فلم لا يرى؟ فلمّا سمع أبو حنيفة ذلك أطرق رأسه و أفحم.

ثمّ قال: يا أبا حنيفة ينبغي أن لا يوجع المدر رأسك لأنّك خلقت من التّراب و هو تراب، ثمّ قال: يا أبا حنيفة العبد لا فعل له و لا اختيار حسب ما زعمت فلأَيّ شيء تؤاخذني بما صدر منّي و لا قدرة لي عليه؟ فلما سمع الخليفة أقواله استحسن مقاله و رخصه في الانصراف بغير عتاب.

في «زهر الرّبيع» أن أبا العلى المعرّي كان يتعصّب لأَبي الطيب فحضر يوماً مجلس المرتضى «رَحِمَه اللهُ» فذكر أبو الطيب فأخذ المرتضى في ذمه و الإزراء عليه، فقال المعري: لو لم يكن له من الشعر إلاّ قصيدته اللاّمية و هي:

لك يا منازل في القلوب منازل *** أقفرت أنت و هنّ منك أواهل

لكفى في فضله، فغضب المرتضى و أمر بسحب المعري فسحب و ضرب، فلما أُخرج قال المرتضى لمن بحضرته : هل تدرون ما عنى الأَعمى إنّما عنى قول المتنبي في أثناء قصيدته:

و إذا أتتك مذمتي من ناقصٍٍٍ *** فهي الشّهادة لي بأني كامل

و لما بلغ الخبر إلى أبي العلى قال: قاتله الله ما أشدّ فهمه و زكاه و الله ما عنيت غيره.

أقول: أبو العلى ذلك كان من النّواصب فصار من الزنادقة و معروف أن المرتضى «رَحِمَه اللهُ» أمر بقلع عينيه و له إعتراضات على الشريعة و حكمة الله سبحانه و من جملتها قوله:

ید بخمس مئینٍ عسجدٍ وديت *** ما باله قطعت في ربع دينار

و أجابه المرتضى بقوله:

عزّ الأمانة أغلاها و أرخصها *** ذلّ الخيانة فانظر حكمة الباري

و ربما ينسب هذا الجواب إلى أخيه الرضي «رَحِمَه اللهُ».

في «البحار» من كتاب «الفردوس» عن عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إِِذَا رَأَیْتَ حَیَّةً فِی اَلطَّرِیقِ فَاقْتُلْهَا فَإِنِّی قَدْ شَرَطْتُ عَلَی اَلْجِنِّ أَنْ لاَ یَظْهَرُوا فِی صُورَةِ اَلْحَیَّاتِ فَمَنْ ظَهَرَ فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ (1)

أقول: و يناسب ذلك و يؤيّده ما ذكره شارح ديوان أمير المؤمنين في فواتحه عن أستاذه جلال الدّين الدّواني عن السّيد صفي الدّين عبد الرحمن اللايجي أنه قال: ذكر لي العالم الفاضل المتقي شيخ أبو بكر عن الشّيخ برهان الدّين الموصلي و هو رجل عالم فاضل ورع توجّهنا من مصر إلى مكّّة نريد الحج و نزلنا منزلاً و خرج عليه ثعبان فسار الناس إلى قتله فقتله ابن عمي فاختطف و نحن نرى سعيه و تبادر النّاس على الخيل و الركاب يريدون ردّه فلم يقدروا على ذلك فحصل للناس من ذلك أمر عظيم.

فلما كان آخر النّهار جاء و عليه السّكينة و الوقار فسألناه ما شأنك؟ فقال: ما هو إلاّ أن قتلت هذا الثّعبان الذي رأيتموه فصنع بي ما رأيتم، فإذا أنا بين قوم من الجنّ يقول بعضهم قتلت أبي و بعضهم قتلت ابن عمي فتكاثروا عليّ و إذا رجل لصق بی و قال لي قل: أنا أرضى بالله و بالشريعة المحمدية صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فقلت ذلك فأشار إليهم أن سيروا إلى الشّرع فسرنا حتّى وصلنا إلى شيخ كبير على مصطبة، فلما صرنا بين يديه قال: خلّوا سبيله و ادّعوا عليه فقال الأَولاد ندّعي عليه أنّه قتل أبانا فقلت: حاشا لله أنا نحن وفد بيت الله الحرام نزلنا هذا المنزل فخرج علينا الثعبان فتبادر النّاس إلى قتله فضربته فقتلته فلما سمع الشّيخ مقالتي قال: خلّوا سبيله سمعت ببطن نخل عن النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم من تزيا بغير زيّه فقتل فلا دية و لا قود.

في «البحار» عن حيوة الحيوان، روى البيهقي في «دلائل النبوّة» عن أبي دجانة و اسمه سماك بن خرشة قال: شكوت إلى النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أني نمت في فراشي فسمعت صريراً كصرير الرحى و دويّاً كدويّ النحل و لمعاناً كلمعان البرق فرفعت رأسي فإذا أنا بظلّ أسود يعلو و يطول بصحن داري فمست جلده فإذا هو كجلد القنفذ فرمى في وجهى مثل شرر النّار فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: «عامر دارك يا أبا دجانة» ثمّ طلب دواتاً و قرطاساً و أمر عليّا صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أن يكتب:

بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا كتاب من رسول ربّ العالمين إلى من طرق الدار من العمار و الزوار إلاّ طارقاً يطرق بخير أمّا بعد، فإن لنا و لكم في الحقّ سعة فإن يكن عاشقاً مولعاً فاجراً مقتحماً فهذا كتاب الله ينطق علينا و عليكم إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون إنّ رسلنا يكتبون ما تمكرون، اتركوا صاحب كتابي هذا و انطلقوا إلى عبدة الأَصنام و إلى من يزعم أنّ مع الله إلهاً آخر لا إله إلاّ هو كلّ شيء هالك إلاّ وجهه له الحكم و إليه ترجعون حمّ لا


1) بحار الأنوار: 126/60 ح 115، و تحف العقول: 12.

ينصرون حمعسق تفرق أعداء الله و بلغت حجة الله لا حول و لا قوّة إلاّ بالله فسيكفيكهم الله و هو السّميع العليم. قال أبو دجانة فأخذت الكتاب و أدرجته و حملته إلى داري و جعلته تحت رأسي فبت ليلتي فما انتبهت إلاّ من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة أحرقتنا هذه الكلمات فبحق صاحبك إلاّ ما رفعت عنا هذا الكتاب فلا عود لنا في دارك و لا في جوارك و لا في موضع يكون فيه هذا الكتاب قال أبو دجانة: لا أرفعه حتّى استأذن رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

قال أبو دجانة و لقد طالت عليّ ليلتي ممّا سمعت من أنين الجن و صراخهم و بكائهم حتّى أصبحت فغدوت فصلّيت الصّبح مع رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و أخبرته بما سمعت من الجنّ و ما قلت لهم فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: یَا أَبَا دُجَانَةَ ارْفَعْ عَنِ الْقَوْمِ فَوَ الَّذِی بَعَثَنِی بِالْحَقِّ نَبِیّاً إِنَّهُمْ لَیَجِدُونَ أَلَمَ الْعَذَابِ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ.

في «المحاسن» مسنداً عن أبي بصير عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إذا ضللت في الطريق فناد: یا صالح يا أبا صالح أرشدونا إلى الطريق رحمكم الله (1)، قال عبد الله: فأصابنا ذلك فأمرنا بعض من معنا أن يتنحى و ينادي كذلك قال: فتنحى فنادى ثمّ أتانا فأخبرنا أنّه سمع صوتاً برز دقيقاً يقول: الطريق يمنة أو قال يسرة، فوجدناه كما قال.

في «البحار» قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إذا أصابَ أحَدا مِنکُم وَحشَةٌ أو نَزَلَ بِأَرضٍ مَجَنَّةٍ فَلیَقُل : أعوذُ بِکَلِماتِ اللّهِ التّامّاتِ الَّتی لا یُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ و لا فاجِرٌ مِن شَرِّ ما یَلِجُ فِی الأَرضِ و ما یَخرُجُ مِنها و ما یَنزِلُ مِنَ السَّماءِ و ما یَعرُجُ فیها و مِن فِتَنِ اللَّیلِ و مِن طوارِقِ النَّهارِ إلّا طارِقا یَطرُقُ بِخَیر (2)(2).

إذا قلّ مال المرء قل بهاؤه *** و ضاقت عليه أرضه و سماؤه

إذا قلّ مال المرء لم يرض عقله *** بنوه و لم يعصب له أولياؤه

قيل كلّ عضو من الأَعضاء فرد فهو مذكر إلاّ الكبد و الطحال، و كلّ ما كان في الجسد اثنين فهو مؤنث إلا الحاجب و الخد و الجنب.

في الأَثر أن الرّبيع بن خثيم حفر في داره قبراً فكان إذا وجد من قلبه قسوة اضطجع فيه فمكث ما شاء ثمّ يقول ربّ ارجعون لعليّ أعمل صالحاً فيما تركت ثم يردّ على نفسه فيقول قد ارجعتك فجد.


1) بحار الأنوار: 126/60.

2)

قيل كان ملك يسير و معه نديم له فبينما هما كذلك إذا بكلب بال على قبر فقال الملك: لعلّ هذا قبر رافضي يبول عليه الكلب، فقال نديمه: إن كان هذا رافضيّاً فالكلب لا بدّ أن يكون سنّياً.

قال الرّشيد للبهلول: أتحبّ أن تكون خليفة؟ قال: لا، و ذلك إنّي رأيت موت ثلاث خلفاء و لم ير الخليفة موت بهلولين.

و في «زهر الرّبيع» دخل رجل من أهل حمص إلى بلد فرأى فيها منارة فقال لصاحبه: ما أطول قامة من بنى هذه المنارة، فقال له صاحبه: يا أخي هل في الدّنيا من تكون قامته مثل هذه المنارة و إنّما بنوها في الأَرض و هي نائمة ثمّ أقاموها.

في «زهر الرّبيع» رأيت رسالة في المشهد الرّضوي على مشرفه السّلام سنة ثمان بعد المائة و الأَلف للإمام الجويني من أكابر علماء مذهب الشّافعي ردّ بها على مذهب الحنفية و ذكر فيها أشياء كثيرة من أكاذيب أبي حنيفة و زخارفه و خلافه على ملة النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و ذكر من جملة الطّعون عليه: أن السّلطان محمود بن سبكتكين كان على مذهب أبي حنيفة و كان مولعاً بعلم الحديث يقرأ بين يديه و هو يسمع فوجد الأَحاديث أكثرها موافقاً لمذهب الشّافعي فالتمس من العلماء الكلام في ترجيح أحد المذهبين فوقع الاتفاق على أن يصلّوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي و ركعتين على مذهب أبي حنيفة لينظر فيه السّلطان و يتفكّر و يختار ما هو أحسن.

فصلي القفال المروزي من أصحاب الشّافعي ركعتين على مذهب الشّافعيّ بالأَركان و الأذكار و الطّمأنينة و الطّهارة ممّا لم يجوّز غيره الشّافعي، ثمّ أمر القفال أن يصلّي بين يديه ركعتين على ما يجوّزه أبو حنيفة، فقام و لبس جلد كلب مدبوغ ولطخ ربعه بالنجاسة لأَنّ أبا حنيفة يجوز الصّلاة على هذا الحال، و توضأ بنبيذ التّمر فاجتمع عليه الذباب و توضأ معكوساً منكوساً ثمّ استقبل القبلة فأحرم بالصّلاة من غير نيّة و أتى بالتكبير بالفارسّية ثمّ قرأ آية بالفارسية «دو برك سبز» ثمّ نقر نقرتين كنقر الدّيك من غير فصل و من غير ركوع و تشهد.

فقال القفال: أيّها السّلطان هذه صلاة أبي حنيفة فقال السّلطان إن لم تكن هذه لقتلتك فأنكر أصحاب أبي حنيفة هذه صلاته فأمر القفال بإحضار كتب العراقيين و أمر السّلطان نصرانيّاً يقرأ كتب المذهبين فوجدت الصّلاة على مذهب أبي حنيفة كما حكاه القفال فعدل السلطان إلى مذهب الشّافعي و هذه المقالة نقلها علي بن سلطان الهروي الحنفي.

ثمّ عارض الشّافعية بأنّهم يقولون: إذا كان جماعة معهم من الماء قلتين و ذلك لا يكفيهم لطهارتهم و لو كمّلوه بيولهم لكفاهم فإنّه يجب عليهم تكميله بالبول أو الغائط و هذا ممّا تمجّه العقول و تدفعه النقول.

ثمّ عارض تلك الصّلاة بما جوزه الشّافعي في الصّلاة فقال: إنّ واحداً منهم إذا اجتمع عندهم ماء بالوعة نجس حتّى صار قلّتين فتمضمض به و استنشق منه ثمّ قال نويت أن اطهّر بهذا الماء الطاهر المطهّر للصّلاة ثمّ غسل وجهه و يديه و مسح برأسه على شعرة أو شعرتين ثلاثاً أو مرّتين و غسل رجليه ثمّ انغمس فيه معكوساً و منكوساً لكمال الطّهارة و مع هذا رعف وقاء و فصد و احتجم و لبس جلد خنزير بحري، و تحنى في اليدين و الرّجلين مشبّهاً بالمخانيث و النّساء، و لطخ جميع بدنه و ثيابه بماء مني منفصل عن ذنب حمار حتى اجتمع عليه الذّباب و هو فوق جبل أبي قبيس يقتدي بإمام عند الكعبة، و مع هذا همز الله أو أكبر ثمّ وقف و الإمام انتقل من ركن إلى ركن و هو يقول: بس بس بسمى الله و نحوه و هو جاهل بالقرآن غير عالم بمخارج الحروف ثمّ يقول: ملك يوم الدّين بإسكان (اللام) و المستقيم (بالغين) و الذين (بالزا) و أنعمت بتحريك (النون) و يختم بقوله غير المغضوب عليهم و لا الضّالّين (بالقاف) عوض (الغين) أو (بالذال) بدل (الضّاد) هذه صفة صلاة الشّافعي و أطال في التشنيع عليه قال الشّاعر:

و مصطنع المعروف من غير أهله *** يلاقي كما لاقى مغيث أم عامر

قيل إنّ أمّ عامر كنية الضبع و ان صيّاداً أراد صيدها فطردها فالتجأت إلى بيت أعرابي فأجارها فلما جاء اللّيل أطعمها و أنامها فقامت في اللّيل إلى صبيّ فمزّقت بطنه و أكلت رأسه و خرجت ليلاً قال أبو الطيب:

و وضع النّدى في موضع السيف بالعلى *** مضر كوضع السّيف في موضع النّدى

قال بعض الخلفاء لبعض الزّهاد: إنّك لعظيم الزّهد، فقال: إنّك أزهد منّي لأنّك زهدت في نعيم الآخرة و هو نعيم دائم عظيم و زهدت أنا في نعيم الدّنيا الحقير المنقطع.

كان بعضهم في أيّام صغره أشدّ منه ورعاً في أيّام كبره فقال:

عصیت هوى نفسي صغيراً و عندما *** أتتني اللّيالي بالمشيب و بالكبر

أطعت الهوى عكس القضية ليتني *** خلقت كبيراً ثمّ عدت إلى الصّغر

الترجمة

از جمله کلام آن جناب ولایت مآب است در ذکر عمرو بن عاص بی اخلاص می فرماید:

تعجب می کنم، تعجب کردنی به پسر نابغه باغیه می گوید به اهل شام به درستی که در من است مزاحی و به درستی که من مردی هستم بسیار بازی کننده، شوخی می کنم و بازی می نمایم، به تحقیق که گفته است آن رو سیاه حرف باطل و تباه را و گویا شده است در حالتی که گناه کننده است.

آگاه باشید که بدترین گفتار دروغ است و به درستی آن بد بنیاد حرف می زند، پس دروغ می گوید و وعده می دهد، پس خلف وعده می کند و سؤال می کند، پس اصرار می نماید در سؤال و سؤال کرده می شود، پس بخل می ورزد از قضاء آمال و خیانت می کند در عهد و پیمان و قطع رحم می کند از خویشان، پس اگر واقع شود آن بد خصال در نزد قتال و جدال پس چه بزرگ نهی کننده است و امر نماینده مادامی که شمشیرها شروع نکرده اند در محل شروع خود.

يعنى مادامی که نایره حرب مشتعل نشده است دعوی سر کردگی می کند و مشغول امر و نهی می شود، پس چون زمان ضرب و شست رسید و شجاعان روزگار مشغول کارزار گردید می باشد بزرگ ترین حیله آن با تزویر این که بذل کند به مردمان دُبر خود را و به این واسطه و تدبیر از دم شمشیر آب دار نجات یابد، چنان چه در جنگ صفین امام عالمیان قصد آن بدبخت بی دین را نمود و او خودش را از اسب به زمین انداخت و آن مردود ابتر علاجی از مرگ به غیر از کشف از قُبل و دبر خویش نیافت، پس آن معدن حیا و عفت از سوئت آن بدبخت رو بتافت و بازگشت.

پس می فرماید:

آگاه باشید به خدا سوگند که باز می دارد مرا از بازی کردن ذکر موت و باز می

دارد این نابغه را از گفتار حق فراموشی آخرت، به درستی که آن بیعت نکرد به معاویه تا این که شرط کرد از برای وی که عطا کند به او عطاء قلیلی و ببخشد او را بر ترك دين رشوت حقیری که عبارت باشد از حکومت دو روزه مصر. ص

و من خطبة له عليه السلام و هي الرابعة و الثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

و أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، الأَوَّلُ لا شَيْءٍ قَبْلَهُ وَ الآخِرُ لا غايَةَ لَهُ، لا تَقَعُ الأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ، وَ لا تَعقُدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّة، وَ لا تَنَالُهُ التَّجْزِءةُ وَ التَّبعيض، و لا تُحِيطُ بهِ الأَبْصَارُ وَ الْقُلوبُ.#### منها﴿فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ النَّوافِع، وَ اعْتَبِرُوا بِالأَي السَّواطع، وَ ازْدَجِرُوا بِالنَّذْرِ الْبَوالِغ، وَ انْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَ الْمَواعِظ، فَكَأَنْ قَدْ عَلَقْتَكُمْ مَخالِبُ الْمَنِيَّةِ، وَ انْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلائِقَ الأَمنِيَّةِ، وَ دَهَمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الأُمُورِ، وَ السّيافَةِ إِلى الْوِرْدِ الْمَوْرُودِ، و كُلّ نَفْسٍ مَعَها سَائِقٌ و شَهِيدٌ، سَائِقٌ يَسُوقُها إِلَى مَحْشَرِها، وَ شَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِها.

و منها في صفة الجنة

دَرَجَاتٌ مُتَفاضِلاتٌ، و مَنازِلَ مُتفاوِتاتٌ، لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها، وَ لَا يَظْعَنُ مُقِيماً، وَ لَا يَهْرَمُ خالِدُها، وَ لا يَبْأُسُ (1ساكِنُها) (2)

اللغة

(العبر) جمع عبرة و هي ما يعتبر به أي يتّعظ و (الآي) جمع آية و هي العلامة و آية القرآن كلّ كلام متصل إلى انقطاعه، و قيل ما يحسن السّكوت عليه و (سطع) الشيء يسطع من باب منع ارتفع و (النذر) بضمّتين جمع نذير و هو المنذر أي المخوف، قال الشّارح المعتزلي: و الأحسن أن يكون النذر هي الانذارات نفسها، لأنّه قد وصف ذلك بالبوالغ و بوالغ لا تكون فی الأكثر إلاّ صفة المؤنث.

أقول: و عليه حمل قوله سبحانه: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَ نُدُرِ [القمر: 16].

أي كيف رأيتم انتقامي منهم و إنذاري إيّاهم مرّة بعد أخرى فالجمع للمصدر باعتبار اختلاف الأَجناس و الأَنواع و (علق) الشوك بالثوب من باب تعب إذا نشب و (المخلب) من


1) في نسخة: یيأس.

2) بحار الأنوار: 162/88 ح 103، و ميزان الحكمة: 434/1 ح 560.

الحيوان بمنزله الظفر للإنسان و (مفظعات الأمور) (بالفاء و الظاء) المعجمة شدائدها الشنيعة و (ظعن) ظعناً من باب نفع ارتحل (و لا يباس) (بالباء) الموحدة مضارع بئس كسمع يقال بئس فلان إذا أصاب بؤساً و هو الضر و الشدّة، و في بعض النّسخ لا ييأس (بالياء) المثناة التحتانية من اليأس بمعنى القنوط يقال يأس ييأس من باب منع، و من باب ضرب شاذ و في لغة كحسب.

الإعراب

قوله: (فكأن قد علقتكم) مخففة (كان) و ملغاة عن العمل على الاستعمال الفصيح لفوات مشابهة الفعل بفوات فتحه الآخر و لذلك ارتفع بعدها الإسم في قوله:

و نحر مشرق اللّون كأن ثدياه حقّان

و إن أعملتها قلت ثدييه لكنه استعمال غير فصيح و مثله قوله:

و يوماً توافینا بوجه مقسمٍ *** كان ظبية تعطوا إلى وارق السّلم

برفع (ظبية) على (الاهمال) و نصبها على (الأَعمال) و يروى جرّها على جعل (أن) زائدة أي كظبية و إذا لم تعملها ففيه ضمير شأن مقدر كما في (أن) المخففة و يجوز أن يقال بعدم التقدير لعدم الدّاعي عليها، ثمّ هل هي في قوله للتحقيق كما قاله الكوفيون في قوله:

فأصبح بطن مكة مقشعراً *** كأنّ الأَرض ليس بها هشام

أو للتقريب كما في قولهم: كأنّك بالشتاء مقبل، و كأنّك بالدّنيا لم تكن و بالآخرة لم تزل، الوجهان محتملان و إن كان الأَظهر هو الأَوّل و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (لا ينقطع نعيمها) إما في محلّ النّصب على الحال أو في محل الرّفع على الوصف.

المعنى

إعلم أنّ هذه الخطبة كما يظهر من الكتاب مأخوذة و ملتقطة من خطبة طويلة و لم نعثر بعد على أصلها و ما أورده السيد «رَحِمَه اللهُ» هنا يدور على فصول ثلاثة:

الفصل الأول

فی الشّهادة بالتّوحيد و ذكر بعض صفات الجمال و الجلال و هو قوله: و أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ في ذاته و صفاته (لا شريك له) في أفعاله و مخلوقاته، و قد مضى تحقيق الكلام فی ذلك في شرح الفصل الثّاني من فصول الخطبة الثانية فلا حاجة إلى الإعادة (الأول) بالأَزليّة ف (لا شيء قبله و الآخر) بالأَبديّة ف (لا غاية له) قد مضى تحقيق الأَول و الآخر في شرح الخطبة الرّابعة و الستين، و قدّمنا هناك أن أوليّته سبحانه لا تنافي آخريته ، و آخريّته لا تنافي أوّليته

كما تتنافيان في غيره سبحانه.

و نقول هنا مضافاً إلى ما سبق: أنّه سبحانه أوّل الأَشياء و قبل كلّ شيء فلا يكون شيء قبله، و ذلك لإستناد جميع الموجودات على تفاوت مراتبها و كمالاتها إليه، و هو مبدأ كلّ موجود فلم يكن قبله أوّل بل هو الأَوّل الّذي لم يكن قبله شيء.

قال النّيسابوري في محكي كلامه: و هو سبحانه متقدّم على ما سواه بجميع أقسام التقدّمات الخمسة التي هي تقدّم التّأثير و الطبع و الشرف و المكان و الزمان، أمّا بالتّأثير فظاهر، و أمّا بالطّبع فلأَنّ ذات الواجب من حيث هو لا يفتقر إلى الممكن من حيث هو و حال الممكن بالخلاف، و أما بالشرف فظاهر، و أمّا بالمكان فلأَنّه وراء كلّ الأَماكن و معها كقوله تعالى:

فَأَيْنَمَا تُوَلُُُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: 115]. و قد جاء في الحديث لو دليتم بحبل إلى الأَرض السّفلى لهبط إلى الله ثمّ قرأ: هو الأَوّل و الآخر، و أما بالزّمان فأظهر.

و أما آخريّته فلأنه هو الباقي بعد فناء وجود الممكنات و إليه تنتهي كلّ الموجودات فهو غاية الغايات فلا يكون له غاية.

قال بعض العارفين: هو الآخر بمعنى أنّه غاية القصوى تطلبها الأَشياء و الخير الأَعظم الّذي يتشوّقه الكلّ و يقصده طبعاً و إرادةً، و العرفاء المتألهون حكموا بسريان نور المحبّة له و الشوق إليه سبحانه في جميع المخلوقات على تفاوت طبقاتهم و إن الكائنات السّفلية كالمبدعات العلويّة على اغتراف شوق من هذا البحر العظيم و اعتراف شاهد مقرّ بوحدانيّة الحق القديم.

فهو الأوّل الذي ابتدأ أمر العالم حتّى انتهى إلى أرض الأَجسام و الأَشباح و هو الآخر الذي ينساق إليه وجود الأَشياء حتى يرتقي إلى سماع العقول و الأرواح و هو آخر أيضاً بالإضافة إلى سير المسافرين، فإنهم لا يزالون مترقّين من رتبة إلى رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذواتهم واندكاك جبال هويّاتهم، فهو تعالى أوّل من حيث الوجود، و آخر من حيث الوصول و الشهود، و قيل أوليّته أخبار عن قدمه و آخريّته أخبار عن استحالة عدمه.

و في «الكافي» بإسناده عن ميمون البان قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ و قد سئل عن الأوّل و الآخر فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: الأوّل لا عن أوّل قبله و لا عن بديء سبقه، و الآخر لا عن نهاية كما يعقل عن صفات المخلوقين و لكن قديم أوّل آخر لم يزل و لا يزول بلا بديء و لا نهاية لا يقع عليه الحدوث و لا يحول من حال إلى حال، خالق كلّ شيء (1)


1) الكافي: 1/ 116 ح 6، و التوحيد: 313.

و يأتي إن شاء الله شرح هذا الحديث في شرح الخطبة المائة.

لاَ تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ أراد عَلیْهِ السَّلَامْ أنه لا تناله الأََوهام و لا تلحقه فتقع منه على صفة إذ الوهم لا يدرك إلاّ ما كان ذا وضع و مادّة، فأمّا الأمور المجرّدة عن الوضع و المادّة فالوهم ينكر وجودها فضلاً أن يصدق في إثبات صفة لها، و الباري سبحانه مع بساطة ذاته و تجرّده ليس له صفة زائدة حتّى تدركه الأَوهام أو تصفه بصفة ، و قد مرّ بعض القول في ذلك في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الأولى. وَ لاَ تُعْقَدُ اَلْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَی کَیْفِیَّةٍ إذ ليس لذاته تعالى كيفيّة حتّى تعقد عليها القلوب فلا يعرف بالكيفوفية، و تحقيق ذلك يتوقف على معرفة معنى الكيف فنقول: إن الكيف كما قيل هي هيئة قارة في المحلّ لا يوجب اعتبار وجودها فيه نسبة إلى أمر خارج عنه و لا قسمةً في ذاته و لا نسبة واقعة في أجزائه، و بهذه القيود تفارق الأَعراض الثمانية الباقية. و أقسام الكيفيّات و أوائلها أربعة، لأَنّها إمّا أن تختصّ بالكميّات من جهة ما هي كمّ كالمثلّثيّة و المربعيّة للأَشكال ، و الاستقامة و الانحناء للخطوط، و الزوجية و الفردية للأَعداد و إما أن لا تختص بها و هي إمّا أن تكون مدركة بالحسّ راسخة كانت كصفرة الذهب و حلاوة العسل، أو غير راسخة كحمرة الخجل و صفرة الوجل و إما أن لا تكون مدركة بالحسّ و هي إمّا استعدادات للكمالات كالإستعداد للمقاومة و الدّفع و للانفعال و تسمّى قوة طبيعية كالصّلابة و المصحاحية، أو للنّقائص كالاستعداد بسرعة للإنفعال و تسمّى ضعفاً و لا قوة طبيعيّة كاللين و الممراضية، و إمّا أن لا تكون استعداداً للكمالات و النقائص بل تكون في أنفسها كمالات أو نقائص فما كان منها ثابتاً يسمى ملكة كالعلم و القدرة و الشّجاعة، و ما كان سريع الزوال يمسّى حالاً كغضب الحليم و حلم الغضبان فهذه أقسام الكيف و أجناسها و يتدرج تحتها أنواع كثيرة.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن من المحال أن يتصف سبحانه بها لكونها حادثة بالذّات ممكنة الوجود مفتقرة إلى جاعل يوجدها بريء الذّات عن الاتّصاف بها، أمّا حدوثها و إمكانها فلكونها ذات ماهيّة غير الوجود فكونها عرضاً قائماً بمحلّه فهي مفتقرة إلى جاعل و ينتهي إفتقارها بالأَخرة إلى الله سبحانه، و أمّا براءة ذاته سبحانه من الاتّصاف بها فلأَن موجد الشيء متقدّم عليه بالوجود فيستحيل أن يكون المكيف بالكسر أي جاعل الكيف مكيفاً بالفتح أي منفعلاً و إلاّ لزم تقدّم الشيء على نفسه و كون الشيء الواحد فاعلاً و قابلاً لشيء واحد.

وَ لاَ تَنَالُهُ التَّجْزِءَهُ وَ التَّبْعِیضُ عطف التبعيض على التجزءة إما من باب التأكيد أو المراد بالأَول نفي الأَجزاء العقليّة كالجنس و بالفصل الثاني نفي الأَجزاء الخارجية كما في الأَجسام، و على كلّ تقدير فالمقصود به نفي التركيب عنه إذ كلّ مركب ممكن. و أمّا ما قاله الشّارح البحراني: من أنّه إشارة إلى نفي الكميّة عنه إذ كانت التجزءة

و التبعيض من لواحقها و قد علمت أن الكمّ من لواحق الجسم و الباري تعالى ليس بجسم ولي بكمّ.

ففيه أنّه خلاف الظاهر إذ التّجزئة أعمّ من التجزئة العقليّة و الخارجية و لا دليل على التّخصيص بالثانية لو لم تكن ظاهرة في الأولى حسب ما أشرنا إليه فيكون مفادها على ذلك مفاد قوله عَلیْهِ السَّلَامْ في الخطبة الأولى: فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثناه و من ثناه فقد جزاه.

وَ لاَ تُحِیطُ بِهِ اَلْأَبْصَارُ وَ اَلْقُلُوبُ و قد مرّ تحقيق ذلك في شرح الخطبة الثالثة و الأَربعين بما لا مزيد عليه و في شرح الفصل الثاني من الخطبة الأولى.

الفصل الثاني

(منها) في التذكير و الموعظة و هو قوله عَلیْهِ السَّلَامْ فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اَللَّهِ بِالْعِبَرِ اَلنَّوَافِعِ أي اعتبروا بالعبر النافعة و اتعظوا بما حلّ بأهل القرون الخالية كيف صارت أجسادهم شحبةً بعد بضتها، و عظامهم نخرة بعد قوّتها، و كيف انجلوا عن الرّباع و الدّور و ارتحلوا عن الضياع و القصور، و طوّحت بهم طوائح الزّمن و هجرتهم (1)عن الأَموال و الأَولاد و الوطن و اعْتَبِرُوا بِالْآیِ السَّواطِعِ من آثار القدرة و علامات الجلال و الجبروت و العزّة أو بالآيات القرآنية المعذرة و المنذرة و براهينها السّاطعة المشرقة.

و ازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوالِغِ أي بالإنذارات الكاملة و التّخويفات البالغة الواردة في الكتاب و السّنة وَ انْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَ الْمَوَاعِظِ النافعة التي تضمّنتها آيات الكتاب المبين و أخبار سيّد المرسلين فَکَأَنّ قَدْ عَلِقَتْکُمْ مَخَالِبُ اَلْمَنِیَّةِ شبه المنيّة بالسّبع من باب الإستعارة بالكناية و إثبات المخالب تخييل و ذكر العلوق ترشيح وَ اِنْقَطَعَتْ مِنْکُمْ عَلاَئِقُ اَلْأُمْنِیَّةِ لأَن الأَجل إذ حلّ و الموت إذا نزل انقطع الأَهل و ضلّ الحيل و تنغص اللذات و انتقض الشّهوات وَدَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الأمُورِ أي الأمور الموجبة للفظع و الدّواهي الموقعة في الفزع من سكرات الموت و غمرات الفوت و الجذبة المكربة و السوقة المتعبة و الهجرة إلى دار الوحدة و بيت الوحشة و ما يليها من شدائد البرزخ و أهوال القيامة. وَ السِّيَاقَةُ إِلى الْوِرْد المَوْرُودِ أي المكان الذي يرده الخلائق و عليه محشرها و منشرها و كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ إقتباس من الآية في سورة ق و هو قوله: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَ جَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍٍٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ [ق: 20- 21].


1) في نسخة: و أزعجتهم.

أي تجيء كلّ نفس من المكلّفين يوم الوعيد و معها (سائق) من الملائكة یَسُوقُهَا إِلَی مَحْشَرِهَا أي يحثها على السّير إليه (و شاهد) منهم أو من الأَنبياء و الرّسل و الأَئمة على ما سبق في شرح الخطبة الواحدة و السّبعين أو من الأََعضاء و الجوارح كما ورد في غير واحد من الآيات و يأتي التصريح به في الكلام المائة و الثّامن و التّسعين إن شاء الله یَشْهَدُ عَلَیْهَا بِعَمَلِهَا و بما يعلم من حالها.

الفصل الثالث

مِنْهَا فِي صِفَة الجَنة و هو قوله: دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ وَ مَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ كما قال سبحانه: يَرْفَعِِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11] و قال: هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللهِ وَ اللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: 163] و قال: أَوَلَئكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لََّهُمْ دَرَجَتٌ عِندَ رَبِِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: 4]. و تفاوت الدّرجات و تفاضل المنازل إنّما هو بتفاوت أهل الإيمان في مراتب المعرفة و الكمال، فالمؤمنون الكاملون من مراتب العمل و الإخلاص ذوو الدّرجات العلى و النّاقصون فيها ذوو الدّرجات السّفلى و قد جاء في الخبر أن أهل الجنّة ليرون أهل علّيّين كما يرى النجم في أفق السّماء.

و في الحديث أن في الجنّة مائة درجة بين كلّ درجتين منها مثل ما السّماء و الأَرض و أعلى درجاتها الفردوس و عليها يكون العرش و هي أوسط شيء في الجنّة و منها تفجر أنهار الجنّة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس.

و في بعض الرّوايات أن أقلّ ما يعطي المؤمن فيها ما يقابل الدّنيا و أشرف المنازل و أرفع المراتب هو مرتبة الرّضوان كما قال سبحانه:

وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَ مَسَكِنَ طَيِِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَ رِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 72]. أي رضاء الله عنهم و محبتّه أيّاهم أكبر من كلّ لذّات الجنّة، و هذه اللّذة لا يدركها كلّ أحد و إنّما هي مختصة بالأَولياء التامّين في مقام المحبّة الكاملين في العبودية.

و في رواية زرارة الواردة في ثواب البكاء على الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ و ما من عبد يحشر إلاّ و عيناه باكية إلاّ الباكين على جدّي فإنّه يحشر و عينه قريرة و البشارة تلقّاه و السّرور على وجهه و الخلق يعرضون و هم حدّاث الحسين تحت العرش و في ظل العرش لا يخافون سوء الحساب يقال لهم: أدخلوا الجنّة فيأبون و يختارون مجلسه و حديثه، و أنّ الحور

لترسل إليهم إنّا قد اشتقناكم مع الولدان المخلّدين فما يرفعون رؤوسهم لما يرون في مجلسهم من السّرور و الكرامة (1)الحديث.

فلا تظنن أن أعلى الدّرجات هو أعالي الجنان و الجلوس مع الحور و الغلمان فإن هذا من لذات البدن و الرّضوان من لذّات الرّوح، و لذا كان مطمح نظر الأئمة عليهم آلاف الصّلاة و التحية تلك اللّذة المعنويّة كما يشير إليه قول أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: ما عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نارِكَ و لا طَمَعَاً في جَنّتِكَ و لكنَ وجَدْتُكَ أهلاً للعبادةِ فَعَبَدْتُك (2)و تقابل هذه المرتبة أعني مرتبة الرّضوان لأَهل السّعادة مرتبة الخذلان لأَهل الشقاوة كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنهم:

رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَهُ [آل عمران: 192]. فإنّ قولهم أخزيته دون أحرقته أو عذّبته دليل على أنّ ألم الخزي عندهم أشدّ و أفظع من ألم الإحتراق بالنار، و ذلك لأَن الخزي عذاب روحانيّ و عذاب الإحتراق و الأَفاعي و العقارب و سائر ما أعد في جهنّم عذاب جسماني، و لا شكّ أن الأَوّل أشدّ و آكد.

ثم أشار عَلیْهِ السَّلَامْ إلى دوام نعيم الجنّة بقوله: لاَ یَنْقَطِعُ نَعِیمُهَا و قد أشير إلى ذلك في غير واحدة من الآيات مثل قوله سبحانه:

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتَهَا الأَنْهَرُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وَ ظِلُُُّهَا [الرعد: 35] و قوله: وَ أَصْحَبُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ(28، وَ طَلْحٍٍ مَنصُودٍ(29)، وَ ظِلٍ مَمْدُودٍ(30)، وَ مَاءٍ مَسْكُوبِ(31)، وَ فَكِهَةٍ كَثِيرَة (32)، لَّا مَقْطُوعَةٍ وَ لَا مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة: 27- 33] و قوله: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَفَادٍ [ص: 54]. و إنّما لم يكن لنعمها نفاد و انقطاع لأَنّ استحقاق تلك النّعم إنّما نشأ نشأ من ملكات ثابتة في جوهره لا تتغير و لا تتبدّل و مهما دام الاستحقاق القابل للنعمة و الجود وجب دوام الإفاضة و الانعام من واجب الوجود ، إذ هو الجواد المطلق الذي لا بخل من جهته و لا نفاد في خزانته وَ لاَ یَظْعَنُ مُقِیمُهَا أي لا يسير عنها و المراد به إما نفي سيره عنها إلى الخارج فيكون المقصود به الإشارة إلى أنّها دار خلود و دوام و على ذلك فهذه الجملة تأكيد للجملة السّابقة، و إما نفي السير عن مقامه إلى مقام آخر فيها طلباً لما هو أحسن منه و إلى الأوّل أشير في قوله تعالى:

لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا [آل عمران: 15] الآية و على التّأني أشير في إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ الفردوس نُزُلاً * خَلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [ الكهف: 107- 108].


1) كامل الزيارات: 169، و مدينة المعاجز: 168/4.

2) شرح أصول الكافي: 257/1، و شرح مئة كلمة: 219.

قال في «مجمع البيان»: أي دائمين فيها لا يطلبون عن تلك الجنّات تحولاً إلى موضع آخر لطيبها و حصول مرادهم فيها (1)

وَ لاَ یَهْرَمُ خَالِدُهَا وَ لاَ یَبْأَسُ سَاکِنُهَا لأََن الهرم و البؤس متلازمان للتعب و النّصب المنفيين في حقّ أهل الجنة كما قال سبحانه حكاية عنهم: وَ قَالُوا اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر: 34- 35]. أي لا يمسّنا فيها عناء و مشقّة و لا يصيبنا فيها إعياء و متعبة.


1) بحار الأنوار: 89/8، و تفسير مجمع البيان: 395/6.

الترجمة

از جمله خطبه های آن حضرت است که مشتمل است به سه فصل:

فصل اول: در مقام شهادت به توحید می فرماید:

و گواهی می دهم که نیست هیچ معبودی به سزا به جز خدا در حالتی که یگانه است و نیست شريك او را، اوّلی است که نیست هیچ چیزی پیش از او در بدایه و آخری است که نیست مر او را غایت و نهایت، واقع نمی شود وهم ها از برای او بر صفتی و بسته نمی شود عقل ها از او بر کیفیّتی، از جهت این که او منزّه است از صفت زایده بر ذات و مبرّا است از کیفیت و چگونگی حالات و نمی رسد به دایره ذات او تجزّی و تبعّض به جهت اتصاف او به وحدت و نمی تواند احاطه کند به او ابصار و قلوب و ادراك كنند او را به حقیقت.

فصل دوم: در مقام موعظه و نصیحت می فرماید:

پس قبول موعظه نمایید ای بندگان خدا با عبرت های نافعه و عبرت بردارید به آیات باهره و منزجر بشوید با ترسانیدن های بی پایان و منتفع باشید به ذکر متذکران و موعظه های واعظان، پس گویا فرو رفته است به شما چنگال های مرگ خون آشام و بریده شده است از شما علاقه های آرزو ها به ناکام و رسیده است ناگهان به شما فظع آورنده کارها و راندن به سوی محشر که محلّ ورود خلایق است آن جا و هر نفس او را است راننده و گواهی دهنده ای که گواهی می دهد به عمل ناپسندیده او.

فصل سیم: در صفت جنّت می فرماید:

درجه های بهشت بعضی تفاضل دارد به بعضی و بعض دیگر منازل آن با تفاوت است با یکدیگر، بریده نمی شود نعیم بهشت و رحلت نمی کند مقیم بهشت و پیر نمی شود کسی که مخلّد است در آن و محزون نمی شود یا مأیوس نمی گردد کسی که ساکن است در آن، بلکه ساکنان آن جوانان تازه و رعنا است و مقیمان آن ملتذّند با لذایذ بى حدّ و انتها.

و من خطبة له عَلیْهِ السَّلَامْ و هي الخامسة و الثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

قَدْ عَلِمَ السَّرائِر، و خَبَر الضَّمائرَ، لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِِّ شَيْءٍ، وَ الغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَ القُوَّةُ عَلَى كُلِِّ شَيْءٍ، فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامٍ مَهِلِهِ قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ، و في فراغِهِ قَبْلَ أَوانِ شُغْلِهِ، و في مُتَنَفَسُه قَبْلَ أَنْ يُؤخَذَ بِكَظُمِهِ، وَ لْيُمْهُدُ لِنَفْسِهِ و قَدَمِهِ، وَ لْيَتَزَوَّدْ مِنْ دارِِ ظَعنِهِ لِدارِِ إقامَتِهِ.فَاللَّهَ اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ فيمَا إسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، وَ اسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَإِنَّ الله لَمْ يخْلُقَكُمْ عَبْثَاً، وَ لَمْ يَتْرُكَكُمْ سُدَّى، وَ لَمْ يَدَعْكُمْ في جَهالَةٍ وَلا عَمًى، قَدْ سَمّى آثارَكُمْ، وَ عَلِمَ أَعْمَالَكُمْ، و كَتَبَ أجَالَكُمْ.وَ أَنْزَلَ عَلَيْكُم الْكِتَابَ تِبْياناً، و عَمَّرَ فيكُمْ نَبيَّهُ أَزْماناً، حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَ لَكُمْ فيما أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دينَهُ الََّذي رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وَ أَنْهَى إِلَيْكُمْ عَلَى لِسَانِهِ مَحابَّهُ مِنَ الأَعْمَالِ و مَكارِهَهُ، و نَواهِيَهُ و أَوامِرَهُ، فَأَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ، وَ اتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، و قَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوعيدِ، و أَنْذَرَكُمْ بَينَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَأَسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامُكُمْ، وَ اصْبِرُوا لَها أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثيرِ الأَيَّامِ الَّتي تَكُونَ مِنْكُمْ (1الْغَفْلَةُ، وَ التَّشاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ، وَ لاَ تُرَخُصُوا لأَنفُسِكُمْ، فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ فيها مَذاهِبَ الظُّلَمَةِ، وَ لا تُداهِنُوا فَيَهْجَمُ بكُمُ الإدهانُ عَلى المَعْصِيَةِ.)عِبادَ اللَّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ، وَ إِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ، وَ الْمَغْبُونُ مَنْ غَبِنَ نَفْسَهُ، وَ المَغَبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ ِدينُهُ، وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَ الشَّقِيُّ مَنْ انْخَدَعَ لِهَواهُ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ يَسيرَ الرِّياءِ شِرْكٌ، و مُجالَسَة أَهْلِ الْهَوى مَنْسَأَةٌ للإيمانِ، و مَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ جانِبُوا الكِذَبَ فَإِنَّهُ مُجانِبٌ للإيمانِ، الصَّادِقُ عَلى شفا مَنْجاةٍ و كَرامَةٍ، وَ الْكَاذِبُ عَلَى شَرَف مَهْواةٍ و مَهَانَةٍ، و لا تُحاسِدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإيمانُ كما تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَ لاَ تُباغِضُوا فَإِنَّها الحالِقَةُ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ الأَمَلَ يُسْهَي الْعَقْلَ، و يُنسيِ الذّكْرَ، فَأَكذِبُوا الأَمَل فَإِنَّهُ غَرُورٌ، وَ صاحِبُهُ مَغْرُورٌ (2)


1) في نسخة: فيها.

2) ميزان الحكمة: 1/ 103، و تفسير نور الثقلين: 3/3 ح - 10.

اللغة

(السّر و السّريرة) ما يكتم و جمع الأَول أسرار و الثاني السّرائر (خبرت) الشيء من باب قتل علمته و امتحنته، و في «القاموس» خبر ككرم و في بعض النسخ خبر الضّمائر بكسر (الباء)، قال الشارح المعتزلي: خبر الضمائر (امتحنها و ابتلاها) و من رواه بكسر الباء اراد علم انتهى، فافهم.

و (ضمير) الإنسان قلبه و باطنه كما في «المصباح» و الجمع الضّمائر، و في «القاموس» الضمير السّر و داخل الخاطر،و على ذلك فهو إمّا حقيقة في الأوّل مجاز في الثاني أو بالعكس بعلاقة الحال و المحل و (المهل) محركة المهلة و ( الإرهاق) الإعجال و (الكظم) محركة مخرج النفس و (الظعن) الارتحال و (الانهاء) الإعلام و الإبلاغ و (الرّخصة) التّسهيل في الأَمر و الجمع رخص كغرفة و غرف و (الإدهان) و المداهنة اظهار خلاف ما تضمر و الغش.

و (المنساة) و (المحضرة) محلّ النسيان و الحضور، (و التاء) فيهما للتكثير كما يقال أرض مسبعة أي كثير فيها السّباع و (الشفا) طرف كلّ شيء و (الشرف) محركة المكان العالي و (المهواة) محل السقوط و (المهانة) الذلة و الحقارة و (الحالقة) الخصلة التي فيها حلق أي شؤم قال في «القاموس»: و الحالق المشؤوم كالحالقة (فالتاء) للمبالغة و في «القاموس» أيضاً الحالقة قطيعة الرّحم و التي تحلق رأسها في المصيبة، قال شارح «القاموس» و منه الحديث دبّ إليكم داء الأمم البغضاء الحالقة، و هي قطيعة الرّحم، انتهى.

و أمّا تفسير الحالقة بالمستأصلة للشعر كما في شرح المعتزلي و البحراني فلم أجده في كتب اللّغة و كذلك لم أجد تفسير الحالق بما يحلق به الشّعر بل المستفاد من «القاموس» خلافه حيث ذكر للحالق معاني و لم يذكر ذلك فيها ، و قال: المحلق كمنبر الموسى، فيفهم منه أن ما يحلق به الشعر و يستأصل به على وزن مفعل لا على وزن الفاعل و الفاعلة.

الإعراب

(الفاء) في قوله: (فليعمل) فصيحة، (فالله الله) منصوب على الإغراء، أي فاتقوا الله، و تكرير اللّفظ نيابة عن الفعل المقدر، (و تبايناً) منصوب على الحالية، (و ازماناً) على الظرفية، (و الباء) في قوله (بالوعيد) زائدة، (و بقيّة أيّامكم) منصوب على الظرف، و (اصبروا لها) (اللاّم) بمعنى (على) بدليل قوله: (فما أصبرهم على النّار) و قوله (فإنّها قليل) أي شيء قليل فحذف الموصوف كما حذف في قوله تعالى:

وَ حَسُنَ أُوْلَئكَ رَفِيقًا.

أي قبيلاً، (و نفسه) بالنّصب مفعول (غبن)، (و دينه) بالرفع فاعل سلم.

المعنى

إعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة للتذكير و الموعظة، و المقصود بها جذب الخلق إلى طرف الحق و صدرها بالإشارة إلى بعض أوصافه سبحانه لتكون مقدمة للمقصد فقال عَلیْهِ السَّلَامْ (قد علم السّرائر) و هو كقوله سبحانه:

وَ إِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ وَ أَخَفَى [طه: 7] و قوله تعالى: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ نَجْواكُمْ [الأنعام: 3]. و قد مضى القول في ذلك في شرح الخطبة التاسعة و الأَربعين، و تمام القول في علمه تعالى بالكليّات و الجزئيات و السرّ و الإعلان في تنبيهات الفصل السّابع من فصول الخطبة الأولى و نقول هنا مضافاً إلى ما سبق: إن عموم علمه سبحانه مما اتفق عليه المتكلّمون و الحكماء.

أمّا المتكلّمون فظاهر لأَنهم تابعون للشّرع و الشرع قد ورد بذلك حسبما عرفت مفصلاً في شرح الخطبتين المذكورتين.

و أمّا الحكماء فملخّص كلامهم على ما في شرح البحراني أنّه يعلم ذاته بذاته و يتحد هناك المدرك و المدرك و الإدراك و لا يتعدّد إلا بحسب الاعتبارات العقلية التي تحدثها العقول البشرية، و أمّا علمه بمعلولاته القريبة منه فيكون بأعيان ذواتها، و يتّخذ هناك المدرك و الإدراك و لا يتعدّدان إلاّ بالإعتبار العقلي و يغايرهما المدرك و أمّا بمعلولاته البعيدة كالماديّات و المعدومات التي من شأنها إمكان أن توجد في وقت أو تتعلّق بموجود فيكون بارتسام صورها المعقولة من المعلولات القريبة التي هي المدركات لها أوّلاً و بالذّات و كذلك ينتهي إلى إدراك المحسوسات بارتسامها فی آلات مدركاتها.

قالوا: و ذلك لأَن الموجود في الحاضر حاضر و المدرك للحاضر مدرك لما يحضر معه فإذاً لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السّموات و لا في الأَرض و لا أصغر من ذلك و لا أكبر، لكون ذوات معلولاته القريبة مرتسمة بجميع الصور، و هي التي يعبّر عنها تارة بالكتاب المبين، و تارة باللّوح المحفوظ، و تسمّى عندهم عقولاً فعالة.

هذا ما حققه محققو الحكماء في كيفية علمه سبحانه، إلاّ أنّ الكلام بعد في صحة القول بالارتسام، و قد مضى ما فيها في شرح الفصل السّابع من الخطبة الأولى، و كيف كان فلا ريب في عموم علمه و إن لم نعلم كيفية ذلك و لم نعرفه بكنهه (و خبر الضَمائر) أي امتحن القلوب الخير و الشر أو أنّه عالم بالقلوب و بما فيها من الأَسرار و خبير بما في الصّدور على الاختلاف

المتقدّم في بيان اللّغة قال سبحانه: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَ حُصلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِِهِِِمْ يَوْمَئذٍ لَخَبِيرُ [العاديات: 9- 11].

قال بعض المحققين: الخبير هو الذي لا تعزب عنه الأَخبار الباطنة فلا يجري في الملك و الملكوت شيء و لا تتحرك ذرة و لا تسكن و لا تضطرب نفس و لا تطمئن إلاّ و یکون عنده خبرة، و هو بمعنی العلیم لکن العلم إذا أضیف إلی الخفایا الباطنة سمّی خبرة و سمی صاحبها خبيراً فهو أخصّ من مطلق العلم (لَهُ الْإِحاطَهُ بِکُلِّ شَیْءٍ) أي علماً و حفظاً، أو إستيلاء و قدرة كما قال تعالى:

أَلَآ إِنَّهُ بِِكُلِِّ شَيْءٍ مُحِيطُ [فصلت: 54]. و قد مضى تفسيرها في شرح الفصل السابع من الخطبة الأولى (و الْغَلَبَةُ لِکُلِّ شَیْءٍ) كما قال سبحانه:

وَ اللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ، وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: 21]. و قد مرّ بعض القول في غالبيته في شرح الخطبة الرابعة و السّتين و أقول هنا إنّ معنى غلبته بكلّ شيء يعود إلى تمام قدرته عليه و كونه قاهراً على جميع الأَشياء، و ليس قهره تعالى و غلبته على نحو ما يتصور فينا، بل على معنى آخر.

كما أشار إليه أبو الحسن الرّضا عَلیْهِ السَّلَامْ في حديث «الكافي» بقوله: و أمّا القاهر فليس على معنى نصب و علاج و احتيال و مداراة و مكر كما يقهر العباد بعضهم بعضاً و المقهور منهم يعود قاهراً و القاهر يعود مقهوراً، و لكن ذلك من الله تعالى على أنّ جميع ما خلق ملبّس به الذلّ لفاعله و قلّة الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين أن يقول له كن فيكون و القاهر منا على ما ذكرت و وصفت (1)

توضيحه أن الله سبحانه لا يحتاج في قهره و غلبته إلى عمل و آلة و مدافعة و تعب و خديعة و مخالطة و حيلة كما يحتاج العباد في قهر بعضهم بعضاً إلى ذلك، إذ هذه كلّها من صفات النّقص و زائدة على الذّات و من العوارض التي يجوز انفكاكها عن المعروض فيجوز أن يكون القاهر في وقت ما لوقوع تدبيره على وفق مطلوبه مقهوراً في وقت آخر لعدم وقوع تدبيره على وفق مقصوده أو لوقوع تدبير المقهور على نحو إرادته و غلبته على تدبير القاهر كما هو المشاهد في تدبيرات السّلاطين و الملوك و سائر الناس.

بل قاهريته سبحانه عبارة عن ذلّ الخلائق لفاعلهم القديم و دخولهم في استكانة الإمكان


1) الكافي: 123/1، و عيون أخبار الرضا (عَلیْهِ السَّلَامْ): 135/2.

تحت غلبته و احتياجهم في أسر الحاجة إلى كمال قدرته بحيث لا يقدرون على الامتناع لما أراد من ذواتهم و صفاتهم و هيئاتهم و مقاديرهم و كمالاتهم و نفعهم و ضرّهم و خيرهم و شرّهم للزوم حاجتهم في الذّوات و الصّفات و جميع الحالات إليه و رفع أيدي الإمكان و الافتقار لهم من جميع الجهات بين يديه.

و لعلّ لفظ القلّة في الحديث إشارة إلى صدور الامتناع عن بعضهم قليلاً فيما أراد منهم من أفعالهم الإختيارية، و ليس ذلك لقهرهم و غلبتهم عليه، بل لأَنه تركهم على حالهم و لم يجبرهم تحقيقاً لمعنى التّكليف و الاختيار.

و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: لَمْ يَخْرُجْ مِنْه طَرْفَةَ عَيْنٍ أَنْ يَقُولَ (ا ه) حال عن فاعله أو عن فاعل أراد، و ضمير منه راجع إليه ، و أن يقول فاعل لم يخرج يعني لم يخرج منه سبحانه في سلطانه على الخلق و قهره عليهم طرفة عين قول كن فيكون، فهو إشارة إلى أنّه قاهر دائماً و لا يصير مقهوراً أبداً، و فيه تنبيه على أن الممكن في بقائه يحتاج إليه سبحانه كما يحتاج إليه في وجوده.

قال بهمنيار في محكي كلامه: إن كلّ ممكن بالقياس إلى ذاته باطل و به تعالى حقّ يرشد إليه قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فهو آنا فأنا يحتاج إلى أن يقول له الفاعل الحق كن و بفيض عليه الوجود بحيث لو أمسك عنه هذا القول و الإفاضة طرفة عين لعاد إلى البطلان الذاتي و الزّوال الأَصلي كما أن ضوء الشمس لو زال عن سطح المستضيء لعاد إلى ظلمته الأصلية.

و الْقُوَّهُ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ و هو أيضاً يعود إلى تمام القدرة، و ليس المراد به قوة البطش المعروف من المخلوق الذي هو الأَخذ الشديدة عند ثوران الغضب التناول عند الصّولة أو قوة التّعلق بالشيء و أخذه على الشّدة، لأَنّ القوة بهذا المعنى من الصّفات الجسمانية كالقوّة الشّهوية و الغضبيّة و قابلة للزّيادة و النقصان فلا يمكن اتصاف الواجب القديم بذلك بالبديهة و العيان، لكونه من صفات الإمكان كما مرّ تفصيلاً و تحقيقاً في شرح الخطبة الرّابعة و الستين. ثمّ إنه عَلیْهِ السَّلَامْ لمّا أشار إلى أنّه سبحانه عالم بما في الصّدور و غالب على كلّ مقدور و كان ذلك مقتضياً لانجذاب الخلق إليه ليفوزوا بما لديه علماً منهم بأنّه سبحانه طالب كلٍ راغب و مدرك كلّ هارب أمر بعد ذلك بالطاعات و حذر عن الخطيئات فقال:

فَلْیَعْمَلِ الْعامِلُ مِنْکُمْ فِی أَیّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ إِرْهاقِ أَجَلِهِ و هو أمر بالمبادرة إلى العمل قبل حلول الأَجل، لأنّ الميت إذا حلّ ارتفع التّكليف و بطل، فليبادر في أيّام المهل قبل أن يحلّ الموت و ينزل و قبل أن يحول بينه و بين العمل. (و في فراغه) من شدائد الأَهوال (قبل أوان شغله) بفجائع الآجال (و في متنفّسه) أي سعة نفسه و خلافه قَبْلَ أَنْ یُؤْخَذَ بِکَظَمِهِ و خناقه وَ لْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَ قَدَمِهِ قبل أن لا ينفعه ندمه

وَ لْیَتَزَوَّدْ مِنْ دارِ ظَعْنِهِ و رحلته (لِدارِ إقامَتِهِ) و محلّ فاقّته، و إنّما أمر بذلك لأَن سفر الآخرة مهول و السّبيل طويل و الخطر جليل فمن لم يمهّد لنفسه زاداً يتقوى به و لا لقدمه محلاً يضعها عليه مع حزونة الطّريق و خشونته صعب له الوصول إلى المحلّ بل تاه في المهامة (1)و ضلّ. فَاللَّهَ اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ فیما اسْتَحْفَظَكُمُ مِنْ كِتابِه و طلب منكم تدبّر ما فيه من تكليفه و خطابه وَ اسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ المؤدية إلى ثوابه و عقابه فإنّ اللَّهَ سُبحانَهُ لَم یَخلُقکُم عَبَثاً لعباً وَ لَم یَترُککُم سُدیً هملاً كالإبل الرّتاع و الجمل الرّعاع، و إنّما خلقكم على وجه الحكمة و الصّ جعلكم عاقلاً قابلاً للتّكليف و الخطاب لتستفيدوا محاسن الآداب، و تنافسوا في المكارم، و تسارعوا في المغانم و تحصّلوا المعارف و الطّاعات، و تنتهوا عن المعاصي و السّيئات. فإنه قد نصب لكم أعلام الهدى وَ لَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَ لَا عَمَّى فمن خبط بعد ذلك و طغى فقد ضلّ و غوى،و من أطاع فاتّقى فلسوف يعطيه ما يرضى و قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ خيرها و شرّها و رفع أخباركم نفعها و ضرّها وَ عَلِمَ أَعْمَالَكُمْ صغيرها و كبيرها وَ كَتَبَ آجَالَكُمْ طويلها و قصيرها وَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ تِبْياناً و برهاناً وَ عَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم آزنة و (أَزْمَاناً) لانتظام معاشكم و إصلاح معادكم و إقامة للحجّة عليكم.

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: 42]. حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وَ لَكُمْ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ و أتمّ عليكم نعمته التي اختارها له و لكم من إسلامه و شرعه كما قال عزّ من قائل: الْْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: 15]. (و أنهى إليكم) و أعلمكم (على لسانه) سَلام الله عَلَيِْهِ وَ آلِهِ (محابه من الأَعمال) الحسنة (و مكارهه) من الأَفعال القبيحة (و نواهيه) الموجبة للشّقاوة (و أوامره) المحصّلة للسعادة (فألقى إليكم المعذرة) أي العذر في عقوبتكم يوم القيامة حتّى لا يكون لكم الحجة عليه بل يكون له الحجة عليكم (و اتخذ عليكم الحجة) بما أنزله في كتابه لئلا تكونوا عن آياته في غفلة وَ قَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ وَ أَنْذَرَكُمْ بَیْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي قدّم إليكم الوعيد و خوّفكم أمام العذاب الشّديد ليكون الوعيد قبل حلول العقاب و الإنذار قبل نزول العقاب، لأَن العقاب من دون بيان قبيح و التأديب بعد التّكليف حسن و مليح كما قال تعالى شأنه:

وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15]. فأرسل سبحانه رسله مبشّرين و منذرين و بعث رسوله بالكتاب المبين كي لا تقولوا يوم


1) المهامة أي المفازة، جمع مهمة.

القيامة: إنّا كنّا عن هذا غافلين فاسْتَدْرِکُوا بَقِیَّةَ أَیّامِکُمْ و اصْبِرُوا لَها أَنْفُسَکُمْ أي تداركوا ما أسلفتم من الذنوب و الخطيئات فيما بقي لكم من الأَوقات و احبسوا أنفسكم عليها بتحمل مشاق الطاعات.

و في الحديث: الصّبر صبران صبر على ما تكره و صبر عمّا تحبّ، فالصّبر الأَول: مقاومة النّفس للمكاره الواردة عليها و ثباتها و عدم انفعالها، و قد يسمى سعة الصّدر و هو داخل تحت الشجاعة، و الصّبر الثّاني: مقاومة النّفس لقوّتها الشهوية و هو فضيلة داخلة تحت العفة فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ الْغَفْلَةُ وَ التَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ يعني أن الأَيام الباقية الّتي يمكن فيها الاستدراك و التدارك قليلة في جنب الأيام الّتي تكون فيها الغفلة و التّشاغل و هي كثيرة بالنسبة إليها.

و لعلّ الاتيان بلفظة (تكون) دون (كانت) للأشعار بأن غفلتهم ليست مختصّة بما مضى، بل ربما تكون فيما يأتي أيضاً، و ذلك لما علم من حالهم أنّهم لا يستغرقون أوقاتهم الآتية بالتدارك و الطاعة فأمر عَلیْهِ السَّلَامْ بالتدراك فيما هو آت إذ ما مضى قد فات فافهم.

وَ لا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ فِيها مَذاهِبَ الظَّلَمَةِ أي مسالكها، و الظاهر أن المراد بالترخيص للنفوس المسامحة المساهلة لها، فيكون المقصود بالنّهي المواظبة عليها و مجاهدتها. روى الكلينيّ بإسناده عن السّكوني عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ أنّ النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بعث سرية فلمّا رجعوا قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَ بَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ فقيل: يا رسول الله ما الجهاد الأَكبر؟ قال: «جهاد النّفس» (1)

و في «الوسائل» عن الصّدوق بإسناده عن شعيب العقرقوفي عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ قال: من ملك نفسه إذا رغب و إذا رهب و إذا اشتهى و إذا غضب و إذا رضى حرّم الله جسده على النّار (2)

و عن الكلينيّ عن عدّة من أصحابنا عن محمّد بن محمّد بن خالد رفعه قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ أقصر نفسك عمّا يضرّها من قبل أن تفارقك، واسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك فإنّ نفسك رهينة بعملك (3)، هذا.


1) الكافي: 12/5 ح 53 و الأمالي: 553 ح 740.

2) من لا يحضره الفقيه: 4/ 400 ح 5860، و الأمالي: 408 ح 527.

3) الكافي: 455/2 ح 8، و وسائل الشيعة: 20560297/15.

و يحتمل أن يكون المراد به الترخيص في الشبهات المؤدي إلى الإقتحام في الهلكات فيكون مساقة مساق ما رواه الصّدوق عنه عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إنّ أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ خطب الناس فقال في كلام ذكره: حَلَال بَينٌ وَ حَرَامٌ بَيْنُ وَ شَبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَمَنْ تَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ فَهُوَ لِمَا اسْتَبَانَ لَهُ أَتْرَكَ، وَ المَعَاصِي حِمَى اللَّهِ فَمَنْ يَرْتَعْ حَوْلَهَا يُوشِكُ أَنْ يَدْخُلَهَا (1)

و نظيره ما رواه في «الوسائل» عن الكراجكي في كتاب «كنز الفوائد» مسنداً عن سلام بن المستنير عن أبي جعفر الباقر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال جدي رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أيّها النّاس حلالي حلال إلى يوم القيامة و حرامي حرام إلى يوم القيامة ألا و قد بيّنهما الله عزّ و جلّ في الكتاب و بيّنتهما لكم في سنّتي و سيرتي، و بينهما شبهات من الشّيطان و بدع بعدي من تركها صلح له أمر دينه و صلحت له مروّته و عرضه، و من تلبّس بها و وقع فيها و اتبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى، و من رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعها في الحمى، ألا و إنّ لكلّ ملك حمى ألا و إن حمى الله عزّ و جلّ محارمه فتوقوا حمى الله و محارمه (2)، الحديث.

وَ لا تُداهِنُوا فَیَهجُمَ بکُمُ الأَدْهانُ علی المَعصیَةِ و المراد بالمداهنة إمّا المساهلة للنفس فتكون هذه الجملة تأكيداً للجملة السّابقة، و إمّا ترك المناصحة و الصّدق و إظهار خلاف ما تضمر أعني النّفاق و هو الأظهر. و منه الحديث القدسي العيسى عَلیْهِ السَّلَامْ قل لمن تمرد عليّ بالعصيان و عمل بالادهان لتتوقع عقوبتي.

و مثله في حديث الباقر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: أوحى الله عزّ و جلّ إلى شعيب النبيّ عَلیْهِ السَّلَامْ أنّي معذّب من قومك مائة ألف أربعين ألفاً من شرارهم، و ستّين ألفاً من خيارهم فقال: يا ربّ هؤلاء الأَشرار فما بال الأَخيار؟ فأوحى إليه داهنوا أهل المعاصي و لم يغضبوا لغضبي (3)

عِبادَ اللّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ و ذلك لأنّه لما كان مقصود الناصح بنصحه إيصال المنفعة إلى المنتصح و كانت أعظم المنافع و أجلّها هي السّعادة الأَبدية و العناية السّرمدية المستفادة من طاعة الحضرة الرّبوبيّة ، لا جرم كان أنصح النّاس لنفسه أكثرها طاعة لربّه. وَ إنَّ أغَشَّ النّاسِ لنفسِهِ أعصاهُم لِرَبِّهِ و الغشّ خلاف النّصح و هو عبارة عن عدم الخلوص و عن إظهار خلاف ما يضمر، و لما كان غرض الغاشّ من غشّه إيصال الضّرر إلى


1) من لا يحضره الفقيه: 4/ 75 ح 5149، و وسائل الشيعة: 161/27 ح 33490.

2) وسائل الشيعة: 169/27 ح 33515، و كنز الفوائد: 164.

3) تهذيب الأحكام: 181/6 وسائل الشيعة: 146/16 ح 21201.

المستغش و كان أعظم المضارّ هو الشّقاوة الأَبديّة و العقوبة الدّائمة الناشئة عن عصيان الحضرة الإلهيّة، لا جرم كان أغشّ النّاس لنفسه أكثرهم معصية لربّه.

و في هاتين الجملتين من الأَمر بالطاعة و التحذير عن المعصية ما لا يخفى، إذ أحبّ الأشياء إلى الإنسان نفس الإنسان فهو دائماً طالب لمحابّها و منافعها، هارب عن مضارّها و مكارهها، فيلزم له الإتيان بالطّاعة و الحذر عن المعصية لكون الأولى جالبة للمحبوب و الأخرى كاسبة للمكروه.

والْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ أصل الغبن هو الخداع فالغابن خادع و المغبون مخدوع و الغين في البيع هو بيع الكثير بالقليل، و لمّا كانت الشهوات الدّنيوية و اللّذائذ العاجلة زهيدة قليلة في جنب الثّمرات الأخرويّة و المنافع الآجلة، و كان المشتغل باللّذات الدّنية و الصّارف عمره فی الشّهوات الخسيسة قد فوت على نفسه المنافع الكثيرة و النّعم الخطيرة، فكأنّه قد باع الكثير بالقليل و فوّت على نفسه الخطير بالحقير، لا جرم كان هو غابناً لنفسه و خادعاً لها حيث بخسها ما تستحقه من ثواب الله و رضوانه، و منه قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُم لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِِ [التغابن: 9]. قال الطبرسي في «تفسيره»: هو تفاعل من الغبن و هو أخذ شرّ و ترك خير أو أخذ خير و ترك شرّ فالمؤمن ترك حظه من الدّنيا و أخذ حظه من الآخرة فترك ما هو شر له و أخذ ما هو خير له فكان غابناً و الكافر ترك حظه من الآخرة و أخذ حظّه من الدّنيا فترك الخير و أخذ الشّر فيكون مغبوناً، فيظهر في ذلك اليوم الغابن و المغبون، هذا.

و لما كانت السعادات الأخرويّة أنفس متاع لا متاع فوقه، و الغبن فيها أعظم غبن لا غبن مثله، لذلك حصر عَلیْهِ السَّلَامْ المغبون فيمن غبن في ذلك و قال: المغبون من غبن نفسه على طريق المبالغة، و مثله قوله عَلیْهِ السَّلَامْ و المَغبوطُ مَن سَلِمَ لَهُ دِینُهُ فإن سلامة الدّين لما كانت أعظم نعمة لا نعمة فوقها كان المنعم بذلك أحقّ بأن يغبط و يتمنّى مثل ماله من غير أن تريد زواله، و بهذا القيد يفترق الغَبطة من الحسد حسبما ستعرف.

وَ اَلسَّعِیدُ مَنْ وُعِظَ بِغَیْرِهِ أي السّعيد في الآخرة من لا حظ حال الغير فاتّعظ به بأن ينظر إلى حال الصّالحين و مالهم و ما أعدّ الله لهم و بشّرهم به في كتابه الكريم من الجنان و الغلمان و الحور العين و الشراب من الكوثر و التّسنيم فيحذو حذوهم و يسلك مسالكهم و يلاحظ مصير المجرمين و مقرّهم و ما هيّا الله لهم و أنذرهم به من الجحيم و ظلّ من يحموم و شراب من الزّقوم و الحميم فيعدل عن جادّتهم و يتنحى عن قدّتهم. وَ الشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ و غروره كما قال سبحانه: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِِ اتَّبَعَ هَوَئهُ بِغَيْرِِ هُدًى مِّنَ اللهِ إنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

[القصص: 50] و قال أيضاً: وَ مَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الغُرُورِ [آل عمران: 158].

أي الخداع الذي لا حقيقة له و هو المتاع الرديء الذي يدلّس به على طالبه حتّى يشتريه ثمّ يتبيّن له رداءته و الشّيطان هو المدلس وَ اِعلَمُوا اَنَّ یَسیرَ الرَّیاءِ شرکٌ فكيف بكثيره كما مضى تفصيلاً في شرح الخطبة الثالثة و العشرين بما لا مزيد عليه وَ مُجالَسَةُ أَهْلِ الهوى مَنْسَاةٌ للإيمانِ و مَحْضَرَةٌ لِلشَّيطانِ أراد بمجالسة أهل الهوى مجالسة أهل المعاصي و قد مضى بعض الأخبار النّاهية عنها في شرح كلامه الثالث عشر.

و أقول هنا: إن كون مجالسة أهل المعصية و مخالطتهم موجبة لنسيان الإيمان و لحضور الشّيطان واضح، لأن الفساق بإقبالهم إلى اللّعب و اللّهو و الفسق و الفجور و السّيئات بما فيهم من دواعي الهوى و الشّهوات يسود ألواح خاطرهم ویرین وجه قلوبهم فيغفلون بذلك عن ذكر الحق و تذكّر الآخرة و يزيد الغفلة شيئاً فشيئاً و يشتدّ فيخرج نور الإيمان من قلوبهم و يضمحلّ و يمحو و يحضر الشيطان في مجالسهم لإغوائهم و إضلالهم، فمن جالس معهم و خالطهم يكون المجالسة و المخالطة لا محالة مؤثرة فيه، إذ المرء على دين خليله و قرينه فيقتدي بهم و يحذو حذوهم و يعمل عملهم فيكون ناسي الإيمان و قرين الشّيطان مثلهم.

ويدل على ذلك الأخبار المستفيضة بل المتواترة ففي «الوسائل» عن الكليني مسنداً عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ في حديث قال: ما اجتمع ثلاثة من الجاحدين إلاّ حضرهم عشرة أضعافهم من الشّياطين ، فان تكلّموا تكلّم الشّياطين بنحو كلامهم، و إذا ضحكوا ضحكوا معهم، فإذا نالوا من أولياء الله نالوا معهم، فمن ابتلي من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك فليقم و لا يكون شرك شيطان و لا جليسه، فإن غضب الله لا يقوم له شيء و لعنته لا يردّها شيء ثمّ قال: فإن لم يستطع فلينكر بقلبه وليقم و لو حلب شاة أو فواق ناقة (1)

و عن عمرو بن يزيد عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ أنّه قال: لا تصحبوا أهل البدع و لا تجالسوهم فتصيروا عند النّاس كواحد منهم قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: اَلْمَرْءُ عَلَی دِینِ خَلِیلِهِ وَ قَرِینِهِ (2)

و عن أبي حمزة عن علي بن الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ في حديث طويل: إِيَّاكُمْ وَ صُحْبَةَ الْعَاصِيةَ وَ مَعُونَةَ الظَّالِمِينَ وَ مُجَاوَرَةَ الْفَاسِقِينَ، احْذَرُوا فِتْنَتَهُمْ وَ تَبَاعَدُوا مِنْ سَاحَتِهِمْ (3)


1) الكافي: 188/2، و شرح أصول الكافي 69/9 ح 6.

2) الكافي: 2/ 375 ح 3، و شرح أصول الكافي: 159/1.

3) الكافي: 16/8 تحف العقول: 254.

و فيه من «علل الشرائع» مسنداً عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال عليّ بن الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ ليس لك أن تقعد مع من شئت لأنّ الله تبارك و تعالى (1)يقول:

وَ إذا رأيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَایَتِِنَا فَأَعْرِِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِمِينَ [الأنعام: 68]. الحديث. و من كتاب «صفات الشيعة» معنعناً عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عن آبائه عن عليّ سَلام الله عَلَيْهِ وَ عَلَيْهِمْ قال: مُجَالَسَةُ اَلْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ اَلظَّنِّ بِالْأَخْیَارِ، وَ مُجَالَسَةُ اَلْأَخْیَارِ تُلْحِقُ اَلْأَشْرَابَ بِالْأَخْیَارِ، وَ مُجَالَسَةُ الْفُجَّار لِلْأَبْرَارِ تُلْحِقُ اَلْفُجَّارَ بِالْأَبْرَارِ فَمَنِ اِشْتَبَهَ عَلَیْکُمْ أَمْرُهُ وَ لَمْ تَعْرِفُوا دِینَهُ فَانْظُرُوا إِلَی خُلَطَائِهِ، فَإِنْ کَانُوا أَهْلَ دِینِ اَللَّهِ فَهُوَ عَلَی دِینِ اَللَّهِ، وَ إِنْ لَمْ يَكُن عَلَی دِینِ اَللَّهِ فَلاَ حظّ لهم في دين الله، إنّ رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم كان يقول: ﴿مَن کانَ یُؤمِنُ باللّهِ وَ الیَومِ الآخِرِ فلا یُؤاخِیَنَّ کافِراً و لا یُخالِطَنَّ فاجِراً، وَ مَن آخی کافِراً أو خَالطَ فاجِراً کان فاجِراً کافِراً (2)و لنعم ما قيل في هذا المعنى:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي

و من مجالس الشّيخ حسن ابن شيخنا الطوسي قدّس الله رسمهما مسنداً عن أبي الخير قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: و ما مجالسة الموتى؟ قال: کُلُّ ضَالٍّ عَنِ اَلْإِیمَانِ وَ جَائِرٍ (3عَنِ اَلْأَحْکَامِ) (4)، و الأخبار في هذا المعنى كثيرة و لا حاجة إلى الزّيادة.

ثمّ أمر بمجانبة الكذب بقوله: (جانبوا الكذب) و قد مرّ الكلام في قبحه عقلاً و شرعاً في شرح کلامه الثالث و الثمانين و يأتي تفصيل أقسامه في التذنيب الآتي، و علل عَلیْهِ السَّلَامْ قبحه هنا بقوله :فَإِنَّهُ مُجَانِبُ اَلْإِیمَانِ و أراد عَلیْهِ السَّلَامْ بذلك أن كلاً من الكذب و الإيمان مجانب من الآخر و أن بينهما تباعداً و تجانباً.

و ذلك على القول بكون الإيمان عبارة عن مجموع المعرفة و ما يتبعها من الأعمال الصّالحة واضح، لأنّ الصّدق على ذلك جزء للإيمان و الكذب مضادً له فيكون مضادّاً للإيمان، و أمّا على كونه عبارة عن نفس المعرفة فلأنّ الإيمان من أعظم الفضائل المنجية و الكذب من أخس الرّذائل المهلكة و التباعد بين الفضيلة و الرّذيلة و الإنجاء و الإهلاك أيضاً ظاهر.


1) مسائل علي بن جعفر: 344، و وسائل الشيعة: 265/16.

2) وسائل الشيعة: 265/16.

3) في نسخة: حائر.

4) بحار الأنوار: 192/71 ح 10، و مستدرك سفينة البحار: 571/8.

كما أشار إلى ذلك و أوضحه بقوله: الصَّادِقُ عَلَی شَفَا مَنْجَاةٍ و کَرامَةٍ أي على طرف من النجاة و الكرامة و مشارف عليهما أو على طرف من محلّ النّجاة و قريب منها يكاد أن يقع فيها و في الكرامة الدنيوية و الأخروية وَ الکَاذِبُ عَلَی شَرَفِ مَهْوَاةٍ وَ مَهَانَةٍ أي على مكان عال من الهوى و الهوان أو مشارف لمحل السقوط و الذّلة يكاد أن يسقط منها إلى الجحيم و يقع في العذاب الأليم قال الشّاعر:

لا يكذب المرء إلاّ من مهانته *** أو عادة السوء أو من قلّة الأدب

لعفن جيفة كلب خير رائحة *** من كذبة المرء في جدٍ و في لعبٍ

ثمّ نهى عن الحسد بقوله: (و لا تحاسدوا) و هو من أعظم الموبقات على ما ستعرف تفصيلاً في التذنيب الآتي إن شاء الله، و علّله بقوله فَإِنَّ اَلْحَسَدَ یَأْکُلُ اَلْإِیمَانَ کَمَا تَأْکُلُ اَلنَّارُ اَلْحَطَبَ و هذا التعليل ممّا تظافرت الأخبار به عن النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و أولاده المعصومين سَلام الله عَلَيهِم.

و قد اتفقت الأخبار ككلام علمائنا الأبرار على أن الحسد مضرّ بالنّفس و الجسد.

أما بالنّفس فقد قال الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ: الحاسد مضرّ بنفسه قبل أن يضرّ بالمحسود كإبليس لعنه الله أورث بحسده له اللّعنة لآدم عَلیْهِ السَّلَامْ الاجتباء و الهدى و الرّفع إلى محل حقائق العهد و الاصطفاء، فكن محسوداً و لا تكن حاسداً، فإن ميزان الحاسد أبداً خفيف يثقل ميزان المحسود، و الرّزق مقسوم فماذا ينفع الحسد الحاسد و ماذا يضرّ المحسود الحسد؟ (1)

و قال العلماء: إن الحسد يذهل نفس الحاسد و يغرق فكره بالاهتمام بأمر المحسود حتّى لا يبقى له فراغ بتحصيل المنافع العائدة إليها بل و يمحو ما حصلت لها من الملكات الخيريّة و الحسنات المنقوشة في جوهرها بطول تعود الحسد و تمادي اشتغال الفكر فيه و كثرة الحزن و الهمّ، لأن نعم الله سبحانه على عباده غير معدودة، و فيوضاته غير متناهية، فإذا كان حسد الحاسد على الخلق بتلك الآلاء، و النعم دام عليه الهمّ و الغمّ فيضيق وقته بل ينقطع عن اتيان الحسنات و يلقى نفسه في المهلكات و هو معنى قولهم عَلیْهِمُ السَّلَامْ: إنّه يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب؛ أي يستأصله و يفنيه و يبطله مثل إستئصال النّار للحطب و إفنائها له.

و أمّا بالجسد فقد قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ فيما يرويه السّيد «رَحِمَه اللهُ» في الكتاب: صِحَّةُ الجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الحَسَدِ (2)

و سرّه أنّ الحسود إذا دام عليه الحزن و الغم بتواتر الآلاءِ و النعم على المنعم أورث ذلك


1) مستدرك الوسائل: 18/12 ح 13390، و مصباح الشريعة: 104.

2) وسائل الشيعة: 368/15 ح 20767، و بحار الأنوار: 256/70 ح 28.

له طول السهر و تمادى الفكر و ضيق العيش وضنك المعيشة و قلّة الراحة و مضيق الباحة، فينقطع عنه الابتهاج و يؤدي ذلك إلى فساد المزاج.

ثمّ نهى عن العداوة و البغضاء بقوله وَ لاَ تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ أي البغضاء خصلة مشؤومة كما أن المحبة و الإلفة ميمونة، أو أنّها موجبة لقطيعة الرّحم و على تفسير الحالقة بما تحلق الشّعر و تستأصله من موسى و نحوه كما في شرحي المعتزلي و البحراني و إن لم أجده في كتب اللّغة فالكلام مبني على الاستعارة، يعني أنّها مستأصلة للخلق أو للدّين أو كليهما كما أن موسی الحالقةمستأصلة للشّعر.

نعم يدلّ على تفسيرهما ما رواه الغزالي في كتاب «إحياء العلوم» في باب ذم الحسد عن رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: و قال: دَبَّ إِلَیْکُمْ دَاءُ اَلْأُمَمِ قَبْلَکُمْ اَلْحَسَدُ وَ اَلْبَغْضَاءُ وَ اَلْبِغْضَةُ هِیَ اَلْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ حَالِقَةُ اَلشَّعْرِ وَ لَکِنْ حَالِقَةُ اَلدِّینِ وَ اَلَّذِی نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِیَدِهِ لاَ تَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتَّی تُؤْمِنُوا، وَ لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّی تَحَابُّوا أَلاَ أُنَبِّئُکُمْ بِمَا یُثْبِتُ ذَلِکَ أَفْشُوا اَلسَّلاَمَ بَیْنَکُمْ (1)

و مثله في «الكافي» بإسناده عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في حديث: ألا إنَّ فِی التَّباغُضِ الحالِقَةَ، لا أعنی حالِقَةَ الشَّعرِ و لکِن حالِقَةَ الدّینِ (2)

و كيف كان فيدل على كراهة هذه الصّفة و شؤمها و إيجابها للقطيعة و لاستئصال النفوس و الدّين و الإيمان أن نوع الإنسان مدني بالطّبع يحتاج في انتظام أمر و معاشه معاده إلى الاجتماع و الائتلاف و التعاون و التضافر، و كان أقوى أسباب الاجتماع و التعاون هو المودّة و المحبة و المواخاة، و لذلك آخا رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بين الأَصحاب وحثّ على الجمعة و الجماعة لتصفو الإلفة و تخلص المحبة، و نهى عن التباغض لما يستلزمه من التقاطع و عدم التعاون و تسلّط أيادي الحاسدين عليهم و تحكم آراء المعاندين و أهوائهم فيهم، بل ربما ينجر إلى حسد بعضهم بعضاً و بغي بعضهم على بعض، فلا تسلم لهم نعمة و لا تصفو لهم لذّة، و لا يكون لهم فراغ العبادة، بل يكون بذلك بوارهم و هلاكهم في الدّنيا و الآخرة.

و لذلك ورد في غير واحد من الأخبار النّهي عنها و الحثّ على التّحاب و الإلفة.

مثل ما رواه الغزالي قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: سَیُصیبُ اُمَّتی داءُ الاُمَمِ، قالوا: و ما داء الأمم؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: الْاشَرُ وَ الْبَطَرُ وَ التَّكَاثُرُ وَ التَّنَافُسُ فِي الدُّنْيَا و التَّبَاعُدُ و التَّحَاسُدُ حَتَّي يَكُونَ الْبَغْيُ، ثُمَّ الْهَرْجُ (3)


1) مشكاة الأنوار: 157.

2) الكافي: 346/2 و الأمالي مالي: 181.

3) ألف حديث في المؤمن: 313.

و في «الكافي» بإسناده عن مالك بن أعين الجهني عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إن المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أدخل الله عزّ و جلّ يده بين أيديهما و أقبل بوجهه على أشدّهما حبّاً لصاحبه، فإذا أقبل الله بوجهه عليهما تحاتت عنهما الذّنوب كما يتحات الورق من الشّجر (1)

و عن جابر عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: مَنْ زَارَ أَخَاهُ فِی بَیْتِهِ قَالَ اللّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: أَنْتَ ضَیْفِی وَ زَائِرِی عَلَیَّ قِرَاکَ وَ قَدْ أَوْجَبْتُ لَکَ الْجَنَّهَ بِحُبِّکَ إِیَّاهُ (2)

و عن عدّة من أصحابنا عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: المُؤمِنُ مَألوفٌ لا خَیرَ فیمَن لا یَألَفُ و لا یُؤلَفُ.

و عن حبيب الخثعمي عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: فاضلكم أحسنكم أخلاقاً الموطؤون أكتافاً الذين يألفون و يؤلفون و توطأ رحالهم (3)

و عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: المتحابون في الله يوم القيامة على منابر من نور قد أضاء نور وجوههم و نور أجسادهم و نور منابرهم كلّ شيء حتى يعرفوا به فيقال: هؤلاء المتحابون في الله.

و عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال: إن المسلمين يلتقيان بأفضلهما أشدهما حباً لصاحبه. و عن أبي عبد الجارود عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: المتحابون في الله يوم القيامة على أرض زبرجدة خضراء في ظلّ عرشه عن يمينه وكلتا يديه يمين، وجوههم أشد بياضاً و أضوء من الشّمس الطالعة، يغبطهم بمنزلتهم كلّ ملك مقرّب و كلّ نبي مرسل يقول الناس: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله (4)

و عن أبي حمزة الثمالي عن عليّ بن الحسين عليهما السلام قال: إذا جمع الله الأَولين و الآخرين فنادى مناد يسمع النّاس فيقول: أين المتحابون في الله؟ قال الله؟ قال: فيقوم عنق من النّاس فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنّة بغير حساب، قال: فتلقيهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنّة بغير حساب، قال: فيقولون: فأيّ ضرب أنتم من النّاس؟ فيقولون: نحن المتحابون في الله، قال: فيقولون: و أي شيء كانت أعمالكم؟ قالوا: كنا نحبّ في الله و نبغض في الله، قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فيقولون: نعم أجر العاملين.


1) الكافي: 179/2 ح 1.

2) الكافي: 177/2، و بحار الأنوار: 345/71 ح 6.

3) الكافي: 102/2 ح 16، و تحف العقول: 45.

4) المحاسن: 264/1 ح 336، و الكافي: 126/2 ح 8.

و عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إذا أردت أن تعلم أن فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فان كان يحب أهل طاعة الله و يبغض أهل معصيته ففيك خير و الله يحبّك، و إذا كان يبغض أهل طاعة الله و يحب أهل معصيته فليس فيك خير و الله يبغضك و المرء مع من أحبّ، هذا (1)

و بهذه الأخبار يعلم أن المقصود بالحب و البغض في الأخبار المطلقة الأمرة بالأوّل و الناهية عن الثّاني هو حبّ المؤمن و بغضه، فيجب تقييد إطلاقها بذلك و إلا فقد علمت أن بغض المنافق و الكافر و العاصي مطلوب كحبّ المؤمن و بغضه منهيّ عنه كحبّهم، فالمدار في الحبّ و البغض على ما كان لله و في الله.

ثمّ إنّه نبّه على مفاسد طول الأمل و نهى عنه بقوله (و اعلموا أن) طول (الأمل) في الدّنيا (يسهى العقل) و يغفله عمّا يجذبه إلى الله (و ينسى الذكر) أي يوجب نسيان ذكر الموت و الآخرة و ما هو نافع فيها.

و ذلك لأن طويل الأمل لا فتتانه بالدّنيا و لذّاتها و شهواتها و حبّه لها و تمنيه طول البقاء فيها تكون أوقاته مستغرقة في ذكرها و حديثها، و همّته مصروفة إلى تهيّة مقتضيات هواه، و نظره مقصوراً في تحصيل مآربه و مناه، فيوجب ذلك غفلة العقل و نسيان الذكر إذ من أحبّ شيئاً كره الفكر فيما يضادّه و يعانده و مضادّه العقل للهوى و ذكر الآخرة لذكر الدّنيا واضح لا غبار عليها كما قد مضى مفصّلاً في شرح الخطبة الثّانية و الأربعين.

(فاكذبوا الأمل) بكثرة ذكر الموت و دوام إخطاره بالبال في الأيام و اللّيال، و ملاحظة أهوال المعاد و شدائد يوم التّناد، فإن ذلك يوجب ردّ الأمل و تكذيبه.

و إنّما سمّى ردّ الأمل تكذيباً له، لأن النفس حال تمنيها للمأمول تحكم حكماً و هميّاً بنيله و إدراكه، فإذا رجعت إلى صرف العقل و جوّزت بحكمه إمكان نزول الأَجل قبل بلوغ الأَمل كان تجويزها ذلك مكذباً لما جزم به الوهم من الأحكام وراداً له عن ذلك.

