ghaemiyeh.com
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1424هـ - 2003م
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان، شارع دكاش - هاتف: 272652 – 272655 – 272782 – 272783 فاكس 850717 - 850623 ص.ب: 19/7957
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717-850623 P.O.Box; 7957/19
محرر الرقمي: هادي میرزائي بركچای
نهج البلاغة
خطب، رسائل، كلام، وصایا، عهود، حكم، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)
منهاج البراعة
شرح
نهج البلاغة
لمؤلفه
العلامة المحقق الحاج میرزا حبیب الله الهاشمي الخوئي قدس سره
طبعة جدیدة
ضبط وتحقیق
علي عاشور
المجلد الخامس
دار إحیاء التراث العربي
بیروت – لبنان
مكتبة الروضة الحیدریة
الرقم: 4498
التاریخ: 29/ 01 / 2005
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولی
1424 هـ - 2003 م
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان، شارع دكاش - هاتف: 272652 – 272655 – 272782 – 272783 فاكس 850717 - 850623 ص.ب: 19/7957
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717-850623 P.O.Box; 7957/19
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالًا، فَيَكُونَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَ يَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً؛ كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ وَ كُلُّ عَزِيزٍ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ، وَ كُلُّ قَوِيٍّ غَيْرُهُ ضَعِيفٌ، وَ كُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ، وَ كُلُّ عَالِمٍ غَيْرُهُ مُتَعَلِّمٌ، وَ كُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَ يَعْجِزُ، وَ كُلُّ سَمِيعٍ غَيْرُهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ، وَ يُصِمُّهُ كَبِيرُهَا، وَ يَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا، وَ كُلُّ بَصِيرٍ غَيْرُهُ يَعْمَىٰ عَنْ خَفِيِّ الْأَلْوَانِ وَ لَطِيفِ الْأَجْسَامِ، وَ كُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرُهُ غَيْرُ بَاطِنٍ، وَ كُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ.، لَمْ یَخْلُقْ ما خَلَقَهُ لِتَشْدِیدِ سُلْطان، وَلا تَخَوُّف مِنْ عَواقِبِ زَمان، وَلا اسْتِعانَة عَلَى نِدّ مُثاوِر، وَلا شَرِیك مُكاثِر، وَلا ضِدّ مُنافِر، وَلَكنْ خَلائِقُ مَرْبُوبُونَ، وَعِبادٌ داخِرُونَ، لَمْ یَحْلُلْ فِی الأَشْیاءِ فَیُقالَ: هُوَ فیها كائِنٌ، وَلَمْ یَنْأَ عَنْها فَیُقالَ: هُوَ مِنْها بائِنٌ، لَمْ یَؤُدْهُ خَلْقُ ما ابْتَدَأَ، وَلا تَدْبِیرُ مَا ذَرَأَ، وَلا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمّا خَلَقَ، وَلا وَلَجَتْ عَلَیْهِ شُبْهَةٌ فِیما قَضَى وَقَدَّرَ، بَلْ قَضاءٌ مُتْقَنٌ، عِلْمٌ مُحْكمٌ، وَأَمْرٌ مُبْرَمٌ، الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ، الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ (1).
(صمت) الأذن صمماً من باب تعب بطل سمعها ويسند الفعل إلى الشخص أيضاً فيقال صمّ يصم صمماً ويتعدّى بالهمزة فيقال أصمه الله ولا يستعمل الثلاثي متعدّياً و(الند) المثل و(المثاور) من الثوران وهو الوثب والهيجان يقال : ناوره مثاورة وثواراً وأثبه و(المكاثر) في أكثر النسخ بالثاء المثلثة وفي نسخة الشارح المعتزلي بالموحدة ومعناهما قريب، يقال: كاثروهم فكثروهم غالبوهم في الكثرة فغلبوهم ويقال : كابرته مكابرة غالبته مغالبة وعاندته و (الداخر) الذليل و(اده) الأمر يؤده أثقله و (ذرأ) خلق و(المبرم) كالمحكم لفظاً ومعناً.
لفظة (غير) في الموارد الثمانية إما بالرفع كما في أكثر النسخ على أنها صفة (لكل)،
1) الغارات للثقفي : 174/1 ح 9، وبحار الأنوار: 309/1.
وإما بالنصب كما في بعض النسخ على الاستثناء أو على أنها حال ممّا أضيف إليه (كل) والعامل معنى الإضافة كما هو مذهب البعض في (غير المغضوب) حيث قال بكونه حالا من (الذين) وأنه عمل فيه معنى الإضافة، (ولكن خلائق) (ا ه) بتخفيف (لكن) وإلغائها عن العمل ورفع ما بعدها على كونه خبراً لمبتدأ محذوف، قالوا: وحق (لكن) أن تقع بين كلامين متغايرين معنى بالنفي والإثبات، ولا يلزم التغاير اللفظي إذ يقال جاء زيد ولكن عمرواً لم يجيء ءوقد يقال زيد حاضر ولكن عمرواً غائب، ولا يلزم أيضاً أن يكون بينهما تضاد حقيقي بل التنافي بوجه ما قال تعالى :
«وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ» [النمل: 73].
فإن عدم الشكر لا يناسب الإفضال، بل اللائق به أن يشكر وكلام أمير المؤمنين (علیه السَّلام) من هذا القبيل، قوله فيقال: في الموضعين بنصب المضارع وانتصابه بعد (فاء) السببية مع تقدّم النفي قاعدة كليّة، (وقضاء متقن) خبر لمبتدأ وهكذا ما بعده، وقوله (المأمول مع النقم) أيضاً خبر أي هو المأمول والمرهوب.
اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مشتملة على نكات لطيفة من العلوم الإلهية متضمنة لجملة من الصفات الكمالية.
الأولى : ما أشار إليه بقوله (الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالاً فيكون أوّلاً قبل أن يكون آخراً، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً) والمستفاد منه شيئان: الأول : أنه سبحانه متصف بالأولية والآخرية والظاهرية والباطنية. الثاني أن اتصافه تعالى بها ليس على نحو السبق واللحوق والقبلية والبعدية.
أمّا الأوّل فقد أشير إليه في سورة الحديد قال سبحانه :
«هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [الحديد: 3].
واختلف في معنى هذه الصفات فقال الصدوق في التوحيد: هو الأول بغير ابتداء، والآخر بغير انتهاء والظاهر بآياته التي أظهرها من شواهد قدرته وآثار حكمته وبينات حجّته التي عجز الخلق جميعاً عن إبداع أصغرها وإنشاء أيسرها وأحقرها عندهم كما قال عزّ وجلّ: «ِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ» [الحج : 73].
فليس شيء من خلقه إلا وهو شاهد له على وحدانيته من جميع جهاته وأعرض تبارك وتعالى عن وصف ذاته وهو ظاهر بآياته محتجب بذاته.
ومعنى ثانٍ : أنّه ظاهر غالب قادر على ما يشاء ومنه قوله عزّ وجلّ: «فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ» [الصف : 14]، أي غالبين لهم.
والباطن معناه : أنّه قد بطن عن الأوهام وهو باطن لا يحيط به محيط لأنه قدم أي تقدم الفكر فجنّب عنه وسبق العلوم فلم يحط به، وفات الأوهام فلم يكتنهه، وحارت عنه الأبصار فلم تدركه، فهو باطن كل باطن، ومحتجب كلّ محتجب، بطن بالذات وظهر بالآيات، فهو الباطن بلا حجاب والظاهر بلا اقتراب.
ومعنى ثان أنه باطن كلّ شيء أي خبير بصير بما يسرّون وما يعلنون ولكلّ ما ذراً، وبطانة الرّجل وليجته من القوم الذين يداخلهم ويداخلونه في دخلة أمره، والمعنى أنه عالم بسرائرهم لا أنّه عزّ وجلّ يبطن في شيء يواريه.
وفي «مجمع البيان» هو الأوّل أي أوّل الموجودات، وتحقيقه أنه سابق لجميع الموجودات بما لا يتناهى من تقدير الأوقات، لأنه قديم وما عداه محدث والقديم يسبق المحدث بما لا يتناهي من الأوقات، والآخر بعد فناء كل شيء لأنه يفني الأجسام كلها وما فيها من الأعراض ويبقى وحده.
وقيل : الأول قبل كلّ شيء بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، والظاهر هو العالي الغالب على كلّ شيء، فكل شيء دونه، والباطن العالم بما بطن فلا أحد أعلم منه، عن ابن عباس.
وقيل : الظاهر بالأدلة والشواهد والباطن الخبير بكلّ شيء وقيل : معنى الظاهر والباطن إنّه العالم بما ظهر والعالم بما بطن وقيل : الظاهر بأدلته والباطن من إحساس خلقه، وقيل الأوّل بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والظاهر بلا اقتراب والباطن بلا احتجاب، قيل الأول ببره إذ هداك، والآخر بعفوه إذ قبل توبتك، والظاهر بإحسانه وتوفيقه إذا أطعته، والباطن بستره إذا عصيته عن السدي.
وقيل الأول بالخلق، والأخر بالرّزق، والظاهر بالإحياء، والباطن بالإماتة، عن ابن عمر وقيل : هو الذي أوّل الأوّل واخر الآخر وأظهر الظاهر وأبطن الباطن، عن الضحاك، وقيل: الأَوّل بالأزليّة، والآخر بالأبدية، والظاهر بالأحدية والباطن بالصمدية عن أبي بكر الوراق وقيل : إن الواوات مفتحة والمعنى هو الأول والأخر والظاهر والباطن، لأنّ من كان منا أولاً لا يكون آخراً، ومن كان ظاهراً لا يكون باطناً، عن عبد العزيز بن يحيى وقيل: هو الأول القديم، والآخر الرّحيم والظاهر الحكيم، والباطن العليم، عن يمان.
وأما الثاني : فتحقيقه ما ذكره الشارح البحراني وهو أنه لما ثبت أن السبق والمقارنة والقبلية والبعدية أمور تلحق الزمان لذاته وتلحق الزمانيات به وثبت أنه تعالى منزه عن الزمان إذ
كان من لواحق الحركة المتأخرة عن وجود الجسم المتأخر عن وجود الله سبحانه كما علم ذلك في موضعه لا جرم لم تلحق ذاته المقدّسة وما لها من صفات الكمال ونعوت الجلال شيء من لواحق الزمان، فلم يجز إذاً أن يقال مثلاً كونه عالماً قبل كونه قادراً أو كونه قادراً قبل كونه مريداً أو كونه حياً قبل كونه عالماً ولا كونه أوّلاً للعالم قبل كونه آخراً له قبلية وسبقاً زمانياً.
بقي أن يقال إنّ القبلية والبعدية قد تطلق بمعان أخرى كالقبلية بالشرف والذات والفضيلة والعلية، وقد بينا أن كلّ ما يلحق ذاته المقدّسة من الصفات فاعتبارات ذهنيّة تحدّثها العقول عند مقايسته إلى مخلوقاته وشيء من تلك الاعتبارات لا تفاوت أيضاً بالقبلية والبعدية بأحد المعاني المذكورة بالنظر إلى ذاته المقدسة، فلا يقال مثلاً: هو المستحق لهذا الاعتبار قبل هذا الاعتبار أو بعده وإلا لكان كمال ذاته قابلاً للزيادة والنقصان بل استحقاقه بالنظر إلى ذاته لما يصح أن يعتبر لها استحقاق وجه بالنظر إلى جميعها دائماً.
فلا حال يفرض إلا وهو يستحق فيه أن يعتبر له الأولية والآخريّة معاً استحقاقاً أولياً ذاتياً، لا على وجه الترتيب وإن تفاوتت الاعتبارات بالنظر إلى اعتبارنا وهذا بخلاف غيره من الأمور الزمانية، فإنّ الجوهر مثلاً يصدق عليه كونه أوّلاً من العرض ولا يصدق عليه مع ذلك أنه آخر له حتى لو فرضنا عدم جميع الأعراض وبقاء الجوهر بعدها لم يكن استحقاقه للاعتبارين معاً بل استحقاقه لاعتبار الأولية متقدّم.
وقال الصدر الشيرازي في شرح الكافي : هو الأول والآخر لأنّه مبدأ كل شيء وغايته، والظاهر والباطن لأن غاية ظهوره منشأ بطونه بل حيثية ظهوره بعينها حيثية بطونه، فهو الظاهر من حيث هو الباطن والباطن من حيث هو الظاهر.
والثانية: أن (كل مسمّى بالوحدة غيره قليل) والمراد بذلك أنه سبحانه مع اتصافه بالوحدة لا يتصف بالقلة كما يتصف بها غيره من المتصفين بالوحدة.
بيان ذلك : أنّ الوحدة قد تطلق ويراد بها الوحدة التي هي مبدأ الكثرة وهي العاد والمكيال لها سواء كانت في المتصل كالذراع الواحد والفرسخ الواحد يعدان بوحدتيهما الأذرع والفراسخ الكثيرة، أو في المنفصل كالعشرة الواحدة والمائة الواحدة يعدان العشرات الكثيرة والمآت الكثيرة، وهي أشهر أقسام الوحدة، وقد يطلق ويراد بها الوحدة النوعية والوحدة الجنسية، وهي الوحدة المبهمة التي يوصف بها الأنواع والأجناس والابهام في الجنس أشدّ وهي غير الوحدة بالنوع والوحدة بالجنس لأن معروض هاتين الكثير من الأشخاص والأنواع ومعروض الوحدة الجنسية والنوعية المعنى الواحد المبهم.
إذا عرفت ذلك فنقول : إن الوحدة بالمعاني المذكورة لا يجوز اتصافه تعالى بها أما
الأول : فلأنّ الوحدة بالمعنى المذكور قليل بالنسبة إلى الكثرة التي هي عاد لها والقلة والكثرة من أوصاف الممكن، وأما الآخران فلأن الواجب سبحانه لا يكون نوعاً ولا جنساً ولا يندرج تحت نوع ولا جنس، لأن ذلك كله من خصائص الإمكان، ولما كان أكثر الناس لا يتصوّر من الوحدة إلا المعنى الأوّل بل لا يفهمون من كونه تعالى واحداً إلا هذا المعنى لا جرم جعل نفيها عنه مخصوصاً بالذكر دفعاً لما يتوهّمون وإبطالاً لما يزعمون.
روى الصدوق في التوحيد بإسناده عن شريح بن هانيء، عن أبيه قال: إن أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فقال : يا أمير المؤمنين أتقول إنّ الله واحد؟ فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسيم القلب فقال أمير المؤمنين (علیه السَّلام): دعوه فإنّ الذي يريده الاعرابي هو الذي نريده من القوم، ثمّ قال: يا أعرابي إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ووجهان يثبتان فيه.
فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز لأَنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنّه كفر من قال ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه وجلّ ربنا عن ذلك وتعالى.
وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربنا، وقول القائل إنّه أحدي المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم وكذلك ربنا عزّ وجلّ (1).
(و) الثالثة : أنّ كل عزيز غيره ذليل قد يفسّر العزيز الذي هو من أسمائه سبحانه بأنه الذي لا يعاد له شيء أو الغالب غير المغلوب.
وقال في التوحيد العزيز : معناه أنه لا يعجزه شيء ولا يمتنع عليه شيء، فهو قاهر الأشياء غالب غير مغلوب، وقد يقال في المثل من عزيز أي من غلب سلب، وقوله عزّ وجلّ حكاية عن الخصمين وعزّني في الخطاب، أي غلبني ومعنى ثانٍ أنه الملك ويقال للملك عزيز كما قال أخوة يوسف ليوسف يا أيها العزيز والمراد يا أيها الملك.
أقول : والظاهر أنّ المعنى الثاني أيضاً مأخوذ من الأول، وعليه فالعزيز في اللغة هو مطلق الغالب، فإذا استعمل في الله سبحانه و وصفناه به یراد به الغالب المطلق أعني الغالب غير المغلوب، وإذا وصف به أحد من الخلق فالمراد به الغالب بالنسبة إلى من دونه وإن كان
1) الخصال: 1/2، ومعاني الأخبار: 6.
مغلوباً بالنسبة إلى من فوقه وذليلاً بالقياس إليه ويوضح ذلك أن السحرة قالوا :
«بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ» [الشعراء: 44].
فوصفوا فرعون بالعزّة وقد صار مغلوباً لموسى وذليلاً عند إله موسى مقهوراً تحت قدرته.
(و) الرابعة : أنّ (كل قوي غيره ضعيف) القوّة هي مبدأ الأفعال الشاقة وإذا وصف الله بها فتعود إلى تمام القدرة وإذا نسبت إلى غيره فالمراد بها القوة الجسمانية كقوة البطش المعروف من المخلوقات ولا يصح نسبتها بهذا المعنى إليه سبحانه إذ البرهان قائم على أن كل قوّة جسمانية متناهية محتملة للزيادة والنقصان فتحتاج إلى محدّد يحددها فيقوي عليها ويقهرها على الحدّ الذي لها، وتلك القوة الأخرى أيضاً إن كانت متناهية كان حكمها كذلك إلى أن ينتهي إلى قوة غير جسمانية ولا متناهية دفعاً للتسلسل أو الدور، وأيضاً ما يحتمل الزيادة كالأعداد والأجسام والمقادير والحركات والأزمنة وما يتعلق بها كالقوى والكيفيات فهي ناقصة أبداً غير تامة وكل ناقص محتاج إلى إكمال ومكمل فلا يكون قديماً واجباً لذاته.
وإلى ذلك أشار أبو جعفر الثاني (علیه السَّلام) في رواية «الكافي» بقوله : وكذا سمينا ربنا قوياً لا بقوّة البطش المعروف من المخلوق، ولو كانت قوته قوّة البطش المعروف من المخلوق لوقع التشبيه ولاحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان وما كان ناقصاً كان غير قديم وما كان غير قديم كان عاجزاً (1).
(و) الخامسة : أنّ (كلّ مالك غيره مملوك) إذ كلّ ما سواه مستند إلى وجوده وفي تصريف قدرته ومشيئته نافذ فيه أمره جار فيه حكمه، فهو المالك للكل بالاستحقاق وعلى الإطلاق والكلّ مملوك له وإن صدق عليه في العرف أنه مالك بالقياس إلى من دونه وما في يده.
(و) السادسة : أنّ (كلّ عالم غيره متعلم) إذ علمه عين ذاته وعلم غيره محتاج إلى التعلم من الغير والاستفادة منه، ثم الغير من الغير إلى أن ينتهي إلى علمه سبحانه.
(و) السابعة : أنّ (كلّ قادر غيره يقدر ويعجز) لأنّ قدرته عين ذاته فيستحيل عليه العجز وأما قدرة غيره وهي القوة الجسمانية المنبثة في الأعضاء المحركة لها نحو الأفاعيل الاختيارية المقابلة للعجز تقابل العدم والملكة فهي خارجة عن ذات القادر قابلة للوجود والعدم، فإذا القادر المطلق هو مستند كلّ مخترع اختراعاً ينفرد به ويستغني فيه عن معاونة الغير وليس هو إلا الله سبحانه وأما غيره من المتصفين بالقدرة فهو وإن كان في الجملة صاحب قدرة إلا أنّ
1) الكافي: 117/1، والاحتجاج : 2/ 240.
قدرتها ناقصة لتناولها بعض الممكنات وقصورها عن البعض الآخر، لأنه بالذات مستحق بالعجز وعدم القدرة وإنّما استحقاقه لها من وجوده تعالى فهو الفاعل المطلق الذي لا يعجزه شيء عن شيء ولا يستعصي على قدرته شيء.
فإن قلت : فهل يقدر أن يدخل الدنيا كلها في بيضة لا تصغر الدنيا ولا يكبر البيضة؟
قلت: لا ولا يلزم منه نقص على عموم القدرة بيان ذلك على ما حققه بعض علمائنا المحققين أن معنى كونه قادراً على كلّ شيء أن كلما له مهيّة إمكانية أو شيئية تصورية فيصح تعلق القدرة به، وأمّا الممتنعات فلا مهيّة لها ولا شيئية حتى يصح كونها مقدورة له تعالى، وليس في نفي مقدوريته نقص على عموم القدرة بل القدرة عامّة والفيض شامل والممتنع لا ذات له وإنما يخترع العقل في وهمه مفهوماً يجعله عنواناً لأمر باطل الذات كشريك الباري واللاشيء واجتماع النقيضين أو يركب بين معاني ممكنة آحادها تركيباً ممتنعاً، فإن كلا من المتناقضين كالحركة والسكون أمر ممكن خارجاً وعقلاً، وكذا معنى التركيب والاجتماع أمر ممكن عيناً وذهناً وأمّا اجتماع المتناقضين فلا ذات له لا في الخارج ولا في العقل، لكن العقل يتصوّر مفهوم اجتماع النقيضين على وجه التلفيق ويجعله عنواناً ليحكم على أفراده المقدّرة بامتناع الوجود وكون الكبير مع كبره في الصغير من هذا القبيل.
إذا عرفت ذلك ظهر لك أن إدخال الدنيا على كبرها في البيضة مع بقاء البيضة على صغرها أمر محال، والمحال غير مقدور إذ لا ذات له ولا شيئية.
وإلى ذلك وقعت الإشارة فيما رواه الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : قيل لأمير المؤمنين (علیه السَّلام): هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر الدنيا أو يكبر البيضة ؟ فقال (علیه السَّلام): إن الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز والذي ذكرت لا يكون.
فإن مقصوده (علیه السَّلام) إن ما سأله الرّجل أمر ممتنع بالذات محال والمحال غير مقدور عليه وأن الله على كلّ شيء قدير.
ومثله ما رواه أيضاً مسنداً عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) أنه جاء رجل إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فقال : أيقدر الله أن يدخل الأرض فى بيضة ولا يصغر الأرض ولا يكبر البيضة؟ فقال : ويلك إنّ الله لا يوصف بالعجز ومن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة (1).
فإنّ هذه الرواية دالة على أن إدخال الكبير في الصغير غير ممكن إلا بأن يصغر الكبير بنحو التكاثف والتخلل ونحوهما، أو يعظم الصغير، وأن تصغير الأرض إلى حدّ تدخل في.
1) ميزان الحكمة: 1916/2، والتوحيد: 130 ح 10.
بيضة أو تعظيم البيضة إلى حدّ تدخل فيه الأرض غاية القدرة.
(و) الثامنة : أنّ (كلّ سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها) بيان ذلك أنّ السّمع عبارة عن قوّة مودعة في العصبتين المفروشتين على سطح باطن الصماخين كجلد الطبل النافذتين من الدماغ إليهما بهما يدرك الأصوات، والصوت عبارة عن هيئة في الهواء حاصلة من تموجه الناشيء من حركة شديدة مسببة عن قرع أحد الجسمين في الآخر الذي هو إمساس عنيف، وعن قلع أحدهما عن الآخر الذي هو تفريق عنيف بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع.
ففي الأول : ينفلت الهواء من بين الجسمين بشدة، وفي الثاني : يلج بينهما بشدّة ويحصل من انفلاته وولوجه تموّج وحركة على هيئة مستديرة نحو ما يتصوّر عند وقوع الحجز في الماء، فإذا انتهى ذلك التموّج إلى الهواء الذي في الأذن يحرّك ذلك الهواء الراكد حركة مخصوصة بهيئة مخصوصة، فتنفعل العصبة المفروشة على الصماخ عن هذه الحركة وتدركها القوّة السامعة ويسمّى هذا الإدراك سمعاً.
إذا عرفت ذلك فنقول : إن إدراك هذه القوّة للأصوات مشروط بأن يكون الصوت قريباً لا بعيداً جداً، وأن يكون مع قربه على حد الاعتدال أي لا يكون قوياً كثيراً ولا ضعيفاً كذلك، لأنه إذا كان ضعيفاً لا يحصل بسببه تموّج الهواء كما أنه لو كان بعيداً لا يصل الهواء المتموج إلى الصماخ وعند قربه وقوته ربما يحدث الصّمم لشدّة قرعه للضماخ وتفرق اتصال الرّوح الحامل لقوّة السّمع عنه بحيث يبطل استعدادها لتأدية القوة إلى الصماخ.
وإلى الأوّل أشار (علیه السَّلام) بقوله : يصم عن لطيف الأصوات، تشبيهاً لعجز السامعة عن إدراك الصوت بخفائها وضعفه بالصمم وإلى الثاني بقوله : ويذهب عنه ما بعد منها وإلى الثالث بقوله ويصمه كبيرها.
ولما كان الله سبحانه وجلت عظمته منزّهاً عن الجسمية وآلات الجسم وكان سمعه عبارة عن علمه بالمسموعات على ما حققناه في شرح الفصل السادس من فصول الخطبة الأولى لا جرم اختص الأوصاف المذكورة أعني العجز عن إدراك الضعيف والصّمم بسماع القوي وعدم التمكن من إدراك البعيد بمن كان له هذه الآلات واستحالت في حقه سبحانه، إذ العلم لا يتفاوت بالنسبة إلى القريب والبعيد والضعيف والشديد:
«لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى *وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى» [طه: 6-7].
(و) التاسعة : أن (كل بصير غيره يعمي عن خفي الألوان ولطيف الأجسام) والظاهر أن المراد بالألوان الخفيّة الألوان الغير المدركة بالأبصار لانتفاء شرط الإدراك وهو الضوء،
ويقابلها الألوان الظاهرة وهي التي تدركها الباصرة، وعلى هذا فيكون كلامه (علیه السَّلام) دليلاً على بطلان القول بعدم وجود اللون في الظلم.
توضيح ذلك أن الشيخ الرئيس وأتباعه ذهبوا إلى أن الألوان غير موجودة بالفعل في حال كونها مظلمة، معللاً بأنا لا نراها في الظلمة فهو إما لعدمها أو لوجود عائق من الأبصار، والثاني باطل لأن الظلمة عدميّة والهواء نفسه غير مانع من الرؤية كما إذا كنت في غارة مظلمة وفيها هواء كله على تلك الصفة فإذا صار المرئي مستنيراً رأيته ولا يمنعك الهواء الواقف بينه وبينك.
ورده المتأخرون بأنه لا شك أن اللون له مهيّة في نفسه وأنه يصح كونه مرئياً فلعل الموقوف على وجود الضوء هو هذا الحكم، وبالجملة للجسم مراتب ثلاث استعداد أن يكون له لون معين، ووجود ذلك اللون بالفعل، وكونه بحيث يصح أن يرى فلم لا يجوز أن يكون الموقوف على وجود الضوء هذا الحكم الثالث لا أصل اللون؟
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ معنى قوله : هو أن كل بصير غيره تعالى لا يمكن له إدراك الألوان الخفيّة أي الألوان في حال كونها مظلمة لانتفاء شرط الإدراك الذي هو الضوء كما أنّ الأعمى لا يمكن له إدراكها لانتفاء قوة الابصار له فكني عن عدم إدراك البصير لها بالعمى لشبهه بالأعمى في مشاركتهما في عدم التمكن من الإدراك، وإن كان عدم التمكن في حق الأوّل من جهة انتفاء الشّرط وفي الثاني من جهة انتفاء الآلة أعني البصر، هذا.
ولعل المراد من لطيف الأجسام الأجسام الرّقيقة القوام كالبعوضة والذرة ونحوهما، ولما كانت بصيريته سبحانه عبارة عن علمه بالمبصرات حسبما حققنا أيضاً في شرح الفصل السادس من فصول الخطبة الأولى اختص العجز عن إدراك الألوان الخفية والأجسام اللطيفة بغيره سبحانه وأما هو سبحانه فلا تفاوت في علمه بين الخفي والجلي واللطيف والكثيف.
«وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» [الأنعام: 59] هذا.
ويشهد بما ذكرته في تفسير معنى السميع والبصير والجسم اللطيف ما رواه في «الكافي» عن محمد بن أبي عبد الله، رفعه إلى أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (علیه السَّلام) فسأله رجل فقال : أخبرني عن الرب تبارك وتعالى له أسماء وصفات في كتابه إلى أن قال: فقال الرجل : فكيف سمينا ربنا سميعاً؟ فقال: لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع ولم نصفه بالسمع المعقول في الرّأس، وكذلك سميناه بصيراً لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون لون أو شخص أو غير ذلك ولم نصفه بصر لحظة العين، وكذلك سميناه لطيفاً لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلك وموضع النشو منها والعقل والشهرة
للسفاد والجذب علي نسلها وأقام بعضها على بعض ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار (1).
قال بعض شارحي الحديث يعني أنه يعلم أعضاء البعوضة كالجناح والرّجل والعين، وقواها كالسمع والبصر، وأحوالها كالإدراك والإرادة والشهوة والمحبة والشفقة والإلفة والغضب والنفرة والعداوة، وأفعالها كالحركة والسكون والسفاد ونقل الطعام والشراب إلى الأولاد وغير ذلك من أمورها كموتها وحياتها ونفعها وضرها وآجالها ومقادير أعمارها وأرزاقها وغيرها من لطائف صنعه ودقائق خلقه، فهو تعالى لطيف لعلمه بلطائف الأمور.
(و) العاشرة أن (كل ظاهر غيره غير باطن وكل باطن غيره غير ظاهر) يعني أَن من الممكنات ما هو ظاهر جلي لا يتصف بالبطون والخفاء كالشمس والقمر ونحوهما ومنها ما هو باطن خفيّ لا يتصف بالظهور والجلاء كالهيولي والعدم وما تحت الثرى، وأمّا الله الحي القيوم العظيم الشأن فهو متصف بالظهور والبطون معاً، فهو في كمال ظهوره باطن وفي غاية بطونه ظاهر، بل هو أجلى الأشياء وأظهرها، ومنتهى ظهوره صار سبباً لخفائه.
وتحقيق ذلك على ما حققه صدر المتألهين وأوضحه بالمثال تقريباً للأفهام وتشحيذاً للأذهان هو : إنا إذا رأينا إنساناً يكتب أو يخيط كان كونه حيّاً عالماً قادراً مريداً عندنا من أظهر الأشياء، وهذه الصفات أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة إذ لا نعرف بعضها كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه ونشك في بعضها كمقدار طوله وعرضه ولون بشرته وغير ذلك، وأما حياته وعلمه وقدرته وإرادته فإنّها جليّة عندنا من غير أن يتعلق الحس الظاهر بها لأنها غير محسوسة بشيء من الحواس الظاهرة وليس عليها هذا الوضوح والجلاء إلا دليل واحد وهو الكتابة أو الخياطة.
وأما وجود الله تبارك وتعالى وقدرته وعلمه وإرادته وحياته فيشهد له جميع ما في الكون، وكل ما نشاهده أو ندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وأرض وسماء وكوكب وبحر وبرّ ونار وهواء بل أوّل شاهد عليه أنفسنا وأوصافنا وتقلب أحوالنا من الصغر والكبر والقوة والضعف والصحة والسقم والرّضا والغضب والفرح والحزن والحب والبغض والشهوة والكراهة والإناة والإرادة والرّغبة والرهبة والرّجاء والياس إلى غير هذه.
وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا، ثمّ أحوالنا ومحسوساتنا بإحدى الحواس ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة، وكل واحد من هذه المدركات له دليل واحد وشاهد واحد، وجميع ما في
1) الكافي: 117/1، ومستدرك سفينة البحار : 255/9.
العالم شواهد ناطقة وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته، فإنّه كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس لها شاهد إلا حركة يده فكيف لا يظهر عندنا ما لا يتصوّر شيء داخل نفوسنا وخارجها إلا وهو شاهد عليه، وما من ذرة إلا تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها ولا حركتها بذاتها وأنها تحتاج إلى موجد ومحرك.
فإذا علمت هذا فنقول : لما لم يبق في الوجود مدرك ولا محسوس ولا معقول ولا حاضر ولا غائب إلا وهو شاهد على وجوده معروف لعظم ظهوره فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه فإنّ ما يعجز عنه فهم عقولنا له علتان :إحداهما خفائه في نفسه كالهيولي والعدم والزمان والحركة والعدد والنسبة وغيرها. والثانية : غاية جلائه ووضوحه وقصور القوة الإدراكية كمثال نور الشمس وبصر الخفّاش، فإنّ بصره ضعيف يبهره نور الشمس في النهار إذا أشرقت ولهذا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره أبصر بالليل.
فكذلك عقول البشر ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في غاية الإشراق ونهاية الشمول والاستغراق حتى لم يشذ عن ظهوره ذرّة من السّماوات والأرض، فصار ظهوره سبب خفائه فسبحان من احتجب بشدّة ظهوره واختفى عن البصائر بإشراق نوره.
وأيضاً الأشياء قد يستبان بأضدادها وما عمّ وجوده وشموله حتى لا ضدّ له كأصل الوجود عسر إدراكه، فلولا غروب لنور الشمس و احتجاب له عن بعض مواضع الأرض لكنا ظننا أن لا هيئة في الأجسام إلا سطوحها وألوانها ولكن لما غابت الشمس واظلمت بعض المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين وعرفنا وجود النور بعدمه عند الغروب، ولولا عدمه ما كنا نطلع عليه إلا بعسر شديد، هذا.
مع أنّ النور أظهر المحسوسات والله سبحانه أظهر الأشياء وبه ظهرت الأنوار كلها، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر لانهدمت الأرض والسماء ولانعدمت الأشياء كلها وبطل الملك والملكوت، ولأدركت به الفرق بين الحالتين، ولو كان بعض الأشياء موجوداً به وبعضها موجوداً بغيره لأدركت التفرقة في الدّلالة، ولكن وجوده دائم في الأحوال ودلالته عامة على نسق واحد في الأشياء، فلا جرم أورث شدّة الظهور خفائه.
(و) الحادية عشر : أنّه تعالى (لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ولا تخوف من عواقب زمان ولا استعانة) منه (على نذ) ونظير (مثاور) أي مواثب (ولا شريك) ومثل (مكاثر) أي متعرّض للغلبة (ولا ضد منافر) أي مسارع إليه بالمعادات والمراد بذلك كله بيان أنّ الله سبحانه ليس لفعله داع وغرض غير ذاته، وأشار إليه بنفي أقسام الدواعي والأغراض وما يلحقها من العوارض والحالات.
والبرهان على ذلك أنّه تعالى لو فعل لغرض لا يخلو إما أن يكون وجود ذلك الغرض
وعدمه بالنسبة إليه على سواء أو لا يكون كذلك، والأول باطل وإلا لكان حصول الغرض له دون عدمه ترجيحاً من غير مرجّح والثاني أيضاً باطل لأنهما إذا لم يستويا في حقه تعالى كان حصول الغرض أولى به من لا حصوله فحينئذ يكون ذاته يستفيد من فعله غرضاً معتبراً كماله ويكون بدونه فاقد كمال وعادم مقصد فيكون ناقصاً في ذاته تعالى عن النقصان علوّاً كبيراً.
كيف وكلّ كمال للمعلول فإنّما حصل له من جهة علة الموجبة فلا يكون أن يرجع المعطي للكمال إلى أن يستفيد من مستفيده شيئاً من الكمال الذي أفاده له ؛ فقد علم علماً كلياً أنّ العلة الفاعلة ليس لها غرض ولا مقصود صحيح في مفعوله بل ان كان غرض ومقصد للعالي فلا بد أن يكون ذلك له فيما هو أعلى وأجل منه، فلا التفات للعالي إلى السافل بل إلى ما هو أعلى منه وإذ ليس للأوّل تعالى ما هو أعلى منه لأنّه أعلى العوالي ومبدأ المبادي فليس لفعله غاية غير ذاته ولا له محبّة وابتهاج بالقصد الأول إلا لذاته الذي هو منبع كل خير وكمال، ويتوسط ابتهاجه يحب ويريد ما يصدر عن ذاته بالقصد الثاني لأن كل ما يصدر عن المحبوب محبوب بالتبع.
فإن قيل : ليست أولوية الغرض بالنسبة إلى ذاته تعالى، بل بالنسبة إلى مخلوقاته وعباده، فيكون غرضه تعالى في فعله الإحسان إلى الغير وإيصال المنفعة إليه.
قيل: حصول الاحسان إلى الغير أو المنفعة أو أي شيء كان ولا حصوله إن كانا بالنسبة إلى ذاته على سواء عاد حديث الرّجحان بلا مرجّح وإن كان أحدهما أولى به عاد حديث الاستكمال بغيره والنقصان في ذاته ولكن فيه تأمل تعرف وجهه في شرح الخطبة المائة والخامسة والثمانين في التنبيه الذي في ذيله وتمام التحقيق في كون أفعاله تعالى معللة بالأغراض يأتي إن شاء الله هناك، هذا
وإذا عرفت أنه سبحانه لا يفعله لغرض ظهر لك أن خَلقهِ الخلق لم يكن لتشديد سلطان، ولا خوف من عواقب زمان، ولا غير ذلك مما ذكره وما لم يذكره، إذ كل ذلك أغراض زائدة على ذاته مضافاً إلى قيام الدليل القاطع على نفي هذه الأغراض المخصوصة المذكورة وراء الدليل العام الذي ذكرنا وهو:
أن تشديد السلطان إنما يحتاج إليه ذو النقصان في ملكه والضعف في سلطنته، ولما كان تعالى شانه هو الغني المطلق في كلّ شيء عن كلّ شيء وكان كل ما عداه مقهوراً تحت قدرته نافذاً فيه حكمه بالإيجاد والإبقاء والإفناء، لم يحتج في سلطانه إلى أحد من خلقه.
وأما التخوف من عواقب الزمان فلأن الضرر والانتفاع وما يلحقهما من الخوف والرجاء وغيرهما إنما هي من لواحق الممكنات القابلة للنقصان والكمال وما هو في بعرض التغير
والزوال في الذات والصفة والفعل، وواجب الوجود بحسب جميع الجهات وجوب بلا إمكان ووجود بلا عدم وتمام بلا نقص فلا يمكن أن يكون غرضه من الإيجاد دفع ذلك الخوف عن نفسه.
وأما الاستعانة على الضد والند والشريك فلأن الاستعانة يو طلب العون من الغير وهو من لوازم الضعف والعجز وهما من تناهي القوة والقدرة وإذ لا ضعف ولا عجز لكماله سبحانه قوة وقدرة فلا يتصور في حقه الاستعانة وأيضاً لا ضدّ له ولا ند ولا شريك حتى يحتاج في دفعهم إلى الاستعانة لأنّ كلّ شيء هو مخلوق له، والمخلوق لا يكون ضداً لخالقه ولا نداً ولا شريكاً، بل المخلوقات يكون بعضها بالنسبة إلى بعض على هذه الصفات والله سبحانه منزّه عن صفات المخلوقين وخواص المحدثين.
وإليه أشار بقوله (ولكن خلائق مربوبون وعباد داخرون) يعني ولكنهم خلائق مربوبون لهم ربّ قاهر وعباد داخرون لهم معبود غالب فهم مقهورون مملوكون محتاجون إلى ربهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
والثانية عشر : أنه تعالى (لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن) يعني أنه سبحانه أقرب إلى الأشياء من كل قريب ولكن لا بحلول فيها، وأبعد منها من كلّ بعيد ولكن لا بمباينة عنها، وذلك لأنه تعالى جعل لكل شيء حداً محدوداً وليس له حد ونهاية فلا يكون حالاً في موضع أو محل وإلا لكان وجوده فيه واختصاصه به كاختصاص الحال بالمحل والمتمكن بالمكان، وذلك محال في حقه إذ هو خالق المحل والمكان فيلزم افتقاره إلى ما يفتقر إليه وهو محال.
وأما أنّه ليس بناء عن الأشياء أي بعيد فلأنه لو كان بعيداً لزم أن يكون مبايناً منها زائلاً عنها، وذلك أيضاً ممتنع لأن قوام الأشياء بوجوده سبحانه وما يتقوم به وجود الشيء لا يكون بعيداً عنه، وقد مضى تحقيق الكلام على ذلك ممّا لا مزيد عليه في شرح الفصل الخامس والسادس من فصول الخطبة الأولى عند بيان معنى قوله : (ومن قال فيم فقد ضمنه)، وقوله : (مع كل شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة)، فتذكر.
والثالثة عشر: أنّه (لم يؤده) أي لم يثقله ولم يعيه (خلق ما ابتدأ) واخترع (ولا) يكله (تدبير ما ذرأ) وبرأ (ولا وقف به عجز عمّا خلق) حتى اكتفى بما خلق ولم يخلق أزيد من ذلك (ولا ولجت) أي دخلت (عليه شبهة فيما قضا وقدر) بل ايجاده ما أوجد باقتضاء تام وحكمة بالغة وقضاؤه (قضاء متقن) خال عن التزلزل والاضطراب (وعلم محكم) بريء من فساد الشك وعروض الشبهة والغلط وأمر مبرم موثق لا يحتمل الزيادة والنقصان والمقصود بذلك كله تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين وتوضيح ذلك محتاج إلى تحقيق الكلام في معنى
الجملات الثلاث :
أما الأولى فالمقصود بها أنّه تعالى لا يلحقه في خلقه ثقل وإعياء وتعب وكلل كما قال تعالى :
«أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)» [الأحقاف : 33].
وقال: «وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» [البقرة : 255].
وإنما لم تلحقه الأمور المذكورة لأن خلقه سبحانه وإيجاده وتدبيره ليس بتوسط آلة جسمانية ولا استعمال رويّة نفسانية حتى يطرءه التعب والانفعال والثقل والكلال، بل فعله الإفاضة وصنعه الإبداع الناشي عن محض علمه وإرادته، ونحن لو كنا بحيث لو وجد من نفس علمنا وإرادتنا شيء لم يلحقنا من وجوده تعب وانفعال لكنا نحتاج في أفعالنا إلى حركة و استعمال آلة على أنّ علمنا وإرادتنا زائدة على ذواتنا، فالله تعالى أولى بأن لا يلحقه تغيّر من صنعه وإنما قال : خلق ما ابتدأ ليكون سلب الإعياء عنه أبلغ إذ ما ابتدأ مر أبلغ إذ ما ابتدأ من الأفعال تكون المشقة فيها أتم إذ الأفعال ربما يكون بسبب اعتياد الفاعل أقل إتعاباً وإعياء، وتدبيره تعالى لما ذرأ ويعود إلى تصريفه لجميع الذوات والأفعال والصفات تصريفاً كلياً وجزئياً على وفق حكمته وعنايته من غير مباشرة.
وأما الثانية: فالمراد بها أن وقوفه عمّا خلق واكتفائه بما أوجد ليس بعجزه عن الزائد وفتوره بسبب ما خلق من خلق ما سواه، لأن العجز والفتور من جهة تناهي القوة الجسمانية وانفعالها وتأثرها مما يمانعها في التأثير وهو منزّه عن جميع ذلك.
وأما الثالثة : فإشارة إلى كمال علمه وامتناع طريان الشبهة عليه في مقضياته ومقدراته، وذلك لأنّ الشّبهة إنما تعرض العقل في الأمور المعقولة الصرفة الغير الضرورية بصحبة الوهم، لأنّ الوهم لا يصدق حكم العقل إلا في المحسوسات لا في المعقولات فيعارضه ويدخل الشبهة عليه في المعقولات المحضة ولا يصدقه فالعقل حال استفصاله وجه الحق فيها يكون معارضاً بالأحكام الوهمية، فإذا كان المطلوب غامضاً فربما كان في الأحكام الوهمية ما يشبه بعض أسباب المطلوب فيتصور النفس بصورته ويعتقد لما ليس بمبدأ مبدأ فينتج الباطل في صورة المطلوب وليس به.
ولما كان الباري جلّ شأنه منزّهاً عن صحبة القوى المتعلقة بالأبدان التي رئيسها الوهم وكان علمه لذاته لم يجز أن يعرض لقضائه ولا لقدره وصمة شبهة أو يدخل عليه شك وريب، لكونها من عوارض العقل المقترنة بها، ولهذا قال: قضاء متقن، وعلم محكم، وأمر مبرم، أي ليس في قضائه تزلزل وتلعثم، ولا في علمه إمكان شبهة وتردد وليس لأمره راد ومانع.
الرابعة عشر: أنه تعالى هو (المأمول مع النقم المرهوب مع النعم) يعني أن العبد لما كان حال نزول البلية وحلول النقمة يستغفره سبحانه ويدعوه ويأمله ويفزع إليه لدفع البلية ورفع الرّزيّة، كان هو المأمول له مع النقم كما أنه حال إفاضة النعمة والعطية يستعد بالغفلة للإعراض عن شكرها، فيكون عند ذلك أهلاً لأن ينزل عليه بوادر النقمة من الله سبحانه كان هو المرهوب منه مع النّعم فهو المأمول والمرهوب معاً وما عداه فحلول نقمته غير مجامع لأمل رحمته، وقيام نعمته معاند لشمول رهبته، فلا مأمول ولا مرهوب في كلا الحالين سواه ولا ملجأ ولا منجأ إلا هو، وإلى هذا المعنى ينظر شعر الشارح المعتزلي.
وحق فضلك ما استيأست من نعم *** تسري إلي وإن حلت بي النقم
ولا أمنت نكالاً منك أرهبه *** وإن ترادفت الآلاء والنعم (1)
1) شرح النهج : 167/5.
از جمله خطب آن حضرت است در بیان صفات کمال و نعوت جلال الهی می فرماید که: حمد و ثنا، خداوند معبود به حقی را سزا است که پیشی نگرفته است مر او را حالی بر حالی تا این که باشد اول پیش از آن که باشد آخر و باشد ظاهر پیش از آن که باشد باطن. هر نامیده شده به وحدت که غیر او است متصف است به صفت قلت و هر عزیزی که غیر او است موصوف است به صفت ذلت و هر صاحب قوتی که غیر او است ضعیف است و حقیر و هر مالکی که غیر او است مملوک است و عبد و هر عالمی که غیر او است متعلم است و آموزنده و هر قادری که غیر او است گاهی قادر می شود و گاهی عاجز و هر صاحب سمعی که غیر او است عاجز است از ادراک آوازهای آهسته و کر می کند او را آوازهای بزرگ و می رود از او آوازهای دور و هر صاحب بصری که غیر او است کور است از رنگ های خفی و پنهان و از جسمهای لطیف و رقيق القوام و هر ظاهری که غیر او است غیر باطن است و هر باطنی که غیر او است غیر ظاهر است، بلکه او است ظاهر و باطن و آشکار و نهان:
از همه گان بی نیاز و بر همه مشفق *** از همه عالم نهان و بر همه پیدا
نیافرید آن چه که آفرید آن را به جهت تقویت سلطنت و نه از برای خوف از عاقبت زمانه و نه به واسطه یاری خواستن بر دفع همتای برجهنده و نه بر دفع شريک غلبه کننده و نه بر دفع ضد مفاخرت نماینده، ولکن آن چه که خلق شده اند خلقانی هستند پرورش یافتگان و بندگانی هستند خوارشدگان، حلول نکرده است خدا در چیزها تا گفته شود که حاصل است در آنها و دور نشده است از اشیاء تا گفته شود که از آنها است جدا، عاجز و سنگین نگردانید او را آفریدن آن چه که ابتدا کرده او را در ایجاد و نه تدبیر و اصلاح حال آن چه که آفریده او را و باز نداشت او را عجز و ناتوانی از آن چه که خلق فرمود و داخل نشد بر او شبهه در آنچه که حکم کرده و تقدیر نمود.
بلکه حکم او حکمی است محکم و استوار و علم او علمی است به غایت پایدار و امر او امری است مستحکم و با قرار، امید گرفته شده است او در حال نقمت و بلیه و ترسیده شده است از او در حال نعمت و رفاهیت.
كان يقول لأصحابه في بعض أيام صفين وهو اليوم النهي كانت عشيته ليلة الهرير على ما نسبه الشارح المعتزلي إلى كثير من الرّوايات أو اليوم السابع من الحرب وكان يوم الخميس سابع شهر صفر على ما ستطلع عليه في رواية نصر بن مزاحم بسنده الآتي عن أبي عمر قال : إنّه خطب هذا اليوم فقال :
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ، وَ تَجَلْبُبُوا السَّكِينَةَ، وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَ أَكْمِلُوا اللَّأْمَةَ، وَ قَلْقِلُوا السُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا، وَ الْحَظُوا الْخَزَرَ، وَ اطْعُنُوا الشَّزْرَ، وَ نَافِحُوا بِالظُّبَا، وَ صِلُوا السُّيُوفَ بِالْخَطَا، وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اللَّهِ وَ مَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، فَعَاوِدُوا الْكَرَّ، وَ اسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأَعْقَابِ، وَ نَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَ طِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً، وَ امْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُحُجاً، وَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ، وَ الرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ، وَ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَ أَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلًا، فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ، وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (1).
(المعشر) الجماعة و(الشعار) من اللباس ما يلي شعر الجسد و (تجلببوا) مثل تدحرجوا مأخوذ من الجلباب بالكسر وهو القميص أو ثوب واسع للمرأة دون المخلقة أو المخلقة (2)أو الخمار أو ثوب كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها وفي «المصباح» أنه ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، وقال ابن فارس: ما يغطى به من ثوب وغيره والجمع الجلابيب.
و (السكينة) الوقار في الحركة والتأني في السير و(عضعضت) اللقمة وبها وعليها أمسكتها بالأسنان و(النواجد) جمع ناجد وهي أواخر الأضراس تنبت بعد البلوغ والحلم وكمال العقل، وقيل الأضراس كلها نواجذ، وقيل هي الضواحك التي تبدو عند الضحك، وعن البارع النواجذ للإنسان والحافر وهي من ذوات الخف الأنياب و (نيا) السيف عن الضريبة بتقديم
(النون) على (الباء) نبواً من باب قتل رجع من غير قطع فهو ناب ونبا السهم عن الهدف لم يصبه و (الهام) جمع هامة وهي رأس كل شيء.
و(اللأمة) باللام والهمزة الساكنة على وزن تمرة الدرع وقيل جمع آلات الحرب و (القلقلة) التحريك و(الغمد) بالكسر جفن السّيف و (سل) السيف إخراجه من الغمد و(لحظته) بالعين ولحظت إليه لحظاً من باب نفع راقبته، ويقال نظرت إليه بمؤخر العين عن يمين ويسار وهوأشدّ التفاتاً من الشزر و (الخزر) بفتح (الخاء) (والزاء) المعجمتين مصدر خزرت العين خزراً من باب تعب صغرت وضاقت، والموجود في النسخ الخزر بسكون (الزاء) ولعله الملاحظة السجعة الثانية و(اطعنوا) بضم (العين) من باب قتل وبالفتح من باب نفع.
و(الشزر) بالفتح فالسكون الطعن عن اليمين واليسار ولا يستعمل الطعن تجاه الإنسان شزراً قيل أكثر ما يستعمل في الطعن عن اليمين خاصة و (المنافحة) المضاربة والمدافعة و (الظبا) جمع ظبة بالتخفيف وبضم (الظاء) فيهما حد السيف و(صلوا) أمر من وصل الشيء بالشيء جعله متصلاً به و(الخطا) جمع خطوة بالضم فيهما و(الكر) الرجوع و(الأعقاب) إما جمع عقب بالضم وبضمتين أي العاقبة أو جمع عقب ككتف أو عقب بالفتح أي الولد وولد الولد (والسحج) بضمتين السهل و (سواد) الناس عامتهم.
و(الرّواق) ككتاب الفسطاط والفئة وقيل هو ما بين يدي البيت و(المطنب) المشدود بالأطناب و (ثبج) الشيء بالتحريك وسطه و(كمن) من باب نصر وسمع استخفى و(كسر) الخباء بالكسر الشقة السفلى ترفع أحياناً وترخي أخرى و(الوثبة) الطفرة و(النكوص) الرجوع و (الصمد) القصد و (انجلي) الشيء وتجلى أي انكشف وظهر و (وترت) زيداً حقه واتره من باب وعد نقصته.
(معاشر النّاس) منصوب على النداء (والخزر والشّزر) صفتان لمصدرين محذوفين أي الحظوا الحظا خزراً واطعنوا طعناً شزراً، و(اللام) للعهد (وطيبوا عن أنفسكم) نفساً يقال طابت نفسي بالشيء وطبت به نفساً إذا لم يكرهك عليه أحد وتعديته (بعن) لتضمين معنى التجافي والتجاوز، (ونفساً) منصوب على التميز ولذلك وحده لأن حق التميز أن يكون مفرداً مع الأمن من اللبس قال البحراني والمراد بالنفس الأولى الزائلة بالقتل وبالثانية النفس المدبرة لهذا البدن، (وصمداً صمداً) منصوبان على المصدرية والعامل محذوف والتكرار للتأكيد والتحريص (والواو) في قوله: (وأنتم الأعلون) للحال.
إعلم أن المراد بهذه الخطبة تعليم رسوم الحرب وآدابها والإرشاد إلى كيفية المحاربة والقتال، إذ في مراعاتها والملازمة عليها رجاء الفتح والظفر من الله المتعال فقوله : (معاشر الناس استشعروا الخشية) أي اجعلوا الخوف والخشية من الله سبحانه شعاراً لكم لازماً على أنفسكم لزوم الشعار على الجسد (وتجلببوا السكينة) أي اتخذوا الوقار والطمأنينة في السير والحركة غطاء لكم محيطاً بكم إحاطة الجلباب بالبدن.
(وعضوا على النواجذ) وهذا الأمر إما محمول على الحقيقة لأن العض يورث تصلب الأعضاء والعضلات فتكون على مقاومة السّيف أقدر ويكون تأثيره فيه أقل، ويشهد به ظاهر التعليل بقوله (فإنّه) أي العض (أنبأ للسيوف عن الهام) وإما كناية عن شدّة الاهتمام بأمر الحرب أو الصبر وتسكين القلب وترك الاضطراب فإنّه أشدّ أبعاداً لسيف العدو عن الرأس وأقرب إلى النصر (وأكملوا اللأمة) والمراد بإكمالها على التفسير الأول أعني كونها بمعنى الدرع هو أن يراد عليها البيضة والسواعد ونحوهما، وعلى التفسير الثاني اتخاذها كاملة شاملة للجسد.
(وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها) ليسهل السّل وقت الحاجة، فإن طول مكثها في الإغماد ربما يوجب الصداء فيصعب السل وقت الاحتياج (والحظوا الخزر) لأن النظر بمؤخر العين أمارة الغضب كما أن النظر بتمام العين إلى العدوّ علامة الفشل (واطعنوا الشزر) لأنّ الطعن عن اليمين والشمال يوسع المجال على الطاعن وأكثر المناوشة للخصم في الحرب يكون عن يمينه وشماله ويمكن أن تكون الفائدة أن احتراز العدو عن الطعن حذاء الوجه أسهل والغفلة عنه أقل.
(ونافحوا بالظبا) قيل : المعنى قاتلوا بالسيوف وأصله أن يقرب أحد المتقابلين إلى الآخر بحيث يصل نفح كلّ منهما أي ريحه ونفسه إلى صاحبه، وقيل: أي ضاربوا بأطراف السيوف وفائدته أن مخالطة العدو والقرب الكثير منه يشغل عن التمكن من حربه، وأيضاً لا يؤثر الضرب مع القرب المفرط كما ينبغي (وصلوا السيوف بالخطا) يعني إذا قصرت السيوف عن الضريبة فتقدّموا تلحقوا ولا تصبروا حتى يلحقكم العدو، وهذا التقدم يورث الرعب في قلب العدو، وإلى ذلك ينظر قول حميد بن ثور الهلالي :
ووصل الخطا بالسيف والسيف با الخطا *** إذا ظنّ أنّ المرء ذا السيف قاصر
وقال آخر :
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا *** يوماً ونلحقها إذا لم تلحق
وقال آخر:
وإذا السيوف قصرن طوّلها لنا *** حتّى تناول ما نريد خطانا
وقال رابع :
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها *** خطانا إلى أعدائنا فتضارب
وروى عنه (علیه السَّلام) أنه قيل له في بعض الغزوات : ما أقصر سيفك؟ قال (علیه السَّلام): أطوله بخطوة واعلموا أنكم بعين الله يراكم ويسمع كلامكم ويعلم أعمالكم ويشهد أفعالكم، وهذا تمهيد للنهي عن الفرار وتنبيه على أنّ الله سبحانه ينصرهم ويحفظهم (و) أنّه يجب عليهم التثبت والثبات (مع ابن عم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)) الذي لا طاعته كطاعته وحربه كحربه (فعاودوا الكر) أي الحملة والرجوع عند التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة أو عند الفرار جبنا لو اتفق.
والمراد لا تقصروا على حملة واحدة لليأس عن حصول الغرض بل عاودوا واحملوا كرّة بعد أخرى (واستحيوا من الفرّ فإنّه) أي الفرار قبيح من جهتين.
إحداهما: أنّه (عارٌ في الأعقاب) يعني أنه عار في عاقبة الأمر ويتحدّث الناس به في مستقبل الزّمان، هذا على كون الأعقاب جمع عقب بالضم، وأمّا على كونها جمع عقب بفتح (العين) فالمعنى أنه عار في أولادكم يعيرون به بعدكم ومن هنا روي أن أعرابيّاً رأى رجلاً من أولاد أبي موسى الأشعري يمشي ويتبختر في مشيه، قال: ماله كان أباه غلب عمرو بن العاص في التحكيم.
(و) الجهة الثانية أنه (نار يوم الحساب) أي يوجب استحقاق النار لكونه من المعاصي الكبيرة كما يشير إليه قوله سبحانه: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» [الأنفال: 16]
(وطيبوا عن أنفسكم نفساً) أي طيبوا أنفسكم متجاوزين عن نفوسكم الزائلة ووطنوا قلوبكم على بذلها في سبيل الله وارضوا به للحياة الباقية واللذات الدائمة (وامشوا إلى الموت مشياً سحجاً) سهلاً بدون تكلف.
(وعليكم بهذا السواد الأعظم) أي معظم القوم المجتمعين على معاوية (والرواق المطنب) أراد به مضرب معاوية وكان في قبة عالية بأطناب عظيمة، وحوله من أهل الشام وصناديدهم مائة ألف كانوا تعاهدوا أن لا ينفرجوا عنه أو يقتلوا (فاضربوا ثبجه) أي وسطه (فإن الشيطان كامن في كسره)المراد بالشيطان إما معاوية أو عمرو بن العاص، وإطلاق الشيطان عليهما لشباهتهما بالشيطان في الإضلال عن سبيل الله سبحانه، والأظهر أنّ المراد به معناه الحقيقي لأن معاوية كان بارزاً في الصدر لا كامناً في الكسر إلا أن يكون ذلك لبيان جبنه ولا ينافي إرادة الحقيقة.
قوله : (قد قدم للوثبة بداً وأخر للنكوص رجلاً) لأن إبليس كان من رفقاء معاوية وأصحابه كان يثب لوثوبهم ويرجع برجوعهم، ويمكن أن يراد بوثبته طمعه في غلبة أصحاب معاوية وتحريضه لهم على القتال وبالنكوص ما يقابله (فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم عمود الحق) أي اقصدوهم قصداً واصبروا على الجهاد إلى أن يظهر لكم نور الحق.
قال المجلسي: عمود الحق لعله للتشبيه بالفجر الأول، وفيه إشعار بعدم الظهور لأكثر القوم كما ينبغي (وأنتم الأعلون) أي الغالبون على الأعداء بالظفر أو بأنكم على الحق (والله معكم) لأنكم أنصاره (ولن يتركم أعمالكم) أي لا ينقصكم الله جزاء أعمالكم وهذه اللفظة اقتباس من الآية الشريفة في سورة محمد وهو قوله سبحانه :
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ * فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ»[محمد: 34 - 35].
هذه الخطبة مروية في «البحار» من كتاب بشارة المصطفى عن إبراهيم بن الحسين لبصري، عن محمد بن الحسين بن عتبة، عن محمد بن أحمد بن مخلد، عن أبي المفضل الشيباني، عن محمد بن محمد بن معقل، عن محمد بن أبي الصحباني، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة مولى عبد الله بن العباس رضي الله عنه.
قال : عقم النساء أن يأتين بمثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما كشفت النساء ذيولهن عن مثله، لا والله ما رأيت فارساً محدثاً يوزن به لرأيته يوماً ونحن معه بصفين وعلى رأسه عمامة سوداء وكأن عينيه سراجاً سليط يتوقدان من تحتها يقف على شرذمة يخصمهم حتى انتهى إلى نفر أنا فيهم وطلعت خيل لمعاوية تدعى بالكتيبة الشهباء عشرة آلاف دارع على عشرة آلاف أشهب، فاقشعر الناس لها لما رأوها وانحاز بعضهم إلى بعض فقال أمير المؤمنين (علیه السَّلام):
فيم النخع والخنع يا أهل العراق هل هي إلا أشخاص مائلة فيها قلوب طائرة لو مسها قلوب أهل الحق لرأيتموها كجراد بقيعة سفته الرّيح في يوم عاصف، ألا فاستشعروا الخشية فتجلببوا السكينة وادرعوا الصبر وخضوا الأصوات وقلقلوا الأسياف في الأعماد قبل السلة وانظروا الشزر واطعنوا الوجر وكافحوا بالظبا وصلوا السيوف بالخطا والنبال بالرماح وعاودوا الكرّ واستحيوا من الفرّ فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفساً، وامشوا إلى الموت مشية سحجاً، فإنكم بعين الله عزّ وجلّ ومع أخي رسول الله.
وعليكم بهذا السرادق الأولم، والرواق المظلم، فاضربوا ثبجه فإن الشيطان راقد في
كسره نافش حضنيه مفترش ذراعيه قد قدّم للوثبة يداً وأخر للنكوص رجلاً، فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم، ها أنا شادٍ فشدّوا بسم الله لا ينصرون (1).
ثم حمل عليهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى ذريته حملة وتبعه خويلة لم تبلغ المائة فارس فأجالهم فيها جولان الرّحى المسرحة بثفالها، فارتفعت عجاجة منعتني النظر، ثم انجلت فأثبت النظر فلم نر إلا رأساً نادراً وبداً طائحة فما كان بأسرع أن ولوا مدبرين كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة، فإذا أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قد أقبل وسيفه ينطف ووجهه كشقة القمر وهو يقول :
«فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» [التوبة : 12].
ورواها في «البحار» أيضاً من تفسير فرات بن إبراهيم بسنده عن ابن عباس نحوه، ولا بأس بتفسير بعض ألفاظها الغريبة.
فأقول: «السليط» الزيت «والنخع والخنع» الذل والخضوع «والماثلة» القائمة أو المتمثلة بالمشبهة بالإنسان وفي بعض النسح مائلة من الميل أي عادلة عن الحق فيها «قلوب طائرة» أي من الخوف و«سفت» الريح التراب بالتخفيف ذرته «والقيعة» الأرض المستوي و«الوجر» (بالجيم) (والراء) المهملة قال في «القاموس» أوجره الرمح طعنه به في فيه و«المكافحة» المضاربة والمدافعة تلقاء الوجه و«النبال بالرماح» أي أرموهم بالنبال فإذا قربتم فاستعملوا الرماح والعكس أظهر أي إذا لم تصلوا الرماح فاستعملوا النبال كأنكم وصلتموها بها فيكون النسب بالفقرة السابقة و«الأولم» الأسود صورة أو معناً كالمظلم.
«نافش» حضنيه في بعض النسخ نافج وهو الأظهر لأن الأوّل غير مناسب للمقام يقال نفجت الشيء رفعته وكنى به عن التعظم والتكبر و«شد» في الحرب يشدّ بالكسر حمل على العدوّ «وحم لا ينصرون» عن ابن الأثير في «النهاية» في حديث الجهاد إذ أبيتم فقولوا حم لا ينصرون، قيل معناه اللهم لا ينصرون ويريد به الخبر لا الدعاء وإلا لقال لا ينصروا مجزوماً، فكأنه قال والله لا ينصرون وقيل إن السور التي أوّلها حم سور لها شأن فنبه أنّ ذكرها لشرف شأنها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله لا ينصرون كلام مستأنف كأنه حين قال: قولوا حم، قيل : ماذا يكون إذا قلناها، قال: لا ينصرون.
و «الخويلة» إما تصغير الخيل على غير قياس أو تصغير الخول بمعنى الخدم والحشم و«الثّفال) جلدة تبسط تحت رحى اليد ليقع عليها الدقيق ويسمى الحجر الأسفل ثقالاً بها
1) بحار الأنوار: 602/32، وعيون المعجزات: 42.
و«العجاجة» الغبار و«ندر» الرأس سقط و«طاح» بطوح ويطيح هلك وأشرف على الهلاك وذهب وسقط و«القسورة» الأسد و«سيفه ينطف» أي يقطر دماً و«الشقة» بالكسر القطعة المشقوقة ونصف الشيء إذا شق.
قد مضى طرف من وقائع صفين في شرح بعض الخطب السابقة، فذكرنا في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة السادسة والعشرين كيفية إرسال أمير المؤمنين جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية بالرّسالة وكيفية بيعة عمرو بن العاص لمعاوية، وفي شرح كلامه الثالث والأربعين تفصيل قصّة جرير ومكالماته مع معاوية ويأسه من بيعته حتى رجع إلى العراق وانجرّ الأمر إلى حرب صفين، وفي شرح الخطبة الثامنة والأربعين كيفية خروج أمير المؤمنين (علیه السَّلام) من الكوفة متوجهاً إلى صفين، وفي شرح الخطبة الإحدى والخمسين نزوله بصفين وغلبة أصحاب معاوية على الشريعة وفتح الفرات، وفي شرح الخطبة الخامسة والثلاثين قصّة ليلة الهرير وكيفية التحكيم إلى آخر الحرب.
فأحببت أن أورد هنا بقيّة تلك الواقعة وهي من فتح الشريعة إلى ليلة الهرير لاقتضاء المقام ذلك وليكون شرحنا ذلك مشتملاً على تمام تلك الواقعة ولو إجمالاً ويستغني الناظر به عن الرجوع إلى غيره ولا يشذ عنه جمل تلك الواقعة.
فأقول : روى المحدّث العلامة المجلسي في «البحار» والشارح المعتزلي جميعاً من كتاب صفين لنصر بن مزاحم أنه وصل أمير المؤمنين (علیه السَّلام) إلى صفين لثمان بقين من المحرم منسنة سبع وثلاثين.
قال نصر : ولما ملك أمير المؤمنين الماء بصفين ثمّ سمح لأهل الشام بالمشاركة فيه والمساهمة رجاء أن يعطفوا إليه واستمالة لقلوبهم وإظهاراً للمعدلة وحسن السيرة فيهم، مكث أياماً لا يرسل إلى معاوية ولا يأتيه من عند معاوية أحد واستبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال وقالوا: يا أمير المؤمنين خلفنا ذرارينا ونسائنا بالكوفة وجئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطناً، ائذن لنا في القتال فإن الناس قد قالوا قال (علیه السَّلام) ما قالوا ؟ فقال قائل منهم إن الناس يظنون أنك تكره الحرب كراهية للموت وأنّ من الناس من يظن أنك في شك من قتال أهل الشام.
أقول : فأجابهم بجواب مرّ ذكره فيما سبق وهو الكلام الرابع والخمسون.
قال نصر : فقال (علیه السَّلام) : ومتى كنت كارهاً للحرب قط إنّ من العجب حبي لها غلاماً ويفعاً وكراهتي لها شيخاً بعد نفاد العمر وقرب الوقت وأمّا شكّي في القوم فلو شككت فيهم لشككت في أهل البصرة فوالله لقد ضربت هذا الأمر ظهراً وبطناً فما وجدت أن يسعني إلا
القتال أو أن أعصي الله ورسوله ولكني أستأنى (1)بالقوم عسى أن يهتدوا أو يهتدي فيهم طائفة فإنّ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال لي يوم خيبر : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس.
قال نصر : فبعث علي إلى معاوية بشر بن عمرو وسعيد بن قيس وشيث بن ربعي فقال ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة وإلى اتباع أمر الله سبحانه، فقال شيث يا أمير المؤمنين ألا نطمعه في سلطان توليه إياه ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ قال : ائتوه الآن والقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه في هذا، فدخلوا عليه فابتدأ بشر بن عمرو بن محصن فحمد الله وأثنى عليه وقال :
أما بعد يا معاوية فإن الدنيا عنك زائلة وانك راجع إلى الآخرة وأنّ الله مجازيك لعملك ومحاسبك بما قدمت يداك، وإنّني أنشدك الله أن تفرّق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دمائها بينها.
فقطع معاوية عليه الكلام فقال : فهلا أوصيت صاحبك؟ فقال: سبحان الله إن صاحبي ليس مثلك صاحبي أحق الناس بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة من الرّسول، قال معاوية : فتقول ماذا ! قال : أدعوك إلى تقوى ربك وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنّه أسلم لك في دينك وخير لك في عاقبة أمرك، قال : وبطل دم عثمان؟ لا والرّحمن لا أفعل ذلك أبداً.
فذهب سعيد بن قيس ليتكلم فيدره شيث بن ربعي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
يا معاوية قد فهمت ما رددت على ابن محصن أنّه لا يخفى علينا ما تطلب إنك لا تجد شيئاً تستغوي به الناس ولا شيئاً تستميل به أهوائهم إلا أن قلت لهم قتل إمامكم مظلوماً فهلموا نطلب بدمه فاستجاب لك سفلة طغام رذال، وقد علمنا أنك بطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي تطلب وربّ مبتغ أمراً وطالب له يحول الله دونه وربّما أوتي المتمنّي أمنيته وربّما لم يؤتها ووالله مالك في واحدة منهما خير، والله إن أخطأت ما ترجو أنك لشرّ العرب حالاً ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق صلى النّار، فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله.
فحمد معاوية الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإنّ أوّل ما عرفت به سفهك وخفة علمك قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ثمّ عتبت بعد فيما لا علم لك به، ولقد كذبت وثومت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما وصفت انصرفوا من عندي فإنه ليس
1) أي طلب التأني.
بيني وبينكم إلا السيف، وغضب.
فخرج القوم وشيث يقول : أعلينا تهوّل بالسيف أما والله لنعجلنه إليك.
قال نصر : خرج قرّاء أهل العراق وقرّاء أهل الشام فعسكروا في ناحية صفين في ثلاثين ألفاً.
قال : وعسكر علي (علیه السَّلام) على الماء وعسكر معاوية فوقه على الماء، ومشت القراء بين عليّ ومعاوية، منهم عبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس النخعي، وعبد الله بن عتبة، وعمار بن عبد القيس فدخلوا على معاوية فقالوا يا معاوية ما الذي تطلب؟ قال: أطلب بدم عثمان قالوا: ممّن تطلب بدم عثمان؟ قال : أطلبه من علي قالوا أو علي قتله ؟ قال : نعم هو قتله وأوى قتلته فانصرفوا من عنده فدخلوا على علي وقالوا: إنّ معاوية زعم أنك قتلت عثمان، قال : اللهم لَكَذِبٌ عليّ لم أقتله.
فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال : إن لم يكن قتله فقد أمر ومالأ، فرجعوا إليه وقالوا: يزعم أنك إن لم تكن قتلت بيدك فقد أمرت ومالأت على قتل عثمان، فقال: اللهم لكذب فيما قال، فرجعوا إلى معاوية فقالوا : إن عليّاً يزعم أنّه لم يفعل فقال معاوية : إن كان صادقاً فليقدنا من قتلة عثمان فانّهم في عسكره وجنده وأصحابه وعضده فرجعوا إلى علي فقالوا: إن معاوية يقول لك إن كنت صادقاً فادفع إلينا قتلة عثمان أو مكنا منهم، فقال لهم: إن القوم تأولوا عليه القرآن ووقعت الفرقة وقتلوه في سلطانه وليس على ضربهم قود فخصم على معاوية.
فقال لهم معاوية : إن كان الأمر كما تزعمون فلم أبتز الأمر دوننا على غير مشورة منا وممّن هٰهنا معنا، فقال علي (علیه السَّلام): إن الناس تبع المهاجرين والأنصار وهم شهود للمسلمين في البلاد وعلى ولاتهم وأمراء دينهم فرضوا بي وبايعوني ولست أستحل أن أدع ضرب معاوية يحكم على هذه الأمة ويزكيهم ويشق عصاهم، فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك فقال : ليس كما يقول فما بال من هو منا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر، فانصرفوا إليه (علیه السَّلام) فأخبروه بقوله فقال : ويحكم هذا للبدریين دون الصحابة وليس في الأرض بدري إلا وقد بايعني وهو معي أو قد أقام ورضى فلا يغركم من أنفسكم ودينكم.
قال نصر: فراسلوا بذلك ثلاثة أشهر ربيع الآخر وجماديين وهم مع ذلك يفرغون الفرغة فيما بينهما ويرجف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم.
قال : فرغوا في ثلاثة أشهر خمساً وثمانين فرغة كل فرغة يرجف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم لا يكون بينهم قتال.
قال نصر: خرج أبو أمامة الباهلي وأبو الدرداء فدخلا على معاوية فقالا: يا معاوية علام
تقاتل هذا الرجل فوالله لهو أقدم منك سلماً وأحق منك بهذا الأمر وأقرب من رسول الله فعلام تقاتله؟ فقال : أقاتله على دم عثمان وأنّه آوى قتلته فقولوا له فليقدنا من قتلته وأنا أول من أبايعه من أهل الشام.
فانطلقوا إلى علي فأخبروه بقول معاوية فقال (علیه السَّلام): إنما يطلب الذين ترون فخرج عشرون ألفاً وأكثر متسربلين الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقالوا: كلنا قتله فإن شاؤوا فليروموا ذلك منّا، فرجع أبو أمامة وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئاً في القتال حتى إذا كان رجب وخشي معاوية أن يتابع القراء علياً أخذ في المكر وأخذ يحتال للقراء.
قال: فكتب في سهم من عبد الله الناصح أني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم فخذوا حذركم، ثم رمى بالسهم في عسكر علي فوقع السهم في يد رجل فقرأه ثمّ أقرأه صاحبه فلما قرأه وقرأه الناس وقرأه من أقبل وأدبر قالوا: هذا أخ لنا ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية فلم يزل السهم يقرأ ويرتفع حتى رفع إلى علي (علیه السَّلام).
وقد بعث معاوية مائتي رجل من العملة إلى عاقول من النهر بأيديهم المزور والزمل يحفرون فيها بحيال عسكر علي، فقال علي: ويحكم إنّ الذي يعالج معاوية لا يستقيم له ولا عليه إنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم فانتهوا عن ذلك ودعوه، فقالوا له : والله يحفرون والله لنرتحلن وإن شئت فأقم، فارتحلوا وصعدوا بعسكرهم ملياً وارتحل علي في أخريات الناس وهو يقول :
فلو أني اطعت عصمت قومي *** إلى ركن اليمامة (1)أو شام
ولكني متى أبرمت أمراً *** منیت بخلف أراء الطغام (2)
قال : فارتحل معاوية ونزل بمعسكر علي الذي كان فيه، فدعا علي (علیه السَّلام) الأشتر فقال : ألم تغلبني على رأيي أنت والأشعث برأيكما، فقال الأشعث: أنا أكفيك يا أمير المؤمنين سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك، فجمع كندة فقال لهم : يا معشر كنده لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني فإنّما أنا قارع بكم أهل الشام، فخرجوا معه رجالة يمشون وبيده رمح له يلقيه على الأرض ويقول : امشو قيس رمحي هذا، فيمشون فلم يزل يقيس لهم الأرض برمحه ويمشون معه حتى أتى معاوية وسط بني سليم واقفاً على الماء، وقد جاءه أداني عسكره.
فاقتتلوا قتالاً شديداً على الماء ساعة وانتهى أوائل أهل العراق فنزلوا، وأقبل الأشتر في جنده من أهل العراق فحمل إلى معاوية والأشعث يحارب في ناحية أخرى فانحاز معاوية في بني سليم فردوا وجوه إبله قدر ثلاث فراسخ، ثم نزل ووضع أهل الشام أثقالهم والأشعث يهدر
ويقول : أرضيتك يا أمير المؤمنين وقال الأشتر : يا أمير المؤمنين قد غلب الله لك على الماء.
قال نصر: وكان كل واحد من علي ومعاوية يخرج الرجل الشريف في جماعة ويقاتل مثله وكانوا يكرهون أن يزاحفوا بجميع الفيلق مخافة الاستئصال والهلاك، فاقتتل الناس ذا الحجة كله فلما انقضى تداعوا إلى أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم لعل الله ان يجري صلحاً أو اجتماعاً، فكف الناس في المحرم بعضهم عن بعض.
قال نصر: حدثنا عمر بن سعد عن أبي المجاهد عن المحل بن خليفة، قال : لما توادعوا في المحرّم اختلفت الرسل فيما بين الرجلين رجاء الصلح فأرسل علي إلى معاوية عدي بن حاتم، وشيث بن ربعي، ويزيد بن قيس وزياد بن حفصة فلمّا دخلوا عليه حمد الله تعالى عدي بن حاتم وأثنى عليه وقال أما بعد:
فقد أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ويحقن دماء المسلمين ندعوك إلى أفضل الناس سابقة وأحسنهم في الإسلام آثاراً، وقد اجتمع له الناس وقد أرشدهم الله بالذي رأوا وأوتوا فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل.
فقال له معاوية : كأنك إنما جئت متهدّداً ولم تأت مصلحاً هيهات يا عدي إني لابن حرب ما يقعقع (1)لي بالشنئان، أما والله إنّك من المجلبين على عثمان وإنّك لمن قتلته وإنّي لأرجو أن تكون ممّن يقتله الله.
فقال له شيث بن ربعي وزياد بن حفصة وتنازعا كلاماً واحداً أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا الأمثال، دع ما لا ينفع من القول والفعل وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه.
وتكلم يزيد بن قيس فقال : إنا لم نأتك إلا لنبلغك الذي بعثنا به إليك ولنؤدي عنك ما سمعناه منك ولم ندع أن ننصح لك وأن نذكر ما ظننا أن لنا فيه عليك حجّة أو أنّه راجع بك إلى الإلفة والجماعة، إنّ صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله ولا أظنّه يخفى عليك أن أهل الدين والفضل لا يعدلونك بعلي ولا يساوون بينك وبينه، فاتق الله يا معاوية ولا تخالف عليّاً فإنا والله ما رأينا رجلاً قط أعلم بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه.
فحمد الله معاوية وأثنى عليه وقال: أما بعد فإنّكم دعوتم إلى الجماعة والطاعة فأما التي دعوتم إليها فنعما هي وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نرضى به إن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثارنا وقتلتنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نردّ ذلك عليه أرأيتم قتلة
1) القعقة تحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح وغيره والشنئان جمع الشن وهي القربة اليابسة وهم يحركونها إذا اردوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرا (بحار).
صاحبنا ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.
فقال له شيث: أيسرك بالله يا معاوية إن أمكنت من عمّار بن ياسر فقتلته؟ قال: وما يمنعني من ذلك، والله لو أمكنني صاحبكم من ابن سمية ما أقتله بعثمان ولكن كنت أقتله بنائلة مولى عثمان.
فقال شيث : وإله السماء ما عدلت معدلاً ولا والذي لا إله إلا هو لا يصل إليك قتل ابن ياسر حتى يندر الهام عن كواهل الرّجال، وتضيق الأرض الفضاء عليك بما رحبت.
فقال معاوية : إذا كان ذلك كانت عليك أضيق ثم رجع القوم عن معاوية فبعث معاوية إلى زياد بن حفصة من بينهم فأدخله عليه فحمد معاوية الله وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد يا أخ ربيعة فإنّ عليّاً قطع أرحامنا وقتل إمامنا وآوى قتلته وإنّي أسألك النصرة عليه بأسرتك وعشيرتك، ولك عليّ عهد الله وميثاقه إذا ظهرت أن أوليك أي المصرين أحببت.
قال زياد: فلمّا قضى معاوية كلامه حمدت الله وأثنيت عليه ثمّ قلت : أما بعد فإنّي لعلى بينة من ربي وبما أنعم الله عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين، ثم قمت فقال معاوية لعمرو بن العاص وكان إلى جانبه: ما لهم غضبهم الله ما في قلوبهم ما قلبهم إلا قلب رجل واحد.
قال نصر: وبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري إلى علي وشرجيل بن السمط و معن بن يزيد فدخلوا عليه، فتكلم حبيب وحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد :
فإنّ عثمان بن عفان كان خليفة مهديّاً يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمر الله فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم به، فإن قلت إنّك لم تقتله فاعتزل أمر الناس فيكون أمرهم هذا شورى بينهم يولّ النّاس أمرهم من أجمع رأيهم عليه.
فقال له علي (علیه السَّلام):ومن أنت لا أم لك والولاية والعزل والدخول في هذا الأمر اسكت فإنّك لست هناك ولا بأهل لذاك، فقام حبيب بن مسلمة :وقال والله لتراني حيث تكره، فقال علي: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك اذهب فصوّب وصعد ما بدا لك فلا أبقى الله لك إن أبقيت فقال شرحبيل بن السمط: إن كلمتك فلعمري ما كلامي لك إلا نحو كلام صاحبي فهل عندك جواب غير الذي أجبته؟ قال: نعم، قال: فقله فحمد علي الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد :
فإنّ الله سبحانه بعث محمّداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فأنقذ به من الضلالة ونعش به من الهلكة وجمع به بعد الفرقة، ثمّ قبضه الله إليه وقد أدّى ما عليه فاستخلف الناس أبا بكر ثمّ استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا الشيرة وعدلا في الأمة وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل الرسول وأحق
بالأمر فغفرنا ذلك لهما، ثمّ ولى أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه فساء إليه ناس فقتلوه.
ثم أتاني النّاس وأنا معتزل أمرهم فقالوا لي بايع فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع فإنّ الأمة لا ترضى إلا بك وإنّا نخاف إن لم تفعل تفرّق النّاس، فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعا وخلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام، طليق بن طليق، وحزب من الأحزاب، لم يزل الله ولرسوله عدواً هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين.
فيا عجباً لكم ولانقيادكم تدعون إلى «أهل» بيت نبيكم الذين لا ينبغي شقاقهم ولا خلافهم ولا أن تعدلوا به أحداً من الناس إني أدعوكم إلى كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيكم وإماتة الباطل وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا واستغفر الله لنا ولكلّ مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة.
فقال له شرجيل ومعن بن يزيد: أشهد أن عثمان قتل مظلوماً فقال : لا أقول ذلك، قالا: فمن لا يشهد أن عثمان قتل مظلوماً فنحن منه براء، ثمّ قاما فانصرفا فقال علي:
«إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ»[النمل: 80 - 81].
ثم أقبل على أصحابه فقال : لا يكن هؤلاء في ضلالتهم بأولى بالجد منكم في حقكم وطاعة إمامكم. ثم مكث النّاس إلى انسلاخ المحرّم فلما انسلخ واستقبل الناس صفراً من سنة سبع وثلاثين بعث علي نفراً من أصحابه حتى إذا كانوا في عسكر معاوية بحيث يسمعونهم الصوت قام مرثد بن الحرث (1)الحثيمي فنادى عند غروب الشمس: يا أهل الشام إن أمير المؤمنين علياً وأصحاب رسول الله يقولون لكم: إنا والله لم نكفّ عنكم شكاً في أمركم ولا إبقاء عليكم وإنما كففنا عنكم لخروج المحرّم، وقد انسلخ وإنا قد نبذنا إليكم على سواء فإنّ الله لا يحبّ كيد الخائنين، قال: فسار النّاس إلى رؤسائهم وأمرائهم (2).
قال نصر: وأما رواية عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي الزبير أنّ نداء ابن مرثد الخثعمي كانت صورته : يا أهل الشام ألا إنّ أمير المؤمنين يقول لكم : إني قد استأنيت لكم لتراجعوا إلى الحق وتنيبوا إليه احتججت عليكم بكتاب الله ودعوتكم إليه، فلم تتناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حق، فإنّي قد نبذت إليكم على سواء إن الله لا يحبّ الخائنين.
قال : فسار النّاس إلى رؤسائهم وخرج معاوية وعمرو بن العاص يكتبان الكتائب ويعبئان العسكر، وأوقدوا النيران وجاؤوا بالشموع وبات علي ليلته تلك كلها يعبي الناس ويكتب الكتائب ويدور في الناس ويحرضهم.
قال :نصر فخرجوا أوّل يوم من صفر سنة سبع وثلاثين وهو يوم الأربعاء فاقتتلوا، وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قتالاً شديداً جلّ النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عددها وعدتها، فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي، فأقتتلوا يومهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ثم انصرفوا وقد صبر القوم بعضهم لبعض.
وخرج في اليوم الثالث عمّار بن ياسر وخرج إليه عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشدّ قتال كان، وجعل عمار يقول: يا أهل الإسلام أتريدون أن تنظروا إلى من عاد الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين فلما أراد الله أن يظهر دينه وينصر رسوله أتى إلى النّبي فأسلم وهو والله فيما يرى ذاهب غير راغب، ثم قبض الله رسوله، وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم، ألا وإنّه معاوية فقاتلوه والعنوه، فإنّه ممن يطفي نور الله ويظاهر أعداء الله.
قال : وكان مع عمّار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل فحمل فصبروا له، وشدّ عمار في الرّجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه ورجع النّاس يومهم ذلك.
قال نصر: وحدثني أبو عبد الرحمن المسعودي، عن يونس الأرقم، عمّن حدّثه من شيوخ بكر بن وائل قال : كنا مع عليّ بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح فقال الناس : هذا لواء عقده له رسول الله، فلم يزالوا يتحدّثون حتى وصل ذلك إلى عليّ فقال : أتدرون ما هذا اللواء إن عمراً أخرج له رسول الله هذه الشقة فقال : من يأخذها بما ما فيها يا رسول الله ؟ فقال : لا تقاتل بها مسلماً ولا تقربها من كافر، فأخذها فيها، فقال عمرو فقد والله قربها من المشركين وقاتل بها اليوم المسلمين والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكنّهم استسلموا وأسروا الكفر، فلما وجدوا أعواناً أظهروه.
قال نصر : فأما اليوم الرابع فإنّ محمّد بن الحنفية خرج في جمع من أهل العراق فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمع من أهل الشام فاقتتلوا، ثم إن عبید الله بن عمر أرسل إلى محمّد بن الحنفية أن أخرج إلى أبارزك، فقال: نعم، ثم خرج إليه فبصر بهما عليّ (علیه السَّلام) فقال : من هذان المتبارزان؟ قيل : محمد بن الحنفية وعبيد الله بن
عمر فحرك دابته ثم دعا محمّداً إليه فجاءه فقال أمسك دابتي فأمسكها فمشى راجلاً بيده سيفه نحو عبيد الله وقال له : أبارزك فهلم إليَّ قال : لا أبارزك، ثم رجع إلى صفه فرجع علي (علیه السَّلام) فقال ابن الحنفية يا أبت لم تمنعني من مبارزته فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله، قال: يا بني لو بارزته أنا لقتلته ولو بارزته أنت لرجوت لك أن تقتله وما كنت آمن أن يقتلك فقال : يا أبت أتبرز بنفسك إلى هذا الفاسق اللئيم عدوّ الله، والله لو أبوه يسألك المبارزة لرغبت بك عنه.
قال نصر : وأما اليوم الخامس فإنه خرج فيه عبيد الله بن العباس فخرج إليه الوليد بن عقبة فأكثر من سب بني عبد المطلب وقال : يا ابن عباس قطعتم أرحامكم وقتلتم إمامكم فكيف رأيتم صنع الله بكم لم تعطوا ما طلبتم ولم تدركوا ما أملتم فأرسل إليه ابن عباس أبرز إلى فأبى أن يفعل، وقاتل ابن عباس ذلك اليوم قتالاً شديداً ثم انصرفوا وكلّ غير غالب.
وخرج ذلك اليوم سمرة بن أبرهة بن الصباح الحميري فلحق بعلي (علیه السَّلام) في ناس من قراء أهل الشام ففت ذلك في عضد معاوية وعمرو بن العاص.
وقال عمرو : يا معاوية إنك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلاً له من محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قرابة قريبة ورحم ماسة وقدم في الإسلام ليس لأحد مثله وقد سار إليك بأصحاب محمد المعدودين وفرسانهم وقرائهم وأشرافهم وقدمائهم في الإسلام، ولهم في النفوس مهابة ومهما نسيت فلا تنس فإنك على الباطل وإنّ علياً على الحق فبادر الأمر قبل اضطرابه عليك، فقام معاوية في أهل الشام خطيباً وحثهم على القتال فخطب علي (علیه السَّلام) أصحابه.
قال نصر : قال أبو (1)سنان الأسلمي كأني أنظر إليه متكئاً على قوسه وقد جمع أصحاب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)وهم يلونه كأنه أحبّ أن يعلم الناس أن الصحابة متوافرون معه فقال بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد:
فإنّ الخيلاء من التجبر وإنّ النخوة من التكبر وإن الشيطان عدوّ حاضر يعدكم الباطل، إلا إن المسلم أخ المسلم فلا تنابذوا ولا تجادلوا ألا إن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة من أخذ بها لحق ومن فارقها محق ومن تركها مرق، ليس المسلم بالخائن إذا أومن ولا بالمخلف إذا وعد ولا الكاذب إذا نطق نحن أهل بيت الرحمة وقولنا الصدق، وفعلنا القصد ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام وفينا حملة الكتاب أدعوكم إلى الله وإلى رسوله وإلى جهاد عدوّه والشدّة في أمره وابتغاء مرضاته وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت وصيام شهر رمضان، وتوفير الفيء على أهله.
1) في نسخة : ابن.
ألا وإنّ من أعجب العجائب أن معاوية بن أبي سفيان الأموي وعمرو بن العاص السهمي أصبحا يحرّضان على طلب الدين بزعمهما، ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قط، ولم أعصه في أمر قط، أقيه بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وترعد منها الفرائص بنجدة أكرمني الله سبحانه بها وله الحمد.
ولقد قبض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وإن رأسه لفي حجري، ولقد وليت غسله بيدي وحدي يقلبه الملائكة المقربون معي وأيم الله ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلاّ ما شاء الله.
قال أبو سنان: فأشهد لقد سمعت عمّار بن ياسر يقول : أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم إنّ الأمة لم تستقم عليه أوّلاً، ولن تستقيم عليه آخراً.
قال :نصر: قال زيد بن وهب : إن عليّا (علیه السَّلام) قال في هذه الليلة حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا، فقام في الناس عشية الثلاثاء بعد العصر فقال:
من الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، ولا ينقض ما أبرم، ولو شاء ما اختلف اثنان هذه الأمة، ولا من خلقه، ولا تنازع البشر في شيء من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، ولقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار حتى لفت بيننا في هذا الموضع ونحن من ربنا بمرئى ومسمع، ولو شاء لعجل النقمة ولكان منه التغير حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة دار الجزاء والقرار، ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (1).
ألا إنكم لاقوا العدوّ غداً إنشاء الله فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن واسألوا الله الصبر والنصر، والقوهم بالجد والحزم، وكونوا صادقين.
قال : فوثب الناس إلى رماحهم وسيوفهم ونبالهم يصلحونها، وخرج (علیه السَّلام) فعبأ الناس ليلته تلك كلها حتى أصبح، وعقد الألوية وأمر الأمراء وبعث إلى أهل الشام منادياً ينادي اغدوا على مصافكم فضجّ أهل الشام في معسكرهم واجتمعوا إلى معاوية فعبأ خيله وعقد ألويته وأمر أمراءه وكتب كتائبه وكان أهل الشام أكثر من أهل العراق بالضعف، ونصب لمعاوية منبر فقعد عليه في قبة ضربها ألقى عليها الثياب والأرائك وأحاط به أهل اليمن وقال : لا تقربنّ هذا المنبر أحد لا تعرفونه إلا قتلتموه كائناً من كان.
ثم تناهض القوم سادس صفر واقتتلوا إلى آخر نهارهم وانصرفوا عند المساء وكلّ غير غالب، فأما اليوم السابع فكان القتال فيه شديداً والخطب عظيماً، وكان عبد الله بن بديل
1) بحار الأنوار: 464/32 ح 403، نهج السعادة : 189/2.
الخزاعي على ميمنة العراق، فزحف نحو حبيب بن مسلمة وهو على مسيرة أهل الشام حتى اضطرهم إلى قبة معاوية وقت الظهر.
وقال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي عمرو عن أبيه أن علياً خطب هذا اليوم فقال : معاشر الناس استشعروا الخشية وتجلببوا السكينة إلى آخر ما مرّ في المتن.
وروى نصر بإسناده المذكور أيضاً أنه خطب ذالك اليوم وقال: أيها الناس إن الله تعالى ذكره قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب، وتشفي بكم على الخير، إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ومساكن طيّبة في جنات ورضوان من الله أكبر وأخبركم بالذي يحبّ فقال : إنّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدراع وأخروا الحاسر (1)وعضوا على الأضراس فإنّه أنبأ للسيوف عن الهام، وأربط للجاش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل وأولى بالوقار والتووا في أطراف الرماح فإنه أمور للأسنة ورايتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم المانعي الذمار والصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ الذين يحفون برايتكم ويكتنفونها، يضربون خلفها وأمامها ولا تضيعوها.
وهلا أجزء كل أمرء مسلم منكم قرنه وواسا أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه فكسب بذلك اللائمة ويأتي به دناءة أنّى هذا وكيف يكون هكذا، هذا يقابل اثنين، وهذا ممسك يده قد خلّى قرنه إلى أخيه هارباً منه أو قائماً ينظر إليه، من يفعل هذا مقته الله فلا تعرضوا لمقت الله فإنّما مردّكم إلى الله قال الله تعالى لقوم عابهم :
«لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» [الأحزاب: 16].
وأيم الله إن فررتم من سيف (2)العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة فاستعينوا بالصدق والصبر فإنّه بعد الصبر ينزل النصر (3).
قال نصر : ثمّ قام قيس بن سعد وخطب خطبة بليغة حث الناس فيها على الجهاد، ثمّ قام الأشتر رضي الله عنه بمثل ذلك، وكذا يزيد بن قيس الأرحبي وغيرهم.
وروى عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (علیه السَّلام)، وزيد بن الحسن قالا: طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوي صفوف أهل الشام، فقال: يا معشر أهل الشام
سوّوا صفوفكم قص الشارب، وأعيرونا جماجمكم ساعة، فإنه قد بلغ الحق مقطعه فلم يبق إلا ظالم أو مظلوم.
قال نصر: وأقبل أبو الهيثم بن التيهان وكان من أصحاب محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بدرياً عقبياً يسوي صفوف أهل العراق وهو يقول : يا معشر أهل العراق إنّه ليس بينكم وبين الفتح العاجل إلا ساعة من النهار، فارسوا أقدامكم وسووا صفوفكم وأعيروا ربكم جماجمكم واستعينوا بالله ربّكم، واصبروا إنّ الأرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن الشعبي أنّ أوّل فارسين التقيا في هذا اليوم وهو اليوم السابع وكان من الأيام العظيمة ذا أهوال شديدة حجر بن عدي من أصحاب علي (علیه السَّلام) وابن عم حجر المسمى بحجر أيضاً من أصحاب معاوية كليهما من كندة، فأطعنا برمحهما، وخرج خزيمة الأسدي من عكسر معاوية فضرب حجر بن عدي ضربة برمحه فحمل أصحاب علي (علیه السَّلام) فقتلوا خزيمة ونجى ابن عم حجر هارباً فالتحق بصف معاوية، ثمّ برز ثانية فبرز إليه الحكم بن أزهر من أهل العراق فقتله.
ثمّ إنّ عليّاً دعا أصحابه إلى أن يذهب واحد منهم بمصحف كان في يده إلى أهل الشّام، فقال (علیه السَّلام): من يذهب إليهم فيدعوهم إلى ما في هذا المصحف؟ فسكت الناس وأقبل فتى اسمه سعيد فقال: أنا صاحبه، وقال ثانياً فلم يجبه إلا الفتى فسلّمه إليه، ثم أتاهم وناشدهم ودعاهم إلى ما فيه فقتلوه.
فقال أمير المؤمنين (علیه السَّلام) لعبد الله بن بديل : احمل عليهم الآن، فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة وعليه يومئذ سيفان و درعان، فجعل يضرب قدما ويرتجز فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية والذين بايعوه على الموت فأمرهم أن يصمد والعبد الله بن بديل، وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري وهو في الميسرة أن يحمل عليه بجميع أصحابه واختلط الناس واصطدم، الصفان ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام.
وأقبل ابن بديل يضرب النّاس بسيفه حتى أزال معاوية عن موقفه، وجعل ينادي يا ثارات عثمان وإنّما يعني أخاً له قتل وظن معاوية وأصحابه أنه يعني عثمان بن عفان وتراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيراً وأشفق على نفسه وأرسل إلى حبيب بن مسلمة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة عراق، فكشفها حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم.
ولجج ابن بديل في النّاس وصمّم على قتل معاوية وجعل يطلب موقفه حتى انتهى إليه فنادى معاوية في الناس ويلكم الصخرة والحجارة إذا عجزتم عن السلاح، فرضَخَهُ النّاس
بالحجارة حتى اثخنوه، فسقط فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه فجاء معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه فألقى عبد الله عمامته على وجهه وترحم عليه وكان له أخاً وصديقاً من قبل، فقال معاوية : اكشف عن وجهه فقال: لا والله لا يمثل به وفي روح، فقال معاوية: قد وهبناه لك فكشف عن وجهه فقال معاوية: هذا كبش القويم ورب الكعبة اللهم أظفرني بالأشتر النخعي والأشعث الكندي.
قال نصر: فاستعلا أهل الشام عند قتل ابن بديل على أهل العراق يومئذ وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة وأجفلوا (1)إجفالاً شديداً فأمر علي (علیه السَّلام) سهل بن حنيف فاستقدم ممن كان معه ليرفد الميمنة ويعضدها فاستقبلهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة فحملت عليهم فألحقتهم بالميمنة، وكانت ميمنة أهل العراق متصلة بموقف علي في القلب في أهل اليمن، فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي فانصرف يمشي نحو الميسرة.
روى نصر عن زيد بن وهب قال : لقد مر علي (علیه السَّلام) يومنذ ومعه بنوه وإني لأرى النبل يمرّ بين عاتقه ومنكبه وما من بنيه إلا من يقيه بنفسه فيكره علي ذلك فيتقدم عليه ويحول بينه وبين أهل الشام ويأخذ بيده إذا فعل ذلك فيلقيه من ورائه، وبصر به أحمر مولى بني أمية وكان شجاعاً، فقال علي (2)وربّ الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك، فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى علي فاختلفا ضربتين فقتله أحمر وخالط عليّاً ليضربه بالسيف فمد يده (علیه السَّلام) إلى جيب درعه فجذبه عن فرسه وحمله على عاتقه والله لكأني أنظر إلى رجلي أحمر يختلفان على عنق علي (علیه السَّلام) ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضديه وشدّ ابنا علي (علیه السَّلام) حسين ومحمد، فضرباه بأسيافهما حتى برد فكأني أنظر إلى علي قائماً وشبلاه يضربان الرّجل حتى إذا أتيا عليه أقبلا على أبيهما والحسن قائم معه فقال له علي: يا بني ما منعك أن تفعل كما فعل أخوك فقال : كفياني يا أمير المؤمنين.
قال: ثمّ إنّ أهل الشام دنوا منه يريدونه والله ما يزيده قربهم منه ودنوهم سرعة في مشيه، فقال له الحسن : ما أضرك لو أسرعت حتى تنتهي إلى الذين صبروا لعدوك من أصحابك، قال يعني ربيعة الميسرة، فقال علي: يا بني إن لأبيك يوماً لا يبطئ به عنه السعي ولا يقربه إليه الوقوف إن أباك لا يبالي وقع على الموت أو وقع الموت عليه (3).
قال نصر: وروى عمرو بن شمر عن جابر عن أبي إسحاق قال: خرج علي يوماً من
أيام صفين وفي يده عنزة، فمرّ على سعيد بن قيس الهمداني فقال له سعيد: أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد وأنت قريب عدوّك، فقال علي (علیه السَّلام) إنه ليس من أحد إلا وعليه حفظة من الله يحفظونه من أن يتردّى في قليب أو يخرب عليه حائط أو تصيبه آفة، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه (1).
قال : وحدثنا عمرو عن فضيل بن خديج قال لما انهزمت ميمنة العراق يومئذٍ أقبل علي نحو الميسرة يركض ليستلب النّاس ويسوقهم ويأمرهم بالرجوع نحو الفرغ، فمر بالأشتر فقال : يا مالك قال : لبيك يا أمير المؤمنين قال : ائت هؤلاء القوم فقل لهم أين فراركم عن الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم، فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم: الكلمات، فناداهم أيها الناس أنا مالك بن الحرث، فلم يلتفت أحد منهم إليه فقال: أيّها النّاس أنا الأشتر، فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فقال : عضضتم بهن أبيكم، ما أقبح ما قاتلتم اليوم.
أيها الناس غضوا الأبصار وعضوا على النواجذ، فاستقبلوا النّاس بهامكم وشدّوا عليهم شدّة قوم موتورين بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم حنفاء على عدوهم قد وطنوا على الموت أنفسهم كي لا يسبقوا بثأر إنّ هؤلاء القوم والله لن يقاتلوكم إلا عن دينكم ليطفؤوا السنة ويحيوا البدعة ويدخلوكم في أمركم قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة، فطيبوا عباد الله نفساً بدمائكم دون دينكم، فإنّ الفرار فيه سلب العزّ والغلبة على الفيء، وذل المحيا والممات وعار الدنيا والآخرة وسخط الله وأليم عقابه ثم قال :
أيها الناس أخلصوا إلى مذحجاً فاجتمعت إليه مذحج فقال عضضتم بصم (2)الجندل والله ما أرضيتم اليوم ربّكم ولا نصحتم له في عدوه وكيف وأنتم أبناء الحرب وأصحاب الغارات وفرسان الطراد وحتوف الأقران، ومذحج الطعان الذين لم يكونوا سبقوا بثأرهم، ولم تطل دماؤهم ولم يعرفوا في موطن من المواطن لحين وأنتم سادة مصركم واعرجي في قومكم، وما تفعلوا في هذا اليوم فهو مأثور بعد اليوم فابقوا مأثور الحديث في غد، واصدقوا عدوّكم اللقاء فإنّ الله الصابرين.
والذي نفسي بيده ما من هؤلاء وأشار بيده إلى أهل الشام رجل في مثل جناح البعوضة من دين الله أنتم ما أحسنتم اليوم القراع أجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي ذمي (3)عليكم بهذا السواد الأعظم فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع السيل مقدمه، فقالوا : خذ بنا
حيث أحببت فصمد بهم نحو عظمهم واستقبله سنام من همدان وهم نحو ثمانمائة مقاتل قد انهزموا آخر الناس وكانوا قد صبروا في ميمنة علي حتى قتل مائة وثمانون رجلاً وأصيب منهم أحد عشر رئيساً كلما قتل منهم رئيس أخذ الرّاية آخروهم بنو شريح الهمدانيون وغيرهم من رؤساء العشيرة.
فقال لهم الأشتر إنّي أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبداً حتى نطفر أو نهلك، فوقفوا معه على هذه النية والعزيمة وزحف نحو الميمنة وناب إليه أناس تراجعوا من أهل الصبر والوفاء والحياء فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها، ولا يجمع الإجازة وردّه.
قال نصر وحدثنا عمرو، عن الحرث بن الصباح قال: كان بيد الأشتر يومئذ صحيفة له يمانية إذا طأطأها خلت فيها ما ينصب، وإذا رفعها يكاد يغشى البصر شعاعها، وهو يضرب بها الناس قدما يقول : الغمرات ثم ينجلينا.
قال : فبصر به الحرث بن جمهان الجعفي والأشتر مقنع في الحديد فلم يعرفه فدنا منه، وقال له : جزاك الله منذ اليوم عن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين خيراً، فعرفه الأشتر فقال : يا ابن جمهان أمثلك يتخلف اليوم عن مثل موطني هذا؟ فتأمله ابن جمهان فعرفه وكان الأشتر من أطول الرّجال وأعظمهم إلا أن في لحمه خفة قليلة، فقال له جعلت فداك والله ما علمت مكانك حتى الساعة لا أفارقك حتى أموت.
قال نصر: وحدثنا عمر عن فضيل بن خديج، قال : لما اجتمع إلى الأشتر معظم من كان انهزم من الميمنة حمل على صفوف أهل الشام حتى كشفهم فألحقهم بمضارب معاوية، وذلك بين العصر والمغرب.
وعن زيد بن وهب أن علياً لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها ومصافها وكشف من بإزائها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم فقال : إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم من صفوفكم يحوزكم الجفاة الطغاة (1)واعراب أهل الشام وأنتم لها ميم العرب والسنام الأعظم وإعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم فيما أرى من الهالكين.
ولقد هون علي بعض وجدي وشفا بعض وجع نفسي أني رأيتكم بأخره هزتموهم كما جازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسونهم (2)بالسيف يركب أولهم وآخرهم
كالإبل المطرودة الهيم فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله باليقين وليعلم المنهزم أنه يسخط ربّه ويوبق نفسه وفي الفرار موحدة الله عليه والذل اللازم له وفساد العيش، وأن الفار لا يزيد القرار في عمره ولا يرضى ربه فموت الرّجل محقاً قبل إتيان هذه الخصال خير من الرّضا بالتلبس بها والإصرار عليها.
قال نصر : فحمل أبو الكعب الخثعمي رأس خثعم العراق على خثعم الشام واقتتلوا قتالاً شديداً، فجعل أبو كعب يقول لأصحابه يا معشر خثعم خدموا أي اضربوا موضع الخدمة وهي الخلخال، يعني اضربوهم في سوقهم فناداه عبد الله بن حنش رأس خثعم الشام يا أبا كعب الكلّ قومك فانصف، قال أي والله وأعظم واشتدّ قتالهم فحمل شمر (1)بن عبد الله الخثعمي على أبي كعب فطعنه فقتله.
ثم انصرف يبكي ويقول : يرحمك الله أبا كعب لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس بي رحماً منهم وأحبّ إليَّ منهم نفساً ولكني والله ما أدري ما أقول ولا أرى الشيطان إلا قد فتننا، ولا أرى قريشاً إلا وقد لعبت بنا، فوثب كعب بن أبي كعب إلى راية أبيه فأخذها ففقئت عينه وصرع، ثم أخذها شريح بن مالك الخثعمي فقاتل القوم تحتها حتى صرع منهم حول رايتهم ثمانون رجلاً وأصيب من خثعم الشّام مثلهم ثمّ ردّها شريح بن مالك إلى كعب بن أبي كعب.
قال نصر: إنّ راية بحيلة في صفين مع أهل العراق كانت في أخمس مع أبي شداد قيس بن المكسوخ، قالت البحيلة لأبي شداد خذ رايتنا، فقال غيري خير لكم مني قالوا : لا نريد غيرك قال: فوالله لئن اعطيتمونيها لانتهى بكم دون صاحب التّرس المذهب.
قالوا : وكان على رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهّب يستره من الشمس فقالوا : اصنع ما شئت فأخذها ثمّ زحف بها وهم حوله يضربون الناس بأسياف حتى انتهى إلى صاحب التّرس المذهب وهو في خيل عظيمة من أصحاب معاوية، وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فاقتتل النّاس هناك قتالاً شديداً وشدّ أبو شدّاد بسيفه نحو صاحب التّرس فعرض له رومي من دونه لمعاوية فضرب قدم أبي شدّاد فقطعها، وضرب أبو شدّاد ذلك الرومي فقتله، وأسرعت إليه الأسنة، فقتل، فأخذ الراية عبد الله بن قلع الأخمس وقاتل حتى قتل، فأخذها بعده أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتى قتل، ثمّ أخذها عفيف بن أياس الأخمس، فلم تزل بيده حتى تحاجز الناس قال نصر : وقال رجل من أصحاب علي: أما والله لأحملن على معاوية حتى أقتله. فركب فرساً ثم ضربه حتى قام على سنابكه، ثم دفعه فلم ينهه شيء عن
1) في نسخة شمس.
الوقوف حتى وقف على رأس معاوية، فهرب معاوية ودخل خبائه فنزل الرجل عن فرسه ودخل عليه فخرج معاوية من جانب الخباء الآخر فخرج الرّجل في أثره فاستصرخ معاوية بالناس فأحاطوا به وحالوا بينهما فقال معاوية : ويحكم أن السيوف لم يؤذن لها في هذا ولولا ذلك لم تصل إليكم فعليكم بالحجارة فرضخوه بالحجارة حتى همد ثم عاد معاوية إلى مجلسه
قال : وحمل رجل من أصحاب علي (علیه السَّلام) يدعى أبا أيوب، وليس بأبي أيوب الأنصاري على صف أهل الشام، ثم رجع فوافق رجلاً من أهل الشام صادراً قد حمل على أهل العراق، ثم رجع فاختلفا ضربتين فنفحه أبو أيوب بالسيف فأبان عنقه فثبت رأسه على جسده كما هو، وكذب الناس أن يكون هو ضربه فأرى بهم ذلك حتى إذا أدخلته فرسه في صف أهل الشام بدر رأسه فوقع ميتا.
فقال علي (علیه السَّلام): والله لأنا من ثبات رأس الرجل أشد تعجباً من الضربة وإن كان إليها ينتهي وصف الواصفين، وجاء أبو أيوب فوقف بين يدي علي (علیه السَّلام) فقال له: أنت والله كما قال الشاعر :
وعلمنا الضرب آباؤنا *** ونحن نعلم أيضاً بنينا
قال نصر: فلما انقضى هذا اليوم بما فيه أصبحوا في اليوم الثامن من صفر والفيلقان متقابلان فخرج رجل من أهل الشام فسأل المبارزة فخرج إليه رجل من أهل العراق فاقتتلا بين الصفين قتالاً شديداً، ثمّ إن العراقي اعتنقه فوقعا جميعاً وغار الفرسان ثم إن العراقي قهره فجلس صدره وكشف المغفر عنه يريد ذبحه فإذا هو أخوه لأبيه وأمه، فصاح به أصحاب علي ويحك أجهز عليه، قال: إنه أخي قالوا فاتركه قال: لا والله حتى يأذن أمير المؤمنين، فأخبر علي بذلك فأرسل إليه أن دعه فتركه فقام فعاد إلى صف معاوية.
قال نصر: وحدّثنا محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال : كان فارس معاوية الذي يعده لكل مبارز ولكلّ عظيم حريث مولاه، وكان يلبس سلاح معاوية متشبها به فإذا قاتل قال الناس ذاك معاوية وإن معاوية دعاه فقال له يا حريث اتق عليّاً وضع رمحك حيث شئت، فأتاه عمرو بن العاص فقال : يا حريث والله لو كنت قرشياً لأحب لك معاوية أن تقتل عليّاً، ولكن كره أن يكون لك حظها فإن رأيت فرصة فاقتحم وخرج علي في هذا اليوم أمام الخيل فحمل عليه حريث.
