ghaemiyeh.com
مِنهَاج البَراعَة
شرح
نهج البلاغة
لمؤلفه
العلامَة المحقق الحاج میرزا حبیب الله الهاشمي الخوئي
طبعة جديدة
ضَبط وتحقيق
علي عاشور
المجلد الرابع
الطبعة الأولى
1424ه - 2003م
دارالحياء التُراث العربى
بيروت - لبنان
محرر الرقمي: عليرضا الراهجو
www.haydarya.com
نهج البلاغة
خطب ، سَسَائِلٌ ، كلام، وصايا، عهود،حِكَم، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب
مِنهَاج البَراعَة
شرح
نهج البلاغة
لمؤلفه
العلامَة المحقق الحاج میرزا حبیب الله الهاشمي الخوئي
طبعة جديدة
ضَبط وتحقيق
علي عاشور
المجلد الرابع
دارالحياء التُراث العربى
بيروت - لبنان
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1424ه - 2003م
دار إحياء التراث العربي
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
للطباعة والنشر والتوزيع
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف: 272652 - 272655 - 272782 - 272782 فاكس: 800717 - 850623 ص.ب 11/7957
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ورواها في «البحار» من كتاب «مطالب السؤول» لمحمّد بن طلحة، ومن إرشاد الديلمي بتغيير تطلع عليه .
«أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَداع، وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطْلاع، أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمارُ وغَداً السِّباقُ وَالسَّبْقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغايةُ النّارُ ، أَفَلا تَائِبُ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنيَّته؟ أَلا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ بُؤْسِهِ ؟ أَلا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامٍ أَمَلِ (1)مِنْ وَرَائِهِ أَجَلْ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورٍ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَلَمْ يَضُرُّهُ أَجَلُهُ، وَمَنْ قَصْرَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ وَضَرَّهُ أَجَلُهُ ، أَلا فَاعْمَلُوا في الرَّغْبَةِ كَما تَعْمَلُونَ في الرَّهْبَةِ، أَلاَ وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نامَ طَالِبُها وَلا كَالنَّارِ نام هارِبُها أَلا وَإِنَّهُ مَنْ لا يَنْفَعُهُ الْحَقِّ يَضُرُّهُ الْباطِلُ، وَمَنْ لاَ يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى يَجُرُّ بِهِ الصَّلاَلُ إِلَى الرَّدَى، أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَدُلْلْتُمْ عَلَى الزادِ، وَإِنْ أَخَوَفَ ما أَخافُ عَلَيْكُمُ اتِّباعُ الهَوى وَطُولُ الأَمَلِ، فَتَزَوَّدُوا في الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيا ما تَجْهَزُونَ (2)بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً» (3).
قال الرّضي «قد» أقول : لو كان كلام يأخذ بالأَعناق إلى الزهد في الدنيا ويضطر إلى عمل الآخرة، لكان هذا الكلام وكفى به قاطعاً لعلائق الآمال، وقادحاً زناد الاتعاظ والإزدجار، ومن أعجبه قوله : «ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق والسبقة الجنّة والغاية النار»، فإن فيه مع فخامة اللفظ وعظم قدر المعنى وصادق التمثيل وواقع التشبيه ، سرّاً عجيباً ومعنى لطيفاً، وهو قوله :« والسبقة الجنّة والغاية النار» ، فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين، ولم يقل : السبقة النّار كما قال : «والسبقة الجنّة» .
لأنّ الإستباق إنّما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب، وهذه صفة الجنّة، وليس هذا المعنى موجوداً في النّار. نعوذ بالله منها فلم يجز أن يقول: والسبقة النّار، بل قال :
والغاية النار ، لأن الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الإنتهاء ومن يسرّه ذلك، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين الأمرين معاً .
فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل قال الله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) [إبراهيم: 30] ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم بسكون الباء إلى النار فتأمل ذلك، فباطنه عجيب و غوره بعيد ،لطيف، وكذلك أكثر كلامه عليه السّلام .
وقد جاء في رواية أخرى «والسبقة الجنّة» بضم السين، والسبقة عندهم اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض والمعنيان متقاربان لأن ذلك لا يكون جزاء على فعل المذموم، وإنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود .
(آذنت) بالمد أي أعلمت الأذان بمعنى الإعلام قال سبحانه: وَأَذَانُ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ [التوبة : 3] . و أشرف عليه اطلع من فوق و(الاطلاع ) هو العلم. يقال طلع على الأمر طلوعاً علمه كأطلعه على افتعل وضمّر الخيل تضميراً علفها القوت بعد السمن كأضمرها، و(المضمار الموضع يضمر فيه الخيل، وغاية الفرس في السياق و(السباق) هو المسابقة. و(السبقة) بالضمّ الخطر يوضع بين أهل السباق كما ذكره السيد (ره) و(البؤس) الشدة، و(ظعن) طعناً وظعناً بالسكون والتحريك من باب نفع سار وارتحل، و(تجهزت) الأمر كذا تهيأت له ، وجهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر والفتح ما يحتاجون إليه.
المضمار والسّباق وردا بالرفع والنصب أما رفع المضمار فعلى كونه خبر إنّ واليوم اسمها، وأما نصبه فعلى كونه اسماً واليوم خبراً .
وأُورد [عليه] بأنّه يلزم الإخبار عن الزمان ،بالزمان إذ المضمار زمان واليوم كذلك، فلو ، أخبر عنه باليوم فكان ذلك إخباراً بوقوع الزمان في الزمان، فيكون الزمان محتاجاً إلى زمان آخر وهو محال .
وأُجيب بمنع استلزام الإخبار بالزمان عن الزّمان كون الزمان محتاجاً إلى زمان آخر إذ ربّما يخبر عن بعض أجزاء الزمان بالزمان لإفادة الجزئية لا بمعنى حصوله فيه والمضمار لمّا كان عبارة عن الزمان الذي يضمر فيه الخيل، وهو زمان مخصوص لتقيّده بوصف مخصوص صخ الإخبار عنه باليوم.
وأما رفع السّباق فإمّا على كونه مبتدأ مؤخراً وغداً خبره واسم إن ضمير شأن مستتر، أو على جعله خبر إِنَّ ويحتاج حينئذ إلى تقدير المضاف أي غداً وقت السباق، وأما نصبه فعلى
كونه اسم إن وغداً خبرها، وهو واضح .
إعلم أنّ المستفاد من شرح البحراني : أنّ هذه الخطبة من فقرات خطبة طويلة خطب بها يوم الفطر، وسيجيء أولها في الكتاب، وهي الخطبة الرابعة والأربعون المصدّرة بقوله : «الحمد لله غير مقنوط من رحمته »، ونذكر تمامها هناك إن شاء الله برواية الصدوق فانتظر.
وإنما قدّمها الرّضي عليها مع كونها بعدها ، لما سبق من اعتذاره في خطبة الكتاب من أنه لا يراعي التّتالي والنسق وإنّما يراعي النكت واللمع وكيف كان فمدار ما ذكره هنا على التّزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة فأشار أوّلاً إلى عدم جواز الركون والإعتماد على الدنيا بقوله :
(أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع) وأشار بإدبارها إلى تقضي أحوالها الحاضرة وشهواتها الموجودة لكلّ أحد شيئاً فشيئاً كما قال علیهم السلام في الديوان المنسوب إليه :
رأيت الدّهر مختلفاً يدور فلا***حزن يدوم ولا سرور
وقد بنت الملوك به قصوراً***فما بقي الملوك ولا القصور
وإنما أطلق اسم الإدبار على هذا التقضي باعتبار أن اللذات الدنيوية لما كانت دائماً في التغير والتقضى المقتضي لمفارقة الإنسان لها وبعدها عنه، لا جرم حسن إطلاق اسم الإدبار عليه تشبيهاً لها بالحيوان المدبر، ولما كانت مفارقة الإنسان عنها مستلزمة لأسفه عليها ووجده بها أشبه ذلك ما يفعله الإنسان في حق محبوبه المرتحل عنه في وداعه له من الحزن والكآبة، فاستعير اسم الوداع له وكنى بإعلامها بذلك عن الشعور الحاصل بمفارقتها من تقضيها شيئاً فشيئاً وهو إعلام بلسان الحال.
ثم نبه على وجوب الإستعداد للآخرة بدنوّها من الإنسان بقوله : (وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع) ومثله قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد.
وقال الشارح البحراني : ولما كانت الآخرة عبارة عن الدار الجامعة للأحوال التي يكون الإنسان عليها بعد الموت من سعادة وشقاوة ولذة وألم، وكان تقضي العمر مقرباً للوصول إلى تلك الدار والحصول فيما يشتمل عليه من خير أو شرّ حسن إطلاق لفظ الإقبال عليها مجازاً ثم نزلها لشرفها على الدنيا في حال إقبالها منزلة عال عند سافل فأسند إليها لفظ الإشراف. ولأجل إحصاء الأعمال الدنيوية فيها منزلة عالم مطلع فأطلق عليها لفظ الإطلاع.
أقول: وإلى هذا المعنى أشير في الحديث القدسي : يا ابن آدم الموت يكشف أسرارك
والقيامة تتلو أخبارك، والكتاب يهتك استارك . الحديث .
ثم نبّه على وجوب التهيؤ بذكر ما يسير إليه وهو الجنّة وما يصار إليه وهو النار بقوله : (ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق) أراد باليوم مدّة العمر الباقية وأطلق اسم المضمار عليها باعتبار أنّ الإنسان في تلك المدّة يستعدّ بالتقوى والعمل الصالح للسبقة إلى لقاء الله والتقرب إلى حضرته، كما أنّ الفرس يستعد بالتضمير إلى سبق مثله .
وكنّى بالغد عمّا بعد الموت وأطلق اسم السباق عليه باعتبار أنّ أفراد النّاس لما كانت متفاوتة في حبّ الدنيا والإعراض عنها، وذلك التفاوت كان موجباً للقرب والبعد والسبق واللحوق في الدار الآخرة، فكان السباق هناك .
بيان ذلك أن من كان أكثر استعداداً وأقطع لعلائق الدنيا عن قلبه لم يكن له بعد الموت عائق عن الوصول إلى الله ومانع عن إدراك رضوان الله .
ومن أشرب قلبه حب الدنيا وافتتن بها لا يمكن له الوصول إلى درجات السابقين الأولين والنيل إلى مراتب المقربين ومن كان أقل استعداداً من هؤلاء وأشد علاقة للدنيا، كان من التّالين المقصرين كما قال في بعض كلماته السالفة : «ساع سريع نجى وطالب بطيء رجى ومقصّر في النار هوى والسبقة الجنّة يستبق إليها الشاع السّريع والغاية النار يصير إليها التالي الوضيع » (1).
ثم أمر بالتوبة قبل الموت وإدراك الفوت بقوله : «أفلا تائب من خطيئته قبل منيته» إذ بالتوبة تتخلى النفس عن الرذائل وتستعد للتحلية بالفضائل، فلا تنتظروا بالتوبة غداً فإن دون غدٍ يوماً وليلة قضاء الله فيها يغدو ويروح.
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَة بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَبِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْقَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَيْكَ أَعْتَدْنَا هُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) [النساء: 17-18 ].
(الا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه) عملاً ينجيه من البأس والعذاب ويفضيه إلى الرّاحة وحسن الثواب ، وهو الإتيان بالطاعات والإنتهاء عن المنهيات .
(ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل فمن عمل) لنفسه (في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله) الذي اكتسبه (ولم يضره أجله) الذي حلّ به ويكون حاله بعد موته حال
1) الكافي: 68/8 بتفاوت، وبحار الأنوار: 378/28 بتفاوت.
الغائب الذي قدم على وطنه وأهله (ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله) وفرط في طاعة ربه والتزود لآخرته (فقد خسر عمله) الذي عمله (وضره أجله) الذي حَلَّ به ويكون حاله بعد موته حال الآبق الذي قدم به على مولاه .
وقريب من هذا المضمون كلامه المروي في «البحار» عن كتاب «إعلام الذين» قال : «النّاس في الدنيا عامل في الدنيا للدنيا قد شغلته دنياه عن ،آخرته، يخشى على من يخلفه الفقر ويأمنه على نفسه، فيفنى عمره في منفعة غيره، وآخر عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه له الدنيا بغير عمله فأصبح ملكاً لا يسأل الله شيئاً فيمنعه» (1).
(ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرهبة) وهو تنبيه على وجوب التسوية في العمل حال الأمن والخوف وحالة الرّخاء والشدّة، ولا يكون ذلك إلا عن نية صادقة وعبودية خالصة . وفيه إشعار بالتوبيخ على الغفلة عن ذكر الله والإعراض عن عبادته في حال اللذات الحاضرة والخيرات الواصلة واللجؤ إليه والفزع إليه عند الحوادث الهائلة والمصائب النازلة .
قال سبحانه: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَنَا بِجَانِبِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضِ ) [فصلت: 51] (الأوإني لم أر ) نعمة ( كالجنّة نام طالبها ولا) نقمة (كالنار تام هاربها) وفيه تنبيه للموقنين بالجنة والنار على كونهم نائمين في مراقد الطبيعة لينتبهوا منها ويستعدّوا بالعمل لما وراءهم من النعم والنقم .
وفيه شميمة التعجب من جمع الموقن بالجنة وبين عمله بما في الجنّة من تمام النعمة، وبين تقصيره عن طلبها بما يؤدي إليها من صالح الأعمال وكريم الأفعال. ومن جمع الموقن بالنار بين علمه بما فيها من تمام النقمة وبين الغفلة عن الهرب منها إلى ما يخلص عنها .
(ألا) وإنّ الحق كاسب للمنفعة والباطل جالب للمضرّة (وإنّه من لم ينفعه الحق) لإعراضه عنه وعدم سلوكه سبيله (يضره الباطل) الذي وقع فيه ويستنصر به لا محالة (ومن لا يستقم به الهدى) ونور العلم والعرفان (يجرّ به الضلال) وظلمة الجهل (إلى الردى) والخذلان .
يعني أن من لم يكن الهدى دليله القائد له بزمام عقله في سبيل الله ويستقم به في سلوك صراطه المستقيم، فلا بد وأن ينحرف به الضلال عن سواء الصراط إلى أحد جانبي التفريط والإفراط .
(ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن) والرحيل والسلوك إلى الله والسعي إلى رضوان الله (ودللتم على الزاد) المقوّى على السير والسلوك والمهيىء للوصول إلى حظيرة القدس، وهو التقوى
1) نهج البلاغة : 64/4 ح 269 ، وخصائص الأئمة : 98 .
الذي هو مفتاح السّداد وذخيرة المعاد كما قال سبحانه وتعالى : وَتَزُودُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة : 197].)(وإن أخوف ما أخاف عليكم من أمور الدنيا اثنتان إحداهما (اتباع الهوى) القائد إلى الرّدى (و) الثانية : (طول الأمل) الشاغل عن الآخرة فتزوّدوا في الدنيا من الدنيا بالعلم والعمل.)أما العلم فلان الاستكمال به إنما يحصل بواسطة هذا البدن، إما بواسطة الحواس الظاهرة أو الباطنة وتفطن النفس لمشاركات بين المحسوسات ومبايناتها والظاهر أن هذا من الدنيا في الدنيا . وأما العمل فلأنّه عبارة عن حركات وسكنات مستلزمة لهيئات مخصوصة أت مخصوصة وهي إنّما تحصل بواسطة هذا البدن ،أيضاً وكلّ ذلك من الدنيا في الدنيا، وكيف كان فهما زادان موصلان إلى الله سبحانه فلتتزود منهما (ما تحرزون به أنفسكم غدا وتحفظونها من عذاب النار ومن غضب الجبار .)### تكملةقد أشرنا إلى أنّ هذه الخطبة مروية في «البحار» من كتاب مطالب السؤول ومن «إرشاد المفيد»، ولمّا كان رواية الإرشاد مختلفة لرواية السيد أحببنا ذكرها .فأقول : قال في «الإرشاد» من كلام أمير المؤمنين ما اشتهر العلماء وحفظه ذوو بين الفهم والحكماء : «أما بعد فإنّ الدّنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ألا وإنّ المضمار اليوم وغداً السباق والسبقة الجنة والغاية النار ألا وإنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل فمن أخلص الله عمله لم يضره أمله ومن أبطأ به عمله في في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أمله .ألا فاعملوا في الرّغبة والرهبة فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله واجمعوا معها رهبة وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة فإن الله قد تأذن للمحسنين بالحسنى ولمن شكر بالزيادة، ولا كسب خير من كسبه ليوم تذخر فيه الذخائر ويجمع فيه الكبائر وتبلى فيه السرائر.وإني لم أر كالجنّة نام طالبها ولا مثل النّار نام هاربها ألا وإنّه من لا ينفعه اليقين يضرّه الشك، ومن لا ينفعه حاضر لبه ورأيه فغائله عنه أعجز ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنان اتباع الهوى وطول الأمل، لأن اتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة.
وإنّ الدّنيا قد ترحلت مديرة وإنّ الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكل واحد منهما بنون فكونوا إن استطعتم من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنّ اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل »(1.)### تزهيد وترغيبفي ذكر طائفة من الأحاديث المنبهة عن نوم الغفلة والمزهدة عن الدنيا المرغبة في الآخرة.مثل ما رواه محمد بن يعقوب الكليني عطر الله مرقده بإسناده عن محمد بن مسلم بن عبيد الله قال: سئل علي بن الحسين عليهما السّلام أي الأعمال أفضل عند الله عزّ وجلّ؟ قال : ما من عمل بعد معرفة الله تعالى ومعرفة رسول الله أفضل من بغض الدنيا، فإن لذلك شعباً كثيرة وللمعاصي شعب .فأول ما عُصِيَ الله عزّ وجلّ به الكبر ، معصية إبليس لعنه الله حين أبى واستكبر وكان من الكافرين.ثم الحرص . وهي معصية آدم وحواء حين قال الله لهما : (فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِنْتُمَا وَلَا نَقُربا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [الأعراف : 19] فأخذا ما لا حاجة بهما إليه فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة ، فلذلك إن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه .)ثم الحسد . وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله فتشعب من ذلك حبّ النساء الدنيا (2وحبّ الرّئاسة وحب الرّاحة وحبّ الكلام وحبّ العلق وحب القروة فصرن سبع وحب خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا، فقالت الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك : حب الدنيا رأس كلّ خطيئة والدنيا دنيتان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة» (3).)وبهذا الإسناد عن المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله قال الله في مناجاة إنّ الدّنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته وجعلتها ملعونة ملعون موسی : «يا موسى ما فيها إلا ما كان فيها لي؛ يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم، وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما من أحد عظمها فقرت عينه فيها ولم يحقرها أحد إلا انتفع بها» (4.)
وبإسناده عن مهاجر الأسدي عن أبي عبد الله قال : «مرّ عيسى بن مريم على قرية قدمات أهلها وطيرها ودوابها فقال أما أنهم لم يموتوا إلا بسخطة ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا ».فقال :الحواريون يا روح الله وكلمته ادع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنتجنبها، فدعا عیسی ربه فنودي من السماء : نادهم.فقام عيسى بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية، فأجابه منهم مجيب : لبيك يا روح الله وكلمته فقال : ويحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال : عبادة الطاغوت وحبّ الدنيا مع خوف قليل وأمل بعيد وغفلة في لهو ولعب .فقال : كيف كان حبكم للدنيا ؟ قال : كحبّ الصبي لأمه إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا ، وإذا أدبرت عنا بكينا وحزنا قال كيف كان عبادتكم الطاغوت؟ قال : الطاعة لأهل المعاصي ، قال : كيف كان عاقبة أمركم؟ قال : بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية.قال وما الهاوية؟ قال: سجين قال : وما سجين : قال جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة، قال فما قلتم وما قيل لكم؟ قال : قلنا : ردنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل: لنا كذبتم قال ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم؟ قال: يا روح الله وكلمته إنّهم ملجومون بلجام من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد وإنّي كنت فيهم ولم أكن منهم، فلما نزل العذاب عمّني معهم، فأنا معلق بشعرة على شفير جهنّم لا أدري أكبكب فيها أم أنجو منها .فالتفت عيسى إلى الحواريين فقال : يا أولياء الله أكل الخبز اليابس بالملح الجريش والنوم على المزابل خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة»(1.)وعن ابن أبي يعفور قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : من تعلق قلبه بالدنيا تعلق لا يفنى وأمل لا يدرك ورجاء لا ينال (2.)وعن أبي حمزة عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال علي بن الحسين : إن الدنيا قد ارتحلت مديرة وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكلّ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا .ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا الرّاغبين في الآخرة، ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطاً والتراب فراشاً والماء طيباً، وقرضوا من الدّنيا تقريضاً .
ألا ومن اشتاق إلى الجنّة سلا من الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ألا إنّ الله عباداً كمن رأى أهل الجنّة في الجنة ،مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين شرورهم مأمونة وقلوبهم ،محزونة أنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة، صبروا أياماً قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة .أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم يسعون في فكاك رقابهم .وأمّا النّهار فحكماء علماء بررة أتقياء، كأنهم القداح قد براهم الخوف من العبادة ينظر إليهم النّاظر يقول : مرضى وما بالقوم من مرض أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها» (1.)ومن «عيون أخبار الرّضا» عن أبيه عن سعد عن ابن هاشم عن ابن المغيرة قال : سمعت الرّضا علیه السلام يقول :إنك في دار لها مدةیقبل فيهاعمل العاملألا ترى الموت محیط بها يكذب فيها أمل الآملتجعل الذنب بما تشتهيوتأمل التوبة في قابلوالموت يأتي أهله بغتةما ذاك فعل الحازم العاقل (2)
### الترجمةاز جمله خطب شریفه آن حضرت است که تزهید میفرماید در آن بندگان را از دنیا و ترغیب مینماید ایشان را در اخری و میفرماید :پس از حمد خدا و درود بر خاتم انبیا پس به تحقیق که دنیا روگردانیده و اعلام کرده به وداع و فراق و به درستی که آخرت رو آورده و مشرف شده است به ظهور و اطلاع آگاه باشید که امروز که زمان مدت عمر است وقت گداختن بدن است و ریاضات نفسانیه به اعمال صالحه فردا که روز قیامت است پیشی جستن است و ترقی نمون در درجات عالیه و پیش برد اهل آن سرا بهشت جاویدان است و منتهای کار این سرا آتش سوزان .پس آیا هیچ توبه کننده ای نیست از گناهان خود پیش از رسیدن مرگ؟ و آیا هیچ عمل کننده ای نیست پیش از روز سختی و شدت؟ آگاه باشید به درستی که شما هستید در روزگار امیدواری که از عقب او است مرگ و ،گرفتاری پس هر که عمل کند در روزهای امید خود پیش از حضور اجل ،او پس به تحقیق که زیان نبخشد او را عمل او و ضرر نرساند او را اجل او .آگاه باشید، پس عمل نمایید در زمان فراغت و رغبت همچنان که عمل می کنید در زمان خوف و خشیت بدانید و آگاه باشید به درستی که من ندیدم نعمتی همچو بهشت که بخوابد طالب او و نه نقمتی مانند آتش سوزنده که بخوابد گریزنده .او. بدانید به تحقیق کسی که سود نرساند او را حق و ،راستی زیان رساند او را باطل و ناراستی و هر که به راه راست نیارد او را هدایت بکشد او را گمراهی به چاه هلاکت .آگاه باشید به درستی که شما امر کرده شده اید به رفتن جانب خداوند احدیت و دلالت کرده شده اید بر ذخیره و توشه این طریقت و به درستی که ترسناک ترین شما متابعت خواهشات نفسانیه است و درازی امید به زخارف دنیویه توشه بردارید در دنیا از دنیا آن مقداری که با آن چیزی که بتوانید نگه بدارید با آن نفسهای خود را فردا .
## ومن خطبة له عليه السلام وهي التاسعة والعشرون من المختار في باب الخطب### اشارةخطب بها في غارة الضحاك بن قيس على ما تعرفها تفصيلاً وقد رواها في «شرح المعتزلي» من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني والعلامة المجلسي في «البحار» من أمالي الشيخ و «إرشاد المفيد» ، والشيخ السعيد أبو المنصور أحمد بن علي الطبرسي في كتاب «الإحتجاج» باختلاف كثير تطلع عليه بعد الفراغ من شرح ما أورده السيد في الكتاب وهو قوله :«أَيُّها النّاسِ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدانُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، كَلامُكُمْ يُوهِي الصُّمَ الصَّلاَب، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الأَعْداءَ ، تَقُولُونَ فِي الْمَجالِسِ كَيْتَ وكَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْجِهَادُ قُلْتُمْ حَيْدي حَيادِ، ما عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعاكُمْ وَلاَ اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ أَعاليلُ بِأَضَاليلَ، وَسَأَلْتُمُوني التّطويل، دِفاع ذي الدِّينِ الْمَطُولِ لاَ يَمْنَعُ الشَّيمُ الذُّليلَ، وَلا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلا بِالْجِد، أي دارٍ بَعْدَ دَارَكُمْ تَمْنَعُونَ، وَمَعَ أَي إمام بَعْدِي تُقاتِلُونَ، الْمَغْرُورِ وَاللهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَمَنْ فازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ بِالسَّهم الأَخَيْبِ، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ ناصِل ، أَصْبَحْتُ وَاللهِ لاَ أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلا أَطْمَعُ في نَضْرِكُمْ، وَلا أُوعِدُ الْعَدُوّ ،بكم ما بالكم ما دواؤكُمْ ما طِبُكُمُ، الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ، أَقَوْلاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وغَفْلَةٌ وعِفْةٌ خ مِنْ غَير وَرَعِ، وطَمَعاً في غَيرِ حَقٌّ» (1.)### اللغة(الوهي الضعف ووهى الحجر والسقاء كوقى انشق وأوهاه شقة و (الصم) و (الصلاب) من أوصاف الحجر والصخرة الصماء التي ليس فيها صدع ولا خرق (وكيت وكيت) كناية عن القول و (حيدي حياد) قال الشارح المعتزلي: كلمة يقولها الهارب الفار وهي نظير قولهم: فيحى فياح أي اتسعى وأصلها من حاد الشيء، أي انحرف (2)، وقال الشارح البحراني : حياد اسم للمغارة والمعنى اعدلي عنا أيتها الحرب، ويحتمل أن يكون من أسماء الأفعال كنزال فيكون قد أمر بالتنحى مرتين بلفظين مختلفين .)أقول : قال نجم الأئمة الرّضي : فعال المبني على أربعة أضرب : الأول : اسم فعل كنزال الثاني : المصدر نحو لا مساس أي لامس . الثالث: الضفة المؤنثة ولم يجيء في المذكر وجميعها يستعمل من دون الموصوف وهي بعد ذلك على ضربين إما لازمة للنداء سماعاً
نحو يالكاع أي لكعاء ويا فساق ويا خباث أي يا فاسقة ويا خبيثة، وأما غير لازمة للنداء وهي على ضربين.أحدهما: ما صار بالغلبة علماً جنسياً كأسامة، وجعل من هذا القسم حلاق وجباذ للمنية، كانت في الأصل صفة لكل ما تحلق عامة وتجبذ أي : تجذب، ثمّ اختصت بجنس المنايا، وفشاش وصمام وحياد للداهية لأنّها تفش أي تخرج ريح الكبر وتحيد أي تميل سمّيت بها تفولا وتصم أي تشتدّه يقال فشاش فشيه من استه إلى فيه أي أخرجي ريح منه من استه مع فيه، ويقال : حيدي حياد أي ارجعي يا راجعة ويقال صمّي صمام أي اشتدي يا شديدة أي زيدي في الشدّة أو ابقي على شدّتك وفياح للغارة، يقولون فيحي فياح أي اتسعي يا متسعة على تأويل صمّي صمام.قال : فهذه وأمثالها أعلام للجنس بدليل وصفها بالمعرفة نحو حناذ الطالعة، ولو لم تكن معارف لم يجز حذف حرف النداء معها في نحو فشاش فشيه وحيدي حياد.والضرب الثاني : من غير اللازمة للنداء ما بقي على وصفيتها نحو قطاط أي قاطة : ولزام أي لازمة وبداد أي متبدّدة متفرقة، والرابع الأعلام الشخصية وجميع ألفاظها مؤنثة، وإن كان المسمّى بها مذكراً أيضاً نحو لصاف منزل من منازل بني تميم وخصاف فحل، وحضار كوكب وظفار مدينة وقطام اسم امرأة إلى آخر ما ذكره .وقد لخصناه بطوله لعدم اقتضاء المجال إلا ذكر هذا القدر، وقد تحصل منه أن حياد علم جنس للداهية، فعلى ما ذكره بطل ما توهمه الشارح البحراني من جعلها علماً للغارة أو اسم فعل كنزال .و (عز فلان بالزاء المعجمة المشدّدة قوى بعد ذلة و (قاساه) كابده و (أعاليل) و (أضاليل) قال البحراني: جمع اغلال وأضلال وهما علة اسم لما يتعلل به من مرض ،وغيره، وضلة اسم من الضلال و (المطول) كصبور كثير المطال، وهو تطويل الوعد وتسويفه و (الضيم) الظلم، وفي بعض النسخ بدل تمنعون تمتعون على التفعل بحذف إحدى التائين أي تنتفعون و (الأخيب) أشدّ خيبة وهي الحرمان و الأفوق) السهم المكسور الفوق وهو موضع الوتر منه و (الناصل) الذي لا نصل فيه و (غفلة) في بعض النسخ عفة بدله .)### الإعرابكلمة كيت لا تستعمل إلا مكررة بواو العطف، وهي مبنيّة لوقوعها موقع الجملة الغير المستحقة للإعراب.فإن قيل : وكان يجب أن لا تكون مبنية كالجمل.