و علل تكذيبه بقوله: فَإِنَّهُ غُرُورٌ وَ صَاحِبُهُ مَغْرُورٌ يعني أنّ الأمل موجب للغرور و الغفلة و لا أصل له و لا حقيقة إذ ربّ شيء تأمله النّفس تنقطع دونه فهو في الحقيقة و نفس الأمر:

کَسَرَابِ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظََّمْئَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدُهُ شَيْئًا وَ وَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفََََّئهُ حِسَابَهُ وَ اللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: 39].


1) المحاسن: 263/1 ح 331، و الكافي: 127/2.

تذنيبان الأول في الكذب

و قد مرّ شطر من الكلام في قبحه عقلاً و شرعاً مع طائفة من الأخبار الواردة فيه في شرح الكلام الثالث و الثمانين، و أردنا هنا إشباع الكلام فيه و في تفصيل أقسامه و أحكامه.

فأقول: إن الكذب من قبائح الذنوب و فواحش العيوب و يترتّب عليه من المفاسد الدّينية و الدّنيوية ما لا يحصى، مثل كونه خرّاباً للإيمان، وجلا بالسخط الرّحمن، و موجباً لإهراق الدّماء و انتهاب الأموال، و باعثاً على تحليل الفرج الحرام و تحريم فرج الحلال.

إذ من دناءة الكذب أنّه يردّ شهادة صاحبه و إن كان صادقاً، و من شرافة الصّدق أنّه يقبل شهادة المتّصف به و إن كان كاذباً، و منشأ الكذب دناءة الهمّة و قلّة المرؤة و غلبة الحرص و الخسة، و منشأ الصّدق ارتفاع الهمة و غلبة المرؤة و كمال الفتوّة.

و الكذب شعار خلق، و مورد رنق، و أدب سيء، و خلق رديء، و عادة خسيسة، و صفة خبيثة، و قل ما يجلب به الألفة، و قلّ من ألفه إلاّ أتلفه، و الصّدق لباس بهي و جوهر دري؛ و صفة وصيفة، و حالة شريفة، جالبة للإلفة، كاسبة للمودّة، خدمته القلوب بالمحبّة، لحظته العيوب بالمهابة.

و كفى لقبحه شرعاً لو لم يرد به خبر إلاّ قول أمير المؤمنين في رواية «الكافي» عن أصبغ بن نباتة عنه عَلیْهِ السَّلَامْ: لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله و جدله (1)(2)و كيف بذلك و الأخبار الواردة فيه فوق حدّ الاستفاضة كما مضى سابقاً.

و يزيد على سائر المعاصي بأنّ أصحاب الكبائر ربّما يلحقهم الحياء و الخجل من سوء عملهم، و يرجعون عن عملهم القبيح و يتوبون عنه، و أمّا الكاذب فلا يستحيي من كذبه لكونه كثير الاستعمال و مأنوساً مرفوع القبح عن نظره، و من تعوّد نفسه بذلك قل أن يرتدع عنه.

و من هنا قيل رأيت شريب خمر نزع، ولصا أقلع، و صاحب فواحش ارتدع و ما رأيت كاذباً رجع.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الكذب على قسمين: شرعي و غير شرعي، و أعني بالشّرعي ما يجوز في الشّرع جوازاً بالمعنى الأَعم، و بالغير الشرعي خلافه و أعني به الحرام و هو على قسمين جلي و خفي أما الجلي فهو على قسمين:

أحدهما: الكذب في حقّ الناس أو في حق نفسه أو غيرهما، بأن يقول: وعدني فلان


1) الكافي: 340/2 ح 11، و شرح أصول الكافي: 401/9 ح 11.

2) في نسخة: جدَّه.

كذا مع أنّه لم يعده بشيء أو يقول أعطيت فلاناً كذا مع أنّه لم يعطه شيئاً، أو أنّي عالم بكذا مع أنّه جاهل به، أو نحو ذلك.

و محصّله أن يخبر عن نفسه أو عن الغير كائناً ما كان بخبر مخالف للواقع، و أكثر الأخبار الواردة فيه محمول على هذا القسم و يزيد شناعته بأن يكذب ثمّ يروّج كذبه بالحلف بالله، و هو الذي بارز الله بالمحاربة و يمينه هذه تذر الديّار بلاقع من أهلها و تثقل الرّحم و توجب انقطاع النسل و تدخل النّار و تبعث غضب الجبّار كما ورد في غير واحد من الأخبار، و قد عقد في «الوسائل» باباً عليها.

و ثانيهما: الكذب على الله و رسوله و الأئمة قال تعالى:

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لََّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لََّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: 79]. و من هذا القسم الأخبار الموضوعة و الأحاديث المجعولة في زمن النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و بعده في زمن بني أميّة و بني العبّاس لعنهم الله.

قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ في رواية (الكافي) الطّويلة: و قد كذب على رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في عهده حتى قام خطيباً فقال: أيّها النّاس قد كثرت عليّ الكذابة فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوء مقعده من نار (1)هذا.

و أول من فتح باب هذا الكذب بعد النبيّ هم المتخلفون الثلاثة حيث إنّهم قالوا إن النبيّ مات و لم يوص في الخلافة بشيء فاغتصبوا بذلك الخلافة و رووا حديثاً مجعولاً من النّبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فنهبوا حق فاطمة سلام الله عليها و غصبوا فدك و لحقهم التابعون و حذوا حذوهم.

و من عجيب ما روى أن علم الهدى (قُدِّس سِرُّه) وقع بينه و بين علماء العامة مناظرة فانجرّ الكلام إلى الأخبار التي وضعوها في فضائل مشايخهم قال (رحمه الله): إنّ هذه الأخبار كلّها موضوعة فقالوا من يقدر أن يكذب على رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فقال لهم: قد ورد في الرواية عنه أنه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال في حياته: ستكثر عليّ الكذابة بعد موتي فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوء مقعده من النّار (2)، فهذا الحديث إمّا صدق أو كذب و على التّقديرين يثبت المطلوب.

و كيف كان فأكثر من ابتلا بهذا القسم من الكذب العلماء السوء، و يلحق به ما اعتاده الناس في محاوراتهم من إنهم يكذبون ثمّ يقولون الله و رسوله أعلم.


1) الكافي: 1/ 62 ج 1، و تحف العقول: 193.

2) الكافي: 47/1 ح 6، و المحاسن: 118/1 ح 127.

روى في «الوسائل» من «الكافي» بإسناده عن وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: مَنْ قَالَ اللّه يَعْلَمُ فيما لَا يَعْلَمُ اهْتَزَّ لِذَلِكَ عَرْشُهُ إعْظَاماً لَهُ.

و عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: إذا قال العبد علم الله و كان كاذباً قال الله: و ما وجدت أحداً تكذب عليه غيري؟ (1)

و هذا القسم من الكذب أعني الكذب على الله و رسوله و الأئمة صلوات الله و سلامه عليهم ممّا ورد في الأخبار أنّه ينقض الوضوء و الصّوم.

أمّا نقضه الصّوم فهو المشهور بين علمائنا الأخيار.

و أمّا نقضه الوضوء فليس بذلك، و حملها الشّيخ قدّس الله روحه على نقضه الفضل و الكمال و الوجه الذي يستحق به الثواب، و بعض من قال بإبطاله الصّوم ربّما عمّمه بكونه في الدّنيا و الدّين سواء كان في الأحكام أو في «الفتاوى»، و سواء أسنده إلى الله و إليهم عليهم السلام أم لا، و سواء كانت الأخبار بالقول أم بالكتابة أم الإشارة و التفصيل في كتب الفقه.

و أما الكذب الخفي: فهو أن تخبر عن نفسك أو تخاطب ربّك بما لا حقيقة له و لا أصل أو تقول شيئاً و أنت تعمل بخلافه مثل أن تقول: أستغفر الله و أتوب إليه فإنّك تظهر التّوبة و أنت غير راجع عن الخطيئة و لا قالع عن المعصية.

و لذلك روى عن ربيع بن خثيم إنّه قال: لا تقل أستغفر الله و أتوب إليه، فإنّه كذب بل قل أستغفر الله و أسأله التّوبة.

أو تقوم بين يدي ربّك في كلّ يوم و ليلة و تقرأ فاتحة الكتاب في صلواتك و أقلّه عشر مرّات و تقول لربّك الحمد و الثناء لك أيّها المربي لنا الرحمن الرحيم بنا المالك لأمورنا في يوم وفودنا عليك فنحن نخصك بالعبادة لا نعبد سواك، فإنّا لو رجعنا إلى أنفسنا و أنصفنا نعرف أنّنا كاذبون في ذلك المقال و خاطِؤن في تلك الدّعوى، و كيف نكون صادقين مع ما نحن عليه من إطاعة الشّيطان و عبادته و انقياد أمره و نهيه و انفاذ حكمه و العمل بما يريده، و من إطاعه النّفس الأمّارة و القيام بما تهويه و تشتهيه مضافاً إلى الرّيا و الشّرك الذي نخفيه.

و نعم ما قال ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى:

لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِِ اثْنَيْنِ [النحل: 51]. إنّه تعالى نهاك عن الإثنين و أنت اتّخذت الألوف فما أقلّ حياؤك و قال تعالى:


1) الكافي: 437/7 ح 1، و وسائل الشيعة: 209/23 ح 29386.

أَرَءَيْتَ مَنِِِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَئهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان: 43]. فقد جعل سبحانه إرادة النّفس و أمنيّاتها الباطلة إلهاً، و إذا كانت هذه حالنا فكيف يصح منا دعوى تخصيصه تعالى بالعبادة، و كيف نجتري على مواجهته بذلك الخطاب الكاذب مع علمه بما في الصّدور و الضّمائر وإحاطته بالبواطن و السّرائر، فكأنه ظننّا أنه سبحانه أعجز عن جميع الآلهة حتّى خصصّناه بالكذب.

و مثله قولنا: إيّاك نستعين، على طريق الحصر فإنا إذا رجعنا إلى وجداننا و لا حظنا حالنا عرفنا أنّا نستعين في أمورنا من كلّ من سواه سبحانه نعم إذا آيسنا من الخلق رجعنا إلى الخالق فكيف نخصصه بالاستعانة و نطلب منه الاعانة و لو تأمّلنا في هذا الكذب الخفي وجدناه أضرّ بأحوالنا من الكذب الجلي لما نعيته من قبول الطّاعات ومن التأهّل للقيام على بساط المناجات، و إيراثه الحسرة و الندامة و ملامة النّفس اللّوامة يوم القيامة.

فواحسرتاه على ما فرّطنا في جنب الله، و واطول كربتاه على ما استخففنا في عباد الله.

أيّتها النّفس الخاطئة و القلب الجاهل القاسي بأنّك لو واجهت أحداً من النّاس و قلت له: إنّي لا أتردّد إلاّ إلى بيتك، و لا ثقة لي إلاّ بك، و لا عون لي سواك، و لا رجاء لي غيرك، و لا صديق لي دونك، مع علمك بأنّه يعلم أنّك تتردّد إلى كلّ أحد و تثق بكلّ أحد و تستعين من غيره أكثر من التردد و الوثوق و الاستعانة منه، و لك أصدقاء كثيرون سواه، لا ستحييت من عندك و كنت خجلاً من هذا الكذب الذي و اجهته به و تنفعل من ملاقاته و المراجعة إليه إلاّ بعد زمان طويل و مدّة متطاولة و أنت هنا إذ كان أوّل النّهار قلت إيّاك نستعين، ثمّ إذا جاء الظّهر قلت مثل ذلك، و هكذا مع أنّك تعمل بين هذين القولين و فيهما و بعدهما بخلاف ما قلت و تستعين الخلق و تأملهم و ترجو منهم.

أفلا تعلم أن من توجّه بحاجته إلى الخلق أو جعله سبب نجحها فقد تعرض للحرمان و استحقّ من عنده سبحانه الخسران و فوات الإحسان.

فإن شئت أن تعرف ذلك بعين اليقين فانظر إلى موسى بن عمران فإنّه توسّل بالفقر إلى الحق و قال:

رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍٍ فَقِيرٌ [القصص: 24]. فقبض الله له شعيباً عَلیْهِ السَّلَامْ حتّى دعاه و آواه و زوّجه بنته و أعطاه العصا و اليد البيضاء و بلغ أمره إلى ما بلغ.

و انظر إلى يوسف بن يعقوب كيف خاب حيث استعان من المخلوق.

وَ قَالَ لِلََّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍٍٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ

فِي السِّجْنِِ بِِضْعَ سِنِينَ [يوسف: 42]. روى في «الكافي» عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ أنه قرأ في بعض الكتب انّ الله تعالى يقول: و عزّتي و جلالي ومجدي و ارتفاعي على عرشي لأقطعنّ أمل كلّ مؤمّل من الناس أمل غيري باليأس، و لأَكسونه ثوب المذلّة عند النّاس، و لأنحينّه من قربى، و لأبعدّنه من وصلي أيؤمّل غيري في الشّدائد و الشّدائد بيدي، و يرجو غيري و يقرع بالفكر باب غيري و بيدي مفاتيح الأبواب و هي مغلقة و بابي مفتوح لمن دعائي، فمن ذا الذي أمّلني لنوائبه فقطعته دونها، و من ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجائه منّي، جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي، و ملأَت سماواتي ممّن لا يملّ من تسبيحي، و أمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني و بين عبادي. فلم يثقوا بقولي ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنّه لا يملك كشفها أحد غيري إلاّ من بعد إذني، فما لي أراه لاهياً عنّي أعطيته بجودي ما لا يسألني ثم انتزعته عنه فلم يسألني ردّه و سأل غيري، أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ثمّ أسأل فلا أجيب سائلي أبخيل أنا فيبخلني عبدي، أو ليس الجود و الكرم لي؟ أو ليس العفو و الرحمة بيدي؟ أو ليس أن محلّ الآمال فمن يقطعها دوني؟ أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟ فلو أن أهل سماواتي و أهل أرض أملوا جميعاً ثم أعطيت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجميع ما انتقص من ملكي مثقال ذرّة، و کَیفَ یَنقُصُ مُلکٌ أنا قَیِّمُهُ؟ فيا بؤساً للقانطين من رحمتي، ويا بؤساً لمن عصاني و لم يراقبني، هذا (1)

و بقي الكلام في الكذب الشرعي و أعني ما هو سائغ في الشرع المطهّر و تحقيقه يحتاج إلى تمهيد مقدّمة و هي:

أنا قد حقّقنا في الأصول أن الأََحكام الشّرعية تابعة للمصالح و المفاسد الواقعيّة و بيّنا هناك أن حكم الشّارع المقدّس بوجوب شيء أو حرمته من جهة أنّه أدرك فيه حسناً ملزماً واقعياً فحكم بوجوبه، أو قبحاً ملزماً واقعيّاً فحكم بحرمته، خلافاً للأشاعرة القائلين بأن الحسن و القبح إنّما هو تابع للأََمر و النّهي و بأن الصّلاة مثلاً إنّما هي حسنة لتعلّق الأَمر بها و الكذب قبيح لتعلّق النهي عليه؛ و أنّه لو نهى الشارع عن الأولى و أمر بالثّاني لكانت الأولى قبيحة و الثّاني حسناً، و قد حقّقنا بطلان هذا المذهب و فساد هذا القول في «الأصول» بما لا مزيد عليه.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن حرمة الكذب إنّما هي من أجل ما فيه من المفسدة الواقعيّة، كالضّرر على المخاطب أو غيره أو نحو ذلك ممّا قدّمنا و أقلّ درجات تلك المفسدة هو إلقاء


1) الكافي: 67/2، و الأمالي: 584 ح 1208.

المخاطب في بيداء الجهالة و اعتقاده للشيء على خلاف ما هو عليه، فتلك المفسدة فيه صارت مقتضية لحرمته.

فلو فرضنا أن هذه المفسدة الواقعية كانت متعارضة بجهة حسن و مصلحة في الظاهر متداركة بها تلك المفسدة كالكذب المتضمّن لإنجاء نفس محترمة من القتل مثلاً ارتفعت الحرمة قطعاً، لانتفاء سببها.

و مثله المصلحة الواقعيّة التي في الصّدق فإنّها اقتضت وجوبها، فلو فرضنا معارضتها لمفسدة ظاهرية راجحة عليها كالصدق المتضمّن لقتل نبيّ مثلاً تبدّل حكم الوجوب فيه بالحرمة فيكون الصدق حينئذٍ حراماً.

ثم أقول: إن جهات المفسدة الواقعية في الكذب لو كانت مساوية لجهات المصلحة الظاهرية فيه كان الكذب حينئذٍ مباحاً، لتساوي مقتضيات الحسن و القبح، و ذلك كالكذب في الوعد للأَهل و الأَولاد على ما سيأتي في الأخبار، و لو كانت جهة المفسدة راجحة فهو حينئذٍ باق على حرمته.

و لو كانت جهة المصلحة راجحة، فامّا أن تكون ملزمة له فيكون حينئذٍ واجباً كالكذب و الخديعة في الحرب توصّلاً إلى قتل الكافر الواجب؛ و إمّا أن لا تكون ملزمة فيكون حينئذٍ مستبحاً كالكذب لإصلاح ذات البين.

و إذا ظهر لك ذلك فاعلم أنّه قد رخّص لنا أهل البيت الأَطهار سلام الله و صلواته عليهم ما تعاقب اللّيل و النّهار في بعض أقسام الكذب في أخبارهم المأثورة و لا بأس بالإشارة إليها.

فأقول: روى ثقة الإسلام الكليني في «الكافي» عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: الکلامُ ثلاثةٌ: صِدقٌ و کِذبٌ و إصلاحٌ بینَ الناسِ، قال: قيل له: جعلت فداك ما الإصلاح بين النّاس؟ قال: تسمع من الرّجل كلاماً يبلغه فيخبث نفسه فتلقاه فتقول قد سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا و كذا خلاف ما سمعت منه.

و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن صفوان عن أبي مخلد السّراج عن عيسى بن حسان قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: كُلُّ كَذِبٍ مَسْئُولٌ عَنْهُ صَاحِبَهُ يَوْماً إِلَّا كَذِباً فِي ثَلاثَةٍ: رَجُلٌ كَائِدٌ فِي حَرْبِهِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ، وَ رَجُلٌ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَلْقَى هَذَا بِغَيْرِ مَا يَلْقَى بِهِ هَذَا يُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِصْلاحَ بَيْنَهُمَا ، وَ رَجُلٌ وَعَدَ أَهْلَهُ شَيْئاً وَ هُوَ لا يُرِيدُ أَنْ يُتِمَّ لَهُمْ (1)


1) الكافي: 342/2 ح 18، و شرح أصول الكافي: 405/9 ح 18.

بل المستفاد من الأَخبار الأُخرى جواز الحلف باليمين الكاذبة لدفع ظلم الظّالم عن نفسه أو ماله أو نفس أخيه المؤمن أو ماله.

مثل ما رواه في «الوسائل» عن الصدوق بإسناده عن ابن بكير عن زرارة قال: قلت لأَبی جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ: نمرّ بالمال على العشّار فيطلبون منّا أن نحلف لهم فيخلّون سبيلنا و لا يرضون منّا إلاّ بذلك، قال عَلیْهِ السَّلَامْ فاحلف لهم فهو أحلى من التمر و الزّبد، قال: و قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: التّقية في كلّ ضرورة و صاحبها أعلم بها حتى تنزل (1)

و عنه بإسناده عن الحلبيّ أنه سأل أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: عن الرّجل يحلف لصاحب العشور يحرز بذلك ماله، قال: نعم.

قال: و قال الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ: اليمين على وجهين إلى أن قال: فأمّا الذي يوجر عليها الرّجل إذا حلف كاذباً و لم تلزمه الكافرة فهو أن يحلف الرّجل في خلاص امرء مسلم أو خلاص ماله متعدّ يتعدى عليه من لص أو غيره (2)

و فيه عن الشّيخ بإسناده عن السّكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن عليّ عَلیْهِمُ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: اِحْلِفْ بِالله كَاذِبَاً وَنَجِّ أَخَاكَ مِنَ اَلْقَتْل (3)

إلى غيره مما رواه فيه و عقد عليه باباً و الله الهادي و هو العاصم من هفوات الجنان وسقطات اللسان.

الثاني في الحسد

و هو من أعضل الداء و أكبر المعاصي و أفسدها للقلب و جرح لا يبرأ، و الكلام فيه في مقامات:

المقام الأول في حده

و قد عرف بأنه انبعاث القوّة الشهوية إلى تمنّي مال الغير و حاله التي هو عليها و زوالها عن ذلك الغير،و هو مستلزم لحركة القوّة الغضبيّة و عرّفه الغزالي في «إحياء العلوم» بأنّه كراهة النّعمة و حبّ زوالها من المنعم عليه، و يقابله الغبطة و هو أن لا تحبّ زوال النعمة و لا تكره وجودها و دوامها و لكن تشتهي لنفسك مثلها، و الثاني أعم من الأَول لشموله ما لو أحبّ زوال


1) النوادر: 73 ح 153، و من لا يحضره الفقيه: 363/3 ح 4287.

2) من لا يحضره الفقيه: 366/3، و وسائل الشيعة: 23/ 226 ح 29433.

3) وسائل الشيعة: 23/ 225 ح 29428، و وسائل الشيعة: 134/16 ح 4.

النّعمة عن المنعم عليه و إن كان لا يتمنّاها لنفسه، و هو ناشيء عن غاية خبث الطّينة و سوء السّريرة، و أشد مما لو أحبّ زوالها عنه و انتقالها إليه فالحدّ الثّاني أولى.

الثاني في الآيات و الأخبار الواردة فيه

فأقول قال سبحانه: وَ مِن شَرِِِّحَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5].

فقد أمر نبيّه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بالاستعاذة من شر الحاسد بعد أن أمره بالاستعاذة من شرّ السّاحر فأنزله منزلته، و قال في معرض التوبيخ:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتئهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 54] و قال: إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِن تُصِبَكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا [آل عمران: 120]. فإن مساءتهم من إصابة الحسنة وفرحهم بإصابة السّيَئة دليل على حسدهم و قال:

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أنفُسِهِم. و في «الكافي» عن داود الرّقي قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: اتَّقُوا اللّهَ ولَا يَحسُد بَعضُكم بَعضاً إنّ عيسى ابن مريم عَلیْهِ السَّلَامْ كان من شرائعه السيح في البلاد فخرج في بعض سيحه و معه رجل من أصحابه قصير و كان كثير اللّزوم لعيسى عَلیْهِ السَّلَامْ فلما انتهى عيسى إلى البحر قال: بسم الله، بصحّة يقين منه فمشى على ظهر الماء، فقال الرّجل القصير حين نظر إلى عیسی عَلیْهِ السَّلَامْ جازه: بسم الله بصحّة يقين منه فمشى على الماء و لحق بعيسى عَلیْهِ السَّلَامْ فدخل العجب بنفسه فقال: هذا عيسى عَلیْهِ السَّلَامْ روح الله يمشي على الماء و أنا أمشي على الماء فما فضله عليّ قال: فرمس في الماء فاستغاث بعيسى عَلیْهِ السَّلَامْ فتناوله من الماء فأخرجه ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ له: ما قلت يا قصير قال: قلت: هذا روح الله يمشي على الماء و أنا أمشي على الماء فدخلني من ذلك عجب فقال له عيسي عَلیْهِ السَّلَامْ : لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه فمقتك الله على ما قلت فتب إلى الله عزّ و جلّ ممّا قلت قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فتاب الرّجل وعاد إلى مرتبته الّتي وضعه الله فيها فاتّقوا الله و لا يحسدن بعضكم بعضاً.

و عن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ آفة الدّين الحسد و العجب و الفخر.

و عن داود الرّقي عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: قال الله تعالى لموسى بن عمران: لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي و لا تمدن عينيك إلى ذلك و لا تتبعه نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي و من كان كذلك فلست منه و ليس مني.

و عن فضيل بن عياض عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْبِطُ وَ لَا يَحْسُدُ وَ الْمُنَافِقُ يَحْسُدُ وَ لَا يَغْبِطُ. (1)

و عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ: إِنَّ اَلرَّجُلَ لَیَأْتِی بِأَدْنَی بَادِرَهٍ فَیَکْفُرُ وَ إِنَّ الْحَسَدَ لَيَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ (2)

و في «الوسائل» من «المجالس» مسنداً عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ أصول الكفر ثلاثة: الحرص، و الاستكبار، و الحسد (3)

و في «الأَنوار النّعمانية» للسّيد المحدّث الجزائري قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم : ستّة يدخلون النّار قبل الحساب بستّة: الأمراء بالجور، و العرب بالعصبيّة و الدّهاقين بالكبر، و التجار بالخيانة، و أهل الرّستاق بالجهالة، و العلماء بالحسد (4)

قال و في حديث آخر إن الحسد عشرة أجزاء منها تسعة بين العلماء و واحد في النّاس و لهم من ذلك الجزء الحظ الأوفر، و روى ما رواه أولاً الغزالي في «إحياء العلوم» عن النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم مثله إلى غير هذه ممّا وردت فيه.

و قد استفيد منها و من الآيات السّابقة حرمته و كونه من أعظم الموبقات مضافاً إلى إجماع علماء الإسلام عليه.

فإن قلت: فكيف التّوفيق بين هذه الأَدلّة و بين حديث رفع التسعة المعروف بين الفريقين، و المروي في « الوسائل» عن الصّدوق في التّوحيد و الخصال بسند صحيح عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد و الطيرة، و التّفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة، فإن المراد برفع تلك الأمور إمّا رفع جميع آثارها التي منها المؤاخذة عليها، أو رفع خصوص المؤاخذة ، و على التقدير فيدلّ على رفع المؤاخذة على الحسد و عدم كونه معصية فينا في الأدلّة السابقة.

قلت: قد جمع بينهما شيخنا العلامّة المرتضى الأنصاري (قد) في «الرسائل» بحمله على ما لم يظهر الحاسد أثر حسده بلسان أو غيره بجعل عدم النطق باللّسان قيداً له.


1) الكافي: 307/2 ح 7، و شرح أصول الكافي: 319/9 ح 7.

2) الكافي: 306/2 ح 1، وسائل الشيعة: 365/15 ح 20754.

3) الكافي: 289/2، الخصال: 90 ح 28.

4) منية المريد/ 224، ميزان الحكمة: 626/1.

قال:(رَحِمَه اللهُ) و يؤيده تأخير الحسد عن الكلّ في مرفوعة الهندي عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ المرويّة في أواخر أبواب الكفر و الإيمان من «أصول الكافي» قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: وضع عن أمّتى تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و ما استكرهوا عليه و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد (1)، الحديث.

قال (رَحِمَه اللهُ): و لعلّ الاقتصار في النبوي الأوّل على قوله ما لم ينطق لكونه أدنى مراتب الأظهار.

قال: و روي ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطيرة، و الحسد، و الظّن، قيل: فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا ظننت فلا تحقّق و البغي عبارة عن استعمال الحسد.

قال: و لأجل ذلك عد في الدّروس من الكبائر في باب الشّهادات إظهار الحسد لأنفسه، و في الشرائع أن الحسد معصية و كذا بغض المؤمن و التظاهر بذلك قادح في العدالة، ثمّ قال: و الانصاف أن في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك، انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: أما استشهاده بكلام صاحب الشّرائع ففيه ما لا يخفى لصراحتها في كون نفس الحسد معصية، و كون التظاهر به قادحاً في العدالة إنّما هو لأجل كونه طريقاً إليه لا من حيث موضوعيته فيه، و لعلّ ذلك أيضاً مراد الشّهيد في الدّروس، فانظر ماذا ترى.

و أما ما قاله من أن في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك فهو صحيح و من جملة تلك الأخبار، ما رواه في الوسائل من مجالس الشّيخ حسن ابن شيخنا الطوسي (رَحِمَه اللهُ) معنعناً عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه عن جدّه عليهم السلام قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ذات يوم لأصحابه: ألا إنّه قد دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم و هو الحسد ليس بحالق الشعر لكنه حالق الدين و ينجى فيه أن يكفّ الإنسان يده و يخزن لسانه و لا يكون ذا غمر على أخيه المؤمن (2)

قال صاحب «الوسائل» بعد روايته: و تقدّم ما يدلّ على العفو عن الحسد الذي لا يظهر أثره.

و فيه من «الكافي» بإسناده عن حمزة بن حمران عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: ثلاثة لم ينج منها نبيّ فمن دونه: التفكّر في الوسوسة في الخلق، و الطيرة، و الحسد إلاّ أن المؤمن لا


1) الكافي: 2/ 463 ح 2، تحف العقول: 50 ح 2.

2) مسائل علي بن جعفر: 337 ح ،830، وسائل الشيعة: 368/15 ح 20768.

يستعمل حسده (1)، هذا.

و قال شيخنا السّيد قدّس الله روحه في مجلس الدّرس: الأقرب حمل رفع المؤاخذة على الحسد في حديث رفع التّسعة على ما كان من قبيل الخطرات القلبيّة الزائلة بسرعة و حمل ما دل على حرمته و كونه من الكبائر على ما عداه ممّا اشتدّ و تأكّد.

الثّالث في أساب الحسد

و هي كثيرة و حصرها الغزالي في «إحياء العلوم» في سبعة: العداوة، و التعزز و التكبّر، و التعجب، و الخوف من فوت المقاصد المحبوبة، و حبّ الرئاسة، و خبث النّفس.

أمّا العداوة و هي أشد الأسباب و معناها أن تكره النّعمة على غيرك لكونه عدوّاً لك و كونك مبغضاً له فإنّ البعض إذا رسخ في النّفس يقتضي التشفي و الانتقام و ربما يعجز المبغض عن أن يشتفي بنفسه فيتمنى زوال النعمة من المبغوض و يكون زوالها منه موجباً لفرحه كما أنّه يفرح إذا ابتلى ببلية أو أصابته مصيبة و يكون ذلك تشفيّاً لخاطره، و قد وصف الله سبحانه الكفار بهذه الصّفة في قوله: وَدُّوا مَا عَنِتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118] و قوله : إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِن تُصِبْكُمْ سَيِِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران: 120].

و هذا القسم من الحسد ربما يفضي إلى القتال و الجدال و استغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل و السّعاية و طلب أسباب زوالها على كلّ حال.

و أمّا التعزّز فهو أن يثقل عليه ترفع غيره عليه، فإذا أصاب بعض نظرائه و أمثاله ولاية أو علماً أو مالاً خاف من تكبره عليه و هو يشقّ عليه ذلك و لا يسمح نفسه تحمل ذلك فلا يرضى يكونه منعماً عليه بتلك النّعمة حذراً من ذلك، و محصله الخوف من تفاخر الغير عليه لا حبّ تفاخره على الغير و ربما يرضى بمساواته له.

و أمّا التّكبّر فهو أن يكون في طبعه أن يتكبّر على الغير و يترفع عليه و يكون الغير منقاداً له مطيعاً لأمره و نهيه صاغراً عنده، فإذا نال نعمة خاف من عدم إطاعته و انقياده له و عدم إمكان ترفعه عليه كما كان أو ترقيه إلى مقام يترفع هو عليه فيكون مطيعاً بعد ما كان مطاعاً، و متكبّراً عليه بعد ما كان متكبراً، و من هذا الباب كان حسد كفّار قريش في حقّ النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إذا قالوا كيف يتقدّم علينا غلام يتيم و يكون رسولاً علينا و نكون مطيعين له كما حكى الله عنهم بقوله:

وَ قَالُوا لَوْ لَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْوَانُ عَلَى رَجُلٍٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31]. و أرادوا بذلك نزوله على الوليد بن المغيرة لعنه الله أو أبي مسعود عروة بن مسعود


1) الكافي: 108/8 ح 86، شرح أصول الكافي: 44/12.

الثقفي أو غيرهما لأَجل كون هؤلاء من رؤساء القبائل و ذوي الأموال الجسيمة و عظيم المنزلة عندهم لا يثقل عليهم التّواضع و الطاعة لهم كما كان يثقل عليهم طاعته صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

و أمّا التّعحب فهو أن تكون النعمة عظيمة و المنصب جليلاً فيتعجّب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما حكى الله سبحانه عن الأمم السّابقة بقوله:

قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: 10] فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا [المؤمنون: 47] و لَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُم إِنَّكُم إِذًا لََّخَسِرُونَ [المؤمنون: 34]. فتعجّبوا من أن يفوز برتبة الرسالة الوحي و الزلفى من الله بشر مثلهم فحسدوا و أحبّوا زوال النبوة عنهم إشفاقاً من أن يفضل عليهم من هو مثلهم في البشريّة و لم يكن مقصودهم إظهار كبر و لا طلب رئاسة و لا بينهم سابقة عداوة أو نحو ذلك من سائر أسباب الحسد.

و أمّا الخوف من فوت المقاصد العظيمة فهو يختصّ بمتزاحمين على مقصود واحد، فإنّ كلّ واحد منهما يحسد صاحبه و يريد انفراده بذلك المقصود، و من هذا الباب تحاسد الضرّات في مقاصد الزّوجية و تحاسد الأخوة من أجل تزاحمهم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتوصّل إلى مقاصد الكرامة و الشرافة أو المال و العزّة كما وقع من اخوة يوسف عَلیْهِ السَّلَامْ في حقّه و من قابيل في حق هابيل، و منه أيضاً تحاسد الواعظين و الرّائين و نحوهما.

و أمّا حبّ الرئاسة فمنشأه حبّ الاختصاص بنعمة لا يشاركه فيها غيره، و حب ثناء النّاس له و فرحه بتفرّده بها، فإذا رأى مشاركاً له فيها ساءه ذلك، و هو غالب في العلماء السّوء فإنّهم يحبّون أن يكونوا مرجعاً للنّاس و ملجئاً، و يكون تردّدهم إليهم و لا يرضون بمشاركة الغير لهم.

و من هذا الباب كان حسد علماء اليهود لرسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فإنّهم كانوا ينكرون معرفته و لا يؤمنون به خيفة من أن تبطل رئاستهم و استتباعهم مهما نسخ علمهم.

و منه أيضاً كان حسد الخلفاء الثلاثة لأَمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ مضافاً إلى العداوة و البغضاء التي كانت فيهم و غير ذلك من الأسباب السابقة إذ لا امتناع في اجتماع الأَسباب المتعددة.

و الفرق بين هذا القسم و سابقه اشتراط التّزاحم على المقصود في السّابق دون ذلك، إذ ربّما ترى عالماً أو صانعاً يختصّ بفنّ مخصوص من العلم أو الصّناعة يمدحه النّاس بأنّه فريد دهره و وحيد عصره في ذلك الفنّ أو الصّناعة، فإنّه لو سمع في أقصى البلاد بنظيرً له فيه لساءه ذلك و أحبّ موته أو زوال النّعمة عنه.

و أمّا خبث النّفس فالحسد بذلك خارج عن جميع الأَقسام السّابقة، فإنّك ترى من النّاس من ليس غرضه في رئاسة و لا تعزّز و لا تكبّر إذا وصف عنده حال عبد من عباد الله فيما أنعم

الله به عليه يشقّ عليه ذلك و إذا وصف له اضطراب أمور النّاس و إدبارهم يفرح بذلك، فهو دائماً يحبّ الإدبار لغيره و يبخل بنعم الله على عباده كأنّهم يأخذونها من ملكه و خزانته، و ليس لذلك سبق ظاهر إلاّ خبث النّفس و شقائها و رذالة الطبع و دناءته و معالجته شديدة إذ الحسد الثابت بسائر الأسباب أسبابه عارضة يتصوّر زوالها و يرجى إزالته، و هذا ناشيء من خبث الطّينة و سوء السريرة فيعسر زواله و إلى ذلك ينظر ما قيل.

كلّ العداوة قد ترجى إماطتها (1)*** إلاّ عداوة من عاداك من حسد

و هذه هي أسباب الحسد و قد يجتمع بعضها أو أكثرها أو جميعها في شخص فيشتدّ حسده و يتضاعف، و أكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأَسباب و قلما يتجرّد سبب واحد منها، نعوذ بالله من شرور النفس و شخ الأَنفس.

الرابع

في بيان سبب كثرة الحسد بين العلماء على ما أخبر به رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم من أنّه عشرة أجزاء منها تسعة بين العلماء و واحد في النّاس و لهم من ذلك الجزء الحظّ الأوفر.

فأقول: العلماء إمّا علماء الدّنيا أو علماء الآخرة، و المراد بالأَوّل من كان غرضه من العلم هو الدّنيا و تحصيل رئاستها و حبّ شهواتها و قنياتها و طلب الوقع في قلوب النّاس و ابتغاء إقبالهم إليه، و بالثّاني هم العارفون بالله و الراغبون في الآخرة و الزّاهدون في الدّنيا المعرضون عنها.

و الحسد إنّما هو بين الطائفة الأولى، و سببه تزاحمهم على غرض واحد إذ كل منهم يريد الفضل لنفسه دون صاحبه، و يتمنّى الاجتهاد و المرجعيّة و الرئاسة و صداء النّعلين و نحو ذلك، و يريد ذلك بعينه غيره من أبناء جنسه فيتزاحمان على غرض واحد.

و من أجل التّزاحم أيضاً ينشأ الحسد بين أفراد جنس واحد و أبناء نوع واحد كالتّاجر للتّاجر، و الواعظ للواعظ ، و البزّاز للبزّاز و هكذا، فإنّ الغالب أن البزّاز يحسد للبزاز دون العطار و دون الواعظ، و العالم يحسد العالم دون الصّانع.

و لما ذكرناه ترى الحسد بين علماء بلدة واحدة أكثر مما بين علماء بلدتين و ما بين البلدتين القريبتين أكثر ممّا بين البلدتين النائيتين لزيادة التزاحم في الأولى على الثّانية، و منشأ ذلك كلّه هو حبّ الدّنيا، فإنّ الدّنيا هي الّتي تضيق على المتزاحمين.

و أما علماء الآخرة العارفون بالله و المبتهجون بمعرفته سبحانه فلا يكون بينهم تحاسد،


1) الإماطة: الإبعاد.

لأَنّ غرضهم هو الآخرة و مقصدهم هو المعرفة و لا ضيق في شيء منهما كالدّنيا ألا ترى أنّ من أحبّ معرفته سبحانه و معرفة صفاته و أفعاله من عجائب ملوكت سمائه و أرضه لا يعادي و لا يبغض غيره ممّن كان يحبّ معرفة ذلك أيضاً؟ و ذلك لسعة بحر المعرفة و عدم الضّيق فيه، بل المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم و يفرح بمعرفته و يلتذّ به و لا ينتقص لذّة أحدهم بسبب غیره، بل يحصل بكثرة العارفين ثمرة الإفادة و الاستفادة و الإنس و الصّحبة، و غرضهم إنّما هو تحصيل المنزلة عند الله و الزّلفى لديه و ما عند الله أعظم من أن يضيق على الطّالبين و لا يسع الرّاغيين، إذ البحر لا ينفذ بالقطر، و الشّمس لا ينقص بالذّر، و ليس كمال الدّنيا إذا وقع في يد أحد خلت عنه يد الآخر أو كجاهها إذا اتصف به شخص حرم عنه غيره، إذ الجاه عبارة عن ملك القلوب و مهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة فيكون سبباً للمحاسدة.

و بالجملة فنعمة العارف و جنّته معرفته الّتي هي صفة ذاته، و هو دائماً يجني ثمارها و يغتذي بفواكهها، و هي فاكهة غير مقطوعة و لا ممنوعة بل قطوفها دانية و إن غمض العين الظاهرة فروحه ترتع كلّ الأَوقات في جنّة عالية و رياض زاهرة و كثرتهم لا توجب تحاسدهم بل كانوا كما قال ربّ العالمين:

وَ نَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍٍ مُّتَقَبِِلِينَ [ الحجر: 47]. و هذا حالهم و هم في الدّنيا فما ظنّك بهم إذا انكشف عنهم الغطاء و شاهدوا المحبوب في العقبى فأهل العرفان و اليقين براء من الحسد في الدّنيا و الآخرة جميعاً، بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة علّيين إلى ضيق سجّين، و لذلك وسم به الشّيطان اللّعين، حيث أظهر الحسد و البغضاء لما رأى اختصاص آدم بالخلافة و الاجتباء و لمّا دعى إلى السجود استكبر و أبى، و تمرّد و عصى فاستحقّ الجحيم و قيل له:

قَالَ فَأخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [ص: 77]. و إذا عرفت أنّ منشأ الحسد هو التّوارد على مقصود يضيق عن الوفاء لمن ابتغى فعليك بمقصد لا تزاحم فيه أصلاً و لذّة لا نفاد لها و نعمة لا زحمة فيها و لا يوجد ذلك في الدّنيا إلاّ في معرفة الحق تعالى و معرفة صفاته العلياء و إن لم تكن تشتاق إلى ذلك و لا تجد لذّة لذلك فأنت في ذلك معذور لأَنّك في في يد هواك مغمور مقهور و الضبي لا يعرف لذة الملك و السّلطنة، و إنّما لذته في اللّهو و اللّعبة، فإنّ هذه لذّة يختص بإدراكها الرّجال دون الصّبيان، و الأَطفال، و المعرفة مختصّة بأهل الكمال و هم الذين لا غرض لهم إلاّ الله و هم.

رِجَالٌ لَّا تُلْهِِيهِمْ تِجَرَةٌ وَ لَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ [النور: 37]. و لا يشتاق إلى هذه اللّذة غيرهم، لأنّ الشوق بعد الذّوق، و من لم يذق لم يعرف و من

لم يعرف لم يشتق، و من لم يشتق لم يطلب، و من لم يطلب لم يدرك، و من لم يدرك بقي مع المجرمين في أسفل السّافلين.

وَ مَن يَعْشُ عَن ذِكْرِِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: 36].

الخامس

في معالجة الحسد الذي هو من موبقات الذّنوب و من الأَمراض العظيمة للقلوب، و الدّواء النّافع له هو أن تعرف أنّه مضرّ عليك في الدّنيا و الدّين و غير مضرّ بالمحسود فی الدّنيا و الدّين، بل نافع له فيهما، و مهما عرفت هذا عن بصيرة و كنت صديقاً لنفسك شقيقاً لها و لم تكن عدوّاً و مبغضاً لها فارقت الحسد لا محالة.

أمّا كونه مضرّاً عليك في الدّين فلما مرّ في الأخبار السّابقة من كونه سبباً لسخط الجبّار و آكلاً للإيمان أكل الحطب للنّار، بل الحاسد في الحقيقة ساخط لقضاء الله و غضبان على قدر الله كاره للنّعم الّتي قسّمت بين عباد الله، و حسده في الحقيقة اعتراض على الخالق فيما منحه على الخلائق و إيراد على الحكمة و جناية على حدقة التّوحيد، و فيه متابعة الشّيطان اللّعين و أوليائه من الكفّار و المنافقين حيث إنّه حسد و قال:

قَالَ ءَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء: 61] أبَى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ [البقرة: 34]. و كذلك أولياؤه لم يزالوا حاسدين معاندين للمؤمنين، مبغضين لهم و بعداوتهم معلنين متألّمين بفرحهم و بتألّمهم مسرورين، فمن كان حاسداً فهو للشّيطان و أوليائه قرين، و هو معهم في أسفل السّافلين.

و أمّا كونه مضرّاً عليك في الدّنيا فلأَنّك تتألّم بحسدك فيها و تتعذّب به دائماً و لا تزال في همّ و غم، إذ نعم الله سبحانه في الدّنيا في حق البرّ و الفاجر و المؤمن و الكافر غير معدودة، و فيوضاته غير متناهية و أنت كلّما رأيت تنعّم المحسود بنعمة تألّمت و تأثّرت، فلا يحصل لك خلاص من الحزن و الأَلم لعدم انقطاع الآلاء و النّعم، و لا يكون لك فراغ من الفكر و يطول عليك الهجود و السّهر فليطرق عليك النّصب و الآلام، و يتراكم عليك الأَوصاب و الأَسقام، لسراية المرض من القلب إلى البدن و من الخلد إلى الجسد.

و لذلك قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: صحة الجسد من قلة الحسد (1)، و قيل الحسد يضرّ


1) وسائل الشيعة: 367/15 ح 20766، بحار الأنوار: 656/7 ح 28.

بنفس الحاسد قبل إضراره بالمحسود.

و قد روي أن رجلاً كان يغشي بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه اساءته، فحسده رجل على ذلك المقام و الكلام فسعى به إلى الملك فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك و يقول ما يقول يزعم أن الملك أبخر، فقال الملك: و كيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعوه إليك فإنّه إذ دنا منك وضع يده على أنفه لئلاً يشمّ ريح البحر فقال له: انصرف حتى أنظر.

فخرج من عند الملك فدعى الرّجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم؛ فخرج الرّجل من عنده فقام بحذاء الملك على عادته فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فقال له الملك: ادن منّي، فدنا منه فوضع يده على فيه حذراً من أن يشمّ الملك منه رائحة الثّوم فقال الملك: ما أرى فلاناً إلاّ قد صدق و كان الملك لا يكتب بخطّه إلاّ بجائزة أو صلة، فكتب له كتاباً بخطّه إلى عامل من عمّاله:

إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه و اسلخه وحشّ جلده تبناً و ابعث به إليّ، فأخذ الكتاب و خرج، فلقاه الرّجل الذي سعى به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خطّ الملك لي بجائزة، فقال: هبه لي فوهبه له، فأخذه و مضى إلى العامل فقال العامل: في كتابك أن أذبحك و أسلخك، قال: إنّ الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك، فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه و سلخه وحشي جلده تبناً و بعث به.

ثمّ عاد الرّجل كعادته إلى الملك و قال مثل قوله، فتعجب الملك و قال: ما فعلت الكتاب؟ فقال لقاني فلان فاستوهبه مني فوهبته له، قال الملك: إنّه ذكر لي أنّك تزعم أنّي أبخر، قال: ما قلت ذلك، قال: فلم وضعت يدك على فيك؟ قال: لأنَّه أطعمني طعاماً فيه ثوم فكرهت أن تشمّه، قال: صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفاك المسيء إساءته.

و أمّا عدم كونه مضرّاً بالمحسود في الدّنيا و الدّين فواضح.

أمّا الدّنيا فلأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، بل ما قدّره الله في حقّه من النعمة و الإقبال و من طيب العيش و حسن الحال لا بدّ أن يدوم إلى أجل معلوم، لاراد لحكمه و لا دافع لقضائه، إذ كلّ شيء عنده بمقدار، و لكلّ أجل كتاب و مهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المسحود ضرر.

و لعلك تقول: ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي فهذا غاية الجهالة و السفاهة لأَنّه بلاء تشتهيه أوّلاً لنفسك، فإنّك أيضاً لا تخلو من حاسد يحسدك فلو كانت النعمة تزول بالحسد للزوم أن تنقطع عنك النعم و عن كلّ أحد بل يزول الإيمان عن المؤمنين لأَن الكفار حاسدون لهم في ذلك محبّون ارتفاعه عنهم كما قال سبحانه:

ود كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم [البقرة: 109]. و ان اشتهيت أن تزول النعمة عن محسودك بحسدك و لا تزول عندك بحسد حاسدك، فهذا غاية الغباوة و الحماقة، لأَن كلّ واحد من الحساد يشتهي الاختصاص بهذه الخاصية فأيّ ترجیح لك على غيرك؟

فإن قلت: سلّمنا هذا كلّه و لكن ما تقول فيما رواه في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوفلي عن السّكوني عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: کَادَ اَلْفَقْرُ أَنْ یَکُونَ کُفْراً وَ کَادَ اَلْحَسَدُ أَنْ یَغْلِبَ اَلْقَدَرَ (1)، فإن المستفاد من هذه الرّواية أن الحسد له تأثير في زوال النعمة.

قلت: هذه لا تكافيء الأَدلة السّابقة، لعدم سلامة سندها و قلتها بالنسبة إليها، مع إمكان الجمع بينهما بأن يقال بتأثير الحسد في الجملة كالعين الصائبة إلا أنه لا يوجب زوال النعمة بالمرّة فيمكن أن تزول النعمة التي صارت سبباً لحسد الحاسد عن المحسود ثمّ ينتقل المحسود إلى نعمة أخرى أشرف و أجل ممّا زالت منه، لما قد روي في الأخبار من أن الرّزق مقسوم، و من قوله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها فاتّقوا الله و أجملوا في الطلب، فتأمل.

و أمّا عدم كونه مضرّاً بالمحسود في الدّين فواضح مستغن عن البيان.

و أمّا انتفاعه به في الدّين و الدّنيا فظاهر أيضاً.

أمّا الدّين: فلأَنّه مظلوم من جهتك و أنت ظالم له و ميزانه ثقيل و ميزانك خفيف كما مرّ فی الأخبار، و أيضاً فإنّه بصبره و تحمله على أذاك يفوز فوزاً عظيماً و يدرك ما أعدّ الله من عظيم الأجر للصّابرين كما يشهد به ما في «الوسائل» عن الصّدوق بإسناده عن معاوية بن وهب عن الصّادق جعفر بن محمّد عَلیْهِ السَّلَامْ قال : اصبر على أعداء النّعم فانّك لن تكافيء من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله فيه (2)، و مثله رواية عمّار بن مروان عن أبي الحسن الأوّل عَلیْهِ السَّلَامْ و نحوهما أخبار أخر.

و أمّا انتفاعه به في الدّنيا: فهو إن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء و ألذّ عيشهم يكون أعداؤهم معذّبين،و لا عذاب أشد ممّا أنت فيه من ألم الحسد و غاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة و أن تكون في غمّ و حسرة بسببهم، و قد فعلت بنفسك ما هو مرادهم، و لذلك لا يشتهي عدوّك موتك بل يشتهي طول حياتك لتنظر ما أنعم الله به عليه و ينقطع نياط قلبك


1) الكافي: 307/2 ح 4، الخصال: 12.

2) الكافي: 109/2 ح 3، و من لا يحضره الفقيه: 398/4 ح 5852.

حسداً كلّما رأيته، و لذلك قيل:

لا مات أعداؤك بل خلدوا *** حتّى يروا فيك الذي يكمد

لا زلت محسوداً على نعمةٍ *** فإنّما الكامل من یحسد

و إن شئت زيادة وضوح إضرار الحاسد بنفسه و انتفاع المحسود بحسده فاختبر ذلك بقصة يوسف عَلیْهِ السَّلَامْ و اخوته حيث حسدوه و قالوا:

أقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ [يوسف: 9] يُوسُفَ وَ اَلْقُوهُ فِي غَيبَتِ [يوسف: 10] وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍٍ يوسف: 20]. فأدركته العناية الَأزليّة و الرحمة الإلهية و أعطي بمحسوديته الملك و المملكة و العزّ و السّلطنة و ابتلوا بحاسديّتهم بالفقر و الفاقه و الضّر و المسكنة حتّى صاروا محتاجين إليه بسوء الأَعمال فدخلوا عليه و نادوه بلسان الابتهال:

يَأَُِِّیُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَ أَهْلَنَا الضُّرُ [يوسف: 88] و سوء الحال فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [يوسف: 88]. فأصبحوا بفضله مذعنين و عن علوّ شأنه مفصحين بقوله:

تَاللهِ لَقَدْ ءَ اثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَ إِن كُنَّا لَخَطِينَ، وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [يوسف: 91]. بعد أن كانوا له حسداً، و أنت أيّها النّاقد البصير و الزّكي الخبير إذا احطت خبراً بما تلوناه عليك و عرفت مضارّ الحسد و مفاسده فراقب الانصاف و جانب الاعتساف و لا حظ نفسك و امحض لها نصحك و لا تكسب لها الخسارة فى الحال و لا تجلب لها الشّقاوة فى المآل، و لا تبخس حظّك عند الخالق، و لا تسقط وقعك من قلوب الخلائق، و نعمة المحسود دائمة شئت أم أبيت، باقية كرهت أم رضيت، فلا تكن للشّيطان وليّاً و لا لنفسك عدوّاً و لا للمؤمنين خصيصاً، فلا تفت على نفسك فوائد الحبّة، و لا تحرمها من منافع الإلفة و المودّة، و لا توقعها في مضار البغضاء و العداوة، أفما دريت في شرح هذه الخطبة أنها حالقة للدين و الإيمان، ساخطة للرّحمن، و بالله أستعيذ من خبث النفس و شرور الأَنفس، و به أعتصم من مكائد الشّيطان و موبقات الإيمان، و منه التوفيق و عليه التكلان و هو المستعان.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام انام است که فرمود:

به تحقیق که عالم است حقّ سبحانه و تعالی به سر ها و خبیر است به ضمیر ها، مر او را است احاطه به جمیع اشیاء از حیثیت علم و حفظ و غلبه به جمیع مخلوقات با قهر و سلطنت و قوّت به همه موجودات با کمال اقتدار و قدرت، پس باید عمل نماید عمل کننده از شما در ایّام مهلت پیش از سرعت اجل او و در زمان فراغت قبل از اشتغال او و در زمان وسعت نفس زدن پیش از آن که گرفته شود راه نفس او و بایست مهیّا نماید از برای نفس خود توشه طاعات و از برای استواری قدم خود بر صراط و باید توشه بردارد از سرای رحلت خود برای سرای اقامت خود.

پس بترسید از خدا ای بندگان خدا در آن چه که خواسته است از شما حفظ کردن آن را از کتاب خود و در آن چه امانت نهاده پیش شما از حقوق خود، پس به درستی خداوند عالم خلق نفرموده شما را به عبث و فرو نگذاشته است شما را مهمل و نگذاشته است شما را در جهالت و کوری.

به تحقیق که بلند نموده است خبر های شما را و عالم است عمل های شما را و نوشته است اجل های شما را و نازل کرد بر شما کتاب را به جهت بیان هر شیء و زندگانی داد در میان شما پیغمبر خود را زمانی چند تا آن که کامل ساخت از برای او و از برای شما در آن چه که نازل فرموده بود از کتاب خود دین خود را که پسندیده بود از برای خود و اعلام نمود به شما به زبان پیغمبر خود محبوب ها و مکروه های خود را از عمل ها و کار ها و نواهی خود را و اوامر خود را.

پس القا کرد به سوی شما معذرت خود را در عقوبت شما و أخذ نمود بر شما حجّت خود را و پیش انداخت به سوی شما تهدید و وعید را و ترسانید شما را پیش از عذاب شدید.

پس تدارک نمائید در بقیّه روزگار خود و باز دارید در بقیّه ایّام نفس خود را از عمل ناشایست و متحمل باشید به مشقت عبادت، پس به درستی که آن بقیه ایام کم

است در میان روزگار بسیار که می باشد از شما غفلت و بی خبری و مشغول شدن از پند گیری و رخصت ندهید نفس های خود را تا اینکه ببرد شما را آن رخصت ها در راه های ظالمان و ستم کاران و مداهنه و مسامحه ننمائید با فاسقان تا این که بیاورد شما را آن مداهنه به معصیت.

ای بندگان خدا، به درستی که نصیحت کننده ترین خلق بر نفس سرکش خود، اطاعت کننده ترین ایشان است پرودگار خود را و به درستی که فریب دهنده ترین خلق نفس خود را، عاصی ترین ایشان است بر آفریدگار خود و زیان کار کسی است که زیان رساند نفس خود را و سودمند کسی است که سالم شود از برای او دین او و صاحب سعادت آن کسی است که پند گیرد به حال غیر خود و صاحب شقاوت آن کسی است که فریب خورد به هوا و غرور خود.

و بدانید که اندکی از ریا شرك است به خدا و هم نشینی اهل معصیت و هوا محل فراموشی ایمان است و مكان حضور شیطان و کناره جوئی کنید از کذب و بهتان که آن بیگانه است از ایمان، راست گو بر کناره نجات است و بزرگواری و دروغ گو بر گوشه هوس است و خواری و بر یکدیگر حسد مبرید، پس به درستی که می خورد حسد دین را هم چنان که می خورد آتش هیزم را.

هر که را پیشه بود حقد و حسد *** هرگز از آتش دوزخ نرهد

کینه از سینه خود بیرون کن *** زين عمل قدر و شرف افزون کند

بیخ حقد و حسد از دل بر کن *** بر فلك ساز چه عیسی مسکن

و دشمنی نکنید بر یک دیگر پس به درستی که عداوت تراشنده ایمان است و بدانید که آرزوی دور و دراز باعث سهو عقل می شود و سبب نسیان ذکر، پس تکذیب نمائید آرزوی خود را از جهت این که آمال و امانی دروغ است و فریب و صاحب آن مغرور است و مفتون.

و من خطبة له عليه السلام و هي السادسة و الثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

و شرحها في ضمن فصول:

الفصل الأول

اشارة

عِبادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبُّ عِبادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعانَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ و تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ، و أَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعيدَ، و هَوَّنَ الشَّديدَ، نَظَرَ فَأَبْصَرَ، و ذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَ ارْتَوى مِنْ عَذَبِ فُراتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلاً، و سَلَكَ سَبيلاً جَدَداً، قَدْ خَلَعَ سَرابِيلَ الشَّهَواتِ، وَ تَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ إِلاّ هَمّاً واحِداً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمى و مُشارَكَةِ أَهْل الْهَوى، و صارَ مِنْ مَفاتيح أَبْوابِ الْهُدَى و مَغاليقِِ أَبْوابِ الرَّدي، قَدْ أَبْصَرَ طَريقَهُ، و سَلَكَ سَبيلَهُ، و عَرَفَ مَنارَهُ، وَ قَطَعَ غُمارَهُ، وَ اسْتَمْسَكَ مَنِ الْعُرَى بِأَوْثَقِها، و مِنَ الْجِبالِ بِأَمْتَنِها، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ في أَرْفَع الأمُورِ، مِنْ إِصْدارِِ كُلِّ وارِدٍ عَلَيْهِ، وَ تَصْيرِ كُلِِّ فَرْعٍِ إِلَى أَصْلِهِ، مِصْبَاحُ ظُلماتٍ، كَشَافُ عَشَوَاتٍ، مِفْتَاحُ مُبْهَماتٍ، دُفّاعُ مُعْضَلاتٍ، دَليلُ فَلَوّاتِ، يَقُولُ فَيَفْهِمُ، و يَسْكُتُ فَيَسْلَمُ، قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ، فَهُوَ مِنْ مَعادِهِ دينِهِ، وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ، قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكانَ أَوَّلُ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ، وَ لاَ يَدَعُ للْخَيْرِ غايَةً إِلاّ أُمَّهَا، وَ لا مَظِنَّةً إلاّ قَصَدها، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتابَ مِنْ زَمامِهِ، فَهُوَ قائِدُهُ و إِمامُهُ، يَحُلً حَيْثَ حَلَّ ثَقَلُهُ، و يَنْزِِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِِِلُهُ (1)

اللغة

(الشّعار) من الثوب ما يلي شعر الجسد (و الجلباب) القميص أو غيره ممّا مضى في شرح الكلام الخامس و الستين و (زهر) الشيء يزهر من باب منع صفا لونه و أضاء و (القرى) من قرى الضّيف من باب رمى قرى بالكسر و القصر و الفتح و المدّ أضافه، و في «المصباح» قرى بالكسر و القصر و الاسم القراء بالفتح و المدّ و (فرات) الماء العذب (و باللام) اسم نهر معروف.

و (نهل) البعير نهلاً من باب تعب شرب الشّرب الأوّل حتّى روى و (الجدد) بالتحريك المستوى من الأَرض و (السّربال) القميص و (الغمار) بالكسر إما جمع الغمر كالغمور و هو الماء الكثير و معظم البحر أو جمع الغرة كالغمرات و هي الشدة و الزحمة و (العرى) بالقصر مثل


1) شرح مئة كلمة: 228، بحار الأنوار: 57/2.

العروة من الدّلو و الكوز و نحوهما مقبضها و (عشوات) بالتحريك جمع العشوة بالتّثليث و هي

الأَمر الملتبس.

(و المعضلات) الشدائد و الأمور التي لا تهدي لوجهها من أعضل الأََمر إذا اشتدّ و (المعادن) جمع معدن كمجلس و هو محل الجوهر و (أمّه) أمّا من باب قتل قصده و(مظنة) الشيء المكان الذي يظن فيه وجوه و (الثقل) متاع المسافر و حشمه و الجمع اثقال كسبب و أسباب.

الإعراب

(الفاء) في قوله: (فاستشعر الحزن) عاطفة مشعرة بسببية ما قبلها لما بعدها كما فی قولك يقوم زيد فيغضب عمرو، و كذلك أكثر الفاءات بعدها، و قوله: فهو من اليقين على مثل (آه هو مبتدأ (و على) مثل خبر له (و من اليقين) حال إمّا من المبتدأ و العامل فيه الخبر و هو مبنيّ على جواز الاختلاف بين عامل الحال و عامل صاحبه، و إمّا من الضمير المستكن في الخبر فيتحد العاملان و إنّما قدّمت الحال على عاملها لتوسعهم في الظروف قالوا: و من ذلک البز الكز بستّين أي الكرّ منه بستين فمنه حال و العامل فيه بستين.)و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (مصباح ظلمات بالرفع خبر بعد خبر، و قوله: ﴿فكان أوّل عدله الهوى) يجوز جعل أوّل اسما و نفي الهوى خبراً و بالعكس إلاّ أن مقتضى الإعراب الموجود فی نسح الكتاب هو الأَوّل حيث اعرب الأَوّل مرفوعاً و النفي منصوباً و هو أيضاً مقتضى الأَصل.

المعنى

اعلم أن هذا الفصل من كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ مسوق بشرح حال المتقين و بيان صفات العارفين الكملين من عباد الله الصالحين، و في الحقيقة و المعنى هو شرح لحال نفسه الشريف و حال أولاده المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، إذ الأَوصاف الآتية لم تجمع إلاّ فيهم و لم تشاهد إلاّ منهم.

و هم المتّصفون بالفناء في الله و البقاء بالله، و المبتغون لمرضاة الله و هم أحب النّاس إلى الله و الله أحبّ إليهم و أولى بهم من أنفسهم، فهم التّامون في محبّة الله و المخلصون في توحيد الله و المظهرون لأَمر الله و نهيه و عباده المكرمون لا يَسْبِِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُم بِِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27).

خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَلٍِ سَأُُوْرِِيكُمْ وَ ايَتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ 37 [الأنبياء: 37]. إذا عرفت هذا فأقول قوله عَلیْهِ السَّلَامْ إنَّ مِن أحَبِّ عِبادِ اللّهِ إلَیهِ عَبدا أعانَهُ اللّهُ عَلی نَفسِهِ أراد بمحبّته سبحانه له إفاضة الكمالات النّفسانية عليه المعدّة له بالقرب إليه تعالى و القبول بفضله و جوده، و يأتي في شرح المختار المائتين و الخامس و العشرين إن شاء الله تفصيل الكلام في

معنى محبّته تعالى، و معنى إعانته له على نفسه إعانته جنود عقله على جنود جهله و تقوية عقله على قهر نفسه الأَمّارة، فإذا قوي عقله و أعين له اتّصف بأوصاف أشار عَلیْهِ السَّلَامْ إليها.

أوّلها: أنّه (استشعر) الحزن أي اتصف بالحزن و جعله ملازماً له لزوم الشّعار للجسد، و إنّما صار محزوناً لما صدر منه في الأَيّام الماضية من التفريط في جنب الله حيث لم يكتسب فيها من موجبات القرب و الاختصاص اضعاف ما اكتسبه.

(و) الثاني: أنه (تجليب الخوف) أي جعله لازماً له لزوم الجلباب للبدن، و قد مضى تحقيق الكلام في الخوف و في أقسامه في شرح الخطبة الخامسة و السّبعين.

و الثّالث: أنّه حيث اتّصف بالحزن و الخوف (ف) استعذ بذلك لأَن (زهر مصباح الهدى في قلبه) أي أضاء أنوار المعارف الحقّة الإلهيّة في قلبه فصار سبباً لا هتدائه و وصوله إلى مقام القرب.

(و) الرّابع: انّه (أعدّ القرى ليومه النّازل به) شبّه يوم الموت و ما بعده بالضّيف المتوقّع نزوله و كما أنّ من توقع نزول ضيف به يهيّأ له قرى ليبيض به وجهه عند الضيف و يكسب به المحمدة منه و لا ينفعل منه عند نزوله، فكذلك الرّجل الموصوف لمّا توقّع نزول الموت و علم أنّه قادم لا محالة أعدّ له من وظائف الطّاعات و العبادات ما يكون موجباً لبياض (1)وجهه عند نزوله و اكتسابه المحمدة و الثّناء، و ذلك أيضاً من ثمرات الخوف المقدم ذكره و من شئوناته.

و الخامس: أنه حيث أعدّ قرى ضيفه (فقرب على نفسه البعيد) و الظّاهر أن المراد بالبعيد هو الموت الذي يراه الغافلون بعيداً و بتقريبه على نفسه هو مبادرته إليه و جعله له نصب عينيه و ترقّبه له و عدم غفلته عنه صباحاً و مساءاً، لأَنّه بعدما هيّا أسبابه و أعدّ القرى له لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، و أمّا ما ذكره الشّارح البحراني من احتمال كون المراد بالبعيد هو رحمة الله البعيد عن مستحقّها، و بتقريبه تحسين العمل أو كون المراد به أمله الطّويل في الدنيا و بتقريبه تقصير الأَمل، فمضافاً إلى بعده في نفسه غير ملائم لظاهر العطف بالفاء و إن أمكن توجيهه بتكلف.

(و) السّادس: أنّه (هوّن الشديد) يحتمل أن يكون المراد بالشديد شدائد الموت ودو اهيه و ما يتلو ذلك، فيكون المراد بتهوينها تسهيلها بالأَعمال الصّالحة و هو من ثمرات إعداده القرى للموت، و أن يكون المراد به شدائد الطاعات و كلفة المجاهدات و الرّياضات، فيكون المراد بتهوينها تحملها و الصّبر و حبس النّفس عليها، و هو من فروع شروق مصباح الهدى في قلبه.

و السّابع: أنّه (نظر فأبصر) أي تفكّر في الملك و الملكوت فصار ذا معرفة و بصيرة كما قال سبحانه:


1) في نسخة: لا بيضاض.

سَنُرِيهِمْ ءَایَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَ فِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ [فصلت: 53]. (و) الثامن: أنّه (ذكر فاستكثر) أي ذكر الله فاستكثر من ذكره إذ بذكره تسكن النّفوس كما قال سبحانه:

أََلَا بِِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]. و بكثرة ذكره تنال المحمدة و الثّناء عند الله كما قال تعالى:

رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِِمْ تِجَرَةٌ وَ لَا بَیْعٌ عَن ذِكْرِِ اللَّهِ [النور: 37]. (و) التّاسع: أنّه ارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ شبه عَلیْهِ السَّلَامْ العلوم الحقّة و المعارف الإلهيّة المفاضة على العارف بالماء الصّافي العذب الزّلال فاستعاره لها و رشحه بذكر الارتواء كما أنّه استعار في الكلام السّابع عشر للعقائد الباطلة و الآراء الفاسدة لفظ الآجن حيث قال عَلیْهِ السَّلَامْ في ذكر أوصاف القضاة السوء: حَتَّي إِذَا ارْتَوَي مِنْ آجِنٍ، و المراد بسهولة موارده عدم كونها ردغة و حلة و هو كناية عن سرعة استعداده لقبول تلك العلوم المفاضة من محالها و مواردها أعني الأَلواح السّماوّية و ألسن الملائكة و لسان النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الرّوع في القلب و النّكث في القلوب و نحوها إن كان المراد بالموصوف الأَئمة عليهم السلام على ما قدّمنا؛ و النّبي و الأَئمة سلام الله عليه و عليهم إن كان المقصود به مطلق العارف هذا و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ (فشرب نهلا) إشارة إلى أنّه لما شرب من العذب الفرات و ارتوى اكتفى بذلك و صار شربه الأَوّل كافياً و لم يحتج بعده إلى الشّرب الثّاني لأَنّه شرب من رحيق التحقيق و من عين التوفيق شربة لا ظمأ بعدها أبداً.

(و) العاشر: أنّه سلك سبيلاً جدداً أي طريقاً مستوية عدلاً مصونة عن طرفي الإفراط و التفريط إذ اليمين و الشّمال مضلة و الطريق الوسطى هي الجادّة الموصلة لسالكها إلى حظيرة القدس، و قد مضى تفصيلاً و تحقيقاً في شرح الفصل الثاني من الكلام السادس عشر فتذكر.

و الحادي عشر: أنّه قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ أي نزع لباس الشهوات و خلى نفسه منها

لكونها موجبة لصداء مرآت القلب مائعة عن انطباع صور الحق فيها.

(و) الثاني عشر: أنه قد تخلّى من الهموم أي هموم الدّنيا كلّها لكونها مجانبة للحق شاغلة عنه إِلاَّ هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ و هو همّه بالوصول إلى مولاه الذي به لذته و بالإنفراد بذكره و مناجاته سروره و بهجته و بمطالعة جلاله و كبريائه شعفه و فرحته.

و الثّالث عشر: أنه حيثما تخلّى من الهموم و انحصر همّه في الهمّ الواحد فَخَرَجَ بِه مِنْ صِفَةِ الْعَمَى وَ عن مُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى أراد أنه باتّصافه بفضيلة العلم و الحكمة خرج من صفة الجهالة و عن مشاركة أهل الهوى و الشّهوة لكون الاشتراك معهم موجباً للضّلالة، و إليه

الإشارة بقوله سبحانه:

وَ أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى 40 فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى 41 [النازعات: 40 -41]. (و) الرابع عشر: أنّه من أجل اتصافه بالعلم و الحكمة أيضاً صَارَ مِنْ مَفَاتِیحِ أَبْوَابِ الْهُدَی وَ مَغَالِیقِ أَبْوَابِ الرَّدَی فيه تنفتح أبواب الرّشاد و الهداية للمهتدين، و تتغلق أبواب الغوى و الضَّلالة للجاهلين، لكونه فاتحاً لباب المعروف سادّاً لباب المنكر فبنور وجوده يهتدي الجاهلون،و بكمال ذاته يرتدع الضّالون.

و الخامس عشر: أنه قَدْ أَبْصَرَ طَرِیقَهُ وَ سَلَکَ سَبِلَهُ أي أبصر بنور بصيرته طريقه المأمور

بسلوكها فسلكها، و إلى هذا السّبيل و الطريق أشير في قوله:

وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمَا فَاتَّبِعُوهُ وَ لَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِِكُمْ عَن [الأنعام: 153] و في قوله: وَ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء: 88]. كما مضى مشروحاً في شرح الفصل الثاني من الكلام السّادس عشر، فتذكر.

(و) السّادس عشر: أنّه عرف الذين هم مناره أصل المنار هو العلم المنصوب على الطّريق ليأمن به المارّة من الخروج عن الجادّة فمن عرف مناره أمن الضّلالة، و المراد به هنا هم أئمة الدّين الذي هم أعلام اليقين، فالسّالك إلى الله بقدمي الصّدق و العرفان إذا عرفهم و لزمهم و أخذ بحجزتهم أمن من الضّلال و وصل إلى حظيرة القدس و الجلال التي هي منتهى الآمال، هذا إن كان الموصوف بالصّفات مطلق العارف و إن كان المقصود به هم (عَلیْهِمُ السَّلَامْ) حسبما أشرنا إليه سابقاً فالمراد بالمنار هو النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

(و) السابع عشر: أنه (قطع غماره) أشار بالغمار إلى ما كان مغموراً فيه من مشاق الدّنيا و همومها و التّألم بسبب فقدها و مجاذبة أهلها لها و تزاحمهم عليها، فإن العارف بمعزل عن ذلك و إنما هو شأن الجاهلين الذين هم في غمرة ساهون.

(و) الثامن عشر: اسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا وَ مِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا و المراد بأوثق العرى و أمتن الحبال ما أشير إليها في سورة البقرة بقوله:

فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَها [البقرة: 256] و في سورة آل عمران بقوله: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَ لَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103].

و قد فسّر العروة في الظاهر بالإيمان و الحبل به و بالقرآن، و قد فسّرا في الباطن بالولاية، روى في «البحار» من «كنز جامع الفوائد» و تأويل الآيات قال: ذكر صاحب «نهج الإيمان» في

تأويل قوله:

فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان: 22]. روى أبو عبد الله الحسين بن جبير في كتاب «نخب المناقب» لآل أبي طالب حديثاً مسنداً إلى الرّضا عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: مَنْ أَحَبَّ أَنْ یَسْتَمْسِکَ بِالْعُرْوَهِ اَلْوُثْقَی فَلْیَسْتَمْسِکْ بِحُبِّ عَلِیٍّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ (1عَلیْهِ السَّلَامْ)، و روى أيضاً في الكتاب المذكور مسنداً أبان بن تغلب عن جعفر بن محمّد عَلیْهِما السَّلَامْ قال: نَحْنُ حَبْلُ اَللَّهِ اَلَّذِی قَالَ اَللَّهُ تَعَالَی:

وَ اعْتَصِمُوا بِِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَ لَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103]. و الأَخبار في هذا المعنى متظافرة.

و التاسع عشر: أنه لما استمسك بالعروة الوثقى و الحبل الأَمتن فترقى بذلك إلى أعلى

مدارج العلم و العرفان (ف) كان هُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ يعني أنّه رأى بعين اليقين الحقائق و شاهد دقائق الملك و الملكوت لا يختلجه في ذلك شك و وهم كما يرى بصره نور الشمس في الوضوح و الجلا.

و العشرون: أنه لكمال ذاته قد نصب نفسه و عيّنها﴾ (ل-) أجل ابتغاء مرضاة اللّه سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الأُمُورِ مِن إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ و تَصْييرِ كُلِّ فَرْعِ إلى أصْلِهِ أراد عَلیْهِ السَّلَامْ أنه لما كمل ذاته نصب نفسه لأَرفع الأمور من هداية الخلق و ارشادهم إلى ما فيه رشادهم فقام بإصدار الأجوبة عن كلّ ما ورد عليه من الأَسئلة و نهض برد كلّ فرع من فروع العلم إلى أصله المتشعّب عنه، و فيه إشعار و تنبيه على جواز الاجتهاد و استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية كما عليه بناء المجتهدين من أصحابنا، خلافاً لأصحابنا الأخباريين و التفصيل معنون في «الأصول».

و الحادي و العشرون: أنّه (مصباح ظلمات) يقتبس منه العالمون أنوار العالم و يهتدي به

التائهون في ظلمات الجهل.

و الثّاني و العشرون: أنّه (كشاف عشوات) يكشف به و يميّز الأمور الملتبسة و في بعض النسح غشوات (بالغين) المعجمة فالمراد أنه يكشف النقاب عن وجه الحق.

و الثالث و العشرون: أنه (مفتاح مبهمات) به يفتح أبواب الأَحكام المبهمة المغلقة.

و الرّابع و العشرون: أنه (دفاع معضلات) يعني أنه يدفع الأَعضال عن المسائل المعضلة الشرعية و يرفع الأشكال عن الأَحكام المشكلة الأَصلية و الفرعية بكلامه الوافي و بيانه الشافي.


1) بحار الأنوار: 83/24 ح 1، تفسير كنز الدقائق: 615/1.

و الخامس و العشرون: أنه (دليل فلوات) أراد عَلیْهِ السَّلَامْ أن السّالك في مسالك الفلوات كما لا يهتدي إليها إلا بدلالة الأَدلاء الذين اعتادوا سلوكها و ضبطوا مراحلها و منازلها، فكذلك السّائر في فلوات المعقولات الطالب لطيّ مراحلها الباغي للنّزول إلى ساحة الحق و الوصول إلى حظيرة القدس لا يهتدي إليها و لا يمكنه النّزول فيها إلاّ بهداية دليل هاد و إرشاد مرشد يرشد إلى الرشاد، و هو العارف المعتاد بسلوك تلك المسالك فمن لم يسلك بدلالته فهو ضال

و هالك.

و السادس و العشرون: أنّه یَقولُ فَیُفهِمُ و یَسکُتُ فَیَسلَمُ يعني أنه يقول: إذا اقتضت الحال فيفهم لمخاطبة المقال و يسكت في مقام السّكوت فيسلم من عثرات اللّسان.

و السابع و العشرون: أنه قَد أخلَصَ للّهِ فَاستَخلَصَهُ أي أخلص عمله الله و جعله خالصاً عن شوب الرّياء و الشّرك على ما مضى في شرح الفصل الرّابع من فصول الخطبة الأولى، و حيث أنه أخلص الله فاستخلصه الله و اختاره و اختصه من بين أبناء جنسه بالرّضا عنه و إفاضة الكمالات عليه و إدنائه إلى مقام القدس.

و الثّامن و العشرون: أنّه إذا اتصف بالإخلاص و الاستخلاص (ف-) صار هُوَ مِن مَعادِنِ دینِهِ و أَوتادِ أرضِهِ شبهه عَلیْهِ السَّلَامْ من حيث كونه محلاً للدين و مستقراً له بالمعدن الذي يستقرّ فيه الجوهر فكما أن المعدن يستخرج منه الجوهر و ينتزع منه، فكذلك الذي الّذين هو جوهر عقلاني يستفاد من ذلك الموصوف و يكتسب منه، و أمّا معنى كونه من أوتاد أرضه فهو أنّك قد عرفت في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة الأولى أنه سبحانه وتد بالصّخور و الجبال

ميدان أرضه و اضطرابه و أنت إذا أخذت بين مجامع هذا الكلام و ما تقدم ظهر لك أنّه عَلیْهِ السَّلَامْ جعل الموصوف بمنزلة جبل يكون و تداً للأَرض مانعاً لها عن الاضطراب، وهو إمّا جار على الحقيقة إن أراد بالموصوف نفسه الشّريف و من هو بمنزلته من أولاده المعصومين الذين لو لا هم لماجت الأرض بأهلها و ساخت، و إمّا على المجاز بأن يكون المراد به العموم فإن الرّجل الموصوف لما كان سبباً لانتظام أمر الدّنيا و عدم اضطراب أحوال أهلها كان كالوتد للأَرض، فافهم.

و التّاسع و العشرون: أنه قَد ألزَمَ نَفسَهُ العَدلَ فَکانَ أوَّلَ عَدلِهِ نَفیُ الهَوی عَن نَفسِهِ لما كان العدالة ملكة تصدر بها عن النفس الأَفعال الفاضلة خلقاً لا تخلّقاً و أصولها عبارة عن الحكمة و العفّة و الشجاعة، و سائر الفضائل فروعاً لها و كان العارف قد أرضى نفسه بالعبادة و غيرها حتى حصل على هذه الفضائل الخلقيّة لا جرم كان بسعيه في حصولها قد ألزم نفسه العدل.

قال الشّارح البحراني: و لما كان العدل في القوّة الشّهوية الذي هو أن يصير عفيفاً لا

خامد الشهوة و لا فاجراً أصعب من العدل على سائر القوى لكثرة موارد الشّهوة و ميلها بالإنسان إلى طرف الإفراط، و لذلك قال أكثر المناهي الواردة في الشريعة هي موارد الشهوة لا جرم كان مقتضى المدح أن يبدأ بذكر نفي الهوى عن نفسه، و لأَنّ السّالك أوّل ما يبدأ في تكميل القوّة العمليّة بإصلاح القوّة الشهويّة فيقف عند حدود الله و لا يتجاوزها في مأكول أو منكوح أو كسب و نحوه.

و الثّلاثون: أنّه یَصِفُ الحَقَّ ویَعمَلُ بِهِ أي يطابق فعله قوله و يوافق قوله عمله فإن من يأمر و لا يأتمر و ينهى و لا يزدجر لا يؤثر وعظه و لا يثمر إرشاده فإن الموعظة إذا صدرت عن اللّسان لا تتجاوز الآذان و إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، و قد ذمّ الله أقواماً خالفت أفعالهم أقوالهم بقوله:

يَاأََیُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ 2 كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ 3 [الصف : 2- 3]. (و) الحادي و الثلاثون: أنه لا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غايَةً إِلا أُمَّهَا وَ لَا مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَها يعني أنّه همّته مقصورة على سلوك مسالك الخير و قصد مظان البرّ ليفوز غايته و يدرك نهايته.

و الثّاني و الثّلاثون: أنّه قد أمكن الكتاب أي كتاب الله (من زمانه) أدّى زمام نفسه إلى

الكتاب و فوّضه إليه و مكنه منه و هو كناية عن كونه منقاداً له مطيعاً لما اشتمل عليه من الأَوامر و النواهي فَهُوَ قائِدُهُ وَ إِمامُهُ يقوده إلى الله و يأمّه في سلوك سبيل رضوان الله يحلّ حيث سلّ ثقله و ينزل حيث كان منزله قال الشارح البحراني: استعار عَلیْهِ السَّلَامْ و صفي الحلول و النّزول الذين هما من صفات المسافر و كنّى بحلوله حيث حلّ عن لزوم أثره و العمل بمقتضاه و متابعته له في طریق سفره إلى الله بحيث لا ينفكّ عنه وجوداً و عدماً.

أقول: هذا إن كان المراد بالموصوف نفسه الشّريف و من حذا حذوه، و أمّا إن أريد به مطلق العارف فالمراد بمحل القرآن و منزله هو بيت الرّسالة و الإمامة أعني مهبط الوحي و معدن الذكر، فيكون المقصود بحلول الموصوف و نزله فيه كالقرآن كونه مقتدياً بالرسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الأئمة مقتبساً لهداهم آخذاً بولايتهم صلوات الله و تحيّاته عليه و عليهم أجمعين.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام زمان و مقتدای عالمیان است در وصف حال متقین فرموده که:

ای بندگان خدا، به درستی از محبوب ترین بندگان خدا است به سوی او، بنده ای که اعانت فرموده و غالب نمود خدای تعالی او را بر نفس خود، پس شعار خود گردانید حزن را و سرپوش خود نمود ترس را، پس روشن شد چراغ هدایت در قلب او و مهیا نمود مهمانی را برای روزی که فرود آید به او پس نزديك گردانید بر نفس خود دور را که عبارت است از موت و احوال آخرت و آسان نمود کار سخت را که عبارت است از کلفت و مشاق عبادت، نگاه كرد به دیده عبرت به ملك و ملكوت، پس شد صاحب معرفت و بصیرت و ذکر کرد خداوند را، پس بسیار نمود از ذکر ربّ العزّت و سیراب شد از آب خوش شیرین که آسان گردانیده شد از برای او موارد آن، پس آشامید آب را اول بار و سبقت نمود بر سایرین و محتاج نشد به آشامیدن دوّمین و سلوك كرد راه راست محفوظ از تفریط و افراط را.

به تحقیق که بر کند از خود پیراهن های شهوت ها را و خالی شد از همه همّ ها و غم ها مگر همّ واحدی که منفرد شده است به او که عبارت است از همّ وصول به قرب حق، پس بیرون آمد از صفت کوری و از مشارکت اهل هوا و غفلت و گردید از کلید های درهای هدایت و از آلته ای بستن درهای هلاکت.

به تحقیق که دید راه صواب خود را و سلوك نمود در راه راست خود و شناخت نشان هدایت خود را از دلایل واضحات و برید از خود آن چه فرو رفته بود آن از شهوات و چنگ زد از بند ها به محکم ترین آن ها و از ریسمان ها به استوار ترین آن ها، پس او از یقین بر مثال نور آفتاب است در تابندگی و درخشندگی، پس نصب کرد نفس خود را از برای خداوند در بلند ترین کار ها که عبارت باشد از باز گردانیدن جواب هر وارد کننده سؤال بر او و از ردّ نمودن هر فرع از فروع علوم به سوی اصل خود. چراغ تاریکی ها است، کشف کننده امر های مشتبه است.

راهنمای بیابان ها است سخن می گوید، پس می فهماند و ساکت می شود، پس به سلامت می ماند.

به تحقیق که خالص نمود عبادت را از برای خدا، پس خالص نمود خداوند او را از برای خود و برگزید او را با بنای جنس به افاضه فیوضات و کمالات، پس او از معدن های دین خدا است و از میخ های زمین حق تعالی است.

به تحقیق که لازم گردانیده بر نفس خود عدل را، پس هست اوّل عدالت او دور نمودن هوا و هوس از نفس خود، تعریف می کند حق را و عمل می کند به آن، ترک نمی نماید عمل خیر را هیچ غایتی مگر این که قصد می کند آن را و نمی گذارد مظنه خیری مگر آن که آهنگ می نماید آن را.

به تحقیق که متمكّن ساخت کتاب الله المجيد را از مهار خود و جلوی خود را به دست او واگذار نمود، پس کتاب عزیز قائد و پیشوای او است حلول می کند هر جا که حلول می کند بار نفیس کتاب و نزول می نماید هر مکانی که منزل نموده در آن کتاب؛ و الله أعلم بالصّواب.

الفصل الثاني

اشارة

وَ آخَرُ قَدْ تَسَمّى عالِماً و لَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهّالِ، وَ أَضاليلَ مِنْ ضُلاّلٍ، و نَصَبَ لِلنَّاسِ أَشراكاً مِنْ حَبائِلِ غُرُورٍ، و قَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتابَ على آرائِهِ، و عَطَفَ الْحَقَِّ عَلَى أَهْوائِهِ، يُؤَمِّنُ النّاسَ مِنَ الْعَظَّائِم، و يُهَوِّنُ كَبيرَ الْجَرائِم، يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَ فيها وَقَعَ، و يَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِِدْعَ وَ بَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسانِ، وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَيْوَانِ، لاَ يَعْرِِِفُ باب الْهُدَى فَيَتَّبِِِعَهُ، و لا بَابَ الْعَمى فَيَصُدَّ عَنْهُ، و ذَلِكَ مَيِِّتُ الأَحْيَاءِِ (1).

اللغة

(قد تسمّى) تسمّى بفتح (الثاء) المثناة الفوقانية. قال في «القاموس» تسمّى بكذا و بالقوم و إليهم انتسب، و في بعض النسخ يسمّى بصيغة المضارع المجهول من باب فعل و هو الأَظهر (الجهائل) جمع الجهالة كالعلائق و العلاقة و (الأَضاليل) من الضّلال جمع لا واحد له من لفظه و (ضلال) بضم (الضّاد) جمع ضالّ كجاهل و جهّال و عامر و عمّار و (الاشراك) جمع الشّرك محركة و هو ما يصاد به و (الزور) الكذب و مزخرف الكلام قال تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ و (ضجعت) ضجوعاً من باب نفع، وضعت جنبي بالأرض و اضطجعت مثله.

الإعراب

قوله: (و آخر) بالرّفع صفة لمحذوف معطوف على محلّ اسم (أنّ) السّابق في أوّل الفصل السّابق، قوله: (و ليس به)، من زيادة (الباء) في الخبر و اسم (ليس) ضمير مستتر (و اللاّم) في الصورة و القلب إمّا عوض عن الضمير المضاف إليه كما كما هو مذهب الكوفيّين و بعض البصريين أي صورته صورة إنسان و قلبه قلب حيوان و عليه خرج الكوفيّون قوله سبحانه: فإنّ الجنّة هي المأوى، و المانعون يقولون في مثل ذلك إنّ ( اللام) للعهد و الضمير محذوف أي الصورة له أو منه و قالوا في الآية: هي المأوى له.

المعنى

اعلم أنّه لما شرح حال أحبّ العباد إلى الله سبحانه في الفصل السّابق أردف ذلك بشرح حال المبغوضين عنده تعالى فقال: و آخَرُ قَد تَسَمّی عالِما ولَیسَ بِهِ أي وعبد آخر قد انتسب إلى أهل العلم و نسب نفسه إليهم و ليس هو بذلك أو سمّاه العوام عالماً فاقْتَبَسَ جَهائِلَ مِنْ


1) ينابيع المودى لذوي القربى: 432/3، بحار الأنوار: 57/2.

جُهّالٍ و أَضالِیلَ مِنْ ضُلاَّلٍ أي تعلم جهالات مركّبة و عقائد باطلة من أهل الجهالة و اكتسب الآراء الموجبة للانحراف عن قصد السّبيل عن أهل الضّلالة فحذا حذوهم و سلك سبيلهم و صار جاهلاً ضالاً مثلهم و نَصَبَ لِلنّاسِ أشراکاً مِن حَبائِلِ غُرورٍ و قَولِ زورٍ يعني أنه يغرّ الخلق بأقواله الباطلة و أفعاله المزخرفة و يجذبهم بها إليه و يوقعهم في شركه و حبالته كما يغرّ الصياد الصّيد يخدعه حتى يوقعه في شركه الذّي نصبه له قَد حَمَلَ الکِتابَ عَلی آرائِهِ أراد عَلیْهِ السَّلَامْ أنه حمل كتاب الله على مقتضى رأيه و هواه، و ذلك لجهله بفحواه و معناه و قد قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: من فسّر القرآن برأيه فليتبوّء مقعده من النّار (1)، و كفى بكلامه عَلیْهِ السَّلَامْ شاهداً أن کلاً من الفرق المختلفة كالمشبّهة و المجسّمة و الكراميّة و الأَشعرية و المعتزلة و غيرها على كثرتها قد تعلّق في إثبات مذهبه بالقرآن، فكلّ يأوّله على رأيه و يخرجه على معتقده مع أن قول الكل باطل و تأويل الجميع فاسد. وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ وَ امَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا وَ مَا يَذَّكَرُ إِلَّا أُولُوا اَلْأَلْبَابِِ [آل عمران: 7]. و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ و عَطَفَ الحَقَّ عَلی أهوائِهِ عطف تفسير و توضيح إذ الكتاب حقّ و ما فيه و من حمله على رأيه فقد عطف الحق على هواه و جعل هواه حقّاً بتأويل ما.