قال نصر : فحدثني عمرو بن شمر عن جابر قال : بل برز حريث هذا اليوم وكان شديداً أيداً ذا بأس لا يرام فصاح يا علي هل لك في المبارزة فأقدم أبا حسن إن شئت، فأقبل علي (علیه السَّلام) وهو يقول :
أنا علي وابن عبد المطلب *** نحن لعمر الله أولى بالكتب
منا النبي المصطفى غير كذب *** أهل اللواء والمقام والحجب
نحن نصرناه على كل العرب
ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة فقطعه نصفيه فجزع معاوية عليه جزعاً شديداً وعاتب عمراً في إغرائه إياه بعلي وقال في ذلك شعراً :
حريث الم تعلم وجهلك ضائر *** بأن علياً للفوارس قاهر
وأنّ علياً لم يبارزه فارس *** من النّاس إلا اقصدته الأظافر
أمرتك أمراً حازماً فعصيتني *** فحدّك إذ لم تقبل النصح حائر
وولاك عمرو والحوادث جمة *** غروراً وما جرت عليك المقادر
وظن حريث أن عمراً نصيحه *** وقد يهلك الإنسان من لا يحاذر
قال نصر: فلما قتل حريث برز عمرو بن الحصين السكسكي فنادى يا أبا حسن هلم إلى المبارزة فأومأ علي إلى سعيد بن قيس الهمداني فبارزه فضربه بالسيف فقتله (1).
قال نصر: وكان لهمدان بلاء عظيم في نصرة علي (علیه السَّلام) في صفين ومن الشعر الذي لا يشكّ أنّه قاله لكثرة الرواة له :
دعوت فلباني من القوم عصبة *** فوارس من همدان غیر لئام
فوارس من همدان ليسوا بمعزل *** غداة الوغا من يشكر وشبام
بكل رويني (2)وعضب تخاله *** إذا اختلف الأقوام شعل ضرام
لهمدان أخلاق كرام تزينهم *** وبأس إذا لاقوا وحد خضام
وجد وصدق في الحروب ونجدة *** وقول إذا قالوا بغير اثام
متى تأتهم في دارهم تستضيفهم *** ثبت ناعماً في خدمة وطعام
جزى الله همدان الجنان فإنّها *** هام العدى في كلّ يوم زحام
ولو كنت بواباً على باب جنّة *** لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
قال نصر: فحدّثني عمرو بن شمر قال : ثم قام علي بين الصفين ونادى: يا معاوية يكرّرها، فقال معاوية اسألوه ما شأنه قال أحبّ أن يظهر لي فاكلمه كلمة واحدة، فبرز
معاوية ومعه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية : ويحك علام تقتل النّاس بيني وبينك ويضرب بعضهم بعضاً أبرز إلى فأينا قتل صاحبه فالأمر له (1)، فالتفت معاوية إلى عمرو فقال : ما ترى يا أبا عبد الله؟ قال : قد أنصفك الرّجل واعلم أنك إن نكلت عنه لم تزل مسبته عليك وعلى عقبك ما بقي على ظهر الأرض عربي، فقال معاوية : يا ابن العاص ليس مثلي يخدع عن نفسه والله ما بارز ابن أبي طالب شجاع قط إلا وسقى الأرض من دمه، ثم انصرف معاوية راجعاً حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه، فلما رأى علي ذلك ضحك وأعاد إلى موقفه.
قال نصر : وفي حديث الجرجاني أن معاوية قال لعمرو: ويحك ما أحمقك تدعوني إلى مبارزته ودوني عك وخدّام والأشعرون، قال: وحقدها معاوية على عمرو باطناً وقال له ظاهراً ما أظنك يا أبا عبد الله قلت ما قلته إلا مازحاً، فلما جلس معاوية عليه اللعنة والعذاب مجلسه أقبل عمرو يمشي حتى جلس إلى جانبه، فقال معاوية :
ولقد ظننتك قلت مزحة مازح *** والهزل يحمله مقال الهازي
ماذا الذي منتك نفسك خالياً *** قتلي جزيت بما نويت الجازي
فقال عمرو : إيها أيها الرّجل أتجبن عن خصمك وتتهم نصيحك وقال مجيباً له :
معاوي ما اجترمت عليك ذنباً *** ولا أنا في الذي حدثت خازي
وما ذنبي بأن نادى عليّ *** وكبش القوم يدعي للبراز
ولو بارزته بارزت ليثا *** حديد النّاب يخطب كل باز
وتزعم أنني أضمرت غشاً *** جزاني بالذي أضمرت جازي
وفي «البحار» من تفسير العياشي عن أبي الأعزّ التميمي قال: بينا أنا واقف بصفّين إذ مرّ بي العبّاس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب شاك في السّلاح على رأسه مغفر وبيده صحيفة يمانية يقلبها وهو على فرس له أدهم وكأن عينيه عينا أفعى، فبينا هو يروض فرسه ويلين عريكته إذ هتف به هاتف من أهل الشام يقال له عرار بن أدهم: يا عباس هلم إلى البراز، قال : فالنزول إذاً فإنّه أياس من الغفول، قال: فنزل الشامي ووجد وهو يقول:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا *** أو تنزلون فإنّا معشر نزل
قال: وثنى عباس رجله وهو يقول :
ويصد عنك مخيلة الرجل *** العريض موضحة عن العظم
1) الغدير : 164/2، وبحار الأنوار: 477/32 ح 415.
بحسام سيفك أو لسانك *** والكلم الأصيل كارعب الكلم
ثم عصب فضلات درعه في حجزته ودفع فرسه إلى غلام له أسلم كأني أنظر إلى قلاقل شعره ودلف (1)كلّ واحد منهما إلى صاحبه قال فذكرت قول أبي ذؤيب :
فتنازلا وتوافقت خيلاهما *** وكلاهما بطل اللقاء مجدع
قال : ثم تكافحا بسيفهما ملياً من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته إلى أن لحظ العبّاس وهنا في درع الشامي فأهوى إليه بالسيف فانتظم في درع الشامي فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندوته (2)ثم عاد لمجادلته وقد اصحر (3)له مفتق الدرع فضربه العبّاس ضربة انتظم به جوانح صدره وخرّ الشامي صريعاً بخده وسمى العباس في الناس وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض فسمعت قائلاً يقول من ورائي.
«قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ» [التوبة : 14 - 15 ].
فالتفت فإذا هو أمير المؤمنين علي فقال : يا أبا الأعزّ من المبارز لعدوّنا؟ قلت: هذا ابن (4)العباس بن ربيعة فقال وإنّه لهو يا عبّاس، قال : لبيك قال : ألم أنهك وحسناً وحسيناً وعبد الله بن جعفر أن تخلوا بمركز أو تباشروا حدثاً؟ قال : إن ذلك لكذلك قال : فما عدا مما بدا، قال : أفادعى إلى البراز يا أمير المؤمنين فلا أجيب جعلت فداك ؟ قال : نعم طاعة إمامك أولى من إجابة عدوّك ومعاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة (5)إلا طعن في نيطته (6)إطفاء لنور الله.
«وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» [التوبة : 32].
أما والله ليهلكنهم منا رجال ورجال يسومونهم الخسف حتّى يكفّفوا بأيديهم ويحفروا الآبار إن عادوا لك فعد لي، قال: ونما الخبر إلى معاوية فقال : الله دم عرار ألا رجل يطلب بدم العرار؟ قال: فانتدب له رجلان من لخم فقالا : نحن له، قال اذهبا فأيكما قتل العباس برازاً فله كذا وكذا، فأتياه فدعواه إلى البراز فقال: إن لي سيّداً أوامره قال: فأتى أمير
المؤمنين (علیه السَّلام) فأخبره فقال : ناقلني سلاحك بسلاحي، فناقله قال : وركب أمير المؤمنين (علیه السَّلام) علی فرس العبّاس، ودفع فرسه إلى العبّاس وبرز إلى الشاميين فلم يشكا أنه العباس، فقالا له : أذن لك سيدك فتحرج أن يقول نعم فقال :
«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)» [الحج: 39].
قال : فبرز إليه أحدهما فكأنما اختطفه، ثمّ برز إليه الثاني فألحقه بالأوّل وانصرف وهو يقول :
«الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ» [البقرة : 194].
ثمّ قال: يا عباس خذ سلاحك وهات سلاحي قال ونما الخبر إلى معاوية فقال : قبّح الله اللجاج إنّه لقعود ما ركبته قط إلا خذلت، فقال عمرو بن العاص : المخذول والله اللخميان لا أنت، قال: اسكت أيها الشيخ فليس هذه من ساعاتك قال: فإن لم يكن فرحم الله اللخمیّين وما أراه يفعل قال : ذلك والله أضيق لحجرك وأخسر لصفقتك قال : أجل ولولا مصر لقد كانت المنجاة منها، فقال : هي والله أعمتك لولاها لا ألفيت نصيراً.
ورواه في شرح المعتزلي من كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة بأدنى تغيير.
قال نصر : ثم التقى النّاس فاقتتلوا قتالاً شديداً وحاربت طي مع أمير المؤمنين حرباً عظيماً وتداعت وارتجزت فقتل منها أبطال كثيرون، وقاتلت النخع معه أيضاً ذلك اليوم قتالاً شديداً وقطعت رجل علقمة بن قيس النخعي وقتل أخوه أبي بن قيس فكان علقمة يقول بعد ما أحبّ أن رجلي أصح ما كانت لما أرجو بها من حسب الثواب وكان يقول أحب أن أبصر أخي في نومي فرأيته فقلت له يا أخي ما الذي قدمتم عليه ؟ فقال : التقينا وأهل الشام بين يدي الله سبحانه فاحتججنا عنده فحججناهم فما سررت بشيء منذ عقلت سروري بتلك الرّؤيا.
وروى نصر عن الحصين بن المنذر الرقاشي قال : لما تصاف النّاس في هذا اليوم وحمل بعضهم على بعض تضعضعت ميمنة أهل العراق فجاءنا علي ومعه بنوه حتى انتهى إلينا، فنادى بصوت عال جهير لمن هذه الرايات؟ فقلنا: رايات ربيعة، وقال بل هي رايات الله عصم الله أهلها وصبرهم وثبت أقدامهم، ثم قال لي وأنا حامل راية ربيعة يومئذ: يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعاً؟ فقلت : بلى والله وعشرة أذرع فأدنيتها، فقال لي: حسبك مكانك.
قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر قال : لما أقبل الحصين بن المنذر يومئذ وهو غلام يزحف براية ربيعة وكانت حمراء فأعجب علياً زحفه وثباته فقال :
لمن راية حمراء يخفق ظلها *** إذا قيل قدمها حصين تقدّما
ويدنو بها في الصف حتى يديرها *** جمام المنايا تقطر الموت والدما
تراه إذا ما كان يوم عظيمة *** أبى فيه إلا عزّة وتكرما
جزى الله قوماً صابروا في لقائهم *** لدى الناس خيراً ما أعز وأكرما
وأحزم صبراً يوم يدعي إلى الوغا *** إذا كان أصوات الكماة تغمغما
ربيعة أعني أنهم أهل نجدة *** وبأس إذ لاقوا خميساً غرمرما
وقد صبرت عك ولخم وحمير *** لمذحج حتى لم يفارق دم دماً
ونادت جذام يا لمذحج ويحكم *** جزى الله شراً أينا كان أظلما
أما تتقون الله في حرماتكم *** وما قرب الرّحمن منها وعظما
أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا *** بأسيافنا حتّى تولى وأحجما
وفر ينادي زبرقان بن أظلم *** ونادى كلاعاً والكريث والغما
وعمراً وسفياناً وجهماً ومالكاً *** وحوشب والغازي شريحاً وأظلما
وكرز بن تيهان وعمرو بن جحدد *** وصباحا القيني يدعو واسلما
قال نصر : وأقبل ذو الكلاع في حمير ومن لف لفها ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قرّاء أهل الشّام ذو الكلاع في حمير في الميمنة، وعبيد الله في القرّاء في الميسرة فحملوا على ربيعة وهم في ميسرة أهل العراق وفيهم عبد الله بن العباس حملة شديدة فتضعضعت رايات ربيعة ثمّ إنّ أهل الشّام انصرفوا فلم يمكثوا إلا قليلاً حتى كروا ثانية وعبيد الله بن عمر في أوائلهم يقول : يا أهل الشام هذا الحي من العراق قتلة عثمان وأنصار عليّ فإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان فشدّوا على النّاس شدّة عظيمة فثبتت لهم ربيعة وصبرت صبراً حسناً إلا قليلاً من الضعفاء واشتد القتال بين ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمرو وكثرت القتلى.
ثم خرج خمسمائة فارس أو أكثر من أصحاب عليّ على رؤوسهم البيض، وهم غائصون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق وخرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدة فاقتتلوا بين الصفين والناس وقوف تحت راياتهم، فلم يرجع من هؤلاء مخبر لا عراقي ولا شامي قتلوا جميعاً بين الصفّين، وكان بصفين تلّ يلقى عليه الجماجم من الرّجال يدعى تل الجماجم.
قال نصر: ثم ذهب هذا اليوم بما فيه فأصبحوا من اليوم التاسع من صفر، وقد خطب معاوية أهل الشام وحرّضهم فقال: إنّه قد نزل من الأمر ما ترون وحضركم ما حضركم فإذا نهدتم إليهم إن شاء الله فقدموا الدارع وأخروا الحاسر وصفوا الخيل وأجنبوها وكونوا كقص
الشارب وأعيرونا جماجمكم ساعة فإنّما هو ظالم أو مظلوم وقد بلغ الحق مقطعه.
قال : وكانت التعبية في هذا اليوم كالتعبية في الذي قبله فحمل عبيد الله بن عمر في قراء أهل الشام ومعه ذو الكلاع في حمير على ربيعة وهي ميسرة علي (علیه السَّلام) فقاتلوا قتالاً شديداً فأتى زياد بن حفصة إلى عبد القيس فقال لهم: لا يكونن وائل بعد اليوم إنّ ذا الكلاع وعبيد الله أباد ربيعة فانهضوا لهم وإلا هلكوا، فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء فشدّت أزار الميسرة فعظم القتال فقتل ذو الكلاع الحميري قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف، وتضعضعت أركان حمير وثبتت بعد قتل ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر.
وأرسل عبيد الله إلى الحسن بن علي (علیهما السَّلام) أن لي إليك حاجة فألقني فلقاه الحسن (علیه السَّلام) فقال عبيد الله : إنّ أباك قد وتر قريشاً أولاً وآخراً وقد شَنئهُ النّاس فهل لك في خلعه وأن تتولى أنت هذا الأمر: فقال : كلا والله لا يكون ذلك، ثمّ قال : يا ابن الخطاب والله لكأني أنظر إليك مقتولاً في يومك أو غدك أما إن الشيطان قد زيَّن لك وخدعك حتى أخرجك مخلقاً بالخلوق ترى نساء أهل الشام موقفك وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً.
قال نصر: فوالله ما كان إلا بياض ذلك اليوم حتى قتل عبيد الله وهو في كتيبة رقطاء وكانت تدعى الخضرية وكانوا أربعة ألف عليهم ثياب خضر، فمرّ الحسن فإذا رجل متوسد رجل قتيل قد ركز رمحه في عينه وربط فرسه برجله فقال الحسن لمن معه : انظروا من هذا فإذا رجل من همدان وإذا القتيل عبيد الله بن عمر قد قتله الهمداني في أوّل الليل وبات عليه حتى أصبح.
قال نصر : وقد اختلفت الرّواة في قاتل عبيد الله فقالت الهمدان: نحن قتلناه قتله هانئ بن الخطاب الهمداني وقالت حضرموت: نحن قتلناه قتله محرز بن الصّحصح، وروي أنّ قاتله حريث بن جابر الحنفي وكان رئيس بني حنيفة يوم صفين.
قال نصر : فأتى ذا الكلاع فقد ذكرنا مقتله وأن قاتله خندف البكري، وروى عمرو بن شمر عن جابر قال حمل ذا الكلاع ذلك اليوم بالفيلق العظيم من حمير على صفوف العراق، ناداهم أبو شجاع الحميري وكان من ذوي البصائر مع علي (علیه السَّلام) فقال : يا معشر حمير تبت أيديكم أترون معاوية خيراً من علي أضل الله سعيكم، ثم أنت يا ذا الكلاع قد كنا نرى لأن لك نية في الدين فقال ذا الكلاع إيهاً يا أبا شجاع والله إنّي لأعلم ما معاوية بأفضل من علي، ولكنّي أقاتل على دم عثمان، قال فأصيب ذو الكلاع حينئذ قتله خندف في المعركة. قال معاوية لما قتل ذو الكلاع : لأنا أشد فرحاً بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو فتحها، لأن ذا الكلاع كان يحجز على معاوية في أشياء كان يأمر بها.
قال نصر: فلما قتل ذو الكلاع اشتدت الحرب وشدّ عك ولخم وخدام «جذام»
والأشعريون من أهل الشام على مذحج من أهل العراق جعلهم معاوية بإزائهم فنادى منادى مذحج بالمذحج: خدموا أي اضربوا مواضع الخدمة وهي السوق فاعترضت مذحج سوق القوم فكان فيه بوار عامتهم.
قال نصر : حدثني عمرو بن الزبير قال : سمعت الحصين المنذر يقول أعطاني على ذلك اليوم راية ربيعة وقال : بسم الله سرياً حصين واعلم أنك لا تخفق على رأسك راية مثلها أبداً، هذه راية رسول الله فجاء أبو عرفا جبلة بن عطية الذهلي إلى الحصين وقال: هل لك أن تعطيني الراية أحملها لك ذكرها ولي أجرها ؟ فقال الحصين: وما غنى يا عم مع ذكرها عن أجرها قال : إنّه لا غنى بك عن ذلك ولكن أعرها ساعة فما أسرع ما ترجع إليك، قال الحصين : فقلت أنه قد استقبل وأنه يريد أن يموت مجاهداً فقلت له: خذها فأخذها ثم قال لأصحابه :
إن عمل الجنّة كره كله وثقيل، وإن عمل النّار خف كله وخبيث إنّ الجنّة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأوامره وليس شيء ممّا فرض الله على العباد أشد من الجهاد هو أفضل الأعمال ثواباً عند الله، فإذا رأيتموني قد شددت فشدّوا ويحكم أما تشتاقون إلى الجنّة أما تحبون أن يغفر الله لكم فشدوا معه وقاتلوا قتالاً شديداً فقتل أبو عرفاء وشدّت ربيعة بعده شدّة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضها.
قال نصر : فاضطرب النّاس يومئذ بالسيوف حتى تقطعت وتكسرت وصارت كالمناجل وتطاعنوا بالرماح حتى تقصفت وتناثرت أنابيبها، ثم جثوا على الرّكب فتحاثوا بالتراب يحثو بعضهم التراب في وجه بعض ثمّ تعانقوا وتكاوموا بالأفواه ثم تراموا بالصخر والحجارة ثمّ تحاجزوا فكان الرّجل من أهل العراق يمرّ على أهل الشام فيقول كيف أجز إلى رايات بني فلان فيقولون هٰهنا لاهداك الله ويمز الرّجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول كيف أمضي إلى رايات بنى فلان فيقولون هٰهنا لا هداك الله ولا عافاك.
قال نصر : وقال معاوية لعمرو بن العاص أما ترى يا أبا عبد الله إلى ما قد وقعنا كيف ترى أهل الشام غداً صانعين إنا لبمعرض خطر عظيم فقال له إن أصبحت غداً ربيعة وهم متعطفون حول علي تعطف الإبل حول فحلها لقيت منهم جلاداً صادقاً وبأساً شديداً وكانت التي لا سوى لها فقال معاوية أيجوز إنك تخوفنا يا أبا عبد الله قال : إنك سألتني فأجبتك فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقة بعلي إحداق بياض العين بسوادها.
قال نصر : حدثني عمرو بن شمر قال : لمّا أصبح علي هذا اليوم جاء فوقف بين رايات ربيعة فقال عتاب بن لقيط البكري من بني قيس بن ثعلبة : يا معشر ربيعة حاموا عن عليّ منذ اليوم فإن أصيب فيكم افتضحتم ألا ترونه قائماً تحت راياتكم وقال لهم شقيق بن ثور: يا
معشر ربيعة ليس لكم عذر عند العرب إن وصل إلى عليّ وفيكم رجل حيّ، فامنعوه اليوم واصدقوا عدوّكم اللقاء فإنه حمد الحياة تكسبونه فتعاهدت ربيعة وتحالفت بالإيمان العظيمة وتبايع منهم سبعة آلاف على أن لا ينظر رجل خلفه حتى يردوا سرادق معاوية، فقاتلوا ذلك اليوم قتالاً شديداً لم يكن قبله مثله وأقبلوا نحو سرادق معاوية فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال:
إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت *** كتائب منها كالجبال تجالد
ثم قال لعمرو يا عمرو ما ترى؟ قال : أرى أن لا تحنث أخو إلى اليوم، فقام معاوية وخلاً لهم سرادقه ورحله وخرج فارّاً عنه لائذاً ببعض مضارب العسكر في أخريات الناس، وانتهبت ربيعة سرادقه ورحله وبعث إلى خالد بن المعمر أنك قد ظفرت ولك أمارة خراسان إن لم تتم، فقطع خالد القتال، ولم يتمّه وقال لربيعة : قد برت إيمانكم فحسبكم؛ فلما كان عام الجماعة وبايع الناس معاوية أمره معاوية على خراسان وبعثه إليها فمات قبل أن يبلغها.
قال نصر في حديث عمر بن سعد: إن عليّاً صلى بهم يومئذ صلاة الغداة ثم زحف بهم، فلمّا بصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثمّ إن خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي ألف رجل أو أكثر، فأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم، فنادى عليّ : ألا رجل يشرى نفسه لله ويبيع دنيا بآخرته فأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحرث على فرس أدهم كأنه غراب مقنع في الحديد لا يرى منه إلا عيناه فقال : يا أمير المؤمنين مرني بأمرك فوالله لا تأمرني بشيء إلا صنعته فقال علي (علیه السَّلام):
سمحت بأمر لا يطاق حفيظة *** وصدقا واخوان الوفاء قليل
جزاك اله الناس خيراً فإنّه *** لعمرك فضل ما هناك جزيل
أبا الحرث شد الله ركنك إحمل على أهل الشام حتى تأتي أصحابك فتقول لهم إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم هللوا وكبروا من ناحيتكم، ونهلل ونكبر من هٰهنا واحملوا من جانبكم ونحمل من جانبنا على أهل الشام فضرب الجعفي فرسه حتى اذا أقامه على أطراف سنابكه حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب علي (علیه السَّلام) فطاعتهم ساعة وقاتلهم فأفرجوا له حتى خلص إلى أصحابه.
فلما رأوه استبشروا به وفرحوا وقالوا ما فعل أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال صالح يقرئكم السلام ويقول لكم : هللوا وكبروا واحملوا حملة رجل واحد من جانبكم وتهلل نحن من جانبنا ففعلوا ما أمرهم به وهللوا وكبروا وهلل عليّ وكبر هو وأصحابه وحمل على أهل الشام وحملوهم من وسط أهل الشام فانفرج عنهم وخرجوا وما أصيب منهم رجل واحد، ولقد قتل من فرسان الشام يومئذٍ زهاء سبعمائة إنسان، وقال علي (علیه السَّلام) من أعظم الناس اليوم عناء؟
فقالوا : أنت يا أمير المؤمنين فقال : كلا ولكنه الجعفي.
قال نصر : وكان علي (علیه السَّلام) لا يعدل بربيعة أحداً من النّاس، فشق ذلك على مضر وأظهروا لهم (1)القبيح وأبدوا ذات أنفسهم، فقام أبو الطفيل عامر بن وائلة الكناني وعمير بن عطارد التميمي وقبيصة بن جابر الأسدي وعبد الله بن الطفيل العامري في وجوه قبائلهم، فأتوا عليّاً فتكلم أبو الطفيل فقال : يا أمير المؤمنين إنا والله ما نحسد قوماً خصهم الله منك بخير وإنّ هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منك فاعفهم عن القتال أياماً واجعل لكل امرىء منا يوماً نقاتل فيه فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا، فقال علي (علیه السَّلام): نعم أعطيكم ما طلبتم، وأمر ربيعة أن تكفّ عن القتال وكانت بإزاء اليمن من صفوف أهل الشّام.
فغدا أبو الطفيل عامر بن وائلة في قومه من كنانة وهم جماعة عظيمة فتقدّم أمام الخيل واقتتلوا قتالاً شديداً ثم انصرف إلى علي فأثنى (علیه السَّلام) عليه خيراً.
ثم غدا في اليوم الثاني عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم وهو يومئذ سيد مضر الكوفة فقال : يا قوم إنّي أتبع أثار أبي الطفيل فاتبعوا آثار كنانة وقاتل أصحابه قتالاً شديداً حتى أمسوا وانصرف عمير إلى علي (علیه السَّلام) وعليه سلاحه.
ثم غدا في اليوم الثالث قبيصة بن جابر الأسدي في بني أسد وقال لأصحابه : يا بني أسد أما أنا فلا أقصر دون صاحبي وأمّا أنتم فذاك اليكم، ثم تقدّم فقاتل القوم إلى أن دخل الليل.
ثم غدا في اليوم الرابع عبد الله بن الطفيل العامري في جماعة هوازن فحارب بهم حتى الليل ثم انصرفوا.
قال نصر: كتب عقبة بن مسعود عامل علي (علیه السَّلام) على الكوفة إلى سليمان بن صرد الخزاعي وهو مع علي : أما بعد فإنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً، فعليكم بالجهاد والصبر مع أمير المؤمنين والسّلام.
قال : وحدثنا عمر بن سعد وعمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (علیه السَّلام) قال : قام علي (علیه السَّلام) فخطب الناس بصفين فقال :
الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البز والفاجر، وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه فيهم ومن فيهم ومن عصاه، إن يرحم فبفضله ومنه، وإن عذب فبما كسبت أيديهم وإنّ الله ليس بظلام للعبيد، أحمده على حسن البلاء وتظاهر النعماء، وأستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا والآخرة، وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلاً.
1) في نسخة : له.
ثمّ إنّي أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق وارتضاه لذلك، وكان أهله واصطفاه لتبليغ رسالته وجعله رحمة منه على خلقه، فكان لعلمه منه (1)رؤوفاً رحيماً وأفضلهم علماً وأثقلهم حلماً وأوفاهم بعهد وآمنهم على عقد، لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط، بل كان يظلم فيغفر ويقدر فيصفح حتى مضى مطيعاً لله صابراً على ما أصابه مجاهداً في الله حق جهاده حتّى أتاه اليقين، فكان ذهابه أعظم المصيبة على أهل الأرض البرّ والفاجر.
ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله وينهاكم عن معصيته وقد عهد إليّ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عهداً فلست أحيد عنه وقد حضرتم عدوّكم وعلمتم أن رئيسهم منافق ابن منافق يدعوهم إلى النّار، وابن عمّ نبيّكم معكم وبين أظهركم ويدعوكم إلى الجنة وإلى طاعة ربكم والعمل بسنة نبيكم، ولا سوى من صلى قبل كلّ ذكر لا يسبقني بصلاة مع رسول الله أحد وأنا من أهل بدر ومعاوية طليق ابن طليق، والله إنا على الحق وإنّهم على الباطل فلا تجتمعن عليه وتتفرّقوا عن حقكم حتّى يغلب باطلهم على حقكم، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدي غيركم.
فقام أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين انهض بنا إلى عدوّنا وعدوّك إذا شئت فوالله لا نريد بك بدلاً بل نموت معك ونحيا معك
فقال لهم : والذي نفسي بيده لنظر إليّ النّبي أضرب بين يديه بسيفي هذا فقال : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فقال لي: يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وموتك وحياتك يا علي معي، والله ما كذب ولا كذبت ولا ضللت ولا نسيت ما عهد إليّ وإني على بينة من ربّي وعلى الطريق الواضح ألفظه لفظاً (2)، ثم نهض إلى القوم فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق الأحمر وما كانت صلاة القوم في ذلك اليوم إلا تكبيراً.
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان قال : برز في أيام صفّين رجل اشتهر بالبأس والنجدة اسمه كريث بن الوضاح، فنادى من يبارز، فخرج إليه المرتفع بن وضاح الزبيدي فقتله، ثم نادى من يبارز فخرج إليه الحارث بن الحلاج فقتله، ثم نادى من يبارز فخرج إليه عائذ بن مسروق الهمداني فقتله، ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض ونادى من يبارز.
فخرج إليه علي (علیه السَّلام) وناداه : ويحك يا كريث إنّي احذرك الله وبأسه ونقمته وأدعوك إلى سنّة الله وسنّة رسوله ويحك لا يدخلنك معاوية النّار، فكان جوابه أن قال : أكثر ما قد سمعت منك هذه المقالة ولا حاجة لنا فيها أقدم إذا شئت من يشتري سيفي وهذا أثره فقال علي (علیه السَّلام): لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خز منها قتيلاً يشحط في دمه.
ثم نادى من يبرز فبرز إليه الحرث بن وداعة (1)الحميري فقتله، ثم نادى من يبرز فبرز إليه المطاع بن المطلب القيني فقتل مطاعاً، ثم نادى من يبرز فلم يبرز إليه أحد فنادى «الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» [البقرة: 194].
يا معاوية هلم إليّ فبارزني ولا يقتلن الناس فيما بيننا، فقال عمرو بن العاص : اغتنمه متهزاً قد قتل ثلاثة أبطال العرب وإني أطمع أن يظفرك الله به، فقال معاوية : والله لن تريد إلاّ أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي إذهب إليه فليس مثلي يخدع.
قال نصر: وخطب عبد الله بن العباس يومئذ فقال :
الحمد الله ربّ العالمين الذي دحى تحتنا سبعاً وسمك فوقنا سبعاً وخلق فيما بينهن خلقاً وأنزل لنا منهنّ رزقاً، جعل كلّ شيء يبلى ويفنى غير وجهه الحي القيوم الذي يحيي ويبقى، إنّ الله تعالى بعث أنبياء ورسلاً فجعلهم حججاً على عباده عذراً ونذراً لا يطاع إلا بعلمه وإذنه بالطاعة على من يشاء من عباده، ثمّ يثيب عليها ويعصى فيعفو ويغفر بحلمه لا يقدر قدره ولا يبلغ شيء مكانه أحصى كلّ شيء عدداً وأحاط بكل شيء علماً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام الهدى والنبي المصطفى، وقد ساقنا قدر الله إلى ما ترون حتى كان مما اضطرب من جعل هذه الأمة وانتشر من أمرها أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعواناً على ابن عم رسول الله وصهره وأول ذكر صلى معه، بدري قد شهد مع رسول الله كل مشاهده التي فيها الفضل ومعاوية مشرك يعبد الأصنام.
والذي ملك الملك وحده وبان به لقد قاتل علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) مع رسول الله وهو يقول : صدق الله ورسوله ومعاوية يقول كذب الله ورسوله، فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر والله إنكم لعلى حق، وإنّ القوم لعلى باطل، فلا يكوننّ أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم، وإنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم، اللهم أعنا ولا تخذلنا
1) في نسخة : الحارث بن وادعة.
وانصرنا على عدوّنا ولا تحل عنا وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.
قال نصر : وحدثنا عمرو عن عبد الرحمن بن جندب عن جندب بن عبد الله قال : قام عمار يوم صفين فقال :
انهضوا معي عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم الظالم لنفسه الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالعدل والإحسان، فقالوا هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين: لم قتلتموه؟ فقلنا : لإحداثه، فقالوا : إنّه لم يحدث شيئاً وذلك لأنه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدمت الجبال والله ما أظنّهم يطلبون بدم إنّهم ليعلمون أنّه لظالم ولكن القوم وافوا للدنيا فاستحبوها واستمروها وعلموا أن صاحب الحق لو ولاهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها.
إنّ القوم لم تكن لهم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة والولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلموماً ليكونوا بذلك جبابرة وملوكاً تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون، ولولاها ما بايعهم من النّاس رجل اللهم إن تنصرنا فطال ما نصرت وإن تجعل لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم.
ثم مضى ومضى معه أصحابه، فدنا من عمرو بن العاص فقال : يا عمرو بعت دينك بمصر فتبا لك فطال ما بغيت للإسلام عوجاً، ثم نادى عبيد الله بن عمرو ذلك قبل مقتله وقال: يا ابن عمر صرعك الله بعت دينك بالدنيا من عدو الله وعدو الإسلام قال : كلا ولكني أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم قال : كلا أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب في شيء من فعلك وجه الله، وأنّك إن لم تقتل اليوم فستموت فانظر إذا أعطى الله على نياتهم ما نيتك ثم قال :
اللهمّ إنّك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي هذا البحر لفعلت اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أنّ رضاك أن أضع ظبية سيفي في بطني ثم أنحني عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت، اللهم إني أعلم مما علمتني أني لا أعمل عملاً اليوم هذا هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك منه لفعلت.
وفي «البحار» روی نصر عن عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد الجهني أن عمار بن ياسر نادى يومئذٍ : أين من يبغي رضوان ربه ولا يؤب إلى مال ولا ولد؟ قال: فأتته عصابة من الناس فقال : يا أيها النّاس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوماً، والله إن كان إلا ظالماً لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله.
فدفع عليّ (علیه السَّلام) الرّاية إلى هاشم بن عتبة وكان عليه درعان فقال له علي كهيئة المازح :
أبا هاشم أما تخشى على نفسك أن تكون أعوراً جباناً؟ قال : ستعلم يا أمير المؤمنين والله لألفنّ بين جماجم القوم لف رجل ينوي الآخرة، فأخذ رمحاً فهزّه فانكسر، ثمّ أخذ آخر فوجده جاسياً فألقاه، ثم دعا برمح لين فشدّ به لوائه.
ولمّا دفع علي (علیه السَّلام) الراية إلى هاشم قال له رجل من بكر بن وائل من أصحاب هاشم : أقدم مالك يا هاشم قد انتفخ سحرك عوراً وجبناً قال: من هذا؟ قالوا: فلان قال : أهلها وخير منها إذا رأيتني صرعت فخذها ثم قال لأصحابه شدوا شسوع نعالكم وشدّوا إزركم فإذا رأيتموني قد هززت الراية ثلاثاً فاعلموا أن أحداً منكم لا يسبقني إلى الحملة.
ثمّ نظر هاشم إلى عسكر معاوية فرأى جمعاً عظيماً فقال : من أولئك؟ قالوا : أصحاب ذي الكلاع ثمّ نظر فرأى جنداً آخر فقال: من أولئك؟ قالوا: جند أهل المدينة قريش، قال : قومي لا حاجة لي في قتالهم، قال: من عند هذه القبة البيضاء؟ قيل : معاوية وجنده، فحمل حينئذ يرقل (1)ارقالاً.
وعن عبد العزيز بن سيّاح عن حبيب بن أبي ثابت قال: لمّا كان قتال صفين والراية مع هاشم بن عتبة جعل عمار بن ياسر يتناوله بالرمح ويقول : أقدم يا أعور لا خير في أعور لا يأتي الفزع قال : فجعل يستحيي من عمار وكان عالماً بالحرب فيتقدّم فيركز الراية فإذا سامت إليه الصفوف قال عمار: أقدم يا أعور لا خير في أعور لا يأتي الفزع فجعل عمرو بن العاص يقول : إني لأرى لصاحب الراية السوداء عملاً لئن دام ليفنينّ العرب اليوم، فاقتتلوا قتالاً شديداً وجعل عمّار يقول صبراً عباد الله، الجنّة في ظلال البيض.
قال : وكانت علامة أهل العراق بصفين الصوف الأبيض قد جعلوه في رؤوسهم وعلى أكتافهم، وشعارهم يا الله يا أحد يا صمد يا رحيم، وكانت علامة أهل الشام خرقاً بيضاً قد جعلوه على رؤوسهم وأكتافهم، وكان شعارهم نحن عباد الله حقاً يا لثارات عثمان.
قال : فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد، فما تحاجزنا حتى حجز بيننا سواد الليل ولا يرى رجل منا ولا منهم مولياً، فلما أصبحوا وذلك يوم الثلاثاء خرج الناس إلى مصافهم.
فقال أبو نوح، فكنت في خيل علي (علیه السَّلام) فإذا أنا برجل من أهل الشام يقول : من يدلني على الحميري أبو نوح، قال : قلت فقد وجدته فمن أنت؟ قال : أنا ذو الكلاع سر إلي، فقال أبو نوح: معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتيبة، قال ذو الكلاع سر فلك ذمّة الله وذمّة رسوله وذمّة ذي الكلاع حتى ترجع إلى خيلك فإنّما أريد أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه.
فسار حتى التقيا، فقال ذو الكلاع إنما دعوتك أحدثك حديثاً حدثنا عمرو بن العاص في
1) يرقل أرقالاً : يسرع.
أمارة عمر بن الخطاب قال أبو نوح وما هو؟ قال: حدثنا عمرو بن العاص أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : يلتقي أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ومعه عمّار بن ياسر (1)، قال أبو نوح لعمر الله إنّه لفينا قال : أجاذ هو على قتالنا؟ قال أبو نوح : نعم ورب الكعبة فهو أشدّ على قتالكم مني.
فقال ذو الكلاع: هل تستطيع أن تأتي معي صف أهل الشام فأنا لك جار منهم تلقى عمرو بن العاص فتخبره عن عمّار وعن جده في قتالنا لعله يكون صلحاً بين هذين الجندين، فقال له أبو نوح إنّك رجل غادر وأنت في قوم غدر وإن لم تكن تريد الغدر أغدروك وإنّي إن أموت أحب إلي أن أدخل مع معاوية وأدخل في دينه وأمره.
فقال ذو الكلاع : أنا جار لك من ذلك أن لا تقتل ولا تسلب ولا تكره على بيعة ولا تحبس عن جندك، وإنما هي كلمة تبلغها عمراً لعل الله يصلح بين هذين الجندين ويضع عنهم الحرب والسلاح، فسار معه حتى أتى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس وعبيد الله بن عمر يحرض الناس.
فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو : يا أبا عبد الله هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمّار بن ياسر ولا يكذبك ؟ قال عمرو : ومن هذا معك؟ قال: هذا ابن عمي وهو من أهل الكوفة فقال له عمرو : إني لأرى عليك سيماء أبي تراب قال: سيماء محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وأصحابه، وعليك سيماء أبي جهل وهو سيماء فرعون.
فقام أبو الأعور فسل سيفه ثم قال : أرى هذا الكذاب يشاتمنا بين أظهرنا وعليه سيماء أبي تراب، فقال ذو الكلاع: اقسم بالله لئن بسطت يدك إليه لأحطمن أنفك بالسيف ابن عمي وجاري عقدت له ذمّتي وجئت به إليكم ليخبركم عمّا تماريتم فيه.
فقال له عمرو: أذكرك بالله يا أبا نوح إلا ما صدقت أفيكم عمّار بن ياسر ؟ فقال له أبو نوح: ما أنا بمخبرك عنه حتى تخبرني لم تسأل عنه فإن معنا من أصحاب رسول الله غيره وكلهم جاد على قتالكم.
قال عمرو : سمعت رسول الله يقول : إنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية، وإنّه ليس ينبغي لعمّار أن يفارق الحق ولن تأكل النار منه شيئاً، فقال أبو نوح : لا إله إلا الله والله أكبر إنه لفينا جادعلى قتالكم.
فقال عمرو : والله إنه لجاد على قتالنا ؟ قال : نعم والله الذي لا إله إلا هو لقد حدثني يوم الجمل إنا سنظهر عليهم ولقد حدثني أمس أن لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر
1) بحار الأنوار: 27/33، ومواقف الشيعة: 49/2.
لعلمنا أنا على الحق وأنّهم على باطل، ولكانت قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار فقال له عمرو : هل تستطيع أن تجمع بيني وبينه؟ قال : نعم.
فلما أراد أن يبلغه أصحابه ركب عمرو بن العاص وابناه وعتبة بن أبي سفيان وذو الكلاع وأبو الأعور السلمي وحوشب والوليد بن أبي معيط فانطلقوا حتى أتوا خيولهم وسار أبو نوح ومعه شرجيل بن ذي الكلاع حتى انتهى إلى أصحابه فذهب أبو نوح إلى عمار فوجده قاعدا مع أصحابه مع ابني بديل والهاشم والأشتر وجارية بن المثنى وخالد بن المعتمر وعبد الله بن حجل وعبد الله بن العباس.
فقال أبو نوح : إنه دعاني ذو الكلاع وهو ذو رحم فذكر ما جرى بينه وبينهم وقال : أخبرني عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : عمّار تقتله الفئة الباغية، فقال عمّار : صدق وليضر به ما سمع ولا ينفعه فقال أبو نوح : إنّه يريد أن يلقاك فقال عمّار لأصحابه : اركبوا.
قال : ونحن اثنا عشر رجلاً بعمار فسرنا حتى لقيناهم ثم بعثنا إليهم فارساً من عبد القيس يسمّى عوف بن بشر، فذهب حتى كان قريباً من القوم، ثمّ نادى أين عمرو بن العاص؟ قالوا : هٰهنا فأخبرهم بمكان عمّار وخيله، فقال عمرو : فليسر إلينا فقال له عوف إني أخاف غدرانك، ثم جرى بينهما كلمات تركتها إلى أن قال :
أقبل عمّار مع أصحابه وعمرو مع أصحابه فتوافقا فقال عمرو : يا أبا اليقظان أذكرك الله إلا كففت سلاح أهل هذا العسكر وحقنت دمائهم فعلام تقاتلنا؟ أولسنا نعبد إلهاً واحداً ونصلّي قبلتكم وندعو دعوتكم ونقرأ كتابكم ونؤمن برسولكم؟
فقال عمار: الحمد لله الذي أخرجها من فيك، إنها لي ولأصحابي القبلة والدين وعبادة الرحمن والنّبي والكتاب من دونك ودون أصحابك وجعلك ضالاً مضلاً ولا تعلم هاد أنت أم ضال، وجعلك أعمى وسأخبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك أمرني رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أن أقاتل الناكثين ففعلت، وأمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم وأما المارقون فما أرى أدركهم أم لا.
أيها الأبتر تعلم أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال لعلي (علیه السَّلام): من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنا مولى الله ورسوله وعلي بعده وليس لك مولى.
فقال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان؟ قال : فتح لكم باب سوء، قال عمرو: فعليّ قتله؟ قال عمار: بل الله ربّ عليّ قتله وعلي معه، قال عمرو أكنت فيمن قتله ؟ قال : أنا مع من قتله وأنا اليوم أقاتل معه، قال : فلم قتلتموه؟ قال: أراد أن يغير ديننا فقتلناه، قال عمرو: ألا تسمعون قد اعترف بقتل إمامكم قال عمّار: وقد قالها فرعون قبلك : ألا تسمعون.
فقام أهل الشام ولهم زجل فركبوا خيولهم ورجعوا فبلغ معاوية ما كان بينهم فقال له : هلكت العرب إن أخذتهم خفّة العبد الأسود يعني عماراً، وخرج إلى القتال وصفت الخيول بعضها لبعض وزحف الناس، وعلى عمّار درع وهو يقول : أيها الناس الرواح إلى الجنّة، فاقتتل الناس قتالاً شديداً لم يسمع النّاس بمثله، وكثرت القتلى حتى أن كان الرجل ليشدّ طنب فسطاطه بيد الرّجل أو برجله.
فقال الأشعث: لقد رأيت أخبية صفين وأروقتهم وما منها خباء ولا رواق ولا بناء ولا فسطاط إلا مربوطاً بيد رجل أو رجله وجعل أبو سماك الأسدي يأخذ أداوة من ماء وشفرة حديد فيطوف في القتلى فإذا رأى رجلاً جريحاً وبه رمق قام وسأل أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فإن قال : عليّ غسل عنه الدّم وسقاه من الماء وإن سكت وجاه بسكين حتى يموت، قال: فكان يسمّى المخضخض.
وعن عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن الأحنف بن قيس قال : والله إني إلى جانب عمّار فتقدّمنا حتى إذا دنونا من هاشم بن عتبة قال له عمار: احمل فداك أبي وأمي ونظر عمّار إلى رقة في الميمنة فقال له هاشم، رحمك الله يا عمار إنّك رجل تأخذك خفة في الحرب وإنّي إنّما أزحف باللواء زحفاً وأرجو أن أنال بذلك حاجتي، وإنّي إن خففت لم آمن الهلكة.
وقد قال معاوية لعمرو : ويحك يا عمرو إنّ اللواء مع هاشم كأنه يرقل به إرقالاً وإنّه إن زحف به زحفا إنّه ليوم أطول لأهل الشام، فلم يزل به عمار حتى حمل فبصر به معاوية فوجه إليه جملة أصحابه ومن برز بالنّاس منهم في ناحية وكان في ذلك الجمع عبد الله بن عمرو ومعه سيفان قد تقلد بواحد وهو يضرب بالآخر وأطاقت به خيل علي (علیه السَّلام) فقال عمرو : يا الله يا رحمن ابني ابني وكان يقول معاوية : اصبر اصبر فإنّه لا بأس عليه قال عمرو : لو كان يزيد إذاً لصبرت.
ولم يزل حماة أهل الشام يذبون عنه حتى نجا هارباً على فرسه وأصيب هاشم في المعركة، قال : وقال عمار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص : إنّ هذه الراية قد قاتلتها ثلاث عركات (1)وما هي بأرشدهنّ ثم حمل وهو يقول :
نحن ضربناكم على تنزيله *** فاليوم نضربكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله *** یا ربّ إنّي مؤمن بقیله
1) عركات: أي مرات.
ثم استسقى واشتد ظماؤه، فأنته امرأة طويلة اليدين ما أدري أعس معها أم أداوة فيها ضياح (1)من لبن وقال الجنّة تحت الأسنة اليوم ألقى الأحبة محمّد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وحزبه، والله لو أن لبونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل.
وحمل عليه ابن جوين السكسكي وأبو العادية النزاري، فأما أبو العادية فطعنه وأما ابن جوين فاجتز رأسه عليهما لعنة الله.
فقال ذو الكلاع لعمرو : ويحك ما هذا؟ قال عمرو : إنه سيرجع إلينا وذلك قبل أن يصاب عمّار، فأصيب عمّار مع عليّ وأصيب ذو الكلاع مع معاوية فقال عمرو : والله يا معاوية ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحاً، والله لو بقي ذو الكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامة قومه ولأفسد علينا جندنا.
قال : فكان لا يزال رجل يجيء فيقول : أنا قتلت عماراً فيقول عمرو فما سمعتموه يقول فيخلطون حتى أقبل ابن جوين فقال: أنا قتلت عماراً فقال له عمرو : فما كان أخر منطقه؟ قال : سمعته يقول: اليوم القى الأحبة محمّداً وحزبه، قال عمرو : صدقت أنت أما والله ما ظفرت بذلك ولكن أسخطت ربك.
وفي «الاحتجاج» روى عن الصادق (علیه السَّلام) أنه لما قتل عمار ارتعدت فرائص خلق كثير وقالوا : قد قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): عمار تقتله الفئة الباغية، فدخل عمرو بن العاص على معاوية فقال : يا أمير المؤمنين قد هاج النّاس واضطربوا، قال : لماذا ؟ قال : قتل عمار، قال : فماذا؟ قال: أليس قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): تقتله الفئة الباغية؟ فقال له معاوية دحضت في قولك أنحن قتلناه إنما قتله علي بن أبي طالب لما ألقاه بين رماحنا فاتصل ذلك بعلي بن أبي طالب، فقال : فإذا رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) هو الذي قتل حمزة وألقاه بين رماح المشركين (2).
وفي «البحار» من كتاب الكشي بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد قال سمعت قيس بن أبي حازم قال : قال عمّار بن ياسر ادفنوني في ثيابي فإنّي مخاصم.
ومن «كشف الغمة» قال : ونقلت من «مناقب الخوارزمي» قال: شهد خزيمة بن ثابت الأنصاري الجمل وهو لا يسلّ سيفاً وشهد صفين وقال : لا أصلي أبداً خلف إمام حتّى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : تقتله الفئة الباغية، فلما قتل عمار قال خزيمة : قد حانت لي الصّلاة ثم اقترب وقاتل حتى قتل.
وكان الذي قتل عمار أبو عادية المرّي طعنه برمح فسقط وكان يومئذ يقاتل وهو ابن أربع
وتسعين سنة، فلما وقع أكبّ عليه رجل فاجتز رأسه فأقبلا يختصمان كلاهما يقول أنا قتلته.
فقال عمرو بن العاص : والله إن يختصمان إلا في النّار، فسمعها معاوية فقال لعمرو، ما رأيت مثل ما صنعت قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما : إنكما تختصمان في النار، فقال عمرو : هو والله ذلك وأنك لتعلمه ولوددت أنّي مت قبل هذا بعشرين سنة.
وبالإسناد عن أبي سعيد الخدري قال : كنا نعمّر مسجد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وكنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي (علیه السَّلام) فجعل ينفض التراب عن رأس عمار ويقول : يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد الأجر من الله تعالى، قال: فجعل ينفض التّراب عنه ويقول : ويحك تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار، قال عمار: أعوذ بالرّحمن أظنه قال من الفتن.
ومن كتاب «الكفاية» عن أبي المفضل الشيباني في حديث طويل مسنداً عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) :قال يا عمّار ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليّاً وحزبه فإنّه مع الحق والحق معه، يا عمار إنّك ستقاتل بعدي مع علي صنفين : الناكثين والقاسطين، ثم تقتلك الفئة الباغية، قلت: يا رسول الله أليس ذلك على رضا الله ورضاك ؟ قال : نعم، على رضا الله ورضاي ويكون آخر ذلك «زادك»شربة من لبن تشربه.
فلما كان يوم صفين خرج عمار بن ياسر إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فقال له: يا أخا رسول الله أتأذن لي في القتال؟ قال مهلاً رحمك الله، فلمّا كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله، فأعاده ثالثاً فبكى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فنظر إليه عمار فقال : يا أمير المؤمنين إنّه اليوم الذي وصف لي رسول الله.
فنزل أمير المؤمنين (علیه السَّلام) عن بغلته وعانق عماراً وودعه ثم قال : يا أبا اليقظان جزاك الله عن الله وعن نبيك خيراً فنعم الأخ كنت ونعم الصاحب كنت ثم قال : والله يا أمير المؤمنين ما تبعتك إلا ببصيرة فإنّي سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : يا عمار ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليّاً وحزبه فإنّه مع الحق والحق معه، وستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين، فجزاك الله يا أمير المؤمنين عن الإسلام أفضل الجزاء، فلقد أديت وبلغت ونصحت (1).
ثم ركب وركب أمير المؤمنين (علیه السَّلام)، ثم برز إلى القتال ثم دعا بشربة من ماء فقيل ما معنا ماء فقام إليه رجل من الأنصار فأسقاه شربة من لبن، ثم قال : هكذا عهد إلي رسول الله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من اللبن.
ثمّ حمل على القوم فقتل ثمانية عشر نفساً فخرج إليه رجلان من أهل الشام فطعنا فقتل رحمه الله، فلما كان الليل طاف أمير المؤمنين (علیه السَّلام) في القتلى فوجد عماراً ملقى، فجعل رأسه
1) بحار الأنوار: 19/33.
على فخذه ثم بكى (علیه السَّلام) وأنشأ يقول :
أيا موت كم هذا التفرق عنوة *** فلست تبقى لي خليل خليل
أراك بصيراً بالذين أحبهم *** كأنك تمضي نحوهم بدلیل
قال المجلسي: في الديوان هكذا:
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي *** أرحني فقد أفنيت كلّ خليل
أراك بصيراً بالذين أحبهم *** كأنك تنحو نحوهم بدليل
قال نصر بن مزاحم : لما حدث عمرو بن العاص في عمار ما قاله النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) خرج عبد الله عمر العبسي وكان من عباد أهل زمانه ليلاً فأصبح في عسكر علي (علیه السَّلام) فحدث الناس بقول عمرو في عمار فلما سمع معاوية هذا القول بعث إلى عمرو وقال : أفسدت على أهل الشام، أكل ما سمعته من رسول الله تقوله ؟ فقال عمرو : قلتها ولست والله أعلم الغيب ولا أدري أنّ في صفين يكون عمار خصمنا، وقد رويت أنت فيه مثل الذي رويت فاسأل أهل الشام فغضب معاوية وتنمر لعمرو ومنعه وخيره، وقال عمرو: لا خير لي في جوار معاوية إن تجلت هذه الحرب عنا وكان عمرو حمى الأنف فقال في ذلك :
تعاتبني إن قلت شيئاً سمعته *** وقد قلت لو انصفتني مثله قبلي
وما كان لي علم بصفين انّها *** تكون وعمار يحث على قتلي
فلو كان لي بالغيب علم كتمتها *** وكايدت أقواماً مراجلهم تغلي
إلى آخر الأبيات، ثمّ أجابه معاوية بأبيات تشتمل على الاعتذار ؛ فأتاه عمرو وأعتبه وصار أمرهما واحداً ثمّ إنّ عليّاً دعا هاشم بن عتبة ومعه لواؤه، وكان أعور، وقال: حتى متى تأكل الخبز وتشرب الماء، فقال هاشم لا يجهزنّ أن لا أرجع إليك أبداً.
قال نصر عن عمر بن سعد عن رجل عن أبي سلمة أن هاشم دعا في الناس عند المساء ألا من كان يريد الله والدار والأخرة فليقبل فأقبل إليه ناس فشدّ في عصابة من أصحابه على أهل الشّام مراراً، فليس من وجه يحمل عليه إلا صبروا له وقوتل فيه قتالاً شديداً، فقال لأصحابه :
لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فوالله ما ترون منهم إلا حمية العرب وصبرها عند راياتها وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضلال وإنّكم لعلى الحق، يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا وامشوا بنا إلى عدوّنا على تؤئدة (1)رويداً واذكروا الله ولا يسلمن رجل أخاه ولا تكثروا
1) التوئدة: التأني.
الإلتفات واصمدوا صمدهم وجالدوهم محتسبين حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
فقال أبو سلمة فمضى في عصابة من القراء فقاتل قتالاً شديداً هو وأصحابه حتى رأى بعض ما يسرون به إذ خرج عليهم فتى شاب وشدّ يضرب بسيفه ويلعن ويشتم ويكثر الكلام.
فقال له هاشم : إن هذا الكلام بعده الخصام وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فإنك راجع إلى ربّك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به.
قال : فإنّي أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي وإنكم لا تصلون، وأقاتلكم لأن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله.
فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان إنما قتله أصحاب محمد حين أحدث أحداثاً وخالف حكم الكتاب وأصحاب محمد هم أصحاب الدين وأولى بالنظر في أمور المسلمين وما أظن أن أمر هذه ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قط.
فقال الفتى : أجل والله لا أكذب فإنّ الكذب يضر ولا ينفع ويشين ولا يزين.
فقال له هاشم: إن هذا الأمر لا علم لك به فخله وأهل العلم، به قال: أظنك والله قد نصحتني، فقال هاشم: وأما قولك إنّ صاحبنا لا يصلي فهو أوّل من صلى لله مع رسول الله، وافقه في دين وأولى برسول الله، وأما من ترى معه فكلهم قاريء الكتاب لا ينام الليل تهجداً فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون.
قال الفتى : يا عبد الله إني لأظنك أمرء صالحاً أخبرني هل تجد لي من توبة؟ قال: نعم تب إلى الله يتب عليك، قال فذهب الفتى راجعاً، فقال رجل من أهل الشام خدعك العراقي قال : ولكن نصحني.
وقاتل هاشم هو وأصحابه قتالاً شديداً حتى قتل تسعة نفراً وعشرة، وحمل عليه الحرث ابن المنذر فطعنه فسقط، وبعث إليه علي أن قدم لواءَك، فقال للرسول أنظر إلى بطني فإذا هو قد انشق فأخذ الراية رجل من بكر بن وائل ورفع هاشم رأسه فإذا هو بعبيد بن عمر بن الخطاب قتيلاً إلى جانبه فجثا حتى دنى منه فعض على ثديه حتى تبينت أنيابه ثم مات هاشم وهو على صدر عبيد الله.
وضرب البكري فوقع فأبصر عبيد الله فعض على ثديه الآخر ومات أيضاً، فوجدا جميعاً ماتا على صدر عبيد الله، ولما قتل هاشم جزع النّاس عليه جزعاً شديداً وأصيب معه عصابة من أسلم من القراء فمرّ عليهم علي (علیه السَّلام) وهم قتلى حوله فقال (علیه السَّلام):
جزى الله خيراً عصبة أسلمية *** صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
يزيد وعبد الله بشر ومعبد *** وسفيان وابنا هاشم ذي المكارم
وعروة لا يبعد ثناه وذكره *** إذا اخترط البيض الخفاف الصوارم (1)
ثمّ أخذ الرّاية عبد الله بن هاشم قال نصر : حدثنا عمرو بن شمر قال : لما انقضى أمر صفين وسلم الأمر الحسن إلى معاوية وفدت إليه الوفود وأشخص عبد الله بن هاشم أسيراً فأتى به معاوية فلما دخل عليه وعنده عمرو بن العاص قال : يا أمير المؤمنين هذا المحتال بن المرقال فدونك الضب اللاحظ فإنّ العصيا من العصية وإنّما تلد الحيّة حيّة وجزاء السيئة سيئة مثلها.
فقال له ابن هاشم ما أنا بأول رجل خذله قومه وأدركه يومه، قال معاوية : تلك ضغائن صفين وما جنى عليك أبوك، فقال عمرو : يا أمير المؤمنين أمكني منه فأشخب أوداجه على أثباجه (2).
فقال له ابن هاشم : أفلا كانت هذه الشجاعة منك يا ابن العاص أيام صفين حين ندعوك إلى النزال وقد ابتلت أقدام الرجال من نقع الجربال (3)وقد تضايقت بك المسالك وأشرفت فيها على المهالك، وأيم الله لولا مكانك منه لنشبت لك مني خافية أرميك من خلالها أحد من وقع الأثافي (4)فإنك لا تزال تكثر في دهشك وتخبط في مرسك (5)تخيط العشواء في الليلة الحندس الظلماء.
فأعجب معاوية ما سمع من كلام ابن هاشم فأمر به إلى السجن وكف قتله عن هذا، ويأتي طرف آخر من بقية الوقعة في شرح بعض الكلمات الآتية إن ساعدنا التوفيق والمجال إن شاء الله.
از جمله کلام آن حضرت است که می فرمود به اصحاب خود در بعض روزهای جنگ صفین :
ای جماعت مسلمان شعار خود گردانید خوف و خشیت کردگار را و پوشش اخذ نمایید به جهت خود تمکین و وقار را و بنهید دندان ها را بر دندان ها که به درستی این برمی گرداند شمشیرها را از کاسه سر و کامل نمایید زره را به سایر آلت های جنگ و حرکت بدهید شمشیرها را در غلافها پیش از کشیدن آن ها و بنگرید به گوشه چشم تنگ خشمناک و بزنید نیزه را به چپ و راست و دفع کنید دشمن را به اطراف شمشیرها و برسانید شمشیرها را به دشمن با قدم ها و بدانید که شما منظور نظر کردگارید و در خدمت پسرعم پیغمبر مختار می باشید.
پس مکرّراً رجوع کنید برطرف اشرار و حیا نمایید از گریز و فرار که فرار موجب عار است در اولاد و اعقاب و باعث آتش است در روز حساب و پاکیزه بشوید از حیثیت نفس در حالتی که تجاوز کننده باشید از نفس های زایله و فانیه خودتان و بروید به سوی مرگ، رفتن سهل و آسان. لازم کنید بر خود حمله آوردن بر سواد اعظم اهل عناد و بر چادر طناب دار معاویه بدبنیاد.
پس بزنید میان آن خیمه را از جهت این که شیطان پنهان است در جانب آن خیمه که به تحقیق پیش آورده است آن شیطان به جهت برجستن دستی را و پس کشیده است از برای گریختن پایی را، پس قصد نمایید دشمن را قصد کردنی تا این که ظاهر شود به شما ستون حق و حال آن که شما غالب و بلندمرتبه هستید و خداوند با شما است و ناصر شما است و ناقص نمی نماید از شما جزای عمل های شما را
قالوا : لما انتهت إلى أمير المؤمنين أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال (علیه السَّلام) ما قالت الأنصار؟ قالوا قالت: منا أمير ومنكم أمير قال :
فَهَلَّا احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَ يُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟ قَالُوا وَ مَا فِي هَذَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ (علیه السلام) لَوْ كَانَت الْإِمَامَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ. ثُمَّ قَالَ فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟ قَالُوا احْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فَقَالَ علیه السلام احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أَضَاعُوا الثَّمَرَة (1).
(النبأ) كالخبر لفظاً ومعنا و(السقيفة) الصفة وسقيفة بني ساعدة فعيلة بمعنى مفعولة وهي ظلة كانت مجمع الأنصار ودار ندوتهم لفصل القضايا و(وصبت) الشيء بالشيء أصيه من باب وعد ووصيته ووصيت إلى فلان توصية وأوصيته إيصاء والاسم الوصاية بالكسر والفتح لغة، وهو وصي فعيل بمعنى مفعول والجمع الأوصياء وأوصيت له بمال جعلته له، وأوصيته بولده استعطفته عليه، وأوصيته بالصلاة أمرته بها قال تعالى :
«ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» [الأنعام: 153].
(هلا) من حروف التحضيص، قال نجم الائمة الرّضي: ومعناها إذا دخلت على الماضي التوبيخ واللوم على ترك الفعل، وفي المضارع الحض على الفعل والطلب له، فهي في المضارع بمعني الأمر ولا يكون التحضيض في الماضي الذي قد فات إلا أنها تستعمل كثيراً في لوم المخاطب على أنه ترك في الماضي شيئاً يمكن تداركه في المستقبل، فكأنها من حيث المعنى للتحضيض على فعل مثل ما فات، قوله : (فماذا قالت)، يحتمل أن تكون (ذا) موصولة وأن تكون زائدة كما في قولهم: ماذا صنعت ومن ذا رأيت.
1) بحار الأنوار: 611/29 ح 26، وخصائص الأئمة : 86.
اعلم أنّه (لما انتهت إلى أمير المؤمنين أنباء أهل السقيفة بعد وفاة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)) ومشاجرات المهاجرين والأنصار ودعوى كل منهما استحقاق الخلافة لنفسه واحتجاج كلّ من الطرفين على الآخر بذكر المناقب والسوابق (قال (علیه السَّلام) ما قالت الأنصار) المهاجرين (قالوا) إنّهم (قالت منا أمير ومنكم أمير قال (علیه السَّلام) فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وصى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم) وقد مرّت تلك الوصية في المقدمة الثالثة من مقدمات الخطبة الشقشقية في رواية «الاحتجاج» عن الشيباني ورواها الشارح المعتزلي من صحيحي «البخاري» و«مسلم» (1)في مسنديهما عن أنس بن مالك قال :
مر أبو بكر والعباس بمجلس من الأنصار في مرض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وهم يبكون، فقالا : ما يبكيكم؟ قال : ذكرنا محاسن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فدخلا على النبي وأخبراه بذلك فخرج وقد عصب على رأسه حاشية برده، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أوصيكم بالأنصار فإنّهم كرشي (2)وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم هذا.
ولما لم يفهم المخاطبون كيفية حجية كلامه على الأنصار ودلالته على بطلان دعواهم استفهموا عنه (علیه السَّلام) و(قالوا وما في هذا) الكلام (من الحجة عليهم فقال (علیه السَّلام) لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم) لكنّها بهم فليست الإمارة لهم، بيان الملازمة أن العرف قاض بأنّ الوصية إنما تكون إلى الرئيس في حق المرؤوس لا بالعكس.
ثم قال : (فماذا قالت قريش) في مقام الاحتجاج على الأنصار (قالوا احتجت بأنها شجرة الرّسول) كونهم شجرة الرسول باعتبار أنه صلوات الله عليه وآله منهم، فهو وإياهم جميعاً من أغصان أصل واحد وأولاد نضر بن كنانة (فقال احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) الظاهر أنه أراد بالثمرة نفسه وأهل بيته وأراد بإضاعتها إهمالهم له ولأولاده من هذا الأمر والمقصود بهذا الكلام الاحتجاج على قريش بمثل ما احتجوا به على الأنصار.
بيان ذلك : أنهم استدلوا على أولويتهم بأنهم شجرة الرسول فيكونون أقرب إليه من غيرهم ونحن نحتج عليهم بأنا ثمرة الرسول فنكون أقرب إليه منهم إذ للثمرة اختصاص بالمثمر ليس للغير ذلك الاختصاص، بل المراد بالشجر ليس إلا الثّمر فإن كانت الشجرة معتبرة
فبالأولى اعتبار الثمرة وإن لم يلتفت إلى الثمرة فلا التفات إلى الشجرة، وقد وقع مثل ذلك التشبيه في قوله سبحانه :
«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» [إبراهيم: 24 –
روى في «البحار» من تفسير علي بن إبراهيم بإسناده عن سلام بن مستنير عن أبي جعفر (علیه السَّلام) قال : الشجرة رسول الله ونسبه ثابت في بني هاشم وفرع الشجرة علي بن أبي طالب وغصن الشجرة فاطمة وثمرتها الأئمة، من ولد علي وفاطمة، وشيعتهم ورقها وان المؤمن من شيعتنا ليموت فيسقط من الشجرة ورقة (1)، وأن المؤمن ليولد فتورق الشجرة ورقة، قلت: أرأيت قوله :
«تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا» [إبراهيم: 25].
قال : يعني بذلك ما يفتون الأئمة شيعتهم في كلّ حجّ وعمرة من الحلال والحرام.
قد قدمنا أخبار السقيفة في المقدمة الثالثة من مقدمات شرح الخطبة الشقشقية ونزيد هنا على ما سبق ما رواه المحدّث المجلسي في «البحار» من الشيخ في «تلخيص الشافي» عن هشام بن محمد عن أبي مخنف عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمر الأنصاري.
أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا: نولي هذا الأمر من بعد محمد سعد بن عبادة وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض، قال : فلما اجتمعوا قال لابنه أو لبعض بني عمّه إنّي لا أقدر لشكواي اسمع القوم كلهم كلامي ولكن تلق منّي قولي فأسمعهم فكان يتكلم ويحفظ الرّجل قوله فيرفع به صوته ويسمع به أصحابه فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه :
يا معاشر الأنصار إنّ لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن محمداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لبث بضع عشر سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرّحمن وخلع الأوثان، ما آمن به من قومه إلا رجال قليل، والله ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله ويعززوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا حتى إذا أراد بكم ربكم الفضيلة وساق إليكم الكرامة وخضكم بالنعمة ورزقكم الإيمان به وبرسوله والمنع له ولأصحابه والاعزاز له ولدينه والجهاد لأعدائه.
1) بحار الأنوار: 218/9، مستدرك الوسائل : 36/5.
وكنتم أشدّ الناس على عدوّه منهم وأثقله على عدوّه من غيركم حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغراً وآخراً، وحتى أثخن الله لرسوله بكم في الأرض ودانت بأسيافكم له العرب وتوفاه الله تعالى إليه وهو عنكم راض وبكم قرير عين، استبدوا بهذا الأمر دون الناس فإنّه لكم دون الناس.
فأجابوه بأجمعهم بأن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت نوليك هذا الأمر دون الناس فإنك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى.
ثمّ إنّهم ترادوا الكلام فقالوا فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون فعلام تنازعونا الأمر من بعده؟ قالت طائفة منهم: فإنا نقول إذاً منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا أبداً، فقال سعد بن عبادة حين سمعها هذا أوّل الوهن وأتى عمر الخبر فأقبل إلى منزل النبي فأرسل إلى أبي بكر، وأبو بكر في الدار وعلي بن أبي طالب دائب في جهاز النبي.
فأرسل إلى أبي بكر أن أخرج إلي فأرسل إليه إني مشتغل فأرسل إليه أن قد حدث أمر لا بد لك من حضوره فخرج إليه فقال: أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول منا أمير ومن قريش أمير، فمضيا مسرعين نحوهم فلقيا أبا عبيدة فتماشوا إليهم فلقاهم عاصم بن عدي وعويمر بن ساعدة فقالوا لهم: ارجعوا فإنه لا يكون إلا ما تحبون، فقالوا لا نفعل، فجاؤوا وهم مجتمعون.
فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم وقد كنت زوّرت كلاماً أردت أن أقوم به فيهم فلما اندفعت إليهم ذهبت لأبتدأ المنطق فقال لي أبو بكر : رويداً حتى أتكلم، ثمّ أنطق بعد بما أحببت، فنطق، فقال عمر: فما شيء كنت أريد أن أقول به إلا وقد أتى عليه.
قال عبد الله بن عبد الرحمن: فبدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله بعث محمّداً رسولاً إلى خلقه وشهيداً على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى يزعمون أنها لمن عبدها شافعة ولهم نافعة وإنما هي من حجر منحوت خشب ومنجور ثم قرأ:
«وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ»[يونس : 18] «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى» [الزمر : 3].
فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فحض الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدّة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياه، وكل الناس لهم مخالف وعليهم زار، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وتشذب الناس عنهم واجماع قومهم عليهم، فهم أوّل من عبد الله في الأرض وآمن بالله ورسوله، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق
الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلا ظالم.
وأنتم يا معشر الأَنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، وليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا نفتات (1)عليكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور، فقام المنذر بن الحباب ابن الجموح.
هكذا روى الطبري والذي رواه غيره أنّ الحباب بن المنذر قال : يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، وساق الحديث نحواً ممّا رواه ابن أبي الحديد عن الطبري إلى قوله فقاموا إليه فبايعوه.
أقول ما رواه ابن أبي الحديد عنه هكذا: فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ النّاس في ظلكم ولن يجتري مجتري على خلافكم، ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم، أنتم أهل العزة والمنعة وأولوا العدد والكثرة وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات لا يجتمع سيفان في عمد واحد والله لا ترضى العرب أن تؤمركم وبينها من غيركم، ولا تمنع العرب أن تؤتى أمرها من كانت النبوة معهم، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أوليائه وعشيرته.
فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الأنصار املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم فاجلوا هذا من بلادكم فأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنّه بأسيافكم وأنّ النّاس بهذا الدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أنا أبو شبل في عريسة الأسد، والله إن شئتم لنعيدها جذعة.
فقال عمر: إذاً يقتلك الله، فقال بل إيّاك يقتل، فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار إنكم أوّل من نصر فلا تكونوا أول من بدل وغير.
فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار ألا إنّ محمداً من قريش وقومه أولى به وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر، فقال : أبو بكر: هذا عمرو وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم، فقالا والله لا نتولى هذا الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة
1) نفتات: نستبد.
رسول الله في الصلاة وهي أفضل الدين أبسط يدك، فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه.
فناداه الحباب بن المنذر يا بشير عفاة (1)انفست على ابن عمك الإمارة، فقال أسيد بن حصين رئيس الأوس لأصحابه : والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبداً، فقاموا فبايعوا أبا بكر فانكسر على سعد بن عبادة والخزرج ما اجتمعوا عليه، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كلّ جانب (2).
قال في «البحار»: قال الشيخ قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني أبو بكر بن محمد الخزاعي أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بهم السكك ليبايعوا أبا بكر، فقال عمر: ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت.
قال هشام : عن أبي مخنف فقال : قال أبو عبد الله بن عبد الرحمن وأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد اتقوا سعداً لا تطأوه، فقال عمر: اقتلوا سعداً قتله الله، ثمّ قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطأك حتى يندر عضوك، فأخذ قيس بن سعد بلحيته ثم قال : والله لئن حصصت (3)منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة؛ فقال أبو بكر : مهلاً يا عمر الرفق ههنا أبلغ فاعرض عنه.
وقال سعد: والله لو أرى من قومي ما أقوى على النهوض لسمعتم مني بأقطارها وسككها زئيراً يحجزك وأصحابك، أما والله إذاً لألحقك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره وترك أياماً.
ثم بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع النّاس وبايع قومك، فقال أما والله حتى أرميكم ما في كنانتي من نبل وأخضب منكم سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، ولا أفعل وأيم الله لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي.
فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر : لا تدعه حتى يبايع، فقال بشير بن سعد إنه قد لج وأبي فليس يبايعكم حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فليس تركه بضاركم إنّما هو رجل واحد، فتركوه، وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدا لهم منه.
وكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع معهم ويحجّ ولا يحجّ معهم، ويفيض فلا
يفيض معهم بإفاضتهم فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر.
أقول : روى الشارح المعتزلي خبر السقيفة من كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري نحواً ممّا روينا وزاد في آخره بعد قوله فلم يزل كذلك حتى مات أبو بكر، ثم لقى عمر في خلافته وهو على فرس وعمر على بعير فقال له عمر: هيهات يا سعد فقال سعد: هيهات یا عمر، فقال : أنت صاحب من أنت صاحبه قال: نعم أنا ذلك، ثم قال لعمر: والله ما جاورني أحد هوأبغض إليّ جوراً منك ومن أصحابك، فلم يلبث سعد بعد ذلك قليلاً حتى خرج إلى الشام فخرج فيها، ولم يبايع لا لأبي بكر ولا لعمر ولا لغيرهما.
ثم قال : قال الرّاوي: وكثر الناس على أبي بكر فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم، واجتمعت بنو هاشم إلى عليّ بن أبي طالب ومعهم الزبير وكان يعد نفسه رجلاً من بني هاشم كان علي (علیه السَّلام) يقول : ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا.
واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن فأقبل عمرو أبو عبيدة فقال : ما لي أراكم متخلفين، قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايع الناس وبايعه الأنصار، فقام عثمان ومن معه وقام سعد وعبد الرحمن ومن معهما فبايعوا أبا بكر، وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة منهم أسيد بن حصين وسلم بن أسلم فقال لهم : انطلقوا فبايعوا فأبوا عليه.
وخرج الزبير بسيفه فقال عمر، عليكم الكلب فوثب عليه سلم بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب بيده الجدار ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم وعلي (علیه السَّلام) يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله فأعطوكم وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فانصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم واعرفوا للناس الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون.
فقال عمر: إنك لست متروكاً حتّى تبايع فقال له علي (علیه السَّلام): احلب يا عمر حلباً لك شطره اشدد له اليوم أمره ليردّه عليك غداً، لا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني لا أكرهك.
فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنّك حديث السّن وهؤلاء مشيخة قريش قومك ليس لك تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً له واضطلاعاً به، فسلم له هذا الأمر وارض به فإنّك إن تعيش ويطل عمرك فأنت بهذا الأمر خلیق و به حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك.
قال علي (علیه السَّلام) : يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان منا القاريء لكتاب الله الفقيه في دين الله العالم بالسنة المضطلع بأمر الرّعيّة، والله إنّه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا (1).
فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع.
قال الشارح: قلت: هذا الحديث يدلّ على بطلان ما يدعي من النص على أمير المؤمنين وغيره، لأنه لو كان هناك نص صريح لاحتج به ولم يجر للنص ذكر وإنما كان الاحتجاج منه ومن أبي بكر ومن الأنصار بالسوابق والفضائل والقرب، فلو كان هناك نص صريح على أمير المؤمنين وعلى أبي بكر لاحتج به أبو بكر على الأنصار ولاحتج به أمير المؤمنين على أبي بكر.
فإنّ هذا الخبر وغيره من الأخبار المستفيضة يدلّ على أنه قد كان كاشفهم وهتك القناع بينه وبينهم ألا تراه كيف نسبهم إلى التّعدي عليه وظلمه وتمنّع من طاعتهم وأسمعهم من الكلام أشدّه وأغلظه، فلو كان هناك نص لذكره أو ذكره من شيعته وحزبه لأنه لا عطر بعد عروس.
وهذا أيضاً يدلّ على أن الخبر الذي في أبي بكر في صحيحي «البخاري» و«مسلم» غير صحيح، وهو ما روى من قوله (علیه السَّلام) لعائشة في مرضه : ادعي إلى أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتاباً، فإني أخاف أن يقول قائل أو يتمنى متمني، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر وهذا هو نص مذهب المعتزلة.
أقول : من نظر إلى هذا الحديث بعين البصيرة والاعتبار ولاحظ الانصاف وجانب حدّ الاعتساف، عرف منه ما فيه للناظرين معتبر واستفاد منه أشياء كلّ منها شاهد صدق على بطلان خلافة الثلاثة، وبرهان واضح على فساد دعوى تابعيهم استحقاقهم لها وأهليتهم للقيام بها.
منها : خلوه من احتجاج قريش على الأنصار جعل النبي الإمامة فيهم، لأنه تتضمن من احتجاجهم عليهم ما يخالف ذلك وأنهم إنما ادعوا كونهم أحق بالأمر من حيث كون النبوة فيهم ومن حيث كونهم أقرب إلى النبي نسباً وأولاهم له اتباعاً.
ومنها : أنّ الأمر إنما بني السقيفة على المغالبة والمخالسة، وانّ كلاً منهم إنما كان
1) السقيفة وفدك : 63، بحار الأنوار: 349/28.
يجذبه لنفسه بما اتفق له وعن من حق وباطل وقوي وضعيف.
ومنها : أن سبب ضعف الأنصار وقوة المهاجرين عليهم انحياز بشير بن سعد حسداً لسعد بن عبادة وانحياز الأوس بانحيازه عن الأنصار.
ومنها: أن خلاف سعد وأهله كان باقياً لم يرجعوا عنه، وإنّما أقعده عن الخلاف بالسيف قلة الناصر.
ومنها : أنه لو أراد أبو بكر الاجماع واتفاق الكلّ على بيعته حتى من سعد وأصحابه انجر الأمر إلى قتل النفوس وإهراق الدماء وفسد له الأمر.
ومنها: أن قول عمر في حق الزبير: عليكم الكلب، دليل على بطلان خبر العشرة المبشرة إذ الكلب لا يكون في الجنّة.
ومنها : أن بيعة عمر لأبي بكر لم يكن لتأسيس أساس الإسلام ورعاية مصلحة الدين وحفظ شرع سيد المرسلين وإنّما كان نظره في ذلك ليتولى أبو بكر الأمر ويوليه عليه بعده كما هو نص قوله (علیه السَّلام) اشدد له اليوم أمره ليردّ عليك غداً.
ومنها : أنّ حداثة السن لو كان مانعاً عن الخلافة كما قاله أبو عبيدة وأخذه منه أهل السنة والجماعة، لكان مانعاً عن النبوة بطريق أولى وقد قال سبحانه :
«وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» [مريم : 12].
فقد أتى النبوة ليحيى وعيسى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في حالة الصباء.
ومنها: أن تجربة أبي بكر كما زعمه أبو عبيدة لو كان أزيد من أمير المؤمنين (علیه السَّلام) لم يعز له النبي من البعث بسورة براءة ولم يخلف علياً مقامه ولو كانت قوته أشدّ لسبق في يوم أحد وخيبر ولم يستأثر الفرّ على الكرّ.
ومنها : أن قول بشير بن سعد له لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل البيعة لما اختلف عليك اثنان، دليل على أن بيعتهم لأبي بكر لم تكن عن بصيرة وإنما اقتحموا فيها من غير روية، وإنّما كان اللازم عليهم التروي والتثبيت وملاحظة الأطراف والجوانب، والتفكر في العواقب والدقة في جهات الاستحقاق فكيف تكون بيعة هؤلاء الجهلة الغفلة الفسقة التابعة لهوى أنفسهم الأمارة حجة شرعيّة لأهل الملة.
وأما ما ذكره الشارح من أنه لو كان هناك نص لاحتج به أمير المؤمنين ولما لم يحتج إلا بالسوابق والقرب علم أنه لم يكن هناك نص عليه ففساده أظهر من الشمس في رابعة النهار، قد عرفت أنّ أوّل من حضر في السقيفة هو الأنصار، وأوّل من ابتدأ بالكلام فيها سعد بن عبادة، فذكر مناقب الأنصار ومآثرهم وكونهم أنصاراً لدين الله وذابين عن رسول الله، فاحتج
عليهم قريش بالقرب والنسب والسبق في التصديق والتقدم في الإيمان فحجوهم بذلك، فاقتضى المقام بمقتضى آداب المناظرة أن يحتج أمير المؤمنين (علیه السَّلام) بمثل ما احتجت به قريش على الأنصار، إذ في ذلك من الإلزام لهم ما ليس في غيره كما قال فيما يذكره السيد في أواخر الكتاب.
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غيب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبي وأقرب
وكيف يدعي عدم النص بعد حديث المنزلة وخبر الغدير وقوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار (1)، إلى غير ذلك من الأخبار والآيات التي قدمناها في المقدمة الثانية من مقدمات الخطبة الشقشقية وغيرها، ومن لم يجعل الله له نوراً يستضيء به فما له من نور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
اعلم أنّ الشارح المعتزلي قد روى في شرح هذا الكلام أخباراً من كتاب الجوهري قدم رواية أكثرها في شرح الخطبة السادسة والعشرين، ونحن أيضاً روينا بعضها هناك في شرح الفصل الثاني من فصول الخطبة المذكورة ونروي هنا بعض ما لم يتقدم ذكره حذراً من التكرار كما وقع في شرح المعتزلي، وليس غرضنا من إيرادها مجرد الاقتصاص وإنما المقصود بذلك إقامة الحجة على الطائفة الضالة من الكلاب الممطورة، والإبانة عن ضلالة الشارح وغفلته، وإنّه مع روايته لتلك الأخبار واعترافه بوثاقة راويها كيف لم يتنبه من نومة الجهالة، وتاه في أودية الضلالة.
فأقول : في الشرح من كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري.
قال: حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد قال: حدثنا أحمد بن الحكم، قال حدثنا عبد الله بن وهب عن الليث بن سعد، قال تخلف علي (علیه السَّلام) عن بيعة أبي بكر فأخرج ملبباً يمضى به رقصاً، وهو يقول: معاشر المسلمين على من يضرب عنق رجل من المسلمين، لم يتخلف لخلاف وإنما تخلف لحاجة فما من مجلس من المجالس إلا يقال له : اذهب فبايع.
أقول : هذا الحديث نص في أنه لو لم يبايع يضرب عنقه فيدل على أنه (علیه السَّلام) لم يكن في البيعة مختاراً، وهذا المعنى قد تضمّنته أخبار كثيرة عامية وخاصيّة بالغة حدّ الاستفاضة بل التواتر قد
1) مع الزوائد : 7/ 235، والغدير : 176/3.
أورد طائفة منها السيد (رحمه الله) في «الشافي»، وروى جملة كثيرة منها السيد المحدّث البحراني في كتاب «غاية المرام»، وقد روينا في شرح الخطبة السادسة والعشرين قول الصادق (علیه السَّلام): والله ما بايع علي حتى رأى الدّخان قد دخل عليه بيته (1)ونقلنا قول السيد هناك من أنه أي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع.
قال الجوهري : وحدثنا أبو زيد عمرو بن شيبة بإسناد رفعه إلى ابن عبّاس قال : إنّي لأماشي عمر في سكة من سكك المدينة يده في يدي، فقال: يا ابن عباس ما أظن صاحبك إلا مظلوماً فقلت في نفسي والله ما يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي ثمّ مرّ يهمهم ساعة ثم وقف فلحقته فقال : يا ابن عبّاس ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه، فقلت في نفسي هذه شرّ من الأولى، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر.
قال الجوهري : وحدثني أبو زيد، قال حدثني محمد بن عبادة، قال حدثني أخي سعيد بن عبادة عن الليث بن سعد عن رجاله عن أبي بكر أنه قال : ليتني لم أكشف بيت فاطمة ولو أغلق عليّ الحرب (2).
قال الشارح: الصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمرو أنها أوصت أن لا يصليا عليها، وذلك عند أصحابنا من الأمور المغفورة لهما، وكان الأولى بهما اكرامها واحترام منزلها لكنهما خافا الآفة وأشفقا من الفتنة ففعلا ما هو الأصح بحسب ظنّهما، وكانا من الدين وقوة اليقين بمكان مكين لا شك في ذلك، الأمور الماضية يتعذر الوقوف على عللها وأسبابها ولا يعلم حقائقها إلا من شاهدها ولابسها بل لعلّ الحاضرين المشاهدين لها لا يعلمون باطن الأمر، فلا يجوز العدول عن حسن الاعتقاد فيهما بما جرى، والله ولي المغفرة والعفو، فإن هذا لو ثبت خطأه لم يكن كبيرة بل كان من باب الصغائر التي لا يقتضي التبري ولا يوجب التولي.
أقول : ما صححه من أنّها (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ماتت وهي واجدة غضبانة على الرّجلين فهو الصحيح الذي لا ريب فيه ويشهد بذلك ملاحظة أخبار غصب فدك وغيرها ممّا مرّ في تضاعيف الشرح ويأتي أيضاً.
وأما ما اعتذر به من أن ذلك من الصغائر المعفوّة ففاسد جداً إذ كيف يكون ذلك من الصغائر مع ما روته العامة والخاصة من قول النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لها : يا فاطمة إن الله يغضب بغضبك
ويرضى لرضاك وقوله فيها : يؤذيني ما أذاها (1)
المصنف لابن أبي شيبة : 391/6 ح 32259 كتاب الفضائل - فضائل فاطمة. والفردوس بمأثور الخطاب: 1/ 232 ح 887 ط. دار الكتب العلمية، و 282 ح 886 ط. دار الكتاب العربي.
وصحيح البخاري : 83/5 ع 232 كتاب الفضائل - مناقب قرابة الرسول و 73/7 كتاب النكاح باب (110) ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والانصاف ح 159، وصحيح مسلم : 221/16 ح 6257 كتاب الفضائل - فضائل الصحابة – فاطمة، والفردوس بمأثور الخطاب : 145/3 ح 4389 ط. دار الكتب العلمية و 161 ح 4282 ط. دار الكتاب العربي.
ومناقب ابن المغازلي : 282 ح 327، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 69/3 ح 1099. ومناقب الخوارزمي : 353 الفصل 20، وجواهر العقدين : 350 - 351 الباب الحادي عشر والطبقات الكبرى: 206/8 ترجمة جويرية بنت أبي جهل (4205)، والتبصير في الدين للاسفرابني : 111 الباب الخامس عشر، وأهل البيت لتوفيق أبو علم : 124 خصائص فاطمة، والمعجم الكبير : 18/20 ترجمة المسور ح 18 وما بعده منه، ومسند أحمد : 5/4 - 323 - 332 - 328 ط. م و 5 / 423 - 435 - 430 و 571/4 ط.ب ح 18428 – 18451.
وفضائل الصحابة لاحمد : 755/2 - 756 ح - 1317 - 1328 - 1323 - 1324 مناقب علي، ومستدرك الصحيحين : 158/3 - 159 كتاب معرفة الصحابة ذكر مناقب فاطمة صححه وأقره الذهبي، والتبصرة لابن الجوزي: 452/1 مجلس 31، والبيان والتعريف في أسباب ورود الحديث : 2/ 116 ح 721، والمعجم الكبير : 22 / 404 - 405 ترجمة فاطمة - مناقبها و 26/20 ترجمة المسور ما روى عنه عبد الله بن ابي رافع، وخصائص النسائي : 121 - 122 ح 132 - 130، وذخائر العقبى : 37 ذكر غيرته (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وتاريخ الخميس: 412/1، وتذكرة الخواص : 279 باب 11 فضائل فاطمة، ومصابيح السنة : 185/4 ح 4799 مناقب أهل البيت ومشكاة المصابيح : 1732/3 ح 6130 مناقب أهل البيت، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 53/9 ح 6916، ونوادر الأصول للحكيم الترمذي : 184/3 الاصل الثاني والاربعون بعد المائة،، ومجمع الزوائد : 203/9 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 328/9 ح 15203 كتاب المناقب، وفي بعضها : تقديم وتأخير في الالفاظ
مصادر حديث غضب الله لغضب فاطمة
المعجم الكبير : 108/1 ح 182 ذیل ترجمة علي وبالهامش: «في هامش الأصل: هذا حديث صحيح الاسناد وروي من طرق عن علي رواه الحارث عن علي وروي مرسلاً، وهذا الحديث أحسن شيء رأيته وأصح اسناد قرأته» و 401/22 ترجمة فاطمة – مناقبها، وجواهر العقدين: 350 الباب الحادي عشر، و مجمع الزوائد : 203/9 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 328/9 ح 15204 كتاب المناقب وقال اسناده حسن.
وذيل تاريخ بغداد لابن النجار 140/17 ترجمة عثمان بن الحسين برقم 426، وأخبار الدول للقرماني : 87 ط. بغداد 1282 هـ وتهذيب التهذيب : 12/ 442 ط حيدر آباد الاولى، ومقتل الحسين للخوارزمي: 1/ 52 الفصل الخامس، ومناقب ابن المغازلي : 351 ح 402، وذخائر العقبى : 39 وقال : أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة وابن المثنى في معجمه ومستدرك الصحيحين: 153/3 كتاب معرفة الصحابة - مناقب فاطمة، واسد الغابة 522/5 ترجمة فاطمة، وكفاية الطالب 364 باب 99، وميزان الاعتدال : 72/2 ط. مصر - السعادة - سنة 1325، والذرية الطاهرة : 166 ح 226، وتذكرة الخواص : 279 باب 11 فضائلها.
والتدوين في أخبار قزوين: 11/3 باب الذال - ترجمة أبو ذر بن رافع ومسند شمس الاخبار : 109/1 الباب التاسع عن ابن المغازلي وعن كتاب الذكر لمحمد بن منصور وبالهامش: أخرجه الديلمي، والكامل لابن عدي : 2/ 351 ترجمة الحسين بن زيد بن علي برقم 381، وأهل البيت لتوفيق أبو علم : 120 القسم الثاني - خصائص فاطمة - عن ابن سعد في شرف النبوة، والمدهش لابن الجوزي: 134 الفصل السادس والعشرون - في تزويج علي بفاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
.1) مصادر حديث البضعة
وما أخرجه أحمد بن حنبل والحاكم على الميسور بن مخرمة مرفوعاً: فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها وأنّ الانساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري، فإذا انضم إلى ذلك قوله تعالى :
«وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى» [طه: 81] وقوله : «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» [التوبة : 61].
يعلم من ذلك أن ما فعلاه في حقها من أكبر الكبائر الموجب لكونهما في أسفل الدرك من الجحيم خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين.
وأما ما ذكره من أنهما كانا من الدين وقوة اليقين بمكان مكين ففيه أنك قد عرفت في شرح الخطبة الشقشقية وغيرها وستعرف أيضاً بعد ذلك أنهما لم يكونا من الدين في شيء، وكيف يجسر المتديّن أن يدخل من غير إذن بيتاً لم يكن يدخل فيها الملائكة إلا بإذن أو يحرق بابه أو يهتك ستره حتى يطمع فيه من لم يكن يطمع.
وأما قوله : إنّ الأمور الماضية يتعذر الوقوف على عللها ولا يعلم حقائقها إلا من قد شاهدها، ففيه أنّ الوقوف عليها والاطلاع على حقائقها يحصل بالنقل والسمع ولا حاجة في ذلك إلى الشهود والحضور، وقد حصل لنا في حقهما بطريق السمع والبيان ما هو مغن عن الحضور والعيان، وعرفنا أن الداعي لأفعالهما في جميع حركاتهما وسكناتهما لم يكن إلا اتباع هوى النفس الأمارة وإبطال الشريعة والملة وترويج البدعة وتضييع السنة.
وأما قوله : إن ذلك لا يقتضي التبري ولا يوجب التولي فيه أنهما إذا كانا ممن غضب الله عليه بمقتضى ما ذكرنا يجب التبري عنهما ولا يجوز التولى لقوله تعالى :
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)» [الممتحنة : 13].
وأشد مما ذكرنا كله فظاعة وأظهر شناعة ما رواه الشارح أيضاً عن الجوهري.
قال : حدثنا الحسن بن الربيع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن
عبد الله بن العبّاس، عن أبيه قال : لما حضرت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لاتظلوا بعدي فقال عمر كلمة معناها : أن الوجع قد غلب على رسول الله، ثمّ قال: عندنا القرآن حسبنا كتاب الله، فمن قائل يقول : القول ما قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ومن قائل يقول : القول ما قال عمر، فلما اكثروا اللفظ (1)واللغو والاختلاف غضب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقال : قوموا إنّه لا ينبغي لنبي أن يختلف عنده هكذا (2)، فقاموا فمات رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في ذلك اليوم فكان ابن عباس يقول : إنّ الرّزية كلّ الرّزية ما حال بيننا وبين رسول الله يعني الاختلاف واللفظ (3).
قال الشارح قلت: هذا الحديث قد خرجه الشيخان محمّد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج القشيري في صحيحيهما واتفق المحدثون كافة على روايته.
أقول : هذه الرواية كما ذكرها الشارح مما رواها الكل والرواية في الجميع عن ابن عباس، وقوله فقال العمر كلمة معناها أن الوجع قد غلب (ا ه)، الظاهر أن تلك الكلمة في أكثر تلك الروايات من قوله : إن الرجل ليهجر، وفي بعضها ما شأنه يهجر استفهموه، وفي بعض الآخر ما شأنه هجر، وفي غيرها ما يقرب من هذا اللفظ، وقد عدل الراوي عن رواية هذه اللفظة لكراهته نقلها إذ الهجر كما صرّح به غير واحد من اللغويين هو الهذيان وبذلك فسّر قوله تعالى :
«إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا» [الفرقان: 30].
فبدل الراوي هذه الكلمة بغيرها استحياء واستصلاحاً لكلام عمر.
ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر.
فمن تأمل في هذه الرواية حق التأمل عرف جفاوة الرّجل وفظاظته وخبث طينته وسوء سريرته وعناده ونفاقه من جهات عديدة:
الأولى : أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ما كان ينطق عن الهوى وإن كان كلامه لم يكن إلا وحياً يوحى، فنسبه مع ذلك عمر إلى الهذيان.
الثانية : أنّ قوله عندنا القرآن حسبنا كتاب الله رد على الله فضلاً عن رسول الله وقد قال الله :
«وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا» [الأحزاب: 36] وقال: «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)» [النساء: 65].
الثالثة: أنّ كتاب الله لو كان كافياً عما أراد صلوات الله عليه وآله كتابته لم يطلب ما يكتب أتراه يطلب عبثاً أم يريد لغواً؟ ونقول لِمَ لَمْ يكف الكتاب واختلت أمر الأمة وانفصمت حبل الملة وتهدمت أركان الهدى وانطمست أعلام التقى.
قال السيد بن طاووس في محكي كلامه من كتاب «الطرائف»: من أعظم طرائف المسلمين أنهم شهدوا جميعاً أن نبيهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتاباً لا يضلون بعده أبداً، وأن عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك الكتاب وسبب ضلال من ضل من أمته وسبب اختلافهم وسفك الدماء بينهم وتلف الأموال واختلاف الشريعة وهلاك اثنين وسبعين فرقة من أصل فرق الإسلام وسبب خلود من يخلد في النار منهم.
ومع هذا كله فإنّ أكثرهم أطاع عمر بن الخطاب الذي قد شهدوا عليه بهذه الأحوال في الخلافة وعظموه وكفّروا بعد ذلك من يطعن فيه وهم من جملة الطاعنين، وضللوا من يذمه وهم من جملة الذامين، وتبرؤوا ممن يقبح ذكره وهم من جملة المقبحين.
الرابعة: أنّ غيظ رسول الله وغضبه عليه وأمره له بالخروج من البيت والمتنازعين مع خلقه العظيم وعفوه الكريم وملاحظته في الفظاظة والغلظة انفضاض الخلق كما قال سبحانه :
«وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» [آل عمران : 159].
لم يكن إلا لشدّة إساءته الأدب والوقاحة وبلوغه في أذى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) الغاية بحيث لم يتحملها صلوات الله عليه وآله وقد قال تعالى :
«إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)» [الأحراب : 57]. :
قال الجوهري : وحدثنا أحمد بن سيّار عن سعيد بن كثير الأنصاري عن عبد الله بن عبد الله بن الرّحمن أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأمره أن يغير على موتة حيث قتل أبوه زيد وأن يغزي وادي فلسطين، فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله وجعل رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يثقل ويخف ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث.
حتى قال له أسامة: بأبي أنت وأمي أتأذن لي أن أمكث أياماً حتى يشفيك الله ؟ فقال : اخرج وسر على بركة الله، فقال : يا رسول الله إنّي إن خرجت وأنت على هذه الحال خرجت وفي قلبي قرحة منك، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): سر على النصر والعافية، فقال: يا رسول الله إني أكره أن أسأل عنك الركبان، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : انفذ لما أمرتك به (1).
ثمّ أغمي على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وقام أسامة فجهز للخروج، فلما أفاق رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) سأل عن أسامة والبعث، فأخبر أنهم يتجهزون، فجعل يقول : انفذوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه، ويكرّر ذلك.
فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الأنصار أسيد بن حصين وبشير بن سعد وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول أم أيمن يقول له ادخل فإنّ رسول الله يموت، فقام من فوره ودخل المدينة واللواء معه فجاء به حتى ركزه باب رسول الله ورسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قد مات في تلك الساعة، قال : فَلَما (2)كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن ماتا بالأمير.
أقول: ونقل الشارح بعث جيش أسامة قبل في شرح الخطبة الشقشقية أيضاً بتغيير يسير لما أورده هنا من الجوهري، وقال هناك بعد نقله ما هذه عبارته.
وتزعم الشيعة أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان يعلم موته وأنه سير أبا بكر وعمر في بعث أسامة لتخلو دار الهجرة منهما فيصفو الأمر لعلي (علیه السَّلام) ويبايعه من تخلف من المسلمين في مدينة على سكون وطمأنينة، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول الله وبيعة النّاس لعلي بعده كانا عن المنازعة والخلاف أبعد لأنّ العرب كانت تلتزم بإتمام تلك البيعة وتحتاج في نقضها إلى حروب شديدة، فلم يتم له ما قدر وتثاقل بالجيش أياماً مع شدة حث رسول الله على نفوذه وخروجه بالجيش حتى مات وهما بالمدينة فسبقا علياً إلى البيعة وجرى ما جرى.
ثم قال : وهذا عندي غير منقدح لأنه إن كان يعلم موته فهو أيضاً يعلم أن أبا بكر سيلي الخلافة وما يعلمه لا يحترس منه، وإنّما يتم هذا ويصح إذا فرضنا أنه كان يظن موته ولا يعلمه حقيقة ويظنّ أن أبا بكر وعمر يتمالان على ابن عمه ويخاف وقوع ذلك منهما ولا يعلمه حقيقة فيجوز إن كانت الحال هكذا أن ينقدح هذا التوهم ويتطرق هذا الظن.
كالواحد منا له ولدان يخاف من أحدهما أن يتغلب بعد موته على جميع ماله ولا يوصل أخاه إلى شيء من حقه فإنّه قد يخطر له عند مرضه الذي يتخوف أن يموت فيه أن يأمر الولد
المخوف جانبه بالسفر إلى بلد بعيد في تجارة يسلمها إليه يجعل ذلك طريقاً إلى دفع تغلبه على الولد الآخر.
أقول: ما نسبه إلينا معاشر الشيعة حق لا ريب فيه، وما أورده علينا فظاهر الفساد إذ علم النبي بموته وبتولي أبي بكر الخلافة لا ينافي الأمر ببعثه مع أسامة وإلا لتوجه هذا الإشكال في أوامر الله سبحانه، فإنّه قد أمر العصاة بالإطاعة والكفار بالإسلام مع علمه بأنهم لا يطيعون وأنهم على كفرهم باقون، نعم هذا يناسب على أصول الأشاعرة القائلين بالجبر والشارح عدلي المذهب لا مساس لما أورده على مذهبه.
وتحقيق الكلام أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان يعلم موته ويعلم أن أبا بكر يغصب الخلافة ومع علمه بذلك بعثه في الجيش ليفهم الخلق ويعرفهم أنه ليس راضياً بخلافته وينبههم على خلافه وعظم جرمه وجريرته ومخالفته للحكم الإلزامي المؤكد الذي كرّره صلوات الله عليه وآله مرة بعد أخرى.
وليعلمهم أيضاً أنّه برجوعه إلى المدينة مستحق للعن الدائم والعذاب الأليم مضافاً إلى ما في ذلك البعث من نكتة أخرى، وهو (1)التنبيه على مقام أبي بكر وعمر والإيماء إلى أن من كان محكوماً عليه بحكم مثل أسامة ومأموراً بأمره لا يكون له قابلية واستعداد لأن يكون أميراً لجميع الأمة وإماماً لهم.
والحاصل أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان عالماً بموته وبأن ما قدره وأراده في حق أمير المؤمنين (علیه السَّلام) لا يتم له، ومع ذلك سير الرّجلين إعلاماً للخلق بأنّه لا يرضى بهما خلافة وأنهما غير قابلين لذلك، وإفهاماً لهم بأن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) هو القابل له، وأنه (علیه السَّلام) أراد قيامه (علیه السَّلام) مقامه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، فحالوا بينه وبينه.
1) في نسخة : هي.
از جمله کلام آن جناب عليه الصلاة و السلام است در خصوص انصار، گفته اند راویان زمانی که رسید به امیرالمؤمنین خبرهای سقیفه بنی ساعده و احتجاجات مهاجرین و انصار در باب خلافت بعد از وفات حضرت رسول مختار فرمود، آن حضرت که چه گفتند انصار به مهاجرین؟ عرض کردند که چنین گفتند که باید از ما امیری باشد و از شما امیری فرمود :
پس چرا احتجاج نکردید برایشان به این که رسول خدا وصیت فرمود در حق ایشان به این که احسان بشود در حق نیکوکار ایشان و در گذرند از بدکردار ایشان؟ عرض کردند که چگونه باشد در این گفتار حجت بر انصار؟ پس فرمود آن حضرت که اگر بود خلافت در ایشان نمی بود وصیت پیغمبر به ایشان؛ یعنی لازم بود که پیغمبر دیگران را به ایشان بسپارد نه این که سفارش ایشان را به دیگران بکند بعد از آن فرمود آن حضرت:
پس قریش در مقام احتجاج چه گفتند به انصار؟ عرض کردند که حجت آوردند به این که ایشان شجره رسول خدایند، پس فرمود که: حجت آوردند به شجره و ضایع کردند ثمره او را ؛ یعنی به درخت حجت میآوردند و ثمره او را که آل محمد عليه وعلى آله الصلاة و السلام هستند مهمل میگذارند؛ اللهم وفقنا.
لما قلّد محمد بن أبي بكر مصر فملك عليه وقتل رحمة الله عليه.
«وقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةً مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَلَوْ وَلَّيْتُهُ إياها لَما خَلَى لَهُمْ الْعَرْصَةَ، ولا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ، بِلا ذَمٍّ لِمُحَمَّدٍ، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبيباً وَلِيَ ربياً» (1).
(العرصة) كل بقعة من الدور واسعة ليس فيها بناء والمراد هنا عرصة مصر و(نهزت الفرصة) انتهزتها اغتنمتها، وانهزت الفرصة بهمزة التعدية أي انهزتها غيري و(الربيب) ابن امرأة الرّجل من غيره.
قوله (بلا ذم) كلمة (لا) نافية معترضه بين الخافض والمخفوض، وقال الكوفيون إنّها اسم بمعنى غير والجار داخل عليها نفسها وما بعدها مجرور بإضافتها إليه، وغيرهم يراها حرفاً ويسميها زائدة وإن كانت مفيدة معنى كما يسمون كان في نحو زيد كان فاضلاً زائداً فهي زائدة لفظاً من حيث فصول عمل ما قبلها إلى ما بعدها غيرة زائدة معنى لإفادتها النفي.
اعلم أنّه (لما قلد محمد بن أبي بكر مصر) قبل وقعة صفين أي جعله واليها كانت ولايتها قلادة في عنقه لكونه مسؤولاً عن خيرها وشرها وانصرف النّاس من صفين لم يزدد معاوية إلا قوة فبعث جيشاً كثيفاً إلى مصر فقاتلوا محمداً (فملك) مصر (عليه) أي أخذه معاوية منه قهراً واستولى عليه (وقتل) محمد قتله معاوية بن حديج الكندي حسبما تعرفه فلمّا جاءه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) نعي محمد قال (وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة) ابن أبي وقاص (ولو وليته إياها لما خلا لهم العرصة ولا انهزهم الفرصة) كما انهزها محمّد إياهم وخلاها لهم وفرّ منها ظاناً أنه بالفرار ينجو بنفسه فلم ينج وأخذ وقتل (بلا ذمّ لمحمد) أي لست في كلامي ذلك ذاماً له لكون تلك التخلية منه للعدو من العجز لا من التقصير والثواني (فـ) ـإنه (لقد كان إلي حبيباً
1) الغارات 301/1، وبحار الأنوار: 580/33 ح 725.
و(كان لي ربيباً).
أمّا محمّد فهو جليل القدر عظيم المنزلة من خواص أصحاب أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال ابن طاووس : ولد في حجة الوداع قتل بمصر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.
وعن رجال الكشي عن الصادق (علیه السَّلام): أن محمد بن أبي بكر أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت بنت عميس وعنه أيضاً مسنداً عن أبي جعفر (علیه السَّلام): أنّ محمّد بن أبي بكر بايع علياً على البراءة من أبيه، وفي شرح المعتزلي أم محمد أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم كانت تحت جعفر بن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة فولدت له هناك عبد الله بن جعفر الجواد، ثم قتل عنها يوم موتة فخلف عليها أبو بكر فأولدها محمداً، ثم مات عنها فخلف عليها عليّ بن أبي طالب (علیه السَّلام) وكان محمد ربيبه وخريجه وجارياً عنده مجرى أولاده ورضع الولاء والتشيع من زمن الصبا فنشأ عليه فلم يكن يعرف أباً غير علي (علیه السَّلام) ولا يعتقد لأحد فضيلة غيره حتى قال علي: محمد ابني من صلب أبي بكر (1)، وكان يكنى أبا القاسم في قول ابن قتيبة، وقال غيره بل يكنى أبا عبد الرحمن.
وكان محمد من نساك قريش وكان ممن أعان یوم الدار، واختلف هل باشر قتل عثمان أولاً، ومن ولد محمد القاسم بن محمد فقيه الحجاز وفاضلها، ومن ولد القاسم عبد الرحمن بن القاسم كان من فضلاء قريش يكنى أبا محمد ومن ولد القاسم أيضاً أم فروة تزوّجها الباقر أبو جعفر محمد بن علي (علیه السَّلام)، انتهى.
أقول : وقد تقدّم في شرح الخطبة الشقشقية أنّ الصادق (علیه السَّلام) تولد من أم فروة.
وفي مجالس المؤمنين ن أهل السنة يسمّون معاوية بسبب اخته أم حبيبة خال المؤمنين ولا يسمون محمّداً بذلك مع أن عائشة أخته وهي أم المؤمنين عندهم وذلك لنصب معاوية وعداوته لأمير المؤمنين (علیه السَّلام) وكون محمد رضي الله عنه من خواص أصحابه وخلص تلامذته، ومن شعره رضي الله عنه :
يا أبانا قد وجدنا ما صلح *** خاب من أنت أبوه وافتضح
إنّما أخرجنا منك الذي *** أخرج الدرّ من الماء الملح
أنسبت العهد في خم وما *** قاله المبعوث فيه وشرح
1) بحار الأنوار: 162/42، والمناظرات في الإمامة: 86.
فيك وصي أحمد في يومها *** أم لمن أبواب خير قد فتح
أم بارث قد تقمصت بها *** بعدما يحتج عجلك وكشح
وسألك المصطفى عما جرى *** من قضاياكم ومن تلك القبح
ثم عن فاطمة وارثها *** من روى فيه ومن فيه فضح
ما ترى عذرك في الحشر غداً *** يا لك الويل إذ الحق اتضح
فعليك الخزي من ربّ السماء *** كما ناح حمام وصدح
يابني الزهراء أنتم عدتي *** وبكم في الحشر ميزاني رجح
وإذا صحّ ولائي بكم *** لا أبالي أي كلب قد نبح
وأما هاشم فهو ابن عتبة بن أبي وقاص وسمى المرقال لأنه كان يرقل في الحرب، وعن «الاستيعاب» أنه كان من أصحاب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) نزل الكوفة وكان من الفضلاء الخيار، وكان من الأبطال، وفقئت عينه يوم اليرموك؟ وكان خيراً فاضلاً شهد مع علي (علیه السَّلام) الجمل، وشهد صفين وأبلا بلاءً حسناً وبيده كانت راية عليّ على الرّجالة يوم صفين، ويومئذ قتل وكانت صفين سنة سبع و وثلاثين.
أقول : وقد تقدّم كيفية قتاله وشجاعته وشهادته رضي الله عنه في شرح الخطبة الخامسة والستين.
في الإشارة إلى بعض الفتن الحادثة بمصر، وشهادة محمد بن أبي بكر رضي الله عنه.
فأقول : في «شرح المعتزلي» و البحار جميعاً من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي.
قال إبراهيم : بإسناده عن الكلبي أنّ محمّد بن حذيفة هو الذي حرّض المصريين على قتل عثمان وندبهم إليه وكان حينئذ بمصر، فلمّا ساروا إلى عثمان وحصروه وثب هو بمصر على عامل عثمان عليها وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح فطرده عنها وصلى بالناس فخرج ابن أبي سرح من مصر ونزل على تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين، وانتظر ما يكون من أمر عثمان، فلما بلغ إليه خبر قتله وبيعة الناس لأمير المؤمنين (علیه السَّلام) لحق بمعاوية.
قال : فلما ولي علي (علیه السَّلام) الخلافة وكان قيس بن سعد بن عبادة من شيعته ومناصحيه قال له : سر إلى مصر فقد وليتكها واخرج إلى ظاهر المدينة واجمع ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتّى تأتي مصر ومعك جند، فإنّ ذلك أرعب لعدوّك وأعزّ لوليك، فإذا قدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن واشدد على المريب، وارفق بالعامة والخاصة فالرفق يمن.
فقال قيس : يا أمير المؤمنين قد فهمت ما ذكرت فأما الجند فإنّي أدعه لك فإذا احتجت إليهم كانوا قريباً منك وإن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا لك عدة ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي، وأما ما أوصيتني به من الرفق والإحسان فالله هو المستعان على ذلك.
قال: فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر وصعد المنبر وأمر بكتاب معه يقرأ على النّاس فيه :
من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من بلغه كتاب من المسلمين، سلام عليكم فإنّي أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّ الله بحسن صنعه وقدره وتدبيره اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله وبعث أنبيائه إلى عباده فكان مما أكرم الله عزّ وجلّ به هذه الأمة وخصّهم به من الفضل أن بعث محمّداً (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إليهم فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض، وأدبهم لكيما يهتدوا وأجمعهم لكي لا يتفرقوا، وزكاهم لكيما يتطهروا فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه، فعليه صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه.
ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين أحييا السيرة ولم يعدوا لسنة، ثم توفيا فولي بعدهما من أحدث احداثاً فوجدت الأمة عليه مقالاً فقالوا ثمّ نقموا عليه فغيّروا ثم جاؤوني فبايعوني وأنا أستهدي الله للهدى وأستعينه على التقوى، ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله والقيام بحقه والنصح لكم بالغيب والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد بعثت لكم قيس بن سعد الأنصاري أميراً فوازروه وأعينوه على الحق، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم والشدة على مريبكم والرفق بعوامكم وخواصكم وهو ممن أرضى هديه وأرجو صلاحه ونصحه، نسأل الله لنا ولكم عملاً زاكياً وثواباً جزيلاً ورحمة الله وبركاته (1)، وكتب عبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين.
قال : فلما فرغ من قراءة الكتاب قام قيس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال:
الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل وكبت الظالمين أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنّة نبيه فإن نحن لم نعمل فيكم بكتاب الله وسنة رسول الله فلا بيعة لنا عليكم.
فقام النّاس فبايعوه واستقامت مصر وأعمالها لقيس وبعث عليها عماله إلا أن قرية فيها قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له : يزيد بن الحرث قبعث إلى قيس
1) الغارات: 211/1، وبحار الأنوار: 535/33.
إنا لا نأتيك فابعث عمّا لك فالأرض أرضك ولكن اقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس ووثب مسلمة بن مخلد الأنصاري ودعى إلى الطلب بدم عثمان، فأرسل إليه قيس ويحك أعلي تسبّ والله ما أحب أن لي ملك الشام ومصر وإنّي قتلتك فأحقن دمك، فأرسل إليه مسلمة إنّي كاف عنك ما دمت والي مصر.
وكان قيس ذا رأي وحزم فبعث إلى الذين اعتزلوا أنّي لا أكرهكم على البيعة ولكنّي أدعكم وأكفّ عنكم، فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد بن وجيء الخراج وليس أحد ينازعه.
قال إبراهيم: وخرج علي إلى الجمل وقيس على مصر ورجع إلى الكوفة من البصرة وهو بمكانه وكان أثقل خلق الله على معاوية لقرب مصر وأعمالها من الشام فكتب معاوية إلى قيس وعلي (علیه السَّلام) يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين :
من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة «عثرة» رأيتموها أو ضربة سوط ضربها أو في شتمه أو تمييزه أحداً أو في استعماله الفتيان من أهله فإنّكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لا يحل لكم بذلك، فقد ركبتم عظيماً من الأمر وجئتم شيئاً إذاً، فتب يا قيس إلى ربك إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة قبل الموت تغني شيئاً.
وأما صاحبك فقد استيقنا أنّه أغرى النّاس به وحملهم على قتله حتى قتلوه وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممّن يطلب بدم عثمان فافعل وبايعنا على علي في أمرنا هذا ولك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني من غير هذا نحب ما تحبّ فإنّك لا تسألني عن شيء إلا أديته فإنك امرؤ وأحب أن ندافعه ولا نبدي له أمره ولا نعجل له حربه واكتب إلي برأيك فيما كتبت إليك والسلام.
فكتب إليه أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت الذي ذكرت من أمر عثمان وذلك أمر لم أقاربه وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى النّاس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه، وهذا أمر لم أطلع عليه، وذكرت لي أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري إن أولى الناس كان فى أمره عشيرتي.
وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه وما عرضته علي فقد فهمته وهذا أمر لي فيه نظر وفكر وليس رأس هذا مما يعجل إلى مثله وأنا كاف عنك وليس يأتيك من قبلي شيء تكرهه حتى ترى ونرى إنشاء الله والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال إبراهيم: فلما قرأ معاوية الكتاب لم يره إلا مقارباً مباعداً ولم يأمن أن يكون مخادعاً مكائداً فكتب إليه :
أما بعد، فقد قرأت كتابك فلم أراك تدنو فأعدك سلماً، ولم أراك تتباعد فأعدك حرباً أراك كالجمل الجرور (1)وليس مثلي بصانع بالخداع ولا يخدع بالمكائد ومعه عدد الرّجل واعنة الخيل، فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك وإن أنت لم تفعل ملئت مصر عليك خيلاً ورجلاً والسّلام.
فلما قرأ قيس كتابه وعلم أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة أظهر له ما في نفسه فكتب إليه من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان.
أما بعد: فالعجب من استسقاطك رأيي والطمع فيما تسومني لا أباً لغيرك من الخروج من طاعة أولى الناس بالأمر وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلاً وأقربهم من رسول الله وسيلة أتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلاً وأنا هم من رسول الله وسيلة ولديك قوم ضالون مضلون طواغيت إبليس، وأما قولك إنك تملأ عليّ مصر خيلاً ورجلاً فلئن لم أشغلك من ذلك حتى يكون منك أنك ذو جد والسلام.
فلما أتى معاوية كتاب قيس آيس وثقل مكانه عليه وكان يحب أن يكون مكانه غيره أعجب لما يعلم من قوته وبأسه ونجدته، فاشتد أمره على معاوية فأظهر للناس أن قيساً قد بايعكم فادعوا الله له وقرأ عليهم كتابه الذي لان فيه وقاربه واختلق كتاباً نسبه إلى قيس فقرأه على النّاس للأمير معاوية من أبي سفيان من قيس بن سعد.
أما بعد، إن قتل عثمان حدث في الإسلام عظيماً وقد نظرت لنفسي وديني فلم أر يسعني وديني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلماً، فنستغفر الله سبحانه لذنوبنا ونسأله العصمة لديننا ألا وإنّي قد ألقيت إليك بالسّلم وأجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم فاطلب منّي ما أحببت من الأمور والرّجال اعجله إليك إن شاء الله، والسّلام على الأمير ورحمة الله وبركاته.
قال : فشاع في الشام كلها أنّ قيساً صالح معاوية وأتت عيون علي بن أبي طالب إليه بذلك، فأعظمه وأكبره وتعجب له ودعا ابنيه حسناً وحسيناً وابنه محمّداً وعبد الله بن جعفر فأعلمهم بذلك وقال : ما رأيكم؟ فقال عبد الله بن جعفر : يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل قيساً عن مصر، قال علي (علیه السَّلام) والله إني غير مصدق بهذا على قيس، فقال عبد الله : اعزله يا أمير المؤمنين فإن كان ما قد قيل حقاً لا يعتزل لك إن عزلته.
قال : وانّهم لكذلك إذ جاءهم كتاب من قيس بن سعد فيه :
أما بعد فإنّي أخبرك يا أمير المؤمنين أكرمك الله وأعزك، أن قبلي رجالاً معتزلين
1) بحار الأنوار: 538/33، والدرجات الرفيعة : 340.
سألوني ان اكف عنهم وأدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس ونرى ويرون، وقد رأيت أن أكفّ عنهم ولا أعجل بحربهم وأن أتالفهم بين ذلك لعل الله أن يقبل بقلوبهم ويفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله والسّلام.
فقال عبد الله بن جعفر : يا أمير المؤمنين إنّك إن أطعته في تركهم واعتزالهم استسرى الأمر وتفاقمت الفتنة وقعد عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها ولكن مره بقتالهم، فكتب إليه :
أما بعد، فسر إلى القوم الذين ذكرت فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فناجزهم والسّلام.
فلما أتى هذا الكتاب قيساً فقرأه لم يتمالك أن كتب إلى علي (علیه السَّلام).
أما بعد يا أمير المؤمنين تأمرني بقتل قوم كافين عنك لم يمدوا يداً للفتنة ولا أرصدوا لها فأطعني يا أمير المؤمنين وكف عنهم فإنّ الرّأي تركهم والسّلام.
فلما أتاه الكتاب قال عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر يكفيك واعزل قيساً فوالله ليبلغني أن قيساً يقول أن سلطاناً لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء والله ما أحب أن لي سلطان الشام مع سلطان مصر وإنّني قتلت ابن مخلد.
وكان عبد الله بن جعفر أخا محمّد بن أبي بكر لأمه وكان يحب أن يكون له أمرة وسلطان فاستعمل عليّ محمّد بن أبي بكر مصر لمحبته له ولهوى عبد الله بن جعفر أخيه فيه وكتب معه كتاباً إلى أهل مصر فسار حتى قدمها فقال له قيس: ما بال أمير المؤمنين ما غيره أدخل أحد بيني وبينه؟ قال: لا وهذا السلطان سلطانك وكان بينهما نسب وكان تحت قيس قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر فكان قيس زوج عمته، فقال قيس: لا والله لا أقيم معك ساعة واحدة فغضب وخرج من مصر مقبلاً إلى المدينة ولم يمض إلى عليّ بالكوفة.
فلما قدم المدينة جاء حسان بن ثابت شامتاً به وكان عثمانياً فقال له: نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم ولم يحسن عليك الشكر فزجره قيس وقال : يا أعمى البصر والله لولا أن ألقى بيني وبين رهطك حرباً لضربت عنقك ثمّ أخرجه من عنده..
ثمّ إنّ قيساً وسهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي (علیه السَّلام) الكوفة فخبره قيس الخبر وما كان بمصر، فصدقه وشهد مع علي بصفين هو وسهل بن حنيف وكان قيس طوالاً أطول الناس وأمدهم قامة وكان سبطاً أصلع شجاعاً مجرياً مناصحاً لعلي (علیه السَّلام) ولولده ولم يزل على ذلك إلى أن مات.
وعن هشام بن عروة قال : كان قيس على مقدّمة علي بصفين معه خمسة آلاف قد حلقوا
رؤوسهم.
وفي «البحار» وجدت في بعض الكتب أنّ عزل قيس من مصر مما غلب أمير المؤمنين أصحابه واضطروه إلى ذلك ولم يكن هذا رأيه كالتحكيم ولعله أظهر وأصوب.
قال إبراهيم وكان عهد علي (علیه السَّلام) إلى محمد بن أبي بكر :
هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمّد بن أبي بكر حين ولاه مصر؛ أمره بتقوى الله في السر والعلانية وخوف الله في المغيب والمشهد، وأمره باللين على المسلم والغلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذمة وبالانصاف للمظلوم وما يشده على الظالم، وبالعفو على النّاس وبالإحسان ما استطاع والله يجزي المسحنين ويعذب المجرمين، وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة فإن لهم في ذلك من العافية وعظم المثوبة ما لا يقدر قدره ولا يعرف كنهه (1).
وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبي عليه من قبل لا ينتقص ولا يبتدع ثمّ يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل، وإن تكن لهم حاجة يواسي بينهم في مجلسه ووجهه ليكون القريب والبعيد عنده على سواء، وأمره أن يحكم بين الناس بالحق وأن يقوم بالقسطاس ولا يتبع الهوى ولا يخاف في الله لومة لائم فإنّ الله مع من اتقاه وآثر طاعته على من سواه، وكتب عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله بغرة شهر رمضان سنة ست وثلاثين.
قال إبراهيم : ثمّ قام محمد بن أبي بكر خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال :
أما بعد فالحمد الله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيراً ممّا عمى عنه الجاهلون ألا وإنّ أمير المؤمنين، ولاني أموركم وعهد إلي بما سمعتم وأوصاني بكثير منه مشافهة ولن الوكم جهداً ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من آثاري وأعمالي طاعة الله وتقوى فاحمدوا الله على ما كان من ذلك فإنّه هو الهادي إليه، وإن رأيتم من ذلك عملاً بغير الحق فارفعوه إلي فإنّي بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح العمل.
أقول : ولأمير المؤمنين كتاب آخر مبسوط إلى محمد وأهل مصر ورواه إبراهيم نرويه إنشاء الله في باب الكتب إن ساعدنا التوفيق والمجال.
ثم قال إبراهيم: فلم يلبث محمّد بن أبي بكر شهراً كاملاً حتى بعث إلى أولئك المعتزلون الذين كان قيس بن سعد موادعاً لهم، فقال : يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما
1) بحار الأنوار: 540/33.
أن تخرجوا من بلادنا فبعثوا إليه إنا لا نفعل فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس فلا تعجل علينا فأبى عليهم فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم، ثمّ كانت وقعة صفين وهم لمحمدهاييون.
فلما أتاهم خبر معاوية وأهل الشام ثم صار الأمر إلى الحكومة وأن علياً وأهل العراق قد غفلوا عن معاوية والشّام إلى عراقهم اجتروا على محمد وأظهروا المنابذة له فلما رأى محمد ذلك بعث إليهم ابن جمهان البلوى ومعه يزيد بن الحرث الكناني فقاتلاهم فقتلوهما.
ثم بعث إليهم رجلاً من كلب فقتلوه أيضاً، وخرج معاوية بن حديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه القوم وناس كثير آخرون و فسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ علياً توبتهم عليه، فقال: ما لي أرى لمصر إلا وأحد الرجلين صاحبنا الذي عزلناه بالأمس يعني قيس بن سعد أو مالك بن الحرث الأشتر.
وكان عليّ حين رجع عن صفين ردّ الأشتر إلى عمله بالجزيرة وقال لقيس بن سعد : أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثمّ أخرج إلى أذربيجان فكان قيس مقيماً على شرطته.
فلمّا انقضى أمر الحكومة كتب إلى الأشتر وهو يومئذ بنصيبين وطلبه إليه وبعثه إلى مصر ومات قبل الوصول إليه بتفصيل تطلع عليه في باب الكتب أيضاً إن شاء الله.
قال إبراهيم : فحدث محمّد بن عبد الله عن أبي سيف المدائني عن أبي جهضم الأزدي أن أهل الشام لما انصرفوا عن صفّين وأتى بمعاوية خبر الحكمين وبايعه أهل الشام بالخلافة لم يزدادوا إلا قوة ولم يكن لهم هم إلا مصر فدعا عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد وشرجيل بن السمط وأبا الأعور السلمي وحمزة بن مالك فاستشارهم في ذلك.
قال عمرو بن العاص : نعم الرأي رأيت في افتتاحها عزّك وعزّ أصحابك وذلّ عدوّك، وقال آخرون نرى ما رأى عمرو، فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري وإلى معاوية بن حديج الكندي وكانا قد خالفا عليّاً فدعاهما إلى الطلب بدم عثمان فأجابا وكتبا إليه : عجل إلينا بخيلك ورجلك فإنا ننصرك ويفتح الله عليك.
فبعث معاوية عمر بن العاص في ستة آلاف فسار عمرو في الجيش حتى دنى من مصر فاجتمعت إليه العثمانية فأقام، وكتب إلى محمد بن أبي بكر.
أما بعد فتنح عني يا ابن أبي بكر فإنّي لا أحب أن يصيبك منّي ظفر وأنّ الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك وندموا على اتباعك وهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطنان، فاخرج منها فإنّي لك من الناصحين والسّلام.
قال : وبعث عمرو إلى محمد مع هذا الكتاب كتاب معاوية إليه هو:
أما بعد فإنّ غب الظلم والبغي عظيم الوبال وأن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الآخرة، وما نعلم أحداً كان أعظم على عثمان بغياً ولا أسوء له عيناً ولا أشدّ عليه خلافاً منك، سعيت عليه في الساعين وساعدت عليه في المساعدين وسفكت دمه مع السافكين، ثمّ تظنّ أنّي نائم عنك فتأتي بلدة فتأمن فيها وجل أهلها أنصاري يرون رأيي ويرفعون قولك ويرقبون عليك وقد بعثت إليك قوماً حناقاً عليك يسفكون دمك ويتقربون إلى الله عزّ وجلّ بجهادك وقد أعطوا الله عهداً ليقتلنك ولو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه، وأنا أحذرك وأنظرك فإنّ الله مقيد منك ومقتص لوليه وخليفته بظلمك به وبغيك عليه ووقيعتك فيه وعداوتك يوم الدار عليه، تطعن بمشاقصك فيما بين احشائه وأوداجه، ومع هذا فإنّي أكره قتلك ولا أحب أن أتولى ذلك منك ولن يسلمك الله من النقمة أين كنت أبداً فتنح وانج بنفسك والسّلام.
قال: فطوى محمّد بن أبي بكر كتابيهما وبعث بهما إلى علي (علیه السَّلام) وكتب إليه :
أما بعد يا أمير المؤمنين فإنّ العاصي ابن العاص قد نزل أدنى مصر واجتمع إليه من أهل البلد كلّ من كان يرى رأيهم وهو في جيش جرار وقد رأيت ممن قبلي بعض الفشل فإن كان لك في أرض مصر حاجة فامددني بالأموال والرجال والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه : «فقد أتاني رسولك بكتاب تذكر أن ابن العاص قد نزل أدنى مصر في جيش جرار وأنّ من كان على مثل رأيه قد خرج إليه وخروج من كان على رأيه خير من اقامته عندك، وذكرت أنك قد رأيت ممّن قبلك فشلاً فلا تفشل وإن فشلوا، حصّن قريتك واضمم إليك شيعتك، وأوّل الحرس في عسكرك واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والتجربة والبأس، فأنا نادب إليك الناس على الصعب والذلول فاصبر لعدوّك وامض بصيرتك وقاتلهم على نيّتك وجاهدهم محتسباً منه سبحانه، وإن كان فئتك أقل الفئتين فإن الله تعالى يعين القليل ويخذل الكثير.
وقد قرأت كتاب الفاجرين المتحابين (1)على المعصية والمتلائمين على الضلالة والمرتشين في الحكومة والمنكرين على أهل الدين الذين استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، فلا يضرنك إرعادهما وإبراقهما، وإجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله، فإنّك تجد مقالاً ما شئت والسلام» (2).
قال : فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه :
أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر من أمر عثمان أمراً لا أعتذر إليك منه وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح وتخوفني بالحرب كأنك علي شفيق، وأنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم وأن يخذلكم الله في الواقعة وأن ينزل بكم الذل وأن تولوا الدبر، فإن يكن لكم الأمر في الدنيا فكم وكم لعمري من ظالم قد نصرتم وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به وإلى الله المصير وإليه ترد الأمور، وهو أرحم الرّاحمين والله المستعان على ما تصفون.
وكتب إلى عمرو بن العاص :
أما بعد فقد فهمت كتابك وعلمت ما ذكرت وزعمت أنك لا تحبّ أن يصيبني منك الظفر، فاشهد بالله أنك لمن المبطلين وزعمت أنك لي ناصح وأقسم أنك عندي ظنين، وزعمت أنّ أهل البلد قد رفضوني وندموا على اتباعي فأولئك حزبك وحزب الشّيطان الرجيم، وحسبنا الله ربّ العالمين وتوكلت على الله العزيز الرحيم رب العرش العظيم.
قال إبراهيم: فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال : فأقبل عمرو بن العاص يقصد قصد مصر فقام محمّد بن أبي بكر في النّاس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد يا معاشر المسلمين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ويغشون أرض الضلالة ويستطيلون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود، فمن أراد الجنّة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله، انتدبوا رحمكم الله مع كنانة بن بشر.
ثم ندب معه ألفي رجل، وتخلف محمد في ألفين واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمّد فلما دنى عمرو من كنانة سرح إليه الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فلم تأته كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شدّ عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو، ففعل ذلك مراراً، فلما رأى عمرو ذلك بعث معاوية بن حديج الكندي فأتاه في مثل الدهم، فلما رأى كنانة ذلك الجيش نزل عن فرسه ونزل معه أصحابه وضاربهم بسيفه حتى استشهد.
قال : فلما قتل كنانة أقبل ابن العاص نحو محمد وقد تفرّق عنه أصحابه، فخرج محمد فمضى في طريق حتى انتهى إلى خربة فآوى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط وخرج ابن حديج في طلب محمّد حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق فسألهم هل مرّ بكم أحد تنكرونه؟ قالوا: لا قال أحدهم: إني دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل جالس، قال ابن حدیج: هو هو ورب الكعبة.
فانطلقوا يركضون حتى دخلوا على محمد فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً، فاقبلوا به نحو الفسطاط فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال: لا والله لا يقتل أخي صبراً ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه، فأرسل عمرو بن العاص ان اثتني
بمحمّد، فقال معاوية : اقتلتم كنانة بن بشر ابن عمّي وأخلّى عن محمد، هيهات هيهات أكفّاركم خير من أوليائكم أم لكم براءة في الزبير.
فقال محمد: اسقوني قطرة من ماء، فقال له ابن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبداً، إنّكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائماً محرماً فسقاه الله من الرّحيق المختوم والله لأقتلنّك يا ابن أبي بكر وأنت ظمآن ويسقيك الله من الحميم والغسلين.
فقال محمّد يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك اليوم إليك ولا إلى عثمان وإنّما ذلك إلى الله يسقي أولياءه ويظميء أعداءه وهم أنت وقرناؤك ومن تولاك وتوليته، والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم منّي ما بلغتم فقال له معاوية بن حديج: أتدري ما أصنع بك أدخلك جوف هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار.
قال : إن فعلتم ذلك بي فطال ما فعلتم ذاك بأولياء الله وأيم الله إني لأرجو أن يجعل الله هذه النار التي تخوفني بها برداً وسلاماً كما جعلها الله علي إبراهيم خليله وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وعلى أوليائه وإنّي لأرجو أن يحرقك الله وإمامك معاوية وهذا، وأشار إلى عمرو بن العاص، بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله عليكم سعيراً.
فقال معاوية بن حديج: إنّي لأقتلك ظمآناً إنّما أقتلك بعثمان بن عفان، قال محمد: وما أنت وعثمان رجل عمل بالجور وبدل حكم الله والقرآن وقد قال الله عزّ وجل:
«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» [المائدة: 44].
فنقمنا عليه أشياء عملها فأردناه أن يختلع من عملنا فلم يفعل فقتله من قتله من الناس، فغضب معاوية بن حديج فضرب عنقه ثمّ ألقاه في جوف حمار وأحرقه بالنار.
فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج، وقبضت عيال محمد أخيها وولده إليها فكان القاسم بن محمّد في عيالها، وحلفت عائشة أن لا تأكل شوي أبداً بعد قتل محمّد، فلم تأكل شوي حتى لحقت بالله، وما عثرت قط إلا قالت نعس معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاوية بن حديج.
قال إبراهيم: وحدثني محمد بن عبد الله عن المدائني عن الحرث بن كعب عن حبيب بن عبد الله، قال والله إني عند علي إذ جاءه عبد الله بن معين من قبل محمد بن أبي بكر يستصرخه قبل الوقعة، فقام علي (علیه السَّلام) فنادى في النّاس الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر رسول الله ثم قال (علیه السَّلام):
«أما بعد فهذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن
النابغة عدوّ الله وعدوّ من والاه وولا من عاد الله فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشدّ اجتماعاً على باطلهم منكم على حقكم، وقد بدؤوكم وإخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر، عباد الله إن مصر أعظم من الشّام خيراً وخير أهلاً فلا تغلبوا على مصر فإن بقاء مصر في أيديكم عزّلكم وكبت لعدوّكم اخرجوا إلى الجزعة «والجزعة بين الحيرة والكوفة» لنتوافى هناك كلنا غداً إن شاء الله.
قال : فلمّا كان الغد خرج يمشي فأقام حتى انتصب النهار فلم يوافه مائة رجل فرجع فلما كان العشاء بعث إلى الأشراف فجمعهم فدخلوا عليه القصر وهو كئيب حزين فقال (علیه السَّلام).
الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من فعل وابتلاني بكم أيها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرتها، ولا تجيب إذا دعوتها لا أبا لغيركم ماذا تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم، الموت خير من الذل في هذه الدنيا لغير الحق والله إن جاءني الموت وليأتيني فليفرقن بيني وبينكم لتجدنني لصحبتكم جد.
قال : ألا دين يجمعكم ألا حمية تغيظكم ألا تسمعون بعدوّكم ينتقص بلادكم ويشن الغارة عليكم أوليس عجباً أن معاوية يدعو الجفاة الظعام الظلمة فيتبعونه على غير عطاء ومعونة ویجيبونه في السنّة المرّة والمرتين والثلاث إلى أي وجه شاء ثم أنا أدعوكم وأنتم أولوا النّهى وبقية الناس تختلفون وتفرقون مني وتعصونني وتخالفون علي» (1).
فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي فقال : يا أمير المؤمنين اندب النّاس معي فإنّه لا عطر بعد عروس، وإنّ الأجر لا يأتي إلا بالكره، ثم التفت إلى النّاس وقال: اتقوا الله وأجيبوا دعوة إمامكم وأنصروا دعوته وقاتلوا عدوّكم إنا نسير إليهم يا أمير المؤمنين.
فأمر علي (علیه السَّلام) سعداً مولاه أن ينادي ألا سيروا مع مالك بن كعب إلى مصر وكان وجهاً مكروهاً فلم يجتمعوا إليه شهراً، فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك بن كعب فعسكر ظاهر الكوفة وخرج معه علي (علیه السَّلام) فنظر فإذا جميع الناس نحو من ألفين فقال علي (علیه السَّلام) سيروا والله أنتم ما أخالكم تدركون القوم حتى ينقضي أمركم، وخرج مالك بهم وسار خمس ليال.
وقدم الحجاج بن عرية الأنصاري على علي (علیه السَّلام) وقدم عليه عبد الرحمن بن المسيب الفرازي من الشّام، فأمّا الفرازي فكان عيناً لعلي لا ينام وأما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدّثه الأنصاري بما عاين وشاهد وأخبره بهلاك محمد وأخبره الفرازي انه لم يخرج من الشّام حتى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص فيتبع بعضها بعضاً بفتح مصر وقتل
1) بحار الأنوار: 564/33، وشرح نهج البلاغة : 90/6.
محمد بن أبي بكر وحتى أذن معاوية بقتله على المنبر.
وقال : يا أمير المؤمنين ما رأيت يوماً قط سروراً مثل ما رأيته بالشام حين أتاهم قتل ابن أبي بكر، فقال علي (علیه السَّلام): أما إن حزننا على قتله على قدر سرورهم به لا بل يزيد أضعافاً.
قال : وحزن علي (علیه السَّلام) على محمّد حتى رؤي ذلك فيه وتبين في وجهه وقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
ألا وإن المصر قد افتتحها الفجرة أولياء الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجاً، ألا وإنّ محمّد بن أبي بكر قد استشهد رحمة الله عليه وعند الله نحتسبه، أما والله لقد كان ما عملت ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب سمت المؤمن، إنّي والله ما ألوم نفسي على تقصير ولا عجز وإنّي لمقاساة الحرب مجد بصير إني الأقدم على الحرب وأعرف وجه الحزم وأقوم بالرأي المصيب فأستصرخكم وأناديكم مستغيثاً فلا تسمعون قولاً ولا تطيعون لي أمراً حتى تصير الأمور إلى عواقب المساءة وأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ولا ينقص بكم الأوتار، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلاً فجرجرتم عليّ جرجرة الجمل الأشر وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من لا نية له في الجهاد ولا رأي في الإكتساب للأجر، ثمّ خرج إلي منكم جنيد متدائب ضعيف كأنما تساقون إلى الموت وهم ينظرون فأفُ لكم (1)، ثم نزل فدخل رحله.
قال المدائني : إن علياً (علیه السَّلام) قال : رحم الله محمّداً كان غلاماً حدثاً لقد كنت أردت أن أولي المرقال هاشم بن عتبة مصراً فإنه والله لو وليها ما خلى لابن العاص وأعوانه العرصة ولا قتل إلا وسيفه في يده بلا ذم لمحمد فلقد أحمد نفسه وقضا ما عليه.
قال المدائني: وقيل لعلي (علیه السَّلام): لقد جزعت يا أمير المؤمنين على محمد بن أبي بكر، فقال : وما يمنعني إنه كان لي ربيباً وكان لي أخاً وكنت له والداً أعده ولداً.
1) بحار الأنوار: 565/33، ونهج السعادة: 474/2.
از جمله کلام آن امام انام است در وقتی که ایالت مصر را به محمد بن ابی بکر تفویض فرمود :
پس مملوک شد مصر و مقتول گردید محمد؛ یعنی محمد را به امر معاویه ملعون شهید کردند و به مصر مستولی شدند و به تحقیق که میخواستم هاشم بن عتبه را والی مصر نمایم و اگر او را والی مصر کرده بودم، هر آینه خالی نمی کرد از برای دشمنان عرصه مصر را و نمی داد به ایشان فرصت را در حالتی که مذمت نمی کنم محمد را، پس به تحقیق که بود محمد به سوی من دوست مخلص و بود مرا پسر زن از جهت این که مادر او اسماء بنت عمیس زوجه جعفر بن ابی طالب بود و بعد از او ابوبکر او را تزویج نمود و محمد از او متولد شد و بعد از وفات ابی بکر، امیرالمؤمنین آن را به نکاح خود درآورد.
«كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَه، وَالثِّيَابُ الْمُتَدَاعِيَةُ، كُلَّمَا حَيْصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتْكَتْ مِنْ آخَرَ، كُلَّمَا أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَه، وَانْحَجَرَ الْحِجَارُ الضَّبَّةِ فِي جُحْرِهَا وَالضَّبْعِ فِي وِجَارِهَا، الْذَلِيلُ وَاللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوه، وَمَنْ رَمَىٰ بِكُمْ فَقَدْ رَمَىٰ بِأَفْوَقِ نَاصِلٍ، وَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَات، قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمُ وَيُقِيمُ أَوْدَكُم، وَلَكِنِّي لَا أَرَى إصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي، أَضْرَعَ اللَّهُ حُدُودَكُم، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ، لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ، وَلَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ» (1).
(البكار) بالكسر جمع بكر بالفتح وهو الفتى من الإبل و(العمدة) بكسر الميم من العمد الورم والدبر وقيل العمدة التي كسرها ثقل حملها، وقيل: التي قد انشدخت أسمتها من داخلها وظاهرها صحيح و(المتداعية) الخلقة التي تنخرق وإنّما سمّيت متداعية لأن بعضها يتخرّق فيدعو الباقي إلى الانخراق.
و(الحوص) الخياطة يقال حاص الثوب يحوصه حوصاً خاطه و (اطل) عليه بالطاء المهملة أشرف وفي بعض النسخ بالمعجمة أي أقبل إليكم ودنی منكم و(المنسر) كمجلس وكمنبر القطعة من الجيش تمرّ قدام الجيش الكثير و(الجحر) بالضم كل شيء يحتفره السباع والهوام لأنفسها وحجر الضب كمنع دخله وحجره غيره أدخله فانحجر وتحجر وكذلك أحجره و (الضيّة) أنثى الضباب وهي دابة برّية.
و(الضبع) مؤنثه و (وجارها) بالكسر جحرها و(الأفوق) المكسور الفوق و(الناصل) المنزوع النّصل و(الباحة) السياحة وفي بعض النسخ الساحات و(الراية) العلم و(الأود) بالتحريك العوج و(ضرع) إليه بالتثليث ضرعاً بالتحريك وضراعة خضع وذل واستكان وأضرعه الله أذله و (التعس) الهلاك والانحطاط.
و (الجدود) بالضّم جمع الجد بالفتح كالجدودة والأجداد وهو البخت والحظ وفي
1) الإرشاد للمفيد : 1/ 272، والغارات للثقفي : 424/2 ح 5.
الكتاب الكريم :
«وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا 3» [الجن: 3].
جملة (كلما حيصت) في محل الرفع صفة للثياب، وجملة (كلما أطل) استئنافية وتحتمل الاستئناف البياني فكأنه سئل عن سبب المداراة فأشار إلى الجواب بها، وقوله (الذليل والله ما) (ا ه)، جملة القسم معترضه بين الخبر والمبتدأ وتقديم الخبر لقصد الحصر، وجملة (أضرع الله خدودكم، وأنعس جدودكم) دعائيتان لا محل لهما من الإعراب.
اعلم أن المقصود بهذا الكلام توبيخ أصحابه، وذمّهم بتثاقلهم عن الجهاد وتقاعدهم عن النهوض إلى حرب أهل الشّام، فأشار أوّلاً إلى كونهم محتاجين إلى المداراة الكثيرة البعيدة عن شيمة أهل النجدة والشجاعة وذوي الفتوة والكياسة ونبه على ذلك بقوله :
(كم أداريكم كما تداري البكار العمدة والثياب المتداعية) أي كما يداري صاحب البعير بعيره المنشدخ السنام ولابس الأثواب ثيابه الخلقة المنخرقة، ووجه تشبيههم بالبكار العمدة هو قلة صبرهم وشدّة إشفاقهم وعدم تحملهم لمشاق الجهاد والقتال كما يشتد جرجرة البكر العمد ويقل صبره ولا يتحمل ثقال الأحمال.
ووجه التشبيه بالثياب المتداعية أنّ الثياب الموصوفة كما أنها (كلما حيصت من جانب تهتك من جانب آخر) فكذلك أصحابه كلما أصلح حال بعضهم وانتظم أمرهم للحرب فسد عليه البعض الآخر (كلما أطل عليكم) وأشرف (منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه) ولزم بيته من شدّة الجبن والخوف و (انحجر الحجار الضبة في حجرها والضبع في وجارها).
تخصيصهما من بين سائر الحيوانات بالذكر لاتصاف الأولى بالجهل والعقوق حتى صار يضرب بها المثل في الجهل، ولذلك لا تحفر جحرها إلا عند صخرة لئلا تضل عنه إذا خرجت لطلب الطعام ومن عقوقها أنّها تأكل حسولها (1)واتصاف الثانية بالحمق كما عرفت ذلك في شرح سادس المختار في باب الخطب، وخص الإناث منهما أيضاً لأنّهما أولى بالمخافة من الذكر.
1) حسول: ولد الضب حين يخرج من بيضته.
أنّ (الذليل والله من نصرتموه) لاتصاف المخاطبين في أنفسهم بالذلة فيلزم اتصاف المنتصرين بهم بها أيضاً (ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل) شبههم بالسهم المكسور الفوق المنزوع النّصل لعدم الانتفاع بهم في الحرب كما لا ينتفع بالسهم الموصوف وقد مضى مثل هذه العبارة في الخطبة التاسعة والعشرين وذكرنا هنالك ما يوجب زيادة توضيحها.
(ووالله إنكم لكثير في الباحات قليل تحت الرايات) وصفهم بالكثرة في الأندية والقلة تحت الألوية إشارة إلى جبنهم، فإنّ هذين الوصفين من لوازم الجبن والخوف كما أن مقابلهما من لوازم الفتوة والشجاعة ولذلك يهجو الشعراء بالأول ويمدحون بالثاني قال الشاعر:
أما إنكم تحت الخوافق والقنا *** لثكلاء لا زهراء من نسوة زهر
الستم أقل النّاس تحت لوائهم *** وأكثرهم عند الذبيحة والقدر
وقال آخر :
ثقال إذا لانوا خفاف إذا دعوا *** قليل إذا عدوا كثير إذا شدّوا
(و) الله (إنّي لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم) وهو إقامة مراسم السياسة فيهم من القتل والتعذيب واستعمال وجوه الحيل والتدبير والمخالفة لأمر الله سبحانه، ولذلك استدرك بقوله (ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي) يعني أن إصلاحكم بالقتل والسياسة موجب لفساد نفسي وديني ولا أرضى به كما يرتضيه ملوك الدنيا ورؤسائها بلحاظ صلاح ملكهم وانتظام أمر مملكتهم لكون نظرهم مقصوراً على زخارف الدنيا وزهراتها العاجلة وغفلتهم بالكلية عن الآخرة.
وأما هو (علیه السَّلام) فراعی صلاح نفسه وقدمه على إصلاح حال الغير لانحصار همته في الآخرة وانقطاعه بكليته عن الدنيا الفانية، فلم يكن يستحلّ منهم ما يستحلّ سائر الملوك من رعيّتهم من القتل والتعذيب الموجبين للإثم والمعصية المستلزمين لفساد الدين والسخط في الآخرة.
ثم دعى عليهم بقوله أضرع الله خدودكم وهو كناية عن ذلة النفس والاستكانة وبقوله (وأتعس جدودكم) وهو كناية عن الخسران والخيبة.
ثم نبههم على علة استحقاقهم للدّعاء بقوله (لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل) أراد به جهلهم بما يلزم عليهم من القيام بوظائف التكاليف الشرعية والأحكام الإلهية واشتغالهم بالأمور الدنيوية الباطلة (ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحق) أراد به عدم إيطالهم للمنكر كإبطالهم للمعروف.
از جمله کلام آن حضرت است در مذمت اصحاب خود:
چه قدر مدارا کنم با شما چنان که مدارا کنند با شترانی که کوفناک باشد کوهان ایشان و هم چنان که مدارا کنند با لباسهای کهنه پاره پاره به مرتبه ای که هر وقت دوخته شود از جانبی دریده می شود از جانب دیگر، هر وقت که مشرف شود بر شما دسته لشگری از لشگرهای اهل شام می بندد هر مردی از شما در خانه خود از ترس و درآید در سوراخ، همچو در آمدن سوسمار در سوراخ خود و همچو درآمدن کفتار در خانه خود
به خدا سوگند که ذلیل آن کسی است که شما ناصر آن شده باشید و کسی که تیراندازد با شما به دشمنان، پس به تحقیق که می اندازد به تیر سوفار شکسته بی پیکان. قسم به خدا که به درستی شما هر آینه بسیارید در عرصه ها و اندکید در زیر علم ها و به درستی من دانا هستم به چیزی که اصلاح نماید شما را و راست گرداند کجی شما را ولیکن من به خدا سوگند نمی بینم اصلاح شما را با فساد نفس خود.
خوار گرداند خدا رخسارهای شما را و تباه گرداند نصیب های شما را. نمی شناسید شما حق کامل را چنان چه می شناسید باطل را و باطل نمی گردانید باطل را همچو باطل گردانیدن شما حق را ؛ یعنی شما به امور دنیویه باطله مشغولید و از امور اخرويه غافل.
«مَلَكَتْني عَيْني وأنا جالسٌ فَسَنَحَ لِي رَسُولُ اللهِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا لَقَيْتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الأَوَدِ واللَّدَدِ؟ فَقَالَ : أُدْعُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ : أَبْدَلَنَي اللهُ بِهِمْ خَيْراً لي مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنّي» (1).
قال السيد (رحمه الله): يعني بالأولاد الاعوجاج، واللدد الخصام وهو من أفصح الكلام.
(السحر) بالتحريك قبيل الصبح والسحرة بالضم السحر الأعلى و(سنح) لي رأى كمنع سنوحاً وسنحاً بالفتح وسنحاع بالضم عرض و (أود) يا وداودا من باب الفرح.
جملة (أنا جالس) حال من مفعول (ملكت) وما في قوله ماذا لقيت استفهامية استعظامية كما في قوله تعالى الالةُ «الْحَاقَّةُ 1مَا الْحَاقَّةُ 2» [الحاقة: 1-2]، (وذا) إما موصولة أو زائدة كما قلناه في ما سبق (والباء) في قوله (بهم وبي) للمقابلة.
قال الشارح البحراني : قوله (ملكتني عيني) استعارة حسنة وتجوّز في التركيب أما الاستعارة فلفظ الملك للنوم ووجه الاستعارة دخول النائم في غلبة النوم وقهره ومنعه له أن يتصرف في نفسه كما يمنع المالك المملوك من التصرف في أمره، وأما التجوز ففي العين وفي الاسناد إليها، أما الأوّل فأطلق لفظ العين على النوم لما بينهما من الملابسة إذا طباق الجفون من عوارضهما، وأما الثاني فإسناد الملك إلى النوم المتجوز فيه بلفظ لعين.
أقول : حاصله أنه من باب الاستعارة التبعية مثل قولهم: نطقت الحال بكذا، ومحصله أن الملك استعارة عن غلبة النوم والعين مجاز عن النوم بعلاقة المجاورة واسناد الغلبة إلى النوم مجاز عقلي فافهم، فالمعنى غلبني نومي (وأنا جالس فسنح لي رسول الله) أي رأيته في المنام أو مرّ بی معترضاً (فقلت یا رسول الله ماذا لقیت من أمتك من الأود واللدد فقال : ادع
1) نهج السعادة 723/2، وميزان الحكمة: 2/ 865 ح 1188.
عليهم) شكايته منهم إلى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) دليل على غاية كربه منهم من جهة تقصيرهم في الإجابة إلى دعائه والتلبية لندائه وتوانيهم في القتال والجهاد، وترخيص رسول الله في دعائه عليهم دليل على عدم رضائه عنهم.
وقوله : (فقلت أبدلني الله بهم خيراً لي منهم وأبدلهم بي شراً لهم مني) لا يدلّ على اتصافه بالشّر إذ صيغة أفعل لم يرد بها التفضيل بل المراد مجرد الوصف أو بناء التفضيل على اعتقاد القوم فإنّهم لما لم يطيعوه حق الطاعة فكأنّهم زعموا فيه شراً، وقد مر مزيد تحقيق لهذه الفقرة في شرح الخطبة الخامسة والعشرين فتذكر هذا.
وروى في «البحار» من «الإرشاد» عن عمّار الدّهني، عن أبي صالح الحنفي قال : سمعت عليّاً (علیه السَّلام) يقول : رأيت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في منامي فشكوت إليه ما لقيته من أمته من الأود واللدد وبكيت، فقال لي : لا تبك يا علي والتفت وإذا رجلان مصفدان (1)وإذا جلاميد ترضخ بهما رؤوسهما (2)، قال أبو صالح : فغدوت إليه من الغد كما كنت أغدو إليه كلّ یوم حتى إذا كنت في الجزارين لقيت الناس يقولون قتل أمير المؤمنين.
التاسع من البحار
قال : رأيت في بعض الكتب القديمة رواية في كيفية شهادته أوردنا منه شيئاً مما يناسب كتابنا هذا على وجه الاختصار.
قال: روى أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد البكري، عن لوط بن يحيى، عن أشياخه وأسلافه قالوا: لما توفي عثمان وبايع النّاس أمير المؤمنين كان رجل يقال له حبيب بن المنتجب والياً على بعض أطراف اليمن من قبل عثمان فأقره علي (علیه السَّلام) علی عمله وكتب كتاباً يقول فيه :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى حبيب بن المنتجب سلام عليك، أما بعد، فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وصلي على محمد عبده ورسوله، وبعد فإنّي وليتك ما كنت عليه لمن كان من قبل فامكث على عملك وإنّي أوصيك بالعدل في رعيتك والاحسان إلى أهل مملكتك، واعلم أن من ولي على رقاب عشرة من
المسلمين ولم يعدل بينهم حشره الله يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه لا يفكها إلا عدله في دار الدنيا، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على من قبلك من أهل اليمن وخذ لي البيعة على من حضرك من المسلمين فإذا بايع القوم مثل بيعة الرضوان فامكث في عملك وانفذ إلى منهم عشرة يكونون من عقلائهم وفصحائهم وثقاتهم ممن يكون أشدّهم عوناً من أهل الفهم والشجاعة عارفين بالله عالمين بأديانهم ومالهم وما عليهم وأجودهم رأياً، وعليك وعليهم السلام» (1).
وطوى الكتاب وختمه وأرسله مع أعرابي، فلما وصله قبله ووضعه على عينيه ورأسه فلمّا قرأه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمّد وآله ثم قال :
أيها الناس اعلموا أن عثمان قد قضى نحبه وقد بايع الناس من بعده العبد الصالح والإمام الناصح أخا رسول الله وخليفته وهو أحق بالخلافة وهو أخو رسول الله وابن عمه وكاشف الكرب عن وجهه وزوج ابنته ووصيه وأبو سبطيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فما تقولون في بيعته والدخول في طاعته؟
قال : فضج النّاس بالبكاء والنحيب وقالوا: سمعاً وطاعة وحباً وكرامة لله ولرسوله ولأخي رسوله، فأخذ له (علیه السَّلام) البيعة عليهم عامة، فلما بايعوا قال لهم : أريد عشرة منكم من رؤسائكم وشجعانكم أنفذهم إليه كما أمرني به فقالوا سمعاً وطاعة فاختار منهم مائة، ثم من المائة سبعين، ثمّ من السبعين ثلاثين، ثم من الثلاثين عشرة فيهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله وخرجوا من ساعتهم.
فلما أتوه (علیه السَّلام) سلموا عليه وهنوه بالخلافة، فردّ (عَلَيهِم السَّلَامُ) ورحب بهم، فتقدّم ابن ملجم وقام بين يديه وقال :
السلام عليكم أيها الإمام العادل والبدر التمام والليث الهمام والبطل الضرغام والفارس القمقام ومن فضله الله على سائر الأنام صلى الله عليك وعلى آلك الكرام، أشهد أنك أمير المؤمنين صدقاً وحقاً وأنك وصي رسول الله والخليفة من بعده ووارث علمه لعن الله من جحد حقك ومقامك أصبحت أميرها وعميدها، لقد اشتهر بين البرية عدلك، وهطلت شآبيب فضلك وسحائب رحمتك ورأفتك عليهم، ولقد أنهضنا الأمير إليك فسررنا بالقدوم عليك قبوركت بهذه الطلعة المرضية وهنئت بالخلافة في الرعية.
ففتح أمير المؤمنين (علیه السَّلام) عينيه في وجهه ونظر إلى الوفد فقربهم وأدناهم فلما جالسوا دفعوا الكتاب ففضه وقرأه وسرّ بما فيه فأمر بكلّ واحد منهم بحلة يمانية ورداء عدنية وفرس
1) بحار الأنوار: 259/42 - 260.
عربية وأمر أن يفتقدوا ويكرموا، فلما نهضوا قام ابن ملجم ووقف بين يديه وأنشد:
أنت المهيمن والمهذب ذو الندى *** وابن الضراغم في الطراز الأوّل
الله خصك يا وصي محمد *** وحباك فضلاً في الكتاب المنزل
وحباك بالزهراء بنت محمّد *** حورية بنت النبي المرسل
قال : يا أمير المؤمنين ارم بنا حيث شئت لترى منا ما يسرك فوالله ما فينا إلا كل بطل أهيس (1)وحازم أكيس وشجاع أشوس ورثنا ذلك عن الآباء والأجداد وكذلك نورثه صالح الأولاد.
قال : فاستحسن أمير المؤمنين كلامه من بين الوفد فقال له : ما اسمك يا غلام؟ قال: اسمي عبد الرحمن قال ابن من؟ قال ابن ملجم المرادي، قال أمرادي أنت؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين، فقال (علیه السَّلام): إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال : وجعل أمير المؤمنين يكرّر النظر إليه ويضرب إحدى يديه على الأخرى ويسترجع ثم قال له : ويحك أمرادي أنت؟ قال : نعم فعندها تمثل بقوله :
أنا أنصحك مني بالوداد *** مكاشفة وأنت من الأعادي
أريد حياته ويريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مرادي
قال الأصبغ بن نباتة : لما دخل الوفد إلى أمير المؤمنين وبايعوه وبايعه ابن ملجم فلما أدبر عنه دعاه أمير المؤمنين ثانياً فتوثق منه بالعهود والمواثيق أن لا يغدر ولا ينكث ففعل ثمّ سار عنه، ثم استدعاه ثالثاً ثم توثق منه فقال ابن ملجم : يا أمير المؤمنين ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري فقال (علیه السَّلام): امض لشأنك فما أراك تفي بما بايعت عليه.
فقال ابن ملجم: كأنك تكره وفودي عليك لما سمعته من اسمي وإني والله لأحب الإقامة معك والجهاد بين يديك وإن قلبي محبّ لك وإني والله أوالي وليك وأعادي عدوّك.
قال : فتبسم (علیه السَّلام) وقال : «بالله يا أخا مراد إن سألتك عن شيء تصدقني فيه؟ قال : أي وعيشك يا أمير المؤمنين، فقال له : هل كان لك داية يهودية فكانت إذا بكيت تضربك وتلطم جبينك وتقول لك : اسكت فإنك أشقى من عاقر ناقة صالح وإنك ستجني في كبرك جناية عظيمة يغضب الله بها عليك ويكون مصيرك إلى النار؟
فقال : قد كان ذلك ولكنك والله يا أمير المؤمنين أحب إلى من كل أحد، فقال أمير المؤمنين: والله ما كذبت ولا كذبت ولقد نطقت حقاً وقلت صدقاً وأنت والله قاتلي لا محالة
1) أهيس: شجاع.
ستخضب هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ورأسه، ولقد قرب وقتك وحان زمانك.
فقال ابن ملجم: والله يا أمير المؤمنين انّك أحب إلي من كل ما طلعت عليه الشمس، ولكن إذا عرفت ذلك مني غيرني إلى مكان تكون ديارك من دياري بعيدة فقال : كن مع أصحابك حتى أذن لكم في الرّجوع إلى بلادكم.
ثمّ أمرهم بالنزول في بني تميم فأقاموا ثلاثة أيام، ثم أمرهم بالرجوع إلى اليمن، فلما عزموا على الخروج مرض ابن ملجم مرضاً شديداً فذهبوا وتركوه، فلما براً أتى أمير المؤمنين وكان لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً أو يسارع في قضاء حوائجه وكان يكرمه ويدعوه إلى منزله ويقربه، وكان مع ذلك يقول له : أنت قاتلي ويكرر عليه الشعر :
أريد حياته ويريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مرادي
فيقول له: يا أمير المؤمنين إذا عرفت ذلك منّي فاقتلني، فيقول : إنه لا يحلّ ذلك أن أقتل رجلاً قبل أن يفعل بي شيئاً، وفي خبر آخر قال : إذا قتلتك فمن يقتلني.
قال: فسمعت الشيعة ذلك فوثب مالك الأشتر والحرث بن الأعور وغيرهما من الشيعة فجردوا سيوفهم وقالوا: يا أمير المؤمنين من هذا الكلب الذي تخاطبه بمثل هذا الخطاب مراراً وأنت إمامنا وولينا وابن عم نبينا، فمرنا بقتله، فقال لهم : اغمدوا سيوفكم بارك الله فيكم ولا تشقوا عصا هذه الأمة أترون أني أقتل رجلاً لم يصنع بي شيئاً.
فلما انصرف (علیه السَّلام) إلى منزله اجتمعت الشيعة وأخبر بعضهم بعضاً بما سمعوا وقالوا: إن أمير المؤمنين يغلس إلى الجامع وقد سمعتم خطابه لهذا المرادي وهو ما يقول إلا حقاً وقد علمتم عدله وإشفاقه علينا ونخاف أن يغتاله هذا المرادي فتعالوا نقترع على أن تحوطه كلّ ليلة منا قبیلة.
فوقعت القرعة في الليلة الأولى والثانية والثالثة على أهل الكناس، فتقلدوا سيوفهم وأقبلوا في ليلتهم إلى الجامع، فلما خرج (علیه السَّلام) رآهم على تلك الحالة فقال ما شأنكم؟ فأخبروه فدعى لهم فتبسم ضاحكاً، وقال: جئتم تحفظوني من أهل السماء أم من أهل الأرض؟ قالوا : من أهل الأرض، قال: ما يكون شيء في السماء إلا هو في الأرض وما يكون شيء في الأرض إلا هو في السماء ثم تلى :
«قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا» [التوبة : 51].
ثم أمرهم أن يأتوا منازلهم ولا يعودوا لمثلها، ثمّ إنّه صعد المأذنه وكان إذا تنحنح يقول السامع ما أشبهه بصوت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)؟ فتأهب الناس بصلاة الفجر وكان إذا أذن يصل صوته إلى نواحي الكوفة كلها، ثم نزل (علیه السَّلام) فصلى وكانت هذه عادته.
قال: وأقام ابن ملجم بالكوفة إلى أن خرج أمير المؤمنين (علیه السَّلام) إلى غزاة النهروان فخرج ابن ملجم معه وقاتل بين يديه قتالاً شديداً فلما رجع إلى الكوفة وقد فتح الله على يديه قال ابن ملجم لعنه الله : يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أتقدمك إلى المصر لأبشر أهلها بما فتح الله عليك من النصر ؟ فقال : ما ترجو بذلك؟ قال: الثواب من الله والشكر من الناس وأفرح الأولياء وأكمد الأعداء، فقال: شأنك.
ثمّ أمر له بخلعة سنيّة وعمامتين وفرسين وسيفين ورمحين فسار ابن ملجم ودخل الكوفة وجعل يخترق ازقتها وشوارعها، وهو يبشر الناس بما فتح الله على أمير المؤمنين وقد دخله العجب في نفسه فانتهى به الطريق إلى محلة بني تميم.
فمرّ على دار تعرف بالقبيلة وهي أعلا دار بها وكانت لقطام بنت سخينة بن عوف بن تيم اللات، وكانت موصوفة بالحسن والجمال والكمال والبهاء، فلما سمعت كلامه بعثت إليه وسألته النزول عندها ساعة لتسأله عن أهلها فلما قرب من منزلها وأراد النزول عن فرسه خرجت إليه ثم كشفت له عن وجهها وأظهرت له محاسنها.
فلما رآها أعجبته وهواها من وقته فنزل عن فرسه ودخل إليها وجلس في دهليز الدار وقد أخذت بمجامع قلبه فبسطت له بساطاً ووضعت له متكئاً وأمرت خادمتها أن تنزع أخفافه وأمرت له بماء فغسل وجهه ويديه وقدمت إليه طعاماً فأكل وشرب، وأقبلت عليه تروحه من الحرّ فجعل لا يمل من النظر إليها وهي مع ذلك متبسمة في وجهه سافرة له عن نقابها بارزة عن جميع محاسنها ما ظهر منها وما بطن.
فقال لها : أيتها الكريمة لقد فعلت اليوم بي ما وجب به بل ببعضه على مدخل وشكرك دهري كله فهل من حاجة أتشرف بها وأسعى في قضائها؟
قال : فسألته عن الحرب ومن قتل فيه فجعل يخبرها ويقول فلان قتله الحسن وفلان قتله الحسين إلى أن بلغ قومها وعشيرتها، وكانت قطام لعنها الله على رأي الخوارج وقد قتل أمير المؤمنين في هذا الحرب من قومها جماعة كثيرة منهم أبوها وأخوها وعمها، فلما سمعت منه ذلك صرخت باكية ثمّ لطمت خدّها وقامت من عنده ودخلت البيت وهي تندبهم طويلاً.
قال : فندم ابن ملجم فلما خرجت إليه قالت : يعزّ علي فراقهم من لي بعدهم أفلا ناصر ينصرني ويأخذ لي بثأري ويكشف عن عاري فكنت أهب له نفسي وأمكنه منها ومن مالي وجمالي، فرق لها ابن ملجم وقال لها: غضي صوتك وارفقي بنفسك فإنك تعطين مرادك.
قال : فسكتت من بكائها وطمعت في قوله، ثم أقبلت عليه بكلامها وهي كاشفة عن صدرها ومسبلة شعرها، فلما تمكن هواها من قلبه مال إليها بكليته ثم جذبها إليه وقال لها : كان أبوك صديقاً لي وقد خطبتك منه فأنعم لي بذلك فسبق إليه الموت فزوجيني نفسك لآخذ
لك بثأرك.
قال : ففرحت بكلامه وقالت قد خطبني الأشراف من قومي وسادات عشيرتي فما أنعمت إلا لمن يأخذ لي بثأري ولما سمعت عنك أنك تقاوم الأقران وتقتل الشجعان فأحببت أن تكون لي بعلاً وأكون لك أهلاً.
فقال لها : فأنا والله كفو كريم فاقترحي على ما شئت من مال وفعال، فقالت له : إن قدمت على العطيّة والشّرط فها أنا بين يديك فتحكم كيف شئت، فقال لها وما العطية والشرط؟ فقالت له: أما العطية فثلاثة آلاف دينار وعبد وقينة (1)فقال: هذا أنا مليء به، فما الشرط المذكور؟ قالت: نم على فراشك حتى أعود إليك.
ثمّ إنّها دخلت خدرها فلبست أفخر ثيابها ولبست قميصاً رقيقاً يرى صدرها وحليتها وزادت في الحلي والطيب وخرجت في معصفرها فجعلت تباشره بمحاسنها ليرى حسنها وجمالها، وأرخت عشرة ذوائب من شعرها منظومة بالدر والجواهر.
فلما دخلت إليه أرخت لثامها عن وجهها ورفعت معصفرها وكشفت عن صدرها وإعكانها وقالت : إن قدمت على الشرط المشروط ظفرت بهذا جميعه وأنت مسرور مغبوط.
قال: فمد ابن ملجم عينيه إليها فحار عقله وهوى لحينه مغشياً عليه ساعة فلما أفاق قال: يا منية النفس ما شرطك فاذكريه لي فإني سأفعله ولو كان دونه قطع القفار وخوض البحار وقطع الرؤوس واختلاس النفوس، قالت له الملعونة: شرطي عليك أن تقتل علي بن أبي طالب بضربة واحدة بهذا السيف في مفرق رأسه يأخذ منه ما يأخذ ويبقى ما يبقى.
فلما سمع ابن ملجم كلامها استرجع ورجع إلى عقله وأغاظه وأقلقه ثم صاح بأعلى صوته: ويحك ما هذا الذي واجهتني به بئس ما حدثتك به نفسك من المحال، ثم طأطأ رأسه يسيل عرقاً وهو متفكّر في أمره، ثم رفع رأسه إليها وقال :
ويلك من يقدر على قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المستجاب الدعاء المنصور من السماء، والأرض ترجف من هيبته، والملائكة تسرع إلى خدمته.
يا ويلك ومن يقدر على قتل علي بن أبي طالب وهو مؤيد من السّماء، والملائكة تحوطه بكرة وعشيّة، ولقد كان في أيام رسول الله إذا قاتل يكون جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وملك الموت بين يديه فمن هو هكذا لا طاقة لأحد بقتله ولا سبيل لمخلوق على اغتياله.
1) القينة : الأمة المغنية.
ومع ذلك فإنّه قد أعزّني وأكرمني وأحبني ورفعني وآثرني على غيري فلا يكون ذلك جزاؤه مني أبداً، فإن كان غيره قتلته لك شر قتلة ولو كان أفرس أهل زمانه، وأما أمير المؤمنين فلا سبيل لي عليه.
قال : فصبرت عنه حتى سكن غيظه ودخلت معه في المداعبة والملاعبة وعلمت أنه قد نسي ذلك القول، ثمّ قالت له يا هذا ما يمنعك عن قتل علي بن أبي طالب وترغب في هذا المال وتتنعم بهذا الجمال وما أنت بأعف وأزهد من الذين قاتلوه وقتلهم وكانوا من الصوامين والقوامين، فلما نظروا إليه وقد قتل المسلمين ظلماً وعدواناً اعتزلوه وحاربوه، ومع ذلك فإنّه قد قتل المسلمين وحكم بغير حكم الله وخلع نفسه من الخلافة وأمرة المؤمنين، فلما رأوه قومي على ذلك اعتزلوه فقتلهم بغير حجة له عليهم.
فقال لها ابن ملجم: يا هذه كفي عنّي فقد أفسدت عليَّ ديني وأدخلت الشك في قلبي وما أدري ما أقول لك وقد عزمت على رأي ثم أنشد:
ثلاثة آلاف وعبد وقينة *** وضرب علي بالحسام المصمّم
فلا مهر اغلا من قطام وان غلا *** ولافتك إلا دون فتك ابن ملجم
فأقسمت بالبيت الحرام ومن أتى *** إليه ولبى من محل ومحرم
لقد أفسدت عقلي قطام وأنني *** لمنها على شك عظيم مذمم
لقتل علي خير من وطأ الثرى *** أخى العلم الهادي النبي المكرم
ثم أمسك ساعة وقال :
فلم أر مهراً ساقه ذو سماحة *** كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة *** وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلا من علي من علي وإن غلا *** ولافتك إلا دون فتك ابن ملجم
فأقسمت بالبيت الحرام ومن أتى *** إليه جهاراً من محل و محرم
لقد خاب من يسعى لقتل إمامه *** وويل له من حر نار جهنم
إلى آخر ما أنشد من الأبيات ثم قال لها: اجليني ليلتي هذه حتى أنظر في أمري وآتيك غداً بما يقوى عليه عزمي.
فلما هم بالخروج أقبلت إليه وضمّته إلى صدرها وقبلت ما بين عينيه وأمرته بالاستعجال في أمرها وسايرته إلى باب الدار وهي تشجعه وأنشدت له أبيات، فخرج الملعون من عندها وقد سلبت فؤاده وأذهبت رقاده ورشاده، فبات ليلته قلقاً متفكّراً فمرّة يعاتب نفسه ومرّة يفكر في دنياه وآخرته.
فلما كان وقت السحر أتاه طارق فطرق الباب فلما فتحه إذا برجل من بني عمه على نجيب وإذا هو رسول من إخوته إليه يعزونه في أبيه وعمه ويعرفونه أنه خلف مالاً جزيلاً وانهم دعوه سريعاً ليحوز ذلك المال.
فلما سمع ذلك بقي متحيراً في أمره إذ جاءه ما يشغله عما عزم عليه من أمر قطام فلم يزل مفكراً في أمره حتى عزم على الخروج، وكان له إخوان لأبيه وأمه كانت من زبيد يقال لها عدنية وهي ابنة علي بن ماشوج وكان أبوه مرادياً، وكانوا يسكنون عجران صنعاء.
فلما وصل إلى النجف ذكر قطام ومنزلتها في قلبه ورجع إليها فلما طرق الباب اطلعت عليه وقالت من الطارق! فعرفته على حالة السفر فنزلت إليه وسلمت عليه وسألته عن حاله فأخبرها بخبره ووعدها بقضاء حاجتها إذا رجع من سفره وتملكها جميع ما يجيء به من المال، فعدلت عنه مغضبة فدنى منها وقبلها وودعها وحلف لها أنه يبلغها مأمولها في جميع ما سألته.
فخرج وجاء إلى أمير المؤمنين وأخبره بما جاؤوا إليه لأجله وسأله أن يكتب إلى ابن المنتجب كتاباً ليعينه على استخلاص حقه فأمر كاتبه فكتب له ما أراد.
ثمّ أعطاه فرساً من جياد خيله فخرج وسار سيراً حثيثاً حتى وصل إلى بعض أودية اليمن، فأظلم عليه الليل فبات في بعضها، فلما مضى من الليل نصفه إذا هو بزعقة عظيمة من صدر الوادي ودخان يفور ونار مضرمة فانزعج لذلك وتغيّر لونه ونظر إلى صدر الوادي وإذا بالدخان قد أقبل كالجبل العظيم وهو واقع عليه والنار تخرج من جوانبه، فخر مغشياً عليه فلمّا أفاق وإذا بهاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول:
إسمع وع القول يا ابن ملجم *** إِنَّك في أمر مهول معظم
تضمر قتل الفارس المكرم *** أكرم من طاف ولبی واحرم
ذاك علي ذو التقاء الأقدم *** فارجع إلى الله كيلا تندم
فلما سمع توهم أنه من طوارق الجن وإذا بالهاتف يقول :
يا شقي ابن الشقي أما ما أضمرت من قتل الزاهد العابد العادل الراكع الساجد امام الهدى وعلم التقى والعروة الوثقى فإنا علمنا بما تريد أن تفعله بأمير المؤمنين ونحن من الجن الذين أسلمنا على يديه ونحن نازلون بهذا الوادي فإنا لا ندعك تبيت فيه فإنك ميشوم على نفسك ثم جعلوا يرمونه بقطع الجنادل فصعد فرق شاهق فبات بقية ليله.
فلما أصبح سار ليلاً ونهاراً حتى وصل إلى اليمن وأقام عندهم شهرين وقلبه على حر الجمر من أجل قطام ثمّ إنّه أخذ الذي أصابه من المال والمتاع والأثاث والجواهر وخرج.
فبينا هو في بعض الطريق إذا خرجت عليه حرامية فسايرهم وسايروه فلما قربوا من الكوفة حاربوه وأخذوا جميع ما كان معه ونجى بنفسه وفرسه وقليل من الذهب على وسطه وما كان تحته، فهرب على وجهه حتى كاد أن يهلك عطشاً.
وأقبل سائراً في الفلاة مهموماً جائعاً عطشاناً فلاح له شبح فقصده، فإذا بيوت من أبيات الحرب فقصد منها بيتاً فنزل عندهم واستسقاهم شربة ماء فسقوه وطلب لبناً فأتوه به فنام ساعة.
فلما استيقظ أتاه رجلان وقدما إليه طعاماً فأكل وأكلا معه وجعلا يسألانه عن الطريق فأخبرهما، ثمّ قالا له ممّن الرّجل؟ قال: من مراد، قالا: أين تقصد؟ قال الكوفة، قالا: كأنك من أصحاب أبي تراب؟ قال: نعم، فاحمرّت أعينهما غيظاً وعزما على قتله ليلاً، وأسرا ذلك ونهضا، فتبين له ما عزما عليه فندم على كلامه.
فبينما هو متحير إذ أقبل كلبهم ونام قريباً منهم، فأقبل اللعين يمسح بيده على الكلب ويشفق عليه ويقول مرحباً بكلب قوم أكرموني فاستحسنا ذلك وسألاه ما اسمك؟ قال : عبد الرّحمن بن ملجم، فقالا له ما أردت بصنعك هذا في كلبنا؟ فقال : أكرمته لأجلكم حيث أكرمتموني فوجب عليّ شكركم، وكان هذا منه خديعة ومكراً فقالا : الله أكبر الآن والله وجب حقك علينا ونحن نكشف لك عما في ضمائرنا.
نحن نرى رأي الخوارج وقد قتل أعمامنا وأخوالنا وأهالينا كما علمت، فلما أخبرتنا أنك من أصحابه عزمنا على قتلك في هذه الليلة فلما رأينا صنعك هذا بكلبنا صفحنا عنك ونحن الآن نطلعك على ما قد عزمنا عليه فسألهما عن أسمائهما فقال أحدهما أنا البرك بن عبد الله التميمي، وهذا عبد الله بن عثمان العنبري صهري.
وقد نظرنا إلى ما نحن عليه من مذهبنا فرأينا أن فساد الأرض والأمة كلها من ثلاثة نفر أبو (1)تراب، ومعاوية، وعمرو بن العاص، فأما أبو تراب فإنّه قتل رجالنا كما رأيت، وافتكرنا أيضاً في الرّجلين معاوية وابن العاص وقد وليا علينا هذا الظالم الغشوم بسر بن أرطاة يطرقنا في كل وقت ويأخذ أموالنا وقد عزمنا على قتل هؤلاء الثلاثة فإذا قتلناهم توطأت الأرض واقعد الناس لهم إماماً يرضونه.
فلما سمع ابن ملجم كلامهما صفق بإحدى يديه على الأخرى وقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وتردّى بالعظمة إنّي لثالثكما وإنّي موافقكما على رأيكما وأنا أكفيكما أمر عليّ بن أبي طالب.
1) في نسخة : أبي.
فنظرا إليه متعجبين من كلامه قال: والله ما أقول لكما إلا حقاً، ثم ذكر لهما قصته فلما سمعا كلامه عرفا صحته وقالا إن قطام من قومنا وأهلها كانوا من عشيرتنا فنحن نحمد الله على اتفاقنا فهذا لا يتم إلا بالإيمان المغلظة فنركب الآن مطايانا ونأتي الكعبة ونتعاقد عندها على الوفاء.
فلما أصبحوا وركبوا حضر عندهم بعض قومهم فأشاروا عليهم وقالوا لا تفعلوا ذلك فما منكم أحد إلا ويندم ندامة عظيمة، فلم يقبلوا وساروا جميعاً حتى أتوا البيت وتعاهدوا عنده.
فقال البرك أنا لعمرو بن العاص، وقال العنبري وأنا لمعاوية، وقال ابن ملجم لعنه الله : أنا لعلي، فتحالفوا على ذلك بالأيمان المغلظة ودخلوا المدينة وحلفوا عند قبر النبي على ذلك ثم افترقوا وقد عينوا يوماً معلوماً يقتلون فيه الجميع، ثم سار كل منهم على طريقه.
فأما البرك فأتى المصر ودخل الجامع وأقام فيه أياماً، فخرج عمرو بن العاص ذات يوم إلى الجامع وجلس فيه بعد صلاته فجاء البرك إليه وسلم عليه ثم حادثه في فنون الأخبار وطرف الكلام والأشعار، فشغف به عمرو بن العاص وقربه وأدناه وصار يأكل معه على مائدة واحدة، فأقام إلى الليلة التي تواعدوا فيها فخرج إلى نيل مصر وجلس مفكراً فلما غربت الشمس أتى الجامع وجلس فيه.
فلمّا كان وقت الإفطار افتقده عمرو بن العاص فلم يره فقال لولده: ما فعل صاحبنا وأين مضى فإنّي لا أراه فبعث إليه يدعوه فقال له : إنّ هذه الليلة ليست كالليالي وقد أحببت أن أقيم ليلتي هذه في الجامع رغبة فيما عند الله وأحبّ أن أشرك للأمير في ذلك.
فلما رجع إليه وأخبره بذلك سره سروراً عظيماً وبعث إليه مائدة فأكل وبات ليلته ينتظر قدوم عمرو، وكان هو الذي يصلي بهم فلمّا كان عند طلوع الفجر أقبل المؤذن إلى باب عمرو وأذن وقال : الصّلاة يرحمك الله الصلاة.
فانتبه فأتى بالماء وتوضأ وتطيب وذهب ليخرج إلى الصلاة فزلق فوقع على جنبه فاعتوره عرق النساء فأشغلته (1)عن الخروج، فقال قدموا خارجة بن تميم القاضي يصلي بالناس، فأتى القاضي ودخل المحراب في غلس فجاء البرك فوقف خلفه وسيفه تحت ثيابه وهو لا يشك أنهعمرو فأمهله حتى سجد وجلس من سجوده فسل سيفه ونادى :
لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله، ثمّ ضربه بالسيف على أم رأسه فقضى نحبه لوقته، فبادر النّاس وقبضوا عليه وأخذوا سيفه من يده وأوجعوه ضرباً وقالوا له : يا عدو الله قتلت رجلاً مسلماً ساجداً في محرابه فقال : يا حمير أهل مصر إنه يستحق القتل قالوا : بماذا
1) في نسخة: مشغلته.
ويلك؟ قال : لسعيه في الفتنة لأنه الداهية الدهماء الذي أثار الفتنة ونبذها وقواها وزيّن لمعاوية محاربة علي.
فقالوا له: يا ويلك من تعني؟ قال : الطاغي الباغي الكافر الزنديق عمرو بن العاص الذي شقّ عصا المسلمين وهتك حرمة الدين، قالوا : لقد خاب ظنك وطاش سهمك إن الذي قتلته ما هو إنّما هو خارجة، فقال : يا قوم المعذرة إلى الله وإليكم فوالله ما أردت خارجة وإنّما أردت قتل عمرو.
فأوثقوه كتافاً وأتوا به إلى عمرو، فلما رآه، قال: أليس هذا هو صاحبنا الحجازي، قالوا له : نعم قال : ما باله؟ قالوا: إنه قد قتل خارجة فدهش عمرو لذلك وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم التفت إليه وقال : يا هذا لم فعلت ذلك؟ فقال له : والله يا فاسق ما طلبت غيرك ولا أردت سواك، قال : ولم ذلك؟ قال : إنا ثلاثة تعاهدنا بمكة على قتلك وقتل علي بن أبي طالب وقتل معاوية في هذه الليلة، فإن صدق صاحباي فقد قتل علي بالكوفة ومعاوية بالشام وأما أنت فقد سلمت، فقال عمرو: یا غلام احبسه حتى نكتب إلى معاوية، فحبسه حتى أمره معاوية بقتله فقتله.
وأما عبد الله العنبري فقصد دمشق واستخبر عن معاوية فأرشد إليه فجعل يتردّد إلى داره فلا يتمكن من الدخول عليه إلى أن أذن معاوية يوماً للنّاس إذناً عاماً فدخل إليه مع الناس وسلم عليه وحادثه ساعة وذكر له ملوك قحطان ومن له كلام مصيب حتى ذكر له بني عمه وهم أوّل ملوك قحطان وشيئاً من أخبارهم فلما تفرقوا بقي عنده مع خواص أصحابه وكان فصيحاً خبيراً بأنساب العرب وأشعارهم.
فأحبّه معاوية حباً شديداً فقال : قد أذنت لك في كلّ وقت نجلس فيه أن تدخل علينا من غير مانع ولا دافع، فكان يتردّد إليه إلى ليلة تسع عشرة وكان قد عرف المكان الذي يصلي فيه معاوية.
فلمّا أذن المؤذن للفجر وأتى معاوية المسجد ودخل محرابه ثار إليه بالسيف وضربه فراغ عنه، فأراد ضرب عنقه فانصاع عنه فوقع السيف في إليته وكانت ضربته ضربة جبان، فقال معاوية : لا يفوتنكم الرّجل فاستخلف بعض أصحابه للصلاة ونهض إلى داره.
وأما العنبري فأخذه النّاس وأوثقوه وأتوا به إلى معاوية وكان مغشياً عليه فلما أفاق قال له : ويلك يا لكع لقد خاب ظني فيك ما الذي حملك على هذا؟ فقال له : دعني من كلامك أعلم أننا ثلاثة تحالفنا على قتلك وقتل عمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب فإن صدقا صاحباي فقد قتل علي وعمرو، وأما أنت فقد روغ أجلك كروغك الثعلب.
فقال له معاوية: على رغم أنفك فأمر به إلى الحبس فأتاه الساعدي وكان طبيباً فلما نظر إليه قال له: اختر إحدى الخصلتين إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها، لأن ضربتك مسمومة.
فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإنّ في يزيد و عبدالله ما تقر به عيني، فسقاه الشّربة فبريء ولم يولد له بعدها.
وأما ابن ملجم لعنه الله فإنّه سار حتى دخل الكوفة واجتاز على الجامع وكان أمير المؤمنين جالساً على باب كندة فلم يدخله ولم يسلم عليه، وكان إلى جانبه الحسن والحسين ومعه جماعة من أصحابه فلما نظروا إلى ابن ملجم وعبوره قالوا: ألا ترى إلى ابن ملجم عبر ولم يسلم عليك ؟ قال (علیه السَّلام): دعوه فإنّ له شأناً من الشأن، والله ليخضين هذه من هذه وأشار إلى لحيته وهامته ثم قال (علیه السَّلام):
ما من الموت لإنسان نجا *** كل امرء لا بد يأتيه الفتا
تبارك الله وسبحانه *** لكلّ شيء مدة وانتها
یقدر الإنسان في نفسه *** أمراً ويأتيه عليه القضاء
لا تأمنن الدهر في أهله *** لكلّ شيء آخر وانقضاء
بین ترى الإنسان في غبطة *** یمسي وقد حلّ عليه القضا
ثم جعل يطيل النظر إليه حتى غاب عن عينه وأطرق الأرض يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال: وسار ابن ملجم حتى وصل إلى دار قطام وكانت قد أيست من رجوعه إليها، وعرضت نفسها على بني عمها وعشيرتها وشرطت عليهم قتل أمير المؤمنين فلم يقدم أحد على ذلك، فلما طرق الباب قالت من الطارق؟ قال : أنا عبد الرحمن، ففرحت قطام به وخرجت إليه واعتنقته وأدخلته دارها وفرشت له فرش الديباج وأحضرت له الطعام والمدام فأكل وشرب حتى سكر وسألته عن حاله فحدثها بجميع ما جرى له في طريقه.
ثم أمرته بالاغتسال وتغيير ثيابه، ففعل ذلك وأمرت جارية لها ففرشت الدار بأنواع الفرش وحضرت له شراباً وجواري فشرب مع الجواري وهن يلعبن له بالعيدان والمعازف والدفوف فلما أخذ الشراب منه أقبل عليها وقال ما بالك لا تجالسيني ولا تحادثيني يا قرة عيني ولا تمازحيني، فقالت له : بلى سمعاً وطاعة.
ثم أنها نهضت ودخلت إلى خدرها ولبست أفخر ثيابها وتزينت وتطيبت وخرجت إليه وقد كشفت له عن رأسها وصدرها ونهودها وأبرزت له عن فخذها وهي في طاق غلالة رومي
يبين له منها جميع جسدها وهي تتبختر في مشيتها والجواري حولها يلعبن.
فقام المعلون واعتنقها وترشقها وحملها حتى أجلسها مجلسها وقد بهت وتحير واستحوذ عليه الشيطان فضربت بيدها على زرّ قميصها فحلّته، وكان في حلقها عقد جوهر ليست له قيمة فلما أراد مجامعتها لم تمكنه من ذلك فقال لم تمانعيني عن نفسك وأنا وأنت على العهد الذي عاهدناك عليه من قتل علي ولو أحببت لقتلت معه شبليه الحسن والحسين.
ثمّ ضرب يده علی همیانه فحله من وسطه ورماه إليها وقال خذيه فإن فيه أكثر من ثلاثة آلاف دينار وعبد وقينة، فقالت له : والله لا أمكنك من نفسي حتى تحلف لي بالإيمان المغلظة إنك تقتله فحملته القساوة على ذلك وباع آخرته بديناه وتحكم الشيطان فيه بالإيمان المغلظة إنّه يقتله ولو قطعوه إربا إرباً.
فمالت إليه عند ذلك وقبلته وقبلها فأراد وطيها فمانعته وبات عندها تلك الليلة من غير نكاح فلما كان من الغد تزوج بها سراً وطاب قلبه فلما أفاق من سكرته ندم على ما كان منه وعاتب نفسه ولعنها فلم تزل ترادعه في كلّ ليلة وتعده بوصالها فلما دنت الليلة الموعودة مد يده إليها ليضاجعها ويجامعها فأبت عليه وقالت ما يكون ذلك إلا أن تفي بوعدك وكان الملعون اعتل علة شديدة فبرأ منها وكانت الملعونة لا تمكنه من نفسها مخافة أن تبرد ناره فيخلّ بقضاء حاجتها.
فقال لها : يا قطام. أقتل لك في هذه الليلة علي بن أبي طالب، فأخذ سيفه ومضى به إلى الصيقل فأجاد صقاله وجاء به إليها فقالت إني أريد أن أعمل فيه سمّا قال: وما تصنعي بالسم لو وقع على جبل لهده، فقالت : دعني أعمل فيه السّم فإنّك لو رأيت عليّاً لطاش عقلك وارتعشت يداك وربما ضربته ضربة لا تعمل فيه شيئاً، فإذا كان مسموماً فإن لم تعمل الضربة عمل السم.
فقال لها : يا ويلك أتخوفيني من علي فوالله لا أرهب عليّاً ولا غيره، فقالت له : دعني من قولك هذا فإنّ علياً ليس كمن لاقيت من الشجعان فأطرت في مدحه وذكرت شجاعته وكان غرضها أن يحمل الملعون على الغضب ويحرّضه على الأمر فأخذت السيف وأنفذته إلى الصيقل فسقاه السم ورده إلى غمده.
وكان ابن ملجم قد خرج في ذلك اليوم ويمشي في أزقة الكوفة فلقاه صديق له وهو عبد الله بن جابر الحارثي فسلم عليه وهنأه بزواج قطام، ثم تحادثا ساعة فحدثه بحديثه من أوله إلى آخره فسر بذلك سروراً عظيماً، فقال له : أنا أعاونك.
فقال ابن ملجم : دعني من هذا الحديث فإن عليّاً أروغ من الثعلب وأشدّ من الأسد، ثم مضى ابن ملجم لعنه الله يدور في شوارع الكوفة، فاجتاز على أمير المؤمنين وهو جالس عند
ميثم التمار فخطف عنه كي لا يراه ففطن به فبعث خلفه رسولاً فلما أتاه وقف بين يديه وسلم عليه وتضرع لديه.
فقال له: ما تعمل ههنا؟ قال: أطوف في أسواق الكوفة وانظر إليها، فقال: عليك بالمساجد فإنّها خير لك من البقاع كلها وشرها الأسواق ما لم يذكر اسم الله فيها ثم حادثه ساعة وانصرف.
فلما ولى جعل أمير المؤمنين يطيل النظر إليه ويقول يا لك من عدوّ لي من مراد ثمّ قال : أريد حياته ويريد قتلي، ويأبى الله إلا أن يشاء.
ثم قال: يا ميثم هذا والله قاتلي لا محالة أخبرني به حبيبي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، فقال ميثم يا أمير المؤمنين فلم لا تقتله أنت قبل ذلك ؟ فقال : يا ميثم لا يحل القصاص قبل الفعل، فقال ميثم : يا مولاي إذا لم تقتله فاطرده، فقال: يا ميثم لولا آية في كتاب الله :
«يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39)» [الرعد: 39].
وأيضاً أنّه بعد ما جنى جناية فيؤخذ بها ولا يجوز أن يعاقب قبل الفعل، فقال ميثم: جعل يومنا قبل يومك ولا أرانا الله فيك سوء أبداً ومتى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّ الله تفرد بخمسة أشياء لا يطلع عليها نبي مرسل ولا ملك مقرب فقال عز من قائل:
«إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» [لقمان : 34] الآية.
یا میثم هذه خمسة لا يطلع عليها إلا الله وما اطلع عليها نبي ولا وصي ولا ملك مقرب، يا ميثم لا حذر من قدر، يا ميثم إذ جاء القضاء فلا مفرّ، فرجع ابن ملجم ودخل على قطام لعنهما الله وكانت تلك الليلة ليلة تسع عشر من شهر رمضان.
قالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين (علیه السَّلام): لما كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدمت إليه عند إفطاره طبقاً من قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره، فلما نظر إليه وتأمله حرك رأسه وبكى بكاء شديداً عالياً وقال: يا بنية ما ظننت أن بنتاً تسوء أباها كما قد أسأت أنت إلي قالت : وماذا يا أبتا؟ قال: يا بنية اتقدمين إلى أبيك أدامين في فرد طبق واحد أتريدين أن يطول وقوفي غداً بين يدي الله عزّ وجلّ یوم القيامة أنا أريد أن أتبع أخي وابن عمي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)ما قدم إليه طعامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله.
يا بنية ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلا طال وقوفه بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، يا بنية إنّ الدّنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب.
وقد أخبرني حبيبي رسول الله أن جبرئيل نزل إليه ومعه مفاتيح كنوز الأرض وقال : يا
محمّد الله يقرؤك السّلام ويقول لك إن شئت سيرت معك جبال تهامة ذهباً وفضة وخذ هذه مفاتيح كنوز الأرض ولا ينقص ذلك حظك من يوم القيامة، قال: يا جبرئيل وما يكون بعد ذلك؟ قال الموت فقال : إذن لا حاجة لي في الدنيا دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً فاليوم الذي أجوع فيه أتضرع إلى ربي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده، فقال له جبرئيل : وفّقت لكلّ خير ثم قال :
يا بنية الدنيا دار غرور ودار هوان فمن قدم شيئاً وجده، يا بنية والله لا آكل شيئاً حتى ترفعين أحد الأدامين، فلما رفعته تقدّم إلى الطعام فأكل قرصاً واحداً بالملح الجريش.
ثم حمد الله وأثنى عليه ثمّ قام إلى صلاته فصلى فلم يزل راكعاً وساجداً ومبتهلاً ومتضرعاً إلى الله سبحانه ويكثر الدخول والخروج وهو ينظر إلى السماء وهو قلق يتململ، ثم قرأ سورة يس حتى ختمها، ثم رقد هنيئة وانتبه مرعوباً وجعل يمسح وجهه بثوبه ونهض قائماً على قدميه وهو يقول : اللهم بارك لنا في لقائك ويكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثمّ صلّى حتى ذهب بعض الليل، ثم جلس للتعقيب، ثمّ نامت عيناه وهو جالس، ثم انتبه من نومته مرعوباً.
قالت أم كلثوم : كأني به وقد جمع أولاده وأهله وقال لهم في هذا الشهر تفقدوني إنّي رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني وأريد أن أقصها عليكم قالوا وما هي؟ قال: إني رأيت الساعة رسول الله في منامي وهو يقول لي: يا أبا الحسن إنّك قادم إلينا عن قريب يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك وأنا والله مشتاق إليك وإنك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان فهلم إلينا فما عندنا خير لك وأبقى.
قال: فلما سمعوا كلامه ضجّوا بالبكاء والنحيب وأبدوا العويل فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا، ثمّ أقبل عليهم يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهيهم عن الشر.
قالت أم كلثوم فلم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً، ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وينظر في الكواكب وهو يقول والله ما كذبت ولا كذبت وإنها الليلة التي وعدت بها.
ثم يعود إلى مصلاه ويقول: اللهم بارك لي في الموت ويكثر من قول إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويصلي على النبي وآله ويستغفر الله كثيراً.
قالت أم كلثوم : فلما رأيته في تلك الليلة قلقاً متململا كثير الذكر والاستغفار أرقت معه ليلتي وقلت يا أبتاه ما لي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد، قال : يا بنية إن أباك قتل الأبطال وخاض الأهوال وما دخل الجوف له خوف وما دخل في قلبي رعب أكثر ممّا دخل في هذه الليلة، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقلت: يا أباه ما لك تنعي نفسك منذ الليلة،
قال : يا بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل.
قالت أم كلثوم: فبكيت فقال لي يا بنية لا تبكين فإنّي لم أقل ذلك إلا بما عهد إلي النبي، ثمّ إنّه (علیه السَّلام) نعس وطوى ساعة ثم استيقظ من نومه، وقال يا بنية إذا قرب وقت الأذان فاعلميني، ثم رجع إلى ما كان عليه أوّل الليل من الصلاة والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه.
قالت أم كلثوم : فجعلت أرقب وقت الآذان فلما لاح الوقت أتيته ومعي إناء فيه ماء ثم أيقظته أسبغ الوضوء وقام ولبس ثيابه وفتح بابه، ثم نزل إلى الدار وكان في الدار إوز قد أهدى إلى أخي الحسين فلما نزل خرجن وراءه ورفرفن وصحن في وجهه وكان قبل تلك لم يصحن فقال : لا إله إلا الله.
صوارخ تتبعها نوايح *** وفي غداة غد يظهر القضا
فقلت له: يا أبا هكذا تتطير، فقال: يا بنية ما منا أهل البيت من يتطير ولا يتطير به ولكن قول جرى على لساني، ثم قال: يا بنية بحقي عليك إلا ما اطلقتيه فقد حبست ما ليس له لسان ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش فأطعميه واسقيه وإلا خلي سبيله يأكل من حشائش الأرض، فلما وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فانحل مئزره حتى سقط فأخذه وشده وهو يقول:
اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا *** ولا تجزع من الموت إذا حل يناديكا
ولا تغتر بالدهر وإن كان يواتيكا *** كما اضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا
ثمّ قال : اللهم بارك لنا في الموت اللهم بارك لي في لقاءك..
قالت أم كلثوم : وكنت أمشي خلفه فلما سمعته يقول ذلك، قلت: واغوثاه يا أبتاه أراك تنعي نفسك منذ الليلة، قال : يا بنية ما هو بنعاء ولكنها دلالات وعلامات للموت تتبع بعضها بعضاً فامسكي عن الجواب، ثم فتح الباب وخرج.
قالت أم كلثوم: فجئت إلى أخي الحسن فقلت : يا أخي قد كان من أمر أبيك الليلة كذا وكذا، وهو قد خرج في هذا الليل الغلس فالحقه، فقام الحسن بن علي (علیه السَّلام) وتبعه فلحق به قبل أن يدخل الجامع فقال : يا أباه ما أخرجك في هذه الساعة وقد بقي من الليل ثلثه.
فقال: يا حبيبي ويا قرة عيني خرجت لرؤيا رأيتها في هذه الليلة هالتني وأزعجتني وأقلقتني، فقال له خيراً رأيت وخيراً يكون فقصها علي.
فقال : يا بني رأيت كان جبرئيل قد نزل من السماء على جبل أبي قبيس فتناول منه حجرين ومضى بهما إلى الكعبة وتركهما على ظهرها وضرب أحدهما على الآخر فصار كالرميم، ثم ذراهما في الريح فما بقي بمكة ولا بالمدينة بيت إلا ودخله من ذلك الرماد فقال
له: يا أبت وما تأويلها؟
فقال : يا بني إن صدقت رؤياي فإن أباك مقتول ولا يبقى بمكة حينئذ ولا بالمدينة بيت إلا ويدخله من ذلك غمّ ومصيبة من أجلي فقال الحسن (علیه السَّلام): وهل تدري متى يكون ذلك يا أبت؟ قال : يا بني إنّ الله يقول :
«وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» [لقمان: 34].
ولكن عهد إلي حبيبي رسول الله أنه يكون في العشر الآخر من شهر رمضان يقتنلي ابن ملجم المرادي فقلت له : يا أبتاه إذا علمت ذلك منه فاقتله قال: يا بني لا يجوز القصاص قبل الجناية والجناية لم تحصل منه، يا بني لو اجتمع الثقلان الإنس والجن على أن يدفعوا ذلك لما قدروا، يا بني ارجع إلى فراشك، فقال الحسن يا أبتاه أريد أمضي معك إلى موضع صلاتك.
فقال له : أقسمت بحقي عليك إلا ما رجعت إلى فراشك لئلا يتنغص عليك نومك ولا تعصني في ذلك، قال: فرجع الحسن فوجد أخته أم كلثوم قائمة خلف الباب تنتظره فدخل فأخبرها بذلك وجلسا يتحادثان وهما محزونان حتى غلب عليهما النعاس فقاما ودخلا إلى فراشهما وناما.
قال أبو مخنف وغيره : وسار أمير المؤمنين حتى دخل المسجد والقناديل قد خمد ضوؤها فصلى في المسجد وتم ورده وعقب ساعة ثمّ إنّه قام وصلى ركعتين ثم علا المأذنه ووضع سبابتيه في أذنيه وتنحنح، ثم أذن وكان صلوات الله عليه إذا أذن لم يبق في الكوفة بيت إلا اخترقه صوته.
قال الرّاوي: وأمّا ابن ملجم فبات في تلك الليلة يفكر في نفسه ولا يدري ما يصنع فتارة يعاتب نفسه ويوبخها ويخاف من عقبي فعله فيهمّ أن يرجع عن ذلك، وتارة يذكر قطام لعنها الله وحسنها وجمالها وكثرة مالها فتميل نفسه إليها، فبقي عامة ليله يتقلب على فراشه وهو يترنّم بشعره ذلك إذا أتته الملعونة ونامت معه في فراشه وقالت: يا هذا من يكون على هذا العزم يرقد.
فقال لها: والله إني أقتله لك الساعة فقالت : اقتله وارجع إليّ قرير العين مسروراً وافعل ما تريد فإنّي منتظرة لك، فقال لها : بل أقتله وأرجع إليك سخين العين منحوساً محسوراً، فقالت أعوذ بالله من تطيرك الوحش.
قال: فوثب الملعون كأنه الفحل من الإبل، قال: هلمي إليّ بالسيف، ثمّ إنّه اتزر بمئزر واتشح بإزار وجعل السيف تحت الإزار من بطنه وقال : افتحي لي الباب ففي هذه الساعة أقتل لك عليّاً، فقامت فرحة مسرورة وقبلت صدره وبقي يقبلها ويتشرقها ساعة ثم راودها عن
نفسها فقالت: هذا عليّ أقبل إلى الجامع وأذن فقم إليه فاقتله ثم عد إلي فها أنا منتظرة رجوعك، فخرج من الباب وهي خلفه تحرّضه بهذه الأبيات:
أقول إذا ماحيّة أعيت الرّقا *** وكان ذعاف (1)الموت منه شرابها
دسسنا إليها في الظلام ابن ملجم *** همام إذا ما الحرب شب لهابها
فخذها عليّ فوق رأسك ضربةً *** بكف سعید سوف يلقا ثوابها
قال الراوي : فالتفت إليها وقال أفسدت والله الشعر في هذا البيت الآخر، قالت: ولم ذلك؟ قال لها : هلا قلت :
بكف شقي سوف يلقا عقابها
قال مصنف هذا الكتاب قدس الله روحه: هذا الخبر غير صحيح بل إنا كتبناه كما وجدناه، والرّواية الصحيحة أنه بات في المسجد ومعه رجلان أحدهما شبيب بن بحيرة والآخر وردان بن مجالد يساعدانه على قتل عليّ، فلما أذن نزل من المأذنه وجعل يسبح الله ويقدسه ويكبره ويكثر من الصلاة على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم).
قال الراوي : وكان من أكرم أخلاقه أن يفتقد النائمين في المسجد ويقول للنائم : الصلاة يرحمك الله الصلاة ثم إلى الصلاة المكتوبة ثم يتلو :
«إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» [العنكبوت: 45].
ففعل ذلك كما كان يفعله على جاري عاداته مع النائمين في المسجد حتى إذا بلغ إلى الملعون فرآه نائماً على وجهه قال له: يا هذا قم من نومك هذا فإنّها نومة يمقتها الله وهي نومة الشيطان ونومة أهل النار، بل نم على يمينك فإنّها نومة العلماء أو على يسارك فإنّها نومة الحكماء أو على ظهرك فإنّها نومة الأنبياء.
قال : فتحرّك الملعون كأنه يريد أن يقوم وهو من مكانه لا يبرح فقال له أمير المؤمنين : لقد هممت بشيء تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدا، ولو شئت لأنبأتك بما تحت ثيابك، ثم تركه وعدل عنه إلى محرابه وقام قائماً يصلّي وكان يطيل الركوع والسجود في الصلاة كعادته في الفرائض والنوافل حاضراً قلبه.
فلما أحسّ به فنهض الملعون مسرعاً وأقبل يمشي حتى وقف بإزاء الأسطوانة التي كان الإمام يصلي عليها، فأمهله حتى صلى الركعة الأولى وركع وسجد السجدة الأولى منها، ورفع رأسه فعند ذلك أخذ السيف وهزّه ثم ضربه على رأسه المكرّم الشريف فوقعت الضربة على
1) الذعف: السقي.
الضّربة التي ضربها عمرو بن عبدود العامري ثم أخذت الضّربة إلى مفرق رأسه إلى موضع السجود.
فلما أحسّ الإمام بالضرب لم يتأوّه وصبر واحتسب ووقع على وجهه وليس عنده أحد قائلاً: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ثم صاح وقال : قتلني ابن ملجم قتلني اللعين ابن اليهودية وربّ الكعبة أيّها النّاس لا يفوتنكم ابن ملجم وسار السم في رأسه وبدنه وثار جميع من في المسجد في طلب الملعون وماجوا بالسلاح فما كنت أرى إلا صفق الأيدي على الهامات وعلوّ الصرخات.
وكان ابن ملجم ضربه ضربة خائفاً مرعوباً، ثمّ ولى هارباً وخرج من المسجد وأحاط الناس بأمير المؤمنين وهو في محرابه يشدّ الضربة ويأخذ التراب ويضعه عليها ثم تلا قوله تعالى :
«مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)» [طه: 55].
ثم قال: جاء أمر الله وصدق رسول الله، ثم إنه لما ضربه الملعون ارتجت الأرض وباحت البحار والسماوات واصطفقت أبواب الجامع.
قال: وضربه اللعين شبيب بن بحيرة، فأخطأه ووقعت الضربة في الطاق.
قال الراوي : فلما سمع الناس الضجة ثار إليه كل من كان في المسجد وصاروا يدورون لا يدرون أين يذهبون من شدة الصدمة والدهشة، ثم أحاطوا بأمير المؤمنين وهو يشد رأسه بميزره والدم يجري على وجهه ولحيته وقد خضب بدمائه وهو يقول: هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله.
قال الراوي : فاصطفقت أبواب الجامع وضجّت الملائكة في السماء بالدعاء وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة، ونادى جبرئيل بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ : تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم محمد المصطفى قتل الوصي المجتبى قتل علي المرتضى، قتل والله سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء.
قال: فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرئيل فلطمت على وجهها وخدها وشقت جيبها وصاحت واأبتاه واعلياه وامحمداه واسيّداه، ثم أقبلت إلى أخويها الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فأيقظتهما وقالت لهما لقد قتل أبو كما، فقاما يبكيان فقال لها الحسن : يا أختاه كفي عن البكاء حتى نعرف صحة الخبر كي لا تشمت الأعداء.
فخرجا فإذا الناس ينوحون وينادون واإماماه واأمير المؤمنين قتل والله إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم قط كان أشبه النّاس برسول الله.
فلما سمع الحسن والحسين صرخات النّاس ناديا واأبتاه واعلياه ليت الموت أعدمنا الحياة، فلما وصلا الجامع ودخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس وهم يجتهدون أن يقيموا الإمام في المحراب ليصلي بالناس فلم يطق على النهوض وتأخر عن الصف وتقدّم الحسن فصلى بالناس وأمير المؤمنين يصلي إيماء عن جلوس وهو يمسح الدّم عن وجهه وكريمه الشريف يميل تارة ويسكن أخرى والحسن ينادي وانقطاع ظهراه يعز والله علي أن أراك هكذا.
ففتح عينه وقال : يا بني لا جزع على أبيك بعد اليوم هذا جدك محمد المصطفى وجدتك خديجة الكبرى وأمك فاطمة الزهراء والحور العين محدقون منتظرون قدوم أبيك، فطب نفسا وقرّ عيناً وكفّ عن البكاء فإنّ الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء.
قال : ثمّ إنّ الخبر شاع في جوانب الكوفة وانحشر الناس حتى المخدرات خرجن من خدرهن إلى الجامع ينظرن إلى أمير المؤمنين، فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن ورأس أبيه في حجره وقد غسل الدّم عنه وشدّ الضّربة وهي بعدها تشخب دماً ووجهه قد زاد بياضاً بصفرة وهو يرمق السّماء بطرفه ولسانه يسبح الله ويوحده وهو يقول:
أسألك يا ربّ الرّفيع الأعلى، فأخذ الحسن رأسه في حجره فوجده مغشياً عليه فعندها بكى بكاء شديداً وجعل يقبل وجه أبيه وما بين عينيه وموضع سجوده، فسقط من سجوده قطرات على وجه أمير المؤمنين ففتح عينيه فرآه باكياً فقال : يا بني يا حسن ما هذا البكاء يا بني لا روع على أبيك بعد اليوم هذا جدّك محمد المصطفى وخديجة وفاطمة والحور العين محدقون منتظرون قدوم أبيك فطب نفساً وقرّ عيناً واكفف عن البكاء فإنّ الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء.
يا بني الجزع على أبيك وغداً تقتل بعدي مسموماً مظلموماً وأخوك يقتل بالسيف هكذا وتلحقان بجدّكما وأبيكما وأمّكما فقال له الحسن: ما تعرفنا من قتلك ومن فعل بك هذا قال : قتلني ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقال : يا أباه من أي طريق مضى قال : لا يمضي أحد في طلبه فإنّه سيطلع عليكم من هذا الباب وأشار بيده الشريفة إلى باب كندة.
قال : ولم يزل السم يسري في رأسه وفي بدنه ثم أغمي عليه ساعة والناس ينتظرون قدوم الملعون من باب كندة واشتغل الناس بالنظر إلى الباب ويرقبون قدوم الملعون وقد غص المسجد بالعالم ما بين باك ومحزون، فما كان إلا ساعة وإذا بالصيحة قد ارتفعت وزمرة من الناس وقد جاؤوا بعد والله ابن ملجم مكتوفاً وهذا يلعنه وهذا يضربه.
قال : فوقع الناس بعضهم على بعض ينظرون إليه فأقبلوا باللعين مكتوفاً وهذا يلعنه وهذا
يضربه وهم ينهشون لحمه بأسنانهم ويقولون له: يا عدو الله ما فعلت أهلكت أمة محمد وقتلت خير الناس وإنّه لصامت وبين يديه رجل يقال له حذيفة النّخعي بيده سيف مشهور وهو يرد الناس عن قتله وهو يقول: هذا قاتل الإمام علي (علیه السَّلام) حتى أدخلوه المسجد.
قال الشعبي : كأني أنظر إليه وعيناه قد طارنا في أم رأسه كأنهما قطعتا علق وقد وقعت في وجهه ضربة قد هشمت وجهه وأنفه والدم يسيل على صدره وهو ينظر يميناً وشمالاً وعيناه قد طارتا في أم رأسه وهو أسمر اللون حسن الوجه وفي وجهه أثر السجود وكان على رأسه شعر أسود منثور على وجهه كأنه الشيطان الرجيم، فلما حاذاني سمعته يترنم بهذه الأبيات:
أقول لنفسي بعدما كنت أنهيها *** وقد كنت أسناها وكنت أكيدها
أيا نفس كفي عن طلابك واصبري *** ولا تطلبي هما عليك يبيدها
فما قبلت نصحي وقد كنت ناصحاً *** كنصح ولو غاب عنها وليدها
فما طلبت إلا عنائي وشقوتي *** فيا طول مكثي في الجحيم بعيدها
فلما جاؤوا به أوقفوه بين يدي أمير المؤمنين فلما نظر إليه الحسن (علیه السَّلام) قال له: يا ويلك يا لعين يا عدو الله أنت قاتل أمير المؤمنين وإمام المسلمين هذا جزاؤه منك حيث آواك وقربك وأدناك وآثرك على غيرك، وهل كان بئس الإمام لك حتى جازيته هذا الجزاء يا شقي.
قال: فلم يتكلم بل دمعت عيناه فانكب الحسن (علیه السَّلام) على أبيه يقبله وقال له : هذا قاتلك يا أباه قد أمكن الله منه فلم يجبه (علیه السَّلام) وكان نائماً فكره أن يوقظه من نومه، ثم التفت إلى ابن ملجم وقال له: يا عدو الله هذا كان جزاؤه منك بوأك وأدناك وقربك وحباك وفضلك على غيرك هل كان بئس الإمام حتى جازيته هذا الجزاء يا شقي الأشقياء.
فقال له الملعون: يا أبا محمّد أفأنت تنقذ من في النار فعند ذلك ضجت الناس بالبكاء والنحيب فأمرهم الحسن (علیه السَّلام) بالسكوت.
ثم التفت الحسن (علیه السَّلام) إلى الذي جاء به حذيفة رضي الله عنه، فقال له : كيف ظفرت بعدوّ الله وأين لقيته فقال : يا مولاي إن حديثي معه لعجيب.
وذلك إني كنت البارحة نائماً في داري وزوجتي إلى جانبي وهي من غطفان وأنا راقد وهي مستيقظة إذ سمعت هي الزّعقة وناعياً ينعى أمير المؤمنين وهو يقول: تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله أعلام التقى قتل ابن عم محمد المصطفى قتل علي المرتضى قتله أشقى الأشقياء، فأيقظتني وقالت لي : أنت نائم وقد قتل إمامك علي بن أبي طالب.
فانتبهت من كلامها فزعاً مرعوباً وقلت لها يا ويلك ما هذا الكلام رَضى الله فاك لعلّ الشيطان قد ألقي في سمعك هذا أو حلم ألقي عليك، يا ويلك إن أمير المؤمنين ليس لأحد
من خلق الله قبله تبعة ولا ظلامة وإنّه لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج العطوف، وبعد ذلك فمن الذي يقدر على قتل علي أمير المؤمنين وهو الأسد الضرغام والبطل الهمام والفارس القمقام.
فأكثرت عليّ وقالت: إني سمعت ما لم تسمع وعلمت ما لم تعلم، فقلت لها وما سمعت فأخبرتني بالصوت فقالت سمعت نادياً ينادي بأعلى صوته تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله أعلام التقى قتل ابن عم محمد المصطفى قتل علي المرتضى قتله أشقى الأشقياء.
ثم قالت : وما أظنّ بيتاً إلا وقد دخله هذا الصوت قال فبينما أنا وهي في مراجعة الكلام وإذا بصيحة عظيمة وجلبة وضجة عظيمة وقائل يقول : قتل أمير المؤمنين.
فحس قلبي بالشر فمددت يدي إلى سيفي وسللته من غمده وأخذته ونزلت مسرعاً وفتحت باب داري وخرجت فلما صرت في وسط الجادة فنظرت يميناً وشمالاً وإذا بعدوّ الله يحول فيها يطلب مهرباً فلم يجد وإذا قد انسدت الطرقات في وجهه فلما نظرت إليه وهو كذلك رابني أمره فناديته :
يا ويلك من أنت وما تريد لا أم لك في وسط هذا الدرب تمرّ وتجيء فتسمى بغير اسمه وانتمى بغير كنيته فقلت له : من أين أقبلت؟ قال: من منزلي قلت: وإلى أين تريد تمضي في هذا الوقت قال : إلى الحيرة، فقلت، ولم لا تقعد حتى تصلي مع أمير المؤمنين صلاة الغداة وتمضي في حاجتك؟ فقال : أخشى أن أقعد للصلاة فتفوت حاجتي فقلت : يا ويلك إني سمعت صيحة وقائلاً يقول قتل أمير المؤمنين فهل عندك من ذلك خبر؟ قال : لا علم لي بذلك فقلت له : فلم لا تمضي معي حتى تحقق الخبر وتمضي في حاجتك؟ فقال : أنا ماض في حاجتي وهي أهم من ذلك.
فلما قال لي مثل ذلك القول قلت يا لكع الرّجال حاجتك أحب إليك من التحسس لأمير المؤمنين وإمام المسلمين إذا والله يا لكع مالك عند الله من خلاق، وحملت عليه بسيفي و هممت أن أعلو به فراغ عنّي.
فبينما أنا أخاطبه وهو يخاطبني إذ هبت الريح فكشفت إزاره وإذاً بسيفه يلمع تحت الإزار كأنه مرءاة مصقولة، فلما رأيت بريقه تحت ثيابه قلت: يا ويلك ما هذا السيف المشهور تحت ثيابك لعلك أنت قاتل أمير المؤمنين فأراد أن يقول لا فأنطق الله لسانه بالحق فقال: نعم.
فرفعت سيفي وضربته فرفع هو سيفه وهم أن يعلوني فانحرفت عنه فضربته على ساقيه فأوقفته ووقع لحينه ووقعت عليه وصرخت صرخة شديدة وأردت أن أخذ سيفه فماتعني عنه، فخرج أهل الحيرة فأعانوني عليه حتى أوثقته كتافاً وجئتك به فها هو بين يديك جعلني الله
فداك فاصنع به ما شئت.
فقال الحسن : الحمد الله الذي نصر وليه وخذل عدوّه، ثمّ انكب الحسن على أبيه يقبله وقال له : يا أباه هذا عدوّ الله وعدوك قد أمكن الله منه فلم يجبه وكان نائماً فكره أن يوقظه من نومه فرقد ساعة ثم فتح عينيه وهو يقول : ارفقوا بي يا ملائكة ربي.
فقال له الحسن (علیه السَّلام): هذا عدو الله وعدوك ابن ملجم قد أمكن الله منه وقد حضر بين يديك قال : ففتح أمير المؤمنين (علیه السَّلام) عينيه ونظر إليه وهو مكتوف وسيفه معلّق في عنقه فقال له بضعف وانكسار صوت ورأفة ورحمة يا هذا لقد جئت عظيماً وارتكبت أمراً عظيماً وخطباً جسيماً أبئس الإمام كنت لك حتى جازيتني بهذا الجزاء؟ ألم أكن شفيقاً عليك وآثرتك على غيرك وأحسنت إليك وزدت في إعطائك؟ ألم يكن يقال لي فيك كذا وكذا فخليت لك السبيل ومنحتك عطائي؟ وقد كنت أعلم أنك قاتلي لا محالة ولكن رجوت بذلك الاستظهار من الله تعالى عليك يا لكع وعلى أن ترجع عن غيك فغلبت عليك الشقاوة فقتلتني يا أشقى الأشقياء.
قال: فدمعت عينا ابن ملجم لعنه الله وقال: يا أمير المؤمنين أفأنت تنقذ من في النار، قال له : صدقت، ثم التفت إلى ولده الحسن وقال له ارفق يا ولدي بأسيرك وارحمه واحسن إليه واشفق عليه ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أم رأسه وقلبه يرجف خوفاً ورعباً وفزعاً.
فقال له الحسن: يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به فقال له : نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلا كرماً وعفواً والرحمة والشفقة من شيمتنا لا من شيمة عدوّنا.
بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكل واسقه مما تشرب ولا تقيد له قدماً ولا تغل له يداً فإن أنا مت فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة وتحرقه بالنار ولا تمثل بالرّجل فإني سمعت جدّك رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور وإن أنا عشت فأنا أولى به بالعفو عنه وأنا أعلم بما أفعل به فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلا عفواً وكرماً.
قال مخنف بن حنيف: إني والله ليلة تسع عشرة في الجامع في رجال نصلي قريباً من السدّة التي يدخل منها أمير المؤمنين فبينما نحن نصلي إذ دخل أمير المؤمنين من السدة وهو ينادي الصلاة ثم صعد المأذنة فأذن ثم نزل فعبر على قوم نيام في المسجد فناداهم الصلاة ثم قصد المحراب.
فما أدري دخل في الصلاة أم لا إذ سمعت قائلاً يقول : الحكم لله لا لك يا علي، قال: فسمعت عند ذلك أمير المؤمنين (علیه السَّلام) يقول : لا يفوتنكم الرّجل، قال : فشد الناس عليه وأنا معهم وإذا هو ورد ان بن مجالد، وأما ابن ملجم لعنه الله فإنّه هرب من ساعته ودخل الكوفة
ورأينا أمير المؤمنين مجروحاً في رأسه.
قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : ثمّ إن أبي قال: احملوني إلى موضع مصلاي في منزلي قال فحملناه إليه وهو مدنف والناس حوله وهم في أسر عظيم باكين محزونين قد أشرفوا على الهلاك من شدّة البكاء والنحيب.
ثم التفت إليه الحسن وهو يبكي فقال له: يا أبتاه من لنا بعدك لا كيومك إلا يوم رسول الله من أجلك تعلمت البكاء يعزّ والله عليّ أن أراك هكذا فناداه وقال: يا حسين يا أبا عبد الله ادن منّي، فدنا منه وقد قرحت أجفان عينيه من البكاء فمسح الدموع من عينيه ووضع يده على قلبه وقال له يا بني ربط الله قلبك بالصبر وأجزل لك ولإخوانك عظيم الأجر، فسكن روعتك واهديء من بكائك، فإن الله قد آجرك على عظيم مصابك ثمّ أدخل إلى حجرته وجلس في محرابه.
قال الرّاوي: وأقبلت زينب وأم كلثوم حتى جلسنا معه على فراشه واقبلتا تندبانه وتقولان: يا أبتاه من للصغير حتى يكبر، ومن للكبير بين الملاء، يا أبتاه حزننا عليك طويل وعبرتنا لا ترقى.
قال : فضح الناس من وراء الحجرة بالبكاء والنحيب وفاضت دموع أمير المؤمنين عند ذلك وجعل يقلب طرفه وينظر إلى أهل بيته وأولاده، ثم دعا الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وجعل يحضنهما ويقبلهما.
ثمّ أغمي عليه ساعة طويلة وأفاق، وكذلك رسول الله يغمي عليه ساعة طويلة ويفيق أخرى لأنه (علیه السَّلام) كان مسموماً فلما أفاق ناوله الحسن قعباً من لبن فشرب منه قليلاً ثم نحاه عن فيه وقال: احملوه إلى أسيركم.