قيل : يجوز خلو الجمل عن الإعراب والبناء لأنهما من صفات المفردات ولا يجوز خلو المفرد عنهما، فلما وقع المفرد في ما لا إعراب له في الأصل ولا بناء ولم يجز أن يخلو أيضاً عنهما مثله بقي على الأصل الذي ينبغي أن تكون الكلمات عليه وهو البناء إذ بعض المبنيات وهو الخالي عن التركيب يكفيه عريه عن سبب الإعراب فعريه عن سبب الإعراب سبب البناء كما قيل عدم العلة علة العدم.فإن قلت: إنّها وضعت لتكون كناية عن جملة لها محل من الإعراب نحو قال فلان کیت وكيت أي زيد قائم مثلاً وهي في موضع النصب .قيل : إن الإعراب المحلي في الجملة عارض فلم يعتد به وكيف كان فبناؤها على الفتح أكثر لثقل الياء كما في أين وكيف ولكونها في الأغلب كناية عن الجملة المنصوبة المحل، ويجوز بناؤها على الضم والكسر أيضاً تشبيهاً بحيث وجير وحياد وأمثالها مبنية على الكسر.قال نجم الأئمة الرّضي: وأما الأعلام الجنسية فكان حقها الإعراب، لأنّ الكلمة المبنية إذا سمي بها غير ذلك اللفظ وجب إعرابها كما يسمى بأين ،شخص، لكنها بنيت لأنّ الأعلام الجنسيّة أعلام لفظية، فمعنى الوصف باق في جميعها إذ هي أوصاف غالبة انتهى .وفي إسناد عزت إلى الدّعوة توسع وأعاليل خبر مبتدأ محذوف، وبأضاليل متعلقة بأعاليل نفسها، أي إذا دعوتكم إلى القتال تعللتم وهي أعاليل بالأضاليل التي لا جدوى لها.ودفاع إما منصوب بحذف الجار تشبيهاً لدفاعهم بدفاع ذي الدين، أو مرفوع استعارة لدفاعهم، والمغرور مبتدأ ومن خبره ، وهو أولى من جعله خبراً مقدماً ومن مبتدأ، لكونه أبلغ في إثبات الغرور لمن إغتر بهم من حيث إفادته الحصر دون العكس، وقولاً وغفلة وطمعاً منصوبات بالأفعال المقدرة.### المعنىقد أشرنا أن السبب في هذه الخطبة هو غارة الضحاك بن قيس بعد قصة الحكمين وعزمه على المسير إلى الشام، وذلك على ما روي في «شرح المعتزلي» وغيره من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمّد الثقفي باختصار منا هو :أنّ معاوية لما بلغه أن علياً بعد واقعة الحكمين تحمل إليه مقبلاها له ذلك، فخرج من دمشق معسكراً وبعث إلى كور الشام فصاح فيها أن علياً قد ساء إليكم، فاجتمع إليه الناس من كل كورة وأرادوا المسير إلى صفين.فمكثوا يجيلون الرّأي يومين أو ثلاثة حتى قدمت عليهم عيونهم أن علياً اختلف عليه
أصحابه ففارقته منهم فرقة أنكرت أمر الحكومة، وأنه قد رجع عنكم إليهم فكبر النّاس سروراً لانصرافه عنهم، وما ألقى الله عز وجل من الخلاف بينهم .فلم يزل معاوية معسكراً في مكانه منتظراً لما يكون من علي وأصحابه، وهل يقبل بالناس أم لا، فما برح حتى جاء الخبر أن علياً قد قتل أولئك الخوارج وأنه أراد بعد قتلهم أن يقبل بالنّاس وأنّهم استنظروه ودافعوه فسر بذلك هو ومن قبله من النّاس .فعند ذلك دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري وقال :له سر حتى تمرّ بناحية الكوفة وترتفع عنها ما استطعت فمن وجدته من الأعراب في طاعة علي فأغر عليه، وإن وجدت له مسلحة أو خيلاً فأغر عليها، وإذا أصبحت في بلدة فامس في أخرى ولا تقيمن لخيل بلغك أنها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها .فسرحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف فأقبل الضحاك فنهب الأموال وقتل من لقي من الأعراب حتى مرّ بالثعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم، ثم أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة وقتل معه ناساً من أصحابه فخرج علي علیه السلام إلى الناس وهو يقول على المنبر :«يا أهل الكوفة أخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس وإلى جيوش لكم قد أصيب منهم طرف آخر، أخرجوا فقاتلوا عدوّكم وامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين » .فردوا عليه ردّاً ضعيفاً ورأى منهم عجزاً وفشلاً فقال : «والله لوددت أن لي بكل ثمانية منكم رجلاً منهم ، ويحكم أخرجوا معي ثم فروا عني ما بدا لكم فوالله ما أكره لقاء ربي على نيتي وبصيرتي وفي ذلك لي روح عظيم وفرج من مناجاتكم»(1، ولما رأى تثاقل أصحابه وتقاعدهم عنه خطبهم بهذه الخطبة فقال :)(أیها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم والمتفرقة آراؤهم (كلامكم يوهي) الجبال الصم (الضلاب) أي الضعيف القلوب الصلبة التي هي كالحجارة أو أشد قسوة، ويظنّ السامعون أن وراءه بأساً ونجدة.)(وفعلكم يطمع فيكم الأعداء أراد به تخاذلهم عن الجدال وتقاعدهم عن القتال (تقولون في المجالس) إذا حنيتم وأنفسكم (كيت وكيت) أي سنغلب عدوّنا ونقتل خصومنا ولا محل لهم منا ونحو ذلك ، (وإذا جاء الجهاد) وشاهدتم الأنجاد (قلتم حيدي حياد) وكنتم كالحمر المستنفرة فرّت من قسورة.)
1) الإرشاد 272/1 ، ونهج السعادة : 527/2.
(ما عزّت دعوة من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم يعني : من دعاكم لم يعز بدعوته من ذلته، ومن قاساكم لم يسترح قلبه من تعبه، وإذا دعوتكم إلى الجهاد والقتال تعللتم بأمور وهي (أعاليل) باطلة (بأضاليل) لا جدوى لها ولا طائل تحتها (وسألتموني) التأخير (والتطويل) كل ذلك ذبا عنكم ودفاعاً عن أنفسكم (كدفاع ذي الدين المطول ) عن نفسه المماطل لدينه اللازم له (لا يمنع الضيم الذليل) الحقير ، (ولا يدرك الحق إلا بالجد) والاجتهاد والتشمير .)في (أي دار أو عن أي دار (بعد داركم) التي أنتم عليها وهي ،العراق، أو دار الإسلام التي لا نسبة لغيرها إليها (تمنعون) عدوكم إذا أخرجوكم عن دياركم ومساكنكم (ومع أني إمام بعدي تقاتلون) خصومكم إذ تركتم القتال ونئيتم عنه بجانبكم .)ليس (المغرور والله إلا (من غررتموه) حيث اغتر بكم مع كثرة ما يشاهد منكم من خلف المواعيد والتثاقل عن الجهاد وما يصدر عنكم من أفعال الرذول الأدغار، (ومن فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب) إخبار عن سوء حال من كانوا حزبه ومن يقاتل بهم، والتعبير عن الإبتلاء بهم بالفوز على التهكم والسهم الأخيب التي لا غنم لها في المسير كالثلاثة المسماة بالإدغار أو التي فيها غرم كالتي لم تخرج حتى استوفيت أجزاء الجزور فحصل لصاحبها غرم وخيبة .)وقد شبّه نفسه وخصومه باللاعبين بالميسر وشبه فوزه بهم بالفوز بأحد السهام الخائبة، فلاجل ملاحظة هذا الشبه استعار لهم لفظ السهم بصفة الأخيب وإطلاق الفوز هنا مجاز من باب إطلاق أحد الضدين على الآخر مثل تسمية السيئة جزاء.(ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل شبه إرسالهم في الحرب بالرمي بالسهام واستعار لهم أوصاف السهم من الأفوق، واستعار لفظ الرمي لمقاتلته به- بهم، ثم خصصهم بارد الأوصاف للسهم التي يبطل معها فائدته لمشابهتهم ذلك السهم في عدم الإنتفاع بهم في الحرب وعدم الظفر معهم بالمقصود.)(أصبحت والله لا أصدق قولكم لكثرة ما شاهدت منكم من العادات الباطلة والأقوال الكاذبة (ولا أطمع في نصركم) مع تثاقلكم عن الجهاد وتقاعدكم عن القتال غير مرة، (ولا أوعد بكم العدو) إذ الوعيد بهم مع طول تخلفهم وشعور العدو بذلك، مما يوجب جرأة العدو وتسلطه و جسارته .)(ما بالكم وما شأنكم الذي أوجب لكم التخاذل والتصامم عن ندائي ، و (ما دواؤكم) و(ما طبكم) كي أداوي وأعالج المرض الذي أضعفكم عن استماع دعائي .)وقيل : إن الطب بمعنى العادة على حد قوله :فما أن طبنا جبن ولكن***منايانا ودولة أخرينا
والأول هو الأظهر (القوم رجال أمثالكم فما أخوفكم منهم .)قال الشاعر:قاتلوا القوم يا خزاع ولايدخلكم من قتالهم فشلالقوم أمثالك لهم شعر في الرّأس لا ينشرون إن قتلواثمّ غيرهم على أمور مستقبحة شرعاً منفور عنها عادة.أحدها ما أشار إليه بقوله : (أقولا بغير علم أراد به قولهم : إما نفعل بالخصوم كذا وكذا مع أنه لم يكن في قلوبهم إرادة الحرب أو دعواهم الإيمان والطاعة مع عدم الإطاعة، فكأَنّهم لا يذعنون بما يقولون، وعلى الرواية الأخرى وهي أقولا بغير عمل كما هو الأظهر، فيكون إشارة إلى ما يعدونه به من النهوض إلى الحرب مع عدم وفائهم بالوعد وعدم قيامهم بما قالوا تذكيراً لهم بما ذلك من المقت الشديد والخزي الأكيد قال سبحانه: (تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) [الصف : 3].)الثاني: ما أشار إليه بقوله (وغفلة من غير ورع أراد به غفلتهم عمّا يصلحهم من غير ورع يحجزهم عن المحارم وينبههم عن نوم الغفلة.)الثالث: ما أشار إليه بقوله (وطمعاً في غير حق لعله أراد به طمعهم في أن يوفر عطياتهم ويمنحهم زيادة على ما كان يؤتيهم، وكأنه عقل من بعضهم أن سبب تسويفهم وتخلفهم عن ندائه هو الطمع في التّوفير كما فعل معاوية والخلفاء قبله خذلهم الله فردعهم ذلك بأنّه طمع من غير استحقاق هذا.)وروي في «شرح المعتزلي» من كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي أن علياً دعا حجر بن عدي الكندي بعد غارة ،الضحاك، فعقد له على أربعة ألاف فخرج حجر حتى مرّ بالسماوة وهي أرض كلب، فلقي بها امرء القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم الكلبي وهم أصهار الحسين بن علي بن أبي طالب فكانوا ولاءه في الطريق وعلى المياه فلم يزل في أثر الضحاك حتى لقاه بناحية ترمد فواقعه فاقتتلوا ساعة فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلاً، وقتل من أصحاب حجر رجلان وحجز الليل بينهما، فمضى الضحاك فلما أصبحوا لم يجدوا له ولا لأصحابه أثراً، وكان الضحاك يقول بعد؛ أنا ابن قيس أنا أبو أنيس أنا قاتل عمرو بن عمیس (1.)
1) الغارات : 426/2 ، ونهج السعادة : 528/2 .
### تكملةقد أشرنا سابقاً إلى أنّ هذه الخطبة مروية بطرق متعدّدة، والمستفاد من رواية الإحتجاج والبحار من الإرشاد أنها من الخطبة السابعة والعشرين ملتقطة من خطبة طويله له علیه السلام ولا بأس بذكر تلك الرواية زيادة للبصيرة.فأقول : قال في «الاحتجاج» و «الإرشاد» على ما رواه من الأخير في «البحار» : ومن كلام له يجري مجرى الاحتجاج مشتملاً على التوبيخ لأصحابه على تثاقلهم عن قتال معاوية والتنفيذ متضمّناً للوم والوعيد .«أيّها النّاس إنّي استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم فلم تنفروا وأسمعتكم فلم تجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا شهوداً بالغيب أتلو عليكم الحكمة فتعرضون عنها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتفرقون عنها، كأنكم حمر مستنفرة فرّت من قسورة وأحثكم على جهاد أهل الجور، فما أتى علي آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ، ترجعون إلى مجالسكم تتربعون حلقاً، تضربون الأمثال وتنشدون الأشعار، وتجسّسون الأخبار .حتى إذا تفرقتم تسألون عن الأسعار جهلة من غير علم وغفلة من غير ورع، وتتبعاً من غير خوف ونسيتم الحرب والاستعداد لها، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها شغلتموها بالأعاليل والأضاليل، فالعجب كل العجب، وكيف لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم وتخاذلكم عن حقكم.يا أهل الكوفة أنتم كأم مجالد حملت فأملصت (1فمات قيمها وطال أيمها وورثها أبعدها والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إن من ورائكم الأعور الأدبر جهنّم الدنيا لا تبقي ولا تذر، ومن بعده النهاس (2)الفراس الجموع المنوع .)ثم ليتوارثنكم من بني أمية عدة ما لآخر بأرأف بكم من الأوّل ما خلا رجلاً واحداً (3، بلاء قضاه الله على هذه الأمة لا محالة كاين يقتلون ،أخياركم، ويستعبدون أراذلكم ويستخرجون كنوزكم وذخائركم من جوف حجالكم نقمة بما ضيعتم من أموركم، وصلاح أنفسكم ودينكم .)يا أهل الكوفة أخبركم بما يكون قبل أن يكون لتكونوا منه على حذر، ولتنذروا به من
اتعظ واعتبر، كأني بكم تقولون : إنّ عليّاً يكذب كما قالت قريش لنبيها وسيدها نبي الرحمة محمد بن عبدالله حبيب الله .فياويلكم فعلى من أكذب؟ أعلى الله فأنا أوّل من عبد الله ووحده، أم على رسول الله فأنا أوّل من آمن به وصدقه ونصره كلاً ولكنّها لهجة خدعة كنتم عنها أغنياء .والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتعلمنّ نبأها بعد حين، وذلك إذا صيّرها، إليكم جهلكم لا ينفعكم عندها علمكم، فقبحا لكم يا أشباه الرجال ولا رجال وحلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، أما والله أيها الشاهدة أبدأنهم الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواؤهم، ما أعزّ الله نصر من دعاكم ولا استراح قلب من ،قاساكم، ولا قرّت عين من رآكم، كلامكم يوهن الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوّكم المرتاب .يا ويحكم أي دار بعد داركم تمنعون، ومع أتي إمام بعدي تقاتلون، المغرور والله من غررتموه؛ ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصرتكم ولا أصدق ،قولكم فرق الله بيني وبينكم وأعقبني ربّكم من هو خير لي منكم وأعقبكم من هو شرّ لكم منّي.إمامكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، والله لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني واحداً منهم، والله لوددت أني لم أعرفكم ولم تعرفوني، فإنّه معرفة جرت ندماً، لقد وريتم صدري غيظاً وأفسدتم عليّ أمري بالخذلان ،والعصيان، حتى لقد قالت قريش إن عليّاً رجل شجاع لكن لا علم له بالحرب.لله درّهم هل كان فيهم أطول لها مراساً مني وأشدّ لها ،مقاساة، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ثمّ ها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا أمر لمن لا يطاع .أما والله لوددت أن أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه، فإن المنية لترصدني فما ربي يمنع أشقاها أن يخضبها، وترك يده على رأسه ولحيته عهداً عهده إلي النبي الأمي، وقد خاب من افترى ونجى من اتقى وصدق بالحسنى.يا أهل الكوفة دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم فإنّه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي واستصعب عليكم أمري واتخذتموه وراءكم ظهرياً، حتى شنت عليكم الغارات، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات تمسيكم وتصبحكم كما فعل بأهل المثلات من قبلكم حيث أخبر الله عن الجبابرة العتاة الطغاة والمستضعفين الغواة في قوله تعالى: ﴿وَيدَ بِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلَا مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ [إبراهيم: 6] .
أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد حلّ بكم الذي توعدون عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم انتفع بكم، وأعطيتكم بالذرة فلم تستقيموا لي وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا (1)، ولقد علمت أن الذي يصلحكم هو السيف، وما كنت متحرّياً صلاحكم بفساد نفسي، ولكن سيسلط عليكم سلطان صعب لا يوقر كبيركم؛ ولا يرحم صغيركم، ولا يكرم عالمكم، ولا يقسم الفييء بالسوية بينكم وليضر بنكم وليذلنكم وليجهزنكم في المغازي ويقطعنّ سبلكم وليحجبتكم على بابه حتى يأكل قويكم ضعيفكم ، ثم لا يبعد الله إلا من ظلم ولقل ما أدبر شيء فأقبل وأنّي لأظنكم على فترة وما عليّ إلا النصح لكم.
يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث واثنتين صم وذو إسماع، وبكم وذو ألسن وعمى وذو أبصار لا إخوان صدق عند اللقاء ولا إخوان ثقة عند البلاء .
اللهم قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، اللهم لا ترض عنهم أميراً، ولا ترضيهم عن أمير، وأمك قلوبهم كما يماث الملح في الماء، أما والله لو أجد بدا من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت ولقد عاتبتكم في رشدكم حتى لقد سئمت الحياة كل ذلك ترجعون بالهزو من القول، فراراً من الحق والحاداً إلى الباطل الذي لا يغر الله بأهله الدين.
وإنّي لأَعلم بكم أنكم لا تزيدونني غير تخسير كلما أمرتكم بجهاد عدوكم اثاقلتم إلى الأرض، وسألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول، إن قلت لكم في القيظ : سيروا، قلتم : الحر شديد، وإن قلت لكم في البرد سيروا، قلتم القر شديد، كل ذلك فراراً عن الحرب، إذا كنتم من الحر والبرد تعجزون فأنتم من حرارة السّيف أعجز وأعجز، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
يا أهل الكوفة قد أتاني الضريح يخبر في أنّ ابن غامد قد نزل بالأنبار على أهلها ليلاً في أربعة آلاف فأغار عليهم كما يغار على الرّوم والخزر، فقتل بها عاملي ابن حسان وقتل معه رجالاً صالحين ذوي فضل وعبادة ،ونجدة بوا الله لهم جنات النعيم وأنه أباحها .
ولقد بلغني أنّ العصبة من أهل الشام كانوا يدخلون على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة فيهتكون سترها، ويأخذون القناع من رأسها والخرص من أذنها، والأوضاح من يديها ورجليها وعضديها والخلخال والميزر عن سوقها فما تمتنع إلا بالإسترجاع والنداء يا للمسلمين فلا يغيثها مغيث ولا ينصرها ناصر فلو أن مؤمناً مات من دون هذا ما كان عندي ملوماً بل كان عندي باراً محسناً.
1) الارعواء: الكف والانزجار ، وقيل : هو الندم والانصراف عن الشيء .
واعجباً كلّ العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقكم قد صرتم غرضاً يرمى ولا ترمون وتغزون ولا تغزون؛ ويعصى الله وترضون فتربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها كلما اجتمعت من جانب تفرّقت من جانب» (1).
از جمله خطب آن حضرت است که توبیخ میفرماید در آن اصحاب خود را به سوء افعال و اعمال از جهت تسامح ایشان در جدال و قتال به این نحو که می فرماید:
ای مردمانی که مجتمع است بدنهای ایشان و مختلف است خواهشات ایشان قولهای شما ضعیف مینماید سنگهای سخت را و فعلهای شما به طمع میاندازد در شما دشمنان را میگویید در مجلسها چنین و چنان پس چون میآید وقت محاربه و مجادله میگویید :حیدی حیاد؛ یعنی برگرد ای داهیه .
عزیز نشد دعوت آن کسی که دعوت نمود شما را و راحت نگردید قلب آن کسی که کشید رنج شما را زمانی که دعوت کنم شما را به جهاد عذر می آورید و آن عذرهای شما عذرهایی است با گمراهی ها و مدافعه شما محاربه را از ،خودتان مثل مدافعه کردن صاحب دین بسیار مماطله کننده است غریم خود را .
منع نمی نماید مرد ،ذلیل ظلم را از خود و ادراک نمیشود حق مگر به جهد و کوشش از کدام خانه بعد از خانه خودتان که دار اسلام است مانع میشوید و با کدام امام بعد از من مقاتله میکنید .کنید فریب داده شده به خدا سوگند آن کس است که شما فریب دادید او را و کسی که فایز شود به شما فایز میشود به سهمی که نومیدتر باشد از سهم های قمار و کسی که تیراندازد با شما به دشمنان پس به تحقیق که تیر انداخته به تیر شکسته بی پیکان .
قسم به خداوند که گردیدم به مرتبه ای که باور ندارم گفتار شما را و طمع ندارم در یاری دادن شما و نمی ترسانم دشمن را با شما چیست حال شما؟ چیست دوای شما علاج ناخوشی شما؟ گروهی که طرف مقابل شمایند مردانند مانند شما آیا میگویید گفتار بی اعتقاد؟ وغفلت میورزید بدون ورع؟ و طمع تفضیل دارید بدون استحقاق؟
1) الكافي : 3612/8 ح 551 ، والإرشاد: 281/1 .
«لَوْ أَمَرْتُ به لَكُنتُ قائِلاً، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ ناصِراً ، غَيرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِني، وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ، إِسْتأْثَرَ فَأَساء الأثرَةَ، وَجَزَعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ ، وَاللهِ حُكْمٌ واقع في الْمُسْتَأثِرِ والجازع» .
(الإستثثار) بالشيء الإنفراد به والإسم الأثرة بالتحريك (والجزع) الإضطراب وعدم الصبر.
قوله : غير أنّ من نصره (ا ه) كلمة غير هنا للإستثناء فيفيد مفاد إلا الإستثنائية، لكن لا بطريق الأصالة بل بطريق الحمل على إلا وتقريره على ما ذكره نجم الأئمة الرضى هو أصل غير الصفة المفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها، إما بالذات نحو مررت برجل غير زيد، وإما بالصفات نحو قولك : دخلت بوجه غير الوجه الذي خرجت به فإنّ الوجه الذي تبين فيه أثر الغضب كأنه غير الوجه الذي لا يكون فيه ذلك بالذات.
وماهية المستثنى كما ذكر في حده هو المغاير لما قبل أداة الإستثناء نفياً وإثباتاً، فلما اجتمع ما بعد غير وما بعد أداة الإستثناء في معنى المغاير لما قبلهما حملت أداة الإستثناء أي إلا على غير في الصفة، وحملت غير على إلا في الإستثناء في بعض المواضع.
ومعنى الحمل أنه صار ما بعد إلا مغايراً لما قبلها ذاتاً أو صفة كما بعد ،غير ولا يعتبر مغايرته له نفياً وإثباتاً كما كانت في أصلها وصار ما بعد غير مغايراً لما قبلها نفياً وإثباتاً كما بعد إلا، ولا يعتبر مغايرته له ذاتاً أو صفة كما كانت في الأصل إلا أنّ حمل غير على إلا أكثر من العكس، لأن غير إسم والتصرف في الأسماء أكثر منه في الحروف، فوقع في جميع مواقع إلا. إلا أنه لا يدخل على الجملة كإلا لتعذر الإضافة إليها هنا.
وأما إعرابه في الكلام الذي يقع فيه فهو إعراب الإسم التالي إلا في ذلك الكلام فتقول: جاء القوم غير زيد بالنصب كما تقول : إلا زيداً وما جاءني أحد غير زيد بالنصب والرفع.
وسرّ ذلك على ما ذكره الرّضي هو أن أصل غير من حيث كونه اسماً جواز تحمل الإعراب وما بعده الذي صار مستثنى بتطفل غير على إلا مشغول بالجر لكونه مضافاً إليه في الأصل، فجعل إعرابه الذي كان يستحقه لولا المانع المذكور أعني اشتغاله بالجر على نفس غير عارية لا بطريق الأصالة .
وإعرابه في كلام الإمام هو النصب لكونه إستثناء منقطعاً، ويجوز بناؤه على الفتح لعدمالخلاف بين علماء الأدبية في جواز بنائه على الفتح إذا أضيف إلى أن ونظيره فيه ما وقع في قوله غير أني قد استعين على الهم إذا خفّ بالقوى النجاء، وقد صرّح الرّضي فيه بجواز الوجهين حسبما ذكرناه .
قوله : (لو أمرت به) أي بقتل عثمان (لكنت قائلاً) لأن القاتل وإن كان موضوعاً في اللغة للمباشر للقتل، إلاّ أنه يطلق في العرف على الأعم من السبب والمباشر فيستلزم الأمر به عرفاً (أو نهيت عنه لكنت ناصراً) لاستلزام النهي عنه النصرة له وهو ظاهر .
وهاتان القضيتان منتجتان لعدم مداخلته علیه السلام في قتله بالأمر والنهي، إذ باستثناء نقيض تالييهما يثبت نقيض المقدمين والمقصود بهذا الكلام إظهار التبري من دم عثمان وردّ ما نسبه إليه معاوية وأتباعه من كونه دخيلاً فيه، حيث إنهم لم يستندوا في الخروج عليه والمحاربة معه إلا بما شهروه بين الناس من أنه أمر بقتل عثمان هذا .
وما ذكره الشارح المعتزلي من أنّ هذا الكلام بظاهره يقتضي أنه ما أمر بقتله ولا نهى عنه ؛ فيكون دمه عنده في حكم الأمور المباحة التي لا يؤمر بها ولا ينهى عنها.
فيه أن غاية ما يستفاد من كلامه هو عدم مدخليته فيه وأما أن جهة عدم المدخلية هل هي استباحة دمه أو سائر الجهات فلا دلالة في الكلام عليه .
لا يقال : إن قتله إما أن يكون واجباً عنده علیه السلام ، أو محرماً أو مباحاً، لا سبيل إلى الأولين إذ لو كان واجباً لكان آمراً به من باب الأمر بالمعروف، ولو كان محرماً لنهى عنه من باب النهي عن المنكر فحيث لم يأمر به ولم ينه عنه ثبت كونه مباحاً عنده .
لأنا نقول أولاً: إنّ عدم الأمر به أعم من عدم الوجوب، لاحتمال أنه لم يأمر لعلمه بما يترتب عليه من المفاسد ويؤيده ما سنحكيه من «البحار» وما روى عنه علیه السلام الله قتله وأنا معه .
وثانياً : أن عدم نهيه عنه أعم من عدم كونه منكراً عنده لاحتمال أنه ترك النهي لعلمه بأنّه لا يترتب على ذلك ثمرة ووجوب إنكار المنكر إنّما هو إذا علم المنكر أو غلب على ظنه تأثير إنكاره ، وأما إذا علم أو غلب على ظنه أن إنكاره لا يؤثر ونهيه لا يثمر فيقبح حينئذ النهي والإنكار، لأنه إن كان الغرض تعريف الفاعل قبح ،فعله فذلك حاصل من دون الإنكار وإن كان الغرض أن لا يقع المنكر فذلك غير حاصل .
ويؤيد ذلك ما في «البحار» من أنه جمع النّاس ووعظهم ثم قال : لتقم قتلة عثمان، فقام
النّاس بأسرهم إلا قليل وكان ذلك الفعل استشهاداً منه على عدم تمكنه من دفعهم ويدلّ على ذلك بعض كلماته الآتية أيضاً.
وثالثاً: لا نسلم أنه لم ينه عنه، فقد روي في «البحار» من الأمالي بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس عنه قال: إن شاء النّاس قمت لهم خلف مقام إبراهيم فحلفت لهم بالله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله ولقد نهيتهم فعصوني » (1).
فإن قلت: كيف الجمع بين هذه الرواية وبين قوله : «أو نهيت عنه لكنت ناصراً».
قلت : يمكن الجمع بأن يكون المراد به استثناء عين المقدم فينتج عين التالي أي لكني نهيت عنه فكنت ناصراً وكيف كان فقد تحصل مما ذكرنا أن كلامه مجمل متشابه المراد كإجمال سائر ما روي عنه في المقام والسرّ في الإجمال هو إبهام المقصود على السامعين .
وذلك لما رواه في «البحار» من المناقب من أن أصحاب أمير المؤمنين كانوا فرقتين إحداهما اعتقدوا أنّ عثمان قتل مظلوماً ويتولاه ويتبرء من أعدائه، والأخرى وهم جمهور أهل الحرب وأهل العناء والبأس اعتقدوا أن عثمان قتل الأحداث أوجبت عليه القتل، ومنهم من يصرح بتكفيره وكلّ من هاتين الفرقتين تزعم أن علياً موافق له على رأيه وكان يعلم أنه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأخرى وأسلمته وتولت عنه وخذلته، فكان يستعمل في كلامه ما يوافق كل واحدة من الطائفتين (2).