وَ لَوِِِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَن فِيهِنَّ [المؤمنون: 71]. یُؤمِنُ النّاسَ مِنَ العَظائِمِ و یُهَوِّنُ في نظرهم (كبير الجرائم) بذكر الآيات الدّالة على الوعد و الأَحاديث المحصّلة للطمع و الرّجا كقوله تعالى: قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً [الزمر: 53]. و قوله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: حُبُّ عَلِیٍّ حَسَنَةٌ لاَ یَضُرُّ مَعَهَا سَیِّئَةٌ، و نحو ذلك و إنما يهوّنها في نظرهم و يؤمنهم منها استجلاباً لقلوبهم و طلباً للوقع عند الجهال من الأمرا و أرباب المناصب و نحوهم من المنهمكين في الشّهوات و الباغين للّذّات و المقتحمين في الشبهات و المحرمات الذين لا يبالون في شيء منها طمعاً في أنه سبحانه قابل التّوبات و غافر الخطيئات و ما حي السّيئات.

و هذا من تسويلات الشّيطان اللّعين و تدليسات ذلك الفاسق المتوسم بسمة العالم إذ الخوف توأم الرجاء و الوعد ردف الوعيد، و هو تعالى قهّار كما أنّه غفّار، فاللاّزم للعالم أن يلاحظ المقام و ينظر مواقع الكلام فيورد أدلّة الرجاء في مجالس الخائفين، و آيات الخوف في مجالس الآمنين كي لا ييأس الخائف من روح الله و لا يأمن الآمن من غضب الله.


1) عوالي اللثالي: 104/4، نور البراهين: 187/1.

یَقولُ أقِفُ عِندَ الشُّبَهاتِ توقياً و تورّعاً (و فيها وقع) لجهله بها و غفلته عنها و الوقوف عندها فرع العلم وَ یَقُولُ أَعْتَزِلُ اَلْبِدَعَ المخالفة للقوانين الشرعية وَ بَیْنَهَا اِضْطَجَعَ لجهله بها أيضاً فَالصُّورَهُ صُورَةُ إِنْسَانٍ تامّ الأعضاء و الأَركان بهيّ الهيئة عذب اللسان وَ اَلْقَلْبُ قَلْبُ حَیَوَانٍ له أذنان محجوب عن إدراك حقائق العرفان. و كأين ترى من صامت لك معجب *** زيادته أو نقصه في التّكلّم

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده *** فلم يبق إلاّ صورة اللّحم و الدّم

لا یَعرِفُ بابَ الهُدی فَیَتَّبِعَهُ و لا بابَ العَمی فَیَصُدَّ عَنهُ أنه بسبب جهله المركب لا يعرف قانون الهداية إلى الرّشاد فيلزمه، و لا واجه الدّخول في الباطل فيتركه، و ذلك لأَن الجاهل المركب لما أُلحد عن سبيل الله و اعتقد بخلاف الواقع امتنع مع ذلك أن يعرف باب الهدى و مبدأ الدّخول إليه فلا يمكن له اتّباعه، و لمّا اعتقد أنّ ما جزم به من الباطل هو الحق امتنع معه أن يعرف مبدأ دخوله في الجهل و هو باب العمى فامتنع منه أن يصدّ عنه. فذلِکَ مَیِّتُ الأَحیاءِ يعني أنه ميّت في سلك الأَحياء، و إنّما كان ميّتاً إذ المقصود بالحياة في الحقيقة هو استكمال النّفس و اكتساب الفضائل الّتي هي سبب السّعادة الأَبدية و العناية السّرمديّة، و لما كان الجاهل بمعزل عن ذلك فكان بمنزلة الميّت بل ميّتاً في الحقيقة قال الشّاعر: ليس من مات فاستراح بميّت *** إنّما الميت میّت الأََحياء

تنبيه

هذا الفصل من كلام الإمام عليه آلاف التحية و السّلام كاف في ذم العلماء السوء و القدح عليهم و الطّعن فيهم، و أعني بالعلماء السوء المتّصفين بالأََوصاف المذكورة في هذا الفصل، و هم العلماء الآخذون بالبدع و الآراء، و العاملون بالمقاييس و الأَهواء، كعلماء العامة و قضاتها الّذين لم يأخذوا العلم من ينابيعه، و لم يتعلّموا القرآن من أهله و استغنوا عن عترة النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و حيث ضاق بهم المجال في الوصول إلى حقيقة الحال اضطروا إلى الأَخذ بالرّأي و القياس ففسّروا القرآن بآرائهم، و عطفوا الحقّ على أهوائهم، و عملوا في مسائل الحلال و الحرام و الحدود و الأَحكام بأقيستهم، فأبدعوا في الدّين، و غيّروا شرح سيّد المرسلين صلوات الله عليه و آله أجمعين، هذا.

و مثلهم في استحقاق الذّم و الطّعن العلماء السوء منّا، و هم الذين تعلّموا العلم من أهله، و أخذوه من أحاديث الأَئمة، و رجعوا في تفسير القرآن إلى تفسير خير الأمة إلا أنّهم لم يعملوا بعلمهم، و وصفوا الحقّ فخالف فعلهم قولهم، و هم علماء الدّنيا الذين قصدهم من العلم التّنعم بالدّنيا و التوصّل إلى الجاه و المنزلة عند أهلها.

و الآيات و الأخبار في ذمّ هؤلاء و تشديد الأَمر عليهم فوق حذ الاحصاء و متجاوزة مرتبة الاستقصاء، و ينبغي أن نورد هنا شطراً منها ممّا يناسب المقام.

فأقول: روى ثقة الإسلام الكلينيّ في «الكافي» عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: مَنْهُومانِ لَا يَشْبَعانِ: طَالِبُ دُنْيا، وَطَالِبُ عِلْمٍ، فَمَنِ اقْتَصَرَ مِنَ الدُّنْيا عَلى ما أَحِلَّ اللهُ لَهُ سَلِمَ، وَ مَنْ تَناوَلَهَا مِنْ غَيْرِ حِلَّها هَلَكَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَرْجِعَ، وَ مَنْ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ وَ عَمِلَ بِعِلْمِهِ نَجا، وَ مَنْ أَرادَ الدُّنْيا فَهی حَظْهُ (1)

و عن أبي خديجة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: مَنْ أَرَادَ الْحَدِیثَ لِمَنْفَعَةِ الدُّنْیَا لَمْ یَکُنْ لَهُ فِی الْآخِرَةِ نَصِیبٌ، وَ مَنْ أَرَادَ بِهِ خَیْرَ الْآخِرَةِ، أَعْطَاهُ اللّه ُ خَیْرَ الدُّنْیَا وَ الْآخِرَةِ.

و عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إذا رَأَیتُمُ العالِمَ مُحِبّاً لِدُنیاهُ فَاتَّهِموهُ عَلی دینِکُم،فَإِنَّ کُلَّ مُحِبٍّ شَیءٍ یَحوطُ ما أحَبَّ و قال عَلیْهِ السَّلَامْ: أوحَی اللّهُ إلی داودَ عَلیْهِ السَّلَامْ لا تَجعَل بَینی و بَینَکَ عالِماً مَفتوناً بِالدُّنیا فَیَصُدَّکَ عَن طَریقِ مَحَبَّتی، فَإِنَّ اولئِکَ قُطّاعُ طَریقِ عِبادِیَ المُریدینَ إلي، إنَّ أدنی ما أنَا صانِعٌ بِهِم أن أنزَعَ حَلاوَةَ مُناجاتی عَن قُلوبِهِم (2)

و عن ربعي بن عبد الله عمّن حدّثه عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: مَنْ طَلَبَ اَلْعِلْمَ لِیُبَاهِیَ بِهِ اَلْعُلَمَاءَ أَوْ یُمَارِیَ بِهِ اَلسُّفَهَاءَ أَوْ یَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ اَلنَّاسِ إِلَیْهِ فَلْیَتَبَوَّءْ مَقْعَدَهُ مِنَ اَلنَّارِ، إِنَّ اَلرِّئَاسَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِأَهْلِهَا (3).

و عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: یَا حَفْصُ یُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ یُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ.

و عن حفص أيضاً قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: قال عيسى ابن مريم عَلیْهِ السَّلَامْ: وَیْلٌ لِلْعُلَمَاءِ اَلسَّوْءِ کَیْفَ تَلَظَّی عَلَیْهِمُ اَلنَّارُ (4)

و عن أبي بصير عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ في قوله تعالى:

فَکُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَ الْغَاوُنَ [الشعراء: 94]. قال: هم قوم وصفوا عدلاً بألسنتهم ثمّ خالفوه إلى غيره (5)


1) الكافي: 1/ 46 ح 1، تهذيب الأحكام: 328/6 ح 906.

2) الكافي: 1/ 46 ح 4، علل الشرائع: 395/2.

3) الكافي: 47/1 ح 6، شرح أصول الكافي: 163/2 ح 6.

4) الكافي: 47/1 ح 2، شرح أصول الكافي 166/2 ح 2.

5) المحاسن: 121/1 ح 135.

و عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ يحدّث عن النّبي عَلیْهِ السَّلَامْ أنّه قال في كلام له: العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناج، و عالم تارك لعلمه فهذا هالك، و إن أهل النّار ليتأذّون من ريح العالم التّارك لعلمه، و إن أشدّ أهل النّار ندامة و حسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له و قبل منه فأطاع الله فأدخله الله الجنة فأدخل الداعي النّار بترك علمه و اتّباعه الهوى و طول الأمل، أمّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحق و أمّا طول الأمل فينسي الآخرة (1)

و عن عبد الله بن القاسم الجعفري عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إِنَّ اَلْعَالِمَ إِذَا لَمْ یَعْمَلْ بِعِلْمِهِ زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ اَلْقُلُوبِ کَمَا یَزِلُّ اَلْمَطَرُ عَنِ اَلصَّفَا.

أقول: و نعم ما قيل في هذا المعنى:

يا واعظ النّاس قد أصبحت متّهماً *** إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها

أَصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهداً *** فالموبقات لعمري أنت جائيها

تعيب دنيا و ناساً راغبين لها *** و أنت أكثر منهم رغبة فيها

و فيه عن عليّ بن هاشم بن البريد عن أبيه قال: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ فسأله عن مسائل فأجاب ثمّ عاد ليسأل عن مثلها فقال عليّ بن الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ: مَكْتُوبٌ فِی الْإِنْجِیلِ لَا تَطْلُبُوا عِلْمَ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ لَمَّا تَعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ یعْمَلْ بِهِ لَمْ یزْدَدْ صَاحِبُهُ إِلَّا كُفْراً وَ لَمْ یزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْداً (2)

و عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قلت له: بم يعرف النّاجي؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: من كان فعله لقوله موافقاً فأثبت له الشهادة، و من لم يكن فعله لقوله موافقاً فإنّما ذلك مستودع (3)

أقول: قال الشاعر:

لاتنه عن خلق و تأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظیم

هذا و الأَخبار العامية في ذلك الباب كثيرة جدّاً وقد أكثر أبو حامد الغزالي في «إحياء العلوم» من روايتها.

ففيه قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إِنَّ أَشَدَّ اَلنَّاسِ عَذَاباً یَوْمَ اَلْقِیَامَةِ عَالِمٌ لَمْ یَنْفَعْهُ اَللَّهُ بِعِلْمِهِ. و عنه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم


1) مستدرك الوسائل: 11/ 305 ح 13107 عوالي اللتالي: 76/4.

2) الكافي: 45/1، و شرح أصول الكافي: 144/2 ح 4.

3) المحاسن: 252/1 ح 274، و الكافي: 45/1 ح 5.

أنّه قال: لا يَكُونُ الْمَرْءُ عالماً حَتّى يكُونَ بِعِلْمِهِ عاملاً، و قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: الْعِلْمُ عِلْمَانِ عِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةٌ الله عَلَی خَلقِه وَ عِلْمٌ فِی الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، و قال عَلیْهِ السَّلَامْ إنّ العالم ليعذّب عذاباً يطيف به أهل النّار استعظاماً لشدّة عذابه، و قال أسامة بن زيد سمعت رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يقول: يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النّار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحى فيطيف به أهل النّار فيقولون مالك؟ فيقول كنت آمر بالخير و لا آتيه، وأنهي عن الشّرور و آتيها (1)

و روى معاذ بن جبل موقوفاً (2)و موفوعاً في رواية عن النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحبّ إليه من الاستماع، و في الكلام تنميق و زيادة و لا يؤمن على صاحبه الخطأ، و في الصّمت سلامة و علم.

و من العلماء من يخزن علمه فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدّرك الأَوّل من النّار، و من العلماء من يكون في علمه بمنزلة السّلطان إن ردّ عليه شيء من علمه أو تهوّن بشيء من حقّه غضب، فذلك في الدّرك الثاني من النار، و من العلماء من يجعل علمه و غرائب حديثه لأهل الشرف و اليسار و لا يرى أهل الحاجة له أهلاً فذلك في الدّرك الثالث من النّار، و من العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتى بالخطأ و الله تعالى يبغض المتكلّفين، فذلك في الدّرك الرّابع من النّار، و من العلماء من يتكلّم بكلام اليهود و النّصارى ليعزّز به علمه، فذلك في الدّرك الخامس من النّار، و من العلماء من يتّخذ علمه مروّة و نيلاً و ذكراً في النّاس، فذلك في الدّرك السادس من النّار، و من العلماء من يستفزّه الزهو و العجب فإن وعظ أنف، فذلك فی الدّرك السّابع من النّار، إلى غير هذه مما رواه فيه، و هي كافية في الدّلالة على عظم وزر العالم في معاصيه و كون عذابه أشدّ وحسرته أدوم.

و سرّ ذلك أمران: الأول: أن العالم إذا عصى يزل بعصيانه خلق كثير كما قيل: إذا فسد العالم فسد العالم، فمن تناول شيئاً من المحرمات و قال للنّاس لا تتناولوه سخر به النّاس و استهزؤوه و زاد حرصهم على ما نهوا عنه، فيقولون لو لا أنّه أطيب شيء و الذّه لما كان يستأثر به نفسه و يقدم عليه فيقتدي به الخلق في سوء عمله و يتبعونه فيلحق به مثل وزرهم، مضافاً إلى وزر نفسه كما قال: من سنّ سنّة سيّئة كان له مثل وزر من عمل بها.

و عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ قصم ظهري رجلان: عالم متهتّك، و جاهل متنسّك فالجاهل يغرّ النّاس بتنسكه و العالم يغرّهم بتهتّكه (3)


1) بحار الأنوار: 2/ 38 ح 64، و ميزان الحكمة: 473/1 ح 618.

2) الموضوعات: 265/1.

3) معدن الجواهر: 26، و عيون الحكم و المواعظ: 479.

و الثاني: أن عصيان العالم مع اتّصافه بصفة العلم كاشف عن منتهى خبث طينته و سوء سريرته و غاية جرءته على مولاه، و ذلك بخلاف الجاهل فإنه إمّا جاهل ساذج فلا تكليف في حقّه إذ الجهل مانع من أن يتوجّه إليه حكم أو خطاب، فليس في حقّه أمر و لا نهي فلا ثواب و لا عقاب، و إمّا جاهل في الجملة فليس له معرفة مثل المعرفة الّتي للعالم و لذلك جعل الله سبحانه ثواب المطيعات من نساء النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و العاصيات منهنّ ضعف ما لغيرهنّ، لكونهنّ عارفات عالمات بإدراكهن حضور النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لو و صحبته كما قال عزّ من قائل:

ينِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْن وَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ بَسِيرًا * وَ مَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ تَعْمَلْ صَلِحًا نُّوْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِِ وَ اَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِِيمًا [الأحزاب: 30 -31]. و قال سبحانه: إِنَّ الْمُنَفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِِ مِنَ النَّارِ [النساء: 145].

لأنَّهم جحدوا بعد العلم و جعل اليهود شراً من النّصارى مع أنهم ما جعلوا لله تعالى ولداً و لا قالوا: إنّه سبحانه ثالث ثلاثة إلاّ أنّهم أنكروا بعد المعرفة إذ قال الله:

يَعْرِِفُونَهُ كَمَا يَعْرِِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ [البقرة: 146] و قال: جَاءَ هُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَفِرِينَ [البقرة: 89] و في سورة الجمعة: مَثَلُ الَّذِينَ حُمّلُوا التَّوْرَئَةَ ثُمَّ لَمْ يحمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بئَايَتِ اللَّهِ وَ اللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5). إذا ظهر لك أيّها العالم ذلك فلا يغرّنك الشّيطان و لا يصدنّك عن سبيل ربّك و لا ينبغي لك أن تعرّض نفسك للهوان و لغضب الرحمن، و لا يجوز لك أن تؤثر دنياك على آخرتك و لا أن تتبع هوى نفسك أو تأمر النّاس بالبّر و تنسى نفسك، أو تقول ما لا تفعل، فقد كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فالويل كلّ الويل لمن اتبع هواه و باع آخرته بدنياه.

عجبت لمبتاع الضّلالة بالهدى *** و من يشتري دنياه بالدّين أعجب

و أعجب من هذين من باع دينه *** دنیا سواه فهو من ذين أعجب

الترجمة

و شخص دیگری هست که نسبت داده شده به اهل علم و حال آن که عالم نیست، پس کسب نمود جهالت ها را از جهال روزگار و ضلالت ها را از گمراهان نابکار و نصب نمود از جهت فریفتن مردم دام های حیل ها را از ریسمان های فریب و از گفتار دروغ. به تحقیق که حمل کرده کتاب مجید را بر رأی های باطل خود و میل داده حق را بر آرزو های عاطل خود، ایمن می گرداند مردم را گناهان عظیم و آسان می گرداند جرم های بزرگ را.

می گوید که وقوف می کنم و باز می ایستم از شبه ها و حال آن که در آن ها افتاده و می گوید که اعتزال می کنم و کناره جوئی می نمایم از بدعت ها و حال آن که در میان آن ها خواب کرده، پس صورت آن مثل صورت انسان است و قلب آن مثل قلب حیوان، پس نمی شناسد باب هدایت را تا پیروی کند آن را و نه باب ضلالت را، پس باز ایستد از آن، پس این شخص کذائی مرده زنده است، چه متّصف است به جهل ابدی که موت است در صورت حیات.

الفصل الثالث

اشارة

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، وَ أَنَّى تُؤفَكُونَ، و الأَعْلامُ قائِمَةٌ، وَ الآيَاتُ واضِحَةٌ، وَ الْمَنَارُ مَنصُوبَةٌ، فَأَيْنَ يُتاهُ بِكُمْ، بَلْ كَيْفَ تَعْمَهُونَ، وَ بَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِِيَِّكُمْ، وَ هُمْ أَزِمَّة الْحَقِّ، و أَعْلامُ الدِّينِ، وَ الْسِنَةُ الصِّدْقِ ، فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الهيم الْعِطاشِِ، أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوها عَنْ خاتَم النَّبِيِّينَ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ ماتَ مِنّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتِ، و يَبْلَى مَنْ بَلَى مِنّا وَ لَيْسَ بِِبالِ، فَلاَ تَقُولُوا بِمَا لا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِِّ فيما تُنْكِرُونَ، و أَعْذِرُوا مَنْ لا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ، وَ أَنَا هُوَ، أَلمَ أَعْمَلْ فِيكُم بِالثِّقْل الأَكْبَرِ، وَ أَتْرُكُ فِيكُمُ الثَّقْلَ الأَصْغَرَ، و رَكَزْتُ فيكُمْ رايَةَ الإِيْمَانِ، و وَقْفْتُكُمْ عَلى حُدُودِ الْحَلالِ وَ الْحَرَامِ، و أَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلي، و فَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلي و فِعْلِي، و أَرَيْتُكُمْ كرائِمَ الأَخْلاقِ مِنْ نَفْسِي، فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فيما لا يُدْرِِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ،و لا يَتَغَلغَلُ إِلَيْهِ الْفِكر (1)

اللغة

(أفك) افكاً كذب وافكه عنه صرفه و قلبه أو قلب رأيه و (المنار) العلم المنصوب في الطريق ليهتدي به الضّال و الموضع المرتفع الذي يوقد في أعلاه النّار و (تاه) تيهاً و تيهاناً ضلّ و تحير و تاه في الأرض ذهب متحيّراً و منه قوله تعالى:

يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِِ [المائدة: 26]. أي يحارون و يضلّون و (عمه) في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيّراً قال سبحانه:

فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة : 15]. و رجل عمه و عامه أي متحيّر حائر عن الطريق و (ورد) البعير و غيره الماء ورداً و وروداً بلغه و وافاه من غير دخول و قد يحصل دخول فيه و (الهيم) بالكسر الإبل العطاش و (بلي) الثوب يبلى من باب رضى بلىّ بالكسر و القصر و بلاء بالضمّ و المدّ.

و (الثقل الأَكبر) في بعض نسخ الكتاب بكسر (الثّاء) و سكون (القاف) و (الثقل الأَصغر) بالتحريك قال بعض شراح الحديث في شرح قول النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إِنِّی تَارِکٌ فِیکُمُ اَلثَّقَلَیْنِ کِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِی :إنه من الثقيل سمّيا بذلك لكون العمل بهما ثقيلاً و الأَكثر على أنّه من الثّقل محرّكة.


1) شرح أصول الكافي: 302/2 ح 9، و الأصول الأصلية: 122.

قال في «القاموس» و الثقل محرّكة متاع المسافر و حشمه و كلّ شيء نفيس مصون، و منه الحديث إنّي تارك فيكم الثقلين (آه) و (ركزت الرمح) و نحوه ركزاً من باب قتل أثبته بالأَرض فارتكز و (فرشت) البساط و غيره فرشاً من باب قتل و ضرب بسطته و (تغلغل) تغلغلاً أسرع.

الإعراب

(أين) اسم استفهام سؤال عن المكان، (و أنّى تؤفكون) بمعنى كيف كما فسّر به قوله: فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئتُمْ [البقرة: 223].

و المقصود بالاستفهام التوبيخ، (والواو) في قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (و الإعلام قائمة) للحال، و كذلك في قوله (و بينكم)، (و الفاء) في قوله (فانزلوهم) فصيحة، و الضمير في قوله (خذوها) راجع إلى ما يفهم من المقام من الفائدة و الرّواية و نحوهما على حدّ قوله: (توارت بالحجاب) و قوله: (ألم أعمل) إما استفهام تقريري لما بعد النّفي أو إنكار إبطالي و هو الأَظهر، و جملة (أنه يموت) (آ ه) بدل من مفعول خذوها، فإن المشهور جواز إبدال الظاهر من الضمير إذا كان غائباً.

اعلم أنّه عَلیْهِ السَّلَامْ لما شرح في الفصلين السّابقين حال المتقين و الفاسقين و ذكر في بيان صفات الفسّاق أنهم أخذوا الجهالة و الضلالة من الجهّال و الضّلال عقّب ذلك بالأَمر بملازمة أئمة الدّين و أعلام اليقين لكونهم القادة الهداة أدّلاء على طريق النّجاة و كون لزومهم باعثاً على التّقوى و محصلاً للقربى و وبخ المخاطبين أوّلاً بصدّهم عن الحقّ و ميلهم إلى الباطل و عدو لهم عن أئمة الأَنام عليهم الصّلاة و السّلام بقوله: (فأين تذهبون) أي أيّ طريق تسلكون أبين من طريق الحقّ و هذه الجملة مأخوذة من قوله سبحانه في سورة التكوير:

وَ مَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونِ (22 وَ لَقَدْ رَءَاهُ بِالْأُفُقِ المُبِينِ (23) وَ مَا هُوَ عَلَى الْغَيِّبِ بِضَنِينِ (24) وَ مَا هُوَ بِِقَولِ شَيْطَانٍ رَّجِیمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُِونَ (26) إنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أن يَسْتَقِيمَ(28)) [التكوير: 22- 28]. روى علي بن إبراهيم في تفسير هذه الآية عن جعفر بن محمّد عَلیْهِ السَّلَامْ قال: حدّثنا عبد الله بن موسى عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قلت: قوله:

وَ مَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونِ [التكوير: 22]. قال: يعني النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ما هو بمجنون في نصبه أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ علماً للنّاس. قلت قوله:

وَ مَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِِضَنِينٍ [التكوير: 24].)

قال ما هو تبارك و تعالى على نبيه بغيبه بضنين عليه قلت:﴿وَ مَا هُوَ بِقَولِ شَيْطَانٍ رَّجِيمِ [التكوير: 25]. قال: كهنة الذين كانوا في قريش فنسب كلامهم إلى كلام الشّيطان الّذين كانوا معهم يتكلّمون على ألسنتهم فقال: و ما هو بقول شيطان رجيم مثل أولئك قلت:

فَأَيْنَ تَذهَبُونَ (26 إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(27)) [التكوير: 26، 27]. قال عَلیْهِ السَّلَامْ: أين تذهبون في عليّ يعني ولايته أين تفرّون منها إن هو إلاّ ذكر للعالمين

أخذ الله ميثاقه على ولايته، قلت: قوله:

وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ وَ الْمَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ لَا تُطِعْ مَن أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَئهُ وَ كَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [التكوير :28]. قال: في طاعة عليّ و الأَئمة عليهم السلام من بعده (و انّى تؤفكون) أي تصرفون عن عبادة الله إلى عبادة غيره و تقلبون عن طريق الهدى إلى سمت الضلالة و الرّدى كما قال تعالى في سورة الأنعام:

* إِنَّ اللهَ فَالِقُ الحَبِّ وَ النَّوَى يُخْرِجُ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِِجُ الْمَيِِّتِِ مِنَ الْحَیِِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(95) و في سورة الملائكة: يَآ أََيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍٍ غَیْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(3) و في سورة غافر: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَانّى تُؤْفَكُونَ 62 كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِئَايَتِ اللهِ يَجْحَدُونَ 63 [غافر: 62- 63]. قال الطبرسي في تفسير هذه الآية: أي الذي أظهر هذه الدّلالات و أنعم بهذه النّعم هو الله خالقكم و مالككم خالق كلّ شيء من السّماوات و الأَرض و ما بينهما لا يستحقّ العبادة سواه فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره مع وضوح الدّلالة على توحيده (1)، هذا.

و لا يخفى عليك أن ما ذكرته في شرح هذه الفقرة إنّما أخذاً هو بظاهر كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ و لكن الأَظهر بمقتضى السّياق أنّه عَلیْهِ السَّلَامْ أراد بها توبيخ المخاطبين على العدول عنه فيكون معنى قوله: أنّى تؤفكون أنى تقلبون عني و عن ولايتي و ملازمتي.

و مثل ذلك قوله عَلیْهِ السَّلَامْ وَ الأعْلاَمُ قَائِمَةٌ وَ الآیَاتُ وَاضِحَةٌ وَ الْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ فإنه يجوز أن يراد به أعلام القدرة و آيات المقدرة و آثار التوحيد و منار التفريد و أدلة الوجود من المهاد


1) مجمع البيان: 452/8.

الموضوع و السّماء المرفوع و اختلاف اللّيل و النّهار و الفلك الجاري في البحر الزخّار و المطر النّازل من السّحاب الذي أحيي به الأََرض بعد موتها وبث فيها من الدّواب إلى غير هذه من دلائل التوحيد و الجلال و علائم الكمال و الجمال.

إلاّ أنّ الأَظهر أن المراد بها هو أعلام الدّين و آيات اليقين و منار الهدى و أئمة الورى، و يشهد بذلك ما ورد في حديث وصفهم عليهم السلام: جعلتهم أعلاماً لعبادك و مناراً في بلادك أي هداة يهتدي بهم.

و يدلّ عليه الأَخبار الواردة في أنّهم عليهم السلام آيات الله و بيّناته، مثل ما في البحار من

تفسير عليّ بن إبراهيم مسنداً عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ عن قول الله عزّ و جلّ:

وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَتِنَا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي الظُّلُمَتِ مَن يَشَاءِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَ مَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: 39]. قال أبو جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ: نزلت في الّذين كذّبوا في أوصيائهم صمّ و بكم كما قال الله في الظّلمات من كان من ولد إبليس فإنّه لا يصدق بالأوصياء و لا يؤمن بهم أبداً، و هم الذين أضلّهم الله و من کان من ولد آدم عَلیْهِ السَّلَامْ آمن بالأَوصياء و هم على صراط مستقيم. قال: و سمعته يقول؛ كذبوا بآياتنا كلّها في بطن القرآن إن كذبوا بالأَوصياء كلّهم (1)،و منهم في قوله:

وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَتِنَا غَفِلُونَ [يونس: 7] . قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ و الأَئمة صلوات الله عليهم، و الدّليل على ذلك قول أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: ما الله آية أكبر منّي (2).

و منه بإسناده عن داود بن كثير الرّقي قال: سألت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ عن قول الله:

وَ مَا تُغْنِي الْاَيَتُ وَ النُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: 101]. قال عَلیْهِ السَّلَامْ: الآيات الأَئمة و النّذر الأَنبياء عليهم السلام.

و منه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ في قوله:

إن نَّشَأْْ نُنَزِِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلََّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ [الشعراء: 4]. قال: تخضع رقابهم يعني بني أمية (3)، و هي الصّيحة من السّماء باسم صاحب


1) بحار الأنوار: 175/36 ح 164.

2) بحار الأنوار: 23/ 206 ح 1، و تفسير أبي حمزة الثمالي: 163 ح 89.

3) بحار الأنوار: 228/9 ح 116، و معجم أحاديث الإمام المهدي: 296/5 ح 1726.

الأمر عَلیْهِ السَّلَامْ إلى غير ذلك مما ورد عنهم عليهم السلام في تفسير الآيات القرآنية مما لا نطيل بروايتها، فقد ظهر بذلك كلّه أنهم المراد بالآيات الواضحة فيكون إطلاقها عليهم باعتبار أنهم علامات جليلة واضحة لعظمة الله و قدرته و علمه و لطفه و رحمته.

فما آية لله أكبر منهم *** فهم آية من دونهم كلّ آية

سرى سرّهم في الكائنات جميعها *** فمن سرّهم لم يخل مثقال ذرّةٍ

هذا و قوله فَأَیْنَ یُتَاهُ بِکُمْ بَلْ کَیْفَ تَعْمَهُونَ تأكيد لقوله فأين تذهبون و أنّى تؤفكون، فإنّه لمّا سألهم عن إفكهم و ذهابهم و وبخهم عليه أكده بذلك مشيراً به إلى أن الإفك و الذّهاب موجب لتيههم و تحيّرهم و عمههم و ضلالتهم.

و أكد الجملة الحالية السّابقة أعني قوله: و الْأَعْلامُ قَائِمَةٌ الخ بقوله و بَیْنَکُمْ عِتْرَةُ نَبِیِّکُمْ

مشيراً به إلى أنّهم المراد بالإعلام و الآيات، و المراد بعترة النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الأَئمة عليهم السلام.

و يدلّ عليها ما في «البحار» من «العيون» و «معاني الأَخبار» عن الهمداني عن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن غياث بن إبراهيم عن الصّادق عن آبائه عليهم السلام قال: سئل أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ عن معنى قول رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي، من العترة؟ فقال: أنا و الحسن و الحسين و الأَئمة التسعة من ولد الحسين عليهم السلام تاسعهم مهديهم و قائمهم لا يفارقون كتاب الله و لا يفارقهم حتّى يردوا على رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حوضه (1).

وسيأتي في شرح الخطبة الثالثة و التسعين مزيد تحقيق في معنى العترة إن شاء الله وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ وَ أَلْسِنَةُ الصِّدْقِ يعني أنّهم عليهم السلام القائدون يقودون الخلق إلى الحق كما تقاد النّاقة بالزمام إلى الطريق، وهم تراجمة الوحي كما أن اللّسان ترجمان النفس و يدلّ على الأوّل وصفهم في فقرات الزيارة الجامعة بقوله: وقادة الأمم، يعني أنهم عليهم السلام قادة الأمم إلى معرفة الله و دينه يقودونهم بدعائهم و تعريفهم و أمرهم و ترغيبهم إلى المعرفة و الدّين، فمن أجاب قادوه إلى الجنة و من أناب ساقوه إلى النّار كما قال عَلیْهِ السَّلَامْ: أنا قسيم الجنّة و النّار، و هو نعمة الله على الأََبرار و نقمته على الفجّار.

و يدلّ على الثاني وصفهم عليهم السلام في فقرات الزيارة المذكورة بقوله: و تراجمة لوحيه،يعني أنّهم المؤذون من الحق إلى الخلق فلا يخفى ما بين القرينتين في كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ من الحسن و اللّطف حيث إن محصل معناهما أنهم عَلیْهِ السَّلَامْ دلائل للخلق على الحق و وسائط للحق إلى الخلق، هذا.


1) كمال الدين و تمام النعمة: 114، و كتاب سليم بن قيس: 297.

و يجوز أن يكون المراد بقوله: وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ أن زمام الحق بيدهم عليهم السلام فيكون مساقه مساق قول رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: الحقّ مع عليّ و هو مع الحقّ أينما دار (1)

و من طرق الخاصة متواتراً عن النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الأَئمة صلوات الله و سلامه عليه و عليهم: الحق مع الأَئمة الاثنى عشر، و في فقرات الزيارة الجامعة: و الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و أنتم أهله و معدنه (2)

و أن يكون المراد بقوله عَلیْهِ السَّلَامْ (و ألسنة الصدق) أنهم لا يقولون إلاّ صدقاً و حقاً فيكون

تصديقاً لدعاء إبراهيم حيث إنّه دعا ربّه بما حكاه الله عنه بقوله في سورة الشعراء:

وَ اجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: 84]. أي اجعل صادقاً من ذريتي يجد أصل ديني و يدعو النّاس إلى ما كنت أدعوهم إليه، فاستجاب الله دعوته و اصطفى من ذرّيته محمّداً و آله صلوات الله و سلامه عليه و عليهم و جعلهم

لسان صدق له.

و يؤيد ذلك ما في تفسير القمي عند قوله:

وَ اجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ [الشعراء: 84]. قال: هو أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ. و في «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى:

يَاأَیُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ [التوبة: 119]. قال الطّبرسي أي اتّقوا معاصي الله و اجتنبوا و كونوا مع الصّادقين الذي يصدقون في أخبارهم و لا يكذبون، و معناه كونوا على مذهب من يستعمل الصدق في أقواله و أفعاله و صاحبوهم و رافقوهم و قد وصف الله الصّادقين في سورة البقرة بقوله:

وَ لَاكِنَّ الْبِِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: 177] إلى قوله: أَوَلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177]. فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء، و قيل: المراد بالصّادقين هم الذين ذكرهم الله في كتابه و هو قوله:

رجالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ [الأحزاب: 23]. يعني حمزة بن عبد المطلب و جعفر بن أبي طالب.


1) بحار الأنوار: 129/99، و شرح الزيادة الجامعة: 24.

2) الكافي: 294/1، و الخصال: 559.

وَ مِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ [الأحزاب: 23] يعني علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ. و روى الكليني عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: كونوا مع الصّادقين مع عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ

و أصحابه.

و روى جابر عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ فی قوله و كونوا مع الصّادقين، قال: مع آل محمّد سلام الله عليهم (1)

ثمّ إنّه عَلیْهِ السَّلَامْ بعد توصيف العترة الطّاهرة بأنّهم أزمة الحقّ و ألسنة الصدق أمر بتعظيمهم و إجلالهم بقوله: فَأنزِلُوهُم بأحسَنِ مَنازِلِ القرآنِ قال الشّارح المعتزلي في شرحه: إنّه عَلیْهِ السَّلَامْ أمر المكلّفين أن يحروا العترة في إجلالها و إعظامها و الانقياد و الطّاعة لأوامرها مجرى القرآن.

و قال الشّارح البحراني: اعلم أن للقرآن منازل: الأولى القلب و هو فيه بمنزلتين: إحداهما: منزلة الإكرام و التّعظيم، و الثانية: منزلة التصور فقط، الثالثة: منزلته في الوجود اللّساني بالتلاوة، الرابعة: منزلته في الدفاتر و الكتب، و أحسن منازله هي الأولى فالمراد إذاً الوصية بإكرامهم و محبّتهم و تعظيمهم كما يكرم القرآن بالمحبّة و التّعظيم.

أقول: فعلى ما ذكراه يكون معنى كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ أنزلوهم بأحسن المنازل التي كان للقرآن، و الأَظهر عندي أن معناه أنزلوهم بأحسن المنازل التي أثبتها القرآن لهم، فإن المنازل الثابتة لهم عليهم السلام بالآيات القرآنيّة متفاوتة مختلفة في العلوّ و الرفعة فأمر عَلیْهِ السَّلَامْ بإنزالهم بأحسن المنازل و أسنى المراتب، و هو بأن يستمسكوا بأظهر الآيات دلالة على رفعة شأنهم و علوّ مقامهم مثل قوله سبحانه:

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَ هُمْ رَاكِعُونَ [ المائدة: 55] الدّال على خلافتهم و ولايتهم (عَلیْهِ السَّلَامْ) بقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33]. الدّال على عصمتهم و طهارتهم و قوله:قُل لَّآ اَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُربَى [الشورى: 23] الدّال على ملازمتهم و مودّتهم . روى الطّبرسي في «مجمع البيان» في تفسير الآية الأخيرة من كتاب شواهد التنزيل مرفوعاً إلى أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إن الله خلق الأَنبياء من أشجار شتى و خلقت أنا و عليّ من شجرة واحدة فأنا أصلها و علي فرعها و الحسن و الحسين ثمارها و شيعتنا أوراقها، فمن تعلّق بغصن من أغصانها نجا، و من زاغ هوى، و لو أنّ عبداً عبد الله بین الصّفا و المروة ألف عام ثمّ ألف عام ثمّ ألف عام حتى يصير كالشن البالي ثمّ لم يدرك محبّتنا أكبّه


1) بحار الأنوار: 30/24 ح 26، و التبيان: 318/5.

الله على منخريه في النّار (1)ثمّ تلا:

قُل لَّآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: 23]. قال الطبرسي: و روى زاذان عن عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ قال: فينا في (ال حم) آية لا يحفظ مودّتنا

إلاّ كلّ مؤمن (2)ثمّ قرأ هذه الآية و إلى هذا أشار الكميت في قوله:

وجدنا لكم في آل حم آية *** تأوّلها منّا تقيّ و معرب

و في «البحار» ذكر أبو حمزة الثّمالي في تفسيره حدّثني عثمان بن عمير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حين قدم المدينة و استحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بينهم: نأتي رسول الله فنقول له: إنه تعروك أمور فهذه أموالنا فاحكم فيها غير حرج و لا محظور عليك، فأتوه في ذلك فنزل:

قُل لَّآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: 23]. فقرأها عليهم فقال: تودّون قرابتي من بعدي، فخرجوا من عنده مسلمين لقوله، فقال المنافقون: إنّ هذا لشيء افتراه في مجلسه أراد بذلك أن يذلّلنا لقرابته من بعده فنزلت:

أمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا [الشورى: 24]. فأرسل إليهم فتلاها عليهم فبكوا و اشتدّ عليهم فأنزل الله:

وَ هُوَ الَّذِي یَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [الشورى: 25] الآية. فأرسل في أثرهم فبشّرهم و قال: وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا (3)و هم الذين سلّموا لقوله ثمّ قال سبحانه: وَ مَن يَقْتَرِِفْ حَسَنَةً نَزِِِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا [الشورى: 23].

أي من فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسناً بأن نوجب له الثواب.

و ذكر أبو حمزة الثمالي عن السّدي أنّه قال: اقتراف الحسنة المودة لآل محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

و صحّ عن الحسن بن عليّ عليهما السلام أنّه خطب النّاس فقال في خطبته: أنا من أهل

البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم فقال:

(4) تفسير القرطبي: 26/16.


1) بحار الأنوار: 230/23، و الإمام علي: 73.

2) بحار الأنوار: 23/ 230، و الغدير: 308/2 ح 6.

3) بحار الأنوار: 231/23، و تفسير الصافي: 376/4.

قُل لَّآ أسْئَلُکُمْ عَلَيْهِ أََجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَی وَ مَن يَقْتَرِِِفْ حَسَنَةً نَزِِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً [ الشورى: 23]. فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت (1)

و روى إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ أنه قال: إنّها نزلت فينا أهل البيت أصحاب الكساء (2)، انتهى كلامه رفع مقامه.

و قال الفخر الرّازي في التفسير الكبير: نقل صاحب «الكشاف» عن النبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنّه قال: من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا و من مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر و نكير، ألا و من مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا و من مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا و من مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرّحمة، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة و الجماعة.

ألا و من و مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا و من مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا و من مات على بغض آل محمّد، لم يشمّ رائحة الجنّة (3)، قال: هذا هو الذي رواه صاحب «الكشّاف».

و أنا أقول: آل محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ و أكمل كانوا هم الآل و لا شكّ أن فاطمة و عليّاً و الحسن و الحسين كان التعلّق بينهم و بين رسول الله أشدّ التّعلّقات، و هذا كالمعلوم بالنّقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، و أيضاً اختلف النّاس في الآل فقيل: هم الأَقارب و قيل: هم أمّته فإن حملناه على القرابة فهم الآل و إن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل، فثبت أنّ على جميع التقديرات هم الآل و أمّا غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه.

قال: و روى صاحب «الكشاف» أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: عَلِیٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ اِبْنَاهُمَا، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النّبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و إذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التّعظيم.


1) مقاتل الطالبين: 33، و بحار الأنوار: 232/23.

2) بحار الأنوار: 251/23 ح 26.

3) شرح أصول الكافي: 55/7 ح 7، و بحار الأنوار: 222/7.

و يدلّ عليه وجوه:

الأَوّل: قوله تعالى: إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِی اَلْقُرْبی، و الثّاني: لا شكّ أنّ النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم كان يحبّ فاطمة عليها السلام قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّی یُؤْذِینِی مَا یُؤْذِیهَا (1)، و ثبت بالنّقل المتواتر من محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أنّه كان يحبّ عليّاَ و الحسن و الحسين، و إذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأَمّة مثله لقوله:

وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 18] و لقوله: فَلْيَحْذَرِِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور: 63] و لقوله: قُل إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: 31] و لقوله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أَُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21].)الثّالث: أنّ الدّعاء للآل منصب عظيم و لذلك جعل هذا الدّعاء خاتمة التشهّد في الصّلاة و هو قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد و على آل محمّد و ارحم محمّداً و آل محمّد، و هذا التّعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل فكلّ ذلك يدلّ على أن حبّ آل محمّد واجب، و قال الشّافعي:يا راكباً قف بالمحصب من منى *** و اهتف بساكن خيفها و النّاهضسحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كما نظم الفرات الفائضإن كان رفضاً حبّ آل محمّد *** فليشهد الثّقلان أنّي رافضيانتهى كلام الرازي خذله الله.أقول: و لا يكاد ينقضي عجبي من هذا النّاصب أنّه مع نقله تلك الأَخبار المستفيضة المتفق عليها بين الفريقين و إقراره بهذه الفضائل للآل كيف يتعصّب في حق أئمته و يرضى بخلافتهم و يذعن بإمامتهم مع أن دلالة هذه الأخبار على كفرهم و شقاوتهم غير خفية إذ بغضهم لأَهل بيت الرّسول في حياته و بعد وفاته ظاهر، و أذاهم لبضعته في إحراق بابها و إسقاط جنينها و غصب فدك منها واضح، و تسليطهم بني أميّة و بني أبي معيط على رقاب أهل البيت و ما جرى من الظلم و الجور بسبب ذلك عليهم السلام غني عن البيان، و إنما أنطق الله لسانه على الحقّ إتماماً للحجّة و إكمالاً للبيّنة لئلا يقول يوم القيامة:﴿إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: 172] وَ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: 33] وَ مَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍِ [النور: 40]. ثمّ إنّ الشارح المعتزلي قال في شرح هذه الفقرة أعني قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: فَأنزِلُوهُم بأحسَنِ(2 بحار الأنوار: 234/23، و شجرة طوبى: 7/1.)


1) بحار الأنوار: 234/33.

مَنازِلِ القرآنِ بعد كلامه الذي قدّمنا ذكره: فإن قلت: فهذا القول منه عَلیْهِ السَّلَامْ يشعر بأن العترة معصومة فما قول أصحابكم في ذلك؟

قلت: نصّ أبو محمّد بن مثنويه في كتاب «الكفاية» على أنّ عليّاً عَلیْهِ السَّلَامْ معصوم و إن لم يكن واجب العصمة و لا العصمة شرط في الإمامة لكن أدلّة النّصوص قد دلّت على عصمته و القطع على باطنه و نفسه و إنّ ذلك أمر اختصّ هو به دون غيره من الصّحابة، و الفرق ظاهر بين قولنا: زيد معصوم و بين قولنا: زيد واجب العصمة، لأنّه إمام و من شرط الإمام أن يكون

معصوماً فالاعتبار الأوّل مذهبنا و الاعتبار الثّاني مذهب الإماميّة، انتهى كلامه هبط مقامه.

و فيه أنّك قد عرفت في مقدّمات شرح الخطبة الشقشقيّة بما لا مزيد عليه و في غيرها أيضاً أن العصمة شرط في الإمامة، و محصّل ما قلناه هناك: أنّ غير المعصوم لا يؤمن منه الخطأ و الضّلال فكيف يأمنه النّاس في ضلالته و خطئه، و إن شئت زيادة الاستبصار فارجع ثمة.

و أما قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِیمِ الْعِطَاشِ فأشار به إلى اقتباس العلوم و اكتساب الأَنوار منهم، فإنهم عَلیْهِمُ السَّلَامْ لما كانوا ينابيع العلوم و كان علمهم بمنزلة العذب الفرات و كان الخلق محتاجين إليهم في ذلك حسن منه عَلیْهِ السَّلَامْ أن يأمرهم بورودهم و يشبه ورودهم بورود الإبل الظّمآن على الماء و هو نظير قوله سبحانه:

فََسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]. قال الحارث: سألت أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ عن هذه الآية قال: وَ اللّهِ إنّا لَنَحنُ أهلُ الذِّکرِ نَحنُ أهلُ العِلمِ نَحنُ مَعدِنُ التَّأویلِ وَ التَّنزیلِ.

ثم إنّه عَلیْهِ السَّلَامْ لما ذكر فضائل الآل و مناقبهم عقّب ذلك و أكده بذكر منقبة أخرى و فضيلة عظمى رواها عن رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فقال: أَیُّهَا النّاسُ خُذُوها عَنْ خاتَمِ النَّبِیِّینَ و سيّد المرسلين صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أجمعين إِنَّهُ یَمُوتُ مَنْ ماتَ مِنّا و لَیْسَ بِمَیِّتٍ و یَبْلَی مَنْ بَلِیَ مِنّا و لَیْسَ بِبالٍ.

اعلم أنّ هذا الحديث من مشكلات الأَحاديث و متشابهاتها و قد اختلف في توجيهه أنظار الشّراح و تأوّله كلّ بما يقتضيه سليقته و مذاقه، و أعظمهم خبطاً و أشدّهم و هماً الشارح البحراني مع فضله و ذكائه و براعته في علم الحكمة حسبما تطلع عليه و لا غرو فيه فإن الحكمة بعيدة عن مذاق الأخبار و حاجبة من اقتباس الأَنوار و الأَسرار المودعة في كنوز أحاديث الأَئمة الأَطهار.

و أنا أتمسّك في شرح المقام بحبل العناية الأَزليّة و أستمد من الحضرة الإلهية و أستمسك بذيل أهل بيت العصمة و الطّهارة و أبين أوّلاً جهة الإشكال و هو أن كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ بظاهره

متناقض حيث إنّه نفى الموت و البلا عنهم بعد إثباتها عليهم و الإيجاب يناقض السلب و السّلب للإيجاب، و أيضاً إنهم عَلیْهِم السَّلَامْ هل يحكم بموتهم و بلاهم في الواقع و نفس الأمر على ما هو مقتضى الشطر الإيجابي من القضيتين أو لا يحكم بشيء منهما في حقهم على ما يقتضيه الجزء السّلبي منهما.

فأقول: و بالله التوفيق، إنّ حلّ الإشكال في المقام موقوف على تحقيق الكلام في كلّ من القضيتين و به يرتفع التناقض من البين.

فأمّا القضية الأولى فمحصّل القول فيها أنّ النّبي و الأَئمة صلوات الله و سلامه عليه و عليهم إلاّ الحجّة المنتظر عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف قد انتقلوا من دار الدّنيا إلى دار الآخرة و خرجت أرواحهم من أبدانهم و جرى الموت عليهم حقيقة كما هو نص الجزء الإيجابي من هذه القضية، و نفي الموت عنهم إنما هو من مفتريات عبد الله بن سبأ و من حذا حذوه من الغلاة مخالف لإجماع الأمة و لنّص الكتاب و السنّة و قد قال سبحانه: إِنَّكَ مَيْتٌ وَ إِنَّهُم مَّیِّتُونَ(30) و قال: وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أََوْ قُتِلَ أَنقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِکُمْ [آل عمران: 144].

و أمّا سلب الموت عنهم عَلیْهِم السَّلَامْ في الجزء الثّاني من القضية فهو محمول على

حياتهم بأجسادهم المثالية كما هو مذهب جمع من أصحابنا على ما حكى عنهم الطّبرسی فی «مجمع البيان» في تفسير قوله: وَ لَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِِيلِِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لَكِن لَّا تَشْعُرُونَ [البقرة: 154].

و إليه ذهب المحدّث المجلسي في كتاب حق اليقين و نسبه فيه على ما يبالي إلى المفيد (رَحِمَه اللهُ).

و قال في «البحار» في المجلد الرابع عشر منه: و نحن لا ننكر الأَجساد المثالية و تعلق الأَرواح بها بعد الموت بل نثبتها لدلالة الأَحاديث المعتبرة عليها، بل لا يبعد عندي وجودها قبل الموت أيضاً فتتعلق بها الأَرواح في حال النوم و شبهه من الأَحوال لضعف تعلقها بالأجساد الأصلية فيسير بها في عوالم الملك و الملكوت و لا أستبعد في الأرواح القوية تعلقها بالأجساد المثالثة الكثيرة، و تصرفها في جميعها في حاله فلا يستبعد حضورهم عليهم السلام في آن واحد عند جمع كثير من المحتضرين و غيرهم (1)

و قال (رَحِمَه اللهُ) في المجلد التاسع منه بعد نقله رواية البرسي في «مشارق الأنوار» استقبال أمير المؤمنين و حضوره جنازة نفسه في ظهر الكوفة عند تشييع الحسنين عَلیْهِما السَّلَامْ لها:


1) البحار: 54: 355.

و لا أردّ هذه الرّواية لورود الأَخبار الكثيرة الدالة على ظهورهم (عَلیْهِمُ السَّلَامْ) بعد موتهم في أجسادهم المثالية كما نقلنا عنه في شرح الكلام التاسع و السّتين، و لا بعد في ذلك أي في ثبوت الأَجساد المثالية لهم، فقد ثبت ذلك في حق المؤمنين الذين هم من فاضل طيئتهم و أشعّة أنوارهم فكيف و هو عَلیْهِ السَّلَامْ أمير المؤمنين و هو و أولاده المعصومون سادات أهل الإيمان و اليقين بهم سعد من سعد و بولايتهم فاز من فاز و كلّ الكمالات فيهم و منهم و بهم و إليهم.

روى الكلينيّ في «الكافي» بإسناده عن القاسم بن محمّد عن الحسين بن أحمد عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ فقال: ما يقول النّاس في أرواح المؤمنين؟ فقلت: يقولون: تكون في حواصل طيور خضر في قناديل تحت العرش، فقال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: سبحان الله المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، يا يونس إذا كان ذلك أتاه محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الملائكة و المقرّبون (عَلیْهِمُ السَّلَامْ) فإذا قبضه الله عزّ و جلّ صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدّنيا فيأكلون و يشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصّورة التي كانت في الدّنيا (1)

و رواه في «مجمع البيان» عن «تهذيب الأَحكام» للشيخ عن القاسم بن القاسم بن محمّد نحوه.

و في «الكافي» بإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأَبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: إنا نتحدث عن أرواح المؤمنين أنّها في حواصل طيور خضر ترعى في الجنّة و تأوي إلى قناديل تحت العرش فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: لا إذاً ما هي في حواصل طير، قلت: فأين هي؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: في روضة كهيئة الأَجساد في الجنة (2)

و في «مجمع البيان» و «الصافي» من «التهذيب» عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ عن أرواح المؤمنين، فقال: في الجنة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت فلان (3)

و كيف كان فلا غبار على ذلك، و إطباق المشايخ على القدح في يونس بن ظبيان و نسبتهم له إلى الغلو و الكذب مع مدح بعضهم له و تلقي جمع منهم روايته هذه بالقبول و بنائهم على مضمونها مع اعتضادها بالرّوايات الأخرى لا يقدح في روايته هذه و العمل عليها، هذا هو الذي يقتضيه النظر الجليل في توجيه سلب الموت عنهم (عَلیْهِمُ السَّلَامْ).

و أمّا الذي يقتضيه النظر الدقيق فهو أن يقال بحياتهم بعد موتهم بأجسادهم الأَصلية التي


1) الكافي: 245/3 ح 4741، و بحار الأنوار: 270/6.

2) مستدرك سفينة البحار: 221/4.

3) تهذيب الأحكام: 1/ ج 466 ح 1527، و تفسير الصافي: 204/1.

كانت في الدنيا، و لا غرو فيه بعد دلالة الأََخبار المعتبرة عليه.

مثل ما في «الوسائل» في باب كراهة الإشراف على قبر النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم من فوق عن الكلينيّ عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد البرقي عن جعفر بن المثنى الخطيب قال: كنت بالمدينة و سقف المسجد الذي يشرف على القبر قد سقط، و الفعلة يصعدون و ينزلون و نحن جماعة، فقلت لأَصحابنا: من منكم له موعد يدخل على أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ الليلة؟ فقال مهران بن أبي نصر: أنا، و قال إسماعيل بن عمّار الصّيرفي: أنا، فقلنا: سلاه عن الصّعود لنشرف على قبر النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فلما كان من الغد لقيناهما فاجتمعنا جميعاً، فقال إسماعيل: قد سألناه لكم عمّا ذكرتم فقال: ما أحب لأَحد منهم أن يعلوه فوقه و لا آمنه أن يرى منه شيئاً يذهب منه بصره أو يراه قائماً يصلي أو يراه مع بعض أزواجه.

و في «البحار» من «المناقب» لابن شهر آشوب عن عبد الله بن سليمان و زياد بن المنذور و الحسن العباس بن حريش كلّهم عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ و أبان بن تغلب و معاوية بن عمّار و أبو سعيد المكاري كلّهم عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: أنّ أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ لقي الأَوّل فاحتج عليه ثمّ قال: أترضى برسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بيني و بينك؟ فقال: و كيف بذلك؟ فأخذ بيده فأتى به مسجد قبا فإذا رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فيه فقضى له على الأَوّل.

و فيه من «إرشاد القلوب» عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ في حديث طويل ذكر فيه احتجاج أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ على أبي بكر بحديث الغدير و غيره فقال أبو بكر: لقد ذكرتني يا أمير المؤمنين أمراً لو يكون رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم شاهداً فأسمعه منه، فقال أمير المؤمنين: الله و رسوله عليك من الشّاهدين يا أبا بكر إذا رأيت رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حيّاً و يقول لك إنّك ظالم لي في أخذ حقّي الذي جعله الله لي و لرسوله دونك و دون المسلمين أتسلّم هذا الأمر إليّ و تخلع نفسك منه؟ فقال أبو بكر: يا أبا الحسن و هذا يكون أرى رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حيّاً بعد موته يقول لي ذلك؟ فقال أمير المؤمنين: نعم يا أبا بكر، قال: فأرني ذلك إن كان حقّاً، فقال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ : الله و رسوله عليك من الشّاهدين إنّك تفي بما قلت؟ قال أبو بكر: نعم فضرب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ على يده و قال: تسعى معي نحو مسجد قبا فلمّا و رداه تقدّم أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ فدخل المسجد و أبو بكر من ورائه فإذا برسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في قبلة المسجد، فلمّا رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشيّ عليه فناداه رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ارفع رأسك أيها الضّليل المفتون، فرفع أبو بكر رأسه و قال: لبيّك يا رسول الله أحياة بعد الموت يا رسول الله؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: ويلك يا أبا بكر (1)

إنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْيِِ الْمَوْتَی إِنَّهُ عَلَى كُلِِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: 39] الحديث، و نحوها أخبار أخرى.


1) مدينة المعاجز: 16/3.

و أنت بعد ذلك لو سنحت بخاطرك سوانح الشبهات و خالجتك الشّكوك و احتملت تأويل هذه الأَخبار بالأَجساد المثالية و أردت أن يطمئن قلبك بجواز الحياة على الأَجساد الأَصلية.

فراجع إلى ما رواه في «البحار» من «المناقب» عن أبان بن تغلب و الحسين بن معاوية و سليمان الجعفري و إسماعيل بن عبد الله بن جعفر كلّهم عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: لمّا حضر رسول الله المماة دخل عليه عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ فأدخل رأسه معه ثمّ قال: يا علي إذا أنا متّ فغسلني و كفني ثمّ اقعدني و سائلني و اكتب، و من «تهذيب الأَحكام» فخذ بمجامع كفني ثمّ اسألني عما شئت فو الله لا تسألني عن شيء إلاّ أجبتك (1)

و رواه فيه من «البصائر» و «الكافي» و «الخرائج» عن البزنطي عن فضيل عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ مثله، و فيه و في رواية أبي عوانة بإسناده قال عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ: ففعلت فأنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة.

و في «البحار» أيضاً من «الخرائج» عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ: أمرني رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إذا توفّي أن أستسقي سبع قرب من بئر غرس فأغسله بها، فإذا غسلته و فرغت من غسله أخرجت من في البيت قال: فإذا أخرجتهم وضع فاك على فيّ ثمّ سلني عمّا هو كائن إلى أن تقوم الساعة من أمر الفتن ، قال عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ: ففعلت ذلك فأنبأني بما يكون إلى أن تقوم الساعة، و ما من فئة تكون إلاّ و أنا أعرف أهل ضلالها من أهل حقّها (2).

و من «الخرائج» أيضاً عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لأَمير المؤمنين: إذا أنا متّ فغسّلني و كفّنّي و ما أملي عليك فاكتب قلت: ففعل؟ قال: نعم(3)

و يزيد توضيحاً لذلك الأَخبار الواردة في كتاب المقاتل من أنّ الرّأس الأَطيب الأَطهر الأنور للسّيد الشّهداء روحي و جسمي له الفداء كان ينظر و يتحرّك و يتكلّم بعد قتله عَلیْهِ السَّلَامْ فيكبّر

تارة و يحوقل أخرى و يقرأ من القرآن آية الكهف و غيرها على السّنان و يخبر عن ما سنح بخاطر ابن وكيدة بالكوفة، إلى غير هذه ممّا شوهدت منه من المعجزات و الكرامات، أفيمكن لك أن تقول إن ذلك لم يكن رأسه الأصلي و إنّما كان رأسه المثالي؟ فإذا جازت الحياة على الرأس الذي هو جزء من البدن الشريف سلام الله عليه فكيف بالبدن تمامه.


1) بصائر الدرجات: 304 ح 9، و الكافي: 150/3 ح 1.

2) بحار الأنوار: 517/22 ح 25، و الأنوار البهية: 46.

3) مكاسب الرسول: 417/1 ح 1.

و قد روى غير واحد من أرباب المقاتل المعتبرة جلوس الجسد المذبوح عند وداع أهل بیته عَلیْهِ السَّلَامْ و معانقته لبنته الصغيرة و وصيّته إليها بأن يقول لشيعته:

شيعتي ما إن شربتم ماء عذب فاذكروني *** أو سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني

إلى آخر الأَبيات التي خرجت من الحلقوم الشريف لعن الله قاتليه و ظالميه أبد الآبدين و دهر الداهرين.

فحاصل الكلام و فذلكة المرام أني لا أمنع من تصرفات أرواحهم الكليّة في أجسادهم الأصليّة كتصرّفها في الأَجساد المثالية على ما عليه أساطين العلماء بأقدار من الله سبحانه و إفاضة منه الحياة عليهم بعد موتهم إظهاراً لشرفهم و رفعتهم و كرامتهم و إتماماً للحجة في بعض المقامات.

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: 42]. و لا أرى مانعاً من ذلك إلاّ ما في المجلس التّاسع عشر من كتاب «أسرار الشّهادات» من أنّ القول بتعلق الأرواح بالأجساد الدنيويّة الأصليّة قبل قيام السّاعة أو قبل الرّجعة ممّا قام الإجماع على بطلانه.

و لكنّك خبير بما فيه إذ المسألة غير معنونة في كلام الأصحاب فكيف يمكن دعوى الإجماع و بعد الغضّ عن ذلك غايته أنّه إجماع منقول بخبر الواحد و هو على القول بحجيته لا يكافيء الأَخبار المستفيضة الدّالّة على خلافه.

و يؤيّد ما ذكرته و يقربه ما في «مجمع البيان» في تفسير الآية السّابقة أعني قوله:

وَ لَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِِيلِِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ أَحْيَاءٌ [البقرة: 154]. فإنّه بعد ما أشكل في حياة الشهداء بقوله: فإن قيل: فنحن نرى جثة الشهداء مطروحة على الأرض لا تنصرف و لا يرى فيه شيء من علامات الأحياء، قال (رَحِمَه اللهُ) ما نصّ عبارته: فالجواب أمّا على مذهب من يقول من أصحابنا أن الإنسان هو النّفس إن الله يجعل لهم أجساماً كأجسامهم في دار الدّنيا يتنعّمون فيها دون أجسامهم التي في القبور فإنّ النّعيم و العذاب إنّما يحصل عنده إلى النّفس التي هي الإنسان المكلّف عنده دون الجثة إلى أن قال: فأمّا على مذهب من قال من أصحابنا إنّ الإنسان هذه الجمل المشاهدة و إن الرّوح هو النّفس المتردّدة في مخارق الحيوان و هو أجزاء الجوّ فالقول أنه يلطف أجزاء من الإنسان لا يمكن أن يكون الحيّ حيّاً بأقلٌ مما يوصل إليها النّعيم و إن لم تكن تلك الجملة بكمالها، لأنّه لا يعتبر الأطراف و أجزاء السّمن في كون الحي حيّاً، فإنّ الحي لا يخرج بمفارقتها من كونه حيّاً (1)


1) مجمع البيان: 439/1.

و ربّما قيل: بأن الجثّة يجوز أن تكون مطروحة فى الصورة و لا تكون ميتة فتصل إليها اللّذات کما أنّ النّائم حيّ و تصل إليه اللّذات مع أنه لا يحسّ و لا يشعر بشيء من ذلك، فيرى في النوم ما يجد به السّرور والالتذاذ حتى يودّ أن يطول نومه فلا ينتبه.

و قد جاء في الحديث أنّه يفسح له مدّ بصره و يقال له: نم نومة العروس، و قريب منه ما فی التّفسير الكبير للفخر الرّازي حيث قال:

فإن قيل: نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور فكيف يصح ما ذهبتم إليه؟

قلنا: أما عندنا فالبينة ليست شرطاً في الحياة و لا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كلّ واحد من تلك الذّرات و الأجزاء الصّغيرة من غير حاجة إلى التركيب و التأليف، و أمّا عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله إلى الأَجزاء التي لا بدّ منها في ماهية الحيّ و لا يعتبر بالأَطراف و يحتمل أيضاً أن يحييهم إذا لم يشاهدوا.

و بالجملة فقد تقرّر ممّا ذكرنا جواز الحياة على الأَبدان الأَصلية في الجملة و ارتفع بعد ذلك في نظرك بما نسبه الطبرسي إلى جمع من أصحابنا و الفخر الرّازي إلى المعتزلة مع أنه لا يعبؤ باستبعاد العقول بعد دلالة نصّ الآية و قيام الأخبار المستفيضة عليه، هذا.

و أمّا القضية الثانية أعني قوله: (ویَبْلَی مَنْ بَلِیَ مِنّا) و ليس ببال، فقد ظهر تحقيق الكلام فيها مما سبق إذ بعد القول بحياة الأَبدان على الوجه الذي قلناه لا يتصوّر البلى لمنافاتها له، نعم لا ينافيها على الوجه الذي اختاره الأَشاعرة و الوجه الذي ذهب إليه المعتزلة و جمع من أصحابنا على ما عرفت في نقل كلامهم.

و يدلّ على ذلك أي على عدم البلى ظواهر الأَخبار السّابقة مضافة إلى ما في «الكافي» عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن عليّ بن الحكم عن زياد بن أبي الجلال عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: ما من نبيّ و لا وصيّ نبيّ يبقى في الأَرض أكثر من ثلاثة أيّام حتّى ترفع روحه و عظمه إلى السّماء و إنّما يؤتى مواضع آثارهم و يبلغونهم من بعيد السّلام و يسمعونهم في مواضع آثارهم من قريب (1)

و في «الوسائل» عن الشيخ بإسناده عن محمّد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: دخلت على أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ فقلت له: إني أشتاق إلى الغرّي فقال: ما شوقك إليه؟ فقلت له: إنّي أحب أن أزور أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: هل تعرف فضل زيارته؟ قلت: لا إلاّ أن تعرّفني، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: إذا زرت أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ فاعلم أنّك زائر عظام آدم و بدن نوح و جسم عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ (2)،الحديث.


1) بحار الأنوار: 22/ 550 ح 3، و كامل الزيارات: 544 ح 831.

2) وسائل الشيعة: 14/ 384 ح 27، و بحار الأنوار: 258/97.

و ما في شرح المعتزلي عن النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أن الأرض لم تسلّط عليّ و أنها لا تأكل لي لحماً و لا تشرب لي دماً.

و في «الفقيه» عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ إن الله عزّ و جلّ حرّم عظامنا على الأرض و حرم لحومنا على الدود أن يطعم منها شيئاً.

و قال النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَ ممَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ قالوا: يا رسول الله و كيف ذلك؟ قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: أما حياتي فإن الله عزّ وجل يقول: ﴿وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33]، و أمّا مفارقتي إيّاكم فإن أعمالكم تعرض عليَّ كلّ يوم فما كان من حسن استردت الله لكم و ما كان من قبيح استغفرت الله لكم﴾، قالوا: و قد رحمت یا رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يعنون صرت رميماً فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: كلاّ إنّ الله تبارك و تعالى حَرَّمَ لُحُومَناً عَلَى الْأَرْضِ أَنْ يَطْعَمَ مِنْها شَيْئاً، هذا (1)

و مقتضى الجمع بين هذه الأَخبار و الأَخبار الدالة على نقل عظام آدم عَلیْهِ السَّلَامْ إلى الغريّ و عظام يوسف إلى الأرض المقدسة هو اختصاص حكم عدم البلى بهذه الشجرة المباركة أعني خاتم النبيّين و أوصيائه المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.

فإن قلت: فإذا قلت بعدم البلى على ما يقتضيه قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: ليس ببال، فكيف التوفيق

بينه و بين قوله: و يبلى من بلى منّا المقتضي لثبوت البلى؟

قلت: ذلك محمول على زعم أغلب الخلق فإن أسراء عالم الحواس من الناس لمّا زعموا أن الموت ملازم للبلى و قاسوا أولياء الله و عباده المصطفين بسائر الخلق و لم يعرفوا أنّهم لا يقاس بهم أحد فأثبتوا البلى في حقّهم و لذلك عقب عَلیْهِ السَّلَامْ الإيجاب بالسّلب كما أنّ الله سبحانه ردّ حسبان الخلق و زعمهم لكون القتل مستلزماً للموت في سورة البقرة بقوله:

وَ لَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَآءٌ وَ لَكِن لَّا تَشْعُرُونَ [البقرة: 154] و في سورة آل عمران بقوله: وَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169] فإن قوله: وَ لَكِن لَّا تَشْعُرُونَ [البقرة: 154]. في الآية الأولى دليل على أنّهم لم يكن لهم شعور بحياتهم فإذا لم يكن لهم شعور بذلك فلا يكون لهم شعور بعدم البلى البتة من حيث الملازمة بينه و بين الموت في نظرهم كملازمة الموت للقتل عندهم، هذا.

و أما حمل البلى على بلى الأَكفان فبعيد، و أبعد منه حمله على بلى الأَبدان و حمل عدم البلى على عدمه للأَرواح كما يظهر من شرح البحراني حيث قال في شرح هاتين الفقرتين ما


1) من لا يحضره الفقيه: 191/1 ح 582، و وسائل الشيعة: 109/16 ح 21108.

نصّ عبارته: و إشارة النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بهذه الكلمة تقرير لقوله تعالى:

وَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ [آل عمران: 169] الآية. و لما اتفقت عليه كلمة العلماء و نطقت به البراهين العقلية أن أولياء الله لا يموتون و لا يبلون و إن بليت أجسادهم.

قال بعض الخائضين فيما لا يعنيه: قوله: و يبلى من بلى منّا، نصّ جلي على أن أجساد الأَولياء تبلى، و ذلك يخالف ما يعتقده النّاس من أن أجسادهم باقية إلى يوم القيامة.

قلت: الاعتقاد المذكور لبعض الناس إنّما نشأ من قول الرسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في قتلى بدر: زمّلوهم بكلومهم و دمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة و أوداجهم تشخب دماً،و قوله تعالى: وَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا [آل عمران: 169]، الآية و ليس و لا واحد منهما بدال على أن الأجساد لا تموت و لا تبلى.

أمّا الخبر فليس مقتضاه أنّها تبقى صحيحة تشخب دماً إلى يوم القيامة، بل ذلك ممّا يشهد ببطلانه الحس، بل يحمل على أنّها كما تعاد يوم القيامة تعاد مجروحة تشخب جراحها دماً كهيئتها يوم موتها.

و أمّا الآية فالذي أجمع عليه علماء المفسّرين أنّ الحياة المذكورة فيها هي حياة النفوس، و هو ظاهر في سبب نزولها عن ابن عباس (رَضِی اللهُ) قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنّة و تأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة في ظلّ العرش فلمّا وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و مقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنّا أنّا في الجنّة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد و لا يتكلموا عند الحرب؟ فقال الله عزّ و جلّ: أنا أبلّغهم عنكم فنزلت: ﴿وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا [آل عمران: 169]، الآية﴾، (1)

فإذاً لا منافاة بين كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ و ما ورد في القرآن و الخبر، و مقصوده عَلیْهِ السَّلَامْ بهذه الكلمة تقرير فضيلتهم و أنّهم أولياء باقون عند ربّهم في ظل كرامته، انتهى كلامه.

و قد تحصل منه أنه (رَحِمَه اللهُ) يحمل الموت و البلى في كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ على بلى الأجساد و موتها و يحمل عدم الموت و البلى فيه على حياة النفوس و الأرواح و بقائها و أنت خبير بما فيه:

أمّا أولاً: فلاَن القول ببلى أجساد الأئمة و موتها خلاف ما هو المستفاد من الأخبار المستفيضة السّابقة.


1) تفسير الميزان: 72/4، و فتح القدير: 401/1.

و ثانياً: أن الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ إنّما أتى بالحديث النّبوي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و إظهاراً للرفعة و الكرامة و مقصوده عَلیْهِ السَّلَامْ به المفاخرة و بيان فضيلة و منقبة مختصة بهم (عَلیْهِمُ السَّلَامْ)، و من المعلوم أن بقاء الأَرواح مع بلى الأَجساد ليس فضيلة مخصوصة بأهل بيت الرسالة بل هي جارية في حق سائر النّاس من المؤمنين و الكفّار، و قد مرّ في شرح الخطبة الثّانية و الثمانين أن أرواح المؤمنين في وادي السّلام و أرواح الكفّار في البرهوت، فأيّ معنى لحمل عدم البلى فيه على عدم بلى الأرواح ، مع أن استعمال لفظ البلى و عدم البلي إنّما هو مصطلح في الأَجساد و الأَجسام دون الأنفس و الأرواح و هو واضح لا يخفى، بل الأرواح لا يتصوّر في حقها البلى فلا معنى لنفي البلى عنها إلاّ على وجه السالبة بانتفاء الموضوع.

و ثالثاً: قوله: (رَحِمَه اللهُ) قلت: الاعتقاد المذكور إنّما نشأ من قول الرسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم (آه) فيه أن سند الاعتقاد المذكور ليس منحصراً فيما ذكره بل قد دلّ عليه ما قدّمناه الأَدلة.

و رابعاً: أن دعوى اتّفاق المفسّرين على كون الحياة المذكورة في الآية هی حياة النفوس ممنوعة، لما عرفت سابقاً اختلاف المفسّرين فيها، فمنهم من يحملها على الحياة بالأَجساد المثالية، و منهم من يحملها على الحياة بالأَبدان الأَصليّة، و منهم من يحملها على حياة النفوس فكيف يمكن مع هذا الخلاف دعوى الاتفاق، و ما أبعد ما بين هذه الدّعوى و بين إنكار البعض حديث الأرواح مستدلاً بكون الروح عرضاً لا يتنعّم، فإن دعوى الشارح للاتفاق واقع في طرف الإفراط كما أن إنكار هذا البعض في جانب التفريط من حيث أنّ الروح جسم لطيف هوائي حسّاسة فعّالة و ليس عرضاً كما توهّمه، فيجوز أن يتنغّم و يلتذّ.

و خامساً: أن الحديث الذي نقله عن ابن عباس في مقام الاستظهار به قد عرفت ردّ الصادق عَلیْهِ السَّلَامْ له في روايتي يونس بن ظبيان و أبي بصير المتقدّمتين، و الله العالم بحقائق الأمور، و المحصّل لما في الصدور و إنّما أطنبت الكلام في المقام لكونه من مزالق الأَقدام محتاجاً إلى كشف الحجاب عن المرام و قد وضح لك فيه ما اقتضت الأدلة من الكتاب و السّنة و من الله سبحانه أسأل العصمة و السداد من الخطأ فى القول و الاعتقاد بمحمد و آله الأطهار الأمجاد.

ثم إنّه عَلیْهِ السَّلَامْ لمّا ذكر مناقب آل العباء و من خصّه الله بالولاية و الولاء و أكّده بحديث سلب الموت و البلى و كان ذلك بعيداً عن مذاق العوام و أمراً عجيباً عند العقول و الأوهام و مظنة للرد و الإنكار لا جرم أردفه بقوله: و لا تَقولوا بِما لا تَعرِفونَ فَإِنَّ أکثَرَ الحَقِّ فی ما تُنکِرونَ و هو نهي لهم عن القول في حق العترة بما لا يعرفون و عن التسرع إلى رد ما يستعجبون معلّلاً بأن أكثر الحق فيما ينكرون.

و المقصود به أن صاحب الولاية لا يقاس بالنّاس إذ شُؤونات الولاية المطلقة بعيدة عن

الوهم و القياس و إدراكات الخلق أغلبها مقصورة على عالم الحواس، و الجاهل ربما ينكر بداء جهالته الحق إذا خالف طبعه أو عجز عن إدراكه فهمه أو سبق إليه اعتقاده ضدّه بشبهة أو تقليد أو بما انقدح في و همه من شك و ترديد، فلا يجوز الخوض في اللّجاج و العناد بمجرد الاستغراب و الاستبعاد.

و قوله: و اعْذِرُوا مَن لا حُجَّةَ لَكُم عَلَيْهِ و أَنَا هُوَ، أما من الأعذار بمعنى الإنصاف من أعذر الرّجل إذا أنصف، أو من الأعذار بمعنى إثبات العذر و هو الأنسب الأَظهر، فالمقصود به على ذلك أنّه عَلیْهِ السَّلَامْ كان مأموراً من الله سبحانه و من رسوله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بالإبلاغ و التذكير و الإنذار و التحذير، و قد بلّغ و ذكّر و أنذر و حذّر، فكان له الحجة على المخاطبين و ثبت له العذر في مقام السؤال كما أن لله و كذلك لرسوله الحجة على جميع الخلائق حيث احتجّ بما نهج و أعذر بما أنذر، و هذا بخلاف ما لو فرّط عَلیْهِ السَّلَامْ و قصّر في الإبلاغ و التذكار فيكون حينئذٍ لهم الحجة عليه و يثبت لهم العذر فيما يلحقهم من العذاب بأن يقولوا:

إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ [الأعراف: 172]. و به جاهلين، فلا يجوز لك أن تؤاخذنا بما لم نعلم و تعذّبنا بما لم نفهم، فطلب عَلیْهِ السَّلَامْ منهم أن يثبتوا له العذر فيما يلحقهم من العذاب و نكال العقاب لا لأنفسهم حيث أوضح لهم المحجة البيضاء و دلهم على الطريقة الوسطى و هداهم إلى الشريعة الغرّاء.

كما أفصح عَلیْهِ السَّلَامْ عن ذلك بقوله: أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الأكْبَرِ وَ أَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الأصْغَرَ و هو استفهام تقريري يقول عَلیْهِ السَّلَامْ: إني قد عملت فيكم بكتاب الله و بما فيه من الحلال و الحرام و الحدود و الأَحكام، و تركت فيكم عترة رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و حفظت وصيّته بالإعزاز و الإكرام، و عبّر عنهما بالثقلين تبعاً للحديث النبوي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم المعروف بين الفريقين.

و إنما سمّيا بذلك إمّا لعظم خطرهما و جلالة قدرهما من الثقل و هو المتاع النفيس، و إمّا لكون العمل بهما ثقيلاً و إمّا لأجل أنّ الثقل متاع المسافر و حشمه فكأنّه عَلیْهِ السَّلَامْ لما شارف الانتقال إلى جوار ربّه تعالى جعل نفسه كالمسافر الذي ينتقل من منزل إلى منزل و جعل الكتاب و العترة كمتاعه و حشمه، لأنّهما أخصّ الأشياء ء به، قاله الشارح المعتزلي.

و الأظهر ما قلناه إذ متاع المسافر و حشمه يكونان معه و لا يخلفان بعده، هذا.

و أمّا تسمية القرآن بالأكبر و العترة بالأصغر مع كون العترة أفضل من القرآن عندنا و كونهم قيمين له فقد قال الشارح البحراني: أشار بكونه أكبر إلى أنّه الأصل المتّبع المقتدى به.

أقول: و ليس بشيء إذ العترة أيضاً أصل متّبع مقتدى، و يحتمل أن يكون وصفه به من جهة أنّه لما كان معجزاً للرسالة و سنداً لها و الولاية و أساساً للدّين و سناداً للشرع المبين و لولاه لم يثبت رسالة و لا شريعة و لا ولاية و لا دين و لا إيمان لا

جرم وصفه به.

و يمكن استظهار ذلك ممّا رواه أبو سعيد الخدري قال: قال النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إنّي تارك فيكم الثّقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأَرض، و عترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا على الحوض.

و أظهر منه ما في رواية أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم. يا أيّها النّاس إنّي تارك فيكم الثقلين: الثقل الأكبر و الثقل الأَصغر إن تمسكتم بهما لن تضلّوا و لن تبدّلوا، فإنّي سألت الله اللّطيف الخبير لا يفترقان حتّى يردا على الحوض فأعطيت، فقيل: فما الثقل الأَكبر و ما الثقل الأَصغر؟ فقال: الثقل الأكبر كتاب الله عزّ و جلّ سبب طرفه بید الله عزّ و جلّ و طرف بأيديكم و الثقل الأَصغر عترتي أهل بيتي (1)

و يمكن أن يقال: إن كتاب الله لما كان حجة على عموم الخلق من النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و الأَئمة (عَلیْهِمُ السَّلَامْ) و أمتهم، و حجية العترة كانت مخصوصة بالأمة فقط جعله أكبر لذلك، هذا.

و في قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: ألم أعمل فيكم (آه) تعريض و إشعار بعدم عمل غيره به و هو كذلك.

و يوضحه ما في «غاية المرام» من تفسير عليّ بن إبراهيم قال: حدثني أبي عن صفوان بن يحيى عن أبي الجارود عن عمران بن ميثم عن مالك بن ضمرة عن أبي ذر (رَحِمَه اللهُ) قال: لما نزلت هذه الآية:

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106]. قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ عَلَى خَمْسِ رَايَاتٍ فَرَايَةٌ مَعَ عِجْلِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ فَأَسْأَلُهُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِالثَّقَلَيْنِ مِنْ بَعْدِي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فحرفناه و نبذناه وراء ظهورنا، و أمّا الأَصغر فعاديناه و أبغضناه و ظلمناه فأقول: رِدُوا إِلَی اَلنَّارِ ظِمَاءً مُظْمَئِینَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُکُمْ.

ثمّ ترد عليّ راية مع فرعون هذه الأَمّة فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأَكبر فحرّفناه و مزّقناه و خالفناه، و أما الأَصغر فعاديناه و قاتلناه، فأقول: ردّوا إلى النّار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم.

ثمّ تردّ عليّ راية هي مع سامريّ هذه الأمّة فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فعصيناه و تركناه، و أما الأَصغر فخذلناه و ضيّعناه فأقول: ردّوا إلى النّار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم.

ثمّ ترد عليّ راية ذي الثدية مع أوّل الخوارج و آخرهم و أسألهم: ما فعلتم بالثقلين من


1) بصائر الدرجات: 434، و بحار الأنوار: 140/23 ح 89.

بعدي؟ فيقولون: أمّا الأَكبر فمزقناه و برءنا منه و أمّا الأصغر فقاتلناه و قتلناه فأقول: ردّوا إلى النّار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم.

ثمّ ترد عليّ راية مع إمام المتّقين و سيّد المسلمين و قائد الغرّ المحجلين و وصيّ رسول ربّ العالمين فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فاتبعناه و أطعناه، و أمّا الأصغر فأحببناه و واليناه و زرناه و نصرناه حتّى أهريقت فيهم دمائنا، فأقول: ردّوا إلى الجنّة رواء مرویّين مبيضّة وجوهكم ثمّ تلى رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم:

يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وَ أَمَّا الَّذِينَ أبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: 106 -107]. و قد أخذ السّيد إسماعيل الحميري مضمون هذا الحديث في أبيات من قصيدته المعروفة، و هي هذه الأَبيات:

و النّاس يوم الحشر راياتهم *** خمس فمنها هالک أربع

فراية العجل و فرعونها *** و سامري الأُمّة المشنع

و راية يقدمها أبکم *** عبد لئیم لکع أكوع

و راية يقدمها نعثل *** لا بردّ الله له مضجع

و راية يقدمها حبتر *** للزّور و البهتان قد أبدع

و راية يقدمها حیدر *** و وجهه کالشمس إذ تطلع

مولی له الجنة معمورة *** و النّار من إجلاله يفزع

إمام صدق و له شیعة *** يرووا من الحوض و لم يمنعوا

بذاک جاء الوحی من ربنا *** یا شيعة الحقّ فلا تجزعوا

ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: و رَکَزْتُ فِیکُمْ رَایَهَ اَلْإِیمَانِ شبه عَلیْهِ السَّلَامْ الإيمان بالراية لأنّه يهتدي به إلى سلوك سبيل الحقّ كما يهتدي بالراية أمام الجيش و نحوها، و ذكر الركز ترشيح للتشبيه و المقصود إني أثبت فيكم الإيمان وَ وَقَفْتُکُمْ عَلَی حُدُودِ اَلْحَلاَلِ وَ اَلْحَرَامِ أي جعلتكم واقفين عليهما مطلعين على جهاتهما وَ أَلْبَسْتُکُمُ اَلْعَافِیَهَ مِنْ عَدْلِی أراد بالعافية السلامة من الظلم و من أذى الظالمين و استعار لفظ اللّباس لها وَ فَرَشْتُکُمُ اَلْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِی وَ فِعْلِی المعروف اسم لكلّ ما عرف من طاعة الله و التّقرب إليه و الإحسان إلى النّاس و كلّ ما يندب إليه الشرع من

(1) بحار الأنوار: 346/37 ح 3، و تفسير الصافي: 370/1.

المحسنات و المقبحات، و إن شئت قلت: المعروف اسم لكل فعل يعرف حسنه بالشرع و العقل يقول عَلیْهِ السَّلَامْ: بسطت بساط المَعْرُوفَ بالأقَوال وَ الأِْفعال وَ أَرَيتُكُم كَرَائِمَ الأَخلَاقِ مِن نفَسيِ أي أوضحتها لكم و شاهدتموها مني متكرّره.

و قد سئل الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ عن مكارم الأَخلاق فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: اَلْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَکَ، وَ صِلَةُ مَنْ قَطَعَکَ، وَ إِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَکَ، وَ قَوْلُ اَلْحَقِّ وَ لَوْ عَلَی نَفْسِکَ (1)

و في حديث آخر في «الكافي» عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إنّ الله عزّ و جلّ خص رسله بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم فإن كانت فيكم فاحمدوا الله و اعلموا أنّ ذلك من خير و إلاّ تكن فيكم فاسألوا الله و ارغبوا إليه فيها فذكرها عشرة: اليقين، و القناعة، و الصبر، و الشكر، و الحلم، و حسن الخلق، و السخاء، و الغيرة، و الشجاعة، و المروة (2)و في الدّيوان المنسوب إليه عَلیْهِ السَّلَامْ:

إنّ المكارم أخلاق مطهرة *** فالدّين أولها و العقل ثانيها

و العلم ثالثها و الحلم رابعها *** و الجود خامسها و الفضل سادسها

و البرّ سابعها و الصّبر ثامنها *** و الشكر تاسعها و اللين باقيها

و النفس تعلم أنّي لا أصادقها *** و لست أرشد إلاّ حين أعصيها

و كيف كان فكونه عَلیْهِ السَّلَامْ مبدأ مكارم الأَخلا و منشأ محاسن الآداب مما لا ريب فيه بل ذلك غنيّ عن البيان، و لا بأس بالإشارة إلى بعض ما ورد في حسن خلقه و بشره و حلمه و عفوه و إشفاقه و عطفه صلوات الله عليه تيمناً و توضيحاً.

ففي «البحار» من «مناقب ابن شهر آشوب» عن «مختار التّمار» عن أبي مطر البصري أن أمير المؤمنين مرّ بأصحاب التّمر فإذا هو بجارية تبكي فقال: يا جارية ما يبكيك؟ فقالت: بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمراً فأتيتهم به فلم يرضوه فلمّا أتيته به أبى أن يقبله، قال عَلیْهِ السَّلَامْ: يا عبد الله إنّها خادم ليس لها أمر فاردد إليها درهمها و خذ التمر، فقام إليه الرّجل فلكزه فقال النّاس: هذا أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ فربا الرّجل و اصفرّ و أخذ التمر ورد إليها درهمها، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين ارض عني فقال: ما أرضاني عنك أن أصلحت أمرك (3)

و في «فضائل أحمد» إذا وفيت النّاس حقوقهم (4)، و دعا غلاماً له مراراً فلم يجبه فخرج


1) وسائل الشيعة: 199/15 ح 20272، و بحار الأنوار: 368/66 ح 6.

2) المحاسن: 192/1، و الكافي: 56/2 ح 2.

3) الغارات: 714/2، و بحار الأنوار: 48/41 ح 1.

4) مناقب آل أبي طالب: 379/1.

فوجده على باب البيت فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: ما حملك على ترك إجابتي؟ قال: كسلت إجابتك و أمنت عقوبتك، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: الحمد لله الذي جعلني ممن تأمنه خلقه امض، فأنت حرّ لوجه الله.

و جاءه أبو هريرة و كان تكلّم فيه و أسمعه في اليوم الماضي و سأله حوائجه فقضيها فعاتبه أصحابه على ذلك فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّي لأستحيي أن يغلب جهله علمي و ذنبه عفوي و مسألته جودي.

و لما أدرك عمرو بن عبدود لم يضربه فوقعوا في عليّ فردّ عنه حذيفة فقال النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: مه يا حذيفة فإنّ عليّاً سيذكر سبب وقفته ثمّ إنّه ضربه فلما جاء سأله النّبي عن ذلک فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: قد كان شتم بي و تفل في وجهي فخشيت أن أضربه بحظ نفسي فتركته حتى سكن ما بي ثم قتلته قتلته في الله (1)

و كان عَلیْهِ السَّلَامْ بشره دائم و ثغره باسم غيث لمن رغب و غياث لمن ذهب مآل الآمل و ثمال الأرامل يتعطف على رعيته و يتصرف على مشيته و يكفّه بحجته و تكفيه بمهجته.

و نظر إلى امرأة على كتفها قربة ماء فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها و سألها عن حالها فقالت: بعث علي بن أبي طالب زوجي إلى بعض الثغور فقتل و ترك عليّ صبياناً يتامى و ليس عندي شيء فقد ألجأتني الضّرورة إلى خدمة النّاس، فانصرف عَلیْهِ السَّلَامْ و بات ليلته قلقاً فلما أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: من يحمل وزري عنّي يوم القيامة فأتى و قرع الباب فقالت: من هذا؟ قال: أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة فافتحي فإن معي شيئاً للصّبيان فقالت: رضي الله عنك و حكم بيني و بين عليّ بن أبي طالب، فدخل و قال: إنّي أحببت اكتساب الثواب فاختاري بين أن تعجنين و تخبزين و بين أن تعلّلين الصبيان لأخبز أنا، فقالت: أنا بالخبز أبصر و عليه أقدر و لكن شأنك و الصّبيان فعلّلهم حتى أفرغ من الخبز. قال: فعمدت إلى الدّقيق فعجنته و عمد علي إلى اللّحم فطبخه و جعل يلقم الصبيان من اللّحم و التمر و غيره، فكلّما ناول الصبيان من ذلك شيئاً قال له: يا بنيّ اجعل عليّ بن أبي طالب في حل ممّا أمر في أمرك فلما اختمر العجين قالت: يا عبد الله اسجر التنور، فبادر عَلیْهِ السَّلَامْ بسجره فلما أشعله و لفح في وجهه يقول: ذق يا علي هذا جزاء من ضيّع الأرامل و اليتامى، فرأته امرأة تعرفه عَلیْهِ السَّلَامْ، فقالت: ويحك هذا أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ، قال: فبادرت المرأة و هي تقول: و احيائي منك يا أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ، فقال: بل وا حيائي منك يا أمة الله فيما قصرت في أمرك (2)


1) مستدرك الوسائل: 28/18، و بحار الأنوار: 51/41.