ثم قال للحسن : بحقي عليك يا بني إلا ما طيبتم مطعمه ومشربه وأرفقوا به إلى حين موتي وتطعمه مما تأكل وتسقيه مما تشرب حتى تكون أكرم حتى تكون أكرم منه، فعند ذلك حملوا إليه اللبن وأخبروه بما قال أمير المؤمنين في حقه فأخذ اللبن وشربه.
قال : ولما حمل أمير المؤمنين إلى منزله جاؤوا باللعين مكتوفاً إلى بيت من بيوت القصر فحبسوه فيه فقالت له أم كلثوم وهي تبكي يا ويلك أما أبي فإنّه لا بأس عليه وإن الله مخزيك في الدنيا والآخرة وإنّ مصيرك إلى النار خالداً فيها، فقال لها ابن ملجم لعنه الله : ابكي إن كنت باكية فوالله لقد اشتريت سيفي هذا بألف وسممته بألف ولو كانت ضربتي هذه لجميع أهل الكوفة ما نجا منهم أحد وفي ذلك يقول الفرزدق :
فلا غرو للأشراف إن ظفرت بها *** ذئاب الأعادي من فصيح واعجم
فحربة وحشيّ سقت حمزة الردى *** وحتف علي من حسام ابن ملجم
قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : وبتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي وقد نزل السّم إلى قدميه وكان يصلي تلك الليلة من جلوس ولم يزل يوصينا بوصاياه ويعزينا من نفسه ويخبرنا بأمره وتبيانه إلى حين طلوع الفجر.
فلما أصبح استأذن الناس عليه فأذن لهم بالدخول فدخلوا عليه وأقبلوا يسلمون عليه وهو يردّ (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ثمّ قال: أيّها النّاس اسألوني قبل أن تفقدوني وخفّفوا سؤالكم لمصيبة إمامكم.
قال : فبكى الناس عند ذلك بكاء شديداً وأشفقوا أن يسألوه تخفيفاً عنه، فقام إليه حجر بن عدي الطائي وقال :
فيا اسفا على المولى التقي *** أبو الأطهار حيدر الزكي
قتله كافر حنث زنيم *** لعین فاسق نغل شقي
فیلعن ربّنا من حاد عنكم *** ویبرأ منكم لعنا وبي
لانكم بيوم الحشر ذخري *** وأنتم عترة الهادي النبي
فلمّا بَصُرَ به وسمع شعره قال له : كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة مني فما عساك أن تقول ؟ فقال : والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إرباً واضرم لي النار وألقيت فيها لأثرت ذلك على البراءة منك، فقال : وفّقت لكلّ خير يا حجر جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيك.
ثمّ قال: هل من شربة من لبن؟ فأتوه بلبن في قعب فأخذه وشربه كله فذكر الملعون ابن ملجم وأنه لم يخلف له شيئاً فقال : وكان أمر الله قدراً مقدوراً اعلموا أنّي شربت الجميع ولم أبق لأسيركم شيئاً من هذا ألا وإنه آخر رزقي من الدنيا فبالله عليك يا بني إلا ما أسقيته مثل ما شربت فحمل إليه ذلك فشربه.
قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : لمّا كانت ليلة إحدى وعشرين وأظلم الليل وهي الليلة الثانية من الكائنة جمع أبي أولاده وأهل بيته وودعهم ثم قال لهم: الله خليفتي عليكم وهو حسبي ونعم الوكيل وأوصاهم الجميع منهم بلزوم الإيمان والأديان والأحكام التي أوصاه بها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم).
فمن ذلك ما نقل عنه أوصى به الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) لما ضربه الملعون ابن ملجم وهي هذه : أوصيكما بتقوى الله، إلى آخر ما يأتي في الكتاب برواية السيد في باب المختار من وصاياه إن شاء الله.
قال : ثم تزايد ولوج السمّم في جسده الشريف حتى نظرنا إلى قدميه وقد احمرتا جميعاً، فكبر ذلك علينا وآيسنا منه ثم أصبح فأمرهم ونهاهم وأوصاهم ثم عرضنا عليه المأكول والمشروب فأبى أن يشرب فنظرنا إلى شفتيه وهما يختلجان بذكر الله تعالى، وجعل جبينه يرشح عرقاً وهو يمسحه بيده.
قلت: يا أبت أراك تمسح جبينك فقال : يا بني إني سمعت جدك رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : إنّ المؤمن إذا نزل به الموت ودنت وفاته عرق جبينه وصار كاللؤلؤ الرطب وسكن أنينه.
ثمّ قال : يا أبا عبد الله ويا عون، ثم نادى أولاده كلّهم بأسمائهم صغيراً وكبيراً واحداً بعد واحد وجعل يودعهم ويقول : الله خليفتي عليكم أستودعكم الله، وهم يبكون.
فقال الحسن (علیه السَّلام) يا أبه ما دعاك إلى هذا فقال له يا بني إني رأيت جدك رسول الله في منامي قبل هذه الكائنة بليلة فشكوت إليه ما أنا فيه من التذلل والأذى من هذه الأمة، فقال لي : ادع عليهم فقلت : اللهم أبدلهم بي شرّاً منّي وأبدلني بهم خيراً منهم فقال لي قد استجاب الله دعاك سينقلك إلينا بعد ثلاث، وقد مضت الثلاث
يا أبا محمد أوصيك ويا أبا عبد الله خيراً فأنتما منّي وأنا منكما، ثم التفت إلى أولاده الذين من غير فاطمة وأوصاهم أن لا يخالفوا أولاد فاطمة يعني الحسن والحسين.
ثمّ قال : أحسن الله لكم العزاء ألا وإني منصرف عنكم وراحل في ليلتي هذه ولاحق بحبيبي محمد كما وعدني فإذا أنا مت يا أبا محمّد فغسلني وكفني وحنطني ببقية حنوط جدك رسول الله فإنّه من كافور الجنّة جاء به جبرئيل إليه، ثمّ ضعني على سريري ولا يتقدّم أحد منكم مقدّم السرير واحملوا مؤخره واتبعوا مقدمه فأي موضع وضع المقدّم فضعوا المؤخر فحيث قام سريري فهو موضع قبري.
ثم تقدّم يا أبا محمد وصلّ علي يا بني يا حسن وكبر علي سبعاً واعلم أنه لا يحلّ ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمن اسمه القائم المهدي من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق.
فإذا أنت صليت يا حسن فتح السرير عن موضعه ثمّ اكشف التراب عنه فترى قبراً محفوراً ولحداً مثقوباً وساجة منقوبة فاضجعني فيها، فإذا أردت الخروج من قبري فافتقدني فإنّك لا تجدني وأني لاحق بجدك رسول الله.
واعلم يا بني ما من نبي يموت وإن كان مدفوناً بالمشرق ويموت وصيه بالمغرب إلا ويجمع الله عزّ وجلّ بين روحيهما وجسديهما ثم يفترقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره وإلى موضعه الذي حط فيه.
ثمّ أشرج اللحد باللبن وأهل التّراب عليّ ثمّ غيب قبري، وكان غرضه بذلك لئلا يعلم بموضع قبره أحد من بني أمية فإنّهم لو علموا بموضع قبره لحفروه وأخرجوه وأحرقوه كما فعلوا بزيد بن علي بن الحسين.
ثم يا بني بعد ذلك إذا أصبح الصباح أخرجوا تابوتاً إلى ظاهر الكوفة على ناقة وأمر بمن يسيرها بما عليها كأنها تريد المدينة بحيث يخفى على العامة موضع قبري الذي تضعني فيه، وكأني بكم وقد خرجت عليكم الفتن من ههنا وههنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة.
ثم قال : يا أبا محمد ويا أبا عبد الله كأني بكما وقد خرجت عليكما من بعدي الفتن من ههنا فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير وهو خير الحاكمين.
ثم قال : يا أبا عبد الله أنت شهيد هذه الأمة فعليك بتقوى الله والصبر على بلائه، ثمّ أغمي عليه ساعة وأفاق وقال : هذا رسول الله وعمّي حمزة وأخي جعفر وأصحاب رسول الله كلهم يقولون عجل قدومك علينا فإنا إليك مشتاقون.
ثم أدار عينيه في أهل بيته كلهم وقال : أستودعكم الله جميعاً سدّدكم الله جميعاً، حفظكم الله جميعاً خليفتي عليكم الله وكفى بالله خليفة، ثم قال وعليكم السلام يا رسل ربي ثم قال :
«لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ» [الصافات: 61] «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» [النحل : 128].
وعرق جبينه وهو يذكر الله كثيراً وما زال يذكر الله ويتشهد الشهادتين، ثم استقبل القبلة وغمض عينيه ومد رجليه ويديه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم قضى نحبه وكانت وفاته في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان وكانت ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة (1).
قال : فعند ذلك صرخت زينب بنت علي وأم كلثوم وجميع نسائه وقد شقوا الجيوب ولطموا الخدود وارتفعت الصيحة في القصر فعلم أهل الكوفة أنّ أمير المؤمنين قد قبض فأقبل النساء والرجال يهرعون أفواجاً أفواجاً وصاحوا صيحة عظيمة فارتجت الكوفة بأهلها، وكثر البكاء والنحيب وكثر الضجيج بالكوفة وقبائلها ودورها وجميع أقطارها فكان ذلك كيوم مات فيه رسول الله.
1) بحار الأنوار: 292/12، والأنوار العلوية : 387.
فلما أظلم الليل تغيّر أفق السّماء وارتجت الأرض وجميع من عليها بكوه وكنا نسمع جلبة وتسبيحاً في الهواء فعلمنا أنها أصوات الملائكة، فلم يزل كذلك إلى أن طلع الفجر ثم ارتفعت الأصوات وسمعنا هاتفاً بصوت يسمعه الحاضرون ولا يرون شخصه يقول :
بنفسي ومالي ثم أهلي وأسرتي *** فداء لمن أضحی قتیل ابن ملجم
على رقا فوق الخلائق في الوغا *** فهدت له أركان بيت المحرم
على أمير المؤمنين ومن بكت *** لمقتله البطحاء واكناف زمزم
يكاد الصفا والمشعرين كلاهما *** يهداوبان النقص في ماء زمزم
وأصبحت الشمس المنير ضياؤها *** لقتل علي لونها لون دهلم
وظل له أفق السماء كآبة *** كشقة ثوب لونها لون عندم
وناحت عليه الجن إذ فجعت به *** حنيناً كثكلی نوحها يترنّم
لفقد على خير من وطأ الحصى *** أخى العلم الهادي النبي المعظم
قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : ثم أخذنا في جهازه ليلاً، وكان الحسن (علیه السَّلام) يغسله والحسين (علیه السَّلام) يصب الماء عليه وكان لا يحتاج إلى من كان يقلبه بل يتقلب كما يريد الغاسل يميناً وشمالاً، وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك والعنبر، ثم نادى الحسن بأخته زينب وأم كلثوم وقال : يا أختاه هلمي بحنوط جدي رسول الله، فبادرت زينب مسرعة حتّى أتته به.
قال الراوي : فلما فتحته فاحت الدار وجميع الكوفة وشوارعها لشدّة رائحة ذلك الطيب، ثم لفوه بخمسة أثواب كما أمر (علیه السَّلام) ثم وضعوه على السرير وتقدم الحسن والحسين إلى السرير من مؤخره وإذا مقدمه قد ارتفع ولا یری حامله، وكان حاملاه من مقدمه جبرئيل وميكائيل فما مرّ بشيء على وجه الأرض إلا انحنى له ساجداً وخرج السرير من مائل باب كنده فحملا مؤخره وسائران يتبعان مقدمه.
قال ابن الحنفية رضي الله عنه : والله لقد نظرت إلى السرير وأنه ليمر بالحيطان والنخل فتنحى له خشوعاً ومضى مستقيماً إلى النجف إلى موضع قبره الآن.
قال : وضجت الكوفة بالبكاء والنحيب وخرجن النساء يتبعنه لاطمات حاسرات فمنعهم الحسن ونهاهم عن البكاء والعويل وردّهن إلى أماكنهن والحسين (علیه السَّلام) يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنّا لله وإنا إليه راجعون يا أباه وا انقطاع ظهراه من أجلك تعلمت البكاء إلى الله المشتكى (1).
1) كلمات الإمام الحسين (علیه السَّلام) : 151، وبحار الأنوار: 295/42.
فلما انتهيا إلى قبره وإذا مقدّم السرير قد وضع فوضع الحسن مؤخره، ثم قام الحسن وصلى عليه والجماعة خلفه فكبر سبعاً كما أمره به أبوه ثم زحزحا سريره وكشفا التراب وإذا بقبر محفور ولحد مشقوق وساجة منقورة مكتوب عليها: هذا ما ادخره له جدّه نوح النبي.
فلما أرادوا نزوله سمعوا هاتفاً يقول : أنزلوه إلى التربة الطاهرة فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب فدهش الناس عند ذلك وتحيروا وألحد أمير المؤمنين قبل طلوع الفجر وانصرف النّاس ورجع أولاد أمير المؤمنين وشيعتهم إلى الكوفة ولم يشعر بهم أحد من الناس.
فلما طلع الصباح وبزغت الشمس أخرجوا تابوتاً من دار أمير المؤمنين وأتوا به إلى المصلى بظاهر الكوفة، ثمّ تقدّم الحسن وصلى عليه ورفعه على ناقة وسيرها مع بعض العبيد.
قال في «البحار» روى البرسي في «مشارق الأنوار» عن محدثي أهل الكوفة أن أمير المؤمنين لما حمله الحسن والحسين على سريره إلى مكان البئر المختلف فيه إلى نجف الكوفة وجدوا فارساً يتضوع منه رائحة المسك فسلم عليهما.
ثم قال للحسن : أنت الحسن بن عليّ رضيع الوحي والتنزيل وفطيم العلم والشرف الجليل خليفة أمير المؤمنين وسيد الوصيين؟ قال : نعم قال : وهذا الحسين ابن أمير المؤمنين وسيد الوصيين سبط الرحمة ورضيع العصمة وربيب الحكمة ووالد الأئمة؟ قال : نعم، قال: سلماه إلي وامضيا في دعة الله.
فقال له الحسن: إنّه أوصى إلينا أن لا نسلمه إلا إلى أحد رجلين جبرئيل أو الخضر فمن أنت منهما؟ فكشف النقاب فإذا هو أمير المؤمنين، ثمّ قال : يا أبا محمد إنّه لا تموت نفس إلا ويشهدها (1)فما يشهد جسده (2).
قال البرسي وروى عن الحسن بن علي (علیه السَّلام) أن أمير المؤمنين قال للحسن والحسين : إذا وضعتماني في الضريح فصليا ركعتين قبل أن تهيلا عليّ التّراب وانظرا ما يكون، فلما وضعاه في الضريح المقدس فعلا ما أمرا به وإذا الضريح مغطى بثوب من سندس فكشف الحسن ممّا يلي وجه أمير المؤمنين فوجد رسول الله وآدم وإبراهيم (علیهم السَّلام) يتحدثون مع أمير المؤمنين، وكشف الحسين مما يلي رجليه فوجد الزهراء وحواء ومريم وآسية عليهن السّلام ينحن على أمير المؤمنين ويندبنه (3).
قال المجلسي: ولم أر هذين الخبرين إلا من طريق البرسي ولا أعتمد على ما يتفرّد
بنقله ولا أردهما لورود الأخبار الكثيرة الدالة على ظهورهم بعد موتهم في أجسادهم المثالية.
وفي «البحار» من «إرشاد المفيد» كانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي ثلاثين سنة منها أربع وعشرون سنة وأشهر ممنوعاً من التصرف في أحكامها مستعملاً للتقية والمداراة ومنها خمس سنين وستة أشهر ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين، ومضطهداً بفتن الضالين.
كما كان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ثلاثة عشر سنة من نبوّته ممنوعا من أحكامها خائفاً ومحبوساً وهارباً ومطروداً لا يتمكن من جهاد الكافرين ولا يستطيع دفعاً عن المؤمنين، ثم هاجر وأقام بعد الهجرة عشرة سنين مجاهداً للمشركين ممتحناً بالمنافقين إلى أن قبضه الله إليه وأسكنه جنات النعيم.
وكانت وفات أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قبيل الفجر من ليلة الجمعة ليلة إحدى وعشرين من رمضان سنة أربعين من الهجرة، قالت سودة بن (1)عمارة الهمدانية ونعم ما قالت :
صلّى الإله على روح تضمنها *** قبر فاصبح فيه العدل مدفوناً
قد حالف الخير لا يبغي به بدلاً *** فصار بالحق والإيمان مقروناً
ومن «أمالي الصدوق» في حديث، فلمّا كان من الغدو أصبح الحسن قام خطيباً على المنبر فحمد الله وأثنا عليه ثمّ قال :
أيها النّاس في هذه الليلة نزل القرآن وفي هذه الليلة رفع عيسى بن مريم وفي هذه الليلة قتل يوشع بن نون وفي هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنين والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنّة، ولا من يكون بعده وإن كان رسول الله ليبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم ليشتري بها خادماً لأهله (2).
ومن «المناقب» عن ابن عباس قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : إن السماء والأرض لتبكي على المؤمن إذا مات أربعين صباحاً وإنّها لتبكي على العالم إذا مات أربعين شهراً وإن السماء والأرض ليبكيان على الرسول أربعين سنة وإن السماء والأرض ليبكيان عليك يا علي إذا قتلت أربعين سنة (3).
قال ابن عباس : لقد قتل أمير المؤمنين على الأرض بالكوفة فأمطرت السماء ثلاثة أيام دماً.
عن أبو حمزة عن الصادق (علیه السَّلام) وقد روى أيضاً عن سعيد بن المسيب أنه لما قبض أمير المؤمنين (علیه السَّلام) لم يرفع من وجه الأرض حجر إلا وجد تحته دم عبيط.
عن أربعين الخطيب وتاريخ النسوي أنه سئل عن عبد الملك بن مروان الزهري ما كانت علامة يوم قتل علي (علیه السَّلام) قال : ما رفع حصاة من بيت المقدس إلا كان تحتها دم عبيط، ولمّا ضرب في المسجد سمع صوت لله الحكم لا لك يا علي ولا لأصحابك، فلما توفي سمع في داره:
«أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [فصلت : 40] الآية.
ثم هتف آخر مات رسول الله ومات أبوكم.
وفي «أخبار الطالبين» أنّ الرّوم أسروا قوماً من المسلمين فأتى بهم إلى الملك فعرض عليهم الكفر فأبوا فأمر بإلقائهم في الزيت المغلي وأطلق منهم رجلاً يخبر بحالهم، فبينما هو يسير إذ سمع وقع حوافر الخيل فوقف فنظر إلى أصحابه الذين ألقوا في الزّيت فقال لهم في ذلك، فقالوا : قد كان ذلك فناد مناد من السماء في الشهداء البر والبحر إن علي بن أبي طالب قد استشهد في هذه الليلة فصلوا عليه فصلينا عليه ونحن راجعون إلى مصارعنا.
تسلى هم وتسكين فؤاد في أحوال قاتله وكيفية قتله
ففي «البحار» من كتاب قصص الأنبياء عن جابر، عن أبي جعفر (علیه السَّلام) قال : إن عاقر ناقة صالح كان أزرق ابن بغي، وإن قاتل علي صلوات الله عليه ابن بغي وكانت مراد تقول ما نعرف له فينا أباً ولا نسباً وإن قاتل الحسين بن علي صلوات الله عليه ابن بغي، ولم يقتل الأنبياء ولا أولاد الأنبياء إلا أولاد البغايا (1).
وفيه أيضاً في ذيل الزواية السالفة التي قدمناها في كيفية شهادته عن لوط بن يحيى :
قال الرّاوي : ثمّ إنّه لما رجع أولاد أمير المؤمنين وأصحابه إلى الكوفة واجتمعوا لقتل اللعين عدوّ الله ابن ملجم فقال عبد الله بن جعفر اقطعوا يديه ورجليه ولسانه واقتلوه بعد ذلك، وقال محمد بن الحنفية : اجعلوه غرض النشاب واحرقوه بالنار، وقال آخر أصلبوه حياً حتى يموت فقال الحسن: أنا ممتثل فيه ما أمرني به أمير المؤمنين أضربه ضربة بالسيف
1) قصص الأنبياء: 222 ح 292 الأنوار العلوية : 400.
حتى يموت فيها وأحرقه بالنار بعد ذلك.
قال الراوي : فأمر الحسن أن يأتوه فجاؤوا به مكتوفاً حتى أدخلوه الموضع الذي ضرب فيه الإمام والنّاس يلعنونه ويوبخونه وهو ساكت لا يتكلم، فقال الحسن يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين وإمام المسلمين وأعظمت الفساد في الدين.
فقال لهما: يا حسن ويا حسين ما تريد ان أن تصعنا لي؟ قالا : نريد أن نقتلك كما قتلت سيدنا ومولانا، فقال لهما اصنعا ما شئتما أن تصنعا ولا تعنفا من استزله الشيطان فصده عن السبيل، ولقد زجرت نفسي فلم تنزجر ونهيتها فلم تنته فدعها تذوق وبال أمرها ولها عذاب شديد ثم بكى.
فقال له : يا ويلك ما هذه الرّقة اين كانت حين وضعت قدمك وركبت خطيئتك، فقال ابن ملجم:
«اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ» [المجادلة 19].
ولقد انقضى التوبيخ والمعايرة وإنما قتلت أباك وحصلت بين يديك فاصنع ما شئت وخذ بحقك مني كيف شئت ثمّ برك على ركبتيه وقال : يا ابن رسول الله الحمد الله [الذي] أجرى قتلي على يديك، فرق له الحسن لأن قلبه كان رحيماً صلى الله عليه، فقام الحسن فأخذ السيف بيده وجرده من غمده وندبه (1)حتى لاح الموت في حده ثم ضربه ضربة أراد بها عنقه فاشتد زحام الناس عليه وعلت أصواتهم فلم يتمكن من فتح باعه فارتفع السيف إلى باعه «رأسه» فأبراه فانقلب عدو الله على قفاه يخور في دمه.
فقام الحسين إلى أخيه وقال: يا أخي أليس الأب واحداً والأم واحدة ولي نصيب في هذه الضربة ولي حق في قتله فدعني أضربه ضربة أشفي بها بعض ما أجده (2)، فناوله الحسن السيف فأخذه وهزّه وضربه على الضربة التي ضربها الحسن فبلغ إلى طرف أنفه وقطع جانبه الآخر وابتدره الناس بأسيافهم بعد ذلك فقطعوه إربا إرباً، فعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار ثمّ جمعوا جثته وأخرجوه من المسجد وجمعوا له حطباً وأحرقوه بالنار.
وفي «المناقب» استوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته لتتولى إحراقها فوهبها لها فأحرقتها بالنار.
وقيل : طرحوه في حفرة وطموه بالتراب فهو يعوي كعوي الكلاب في حفرته إلى يوم القيامة.
وأقبلوا إلى قطام الملعونة وأخذوها فقطعوها بالسيف إرباً إرباً ونهبوا دارها ثم أخذوها وأخرجوها إلى ظاهر الكوفة وأحرقوها بالنار وعجل الله بروحها إلى النّار وغضب الجبار.
وأمّا الرّجلان اللذان تحالفا معه فاحدهما قتله معاوية بن أبي سفيان بالشام والآخر قتله عمرو بن العاص بمصر لا رضي الله عنهما.
وأمّا الرّجلان اللذان كانا مع ابن ملجم بالجامع يساعدانه على قتل علي (علیه السَّلام) فقتلا من ليلتهما لعنهما الله وحشرهما محشر المنافقين الظالمين في جهنم خالدين مع السالفين.
وفي «البحار» من الخرايج مسنداً عن عمرو بن أحمد بن محمد بن عمرو، عن الحسن بن محمد المعروف يابن الرّفا، قال: سمعته يقول : كنت بالمسجد الحرام فرأيت الناس مجتمعين حول مقام إبراهيم فقلت ما هذا؟ قالوا راهب أسلم فأشرفت عليه فإذا بشيخ كبير عليه حبّة صوف وقلنسوة صوف عظيم الخلفة وهو قاعد بحذا قاعد بحذاء مقام إبراهيم فسمعته يقول :
كنت قاعداً في صومعة فأشرفت منها وإذا طائر كالنسر قد سقط على صخرة على شاطىء البحر فتقيأ فرمى بربع إنسان، ثمّ طار فتفقدته فعاد فتقيأ فرمى بربع إنسان، ثم طار فجاء فتقيأ بربع إنسان، ثمّ طار فجاء فتقيأ بربع إنسان ثم طار فدنت الأرباع فقام رجلاً فهو قائم وأنا أتعجب منه.
ثم انحدر الطير فضربه وأخذ ربعه فطار، ثم رجع فأخذ ربعه فطار، ثم رجع فأخذ ربعه فطار، ثم انحدر الطير فأخذ الربع الآخر فطار، فبقيت أتفكر وتحسرت ألا أكون لحقته وسألته من هو فبقيت أتفقد الصّخرة حتى رأيت الطير قد أقبل فتقيأ بربع إنسان، فنزلت فقمت بإزائه، فلم أزل حتى تقيأ بالربع الرابع، ثمّ طار فالتأم رجلاً فقام قائماً.
فدنوت منه فسألت فقلت : من أنت؟ فسكت عني فقلت بحق من خلقك من أنت؟ قال : أنا ابن ملجم، فقلت له وأتي شيء عملت قال : قتلت عليّ بن أبي طالب فوكل بي هذا الطير يقتلني كل يوم قتلة فهو بينا يخبرني إذا انقض الطائر فأخذ ربعه فطار فسألت عن عليّ (علیه السَّلام) فقالوا: هو ابن عم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فأسلمت.
إنه كان في بعض الأزمان بين المخالفين اختلاف في موضع قبره صلوات الله عليه، فذهب جماعة منهم إلى إنّه دفن في رحبة مسجد الكوفة وقيل : إنّه دفن في قصر الإمارة،
وقيل : إنّه أخرجه الحسن معه إلى المدينة ودفنه بالبقيع وكان بعض جهلة الشيعة يزورونه بمشهد في الكرخ.
وقد اجتمعت الشيعة على أنه مدفون بالغرى في الموضع المعروف عند الخاص والعام، وهو عندهم من المتواترات رووه خلقاً عن سلف إلى أئمة الذين صلوات الله عليهم أجمعين وكان السبب في هذا الاختلاف إخفاء قبره خوفاً من الخوارج والمنافقين وكان لا يعرف ذلك إلا خاص الخاص من الشيعة إلى أن ورد الصادق (علیه السَّلام) الحيرة في زمن السفاح فأظهره لشيعته.
ومن هذا اليوم يزوره كافّة الشيعة في هذا المكان ولا حاجة لنا إلى ذكر ما ورد في تعيين موضع القبر الشريف من الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار، وإنّما الأنسب ذكر كيفية بناء المرقد الشريف والقبة المباركة زادها الله شرفاً، فأقول : روى عن الصادق (علیه السَّلام) إذا ركب نوح في السفينة أتت إلى مكان البيت وطاف له أسبوعاً، فأوحى الله إليه أن أنزل عن السفينة وأخرج عظام آدم وجسده وأدخله في السفينة فنزل نوح وكان الماء إلى ركبته فأخرج تابوتاً فيه جسد آدم فأوقعه في السفينة، ولما وصلت السفينة إلى مسجد الكوفة فاستقر هناك فأنزل نوح جسده من السفينة فدفنه في النجف وجعل نوح لنفسه قبراً في أمامه وصيّر صندوقاً لعلي يدفن فيه في أمام صدره.
وفي كتاب رياض الجنّة تأليف بعض أصحابنا قدس الله روحه: مشهد النجف على ساكنه ألف تحية وتحف واقع على طرف القبلة من الكوفة بنصف فرسخ.
وأوّل من بنى القبر الشريف هارون العباسي على ما ستطلع عليه، ثم بعد مائة وثمانين سنة ونيفاً بنى عضد الدولة الديلمي القبة الشريفة، ثم زاد الملوك على ذلك يوماً فيوماً إلى أن صار بلدة صغيرة جاور الناس فيها.
ولما وصل دورة السلطنة إلى السلطان نادر أمر بتذهيب القبة المباركة وبناء الأيوان والمنارتين وتذهيبها وصرف على ذلك خمسين ألف تومان نادري وصرفت زوجته گوهر شاد أم ابنيه قلي ميرزا ونصر الله ميرزا مائة ألف ربعية على تعمير الصحن المقدس وبناء جدرانه بالكاشي وصرفت أمّ سلطان وسائر زوجاته عشرين ألف تومان نادري على بناء المسجد الواقع في ظهر الرّأس الشريف.
وأرسلن إلى الروضات المطهرة عشرين حمل بعير من الفرس والبساط، وكان الفراغ من جميع ذلك في سنة سبع وخمسين ومائة بعدالألف، وقيل في تاريخ تمام المنارة الشمالية.
تعالى شأنه الله أكبر
وفي تمام المنارة الجنوبية.
تكرر أربعاً الله أكبر
أراد أربعة (الله أكبر) ثمّ لما صار نوبة السلطنة إلى السلطان علي مراد خان زند في سنة سبع وتسعين ومائة وألف بعث جمعاً من حذقة المهندسين بواحد من ثقاته إلى تعمير ما خرب من جدران البقعة الشريفة وتجديد كواشي الجدران والطاقات وتنقية بئر الصحن المقدّس وسائر آبار المشهد وإصلاح مجرى مياهها وأهدى إلى المشاهد المشرفة ولا سيما مشهد أمير المؤمنين بالفرش النفيسة والقناديل المرضعة بالدرر والجواهر وأعطى الخدّام والمجاورين هناك عطايا عظيمة وصلات جزيلة.
ثم أمر بصنعة صندوق من الخاتم يوضع فوق القبر الشريف وتوفي قبل تمامه ثم اشتغل به حذقة الصانعين بأمر جعفر خان، وتوفي ولم يتم، وأتمه لطف علي خان بن جعفر خان وكان مدّة الاشتغال بصنعة ست سنين.
ثم بنى الضريح المقدس المفضض السلطان آقا محمد خان قدس الله روحه، وكان آصف الدولة الهندي أراد أن يجري نهراً إلى المشهد من الفرات من جنب جسر المسيب على أربعة وعشرين فرسخاً فلم يتيسر.
ثم عزم الحاج محمد علي البغدادي إلى نهر من سمت ذي الكفل وصرف مصارف كثيرة عليه ولم يمكن.
أقول : ولله الحمد والمنة فقد جرى النهر في زمان اشتغالنا بالتحصيل في المشهد بسعي السيد الفاضل الجليل العالم العلامة الزاهد الورع الحاج سيد أسد الله الأصفهاني قدس الله سره ونوّر ضريحه من تحت الأرض منتهياً إلى البحر، وأرخ بعضهم جريان الماء بقوله : جاء ماء الغرى شكر الله مساعي المتصدين لبناء المشاهد المشرفة والساعين في تعمير البقاع المتبرّكة وحشرهم مع مواليهم الطاهرين.
وعن سيّد السند نعمة الله الجزائري في مقامات النّجاة أن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) مدفون بالغري ويقال له الغريان أيضاً وهما قبرا مالك وعقيل نديمي حذيمة الأبرش سمّيا غريين لأن النعمان بن المنذر كان المنذر كان يغريهما بدم من يقتله إذا خرج في يوم بأسه.
وقيل: كان ينادم النعمان رجلان من العرب خالد بن مفضل وعمرو بن مسعود الأسديان، فشرب معهما ليلة فرجفاه الكلام فغضب وأمر بأن يجعلا في تابوتين ويدفنا بظهر الكوفة، فلما أصبح سأل عنهما فأخبره بصنيعه فندم وركب حتى وقف عليهما وأمر ببناء
الغریين وجعل لنفسه كلّ سنة يوم نعم ويوم بؤس وكان يضع سريره بينهما.
فإذا كان يوم نعمه فأول من يطلع عليه يؤتيه مائة من الإبل، وإذا كان يوم بؤسه فأول من يطلع يؤتيه رأس طربال وهي دويبة منتنة الرّيح وأمر بقتله فقتل ويغري به الرغيان وبقي هذا حاله إلى وقوع قضيّة الطائي وشريك نديم النعمان وقد مضى ذكر تلك القضية منا في شرح الخطبة الحادية والأربعين فتذكر.
فمن هذه ما عن إرشاد الديلمي عند الاستدلال على كونه مدفوناً بالغري قال: والدليل الواضح والبرهان اللائح على ذلك من وجوه :
الأول : تواتر أخبار الأئمة يرويه خلف عن سلف.
الثاني : إجماع الشيعة والاجماع حجة.
الثالث : ما حصل عنده من الأسرار والآيات وظهور المعجزات كقيام الزمن وردّ بصر الأعمى وغيرها.
فمنها ما روى عن عبد الله بن حازم قال خرجنا يوماً مع الرشيد من الكوفة فصرنا إلى ناحية الغريين فرأينا ظباء فأرسلنا عليها الصقور والكلاب فجادلتها ساعة ثم لجأت الظباء إلى أكمة فراجعت الصقور والكلاب عنها، فتعجب الرشيد من ذلك، ثمّ إنّ الظباء هبطت من الأكمة فسقطت الطيور والكلاب عنها فرجعت الظباء إلى الأكمة فتراجعت الصقور والكلاب عنها مرة ثانية، ثمّ فعلت ذلك مرة أخرى.
فقال الرشيد : اركضوا إلى الكوفة فأتوني بأكبرها سناً، فأتى بشيخ من بني أسد فقال الرّشيد : أخبرني ما هذه الأكمة ؟ فقال : حدثني أبي عن آبائه أنهم كانوا يقولون : إن هذه الأكمة قبر علي بن أبي طالب جعله الله تعالى حرماً لا يأوي إليه شيء إلا أمن.
فنزل هارون ودعى بماء وتوضأ وصلى عند الأكمة وجعل يدعو ويبكي ويتمزع عليها بوجهه وأمر أن يبني قبة بأربعة أبواب فبنى، وبقي إلى أيام السلطان عضد الدولة فجاء فأقام في ذلك الطريق قريباً من سنة هو وعسكره فبعث فأتى بالصناع والاستادية من الأطراف وخرب تلك العمارة وصرف أموالاً كثيرة جزيلة وعمّر عمارة جليلة حسنة وهي العمارة التي كانت قبل عمارة اليوم.
ومنها: ما حكى عن جماعة خرجوا بليل مختفين إلى الغري لزيارة أمير المؤمنين (علیه السَّلام)
قالوا: فلما وصلنا إلى القبر الشريف وكان يومئذٍ قبراً حوله حجارة ولا بناء عنده، وذلك بعد أن أظهره الرشيد وقبل أن يعمره، فبينا نحن عنده بعضنا يقرا وبعضنا يصلي وبعضنا يزور وإذا نحن بأسد مقبل نحونا، فلما قرب منا قدر رمح قال بعضنا البعض : ابعدوا عن القبر لننظر ما يصنع، فتباعدنا عن القبر الشريف فجاء الأسد وجعل يمرغ ذراعيه على القبر، فمضى رجل منا فشاهده فعاد فأعلمنا فزال الرّعب عنا فجئنا بأجمعنا فشاهدناه يمرغ ذراعيه على القبر وفيه جراح فلم يزل يمرّغه ساعة، ثمّ نزح عن القبر فمضى فعدنا إلى ما كنا عليه من الزيارة والصلاة والقرآن.
وعن «مزار البحار» قال : وقد شاع في زماننا من شفاء المرضى ومعافاة أصحاب البلوى وصحة العميان والزمن أكثر من أن يحصى.
ولقد أخبرني جماعة كثيرة من الثقات أن عند محاصرة الرّوم لعنهم الله المشهد الشريف في سنة أربع وثلاثين وألف من الهجرة تحصن أهله بالبلد وإغلاق الأبواب عليهم والتعرّض لدفعهم مع قلة عددهم وعدتهم وكثرة المحاصرين لهم وقوتهم وشوكتهم، وجلسوا زماناً طويلاً ولم يظفروا بهم وكانوا يرمون بالبنادق الصغار والكبار عليهم شبه الأمطار ولم يقع على أحد منهم، وكانت الصبيان في السكك ينتظرون وقوعها ليلعبوا بها حتى أنهم يروون أن بندقاً كبيراً دخل في كمّ جارية رفعت يدها لحاجة على بعض السطوح وسقط من ذيلها ولم يصبها.
ويروى عن بعض الصلحاء الأفاضل من أهل المشهد أنه رأى في تلك الأيام أمير المؤمنين (علیه السَّلام) في المنام وفي يده سواد فسأله عن ذلك فقال : لكثرة دفع الرصاص عنكم، والغرائب التي ينقلونها في تلك الواقعة كثيرة.
فأما التي اشتهرت بين أهل المشهد بحيث لا ينكره أحد منهم.
فمنها: قصة الدهن وهو أن خازن الروضة المقدّسة المولى الصالح البارع التقي مولانا محمود قدس الله روحه كان هو المتوجه لإصلاح العسكر الذي كانوا في البلد، وكانوا محتاجين إلى مشاعل كثيرة لمحافظة أطراف الحصار فلمّا ضاق الأمر ولم يبق في السوق ولا في البيوت شيء من الدهن أعطاهم من الحياض التي كانوا يصبون فيها الدهن لإسراج الروضة وحواليها، فبعد إتمام جميع ما في الحياض ويأسهم من حصوله من مكان آخر رجعوا إليها فوجدوها مترعة من الدهن فأخذوا منها وكفاهم إلى انقضاء وطرهم.
ومنها: أنهم كانوا يرون في الليالي في رؤوس الجدران وأطراف العمارات والمنارات نوراً ساطعاً بيناً حتى أن الناس إذا كانوا يرفعون أيدهم إلى السماء كانوا يرون أنامله كالشموع المشتعلة.
ولقد سمعت من بعض أشارف الثقات من غير أهل المشهد أنه قال : كنت ذات ليلة
نائماً في بعض سطوح المشهد الشريف فانتبهت فرأيت النور ساطعاً من الروضة المقدّسة ومن أطراف جميع جدران البلد فعجبت من ذلك ومسحت يدي على عيني فنظرت فرأيت مثل ذلك فأيقظت رجلاً كان نائماً بجنبي فأخبرني بمثل ما رأيت وبقي هكذا زماناً طويلاً ثم ارتفع.
وسمعت أيضاً من بعض الثقات قال : كنت نائماً في بعض الليالي على بعض سطوح البلد الشريف فانتبهت فرأيت كوكباً نزل من السّماء بحذاء القبة السامية حتى وصل إليها وطاف حولها مراراً بحيث أراه يغيب من جانب ويطلع من آخر ثم صعد إلى السماء.
ومن الأمور المشهورة التي وقعت قريباً من زماننا أن جماعة من صلحاء أهل البحرين أتوا لزيارة الحسين (علیه السَّلام) لإدراك بعض الزيارات المخصوصة فأبطأوا ولم يصلوا إليه ووصلوا ذلك اليوم إلى الغري وكان يوم مطر وطين وكان مولانا محمود أغلق أبواب الروضة وقالوا قد حرمنا من زيارة ولدك فلا تحرمنا زيارتك فإنّا من شيعتك وقد أتيناك من شقة بعيدة، فبيناهم في ذلك إذ سقطت الأقفال وفتحت الأبواب ودخلوا وزاروا.
وهذا مشهور بين أهل المشهد وبين أهل البحرين غاية الاشتهار.
ومنها ما تواترت به الأخبار ونظموها في الأشعار وشاع في جميع الأصقاع والأقطار واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النّهار وكان بالقرب من تاريخ الكتابة سنة اثنين وسبعين بعد الألف من الهجرة، وكان كيفية تلك الواقعة على ما سمعته من الثقات أنه :
كان في المشهد الغروي عجوز تسمّى بمريم وكانت معروفة بالعبادة والتقوى فمرضت مرضاً شديداً وامتد بها حتى صارت مقهورة مزمنة وبقيت كذلك قريباً من سنتين بحيث اشتهر أمرها وكونها مزمنة في الغري.
ثمّ إنّها لتسع ليال خلون من رجب تضرعت لدفع ضرها إلى الله تعالى واستشفت بمولانا أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وشكت إليه في ذلك ونامت فرأت في منامها ثلاث نسوة دخلن إليها واحدهن كالقمر ليلة البدر نوراً وصفاء وقلن لها لا تخافي ولا تحزني فإنّ فرجك في الليلة الثاني عشر من الشهر المبارك.
فانتبهت فرحاً وقصت رؤياها على من حضرها وكانت منتظرة ليلة ثاني عشر رجب فمرت بها ولم تر شيئاً، ثم ترقبت ليلة ثاني عشر شعبان فلم تر شيئاً أيضاً، فلما كانت ليلة تاسع شهر رمضان رأت في منامها تلك النسوة بأعيانهن وهن يبشرنها، فقلن لها : إذا كانت ليلة الثاني عشر من هذا الشهر فامضي إلى روضة أمير المؤمنين وأرسلي إلى فلانة وفلانة وسمين نسوة معروفات وباقيات إلى حين هذا التحرير واذهبي بهن معك إليها.
فلما أصبحت قضت رؤياها وبقيت مسرورة مستبشرة بذلك إلى أن دخلت تلك الليلة فأمرت بغسل ثيابها وتطهير جسدها وأرسلت إلى تلك النسوة ودعتهن فأجبن وذهبن بها
محمولة لأنها كانت لا تقدر على المشي.
فلما مضى قريب من ربع الليل خرجت واحدة واعتذرت منها وبقيت معها اثنتان وانصرف عنهن جميع من حضر الروضة المقدّسة وغلقت الأبواب ولم يبق في الرواق غيرهنّ فلما كان وقت السحر وأرادت صاحبتاها أكل السحور أو شرب التتن فاستحييا من الضريح المقدس فتركتاها عند الشباك المقابل للضريح المقدس في جانب القبلة وذهبتا إلى الباب الذي في جانب خلفه يفتح إلى الصحن وخلفه الشباك، فدخلتا هناك وأغلقتا الباب لحاجتهما.
فلما رجعتا إليها بعد قضاء وطرهما لم تجداها في الموضع الذي تركتاها ملقاة فيه، فتحيّرتا فمضتا يميناً وشمالاً فإذا بها تمشي في نهاية الصحة والاعتدال.
فسألتاها عن حالها وما جرى عليها فأخبرتهما أنكما لما انصرفتما عنّي رأيت تلك النسوة اللاتي رأيتهن في المنام أقبلن وحملنني وأدخلنني داخل القبة المنورة وأنا لا أعلم كيف دخلت ومن أين دخلت.
فلما قربت من الضريح المقدس سمعت صوتاً من القبر يقول : حرّكن المراة الصالحة وطفن بها ثلاث مرات فطفن بي ثلاث مرّات حول القبر، ثم سمعت صوتاً آخر أخرجن المرأة الصالحة من باب الفرج فأخرجوني من الباب الغربي الذي يكون خلف من يصلي بين البابين بحذاء الرأس وخلف الباب شباك يمنع الاستطراق ولم يكن الباب معروفاً قبل ذلك بهذا الاسم.
قالت فالآن مضين عني وجئتماني وأنا لا أر بي شيئاً ممّا كان شيئاً ممّا كان من المرض والألم والضعف وأنا في غاية الصحة والقوّة، فلما كان آخر الليل جاء خازن الحضرة الشريفة وفتح الأبواب فرآهن يمشين بحيث لا يتميّز واحدة منهن.
وإني سمعت من المولى الصالح التقى مولينا محمد طاهر الذي بيده مفاتيح الروضة المقدسة ومن جماعة كثيرة من الصلحاء الذين كانوا حاضرين في تلك الليلة في الحضرة الشريفة أنهم رأوها في أوّل الليلة محمولة عند دخولها وفي آخر الليل سائرة أحسن ما يكون عند خروجها.
وفي المجلد التاسع من «البحار» من بعض مؤلفات أصحابنا عن زيد النساخ قال : كان لي جار وهو شيخ كبير عليه آثار النسك والصلاح، وكان يدخل إلى بيته ويعتزل عن الناس ولا يخرج إلا يوم الجمعة.
قال زيد النساج: فمضيت يوم الجمعة إلى زيارة زين العابدين (علیه السَّلام) فدخلت إلى مشهده فإذا أنا بالشيخ الذي هو جاري قد أخذ من البئر ما يريد أن يغتسل غسل الجمعة والزيارة.
فلما نزع ثيابه وإذا في ظهره ضربة عظيمة فتحها أكثر من شبر وهي تسيل قيحاً ومدة، فاشمئز قلبي منها فحانت منه التفاتة فرآني فخجل فقال أنت زيد النساج؟ فقلت: نعم، فقال لي: يا بني عاوني على غسلي فقلت لا والله لا أعاونك حتى تخبرني بقصّة هذه الضربة التي بين كتفيك ومن كف من خرجت وأي شيء كان سببها.
فقال : يا زيد أخبرك بها بشرط أن تحدث بها أحد من الناس إلا بعد موتي فقلت: لك ذلك، فقال : عاوني على غسلي فإذا لبست أطماري حدثتك بقصتي، قال زيد فساعدته فاغتسل ولبس ثيابه وجلس في الشمس وجلست إلى جانبه وقلت له حدثني يرحمك الله.
فقال لي : اعلم أنا كنا عشرة أنفس قد تواخينا على الباطل وتوافقنا على قطع الطريق وارتكاب الآثام، وكانت بيننا نوبة نديرها في كل ليلة على واحد منا ليصنع لنا طعاماً نفيساً وخمراً عتيقاً وغير ذلك.
فلما كانت الليلة التاسعة وكنا قد تعشينا عند واحد من أصحابنا وشربن الخمر ثم تفرقنا وجئت إلى منزلي ونمت أيقظتني زوجتي وقالت لي أن الليلة الآتية نويتها عليك ولا عندنا في البيت حبة من الحنطة.
قال : فانتبهت وقد طار السكر من رأسي وقلت كيف أعمل وما الحيلة وإلى أين أتوجه؟ فقالت لي زوجتي : الليلة ليلة الجمعة ولا يخلو مشهد مولانا علي بن أبي طالب من زوّار يأتون إليه يزورونه فقم وامض واكمن على الطريق فلا بد أن ترى أحداً فتأخذ ثيابه فتبيعها وتشتري شيئاً من الطعام لتتم مروّتك عند أصحابك وتكافيهم على ضيفهم.
قال : فقمت وأخذت سيفي وحجفتي (1)ومضيت مبادراً وكمنت في الخندق الذي في ظهر الكوفة، وكانت ليلة مظلمة ذات رعد وبرق فأبرقت برقة فإذا أنا بشخصين مقبلين من ناحية الكوفة، فلما قربا مني برقت برقة أخرى فإذا هما امراتان، فقلت في نفسي في مثل هذه الساعة أتاني امرأتان ففرحت ووثبت إليهما وقلت لهما انزعا الحلي الذي عليكما سريعاً فطرحا.
فأبرقت السماء برقة أخرى فإذا إحداهما عجوز والأخرى شابة من أحسن النساء وجهاً كأنها ظبية قناص أو درّة غواص، فوسوس لي الشيطان على أن أفعل بها القبيح، فقلت في نفسي مثل هذه الشابة التي لا يوجد مثلها حصلت عندي في هذا الموضع وأخليها، فراودتها عن نفسها.
فقالت العجوز : يا هذا أنت في حل مما أخذته منا من الثياب والحلي فخلنا نمضي إلى
1) الحجفة: الترس، مجمع البحرين: 464/1.
أهلنا فوالله إنّها بنت يتيمة من أمها وأبيها وأنا خالتها وفي هذه الليلة القابلة تزف إلى بعلها وأنها قالت لي: يا خالة إنّ الليلة القابلة أزفّ إلى ابن عمّي وأنا والله راغبة في زيارة سيدي علي بن أبي طالب وإني إذا مضيت عند بعلي ربما لا يأذن لي بزيارته فلما كانت هذه الليلة الجمعة خرجت بها لأزوّرها مولاها وسيدها أمير المؤمنين فبالله عليك لاتهتك سترها ولا تفض ختمها ولا تفضحها بين قومها.
فقلت لها : إليك عنّي وضربتها وجعلت أدور حول الصبية وهي تلوذ بالعجوز وهي عريانة ما عليها غير السروال وهي في تلك الحال تعقد تكتها وتوثقها عقداً.
فدفعت العجوز عن الجارية وصرعتها إلى الأرض وجلست على صدرها ومسكت يديها بيد واحدة وجعلت احل عقد التكة باليد الأخرى وهي تضطرب تحتي كالسمكة في يد الصياد وهي تقول : المستغاث بك يا الله المستغاث بك يا علي بن أبي طالب خلصني من يد هذا الظالم.
قال: فوالله ما استتم كلامها إلا وحس حافر فرس خلفي، فقلت في نفسي هذا فارس واحد وأنا أقوى منه وكانت لي قوة زائدة وكنت لا أهاب الرّجال قليلاً أو كثيراً، فلما دنا منّي فإذا عليه ثياب بيض وتحته فرس أشهب تفوح منه رائحة المسك فقال لي: يا ويلك خلّ المرأة فقلت له : إذهب لشأنك فأنت نجوت بنفسك تريد تنجي غيرك؟
قال : فغضب من قولي ونفقني بذبال سيفه بشيء قليل فوقعت مغشياً علي لا أدري أنا في الأرض أو في غيرها وانعقد لساني وذهبت قوتي لكني أسمع الصوت وأعي الكلام.
فقال لهما: قوماً البسا ثيابكما، فقالت العجوز فمن أنت يرحمك الله وقد منّ الله علينا بك وإنّي أريد منك أن توصلنا إلى زيارة سيدنا ومولانا عليّ بن أبي طالب قال فتبسم في وجوههما وقال لهما : أنا علي بن أبي طالب ارجعا إلى أهلكما فقد قبلت زيارتكما.
قال: فقامت العجوز والصبية وقبلا يديه ورجليه وانصرفا في سرور وعافية.
قال الرجل : فأفقت من غشوتي وانطلق لساني فقلت له: يا سيدي أنا تائب إلى الله على يدك وإني لاعدت أدخل في معصية أبداً، فقال: إن تبت تاب الله عليك، فقلت له : تبت والله على ما أقول شهيد.
ثم قلت له : يا سيدي تركتني وفي هذه الضربة هلكت بلا شك، قال : فرجع إلي وأخذ بيده قبضة من تراب ثمّ وضعها على الضربة ومسح بيده الشريفة عليها فالتحمت بقدرة الله تعالى.
قال زيد النساج : فقلت: كيف التحمت وهذه حالتها فقال لي : إنّها والله كانت ضربة
مهولة أعظم مما تراها الآن ولكنها بقيت موعظة لمن يسمع ويرى.
ومن فرحة الغري معنعناً عن علي بن الحسن بن الحجاج من حفظه، قال كنا جلوساً في مجلس ابن عمي أبي عبد الله محمد بن عمر بن الحجاج وفيه جماعة من أهل الكوفة من المشايخ وفيمن حضر العباس بن أحمد العباس وكانوا قد حضروا عند ابن عمّي يهنونه بالسلامة، لأنه حضر وقت سقوط سقيفة سيدي أبي عبد الله الحسين (علیه السَّلام) في ذي الحجة من سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
فبينا هم قعود يتحدّثون إذ حضر المجلس إسماعيل بن عيسى العباسي، فلما نظرت الجماعة إليه أحجمت عمّا كانت فيه وأطال إسماعيل الجلوس فلما نظر إليهم قال لهم : يا أصحابنا أعزّكم الله لعلي قطعت حديثكم بمجيئي.
قال أبو الحسن علي بن يحيى السليماني وكان شيخ الجماعة ومقدما فيهم: لا والله يا أبا عبد الله أعزك الله ما أمسكنا بحال من الأحوال، فقال لهم : يا أصحابنا اعلموا أنّ الله عزّ وجلّ مسائلي عمّا أقول لكم وما أعتقده من المذهب حتى حلف يعتق جواريه ومماليكه وحبس دوابه أنه لا يعتقد إلا ولاية علي بن أبي طالب والسادة من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعدهم واحداً واحداً وساق الحديث، فأبسط إليه أصحابنا وسألوهم وسألوه.
ثمّ قال لهم: رجعنا يوم جمعة من الصلاة من المسجد الجامع مع عمي داوود فلما كان قبل منازلنا وقبل منزله وقد خلا الطريق قال لنا أينما كنتم قبل أن تغرب الشمس فصيروا إلي ولا يكون أحد منكم على حال فيتخلف لأنه كان جمرة بني هاشم.
فصرنا إليه آخر النهار وهو جالس يتنظرنا، فقال صيحوا بفلان وفلان من الفعلة فجاء رجلان معهما آلتهما والتفت إلينا فقال: اجتمعوا كلكم فاركبوا في وقتكم هذا وخذوا معكم الجمل غلاماً كان له أسود يعرف بالجمل، وكان لو حمل هذا الغلام على سكر دجلة لسكرها من شدّته وبأسه، وامضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به النّاس ويقولون إنه قبر علي حتى تنبشوه وتجيبوني بأقصى ما فيه.
فمضينا إلى الموضع فقلنا دونكم وما أمر به فحفر الحفارون وهم يقولون : لا حول ولا قوة إلا بالله في أنفسهم ونحن في ناحية حتى نزلوا خمسة أذرع، فلما بلغوا إلى الصلابة قال الحفارون : قد بلغنا إلى موضع صلب وليس نقوى بنقره فانزلوا الحبشي فأخذ المنقار فضرب ضربة سمعنا لها طنيناً شديداً في البرّ، ثم ضرب ثانية فسمعنا طنيناً أشد من ذلك، ثم ضرب الثالثة فسمعنا أشدّ مما تقدّم.
ثم صاح الغلام صيحة فقمنا فأشرفنا عليه وقلنا للذين كانوا معه : اسألوه ما باله فلم يجبهم، وهو يستغيث فشدوه وأخرجوه بالحبل فإذا على يده من أطراف أصابعه إلى مرفقه دم
هو يستغيث لا يكلمنا ولا يحير جواباً، فحملناه على البغل ورجعنا طائرين.
ولم يزل لحم الغلام ينثر من عضده وجنبيه وسائر شقه الأيمن حتى انتهينا إلى عمّي فقال : ايش وراءكم؟ فقلنا ما ترى وحدثناه بالصورة.
فالتفت إلى القبلة وتاب ممّا هو عليه ورجع عن المذهب وتولى وتبرّى وركب بعد ذلك في الليل على مصعب بن جابر فسأله أن يعمل على القبر صندوقاً ولم يخبره بشيء مما جرى ووجه من طمّ الموضع وعمر الصندوق عليه ومات الغلام الأسود من وقته.
وقال أبو الحسن الحجاج رأينا هذا الصندوق الذي هذا حديثه لطيفاً (1).
أقول : وما ظهر منه من هذا القبيل فوق حد الإحصاء ولا حاجة إلى الإطالة، فسبحان من آثر أولياءه بالكرامات الظاهرة والمعجزات القاهرة وخصهم بالمناقب السنية والمآثر الرفيعة.
«لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» [الأنفال : 42].
ولشيخنا البهائي قدس الله روحه في مدح حرم الغري سلام الله على مشرّفه :
في ذا الحرم الأقدس بيت معمور *** في خدمته ملائك العرش حضور
فيه القبس الذي ابن عمران رأى *** فيه النور الذي تجلى للطور
وقال أيضاً:
هذا الحرم الأقدس قد لاح لديك *** فاسجد متخشعاً وعفر خديك
ذا طور سنين فاغضض الطرف به *** هذا حرم العزة فاخلع نعليك
وقال أيضاً:
هذا النباء العظيم ما فيه خلاف *** هذا لملائك السّماوات مطاف
هذا حرم الله لمن حج وطاف *** من حل به فهو من النار معاف
1) بحار الأنوار: 337/42.
و فرمود آن حضرت در سحر آن روزی که ضربت یافت در او:
مالک شد مرا چشم من، یعنی غلبه نمود خواب بر من در حالتی که من نشسته بودم، پس ظاهر شد به من رسول خدا (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) پس گفتم یا رسول الله چیست این ها که رسیدم از امت تو از کجی و دشمنی؟ پس حضرت رسالت فرمود که ای علی، دعای بد کن بر ایشان. پس گفتم که بدل گرداند و عوض دهد مرا خدای تعالی به ایشان بهتری از برای من از ایشان، یعنی به جای ایشان جماعتی بهتر به من کرامت فرماید و بدل گرداند و عوض دهد ایشان را به من بدتر کسی از برای ایشان به جای من تا این که ایشان را به جزا و سزای عملهای بدشان برساند.
والظاهر أنها ملتقطة من خطبة طويلة منا روايتها عن «الاحتجاج» و«الإرشاد» في شرح الخطبة التاسعة والعشرين فليراجع هناك :
«أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ فَإِنَّما أَنْتُمْ كَالْمَرأَةِ الْحَامِلِ حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ ومات قَيِّمُها، وطال تَأيُّمُها ووَرِثَها أَبْعَدُهَا، أما واللهِ ما أَتَيْتُكُم اختياراً، ولَكِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عَليٌّ يَكْذِبُ، قَاتَلَكُمُ اللهُ، فَعَلَى مَنْ أَكْذِب؟ أَعَلَى اللهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ، أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ، كَلاَ وَاللهِ، وَلكِنْها لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا، وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهاَ، وَيْلُ أُمّه كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَنٍ لَوْ كَانَ لَهُ وِعاءٌ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» (1).
(أملصت) الحامل ألقت ولدها ميتاً والمملاص معتادته و(قيم) المرأة زوجها لأنه يقوم بأمرها و(تأيم) المرأة خلوها من الزوج، والأيم في الأصل التي لا زوج لها قال سبحانه :
«وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ» [النور: 32].
و(السوق) الاضطرار وفي بعض النسخ ولاجئت إليكم شوقاً بالشين المعجمة و(اللهجة) بسكون الهاء وفتحها اللسان ويكنى بها عن الكلام.
قال الفيروز آبادي : (الويل) حلول الشّر وبهاء الفضيحة، أو هو تفجيع يقال : ويله وويلك وويلي وفي الندبة يقال ويلاه (وويل) كلمة عذاب وواد في جهنم أو بئر أو باب لها ورجل ويلمه بكسر (اللام) وضمها (واه) ويقال للمتجاه (ويلمه) أي ويل لأمه كقولهم لا أب لك فركبوه وجعلوه كالشيء الواحد ثم الحقوه الهاء مبالغة كداهية.
قال الجوهري : تقول ويل لزيد وويلا لزيد فالنصب على إضمار الفعل والرفع على الابتداء هذا إذا لم تضفه فإذا أضفت فليس إلا النصب لأنك لو رفعته لم يكن له خبر.
وقال نجم الأئمة الرّضي في باب حذف عامل المفعول المطلق من «شرح الكافية» : ومنها أي من جملة ما يحذف عامله أسماء الأصوات قامت مقام المصادر كاهاً منك أي
1) بطوله في بحار الأنوار: 335/42 - 337.
توجعاً، وواها لك أي طيباً، وأفاً لك أي كراهة، إلى أن قال: والأصوات القائمة مقام المصادر يجوز إعرابها نصباً إلا أن تكون على حرفين ثانيهما حرف مد نحو وى لزيد، وذلك نحواها وويها، ويجوز إبقائها على البناء الأصلي نحو أفّ لكما وأوه من اخواني واه من ذنوبي.
والظاهر أنّ ويلك وويحك ووليك وويبك من هذا الباب وأصل كلها (وي) على ما قال الفراء جيء بلام الجر بعدها مفتوحة مع المضمر نحو (وي لك ووى له) ثمّ خلط اللام بوي حتى صارت لام الكلمة كما خلطوا اللام بباقي قوله :
فخير نحن عند النّاس منكم *** إذ الداعي المثوب قال يالا
فصار معرباً بإتمامه ثلاثياً فجاز أن يدخل بعدها (لام) أخرى نحو ويل لك لصيرورة الأولى (لام) الكلمة ثمّ نقل إلى باب المبتدأ فقيل ويل لك كما في سلام عليك.
أقول : وتحقيق الكلام أنك إذا قلت ويل لزيد فيجوز الرفع على الابتداء والنصب على المفعولية أي حلّ الشر به حلولاً أو عذب الله عذاباً أو هلكاً له، وجوّز جرّه في «القاموس» ولا أرى له وجهاً.
وإذا قلت : ويل زيد، فيجوز الضم على الابتداء وحذف الخبر أي عذابه أو هلاكه مطلوب والكسر على أن أصله (وي) لزيد فكلمة (وي) بمعنى الحزن والخسران اتصلت لام الجرّ بها لكثرة الاستعمال فقيل : ويل زيد، والفتح على أنها بعد الاتصال بلام الجرّ حسبما قلناه خففوا (اللام) بالفتح.
وأما قولهم : رجل ويلمه، بكسر اللام وضمّه فأرادوا به أنّه (واه) يستعملونه في مقام التعجب من دهاء الرّجل وذكائه وأصله ويل لأمه فركب الكلمتان بعد التخفيف بحذف (اللام) واسقاط الهمزة فصار ويلمه.
قال في «الاقيانوس» : (وي) فيها كلمة مفردة معناها التعجب كأنه يتعجب من أمه أنها ولدت هذا الولد الذي لا نظير له في العقل والفراسة، أو أنه من قبيل: قاتله الله وترتب يداه يعني أنّ الجملة موضوعة للتعجب ملغاة عن معناها الأصلي أو أن الويل بمعنى العذاب والخسران كأنه يريد عذاب أمه كيف ولدت هذا الولد الداهي الظالم فيكون مستعملاً في مقام الأسف والانفعال، أو أن المراد بذلك الحسرة والتأسف من أمه وأنها ولدت هذا الولد فردا ولم تلد له ثانياً كفوا فيكون مستعملاً في مقام التعجب والاستجادة.
وقيل : إنّ أصل ذلك (ويل) لأم كما أن قولهم : لاب لك، مخفّف لا أب لك، فالحق به الهاء كمالاً للمبالغة كما في الداهية فصار (ويل) لامه فخفّف وصار (ويلمه) وعلى ذلك (فالهاء) ليست ضميراً ولكن المستفاد من كلام الزمخشري أنه مخفّف من قولهم (ويل) لأمه أو
من قولهم (وي) لأمه، والهاء ضمير يفسّره ما بعده من باب الاضمار على شريطة التفسير كما في قولهم ربه رجلاً يقال (ويلمه) رجلاً قال ذو الرمة :
ويلمها روحة والرّيح معصفة *** والغيث مرتجز والليل مقترب
وعن «النهاية» ومنه حديث علي كرم الله وجهه (ويلمه) كيلاً بغير ثمن لو كان له وعاء أي يكيل العلوم الجمة بلا عوض إلا أنه لا يصادف داعياً الويل للتعجب، وقيل: ويل، كلمة مفردة ولأمه مفردة وهي كلمة تفجع وتعجب وحذفت الهمزة من أمه تخفيفاً وألقيت حركتها على (اللام) وينصب ما بعدها على التميز، انتهى (1).
وفي شرح المعتزلي: انتصب (كیلاً) لأنه مصدر في موضع الحال، ويمكن أن ينتصب على التمييز كقولهم لله دره فارساً (2).
قد ظهر من رواية «الاحتجاج» المتقدّمة في شرح الخطبة التاسعة والعشرين أن هذه الخطبة واردة في ذمّ أهل العراق بتثاقلهم عن جهاد معاوية وأتباعه فقال لهم (أما بعد يا أهل العراق فإنّما أنتم كالمرأة الحامل حملت فلما أتمت) حملها وتكاملت أيامه (أملصت) وأسقطت ولدها ميتاً (ومات قيمها) أي زوجها (وطال تأيمها) بقاؤها بلا زوج (وورثها أبعدها) لفقدان الوارث القريب.
شبههم بالمرأة الموصوفة بالأوصاف الخمسة التي هي وجه الشبه بينها وبينهم، فحملها يشبه تهيؤهم للحرب واستعدادهم لها وإتمام الحمل يشبه مشارفتهم لاستئصال أهل الشام والظفر على المقصود، والإملاص يشبه بإجابتهم إلى التحكيم وجنوحهم إلى السلم ورجوعهم عن العدوّ بعد قرب الظفر وظهور أمارات الفتح، فإنّ ذلك رجوع غير طبيعي وغير معتاد للعقلاء كما أن الإملاص أمر غير طبيعي وخارج عن العادة وموت القيم وطول الأيم يشبه بقائهم بلا صاحب الجاري مجرى موته عنهم وطول ضعفهم وتمادى ذلتهم، كما أن موت قيم المرأة مستلزم لطول ضعفها وتمادي عجزها.
وأما وراثة الأبعدين فإشارة إلى أنّهم لتقصيرهم في الأمر أخذ عدوّهم الذين هم أبعد النّاس عنهم بلادهم وتسلطوا عليهم وصاروا بمنزلة الوارثين لها، كما أن المرأة الموصوفة بسبب أملاصها وموت زوجها لا يبقى لها وارث قريب نسبي وسيبي فيرثها البعيد عنها.
ثم أقسم تضجراً من حالهم بقوله : (أما والله ما أتيتكم اختياراً) وإيثاراً للمقام بينكم وحباً
لكم ولبلادكم (ولكن جئت إليكم سوقاً) واضطراراً كان القضاء ساقه إليهم، إذ خروجه من المدينة دار الهجرة لم يكن إلا لقتال أهل الجمل واحتاج إلى الاستنصار بأهل الكوفة إذ لم يكن جيش الحجاز وافياً بمقاتلتهم ثم اتصلت تلك الفتنة بفتنة أهل الشام فاضطر إلى المقام بينهم.
ثم قال (ولقد بلغني أنكم تقولون علي يكذب) فإنّه (علیه السَّلام) كان كثيراً ما يخبرهم عن الملاحم والأمور الغيبية وما يكون قبل كونه كما مضى نبذ من ذلك في شرح كلامه السادس والخمسين، ويأتي كثير منها في تضاعيف الشرح أيضاً فكان منافقو أصحابه ينسبونه في هذه الاخبارات الغيبية إلى الكذب لضعف عقولهم وقصور أفهامهم ويقولون إنه يكذب فدعا عليهم بقوله (قاتلكم الله) أي لعنكم وأبعدكم عن رحمته.
ثمّ ردّ زعمهم الفاسد واعتقادهم الكاسد بقوله : (فعلى من أكذب أعلى الله فأنا أوّل من آمن به، أم على نبيه فأنا أوّل من صدقه) يعني أنّ هذه الأخبار ما أخبركم بها من تلقاء نفسي، وإنما هي أخبار عن الله وعن رسوله فكيف أكذب على الله وأنا أوّل المؤمنين به وأوّل مؤمن به لا يكون أوّل مكذب، وكيف أكذب على الرسول وأنا أوّل المصدّقين له والتابعين لملته فكيف أكون مكذباً عليه.
(كلا والله) أي لا والله أو حقاً والله (ولكنّها) أي تلك الاخبارات الغيبية (لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها) أي غابت عقولكم الضعيفة عن إدراكها وتحصيل منافعها وإدراك ثمراتها ولستم أهلاً لفهمها، أو أنكم كنتم غائبين عنها حين أخبرني بها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فسمعت كلامه ولم تسمعوه ولو سمعتموه أيضاً لم تكونوا من أهله.
(ويل أمه كيلاً بغير ثمن لو كان له وعاء) أنت بعد الخبرة بما حققناه في بيان الإعراب تعرف احتمال رجوع ضمير أمه فيه إلى المكذب له فيكون تعجباً من قوة جهلهم أو استعظاماً لمقالتهم أو دعاء عليهم أي عذبه الله وقاتله فإنّي أكيل العلم لهم كيلاً بلا ثمن لو وجدت له حاملاً.
أو أنّه راجع إلى نفس العلم فيكون وارداً في مقام الاستجادة والاستعظام والتعجب كأنه يتعجب من علمه حيث يكال كيلاً بلا ثمن لو كان له واعياً وسائر الاحتمالات غير خفي على البصير الناقد لما قدمنا.
وقوله : (ولتعلمن نبأه بعد حين) اقتباس عن الآية الشريفة أي لتعلمن ثمرة جهلكم وتكذيبكم وإعراضكم عمّا أقول بعد مفارقتي عنكم وحين مماتي حيثما تسلط عليكم بنو أمية والعباس وسقاكم سوق العبيد وابتليتم بالقتل والذل والصغار أو أنكم تعلمون جزاء ذلك وتجدونه بعد مفارقة الدنيا ومصيركم إلى الآخرة حين ما وقعتم في الندامة الدائمة والحسرة الباقية.
از جمله کلام بلاغت نظام آن عالی مقام است در مذمت اهل عراق و توبیخ ایشان می فرماید:
پس از حمد الهی و درود حضرت رسالت پناهی ای اهل عراق، پس به درستی که شما مثل زن آبستن هستید که حامله شود پس چون تمام نماید حمل را بیندازد و سقط کند آن بچه را و بمیرد شوهر او که قایم امر او است و طول یابد بی شوهر ماندن او و وارث شود بر او دورتر وراث آن زن.
وجه تشبیه اهل عراق به زن موصوف این است که استعداد و مهیا شدن ایشان به حرب اهل شام مشابه حمل آن زن است و مشارفه ایشان بر غلبه به دشمن در جنگ صفین شبیه است به اتمام ولد و برگشتن ایشان از دشمن بعد از ظهور علامات فتح و ظفر مانند سقط کردن او است بچه اش را و رجوع ایشان از رأی آن حضرت و تفرق ایشان که باعث ذلتشان شد شبیه است به مردن شوهر ضعیفه و بی صاحب ماندن او که مستلزم عجز و مذلتش است و تسلط اعداء بر شهرهای ایشان به منزله وارث شدن دورترین است از آن زن.
باری، حضرت ولایت مآب بعد از این که ایشان را به این نوع مذمت فرمود می فرماید که:
آگاه باشید قسم به خدا نیامدم به سوی شما ای اهل کوفه از روی رغبت و ميل و اختيار ولکن آمدم من به سوی شما از روی اضطرار که دست قضا و قدر خداوندی از گریبان من گرفته به سوی شما کشید، به جهت این که حرکت آن حضرت از مدینه به جهت حرب اهل بصره بود و محتاج شد به یاری اهل کوفه و بعد از انقضاء حرب جمل وقعه صفین اتفاق افتاد که لابد شدن از ماندن کوفه، پس فرمود:
و به تحقیق که رسید به من این که شما می گویید علی بن ابی طالب دروغ می گوید در آن چه خبر می دهد از اخبار آینده، خدا از رحمت کنار نماید شما را، به که دروغ میبندم؟ آیا بر خدا افترا می گویم و حال آن که من اول کسی هستم که
ایمان آورده ام به او؛ یا بر رسول خدا کذب می گویم و حال آن که من اول کسی هستم که پیغمبر را تصدیق نمود.
نه چنین است قسم به خدا، ولیکن این سخنان که می گویم به شما گفتار فصیحی است که غایب بودید شما از آن در وقتی که پیغمبر به من تعلیم فرمود و نبودید شما از اهل آن.
مادر تکذیب کننده من به ماتم آن بنشیند، من می پیمایم علم ربانی را پیمودنی بدون بها اگر باشد در میان شما آن را حافظی که ظرفیت و دارایی آن را داشته باشد.
و هر آینه البته خواهید دانست ثمره کردار و گفتار خودتان را بعد از زمانی؛ یعنی در وقتی که من از میان شما بروم و امراء جور بنی امیه به شما مسلط شوند.
وهي مروية في المجلد السابع عشر من البحار من مناقب ابن الجوزي عن الحسن بن عرفة عن سعيد بن عمير عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) بتغيير يسير.
«أَللَّهُمَّ داحِيَ الْمَدْحُوّاتِ، وداعِمَ الْمَسْمُوكات، وجابِلَ الْقُلُوبِ عَلى فِطرتها، شَقِيِّها وسَعيدِها، إِجْعَلْ شَرائِفَ صَلَواتِكَ ونَوامِي بَرَكاتِكَ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، الْخاتِم لما سَبَقَ، وَالْفاتِح لِمَا انْغَلَقَ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالدَّافِع جَيْشاتِ الأَباطِيلِ، وَالدّامِغِ صَوْلاتِ الأضالِيلِ، كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِكَ، مُسْتَوْفِزاً في مَرْضاتِكَ، غير ناكلٍ عَنْ قُدْمٍ، وَلا واهٍ في عَزْمٍ، واعِياً لِوَحْيِكَ، حافِظاً عَلَى عَهْدِكَ ماضِياً عَلى نَفاذِ أَمْرِكَ، حَتَّى أَوْرَىٰ قَبَسَ القابِسِ، وأضاءَ الطَّرِيقَ للخابط، وهُدِيَتْ بهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ حَوْضاتِ الْفِتَنِ، وأَقامَ مُوضِحاتِ الأعلام، ونَيْراتِ الأَحْكام، فَهُوَ أمينك المأمون، وخازن عِلْمِكَ المَخْزُون، وشهيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وبَعيثُكَ بِالْحَقِّ، وَرَسُولُكَ إِلَي الْخَلْقِ.
أَللَّهُمَّ افْسحْ لَهُ مَفْسَحاً في ظِلِّكَ، وَأَجْزِهِ مُضاعَفَاتِ الْخَيرِ مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ واعْلِ عَلَى بَناءِ الْبانِينَ بِناءَهُ، وأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ، وأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ، وأَجْزِهِ مِنَ ابْتَغَائِكَ لَهُ مَقَبُولَ الشَّهَادَةِ، ومَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ، ذا مَنْطِقِ عَدْلٍ، وخُطَّةٍ فَصْلٍ، اللَّهُمَّ اجْمَعَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ في بَرْدِ الْعَيْشِ وقَرارِ النِّعْمَةِ، ومِنَى الشَّهَواتِ، وأَهْواءَ اللَّذَّاتِ، ورَخاءَ الدَّعَةِ، ومُنْتَهَى الطُّمَأْنَيَةَ، َوتُحَفَ الْكَرامَةِ» (1).
(دحى) الله الأرض دحواً بسطها فهي مدحوة و(دعمت) الشيء من باب نفع دعماً حفظته بالدعامة وهي بالكسر ما يستند به الحائط والسقف ونحوهما يمنعهما السقوط و(سمكه) سمكاً رفعه والمسمكات كمكرمات السماوات والمسموكات لغة و (الجبل) الخلق و(النامي) الزائد و (الجيشات) جيشة جمع من جاشت القدر إذا ارتفع غليانها.
و (بطل) الشيء يبطل بطلاً وبطولاً وبطلاناً بضم الأوائل فسدا وسقط حكمه فهو باطل
1) الغارات: 160/1 ح 6، وبحار الأنوار: 84/91.
والجمع بواطل وأباطيل على غير قياس، وقال أبو حاتم: الأباطيل جمع أبطولة بضم الهمزة وقيل جمع أبطالة و (دمغته) دمغا من باب نفع كسرت عظم دماغه، فالشجة دامغة وهي التي تخسف الدماغ ولا يبقى معها حياة و(الصولة) السطوة و(الأضاليل) جمع الضلال على غير القياس.
و (ضلع) الشيء بالضم ضلاعة قوي، وفرس ضليع غليظ الألواح شديد العصب ورجل ضليع قوي و(الفوز) العجلة واستوفز في قعدته قعد منتصباً غير مطمئن و(نكل) نكولاً نكص وجبن و (ورى) الزند يورى خرج ناره وأوريته أنا، ومنه قوله سبحانه :
«فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2)» [العاديات : 2].
و (القبس) بفتحتين شعلة من النار قال سبحانه :
«لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ» [ طه : 10].
والقابس هو الذي يطلب النّار يقال قبس ناراً يقبسها من باب ضرب أخذها وقبس علماً تعلمه وقبست الرّجل علماً يتعدي ولا يتعدى وأقبسته ناراً وعلماً بالألف و (الخابط) الذي يسير على غير جادة ليلاً و(العلم) بالتحريك ما يستدل به على الطريق.
و (البعيث) بمعنى المبعوث كالجريح والقتيل و (فسحت) له في المجلس فسحاً من باب نفع فرجت له من مكان يسعه، والمفسح إما مصدر أو اسم مكان، وبعثته رسولاً بعثاً أوصلته وابتعثته كذلك وفي المطاوع فانبعث مثل كسرته فانكسر وكل شيء ينبعث بنفسه يتعدى الفعل إليه بنفسه فيقال بعثه، وكل شيء لا ينبعث بنفسه كالكتاب والهدية يتعدى الفعل إليه بالباء فيقال : بعثت به.
و (الخطة) بالضم الخصلة والحالة، وفي أكثر النسخ وخطبة فصل وهو الأظهر و(برد العيش) قال المعتزلي : العرب تقول عيش بارد وعيشة باردة أي لا حرب فيها ولا نزاع، لأن البرد والسكون متلازمان كتلازم الحرّ والحركة و (قر) الشيء قراً من باب ضرب استقر والاسم القرار.
و (الاهواء) جمع هوى بالقصر وهو ما تحبه النفوس وتميل إليه من هويته هوى من باب تعب إذا احببته وعلقت به و(رخی) ورخو من باب تعب وقرب رخاوة بالفتح إذا لآن، وكذلك العيش رخي ورخو إذا اتسع فهو رخي على فعيل والاسم الرخاء و(الدعة) بفتح الدال السكون والسعة في العيش و(الطمأنينة) اسم من اطمأن القلب إذا سكن و(التحف) جمع التحفة بالضم وكهمزة البرّ واللطف والطرفة وأصلها وحفة بالواو.
(داحي المدحوات وداعم المسموكات) منصوبان على النداء، (وشقيها وسعيدها) بالجر على البدل من القلوب واضافة الشرائف والنوامي من باب اضافة الصفة إلى الموصوف، والكاف في قوله (كما حمل) إما بمعنى لام التعليل كما في قول الشاعر :
فقلت أبا الملحاة خذها *** كما أوسعتنا بغياً وعدواً
أي خذ هذه الضربة لأجل بغيك وتعديك علينا ويحتمل كونها على أصل التشبيه وقوله : (قائماً)، منصوب على الحال وكذلك المنصوبات بعده أعني (مستوفزاً وغير ناكل) وما عطف عليه، (وواعيا وحافظاً وماضياً واضافة الخوضات إلى الفتن) ظرفية، وإضافة (الموضحات والنيرات إلى الأعلام والأحكام) من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، (والمخزون) بالجر صفة علمك، (ومقبول الشهادة) وكذلك (مرضي المقالة) منصوب على المفعولية من (أجزه)، (وذا منطق) منصوب على الحال.
اعلم أنّ هذه الخطبة مشتملة على فصول ثلاثة الأول : في صفات المدعو وتمجيده، وهو الله سبحانه. الثاني : في صفات المدعو له وهو النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، الثالث: في أنواع المدعو به.
فإليه الإشارة بقوله (اللهم داحي المدحوات) أي باسط الأرضين السبع المبسوطة، ووصفها بالبسط لا ينافي كرويتها إذ بسطها باعتبار سطحها البارز الذي هو مسكن الحيوان فإنّه في الأوهام سطح مبسوط وإن كان بالاعتبار العقلي محدّياً وإلى ذلك ينظر قوله سبحانه : «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19)» [نوح: 19] «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا» [البقرة: 22].
(وداعم المسموكات) أي حافظ السّماوات المرفوعة بالدعامة التي هي القدرة على ما مر تحقيقه في شرح الفصل الثامن من فصول الخطبة الأولى (وجابل القلوب على فطرتها شقیها وسعيدها) أراد كونه سبحانه خالق شقي القلوب وسعيدها على فطراتها الأصلية المكتوبة في اللوح المحفوظ والمراد بالقلوب النفوس.
وأهل العرفان كثيراً ما يعبّرون عن النّفس بالقلب وبالسعادة ما يوجب دخول الجنة والنّعمة الدائمة واللذة الأبدية، وبالشقاوة ما يوجب دخول النار والعقوبات الأبديّة والآلام الدائمة.
فمحصل المعنى أنه خالق النفوس وموجدها في الخارج موافقاً لفطراتها التي كتبت في الألواح السماوية قبل خلق الخلق وقدرت أنها من أهل الجنة أو من أهل النار موافقاً لعلمه سبحانه التابع لما يختارونه بعد وجودهم وتكليفهم بإرادتهم واختيارهم.
وإلى هذا ينظر ما رواه في الكافي بإسناده عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : إنّ الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه، فمن خلق الله سعيداً لم يبغضه أبداً وإن عمل شرّاً أبغض عمله ولم يبغضه، وإن كان شقيّاً لم يحبه أبداً وإن عمل صالحاً أحبّ عمله وأبغضه لما يصير إليه، فإذا أحب الله شيئاً لم يبغضه أبداً وإذا أبغض شيئاً لم يحبه أبداً (1).
فإليه أشار بقوله : (اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك) قيل في تفسير العبد: (العين) علمه بالله (والباء) بونه عن الخلق، والدال دنوه من الله بلا إشارة ولا كيف، يعني أنّ العبد لا يكون كامل العبودية إلا إذا كان عارفاً بالله سبحانه قريباً منه بالقرب المعنوي وبائناً من الخلق بأن يكون فيهم ولا يكون منهم، وذلك مستلزم لاستغراقه في طاعة معبوده إذ لولاه لما حصل التقرب ولا يتحصل معنى العبودية.
ومن هنا قيل : إن حقيقة العبودية عنوان ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكاً لأن العبيد لا يكون لهم ملك بل يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله، ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيراً، ويكون جملة اشتغاله فيما أمر الله تعالى ونهاه عنه، فإذا لم ير العبد فيما خوله الله ملكاً هان عليه الانفاق وإذا فوّض العبد نفسه إلى مديرها هانت عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد فيما أمره الله ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهات مع الناس.
فإذا اكرم الله العبد بهذه الثلاث هانت عليه الدنيا ولا يطلب الدنيا تفاخراً وتكاثراً ولا يطلب عند النّاس عزّاً وعلوّاً ولا يدع أيامه باطلة فيكون تاركاً لدنياه وفارغاً لطاعة مولاه، فإذا وصل العبد إلى هذا المقام انكشفت له الحجابات الغيبية وأدركته الألطاف الربانية، وتحصل له معنى العبودية [وهي] جوهرة كنهها الربوبية، ويصير مظهراً لصفات الكمال ومصدراً لنعوت الجلال.
وإلى هذا المعنى ينظر الحديث القدسي: إنّ عبدي ليتقرب إلي بالنافلة حتّى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش
1) الكافي : 153/12، والتوحيد : 358.
بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته، ولمّا كان هذا المعنى غاية الكمال وصف الله سبحانه جملة من أوليائه المقربين في كتابه المجيد بذلك فقال :
«سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» [الإسراء : 1] وقال: «عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا» [الكهف: 65] وقال : «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» [ ص: 30].
إلى غير هذا، ثم انه لما كانت مرتبة الرّسالة فوق مرتبة العبودية ومن عادتهم تقديم غير الأبلغ على الأبلغ كما يقولون: عالم نحرير وجواد فياض لا جرم قدم توصيفه بالعبودية على توصيفه بالرّسالة، وإنّما قلنا إن درجة الرّسالة فوق هذه الدرجة لأنّ الرّسول من يسع قلبه الجانبين ولا يحجب بشهود الحق عن الخلق فهو أكمل ممن يستغرق فيه تعالى غافلاً عن خلقه.
ويدلّ على تقدّمها عليها رواية زيد الشحام التي مرّت في شرح الفصل الثاني من فصول الخطبة الثانية فتذكر (الخاتم لما سبق) إن جاز استعمال كلمة (ما) في ذوي العقول فالمراد بها النبيون والمرسلون، وإلا فالمراد أنه خاتم لشرعه للشرائع والأديان السابقة.
(والفاتح لما انغلق) من باب الهدى وطريق الرّشاد والجنّة، وإنما كان منغلقاً لغلبة أمر الجاهلية واندراس الشرائع السابقة (والمعلن الحق بالحق) قال الشارح المعتزلي: أي المظهر الحق الذي هو خلاف الباطل بالحق أي بالحرب والخصومة يقال حاق فلان فلاناً أي خاصمه فخصمه.
أقول : ومنه الحاقة للقيامة قال تعالى: «الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ» [الحاقة: 1-2]، سمّيت بذلك لأنها تحاق الكفّار الذين حاقوا الأنبياء أي خاصموهم هذا، والأظهر أن يكون المراد بالحق الأول الدين وبالثاني الحق المرادف للصدق أي مظهر الدين بقول حق ثابت في نفس الأمر وبيان صواب.
(والدافع جيشات الأباطيل) أي لثوران فتن المشركين واجتماعهم على إطفاء نور الله أو لفتنتهم التي كانت عادة بينهم واستمرت عليها سجيتهم من القتل والغارة وحرب بعضهم لبعض، فإنّ هذا كله أمور خارجة عن قانون العدالة وقد اندفع ذلك كله بميامن قدومه صلوات الله عليه وآله.
(والدامع صولات الأضاليل) أي المهلك لسطوات الضلالات وقامع هيبات أهل الضلال المنحرفين عن سبيل الله وسبيل الرشاد إلى الفساد (كما حمل فاضطلع) معناه على جعل (الكاف) بمعنى اللآم: اجعل شرائف صلواتك عليه لأجل أنّه حمل أعباء الرّسالة فنهض بها قوياً، وعلى جعلها بمعناها الأصلي صلّ عليه صلاة مناسبة مشابهة لتحميلك له الرسالة إذ
الجزاء من الحكيم العدل لا بد أن يكون مناسباً للعمل المجزي عليه.
(قائماً بأمرك مستوفزاً في مرضاتك) أي مستعجلاً في تحصيل رضاء الله سبحانه ورضوانه غير بطيء فيه حاثاً نفسه عليه (غير ناكل عن قدم ولا واه في عزم) أراد كونه غير جبان عن التقدّم فيما يلزمه التقدم فيه ولا متوان في الاتيان بما عزم عليه (واعيا لوحيك) ضابطاً له قوي النفس على قبوله (حافظاً لعهدك) المأخوذ عليه في تبليغ الرسالة وأداء الأمانة ماضياً على انفاذ امرك مصراً في إجرائه وفي جذب الخلق إلى سلوك سبيل الآخرة.
(حتى) انتهى في إصراره في هداية الخلق وجذبهم إلى الآخرة إلى النهاية وبلغ الغاية فـ (أورى قبس القابس) أي أخرج نور الحق وأشعله لطالبيه والمقتبسين له (وأضاء الطريق) طريق الجنّة والصراط المستقيم (للخابط) في ظلمات الجهل السّالك على غير جادة واضحة.
(وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن) والآثام واللازمة عما اجترحته من السيئات (وأقام موضحات الأعلام) أي الأدلة الواضحة على الحق التي هي كالأعلام المستدل بها على الطريق (ونيرات الأحكام) أي الأحكام الشرعية والتكاليف الإلهية ذوات النور المستنبطة من الأدلة الواضحة.
(فهو أمينك المأمون) أي ائتمنه على وحيه ورسالته والمأمون تأكيد للأمين (وخازن علمك المخزون) أراد به علمه الذي لا يقدر على حمله عموم الخلق وهو المشار إليه بقوله :
«عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ» [الجن: 26 - 27].
روی سدير قال : سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر (علیه السَّلام) ويقول : أرأيت قوله : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، فقال له أبو جعفر (علیه السَّلام): إلا من ارتضى من رسول فإنّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً، وكان والله محمد ممن ارتضاه، وأما قوله عالم الغيب، فإن الله تبارك وتعالى عالم بما غاب عن خلقه ممّا يقدر من شيء ويقضيه في علمه فذلك يا حمران علم موقوف عنده إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ويبدو له فيه فلا يمضيه، فأما العلم الذي يقدره الله ويقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله ثم إلينا (1).
(وشهيدك يوم الدين) يحتمل أن يكون المراد بذلك شهادته على أمته وشهادته على أئمة الدين خصوصاً وجميع الحجج الذين لم يخل الله سبحانه أرضه منهم من لدن آدم إلى آخر الدهر وقد وردت الاحتمالات الثلاثة في أخبار أهل البيت ومثل كلامه قوله تعالى في سورة النحل:
1) بحار الأنوار: 4 / 110 ح 29، وتفسير نور الثقلين: 442/5.
«وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ [النحل: 89].
وفي سورة البقرة : «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» [البقرة : 143].
وفي سورة النساء: «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)» [النساء: 41].
قال الطبرسي في تفسير هذه الآية: إنّ الله يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته فيشهد لهم وعليهم ويستشهد نبينا على أمته.
وفي «البحار» في الأخبار ما يدلّ على أن حجة كل زمان شهيد على أهل ذلك الزمان ونبينا (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) شهيد على الشهداء.
وفيه من «الكافي» بإسناده عن سماعة قال : قال أبو عبد الله (علیه السَّلام): في قول الله عزّ وجل :
«فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)» [النساء : 41].
نزلت في أمة محمد خاصة في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم ومحمد شاهد علينا (1).
قال المجلسي: يمكن أن يكون المراد تخصيص الشاهد والمشهود عليهم جميعاً بهذه الأمة فيكون المراد بكل أمة في الآية كلّ قرن من تلك الأمة واحد من الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) شاهداً على من في عصرهم من هذه الأمة وعلى جميع من مضى من الأمم، والأول أظهر لفظاً والثاني معناً وإن كان بحسب اللفظ يحتاج إلى تكلفات.
أقول : ويدلّ على الوجه الأوّل ما عن تفسير فرات بن إبراهيم عن أبي جعفر (علیه السَّلام) في تفسير الآية الثانية قال : منا شهيد على كل زمان علي بن أبي طالب في زمانه والحسن في زمانه والحسين في زمانه وكل من يدعو منا إلى أمر الله.
وعلى الثاني ما عن تفسير علي بن إبراهيم في تفسير الآية الثانية أيضاً بإسناده عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (علیه السَّلام) عن تفسير هذه الآية قال: نحن الأمة الوسط ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في أرضه.
1) شرح الأخبار: 420/18 ح 17، وخاتمة المستدرك: 341/5.
وما عن «بصائر الدرجات» بإسناده عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : إن الله طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في أرضه وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا (1).
وعلى هذا فمعنى كونهم شهداء أنهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) يشهدون على الأنبياء أنّ الله أرسلهم ويشهدون للأنبياء أنهم بلغوا رسالات ربهم ويشهدون لمن أجابهم وأطاعهم باجابته وإطاعته وعلى من خالفهم وعصاهم بمخالفته وعصيانه ويشهدون على محمد أن الله أرسله ويشهدون له أنه بلغ ما أمر بتبليغه وعلى أمته ولهم كذلك ويشهد رسول الله عليهم بما حملهم من أمر الخلافة ولهم بما أذوا ما حملوا ولمن أجاب بما أجاب ولمن عصى بالعصيان، هذا.
وغير خفيّ على الفطن العارف أن الشهادة لما كانت مشروطة بالعلم واليقين ومن ذلك أن رسول الله أرى للشاهد الشمس وقال علي مثل هذا فاشهد أو دَعْ، فاللازم من كونهم صلوات الله عليهم شهداء على النّاس أن يكونوا عالمين بأعمال النّاس غير غائبين عنها، ويستفاد ذلك من الأخبار وهي على قسمين:
أحدهما: ما دلت على أنه سبحانه أعطى الإمام عموداً من نور يرى فيه أعمال الخلائق كرؤية الشخص في المرآة وأنّ الدّنيا بأسرها وما فيها عند الإمام كالدرهم في يد أحدكم يقلبه كيف شاء.
فمن ذلك ما في «البحار» من «بصائر الدرجات» عن معاوية بن حكيم عن أبي داوود المشرق عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : إنّ الإمام يسمع الصوت في بطن أمه فإذا بلغ أربعة أشهر كتب على عضده الأيمن :
«وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ» [الأنعام: 115].
فإذا وضعته أمه سطع له نور ما بين السماء والأرض فإذا درج رفع له عمود من نور يرى ما بين المشرق والمغرب (2).
ومنه بإسناده عن ابن ظبيان عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : إنّ الإمام يسمع في بطن أمه فإذا ولد خط على منكبيه، ثم قال هكذا بيده فذلك قول الله تعالى :
«وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ» [الأنعام: 115].
وجعل له في كل قرية عموداً من نور يرى به ما يعمل أهلها فيها.
وعن محمد بن الفضيل عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) الإمام يسمع الكلام في
بطن أمه فإذا سقط إلى الأَرض نصب له عمود في بلاده وهو يرى ما في غيرها.
وعن محمد بن مروان قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : إنّ الإمام يسمع في بطن أمّه فإذا ولد خط بين كتفيه :
«وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ» [الأنعام: 115].
فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عموداً من نور يبصر به ما يعمل به أهل كل بلدة (1).
وعن إسحاق القمي قال : قلت لأبي جعفر (علیه السَّلام) ما قدر الإمام؟ قال يسمع في بطن أمه فإذا وصل إلى الأرض كان على منكبه الأيمن مكتوباً :
«وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» [الأنعام: 115].
ثم يبعث أيضاً له عموداً من نور من تحت بطنان العرش إلى الأرض يرى فيه أعمال الخلائق كلها، ثم ينشعب له عمود آخر من عند الله إلى أذن الإمام كلّما احتاج إلى مزيد أفرغ فيه إفراغاً (2).
أقول : والعمود الآخر ما أشير إليه في رواية صالح بن سهل.
عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : كنت جالساً عنده فقال لي ابتداء منه : يا صالح بن سهل إنّ الله جعل بينه وبين الرّسول رسولاً ولم يجعل بينه وبين الإمام رسولاً، قال: قلت وكيف ذاك؟ قال : جعل بينه وبين الإمام عموداً من نور ينظر الله به إلى الإمام وينظر الإمام به إليه فإذا أراد علم شيء نظر في ذلك النور فعرفه.
قال المحدّث المجلسي : نظر الله تعالى إليه كناية عن إفاضاته عليه ونظره إليه كناية عن غاية عرفانه.
والقسم الثاني
من الأخبار ما دلت على عرض أعمال العباد على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وعلى الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وإلى ذلك أشير فى الكتاب العزيز :
قال تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)» [التوبة : 105]
روى في «البحار» من تفسير علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن الحسن الصفار عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : ما من مؤمن يموت أو كافر يوضع في قبره حتى يعرض عمله على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وعلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وهلم جراً إلى آخر ما فرض الله طاعته فذلك قوله:
«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» [التوبة : 105].
وعنه (علیه السَّلام) قال : إن أعمال العباد تعرض على رسول الله كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروا فليستحي أحدكم أن يعرض على نبيه العمل القبيح (1).
ومن «بصائر الدرجات» بإسناده عن معلي بن خنيس عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) في قول الله تعالى :
«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» [التوبة : 105].
قال : هو رسول الله والأئمة تعرض عليهم أعمال العباد كل خميس.
وعن محمد بن مسلم وزرارة قالا سألنا أبا عبد الله (علیه السَّلام) عن الأعمال تعرض على رسول الله؟ قال : ما فيه شك، ثم تلا هذه الآية :
«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» [التوبة : 105].
قال : إنّ لله شهداء في أرضه.
وعن ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لأصحابه حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، قالوا: أما حياتك يا رسول الله فقد عرفناه، فما في وفاتك؟ قال: أما حياتي فإنّ الله يقول: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، وأمّا وفاتي فتعرض علي أعمالكم فأستغفر لكم.
وعن داوود الرّقي قال: دخلت على أبي عبد الله (علیه السَّلام) فقال : يا داوود أعمالكم عرضت عليّ یوم الخميس فرأيت لك فيها شيئاً فرحنى وذلك صلتك لابن عمك أما أنه سيمحق أجله ولا ينقص رزقك (2)، قال داوود : وكان لي ابن عم ناصب كثير العيال محتاج، فلما خرجت إلى مكة أمرت له بصلة فلما دخلت على أبي عبد الله (علیه السَّلام) أخبرني بهذا، هذا.
وقد تحصل مما ذكرنا كله اطلاع النبي واطلاع الأئمة على جميع أفعال الناس وأعمالهم من خير أو شرّ وأنّه لا تفاوت في ذلك بين حالتي الموت والحياة.
فإن قلت: ما فائدة تلك الشهادة وما ثمرة عرض الأعمال عليهم واطلاعهم بذلك والنّاس كلهم يردون إلى عالم الغيب والشهادة وينبئهم بما كانوا يعملون.
قلت : ثمرة ذلك أنّ النّاس إذا علموا أنّ لهم شهداء ورقباء وكتاباً يكتبون ما يفعلون لا يغادرون صغيرة ولا كبيرة وأنّ النبي والأئمة تعرض عليهم الأعمال ويطلعون بما يعملون كان ذلك رادعاً للنفس الأمارة عن الانهماك في الشهوات ومانعاً لها عن متابعة الأهواء واللذات، فلا بد للعاقل البصير أن ينظر إلى عمله ويحذر من عرض عمله القبيح على نبيه وأئمته ويستحي من ذلك ولا يفعل ما يوجب مساءة حالهم واستحيائهم من الله سبحانه من قبائح أعمال شيعتهم والله ولي التوفيق..
(وبعيثك بالحق ورسولك إلى الخلق) أراد كونه مبعوثاً بالدين الثابت الباقي نفعه إلى الخلق ورسولاً إليهم، وهذان الوصفان كسائر الأوصاف المذكورة في هذا الفصل إشارة إلى جهات استحقاق الصلاة والرّحمة.
الفصل الثالث
في أنواع المدعو به وإليها الإشارة بقوله (اللهم افسح له مفسحاً في ظلك) أي مكاناً متسعاً في حظيرة قدسك والظل إما استعارة للجود والافضال ووجه الشبه استراحة المستظل بالظل من حرارة الشمس وكذلك الملتجي إلى وجود الله سبحانه وافضاله يستريح بجوده تعالى من شديد العذاب الأليم وحرّ نار الجحيم، ويحتمل أن يكون المراد معناه الحقيقي كما في قوله تعالى: «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [الواقعة: 27 – 30].
قال في «مجمع البيان» أي دائم لا تنسخه الشمس فهو باق لا يزول، وقد ورد في الخبر أنّ في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها (1)، وروى أيضاً أن أوقات الجنة كغدوات الصيف لا يكون فيها حرّ ولا برد (2).
(وأجزه مضاعفات الخير من فضلك) أراد به أن يضاعف له الكمالات من نعمه إذ مراتب استحقاق نعمه سبحانه غير متناهية (اللهم واعل على بناء البانين بناءه) المراد بالبانين إما الأنبياء وببنائهم ما شيدوه من أمر الدين فيكون المقصود بالدعاء علوّ دينه وظهوره على الدين كله ولو كره المشركون، وإما مطلق عباد الله الصالحين البانين بأعمالهم الصالحة غرفاً في الجنة وقصوراً فيها فيكون المقصود علو منزله على سائر المنازل واكرم لديك منزلته بانزاله المنزل
المبارك الموعود وهو سبحانه خير المنزلين، قال تعالى مخاطباً لنوح:
«وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون: 29].
(واتمم له نوره) المراد بذلك اتمام نوره يوم القيامة بحيث يطفيء سائر الأنوار وهو النور الذي يسعى بين أيدي الأمة حتى ينزلوا منازلهم في الجنّة، وإليه الإشارة في قوله:
«َوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [التحريم: 8].
قال الطبرسي : يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم على الصراط يوم القيامة وهو دليلهم إلى الجنّة ويريد بالنور الضّياء الذي يرونه ويمرون فيه عن قتادة، وقيل: نورهم هداهم عن الضحاك، قال قتادة إنّ المؤمن يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعا ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه (1).
قال الشارح المعتزلي : قد روى أنه يطفيء سائر الأنوار إلا نور محمد، ثم يعطي المخلصون من أصحابه أنواراً يسيرة يبصرون بها مواطيء الأقدام فيدعون الله بزيادة تلك الأنوار وإتمامها، ثمّ إنّ الله يتم نور محمد فيستطيل حتى يملأ الآفاق فذلك إتمام نوره (2).
(وأجزه من انبعاثك له مقبول الشهادة ومرضي المقالة) أراد به أن يجزيه الله سبحانه من بعثته له الشهادة المقبولة عنده والمقالة المرضية لديه بأن تكون شهادته على أمنه وغيرها نافذة وشفاعته فيهم ماضية حال كونه (ذا منطق عدل وخطة فصل) أي صاحب نطق عادل وخصلة فاصلة بين الحق والباطل أو ذا قول غير هازل كما قال تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ».
والمطلوب بهذه الاعتبارات كلها على اختلاف مفاهيمها أمر واحد وهو زيادة كمالاته (علیه السَّلام) وقربه من الله سبحانه، ثمّ إنّه (علیه السَّلام) بعد الصلاة على الرسول دعى لنفسه وللمؤمنين من خالصي شيعته بقوله (اللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش) الذي لا كلفة فيها من الحرب والخصومة (وقرار النعمة) مستقرها في الحضرة الربوبية (ومنى الشهوات) في حظيرة القدس (وأهواء اللذات) في الجنة العالية، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين (ورخاء الدعة ومنتهى الطمأنينة) أي سعة سكون النّفس ونهاية اتساع عيشها في دار الخلد (وتحف الكرامة) المعدة لأهل اليقين من أولياء الله المقربين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
الصّلاة على النبي ممّا أمر الله تعالى به وحث عليه بقوله :
«إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)»[الأحزاب: 56].
وينبغي لنا أن نحقق الكلام في ذلك ونذكر ما أتى به الفاضل المقداد صاحب «كنز العرفان» في تفسير هذه الآية وما يرتبط عليها ونفضل بعض ما أجمله قدس الله روحه.
قال (رحمه الله) قرأ شاذاً برفع ملائكته فقال الكوفيون بعطفها على أصل (إنّ) واسمها وقال البصريون مرفوعة بالابتداء وخبر (إنّ) محذوف أي إنّ الله يصلي وملائكته يصلون فحذف للقرينة ونظائره كثيرة كقول الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راض والرأي مختلف
أي نحن راضون، والصلاة وإن كانت من الله الرّحمة فالمراد بها هنا هو الاعتناء بإظهار شرفه ورفع شأنه، ومن هنا قال بعضهم تشريف الله محمّداً بقوله :
«إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» [الأحزاب: 56].
أبلغ من تشريف آدم بالسجود له والتسليم قيل المراد به الانقياد كما في قوله :
«فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)» [النساء: 65].
وقيل هو قولهم: السّلام عليك أيها النبي قاله الزمخشري والقاضي في تفسيرهما وذكره الشيخ في تبيانه وهو الحق لقضية العطف ولأنّه المتبادر إلى الفهم عرفاً ولرواية كعب الآتية وغيرها إذا تقرر ذلك فهنا فوائد.
الأولى: ذهب أصحابنا والشافعي وأحمد إلى وجوب الصلاة على النبي في الصلاة خلافاً لمالك وأبي حنيفة فإنّهما لم يوجباها ولم يجعلاها شرطاً في الصلاة واستدل بعض الفقهاء بما تقريره:
شيء من الصلاة على النّبي واجب ولا شيء من ذلك في غير الصلاة بواجب ينتج أنها في الصلاة واجب، أما الصغرى فلقوله تعالى: «صَلُّوا»، والأمر حقيقة في الوجوب، وأمّا الكبرى فظاهرة، وفيه نظر لمنع الكبرى كما يجيء وحينئذ فالأولى الاستدلال على الوجوب بدلیل خارج.
أمّا من طرقهم فما رووه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : لا تقبل صلاة
إلا بطهور وبالصّلاة علي، وكذا عن أنس عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : إذا صلّى أحدكم فليبدأ بحمد الله ثم ليصل علي (1).
ومن طرقنا ما رواه أبو بصير وغيره عن الصادق (علیه السَّلام) قال : من صلى ولم يصلّ على النبي وتركه متعمداً فلا صلاة له (2)، حتى أن الشيخ جعلها ركناً في الصلاة فإن عني الوجوب والبطلان بتركها عمداً فهو صحيح وإن عنى تفسير الركن بأنّه ما يبطل الصلاة بتركه عمداً وسهواً فلا.
الثانية : قال علماؤنا اجمع : إنّ الصّلاة على النبي واجبة في التشهدين وبه قال أحمد، وقال الشافعي: مستحبة في الأوّل واجبة في الآخر، وقال مالك وأبو حنيفة : مستحبة فيهما، دليل أصحابنا روايات كثيرة عن أئمتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ).
الثالثة : هل تجب الصّلاة على النّبي في غير الصلاة أم لا؟ ذهب الكرخي إلى وجوبها في العمر مرة، وقال الطحاوي كلما ذكر، واختاره الزمخشري، ونقل عن ابن بابويه من أصحابنا، وقال بعضهم : في كلّ مجلس مرّة، والمختار الوجوب كلما ذكر لدلالة ذلك على التنويه برفع شأنه والشكر لإحسانه المأمور به، ولأنه لولاه لكان كذكر بعضنا بعضاً وهو منهي عنه في آية النور.
أقول : وأشار بها إلى قوله سبحانه : «لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا» [النور: 63] ولما روى عنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله، والوعيد إمارة الوجوب.
وروى أنه قيل له : يا رسول الله أرأيت قول الله إنّ الله وملائكته يصلون على النبي؟ فقال : هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به إن الله عزّ وجلّ وكل بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي إلا قال له ذلك الملكان غفر الله لك، وقال الله وملائكته: آمين، ولا أذكر عند مسلم فلا يصلي علي إلا قال له الملكان: لاغفر الله لك وقال الله وملائكته : آمين (3).
أقول : ومثل ذلك في إفادة الوعيد ما رواه الصدوق في عقاب الأعمال بإسناده عن محمد بن هارون عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : إذا صلى أحدكم ولم يصلّ على النبي خطى به
طريق الجنة (1).
وقال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): من ذكرت عنده فنسي الصّلاة عليّ خطئ به طريق الجنّة.
قال (رحمه الله): وأمّا عند عدم ذكره صلوات الله عليه فيستحب استحباباً مؤكداً لتظافر الرّوايات أنّ الصّلاة عليه وآله تهدم الذنوب وتوجب إجابة الدعاء المقرون بها.
الرابعة : روى كعب بن عجرة قال : لما نزلت الآية قلنا : يا رسول الله هذا السّلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ فقال قولوا اللهم صل على محمّد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وعلى هذا الحديث سؤال مشهور بين العلماء ذكرناه في نضد القواعد وذكرنا ما قيل في أجوبته من أراده وقف عليه هناك.
أقول : ولا يحضرني كتاب نضد القواعد حتى نقف على ما ذكره ولعل المراد بالسؤال المشهور ما ذكروه من أنّ التشبيه يقتضي أن يكون المشبه به أقوى من المشبه فيلزم أن يكون التشبيه الواقع فيه من باب الحاق الناقص بالكامل، وأجيب تارة بأنّ التشبيه لبيان حال من يعرف بمن لا يعرف وثانية بأن التشبيه في أصل الصّلاة لا في قدر الصلاة، وثالثة بأن معناه : اجعل لمحمّد صلاة بمقدار الصلاة لإبراهيم وآله وفي آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، وليس في الله نبي فطلب إلحاق جملة فيها نبي واحد بما فيه الأنبياء، وربما أجيب بأجوبة أخرى ولا حاجة إليها والأظهر الأوسط.
الخامسة: دلّ حديث كعب المذكور على مشروعيّة الصّلاة على الآل تبعاً له (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وعليه إجماع المسلمين وهل يجوز عليهم لا تبعاً بل إفراداً كقولنا : اللهمّ صلّ على آل محمّد بل الواحد منهم لا غير أم لا؟ قال أصحابنا : بجواز ذلك، وقال الجمهور بكراهته لأنّ الصلاة على النبي صارت شعاراً فلا يطلق على غيره ولا يهامه الرّفض والحق ما قاله الأصحاب لوجوه.
الأَوّل: قوله تعالى مخاطباً للمؤمنين كافة : «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ» [الأحزاب: 43] وهو نص في الباب.
الثاني: قوله تعالي : «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ» [البقرة : 156] ولا ريب أن أهل البيت أصيبوا بأعظم المصائب الذي من جملتها اغتصابهم مقام إمامتهم.
1) الكافي: 495/2 ح 19، ووسائل الشيعة : 408/6 ح 3.
أقول: وهذا الدليل لعله مأخوذ من العلامة قدس الله روحه وقد حكى في «لؤلؤة البحرين» من كتاب «حياة القلوب» أنّه قدس الله سره ناظر أهل الخلاف في مجلس سلطان محمد خدا بنده أنار الله برهانه وبعد اتمام المناظرة وبيان حقية مذهب الإمامية الاثنى عشرية خطب قدس الله لطفه خطبة بليغة مشتملة على حمد الله والصلاة على رسوله والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).
فلمّا سمع ذلك السيد الموصلي الذي ذلك السيد الموصلي الذي هو من جملة المسكوتين بالمناظرة قال : ما الدليل على جواز توجيه الصلاة على غير الأنبياء؟ فقرأ الشيخ العلامة في جوابه بلا انقطاع الكلام: «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ» [البقرة : 156]، الآية فقال الموصلي بطريق المكابرة: ما المصيبة التي أصبات إليهم حتى أنهم يستوجبون بها الصلاة؟ فقال الشيخ من أشنع المصائب وأشدها أن حصل من ذراريهم مثلك الذي ترجح المنافقين الجهال المستوجبين اللعنة والنكال على آل رسول المتعال، فاستضحك الحاضرون وتعجبوا من بداعة آية الله في العالمين وقد أنشد بعض :
إذا لعلوي تابع ناصبياً *** بمذهبه فما هو من أبيه
وكان الكلب خيراً منه قطعاً *** لأن الكلب طبع أبيه فيه
الثالث : أنّه لمّا أتى أبو أوفى بزكاته قال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): اللهم صل على أبي أوفى وآل أبي أوفى، فيجوز على أهل البيت بطريق أولى.
الرابع : أن الصلاة من الله بمعنى الرحمة وتجوز الرّحمة عليهم إجماعاً فيجوز مرادفها لما تقرر في الأصول من أنه يجوز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر.
الخامس : قولهم إنّه صار شعاراً للرسول قلنا مصادرة على المطلوب، لأنها كما دلت على الاعتناء برفع شأنه كذلك تدلّ على الاعتناء برفع شأن أهله القائمين مقامه فيكون الفرق بينه وبينهم وجوبها في حقه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كلما ذكر كما اخترناه.
أقول : التفريق بذلك غير خال عن التأمل.
فإن قلت : عادة السلف قصره على الأنبياء.
قلت : العادة لا تخصص كما تقرّر في «الأصول»، هذا مع أن من أعظم السلف الباقر والصادق (علیهما السَّلام)، ولم يقولا بذلك.
السادس: أنّ قولهم : إن ذلك يوهم الرفض تعصب محض وعناد ظاهر، نظير قولهم: من السنة تسطيح القبور لكن لما اتخذته الرافضة لقبورهم عدلنا منه إلى التسنيم، فعلى هذا كان يجب عليهم أن كل مسألة قال بها الإمامية أن يفتوا بخلافها وذلك محض التعصب والعناد،
نعوذ بالله من الأهواء المضلة والآراء الفاسدة.