أقول : ولأجل اشتباه كلامه على السامعين قال شاعر الشام الأبيات التي منها :
أرى الشّام تكره أهل العراق***وأهل العراق لهم كارهونا
وكل لصاحبه مبغض***یری كل ما كان من ذاك دينا
إذا ما رمونا رمیناهم***ودّناهم مثل ما يقرضونا
وقالوا علي إمام لنا***وقلنا رضينا ابن هند رضينا
وقالوا نرى أن تدينوا لنا***فقلنا ألا لا نرى أن تدينا
ومن دون ذلك خرط القتاد***وطعن وضرب يقر العيونا
وكل یسیر بما عنده***یری غثّ ما في یدیه سمینا
وما في علي لمستعتب***يقال سوى ضمّه المحدثينا
وإیثاره الیوم أهل الذنوب ***ورفع القصاص عن القاتلينا
إذا سئل عنه حذا شبهة***وعمی الجواب على السائلينا
فلیس براض ولا ساخط***ولا في النّهات ولا الأمرينا
ولا هو ساء ولا سرّة***ولا بد من بعض ذا أن يكونا
هذا وقد تلخص مما ذكرنا أنه كان بناؤه على إبهام المرام في تلك الواقعة للمصالح المترتّبة على ذلك إلا أنه غير خفي على أهل البصيرة والحجى أن وجنات حاله مع أفعاله وأقواله في تلك الواقعة يدلّ على أنه كان منكراً لأفعاله وخلافته راضياً بدفعه.
قال المجلسي : ولم يأمر بقتله صريحاً لعلمه بما يترتب عليه من المفاسد أو تقيّة، ولم ينه القاتلين أيضاً لأنهم كانوا ،محقين، وكان يتكلم في الاحتجاج على الخصوم على وجه لا يخالف الواقع ولا يكون للجهال وأهل الضلال أيضاً عليه حجة، وكان هذا ممّا يخصه من فصل الخطاب ومما يدلّ على وفور علمه في كلّ ،باب ويمكن استشمام ذلك من ترجيحه الخاذلين على الناصرين بقوله : غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول خذله من أنا خير منه، ومن خذله لا يستطيع أن يقول نصره من هو خير مني» (1).
قال الشارح المعتزلي : معناه إنّ خاذليه كانوا خيراً من ناصريه لأنّ الذين نصروه كانوا فساقاً كمروان بن الحكم وأحزابه وخذله المهاجرون والأنصار (2).
أقول : كون ناصري الزجل منحصراً في مروان الفاسق ونظرائه وخاذليه وجوه الصحابة من المهاجرين والأنصار غير خفي على العارف الأريب ما فيه من الإشارة إلى حاله ورتبته، وإلى كون المنصور مثل الناصر والعاقل يكفيه الإشارة (وأنا جامع لكم أمره) أي مبين له بلفظ وجيز .
قال الفيومي : وكان : يتكلم بجوامع الكلم أي كان كلامه قليل الألفاظ كثير المعاني (إستأثر فأساءالأثرة) أي استبد برأيه في الخلافة وإحداث ما أحدث في الإستبداد والإستقلال حيث أدى إلى فساد نظم الخلافة حتّى انجر الأمر إلى قتله (وجزعتم) من أفعاله (فأسأتم الجزع) حيث قتلتموه وقد كان ينبغي عليكم التثبت وإصلاح الأمر بينكم وبينه بدون القتل ويخلعه من الخلافة وإقامة غيره مقامه .
وقيل : أراد أنكم أسأتم الجزع عليه بعد القتل وقد كان ينبغي منكم ذلك الجزع قبل القتل (والله حكم واقع) أي ثابت محقق في علمه تعالى يحكم به في الآخرة أو الأولى، أو سيقع أو يتحقق خارجاً في الآخرة أو الدنيا لأن مجموعه لم يتحقق بعد، وإن تحقق بعضه (في المستأثر والجازع) والأظهر أن المراد خصوص الحكم الأخروي يعني أنّ له سبحانه حكماً
واقعاً فيهما يحكم به يوم القيامة بمقتضى عدله فيعاقب المذنب ويثيب المصيب.
في الإشارة إلى كيفية قتل عثمان إجمالاً على ما رواه في «شرح المعتزلي »من الواقدي والطبري، وهو أنّه أحدث أحداثاً مشهورة نقمها النّاس عليه ،من تأمير بني أميّة ولا سيّما الفسّاق وأرباب السّفه وقلّة الدّين؛ وإخراج مال الفيء إليهم وما جرى في أمر عمّار وأبي ذر وعبد الله بن مسعود وغير ذلك من الأمور التي جرت في أواخر خلافته، فلما دخلت سنة خمس وثلاثين كاتب أعداء عثمان وبني أميّة في البلاد، وحرض بعضهم بعضاً على خلعه الخلافة وعزل عمّاله من الأنصار، فخرج ناس من مصر وكانوا في ألفين، وخرج ناس من أهل الكوفة في ألفين وخرج ناس من أهل البصرة وأظهروا أنهم يريدون الحج، فلما كانوا من المدينة على ثلث ،تقدّم أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وكان هواهم في طلحة ،وكان هواهم في طلحة وتقدّم أهل الكوفة فنزلوا الأعوص وكان هواهم في الزّبير، وجاء أهل مصر فنزلوا ذا المروة، وكان هواهم في علي ،ودخل ناس منهم المدينة يخبرون ما في قلوب الناس لعثمان فلقوا جماعة من المهاجرين والأنصار ولقوا أزواج النّبي وقالوا : إنّما نريد الحجّ ونستعفي من عمالنا .
ثم لقي جماعة من المصريّين عليّاً وهو متقلّد سيفه عند أحجار الزّيت ،فسلموا عليه وعرضوا عليه أمرهم فصاح وطردهم وقال : لقد علم الصّالحون أنّ جيش ذي المروة وذي خشب والأَعوص ملعونون على لسان محمّد صلی الله علیه و آله و فانصرفوا عنه، وأتى البصريّون طلحة فقال لهم مثل ذلك، وأتى الكوفيّون الزبير فقال لهم مثل ذلك فتفرّقوا وخرجوا من المدينة إلى أصحابهم .
فلما أمن أهل المدينة منهم واطمأنّوا إلى رجوعهم لم يشعروا إلاّ والتّكبير في نواحي المدينة وقد نزلوها وأحاطوا بعثمان ونادى مناديهم: يا أهل المدينة من كفّ يده عن الحرب فهو آمن.
فحصروه في منزله إلا أنّهم لم يمنعوا النّاس من كلامه ولقائه، فجاءهم جماعة من رؤساء المهاجرين وسألوهم ما شأنهم؟ فقالوا : لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا لنولي غيره لم يزيدوهم على ذلك .
وخرج عثمان الجمعة فصلى بالنّاس وقام على المنبر فقال : يا هؤلاء الله الله فوالله إنّ أهل المدينة يعلمون أنكم ملعونون على لسان محمّد صلّی الله علیه وآله فامحوا الخطأ بالصواب ،فقام محمّد بن مسلمة الأنصاري فقال : نعم أنا أعلم ذلك فأقعده حكيم بن جبلة البصري، وقام زید بن ثابت فأقعده قنبرة بن وهب المصري.
وثار القوم فحصبوا النّاس حتّى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتّى صرع عن المنبر مغشيّاً عليه ، فأدخل داره وأقبل عليّ وطلحة والزّبير، فدخلوا على عثمان يعودونه من صرعته وعند عثمان نفر من بني أميّة منهم مروان بن الحكم فقالوا لعليّ أهلكتنا وصنعت هذا الذي صنعت والله إن بلغت هذا الأمر الذي تريده ليمرنّ عليك الدّنيا، فقام مغضباً وخرج جماعة الذين معه إلى منازلهم .
ثمّ إنّ أهل المدينة تفرّقوا عنه ولزموا بيوتهم لا يخرج أحد منهم إلأ بسيفه يمتنع به فكان حصاره أربعين يوماً (1).
وفي رواية الطبري: لما نزل القوم ذا خشب يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عمّا يكرهون وعلم عثمان ذلك جاء إلى منزل عليّ فدخل وقال : يا ابن عمّ إنّ قرابتي قريبة وقد جاء ما ترى من القوم وهم مصبحي، ولك عند النّاسِ قَدَروهم يسمعون منك وأحبّ أن تركب إليهم وتردهم عني، فإنّ في دخولهم عليّ وهناً لأمري وجرأة عليّ .
فقال علیه السلام : «على أيّ شيء أردّهم»؟ قال : على أن أصير إلى ما أمرت به ورأيت فيّ فقال علي:« إنّي قد كلمتك مرّة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول وتعد، ثم ترجع وهذا من فعل مروان ومعاوية وابن عامر وعبد الله بن سعد، فإنك أطعتهم وعصيتني ».
قال عثمان : فإني أعصيهم وأطيعك ، فأمر علي علیه السلام الناس أن يركبوا معه، فركب معه ثلاثون رجلاً من المهاجرين والأنصار ، فأتوا المصريين فكلموهم فكان الذي يكلمهم علي علیه السلام ومحمّد بن مسلمة فسمعوا منهما ورجعوا بأصحابهم يطلبون مصر .
ورجع علي حتّى دخل على عثمان، فأشار عليه أن يتكلم بكلام يسمعه النّاس منه ليسكنوا إلى ما يعدهم به من النّزوع ، وقال : إنّ البلاد قد تمحّصت عليك ولا آمن أنّه ركب من جهة أخرى فتقول لي يا علي اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقّك .
فخرج عثمان فخطب الخطبة التي ينزع فيها، وأعطى النّاس من نفسه التّوبة وقال لهم : أنا أوّل من اتعظ واستغفر الله وأتوب إليه فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليرون رأيهم، وليذكر كلّ واحد ظلامته لأَكشفها وحاجته لأقضيها فوالله لأن ردني الحق عبداً لأسنن سنّة العبيد، ولأذلن ذل العبيد، وما عن الله مذهب إلا إليه والله لأعطينكم الرّضا ولا يحننّ مروان وذريه ولا احتجب عنكم .
فلما نزل وجد مروان وسعداً ونفراً من بني أمية في منزله قعوداً لم يكونوا شهدوا خطبته ولكنها بلغتهم .
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 141/2.
فلما جلس قال مروان : يا أمير المؤمنين أأتكلم؟ فقالت نائلة : إمرأة عثمان : لا بل تسكت، فأنتم والله قاتلوه ومُيَتُمُو أطفاله إنّه قد قال مقالة لا ينبغي أن ينزع عنها، فقال لها مروان : وما أنت وذاك؟ والله لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضأ ، فقالت : مهلاً يا مروان عن ذكر أبي إلاّ بخير والله لولا أن أباك عمّ عثمان ، وأنّه يناله غمّه وعيبه لأخبرتك بما لا أكذب فيه عليه، فأعرض عنه عثمان .
ثمّ عاد فقال : أتكلم أم أسكت؟ فقال: تكلم ، فقال والله لوددت أنّ مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع أوّل من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت وقد بلغ الحزام الطبيين وجاوز السّيل الزّبى، والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخاف عليها ما زدت على أن جرأت عليك النّاس.
فقال عثمان : قد كان من قولي ما كان ، وإنّ الفائت لا يردّ ولم آل خيراً، فقال مروان: إنّ النّاس قد اجتمعوا ببابك أمثال الجبال قال ما شأنهم؟ قال: أنت دعوتهم إلى نفسك، فهذا يذكر مظلمة، وهذا يطلب مالاً وهذا سأل نزع عامل من عمّالك وهذا ما جنيت على خلافتك .
ولو استمسكت وصبرت كان خيراً لك ، قال : فاخرج أنت إلى النّاس فكلمهم فإنّي أستحي أن أكلمهم وأردهم، فخرج مروان إلى النّاس وقد ركب بعضهم بعضاً، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كأنّكم جئتم لنهب ،شاهت الوجوه أتريدون أن تنزعوا ملكنا ملكنا من أيدينا ،أغربوا عنا والله إن رمتمونا لنمرن عليكم ما حلا ولنحلن بكم ما لا يسركم ولا تحمدوا فيه رأيكم، إرجعوا إلى منازلكم، فإنّا والله غير مغلوبين على ما في أيدينا .
فرجع النّاس خائبين يشتمون عثمان ومروان ، وأتى بعضهم عليّاً فأخبره الخبر، فأقبل عليّ على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزّهري، فقال أحضرت خطبة عثمان؟ قال : نعم قال أفحضرت مقالة مروان للناس قال : نعم .
فقال علیه السلام: «أي عباد الله ، يالله للمسلمين إن قعدت في بيتي ، قال لي تركتني وخذلتني ، وإن تكلمت فبلغت له ما يريد جاء مروان ويلعب به حتّى قد صار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السّنّ»، وقام مغضباً من فوره حتى دخل على عثمان، فقال علیه السللام له : «أما يرضى مروان منك إلاّ أن يحرّفك عن دينك وعقلك فأنت معه كجمل الظعينة يقاد حيث يسار به ، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا عقله، وإني لأراه يوردك، ثم لا يصدرك وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك أفسدت شرفك وغلبت على رأيك »ثمّ نهض.
فدخلت نائلة فقالت: قد سمعت قول عليّ لك وأنّه ليس براجع إليك ولا معاود لك، وقد أطعت مروان يقودك حيث يشاء قال فما أصنع ؟ قالت تتقي الله وتتبع سنّة صاحبيك، فإنك متى أطعت مروان قتلك ،وليس لمروان عند النّاس قدر ولا هيبة ولا محبّة ، وإنّما تركك النّاس لمكانه، وإنّما رجع عنك أهل مصر لقول عليّ علیه السلام ، فأرسل إليه فاستصلحه، فإنّ له
عند الناس قدماً وأنّه لا يُعصى ، فأرسل إلى عليّ فلم يأته وقال : قد أعلمته أنّي غير عائد (1).
وفي «البحار »من الأمالي عن أحمد محمّد الصّلت عن ابن عقدة الحافظ عن جعفر بن عبد الله العلوي عن عمه القاسم بن جعفر بن عبد الله بن محمّد بن عبد الله بن أبي بكر عن أبي جعفر أبي بكر عن أبي جعفر قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري :
قال لما نزل المصريون بعثمان بن عفان في مرتهم الثانية، دعا مروان بن الحكم فاستشاره فقال له : إن القوم ليس هم لأحد أطوع منهم لعليّ بن أبي طالب ؛ وهو أطوع النّاس في النّاس، فابعثه إليهم فليعطهم الرضا وليأخذ لك عليهم الطاعة ويحذرهم الفتنة.
فكتب عثمان إلى عليّ بن أبي طالب : سلام عليك ؛ أما بعد قد جاز السيل الزبي، وبلغ الحزام الطبيين وارتفع أمر النّاس بي فوق قدر، وطمع في من كان يعجز عن نفسه، فأقبل علي وتمثل :
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل***وإلا فأدركني ولما أمزق والسلام
فجاءه علي فقال : يا أبا الحسن إنت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه فقال : نعم إن أعطيتني عهد الله وميثاقه على أن تفي لهم بكلّ شيء أعطيته عنك فقال : نعم فأخذ عليه عهداً غليظاً ومشى إلى القوم، فلما دنا منهم قالوا وراءك قال : لا ، قالوا وراءك، قال: لا.
فجاء بعضهم ليدفع في صدره فقال القوم بعضهم لبعض : سبحان الله أتاكم ابن عمّ رسول الله يعرض كتاب الله، اسمعوا منه وأقبلوا ، قالوا تضمن لنا كذلك، قال: نعم فأقبل معه أشرافهم ووجوههم حتى دخلوا على عثمان فعاتبوه فأجابهم إلى ما أحبوا فقالوا اكتب لنا على هذا كتاباً وليضمن عليّ عنك ما في الكتاب قال اكتبوا أنى شئتم فكتبوا بينهم :
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين إنّ لكم علي أن أعمل بكتاب الله وسنّة نبيه وأن المحروم يعطى، وأن الخائف يؤمن، وأن المنفي يرد، وأن المبعوث لا يجمر، وأن الفيء لا يكون دولة بين الأغنياء، وعلي بن أبي طالب ضامن للمؤمنين والمسلمين على عثمان الوفاء لهم على ما في الكتاب شهد الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن مالك وعبد الله بن عمر وأبو أيوب بن زيد، وكتب في ذي القعدة سنة خمس وعشرين.
فأخذوا الكتاب ثم انصرفوا، فلما نزلوا إيلة إذا هم براكب فأخذوه فقالوا أنت؟ من قال : أنا رسول عثمان إلى عبد الله بن سعد قال بعضهم لبعض : لو فتشناه لئلا يكون قد كتب
1) تاريخ الطبري : 393/3 .
فينا ، ففتّشوه فلم يجدوا معه شيئاً .
فقال كنانة بن بشر النجيبي : أنظروا إلى أدواته فإن الناس حيلاً، فإذا قارورة مختومة بموم (1)، فإذا فيها كتاب إلى عبد الله بن سعد إذا جاءك كتابي هذا فاقطع أيدي الثلاثة مع أرجلهم .
فلما قرؤوا الكتاب رجعوا حتى أنوا عليّاً، فأتاه فدخل عليه، فقال استعتبك القوم فأعتبتهم، ثم كتبت هذا كتابك نعرفه الخط الخط والخاتم الخاتم، فخرج عليّ مغضباً وأقبل النّاس عليه فخرج سعد من المدينة فلقاه رجل فقال : يا أبا إسحاق أين تريد؟ قال: إني فررت بديني من مكة إلى المدينة وأنا اليوم أهرب بديني من المدينة إلى مكة .
وقال الحسن بن علي العلي علیه السلام حين أحاط النّاس بعثمان: أخرج من المدينة واعتزل فإن النّاس لا بدّ لهم منك وأنّهم ليأتونك ولو كنت بصنعاء، وأخاف أن يقتل هذا الرّجل وأنت حاضره .
فقال يا بنيّ أخرج عن دار هجرتي وما أظن يجترىء على هذا القول كلمة، وقام كنانة بن بشر فقال : يا عبد الله أقم لنا كتاب الله فإنا لا نرضى بالقول دون الفعل قد كتبت وأشهدت لنا شهوداً وأعطيتنا عهد الله وميثاقه، فقال ما كتبت بينكم كتاباً .
فقام إليه المغيرة بن الأخنس وضرب بكتابه وجهه وخرج إليهم عثمان ليكلمهم، فصعد المنبر ورفعت عائشة قميص رسول الله ونادت أيّها الناس هذا قميص رسول الله لم يبل، وقد غيّرت سنّته، فنهض النّاس وكثر اللغط وحصبوا عثمان حتى نزل من المنبر، ودخل بيته . فكتب نسخة واحدة إلى معاوية وعبد الله بن عامر : أما بعد فإنّ أهل السّفه والبغي والعدوان من أهل العراق ومصر والمدينة أحاطوا بداري ولن يرضيهم منّي دون خلعي أو قتلي، وأنا ملاقي الله قبل أن أتابعهم على شيء من ذلك فأعينوني.
فلما بلغ كتابه ابن عامر قام وقال : أيها النّاس إنّ أمير المؤمنين عثمان ذكر أن شرذمة من أهل مصر والعراق نزلوا بساحته فدعاهم إلى الحقّ، فلم يجيبوا فكتب إلي أن أبعث إليه منكم ذوي الدّين والرّأي والصّلاح، لعل الله أن يدفع عنه ظلم الظالم وعدوان المعتدي فلم يجيبوه إلى الخروج.
ثم إنّه قيل لعلي : إنّ عثمان قد منع الماء فأمر بالزوايا فعكمت وجاء النّاس إلى علي علیه السلام فصاح بهم صيحة انفرجوا فدخلت الزوايا، فلما رأى علي اجتماع النّاس دخل على طلحة بن عبد الله وهو متكىء على وسائد فقال : إنّ الرّجل مقتول فامنعوه فقال: أما والله دون أن تعطي بنو أميّة الحقّ من أنفسها .
1) الموم: الشمع.
وفي «شرح المعتزلي »عن الطبري عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال : دخلت على عثمان فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على بابه من النّاس فمنهم من يقول ما تنتظرون به ،ومنهم من يقول : لا تعجلوا به فعساه ينزع ويراجع.
فبينا نحن إذ مرّ طلحة فقام إليه ابن عديس البلوي فناجاه ثمّ رجع ابن عديس فقال لأصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل إلى عثمان ولا يخرج من عنده ،قال لي عثمان هذا ما أمره به طلحة .
اللّهم اكفني طلحة فإنّه حمل هؤلاء القوم وأكبهم عليّ، والله لأَرجو أن يكون منها صفراً وأن يسفك دمه قال : فأردت أن أخرج فمنعوني حتّى أمرهم محمّد بن أبي بكر فتركوني أخرج.
قال الطبري: فلما طال الأَمر وعلم المصريون أنهم قد أجرموا إليه جرماً كجرم القتل وأنّه لا فرق بين ما أتوا إليه، وخافوا على نفوسهم من تركه حيّاً راموا الدخول عليه من باب داره، فأغلقت الباب، وقام رجل من أسلم يقال له : نيار بن عياض وكان من الصّحابة فنادى عثمان وأمره أن يخلع نفسه، فبينا هو يناشده ويسوّمه خلع نفسه رماه كثير بن الصّلت الكندي وكان من أصحاب عثمان من أهل الداربسهم فقتله .
فصاح المصريون وغيرهم عند ذلك : ادفعوا إلينا قاتل ابن عیاض لنقتله به، فقال عثمان : لم أكن لأدفع إليكم رجلاً نصرني وأنتم تريدون قتلي فثاروا إلى الباب، فأغلق دونهم فجاؤوا بنيار فأحرقوه وأحرقوا السقيفة التي عليه .
وخرج مروان بسيفه يحاله الناس فضربه رجل من بني ليث على رقبته فأثبته وقطع أحد عيباوته، فعاش مروان بعد ذلك أوقص، وقتل المغيرة بن الأخنس وهو يحامي عن عثمان بالسّيف .
واقتحم القوم الدار ودخل كثير منهم الدّور المجاورة لها وتسوّروا من دار عمرو بن حزم إليها حتّى ملؤوها ، وغلب الناس على عثمان وندبوا رجلاً لقتله، فدخل إليه البيت فقال له : اخلعها وندعك ،فقال : ويحكم والله ما كشفت عن امرأة في جاهلية ولا إسلام ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله ،ولست بخالع قميصاً كسانيه الله حتى يكرم أهل السّعادة ويهان أهل الشقاوة.
فخرج عنه فقالوا له : ما صنعت قال : إني لم استحل قتله فأدخلوا إليه رجلاً من الصحابة فقال له: لست بصاحبي إن النبي دعا لك أن يحفظك يوم كذا ولن تصنع ، فرجع عنه ،فأدخلوا إليه رجلاً من قريش فقال له : إنّ رسول الله استغفر لك یؤم كذا فلن يقارف دماً حراماً فرجع .
فدخل عليه محمّد بن أبي بكر، وفي رواية الواقدي أنّه أوّل من دخل عليه فقال له عثمان : ويحك أعلى الله تغضب هل لي إليك جرم إلا أني أخذت حق الله منك، فأخذ محمد بلحيته وقال : أخزاك الله يا نعثل قال لست بنعثل، ولكني عثمان وأمير المؤمنين فقال : ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان فقال عثمان يا ابن أخي دعها من يدك فما كان أبوك ليقبض عليها فقال : لو عملت ما عملت في حياة أبي لقبض عليها والذي أريد بك أشدّ من قبضي عليها فقال : أستنصر الله عليك وأستعين به عليك فتركه وخرج.
وقيل : بل طعن جنبه بمشقص كان في يده فثار سودان بن ،حمران، وأبو حرب الغائقي وقنبرة بن وهب السكسكي فضربه الغانقي بعمود كان في يده وضرب المصحف برجله، وكان في حجره فنزل بين يديه وسال عليه الدّم، وجاء سودان ليضربه بالسيف فأكبت عليه امرأته نائلة وألقت السيف بيدها وهي تصرخ فنفح أصابعها فأطنها فولت فغمرت بعضهم أوراكها، وقال إنها لكبيرة العجز وضرب سودان عثمان فقتله .
وقيل : بل قتله كنانة بن بشير النجيبي، وقيل: بل قنبرة بن وهب، ودخل غلمان عثمان ومواليه فضرب أحدهم عنق سودان فقتله، فوثب قنبرة بن وهب على ذلك الغلام فقتله، فوتب غلام آخر على قنبرة فقتله، ونهب دار عثمان وأخذ ما على نسائه وما كان في بيت المال.
وكان فيه غزارتان دراهم ووثب عمرو بن الحمق على صدر عثمان و به رمق فطعنه تسع طعنات وقال : أما ثلاث منها فإني طعنتهن الله وأما ست منها، فلما كان في صدري عليه وأرادوا قطع رأسه فوقع عليه زوجتاه فضجن وضربن الوجوه فقال ابن عديس: أتركوه .
وأقبل عمير بن الصّابي فوثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه وقال له: سجنت أبي حتى مات في السجن .
وكان قتله يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكان عمره ستاً وثمانين سنة ودفن في حش كوكب بعد ثلاثة أيام ؛ بإذن علي (1)على ما مر في شرح الخطبة الشقشقية .
1) بطوله في بحار الأنوار: 493/31 ح 11، ومسار الشيعة: 21.
از جمله کلام بلاغت نظام آن امام عالی مقام است در معنی قتل عثمان اظهار تبرّى خود از مداخله آن می فرماید :
اگر امر میکردم به قتل او هر آینه قاتل او میشدم و اگر نهی می کردم از قتل او هر آینه ناصر میشدم الا این که کسی که نصرت نمود او را نمیتواند که گوید خار نمود او را کسی که من بهترم از او و کسی که خار نمود او را نمیتواند که گوید یاری نمود او را کسی که او بهتر است از من و من بیان کننده ام لفظ به مختصر کار او را سر خود نمود او امور عظیمه را بی مشاورت دیگران ،دیگران پس بد نمود آن استقلال به رأی را و بی صبری کردید پس بد کردید شما در بی صبری و خداوند را است حکم عدلی که واقع میشود در روز قیامت در حق مستقل به رأی و در حق بی صبری کننده؛ یعنی جزای عملی که شد از خطا یا صواب به صاحب عمل خواهد رسید.
«لا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثّورِ عاقِصاً قَرْتُهُ يَرْكَبُ الصَّعْبَ، َويَقُولُ هُوَ الذُّلُولُ، وَلكِنْ إلْقَ الرُّبَيرَ، فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَريكَةً ، فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ عَرَفْتَنِي بِالْحِجاز، وأَنْكَرْتَني بِالْعِراقِ، فَما عَدا مِمَّا بَدا» .
أقول : وهو علیه السلام أوّل من سمعت منه هذه اللفظة أعني فما عدا ممّا بدا .
(يستفيئه) أي يسترجعه من فاء يفيء إذا رجع و (تلقه) في بعض النسخ بالفاء أي تجده (عقص) الثور قرنه بالفتح متعد وعقص بالكسر لازم والأعقص من التيوس ما التوى قرناه على المنقادة أذنيه من خلفه والمعقاص الشاة المعوّجة القرن (والصعب) نقيض الذلول وهي الدواب، والجمع ذلل كرسول ورسل و (العريكة) الطبيعة يقال فلان لين العريكة إذا كان سلساً و (عداه) عن الأمر عدواً وعدواناً صرفه وشغله، وعدا الأمر عدته جاوزه و (بدا) ظهر .
عاقصاً إما مفعول ثان لتجده أو حال عن الثور كلمة ما للاستفهام ومفعول عدا محذوف أي ما عداك على حد قوله سبحانه: (وَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا) [الزخرف: 45] أي أرسلناه، وكلمة (من) في قوله (مما بدا) بمعنى (عن) على حد قوله سبحانه: فَوَيْلٌ لقنسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ [الزمر: 22] وقال الشارح البحراني : إنها لتبيين الجنس، والأوّل أظهر.
(قوله (لا تلقين طلحة) نهي لابن عباس عن لقاء طلحة من أجل يأسه عنه لمكان الغرور والكبر الذي كان فيه على ما أشار إليه بقوله (فإنّك إن تلقه تجده كالثور )عاقصاً أي عاطفاً (قرنه) على أذنه .
قال الشارح البحراني شبهه بالثور في عقص قرنه وكني بلفظ القرن عن شجاعته،لأَنْ القرن آلة القوّة للثّور، ومنع ما يراد به عن نفسه، وكذلك الشَّجاعة يلزمها الغلبة والقوة ومنع الجانب، وكنى بلفظ العقص لما يتبع تعاطيه بالقوة والشجاعة من منع الجانب وعدم الانقياد
تحت طاعة الغير اللازم عن الكبر والعجب الذي قد يعرض للشجاع .
وذلك لأن الثور عند إرادة الخصام يعقص قرنيه أي يرخي رأسه ويعطف قرنيه ليصوبهما إلى جهة خصمه، ويقارن ذلك منه نفخ صادر عن توهم غلبته لمقاومه وأنه لا قدر له عنده .