2) بحار الأنوار: 52/41، و الأنوار العلوية: 118.

ثمّ إنّه عَلیْهِ السَّلَامْ بعد ما أشار إلى جملة من فضائله و مناقبه أردفه بقوله: فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ وَ لاَ يَتَغَلْغَلُ أي لا يسرع و لا يدخل (إليه الفكر) و المقصود بذلك النهي عن استعمال الرأي فيما ذكره عَلیْهِ السَّلَامْ من خصائص العترة الطّاهرة و عجائب ما خصهم الله به من الأَنوار الباهرة.

يقول عَلیْهِ السَّلَامْ: إن أمرنا صعب لا تهتدي إليه العقول و الأَنظار، و لا تدرك قعره الأَبصار، و لا تغلغل فيه الأَفكار، فلا تجوز المبادرة إلى ردّ ما تأبى عنه العقول و الأَفهام في حقّهم عَلیْهِمُ السَّلَامْ، فإن حديثهم صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان.

تنبيه

لما كان هذا الفصل من كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ مسوقاً لإظهار مناقب الآل و مشتملاً على فضائل العترة الطّاهرين سلام الله عليهم أجمعين أحببت أن أورد هنا شطراً من كراماتهم و معجزاتهم و عجائب شؤوناتهم المروية بالأَسانيد الغرية.

فمنها

ما في المجلّد التاسع من «البحار» و جادة في بعض الكتب قال: حدثنا محمّد بن زكريا العلا قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفّار المعروف بابن المعافا عن وكيع عن زاذان عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال:

كنا مع مولانا أمير المؤمنين فقلت: يا أمير المؤمنين أحب أن أرى من معجزاتك شيئاً، قال: صلوات الله عليه: أفعل إن شاء الله عزّ و جلّ، ثمّ قام و دخل منزله و خرج إليّ و تحته فرس أدهم و عليه قباء أبيض و قلنسوة بيضاء، ثمّ نادى يا قنبر أخرج إليّ ذلك الفرس فأخرج فرس آخر أدهم فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: اركب يا أبا عبد الله.

قال سلمان: فركبته فإذا له جناحان ملتصقان إلى جنبه قال: فصاح به الإمام صلوات الله عليه فتعلق في الهواء و كنت أسمع خفيف أجنحة الملائكة و تسبيحها تحت العرش، ثمّ خطونا على ساحل بحر عجاج مغطمط (1)الأمواج فنظر إليه الإمام شزراً فسكن البحر من غليانه فقلت له: يا مولاي سكن البحر من غليانه من نظرك إليه، فقال صلوات الله عليه: يا سلمان خُشي أن آمر فيه بأمر.

ثمّ قبض على يدي و سار على وجه الماء و الفرسان تتبعان لا يقودهما أحد، فو الله ما


1) الغطمطة: اضطراب موج البحر.

ابتلّت أقدامنا و لا حوافر الخيل.

قال سلمان: فعبرنا ذلك البحر فدفعنا إلى جزيرة كثيرة الأَشجار و الأَثمار و الأَطيار و الأَنهار، و إذا شجرة عظيمة بلا صدع و لا زهر فهزّها (صلوات الله عليه) بقضيب كان في يده فانشقّت و خرج منها ناقة طولها ثمانون ذراعاً و عرضها أربعون ذراعاً و خلفها قلوص فقال (صلوات الله عليه): ادن منها و اشرب من لبنها.

قال سلمان: فدنوت منها و شربت حتى رويت و كان لبنها أعذب من الشهد و ألين من الزّبد و قد اكتفيت. قال (صلوات الله عليه): هذا حسن یا سلمان، فقلت: مولاي حسن؛ فقال صلوات الله عليه: تريد أن أريك ما هو أحسن منه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال سلمان: فنادی مولاي أمير المؤمنين اخرجي يا حسناء قال: فخرجت ناقة طولها عشرون و مائة ذراع و عرضها ستّون ذراعاً و رأسها من الياقوت الأََحمر و صدرها من العنبر الأََشهب و قوائمها من الزبرجد الأَخضر و زمامها من الياقوت الأََََصفر و جنبها الأَيمن من الذهب و جنبها الأيسر الفضة و عرفها من اللّؤلؤ الرطب فقال (صلوات الله عليه): يا سلمان اشرب من لبنها.

قال سلمان: فالتقمت الضّرع فإذا هي تحلب عسلاً صافياً مخلصاً، فقلت: يا سيّدي هذه لمن؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: لك و لك و لسائر الشيعة من أوليائي، ثمّ قال: ارجعي إلى الصّخرة و رجعت من الوقت و سار بي في تلك الجزيرة حتى ورد بي إلى شجرة عظيمة عليها طعام يفوح منه رائحة المسك، فإذا بطائر في صورة النسر العظيم.

قال سلمان رضي الله عنه: فوثب ذلك الطّائر فسلم عليه (صلوات الله عليه) و رجع إلى موضعه فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذه المائدة؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: هذه منصوبة في هذا المكان للشيعة من مواليّ إلى يوم القيامة فقلت: ما هذا الطّائر؟ قال (صلوات الله عليه) ملك موكلّ بها إلى يوم القيامة فقلت: وحده يا سيّدي، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: يجتاز به الخضر عَلیْهِ السَّلَامْ في كلّ يوم مرّة.

ثمّ قبض عَلیْهِ السَّلَامْ على يدي و سار إلى بحرٍٍ ثانٍ فعبرنا و إذا جزيرة عظيمة فيها قصر لبنة من ذهب و لبنة من فضة بيضاء شرفها من عقيق أصفر و على كلّ ركن من القصر سبعون صفاً من الملائكة فأتوا و سلّموا، ثمّ أذن لهم فرجعوا إلى مواضعهم.

قال سلمان رحمه الله تعالى: ثمّ دخل أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ القصر فإذا أشجار و أثمار و أنهار و أطيار و ألوان النبات فجعل الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ يمشي فيه حتّى وصل إلى آخره فوقف عَلیْهِ السَّلَامْ على بركة كانت في البستان ثمّ صعد إلى قصر فإذا كرسيّ من الذّهب الأَحمر فجلس عليه

(صلوات الله عليه) و أشرفنا على القصر فإذا بحر أسود يغطمط أمواجه كالجبال الرّاسيات ، فنظر (صلوات الله عليه) شزراً فسكن من غليانه حتّى كان كالمذنب.

فقلت: يا سيّدي سكن البحر من غليانه لما نظرت إليه فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: خشي أن آمر فيه بأمر أتدري يا سلمان أيّ بحر هذا؟ فقلت: لا يا سيّدي، فقال: هذا الذي غرق فيه فرعون و ملائه المذنبة حملها جناح جبرئيل عَلیْهِ السَّلَامْ ثمّ زجّها في هذا البحر فهو يهوي لا يبلغ قراره إلى يوم القيامة.

فقلت: يا أمير المؤمنين هل سرنا فرسخين؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: يا سلمان سرت خمسين ألف فرسخ ودرت حول الدّنيا عشر مرات.

فقلت يا سيّدي و كيف هذا؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: إذا كان ذو القرنين طاف شرقها و غربها و بلغ إلى سدّ يأجوج و مأجوج فأنا يتعذر عليَّ و أنا أمير المؤمنين و خليفة ربّ العالمين، يا سلمان أما قرأت قول الله عزّ و جلّ حيث يقول:

عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِِرُ عَلَى غَيْبِِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِِ ارْتَضَى مِن رَّسُولِ [الجن: 26- 27]. فقلت: بلى يا أمير المؤمنين فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: أنا ذلك المرتضى من الرسول الذي أظهره الله عزّ و جلّ على غيبه أنا العالم الرّباني أنا الذي هون الله له الشّدائد فطوى له البعيد.

قال سلمان رضي الله عنه: فسمعت صائحاً يصيح في السّماء أسمع الصوت و لا أرى الشخص و هو يقول: صدقت صدقت أنت الصّادق المصدّق صلوات الله عليك.

قال: ثمّ نهض صلوات الله عليه فركب الفرس و ركبت معه و صاح بهما فطارا في الهواء ثم خطونا على باب الكوفة هذا كلّه و قد مضى من اللّيل ثلاث ساعات.

فقال صلوات الله عليه لي: يا سلمان الويل كلّ الويل لمن لا يعرفنا حقّ معرفتنا و أنكر ولايتنا أيّما أفضل محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أم سليمان عَلیْهِ السَّلَامْ؟ قلت: بل محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس بطرفة و عنده علم من الكتاب و لا أفعل أنا ذلك و عندي مائة كتاب و أربعة و عشرون كتاباً أنزل الله تعالى على شيث بن آدم عَلیْهِ السَّلَامْ خمسين صحيفة، و على إدريس النبيّ عَلیْهِ السَّلَامْ ثلاثين صحيفة، و على إبراهيم عَلیْهِ السَّلَامْ عشرين صحيفة، و التوراة، و الإنجيل، و الزّبور و الفرقان.

فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين هكذا يكون الإمام صلوات الله عليه، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّ الشّاك في أمورنا و علومنا كالممتري في معرفتنا و حقوقنا، قد فرض الله عزّ و جلّ فی كتابه في

غير موضع، و بيّن فينا ما وجب العمل به، و هو غير مكشوف (1).

و منها

ما فيه أيضاً من الكتاب المذكور قال: روى الأصبغ بن نباتة قال: كنت يوماً مع مولانا أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ إذ دخل عليه نفر من أصحابه منهم أبو موسى الأَشعري و عبد الله بن مسعود و أنس بن مالك و أبو هريرة و المغيرة بن شعبة و حذيفة بن اليمان و غيرهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين أرنا شيئاً من معجزاتك الّتي خصك الله بها.

فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: ما أنتم و ذلك و ما سؤالكم عمّا لا ترضون به؟ و الله تعالى يقول: و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني إنّي لا أعذّب أحداً من خلقي إلاّ بحجّة و برهان و علم و بيان، لأنّ رحمتي سبقت غضبي و كتبت الرّحمة عليّ فأنا الرّاحم الرّحيم و الودود العلي ،و أنا المنان العظيم، و أنا العزيز الكريم، فإذا أرسلت رسولاً أعطيته برهاناً و أنزلت عليه كتاباً فمن آمن بي و برسولي فأولئك هم المفلحون الفائزون و من كفر بي و برسولي فأولئك هم الخاسرون الذين استحقّوا عذابي، فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن آمنّا بالله و برسوله و توكّلنا عليه.

فقال عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ: اللّهم أشهد على ما يقولون و أنا العليم الخبير بما يفعلون، ثمّ قال: قوموا على اسم الله و بركاته، قال: فقمنا معه حتى أتى بالجبانة و لم يكن في ذلك الموضع ماء قال: فنظرنا فإذا روضة خضراء ذات ماء، و إذا في الروضة غدران و في الغدران حيتان، فقلنا : و الله إنّها لدلالة الإمامة فأرنا غيرها يا أمير المؤمنين و إلاّ قد أدركنا بعض ما أردنا.

فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: حسبي الله و نعم الوكيل ثمّ أشار عَلیْهِ السَّلَامْ بيده العليا نحو الجبّانة فإذا قصور كثيرة مكلّلة بالذر و الياقوت و الجواهر و أبوابها من الزّبرجد الأخضر و إذا في القصور حور و غلمان و أنهار و أشجار و طيور و نبات كثير، فبقينا متحيرين متعجبين و إذا وصائف و جواري و ولدان و غلمان كاللؤلؤ المكنون فقالوا: يا أمير المؤمنين لقد اشتدّ شوقنا إليك و إلى شيعتك و أوليائك، فأومأ إليهم بالسّكون.

ثمّ ركض الأَرض برجله عَلیْهِ السَّلَامْ فانفلقت الأَرض من منبر من ياقوت أحمر فارتقى إليه فحمد الله و أثنى عليه و صلى على نبيّه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

ثم قال عَلیْهِ السَّلَامْ: غمضوا أعينكم فغمضنا أعيننا فسمعنا حفيف أجنحة الملائكة بالتّسبيح و التّهليل و التحميد و التعظيم و التقديس، ثمّ قاموا بين يديه قالوا: مرنا بأمرك يا أمير المؤمنين و خليفة ربّ العالمين صلوات الله عليك.


1) بحار الأنوار: 28/27 ح 10، و المحتضر: 160.

فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: يا ملائكة ربّي ائتوني بإبليس الأَبالسة و فرعون الفراعنة قال: فو الله ما كان بأسرع من طرفة عين حتى أحضروه عنده.

فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: ارفعوا أعينكم، قال فرفعنا أعيننا و نحن لا نستطيع أن ننظر إليه من شعاع نور الملائكة، فقلنا: يا أمير المؤمنين الله الله في أبصارنا فما ننظر شيئاً البتة و سمعنا صلصلة السّلاسل و اصطكاك الأغلال و هبت ريح عظيمة فقالت الملائكة: يا خليفة الله زد المعلون لعنة و ضاعف عليه العذاب فقلنا: يا أمير المؤمنين الله الله في أبصارنا و مسامعنا فو الله ما نقدر على احتمال هذا السر و القدر قال: فلمّا جرّه بين يديه قام و قال: واويلاه من ظلم آل محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم واويلاه من اجترائي عليهم ثمّ قال: يا سيّدي ارحمني فإنّي لا أحتمل هذا العذاب فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: لا رحمك الله و لا غفر لك أيّها الرّجس النّجس الخبيث المخبث الشّيطان.

ثمّ التفت عَلیْهِ السَّلَامْ إلينا و قال: تعرفون هذا باسمه و حسبه؟ قلنا: نعم يا أمير المؤمنين فقال: سلوه حتّى يخبركم من هو، فقالوا: من أنت؟ فقال: أنا إبليس الأَبالسة و فرعون هذه الأمة، أنا الذي جحدت سيّدي و مولاي أمير المؤمنين و خليفة ربّ العالمين و أنكرت آياته و معجزاته.

ثمّ قال أمير المؤمنين: غمّضوا أعينكم فغمضنا، فتكلّم عَلیْهِ السَّلَامْ بكلام أخفى فإذا نحن في الموضع الذي كنا فيه لا قصور و لا ماء و لا غدران و لا أشجار.

قال الأصبغ بن نباتة رضي الله عنه: و الذي أكرمني بما رأيت من تلك الدلائل و المعجزات ما تفرّق القوم حتى ارتابوا و شكّوا و قال بعضهم: سحر و كهانة و إفك فقال أمير المؤمنين (عَلیْهِ السَّلَامْ): إنّ بني إسرائيل لم يعاقبوا و لم يمسخوا إلاّ بعد ما سألوا الآيات و الدّلالات فقد حلّت عقوبة الله بهم و الآن حلت لعنته فيكم و عقوبته عليكم (1)، قال الأَصبغ بن نباتة رضي الله عنه: إنّي أيقنت أن العقوبة حلت بتكذيبهم الدّلالات و المعجزات.

و منها

ما في المجلد السّابع من «البحار» من كتاب «الاختصاص» عن ابن أبي الخطاب عن موسى بن سعدان عن حفص الأَبيض التّمار قال: دخلت على أبي عبد الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أيّام قتل المعلى بن خنيس و صلبه (رَحِمَه اللهُ) فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: يا حفص إني أمرت لمعلى بن خنيس بأمر فخالفني فابتلي بالحديد:

إنّي نظرت إليه يوماً و هو كتيب حزين فقلت: مالك يا معلّى كأنّك ذكرت أهلك و مالك


1) بحار الأنوار: 55/42، و الأنوار العلوية: 160.

و عيالك؟ فقال: أجل فقلت: ادن منّي فدنى منّي فمسحت وجهه فقلت: أين تراك؟ فقال: أراني في بيتي هذه زوجتي و هؤلاء ولدي فتركته حتى تملأ منهم و استترت منه حتّى نال ما ينال الرجل من أهله.

ثم قلت له: ادن مني، فمسحت وجهه فقلت: أين تراك؟ فقال: أراني معك بالمدينة و هذا بيتك فقلت له: يا معلّى إنّ لنا حديثاً من حفظه علينا حفظ الله عليه دينه و دنياه، يا معلّی لا تكونوا أسراء في أيدي النّاس بحديثنا إن شاؤوا منّوا عليكم و إن شاؤوا قتلوكم ، يا معلّى إنّ من كتم الصّعب من حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه و رزقه الله العزة في النّاس، و من أذاع الصّعب من حديثنا لم يمت حتّى يعضّه السّلاح أو يموت بخيل، يا معلى فأنت مقتول فاستعدّ (1)

و منها

ما فيه من «الخرائج» قال: روى أبو القاسم بن قولويه عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن إدريس عن محمّد بن حسان عن عليّ بن خالد قال: كنت بالعسكر فبلغني أنّ هناك رجلاً محبوساً أتى من ناحية الشام مكبولاً و قالوا: إنّه تنبأ، فأتيت الباب و داريت البوّابين حتّى وصلت إليه فإذا رجل له فهم و عقل فقلت له: ما قصّتك؟ قال:

إنّي كنت بالشّام أعبد الله في الموضع الذي يقال: إنّه نصب فيه رأس الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ، فبينما أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر الله إذ نظرت شخصاً بين يدي فنظرت إليه، فقال لي: قم، فقمت معه فمشى بي قليلاً فإذا أنا في مسجد الكوفة قال: أتعرف هذا المسجد؟ قلت: نعم هذا مسجد الكوفة فصلّى و صلّيت معه ثمّ خرج و خرجت معه فمشي بي قليلاً و إذا نحن بمسجد الرّسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فسلّم على رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و سلّمت و صلّى و صلّيت معه، ثمّ خرج و خرجت معه فمشي بي قليلاً و إذا نحن بمكّة وطاف بالبيت فطفت معه فخرج و مشى بي قليلاً فإذا أنا في موضعي الذي كنت أعبد الله فيه بالشّام و غاب الشخص عن عيني فتعجبت ممّا رأيت.

فلمّا كان في العام المقبل رأيت ذلك الشخص فاستبشرت به و دعاني فأجبته و فعل كما فعل في العام الأَوّل فلمّا أراد مفارقتي بالشام قلت: سألتك بالذي أقدرك على ما رأيت من أنت؟ قال:

أنا محمد بن عليّ بن جعفر، فحدّثت من كان يصير إليّ بخبره فرقى ذلك إلى


1) بحار الأنوار: 74/2 ح 42، و كتاب الغيبة: 38.

محمّد بن عبد الملك الزيّات فبعث إلي فأجلدني و كبلني في الحديد و حملني إلى العراق و حبست كما ترى و ادّعى عليّ المحال فقلت: أرفع عنك القصة إليه؟ قال: ارفع فكتبت عنه قصّته شرحت أمره فيها و دفعتها إلى الزّيات فوقع في ظهرها: قل للذي أخرجك من الشّام في ليلة إلى الكوفة إلى المدينة إلى مكة أن يخرجك من حبسي.

قال علي بن خالد: فغمني ذلك من أمره و رققت له و انصرفت محزوناً فلمّا أصبحت باكرت الحبس لأَعلمه بالحال و آمره بالصّبر و العزاء فوجدت الجند و الحراس و صاحب السجن و خلقاً كثيراً من النّاس يهرعون، فسألت عنهم و عن الحال فقيل: إن المحمول من الشام المتنبي فقد البارحة من الحبس فلا يدرى خسف به الأَرض أو اختطفته الطير و كان هذا المرسل أعني عليّ بن خالد زيديّاً فقال بالإمامة، و حسن اعتقاده (1).

و منها

حديث البساط المعروف و رويته من نسخة قديمة عندي قال الرّاوي: خبر من خزانة مولانا مفترض الطاعة على الخلق أجمعين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ.

حدّثنا أبو عبد الله بن زكريّا عن أبن جوهر بن الأَسود عن محمّد بن سابغ يرفعه إلى

سلمان الفارسي (رَضِی اللهُ عَنْهُ) انّه قال:

كنا جلوساً عند مولانا أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ ذات يوم أنا و ولديه الحسن و الحسين عَلیْهِمُ السَّلَامْ و محمّد بن حنيفة و محمّد بن أبي بكر و عمّار بن ياسر و مقداد بن أسود الكندي، فإذا التفت إليه الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ و قال: يا أمير المؤمنين إن سليمان بن داود قال: فهب لي من لدنك ملكاً لا ينبغي لأَحد من النّاس و أعطاه الله تعالى ذلك، فهل ملكت شيئاً من ملك سليمان؟ فقال له أمير المؤمنين: و الذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة لقد ملك أبوك ملكاً لا يملك أحد قبله و لا بعده، فقال الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّا نحبّ أن ننظر مما ملّكه الله إيّاك من الملكوت ليزداد النّاس إيمانهم.

فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: نعم و كرامة و قام و صلّى ركعتين ثمّ ذهب إلى صحن داره و نحن نراه، فمدّ يده نحو المغرب حتّى بان لنا من كفّه سحابة و هو يمدّها حتّى أوقفها على الدّار، و إلى جانب تلك السحابة سحابة أخرى، ثم أشار إلى ريح و قال: اهبطي إلينا أيّتها الرّيح فو الله العظيم لقد رأينا السّحاب و الرّيح قد هبطا يقولان:

نشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له و نشهد أنّ محمّداً عبده و رسوله و نشهد أنّك وصي رسول كريم محمّدٍ رسول الله و أنت وليّه، من شكّ فيكم فقد هلك و من تمسّك بك فقد سلك سبيل النّجاة.


1) الكافي: 493/1، الثاقب في المناقب: 511.

ثمّ تطأطأت السّحابتان حتى صارتا كأنهما بساطان و رائحتهما كالمسك الأَذفر فقال لنا أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: اجلسوا على الغمام فجلسنا و أخذنا مواضعنا.

ثمّ قال سلمان: إنّ أمير المؤمنين قال: أيتها الرّيح ارفعينا، فرفعتنا رفعاً رفيعاً فإذا نحن و أمير المؤمنين في تلك على كرسيّ من نور و عليه ثوبان أصفران و على رأسه تاج من ياقوتة صفراء و في رجليه شراك من ياقوت يتلألأ و في يده خاتم من درّة بيضاء يكاد نور وجهه يذهب الأبصار.

فقال له: يا أبتاه إنّ سليمان بن داود كان يطاع بخاتمه و أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ بماذا يطاع؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: يا ولدي يا ولدي أنا وجه الله، و عين الله، و لسان الله و أنا ولي الله، و أنا نور الله، وأنا كنز الله في الأَرض، و أنا القدرة المقدّرة، و أنا الجنة و النّار، و أنا سيّد الفريقين.

يا ولدي أتحب أن أريك خاتم سليمان بن داود؟ قال: نعم، فأدخل يده تحت ثيابه و استخرج خاتماً عليه فصّ من ياقوت مكتوب عليها أربعة أسطر، و قال: هذا و الله خاتم سلیمان بن داود.

قال سلمان: فبقينا متعجبين من ذلك فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: من أي تعجبون و ما هذا العجب إنّي لأرينكم اليوم ما لم يره أحد قبلي إلى بعدي.

فقال الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ: يا أمير المؤمنين إنا نحب أن ترينا يأجوج و مأجوج و السّد فقال عَلیْهِ السَّلَامْ للرّيح: سيري، فقال سلمان: فو الله لمّا سمعت الريح قوله دخلت تلك السّحاب و رفعنا إلى الهواء حتّى أتينا إلى جبل شامخ في الهواء و عليه شجرة جافة و تساقط أوراقها فقلنا: ما بال هذه الشجرة قد جفت و ماتت قال: سلوها فإنها تخبركم فقال الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ: ما بالك أيّتها الشجرة قد حلّ بك ما نراه منك؟ فما أجابت، فقال لها أمير المؤمنين: بحقي عليك أيتها الشجرة أجيبيهم.

قال سلمان: فو الله لقد سمعنا و هي تقول: لبيّك لبيّك يا وصيّ رسول الله و خليفته من بعده حقاً، فقالت للحسين: يا أبا محمّد إنّ أباك أمير المؤمنين يجيئني في كلّ ليلة و يسبح عندي الله عزّ و جلّ و يستظلّ بي فإذا فرغ من تسبيحه جاءته غمامة بيضاء تفوح منها مسك و عليها كرسيّ فيجلس عليها ثمّ يسير به فلا أراه إلى وقته ذلك، و كان يتعاهدني كلّ ليلة و كنت أعيش من رائحته فقطعني منذ أربعين ليلة لم أعرف له خبراً و الذي تراه مني مما أنكرته من فقده و الغم و الحزن فاسأله يا سيدي حتّى يتعاهدني بجلوسه عندي فقد عشت من رائحته في هذا الوقت و بنظري إليه، قال: فبقينا متعجبين من ذلك فقام عَلیْهِ السَّلَامْ و مسح يده المباركة عليها.

قال سلمان: و الله الذي نفسي بيده لقد سمعت لها أنيناً و أنا أراه و هي تخضر حتّى أنبتت ورقاً و أثمرت بقدرة الله عزّ و جلّ و ببركاته عَلیْهِ السَّلَامْ، فأكلنا فكانت أحلى من السّكر، فقلنا : يا أمير

المؤمنين هذا عجب فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: الذي ترون بعدها أعجب ثمّ عاد عَلیْهِ السَّلَامْ إلى موضعه و قال للرّيح: سيري بنا، فدخلت الريح تحت السّحابة و رفعنا حتى رأينا الدنيا بمثل دور الرأس و رأينا في الهواء ملكاً رأسه تحت الشمس و رجلاه في قعر البحور و يده في المغرب و الأخرى في المشرق فلما خبرنا به قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمّداً عبده و رسوله و أنّك وصيّه حقّاً لا شك فيك و من شكّ فيك فهو كافر.

فقلنا: يا أمير المؤمنين من هذا الملك و ما بال يده في المغرب و أخرى في المشرق؟فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: أنا أقمته بإذن الله لههنا و وكلته بظلمات الليل وضوء النّهار و لا يزال كذلك إلى يوم القيامة و إنّي أدبر أمر الدّنيا و أصنع ما أريد بإذن الله و أمره و أعمال الخلائق إليَّ و أنا أدفعها إلى الله عزّ و جلّ.

ثمّ سار بنا حتى وقفنا على يأجوج و مأجوج، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ للريح: اهبطي تحت هذا الجبل و أشار بيده إلى جبل شامخ إلى قرب السدّ ارتفاعه مد البصر و إذا به سواد كأنه قطعة ليلة يفور منه دخان فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: يا أبا محمّد أنا صاحب هذا السّد على هؤلاء العبد.

فقال سلمان: فرأيتهم ثلاثة أصناف: صنف طوله مائة و عشرون ذراعاً من عرض ستّين ذراعاً، و الصّنف الثّاني طوله مائة و سبعون ذراعاً من عرض ثمانين ذراعاً، و الصّنف الثالث أحدهم يفرش إذنه تحت و الأخرى فوقه.

ثمّ قال للريح: سيري بنا إلى قاف فسارت بنا إلى جبل من ياقوتة خضراء و هو محيط بالدّنيا و عليه ملك في صورة بني آدم و هذا الموكل بقاف فلما نزل الملك إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ قال: تريد أن تسألني أن أذن لك فقد أذنت فأسرع الملك و قال : بسم الله الرّحمن الرّحيم ثمّ طار.

قال سلمان: وطفنا في ذلك حتى انتهينا إلى شجرة جافة من الشجرة الأولى فقلنا: يا أمير المؤمنين ما بال هذه الشّجرة قد ماتت؟ فقال: سلوها قال الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ: و قمت و دنوت أنا و أبي عَلیْهِ السَّلَامْ و قلت لها: أقسمت عليك بحقّ أمير المؤمنين أن تخبرينا ما بالك و أنت في هذا المكان قال سلمان: فكلّمت بلسان طلق و هي تقول:

يا أبا محمّد إني كنت أفتخر على الأَشجار فصارت الأَشجار تفتخر عليّ و ذلك أن أباك كان يجيئني في كلّ ليلة عند الثلث الأَول من اللّيل يستظل بي ساعة ثمّ يأتيه فرس أدهم فيركبه و يمضي فلا أراه إلى وقته و كنت أعيش من رائحته و أفتخر به فقطعني منذ أربعين ليلة فغمّني ذلك فصرت كما ترى.

فقلنا: يا أمير المؤمنين اسأل الله في ردّها كما كانت فمسح يده المباركة ثمّ قال: يا شاه شاهان فسمعنا لها أنيناً و هي تقول: أشهد أنّك أمين هذه الأمّة و وصي رسول الله من تمسّك

بك فقد نجا و من خالفك فقد غوى، ثمّ اخضرت و أورقت فجلسنا تحتها و هي خضرة نضرة.

فقلنا: أين ذهب هذا الملك الموكّل بقاف؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: إلى زيارة الملك الموكل على ظلمات اللّيل وضوء النّهار فقلنا: يا أمير المؤمنين ما يزالون عن مواضعهم إلاّ بإذنك ؟ فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: و الذي رفع السّماء بغير عمد ما أظنّ أحداً يزول عن موضعه بغير إذني إلاّ احترق.

فقلنا: يا أمير المؤمنين كنت معنا جالساً في منزلك فأيّ وقت كنت في قاف؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ لنا: غمّضوا أعينكم فغمضناها ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: افتحوها، ففتحناها فإذا نحن قد بلغنا مكّة فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: لقد بلغنا و لم يشعر أحد فكذلك كنت بقاف و لم يشعر أحد منكم.

فقلنا: يا أمير المؤمنين هذا العجب من وصيّ رسول الله فقال: و الله إنّي أملك من الملكوت ما لو عاينتموه لقلتم أنت أنت أنت، و أنا و أنا و أنا عبد الله مخلوق من الخلائق آكل و أشرب.

ثمّ أتينا إلى روضة نضرة كأنها من رياض الجنّة فإذا نحن بشاب يصلّي بين قبرين، فقلنا : يا أمير المؤمنين من هذا الشّاب؟ فقال: أخي صالح و هذان قبر أبويه يعبد الله بينهما، فلمّا نظر إلينا صالح أتى إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ و هو يبكي، فلمّا فرغ من بكائه فقلنا: ممّا تبكي؟ فقال: إن أمير المؤمنين كان يمرّ بي كلّ كل يوم عند الصّبح و كنت آنس به و أزداد في العبادة فقطعني منذ أربعين يوماً فأهمّني ذلك و لم أملك من شدة شوقي إليه و أصابني ما تراه، فقلنا: يا أمير المؤمنين هذا هو العجب من كلّ ما رأينا أنت معنا في كلّ يوم و تأتي إلى هذا الفتى.

فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: أتحبّون أن أرينكم سليمان بن داود؟ فقلنا نعم، فقام عَلیْهِ السَّلَامْ و قمنا معه و مشينا حتى دخلنا بستان لم نر قط ّمثله و فيه من جميع الفاكهة و الأنهار تجري و الأَطيار تتغنّى، فلما نظرت الأَطيار إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ جعلت تظلّ على رأسه.

فإذا نحن بسرير عليه شابّ ملقى على ظهره و ليس في يده خاتم و عند رأسه ثعبان و عند رجليه ثعبان فلمّا نظرا إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ انكبّا على قدميه يمرغان وجوههما على التراب ثمّ صارا كالتّراب فقلنا: يا أمير المؤمنين هذا هو سليمان ؟ قال: نعم و هذا خاتمه ثمّ أخرج من يده الخاتم و جعله في يد سليمان ثمّ قال: قم يا سليمان بإذن من يحيي العظام و هي رميم و هو الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم القهّار ربّ السّماوات و الأَرضين ربّي و ربّ آبائنا الأَوّلين.

قال سلمان: فسمعنا سليمان يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمداً عبده و رسوله أرسله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدّين كله و لو كره المشركون، و أشهد أنّك وصيّ رسول الله الأَمين الهادي، و إنّي سألت ربّي عزّ و جلّ أن أكون من شيعتك و لو لا ذلك ما ملكت شيئاً.

قال سلمان: فلما سمعت ذلك و ثبت و قبلت أقدام أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ ثمّ نام سليمان

و قمنا ندور في قاف فسألته ما وراء قاف؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: وراءه أربعين دنيا كلّ دنيا مثل الدّنيا التي جئنا أربعين مرّة، فقلت له: يا أمير المؤمنين كيف علمك بذلك؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: كعلمي بهذه الدّنيا و من فيها و بطرف السّماوات و الأَرضين.

یا سلمان كتبت على اللّيل فأظلم، و على النهار فأضاء، أنا المحنة الواقعة على الأَعداء الطامة الكبرى، أسماؤنا كتبت على العرش حتّى استند، و على السّماوات فقامت، و كتبت على الأَرض فسكنت، و على الرّياح فذرت، و على البرق فلمع و على النّور فسطع، و على الرّعد فخشع، و أسماؤنا مكتوبة على جبهة إسرافيل الذي جناحه في المشرق و المغرب و هو يقول: سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الرّوح.

ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ لنا: اغمضوا أعينكم فغمضنا ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: افتحوها ففتحنا فإذا نحن بمدينة لم نر أكبر منها و إذا الأسواق بائرة و أهلها قوم لم نر أطول منهم خلقاً كلّ واحدة كالنخلة، فقلنا: من هؤلاء القوم فما رأينا أعظم منهم خلقاً؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: هؤلاء قوم عاد و هم كفّار لا يؤمنون بيوم الميعاد و بمحمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، فأحببت أن أرينكم إيّاهم في هذا الموضع و لقد مضيت بقدرة الله تعالى، و اقتلعت مدينتهم و هي مدائن الشّرق و أتيتكم بها و أنتم لا تشعرون، و أحببت أن أقاتل بين يديكم.

ثمّ دنا منهم فدعاهم إلى الإيمان فأبوا فحمل عَلیْهِ السَّلَامْ عليهم و حملوا عليه و نحن نراهم و لا یرونا فتباعد عنهم ودنا منا فمسح يده عَلیْهِ السَّلَامْ على أبداننا و قلوبنا و قال: ثبتوا على الإيمان ثمّ مشى إليهم و دعاهم ثانية إلى الإيمان و نحن نراهم فأبوا ثم زعق زعقة.

قال سلمان: فوالذي نفسي بيده لقد ظننت أن الأَرض قد انقلبت و الجبال قد تدكدكت

و رأيتهم صرعى كأعجاز نخل خاوية قال: لا أضعف إيمانكم.

قال لنا: أتحبّون أن أرينكم ما هو أعجب من هذا؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين ما لنا قوّة و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، فعلى من لا يؤمن بك لعنة الله و لعنة الملائكة و النّاس أجمعين.

ثمّ صاح عَلیْهِ السَّلَامْ بالغمامة، فإذا هي قد أقبلت فقال: اجلسوا على السحابة فجلسنا و جلس هو على الأخرى ثمّ تكلّم بما لم نفهمه فما استتم كلامه حتّى طارت بنا في الهواء، ثمّ رفعتنا حتى رأينا الدنيا مثل دور الدراهم ثمّ حططنا دار أمير المؤمنين علي عَلیْهِ السَّلَامْ في أقلّ من طرفة عين و أنزلنا و المؤذن يؤذّن للظهر و كنا مضينا عند طلوع الشمس، فقلنا: هذا هو العجب كنّا في قاف و قطعنا و رجعنا في خمس ساعات، فقال أمير المؤمنين: لو أردت أطوف بكم الدّنيا و جميع السماوات و الأرض في أقل من مدّ البصر لفعلت بقدرة الله تعالى و جلاله و بركة رسوله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و أنا وصيّه و لكن أكثر النّاس لا يعلمون.

فقال سلمان: قلنا: لعن الله من جحدك و غصب حقّك و ضاعف عليهم العذاب الأَلیم و جعلنا ممن لا يفارق منك ساعة في الدّنيا و الآخرة بمحمّد و آله عليهم السّلام.

أقول: و رواء المحدث العلاّمة المجلسي طاب ثراه في المجلد السابع من «البحار» من

كتاب «المختصر» (1)للشيخ حسن بن سليمان من كتاب «منهج التحقيق إلى سوء الطريق» لبعض علماء الإمامية بإسناده عن سلمان الفارسي نحو ما رويناه و قال بعد ما أورده: أقول: هذا خبر غريب لم نره في «الأصول» التي عندنا و لا نردها و نردّ علمها إليهم عَلیْهِمُ السَّلَامْ.

و منها

ما في المجلّد الثّامن من «البحار» من كتاب «المحتضر» عن بعض العلماء في كتابه عن جابر بن عبد الله الأَنصاري قال: إنّ أمير المؤمنين كان يخرج في كلّ جمعة ظاهر المدينة و لا يعلم أحد أين يمضي، قال: فبقي على ذلك برهة من الزّمان، فلما كان في بعض الليالي قال عمر بن الخطاب: لا بد من أن أخرج و أبصر أين يمضي عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ.

قال: فقعد له عند باب المدينة حتى خرج و مضى على عادته فتبعه عمر و كان كلّما وضع عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ قدمه في موضع وضع عمر رجله مكانها، فما كان إلا قليلاً حتى وصل إلى بلدة عظيمة ذات نخل و شجر و مياه غزيرة ثمّ أن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ دخل إلى حديقة بها ماء جار فتوضأ و وقف بين النخل يصلّي إلى أن مضى من اللّيل أكثره.

و أمّا عمر فإنّه نام فإنّه نام فلما قضى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ وطره من الصّلاة عاد و رجع إلى المدينة حتى وقف خلف رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و صلّى معه الفجر فانتبه عمر فلم يجد أمير المؤمنين في موضعه فلما أصبح رأى موضعاً لا يعرفه و قوماً لا يعرفهم و لا يعرفونه فوقف على رجل منهم.

فقال له الرجل: من أنت و من أين أنت؟ فقال عمر: من يثرب مدينة رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فقال له الرّجل: يا شيخ تأمل أمرك و أبصر ما تقول فقال: هذا الذي أقوله لك قال الرّجل: متى خرجت من المدينة؟ قال: البارحة قال له: اسكت لا يسمع الناس منك فتقتل أو يقولون: هذا مجنون، فقال: الذي أقول حق.

فقال له الرّجل: حدّثني كيف حالك و مجيئك إلى ههنا؟ فقال عمر رضي الله عنه: كان عليّ بن أبي طالب في كلّ ليلة جمعة يخرج من المدينة و لا نعلم أين يمضي فلمّا كان في هذه اللّيلة تبعته و قلت: أريد أن أبصر أين يمضي فوصلنا إلى ههنا فوقف يصلي و نمت و لا أدري ما صنع.

فقال له الرّجل: ادخل هذه المدينة و أبصر الناس و اقطع أيامك إلى ليلة الجمعة فما لك


1) المحتضر: 66، و البحار: 333/30 ح 157.

أن يحملك إلى الموضع الذي جئت منه إلاّ الرّجل الذي جاء بك، فبيننا و بين المدينة أزيد من مسيرة سنتين فإذا رأينا من يرى المدينة و رأى رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم نتبرك به و نزوره و في بعض الأحيان نرى من أتى بك فتقول أنت قد جئتك في بعض ليلة من المدينة.

فدخل عمر إلى المدينة فرأى النّاس كلّهم يلعنون ظالمي أهل بيت محمد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و يسمونهم بأسمائهم واحداً واحداً و كلّ صاحب صناعة يقول ذلك و هو على صناعته، فلما سمع عمر ذلك ضاقت عليه الأَرض بما رحبت و طالت عليه الأَيّام.

حتّى جاء ليلة الجمعة فمضى إلى ذلك المكان فوصل أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ إليه على عادته يترقّبه حتى مضى معظم اللّيل و فرغ من صلاته و هم بالرّجوع فتبعه عمر حتّى وصلا الفجر المدينة، فدخل أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ المسجد و صلّى خلف رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و صلّى عمر أيضاً ثمّ التفت النبيّ إلى عمر فقال: يا عمر أين كنت أسبوعاً لا نراك عندنا فقال عمر: يا رسول الله كان من شأني كذا و كذا وقصّ عليه ما جرى له فقال النبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: لا تنس ما شاهدت بنظرك، فلمّا سأله من سأله عن ذلك فقال: نفذ فيّ سحر بني هاشم (1)

قال المجلسي (رَحِمَه اللهُ) أقول: هذا حديث غريب لم أره إلاّ في الكتاب المذكور هذا.

و غرائب شؤوناتهم عَلیْهِمُ السَّلَامْ متجاوزة عن حد الإحصاء و لو أردت ذكر يسير من

كثير لصار كتاباً كبير الحجم و فيما أوردته كفاية للمستبصر و هداية للمهتدي، و الله العالم الخبير بمقامات حججه و أوليائه الكرام عليهم الصّلاة و السّلام.


1) المحتضر: 68، و بحار الأنوار: 335/30.

الترجمة

پس کدام راه می روید ای مردمان گمراه؟ و کجا بازگردانیده می شوید ای خلق تباه؟ و حال آن که علامات هدایت برپا است و آیات قدرت روشن و هویدا است و مناره های بلند پایه به جهت هدایت مرکوز و منصوب است. پس کجا حیران گردانیده می شوید در تباهی؟ بلکه چگونه متردّد می باشید در گمراهی؟ و حال آن که در میان شما است اهل بیت پیغمبر شما و ایشان زمام های حق اند زبان های صدق، پس نازل نمایید ایشان را در نیکو ترین منزل های قرآن و وارد شوید به ایشان مثل وارد شدن شتران عطشان به آب فرات و روان.

ای مردمان اخذ نمائید این روایت را از حضرت خاتم الانبياء عليه التحية و الثناء: به درستی که می میرد کسی که مرد از ما و حال آن که مرده نیست به حقیقت و می پوسد آن که پوسیده از ما و حال آن که پوسیده نیست در واقع، پس قائل نشوید به چیزی که معرفت ندارید به آن، زیرا که اکثر حق در آن چیزی است که شما انکار می نمایید آن را و معذور دارید شخصی را که حجت نیست شما را بر او و منم آن شخص.

آیا عمل نکردم در میان شما به بار گران بزرگ تر که عبارت است از قرآن؟ و آیا نگذاشتم در میان شما بار گران کوچک تر که عبارت است از عترت سیّد البشر؟ و مرکوز ساختم در میان شما رایت ایمان و اسلام را و واقف گردانیدم شما را به حدود حلال و حرام و پوشانیدم به شما لباس عافیت را از عدل و انصاف خود و گسترانیدم از برای شما بساط امر معروف را از گفتار و کردار خود و بنمودم به شما خلق های پسندیده از نفس خود، پس استعمال نکنید رأی های خود را در آن چه که درک نمی نماید نهایت آن را بصر و سرعت نمی تواند کند به سوی فکر های ارباب فکر و نظر و آن عبارت است از مقامات نورانيّه ائمه أنام عليهم الصلاة و السّلام.

الفصل الرابع

اشارة

منها حَتَّى يَظُنُ الظَّانُ إِنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَني أُُمَيَّةَ، تَمْنحُهُمْ دَرَّها، وَ تُورِِدُهُمْ صَفْوَها، وَ لا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الأُُمَّةِ سَوْطُهَا وَ لاَ سَيْفُها، وَ كَذِبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ، بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِن لَذيذِ الْعَيْشِِ يَتَطَعَّمُونَها بُرْهَةً، ثُمَّ يَلْفِظُونَها جُمْلَةً (1)

اللغة

(عقلت) البعير عقلاً من باب ضرب حبسته بعقال و (منح) زيد عمراً يمنح من باب منع

أعطاه و منه المنحة بالكسر و هي الشاة أو النّاقة المعادة للبنها و (الدّر) في الأَصل اللّبن ثمّ استعمل في كلّ خير و نفع و منه قولهم: لله درّه و (مجّ) الشّراب من فيه مجّاً قذفه و رماه و انمجّت نقطة من القلم ترششت، و المجّة في النسخ بفتح (الميم ) و الأَنسب أن يكون بالضّم و هو على ما في «القاموس» نقط العسل على الحجارة و (البرهة) مدّة من الزّمان لها طول.

الإعراب

(حتّى) لانتهاء الغاية و قد حذف المغيا و ترك ذكره في الكتاب، (و الواو) في قوله: (و كذب الظّان) حالية، و جملة (يتطعّمونها) في محل الرفع صفة لمجّة.

المعنى

اعلم أن المستفاد من شرح المعتزلي أنّ هذه الخطبة ملتقطة من خطبة طويلة حذف السّيد منها كثيراً و لم أعثر بعد على تمامها، و هذا الفصل من جملة أخباره الغيبية مسوق لبيان حال بني أميَّة و ابتلاء الخلق بهم، و لعل ما قبل هذا الفصل أنّه:

يليكم ولاة يتمادون في الطّغيان و الغفلة، و يكون النّاس بهم في طول عناء و شدّة حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيا مَعْقُولَةٌ عَلى بَنِي أُمَيَّةَ أي محبوسة في أيديهم لا تتجاوز عنهم إلى غيرهم كالناقة المحبوسة بالعقال تَمنَحُهُم دَرَّها و تورِدُهُم صَفوَها أي تعطيهم منفعتها و تبذل لهم صافي فوائدها كما أن المنحة تعطي لبنها لحالبها و تبذله له و لا یُرفَعُ عَن هذِهِ الاُمَّهِ سَوطُها و لا سَیفُها أي لا يرفع عن الأمّة عذاب الدّنيا بهم و تجوز بلفظ السوط و السّيف عن القتل و الاستئصال و العذاب لكونهما آلتين لهما و کَذَبَ الظّانُّ لِذلِکَ في ظنه و زعمه بَل هِیَ مَجَّةٌ


1) بحار الأنوار: 548/31 ح 50، ينابيع المودة لذوي القربي: 433/3.

مِن لَذیذِ العَیشِ أي حقيرة قليلة كالريقة التي تمجّ من الفم یَتَطَعَّمونَها بُرهَةً من الزمان و يلتذون بها مدّة ملكهم و إمارتهم ثُمَّ یَلفِظونَها جُملَةً أي يرمونها بكلّيتها و هو كناية عن زوالها عنهم بالمرّة. أقول: و قد كان الأََمر على ما أخبر به الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ فإن بني أميّة قد تسلّطوا على العباد، و تملكوا البلاد، و نهبوا الأََموال، و قتلوا الرّجال، و أراقوا دماء الشّيعة بكلّ بلدة، و قطعوا الأَيدي و الأَرجل على الظنّة، و لم يخرج عليهم خارج إلا و ظفروا عليه و قهروه، و لم يقم لإزالة ملكهم قائم إلاّ و غلبوا عليه و قتلوه حتّى ظنّ الناس أن الدّنيا معقولة عليهم، و سلطنتها دائمة في حقّهم، فأذن الله في هلاكهم و أراد زوال ملكهم فاختلفت كلمتهم و تضعضع أمرهم فزالت دولتهم:

كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم: 18]. و قد كانت مدّة ملك السّلطنة ألف شهر على ما أخبر الله به نبيّه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

كما قال الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ في رواية «الكافي»: أري رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في منامه أن بني أميّة يصعدون على منبره من بعده و يضلّون النّاس عن الصراط القهقري فأصبح كئيباً حزيناً قال: يا جبرئيل إنّي رأيت بني أميّة في ليلتي هذه يصعدون منبري يضلّون النّاس عن الصّراط القهقري، فقال: و الذي بعثك بالحق نبيّاً إني ما اطلعت فعرج إلى السّماء، فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يونسه بها:

أَفَرَءَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُون [ الشعراء: 205- 207] و أنزل عليه: إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1 وَ مَا أَدْرَئكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِِ(2) لَيْلَةُ الْقَدْرِِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍٍ(3)) [القدر: 1- 3]. ملك بني أمیّة (1)

و بمعناه أخبار أخرى.


1) الكافي: 159/4 ح 10، و بحار الأنوار: 77/28 ح 36.

الترجمة

این فصل متضمن اخبار از ابتلاء اهل روزگار به بنی امیّه کج رفتار و زوال ملك از آن طایفه بد کردار است، می فرماید:

تا این که گمان می کند گمان کننده این که دنیا محبوس است و مربوط به بنی امیه در حالتی که می دهد به ایشان منفعت خود را و وارد می کند ایشان را به آب صافی خود و رفع نمی شود از این امت تازیانه دنیا و نه شمشیر آن و حال آن که دروغ گفت گمان برنده آن؛ یعنی ظن او به دوام دولت بنی امیّه فاسد است، بلکه آن دولت ایشان چیز قلیل و حقیری است از لذت زندگانی به منزله آبی که از دهن می اندازند ، ملتذ می شوند با آن زمانی، پس بیندازند آن را بالمرّه چون انداختن لقمه از دهان و این کنایه است از زوال ملك ايشان بالكلّيه.

و من خطبة له عليه السلام و هي السابعة و الثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

و هي مرويّة في كتاب «الرّوضة» من «الكافي» باختلاف كثير تطلع عليه إن شاء الله بعد الفراغ من شرح ما أورده السيد (رحمة الله) في الكتاب و هو قوله عَلیْهِ السَّلَامْ:

أمّا بَعد فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقْصِمُ جَبّاري دَهْرٍِ قَطُ إِلاّ بَعْدَ تَمْهِيلٍِ و رَخاءٍ، وَ لَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ إِلاّ بَعْدِ أَزْلٍ وَ بَلاءِ، و في دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ، وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ، و ما كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبيبٍ، وَ لا كُلِّ ذي سَمْعٍِ بِِسَميع، وَ لا كُلَّ ذِي نَاظِرٍ بَصير، فيَا عَجَباً و مَا لِي لا أَعْجَبُ مِنْ خَطَأَ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلافِ حُجَجِها في دينها، لا يَقْتَصونَ أَثَرَ نَبِيٍٍّ، وَ لا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ، لا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبِ وَ لا يَعْفُونَ عَنْ عَيْبٍ، يَعْمَلُونَ في الشُّبُهَاتِ، و يَسيرُونَ في الشَّهَوَاتِ، الْمعرُوفُ فيهِمْ ما عَرَفُوا، وَ الْمُنكَرُ عِندَهُمْ ما أَنْكَرُوا، مَفْزَعُهُمْ فى الْمُعْضَلاتٍ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، و تَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُبْهَماتِ عَلَى آرَائِهِمْ، كَأَنَّ كُلَّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ إِمامُ نَفْسِهِ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فيما يرى بِعُرَى وَ ثِقاتٍ و أَسْبَابٍ مُحْكَماتٍ (1)

اللغة

(قصمه) يقصمه من باب ضرب كسره و أبانه أو كسره و إن لم يبن و (الجبار) كلّ عات و (مهله) تمهيلاً أجله و (رخى) العيش و رخو (بالياء) (و الواو) رخاوة من باب تعب و قرب إذا اتّسع فهو رخيّ على وزن فعيل و الرّخا اسم منه، و في بعض النسخ الإرجاء (بالجيم) من باب الأفعال و هو التأخير فيكون عطفه على التّمهيل من باب التوضيح و التّفسير و (جبرت) العظم جبراً من باب قتل أصلحته و (الأزل) الضّيق و الشدّة و (العتب) بالسّكون الموحدة و يروى بفتح (التّاء) و هو الشّدة و الأَمر الكريه و (الخطب) الأمر المعظم كما في قوله: فما خطبك يا سامري، و يروى من خصب (بالصاد) المهملة و هو السّعة و رخاء العيش.

و في بعض النّسخ استقبلتم من خطب و استدبرتم من عتب، و في بعض النسخ فياعجبي بالإضافة إلى (ياء) المتكلم (يقتصون) و ما بعده من الأَفعال في بعض النسخ بصيغة المذكر باعتبار المعنى و في بعضها بصيغة التأنيث باعتبار ملاحظة لفظ الفرقة و عود الضمير فيها إليها و (عفّ) يعف من باب ضرب عفّاً و عفافاً و عفافة بفتحهن و عفة بالكسر فهو عف و عفيف كفّ عما لا يحلّ و امتنع منه.


1) الأصول الأصلية: 122، عيون الحكم و المواعظ: 361.

و في بعض النسخ يعفون بسكون (العين) و التخفيف من العفو و هو الصفح و ترك عقوبة المستحق و (المعضلات) في النسخ بفتح الضاد و كذلك في الخطبة السابقة و المضبوط في «القاموس» و « الأوقيانوس» بصيغة الفاعل و هي الشدائد من أعضل الأمر إذا اشتد و (العرى) جمع العروة كمدية و مدى و هو ما يستمسك به الشيء و منه عروة الكوز لمقبضه و إذنه و (السبب) الحبل و ما يتوصل به إلى الاستعلاء (1)ثمّ استعير لكلّ شيء يتوصلّ به إلى أمر من الأمور.

الإعراب

(قطّ) من ظروف الزّمان و معناه الوقت الماضي عموماً و لا يستعمل إلاّ بمعنى أبداً و الغالب استعماله في الماضي المنفيّ و قد يستعمل بدون النّفي لفظاً و معنى، نحو كنت أراه قطّ أي دائماً و قد استعمل بدونه لفظاً لا معنى، نحو هل رأيت الذّئب قطّ و هو مبنيّ لأَن بعض لغاته على وضع الحروف و بنائه على الضّم حملاً على أخيه عوض لأن عوض للمستقبل المنفي و هو للماضي المنفي و بني عوض على الضمّ لا نقطاعه عن الإضافة كقبل و بعد.

قال الرّضي: الأولى أن يقال بنى لتضمنه لام الاستغراق لزوماً لاستغراقه جميع الماضي بخلاف أبداً فليس الاستغراق لازماً لمعناه، ألا ترى إلى قولهم: طال الأَبد على أبد، (و دون) ظرف مبني على الفتح يقال: هذا دون ذلك أي أقرب منه، و منه المثل دونه خرط القتاد، (و عجباً) إما منصوب على النّداء و التنوين عوض عن المضاف إليه أي يا عجبي أحضر، أو منتصب على المصدر أي يا نفس أعجب عجباً، (و ما) استفهامية (و من خطأ) إما متعلّق بعجباً أو أعجب على سبيل التنازع، و على اختلاف إما بمعنى (اللام) كما في قوله:

وَ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَئكُمْ [البقرة: 185]. فتكون علة للخطأ، و إمّا بمعنى (مع) كما في قوله تعالى:

وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ [الإنسان: 8]. بناء على عود الضّمير في حبّه إلى الطعام دون الله سبحانه، و يحتمل أن يكون لاستعلاء المجازي و المتعلّق محذوف و التقدير من (خطأ هذه الفرق) مبنيّاً على اختلاف حججها، (و في دينها) متعلّق بالخطأ، و جملة (لا يقتصّون) استئناف بيانيّ مسوق لبيان جهة الخطأ أو جهة الاختلاف على سبيل منع الخلو، فافهم جيّداً، و تحتمل الحالية و الأوّل أظهر، (و كانَ كلّ امرء) من حروف المشبّهة و في بعض النسّخ بحذفها و إسقاطها، قال الشّارح المعتزلي و هو


1) في نسخة: الغير.

حسن أقول: بل إثباتها أحسن و يظهر وجهه بالتّأمّل.

المعنى

اعلم أن مقصوده عَلیْهِ السَّلَامْ بهذه الخطبة توبيخ النّاس و ذمّهم على اختلافهم في الدّين و عدو لهم عن الإمام المبين و استبدادهم بالآراء و اعتمادهم على الأهواء فمهد عَلیْهِ السَّلَامْ أوّلاً مقدّمة متضمّنة للتّخويف و التّحذير و التّنبيه و التّذكير و قال:

(أمّا بعد) حمد الله و الثّناء عليه و الصلاة على رسوله و آله (فإن) عادة (الله سبحانه) قد جرت في القرون الخالية و الأمم الماضية على أنّه لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ و لم يكسر عظاء منهم و لم يهلكهم إِلَّا بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَ رَخاءٍ أفلم تر أولاد سبقا فلقد أتاهم الله سوابغ الآلاء و روافع النّعماء و كان لهم في مسكنهم جنتان.)﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَيْكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلَدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبُّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا [سبأ: 15].

فأرسل عليهم سيل العرم و مزّقهم بما كفروا كلّ ممزق.

إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور [إبراهيم: 5]. أولم تر إلى شدّاد بن عاد كيف بني:

إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخَلَقَ مِثْلُهَا فِي الْبِِلَادِ * وَ ثَمُودَ الََّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوَتَادِ [الفجر: 7- 10]. الذي طغى في البلاد، و من حذا حذوهما ممّن ملك الرّقاب و تسلّط على العباد فأكثر

فيهم الفساد.

فَصَبَّ عَلَيْهِِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: 13] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُُولِي الْأَلْبَابِ [الزمر:21]. و مقصوده عَلیْهِ السَّلَامْ بهذا الكلام إنذار من قصده بالأفهام من أهل زمانه و تحذيرهم من الانغماس في الغفلة و الافتتان بالرخاء و الدّعة و الاغترار ببضاضة الشّباب و غضارة الصّحة كي لا يلحقهم ما لحق من قبلهم و لا يأخذهم ربّهم بسوء فعلهم فيكونوا عبرة لمن بعدهم وَ لَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ و لم يظهرهم على عدوّهم إِلا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلاءِ و ضيق و عناء.

و تصديق ذلك في الأمم في الأمم الماضية بما وقع لبني إسرائيل من فرعون حيث جعلهم في الأَرض شيعاً يذبّح أبناءهم و يستحيي نساءهم و فيه بلاء مبين فلما تمّت البليّة و عظمت الرزية جبر الله كسرهم و شدّ أزرهم و أغرق فرعون و جنوده أجمعين و منّ على الذين استضعفوا في الأَرض و جعلهم أئمة و جعلهم الوارثين.

و في الأمة المرحومة بما وقع يوم الأَحزاب عند اجتماع العرب الأتراب إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر و ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالاً شديداً و قالوا: هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله و ما زادهم إلاّ إيماناً و تسليماً و قال المنافقون: ما وعدنا الله و رسوله إلاّ غروراً فلما ابتلوا بذاك و أيقنوا بالقتل و الهلاك أنعم الله عليهم و أعانهم بريح و جنودٍ لم يروها و كان الله قويّاً عزيزاً.

و في هذا الكلام تنبيه على الثبات و الصبر و رجاء الظّفر و الصبر و عدم اليأس من روح الله و القنوط من رحمة الله عند ضيق المسالك و التقحم في المهالك، هذا.

و يحتمل أن يكون مقصوده عَلیْهِ السَّلَامْ بالفقرة الأولى أعني قوله: لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ (اه) الإشارة إلى مآل حال معاوية و أمثاله من جبابرة دهره عَلیْهِ السَّلَامْ و الباغين عليه من طلحة و الزّبير و من حذا حذوهما من العتاة، و التنبيه على أن الله يقصم ظهرهم و يكسر صولتهم و يسلبهم ملكهم و دولتهم و إن طالت مدّتهم و شوكتهم كما قال تعالى:

أَفَرَوَيْتَ إِن مَّتَعْتَهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم ما كَانوُا يُوعَدُونَ * مَآ أََغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّمُونَ [الشعراء: 205- 207]. و بالفقرة الثانية أعني قوله: وَ لَمْ یَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ (اه) تسلّي هم أصحابه و كأبتهم بالوهن و الضعف و الضّنك و الضّيق الذي أصابهم من المتخلفين و معاوية و أصحابه رضي الله عنهم وحثّهم على الاتفاق و الائتلاف و تحذيرهم من التّفرق و الاختلاف، إذ في الاجتماع رجاء النّصرة و الاختلاف مظنة المغلوبية.

و يؤيد هذا الاحتمال في الفقرتين و يعاضده التّأمل في سائر فقرات الخطبة على رواية الرّوضة الآتية وَ فِی دُونِ مَا اِسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ وَ اِسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ يحتمل أن يكون المراد بالعتب الذي استقبلوه عتابه عَلیْهِ السَّلَامْ و موجدته عليهم بتشتّت الآراء و تفرق الأهواء، و هو على رواية العتب بسكون (التّاء)، و بالخطب الذي استدبروه الأمور المعظمة و الملاحم التي وقعت بعد رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم يوم السّقيفة و يوم الشورى و يوم الدّار و أن يكون المراد بالعتب الشدائد و الكراية التي أصابتهم من المتخلّفين و هو على رواية العتب بفتح (التّاء) و بالخطب الأَهوال التي كانوا يرونها من المشركين في بدء الإسلام حيث كانوا قليلين و كان المشركون كثيرين فأيّدهم الله بنصره بالتأليف بين قلوب المؤمنين و أظهرهم على الكافرين.

(و) كيف كان فهو عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: إنّ فيما استقبلتم و استدبرتم من الأمور المفيدة للاتّعاظ و الاعتبار لعبرة لأولي الفهم و العقل و الذكاء، و موعظة لذوي الأبصار و الأسماع، و إنّما يتذكر أولو الألباب، و يعتبر السّميع البصير المميّز للقشر من اللّباب، لأَنهم المنتفعون بالعبر

و الحائزون قصب السّبق في مضمار الاعتبار بصحيح النّظر إذ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بَلَبِيبٍ وَ لاَ كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لاَ كُلُّ ذِي نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ فربّ قوم لهم أرجل لا يمشون بها، و لهم أيد لا يبطشون بها، و لهم عقول لا يفقهون بها، و لهم آذان لا يسمعون بها، و لهم أعين لا يبصرون بها، و في ذلك تحريض على الاتّعاظ و الاعتبار و ترغيب في الازدجار و الادّكار.

فَیَا عَجَباً وَ مَا لِیَ لاَ أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ اَلْفِرَقِ عَلَی اِخْتِلاَفِ حُجَجِهَا و أدلتها (فِي دينِها) تعجّب عَلیْهِ السَّلَامْ من اختلاف الفرق و أخطائهم في الدين و افتراقهم في شرع سيّد المرسلين اعتماداً منهم على أدلتهم المتشتّتة وحججهم المختلفة، و اتّكالاً على أصولهم التي أصّلوها و قواعدهم التي فصّلوها و استبداداً منهم بعقولهم الفاسدة و آرائهم الكاسدة: و بيّن عَلیْهِ السَّلَامْ جهة الخطأ و الاختلاف بأنّهم لاَ یَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِیٍّ لأنَّهم لو اقتصوه و اتّبعوه لما اختلفوا إذ ما جاء به النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم واحد و شرعه واحد و كتابه واحد فلو اقتفوه لا تّفقوا و أصابوا حسبما مرّ توضيحه في الكلام الثّامن عشر و شرحه وَ لاَ یَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِیٍّ إذ الوصيّ مقتد في عمله بالنّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فلو اقتدوا به لكانوا مقتدين بالنّبيّ و به مهتدين و لم يكن هناك اختلاف و خطأ حسبما عرفت آنفاً و حيث اختلفوا علم أنّهم كانوا تاركين أثره غير مقتدين عمله.

و يوضح ذلك ما في «غاية المرام» من «أمالي الشّيخ» مسنداً عن المجاشعي عن الرّضا عن آبائه عَلیْهِمُ السَّلَامْ قال: سمعت عليّاً عَلیْهِ السَّلَامْ يقول لرأس اليهود: على كم افترقتم؟ فقال: على كذا و كذا فرقة، فقال عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ: كذبت، ثمّ أقبل على الناس و قال: و الله لو ثنّيت لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل القرآن بقرآنهم،افترقت اليهود على أحد و سبعين فرقة سبعون منها في النّار و واحدة ناجية في الجنة و هي التي اتّبعت يوشع بن نون وصيّ موسى، و افترقت النّصارى على اثنتين و سبعين فرقة إحدى و سبعون فرقة في النّار و واحدة في الجنة و هي التي اتّبعت شمعون وصيّ عيسى (عَلیْهِ السَّلَامْ)، و تفترق هذه الأمّة على ثلاث و سبعين اثنتان و سبعون فرقة في النار و واحدة في الجنّة و هي الّتي اتّبعت وصيّ محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و ضرب بيده على صدره ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: ثلاث عشرة فرقة من الثلاث و سبعين فرقة كلّها تنتحل مودّتي و حبّي واحدة منها في الجنّة و هم النمط الأَوسط و اثنتا عشرة في النّار (1)

و وَ لاَ یُؤْمِنُونَ بِغَیْبٍ المراد بالغيب إما القرآن الذي يصدّق بعضه بعضاً.

وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِِِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82]. و إمّا مطلق ما غاب من الحواس من توحيد الله و نبوّة الأَنبياء و ولاية الأَوصياء و الرجعة


1) الأمالي: 524، و الاحتجاج: 392/1.

و البعث و الحساب و الجنّة و النّار و سائر الأمور التي يلزم الإيمان بها ممّا لا يعرف بالمشاهدة و إنّما يعرف بالبراهين و الأَدلة التي نصبها الله عليه، و على أيّ تقدير فانتفاء الإيمان بالغيب أيضاً من أسباب اختلاف الفرق و جهات أخطائِها في المذاهب إذ لو كانوا يؤمنون بالغيب و به مذعنين لكانوا مهتدين إلى الحق و الصّواب في كلّ باب فإن:

هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ [الإسراء. 9] و ذلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَ مِمَّا رَزَقْتَهُم يُنفِقُونَ [البقرة: 2- 3]. وَ لاَ یَعِفُّونَ عَنْ عَیْبٍ إذ ملكه العفاف و الوقوف عند المحرّمات و الشّبهات مانعة عن لاستبداد بالآراء التي نشأت منها الفرقة و الاختلاف موجبة للفحص عن الحق و الاهتداء إلى صوب الصّواب، و حيث لم يكن لهم عفاف و حائطة في الدين لم يبالوا في أيّ واد يهيمون، و على رواية لا يعفون بالتخفيف، فالمراد به عدم العفو عن عيوب النّاس، و على هذه الرّواية فهو من فروعات الخطأ في الدّين إذ العفو عن عيوب المذنبين من صفات المتّقين و المصيبين من المؤمنين كما شهد به الكتاب المبين: وَ سَارعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَ الضَّرَّآءِ وَ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعَافِينَ عَنِِ النَّاسِ وَ اللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 133- 134]. یَعْمَلُونَ فِی اَلشُّبُهَاتِ أي لا يقفون في ما اشتبه عليهم أمره و لا يبحثون عن وجه الحق فيه بل يعملون فيه بما أدّى هواهم اليه و إليه الإشارة في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ [يونس : 27] و في قوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلَا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103- 104]. روى في «الوسائل» من تفسير عليّ بن إبراهيم عن أبي الجارود عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ في تفسير الآية الأولى قال عَلیْهِ السَّلَامْ: هؤلاء أهل البدع و الشّبهات و الشّهوات يسود الله وجوههم يوم يلقونه (1)

و عنه عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ في تفسير الآية الثّانية قال: هم النّصارى و القسّيسون و الرّهبان و أهل الشّبهات و الأَهواء من أهل القبلة و الحرورية و أهل البدع (2)


1) وسائل الشيعة: 172/27 ح 33522، تفسير القمي: 311/1.

2) وسائل الشيعة: 18/ 126 ح 33500، بحار الأنوار: 298/2 ح 23.

وَ یَسِیرُونَ فِی اَلشَّهَوَاتِ لما لا حظ عَلیْهِ السَّلَامْ ميل طباعهم إلى اللّذات الدّنيوية و انهماكهم في الشّهوات النفسانية قاطعين مراحل الأَوقات بالتّلذّذ بتلك اللّذات و الشّهوات لا جرم جعل الشّهوات بمنزلة طرق مسلوكة و جعل اشتغالهم بها بمنزلة السّير في تلك الطرق اَلْمَعْرُوفُ فِیهِمْ مَا عَرَفُوه بعقولهم الفاسدة و إن لم يكن معروفاً في الشريعة وَ اَلْمُنْکَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْکَرُوا بآرائهم الكاسدة و إن لم يكن منكراً في الحقيقة مَفْزَعُهُمْ فِی اَلْمُعْضِلاَتِ إِلَی أَنْفُسِهِمْ دون الأَئمة الذين يهدون بالحق و به يعدلون وَ تَعْوِیلُهُمْ فِی اَلْمُبْهَمَاتِ عَلَی آرَائِهِمْ دون أهل الذكر الذين أمر بسؤالهم بقوله: فَسئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]. کَأَنَّ کُلّ امرىء مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ و كأنّ دليل كلّ واحد منهم رأيه و هواه قَدْ أَخَذَ مِنها فِیمَا یَرَی و يظنّ بِعُرًى و ثِقاتٍ لا انفصام لها وَ أَسْبابٍ مُحْكَماتٍ لا يضل من تمسّك بها و إنّما مثلهم في ذلك: كَمَثَلِ الْعَنكَبُونِ اتَّخَذَتْ بَيْنًا وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 41 ] وَ تِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ [العنكبوت: 43].

تكملة

هذه الخطبة مروية في كتاب «الرّوضة» باختلاف كثير عن أحمد بن محمّد الكوفي عن جعفر بن عبد الله المحمّدي عن أبي روح فرج بن قرة عن جعفر بن عبد الله عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: خطب أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ بالمدينة فحمد الله فأثنى عليه و صلّى على النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ثم قال عَلیْهِ السَّلَامْ:

أمّا بعد، فإنّ الله تبارك و تعالى لم يقصم جبّاري دهر إلاّ من بعد تمهيل و رخاء، و لم يجبر كسر عظم من الأمم إلاّ بعد أزل و بلاء، أيّها النّاس في دون ما استقبلتم من خطب و استدبرتم من خطب معتبر، و ما كلّ ذي قلب بلبيب، و لا كلّ ذي سمع بسميع، و لا كلّ ذي ناظر عين ببصير.

عباد الله أحسنوا فيما يعنيكم النّظر فيه ثمّ انظروا إلى عرصات من قد أفاده الله بعلمه كانوا على سنّة من آل فرعون أهل جنّات و عيون و زروع و مقام كريم، ثمّ انظروا بما ختم الله لهم من النّضرة و السّرور و الأَمر و النّهي و لمن صبر منكم العاقبة في الجنان و الله مخلّدون و لله عاقبة الأمور.

فيا عجباً و ما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا

يقتفون أثر نبيّ و لا يقتدون بعمل وصيّ و لا يؤمنون بغيب و لا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا، و كلّ امرىء منهم إمام نفسه و أخذ منها فيما يرى بعرى و ثيقات و أسباب محكمات فلا يزالون بجور و لم (1)يزدادوا إلاّ خطأ لا ينالون تقرّباً و لن يزدادوا إلاّ بعداً من الله عزّ و جلّ أنس بعضهم ببعض و تصديق بعضهم لبعض، كلّ ذلك وحشة مما ورّث النّبيّ الأميّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و نفوراً ممّا أدّى إليهم من أخبار فاطر السّماوات و الأرض.

أهل حسرات و كهوف و شبهات، و أهل عشوات و ضلالة و ريبة، من وكله الله إلى نفسه و رأيه فهو مأمون عند من يجهله غير المتّهم عند من لا يعرفه، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها.

و واأسفاً من فعلات شيعتي من بعد قرب مودّتها اليوم كيف يستذلّ بعدي بعضها بعضاً، و كيف يقتل بعضها بعضاً، المتشتّتة غداً من الأَصل النّازلة بالفرع المؤمّلة الفتح من غير جهة، كلّ حزب منهم آخذ بغصن أينما مال الغصن مال معه.

إنّ الله و له الحمد سيجمع هؤلاءِ لشرّ يوم لبني أميّة كما يجمع قزع الخريف يؤلّف بينهم ثمّ يجعلهم ركاماً كركام السّحاب، ثمّ يفتح لهم أبواباً يسيلون من مستشارهم كسيل الجنتين سيل العرم، حيث بعث عليهم فارة فلم يثبت عليه أكمّة و لم يردّ سننه رض طود يذعذهم الله في بطون أودية ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، و يمكّن من قوم لديار قوم، تشريداً لبني أميّة و لكي لا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع ركناً و ينقض الله بهم طي الجنادل من أرم و يملأ منهم بطنان الزّيتون.

فوالذي فلق الحبّة و برأ النسمة ليكونن ذلك و كأنّي أسمع صهيل خيلهم و طمطمة رجالهم و أيم الله ليذوبنّ ما في أيديهم بعد العلوّ و التّمكين في البلاد كما تذوب الألية على النّار، من مات منهم مات ضالاً و الله عزّ و جلّ يقضي منهم من درج و يتوب الله عزّ و جلّ على من تاب، و لعل الله يجمع شيعتي بعد التّشتت لشرّ يوم لهؤلاء، و ليس لأَحد على الله عزّ ذكره الخيرة بل لله الخيرة و الأمر جميعاً.

أيّها النّاس إنّ المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير و لو لم تتخاذلوا عن مرّ الحقّ و لم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجّع عليكم من ليس مثلكم، و لم يقومن قوي عليكم على هضم الطاعة و إزوائها عن أهلها، لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى عَلیْهِ السَّلَامْ، و لعمري ليضاعفنّ عليكم البتّة بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل.

و لعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني أميّة لقد اجتمعت على سلطان


1) في نسخة: لن.

الداعي إلى الضّلالة و أحييتم الباطل و خلفتم الحقّ وراء ظهوركم، و قطعتم الأَدنى من أهل بدر و وصلتم الأَبعد من أبناء الحرب لرسول الله.

و لعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء و قرب الوعد و انقضت المدة و بدا لكم النجم ذو الذّنب من قبل المشرق، ولاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التّوبة و اعلموا أنّكم إن اتّبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فتداويتم من العمى و الصّمم و البكم، و كفيتم مؤنة الطلب و التعسّف و نبذتم الثقل الفادح من الأَعناق، و لا يبعد الله إلاّ من أبى و ظلم و اعتسف و أخذ ما ليس له (1)

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء: 227]، هذا. و رواها المفيد في «الإرشاد» عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ إلى قوله: بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً باختلاف كثير و زيادات كثيرة على رواية «الروضة»، و روى قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نصرة الْحَقِ إلى آخر رواية «الروضة» في ضمن خطبة أخرى رواها عن مسعدة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ قال أنه خطيها بالكوفة و بينها و بين رواية «الروضة» أيضاً اختلاف كثير من أراد الاطلاع، فليراجع «الإرشاد».

توضیح

(العرصات) جمع العرصة و هي كلّ بقعة من الدّور واسعة ليس فيها بناء أَفَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فی بعض النسخ (بالفاء) من أفدت المال أعطيته و في بعضها (بالقاف) من أقاده خيلاً أعطاه ليقودها و لعلّ المعنى أنه أعطاه الله زينة الحياة الدنيا مع علمه بحاله بحسب اقتضاء حكمته و مقتضى عدالته كما قال في سورة هود عَلیْهِ السَّلَامْ:

مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَ زِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَ هُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود: 15- 16] الآية. و المراد بمن أفاده الله هو المتخلفون الغاصبون للخلافة، و في رواية «الإرشاد» أباده بدل أفاده و هو الأنسب و عليه فالضّمير في (بعلمه) راجع إلى من أي كان علمه سبباً للهلاكة (و السنّة) الطريقة أي كانوا على طريقة من طرائق آل فرعون و (أهل جنات) بالكسر عطف بيان لآل فرعون.

و قوله: (في الجنان) متعلّق بقوله: مخلّدون، و القسم معترض بين الظرف و متعلّقه فلا


1) الكافي: 66/8، شرح أصول الكافي: 404/11.

یزالون بجور (الباء) امّا بمعنى (في) أو للمصاحبة و الملابسة (كلّ ذلك) بالنّصب مفعول به للفعل المحذوف و (وحشةً) مفعول له أي ارتكبوا كلّ ذلك وحشة. و المراد بما ورث النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ما ورثه آله المعصومين من الخلافة و الولاية (و الفاطر) المخترع (أهل حسرات) خبر محذوف المبتدأ أي هم أهل حسرات في الآخرة و (الكهوف) جمع كهف و هو الغار الواسع في الجبل، و في بعض النسخ كفوف شبهات و هو جمع کف و الكلام جار على الاستعارة و النّاقة (العشواء) لا تبصر أمامها و (من وكله الله) مبتدأ و خبره (فهو مأمون) و وكله إلى نفسه تركه إليها، و في هذا كلّه تعريض على الخلفاء كما لا يخفى (و الرّعا) بكسر (الرّاء) جمع الرّاعي و (الفعلات) جمع الفعلة و هي العادة (المتشتّتة) إما بالجر صفة لشيعتي و إمّا بالرّفع على أنّه خبر مبتدؤه أي هم المتشتّتة.

و لعلّ المراد بتشتّتهم عن الأَصل و بنزولهم بالفرع ما صدر من بعض الشيعة كالزّيدية و الأفطحية و الإسماعيلية و نحوهم حيث عدلوا عن الإمام الأَصل و تعلّقوا بالفرع و أملوا الفتح من غير جهة فأخطأوا و (القزع) محركة قطع من السحاب و الواحدة قزعة و (الرّكام) الأَوّل بالضّم من الرّكم و هو جمع شيء فوق آخر، و الثّاني بالفتح و هو السحاب المتراكم و ( المستثار) محل الاستثارة من الثور و هو الهيجان و الوثوب و نهوض القطا و الجراد.

و (سيل العرم) جمع عرمة كفرحة و هو سدّ يعترض به الوادي جمع عرم أو هو جمع بلا واحداً و هو الإحباس تبني في البادية الأودية و الجرذ الذكر و المطر الشّديد و واد و بكلّ فسر قوله تعالى سيل العرم و (الأكمة) كالقصبة التل الصّغيرة و (لم يردّ سننه) من سنّ الماء صبّها أو من سنّ الطريقة سارها و (الرض) هنا الحجارة و (الطّود) الجبل أو عظيمه و (ذعذع)المال و غيره فرّقه و بدّده و (ضعضعه) هدمه حتّى الأَرض و (ينقض الله) من النقض (بالضاد) المعجمة.

و لعلّه عَلیْهِ السَّلَامْ كنّى ب(طي الجنادل من أرم) القصور و البساتين المشرفة المطويّة بالحجارات المسنّدة التي كانت لبني أميّة و (بطنان الزينون) كناية عن الشّام كما في قوله تعالى: و التّين و الزّيتون و (الطمطمة) العجمة في اللّسان و (درج) يدرج من باب قعد و سمع درجاً و دروجاً مشى و(المنتحلين للإمامة) المدّعين لها لنفسه و هو لغيره و (من غير أهلها) بيان للمنتحلين و (إزوائها عن أهلها) أي صرفها و طيّها عنه و (التمحيص) (بالصاد) المهملة الابتلاء.

و اعلم أنّ هذه الخطبة الشّريفة متضمّنة لجملة من الأَخبار الغيبيّة و فقراتها الأَخيرة من قبيل المتشابهات و علمها موكول إليهم (عَلیْهِمُ السَّلَامْ) إذ أهل البيت أدرى بما فيه إلاّ أنا نورد في تفسيرها على سبيل الاحتمال ما أورده الخليل القزويني في شرحه على «الروضة » بتغيير يسير منّا، فأقول:

لعلّ مراده عَلیْهِ السَّلَامْ بقوله: مع أن الله و له الحمد- (ا ه) أنّه سبحانه يجمع هذه الفرق

المختلفة على اختلافهم لاستئصال بني أميّة و هو شرّ يوم لهم و قد كان ذلك في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة حسبما أخبر عَلیْهِ السَّلَامْ به حيث انقرضت سلطنة بني أميّة لظهور دولة العبّاسيّة و اجتماع الجنود من خراسان على أبي مسلم المروزيّ لكن دفعوا الفاسد بالأَفسد.

و شبّه عَلیْهِ السَّلَامْ اجتماعهم باجتماع سحاب الخريف المتراكم يقول عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّ الله يفتح لهم بعد اجتماعهم أبواباً يهيجون من مكانهم، كسيل الجنّتين اللّتين كانتا لأولاد سبأ،و هو سيل العرم حيث بعث الله الجرذ و هو الفأرة الكبيرة على السدّ الذي كان لهم فقلع الصّخر منهم و خرب السّد فسال الماء و غشيهم السّيل و خرب دور أولاد سبا و قصورهم و بساتينهم و لم يثبت عليه التّلال و لم تردّه أحجار الجبال.

و كذلك هؤلاء يخرجون على كثرتهم و احتشامهم لاستئصال بني أمية و تخريب الدور و القصور منهم من مستشارهم و هو خراسان و قد وقع ذلك على ما أخبر عَلیْهِ السَّلَامْ حيث اجتمع الجيش و اتفقوا على أبي مسلم المروزي و جعلوه أميراً لهم و توجّهوا نحو مروان الحمار و هو آخر خلفاء بني أميّة.

و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ -(ا ه) إشارة إلى تفرقهم في الأَودية و كونهم كتائب مختلفة يسلكون فيها سلوك الينابيع في الأرض و جريانها فيها.

يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ (ا ه) أي يأخذ الله ببني العبّاس من بني أميّة حقوق بني هاشم و يقاصّ بهم منهم و يجزيهم بهم جزاء ما ظلموا في حقّ آل محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و إن لم يصل الحق إليهم و يمكّن بهم (عَلیْهِمُ السَّلَامْ) لقوم من بني العباس في ديار قوم من بني أميّة كلّ ذلك طرداً لبني أميّة و إبعاداً لهم، و لكي لا يغتصبوا ما غصبوا من بني هاشم و بني عباس و غيرهم يهدم الله بهم أركان بني أمية و يكسر بهم قصورهم المسنّدة المطويّة بالأَحجار التي كانت بالشّام و يملأ من جيوشهم بلاد الشّام. فو الله الفالق الباري إنّ ذلك لكائن لا محالة و كأنّي أسمع أصوات خيولهم و طمطمة رجالهم،أي كلماتهم العجمية و ذلك أنّ لسانهم كان لسان العجم.

و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: وَ اَیْمُ اَللَّهِ لَیَذُوبَنَّ (ا ه) بيان لحال بني العبّاس بعد القهر و الغلبة يقول عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّهم بعد العلوّ و التمكّن في البلاد و قوام الأَمر و تمام السلطنة ينقرضون و يفنون كما تفنى و تذوب الألية على النّار، و قد كان ذلك في سنة خمسين و ستمائة حيث قتل المستعصم و هو آخر خلفاء العباسيّة على يد هولاكو و يحتمل أن يكون إشارة إلى حال بني أمية.

و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: و اللّهِ عَزَّ و جَلَّ یُفضی مِنهُم مَن دَرَجَ، في النسخ (بالفاء) و الظاهر أن يكون تحريفاً و يكون (بالقاف) أي الله يميت من سعى من بني أمية فيكون كناية عن أن من أراد

الخروج منهم يقتله الله، و في بعض النّسخ و إلى الله يقضي وهو الصيحيح أي و إلى الله ينتهي منهم من درج فيكون كناية عن ما ذكرنا و إشارة إلى أن من تاب منهم تاب ضالاً و أمره إلى الله يعذّبه كيف يشاء و يتوب على من تاب كمعاوية بن يزيد و نحوه من بني أميّة.

وَ لَعَلَّ اللهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ، لعلّه إشارة إلى ظهور دولة الحقّة القائميّة و لا يلزم اتّصالها بملكهم. (و ليس لأََحد) إلى قوله: (جميعاً) إشارة إلى كون هذه الأمور سهلةً بيد الله سبحانه إذ هو القاهر القادر فوق عباده و هو المختار الفعّال لما يشاء ليس لأََحد معه الاختيار و هو على كلّ شيء قدير.

و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (أيّها النّاس) (ا ه) إشارة إلى اغتصاب الخلافة و توبيخ لهم على التثاقل و التخاذل يقول عَلیْهِ السَّلَامْ: إن المدّعين للخلافة من الذين لم يكونوا أهلاً لها كثير و لو لم يكن منكم التّخاذل يوم السّقيفة و الشورى عن إقامة الحقّ و الوهن عن توهين الباطل لم يجسر عليكم أحد و لم يقدر على غلبة الطّاعة و صرفها عن أهلها و لكنكم تحيّرتم بعد رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم كما تحيّرت بنو إسرائيل على عهد موسى بن عمران عَلیْهِ السَّلَامْ و ليكونن تحيّركم بعدي أضعاف ما تحيّرت بنو إسرائيل.

و قوله: لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَي السُّلْطَانِ الدَّاعِي إِلَي الضَّلَالَةِ، أراد به اجتماعهم على بني العبّاس و دعائهم إلى الضّلالة لترويجهم مذهب الزنادقة.

و قطعتم الأدنى من أهل بدر، أراد به أولاده المعصومين عَلیْهِمُ السَّلَامْ حيث إن الظّفر في بدر لم يكن إلاّ بأبيهم سلام الله عليهم و كان أقرب النّاس إلى رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و كذلك أولاده عَلیْهِمُ السَّلَامْ.

وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ (ا ه) أراد به بني العباس حيث أن أباهم كان من جملة المحاربين لرسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في غزوة بدر ثمّ تاب و أسلم و المراد بقطع الأَوّلين و وصل الآخرين أخذهم بني العباس خلفاء لهم دون الأَئمة عَلیْهِمُ السَّلَامْ. ثمّ قال: وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، أي أيدي بني أميّة و هو الشام و ما والاها و أشار عَلیْهِ السَّلَامْ بذوبانها إلى قتل وليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان واختلاف أهل الشام و اضطراب دولة بني أميّة و قد كان في السّنة ست و عشرين و مائة و امتدّت سلطنتهم بعد ذلك إلى ستّ سنين بمنتهى التزلزل و الاضطراب و لذلك قال عَلیْهِ السَّلَامْ: لَدَنَی التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ، أي قرب ابتلاؤهم بجزاء أعمالهم و ذلك بقتل الأحياء منهم و إخراج الأَموات منهم من القبور كما هو في السّير مشهور و في الكتب مسطور.

(و انقضت المدّة)، أراد به المدة المقدرة لبني أميّة و كانت ألف شهر.

وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ أراد به أبا مسلم المروزي حيث خرج من خراسان و هو من بلاد المشرق مع جنوده نحو الشّام و تسميته بالنجم لكونه كالنجم يرمى به الشياطين من بني أميّة و توصيفه بذي الذنب لكون ظهوره لانتصار بني العباس دون آل محمّد سلام الله عليهم. وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ، أراد به أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه و على آبائه آلاف التحيّة و الثّناء فقد طلع في المشرق و انتشرت أنوار علمه في الآفاق ثمّ غاب هناك بغدر المأمون. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ، أي ذوبان ما في أيديهم أو انقضاء المدة أو طلوع القمر المنير، فراجعوا التوبة. ثمّ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ، أراد به القمر المنير سلك بكم منهج الطّريقة البيضاء و الصّراط المستقيم، فتداويتم من الضّلالة و الغواية و كفيتم مؤنة طلب العلم من غير مظانه، و سلمتم من التعسّف و الأَخذ على غير الطريق المستقيم، و نبذتم ثقل استنباط التكاليف الشّرعية من أعناقكم حيث أنّكم تأخذونها من أهلها فيكفيكم مؤنتها و لا يبعد من رحمته إلاّ من أبى من قبول الحق و ظلم أهل الحق و أخذ على غير الطريق و انتحل ما ليس له بحقّ.

وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء: 227]، هذا. و بنحو ما قلناه في شرح هذا الحديث الشريف فسّره المحدث العلاّمة المجلسي (رَحِمَه اللهُ) فی « البحار» إلاّ أنّه خالفنا في شرح الفقرات الأَخيرة حيث قال: قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ أي ذهب ملك بني العبّاس، لَدَنَی التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ أي قرب قيام القائم عَلیْهِ السَّلَامْ و فيه التّمحيص و الابتلاء ليجزي الكافرين و يعذّبهم في الدّنيا، (و قرب الوعد) أي وعد الفرج، (و انقضت المدة ) أي قرب انقضاء مدّة أهل الباطل، (و النجم ذو الذنب) من علامات ظهور القائم عَلیْهِ السَّلَامْ، و المراد بالقمر المنير القائم عَلیْهِ السَّلَامْ، و كذا طالع المشرق إذ مكة شرقية بالنسبة إلى المدينة، أو لأَنّ اجتماع العساكر إليه عَلیْهِ السَّلَامْ و توجهه إلى فتح البلاد من الكوفة و هي كالشرقية بالنسبة إلى الحرمين و لا يبعد أن يكون ذكر القمر ترشيحاً للاستعارة أي القمر الطّالع من مشرقه.

(و الثقل القادح) الديون المثقلة و المظالم أو بيعة أهل الجور و طاعتهم و ظلمهم إلاّ من أبى أي من طاعة القائم عَلیْهِ السَّلَامْ أو الرّب تعالى، و اعتسف أي مال عن طريق الحق إلى غيره أو ظلم على غيره، انتهى كلامه فتكون هذه الفقرات على ما ذكره أيضاً إشارة إلى ظهور دولة الحقة و الله العالم.

الترجمة

این خطبه شریفه متضمن توبیخ و مذمت خلق است به جهت اختلاف ایشان در دین و تشتّت آراءشان در احکام شرع مبین و عدول ایشان از تمسك حبل المتین که عبارت است از امام زمان و زمین، می فرماید:

اما بعد از حمد و ثناى الهى و صلوات بر حضرت رسالت پناهی، پس به درستی که خداوند تعالی نشکست هرگز گردن کشان روزگار را مگر بعد از مهلت و وسعت در حیات و اصلاح نفرموده است استخوان شکسته احدی را از امّت های پیغمبران مگر بعد از شدّت و تنگی و امتحان و در نزد آن چه استقبال نمودید از ملامت و عتاب من و استدبار کردید از اهوال و کار های بزرگ زمن عبرت است صاحب عبرت و بصیرت را و نیست هر صاحب قلب عاقل و دانا و نه هر صاحب گوش سمیع و شنوا و نه هر صاحب نظر بصير و بينا.