السادسة : مذهب علماؤنا أجمع أنّه تجب الصلاة على آل محمّد في التشهدين، وبه قال
(1) الصلاة على الآل ووجوبها
(قال العلماء) فسؤالهم بعد نزول الآية واجابتهم باللهم صل على محمد وعلى آل محمد.. الى آخره، دليل على ان الامر بالصلاة على أهل بيته وبقية اله مراد من هذه الآية، وإلا لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها، ولم يجابوا بما ذكر فلما اجيبوا به دل على ان الصلاة عليهم من جملة المأمور به وانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أقامهم في ذلك مقام نفسه، لأن القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ومنه تعظيمهم (يراجع، وجواهر العقدين : 216 الباب الثاني، والصلات والبشر : 68 - 109، والاعتقاد للبيهقي : 164 باب القول في أهل البيت، وجلاء الافهام فقد ذكر الادلة على الوجوب بالتفصيل : 193 - 194 وما بعدها - الباب الرابع، وللشيخ الرفاعي كلاماً مشابهاً مفيداً فليراجع ضوء الشمس : 111/1).
ويروي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قوله : «لا تصلوا الصلاة البتراء».
قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله ؟
قال : «تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون بل قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (جواهر العقدين: 217 الباب الثاني، والصواعق : 146 ط. مصر و 225 ط. بيروت الاية الثانية، وأهل البيت للشرقاوي : 6 - 7، وتفسير آية المودة : 135.
وخرجه الشعراني وزاد فيه فقيل من أهلك يا رسول الله ؟
قال : علي وفاطمة والحسن والحسين كشف الغمة للشعراني : 219/1 فصل في الامر بالصلاة على النبي.
هذا وأخرجه الديلمي بلفظ : «من ذكرت بين يديه فلم يصل علي صلاة تامة فلا هو مني ولا أنا منه». الفردوس : 634/3 ح.5986.
وقد أخرج الديلمي أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد أهل بيته.
اللهم صل على محمد وعلى آله (المعجم الاوسط للطبراني : 408/1 725 بلفظ : كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد،» ومجمع الزوائد (10 / 160 ط. مصر و 247 ح 17278 من البغية وقال الهيتمي : رجاله ثقات، والجامع الكبير للسيوطي: 412/1 وعزاه لابي الشيخ في الثواب وللبيهقي في الشعب عن علي، وتحفة الذاكرين للشوكاني : 50 ط. القاهرة مكتبة المتنبي - بلفظ : كل دعاء» وقال : قال المنذري رواته ثقات، وشعب الايمان 2 /216، و الشفا للقاضي : 65/2 فصل في مواطن الصلاة عن علي بلفظ : الدعاء معلق حتى يصلى على محمد وآل محمد»، وجواهر العقدين : 223 ونسبه للديلمي، والصواعق المحرقة : 148 ط. مصر و 227 ط. بيروت عن الديلمي.
نعم في فردوس الديلمي المطبوع خذف: آل محمد، فدوّن الحديث عن علي بلفظ : كل دعاء محجوب حتى يصلي على النبي». الفردوس : 255/3 ح 4754 ط. دار الكتب العلمية).
(قال العلامة) ابن حجر الهيتمي وغيره: وكان قضية الاحاديث السابقة وجوب الصلاة على الآل في التشهد الاخير، كما هو قول للشافعي خلافاً لما يوهمه كلام الروضة واصلها، ورجحه بعض أصحابه ومال اليه البيهقي، ومن ادعى الاجماع على عدم الوجوب فقد سها (وهو ابن كثير في تفسيره : 559/3 مورد آية 56 من الأحزاب)، لكن بقية الاصحاب ردوا الى اختلاف تلك الروايات من اجل انها وقائع متعددة، فلم يوجبوا إلا ما اتفقت الطرق عليه وهو اصل الصلاة عليه وما زاد فهو من قبيل الأكمل، وكذا استدلوا على عدم وجوب قوله كما صليت على ابراهيم بسقوطه في بعض الطرق.
بعض الشافعية، وفي إحدى الروايتين عن أحمد، وقال الشافعي بالاستحباب لنا رواية كعب
وللشافعي :
يا أهل بيت رسول الله حبكم ***فرض من الله في القرآن انزله
يكفيكم من عظيم القدر انكم *** من لم يصل عليكم لا صلاة له
فيحتمل لا صلاة له صحيحة، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل، ويحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه. انتهى كلام العلامة ابن حجر (الصواعق المحرقة : 147 - 148 ط. مصر و 228 ط. بيروت الاية الثانية من الباب 11).
(وقال البيهقي) في شعب الإيمان: سمعت أبا بكر الطرسوسي يقول: سمعت أبا اسحاق المروزي يقول : أنا اعتقد ان الصلاة على آل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واجبة في التشهد الاخير من الصلاة. قال وفي الاحاديث التي وردت في كيفية الصلاة الدلالة على ما قاله أبو اسحاق. انتهى (جواهر العقدين : 224، المشروع الروي: 7/1 عن البيعقي، ونقل في الشعب الوجوب عن أبي الحسن الماسرجي : 224/2)
وقال المروزي : أفضلها (الصلاة) اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما ذكره الذاكرون وسها عنه الغافلون. (سفر السعادة: 46).
أوجب الصلاة على الآل كل من :
ذكر من قال بوجوب الصلاة على الال
الشافعي واتباعه والكوفيون والشعبي واسحاق بن راهويه واحمد ومالك من التابعين وابن مسعود وابن عمر وجابر وابي سعيد من الصحابة. راجع الصواعق المحرقة 147 ط. مصر وط. بيروت: 226 - 227 الباب 11 الآيات النازلة فيهم الآية الثانية وجلاء الافهام : 276 - 277 الباب السادس.
قال ابن أبي الحديد المعتزلي: أكثر أصحاب الشافعي على وجوب الصلاة على الآل في الصلاة شرح النهج لابن أبي الحديد: 144/6 الخطية 71.
وممن جرى على الوجوب ابن كثير وذكر في تفسيره : 558/3 - 559 مورد اية 56 من الاحزاب: ذهاب الشعبي والباقر ومقاتل والامام أحمد كما حكاه أبو زرعة واسحاق بن راهويه والفقيه محمد بن المواز المالكي، قال وبعض أصحابنا أوجب الصلاة على آله فيما حكاه البندنيجي وسليم الرازي وصاحبه نصر بن ابراهيم المقدسي ونقله امام الحرمين وصاحبه الغزالي قولاً عن الشافعي.
وممن انتصر للشافعي الفيروزآبادي وأبي امامة ابن النقاش والسمهودي وابن القيم. راجع الصلات والبشر: 110 - 111، والمواهب اللدنية 509/2 الفصل الثاني من المقصد السابع وجواهر العقدين: 222، وأحكام القرآن لابن العربي: 1584/3، والشفا : 62/2 الباب الرابع، وتفسير آية المودة: 136.
وروايات الصلاة عى النبي المتضمنة للصلاة على الآل مستفيضة تصل الى حد التواتر على بعض المباني، رويت عن كل من: أبي مسعود والحديث صحيح رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه، وكعب بن عجرة وهو لا مغمز فيه، وأبي سعيد الخدري رواه البخاري في الصحيح، وأبي هريرة في حديث صحيح على شرط الشيخين وبريدة بن الحصيب، وابن مسعود صححه الحاكم، وعبد الرحمن بن بشر بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبي معشر عن إبراهيم وموسى بن طلحة عن أبيه يراجع جلاء الافهام: 172 الباب الثالث - الفصل السابع، و 224 - 238 الباب الرابع الموطن السادس و 276 الباب السادس.
قال ابن القيم: أكثر الاحاديث الصحاح والحسان بل كلها صريح بذكر النبي ويذكر آله وقال : آل النبي يصلى عليهم بلا خلاف بين الامة. جلاء الافهام: 172 الباب الثالث - الفصل السابع، و 224 - 238 الباب الرابع الموطن السادس، و 276 الباب السادس.
وقد تقدمت في كيفية الصلاة عليه وإذا كانت الصلاة عليه واجبة كانت كيفيتها أيضاً واجبة (1).
وروى كعب أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) كان يقول ذلك في صلاته وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي.
وعن جابر الجعفي عن الباقر (علیه السَّلام)عن ابن مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من صلى صلاة ولم يصل فيها علي و على آلي وأهل بيتي لم تقبل منه (2).
السابعة : الآل الذين تجب الصلاة عليهم في الصلاة ويستحب في غيرها هم الأئمة المعصومون، لإطباق الأصحاب على أنهم هم الآل ولأن الأمر بذلك مشعر بغاية التعظيم المطلق الذي لا يستوجبه إلا المعصوم، وأما فاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فتدخل أيضاً لأنّها بضعة منه.
قال الجمهور الصلاة من الله الرّحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن الآدميين الدعاء، واستبعد تارة باقتضائه كونه مشتركاً لفظياً والأصل العدم، وأخرى بأنا لا نعرف في العربية مسنداً واحداً يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الإسناد حقيقياً، وثالثة بأن الرحمة فعلها متعد والصلاة فعلها قاصر وتفسير القاصر بالمتعدي غير مناسب، ورابعة بأنه لو قيل مكان صلى عليه دعى عليه انعكس المعنى ولو كانا مترادفين صح حلول كل منهما محل الآخر.
وقال المحققون : إنّه لغة بمعنى العطف والعطف بالنسبة إلى الله الرّحمة اللائقة وإلى الملائكة الاستغفار وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض، قال السهيلي: الصّلاة كلها وإن اختلفت معانيها راجعة إلى أصل واحد فلا تظنها لفظ اشتراك ولا استعارة إنما معناها العطف ويكون محسوساً ومعقولاً انتهى. فعلى ما ذكروه يكون مشتركاً معنوياً وهو أولى من الاشتراك اللفظي إذا دار الأمر بينه وبينه.
قال الشهيد الثاني نور الله مضجعه في «الروضة»: غاية السؤال بالصلاة عائدة إلى
وقال السخاوي في القول البديع في بيان صبغة الصلاة في التشهد فالمرجع أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وذكر أنه اختيار الجمهور ونصّ الشافعي وأن مذهب أحمد أنهم أهل البيت، وقيل المراد أزواجه وذريته - عن هامش الصواعق المحرفة لعبد الوهاب عبد اللطيف : 146 ط. مصر 1385.
المصلي لأنّ الله تعالى قد أعطى نبيه من المنزلة والزلفى لديه ما لا يؤثر فيه صلاة مصلّ كما نطقت به الأخبار وصرح به العلماء الأخيار.
أقول: أمّا انتفاع المصلي بالصلاة واستحقاقه بها الثواب الجزيل والجزاء الجميل فمما لا غبار عليه وستطلع على ذلك في التنبيه الآتي وأمّا عدم تأثيره في حقه صلوات الله عليه وآله فممنوع، لأنّ مراتب القرب إليه تعالى والزلفى لديه غير متناهية فيجوز أن توجب كل صلاة عليه الارتقاء من مرتبة إلى مرتبة فوقها.
فإن قلت : يستلزم ذلك أن يكون صلوات الله عليه ناقصاً في ذاته ومرتبته مستكملاً بالصلاة والدعاء.
قلت: إن أردت نقصه بالنسبة إلى الواجب فمسلم ولا ضير فيه وإن أردت النقص بالنسبة إلى الموجودات الممكنة فلا، بيان ذلك أنّه أفضل الموجودات وأشرف المجعولات وأكمل المخلوقات، لا موجود سواه إلا موجود سواه إلا وهو دونه ولا مجعول غيره إلا وهو ناقص بالنسبة إليه، لكنّه صلوات الله عليه وآله مع ذلك كله ممكن محتاج في وجوده وبقائه واستكمال ذاته إلى الواجب تعالى وهو قديم وفيضه غير متناه وهو قابل بذاته لكسب الفيوضات وازدياد الدرجات وهو تعالى ولي الخيرات والحسنات وهو على كل شيء قدير، هذا.
وقد عثرت بعدما حققت المقام على كلام المحدّث العلامة المجلسي في هذا المرام ذكره في كتاب «مرآة العقول» على بسط وتفصيل فأحببت نقل ما أورده لتضمنه فوائد سنيّة.
قال (رحمه الله) : اختلف العلماء في أنّه هل تنفعهم الصلاة شيئاً أم ليس إلا لانتفاعنا فذهب الأكثر إلى أنّهم صلوات الله عليهم لم يبق لهم كمال منتظر بل حصلت لهم جميع الخصال السنية والكمالات البشرية ولا يتصوّر للبشر أكثر ما منحهم الله تعالى فلا يزيدهم صلواتنا عليهم شيئاً بل يصل نفعها إلينا وإنّما أمرنا بذلك لإظهار حبهم وولائهم، بل هي إنشاء لإظهار الإخلاص والولاء لنا وليس الغرض طلب شيء لهم.
ويترتب عليه أن يفيض الله علينا بسبب هذا الإظهار فيوضه ومواهبه وعطاياه كما أنه إذا كان لأحد محبوب يحبه حباً شديداً وقد أعطاه كلما يمكن فإذا كان لرجل حاجة عند المحبّ يتقرب إليه بالثناء على محبوبه وطلب شيء له تقرباً إليه بإظهار حبّه وتصويبه في إكرامه وأنه مستحق لما أعطله حقيق بما أولاه.
وهذا الكلام عندي مدخول بل يمكن توجيهه بوجوه أخرى لكلّ منها شواهد من الأخبار.
الأوّل: أن تكون الصلاة سبباً لمزيد قربهم وكمالاتهم ولم يدل دليل على عدم ترقيهم إلى ما لا يتناهي من الدرجات العليا في الآخرة والأولى، وكثير من الأخبار يدل على خلافه
كما ورد في كثير من أخبار التفويض أنه إذا أراد الله سبحانه أن يفيض شيئاً على إمام العصر يفيضه أولاً على رسول الله ثم على إمام إمام حتى ينتهي إلى إمام الزمان لئلا يكون آخرهم أعلم من أوّلهم.
وكما أن بيننا وبين موالينا صلوات الله عليهم من أرباب العصمة والطهارة درجات غير متناهية لا يمكن لأحدنا وإن عرج على معارج القرب والكمال أن يصل إلى أدنى منازلهم، فكذا بينهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبين جناب الألوهية وساحة الربوبية معارج غير متناهية كلما صعدوا بأجنحة الرفعة والكمال على منازل القرب والجلال لا تنتهي تلك المعارج ويعدون أنفسهم في جنب ساحة القدس مثل الذرة أو دونها.
وقد أفيض على وجه وجيه في استغفار النبي والأئمة صلوات الله عليهم يناسب هذا الوجه وهو: أنهم صلوات الله عليهم لما كانوا دائماً في الترقي في مدارج المعرفة والقرب والكمال ففي كلّ أن تحصل لهم معرفة جديدة وقرب جليل وكمال عتيد عدوا أنفسهم مقصرين في المرتبة السابقة في المعرفة والقرب والطاعة كانوا يستغفرون منها وهكذا إلى ما لا نهاية لها.
وقد ورد في الرّوايات الكثيرة أن أشرف علومنا علم ما يحدث بالليل والنهار آناً فآناً وساعة فساعة، ويؤيده ما روى في تفسير قوله سبحانه ولدينا مزيد، أن أهل الجنة في كلّ يوم جمعة يجتمعون في موضع يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى بأنوار جلاله، فيرجع المؤمن بسبعين ضعفاً ممافي يديه فيتضاعف نوره وضياؤه، وهذا كناية عن تضاعف قربه ومعرفته.
الثاني: أن تكون سبباً لزيادة المثوبات الأخروية وإن لم تصر سبباً لمزيد قربهم وكمالهم.
وكيف يمنع ذلك عنهم وقد ورد في الأخبار الكثيرة وصول آثار الصدقات الجارية والأولاد والمصحف وتعليم العلوم والعبادات إلى أموات المؤمنين والمؤمنات وأي دليل دلّ على استثنائهم عن تلك الفضائل والمثوبات، بل هم آباء هذه الأمة المرحومة والأمة عبيدهم و ببركتهم فازوا بالسعادات ونجوا من المهلكات وكلما صدر عن الأمة من خير وسعادة وطاعة يصل إليهم نفعها وبركتها ولا منقصة لهم في ذلك مع أن جميع من آثار مساعيهم الجميلة وأياديهم الجليلة.
الثالث : أن تصير سبباً لأمور تنسب إليهم من رواج دينهم وكثرة أمتهم واستيلاء قائمهم وتعظيمهم وذكرهم في الملاء الأعلى بالجميل وبالتفخيم والتبجيل.
وقد ورد في بعض الأخبار في معنى السّلام عليهم : أن المراد سلامتهم وسلامة دينهم وشيعتهم في زمن القائم (علیه السَّلام)، انتهى كلامه رفع مقامه.
الرابع: في فضيلة الصلاة وثوابها والأخبار في ذلك كثيرة لا تحصى.
فمنها: ما في ثواب الأعمال للصدوق بإسناده عن عباس بن ضمرة عن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : الصلاة على النبي وآله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أمحق للخطايا من الماء إلى النار والسلام على النبي وآله أفضل من عتق رقاب وحب رسول الله أفضل من مهج الأنفس أو قال ضرب السيوف في سبيل الله.
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : إذا ذكر النبي فأكثروا الصلاة عليه فإنّه من صلى على النبي صلاة واحدة صلى الله عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة ولم يبق شيء ممّا خلق الله إلا صلى على ذلك العبد لصلاة الله عليه وصلاة ملائكته، ولا يرغب عن هذا إلا جاهل مغرور قد برئ الله منه ورسوله (1)، ورواه أيضاً في «جامع الأخبار» كالكليني في «الكافي» نحوه.
وعن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال: قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : أنا عند الميزان يوم القيامة فمن ثقلت سيئاته على حسناته جئت بالصلاة علي حتى أثقل بها حسناته (2)، ورواه في «جامع الأخبار» مثله.
وعن عبد السلام بن نعيم قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السَّلام): إني دخلت البيت فلم یحضرني شيء من الدّعاء إلا الصلاة على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فقال (علیه السَّلام) ولم يخرج أحد بأفضل مما خرجت (3).
وعن الحارث الأعور قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السَّلام): كل دعاء محجوب عن السماء حتى يصلي على محمّد وآله (4).
وعن الصباح بن سيابة عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : ألا أعلمك شيئاً يقي الله وجهك من حر جهنم؟ قال : قلت بلى، قال: قل بعد الفجر : اللهم صل على محمد وآل محمد مائة مرة يقي الله به وجهك من حر جهنم.
وعن محمد بن أبي عمير عمن أخبره عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال: وجدت في بعض الكتب : من صلى على محمّد وآل محمّد كتب الله له مائة حسنة ومن قال صلى الله على محمّد وأهل بيته كتب الله له ألف حسنة.
وعن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرّضا قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): من صلی
علي يوم الجمعة مائة صلاة قضى الله له ستين حاجة ثلاثون للدنيا وثلاثون للآخرة.
وعن أبي المغيرة قال: سمعت أبا الحسن (علیه السَّلام) يقول : من قال في دبر صلاة الصبح وصلاة المغرب قبل أن يثني رجليه أو يكلم أحداً: إنّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً اللهم صل على محمد وذريته قضى الله له مائة حاجة «سبعون» في الدنيا «ثلاثون» في الآخرة، قال قلت ما معنى صلوات الله وصلوات ملائكته وصلوات المؤمن؟ قال صلوات الله رحمة من الله وصلوات الملائكة تزكية منهم له، وصلوات المؤمنين دعاء منهم له (1).
ومن سرّ آل محمد في الصلاة على النبي وآله : اللهم صلّ على محمد وآل محمد في الأولين، وصلّ على محمد وآل محمّد في الآخرين، وصلّ على محمّد وآل محمّد في الملاء الأعلى، وصلّ على محمد وآل محمّد في المرسلين اللهم أعط محمّداً الوسيلة والشرف والفضيلة والدّرجة الكبيرة، اللهم إنّي آمنت بمحمد ولم أره فلا تحرمني يوم القيامة رؤيته، وارزقني صحبته وتوفني على ملته واسقني من حوضه مشرباً (2)روياً سائغاً هنيئاً لا ظمأ أبداً بعده أبدا إنّك على كلّ شيء قدير اللهم كما آمنت بمحمد ولم أره فعرفني في الجنان وجهه اللهم بلغ روح محمد تحيّة كثيرة وسلاماً.
فإن من صلى على النبي بهذه الصلاة هدمت ذنوبه ومحيت خطاياه ودام سروره واستجيب دعاؤه وأعطي أمله وبسط له في رزقه وأعين على عدوه وهييء سبب أنواع الخير ويجعل من رفقاء نبيه في الجنان الأعلى، يقولهنّ ثلاث مرات غدوة وثلاث مرات عشيّة..
وعن عبد الله بن سنان عن عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ذات يوم لأمير المؤمنين: ألا أبشرك؟ قال : بلى بأبي أنت وأمي، فإنّك لم تزل مبشراً بكل خير فقال : أخبرني جبرئيل آنفاً بالعجب، فقال أمير المؤمنين (علیه السَّلام) وما الذي أخبرك يا رسول الله؟ قال : أخبرني أنّ الرّجل من امتي إذا صلى عليّ فاتبع بالصلاة على أهل بيتي فتحت له أبواب السماء وصلت عليه الملائكة سبعين صلاة وإنّه إن كان من المذنبين تحات عنه الذنوب كما تحات الورق من الشجر، ويقول الله تبارك وتعالى : لبيك عبدي وسعديك يا ملائكتي أنتم تصلون عليه سبعين صلاة وأنا أصلي عليه سبعمائة صلاة، فإن صلى عليّ ولم يتبع بالصلاة على أهل بيتي كان بينها وبين السماء سبعون حجاباً ويقول الله جل جلاله: لا لبيك ولا سعديك يا ملائكتي لا تصعدوا دعاءه إلا أن يلحق بالنبي عترته، فلا يزال محجوباً حتى يلحق بي أهل بيتي.
وعن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : من قال في يوم مائة مرّة رب صلّ على محمّد وعلى أهل بيته قضى الله له مائة حاجة ثلاثون منها للدنيا وسبعون منها للآخرة.
وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): ارفعوا أصواتكم بالصلاة عليَّ فإنّها تذهب بالنفاق (1).
وفي جامع الأخبار عن أبي هريرة أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : من صلى علي في كتابه لم تزل الملائكة تصلّي عليه ما دام ذلك مكتوباً إلى يوم القيامة.
وفيه أيضاً قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): من صلى عليّ مرة صلى الله عليه ألف مرة لا يعذبه في النار أبداً، وقال: من صلى علي مرّة فتح الله عليه باباً من العافية، وقال من صلى علي مرة لم يبق من ذنوبه ذرّة.
وروى عن عبد الله بن مسعود أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : إن أولى النّاس في يوم القيامة أكثرهم صلاة، وقال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في الوصية : يا علي من صلى كل يوم أو كل ليلة وجبت له شفاعتي ولو كان من أهل الكبائر.
عن أنس بن مالك قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): إن أقربكم مني يوم القيامة في كلّ موطن أكثركم علي صلاة في دار الدنيا، ومن صلى في يوم الجمعة أو في ليلة الجمعة مائة مرة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يوكل الله له بكل صلاة ملكاً يدخل في قبري كما يدخل أحدكم الهدايا ويخبرني من صلى علي باسمه ونسبه إلى عشيرته فاثبته عندي في صحيفة بيضاء (2).
عن الرضا (علیه السَّلام): من لم يقدر على ما يكفر به ذنوبه فليكثر من الصلاة على محمد وآله فإنّها تهدم الذنوب هدماً (3).
وقال النبى (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من قال : صلى الله على محمد وآل محمّد أعطاه الله أجر اثنين وسبعين شهيداً وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
روى عن أنس بن مالك عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): ما من أحد يذكرني ثم صلى عليّ إلا غفر الله له ذنوبه وإن كانت أكثر من رمل عالج.
وقال صلوات الله عليه وآله : من صلى علي يوم الجمعة مائة مرة غفر الله له خطيئته
ثمانين سنة.
وقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): من صلى علي مرة خلق الله تعالى يوم القيامة على رأسه نوراً وعلى يمينه نوراً وعلى شماله نوراً وعلى فوقه نوراً وعلى تحته نوراً، وفي جميع أعضائه نوراً.
وقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): لن يلج النار من صلى علي.
وقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): الصلاة علي نور على الصراط، ومن كان له على الصراط من النور لم يكن من أهل النار.
وفي رواية عبد الرحمن بن عوف أنّه قال : جائني جبرئيل وقال : إنه لا يصلي عليك أحد إلا ويصلي عليه سبعون ألف ملك وكان من أهل الجنة.
عن أنس عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه قال: من صلى عليّ ألف مرّة لم يمت حتى يبشر بالجنة.
وقال قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): من صلى علي وعلى الي تعظيماً خلق الله من ذلك القول ملكاً يرى جناح له بالمغرب والآخر بالمشرق ورجلاه مغموستان من الأرض السفلى وعنقه ملتوي تحت العرش، فيقول الله عزّ وجلّ : صلّ على عبدي كما صلى على النبي، فهو يصلي عليه إلى يوم القيامة (1).
إلى غير هذه من الأخبار المتجاوزة عن حد الإحصاء.
والحمد لله الذي جعل صلاتنا عليه وآله ما خصنا به من ولايتهم طيباً لخلقنا وطهارة لأنفسنا وتزكية لنا وكفارة لذنوبنا، وله الشكر على ما آثرنا بذلك وخصصنا به دون غيرنا كثيراً.
1) نظم درر السمطين : 46.
از جمله خطب آن حضرت است که تعلیم فرموده خلق را در آن صلوات فرستادن به پیغمبر را :
ای خداوند ما، ای گستراننده گسترده ها چون هفت طبقه زمین و ای نگه دارنده بلند شده ها چون طبقات چرخ برین و ای مجبول نماینده قلب ها بر فطرت اصلیه آن ها که مجبول نموده قلب های باشقاوت را به شقاوت و قلب های با سعادت را به سعادت، بگردان شریف ترین درودهای خود را و بلندترین و افزون ترین برکتهای خود بر محمد بن عبدالله که بنده برگزیده و رسول پسندیده تو است که ختم کننده آن چیزی است که گذشته از پیش از شریعت و ملت و گشاینده آن چیزی است که بسته شده از باب رشاد و هدایت و اظهار کننده دین حق است با بیان درست و حق و دفع کننده قلب های باطلان و شکننده صولت های گمراهان.
صلوات فرست بر آن حضرت، صلواتی که مشابه باشد به رسالتی که برداشت آن را و قوی شد به برداشتن او در حالتی که استاده بود به فرمان تو و صاحب تعجيل بود در تحصیل رضای تو و در حالتی که جبون نبود از پیشی گرفتن در اداء اوامر شریعت و سست نبود در عزیمت به ابلاغ احکام ملت، نگاه دارنده بود وحی تو را، حفظ کننده بود عهد تورا، گذرنده به اجراء فرمان تو تا آن که برافروخت شعله نور حق را به جهت طالبین و روشن ساخت راه شرع متین را از برای خبط کننده و جاهلین و هدایت یافته شده به وجود مبارک آن، قلبها بعد از غوطه خوردن در فتنه ها و برپا نمود علم های راه نماینده و احکام روشنی دهنده را.
پس او امین تو است و خزینه دار علم مخزون و سرّ مکنون تو و شاهد تو است در روز جزا و فرستاده تو به سوی خلق.
بار خدایا گشاده گردان از برای آن حضرت مکان با وسعت در سایه کشیده خود و جزا بده او را زیادت های خیر را از فضل و رحمت خود.
بارخدایا، بلند گردان بر بنای بانیان، بنای او را که عبارت است از دین مبین و شرع متین و گرامی دار نزد خود منزل او را که جنت عدن است و فردوس برین و
تمام گردان از برای او نور او را که احاطه نماید به همه خلایق و پاداش ده او را از جهت مبعوث نمودن تو او را شهادت پذیرفته شده و گفتار پسندیده در حالتی که او صاحب نطق عادل است و صاحب خصلت جدا کننده میان حق و باطل.
بار خدايا جمع کن میان ما و میان او در خوشی زندگانی و در ثبات نعمت جاودانی و در مطلوب های آرزوها و در خواهشات لذت ها و در گشادگی آسایش و راحت و در پایان آرامی و استراحت و در تحف های کرامت که معدّا است و مهیا برای اهل جنت.
قالوا: أخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل فاستشفع الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) إلى أمير المؤمنين (علیه السَّلام) فكلماه فيه فخلى سبيله فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين.
فقال: «أَوَلَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ؟ لا حاجَةَ لي في بَيْعَتِهِ، إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ لَوْ بِايَعَنِي بِكفّه لَغَدَر بِسبَتْهِ، أما إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبُو الأَكْبُشِ الأَرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الأُمَّةُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِه يَوْماً أَحْمَرَ» (1).
قال الشارح المعتزلي يقال استشفعت فلاناً إلى فلان وسألته أن يشفع لي إليه وتشفّعت إلى فلان في فلان فشفعني فيه تشفيعاً، وقول الناس استشفعت بفلان إلى فلان ليس بذلك الجيد انتهى، و(السبة) بالفتح الأست، و(الأمرة) بالكسر مصدر كالإمارة وقيل اسم و(لعقه) كسمعه لحسه لعقة ويضم و(كبش) القوم رئيسهم و(الولد) بالتحريك مفرد وجمع.
فاعل (استشفع) في كلام السيد راجع إلى مروان، قوله : (إنّها) وارد في مقام التعليل لعدم الحاجة وحذف منه الجار والضمير فيه راجع إلى (الكفّ) المفهوم من البيعة لجريان العادة بوضع المبايع كفه في كف المتباع، (ويهودية) بالرفع صفة لكف.
اعلم أنّ مروان الملعون هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان أبوه الحكم لعنه الله عم عثمان بن عفان وقد طرده رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ونفاه عن المدينة مع ابنه مروان، وكان مروان يومئذ طفلاً فلم يزالا بالطائف حتى ولي عثمان فرده إلى المدينة مع ولده.
واختلف في السبب الموجب لنفيه له فقيل : إنه يتحيل ويستخفي ويسمع ما يسره رسول الله إلى أكابر الصحابة في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين، وقيل: يتجسس على
1) بحار الأنوار: 32/ 235، وشجرة طوبى : 130/1.
رسول الله وهو عند نسائه ويصغي إلى ما لا يجوز الإطلاع عليه ثم يحدث به المنافقين على طريق الاستهزاء، وقيل : كان يحكيه في بعض مشيه وبعض حركاته، فقد قيل : إنّ النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إذا مشى يتكفّأ، وكان الحكم بن العاص يحكيه وكان شانئاً له حاسداً مبغضاً، فالتفت رسول الله يوماً فرآه يمشي خلفه يحكي في مشيته فقال له كذلك فلتكن يا حكم، فكان الحكم مختلجاً يرتعش من يومئذ.
وفي شرح المعتزلي من كتاب الاستيعاب بإسناد ذكره عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال : يدخل عليكم رجل لعين قال وكنت قد رأيت أبي يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله فلم أزل مشفقاً أن يكون أوّل من يدخل فدخل الحكم بن أبي العاص.
وعن «النهاية» في حديث عائشة قالت لمروان : إن الله لعن أباك وأنت فضض من لعنة الله أي قطعة وطائفة منها، ورواه بعضهم فظاظة من لعنة الله بظانين من الفظيظة وهو ماء الكرش. وقال الزمخشري افتظظت الكرش اعتصرت مائها كأنها عصارة من لعنة الله.
وكيف كان فهو الطريد ابن الطريد، واللعين ابن اللعين ومنافق ابن منافق ولذلك أن الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) لما قالا لأمير المؤمنين (علیه السَّلام) إنّه يبايعك يا أمير المؤمنين فقال (أولم يبايعني بعد قتل عثمان) فغدر وحضر فيمن حضر حرب الجمل (لا حاجة لي في بيعته إنّها) أي كفه (كف يهودية) غادرة والنسبة إلى اليهود لشيوع الغدر فيهم كما نبه (علیه السَّلام) على ذلك بقوله (لو بايعني بيده لغدر بسبته) أراد أنه لو بايع في الظاهر لغدر في الباطن وذكر السبة إهانة له.
(أما أنّ له إمرة كلعنة الكلب أنفه) أشار بذلك إلى قصر مدة إمارته، فقد قيل : إنه ولي الأمر تسعة أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقيل أربعة أشهر وعشرة أيام (وهو أبو الكبش الأربعة) فسّر الأكثر ذلك ببني عبد الملك بن مروان: الولید، وسليمان، ويزيد، وهشام، ولم يل الخلافة من بني أمية ولا من غيرهم أربعة اخوة إلا هؤلاء.
قال المعتزلي : وعندي أنه يجوز أن يعني به بني مروان لصلبه، وهم عبد الملك الذي ولي الخلافة، وبشر الذي ولي العراق، ومحمد الذي ولي الجزيرة، وعبد العزيز الذي ولي مصر، ولكلّ منهم آثار مشهورة (وستلقى الأمة منه ومن ولده يوماً أحمر) أي شديداً وفي بعض النسخ موتاً أحمر وهو كناية عن القتل.
هذا الكلام مروي بنحو آخر، وهو ما رواه في «البحار» من الخرائج عن بن الصيرفي عن رجل من مراد قال كنت واقفاً على رأس أمير المؤمنين (علیه السَّلام) يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال فقال : إنّ لي حاجة فقال ما أعرفني ما الحاجة التي جئت فيها تطلب الأمان لابن
الحكم؟ قال : نعم أريد أن تؤمنه قال أمنته ولكن اذهب وجئني به ولا تجئني به إلا رديفاً فإنّه أذل له.
فجاء به ابن عباس ردفاً خلفه كأنه قرد قال أمير المؤمنين (علیه السَّلام): أتبايع؟ قال: نعم، وفي النفس ما فيها قال : الله أعلم بما في القلوب فلمّا بسط يده ليبايعه أخذ كفه عن كف مروان فترها فقال لا حاجة لي فيها إنّها كفّ يهودية لو بايعني بيده عشرين مرة لنكت باسته، ثم قال :
هيه هيه يا ابن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة، كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الأمة خسفاً ويسقونه كأساً مصيرة (1).
قال المجلسي: قوله فترها كذا في أكثر النسخ (بالتاء) (والراء) المهملة في «القاموس» تر العظم ويترّ تريراً وترور أبان وانقطع، وقطع كأتر والتترتر كالتزلزل والتقلقل، وفي بعض النسخ فنثرها (بالنون) (والثاء) المثلثة أي نفضها، وفي بعضها فنترها (بالنون) (والتاء) المثناة من النتر وهو الجذب بقوة وفي «القاموس» يقال لشيء يطرد هيه هيه بالكسر وهي كلمة استرادة أيضاً، وفي «النهاية» المعامع شدّة الموت والجد في القتال والمعمعة في الأصل صوت الحريق والمعمان شدّة الحرّ.
أقول : ولعله أراد بقوله (كأساً مصبرة) كأساً مرّةً كان فيها صبراً.
1) بحار الأنوار : 32/ 235، وشجرة طوبى: 130/1.
از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است که فرمود از برای مروان بن حکم در شهر بصره؛ راویان گویند که گرفتند مروان بن حکم را اسیر در روز حرب جمل، پس شفیع نمود حسن و حسين (عليهما السلام) را مروان به سوی امير المؤمنين (علیه السَّلام)، پس سخن گفتند آن دو بزرگوار به آن حضرت در خصوص آن بی اخلاص، پس رها کرد آن را، پس عرض کردند ایشان که بیعت می کند مروان به تو ای امیرمؤمنان، پس آن حضرت فرمود که:
آیا بیعت نکرد آن بی دین بعد از کشته شدن عثمان لعین؟ هیچ حاجت نیست مرا در بیعت آن بدبخت به درستی که دست آن ملعون دست یهودی است؛ یعنی مثل طايفه يهود مکار و غدار است. اگر بیعت کند به من به دست خود هر آینه غدر کند با دبر خود؛ یعنی اگر ظاهراً بيعت نماید، باطناً نقض آن را خواهد نمود.
آگاه باشد که به درستی باشد او را امارتی به غایت کوتاه مانند لیسیدن سگ بینی خود را و او است پدر چهار رئیس؛ مراد عبدالملک و عبدالعزیز و بشر و محمد است که همه پسران مروان بودند و زود باشد که برسند این امت از جانب مروان و از جانب پسران او روز باشدت؛ مراد قتل و غارتی است که از ایشان صادر شد.
«لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ بِها مِنْ غَيْرِي، ووَاللهِ لأَسَلَّمَنَّ ما سَلِمَت أمُورُ الْمُسْلِمينَ، وَلَمْ يَكُن فيها جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خاصَّةً الْتِماساً لأَجْرِ ذلِكَ مِنْ فَضْلِهِ، وزهداً فيما تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زخْرِفها وزبرجها» (1).
(نافست) في الشيء منافسة ونفاساً إذا رغبت فيه على وجه المبارات و(الزخرف) بالضم الذهب وكمال حسن الشيء قال تعالى : «حتى إذا أخذت الأرضُ زخرفها» و(الزبرج) بالكسر الزينة.
كلمة (ما) في قوله (ما سلمت) ظرفيّة مصدرية، (وخاصة) منصوب على الحالية، (والتماساً) مفعول له والعامل (لأسلمن) (ومن زخرفها) بيان (لما).
المستفاد من شرح المعتزلي أنّ هذا الكلام صدر منه (علیه السّلام) بعد أن بايع أهل الشورى عثمان وعد فضائله وسوابقه، وناشد أصحاب الشورى فقطع عبد الرحمن بن عوف كلامه وقال يا علي : قد أبى النّاس إلا على عثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، قال : يا أبا طلحة ما الذي أمرك به عمر؟ قال : أن أقتل من شقّ عصا الجماعة، فقال عبد الرّحمن لأمير المؤمنين بايع إذاً وإلا كنت متبعاً غير سبيل المؤمنين وأنفذنا فيك ما أمرنا به فعند ذلك قال :
(لقد علمتم أني أحق بها) أي بالخلافة المستفادة من قرينة المقام (من غيري) لاستجماعه (علیه السَّلام) الكمالات النفسانية والفضائل الداخلية والخارجيّة مضافاً إلى وصية رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بها، فيكون أولى وأحق وذلك لا يستلزم كون غيره حقيقاً أيضاً إذا سم التفضيل في كلامه نحوه في قوله تعالى :
1) بحار الأنوار : 612/29 ح 27، وسبيل النجاة : 281.
«قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ» [الفرقان: 15]
ثم نبه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) على أن رغبته فيها ليست حرصاً على زخارف الدنيا وزينتها وامارتها كما هي في غيره، وإنما هي لرعاية مصلحة الإسلام وصلاح حال المسلمين فقال (ووالله لأسلمن) وأتركن المخالفة (ما سلمت أمور المسلمين) أي مهما كان في تسليمي سلامة أمور المسلمين (ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة) وإنّما سلمت ذلك (التماساً لأجر ذلك من فضله) أي لأجر المظلومية والجور الواقع في حقي من فضل الله سبحانه (وزهداً فيما تنافستموه) ورغبة عما رغبتم فيه (من زخرفها وزبرجها) أي ذهب الدّنيا وزينتها.
قال المحدّث المجلسي: في هذا الكلام دلالة على أن خلافة غيره جور مطلقاً وأنّ التسليم على التقدير المفروض وهو سلامة أمور المسلمين وإن لم يتحقق الفرض لرعاية مصالح الإسلام والتقية، انتهى.
وبذلك يظهر ما في كلام الشارح المعتزلي حيث قال :
فإن قلت : فهلا سلم إلى معاوية وإلى أصحاب الجمل وأغضى على اغتصاب حقه حفظاً للإسلام من الفتنة.
قلت : إن الجور الداخل عليه من أصحاب الجمل ومن معاوية وأهل الشام لم يكن مقصوراً عليه خاصة بل كان يعم الإسلام والمسلمين جميعاً، لأَنهم عنده لم يكونوا ممّن يصلح لرياسة الأمة وتحمل أعباء الخلافة، فلم يكن الشرط الذي أشترطه متحققاً وهو قوله : ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة.
ثم قال : وهذا الكلام يدلّ على أنه لم يكن يذهب إلى أن خلافة عثمان يتضمّن جوراً على المسلمين والإسلام وإنّما يتضمن جوراً عليه خاصة وإنّما وقعت على جهة مخالفة الأولى لا على جهة الفساد الكلي والبطلان الأصلي وهذا محض مذهب أصحابنا، انتهى.
وأقول : أما ما ذكره من التفرقة بين المتخلفين الثلاثة وبين الناكثين والقاسطين بكون جور الأولين مقصوراً عليه خاصة وجور الآخرين عاماً له وللإسلام والمسلمين، فضعيف جداً كضعف توهمه صلاحية الأولين عنده (علیه السَّلام) لرئاسة الأمة وعدم صلاحية الآخرين لها.
أما أولاً : فلمنع انحصار جور الأولين فيه خاصة ألم يبعث الأوّل خالد بن الوليد لعنه الله إلى مالك بن نوبرة فقتله وأصحابه وزنى بامرأته بمجرد إمساكه عن الزّكاة ومنع بضعة الرسول من فدك أليس جوراً بيناً وظلماً فاحشاً فضلاً عن سائر ما صدر عنه ؟
أولم يأمر الثاني بإحراق بيت الصديقة ومنعها حقها وأعطى عائشة وحفصة عشرة آلاف درهم في كلّ سنة وظلم المسلمين في بيت مالهم؟
أولاً: تنظر إلى الثالث كيف أخرج أبي ذر إلى الربذة وكسر ضلع عبد الله بن المسعود وحمل بني أبي معيط على رقاب الناس وأتلف مال المسلمين وظلمهم في حقهم وقام معه بنو أميّة «أبيه» يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع ؟ ولو لم يكن منهم جور إلا في حقه لكفى في بطلان خلافتهم إذ الجائر لا يكون إماما لقوله تعالى : «قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ» [الفرقان: 15].
وأما ثانياً : فلمنع صلاحية الأولين عنده (علیه السَّلام) للرئاسة، وكيف يتوهم ذلك مع تصريحه في الخطبة الشقشقية وغيرها ممّا مرت ويأتي بعد ذلك ببطلان خلافتهم واغتصابهم حقه فضلاً عما حققنا سابقاً في غير موضع فساد خلافتهم وبطلان دعواهم لها.
فإن قلت : فلم أمسك عنهم ونهض إلى معاوية وأصحاب الجمل؟
قلت : قد بيّنا جواب ذلك فيما سبق وقلنا إن إمساكه النكير على الأولين لعدم وجود ناصر ومعين له يومئذ ينصره ويحمي له فأمسك عنهم تقيّة وحقناً لدمه بخلاف يوم الجمل وصفين كما مر تفصيلاً في تنبيهات كلامه السابع والثلاثين وبالجملة لا ريب في بطلان خلافة الجميع وكون الكل جائراً ظالماً في حقه وفي حق المسلمين، غاية الأمر أن معاوية وأصحاب الجمل هتكوا حرمة الإسلام بالمرة وأعلنوا بعداوته وشهروا سيوفهم عليه، والأولين لم يبلغوا هذه المثابة.
وبهذا كله ظهر فساد ما توهّمه أخيراً ونسبه إليه من عدم ذهابه إلى بطلان خلافة عثمان أصلاً ورأساً وإنّما كان يذهب إلى أنها متضمنة للجور عليه خاصة، فافهم جيداً.
از جمله کلام آن امام همام است که فرموده در زمانی که عزم کردند اهل شوری به بیعت عثمان:
به تحقیق، هر آینه دانسته اید که آن که به درستی من سزاوارترم به خلافت از غير من و قسم به ذات خداوند که هر آینه تسلیم می کنم مادامی که سلامت باشد کارهای مسلمانان و نباشد در خلافت دیگران ستمی مگر بر من تنها از جهت خواهش نمودن ثواب آن را از فضل خداوند تبارک و تعالی و از جهت اعراض نمودن در آن چه شما رغبت نمودید در آن از طلای آن و زینت و آرایش آن.
«أَوَلَمْ يَنْهَ أُمَيَّةَ عِلْمُهَا بي عَنْ قَرْفي؟ أَوَما وَزَعَ الْجُهّال سابِقَتي عَنْ تُهمتي؟ وَلَما وعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِساني أَنَا حَججيجُ الْمارِقِينَ، وخَصيمُ الْمُرتابين، وعَلَى كِتابِ اللهِ تُعْرَضُ الأَمْثالُ، وبما في الصُّدُورِ تُجازَى الْعِباد» (1).
قوله (أولم ينه أمية) في بعض النسخ بني أمية وكلاهما صحيحان، والمراد القبيلة يقال كليب وبنو كليب ويراد بهما القبيلة قال الشاعر :
أشارت كليب بالأكف الأصابع
وقال آخر :
أبنی كليب إن عمى اللذا
و (قرف) فلاناً من باب ضرب اتهمه وعابه و (وزعه) عنه صرفه وكفه و(السابقة) الفضيلة والتقدم و(الحجيج) المحاج من حج فلان فلاناً إذا غلبه بالحجة و(المارق) الخارج من الدين و (الخصيم) المخاصم.
(الهمزة) في قوله (أولم ينه) (وأو ما وزع) استفهام على سبيل الإنكار التوبيخي نحو قوله تعالى :
«أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، «أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ» [الصافات : 86].
(والواو) في قوله (ولما وعظهم) يحتمل القسم والاستئناف والحال.
اعلم أن هذا الكلام له وارد في توبيخ بني أمية والطعن عليهم، فإنه (علیه السَّلام) لما بلغه
1) بحار الأنوار: 500/31 ح 2.
اتهامهم له بالمشاركة في دم عثمان وبخهم بقوله (أولم ينه أمية علمها بي عن قرفي) قال الشارح المعتزلي : يقول (علیه السَّلام) أما كان في علم بني أمية بحالي ما ينهيها عن قرفي واتهامي بدم عثمان، وحاله التي أشار إليها وذكر أنّ علمهم بها يقتضي أن لا يقرفوه بذلك هي منزلته في الدين التي لا منزلة أعلى منها وما نطق به الكتاب الصادق من طهارته وطهارة بنيه وزوجته في قوله :
«إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» [الأحزاب: 33].
وقول النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وذلك يقتضي عصمته عن الدّم الحرام كما أن هارون معصوم عن مثل ذلك ثم أكد ذلك بقوله «أو ما وزع الجهال» وردعهم (سابقتي) في الإسلام (عن تهمتي) ثم اعتذر (علیه السَّلام) لنفسه في عدم تأثير موعظته فيهم بقوله (ولما وعظهم الله به) في كتابه (أبلغ من لساني) وقولي.
يعني أن كلام الله سبحانه مع كونه أبلغ الموعظة وأكمل في الردع والتحذير لا یوجب وزعمهم وردعهم عن القول والاعتقاد بما لا يجوز ولا يؤثر فيهم، فكيف بكلام وهذا الكلام نظیر قوله في الخطبة الرابعة: وقر سمع لم يفقه الواعية وكيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة، والمراد بما وعظهم الله به الآيات الناهية عن الظنّ والرادعة عن الغيبة والمحذرة من إيذاء المؤمنين مثل قوله تعالى :
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ» [الحجرات : 12] وقوله: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)» [الأحزاب: 58].
إلى غير ذلك وهو كثير في القرآن ثم قال (أنا حجيج المارقين وخصيم المرتابين) أي مغالب الخارجين عن الدين بإظهار الحجة عليهم في الدنيا والآخرة ومخاصم الشاكين في الدين أو في كلّ حق في خصوص الإمامة من بني أمية وغيرهم.
روى في «غاية المرام» عن الشيخ في «أماليه» بإسناده عن قيس بن سعد بن عبادة قال : سمعت عليّ بن أبي طالب يقول : أنا أوّل من يجثو بين يدي الله عزّ وجل للخصومة (1).
أقول : وإلى تلك المخاصمة أشيرت في قوله تعالى :
«هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ» [الحج: 19-21].
روى في غاية المرام عن ابن بابويه مسنداً عن النصر بن مالك قال : قلت للحسين بن
1) بحار الأنوار : 578/29 ح 3.
علي بن أبي طالب (عَلَيهِمَا السَّلَامُ): يا أبا عبد الله حدثني عن قول الله عز وجلّ :
«هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» [الحج: 19].
قال: نحن وبنو أمية اختصمنا في الله عزّ وجلّ قلنا صدق الله وقالوا كذب الله فنحن وإياهم الخصمان يوم القيامة.
ومن «كشف الغمة» عن مسلم والبخاري في حديث في قوله تعالى:
«هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا» [الحج : 19].
نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث الذين بارزوا المشركين يوم بدر عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة (1).
ومن تفسير علي بن إبراهيم في معنى الآية قال : قال يعني الصادق (علیه السَّلام) نحن وبنو أمية نحن قلنا صدق الله ورسوله وقالت بنو أمية كذب الله ورسوله :
«فَالَّذِينَ كَفَرُوا» [ الحج : 20] يعني بني أُمَيَّة «قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ»[الحج : 20] إلى قوله : «حَدِيدٌ» [الحج : 20].
قال قال (علیه السَّلام): يغشاهم من النار بما يثوب للإنسان فتسترخي شفته حتى يبلغ سرته وتتعلق شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، ولهم مقامع من حديد، قال: قال الأعمدة التي يضربون بها (2).
ومن «تفسير الثعلبي» في تفسير قوله تعالى :
«ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)» [الزمر: 31].
قال : روی خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نقول ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد فما هذه الخصومة، فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض هذا بالسيوف قلنا : نعم هو هذا (3).
ثم قال (علیه السَّلام) (وعلى كتاب الله تعرض الأمثال) يريد نحو قوله تعالى :
«هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا» [الحج: 19] الآية. وقوله تعالى: «أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ» [ ص: 28].
روى في «غاية المرام» من طريق العامة عن ابن عبّاس في قوله :
«أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» [ص: 28] قال علي وحمزة وعبيدة
«كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ» [ص: 28] عتبة وشيبة والوليد بن عتبة «أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ» [ ص: 28].
هؤلاء علي وأصحابه «كَالْفُجّارِ» عتبة وأصحابه، وقوله : «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ» [الجاثية : 21].
قال ابن عبّاس فالذین آمنوا بنو هاشم وبنو عبد المطلب، والذين اجترحوا السيئات بنو عبد شمس، وقال بعضهم : لما كان في أقواله وأفعاله ما يشبه الأمر بالقتل أو فعله فأوقع في نفوس الجهال شبهة القتل نحو ما روي عنه (علیه السَّلام) الله قتله وأنا معه وكتخلفه عن الخروج يوم قتل عثمان حسبما تقدّم في شرح كلامه التاسع والعشرين فقال (علیه السَّلام): ينبغي أن يعرض ذلك على كتاب الله فإن دلّ على كون شيء من ذلك قتلاً فيحكم به وإلا فلا ولن يدل عليه أبداً (1).
قال المحدّث العلامة المجلسي : ويحتمل أن يراد بالأمثال الحجج أو الأحاديث كما ذكر في «القاموس» أي ما احتج به في مخاصمة المارقين والمرتابين وما يحتجون به في مخاصمتي ينبغي عرضها على كتاب الله حتى يظهر صحتهما وفسادهما، أو ما يسندون إلي في أمر عثمان وما يروى في أمري وأمر عثمان يعرض على كتاب الله (وبما في الصدور تجازى العباد) أي بالنيات والعقائد أو بما يعلمه الله من مكنون الضمائر لا على وفق ما يظهره المتخاصمون عند الاحتجاج يجازي الله العباد.
1) بحار الأنوار: 502/31.
از جمله کلام آن عالی مقام است در حینی که رسید به او متهم کردن بنی امیه او را به شريک شدن او در خون عثمان عليه اللعنة و النيران :
آیا نهی نکرد بنی امیه را علم ایشان به حالت من از متهم داشتن من؟ آیا منع و ردع نکرد جاهلان را سابقه فضیلت من از اتهام من؟ و هر آینه آن چه که موعظه فرموده است خداوند ایشان را به او ابلغ است از کلام من، من احتجاج کننده ام با کسانی که از دین خارجند و خصومت کننده ام با اشخاصی که در دین شک دارند بر کتاب خدا عرض و تطبیق شود شبهه ها و مثل ها و به آن چه در سینه ها است از اعتقادهای نیک و بد جزا داده می شوند بندگان در این جهان و آن جهان.
«رحِمَ اللهُ عَبْداً «امْرَءً» سَمِعَ حُكماً فوَعَى، ودُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَى، وأَخَذَ بحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَي، راقَبَ رَبَّهُ، وخافَ ذَنْبَهُ، قَدَّمَ خالِصاً، وعَمِلَ صَالِحاً، اكْتَسَبَ مَذْخوراً، وَاجْتَنَبَ مَحْذُوراً، رَمَى غَرَضاً، وأَحْرَزَ عِوَضاً، كابَرَ هَواهُ، وكَذَّبَ مُناهُ، جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجاتِهِ، والتَّقْوى عُدَّةِ وفاتِهِ، رَكبَ الطَّريقَةَ الْغَرّاءَ، ولَزمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضاءَ، اغْتَتَمَ الْمَهَلَ وبادَرَ الأَجَلَ، وتَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ» (1).
(وعيت) الحديث حفظته قال تعالى: «وتعيها أذن واعية» و (الحجزة) بالضم معقد الإزار و (رقبته) ارقبه من باب قتل حفظته وأنا رقيب وراقبت الله خفت عذابه و (اكتسب) بمعنى كسب و(الغرض) ما يرمي بالسهام وفي بعض النسخ عرضاً بالعين المهملة وهو متاع الدنيا و(كابرته) مكابرة غالبته وعاندته، وفي بعض النسخ كاثر (بالثاء) المثلثة وهو بمعنى غالب أيضاً، يقال: كاثرناهم فكثرناهم أي غلبناهم بالكثرة و (المطية) المركب و (الغراء) و(البيضاء) بمعنى و (المحجة) بالفتح معظم الطريق و (المهل) بالفتح فالسكون وبفتحتين أيضاً اسم من المهلة أو مصدر.
جملة (سمع) وما بعدها منصوب المحل على الوصفية وقوله : (راقب ربه)، (وقدّم خالصاً)، وما بعدهما من الأفعال بحذف العواطف فيها نوع من الفصاحة كثير في استعمالهم قال سبحانه:
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ» [الغاشية: 8-13].
(وربه وذنبه) مفعولان بالواسطة ونسبة الخوف إلى الذنب مجاز لأنه إنّما هو من الله سبحانه إلاّ
1) الكافي: 172/8، وتحف العقول: 208.
أنّه لمّا كان سببه الذنب نسب إليه وحقيقة الكلام خاف من الله لأجل ذنبه.
اعلم أنه (علیه السَّلام) ترحم في كلامه ذلك على عبد اتّصف بما ذكر فيه من الأوصاف وفيه حث وترغيب على ملازمة تلك الصفات والاتصاف بهذه الأوصاف وهي على ما ذكره (علیه السَّلام) عشرون.
الأَوّل: ما أشار إليه بقوله (رحم الله عبداً سمع حكماً فوعى) أراد بالحكم الحكمة الأعم من العلمية والعملية كما في قوله تعالى : «وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» [مريم : 12].
الثاني: قوله ودعى إلى رشاد فدنی) أي رشد وهداية فدنى من الداعي وقرب من المرشد والهادي.
الثالث : قوله (وأخذ بحجزة هاد فنجي) أي اعتصم به والتجأ إليه واستهدى به فهداه من الضلالة وانقذه من الجهالة فاهتدى ونجى من الهلكة وأمن من العقوبة والهادي في كلامه وإن كان مطلقاً إلا أنّ الأظهر عندي أنّ المراد به الأئمة الذين يهدون بالحق وبه يعدلون فيكون المراد بالأخذ بحجزتهم المتمسكين بحبل الولاية والمقتبسين من أنوارها، ويدلّ على ما استظهرته ما ورد في تفسير قوله تعالى «إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» [الرعد: 7]، بطرق كثيرة أنّ الهادي هو أمير المؤمنين وولده المعصومون سلام الله عليهم أجميعن.
فمنها ما في «غاية المرام» من تفسير العياشي عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قال أمير المؤمنين : فينا نزلت هذه الآية :
«إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» [الرعد: 7].
فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : أنا المنذر وأنت الهادي يا علي فمنّا الهادي والنجاة والسعادة إلى يوم القيامة.
ومنه أيضاً عن بريد، عن معاوية عن أبي جعفر (علیه السَّلام).
«إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» [الرعد: 7].
فقال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): أنا المنذر وفي كل زمان إمام منا يهديهم إلى ما جاء به نبي الله والهداة من بعده علي ثم الأوصياء من بعده واحد بعد واحد، والله ما ذهبت منا وما زالت فينا إلى الساعة، رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) المنذر وبعلي يهتدي المهتدون (1).
1) بحار الأنوار : 404/35 ح 23.
والأخبار فى هذا المعنى كثيرة بالغة حدّ الاستفاضة يطول الكتاب بذكرها وقد روى في «غاية المرام» ثلاثين رواية من طريق العامة والخاصة في ذلك من أراد الإطلاع فليراجع إليه.
الرابع: قوله (راقب ربّه) والمراقبة إحدى ثمرات الإيمان وهي على ما قيل رتبة عظيمة من رتب السالكين، وحقيقتها أنها حالة للنفس يثمرها نوع خاص من المعرفة ولها تأثير خاص في القلب والجوارح أما الحالة فهي مراعاة القلب للرّقيب واشتغاله به، وأما العلم المثمر لها فهو العلم بأن الله تعالى مطلع على الضمائر والسرائر قائم على كلّ نفس بما كسبت كما قال تعالى :
«إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا» [النساء : 1].
فهذه المعرفة إذا استولت على القلب ولم يبق فيها شبهة فلا بد أن تجذبه إلى مراعاة الرقيب، والموقنون بهذه المعرفة طائفتان.
إحداها: الصديقون ومراقبتهم التعظيم والإجلال واستغراق قلبهم بملاحظة ذلك الجلال والانكسار تحت الهيبة والعظمة بحيث لا يبقى فيه مجال للالتفات إلى الغير أصلاً، وجوارحهم معطلة عن الالتفات والتلفت إلى المباحات فضلاً عن المحظورات وإذا تحركت بالطاعة كانت كالمستعمل لها فلا تصلح لغيرها ولا يحتاج إلى تدبير في ضبطها على سنن السداد، ومن نال هذه المرتبة فقد يغفل عن الخلق حتى لا يبصرهم ولا يسمع أقوالهم.
والطائفة الثانية الورعين من أصحاب اليمين وهم قوم غلب بعض اطلاعات الله على قلوبهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال، بل بقيت قلوبهم على الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأقوال والأعمال إلا أنها مع مدارستها للعمل لا تخلو عن المراقبة فقد غلب الحياء من الله على قلوبهم فلا يقدمون ولا يجحمون (1)إلا عن تثبت فيمتنعون عن كل أمر فاضح يوم القيامة إذ يرون الله مشاهداً لأعمالهم في الدنيا كما يرونه مشاهداً في القيامة.
ولا بد لأهل هذه الدرجة من المراقبة في جميع حر كاته وسكناته ويلزم عليه أن يرصد كلّ خاطر يسنح له، فإن كان إلهيّاً يعجل مقتضاه، وإن كان شيطانياً يبادر إلى قمعه، وإن شك فيه توقف إلى أن يظهر له بنور الحق من أي جانب هو
روى في «الوسائل» عن محمد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم مسنداً عن داوود الرقي عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) في قول الله عزّ وجل:
«وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)» [الرحمان: 46].
1) في نسخة: يحجمون.
قال : من علم أنّ الله يراه أو يسمع ما يقول ويعلم ما يفعله من خير أو شرّ فيحجزه ذلك عن القبح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.
الخامس : قوله (وخاف ذنبه) والخوف توقع حلول مكروه أو فوات محبوب وإذا علق بالذوات كما تقول خفت الله وخفت زيداً فمعناه توقع مكروه أو حرمان يقع من جهته وإلا فالذوات لا يتعلق بها خوف فمعنى الخوف من الذنب الخوف ممّا يكون الذنب سبباً له من العقوبة الدنيوية أو الأخروية أو نقصان الدرجة وانحطاط الرتبة وحرمان الجنة.
قال بعض العلماء: خوف الخائفين من الله قد يكون لأمور مكروهة لذاتها وقد يكون لأمور مكروهة لأدائها إلى ما هو مكروه لذاته.
أمّا القسم الأوّل فمثل أن يتمثل في نفوسهم ما هو المكروه لذاته كسكرات الموت وشدّته أو سؤال القبر أو عذابه أو هول الموقف بين يدي الله تعالى والحياء من كشف السّر والسؤال عن كلّ صغيرة وكبيرة، أو الخوف عن المرور على الصراط مع حدته أو من النّار وأهوالها وأغلالها أو من حرمان الجنّة أو من نقصان الدرجات فيها أو خوف الحجاب من الله، وكلّ هذه الأسباب مكروهة في أنفسها وتختلف أحوال السالكين إلى الله فيها وأعلاها رتبة خوف الفراق والحجاب عن الله وهو خوف العارفين وما قبل ذلك فهو خوف العابدين والصلحاء والزاهدين.
وأما القسم الثاني فأقسام كثيرة كخوف الموت قبل التوبة أو خوف نقص التوبة أو خوف الانحراف عن القصد في عبادة الله أو خوف استيلاء القوى الشهوانية بحسب مجرى العادة في استعمال الشهوات المألوفة أو خوف تبعات النفس عنده أو خوف سوء الخاتمة أو خوف سبق الشقاوة في علم الله، وكل هذه ونحوها مخاوف عباد الله الصالحين وأغلبها على قلوب المتفقين خوف الخاتمة فإنّ الأمر فيه خطير.
قال بعض أولي الألباب : إذا أسكن الخوف القلب أحرق الشهوة وأطرد عنه الغفلة.
السادس : قوله (قدم خالصاً) قال الصادق (علیه السَّلام): العمل الخالص الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحد إلا الله (1)وهذا هو معنى الإخلاص قال تعالى :
«وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» [البنية : 5].
وللقوم في تعريف الإخلاص عبارات فقيل : هو تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين حتى عن ملاحظة النفس فلا يشهد غير الله، وقد مر تفصيل ذلك في شرح الخطبة الأولى عند
1) الكافي : 69/2 ح 8 وعدة الداعي : 138.
قوله (علیه السَّلام) وكمال توحيده الإخلاص له، وقيل هو تنزيه العمل عن ان يكون لغير الله فيه نصيب وقيل : هو إخراج الخلق عن معاملة الحق، وقيل : هو ستر العمل من الخلائق وتصفيته من العلائق، وقيل: إنّه لا يريد عامله عليه عوضاً في الدارين وهذه درجة رفيعة وإليها أشار أمير المؤمنين وسيد الموحدين بقوله : ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك (1).
السابع : قوله (وعمل صالحاً) والعمل ما صدر عن الحيوان بقصده قلبياً أو قالبياً فهو أخص من الفعل، والمراد بالعمل الصالح إتيان المأمور به كما أمر به ويقابله العمل الفاسد قال تعالى:
«فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» [الكهف : 110].
وقال في سورة الفاطر: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»[فاطر: 10].
قال الصادق (علیه السَّلام): الكلم الطيب قول المؤمن لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله وخليفة رسول الله (2)قال (علیه السَّلام): والعمل الصالح الاعتقاد بالقلب أن هذا هو الحق من عند الله لا شكّ فيه من ربّ العالمين.
أقول : ولعل مقصوده (علیه السَّلام) أن العمل الصالح الموجب لرفع الكلم الطيب بالمعنى الذي ذكره هو الاعتقاد الذي نبه عليه، لما قد علمت أن متعلق العمل أعم من الاعتقاد.
الثامن: قوله (اكتسب مذخوراً) أي ذخيرة مرجوة ليوم فاقته وزاداً معداً لوقت حاجته وخير الزاد هو التقوى كما أفصح به الكتاب المبين وصرّح به أخبار سيد المرسلين.
التاسع: قوله (واجتنب محذوراً) أي تجنّب ممّا يلزم الحذر منه ويجب الاحتراز عنه وهو مخالفة الأوامر الشرعية ومنابذة التكاليف الإلزامية قال سبحانه :
«فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
أوجب الحذر لمخالفي أمره من إصابة الفتنة وهي العقوبة الدنيوية وإصابة العذاب الأليم وهي العقوبة الأخروية.
العاشر: قوله (رمى غرضاً) أي رمى بسهام أعماله الصالحة الباطنة والظاهرة فأصاب الغرض غير خاطيء فأدرك مناه وحاز ما تمناه، وعلى رواية عرضاً بالمهملة فالمعنى أنه رمی عرض الدنيا وحذف متاعها ورفض حطامها وأخرج حبّها من قلبه علماً منه بسرعة زوالها وفنائها.
الحادي عشر : قوله : (واحرز عوضاً) أي احرز مناع الآخرة الباقية الذي هو عوض من متاع الدنيا الفانية، وادّخر ما يفاض عليه من الحسنات وأعد ما يثاب عليه من الصالحات.
«وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا» [الكهف: 46].
الثاني عشر : قوله (كابر هواه) أي غالب هواه بوفور عقله ويجاهد نفسه الأمارة ويطوّعها لقوّته العاقلة، قوله تعالى :
«وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى 40 فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى» [النازعات: 40 – 41].
أي : نهى نفسه عن المحارم التي تهويها وتشتهيها فإن الجنة مستقره ومأواه.
روى في «الوسائل» عن الصدوق بإسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في حديث المناهي قال من عرضت له فاحشة أو شهوة فاجتنبها مخافة الله عزّ وجلّ حرّم الله عليه النار وآمنه من الفزع الأكبر وأنجز له ما وعده في كتابه:
«وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)» [الرحمان: 46].
ألا ومن عرضت له دنيا وآخرة فاختار الدنيا على الآخرة لقى الله عزّ وجلّ يوم القيامة وليست له حسنة يتقي بها النار، ومن اختار الآخرة وترك الدنيا رضي الله عنه وغفر له مساويء عمله (1).
وعن عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (علیه السَّلام) فقلت الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ فقال : قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: إن الله ركب في الملائكة عقلاً بلا شهوة وركب في البهائم شهوة بلا عقل وركب في بني آدم كليتهما من غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ومن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم (2).
وعن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد لم يره (3).
الثالث عشر : قوله (وكذب مناه) أي قابل ما يلقيه إليه الشيطان من الأماني الباطلة بالتكذيب، قال تعالى:
«وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» «وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا» [النساء: 119-121].
قال في «مجمع البيان» في تفسير قوله (ولأمنينهم) يعني أمنيهم طول البقاء في الدنيا فيؤثرون بذلك الدنيا ونعيمها على الآخرة، وقيل معناه أقول لهم ليس وراءكم بعث ولا نشر ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فافعلوا ما شئتم عن الكلبي، وقيل: أمنينهم بالأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية وازين لهم شهوات الدنيا وزهراتها أدعو كلاً منهم إلى نوع ميل طبعه إليه فأصده بذلك عن الطاعة وألقيه في المعصية.
الرابع عشر : قوله (جعل الصبر مطبة نجاته) والصبر قوّة ثابتة وملكة راسخة بها يقتدر على حسب النفس ومنعه عن قبائح اللذات ومنى الشهوات وعلى حمله على مشاق العبادات والتكليفات وعلى التحمل على المصائب والآفات والدواهي والبليات وبها تحصل النجاة والخلاص من غضب الجبار وعذاب النار، ولذلك جعلها مطية يتمكن بها من الهرب والفرار عن العدوّ في مقام الحاجة والاضطرار والآيات القرآنية والأخبار المعصومية في مدحها وفضلها والحثّ عليها أكثر من أن تحصى ولعلنا نشبع الكلام في تحقيقها وبيان أقسامها في شرح الخطبة المائة والثانية والسبعين ونقتصر هنا على بعض ما ورد فيها على ما اقتضاه المقام.
فأقول في «الوسائل» من «الكافي» بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : إذا كان يوم القيامة فيقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنة فيقال من أنتم فيقولون نحن أهل الصبر، فيقال لهم على ما صبرتم؟ فيقولون : كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصي الله فيقول الله عزّ وجل : صدقوا ادخلوهم الجنة (1)وهو قول الله عزّ وجل:
«يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ» [الزمر: 10].
وعن عمرو بن شمر اليماني يرفع الحديث إلى علي (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : الصبر ثلاثة : صبر عند المصيبة وصبر عند الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بین الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين
1) الكافي: 108/2، وكتاب التمحيص: 46 ح 66.
الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش (1).
وعن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : اصبروا على الدنيا فإنما هي ساعة فما مضى منه لا تجد له ألماً ولا سروراً، وما لم يجيء فلا ندري ما هو وإنما هي ساعتك التي أنت فيها فاصبر فيها على طاعة الله واصبر فيها عن معصية الله (2).
الخامس عشر : (والتقوى عدة وفاته) قد مر معنى التقوى وبعض ما ورد فيها في شرح الخطبة الثالثة والعشرين وأقول هنا إنّ العدّة لما كانت عبارة عمّا أعدها الإنسان وهيئها الحوادث دهره و ملمات زمانه وكان الموت أعظم الحوادث وبالتقوى يحصل الوقاية من سكراته وغمراته وبه يتقي من شدائد البرزخ وكرباته ويستراح من طول الموقف ومخاوفه لا جرم جعلها عدة للوفات ووقاية تحصل بها النجاة واستعار عنها الكتاب المجيد بالزاد فقال :
«وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» [البقرة: 197].
بملاحظة أنّ الزاد لمّا كان هو الطعام الذي يتخذ للسفر لتتقوى به الطبيعة على الحركات الحسية وكانت تقوى الله ممّا تقوى به النفس على الوصول إلى حظيرة القدس حسن الاستعارة به عنها لما بين المعنيين من كمال المشابهة وتمامها.
قال بعض العارفين: ليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا وهذا لا بد له من زاد وكذلك ذلك بل يزداد، فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم وزاد الآخرة ينجيك من عذاب مقطوع معلوم، زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور وزاد الآخرة يبلغك دار السّرور، زاد الدنيا سبب حظوظ النفس وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس.
السادس عشر : قوله (ركب الطريقة الغراء) أي سلك جادّة الشريعة الواضحة المستقيمة الموصلة لسالكها إلى الجنان ومقام القرب والرّضوان.
السابع عشر : قوله (ولزم المحجة البيضاء) قال الشارح البحراني والفرق بين ذلك والذي قبله أنّ الأوّل أمر بركوب الطريقة الغرّاء والثاني أمر بلزومها وعدم مفارقتها وأنها وإن كانت واضحة إلا أنها طويلة كثيرة المخاوف وسالكها أبداً محارب للشيطان وهو في معرض أن يستنزله عنها.
الثامن عشر : قوله (اغتنم المهل) أي أيام مهلته وهو مدة عمره وأيام حياته في دار الدنيا.
قال زين العابدين وسيد الساجدين (علیه السَّلام) في دعاء مكارم الأخلاق من الصّحيفة: اللهمّ صل على محمّد وآل محمّد ونبهني لذكرك في أوقات الغفلة واستعملني بطاعتك في أيام المهلة وانهج لي إلى محبتك سبيلاً سهلة (1).
وإنّما عبر عنها بأيام المهلة لأنّ العناية الأزلية لمّا كانت مقتضية لسوق كل ناقص إلى كماله فاقتضت العناية عدم معاجلة العباد بالعقوبة والسخط والأخذ بالذنوب والمعصية في هذه الحياة الدنيا ليرجعوا إلى التوبة ويراجعوا الإنابة فكأنه تعالى أمهلهم مدة حياتهم في الدنيا وأنظرهم طول بقائهم فيها وجعلهم في النظرة والمهلة.
التاسع عشر : قوله (بادر الأجل) أي سارع إلى أجله الموعود بصحبة عمله الصالح وهو كناية عن جعله الموت نصب عينيه وعدم غفلته عنه وترقبه له فإذا كان كذلك لا يخاف من حلول الموت ونزوله ولا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه.
العشرون قوله : (وتزود من العمل) أي تزود من أعماله الصالحة لقطع منازل الآخرة نسأل الله سبحانه أن يوفقنا للاتصاف بتلك الأوصاف الشامخة الفائقة حتى نستوجب بذلك رحمته العامة الواسعة بمحمد وعترته الطاهرة.
1) الصحيفة السجادية : 111، وميزان الحكمة : 971/2.
از جمله خطبه های شریفه آن حضرت است كه می فرماید:
خداوند رحمت كند بنده ای را كه بشنود حكمت را پس گوش گیرد و حفظ نماید و خوانده شود به سوی رشد و صلاح پس اجابت كند و نزديك آيد و بگیرد كمرگاه هدایت كننده را و معتصم او بشود پس نجات یابد مراقب باشد پروردگار خود را و بترسد از گناه خود پیش فرستد كردار پاكیزه و عمل كند عمل شایسته، كسب نماید چیزی را كه ذخیره می شود از برای آخرت و اجتناب نماید از چیزی كه باعث حذر است و ندامت.
بیندازد با تیر اعمال حسنه به سوی غرض و نشانه و جمع كند متاع دار جاودانی را به عوض متاع دنیای فانی، غلبه نماید به هوا و هوس و شهوات نفسانیه و تكذیب نماید آمال و امانی باطله شیطانیه، بگرداند صبر و شكیبایی را مركب نجات خویش و تقوی و پرهیزكاری را توشه وفات خود، سوار بشود بر طريقه روشن شریعت و لازم شود بر جاده آشكار ملت، غنیمت شمارد ایام مهلت حیات را و مبادرت نماید به نیكوكاری قبل از ممات و توشه بگیرد از اعمال صالحه به جهت سفر آخرت.
«إِنَّ بَني أُمَيَّةَ لَيُفَوْقُونَني تُراثَ مُحَمَّدٍ (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) تَفْويقاً، وَاللَّهِ لَئِنْ بَقيتُ لَهُمْ لأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللحامِ الْوِاذمَ التَّربَةَ» (1).
قال السيد: ويروي (التراب الوذمة) وهو على القلب، قوله (علیه السَّلام): (ليفوقونني) أي يعطونني من المال قليلاً قليلاً كفواق الناقة وهي الحلبة الواحدة من لبنها، والوذام جمع وذمة وهي الحزّة من الكرش والكبد يقع في التراب فتنفض.
(التراث) بضم (التاء) الإرث (والتاء) والهمزة فيهما بدل من (الواو)، و(نفضه) نفضاً من باب قتل حرّكه ليزول عنه الغبار ونحوه فانتفض أي تحرك لذلك ونفضت الورق من الشجر نفضاً أسقطته والنفض بفتحتين ما تساقط فعل بمعنى مفعول و(اللحام) القصاب و (الوذام) ككتاب جمع وذمة محرّكة و(ترب) الشيء يترب من باب تعب لصق بالتراب وفي «القاموس» التّراب بالكسر أصل ذراع الشاة ومنه التراب الوذمة أو هي جمع ترب مخفف ترب والصواب الوذام التربة، انتهى.
و«الحزة» بالضم القطعة من اللحم ونحوه تقطع طولاً والجمع حزز كغرفة وغرف و «الكرش» لذي الخف والظلف كالمعدة للإنسان.
إضافة (تراث) إلى (محمد) من قبيل الحذف والإيصال أي يفوقونني تراثي من محمد (والتربة) صفة للوذام.
قوله (أنّ بني أمية ليفوقونني تراث محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) تفويقاً) أي يعطونني إرثي من رسول الله وهو الفيء الحاصل ببركته صلوات الله عليه وآله قليلاً قليلاً، استعار لفظ التفريق عن إعطائهم المال قليلاً بمشابهة القلة وكونه في دفعات كما يدفع الفصيل ضرع أمه لتدر ثم يدفع عنها
1) مستدرك سفينة البحار : 274/10.
لتحلب ثم يعاد إليها لتدر وهكذا، ثم قال (والله لئن بقيت) وصرت أميراً (لهم لأنفضتهم نقض اللحام الوذام التربة).
قيل الظاهر أنّ المراد من نقضهم منعهم من غصب الأموال وأخذ ما في أيديهم من الأموال المغصوبة ودفع بغيهم وظلمهم ومجازاتهم بسيئات أعمالهم.
وقال الشارح البحراني : أقسم لان بقي لبني امية ليحرمنهم التقدم في الأمور، واستعار لفظ النفض لإبعادهم عن ذلك وشبه نفضه لهم بنفض القصاب القطعة من الكبد أو الكرش من التراب إذا أصابته.
أقول : والأظهر عندي أنه شبههم بالوذام التربة من حيث إنّ الوذمة إذا وقعت في التراب وتلطخت به يتنفر عنها الطباع ولا يرغب إليها النّاس فينفضها القصاب أي يسقطها ويعزلها عن سائر لحماته لمكان ذلك التنفر فيقول : إني لو بقيت لهم لأسقطهم عن درجة الاعتبار واعزلهم عن الإمارة والمداخلة لأمور المسلمين بحيث لا يرغب إليهم أحد ويتنفر الناس عنهم ويكونون حقيرين عندهم كما لا يرغبون إلى الوذام لحقارتها والله العالم بحقائق كلام وليه، هذا.
وقد روى (علیه السَّلام) عنه هذا الكلام في رواية أخرى بزيادة ونقصان وتفاوت لما هنا وهي ما رواها أبو الفرج في كتاب الأغاني بإسناد رفعه إلى الحرب بن جيش قال :
بعثني سعيد بن العاص وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل عثمان بهدايا إلى المدينة وبعث معي هدية إلى علي (علیه السَّلام) وكتب إليه إني لم أبعث إلى أحد ممّا بعثت به إليك إلا إلى أمير المؤمنين فلما أتيت عليّاً وقرأ كتابه قال (لشدّ ما يخطر علي بنو أمية تراث محمد أما والله لأن وليتها لأنفضتها نفض القصاب التراب الوذمة).
قال أبو الفرج هذا خطأ إنّما هو الوذام التربة قال : وقد حدثني بذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن أبي يزيد عمر بن شيبة بإسناد ذكره في الكتاب أن سعيد بن العاص حيث كان أمير الكوفة بعث مع ابن أبي العائشة مولاه إلى علي بن أبي طالب بصلة فقال علي : والله لا يزال غلام من غلمان بني أمية يبعث إلينا مما أفاء الله على رسوله بمثل قوت الأرملة، والله لئن بقيت لهم لأنفضنّها نفض القصاب الوذام التربة (1).
1) السقيفة وفدك : 77، وبحار الأنوار: 471/21.
فأقول : في «البحار» من كامل البهائي أن أمية كان غلاماً رومياً لعبد الشمس فلما ألقاه كيساً فطناً أعتقه وتبناه فقيل : أمية بن عبد الشمس كما كانوا يقولون قبل نزول الآية: زيد بن محمد، ولذا روى عن الصادقين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) في قوله تعالى : «الم 1 غُلِبَتِ الرُّومُ 2» [الروم: 1 - 2]، أنّهم بنو أمية ومن هنا يظهر نسب عثمان ومعاوية وحسبهما وأنّهما لا يصلحان للخلافة لقوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، الأئمة من قريش.
وقال مؤلف كتاب «إلزام النواصب» : أميّة لم يكن من صلب عبد شمس وإنّما هو من الروم فاستلحقه عبد شمس فنسب إليه فبنو أمية كلهم ليس من صميم قريش وإنّما هم يلحقون بهم ويصدق ذلك قول أمير المؤمنين (علیه السَّلام): إن بني أمية لصاق وليسوا صحيحي النسب إلى عبد مناف ولم يستطع معاوية إنكار ذلك (1).
في ذكر بعض ما ورد من الآيات والأخبار في لعن بني أمية وكفرهم والحادهم.
فأقول : في «الكافي» عن الصادق (علیه السَّلام): رأى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في منامه أن بني أمية يصعدون على منبره ويضلون الناس عن الصراط القهقري، فأصبح كثيئباً حزيناً، قال (علیه السَّلام) فهبط عليه جبرئيل فقال : يا رسول الله ما لي أراك كثيباً حزيناً؟ قال: يا جبرئيل إني رأيت رجالاً في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقرى، فقال: والذي بعثك بالحق نبياً إني ما اطلعت عليه فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل بآي من القرآن يؤنسه بها قال :
«أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ» [الشعراء: 205 -207] وأنزل عليه : «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)» [القدر: 1-3].
جعل الله ليلة القدر لنبيه خيراً من ألف شهر ملك بني أمية.
وفي مفتتح الصحيفة الكاملة السجادية على صاحبها ألف سلام وتحية عن الصادق (علیه السَّلام) قال : إنّ أبي حدثني عن أبيه عن جده أنّ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أخذته نعسة وهو على منبره فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة يردّون النّاس على أعقابهم القهقري، فاستوى
1) بحار الأنوار: 544/31.
رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) جالساً والحزن يعرف في وجهه فأتاه جبرئيل بهذه الآية :
وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا» [الإسراء: 60].
يعني بني أمية قال : يا جبرئيل أعلى عهدي يكونون وفي زمني؟ قال: لا ولكن تدور رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشراً، ثمّ تدور رحى الإسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمساً، ثم لا بد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها، ثم ملك الفراعنة وأنزل الله في ذلك.
«إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)» [القدر: 1-3].
يملكها بنو أمية ليس فيها ليلة القدر (1).
أقول قوله : والشَّجرة الملعونة في القرآن فيه تقديم وتأخير أي وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشّجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للنّاس، وقيل: الشجرة الملعونة بالرفع مبتدأ وحذف الخبر أي والشجرة الملعونة كذلك أي فتنة للناس وقوله : يعني بني أمية تفسير للشجرة الملعونة، وقوله: تدور رحى الإسلام من مهاجرك أي من هجرتك فتلبث بذلك عشراً أي عشر سنين هي مدة حياته ثم تدور على رأس خمس وثلاثين هي العشر المذكورة ومدة خلافة المتخلفين، وهي خمس وعشرون سنة فتلك خمس وثلاثون قوله : فنلبث بذلك خمساً مدة خلافة أمير المؤمنين، ثم لا بد من رحى ضلالة إشارة إلى ملك بني أمية، وقوله : ثم ملك الفراعنة إشارة إلى ملك بني عباس.
وفي مجمع البيان في تفسير قوله تعالى :
«وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)» [إبراهيم: 26].
قال : هي كلمة الشرك والكفر، وقيل : كل كلام في معصية الله كشجرة خبيثة غير زاكية وهي شجرة الحنظل، وقيل : إنّها شجرة هذه صفتها وهو أنه لا قرار لها في الأرض، وروى أبو الجارود عن أبي جعفر (علیه السَّلام) أن هذا مثل لبني أمية.
وفيه أيضاً، في تفسير قوله:
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ» [إبراهيم: 28 - 29].
1) الصحيفة السجادية : 15، وتفسير نور الثقلين : 22/5 ح 44.
قال : سأل رجل أمير المؤمنين عن هذه الآية فقال : هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر (1).
وفي «البحار» من تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى :
«الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)» [النساء : 139].
قال: نزلت في بني أمية حيث خالفوهم على أن لا يردّوا الأمر في بني هاشم، وفي قوله :
«وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)» [الأنعام: 27].
قال : نزلت في بني أمية ثم قال :
«بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» [الأنعام: 28].
قال : من عداوة أمير المؤمنين.
«وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» [الأنعام: 28] «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ» [الأنفال : 55].
عن أبي جعفر (علیه السَّلام) قال : نزلت في بني أمية فهم شر خلق الله هم الذين كفروا في باطن القرآن فهم لا يؤمنون (2).
وعن أبي جعفر (علیه السَّلام) أيضاً في قوله :
«وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6)» [غافر: 6] یعني بني أمیة.
ومن «كنز جامع الفوائد» و«تأويل الآيات» بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : سألته عن تفسير «الم * غُلِبَتِ الرُّومُ» [الروم: 1-2]، قال : هم بني (3)أمية وإنّما أنزلها الله «الم * غُلِبَتِ الرُّومُ» [الروم: 1-2] بنو أمية في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، عند قيام القائم (4).
أقول : كذا في النسخ غلبت الروم بنو أمية، فيحتمل أن أصل الكلام غلبت بنو أمية فزاد النساخ لفظ الرّوم كما احتمله في «البحار» أو أنه كذلك وبنو أمية بدل من الرّوم وعلى كلّ تقدير فلا بد أن يكون غلبت على ذلك بصيغة المعلوم، وقوله : سيغلبون بصيغة المجهول والتعبير عن بني أمية بالروم من حيث إنّها نسبهم إلى عبد رومي حسبما قدمنا، والله العالم.
ومن تفسير الثعلبي في قوله تعالى :
«فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)» [محمد : 22].
نزلت في بني أمية وبني هاشم.
وفي «غاية المرام» عن الكليني بإسناده عن صالح بن سعد الهمداني قال : قال أبو عبد الله (علیه السَّلام) في قول الله عزّ وجل:
«اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ» فاطمة (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) «فِيهَا مِصْبَاحٌ» الحسن «الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ» الحسين «كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» فاطمة فكوكب درّي بين نساء أهل الدنيا «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» إِبراهيم «زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ» لا يهودية ولا نصرانية «يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ» يعني يكاد العلم ينفجر «وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ» إمام منها بعد إمام «يَهْدِي اللَّهُ (لِنُورِهِ ظ) لِلأَئِمَّةِ «مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ» قلت : «أَوْ كَظُلُمَاتٍ» قال : الأَوّل وصاحبه «يَغْشَاهُ مَوْجٌ» الثالث «ظُلُمَاتٍ» الثاني «بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ» فتن بني أميَّة «إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ» [النور: 35-40] المؤمن في ظلمة فتنتهم «لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا» [النور: 41] أماناً (1)من ولد فاطمة «فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ» [النور: 40]، یوم القيامة (2).
هذا، والآيات والروايات في هذا المعنى كثيرة وفيما ذكرناه كفاية لمن اهتدى أو ألقى السمع وهو شهيد.
از جمله کلام آن حضرت است، فرمود آن را هنگامی که فرستاده بود سعید بن عاص اموی که امیر عراق بود از جانب عثمان هدیه به خدمت آن حضرت از مال غنیمت و از کمی آن اعتذار کرده بود
به درستی بنی امیه می دهند اندک اندک به من ميراث محمد بن عبد الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) را اندک اندک دادنی، به خدا قسم اگر بمانم از برای آن قوم عنود و والی امر بشوم، هر آینه ساقط می کنم ایشان را از درجه اعتبار همچو ساقط نمودن قصاب شکنبه یا جگر پاره خاک آلود را از میان سایر گوشتهای گوسفند یا این که بیفشانم ایشان را همچو افشاندن قصاب شکنبه و پاره جگر خاک آلود را و این استعاره می شود از دور کردن ایشان از امر خلافت و از باز گرفتن اموال مغصوبه از دست ایشان عليهم اللعنة و النيران.
«أَللهُمَّ اغْفِرْ لي ما أنتَ أعلم به منّي فإن عُدْتُ فعد عليّ بالمغفرة اللهم اغفر لي ما وَإِيْتُ مِنْ نفْسي وَلَمْ تَجِدْ لَهُ وَفاءً عِنْدِي، أَللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَيْكَ بِلِساني ثُمَّ خَالَفَهُ قَلبي، أَللهُمَّ اغْفِرْ لي رَمَزاتِ الألحاظِ، وسَقَطاتِ الألفاظِ، وشَهَوَاتِ الْجِنانِ، وهَفَواتِ اللِّسانِ» (1).
(غفر) الله له ذنبه غفراً وغفراناً من باب ضرب صفح عنه وستر عليه ذنبه وغطاه، وأصل الغفر السّتر يقال الصبغ أغفر للوسخ أي أستر له و (الوأي) الوعد الذي يوثقه الرجل على نفسه ويعزم على الوفاء به، ومنه وأيته وأياً وعدته و(الرمز) هو تحريك الشفتين في اللفظ من غير اثباته بصوت وقد يكون إشارة بالعين والحاجب و(اللحظ) النظر بمؤخر العين و(السقط) بالتحريك ردى المتاع والخطأ من القول والفعل و(الهفوة) الزلة.
قوله (ما وإيت) كلمة (ما) موصول اسمي بمعنى الذي و(وأيت) صلته، والعائد محذوف وقول البحراني (إنّ) ما ههنا مصدرية، لا أرى له وجهاً (ومن) في قوله من نفسي نشوية، وجملة (ولم تجد) في محلّ النّصب على الحال والباء في قوله تقربت به سببية، وفي قوله : بلساني، استعانة.
اعلم أنّ المطلوب بهذا الكلام هو غفران الله سبحانه له، ومغفرة الله للعبد عبارة عن صفحه عما يؤدي إلى الفضاحة في الدنيا والهلكة في الآخرة وستره عليه عيوباته الباطنة والظاهرة وأن يوفقه لأسباب السعادة الرادعة عن متابعة الشيطان والنفس الأمارة، وهذا كله في حق غيره (علیه السَّلام) وأما طلبه سلام الله عليه وآله للمغفرة وكذلك استغفار سائر المعصومين من الأنبياء وأئمة الدين سلام الله عليهم أجمعين فقد قدمنا تحقيقه بما لا مزيد عليه في التنبيه الثالث من تنبيهات الفصل الثالث عشر من فصول الخطبة الأولى، فليتذكر..
1) مطلوب كل طالب : 46، وشرح مائة كلمة : 213.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح ما يؤديه ظاهر كلامه (علیه السَّلام) فأقول : قوله : (اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به منّي فإن عدت فعد علي بالمغفرة) طلب للمغفرة مما هو عند الله معصية وسيئة في حقه وهو لا يعلمها فيفعلها أو يعلمها لا كعلم الله سبحانه إن كان صيغة التفضيل على معناها الأصلي وطلب لتكرار المغفرة لما يعاوده ويكرره كذلك.
فإن قلت : الطاعة والمعصية عبارة عن امتثال التكليف ومخالفته وهو فرع العلم به ومع الجهل وعدم العلم لا أمر ولا نهي ولا خطاب ولا طاعة ولا معصية ولا ثواب ولا عقاب إذ الناس في سعة ممّا لا يعلمون ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتٰيها.
قلت: الجهل بالتكليف قد يكون ناشئاً عن القصور وقد يكون ناشئاً من التقصير في تحصيل العلم فحينئذ لا يقبح المؤاخذة عليه كما لا يقبح المؤاخذة عن النسيان إن نشأ عن قلة المبالاة وعن التقصير في المقدّمات ولذلك قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، مع أن المؤاخذة عليه مرفوعة عن الأمة بحكم حديث رفع التسعة، هذا.
مع أنّ العلم بأن ما وقع عن الجهل والنسيان معفو عنه وغير مؤاخذ عليه لا يمنع من حسن طلب العفو عنه بالدعاء، فربما يدعو الداعي بما يعلم أنه حاصل قبل الدّعاء من فضل الله تعالى إمّا لاعتداد تلك النعمة وإما لاستدامتها أو لغير ذلك كقوله تعالى :
«قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ»[الأنبياء: 112] وقول إبراهيم «وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)» [الشعراء: 87].
(اللهم اغفر لي ما وإيت من نفسي ولم تجد له وفاء عندي) وهو استغفار مما وعده من نفسه وعاهد عليه الله فعلاً أو تركاً زجراً أو شكراً ثم لم يف به، وذلك لأن حنث اليمين ونقض العهد موجب للخذلان ومعقب للخسران كما صرح عليه في غير آية من القرآن قال تعالى في سورة البقرة :
«الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» [البقرة : 27].
وفي سورة بني إسرائيل : «أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ» [الإسراء : 34].
وفي سورة النحل : «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)» [النحل: 91].
قال الطبرسي في تفسير الآية الأخيرة: قال ابن عباس : الوعد من العهد، وقال المفسرون: العهد الذي يجب الوفاء به والوعد هو الذي يحسن فعله وعاهد الله ليفعلنه فإنّه يصير واجباً عليه، ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها، هذا نهي منه سبحانه عن حنث الإيمان
وهو أن ينقضها بمخالفة موجبها وارتكاب ما يخالف عقدها وقوله : بعد توكيدها أي بعد عقدها وإبرامها وتوثيقها باسم الله تعالى وقيل: بعد تشديدها وتغليظها بالعزم والعقد على اليمين بخلاف لغو اليمين.
(اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك) أي ما عملته لك (بلساني) ويدي ورجلي وبصري وسائر جوارحي ثم خالفه قلبي وجعله مشوباً بالرّيا والسمعة المنافي للقرية (اللهم اغفر لي رمزات الالحاظ) أي إشارات اللحاظ لتعييب شخص وهجائه ونحو ذلك (وسقطات الألفاظ) أي رديتها وساقطتها عن مناط الاعتبار بأن لا يكون له مبالاة في قوله وكلامه.
روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): إذا رأيتم الرّجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل له فهو شرك شيطان (وشهوات الجنان) أي مشتهيات القلوب المخالفة للشرع (1).
وروى في «الوسائل» عن الكليني بإسناده عن أبي محمد الوابشي قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السَّلام) يقول : احذروا أهواءكم كما تحذرون أعدائكم فليس بشيء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم (2).
وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كان أبو الحسن (علیه السَّلام) يقول : لا تدع النفس وهواها فإن هواها في رداها وترك النفس وما تهوى أذاها وترك النفس عما تهوى دواؤها (3)، هذا.
وفي بعض النسخ سهوات القلوب بالسين المهملة فالمراد بها غفلاتها كما في قوله سبحانه:
«فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ» [الماعون: 4-5].
أي غافلون عنها تاركين لها أو تحمل سهواتها على سهواتها الناشئة عن ترك التحفظ وقلة المبالاة فإنّها لا تقبح المؤاخذة عليها حينئذ كما أشرنا إليه آنفاً في شرح قوله اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به منّي، فإنّ السهو والنسيان متقاربان وكلاهما من الشيطان بهما يقطع العبد عن سلوك سبيل الجنان والرضوان كما قال أمير المؤمنين في رواية «الكافي» لمتان لمة من الشيطان ولمة من الملك فلمة الملك الزقة والفهم ولمة الشيطان السهو والقسوة (4)، هذا.
وذكر قوله: (وهفوات اللسان) بعد سقطات الألفاظ إما من قبيل التأكيد أو ذكر الخاص بعد العام لمزيد الاهتمام بأن يكون المراد بسقطات الألفاظ ما ليس فيها ثمرة أخروية سواء كانت حراماً ومضرة في الآخرة أو لا يكون فيها نفع ولا ضرر كالكلام اللغو، وبهفوات اللسان خصوص ما يوجب المؤآخذة فى الآخرة كالغيبة والبهت والنميمة والسعاية والاستهزاء والتهمة والسب والكذب إلى غير ذلك، فإنّ كلّ ذلك مباين لمكارم الأخلاق وحسن الشيمة مناف لمقتضى الإيمان والتقوى والمروّة ومعقب للخسران والندامة في الآخرة.
ولذلك قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : طوبى لمن أنفق فضلات ماله وأمسك فضلات لسانه.
وقال أيضاً: إن مقعد ملكيك على ثنيبك (1)لسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك ولا تستحي من الله ولا منهما (2).
وعن أمير المؤمنين (علیه السَّلام) قال : قال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): يعذب اللسان بعذاب لا يعذب به شيء من الجوارح فيقول : أي ربّ عذبتني بعذاب لا تعذب به شيئاً من الجوارح قال : فيقال له: خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها فسفك بها الدّم الحرام وأخذ بها المال الحرام وانتهك بها الفرج الحرام فوعزتي لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئاً من جوارحك (3)، رواه في «الكافي» عن أبي عبد الله (علیه السَّلام) لعن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) نحوه.
ومن غريب ما وقع لأبي يوسف وهو من أكابر علماء الأدبية وعظماء الشيعة وهو من أصحاب الجواد والهادي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنّه قال في التحذير من عثرات اللسان :
يصاب الفتى من عثرة بلسانه *** وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل
فعثرته في القول تذهب رأسه *** وعثرته في الرّجل تذهب عن مهل
فاتفق أنّ المتوكل العباسي ألزمه تأديب ولديه المعتز والمؤيد، فقال له يوماً أيما احب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين ؟ فقال : والله إن قنبر الخادم خادم علي خير منك ومن ابنيك، فقال المتوكل لعنه الله لأتراكه : سلوا لسانه من قفاه ففعلوا فمات رحمة الله عليه.
وروي عن سيد الساجدين (علیه السَّلام) قال : لسان ابن آدم يشرف كلّ يوم على جوارحه فيقول : كيف أصبحتم؟ فيقولون : بخير إن تركتنا ويقولون الله الله فينا ويناشدونه ويقولون : إنّما نثاب ونعاقب بك (4).
إلى غير هذه من الأخبار الواردة في مدح الصمت وذم التكلم ويأتي إن شاء الله جملة منها في شرح الخطبة المائة والثالثة والتسعين فاللازم على العاقل الصمت والسكوت بقدر الإمكان كي يسلم عن زلات اللسان وعثرات البيان وفضول الكلام وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
از جمله کلمات آن امام است که دعا می کرد به آنها و می گفت:
بار خدایا بیامرز از برای من آن چیزی را که تو داناتری به آن از من، پس اگر من بازگردم به سوی آن، پس بازگرد تو از برای من به آمرزیدن، خداوندا بیامرز از برای من آن چیزی را که من وعده کردم از نفس خود از برای تو و نیافتی مر اورا وفا در نزد من؛ بارخدایا بیامرز از برای من عمل هایی که تقرب جستم با آن ها به سوی تو پس مخالفت نمود آن را قلب من. بار خدایا، بیامرز از برای من اشارت های گوشه های چشم به بدی ها و بیهوده های گفتارها و شهوات قلب و لغزشات زبان را و لنعم ماقيل :
زبان بسیار سر بر باد داد است *** زبان سر را عدوی خانه زاد است
عدوى خانه خنجر تیز کرده *** تو از خصم برون پرهیز کرده
نشد خاموش کبک کوهساری *** از آن شد طعمه باز شکاری
اگر طوطی زبان می بست در کام *** نه خود را در قفس دیدی نه در دام
خموشی پرده پوش راز باشد *** نه مانند سخن غمّاز باشد
وهو مروي في غير واحد من الكتب المعتبرة باختلافات كثيرة على ما ستطلع عليها، وفي «الاحتجاج» مثل الكتاب قاله (علیه السَّلام) لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج فقال له بعض أصحابه يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم فقال :
«تَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلى السَّاعَةِ التي مَنْ سَارَ فِيْهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَتُخَوِّفُ السَّاعَةَ الَّتي مَنْ سارَ فِيْهَا حاقَ بهِ الضُّرُّ، فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهذا فَقَدْ كَذَّب القُرْآنَ وَاسْتَغْنَى عَنِ الإِسْتِعَانَةِ بِاللهِ في نَيْلِ المُحَبُوبِ ودَفْعِ الْمَكْرُوهِ، ويَنْبَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكِ أَنْ يُوَلِّيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ، لأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السّاعَةِ التي نالَ فِيهَا النَّفَعَ وَأَمِنَ الضَّرَّ، ثُم أَقْبَلَ (علیه السَّلام) عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدِي بِهِ في بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ، الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَالْكَاهِنُ كَالسّاحِرِ، وَالسّاحِرُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ» (1).
(حاق به الضرّ) أحاط قال تعالى: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، والضر بالضم وفي بعض النسخ بالفتح ضدّ النّفع أو بالفتح مصدر وبالضم اسم أو بالفتح ضد النفع وبالضم سوء الحال قال تعالى ربّ أني مسني الضر، و(يوليك) مضارع باب الأفعال أو من باب التفعيل يقال أوليته الأمر وليته إياه أي جعلته والياً له ومتسلطاً عليه و (كهن) له من باب نصر ومنع وكرم كهانة بالفتح وتكهن تكهناً قضى له بالغيب فهو كاهن والجمع كهنة وكهان وحرفته الكهانة بالكسر.
(الفاء) في قوله (فمن صدقك) فصيحة أي أنت إذا زعمت هذا فمن صدقك بهذا (ا ه)، وقوله : (وينبغي في قولك) أي على قولك (أو) بسبب قولك أو هي للظرفية المجازية، وقوله دون ربه، ظرف مستقر متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل (يولي) أي متجاوزاً ربه ودون ممّا
1) وسائل الشيعة 374/11، الاحتجاج : 357/1.
يتوسع فيه ويستعمل في كل مجاوز حد إلى حد وتخطي أمر إلى أمر، وقوله (أنت هديته) لفظ أنت إمّا تأكيد لكاف أنك أو ضمير فصل بين الاسم والخبر على حد قوله : (إنك أنت السميع العليم).
وقوله (أيها الناس) كلمة (أيّ) اسم وضع للتوصل إلى نداء ما فيه (ال) استكراهاً لاجتماع التي التعريف أعني النداء وحرف التعريف فحاولوا أن يفصلوا بينهما بشيء فطلبوا اسماً مبهماً غير دال على ماهية معينة محتاجاً بالوضع في الدّلالة عليها إلى شيء آخر يزيل عنه الابهام يقع النداء في الظاهر على ذلك الاسم المبهم وفي الحقيقة على ذلك المخصص الرافع للإبهام عنه.
فوجدوا الاسم المتصف بهذه الصفة (أيّاً) بشرط قطعه عن الإضافة واسم الإشارة حيث وضعها مبهمين مشروطاً بإزالة ابهامها بشيء أما اسم الإشارة فبالإشارة الحسية وأما أي فباسم آخر بعده إلا أن (أي) لما كان أدخل في الإبهام من اسم الإشارة وأحوج إلى الوصف منه لأن زوال إبهامه إنّما هو باسم بعده بخلاف اسم الإشارة فإنّه قد يزول إبهامه بالإشارة الحسية حسبما ذكرنا، ولهذا جاز يا هذا ولم يجز يا (أي) لا جرم خصوا الفصل بين حرف النداء (واللام) التعريف به وجعلوا المعرّف (باللام) المزيل عنه الإبهام وصفاً له.
(فأي) في قوله (أیها الناس) منادى مفرد معرفة مبني على الضم (وها) حرف تنبيه (والناس) صفة (لأي) وقال الأخفش في يا أيها الرّجل: إنّ (أیاً) لا تكون وصلة وإنما هو موصول وذو اللام بعده خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة أي وإنّما وجب هذا المبتدأ لمناسبة التخفيف للمنادى ولا سيما إذا زيد عليه كلمتان أعني (أيها) فالمعنى يا من هو الرّجل.
قال الرّضي: ويصح تقوية مذهبه بكثرة وقوع (أي) موصولة في غير هذا الموضع وندور كونها موصوفة وقوله : (إياكم وتعلم النجوم) تحذير وقال ابن الحاجب في «الكافية» التحذير معمول بتقدير اتق تحذيراً ممّا بعده أو ذكر المحذر منه مكرّراً نحو إياك والأسد وإياك وأن تحذف والطريق الطريق.
وقال نجم الأئمة الرّضي في شرحه : قال المصنف : كان أصل إياك والأسد اتقك ثم إنهم لما كانوا لا يجمعون بين ضمير الفاعل والمفعول لواحد إذا اتصلا جاؤوا بالنفس مضافاً إلى الكاف فقالوا اتق نفسك ثم حذفوا الفعل لكثرة الاستعمال، ثمّ حذفوا النّفس لعدم الاحتياج إليه لأن اجتماع الضميرين زال بحذف الفاعل مع الفعل فرجع الكاف، ولم يجز أن يكون متصلاً لأن عامله مقدّم كما يجيء في باب المضمر فصار منفصلاً.
قال الرّضي: وأرى أنّ هذا الذي ارتكبه تطويل مستغنى عنه والأولى أن يقال هو بتقدير إيّاك باعد أونح بإضمار العامل بعد المفعول وإنّما جاز اجتماع ضميري الفاعل والمفعول
لواحد لكون أحدهما منفصلاً كما جاز ما ضربت إلا إياك وما ضربت إلا إياي، إلى أن قال وإنما وجب حذف الفاعل في نحو إيّاك لأنه في معنى المكرّر الذي ذكرناه أنه يجب حذف فعله لأَنْ معنى إياك أي بعد نفسك من الأسد.
وفحوى هذا الكلام احذر الأسد ومعنى الأسد أي بعد الأسد عن نفسك وهو أيضاً بمعنى: احذر الأسد، لأنّ تبعيد الأسد عن نفسك بأن تتباعد عنه فكأنك قلت : الأسد الأسد. فإن قلت المعطوف في حكم المعطوف عليه وإياك محذر والأسد المحذر منه وهما متخالفان فكيف جاز العطف ؟
فالجواب أنه لا يجب مشاركة الاسم المعطوف للمعطوف عليه إلا في الجهة المنتسب بها المعطوف عليه إلى عامله وجهة انتساب إياك إلى عامله كونه مفعولاً به أي مبعداً وكذا الأسد إذ المعنى إياك بعد وبعد الأسد.
اعلم أن هذا الكلام قاله (لما عزم إلى المسير إلى) حرب (الخوارج فقال له بعض أصحابه) وهو عفيف بن قيس اخو أشعث بن القيس الكندي الملعون رأس المنافقين ومثير الفتن في أيّام خلافة أمير المؤمنين ولا سيما وقعة صفين حسبما عرفت فيما سبق.
وكيف كان فقال له عفيف (يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك) الذي هو الغلبة على أهل النهر (من طريق علم النجوم) فقال له على سبيل الاستفهام التقريري (أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء) السعود الساعة (وتخوف) من (الساعة التي من سار فيها حاق به الضر) وأحاط به سوء الحال بملاحظة نحوس الساعة (فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن) أي من صدقك بدعواك العلم بالساعتين فقد كذب كتاب الله لأن الله تعالى يقول :
«وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا» [لقمان: 34] و «قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» [النمل: 65] «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ» [الأنعام: 59].
إلى غير ذلك مما أفاد انحصار العلوم الغيبية في الله سبحانه.
وقال العلامة المجلسي (رحمه الله) : ويمكن حمل الكلام على وجه آخر وهو أن قول المنجم بأن صرف السوء ونزول الضر تابع للساعة سواء قال إن الأوضاع العلوية مؤثرة تامة في السفليات ولا يجوز تخلف الآثار عنها أو قال بأنها مؤثرات ناقصة ولكن باقي المؤثرات أمور لا يتطرق إليها التغيير أو قال بأنها علامات تدلّ على وقوع الحوادث حتما فهو مخالف لما ثبت من الدين من أنه سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت وأنه يقبض ويبسط ويفعل ما يشاء ويحكم
ما يريد، ولم يفرغ من الأمر وهو تعالى كل يوم في شأن.
والظاهر من أحوال المنجمين السابقين وكلماتهم جلهم بل كلهم أنّهم لا يقولون بالتخلف وقوعاً أو إمكاناً فيكون تصديقهم مخالفاً لتصديق القرآن وما علم من الدين والإيمان من هذا الوجه.
ولو كان منهم من يقول بجواز التخلف ووقوعه بقدرة الله واختياره وأنه تزول نحوسة الساعة بالتوكل والدعاء والتوسل والتصدّق وينقلب السعد نحساً والنحس سعداً وبأن الحوادث لا يعلم وقوعها إلا إذا علم أنّ الله سبحانه لم تتعلق حكمته بتبديل أحكامها، كان كلامه (علیه السَّلام) مخصوصاً بمن لم يكن كذلك، فالمراد بقوله صرف عنه السوء وحاق به الضّر أي حتما هذا.
ولمّا نبه على فساد زعم المنجم بكون تصديقه موجباً لتكذيب كلام الله سبحانه نبه على فساده ثانياً بقوله (واستغنى) أي مصدقك ومتبعك (عن الاستعانة بالله) تعالى (في نيل المحبوب ودفع المكروه) لأنك إذا كنت عارفاً بالساعة السعد والساعة النّحس وهادياً إليهما فيهتدي بك التابعون لك والمصدقون بك ويتراقبون بعد الساعات فينالون الخير والسعادة ويتقون نحسها فيسلمون من النحوسة والكراهة فيلزم على ذلك استغنائهم بك عن الله وغناهم برأيك عن اللجأ إلى الله والفزع إليه سبحانه.
(و) أيضاً (ينبغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه لأنك بزعمك أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وآمن فيها الضر) فكنت أنت المنعم عليه بتلك النعمة فلا بد أن تستحق الحمد والثناء بذلك ولزم أن يكون حمده على تلك النعمة راجعاً إليك.
(ثم) إنّه بعد التنبيه على فساد زعم المنجم بالوجوه الثلاثة (اقبل على الناس) ونهاهم عن الأخذ بالنجوم وحذرهم عن تعلمها (فقال أيها الناس إياكم وتعلم النجوم) قال الشارح البحراني: الذي يلوح من سر نهي الحكم النبوية عن تعلم النجوم أمران :
الأول : اشتغال متعلمها بها واعتماد كثير من الخلق السامعين لأحكامها فيما يرجون ويخافون عليه فيما يسنده إلى الكواكب والأوقات والاشتغال بالفزع إليه وإلى ملاحظة الكواكب عن الفزع إلى الله والغفلة عن الرّجوع إليه فيما يهم من الأحوال وقد علمت أن ذلك يضاد مطلوب الشارع إذ كان غرضه ليس إلا دوام التفات الخلق إلى الله وتذكرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إليه.
الثاني : أنّ الأحكام النجومية اخبارات عن أمور ستكون وهي تشبه الاطلاع على الأمور الغيبية وأكثر الخلق من العوام والنساء والصبيان لا يتميزون بينها وبين علم الغيب والإخبار به فكان تعلم تلك الأحكام والحكم بها سبباً لضلال كثير من الخلق وموهناً لاعتقاداتهم في المعجزات أو الأخبار عن الكائنات منها وكذلك في عظمة بارئهم ويشككهم في عموم الآيات
الدالة على اختصاص علم الغيب بالله سبحانه، وكان هذين الوجهين هما المقتضيان لتحريم الكهانة والسحر والعزائم ونحوهما.
وكيف كان فلما نهى الناس عن تعلم النجوم بالوجهين الذين عرفت استثنى عن ذلك قوله (إلا ما يهتدي به في بر أو بحر) لعدم استلزام ذلك الجهتين المذكورتين وقد نص على جواز الاهتداء بها الآيات الكريمة مضافة إلى الأخبار الكثيرة قال تعالى :
«وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» [الأنعام: 97] وقال تعالى : «وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)» [النحل : 16].
قال الطبرسي : لأنّ من النجوم ما يكون بين يدي الإنسان ومنها ما يكون خلفه ومنها ما يكون عن يمينه ومنها ما يكون عن يساره ويهتدي بها في الأسفار وفي البلاد وفي القبلة وأوقات الليل وإلى الطرق في مسالك البراري والبحار، وقيل أراد الاهتداء به في القبلة، قال ابن عباس : سألت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) عنه فقال : الجدي علامة قبلتكم وبه تهتدون في بركم و بحركم (1).
أقول: وهذه الرواية موافقة لما رواه الصدوق مرسلاً قال: قال رجل للصادق (علیه السَّلام): أنا أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة بالليل، قال: أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ قلت: نعم قال : اجعله على يمينك وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك (2).
وروى أيضاً محمّد بن سنان عن أحدهما قال : سألته عن القبلة قال: ضع الجدي في قفاك وصل، هذا.