وكذلك الشبه ههنا علم منه علیه السلام أنه عند لقاء ابن عباس له يكون مانعاً جانبه متهيئاً للقتال مقابلاً للخشونة وعدم الانقياد له الصادر عن عجبه بنفسه وغروره لشجاعته، فلذلك حسن التشبيه .
وقوله : (يركب الصعب ويقول هو الذلول) يعني أنه يستهين بالمستصعب من الأمور، ثم إنّه لمّا نهاه عن لقاء طلحة أمره بلقاء الزبير بقوله : ( ولكن إلى الزبير ) معلّلاً بقوله : (فإنّه ألين عريكة) أي أحسن طبيعة وأسهل جانباً فقل له يقول لك ابن خالك .
التعبير بابن الخال للاستمالة والملاطفة والأذكار بالنسب والرّحم على حد قوله: قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بيَى الْأَعْدَاءَ [الأعراف: 150] فإن هارون لما رأى غضب موسى خاطبه بقوله بابن أم لكونه أدعى إلى عطفه عليه من أن يقول يا موسى أو يا أيها النبي ونحو ذلك .
وكذلك لقوله : يقول لك ابن خالك في القلب موقع ليس لقوله يقول لك أمير المؤمنين، وأما كونه علیه السلام ابن خال الزبير فلان صفيّة أمّ الزبير كانت أختاً لأبي طالب بنت عبد المطلب.
وقوله : (عرفتني بالحجاز وتركتني بالعراق) يعني : أنك بايعتني بالمدينة وكنت أشدّ النّاس حماية لي يوم الشورى والسقيفة وأنكرتني بالبصرة حيث نكثت بيعتي وبارزتني بالمحاربة (فما عدا ممّا بدا) أي أي شيء صرفك عمّا ظهر منك أولاً وما الذي صدّك عن طاعتي بعد إظهارك لها .
وقال الشارح البحراني : عدا بمعنى جاوز ومن لبيان الجنس والمراد ما الذي جاوز بك عن بيعتي ممّا بدا لك بعدها من الأمور التي ظهر لك والأظهر ما ذكرناه هذا .
وروى في شرح المعتزلي عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: سألت ابن عباس رضي الله عنه عن ذلك فقال : إني أتيت الزبير فقلت له : فقال : قل له إني أريد ما تريد كأنه يقول الملك لم يزدني على ذلك فرجعت إلى علي فأخبرته .
وروي عن محمد بن إسحاق الكلبي عن ابن عباس قال قلت الكلمة للزبير فلم يزدني على أن قال: قل له إنا مع الخوف الشديد لنطمع، وسئل ابن عباس عمّا يعني بقوله هذا، فقال : إنا على الخوف لتطمع أن نلي من الأمر ما وليتم.
از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است در حینی که فرستاد عبدالله بن عباس را به سوی زبیر پیش از واقع شدن جنگ در روز جمل تا باز گرداند او را به سوی طاعت ،او فرمود ابن عباس را که :
البته ملاقات مکن با طلحه: پس به درستی که اگر تو ملاقات کنی با او یابی او را مثل گاو عاصی در حالتی که پیچیده باشد شاخ خود را بر گرداگرد گوش خود سوار میشود بر دا به سرکش و بی آرام و با وجود این می گوید که رام است و ملاقات کن با زبیر پس به تحقیق که او نرم تر است از روی طبیعت پس بگوی او را که میگوید تو را پسرخال تو شناختی تو مرا در حجاز و بیعت کردی و انکار کردی مرا در عراق و تمرد از اطاعت ،نمودی پس چه چیز منع نمود و بگردانید تو را از آن چه ظاهر شد از اطاعت من؟
تم الجزء الأول من «شرح نهج البلاغة» بحمد الله وحسن توفيقه، ونسأل الله سبحانه التوفيق لشرح ما يتلو ذلك من خطبه المختارة ومن كلامه المختار في باب الخطب الجاري مجرى الخطبة، وكان الفراغ من ذلك ليلة عيد الغدير من أعياد ألف وثلاثمائة سنة، والحمد الله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً سنة 1300 .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرانا آيات قدرته وجبروته في الأنفس والآفاق، وهدانا إلى مشاهد سلطنته وعظمته بما رقم في صفحات السّبع الطباق، ودلنا على مشاهدة أنوار جماله في ملكوت السّموات والأرض، ومطالعة أسرار جلاله في الحجب والسّرادقات ذات الطول والعرض؛ فأشهد أنّه الواحد الأحد الفرد الصّمد الذي دلّ على وحدانيته بوجوب وجوده، وعلى قدرته وحكمته ببدائع خلقه وجوده ، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله المنتجب، وصفيّه وأمينه المنتخب ، أرسله لإيضاح النهج وإبلاغ المنهج، وشرع الدّين وإتمام الحجج، فأوضح المحجة وأتم الحجّة، وأقام إعلام الإهتداء وأنار منار الضياء، وجعل قوائم الإسلام قويمة بعد اعوجاجه ، ودعائم الإيمان متينة بعد انفراجه .
رأيتك يا خير البرية كلها *** نشرت كتاباً جاء بالحق معلماً
سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا *** عن الحق لما أصبح الحق مظلماً
ونوّرت بالبرهان أمراً مدمساً ***وأطفأت بالبرهان جمراً تضرما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها ***ودانت قديماً وجهها قد تهدّما
الذين هم مرابيع النعم، ومصابيح الظلم لا تفتح الخيرات إلا بمفاتحهم، ولا تكشف الظلمات إلاّ بمصابيحهم، قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنّة إلا من عرفهم وعرفوه ؛ ولا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم وأنكروه .
فمن لم يكن يعرف إمام زمانه ***ومات فقد لاقى المنية بالجهل
لا سیّما من أخذ بضبعيه في الغدير وقد شهد هذا المشهد الجمّ الغفير فأقامه للنّاس علماً وإماماً، وللدّين قيماً وقواماً ،ونادى بصوت جهوري يقرع الإسماع، ويملأ القلوب والصّماخ كنت مولاه فعليّ مولاه، فسلّم قوم ففازوا، وتولى آخرون وغاظرا فخاضوا، ثمّ فتح أبواب العلم، وأورثه جوامع الكلم ، وعلمه تبليغ الرسالات وتأويل الآيات، وإتمام الكلمات فاجتهد سلام الله عليه وآله في تأسيس قواعد الكلم ، وتشييد ضوابط الحكم، وهدانا إلى نهج البلاغة ببديع بيانه، وسلك بنا منهاج البراعة بعذب لسانه ،وأرشدنا إلى شرائع الدّين بأنواره، وأوضح لنا سبل اليقين بآثاره:
عليم بما قد كان أو هو كاّئن ***وما هو دق في الشرائع أوجل
مسمّى مجلا في الصّحائف كلها ***فسل أهلها واسمع تلاوة من يتلو
ولولا قضاياه التي شاع ذكرها ***لعطلت الأحكام والفرض والنّفل
وبعد فهذا هو المجلّد الثاني من مجلدات «منهاج البراعة» إملاء راجي عفو ربّه الغني حبيب الله بن محمد بن هاشم العلوي الموسوي غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه ،فإنّه تعالى وليّ الإحسان ،والغفور المنان، فأقول وبه التّكلان : قال السيد (ره) .
ورواها المحدّث العلامة المجلسي (ره) «في البحار»من كتاب مطالب السؤول لمحمدبن طلحة، قال قال علیه السلام يوماً في مسجد الكوفة وعنده وجوه النّاس:
«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا في دَهْرٍ عَنُودِ، وزَمَنِ شَديدٍ (كُنُودِحْ)، يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسيئاً، ويَزْدادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوّا، لا نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَلاَ نَسْتَلُ عَمّا جَهِلْنا، ولا نَتَخَوَّفُ قارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنا، فَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافِ :
مِنْهُمْ مَنْ لاَ يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِلا مَهانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلالَهُ حَدِّه، ونَضِيضُ وَفْرِهِ.
الْمُصْلِتُ بِسَيْفِهِ، وَالْمُعْلِنُ بِشَرْهِ ، وَالْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وأَوْبَقَ دينَهُ ، لِحُطام يَنْتَهِزُهُ، أَوْ مِقْنَب يَقُودُهُ، أَوْ مَنبَرِ يَفْرَعُهُ، وَلَبِئْسَ الْمَنْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسَكَ ثَمَناً، ومِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عَرَضاً .
ومِنْهُمْ مَنْ يَطْلب الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ وَلاَ يَطْلُبُ الآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ طَامَنَ بِشَخْصِهِ، وقارَبَ مِنْ خَطوه ، وشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلأَمَانَةِ، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ.
ومِنْهُمْ مَنْ أَقْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضَؤُلَةُ نَفْسِهِ ، وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَّرَتْهُ الْحالَ عَلى حالِهِ،
فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزّهادَةِ، ولَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مُراح ولا مَغْدَى.
وَبَقِيَ رِجالٌ غَصْ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجَع ، وأَراقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَينَ شريد نادٌ، وخائِفِ مَقْمُوع وساكِتٍ مَكْعُوم، وداع مُخلِص ، وثَكلانُ مُوجَع، قَدْ أَحْمَلَتْهُمُ النقبةُ ، وشَمِلَتْهُمُ الذله، فَهُمْ في بَحْرٍ أجاج أقواهُهُمْ ضامِزَةٌ، وقُلُوبُهُمْ فَرِحَةٌ ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُوا، وفُهِرُوا حَتَّى ذَلّوا، وقُتِلُوا حَتَّى قَلُوا، فَلَتَكُنِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ، وقُراضَةِ الْجَلَم، وَاتَّعِظُوا بِمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَارْفَضُوها ذَميمَةً، فَإِنَّها قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كانَ أَشْفَقَ بِها مِنْكُمْ». ُ
قال السّيد (ره) أقول هذه الخطبة ربّما نسبها من لا علم له إلى معاوية وهي من كلام أمير المؤمنين علیه السلام الذي لا شك فيه، وأين الذهب من الرّغام والعذب من الأجاج، وقد دلّ على ذلك الدّليل الخرّيت ونقده النّاقد البصير : عمرو بن بحر الجاحظ، فإنّه ذكر هذه الخطبة في كتاب «البيان والتّبيين» ،وذكر من نسبها إلى معاوية ،ثم قال :هي بكلام علي علیه السلام أشبه وبمذهبه في تصنيف النّاس وفي الإخبار عما هم عليه من القهر والإذلال ومن التقية والخوف
أليق، قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال سلك في كلامه مسلك الزّهاد ومذاهب
العباد .
(عنود) على وزن صبور من عند القصد عنودا من باب قعد مال ،وفي بعض النسخ بدل
الشديد (الكنود) وهو ككفور لفظاً ومعنى قال سبحانه: «إنّ الإنسان لرّبه لكنود» قال النّبي صللی الله علیه و آله في تفسيره: «الكنود الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده» (والعنق) مصدر من عنا الرّجل يعتو من باب قعد إذا استكبر وتجاوز عن الحد (والقارعة) الدّاهية و (مهانة) النّفس بالفتح ذلها و(كلّ )السّيف كلا وكلالة لم يقطع و (نضيض وفره) أي قلّة ماله من نضّ الماء نضاً ونضيضاً سال قليلاً قليلاً وخرج رشحاً .
و(المصلت) من أصلت سيفه إذا جرّده عن غمده و (المجلب) اسم فاعل من أجلب عليهم أي أعال عليهم و(الرجل) جمع راجل كالركب وراكب قال سبحانه :«واجلب عليهم بخيلك ورجلك» و (أشرط) نفسه أعدها للفساد في الأرض و (حطام) الدنيا متاعها وأصله ما تكسر من اليبس و (الإنتهاز )بالزاء المعجمة الإغتنام و(المقنب) بالكسر ما بين الثلاثين والأربعين من الخيل و(يفرعه) يعلوه و(طامن) ظهره حناه وخفضه و (شمر) ثوبه قصره ورفعه و (زخرف) نفسه زيّنها و(ضؤلة) النفس بفتح الضّاد حقارتها و (المراح) بضم الميم حيث تأوي الماشية بالليل والمناخ والمأوى مثله.
وفي بعض النسخ بفتح الميم وهو الموضع الذي يروح منه القوم أو يرجعون إليه يقال ما ترك فلان من أبيه معدى ولا مراحاً ومغداة ولا مراحة و(الشريد) من شرد البعير إذا نفر و (الناد) المنفرد و(المقموع) المغلوب و(كعم) البعير من باب منع فهو مكعوم وكعيم شدّ فاه لئلا يأكل
أو يقضّ، ومنه الكعام ،وهو ما يجعل في فم البعير عند الهياج .
و (الضامزة) بالزاء المعجمة الساكنة و(القرظ) محرّكة ورق السّلم يدبغ به و(الجلم) بالتحريك أيضاً المقص يجزّ به أوبار الإبل، وقراضته ما يقع من قرضه وقطعه و (الرّغام) تراب لين أو رمل مختلط بتراب و(الخرّيت) بالكسر وتشديد الراء الدّليل الحاذق و(صنّف) الناس تصنيفاً جعلهم صنفاً صنفاً.
نسبة العنود والكنود إلى الدهر من باب التّوسع ، وإضافة النّضيض إلى الموفر من باب إضافة الصّفة إلى الموصوف، والباء في بسيفه وبشره وبخيله زائدة ،ولبئس المتجر بنس فعل ذم والمتجر فاعله ،وأن ترى الدّنيا مؤول بالمصدر مخصوص بالذم وهو في محل الرّفع على
كونه مبتدأ وبئس فاعله أو خبراً له أو على أنه خبر حذف ،مبتدؤه، وقوله بعمل الدنيا الباء للآلة، ومن في قوله من شخصه للزّيادة كالثلاث بعدها ،لأَن الأَفعال الأَربعة متعدّية بنفسها.
إعلم أنّ الزمان لما كان من الأسباب المعدة لحصول ما يحصل في عالم الكون والفساد من الشرور والخيرات صحّ بذلك توصيف بعض الأزمنة بالخير فيقال : زمان خير وزمان عدل لكثرة ما يكون فيه بشهادة الإستقراء من الخير وانتظام حال الخلق ومواظبتهم على القوانين الشرعية والسّنن النبوية، وتوصيف بعضها بالشر فيقال زمان جائر و زمان صعب شديد لكثرة ما يقع فيه من الشرور والمفاسد وعدم انتظام أمر الخلق فيه من حيث المعاش أو المعاد، إذا عرفت ذلك .
فأقول : قوله علیه السلام : (أيّها النّاس إنا قد أصبحنا في دهر عنود وزمن شديد) ذمّ لزمانه علیه السلام بالجور والعدوان والشّدة والكفران من حيث غلبة الضّلال ودولة الجهّال واضمحلال الحق واستيلاء الباطل ورجوع أغلب النّاس بعد رسول الله صلی الله علیه و آله إلى أعقابهم القهقرى وارتدادهم عن الإمام الحق واقتدائهم بالإمام الباطل ،وعدم تمكنه علیه االسلام من إقامة المعروف وإزاحة المنكر ومن ذلك نشأت الشّرور والمفاسد التي عدوها وهي أمور :
الأول : إنّه (يعدّ فيه المحسن مسيئاً) وذلك لغلبة الإساءة من حيث كثرة المسيئين وقلة الإحسان لقلة المحسنين فيعد المسيء إحسان المحسن إساءة كما أنّه يعد إساءة نفسه إحساناً، لكون السّنة في نظره بدعة والبدعة سنّة، أو أنّه يحمل إحسان المحسن على الإساءة كحمله عبادته على الرّياء والسّمعة، وانفاقه على الخوف أو الرّغبة في المجازاة ونحو ذلك الأمور الناشئة من سوء الظن من أجل تنزيله حال الغير منزلة نفسه .
(و) الثاني إنّه (يزداد الظالم فيه عتواً )وذلك لقيام المقتضي لظلمه وعدم رادع له عن ذلک
فيزداد فيه شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً .
بيان ذلك أن المقتضي لظلم الظالم هو نفسه الأمارة بالسوء، فلو كانت في زمان العدل تكون مقهورة تحت حكم الحاكم العادل غير متمكّنة من القيام والإقدام على الظلم والجور، ولما لم يتمكن علیه السلام في زمانه من قمع الباطل حقّ التّمكن لا جرم ازداد الظالم فيه على ظلمه وبلغ الغاية في استكباره وعتوّه باقتضاء دواعي نفسه.
والثالث : إنّه( لا ننتفع بما علمنا )والإتيان بصيغة المتكلم من قبيل اياك أعني واسمعي يا جارة، والمقصود به توبیخ العالمين لتقصيرهم عن القيام بوظائف العلم إذ الإنتفاع بالعلم إنّما يكون إذا وافقه العمل، لأن العلم والعمل كالرّوح والجسد يتصاحبان ويتكاملان معاً وكلّ مرتبة
من العلم يقتضي عملاً معيناً بحسبه وكلٌ عمل يتهيأ به لضرب من العلم.
وإلى ذلك أشار في رواية «الكافي» عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله صلى الله عليه وسلم قال : العلم مقرون إلى العمل فمن علم عمل، ومن عمل علم ،والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه (1).
فإنّ المراد بهتفه للعمل هو اقتضاؤه لعمل واستدعاؤه له ومن ارتحاله عدم الإنتفاع به أو
زواله بالمرّة.
وفيه عن عليّ بن هاشم بن البريد عن أبيه قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين علیه السلام فسأله عن مسائل فأجاب ثم عاد ليسأل عن مثلها فقال عليّ بن الحسين علیه السلام: مكتوب في «الإنجيل» لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفراً، ولم يزدد من الله إلا بعد اً (2).
(و) الرابع:( إنّه لا نسأل عما جهلنا) وهو توبيخ للجاهلين المقصرين في طلب العلم وسؤال العلماء لعدم معرفتهم فضل العلم وعدم رغبتهم في العمل ولذلك قال الصادق علیه السلام الحمران بن أعين في شيء سأله : «إنّما هلك النّاس لأنّهم لا يسألون» رواه في «الكافي».
وفيه أيضاً عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس ممّن ذكره عن أبي عبد الله : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أف لرجل لا يفرغ نفسه في كلّ جمعة لأمر دينه فيتعاهده ويسأل دينة » (3).
وعن الحسين بن محمد عن علي بن بن سعد رفعه عن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج . إنّ الله تعالى أوحى إلى دانيال أن أمقت عبيدي إليّ الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك للإقتداء بهم، وإن أحب عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحكماء القائل عن الحكماء (4).
(و) الخامس : إنّه (لا نتخوف قارعة) وداهية (حتى تحلّ بنا) وهو توبيخ للغافلين والمشغولين بلذائذ الدنيا الحاضرة الغير الملتفتين إلى البليات والدواهي النازلة.
ثم إنه بعد شكايته من زمانه قسم أهل الزمان إلى أقسام خمسة، ووجه القسمة أنّ
الناس إما مريدون للآخرة وهم الذين أفردهم بالذكر في مقابل الأقسام الأربعة وأشار إليهم بقوله : «وبقي رجال غض أبصارهم» (الخ).
وإما مريدون للدنيا وهؤلاء إما قادرون عليها بالسلطنة والإستيلاء، وإما عاجزون عنها، وهؤلاء إما غير محتالين للدنيا، أو محتالون لها والمحتالون إما مقصودهم من الإحتيال هو خصوص ملك الدنيا ومالها، أو الأعم من ذلك فهذه أقسام خمسة أربعة منهم أهل الدنيا وواحد أهل الآخرة .
وأشار إلى الأولين بقوله : (فالناس على أربعة أصناف) الأول (منهم) العاجز عن الدنيا غير المحتال لها وهو (من لا يمنعه) من العلو (والفساد في الأرض إلا مهانة نفسه) وحقارتها (وكلالة حد) سيف (ه) ووقوعه عن القطع وعدم الحقيقة للمنظور إليه (ونضيض وفره) أي قلة ماله وهذه كلها إشارة إلى عدم تمكن هذا الرّجل من الوصول إلى مطلوبه وعدم قدرته على تحصیل مقصوده لانقطاع الأسباب دونه مضافاً إلى ضعف نفسه .
(و) الثاني: (منهم) القادر على الدنيا بالسلطنة والإستيلاء وهو (المصلت بسيفه) الشاهر له (والمعلن بشره والمجلب بخيله ورجله) وهو كناية عن جمعه أسباب الظلم والغلبة والإستعلاء قد أشرط نفسه) وأهلها للفساد في الأرض (وأوبق دينه لحطام ينتهزه) ويغتنمه، وتشبيه مال الدنيا بالحطام لكونه قليل النفع بالنسبة إلى الأعمال الصالحة الباقي نفعها في الآخرة، كما أنّ اليبس من النبات قليل المنفعة بالقياس إلى ما تبقى حضرته (أو مقنب) أي خيل ( يقوده أو منبر يفرعه ويعلوه.
وهذه الأوصاف المذكورة لهذا القسم مطابق المصداق مع خلفاء بني أمية وبني العباس لعنهم الله وأشار إلى خسران هؤلاء في أفعالهم بقوله : (ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً وممّا لك عند الله عوضاً )كما قال تعالى :
(مَّن كَانَ يُريُد اَلعَاجِلَةَ عَجَّلنَا لهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنهَا مَذْمُومًا
يُرِيدُ مَّدْحُورًا (18)، (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْبَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَيكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) )
[الإسراء 18 - 19] .
(و) الثّالث : (منهم) العاجز عن الوصول إلى الدنيا، المحتال لها بالسّمعة والرّياء ويرائي بالزّي والهيئة وهو (من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة) لكون همّه فيها (ولا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا )لعدم رغبته إليها أصلاً، والمراد بعمل الدّنيا ما يفعله المكلف فيها أو ما يصير بانضمام القربة والتوصل إلى الطاعة طاعة (قد طامن من شخصه )إظهاراً للتواضع( وقارب من خطوه) إظهاراً للوقار (وشمّر من ثوبه) إظهاراً للطهارة والتنزه من النّجاسة( وزخرف من نفسه) أي زيّنها للنّاس بزينة الصلحاء والأتقياء.
ومقصوده من ذلك كله أن يفتتن به النّاس ويرغب إليه قلوبهم ويعظم قدره عندهم ويروه
أهلاً (للأمانة) ويسكنوا إليه في أماناتهم ويثقوا به في أمورهم، فويل لهذا الرّجل تحبب إلى العباد بالتّبغض إلى الله وتزين لهم بالشّين عند الله وتحمد إليهم بالتذمم عند الله (واتخذ ستر الله الذي حمى به أهل التّقوى أن يردوا موارد الهلكة (ذريعة إلى المعصية) ووسيلة إلى ما أوتيه من الدّنيا الفانية .
قال في «البحار» :قال اليكدري: في كتاب المضاف والمنسوب، ستر الله الإسلام والشيب والكعبة وضمائر صدور الناس يعني جعل ظاهر الإسلام وما يجنّه صدره بحيث لا يطلع عليها مخلوق وسيلة وطريقاً إلى معصية الله .
وأقول : يحتمل أن يكون المراد أنّه اتخذ ستر الله على عيوبه حيث لم يفضحه ولم يطلع الناس على بواطنه ذريعة إلى أن يخدع النّاس .
(و) الرابع: (منهم) العاجز المحتال الذي رغبته في الملك والمال وهو (من أقعده) في بيته( عن طلب الملك ضؤولة نفسه )وحقارتها (وانقطاع سببه )من عدم البضاعة ونحوها من الأسباب المحصلة لمطلوبه (ف) لأجل ذلك (قصرته الحال على حاله) أي وقفت به حال القدر على حاله التي لم يبلغ معها ما أراد وقصرته عليها ؛ (ف) لذلك عدل إلى الحيلة الجاذبة الرغبات الخلق إليه (تحلى باسم القناعة وتزّين بلباس أهل الزّهادة )وقام بالطاعات وواظب على العبادات (و) الحال أنّه (ليس من ذلك) أي من القناعة والزهد( في مراح ولا مغدى).
يعني أنه ليس منهما في شيء وإنّما اتّصافه بهما ظاهري وصوري لا حقيقي وواقعي، ويحتمل أن يكون الإشارة بذلك إلى أهل الزهادة ويكون المعنى أنّه ليس يومه كيومهم في الصّوم وغيره ،ولا ليله كليلهم في العبادات هذا .
ولما فرغ من أصناف أهل الدنيا الأربعة وأوصافها أشار إلى أهل الآخرة المقابل لهم بقوله : ( وبقي رجال) وميّزهم بأوصاف مخصوصة بهم متميزين بها عن غيرهم وهي أنه (قدغضّ أبصارهم ذكر المرجع )عن النظر إلى محارم الله أو عن الالتفات إلى مطلب ما سوى الله .
وذلك لأنّ القلب إذا كان مشغولاً بذكر الله ،مستغرقاً في شهود جمال الحق وملاحظة جلاله عارفاً بأن المسير والمنقلب إليه سبحانه، ويكون الحسُ تابعاً له لا محالة لكونه رئيس الأعضاء والحواس، فلا يكون له حينئذٍ إلتفات إلى الغير وتوجه من طريقه إلى أمر آخر (وأراق دموعهم خوف المحشر) وهول المطلع، فإنّ بين الجنّة والنار عقبة لا يجوزها إلا البكاؤون من
خشية الله كما رواه في «عدّة الذّاعي»(1).
1) وسائل الشيعة 76/7 ح 8773 ، وبحار الأنوار: 165/14 ح 4.
وفيه أيضاً عن الصادق علیه السلام: كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ ثلاث عيون : عين غضت عن محارم الله، وعين سهرت في طاعة الله، وعين بكت في جوف الليل من خشية الله (1).
وعنه علیه السلام :« ما من شيء إلاّ وله كيل أو وزن إلاّ الدّموع فإنّ القطرة تطفىء بحاراً من النّار، فإذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق قتر ولا ذلة ؛ فإذا فاضت حرّمه الله على النّار ولو أنّ باكياً بكى في أمّة الرحموا» (2)
وعن رسول الله صلی الله علیه و آله إذا أحبّ الله عبداً نصب في قلبه نائحة من الحزن فإنّ الله يحبّ كل قلب حزين، وأنّه لا يدخل النّار من بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللّبن إلى الضّرع، وأنّه لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنّم في منخري مؤمن أبداً وإذا أبغض الله عبداً جعل قلبه مزاراً مزماراً من الضّحك، وإنّ الضحك يميت القلب والله لا يحب الفرحين » (3)
وكيف كان (فهم بين شريد نادّ) أي نافر عن الخلق ومنفرد عنهم ومتوحّش منهم إمّا لكثرة أذى الظالمين في الأوطان، لإنكاره المنكر أو لقلة صبره على مشاهدة المنكرات( وخائف مقموع وساكت مكعوم) كأن التّقية سدّت فاه من الكلام (وداع مخلص) الله في دعائه (وثكلان موجع) إمّا لمصابه في الدين أو من كثرة أذى الظالمين .
وفي« البحار» ولعلّ المعنى أنّ بعضهم ترك الأوطان أو مجامع الناس لما ذكر، وبعضهم لم يترك ذلك وينكر منكراً، ثم يخاف ممّا يجري عليه بعد ذلك ومنهم من هو بينهم ولا ينهاهم تقيّة ومعرض عنهم ومشتغل بالدّعاء، ومنهم من هو بينهم بالضّرورة ويرى أعمالهم ولا يؤثر نهيه فيهم فهو كالتكلان الموجع (قد أخملتهم التّقية) من الظالمين (وشملتهم الذّلة) بسببالتّقية منهم (فهم في بحر أجاج).
يعني أنّ حالهم في الدّنيا كحال العطشان في البحر الأجاج يريد عدم انتفاعهم بها وعدم استمتاعهم فيها كما لا يستغني ذو العطاش بالماء المالح (أفواههم ضامزة) أي ساكتة وساكنة من الكلام (وقلوبهم قرحة )من خشية الرّب تعالى أو لكثرة مشاهدة المنكرات مع عدم التمكن من دفعها ورفعها (قد وعظوا حتى ملوا )من الوعظ لعدم التفات الخلق إليهم وعدم تأثير موعظتهم فيهم .
(وقهروا حتّى ذلوا )بين النّاس (وقتلوا حتّى قلّوا )نسبة القتل إلى الجميع مع بقاء البعض من باب إسناد حكم البعض إلى الكل، وهو شائع يقال : بنو فلان قتلوا فلاناً، وإنّما قتله
بعضهم وإذا كان حال كرام النّاس الزّاهدين في الدّنيا ذلك (فلتكن) لكم بهم أسوة حسنة ولتكن (الدنيا) الدنية (في أعينكم أصغر) وأحقر (من حثالة القرظ وقراضة الحلم) وهو أمر للسّامعين باستصغار الدّنيا واسحقارها إلى حدّ لا يكون في نظرهم أحقر منها، والغرض من ذلك تركهم لها وإعراضهم عنها .
قيل : إنّ النّبي صلی الله علیه وآله مرّ على سخلة منبوذة على ظهر الطريق فقال صلی الله علیه وآله : «أترون هذه هيئة على أهلها فوالله الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها»، ثم قال : «الدنيا دار من لا دار له، مال له ولها يجمع من لا عقل له وشهواتها يطلب من لا فهم له وعليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من ، لا فقه ،له ولها يسعى من لا يقين له (1).
(واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم) وهو أمر بالاتعاظ بالأمم السالفة وتنبيه على أنّهم مفارقون للدنيا لا محالة وكائنون عبرة لغيرهم كما أنّ السابقين عليهم صاروا عبرة لهم (وارفضوها ذميمة) أي فارقوا عنها واتركوها حال كونها مذمومة عند العقلاء وأولى البصيرة.
وذلك لزوال نعيمها وفناء سرورها ونفاد صحبتها وانقطاع لذتها (فإنها) لو دام سرورها وبهجتها لأحد لدامت في حق أحبّ الخلق إليها مع أنها لم تدم في حقهم بل (قد رفضت من كان أشغف بها منكم) وتركت من كان أشد حرصاً إليها، وإذا كان طباعها رفض كلّ محبّ فالأولى للعاقل رفضه لها قبل رفضها له .
روي ان عیسی علیه السلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوزة هتماء عليها من كلّ زينة فقال لها كم : تزوّجت؟ قالت لا أحصيهم، قال فكلهم مات عنك أو طلقوك؟ قالت : بل قتلت. قال عيسى علیه السلام : بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كلهم كيف أهلكتهم واحداً واحداً ولا يكونون منك على حذر (2)ولنعم ما قيل:
يا طالب الدنيا يغرّك وجهها***ولتندمن إذا رأيت قفاها
از جمله خطب آن حضرت است که شکایت میکند در آن از اهل زمان خود و می فرماید :
ای مردمان به درستی که ما صباح کرده ایم در روزگار بسیار ستیزه کننده و ستمکار و در زمان بسیار ناسپاس در نعمت آفریدگار که شمرده میشود در او نیکوکار بدکردار و زیاده می کند در آن ستمکار سرکشی و افتخار را و منتفع نمی شویم به آن چه دانسته ایم و سؤال نمی کنیم از آن چه ندانسته ایم و نمی ترسیم از بلاهای خطرناك كه كوبنده دلها است تا این که نازل شود آن بلاها به ما .
پس مردمان دنیا چهار صنفند : یکی از ایشان کسی است که بازنمی دارد او را از فتنه و فساد مرگ رذالت و خاری نفس او و کند بودن تیزی شمشیر او و کمی مال و ثروت او .
دومی از ایشان کسی است که کشنده است شمشیر خود را و آشکار کننده است شرّ خود را و کشنده است سواره و پیاده خود را یعنی اسباب سلطنت و ظلم در حق او مهيا است به تحقیق این مرد مهیا نموده از برای شرارت نفس خود را و تباه ساخته دین خود را از برای متاع دنیا که غنیمت می شمارد آن را یا از برای سوارانی که بکشد ایشان را از برای منبری که بالا میرود بر او و هرآینه بد تجارتی است آن که ببینی دنیا را از برای نفس خودت ثمن و بها و از آن چه مرتورا است در نزد خدای تعالی از نعم آن سرا عوض و سزا.
و سیمی از ایشان کسی است که طلب کند دنیا را به عمل آخرت و طلب نمی کند آخرت را به عمل ،دنیا به تحقیق که این شخص پست کرد تن خود را به جهت اظهار تواضع و نزديك نهاد كام خود را به جهت اظهار وقار و برچید دامن جامه خود را به جهت اظهار احتیا از نجاست و زینت داد نفس خود را برای امانت و دیانت و فراگرفته طریقه خدا را وسیله رفتن به سوی معصیت .
و چهار می از ایشان کسی است که نشانده او را از طلب ملك و مال حقارت نفس او و بریده شدن علاج ،او پس کوتاه ساخته او را حال تنگی او بر حالتی که
اراده نموده از رفعت و مرتبت پس آراسته است خود را به اسم قناعت و پیراسته به لباس اهل زهد و طاعت و حال آن که نیست از اهل قناعت و زهد نه در محل شب و نه در محل روز یعنی در هیچوقت در سلك زاهدان حقیقی نیست بلکه زهد و قناعت او صوری و ظاهری است.
و باقی مانده مردمانی که اهل آخرت هستند که پوشانید چشم های ایشان را از محارم یا از مطلق ماسوی الله یاد کردن بازگشت او نزد خداوند سبحانه و ریخت اشکهای ایشان را ترس روز محشر پس آنها میان رمیده هستند آنها میان رمیده هستند و مطرود شده و ترسنده و مقهور گردیده و خاموش شونده و ممنوع از کلام و دعاکننده با اخلاص و فریاد کننده و رنجور شده .
به تحقیق که افکنده است ایشان را به گوشه خمول تقیه و پرهیزکاری و شامل شده ایشان را ذلت و ،خاری دهنهای ایشان خاموش است از سخن و قلب های ایشان مجروح است از خشية خداوند ،ذوالمنن به تحقیق که موعظه فرمودند تا این که ملول شدند و مقهور گشتند تا این که ذلیل گردیدند و کشته شدند تا این که اندك ماندند .
چون حال روزگار غدار در حق این طایفه عالی مقدار بر این منوال است پس باید که باشد دنیای فانی در نظر شما خارتر از دردی برگ سلم که به آن دباغی می کنند و از ریزهای پشم بز که از مقراض میافتد و نصیحت بپذیرید با کسانی که بودند پیش از شما پیش از آن که پند گیرند با شما آن کسانی که میآیند بعد از شما بگذارید و ترک نمایید متاع دنیا را در حالتی که مذموم است و معیوب نزد اهل دانش و بینش پس به تحقیق كه ترك كرده است دنیا کسی را که حریص تر بود و مایل تر به آن از شما .
قال ابن عباس دخلت على أمير المؤمنين علیه السلام بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت : لا قيمة لها : فقال علیه السلام :
«وَاللهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتَكُمْ إِلا أَنْ أُقِيمَ حَقًّا أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً»، ثم خرج فخطب الناس فقال :
إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتاباً ولا يَدَّعِي نُبُوَّةَ، فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ ، وبَلَغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، فَاسْتَقَامَتْ قَناتُهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ صِفاتُهُمْ، أَما وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَفي ساقَتِها حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَا فِيرِها ما عَجَزْتُ، وَلاَ جَبْنْتُ، وَإِنَّ مَسيري هذا لِمِثْلِها، بِحَذَافِيرِها ولا نقبَنَّ (ولأ بقرنَّ خ) الْباطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ خَاصِرَتِهِ (جنبه خ له)، ما لي وَلِقُرَيْشٍ وَاللهِ لَقَدْ قاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ وَلا قاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ، وإني لصاحِبُهُمْ بِالأَمْسِ كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ» (1).
(ذو قار) موضع قرب البصرة، وهو المكان الذي كان فيه الحرب بين العرب والفرس ونصرت العرب على الفرس وفيه عين يشبه لون مائه القير و (خصف النعل) خرزها وهي مؤنثة سماعيّة و(بوأه) المكان أسكنه فيه و (المنجاة) موضع النّجاة و(القناة) الرمح وهو إذا كانت معوجاً لا يترتب عليه الأثر و(الصفاة) بفتح الصاد الحجر الصلبة الضخم لا ينبت و(الساقة) جمع سائق كالحاكة والحائك ثم استعملت للأخير لأن السائق إنّما يكون في آخر الرّكب أو الجيش (تولت) وفي نسخة الشارح المعتزلي ولت بالواو وكلاهما بمعنى واحد أي أدبرت هارباً و(الحذافير) جمع الحذفار بكسر الحاء وهو الجانب والشريف والجمع الكثير يقال أخذه بحذافيره بأسره أو بجوانبه أو بأعاليه و (ضعف وجبن) بضم العين من باب كرم و(النقب) الثقب وفي بعض النسخ بدل لأنقبن لأبقرن من البقر وهو الشق .
جملة وليس احد (ا ه) حالية (وإن كنت لفي ساقتها) إن بالكسر مخففة من الثقيلة
1) بحار الأنوار: 76/32 ح 50 ، وعبد الله بن سبا : 353/2 .
واسمها محذوف واللام في قوله لفي ساقتها عوض عن المحذوف على حد قوله سبحانه :
(وإن كَانَتْ لَكَبِيرَةٌ ) [البقرة : 143] .
وقيل فصل باللام بين إن المخفّفة وبين غيرها من أقسام إن .
وعن الكوفتين أنّ إن المشدّدة لا تخفف وأن إن في هذه الموارد بمعنى ما النافية ، واللام بمعنى إلا فإذا قلت : إن زيد لمنطلق فمعناه ما زيد إلا منطلق ورد أولاً بأن وقوع اللام بمعنى إلا لم يثبت سماعاً ولا قياساً، وثانياً بأن هذا ينافي أعمالها مع التخفيف وقد حكي عن سيبويه الألم إن عمراً لمنطلق بالنصب وقرأ الحرميان وأبو بكر :
وَإِنَّ كُلَّا لَمَّا لَيُوَفِّيتَهُمْ [هود : 111] . وجملة (ما عجزت) حالية ولمثلها بكسر اللام على ما في أكثر النسخ أو بفتحها على أنّها للتوكيد على ما في بعضها (وما لي ولقريش) استفهام على سبيل إنكار معاندتهم له وجحودهم لفضله، وكافرين ومفتونين منصوبتان على الحال .
إعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة لإظهار أن غرضه من حرب أهل الجمل كان إقامة الحق وإزاحة الباطل وأن حربه معهم جاري مجرى حربه مع الكفار وأهل الجاهلية في زمن الرسول ، ، ولذلك أشار أولاً إلى بعثة الرسول ثم رتب عليها مقصوده فقال: (إنّ الله سبحانه بعث محمداً) صلی الله علیه وآله (وليس أحد من العرب) في زمان بعثه (يقرأ كتاباً ولا يدعي نبوة).
يحتمل أن يكون المراد بالعرب أقلهم، فإنّ أكثرهم لم يكن لهم يومئذ دين ولا كتاب كما مرّ تفصيلاً في الفصل السادس عشر من فصول الخطبة الأولى عند شرح قوله علیه السلام: «وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة» (ا ه) .
وأما على إرادة العموم كما هو ظاهر العبارة فيمكن الجواب بأن الكتاب الذي كان بأيدي اليهود والنصارى حين بعثه لم يكن بالتوراة والإنجيل المنزل من السماء، لمكان التحريف والتغيير الذي وقع فيهما كما يشهد به قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِن الكتب وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) [آل عمران 78] . قال أبو علي الطبرسي في «مجمع البيان» قيل : نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب الله من بعث النبي وغيره وأضافوه إلى كتاب الله ، وقيل : نزلت في
اليهود والنصارى حرّفوا التوراة والإنجيل وضربوا كتاب الله بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه وأسقطوا منه الدين الحنيف .
قال ابن عباس : وكيف كان فالمقصود أنّ النّاس يوم بعث النبي كانوا أهل جاهلية غافلين عن الكتاب والسنة (فساق) صلوات الله وسلامه عليه وآله (الناس حتى بوأهم محلتهم) يعني أنه ضرب الناس بسيفه حتى أسكنهم منزلتهم ومرتبتهم التي خلقوا لأجلها (وبلغهم منجاتهم) التي لا خوف على من كان بها ولا سلامة للمنحرف عنها .
والمراد بهما هو الإسلام والدين وبذلك يحصل النّجاة من النار ويتقي من غضب الجبار ويسكن دار القرار، وذلك هو المراد من خلقة الإنسان وبه يحصل مزيته على سائر أنواع الحيوان (فاستقامت به قناتهم) التي كانت معوجة واطمأنت صفاتهم) التي كانت متزلزلة مضطربة .
قال الشارح البحراني : والمراد بالقناة القوّة والغلبة والدولة التي حصلت لهم مجازاً باب إطلاق السبب على المسبب، فإنّ الرّمح سبب للقوة والشدّة ومعنى إسناد الإستقامة إليها إنتظام قهرهم ودولتهم، ولفظ الصفات استعارة لحالهم التي كانوا عليها .
ووجه المشابهة أنّهم كانوا قبل الإسلام في مواطنهم وعلى أحوالهم متزلزلين لا يقرّ بعضهم بعضاً في موطن ولا على حال بل كانوا أبداً في النهب والغارة والجلاء ، فكانوا كالواقف على حجر أملس متزلزل مضطرب فاطمأنت أحوالهم وسكنوا في مواطنهم (أما والله إن كنت لفي ساقتها) شبه أمر الجاهلية إما بعجاجة ثائرة أو بكتيبة مقبلة للحرب .
فقال : إني طردتها فولت بين يدي ولم أزل في ساقتها أنا أطردها وهي تنفر أمامي (حتى تولت) هاربة (بحذافيرها) ولم يبق منها شيء (ما عجزت) من سوقها (ولا جبنت) من طردها (وأن مسيري هذا لمثلها ) أي لمثل تلك الحال التي كنت عليها معهم في زمن الرسول سوق كتائبهم وطردها من غير ضعف ولا جبن .
(ولأ بقرن الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته) شبه الباطل بحيوان ابتلع جوهراً ثميناً أعزّ منه قيمة فاحتيج إلى شق بطنه في استخلاص ما ابتلع وأراد بذلك تميز الحق من الباطل وتشخيص الصلاح من الفساد (مالي ولقريش) يجحدون فضيلتي ويستحلون محاربتي وينقضون بيعتي (والله لقد قاتلتهم كافرين) بالكفر والجحود (ولأقاتلتهم مفتونين) بالإفتنان والبغي ليرجعوا من الباطل إلى الحق ويفيؤوا إليه .
روي في «الوسائل» عن الحسن بن محمد الطوسي في مجالسه عن أبيه عن المفيد معنعناً عن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : «يا علي إنّ الله قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي كما كتب عليهم كما كتب عليهم الجهاد مع المشركين معي ،
فقلت: يا رسول الله وما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد؟ قال: فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله، وهم مخالفون لسنتي وطاعنون في ديني، فقلت فعلى (ما) نقاتلهم يا رسول الله وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ فقال على إحداثهم في دينهم وفراقهم لأمري واستحلالهم دماء عترتي » (1)هذا .
قال الشارح المعتزلي في شرح قوله ولأقاتلنهم مفتونين إن الباغي على الإمام مفتون ،فاسق وهذا الكلام يؤكد قول أصحابنا إنّ أصحاب صفين والجمل ليسوا بكفار خلافاً للإمامية .
وردّ بأن المفتون من أصابه الفتنة وهي تطلق على الإمتحان والضلال والكفر والإثم والفضيحة والعذاب وغير ذلك، والمراد بالمفتون ما يقابل الكافر الأصلي الذي لم يدخل في الإسلام أصلاً ولم يظهره إذ لا شك في أن من حاربه علیه السلام كافر لقوله : «حربك حربي» وغير ذلك من الأخبار والأدلة .
أقول : المستفاد من كلام الشارح أنّ الإمامية يقولون يكون البغاة كفاراً كسائر الكفار من المشركين ومنكري الرّسالة وسائر ما ثبت ضرورة من دين الإسلام وليس كذلك وإلا لحكموا بجواز سبي ذراريهم وتملك نسائهم وأموالهم الغير المنقولة كسائر الكفار من أهل الحرب مع أنهم قد أجمعوا على عدم جواز شيء من ذلك .
كيف ولو كان بناؤهم على ذلك لم يفصلوا في البغاة بين ذوي الفتنة كأصحاب الجمل ومعاوية وبين غيرهم كالخوارج حيث قالوا في الأوّلين بإجهاز جريحهم واتباع مدبرهم وقتل أسيرهم، وفي الآخرين بوجوب الإكتفاء بتفريقهم من غير أن يتبع لهم مدبر أو يقتل لهم أسير أو يجهز على جريح، ولم يختلفوا أيضاً في قسمة أموالهم التي حواها العسكر، بل حكموا في كل ذلك بحكم الكافر الحربي .
ومما ذكرنا ظهر ما في كلام المورد أيضاً مضافاً إلى ما فيه من أنه لو كان المراد بالمفتون في كلامه علیه السلام هو المرتد عن دين الإسلام على ما فهمه المورد لزم الحكم بعدم قبول توبة أكثر البغاة لو تابوا وبقسمة أموالهم وباعتداد زوجاتهم عدة الوفاة، لأن أكثر أهل البغي قد ولدوا على الفطرة مع أنه لم يحكم أحد بذلك .
وتحقيق الكلام في المقام على ما يستفاد من كلام بعض علمائنا الأبرار وأخبار أئمتنا الأطهار سلام الله عليهم ما تعاقب الليل والنهار هو :
أنّ البغاة محكوم بكفرهم باطناً إلا أنه يعامل معهم في هذا الزمان المسمّى بزمان الهدنة
1) وسائل الشيعة: 61/11 ح 7.
معاملة المسلم الحقيقي، فيحكم بطهارتهم وجواز ملاقاتهم بالرّطوبة وبحل أكل ذبائحهم وحرمة أموالهم وصحة مناكحاتهم إلى غير ذلك من أحكام الإسلام حتّى يظهر الدّولة الحقة عجل الله تعالى ظهورها فيجري عليهم حينئذٍ حكم الكفّار الحربيين .
ويشهد بذلك ما رواه في «الوسائل» بإسناده عن عبد الله بن سليمان قال: قلت لأَبي عبد الله
علیه السلام: إنّ النّاس يروون أن عليّاً قتل أهل البصرة وترك أموالهم فقال: «إنّ دار الشرّك يحلّ ما فيها وأن دار الإسلام لا يحل ما فيها » ،فقال : إنّ عليّاً إنّما منَّ عليهم كما منّ رسول الله صلی الله علیه وآله على أهل مكة، وإنّما ترك عليّ علیه االسلام لأنّه كان يعلم أنّه سيكون له شيعة، وأن دولة الباطل ستظهر عليهم، فأراد أن يقتدى به في شيعته وقد رأيتم آثار ذلك وقد رأيتم آثار ذلك هو ذا يسار في النّاس بسيرة علي ولو قتل علي علیه السلام أهل البصرة جميعاً واتخذ أموالهم لكان ذلك له حلالاً لكنّه منّ عليهم ليمنّ على شيعته من بعده (1).
وعن إسحاق بن عمّار قال : قال أبو عبد الله علیه السلام: «مال النّاصب وكل شيء يملكه حلال إلا امرأته، فإنّ نكاح أهل الشرك جائز»؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبّوا أهل الشّرك فإنّ لكل قوم نكاحاً ولولا أنا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم ورجل منكم خير من ألف رجل منهم لأَمرناكم بقتالهم، ولكن ذلك إلى الأمام» (2).
وعن أبي بكر الحضرمي :قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «السيرة علي في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس إنّه علم أنّ للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته»، قلت: فأخبرني عن القائم يسير بسيرته؟ قال: «لا إن عليّاً سار فيهم بالمن لما علم من دولتهم، وإنّ القائم يسير فيهم بخلاف تلك السّيرة لأنّه لا دولة لهم» (3)
وعن محمّد بن مسلم قال: سألت أباجعفر علیه السلام عن القائم إذا قام بأيّ سيرة يسير في النّاس ؟ فقال : «بسيرة ما سار به رسول الله صلی الله علیه و آله حتّى يظهر الإسلام»، قلت: وما كانت سيرة رسول الله صلی الله علیه و آله ؟ قال : أبطل ما كان في الجاهليّة واستقبل النّاس بالعدل، وكذلك القائم إذا قام يبطل ما كان في الهدنة ممّا كان في أيدي النّاس ويستقبل بهم العدل (4).
وروي عن الدّعائم عن علي علیه السلام أنّه سئل عن الذين قاتلهم من أهل القبلة أکافرون هم ؟قال صلی الله و علیه و آله : «كفروا بالأَحكام وكفروا بالنّعم ليس كفر المشركين الذين دفعوا النبوة ولم يقروا
بالإسلام، ولو كانوا كذلك ما حلت لنا مناكحهم ولا ذبائحهم ولا مواريثهم» (1).
إلى غير ذلك من النّصوص الدالة على جريان حكم المسلمين على البغاة من حيث البغي في زمن الهدنة فضلاً عمّا هو المعلوم من تتبّع كتب السّير والتّواريخ من مخالطة الأئمة عليهم السّلام معهم وعدم التجنب من أسارهم وغير ذلك من أحكام المسلمين، وإن وجب قتالهم إذا ندب عليه الإمام عموماً أو خصوصاً أو ندب عليه المنصوب من قبله علیه السلام لكن ذلك أعمّ من الكفر ويأتي تمام الكلام إن شاء الله تعالى في شرح الكلام المائة والخامسة والخمسين. نعم الخوارج منهم قد اتّخذوا بعد ذلك ديناً واعتقدوا اعتقادات صاروا بها كفّاراً لا من حيث كونهم بغاة، فافهم جيّداً وقوله علیه السلام : (إني لصاحبهم بالأَمس كما أنا صاحبهم اليوم) إشارة إلى عدم تغيّر حالته عن التي بها قاتلهم كافرين، وفيه تهديد لهم وتذكير لشدّة بأسه وسطوته وشجاعته هذا .
وفي نسخة الشّارح المعتزلي بعد قوله صاحبهم اليوم : «والله ما تنقِمُ مِنَّا قُرَيْش إلا أنّ الله
اخْتَارَنا عليهِم فَأَدْخْلنَاهُمْ في خَيرِنا فكانُوا كما قال الأوّل »:
أدمت لعمري شريك المحض صابحاً ***وأكلك بالزبد المقشرة البجرا
ونحن وهبناك العلاء ولم تكن ***علياً وحطنا حولك الجرد والسمرا
أقول : (المحض) اللبن الخالص ،و( الصّابح) والصّبوح ما صلب من اللبن بالغداة وما أصبح عندهم من شراب و (المقشّرة) التّمرة التي أخرج منها نواتها و (البجر) بالضّم الأَمر العظيم والعجب ولعله هنا كناية عن الكثرة أو الحسن أو اللطافة، ويحتمل أن يكون مكان المفعول المطلق يقال بجر كفرح فهو بجر امتلأَ بطنه من اللبن ولم يروّ، وتبجر النّبيذ الحّ في شربه و (الجرد) بالضّم جمع الأجرد، ،د وهو الفرس الذي دقت شعرته وقصرت وهو مدح و (السّمر) جمع الأسمر وهو الرّمح .
يأتي إن شاء الله رواية هذه الخطبة في الكتاب بطريق آخر ،وهي الخطبة المائة والثّالثة، ونوردها بطريق ثالث في الشرح ثمّة فانتظر.
روى الشّارح المعتزلي عن أبي مخنف عن الكلبي عن أبي صالح عن زيد بن علي عن
1) دعائم الإسلام : 388/11 ، ومستدرك الوسائل : 66/11 ح 12440 .
ابن عباس قال: لما نزلنا مع علي علیه السلام ذا قار قلت: يا أمير المؤمنين ما أقل من يأتيك من أهل الكوفة فيما أظن؟ فقال :« والله ليأتيني منهم ستّة ألاف وخمسمائة وستون رجلاً لا يزيدون ولا ينقصون »قال ابن عبّاس فدخلني والله من ذلك شكّ شديد في قوله ،وقلت في نفسي والله إن قدموا لأَعدّنهم .
قال أبو مخنف فحدّث ابن إسحاق عن عمه عبد الرّحمن بن يسار قال: نفر إلى علي
إلى ذي قار من الكوفة في البر والبحر ستّة ألاف وخمسمائة وستّون رجلاً، وأقام علي علیه السلام بذي قار خمسة عشر يوماً حتّى سمع صهيل الخيل وشجيج البغال حوله .
قال : فلما سار منقلة قال ابن عباس : والله لأعدّتهم فإن كانوا كما قال وإلا أتممتهم من غيرهم فإنّ النّاس قد كانوا سمعوا قوله قال : فعرضهم فوالله ما وجدتهم يزيدون رجلاً ولا ينقصون رجلاً فقلت : الله أكبر صدق الله ورسوله، ثم سرنا (1).
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي: 187/2 ، ونهج السعادة : 277/1 .
از جمله خطب آن حضرت است که فرموده هنگام رفتن او به محاربه اهل بصره گفت عبدالله بن عباس که داخل شدم بر امیرالمؤمنین در منزل ذی قار و آن حضرت میدوخت نعلین خود را گفته
پس به من کهای ابن عباس چیست قیمت این نعل؟ من عرض کردم که قیمت ندارد و به چیزی نمی ارزد فرمود به خدا سوگند که این نعل محبوب تر است به سوی من از امارت در میان شما مگر این که اقامه نمایم حقی را یا برطرف سازم باطلی را پس آن حضرت بیرون تشریف آورد پس خطبه خواند از برای مردم ، پس فرمود:
به درستی که خداوند تعالی مبعوث فرمود محمد بن عبدالله صلوات الله سلامه علیه را در حالتی که نبود هیچ احدی از عرب که کتاب بخواند و نه شخصی که دعوی نبوت نماید پسراند حضرت رسالت مردم را تا این که ساکن فرمود ایشان را در منزل ایشان و رسانید ایشان را در محل رستگاری ،ایشان پس راست شد نیزههای ایشان و آرام گرفت سنگ هموار ایشان.
مقصود انتظام دولت ایشان است و آسودگی بلاد ایشان به خدا سوگند به درستی که بودم در میان مردمانی که رانندگان عساکر خصم بودند تا این که پشت برگرداند لشکر خصم و روبر فرار نهادند تماماً در حالتی که عاجز نشدم و ترسناك نگشتم و به درستی که این سیر و حرکت من به قتال اهل به ه هر آینه مثل آن حالت سابقه است که بودم بر آن از دلیری و شجاعت.
پس هر آینه میشکافم باطل را تا این که بیرون آید حق از شکم ،او چیست مرا و قریش را که بیعت مرا شکستند و فضیلت مرا انکار کردند به خدا سوگند که مقاتله کردم با ایشان در حالتی که کافر بودند و مقاتله میکنم با ایشان در حالتی که مفتون هستند و به درستی که من مصاحب ایشان بودم دیروز همچنان که مصاحب ایشانم امروز و تفاوت در حالت من نبوده.
خطب بها بعد فراغه من قتال الخوارج على ما تعرفه تفصيلاً إن شاء الله .
«أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَيْمْتُ عِتابَكُمْ، أَرَضِيتُم بِالْحَيوةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ عِوَضاً، وبالذُّلِّ مِنَ الْعِز خَلَفاً، إِذا دَعَوْتُكُمْ إِلى جِهادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أُغَيْنَكُمْ كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ في غَمْرَةٍ، ومِنَ الذُّهُولِ في سَكْرَةٍ، يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حِواري فَتَعْمَهُونَ، فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةً فَأَنْتُمْ لا تَعْقِلُونَ ما أَنتُمْ لي بِثِقَةٍ سَجيسَ اللَّيالي وما أَنتُمْ بِرُكن يُمالُ بِكُمْ، وَلا زَوافِرِ عِزّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلِ ضَلَّ رُعاتُها فَكُلَّما جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللَّهِ سَعْرُ نارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ تُكَادُونَ ولا تكيدُونَ، وتُنتَقَصُ أَطرافُكُمْ فَلا تَمْتَعِضُونَ، لاَ يُنامُ عَنكُمْ وأَنْتُمْ فى غَفْلَةٍ سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَخاذِلُونَ.
وَأَيْمُ الله إنّي لأظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَعَى وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ قَد انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طالب انْفِراجَ الرَّأْسِ، وَاللهِ إِنَّ امْرَءَ يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِه يَعْرُقُ لَحْمَهُ ويَهْشِمُ عَظَمَهُ وِيَفْرِي جِلْدَهُ، لَعَظيمَ عَجْزَهُ، ضَعِيفٌ ما ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوانِحُ صَدْره ، أَنْتَ فَكُنْ ذاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِي ذلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّة تَطيرُ مِنْهُ فَراشُ الْهَامِ، وَتَطيح السَّواعِدُ والأَقدامُ، وَيَفْعَلُ الله بَعْدَ ذلِكَ ما يَشاءُ .
أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ لي عَلَيْكُمْ حَقًّا، ولَكُمْ عَليَّ حَقٌّ، فَأَمَا حَقَّكُمْ عَليَّ فَالنَّصيحَةُ لَكُمْ ، وتَوْفِيرُ فَيْنِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ، كَي لا تَجْهَلُوا، وتأديبُكُمْ كَيْما تَعْلَمُوا، وأَما حَتّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفاءُ بِالْبَيْعَةِ وَالنَّصيحَةُ في المَشْهَدِ وَالْمَغيب، والإجابة حينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حينَ أَمْرُكُمْ» (1).
(أ فّ) بالضم والتشديد والتنوين كلمة تضجر ولغاتها أربعون و (سئم) الشيء يسام كفرح ساماً وسأمة ملّ و (الغمرة) الشدة، وغمرات الموت سكراته التي يغمر فيها العقل و (السكر) بالفتح ضدّ الصّحو والاسم بالضم وسكرة الموت شدته وغشيته و (رتج) كفرح استغلق عليه الكلام كارثج عليه بالبناء للمفعول ( والحوار ) بالكسر المحاورة والمخاطبة.
و (عمه) الرّجل كعلم إذا تحير في الضلال وتردّد في المنازعة) و (الألس) بسكون اللام الجنون واختلاط العقل و (سجيس الليالي) كلمة يقال للأبد تقول لا أفعله سجيس الليالي أي
1) نهج البلاغة : 84/1 ، والغارات : 38/1.