پس ای نفس تعجب کن و چیست مرا که تعجب نکنم از خطای این فرقه های بی ادب بر اختلاف حجت های ایشان در دین و مذهب که متابعت نمی کنند بر اثر خير البشر و اقتدا نمی نمایند بر عمل وصی پیغمبر، ایمان نمی آورند به غیب و عفت نمی ورزند از گناه و عیب ، عمل می کنند در شبه ها و سیر می نمایند در شهوت ها، معروف در میان ایشان چیزی است که خود شناخته اند او را به میل طبیعت و منکر نزد ایشان چیزی است که خود انکار کرده اند آن را نه به مقتضای شریعت.

مرجع ایشان در شداید به نفس خودشان است نه بر أئمه و اعتماد ایشان در مبهمات به رأی خودشان است نه به عترت خیر البشر؛ گویا هر مردی از ایشان امام و مقتدای خودش هست در دین. به تحقیق که تمسك نموده است از نفس خود در چیزی که ظن می کند به بند های استوار و ریسمان های محکم تاب دار؛ یعنی اعتقادش این است آن چه اخذ نموده است آن را از نفس خود در احکام در استحکام مانند حکم الهی است.

و من خطبة له عليه السلام و هي الثامنة و الثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

و أوّل فقراتها مرویّة في «الكافي» و في ديباجة تفسير عليّ بن إبراهيم القمي أيضاً باختلاف تطلع عليه.

أَرْسَلَهُ عَلَى حِين فَتْرَةِ مِنَ الرُّسُل، و طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأُمَم، و اعْتِزام مِنَ الْفِتَنِِ، و انْتِشَارِِ مِنَ الأُمُورِ، و تَلَظٌ مِنَ الْحُرُوب، و الدُّنْيَا كاسِفَة النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرارٍ مِنْ ورَقِها، و إياسِ مِنْ ثَمَرِها، و اغْوِرارٍٍ مِنْ مائها، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى، و ظَهَرَتْ أَعْلامُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَهَجِّمَةٌ لأَهْلِها، عابِسَةٌ في وَجْهِ طالِبِها، ثَمَرَتُهَا الْفِتْنَةُ، و طَعامُها الجيفَةُ، و شِعارُهَا الْخَوْفُ، و دِثارُهَا السَّيْفِ، فَاعْتَبِرُوا عِباد اللهِ وَ اذْكُرُوا تِيكَ الَّتِي آباؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُم بِِها مُرْتَهَنُونَ، و عَلَيْهَا مُحاسَبُونَ، و لَعَمْري ما تَقادَمَتْ بِكُمْ و لا بِهِمُ الْعُهُودُ، و لا خَلَتْ فيما بَيْنَكُمْ و بَيْنَهُمُ الأحْقابُ وَ الْقُرُونُ، و ما أَنْتُمْ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنتُمْ في أَصْلابِهِمْ بِبَعِيدٍ، وَ اللَّهِ ما أَسْمَعَهُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلاّ وَها أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكَمُوة، و ماً أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِهِمْ بِالأَمْسِ، وَ لَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ، وَ لاَ جُعِلَتْ لَهُمُ الأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الأََوانِ إِلَّا وَ قَدْ أَُعْطَيْتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمانِ، و وَ اللَّهِ ما بُصْرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَ لا أَصْفيتُمْ بِهِ وَ حُرِمُوهُ، وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلاً خِطامُها، رَحْواً بطانُها، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ ما أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ ظِلَّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍٍ مَعْدُودٍ (1)

اللغة

(الفترة) ما بين الرّسولين من رسول الله و (الهجعة) بفتح (الهاء) و سكون (الجيم) النومة ليلاً من الهجوع بالضّم كالجلسة من الجلوس و (الاعتزام) العزم من اعتزمه و عليه و تعزم أراد فعله و قطع عليه و يروى و اعترام (بالراء) المهملة من عرام الجيش بالضم كغراب حدّتهم و شدّتهم و كثرتهم و العرام من الرَّجل الشّراسة و الأذى و (التّلظى) التلهب و (كسف) الشمس و القمر كسوف أو ذهب نورهما و احتجبا و (اغور) الماء اغوراراً كاحمر و تغور ذهب في الأَرض و اغورت الشمس غابت قال سبحانه:

قُل أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيَكُم بِمَاءٍ مَّعِين [الملك: 30]. أي صار ماؤكم غاثراً (فهي متهجّمة) من هجم عليه هجوماً انتهى إليه بغتة و هجم البيت


1) الكافي: 1/ 60 ح 7، شرح أصول الكافي: 287/2 ح 7.

انهدم و في النسخ متجهّمة بتقديم (الجيم) على (الهاء) من تجهّمه فلان استقبله بوجه کریه، و بهما روى بيت الصّديقة الطّاهرة سلام الله عليها و على أبيها و بعلها و بنيها عند غصب فدك:

تهجمنا رجال و استخف بنا *** لما فقدت و كلّ الأَرض مغتصب

و (الأحقاب) جمع حقب بضم (الحاء) و (القاف) و بسكون (القاف) أيضاً ثمانون سنة أو أَكثر وقيل: الدهر وقيل: السّنة وقيل: السنون و (القرون) جمع القرن قال الفيروزآبادي: أربعون سنة أو عشرة أو عشرون أو ثلاثون أو خمسون أو ستّون أو سبعون أو ثمانون أو مائة أو مائة و عشرون (و لا أصفيتم) على البناء للمفعول من باب الأفعال، قال سبحانه:

أَفَأََصْفَنَكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ [الإسراء: 40]. أي آثركم و (جائلاً خطامها) أي مضطرباً غير مستقر من الجولان و الخطام من الدّابة (بالخاء) المعجمة (و الطاء) المهملة مقدم أنفها وفمها، و يطلق على الزمام، و هو المراد هنا باعتبار أنه يقع على الفم أو الأَنف و ما يليه، و منه الحديث كأن خطام جمله عَلیْهِ السَّلَامْ ليف و ( البطان) حزام القتب يقال: أبطن البعير أي سدّ بطانه.

الإعراب

عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ للاستعلاء المجازي، و جملة وَ اَلدُّنْیَا کَاسِفَةُ اَلنُّورِ، منصوبة المحل على الحاليّة من ضمير أرسله، و عَلَی حِینِ اِصْفِرَارٍ ظرف مستقرّ خبر ثان (للدّنيا) و يحتمل الحال أيضاً و جملة (قد درست) حال أيضاً، (و لعمري) جملة قسميّة، و قوله: (وَ مَا أَنْتُمُ الْيَومَ) (ما) حجازيّة عاملة عمل ليس، (و أنتم) اسمها (و ببعيد) خبرها زيد فيه (الباء) كما تزاد في خبر (ليس) مطّرداً، (و اليوم) متعلّق به، و كذلك من يوم و جملة (جهلوه) صفة لشيئاً. و جملة (و حرموه) حال من ضمير به و فيه دليل على عدم لزوم (قد) في الجملة الحالية الماضية المثبتة كما عليه جمهور علماء الأدبية، اللهمّ إلاّ أن يقال: إن الجملة في معنى النفي إذ مقصوده عَلیْهِ السَّلَامْ نفي الإصفاء عن المخاطبين و المحرومية عن الغائبين معاً و لذلك جيء بالواو و الضمير، (و الفاء) في قوله: (فلا يغرّنّكم) فصيحة.

المعنى

اعلم أنّ مقصوده عَلیْهِ السَّلَامْ بهذه الخطبة هو التذكير و الموعظة و التّنبيه عن نوم الغفلة و التحذير من الغرور و الفتنة، و مهّد أوّلاً مقدمة متضمنة للإشارة إلى حالة النّاس حين البعثة و أيّام الفترة و أنّه سبحانه أرسل إليهم رسولاً يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و آثرهم بتلك النّعمة العظيمة و الموهبة الجسيمة بعد ما كانوا في شدّة الابتلاء و المحنة و منتهى الاضطراب و الخشية و سوء الحال و الكآبة، ليتذكر السّامعون بتلك النّعمة العظمى و المنحة الكبرى فيشكروا

لله و يلازموا طاعة الله و يسلكوا سبيل الله سبحانه فقال عَلیْهِ السَّلَامْ:

(أرسله) أي محمّداً صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أي على حين سكون و انقطاع من الرّسل و ذلك أنّ الرسل إلى وقت رفع عيسى كانت متواترة و بعد رفعه (عَلیْهِ السَّلَامْ) انقطع الوحي و الرّسالة خمس مائة سنة على ما فى بعض روايات أصحابنا أو ستّمائة سنة كما عن البخاري عن سلمان، و الأوّل أشهر و أقوى و يأتي حديث آخر في ذلك إن شاء الله في شرح الفصل السّادس من الخطبة المائة و الحادية و التسعين و هي الخطبة المعروفة بالقاصعة ثمّ بعث الله محمّداً صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

و إنّما قيّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم نعمة الإرسال و الإنزال بتلك الحال و ما يتلوها من الأَحوال بياناً للواقع و إظهاراً لجلالة تلك النعمة و جزالة تلك الموهبة حسبما أشرنا إليه فإنّ النعمة يتزايد قدرها بحسب تزايد منافعها، و لا ريب أنّ خلوّ الزمان عن الرّسول يستلزم ظهور الفساد و الشّرور و انتشار البغي و الفجور و كثرة الهرج و المرج، و تلك أحوال مذمومة و أفعال مشؤومة توجب تبدّل النّظام و اختلال الأَحكام و الانهماك في الجهالات و التورّط في الضّلالات و لحوق الذّم بهم بمقدار ما يلحقهم من المدح في حال الطاعة و القيام بوظائف العبادة المتفرّعة على وجود الدليل و بعث الرّسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ استعار لفظ الهجعة التي هي عبارة من النّوم في اللّيل لانغماسهم في ظلمة الجهالة و الضّلالة، ورشحها بذكر الطول الذي هو من ملائمات المستعار منه على حد قوله: أُوْلَئِِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت [البقرة: 16]. وَ اعْتِزامٍ مِنَ الْفِتَنِ نسبة الاعتزام إلى الفتن مجاز كنّى به عن فروعها بينهم كأَنها قاصدة لهم مريدة إيّاهم و على رواية الاعترام (بالرّاء) المهملة فالمراد كثرتها و شدّتها و تأذّي الناس بها وَ انْتِشارٍ مِنَ الْأُمُورِ أي تفرق أمور الخلق في معاشهم و عدم جريانها على قانون منتظم وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ شبّه الحرب بالنّار في الإفساد و الإهلاك و أسند إليها التّلظّى الذي هو الاشتعال و الالتهاب على سبيل الاستعارة وكنّى به عن هيجانها و ثورانها أيّام الفترة ففي الكلام استعارة مكنيّة و تخييليّة. وَ الدُّنْيا كاسِفَةُ النُّورِ استعار النور للعلم المقتبس من الأَنبياء والحجج بشباهة أن كلاً منهما سبب لهداية الأنام في الضّلالة و الظلام، و رشحها بذكر الكسف الذي من ملائمات النّور و أراد به عدم وجود هذا النّور في ذلك الزمان (ظاهرة الغرور) أراد ظهور اغترار النّاس بها و شيوع افتتانهم بشهواتها و لذاتها عَلى حِينِ اصْفِرارٍ مِنْ وَرَقِها وَ إِياسٍ مِنْ ثَمَرِها وَ اغْوِرارٍ مِنْ مائِها شبّه عَلیْهِ السَّلَامْ الدنيا بشجرة مثمرة مورقة في اشتمالها على ما تشتهيه الأنفس و تلذّ الأََعين على سبيل الاستعارة بالكناية و ذكر الورق و الثمر و الماء تخييل. و إثبات الاصفرار و الإياس

و الاغورار ترشيح، و أراد بتلك الترشيحات بيان خلوّ الدنيا يومئذٍ عن آثار العلم و الهداية و ما يوجب السعادة في البداية و النهاية.

و يمكن جعله مركّباً من استعارات متعدّدة و يكون المراد بيان خلوّ الدنيا حينئذٍ من الأَمن و الرّفاهية و المنافع الدّنيوية ليكون ما يذكر بعده تأسيساً.

و توضيح ذلك الوجه ما ذكره الشارح البحراني حيث قال: استعار لفظ الثمرة و الورق لمتاعها و زينتها و لفظ الاصفرار لتغيّر تلك الزينة عن العرب في ذلك الوقت و عدم طراوة عيشهم إذاً و خشونة مطاعمهم كما يذهب حسن الشّجرة باصفرار ورقها فلا يلتذّ بالنّظر إليها، و عنى بالإياس من ثمرها انقطاع مآل العرب إذاً من الملك و الدّولة و ما يستلزمه من الحصول على طيبات الدّنيا.

و كذلك استعار لفظ الماء لموادّ متاع الدّنيا و طرق لذّاتها و لفظ الاعورار لعدم تلك الموادّ من ضعف التجارات و المكاسب وعدم التملّك للأمصار و كلّ ذلك لعدم النظام العدلي بينهم و كلّها استعارات بالكناية.

و وجه الاستعارة الأولى أن الورق كما أنّه زينة الشّجر و به كماله كذلك لذّات الدّنيا و زينتها، و وجه الثّانية أنّ الثمر كما أنّه مقصود الشجرة غالباً و غايتها كذلك متاع الدّنيا و الانتفاع به هو مقصودها المطلوب منها لأَكثر الخلق، و وجه الثّالثة أنّ الماء كما أنّه مادّة الشجرة و به حياتها و قيامها في الوجود كذلك موادّ تلك اللّذّات هي المكاسب و التجارات و الصّناعات، و قد كانت العرب خالية من ذلك و وجوه باقي الاستعارات ظاهرة.

(قد درست «منار الهدى») كناية عن فقدان حجج الدّين و انتفاء أدلّة الحق وَ ظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرِّدَى كناية عن غلبة أدلة الباطل و ظهور أئمّة الضّلال فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لأهلهَا أي داخلة عليهم عنفاً لكونها غير موافقة لرضاهم أو منهدمة عليهم غير باقية في حقّهم أو ملاقية لهم بوجه كريه و هو على رواية متجهمة بتقديم (الجيم) على (الهاء) عَابِسَةٌ فِی وَجْهِ طَالِبِهَا أراد به عدم حصول بغية الطالبين منها كما لا تحصل من الرّجل المنقبض الوجه الذي يلوي بشرته. قال سبحانه:

عَبَسَ وَ تَوَلَّی * أَن جَآءَهُ الْأَعْمَى [عبس: 1- 2]. (ثمرتها الفتنة) أي الضّلال عن طريق الحق و التيه في ظلمة الباطل و فيه استعارة مكنية و تخييليّة حيث شبّه الدّنيا بشجرة مثمرة و أثبت الثّمرة لها و جعل ثمرتها الفتنة إمّا من باب التهكم أو من حيث إن الثمرة كما أنّها الغاية المقصودة من الشجرة فكذلك غاية الدّنيا عند أهلها هي الفتنة و الضّلال وَ طَعَامُهَا الِجيفَةُ يحتمل أن يكون المراد بالجيفة الميتة و الحيوان الغير المزكى ممّا كان العرب يأكلها في أيّام الفترة حتى حرّمتها الآية الشريفة أعني قوله:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنزِيرِِ وَ مَآ أُُهِلَّ لِغَيْرِِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ [ المائدة: 3]. أي المضروبة بالخشب حتى تموت و يبقى الدّم فيها فيكون أطيب كما زعمه المجوس « وَ الْمُتَرَدِّيَةٌ» أي التي تردّت من علوّ فماتت و قد مرّ في شرح الخطبة السّادسة و العشرين أن أكثر طعام العرب كان الخشب و الخبائث، و يجوز أن يراد بالجيفة الأعمّ من ذلك أعني مطلق ما لا يحلّ في الشريعة المطّهرة سواء كان من قبيل الخبائث و الميتات أو من قبيل الأَموال المغصوبة المأخوذة بالنّهب و الغارة و السّرقة و نحوها على ما جرت عليه عادة العرب و كانت دأباً لهم وَ شِعَارِهَا الخَوف و دِثَارُها السَّيْفُ الشّعار ما يلي شعر الجسد من الثّياب و الدّثار ما فوق الشّعار من الأَثواب و مناسبة الخوف بالشّعار و السّيف بالدّثار غير خفية على ذوي الأَنظار.

ثمّ إنّه بعدما مهد المقدمة الشريفة و فرغ من بيان حالة العرب في أيّام الفترة شرع في الموعظة و النّصيحة بقوله: فاعتبروا عباد الله بما كانت عليه الإخوان و الآباء و الأقران و الأقرباء و اذكروا تيك الأَعمال القبيحة و الأَحوال الذميمة الَّتي آبَاؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ بِهَا مَرْتَهَنُونَ و محبوسون و عليها محاسبون و مأخوذون.

ثمّ أشار عَلیْهِ السَّلَامْ إلى تقارب الأَزمان و تشابه الأَحوال بين الماضي و الغابرين بقوله: وَ لَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَ لاَ بِهِمُ الْعُهُودُ حتّى تغفلوا وَ لاَ خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَ الْقُرُونُ حتّى تذهلوا وَ مَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْم كُنْتُمْ فِي أَصْلاَبِهِمْ بِبَعِيدٍ حتّى تنسوا و لا تعتبروا فلكم اليوم بالقوم اعتبار و فيما جرت عليهم تبصرة و تذكار.

وَ اللّهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً إِلاَّ وَهَا أَنَا ذَا مُسْمِعُكُمُوهُ فليس لكم عليّ حجّة بعدم الإبلاغ و الإسماع وَ مَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ فليس لكم معذرة بالوقر في الآذان و الأسماع وَ لاَ شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ المبصرة وَ لاَ جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ المتدبرة فِي ذَلِكَ الْأَوَانِ إِلاَّ وَ قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فلا يمكن لكم أن تقولوا إنّا كنّا في عمى من هذا و كنّا به جاهلين، و لا أن تعتذروا بأنّه لم يجعل لنا أفئدة و كنّا منه غافلين. وَ وَ اللّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ بل علّموا ما علّمتم (و لا أصفيتم) و أوثرتم (به و حرموه) بل منحوا ما بذلتم فلم يبق بينكم و بينهم فرق في شيء من الحالات و كنتم مثلهم في جميع الجهات فإذا انتفى الفارق فما بالكم لا تسمعون و لا تبصرون و لا تفهمون و لا تذكرون، و قد أسمع أسلافكم فسمعوا، و بصّروا فتبصروا و ذكروا فتذكّروا و عمروا فنعموا، و علّموا ففهموا. ثمّ حذرهم و أنذرهم بإشراف الابتلاء و المحنة و نزول البلية بقوله: وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ لعلّه أراد بها فتنة معاوية و دولة بني أميّة جَائِلاً خِطَامُهَا رِخْواً بِطَانُهَا استعارة بالكناية عن

خطرها و صعوبة حال من يعتمد عليها و يركن إليها كما أنّ من ركن إلى النّاقة التي جال خطامها و لم تستقر في وجهها و أنفها و ارتخى حزامها فركبها كان في معرض السّقوط و الهلاك.

ثمّ أردف ذلك بالنّهي عن الاغترار بالدّنيا فقال: وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُور من الاغترار بزخارفها و لذّاتها و الانهماك في شهواتها و طيّباتها بظنّ دوامها و ثباتها فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ محدود (معدود) بيناً ترونه سابعاً حتّى قلص و زائداً حتّى نقص.

تكملة

قد أشرنا سابقاً إلى أن أوّل فقرات هذه الخطبة مرويّة في «الكافي» باختلاف لما هنا فأحببت أن أوردها على ما هو دِِينُنَا في الشّرح فأقول:

روى الكلينيّ عن محمّد بن يحيى عن بعض أصحابه عن هارون بن مسلم عن مسعدة ابن صدقة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: أيّها النّاس إنّ الله تبارك و تعالى أرسل إليكم الرّسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، و أنزل عليه الكتاب و أنتم أميّون عن الكتاب و من أنزله و عن الرسول و من أرسله على حين فترة من الرّسل، و طول هجعة من الأمم، و انبساط من الجهل، و اعتراض من الفتنة، و انتقاض عن المبرم، و عمى عن الحق، و اعتساف من الجور، و امتحاق من الدّين، و تلطّ من الحروب، على حين اصفرار من رياض جنّات الدّنيا، و يبس من أغصانها، و انتشار من ورقها، و إياس من ثمرها، و اغورار من مائها.

قد درست أعلام الهدى، و ظهرت أعلام الردى، فالدّنيا متهجّمة (1)في وجوه أهلها؛ مكفهرة مدبرة غير مقبلة، ثمرتها الفتنة، و طعامها الجيفة، و ثمارها الخوف، و دثارها السّيف، مزّقتم كلّ ممزّق، و قد أعمت عيون أهلها، و أظلمت عليها أيّامها، قد قطعوا أرحامهم، و سفكوا دماءهم، و دفنوا في التّراب الموؤودة بينهم من أولادهم، يحتاز دونهم طيب العيش و رفاهية خفوض الدّنيا، لا يرجون من الله ثواباً، و لا يخافون و الله منه عقاباً.

حيّهم أعمى نجس، و ميّتهم في النّار مبلس، فجاء هم صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم بنسخة ما في الصحف الأولى و تصديق الذي بين يديه و تفصيل الحلال من ريب الحرام، ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم أخبركم عنه أنّ فيه علم ما مضى و علم ما يأتي إلى يوم القيامة و حكم ما بينكم و بيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم (2)

و رواه عليّ بن إبراهيم القمي أيضاً في ديباجة تفسيره نحوه و لقلة موارد الاختلاف لم نطل بروايتها.


1) في نسخة: متجهمة.

2) الفصول المهمة في أصول الأئمة: 483/1 ح 678، تفسير نور الثقلين: 3/ 75 ح 181.

بیان

قال في «النهاية»: إنّا أمّة أميّة لا نكتب و لا نحسب أراد أنّهم على أصل ولادة أمّهم لم يتعلّموا الكتاب و الحساب فهم على جبلّتهم الأولى، و قيل: الأمي الذي لا يكتب و منه الحديث بعثت إلى أمّة أميّة قيل للعرب: أميّون لأَنّ الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة،انتهى.

قال بعض شراح الحديث: و لعل المراد هنا من لا يعرف الكتابة و الخط و العلم و المعارف و ضمن معنى ما يعدى بعن كالنّوم و الغفلة، قوله: و اعتراض من الفتنة يحتمل أن يكون عروضها و انتشارها في الآفاق، قوله: و انتقاض عن المبرم المبرم المحكم و قد أشار به إلى ما كان الخلق عليه من استحكام أمورهم بمتابعة الأَنبياء و أراد بانتفاضه فساده.

و المكفهرّ من الوجوه من اكفهرّ على وزن اقشعر القليل اللّحم الغليظ الذي لا يستحيي و المتعبس، قوله: مزّقتم كلّ ممزّق التفات من الغيبة إلى الخطاب و الممزّق مصدر بمعنى التمزيق و هو التفريق و التّقطيع، و المراد به تفرقهم في البلدان للخوف أو تفرّقهم في الأَديان والآراء، و الموؤودة البنت المدفونة حيّة و كانوا يفعلون ذلك في الجاهليّة ببناتهم لخوف الإملاق أو العار كما قال سبحانه:

وَ إِِذَا الْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأََِيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: 8- 9]. يجتاز دونهم طيب العيش و رفاهيّة خفوض الدّنيا، يجتاز (بالجيم) (و الزاء) المعجمة من الاجتياز و هو المرور و التجاوز، و الرفاهية السعة في المعاش، و الخفوض جمع الخفض و هي الدعة و الرّاحة أي يمرّ طيب العيش و الرّفاهية التي هي خفض الدّنيا أو في حفوضها متجاوزاً عنهم من غير تلبث عندهم، قوله: (أعمى نجس) (بالنّون) (و الجيم) و في بعض النسخ (بالحاء) المهملة من النّحوسة و المبلس من الإبلاس و هو الإياس من رحمة الله و منه سمي إبليس، قوله: بِمَا فِی اَلصُّحُفِ اَلْأُولَی أي التوراة و الإنجيل و الزّبور و غيرها من الكتب المنزلة و هو المراد بالذي بين يديه كما قال تعالى:

مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَيةِ [المائدة : 46]. و قوله: فَاسْتَنْطِقُوهُ الأَمر للتعجيز، و سائر الفقرات واضحة ممّا قدّمنا.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن حضرت است که متضمن میباشد بعثت حضرت خاتم رسالت را در ایام فترت و بیان حالت خلق را در ایام جاهلیت و مشتمل است به موعظه و نصیحت و تنبیه از نوم غفلت و جهالت، می فرماید:

فرستاد حق سبحانه و تعالی پیغمبر آخر الزّمان را، در حین فتور و انقطاع از پیغمبران و در زمان درازی خواب غفلت از امّتان و در هنگام عزم از فتنه ها و در وقت انتشار از کار ها و در حین اشتعال از نائره حروب و کارزار ها و در حالتی که دنیا منکسف بود نور او، ظاهر بود غرور او، ثابت بود بر زردی برگ خود و مأیوسی از ثمر خود و فرو رفتن آب خود. به تحقیق که مندرس شده بود علم های هدایت و ظاهر گشته بود نشان های ضلالت.

پس دنیا هجوم آورنده بود بر اهل خود و عبوس بود در روی طالبان خود، میوه او فتنه بود و طعام او جیفه و پوشش او ترس بود از دشمنان و لباس بیرونی او شمشیر برّان، پس عبرت بردارید ای بندگان خدا و یاد آورید آن حالت را که بود پدران شما و برادران شما به سبب آن حالت مرهون و محبوس و به جهت آن محاسب و مأخوذ و قسم به زندگانی خود که دیر نشده است به شما و نه به ایشان عهدها و زمان ها و نگذشته است در مابین شما و ایشان روزگار ها و قرن ها و نیستید شما امروز از روزی که بودید در پشت های ایشان دور، یعنی مدتی نیست که شما در اصلاب آباء خود بودید ایشان با سایر خویشان از شما مفارقت کردند و شما هم در اندک زمانی به ایشان ملحق خواهید شد.

به خدا سوگند که نشنوانید به شما رسول خدا عليه التحية و الثناء چيزى را مگر این که من شنواننده ام به شما آن را و نیست سمع های شما امروز کم از سمع های ایشان دیروز و شکافته نشد ایشان را دیده ها و گردانیده نشد ایشان را قلب ها در آن زمان، مگر این که عطا شدید شما مثل آن را در این زمان.

و به خدا قسم که نموده نشدید شما بعد از ایشان چیزی را که ایشان جاهل آن بوده باشند و برگزیده نشدید به چیزی در حالتی که ایشان محروم بوده باشند از او و به تحقیق که فرود آمد به شما بلا ها در حالتی که جولان کننده است مهار آن، سست بی ثبات است تنگ آن، پس مغرور نسازد شما را آن چه که صباح کرد در آن اهل غرور و ارباب شرور، پس این است و جز این نیست که آن دنیا سایه ای است کشیده شده تا مدت شمرده شده مشحون به انواع قصور و محتوی به کمال و ضعف و فتور.

و من خطبة له عليه السلام و هي التاسعة و الثمانون من المختار في باب الخطب

اشارة

أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيرِ رُؤْيَةٍ، وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيرِ رَوِيَّةِ، الَّذي لَمْ يَزَلْ قائِماً دائِماً، إذْ لاَ سَماءٌ ذَاتُ أَبْراجٍِ ، وَ لاَ حُجُبٌ ذاتُ أَرْتاجٍِ، وَ لاَ لَيْلٌ داج، و لا بَحْرُ ساج، و لا جَبَلٌ ذُو فُجاج، و لا فَجٌّ ذُو اعْوِجاج، و لا أَرْضٌ ذاتُ مِهادِ، و لا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادِ، ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ و وارِِثَهُ، و إِلْهُ الْخِلْقِ و رَازِقُهٌ، وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ دائِبانِ في مَرْضاتِهِ، يُبْلِيانِ كُلَِّ جَديد، و يُقَرِّبَانِ كُل بَعيدٍ، قَسَّمَ أَرْزَاقَهُمْ، و أََحْصى آثَارَهُمْ و أَعْمَالَهُمْ وَعَدَ أَنْفاسِهِمْ وَ خائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ وَ مَا تُخْفي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ، و مُسْتَقَرَّهُمْ و مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الأَرْحَامِ وَ الظُّهُور، إلى أنْ تَتناهى بِهِِمُ الْغَايَاتِ، هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نَقْمَتُهُ على أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَ اتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نَقْمَتِهِ، قاهِرُ مَنْ عازَّهُ، و مُدَمِّرُ مَنْ شاقَََّهُ، و مُذِلُّ مَنْ ناواهُ، و غالِبُ مَنْ عاداهُ، مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَ مَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، و مَنْ أَقْرَضَهُ قَضاهُ، و مَنْ شَكَرَهُ جَزاهُ، عِبادَ اللَّهِ زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا وَ حاسِبُوها مِنْ قَبْلِِ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَ تَنفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِِ الْخِنَاقِ، وَ انْقادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّياق، وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعْنِِ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا واعِظٌ و زاجِِرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيرِها زاجِرٌ و لا واعِظٌ (1)

اللغة

(الرّوية) من روات في الأَمر أي تفكّرت فيه و أصلها رؤيته و استعمالها في «لسان العرب» بغير همز و مثلها برية و (الأبراج) جمع البرج كالأَركان و الرّكن لفظاً و معنى و (الأرتاج) إما مصدر باب الأفعال من ارتج الباب أغلقه أو جمع الرّتج محركة كالأسباب و السّبب و هو الباب العظيم (2)

قال الشارح المعتزلي: و يبعد رواية من رواه ذات أرتاج لأَنّ فعالاً قل أن يجمع علی أفعال «انتهى» و أراد به أن أرتاج على تقدير جمعيته واحدة رتاج و جمعه عليه قليل، و فيه أنه يرتفع الاستبعاد بجعله جمعاً للرتج حسبما قلنا و هو كثير.

و (دجى) اللّيل دجوّا و دجوا أظلم فهو داج و ليلة داجية و (سجي) البحر سجواً سكن و (الفجاج) جمع الفجّ فهو الطريق الواسع بين جبلين و (المهاد) الفراش و (عازه) معازه غالبه قال


1) ميزان الحكمة: 3600/4 ح 4139، و بحار الأنوار: 310/4 ح 38.

2) الرتاج: ككتاب و هو الباب المغلق و عليه باب صغير.

سبحانه: و عزني في الخطاب أي غلبني و (دمّره) تدميراً أهلكه و (شاقّه) مشاقّة و شقاقاً خالفه و عاداه و (ناواه) أي عاداه و اللفظة مهموزة و إنما لينها لملاحظة السّجع و أصلها من النواء و هو النّهوض لأن كلّ المتعاديين ينهض إلى قتال الآخر و (العسف) بالضم ضد الرفق.

الإعراب

قوله: (إذ لا سماء) (إذ) ظرف للزمان الماضي و ملازم للإضافة إلى الجمل، (و لا) بمعنى (ليس)، (و سماء) اسمها و خبرها محذوف منصوباً على الأعمال كما هو مذهب أهل الحجاز، أو (سماء) مرفوع على الابتداء و خبره موجود بالرّفع على الإهمال و هو مذهب بني تميم و الأَوّل أقوى، و جملة (و الشّمس و القمر) (ا ه) مستأنفة، و جملة (يبليان) في محلّ النّصب على الحال من ضمير دائبان، (و عدد أنفاسهم) في بعض النسخ بجرّ أنفاسهم على إضافة العدد إليها و كونه اسمه فيكون عطفاً على آثارهم و في بعضها بنصبها على كونه مفعولاً لعدد و جعله فعلاً مجرّداً من باب قتل أو مزيداً من باب التفعيل أي أحصى أنفاسهم، و على هذا فتكون الجملة معطوفة على الجملة السّابقة، (و خائنة)بالنّصب عطف على آثارَهُمْ أو أَنْفاسِهِمْ على الاحتمال الثّاني أو عدد على الاحتمال الأَوّل، و كذلك مُسْتَقَرَّهُمْ وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ، (و من الأََرحام) و الظّهور متعلّق بالمستقرّ و المستودع على إرادة التّكرار و قوله: حتّى يكون قيد للمنفي أعني يعن دون النفي.

المعنى

اعلم أنّه عَلیْهِ السَّلَامْ صدّر هذه الخطبة الشّريفة بجملة من الصّفات الجمالية و الجلالية الإلهية، و ذيلها بالموعظة و النّصيحة و الحث على التزود و الاستعداد للآخرة فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ يعني أنّه سبحانه معروف بدلائل الملك و الملكوت و آثار القدرة و الجبروت و مدرك بحقائق الإيمان من غير رؤية و مشاهدة بالعيان، لكونها من لواحق الإمكان كما مرّ توضيحاً و تحقيقاً في شرح الخطبة التاسعة و الأَربعين و الْخالِقِ مِنْ غَیْرِ رَوِیَّةٍ أراد أنّه تعالى خالق للأَشياء بنفس قدرته التّامة الكاملة غير محتاج في خلقها إلى رويّة و فكرة كما يحتاج إليها نوع الإنسان في إيجاد شيء، و ذلك أن فائدة القوّة المفكّرة تحصيل المطالب المجهولة من المباديء المعلومة و الجهل محال على الله سبحانه الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً أمّا دوامه سبحانه فلاءَنّ وجوب الوجود يستحيل عليه العدم في الأَزل و الأَبد، و أمّا قيامه فالمراد به إما الدّوام و البقاء و إمّا القيام بأمور العالم و القيمومة على كلّ شيء بمراعاة حاله و درجة كماله و الحافظ لكلّ شيء و المدبّر لأَمره أو الرّقيب على كلّ شيء و الحافظ عليه و به فسّر قوله سبحانه:

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِِِّ نَفْسٍِ بِِمَا كَسَبَتْ [الرعد: 33].

و الأَََََوّل أنسب بقوله: إِذْ لاَ سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ لأََن القيمومة بالمعنى الأَوّل من صفات الذّات و بالمعنى الثاني من صفات الفعل و بعد السّماء و وجود العالم لأنَّه إذا لم يكن العالم مخلوقاً بعد لم يصدق عليه أنه قائم بأمره إلاّ بالقوّة لا بالفعل، فافهم. و المراد بالأبراج إمّا الأركان كما هی معناها فی اللغة و إمّا ما فسّر به قوله تعالى:

وَ السَّمَاءِ ذَاتِ البروج [البروج: 1]. و لهم في تفسيره ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها هي البروج الاثنا عشر التي فيها عجيب الحكمة إذ سير الشّمس فيها و مصالح العالم السّفلي مرتبطة بسير الشّمس.

و ثانيها: أن البروج هي منازل القمر.

و ثالثها: أنّها هي عظام الكواكب سمّيت بروجاً لظهورها و سيأتي تفصيل الكلام في ذلك في شرح الفصل الرابع من الخطبة الآتية وَ لاَ حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ أي ذات أبواب أو ذات أغلاق.

و اعلم أنّه قد كثر في الأَخبار العاميّة و الخاصيّة ذكر الحجب و السّرادقات و تظافرت الأَخبار في وجودها من جملة تلك الرّوايات رواية الحسن البكري التي تقدّمت في التذييل الأَوّل من تذييلات الفصل الثامن من فصول الخطبة الأولى.

و منها ما في «البحار» من «الدرّ المنثور» للسيوطي عن سهل بن سعد و عبد الله بن عمر قالا: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: دونَ الله سَبعونَ أَلفَ حِجابٍ مِن نورٍ و ظُلمَةٍ ، ما یَسمَعُ مِن نَفسٍٍ من حسن تِلکَ الحُجُبِ إِلّا زَهَقَت نفسه (1)

و منها ما فيه عن شرح النهج للكيدري عن النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في حديث المعراج قال: فخرجت من سدرة المنتهى حتّى وصلت إلى حجاب من حجب العزّة ثمّ إلى حجاب آخر حتّى قطعت سبعین حجاباً و أنا على البراق و بين كلّ حجاب و حجاب مسيرة خمس مائة سنة إلى أن قال: و رأيت في علّيّين بحاراً و أنواراً و حجباً غيرها لو لا تلك لا حترق كل ما تحت العرش من نور العرش (2)

قال: و في الحديث أن جبرئيل عَلیْهِ السَّلَامْ: قال: لله دون العرش سبعون حجاباً لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجه ربّنا.


1) بحار الأنوار: 44/55 ح 2، الدر المنثور: 13/6.

2) بحار الأنوار: 45/55.

أقول: قال النّووي في «المحكي» عن «شرح صحیح مسلم»: سبحات بضم السّين و الباء أي نوره و أراد بالوجه الذّات، و قال في «البحار»: سبحات الله جلاله و عظمته و هي في الأَصل جمع سبحة، وقيل: أضواء وجهه، وقيل: سبحات الوجه محاسنه لأَنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت: سبحان الله، هذا.

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة روى شطراً منها في «البحار» و قال بعد روايتها: و التحقيق أن لتلك الأَخبار ظهراً و بطناً وكلاهما حقّ.

فأما ظهرها فإنّه سبحانه كما خلق العرش و الكرسي مع عدم احتياجه إليهما كذلك خلق عندهما حجباً و أستاراً و سرادقات، و حشاها من أنواره الغريبة المخلوقة له ليظهر لمن يشاهدها الملائكة و بعض النّبيّين و لمن يسمعها من غيرهم عظمة قدرته و جلال هيبته وسعة فيضه و رحمته، و لعلّ اختلاف الأعداد باعتبار أن في بعض الإطلاقات اعتبرت الأَنواع، و في بعضها الأَصناف و الأَشخاص أو ضمّ بعضها إلى بعض في بعض التعبيرات أو اكتفى بذكر بعضها في بعض الرّوايات.

و أمّا بطنها فلأَن الحجب المانعة عن وصول الخلق إلى معرفة كنه ذاته و صفاته سبحانه أمور كثيرة:

منها: ما يرجع إلى نقص المخلوق و قواه و مداركه بسبب الإمكان و الافتقار و الاحتياج و الحدوث و ما يتبع ذلك من جهات النّقص و العجز و هي الحجب الظلمانية.

و منها: ما يرجع إلى نوريّته و تجرّده و تقدّسه و وجوب وجوده و كمال عظمته و جلاله و سائر ما يتبع ذلك و هي الحجب النورانية و ارتفاع تلك الحجب بنوعيه محال، فلو ارتفعت لم يبق بغير ذات الحق شيء، أو المراد بكشفها رفعها في الجملة بالتخلي عن الصفات الشهوانية و الأَخلاق الحيوانيّة و التخلق بالأَخلاق الرّبانية بكثرة العبادات و الرّياضات و المجاهدات و ممارسة العلوم الحقة، فترتفع الحجب بينه و بين الله سبحانه في الجملة فيحرق ما يظهر عليهم من أنوار جلاله تعيناتهم و إرادتهم و شهواتهم فيرون بعين اليقين كماله سبحانه و نقصهم، و بقائه و فنائهم، و عزّه، و ذلّهم، و غناه و افتقارهم، بل يرون وجودهم المستعار في جنب وجوده الكامل عدماً، و قدرتهم الناقصة في جنب قدرته الكاملة عجزاً بل يتخلّون عن إرادتهم و علمهم و قدرتهم فيتصرف فيهم إرادته و قدرته و علمه سبحانه، فلا يشاؤون إلاّ أن يشاء الله، و لا يريدون سوى ما أراد الله، و يتصرفون في الأَشياء بقدرة الله، فيحيون الموتى و يردّون الشمس و يشقّون القمر كما قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية بل بقوّة ربانيّة، و المعنى الذي يمكن فهمه و لا ينافي أصول الدّين من الفناء في الله و البقاء بالله هو هذا المعنى.

و بعبارة أخرى الحجب النّورانية الموانع التي للعبد عن الوصول إلى قربه و غاية ما يمكنه

من معرفته سبحانه من جهة العبادات كالرّياء و العجب و السّمعة و أشباهها و الظلمانية ما يحجبه من المعاصي عن الوصول إليه، فإذا ارتفعت تلك الحجب تجلى الله له في قلبه و أحرق محبته ما سواه حتّى نفسه عن نفسه، و كل ذلك لا يوجب عدم الإيمان بظواهرها، إلاّ بمعارضة نصوص صحيحة صريحة صارفة عنها، و أوّل الإلحاد سلوك التأويل من غير دليل و الله الهادي إلى سواء السّبيل، انتهى كلامه رفع مقامه (1)، هذا.

و الأَشبه أن يراد بقوله عَلیْهِ السَّلَامْ: وَ لاَ حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ المعاني الظاهرة لها و إن أمكن إرادة معانيها الباطنة في الجملة، و أما احتمال أن يراد بالحجب السّماوات كما في شرحي المعتزلي و البحراني فبعيد مع سبق قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: إِذْ لاَ سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَ لاَ لَیْلٌ دَاجٍ أي مظلم وَلاَ بَحْرٌ سَاجٍ أي ساكن وَ لاَ جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ وَ لاَ فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ و هو مأخوذ من قوله سبحانه: وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا [نوح: 19- 20].

أي طرقاً واسعة، وقيل: طرقاً مختلفة عن ابن عبّاس، وقيل: سبلاً في الصّحاري و فجاجاً في الجبال وَ لاَ أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ و هو مأخوذ من قوله سبحانه:

وَ الْأَرْضَ فَرَشْنَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ [الذاريات: 48]. أي مهدناها ليستقروا عليها فنعم الماهدون نحن، و في سورة النبأ.

أَلَمْ نَجْعَلِِ الأَرْضَ مِهَدَا [النبأ 6]. أي وطأ و قراراً و مهيئاً للتصرف فيه من غير أذية، و المصدر بمعنى المفعول أو الحمل على المبالغة أو المعنى ذات مهاد وَ لَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ أي صاحب قوّة و بطش.

(ذلك) المتّصف بالصّفات الأزلية و الموصوف بأوصاف السّرمديّة (مبتدع الخلق) و مخترعه على غير مثال سبق أو موجده من العدم المحض (و وارثه) الباقي بعد فنائه (و إله الخلق) و معبوده (و رازقه) بجميل آلائه و جزيل نعمائه وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ دائِبَانِ فِی مَرْضَاتِهِ هو مأخوذ من قوله سبحانه: وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دَائِبَِيْنِِ [إبراهيم: 33].

و أصل الدئب هو مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أراد عَلیْهِ السَّلَامْ أن الشّمس و القمر يدأبان في سيرهما و إنارتهما و تأثيرهما في إزالة الظلمة و في إصلاح النبات و الحيوان على ما فيه رضاؤه سبحانه و تقتضيه حكمته البالغة و يرتضيه تدبيره التام الكامل یُبْلِیَانِ کُلَّ جَدِیدٍ وَ یُقَرِّبَانِ کُلَّ بَعِیدٍ نسبه إبلاء الجديد و تقريب البعيد إليهما باعتبار كون حركاتهما من الأَسباب المعدّة لحدوث الحوادث في هذا العالم و فيهما تنبيه على وجوب التجافي عن الدّنيا


1) بحار الأنوار 47/55.

و الاستعداد للآخرة، و إشارة إلى أن ما يتجدد و يحدث من لذات الدنيا و زخارفها فهو في معرض البلى و الزّوال و أن ما يستبعده أهل الغفلة من الموت و الفناء قريب إليه و إن كان بعيداً في نظره (قسم أرزاقهم) بينهم على وفق ما جرى عليه قلم التقدير و كتبه يد التّدبير في الكتاب المكنون و اللّوح المحفوظ كما قال سبحانه:

نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيا [الزخرف: 32]. وَ أَحْصَی آثَارَهُمْ وَ أَعْمَالَهُمْ و إحصائهما كناية عن العلم بهما كما قال سبحانه: وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ ءاثَرَهُمْ [يس: 12]. أي ما قدموا من الأعمال و ما سنوه بعدهم حسنة كانت أو قبيحة و منه:

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَ أَخَرَتْ [الإنفطار: 5]. وقيل: آثارهم أي أقدامهم في الأَرض و أراد مشيهم إلى العبادة و خطاهم إلى المساجد وَ عَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ وَ خَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِير و هو اقتباس من قوله تعالى:

يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الْأَعْيُنِِ وَ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: 19]. قال في «مجمع البيان»: أي خيانتها و هي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه و الخائنة مصدر كما أن الكاذبة و اللاغية بمعنى الكذب و اللّغو وقيل: إن تقديره يعلم الأَعين الخائنة، وقيل هو الرمز بالعين و فيه أقوال أخرى وَ مُسْتَقَرَّهُمْ وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ وَ الظُّهُورِ و فيه ملامحة إلى قوله سبحانه:

وَ مَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَ مُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَبٍ مُّبِينِ [هود: 6]. أي يعلم موضع قرارها و الموضع الذي أودعها فيه من أرحام الأمهات و أصلاب الآباء و ظهورهم،و يعلم كل أحوالهم من حين ابتدائهم إِلَی أَنْ تَتَنَاهَی بِهِمُ الْغَایَاتُ و يقف كل عند غايته المكتوبة من خير أو شرّ هُوَ الَّذِی اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَی أَعْدائِهِ فِی سَعَةِ رَحْمَتِهِ و اتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِیائِهِ فِی شِدَّةِ نِقْمَتِهِ لا يخفى ما في هذه القرينة من حسن المقابلة.

قال الشارح البحراني: و أشار بذلك إلى كمال ذاته بالنّسبة إلى ملوك الدّنيا مثلاً، فإنّ أحدهم في حالة غضبه على عدوّه لا يتسع لرحمته و لا رحمة غيره، و كذلك في رحمته لأَوليائه لا يجتمع معها غضبه عليهم؛ و لمّا ثبت أنه تعالى هو الغني المطلق المنزّه عن صفات المخلوقين و أنّه المعطي لكل قابل ما يستحقه من غير توقف في وجوده على أمر من ذاته، و كان أعداء الله مستعدّون ببعدهم عنه لقبول سخطه و شدّة نقمته في الآخرة، لا جرم أولاهم ذلك و إن كانوا في الدنيا في سعة رحمته و شمول نعمته، و كذلك أولياؤه لما استعدّوا القبول

رحمته و شمول نعمته أفاضها عليهم فهم في حظيرة قدسه على غاية من البهجة و السّعادة و ضروب الكرامة و إن كانوا بأجسادهم في ضروب من العذاب و شقاوة الفقر و الضنك في الدّنيا، و ذلك لا يملكه إلاّ حليم لا يشغله غضب عن رحمته، عدل حكيم لا تمنعه رحمته عن إنزال عقوبته سبحانه ليس إلاّ هو.

(قاهر من عازه) أي غالبه و عتى عن أمره كفرعون إذ قال: أنا ربّكم الأَعلى فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى و غيره من العتاة و الطغاة، حيث قسم الله سبحانه ظهرهم و كسر عظمهم و قهرهم بالموت و الإذلال، و أنزل عليهم شديد النكال (و مدمّر من شاقه) أي مهلك من كان مشاقاً له و منحرفاً عن طريق الهدى إلى سمت الرّدى (و مذل من ناواه) يجعله محتاجاً إلى غيره (و غالب من عاداه) أي المستولي عليه بقهره (من توكل عليه كفاه) كما قال في كتابه العزيز:

وَ مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3]. أي الكافي له يكفيه أمر دنياه و آخرته وَ مَنْ سَأَلَه أَعْطَاهُ إذ لا تفنى خزائنه السؤال، و لا تدخل عليها نقص و لا زوال.

و في الحديث القدسي: یا عِبَادِی لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَ آخِرَكُمْ وَ إِنْسَكُمْ وَ جِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَان مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِى شَيْئاً إِلاّ كَما يَنْقُصُ الْمَخِيطُ إِذَا دَخَلَ الْبَحْر (1)

أي لا ينقص شيئاً و إنما ضرب المثل بالمخيط و البحر لأنَّه و إن كان يرجع شيء قليل محسوس لكنه لقلّته بالنّسبة إلى أعظم المرئيات عياناً لا يرى و لا يعد شيئاً فكأنّه لم ينقص منه شيء.

وَ مَنْ أَقْرَضَهُ قَضاهُ أي من أنفق ماله في سبيله و طاعته أعطاه الله عوض ما أنفق و إنّما سمّى الإنفاق قرضاً تلطفاً للدّعاء إلى فعله و تأكيداً للجزاء عليه، فإن القرض يوجب الجزاء و هو مأخوذ من قوله سبحانه في سورة البقرة: مَن ذَا الَّذِى يُقْرِِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245). روى الطبرسي عن الصادق عَلیْهِ السَّلَامْ أنّه قال: لما نزلت هذه الآية: مَن جَآءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [النمل: 89].

قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم «ربّ زدني» فأنزل الله (2):


1) سبل السلام: 176/4، و كنز العمال: 924/15.

2) معاني الأخبار: 398، و الأربعون حديثاً: 67.

مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثالِها [الأنعام: 161]. فقال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: «زدني» فأنزل الله سبحانه:

مَن ذَا الَّذِي يُقْرِِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَئفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة: 245]. و الكثير عند الله لا يحصى.

قال الكلبي في سبب نزول هذه الآية: إنّ النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَلَهُ مِثْلَاهَا فِي الْجَنَّةِ (1)، فقال أبو الدحداح الأنصاري و اسمه عمرو بن الدحداح: يا رسول الله إنّ لي حديقتين إن تصدقت بإحداهما فإنّ لي مثليهما في الجنّة؟ قال: نعم، وأمّ الدّحداح معي؟ قال: نعم، قال و الصبية معي؟ قال: نعم، فتصدق بأفضل حديقته فدفعها إلى رسول الله فنزلت الآية فضاعف الله له صدقته ألفي ألف، و ذلك قوله أضعافاً كثيرة قال: فرجع أبو الدحداح فوجد أمّ الدّحداح و الصّبية في الحديقة التي جعلها صدقة فقام على باب الحديقة و تحرّج أن يدخلها فنادى يا أم الدّحداح، قالت: لبيك يا أبا الدّحداح، قال: إني جعلت حديقتي هذه صدقة و اشتريت مثليها في الجنّة وأمّ الدّحداح معي و الصّبية معي قالت: بارك الله لك فيما شريت و فيما اشتريت فخرجوا منها و أسلموا الحديقة إلى النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فقال النبي: کَمْ مِنْ نَخْلة مُتَدَلٍّ عُذُوقُهَا لِأََبِی اَلدَّحْدَاحِ فِی اَلْجَنَّةِ.

و في «منهج الصادقين» قال النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: کَم مِن عِذقٍ رَوَّاحٍ وَ دَارٍ فَیَّاحٍ فِی الجَنَّةِ لِأَبِی الدَّحدَاحِ (2).

وَ مَن شَكَرَهُ جَزَاهُ أي من اعترف بنعمته سبحانه و فعل ما يجب فعله من الطاعة و ترك ما يجب تركه من المعصية أعطاه الله سبحانه بشكره الجزاء الجميل و الثواب الجزيل. ثم إنه بعد ما ذكر جملة من النعوت الجلالية و الصفات الجمالية لله سبحانه أردف ذلك بالعظة و النصيحة فقال: عِبَادَ اللّهِ زِنُوا أَنفُسَكُم مِن قَبلِ أَن تُوزَنُوا أي زنوها في الدنيا قبل الوزن في الآخرة فأما الوزن في الدنيا فهو اعتبار الأَعمال و ضبطها بميزان العدل أي مراعاة الاستقامة على حاق الوسط المصون من طرفي التفريط و الإفراط، فإن اليمين و الشمال مضلة و الطريق الوسطى هي الجادّة، و أمّا الوزن الأخروي فقد أشير إليه في قوله سبحانه:

وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُِّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(8)، وَ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُُولَئِكَ الََّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِِمَا كَانُوا بِئَايَتِنَا يَظْلِمُونَ(9) [الأعراف: 9-8].


1) تفسير مجمع البيان: 137/2، و مستدرك الوسائل: 262/7 ح 8196.

2) مستدرك الوسائل: 262/7 ح 8196، و تفسير مجمع البيان: 137/2.

قال الطبرسي في معناه قيل: إن الوزن عبارة عن العدل في الآخرة و أنه لا ظلم فيها وقيل: إن الله ينصب ميزاناً له لسان و كفتان يوم القيامة فيوزن به أعمال العباد الحسنات و السيئات،ثم اختلفوا في كيفية الوزن لأَن الأَعمال أعراض لا يجوز وزنها فقيل: توزن صحائف الأَعمال، وقيل: يظهر علامات الحسنات و السّيئات في الكفتين فيراها الإنسان، وقيل: تظهر الحسنات في صورة حسنة و السّيئات في صورة سيئة، وقيل: توزن نفس المؤمن و نفس الكافر، وقيل: المراد بالوزن ظهور مقدار المؤمن في العظم و مقدار الكافر في الذلة كما قال سبحانه: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا [الكهف: 105] (1)

فإذا حان حين ذلك و هو يوم تبلى السرائر صار الغيب شهادة و السّر علانيّة و الخبر عياناً فيقال: لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ. سورة ق: 22، هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. سورة الجاثية: 29.

فمن كان في غفلة من حساب سرّه فإذا وقع بصره على ذلك و التفت إلى صفحة باطنة و صحيفة قلبه يقول: مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لايُغَادِرُ صَغِيرَة وَ لا كَبِيرَة إِلّاَ أحْصَاهَا. سورة الكهف: 49.

ثمّ من كان من أهل السعادة و أصحاب اليمين و كانت معلوماته أموراً قدسيّة و اعماله صالحة و أخلاقه حسنة فقد أوتي كتابه بيمينه من جهة علّيّين، إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ مَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ. سورة المطففين: 18. 21، و ذلك لأنّ كتابه به جنس الألواح العالية و الصحف المكرّمة المرفوعة المطهّرة بِأَیْدِی سَفَرَةٍ کِرَامٍ بَرَرَةٍ، فليس عليه سوى العرض كما قال سبحانه: فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إلى قوله: فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ- سورة الحاقة: 24.19.

و من كان من الأشقياء المردودين و كانت معلوماته مقصورة على الجرميّات و أعماله خبيثة و أخلاقه سيّئة فقد أوتي كتابه بشماله من جهة سجّين، كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِينِ وَ مَا أَدْرَیكَ مَا سِجِينُ كِتَابُ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. سورة المطففين: 7 - 10، و ذلك لأنّ كتابه من جنس الأوراق السفلية و الصحائف الحسيّة القابلة للاحراق، فلا جرم يعذّب بالنّار كما قال سبحانه: وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِِيه * وَ لَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِِيه إلى قوله: لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِئُونَ. سورة الحاقة: 37.25.

وَ أمّا مَنْ اُوتِیَ کِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ - سورة الانشقاق: 10 فهم الذين أوتوا الكتاب فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً. سورة آل عمران: 187 فقيل لهم ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً. سورة الحديد: 13؛ فإنّه حين نبذه وراء ظهره ظَنَّ أَنْ لَنْ یَحُورَ. سورة الانشقاق: 14 فَسَوْفَ یَدْعو ثُبوراً وَ یَصْلی سَعیراً. سورة الانشقاق: 12.11، و ميزان كلّ شيء هو المعيار الذي يعرف به قدر ذلك الشيء. قد تقدم من المصنف (قد) في الرابعة من التاسعة تفصيل ذلك فراجع فميزان يوم القيامة ما يوزن به قدر كلّ إنسان و قيمته على حسب عقيدته و خلقه و عمله،لِتُجْزی کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ. سورة الجاثية: 22. و ليس ذلك إلا الإمام المعصوم، إذ به و باقتفاء آثاره و ترك ذلك و القرب عن طريقته و البعد عنها يعرف مقدار النّاس و قدر حسناتهم و سيئاتهم، فميزان كلّ أُمّة نبي تلك الأُمّة و وصي نبيّها و الشريعة التي أتى بها فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازینُهُ فَأُولئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازینُهُ فَأُولئِکَ الَّذینَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ. سورة الأعراف: 8. 9، سورة المؤمنون: 102- 103. قال الطبرسي أعلا الله مقامه في تفسير قوله تعالى: و الوزن يومنذ الحق من سورة الأعراف ما ملخصه: ذكر فيه أقوال (أحدها) أن الوزن عبارة عن العدل في الآخرة و أنه لا ظلم فيها على أحد، (ثانيها) أن الله ينصب ميزاناً له لسان و كفتان يوم القيامة فتوزن به أعمال العباد، (ثالثها) إن المراد بالوزن ظهور مقدار المؤمن في العظم و مقدار الكافر في الذلة فمن أتى بالعمل الصالح الذي يثقل وزنه أي يعظم قدره فقد أفلح و من أتى بالعمل السيء الذي لا وزن له ولار قيمة فقد خسر. و قال في كيفية الوزن: و اختلفوا في كيفية الوزن لأن الأعمال أعراض و لا تجوز عليها الأعادة لا يكون لها وزن فقيل: توزن صحائف الأعمال، وقيل: تظهر علامات للحسنات و علامات للسيئات في الكفتين فتراها الناس وقيل: تظهر للحسنات صورة حسنة و للسيئات صورة سيئة وقيل: توزن نفس المؤمن و الكافر قال: يؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة. و قال العلامة المجلسي أعلا الله مقامه في آخر كلامه في باب الميزان من البحار: فنحن نؤمن بالميزان و نرد علمه إلى حملة القرآن و لا نتكلف علم ما لم يوضح لنا بصريح البيان و الله الموفق و عليه التكلان.

روى الصدوق بإسناده عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ عن قول الله عزّ و جلّ: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً. سورة الأنبياء: 47 قال: (هُمُ الاَنْبِیاءُ وَ الاَوصِیاءُ). التوحيد: 268، معاني الأخبار: 32.

و في رواية أخرى عنهم عَلیْهِمُ السَّلَامْ نَحْنُ الْمَوَازِینُ الْقِسْطْ لِیَوْمِ الْقِیَامَةِ. بحار الأنوار: 243/7، و ما ورد أنّه يوزن به الصّحف فالمراد بالصّحف النّفوس الإنسانيّة كما دريت، و ما ورد أن له لساناً و كفّتين فتمثيل للمعنى بالصورة كما ورد في سائر نظائره.

و في الاحتجاج عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ إنّه قيل له: أو ليس توزن الأعمال؟ قَالَ: لاَ، لِأَنَّ اَلْأَعْمَالَ لَیْسَتْ أَجْسَاماً، وَ إِنَّمَا هِیَ صِفَهُ مَا عَمِلُوا، وَ إِنَّمَا یَحْتَاجُ إِلَی وَزْنِ اَلشَّیْءِ مَنْ جَهِلَ عَدَدَ اَلْأَشْیَاءِ، وَ لاَ یَعْرِفُ ثِقْلَهَا وَ خِفَّتَهَا، وَ إِنَّ اَللَّهَ لاَ یَخْفَی عَلَیْهِ شَیْءٌ. قیل: فَمَا مَعْنَی اَلْمِیزَانِ؟ قَالَ: «اَلْعَدْلُ» قَالَ: فَمَا مَعْنَاهُ فِی کِتَابِهِ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِینُهُ؟ قَالَ: فَمَنْ رَجَحَ عَمَلُهُ. الاحتجاج: 2/ 99.98.

و في كتاب التوحيد عن أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ في قوله تعالى: فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ. سورة القارعة: 6 وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ. سورة القارعة: 8 قال: الحَسَناتُ ثِقلُ المیزانِ وَ السَّیِّئاتُ خِفَّةُ المیزانِ. التوحيد: 268.


1) قال الفيض الكاشاني في كتاب «قرة العيون» في وزن الأعمال: كلّ ما يدركه الإنسان بحواسه يرتفع منه أثر إلى روحه و يجتمع في صحيفة ذاته و خزانة مدركاته، و كذلك كلّ مثقال ذرّة من خير أو شرّ يعمله يرى أثره مكتوباً ثمّة سيّما ما رسخت بسببه الهيئآت و تأكّدت به الصّفات و صار خلقاً و ملكة، فإنّ ذلك ممّا يوجب خلود الثواب و العقاب، فكلّ إنسان نفسه صحيفة أعماله و هو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الأبصار، و إنّما ينكشف بالموت و رفع ما تورده الشواغل الحسّية المعبّر عنه بقوله تعالى: وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ. سورة التكوير: 10.

وَ حَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا أي حاسبوها في الدّنيا قبل المحاسبة في الآخرة أما المحاسبة الأخروية فقد مرّ في شرح الكلام الحادي و الثمانين تحقيق الكلام فيها و أما المحاسبة الدّنيوية فهي عبارة عن ضبط الإنسان على نفسه أعمالها الخيرية و الشرية ليزكيها بما ينبغي لها و يعاقبها على فعل ما لا ينبغي و ستطلع على مزيد توضيح لها في ضمن الأخبار الآتية وَ تَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِیقِ الْخِنَاقِ و هو استعارة لانتهاز الفرصة للعمل قبل تعذره بحلول الأجل و تعلق حبائل الموت و إنشاب أظفار المنية و الفوت (و انقادوا) لأَوامر الله سبحانه و نواهيه قَبْلَ عُنْفِ السِّیَاقِ أي قبل السّوق العنيف و هو سوق ملك الموت بالجذبة المكربة التي تقدّمت الإشارة إليها في شرح الفصل السّابع من فصول الخطبة الثّانية و الثمانين. وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَ زَاجِرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا

زاجِرٌ وَ لا واعِظٌ يعني من لم يعنه الله سبحانه على نفسه حتّى يجعل له منها واعظاً و زاجراً لم ينفعه الزّجر و الوعظ من غيرها. و المراد بإعانة الله له أن يعدّ نفسه النّاطقة لقبول الخيرات و يؤيدها على نفسه الأَمّارة بالسّوء حتى تكون مقهورة عندها فيحصل له الاستعداد لقبول المواعظ و الزواجر و يكمل له الانتفاع بها.

روى في «الوسائل» عن محمّد بن إدريس في «السّرائر» نقلاً من كتاب «المشيخة» للحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي قال: كان عليّ بن الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: ابن آدم إنّك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، و ما كانت المحاسبة من همّتك، و ما كان الخوف لك شعاراً و الحزن لك دثاراً، ابن آدم إنّك ميّت و مبعوث و موقوف بين يدي الله عزّ و جلّ فأعدّ جواباً (1)

إيقاظ في ذكر نبذ من الأخبار الواردة في محاسبة النفس و بيان كيفية المحاسبة فأقول

روى في «الوسائل» من «الكافي» بإسناده عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي الحسن الماضي عَلیْهِ السَّلَامْ قال: ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله و إن عمل سيّئاً استغفر الله منه و تاب إليه (2)

و من «الخصال» و «معاني الأَخبار» للصدوق مسنداً عطاء عن أبي ذر (رَحِمَه اللهُ) في حديث قال: قلت: يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم؟ قال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: كانت أمثالاً كلّها أيّها الملك المبتلى المغرور إنّي لم أبعثك لتجمع الدّنيا بعضها على بعض، و لكن بعثتك لترد عنّي دعوة المظلوم فإنّي لا أردّها و إن كانت من كافر، و على العاقل ما لم يكن مغلوباً أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، و ساعة يحاسب فيها نفسه، و ساعة يتفكّر فيها صنع الله إليه، و ساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال فإن هذه الساعة عون لتلك السّاعات و استجمام للقلوب و تفريغ لها (3)

و من مجالس الشيخ بإسناده عن أبي ذر ره، في وصيّة النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، أنه قال: یا أبا ذرٍّ حاسِبْ نَفْسَکَ قَبلَ أنْ تُحاسَبَ فإنَّهُ أهْوَنُ لِحِسابِکَ غَدا، وزِنْ نَفْسَکَ قَبلَ أنْ تُوزَنَ، و تَجَهَّزْ


1) تحف العقول: 280، و وسائل الشيعة: 96/16 ح 21076.

2) الكافي: 453/2 ح 1، و تحف العقول: 396.

3) وسائل الشيعة: 387/11 ح 4، و بحار الأنوار: 71/12 ح 14.

للعرض الأَكبر يوم تعرض لا تخفى على الله خافية إلى أن قال: يا أبا ذر لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من أين مطعمه و من أين مشربه و من أين ملبسه من حلال أو من حرام، يا أبا ذر من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين أدخله النّار (1) و من تفسير العسكري عن آبائه عن عليّ عن النّبي سلام الله عليه و عليهم قال عَلیْهِ السَّلَامْ: أكيس الكيّسين من حاسب نفسه و عمل لما بعد الموت، فقال رجل: يا أمير المؤمنين كيف يحاسب نفسه؟ قال: إذا أصبح ثمّ أمسى رجع إلى نفسه و قال: يا نفس إنّ هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبداً و الله يسألك عنه بما أفنيته فما الذي عملت فيه أذكرت الله أم حمدته أقضيت حوائج مؤمن فيه أنفست عنه كربة أحفظته بظهر الغيب في أهله و ولده أحفظته بعد الموت في مخلفيه أكففت عن غيبة أخ مؤمن أعنت مسلماً ما الذي صنعت فيه؟ فيذكر ما كان منه فإن ذكر أنه جرى منه خير حمد الله و كبره على توفيقه، و إن ذكر معصيةً أو تقصيراً استغفر الله و عزم على ترك معاودته (2)

و عن عليّ بن موسى بن طاووس في كتاب محاسبة النّفس قال: و رأيت في كتاب مسعدة بن زياد من أصول الشيعة فيما رواه عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ عن أبيه قال: اللّيل إذا أقبل نادى مناد بصوت يسمعه الخلائق إلاّ الثقلين يا ابن آدم إنّي خلق جديد إنّي على ما فيّ شهيد فخذ منّي فإنّي لو طلعت الشّمس لم أرجع إلى الدّنيا و لم تزدد فيّ من حسنة و لم تستعتب فيّ من سيئة و كذلك يقول النّهار إذا أدبر اللّيل (3)، و بالله التوفيق.

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن امام انام است عليه الصلوة و السلام که فاتحه اش متضمّن است بعض صفات کمالیه الهیّه را و خاتمه اش مشتمل است بر موعظه و نصیحت می فرماید:

حمد و ثنا خداوند معبود به حقی را سزا است که شناخته شده است بی حس و بصر و خلق نموده بی فکر و نظر، آن چنان پروردگاری که دایم است بالذات و متصف است به بقا و ثبات در وقتی که نبود هیچ آسمان صاحب برج ها و نه حجاب های صاحب درها و نه شب


1) وسائل الشيعة: 98/16 ح 21080، وسائل الشيعة: 379/11 ح 21080.

2) وسائل الشيعة: 16/ 98 ح 21081، و بحار الأنوار: 70/67.

3) وسائل الشيعة: 99/16 ح 21085، و مستدرك الوسائل: 204/5 ح 5699.

تاريك و نه بحر ساكن غير متحرك و نه کوهی که صاحب راه های فراخ است و نه راه های فراخ که متصف است به اعوجاج و کجی و نه زمینی که صاحب فرش است و قرار و نه خلقی که صاحب قوّت است و اقتدار.

این ذات موصوف به صفات کمالات آفریننده خلایق است و وارث ایشان و معبود مخلوقات است و رزق دهنده ایشان و آفتاب تابنده و ماه درخشنده حرکت کننده اند به عادت مستمره بر طبق رضای او در حالتی که فانی می کنند هر جدید را و نزدیك می نمایند هر بعید را،قسمت فرموده است روزی های خلق را و شمرده است اثر ها و عمل های ایشان را و تعداد نموده نفس های ایشان را و عالم است به خیانت چشم های ایشان و به آن چه پنهان می کند سینه های ایشان از آن چه که در دل می گیرند از قصد عصیان و غیر آن و دانا است به قرارگاه و محل ودیعه ایشان از ارحام مادران و اصلاب پدران تا آن که به نهایت می رسد ایشان را غایت ها؛ یعنی خبیر است به جميع احوال و اعمال ایشان از ابتدا تا انتها.

آن خداوندی که شدید است عقوبت او بر اعداء خود در وسعت رحمت او و وسعت دارد رحمت او بر اولیاء خود در شدت عقوبت او، قهر کننده کسی است که غلبه گی جوید بر او و هلاک کننده کسی است که نزاع کند با او و ذلیل کننده کسی است که عناد ورزد با او و غلبه کننده کسی است که عداوت نماید او را، هر که توکل کرد بر او کفایت نمود او را و هرکس سؤال کرد از او عطا فرمود او را و هر که قرض داد به او و مال خود را در راه او صرف نمود، عوض داد به او و هر که شکرانه نعمت او را به جا آورد جزای خیر داد به او.

ای بندگان خدا بسنجید نفس های خود را به میزان عدل در دنیا پیش از آن که سنجیده شوید به میزان عمل در آخرت و محاسبه کنید با نفس های خود پیش از آن که به مقام محاسبه آورده شوید در قیامت و نفس زنید و فرصت غنیمت شمارید پیش از تنگ شدن گلو و مطیع و منقاد باشید پیش از رانده شدن با مشقت به سوی آخرت.

و بدانید آن کسی که اعانت فرموده نشده بر نفس خود تا آن که باشد او را از آن نفس پند دهنده و زجر کننده، نیست او را از غیر نفس او زجر کننده و نه پند دهنده؛ یعنی کسی که اعانت نفرموده باشد خداوند او را بر غلبه نفس امّاره او تا این که مستعد و قابل شود بر قبول موعظه و نصیحت از پیش خود ثمری نمی بخشد او را موعظه و نصیحت دیگران؛ و الله اعلم.

و من خطبة له عليه السلام تعرف بخطبة الأشباح و هي التسعون من المختار في باب الخطب

اشارة

و هي من خطبه المشهورة روى بعض فقراتها المحدث العلاّمة المجلسي (رَحِمَه اللهُ) في «البحار» من كتاب «مطالب السّؤول» لمحمّد بن طلحة الشّافعي، و رواها الصّدوق في التّوحيد مسنداً باختصار و اختلاف كثير لما أورده السّيد (رَحِمَه اللهُ) في الكتاب.

قال: حدّثني عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق (رَحِمَه اللهُ)، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكيّ، قال: حدّثني عليّ بن العبّاس قال: حدّثني إسماعيل بن مهران الكوفيّ عن إسماعيل بن إسحاق الجهني عن فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يقول: بينا أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ يخطب على المنبر بالكوفة إذ قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا ربّك تبارك و تعالى لنزداد له حبّاً و به معرفة، فغضب أمير المؤمنين و نادى: الصّلاة جامعة فاجتمع النّاس حتّى غصّ المسجد بأهله ثمّ قام متغيّر اللّون فقال: الحمد لله إلى آخر ما رواه هذا، و شرح ما أورده السّيد (رَحِمَه اللهُ) هنا في ضمن فصول:

الفصل الأول

اشارة

قال السّيد (رَحِمَه اللهُ): و هي من جلائل خطبه عَلیْهِ السَّلَامْ و كان سأله سائل أن يصف الله له حتّى كأنّه يره عياناً، فغضب عَلیْهِ السَّلَامْ لذلك:

الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذي لا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ، وَ لا يُكديهِ الإِعْطاءُ وَ الْجُودُ.

إذْ كُلُّ مُعْطِ مُنتَقِصٌ سِواهُ، و كُلُّ مانِع مَذْمُومٌ ما خَلاهُ، هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوائِدِ النَّعَمِ، و عَوائِدِ الْمزيدِ وَ الْقَسَم، عِيالُهُ الْخَلْقُ، ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ، و قَدَّرَ أَقْواتَهُمْ وَ نَهَجَ سَبيلَ الرّاغِبَينَ إِلَيْهِ، وَ الطَّالِبينَ مَا لَدَيْهِ، و لَيْسَ بِما سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِما لَمْ يُسْأَل، الأََوّلُ الَّذي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَ الآخِرُ الذي لَيْسَ لَهُ بَعْد فَيَكُونَ شَيْءٍ بَعْدَهُ، وَ الرّادِعُ أَناسِيَّ الأَبْصارِ عَنْ أَن تَنالَّهُ أَوْ تُدْرِكَهُ، مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ، و لا كانَ في مَكانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقالُ، وَ لَوْ وَهَبَ ما تَنَفَّسَتْ عَنْهُ الْحالُ، و لا كانَ في مَكانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الانْتِقالُ، وَ لَوْ وَهَبَ ما تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبالِ، و ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدافُ الْبِحارِ مِنْ فِلِزُ اللُُّجينِ وَ الْعِقْيانِ، و نُثَارَةِ الدُّرِّ و حَصِيدِ الْمَرْجَانِ، مَا أَثْرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ، وَ لا أَنْفَدَ سِعَةَ مَا عِنْدَهُ، و لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الأَنْعَامِ، ما لا

تَنفذهُ مَطالِبُ الأَنامِ، لأَنَّهُ الْجَوادُ الَّذي لا يَغِيضُهُ سُؤال السّائِلينَ، وَ لَا يُبْخِلُهُ إِلْحاحُ الْمُلِحِّينَ (1)

اللغة

(الأشباح) جمع الشّبح و هو الشّخص كالأَسباب و السبب و (وفر) الشيء يفر من باب وعد و فوراً تمّ و كمل، و وفرته وفراً من باب وعد أيضاً أتممته و أكملته يتعدى و لا يتعدى و المصدر فارق و (اكدى) الرّجل إذا بخل أو قلّ خيره أو قلل عطائه قال سبحانه: وَ أَعْطَى قَلِيلًا وَ أَكْدَى [النجم: 34].

و أصله كدى كرمى و منه أرض كادئة بطيئة الإنبات و (الأناسي) جمع الإنسان و هو المثال الذي يرى في سواد العين و (الأصداف) جمع الصدف بالتّحريك و هو غشاء الدّر و (الفلز) بكسر (الفاء) (و اللام) و تشديد (الزاء) و كعتل. قال في «القاموس»: نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة أو خبث الحديث أو الحجارة أو جواهر الأَرض كلها أو ما ينفيه الكير من كل ما يذاب منها و (العقيان) الذّهب الخالص و يقال: هو ما ينبت نباتاً و ليس ممّا يحصل من الحجارة و (نثارة) الدر ما تناثر منه.

قال الشّارح المعتزلي: و تأتي فعالة تارة للجيد المختار و تارة للسّاقط المتروك فالأَوّل نحو الخلاصة و الثاني نحو القلامة و (الدر) جمع الدّرة و هي اللّؤلؤة العظيمة و (غاض) الماء نقص و غاضه الله كإغاضه أنقصه يتعدى بنفسه و بالهمز و (أبخلته) وجدته بخيلاً.

الإعراب

قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: وكُلُّ مانعٍ مَذمومٌ ما خَلاهُ الأَصل في خلا أنه لازم يتعدى إلى المفعول ( بمن) نحو خلت الدار من الأنيس، و قد تضمن معنى جاوز فيتعدى بنفسه كقولهم: افعل هذا و خلاك ذم أي جاوزك.

قال الرّضي: و ألزموها هذا التضمن في باب الاستثناء فيكون ما بعدها في صورة المستثنى (بإلاّ) التي هي أمّ الباب و لهذا الغرض التزموا إضمار فاعله إلى أن قال: و فاعل خلا عند النحاة بعضهم، و فيه نظر لأَن المقصود في جاءني القوم خلا زيداً أنّ زيداً لم يكن معهم أصلاً و لا يلزم من مجاوزة بعض القوم إياه و خلو بعضهم منه مجاوزة الكلّ و خلوّ الكل، و الأولى أن يضمر فيه ضمير راجعاً إلى مصدر الفعل المتقدم أي جاءني القوم خلا مجيئهم زيداً، كقوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: 8] .


1) بحار الأنوار : 107/54، و نهج السعادة: 544/1.

فيكون مفسر الضمير سياق القول، هذا.

(و ما) فيه مصدرية و لذلك التزم انتصاب ما بعده لأَن (ما) المصدرية تدخل على الفعلية غالباً، و الاسمية قليلاً و ليس بعدها اسمية فتعين الفعلية فتعين أن يكون فعلاً فوجب النصب و المضاف محذوف أي وقت ما خلا مجيئهم زيداً، و ذلك أن الحين كثيراً ما يحذف مع (ما) المصدرية نحو: ما ذر شارق و نحوه ذكر ذلك كله نجم الأَئمة الرضى (رَحِمَه اللهُ).

قال: و جوّز الجرمي الجر بعد ما خلا و ما عدا على أن (ما) زائدة، و لم يثبت، انتهى.

أقول: حمل (ما) على الزيادة في كلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ على تقدير ثبوته أقرب إلى المعنى كما لا يخفى، و حملها على المصدرية محتاج إلى التكلف كما هو غير خفي على الفطن العارف، و إضافة الفوائد إلى النعم بيانية، و في قوله و عوائد المزيد من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، (و القسم) عطف على (العوائد)، و جملة (ضمن) في محل النصب على الحالية من ضمير عياله.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة كما ذكره السيد (رَحِمَه اللهُ) من جلائل خطبه عَلیْهِ السَّلَامْ و مشاهرها و تسمى بخطبة الأشباح لاشتمالها على ذكر الأشباح و الأشخاص من الملائكة و كيفية خلقهم و بيان أقسامهم، و لعل غضبه عَلیْهِ السَّلَامْ على السائل من أجل أن غرض السائل كان وصفه تعالى بصفات الأَجسام و زعمه جواز معرفته سبحانه بالاكتناه كما يشهد به قوله: كأنه يراه عياناً فغضب عَلیْهِ السَّلَامْ لذلك و تغير لونه لأَجل ذلك و وصفه بأوصاف العزّ و الكمال و صفات الجبروت و الجلال فقال :

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ أي لا يوجب وفور ماله المنع و الإمساك وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ أي لا يقلل إعطاءه البذل و الإحسان يقول عَلیْهِ السَّلَامْ: إنه سبحانه ليس كملوك الدنيا يتزيد بالإمساك و ينتقص بالإنفاق إذ مقدوراته سبحانه غير متناهية و ما عنده لا يدخله نقص و لا فناء، بل يدخلان الفاني المحدود و يشهد به ما مر في شرح الخطبة السابقة من الحديث القدسي: یا عِبَادِی لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَ آخِرَكُمْ وَ إِنْسَكُمْ وَ جِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَان مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِى شَيْئاً إِلاّ كَما يَنْقُصُ الْمَخِيطُ إِذَا دَخَلَ الْبَحْر أي لا ينقص شيئاً. و إلى ما ذكرنا أشار عَلیْهِ السَّلَامْ بقوله: إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقَصٌ سِواهُ و بحار فضله لا ينقص بالإفضال، و خزائن كرمه لا تقل بالإنعام و النوال.

و لما نبه عَلیْهِ السَّلَامْ على عدم إمكان دخول النقصان في بحر فضله وجوده أردف ذلك بنفي لحوق الذم بمنعه على وجوده بقوله: وَ كُلُّ مانِعٍ مَذْمُومٌ ماخَلاهُ و ذلك لأن كل مانع غيره إنما

يمنع لخوف الضيق و المسكنة و خشية الفقر و الفاقة أو بخل نفسه الأمارة، فحري أن تلحقه المذمة و الملامة و أما الله القدوس السبحان فلما كان منزهاً عن صفات النقصان؛ و محالاً أن يلحقه طواريء الإمكان، فليس منعه لضيق أو بخل، و إنّما يمنع بمقتضى حكمة بالغة و داعي مصلحة خفية أو ظاهرة، فمنعه في الحقيقة عين الفضل و الإحسان و العطاء و الامتنان.

كما ورد في الحديث القدسي: إنَّ مِن عِبادِیَ مَن لَا یَصلُحه إلاّ الفَقرِ و لَو أغنَیتُهُ لَأَفسَدَهُ ذلِکَ (1)

و في حديث آخر: و إن من عبادي المؤمنين لعباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفاقة و المسكنة و السقم في أبدانهم فأبلوهم بالفاقة و المسكنة و السقم فصلح إليهم أمر دينهم و أنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين (2)

فيصلح هُوَ المَنان فَوائِدِ النِّعَمِ أي كثير الإنعام على العباد و المعطي لهم ابتداء من غير سبق سؤال، و به فسّره الفيروزآبادي.

و يدلّ عليه ما رواه الطريحي قال: و في حديث عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ و قد سئل عن الحنّان و المنّان فقال: الْحَنَّانُ هُوَ الَّذِی یُقْبِلُ عَلَی مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَ الْمَنَّانُ هُوَ الَّذِی یَبْدَأُ بِالنَّوَال قَبْلَ السُّؤَالِ (3)

و بذلك ظهر أن جعل المنّان مبالغة في المنّة و إظهار الاصطناع كما في شرح البحراني ممّا لا وجه بل هو تفسير بالرأي في مقابلة النصّ، و لا بأس بذكر كلامه لتوضيح مرامه.

قال في شرح هذه الفقرة: المنة تذكير المنعم للمنعم عليه بنعمته و التطاول عليه بها كقوله تعالى: يَبَنِي إِسْرَئيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40].

في غير موضع من كتابه و هي صفة مدح للحق سبحانه و إن كان صفة ذم لخلقه. و السّبب الفارق أن كلّ منعم سواه يحتمل أن يتوقع لنعمته جزاء و يستفيد كمالاً يعود إليه ممّا أفاده، و أيسره توقع الذكر و يقبح ممّن يعامل بنعمته و يتوقع جزاء أن يمنّ بها لما يسلتزمه المن من التّطاول و الكبر و توقع الجزاء و الحاجة إليه مع التّطاول و الكبر مما لا يجتمعان في العرف، إذ التّطاول و الكبر إنما يليقان بالغنى عن ثمرة ما تطاول به إلى آخر ما ذكره.

أَقول: أمّا قبح الامتنان من المخلوق فممّا لا ريب فيه، لكونه ناشئاً من خسّة النّفس و دناءة الهمّة و لذلك مدح الله سبحانه عباده المتقين بما حكى عنهم بقوله: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَ لَا شُكُورًا [الإنسان: 9].


1) عوالي اللثالي: 2/ 108، و تفسير مجمع البيان: 52/9.

2) الكافي: 60/2، و شرح أصول الكافي: 199/8 ح 3.

3) مستدرك سفينة البحار: 451/2، و مجمع البحرين: 590/1.

كما أنه لا ريب في جوازه على الله سبحانه، و يدلّ عليه صريح الكتاب و السّنة، و أما جعل المنّان من أسمائه سبحانه بذلك المعنى فلا دليل عليه، بل الدليل قائم على خلافه حسبما عرفت، مع أن إرادة هذا المعنى في هذا المقام أعني كلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ على فرض ثبوت أصله ممّا يأبى عنه الذوق السّليم و الطبع المستقيم إذ المعنى الذي ذكرنا أولى بالتمدح منه كما لا يخفي، هذا.

و ما أبعد ما بین ما ذكره الشّارح و ما ذهب إليه السّيد عليخان شارح الصحيفة السّجادية من نفي جواز المنة على الله رأساً كعدم جوازه على الخلق حيث قال في شرح دعاء طلب الحوائج عند شرح قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: یَا مَنْ لَا یَبِیعُ نِعَمَهُ بِالْأَثْمَانِ، وَ یَا مَنْ لَا یُکَدّرُ عَطَایَاهُ بِالِامْتِنَانِ: الامتنان افتعال من المنّ و هو إظهار الاصطناع و اعتداد الصنائع كأن تقول: ألم أعطك كذا، ألم أحسن إليك، ألم أعنك؟ و هو تعبير يكدّر المعروف و ينغصه فلهذا نهى الشّارح عنه بقوله: لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِِّ وَ الْأَذَى [البقرة: 264].

و من هنا قيل: سيّان من منح النائل و منّ، و من منح السّائل وضنّ، و المراد بنفي تكديره تعالى عطاياه بالامتنان نفي الامتنان عنه رأساً فهو من باب نفي الشيء بلازمه أي لا امتنان فلا تكدير.

ثمّ لما كان الامتنان بالمعنى المذكور رذيلة ناشئة عن دناءة النّفس و صغر الهمة و استعظام النعمة و الإحسان كان تعالى منزّه عن الامتنان، لأَن كلّ نعمة من نعمه تعالى و إن عظمت وكلّ عطية من عطاياه و إن جلّت بالنّسبة إلى العبد المعطي و المنعم عليه فهي حقيرة بالنّسبة إلى عظمته جلّت قدرته، و شأنه تعالى أجلّ من أن تكون لها عنده موقع فيمنّ بها و يعتدّ بها على من أعطاه و أنعم عليه، و قول بعض العلماء: إنّ المنّة بالمعنى المذكور صفة مدح للحقّ سبحانه و إن كان صفة ذمّ للمخلوق ليس بشيء و عبارة الدّعاء تشهد ببطلانه، انتهى.

أقول: و الإنصاف أن نفي الامتنان عنه سبحانه رأساً لا وجه له مع نصّ الآية الشّريفة أعني قوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَن أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَى إِسْلَامَكُم بَلِِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَئَكُمْ لِلإِيمَنِ [الحجرات: 17].

بخلافه و دلالة الآيات الواردة في مقام الامتنان عليه بل المنفي عنه هو الامتنان المتصور في الخلائق.

بيان ذلك أن الامتنان من المنعم على المنعم عليه تارة يكون لإرادة مكافأة الأنعام و طلب العوض من الثّواب الآجل و الثناء العاجل، و بعبارة أخرى لتوقع منفعة عائدة على المنعم بإنعامه، و أخرى إرادة تذكّر المنعم عليه للنّعمة و استعداده بذلك لقبول نعمة أخرى و تحصيل منفعة ثانية من دون أن يكون للمنعم فيه تحصيل فائدة و اكتساب منفعة لنفسه أصلاً.

فالامتنان على الوجه الأَوّل هو القيح و إليه يعود منه الخلائق، و أمّا الثاني فلا قبح فيه

أصلاً بل هو حسن يشهد به الوجدان فلا غبار على جوازه على الله سبحانه و على ما حققته فمعنى قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: یَا مَنْ لَا یُکَدّرُ عَطَایَاهُ بِالِامْتِنَانِ: أن امتنانه لا يوجب التكدّر كما يوجبه امتنان غيره إذ غرضه تعالى منه ليس إلاّ محض التّفضل و التّطول و إيصال نعمة أخرى إلى الممتنّ عليه، و غرض غيره منه تحصيل منفعة لنفسه فمنّته تكشف عن عدم خلوص إحسانه و كونه مشوباً بالأغراض النّفسانية، و على ذلك فالمنفي في كلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ هو التكدير لا أصل الامتنان و إلاّ امتنع الجمع بينه و بين الأدلّة الدّالة على الامتنان و يكون مناقضاً صريحاً لها، فافهم و اغتنم، و الله العالم.

و قوله: وَ عَوائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ قال البحرانيّ: أي معتادهما، و هو سهو إذ العوائد جمع العائدة لا العادة حتّى يكون بمعنى المعتاد، و العائدة كما في «القاموس» المعروف و الصّلة و العطف و المنفعة، و المزيد مصدر إما بمعنى الفاعل أو المفعول و إضافة العائدة إليه من باب إضافة الموصوف إلى صفته لا بالعكس كما هو لازم ما فسّره، البحراني، و المراد أنّه سبحانه منّان على العباد بصلاته و عطوفاته الزائدة أو المزيد و قسمه المقدرة.

عِیَالُهُ اَلْخَلقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ لما كان عيال الرّجال عبارة عمن يمونه و ينفق عليه و يصلح حاله استعار لفظه للخلائق بالنّسبة إلى ربّهم لخلقه لهم و تربيته في حقّهم و إصلاحه حالهم في المعاش و المعاد. قال البحراني :و استعار لفظ الضّمان لما وجب في الحكمة الإلهيّة من وجود ما لا بدّ منه في تدبير إصلاح حالهم من الأَقوات و الأَرزاق و تقدير أقواتهم إعطاء كلّ ما كتب له في اللّوح المحفوظ من زائد و ناقص، انتهى، و هذا هو المشار إليه بقوله سبحانه:

نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيا [الزخرف: 32]. و اعلم أن الرزق في اللّغة هو العطاء و يطلق على النصيب المعطى، و أمّا في العرف فقالت الأَشاعرة: هو مطلق ما ينتفع به حتّي مباحاً كان أو حراماً بالتغذي أو بغيره، و ذهب أصحابنا كالمعتزلة إلى أنه ما صحّ انتفاع الحيوان به و ليس لأَحد منعه منه فلا يكون الحرام رزقاً، لأَنّ الله سبحانه منع من الانتفاع به و أمر بالزّجر عنه و لا بأس بذكر أدلّة الطرفين ليتّضح الحق من البين.

فأقول: استدلّ الأَشاعرة بما رووه عن صفوان بن أميّة قال: كنّا عند رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم إذ جاء عمر بن قرّة فقال: يا رسول الله إنّ الله كتب علي الشّقوة فلا أراني أرزق إلاّ من دّفي يكفي فأذن لي في الغناء، فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: لَا آذَنُ لَكَ وَ لَا كَرَامَةَ وَ لَا نِعْمَةَ كَذَبْتَ أَیْ عَدُوَّ اللَّهِ و الله لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ حلالاً طَیِّباً، فَاخْتَرْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَیْكَ مَكَانَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ حَلَالِهِ (1)


1) بحار الأنوار: 150/5، و نور البراهين: 325/2.

و بقوله تعالى: وَ مَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [هود: 6].

تقريب الاستدلال ما ذكره الفخر الرّازي في التفسير الكبير حيث قال: تعلّق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أن الرّزق قد يكون حراماً قالوا: لأَنّه ثبت أن إيصال الرّزق إلى كلّ حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد و بحسب الاستحقاق، و الله تعالى لا يخلّ بالواجب ، ثمّ قد نرى إنساناً لا يأكل من الحلال طول عمره فلو لم يكن الحرام رزقاً لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه فيكون تعالى قد أخلّ بالواجب و ذلك محال، فعلمنا أن الحرام قد يكون رزقاً.