ولا ينحصر جواز تعلمها فيما ذكر بل ربما يجوز التعلم لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية المتعلقة بها في أبواب العبادات والمعاملات بل قد يجب لوجوب الحكم المرتب عليها فتجب معرفتها من باب المقدّمة مثلاً لوجوب معرفة الأوقات الخمسة للصّلاة ومعرفة الحول المضروبة للزكاة واتيان الحج والعمرة في الأشهر المعلومات وضبط عدد الحولين لرضاع الحاملات وتعيين أيام العدة للمتوفي عنها زوجها وللحامل وسائر المطلقات والعلم بما ضربت للدين المؤجل من الأوقات كما أشير إلى ذلك في غير واحدة من الآيات قال تعالى :
«أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ» [الإسراء: 78] وقال: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ» [البقرة: 189] وقال: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)» [يونس : 5].
وقد مضى في سادس تنبيهات الفصل الثامن من فصول الخطبة الأولى ما يوجب ازدياد بصيرتك في المقام فتذكر وقوله : (فإنها تدعو إلى الكهانة) تعليل للنهي عن النجوم والكهانة بالكسر.
قال في «البحار» هي عمل يوجب طاعة بعض الجان له بحيث يأتيه بالأخبار الغائبة وهو قريب من السّحر قيل : قد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما فمنهم من يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ ورئياً يلقى إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدّمات وأسباب يستدلّ بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله وهذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما.
ودعوة علم النجوم إلى الكهانة إما لأنه ينجرّ أمر النجم إلى الرغبة في تعلم الكهانة والتكسب به أو ادعاء ما يدعيه الكاهن، ثمّ إنّه شبه المنجم بالكاهن وقال (المنجم كالكاهن) ووجه الشبه إما الاشتراك في الأخبار عن الغائبات أو في الكذب والأخبار بالظن والتخمين والاستناد إلى الامارات الضعيفة والمناسبات السخيفة أو في العدول والانحراف عن سبيل الحق والتمسك في نيل المطالب ودرك المآرب بأسباب خارجة عن حدود الشريعة وصدهم عن التوصل إلى الله بالدعاء والصدقة وسائر أصناف الطاعة، أو في البعد عن الرحمة والمغفرة.
ويجري بعض هذه الوجوه في التشبيهين في قوله : (والكاهن كالساحر والساحر كالكافر) والمشبه به في التشبيهات أقوى.
والسحر على ما قيل كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام وعزائم ونحوها يحدث بسببها ضرر على الغير، ومنه عقد الرجل عن زوجته والقاء البغضاء بين الناس ومنه استخدام الملائكة والجن واستنزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب واستحضارهم وتلبسهم ببدن صبي أو امرأة وكشف الغائبات على لسانه، انتهى.
والظاهر أنه لا يختص بالضّرر بل ربما يفعل لعباً أو لإبداء أمر غريب، وعن صاحب العين (1): السحر عمل يقرب إلى الشياطين ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى تظن أن الأمر كما ترى، وليس الأمر كما ترى فالسحر عمل خفي لخفاء سببه يصوّر الشيء بخلاف صورته ويقلبه من جنسه في الظاهر ولا يقلبه من جنسه في الحقيقة ألا ترى إلى قوله تعالى :
«يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى» [طه: 66]
1) كتاب العين للفراهيدي : 135/3.
وقال : الشيخ في محكي كلامه عن التبيان قيل في معنى السحر أربعة أقوال :
أحدها: أنه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة يخيل إلى المسحور أنها حقيقة.
والثاني : أنّه أخذ بالعين على وجه الحيلة.
والثالث : أنّه قلب الحيوان من صورة إلى صورة وإنشاء الأجسام على وجه الاختراع فيمكن الساحر أن يقلب الإنسان حماراً وينشيء أجساماً.
والرابع : أنّه ضرب من خدمة الجن وأقرب الأقوال الأول لأن كل شيء خرج عن العادة الجارية فإنّه سحر لا يجوز أن يأتي من الساحر، ومن جوز شيئاً من هذا فقد كفر لأنه لا يمكن ذلك العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوات لأنه أجاز مثله على جهة الحيلة والسحر وفي الرّياض والسحر عرف تارة بما في الكتاب قال تعالى :
«فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه»ِ [البقرة : 102].
وفي «الاحتجاج» من أكبر السحر النميمة يفرق بها بين المتحابين ويجلب العداوة بين المتصادقين، قيل : ومنه استخدام الجن وعرف بأنه عمل يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة وأخرى لوجه يدخل فيه العلم الطلسمات والنيرنجات وغير ذلك، وذلك أن يقال هو استحداث الخوارق إما بمجرد التأثيرات النفسانية وهو السحر أو بالاستعانة بالفلكيات فقط وهو دعوة الكواكب، أو على تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية وهو الطلسمات، أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة وهو العزائم قيل : والكل حرام في شريعة الإسلام.
وظاهره اجماع المسلمين عليه وهو الحجة مضافاً إلى النصوص المستفيضة منها، ويدخل فيه النيرنجات على ما ورد في الساحر أنّ دم الساحر حلال وأن تعلم السحر آخر العهد بالله تعالى وحده القتل ونحو ذلك، وظاهرها التحريم مطلقاً وقد استثنى منه السحر للتوقي ودفع المتنبي وربما وجب كفاية.
وروى في «العيون» في تفسير آية هاروت وماروت أنّه كان بعد نوح قد كثرت السحرة والمموهون فبعث الله ملكين إلى نبي ذلك الزمان يذكر ما يسحر به السحرة وذكر ما يبطل به سحرهم ویرد به كیدهم فتلقاه النبي من الملكين وأداه إلى عباد الله بأمر الله أن يقفوا به على السحر وأن يبطلوه ونهاهم أن يسحروا به الناس وربما خصت روايات الحلّ بغير السّحر كالقرآن والذكر والتعويذ ونحوها جمعاً وهو أحوط.
ثم إنه بعد تشبيه المنجم بالكاهن والكاهن بالساحر والساحر بالكافر أشار بقوله (والكافر في النار) إلى نتيجة الجميع وهو دخول النار إما على وجه الخلود كما في الكافر أولاً كما في غيره، ولما فرغ من تنفير أصحابه عن تعلم النجوم وقبول أحكامها أمرهم بالمسير بقوله : (سيروا على اسم الله) وعونه.
وينبغي تذييل المقام بأمور مهمة
الأول: اعلم أنّ هذا الكلام ممّا اشتهرت روايته بين الخاصة والعامة وقد روي بطرق مختلفة مع اختلاف كثير في متنه ولا بأس بالإشارة إلى بعض تلك الطرق استبصاراً واطلاعاً
منك على مواقع الاختلاف واستظهاراً واستنصاراً لما أورد السيد في الكتاب فأقول :
منها : ما في شرح المعتزلي عند شرح خطبة السادس والثلاثين :قال روی ابن دیزیل قال: عزم على الخروج من الكوفة إلى الحرورية وكان في أصحابه منجم فقال له يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة على ثلاث ساعات مضين من النهار فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد، وإن سرت في ساعة التي أمرتك بها ظفرت و ظهرت وأصبت ما طلبت.
فقال له عليّ : أتدري ما في بطن فرسي هذه أذكر هو أم أنثى ؟ قال : إن حسبت علمت، فقال من صدقك بهذا فقد كذب القرآن قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ» [لقمان : 34] الآية.
ثم قال : إنّ محمداً ما كان يدعي علم ما ادعيت علمه أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي تصيب النفع من سار فيها وتصرف عن الساعة التي يحيق السوء لمن سار فيها فمن صدقك فقد استغنى عن الاستعانة بالله جل ذكره في صرف المكروه عنه وينبغي للمؤمن بأمرك أن يوليك الحمد دون الله جل جلاله لأنك بزعمك هديته إلى الساعة التي تصيب النفع من سار فيها، وصرفته عن الساعة التي تحيق السوء بمن سار فيها فمن آمَنَ بك في هذا لم آمِنُ عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ضداً ونداً، اللهم لا طير إلا طيرك ولا ضير إلا ضيرك ولا إله غيرك.
ثم قال : نخالف ونسير في الساعة التي نهيتنا عنها، ثم أقبل على الناس فقال: أيها النّاس إياكم والتعلم للنجوم إلا ما يهتدي به في ظلمات البر والبحر إنّما المنجم كالكاهن والكاهن كالكافر والكافر في النار، أما والله لأن بلغني أنك تعمل بالنّجوم لأخلدنك في السجن أبداً ما بقيت ولأحرمنك العطاء ما كان لي من سلطان.
ثم سار في الساعة التي نهاه عنها المنجم فظفر بأهل النهر وظهر عليهم، ثم قال : لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الناس سار في الساعة التي أمر بها المنجم فظفر وظهر أما أنّه ما كان لمحمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) منجم ولا لنا من بعده حتّى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر أيها الناس توكلوا على الله واتقوا به فإنكم يكفي ممن سواه (1).
ومنها: ما في «البحار» من «مجالس الصدوق» عن محمد بن علي ماجيلويه عن
1) شرح النهج : 2/ 270.
محمد بن أبي القاسم عن محمّد بن علي القرشي عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر.
قال : لما أراد أمير المؤمنين المسير إلى النهر وإذ أتاه منجم فقال له : يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة وسر في ثلاث ساعات مضين من النهار، فقال أمير المؤمنين : ولم ذلك؟ قال : لأنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت وظهرت وأصبت كما طلبت.
فقال له أمير المؤمنين (علیه السَّلام): تدري ما في بطن هذا الدابة ذكر أم أنثى؟ قال: إن حسبت علمت قال له أمير المؤمنين (علیه السَّلام): من صدقك على هذا القول كذب بالقرآن قال الله تعالی: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [لقمان : 34].
ما كان محمد يدعي ما ادعيت أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه سوء والساعة التي من سار فيها حاق به الضّر من صدقك بهذا استغنى بقولك عن الإستعانة بالله عزّ وجل، وفي ذلك الوجه وأحوج إلى الرّغبة إليك في دفع المكروه عنه وينبغي له أن يوليك دون ربه عز وجل فمن آمن لك بهذا فقد اتخذك من دون الله ندّاً وضدّاً.
ثمّ قال : اللهم لا طير إلا طيرك ولا ضير إلا ضيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك بل نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي نهيت عنها (1).
قال المحدث المجلسي بعد ما أورد الرواية قوله : من صدقك على هذا القول فقد كذب بالقرآن لادعائه العلم الذي أخبر الله سبحانه أنه مختص به إذ ظاهر قوله تعالى عنده الاختصاص.
فان قيل : فقد أخبر النبي فالأئمة بالخمسة المذكورة في الآية في مواطن كثيرة فكيف ذلك؟
قلنا: المراد أنه لا يعلمها أحد بغير تعليمه سبحانه وما أخبروه من ذلك فإنما كان بالوحي والإلهام أو التعلم من النبي الذي علمه بالوحي.
لا يقال : علم النجوم أيضاً من هذا القبيل لما سيأتي من الأخبار الدالة على أن له أصلاً وأنّه ممّا علمه الله أنبياءه فكيف يكون تصديق المنجم تكذيباً بالقرآن؟
لأنا نقول الذي سيظهر من الأخبار أنَّ نوعاً من هذا العلم حقاً يعلمه الأنبياء والأوصياء وأما أنّ ما في أيدي الناس من ذلك فلا.
1) الأمالي : 501، بحار الأنوار: 224/55.
وقوله أن يوليك الحمد، على بناء الأفعال أو التفعيل أي يقربك من الحمد من الولي بمعنى القرب أو من قولهم ولاه الأمير عمل كذا أي قلده إياه أي يجعلك ولياً لمحمّد (1)وأهلاً له أو من قولهم أوليته معروفاً أي أنعمت عليه لا طير إلا طيرك الطير من الطيرة وهي هي التشاؤم بالشيء أي لا تأثير للطيرة إلا طيرك أي قضاؤك وقدرك على المشاكلة ويدل على أن ضرر النجوم من جهة الطيرة، والضير الضرر.
الثاني
قال السيد الجليل علي بن طاووس (رحمه الله) في محكي كلامه عن كتاب «النجوم» بعدما أورد هذا الكلام له (علیه السَّلام) نقلاً عن الرّضى (رحمه الله) في الكتاب :
إنني رأيت فيما وقفت عليه في كتاب «عيون الجواهر» تأليف أبي جعفر محمد بن بابويه (رحمه الله) حديث المنجم الذي عرض لمولانا علي (علیه السَّلام) عند مسيره إلى النهروان مسنداً عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمّه محمد بن أبي القاسم عن محمّد بن علي القرشي عن نصر بن مزاحم المعرّي عن عمر بن سعد عن يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر قال : لما أراد أمير المؤمنين (علیه السَّلام) المسير إلى النهروان أتاه منجم، ثم ذكر حديثه.
قال: فأقول إنّ في هذا الحديث عدة رجال لا تعمل علماء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على روايتهم ويمنع من يجوّز العمل بإخبار الآحاد من العمل بأخبارهم وشهادتهم وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص مقاتل الحسين (علیه السَّلام) فإن أخباره ورواياته مهجورة ولا يلتفت عارف بحاله إلى ما يرويه أو يسند إليه.
ثمّ طعن في الرّواية بأنها لو كانت صحيحة لكان قد حكم في هذا على صاحبه الذي قد شهد مصنف نهج البلاغة أنّه من أصحابه أيضاً بأحكام الكفار إما بكونه مرتدّاً عن الفطرة فيقتله في الحال أو يردّه عن غير الفطرة فيتوبه أو يمتنع من التوبة فيقتل لأن الرواية قد تضمنت أنّ المنجم كالكافر أو كانت تجري عليه أحكام الكهنة أو السحرة لأن الرواية تضمنت أنه كالكاهن والساحر وما عرفنا إلى وقتنا هذا أنه حكم على هذا المنجم أحكام الكفار ولا السحرة ولا الكهنة ولا أبعده ولا عزره بل قال : سيروا على إسم الله والمنجم من جملتهم لأنه صاحبه.
وهذا يدلك على تباعد الرّواية من صحة النقل أو يكون لها تأويل غير ظاهر موافق للعقل.
ثم قال: ومما نذكره من التنبيه على بطلان ظاهر الرّواية بتحريم علم النجوم قول الراوي
1) في نسخة: للحمد.
فيها إنّ من صدقك فقد كذب القرآن واستغنى عن الاستعانة بالله ونعلم أن الطلائع للحروب مدیون على السلامة من هجوم الجيش وكثير من النّحوس ويبشرون بالسلامة وما ألزم من ذلك أن يوليهم الحمد دون ربهم ثم إننا وجدنا في الدعوات الكثيرة التّعوذ من أهل الكهانة والسحرة فلو كان المنجم مثلهم كان قد تضمن بعض الأدعية التعوّذ منه وما عرفنا في الأدعية التعوّذ من النجوم والمنجم إلى وقتنا هذا.
ومن التنبيه على بطلان ظاهر هذه الزواية أنّ الدعوات تتضمن كثير منها وغيرها من صفات النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه لم يكن كاهناً ولا ساحراً وما وجدنا إلى الآن ولا كان عالماً بالنجوم، فلو كان المنجم كالكاهن والساحر ما كان يبعد أن تتضمنه بعض الروايات والدعوات في ذكر الصفات انتهى كلامه رفع مقامه.
وأورد عليه المحدث المجلسي (رحمه الله) بعد نقل كلامه في «البحار» بقوله : وأقول: أما قدحه في سند الرّواية فهي من المشهورات بين الخاصة والعامة ولذا أورده السيد (رحمه الله) في «النهج» إذ دأبه فيه أن يروى ما كان مقبول الطرفين وضعف سند الزواية التي أوردها الصدوق لا يدل على ضعف سائر الأسانيد.
وعمر بن سعد الذي يروي عنه نصر بن مزاحم ليس الملعون الذي كان محارب الحسين (علیه السَّلام) كما يظهر من كتابه كتاب «الصفين» الذي عندنا، فإن أكثر ما رواه فيه رواه عن هذا الرّجل وفي كثير من المواضع عمر ومكان عمر، ولم يكن الملعون من جملة رواة الحديث وحملة الأخبار حتى يروى عنه هذه الأخبار الكثيرة.
وأيضاً رواية نصر عنه بعيد جداً فإنّ نصر كان من أصحاب الباقر (علیه السَّلام) والملعون لم يبق بعد شهادة الحسين (علیه السَّلام) إلا قليلاً، والشواهد على كونه غيره كثيرة لا تخفى على المتدرب في الأخبار العارفة بأحوال الرجال وهذا من السيد غريب.
وأما قوله إنه لم يحكم بكفر المنجم فيرد عليه أن ظاهر التشبيه بالكافر أنه ليس بكافر وإنما يدلّ على اشتراكه معه في بعض الصفات لا في جميع الأحكام كقتله في الحال أو بعد امتناعه من التوبة على أنه (علیه السَّلام) لم يشبهه بالكافر بل بالمشبه بالكافر.
وأما قوله ولا أبعده ولا عزّره ففيه أنه قد ظهر مما رواه ابن أبي الحديد الإبعاد بالحبس المؤبد والتحريم من العطاء، ولم يعلم أنه أصرّ المنجم على العمل بالنجوم بعد ذلك حتى يستحق تعزيراً أو نكالاً وعدم اشتمال رواية السيد على هذه الزيارة لا يدل على عدمها، فإن عادة السيد الإختصار على ما اختاره من كلامه (علیه السَّلام) بزعمه استيفاء النقل والرواية مع عدم النقل في مثل هذا لا يدل على العدم.
وكونه من أصحابه (علیه السَّلام) وبينهم لا يدل على كونه مرضياً فإن جيشه (علیه السَّلام) كان مشتملاً
على كثير من الخوارج والمنافقين كالأشعث أخي هذا المنجم على ما ذكره السيد وغيره أنه كان عفيف بن قيس أخا الأشعث رأس المنافقين ومثير أكثر الفتن.
وأما قياسه على طلائع الحروب فالفرق بين الأمرين بيّن، فإن ما يهدي إليه الطلائع ونحوهم ليست أموراً يترتب عليها صرف السوء ونيل المحبوب حتماً بل يتوقف على إجتماع أمور كوجود الشرائط وارتفاع الموانع وكل ذلك لا يتيسر الظفر بها إلا بفضل مسبب الأسباب بخلاف ما ادعاه المنجم من أن الظفر يترتب حتماً على على الخروج في الساعة التي اختاره.
وأما عدم التعوذ من النجوم والمنجم فلأن المنجم إنما يعود ضرره إلى نفسه بخلاف الساحر والكاهن فإنه يترتب منهما ضرر كثير على الناس مع أن الدعاء الذي رواه السيد في كتاب الإستخارات وأوردناه في هذا الباب يتضمن البراءة إلى الله من اللجأ إلى العمل بالنجوم وطلب الإختيارات منها.
وأما عدم وصف النبي بأنه لم يكن منجماً لأن الكفار إنما كانوا يصفونه بالسحر والكهانة والشعر فورد براءته عنها رداً عليهم ولم يكونوا يصفونه بالنجوم مع أنه كان عالماً بما هو الحق من علم النجوم وكان من فضائله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم).
الثالث
روى في «الاحتجاج» و«البحار» قصة المنجم معه (علیه السَّلام) بنحو آخر مشتمل على مطالب غريبة وأحكام عجيبة أحببت إيراد ذلك ضنّاً مني أن يخلو الشرح عن ذلك فأقول.
في «الاحتجاج» عن سعيد بن جبير قال إستقبل أمير المؤمنين دهقان من دهاقين الفرس فقال له بعد التهنية: يا أمير المؤمنين تناحست النجوم الطالعات وتناحست السعود بالنحوس وإذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء ويومك هذا يوم صعب قد انقلب فيه (1)وانقدح من برجك النيران وليس الحرب لك بمكان.
فقال أمير المؤمينن (علیه السَّلام) ويحك يا دهقان المنبيء بالآثار المحذر من الأقدار ما قصّة صاحب الميزان وقصة صاحب السّرطان؟ وكم المطالع من الأسد والساعات من المحركات وكم بين السراري والدراري؟
قال : سأنظر، وأومأ بيده إلى كمه وأخرج منه أسطرلاباً ينظر فيه، فتبسم (علیه السَّلام) فقال : أتدري ما حدث البارحة ؟ وقع بيت بالصين وانفرج برج ماجين، وسقط سور سراندیب، وانهزم بطريق الرّوم بارمنيه (2)، وفقد ديان اليهودي بأيلة، وهاج النّمل بوادي النّمل، وهلك
ملك أفريقيّة أكنت عالماً بهذا ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين.
فقال (علیه السَّلام): البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كلّ عالم سبعون ألفاً والليلة يموت مثلهم وهذا منهم، وأومأ بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي لعنه الله، وكان جاسوساً للخوارج في عسكر أمير المؤمنين، فظن الملعون أنه يقول خذوه فأخذ بنفسه فمات. فخر الدهقان ساجداً.
فقال أمير المؤمنين: ألم أرِكَ من عين التوفيق؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين فقال (علیه السَّلام): أنا وصاحبي لا شرقي ولا غربي نحن ناشئة القطب وأعلام الفلك أما قولك انقدح من برجك النيران فكان الواجب أن تحكم به لي لا عليّ، وأما نوره وضياؤه فعندي وأما حريقه ولهيه فذهب عنّي فهذه مسألة عميقة احسبها إن كنت حاسباً» (1).
قال المحدث المجلسي في شرحه بعدما أورده في «البحار»: «ما قصة صاحب الميزان أي الكواكب التي الآن في برج الميزان أو الكواكب المتعلقة بتلك البرج المناسبة لها، وكذا صاحب السرطان وكم المطالع أي كم طلع من ذلك البرج الآن والساعات» أي كم مضى من طلوع الساعات من طلوع سائر المحركات.
ولعلّ المراد «بالسراري» الكواكب الخفية تشبيهاً لها بالسرية «والدّراري» الكواكب الكبيرة المضيئة أو اصطلاحان في الكواكب لا يعرفهما المنجمون والغرض أنه لو كان هذا العلم فإنّما يمكن الحكم به بعد الإحاطة بجميع أوضاع الكواكب وأحوالها وخواصها في كل آن وزمان والمنجمون لم يرصدوا من الكواكب إلا أقلها ومناط أحكامهم أوضاع السيارات فقط مع عدم إحاطتهم بأحوال تلك أيضاً.
ثم نبهه على عدم إحاطته بذلك العلم أو عدم كفايته للعلم بالحوادث بجهله بكثير من الأمور الحادثة، وفي «القاموس» «البطريق» ككبريت القائد من قواد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل انتهى و«ديان اليهود» عالمهم وفي بعض النسخ بالنون جمع دن وهو الجب العظيم «وصاحبي» أي النّبي «لا شرقي ولا غربي» إيماء إلى قوله سبحانه لا شرقية ولا غربية والغرض لسنا كسائر الناس حتى تحكم علينا بأحكامهم كالنجوم المنسوبة إلى العرب أو إلى الملوك أو إلى العلماء والأشراف فإنا فوق ذلك كله.
«نحن ناشئة القطب» أي الفرقة الناشئة المنسوبة إلى القطب أي حقيقة لثباتهم واستقرارهم في درجات العزّ والكمال أو كناية عن أنهم غير منسوبين إلى الفلك والكواكب بل هي منسوبة إليهم وسعادتها بسببهم، أو أنهم قطب الفلك إذ الفلك يدور ببركتهم «و» هم
1) بحار الأنوار: 222/55، مستدرك سفينة البحار : 554/9.
أعلام الفلك بهم يتزين ويتبرك ويسعد.
ثم ألزم (علیه السَّلام) عليه في قوله (انقدح من برجك النيران) بأنّ للنار جهتين جهة نور وجهة إحراق فنورها لنا وإحراقها على عدوّنا ويحتمل أن يكون المراد به أنّ الله يدفع ضررها عنا بتوسلنا به تعالى وتوكلنا عليه فهذه مسألة عميقة أي كوننا ممتازين عن سائر الخلق في الأحكام أو كون النيران خيراً لنا وشراً لعدوّنا وأن التوسل والدعاء يدفع النحوس والبلاء مسألة عميقة خارجة عن قانون نجومك وحسابك ويبطل جميع ما تظن من ذلك.
وفي «البحار» روينا بإسنادنا إلى الشيخ سعيد بن محمد بن رستم بن جرير الطبري الإمامي عن الحسين بن عبد الله الجرمي ومحمد بن هارون التلعكبري عن محمد بن أحمد بن محروم عن أحمد بن القاسم عن يحيى بن عبد الرحمن عن علي بن صالح بن حي الكوفي عن زياد بن المنذر عن قيس بن سعد قال:
كنت كثيراً أسائر أمير المؤمنين (علیه السَّلام) إذا سار إلى وجه من الوجوه فلما قصد أهل النهروان وصرنا بالمدائن وكنت يومئذٍ مسائراً له إذ خرج إليه قوم من أهل المدائن من دهاقينهم معهم براذين قد جاؤوا بها هدية إليه فقبلها، وكان فيمن تلقاه دهقان من دهاقين المدائن يدعى سرسفيل، وكانت الفرس تحكم برأيه فيما مضى وترجع إلى قوله فيما سلف فلما بصر بأمير المؤمنين قال له :
يا أمير المؤمنين لترجع عما قصدت، قال ولم ذلك يا دهقان؟ قال : يا أمير المؤمنين تناحست النجوم الطوالع فنحس أصحاب السعود وسعد أصحاب النحوس ولزم الحكيم في مثل هذا اليوم الإستخفاء والجلوس، وأن يومك هذا يوم ممیت قد اقترن فيه كوكبان قتالان، وشرف فيه بهرام في برج الميزان وانقدح (1)من برجك النيران وليس الحرب لك بمكان.
فتبسّم أمير المؤمنين (علیه السَّلام) ثم قال: أيها الدهقان المنبيء بالأخبار والمحذر من الأقدار ما نزل البارحة في آخر الميزان وأي نجم حلّ في السّرطان؟ قال : سأنظر ذلك وأخرج من كمه إسطرلاباً وتقويماً، قال له أمير المؤمنين: أنت مسير الجاريات؟ قال : لا، قال : فأنت تقضي على الثابتات؟ قال: لا، قال فأخبرني عن طول الأسد وتباعده من المطالع والمراجع وما الزهرة من التوابع والجوامع ؟ قال : لا علم لي بذلك.
قال (علیه السَّلام): فما بين السواري إلى الدراري وما بين الساعات إلى المعجزات وكم قدر شعاع المبدرات وكم تحصل الفجر في الغدوات؟ قال : لا علم لي بذلك، قال: فهل علمت يا دهقان أنّ الملك اليوم انتقل من بيت إلى بيت بالصين وانقلب برج ماجين واحترق دور بالزنج
1) في نسخة: وأنقذت.
وطفح جب سرانديب وتهدم حصن الأندلس وهاج نمل الشيخ وانهزم مراق الهندي وفقد ديان اليهود بأيلة وهزم بطريك الروم برومية وعمى راهب عموديّة وسقطت شرفات القسطنطنية أفعالم أنت بهذه الحوادث وما الذي أحدثها شرقيها أو غربيها من الفلك؟ قال: لا علم لي بذلك.
قال: وبأي الكواكب تقضي في أعلى القطب وبأيها تنحس من تنحس؟ قال: لا علم لي بذلك قال: فهل علمت أنه سعد اليوم إثنان وسبعون عالماً في كل عالم سبعون عالماً، منهم في البر ومنهم في البحر وبعض في الجبال وبعض في الغياض وبعض في العمران وما الذي اسعدهم؟ قال : لا علم لي بذلك.
قال : يا دهقان أظنك حكمت على اقتران المشتري وزحل لما استنار لك في الغسق وظهر تلألأ شعاع المريخ وتشريقه في السحر وقد سار فاتصل جرمه بجرم تربيع القمر، وذلك دليل على استحقاق ألف ألف من البشر كلهم يولدون اليوم والليلة ويموت مثلهم وأشار بيده إلى جاسوس في عسكره لمعاوية فقال : ويموت هذا فإنّه منهم.
فلما قال (علیه السَّلام) ذلك ظنّ الرّجل أنّه قال : خذوه فأخذه شيء بقلبه وتكسرت نفسه في صدره فمات لوقته.
فقال : يا دهقان ألم أُرك عين (1)التقدير في غاية التصوير؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين قال: يا دهقان أنا مخبرك إني وصحبي هؤلاء لا شرقيون ولا غربيون إنما نحن ناشئة القطب وما زعمت أنه انقدح البارحة من برجي النيران فقد كان يجب أن تحكم معه لي لأن نوره وضياءه عنده فلهبه ذاهب عنّي.
یا دهقان هذه قضية عيص فاحسبها وولدها ما إن كنت عالماً بالأكوار والأدوار» (2)، فقال : لو علمت ذلك لعلمت تحصي عقود القصب في هذه الأجمة.
ومضى أمير المؤمنين فهزم أهل النهروان وقتلهم وعاد بالغنيمة والظفر، فقال الدّهقان: ليس هذا العلم بما في أيدي أهل زماننا هذا علم مادته في السماء.
قال المجلسي : أكثر السؤالات المذكورة في الرواية على تقدير صحتها وضبطها مبنية على اصطلاحات معرفتها مختصة بهم أوردها لبيان عجزه وجهله وعدم إحاطة علمه بما لا بد منه في هذا العلم (وكم تحصل الفجر في الغدوات) يحتمل أن يكون المراد به زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإنّ ذلك يختلف في الفصول و(طفح جب سراندیب) امتلأ
وارتفع، ومنه سكران طافح و «الشيح» نبت معروف ويحتمل أن يكون المراد هنا الوادي الذي هو منبته.
و«العمودية» ماء للنّصارى يغمسون فيه أولادهم و(ما الذي أحدثها) أي بزعمك (شرقيها) أي الكواكب (ألم أرك غير التقدير) بكسر الغين وفتح الياء أي التغيرات الناشئة من تقديرات الله تعالى وفي بعض النسخ عين التقدير أي أصله (هذه قضية عيص) بالإضافة إلى الأصل في «القاموس» العيص بالكسر الأصل وفي بعض النسخ عويصة أي صعبة شديدة و(ولدها) بصيغة الأمر وتشديد اللام أي استنتج منها.
الرابع
في تحقيق الكلام في علم النجوم وجواز العمل بأحكامه، وقد اختلفت في ذلك الأخبار ككلمات علمائنا الأخيار والبحث في مقامات ثلاثة.
المقام الأول
في بطلان ما زعمه قدماء المنجمين من أن الكواكب تفعل في الأرض ومن عليها أفعالاً يسندونها إلى طباعها.
فأقول : إن إعتقاد ذلك كفر وزندقة والحاد دلت على امتناعه الأدلة النقلية والبراهين العقلية.
قال الشيخ إبراهيم بن نوبخت في كتاب «الياقوت»: قول المنجمين يبطله قدم الصانع واشتراط اختياره ويلزم عليهم أن لا يستقر الفعل على حال من الأحوال وقول أهل الطبائع يبطل بمثل ذلك.
وقال العلامة في شرح ذلك: اختلف قول المنجمين على قسمين: أحدهما قول من قال إن الكواكب السبعة حية مختارة، والثاني قول من قال إنّها موجبة والقولان باطلان أما الأول فلأنها أجسام محدثة فلا تكون آلهة، ولأنها محتاجة إلى محدث غير جسم فلا بدّ من القول بالصانع، وأما الثاني فلأن الكواكب المعين كالمريخ مثلاً إذا كان مقتضياً للحرب لزم دوام وقوع الهرج والمرج في العالم وأن لا تستقر أفعالهم على حال من الأحوال ولما كان ذلك باطلاً كان ما ذكروه باطلاً، وأما القائلون بالطبائع الذين يسندون الأفعال إلى مجرد الطبيعة فيبطل قولهم بمثل ذلك أيضاً فإنّ الطبيعة قوة جسمانية في كلّ جسم محدث فكل قوة حالة فهي محدثة تفتقر إلى محدث غير طبيعة وإلا لزم التسلسل فلا بد من القول بالصانع سبحانه.
وقال أيضاً في محكي كتاب «المنتهى»: التنجيم حرام وكذا تعلم النجوم مع اعتقاد أنها مؤثرة أو أن لها مدخلاً في التأثير بالنفع والضرر وبالجملة كلّ من يعتقد ربط الحركات النفسانية والطبيعية بالحركات الفلكية والإتصالات الكوكبية كافر وأخذ الأجرة على ذلك حرام.
وقال علم الهدى في كتاب «الغرر والدرر» : وقد فرغ المتكلمون من الكلام في أنّ الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة وتكلمنا نحن أيضاً في مواضع على ذلك وبينا بطلان الطبائع التي يهدون بذكرها وإضافة الأفعال إليها وبينا أن الفاعل لا بد أن يكون حياً قادراً وقد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة فكيف تفعل وما يصحح الأفعال مفقود فيها.
وقد سطر المتكلمون طرفاً كثيرة في أنها ليست بحيّة ولا قادرة أكثرها معترض وأشف (1)ما قيل في ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة كحرارة النار تنفيها ولا تثبت معها ومعلومة أن حرارة الشمس أشد وأقوى من حرارة النار بكثير لأن الذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أو يزيد على حرارة النار وما كان بهذه الصفة من الحرارة يستحيل كونه حياً.
وأقوى من ذلك كله في نفي كون الفلك وما فيه من شمس وقمر وكوكب احياء السمع والاجماع وأنّه لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك وما يشتمل عليه من الكواكب وأنها مسخّرة مدبّرة مصرفة، وذلك معلوم من دين رسول الله ضرورة وإذا قطعنا على نفي الحياة والقدرة عن الكواكب فكيف تكون فاعلة.
وعلى إننا قد سلمنا لهم استظهاراً في الحجة أنها قادرة قلنا إن الجسم وإن كان قادراً قدراً فأنه لا يجوز أن يفعل في غيره إلا على سبيل التوليد ولا بد من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه والكواكب غير مماسة لنا ولا وصلة بيننا وبينها فكيف تكون فاعلة فينا، فإن ادعى أن الوصلة بيننا الهواء فالهواء أوّلا لا يجوز أن يكون آلة في الحركات الشديدة وحمل الأثقال، ثم لو كان الهواء آلة تحرّكنا بها الكواكب لوجب أن نحس بذلك ونعلم أن الهواء يحرّكنا ويصرفنا كما نعلم في غيرنا من الأجسام إذا حرّكنا بآلة على أن في الحوادث الحادثة فينا ما لا يجوز أن يفعل بآلة ولا يتولد عن سبب كالإرادات والاعتقادات وأشياء كثيرة فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا.
وهي لا تصح أن تكون مخترعة للأفعال لأن الجسم لا يجوز أن يكون قادراً إلا بقدرة والقدرة لا تجوز لأمر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال فأما الأدمة فليس تؤثرها الشمس على الحقيقة في وجوهنا وأبداننا وإنّما الله تعالى هو المؤثر لها وفاعلها بتوسط حرارة الشمس كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار والهاشم لما يهشمه الحجر بثقله وحرارة الشمس مسودة الأجسام من جهة معقولة مفهومة كما أنّ النار تحرق الأجسام على وجه معقول فأي تأثير للكواكب فينا يجري هذا المجري في تمييزه والعلم بصحته فليشر إليه فإن ذلك لا قدرة عليه.
1) اشف: أي أفضل.
وممّا يمكن أن يعتمد في إبطال أن تكون الكواكب فاعلة ومصرّفة لنا أن ذلك يقتضي سقوط الأمر والنهي والمدح والذم عنا، ونكون معذورين في كل إساءة تقع منا ونجيئها بأيدينا وغير مشكورين على شيء من الإحسان والإفضال وكل شيء نفسد به قول المجبرة فهو مفسد لهذا المذهب.
الثاني
في أنه بعد ما تحقق بطلان كون الكواكب عللاً مؤثرة مدبرة لهذا العالم السفلي موجدة لما فيه فهل يمكن كونها أمارات وعلامات على وقوع بعض الحوادث في هذا العالم مما يوجده الله تعالى بقدرته، وهل يمكن الإطلاع بالحوادث الاستقبالية من أشكال الكواكب واتصالاتها وما يعرض لها من الأوضاع والهيئات بقرب بعضها من بعض أو بعده بأن يجري عادة الله سبحانه على فعل كذا عند كذا.
الحق إمكان ذلك وفاقاً لأكثر الأصحاب لما سمعنا وشاهدنا من إصابة كثير من المنجمين في أحكامهم النجومية، وإن كان خطأهم فيها كثيراً أيضاً، ويبعد بأن تكون تلك الإصابة كلها من باب البخت والاتفاق.
وقد خالف في ذلك المرتضى وبالغ كل المبالغة في إنكار أصل هذا العلم وزعم أن جميع ما اتفق من أخبار المنجمين من باب الإتفاق والتخمين نحو ما يقوله القوّالون :
قال في كتاب «الغرر» و«الدرر» ما ملخصه: إن جريان عادة الله بأن يفعل أفعالاً مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه أو اتصاله أو مفارقته وإن كان جائزاً لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع وثبت من أين لنا بأن الله تعالى قد أجرى العادة بأن يكون زحلاً والمريخ إذا كان في درجة الطالع كان نحساً، وأن المشتري إذا كان كذلك كان سعداً، وأي سمع مقطوع به جاء بذلك وأي نبي خبر به واستفيد من جهته.
فإن عوّلوا في ذلك على التجربة بأنا جربنا ذلك ومن كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة وإذا لم يكن موجباً وجب أن يكون معتاداً.
قلنا : ومن سلم لكم صحة هذه التجربة وانتظامها واطرادها وقدر أن أخطاءكم فيها أكثر من صوابكم وصدقكم أقل من كذبكم فإلا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الاتفاق الذي يقع من المخمن والمنجم، فقد رأينا من نصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطيء وهو غير أصل معتمد ولا قاعدة صحيحة.
فإذا قلتم: سبب خطأ المنجم زلل دخل عليه في أخذ الطالع أو تسيير الكواكب، قلنا ولم لا كانت اصابته سببها التخمين وإنّما كان يصح لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على
صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجم، فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الإصابة فإذا كان دليل فسادها الخطأ فما أحدهما في المقابلة إلا كصاحبه إلى أن قال.
وبعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلاً في الأدب والكتابة ومشغوفاً بالنجوم عاملاً عليها قال لي يوماً وقد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم ورأى من مخايلي التعجب ممّن يتشاغل بذلك ويفنى زمانه به : أريد أن أسألك عن شيء في نفسي، فقلت: سل عما بدا لك، فقال : أريد أن تعرّفني هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى أن لا تختار يوماً لسفر ولبس ثوب جديد وتوجه في حاجة؟ فقلت : قد بلغت إلى ذلك والحمد لله وزيادة عليه وما في داري تقويم ولا أنظر فيه وما رأيت مع ذلك إلا خيراً.
ثم أقبلت عليه فقلت : ندع ما يدلّ على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى ظن دقيق وروية طويلة وهٰهنا شيء قريب لا يخفى على أحد ممن علت طبقته في الفهم أو انخفضت.
خبرني لو فرضنا جادة مسلوكة وطريقاً يمشي فيه النّاس ليلاً ونهاراً وفي محجته آبار متقاربة وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمّل وتوقف حتى يتخلّص من السقوط في بعض تلك الآبار هل يجوز أن يكون سلامة من يمشي في هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشي من البصراء وقد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء وعميان وهل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان أو سلامة العميان مقاربة بسلامة البصراء؟
فقال: هذا ممّا لا يجوز بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان ولا يجوز في مثل هذا التقارب.
فقلت : إذا كان هذا محالاً فأحيلوا نظيره وما لا فرق بينه وبينه وأنتم تجيزون شبيه ما ذكرناه وعديله، لأن البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم ويميزون سعدها من نحسها ويتوقون بهذه المعرفة مضار الزمان ويتحفظونها ويعتمدون منافعها ويقصدونها، ومثال العميان كلّ من لا يحسن تعلم النجوم ولا يلتفت إليه من الفقهاء والفهماء وأهل الديانات والعبادات ثم سائر العوام والأعراب والأكراد وهم أضعاف أضعاف من يراعي عدد النجوم، ومثال الطريق الذي فيه الآبار الزمان الذي يمضي عليه الخلق أجمعون ومثال آباره مصائبه ونوائبه ومحنه.
وقد كان يجب لو صح العلم بالنجوم وأحكامها أن تكون سلامة المنجمين أكثر ومصائبهم أقلّ لأنّهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها وتكون محن كلّ من ذكرناه من الطبقات الكثيرة أوفر وأظهر حتى تكون السلامة هي الطريقة الغريبة وقد علمنا خلاف ذلك أن السلامة والمحن متقاربة غير متفاوته.
فقال : ربما اتفق مثل ذلك، فقلت له فيجب أن نصدق من خبرنا في ذلك الطريق المسلوك الذي فرضناه بأن سلامة العميان كسلامة البصراء، ونقول لعلّ ذلك اتفق، وبعد فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع وهذا الذي ذكرناه مستمرّ غير منقطع إلى أن قال :
ومن ادل الدليل على بطلان أحكام النجوم إنا قد علمنا أنّ من جملة معجزات الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) الأخبار عن الغيوب وعدّ ذلك خارقاً للعادات كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص، ولو كان العلم بما يحدث طريقاً نجومياً لم يكن ما ذكرناه معجزاً ولا خارقاً للعادة، وكيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم.
وقد أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تكذيب المنجمين والشهادة بفساد مذاهبهم وبطلان أحكامهم، ومعلوم من دين الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ضرورة التكذيب بما يدعيه والإزراء عليهم والتعجيز لهم وفي الروايات عنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من ذلك ما لا يحصى كثرة وكذلك عن علماء أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) وخيار أصحابه فما زالوا يبرون من مذاهب المنجمين ويعدّونها ضلالاً ومحالاً وما اشتهر هذه الشهرة في دين الإسلام كيف يفتي بخلافه منتسب إلى الملة ومُصلي إلى القبلة.
فإما إصابتهم في الأخبار عن الكسوفات فلأجل أن الكسوفات واقترانات الكواكب وانفصالها طريقة الحساب وتسيير الكواكب، وله أصول صحيحة وقواعد سديدة، وليس كذلك ما يدعونه من تأثيرات الكواكب في الخير والشر والنفع والضر، انتهى كلامه رفع مقامه.
ومثله شيخ المتكلمين محمود بن علي الحمصي قال في محكي كلامه في «البحار»: إنا لا نردّ عليهم فيما يتعلق بالحساب في تسيير النجوم واتصالاتها التي يذكرونها فإنّ ذلك مما لا يهمنا ولا هو مما يقابل بإنكار ورد ثم قال :
فإن قيل : كيف تنكرون الأحكام وقد علمنا أنهم يحكمون بالكسوف ورؤية الأهلة ويكون الأمر على ما يحكمون في ذلك، وكذلك يخبرون عن أمور مستقبلة تجري على الإنسان وتجري تلك الأمور على ما أخبروا عنها فمع وضوح الأمر فيما ذكرناه كيف تدفع الأحكام؟
قلنا : إنّ إخبارهم عن الكسوف والخسوف ورؤية الأهلة فليس من الأحكام وإنّما هو من باب الحساب إنّما الحكم أن يقولوا إذا كان كسوف أو خسوف كان من الحوادث كذا وكذا، فأما الأمور المستقبلة التي يخبرون عنها فأكثرها لا تقع على ما يخبرون عنه وإنما يقع قليل منه بالاتفاق ومثل ذلك يتفق لأصحاب الفال والزجر الذين لا يعرفون النجوم بل للعجائز اللواتي يتفألن بالأحجار والذي قد يخبر المصروع وكثير من ناقصي العقول عن أشياء فيتفق وقوع ما يخبرون عنه، انتهى (1).
ونحوهما الشيخ محمد بن الحسين الكيدري قال في شرحه على الكتاب على ما حكى عنه في «البحار» كيف يمكن أن يكون الإنسان يعرف الحوادث وأسبابها في الحال حتّى يعرف المسببات في المستقبل كما في الجزر والمد ومن ادعى أنّه يعرف أسباب الكائنات فمقدّماته ليست برهانية وإنّما هي تجربية أو شعريّة أو خطابية مؤلفة من المشهورات في الظاهر
1) البحار : 298/55.
أو المقبولات والمظنونات.
ومع ذلك فلا يمكنه أن يتعرض إلا لجنس من أجناس الأسباب وهو تعرض بعض الأسباب العلوية ولا يمكنه أن يتعرض لجميع الأسباب السماوية والقوابل وإذا تغيرت القوابل عن أحوالها تغير أثر الفاعل فيها فإنّ النار في الحطب اليابس مؤثرة تأثيراً لا تؤثر في الرماد وكذلك معرفة بقائها على استعداد القبول شرط ويمكن أن تكون القوابل عوائق فلا يعلم تلك الأسباب والمسببات إلا الله تعالى.
وأيضاً فإنّ المنجم يحكم على مفردات الكواكب ولا يحكم على جميعها ممتزجة وكما أن أحكام مفردات الترياق وسائر المعاجين غير أحكام المركب الذي حصلت له صورة نوعية، كذلك حكم الكواكب المركوزة في الأفلاك غير حكم أفرادها، وإذا لم يمكن المنجم الحكم إلا على المفردات كان الحكم ناقصاً غير موثوق به.
ثم إنه ربما يحصل التوأمان في غشاء فيكشف عنهما فإذا فيه صبيان حيان وعلى قوانين الأحكاميين يجب أن يكونا مثلين في الصورة والعمر والحركات حتى لا يجوز أن يخلفا في شيء من الأشياء ولا يجوز أن يسكت أحدهما في وقت كلام الآخر ولا يقوم في وقت قعود الآخر ولا ينام في وقت لا ينام فيه الآخر، وإذا دخلا بيتاً فيه باب ضيق فلا يمكنهما الدخول فإنّه لا بد هيهنا من التقدم والتأخر، ولا يجوز أن يمس الإنسان أحدهما دون الآخر، ولا يجوز أن يكون في التزويج إمرأة أحدهما غير إمرأة الآخر ولا أن يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر في الأرض وهذا ما لا يخفى فساده.
وأيضاً فإنّ الحكم الكلي عند أكثرهم يغلب الجزئي ألا ترى أن طالع ناحية أو بلد إذا كان فاسداً فإنّه لا يفيد عطية (الكدخدا) (1)لإنسان فكيف يعتمد على الطوالع والاختيارات مع نفي العلم بالكليات.
ومن شنيع قولهم إنّهم يقولون إذا ولد للملك في حال ولد ولسوقي ولد، فإنّ الكواكب تدلّ لابن الملك بخلاف ما تدلّ لابن السوقي مع اتفاقهما في كمية العمر لأن حيلاجهما وكد خداهما لا يختلفان، فإذا جاز دلالة النجوم مختلفة في سعادة هذين الولدين فما أنكروا أن يكون مقادير أعمارهما أيضاً مختلفة.
واختلفوا في تقويم الكواكب باختلاف الزيجات ولا برهان على فساد بعضها وصواب بعضها فربما يوجد في تقويم الشمس من التفاوت خمس درج وتختلف درج الطوالع وبروج التحاويل بسبب ذلك فتفسد الأحكام (2).
ثم أورد عليهم كثيراً من الاختلافات والتناقضات لا نطيل الكلام بإيرادها.
أقول : وما ذكره هؤلاء الأفاضل من الاختلافات والتناقضات والاستبعادات كلها مسلم إلا أنّ دلالتها على بطلان علم النجوم من أصله ممنوعة، ونحن لا نتضايق من كثرة خطأ المنجمين وخبطهم في أحكامهم إلا أن إصابتهم فيها أيضاً غير عزيز ودعوى أن كل هذه الإصابة على كثرتها من باب الاتفاق كما ترى وسرّ كثرة وقوع الخطأ فيها أن ما في أيدي الناس من هذا العلم غير تام وتمامه إنما هو عند أئمة الدين الذين هم خزان العلم واليقين.
ويشهد بما ذكرناه من صحة هذا العلم في الجملة وعلى أن له أصلاً الأخبار والاعتبار.
أما الاخبار فهي كثيرة لا تحصى.
منها روايتا «الاحتجاج» و«البحار» السالفتان في التنبيه الثالث.
ومنها ما رواه في «الكافي» بإسناده عن معلي بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله (علیه السَّلام) عن النجوم أحق هي؟ قال : نعم إنّ الله عزّ وجل بعث المشتري إلى الأرض في صورة رجل فأخذ رجلاً من العجم فعلمه النجوم حتى ظن أنه قد بلغ ثمّ قال له : أنظر أين المشتري، فقال: ما أراه في الفلك وما أدري أين هو، قال: فنحاه وأخذ بيد رجل من الهند فعلمه حتى ظن أنه قد بلغ، وقال : أنظر إلى المشتري أين هو ؟ فقال : إن حسابي ليدل على أنك أنت المشتري، وقال : فشهق شهقة فمات وورث علمه أهله فالعلم هناك (1).
ومنها ما في «البحار» من كتاب النجوم عن الرّيان بن الصلت، وذكر اجتماع العلماء بحضرة المأمون وحضور الصباح بن نصر الهندي عند مولانا الرّضا (علیه السَّلام) وسؤاله عن مسائل كثيرة منها سؤاله عن علم النجوم فقال ما هذا لفظه :
هو علم في أصل صحيح ذكروا أنّ أوّل من تكلم في النجوم إدريس وكان ذو القرنين بها ماهراً وأصل هذا العلم من عند الله عزّ وجل ويقال إنّ الله بعث النجم الذي يقال له المشتري إلى الأرض في صورة رجل فأتى بلد العجم فعلمهم في حديث طويل فلم يستكملوا ذلك، فأتى بلد الهند فعلم رجلاً منهم فمن هناك صار علم النجوم بها، وقد قال قوم هو علم من علم الأنبياء خصوا به لأسباب شتى فلم يستدرك المنجمون الدقيق منها فشابوا الحق بالكذب (2).
هذا آخر لفظ مولانا علي بن موسى الرضا (علیه السَّلام) في هذه الرواية الجليلة الأسناد
وقوله (علیه السَّلام) حجة على العباد، وقوله (علیه السَّلام) ذكروا ويقال فإن عادته عند التقية من المخالفين والعامة يقول نحو هذا الكلام وتارة يقول كان أبي يقول وتارة روي عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم).
ومنها ما فيه أيضاً من كتاب «النجوم» وجادة في كتاب عتيق عن عطا قال : قيل لعلي بن أبي طالب (علیه السَّلام) هل كان للنجوم أصل ؟ قال : نعم نبي من الأنبياء قال له قومه إنا لا نؤمن بك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله فأوحى الله عزّ وجل إلى غمامة فأمطرتهم واستنقع حول الجبل ماء صافياً، ثم أوحى الله عزّ وجل إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجري في ذلك الماء، ثمّ أوحى الله عزّ وجلّ إلى ذلك النبي أن يرتقي هو وقومه على الجبل فارتقوا الجبل فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله بمجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار.
وكان أحدهم يعلم متى يموت ومتى يمرض ومن ذا الذي يولد له ومن ذا الذي لا يولد له فبقوا كذلك برهة من دهرهم.
ثمّ إنّ داوود قاتلهم على الكفر فأخرجوا إلى داوود في القتال من لم يحضر أجله ومن حضر أجله أخلفوه في بيوتهم فكان يقتل من أصحاب داوود ولا يقتل من هؤلاء واحد، فقال داوود (علیه السَّلام): ربّ أقاتل على طاعتك ويقاتل هؤلاء على معصيتك فيقتل أصحابي ولا يقتل من هؤلاء أحد؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إني كنت علمتهم بدء الخلق وآجاله إنما أخرجوا إليك من لم يحضر أجله ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم فمن ثمّ يقتل من أصحابك ولا يقتل منهم أحد قال داوود: يا ربّ على ماذا علمتهم؟ قال تعالى: على مجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار.
قال (علیه السَّلام) فدعا الله عزّ وجل فحبس الشمس عليهم فزاد في النهار واختلط الزيادة بالليل والنهار فلم يعرفوا قدر الزيادة فاختلط حسابهم قال علي (علیه السَّلام) فمن ثم كره النظر في علم النجوم (1)ورواه فيه أيضاً عن «الدر المنثور»، نعم زاد فيه أنّ النبي المذكور كان يوشع بن نون.
ومنها ما رواه يونس بن عبد الرحمن قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السَّلام) جعلت فداك أخبرني عن علم النجوم ما هو ؟ قال (علیه السَّلام) هو علم من علم الأنبياء، قال: فقلت: كان علي بن أبي طالب (علیه السَّلام) يعلمه ؟ فقال : كان أعلم الناس به (2).
والأخبار في هذا المعنى كثيرة لا نطيل بذكرها ومن أراد الزيادة فليراجع إلى كتاب السماء والعالم من «البحار»، فقد عقد المجلسي (رحمه الله) فيه باباً على ذلك واستوفى الكلام فيه.
واما الإعتبار فهو إنا قد سمعنا تظافراً بل تواتراً وحصل لنا العلم وجداناً بأن من المنجمين من حصل له العلم بجملة من الحوادث الإستقبالية في موارد شتى من طريق النجوم وحكموا فيه فكان حكمه مطابقاً للواقع ولا بأس بالإشارة إلى بعض تلك الموارد تأييداً واستظهاراً.
فمنها دلالة النجوم على نبوّة نوح فقد رواه في «البحار» من كتاب التجمل بإسناده عن جميل عن زرارة عن أبي جعفر (علیه السَّلام) عمن ذكره قال : قد كان علم نبوّة نوح بالنجوم (1).
ومنها دلالتها على إبراهيم ففي «البحار» أيضاً من كتاب النجوم من كتاب التجمل إنّ آذر أبا إبراهيم كان منجماً لنمرود ولم يكن يصدر إلا عن أمره فنظر ليلة في النجوم فأصبح وهو يقول لنمرود لقد رأيت في النجوم عجباً قال وما هو؟ قال: رأيت مولوداً يولد في زماننا يكون هلاكنا على يديه ولا يلبث إلا قليلاً حتى يحمل به قال فتعجب من ذلك ثم قال: هل حملت به النساء بعد؟ قال : لا، فحجب الرّجال عن النساء ولم يدع امرأة إلا جعلها في المدينة ولا يخلص إليها بعلها.
قال: فوقع آذر على أهله فحملت بإبراهيم فظنّ أنّه صاحبه فأرسل إلى قوابل ذلك الزمان وكن أعلم الناس بالجنين ولا يكون في الرّحم شيء إلا عرفنه وعلمن به، فنظرن فألزم ما في الرّحم الظهر فقلن : ما نرى في بطنها شيئاً، قال: وكان مما أوتي من العلم أنّ المولود سيحرق بالنار ولم يؤت علماً أن الله سينجيه منها.
قال المجلسي : وقد روى هذا الحديث علي بن إبراهيم في كتاب تفسير القرآن بأبسط من هذه الرواية ورواه أيضاً أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في الجزء الأول من «تاريخه»، ورواه أيضاً سعيد بن هبة الله الراوندي في كتاب «قصص الأنبياء»، ورواه الثعلبي في «تفسيره» وغيره من العلماء (2).
ومنها دلالتها على نبوّة موسى وكتب التواريخ مشحونة بذلك وقد روى المجلسي من كتاب «العرائس» للثعلبي قال: إن فرعون رأى في منامه أنّ ناراً قد أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعى فرعون السحرة والكهنة والمعبرين والمنجمين وسألهم عن رؤياه فقالوا له : إنه يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك، ويخرجك وقومك من أرضك ويذلّ دينك وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه.
ومنها دلالتها على نبوة عيسى (علیه السَّلام) روى في «البحار» من كتاب النبوة لابن بابويه في باب سياقه حدیث عیسی ابن مريم فقال ما هذا لفظه: وقدم عليها وفد من علماء المجوس زائرين معظمين لأمر ابنها وقالوا إنا قوم ننظر في النجوم فلما ولد ابنك طلع بمولده نجم من نجوم الملك فنظرنا فيه فإذا ملكه ملك نبوة لا يزول عنه ولا يفارقه حتى يرفعه إلى السماء ويجاور ربه عز وجل ما كانت الدنيا مكانها ثم يصير إلى ملك هو أطول وأبقى مما كان فيه.
فخرجنا من قبل حتى رفعنا إلى هذا المكان فوجدنا النجم متطلعاً عليه من فوقه فبذلك عرفنا موضعه وقد اهدينا له هدية جعلناها له قرباناً لم يقرب مثله لأحد قط وذلك إنا وجدنا هذا القربان يشبه أمره وهو الذهب والمرّ واللبان لأن الذهب سيد المتاع كله وكذلك إبنك سيد الناس ما كان حيّاً، ولأن المرّ جبار الجراحات والعاهات كلها ولأن اللبان يبلغ دخانه السماء ولن يبلغها دخان شيء غيره وكذلك ابنك يرفعه الله عزّ وجلّ إلى السّماء وليس يرفع من أهل زمانه غیره.
ومنها دلالتها على النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ففي «البحار» وجاده في كتاب «دلائل النبوة» جمع أبي القاسم الحسين بن محمد السكوني بإسناده عن حسان بن ثابت قال إني والله لغلام يافع ابن سبع أو ثمان سنين أعقل كلما سمعت إذ سمعت يهودياً وهو على أكمة يثرب يصرخ يا معشر اليهود فلما اجتمعوا قالوا ويلك مالك ؟ قال : طلع نجم أحمد الذي يبعث به الليلة.
قال : ووجدت كتاباً عندنا الآن اسمه كتاب اليد الصيني عمله كشينا ملك الهند يذكر فيه تفصيل دلالة النّجوم على نبوة نبينا محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم).
ومنها موارد متفرقة ذكر السيد بن طاووس (رحمه الله) في رسالته التي دونها في النجوم وذكر جماعة من العلماء المعتنين بهذا العلم العارفين به تأييداً لصحته.
قال المجلسي: والسيد الجليل النبيل علي بن طاوس (رحمه الله) لأنس قليل له بهذا العلم عمل في ذلك رسالة وبالغ في الإنكار على من اعتقد أنّ النّجوم ذوات إرادة فاعلة أو مؤثرة واستدل على ذلك بدلائل كثيرة وأيده بكلام جم غفير من الأفاضل إلا أنّه أنكر على السيد الأجل المرتضى (رحمه الله) في تحريمه وذهب إلى أنه من العلوم المباحات وأن النجوم علامات ودلالات على الحادثات لكن يجوز للقادر الحكيم أن يغيرها بالبر والصدقة والدعاء وغير ذلك من الأسباب والدواعي على وفق أرائه وحكمته، وجوّز تعليم علم النجوم وتعلمه والنظر فيه والعمل به إذا لم يعتقد أنها مؤثرة، وحمل أخبار النهي والذم على ما إذا اعتقد ذلك.
ثم ذكر تأييداً لصحة هذا العلم أسماء جماعة من الشيعة كانوا عارفين به فقال: إن جماعة من بني نوبخت كانوا علماء بالنجوم وقدوة في هذا الباب ووقفت على عدة مصنفات لهم في النجوم وأنها دلالات على الحادثات.
منهم الحسن بن موسى النوبختي.
ومن علماء المنجمين من الشيعة أحمد بن محمد بن خالد البرقي وذكر النجاشي فيكتبه كتاب «النجوم».
ومنهم أحمد بن محمد بن طلحة، فقد عد الشيخ والنجاشي من كتبه كتاب «النجوم» والشيخ النجاشي كان له تصينف في «النجوم».
ومن المذكورين بعلم النجوم الجلودي البصري.
ومنهم علي بن محمد بن العدوي والشمشاطي فإنه ذكر النجاشي أن له رسالة في إبطال أحكام النجوم.
ومنهم علي بن محمد العباس فإنّ النجاشي ذكر في كتبه كتاب الرّد على المنجمين كتاب الرّد على الفلاسفة.
ومنهم محمد بن أبي عمير.
ومنهم محمد بن بن مسعود العياشي فإنه ذكر في تصانيفه كتاب «النجوم».
ومنهم موسى بن الحسن بن عباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت قال النجاشي كان حسن المعرفة بالنجوم وله مصنفات فيه وكان مع ذلك حسن العبادة والدين.
ومنهم الفضل بن أبي سهل بن نوبخت وصل إلينا من تصانيفه ما يدلّ على قوة معرفته بالنجوم وذكر عن «العيون» ما أوردته في أبواب تاريخ الرضا (علیه السَّلام) من أنه أخبر المأمون بخطأ المنجمين في الساعة التي إختاروها لولاية العهد فزجره المأمون ونهاه أن يخبر به أحداً فعلم أنه تعمد ذلك.
أقول: والظاهر أن المراد بها هي ما رواها في «العيون» عن البيهقي عن الصولي عن عون بن محمد قال : حدثني الفضل بن أبي سهل النوبختي أو عن أخ له قال : لما عزم المأمون على العقد للرضا (علیه السَّلام) بالعهد قلت والله لأعتبر ما في نفس المأمون من هذا الأمر أيحب تمامه أو هو تصنع به، فكتبت إليه على يد خادم له كان يكاتبني بأسراره على يده :
قد عزم ذو الرئاستين على عقد العهد والطالع السّرطان وفيه المشتري والسرطان وإن كان شرف المشتري فهو برج منقلب لا يتم أمر يعقد فيه ومع هذا فإنّ المريخ في الميزان في بيت العاقبة وهذا يدلّ على نكبة المعقود له وعرفت أمير المؤمنين ذلك لئلا يعتب عليّ إذا وقف على هذا من غيري.
فكتب إليّ : إذا قرأت جوابي إليك فأردده إلي مع الخادم، ونفسك أن يقف أحد على ما
عرفتنيه أو أن يرجع ذو الرّئاستين عن عزمه فإنّه إن فعل ذلك الحقت الذنب بك وعلمت أنك سببه، قال فضاقت علي الدنيا وتمنيت أني ما كنت كتبت إليه.
ثمّ بلغني أن الفضل بن سهل ذو الرّئاستين قد تنبه على الأمر ورجع عن عزمه وكان حسن العلم بالنجوم فخفت والله على نفسي وركبت إليه فقلت له : أتعلم نجماً في السماء أسعد من المشتري؟ قال : لا قلت: أفتعلم أن في الكواكب نجماً تكون في حال أسعد منها في شرفها ؟ قال : لا قلت: فامض العزم على رأيك إذ كنت تعتقد أن الفلك في أسعد حالاته فأمضى الأمر على ذلك فما علمت أني من أهل الدنيا حتى وقع العقد فزعاً من المأمون.
قال : ومنهم السيد الفاضل علي بن أبي الحسن العلوي المعروف بابن الأعلم وكان صاحب الزيج.
ومنهم : أبو الحسن النقيب الملقب أبا قيراط.
ومنهم : الشيخ الفاضل الشيعي علي بن الحسين بن علي بن المسعودي مصنف كتاب «مروج الذهب».
ومنهم: أبو القاسم ابن نافع من أصحابنا الشيعة.
ومنهم : إبراهيم الفزاري صاحب القصيدة في «النجوم» وكان منجماً لمنصور.
ومنهم: الشيخ الفاضل أحمد بن يوسف بن إبراهيم المصري كاتب آل طولون.
ومنهم : الشيخ الفاضل محمّد بن عبد الله بن عمر البازيار القمي تلميذ أبي معشر.
ومنهم : الشيخ الفاضل أبو الحسين بن أبي الخضيب القمي.
ومنهم : أبو جعفر السقاء المنجم ذكره الشيخ في الرّجال.
ومنهم : محمد بن أحمد بن سليم الجعفي مصنف كتاب الفاخر.
ومنهم: محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك المعروف بكشاجم ذكر ابن شهر آشوب أنه كان شاعراً منجماً متكلّماً.
ومنهم: العفيف بن قيس أخو الأشعث ذكره المبرد، وقد مرّ أنّه قيل إنه هو الذي أشار إلى أمير المؤمنين بترك قتال الخوارج في الساعة التي أراد.
ثمّ قال :(رحمه الله) وممّن أدركته من علماء الشيعة العارفين بالنجوم وعرفت بعض إصاباته الفقيه العالم الزّاهد الملقب خطير الدين محمود بن محمد.
وممّن رأيته الشيخ الفاضل أبو نصر الحسن بن علي القمي، ثم عد من اشتهر بعلم
النجوم وقيل : إنّه من الشيعة فقال :
منهم : أحمد بن محمد السنجري، والشيخ الفاضل علي بن أحمد العمراني والفاضل إسحاق بن يعقوب الكندي.
قال : وممن اشتهر بالنجوم من بني العباس محمد بن عبد العزيز الهاشمي وعلي بن القاسم القصري، وقال وجدت فيما وقفت عليه أن علي بن الحسين بن بابويه القمي كان ممن أخذ طالعه في النجوم وأن ميلاده بالسنبلة، ثم قال روى الشيخ في اختيار الكشي في بيان حال أبي خالد السجستاني حمدويه وإبراهيم عن محمد بن عثمان قال : حدثنا أبو خالد السجستاني أنّه لما مضى أبو الحسن (علیه السَّلام) وقف عليه ثم نظر في نجومه فزعم أنه قد مات فقطع على موته وخالف أصحابه.
ثمّ قال : ففي هذا عدّة فوائد :
منها: أن هذا أبو خالد كان واقفياً يعتد أن أبا الحسن موسى (علیه السَّلام) ما مات فدله الله تعالى يعلم النجوم على موته وقد كان هذا العلم سبب هدايته.
ومنها: أنه كان من أصحاب الكاظم (علیه السَّلام) ولم يبلغنا أنه (علیه السَّلام) أنكر عليه علم النجوم.
ومنها: أنه لو علم أبو خالد أنّ علم النّجوم منكر عند إمامه لما اعتمد عليه في عقيدته.
ومنها: اختيار جدي الطوسي لهذا الحديث وتصحيحه وقد تقدم ثناؤه على جماعة من العلماء بالنجوم ثم قال :
وممن اشتهر بعلمه من بني نوبخت عبد الله بن أبي سهل.
ومن العلماء بالنجوم محمد بن إسحاق النديم كان منجماً للعلوي المصري.
ومن المذكورين بالتصنيف في علم النجوم حسن بن أحمد بن محمد بن عاصم المعروف بالعاصمي المحدّث الكوفي ثقة سكن بغداد فمن كتبه الكتب النجومية ذكر ذلك ابن شهر آشوب في كتاب معالم العلماء.
وممن اشتهر بعلم النجوم من المنسوبين إلى مذهب الإمامية الفضل بن سهل وزير المأمون فروى محمّد بن عبدوس الجهشياري وغيره ما معناه أنه لما وقع بين الأمين والمأمون ما وقع واضطربت خراسان وطلب جند المأمون أرزاقهم وتوجه علي بن عيسى بن ماهان من العراق لحرب المأمون وصعد المأمون إلى منظرة للخوف على نفسه من جنده ومعه الفضل وقد ضاق عليه مجال التدبير وعزم على مفارقة ما هو فيه أخذ الفضل طالعه ورفع إسطرلاباً وقال ما تنزل من هذه المنزلة إلا خليفة غالباً لأخيك الأمين فلا تعجل وما زال يسكنه ويثبته حتى ورد عليهم في تلك الساعة رأس علي بن عيسى وقد قتله طاهر وثبت ملكه وزال ما كان
يخافه وظفر بالأمان وروى خبراً آخر مثل ذلك.
ثم قال وممن كان عالماً بالنجوم من المنسوبين إلى الشيعة الحسن بن سهل ثم ذكر ما أخرجنا من «العيون» في أبواب تاريخ الرّضا (علیه السَّلام) من حديث الحمام وقتل الفضل فيه.
أقول : الرواية في «العيون» بسنده عن ياسر الخادم يذكر فيها خروج الرضا (علیه السَّلام) والمأمون وذي الرئاستين من مرو إلى المدينة وفيها :
وخرج المأمون وخرجنا مع الرّضا (علیه السَّلام) فلما كان بعد ذلك بأيام ونحن في بعض المنازل ورد على ذي الرّئاستين كتاب عن أخيه الحسن بن سهل إنّي نظرت في تحويل هذه السنة في حساب النجوم فوجدت فيه أنك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حرّ الحديد وحرّ النار وأرى أن تدخل أنت والرّضا (علیه السَّلام) وأمير المؤمنين الحمام في ذلك اليوم فتحتجم أنت فيه وتصب الدم ليزول نحسه عنك.
فبعث الفضل إلى المأمون وكتب إليه بذلك وسأله أن يدخل الحمام معه وسأل أبا الحسن (علیه السَّلام) أيضاً ذلك فكتب المأمون إلى الرضا(علیه السَّلام) الرقعة في ذلك فسأله أن يدخل الحمام معه فكتب إليه أبو الحسن (علیه السَّلام) لست بداخل غداً الحمام ولا أرى لك يا أمير المؤمنين أن تدخل الحمام غداً ولا أرى الفضل أن يدخل الحمام غداً فأعاد إليه مرتين فكتب إليه أبو الحسن (علیه السَّلام) لست بداخل غداً الحمام ولا أرى لك يا أمير المؤمنين أن تدخل الحمام غداً ولا أرى الفضل أن يدخل الحمام غداً فأعاد إليه مرتين فكتب إليه أبو الحسن لست بداخل غداً الحمام فإني رأيت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في النوم في هذه الليلة يقول لي: يا علي لا تدخل الحمام غداً فكتب إليه المأمون : صدقت يا سيدي وصدق رسول الله لست بداخل غداً الحمام والفضل فهو أعلم وما فعله.
قال ياسر : فلما أمسينا وغابت الشمس، فقال لنا الرّضا (علیه السَّلام) قولوا: نعوذ بالله من شرّ ما ينزل في هذه الليلة فأقبلنا نقول ذلك، فلما صلى الرّضا (علیه السَّلام) الصبح قال لنا: قولوا نعوذ بالله من من شر ما ينزل في هذا اليوم، فما زلنا نقول ذلك.
فلما كان قريباً من طلوع الشمس قال لي الرضا (علیه السَّلام): أصعد السطح فاستمع هل تسمع شيئاً فلما صعدت سمعت الصيحة (1)والنحيب وكثرة ذلك فإذا بالمأمون قد دخل من الباب الذي كان إلى داره من دار أبي الحسن (علیه السَّلام) يقول : يا سيدي يا أبا الحسن آجرك الله في الفضل وكان دخل الحمام فدخل عليه قوم بالسيوف وأخذ من دخل عليه في الحمام وكانوا ثلاثة نفر أحدهم ابن خالة الفضل ذو العلمين قال واجتمع القواد والجند ومن كان من جند ذي الرئاستين
1) في نسخة الضجة.
على باب المأمون فقالوا اغتاله وقتله فلنطلبن بدمه.
فقال المأمون للرضا (علیه السَّلام): يا سيدي ترى أن تخرج إليهم فتفرقهم قال ياسر: فركب الرّضا (علیه السَّلام) وقال لي إركب فلما خرجنا من الباب نزل الرّضا (علیه السَّلام) إليهم وقد اجتمعوا وجاؤوا بالنيران ليحرقوا الباب فصاح بهم وأومى إليهم بيده تفرّقوا، فتفرقوا قال ياسر : فأقبل النّاس والله يقع بعضهم على بعض وما أشار إلى أحد إلا ركض ومرّ ولم يقف به (1).
ثمّ قال السيد: رأيت في كتاب «الوزراء» جمع عبد الرحمن بن المبارك أنه ذكر محمد بن سعيد أنه وجد على كتاب من كتب ذي الرّئاستين بخطه هذه السنة الفلانية التي تكون فيها النكبة وإلى الله نرغب في رفعها وإن صح من حساب الفلك شيء فالأمر واقع فيها لا محالة ونسأل الله أن يختم لنا بخير بمنه وكان يعمل لذي الرّئاستين تقويم في كل سنة فيوقع عليه هذا يوم يصلح لكذا ويجنب في هذا اليوم كذا، فلما كان في السنة التي قتل فيها عرض عليه اليوم فجعل يوقع فيه ما يصلح حتى انتهى إلى اليوم الذي قتل فيه فقال : افّ لهذا اليوم ما أشره علي ورمى بالتقويم.
وروى عن أخت الفضل قالت: دخل الفضل إلى أمه في الليلة التي قتل في صبيحتها فقعد إلى جانبها وأقبل يعظها ويعزيها عن نفسه ويذكرها حوادث الدهر وتقضي أمور العباد، ثم قبل صدرها وثديها وردعها وداع المفارق، ثم قام فخرج وهو قلق منزعج لما دله عليه الحساب، فجعل ينتقل من موضع إلى موضع ومن مجلس إلى مجلس وامتنع عليه النوم.
فلما كان السحر قام إلى الحمام وقدر أن يجعل غمه وحرارته وكربه هو الذي دلت عليه النجوم، وقدمت له بغلة فركبها وكان الحمام في آخر البستان فكبت به البغلة فسره ذلك وقدر أنها هي النكبة التي كان يتخوفها، ثم مشى إلى الحمام ولم يزل حتى دخل الحمام واغتسل فيه فقتل.
قال: ومن المذكورين بعلم النجوم بوران بنت الحسن بن سهل، وجدت في مجموع عتيق أن بوران كانت في المنزلة العليا بأصناف العلوم لا سيما في النجوم فإنها برعت فيه وبلغت أقصى نهايته وكانت ترفع الإسطرلاب كل وقت وتنظر إلى مولد المعتصم فعثرت يوماً بقطع عليه سببه الخشب.
فقالت لوالدها الحسن: انصرف إلى أمير المؤمنين وعرفه أن الجارية فلانة قد نظرت إلى المولد ورفعت الاسطرلاب فدل الحساب والله أعلم أن قطعاً يلحق أمير المؤمنين من خشب في الساعة الفلانية من يوم بعينه.
1) عيون أخبار الرضا (علیه السَّلام) 1 / 174، بحار الأنوار: 169/49.
قال الحسن: يا قرّة عيني يا سيدة الحرائر إن أمير المؤمنين قد تغير علينا وربما أصغى إلى شيء بخلاف ما يقتضيه وجه المشورة والنصيحة، قالت يا أبه وما عليك من نصيحة إمامك لأنه خطر بروح لا عوض منها، فإن قبلها وإلا كنت قد أديت المفروض عليك.
قال : فانصرف الحسن إلى المعتصم وعرفه ما قالت بوران؛ قال المعتصم : أيها الحسن أحسن الله جزاءها وجزاءك انصرف إليها وخصها عني بالسّلام واسألها ثانياً وأحضر عندي اليوم الذي عيّنت عليه ولازمني حتى ينصرم النوم ويذهب فلست أشاركك في هذه المشورة والتدبير أحداً من البشر.
قال : فلما كان صباح ذلك اليوم دخل عليه الحسن فأمر المعتصم حتى خرج كل من في المجلس وخلا إليه وأشار عليه أن ينتقل عن المجلس السقفي إلى مجلس ابن أزجي (1)لا يوجد فيه وزن درهم واحد من الخشب، وما زال الحسن يحدثه والمعتصم يمازحه وينشطه حتى أظهر النّهار وضربت نوبة الصلاة فقام المعتصم ليتوضأ فقال الحسن لا تخرج أمير المؤمنين عن هذا المجلس ويكون الوضوء والصلاة وكل ما تريد فيه حتى ينصرم اليوم.
فجاءه خادم ومعه المشط والمسواك فقال الحسن للخادم أمتشط بالمشط واستك بالسواك فامتنع وقال: وكيف أتناول آلة أمير المؤمنين قال المعتصم ويلك امتثل قول الحسن ولا تخالف ففعل فسقطت ثناياه وانتفخ دماغه وخر مغشياً عليه ورفع ميتاً، وقام الحسن ليخرج فاستدعاه المعتصم إليه واحتضنه ولم يفارقه حتى قبل عينيه وردّ على بوران أملاكاً وضيعاً، وكان ابن الزيات سلبها عنها وذكر مثله برواية أخرى (2).
وروى من كتاب الوزراء لمحمد بن عبدوس عن إسماعيل بن صبيح قال : كنت يوماً بين يدي يحيى بن خالد البرمكي فدخل عليه جعفر بن يحيى فلما رآه صاح وأعرض بوجهه عنه وقطب وكره رؤيته فلما انصرف قلت له : أطال الله بقاءك تفعل هذا بابنك وحاله عند أمير المؤمنين حالة لا يقدم عليه ولداً ولا ولياً، فقال : إليك عني أيها الرجل فوالله لا يكون هلاك أهل هذا البيت إلا بسببه.
فلما كان بعد مدة من ذلك دخل عليه أيضاً جعفر وأنا بحضرته ففعل مثل ما فعل الأول وأكدت عليه القول فقال : ادن مني الدوات، فأدنيتها وكتب كلمات يسيرة في رقعة وختمها ودفعها إلي وقال: بلى ليكن عندك فإذا دخلت سنة سبع وثمانية ومائة ومضى النجوم فانظر فيها، فلما كان في صفر أوقع الرشيد بهم فنظرت في الرقعة فكان الوقت الذي ذكره، قال إسماعيل : وكان يحيى أعلم الناس بالنجوم.
وروى أيضاً عن محمد بن عبدوس صاحب كتاب «الوزراء» عن موسى بن نصر الوصيف عن أبيه قال: غدوت إلى يحيى بن خالد في آخر أمره أريد عيادته من علة كان يجدها، فوجدت في دهليزه بغلاً مسرجاً فدخلت إليه فكان يأنس بي ويفضي إليّ بسره، فوجدته مفكراً مهموماً ورأيته مستخلياً مشتغلاً بحساب النجوم وهو ينظر فيه فقلت له :
إني لما رأيت بغلاً مسرّجاً سرني لأني قدرت انصراف العلة وأن عزمك الركوب، ثمّ قد عمني ما أراه من همك قال : فقال لي : إنّ لهذا البغل قصّة إني رأيت البارحة في النوم كأنّي راكبة حتى وافيت رأس الجسر من الجانب الأيسر فوقفت فإذا بصائح يصيح من الجانب الآخر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس ولم يسمر بمكة سامر
قال: فضربت يدي على قربوس السرج وقلت :
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا *** صروف الليالي والجدود العواثر
ثم انتبهت فلجأت إلى أخذ الطالع فأخذته وضربت الأمر ظهراً لبطن فوقفت على أنه لا بد من انقضاء مدتنا وزوال أمرنا، قال فما كان يكاد يفرغ من كلامه حتى دخل عليه مسرور الخادم بخوانة مغطاة وفيها رأس جعفر بن يحيى وقال له يقول لك أمير المؤمنين: كيف رأيت نقمة الله في الفاجر، فقال له يحيى قوله : يا أمير المؤمنين أرى أنك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك.
ثم قال: ومن رأيت ذكره في علماء النجوم وإن لم أعلم مذهبه إبراهيم بن السندي بن شاهك وكان منجماً طبيباً متكلماً.
ومن العلماء بالنّجوم عضد الدولة ابن بويه وكان منسوباً إلى التشيع ولعله كان يرى مذهب الزيدية.
ومنهم الشيخ المعظم محمود بن علي الحمصي كما حكينا عنه.
ومنهم جابر بن حيان صاحب الصادق (علیه السَّلام) وذكره ابن النديم في رجال الشّيعة.
وممن ذكر بعلم النجوم من الوزراء أبو أيوب سليمان بن مخلد المورياني.
ومن ظهر فيه العمل على النجوم البرامكة ذكر عبد الله بن المبارك أن جعفراً لما عزم على الانتقال إلى قصره الذي بناه وجمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه فاختاروا له وقتاً من الليل فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي ينزل على قصره والطرق خالية والناس ساكنون فلما وصل إلى سوق يحيى رأى رجلاً يقول :
يدبر بالنجوم وليس يدري *** وربّ النّجم يفعل ما يريد
فاستوحش ووقف ودعا بالرّجل فقال له : أعد علي ما قلت فأعاده فقال : ما أردت بهذا؟
قال : والله ما أردت به معنى من المعاني لكنّه عرض لي وجاء على لساني، فأمر له بدنانير.
ثم ذكر إصابات كثيرة من المنجمين نقلاً من كتبهم، ونقل من كتاب «ربيع الأبرار» أن رجلاً دخل أصبعيه في حلقتي مقراض وقال لمنجم : إيش ترى في يدي؟ فقال: خاتمي حديد.
وقال : فقدت في دار بعض الرؤساء مشربة فضة فوجه إلى ابن هامان يسأله فقال : المشربة سرقت نفسها، فضحك منه واغتاض وقال : هل في الدار جارية اسمها فضة أخذت الفضة فكان كما قال.
وقال : سعى بمنجم فأمر بصلبه فقيل له هل رأيت هذا في نجومك؟ فقال: رأيت ارتفاعاً ولكن لم أعلم أنّه فوق خشبة.
وقال : من الملوك المشهورين بعلم النجوم وتقريب أهله المأمون، وذكر محمد بن إسحاق أنّه كان سبب نقل كتب النجوم من بلاد الرّوم ونشرها بين المسلمين.
وذكر المسعودي في حديث وفاة المأمون قال: فأمرنا بإحضار جماعة من أهل الموضع فسألهم ما تفسير التديون فقالوا : تفسيره مد رجليك، فلما سمع المأمون بذلك اضطرب وتطير بهذا الإسم وقال سلوهم ما اسم هذا الموضع بالعربية قالوا : إسمه بالعربية الرقة، وكان فيما عمل من مولد المأمون أنه يموت بالرقة، فلما سمع إسم الرقة عرفه أنّه الموضع الذي ذكر في مولده وأنه لا يموت إلا برقة فمات به كما اقتضت دلالة النجوم، انتهى ما أردنا إيراده من كلام السيد (1).
فقد بان وظهر منه وممّا قدّمنا أنّ الإصابة في النجوم غير عزيزة وإن كان الخطأ فيها كثيراً أيضاً إلا أن وقوع الخطأ لا يدلّ على بطلانها من أصلها وسرّ كثرة الخطأ هو ما أشرنا إليه سابقاً من عسرالضبط والإحاطة بأقطارها.
وإليه الإشارة في خبر عبد الرحمن بن السّيابة قال : قلت لأبي عبد الله (علیه السَّلام): جعلت فداك إنّ الناس يقولون إنّ النّجوم لا يحل النظر فيها فإن كان يضر بديني فلا حاجة لي في شيء يضر بديني، وإن كان لا يضر بديني فوالله إني لاشتهيها واشتهي النظر إليها، فقال لي : ليس كما يقولون لا يضر بدينك، ثم قال : إنكم تنظرون في شيء كثيره لا يدرك وقليله لا ينفع (2).
وفي خبر هشام قال : قال لي أبو عبد الله (علیه السَّلام): كيف بصرك في النجوم؟ قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم [مني] ثم سأله عن أشياء لم يعرفها، ثم قال : فما بال العسكرين يلتقيان في هذا وفي ذاك فيحسب هذا لصاحبه بالظفر ويحسب هذا لصاحبه بالظفر
فيلتقيان فيهزم أحدهما الآخر فأين كانت النّجوم؟ قال: فقلت: والله ما أعلم ذلك، فقال : إن أصل الحساب حق ولكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق (1).
الأمر الخامس
في الحكم الشرعي للعمل بالنجوم وأنه هل يجوز تعليمه وتعلمه واستنباط الأحكام منه والأخبار عن الحوادث الإستقبالية على وجه القطع أو الظن من طريق النجوم.
المستفاد من السيد بن طاووس (رحمه الله) في كلامه الذي قدمناه ذكره في المقام الثاني هو الجواز بحمل الأخبار الناهية على ما إذا اعتقد التأثير.
ومثله شيخنا البهائي (رحمه الله) في محكي كلامه وما يدعيه المنجمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالأجرام العلوية إن زعموا أن تلك الأجرام هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو أنها شريكة في التأثير فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده، وعلم النجوم المبتني على هذا كفر والعياذ بالله وعلى هذا حمل ما ورد في الحديث من التحذير عن علم النجوم والنهي عن اعتقاد صحته.
وإن قالوا إن اتصالات تلك الأجرام وما يعرض لها من الأوضاع علامات على بعض حوادث هذا العالم ممّا يوجده الله سبحانه بقدرته وإرادته كما أن حركات النبض واختلافات أوضاعه علامات يستدلّ بها الطبيب على ما يعرض للبدن من قرب الصحة واشتداد المرض ونحو ذلك، وكما يستدلّ باختلاج بعض الأعضاء على بعض الأحوال المستقبلة، فهذا لا مانع منه ولا خرج في اعتقاده، وما روي من صحة علم النجوم وجواز نقله محمول على هذا المعنى.
ثم قال: الأمور التي يحكم بها المنجمون من الحوادث الاستقبالية أصول بعضها مأخوذة من أصحاب الوحي سلام الله عليهم وبعضها يدعون فيها التجربة، وبعضها مبتن على أمور منشعبة لا تفي قوة البشرية في الأغلب بضبطها والإحاطة بها كما یومي إليه قول الصادق (علیه السَّلام): كثيره لا يدرك وقليله لا ينتج (2)، فلذلك وجد الاختلاف في كلامهم وتطرق الخطأ إلى بعض أحكامهم ومن اتفق له الجري على الأصول الصحيحة صح كلامه وصدقت أحكامه لا محالة كما نطق به كلام الصادق (علیه السَّلام) في الرواية المذكورة قبيل هذا الفصل يعني رواية ابن سيابة، ولكن هذا أمر عزيز المنازل لا يظفر به إلا القليل والله الهادي إلى سواء السبيل.
أقول : ولقد أجاد (رحمه الله) فيما أفاد إلا أنّ في الأخبار الناهية ما يأبي عن الحمل الذي ذكره مثل خبر المنجم الذي عرض لأمير المؤمنين عند المسير إلى النهروان على ما تقدّم روايته منا ومن السّيد (رحمه الله) في المتن فإنّ الظاهر منها أنّ المنجم المذكور لم يكن معتقداً للتأثير في النجوم ومع ذلك فقد نهاه عنه بمحض حكمه المستند إليه، فافهم.
ويظهر من شيخنا صاحب الجواهر الميل إلى الجواز أيضاً حيث قال : والتحقيق أنه لا بأس بالنظر في هذا العلم وتعلمه وتعليمه والأخبار عمّا يقتضيه ممّا وصل إليه من قواعده لا على جهة الجزم بل على معنى جريان عادة الله بفعل كذا عند كذا وعدم اطراده غير قادح، فإنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، بل قد يتوقف في الكراهة فضلاً عن الحرمة، بل يمكن حصول زيادة العرفان بمعرفته والترقي إلى بعض درجات الإيمان بممارسته.
ودعوى أنّ فيه تعريضاً للوقوع في المحظور من اعتقاد التأثير فيحرم لذلك أو لأن أحكامه تخمينيّة كما ترى خصوصاً الثاني ضرورة عدم حرمة مراعات الظنون في أمثال ذلك بل لعلّ المعلوم من سيرة الناس وطريقتهم خلافه في الطب وغيره والتعريض المزبور مع أنه ممنوع لا يكفي في الحرمة وإلا لحرم النظر في علم الكلام الذي خطره أعظم من ذلك فلا ريب في رجحان ما ذكرناه بل لا يبعد أن يكون النظر فيه نحو النظر في علم هيئة الأفلاك الذي يحصل بسببه الإطلاع على حكمة الله وعظم قدرته.
نعم لا ينبغي الجزم بشيء من مقتضياته لاستيثار الله بعلم الغيب، انتهى.
وذهب المرتضى (رحمه الله) إلى الحرمة وهو ظاهر المحدّث المجلسي بل صريحه في «البحار» حيث قال بعد بسط الكلام في علم النجوم ونقل الأخبار وأقوال العلماء فيه ما لفظه : وأما كونها إمارات وعلامات جعلها الله دلالة على حدوث الحوادث في عالم الكون والفساد فغير بعيد عن السداد وقد عرفت أن كثيراً من الأخبار تدلّ على ذلك.
وهي إما مفيدة للعلم العادي لكنه مخصوص ببعض الأنبياء والأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ومن أخذها منهم لأنّ الطريق إلى العلم بعدم ما يرفع دلالتها من وحي أو إلهام والإحاطة بجميع الشرائط والموانع والقوابل مختصة بهم.
أو مفيدة للظن، ووقوع مدلولاتها مشروط بتحقق شروط ورفع موانع وما في أيدي الناس ليس ذلك العلم أصلاً أو بعضه منه لكنه غير معلوم بخصوصه ولا يفيد العلم قطعاً؛ وإفادته نوعاً من الظنّ مشكوك فيه.
وأما تعليمه وتعلمه والعمل به والأخبار بالأمور الخفية والمستقبلة وأخذ الطوالع والحكم بها على الأعمار والأحوال الظاهر حرمة ذلك لشمول النهي له، وما ورد أنها دلالات وعلامات لا يدلّ على التجويز لغير من أحاط علمه بجميع ذلك من المعصومين وما دل على
الجواز فاخبار أكثرها ضعيفة.
ويمكن حملها على التقية لشيوع العمل بها في زمن خلفاء الجور والسلاطين في أكثر الأعصار وتقرب المنجمين عندهم وربّما يؤمي بعض الأخبار إليه، ويمكن حمل أخبار النهي على الكراهة الشديدة والجواز على الإباحة أو حمل أخبار النّهى على ما إذا اعتقد التأثير والجواز على عدمه كما فعله السيد بن طاووس وغيره ولكن الأوّل أظهر وأحوط.
أقول والأظهر عندي هو الجواز مع الكراهة، أما الجواز فللأخبار المجوّزة وأما الكراهة فخروجاً عن خلاف من منعه ولوجود أخبار النهي المحمولة عليها.
فإن قلت: أخبار النهي ظاهرة في الحرمة فلم لا تحملها على ظاهرها.
قلت: إبقاؤها على ظواهرها موجب لطرح الأخبار الأخرى والجمع بقدر الإمكان أولى، فلا بد من صرفها عن الظاهر بحملها على الكراهة أو بالحمل على صورة اعتقاد التأثير وذلك إنّما يجري في بعضها حسبما أشرنا، وأما حمل الأخبار المجوّزة على التقية فبعيد لاشتهار العمل بها بين الخاصة كالعامة كما عرفت في المقام الثالث وعمل بعض أصحاب الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بها مع عدم منعهم عن ذلك حسبما قدمنا.
وإلى ذلك ذهب المحقق الكركي (رحمه الله) حيث قال بعد الحكم بحرمة اعتقاد التأثير وكونه كفراً أما التنجيم لا على هذا الوجه مع التحرز عن الكذب فإنه جائز فقد ثبت كراهية التزويج وسفر الحجّ في العقرب وذلك من هذا القبيل، نعم هو مكروه ولا ينجر إلى الاعتقاد الفاسد وقد ورد النهي عنه مطلقاً حسماً للمادة.
وهو أيضاً مذهب شيخنا العلامة الأنصاري في المكاسب، قال بعد ذكر الأخبار الدالة على أن للنجوم أصلاً والأخبار الدالة على كثرة خطأ المنجمين ما هذا لفظه ومن تتبع هذه الأخبار لم يحصل له ظنّ بالأحكام المستخرجة عنها فضلاً عن القطع، نعم قد يحصل من التجربة خلفاً عن سلف الظنّ بل العلم بمقارنة حادث من الحوادث لبعض الأوضاع الفلكية فالأولى التجنّب عن الحكم بها ومع الارتكاب فالأولى الحكم على سبيل التقريب وأنه لا يبعد أن يقع كذا عنه كذا، والله المسدّد.
از جمله کلام هدایت نظام آن حضرت است که فرموده است آن را از برای بعض اصحاب خود در حینی که عزم فرموده بود بر رفتن به سوی خوارج نهروان، پس گفت آن حضرت را بعض اصحاب او: ای امیرمؤمنان اگر سیر بفرمایی در این وقت، میترسم که نرسی به مقصود خویش از طریقه و قاعده علم نجوم پس فرمود او را که:
آیا گمان می کنی که تو راه می یابی به ساعتی که هر که سفر کند در آن بگردد از او بدی و میترسانی از ساعتی که هر که سیر نماید در آن احاطه کند به او ضرر، هر که تصدیق کند تو را به این سخنان، پس به تحقیق که تکذیب نموده است بر قرآن و مستغنی شده است از یاری جستن به خدا در رسیدن به امر محبوب و در دفع کردن مکروه و سزاوار است در گفتار تو این که تو را حمد نماید نه پروردگار خود را از جهت این که تو به گمان خود راهنما شدی او را به ساعتی که رسیده در آن به منفعت، خاطر جمع شد در از مضرت بعد از آن توجه فرمود آن حضرت به مردمان پس فرمود که:
ای مردمان، حذر نمایید از تعلم علم نجوم مگر آن چیزی که هدایت بیابید به آن در بیابان یا در دریا، پس به درستی که معرفت نجوم داعی می شود بر کاهنی و منجم همچو کاهن است و کاهن همچو ساحر است و ساحر همچو کافر است و کافر در آتش است. بعد از آن حضرت فرمود به اصحاب خود که: سير کنید به سوی دشمن بر نام خداوند و یاری او.
«مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنَّ النِّسَاءَ نَواقِصُ الإيمان، نواقِصُ الْحُظُوظِ، نَواقِصُ الْعُقولِ، فَأَمّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ في أَيَّام حَيْضهِنَّ، وأَمَا نُقْصانُ عُقُولِهِنَّ فَشَهادَةُ امْرَأَتينِ كَشَهَادَةِ الرّجُلِ الْواحِدِ وَأَمَّا نُقْصانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوارِيثُهُنَّ عَلَى الإِنْصافِ مِنْ مَواريثِ الرِّجالِ، فَاتَّقُوا شِرارَهُنَّ وكُونوا مِنْ خيارِهِنَّ عَلى حَذَرٍ، وَلاَ تُطِيعُوهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ حَتَّى لا يَطْمَعْنَ فِي الْمُنْكَر» (1).
(المعاشر) جمع المعشر وهي الجماعة من النّاس و (الانصاف) بفتح الهمزة وكسرها وقد يضم كما في «القاموس» جمع النصف بتثليث النون وهو أحد جزأي الشيء.
(الفاء) في قوله (فأما نقصان إيمانهن) عاطفة قال الرّضي (رحمه الله) في مبحث (فاء) العطف وإن عطفت (الفاء) جملة على جملة أفادت كون مضمون الجملة التي بعدها عقيب مضمون التي قبلها بلا فصل، نحو قام زيد فقعد عمرو، وقد تفيد (فاء) العطف في الجمل كون المذكور بعدها كلاماً مرتباً في الذكر على ما قبلها لا إنّ مضمونه عقيب مضمون ما قبلها في الزمان كقوله تعالى :
«فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» [النحل: 29].
وقوله : «وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ» [الزمر : 74].
فإن ذكر ذمّ الشيء أو مدحه يصح بعد جري ذكره، قال : ومن هذا الباب عطف تفصيل المُجْمَل على المُجَمَّل كقوله :
«وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» [هود: 45].
وتقول : أجبته فقلت : لبيك، انتهى.
1) خصائص الأئمة: 100، ووسائل الشيعة : 586/2 ح 4.
وكلام الإمام (علیه السَّلام) من هذا القبيل لأنه بعد الإشارة إلى نقصان إيمانهن وعقولهن وحظوظهن لجمالا نبه على تفصيل جهة النقصان بقوله فأما نقصان إيمانهن (ا ه)، ونظيرها (الفاء) في قوله :
(وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ وَايْن تُحكَمَتُ هُنَّ أُم الكتب وأخرُ مُتَشَبِهَتُ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7].
وفي قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فيعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً) [البقرة: 26]
فافهم، (والفاء) في قوله : (فقعودهن) رابطة للجواب وفي قوله (فاتقوا شرارهن) فصيحة.
المعنى
إعلم أن الغرض من هذا الكلام التعريض على عائشة وتوبيخها وذم من تبعها وإرشاد النّاس إلى ترك طاعة النساء والاتقاء منهنّ لكونهنّ ناقصات في أنفسهن ولا ينبغي للكامل لطاعة الناقص والإتمام به ووجوه النقصان ثلاثة كما نبه عليها بقوله : (معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان نواقص الحظوظ نواقص العقول) ولما نبه على نقصانهن بهذه الوجوه الثلاثة أشار إلى علة جهات النقص بقوله (فأما نقصان ايمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن) وقعودهن عنها وإن كان بأمر الله سبحانه إلا أن سقوط التكليف لنوع من النقص فيهن وسبب النقص هو حالة الاستقذار والحدث المانعة من القرب المعنوي المشروط في العبادات وفي كلامه دلالة على كون الأعمال اجزاء الإيمان.
ويشهد به ما رواه في «الكافي» بإسناده عن أبي الصّباح الكناني عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : قيل لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان مؤمناً؟ قال : فأين فرائض الله ؟ قال : وسمعته يقول : لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام (1).
(وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الزجل الواحد) قال تعالى :
(فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) [البقرة : 282].
روى في الوسائل» عن تفسير العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
1) الكافي : 33/2 ح 2، ووسائل الشيعة : 23/1، ح 14.
هذه الآية قال : عدلت امرأتان في الشهادة برجل واحد فإذا كان رجلان أو رجل وامرأتان أقاموا الشهادة قضي بشهادتهم.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وجاءت امرأة إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت: ما بال الامرأتين برجل في الشهادة في الميراث، فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن ذلك قضاء من ملك عدل حكيم لا يجور ولا يحيف أيتها المرأة لأنكن ناقصات الدين والعقل إن إحداكن تقعد نصف دهرها لا تصلي بحيضة وأنكنّ تكثرن اللعن وتكفرن العشير تمكث إحداكن عند الرّجل عشر سنين فصاعداً يحسن إليها وينعم عليها فإذا ضاقت يده يوماً أو ساعة خاصمته وقالت : ما رأيت منك خيراً قط».
وفيه عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي قال مرّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على نسوة فوقف عليهن ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا معاشر النساء ما رأيت نواقص عقول ودين أذهب بعقول ذوي الألباب منكن إني رأيت أنكن أكثر أهل النار عذاباً فتقربن إلى الله ما استطعتن، فقالت امرأة منهنّ : يا رسول الله ما نقصان ديننا وعقولنا ؟ فقال : أما نقصان دينكن فالحيض الذي يصيبكن فتمكث احداكن ما شاء الله لا تصلي ولا تصوم، وأما نقصان عقولكن فشهادتكن إنما شهادة المرأة نصف شهادة الرجل» (1).
وقال وهب بن منبه : قد عاقب الله النساء بعشر خصال: بشدّة النفاس والحيض وجعل ميراث اثنتين ميراث رجل وشهادتهما شهادة واحد وجعلها ناقصة الدين والعقل لا تصلي أيام حيضها ولا تسلم على النساء، وليس عليها جمعة ولا جماعة ولا يكون منها نبي ولا تسافر إلا بولي، هذا.
وقوله: (وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الإنصاف من مواريث الرّجال) قد مرّ في ثالث تذنيبات الفصل الثاني عشر من فصول الخطبة الأولى علة زيادة حظ الذكر على الأنثى في الميراث ونقول هنا مضافاً إلى ما سبق : إنّه قد ذكر لها في بعض الأخبار علل وأسرار أخرى.
وهو ما في «الوسائل» عن ثقة الإسلام الكليني بإسناده عن الأحول قال : قال ابن أبي :العوجاء ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرّجل سهمين؟ قال: فذكر ذلك بعض أصحابنا لأبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : إن المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة وإنّما ذلك على الرّجال فلذلك جعل للمرأة سهماً واحداً وللرّجل سهمين(2).
وفيه عن الصدوق بإسناده عن محمد بن سنان أنّ الرّضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله : علة إعطاء النساء نصف ما يعطى الرجال من الميراث لأن المرأة إذا تزوجت أخذت والرّجل يعطي فلذلك وفّر على الرجل، وعلة أخرى في إعطاء الذكر مثلي ما تعطي
الأنثى لأن الأنثى في عيال الذكر إن احتاجت وعليه أن يعولها وعليه نفقتها، وليس على المرأة أن تعول الرّجل ولا تؤخذ بنفقته إن احتاج فوفّر على الرّجال لذلك (1)وذلك قول الله عزّوجل :
(الرجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء : 34].
وعنه أيضاً بإسناده عن عبد الله بن سنان قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : لأتي علة صار الميراث للذكر مثل حظ الانثيين؟ قال : لما جعله الله لها من الصداق.
وبإسناده عن علي بن سالم عن أبيه قال سألت أبا عبد (عليه السلام) فقلت له : كيف صار الميراث للذكر مثل حظ الانثيين؟ فقال : لأن الحبات التي أكل آدم وحواء في الجنة كانت ثمانية عشر حبة أكل آدم منها اثنتي عشرة حبة وأكلت حواء سنّاً فلذلك صار الميراث للذكر مثل حظ الانثيين (2).
ثم إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد التنبيه على جهة النقصان في النساء أمر بقوله : (فاتقوا شرارهن) على التجنب والهرب من الشرار وبقوله : (وكونوا من خيارهن على حذر) على الحذر من الخيار قال البحراني ويفهم من ذلك أنّه لا بد من مقاربتهن وكان الإنسان إنّما يختار مقاربة الخيرة منهن فينبغي أن يكون معها على تحرز وتثبت في سياستها وسياسة نفسه معها إذا لم تكن الخيرة منهنّ خيرة إلا بالقياس إلى الشريرة.
روى في «الفقيه» عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا جلوساً مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)قال فتذاكرنا النساء وفضل بعضهنّ على بعض فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ألا أخبركم بخير نسائكم؟ قالوا بلى يا رسول الله فأخبرنا قال : إن من خير نسائكم الولود الودود الستيرة العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة أهلها الذليلة مع بعلها المتبرّ. بعلها المتبرّجة مع زوجها الحصان مع مع غيره التي تسمع قوله وتطيع أمره وإذا خلا بها بذلت له ما أراد منها ولم تبذل له تبذل الرّجل.
قال : وقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «ألا أخبركم بشر نسائكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله فأخبرنا قال : من شرّ نسائكم الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها العقيم الحقود لا تتوزع عن قبيح المتبرجة إذا غاب عنها زوجها الحصان معه إذا حضر التي لا تسمع قوله ولا تطيع أمره فإذا خلا بها تمتعت تمنع الصعبة عند ركوبها ولا تقبل له عذراً ولا تغفر له ذنباً» (3).
ورواه في الكافي عن جابر بن عبد الله نحوه في كتاب النكاح في باب خير النساء وشرار النساء، وروى فيه أخباراً أخرى في معنى الخير والشرّ.
وقوله: (ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر) من قبيل المثل السائر : لا تعط عبدك كراعاً فيأخذ ذراعاً قال العلامة المجلسي وترك طاعتهن في المعروف إما بالعدول إلى فرد آخر منه أو فعله على وجه يظهر أنه ليس لطاعتهن بل لكونه معروفاً أو ترك بعض المستحبات ويكون الترك حينئذ مستحباً كما ورد تركها في بعض الأحوال كمال الحلال، هذا.
وقد ورد الحث على ترك طاعتهن في غير واحد من الأخبار مثل ما في «الفقيه» عن جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال في النساء : لا تشوروهن في النجوى ولا تطيعوهن في ذي قرابة إنّ المرأة إذا كبرت ذهب خير شطريها وبقي شرهما ذهب جمالها واحتد لسانها وعقم رحمها، وإنّ الرجل إذا كبر ذهب شرّ شطريه وبقي خيرهما ثبت عقله واستحكم رأيه وقل جهله (1).
وفيه أيضاً قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): كل امرء تديره امرأة فهو ملعون وقال : في خلافهن البركة وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذا أراد الحرب دعى نساءه فاستشارهنّ ثمّ خالفهن.
وفي بعض الزوايات العامية قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) «لا تطيعوا النساء على حال ولا تأمنوهن على مال ولا تذروهن لتدبير العيال فإنّهنّ إن تركن وما يرون أوردن المهالك، وأذلن الممالك، لا دين لهنّ عند لذتهن ولا ورع لهنّ عند شهوتهنّ، ينسين الخير ويحفظن الشر، يتهافتن بالبهتان ويتمارين للطغيان يتصدين للشيطان» (2).
ومن طريق العامة أيضاً قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): شاوروهن خالفوهن.
ينبغي لنا أن نذكر هنا شطراً من أوصاف النساء وأخبارهن وبعض مكايدهن من طريق الأخبار وغيرها، والمقصود بذلك التحذير عنهن والتنبيه على كيدهن، حيث وصفه الله سبحانه في كتابه العزيز بالعظمة مع أنه جعل كيد الشيطان ضعيفاً حيث قال :
(إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) [يوسف: 28] وقال: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء : 76].
ولذلك قال بعض أهل العرفان : أنا من النسوان أحذر من الشيطان فأقول :
قال رسول الله : شاوروهن وخالفوهن وقيل : إياك وموافقة النساء فرأيهن إلى أفن(1)وعزمهنّ إلى وهن وقيل أكثروا لهنّ من لا، فإن نعم يغريهن.
بالمثلة قال الشاعر :
تعيرني بالغزو عرسي ومادرت*** بأنّي لها في كل ما أمرت ضد
ورأى سقراط امرأة تحمل ناراً فقال نار تحمل ناراً والحامل شرّ من المحمول.
وقيل له: أي السباع شرّ :قال المرأة. وقيل: المرأة إذا أحبتك آذتك وإذا أبغضتك : خانتك فحبّها أذى وبغضها داء وقيل : المرأة سبع معاشر. وقيل: حيوان شرير.
وفي الحديث: أنه لما خلقت المرأة نظر إليها إبليس فقال أنت سؤلي وموضع سري ونصف جندي وسهمي الذي أرمي به فلا أخطىء وإذا اختصمت هي وزوجها في البيت قام في كل زاوية من زوايا البيت شيطان يصفق ويقول فرح الله من فرحني حتى إذا اصطلحا خرجوا عمياً يتعادون يقولون : أذهب الله نور من ذهب بنورنا.
وفي «الفقيه» عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث إنّ إبراهيم خليل الرّحمن شكى إلى الله خلق سارة فأوحى الله عزّ وجلّ إليه إنّ مثل المرأة مثل الضلع إن أقمته انكسر وإن تركته استمتعت به (2)
وفي حديث إبليس مع يحيى بن زكريا على نبينا وعليهما السّلام المروي في المجلد السماء والعالم من «البحار» وجادة في كتاب الترمذي قال أي إبليس يا نبي الله فأوّل ما أصيد : به المؤمن من قبل النساء «إلى أن قال» يا نبي الله إنّ أرجى الأشياء عندي وأدعمه لظهري وأقره لعيني النساء، فإنّها حبالي ومصائدي وسهمي الذي به لا أخطيء بآبائي من لو لم يكن هن ما اسطعت إضلال أدنى آدمي قرت عيني بهن اظفر بمقراتي وبهنّ أوقع في المهالك إذا اغتممت ليشت (3)على النساك والعباد والعلماء غليوني بعد ما أرسلت عليهم الجيوش فانهزموا وبعدما ركبت وقهرت ذكرت النّساء طاب وسَكنَ غضبي واطمأن كظمي وانكشف غيظي وسلمت كابتي وقرّت عيني واشتدّ أزري ولولا هنّ من نسل آدم لسجدتهن فهن سيداتي وعلى عنقي سكناهن وعلي تمماهنّ ما اشتهت امرأة من حبالي حاجة إلا كنت أسعى برأسي دون رجلي في إسعافها بحاجتها لأنهنّ رجائي وظهري وعصمتي وسندي وثقتي وغوثي، الحديث (4).
أقول : النسخة كانت سقيمة جداً فأثبته كما وجدت.
وفي «الأنوار النعمانية» للسيد نعمة الله الجزائري ومن أسباب الدنيا والميل إليها النساء وإطاعتهن.
روى أن رجلاً من بني إسرائيل رأى في المنام أنّه خُيّر ثلاث دعوات مستجابات بأن يصرفها حيث شاء، فشاور امرأته في محل الصرف فرأت أن يصرف واحدة منها في حسنها وجمالها ليزيد حسن المعاشرة بينهما فصرفها في ذلك فصارت جميلة فيما بين بني إسرائيل فاشتهرت فاشتهر أمرها إلى أن غصبها ملك ظالم فدعى الرّجل غيرة بأن يصيرها الله تعالى على صورة كلب فصارت كلباً أسود وجاءت إلى باب زوجها وتضرعت إليه مدة حتى رق قلبه فدعا بأن يصيرها الله على صورتها الأولى، فضاعت الدعوات الثلاث فيها وهي كما كانت بشؤم مشاورة المرأة.
وحكى أن خسرو الملك أتى إليه رجل بسمكة كبيرة فأمر له بأربعة آلاف درهم فقالت شيرين فكيف تصنع إذا احتقر من أعطيته شيئاً من حشمك وقال : أعطاني ما أعطى الصياد أو أقل، فقال خسرو الملك إن الرجوع عن الهبة قبيح خصوصاً من الملوك فقالت شيرين: التدبير أن تدعوه وتقول له هذه السمكة ذكر أو أنثى، فإن قال ذكر فتقول له إنّما أردت أنثى، وإن قال أنثى فتقول له إنّما أردت ذكراً فاستدعاه فسأله عن ذلك فقال : أيها الملك إنّها خنثى لا ذكر ولا أنثى، فاستحسن جوابه وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى، فلما تسلم الصياد ثمانية آلاف هم من الخزان ورجع سقط منها في الطريق درهم فاشتغل بأخذ الدرهم الساقط فقالت شيرين للملك : أنظر إلى خسته وغلبة حرصه فاستدعاه وسأله عن غرضه في اشتغاله بأخذه فقال أيها الملك : كان عليه اسمك وحكمك فخفت أن يطأه أحد برجله غافلاً عنه فاستحسن أيضاً جوابه وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى وذهب الصياد باثني عشر ألف درهم.
وفي موضع آخر منه أنّ كلّ فتنة وقعت في العالم فإنما جاءت من قبلهنّ وذلك :
إنّ الفتنة الأولى وهي أكل آدم من الشجرة وإخراجه إلى الأرض إنما جاء من قبل حوّاء، لأنّ آدم لما لم يقبل وساوس الشيطان وسوس إلى حوّاء فجاءت إلى آدم وكلمته في أمر الأكل من الشجرة حتى حملته عليه.
وأمّا الفتنة الأخيرة التي نشأ منها خراب العالم وهي غصب خلافة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستظهارهم واتفاقهم على عداوته فإنما جاء من قبل عائشة وعداوتها وحسدها لفاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بسبب أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يظهر المحبّة لها ولولديها فغارت من هذا عائشة وأضمرت العداوة لها ثمّ أظهرتها فتخطت تلك العداوة من النساء إلى الرّجال فبغض عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبو بكر وعمر ففعلا ما فعلا وفعلت عائشة بعدهما ما فعلت
أقول : وشهادة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسبب قطام وسم جعدة للحسن بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) غير خفي.
وفي «البحار» روى عن جعفر بن محمد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أنّه قال: كان في بني إسرائيل رجل صالح وكان له مع الله معاملة حسنة وكان له زوجة وكان ظنيناً بها وكانت من أجمل أهل زمانها مفرطة في الجمال والحسن، وكان يقفل عليها الباب فنظرت يوماً شاباً فهوته وهواها فعمل لها مفتاحاً على باب دارها وكان يخرج ويدخل ليلاً ونهاراً متى شاء وزوجها لم يشعر بذلك.