أبداً ومثلها سجيس الأوجس وسجيس عجيس و (الزوافر) جمع زافرة وزافرة الرّجل أنصاره وعشيرته و (الإبل) اسم جمع و (سعر نار الحرب) جمع ساعر وأسعار النار وسعرها إيقادها و
(الإمتعاض) الغضب و (حمس) کفرح اشتد .
وأصل (الوغى) الصوت والجلبة وأطلق على الحرب لما فيها من الأصوات والجلبة و عرق اللحم كنصر أكله ولم يبق منه على العظم شيئاً و (هشم) العظم كضرب كسره و (فريت) الشيء قطعته و (الجوانح) الأضلاع التي تحت الترائب وهي مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر.
و (ما ضمت عليه) هو القلب و (المشرفية) بفتح الميم والرّاء سيوف منسوبة إلى مشارف اليمن و (فراش الهام) بالفتح العظام الرقيقة التي تلي القحف و (طاح) يطيح أي سقط .
عوضاً وخلفاً نصبهما على التمييز، وجملة يرتج عليكم حالية، وسجيس الليالي منصوب على الظرفية، وزوافر في أكثر النسخ بالجرّ عطفاً على المجرور، وفي بعضها بالنصب عطفاً على الظرف أعني بركن، وقوله : لبئس لعمر الله اللام جواب القسم والتكرير للتأكيد، والعمر بالفتح العمر وهو قسم ببقاء الله سبحانه، وأيم مخفف أيمن وهو جمع يمين أي أيم الله قسمي .
وقوله : أن لو حمس الوغى أن بفتح الهمزة مخففة من الثقلية اسمها ضمير شأن، وجملة: لو حمس (آه) خبرها، وهي مع اسمها وخبرها قائمة مقام مفعولي أظن ولعظيم عجزه خبر إن واللام للتأكيد، والجمل بين الاسم والخبر منصوب المحل إلا أن انتصاب الأولى ، على الوصفية والثلاث الأخيرة على الحالية من مفعول يمكنّ .
وقوله: فأما أنا مبتدأ، وضرب بالمشرقية خبره من باب زيد عدل وقوله : كيلا تجهلوا كي إما تعليلية وأن مضمرة بعدها أو مصدرية واللام مقدّرة ،قبلها ومثله في الإحتمالين قوله سبحانه: (كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ) [الحشر : 7] وقوله : كيما تعلموا كي تعليلية وما إما مصدرية أو كافة ومثله في الاحتمالين قوله :
إذا أنت لم تنفع نفع فضرّ فإنّما***يرجى الفتى كيما يضرّ وينفع
إعلم أن أمير المؤمنين علیه السلام ، خطب بهذه الخطبة بعد فراغه من أمر الخوارج، روي أنه قام بالنهروان فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإنّ الله قد أحسن نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوّكم من أهل الشام فقاموا إليه وقالوا له: يا أمير المؤمنين قد نفدت نبالنا
وكلت سيوفنا إرجع بنا إلى مصرنا لنصلح عدتنا، ولعلّ أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا لنستعين به فأجابهم :
(يقوم ادْخُلُوا الْأَرْضَ المُقَدَّسَةَ التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدبار كه فتنقلبوا خَسِرِينَ) [المائدة: 21] .
فتلكؤوا عليه وقالوا : إنّ البرد شديد فقال : إنّهم يجدون البرد كما تجدون فتلكؤوا وأبوا؛ فقال : أفّ لكم إنها سنة جرت ثم تلا قوله تعالى :
(قَالُوا يَمُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا داخلون) [المائدة : 22] خ ل .
فقام ناس منهم واعتذروا بكثرة الجراح في النّاس وطلبوا أن يرجع بهم إلى الكوفة أياماً ثم يخرج، فرجع بهم غير راض وأنزلهم النخيلة وأمر النّاس أن يلزموا معسكرهم ويقلوا زيارة أهلهم وأبنائهم حتى يسير بهم إلى عدوهم.
فلم يقبلوا ودخلوا الكوفة حتى لم يبق معه من النّاس إلا رجال من وجوههم قليل وبقي المعسكر خالياً فلا من دخل الكوفة رجع إليه ولا من أقام معه صبر، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس فقال :
«أيها النّاس استعدّوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده قوم حيارى عن الحق لا ينصرونه مورغين بالجور والظلم لا يعدلون به وجفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان ويتمكعون في غمرة ،الضلالة فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلاً» (1).
فلم ينفروا فتركهم أياماً ثم خطبهم فقال : (أف لكم لقد ستمت) ومللت (من عتابكم) بما لا أرتضيه من أفعالكم وأقوالكم وكثرة تثاقلكم عن قتال خصومكم (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً) حيث تركتم الجهاد حباً للبقاء ورغبة إلى الحياة، ورغبتم عما يترتب عليه من الثمرات الأخروية من الدرجات الرّفيعة والرحمة والمغفرة .
مضافة إلى ما فيه من فضله على الأعمال وفضل عامله على العمال، إذ به يدفع عن الدين، ويستقام شرع سيد المرسلين و به اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنّة مفلحاً منجحاً (وبالذل من العز خلفاً) حيث إنّ قعودكم عن الجهاد مستلزم لطمع العدو فيكم وقصد بلادكم والإستيلاء عليكم واستباحة دمائكم وأموالكم وسبي ذراريكم وقد مضى في شرح الخطبة السابعة والعشرين ما يوجب زيادة توضيح المقام .
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي : 194/2.
ثم إنه علیه السلام بعد توبيخهم وتبكيتهم على سوء أفعالهم أشار إلى حالتهم التي كانوا عليها حين دعوتهم إلى الجهاد بقوله : (إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم) تحيرتم وتردّدتم بين النهوض إلى العدوّ والقعود عنه جبناً وخوفاً ف(دارت أعينكم) من شدة الخوف (كأنكم من الموت في غمرة و) شخصت أبصاركم كأنكم (من الذهول) والغفلة (في سكرة) كما قال سبحانه :
(فإذا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعِيْنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) [الأحزاب: 19].
وهو الذي قرب من حال الموت وغشيته أسبابه فيذهل ويذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف ؛ وكذلك هؤلاء تشخص أبصارهم وتحار أعينهم من شدة الخوف (يرتج عليكم حواري) ويغلق عليكم خطابي (فتعمهون) في الضلال وترددون في الشخوص إلى القتال فكأن قلوبكم مألوسة وأفئدتكم مجنونة (فأنتم لا تعقلون) ما أقول ولا تفقهون صلاح الأمر (ما أنتم لي بثقة) أثق بكم وأعتمد عليكم وأتقوى بكم على أعدائي .
(سجيس الليالي) لكثرة ما شاهدت فيكم من كذب الوعد وخلف العهد (وما أنتم بركن يمال بكم) ويستند إليكم (ولا زوافر عز) يعتصم بكم و (يفتقر إليكم) لما فيكم من الذل والفشل والعجز والرذالة، (ما أنتم إلا ك) عجاجة (إبل) أو قطعية غنم (ضل رعاتها فكلما جمعت من جانب انتشرت من) جانب (آخر).
وذلك من أجل ما فيكم من اختلاف الأهواء وتشتت الآراء المانع من اجتماعكم على ما فيه نظم أمر المعاش وصلاح حال المعاد (لبئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم) مع ما فيكم من الفشل والخوف مضافاً إلى سوء الرأي وضعف التدبير وبذلك أنتم تكادون ولا تكيدون ويمكر بكم عدوكم ولا تمكرون.
(وتنتقص أطرافكم) ونواحي بلادكم بإغارة العدو عليها وقتل خيار أهلها وإحداث الخراب فيها (فلا) تغضبون ولا (تمتعضون لا ينام عنكم) العيون (وأنتم في غفلة ساهون غلب الله المتخاذلون) المتثاقلون وأنتم منهم فستغلبون وتقهرون (وأيم الله إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى و) اشتدت الهيجاء (استحر الموت) واستعر القتل (قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرّأس) وتفرّقتم عنه تفرقاً لا رجوع بعده أبداً .
وانفراج الرأس مثل أوّل من تكلم به على ما قيل أكثم بن صيفي في وصية له يا بني لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرّأس فإنّكم بعد ذلك لا تجتمعون على عزّ وفي معناه أقوال:
الأوّل: ما ورد عن ابن دريد وهو إنّ الرّأس إذا انفرج عن البدن لا يعود .
الثاني : ما عن ورد المفضل أن الرّأس اسم رجل ينسب إليه قرية من قرى الشام يقال لها بيت الرأس تباع فيها الخمر وهذا الرّجل قد انفرج عن قومه ومكانه فلم يعد، فضرب به المثل .
الثالث: أنّ الرّأس إذا انفرج بعض عظامه من بعض كان بعيداً عن الإلتئام والعود إلى الصحة.
الرابع : ما ورد عن القطب الراوندي وهو أنه أراد به انفرجتم عني رأساً أي قطعاً، ورده الشارح المعتزلي بأن رأساً لا يعرف .
الخامس : ما ورد عنه أيضاً من أن المعنى انفراج رأس من أدنى رأسه إلى غيره، ثم حرف رأسه عنه، ورده الشارح أيضاً بأنه لا خصوصية في الرأس في ذلك، فإن اليد والرّجل إذا أدنيتهما من شخص، ثم حرفتهما عنه فقد تفرّج ما بين ذلك العضو وبينه، فأي معنى لتخصيص الرّأس بالذكر .
السادس: أنّ المعنى انفراج من يريد أن ينجو برأسه .
السابع :أن المراد انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع، فإنّه حينئذ يكون في غاية الشدة نظير قوله في موضع آخر : انفراج المرأة عن قبلها .
الثّامن : أنّ الرّأس الرّجل العزيز لأنّ الأعزاء لا يبالون بمفارقة أحد، وعلى أي تقدير فالمقصود شدّة تفرّقهم عنه علیه السلام (والله أن امرء يمكن عدوه من نفسه) حال كونه (يعرق لحمه) ويأكله (ويهشم عظمه) ويكسره (ويفري جلده) ويقطعه أي يسلّط عدوه عليه بالنهب والأسر
والإستئصال العظيم عجزه) و (ضعيف ما) يعني قلبه الذي (ضمت عليه جوانح صدره).
ثم خاطبهم بخطاب مجمل من غير تعيين للمخاطب تقريعاً وتنفيراً لهم عما يلزمهم من الأحوال الرّدية بتمكينهم العدو من أنفسهم فقال :(أنت فكن ذاك إن شئت) أي أنت أيها الممكن من نفسه والمسلط له عليه كن ذاك المرء الموصوف بالعجز والجبن والضعف .
ويأتي في «رواية الأمالي» وكتاب الغارات أن المخاطب بذلك هو الأشعث ولا بأس بأن يكون الخطاب ،له والمقصود عمومه لكل من أمكن العدو تنفيراً وتوبيخاً وتبكيتاً، (فأما أنا فوالله) لا أتحمل ذلك التخاذل ولا أحتمل أن أمكن عدوي من نفسي وأسلطه علي يفعل ما يشاء ويريد و (دون أن أعطي ذلك ضرب) بالسيوف (المشرفية) الذي (تطير منه فراش الهام وتطيح) به (السواعد والأقدام ويفعل الله بعد ذلك) الجهاد والمناجزة (ما يشاء) من جعل الغلبة لي أو للعدو على ما تقتضيه الحكمة البالغة والمصلحة الكاملة.
(أیّها الناس إنّ لي عليكم حقاً) يجب عليكم القيام به (ولكم علي حق) مثله (فأما حقكم) الذي (علي ف) أمور أربعة .
الأول: (النصيحة لكم) في السر والعلانية وحثكم على محاسن الأخلاق ومكارم الآداب
وترغيبكم على ما فيه حسن الثواب في المعاش والمآب (و) الثاني (توفير فيتكم عليكم) وتفريقه فيكم بالقسط والعدل من دون جيف فيه وميل (و) الثالث (تعليمكم) ما فيه صلاح
حالكم في المعاش والمعاد (كيلا تجهلوا (و) الرابع (تأديبكم) بالأداب الشرعية (كيما تعلموا
وتعملوا .
(وأما حقي) الذي ( عليكم ف) أربعة أيضاً الأول (الوفاء بالبيعة) الذي هو أهم الأمور و به حصول النظام الكلي (و) الثاني (النصيحة) لي (في المشهد والمغيب) والذب عني في الغيبة والحضور (و) الثالث (الإجابة) لدعائي ( حين أدعوكم من غير تثاقل فيه وتوان وفتور (و) الرابع (الطاعة) لأمري (حين (أمركم) والإنتهاء عن تهيي حين أنهاكم.
وغير خفي أنّ منفعة هذه الأمور أيضاً عائدة إليهم في الحقيقة إما في الدنيا وإما في الآخرة إذ قيامهم بها يوجب انتظام الحال وحسن المآل ؛ ومخالفتهم فيها يوجب خذلان الدنيا وحرمان الآخرة واختلال الحال مع شدة النكال .
قيل : أكد الأسباب في تقاعد الناس عن أمير المؤمنين أمر المال فإنّه علیه السلام لم يكن يفضل شريفاً على مشروف، ولا عربياً على عجمي ولا يصانع الرؤساء وأمراء القبائل كما يصنع الملوك، ولا يستميل أحداً إلى نفسه وكان معاوية بخلاف ذلك فترك الناس عليّاً والتحقوا بمعاوية، فشكي علي علیه السلام إلى الأشتر تخاذل أصحابه وفرار بعضهم إلى معاوية .
فقال الأشتر : يا أمير المؤمنين إنا قاتلنا أهل البصرة وأهل الكوفة ورأي الناس واحد وقد اختلفوا بعد وتعادوا وضعفت النية وقل العدد وأنت تأخذهم بالعدل وتعمل فيهم بالحق وتنصف الوضيع من الشريف، فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع، فضجت طائفة ممّن معك إذ عموا به واغتموا من العدل إذ صاروا فيه .
ورأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا وقل من ليس للدنيا بصاحب وأكثرهم يحتوي الحق ويشتري الباطل ويؤثر الدنيا، فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين يميل إليك أعناق الرّجال وتصفو نصيحتهم لك، ويستخلص وذهم صنع الله لك يا أمير المؤمنين وكبت أعداءك وفرق جمعهم وأوهن كيدهم وشتت أمورهم إنّه يما يعملون خبير.
فقال علي علیه السلام : «أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإنّ الله يقول :
(مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) [فصلت: 46] .
وأنا من أن أكون مقصراً فيما ذكرت أخوف .
وأما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك، فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور ولا لجأوا إذا فارقونا إلى عدل ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها، وليسألن
يوم القيامة : الدّنيا أرادوا أم لله عملوا .
وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نؤتي امراً من الفيء أكثر من حقه وقد قال الله سبحانه وقوله الحق :
(كم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّبِرِينَ) [البقرة: 249].
وقد بعث الله محمد صلی الله علیه وآله ليلا فكثره بعد القلة وأعزّ فئته بعد الذلة، وإن يرد الله أن يولينا هذا الأمر يذلل لنا صعبه ويسهل لنا حزنه وأنا قائل من رأيك ما كان الله عزّ وجلّ رضا وأنت من آمن الناس عندي وأنصحهم لي وأوثقهم في نفسي إن شاء الله» (1).
أقول : ويؤيد ذلك ما رواه الكليني في كتاب الروضة من الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن مولى الأمير المؤمنين سأله مالا فقال يخرج عطائي فأقاسمك هو «عطائي خ ل » فقال : لا أكتفي وخرج إلى معاوية فوصله فكتب إلى أمير المؤمنين علیه السلام يخبره بما أصاب من المال، فكتب إليه أمير المؤمنين صلوات الله عليه :
«أما بعد، فإن ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك وهو صائر إلى أهل بعدك، وإنما لك منه ما مهدت لنفسك فأثر نفسك على صلاح ولدك، فإنّما أنت جامع لأحد رجلين إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقى بما جمعت له، وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ولا تبرد له على ظهرك، فارج لمن مضى برحمة الله، وثق لمن بقي برزق الله».
وفي «الروضة» أيضاً عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن يعقوب بن يزيد عن محمّد بن جعفر بن جعفر العقبي رفعه قال : خطب أمير المؤمنين علیه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
«أيها النّاس إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أمة وإنّ النّاس كلهم أحرار، ولكن الله خوّل بعضكم فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا یمن به على الله جل وعزّ إلا وحضر شيء، ونحن مسوّون فيه بين الأسود والأحمر».
فقال مروان لطلحة والزبير : أراد بهذا غير كما قال فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطي رجلاً من الأنصار ثلاثة دنانير، وجاء بعده غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الأنصار يا أمير المؤمنين : هذا غلام أعتقته بالأمس تجعلني وإياه سواء؟ فقال: إنّي نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً (2).
وفي «شرح المعتزلي» عن هارون بن سعد قال: قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلي علیه السلام يا أمير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فوالله ما لي نفقة إلا أن أبيع دابتي، فقال علیه السلام : «لا والله ما أجد لك شيئاً إلا أن تأمر عمك يسرق فيعطيك» (1).
وعن علي بن يوسف المدائني أن طائفة من أصحاب علي مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، واستمل من تخاف خلافه من النّاس وفراره وإنّما قالوا له ذلك لما كان معاوية يصنع في المال .
فقال لهم : «أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور، لا والله لا أفعل ما طلعت شمس وما لاح في السماء نجم، والله لو كان المال لي لسَاوَيْتُ بينهم فكيف، وإنما هي أموالهم» ، ثم سكت طويلاً واجما (2)، ثم قال: «الأمر أسرع من ذلك قالها ثلاثاً» (3).
ويأتي رواية هذا الكلام في الكتاب إن شاء الله من السيد بنحو آخر وهو المائة والسادس والعشرون من المختار في باب الخطب .
إعلم أن هذه الخطبة رواها المحدث المجلسي في «المجلد السابع عشر» من البحار من كتاب «مطالب السؤول» لمحمّد بن طلحة إلى قوله : ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء، وروى فقراتها الأخيرة السيد المحدّث البحراني في كتاب «غاية المرام» من كتاب سليم بن قيس الهلالي في ضمن حديث طويل، ورواها المحدث المجلسي أيضاً في «المجلد الثامن» من «البحار» من كتاب سليم بن قيس الهلالي أيضاً، وسيأتي نقل تلك الزواية في التذييل الثاني من تذييلي الكلام السابع والثلاثين ورواها فيه أيضاً من كتاب الغارات بزيادة ونقصان أحببت روايتها هنا على ما هو دأبنا في هذا الشرح .
فأقول في «البحار» من كتاب الغارات بإسناده عن جندب، ومن مجالس المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن محمد بن إسماعيل عن زيد بن المعدل عن يحيى بن صالح عن الحرث بن حصيرة عن أبي صادق عن جندب بن عبد الله الأزدي قال : سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام يقول لأصحابه وقد استنفرهم أياماً إلى الجهاد فلم ينفروا :
«أيها الناس إنّي قد استنفرتكم فلم تنفروا، ونصحت لكم فلم تقبلوا فأنتم شهود كأغياب، وصم ذووا أسماع ، أتلو عليكم الحكمة، وأعظكم بالموعظة الحسنة، وأحثكم على جهاد عدوكم الباغين، فما آتي على أخر منطقي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ، فإذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقاً عزین.
تضربون الأمثال وتناشدون الأشعار وتسألون الأخبار، قد نسيتم الإستعداد للحرب، وشغلتم قلوبكم بالأباطيل تربت أيديكم أغزوا القوم من قبل أن يغزوكم فوالله ما غزي قوم قط في عقر ديارهم إلا ذلوا .
وأيم الله ما أراكم تفعلون حتى يفعلون، ولوددت أني لقيتهم على نيتي وبصيرتي فاسترحت من مقاساتكم فما أنتم إلا كإبل جمة ضلّ راعيها فكلما ضمّت من جانب انتشرت من جانب آخر، والله لكأني بكم لو حمس الوغى وأحم البأس قد انفرجتم عن علي بن أبي طالب انفراج الرّأس وانفراج المرأة عن قبلها.
فقام إليه أشعث بن قيس الكندي فقال له: يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما فعل ابن عفان ؟
فقال له : «يا عرف النار ويلك إن فعل ابن عفّان لمخزاة على من لا دين له ولا فكيف وأنا على بينة من ربي؟ الحق في يدي والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه يخذع لحمه و بهشم عظمه ويفري جلده ويسفك دمه لضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره أنت فكن كذلك إن أحببت فأما أنا فدون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفي يطير منه فراش الهام و تطيح منه الأكف والمعاصم ويفعل الله بعد ما يشاء».
فقام أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد صاحب منزل رسول الله صلی الله علیه وآله فقال : أيها الناس إن أمير المؤمنين قد أسمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم بكرامة لم تقبلوها حق ،قبولها إنّه نزل بين أظهركم ابن عمّ نبيّكم وسيّد المسلمين من بعده يفقهكم في الدين ويدعوكم إلى جهاد المحلسين .
فكأنّكم صمّ لا تسمعون أو على قلوبكم غلف مطبوع عليها فأنتم لا تعقلون أفلا تستحيون عباد الله أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس قد شمل البلاء وشاع في البلاد قد دحق محروم وملطوم وجهه وموطوة بطنه ويلقى بالعراء تسفي عليه الأعاصير لا يكنه من الحز والقز وصهر الشمس والصّح إلا الأثواب الهامدة وبيوت الشّعر البالية.
حتى جاءكم الله بأمير المؤمنين علیه السلام فصدع بالحق ونشر العدل وعمل بما في الكتاب يا قوم فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تولوا مدبرين؛ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا بعنا وهم يسمعون اشحذوا السيوف ؛ واستعدوا لجهاد عدوكم، فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم
فاسمعوا وأطيعوا وما قلتم فليكن ما أضمرتم عليه تكونوا بذلك من الصادقين (1).
از جمله خطب آن حضرت است در طلب خروج مردمان به محاربه اهل شام که می فرماید:
اف و پریشانی باد مر شما را به تحقیق که من ملول شدم از عتاب کردن شما آیا راضی شدید به زندگانی دنیا از حیثیت عوض شدن در آخرت؟ و به ذلت از حیثیت بدل بودن از عزت؟ هر وقت که شما را دعوت میکنم به جنگ دشمنان ،خودتان چشمهای شما میگردد به منزله این که شما از شدت مرگ در گرداب سخت افتاده اید و در غفلت و مدهوشی فرورفته،اید در حالتی که بسته میشود بر شما خطاب کردن با من .
پس متحیر و سرگردان می مانید در سخن گفتن و گویا قلبهای شما مجنون است و دیوانگی عارض او شده پس شما عقل ندارید و نمی فهمید و نیستید شما از برای من معتمد و محل وثوق ابداً و نیستید شما رکنی که میل شده باشد به شما در دفع اعداء و نیستید یاری دهندگان عزت که احتیاج پیدا شود به شما نیستید مگر به منزله شترانی که گمشده باشد راعیان ایشان پس هرگاه جمع کرده شوند آن شترها از طرفی پراکنده میشوند به طرف دیگر .
قسم به بقای خدا که به زبانهای آتش حربيد شما مكر کنند به شما می دشمنان و شما مکر نمی کنید به ایشان و نقصان می پذیرد اطراف بلاد شما به نمیکنید جهت قتل و غارت اعداء و شما غضب و خشم نمیگیرید از بی غیرتی و بی حمیتی خواب کرده نمیشود از شما یعنی دشمن ها جهت کشتن شما چشم بالای هم نمیگذارند و شما در خواب غفلت حیرانید و مغلوب شدند به خدا سوگند فروگذارندگان حرب با دشمنان .
1) الغارات : 498/2 ، والغدير : 125/9 .
و سوگند به حق خدا به درستی که گمان می برم به شما آن که سخت شود کار جنگ و گرم گردد معرکه مرگ جدا می شوید از پسر ابی طالب جدا شدن سر از بدن، قسم به ذات خدا به درستی مردی که متمکن سازد دشمن خود را از نفس خود در حالتی که به خورد آن دشمن گوشت او را و بشکند استخوان او را و پاره پاره کند پوست او را ،هر آینه بزرگ است عجز آن مرد و سست است آن چیزی که فراهم آورده شده است بر آن چیز جوانب سینه او .
يعني ضعيف القلب و جبان است پس تو باش مثل این عاجز کاهل اگر خواهی متّصف باشی به این صفات ،پس اما من به حق خدا که متحمل این نمی شوم و نزد این حال که بدهم به دشمن تمکین و تسلط را ،پس زدنی است به شمشیر مشرفی که بپرداز و کاسه سر و تباه شود از او ساعدها و قدم ها و می کند خداوند بعد از این حال آن چیزی را که بخواهد به مقتضای حکمت بالغه خود.
ای مردمان به درستی که مرا بر شما حقی است و شما راست بر من حقی، پس اما حق شما بر من پس نصیحت کردن من است بر شما در نهان و آشکار و تمام کردن غنیمت شماست بر شما و و تعلیم دادن است بر شما تا این که جاهل نشوید و ادب دادن است بر شما تا این که عالم شوید و عمل نماييد و اما حق من بر شما پس وفا کردن شما است بر بیعت و اخذ نصیحت است در حضور و غیبت و جواب دادن است در زمانی که خوانم شما را و فرمان برداری نمودن است در زمانی که فرمایم شما را ، والله أعلم بالصّواب.
«الْحَمْدُ للهِ وَإِنْ أتى الدَّهْرُ بالخَطب الفادح وَالْحَدَثِ الْجَليل ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلاَّ الله لَيْسَ مَعَهُ إِلهُ غَيرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلِه .
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النّاصِحِ الشَّفيقِ الْعالِم الْمُجَرَّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وتُعَقِّبُ النَّدامَةَ ، وقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ في هذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْري ، ونَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأيي، لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرِ أَمْرُ، فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِباء المخالفينَ الْجُفاةِ، وَالْمُنابِذِينَ الْعُصاةِ، حَتَّى ارتابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِه، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِه، فَكُنتُ وإِيَّاكُمْ» كَما قالَ أَخو هَوازِنَ :
أَمَرْتَكُمْ أَمْرِي بِمُتَعَرِجِ الَّلِوى ***فَلَمْ تَسْتَبينوا النُّصْحَ إِلا ضُحَى الغَدِ (1)
(الخطب) الأمر العظيم و( الفادح) التقيل من فدحه الدّين إذا أثقله و (المجرب) قال الجوهري : الذي قد جربته الأمور وأحكمته، فإن كسرت الرّاء جعلته فاعلاً إلا أنّ العرب تكلمت به بالفتح و (نخل) الشيء إذا صفّاه، ومنه نخل الدقيق بالمنخل و (الجفاة) جمع الجافي وهو الذي خشن طبعه و (النبذ) طرحك الشيء أمامك ووراءك أو عام ومنه قوله سبحانه :
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَدَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ [البقرة: 101].
و (الزَند) العود الذي يقدح به النّار وهو الأعلى والسّفلى الزّندة بالهاء والجمع زناد مثل سهم وسهام و ((هوازن) قبيلة و (منعرج) الوادي اسم فاعل حيث يميل يمنة ويسرة من انعرج الشيء انعطف و (اللوى) كإلى ما التوى من الرّمل.
إضافة المخزون إلى رائي من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف ،قوله :لو كان يطاع لقصير ،أمر كلمة لو إما للتّمنّي على ما ذهب إليه بعضهم في قوله سبحانه :
(لَوْ أَنََّ لَنَا كَرَة) [البقرة : 167] .
1) نهج البلاغة : 86/1 ، وبحار الأنوار: 322/33.
ولا تحتاج حينئذٍ إلى الجواب أو إلى حرف شرط ، والجواب محذوف بقرينة المقام، والقصير اسم رجل يضرب به المثل لكلّ ناصح عصي لقضّته التي يأتي إليه الإشارة، وتقدير الكلام لو كان يطاع لي أمر أي لو أطعتموني لما أصابتكم حسرة وندامة إلاّ أنكم أبيتم عليّ إباء المخالفين فحلّت بكم النّدامة وصرت وإيّاكم كما قال أخو هوازن (الخ)، هذا .
وتقدير الجواب بما ذكرناه أولى ممّا قدره الشّارح البحراني حيث قال : والتّقدير إنّي أمرتكم أمري في هذه الحكومة ونصحت لكم فلو أطعتموني لفعلتم ما أمرتكم به ومحضت لكم النّصيحة فيه فافهم جيّداً، وقوله : أخو هوازن الإضافة لأَدنى المناسبة من حيث انتساب الشاعر إلى تلك القبيلة ،وهذه الإضافة شائعة في كلام العرب قال سبحانه :
(وَاذْكُرْ أَنَا عَادٍ ﴾ [الأحقاف: 21] (إذ قَالَ لَمْ تَخُوهُمْ لُوطٌ) [الشعراء: 161] .