و أجيب عن الأَوّل تارة بالطّعن في السّند، و أخرى بأنّه على تقدير صحّته لا بد من تأويله بأن إطلاق الرّزق على الحرام فيه لمشاكلة قوله فلا أراني أرزق، على حد قوله: و مكروا و مكر الله، و باب المشاكلة و إن كان نوعاً من المجاز لكنه واسع كثير الورود في الكتاب و السنة معروف الاستعمال في نظم البلغاء و نثرهم فلا بد من المصير إليه جمعاً بين الأَدلة.

و عن الثّاني يمنع وجود مادة النقض إذ لا نسلم وجود حيوان لا يرزق إلاّ بالحرام مدّة عمره، أمّا غير الإنسان فواضح إذ لا يتصور بالنّسبة إليه حلّ و لا حرمة.

أمّا الإنسان فلأَنّه في أيّام الصّبا و عدم التّكليف لا يتّصف ما يأكله بالحرمة كعدم اتصافه بالإباحة، بل هو كالحيوان في عدم اتصاف أفعاله بشيء من الأحكام الخمسة.

و أما بعد البلوغ فلأَنّه بعد ما كان الرّزق أعم من الغذاء باتفاق المعتزلة و الأشاعرة يشمل التنفّس في الهواء و معلوم أنه مباح في حقّه قطعاً فلم يوجد حيوان لا يرزق إلاّ بالحرام طول عمره، و يوضحه أنّه لو مات إنسان قبل أن يأكل شيئاً حلالاً أو حراماً لزم أن يكون غير مرزوق فما هو جواب الأَشاعرة فهو جوابنا.

و استدلّ المعتزلة على المذهب المختار بقوله سبحانه: وَ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3].

حيث مدحهم بإنفاقهم من رزقه فلا بد أن يكون الرّزق حلالاً إذ الإنفاق من الحرام بمعزل عن إيجاب المدح.

أقول: و لا يخفى ما فيه: إذ يجوز جعل (من) تبعيضيّة فيكون معنى الآية أنّهم ينفقون بعض ما رزقهم الله، و مدحهم بذلك يستلزم أن يكون ما أنفقوه حلالاً و لا يستلزم أن يكون جميع ما رزقهم الله حلالاً، و هو واضح.

و استدل بعض أصحابنا بما رواها العامة و الخاصّة من خطبته صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في حجة الوداع و هي صريحة غير قابلة للتّأويل. و رواها الكليني بإسناده إلى الإمام أبي جعفر محمّد بن علي

الباقر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في حجة الوداع: ألاّ إن الرّوح الأَمين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها، فاتّقوا الله و أجملوا في الطلب و لا يحملنكم استبطاء شيء من الرّزق أن تطلبوه بشيء من معصية الله، فإن الله تعالى قسم الأَرزاق بین خلقه حلالاً و لم يقسمها حراماً، فمن اتقى الله و صبر أتاه رزقه من حلّه، و من هتك حجاب ستر الله و عجل و أخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال و حوسب عليه يوم القيامة (1)، هذا.

و بقي الكلام في أن الرزق هل يقبل الزيادة و النّقصان بالسّعي و عدمه ظاهر بعض الأَخبار العدم، و هو ما رواه في «الكافي» بإسناده إلى أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ أنه قال: أيّها النّاس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم و العمل به ألا و إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال إنّ المال مسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه (2)

و في دعاء الصّحيفة السجادية على صاحبها آلاف الصّلاة و السّلام و التّحية: جعل لكل روح منهم قوتاً معلوماً مقسوماً من رزقه لا ينقص من زاده ناقص و لا يزيد من نقص منهم زائد (3)

يعني أن من زاد الله رزقه منهم لا ينقصه ناقص، و من نقصه سبحانه لا يزيده زائد، و تقديم المفعول في الفقرتين لمزيد الاعتناء ببيان فعله من الزيادة و النقصان و هو نصّ في أن غيره تعالى لا يستطيع أن يتصرف في الرزق المقسوم بالزيادة و النّقص.

و في رواية أخرى: إن أرزاقكم تطلبكم كما تطلبكم آجالكم فلن تفوتوا الأَرزاق كما لم تفوتوا الآجال.

و المستفاد من الأَدلة الأخر مدخلية الطلب و السّعي فيها، مثل ما رواه في «الوسائل» من «كنز الفوائد» للكراجكي قال: قال أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ: الدّنيا دول فاطلب حظك منها بأجمل الطلب (4)

و فيه عن شيخنا الطوسي قدس الله روحه بإسناده عن عليّ بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: ما فعل عمر بن مسلم؟ قلت: جعلت فداك أقبل على العبادة و ترك التجارة،فقال: ويحه أما علم أن تارك الطلب لا يستجاب له دعوة، إن قوماً من أصحاب


1) شرح أصول الكافي: 236/8، الفصول المهمة في أصول الأئمة: 270/1.

2) الكافي: 1/ 30 ح 4، و شرح أصول الكافي 7/2 ح 4.

3) الصحيفة السجادية: 22.

4) الخصال: 633، و رسائل الشيعة 47/17 ح 21947.

رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لما نزلت: وَ مَن يَتَّقِِِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَ يَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب [الطلاق: 2- 3].

أغلقوا الأََبواب و أقبلوا على العبادة و قالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم فأرسل إليهم فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول الله تكفّل الله لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال: إنّه من فعل ذلك لم يستجب له عليكم بالطلب (1)

و عن الكليني بإسناده عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: أرأيت لو أنّ رجلاً دخل بيته و أغلق بابه أكان يسقط عليه شيء من السّماء؟

و عن أحمد بن فهد في «عدّة الدّاعي» عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: إني لأَركب في الحاجة التي كفانيها الله، ما أركب فيها إلاّ الالتماس أن يراني الله أضحي في طلب الحلال أما تسمع قول الله عزّ و جلّ: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِن فَضْلِ الله [الجمعة: 10].

أرأيت لو أنّ رجلاً دخل بيتاً وطين عليه بابه و قال: رزقي ينزل عليّ كأين يكون هذا أما أنّه يكون أحد الثّلاثة الذين لا يستجاب لهم دعوة، قلت: من هؤلاء؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: رجل عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له، لأَن عصمتها في يده و لو شاء أن يخلي سبيلها، و الرّجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه فيجحد حقه فيدعو عليه فلا يستجاب له لأَنه ترك ما أمر به، و الرجل يكون عنده الشّيء فيجلس في بيته فلا ينتشر و لا يطلب و لا يلتمس الرّزق حتّى يأكله فيدعو فلا يستجاب له (2)، و بمعناها روايات أخر.

و يمكن الجمع بينها و بين الأخبار السّابقة بجعل الرزق على قسمين: أحدهما: ما ليس للطلب و السعي مدخلية فيه، و الثاني: ما لا ينال إلاّ بالطلب فيحمل الأَخبار السّابقة على القسم الأوّل، و الأدلة الأَخيرة على القسم الثّاني.

و يشهد على هذا الجمع ما رواه في «الوسائل» من «مقنعة المفيد» قال: قال الصادق عَلیْهِ السَّلَامْ: الرزق مقسوم على ضربين: أحدهما: واصل إلى صاحبه و إن لم يطلبه، و الآخر: معلق بطلبه فالذي قسم للعبد على كل حال آتيه وإن لم يسع له و الذي قسم له بالسّعي فينبغي أن يلتمسه من وجوهه و هو ما أحلّه الله دون غيره، فإن طلبه من جهة الحرام فوجده حسب عليه يرزقه و حوسب به (3)


1) الكافي: 84/5 ح 5، و من لا يحضره الفقيه: 192/3 ح 3721.

2) وسائل الشيعة: 28/17 ح 21896، و نهج السعادة: 336/7.

3) وسائل الشيعة: 47/17 ح 21946، و الفصول المهمة في أصول الأئمة: 273/1 ح 296.

وَ نَهَجَ سَبِیلَ اَلرَّاغِبِینَ إِلَیْهِ وَ اَلطَّالِبِینَ مَا لَدَیْهِ كما قال سبحانه: لِكُلٍِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرّعَةً وَ مِنْهَاجًا [المائدة: 48]. أراد أنّه تعالى أوضح السّبيل للراغبين إلى النظر إلى وجهه الكريم، و الطالبين لما عنده من الفوز العظيم بما وضعه لهم من الشرع القويم و الدين المستقيم وَ لَیْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ یُسْأَلْ تنزيه له سبحانه عن صفات الخلق فإنّهم يتحركون بالسؤال و تهزهم الطلبات فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألوا، لكونه أسهل عندهم و أقرب إلى الإنجاح، إذ السائل لا يسأل ما ليس في وسع المسؤول عنه و ما هو أعزّ عنده و لذلك كانوا بما سئلوا أجود، و أما الله تبارك و تعالى فليس في عموم جوده و خزانة كرمه تفاوت بين المسؤول و غير المسؤول.

بيان ذلك على ما حققه الشّارح البحراني (رَحِمَه اللهُ) أن فيضان ما صدر عنه سبحانه له اعتباران:

أحدهما: بالنظر إلى جوده، و هو من تلك الجهة غير مختلف في جميع الموجودات بل نسبتها إليه على سواء بذلك الاعتبار فلا يقال: هو بكذا أجود منه بكذا و إلاّ لا ستلزم ذلك أن يكون ببعض الأشياء أبخل أو إليها أحوج فيلزمه النقصان تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

الثّاني: بالنظر إلى الممكن نفسه، و الاختلاف الواقع في القرب و البعد إلى جوده إنّما هو من تلك الجهة فكل ممكن كان أتم استعداداً و أقبل للوجود و أقل شرطاً و معانداً كان أقرب إلى جوده.

إذا عرفت ذلك ظهر لك أن السّائل إن حصل له ما سأله من الله دون ما لم يسأل فليس حرمانه مما لم يسأل لعزّته عند الله، و ليس بينه و بين المسؤول بالنسبة إلى جوده تفاوت، بل إنّما خصّ بالمسؤول لوجوب وجوده له عند تمام قبوله له بسؤاله دون ما لم يسأله و لو سأل ما لم يسأله و استحق وجوده لما كان في الجود الإلهي بخل به و لا منع في حقه، و إن عظم خطره و جلّ قدره و لم يكن له أثر نقصان في خزائن ملكه و عموم جوده.

اَلْأَوَّلُ اَلَّذِی لَمْ یَکُنْ لَهُ قَبْلٌ فَیَکُونَ شَیْءٌ قَبْلَهُ، وَ اَلْآخِرُ اَلَّذِی لَیْسَ لهُ بَعْدٌ فَیَکُونَ شَیْءٌ بَعْدَهُ قد سبق في شرح الخطبة الرابعة و الستين معنى أوليّته و آخريته تعالى و ظهر لك هناك أَنَّ أوليّته لا تنافي آخريّته، و آخريّته لا تنافي أوليّته و نزيد هنا بياناً و نقول: إن الأَشياء فی سلسلة الوجود بداية و نهاية منتهية إليه سبحانه، فهو أوّل الأَشياء و آخرها ليس شيء قبله و لا شيء بعده. قال النيسابوري في تفسيره: معنى الأَول و الآخر أنه أوّل في ترتيب الوجود و آخر إذا عكس الترتيب، فإنه ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل إلى المعلولات و من الأَشرف إلى الأَخس و على الأَخذ من الوحدة إلى الكثرة مما يلي الأَزل إلى ما يلي الأبد و مما يلي المحيط

إلى ما يقرب من المركز، فهو تعالى أوّل بالترتيب الطبيعي و آخر بالترتيب المنعكس،انتهى.

و مراده بالترتيب المنعكس أن الأشياء إذا نسبت إلى أسبابها وقفت عنده، و ذلك أنّك إذا نظرت إلى وجود شيء و فتّشت عن سببه ثم عن سبب سببه و هكذا فتنتهي بالآخرة إليه تعالى، لأنّه آخر ما ينحلّ إليه اجتماع أسباب الشّيء، فظهر بذلك أن كونه أوّلاً و آخراً إنّما هو بالنّظر إلى ذاته المقدس لا باعتبار تقدّمه زماناً و تأخره زماناً، لكون الزمان متأخراً عنه تعالى إذ هو من لواحق الحركة المتأخرة عن الجسم المتأخر عن علته، فلا تلحقه القبليّة و البعديّة الزمانية فضلاً أن تسبق عليه أو تلحق به، فلم يكن شيء قبله و لا بعده لا من الزمانيات و لا من غيرها.

و ذكر الشّارح المعتزلي في المقام وجهاً آخر و هو أن يكون المراد أنه الذي لم يكن محدثاً أي موجوداً قد سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشيء من الأَشياء أما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه و أنه ليس بذات يمكن فناؤها و عدمها فيما لا يزال فيقال: إنه ينقضي و ينصرف فيكون بعده شيء من الأَشياء الزمان أو غيره.

وَ اَلرَّادِعُ أَنَاسِیَّ اَلْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِکَهُ أراد به امتناع رؤيته سبحانه لكونه تعالى منزهاً عن الجهة و المكان، و الباصرة لا تتعلق إلاّ بما كان فيهما و قد تقدّم تفصيل ذلك و تحقيقه بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة التاسعة و الأربعين و هذا اللّفظ و إن كان بظاهره يعطي مذهب الأَشاعرة من أن يجوز إدراكه و رؤيته و لكنه خلق في الأبصار مانعاً عن إدراكه، إلاّ أنّه لا بدّ من تأويله و حمله على ما ذكرنا بعد قيام الأَدلة القاطعة من العقل و النقل على استحالة إدراكه من حيث ذاته. مَا اِخْتَلَفَ عَلَیْهِ دَهْرٌ فَیَخْتَلِفَ مِنْهُ اَلْحَالُ أراد بذلك كونه منزّهاً عن لحوق الزمان و عن التغيّرات الجارية على الزّمانيات فان مبدأ التّغيرات و الاختلاف في الأَحوال هو الزمان، فلما كان متعالياً عن الزمان كان منزهاً عن اختلاف الحالات الذي هو من لواحق الإمكان. و يوضح ذلك ما رواه في «الكافي» بإسناده عن ابن يعفور قال: سألت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ عن قول الله عزّ و جلّ: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ.

و قلت: أمّا الأوّل فقد عرفناه، و أمّا الآخر فبين لنا تفسيره، فقال: إنه ليس شيء إلاّ يبيد أو يتغير أو يدخله التغير و الزوال أو ينتقل من لون إلى لون و من هيئة إلى هيئة و من صفة إلى صفة و من زيادة إلى نقصان و من نقصان إلى زيادة إلاّ ربّ العالمين فإنّه لم يزل و لا يزال بحالة واحدة، هو الأَوّل قبل كل شيء و هو الآخر على ما لم يزل، و لا تختلف عليه الصفات و الأَسماء كما تختلف على غيره مثل الإنسان الذي يكون تراباً مرّة،و مرّةً لحماً و دماً و مرّة رفاتاً و رميماً، و كالبسر الذي يكون مرّةً بلحاً، و مرّة بسراً، و مرة تمراً، فتتبدّل عليه الأَسماء و الصّفات و الله عزّ و جلّ بخلاف ذلك.

وَ لاَ کَانَ فِی مَکَانٍ فَیَجُوزَ عَلَیْهِ اَلاِنْتِقَالُ أراد بذلك تنزيهه عن الكون في المكان)

لا ستلزامه الافتقار الذي هو من صفات الإمكان و إذا لم يكن في مكان فلا يجوز عليه الانتقال منه إلى غيره، إذ جواز الانتقال إنما هو من شأن ذي المكان بل: ﴿وَ هُوَ الََّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَ فِی الْأَرْضِِ إِلَهٌ [الزخرف: 84]. و نسبة جميع الأمكنة إليه تعالى على سواء: وَ هو يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ نَجواكم وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: 4].

و قد مرّ تحقيق ذلك في شرح الفصل الخامس و السّادس من فصول الخطبة الأولى فتذكر.

وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ أشار عَلیْهِ السَّلَامْ بذلك إلى سعة جوده سبحانه و عموم كرمه و كمال قدرته و عدم تناهي مقدوراته، و لا يخفى ما فيه من فخامة اللفظ مع عظم المعنى، حيث إنّه عَلیْهِ السَّلَامْ شبّه المعادن بحيوان يتنفّس فيخرج من جوفه الهواء، و كذلك المعادن يخرج من بطونها الفلزات، ثم شبه الأَصداف بإنسان يضحك و أثبت لها الضّحك بملاحظة أن الصّدف أوّل ما ينشق و ينفتح و يبدو منه اللؤلؤ يشبه بفم الإنسان الضاحك و اللؤلؤ فيه يشبه بالأسنان و اللّحمة فيه تشبه اللّسان في رقّة طرفه و لطافته. و لما ذكر ما يخرج من المعادن و الأصداف مجملاً، فصّل.

بقوله: من فلزّ اللّجين و العقيان، و هو تفسير لما يخرج من معادن الجبال و إنّما خصهما بالذكر مع عدم الاختصاص لأَنّهما أعظم ما يتنافس فيه المتنافسون و يغتنمه أبناء الزمان ، و لا عبرة بالنحاس و الرّصاص و نحوهما في جنبهما.

و بقوله: وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الَمرْجَانِ، و هو بيان لما يخرج من الأَصداف و الدّر كبار اللؤلؤ و المرجان صغاره و لصغره شبهه عَلیْهِ السَّلَامْ بالحبّ الحصيد و ربما يطلق المرجان على الخرز الأحمر المعروف قال الشاعر:

أدمى لها المرجان صفحة خدّه *** وبكى عليها اللّؤلؤ المكنون

هو خرز يخرج من البحر أيضاً، و ربما فسّر به قوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِِ يَلْتَقِبَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَيْغِيَانِ [ الرحمن: 19- 20] يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجَانُ [الرحمن: 22].

و لكنه ليس مراداً في كلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ و لا يمكن حمله عليه كما هو ظاهر.

و كيف كان فالمقصود أنه سبحانه لو بذل جميع ما في الأَرض من الكنوز و المعادن البرّية و البحرية لأَحد لم يؤثر ذلك في جوده وَ لاَ أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ من خزائن كرمه وَ لَکَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ اَلْأَنْعَامِ مَا لاَ تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ اَلْأَنَامِ و ذلك لعدم إمكان إحصاء ما عنده بعدّ، و عدم

وقوفه و انتهائه إلى حدّ لِأَنَّهُ اَلْجَوَادُ اَلَّذِی لاَ یَغِیضُهُ سُؤَالُ اَلسَّائِلِینَ وَ لاَ یُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ اَلْمُلِحِّینَ يعني لا يوجب سؤال السّائلين على كثرته نقصاناً في جوده و لا إصرار المصرين بخلاً في كرمه، لأَن البخل و النقصان من توابع المزاج و لواحق الإمكان، و هو منزّه عن ذلك بالضرورة و العيان، بل عنده نيل السؤلات و إنجاح الحاجات، و ما يسأله السائلون على كثرته يسير في وجده، و ما يستوهبه الطالبون على خطره حقير في وسعه و كرمه لا يضيق عن سؤال أحد، و يده بالعطاء أعلى من كل يد.

الترجمة

از جمله خطب آن حضرت است که معروف است به خطبه اشباح و این خطبه های جلیله او است و بود سؤال نمود سائلی از او این که وصف کند پرودگار عالم را از برای او به اندازه ای که گویا آن را آشکارا می بیند، پس غضب کرد آن حضرت از این جهت و فرمود:

حمد و ثنا خدایی را سزا است که بسیار نمی گرداند مال او را منع و امساك نمودن و کم نمی گرداند عطاء او را بذل و بخشش کردن از جهت این که هر عطا کننده کم کننده است مال خود را سوای او و هر منع نماینده مذموم است غیر از حضرت او سبحانه.

او است بسیار احسان کننده به فواید نعمت ها و به منفعت های زایده و قسمت های مقدره، عيال او است مخلوقات، ضامن شده است به روزی های ایشان و مقدر فرموده است قوت های ایشان را، واضح نموده است راه راغبان را به سوی خود و راه طالبان را به آن چه نزد او است و نیست او به آن چه که سؤال کرده شده باجودتر از او به آن چه که درخواسته نشده.

اوّلی است که نیست او را پیش تا این که باشد چیزی قبل از او و آخری است که نیست او را بعد تا این که شود چیزی پس از آن، منع کننده است مردمک های دیده ها را از این که برسد به ذات او يا درك نمايد او را، مختلف نشده است بر او روزگار، پس مختلف شود از او حال و نبوده است در مکان تا جایز باشد بر او انتقال.

و اگر ببخشد آن چه که نفس کشیده است از او معدن های کوه ها و خندیده است از او صدفهای دریا ها که عبارت باشد از گداخته نقره و طلا و از پاشیده درّ در دیده مرجان،اثر نمی کند این همه در جود واجب الوجود و تمام نمی سازد وسعت آن چه را که نزد او است و هر آینه هست نزد او از ذخیره های نعمت ها آنقدری که به پایان نمی رساند آن را مطلوب های خلایق از جهت آن که او است جواد و بخشنده که ناقص نمی نماید جود او را سؤال سؤال کننده ها و بخیل نمی سازد او را اصرار و مبالغه نمودن مبالغه کننده ها.

الفصل الثاني

اشارة

فَانْظُرْ أَيُّهَا السّائِلُ فما دَلََّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ، وَ اسْتَضيءُ بِِنُورِِ هِدَايَتِهِ، و ما كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمّا لَيْسَ فِي الْكِتابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ، و لا في سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُنتَهَى حَقٍِّ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَ اعْلَمْ أَنَّ الرّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْناهُمْ عَنْ اقْتِحَام السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ، الإِقْرارُ بجُمْلَةِ ما جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ المَحْجُوبِ، فَمَدْحَ اللهُ اعْتِرافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَناوُلِ ما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلماً، وَ سَمَّى ترْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فيما لَمْ يُكَلِّفُهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً، فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَ لا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ.

هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنقَطَعَ قُدْرَتِهِ، و حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّءُ مِنْ حَظَراتِ الْوَساوِس أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ في عَميفاتٍ غُيُوب مَلَكُوتِهِ، و تَوَلَّهَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ لِتَجْريَ فى کَيْفِيَّةِ صِفاتِهِ، و غَمَضَتْ مَداخِلُ الْعُقُولِ في حَيْثُ لا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنالَ عِلْمَ ذَاتِهِ، رَدَعَها وَ هِيَ تَجُوبُ مَهاوِي سُدَفِ الْغُيُوبِ، مُتَخَلَّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِِهَتْ مُعْتَرِِفَةٌ بِأَنَّهُ لا يُنالُ بِِجَوْرِ الاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ، وَ لاَ تَخْطُرُ بِبالِ أُُولي الرَّويَّاتِ خاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرَ جَلالِ عِزَّتِهِ، الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيرِ مِثالٍ امْتَثَلَهُ، و لا مِقْدارِ احْتَذَى عَلَيْهِ، مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كانَ قَبْلَهُ، و أََرانا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ و عَجائِبِ ما نَطَقَتْ بِهِ آثارُ حِكْمَتِهِ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلى أَنْ يُقِيمَها بِمَسَاكِ قُوَّتِهِ ما دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، و ظَهَرَتْ في البَدائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثارُ صَنَعْتِهِ، و أَعْلامُ حِكْمَتِهِ، فَصارَ كُلُّ ما خَلَقَ حُجَّةً لَهُ، و دَليلاً عَلَيْهِ، و إِنْ كَانَ خَلْقاً صامتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ ناطِقَةٌ، و دَلالَتُهُ عَلَى المُبْدِع قائِمَةٌ.

و أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبايُنِ أَعْضاءِ خَلْقِكَ، و تَلاحُم حقاقٍ مَفاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتدبير حِكْمَتِكَ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضميرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ، وَ لَمْ يُباشِرُ قَلْبَه الْيَمِينَ (1)بِأَنَّهُ لاَئِدَّ لَكَ، وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّوُ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتَبُوعِينَ، إِذْ يَقُولُونَ: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفَي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوْيَكُمْ برَبِّ العالمين كَذِبَ الْعادِلُونَ بِكَ إذْ شَبهُوكَ بأَصْنامِهمْ، و نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقينَ بأَوْهَامِهِمْ، وَ جَزَّاوكَ تَجْزءةَ الْمُجَسَّماتِ بِخَواطِرِهِمْ، وَ قَدْرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرائِحَ عُقُولِهِمْ، و أَشْهَدُ أَنْ مَنْ ساواك بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ،وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحكَماتُ آيَاتِكَ، و نطَقَتْ عَنْهُ شَواهِدُ حُجَجِِ بَيْنَاتِكَ، وَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ


1) في نسخة: اليقين.

فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكَرِِهَا مُكَيَّفاً، وَ لا فِي رَوِِيّاتِ خَواطِرها فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً (1)

اللغة

(رسخ) في العلم يرسخ من باب رسوخاً إذا ثبت فيه و الاقتحام الدّخول في الشّيء مغالبة و بشدّة من غير روية و (السّدد) جمع السدّة كغرف و غرفة و هي كالسّقيفة فوق باب الدار ليقيها من المطر، و قيل: هي الباب نفسه و منه حديث أمّ السلمة أنّها قالت لعائشة لما أرادت الخروج إلى البصرة: إنّك سدّة بين رسول الله و بين أمّته فمتى أصيب ذلك الباب شيء فقد دخل على رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم في حريمه.

و (التعمق) فى الأَمر المبالغة لطلب أقصى غايته و (ارتمى) القوم بالنّبل أي تراموا و (خطرات الوساوس) ما تقع في الباب و في بعض النسخ خطر الوساوس و هو بسكون (الطاء) الهاجس كالخاطر و تولهت القلوب إليه أصابها الوله و هو بالتحريك التحيّر أو ذهاب العقل و (غمض) الحق غموضاً من باب قعد خفي مأخذه و غمض بالضم لغة و (علم ذاته) قال الشّارح المعتزلي : أنكر قوم جواز إطلاق الذّات على الله سبحانه لأنَّها لفظة تأنيث و الباري سبحانه منزّه عن الأسماء و الصّفات المؤنثة، و أجاز آخرون إطلاقها عليه و استعمالها فيه لوجهين:

أحدهما: أنها جاءت في الشعر القديم قال جنيب الصخار عند صلبه:

و ذلك في ذات الإله و إن يشاء *** يبارك على أوصال شلو (2)موزع

و يروى ممرغ أي مفرق و قال النابغة:

محلّتهم ذات الإله و دينهم *** قديم فما يخشون غير العواقب

و الثّاني: أنها لفظة اصطلاحية لأَنها على مؤنث لكنها تستعمل ارتجالاً في مسمّاها الذي عبر عنه بها أرباب النّظر الإلهي كما استعملوا لفظ الجوهر و العرض في غير ما كان أهل اللّغة يستعملونها فيه.

و (جاب) الأَرض يجوبها جوباً قطعها و (المهاوي) جمع المهواة و هي ما بين الجبلين و ( السّدف) جمع السدفة و هي الظلمة و (جبهه) كمنعه ضرب جبهته و ردّها و (عسف) عن الطّريق مال و عدل كاعتسف و تعسف أو خبط على غير هداية و (المثال) المقدار يقال: هذا على مثاله أي على مقداره و صفة الشيء يقال هذا على مثال ذاك أي على صفته و (امتثله) و تمثل به أي اقتداه و اتبعه يقال: امتثل طريقته إذا تبعها فلم يعدها و (حذا) النعل بالنعل أي قطعها و قدرها


1) بحار الأنوار: 54/ 108، و ميزان الحكمة 1902/3.

2) شلو: العضو من الجسد.

عليها و حذا حذو زيد إذا فعل فعله.

و (المساك) ما يمسك به و (التلاحم) كالالتحام التلاؤم و الالتئام لفظاً و معنى يقال: تلاحم الجرح و التحم للبرء إذا التأم و (الحقاق) جمع حقه يقال: إنه لنزع الحقاق أي منازع في صغار الأَشياء مأخوذ من حقاق العرفط و هي صغاره و (المحتجبة) بصيغة المفعول المستترة أي المستورة و في أكثر النسخ بصيغة الفاعل أي: المتخذة لأَنفسها حجاجاً ففائدة الافتعال الاتحاد و (اليمين) أما بمعنى القوّة أو بمعنى القسم و في بعض النسخ اليقين بدله و هو أظهر إلاّ أنّ الأوّل أبلغ كما تطلع عليه و (النّد) المثل و(العادلون بك) من العدل و هو المثل و النظير و منه: عدلوا بالله، أي أشركوا و جعلوا له مثلاً و ( النحلة) النسبة بالباطل و منه انتحال المبطلين و (الخلقة) بالكسر الفطرة كالخلق.

الإعراب

(الإقرار) بالضم فاعل (أغناهم)، (و علماً) منصوب على التميز، (و رسوخاً) مفعول ثان لسمّى، (وردعها ) جواب (إذا ارتمت)، و جملة (و هي تجوب) في محل النصب على الحال و العامل ردع، (و متخلّصةً) حال أيضاً إما من مفعول ردع أو فاعل تجوب، (و معترفة) حال من فاعل (رجعت)، (و من خالق) متعلّق بمقدر صفة بمقدار أي صادر من خالق أو مأخوذ من خالق.

و جملة (و أرانا) عطف على ابتدع، (و اعتراف) بالجر عطف على عجائب، (و إلى أن) متعلق بالحاجة، (و ما دلنا) مفعول ثان (لأَرانا)، و جملة (و ظهرت) عطف على ابتدع أيضاً ؛ و لم يعقد بالبناء على الفاعل خبر أن، و غيب ضميره بالنصب مفعوله، و في بعض النسخ بالبناء على المفعول فيكون غيب ضميره بالرفع ساداً مسد الفاعل (و الباء) في قوله: (بما تنزّلت) سببية.

المعنى

اعلم أنه عَلیْهِ السَّلَامْ لما حمد الله سبحانه و أثنى عليه في الفصل السّابق بما يليق ذاته تعالى من صفات الجمال و نعوت الجلال، عقبه بهذا الفصل المتضمن لتنبيه السّائل على أخطائه في سؤاله الناشيء عن توهمه جواز معرفة الله سبحانه على وجه تكون بمنزلة الرّؤية بالعيان، و لما كان ذلك محالاً في حق الله القدّوس السّبوح السّبحان أوجب ذلك السؤال غضبه و تغيّر لونه عَلیْهِ السَّلَامْ كما تقدّم ذكره سابقاً.

و هذا الفصل مشتمل على مقاصد ثلاثة:

المقصد الأول

متضمن لتأديب السّائل و لسائر النّاس من الحاضرين و الغائبين في وصفهم الله سبحانه و لتعليمهم كيفية السلوك في مدح الله و الثناء عليه بما هو أهله، و للنّهي عن التعمق و الخوض فی ذات الله و صفاته، و التّكليف فيها بما فوق الاستطاعة، و الخطاب فيه و إن كان مخصوصاً بالسّائل إلاّ أنّه عام لجميع النّاس، إذا العبرة بعموم الغرض لا بخصوص الخطاب و المخاطب و لذلك نادى: الصّلاة جامعة و قصد اجتماع النّاس.

و كيف كان و إلى ما ذكرنا نبّه بقوله: فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَ اسْتَضِىءْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ أمر عَلیْهِ السَّلَامْ بالرّجوع إلى القرآن الكريم و الكتاب الحكيم و الاقتداء به و الاستضاءة بأنوار هدايته و الأَخذ بأوصاف القدس و الجلال و نعوب العظمة و الكمال المدرجة فيه، فإنه أدلّ دليل و أوضح سبيل و هو كلام الحقّ سبحانه و هو أعلم بصفاته من غيره فما وصف به فيه نفسه فهو الحقّ أحقّ أن يتّبع، و ما نزه ذاته عنه فهو الباطل ينبغي تنزيهه منه.

إِنَّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ * وَ مَا هُوَ بِالْهَزَلِ [الطارق: 13- 14]. و قد دلّت الآيات الكريمة على أنّه تعالی ربّ، رحمان، رحیم، شهید، علیم، حکیم، قادر،قاهر، خالق، رازق، کریم، سمیع، بصیر، خبیر، غفور، شکور، مجیر، عزیز، متكبر، جبار، قوي منتقم، قهار، إلى غير هذه ممّا فيها من الأَسماء الحسنى و الأَمثال العليا، و قد تضمّنت مضافاً إلى ذلك أنّه:

لَّا تُدْرِِكُهُ الأَبْصَرُ [الأنفال: 103] وَ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: 10]. فإن هذه الآيات الثلاث نصّ في عدم إمكان معرفته حق المعرفة و عدم جواز إدراكه بالأَبصار و بمشاهدة العيان أما الآية الأولى: فظاهرة، و أما الثّانية: فلأَن كلّ من أبصر شيئاً فقد به علماً لا خلاف لأَحد فيه. و أما الثالثة: فلأَن الأبصار عبارة عن حصول صورة الشيء فی حسّ البصر فما لا مثل له لا يمكن حصول صورته في الحسّ و حيث إنه ليس كمثله شيء امتنع تعلّق الأَبصار به فظهر من كلّ ذلك بطلان ما توهّمه السّائل.

و نظير إرشاده عَلیْهِ السَّلَامْ للسّائل إلى الرجوع إلى القرآن و الائتمام به إرشاد أبي الحسن الرّضا عَلیْهِ السَّلَامْ لأََبي هاشم الجعفري إلى الرجوع إليه و الأَخذ به على ما رواه في «الكافي» عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن أبي هاشم الجعفري عن أبي الحسن الرّضا عَلیْهِ السَّلَامْ قال: سألته عن الله هل يوصف؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قال: أما تقرأ قوله تعالى:

لَا تُدْرِِكُهُ الْأَبْصَرُ وَ هُوَ يُدْرِِكُ الْأَبْصَر [الأنعام: 103]. قال: فتعرفون الأَبصار؟ قلت: بلى، قال: ما هي؟ قلت: أبصار العيون قال عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّ أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الأَوهام و هو يدرك الأَوهام (1)

فإنّ السّائل لما استفهم عن جواز وصفه تعالى بالرؤية أراد عَلیْهِ السَّلَامْ التنبيه و الإرشاد له على نفي الرّؤية مطلقاً عنه تعالى بآية القرآن، و لما ظهر من حال السّائل أنه قرأ القرآن و قرأ قوله تعالى: لا تدرك الأَبصار، و لم يعرف من الأَبصار إلاّ أبصار العيون عرّفه عَلیْهِ السَّلَامْ أنّ أوهام القلوب أكبر و أقوى في باب الإدراك من أبصار العيون، لسعة دائرة الأولى و قصور دائرة الثانية من حيث إنّ الوهم رئيس الحواس الظّاهرة و الباطنة و مستخدمها و مستعملها، كما أن القلب أعني العقل رئيس الوهم و مخدومه، فالأولى أن يكون معنى الآية لا تدركه الأَوهام ليدلّ على نفي الإدراك مطلقاً إذ كلّ ما يدركه الوهم لا يدركه البصر بخلاف العكس.

و في «الكافي» بإسناده عن عبد الرحيم بن عتيك القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّ قوماً بالعراق يصفون الله تعالى بالصورة و التخطيط، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إليّ بالمذهب الصحيح من التّوحيد؟ فكتب إليّ: سألت رحمك الله عن التّوحيد و ما ذهب إليه من قبلك فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء و هو السّميع البصير، تعالى عما يصفه الواصفون المشتبهون لله بخلقه المفترين على الله، فاعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التّوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله تعالى، فانف عن الله تعالى البطلان و التشبيه فلا نفي و لا تشبيه هو الله الثابت الموجود تعالى الله عمّا يصفه الواصفون و لا تعدوا القرآن فتضّلوا بعد البيان (2)

قال صدر المتألهين: و في شرح الحديث: قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: فَانْفِ عَنِ اَللَّهِ اَلْبُطْلاَنَ وَ اَلتَّشْبِیهَ أمر بنفي التعطيل و التشبيه فإن جماعة أرادوا تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات فوقعوا في التعطيل و نفي الصفات رأساً و جماعة أخرى أرادوا أن يصفوه بصفاته العليا و أسمائه الحسنى فأثبتوا له صفات زائدة على ذاته فشبهوه بخلقه فأكثر النّاس إلاّ القليل النادر منهم بين المعطل و المشبه.

قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: فَلاَ نَفْیَ وَ لاَ تَشْبِیهَ، أي يجب على المسلم أن لا يقول بنفي الصفات و لا بإثباتها على وجه التشبيه، و قوله: هُوَ اَللَّهُ اَلثَّابِتُ اَلْمَوْجُودُ، إشارة إلى نفي التعطيل و البطلان، و قوله: تَعَالَی اَللَّهُ عَمَّا یَصِفُهُ اَلْوَاصِفُونَ إشارة إلى نفي التشبيه،فإن الواصفين هم


1) شرح أصول الكافي 301/11، و الكافي 99/1.

2) الكافي: 1/ 100 ح 1، و شرح أصول الكافي: 197/3 ح 1.

الذين يصفون الله بصفات زائدة و يقال لهم: الصّفاتية و كل من أثبت الله صفة زائدة فهو مشبه لا محالة.

و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: فَلاَ تَعْدُوا اَلْقُرْآنَ فَتَضِلَّوا بَعْدَ اَلْبَیَانِ، أي فلا تجاوزوا ما في القرآن بأن تنفوا عن الله ما ورد في القرآن حتّى تقعوا في ضلالة التعطيل و الله يقول:

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]. أو تثبتوا من الصّفات ما يجب التنزيه عنها حتّى تقعوا في زيغ التشبيه و الله يقول:

سُبْحَنَ رَبَّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: 180] هذه. و لما أمر عَلیْهِ السَّلَامْ بالرجوع إلى القرآن و الاقتداء به و الاستضاءة بأنواره و الأخذ بما ورد فيه من صفات الحق تعالى شأنه و تقدّس ذاته أردفه بقوله: وَ مَا کَلَّفَکَ اَلشَّیْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَیْسَ فِی اَلْکِتَابِ عَلَیْکَ فَرْضُهُ وَ لاَ فِی سُنَّهِ اَلنَّبِیِّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ﴿وَ أَئِمَّةِ اَلْهُدَی أَثَرُهُ فَکِلْ عِلْمَهُ إِلَی اَللَّهِ سُبحانه فَإِنَّ ذَلِکَ مُنْتَهَی حَقِّ اَللَّهِ عَلَیْکَ و مراده عَلیْهِ السَّلَامْ بذلك المنع من تكلّف ما لم يفرض علمه على المكلّفين، و الرّدع عن الخوض فيما لم يثبت وجوب معرفته على العباد في الكتاب المبين، و لا في سنّة النّبي الأَمين و أئمة الدّين سلام الله عليهم أجمعين، معللاً بأنّ منتهى حق الله على العباد أن يقولوا بما دل عليه القرآن، و يصفوه بالأَوصاف الثّابتة في الفرقان، و ينتهوا عما رفع علمه عنهم ويكلوا علمه و يفوّضوه إلى الله السّبحان مشيراً إلى أن تكلّف ما يزيد على ذلك من تكليفات الشّيطان اللّعين و تدليساته و وساوسه ليضلّ به عن النهج القويم و الصّراط المستقيم.

و إن شئت توضيح ذلك فأقول: إنّ الكتاب الكريم قد دلّ على أنّه سبحانه عالم و أنه بكلّ شیءٍ محيط، فيجب لنا الإذعان بذلك و عقد القلب عليه، و أمّا البحث عن كيفيّة علمه و أنه على أيّ نحو هو فلا يجب علينا، و ربما يؤدي التعمق فيه إلى الضّلال كما ضلّ فيه كثير من الحكماء.

فمنهم من تحيّر في معرفته فنفاه رأساً، و منهم من ضاق به الخناق إلى الإطلاق فنفى علمه بالجزئيات، و منهم من قرّره على وجه أوجب القول بكون الذّات فاعلاً و قابلاً و بكونه متّصفاً بصفات غير سلبية و لا إضافية إلى غير ذلك من المفاسد التي نشأت من كثرة البحث فيه على ما مرّ تفصيلاً في تنبيه الفصل السّابع من فصول الخطبة الأولى.

و كذلك قد ورد في القرآن أنّه تعالى خالق الأَشياء و مبدعها، فيجب لنا الاعتقاد به و ليس بفرض علينا أن نتكلف البحث في كيفيّة الخلقة حتّى نقع في الضلال البعيد كما وقع فيه الفلاسفة المثبتة للعقولات العشرة المبتنية على ما ذهبوا إليه من أن الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد، فإنّهم لمّا ذهبوا إلى أنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد الجاهم ذلك و اضطرهم إلى القول بالعقولات مع أنه مخالف لأصول الشّريعة و لم يرد به كتاب و لا سنّة.

و هكذا البحث و التعمق في سائر الصفات، و مثله البحث في متشابهات الآيات مثل قوله سبحانه:

الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِِِ اسْتَوَى [طه: 5] و قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [ القيامة: 22- 23] وَ جَآءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكَ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]. و غير ذلك، فالواجب في كلّ ذلك وكول علمه إلى الله سبحانه وردّه عليه كما أبان عنه الكتاب العزيز في سورة آل عمران حيث قال:

هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَتٌ مُحْكَمَتٌ هُنَّ أُُمُّ الْكِتَبِ وَ أُُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا كُلٌِّ مِنْ عِندِ رَبَّنَا وَ مَا يَذَكَّرُ إِلَّا أُُولُوا الْأََلْبَبِ [آل عمران : 7]. روى أبو بصير عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: سمعته يقول: إنّ القرآن زاجر و آمر یأمر بالجنّة و يزجر عن النّار و فيه محكم و متشابه، فأمّا المحكم فيؤمن به و يعمل به و يدين به و أمّا المتشابه فيؤمن به و لا يعمل به (1)و هو قول الله:

فأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] الآية هذا. وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلرَّاسِخِینَ فِی اَلْعِلْمِ هُمُ اَلَّذِینَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اِقْتِحَامِ اَلسُّدَدِ اَلْمَضْرُوبَةِ دُونَ اَلْغُیُوبِ اَلْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِیرَهُ مِنَ اَلْغَیْبِ اَلْمَحْجُوبِ يعني أنّ الرّاسخين في العلم إذا وصلوا إلى المتشابهات و إلى ما جهلوا كشف القناع و الغطاء عنها وقفوا عندها و اعترفوا بها إجمالاً كما حكى الله عنهم بقوله: يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِِهِ كُلٌِّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: 7]. و لا يتعدون عن ذلك حتى يقتحموا في المهالك.

فإن قلت: من المراد بالرّاسخين في العلم و ما المراد بالغيب المحجوب و ماذا أراد عَلیْهِ السَّلَامْ بالسّدد المضروبة دون الغيوب؟

قلت: أما الرّاسخون في العلم فهم الثابتون فيه و الضابطون له كأئمة الدّين و أولياء اليقين الحاملين لأَسرار النّبوة و أعباء الولاية و بعض خواصهم المقتبسين من أنوار الهداية و المهتدين بنور الإمامة.

و أمّا المراد بالغيب المحجوب فهو ما غاب عن الخلق علمه و خفى مأخذه إما لعدم


1) بحار الأنوار: 191/23 و تفسير القمي: 451/2.

الاستعداد و القابلية و قصور الطبيعة عن الإدراك كذات الله و صفاته الذّاتية؛ و إمّا لاقتضاء الحكمة و المصلحة للإخفاء، كعلم السّاعة و ما في الأَرحام و نحوهما ممّا حجب الله علمه عن العباد، و من ذلك القبيل الآيات المتشابهة.

و أمّا المراد بالسّدد المضروبة فهي الحجب المانعة من الوصول إلى الغيب، و هي بالنسبة إلى الغيب المحجوب بها على قسمين:

أحدهما: ما هي قابلة للارتفاع إمّا بالرّياضيات و المجاهدات كما يحصل للبعض فيعرف ضمائر بعض العباد و يطلع على بعض المخبيات و يخبر عن بعض المغيبات، و إمّا بتعليم من الله سبحانه كما كان في حق الأَنبياء و الأَولياء فإن عمدة معجزاتهم كانت من قبيل معرفتهم بالغيب و إخبارهم من المغيبات ، و إليه الإشارة في قوله تعالى:

وَ عِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو [الأنعام: 59]. يعني أنّه عالم بكلّ شيء من مبتدءات الأمور و عواقبها، و أنّه الذي يفتح باب العلم و يرفع الحجاب عن الغيب لمن يريد من الأَنبياء و الأَولياء، لأنَّه لا يعلم الغيب سواه، و لا يقدر أحد أن يفتح باب العلم به للعباد إلاّ الله، و قال سبحانه:

عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولِ [الجن: 26- 27]. أراد أن من ارتضاه و اختاره للنبوة و الرّسالة فإنّه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراء من المصلحة.

و عن «الخرائج» عن الرضا عَلیْهِ السَّلَامْ في تفسير هذه الآية فرسول الله عند الله مرتضى، و نحن ورثة ذلك الرّسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه فعلمنا ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة (1)

و من هذا الباب معرفتهم بالمتشابهات و علمهم بتأويلها بسبب تعليمه تعالى بوحي أو إلهام، و لا منافة بين إقرارهم بجملة ما جهلوا تفسيره منها من تلقاءِ نفسهم و وكول ذلك إلى ربّهم كما حكاه الله و حكاه عَلیْهِ السَّلَامْ عن الرّاسخين و بين معرفتهم الحاصلة بتعليمه سبحانه بل ربما يشير إليه قوله سبحانه:

قُل لّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَ لَآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى [ الأنعام: 50]، فافهم جيّداً.


1) الثاقب في المناقب: 189 و الخرائج و الجرائح: 343/1.

القسم الثاني: ما هي غير قابلة للارتفاع كحجب النور المانعة من الوصول إلى الحق و الاكتناه في ذاته.

بيان ذلك: أنّ الله سبحانه متجلّ لذاته بذاته و محتجب عن مخلوقاته، و احتجابه ليس لخفاء ذاته بل لشدّة نوره و غاية ظهوره و كمال ذاته، فغاية ظهوره أوجب بطونه، و شدّة نوره أوجب اختفائه و احتجابه ، من حيث قصور عقول البشر عن إدراكه كمثال نور الشّمس و بصر الخفاش على ما حققناه في شرح الخطبة الرّابعة و السّتين، و على هذا فلا سبيل إلى معرفة الحق سبحانه إلاّ بواسطة صفاته السّلبية و الإضافية، و لا نهاية لهذه الصّفات و لمراتبها، فالعبد لا يزال يكون مترقّياً فيها فإن وصل إلى درجة و بقي فيها كان استغراقه في مشاهدة تلك الدّرجة حجاباً له عن الترقي إلى ما فوقها.

و لما كان لا نهاية لهذه الدّرجات كان العبد دائماً في السير و الانتقال بحسب قوّة عقله و استعداد ذاته إلى أن يبلغ إلى مقام عجز عن التّرقي إلى ما فوقه، و يقصر عن إدراكه،و هذا شأن الرّاسخين السّالكين في مقام السّلوك بقدمي العرفان المترقين في مقام المعرفة من مرتبة إلى مرتبة حتّى يقصروا عن الترقي إلى ما فوقها فيغنيهم حينئذٍ عن اقتحام السدد المضروبة اعترافهم بجملة ما جهلوا تفسيره على ما أشار إليه الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ فَمَدَحَ اَللَّهُ اِعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ یُحِیطُوا بِهِ عِلْماً وَ سَمَّی تَرْکَهُمُ اَلتَّعَمُّقَ فیما لم یُکَلِّفْهُم البَحثَ عن کُنهِهِ رُسوخاً.

عجز الواصفون عن صفتك *** اعتصام الورى بمغفرتك

تب علینا فإنّنا بشر *** ما عرفناك حقّ معرفتك

(فاقتصر) أيّها السّائل (على ذلك) أي على ما دلّ عليه الكتاب العزيز من صفته و لا تُقَدِّر عَظَمَةَ اللّهِ سُبحانَهُ عَلی قَدرِ عَقلِکَ فَتَکونَ مِنَ الهالِکینَ الذين اعتقدوا أنّ عقلهم قدّره سبحانه و أحاط به علماً، و صغروا عظمته سبحانه عقلهم الضعيف مع أن عظمته تعالى أجلّ و أعظم من أن يضبطها عقل بشري، و إنّما منشأ ذلك الحكم لمن حصل له هو الوهم الحاكم لمثليّة الله لمدركاته من الأَجسام و الجسمانيات، و ذلك في الحقيقة كفر لا عتقاد غير الصّانع صانعاً، و ضلال عن طريق معرفة الله مستلزم للهلاك الدّائم، و الخزي العظيم.

المقصد الثاني

متضمن للتنبيه على عجز العقول عن الاكتناه في ذاته تعالى و عن معرفتها به حق المعرفة، و لبيان أنّ حقّها و حظّها الاستدلال عليه بآيات العظمة و آثار الصّنع و القدرة و دلائل الملك و الملكوت.

أما الأول: فهو قوله: هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وَ حَاوَلَ

الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَوِاسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا و هذه الجملة أعني قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (إذا ارتمت) إلى الآخر شرطية متصلة متعدّدة المقدم متّحدة التّالي و هو ردعها، و هي بمنزلة شرطيّات متعدّدة.)و المقصود بذلك أنّ الأوهام إذا ترامت و استرسلت مجدّة في التفتيش عن منتهى قدرته، نکصت عن ذلك، لأَنّ قدرته تعالى متعلّقة بجميع المقدورات لا نهاية لها حتّى تبلغ الأَوهام إلى غايته و منتهاه.و إنّ الفكر الصافي الخالي عن وساوس الشّيطان و شوائب الأَوهام إذا قصد أن يقع على ذاته و يستثبتها بكلّ ما ينبغي لها من الكمالات في عميقات مغيبات عزته و سلطانه و مملكته، كلّ و حسر لقصوره عن إدراك ما لا نهاية له.و إنّ القلوب إذا اشتدّ شوقها إليه و تولهت نحوه لتقف على كيفيّة صفاته عجزت، و ذلك لأَن صفاته كذاته قديمة و الكيف مهيّة إمكانية مفتقرة إلى الجعل حادثة و هو سبحانه منزّه عن كونه محلاً للحوادث فليس لذاته و صفاته كيفيّة حتّى تقف عليها العقول و لذلك قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: و كيف أصفه بالكيف و هو الذي كيف الكيف حتّى صار كيفاً، فعرّف الكيف بما كيف لنا من الكيف (1)و أنّ العقول إذا غمضت مداخلها أي خفيت مواقع دخولها في دقائق العلوم النّظرية الإلهية بحيث لا توصف لدقتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته انقطعت و أعيت لقصور العقول عن الوصول إلى حقيقة ما ليس بذي حدّ و لا تركيب.و محصل الكلام أنّ هذه القوى التي هي أعظم المشاهر الإنسانية لو حاولت التعمق و الاستقصاء في معرفة ذات الله الأَعلى و صفاته الحسنى و أرادت الخوض في بحار ملكه و ملكوته، وقفت خاسئة و رجعت حسيرة، لقصورها عن إدراك هذه المطالب العظيمة و ردعها الله تعالى عن ذلك و منعها من أن تحوم حول ذلك.﴿وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ أي تقطع مهاوي ظلمات الغيوب حال كونها متوجهة بكليتها إليه سبحانه في طلب إدراكه تعالى فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ وردت (معترفة) و مذعنة بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ أي لا ينال باعتساف المسافات التي بينها و بينه و بشدّة الجولان في تلك المنازل إلى كنه معرفته سبحانه. إذ بينه و بين خلقه منازل غير متناهية، و معارج غير مستقصاة بعضها نورانية و بعضها


1) الكافي: 1/ 103 ح 12، و التوحيد/ 115 ح 14.

ظلمانيّة لا بد للسّالك من قطع جميعها حتّى يصل إلى باب الرّبوبية، و أنى له بذلك و أين التراب من ربّ الأَرباب فجور الاعتساف غير نافع في تحصيل ما لا يمكن.

(و) لذلك اعترفت العقول بأنّه لا ينال بذلك كنه معرفته كما اعترفت بأنه لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه إذ كلّ ما يخطر ببال أرباب الفكر و كل ما يتصوره أولو النظر في حقه سبحانه و إن كان جليلاً عظيماً فهو أجلّ و أعظم من ذلك لأَن ذلك صفة الواصفين لا صفة الرّب العظيم.

قال فضيل بن يسار فيما رواه عنه في «الكافي»: سمعت أبا عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ يقول : إن الله لا يوصف و كيف يوصف و قد قال في كتابه: وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: 91].

فلا يوصف بقدر إلاّ كان أعظم من ذلك (1)

و روى عن محمّد بن علي الباقر عَلیْهِ السَّلَامْ أن كلّ ما تصوّره أحد في عقله أو وهمه أو خياله فالله سبحانه غيره وراءه، لأَنّه مخلوق و المخلوق لا يكون من صفات الخالق.

الَّذِی ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَی غَیْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ وَ لاَ مِقْدَارٍ احْتَذَی عَلَیْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ کَانَ قَبْلَهُ أراد بذلك التنبيه على كون إيجاده للعالم بمحض الإبداع و الاختراع و عدم كونه مستفاداً من الغير. بيان ذلك أن الصّنائع البشريّة إنما تحصل بعد أن يرتسم في القوة المتخيلة صورة المصنوع بل و كلّ فعل لا يصدر إلا بعد تصوّر وصفه و كيفيته أولاً.

و هذه التصورات تارة تحصل عن أمثلة للمصنوع و مقادير خارجيّة له يشاهدها الصّانع و يحذو حذوها كما يفعل التلميذ في الصّباغة شيئاً قد مثل له أستاذه هيئته و صورته فيفعل نظیره.

و تارة بمحض الإلهام و الإفاضة على قلبه كما يفاض على أذهان كثير من الأَذكياء و المصورين صورة شكل لم يسبق إليه غيره، فيصوره في قلبه و يبرز صورته في الخارج على طبق ما أفيض على قلبه، و كيفية صنع الله سبحانه منزّهة عن كونها على أحد الوجهين.

أما الوجه الأَوّل: فلما مر في شرح الفصل السّابق من أنه سبحانه قبل القبل بلا قبل فليس قبله خالق مثل مثالاً فاتبعه سبحانه، و لا قدر مقداراً فقطع على قدره و احتذى عليه تعالى شأنه.

و أما الوجه الثاني: فلأن الصورة المفاضة و المثال الملهم مستندان إلى المفيض و الملهم


1) كتاب المؤمن: 30 ح 55، و الكافي: 1/ 103 ح 11.

مستفادان من الغير فعلان له، و ليس قبله تعالى غير حتّى يستفيد و يستفيض منه مضافاً إلى استلزامه الافتقار تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، هذا.

و أما الثاني: أعني بيان جواز الاستدلال عليه تعالى و إمكان معرفته بآيات القدرة و أدلة العظمة فهو قوله: وَ أَرَانَا مِنْ مَلَکُوتِ قُدْرَتِهِ أي من ملكها كما قال الله:

فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس: 83]. أي بقدرته و نسبته إلى القدرة لكون القدرة مبدأ الوجود كلّه فهي مبدأ المالكيّة وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِکْمَتِهِ أي عجائب ما أفصحت عنه الأََفعال و الأحكام الصادرة عن وجه الحكمة و المصلحة على أحسن ترتيب و نظام، و تمام إتقان و انتظام.

وَ اعتِرَافِ الحَاجَةِ مِنَ الخَلقِ إِلَي أَن يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوّتِهِ الموجود في النسح التي رأيناها يقيمها بضمير التأنيث فلا بدّ من رجوعه إلى الخلق باعتبار ملاحظة المعنى، إذ المراد المخلوقات بجميعها، و يحتمل رجوعه إلى الحاجة على تكلف، و المقصود إقرار الخلائق و اعترافهم بالاحتياج و الافتقار إلى أن يقيمهم و يجبر فاقتهم بقدرته و قوته الماسكة التي تمسك السّماء و الأرض أن تزولا، و اعتراف بعضهم بلسان الحال و بعضهم بلسان الحال و المقال. مَا دَلّنَا بِاضطِرَارِ قِيَامِ الحُجّةِ لَهُ عَلَي مَعرِفَتِهِ أي أرانا من ملكوت القدرة و آثار الحكمة و اعتراف الموجودات بالحاجة دليلاً وافياً و برهاناً كافياً دلنا على معرفته سبحانه، بسبب قيام الحجة له تعالى بالضّرورة و البداهة. و بعبارة أخرى أرانا ممّا ذكر ما كان لنا دليلاً على معرفته من أجل ضرورية الحجة القائمة له على الخلائق في باب المعرفة و بداهتها وَ ظَهَرَتِ البَدَائِعُ التّيِ أَحدَثَتهَا آثَارُ صَنعَتِهِ وَ أَعلَامُ حِكمَتِهِ أي ظهرت في الحوادث البديعة المعجبة التي أحدثها و أوجدها آثار تدل على صانعيّته و علامات يستدل بها على حكمته فَصَارَ كُلّ مَا خَلَقَ فى الأَنفس و الآفاق حُجّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيهِ وَ إِن كَانَ خَلقاً صَامِتاً لأَن افتقاره الذاتي دليل على حاجته إلى المؤثر المبدع و إن لم يكن مفصحاً عنه بلسانه، إما لعدم كونه ذا لسان كالجماد و النبات؛ و إما لكفره و إلحاده كبعض أفراد الإنسان.

فَحُجّتُهُ بِالتّدبِيرِ نَاطِقَةٌ وَ دَلَالَتُهُ عَلَي المُبدِعِ قَائِمَةٌ يحتمل رجوع الضمير في حجته و دلالته إلى الخلق الصامت، و يحتمل رجوعه إلى الله سبحانه، و الثاني أظهر، و المراد أن حجته تعالى ناطقة بكونه مدبراً، و دليله قائم على كونه مبدعاً مؤثراً. فحاصل الكلام و فذلكة المرام أن في ما أبدعه سبحانه في عالم الكون و أحدثه في الأنفس و الآفاق شواهد متظاهرة و آيات متناصرة ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلالة بارئها، معربة عن كمال حكمته و تدبيره فيها منادية لأرباب القلوب بنغماتها، قائلة:

أما تراني و ما ترى صورتي و تركيبي و صفاتي و منافعي و اختلاف أحوالي و كثرة فوائدي، أتظن أني خلقت بنفسي أو خلقني أحد من جنسي، و فعلت هذه الأَفاعيل و ما يترتب عليها من المنافع بطبعي و ذاتي؟

أو ما تستحيي تنظر إلى كلمة مرقومة في ثلاثة أحرف فتقطع أنه صنعة آدمي عالم قادر مريد متكلم ثم تنظر إلى عجائب هذه الخطوط المرقومة على وجه الإنسان بالقلم الإلهي الذي لا يدرك الأبصار ذاته و لا حركته و لا اتصاله بمحل الخط ثم ينفك قلبك من جلالة صانعه؟

و كذلك النطفة التي كأنها قطرة من الماء المتشابه الأََجزاء يقول لمن له قلب أو ألقى السّمع و هو شهيد لا الذين هم عن السّمع لمعزولون توهمني في ظلمة الأَحشاء مغموساً في دم الحيض في الوقت الذي يظهر التخطيط و التصوير على وجهي، و قد نقش النقاش حدقتي و أجفاني و جبهتي و خدي و شفتي، فترى النقوش تظهر شيئاً فشيئاً على التدريج و لا ترى داخل الرّحم و لا خارجه أحداً و لا خبر منها للأمّ و لا للآب و لا للنطفة و لا للرّحم فما هذا النقاش؟

أفلم يكن بأعجب ممن يشاهده ينقش بقلمه صورة عجيبة لو نظر إليها مرّتين أو أكثر لتعلّمه فهل يقدر أن يتعلم هذا الجنس من النقش الذي يعم ظاهر النطفة و باطنها و جميع أجزائها من غير ملامسة النطفة و من غير اتصال بها لا من داخل و لا من خارج؟

فإن كنت لا تتعجب من هذه العجائب و لا تعلم أن الذي صور و نقش هذه النقوش و الأشكال و الصّور و الأَمثال مما لا شبه له و لا ندّ و لا شريك له و لا ضدّ، كما أن صنعه و نقشه لا يساويه نقش و صنع و التباعد و المباينة بين الفاعلين كما بين الفعلين فعدم تعجبك أعجب من كل عجيب، فإنّ الذي أعمى بصيرتك هذا الوضوح و منعك اليقين مع هذا البيان جدير بأن يتعجب منه:

أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: 50]. و أضلّ و أغوى، و فتح بصائر أحبائه فشاهدوه و هم به مؤمنون و أعمى قلوب أعدائه فقال فيهم:

صُمُّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 171]. فله الخلق و الأَمر لا معقب لحكمه و لا راد لقضائه.

المقصد الثالث

متضمن للشهادة بالتنزيه و التقديس و أنه سبحانه و تعالى شأنه عن مشابهة مصنوعاته و مجانسة مخلوقاته و هو قوله:

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبايُنِ أَعْضاءِ خَلْقِكَ وَ تَلاحُمِ حِقاقِ مَفاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلى مَعْرِفَتِكَ وَ لَمْ يُباشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لا نِدَّ لَكَ و لا يخفى ما فيه من المحسنات البيانية. أوّلها: أنّه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم غير أسلوب الكلام و التفت من الغيبة إلى الخطاب على حد قوله تعالى: إياك نعبد، لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب آخر كان أحسن تطرءة لنشاط السّامع، و أكثر إيقاظاً للإصغاء إلى ذلك الكلام.

و ثانيها: أن التشبيه يعتمد على أركان: المشبه، و المشبه، و المشبه به، فالمشبه في هذا المقام هو القايس له سبحانه على خلقه، و المشبه هو الله العزيز المتعال، و المشبه به في الحقيقة هو الخلق المتباينة الأَعضاء و المتلائمة حقاق المفاصل إلاّ أنه عَلیْهِ السَّلَامْ جعل المشبه به تباين الأعضاء و تلاحم الحقاق تعريضاً على ذم المشبه و توبيخه، و تنبيهاً على غلطه و في تشبيهه، و ذلك لأَن تباين الأَعضاء و تلاحمها من لوازم المشبه به، و هما مستلزمان للتركيب و اجتماع المفردات المستلزمين للافتقار إلى المركب و الجامع، فمن كان ملزوماً للحاجة و الافتقار كيف يجوز أن يشبه به العزيز الغني المتكبر الجبّار، فجعلها نفس المشبّه به تنبيهاً على كونهما بمنزلة الوسط في لزوم التركيب للمشبّه به الحقيقي حتّى يظهر بذلك تقدسه عن التّشبه به.

و ثالثها: أنّه وصف المفاصل بكونها محتجبة معللاً احتجابها بأنه من تدبيرات حكمته تعالى و مقتضياتها، و ذلك لأَنها لو لم تحتجب و خلقت بارزة عارية عن الغطاء و الغشاء ليبست رباطاتها و قست فيعذر تصرف الحيوان بها كما هو الآن مضافاً إلى كونها معرضة للآفات المفسدة لها و غير ذلك من خفي تدبيره و لطيف حكمته.

و رابعها: أنه عَلیْهِ السَّلَامْ شهد في حق المشبهة بعدم عقد ضميرهم المكنون على معرفة الله سبحانه و عدم اعتقادهم و يقينهم بأنه لا مثل له تعالى، و إنّما عبر عن عدم اليقين بعدم اليمين إشعاراً بأن اللازم على العبد في مقام تنزيهه سبحانه عن المثل و النّظير أن يكون تنزييه له صادراً عن وجه كمال اليقين بحيث لو أراد الحلف بذلك أمكنه ذلك.

هذا إن جعلنا اليمين بمعنى القسم، و إن كان بمعنى القوّة فالمقصود الإشعار بأن يكون تنزيهه صادراً عن قوّة القلب و لا يكون مضطرباً فيه.

و لما شهد عَلیْهِ السَّلَامْ في حق المشبّه بأنه لم يعقد قلبه على معرفة الله سبحانه و لم يتيقّن تنزيهه عن المثل أكد ذلك بقوله: (و كأنه) أي المشبّه الله يخلقه لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّأَ التَّابِعيِنَ و هم عبدة الأَصنام و الأوثان (من المتبوعين) أي من آلهتهم يوم القيامة (إذ يقولون) حين ألقوا.

فَکُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَ الْغَاوُونَ * وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: 94- 95].

تَاللَّهِ إِنْ كُنّا أي قد كنّا لفي ضَلالٍ مُبِينِ إِذْ تُسَوّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ * وَ لَا صَدِيقٍٍٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 100- 102]. فإنّ المشبّهين لو سمعوا ذلك و عرفوا بذلك أي بتبرُؤ التابعين من المتبوعين و بما حكى الله عنهم في الكتاب المبين، لعقدوا قلبهم على المعرفة، و نزّهوه سبحانه عن المثل و الصفة، كي لا يقعوا في الضلالة الدّائمة و الحسرة الباقية، كما وقع فيها التّابعون بتلك الجهة.

فإنّهم شهدوا على أنفسهم بالقسم الباز بأنّهم في ضلال مبين، و تحسّروا بأنهم ليس لهم من شافعين و لا صديق حميم، و تمنّوا الرّجوع إلى الدّنيا ليكونوا من المؤمنين، كلّ ذلك من أجل تشبيههم الخالق بالخلائق و إبدائهم المساواة بين معبوداتهم الباطلة و بين ربّ العالمين، و عدم كونهم بعلوّ شأنه سبحانه و جلالة قدره موقنين مذعنين.

کَذَبَ الْعَادِلُونَ بِکَ أي الجاعلون لك عديلاً و مثلاً إِذْ شَبَّهُوکَ بِأَصْنَامِهِمْ الباطلة وَ نَحَلُوکَ حِلْیَةَ الْمَخْلُوقِینَ بِأَوْهَامِهِمْ الفاسدة وَ جَزَّءُوکَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ الكاسدة وَ قَدَّرُوکَ عَلَی الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَی بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ الجامدة. أمّا كذبهم في تشبيههم له سبحانه بالأصنام فواضح، حيث اعترفوا بأنهم في ضلال مبين من جهة تسويتهم الأَصنام برب العالمين.

و أمّا كذبهم في نحلتهم له حلية المخلوقين، و تجزءتهم له تجزءة المجسّمات و تقديرهم له على الخلقة المختلفة القوى كقولهم: بأنّه في صورة غلام أمرد في رجليه نعلان من ذهب، و قولهم: بأنّه أجوف من فيه إلى صدره و ما سوى ذلك فصمت، و غير ذلك من هذياناتهم فأشدّ وضوحاً إذ الأَعضاء المختلفة إنّما تتولّد و تكمل بواسطة قوى طبيعيّة و نباتيّة و حيوانيّة و غيرها، و هي قوى مختلفة بحقائقها متضادّة في أفعالها محتاجة إلى المركّب و الجامع، و الاحتياج مستحيل على واجب الوجود تعالى عمّا يقول الظّالمون علوّاً كبيراً.

وَ اَشْهَدُ اَنَّ مَنْ ساواكَ بِشَىءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ وَ الْعادِلُ بِكَ كافِرٌ بِما تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَماتُ آياتِكَ وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَواهِدُ حُجَجِ بَيِّناتِكَ شهادة ثانية على كفر المشبّهة متفرّعة على ما سبق. وجهة كفرهم أنهم لمّا شبّهوه بخلقه و سووه به حيث اعتقدوا أن خالقهم و صانعهم هو توهّموه بأوهامهم الفاسدة و وصفوه بعقولهم الكاسدة مع عدم كونه خالقهم بل هو مخلوق لهم مصنوع مثلهم لا جرم كانوا بذلك متخذين غير الخالق خالقاً جاعلين لله سبحانه ندّاً و عديلاً، و هو الكفر و الضّلال كما شهدت به محکمات الآيات و أفصحت عنه شواهد أدلة البيّنات قال سبحانه في سورة البقرة:

وَ مِنَ النَّاسِِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ [البقرة: 165] إلى أن

قال: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: 166] و في سورة إبراهيم: ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَ أَحَلُوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَ بِِئْسَ الْقَرَارُ * وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم: 28- 30] و في سورة الزمر: وَ جَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِیُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَب النَّارِ و في سورة فصِّلت:

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ فصلت: 9]. إلى غير هذه من الآيات الباهرة و الحجج القاهرة.

(و) أشهد اِنّكَ اَنْتَ اللّٰهُ الَّذى لَمْ تَتَناهُ فى الْعُقُولِ فَتَكُونَ فى مَهَبِّ فِكْرِهاٰ مُكَيَّفاً، وَ لاٰ فى رَوِيّاتِ خَواطِرِها فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً و هي شهادة ثالثة على تنزهه من إحاطة العقول البشريّة فنفاها بنفي ما يترتّب عليها من كونه تعالى ذا نهاية، إذ معنى الإحاطة بالشيء هو إدراكه بكنهه و معرفته بجميع جهاته و بلوغ العقل غايته و نهايته بحيث لا يكون وراء ما أدركه شيء آخر و نفي انتهائه بنفي ما يترتّب عليه من كونه ذا كيفية تكيّفه بها القوى المتخيّلة لتثبته بها العقول، و كونه محدوداً أي ذا حد و نهاية أي محدوداً بحدّ يحدّه و يعرّفه إذ إدراك العقول للحقائق بكنهها إنما هو من حدودها و معرّفاتها.

و هذا مبنيّ على كون المحدود مأخوذاً من الحدّ الذي هو معرف الشيء و القول الشّارح له كما أنّ الأوّل مبنيّ على أخذه من الحدّ بمعنى النهاية، و هو بكلا المعنيين محال على الله سبحانه و كونه مصرّفاً أي ذا تصريف و تقليب مأخوذ من تصريف الرّياح و هو تحويلها من وجه إلى وجه و من حال إلى حال لأَنّه إذا كانت العقول و الفكر متعلّقة به لا بد أن تتصرّف فيه العقول و الأَفكار، و تحوّله من وجه إلى وجه لتبلغ غايته و تعرفه بكنهه و هو معنى كونه مصرّفاً.

و لما كانت هذه اللوازم كلّها باطلة مستحيلة في حقّه تعالى كان ملزومها و هو إحاطة العقول به و تناهيه فيها محالاً.

أمّا بطلان اللازم الأَوّل فلأَنّ الكيف حادث بالذات ممكن الوجود مفتقر إلى جاعل يوجده بريء الذات من الاتصاف به، أما حدوثه فلكونه عرضاً قائماً بالمحلّ فهو مفتقر إلى جاعل و ينتهي افتقاره بالآخرة إلى الحق تعالى، و أمّا براءة ذات المحدث الاتصاف به فلأَنّ موجد الشيء مقدّم عليه بالوجود فيستحيل أن يكون المكيّف بالكسر أي موجد الكيف و جاعله مكيّفاً أي منفعلاً ذا كيفيّة و إلاّ لزم تقدّم الشيء على نفسه و كون الشيء الواحد فاعلاً قابلاً و هو محال.

و أما بطلان اللاّزم الثاني و هو كونه محدوداً أي ذا نهاية فلأَنه لا غاية لوجوده و لا منتهى

لذاته، لأََن وجوده وراء ما لا يتناهى مدّة و عدّة بما لا يتناهى قوّة و شدّة و أمّا إن جعلنا الحدّ بالمعنى الثّاني الذي أشرنا إليه فلأَنّ حدّ الشيء عبارة عن معرّفه المركب من الجنس و الفضل و الله سبحانه بسيط الذّات لا جزء له و ما لا جزء له لا جنس له و ما ليس له جنس ليس له حدّ و قول شارح يعرّف به، و ما ليس له حدّ لا يكون محدوداً.

و أمّا بطلان اللازم الثالث أعني كونه مصرّفاً فلاستحالة التغيّر و الانتقال من حال إلى حال على الله تعالى شأنه.

الترجمة

پس نظر کن ای سؤال کننده از صفات پروردگار، پس آن چیزی که دلالت دارد قرآن بر آن از صفت حضرت آفریدگار، پس اقتدا کن به آن و طلب روشنایی کن به نور هدایت او و آن چه که تکلیف کرده آن را شیطان ملعون دانستن او را از چیزی که نیست در قرآن بر تو فرض آن بر تو فرض آن و نه در سنّت پیغمبر خدا (صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم) و نه ائمه هدى علامت و نشانه او، پس واگذار دانستن آن را به خدای تعالی، پس به درستی که این منتهای حق خداوند است بر تو و زیاده از این برتو لازم نیست.

و بدان که جماعتی که رسوخ دارند در علم و استوارند در دانش، ایشان کسانی هستند که بی نیاز ساخته ایشان را از بی فکر داخل شدن حجاباتی که زده شده در پیش غیب ها، اقرار و اعتراف ایشان با جمال آن چه که جاهل شده اند به تفسیر و توضیح آن از غیبی که پوشیده است، پس مدح فرموده حق سبحانه و تعالی اعتراف به عجز کردن ایشان را از اخذ نمودن آن چه که احاطه نکرده اند به آن از حیثیت علم و نام نهاده ترك تعمّق و خوض کردن ایشان را در چیزی که تکلیف نکرده بر ایشان بحث نمودن از حقیقت آن را به رسوخ.

پس قناعت کن ای سائل در باب معرفت به این مقدار و تقدیر مکن عظمت پرودگار را به اندازه عقل خود تا اینکه شوی از هالکین.

او سبحانه قادری است که اگر مجدّ شوند و هم ها تا دریابند نهایت توانایی آن را و طلب کند فکری که مبرّا است از خطرات وساوس شیطانیّه آن که واقع شود در اسرار عمیقه پادشاهی او و واله و متحیر باشند قلب ها به سوی او تا این که جاری شوند در چگونگی صفت های او و غامض و خفی باشد محل دخول عقل ها به اندازهای که خارج از وصف باشد به جهت طلب علم به ذات او سبحانه ردع می کند و باز دارد خداوند تعالی آن عقول و اوهام را از معرفت به ذات و صفات خود و حال آن که قطع کند آن اوهام و عقول مواضع هلاك تاریکی های غیب ها را در حالتی که رهیده باشد از غیر و نزدیکی جویند به سوی حق سبحانه.

پس برگشتند زمانی که باز داشته شدند در حالتی که اعتراف کننده باشند به این که

رسیده نمی شود به شدت جولان در بیداء جلال و عزّت و حقیقت معرفت او و به این که خطور نمی کند به دل صاحبان فكر ها خطور کننده از اندازه کردن بزرگی عزّت او.

آن خداوندی که ایجاد کرد مخلوقات را بدون سبق مثالی که متابعت کرده باشد بر آن و بي تقدّم مقدار و اندازه که عمل کرده باشد بر وفق آن که صادر شده باشد آن مثال و مقدار از خالق معبودی که بوده باشد قبل از او و بنموده ما را از پادشاهی قدرت خود و از عجایب آن چیزی که گویا شده است به آن نشان های حکمت او و از اعتراف نمودن خلایق به احتیاج خودشان به این که اقامه نماید و به پا داشته باشد ایشان را به نگه داشت قوّه خود دلیل وافی و برهان شافی ما را به سبب ضروری و بدیهی بودن حجتی که قائم است مر او را به معرفت او و ظاهر گردید در اشیاء بدیعه که ایجاد فرموده نشان های صنعت او و علامت های حکمت او.

پس گردید هر چیزی که خلق فرموده برهان قاطع مر الوهیت آن را و دلیل ساطع بر وجوب وجود آن و اگر چه بوده باشد آن مخلوق خلق غیر ناطق و جماد ساکت، پس حجت حق تعالی به تدبیر حکمت او گویا است و دلیل او بر وجود مبدع برپا.

پس شهادت می دهم بر این که کسی که تشبیه کرده تو را به اعضای متباینه مخلوقات تو و خورده های به هم پیوسته مفاصل ایشان که پوشیده شده است به تدبير حکمت تو، عقد ننموده فکر باطنی خود را بر معرفت تو و مباشر نکرده به قلب خودش یقین را به این که نیست هیچ مثلی تو را.

و گویا که نشنیده آن تشبیه کننده بیزاری جستن تابعان را از متبوعان در روز قیامت و زمان انداخته شدن ایشان بر آتش وقتی که گویند: قسم به خدا که هر آینه بودیم ما در ضلالت هویدا، در وقتی که برابر کردیم ما شما را با پرودگار عالمیان.

دروغ گفتند کسانی که به تو مثل و عدیل قرار دادند وقتی که تشبیه کردند تو را به بت های خودشان و بخشیدند به تو صفات مخلوقات را به وهم های خود و تجزیه کردند تو را هم چون مجزّا کردن اشیاء مجسمه با خاطرهای خود و اندازه

کردند تو را بر هیکلی و شکلی که مختلف است قوت های او با عقل های خود.

پس شهادت می دهم بر این که هر کس که مساوی ساخت تو را با چیزی از مخلوق تو، پس به تحقیق که عدیل قرار داد تو را و هر کس که عدیل قرار داد به تو، کافر است به حکم آن چیزی که نازل شده با آن آیات محکمات تو و به حکم آن چیزی که ناطق شد از آن گواهان حجت های واضحه تو.

و شهادت می دهم بر این که تویی معبود به حق که پایان نداری در عقل ها تا این که باشی در محلّ وزیدن اندیشه های آن عقول مكيّف با کیفیّتی و نه در اندیشه های خاطر های آن عقول صاحب حدّ و نهایتی و موصوف به تغییر از حالت به حالتي.

الفصل الثالث

اشارة

منها قدَّرَ ما خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ، و دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ، و وَجَّهَهُ لِوَجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ، وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الانْتِهاءِ إِلى غَايَتِهِ، وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرادَتِهِ، وَ كَيْفَ؟ و إِنَّما صّدَرَتِ الأُمُورِ عَنْ مَشيئة المُنْشِيءٍ أَصْنافَ الأَشْيَاءَ بِلاَ رَوِيَّةِ فِكْرٍِ آلَ إِلَيْهَا، وَ لا قَريحَةٍ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْها، وَ لَا تَجْرُبَةٍ أَفادَها مِنْ حَوادِثِ الدُّهُورِ، وَ لاَ شَرِيكِ أَعانَهُ عَلَى ابْتِدَاع عَجائِبِ الأُمُورِ، فَتَمَّ خَلْقُهُ و أَذْعَنَ لطاعَتِهِ، و أَجَابَ إِلى دَعْوَتِهِ، وَ لَمْ يَعْتَرِضُ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِىَ، وَ لا أَناةُ المُتَلَكِّي، فَأَقَامَ مِنَ الأَشْياءِ أَودَهَا، و نَهَجَ حُدُودَها، و لاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَينَ متضادِّها، و وصَلَ أسْبابَ قرائنها، و فَرَّقَها أَجْناساً مُختَلِفاتٍ في الْحُدُودِ و الأَقْدَارِِ و الْغَرائِزِ وَ الْهَيَِئاتِ، بَدايا (1)خَلائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَها، و فَطَرَها عَلَى ما أَرادَ وَ ابْتَدَعَهَا (2)

اللغة

(التدبير) في الأمور النّظر إلى ما يؤل إليه عاقبتها و (وجهة) الشيء بالكسر جهة الشّيء يتوجه إليها قال تعالى:

وَ لِكُلِّ وِجْهَهُ هُوَ مُوَلیِهَا [البقرة: 148]. و (قصر) السهم عن الهدف إذا لم يبلغه و قصرت عن الشيء أي عجزت عنه و (دون) الشّيء أي قريباً منه و قبل الوصول إليه و (آل) إليه رجع و (الغريزة) الطبيعة و (قريحة الغريزة) ما يستنبطه الذّهن.

قال الجوهري: القريحة أوّل ما يستنبط من البئر و منه قولهم: لفلان قريحة جيّدة يراد استنباط العلم بجودة الطبع و (أضمر عليها) أي بلغ الغاية و استقصى عليها من الإضمار بمعنى الاستقصاء، و قيل: من الإضمار بمعنى الإخفاء و ليس بشيء لتعديه بنفسه يقال: أضمره و أخفاه و لا يقال: أخفى و أضمر عليه و (الإفادة) الاستفادة و (اعترض)الشيء دون الشيء حال، و اعترض صار كالخشبة المعترضة في النهر و (الريث) الإبطاء و (الأناة) كقتاة: الحلم و الوقار مأخوذ من تأنّى في الأَمر أي تثبت و (تلكاء) عليه اعتلّ و عنه أبطأ و (الأود) محركة الاعوجاج و (قرائتها) جمع القرينة و هي الأَنفس و يحتمل أن يراد بها مقارنات الأشياء كما تطلع عليه.


1) في نسخة: برايا.

2) التوحيد: 54، و بحار الأنوار: 276/4.

قال الشّارح المعتزلي: و (بدايا) ههنا جمع بدية و هي الحالة العجيبة بدأ الرّجل إذا جاء بالأمر البدء أي المعجب و البدية أيضاً الحالة المبتكرة المبتدءة و منه قولهم: فعله باديء بديء على وزن فعل أي أوّل كلّ شيء.

الإعراب

قوله: (و كيف) استفهام على سبيل الإنكار و إنما صدرت جملة حالية و العامل محذوف أي كيف يستصعب و إنّما صدرت الأمور، و جملة (لم يعترض) حال أيضاً من فاعل المصدر أعني دعوته، قوله: (أجناساً) حال من مفعول فرق أو منصوب بنزع الخافض أي فرقها بأجناس أو على أجناس مختلفة، و قوله: (بدايا خلائق) خبر لمبتدأ محذوف أي هي بدايا خلائق، و إضافة بدايا إلى خلائق من باب اضافة الصّفة إلى موصوفها، قال الشّارح المعتزلي: و يجوز أن لا تكون (بدايا) إضافة إليها بل تكون بدلاً من أجناساً.

أقول: فعلى هذا الاحتمال تكون بدايا صفة ثانية لأَجناساً و ما ذكرناه أظهر فتدبّر.

المعنى

اعلم أن هذا الفصل من الخطبة متضمن لتنزيه الله سبحانه في كيفية إيجاده للأَشياء و خلقه لها عن صفات المصنوعين، و فيه تنبيه على كون المخلوقين مذلّين لانقياده حكمه ، مطيعين لأَمره، ماضين على إرادته، غير متمردين عن طاعته كما قال عَلیْهِ السَّلَامْ: قَدَّرَ ما خَلَقَ فَأَحْکَمَ تَقْدِیرَهُ يعني أنّ كلّ مخلوق قدره في الوجود فعلى وفق حكمته بحيث لو زاد على ذلك المقدار أو نقص منه لاختلت مصلحة ذلك المقدر و تغيرت جهة المنفعة فيه وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِیرَهُ يعني أنه أوجد الأَشياء على وفق المصلحة و نظام الخير فتصرّف فيها تصرّفات كلّية و جزئية من غير شعور غيره ذلك.

وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ یَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ وَ لَمْ یَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهاءِ إِلَی غایَتِهِ أراد أنّه سبحانه وجه كل ما خلق إلى الجهة التي وجّهه إليها، و ألهم كلاً و يسّره لما خلق له، كالسحاب للمطر و الحمار للحمل و النّحل للشمع و العسل و هكذا فلم يتجاوز شيء منها مرسوم تلك المنزلة المحدود له المعيّنة في حقه، و لم يقصر دون الانتهاء إلى الغاية التي كتبت له في اللّوح المحفوظ و إلاّ لزم التّغيّر في علمه و عدم النفاذ في أمره و هما محالان. وَ لَمْ یَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِیِّ عَلَی إِرادَتِهِ أي لم يستصعب أحد من المخلوق التّوجّه إلى الجهة التي وجّهه إليها، و لم يمكنه التّخلّف من المضيّ إليها على وفق إرادته و حكمته بعد أمره له بذلك أمر تكوين لا تشريع. (و كيف) يستصعب و يتخلّف وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيَّتِهِ المنشيء أصناف الْأَشْيَاءَ

يعني أنّ جميع الآثار مستندة إلى مشيّة إذ كلّ أثر فهو واجب عن مؤثره و الكلّ منته في سلسلة الحاجة إلى إرادته فهو واجب عنها.

و يدلّ عليه ما رواه في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: خلق الله المشيئة بنفسها ثمّ خلق الأَشياء بالمشيئة (1)

و سيأتي تحقيق الكلام في ذلك بعد الفراغ من شرح الفصل، هذا.

و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: بِلاَ رَوِیَّهِ فِکْرٍ آلَ إِلَیْهَا وَ لاَ قَرِیحَةِ غَرِیزَةٍ أَضْمَرَ عَلَیْهَا وَ لاَ تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ اَلدُّهُورِ وَ لاَ شَرِیکٍ أَعَانَهُ عَلَی اِبْتِدَاعِ عَجَائِبِ اَلْأُمُورِ إشارة إلى تنزّهه في إيجاد المخلوقات عن الافتقار إلى هذه الأمور، و أن ذاته بذاته مصدر جميع الأمور و أن خلقه سبحانه لها غير موقوف على شيء منها.

أمّا روية الفكر فلأَنها عبارة عن حركة القوة المفكّرة في تحصيل المطالب من المباديء و انتقالها منها إليها و هي محال على الله سبحانه: «أمّا أوّلاً» فلكون القوّة المفكّرة من خواصّ نوع الإنسان «و أمّا ثانياً» فلأَن فائدتها تحصيل المطالب المجهولة من المعلومات و الجهل محال في حقه تعالى.

و أمّا قريحة الغريزة فلأَنها على ما عرفت عبارة عن استنباط العلم بجودة الذهن، و استحالته على الله واضحة إذ العلم عين ذاته و هو تعالى غير فاقد له حتّى يكون محتاجاً إلى التعمّق و الاستنباط و النظر في موارده و مصادره و الاستقصاء عليه و بلوغ الغاية فيه.

و أمّا التجربة فلأَنّها عبارة عن حكم العقل بأمر على أمر بواسطة مشاهدات متكررة معدّة لليقين بسبب انضمام قياس خفيّ إليها، و هو أنّه لو كان هذا الأَمر اتفاقيّاً لما كان دائماً أو أكثريّاً استحالتها على الله من وجهين: أحدهما: أنّها مركبة من مقتضى الحس و العقل، و ذلك أنّ الحسّ يشاهد وقوع الإسهال مثلاً عقيب شرب الدّواء مرة بعد مرة فينتزع العقل من تلك المشاهدة حكماً كلّياً بأن ذلك الدّواء مسهل و معلوم أنّ اجتماع الحسّ و العقل من خصائص نوع الإنسان، و ثانيهما: أن التّجربة إنما تفيد علماً لم يكن قبل فالمحتاج إلى التجربة لاستفادة العلم بها ناقص بذاته مستكمل بها و المستكمل بالغير محتاج إليه فيكون ممكناً.

و أمّا الشريك المعين فلانتقاء الشريك أوّلاً كما مرّ في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الأولى، و لانتفاء مبدأ الاستعانة ثانياً لأَنّ مبدئها هو العجز من الفعل و العجز عبارة عن تناهي القوّة و القدرة، و قدس الحق منزّه عن ذلك.


1) شرح أصول الكافي: 270/3، و محاضرات في أصول الفقه: 37/2.

فقد وضح و اتّضح بذلك كلّ الوضوح أنّ الله سبحانه غير محتاج في إبداع الخلائق و إيجادها إلى الفكر و الرّوية، و لا قريحة الطّبيعة و لا تجربة و لا مشاركة و إنّما مستنداً لإيجاد نفس الإرادة و المشيئة و أنّه سبحانه:

إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [البقرة: 117]. (فتمّ خلقه) بمشيئته (و أذعن) الكلّ (لطاعته) بمقتضى إمكانه و حاجته (و أجاب) الجميع ( إلى دعوته) حيث دعاهم إلى بساط الوجود بمقتضى عموم الإفاضة و الجود (و) الحال أنّه لَم يَعْتَرِض دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِىء وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّى أي لم يحل دون نفاذ أمره إبطاء المبطيء و لا تثبت المتوقف المعتلّ بل انقادت له جميع الأَشياء و أسرعوا إلى أمره عند الدّعاء من غير تعلّل و لا إبطاء لكون الكلّ مقهوراً تحت قدرته أذلة تحت عزّته كما قال عزّ من قائل:

بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِِ وَ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [البقرة: 117]. يعني أنّه إذا أراد فعله و خلقه يقول له ذلك بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همة و لا تفكّر، فقوله: كن إشارة إلى هبة ما ينبغي لذلك المأمور و بذل ما يعدّه لإجابة أمره بالكون في الوجود، و قوله: فيكون إشارة إلى وجوده، و (الفاء) المقتضية للتعقيب بلا مهلة دليل على اللّزوم و عدم التأخّر، هذا.

و يحتمل أن يكون المراد بنفي اعتراض الرّيث و الإناة نفي اعتراضهما بالنّظر إلى ذاته من حيث فاعليته ، فيكون المقصود بذلك تنزيهه من أن يعرض له شيء من هذه الكيفيّات كما يعرض على أحدنا إذا أردنا فعل شيء من حيث قصور قدرتنا و ضعف قوّتنا فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْیَاءِ أَوَدَهَا و اعوجاجها، و إقامتها كناية عن إعداده ما ينبغي لها و إفاضته الكمال بالنسبة إليها وَ نَهَجَ حُدُودَهَا و غاياتها أراد به إيضاحه لكلّ شيء و جهته و تيسيرها له وَ لاَئِمَ بِقُدْرَتِهِ بَیْنَ مُتَضَادِّهَا کما جمع بين العناصر الأربعة على تضادّ كيفيتها في مزاج واحد وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا و نفوسها بتعديل أمزجتها لأَنّ اعتدال المزاج سبب بقائها.