فبقيا على ذلك زماناً طويلاً فقال لها زوجها يوماً وكان أعبد بني إسرائيل وأزهدهم : إنك قد تغيرت علي ولم أعلم ما سببه وقد توسوس قلبي عليّ وكان قد أخذها بكراً، ثم قال واشتهي منك أنك تحلفي لي أنك لم تعرفي رجلاً غيري وكان لبني إسرائيل جبل يقسمون به ويتحاكمون عنده وكان الجبل خارج المدينة عنده نهر جار وكان لا يحلف أحد عنده كاذباً إلا هلك، فقالت له ويطيب قلبك إذا حلفت لك عند الجبل ؟ قال نعم قالت متى شئت فعلت.
فلما خرج العابد لقضاء حاجته دخل عليها الشاب فأخبرته بما جرى لها مع زوجها وأنها تريد أن تحلف له عند الجبل وقالت ما يمكنني أن أحلف كاذبة ولا أقول لزوجي فبهت الشاب وتحيّر وقال فما تصنعين ؟ فقالت بكر غداً والبس ثوب مكار وخذ حماراً واجلس على باب المدينة فإذا خرجنا فأنا أدعه يكتري منك الحمار فإذا اكتراه منك بادر واحملني وارفعني فوق الحمار حتى احلف له وأنا صادقة أنه ما مسني أحد غيرك وغير هذا المكاري، فقال: حبا وكرامة.
وأنّه لما جاء زوجها قال لها قومي إلى الجبل لتحلفي به قالت ما لي طاقة بالمشي فقال : اخرجي فإن وجدت مكارياً اكثريت لك فقامت ولم تلبس لباسها فلما خرج العابد وزوجته رأت الشاب ينتظرها فصاحت به یا مكاري اكثري «كذا» حمارك بنصف درهم إلى الجبل قال : نعم. ث
م تقدّم ورفعها على الحمار وساروا حتى وصلوا إلى الجبل فقالت للشاب أنزلني عن الحمار حتى أصعد الجبل، فلمّا تقدّم الشاب إليها القت بنفسها إلى الأرض فانكشفت عورتها فشتمت الشاب فقال : والله مالي ذنب.
ثم مدت يدها إلى الجبل وحلفت له أنه لم يمسها أحد ولا نظر إنسان مثل نظرك إلي مذ عرفتك غيرك وهذا المكاري، فاضطرب الجبل اضطراباً شديداً وزال عن مكانه وانكرت بنو إسرائيل، فذلك قوله تعالى :
(وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ) [إبراهيم: 46].
وفي زهر الربيع كان في الهند رجل شجاع وغيور وله امرأة جميلة فاتفق أنه سافر عنها، فجلست يوماً على قصرها فرأت برهمن من براهمة الهند شاباً فحصل بينهما عشق ووصال وكان يأتي إليها متى ما أراد فخرجت يوماً إلى بيت جارها وأتى ذلك الشاب إلى منزلها فلم يجدها فخرج في طلبها فلما دخلت أخذ الشاب الهندي سوطاً كان معه وضربها.
وكان في تلك الحالة أتى زوجها من السفر فقال لها :برهمن هذا زوجك أتى فكيف الحيلة؟ فقالت: اضربني بهذا السوط فإذا دخل زوجي وسألك فقل إنّ هذه المرأة فيها صرع أتى إليها بعد سفرك وطلبوني لأعوذ بها بالأسماء وأقرأ عليها وأضربها حتى يخرج منها الجنّ، فتكدرت على زوجها عيشه وخرج الشاب الهندي.
وبعد هذا صارت كلما اشتهت وصال الشاب الهندي صرعت نفسها ومضى زوجها يلتمس من الهندي والهندي يمن عليه ويأخذ منه حق الجعالة حتى يأتي إلى منزله لأجل أن يعوّذها مما عنده فصار الرّجل الغيور قواداً ديوثاً.
وفي حكمة آل داوود امرأة السوء مثل شرك الصياد لا ينجو منها إلا من رضي الله عنه والمرأة السوء غل يلقيه الله في عنق من يشاء.
وقال داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ): المرأة السوء كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير، والمرأة الصالحة كالتاج المرصع بالذهب كلما رآها قرت عينه.
وعن مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله تعالى :
(رَبَّنَا وَالِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) [البقرة : 201] قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): المرأة الحسنة الصالحة (وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201] حورية من حور العين (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة : 201] امرأة السوء.
قال بعضهم :
لقد كنت محتاجاً إلى موت زوجتي ***ولكن قرين السوء باق معمّر
فيا ليتها صارت إلى القبر عاجلاً ****وعذبها فيه نكير و منكر
أقول : وحيث انجر الكلام إلى هذا المقام فينبغي أن نختمه بحديث المتكلمة بالقرآن تذكرة للعاقلين وتنبيهاً للغافلين وإشارة إلى أنّ الأخبار المطلقة في مذمة النساء محمولة على الأفراد الغالبة وإلا ففيها من لا يوجد مثلها في الرّجال زهداً وورعاً وصلاحاً.
قال عبد الله بن المبارك : خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام فبينما أنا في بعض الطريق فإذا أنا بسواد يلوح فإذا هي عجوز فقلت : السلام عليك فقالت : (سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ)
[يس: 58]، فقلت لها : يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان؟ قالت : وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَمُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 23] فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها : أين تريدين؟ قالت : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتنا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء : 1] فعلمت أنها قضت حجها وتريد بيت المقدس.)فقلت لها : أنت منذ كم في هذا الموضع ؟ فقالت : (ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم : 10]، :قلت ما أرى معك طعاماً تأكلين قالت : (وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ) [الشعراء: 79]، قلت: فبأي شيء تتوضئين؟ قالت : (تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيْبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) [النساء : 43] قلت : إن معي طعاماً فهل تأكلين؟ قالت : (وأَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْل) [البقرة : 187]، قلت: ليس هذا شهر رمضان قالت ومن تطوّع خيراً فهو خير له، قلت: قد أبيح لنا الأفطار في السفر قالت: (وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: 184].
قلت : فلم لا تتكلمين مثل كلامي؟ قالت : (ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18] قلت من أي النّاس أنت؟ قالت: (وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَبِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36]، قلت : قد أخطأت فاجعليني في حلّ، قالت: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: 92] قلت : فهل لك أن أحملك على ناقتي فتدركي القافلة؟ قالت : (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ) [البقرة: 197]
فأنخت ناقتي : فقالت : (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]، فغضضت بصري عنها فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30] فقلت لها: اصبري حتى، أعقلها قالت: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء : 79].
فشددت لها الناقة فقلت اركبي، فركبت فقالت : (سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنقَلِبُونَ) [الزخرف: 14]، قال : فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسعى وأصيح، فقالت : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) [لقمان: 19] فجعلت امشي رويداً وأترنم بالشعر فقالت : (فَأَقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ) [المزمل : 20]، فقلت لها : لقد أوتيت خيراً كثيراً، قالت (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَاب) [الرعد: 19].
فلما مشيت بها قليلاً قلت: ألك زوج ؟ قالت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة : 101]، فسرت حتى أدركت القافلة فقلت لها هذه القافلة فمن لك فيها ؟ قالت : (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا) [الكهف: 46]، فعلمت أن لها أولاداً : قلت : وما شأنهم في الحج قالت : (وَعَلَمَتْ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ 16) [النحل: 16]، فعلمت أنهم أولاد الرّكب فقصدت بها القباب والعماريات.)
وقلت: هذه القباب فمن لك فيها؟ قالت : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء : 125] (يا يحيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوة وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبيّا) [مريم : 12]، فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى فإذاً بشبان كأنهم الدنانير قد أقبلوا.)فلما استقر بهم جلوس قالت: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُر أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّف [الكهف: 19] فمضى أحدهم واشترى طعاماً فقدموه فقالت (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئَاً بِمَا أَسْلَفَتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَة) [الحاقة : 24] فقلت الآن طعامكم حرام عليّ حتى تخبروني بأمرها فقالوا: إنّها أُمنا ولها منذ أربعين سنة لا تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرّحمن.)### تنبيه وتحقيققال الشارح المعتزلي في شرح هذا الكلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ: وهذا الفصل كله رمز إلى عائشة ولا يختلف أصحابنا في انّها أخطأت فيما فعلت ثم تابت وماتت تائبة وأنها من أهل الجنة.)قال: قال كلّ من صنف في السير والأخبار إن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين إليها هذا ثوب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يبل وعثمان قد أبلى سنته.)قالوا: أول من سمّى عثمان نعثلاً عائشة والنعثل الكثير شعر اللحية والجسد، وكانت تقول اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً.وروى المدائني في كتاب الجمل :قال لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها : وهي بشراف فلم يشك في أن طلحة هو صاحب الأمر وقالت بعداً لنعثل وسحقاً أيد ذا الأصبع أيداً بأشيل أيد يا ابن عمّم لكأني انظر إلى أصبعه وهو يبايع له حثوا الإبل ودعدعتها (1ثم قال وقال أبو مخنف : إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة أقبلت مسرعة وهي تقول أيد ذا الأصبع الله أبوك أما أنهم وجدوا طلحة لها كفواً.)فلما انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثي فقالت له : ما عندك ؟ قال : قتل عثمان قالت ثم ماذا؟ قال: ثم جاز بهم الأمور إلى خير مجاز بايعوا علياً فقالت: لوددت أن السماء انطبقت على الأرض إن تم هذا ويحك انظر ماذا تقول قال : هو ما قلت لك يا أمّ المؤمنين فولولت، فقال لها : ما شأنك يا أم المؤمنين والله ما أعرف بين لابتيها أحداً أولى بها منه ولا أحق ولا أرى له نظيراً في جميع حالاته، فلماذا تكرهين ولايته؟ قال: فما ردت عليه جوابا.
1) دعدعتها حركتها.
وفي روضة الصفا وقال عبيدة بن أبي سلمة في هذا المعنى أبياتاً منها قوله :فمنك البدار ومنك السفر ***ومنك الرياح ومنك المطروأنت أمرت بقتل تل الإمام ***وقاتله عندنا من أمرقال أبو مخنف: وقد روى من طرق مختلفة أن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة قالت : أبعده الله ذلك بما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيدقال: وقد روى قيس بن أبي حازم أنه حج في العام الذي قتل فيه عثمان وكان معه : عائشة لما بلغتها قتلته فتحمل إلى المدينة قال فسمعها تقول في بعض الطريق : أيد ذا الأصبع وإذا ذكرت عثمان قالت : أبعده الله حتى أتاها خبر بيعة علي فقالت : لوددت إن هذه وقعت على هذه ثم أمرت برد ركابيها إلى مكة فرددت معها ورأيتها في مسيرها إلى مكة تخاطب نفسها كأنها تخاطب أحداً قتلوا ابن عفان مظلوماً.فقلت لها يا أم المؤمنين ألم اسمعك آنفاً تقولين أبعده الله وقد كنت قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولاً فقالت : لقد كان ذلك ولكني نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائماً محرماً في شهر حرام فقتلوه.ثم قال : قال أبو مخنف جاءت عائشة إلى أم السلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان، فقالت لها يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة في أزواج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وأنت كبيرة امهات المؤمنين وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)يقسم لنا من بيتك وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك :فقالت أم السلمة : لأمر ما قلت هذه المقالة؟ فقالت عائشة :)إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان، فلما تاب قتلوه صائماً في شهر حرام، وقد عزمت الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة فاخرجي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعل الله أن يصلح هذا الأمر على أيدينا وبنا.فقالت : أنا أمّ سلمة إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان، وتقولين انها فيه أخبث القول وما كان أسمه عندك إلا نعثلا وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ كانت عند رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأذكرك؟ قالت : نعم.)قالت أتذكرين يوم أقبل (عَلَيهِ السَّلَامُ ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال خلا بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): يناجيه فأطال فأردت أن تهجمين عليهما فنهيتك فعصيتني فهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك؟ فقلت : إنّي هجمت عليهما وهما يتناجيان، فقلت لعلي : ليس لي من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا يوم من تسعة أيام أفما تدعني يا بن أبي طالب فأقبل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علي وهو غضبان محمر الوجه فقال : ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من)
أهل بيتي ولا من غيرهم من النّاس إلا هو خارج من الإيمان، فرجعت نادمة ساقطة.فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك.قالت : وأذكرك أيضاً كنت أنا وأنت مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَوأنت تغسلين رأسه وأنا أحيس له حيس (1)، وكان الحيس يعجبه فرفع (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رأسه وقال : ليت شعري أيتُكُن صاحب (2)الجمل الأذنب (3)تنيحها كلاب الحوئب فتكون ناكبة عن الصراط فرفعت يدي من الحيس فقلت : أعوذ بالله وبرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من ذلك، ثمّ ضرب على ظهرك وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إياك أن تكونيها، ثم قال: من يا بنت أبي أمية إياك أن تكونيها يا حميراء، أما إنّي فقد أنذرتك.)قالت عائشة؟ نعم أذكر هذا.قالت : وأذكرك أيضاً كنت أنا وأنت مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في سفر له، وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيخصفها ويتعاهد أثوابه فيغسلها فبقيت له نعل يومئذ يخصفها، وبعد في ظل سمرة، وجاء أبوك ومعه عمر، فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ودخلا يحادثاه فيما أرادا، ثم قالا : يا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ، ليكون بعدك لنا مفزعاً، فقال لهما : أما أنّني أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه، كما تفرّقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران فسكتا ثم خرجا فلما خرجنا إلى رسول الله قلت له : وكنت أجرأ عليه منا من كنت يا رسول الله مستخلفاً عليهم ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): خاصف التعل، فنزلنا ولم نر أحداً إلا علياً، فقلت يا رسول الله ما نرى إلا عليّاً فقال : فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك ، هو ذاك (4).)فقالت: فأتي خروج تخرجين بعد هذا؟ فقالت : إنّما أخرج للإصلاح بين الناس وأرجو فيه الأجر إن شاء الله فقالت : أنت ورأيك فانصرفت عائشة عنها فكتبت أم سلمة ما قالت وقيل لها إلى علي.قال الشارح بعد نقل هذه الرواية : فإن قلت فهذا نص صريح في إمامة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ، فما تصنع أنت وأصحابك المعتزلة فيه؟)
قلت : كلاً إنه ليس بنص كما ظننت لأنه لم يقل: قد استخلفت وإنّما قال لو استخلف أحداً لاستخلفته، وذلك لا يقتضي حصول الاستخلاف ويجوز أن تكون مصلحة المسلمين متعلقة بالتّعب عليه لو كان النبي مأموراً بأن ينص على إمام بعينه من بعده، فيكون من مصلحتهم أن يختاروا لأنفسهم من شاؤوا إذا تركهم النبي وأراهم ولم يعين أحداً.ثمّ قال: قال أبو مخنف وأرسلت إلى حفصة تسألها الخروج والمسير، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فأتى أخته فعزم عليها فأقامت وحطت الرحال بعد ما همت.قال : وكتب الأشتر من المدينة إلى عائشة : أقا بمكة : وهي بعد، فإنّك ظعينة رسول الله، وقد أمرك أن تقري في بيتك فإن فعلت فهو خير لك، فإن أبيت إلا أن تأخذي منسئتك (1وتلقى جلبابك وتبدي للناس شعيراتك قاتلتك حتى أردّك إلى بيتك والموضع الذي يرضاه لك ربك.)فكتبت إليه في الجواب أما بعد فإنك أوّل العرب شب الفتنة ودعا إلى الفرقة وخالفت الأئمة، وقد علمت أنك لن تعجز الله حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم، وقد جاءني كتابك وفهمت ما فيه، وسيكفينك وكلّ من أصبح مماثلاً لك في ضلالك وغيك إن شاء الله.قال أبو مخنف: لما انتهت عائشة في مسيرها إلى الحوتب وهو ماء لبني عامر بن صعصعة نبحتها الكلاب حتى نفرت صعاب إبلها، فقال قائل من أصحابها ألا ترون ما أكثر كلاب الحوثب وما أشد نباحها، فأمسكت زمام بعيرها وقالت وإنّها لكلاب الحوتب ردّوني ردّوني فإنّي سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يقول، وذكرت الخبر، فقال قائل : يرحمك الله فقد جزنا ماء الحوئب فقالت: فهل من شاهد؟ فلفقوا لها خمسين أعرابيّاً جعلوا لهم جعلاً فحلفوا أنّ هذا ليس بماء الحوب فسارت لوجهها. انتهى ما أهمنا نقله من كلامه هبط مقامه.)أقول : لا يخفى على الناقد البصير والذكي الخبير المراقب للعدل والإنصاف والمجانب للتعصب والاعتساف وجوه الدلالة فيما أورده الشارح، ورواه عن مطاعن عائشة أم الفاسقين وفضائح المتخلفين الذين هم أئمّة النار وجنود إبليس اللعين ولا يخفى عليه أيضاً عصبية الشارح ومن حذا حذوه من أصحاب المعتزلة في حق الخاطئة وأوليائهم الثلاثة، ولا بأس بالتنبيه على بعض تلك الوجوه فأقول.أولاً: إنّ ما ذكره من خطأ الخاطئة مسلم وما عقبه به من توبتها وكونها من أهل الجنة ممنوع، ولا بد للمدعي لها من الإثبات وأنى لهم بذلك، بل الظاهر من حالات عائشة، وقرط
1) منستتك : عصاك.
بغضها وشدة عداوتها لعلي هو العدم، ويؤيد ذلك أنها كانت في مقام اللجاجة والعداوة مع خليفتهم عثمان حتى سمته نعثلا والتعثل على ما في القاموس الشيخ الأحمق ويهودي كان بالمدينة ورجل لحياني كان يشبه به عثمان إذا نيل منه وكانت تقول : اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا وكانت باقية على عداوتها بعد وفاته أيضاً حيث إنّها كانت تقول بعداً لنعثل وسحقاً، وتقول أبعده الله ذلك بما قدمت يداه وما ربّك بظلام للعبيد وكذلك نار غضبها ونائرة حسدها لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ لم تكن بحيث تطفى.)يدلك على ذلك ما رواه الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» أن ابن الزبير دخل على عائشة في مرضها فقالت له : إنّي قاتلت فلاناً وسمت المقاتل برجل قاتلته، وقالت لوددت أني كنت نسياً منسيّاً، فإنّ تعبيرها عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ بالرّجل وبفلان من دون أن يذكر لقبه الشريف أو اسمه السّامي مقروناً بالتعظيم يدل على فرط عصبيتها واستنكافها من التصريح بالإسم واللقب.)وأظهر من ذلك ما رواه الشارح في هذا المقام من أنّه لما بعث أمير المؤمنين ابن عبّاس بعد انقضاء حرب الجمل إلى عائشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة قال لها : إنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ أرسلني إليك يأمرك بالرحيل إلى المدينة فقالت وأين أمير المؤمنين ذاك عمر، فقال : عمر وعلي، قالت أثبت، إلى أن قالت إني معجلة الرحيل إلى بلادي إن شاء الله والله ما من بلد أبغض من بلد أنتم فيه.)فإن استكراهها من إطلاق لفظ أمير المؤمنين عليه الذي لقبه الله تعالى به، وأمر رسوله بأن يأمر أصحابه على السّلام عليه بامرة المؤمنين على ما ورد في غير واحد من الروايات دليل على كراهتها لحكم الله وإنكارها لأمر رسوله وما ذلك إلا من فرط الحقد والحسد.وببالي إني رأيت في بعض الروايات أنها سمت بعد وفاة أمير المؤمنين وشهادته أحد غلمانها عبد الرحمن أخذاً من إسم عبد الرحمن قاتل أمير المؤمنين شغفاً بقتله وتيمناً بإسمه.وهنا لطيفة وهي أنّ بهلول العاقل مر يوماً بجماعة يذاكرون الحديث ويروون عن عائشة أنها قالت لو أدركت ليلة القدر لما سألت ربي إلا العفو والعافية، فقال بهلول والظفر بعلي بن أبي طالب يعني أنها كانت أهم مسؤولاتها الظفر عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ.)هذا كله مضافاً إلى أنّ توبتها لا يمكن أن تحصل بمجرد الندم على الخروج من البيت والحرب، بل يتوقف على التفضي عمّا أراقته من دماء المسلمين من الأنصار والمهاجرين وما نهبت من بيت مال المسلمين إلى غير ذلك من المفاسد والمظالم، ولم يتحقق منها شيء من ذلك وأنى لها بذلك.وثانياً : أنها إن كانت صادقة في قولها أن عثمان قد أبلى سنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فعليه لعنة الله، وإن كانت كاذبة فعليها غضب الله)
وثالثاً : أنّ اللازم عليها أن تكون سالماً لمن سالمه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وحرباً لمن حاربه محبة لمن أحبه ومبغضة لمن أبغضه وشغفها بكون الخلافة لطلحة واستنكافها من كونها الأمير المؤمنين يدلّ على عكس ذلك.)وذلك لأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ توفي وهو ساخط على طلحة للكلمة التي قالها يوم نزلت آية الحجاب على ما قدمنا روايتها في تذييل الثاني من تذييلات الفصل الثالث من فصول الخطبة الثالثة، وفي الطعن الثالث عشر من مطاعن عثمان التي أوردنا في التذييل الثاني من تذييلات كلامه الثالث والأربعين، ومات وهو راض عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكانت عائشة ساخطة الأمير المؤمنين راضية عن طلحة مؤذية لرسول الله مخالفة لرأيه طارحة للغيرة والحمية.)ورابعاً : أنّ هجومها على رسول الله وعلي حين ما يتناجيان، وقولها لعلي ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي، يدل على قلة حيائها وعدم مبالاتها.وخامساً: أن قول رسول الله لها وهو غضبان محمر الوجه: ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان تدلّ على كونها مبغضة لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ خارجة من الإيمان ورجوعها بعد إلى الإيمان محتاج إلى البينة، والبرهان ولم يثبت بالبديهة والعيان.)وسادساً : أن سؤال رجلين عن رسول الله من الخليفة والخلافة في حال السفر مع عدم اقتضاء الحال والمقام لذلك لما عليهم من تعب السفر، ووصيته إما أن يكون رعاية لمصلحة الإسلام وإشفاقاً للأمة وشدّة في الدين والإيمان أم استخباراً من وقت وفات الرّسول وتحصيلاً للعلم بأنهما متى يكونان مطلقي العنان، أم طمعاً منهما في الخلافة وحرصاً في الولاية ورجاء لأن ينص على أحدهما ويبدي البيان.لا سبيل إلى الأوّل حتماً زعمه الشارح المعتزلي وصرح به في كلامه الذي حكيناه في أواخر المقدّمة الثانية من مقدمات الخطبة الشقشقية، وفي غيره من كلماته أيضاً في تضاعيف الشرح إذ لو كان غرضهما الرعاية لجانب الدّين والشفقة على الأمة كان اللازم عليهما الإصرار على السؤال والإكمال في الكلام، حتّى يسفر لهما وضح الحق، وكان ينبغي لهما بعد ما أجاب لهما رسول الله بقوله : إنّي قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه أن يقولا: دلنا يا رسول الله على مكانه نعرفه ونلازمه وكيف يمكن أن نتفرق عنه بعد تعيينك إياه، وأمرك باتباعه، فلمّا لم يصرًا على السؤال ولم يتفوها بشيء من ذلك وسكتا وخرجا بمجرد أن قال لهما رسول الله : أرى مكانه علم أن غرضهما لم يكن الإشفاق على الأمة ولحاظ مصلحة الإسلام، وإنما كان الطمع في الخلافة، فلما قال أرى مكانه يأساً منهما وعلماً أن الخليفة
غيرهما فسكتا وخرجا.وسابعاً : أن قوله : لتفرّقتم عنه كما تفرّقت بنو إسرائيل عن هارون، لا يخفى ما في هذا التشبيه من النكتة، فإنّ هارون كان وصي موسى وبنو إسرائيل قد تفرّقوا عنه واتخذوا عجلاً جسداً له خوار، لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً، فأظهر صلوات الله عليه بهذا الكلام ما في قلبهما من النّفاق، وأعلمه، وأعلمهم أنّهم يتفرّقون عن وصيّة ولا يطيعون أمره كما خالف بنو إسرائيل موسى وتفرقوا عن هارون.وثامناً : أن إنكار الشارح لدلالة الرّواية على خلافة أمير المؤمنين لا معنى له، إذ قوله : لو فعلت لتفرّقتم وإن لم يكن مستلزماً لوقوع الفعل إلا أن الضمير في أرى مكانه راجع إلى المسئول عنه، وقد سألا المستخلف والمفزع فقال : أرى مكانه فيدلّ على أنّ المستخلف عن والمفزع كان موجوداً حين السؤال وإلا لزم أن يكون كلامه غير مطابق للواقع ونعوذ بالله من ذلك.وهذا كله بعد الغض عن بعد الغض عن صحة الرّواية وعن تصحيف العامة فيها، وإلا فقد قدمنا هذه الرّواية من الاحتجاج في «التنبيه الثاني» من تنبيهات الكلام الثالث عشر وفيها أنّهما قالا يا رسول الله فهل استخلفت أحداً؟ قال: «ما خليفتي فيكم إلا خاصف النّعل، فمرًا على علي وهو يخصف نعل رسول الله (1»، وعليه فالرّواية ناضة على خلافته من هذه الجهة أيضاً.)وتاسعاً: ما زعمه الشارح من جواز كون المصلحة في اختيار الأمة لأنفسهم من شاؤوا، وترك النبي لهم فآرائهم فاسدة جداً، إذ قد أثبتنا في المقدمة الثانية من مقدمات الخطبة الشقشقية وجوب عصمة الإمام والعصمة ملكة خفيّة لا يمكن أن يبلغها الجهال والضلال ويدركوها بأوهامهم فيقيموا إماماً بارائهم.وقد مرّ في «شرح الخطبة الثانية» إبطال الرّضا (عَلَيهِ السَّلَامُ لهذا الزعم الفاسد والرأي الكاسد حيث قدمنا هناك منه رواية شريفة في معرفة شأن الإمام، وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها: إن الإمامة أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلا مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بارائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم (2)إلى آخر ما قاله، وفيه كفاية لمن له علم ودراية، هذا.)وقد مرّ في شرح الكلام الثالث عشر بعض مطاعن عائشة وشطر من الكلام فيها فليراجع، ثمّة.
### الترجمةاز جمله خطبههای آن حضرت است بعد از انقضاء حرب جمل، در مذمت زنان میفرماید و مقصود آن حضرت طعن بر عایشه بود و توبیخ به اهل بصره كه تابع آن خاطئه بودند :جماعا مردمان، به درستی كه طایفه زنان ناقص الایمانند و ناقص النصيبند و ناقص العقلند، اما نقص ایمان ایشان، پس نشستن ایشان است از نماز و روزه در ایام حیضشان و اما نقصان عقل ایشان، پس شهادت دو زن مثل شهادت يك مرد است و اما ناقص بودن نصیب ایشان، پس میراثهای ایشان بر نصفها است از میراث مردان، پس بترسید از بدترین زنان و بباشید از خوب ترین آنها برحذر و اطاعت نكنید آنها را در كارهای پسندیده تا این كه طمع ننمایند در كارهای ناپسندیده و نعم ماقیل:زن بد در سرای مرد نكو ***هم درین عالم اس است دوزخ اوزينهار از قرین بد زنهار ***وقنا ربِّنا عذاب النار
## ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ وهي الثمانون من المختار في باب الخطب)### إشارة:«أَيُّهَا النَّاسُ الزّهادةُ قَضرُ الأَمَلِ، وَالشَّكْرُ عِنْدَ النَّعَم، وَالوَدَعُ عِنْدَ الْمَحارِمِ، فَإِنْ عَزبَ ذلِكَ عَنْكُمْ فَلا يَغْلِبِ الْحَرامُ صَبْرَكُمْ، وَلا تَنْسَوْا عِنْدَ النَّعَمِ شُكْرَكُمْ، فَقَدْ أَغذَرَ اللَّه إِلَيْكُمْ بِحُجَجِ مُسْفِرَةٍ وكُتُبِ بارِزةِ الْعُذْرِ واضِحَةِ(1.)### اللغة(الزهادة كسعادة والزّهد بمعنى وهو ترك الميل إلى الشيء وفي الاصطلاح إعراض النفس عن الدنيا وطيباتها، وقيل: هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة، و (عزب) الشيء بالعين المهملة والزّاء المعجمة غاب وذهب و (أعذر الله إليكم) أظهر عذره والأظهر أن تكون الهمزة للسلب كما قيل في الحديث: أعذر الله إلى من بلغ من العمر ستين سنة (2)، أي أزال عذره، قال في «النهاية» أي لم يبق فيه موضعاً للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر.)### الإعراب(الواو في قوله (والشكر والورع) عاطفة تفيد الجمع مع المصاحبة، قوله: (وكتب بارزة العذر) واضحة، اعلم أنه قد حقق في الأدبية أن النعت لا بد أن يطابق منعوته في وجوه الإعراب الثلاثة الرفع والنصب والجرّ، وفي التعريف والتنكير تقول جاء زيد الفاضل بالرّفع فيهما، وجاءني رجل فاضل كذلك، وهكذا.)وأن يطابقه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث أيضاً إن أسند النعت إلى ضمير المنعوت حقيقة، أو تأويلاً ونعني بالإسناد الحقيقي أن يجري النعت على من هو له، تقول : جاءتني امرأة كريمة ورجل كريم ورجلان كريمان ورجال كرام، وهكذا، ففي الوصف في الجميع ضمير مستتر عائد إلى الموصوف باعتبار حاله في التأنيث ونقيضه والإفراد ونقيضيه ونعني بالإسناد التأويلي أن يجري النعت على غير من هو له إذا حول الإسناد عن الظاهر إلى ضمير المنعوت.وجرّ الظاهر بالإضافة إن كان معرفة ونصب على التميز إن كان نكرة، تقول: جاءتني (3)
امرأة كريمة الأب بالإضافة أو كريمة أباً بالتمييز وجاءني رجلان كريما الأب أو كريمان أباً، ورجال كرام الآباء أو كرام أباء، فإن الوصف في جميع ذلك رافع ضمير الموصوف تحويلاً وتأويلاً.وإن أسند النعت إلى الاسم الظاهر أو إلى الضمير البارز لا يلاحظ حال المنعوت في الإفراد، ونقيضيه والتذكير ونقيضه بل يعطي الوصف حكم الفعل تقول : مررت برجل قائمة أمه وبامرأة قائم أبوها كما تقول قامت أمه وقام أبوها وهكذا تقول أيضاً جاءني غلام امرأة ضاربة هي وأمة رجل ضاربها هو كما تقول ضربته هي وضربه هو، وهكذا.إذا عرفت ذلك فأقول : إن قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ (بارزة العذر) صفة للكتب مسند إلى ضمير موصوفه تأويلاً، وقوله واضحة صفة أيضاً، لكنها مسندة إلى الضمير حقيقة أو محذوفة الفاعل بقرينة المذكور، ولذلك وافقتا مع الموصوف في الإعراب والتأنيث والتنكير، وإنّما أتى بهما مفرداً إما باعتبار فاعلهما أو باعتبار تأويل الموصوف بالمفرد، فافهم.)### المعنىإعلم أن مقصوده بهذه الخطبة بيان معنى الزهد والتنبيه على لزومه لكونه من عظائم مكارم الصالحين، وجلائل صفات المتقين وعمدة مقامات السالكين إلى الله تعالى بقدمي الطاعة واليقين، والرّغبة ضدّه والأوّل من جنود العقل والثاني من جنود الجهل، وقد فسره بقوله : (أيها الناس الزهادة قصر الأمل والشكر عند النعم والورع عن المحارم وهذه الثلاثة لوازم الزّهد فتكون تعريفاً بالخاصة المركبة.)من وإنما قلنا إنها من لوازمه لأنّ الزّهد في الحقيقة عبارة عن أعراض النفس عن الدنيا وإقبالها إلى الآخرة، ومن هنا قيل: إنه جعل القلب حياً بمشاهدة أحوال الآخرة وميتاً في طمع الدنيا، ومن المعلوم أن إعراض النفس عن الدنيا مستلزم لقصر الأمل فيها، والإقبال إلى الآخرة مستلزم للشكر إذ الكفران موجب للعذاب باعث للسخط والعقاب كما قال تعالى : ﴿وَلَئن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7].)وكذلك يلزمه الورع عن المحارم والكف عنها إذ لا ينال ما عند الله إلا بالورع، قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ في «رواية الوسائل» : عليكم بالورع فإنّه الدين الذي تلازمه وندین الله تعالى به ونريده ممّن يوالينا لا تتعبونا بالشفاعة (1).)وفي حديث أبي ذر قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يا أبا ذر من لم يأت يوم القيامة بثلاث فقد، خسر، قلت: وما الثلاث فداك أبي وأمي؟ قال: ورع يحجزه عما حرم الله عزّ وجلّ عليه،)
1) وسائل الشيعة : 248/15 ح20411، والأمالي : 281 ح 544.
وحلم يرد به جهل السفيه وخلق يداري به الناس (1، هذا.)ولما كان ملازمة هذه الأمور الثلاثة بأجمعها شاقة صعبة في حق الأغلب من الناس لا جرم رخص لهم في طول الأمل بقوله : (فإن عزب وبعد (ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم ولا تنسوا عند النّعم شكركم) يعني أنكم إن لم تتمكنوا من الإتيان بالأمور الثلاثة فلا محالة لا تتركوا الاثنين إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله، وإنّما رخص في ترك طول الأمل ولم يرخص في ترك الشكر أو الورع، لأن طول الأمل ليس محرماً بالذات، وإن كان ينجر إلى المحرم أحياناً بخلاف الكفران والتقحم في المحارم، فإنّهما محرمان بالذات والترخيص فيهما موجب للإغراء بالقبيح.)ثم أكد ملازمة الزهادة وعلل لزومها بقوله : (فقد أعذر الله إليكم بحجج مسفرة وكتب بارزة العذر واضحة يعني أظهر عذره إليكم في تعذيبكم لو خالفتم تكاليفه بإقامة الحجج الظاهرة المضيئة وإنزال الكتب الواضحة التي أبرز فيها عذره ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بيّنة، ولئلا يكون للنّاس على الله حجة بعد الرّسل.)أو أنه سبحانه أزال عذره بإقامة البراهين العقلية والنقلية والحجج الباطنية والظاهرية، فلم يبق لكم مقام للاعتذار وأن تقولوا يوم القيامة ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى.### تبصرةينبغي أن نشير إلى بعض ما ورد في فضيلة صفة الزهادة وذم نقيضها أعني الرغبة من الآيات والأخبار ونردف ذلك بذكر أقسام الزّهد.فأقول قال سبحانه : (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِي زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِي قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً وَلَا يُلْقَاهَا إِلَّا الصَّابرُونَ) [القصص: 79-80].
فنسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية المدح والثناء وقال :(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 131] وقال (مَن كانَ يُريدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَمُ فِي حَرثهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ) [الشورى: 20].)
1) مكارم الأخلاق : 468، وبحار الأنوار: 87/74.
وأما الأخبار: ففي «الكافي» في باب ذم الدنيا والزّهد فيها بإسناده عن الهيثم بن واقد الحريري عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال: من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا دائها ودوائها وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام.)وعن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : سمعته يقول : جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا (1).)وعن أبي حمزة عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا (2).)وعن علي بن هاشم بن البريد عن أبيه أنّ رجلاً سأل علي بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ عن الزّهد فقال : عشرة أشياء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرّضا، ألا وإنّ الزّهد في آية من كتاب (3)الله عزّ وجل : (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا ءاتَاكُمْ) [الحديد: 23].)وعن سفيان بن عيينة قال : سمعت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ وهو يقول : كل قلب فيه شك أو شرب فهو ساقط، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم في الآخرة.)وعن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ قال : قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن علامة الله الرّاغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الحياة الدنيا أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه ممّا قسم الله عزّ وجل له فيها وإن زهد، وإن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها، وإن حرص، فالمغبون من حرّم حظّه من الآخرة (4).)إلى غير ما في هذا المعنى من الزوايات، وقد عقد في «الكافي» باباً لها ومضى شطراً منها في شرح الخطبة الثامنة والعشرين إذا عرفت ذلك، فلنذكر أقسام الزهد.فأقول : إنّه ينقسم على ما ذكره أبو حامد الغزالي في إحياء العلوم، تارة بالنظر إلى نفسه، وأخرى بالنظر إلى المرغوب فيه، وثالثة بالنظر إلى المرغوب عنه.أما الأول : فهو إنّه يتفاوت بحسب الشدّة والضعف والكمال والنقصان على مراتب ثلاث.
المرتبة الأولى : وهي السفلى أن يزهد في الدنيا، وهو لها راغب والقلب إليها مائل ونفسه لها مشتهية، ولكنه يجاهدها ويكفّها وهذا يسمّى المتزهد.المرتبة الثانية : ترك الدنيا طوعاً لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك در هماً لأجل درهمين، فإنّه لا يشق عليه ذلك، وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل، ولكن هذا الزاهد لا محالة يرى زهده ويلتفت إليه، ويكون معجباً بنفسه ويزهده ويظن في نفسه أنه ترك شيئاً له قدر لما هو أعظم قدراً منه.المرتبة الثالثة : وهي العليا الزّهد طوعاً والزهد في الزهد بأن لا يرى زهده إذ لا يرى أنّه ترك شيئاً لمعرفته بأن الدنيا لا شيء، كمن ترك قذرة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة، ولا يرى نفسه تاركاً شيئاً إذ الدنيا بالنسبة إلى الآخرة أخسّ من قذرة بالنسبة إلى الجوهرة، فهذا هو الكمال في الزهد وسيبه كمال المعرفة.وأما الثاني فهو أنّه ينقسم بالنسبة إلى المرغوب فيه أيضاً على ثلاث مراتب :المرتبة الأولى: أن يكون المرغوب فيه النّجاة من النار، ومن سائر الآلام كعذاب القبر وطول الحساب وخطر الصراط وسائر ما بين يدي الإنسان من الأهوال على ما وردت في الأخبار.المرتبة الثانية : أن يكون المرغوب فيه اللذائذ الموعودة والنعم الموجودة في الجنّة من الحور والقصور والأنهار والأثمار وسائر ما أعدت للمتقين وهذا زهد الراجين فإنّهم لم يتركوا الدنيا قناعة بالعدم وخلاصاً من الألم، وإنما تركوها رغبة في وجود دائم وطمعاً في نعمة غير منقطعة.المرتبة الثالثة : أن لا يكون له رغبة إلا في الله وفي لقائه فلا يكون له توجه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا التفات إلى النعم ليقصد الفوز بها، بل هو مستغرق الهم بالله وهو الذي أصبح وهمه هم واحد وهو الموحد الحقيقي الذي لا يطلب غير الله إذ طلب غيره سبحانه لا يخلو من شرك خفي.وهذه المرتبة مختصة بالتأمين في المحبة والكاملين في مقام الرضا، وليس غرضهم إلا تحصيل الرضوان ولا لهم نظر إلى الحور والقصور وسائر اللذائذ الموجودة في الجنان؛ لأن لذائذ الجنّة كلها عندهم بالنسبة إلى لذة الاستغراق والفناء مثل لذة اللعب بالعصفور والاستيلاء عليه بالنسبة إلى لذة الملك والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق، والطالبون لنعيم الجنة عند أهل المعرفة والكمال كالصبي الطالب للعب بالعصفور التارك للذة السلطنة والملك من حيث قصوره عن إدراك هذه اللذة وإلى هذه أشير في قوله :(وعد الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالدين فيها ومساكن طيبة
فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَر ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 72].)أي الرّضوان من الله أكبر من جميع الله أكبر من جميع ما في الجنات من للذات وهو الفوز العظيم إذ هو غاية كل لذة ومنتهى كل سعادة يستحقر دونه كل بهجة.وأما الثالث : أعني الانقسام بالنسبة إلى المرغوب عنه فنقول : إن الأقسام بالنسبة إلى ذلك كثيرة غير محصورة، إلا أن هناك مجامع محيطة بها إجمالاً وهي أيضاً متفاوتة المراتب بعضها أجمل وبعضها أشرح لآحاد الأقسام وأقرب إلى التفصيل.أمّا الإجمال في الدرجة الأولى فهو كل ما سوى الله فينبغي أن يزهد فيه حتى يزهد في نفسه أيضاً.وأمّا الإجمال في الدرجة الثانية فهو أن يزهد في كل صفة للنفس فيها تمتع وشهوة وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر والرئاسة والمال والجاه وغيرها.وأما الإجمال في الدرجة الثالثة فهو أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما إذ إليهما ترجع جميع حظوظ النفس.وأما الإجمال في الدرجة الرابعة فهو أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم والجاه إذ الأموال، وإن كثرت أصنافها فيجمعها الدينار والدرهم والجاه وإن كثرت أسبابه فيرجع إلى العلم والقدرة، وأعني به كلّ علم وقدرة يتعلّق بملك القلوب، فإنّ المقصود بالجاه ملك القلوب والقدرة والاستيلاء عليها مع الشعور بذلك، كما أن المقصود بالمال ملك الأعيان والقدرة عليها، فإن جاوزنا عن هذا التفصيل الإجمالي إلى شرح وتفصيل أبلغ من ذلك يكاد يخرج ما فيه الزهد عن الحصر، وقد ذكر الله تعالى في آية واحدة سبعة منها فقال :(زين للنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسَنُ الْمَئَابِ [آل عمران: 14] ثم ردها في آية أخرى إلى خمسة فقال عز وجل:
(وأَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالأَوَلَادِ﴾ [الحديد: 20]
ثمّ ردّها في موضع آخر إلى اثنين فقال تعالى :
(أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهو] [الحديد: 20].
ثمّ ردّ الكل إلى واحد فقال :
(وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهوى) [النازعات : 40].
فالهوى لفظ جامع لجميع حظوظ النفس في الدنيا، فينبغي أن يكون الزهد فيه، فأعلى مراتب الزهد بالنسبة إلى المرغوب عنه هو الزهد عن ما سوى الله، وبعدها الزهد عن حظوظ النفس وأدناها الزهد عن المحرمات الشرعية، والله ولي التوفيق.
از جمله خطب آن مقتدای عالمیان است كه ترغیب فرموده مردم را به را به آن به ورع و زهادت و شكر و سپاس حضرت عزت به این نحو كه :
ای مردمان زاهد بودن كوتاهی آرزوها است و شكر كردن است بر نعمت ها پرهیزكاری است از حرام ها، پس اگر بعید باشد استجماع این امور از شما پس لازم است كه غالب نشود حرام صبر شما، را و فراموش ننمایید نزد نعمتها شكرگذاری خود را پس به تحقیق كه اظهار فرمود حضرت كردگار عذر خود را به سوی شما در تعذيب شما به حجتهای شما روشن و نمایان و كتابهای سماویه كه عذر آن ظاهر است و عیان در میان مردمان.
ما أَصِفُ مِنْ دارٍ أَوَّلُها عَناء، وآخِرُها فَناء، في حَلالِها حِساب، وفي حَرامِها عِقابٌ، مَنِ اسْتَغْنى فيها فُتِنَ ومَن أَفْتَقرَ فيها حَزنَ، ومَنْ ساعاها فاتَتْهُ، ومَنْ فَعَدَ عَنْها واتَتْهُ، ومَنْ أَبْصَرَ بَصَّرَتْهُ، ومَنْ أَبْصَرَ إِلَيْها أَعْمَتَهُ (1).
قال السيد: أقول : وإذا تأمل المتأمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): من أبصر بها بضرته، وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ما لا يبلغ غايته ولا يدرك غوره، ولا سيما إذا قرن إليه قوله : (ومن أبصر إليها أعمته)، فإنّه يجد الفرق بين أبصر بها وأبصر إليها واضحاً نيراً وعجيباً باهراً.
(العناء) بالمد التعب والمشقة و (فتن) بالبناء على المجهول من الفتنة بمعنى بمعنى الضلالة و (حزن) بالبناء على المعلوم من باب فرح (وأنته) من المواتاة قال الطريحي : وهو حسن المطاوعة والموافقة وأصله الهمزة خفف وكثر حتى يقال بالواو الخالصة ومنه الحديث خير النساء المؤاتية لزوجها (2)، وفي «المصباح» أتيته على الأمر وافقته، وفي لغة لأهل اليمن تبدل الهمزة (واواً)، فيقال وأتيته على الأمر مواتاة وهي المشهورة على ألسنة الناس و (الغور) بالفتح من كل شيء قعره.
الضمير في قوله : (فاتته) منصوب المحل بنزع الخافض أي فاتت منه (والباء) في قوله من أبصر بها للاستعانة أعني الداخلة على آلة الفعل وتعدية أبصر بالحرف في قوله : (ومن أبصر إليها) مع كون الفعل في أصله متعدّياً بنفسه، إما من أجل تضمينه معنى التوجه والالتفات، أو من أجل تضمين معنى النظر، والأوّل أنسب وأقرب لزيادة ظهور الفرق الذي أشار إليه السّيد بين الفعلين أعني الجملتين على ذلك، وإن كان الثاني صحيحاً أيضاً، (وغايته وغوره)، إما بالرفع على النيابة عن الفاعل وإمّا بالنصب على كون الفعلين مبنيان للمعلوم وفاعلهما الضمير المستتر الراجع إلى المتأمل.
إعلم أن هذا الكلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسوق للتنفير عن الدنيا والأم لها، وقد ذكر من أوصافها أموراً عشرة.
الأوّل: قوله : (ما أصف من دار أوّلها عناء) أي : مشقة وتعب، وذلك لأن مبدأ نشور الإنسان على ما حقق في الطب هو الماء الدافق يخرج من بين الصلب والترائب، وذلك الماء إذا وقع في الرّحم اختلط بماء المرأة ودمها وغلظ ثم الزيح يمخض ذلك الماء حتى يتركه كالرائب الغليظ، ثم يقسمه في الأعضاء، فإن كان ذكراً فوجهه قبل ظهر أمه، وإن كان أنثى، فوجهها قبل بطن أمها وذقنها على ركبتيها، ويداها على جنبيها مقبضة في المشيمة كأنها مصرورة في صرّة، وتتنفس من متنفّس شاق، وليس منها عضو إلا كأنه مقموط فوقه حرّ البطن وتحته ما تحته، وهو منوط بمعاء من سرتها إلى سرّة أمها، ومنها تمتص وتعيش من طعام أمها وشرابها.
فهو بهذه الحالة في الغم والظلمات والضيق حتى إذا كان وقت ولادته سلط الله الرّيح على بطن أمه وقوى عليه التحريك فتصوب رأسه قبل المخرج فيجد من ضيق المخرج و عصره ما يجده صاحب الزهق، فإذا وقع على الأرض فأصابته ريح أو مسته يد وجد من ذلك من الألم ما لا يجده من سلخ جلده.
ثم هو في ألوان من العذاب إن جاع فليس له استطعام، وإن عطش فليس له استسقاء أو وجع فليس له استغاثة مع ما يلقاه من الرفع والوضع واللف والحل، إذا أنيم على ظهره لا يستطيع تقلباً، أو أقعد لا يستطيع تمدّداً.
فلا يزال في أصناف هذا العذاب ما دام رضيعاً، فإذا أفلت من ذلك أخذ بعذاب الأدب فأذيق منه ألواناً، وإذا أدرك فهم المال والأولاد والشّره والحرص ومخاطرة الطلب والسعي.
وكل هذا يتقلب فيها معه أعدائه الأربعة : المرة والبلغم والدم والريح، والسم المميت والحياة اللاذعة مع خوف السباع والناس وخوف البرد، والحرّ ثم ألوان أوصاب الهرم إن بلغه.
(و) الثاني إنّ (آخرها فناء) إذ كل نفس ذائقة الموت مشرفة على الفوت ومفارقة للأهل والأولاد مهاجرة عن الوطن والبلاد، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] وكل إنسان ملاق ربه.
والثالث أنّه (في حلالها حساب) قال سبحانه :
(إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) :[الغاشية: 25-26] وقال أيضاً (وإن
كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء : 47] وقال: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39].
قال الطبرسي: لا يشغله حساب عن حساب فيحاسب الجميع على أفعالهم في حالة واحدة، وسئل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كيف يحاسبهم في حالة واحدة؟ فقال : كما يرزقهم في حالة واحدة (1).
واعلم أن الحساب في القيامة مما يجب أن يؤمن به، وأما أن المحاسب عليه والمسئول عنه ماذا فقد اختلف فيه الأخبار، فبعضها كالآيات واردة على نحو العموم أو الإطلاق، وبعضها مخصوصة أو مقيدة.
ففي النبوي المعروف بين الخاصة والعامة، قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا يزال قدم عبد يوم القيامة من بين يدي الله عزّ وجل حتى يسأل عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته، وعن حبّنا أهل البيت فقال عمر بن الخطاب: وما علامة حبكم يا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)؟ فقال : محبة هذا (2)، ووضع يده على رأس أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وروى الصدوق بإسناده عن إبراهيم بن العباس الصّولي قال : كنا بين يدي علي بن موسى الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) فقال : ليس في الدنيا نعيم حقيقي، فقال له بعض الفقهاء ممن :بحضرته قول الله عز وجل :
(ثمَّ لَتُسْئلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر : 8].
أما هذا النعيم في الدنيا وهو الماء البارد، فقال له الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعلا صوته: هكذا فسرتموه أنتم وجعلتموه على ضروب فقالت طائفة : هو البارد من الماء، وقال غيرهم هو الطعام الطيب، وقال آخرون : هو النوم الطيب
ولقد حدثني أبي عن أبيه أبي عبد الله (عليه السلام) إنّ أقوالكم هذه ذكرت عنده في قوله تعالى :
(لَتُسْتَلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر : 8].
فغضب وقال : إن الله تعالى لا يسأل عباده عما تفضل عليهم به، ولا يمن بذلك عليهم والامتنان مستقبح من المخلوقين فكيف يضاف إلى الخالق عز وجل ما لا يرضى به
للمخلوقين، ولكن النعيم حبنا أهل البيت وموالاتنا، يسأل الله عنه بعد التوحيد والنبوة لأن العبد إذا وافى بذلك أداه إلى نعيم الجنّة الذي لا يزول.
ولقد حدثني بذلك أبي عن محمد بن علي عن أبيه عن الحسين بن علي عن أبيه (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنّه قاله وقال : قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا علي أول ما يسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك ولي المؤمنين بما جعله الله (1)لك، فمن أقر بذلك وكان معتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له (2)
وفي «جامع الأخبار» وغيره عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى منادياً فينادي أين الفقراء؟ فيقوم عنق من الناس فيؤمر بهم إلى الجنّة فيقول : خزنة الجنّة قبل الحساب، فيقولون ما أعطونا شيئاً فيحاسبونا عليه فيقول الله تعالى : صدقوا عبادي ما أفقرتكم هواناً بكم، ولكن ادخرت بهذا لكم بهذا اليوم انظروا وتصفحوا وجوه الناس فمن أتى إليكم معروفاً فخذوا بيده وأدخلوا الجنة
وعن الإرشاد عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): دخل الفقراء على الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، ومقداره خمسمائة عام، هذا.
وقال المحدّث المجلسي في كتاب حق اليقين إن المعلوم من الآيات والأخبار أن الحساب والسؤال حق، وأما الخصوصية في المسئول والمسئول عنه والمحاسب والمحاسب عليه فغير معلومة.
فذهب جمع إلى أن السؤال من جميع النّعم والأموال الدنيوية، وتدلّ عليه الأخبار الخاصية والعامية الدالة على أن في حلالها حساباً وفي حرامها عقاباً، والمستفاد من طائفة من الروايات أنّ المؤمن لا حساب عليه وفي بعضها أنه لا حساب في المأكول والملبوس والمنكوح، ويستفاد من بعض الأخبار أن قوماً يدخلون الجنة بغير حساب كما مر في «رواية جامع الأخبار» ومن بعضها أن بعض الأعمال الصالحة توجب دخول صاحبه على الجنة بلا حساب فهذه مخصوصة لعمومات أدلة الحساب.
ويمكن الجمع بين الروايات بوجهين :
أحدهما حمل الأخبار النافية للحساب على انتفائه في حق المؤمن، والأخبار المثبتة على ثبوته في حق غير المؤمن.
والثاني: حمل الأخبار الأولة على عدمه في الأمور الضرورية مثل الثلاثة السابقة، وحمل الأخبار الثانية على وجوده في غير الأمور الضرورية كالإسراف والتبذير والصرف في المحرّمات والكسب من غير الوجوه المشروعة أو زائداً على قدر الحاجة الموجب تحصيله لتضييع العمر وتفويت الزمان، فافهم.
(و) الرابع أنه (في حرامها عقاب) وهو واضح لا غبار عليه وإلى هذا الوصف وسابقه نظر الشاعر في قوله :
الدهر يومان فيوم مضی*** عنك بما فيه ويوم جديد
حلال يوميك حساب وفي*** حرام يوميك عقاب شديد
تجمع ما يأكله وارث*** وأنت في القبر وحيد فريد
أني لغير واعظ تارك*** نفسي وقولي من فعالي بعيد
حلاوة الدنيا ولذاته***تكلف العاقل ما لا يريد
الخامس: أنّ (من استغنى فيها فتن) لأن الاستغناء شاغل عن ذكر الله مضل عن سبيل الله فهو بلاء ابتلاه الله به، كما نطق به القرآن الكريم.
(إنما أَمْوَالُكُمْ وَأَوَلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن : 9].
(و) السادس: إنّ (من افتقر فيها حزن) لظهور أن الافتقار فيها لطالبها موجب لشدّة المحنة ومنتهى الحزن والكأبة.
وفي «جامع الأخبار» قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): الفقر أشد من القتل، وقال أوحى الله إلى إبراهيم فقال يا إبراهيم خلقتك وابتليتك بنار نمرود، فلو ابتليتك بالفقر ورفعت عنك الصبر فما تصنع ؟ قال إبراهيم يا ربّ الفقر إلي أشدّ من نار نمرود، قال الله تعالى : فبعزتي وجلالي ما خلقت في السماء والأرض أشدّ من الفقر، الحديث.
وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الفقر الموت الأكبر»، وقال «لولا رحمة ربي على فقراء أمتي كاد الفقر أن يكون كفراً»، هذا (1).
ولشدّته دعا سيد العابدين وزين الساجدين سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين أن يصرفه الله عنه ولا يبتليه به حيث قال :
اللهم لا طاقة لي بالجهد ولا صبر لي على البلاء ولا قوة لي على الفقر، فلا تخطر علي رزقي ولا تكلني إلى خلقك، بل تفرّد بحاجتي وتول كفايتي وانظر إلي وانظر لي في
1) بحار الأنوار: 47/69 ح 58، وميزان الحكمة : 2442/3.
جميع أموري، فإنّك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها، ولم أقم ما فيه مصلحتها، وإن وكلتني إلى خلقك تجهموا لي وإن ألجاتني إلى قرابتي حرموني، وإن أعطوني أعطوني قليلاً نكداً ومنّوا عليّ طويلاً وذموا كثيراً، فبفضلك اللهم فاغنني وبعظمتك فانعشني، وبسعتك فابسط يدي وبما عندك فاكفني (1).
(و) السابع أن (من ساعاها فاتته و) الثامن أن (من قعد عنها واتته) وعللهما الشارح البحراني بأن أقوى أسباب هذا الفوات أن تحصيلها أكثر ما يكون بمنازعة أهلها عليها ومجاذبتهم إياها، وقد علمت ثوران الشهوة والغضب والحرص عند المجاذبة للشيء وقوّة منع الإنسان له وتجاذب الخلق للشيء وعزته عندهم سبب لتفويت بعضهم له على بعض والقعود عنها وتركها، وإن كان الغرض منهما المواتاة سبب لمواتاتها كما يفعله أهل الزهد الظاهري المشوب بالرّبا الذي ترك الدنيا للدنيا، فإنّ الزّهد الظاهري أيضاً مطلوب الشارع إذ كان وسيلة إلى الزهد الحقيقي كما قال الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الرّيا قنطرة الإخلاص» (2).
أقول: والأظهر عندي غير هذا المعنى وهو أن يكون المراد بفواتها في حق الساعين لها عدم بقائهما في حقهم لسرعة زوالها وفنائها فيصبحون مع شدّة رغبتهم إليها وطلبهم إياها، وأيديهم عارية من حطامها خالية من زبرجها وزخرفها لحلول الموت ونزول الفوت.
ويحتمل إرادة فواتهما عنهم في حال الحياة فيكون كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) محمولاً على الغالب، فإن أكثر الناس وأغلبهم مع كونهم تابعين للدنيا راغبين عن الآخرة لا تقع الدنيا في أيديهم، وإن خلعوا عن أعينهم الكرى وطال لهم الشهر، وهذا بخلاف التاركين لها والزاهدين فيها زهداً حقيقياً، فإنّ الدنيا مطيعة لهم مقبلة إليهم وهم معرضون عنها غير ناظرين إليها.
ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا دنيا إليك عني أبي تعرّضت أم إلي تشوفت لا حان حينك هيهات غرّي غيري لا حاجة فيك قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها (3).
وفي النبوي قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن الله جل جلاله أوحى إلى الدنيا أن أتعبي من خدمك واخدمي من رفضك» (4).
وفي رواية أخرى الزاهد في الدنيا يريح قلبه وبدنه، والراغب فيها يتعب قلبه وبدنه.
التاسع والعاشر : ما أشار إليه بقوله : (ومن أبصر بها بصرته ومن أبصر إليها أعمته)،
يعني من جعلها آلة لإبصاره ومرآتاً للوصول إلى الغير تجعله الدنيا صاحب بصيرة، ومن كان نظره وتوجهه إليها وهمته معطوفاً عليها تجعله الدنيا أعمى.
توضيح ذلك أنّ النظر إلى الدنيا يتصور على وجهين :
أحدهما: أن يكون المطلوب بالذات من ذلك النظر هو الدنيا نفسها، ولا شك أنّ الدنيا حينئذٍ تكون شاغلة له عن ذكر الله صارفة عن سلوك سبيل الحق، فيكون ضالاً عن الصراط المستقيم ناكباً عن قصد الهدى، وهو المراد بكونه أعمى يعني أن الدنيا حينئذ تكون موجبة لعماء عين قلبه عن إدراك المطالب الحقة، وعن الاهتداء إلى سلوك سبيل الآخرة، ولذلك خاطب الله سبحانه النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ظاهراً وأراد أمته باطناً بقوله :
(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131 ].
والثاني : أن يكون الغرض بالنظر إلى الدنيا هو التبصر بها والاهتداء إلى المبدأ والمعاد إذ ما من شيء فيها إلا وهو من آثار الصنع وأدلة القدرة وعلامة العزة والسلطنة
ففي كل شيء له آية*** تدل على أنه واحد
وسنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، فبالنظر إلى الأنفس والآفاق تحصل البصيرة والكمال، ويتمكن من المعرفة والوصول إلى حضرت ذي الجلال كما يهتدي إلى الآخرة ويرغب عن الدنيا بالنظر إلى الأمم الماضية والقرون الفانية والملوك العاتية، كيف انتسفتهم الأيام فأفناهم الحمام فامتحت من الدنيا آثارهم وبقيت فيها أخبارهم.
يستفاد من كشف الغمة أنّ هذا الكلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملتقط من كلام طويل أسقط السيد بعض فقراته على عادته قال : قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوماً، وقد أحدق به الناس :
أحذّركم الدنيا فإنّها منزل قلعة وليست بدار نجعة، هانت على ربّها فخلط شرّها بخيرها وحلوها بمرها، لم يصفها الله لأوليائه ولم يضنّ بها على أعدائه، وهي دار ممز لا دار مستقر، والناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فأعتقها، إن أعذو ذب جانب منها فحلاً أمر منها جانب فأوبى، أوّلها عناء وآخرها فناء من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته ومن قعد عنها وأتته ومن أبصر ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته فالإنسان فيها غرض المنايا مع كلّ جرعة شرق، ومع كل أكلة غصص، لا ينال منها نعمة إلا بفراق أخرى (1).
1) نهج السعادة : 154/3، وميزان الحكمة: 3014/4 ح 10.
از جمله كلام آن حضرت است در مقام ذمّ دنیا و تنفیر از آن كه می فرماید:
چه تعریف كنم سرایی را كه اول آن رنج است و عنا و آخر آن فوت است و فنا ؟ در حلال آن حساب است و در حرام آن عذاب، هركس غنی شد در آن مبتلا شد به انواع بلا و افتاد در فتنه و ضلال و هركس محتاج گردید در او گرفتار شد به اندوه و ملال و هر كه سعی نمود و شتافت به سوی آن فوت شد از آن به سبب حلول موت و هر كه قدم پس نهاد و ترك كرد آن را موافقت نمود او را و مساعدت و هر كه دنیا را آلت بصیرت و واسطه معرفت خود گردانید، دنیا او را صاحب بصیرت نمود و هر كه نظر همت خود را به دنیا مصروف داشت، كور نمود دنیا او را.
وشرحها في ضمن فصول، وبعض فصولها مروي في «البحار» بتفاوت واختلاف لما في الكتاب تطلع عليه عند الفراغ من شرح الخطبة في التكملة الآتية فانتظر.
أَلْحَمْدُ لله الذي عَلا بِحَوْلِهِ، ودَنا بِطَوْلِهِ، مانِحٍ كُلِّ غَنِيَمةٍ وفَضْلٍ وِكاشِفِ كُلِّ عَظيمَةٍ وأَزْلٍ، أَحْمَدُهُ عَلى عَواطِفِ كَرَمِه، سوابغ نِعمه، وأَؤْمِنُ بِه أَوَّلاً بادياً، وأَسْتَهْدِيهِ قَريباً هادِياً، وأَسْتَعينُهُ قاهِراً قادِراً، وأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كافياً ناصِراً، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لإنفاذِ أَمْرِه، وإِنْهاءِ عُذْرِه، وتَقْدِيمِ نُذْرِهِ (1).
(الحول) القوة و (الطول) الفضل والسعة و (منحه) أعطاه) و (الأزل) بفتح الهمزة وسكون الزّاء المعجمة الشدة والضيق و (عطفته) عطفاً ثنيته و أسبع نعمه عليكم أي أتمه و (البادي) الظاهر ومنه قوله تعالى: (بادي الرأي)، أي ظاهره يقال : بدا يبدو بدواً أي ظهر فهو باد أو من البداية مقابل النّهاية (والإنهاء) الإبلاغ و (العذر) و (النذر) في قوله تعالى : (عُذْرًا أَوْ نُذرًا﴾، أي حجة وتخويفاً أو إعذاراً وإنذاراً، أي تخويفاً ووعيداً.
أولاً : (وبادياً) إما منصوب على الظرفية فتكون متعلقاً (بأؤمن) وعليه فيكون بادياً من البداءة، أي: أو من به ابتداء قبل كل شيء، أو منصوبان على الحالية من الضمير في به فيكونان في المعنى وصفين الله سبحانه، وهذا هو الأظهر من حيث السياق لأن المنصوبات الستة بعدهما من أوصاف الله تعالى، إلا أنّ الأوّل أقرب من حيث المعنى، فافهم وتأمل.
إعلم أنّ هذه الخطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما ذكره السيد من الخطب العجيبة مشتملة على نكات بديعة ومطالب أنيقة، حسبما تعرف إليها الإشارة وهذا الفصل منها مسوغ للثناء على الله
1) ميزان الحكمة : 3309/4، وتفسير مجمع البيان: 88/8.
سبحانه باعتبار نعوت جلاله وصفات كماله.
فقوله : (الحمد لله الذي علا بحوله) إشارة إلى علوه عزّ وجل على كل شيء، لكن لا بالمعنى المتعارف في الخلق من الفوقية الحسية والخيالية، بل العلو بالغلبة والقهر والاستعلاء بالقدرة والقوة وقوله : (ودنا بطوله) إشارة إلى قربه من كل شيء، لكن لا بالمعنى المتعارف في الأجسام المتقارنة بل القرب بالفضل والسعة والدنو والإحسان والعطية.
وقد قدمنا الكلام في علوه سبحانه ودنوه بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الخامس والسادس من فصول الخطبة الأولى، وفي شرح الخطبة التاسعة والأربعين أيضاً، ولئن رجعت إلى ما حققناه هناك عرفت أن علوه سبحانه على الأشياء لا ينافي قربة منها، وأن قربه بها لا ينافي بعده عنها، فهو تعالى في كمال علوه على خلقه منهم قريب، وفي منتهى قربه إلى الخلق عنهم بعيد.
وهو سبحانه: (مانح كل غنيمة وفضل وكاشف كل) داهية (عظيمة وأزل)، لأن كل نعمة مبدؤها وجوده، وكل عطية منشؤها كرمه وجوده، فهو منزل النّعم الجسام ومنفس الكرب العظام، وهو الصارف لطارق البلاء والدافع للبأساء والضراء وهو مجيب المضطر إذا دعاه وكاشف السوء عنه حين ناداه.
(وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجئرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بربّهم يُشْرِكُونَ) [النحل: 53-54].
(أحمده على عواطف كرمه) والكريم من أسمائه تعالى وهو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، ويفيض الخير عنه من غير بخل، ومنع على كل قابل بقدر قابليته وعواطف كرمه سبحانه عبارة عن فيوضاته العائدة إلى العباد مرة بعد أخرى، وعن خيراته النازلة إليهم تترى فإنه تعالى لا يفتقر عن كثرة العطاء، ولا يعجر عن الجزاء وجوده يعلو كل جواد و به جاد كل من جاد :
(وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [لقمان: 12].
(و) نشكره على (سوابغ نعمه) أي : نعمه التامة الكاملة وآلآنه الظاهرة والباطنة كما قال عز من قائل :
(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) [لقمان: 20].
قال الطبرسي : النعمة الظاهرة مالا يمكنكم جحده من خلقكم وإحيائكم وإقداركم وخلق الشهوة فيكم وغيرها من ضروب النعم، والباطنة ما لا يعرفها إلا من أمعن النظر فيها.
وعن ابن عباس الباطنة مصالح الدين والدنيا مما يعلمه الله وغاب عن العباد علمه.
وعنه قال : سألت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنه فقال : يا بن عباس أما ما ظهر فالإسلام وسوى الله من خلقك، وما أفاض عليك من الرزق، وأما ما بطن فستر مساوي عملك ولم يفضحك به يا ابن عباس إن الله تعالى يقول ثلاثة جعلتهن للمؤمن ولم تكن له صلاة المؤمنين عليه من بعد انقطاع عمله، وجعلت له ثلث ماله يكفر خطاياه والثالثة سترت مساويء عمله فلم أفضحه بشيء منه، ولو أبديتها عليه لنبذه أهله فمن سواهم (1).
وقيل : الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة وقيل : الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة، وقيل : الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة الإمداد بالملائكة وقيل : الظاهرة نعم الجوارح والباطنة نعم القلب.
وقال الرازي في «التفسير الكبير» : الظاهرة هي ما في الأعضاء من السلامة والباطنة ما في القوى فإن العضو ظاهر وفيه قوة باطنة ألا ترى أن العين والأذن شحم وغضروف ظاهر واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر، وفي كل واحد معنى باطن من الأبصار والسمع والذوق والشم، وكذلك كل عضو، وقد تبطل القوة ويبقى عضو قائماً.
أقول : والكل لا بأس به إذ الجميع من نعم الله على عباده، وفي تفسير أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ): النعمة الظاهرة الرسالة والنعمة الباطنة الولاية، (و أؤمن به أولاً بادياً)، أي: أصدق به وأعتقد بالهيئة ووحدانيته أولاً، وابتداءً قبل الاستهداء والاستعانة منه والاستعانة منه ومقدما على التوكل عليه إذ ما لم يؤمن به ولم يصدق لا يمكن الإستهداء والإستعانة والتوكل، لأن ذلك كله فرع المعرفة والإيمان وهو ظاهر بالعيان وعلى جعل انتصابهما على الحال فالإشارة بهما إلى الجهة التي هي مبدأ الإيمان إذ باعتبار أولية وجب وجوده وباعتبار كونه بادياً أظهر الموجودات وظهرت منه الآيات في الأنفس والآفاق، فكان ظاهراً بادياً في العقل بظهور آثاره ووضوح آياته، فباعتبار ظهوره مع أولية يجب الإيمان بوجوب وجوده والاذعان بالهيته.
(وأستهديه قريباً هادياً) والإشارة بهذين الوصفين كما في سابقيهما إذ من لا يتضف بالهداية كيف يتصوّر الاستهداء منه، ومن كان بعيداً كيف يطلب منه الإرشاد إلى الرشاد والدلالة على السداد (وأستعينه قاهراً قادراً) والكلام فيهما كما في سوابقهما إذ العاجز والضعيف لا يتمكن من نفسه، فكيف يكون معاوناً للغير أو يطلب منه الإعانة؟ (واتوكل عليه كافياً ناصراً) والكلام فيهما أيضاً كما فيما تقدم إذ التوكل عبارة عن الوكول والاعتماد فيما يخاف.
1) نهج البلاغة : 134/11 (محمد عبده).
وإليه يرجع ما عن معاني الأخبار مرفوعاً إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو أنه جاء جبرئيل إليه فقال له : يا جبرئيل وما التوكل ؟ قال : العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع واستعمال الياس من الناس، فإذا كان العبد كذلك لم يعتمد على أحد سوی الله ولم يَرْجُ ولم يخف سوى الله، ولم يطمع على أحد سوى الله وقال سبحانه :
(عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 3].
يعني من يفوّض أمره إليه سبحانه ويوثق بحسن تدبيره فهو كافيه يكفيه أمر الدنيا والآخرة، أنه يبلغ أمره وما أراده من قضاياه وتدابيره على ما أراده، ولا يقدر أحد على منعه ممّا أراده لا راد لقضائه ولا مبدل لحكمه وقد ظهر ممّا ذكرنا أن التوكل من شؤونات الإيمان ومن فروع المعرفة، ولذلك وصف سبحانه المؤمنين بذلك حيث قال :
(إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ * أولَئكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 2-4].
(وأشهد أن محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عبده ورسوله) قد تقدّم الكلام في ثواب الشهادة بالرسالة في شرح الخطبة الثانية ومضى تحقيق معنى العبد والرّسول في شرح الخطبة الحادية والسبعين فليراجع.
ثمّ أشار إلى بعض دواعي الرّسالة بقوله : (أرسله لإنفاذ أمره) يعني أرسله الله سبحانه لإجراء أحكامه الشرعيه وأحكام قوانينه العدلية في الخلق ليقروا له بالعبودية وليمخضوا له بالطاعة (وإنهاء عذره)، أي: إعلام معذرته وإبلاغ عذره إلى الخلق في تعذيبهم إن عصوه، وقد مضى تحقيق ذلك في شرح الخطبة الثمانين (وتقديم نذره) أي ليقدّم إنذار الله إلى الخلق وتخويفه لهم من عقابه وليبلغهم ذلك قبل يوم لقائه ليكون ذلك جاذباً لهم إلى الطاعة رادعاً لهم عن المعصية.
از جمله خطبههای عجیبه آن حضرت است:
حمد و ثنا مر ثنا مر معبود به حق را سزا است كه بلند است بر همه خلق با قدرت قوت و نزديك است از همه با فضل و عظمت و عطا كننده هر منفعت است و زایل سازنده هر بلای بزرگ و شدت.
حمد می نمایم او را بر متكرّرات كرم او و بر تمامهای نعم او و ایمان می آورم به او سبحانه در حالتی كه اوّل است و هویدا و طلب هدایت میكنم از او در حالتی كه نزديك است و راهنما و طلب یاری میكنم از او در حالتی كه غالب است و قادر و توكل میكنم به او در حالتی كه كفایت كننده است و ناصر و گواهی میدهم به این كه محمد بن عبدالله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنده برگزیده او است و رسول پسندیده او كه فرستاد او را به جهت اجرای امر شریعت او و اعلام عذر و معذرت او و مقدم داشتن ترسانیدن از عقوبت او پیش از لقاء روز آخرت.
أوصيكُمْ عِبادَ اللهِ بتَقْوَى الله الذي ضَرَبَ لَكُمُ الأَمثال، ووَقّتَ لَكُمُ الآجال، وأَلْبَسَكُمُ الرّياش، وأَرْفَغَ لَكُمُ الْمَعاشِ، وأحاطَ بِكُمُ الإخصاء، وأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزاء، وآثَرَكُمْ بِالنَّعم السَّوابِغِ، وَالرِّفْدِ الرَّوافِعِ، وأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ البَوالِغ، فَأَحْصاكُمْ عَدَداً، ووَظّفَ لَكُمْ مدَداً، قَرارِ خبرَةٍ، ودارِ عِبْرَةٍ أَنْتُمْ مُخْتَبِرُونَ فيها، ومُحاسَبُونَ عَلَيْها، فَإِنَّ الدُّنْيا رَنِقٌ مَشْرَبُها، رَدِغ مَشْرَعُها، يُونِقُ مَنْظَرُها ويُوبِقُ مَخبَرُها غَرُورٌ حائِلٌ وضَوْءٌ آفل، وظل زائل، وسنادٌ مائِل، حَتَّى إِذا أَنسَ نافرُها، وَاطْمَئَنِ ناكِرُها قَمَصَتْ بِأرْجُلها، وقَنصَتْ بِأَحْبُلِها، وأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِها، وأَعْلَقَتِ المَرْءَ أَوْهَاقَ المِنيَّةِ، قائِدَةٌ لهُ إِلى ضَنْكِ المَضْجَعِ، وَوَحْشَةِ المَرْجَعِ، ومُعايَنَةِ الْمَحَلِّ، وثَوابِ الْعَمَلِ، وكذلِكَ الْخَلَفُ بِعَقِبِ السَّلَفِ، لا تُقلِعَ الْمَنِيَّةُ اخْتِراماً، وَلا يَرْعَوي الباقُونَ اجْتِراماً، يَحْتَذُونَ مِثالاً، ويَمْضُونَ أَرْسالاً، إلى غايَةِ الإِنْتِهاءِ، وصَيُّورِ الْفَناء (1).
(الرّياش) والريش واحد قال تعالى: (وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى) [الأعراف : 26] وهو ما ظهر من اللباس الفاخر، وفي «المصباح» الزيش الخير والزياش بالكسر المال والحالة الجميلة.
أقول : ومنه قولهم ارتاش فلان أي حسنت حاله و (أرفغ) بالغين المعجمة من الرفع وهو السعة والخصب يقال : رفع عيشه بالضم رفاعة اتسع و (الرّفد) جمع رفدة وهي العطية والضلة، و (التوظيف) التعيين و (القرار) والقرارة ما فرّ فيه والمطمئن من الأرض و (الخبرة) بالضم والكسر اسم من الاختبار كالعبرة من الاعتبار، يقال اختبرت فلاناً واعتبرته امتحنته قال الاتعاظ ويكون الاعتبار بمعنى ومنه قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار) قال الخليل : العبرة والاعتبار بما مضى أي الاتعاظ والتذكر و (رئق) الماء من باب فرح ونصر رنقا ورنقاً ورنوقاً كدر فهو رنق ورنق ورنق كعدل وكتف وجبل ومكان (ردغ) ككتف كثير الوحل و(يونق) مضارع باب الأفعال يقال أنقني الشيء أعجبني، والمجرّد أنق كفرح يقال أنق الشيء أنقاً أي راق حسنه وأعجب و (يوبق) من باب الأفعال أيضاً، والمجرّد (وبق) من باب وعد ووجل وورث يقال، وبق الرّجل ويبق ويوبق وبوقا هلك، و (المخبر) كالمنظر مصدر أو اسم مكان و (الغرور) بالفتح من غرته الدنيا غرورا من باب قعد خدعته بزينتها فهي غرور مثل رسول اسم
1) بحار الأنوار: 112/9، وتفسير مجمع البيان: 74/6.
فاعل مبالغة، و (الحائل) المتغير اللون و (أقل) أفولاً من باب ضرب، ونصر وعلم غاب و (السناد) والسند بفتحتين ما استندت إليه من حائط ونحوه.
و (أنس) به أنساً من باب علم وفي لغة من باب ضرب والأنس بالضم اسم منه، واستأنست به وتآنست به إذا سكن القلب ولم ينفر، ورجل (ناكر)، ونكر فاعل من نكر الأمر من باب فرح أي أنكره و (قمص) الفرس وغيره عند الركوب قمصاً من باب ضرب وقتل : وهو أن يرفع يديه معا ويضعهما معاً، و (قنصه) يقنصه صاده فهو قانص وقنيص وقناص، و (أقصد) السهم أصاب فقتل مكانه وفلاناً طعنه فلم يخطئه و (الأوهاق) جمع وهق محرّكة ويسكن وهو الحبل يرمى في عنق الشخص يؤخذ به ويوثق وأصله للدواب ويقال في طرفه النشوطه، وهي بالضم ربطة دون العقدة إذا مدت بأحد طرفيها انفتحت.
و (الضنك) بسكون النون الضيق و (ضجع) ضجعاً وضجوعاً من باب منع وضع جنبه بالأرض كاضطجع والمضجع كمقعد موضع الضجع و (المرجع) كمنزل مصدر من رجع رجوعاً كالمرجعة وهما شاذان ؛ لأن المصادر من فعل يفعل بالفتح.
وكذلك الخلف بعقب السّلف (العقب) بكسر القاف وبسكونها للتخفيف يقال جاءني عقبه وأصل الكلمة جاء زيد يطأ عقب عمرو، والمعنى كلما رفع عمرو والمعنى كلما رفع عمرو قدماً وضع زيد قدمه مكانها، ثم كثر حتى قيل جاء عقبه، ثم كثر حتى استعمل بمعنيين .
أحدهما: المتابعة والموالاة فإذا قيل جاء في عقبه فالمعنى في أثره قال ابن السكيت بتو فلان يسقي إبلهم عقب بني فلان أي بعدهم وقال ابن فارس فرس ذو عقب أي جري بعد جري، وذكر تصاريف الكلمة، ثم قال : والباب كله يرجع إلى أصل واحد وهو أن يجيء الشيء بعقب الشيء، أي : متأخراً عنه ومنه قولهم : خلف فلان بعقبي أي أقام بعدي وعقبت زيداً عقباً وعقوباً من باب قتل جئت بعده.
«والمعنى الثاني» : إدراك جزء من المذكور معه يقال : جاء في عقب شهر رمضان إذا جاء، وقد بقي منه بقيّة ويقال إذا برأ المريض، وقد بقي شيء من المرض : هو في عقب المرض.
إذا عرفت ذلك فمعنى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وكذلك الخلف بعقب السلف)، كذلك جاء الخلف متأخراً عن السّلف، وبعدهم أو جاؤوا، وقد بقي منهم بقيّة وفي بعض النسخ يعقب السّلف بصيغة المضارع، أي: يجيء بعد السلف ويتأخر عنهم، ء بعد السلف ويتأخر عنهم، أو مع بقاء بقيّة منهم بقاء بقيّة منهم، و (قلعه) قلعاً من باب منع انتزعه من أصله والإقلاع عن الأمر الكف عنه، و اخترمته المنية أخذته والقوم استأصلتهم واقتطعتهم و (ارعوى) عن القبيح ارتدع و (الاجترام) اكتساب الجرم والذنب و (احتذيت) به إذا اقتديت به في أموره وأصله من حذوت النعل بالنعل قدرتها بها وقطعتها على
مثالها وقدرها و (الإرسال) جمع رسل بفتحتين مثل سبب وأسباب وهو القطيع من الإبل وشبه به الناس، فقيل : جاؤوا إرسالاً أي متتابعاً و (صير) الأمر بالكسر ويفتح مسيره وعاقبته كالضيور والصّيورة.
قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وأحاط بكم الإحصاء) قال الشارح المعتزلي : يمكن أن ينصب الإحصاء على أنه مصدر فيه (اللام) والعامل فيه غير لفظه ويجوز أن ينصب بأنه مفعول به ويكون ذلك على وجهين.
أحدهما: أن يكون من حاط ثلاثياً تقول حاط فلان كرمه، أي جعل عليه حائطاً فكأنه جعل الإحصاء والعد كالحائط المدار عليهم، لأنهم لا يعدونه ولا يخرجون عنه.
الثاني : أن يكون من حاط يحوط بالواو بمعنى جمع، فأدخل الهمزة كأنه جعل الإحصاء يحوطهم ويجمعهم، تقول ضربت زيداً وأضربته أي جعلته ذا ضرب كأنه جعل الإحصاء ذا تحويط عليهم بالاعتبار الأولى، أو جعله ذا جمع لهم بالاعتبار الثاني.
ويمكن فيه وجه آخر وهو أن يكون الإحصاء مفعولاً له ويكون في الكلام محذوف تقديره، وأحاط بكم حفظته وملائكته للإحصاء ودخول (اللام) في المفعول له كثير انتهى.
والأظهر هو الانتصاب بالمصدر، ومثله قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وأحصاكم عدداً) فإنّه أيضاً مصدر بغير لفظة الفعل على ما ذهب إليه الزجاج من تجويز كون العدد مصدراً مستدلاً بقوله تعالى: (سنين عددا) [الكهف: 11] وعلى هذا فيكون أصل كلامه أحصاكم وعدكم عدداً على حدّ قوله تعالى: لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَذَا [مريم : 94 ].)وأما على مذهب المشهور وهو الحق من كون العدد كالعديد اسم مصدر فهو تمييز منقول من المفعول به كقوله تعالى: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونَا [القمر: 12]، والأصل أحصا عددكم، ويمكن أن يكون حالاً أي أحصاكم معدوداً محصوراً.)وجوّز هذا الوجه مع الوجه الأول صاحب «الكشاف» في قوله : وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً حيث قال : (عدداً حال أي وضبط كل شيء معدوداً محصوراً أو مصدر في معنى الإحصاء.)قوله : (وأعلقت المرء أوهاق المنية بنصب (المرء) (والأوهاق) على المفعولية والفاعل الضمير الراجع إلى الدنيا (والباء) في قوله (بعقب السلف) بمعنى (في) كما في قوله : بالبكاء الكثير بالإطلال،)واختراماً واجتراماً منصوبان بنزع الخافض أي لا يكفون عن اخترام ولا يرتدعون عن اجترام، (وأرسالاً) منتصب على الحال.)
#### المعنىإعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة مسوق للوصية بالتقوى والخشية من الله، ومتضمّن للتنفّر عن الدنيا بذكر معائبها ومثالبها فأمر أوّلاً بالتقوى بقوله : (أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الأمثال أي: ضربها لكم في القرآن للتذكرة والموعظة كما قال تعالى :)(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر : 27].)أي : ليتذكروا بتلك الأمثال ويتدبّروا فيها فيعتبروا، والأمثال التي ضربها لهم فيه كثيرة منها قوله تعالى بعد الآية السابقة :(ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر : 29].)فإنّه مثل ضربه سبحانه لعبدة الأصنام وللمخلصين بتوحيده ويعني بقوله رجلاً فيه شركاء أنه يعبد آلهة مختلفة وأصناماً، وهم متشاجرون متعاسرون هذا يأمره وهذا ينهاه، ويريد كل واحد منهم أن يفرده بالخدمة، ثم يكل كلّ منهم أمره إلى الآخر ويكل الآخر إلى آخر، فيبقى هو خالياً من المنافع وهذا حال من يخدم جماعة مختلفة الآراء والأهواء وهو مثل الكافر.وأما مثل المؤمن الموحد فرجل سلم أي خالص يخدم مالكاً واحداً لا يشوب بخدمته خدمة غيره، ولا يأمل سواه، ومن كان بهذه الصفة نال ثمرة خدمته لا سيّما إذا كان المخدوم قادراً كريماً حكيماً.ومنها قوله تعالى في سورة يونس :(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخَتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَيَّنَتْ وَظَّنَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْها أنها أمرنا ليلا أو نهارا فجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغنَ بِالأَمْس كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس : 24]. فإنّ هذا مثل ضربه الله للتزهيد في الدّنيا والترغيب في الآخرة، فقد قيل إن المقصود بهذه الآية تشبيه الحياة الدنيا بالماء فيما يكون به من الانتفاع، ثم الانقطاع، وقيل : إن المشبه به النبات على ما وصفه من الاغترار به، ثمّ المصير إلى الزوال، وقيل: إن المقصود تشبيه الحياة الدنيا بحياة مقدّرة على هذه الأوصاف.
وعلى أي تقدير فمعنى الآية أنّ مثل الحياة الدنيا مثل الماء النازل من السماء المختلط بسببه نبات الأرض بعضه ببعض حتى إذا أخذت الأرض حسنها وبهجتها وتزينت في نظر أهلها وظن مالكها أنهم قادرون على الانتفاع بها باقتطاعها وحصادها أتاها أمر الله سبحانه أي عذابه
وبلاؤه من برد أو برد، فصارت محصودة مقلوعة يابسة كأن لم تقم على تلك الصفة بالأمس.
ونحوه في سورة الكهف: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذَرُوهُ الرِّيحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) [الكهف: 45].
ونحوهما قوله سبحانه في سورة الحديد: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهو وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بينكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهيجُ فتراه مصفرّا ثم يكون حطماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: 20].
ومنها قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرب الله مثلا كلمة طيبة كَشَجَرَةٍ طَيْبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا في السَّمَاءِ * تؤتي أكلها كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) [إبراهيم: 24-26].
فإنه تعالى شبه الكلمة الطيبة أعني شهادة أن لا إله إلا الله، أو كل كلام أمر به الله بالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت راسخ في الأرض وأغصانها في السماء، وأراد به المبالغة في الارتفاع تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها في كل ستة أشهر أو في كل سنة أو كل غدوة وعشية.
وشبه الكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر والشرك أو كل كلام في معصية الله بالشجرة الخبيثة اقتلعت جنّتها من الأرض مالها من ثبات يعني أنّ الكلمة الطيبة مثل الشجرة الطيبة ينتفع بها صاحبها عاجلاً وآجلاً، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة لا ينتفع بها صاحبها ولا يثبت له منها نفع ولا ثمر.
وفي تفسير أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ): أن الشجرة الطيبة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفرعها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعنصر الشجرة فاطمة وثمرتها أولادها وأغصانها وأوراقها شيعتنا ثم قال : إن الرجل من شيعتنا ليموت فيسقط من الشجرة ورقة وإنّ المولود من شيعتنا ليولد فيورق مكان تلك الورقة، وعلى هذا فالمراد بقوله سبحانه: (تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: 25] ما یفتی به الأئمة من آل محمّد شيعتهم في الحلال والحرام.
وفي «رواية أبي الجارود» عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوله : كلمة خبيثة كشجرة خبيثة، إنّ هذا مثل بني أمية (1)، وكيف كان فإن المقصود من هذه الأمثال المضروبة في القرآن ونحوها مما هي فوق حدّ الإحصاء هو تنبيه الخلق وتذكيرهم وإيقاظهم من نوم الغفلة والجهالة وحثهم وترغيبهم على ملازمة المعرفة والتقوى والطاعة.
1) بحار الأنوار: 218/9 ح 97، وتفسير القمي : 369/1.
ولذلك قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (أوصيكم بتقوى الله الذي ضرب لكم الأمثال)، فإنّ في التعبير بهذه اللفظة إشارة إلى أن ضربها للتقوى مما يجري أن يتّقيه الخلق، وكذلك المقصود بالأوصاف التي يذكرها بعد ذلك هو الجذب إليه، والحث عليه أعني قوله : (ووقت لكم الآجال) أي : عينها لكم وكتبها بقلم القضاء في أم الكتاب كما قال تعالى :
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف : 34].
فمن علم أن له أجلاً إذا جاء لا يؤخر، وأن له إياباً إلى ربّه الذي يؤاخذ بما قدم، وأخر فاجدر أن يخاف منه ويحذر، (وألبسكم الرّياش وأرفع لكم المعاش) أي أنزل عليكم لباساً يواري سواتكم وريشاً ولباس التقوى وأوسع عيشكم ورزقكم من الطيبات لتطيعوه في السر والإعلان ولا تجاهروه بالكفر والعدوان كما قال :
(ولئن شكرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلئن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7].
(وأحاط بكم الإحصاء وأرصد لكم الجزاء) يعني أنه سبحانه محيط بكم عالم بعدد نفوسكم لا يشذه منكم أحد، وهو تعالى أعدّ لكم جزاء أعمالكم من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون، (وآثركم بالنّعم السوابغ والرفد الروافع) أي : أنه تعالى اختاركم بنعمه التامة الكاملة، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأعطاكم الصلات الجليلة الرفيعة العالية، (وأنذركم بالحجج البوالغ) ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيز حكيماً، (فأحصاكم عدداً ووظف لكم مدداً) يعني أنه أحصا عددكم وعين مدة عمركم.
وإنما أعاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكر هذين الوصفين مع إغناء قوله : ووقت لكم الآجال وأحاط بكم الإحصاء عنه، للتاكيد والمبالغة، لأنّ ذكر توقيت المدد وتوظيف الآجال من أشد الجواذب إلى التقوى، وكذلك المعرفة بإحاطة علمه بجزئيات النفوس وعدم شذوذ شيء منها عنه رادعة لها عن المهالك والمعاطب.
فإن قيل : أي نكتة في الإتيان بالتمييز أعني عدداً بعد لفظ الإحصاء الإحصاء مع أنه لا إبهام فيه ولا خفاء بل هو مغن عنه.
قلت : السّر في ذلك كما في قوله تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدا) [الجن: 28]، وهو بيان أن علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه إجمالي، بل على وجه تفصيلي، فإن الإحصاء قد يراد به الإحاطة الإجمالية كما قال تعالى: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُومَاً [إبراهيم: 34]، أي لا تقدروا على حصرها إجمالاً فضلاً عن التفصيل.)وذلك لأن أصل الإحصاء أنّ الحاسب إذ بلغ عقداً معيناً من عقود الأعداء كالعشرة
والمائة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد، فيبنى على ذلك حسابه وقوله : (في قرار خبرة ودار عبرة أراد به أنه سبحانه عيّن لكم المدد في مقرّ البلاء والاختيار ودار الاتعاظ والاعتبار.)وهي الدار التي (أنتم مختبرون فيها بما أعطاكم الله فيها ليميز الله الخبيث من الطيب والمفسد من المصلح، حتى يزيد في إحسان المحسن ويؤاخذ بعصيان المسيء (ومحاسبون عليها) أي : على نعيمها كلاً أو بعضاً على ما مضى تحقيقاً وتفصيلاً في شرح كلامه الثمانين، ومضى هناك أيضاً توضيح الاتعاظ بالدنيا والاعتبار فيها، فليراجع ثمّة.)ثم إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ لما وصى بالتقوى وأمر بلزومه بذكر بعض الجواذب إليه أكده وعلله بقوله : (فإنّ الدنيا رنق مشربها) وهو كناية من كدر لذاتها من حيث شوبها بالتعب والمصائب والهموم والأحزان، (ردغ مشرعها) لأنّ مواردتنا ولها والشروع فيها من مزالق الأقدام عن سواء الصراط إلى طرفي التفريط والإفراط وذلك لكثرة الشبهات وغلبة المشتبهات (يونق) منظرها لما في ظاهرها من الحسن والبهجة والرّدغ والنضرة الموجبة لإعجاب الناظرين إليها والتذاذهم بها، (ويوبق) مخبرها لما في باطنها من السم القاتل الباعث على وبوق المتناولين لها وهلاك المفتتنين بها، ووقوعهم في الخزي العظيم والعذاب الأليم.)وهي (غرور حائل لأنها تغرّ الخلق وتخدعهم بزخرفها وزبرجها فيتوهمون دوامها وثباتها، ثم تنتقل عنهم وتتغير في زمان يسير ومدة قليلة، (وضوء آفل) استعار لفظ الضوء لما يظهر منها من الحسن في عيون الغافلين من قولهم على فلان ضوء إذا كان حسن المنظر، يعني إنها ذو حسن وضياء إلا أن حسنها قليل لا يدوم ويغيب فلا يبقى (وظل زائل) أي : يستريح فيها أهلها ويستظلون بها إلا أنها في معرض الفناء والزوال، (وسناد مائل) يستند إليها الغافلون ويعتمدون عليها مع أنها لا ثبات لها ولا قرار .)(حتى إذا أنس نافرها واطمئن ناكرها أي: إذا استأنس بها من كان باقتضاء عقله نافراً عنها وسكن إليها من كان بمقتضى فطرته منكراً لها (قمصت بأرجلها) كالدابة القامصة الممتنعة عن ركوب الإنسان المولية عنه.)وقمصها كناية عن امتناعها على الإنسان حين حضور أجله كأنها تدفعه برجليها مثل الدابة الموصوفة، والإتيان بصيغة الجمع مع أنّ الدّابة لها رجلان من باب التغليب واعتبار اليدين، وإنّما عبّر بالرّجل دون اليد لكون القمص إلى الزجل أنسب.(وقنصت بأحبلها كالقناص الذي يقنص الصيد ويصيده بشركه وحبائله، وهو كناية عن تمكن العلائق الدنيوية وحبائل محبتها والهيآت الردية المكتسبة عنها في عنقة بحيث لا يتمكن من الامتناع والتجنب عنها كالصيد الواقع في الشرك، (وأقصدت بأسهمها) كالزامي الذي يرمي)
بسهامه فيصيب الغرض ولا يخطئه وأسهمها كناية عن الأمراض وأسباب الموت.(وأعلقت المرء أوهاق المنيّة أي : أعلقته حبالها يعني ما تجذب بها إلى الموت من سائر أسبابه أيضاً (قائدة) بتلك الحبال (له إلى ضنك المضجع) وضيق القبر (ووحشة المرجع) وهو إشارة إلى ما يجده أهل الدنيا من الوحشة عند مفارقة الأموال والأولاد والأحبة (ومعاينة المحل) أي : مشاهدة الموضع الذي يحل به بعد الموت وهو دار الآخرة (وثواب العمل) أي : جزائه من خير أو شرّ لا الجزاء بالمعنى الأخص الذي هو عوض الطاعة.)(وكذلك الخلف بعقب السلف أي : هكذا حال الخلف بعد السلف يفعل الدنيا مثل ما فعلت بأسلافهم، وكذلك هم في الدنيا يعملون مثل ما عمله آبائهم (فلا تقلع المنية9 منهم (اختراماً ولا يرعوي الباقون اجتراماً) يعني لا يكلف المنية عن إهلاكهم واستئصال نفوسهم ولا يرتدع الباقون منهم عن جرمهم وجرائرهم بل (يحتذون مثالاً) ويقتدون بأمثالهم الماضين في الأعمال والأفعال (ويمضون) على ذلك (إرسالاً) ومتتابعاً (إلى غاية الانتهاء وصيور الفناء)، أي: إلى منتهى ما يسيرون إليه بمطايا الأبدان وعاقبة ما يكون أمرهم عليه من الفناء والعرض على الملك الدّيان.)أقول : ونرجو من الله سبحانه عند ذلك الرحمة والغفران بالكرم والامتنان.
#### الترجمةوصیت میكنم شما را ای بندگان خدا به تقوی و پرهیزكاری خدا، چنان خدایی كه بیان فرمود از برای شما مثلها و معین كرد از برای شما اجلها و بپوشانید شما را لباسهای فاخر و وسعت داد به شما با طعامهای طیب و طاهر احاطه كرد به شما احاطه كردنی و مهیا نمود از برای شما جزای عملهای شما را و برگزید شما را به نعمتهای تامه كامله و عطایای جلیله عالیه و ترساند شما را با حجتهای واضحه بالغه و شمرد شما را شمردنی و تعیین نمود از برای شما مدتهای اعمار در مقرّ امتحان و اختبار و در سرای اعتبار.شما امتحان شده گانید در دار فانی و حساب كرده شده گانید در آن به نعمت ها و زندگانی پس به درستی دنیا ناصاف است محل آب خوردن آن گل آلود است، محل آب برداشتن آن تعجب میآورد در نظر جاهلان تماشاگاه آن و هلاك مي سازد محل آزمایش آن در وقت التذاذ به لذات آن و آن فریبندهای است تغییر یابنده و صاحب حسنی است فرورونده و سایه ای است زایل شونده و تكیه گاهی است میل نماینده.تا زمانی كه انس گیرد به او نفرت كننده از او و خاطر جمع شود به او انكار كننده او، برجهد به پاهای خود كه بیندازد او را بر زمین مذلت و شكار كند او را به دامهای خود تا گرفتار شود به مشقت و محنت و برساند به او تیرهای مرگ و هلاكت در حالتی كه كشنده باشد او را به ضیق و تنگی خوابگاه و وحشت بازگشت و به مشاهده كردن جای جزا و ثواب كردار.و همچنین است حال پس آیندگان بعد از پیش رفتگان و رحلت نمایندگان نه امساک می كند مرگ از استیصال نمودن و نه باز می ایستند باقی ماندگان از جرم و گناه كردن بلكه اقتدا میكنند بر مثال گذشتگان گذرند پیاپی تا به غایت نهایت كه عبارت است از موت و عاقبت امر كه عبارت است از فنا و فوت.
### الفصل الثالث#### إشارة:حَتَّى إِذَا تصَرّمتِ الأُمُورُ، وتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وأزفَ النُّشُورُ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرائِح القبور، وأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وأَوْجِرَةِ السّباع، ومطارح المهالك، سراعاً إلى أَمْرِه مُهْطِعِينَ إلى مَعادِه، رَعيلاً صُمُوتاً، قياماً صُفُوفاً، يَنْفَذُهُمُ الْبَصَرُ، ويُسْمِعُهُمُ الدّاعي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الإستِكانَةِ، وضَرَعُ الإِستسلام وَالذُّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الحِيَلُ، وَانْقَطَعَ الأَمَلُ، وهَوَتِ الأَفْئِدَةُ كاظِمَةً، وخَشَعَتِ الأَصْواتُ مُهَيْمَةٌ، وأَلْجَمَ الْعَرَقُ وعَظُمَ الشَّفَقُ، وأَرْعِدَتِ الأَسْماعُ لِزَبْرَةِ الداعي إلى فَضلِ الخطابِ، ومُقايَضَةِ الْجَزاءِ ونَكالِ الْعِقابِ، ونَوالِ الثَّوابِ (1.)#### اللغة(صرمت النخل قطعته وانصرم الليل وتصرّم ذهب و (قض) الشيء يقضّه قطعه و (ازف) شخوص فلان يازف ازفا من باب تعب قرب ودنا ومنه قوله : أزفت الآزفة، أي قربت القيامة ودنت سميت بذلك لأنّ كلّ ما هو آت قريب و (نشر) الموتى نشوراً من باب قعد حيوا ونشرهم الله يتعدّي ولا يتعدى، وقد يتعدي بالهمزة يقال انشرهم الله وقال تعالى : (وثُمّ إِذَا شَاءَ أنشَرَهُ 22) [عبس: 22]، أي أحياه بعد إماتته.)و (الضريح الشق في وسط القبر في جانب فعيل بمعنى مفعول، و (أوجرة) السباع جمع وجاء بالكسر وهو جحرها الذي تأوى إليه و (هطع) يهطع من باب منع أسرع مقبلاً وأهطع في عدوه أسرع، ومنه قوله تعالى : (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاع) [القمر: ]، أي مسرعين إليه في خوف.)و (الرعيل القطعة من الخيل والجماعة من الناس و (الصموت) جمع صامت كالصمت والضمات مصدر بمعنى السكوت من صمت يصمت من باب قتل.)و (اللبوس بفتح (اللام) ما يلبس قال تعالى: (وَعَلَّمْتَهُ صَنْعَةَ لَبوس) [الأنبياء : 80] يعني الدرع و (الاستكانه) الخضوع و (ضرع) له يضرع من باب منع ضراعة ذلّ وخضع وضرع ضرعاً من باب تعب لغة وضرع ضرعاً وزان شرف ضعف، وتضرع إلى الله ابتهل، و (كظم) يكظم كظماً من باب ضرب وسكت ورجل كظيم ومكظوم مكروب.)و (الهينمة الصوت الخفي و (الجم العرق) بلغ الفم فصار كاللجام و (الشفق))
1) بحار الأنوار: 112/7 ح 46.
الخوف و (ارعدت الاسماع بالبناء على المجهول أخذتها الرّعدة، و (الزبرة) من زبره زيراً من باب ضرب زجره ونهره و (قایضته) به بالياء المثناة التحتانية عارضته عرضاً بعرض و (نكل) به تنكيلاً صنع به صنعاً يحذر غيره، والتكال اسم منه أو هو العقوبة، و (النّوال) العطا.)#### الإعراب(سراعاً، منتصب على الحال من مفعول (أخرج)، وكذلك المنصوبات بعده، (ولبوس الاستكانة) مرفوع على الابتداء قدّم عليه خبره للتوسع وقوله (إلى فصل الخطاب) متعلق بالداعي.)#### المعنىإعلم أن هذا الفصل من الكلام قد ساقه (عَلَيهِ السَّلَامُ لبيان ما يحل على الناس بعد الموت، ويلحق بهم من شدائد القيامة، وأهوالها وأشار به إلى النشر والمعاد فقال : (حتى إذا تصرمت الأمور وتقضت الدهور)، أي: تعطلت أمور الناس بموتهم وانقضت الأزمان وتقطعت (وأزف النشور) أي: دنى وقرب وقت إحيائهم بعد إماتتهم أمر الله سبحانه بنفخ الصوّر فنشرهم وحشرهم.)و (أخرجهم من ضرائح القبور إن كانوا مدفونين فيها، (واوكار الطيور)، إن كانوا أكيل طير (وأوجرة السباع) إن كانوا فريسة سبع، (ومطارح المهالك) إن قتلوا في معركة حرب ونحو ذلك، وبالجملة ينشرهم الله ويأتي بهم جميعاً أينما كانوا (سراعاً إلى أمره) وقضائه غير لابثين (مهطعين إلى معاده) غير مماكسين كما قال تعالى في سورة ق.)(يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنهُم سِراعا ذلك حشر عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق: 44].)أي يسرعون إلى أمره بلا مكث وتأخير، وفي سورة القمر.(فَتَوَلَّ عَنْهُم يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَعًا أَبْصَرُهُم يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَبْدَاثِ كَأَنهم جَراد منتَشِرُ [القمر: 6-7].(رعيلاً صموتاً قياماً صفوفاً أي: جماعة ساكتين قائمين صافين لا يقدرون على الكلام ولا يرخص لهم في القعود كما قال تعالى في سورة النبأ :)(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ [النبأ : 38] أي: بنو آدم على أحد التفاسير (وَالْمَلَائكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) [النبأ : 38]، وفيها أيضاً (يومَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتأْتُونَ أَفْوَاجًا) [النبأ: 18].)روى في «المجمع» : عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنه سئل عن هذه الآية فقال : يحشر عشرة أصناف)
من أمتي أشتاتاً قد ميّزهم الله من المسلمين وبدل صورهم، فبعضهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكوسون أرجلهم من فوق ووجوههم من تحت ثمّ يسحبون عليها، وبعضهم عمى يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم يسيل القيح من أفواههم لعاباً يتقذرهم أهل الجمع وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من النار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم (1.)فأما الذين على صورة القردة فالقادة من النّاس، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، وأمّا المنكوسون على رؤوسهم فآكلة الرّبا والعمى الجائرون في الحكم، والصمّ البكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم العلماء والقضاة الذين خالف أعمالهم أقوالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصليون على جذوع من نار فالسعاة بالنّاس إلى السلطان، والذين أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله في أموالهم والذين هم يلبسون الجباب فأهل الفخر والخيلاء.(ينفذهم البصر بصر الجبّار تعالى أي لا يخفى أحد منهم مع كثرتهم عن إدراكه سبحانه ولا يعزب عن علمه كما قال في سورة الحاقة: (يَومَئذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخفَى مِنكُم خَافِيةٌ 18) [الحاقة : 18]، (ويسمعهم الداعي) يعني أنّهم أنهم مع مع هذه الكثرة أيضاً يشملهم ويحيط بهم عموم آخرهم، كما يسمع أولهم نداء المنادي إلى الموقف دعاء الداعي إلى فصل الخطاب ويسمع والحساب، وإليه الإشارة بقوله تعالى في سورة ق : (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج) [ق:41 – 42].)قال الطبرسي : وإنما قال : وإنما قال من مكان قريب؛ لأنه يسمعه الخلائق كلهم على حد واحد فلا يخفى على أحد قريب ولا بعيد فكأَنهم نودوا من مكان يقرب منهم (عليهم لبوس الخضوع والخشوع و (الاستكانة وضرع) التذلل و (الاستسلام والذلة) من هول هذا اليوم وفزعه كما قال سبحانه في سورة طه :)(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومُ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه: 11].)قال الطبرسي : أي خضعت وذلت خضوع الأسير في يد من قهره والمراد خضع أرباب الوجوه واستسلموا لحكم الحي الذي لم يمت ولا يموت وإنما أسند الفعل إلى الوجوه لأن أثر الذل يظهر عليها، وقيل : المراد بالوجوه الرؤساء والقادة والملوك أي يذلون وينسلخون عن ملكهم وعزّهم، وفي سورة المعارج.
1) بحار الأنوار: 89/7، وشجرة طوبى : 437/2.
(يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصْبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةٌ أَبْصَرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج: 43-44]. أي : يخرجون من القبور مسرعين كأَنهم يسعون إلى علم نصب لهم خاضعة أبصارهم لا يستطيعون النظر من هول ذلك اليوم، وتغشيهم المذلة (قد ضلت الحيل) أي: الحيل الدنيوية فلا يستطيعون الخلاص مما هم فيه بالحيلة والتدبير كما كانوا يخلصون من بعض آلام الدنيا بها، (وانقطع الأمل) أي: أملهم في الدنيا لامتناع عودهم إليها و انقطاع طمعهم عنها (وهوت الأفئدة كاظمة) أي: دخلت من الفرح والسرور بل وفي كل شيء حال كونها ساكتة أو مكروبة ومخروبة وهو مأخوذ من قوله تعالى في سورة إبراهيم:
(مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَقفئدَتهُمْ هَوَاء﴾ [إبراهيم: 43].
قال الطبرسي: مهطعين أي مسرعين وقيل: يريد دائمي النظر إلى ما يرون لا يطرفون مقنعي رؤوسهم، أي: رافعي رؤوسهم إلى السماء حتى لا يرى الرجل مكان قدمه من شدّة رفع الرأس، وذلك من هول يوم القيامة، وقال مورج ناكسي رؤوسهم بلغة قريش لا يرتد إليهم طرفهم أي لا ترجع إليهم أعينهم ولا يطبقونها ولا يغمضونها، وإنما هو نظر دائم وأفئدتهم هواء أي قلوبهم خالية من كل شيء، وقيل : خالية من كل سرور وطمع في الخير لشدّة ما يرون من الأهوال كالهواء الذي بين السماء والأرض وقيل : معناه وأفئدتهم زائلة عن مواضعها قد ارتفعت إلى حلوقهم لا تخرج ولا تعود إلى أماكنها بمنزلة الشيء الذاهب في جهات مختلفة المتردّد في الهواء، وقيل معناه خالية عن عقولهم (وخشعت الأصوات مهينمة) أي: حال كونها ذات هيئمة وخفاء قال :
(وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) [ طه : 108].
قال في «مجمع البيان»: أي خضعت الأصوات بالسكون لعظمة الرحمن، والهمس هو صوت الأقدام أي: لا تسمع من صوت الأقدام أي: لا تسمع من صوت أقدامهم إلا صوتاً خفياً كما يسمع من أخفاف الإبل عند سيرها، وقيل: الهمس إخفاء الكلام، وقيل : معناه إنّ الأصوات العالية بالأمر والنهي في الدنيا ينخفض ويذلّ أصحابها فلا يسمع منهم إلا الهمس (والجم العرق) أي: بلغ أفواههم، قال الشارح المعتزلي: وفي الحديث أن العرق ليجري منهم حتى أن منهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ صدره، ومنهم من يلجمه وهم أعظمهم مشقة.
أقول : وعن الإرشاد عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث : إن الغني ليوقف للحساب ويسيل منه العرق حتى لو شرب منه أربعون بعيراً لصدر.
ويأتي لهذا مزيد تفصيل في «شرح المختار» المائة والتاسع والثمانين إن شاء الله، (وعظم الشفق)، وفي بعض الروايات أنّ شعر رأس الناس وبدنهم يبيض من شدّة الخوف والإشفاق
بعد ما كان أسود، (وأرعدت الأسماع لزبرة الداعي إلى فصل الخطاب) أي : أخذتها الرّعدة والاضطراب من زجر الدّاعي ونهره وهيبة صوته، قال الطبرسي في تفسير قوله :
(وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ) [ق: 41].
قيل : إنّه يناد المناد من صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة قومي لفصل القضاء وما أعد الله لكم من الجزاء، وقيل: إن المنادي هو إسرافيل يقول : يا معشر الخلائق قوموا للحساب، (ومقايضة الجزاء) مبادلتها ومعاوضتها (ونكال العقاب) إن كسبت يداه في الدنيا سيئة (ونوال الثواب) إن اقترف فيها حسنة.
(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7-8].
اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة كبعض الخطب الآتية نص صريح في ثبوت المعاد الجسماني، وعليه قد دلت الآيات القرآنية مما ذكرناها وما لم يذكر، والسنن النبوية المتواترة بل هو ضروري الدين وعليه إتفاق المسلمين ومع ذلك كله لا يعبأ بخلاف الحكماء، ومنعهم منه بناء على امتناع إعادة المعدوم من حيث امتناع عود أسبابه بعينها من الوقت والدورة الفلكية المعيّنة وغيرهما، وربّما قال بعض الحكماء أي حكماء الإسلام بجواز عود المثل، وربما قلد بعضهم ظاهر الشريعة في أمر المعاد الجسماني، وإثبات السعادة والشقاوة البدنية مع الروحانية.
قال الصدر الشيرازي في «شرح الهداية للميبدي»: واعلم أنه قد زعمت الفلاسفة الطبيعيون وأوساخ الدهرية الذين لا اعتداد بأقوالهم وآرائهم في الملة ولا في الفلسفة إنكار المعاد مطلقاً للإنسان زعماً منهم أنّه متكون من مزج وامتزاج لهذا الهيكل المحسوس بما له من القوى والأعراض، وذلك يفنى بالموت ولا يبقى فيه إلا المواد العنصرية ولا إعادة للمعدوم فمهما فسد لا يرجى له عائدة فحكموا بأنه إذا مات مات ونيل سعادته أو شقاوته قد فات كما حكى الله عنهم في كتابه المجيد :
(ما هى إلا حياتنا الدُّنْيَا نَمُوتُ﴾ [الجاثية : 24].