اعلم أنّه قد أنّه قد روي أنّ عمرو بن العاص وأبا موسى الأَشعري لما التقيا بدومة الجندل وقد حكما في أمر النّاس كان أمير المؤمنين يومئذٍ قد دخل الكوفة ينتظر ما يحكمان به فلما تمّت خدعة عمرو لأَبي موسى وبلغه علیه السلام ذلك اغتمّ له غمّاً شديداً ووجم منه وقام فخطب النّاس فقال :
(الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح) التقيل (والحدث) العظيم (الجليل) نسبة الإتيان بالخطب والحدث إلى الدّهر من قبيل نسبة الشّر إليه على ما تقدّم بيانه في شرح الخطبة الحادية والثلاثين، وفي الإتيان بأن الوصلية إشارة إلى أنّه سبحانه لا يختص حمده بحال دون حال بل لا بدّ أن يحمده العبد على كلّ حال من النّعمة والبلاء والشدة والرضاء والسّراء والضراء.
(وأشهد أن لا إله إلاّ الله ليس معه إله غيره) تأكيد لمعنى كلمة التّوحيد وتقرير لمقتضاها (وأنّ محمّداً عبده ورسوله صلی الله علیه و آله أما بعد فإنّ معصية النّاصح) الذي يصدّق فكره ويمحض رأيه و (الشّفيق) الذي تبعثه شفقته على النّصح وعلى التروّي في الأمر وإيقاع الرأي فيه من جد واجتهاد و (العالم) الذي يعلم وجه المصلحة في الأمور ويكون فيها على بصيرة (والمجرب) الذي حصلت له التّجارب فكان رأيه وقوله أغلب الإصابة للواقع (تورث الحسرة وتعقب النّدامة) .
إذ المشير الموصوف بالصفات الأربع المذكورة يكون رأيه أغلب المطابقة مع الواقع فإطاعة المستشير له موجبة لظفره على المقصود ووصوله إلى مطلوبه ومخالفته مفوّتة للغرض معقّبة للحسرة خصوصاً إذا كان المشير مثله علیه السلام المنّصف بالعلم اللدني المطابق رأيه للواقع
دائماً يكون معصية معقّبة للنّدامة البتّة وموقعة في الضّلالة لا محالة .
ولذلك أردف علیه السلام كلامه بالإشارة إلى خطئهم في أمر الحكومة النّاشيء من مخالفتهم له وإبائهم عن امتثال أمره فقال : (وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري) الصّواب (ونخلت لكم مخزون رأيي )المصاب (لو كان يطاع لقصير أمر) لما حصلت الحسرة والنّدامة، وقصير هذا هو قصير بن سعد مولى جزيمة الأبرش من ملوك العرب.
روي أنّ جزيمة قتل أبا الزباء ملكة الجزيرة، فبعثت إليه عن حين ليتزوج بها خدعة وسألته القدوم عليها فأجابها إلى ذلك وخرج في ألف فارس وخلف باقي جنوده مع ابن أخته عمرو بن عدي، وأشار قصير إلى جزيمة أن لا يتوجه إليها فلم يقبل رأيه فلما قرب جزيمة من الجزيرة، إستقبله جنود الزباء بالعدة ولم ير منهم إكراماً له فأشار قصير إليه بالرّجوع عنها وقال : إنّها امرأة ومن شأن النّساء الغدر فلم يقبل فلما دخل عليها غدرت به وقتلته فعند ذلك قال قصير: لا يطاع لقصير أمر فيضرب به المثل لكلّ ناصح عصي وهو مصيب في رأيه (1).
(فأبيتم على إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتّى ارتاب الناصح بنصحه )هذا محمول على المبالغة لما ذكرنا من أنّه علیه السلام متّصف بالعلم اللدني فلا يمكن شكه فيما رآه صواباً، ويشهد بذلك قوله علیه السلام في الخطبة الرابعة :«ما شككت في الحق مذ رأيته »،
و قوله علیه السلام في الخطبة العاشرة : «وإنّ معي لبصيرتي ما لبست على نفسي ولا لبس علي».
فالمقصود بذلك الإشارة إلى شدّة اتفاقهم على الخلاف، فإن المشير النّاصح إذا كثر مخالفوه إنّما يشك في أن نصحه هل هو صواب، إذ استخراج وجوه الصّلاح في الأَمر أمر اجتهادي منوط على الإمارات الظنيّة ومع إطباق آراء جمع كثير على خلاف ما رآه المشير واتّفاق ظنونهم على أنّ الصّواب في خلافه يجوز له أن يتشكك فيما رآه أنّه هل هو صواب أم لا.
(و) قوله : (ضنّ الزند بقدحه )مثل يضرب لمن يبخل بفوائده من أجل عدم وجدانه القابل لها والأهل لاستفادتها، والزند كناية عن القلب والقدح عن الآراء الصّادرة منه صدور النّار من الزنّاد، وهو أيضاً جار على المبالغة، والمقصود به أنّه علیه السلام لشدّة ما لقي منهم من الإباء والخلاف والعصيان لم يقدح له رأي صالح( فكنت وإیّاكم) أي كان حالي معكم في نصحي ومخالفتكم إيَّاي مع حلول النّدامة بكم( كما قال )دريد بن الصمة (أخو هوازن) في جملة أبيات له :
أمرتهم أمري بمنعرج اللوی***فلم یستبیوا النّصح إلا ضحی الغد
1) بحار الأنوار: 322/33 .
نصحت لعارض وأصحاب عارض ***ورهط بني السّوداء والقوم تمهدي
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ***سراتهم في الفارسي المسرّد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ***غوايتهم وإنّني غير مهتد
وما أنا إلا من غزية إن غوت ***غويت وإن ترشد غزية أرشد
وقصة دريد في هذه القصيدة أن أخاه عبد الله بن الصمة من بني جشم بن معاوية بن
بكر بن هوازن غزا بني بكر بن هوازن فغنم منهم واستاق إبلهم فلما كان بمنعرج اللوى قال : لا والله لا أبرح حتّى أنحر النقيعة ،وهي ما ينحر من النّهب قبل القسمة وأجيل السهام، فقال له أخوه دريد: لا تفعل فإنّ القوم في طلبك فأبى عليه ونحر النقيعة وبات، فلما أصبح هجم القوم عليهم وطعن عبد الله بن الصمة فاستغاث بأخيه دريد فنهنه عنه القوم حتى طعن هو أيضاً وصرع وقتل عبد الله وحال الليل بين القوم فنجا دريد بعد طعنات وجراح حصل له فقال القصيدة هذه.
وعن نصر بن مزاحم في كتاب الصّفين ،أنّه بعد روايته هذه الخطبة مثل ما رواه السّيد زاد في آخرها :ألا إن هذين الرّجلين الذين اخترتموهما قد نبذا حكم الكتاب، وأحييا ما أمات واتّبع كلّ منهما هواه وحكم بغير حجّة ولا بيّنة ولا سنة ماضية واختلفا فيما حكما فكليهما لم پرشد الله فاستعدوا للجهاد وتأهبوا للمسير وأصبحوا في معسكركم يوم كذا .
،وينبغي أن نذكر في المقام كيفية التحكيم، وقد رواه أرباب السير والتواريخ ونقله في شرح المعتزلي عن نصر بن مزاحم وإبراهيم بن ويزيل وغيرهما مع إطناب ممل ونحن نرويه على ما في الشّرح مع تلخيص منّا فأقول :
قال الشّارح: الذي دعا إلى التحكيم طلب أهل الشّام واعتصامهم به من سيوف أهل العراق فقد كانت أمارات القهر والغلبة لاحت ودلائل النصر والظفر وضحت، فعدل أهل الشّام عن القراع إلى الخداع وكان ذلك برأي عمرو بن العاص، وهذه الحال وقعت عقيب ليلة الهرير التي يضرب الهریر التی یضرب بها المثل.
قال نصر بن مزاحم في كتاب «الصفين»وهو ثقة ،ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال، وهو من رجال أصحاب الحديث : حدثنا عمرو بن شمر قال: حدثني أبو ضرار قال : حدّثني عمّار بن ربيعة قال : غلس علي علیه السلام بالنّاس صلاة الغداة يوم الثّلاثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، وقيل عاشر شهر صفر ثمّ زحف إلى أهل الشّام بعسكر
العراق والنّاس على راياتهم، وزحف إليهم أهل الشام وقد كانت الحرب أكلت الفريقين ولكنّها في أهل الشّام أشدّ نكاية وأعظم وقعاً، فقد ملوا الحربِ وكرهوا القتال وتضعضعت أركانهم .قال: فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب علیه السّلاح لا يرى منه إلا عيناه وبيده الرمح فجعل يضرب رؤوس أهل العراق بالقناة ويقول: سوّوا صفوفكم رحمكم الله حتّى إذا عدل الصّفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشّام ظهره ثمّ حمد الله وأثنى عليه وقال :
الحمد لله الذي جعل فينا ابن عمّ نبيه أقدمهم هجرة وأولهم إسلاماً سيف من سيوف الله صبّه الله على أعدائه فانظروا إذا حمي الوطيس وثار القتام وتكسر المرءان وجالت الخيل بالأبطال فلا أسمع إلاّ غمغمة أو همهمة فاتّبعوني وكونوا في أثري، ثمّ حمل على أهل الشام فكسر فيهم رمحه ثمّ رجع فإذا هو الأشتر.
قال :وخرج رجل من أهل الشام فنادى بين الصّفين يا أبا الحسن يا علي أبرز إليَّ فخرج إليه علي علیه السلام حتى اختلفت أعناق دابتيهما بين الصّفين فقال إنَّ لك يا علي تقدما في الإسلام والهجرة هل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء وتأخر هذه الحروب حتى ترى رأيك؟ قال علي علیه السلام : وما هو »؟
قال :ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق ونرجع نحن إلى شامنا فتخلي بيننا وبين الشّام فقال علي علیه السلام : «قد عرفت ما عرضت إنّ هذه لنصيحة وشفقة وأهمّني هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلاّ القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمّد صلی الله علیعه و آله إنّ الله تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم».
قال :فرجع الرّجل وهو يسترجع وزحف النّاس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنُبل والحجارة حتّى فنا، ثمّ تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت واندقت ؛ ثمّ مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسّيوف وعمد الحديد فلم يسمع السّامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولاً في صدور الرجال من الصواعق ومن جبال تهامة يدك بعضه بعضاً وانكسف الشّمس بالنقع وثار القتام والقسطل وضلت الأَلوية والرّايات .
وأخذ الأَشتريسير فيما بين الميمنة والميسرة فيأمر كلّ قبيلة أو كتيبة من القراء بالأقدام
على التي يليها ،فاجتلدوا بالسّيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة من اليوم المذكور إلى نصف الليل لم يصلوا الله صلاة، فلم يزل الأشتر يفعل ذلك حتى أصبح والمعركة خلف ظهره وافترقوا على سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة. ُ
وهي ليلة الهرير المشهورة، وكان الأشتر في ميمنة النّاس وابن عبّاس في الميسرة وعليّ
في القلب والنّاس يقتتلون، ثمّ استمرّ القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضّحى والأشتر يقول لأَصحابه وهو يزحف بهم نحو أهل الشّام: ازحفوا قيد هذا ويلقي رمحه فإذا
رمحي فعلوا ذلك قال ارجفوا قاب هذا القوس فإذا فعلوا ذلك سألهم مثل ذلك حتّى من أكثر النّاس من الإقدام .
فلمّا رأى ذلك قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم ،ثمّ دعا بفرسه وركز رايته وكانت مع حيّان بن هوذة النّخعي وسار بين الكتائب وهو يقول : ألا من يشري نفسه الله ويقاتل مع
الأشتر حتى يظهر أو يلحق بالله فلا يزال الرّجل من النّاس يخرج إليه فيقاتل معه .
قال نصر : وحدّثني عمرو قال: حدّثني أبو ضرار قال حدّثني عمّار بن ربيعة قال : مرّ بي الأشتر فأقبلت معه حتّى رجع إلى المكان الذي كان به ،فقام في أصحابه فقال : شدّ وافداء لكم عمي وخالي شدّة ترضون بها الله وتغزون بها الدين إذا أنا حملت فاحملوا ، ثمّ نزل وضرب وجه دابّته وقال لصاحب رايته : تقدّم فتقدّم بها ثمّ شدّ على القوم وشدّ معه أصحابه فضرب أهل الشام حتّى انتهى بهم إلى معسكرهم فقاتلوا عند العسكر قتالاً شديداً وقتل صاحب رايتهم وأخذ علي علیه السلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمدُه بالرّجال .
وروى نصر عن رجاله قال : لمّا بلغ القوم إلى ما بلغوا إليه قام علي علیه السلام خطيباً فحمد الله وأُثنى عليه وقال :
«أيّها النّاس قد بلغ بكم الأمر وبعدوّكم ما قد رأيتم ولم يبق منهم إلاّ آخر نفس وإنّ الأمور إذا أقبلت أعتبر آخرها بأوّلها، وقد صبر لكم القوم على غير دين حتّى بلغنا منهم بلغنا، وأنا غاد عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله ».
قال فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص وقال : يا عمرو وإنّما هي الليلة حتّى يغدو عليّ علينا بالفضل فما ترى؟ قال : إنّ رجالك لا يقومون لرجاله ولست مثله هو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره ،أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم ، وأهل الشّام لا يخافون عليّاً إن ظفر بهم ولكن ألق إلى القوم أمراً إن قبلوه اختلفوا وإن ردّوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب الله حكماً فيما بينك وبينهم، فإنّك بالغ به حاجتك في القوم وإنّي لم أزل ادّخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه، فعرف معاوية ذلك وقال له صدقت .
قال نصر : وحدّثنا عمرو بن شمر عن جابر بن نمير الأنصاري قال : والله لكأني أسمع
عليّاً يوم الهرير وذلك الهرير وذلك بعد ما طحنت رحى مدجج فيما بينها وبين عك ولخم وجذام
والأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي حتّى استقامت الشّمس وقام قائم الظهر وعلي علیه السلام يقول لأصحابه : «حتّى متى نخلي بين هذين الحييّن قد فنيا وأنتم وقوف تنظرون أما تخافون
مقت الله » .
ثمّ استقبل القبلة ورفع يديه إلى الله عزّ وجل ونادي« يا الله يا رحمن یا رحیم یا واحد يا أحد يا صمد يا الله يا إله محمّد اللهمّ إليك نقلت الأَقدام وأفضت القلوب ورفعت الأَيدي ومدّت الأَعناق وشخصت الأَبصار وطلبت الحوائج ، اللهمّ إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا وكثرة عدوّنا وتشتت أهوائنا، ربنّا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، سيروا على بركة الله ، ثمّ نادى لا إله إلاّ الله والله أكبر».
قال : فلا والذي بعث محمّداً بالحق نبياً ما سمعنا رئيس قوم منذ خلق الله السماوات والأَرض أصاب بيده في يوم واحد مثل ما أصاب علیه السلام أنّه قتل فيما ذكره العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنياً فيقول : «معذرة إلى الله وإليك من هذا لقد هممت أن أفلقه ولكن يحجزني عنه أنّي سمعت رسول الله يقول: «لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي وأنا قاتل به دونه».
قال : فكنّا نأخذه فنقوّمه ثم يتناوله من أيدينا فينقحم به في عرض الصّف فلا والله ما ليث بأشدّ نكاية منه في عدوه (1).
ولنعم ما قال في «كشف الغمة» في وصف حاله علیه السلام في ليلة هذا اليوم وهي ليلة الهرير: فما لقي علیه السلام شجاعاً إلا أراق دمه ،ولا بطلاً إلاّ زلزل قدمه، ولا مريداً إلاّ أعدمه، ولا قاسطاً إلاّ قصر عمره وأطال ندمه، ولا جمع نفاق إلاّ ،فرقه ولا بناء ضلال إلاّ هدمه، وكان كلّما قتل فارساً أعلى بالتكبير فأحصيت تكبيراته ليلة الهرير فكانت خمسمائة وثلاثاً وعشرين تكبيرة بخمسمائة وثلاثة وعشرين قتيلاً من أصحاب السعير .
وقيل : إنّه فتق نيفق درعه لثقل ما كان يسيل من الدّم على ذراعه وقيل إن قتلاه عرفوا بالنّهار فإنّ ضرباته كانت على وتيرة واحدة إنّ ضرب طولاً قد أو عرضاً قطّ ، وكانت كأنها مكّواة بالنّار (2).
قال نصر :فحدّثنا عمرو بن شمر عن جابر قال: سمعت تمیم بن جزيم يقول : لمّا أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام أهل الشّام في وسط الفليق حيال موقف عليّ ،ومعاوية، فلمّا أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت في أطراف الرّماح وهي عظام مصاحف العسكر، وقد شدّوا ثلاثة رماح جميعاً وربط عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط .
قال نصر : وقال أبو جعفر وأبوا الطّفيل : استقبلوا عليّاً علیه السلام بمائة مصحف ووضعوا في كلّ مخبية مائتي مصحف فكان جميعها خمسمائة مصحف ،قال أبو جعفر ثمّ قام الطفيل بن أدهم حيال علي علیه السلام ، وقام أبو شريح حيال الميمنة، وورقا بن المعتمر حيال الميسرة ثمّ نادوا يا معشر العرب الله الله في النساء والبنات والأَبناء من الرّوم والأَتراك وأهل فارس غداً إذا فنيتم الله الله في دينكم هذا كتاب الله بيننا وبينكم .
فقال علي علیه السلام : «اللهم إنّك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون ، فاحكم بيننا وبينهم إنّك أنت الحق المبين فطائفة قالت القتال وطائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب ولا يحلّ لنا الحرب، وقد وعينا إلى حكم الكتاب فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت أوزارها».
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال: «لما كان اليوم الأَعظم قال أصحاب معاوية : والله لا تبرح اليوم العرصة حتّى نموت أو يفتح لنا، وقال أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام : مثل ذلك فباكروا القتال غدوة في يوم من أيّام الشعرى طويل شديد الحرّ، فتراموا حتّى فنيت النّبال وتطاعنوا حتى تقصفت الرّماح .
ثمّ نزل القوم عن خيولهم ومشى بعضهم إلى بعض بالسّيوف حتّى تكسرت جفونها، وقام الفرسان في الركب، ثم اضطربوا بالسيوف وعمد الحديد، فلم يسمع السّامعون إلاّ تغمغم القوم وصليل الحديد في الهام وتكادم الأفواه وكسفت الشّمس وثار القتام وصلت الألوية والرّايات ومرّت مواقيت أربع صلوات ما يسجد فيهن الله إلا تكبيراً ونادت المشيخة في تلك الغمرات : يا معشر العرب الله الله في الحربات من النساء والبنات»، قال جابر فبكى أبو جعفر علیه السلام وهو يحدثنا بهذا الحديث.
قال نصر :وأقبل الأشتر على فرس كميت محذوف وقد وضع مغفرة على قربوس السّرج وهو يقول : اصبروا يا معشر المؤمنين حمي قد الوطيس ورجعت الشّمس من الكسوف
واشتد القتال وأخذت السباع بعضها بعضاً .
فقال رجل في تلك الحال: أي رجل هذا لو كانت له نيّة ،فقال له صاحبه :وأيّ نية أعظم من هذه ثكلتك أمّك وهبلتك أنّ رجلاً كما ترى قد سبح في الدّم وما أضجرته الحرب وقد غلت هام الكماة من الحرب وبلغت القلوب الحناجر وهو كما ترى جزع يقول هذه المقالة اللهم لا تبقنا بعد هذا.
قال نصر: وروى الشّعبي عن صعصعة أنّه بدر من الأَشعث بن قيس لعنه الله ليلة الهرير
قول نقله الناقلون إلى معاوية فاغتنمه وبنا عليه تدبيره .
وذلك أنّه خطب أصحابه من كنده تلك الليلة وقال في خطبته :قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي وما قد فني فيه من العرب فوالله لقد بلغت من
السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط، ألا فليبلغ الشاهد الغائب إنّا إن نحن تواقفنا غداً إنّه لفنت العرب وضيعت الحرمات أما والله ما أقول هذه المقالة جزعاً عن الحرب ولكني رجل مسنّ أخاف على النّساء والذّراري غداً إذا فنينا ونحو ذلك ممّا يخذلهم عن
القتال .
فلمّا بلغ ذلك معاوية قال : أصاب وربّ الكعبة فدبّر تلك الليلة ما دبّر من رفع المصاحف على الرّماح، فأقبلوا بالمصاحف ورفعوها في رؤوس الرّماح وقد قلدوها الخيل ومصحف دمشق الأَعظم يحمله عشرة رجال على رؤوس الرّماح وهم ينادون كتاب الله بيننا وبينكم .
قال :فجاء عدي بن حاتم فقال : يا أمير المؤمنين إنّه لم يصب منّا عصبة إلاّ وقد أصيب منهم مثلها، وكلّ مقروح ولكنّا أمثل بقيّة منهم وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلاّ ما نحبّ فناجزهم.
وقام الأَشتر فقال : يا أمير المؤمنين إنّا والله ما أجبناك ولا نصرناك على الباطل ولا أجبنا إلاّ الله ولا طلبنا إلاّ الحقّ ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه لاستشرى فيه اللجاج وطال فيه النّجوى وقد بلغ الحّق مفطمه وليس لنا معك رأي .
فقام الأشعث بن قيس مغضباً وقال: يا أمير المؤمنين إنّا لك اليوم على ما كنّا عليه أمس وليس آخر أمرنا كأََوله وما من القوم أحد أحنى على أهل العراق ولا أوتر لأَهل الشّام منّي فأجب القوم إلى كتاب الله عزّ وجلّ فإنّك أحقّ به منهم وقد أحبّ النّاس البقاء وكرهوا القتال.
فقال عليّ علیه السلام : «هذا أمر ننظر فيه» فنادي النّاس من كلّ جانب الموادعة، فقال علي علیه السلام: «أيّها النّاس إنّي أحقّ من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وابن أبي سرج وابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني أعرف بهم منكم صحبتهم صغاراً ورجالاً فكانوا شرّ صغار وشرّ رجال ويحكم إنّها كلمة حقّ يراد بها باطل إنّهم ما رفعوها إنهم يعرفونها ولا يعملون ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحقّ مقطعه ولم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا» .
فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفاً مقنعين في الحديد شاكي سيوفهم على عواتقهم وقد اسودت جباههم من السجود يتقدّمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين : يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفان فوالله لنفعلنها إن لم تجبه .
فقال لهم : ويحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب الله وأوّل من أجاب إليه وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله فلا أقبله إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن
فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده ونبذوا كتابه ولكني قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم وأنّهم ليس العمل بالقرآن يريدون».
قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأيتينك وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله .
قال نصر: فحدثني فضيل بن خديج قال : سأل مصعب إبراهيم بن الأشتر عن الحال كيف كانت، فقال: كنت عند علي حين بعث إلى الأشتر ليأتيه وقد كان الأشتر أشرف على عسكر معاوية ليدخله فأرسل إليه علي علیه السلام يزيد بن هاني أن ائتني به فأتاه فأبلغه فقال له الأشتر : آتيه فقل له ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي إني قد رجوت الفتح فلا تعجلني .
فرجع يزيد علیه السلام إليه فأخبره فما هو إلا أن انتهى حتى ارتفع الزهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ودلائل الخذلان والإدبار لأهل الشام، فقال القوم لعلي علیه السلام : والله ما نراك أمرته إلا بالقتال قال : أرأيتموني شاورت رسولي إليه أليس إلا كلمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟ قالوا فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك .
فقال علیه السلام ويحك يا يزيد قل له:« أقبل إلي فإنّ الفتنة قد وقعت» فأتاه فأخبره فقال الأشتر : أيرفع هذه المصاحف؟ قال: نعم، قال: أما والله لقد ظننت أنها حين رفعتسيوقع اختلافاً وفرقة إنّها مشورة ابن النابغة ثم قال ليزيد بن هاني: ويحك ألا ترى إلى الفتح ألا ترى إلى ما يلقون ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه .
فقال له يزيد: أتحب أنك ظفرت ههنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو يفرج عنه ويسلم إلى عدوّه، فقال: سبحان الله لا والله لا أحبّ ذلك، قال: فإنهم قد قالوا له وحلفوا عليه لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلتك بأسيافنا كما قتلنا عثمان، أو لنسلّمنك إلى عدوك .
فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها وقد والله تركوا ما أمر الله فيها، وتركوا سنة من أنزلت إليه فلا تجيبوهم أمهلوني ،فواقاً، فإنّي قد أحسست بالفتح، قالوا: لا نمهلك، قال: فأمهلوني عدوة الفرس فإنّي قد طمعت النصر ، قالوا : إذن ندخل معك في خطيئتك .
قال: فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم متى كنتم محقين أحين كنتم تقتلون
أهل الشام فأنتم الآن حين أمسكتم عن قتالهم مبطلون أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وأنهم خير منكم في النار
قالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا فقال : خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود كنا نظنّ صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا ومن الموت ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزّاً أبداً فابعدوا كما بعد القوم الظالمين فسبوه وسبهم وضربوا بسياطهم وجه دابته وضرب بسوطه وجوه دوابهم وصاح بهم علي علیه السلام فكفوا .
وقال الأشتر : يا أمير المؤمنين احمل الصف على الصف نصرع القوم فتصايحوا أن أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضي بحكم القرآن فقال الأشتر : إن كان أمير المؤمنين، قد قبل ورضي فقد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين، فأقبل الناس يقولون قد قبل أمير المؤمنين قد رضي أمير المؤمنين وهو علیه السلام ساكت لا يفيض بكلمة مطرق إلى الأرض ثم قام فسكت الناس كلهم.
فقال علیه السلام: «أيّها النّاس إن امري لم يزل معكم على ما أحبّ إلى أن أخذت منكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت وأخذت من عدوّكم فلم تترك وإنها فيهم أنكى وأنهك إلا أني كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت ناهياً فأصبحت منهياً، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون، ثم قعد ثم تكلم رؤوس القبائل فكل قال ما يراه ويهواه إما من الحرب أو من السلم» .
قال نصر: ثم إن أهل الشام لما أبطأ عنهم علم حال أهل العراق هل أجابوا إلى الموادعة أم لا جزعوا فقالوا: يا معاوية ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه فأعدها خدعة فإنك قد غمرت بدعائك القوم وأطمعتهم فيك.
فدعا معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص فأمره أن يكلم أهل العراق ويستعلم له ما عندهم؛ فأقبل حتى إذا كان بين الصفين نادى يا أهل العراق أنا عبد الله بن عمرو بن العاص إنه قد كان بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا، فإن يكن للدين فقد والله أعذرنا وأعذرتم، وإن يكن للدنيا فقد والله أسرفنا وأسرفتم، وقد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه لأجبناكم، فإن يجمعنا وإياكم الرضا فذاك الله فاغتنموا هذه الفرجة عسى أن يعيش فيها المحترق وينسى فيها القتيل، فإنّ بقاء المهلك بعد الهالك قليل. فأجابه سعد بن قيس الهمداني فقال: أما بعد يا أهل الشام إنّه قد كانت بيننا وبينكم أمور حاسبنا فيها على الدين وسميتموها عذراً وإسرافاً وقد دعوتمونا اليوم على ما قاتلناكم عليه أمس ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم وأهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل من أن يحكم بما أنزل الله سبحانه فقام الناس إلى علي علیه السلام فقالوا له : أجب القوم إلى المحاكمة.
قال نصر: فجاء الأشعث إلى علي فقال يا أمير المؤمنين ما أرى الناس إلا وقد رضوا وسرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ونظرت ما الذي يسأل .
قال علیه السلام: «آتيه إن شئت» فأتاه فسأله يا معاوية لأي شيء رفعتم هذه المصاحف قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به فيها فابعثوا رجلاً منكم ترضون به ونبعث منا رجلاً ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ولا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه .
فقال الأشعث: : هذا هو الحق وانصرف إلى علي فأخبره فبعث علي علیه السلام قراء من أهل العراق وبعث معاوية قراء من أهل الشام فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصحف فنظروا فيه وتدارسوا واجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ويميتوا ما أمات القرآن ورجع كلّ فريق إلى أصحابه .
فقال أهل الشام : إنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص وقال الأشعث والقراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك : وقد رضينا نحن واخترنا أبا موسى الأشعري فقال لهم علي علیه السلام: «فإنّي لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أوليه» فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي في عصابة من القراء: إنّا لا نرضى إلا به فإنه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه .
فقال علي علیه السلام: «فإنّه ليس لي برضا وقد فارقني وخذل الناس عني وهرب مني حتى أمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك»، قالوا والله ما نبالي أكنت أنت أو ابن عباس ولا نريد إلا رجلاً وهو منك ومن معاوية على حد منك ومن معاوية على حد سواء ليس إلى واحد منكما أدنى من الآخر قال علي علیه السلام: «فإني أجعل الأشتر»، فقال : الأشعث: وهل سعر الأرض علينا إلا الأشتر وهل نحن إلا في حكم الأشتر، قال علي : «وما حكمه»؟ قال : حكمه أن يضرب بعضنا بعضاً بالسيف حتى يكون ما أردت وما أراد .
قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام قال : «لما أراد الناس عليّاً أن يضع الحكمين قال لهم: إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحداً هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص، وإنه لا يصلح للقرشي إلا مثله فعليكم بعبد الله بن عباس فارموه به فإنّ عمراً لا يعقد عقدة إلا حلّها عبد الله ولا يحل عقدة إلا عقدها ولا يبرم أمراً إلا نقضه ولا ينقض أمراً إلا أبرمه».