قال الشارح البحراني: و يحتمل أن يكون معنى الوصل لأَسبابها هدايتها إلى عبادته و ما هو الأَولى بها في معاشها و معادها و سوقها إلى ذلك، إذ المفهوم من قول القائل: وصل الملك أسباب فلان إذا علّقه عليه و وصله إلى برّه و إنعامه، هذا إن جعلنا القرائن بمعنى الأنفس و إن كانت بمعنى مقارنات الشيء فهو إشارة إلى أن الموجودات لا تنفك عن أشياء يقترن بها من هيئة أو شكل أو غريزة و نحوها، و اقتران الشيئين لا محالة مستلزم لا قتران أسبابهما، لاستحالة قيام الموجود بدون أسبابه، و ذلك الاقتران و الاتّصال مستند إلى كمال قدرته إذ هو مسبب الأسباب.

وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِی الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ وَ الْغَرَائِزِ وَ اَلْهَیْئَاتِ أي جعلها أقساماً

مختلفة النهايات و المقادير متفاوتة الطبائع و الصفات، فجعل بعضها طويلاً و بعضها قصيراً و بعضها صغيراً و بعضها كبيراً، و جعل سجيّة بعضها شجاعاً و بعضها جباناً و بعضها شحيحة و بعضها كريمة و هيئة بعضها حسنةً و بعضها قبيحة و هكذا، هذا إن كان الحدود في كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ بمعنى النهايات.

قال الشارح البحرانيّ: و إن حملنا الحدود على ما هو المتعارف كان حسناً، فإن حكمة الخالق سبحانه اقتضت تميّز بعض الموجودات عن بعض بحدودها و حقائقها، و بعضها بأشكالها و هيئاتها و مقاديرها و غرائزها و أخلاقها كما يقتضيه نظام الوجود و أحكام الصّنع و حكم الإرادة الإلهيّة.

بَدَايَا خَلَائِقَ أَحكَمَ صُنعَهَا وَ فَطَرَهَا عَلَي مَا أَرَادَ وَ ابتَدَعَهَا أي هي مخلوقات عجيبة أو مبتكرة غير محتذي بها حذو خالق سابق، جعل صنعها محكماً متقناً، و أوجدها على وفق إرادته و أبدعها من العدم المحض إلى الوجود من دون أن تكون لها مادة أصلاً لها كما زعمت الفلاسفة من أن الأجسام لها أصل أزلّ هي المادّة فهو المخترع للمكنات بما فيها من المقادير و الأَشكال و الهيئات، و المبتدع للموجودات بمالها من الحدود و الغايات و النّهايات بمحض القدرة على وفق الإرادة و مقتضى الحكمة.

تنبيه

أعلم أنّه لما جرت في هذا الفصل ذكر حديث صدور الأَشياء عن مشيئته سبحانه أحببت تنقيح ذلك المرام و عزمت على تحقيق الكلام في هذا المقام لكونه من مزال الأَقدام.

فأقول: و بالله التكلان و هو المستعان إن الكلام في هذا الباب يقع في مقامات ثلاثة:

المقام الأول

في معنى المشيئة، و قد فسّرها أهل اللغة بالإرادة قال في «القاموس»: شئته أشاءه شيئاً و مشيئة و مشاءة و مشائية أردته، و في «مجمع البحرين»: و المشيئة الإرادة من شاء زيد يشاء من باب قال أراد، و في «المصباح» شاء زيد الأمر يشاءه شيئاً من باب قال أراده، و المشيئة اسم منه بالهمز، و الإدغام غير سائغ إلا على قياس من يحمل الأصلي على الزّائد لكنّه غير منقول و نحوها في سائر كتب اللغة.

و أما في الأَخبار و أحاديث أئمّتنا الأَبرار الأَخيار فتارة أطلقتا على معنى واحد مثل ما رواه الطريحي عن الرّضا عَلیْهِ السَّلَامْ إن الإبداع و المشيئة و الإرادة معناها واحد و الأَسماء ثلاثة، و أخرى و هو الأَكثر على معنيين مختلفين يجعل مرتبة المشيئة متقدّمة على مرتبة الإرادة و كون نسبتها إليها نسبة القوة إلى الضعف.

و يدلّ عليه ما رواه المحدث المجلسي من «المحاسن» للبرقي قال: حدثني أبي عن يونس عن أبي الحسن الرّضا عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قلت: لا يكون إلاّ ما شاء الله و أراد و قضى؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: لا يكون إلا ما شاء الله و قدر و قضى، قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتدأ الفعل،قلت: فما معنى أراد؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: الثبوت عليه، قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء من طوله و عرضه، قلت: فما معنى قضى؟ فقال عَلیْهِ السَّلَامْ : إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مردّ له (1)

و رواه في «الكافي» مسنداً عن عليّ بن إبراهيم الهاشمي عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام نحوه إلاّ أنّه ليس فيه قوله: قلت: فما معنى أراد قال: الثبوت عليه، و لعلّه سقط من الكتاب و الظّاهر أنّ مراده منه هو ما ذكرنا كما فهمه شراح الحديث.

قال في «مرآة العقول»: قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (ابتدأ الفعل) أي أوّل الكتابة في اللّوح المحفوظ أو أوّل ما يحصل من جانب الفاعل و يصدر عنه ممّا يؤدي إلى وجود المعلول و على ما في « المحاسن» يدلّ على أن الإرادة تأكّد المشيئة و في الله سبحانه تكون عبارة عن الكتابة في الأَلواح و تسبيب أسباب وجوده، و قوله: تقدير الشيء، أي تعيين خصوصيّاته في اللّوح أو تعيين بعض الأَسباب المؤدية إلى تعيين المعلول و تحديده و خصوصيّاته إذا قضى أمضاه، أي إذا أوجبه باستكمال شرائط وجوده و جميع ما يتوقّف عليه المعلول أو جده، و ذلك الذي لا مردّ له لاستحالة تخلف المعلول عن الموجب التام.

و قال الصّالح المازندراني في شرح على «أصول الكافي»: لما كان قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: لاَ یَکُونُ شَیْءٌ إِلاَّ مَا شَاءَ اَللَّهُ، دالاً بحسب الظاهر على أن المعاصي تقع بمشيئته تعالى و إرادته و هذا لا يستقيم على المذهب الحقّ، سأل السائل عن معنى المشيئة حتى يظهر له وجه الاستقامة، فأجاب عَلیْهِ السَّلَامْ بأن المشيئة ابتداء الفعل و أوله، و لعلّ المراد بابتداء الفعل أن مشيئته تعالى أوّل فعل من الأَفعال، و كلّ فعل غيرها يتوقّف عليها و يصدر بعدها كما يدلّ عليه ما عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: خلق الله المشيئة بنفسها ثمّ خلق الأَشياء بالمشيئة (2)، يعني خلق أفعاله بها و كذا خلق أفعال عباده لكن بتوسط مشيئة جازمة صادرة منهم، فإذا سلسلة جميع الأَفعال منتهية إلى مشيئته تعالى، و المراد به أن مشيئته أوّل المشيئات، و كلّ مشيئة سواها تابعة لها، كما أنّه تعالى هو الفاعل الأَوّل و كلّ فاعل بعدها فاعل ثانوي يسند فعله إليه بلا واسطة، و إلى الفاعل الأَوّل بواسطة، و هذا معنى مشيئته تعالى لأَفعال العباد و معنى إسناد فعلهم إلى مشيئته.

و في «محاسن البرقي» بعد هذا السؤال و الجواب قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه، يعني على ابتداء الفعل و من ههنا فسر بعضهم الإرادة تارة بأنّها عزيمة على المشيئة،


1) المحاسن: 244/1 ح 237، و الكافي: 1/ 150 ح 1.

2) شرح أصول الكافي: 270/3 ح 4، و محاضرات في أصول الفقه: 37/2.

و تارة بأنها الإتمام لها، و تارة بأنّها الجدّ عليها.

و قال صدر المتألّهين: نسبة المشيئة إلى الإرادة كنسبة الضعف إلى القوّة و نسبة الظنّ إلى الجزم، فإنّك ربما تشاء أشياء و لا تريدها، فظهر أن المشيئة ابتداء العزم على الفعل، هذا.

و في «الكافي» عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أبيه و محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد و محمّد بن خالد جميعاً عن فضالة ابن أيوب عن محمّد بن عمارة عن حريز بن عبد الله و عبد الله بن مسكان جميعاً عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: لا يكون شيء في الأَرض و لا في السّماء إلاّ بهذه الخصال السّبع، بمشيئة، و إرادة،و قدر، و قضاء، و إذن، و كتاب، و أجل، فمن زعم أنّه يقدر على نقص واحدة فقد كفر (1)

قال في «مرآة العقول»: يمكن حمل الخصال السبع على اختلاف مراتب التقدير في الأَلواح السّماويّة، أو اختلاف مراتب تسبب الأَسباب السّماويّة و الأَرضيّة، أو يكون بعضها في الأمور التكوينيّة و بعضها في الأَحكام التكليفيّة، أو كلّها في الأمور التكوينيّة.

فالمشيئة و هي العزم؛ و الإرادة و هي تأكّدها في الأمور التكوينيّة ظاهرتان و أمّا في التكليفيّة فلعلّ عدم تعلّق الإرادة الحتميّة بالترك عبّر عنه بإرادة الفعل مجازاً.

و الحاصل أن الإرادة متعلّقة بالأَشياء كلّها لكن تعلّقها بها على وجوه مختلفة إذ تعلقها بأفعال نفسه بمعنى إيجادها و الرضا بها و الأمر بها، و بالمباحاة بمعنى الرّخصة بها، و بالمعاصي إرادة أن لا يمنع منها بالجبر لتحقق الابتلاء و التكليف كما قال تعالى:

وَ لَوْ شَآءَ اللهُ مَآ أَشْرَكُواْ [الأنعام: 107]. أو يقال: تعلّقها بأفعال العباد على سبيل التجوز باعتبار إيجاد الآلة و القدرة عليها و عدم المنع منها فكأنّه أرادها.

و بالقدر تقدير الموجودات طولاً و عرضاً وكيلاً و وزناً و حدّاً و وصفاً و كمّاً و كيفاً، و بالقضاء الحكم عليها بالثواب و العقاب أو تسبيب أسبابه البعيدة كما مرّ و المراد بالإذن إما العلم أو الأمر في الطّاعات أو رفع الموانع، و بالكتاب الكتابة في الأَلواح السّماوية أو الفرض و الإيجاب كما قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، و كتب على نفسه الرّحمة، و بالأَجل الأَمد المعيّن و الوقت المقدر عنده تعالى.

و في «الكافي» أيضاً عن الحسين بن محمّد بن معلّى بن محمّد قال: سئل العالم عَلیْهِ السَّلَامْ


1) المحاسن: 244/1 ح 236، و بحار الأنوار: 121/5 ح 65.

كيف علم الله؟ قال: علم وشاء و أراد و قدر و قضى و أمضى، فأمضى ما قضى و قضى ما قدر و قدر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، و بمشيئته كانت الإرادة، و بإرادته كان التقدير، و بتقديره كان القضاء، و بقضائه كان الإمضاء (1)الحديث.

قال صدر المتألّهين في شرحه: هذا السّائل سأله عَلیْهِ السَّلَامْ عن كيفية علمه تعالى بالجزئيات الزّمانيّة و المكانيّة، فأجابه عَلیْهِ السَّلَامْ عنها بما أفاده من المراتب السّتة المرتب بعضها على بعض.

أوّلها: العلم، لأنَّه المبدأ الأَوّل لجميع الأَفعال الاختياريّة، فإنّ الفاعل المختار لا يصدر عنه فعل إلاّ بعد القصد و الإرادة، و لا يصدر عنه القصد و الإرادة إلاّ بعد تصور ما يدعوه إلى ذلك الميل و تلك الإرادة و التّصديق به تصديقاً جازماً أو ظنّاً راجحاً، فالعلم مبدأ مبادىء الأفعال الاختياريّة، و اعلم أن المراد بهذا العلم المقدم على المشيئة و الإرادة و ما بعدهما بحسب الاعتبار أو التحقق هو العلم الأَزلي الذاتي الإلهيّ أو القضائي المحفوظ عن التغير، فينبعث منه ما بعده و أشار إليه بقوله: علم، أي علم دائماً عن غير زوال و تبدل.

و ثانيها: المشيئة، و المراد بها مطلق الإرادة سواء بلغت حدّ العزم و الإجماع أم لا، و قد تنفك المشيئة فينا عن الإرادة الجازمة كما نشتاق أو نشتهي شيئاً و لا تعزم على فعله لمانع عقليّ أو شرعي و إليها أشار بقوله: وشاء.

و ثالثها: الإرادة، و هي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوّره و تصور غاية المترتبة عليه من خير أو نفع أو لذة، لكن الله بريء عن أن يفعل لأَجل غرض يعود إلى ذاته و إليها الإشارة بقوله: (أراد).

و رابعها: التقدير، فإن الفاعل لفعل جزئي من أفعال طبيعة واحدة مشتركة إذا عزم على تكوينه في الخارج كما إذا عزم الإنسان على بناء بيت فلا بدّ قبل الشروع أن يعيّن مكانه الذي يبني عليه، و زمانه الذي يشرع فيه، و مقداره الذي يكوّنه عليه من كبر أو صغر أو طول أو عرض، و شكله و وصفه و لونه و غير ذلك من صفاته و أحواله، و هذه كلّها داخلة في التقدير.

و خامسها: القضاء، و المراد هنا إيجاب الفعل و اقتضاء الفعل من القوة الفاعلة المباشرة، فإن الشيء ما لم يجب لم يوجد، و هذه القوة الموجبة بوقوع الفعل منّا هي القوّة التي تقوم في العضلة و العصب من العضو الذي توقع القوّة الفاعلة فيها قبضاً و تشنجاً؛ أو بسطاً و إرخاء أوّلاً فتتبعه حركة العضو فتتبعه صورة الفعل في الخارج من كتابة أو بناء أو غيرهما، و الفرق بين هذا الإيجاب و بين وجود الفعل في العين كالفرق بين الميل الذي في المتحرك و بين حركته، و قد ينفك الميل كما تحس يدك من الحجر المسكن باليد في الهواء، و معنى هذا الإيجاب


1) الكافي: 1/ 148 ح 16، و شرح أصول الكافي: 251/4 ح 16.

و الميل من القوة المحرّكة أنه لو لا هناك اتفاق مانع أو دافع من خارج لوقعت الحركة ضرورة إذ لم يبق من جانب الفاعل شيء منتظر فقوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (وقضى)، إشارة إلى هذا الاقتضاء و الإيجاب الذي ذكرنا أنه لا بد من تحققه قبل الفعل قبلية بالذات لا بالزمان إلاّ أن يدفعه دافع من خارج، و ليس المراد منه القضاء الأزلي لأَنه نفس العلم، و مرتبة العلم قبل المشيئة و الإرادة و التقدير.

و سادسها: نفس الإيجاد و هو أيضاً متقدّم على وجود الشيء المقدّر في الخارج و لهذا يعدّه أهل اعلم و التحقيق من المراتب السّابقة على الوجود الممكن في الخارج فيقال: أوجب فوجب، فأوجد فوجد.

فإن قلت: أليس الإيجاد و الوجود و كذا الإيجاب و الوجوب متضايفين و المتضايفان معان في الوجود؟

قلت: المتضايفان و إن كانا من حيث مفهوميهما الإضافين و من حيث اتصاف الذاتين بهما معاً كما ذكرت، لكن المراد ههنا ليس حال المفهومين، فإن كلا من الموجد بالفعل أو المقتضى أو المحرك قد يراد به المعنى الإضافي و المفهوم النّسبي و حكمه كما ذكرت من كون تحققه مع تحقق ما أضيف إليه من حيث إنه أضيف إليه، و قد يراد به كون الشيء بحيث يكون وجوده مستتبعاً لوجود شيء آخر و هذا الكون لا محالة متقدم على كون شيء آخر هو تابعه و مقتضاه الموجود بسبب هذا الاقتضاء أو الإيجاد.

كما في تحريك اليد بحركتها للمفتاح، تقول: تحرك اليد فتحرك المفتاح فإن (الفاء) تدل على الترتيب و إن كانا معاً في الزّمان و ربما يتقدّم المقتضي على المقتضي زماناً في عالم الاتفاقات إذا كان هناك مانع من خارج كما في المثال الذي ذكرناه.

و كما في اقتضاء الشمس لإضاءة ما يحاذيها من وجه الأََرض فحال بينهما حائل، فعدم استضاءة ذلك الموضع ليس لأَجل فتور أو نقصان في جانب المقتضي، لأَن حاله في الاقتضاء و الإضاءة لم يتغيّر عما كان، و إنّما التخلف في الاستضاءة لأَجل شيء من جانب القابل، فقوله عَلیْهِ السَّلَامْ: فأمضى إشارة إلى هذا الإيجاد الذي بيّنا أنه قبل الوجود و الصدور.

المقام الثاني

في تحقيق أن المشيئة و الإرادة من صفات الفعل لا من صفات الذات، و توضيح ذلك موقوف على رسم مقدّمة متضمنة لقاعدة كلّية بها يعرف الفرق بين صفات الذات و صفات الفعل، و قد أشار إليها ثقة الإسلام الكليني عطّر الله مضجعه في «الكافي» أيضاً و هي:

أن الفرق بينهما من وجوه ثلاثة:

الأوّل: أن كلّ صفة وجودية لها مقابل و جودي فهي من صفات الفعل لا من صفات الذات، لأَن صفاته الذاتية كلّها عين ذاته و ذاته مما لا ضدّ له، فكذلك كلّما هو عين ذاته، مثال ذلك أنّك تقول: إن الله سبحانه رضي و سخط و أحب و أبغض و أحيى و أمات، و هكذا و لا يجوز أن تقول : علم و جهل و قدر و عجز و عزّ و ذلّ، فبذلك يعرف أن الحب و الإحياء و الرّضا من صفات الفعل لأَن البغض و الإماتة و السّخط مقابلاتها ناقضات لها، فلو كانت من صفات الذّات لزم أن يكون مقابلاتها ناقضات للّذات الأَحدية و هو محال، لأنّه لا ضدّ له كما لا ندّ له فاتصاف ذاته بصفتين ذاتيّتين متقابلتين محال.

الثّاني: أن كلّ صفة صحّ تعلق القدرة بها فهي من صفات الفعل و كلّما لا تصح تعلّقها بها فهي صفة الذات، و ذلك لأَن القدرة صفة ذاتية تتعلّق بالممكنات لا غير، فلا تتعلّق بالواجب و لا بالممتنع، فكل ما هو صفة الذات فهو أزليّ غير مقدور و كلُّ ما هو صفة الفعل فهو ممكن مقدور فيصح أن تقول: يقدر أن يخلق و أن لا يخلق و يقدر أن يميت و يحيي و أن يثيب و يعاقب و هكذا، و لا يصح أن تقول: يقدر أن يعلم و أن لا يعلم، لأنّ علمه بالأَشياء ضروري واجب بالذّات، و عدم علمه بها محال ممتنع بالذات و مصحّح المقدوريّة هو الإمكان، و مثله صفة الملك و العزة و العظمة و الكبرياء و الجلال و الجمال و الجبروت و أمثالها.

الثّالث: أنّ كلّ صفة صح تعلق الإرادة بها فهي صفة فعل، و ما لا يصحّ تعلّقها بها في صفة الذّات، و ذلك لأَن الإرادة من توابع القدرة إذ هي عبارة عن اختيار أحد طرفي المقدور و العزم عليه لأَجل تحقق الدّاعي، فما لا يكون مقدوراً لا يكون مراداً، و أيضاً الإرادة صفة فعل حادثة و الحادث لا يؤثر في القديم.

إذا عرفت هذه المقدمة الشريفة فأقول:

إن الإرادة كما حققه صدر المتألهين في شرح «الكافي» تطلق على معنيين:

أحدهما: ما يفهمه الجمهور، و هو الذي ضدّه الكراهة، و هي التي قد تحصل فينا عقيب تصور الشيء الملائم و عقيب التردد حتى يترجح عندنا الأمر الداعي إلى الفعل أو الترك فيصدر أحدهما منا، و هذا المعنى فينا من الصفات النفسانية، و هي و الكراهة فينا كالشهوة و الغضب فينا، و هذا المعنى لا يجوز على الله سبحانه، بل إرادته نفس صدور الأَفعال الحسنة منه من جهة علمه بوجه الخير و كراهته عدم صدور الفعل القبيح من جهة علمه بقبحه.

كما قال المفيد (رَحِمَه اللهُ): إن الإرادة من الله جلّ اسمه نفس الفعل و من الخلق الضمير و أشباهه مما لا يجوز إلاّ على ذوي الحاجة و النقص و ذلك لأن العقول شاهدة بأن القصد لا يكون إلاّ بقلب كما لا تكون الشهوة و المحبة إلا لذي قلب و لا تصح النّية و الضمير و العزم إلا على ذي خاطر يضطر معه في الفعل الذي يقلب عليه إلى الإرادة له و النيّة فيه و العزم و لما كان

الله تعالى يجل عن الحاجات و يستحيل عليه الوصف بالجوارح و الأدوات و لا تجوز عليه الدّواعي و الخطرات، بطل أن يكون محتاجاً في الأَفعال إلى القصود و العزمات، و ثبت أنّ وصفها بالإرادة مخالف في معناه لوصف العباد و أنها نفس فعله الأََشياء و بذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى.

ثم أورد رواية صفوان بن يحيى قال: قلت لأَبي الحسن عَلیْهِ السَّلَامْ: أخبرني عن الإرادة من الله و من الخلق؟ قال: فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، و أما من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأَنه تعالى لا يروّي و لا يتفكر و لا يهمّ و هذه الصّفات منتفية عنه و هي صفات الخلق فإرادة الله تعالى الفعل يقول له كن فيكون بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همة و لا تفكر و لا كيف لذلك كما لا كيف له تعالى (1)

المعنى الثاني: للإرادة كون ذاته سبحانه بحيث تصدر عنه الأَشياء لأَجل علمه بنظام الخير فيها التابع لعلمه بذاته، لا كإنباع الضوء للمضيء و السخونة للمسخن، و لا كفعل الطبائع لا عن علم و شعور، و لا كفعل المجبورين و المسخّرين، و لا كفعل المختارين بقصد زائد أو إرادة ظنيّة تحتمل الطرف المقابل.

و قد تحقّقت أن قيوم الكلّ إنّما يفعل الكلّ عن علم هو نفس ذاته العليم الذي هو أتمّ العلوم، فإذا هو سبحانه فاعل للأَشياء كلّها بإرادة ترجع إلى علمه بذاته المتتبع لعلمه بغيره المقتضي لوجود غيره في الخارج لا لغرض زائد و جلب منفعة أو طلب محمدة أو ثناء أو التخلّص من مذمّة، بل غاية فعله محبة ذاته فهذه الأَشياء الصادرة عنه كلّها مرادة لأَجل ذاته لأَنها من توابع ذاته و علمه بذاته، فلو كنت تعشق شيئاً لكان ما يصدر عنه معشوقاً لك لأَجل ذلك الشّيء.

و إليه الإشارة بما ورد في الحديث الإلهي عن نفسه: كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف.

و إذا ظهر لك ذلك اتضح عندك أنّ الإرادة بالمعنى الثاني لا غبار على كونها من صفات الذّات لكونها عبارة أخرى للعلم بالأَصلح و النّظام الخير و العلم صفة ذات له سبحانه، و بالمعنى الأول هي صفة فعل و لذلك صحّ سلبها عنه سبحانه.

و يشهد به ما رواه في «الكافي» بإسناده عن عاصم بن حميد عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: قلت: لم يزل الله مريداً قال: إنّ المريد لا يكون إلا المراد معه، لم يزل الله عالماً قادراً ثم أراد (2)


1) الكافي: 1/ 109 ح 3، و أوائل المقالات: 369.

2) تفسير نور الثقلين: 397/4 ح 97، و زبدة الأصول: 197/1.

فإنّه كما ترى يدلّ على كونها من الصّفات الإضافيّة المتجدّدة كخالقيته تعالى و رازقيّته، و تشهد به أخبار أخرى أيضاً لا حاجة إلى إيرادها بعد وضوح المراد.

المقام الثالث

في تحقيق الحديث المعروف المروي في«الکافی» عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبي عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ قال: خلق الله المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة.

و قد ذكروا في تأويله وجوهاً أشار إليها المحدث العلامة المجلسي طاب رمسه في «مرآة العقول».

الأوّل: أن لا يكون المراد بالمشيئة الإرادة بل إحدى مراتب التّقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشّيء، كالتّقدير في اللّوح مثلاً و الإثبات فيه، فإن اللّوح و ما أثبت فيه لم يحصل بتقدير أخر في لوح سوى ذلك اللّوح و إنما وجد سائر الأَشياء بما قدّر في ذلك اللّوح و ربما يلوح هذا المعنى من بعض الأَخبار، و على هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير.

الثّاني: أن يكون خلق المشيئة بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقفة على تعلّق إرادة أخرى بها، فتكون نسبة الخلق إليها مجازاً عن تحققها بنفسها منزعة عن ذاته تعالى بلا توقف على مشيئة أخرى، أو إنه كناية عن أنّه اقتضى علمه الكامل و حكمته الشّاملة كون جميع الأَشياء حاصلة بالعلم بالأَصلح، فالمعنى أنه لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شيء إلاّ على الوجه الأَصلح الأَكمل فلذا لا يصدر شيء عنه تعالى إلاّ بإرادته المقتضية لذلك.

الثّالث: ما ذكره السّيد داماد قدس الله روحه و هو: أن المراد بالمشيئة هنا مشيئة العباد لأَفعالهم الاختيارية، لتقدّسه تعالى عن مشيئة مخلوقة زائدة على ذاته عزّ و جلّ و بالأَشياء أفاعيلهم المترتب وجودها على تلك المشيئة، و بذلك تنحل شبهة ربما أوردت ههنا، و هي: أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى و تسلسلت الإرادات لا إلى نهاية.

الرّابع: ما ذكره بعض الأَفاضل وهو: أن للمشيئة معنيين:

أحدهما: متعلّق بالشّائي و هي صفة كمالية قديمة هي نفس ذاته سبحانه، و هي كون ذاته سبحانه بحيث يختار ما هو الخير و الصلاح.

و الآخر: يتعلّق بالمشيء و هو حادث بحدوث المخلوقات لا تتخلف المخلوقات عنه، و هو إيجاده سبحانه إيّاها بحسب اختياره، و ليست صفة زائدة على ذاته عزّ و جلّ و على

المخلوقات بل هي نسبة بينهما تحدث بحدوث المخلوقات لفرعيتها على المنتسبين معاً فلنقول إنه لما كان لههنا مظنة شبهة هي: أنه إن كان الله عزّ و جلّ خلق الأَشياء بالمشيئة فبم خلق المشيئة أبمشيئة أخرى فيلزم أن تكون قبل كل مشيئة مشيئة إلى ما لا نهاية له، فأفاد الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ أن الأَشياء مخلوقة بالمشيئة و أما المشيئة نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشيئة أخرى، بل هي مخلوقة بنفسها لأَنها إضافة و نسبة بين الشائي و المشيء تتحصل بوجوديهما العيني و العلمي، و لذا أضاف خلقها إلى الله سبحانه لأَنّ كل الوجودين له و فيه و منه، و في قوله: بنفسها، دون أن يقول بنفسه إشارة لطيفة إلى ذلك، نظير ذلك ما يقال: إن الأَشياء إنما توجد بالوجود و أما الوجود نفسه فلا يفتقر على وجود آخر بل إنما يوجد بنفسه.

الخامس: ما ذكره بعض المحققين بعدما حقق: أن إرادة الله المتحققة المتجددة هي نفس أفعاله المتجددة الكائنة الفاسدة، فإرادته لكلّ حادث بالمعنى الإضافة يرجع إلى إيجاده، و بمعنى المرادية ترجع إلى وجوده.

قال: نحن إذا فعلنا شيئاً بقدرتنا و اختيارنا فأردناه أوّلاً ثم فعلناه بسبب الإرادة فالإرادة نشأت من أنفسنا بذاتها لا بإرادة أخرى و إلا لتسلسل الأمر لا إلى نهاية فالإرادة مرادة لذاتها و الفعل مراد بالإرادة، و كذا الشهوة في الحيوان مشتهاة لذاتها لذيذة بنفسها و سائر الأَشياء مرغوبة بالشهوة.

فعلى هذا المثال حال مشيئة الله المخلوقة و هى وجودات الأَشياء، فإن الوجود خير و مؤثر لذاته و مجعول بنفسه و الأَشياء بالوجود موجودة و الوجود مشيء بالذات و الأشياء مشيئة بالوجود، و كما أن الوجود حقيقة واحدة متفاوتة بالشّدة و الضعف و الكمال و النقص، فكذا الخيرية و المشيئة، و ليس الخير المحض الذي لا يشوبه شرّ إلاّ الوجود البحث الذي لا يمازجه عدم و نقص، و هو ذات الباري جلّ مجده فهو المراد الحقيقي إلى آخر ما حققه.

قال المحدّث المجلسي (رَحِمَه اللهُ) بعد إيراد هذه الوجوه: و الأَوفق بأصولنا هو الوجه الأوّل.

أقول: بل ما سوى الوجه الأَخير كلها أوفق و إن كانت متفاوتة بالقرب و البعد، و إنما الوجه الأخير الذي مرجعه إلى القول بوحدة الوجود مخالف للأَخبار و أصول الأئمة الأطهار سلام الله عليهم ما تعاقب اللّيل و النّهار، و الله العالم بحقائق صفاته و المتعالي عن مجانسة مخلوقاته.

الترجمة

بعضی دیگر از آن خطبه شریفه این است که فرموده:

تقدیر کرده خداوند تعالی هر چیزی را که آفریده، پس محکم گردانیده اندازه و تقدیر آن را و تدبیر نموده هر چیزی را که خلق فرموده، پس لطیف گردانیده تدبیر آن را و توجیه نموده هر شیء را به سوی جهت خود، پس تجاوز ننمود آن شیء از حد و سدّ مکان خود و قاصر نشد نزد منتهی نشدن به غایت خود و صعب و دشوار نشمرد آن چه که ایجاد فرمود مضی بر وفق اراده او را وقتی که مامور شد به این و چطور می باشد که دشوار شمارد و حال آن که جمیع امور صادر شده از مشیت قاهره خداوندی که انشاء و ایجاد فرموده اصناف و احساس اشیاء را بدون رویه و فکری که رجوع نماید به آن و بدون استنباط طبیعتی که اضمار نماید و به غایت برسد در آن و بدون تجربه که استفاده نموده باشد آن را از حوادثات روزگار و بی شريك و معاونی که اعانت و یاری نماید او را بر ایجاد عجائب امورات.

پس تمام شد مخلوق او سبحانه و گردن نهاد به فرمان برداری او و اجابت نمود به سوی دعوت او در حالتی که حایل نشد نزد نفاذ امر او دیر کردن دیر کننده و نه توقف نمودن توقف نماینده، پس راست فرمود از اشیاء کجی آن ها را و روشن نمود حدود آن ها را و الفت داد با قدرت خویش در میان اضداد آن ها و متصل ساخت اسباب نفوس آن ها را و متفرق نمود آن ها را به اقسام مختلفه گوناگون در نهايات و مقادیر و در طبیعت ها و هیئت ها، عجایب مخلوقاتی که محکم گردانید صنعت آن ها را و آفرید آن ها را بر وجهی که اراده کرده و ابداع فرموده آن ها را از كتم عدم با قدرت کامله و حکمت شامله.

و الفصل الرابع

اشارة

منها في صفَة السَّماء: و نَظَمَ بلا تَعلقٍٍِ رَهَواتِ فُرَجِها، وَ لاحَمَ صُدُوعَ انْفِراجِها، و وشّجَ بَيْنَها و بَيْنَ أَزْواجِهَا، و ذَلَّلَ لِلهابِِطينَ بأَمْرِهِ وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِها، و ناداها بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرى أَشْراجِها، و فَتَقَ بَعْدَ الارْتِتاقِ صَوامِت أَبْوابها،و أقامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّواقِبِ عَلَى نِقابها، و أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَواءِ بِأَيْدِهِ، و أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةَ لَأَمْرِهِ، وَ جَعَلَ شَمْسَها آيةً مُبْصِرَةً لِنَهارِها، و قَمَرَها آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِها، و أجريهُما في مَناقِلِ مَجْرِيهُما، و قَدَّر مَسيرَهُما في مَدارِج دَرَجِها، لِيُمَيِّزَ بَينَ اللَّيْلِِ وَ النَّهَارِ بِهِما، و لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنينِ وَ الْحِسَابُ بِمَقاديرِهِما ، ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّها فَلَكها، وَناطَ بِها زِينَتَها مِنْ خَفِيَّاتِ دَرارِيِّها، و مَصابيح كَواكِيها، ورَمى مُسْتَرِِقَ السَّمْعِِ بِثَواقِبِ شُهُبِها، و أَجراها عَلى أَذْلالِ تَسْخيرها، مِنْ ثباتِ ثابِتِها، و مسيرِ سائِرِها، و هُبُوطِها وَ صُعُودِهَا، و نُحوسِها و سُعودِها (1)

اللغة

(الرّهوات) جمع رهوة و هي المكان المرتفع و المنخفض أيضاً یجتمع فیه ماء المطر، و هو من الأضداد، و عن «النهایة» تفسیرها بالمواضع المنفتحة، و هو مأخوذ من قولهم: رها رجليه رهواً أي فتح و (الفرج ) جمع الفرجة و هي المكان الخالي و (لاحم) ألصق و (الصدع) الشق و (وشّج) بتشديد الشين فالجيم المعجمة شبّك و (ذلل) البعير جمله ذلولاً و هو ضد الصّعب الذي لا ينقاد من الذل بالكسر و هو اللّين و (الحزونة) خلاف السّهولة و (المعراج) السّلّم و المصعد و (العروة) من الدّلو و الكوز المقبض و من الثوب أخت زرّه كالعرى و يكسر و (الأَشراج) جمع الشّرج محركة كالأَسباب و السّبب،و هي العروة للعيبة وقيل: و قد تطلق الأشراج على حروف العيبة التي تخاط و هو الأَنسب في المقام.

قال الشارح المعتزلي: و تسمّى مجرّة السّماء شرجاً تشبيهاً بشرج العيبة و أشراج الوادي ما انفسح منه و انشق و (فتق) الثوب فتقاً شقه و نقض خياطته حتّى انفصل بعضه عن بعض و (الرتق) ضد الفتق و (صوامت) الأَبواب مغلقاتها و (الرصد) جمع راصد كخدم و خادم أو اسم جمع و يكون مصدراً كالرّصد بالفتح، و الرّاصد هو القاعد على الطريق منتظراً لغيره للاستلاب أو المنع، و المرصاد الطريق و المكان يرصد فيه العدوّ و أرصدت له أعددت.

و (النقاب) بالكسر جمع نقب كسهام و سهم و هو الثقب و الخرق و الطريق في الجبل


1) فرج المهموم 56، و بحار الأنوار: 109/54.

و (المور) الموج و الاضطراب و الحركة قال تعالى: يوم تمور السّماء موراً و (الخرق) يكون بمعنى الثقب في الحائط و الشق في الثوب و غيره، و هو في الأَصل مصدر خرقته إذا قطعته و مزقته، يكون بمعنى القفر و الأَرض الواسعة تتخرق فيها الرّياح أي تهب و تشتدّ و (الهواء) يقال: للجسم الذي هو أحد العناصر و يقال: لكل خال قال سبحانه: و أفئدتهم هواء، أي خالية من العقل أو الخير و (الأيد) القوة و (المنقل) في الأَصل الطريق في الجبل و (المدارج) جمع المدرج و هو المسلك و (درج) الصّبي دروجاً و درجاناً مشى و درجهما بالتّحريك الطريق، و في بعض النسخ درجبهما بصيغة التثنية، و في نسخة الشارح البحراني درجتهما بالتّاء الفوقانية.

و (الجو) الهواء و (النياط) التعليق و (الدّراري) الكواكب المضيئة جمع الدّري بتثليث الدّال نسبت إلى الدرّ لبياضها، و عن الفراء الكوكب الدّري عند العرب عظيم المقدار،وقيل: هو أحد الكواكب الخمسة السيارة، و لا يخفى أن وصفه عَلیْهِ السَّلَامْ الدّراري بالخفيات ينافي القولين ظاهراً و (مسترق السمع) المستمع مختفياً، و في النسخ مسترقي السّمع بصيغة الجمع و (الأَذلال) بفتح الألف و الذال المعجمة جمع الذل بالكسر يقال: أمور الله جارية أذلالها بالنصب و على أذلالها أي مجاريها و يقال: دعه على إذلاله أي حاله بلا واحد و جاء على إذلاله أي وجهه.

الإعراب

قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِی دُخَانٌ، قال الشارح المعتزلي: روي بإضافة (بعد) إلى (إذ)، و روي بضم بعد أي و ناداها بعد ذلك إذ هي دخان و الأوّل أحسن و أصوب، لأنّها على الضّم تكون دخاناً بعد فتور رهوات فروجها و ملائمة صدوعها و الحال تقتضي أن دخانيّتها قبل ذلك لا بعده (ا ه).

و قوله: وَ أَمْسَکَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِی خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَیدِهِ الظرف الأَوّل أعني في خرق الهواء يجوز تعلّقه بأمسك و يجوز تعلقه بتمور، و أما الثّاني فهو متعلّق بالإمساك لا غير، و من في قوله: (من ليلها) إما لابتداء الغاية أو لبيان الجنس و تتعلّق بممحوة أو بجعل، و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (ثُمَّ عَلَّقَ فِی جَوِْهَا فَلَکَهَا) الظاهر كون (ثم) هنا للترتيب الذكري، وَ مِنْ خَفِیَّاتِ دَرَارِیِّهَا إما متعلق بناط أو بيان للزينة.

المعنى

اعلم أنه عَلیْهِ السَّلَامْ لما ذكر في الفصل السّابع عظمة قدرة الله سبحانه في الخلق و التقدير و اللّطف و التدبير كمال حكمته في الفطر و الإبداع و الإيجاد و الاختراع على نحو الإجمال و الإطلاق، عقبه بهذا الفصل المتضمن لعجيب خلقة السماء و بديع ما أودعه فيها لدلالتها

المخصوصة على عظمة بارئها، و شهادتها المحسوسة على قدرة صانعها و كفايتها للمستبصر و غنيتها للمستهدي، و قد مرّ في تذييلات الفصل الثامن من فصول الخطبة الأولى ما فيه كفاية لشرح هذا المقام و دراية لذوي الأَفهام إلاّ أنّا نعيد هنا بعض ما قدّمناه هناك و نزيد لههنا بعض ما لم نورده ثمة باقتضاء المقام و توضيحاً لكلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ فأقول:

قال: وَ نَظَمَ بِلا تَعْلِیقٍ رَهَواتِ فُرَجِها أي: جمع و ألف أجزاء السماء المنفرجة المتصفة بالارتفاع و الانخفاض فسوّاها بقدرته الكاملة من غير أن يعلق بعضها ببعض بخياطة و علاقة كما ينظم الإنسان ثوباً بثوب أو نحوهما بالقيد و التعليق، و هو مناسب لما مر في شرح الخطبة الأولى من أن مادتها الدّخان المرتفع من الماء إذ مثل ذلك يكون قطعاً ذات فرج.

و أما ما في شرح البحراني من تأويل ذلك بتباين أجزاء المركب لو لا التركيب و التأليف،أو بالفواصل التي كانت بين أطباق السماوات فخلقها الله سبحانه أكراً متماسّة لا خلا بينها، فمبني على قواعد الفلاسفة و تقليدهم وَ لاحَمَ صُدُوعَ انْفِراجِها هذا العطف بمنزلة التفسير و التّوكيد للجملة السابقة أي ألصق أجزاءها ذوات الصدوع بعضها ببعض و إضافة الصّدوع إلى الانفراج من إضافة الخاص إلى العام (وَ وَشَّجَ بَیْنَها وَ بَیْنَ أَزْواجِها﴾ أي شبّك بينهما.

قال الشارح البحراني: أراد بأزواجها نفوسها التي هي الملائكة السّماوية بمعنى قرائنها و كل قرين زوج أي ربط ما بينها و بين نفوسها بقبول كلّ جرم سماوي لنفسه التي لا يقبلها غيره.

و أورد عليه المحدث العلامة المجلسي (رَحِمَه اللهُ) بأن القول يكون السّماوات حيوانات ذات نفوس مخالف للمشهور بين أهل الإسلام، بل نقل السّيد المرتضى رضي الله عنه إجماع المسلمين على أن الأَفلاك لا شعور لها و لا إرادة، بل هي أجسام جمادية يحرّكها خالقها.

ثم قال (رَحِمَه اللهُ): و يمكن أن يراد بالأزواج الملائكة الموكلون بها، أو القاطنون فيها، أو المراد أشباهها من الكواكب و الأَفلاك الجزئية، و يمكن أن يكون المراد أشباهها في الجسمية و الإمكان من الأَرضيات و يناسب ما جرى على الأََلسن من تشبيه العلويات بالآباء و السّفليّات بالأمهات وَ ذَلَّلَ لِلْهابِطِینَ بِأَمْرِهِ وَ الصّاعِدِینَ بِأَعْمالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْراجِها أي ذلل للملائكة النّازلين بأمره التّكوينيّ و التشريعي و للكرام الكاتبين الصّاعدين بأعمال خلقه حزونة المعراج إلى السماء.

و قد تقدم شرح حال الفرقة الأولى أعني المدبّرات أمراً في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى و شرح حال الفرقة الثانية في شرح الفصل الأوّل من الخطبة الثانية و العشرين في المقام الثاني من تكملة ذلك الفصل، هذا.

و قال الشارح البحراني في شرح هذه الفقرة: قد سبقت الإشارة إلى أن الملائكة ليست

أجساماً كسائر الحيوان، فإذا أليس هبوطها و صعودها الهبوط و الصعود المحسوسين؟ ، و إلا لكان الباري جلّ قدسه عن أوهام المتوهّمين في جهة إليه يصعد و عنه ينزل، فإذا هو استعارة لفظ النزول من الجهة المحسوسة إلى أسفل للنزول المعقول من سماء جود الإلهي إلى أراضي المواد القابلة للإفاضات العالية، و بذلك المعنى يكون هبوط الملائكة عبارة عن إيصالها إلى كل ما دونها كماله متوسطة بينه و بين مبدعه و موجده و هم المرسلون من الملائكة بالوحي و غيره، و كذلك الصاعدون بأعمال الخلق هم الملائكة أيضاً.

و أما معنى الصّعود بها فيعود إلى كونها منقوشة في ذوات الصّاعدين بها، و قد لاح فيما سبق أنّ علمه تعالى بمعلولاته البعيدة كالزمانيات و المعدومات التي من شأنها أن توجد في وقت و تتعلق بزمان يكون بارتسام صورها المعقولة في تلك الأَلواح، و هو أيضاً مستعار كلفظ الهبوط للمعنى الذي ذكرناه من أراضي النفوس إلى الأَلواح.

فأمّا الانفراج الذي ذلل حزونته لهم و سهل عليهم سلوكه فيعود إلى عدم حجبها و منعها لنفوذ علوم الملائكة بأعمال الخلائق و ما يجري في هذا العالم، و كما أن الجسم المتصدع لا يمنع نفوذ جسم آخر فيه من حيث هو متصدّع و الوصول إلى ما ورائه، كذلك السّماء لا تحجب علوم الملائكة أن تتعلق بما في هذا العالم من الموجودات، فجرت مجرى المنفرج من الأَجسام فأطلق عليه لفظ الانفراج و تذليله لحزونة ذلك الانفراج لهم هو كونها غير مانعة بوجه لجريان علوم الملائكة المقربين في هذا العالم.

أقول: و أنت خبير بما فيه، فإن ما ذكره كله تأويل لا داعي إليه موجب لطرح ظواهر الآيات المتوافرة و نصوص الأخبار المتواترة المثبتة للهبوط و الصعود المحسوسين للملائكة، بعيد عن لسان الشريعة، و إنما دعاه إلى ذلك استيناسه بحكمة الفلاسفة المخالفة للكتاب و السنّة.

وَ ناداها بَعْدَ إِذْ هِیَ دُخانٌ فالْتَحَمَتْ عُرَی أَشْراجِها المراد بندائها حكمه و أمره التكويني النافذ فيها بالوجود بالتحام على أشراجها تمام خلقها و فيضان الصور السماوية عليها، و ذلك باعتبار تركيبها و انضمام جزئها الصوري إلى جزئها المادي كما يلتحم طرفا العيبة بتشريج عراها، و فيه تلميح إلى قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَ هِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَابِعِينَ 11فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [فصلت: 11- 12]. فقوله عَلیْهِ السَّلَام: (و ناداها) إشارة إلى قوله: ائتيا طوعاً أو كرهاً، و قوله عَلیْهِ السَّلَام: بَعْدَ إِذْ هِی دُخَانٌ، موافق لقوله و هي دخان، و قوله عَلیْهِ السَّلَام: ( فالتحمت) (اه) مساوق لقوله: فقضيهن الآية.

قال البيضاوي في تفسيرها: قصد نحو السماء و هي دخان أمر ظلماني، و لعله أراد به مادتها و الأجزاء المتفرقة التي ركبت منها، فقال لها و للأرض ائتيا بما خلقت فيكما من التأثير و التأثر و إبراز ما أودعتكما من الأَوضاع المختلفة و الكائنات المتنوعة أو ائتيا في الوجود أو إتيان السماء حدوثها و إتيان الأَرض أن تصير مدحوة، طوعاً أو كرهاً شئتما ذلك أو أبيتما، و المراد إظهار قدرته و وجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع و الكره لهما. قالتا: أتينا طائعين منقادين بالذات و الأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما و تأثرهما بالذات عنها و تمثيلها بأمر المطاع و إجابة المطيع الطائع كقوله: كن فيكون، فقضيهن سبع سموات خلقهن خلقاً إبداعيّاً و أتقن أمرهن.

و قال الطبرسي في «مجمع البيان» أي ثم قصد إلى خلق السماء و كانت السماء دخاناً، و قال ابن عباس: كانت بخار الأَرض و أصل الاستواء الاستقامة، و القصد التدبير المستقيم تسوية له:

فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [فصلت: 11]. قال ابن عباس أتت السماء بما فيها من الشمس و القمر و النجوم، و أنت الأَرض بما فيها من الأَنهار و الأَشجار و الثمار و ليس هناك أمر بالقول على الحقيقة و لا جواب لذلك القول بل أخبر الله سبحانه عن اختراعه السّماوات و الأَرض و إنشائه لهما من غير تعذر و لا كلفة و لا مشقة بمنزلة ما يقال للمأمور افعل فيفعل من غير تلبث و لا توقف فعبر عن ذلك بالأَمر و الطاعة و هو كقوله:

إِنَّمَا أَمْرُهُ: إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس: 82]. و إنما قال أتينا طائعين و لم يقل أتينا طائعتين لأَن المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء وقيل: إنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال:

وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 33]. وفتق بعد الارتناق صوامت أبوابها و هو إما كناية عن إيجاد الأبواب فيها و خرقها بعد ما كانت رتقاً لا باب فيها، أو فتح الأَبواب المخلوقة فيها حين إيجادها، و هذه الأَبواب هي التی منها عروج الملائكة و هبوطها و صعود أعمال العباد و أدعيتهم و أرواحهم كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَایَتِنَا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف: 40]. أو التي تنزل منها الأَمطار كما أشار إليه بقوله:

فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر: 11]. و يؤيد الأَخير ما رواه الطبرسي (رَحِمَه اللهُ) في تفسير قوله سبحانه:

أَوَ لَمْ يَرَ الََّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا [الأنبياء: 30]. عن أبي جعفر و أبي عبد الله عَلیْهِما السَّلَامْ و عكرمة و عطية و ابن زيد: أنّ السماء كانت رتقاً لا تمطر و الأرض رتقاً لا تنبت ففتقنا السماء بالمطر و الأرض بالنبات، هذا (1)

و لا يخفى عليك أنه بعد دلالة كلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ كغير واحد من الآيات و الأَخبار على أن للسماء أبواباً لا يعباً بما قاله الفلاسفة من استحالة الخرق و الالتِئام على الفلك المبتنية على قواعدهم الفاسدة و عقولهم الكاسدة.

و لعل الشارح البحراني ألجأه التقليد بهم إلى تأويل كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ في هذا المقام بما لا ينافي أصولهم حيث قال: و افتتاق صوامت أبوابها بعد الارتتاق هو جعلها أسباباً لنزول رحمته مدبرات تنزل بواسطة حركاتها على هذا العالم أنواع رحمة الله فكانت حركاتها تشبه الأَبواب إذ هی أبواب رحمته و مفاتيح جوده.

و مثله ما ذكره في شرح قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ اَلشُّهُبِ اَلثَّوَاقِبِ عَلَی نِقَابِهَا حيث قال: إنه استعار لفظ النقاب لكونها بحيث لا يمنع تعلّق العلوم بما ورائها من الأَجسام و المجردات، و أنت خبير بأن كل ذلك تكلّف لا داعي إليه و الأَدلة على إمكان الخرق و وجود الأَبواب فوق حدّ الإحصاء، و لعلّنا نشبع الكلام في ذلك في مقام مناسب، و المهم الآن شرح معنى كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ على مقتضى أسلوبنا و سليقتنا المفادة من الآيات و الأخبار فأقول: مراده عَلیْهِ السَّلَامْ بنقابها طرائقها كما قال سبحانه:

و السَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [الذاريات: 7]. فالمقصود بذلك إقامة الشّهب و إرصادها على المرصاد لطرد الشياطين عن استراق السّمع كما حكى الله ذلك في سورة الجن بقوله:

وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَ شُهُبًا * وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِع الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: 8- 9]. قال الطبرسي: ثم حكى الله الجن و قولهم:

وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ [الجن: 8]. أي مسَنّاها، وقيل: طلبنا الصعود إلى السّماء فعبر عن ذلك بالمس مجازاً.


1) شرح أصول الكافي: 68/2، و بحار الأنوار: 13/54.

فَوَجَدْنَها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا [الجن: 8] أي حفظة من الملائكة شداداً وَ شُهُبًا [ الجن: 8]. و التقدير ملئت السّماء من الحرس و الشهب و هو جمع شهاب و هو نور يمتدّ من السّماء كالنار.

وَ أَنَا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ [الجن: 9]. أي لا ستراق السّمع أي كان يتهيّأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع فنسمع صوت الملائكة و كلامهم:

فَمَن يَسْتَمِع [الجن: 9] منا الْئَنَ [الجن: 9] ذلك يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا [الجن: 9]. یرمی به و يرصد له، و شهاباً مفعول به و رصداً صفته قال معمر: قلت للزّهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله:

وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا [الجن: 9]. الآية. قال: غلظ و شدّد أمرها حين بعث النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: وَ أَمْسَكَها مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَواءِ بِأَيْدِهِ أي أمسكها بقدرته و قوته من الحركة و الاضطراب في الهواء الذي هو أحد العناصر إذ لا دليل على انحصاره في الذي بين السماء و الأَرض في المكان الخالي الموهوم أو الموجود طبعاً أو قسراً، و المراد حركة أجزائها فيما بين السماء و الأرض و يؤيده قوله سبحانه:

وَ يُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج: 65]. و أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلمِةَ لأَمْر أي أمرها بالوقوف و القيام و أراد منها ذلك منقادة لإرادته كما قال تعالى: وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَآءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِِهِ [الروم: 25]. قال الطبرسي: بلا دعامة تدعمهما و لا علاقة تتعلّق بهما بأمره لهما بالقيام كقوله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ 40 [النحل: 40].

وقيل بأمره: أي بفعله و إمساكه إلا أن أفعال الله عز اسمه مضاف إليه بلفظ الأَمر لأَنه أبلغ في الاقتدار فإنّ قول القائل أراد فكان أو أمر فكان أبلغ في الدلالة على الاقتدار من أن يقول فعل فكان، و معنى القيام الثبات و الدّوام و جَعَلَ شَمسَها آیَةً مُبصِرَةً لِنَهارِها، و قَمَرِها آیَةً مَمحُوَّةً مِن لَیلِها هو مأخوذ من قوله سبحانه في سورة الأسرى أو الإسراء:

وَ جَعَلْنَا الََّيْلَ وَ النَّهَارَ ءَايَتَيْنِِ فَمَحَونَآ ءَايَةَ الََّيْلِِ وَ جَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِِّكُمْ

وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَضَّلْنَهُ تَفْصِيلًا(12) و فيه قولان:

أحدهما: أن يراد أنّ اللّيل و النهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل و آية النهار للتّبيين كإضافة العدد إلى المعدود، أي فمحونا الآية التي هی اللّيل فكانت مظلمة و جعلنا الآية التي هي النهار مبصرة.

و الثاني: أن يراد: و جعلنا آيتي اللّيل و النّهار أي نيّريهما آيتين، فيكون المراد بهما الشمس و القمر و ظاهر كلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ ربما يشعر بهذا القول، و يدل على القولين قوله سبحانه:

وَ مِنْ ءَايَتِهِ الََّيْلُ وَ النَّهَارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِِ وَ لَا لِلْقَمَرِِ وَ اسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: 37]. أمّا كون الأَوّلين آيتين فلأَنّ كلّ واحد منهما مضاد للآخر معاند له، فكونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدّلائل على أنّهما غير موجودين بالذات بل لا بدّ لهما من فاعل يدبّرهما و يقدّرهما بالمقادير المخصوصة، مضافاً إلى أن مقتضى التّضاد بين الشيئين أن يتفاسدا لا أن يتعاونا على سبيل المصالح، و هما مع تضادّهما و تنافيهما متعاونان على تحصيل منافع الخلق و مصالحهم، فلو لا اللّيل لما حصل السكون و الراحة، و لو لا النّهار لما أمكن الكسب و المعيشة، و لو لا الليل لفسدت الزراعات بالحرارة، و لو لا النّهار لفسدت بالبرودة، فهما من أقوى الآيات و أظهر البيّنات.

و أمّا كون الآخرين آيتين للصانع و دليلين على وجود القادر المختار فلأَن الأجسام متماثلة فاختصاصهما بالحركة الدّائمة دون السّكون لا بدّ له من مخصّص، و أيضاً أنّ كلّ واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفيّة معينة من البطوء و السّرعة فلا بدّ له أيضاً من مخصّص على أن تقدير تلك الحركات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها و دوراتها متساوية بحسب المدّة حالة عجيبة و صنعة بديعة لا بدّ لها من مدبّر مقدّر و مبدع مقتدر، هذا.

و أما المقصود بمحو آية اللّيل فلهم فيه قولان:

أحدهما: أنه هو ما يظهر في القمر من الزّيادة و النقصان في النور فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال ثم لا يزال يتزايد نوره حتّى يصير بدراً كاملاً، ثم يأخذ في الانتقاص قليلاً قليلاً و ذلك هو المحو إلى أن يعود إلى المحاق.

و الثّاني: أنه هو الكلف في وجه القمر و كونه مطموس النّور، فإنه بعدما كان مساوياً للشمس في الضوء و النّور أرسل الله جبرئيل فأمرّ جناحه على وجهه فطمس عنه الضوء، و معنى

المحو في اللّغة إذهاب الأثر، و قد استظهرنا هذا القول في التذييل السادس من تذييلات الفصل الثامن من فصول الخطبة الأولى ببعض الأَخبار التي أوردناها هناك.

و ربما يستظهر القول الأَول بقوله سبحانه:

لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ [الإسراء: 12]. لأن المحو إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله إذا حملناه على زيادة نور القمر و نقصانه فإن أهل التجارب تبينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم و مصالحها مثل أحوال البحار في المد و الجزر و مثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأَطباء في كتبهم و أيضاً بسبب زيادة نور القمر و نقصانه تحصل الشهور و بسبب معاودة الشهور تحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلة .

و أمّا المراد بجعل آية النهار مبصرة ففيه أيضاً قولان:

أحدهما: أن معنى كونها مبصرة كونها مضيئة نيّرة، قال الكسائي: العرب تقول: أبصر النّهار إذا أضاء أقول: و لعل ذلك من حيث إن الإضاءة لما كانت سبباً للأبصار فأَطلق اسم الأبصار على الإضاءة إطلاقاً لاسم المسبّب على السّبب.

و ثانيهما: أن المبصرة التي أهلها بصراء فيها قال أبو عبيدة يقال: قد أبصر النّهار إذا صار النّاس يبصرون فيه، كقولهم: رجل مخبت إذا كان أصحابه خبتاء و رجل مضعف إذا كان دوابه ضعفاء، هذا.

و بقي الكلام في إضافة اللّيل و النّهار إلى السماء في كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ، و وجهها أن استنادهما لما كان إلى حركة الفلك أضافها إليها لتلك المناسبة وَاجَراهُمَا في مَنَاقِلِ مجُريهُمَا وَ قَدَّرَ سَيَرهُمَا في مَدَارِجِ درجيهمَا أراد بالمناقل و المدارج منازل الشمس و القمر.

قال ابن عباس: للشمس مائة و ثمانون منزلاً كل يوم لها منزل و ذلك في ستة أشهر ثم إنها تعود إلى واحد منها في ستة أشهر مرّة أخرى، و القمر له

و تحقيق المقام أنهم قسّموا دور الفلك الذي تسير فيه الكواكب اثنا عشر قسماً و سموا كلّ قسم برجاً كما قال سبحانه:

وَ السَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: 1] و قال: تَبَارَكَ الََّذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجًا [الفرقان : 61]. قال الرازي: البروج هي القصور العالية سمّيت بروج الكواكب لأَنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها، ثمّ إنّهم قسّموا كلّ برج ثلاثين قسماً و سموا كلّ قسم درجة و سموا البروج بهذه الأَسماء:

«الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد: السنبلة، الميزان، العقرب، القوس،

الجدي، الدلو، الحوت»، و الشمس تسير كلّ برج منها في شهر واحد، فتحصل تمام دورتها لتلك البروج في سنة كاملة و به تحصل السنة و هي ثلاث مائة و خمسة و ستّون يوماً و شيء تنزل كلّ يوم في منزل و ما قاله ابن عباس في كلامه الذي حكيناه لعله مبنيّ على ما هو الشّائع في ألسنة النّاس من تقدير السنة بثلاث مائة و ستّين يوماً و إن لم يكن مطابقاً لشيء من حركتي الشّمس و القمر، فتأمل هذا.

و ما ذكرناه في سير الشمس إنّما هو بحسب حركتها الذاتية، و أما حركتها بسبب حركة الفلك الأَعظم فتتم في اليوم بليلته، و أمّا القمر فيسير كلّ برج في أزيد من يومين و نقص من ثلاثة أيّام و تمام دورتها في ثمانية و عشرين ليلة، و له في كلّ ليلة منزل.

فمنازله ثمانية و عشرون مسمّاة بتلك الأسماء:

الشرطين، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرفة، الجبهة،الديرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزبانا، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة،سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشا، و هو بطن الحوت (1) و إلى تلك المنازل أشير في قوله سبحانه:

وَ الْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: 39]. أي قدّرنا مسيره منازل أو سيره في منازل ينزل كلّ ليلة في واحدة منها، فإذا كان في آخر منازله دقّ و استقوس حتّى عاد كالعرجون أي كالشمراخ المعوج القديم العتيق.

قال نصير الملّة و الدّين (رَحِمَه اللهُ) في محكي كلامه من «التذكرة»: و أمّا منازل القمر فهي من الكواكب القريبة من منطقة البروج جعلها العرب علامات الأقسام الثمانية و العشرين التي قسّمت المنطقة بها لتكون مطابقة لعدد أيام دور القمر.

و قال الخفري في شرحه: و المراد من المنزل المسافة التي يقطعها القمر في يوم بليلته، و منازل القمر عند الهند سبعة و عشرون يوماً بليلة و ثلث، فحذفوا الثلث لكونه أقل من النّصف كما هو عادة أهل التنجيم.

و أما عند العرب فهي ثمانية و عشرون، لا لأَنّهم تمّموا الثلث واحداً كما قال البعض، بل لأَنَّه لمّا كان سنوهم لكونها باعتبار الأَهلّة مختلفة الأَوائل بوقوعها في وسط الصّيف تارة و في وسط الشّتاء أخرى، احتاجوا إلى ضبط سنة الشَّمس لمعرفة فصول السنة حتّى يشتغلوا في


1) بحار الأنوار: 136/55، و لسان العرب: 212/2- 213.

استقبال كلّ فصل منها بما يهمّهم، فنظروا إلى القمر فوجدوه يعود إلى وضع له من الشّمس في قريب من ثلاثين يوماً و يختفي في هذا الشّهر ليلتين أو أكثر أو أقل فأسقطوا يومين من الثلاثين فبقي ثمانية و عشرون و هو الزّمان الواقع في الأَغلب بين رؤيته في العشيات في أوّل الشّهر و رؤيته بالغدوات في آخره، فقسموا دور الفلك عليه، فكان كلّ منزل اثنتي عشرة درجة و إحدى و خمسين دقيقة تقريباً أي ستة أسباع درجة فتصيب كلّ برج منزلان و ثلث.

ثمّ وجدوا الشّمس تقطع كلّ منزل في ثلاثة عشر يوماً في التقريب فسارت المنازل في ثلاث مائة و أربعة و ستّين يوماً، لكن عودت الشمس إلى كلّ منزل إنّما تكون في ثلاث مائة و خمسة و ستّين يوماً، فزادوا يوماً في أيّام منازل غفر و قد يحتاج إلى زيادة للكبيسة حتّى تصير أيّامه خمسة عشر و يكون انقضاء أيّام السنة الشّمسية مع انقضاء أيّام المنازل و رجوع الأَمر إلى منزل جعل مبدأ.

ثم إنّهم جعلوا علامات المنازل من الكواكب الظاهرة القريبة من المنطقة مما يقارب ممرّ القمر أو يحاذيه، فيرى كلّ ليلة نازلاً بقرب أحدها فإن سترها يقال كفحه فكافحه أي واجهه فغلبه و لا يتفاءل به و إن لم يستره يقال: عدل القمر و يتفاءل به.

و قوله: لِیُمَیِّزَ بَینَ اللَّیلِ وَ النَّهارِ بِهِما و لِیُعلَمَ عَدَدُ السِّنینَ وَ الحِسابُ بِمَقادیرِهِما الظاهر كون التميز و العلم غايتين لمجموع الأَفعال السابقة على حد قوله سبحانه في سورة الأسرى:

وَ جَعَلْنَا الََّيْلَ وَ النَّهَارَ ءَايَتَيْنِِِ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ اللَََّيْلِِ وَ جَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَهُ تَفْصِيلًا [الإسراء: 12]. و قوله في سورة يونس: هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَ الْقَمَرَ نُورًا وَ قَدَّرَهُ مَنَازِِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسَابَ [يونس: 5].

و يحتمل كون التميز غاية للأَوّل و العلم غاية للأَخير أو الأَخيرين فيكون نشراً على ترتيب اللّف، و معناه على ذلك أنّه تعالى جعل الشمس آية مبصرة و القمر آية ممحوة ليحصل التميز بين الليل و النّهار بهما، و أجرى الشمس و القمر في منازلهما و قدّر سيرهما في مناقلهما ليحصل العلم بعدد السّنين و الحساب بمقادير سيرهما و تفاوت أحوالهما، هذا.

و المراد بالحساب حساب ما يحتاج إليه النّاس في أمور دينهم و دنياهم ليتمكّنوا بذلك من إتيان الحجّ و الصّوم و الصّلوات في أوقاتها، و يعرفوا عدة المطلقة و المتوفى عنها زوجها، و مدّة حلول آجال الدّيون و انقضائها، و يرتّبوا معاشهم بالزراعة و الحراثة و الفلاحة في ساعاتها و يهيّنوا مهمّات الشّتاء و الصّيف و ضروريّات العيش في آنائها إلى غير هذه ممّا يحتاجون إليها في الدّنيا و الدّين.

إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍٍ عَلَى النَّاسِِ وَ لَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [البقرة: 243].

ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّ فلَكَهَا هذه العبارة من مشكلات كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ. وجهة الإشكال فيها من ثلاثة وجوه:

أحدها: أنّه عَلیْهِ السَّلَامْ قال في صدر هذا الفصل: و نظم بلا تعليق رهوات فرجها، فنفى التعليق في نظم الأَجزاء ثمة ينافي إثباته هنا.

و ثانيها: أن الجوّ عبارة عن ما بين السّماء و الأرض من الهواء فما معنى تعليق الفلك فيه، ثمّ ما معنى الإضافة.

و ثالثها: أن المشهور أن الفلك هو السّماء و الإضافة في كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ يفيد التغاير.

و يرفع الإشكال عن الأَوّل بحمل التّعليق المنفي فيما سبق على التعليق بالعلائق المحسوسة و التعليق المثبت هنا على التّعليق بالقدرة، و عن الثّاني بحمل الجو على الفضاء الواسع الموهوم أو الموجود الذي هو مكان الفلك و وجه إضافته إليها واضح و عن الثّالث بجعل المراد بالفلك مدار النّجوم كما فسّره به في «القاموس».

و قال الشّارح المعتزلي: أراد به دائرة معدل النهار، وقيل: المراد به سماء الدّنيا، و هو مبنيّ على كون النّجوم فيها على وفق قوله سبحانه:

إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَ-آءَ الدُّنْيَا بِِِزِِينَةٍ الْكَواكِبِ [الصافات: 6]. و على المشهور من عدم كون جميعها في السّماء الدّنيا فلعلّ الأَظهر أن يراد بالفلك ما ارتكز فيه من السّماوات كوكب يتحرّك بحركته، قاله في «البحار» ثمّ قال: و يمكن على طريقة الاستخدام أو بدونه أن يراد بضمير السّماء الذي أحاط بجميع ما ارتكزت فيه الكواكب المدبّر لها فكون فلكها في جوّها ظاهر أو يراد بالسّماء الأَفلاك الكليّة و بالفلك الأَفلاك الجزئية الواقعة في جوفها وناطَ بِها زینَتَها مِن خَفِیّات دَرارِیِّها و مَصابیحِ کَواکِبِها أي علق بالسّماء ما يزيّنها من الكواكب الخفيّة الّتي كالدّر في الصّفاء و الضياء، و الكواكب التي هي بمنزلة المصباح يضيء و كونها زينة لها إمّا بضوئها أو باشتمالها على الأَشكال المختلفة العجيبة وَ رَمَی مُسْتَرِقَ اَلسَّمْعِ بَثَوَاقِبِ شُهُبِهَا و فيه تلميح إلى قوله سبحانه:

إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِِينٌ [الحجر: 18]. أي إلاّ من حاول أخذ مسموع من السّماء في خفية فلحقه شعلة نار ظاهر لأَهل الأَرض بيّن لمن رآه، و إلى قوله سبحانه:

إلَّا مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبُ [الصافات: 10]. قال الطبرسي: و التقدير لا يتسمّعون إلى الملائكة إلاّ من وثب الوثبة إلى قريب من

السّماء فاختلس خلسة من الملائكة و استلب استلاباً بسرعة فلحقه و أصابته نار مضيئة محرقة، و الثاقب النيّر المضيء (1)

فإن قلت: تقدّم ذكر الشهب في قوله: وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ اَلشُّهُبِ اَلثَّوَاقِبِ عَلَی نِقَابِهَا فما وجه إعادتها ؟

قلنا: إنّه عَلیْهِ السَّلَامْ ذكر سابقاً أنه أقامها رصداً، و نبّه ههنا على أن إرصادها لرمي مسترق السّمع، روى عن ابن عباس أنه كان في الجاهليّة كهنة و مع كلّ واحد شيطان فكان يقعد من السّماء مقاعد للسّمع فيستمع من الملائكة ما هو كائن في الأرض فينزل و يخبر به الكاهن فيفشيه الكاهن إلى النّاس، فلما بعث الله عيسى عَلیْهِ السَّلَامْ منعوا من ثلاث سماوات، و لمّا بعث محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم منعوا من السّماوات كلّها؛ و حرست السّماء بالنّجوم و الشّهاب من معجزات نبيّنا صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم لأَنّه لم ير قبل زمانه، وقيل: إن الشهاب يقتل الشياطين، وقيل: لا يقتلهم.

قال الفخر الرّازي بعدما عدد جملة من منافع النجوم:

و منها: أنه تعالى جعلها رجوماً للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمة الكفر، يروى أن السّبب في ذلك أن الجن كانت تسمع بخبر السّماء، فلما بعث محمّداً صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم حرست السماء و رصدت الشياطين فمن جاء منهم مسترقاً للسّمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأَرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أمره و يرتاب الناس بخبره، و هذا هو السّبب في انقضاض الشّهب، فهذا هو المراد من قوله تعالى: و جعلناه رجوماً للشّياطين.

و من الناس من طعن في هذا من وجوه:

أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة قالوا: إن الأَرض إذا سخّنت بالشّمس ارتفع منها بخار يابس فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها فتلك الشعلة هی الشّهاب.

و ثانيها: أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحداً و ألفاً من جنسهم يسترقون السّمع فيحرقون ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صفتهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شيء مرّة و مراراً امتنع أن يعود إليه من غير فائدة.

و ثالثها: أنه يقال: في ثخن السّماء مسيرة خمس مائة عام فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السّماء و خرقوا له فهذا باطل لأَنّه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ


1) تفسیر مجمع البيان: 297/8.

تَرَى مِن فُطُورٍِ [الملك]، و إن كانوا لا ينفذون في جرم السّماء فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم فلم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأَرض. و رابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأَحوال المستقبلة إما لأَنهم طالعوها من اللّوح المحفوظ، أو لأنّهم يتلقونها من وحي الله تعالى إليهم، و على التّقديرين فلم لا يمسكوا عن ذكرها حتّى لا يتمكن الجن عن الوقوف عليها.

و خامسها: أن الشّياطين مخلوقون من النّار و النار لا تحرق النّار بل تقويها فكيف يحتمل أن يقال: الشّيطان زجر من استراق السّمع بهذه الشهب.

و سادسها: أنه إن كان هذا القذف لأَجل النبوّة فلم دام بعد وفاة الرّسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

و سابعها: أنّ هذه الرّجوم إنما تحدث بالقرب من الأَرض بدليل أنّا نشاهد حركاتها بالغة و لو كانت قريبة من الفلك لما شاهدنا حركاتها كما لم نشاهد حركات الكواكب، و إذا ثبت أنّ هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأَرض كيف يقال: إنّها تمنع الشّياطين من الوصول إلى الفلك.

و ثامنها: أنّ هؤلاء الشّياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفّار حتّى يتوسّل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضّرر بهم.

و تاسعها: لِمَ لَمْ يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السّماء حتّى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب.

و الجواب عن السؤال الأَول أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و قد يوجد بسبب آخر و هو دفع الجنّ و زجرهم، يروى أنّه قيل للزهري: أكان يرمى في الجاهلية؟ قال: نعم، قال: أفرأيت قوله تعالى:

وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِِ فَمَن يَسْتَمِع الْآنَ يَجِدْ لَمُ شِهَابًا رَّصَدًا 9 [الجن: 9]. قال: غلظت و شدّد أمرها حين بعث النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم.

و الجواب عن السّؤال الثاني أنه إذا جاء القدر عمي البصر، فإذا قضى الله على طائفة منهم الحرق لطغيانها و ضلالها قيض له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي إلى الهلاك و البوار.

و الجواب عن السؤال الثالث أن البعد بين السّماء و الأَرض مسيرة خمس مائة عام فأما

ثخن الفلك فلعلّه لا يكون عظيماً.

و الجواب عن السؤال الرابع ما روى الزهري عن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ عن ابن عباس (رَحِمَه اللهُ) قال: بينا رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم جالس في نفر من أصحابه إذ رمى بنجم فاستنار فقال صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ما كنتم تقولون في الجاهليّة إذا حدث مثل هذا؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم، قال النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: فإنها لا ترمى لموت أحد و لا لحياته و لكن ربّنا تعالى إذا قضى الأَمر في السماء سبّحت حملة العرش ثم سبّح أهل السّماء و سبح كلّ سماء حتّى ينتهي التّسبيح إلى هذه السّماء و يستخبر أهل السّماء حملة العرش ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم و لا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء و يتخطف الجنّ فيرمون. فما جاؤوا به فهو حق و لكنهم يزيدون فيه (1)

و الجواب عن السؤال الخامس أن النّار قد تكون أقوى من نار أخرى فالأَقوى يبطل الأَضعف.

و الجواب عن السّؤال السادس أنه إنما دام لأنه صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أخبر ببطلان الكهنة فلو لم يدم هذا القذف لعادت الكهانة و ذلك يقدح في خبر الرّسول صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم عن بطلان الكهانة.

و الجواب عن السؤال السّابع أن البعد على مذهبنا غير مانع من السّماع فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.

و الجواب عن السؤال الثامن لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة و أعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين.

و الجواب عن السّؤال التاسع أنه تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، فهذا ما يتعلّق بهذا الباب على سبيل الاختصار، انتهى.

و قال المحدّث المجلسي (رَحِمَه اللهُ) بعد نقل كلام الرازي و أجوبته: أقول: الأَصوب في الجواب عن الثالث أن يقال: قد ظهر أنّ للسماء أبواباً يصعد منها الملائكة و صعد منها نبيّنا صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم و عيسى و إدريس عَلیْهِما السَّلَامْ بل أجساد سائر الأَنبياء و الأَوصياء بعد وفاتهم على قول، و قد ورد في الأَخبار أنّ الجن كانوا يصعدون قبل عيسى عَلیْهِ السَّلَامْ إلى ما تحت العرش و بعد بعثته كانوا يصعدون إلى الرابعة و بعد بعثة النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم منعوا عن صعود السماء مطلقاً بالشّهب، فصعودهم إمّا من أبوابها أو لكونهم أجساماً لطيفة يمكنهم النفوذ في جرمها و لعل المراد بالفطور فيها أن ترى فيها شقوق و ثقب أو تنهدم و تنحلّ أجزائها فلا إشكال في ذلك.


1) بحار الأنوار: 86/55، و تفسير ابن كثير: 568/2.

وَ أَجْرَاهَا عَلَى إِذْلالِ تَسْخِيرِهَا أي على مجاري تسخيرها أو وجوه مقهوريّتها و فيه تلميح إلى قوله تعالى: وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 54]. قال الطبرسي (رَحِمَه اللهُ): أي مذللات جاريات في مجاريهنّ بتدبيره و صنعه خلقهن لمنافع العباد.

و قال الفخر الرازي: كون الشّمس و القمر و النّجوم مسخرّات بأمره يحتمل وجودها:

أحدها: أنا قد دللنا أنّ الأَجسام متماثلة، و متى كان كذلك كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص و الضوء الباهر و التسخين الشّديد و التّدبيرات العجيبة في العالم العلوي و السّفلي لا بدّ و أن يكون لأَجل أن الفاعل الحكيم و المقدّر العليم خصّ ذلك الجسم بهذه الصّفات، فجسم كل واحد من الكواكب و النيّرات كالمسخر في قبول تلك القوى و الخواص عن قدرة المدبّر العليم.

و ثانيها: أن يقال: إن لكل واحد من أجرام الشمس و القمر و الكواكب سيراً خاصّاً بطيئاً من المغرب إلى المشرق و سيراً آخر سريعاً بسبب حركة الفلك الأَعظم، فالحقّ سبحانه خصّ جرم الفلك الأَعظم بقوة زائدة على أجرام سائر الأَفلاك و باعتبارها صارت مسئولية عليها قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق إلى المغرب فأجرام الأَفلاك و الكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر و القسر ثم ذكر باقي الوجوه و لا طائل تحتها.

و قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا بيان لوجه تسخيرها و ثبات الثوابت بالنسبة إلى سير السيارات.

و المراد بالسيارات الكواكب السبعة و هي: القمر، و عطارد، و زهرة، و الشمس و المرّيخ، و المشتري، و الزحل، و يسمى الشمس و القمر بالنّيرين، و الخمسة الباقية بالمتحيّرة لأَنّ لكلّ واحد منها استقامة ثمّ وقوفاً ثمّ رجوعاً ثمّ وقوفاً ثانياً ثمّ عوداً إلى الاستقامة و ليس للنيّرين غير الاستقامة، و المراد بالثّوابت إمّا سائر الكواكب على السماء غير هذه السّبعة أو خصوص ما في كرة البروج.

و في «توحيد المفضّل» قال: قال الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ: فكّر يا مفضّل في النجوم و اختلاف مسيرها فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك و لا تسير إلاّ مجتمعة، و بعضها تنتقل في البروج و تفترق في مسيرها، فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين،أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب، و الآخر خاص لنفسه نحو المشرق كالنملة التي تدور على الرّحا، فالرّحا تدور ذات اليمين و النّملة تدور ذات الشمال و النملة تتحرّك في تلك حركتين مختلفتين، إحداهما بنفسه

فتتوجه أمامها، و الأخرى مستكرهة مع الرّحا تجذبها إلى خلفها، فاسأل الزّاعمين أن النّجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد و لا صانع لها ما منعها كلّها أن تكون راتبة أو تكون كلّها متنقّلة (1)؟ فإنّ الإهمال معنى واحد فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن و تقدير؟ ففي هذا بيان أنّ مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد و تدبير و حكمة و تقدير و ليس بإهمال كما تزعمه المعطلة.

فإن قال قائل: و لم صار بعض النّجوم راتباً و بعضها متنقّلاً؟

قلنا: إنّها لو كانت كلّها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدلّ بها من تنقّل المنقلّة و مسيرها في كلّ برج من البروج كما قد يستدلّ على أشياء ممّا يحدث في العالم بتنقّل الشّمس و النّجوم في منازلها، و لو كانت كلّها متنقّلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف و لا رسم يوقف عليه، لأنّه إنما يوقف بمسير المتنقلة منها لتنقلها في البروج الرّاتبة كما يستدلّ على سير السّائر على الأَرض بالمنازل يجتاز عليها، و لو كان تنقّلها بحال واحدة لا ختلط نظامها و بطلت المآرب فيها و لساغ لقائل أن يقول: إن كينونيّتها على حال واحدة توجب عليها الإهمال من الجهة التي وصفنا. ففي اختلاف سيرها و تصرّفها و ما في ذلك من المآرب و المصلحة أبين دليل على العمد و التدبير فيها.

وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا المراد بالهبوط إما مقابل الشرف كما هو مصطلح المنجّمين، أو التوجه إلى حضيض الحامل فإنّ للكواكب صعوداً في الأوج و هبوطاً في الحضيض أو التوجه إلى الغروب فيكون الهبوط حسّاً و يقابله الصعود فيما ذكر. و المراد بالسعود و النحوس كون اتصالات الكواكب أسباباً لصلاح حال شيء من الأَشياء من أحوال هذا العالم و أسباباً لفساده.

قال المنجّمون: زحل و المريخ نحسان أكبرهما زحل، و المشتري و الزّهرة سعدان أكبرهما المشتري، و عطارد سعد مع السعود و نحس مع النحوس، و النيّران سعدان من التثليث و التسديس نحسان من المقابلة و التربيع و المقارنة، و الرّأس سعد و الذنب و الكبد نحسان، و الله العالم بحقائق ملكه و ملكوته.


1) بحار الأنوار: 114/3.

الترجمة

بعض دیگر از این خطبه در صفت آسمان است، می فرماید:

ترتیب داد حق سبحانه و تعالی بدون قید و علاقه پست و بلندی فرجه های آن را و ملتئم نمود و به هم در آورد شکاف های گشادگی آن را و به هم پیوست میان آن ها و میان زوج های آن ها و ذلیل و آسان نمود به جهت ملائکه که نزول کننده اند به امر او سبحانه و صعود نماینده اند با عمل های بندگان او دشواری نردبان های آسمان ها را و ندا نمود آن ها را بعد از این که بود دود، پس به هم آمد بند های ریسمان های آن ها و گشود بعد از به هم پیوستن در های بسته آن ها را و برپا نمود دیده بانها از شهاب های درخشان بر راه ها و منفذ های آن ها و نگه داشت آن ها را از این که حرکت نمایند و مضطرب گردند در شکاف هوا با قوت خود و امر کرد آن ها را به این که بایستند در حالتی که انقیاد و تسلیم نمایند فرمان او را.

و گردانید آفتاب آسمان را برای روز آن و ماه آن را علامتی محو شده از شب آن و جاری فرمود مهر و ماه را در مواضع انتقال که جای جریان ایشان است و مقدّر کرد سیر ایشان را در راه های درجه های ایشان تا تمییز دهد شب و روز را به آن مهر و ماه و تا دانسته شود شماره سال ها و حساب ها به مقدار حرکات این دو کوکب، پس از آن در آویخت در فضای آسمان فلك را که محل دوران کوکب است و منوط ساخت به آن زینت آن را از ستارگان پنهان که مثل درّاند در صفا و از چراغ های ستاره ها و انداخت به سوی شیاطین که به دزدی و سرقت گوش دهنده گانند تا این که اسرار ملائکه را مطلع شوند به شهاب های درخشنده سوراخ کننده و جاری ساخت ستارگان را بر مجاری تسخیر و مقهوریت آن ها از ثبات کواکب ثابته و سیر کردن ستارگان رونده و از هبوط کردن ایشان به حضیض حامل و صعود نمودن ایشان به اوج حامل و از سعادت آن ها و نحوست آن ها.

الفصل الخامس

اشارة

منها في صفة الملائكة ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لإِسْكَانِ سَمُوَاتِهِ، وَ عِمارَةِ الصَّفْحِ الأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ، خَلْقاً بديعاً مِنْ ملائِكَتِهِ، مَلاً بِهِمْ فُرُوجَ فِجاجِها، و حَشا بِِهِِمْ فُتُوقَ أَجْوائِها، و بَينَ فَجُوجاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمَسَبِِّحينَ مِنْهُْمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِِ، و سُتُرَاتِ الْحُجُبِ، و سُرادِقاتِ الْمجْدِ، وَ وَراءِ ذَلِكَ الرَّجِيحُ الَّذي تَسْتَكُ مِنْهُ الأَسْمَاعُ سُبُحاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الأَبْصارَ عَنْ بُلُوغِها،فَتَقِفُ حَاسِئَةً عَلَى حُدُودِها، أَنْشَأَهُمْ عَلى صُوَرٍِ مُخْتَلِفَاتٍ، و أَقْدارٍٍ مُتَفاوِتاتٍ أُُولي أَجْنِحَةٍ تُسبَّحُ جلالَ عِزَّتِهِ، لاَ يَنْتَحِلُونَ ما ظَهَرَ فِي الْخَلْقِِ مِنْ صُنْعِهِ، و لا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمُلُونَ.

جَعَلَهُمْ فيما هُنالِكَ أَهْلَ الأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِِه، و حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَ دَائِعَ أَمْرِهِ و نَهْيِهِ، و عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ، فَما مِنْهُمْ زَآئَغٌ مِنْ سَبِيلِ مَرْضاتِهِ، وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوائِدِ الْمَعُونَةِ، و أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَواضُعَ إِخْباتِ السَّكينَةِ، وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْواباً ذُلُلاً إلى تَماجيدِهِ، وَ نَصَبَ لَهُمْ مَناراً واضحةً عَلَى أعْلامِ تَوْحِيدِهِ، لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُوصِراتُ الآثام، وَ لَمْ تَرتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيالي و الأَيَّام، وَ لَمْ تَرْم الشُّكُوکُ بِِنَوازِعِها عَزيمَةَ إِيْمَانِهِِمْ، وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُُّنُونُ عَلَى مَعاقِدِ يَقينِهِمْ، وَ لَا قَدَحَتْ قادِحَةُ الأَحَنِِ فيما بَيْنَهُمْ، و لا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ ما لَاَقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ، وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ و هَيْبَةِ جَلالَتِهِ في أَثناءِِ صُدُورِهِمْ، وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَساوُسُ فَتَقْتَرِِعِِ بِرَينِهَا عَلَى فِكَرِهِمْ.

مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمام الدُّلْح، و في عِظَم الْجِبالِ الشَّمْحَ، وَ في قُترَةِ الظََّلام الأَيْهمِ، و مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقدامُهُم تُحُومَ الأَرْضِِ السُّفْلَى، فَهِِيَ كَرايَاتٍ بيضِ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخارِِقِِ الْهَواءِ، و تَحْتَهَا رِيحٌ هَفّافَة تَحْبِِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَة، قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشغالُ عِبادَتِهِ، و وَصَلَتْ حَقَائِقُ الإِيْمَانِ بَيْنَهُمْ و بَينَ مَعْرِفَتِهِ، و قَطَعَهُمُ الإيْقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ، وَ لَمْ تُجاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ.

قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ، و شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِِيَّةِ مِنْ مَحَبَتِهِ، وَ تَمَكََّنَتْ مِنْ سُوَيْداءِ قُلُوبِهِمْ وَ شيجَةُ خِيفَتِهِ، فَحَنُوا بِِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ، وَ لَمْ يُنْفِذ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ ، وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزَّلَفَةِ رِِبَقَ خُشُوعِهِمْ، وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الإعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا ما سَلَفَ مِنْهُمْ و لا تَرَكَتْ لَهُمْ اسْتِكانَةُ الإِجْلاَلِ نَصيباً في تَعْظِيم حَسَناتِهِمْ، وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فيهِِمْ عَلَى طُولٍ دُؤوبِِِهِِمْ، وَ لَمْ تَغِضُ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ، وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسْلاتُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَ لا مَلَكَتْهُمُ الأََشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِِهَمْسِِ الْجُوْارِِ إِلَيْهِ أَصْواتُهُمْ، وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقاوِِمِ الطَّاعَةِ مَناكِبُهُمْ، وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِِ فِي أَمْرِهِ رقابُهُمْ، وَ لاَ تَعْدُوا عَلَى عَزيمَةِ جِدِّهِمْ بَلادَةُ الْغَفَلاتِ، وَ لاَ تَنتَصِلُ في هِمَمِهِمْ حَدائِعُ الشَّهَواتِ.

قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةَ لِيَوْمٍ فَاقَتِهِم، و يَمَّمُوهُ عِندَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِِ إِلَى الْمَخْلُوقينَ بِرَغْبَتِهِمْ، لا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبادَتِهِ، وَ لاَ يَرْجِعُ بِِهِِمُ الاسْتِهْتَارُ بِلُزُومَ طَاعَتِهِ، إِلاّ إلى مَوادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ و مَخافَتِهِ، لَمْ تَنْقَطِعْ أسْبابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ، وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الأَطْماعُ فَيُؤْثِرُوا وَ شيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَ لَوْ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتٍ وَ جَلِهِمْ وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِِاسْتِحْواذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقاطُع، وَ لاَ تَوَلاَّهُمْ غِلُ التَّحاسُدِ، وَ لا شَعَّبَتْهُمْ مَصارِفُ الرِِّيَبِ، وَ لاَ اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْیافُ الْهِمَم، فَهُمْ أَسَرَاءُ إِيْمَانٍ لَمْ يَفْكُهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لا عُدُولٌ، وَ لا وَنَا وَ لاَ فُتُورٌ، وَ لَيْسَ فِي أََطباقِِ السَّمَوَاتِ مَوْضِعُ إِهابِ إِلاّ وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ، أَوْ ساعٍ حافِدٌ، يَزْدادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً، و تَزْدادُ عِزَّةُ رَبِّهِِمْ في قُلُوبِهِمْ عِظَماً.

اللغة

(عمارة) المنزل جعله أهلاً ضدّ الخراب الذي لا أهل له يقال: عمر الله منزلك عمارة و أعمره جعله أهلاً و (الصفيح) السّماء و وجه كلّ شيء عريض قاله في «القاموس»، و وصفه بالأعلى بالنسبة إلى الأَرض لأَنّه الصفيح الأَسفل، فما في شرح المعتزلي من تفسيره بسطح الفلك الأَعظم ليس بشيء بل مخالف لكلام الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ مضافاً إلى مخالفته لتفسير أهل اللغة إذ كلامه هنا و في الخطبة الأولى صريح في عدم اختصاص مسكن الملائكة بالفلك الأَعظم، حيث قال ثمة: ثم فتق ما بين السّماوات العلى فملأَهنّ أطواراً من ملائكته، و ذكر هنا أنه تعالى مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجاجِها وَ حَشا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوائِها.

و (الملكوت) كرهبوت العز و السلطان، قال بعض اللّغويين: إن أهل التحقيق يستعلمون الملك في العالم الظاهر و الملكوت في العالم الباطن، و قال: إن (الواو) و (التاء) فيه كما فی رهبوت و رغبوت و جبروت و تربوت زيدتا للمبالغة فيكون معنى الملكوت الملك العظيم و (الفجاج) بكسر (الفاء) جمع فجّ بفتحها قال سبحانه:

مِن كُلِِّ فَجٍٍّ عَمِيقٍٍ [الحج: 27]. و هو الطريق الواسع بين الجبلين و (حشوت) الوسادة بالقطن جعلتها مملوءة منه و (الفجوات ) جمع فجوة و هي الفرجة و الموضع المتّسع بين الشيئين و (الزجل) محرّكة رفع الصّوت مصدر زجل كفرح و (الحظيرة) (بالحاء) المهملة (و الطاء المعجمة الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الإبل و الغنم و غيرهما ليقيها من الحرّ و البرد و (القدس) بسكون (الدّال) و ضمها الطهر و (السترات) بضمّتين جمع سترة بالضّم و هو ما يستتر به كالسّتارة و (السرادق) الذي يمدّ فوق صحن البيت و البيت من الكرسف و (المجد) الشرف و العظمة و (الرجيج) الزلزلة و الاضطراب و منه رجيج البحر و (استكت) المسامع ضاقت و صمت.