مثل العشب والمرعى فيصير غثاء أهوى فلهذا السبب أنكروا النبوة المنذرة بالبعث وفوائدها وأصروا صريحاً على منع نشر موائدها، وفي هذا تكذيب العقل على ما يراه المحققون من أهل الفلسفة والشرع على ما قرره المحققون من أهل الملة.
واتفق المحققون من الفلاسفة والمليين على ثبوت المعاد وحقيته لكنهم اختلفوا في كيفيته.
فذهب جمهور المسلمين على أنه جسماني فقط، لأنّ الرّوح عندهم جسم سار في البدن سريان الزيت في الزيتون وماء الورد في الورد والنار في الفحم.
وذهب جمهور الفلاسفة إلى أنه روحاني فقط، لأن البدن ينعدم بصوره وأعراضه فلا يعاد والنفس جوهر مجرّد باق لا سبيل إليه للفساد.
وما تزيّن به كثير من علماء الإسلام كأصحابنا الإمامية والشيخ الغزالي والكعبي والحلبي والرّاغب الأصفهاني هو القول بالمعادين : الزوحاني والجسماني جميعاً ذهابا إلى أن النفس جوهر مجرد يعود إلى البدن، وهذا رأي كثير من الصوفية والكرامية وبه يقول جمهور النّصارى والتناسخية.
قال الإمام الرازي : إلا أن الفرق أن المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردّها إلى البدن لا في هذا العالم بل في الآخرة والتناسخية بقدمها وردها إليه في هذا العالم وينكرون الآخرة والجنة والنار.
أقول : وممّن قال بالمعادين الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا، قال في محكى كلامه من «الشفا» : يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة وهو الذي للبدن عند البعث وخيرات البدن وشروره معلومة لا تحتاج أن تعلم وقد بسطت الشريعة الحقة التي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حال السعادة والشّقاوة اللتين بحسب البدن.
ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقه النبوة وهو السعادة والشقاوة البالغتان الثابتتان بالمقاييس اللتان للأنفس، وإن كانت الأوهام منا تقصر عن تصورها الآن، لما نوضح من العلل والحكماء الإلهيون رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة البدنية بل كأنهم لا يلتفتون إلى تلك وإن أعطوها ولا يستعظمونها في جنب هذه السعادة التي هي مقاربة الحق الأول، انتهى كلامه.
وقال المحقق الشيرازي أيضاً في «شرح الهداية» : اعلم أنّ إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة، كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل وروايات كثيرة متظافرة لأصحاب العصمة والهداية غير قابلة للتأويل كقوله تعالى :
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِي خَلَقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ) [ يس: 78-79]، (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ
ينسلون) [يس : 51]، أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نجمعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُسوى بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 3-4].
أمر ممكن غير مستحيل، فوجب التصديق بها لكونها من ضروريات الدين وإنكاره كفر مبين ولا استبعاد أيضاً فيها بل الاستبعاد والتعجب من تعلق النفس إليه في أوّل الأمر أظهر من تعجب عوده إليه إلى أن قال : ولا يضرنا أيضاً كون البدن المعاد غير البدن الأوّل بحسب الشخص لاستحالة كون المعدوم بعينه معاداً، وما شهد من النصوص من كون أهل الجنة جرداً مرداً، وكون ضرس الكافر مثل جبل أحد، وكذا ما روي من قوله يحشر بعض الناس يوم القيامة على صورة يحسن عندها القردة والخنازير يعضد ذلك، وكذا قوله : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها.
فإن قيل : فعلى هذا يكون المثاب والمعاقب باللذات والآلام الجسمانية غير من صدرت منه الطاعات والخيرات، وارتكب المعاصي والشرور.
قلنا: العبرة في ذلك الجوهر المدرك وهو النفس، ولو بواسطة الآلات وهي باقية بعينها، وكذا المادة والسنخ كالأجزاء الأصلية في البدن أو غيرها، ولهذا يقال للشخص مع انتقاله من الصبا إلى الشيخوخيّة والتجددات والاستحالات الواقعة فيما بين أنه هو بعينه، وإن تبدلت الصور والهيئات وكثير من الأعضاء والآلات، ولا يقال لمن جنى في الشباب وعوقب في المشيب أنّه عقاب بغير الجاني انتهى. وأنت إذا أحطت خبراً بالأقوال في المسألة فلا بأس بالإشارة إلى بعض شبه المنكرين مع إبطال شبههم حسبما أشير إليه في الكتاب العزيز قال سبحانه :
(أولم ير الإِنساَنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلَقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: 77-80].
روى أن أمية بن خلف أو العاص بن وائل السهمي أو أبي بن خلف وهو المروي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً : جاء بعظم بال متفتت وقال : يا محمد أتزعم أنّ الله يبعث هذا؟ فقال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): نعم، ويدخلك جهنّم فنزلت الآية، وهو المراد بالإنسان في الآية وإن كان الحكم جارياً في حق كل من ينكر البعث والحشر إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على ما تقرر في الأصول، فالمعنى:
أولم يعلم الإنسان أنا خلقناه من نطفة، ثم نقلناه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة، ومن المضغة إلى العظام، وكسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر كامل العقل والفهم، فإذا كمل عقله وفهمه صار متكلماً مخاصماً، فمن قدر على مثل هذا فكيف لا يقدر على الإعادة والإحياء مع أنّها أسهل من الإنشاء والابتداء؟
ثمّ أكد سبحانه الإنكار عليه فقال: وضرب لنا مثلاً، أي ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم البالي وفته بيده ونسي خلقه، أي ترك النظر في خلق نفسه أنه مع من أدلّ الدلائل على جواز البعث وإمكانه لما ذكرناه من أنه مخلوق من نطفة متشابهة الأجزاء مع كونه مختلف الأعضاء إذ لو كان خلقه من أشياء مختلفة الصور لأمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب واللحم من جنس رخو، وكذلك الحال في كل عضو، ولما كان خلقه من متشابهة الأجزاء مع اختلاف صوره كان ذلك دليلا على كمال الاختيار والقدرة.
مضافاً إلى القوة العاقلة والفاهمة والناطقة التي أعطاها الله له وأبدعها فيه، فقدر معها على المخاصمة والاحتجاج مع أن تلك القوة لم تكن في النطفة أصلاً ولم تكن من مقتضياتها، ودلالة ذلك على الاختيار والاقتدار أقوى.
ثم إنّ المنكرين للبعث منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة، وإنّما اكتفى بمجرد الاستبعاد، وادعى الضرورة والبداهة في استحالة المعاد وهم الأكثرون ويدلّ عليه ما حكاه تعالى عنهم في غير موضع كما قال : وقالوا : أنذا ضللنا في الأرض إنا لفي خلق جديد، إذا متنا وكنا تراباً وعظاماً فإنّا لمبعثون، إنّك لمن المصدقين إإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً، إإنّا لمدينون إلى غير ذلك.
ومثلها ما حكاه هنا بقوله : (قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)، على طريق الاستبعاد، وهو المراد بالمثل الذي ضربه الإنسان المذكور، ولما كان استبعاده من جهة التفتت والتفرق اختار العظم للذكر لبعده عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفه بما يقوى جانب الاستبعاد من البلا والتفتت وقال: هي رميم وقد دفع الله سبحانه بقوله : ونسي خلقه، إذ لو كان تدبر في خلقه وعرف قدرة خالقه واختياره وعلمه لما استبعد ذلك.
ومنهم من ذكر شبهة وإن كان مرجعها بالآخرة إلى الاستبعاد أيضاً وهي على وجهين :
أحدهما : أنه بعد العدم لا يبقى شيء فكيف يصح على المعدوم الحكم بالوجود ودفعها بقوله : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئاً مذكوراً.
وثانيهما: أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبدان السباع، وبعضه في حدران الرباع وبعضه في ضرائح القبور، وبعضه في أوكار الطيور كيف يجمع.
وأبعد من ذلك أنه قد يأكل الإنسان سبع ويأكل السبع طائر، ويأكل الطائر إنسان آخر، ومن المعلوم أن أجزاء المأكول يصير جزء بدن الآكل، فإذا حشر الإنسان والحيوان على ما هو المذهب الحق، فتلك الأجزاء المفروضة إما أن تعاد في بدن الآكل أو في بدن المأكول أو هما
معاً، فإن أعيدت في بدن الآكل لزم أن لا يعاد المأكول، وإن أعيد المأكول لزم أن لا يعاد الأكل، وإن كان الثالث لزم المحال، لأنّ الجزء الواحد لا يكون في موضعين.
فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة : (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وتوضيحه أن في بدن الأكل أجزاء أصليّة وأجزاء فضليّة، وفي المأكول كذلك، فإذا أكل الإنسان سبع صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للأكل هي ما كان له قبل الأكل، والله بكل خلق عليم يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل، وينفخ فيها الأجزاء الأصلية للمأكول فينفخ فيها روحه، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة روحه، ويجمع من البقاع والأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة.
ثم بالغ سبحانه في إبطال إنكارهم بقوله : (الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا)، فإذا أنتم منه توقدون، ووجه المبالغة هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به وحياة سارية فيه وهي كحرارة جارية فيه، فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه فإن النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب وأنتم تشهدونه حيث إنكم منه توقدون.
وإذا حققت ما ذكرناه ووضح لك صحة المعاد الجسماني وضوح الشمس في رابعة النهار.
وظهر لك فساد ما ربّما قيل أو يقال: من أنّ الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المفيدة للتجسّم والتشبه والجبر والقدر ونحو ذلك، وقد وجب تأويلها قطعاً وصرفها عن ظواهرها.
قلنا : دل هذه الآيات أيضاً إلى بيان المعاد الروحاني وأحوال سعادة النفس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان والأجسام على وجه يفهمه العوام، فإنّ الأنبياء مبعوثون إلى كافة الخلق للإرشاد بقدر الاستعداد إلى سبيل الحق وتكميل النفوس بحسب القوة النظرية والعملية وتبقية النظام المفضي إلى صلاح الكل.
وذلك بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد والبشارة بما يعتقدونه لذة وكمالاً والإنذار عما تعدونه ألماً ونقصاناً، وأكثرهم عوام تقصر عقولهم لا يفهمون عالم الأشباح والمحسوسات عن ذات المبدأ الأوّل والشريعة تحاكيها بمثالاتها المأخوذة من المباديء الجمسانية وتحاكي الأفعال الإلهية بأفعال المباديء المدنية من الملوك والسلاطين القهارين، وهكذا.
فوجب أن يخاطبهم الأنبياء في باب المعاد بما هو مثال للمعاد الحقيقي ترغيباً وترهيباً للعوام وتتميماً للنظام، ولهذا قيل إنّ الكلام مثل وأشباح للفلسفة.
وجه ظهور الفساد أنّ الذهاب إلى المجاز إنّما هو عند تعذر إرادة الحقيقة والمصير إلى التأويل عند عدم إمكان الظاهر كما في آيات الجبر والقدر والتجسم، وما نحن فيه ليس من
هذا القبيل إذ لا تعذر ههنا سيما على قول من يقول بكون البدن والمعاد مثل الأول لا عينه.
وحمل كلام الشريعة ونصوص الكتاب على الأمثال والأشباح والإشارة إلى معاد النفس والرعاية لمصلحة العامة التوجب (1)نسبة المتصدعين للشرع إلى الكذب فيما يتعلق بالتبليغ والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحق لأنّهم لا يفهمون من الكلام إلا ظاهره الذي لا حقيقة له على ما زعمه هذا القائل، وما هذه إلا فرية بينة وبهتان عظيم.
وبذلك كله ظهر أن ما حكاه في «شرح البحراني» من تأويل بعض الفضلاء كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الفصل على ما يناسب مذهب القائلين بالمعاد الروحاني مما لا طائل تحته بل تطويل الكتاب بمثل تلك التأويلات الباردة الفاسدة موجب لتفويت الوقت وتضييع القوة القدسية.
عصمنا الله سبحانه من هفوات الجنان وعثرات اللسان بحق محمد وآله البررة الكرام عليه وعليهم السّلام إلى يوم البعث والقيام.
في الإشارة إلى معنى الحشر على ما حققه صدر المتألهين في كتابه المسمى بـ«مفاتح الغيب«وإيراد بعض الأخبار الواردة في ذلك وما يناسب ذلك.
فاعلم أن الزمان علة التغير والتعاقب والاحتجاب بوجه، والمكان علة التفرق والتكثر والاغتياب بوجه فهما سببان لاختفاء الموجودات واحتجاب بعضها عن بعض فإذا ارتفعا في القيامة ارتفع الحجب بين الخلائق فيجتمع الخلائق كلهم والأولون والآخرون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم فهي يوم الجمع ذلك يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن.
وبوجه آخر ذلك يوم الفصل لأن الدنيا دار مغالطة واشتباه يتشابك فيها الحق والباطل، ويتعانق فيها الوجود والعدم والخير والشر والنور والظلمة، وفي الآخرة يتقابل المتخاصمان ويتفرق المتخالفان ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون.
وفيها يتميز المتشابهان ليميز الخبيث من الطيب ؛ وينفصل الخصمان ليحق الحق ويبطل الباطل ليهلك من هلك عن بيئة ويحيى من حى عن بينة.
ولا منافاة بین هذا الفصل وذلك الجمع بل هذا هذا يوجب ذلك، (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمْناكُم
1) في نسخة توجب.
و الأولِينَ﴾ [المرسلات 38]، والحشر أيضاً بمعنى الجمع، (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ تُقَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: 47] إذا عرفت ذلك فأقول قال سبحانه :
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَام يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجَایءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: 68 - 70].
قال الطبرسي في تفسير الصور وهو قرن ينفخ فيه إسرافيل ووجه الحكمة في ذلك أنها علامة جعلها الله ليعلم بها العقلاء أخر أمرهم في دار التكليف، ثم تجديد الخلق فشبه ذلك بما يتعارفونه من بوق الرحيل والنزول، ولا تتصوّره النفوس بأحسن من هذه الطريقة، وقوله: فصعق من في السموات ومن في الأرض، أي يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من السموات والأرض يقال : صعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة العظيمة (1).
واختلف في المستثنى بقول إلا من شاء الله، وفي «المجمع» روى مرفوعاً هم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وفي رواية أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سأل جبرئيل عن هذه الآية من ذا الذي لم يشاء الله أن يصعقهم؟ قال : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش.
وقوله : (ثمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَام يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]، أراد النفخة الثانية ويسمّى النفخة الأولى بنفخة الصعق والثانية بنفخة البعث أي ثم نفخ فيه نفخة أخرى، فإذا هم قائمون من قبورهم يقلبون أبصارهم في الجوانب، وقال الطبرسي أي ينتظرون ما يفعل بهم وما يؤمرون به.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القمي بإسناده عن ثوير بن أبي فاخته عن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :
سئل عن النفختين كم بينهما؟ قال: ما شاء الله فقيل له : فأخبرني يا ابن رسول الله كيف ينفخ فيه؟ فقال: أما النفخة الأولى فإن الله يأمر إسرافيل فيهبط إلى الأرض ومعه الصور وللصور رأس واحد وطرفان وبين رأس كل طرف منهما إلى الآخر ما بين السماء والأرض، فإذا رأت الملائكة إسرافيل وقد هبط إلى الدّنيا ومعه الصور قالوا قد أذن الله في موت أهل الأرض وفي موت أهل السماء.
قال : فهبط إسرافيل بحظيرة القدس وهو مستقبل الكعبة، فإذا رأوه أهل الأرض قالوا: قد أذن الله عز وجل في موت أهل الأرض، فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الأرض فلا يبقى في الأرض ذو روح إلا صعق ومات، ويخرج الصوت من الطرف الذي
1) مجمع البيان: 416/8.
يلي السماوات، فلا يبقى في السماوات ذو روح إلا صعق ومات إلا إسرافيل.
قال : فيقول الله لإسرافيل يا إسرافيل مت، فيموت إسرافيل فيمكثون في ذلك ما شاء الله، ثم يأمر السماوات فتمور ويأمر بالجبال فتسير وهو قوله:
(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرا) [الطور: 9 - 10].
يعني يبسط ويبدل الأرض غير الأرض يعني بأرض لم تكسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها أوّل مرّة ويعيد عرشه على الماء، كما كان أول مرة مستقلاً بعظمته وقدرته.
قال : فعند ذلك ينادي الجبّار جلّ جلاله بصوت من قبله جوهري (1)يسمع أقطار السماوات والأرضين : لمن الملك اليوم؟ فلا يجبه مجيب، فعند ذلك يقول الجبار عزّ وجلّ مجيباً لنفسه: (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39] وأنا قهرت الخلائق كلهم وأمتهم إنّي أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ولا وزير وأنا خلقت خلقي بيدي وأنا أمتهم بمشيئتي وأنا أحييهم بقدرتي.
قال: فينفخ الجبّار نفخة أخرى في الصور فيخرج الصّوت من أحد الطرفين الذي يلي السماء، فلا يبقى في السماوات أحد إلا حي، وقام كما كان ويعود حملة العرش، ويحضر الجنة والنار ويحشر الخلائق للحساب (2).
قال الراوي: فرأيت علي بن الحسين يبكي عند ذلك بكاء شديداً.
فإن قلت : إذا فنت الأجساد وانعدمت الأجسام فما الفائدة في خطاب لمن الملك؟
قلنا : ما يصدر عن الحكيم العليم لا بد وأن يكون متضمناً للحكمة والمصلحة، وإن كانت مختفية عندنا، ويمكن أن يكون فيه اللطف بالنسبة إلى المكلفين من حيث إن المخبر الصادق إذا أخبرهم بوقوع ذلك الخطاب يوجب ذلك حقارة الدنيا في نظرهم وعدم اغترارهم بمكلها وسلطنتها، ويوجب زيادة علمهم بقدرة الله وعزته ويتفرده في تدبير العالم تعالى علواً كبيراً، هذا.
وروى عليّ بن إبراهيم أيضاً عن أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : وأتى جبرئيل رسول الله وأخذ بيده وأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى قبر فصوّت بصاحبه فقال : قم بإذن الله فخرج منه رجل أبيض الرّأس واللحية يمسح التراب عن وجهه وهو يقول : الحمد لله والله أكبر، فقال جبرئيل :
عد بإذن الله تعالى ثم انتهى به إلى قبر آخر فقال : قم بإذن الله فخرج منه رجل مسوّد الوجه وهو يقول: يا حسرتاه يا ثبوراه ثم قال له جبرئيل : عد إلى ما كنت فيه بإذن الله تعالى فقال: يا محمد هكذا يحشرون يوم القيامة، فالمؤمنون يقولون هذا القول وهؤلاء يقولون ما تری (1).
وفي الأنوار النعمانية للسيد الجزائري قال : روى شيخنا الكليني قدس الله روحه وتغمده الله برحمته في «الصحيح» عن يعقوب الأحمر قال: دخلنا على أبي عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) نعزيه بإسماعيل فترحم عليه ثم قال: إنّ الله تعالى نعى إلى نبيه نفسه فقال : إنك ميت وإنهم ميتون، وكل نفس ذائقة الموت ثم أنشأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحدث فقال :
إنه يموت أهل الأرض حتى لا يبقى أحد، ثم يموت أهل السماء حتى لا يبقى أحد إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل.
قال : فيجيء ملك الموت حتى يقف بين يدي الله تعالى فيقول له من بقي؟ وهو أعلم، فيقول : يا ربّ لم يبق إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل فيقال له قل لجبرئيل وميكائيل فليموتا فتقول الملائكة عند ذلك يا ربّ رسوليك وأمينيك، فيقول تعالى : إني قضيت على كلّ نفس فيها الروح الموت.
ثم يجيء ملك الموت حتى يقف بين يدي الله عزّ وجلّ فيقول له: من بقي؟ وهو أعلم، فيقول : يا ربّ لم يبق إلا ملك الموت وحملة العرش فيقول : قل لحملة العرش فليموتوا، ثم يجيء كثيباً حزيناً لا يرفع طرفه فيقول له من بقي؟ وهو أعلم، فيقول: يا ربّ لم يبق إلا ملك الموت، فيقول له: مت يا ملك الموت، فيموت.
ثم يأخذ الأرض بيمينه والسّماوات بشماله فيقول: أين الذين كانوا يدعون معي شريكاً؟ أين الذين يجعلون معي إلهاً آخر؟ (2)
وفي «الأنوار» أيضاً إن النفخة الأولى هي اللتي للهلاك تأتي الناس بغتة وهم في أسواقهم وطلب معائشهم، فإذا سمعوا صوت الصور تقطعت قلوبهم وأكبادهم من شدّته فيموتوا دفعة واحدة، فيبقى الجبار جل جلاله فيأمر عاصفة فتقلع الجبال من أماكنها وتلقاها في البحار وتفور مياه البحار وكل ما في الأرض وتسطح الأرض كلها للحساب فلا يبقى جبل ولا شجر ولا بحر ولا وهدة ولا تلعة فتكون أرضاً بيضاء حتى أنه روى لو وضعت بيضة في المشرق رأيت في المغرب، فيبقى سبحانه على هذا الحال مقدار أربعين سنة.
فإذا أراد أن يبعث الخلق - قال مولانا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أمطر السّماء على الأرض أربعين صباحاً، فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم ويأمر الله تعالى ريحاً حتى تجمع التراب الذي كان لحماً، واختلط بعضه ببعض وتفرق في البراري والبحار وفي بطون السباع فتجمعه تلك الريح في القبر.
فعند ذلك يجيء إسرافيل وصوره معه ويأمره بالنفخة الثانية، وينفخ فيه النفخة الثانية، فإذا نفخ تركبت اللحوم والأعضاء وأعيدت الأرواح إلى أبدانها، وانشقت القبور فخرج الناس خائفين من تلك الصيحة ينفضون التراب عن روؤسهم فيجيء إلى كل واحد ملكان عند خروجه من القبر يقبض كلّ واحد منهما عضداً منه فيقولان له: أجب رب العزّة، فيتحيّر من لقائهما ويأخذه الخوف والفزع حتى أنه في تلك الساعة يبيض شعر رأسه وبدنه بعد ما كان أسود.
وعند ذلك تكثر في الأرض الزلزال حتى يخرج ما فيها من الأثقال ويشيب كل الأطفال وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شدید (1).
وفي «روضة الكافي» بإسناده عن ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحدث في مسجد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : حدثني أبي أنه سمع أباه علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحدّث النّاس.
قال : إذا كان يوم القيامة بعث الله تبارك وتعالى الناس من حفرهم عزلاً مها مهلاً جرداً في صعيد واحد يسوقهم النور وتجمعهم الظلمة حتى يقفوا على عقبة المحشر، فيركب بعضهم بعضاً ويزدحمون دونها فيمنعون من المضي فيشتد أنفاسهم ويكثر عرقهم وتضيق بهم أمورهم، ويشتد ضجيجهم ويرتفع أصواتهم.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وهو أوّل هول من أهوال القيامة، قال : فيشرف الجبار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة فيأمر ملكاً من الملائكة فينادي فيهم : يا معشر الخلائق أنصتوا واستمعوا مناد الجبّار قال فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم قال : فتنكسر أصواتهم عند ذلك وتخشع أبصارهم وتضطرب فرائضهم وتفزع قلوبهم ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت مهطعين إلى الداعي قال : فعند ذلك يقول الكافر هذا يوم عسر.
قال : فيشرف الجبار عزّ ذكره عليهم فيقول : أنا الله لا إله إلا أنا الحكم العدل الذي لا يجور اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي لا يظلم اليوم عندي أحد اليوم آخذ للضعيف من
1) روضة الواعظين: 497، ومستدرك الوسائل : 207/15 ح 18027.
القوي بحقه ولصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات، وأثيب على الهبات ولا يجوز هذه العقبة عندي ظالم ولا أحد عنده مظلمة إلا مظلمة يهبها لصاحبها، وأثيبه عليها وآخذ له بها عند الحساب فتلازموا أيها الخلائق واطلبوا بمظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا، وأنا شاهد لكم عليهم وكفى لي شهيداً.
قال : فيتعارفون ويتلازمون فلا يبقى لأحد له عند أحد مظلمة أو حق إلا لزمه بها.
قال: فيمكثون ما شاء الله فيشتد حالهم ويكثر عرقهم ويشتد غمهم وترتفع أصواتهم بضجيج شديد فيتمنون المخلص منه بترك مظالمهم لأهلها.
قال : ويطلع الله عزّ وجلّ على جهدهم فينادي مناد من عند الله تبارك يسمع آخرهم كما يسمع أولهم : يا معشر الخلائق انصتوا الداعي الله تبارك وتعالى واسمعوا إن الله تبارك وتعالى يقول : أنا الوهاب إن أحببتم أن تواهبوا فواهبوا، وإن لم تواهبوا أخذت لكم بمظالمكم.
قال: فيفرحون بذلك لشدّة جهدهم وضيق مسلكهم وتزاحمهم. قال : فيهب بعضهم مظالمهم رجاء أن يتخلصوا مما هم فيه ويبقى بعضهم فيقول : با رب مظالمنا أعظم من أن نهبها.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فينادي مناد من تلقاء العرش أين رضوان خازن الجنان جنان الفردوس قال : فيأمر الله عزّ وجل أن يطلع من الفردوس قصر من فضة بما فيه من الآنية والخدم قال : فيطلعه عليهم في حفافة القصر الوصائف والخدم.
قال : فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى يا معشر الخلائق ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى هذا القصر قال فيرفعون رؤوسهم فكلهم يتمناه :قال فينادي مناد من عند الله، يا معشر الخلائق هذا لكل من عفى من مؤمن قال: فيعفون كلهم إلا القليل.
قال : فيقول الله عزّ وجل لا يجوز إلى جنتي اليوم ظالم ولا يجوز إلى ناري اليوم ظالم، ولا أحد من المسلمين عنده مظلمة حتى يأخذها منه عند الحساب أيها الخلائق استعدوا للحساب.
قال : ثم يخلى سبيلهم فينطلقون إلى العقبة يلوذ بعضهم بعضاً حتى ينتهوا إلى العرصة والجبار تبارك وتعالى على العرش قد نشرت الدواوين ونصبت الموازين، أخضَرَ النبيون والشهداء وهم الأئمة يشهد كل إمام على أهل عالمه بأنهم قد قام فيهم بأمر الله عزّ وجل ودعاهم إلى سبيل الله.
قال: فقال له رجل من قريش يا بن رسول الله إذا كان للرّجل المؤمن عند الرجل الكافر مظلمة أي شيء يأخذ من الكافر وهو من أهل النار؟ قال : فقال له علي بن الحسين
(عَلَيهِمَا السَّلَامُ) تطرح من المسلم من سيئاته بقدر ما له على الكفار فيعذب الكفار بها مع عذابه بكفره عذاباً بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة.
قال : فقال له القرشي : فإذا كانت المظلمة لمسلم عند مسلم كيف يؤخذ مظلمته من المسلم ؟ قال : يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فيزاد على حسنات المظلوم.
قال : فقال له القرشي : فإن لم يكن للظالم حسنات قال للمظلوم سيئات يؤخذ من سيئات المظلوم فتزاد على سيئات الظالم (1).
1) الكافي : 106/8، وشرح أصول الكافي : 34/12.
تا آن كه چون بریده شود كارها و به سرآید روزگارها و نزديك شود زنده شدن مرده ها، خارج می نماید ایشان را خدای تبارك و تعالی از میانهای قبرها و از آشیانهای مرغها و مأواهای درندهها و محل افتادن و هلاك شدن آنها در حالتی كه شتابان باشند به سوی امر پروردگار سرعت كننده باشند به معاد آفریدگار، جمع شوندگان، ساكت شدگان ایستادگان و صف كشیدگان.
نافذ میشود شود در ایشان نظر ربّ الارباب، میشنواند ایشان را خوانندهای به سوى فصل خطاب بر ایشان است لباس خضوع و فروتنی و زاری تسلیم و خواری، به تحقیق كه كم شده باشد در آن روز حیلها و بریده شود آرزوها.
و خالی میشود قلبها از فرح و سرور در حالتی كه ساكت باشند و ترسان باشد صوتها در حالتی كه نهان باشند و رسیده شود عرق به دهان و بزرگ شود ترس از گناهان و مضطرب میباشد گوشها به جهت زجر و هیبت صوت نداكننده به سوی حكم و خطاب فاصل در میان حق و باطل و به عوض دادن جزا به آن چه كردهاند از خیر و شر در دنیا و گرفتار شدن حذرناك عذاب و عقاب و عطا كردن اصناف ثواب.
عِبادٌ مَخْلوْقُونَ اقْتِداراً، ومَرْبُوبُونَ اقْتِساراً، ومَقْبُوضُونَ احْتِضاراً، ومُضَمَّنُونَ أجداثاً، وكائِنُونَ رُفاتاً، ومَبْعُوثُونَ أفراداً، ومَدينُونَ جَزاء، ومُمَيَّزُونَ حِساباً، قَدْ أُمْهِلُوا في طَلَب الْمَخْرَج، وهُدُوا سَبيلَ الْمَنْهج، وعُمْرُوا مَهْلَ المُسْتَعْتِبَ، وكشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرَّيْبِ، وخلوا لِمضمار الجياد، ورَوِيَّةِ الإرتيادِ، وأَناةِ الْمُقْتَبِسِ المُرتادِ في مُدّةِ الأَجَلٍ، ومُضْطَرِبَ الْمَهْلِ، فَيا لَها أَمْثالاً صائبَةٌ ومَواعِظَ شافِيَةٌ، لو صادَفَتْ قُلُوباً زاكِيَةً، وأَسْماعاً واعِيةً، وآراء عازِمَةً، وأَلْباباً حازمةً، فَاتَّقُوا الله تَقِيَّة مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ واقْتَرَف فاعترف ووجل فعمل حاذر فبادر، وأيقن فأحسن، وعُبَّر فاعتبر، وحُذّرَ فَازْدَجَرَ، وأَجابَ فَأَناب، وراجَعَ فَتابَ واقْتَدى فَاحتذى، وأُرِيَ فَرَأَى، فَأَسْرَعَ طالباً، ونَجا هارباً، فَأَفادَ ذَخِيرَةً، وأَطابَ سَرِيرَةً، وعَمَرَ مَعاداً، وَاسْتَظْهَرَ زاداً، لِيَوْمٍ رَحيلِهِ، وَوَجْهِ سَبيلِه، وحال حاجتِه، ومَوْطِن فاقتِه، وقَدَّمَ أَمامَهُ لِدارِ مُقامِه، فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ الله جَهَةَ ما خَلَقَكُمْ لَهُ، وَاحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ ما حَذّرَكُمْ مِنْ نَفْسِه، وَاسْتَحِقُوا مِنْهُ ما أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنجّزِ لِصِدْقِ ميعادِه، وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعادِهِ (1).
(قسره) على الأمر قسراً من باب ضرب قهره واقتسره كذلك، و (حضره) الموت واحتضره أشرف عليه فهو في النزع وهو محضور محتضر بالفتح.
قال الطريحي وفي الحديث ذكر الاحتضار وهو السوق سمّي به قيل لحضور الموت والملائكة الموكلين به وإخوانه وأهله عنده وفلان محتضر أي قريب من الموت، ومنه إذا احتضر الإنسان وجه يعني جهة القبلة و (الأجداث) جمع الجدث كأسباب وسبب وهو القبر، وهذه لغة أهل تهامة، وأما أهل نجد فيقولون جدف بالفاء، و (الرفات) كالفتات بالضم ومعناً وهو ما تناشر من كل شيء، و (المنهج) كالنهج والمنهاج الطريق الواضح، و (العتبى) بالضم الرّضا واستعتبه أعطاه العتبى كأعتبه وطلب إليه العتبى من الأضداد.
قال الفيومي : عتب عليه عتباً من بابي ضرب، وقيل لامه في تسخط وأعتبني الهمزة للسبب أي أزال الشكوى والعتاب واستعتب طلب الأعتاب والعتبى اسم من الأعتاب و (السدف) سدقة، كغرفة وغرف وهي الظلمة و (ضمر) الفرس ضموراً من باب قعد جمع وضمر ضمراً من باب قرب، قَلَّ لحمه وهزل، وضمرته وأضمرته أعددته للسباق وهو أن تعلفه
1) عيون الحكم والمواعظ : 89.
قوتاً بعد السمن، أي: يعلف حتى يسمن، ثمّ يرد إلى قوته الأوّل ليخف لحمه وذلك في أربعين يوماً، والمضمار الموضع الذي تضمر فيه الخيل.
و (الرّوية) الفكر والتدبر وهي كلمة جرت على ألسنتهم بغير همز تخفيفاً وهي من روات في الأمر بالهمز، أي : نظرت فيه و (الارتياد) الطلب، و (تأني) في الأمر تمكث ولم يعجل، والإناة وزان حصاة اسم منه، و (المقتبس) كالقابس هو طالب العلم والنار، و (صاب) السهم الغرض صوباً من باب قال وصابه يصيبه من باب باع كأصابه وصل الغرض، وما أخطأه، وفي المثل وفي الخواطي سهم صائب و (حزم) فلان رأيه حزماً أتقنه، و (التقية) كالتقوى اسم من اتقيت الله اتقاء، و (اقترف) لأهله اقترافاً اكتسب من مال حلال أو حرام، و (حذر) الشيء وحاذره خافه.
ويحتمل أن يراد من حاذر كثرة الخوف بناء على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، و (عبر) أي أرى العبر كثيراً بناء على أن التشديد دليل المبالغة، و (زجره) زجراً منعه ونهاه كازدجر فانزجر وازدجر، فازدجر يستعمل مطاوع ازدجر وهو غريب، و (أفاد) المال استفاده وأعطاه وهو من الأضداد و استظهرت به استعنت و (المقام) بضم الميم مصدر كالإقامة يقال : قام بالمكان إقامة ومقاماً، و (كنه) الشيء حقيقته وغايته ونهايته يقال : عرفته كنه المعرفة.
و (نجز) الوعد نجزاً من باب قتل تعجل، والنّجز مثل قفل اسم منه، ويعدى بالهمزة والحرف فيقال أنجزته ونجزت به إذا أعجلته واستنجز حاجته وتنجزها طلب قضاءها ممن وعده إياها.
(عباد) خبر مبتدأ محذوف (واقتداراً واقتساراً) منصوبان على التميز (واحتضاراً) منصوب على الحال المؤكدة من قبيل قوله (ولى مدبراً)، فيؤل بالمشتق أي مقبوضون محتضرين، مثل قولهم اجتهد وحدك أي منفرداً، (وأجداثاً) مفعول فيه وهو وإن لم يكن من ظروف المكان المبهمة أعني الجهات الست وما أشبهها من عند ولدي ونحوهما إلا أنه قد انتصب بفي مقدّرة لما في الكلام من معنى الاستقرار كما قال الرّضي.
وأما (انتصاب) نحو: قعدت مقعده وجلست مكانه ونمت مبيته فلكونه متضمناً لمصدر معناه الاستقرار في ظرف فمضمونه مشعر بكونه ظرفاً لحدث بمعنى الاستقرار، كما أنّ (نفسه) ظرف لمضمونه بخلاف نحو المضرب والمقتل فلا جرم لم ينصبه على الظرفية إلا ما فيه معنى الاستقرار (ا هـ)، (وإفراداً) منصوب على الحال كانتصاب فرداً في قوله تعالى :
(وکلهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [مريم : 95]
(وجزاء) مصدر على غير لفظ فعله (وحساباً) منصوب بنزع الخافض وما قاله البحراني أنه من مصدر منصوب بغير فعله ليس بشيء، وفي طلب المخرج (في) للظرفية المجازية كما في قولهم في نفس المؤمنة مات من الإبل أي في قتلها فالسبب الذي هو القتل متضمن للذية تضمن الظرف للمظروف، وهذه هي التي يقال إنها للسببية.
(ومهل المستعتب) بحذف الموصوف مفعول مطلق مجازي من غير المصادر أي أمهلوا وعمروا مثل مهل المستعتب وما توهمه الشارح البحراني من أنه مصدر فاسد وقوله (في مدة الأجل) متعلق بقوله (خلوا)، وقوله (فيا لها أمثالاً صائبة) منادي تفخيم وتعجب، (وانتصاب) أمثالاً على التميز من الضمير المبهم.
قال الرّضي في «باب التميز من شرح الكافية»: وقد يكون الاسم في نفسه تاماً لا لشيء آخر، أعني لا يجوز إضافته فينصب عنه التميز وذلك في شيئين: أحدهما الضمير وهو الأكثر، وذلك في الأغلب فيما فيه معنى المبالغة والتفخيم كواضع التعجب نحو يا له رجلاً ويا لها قصة، ويا لك ليلاً، إلى آخر ما قال (وذخيرة وسريرة) منصوبان على المفعول به.
وقوله : (جهة ما خلقكم (اهـ) قال الشارح المعتزلي، نصب جهة بفعل مقدر تقديره (واقصدوا جهة ما خلقكم له) يعني العبادة، فحذف الفعل واستغنى عنه بقوله : (فاتقوا الله) لأن التقوى ملازمة لقصد المكلف العبادة فذلت عليه واستغنى بها عن إظهاره.
قيل : ويجوز انتصابها على الظرفية أي اجعلوا تقواكم في تلك الجهة أي نظراً إلى تلك الجهة لا للرّياء والسمعة، (والحذر) بالجر عطف على (التنجز).
إعلم أن هذا الفصل مسوق لشرح حال الناس والكشف عن أوصافهم والتنبيه على ما خلقوا لأجله وما يصير أمرهم إليه، واستدرج ذلك بمواعظ شافية ونصائح وافية، والمقصود بذلك كله تنبههم عن نوم الغفلة والجهالة وإفاقتهم من سكر الحيرة والضلالة.
فقوله : (عباد مخلوقون اقتداراً) يعني أنّ الناس الذين شرحنا حالهم وذكرنا كيفية حشرهم ومعادهم هم عباد خلقهم الله سبحانه من قدرته التامة الكاملة وحكمته الجامعة البالغة، وليس خلقهم لذواتهم ومن اتصف بذلك لا يجوز له العصيان لخالقه وبارثه.
(ومربوبون اقتساراً) أي: مملوكون من قهر وغلبة وربّاهم الله سبحانه من صغرهم إلى كبرهم لا عن اختيار منهم حتى يكون لهم الخيرة في معصية ربّهم ومالكهم، (ومقبوضون احتضاراً) أي مقبوضون بالموت محتضرين إلى حضرة ذي العزة فيجازيهم بالحسنة والسيئة،
(ومضمنون أجداثاً) أي : في قبور هي دار الوحدة والوحشة (وكائنون رفاتاً) وعظاماً فتاتاً أي أجزاء شتاتاً، (ومبعوثون أفراداً) أي وحداناً لا مال لهم ولا ولد كما فسر بذلك قوله تعالى :
(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فَرَادَى كَمَا خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَلْناكُم وَرَاء ظهورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَوا لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [الأنعام: [94
قال في «مجمع البيان»: أي: جئتمونا وحداناً لا مال لكم ولا حول ولا ولد ولا حشم وقيل : واحداً واحداً على حده، وقيل : كل واحد منكم منفرداً من شريكه في الغي وشفيقه كما خلقناكم أوّل مرّة أي خلقناكم في بطون أمهاتكم لا ناصر لكم ولا معين وقيل : معناه ما روي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : تحشرون حفاة عراة غرلاً، والغرل عراةً غرلاً، والغرل هم الغلف (1).
وروي إن عائشة قالت لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين سمعت ذلك : واسوأتاه ينظر بعضهم إلى سوءة بعض من الرّجال والنساء قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لكل امرء منهم يومئذٍ شأن يغنيه، ويشغل بعضهم عن بعض (2).
(وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم) معناه تركتم ما ملكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به من الأموال خلف ظهوركم والمراد تركتم الأموال في الدنيا وحملتم من الذنوب الأحمال واستمتع غيركم بما خلفتم وحوسبتم عليه فيا لها حسرة ومدينون جزاء) أي : مجزيون بأعمالهم جزاء إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً.
(من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأنعام: 160].
(ومميزون حساباً) أي: في حساب يعني يتميز المؤمن من المجرم والتقي من الشقي والجيّد من الرديء في يوم الحساب، ومقام المحاسبة كما قال سبحانه :
(وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) [يس: 59].
أي اعتزلوا من أهل الجنة وكونوا فرقة على حدة.
نقل أنه إذا جمع الله الخلق يوم القيامة بقوا قياماً على أقدامهم حتى يلجمهم العرق، فينادون يا ربنا حاسبنا ولو إلى النار فيبعث الله رياحاً فتضرب بينهم وينادي مناد وامتازوا اليوم أيها المجرمون، فتميزوا بينهم فصار المجرمون إلى النار ومن كان في قلبه إيمان صار إلى الجنة.
(قد أمهلوا في طالب المخرج) يعني أنّ الله سبحانه أمهلهم في دار الدنيا لطلب نجاتهم وخلاصهم من الظلمات إلى النور وخروجهم من الضلالة إلى السداد ومن الغواية إلى الرشاد (وهدوا سبيل المنهج) أي : هداهم الله تعالى بما جعل لهم من العقول وبعث إليهم من الأنبياء والرّسل إلى المنهج القويم والصراط المستقيم الموصل لسالكه إلى حظيرة القدس وجنة الفردوس.
(وعمروا مهل المستعتب) يعني : أعطاهم الله العمر وأمهلهم في الدنيا مثل مهل من يطلب رضاءه وأعتابه أي إزالة اللوم والشكوى عنه، ولما كان من يطلب إزالة اللوم عنه ويقصد رجوعه عن غيه بمهل طويلاً ويداري شبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مهلة الله لخلقه مذة أعمارهم ليرجعوا إلى طاعته ويعملوا صالحاً بذلك، فافهم جيّداً.
(وكشف عنهم سدف الزيب) أي : أزيلت عنهم ظلمات الشكوكات والشبهات بما منهم من الله العقول مؤيداً بالرّسل (وخلوا المضمار الجياد) أي: خلاهم الله وتركهم في الدنيا ليضمروا أنفسهم ويستعدّوا السباق في الآخرة كما يترك الجياد من الخيل في المضمار وتضمر ليحصل لها الاستعداد للمسابقة ويحاز بها قصب السبق ويؤخذ بها السبق.
وفي الإتيان بلفظة الجياد تنبيه على أن يكونوا من جياد مضمارهم، وقد مرّ توضيح تشبيه الدنيا بالمضمار في «شرح الخطبة السابعة والعشرين» فليراجع (و) كذلك خلوا لـ (روية) الارتياد وإناة المقتبس المرتاد) أي : للتفكر في طلب الحق وليتأنوا أناة المتعلم للعلوم الحقة المحتاج في تعلمه إلى التأني والمهلة الطالب للأنوار الإلهية ليهتدي بها في ظلمات الجهل والغفلة (في مدة الأجل) الذي عينه سبحانه لهم (ومضطرب المهل) الذي قدّر في حقهم.
ثم نبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على كمال كلامه وفضل موعظته وعرض على عدم القلوب الحاملة لها بقوله : (فيا لها أمثالاً صائبة ومواعظ شافية) أي : أمثالاً مطابقة لممثلانها متصفة بالصواب خالية عن الأخطاء ومواعظ شافية لأمراض الجهل مبرءة عن آلام الهوى (لو صادفت) تلك الأمثال والمواعظ (قلوباً) طاهرة (زاكية وأسماعاً) حافظة (واعية) أي: قلوباً مستعدة لقبول الهداية وأسماعاً قابلة لحفظ النّصيحة (وآراء عازمة) قاصدة على الرشد والسداد (وألباباً حازمة) متقنة لما فيه الصلاح والرّشاد.
وعن «معاني الأخبار»: الحزم أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك.
وفي الحديث : الحزم بضاعة والتواني إضاعة وفيه: الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي والرأي بتحصين الأسرار (1).
1) مستدرك الوسائل : 66/12، والبحار : 341/68.
قال بعض شرّاح الحديث أشار إلى أسباب الظفر القريب والمتوسط والبعيد فالحزم أن تقدم العمل للحوادث الممكنة قبل وقوعها بما هو أبعد عن الغرور وأقرب إلى السلامة، وهو السبب الأقرب للظفر بالمطالب والمتوسط هو إجالة الرأي وإعماله في تحصيل الوجه الأحزم وهو سبب أقرب للحزم والأبعد هو أسرار ما يطلب وهو سبب أقرب للرأي الصالح إذ قل ما يتم رأي، ويظفر بمطلوب مع ظهور إرادته، هذا.
وفي «رواية الحزم» في القلب والرحمة والغلظ في الكبد، والحياء في الرّية.
ثم إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد التنبيه على فضل موعظته والإشارة إلى أسباب قبول الموعظ حثّ على التقوى أيضاً ورغب فيها لكونها الغرض الأصلي من هذه الخطبة فقال :
(فاتقوا الله) تقيّة مثل (تقية من سمع) نداء الله (نخشع قلبه الله (واقترف) الإثم والشقاء (فاعترف) بالتقصير والخطأ (ووجل) العقبى (فعمل) الحسنى (وحاذر) العقوبة (فبادر) المثوبة (وأيقن) أجله، (فأحسن) عمله، (وعبر) بما فيه اتعاظ واعتبار (فاعتبر) وحصل له إنابة وانزجار (وحذر) بالسخط والنكال (فازدجر) وانزجر عن سوء الأعمال (وأجاب) دعوة الداع إذا دعاه (فأناب) إلى ربه حين ناداه (وراجع) عقله وتفكر (فتاب) عمّا فرط وقصر (واقتدى) بالأنبياء والمرسلين، (فاحتذى) حذو عباد الله المتقين (وأرى) الآيات في الآفاق والأنفس (فرأى) الحقيقة بعيان الحس.
(فأسرع) إلى الخير (طالباً) راغباً (ونجى) من الشر (هارباً) واهباً (فأفاد ذخيرة) لسلوك سبيل الرّحمن (وأطاب سريرة) من الرجس ودنس الشيطان (وعمر معاداً) بصالح الأعمال (واستظهر زاداً) من التقي ومكارم الخصال (ليوم رحيله) من الدنيا (ووجه سبيله) إلى العقبى (وحال حاجته) في الحشر والمعاد (ومواطن فاقته) يوم التناد (وقدم) التقوى (أمامه) ليكون عدة (لدار) مقیله و (مقامه فاتقوا الله) سبحانه (يا عباد الله) واقصدو (جهة ما خلقكم له) من تحصيل العرفان واليقين وتكميل الإخلاص في الدين كما قال عز من قائل :
(وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا 56) [الذاريات: 56]، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة : 5].
(واحذروا منه كنه ما حذركم من نفسه).
بقوله : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقوله : (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرُونَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرُونَّهَا عَيْنَ الْيَقِين * ثُمَّ لَتُسْلُنَّ يَوْمَئذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر : 5-8].
(واستحقوا منه) تعالى (ما أعد). (لكم) وهيأه في حقكم ويشير به بقوله :
(لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَان من الله وَاللهُ بَصِيرًا بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 15].﴾
واستحقاق ذلك إما (بالتنجز لصدق ميعاده) أي : بطلب انجاز وعده الصادق والتماس وفائه بالجزاء اللائق وذلك الطلب إنما هو بعد الإقبال بالطاعات والاجتهاد في إتيان الصالحات (و) إما با (الحذر من هول معاده) وهو إنما يكون بالارتداع من الخطيئات والازدجار عن السيئات وفقنا الله سبحانه للإقبال والابتهال وللانتهار والانزجار، وأنى لنا بذلك مع ما نحن عليه من الاغترار بالدنيا ولذاتها والافتتان بشهواتها.
كأنا نرى أن لا نشور وانتا*** سدى مالنا بعد الفناء بصائر
ألا لا ولكنّا نغر نفوسنا ***وتشغلنا اللذات عما تحاذر
وكيف يلذ العيش من هو موقن ***بموقف عدل حين تبلى السرائر
ایشان بندگانند مخلوق شده از روی قدرت فاعل مختار و مملوك از روی قهر و جبر بی اختیار و قبض كرده شده در حالتی كه محتضرند و مرتحل به دار قرار و نهاده شده اند در درون قبور و گردیده اند اجزاء متفرقه چون هباء منثور و مبعوث شدهاند در حالتی كه منفردند از اهل و مال و جزا داده شدهاند جزادادنی به حسب اعمال و تمیز داده شدهاند در مقام حساب ربّ الارباب.
به تحقیق كه مهلت داده شده اند در دنیا به جهت طلب خروج از ظلمت جهالت و راه نموده شده اند به راه راست رشادت و معمّر شدهاند و مهلت داده شده همچو مهلت كسی كه طلب كننده باشد رضا و ازاله ملامت حضرت عزّت را از خود به توبه و انابت و زایل گردانیده شده است از ایشان ظلمات شك و گمان با بینه و برهان و واگذاشته شدهاند در دنیا از برای ریاضت دادن نفس اماره بهواسطه حمل كردن به اسباب تقوی و اثقال طاعت چون ریاضت دادن و لاغر نمودن اسبهای خوب از برای سبقت در میدان مسابقت.
و همچنین واگذاشته شدهاند از برای تفكر در طلب حق و از برای همچو تأنّی كردن تأنی كردن طالب نور الهی به تحصیل سعادت و جوینده آن به كسب كمالات در مدت اجلی كه معین شده است برایشان و محل اضطراب مهلتی كه مقدر شده است در حق ایشان، پس ای قوم تعجب نمایید از این پندها از حیثیت مثلهای موصوفه به درستی و صواب و نصیحتهای شفادهنده به امراض نادانی و جهالت اگر برسد به قلوب متصفه به جودت و ذكاوت و به گوشهای حفظ كننده نصیحت و به رأیهای صاحب عزم و علو همت و به عقلهای صاحب حزم و بلند مرتبت.
پس بپرهیزید از خدا همچو پرهیز نمودن كسی كه شنید امر خدا را، پس فروتنی نمود به خدا و كسب گناه كرد، پس اعتراف به تقصیر نمود و ترسید از آخرت پس عمل شایسته نمود، و حذر نمود از عقوبت پس بشتافت به سوی طاعت و یقین كرد به اجل، پس نیكو كرد عمل را و عبرت داده شد پس قبول عبرت نمود و ترسانیده شد از عذاب و سخط پس منزجر شد از معصیت و اجابت
نمود دعوت را پس رجوع نمود به زبان معذرت و مراجعه نمود به عقل خود، پس توبه كرد از خطیئت و اقتدا نمود به انبیا و مرسلین پس تابع شد به سلف صالحين.
و نموده شد به وی آیات قدرت، پس معرفت رساند به حقیقت پس سرعت كرد به سوی خیر در حالتی كه طالب و راغب بود و نجات یافت از شر در حالتی كه گریزان و هارب بود، پس كسب نمود ذخیره را از برای سلوك سبيل رحمان و پاكیزه نمود باطن خود را از رجس و شرك شيطان و معمور نمود معاد خود را به صالح اعمال و پشت قوی كرد به توشه برداشتن از تقوی و محاسن خصال از برای رحلت خود در دنیا و جهت راه خود به عقبی و برای حال احتیاج خود و موضع درویشی خود و فرستاد پیش از خود، توشه طاعت از برای سرای اقامت.
پس بپرهیزید از خدا ای بندگان خدا و قصد نمایید جهت آن چه را كه خلق نمود شما را از برای آن كه عبارت است از تحصیل معرفت و عبادت با اخلاص نیت و بترسید از خدا به نهایت آن چه ترسانید شما را از نفس خود و استحقاق پیدا كنید از او آن چیزی را كه مهیا كرده است از برای شما با طلب وفا نمودن مروعده صادق او را و با حذر نمودن از هول معاد او.
و معلوم است كه این طلب وفا و این حذر متصوّر نمی شود مگر با اقبال به طاعات و با ارتداع از سيئات؛ اللهم وفقنا بحق محمد سيد السادات.
جَعَلَ لَكُمْ أَسْماعاً لِتَعِي ما عَناها وأَبْصاراً لِتَجْلُو عَنْ عَشاها، وأشلاء جامِعَةً لأعضائها، مُلائِمَةً لأَحْنائِها، في تَرْكِيبٍ صُوَرِها، ومُدَدِ عُمُرِها بأبدان قائِمَةِ بِأَزْفاقِها، وقلوب رائِدَةٍ لأرزاقها، في مُجَلّلاتِ نِعَمِهِ، ومُوجِباتِ مِنَنِهِ، وحواجز عافِيَتِهِ، وقَدّرَ لَكُمْ أَعْماراً سَتَرَها عَنْكُمْ، وخَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِين قَبْلَكُمْ مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاقِهِمْ، وَمُسْتَفْسَحٍ خِناقِهِم، أرْهَقَتْهُمُ الْمَنايا دُونَ الآمال، وشَذَّ بِهِمْ عَنْها تَخَرُّمُ الآجالِ، لَمْ يُمَهْدُوا في سلامة الأَبْدانِ، ولَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنْفِ الأَوانِ، فَهَلْ يَنتَظِرُ أَهْلُ بَصَاضَةِ الشَّبابِ إِلا حَوانِيَ الْهَرَمِ، َوأَهْلُ غَضارَةِ الصَّحَّةِ إِلا نَوازِلَ السَّقَم، وأهْلُ مُدَّةِ البقاء إلا آوِنَةَ الْفَناءِ مَعَ قُرْبِ الزّيالِ، وَأَزُوفِ الإِنتِقالِ، وعَلَز الْقَلَقِ، وألم المَضْض، وغُصَص الجَرَض، وتَلَفَّتِ الإستِغاثَةِ بِنُصْرَةِ الحَفَدَةِ والأَقْرَباءِ، والأَعِزَّةِ وَالقُرَناءِ، فَهَلْ دَفَعَتِ الأَقارِبُ؟ أوْ نَفَعَتِ النَّواحِبَ؟ وقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الأَمْواتِ رهيناً، وفي ضيق الْمَضْجَع وحيداً، قَدْ هَتَكتِ الهَوامُ جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّواهِكُ جِدَّتَهُ، وعَفتِ الْعَواصِفُ آثارَهُ، ومَحَى الْحَدَثانُ مَعالِمَهُ، وصارَتِ الأَجْسادُ شَحِبَةً بَعْد بَضَّتها، وَالْعِظامُ نَخِرَةَ بَعْدَ قُوتِها، وَالأَرْواحُ مُرتَهِنَةً بِثِقْل أعْبائِها، مُوقِنَةً بِغَيْبِ أنْبائِها، لا تُسْتَزادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِها، ولا تُسْتَعْتِبُ مِنْ سَيّءٍ زَلَلِها، أَوَلَسْتُمْ أبْناءَ الْقَوْمِ وَالآباء؟ وإِخْوانَهُمْ والأَقْرَباءَ؟ تَحْتَذُونَ أمْثِلَتَهُمْ، وتَرْكَبُونَ قِدّتَهُمْ وتَطَاوُنَ جادَّتَهُمْ، فَالقُلُوبُ قاسِيَةٌ عَنْ حَظِّها، لاهِيَة عَنْ رُشْدِها، سالِكةً في غَير مضمارِها كَأَنَّ الْمَعْني سواها وكَأَنَّ الرَّشْدَ في إِحْرازِ دُنْياها (1).
(عنيته) عنياً من باب رمي قصدته وعناه الأمر أهمه و (عشى) عشا من باب تعب ضعف بصره وأبصر نهاراً ولم يبصر ليلاً فهو أعشى والمرأة عشواء و (الأشلاء) جمع الشلو مثل أحمال وحمل وهو العضو وقال في «القاموس» : الشلو بالكسر العضو والجسد من كل شيء.
و (الحنو) بالفتح والكسر كل ما فيه اعوجاج من البدن كعظم الحجاج واللحى والضلع ومن غيره كالقف والحقف وكل عود معوج في القتب والرحل والسرج والحنو أيضاً الجانب، وعن النهاية ملائمة لاحنائها أي معاطفها و (الزفق) النفع يقال ارتفقت به أي انتفعت وقال في «القاموس»: الرفق بالكسر ما استعین به، ويروى بارماقها بدل بإرفاقها وهو جمع الرمق بقية الزوح.
1) بحار الأنوار: 436/74، وميزان الحكمة : 2611/3 ح 3401.
(و مجللات النعم) ما تعم الخلق من جلل الشيء تجليلاً أي عم، ومنه السحاب المجلل وهو الذي يجلل الأرض بماء المطر، أي : يعمه وفي حديث الكافي والعيون الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم، و (المستمتع) اسم مكان من استمتعت بكذا انتفعت به و (الخلاق) بالفتح النصيب و (المستفسح) محل الفسحة وهي السعة (والخناق) ككتاب الحبل الذي يخنق به يقال خنقه يخنقه خنقاً ككتف إذا عصر حلقه حتى يموت فهو خانق وخناق، وربما يطلق الخناق على الحلق يقال أخذه بخناقه ومخنقه أي بحلقه.
و (ارهقت) الشيء أدركته وأرهقت الرّجل أمراً يتعدّى إلى مفعولين أعجلته وكلفته حمله، و (الأنف) بضمتين أوّل الأمر و (بضض) الرجل بالفتح والكسر بضاضة وبضوضة فهو بض أي رخص الجسد رقيق الجلد ممتلىء، و (الحواني) جمع الحانية وهي العلة التي تحنى شطاط (1)الجسد وتمنعه عن الاستقامة و (الهرم) محركة أقصى الكبر و (الغضارة) طيب العيش والسعة والنعمة و (الأونة) جمع أوان كأزفة وزمان و (العلز) بالتحريك خفة وهلع يصيب المريض والأسير والمحتضر ورجل علز أي هلع لا ينام و (الم) محرّكة وجع المصيبة (جرض) بريقه ابتلعه بالجهد على هم وحزن وأجرضه الله بريقه أغصه، و (التلفت) والالتفات بمعنى وهو الانصراف يقال التفت إلي التفاتا انصرف بوجهه نحوي والتلفت أكثر منه و (الحفدة) الأعوان والخدم، وقيل أولاد الأولاد.
والنساء (النواحب) اللاتي يرفعن أصواتهن بالبكاء من من التحب وهو شدة البكاء، ويروى النوادب بدلها و (غادره) مغادرة تركه وبقاه و (هتك) الستر وغيره جذبه فقطعه من موضعه و (الهامة) من الحيوان ماله سم يقتل كالحيات والجمع الهوام كدابة ودواب، وربما يطلق على ما لا يقتل كالحشرات و (نهكته) الحمى نهكا من باب ضرب هزلته وجدته وأضنته، ونهكه السلطان بالغ في عقوبته والناهك والنهيك المبالغ في الأشياء) و (الجدة) بكسر الجيم مصدر يقال جد يجد من باب ضرب يضرب جدة إذا صار جديداً وهو ضد البلى و (عفت) بالتخفيف ويروى بالتشديد و (شحب) لونه من باب جمع ونصر وكرم شحوباً وشحوبة تغير من هزال أو جوع أو سفر و (تستعتب) بالبناء على المفعول و (القدة) بكسر القاف والدال المهملة الطريقة، و (المعنى) بالتشديد والمعنى والمعناة والمعنية بمعنى واحد.
لفظة (عن) في قوله (لتجلو عن عشاها) إما زائدة أو بمعنى بعد كما جوزه الشارح المعتزلي مستشهداً بقول الشاعر لعجب حرب وائل عن حيال أي بعد حيال فيكون قد حذف
1) شطاط كسحاب، وكتاب القامة وحسن القوام.
المفعول والتقدير لتجلو الأذى بعد عشاها، والأظهر ما قاله الشارح البحراني من أن (عن) ليست بزائدة لأنّ الجلاء يستدعي مجلواً والمجلو عنه فذكر المجلو وأقامه مقام المجلو عنه فكأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : لتجلو عن قواها عشاها، وفي تركيب صورها متعلق بملائمة، وقوله: (بأبدان) متعلق بجعل والباء للمصاحبة (والباء) في (بإرفاقها) للصّلة وعلى رواية (بإرماقها) إمّا للسببية أو للاستعانة.
وقوله (في مجللات نعمه) متعلق بمقدر حال من فاعل (جعل) أو من ضمير الخطاب في (لكم) أي جعل لكم الأسماع حال كونكم في مجللات نعمه، (ومن مستمتع خلاقهم) بيان للعبر، ودون في قوله (دون الآمال) بمعنى عند وجملة (لم يمهدوا) في محل النصب على الحال من مفعول (أرهقتهم).
(فهل ينتظر) (اه) استفهام إنكاري توبيخي من قبيل قوله سبحانه : أتعبدون ما تنحتون، وكلمة (إلا) في المواقع الثلاثة أعني قوله : (إلا حواني الهرم)، (وإلا نوازل السقم)، (وإلا أوبة الفناء) إن كانت للاستثناء فيتوجه عليه أن الاستثناء المفرّغ غير جائز في الكلام الموجب وإن كانت بمعنى غير كما يظهر من شرح البحراني ففيه أن (إلا) بمعنى (غير) لا يجوز حذف موصوفها كما يجوز حذف موصوف (غير) يقال جاءني غير زيد ولا يصح أن يقال جاءني إلا زید كما صرّح به ابن هشام وغيره، وبذلك فرّقوا بين (إلا) وكلمة (غير).
ويمكن توجيهه بأن يقال : أنّ (إلا) للاستثناء، وأن جواز التفريغ هنا لاستقامة المعنى وحصول الفائدة كما جوزوه في قولهم قرأت إلا يوم كذا معللين بأنّه لا يبعد أن يقرء في جميع الأيام إلا اليوم المعين فعلى هذا التوجيه يكون المراد بالكلام أنه ينتظر هؤلاء جميع اللذائذ الدنيوية والشهوات النفسانية (إلا حواني الهرم ونوازل السقم)، فافهم.
(والباء) في قوله (بنصرة الحفدة)، متعلق بالاستغاثة وقوله (فهل دفعت الأقارب) استفهام إنكاري إبطالي على حد قوله : (أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: 40]، وقوله : (وقد غودر) في محل النصب على الحال والعامل نفعت وكذلك (رهيناً ووحيداً) منتصبان على الحال، والعامل غودر، وهكذا جملة قد هتكت وأبلت وعفت ومحى (ا هـ)، وقوله: (وصارت) عطف على غودر، وجملة (لا تستزاد) (ولا تستعتب) في محلّ النصب أيضاً على الحالية، وقوله (أولستم) استفهام تقريري.
إعلم أن صدر هذا الفصل تذكير لعباد الله بضروب نعم الله سبحانه ومنته عليهم، وتنبيه على الغاية من تلك النّعم، وذيله مسوغ لبيان حال السلف ليعتبر به الخلف فقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (جعل)
لكم أسماعاً لتعي ما عناها وأبصاراً لتجلو عن عشاها)، إشارة إلى ما هو الغرض منهما.
فالمقصود أنه سبحانه خلق لانتفاعكم قوّة سامعة لتحفظ ما أهمها، وقوة باصرة لتجلو العشاعن الأبصار، فعلى هذا يكون قوله (وأبصاراً) (ا هـ) من باب الاستخدام حيث أريد بالأبصار القوة وبضمير عشاها الراجع إليه العضو المحسوس المخلوق من الشحم المركب من السواد والبياض، فبتلك القوة حصل له الإدراك والأبصار بعد ما لم يكن في نفسه مبصراً مدركاً فكانت جلاء عن عشاها.
ويوضح ذلك ما رواه في «البحار» من المناقب لابن شهر آشوب مما أجاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحضرة المأمون لضباع بن نصر الهندي وعمران الصابي عن مسائلهما قال عمران العين نور مركبة أم الروح تبصر الأشياء من منظرها؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): العين شحمة وهو البياض والسواد والنظر للروح دليله إنك تنظر فيه وترى صورتك في وسطه والإنسان لا يرى صورته إلا في ماء أو مرآة وما أشبه ذلك.
قال ضباع: إذا عميت العين كيف صارت الرّوح قائمة والنظر ذاهب ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كالشمس طالعة يغشاها الظلام قالا: أين تذهب الروح ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أين يذهب الضوء الطالع من الكوة في البيت إذا سدّت الكوة، قالا: أوضح لنا ذلك، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الروح مسكنها في الدماغ وشعاعها منبث في الجسد بمنزلة الشمس دارتها في السماء وشعاعها منبسط على الأرض، فإذا غابت الدارة فلا شمس وإذا قطعت الرأس فلا روح (1).
فإنّ غرض السائل أنّ المدرك هو العضو أم الروح تبصر الأشياء، وهذا منظره، فاختار (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثاني وعلله بأنّ العضو مثل سائر الأجسام الصقيلة يري فيها الوجه كالماء والمرآة، فكما أنّها ليست مدركة لما ينطبع فيها، فكذا العين وغيرها من المشاعر، هذا.
وقد أشير إلى منافع السمع والبصر وبعض حكمهما في حديث المفضل المعروف عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قال :
انظر يا مفضّل إلى هذه الحواس الخمس التي خص بها الإنسان في خلقه وشرف بها على غيره كيف جعلت العينان في الرّأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعرضها الآفات ويصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها، ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها وإطلاعها نحو الأَشياء.
فلما لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس
1) بحار الأنوار: 111/6 ح 6، ومناقب آل أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ) : 464/3.
وهو بمنزلة الصومعة لها، فجعل الحواس خمساً تلقى خمساً لكي لا يفوتها شيء من المحسوسات، فخلق البصر ليدرك الألوان فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن فيها منفعة.
وخلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها أرب، وكذلك سائر الحواس، ثمّ يرجع هذا متكافئاً فلو كان بصر، ولم يكن الألوان لما كان للبصر معنى ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع، فانظر كيف قدر بعضها يلقي بعضاً فجعل لكلّ حاسة محسوساً يعمل فيه، ولكل محسوس حاسة تدركه.
ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات لا يتم الحواس إلا بها كمثل الضياء والهواء، فإنّه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون، ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن يدرك الصوت
فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره إنّ مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضاً، وتهيئة أشياء أخرى بها يتم الحواس لا يكون إلا بعمد وتقدير من لطيف خبير؟
فكر يا مفضل فيمن عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في أموره فإنّه لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرق بين الألوان وبين المنظر الحسن والقبيح، فلا يرى حفرة إن هجم عليها ولا عدوّاً إن هوى إليه بسيف ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئاً من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة حتى أنه لولا نفاد ذهنه لكان كالحجر الملقى.
وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة، فإنّه يفقد روح المخاطبة والمحاورة ويعدم لذة الأصوات واللحون الشجية المطربة، وتعظم المؤنة على الناس في محاورته حتى تبرموا به ولا يسمع شيئاً من أخبار الناس وأحاديثهم حتى يكون كالغائب حتى يكون كالغائب وهو شاهد وكالميت وهو حي (1).
وقوله : (وأشلاء جامعة لأعضائها) الظاهر أن المراد بالشّلو هنا العضو وليس كناية عن الجسد كما زعمه البحراني إذ الأبدان مذكورة بعد ذلك، فيلزم التكرار مع أن إرادة الجسد على تقدير صحتها لا حاجة فيها إلى الكناية لما قد عرفت من اشتراكه لغة بين الجسد والعضو
فإن قلت: إرادة العضو ينافيها قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) (جامعة لأعضائها)، إذ الشيء لا يجمع نفسه.
1) التوحيد : 23، وبحار الأنوار: 70/3.
قلت : يمكن توجيهه بما وجهه الشارح المعتزلي من جعل المراد بالأشلاء الأعضاء الظاهرة، وبالأعضاء الأعضاء الباطنة ولا ريب أن الأعضاء الظاهرة تجمع الأعضاء الباطنة، (ملائمة لإحنائها في تركيب صورها ومدد عمرها) أي جعل الأعضاء مناسبة موافقة للجهات والجوانب التي جعلت فيها ملائمة لها في صورها التركيبية.
مثلاً جعل اليدين في اليمين واليسار أنسب من كونهما في الرّأس، وكون العينين في الرّأس أولى من كونهما في الظهر أو البطن، وكذلك كون ثقب الأنف في أسفله أنسب وأحسن من كونه في أعلاه، وكون المثانة والمعدة في أسافل البدن أليق، وهكذا وقد مرّ حكمة بعض ذلك في رواية المفضل، وستعرف البعض في التبصرة الآتية مضافاً إلى الحسن والبهجة والالتئام والمناسبة المقررة في هذه الصور المجعولة، ألا ترى أن من لم يكن له حاجب فوق عينه أو سقطت الأشفار من طرف عينه كيف يكون قبيح الصورة كريه المنظر؟ وهكذا سائر الأعضاء، هذا كله لو كان الحنو في كلامه بمعنى الجانب والجهة، ولو جعلناه بمعنى العضو المعوج فيكون المراد أنه تعالى جعل الأعضاء المستقيمة من البدن ملائمة للأعضاء المعوجة في صورها المركبة فلا يناسب المستقيمة موضع المعوّجة ولا المعوّجة موضع المستقيمة ولا يصادم حسن الاستقامة للاعوجاج ولا الاعوجاج للاستقامة، إذ كلّ منهما في موقعهما حسن، وأحسن فتبارك الله أحسن الخالقين.
وأما قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (ومدد عمرها)، فالظاهر أنه أراد به أن الله جعل مدد عمر كلّ من الأعضاء ملائمة للآخر مقارنة له بحيث لا يفنى بعض الأعضاء قبل فناء الآخر فيكون الكلام محمولاً على الغالب، فافهم.
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (بأبدان قائمة بإرفاقها وقلوب رائدة لإرزاقها) أي: قائمة بمصالحها ومنافعها أو أن قوامها باستعانة أرواحها على الرّواية الأخرى السالفة في بيان اللغة وقلوب طالبة لأرزاقها جالبة لها إليها.
والضمير في أرزاقها يحتمل رجوعه إلى الأبدان، ورجوعه إلى نفس القلوب، وعلى الأوّل فالمراد بالرّزق الرّزق الجسماني، وعلى الثاني فالمراد به الرزق الروحاني أعني العلوم الحقة والمعارف الشرعية والعقائد الإلهية الموجبة للسعادة في الدارين والمحصلة للعزّة في النشأتين، فإنّ القلب هو الطالب الجالب لتلك الأرزاق إلى نفسها كما أنّه هر الطالب الجالب للأرزاق إلى البدن ولو يتوسط الآلات البدنية.
إذ هو العالم بالله، وهو المتقرب إلى الله، وهو المحصل لرضوان الله، وهو الساعي إلى الآلات الله وهو المكاشف بما عند الله، وهو في الحقيقة سلطان مملكة البدن يستخدم والجوارح يأمرها وينهيها ويستعملها استعمال المالك لعبده، والسلطان لرعيته، وتحقيق ذلك
موقوف على شرح حال القلب ومعرفة عجائب صفاته.
فأقول : إنّ القلب كما حققه الغزالي يطلق على معنيين :
أحدهما: اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الزوح ومعدنه، وهو بهذا المعنى موجود للإنسان والحيوان والحي والميت ومرئي بحس العيان ويدركه الحيوان بحاسة البصر كما يدركه الإنسان ولا يتعلق به غرضنا في المقام.
«الثاني»: هو جوهرة لطيفة ربانية نورانية روحانية لها تعلق بالقلب الجسماني الذي ذكرناه وهي حقيقة الإنسان وبها تمامه وكماله وهو المدرك العالم العارف وهو المخاطب والمطالب، وله جنود وأعوان وأنصار فمن تلك الجنود ما يرى بالأبصار كالأعضاء الظاهرة من اليد والزجل والعين والأذن واللسان ونحوها، وما لا يرى بالأبصار كالحواس الباطنة والشهوة والغضب ونحوها، فجميعها خادمة للقلب منقادة لحكمه مسخرة له، وقد خلقت مجبولة على طاعته لا تستطيع له خلافاً ولا عليه تمرداً.
فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت وبالانطباق انطبقت، والرّجل بالحركة تحركت وبالسكون امتثلت واللسان بالكلام تكلّم، وبالسكوت أمسك، وكذا سائر الأعضاء.
وإنما افتقر إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي يجب له سلوكه، ولأجل مسيره خلق، وهو السفر إلى الله وقطع المنازل إلى لقائه ومركبه البدن وزاده المعرفة، والأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود هو العمل الصالح.
فليس يمكن العبد أن يصل إلى الله ما لم يسكن البدن ولم يجاوز الدنيا، فإنّ المنزل الأدنى لا بدّ من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى، فالدنيا مزرعة الآخرة وهي منزل من منازل الهدى، وإنّما سمّيت الدنيا لكونها أدنى المنزلتين فاضطر إلى أن يتزوّد من هذا العالم.
فالبدن مركبه الذي يصل به إلى هذا العالم، فافتقر إلى تعهد البدن وحفظه وإنّما يحفظ البدن بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء ويطلب له ما يناسبه من الرّزق، وأن يدفع عنه ما ينافيه ويضارّه من أسباب الهلاك، فافتقر لأجل جلب الغذاء إلى جندين باطن وهو الشهوة، وظاهر وهو الأعضاء الجالبة للغذا من اليد ونحوها.
فخلق في القلب من الشهوات ما كان محتاجاً إليه وخلقت الأعضاء لكونها آلة للشّهوة وافتقر لأجل دفع المضار والمهلكات أيضاً إلى جندين باطن وهو الغضب الذي به يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء، وظاهر وهو الجوارح التي بها يعمل بمقتضى الغضب من اليد والرّجل ونحوهما.
ثم المحتاج إلى الغذاء ما لم يعرف الغذاء لم تحصل له شهوة الغذاء فافتقر للمعرفة إلى جندين باطن وهو إدراك السمع والبصر والشم واللمس والذوق وظاهر وهو العين والأذن والأنف وغيرها.
فجملة جنود القلب منحصرة في ثلاثة أصناف : صنف باعث ومستحث إما إلى جلب النافع الموافق كالشهوة وإما إلى دفع الضار المنافي كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة، والصنف الثاني هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد، ويعبر عنه بالقدرة وهي مبثوثة في سائر الأعضاء لا سيما العضلات منها والأوتار والصنف الثالث هو المدرك المتعرف للأشياء كالجواسيس وهي قوة البصر والسمع والشم والذوق واللمس المبثوثة في الأعضاء المعينة وقوة التخيل والتحفظ والتفكر ونحوها المودعة في تجاويف الدماغ.
وهذه كلها مما قد أنعم الله بها على سائر أصناف الحيوان سوى الآدمي إذ للحيوان أيضاً الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة فكلاهما شريكان فيها، وإنّما اختصّ الإنسان بما لأجله عظم شرفه وعلا قدره واستأهل القرب.
وهو راجع إلى علم وإرادة، أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والأخروية والحقائق العقلية، وهذه أمور وراء المحسوسات ولا تشاركه فيها الحيوانات بل العلوم الكلية الضرورية من خواص العقل إذ يحكم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يتصور أن يكون في مكانين في حالة واحدة، وهذا حكم منه على كل شخص ومعلوم أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأشخاص، فحكمه على الجميع زائد على ما أدركه الحس، وإذا فهمت هذا في العلم الظاهر الضّروري فهو في سائر النظريات أظهر.
وأما الإرادة فإنّه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وجهة المصلحة فيه انبعث من ذاته شوق إلى جهة المصلحة وإلى تعاطي أسبابها والإرادة لها، وذلك غير إرادة الشهوة وإرادة الحيوانات، بل ربما يكون على ضدّ الشهوة.
ألا ترى أنّ الشهرة تنفر عن الفصد والحجامة، والعقل يريدها ويطلبها ويبذل لها المال والشهوة تميل حين المرض إلى لذائذ الأطعمة والعقل يردعها عنها، ولو خلق الله العقل العارف بعواقب الأمور ولم يخلق هذا الباعث المحرك للأعضاء على العمل بمقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضائعاً على التحقيق.
فإذا اختص قلب الإنسان بعلم وإرادة يمتاز بهما من سائر الحيوان، ومن هذه الجملة ظهر أن خاصية الإنسان العلم والحكمة وللعلم مراتب ودرجات لا تحصى من حيث كثرة المعلومات وقلتها، وشرف المعلوم وخسته ومن حيث إن حصوله قد يكون بالهام ربّاني على سبيل المكاشفة كما للأنبياء والأولياء، وقد يكون بطريق الكسب والاستدلال وفي الكسب أيضاً قد يكون سريع الحصول وقد يكون بطيء الحصول.
وفي هذا المقام تتباين منازل العلماء والحكماء والأولياء والأنبياء، فدرجات الترقي غير محصورة إذ معلومات الله سبحانه غير متناهية ومراقي هذه الدرجات هي منازل السائرين إلى الله ولا حصر لتلك المنازل، وإنما يعرف كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنازل.
وأما ما بين يديه فلا يحيط به علماً كما لا يعرف الجنين حال الطفل، ولا الطفل حال المميز ولا المميز حال المراهق ولا المراهق حال العاقل، وما اكتسبه من العلوم النظرية، فكذا لا يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته، (ما يفتح الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: 2] وهذه الرّحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من الله سبحانه غير مضنون بها على أحد ولكن إنّما تظهر في القلوب المتعرضة لنفحات الرحمة كما قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):
«إن لزبكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوها» (1)، والتعرض لها إنما هو بتطهير القلب وتزكيته من الكدر والخبث الحاصلين من الأخلاق المذمومة.
فظهر بذلك معنى تمام الإنسان وكماله وخاصته التي بها امتاز عن سائر أفراد الحيوان وتحقق أنّ البدن مركب للقلب والقلب محل للعلم والعلم هو مقصود الإنسان وأنّ العلم والمعرفة هو الذي خلق الإنسان لأجله كما قال :
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : 56].
أي ليعرفون كما ظهر لك معنى رزق البدن وزاد القلب، واتضح أن القلب هو الطالب الجالب للرّزق والزاد لإصلاح المعاش والمعاد.
وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): (في مجللات نعمه وموجبات مننه) العطف بمنزلة التفسير يعني أنكم متنعمون بنعمة العامة الشاملة وآلائه التامة الكاملة الموجبة لمنته سبحانه عليكم فالمراد بمجللات النعم ما أنعم بها على جميع الموجودات والمخلوقات بمقتضى رحمته الرّحمانية كما قال سبحانه: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: 50].
وبموجبات المنن أن تلك النّعم موجبة لمنة الله سبحانه عليهم، فلا بد أن يقوم العبد أن بلوازم الشكر والامتنان ولا يقابل بالطغيان والكفران وأعظم ما من الله به على عباده هداهم للإسلام والإيمان وأرشدهم إلى سلوك سبيل الجنان وبعث فيهم رسولاً يدلهم على الهدى وينجيهم من الرّدى كما قال تعالى :
1) التوحيد للصدوق: 330 ح 9، وأمالي المفيد : 206، وفيهما إلن لربكم في أيام دهركم نفحات الا،9، 206 فتعرضوا لها.
(لقد من الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ وَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ يُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران : 164].
وقوله: (وحواجز عافيته) قال الشارح المعتزلي : أي في عافية تحجز وتمنع عنكم المضار.
أقول : وهو مبني على كون الإضافة من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، والأظ والأظهر الأقوى أن الإضافة لامية، والمراد والموانع التي تمنع العافية عن الزوال والعدم، وتكون عائقة عن طريان المضار والآلام وعروض الأوجاع والأسقام على الأبدان والأجسام، وعلى أت تقدير فالمراد بها نعمة الصحة والسلامة التي هي من أعظم نعم الله سبحانه، بل هي رأس كل نعمة وبها يدرك كل لذة وبهجة.
ثم قال : (وقدر لكم أعماراً سترها عنكم) وهذا أيضاً من أعظم ما أنعم الله تعالى به على خلقه إذ في إظهار مدة العمر عليهم مفاسد لا تحصى كما أنّ في إخفائها منافع جاوزت حد الاستقصاء كما أشار إليها سادس الأئمة وصادق الأمة أبو عبد الله جعفر بن محمد سلام الله عليهما وعلى آبائهما وأولادهما الطيبين الطاهرين.
حيث قال في حديث المفضل : تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته، فإنّه لو عرف مقدار عمره وكان قصيراً لم يتهنّا بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد أعرفه، بل كان يكون بمنزلة من قد فني ماله أو قارب الفناء، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر على أن الذي يدخل على الإنسان من فناء العمل أعظم مما يدخل عليه من فناء المال، لأن من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بقناء العمر استحكم عليه اليأس.
وإن كان طويل العمر ثم عرف ذلك وثق بالبقاء وانهمك في اللذات والمعاصي وعمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته، ثمّ يتوب في آخر عمره، وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله ألا ترى لو أنّ عبداً لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوماً أو شهراً لم تقبل ذلك منه، ولم يحلّ عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الأمور في كل الأوقات على تصرف الحالات (1).
فإن قلت: أو ليس قد يقيم الإنسان على المعصية حيناً، ثم يتوب قبل توبته؟
قلنا: إنّ ذلك شيء يكون من الإنسان لغلبة الشهوات له وتركه مخالفتها من غير أن يقدره في نفسه ويبني عليه أمره فيصفح الله عنه ويتفضل عليه بالمغفرة.
1) التوحيد للصدوق : 42، والبحار : 84/3.
فأما من قدر أمره على أن يعصي ما بداله ثم يتوم ما بداله ثم يتوب اخر ذلك فإنّما يحاول خديعة من لا يخادع، أن يتسلف التلذذ في العاجل ويعد ويمنى نفسه التوبة في الآجل، ولأنّه لا يفي بما يعد من ذلك، فإن النزوع من الترفه والتلذذ ومعاناة التوبة ولا سيما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب، ولا يؤمن على الإنسان مدافعة التوبة أن أن يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب كما قد يكون على الواحد دين وقد يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الأجل، وقد نفد المال فيبقى الدين قائماً عليه.
فكان خير الأشياء للإنسان أن يستر عنه مبلغ عمره فيكون طول عمره يترقب الموت، فيترك المعاصي ويؤثر العمل الصالح.
فإن قلت : وما هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته وصار يترقب الموت في كل ساعة يقارف الفواحش وينتهك المحارم.
قلنا : إن وجه التدبير في هذا الباب هو الذي جرى عليه الأمر فيه فإن كان الإنسان مع ذلك لا يرعوي ولا ينصرف عن المساوىء، فإنّما ذلك من مرحه ومن قساوة لا خطأ من في التدبير، كما أن الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به فإن كان المريض مخالفاً لقول الطبيب لا يعمل بما أمره ولا ينتهي عمّا ينهاه عنه، ولم ينتفع بصفته لم تكن الإساءة في ذلك للطبيب بل للمريض حيث لم يقبل منه.
ولئن كان الإنسان مع ترقبه الموت كل ساعة لا يمتنع عن المعاصي، فإنّه لو وثق بطول البقاء كان أحرى أن يخرج إلى الكبائر الفظيعة فترقب الموت على كل حال خير له من الثقة بالبقاء.
وإن كان صنف من الناس ينهون عنه ولا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي ويؤثرون العمل الصالح ويجودون بالأموال والعقائل النفسية والصدقة على الفقراء والمساكين، فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة ليضيع أولئك حظهم.
وبالجملة فقد وضح، واتضح كل الوضوح أن ستر مدد الأعمار عن الخلق من جلائل النعم وأعظم ما من الله سبحانه به عليهم.
ومثله نعمة أخرى هي أيضاً من أسبغ الآلاء وأسنى النعماء من حيث كونها موجبة للتجافي عن دار الغرور جاذبة إلى دار السرور باعثة على السعادة الأبدية موقعة في العناية السرمدية، (و) هي أنه سبحانه (خلف لكم عبراً) تعتبرون بها، وأبقى أثاراً تتذكرون منها (من آثار الماضين قبلكم) من الأهلين والأقربين والأولين والآخرين، وممن كان أطول منكم أعماراً
وأشدّ بطشاً وأعمر دياراً (من مستمتع خلاقهم ومستفسح خناقهم)، أي: الدنيا التي كانت محل استمتاعهم بخلاقهم وانتفاعهم بحظوظهم وانصبائهم ومحل الفسحة لأعناقهم من ضيق حبائل الموت ودار أمهالهم من انشاب مخالب الفناء والفوت.
فأنتم فيها كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة، وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلافهم، وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون (أهرقتهم المنايا دون الآمال وشذبهم عنها تخرم الآجال) أي: اختر متهم أيدي المنون من قرون بعد قرون، فحالت بينهم وبين الآمال وفرقتهم من الأولاد والأموال :
تخرمهم ريب المنون فلم تكن ****لتنفعهم جنّاتهم والحدائق
ولا حملتهم حين ولوا بجمعهم ***نجائبهم والصافنات السوابق
وزاحوا عن الأموال صفراً وخلفوا ***دخائرهم بالرّغم منهم وفارقوا
(لم يمهدوا في سلامة الأبدان ولم يعتبروا في أنف الأوان)، أي: لم يهيئوا في حال الصحة والسلامة ليوم المعاد ولم يعتبروا في أوّل الأزمنة بالعبر النافعة بل الكل مال عنها وحاد، فالشباب للهرم والصّحة للسّقم والوجود للعدم بذلك جرى في اللوح القلم.
(فهل ينتظر أهل بضاضة الشباب الأحواني الهرم، وأهل غضارة الصحة إلا نوازل السقم، وأهل مدة البقاء إلا أونة الفناء) والعدم استفهام على سبيل الإنكار والتوبيخ عما ينتظر الشبان الناعمة الجسد الرقيقة الجلد غير حواني الهرم التي تحنى ظهورهم وعما ينتظر أهل النعمة والصحة غير نوازل السقم التي تنزل عليهم، وعمّا ينتظر المعمرون بطول أعمارهم غير الفناء والعدم الذي يفنيهم.
وإنما وبخهم على ذلك لأن من كان مصير أمره إلى الهرم والسقم والفناء والزوال ينبغي أن يأخذ العدة والذخيرة لنفسه، وينتظر ما يصير أمره إليه ويراقبه ولا يشتغل بغيره.
فهؤلاء لما قصروا هممهم في غير ذلك وأوقعوا أنفسهم في مطارح المهالك وبخهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك وأكد بقوله : (مع قرب الزيال) وازوفه (وازوف الانتقال) وقربه وعلز (القلق) وهلعه (وألم المضض) ووجعه (وغصص الجرض) وشجاه، (وتلفت الاستغاثة بنصرة الحفدة والأقرباء والأعزة والقرناء) أراد أنّهم في حال سكرات الموت يلتفتون إلى أهلهم وأولادهم، ويقلبون وجوههم ذات اليمين وذات الشمال إلى أحبتهم وعوادهم يستغيثونهم ويستنصرونهم فلا يقدرون على النصرة والإغاثة، ويستعينوهم ويستنجدونهم فلا يستطيعون الانجاد والإعانة :
أحاطت به أفاته وهمومه ***وأبلس (1)لما أعجزته المعاذر
فليس له من كربة الموت فارج ***وليس له مما يحاذر ناصر
وقد حشات خوف المنية نفسه*** ترندها دون اللهاة الحناجر
(فهل دفعت الأقارب أو نفعت النواحب) أو انتفع بسلطانه أو ذب الموت عنه جنوده وأعوانه.
فما صرفت كف المنيّة إذ أتت*** مبادرة تهوى إليه الذخائر
ولا دفعت عنه الحصون التي بنا ***وحفٌ بها أنهارها والدساكر (2)
ولا قارعت عنه المنيّة خيله ***ولا طمعت في الذب عنه العساكر
(وقد غودر في محلة الأموات رهيناً، وفي ضيق المضجع وحيداً) والتحق بمن مضى من أسلافه ومن وارته الأرض من الافك (3).
وأضحوا رميماً في التراب وأقفرت ***مجالس منهم عطلت ومقاصر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم ***وأنى لسكّان القبور التزاور
فما أن ترى إلا جثى قد ثووا بها ***مسنمة تسفى عليه الأعاصر
(قد هتكت الهوام جلدته وأبلت النواهك جدته)، أي قطع هوام الأرض جلده وصار طعمة العقارب والحيات والحشرات المؤذيات وأخلقت مبالعات الذهر التى أجهدته وأضنته وهزلته جدته ونضرة شبابه، فصار خلقاً بالياً بعد ما كان جديداً غضيضاً طرياً بمصائب الدهر ونوائبه وأوصابه وأتعابه (وعفت) الرياح (العواصف آثاره ومحى) النوائب و (الحدثان معالمه) فلم يبق في وجه الأرض منه خبر ولا عن قبره عين ولا أثر حيث فقدته العيون وتوالت عليه السنون (وصارت الأجساد شحبة) متغيّرة هزلة (بعد بضتها) ونعومتها وامتلائها (والعظام نخرة) بالية متفتتة، (بعد قوتها) وشدتها (والأرواح مرتهنة) مقبوضة (بثقل أعمالها) وأحمالها كما قال تعالى :
(كلُّ أَمْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور : 21]
أي محبوس بعمله حتى يعامل بما يستحقه ويجازي بما عمله إن عمل طاعة أثيب وإن عمل معصية عوقب وفي سورة المدثر :
(كلُّ نفس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَب اليمين [المدثر: 38 - 39]
قال الطبرسي: أي مرهونة بعملها محبوسة به مطالبة بما كسبته من طاعة أو معصية، فالرهن أخذ الشيء بأمر على أن لا يرد إلا بالخروج منه، فكذلك هؤلاء الضلال قد أخذوا برهن لافكاك له والكسب هو كلّ ما يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر ويدخل فيه الفعل وإلا يفعل.
ثم استثنى سبحانه أصحاب اليمين فقال : (إلَّا أَصْحَب اليمين) [المدثر : 39] وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم قال الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): نحن وشيعتنا أصحاب اليمين (1)، وقوله: (موقنة بغيب أنبائها) أي متيقنة بالأخبار الغيبية التي أخبر بها الرسل وأنبأ بها الكتب من أخبار القيامة من البرزخ والبعث والحساب والكتاب والجنة والنار وسائر ما كانت غائبة عنه مختفية له، حتى رآها بحس العين فحصل له اليقين بعد ما كانت منها في ريب وظنّ كما قال تعالى :
(وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمُ مَا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نحن بِمُسْتَيْقِنِينَ).
وقال سبحانه حكاية عن الكفار والمجرمين :
أي : كنا نكذب يوم الجزاء حتى جاءنا العلم اليقين بأن عايناه، وقال سبحانه في حق .
الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ويقيمون الصَّلوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ الَّذِينَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: 3-4]
قال الطبرسي: وإنّما خصهم بالايقان بالآخرة، وإن كان الإيمان بالغيب قد شملها لما كان من كفر المشركين بها وجحدهم إياها في نحو ما حكى عنهم في قوله :
(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحيا﴾ [الجاثية : 24].
فكان في تخصيصهم بذلك مدح عظيم (لا تستزاد من صالح عملها ولا تستعتب من سيىء زللها) أي لا يطلب منها زيادة في العمل الصالح ولا يطلب منها التوبة من العمل القبيح، كما كان يطلب ذلك منها في الدنيا، وذلك لأنّ التكليف والعمل إنّما هو في الدنيا والآخرة دار الجزاء لا تكليف فيها كما قال تعالى في سورة الجاثية :
(فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتبُونَ﴾ [الجاثية : 35].
1) بحار الأنوار: 9/24 ح 25، وتفسير أبي حمزة الثمالي 344 ح 345.
أي: لا يخرجون من النار ولا يطلب منهم الاعتاب والاعتذار لما قلناه من أن التكليف قد زال، وفي سورة الرّوم.
(فيَوْمَئذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتُبُونَ﴾ [الروم: 57].
وكما أنّهم لا يطلب منهم التوبة والمعذرة، فكذلك لا ينفعهم الاعتذار والإنابة كما قال سبحانه :
(فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوَى لَهمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت : 24].
أي : إن يطلبوا إزالة اللوم والعقوبة ويسألوا رضا الله عنهم فليس لهم طريق إلى الأعتاب ولا لهم نجاة من العقاب.
بلى أوردته بعد عزّ ومنعة ***موارد سوء سا هن مصادر
فلما رأى أن لا نجاة وأنه*** هو الموت لا ينجيه منه الموازر
تندم لو يغنيه طول ندامة ***عليه وأبكته الذنوب الكبائر
(قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثونَ﴾ [المؤمنون: 100].
(أولستم أبناء القوم) الذين وصفنا حالهم وشرحنا مالهم (والآباء وإخوانهم والأقرباء) وأمثالهم.
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها ***محاسنهم فيها بوال دوائر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم*** وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها***وضمّنهم تحت التراب الحفائر
فلكم اليوم بالقوم اعتبار وسوف تحلون مثلهم دار البوار، فالبدار البدار والحذار الحذار من الدنيا ومكائدها وما نصبت لكم من مصائدها وتجلى لكم من زينتها واستشرف لكم من فتنتها.
وفي دون ما عاينت من فجعاتها*** إلى رفضها داع وبالزهد آمر
فجد ولا تغفل فعيشك زائل ***وأنت إلى دار المنية صائر
فهل يحرص عليها لبيب، أو يسرّ بلذتها أريب، وهو على ثقة من فنائها وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عين من يخشى البيات أو تسكن نفس من يتوقع الممات، أم كيف (تحتذون أمثلتهم وتركبون قدتهم وتطأون جادتهم) تفعلون مثل أفعالهم وتقتفون آثارهم وتسلكون مسالكهم وتقولون : «إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مقتدون»، (فالقلوب
قاسية عن حظها) جافية عن إدراك نصيبها الذي ينبغي لها إدراكه (لاهية عن رشدها) غافلة عن طلب هدايتها (سالكة في غير مضمارها) الذي يلزم عليها سلوكه.
يعني أن اللازم على القلوب تحصيل المعارف اليقينية والعقائد الحقة والتفكر في آثار الجبروت والقدرة والاتعاظ بالحكم والموعظة الحسنة فهي لقسوتها وجفاوتها بكثرة الذنوب التي اقترفتها لم يبق لها قابلية واستعداد لإدراك حظها ونصيبها الذي ذكرناه وغفلت عن الاهتداء بالأنوار الإلهية وسلكت في غير جادة الشريعة، (كان المعنى) والمقصود بالأحكام الشرعيّة والتكاليف الإلهية (سواها وكان الرشد) الذي أمرت به (في إحراز دنياها).
فيا عاقلاً راحلاً ولبيباً جاهلاً ومتيقظاً غافلاً، ما هذه الحيرة والسبيل واضح والمشير ناصح والصواب لائح، عقلت فأغفلت وعرفت فأنكرت وعلمت فأمهلت (1)هذا هو الداء الذي عز دواؤه، والمرض الذي لا يرجى شفاؤه إلى كم ذا التشاغل بالتجائر والأرباح، إلى كم ذا التهور بالسرور والأفراح وحتام التغرير بالسلامة في مراكب النياح، كيف تتهنأ بحياتك وهي مطيتك إلى مماتك أم كيف تسيغ طعامك وأنت منتظر حمامك (2).
لم تتزوّد للرحيل وقد دنا*** وأنت على حال وشيكاً مسافر
تخرب مايبقى وتعمر فانياً ***ولا ذاك موفور ولا ذاك عامر
وهل لك إن وافاك حتفك بغتة ***ولم تكتسب خير لدى الله عاذر
أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي ***ودينك منقوص ومالك وافر
فيا ويح نفسي كم أسوّف توبتي ***وعمري فياويح ري فإن والردى لي ناظر
وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت ***يجازي عليه عادل الحكم قاهر
مليك عزيز لا يردّ قضاؤه*** علیم حكیم نافذ الأمر قادر
عنسى كل ذي عز بعزة وجهه*** فكل عزيز للمهيمن صاغر
لقد خشعت واستسلمت و تضالت ***لعزة ذي العرش الملوك الجبابر
فبك الهنا نستجير يا عليم يا خبير من نؤمل لفكاك رقابنا غيرك، ومن ترجو بغفران ذنوبنا سواك، وأنت المتفضل المنان القائم الديان العائد علينا بالإحسان بعد الإسالة منا والعصيان، يا ذا العزة والسلطان والقوة والبرهان أجرنا من سكان عذابك الأليم واجعلنا من دار النعيم يا أرحم الراحمين.
لما كان صدر هذا الفصل متضمناً للإشارة إلى بعض الحكم والمصالح فيما جعله الله سبحانه للإنسان من الأعضاء والجوارح، وكان توضيح ذلك موقوفاً على التشريح أحببت أن أورد هنا شطراً يسيراً من ذلك مما صدر عن مصدر الولاية إذ تشريح جميع الأعضاء على ما حققه الحكماء والأطباء مما يوجب الطول ويخرج عن الغرض، وفيما نورده هداية للمسترشد وكفاية للطالب.
فأقول : روى في «البحار» من العلل والخصال عن محمد بن إبراهيم الطالقاني عن الحسن بن علي العدوي عن عباد بن صهيب بن عباد بن صهيب عن أبيه عن جده عن الربيع صاحب المنصور قال :
حضر أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) مجلس المنصور يوماً وعنده رجل من الهند يقرأ كتب الطب، فجعل أبو عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينصت لقراءته، فلما فرغ الهندي قال له يا أبا عبد الله أتريد ممّا معي شيئاً؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا، فإن معي ما هو خير مما معك قال : وما هو ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
أداوي الحار بالبارد والبارد بالحارّ، والرطب باليابس واليابس بالرطب ؛ وأورد الأمر كله إلى الله عزّ وجل واستعمل ما قاله رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : واعلم أنّ المعدة بيت الداء والحمية هي الدواء، وأعود البدن ما اعتاد فقال الهندي : وهل الطب إلا هذا.
فقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): أفتراني من كتب الطب أخذت؟ قال نعم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا والله ما أخذت إلا عن الله سبحانه، فأخبرني أنا أعلم بالطب أم أنت؟ قال الهندي: لا بل أنا، قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأسألك شيئاً؟ قال : سل، قال الصادق : أخبرني يا هندي لم كان في الرأس شئون (1)قال : لا أعلم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم جعل الشعر عليه من فوق ؟ قال : لا أعلم.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم خلت الجبهة من الشعر ؟ قال : لا أعلم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم كان لها تخطيط وأسارير؟ قال : لا أعلم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم كان الحاجبان من فوق العينين؟ قال : لا أعلم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم جعل العينان كاللوزتين؟ قال : لا أعلم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم جعل الأنف بينهما؟ قال: لا أعلم.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم كان ثقب الأنف في أسفله؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا أعلم، قال : فلم جعلت الشفة والشارب من فوق الفم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا أعلم، قال : فلم أحد السن وعرض الضرس والناب؟ قال : لا أعلم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم جعلت اللحية للرجال؟ قال: لا أعلم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم خلت الكفار من الشعر؟ قال : لا أعلم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم خلا الظفر والشعر من الحياة؟ قال: لا
1) الشأن: واحد الشؤن وهي مواصل قبائل الرأس وملتقاها وفيها تخرج الدموع.
أعلم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم كان القلب كحب الصنوبر؟ قال: لا أعلم.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم كانت الرئة قطعتين وجعل حركتها في موضعها؟ قال: لا أعلم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم كانت الكبد حدباء قال: لا أعلم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم كانت الكلية كحب اللوبيا؟ قال : لا أعلم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم جعل طي الركبة إلى خلف؟ قال: لا أعلم، قال فلم انحضرت (1)القدم؟ قال: لا أعلم، فقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): لكني أعلم، قال: فأجب.
فقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): كان في الرأس شئون لأن المجوف إذا كان بلا فصل أسرع إليه الصداع، فإذا جعل ذا فصول كان الصداع منه أبعد وجعل الشعر من فوقه ليوصل بوصوله الأدهان إلى الدماغ، ويخرج بأطرافه البخار منه ويرد الحر والبرد الواردين عليه، وخلت الجبهة من الشعر لأنها مصبّ النور إلى العينين، وجعل فيها التخطيط والأسارير ليحبس العرق الوارد من الرّأس عن العين قدر ما يميطه الإنسان من نفسه كالأنهار في الأرض التي تحبس المياه.
وجعل الحاجبان من فوق العينين ليوردا من النور عليهما قدر الكفاية ألا ترى يا هندي إنّ من غلبه النور جعل يده بين عينيه ليرد عليهما قدر كفايتهما منه، وجعل الأنف فيما بينهما ليقسم النور قسمين إلى كل عين سواء وكانت العين كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء ويخرج منها الداء، ولو كانت مربعة أو مدورة ما جرى فيها الميل وما وصل إليها دواء ولا خرج منها داء.
وجعل ثقب الأنف في أسفله لينزل منه الأوداء المنحدرة من الدماغ ويصعد فيها الأرابيح إلى المشام ولو كان في أعلاه لما ينزل داء ولا وجد رائحة وجعل الشارب والشفة فوق الفم لحبس ما ينزل من الدماغ عن الفم لئلا يتنغص على الإنسان طعامه وشرابه فيميطه عن نفسه وجعلت اللحية للرجل ليستغنى بها عن الكشف في المنظر ويعلم بها الذكر والأنثى.
وجعل السن حاداً لأنّ به يقع العض وجعل الضرس عريضاً لأنّ به يقع الطحن والمضغ وكان الناب طويلاً ليشدّ الأضراب والأسنان كالأسطوانة في البناء، وخلا الكفان من الشعر لأن بهما يقع اللمس فلو كان بهما شعر ما دري الإنسان ما يقابله ويلمسه، وخلا الشعر والظفر من الحياة، لأن طولهما سمج بقبح وقصهما حسن فلو كان فيهما حياة لألم الإنسان لقصهما.
وكان القلب كحب الصنوبر لأنه منكس فجعل رأسه رقيقاً ليدخل في الرئة فيتروح عنه ببردها لئلا يشيط الدماغ بحره، وجعلت الرّئة قطعتين ليدخل مصاعظها (2)فتروح عنه بحركتها، وكانت الكبد حدباء ليثقل المعدة وتقع جميعه عليها فتعصرها فيخرج ما فيها من البخار.
وجعلت الكلية كحب اللوبيا لأن عليها مصب المني نقطة بعد نقطة، فلو كانت مربعة أو مدورة لاحتبست النقطة الأولى الثانية فلا يلتذ بخروجها الحي إذ المني ينزل من فقار الطهر إلى الكلية فهي كالدودة تنقبض وتنبسط ترميه أوّلاً فأولاً إلى المثانة كالبندقة من القوس.
وجعل طيّ الرّكبة إلى خلف لأن الإنسان يمشي إلى ما بين يديه فتعدل الحركات ولولا ذلك لسقط في المشي، وجعلت القدم متحضرة لأنّ الشيء إذا وقع على الأرض جميعه نقل ثقل حجر الرحى، وإذا كان على حرفه دفعه الصبي، وإذا وقع على وجهه صعب ثقله على الرجل.
فقال الهندي : من أين لك هذا العلم؟ فقال : أخذته عن آبائي عن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن جبرئيل عن رب العالمين جل جلاله الذي خلق الأجساد والأرواح، فقال الهندي: صدقت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك أعلم من أهل زمانك (1).
1) مستدرك سفينة البحار : 497/6، والحفال : 514.
گردانید حق سبحانه و تعالی از برای شما گوشها را تا این كه حفظ نمایند و نگه بدارند آن كه مهم باشد ایشان را و ضروری و آفرید چشمها را تا این كه روشنی بخشند از شب كوری و خلق فرمود اعضاء ظاهره كه جمع كننده اعضای باطنه بودند در حالتی كه مناسب و موافق بودند با اطراف و جوانب متناهیه خود در تركیب صورتهای آنها و مدتهای عمرهای آنها با بدنهایی كه قائمند به منافع خود و با قلبهایی كه طالبند مررزقهای خود را در حالتی كه شما در توی نعمتهای كامله میباشید و اسباب منتهای شامله و موانع صحت بدن از امراض و محن.
و مقدر فرمود از برای شما عمرها كه پوشانید آنها را از شما و باقی گذاشت از برای شما عبرتها از آثار گذشتگان پیش از شما از محل لذت یافتن ایشان با نصیب خودشان و از مكان گشاده بودن ریسمان مرگ از گردن ایشان.
شتاب نمود ایشان را مرگها بی رسیدن به آرزوها و متفرق ساخت ایشان را از آرزوها بریده شدن اجل ها، در حالتی كه مهیا نساختند از عملهای شایسته در سلامتی بدنها و عبرت نگرفتند از عبرتهای نافعه در اول زمانها.
پس آیا انتظار می كشند اهل قوت و امتلاء جوانی مگر قد خم كننده های پیری و ناتوانی را و اهل خوشی و صحت و تن درستی مگر نازل شوندههای بیماری را و اهل مدت بقا مگر زمانهای فنا و نابودی را با وجود نزدیكی مفارقت و قرب انتقال به سوی آخرت و با وجود جزع اضطراب و درد مصیبت و بسیار به گلو ماندن آب دهان از اندوه و محنت و با وجود این طرف و آن طرف نگریستن برای فریادرس خواستن به یاری دادن اعوان و خویشان و اولاد و عزیزان.
پس آیا دفع نمود مرگ را از او خویشان یا نفع بخشید گریه گریه كنندگان و حال آن كه ترك كرده شد در محله مردگان محبوس گناه و در تنگی خوابگاه بی یار و همراه به تحقیق كه پاره نمود حشرات الارض پوست تن او را و كهنه نمود لاغركنندگان تازگی بدن او را و مندرس نمود بادهای سخت جهنده اثرهای او را و
محو نمود حوادث روزگار علامتهای او را و بگردید بدنهای متغیر و لاغر بعد از تازگی و قوت و استخوانها پوسیده و متفرق بعد از توانایی و شدت.
و روح ها گرد كرده شد به بار گران گناهان در حالتی كه یقین كننده باشند به اخبار غایبه از ایشان، طالب نمیشود از آنها زیاده كردن از اعمال صالحه و طلب نمیشود از ایشان راضی كردن حق از اعمال باطله آیا نیستید شما پسران قوم خود و پدران ایشان و برادران قوم خود و خویشان ایشان؟ اندازه خویشان ایشان؟ اندازه میگیرید در كارها بر مثلهای آنها و سوار میشوید بر طریقه ایشان در اقوال و افعال و سلوك میكنید در راههای ایشان به همه حال.
پس قلبها سختند از قبول بهره سودمند خود غافلند، از طلب هدایت خود سالكند، در غیر میدان با منفعت خود گویا كه مخاطب و مقصود به اوامر و نواهی غیر از آن دلها است و گویا كه رشادت و مصلحت آنها در حفظ متاع متاع دنیا است.
هذا آخر الجزء الخامس من هذه الطبعة الجديدة الثمنية القيمة؛ تم تصحيحه وتهذيبه وترتيبه بيد العبد «السيد إبراهيم الميانجي» عفى عنه وعن والديه ووقع الفراغ في العشر الأول من شهر رجب الأصب 1379.
ويليه إن شاء الله الجزء السادس وأوله : «الفصل السادس من المختار الثاني والثمانين والحمد لله رب العالمين.
ومن خطبة له (عليه السلام) وهي الرابعة والستون من المختار في باب الخطب ...5
اللغة ...5
الإعراب ...5
المعنى ...6
الترجمة ...20
ومن كلام له (عليه السلام) وهو الخامس والستون من المختار في باب الخطب ...21
اللغة ...21
الإعراب ...22
المعنى ...23
الترجمة ...65
ومن كلام له (عليه السلام) في معنى الأنصار وهو السادس والستون من المختار في باب الخطب ...66
اللغة ...66
الإعراب ...66
المعنى ...67
الترجمة ...83
ومن كلام له (عليه السلام) وهو السابع والستون من المختار في باب الخطب ...84
اللغة...84
الإعراب ...84
المعنى ...84
الترجمة ...98
ومن كلام له (عليه السلام) وهو الثامن والستون من المختار في باب الخطب ...99
اللغة ...99
الإعراب ...100
المعنى ...100
الترجمة ...102
وقال (عليه السلام) في سحرة اليوم الذي ضرب فيه وهو التاسع والستون من المختار باب الخط ...103
اللغة ...103
الإعراب ...103
المعنى ...÷03
الترجمة ...147
ومن كلام له (عليه السلام) في ذم أهل العراق وهو السبعون من المختار في باب الخطب ...148
اللغة ...148
الإعراب ...148
المعنى ...150
الترجمة ...152
ومن خطبة له (عليه السلام) علم فيها الناس الصلاة على النبي وهي الحادية والسبعون من المختار في باب الخطب ...154
اللغة ...154
الإعراب ...156
المعنى ...156
الترجمة ...179
ومن كلام له (عليه السلام) قاله السلام قاله لمر والنصنة الوحكم الثاني والسبعون من المختار في باب المخطب... 181
اللغة ...181
الإعراب ...181
المعنى ...181
تكملة ...182
الترجمة ...184
ومن كلام له (عليه السلام) لما عزموا على بيعة عثمان وهو الثالث والسبعون من المختار في باب الخطب... 185
اللغة ...185
الإعراب ...185
المعنى ...185
الترجمة ...188
ومن كلام له (عليه السلام) لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان وهو الرابع والسبعون من المختار في باب الخطب ...189
اللغة ...189
الإعراب ...189
المعنى ...189
الترجمة ...193
ومن خطبة له (عليه السلام) وهي الخامسة والسبعون من المختار في باب الخطب ...194
اللغة ...194
الإعراب...194
المعنى ...195
الترجمة ...203
ومن كلام له (عليه السلام) وهو السادس والسبعون من المختار في باب الخطب ...204
اللغة ...204
الإعراب ...204
المعنى ...204
الترجمة ...210
ومن كلمات له (عليه السلام) كان يدعو بها وهي السابعة والسبعون من المختار في باب الخطب ...211
اللغة ...211
الإعراب ...211
المعنى ...211
الترجمة ...216
ومن كلام له (عليه السلام) وهو الثامن والسبعون من المختار في باب الخطب ...217
اللغة ...217
الإعراب ...217
المعنى ...219
الترجمة ...253
ومن كلام له (عليه السلام) وهو التاسع والسبعون من المختار في باب الخطب بعد حرب الجمل في ذم النساء ...254
اللغة ...254
الإعراب ...254
المعنى ...255
تنبیه ظریف ...258
تنبيه وتحقيق ...264
الترجمة ...271
ومن خطبة له (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي الثمانون من المختار في باب الخطب ...272
اللغة ...272
الإعراب ...272
المعنى ...273
الترجمة ...279
ومن كلام له (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صفة الدنيا وهو الحادي والثمانون من المختار في باب الخطب ...280
اللغة ...280
الإعراب ...280
المعنى ...281
تكملة ...286
الترجمة ...287
ومن خطبة (عَلَيهِ السَّلَامُ) عجيبة وهي الثانية والثمانون من المختار في باب الخطب ...288
الفصل الأول ...288
الروضة الحيدرية ...288
اللغة ...288
الإعراب... 288
المعنى ...288
الترجمة ...292
الفصل الثاني ...2993
اللغة ...293
الإعراب ...295
المعنى ...296
الترجمة ...301
الفصل الثالث ...302
اللغة ...302
الإعراب ...303
المعنى ...303
تنبيه وتحقيق ...306
هداية وإرشاد ...311
الترجمة ...318
الفصل الرابع ...319
اللغة ...319
الإعراب ...320
المعنى ...321
الترجمة ...326
الفصل الخامس... 328
اللغة ...328
الإعراب ...329
المعنى ...330
تبصرة...344
الترجمة...347