قال الشاعر:

و نبئت خير النّاس إنّك لمتني *** و تلك التي تستك منه المسامع

و (السّبحات) بضمتين النور و البهاء و الجلال و العظمة وقيل: سبحات الوجه محاسنه لأَنّك إذا رأيت الوجه الحسن قلت: سبحان الله تعجباً و (ردعه) كمنعه كفّه وردّه و (خسا) البصر كلّ من باب منع و الخاسىء من الكلاب و نحوها المبعد الذي لا يترك أن يدنو من النّاس و (تسبّح) من التّسبيح و في بعض النسخ تسبح من السّباحة و في هذه النسخة (خلال) بالخاء المعجمة المكسورة و هو وسط الشّيء أو جمع خلل بالتحريك و هو الفرجة بين الشيئين، و في بعضها جلال بحار عزّته و (انتحل) الشّيء إذا ادّعاء لنفسه و هو لغيره و (حملهم) بتشديد (الميم) و (الزّيغ) العدول عن الحق قال سبحانه:

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَ مَا طَغَى [النجم: 17].)و (استعنت به فأعانني و قد يتعدى بنفسه فيقال: استعنته فأعانني و الاسم منه العون و المعانة و المعونة بفتح (الميم) و ضم (الواو) على وزن مكرمة و بضم (العين) أيضاً و اتباع (الواو ) على وزن مقولة .)قال الفيومي: وزن المعونة مفعلة بضم (العين و بعضهم يجعل (الميم) أصلية و يقول: هي مأخوذة من الماعون و يقول: هي فعولة و (أشعر) قلوبهم من شعرت بالشيء شعوراً من باب قعد علمت وقيل: مأخوذ من الشعار و هو ما يلبس تحت الدّثار أي ألزم قلوبهم تشبيهاً بلزوم الشعار للبدن و (أخبت) الرجل خضع لله و خشع قلبه و (السكينة) الوقار و الطمأنينة و المهابة و (الذّلل) بضمّتين جمع الذّلول و هو ضد الصّعب و (مجّده) تمجيداً عظمه و أثنا عليه و الجمع للدّلالة على الأنواع و (الأعلام) جمع علم بالتحريك و هو الجبل الطويل قال الشاعر:)ربما أوفيت في علم *** ترفعن ثوبي شمالاتو (الأصر الثقل و (العقب) جمع العقبة كغرف و غرفة و هي النوبة و اللّيل و النّهار يتعاقبان أي يتناوبان و يجيء كلّ منهما بعد الآخر و (نوازعها) في بعض النسخ (بالعين) المهملة من نزع في القوس إذا مدّها و في بعضها (بالغين) المعجمة من نزغ الشيطان بين القوم أي أفسد و (الاعتراك) الازدحام و (قدح) بالزند من باب منع أي رام الإيراء به و هو استخراج النّار و (أحن) الرّجل من باب تعب حقد و أضمر العداوة، و الأحنة اسم منه و الجمع إحن كسدرة و سدر و (لاق) الشّيء بغيره أي لزق و منه الليقة للصوق المداد بها و (الاقتراع) الضرب بالقرعة و الاختيار.)و في شرح المعتزلي: هو من الاقتراع بالسهام بأن يتناوب كل من الوساوس عليها، و الأَنسب أن يجعل المزيد بمعنى المجرد يقال: قرعته بالمقرعة ضربته بها، و في بعض النسخ

فتفترع (بالفاء من فرعه أي علاه و الأَول أنسب بالطبع و (الرّين) بالنون كما في بعض النسخ و هو الدنس و الطبع و الغطاء و ران ذنبه على قلبه ريناً غلب، و في بعضها (بالباء) الموحدة بمعنى الشّك.)و (الغمام جمع الغمامة و (الدلح) (بالحاء) المهملة جمع دالح كراكع و ركع يقال سحاب دالح أي ثقيل بكثرة مائه و (الشمّخ) (بالخاء) المعجمة جمع الشامخ و هو المرتفع العالي و (القترة ) بالضم بيت الصائد الذي يستتر به عند تصيده من خصّ و نحوه، و الجمع قتر مثل غرفة و غرف و (الأيهم) الذي لا يهتدي فيه و منه فلاة يهماء و (تخوم) الأَرض بالضّم حدودها و معالمها ، قال الفيومي: التخم حدّ الأَرض و الجمع تخوم مثل فلس و فلوس، و قال ابن الأَعرابي و ابن السّكيت: الواحد تخوم و الجمع تخم مثل رسول و رسل.)و (ريح هفافة طيبة ساكنة و (وصلت) في بعض النسخ (بالسين) المهملة المشدّدة يقال: وسّل إلى الله توسيلاً و توسل أي عمل عملاً يقرب به إليه و (الوله) محركة شدة الوجد أو ذهاب العقل و (شربوا بالكأس) بتثليث (الرّاء) و الكاس مؤنثة و (الرّوية) المرويَّة التي تزيل العطش و (سويداء) القلب و سودلؤة حبته و (الوشيجة) في الأَصل عرق الشجرة يقال: و شجت العروق و الأغصان أي اشتبكت و (حنيت) العود ثنيته و حنّيت ضلعي عوّجته و يقال للرّجل إذا انحنى من الكبر: حناه الدّهر.)و (اعجب زيد بنفسه على البناء للمفعول إذا ترفّع و سرّ بفضائله و أعجبني حسن زيد إذا أعجبت منه قال الفيومي: و التعجب على وجهين أحدهما ما يحمده الفاعل و معناه الاستحسان و الإخبار عن رضاه به، و الثاني ما يكرهه و معناه الإنكار و الذم له ففي الاستحسان يقال: أعجبني بالأَلف و في الذم و الإنكار عجبت وزان تعبت و (الفترات) جمع الفترة مصدر بنيت للمرّة من فتر الشيء فتوراً سكن بعد حدّة و لانَ بعد شدّة.)و (دأب في عمله من باب منع دأباً و دآباً بالتحريك و دؤباً بالضم جدّ و تعب.)و (غاض الماء غيضاً من باب سار قل و نقص و (أسلة) اللسان طرفه و مستقده و (الهمس) محركة الصوت الخفي و (الجواز) وزان غراب رفع الصوت بالدّعاء و التضرع و (المقاوم) جمع مقام و (ثنا) الشيء يثني و يثنو من باب رمى و دعا ردّ بعضه على بعض و ثنيته أيضاً أي صرفته إلى حاجته و (بلد) الرّجل بالضم بلادة فهو بليد أي غير فطن و لا زكي و(ناضلته) مناضلة راميته فنضلته نضلاً من باب قتل غلبته في الرّمي و انتضل القوم رموا للسبق و ( الهمة) ما همّ به من أمر ليفعل و (يممته) قصدته و (الأمد) المنتهي و قد يكون بمعنى امتداد المسافة و (رجع) يكون لازماً و متعدّياً تقول: رجع زيد و رجعته أنا و (اهتر) فلان بكذا و استهتر بالبناء للمفعول فهو مهتر و مستهتر بالفتح أولع به لا يتحدث بغيره و لا يفعل غيره، و الاستهتار الولع بالشيء لا يبالي بما)

فعل فيه و شتم له.و (الوني الضّعف و الفتور من وني في الأَمر من باب تعب و وعد و (الوشيك) القريب و السّريع و (نسخ) الشيء إزالته و إبطاله و (استحوذ) عليه الشيطان استولى و (التقاطع) التعادي و ترك البرّ و الإحسان و (تولّيت) الأمر قمت به و (الغلّ) الحقد و (الشعبة) من كلّ شيء الطائفة منه و شعّبهم أي فرقهم و في بعض النسخ تشعبتّهم على التفعل و الأَوّل أظهر و (الرّيب) جمع الريبة و هو الشّك.)و (أخياف الهمم اختلافها و أصله من الخيف بالتحريك مصدر من باب تعب و هو أن يكون إحدى العينين من الفرس زرقاء و الأخرى كحلاء، فالفرس أخيف و النّاس أخياف أي مختلفون، و منه قيل لأخوة الأمّ أخياف لاختلافهم من حيث الأب و (الإهاب) ككتاب الجلد و (الحافد) المسرع و الخفيف في العمل و يجمع على حفد بالتحريك و يطلق على الخدم لإسراعه في الخدمة و (العظم) وزان عنب خلاف الصّغر مصدر عظم و في بعض النّسخ بالضمّ وزان قفل و هو اسم من تعظم أي تكبّر.)##### الإعرابقوله: (و بين فجوات (آه) الجملة حال من مفعول حشا، و قوله: (وراء ذلك) خبر قدم على مبتدئِهِ و هو (سبحات)، و (الأبصار) في بعض النسخ بالنصب على أنّه مفعول تردع و فاعله راجع إلى سبحات، و في بعضها بالرّفع على بناء تردع للمفعول، و (أنشأهم) عطف على (ملأ بهم) (و أولي أجنحة) حال من مفعول أنشأ، و جملة (تسبح) صفة لأولي أجنحة أو لأجنحة، و جملة (لا ينتحلون) حال (و اللاّم) في قوله: (بالقول) عوض عن المضاف إليه أي لا يسبقون الله بقولهم.)و قوله : (إلى المرسلين متعلق بحملهم على تضمين معنى البعث أو الإرسال أو نحوه، (و ودائع أمره) بالنصب مفعول حمّلهم، و جملة (لم تثقلهم) استئناف بياني، (و الباء) في قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (و شربوا بالكأس) إمّا للاستعانة، أو بمعنى (من) و ربما يضمن الشّرب معنى الالتذاذ ليتعدى (بالباء) و كلمة (من) في قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (من قلوبهم) ابتدائية أي إلى موادّ ناشئة من قلوبهم، و في قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (من رجائه) بيانيّة، فالمراد الخوف و الرجاء الباعثان لهم على لزوم الطاعة، و يحتمل أن (تكون) الأولى بيانية أو ابتدائية و الثانية صلة للانقطاع.)##### المعنىاعلم أن هذا الفصل من كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ متضمّن لبيان صفات الملائكة و كيفية خلقتهم و حالة عبوديتهم و خشوعهم و ذلّتهم لمعبودهم، و قد مضى شطر واف من الكلام على هذا العنوان في

شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى، و تقدّم ثمة ما ينفعك في هذا المقام و لما كان العرض من هذه الخطبة الإشارة إلى عظمة الله سبحانه و قدرته و الإبانة عن الصّفات الجمالية و الجلالية له تعالى، و كان ملائكة السماوات من أفضل الموجودات و أشرف المجعولات و عجائب الخلائق و بدائع الصّنائع و عظم المخلوق كان دالاً على عظم الخالق و بديع صنعة المصنوع كان دليلاً على كمال قدرة الصّانع و تدبيره و حكمته، لا جرم ساق عَلیْهِ السَّلَامْ هذا الفصل لبيان حالهم و ضمنه ذكر أوصافهم المختلفة و شؤوناتهم المتفاوتة بعبارات رائقة و بدائع فائقة.قال الشّارح المعتزلي و لنعم ما قال: إذا جاء هذا الكلام الرّباني و اللّفظ القدسي بطلت فصاحة العرب و كانت نسبة الفصيح من كلامها إليه نسبة التراب إلى النضار الخالص، و لو فرضنا أن العرب تقدر على الأَلفاظ الفصيحة المناسبة أو المقاربة لهذه الأَلفاظ من أين لهم المادة التي عبرت هذه الأَلفاظ عنها و من أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم هذه المعاني الغامضة السّمائية ليتهيّأ لها التعبير عنها.أما الجاهلية فإنّهم إنما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات و نحو ذلك.و أما الصّحابة المذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة إما في موعظة تتضمّن ذكر الموت أو ذم الدنيا و ما يتعلّق بحرب و قتال من ترغيب أو ترهيب.فأمّا الكلام في الملائكة و صفاتها و عبادتها و تسبيحها و معرفتها بخالقها و حبّها له و ولهها إليه و ما جرى مجرى ذلك ممّا تضمّنه هذا الفصل بطوله فإنّه لم يكن معروفاً عندهم على هذا التّفصيل، نعم ربّما علموه جملة غير مقسمة هذا التقسيم و لا مرتبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم، فثبت أن هذه الأمور الدقيقة مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلا لعلي عَلیْهِ السَّلَامْ وحده، و أقسم أن هذا الكلام إذا تأمّله اللّبيب اقشعر جلده و رجف قلبه و استشعر عظمة الله العظيم في روعه و خلده وهام نحوه و غلب الوجد عليه و كاد أن يخرج من مسكه شوقاً و أن يفارق هيكله صبابة و وجداً (1)إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ فأقول قال عَلیْهِ السَّلَامْ: ﴿ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لإِسْكَان سَمَوَاتِهِ وَ عِمَارَةِ الصفيح الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ ظاهر كلمة (ثم) المفيد للترتيب الحقيقي كون خلق الملائكة بعد خلقة السّماوات، ويدل عليه أخبار كثيرة إلاّ أن في بعض الرّوايات سبق خلقة الملائكة على خلقة السماوات، و يمكن الجمع بالتخصيص ههنا (1) (2)شرح نهج البلاغة: 426/6.


1) شرح نهج البلاغة: 426/6.

2)

بسكان السّماوات الذين لا يفارقونها، و المراد بالصفيح الأَعلى سطح كلّ سماء، و يقابله الصفيح الأَسفل الذي هو الأَرض، و يظهر من ذلك عدم تلاصق السّماوات على ما ذهبت إليه الفلاسفة من غير دليل يعتمد عليه.

و أمّا ما في شرح البحراني من أنّه يحتمل أن يشير عَلیْهِ السَّلَامْ بالصّفيح الأَعلى إلى الفلك التاسع و هو العرش لكونه أعظم الأَجرام و أعلاها و سكانه الملائكة المدبّرون له، فمبني على أصول الفلاسفة مخالف للأَخبار و كلام أهل اللغة حسبما عرفت آنفاً في ترجمة لفظ الصفيح، و مخالف أيضاً لظاهر قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: فملأ بهم فروج فجاجها وحشا بهم فتوق أجوائها إذ المستفاد من ذلك أن ما بين السّماوات مملؤة بهم فتكون السّطوح المحدّ به منها محل إسكان الملائكة و مكان عبادتهم لله سبحانه بأنواع العبادة و يستفاد منه أيضاً تجسم الملائكة و هو المستفاد من الأخبار المتواترة معنى.

و العجب أن شارح البحراني أوّل ذلك أيضاً بناء على الأصول الفاسدة بأنه عَلیْهِ السَّلَامْ استعار لفظ الفروج و الفجاج و الفتوق لما يتصور بين أجزاء الفلك من التباين لولد الملائكة الذين هم أرواح الأَفلاك و بها قام وجودها، و بقاء جواهرها محفوظة بها، و وجه المشابهة ظاهر، و رشح تلك الاستعارة بذكر الملاء و الحشو و أما فجاجها و فروجها فإشارة إلى ما يعقل بين أجزائها و أجوائها المنتظمة على التباس لو لا الناظم لها بوجود الملائكة، فيكون حشو تلك الفرج بالملائكة كناية عن نظامها بوجودها و جعلها مدبرة لها، انتهى.

و قد مضى فساد ذلك و بطلانه في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى فتذكر وَ بَيْنَ فَجَواتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ و متسعاتها زَجَلُ المُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ و أصواتهم الرفيعة العالية بالتضرع و الابتهال و المسكنة فِی حَظائِرِ الْقُدُسِ وَ سُتُراتِ الْحُجُبِ وَ سُرادِقاتِ الْمَجْدِ لعلّ المراد بها المواضع المعدّة لعبادة الملائكة بين أطباق السّماوات و وصفها بالقدس من حيث اتصافها بالطهارة و النزاهة من الأَدناس و الأَرجاس و يمكن أن تكون الإشارة بها إلى ما فوق السماء السّابعة من الحجب و السّرادقات النورانية.

ففي الخبر أن ما فوق السّماء السابعة صحاري من نور، و لا يعلم فوق ذلك إلاّ الله (1)

و عن وهب بن منبه فوق السّماوات حجب فيها ملائكة لا يعرف بعضهم بعضاً لكثرتهم يسّبحون الله تعالى بلغات مختلفة و أصوات كالرعد العاصف، هذا.

و قد أشار عَلیْهِ السَّلَامْ إلى تفصيل الحجب و السرادقات فيما رواه الصّدوق في «التوحيد» بإسناده عن زيد بن وهب قال: سئل أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ عن الحجب، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: أوّل


1) بحار الأنوار: 104/55 ح 30، و سبل الهدى و الرشد: 18/3.

الحجب سبعة غلظ كل حجاب منها مسيرة خمس مائة عام و بين كل حجابين مسيرة خمس مائة عام، و الحجاب الثاني سبعون حجاباً بين كلّ حجابين مسيرة خمس مائة عام و طوله خمس مائة عام حجبة كلّ حجاب منها سبعون ألف ملك قوة كلّ ملك منهم قوة الثّقلين منها ظلمة، و منها نور، و منها نار، و منها دخان، و منها سحاب، و منها برق، و منها مطر، و منها رعد، و منها ضوء، و منها رمل، و منها جبل، و منها عجاج، و منها ماء، و منها أنهار، و هي حجب مختلفة غلظ كلّ حجاب مسيرة سبعين ألف عام.

ثم سرادقات الجلال و هي ستون «سبعون» سرادقاً في كلّ سرادق سبعون ألف ملك بين كلّ سرادق و سرادق مسيرة خمس مائة عام، ثم سرادقات العز، ثم سرادق الكبرياء، ثم سرادق العظمة، ثم سرادق القدس، ثم سرادق الجبروت، ثم سرادق الفخر، ثم سرادق النور الأبيض، ثم سرادق الوحدانية، و هو مسيرة سبعين ألف عام في سبعين ألف عام، ثم الحجاب الأَعلى، و انقضى كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ وسكت، فقال له عمر: لا بقيت ليوم لا أراك فيه يا أبا الحسن (1)

قال المجلسي (رَحِمَه اللهُ) بعد رواية ذلك في «البحار»: قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: (منها ظلمة)، لعلّ المراد من مطلق الحجب لا من الحجب المتقدّمة كما يدلّ عليه قوله: غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ (ا ه) وَ وَراءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْماعُ و الزجل الذي تنسدّ منه الأَذان سُبُحاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصارَ عَنْ بُلُوغِها و تمنع الأَعين عن وصولها لشدّة ضيائها و فرط بهائها (فتقف) الأَبصار (خاسئة) حسيرة (على حدودها) أي حدود تلك السبحات، و يستفاد من شرح المعتزلي رجوع الضمير إلى الأَبصار، قال: أي تقف حيث تنتهي قوتها، لأَن قوتها متناهية فإذا بلغت حدها وقفت، هذا.

و المراد بسبحات النور إما الأَنوار التي تغشي العرش.

و يدلّ عليه ما روي عن ميسرة قال: لا تستطيع الملائكة الذين يحملون العرش أن ينظروا إلى ما فوقهم من شعاع النور.

و عن زاذان قال: حملة العرش أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور.

و في حديث المعراج قال: و رأيت في علّيين بحاراً و أنواراً و حجباً و غيرها لو لا تلك لاحترق كلّ ما تحت العرش من نور العرش، و أمّا حجب النّور التي دون العرش، و يؤيّده ما في الحديث أن جبرئيل عَلیْهِ السَّلَامْ قال لله سبحانه: دون العرش سبعون حجاباً لو دنونا من أحدها


1) الخصال: 401، و روضة الواعظين: 45.

لأحرقتنا سبحات وجه ربّنا، و في حديث آخر من طرق المخالفين حجابه النّور و النّار لو كشفه لأَََحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره.

و قال الشّارح البحراني (رَحِمَه اللهُ): أشار عَلیْهِ السَّلَامْ بسبحات النّور الّتي وراء ذلك الرّجيج إلى جلال وجه الله و عظمته و تنزيهه أن يصل إليه أبصار البصائر، و نبّه بكون ذلك وراء رجيجهم على أنّ معارفهم لا تتعلّق به كما هو، بل وراء علومهم و عباداتهم أطوار أخرى من جلاله تقصر معارفهم عنها و تردع أبصار البصائر عن إدراكها فترجع حسيرة متحيّرة واقفة عند حدودها و غاياتها من الإدراك.

أقول: و هو لا ينافي ما ذكرناه إذ ما ذكرته تفسير للظّاهر و ما ذكره الشّارح تأويل للباطن، و قد تقدّم في شرح الخطبة التي قبل هذه الخطبة ما ينفعك ذكره في هذا المقام أَنْشَأَهُمْ عَلَی صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدارٍ مُتَفاوِتاتٍ أُولِی أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلالَ عِزَّتِهِ قال الشّارح البحراني: اختلاف صورهم كناية عن اختلافهم بالحقائق و تفاوت أقدارهم تفاوت مراتبهم في الكمال و القرب منه، و لفظ الأجنحة مستعار لقواهم التي بها حصلوا على المعارف الإلهيّة و تفاوتها بالزيادة و النّقصان كما قال تعالى:

أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَ ثُلَثَ وَ رُبَعَ [فاطر: 1]. كناية عن تفاوت إدراكهم لجلال الله و علومهم بما ينبغي له، و لذلك جعل الأَجنحة هي التي تسبّح جلال عزّته فإن علمهم بجلاله منزّه عمّا لا ينبغي لكرم وجهه و لا يناسب جلال عزّته.

أقول: تسليط يد التأويل على الظواهر من غير دليل هدم لأَساس الشّريعة و حمل اللّفظ على المجازات إنّما هو عند تعذر إرادة الحقيقة، و أمّا مع إمكانها و دلالة الدّليل عليها فهو خلاف السيرة المستمرة مناف لمقتضى الأصول اللفظية المتداولة بين أهل اللّسان من العرب و من حذا حذوهم من علماء الأصول و الأدب.

بل المراد إنشاءهم على صور مختلفة و أشكال متشتّتة فبعضهم على صورة الإنسان و بعضهم على صورة الحيوان من الأسد و الثور و الدّيك و غيرها من أصناف الحيوان على ما ورد في الأَخبار، و بعضهم أولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع يزيد سبحانه عليها ما يشاء على وفق حكمته و مقتضى تدبيره و إرادته.

و إيجادهم على أقدار متفاوتة في الصغر و الكبر و الطّول و القصر، روى علي بن إبراهيم القميّ (رَحِمَه اللهُ) في تفسير قوله سبحانه:

جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا أُُولِی أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَ ثُلَثَ وَ رُبَعَ [فاطر: 1].

عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ أنّه قال: خلق الله الملائكة مختلفين، و قد رأى رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم جبرئيل و له ستّمائة جناح على ساقه الدّر مثل القطر على البقل قد ملأَ ما بین السّماء و الأَرض، و قال: إذا أمر الله ميكائيل بالهبوط إلى الدّنيا صارت رجله اليمنى في السّماء السّابعة و الأخرى في الأَرض السّابعة، و أن الله ملائكة أنصافهم من برد و أنصافهم من نار يقولون : يا مؤلّفاً بين البرد و النّار ثبّت قلوبنا على طاعتك، و قال: إنّ لله ملكاً بعد ما بين شحمة أذنه إلى عينه مسير خمس مائة عام بخفقان الطير و قال عَلیْهِ السَّلَامْ: إنّ الملائكة لا يأكلون و لا يشربون و لا ينكحون و إنما يعيشون بنسيم العرش و إن لله ملائكة ركعاً إلى يوم القيامة و إنّ لله ملائكة سجّداً إلى يوم القيامة (1)

ثمّ قال أبو عبد الله عَلیْهِ السَّلَامْ: ما من شيء ممّا خلق الله أكثر من الملائكة و أنّه ليهبط في كلّ

يوم أو في كلّ ليلة سبعون ألف ملك فيأتون البيت الحرام فيطوفون به ثم يأتون رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم ثم يأتون أمير المؤمنين عَلیْهِ السَّلَامْ فيسلّمون عليه ثم يأتون الحسين عَلیْهِ السَّلَامْ فيقيمون عنده، فإذا كان وقت السّحر وضع لهم معراج إلى السّماء ثمّ لا يعودون أبداً (2)

و في «التّوحيد»: بإسناده عن زيد بن وهب قال: سئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عَلیْهِ السَّلَامْ عن قدرة الله جلّت عظمته، فقام خطيباً فحمد الله و أثنى عليه ثمّ قال:

إنّ الله تبارك و تعالى ملائكة لو أنّ ملكاً منهم هبط إلى الأَرض ما وسعته لعظمة خلقته و كثرة أجنحته، و منهم من لو كلفت الجنّ و الإنس أن يصفوه ما وصفوه لبعد ما بین مفاصله و حسن ترکیب صورته، و كيف يوصف من ملائكته من سبع مائة عام ما بين منكبيه و شحمة أذنيه، و منهم من يسدّ الأفق بجناح من أجنحته دون عظم بدنه، و منهم من السّماوات إلى حجزته (3)، و منهم من قدمه على غير قرار في جوّ الهواء الأَسفل و الأَرضون إلى ركبتيه، و منهم من لو ألقى في نقرة إبهامه جميع المياه لوسعتها، و منهم من لو ألقيت السفن في دموع عينه لجرت دهر الداهرين فتبارك الله أحسن الخالقين (4)

و فيه بإسناده عن ابن عباس عن النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: إنّ الله تبارك و تعالى ديكاً رجلاه في تخوم الأَرض السّابعة و رأسه عند العرش ثاني عنقه تحت العرش «إلى أن قال»: و لذلك الدّيك جناحان إذا نشرهما جاوز المشرق و المغرب، فإذا كان في آخر اللّيل نشر جناحيه و خفق بهما و صرخ بالتسبيح يقول: سبحان الملك القدّوس الكبير المتعال لا إله إلا الله الحي القيوم، فإذا


1) بحار الأنوار: 174/56 ح 4 ،و ميزان الحكمة: 2931/4 ح 3708.

2) کامل الزيارات: 224 ح 330، و وسائل الشيعة: 375/14 ح 19419.

3) الحجزة معقد الأزار.

4) الخصال: 401، و التوحيد: 278.

فعل ذلك سبحت ديكة الأَرض كلّها و خفقت بأجنحتها و أخذت في الصّراخ، فإذا سكن ذلك الدّيك في السّماء سكنت الديكة في الأَرض فإذا كان في بعض السحر نشر جناحيه فجاوز بهما المشرق و المغرب و خفق بهما و صرخ بالتسبيح سبحان الله العظيم العزيز القهار سبحان الله ذي العرش المجيد سبحان الله ربّ العرش الرّفيع، فإذا فعل ذلك سبّحت ديكة الأََرض فإذا هاج هاجت الدّيكة في الأَرض تجاوبه بالتسبيح و التقديس لله عزّ و جلّ و لذلك الدّيك ريش أبيض كأشدّ بياض رأيته قط و له زعباً خضر تحت ريشه الأَبيض كأَشد خضرة رأيتها قط فما زلت مشتاقاً إلى أن أنظر إلى ريش ذلك الدّيك.

و بهذا الإسناد عن النّبي صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: إنّ لله تبارك و تعالى ملكاً من الملائكة نصف جسده الأَعلى نار و نصفه الأَسفل ثلج، فلا النّار تذيب الثلج و لا الثلج تطفيء النّار و هو قائم ينادي بصوت رفيع: سبحان الله الذي كفّ حرّ هذه النّار فلا يذيب الثلج و كفّ برد هذا الثلج فلا يطفيء حر النّار اللّهم يا مؤلّفاً بين الثلج و النّار ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين على طاعتك (1)، هذا.

و بقي الكلام في قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: أوُليِ أَجنِحَةٍ تُسَبّحُ جَلَالَ عِزّتِهِ، فأقول: إن كانت تسبح بالتخفيف و الخلال بالخاء المعجمة فالمراد سباحتهم و سيرهم في أطباق السّماوات وفوقها أو

نزولهم و صعودهم لأَداء الرّسالات و غيرها أو سيرهم في مراتب القرب بالعبادة و التسبيح.

و أمّا على رواية التشديد و كون الجلال (بالجيم) فالجملة إما صفة لأولي أجنحة فالتأنيث باعتبار الجماعة و المقصود أنهم يسبحونه و يقدّسون جلاله و عظمته و عزته و قوله سبحانه من النقائص:

إما صفة لأَجنحة فالمقصود بالتسبيح.

و إما التنزيه و التقديس بلسان الحال إذ كلّ جناح من أجنحتهم بل كل ذرّة من ذرّات وجودهم ناطقة بلسان حالها شارحة لعظمة بارئها و مبدعها، برهان صدق على قدرته و قوته و كماله، و دليل متين على تدبيره و حكمته و جلاله، و هذا عام لجميع الملائكة.

و إما التنزيه بلسان المقال و هو مخصوص ببعض الملائكة.

و يشهد به ما رواه في «التوحيد» بإسناده عن ابن عباس عن النبيّ صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم قال: إنّ لله تبارك و تعالى ملائكة ليس شيء من أطباق أجسادهم إلا و هو يسبح الله عزّ و جلّ و يحمده من ناحية بأصوات مختلفة لا يرفعون رؤوسهم إلى السماء و لا يخفضونها إلى أقدامهم من البكاء و الخشية لله عزّ و جلّ (2)


1) بحار الأنوار: 249/57.

2) التوحيد: 28 ح 6، و بحار الأنوار: 324/18.

و عن جميل بن درّاج قال : سألت أبا عبد الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ هل في السماء بحار؟ قال عَلیْهِ السَّلَامْ: نعم أخبرني أبي عن أبيه عن جده عَلیْهِمُ السَّلَامْ قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: إنّ في السماوات السبع لبحاراً عمق أحدها مسيرة خمس مائة عام فيها ملائكة قيام منذ خلقهم الله عزّ و جلّ و الماء إلى ركبهم ليس فيهم ملك إلاّ و له ألف و أربع مائة جناح في كلّ جناح أربعة وجوه في كلّ وجوه (1)أربعة ألسن ليس فيها جناح و لا وجه و لا لسان و لا فم إلا و هو يسبح الله عزّ و جلّ بتسبيح لا يشبه نوع منه صاحبه، و الله أعلم بحقائق ملكه و ملكوته، و آثار جلاله و جبروته (2)

ثمّ وصف عَلیْهِ السَّلَامْ الملائكة بأنهم لا یَنتَحِلونَ ما ظَهَرَ فِی الخَلقِ مِن صُنعِهِ و لا یَدَّعونَ أنَّهُم یَخلُقونَ شَیئاً مَعَهُ مِمّا انفَرَدَ بِهِ أي لا يدعون الرّبوبية لأنفسهم كما يدّعيه البشر لهم و لأنفسهم فالفقرة الأولى لنفي ادعاء الاستبداد و الثانية لنفي ادّعاء المشاركة أو الأولى لنفي ادعائهم الخالقية فيما هم وسائط وجوده و لهم مدخل فيه بأمره سبحانه و الثانية لنفي ذلك فيما خلقه الله سبحانه بمجرّد أمره من دون توسط الوسائط (بل) هم عِبادٌ مُکْرَمُونَ لا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ و هو اقتباس من قوله سبحانه في سورة الأنبياء:

وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26 لَا يَسْبِِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) [الأنبياء: 26- 27] الآية. قيل: نزلت في خزاعة حيث قالت: الملائكة بنات الله، فنرّه الله سبحانه نفسه عن ذلك و قال سبحانه أنفة له: بل هؤلاء الذين زعموا أنهم ولد الله ليسوا أولاده، بل هم عباد مكرمون أكرمهم الله و اصطفاهم لا يسبقونه بالقول و لا يتكلّمون إلاّ بما يأمرهم به ربهم، فكلّ أقوالهم طاعة لربهم و يكفي بذلك جلالة قدرهم، و هم بأمره يعملون ،و من كان بهذه الصفة لا يوصف بأنه ولد.

(جعلهم) الله فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الأَمَانَةِ عَلَی وَحْيِه، و حَّمَلَهُمْ إِلَی الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِه و نَهْيِه لعلّ هذا الوصف مختص ببعض الملائكة و يشهد به قوله سبحانه:

الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا [الحج: 75]. و يكفي للنسبة إلى الجميع كون بعضهم كذلك و ما هنالك عبارة عن مراتب الملائكة ويدل على الاختصاص بالبعض أيضاً قوله عَلیْهِ السَّلَامْ في الفصل التاسع من الخطبة الأولى: وَ مِنهُم اُمَناءُ عَلی وَحیِهِ و ألسِنَهٌ إلی رَسولِهِ و مُختَلِفونَ بِقَضائِهِ و أمرِهِ، و قد تقدّم في شرح ذلك الفصل


1) في نسخة: وجه.

2) التوحيد: 281 ح 9، و نور البراهين: 107/2 ح 9.

ما ينفعك ذكره في المقام و بينا ثمة وجه الحاجة في أداء الأمانة إلى وجود الواسطة من الملائكة و أشرنا إلى جهة وصفهم بالأمانة.

و محصله أنّه لما كان ذو الأمانة هو الحافظ لما ائتمن عليه ليؤدّيه إلى مستحقه و كانت الرّسلات النازلة بواسطة الملائكة نازلة كما محفوظة عن الخلل الصادر عن سهو لعدم أسباب السّهو هناك أو عن عمد لعدم الدّاعي إليه لقوله تعالى:

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِِمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 50]. صدق أنهم أهل الأمانة على وحيه و رسالاته وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِه هذا الوصف عام لجميع الملائكة لأنهم معصومون من الشك و الاشتباه الناشيء من معارضة النفس الأَمارة للقوة العاقلة إذ ليس لهم هذه النفس فلا يتصور في حقّهم العدول عن سبيل رضوان الله و الانحراف عن القصد لانتفاء سببه الذي هو وجود هذه النفوس.

وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوائِدِ الْمَعُونَةِ وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَواضُعَ إِخْباتِ السَّکِینَةِ لعلّ المراد أنّه سبحانه أعطاهم المدد و القوة و أيّدهم بأسباب الطاعات و القربات و الأَلطاف و المعارف الصّارفة لهم عن المعصية و أنه ألزم قلوبهم التواضع و الذلة و الخضوع و الاستكانة لزوم الشعار للجسد أو أنه أعلمهم ذلك، و محصّله عدم انفكاكهم عن الخوف و الخشوع و قد مرّ بعض الأَخبار فيه في شرح الفصل التاسع من الخطبة الأولى. وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْواباً ذُلُلاً إِلَی تَماجِیدِهِ أي فتح لهم أبواباً سهلة إلى تعظيماته و الثناء عليه، و الجمع باعتبار أنواع التحيات و فتح الأَبواب كناية عن إلهامها عليهم و تسهيلها لهم لعدم معارضة شيطان أو نفس أمارة بالسوء، بل خلقهم خلقة يلتذون بها كما ورد: أن شرابهم التّسبيح و طعامهم التقديس. وَ نَصَبَ لَهُمْ مَناراً واضِحَهً عَلَی أَعْلامِ تَوْحِیدِهِ استعار لفظ الإعلام لأَدلة التّوحيد و براهين التفريد و وجه المشابهة إيصال كلّ منهما إلى المطلوب، و لعله أراد بالمنار الواضحة المنصوبة على تلك الأَعلام ما يوجب لهم الاهتداء إلى تلك الأَدلة من الوحي و الإلهام. و ربما قيل في شرح ذلك: أنه استعار المنار الواضحة للوسائط من الملائكة المقربين بينهم و بين الحق سبحانه إذ إخباره عن الملائكة السّماوية و لفظ الإعلام لصور المعقولات في ذواتهم المستلزمة لتوحيده و تنزيهه عن الكثرة، و وجه المشابهة أن المنار و الإعلام كما تكون وسائط في حصول العلم بالمطلوب كذلك الملائكة المقرّبون و المعارف الحاصلة بواسطتهم تكون وسائط في الوصول إلى المطلوب الأول محرّك الكلّ عز سلطانه، و هو قريب مما قلناه إلا إن ما قلناه أظهروا أشبه هذا.

و أمّا توصيف المنار بوصف الوضوح فمن أجل وفور أسباب الهداية و كثرة الدلائل في

حقهم لقربهم من سياحة عزّه و ملكوته و مشاهدتهم ما يخفى علينا من آثار ملكه و جبروته.

لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُوصِراتُ الْآثامِ أي مثقلاتها و أشار عَلیْهِ السَّلَامْ بذلك إلى عصمتهم من المعاصي لعدم خلق الشهوات فيهم و انتفاء النفس الأمارة الداعية إلى المعصية وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيالِي وَ الْأَيَّامِ أي لم يزعجهم تعاقبهما و لم يوجب رحيلهم عن دارهم، و المقصود تنزيههم عما يعرض للبشر من ضعف القوى أو القرب من الموت بكرور اللّيالي و مرور الأَيام. وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوازِعِها عَزِيمَةَ إِيمانِهِمْ عزيمة إيمانهم ما لزم ذواتهم من التّصديق بمبدعهم و ما ينبغي له، و المراد أنه لم ترم الشكوك بمحركاتها و هي شهواتها ما عزموا عليه من الإيمان و التّصديق ، هذا على رواية نوازعها (بالعين) المهملة و أما على روايتها (بالغين) المعجمة فالمقصود عدم انبعاث نفوسهم الأَمارة بالشكوكات و الشبهات و إلقائها الخواطر الفاسدة إلى أنفسهم المطمئنة. وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلى مَعاقِدِ يَقِينِهِمْ المراد بالظنّ إمّا الاعتقاد الراجح غير الجازم أو الشّك أو ما يشملهما، و لعل الأَخير أظهر هنا، فالمقصود نفى ازدحام الظنون و الأوهام على قلوبهم التي هي معاقد عقائدهم اليقينة. وَ لاَ قَدَحَتْ قَادِحَهُ الْإِحَنِ فِیمَا بَیْنَهُمْ أي لا تثير الأَحقاد و العداوات بينهم فتنة كما تثير النّار قادحتها لتنزّههم من القوة الغضبيّة وَ لاَ سَلَبَتْهُمُ الْحَیْرَهُ مَا لاَقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ وَ سَکَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَ هَیْبَةِ جَلاَلَِهِ فِی أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ لمّا كانت الضيرة عبارة عن عدم الاهتداء إلى وجه الصواب من حيث تردّد العقل في أن أي الأمرين أولى بالطلب و الاختيار، و كان منشأ ذلك معارضة الوهم و الخيال للعقل و لم يكن لهم وهم و لا خيال، لا جرم لا حيرة تخالط عقائدهم و تزيل هيبة عظمته من صدورهم. قال المجلسي (رَحِمَه اللهُ) و يحتمل أن يكون المراد بالحيرة الوله لشدّة الحب و كمال المعرفة كما سيأتي، فالمعنى أن شدّة و لههم لا توجب نقصاً في معرفتهم و غفلة عن ملاحظة العظمة و الجلال كما في البشر، و على هذا فالسلب في كلامه عَلیْهِ السَّلَامْ راجع إلى المحمول كما أنه على ما قلناه راجع إلى الموضوع وَ لَمْ تَطْمَعْ فِیهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَیْنِهَا عَلَی فِکْرِهِمْ أي لم تطمع فيهم الوساوس الشّيطانية و النّفسانية فتتناوب أو تضرب بأدناسها على قلوبهم، و الغرض نفي عروض الوساوس على عقولهم كما تعرض للبشر لانتفاء أسبابها في حقهم.

(منهم) أي من مطلق الملائكة مَنْ هُوَ فِی خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ أي السحاب الثقيلة بالمطر، و المراد بذلك الصّنف هم الذين مكانهم السحاب و هم خزان المطر و زواجر السحاب المشار إليهم بقوله سبحانه: و الزاجرات زجراً.

قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب فيشمل لمشيعي الثلج و البرد

والهابطين مع قطر المطر إذا نزل و إن كان السحاب مكانهم قبل النّزول قال سيّد الساجدين عَلیْهِ السَّلَامْ في دعائه في الصّلاة على حملة العرش و سائر الملائكة من الصحيفة الكاملة: و خزان المطروز واجر السحاب و الذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود و إذا سبحت به حفيفة السحاب التمعت صواعق البروق و مشيعي الثَلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل، هذا.

و يحتمل أن يكون المقصود تشبيههم في لطافة الجسم بالسحاب، فيكون المعنى أنهم في الخلقة مثل خلق الغمام.

و كذلك قوله عَلیْهِ السَّلَامْ: وَ فِی عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ يحتمل أن یراد به الملائكة الموكلون بالجبال للحفظ و سائر المصالح، و أن يراد به تشبيههم بالجبال في عظمة الخلقة.

و هكذا قوله: وَ فِی قَتْرَهِ الظَّلاَمِ الْأَیْهَمِ محتمل لأَن يراد به الملائكة السّاكنون في الظلمات لهداية الخلق و حفظهم أو غير ذلك، و لأن يراد به تشبيههم في السّواد بالظلمة.

وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَی، فَهِیَ کَرَایَاتٍ بِیضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِی مَخَارِقِ الْهَوَاءِ وَ تَحْتَهَا رِیحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَیحَیْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِیَةِ لعل المراد بهم الملائكة الموكلون بالأَرض يقول عَلیْهِ السَّلَامْ: إنهم قد خرقت أقدامهم حدود الأَرض السفلى و معالمها و أقدامهم بمنزلة أعلام بيض قد نفذت في مخارق الهواء، و أراد بها المواضع التي تمكنت فيها تلك الأعلام بخرق الهواء، و تحت هذه الأَعلام ريح طيبة ساكنة أي ليست بمضطربة فتموج تلك الرّايات تحبسها حيث انتهت، هذا. و قال الشّارح البحراني: يشبه أن يكون هذا القسم من الملائكة السّماوية أيضاً و استعار لفظ الأَقدام لعلومهم المحيطة بأقطار الأَرض السفلى و نهاياتها، وجه الشبه كون العلوم قاطعة للمعلوم و سارية فيه واصلة إلى نهايته كما أن الأََقدام تقطع الطريق و تصل إلى الغاية منها.

و تشبيهها بالرّايات البيض من وجهين:

أحدهما: في البياض لأَن البياض لما استلزم الصّفاء عن الكدور و السّواد كذلك علومهم صافية عن كدورات الباطل و ظلمات الشبه.

الثاني: في نفوذها في أجزاء المعلوم كما تنفذ الرّايات في الهواء، و أشار بالريح التي تحبس الأَقدام إلى حكمة الله التي أعطت كلاماً يستحقه و قصرت كل موجود على حده و بهفوفها إلى لطف تصرّفها و جريانها في المصنوعات.

أقول: و لا بأس به و إن كان خروجاً عن الظاهر.

ثم أشار إلى استغراقهم في العبادة و ثباتهم في المعرفة و المحبة بقوله: قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ أي جعلتهم فارغين عن غيرها وَ وَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِیمَانِ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَعْرِفَتِهِ أراد

بحقائق الإيمان العقائد اليقينية تحقّ أن تسمى إيماناً أو البراهين الموجبة له، و كونها وصلة بينهم و بين معرفته من حيث إن التّصديق بوجود الشّيء الواجب تحصيله أقوى الأَسباب الباعثة على طلبه فصار الإيمان و التصديق الحق بوجوده جامعاً بينهم و بين معرفته و وسيلة لهم إليه.

وَ قَطَعَهُمُ الْإِیقَانُ بِهِ إِلَی الْوَلَهِ إِلَیْهِ أي صرفهم اليقين بوجوب وجوده عن التوجه و الالتفات إلى غيره إلى و لههم إليه و تحيرهم من شدّة الوجد وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَی مَا عِنْدَ غَیْرِهِ أي رغباتهم مقصورة على ما عنده سبحانه من قربه و ثوابه و كرمه، فإنه منتهى رغبة الراغبين و هو غاية قصد الطالبين. قَدْ ذَاقُوا حَلاَوَهَ مَعْرِفَتِهِ استعار عَلیْهِ السَّلَامْ لفظ الذّوق لتعقّلاتهم و رشحه بذكر الحلاوة و كنى بها عن كمال ما يجدونه من اللذّة بمعرفته كما يلتذ ذائق الحلاوة بها وَ شَرِبُوا بِالْکَأْسِ الرَّوِیَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ استعار لفظ الشرب لما تمكن في ذواتهم من كمال المحبة و رشحه بذكر الكأس الرويّة أي من شأنها أن تروي و تزيل العطش وَ تَمَکَّنَتْ مِنْ سُوَیْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَ شِیجَةُ خِیفَتِهِ لما كان كمال استقرار العوارض القلبية من الحب و الخوف و نحوهما عبارة عن بلوغها إلى سويداء القلب و تمكنها فيها عبر عَلیْهِ السَّلَامْ بها مبالغة و أشار عَلیْهِ السَّلَامْ بوشيجة خيفته إلى جهات الخوف المتشعبة في ذواتهم الناشئة من زيادة معرفتهم بعزّته و قدرته و مقهوريتهم تحت قوّته. فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ أي عوّجوا ظهورهم المعتدلة المستقيمة بطاعاتهم الطويلة،و هو كناية عن كمال خضوعهم. وَ لَمْ یُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَیْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ أراد به عدم إفناء طول رغبتهم إليه دواعي تضرّعهم له سبحانه كما في البشر فإنّ أحدنا إذا كان له رغبة في أمر و أراد الوصول إليه من عند تضرّع إليه و ابتهل و إذا طال رغبته و لم ينل إلى مطلوبه حصل له الملال و الكلال و انقطع دواعي نفسه و ميول قلبه و ينعدم ما كان سبباً لتضرّعه و ابتهاله، و لمّا كان الملال و الكلال من عوارض المركبات العنصرية و كانت الملائكة السماوية منزهة عنها لا جرم حسن سلبها عنهم. وَ لاَ أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِیمُ الزُّلْفَهِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ لما كان من شأن مقربي الملوك و السّلاطين أنهم كلما ازدادت زلفاهم و قرباهم إليهم انتقص خضوعهم و خشوعهم و تواضعهم من أجل أنه يخف هيبتهم و سطوتهم في نظرهم لكونهم بشراً مثلهم و لم يكن كذلك حال من كان مقربي الحضرة الرّبوبيّة بل هم كلّما ازدادوا قرباً ازدادوا خشوعاً من حيث عدم انتهاء السّلطنة الإلهيّة و عدم انتهاء مراتب العرفان و اليقين الدّاعيين إلى التضرع و العبادة و عدم وقوفها على حد، لا جرم لم يطلق عظم قربهم أعناق ذلهم عن ربقة الابتهال، فهم بقدر صعودهم في مدارج الطاعة يزداد قربهم، و كلّما ازداد قربهم تضاعف علمهم بعظمته فيحصل بزيادة العلم بالعظمة كمال الخشوع و الذلة.

وَ لَمْ یَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَیَسْتَکْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَ لَا تَرَکَتْ لَهُمُ اسْتِکَانَهُ الْإِجْلَالِ، نَصِیباً فِی تَعْظِیم حَسَنَاتِهِمْ المراد بذلك نفي استيلاء العجب عليهم و الإشارة إلى أنهم لا يستعظمون ما سلف منهم من العبادات، و لا يستكثرون ما تقدّم منهم من الطاعات، و أنهم لم يترك لهم خضوعهم الناشيء عن ملاحظة جلال الله و ولههم النّاشيء من شدّة المحبّة إليه نصيباً في تعظيم الحسنات و حظاً في إعظام القربات، لأَن منشأ العجب هو النّفس الأَمارة و هو من أحكام الأَوهام و الملائكة السماوية مبرؤون منها و منزهون عنها. وَ لَمْ تَجْرِ الْفَترَاتُ فِیهِمْ عَلَی طُولِ دُؤُوبِهِمْ يعني أنهم على طول جدّهم في العبادة لا يحصل لهم فتور و لا قصور، و قد مضى بيان ذلك في شرح الفصل التاسع من الخطبة الأولى. قال زين العابدين و سيد السّاجدين عَلیْهِمُ السَّلَامْ في الصلاة على حملة العرش: اللّهم و حملة عرشك الذين لا يفترون عن تسبيحك و لا يملون عن تقديسك (1) و العجب من الشارح البحراني حيث قال في شرح هذه الفقرة: قد ثبت أنّ الملائكة السّماوية دائمة التّحريك لأَجرامها حركة لا يتخللها سكون و لا يكلها و يفترها إعياء و تعب، و لبيان ذلك البراهين أصول ممهدة في مواضعها و أمّا بالقرآن فلقوله تعالى:

يُسَبِِّحُونَ الَّيْلَ وَ النَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20] انتهى. أقول: و هو تأويل من غير دليل مقبول مبتن على «أصول الفلاسفة» الجاعلين الملائكة بالنسبة إلى أجرام السّماء بمنزلة النفوس الناطقة بالنّسبة إلى أبدان البشر القائلين بكونها مدّبرة لأَمرها كما أن النّفوس مدبّرة للأَبدان، و هو مخالف للأُصول الشّرعية موجب لطرح ظواهر الأدلة من الكتاب و السنّة، فالأَولى الإعراض عنه و الرجوع إلى ما قاله المفسّرون في تفسير الآية الشريفة.

قال الطبرسي: أي ينزهون الله عن جميع ما لا يليق بصفاته على الدّوام في اللّيل و النهار لا يضعفون عنه، قال كعب: جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النّفس في السّهولة، وقيل: معنى لا يفترون لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلاً بفراغ أو بشغل آخر، و أورد عليه أنهم قد يشتغلون باللّعن كما قال تعالى:

أُولَئِكَ عَلَيْهِِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَ الْمَلَئِكَة [البقرة: 161]. و أجيب بأن التّسبيح لهم كالتنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.

و اعترض بأن آلة التّنفس لنا مغايرة لآله التكلّم فلهذا صح اجتماع التنفس و التّكلم،


1) الصحيفة السجادية: 33، و بحار الأنوار: 217/56.

و أجيب بأنّه لا يستبعد أن يكون لهم ألسن كثيرة أو يكون المراد بعدم الفترة أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللاَئقة به.

وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَیُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءٍ رَبّهِمْ أي لم يتنقص رغباتهم إلى ما عنده فيعدلوا عن الرّجاء إليه، و ذلك لأن أشواقهم إلى كمالاتهم دائمة و علمهم بعظمة خالقهم و بحاجتهم إليه و بأنّه مفيض الكمالات و واهب الخيرات لا يتطرق إليه نقص فلا ينقطع رجاؤهم عنه و لا ييأسون من فضله. وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاهِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ أراد عَلیْهِ السَّلَامْ به عدم عروض الفتور و الكلال عليهم في مناجاتهم كما يعرض علينا و تجفّ ألسنتنا بسبب طول المناجاة وَ لَا مَلَکَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤارِ إلَیْهِ أَصْوَاتُهُمْ أي ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة حتّى تنقطع لأجلها أصواتهم بسبب خفاء تضرّعهم إليه، و بعبارة أخرى ليست لهم أشغال خارجة فتكون لأَجلها أَصواتهم المرتفعة خافية ساكنة. وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِی مَقَاوِمِ الطَّاعَهِ مَنَاکِبُهُمْ أي لم ينحرف مناكبهم أو لم يتقدّم بعضهم على بعض في مقامات الطاعة و صفوف العبادة وَ لَمْ یَثْنُوا إِلَی رَاحَهِ التَّقْصِیرِ فِی أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ يعني لم يصرفوا رقابهم من أجل تعب العبادات و كثرتها إلى الرّاحة الحاصلة بإقلال العبادة أو تركها بعد التّعب فيقصروا في أوامره و المقصود نفي اتصافهم بالتعب و الرّاحة لكونهما من عوارض الأجسام البشريّة و توابع المزاج الحيواني. وَ لاَ تَعْدُو عَلَی عَزِیمَهِ جِدِّهِمْ بَلاَدَهُ الْغَفَلاَتِ المراد أنهم لا تغلب على عزيمتهم و جدّهم في العبادة بلادة و لا غفلة لكونهما من عوارض هذا البدن وَ لاَ تَنْتَضِلُ فِی هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ أي لا ترمي الشهوات بسهام خدائعها هممهم، و المقصود نفي توارد وساوس الشّهوات الصارفة عن العبادة و تتابعها عنهم لبراءتهم من القوة الشهوية. قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِیرَهً لِیَوْمِ فَاقَتِهِمْ ذو العرش هو الله سبحانه كما في غير واحدة من الآيات القرآنية، و المراد بيوم فاقتهم يوم حاجتهم و هو يوم قبض أرواحهم كما يظهر من بعض الأَخبار. قال المجلسي (رَحِمَه اللهُ): و لا يبعد أن يكون لهم نوع من الثّواب على طاعاتهم بازدياد القرب و افاضة المعارف و ذكره سبحانه لهم و تعظيمه إيّاهم و غير ذلك، فيكون إشارة إلى يوم جزائهم وَ یَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَی الْمَخْلُوقِینَ بِرَغْبَتِهِمْ أي قصدوه بتضرّعهم إليه سبحانه عند انصراف الخلق و انقطاعهم منه إلى المخلوقين و يحتمل رجوع ضمير رغبتهم إلى الخلق و إليهم و إلى الملائكة على سبيل التنازع.

لاَ یَقْطَعُونَ أَمَدَ غَایَهِ عِبَادَتِهِ أراد أنّه لا يمكنهم الوصول إلى منتهى نهاية عبادته الذي

هو عبارة كمال معرفته، و ذلك لكون مراتب العرفان و درجاته غير متناهية فلا يمكنهم قطعها وَ لاَ یَرْجِعُ بِهِمُ الاِسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ إِلاَّ إِلَی مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَیْرِ مُنْقَطِعَهٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ أي لا يرجعهم الولع بلزوم طاعته سبحانه إلاّ إلى مواد ناشئة من قلوبهم غير منقطعة و هذه الموادّ هو رجاءه و مخافته الباعثان لهم على لزوم طاعته، و الغرض إثبات دوام خوفهم و رجائهم الموجبين لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزيادتها كما يشعر به لفظ الموادّ.

قال الشّارح البحراني: لما كانوا غرقى في محبته عالمين بكمال عظمته و أن ما يرجونه من جوده أشرف المطالب و أربح المكاسب و ما يخشى من انقطاع جوده و نزول حرمانه أعظم المهالك و المعاطب، لا جرم دام رجاؤهم له و خضوعهم في رق الحاجة إليه و الفزع من حرمانه، و كان ذلك الخوف و الرجاء هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته التي يرجعون إليها من قلوبهم فلم ينقطع استهتارهم بلزومها.

لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَهِ مِنْهُمْ فَیَنُوا فِی جِدِّهِمْ أي لم تنقطع أسباب الخوف منهم فيفتروا في الجدّ في العبادة و أسباب الخوف هي حاجتهم إليه سبحانه و افتقارهم إلى إفاضته وجوده، فإن الحاجة الضّرورية إلى الغير في مطلوب يستلزم الخوف منه في عدم قضائه و يوجب الإقبال على الاستعداد بجوده بلزوم طاعته و القيام بوظائف عبادته. وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَیُؤْثِرُوا وَ شِیکَ السَّعْیِ عَلَی اجْتِهَادِهِمْ أي لم تجعلهم الأطماع أسراء و ليسوا مأسورين في ربقة الطمع حتّى يختاروا السّعي القريب في تحصيل المطموع من الدّنيا الفانية على اجتهادهم الطويل في تحصيل السّعادة الباقية كما هو شأن البشر، و ذلك لكون الملائكة منزهين عن الشهوات و ما يلزمها من الأطماع الكاذبة. وَ لَمْ یَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَی مِنْ ذَلِکَ قد مرّ معناه في شرح قوله: وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجابُ (آه) و إنّما أعاد ذلك مع إغناء السّابق عنه و كفايته في الدلالة على نفي العجب للإشارة إلى دليله و هو قوله: وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِکَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ يعني أنّهم لو استعظموا سالف أعمالهم لأَوجب ذلك اغترارهم و زيادة رجائهم لثواب أعمالهم فيبطل ذلك و يزيل مادات و جلهم و خوفهم، ألا ترى أن الإنسان إذا عمل لبعض الملوك عملاً يستعظمه فإنه يرى في نفسه استحقاق أجزل جزاء له و يجد التّطاول به فيهون ذلك ما يجده من خوفه؟ و كلّما ازداد استعظامه لخدمته ازداد اعتقاده في قربه من الملك قوّة و بمقدار ذلك ينقص خوفه و تقل هيبته في نظره،لكن الملائكة خائفون دائماً لقوله سبحانه: وَ هُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28]. فينتج أنّهم لا يستعظمون سالف عباداتهم وَ لَمْ یَخْتَلِفُوا فِی رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّیْطَانِ عَلَیْهِمْ أي لم يختلفوا فيه من حيث الإثبات و النفي أو التعيين أو الصّفات كالتّجرد و التجسم و كيفية العلم و غير ذلك، وقيل: أي في استحقاق كمال العبادة، و المقصود نفي الاختلاف

عنهم باستيلاء الشّيطان كما هو في الإنسان لأََنّه:

لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَلَى رَبِِّهِِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَنُهُ عَلَى الََّذِينَ يَتَوَلََّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِِكُونَ [الإسراء: 100]. وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقاطع و التعادي و ترك البر و الإحسان وَ لا تَوَلاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ الناشيء من النفس الأمارة بالحق و العدوان وَ لا شَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيبِ و وجوهات شكوك الأَذهان وَ لا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ و اختلافاتها لانحصار همّهم في طاعة الله الرّحيم الرّحمن فَهُمْ أَسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفْكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيَغٌ و جور وَ لَا عُدُولٌ وَ لاوَنا و وهن وَ لا فُتُورٌ. ثمّ أشار عَلیْهِ السَّلَامْ إلى كثرة الملائكة بقوله: وَ لَيْسَ فِي أَطبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ و جلد إلّا و علَيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ خاشع لربّه (أو ساع) مسرع (حافد) في طاعة معبوده يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهمْ عِلْماً وَ يَقيناً وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً و كمالاً.

قال الشّارح البحراني: اعلم أن للسماء ملائكة مباشرة لتحريكها، و ملائكة أعلى رتبة من أولئك هم الأمرون لهم بالتحريك، فيشبه أن يكون الإشارة بالساجدين منهم إلى الأمرين، و السجود كناية عن كمال عبادتهم كناية بالمستعار، و تكون الإشارة بالساعين المسرعين إلى المتولّين للتحريك، فأمّا زيادتهم بطول طاعتهم علماً بربّهم فلما ثبت أن حركاتهم إنما هي شوقيّة للتشبّه بملائكة أعلى رتبة منهم في كمالهم بالمعارف الإلهية و ظهور ما في ذواتهم بالقوة إلى الفعل، و زيادة عزة ربّهم عندهم عظماً بحسب زيادة معرفتهم له تابعة لها.

أقول: و قد مضى الإشارة منّا إلى أن هذا كلّه مبنى على الأصول الحكمية و عدول عن طريق الشريعة النبويّة على صادعها آلاف الصّلاة و السّلام و التحيّة و قدّمنا الأَخبار المناسبة للمقام في شرح الفصل التّاسع من الخطبة الأولى فتذكّر و ينبغي تذييل المقام بأمرين مهمّين:

أحدهما في عصمة الملائكة

و هو مذهب أصحابنا الإماميّة رضوان الله عليهم و عليه دلت الآيات القرآنية و الأَخبار الكثيرة من طرقنا، و لنقتصر على رواية واحدة، و هي:

ما رواه في «الصّافي» قال: قال الرّاوي: قلت لأَبي محمّد عَلیْهِ السَّلَامْ: فإنّ قوماً عندنا يزعمون أن هاروت و ماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم، و أنزلهما الله مع ثالث لهما إلى الدّنيا، و أنهم افتتنا بالزهرة و أرادا الزنا و شربا الخمر و قتلا النفس المحرّمة؛ و أن الله يعذّبهما ببابل، و أن السحرة منهما يتعلّمون السّحر و أن الله مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة.

فقال الإمام عَلیْهِ السَّلَامْ: معاذ الله من ذلك إن ملائكة الله معصومون محفوظون من الكفر

و القبائح بألطاف الله تعالى(1)قال الله فيهم:

لَّا يَعْصُونَ اللهَ مَآ أََمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] و قال: وَ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِِ وَ مَنْ عِندَهُ [الأنبياء: 19] يعني الملائكة لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَ لَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اَلَّيْلَ وَ النَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 19- 20]. و قال في الملائكة أيضاً: بَل عِبادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُم بِِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 26- 27] إلى قوله: مُشْفِقُونَ [المعارج: 27].

و مثله في «البحار» عن يوسف بن محمّد بن زياد و عليّ بن محمّد بن سيّار عن أبويهما أنهما قالا: فقلنا للحسن أبي القائم عليهما السلام: فإن قوماً إلى آخر الخبر، و رواه أيضاً فی «الاحتجاج» عن أبي محمّد العسكري عَلیْهِ السَّلَامْ مثله.

نعم في بعض الرّوايات ما يدلّ على خلاف ذلك، و هو ما رواه عليّ بن إبراهيم القمّي (رَحِمَه اللهُ) عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن عليّ بن رئاب عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر عَلیْهِ السَّلَامْ قال: سأله عطا و نحن بمكّة عن هاروت و ماروت، فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: إن الملائكة كانوا ينزلون من السّماء إلى الأرض في كلّ يوم و ليلة يحفظون أعمال أوساط أهل الأَرض من ولد آدم عَلیْهِ السَّلَامْ و الجنّ و يسطرونها و يعرجون بها إلى السّماء قال: فضجّ أهل السّماء من معاصي أوساط أهل الأَرض فتوامروا فيما بينهم ممّا يسمعون و يرون من افترائهم الكذب على الله تبارك و جرأتهم عليه و نزهوا الله تعالى ممّا يقول فيه خلقه و يصفون، فقالت طائفة الملائكة: يا ربّنا ما تغضب مما يعمل خلقك في أرضك و ممّا يصفون فيك الكذب و يقولون الزّور و يرتكبون المعاصي، و قد نهيتهم عنها، ثمّ أنت تحلم عنهم و هم في قبضتك و قدرتك و خلال عافيتك، قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فأحب الله عزّ و جلّ أن يري الملائكة سابق علمه في جميع خلقه و يعرفهم ما من به عليهم ممّا عدل به عنهم من صنع خلقه و ما طبعهم عليه من الطاعة و عصمهم به من الذّنوب.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فأوحى الله إلى الملائكة أن انتدبوا منكم ملكين حتّى أهبطهما إلى الأَرض ثمّ أجعل فيهما من طبائع المطعم و المشرب و الشّهوة و الحرص و الأَمل مثل ما جعلته في ولد آدم، ثمّ أختبرهما في الطّاعة، قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فندبوا لذلك هاروت و ماروت و كانا أشدّ الملائكة قولاً في العيب لولد آدم و استيثار غضب الله عليهم.

قال: عَلیْهِ السَّلَامْ: فأوحى الله إليهما أن اهبطا إلى الأَرض فقد جعلت فيكما من طبائع المطعم و المشرب و الشّهوة و الحرص و الأَمل مثل ما جعلت في ولد آدم قال عَلیْهِ السَّلَامْ ثمّ أوحى الله إليهما: انظرا أن لا تشركا بي شيئاً و لا تقتلا النّفس التي حرّم الله و لا تزنيا و لا تشربا الخمر.


1) الاحتجاج: 265/2، و الفصول المهمة: 443/1 ح 620.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: ثمّ كشط عن السّماوات السّبع ليريهما قدرته، ثم أُهبطا إلى الأَرض في صورة البشر و لباسهم، فهبطا ناحية بابل فرفع لهما بناء مشرف فأقبلا نحوه فإذا بحضرته امرأة جميلة حسناء مزينة معطرة مسفرة مقبلة.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ فلمّا نظرا إليها و ناطقاها و تأملاها وقعت في قلوبهما موقعاً شديداً لموضع الشّهوة التي جعلت فيهما، فرجعا إليها رجوع فتنة و خذلان و راوداها عن نفسها، فقالت لهما : إن لي ديناً أدين به و ليس أقدر في ديني على أن أجيبكما إلى ما تريدان إلاّ أن تدخلا في ديني الذي أدين به، فقالا لها: و ما دينك؟ قالت: لي إله من عبده و سجد له كان لي السبيل إلى أن أجيبه إلى كلّ ما سألني، فقالا لها: و ما إلهك؟ قالت: إلهي هذا الصّنم.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: هاتان خصلتان مما نهانا عنها الشّرك و الزّنا، لأنّا إن سجدنا لهذا الصّنم و عبدناه أشركنا بالله و إنّما نشرك بالله لنصل إلى الزّنا و هو ذا نحن نطلب الزّنا فليس نعطى إلاّ بالشرك.

فقال عَلیْهِ السَّلَامْ: فائتمرا بينهما فغلبتهما الشّهوة التي جعلت فيهما، فقالا لها: نجيبك إلى ما سألت، فقالت: فدونكما فاشربا هذا الخمر فإنّه قربان لكما و به تصلان إلى ما تريدان، فائتمرا بينهما فقالا: هذه ثلاث خصال ممّا نهانا ربّنا عنها: الشرك و الزّنا، و شرب الخمر، و إنّما ندخل في شرب الخمر و الشّرك حتّى نصل إلى الزّنا، فائتمرا بينهما فقالا: ما أعظم البليّة بك قد أجبناك إلى ما سألت، قالت: فدونكما فاشربا من هذا الخمر، و اعبدا هذا الصّنم، و اسجدا له، فشربا الخمر و عبدا الصّنم ثمّ راوداها عن نفسها.

فلمّا تهيّأت لهما و تهياً، لها دخل عليها سائل يسأل هذه، فلمّا رآهما و رأياه ذعرا منه، فقال لهما: إنكما لامرآن ذعران، فدخلتما بهذه المرأة المعطرة الحسناء إنكما لرجلا سوء، و خرج عنهما، فقالت لهما: و إلهي ما تصلان الآن إليّ و قد اطلع هذا الرجل على حالكما و عرف مكانكما، و يخرج الآن و يخبر بخبر كما و لكن بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل أن يفضحكما و يفضحني ثم دونكما فاقضيا حاجتكما و أنتما مطمئنان آمنان.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فقاما إلى الرّجل فأدركاه فقتلاه ثم رجعا إليها فلم يرباها و بدت لهما سوآتهما و نزع عنهما رياشهما و أسقطا في أيديهما، فأوحى الله إليهما أن أهبطتكما إلى الأَرض مع خلقي ساعة من النّهار فعصيتماني بأربع من معاصي كلّها قد نهيتكما عنها و تقدّمت إليكما فيها فلم تراقباني و لم تستحيبا مني، و قد كنتما أشدّ من نقم على أهل الأرض بالمعاصي واستجر أسفي و غضبي عليهم لما جعلت فيكما من طبع خلفي و عصمتي إيّاكما من المعاصي فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما.

اختارا عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة، فقال أحدهما لصاحبه، نتمتع من شهواتنا في

الدّنيا إذ صرنا إليها إلى أن نصير إلى عذاب الآخرة، فقال الآخر: إنّ عذاب الدّنيا له مدّة و انقطاع و عذاب الآخرة قائم لا انقطاع له فلسنا نختار عذاب الآخرة الشديد الدّائم على عذاب الدّنيا المنقطع الفاني.

قال عَلیْهِ السَّلَامْ: فاختارا عذاب الدّنيا فكانا يعلمان النّاس السّحر في أرض بابل ثمّ لما علّما النّاس السّحر رفعا من الأَرض إلى الهواء، فهما معذّبان منكسان معلّقان في الهواء إلى يوم القيامة (1)، و رواه في «البحار» عن العيّاشي عن محمّد بن قيس مثله، و بمعناه أخبار أخرى، و يمكن حملها على التقيّة و يشعر به كون السائل في هذه الرّواية من علماء العامة.

و ما رواه في «البحار» عن «العلل» عن الصّادق عَلیْهِ السَّلَامْ في حديث قال: و أمّا الزّهرة فانّها كانت امرأة تسمى ناهيد (2)و هي الّتي تقول للناس: إنّه افتتن بها هاروت و ماروت (3)، فإن في نسبة افتتانهما إلى النّاس إشارة إلى ما ذكرناه كما لا يخفى.

و قال بعض أهل العرفان بعد ما أورد الرّوايات الدّالة على تكذيب أمر هاروت و ماروت و الرّوايات الدّالة على صحّة قصّتهما:

و الوجه في الجمع و التوفيق أن يحمل روايات الصّحة على كونها من مرموزات الأَوائل و إشاراتهم، و أنّهم عَليهِمُ السَّلام لمّا رأوا أن حكاتها كانوا يحملونها على ظاهرها كذّبوها ثمّ قال: و أمّا حلّها فلعلّ المراد بالملكين الرّوح و العقل فإنّهما من العالم الرّوحاني أُهبطا إلى العالم الجسماني لإقامة الحق فافتتنا بزهرة الحياة الدّنيا، و وقعا في شبكة الشهوة، فشربا خمر الغفلة، و عبدا صنم الهوى، و قتلا عقلهما النّاصح لهما بمنع تغذيته بالعلم و التقوى، و محو أثر نصحه عن أنفسهما، و تهيّئا للزّنا يبغي الدّنيا الدّنيّة التي تلي تربية النشاط و الطرب فيها الكوكب المسمّى بالزّهرة، فهربت الدّنيا منهما و فاتتهما لما كان من عادتهما أن تهرب من طالبيها لأنَّها متاع الغرور و بقي إشراق حسنها في موضع مرتفع بحيث لا تنالها أيدي طلابها ما دامت الزّهرة باقية في السّماء و حملهما حبّها في قلبهما إلى أن وضعها طرائق من السّحر و هو ما لطف مأخذه ودقّ فخيّرا للتخلص منها فاختارا بعد التنبّه و عود العقل إليهما أهون العذابين، ثمّ رفعا إلى البرزخ معذبين و رأسهما بعد إلى أسفل إلى يوم القيامة.

هذا ما خطر بالبال في حلِّ هذا الرّمز و الله الهادي.


1) بحار الأنوار: 318/56، و مسند محمد بن قيس: 144.

2) في نسخة: ناهيل.

3) علل الشرائع: 486/2 ح 2، و وسائل الشيعة: 111/24.

الثاني

اختلف المسلمون في أن الأَنبياء و الملائكة أيّهم أفضل أي أكثر ثواباً؟ فذهب أكثر الأَشاعرة إلى أنّ الأَنبياء أفضل، و قال المعتزلة كما في شرح المعتزلي: إن نوع الملائكة أفضل من نوع البشر، و الملائكة المقرّبون أفضل من نوع الأَنبياء و ليس كلّ ملك عند الإطلاق أفضل من محمّد صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم، بل بعض المقرّبين أفضل منه، و هو صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم أفضل من ملائكة أخرى غير الأولين.

و لا خلاف بين علماء الإماميّة قدّس الله أرواحهم في أن الأَنبياء و الأَئمة صلوات الله عليهم أفضل من جميع الملائكة، و أخبارهم على ذلك مستفيضة، و قد حققوا ذلك في كتب « الأصول» و لا حاجة لنا الآن إلى بسط الكلام في ذلك المقام، و إنّما نقتصر على رواية واحدة توضيحاً للمرام.

و هو ما رواه الصّدوق في كتاب إكمال الدّين و إتمام النّعمة قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي، قال: حدثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن أحمد الهمداني، قال: حدثنى أبو الفضيل العبّاس بن عبد الله البخاري، قال: حدثنا محمّد بن القاسم بن إبراهيم بن عبد الله بن القاسم بن محمّد بن أبي بكر، قال: حدّثنا عبد السّلام بن صالح الهروي عن عليّ بن موسى الرّضا عَلیْهِ السَّلَامْ عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب عَليهم السَّلام.

قال: قال رسول الله صَلَّی اَللهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّم: ما خلق الله خلقاً أفضل منّي و لا أكرم عليه منّي قال عليّ عَلیْهِ السَّلَامْ: فقلت: يا رسول الله فأنت أفضل أم جبرئيل؟ فقال: إنّ الله تبارك و تعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين و فضّلني على جميع النّبيّين و المرسلين و الفضل بعدي لك يا عليّ و الأَئمة من بعدك، فإنّ الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا يا علي.

الَّذِينَ يَلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلََّذِينَ ءَامَنُوا [ غافر: 7]. بولايتنا، يا عليّ لو لا نحن ما خلق الله آدم عَلیْهِ السَّلَامْ و لا حوّاء و لا الجنّة و لا النّار و لا السّماء و لا الأرض ، و كيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سبقناهم إلى التّوحيد و معرفة ربّنا عزّ و جلّ و تسبيحه و تقديسه و تهليله، لأَن أوّل ما خلق الله عزّ و جلّ أرواحنا، فأنطقنا بتوحيده و تمجيده ثمّ خلق الملائكة فلمّا شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمورنا فسبّحنا لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون و أنّه منزّه عن صفاتنا فسبّحت الملائكة لتسبيحنا و نزهته عن صفاتنا.

فلمّا شاهدوا أعظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلاّ الله فلمّا شاهدوا كبر محلّنا

كبّرنا الله لتعلم الملائكة أنّ الله أكبر من أن تنال و أنّه عظيم المحلّ فلمّا شاهدوا ما جعل الله لنا من القدرة و القوّة قلنا: لا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، لِتَعْلَمَ الْمَلائِكَةُ أَنْ لا حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللّه.

فلمّا شاهدوا ما أنعم الله به علينا و أوجبه من فرض الطاعة قلنا: الحمد لله، لتعلم الملائكة ما يحق الله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه فقالت الملائكة الحمد لله فبنا اهتدوا إلى معرفة الله و تسبيحه و تهليله و تحميده، ثمّ إن الله تبارك و تعالى خلق آدم عَلیْهِ السَّلَامْ و أودعنا صلبه و أمر الملائكة بالسّجود له تعظيماً لنا و إكراماً، و كان سجودهم لله عزّ و جلّ عبودية و لآدم إكراماً و طاعة لكوننا في صلبه فكيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سجدوا لآدم عَلیْهِ السَّلَامْ كلّهم أجمعون.

و أنّه لما عرج بي إلى السّماء أذّن جبرئيل عَلیْهِ السَّلَامْ مثنى مثنى ثمّ قال: تقدّم يا محمّد، فقلت: يا جبرئيل أتقدّم عليك؟ فقال: نعم لأنّ الله تبارك و تعالى اسمه فضل أنبياءه على ملائكته أجمعين و فضلك خاصّة، فتقدّمت و صلّيت بهم و لا فخر فلمّا انتهينا إلى حجب النّور قال لي جبرئيل عَلیْهِ السَّلَامْ : تقدّم يا محمّد و تخلّف عني، فقلت: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني؟ فقال: يا محمّد إنّ هذا انتهاء حدي الذي وضعه الله لي في هذا المكان فإن تجاوزته احترقت أجنحتي لتعدي حدود ربّي جلّ جلاله، فزجّ بي ربّي زجّة في النّور حتّى انتهيت إلى حيث ما شاء الله عزّ و جلّ من ملكوته.

فنودیت: یا محمّد، فقلت: لبّيك ربّي و سعديك تباركت و تعاليت؛ فنودیت یا محمّد أنت عبدي و أنا ربّك فإيّاي فاعبد و عليّ فتوكّل فإنّك نوري في عبادي و رسولي إلى خلقي و حجّتي في بريّتي، لمن تبعك خلقت جنّتي و لمن عصاك و خالفك خلقت ناري، و لأَوصيائك أوجبت كرامتي، و لشيعتك أوجبت ثوابي.

فقلت: يا رب و من أوصيائي؟ فنوديت: يا محمّد إنّ أوصياءك المكتوبون على ساق العرش،فنظرت و أنا بين يدي ربّي إلى ساق العرش فرأيت اثنا عشر نوراً في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيائي أوّلهم عليّ بن أبي طالب و آخرهم مهديّ أمّتي.

فقلت: يا ربّ هؤلاء أوصيائي من بعدي؟ فنوديت: يا محمّد هؤلاء أوليائي و أحبّائي و أصفيائي حجّتي بعدك على برّيتي، و هم أوصياؤك و خلفاؤك و خير خلقي بعدك، و عزّتي و جلالي لأظهرنّ بهم ديني، و لأعلينّ بهم كلمتي و لأطهرنّ الأَرض بآخرهم من أعدائي، و لأملكنّه مشارق الأَرض و مغاربها، و لأسخرنّ له الرّياح و لأذللنّ الرّقاب الصّغار، و لأرقبه في الأسباب، و لأنصرنّه بجندي؛ و لأمدّنه بملائكتي حتّى يعلو دعوتي و يجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأَديمنّ ملكه و لأداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة (1)


1) الصراط المستقيم: 125/2، و مستدرك سفينة البحار: 150/7.

و الحمد لله رب العالمين و الصّلاة على نبيّنا محمّد و آله الطّيبين الطاهرين و سلم تسليماً و إنّما ذكرت الرّواية بطولها مع كون ذيلها خارجاً عن الغرض لتضمّنه مناقب أهل البيت الأَطهار، و كونه نصّاً في خلافة الأَئمة الأَبرار و لعاً مني بإيراد فضائلهم و مناقبهم ما تعاقب على اللّيل و النّهار، سلام الله عليهم أجمعين، و لعنة الله على أعدائهم و منكري فضائلهم إلى يوم الدّين.

الترجمة

بعضی دیگر از این خطبه شریفه در صفت ملائکه است، می فرماید:

بعد از خلق آسمان بیافرید حق سبحانه و تعالی از برای ساکن فرمودن در آسمان های خود و معمور ساختن صفحه پهن بلند از ملکوت خود خلقی عجیب از ملائکه خود، پس پر ساخت به ایشان فرج های گشادگی های آسمان را و مملو نمود به ایشان گشادگی های فضا های آن را و میان وسعت های این گشادگی ها است صوت های بلند تسبیح کنندگان از ایشان در حرم های قدس و طهارت و پرده های حجاب های عظمت و سراپرده های بزرگی و عزّت و در پس این زلزله و اضطرابی که کر می شود از آن گوش ها، اشراقات نوری است که باز می دارد دیده ها را از رسیدن به آن، پس می ایستد آن دیده ها ذلیل و متحیّر بر حدود آن.

آفرید خداوند متعال آن ملائکه را بر صورت های مختلفه و اندازه های متفاوته در حالتی که صاحبان بال ها هستند که تسبیح می کنند بزرگی عزّت او را، در حالتی که به خود نمی بندند آن چه که ظاهر شده در مخلوقات از صنع قدر او و ادّعا نمی کنند این که ایشان می آفرینند چیزی را با آفریدگار از آن چیزی که یگانه است او سبحانه به آفریدن آن، بلکه ایشان بندگانی هستند گرامی داشته شده در حالتی که پیشی نمی گیرند به خدا در گفتار خودشان و ایشان به فرمان او سبحانه عمل می نمایند.

گردانید حق تعالی ایشان را در آن جا که هستند، یعنی در مقامات خودشان که حظاير قدس است اهل امانت بر وحی خود و تحمیل نمود ایشان را در حالتی که ارسال می شوند به سوی پیغمبران امانت های اوامر و نواهی خود را و معصوم ساخت ایشان را از شک کردن در شبهه ها، پس نیست از ایشان میل کننده از راه رضای او و مدد نمود ایشان را به فایده های اعانت به سوی طاعات و لازم فرمود قلب های ایشان را تواضع، خضوع و وقار را و گشود به جهت ایشان در های سهل و آسان به سوی تمجیدات خود و برپا نمود از برای ایشان منار های آشکار بر نشان های توحید خود.

گران نکرد ایشان را گران سازنده های گناه ها و ضعیف ننمود ایشان را تعاقب و تناوب شب ها و روز ها و نینداخت شك ها به محرّكات فاسده خود محکمی ایمان ایشان را و عارض نشد ظنّ ها و وهم ها بر مواضع عقد یقین ایشان و بر نیفروخت برافروزندگی های حقد و حسد در میان ایشان و سلب نکرد از ایشان حیرت چیزی را که چسبیده از معرفت او به قلب ایشان و ساکن شده از عظمت و هیبت او در میان سینه های ایشان و طمع ننموده در ایشان وسوسه ها تا این که بکوبد با استیلای خود یا اینکه تناوب نماید با چرك خود به فکر های ایشان.

بعضی از ایشان آنانند که قرار گرفته در ابر های مخلوق شده گران بار به باران و در کوه های بزرگ بلند و در سیاهی تاریکی که هدایت یافته نمی شود در آن و بعضی دیگر آنانند که دریده است قدم های ایشان حدود زمین پائین را، پس آن قدم ها به منزله علم های سفیدند که فرو رفته باشند در مواضع خرق هوا و شکاف آن و در زیر آن علم ها است بادی که ساکن است و پاکیزه که باز داشته است آن علم ها را بر مکانی که منتهی شده آن علمها از حدود به نهایت رسیده.

به تحقیق که فارغ نموده ایشان را از ماسوا شغل های عبادت او سبحانه و وصل نموده است حقیقت های ایمان میان ایشان و میان معرفت آن را و بریده است ایشان را یقین و اذعان به خدا از غیر آن و مایل ساخته ایشان را به سوی حیرانی او و در نگذشته است رغبت های ایشان از آن چیزی که نزد او است به سوی آن چیزی که نزد غیر او است.

به تحقیق که چشیده اند شیرینی معرفت او را و آشامیده اند با کاسه سیراب

کننده از شراب محبّت او و متمكّن و برقرار شده از ته دل های ایشان رگ های خوف و خشیت او، پس خم کرده اند به درازی عبادت راستی پشت های خودشان را و تمام نکرده درازی رغبت به سوی او، مادّه تضرع ایشان را و رها نکرده از گردن های ایشان بزرگی قرب و منزلت به حضرت ربّ العزّه ریسمان خشوع و ذلت را و غالب نشده بر ایشان عجب و خود پسندی تا این که بسیار شمارند آن چه که پیش گذشته از ایشان از طاعات و عبادات و نگذاشته از برای ایشان خواری که ناشی شده از ملاحظه جلال پرودگار نصیب و بهره در تعظیم و بزرگ دانستن حسنات خودشان و جاری نشده سستی ها در ایشان با درازی جدّ و جهد ایشان.

و ناقص نگشته رغبت های ایشان تا مخالفت کنند و عدول نمایند از امیدواری پرودگار خودشان و خشك نگشته به جهت طول راز و نیاز اطراف زبان های ایشان و مالك نشده است ایشان را شغل های خارج از عبادت تا اینکه منقطع شود به پنهانی تضرّع ایشان به سوی او آواز های بلند ایشان و مختلف نشده در صف های عبادت دوش های ایشان و ملتفت نساخته اند به سوی راحتی که باعث تقصیر در امر او است گردن های خودشان را و غالب نمی شود بر عزم جدّ و جهد ایشان بی خردی غفلت ها و تیر نمی اندازند در همّت های ایشان فریب دهنده گان شهوت ها.

به تحقیق که اخذ نموده اند صاحب عرش را ذخیره به جهت روز حاجتشان و قصد کرده اند او را نزد بریده شدن خلق به سوی مخلوقات به رغبتشان قطع نمی توانند کنند پایان غایت عبادت او را و باز نمی گرداند ایشان را حرص و محبّت به لزوم طاعت او مگر به سوی مادّه هایی که بریده نمی شوند آن مادّه ها که از دل ایشان است که عبارت اند از خوف و رجاء آن، بریده نشده اسباب ترس از ایشان تا سست شوند در جدّ و جهد خودشان.

و اسیر ننموده ایشان را طمع های دنیوی تا این که اختیار نمایند سعی نزدیك در تحصیل دنیا را بر کوشش خودشان در تحصیل سعادت آخرت و بزرگ نمی شمارند آن چه که گذشته از اعمال ایشان و اگر بزرگ شمارند اعمال خودشان هر آینه باطل و زایل می نماید رجاء و امیدواری ایشان ترس های ایشان را و اختلاف نمی نمایند در ذات و صفات پروردگار به سبب غلبه شیطان بر ایشان و پراکنده نساخته ایشان را بدی بریدن از یکدیگر و مالك نشده ایشان را خیانت حسد بردن به یکدیگر و

متفرّق نساخته ایشان را مواضع صرف شك و گمان و منقسم نگردانیده ایشان را اختلاف های همّت ها.

پس ایشان اسیران ایمانند که رها ننموده ایشان را از بند ایمان میل نمودن از حق و نه عدول کردن از منهج صدق و نه سستی در عبادت و نه کاهلی در طاعت و نیست در طبق های آسمان جای پوستی مگر که بر او است ملك سجده کننده یا سعی نماینده شتابنده که زیاده می گردانند بر درازی طاعت به پروردگار خودشان علم و یقین را و افزون می گرداند عزّت کردگار ایشان در دل های ایشان عظم و شأن را.

هذا آخر الجزء السادس من هذه الطبعة النفيسة و قد تم تصحيحه وتهذيبه بيد العبد «السيد إبراهيم الميانجي» عفى عنه و عن والديه في اليوم الثاني من شهر ذي الحجة الحرام سنة 1379 ويليه إن شاء الله الجزء السابع و أوله:

«الفصل السادس» من المختار التسعين و الحمد الله أولاً و آخراً

محتوى الجزء السادس من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

الفصل السادس ... 5

اللغة ... 5

الإعراب ... 6

المعنى ... 6

تنبيهات ثلاثة متضمنة لتحقيق بعض ما تضمنه هذا الفصل ... 13

الأول ... 13

في تحقيق الصراط و بيانه ... 13

الثاني ... 16

في تحقيق الذكر و المستفاد من قوله عليه السلام: و أوجف الذكر بلسانه ... 16

الحث و الترغيب عليه ... 16

الثالث ... 20

في تحقيق معنى الرجاء و الخوف على في ما شرح البحراني أخذاً من «إحياء العلوم» ... 20

لأبي حامد الغزالي بتغيير و تصرف يسير ... 20

الفصل السابع منها في صفة خلق الإنسان ... 24

اللغة ... 24

الإعراب ... 25

المعنى ... 27

و ينبغي تذييل المقام بأمور مهمة ... 32

الأول ... 32

في تحقيق بدو خلق الإنسان فأقول ... 32

الثاني ... 35

في تحقيق السؤال في القبر و ذكر شبهة المنكرين له و دفعها ... 35

الثالث .... 36

في حالات الميت حين أشرف على الموت و حين إزهاق روحه و عند الغسل ... 36

و التكفين و حمله على سريره و إذا وضع في قبره و كيفية السؤال في القبر ... 36

و ضغطة القبر و بعض عقوباته في البرزخ و مثوباته ... 36

أما حالة الاحتضار ... 36

و أما صفة ملك الموت و كيفية قبض الروح ... 40

و أما التغسيل و التكفين ... 43

و أما حالته إذا حمل على سريره 44

و أما حاله بعد وضعه في قبره ... 45

و أما السؤال عنه ... 46

و أما ضغطة القبر و ضمته ... 49

الفصل الثامن ... 57

اللغة ... 57

الإعراب ... 58

المعنى ... 58

تكملة ... 61

و من كلام له عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص و هو الثالث و الثمانون من المختار في باب الخطب ... 65

اللغة ... 65

الإعراب ... 66

المعنى ... 66

تذنيبات الأول ... 70

الثاني ... 76

الثالث ... 80

الرابع ... 83

و من خطبة له عليه السلام و هي الرابعة و الثمانون من المختار في باب الخطب ... 98

منها ... 98

و منها فى صفة الجنة ... 98

اللغة ... 98

الإعراب ... 99

المعنى ... 99

الفصل الأول ... 99

الفصل الثاني ... 102

الفصل الثالث ... 103

و من خطبة له عَلیْهِ السَّلَامْ و هي الخامسة و الثمانون من المختار في باب الخطب ... 107

اللغة ... 108

الإعراب ... 108

المعنى ... 109

تذنيبان الأول في الكذب ... 122

الثاني في الحسد ... 128

المقام الأول في حده ... 128

الثاني في الآيات و الأخبار الواردة فيه ... 129

الثالث في أساب الحسد ... 132

الرابع ... 134

الخامس ... 136

و من خطبة له عليه السلام و هي السادسة و الثمانون ... 142

من المختار في باب الخطب ... 142

الفصل الأول ... 142

اللغة ... 142

الإعراب ... 143

المعنى ... 143

الفصل الثاني ... 152

اللغة ... 152

الإعراب ... 152

المعنى ... 152

تنبيه ... 154

الفصل الثالث ... 160

اللغة ... 160

الإعراب ... 161

تنبيه ... 185

الفصل الرابع ... 199

اللغة ... 199

الإعراب ... 199

المعنى ... 199

و من خطبة له عليه السلام و هي السابعة و الثمانون من المختار في باب الخطب ... 202

اللغة ... 202

الإعراب ... 203

المعنى ... 204

تكملة ... 208

توضیح ... 210

و من خطبة له عليه السلام و هي الثامنة و الثمانون من المختار في باب الخطب ... 216

اللغة ... 216

الإعراب ... 217

المعنى ... 217

تكملة ... 221

بیان ... 222

و من خطبة له عليه السلام و هي التاسعة و الثمانون من المختار في باب الخطب ... 224

اللغة ... 224

الإعراب ... 225

المعنى ... 225

إيقاظ في ذكر نيذ من الأخبار الواردة في محاسبة النفس ... 234

و بيان كيفية المحاسبة فأقول ... 234

و من خطبة له عليه السلام تعرف بخطبة الأشباح و هي التسعون من المختار في باب الخطب ... 237

الفصل الأول ... 237

اللغة ... 238

الإعراب ... 238

المعنى ... 239

الفصل الثاني ... 250

اللغة ... 251

الإعراب ... 252

المعنى ... 252

المقصد الأول ... 253

المقصد الثاني ... 258

المقصد الثالث ... 262

الفصل الثالث ... 270

اللغة ... 270

الإعراب ... 271

المعنى ... 271

تنبیه ... 274

المقام الأول ... 274

المقام الثاني ... 278

المقام الثالث ... 281

و الفصل الرابع ... 284

اللغة ... 284

الإعراب ... 285

المعنى ... 285

الفصل الخامس ... 302

اللغة ... 303

الإعراب ... 306

المعنى ... 306

أحدهما في عصمة الملائكة ... 321

الثاني ... 325