فقال الأشعث: لا والله لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة، ولكن اجعل رجلاً من أهل اليمن إذا جعلوا رجلاً من مضر ، فقال علي علیه السلام: «إني أخاف أن يخدع يَمَنِيُّكم فإنّ عمراً ليس من الله في شيء إذا كان له في شيء إذا كان له في أمر هوى»، فقال الأشعث: والله لأن يحكما ببعض ما تكره وأحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون بعض ما نحن في حكمهما وهما
مضريان .
قال :نصر فقال علي علیه السلام : «قد أبيتم إلاّ أبا موسى»، قالوا: نعم قال: «فاصنعوا ما شئتم »، فبعثوا إلى أبي موسى وهو بأرض من أرض الشام يقال لها : (عرض) قد اعتزل القتال فأتاه مولى له فقال : إنّ النّاس قد اصطلحوا فقال : الحمد لله ربّ العالمين قال : فقد جعلوك حكماً قال : إنا لله وإنّا إليه راجعون.
فجاء أبو موسى حتّى دخل عسكر علي علیه السلام وجاء الأَشتر عليّاً علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ألْزِنِي (1)بعمرو بن العاص فوالله الذي لا إله غيره لئن ملأت غيني منه لأقتلته .
وجاء الأَحنف بن قيس عليّاً فقال : يا أمير المؤمنين إنّك قد رميت بحجر الأَرض ومن حارب الله ورسوله أنف الإسلام ،وإنّي قد عجمت بهذا الرجل يعني أبا موسى وحلبت أشطره فوجدته كليل الشّفرة قريب القعر وأنّه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتّى يكون في أكفهم ويتباعد منهم حتّى يكون بمنزلة النّجم منهم فإن شئت أن تجعلني حكماً فاجعلني به وإن شئت أن تجعلني ثانياً أو ثالثاً فإن عمراً لا يعقد عقداً إلاّ حللتها، ولا يحلّ عقدة إلاّ عقدت لك أشدّ منها فعرض علي علیه السلام ذلك على النّاس فأبوه وقالوا لا يكون إلاّ أبا موسى .
قال نصر : فبعث أيمن بن حزيم الأسدي وكان معتزلاً لمعاوية بهذه الأبيات وكان هواه
أن يكون الأَمر لأَهل العراق .
لو كان للقوم رأي يعصمون به ***من الضّلال رموكم بابن عباس
لله درّ أبيه أيما رجل ***ما مثله لفصال الخطب في النّاس
لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن ***لا يهتدي ضرب أخماس من أسداس
إن يخل عمرو به يقذفه في لجج ***يهوي به النجم ينشأ بين اتياس
أبلغ لديك عليّاً غير عايبه ***قول أمرء لا يرى بالحق من ناس
ما الأشعري بمأمون أبا حسن ***فاعلم هدیت وليس العجز كالراس
فاصدم بصاحبك الأدنى زعيمهم ***إنّ ابن عمّك عباس هو الأسى
فلما بلغ الناس هذا الشعر طارت هواء أقوام من أولياء علي علیه السلام وشيعته إلى ابن عباس وأبت القراء إلا أبا موسى.
قال نصر : فلما رضي أهل الشام بعمرو وأهل العراق بأبي موسى أخذوا في سطر كتاب الموادعة وكان صورته : هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان فقال
1) الزه به الزمه إياه، والمعنى: ألصقني به.
معاوية : بئس الرّجل أنا إن أقررت أنّه أمير المؤمنين لَمَا قاتلته وقال عمرو : بل نكتباسمه واسم أبيه إنّما هو أميركم فأما أميرنا فلا فلما أعيد عليه الكتاب أمر بمحوه.
فقال الأحنف: لا تمح اسم أمير المؤمنين عنك فإنّي أتخوّف إن محوتها ألاّ ترجع إليك أبداً فلم تمحها .
فقال علي علیه السلام:« إنّ هذا اليوم كيوم الحديبية حين كتب الكتاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ما تصالح عليه محمّد رسول الله صلی الله علیه و آله وسهيل بن عمرو، فقال سهيل : لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك ولم أقاتلك إنّي إذن لظالم لك إن منعتك أن تطوف بيت الله الحرام وأنت رسوله، ولكن اكتب :من محمّد بن عبد الله ، فقال لي رسول الله : يا علي إنّي الرسول الله وأنا محمّد بن عبد الله ولن يمحو عنّي الرّسالة كتابي لهم من محمّد بن عبد بن عبد الله فاكتبها وامح ما أراد محوه، أما أنّ لك مثلها ستعطيها مضطهداً».
قال نصر: وقد روي أنّ عمرو بن العاص أعاد بالكتاب إلى علي علیه السلام فطلب منه أن يمحو اسمه من إمرة المؤمنين فقّص عليه وعلى من حضر قصّة صلح الحديبية قال : «إنّ ذلك الكتاب أنا كتبته بيننا وبين المشركين واليوم اكتبه إلى أبنائهم كما كان رسول الله كتبه إلى آبائهم شبهاً ومثلاً ».
فقال عمرو : سبحان الله أتشبهنا بالكفار ونحن مسلمون ،فقال علي علیه السلام: «يا ابن النابغة ومتى لم تكن للكافرين وليّاً وللمسلمين عدوّاً»، فقام عمرو وقال : والله لا يجمع بيني وبينك بعد هذا اليوم مجلس، فقال علي علیه السلام : «أما والله إني لأرجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك، وجاءت عصابة قد وضعت سيوفها على عواتقها فقالو:، يا أمير المؤمنين مرنا بم شئت فقال لهم سهل بن حنيف أيّها النّاس اتهموا رأيكم فلقد شهدنا صلح رسول الله يوم الحديبيّة ولو نرى قتالاً لقاتلنا.
قال نصر :وقد روى أبو إسحاق الشّيباني قال : قرأت كتاب الصّلح عند سعيد بن أبي بردة في صحيفة صفراء عليها خاتمان خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها على خاتم علي علیه السلام محمد رسول الله وعلى خاتم معاوية محمّد رسول الله ، وقيل لعلي علیه السلام حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام أنقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون؟ فقال علي :علیه السلام ما أقرّ لمعاوية ولا لأصحابه أنهم مؤمنون مسلمون ولكن يكتب معاوية ماشاء ويقر بما شاء لنفسه ولأصحابه ويسمّى نفسه بما شاء وأصحابه فكتبوا: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى علي بن أبي طالب على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين .
إننّا ننزل عند حكم الله تعالى وكتابه ولا يجمع بيننا إلاّ إياه وإنّ كتاب الله سبحانه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيي القرآن؛ ونميت ما أمات القرآن، فإن وجد الحكمان ذلك في كتاب الله ابتغياه، وإن لم يجداه أخذا بالسّنة العادلة غير المفرقة والحكمان عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص .
وقد أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين أنّهما أمينان على أنفسهما وأموالهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار وعلى الذي يقضيان عليه وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين عهد الله أن يعمل بما يقضيان عليه ممّا وافق الكتاب والسّنة، وأنّ الأمن والموادعة ووضع السّلاح متّفق عليه بين الطائفتين إلى أن يقع الحكم، وعلى كلّ واحد من الحكمين عهد الله ليحكمنّ بين الأمّة بالحقّ لا بالهوى.
وأجل الموادعة سنة كاملة فإنّ أحبّ الحكمان أن يعجلا الحكم عجلاه، وإن توفي أحدهما فلأَمير شيعته أن يختار مكانه رجلاً لا يألو الحقّ والعدل، وإنّ توفي أحد الأَميرين كان نصب غيره إلى أصحابه ممّن يرضون أمره ويحمدون طريقته، اللّهم إنّا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيها إلحاداً وظلماً.
قال :نصر هذه رواية محمّد بن علي بن الحسين علیه السلام والشّعبي، وروى جابر عن زيد بن الحسن بن الحسن زيادات على هذه النّسخة .
أقول : وذكر تلك الرّواية وساقها إلى أن قال: وشهد فيه من أصحاب علي علیه السلام عشرة ومن أصحاب معاوية عشرة وتاريخ كتابته لليلة بقيت من صفر سنة تسع وثلاثين .
قال نصر: وحدثنا عمرو بن سعيد قال : حدّثني أبو حباب عن عمّارة بن ربيعة الحرمي قال : لما كتبت الصّحيفة دعا لها الأَشتر ليشهد الشهود عليه فقال : لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصّحيفة اسم الصّلح أو الموادعة، أو لست على بينة من أمري ويقين من ضلال عدوي أولستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على الخور فقال له رجل: والله ما رأيت ظفراً ولا خوراً، هلمّ فاشهد على نفسك واقرر بما كتب في هذه الصحيفة فإنّه لا رغبة لك عن النّاس فقال : بلى والله إنّ لي لرغبة عنك في الدّنيا للدّنيا وفي الآخرة للآخرة ولقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي بخير منهم ولا أحزم دماً .
قال :نصر: وكان الرّجل هو الأَشعث، فكأنّما قصع على أنفه الحمم ثمّ قال الأَشتر :
ولكني قد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين، ودخلت فيما دخل فيه، وخرجت مما خرج فإنّه لا يدخل إلاّ في الهدى والصّواب.
قال نصر : فحدّثنا عمر بن سعد عن أبي حباب الكلبي عن إسماعيل بن شفيع عن سفیان بن مسلمة قال : فلما تم الكتاب وشهدت فيه الشهود وتراضى الناس خرج الأشعث
ومعه ناس بنسخة الكتاب يقرؤها على الناس، ويعرضها علیهم.
فمرّ به على صفوف من أهل الشام وهم على راياتهم، فأسمعهم إيّاه فرضوا به، ثم مرّ به على صفوف من أهل العراق وهم على راياتهم فأسمعهم إيّاه فرضوا به، حتّى مرُّ برايات غنرة وكان معه علیه السلام منهم أربعة ألاف فلما مرّ بهم الأشعث يقرأ عليهم قال فتيان منهم : لا حكم إلاّ لله ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما حتّى قتلا على باب رواق معاوية.
ثمّ مرّ بها على مراد، فقال صالح بن شقيق وكان من رؤوسهم : لا حكم إلا لله ولو كره المشركون، ثمّ مر على رايات بني راسب فقرأها عليهم، فقال رجل منهم : لا حكم إلا لله لا نرضى ولا يحكم الرّجال في دين الله ، ثمّ مرّ على رايات تميم فقرأها عليهم فقال رجل منهم : لا حكم إلا لله يقضي الحق وهو خير الفاصلين وخرج عروة التميمي فقال أتحكمون الرّجال في أمر الله ، لا حكم إلا الله فأين قتلانا يا أشعث ؟ ثم شد بسيفه على الأشعث ليضربه فاخطأه وضرب عجز دابته ضربة خفيفة .
فانطلق الأشعث إلى علي فقال يا أمير المؤمنين إنّي عرضت الحكومة على صفوف أهل الشام وأهل العراق فقالوا جميعاً رضينا ومررت برايات بني راسب ونبذ من الناس سواهم فقالوا لا نرضى لا حكم إلا الله، فمر بأهل العراق وأهل الشام عليهم حتى يقتلوهم فقال هل هي غير راية أو رايتين ونبذ من النّاس قال : لا قال: فدعهم.
قال نصر : فظن علي أنهم قليلون لا يعبأ بهم فما راعه إلا نداء الناس من كل جهة لا حكم إلا لله الحكم الله يا علي لا لك لا نرضى بأن يحكم الرّجال في دين الله ، إن الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا ويدخلوا تحت حكمنا عليهم، وقد كنا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالحكمين وقد بان لنا زللنا وأخطأنا فرجعنا إلى الله وتبنا فارجع أنت يا علي كما رجعنا وتب إلى الله كما تبنا وإلا برئنا منك .
فقال علي : ويحكم أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع أليس الله تعالى قد قال :
(أونُوا بِالْعُقُود) [المائدة: 1] وقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفيلاً) [النحل: 91] .
فأبى علي أن يرجع وأبت الخوارج إلا تضليل التحكيم والطعن فيه، فبرثوا من علي وبرأ علي منهم.
قال :نصر وحدثني عمرو بن نمير عن أبي الوارك قال: لما تداعى الناس إلى المصاحف وكتبت صحيفة الصلح والتحكيم قال علي إنما فعلت ما فعلت لما بدأ فيكم من الخور والفشل عن الحرب، فجاءت إليه همدان كأنها ركن حصين فيهم سعيد بن قيس وابنه عبد الرحمن غلام له ذؤابة ، فقال :سعيد ها أنا ذا وقومي لا نردّ أمرك فقل ما شئت نعمله ،
فقال : أما لو كان هذا قبل سطر الصّحيفة لأزلتهم عن عسكرهم أو تنفرد سالفتي ولكن انصرفوا راشدین .
قال نصر: وروى الشّعبي أن عليّاً قال يوم صفّين حين أفرّ النّاس بالصّلح: إن هؤلاء القوم لم يكونوا لينيبوا إلى الحق ولا ليجيبوا إلا لكلمة سواء حتّى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر، وحتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلايب وحتى يجرّ ببلادهم الحميس يتلوه الحميس، وحتى يدعق الخيول في نواحي أرضهم وبأحناء مشاربهم ومسارحهم، وحتى يشن عليهم الغارات من كل فج وحتى تتلقاهم قوم صدق وصبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلا جداً في طاعة الله وحرصاً على لقاء الله .
ولقد كنا مع رسول الله يقتل آباؤنا وأخواننا وأخوالنا وأعمامنا لا يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً ومضيّاً على أمض الألم وجدا على جهاد العدو والإستقلال بمبارزة الأقران.
ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول ،الفحلين، ويتخالسان أنفسهما أيهما يسقى صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا ومرة لعدوّنا منّا، فلما رآنا الله صدقاً صبراً أنزل بعدوّنا الكبت، وأنزل علينا النصر ولعمري لو كنا في مثل الذي أتبتم ما قام الدّين ولا عزّ الإسلام (1).
وروى نصر: عن عمرو بن شمر عن فضيل بن خديج قال قيل لعلي لما كتبت الضحيفة: إنّ الأشتر لم يرض بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم، فقال علي : بلى إنّ الأشتر ليرضى إذا رضيت وقد رضيت ورضيتم ولا يصلح الرّجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار إلا أن يعصى الله أو يتعدى ما في كتابه وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك ولا أعرفه على ذلك وليت فيكم مثله ،اثنان بل ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوي مثل رأيه إذن لخفت مؤونتكم علي ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم».
قال نصر : ثمّ إنّ النّاس أقبلوا على قتلاهم فدفنوهم، وروى الشعبي عن زياد بن النصر أن علياً بعث أربعمائة عليهم شريح بن هاني ومعه عبد الله بن العباس يصلي بهم ومعهم أبوموسی الأشعري وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة، ثمّ إنّهم خلوا بين الحكمين فكان رأى عبد الله بن قيس في عبد الله بن عمر بن الخطاب وكان يقول والله إن استطعت لأحيين سنة عمر .
قال نصر : وفي حديث محمد بن عبيد الله الجرجاني قال : لما أراد أبو موسى المسير قام إليه شريح بن هاني فأخذ بيده :وقال يا أبا قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه ولا يستقال فتنته، ومهما نقل من شيء عليك أو لك تثبت حقه وترى صحته، وإن كان باطلاً،
1) بطوله في كتاب وقعة صفين : 500 - 504 ، والبحار: 541/32.
وأنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكهم معاوية؛ ولا بأس لأهل الشام إن ملكهم علي علیه السلام.
وقد كان منك تثبيطة أيام الكوفة والجمل فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقيناً والرجاء منك يأساً فقال أبو موسى: ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلاً أو أجرى
إليهم حقاً (1).
وروى المدائني في كتاب صفّين قال : لما اجتمع أهل العراق على طلب أبي موسى وأحضروه للتحكيم على كره من علي علیه السلام أتاه عبد الله بن عباس وعنده وجوه الناس والأشراف فقال له يا أبا موسى إن الناس لم يجتمعوا عليك ويرضوا بك لفضل لا تشارك فيه، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار المتقدمين قبلك، ولكن أهل العراق أبوا إلا أن يكون الحكم يمانياً ورأوا أن معظم أهل الشام يمان وأيم الله إني لأظن ذلك شرّاً لك ولنا، فإنه قد ضم إليك داهية العرب، وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه، وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك .
واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الإسلام وأنّ أباه رأس الأحزاب يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة فإن زعم لك أنّ عمر وعثمان استعملاه فلقد صدق استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي ويوجره ما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر وما أكثر ما استعملا ممن لم يدع الخلافة .
واعلم أن لعمر ومع كلّ شيء يسرك خبيئاً يسوءك ومهما نسيت فلا تنس أن علياً بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وأنها بيعة هدى وأنه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين .
فقال أبو موسى : رحمك الله والله مالي إمام غير علي علیه السلام وإنّي لواقف عند ما رأى وأن حق الله أحب إلي من رضا معاوية وأهل الشام وما أنا وأنت إلا بالله .
قال نصر : وكان النجاشي الشاعر صديقاً لأبي موسى فكتب إليه يحذره من عمرو بن العاص :
يؤمل أهل الشام عمراً وأنني***لأمل عبد الله عند الحقائق
وأنّ أبا موسى سيدرك حقنا***إذا ما رمى عمراً بإحدى البوائق
والله ما یرمي العراق وأهله***به منه إن لم يرمه بالصواعق
فكتب إليه أبو موسى إني لأرجو أن ينجلي هذا الأمر وأنا فيه على رضا الله سبحانه (2).
قال نصر : ثمّ إنّ شريح بن هاني جهز أبا موسى جهازاً حسناً وعظم أمره في الناس ليشرف في قومه فقال الأعور الشني في ذلك يخاطب شريحاً :
زففت ابن قيس زفاف العروس***شريح إلى دومة الجندل
وفي زفك الأشعري البلاء***وما يقض من حادث ينزل
وما الأشعريّ بذي إربة ***ولا صاحب الخطة الفيصل
ولا آخذاً حظ أهل العراق ***ولو قيلها خذه لم يفعل
يحاول عمراً وعمروله ***خدائع يأتي بها من عل
وإن يحكما بالهدى يتبعا ***وإن يحكما بالهوى الأَمیل
یکوناک کتیسین فی فقره***اکیلی نقیف من الحنظل
فقال شريح: والله لقد تعجّلت رجال مساءتنا في أبي موسى وطعنوا عليه بأسوأ الظن
وظنوا فيه ما الله عصمه منه إن شاء الله .
قال نصر: وكان آخر من ودع أبا موسى الأَحنف بن قيس أخذ بيده ،ثمّ قال له :يا أبا موسى اعرف خطب هذا الأمر واعلم أنّه له ما بعده وأنّك إن أضعت العراق فلا ،عراق، اتّق الله فإنّها تجمع لك دنياك وآخرتك، وإذا لقيت غداً عمراً فلا تبدأه بالسّلام فإنها وإن كانت سنّة إلاّ أنّه ليس من أهلها ،ولا تعطه يدك فإنّها أمانة وإيّاك أن يقعدك على صدر الفراش فإنّها خدعة، ولا تلقه إلاّ وحده ،واحذر أن يكلمك في بيت فيه مخدع تخبأ لك فيه الرّجال والشُهود.
ثمّ أراد أن يبوء ما في نفسه لعلي علیه السلام فقال له : فإن لم يستقم لك فيه الرضا بعلي فليتخير أهل العراق من قريش الشام من شاؤوا أو فليتخير أهل الشام العراق من شاؤوا، فقال أبو موسى: قد سمعت ما قلت ولم ينكر ما قاله من زوال الأَمر عن علي ، فرجع الأحنف إلى عليّ فقال له : أخرج أبو موسى زبدة سقائه في أوّل مخضه لا أرانا إلا بعثنا رجلاً لا ينكر خلعك فقال علي علیه السلام : الله غالب على أمره.
قال نصر : وشاع وفشا أمر الأَحنف وأبي موسى في النّاس فبعث الصّلتان العبدي وهو
بالكوفة إلى دومة الجندل بهذه الأبيات:
لعمرك لا ألقى مدا الدهر خالعاً ***عليّاً بقول الأشعري ولا عمرو
فإن يحكما بالحق نقبله منهما ***وإلاّ أثرناها كراعية البكر
ولسنا نقول الدّهر ذاك إليهما ***وفي ذاك لو قلناه قاصمة الظهر
ولكن نقول الأَمر والنهي كله ***َإليه وفي كفيه عاقبة الأمر
وما اليوم إلاّ مثل أمس وإنّما ***لفيٍ وشل الضحضاح أو لجة البحر
فلمّا سمع الناس ذلك أعني قول الصّلتان شحذهم ذلك على أبي موسى واستبطائه القوم
سمع وظنوا به الظنون ومكث الرجلان بدومة الجندل لا يقولان شيئاً، وقد كانت الأخبار أبطات على معاوية فبعث إلى رجال من قريش كانوا أن يعينوه في حربه إن الحرب قد وضعت أوزارها، والتقى هذان الرجلان في دومة الجندل فأقدموا عليّ .
فأتاه جمع منهم عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة فقال له يا مغيرة ما ترى؟ قال يا معاوية لو وسعني أن أنصرك لنصرتك ولكن علي أن آتيك بأمر الرجلين، فرحل حتى أتى دومة الجندل، فدخل على أبي موسى فقال : يا أبا موسى ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره هذه الدّماء؟ قال : أولئك خير النّاس خفّت ظهورهم من دمائهم وخمصت بطونهم من أموالهم .
ثم أتى عمراً فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره الدماء؟ قال : شرار الناس لم يعرفوا حقاً ولم ينكروا باطلاً، فرجع مغيرة إلى معاوية فقال له : قد ذقت الرّجلين أما عبد الله بن قيس فخالع صاحبه وهواه في عبد الله بن عمر، وأما عمرو فهو صاحبك الذي تعرف، وقد ظنّ الناس أنه يرومها لنفسه وأنه لا يرى أنك أحق بهذا الأمر منه .
قال نصر : وفي حديث عمرو بن شمر قال: أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال : يا عمرو هل لك في أمر هو للأمة صلاح ولصلحاء الناس رضا نولي هذا الأمر عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي لم يدخل في شيء من هذه الفتنة ولا هذه الفرقة قال : وكان عبد الله عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير قريباً يسمعان هذا الكلام.
فقال عمرو : فأين أنت يا أبا موسى من معاوية، فأبى عليه أبو موسى فقال عمرو :الست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً ؟ قال بلى ،أشهد ثم قال : فما يمنعك من معاوية وهو ولي دم عثمان وقد قال تعالى: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا [الإسراء: 33].)ثمّ إنّ بيت معاوية من قريش ما قد علمت فإن خشيت أن يقول الناس ولى معاوية وليست له ،سابقة فإنّ لك أن تقول وجدته ولي العثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة الحسن التدبير وهو أخو أم حبيبة أم المؤمنين وزوج النبي، وقد صحبه وهو الصحابة .ثم عرض له بالسلطان فقال له : إن هو ولي الأمر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قط مثلها .فقال أبو موسى :اتّق الله يا عمرو أما ما ذكرت من شرف معاوية فإنّ هذا الأمر ليس على الشرف إنّما هو لأهل الدين والفضل مع أني لو كنت أعطيته أفضل قريش شرفاً أعطيته
علي بن أبي طالب، وأما قولك إنه ولي عثمان فإني لم أكن أوليه إياه لنسبه من عثمان، وأدع المهاجرين الأولين، وأما تعريضك لي بالإمرة والسلطان فوالله لو خرج لي من سلطانه ما وليته ولا كنت أرتشي في الله ، ولكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب .قال نصر : وحدثني عمر بن سعد عن أبي حباب أن أبا موسى قال غير مرة: والله إن استطعت لأحيين اسم عمر بن الخطاب، فقال عمرو بن العاص : إن كنت إنما تبايع ابن عمر لدينه فما يمنعك من ابني عبد الله وأنت تعرف فضله وصلاحه، فقال: إن ابنك لرجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة .قال :نصر وروى عن النضر بن صالح قال: كنت من شريح بن هاني في غزوة سجستان فحدّثني أن علياً أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص وقال له قل لعمرو : إذا لقيته إن عليّاً يقول لك :إنّ أفضل الخلق من كان العمل بالحق أحب إليه، وإن نقصه وإنّ أبعد الخلق من الله من كان العمل بالباطل أحب إليه وإن زاده والله يا عمرو إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل؟ أبأن أوتيت طمعاً يسيراً صرت الله ولأوليائه عدوّاً؟ فكأن ما قد أوتيت قد زال عنك، فلا تكن للخائنين خصيماً، وللظالمين ظهيراً، أما أني أعلم أن يومك الذي أنت فيه نادم هو يوم وفاتك وسوف تتمنّى أنك لم تظهر لي عداوة ولم تأخذ على حكم الله رشوة.قال شريح : فأبلغته ذلك لقيته فمغر وجهه قال ومتى كنت قابلاً مشورة على أو يوم منيباً إلى رأيه أو معتمداً بأمره فقلت وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته، لقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه ويعملان برأيه؟ فقال إنّ مثلي لا يكلم مثلك، فقلت: بأي أبويك ترغب عن كلامي بأبيك الوشيظ أو بأمك ،النابغة، فقام من مكانه وقمت .قال نصر: وروى أبو حباب الكلبي أنّ عمراً وأبا موسى لما التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدّم أبا موسى في الكلام ويقول : إنّك صحبت رسول الله قبلي وأنت أكبر مني سناً، فتكلم أنت ثمّ أتكلم أنا فجعل ذلك سنة وعادة بينهما، وإنّما كان مكراً وخديعة واغتراراً له أن يقدمه فيبدأ بخلع علي علیه السلام ثم يرى رأيه .وقال ابن ويزيل في كتاب صفين : أعطاه عمرو صدر المجلس، وكان يتكلم قبله، وأعطاه التقدم في الصلاة وفي الطعام لا يأكل حتى يأكل وإذا خاطبه، فإنّما يخاطبه بأجل الأسماء ويقول له: يا صاحب رسول الله حتى اطمأنّ إليه وظن أنه لا يغشه .قال نصر: فلما اتمخضت الزبدة بينهما قال له :عمرو أخبرني ما رأيك يا أبا موسى؟ قال : أرى أن أخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من شاؤوا،
فقال عمرو : الرأي والله ما رأيت، فأقبلا إلى النّاس وهم مجتمعون، فتكلم أبو -عون، فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به شأن هذه الأمة فقال عمرو صدق.ثم قال له : تقدّم يا أبا موسى فتكلم، فقام ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال : ويحك إنّي لأظنه خدعك إن كنتما قد اتفقتما على رأي فقدمه قبلك ليتكلم، ثم تكلم أنت بعده فإنه رجل غدار ولا آمن أن يكون أعطاك الرّضا فيما بينك وبينه فإذا قمت به فى النّاس خالفك، وكان أبو موسى رجلاً مغفلاً فقال: أيها عنك إنا قد اتفقنا .فتقدم أبو موسی فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر شيئاً هو أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها من أن أن لا يبتز يبتز ،أمورها، وقد اجتمع رأيي ورأي صاحبي على خلع علي ومعاوية، وأن يستقبل هذا الأمر فيكون شورى بين المسلمين يولون أمورهم من أحبوا، وإني قد خلعت عليّاً ومعاوية فاستقبلوا أموركم وولوا من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً ثمّ تنحى.فقام عمرو بن العاص في مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي في الخلافة فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه .فقال له أبو موسى: مالك لا وفقك الله قد غدرت ،وفجرت إنّما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث .فقال له عمرو : إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، وحمل شريح بن هاني على ،عمرو، فقنعه بالسوط وحمل ابن عمرو على شريح فقنعه بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهما، فكان شريح يقول بعد ذلك ما ندمت على شيء ندامتي أن لا أكون ضربت عمراً بالسيف بدل السوط، لكن أتى الدهر بما أتى به والتمس أصحاب علي أبا موسى فركب ناقته ولحق بمكة وكان ابن عباس يقول : قبح الله أبا موسى لقد حذرته وهديته إلى الرّأي فما عقل، وكان أبو موسى يقول: لقد حذرني ابن عباس غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه وظننت أنه لا يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة .قال نصر: ورجع عمرو إلى منزله من دومة الجندل فكتب إلى معاوية بهذه الأبيات:أتتك الخلافة من فوقههنيئاً مريئاً تقر العيوناتزف إليك زفاف العروسبأهون من طعنك الدار عيناوما الأشعري بصلد الزّنادولا خامل الدار في الأشعريناولكن أتيحت له حيّةيظل الشجاع له مستكينا
فقالوا وقلت وكنت أمرءاجهجه بالخصم حتى يلينافخذها ابن هند على بعدهافقد واقع الله ما تحذروناوقد صرف الله عن شأنكم***عدواً مبيناً وحزباً زبوناًقال نصر: فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال : والله لو اجتمعنا على الهدى ما زدتما بأعلى ما نحن الآن عليه ،وما ضلالكما بلازم لنا وما رجعتما إلاّ بما بدأتما به، وإنّا اليوم لعلي ما كنا عليه أمس، وقام كردوس بن هاني مغضباً فقال:ألا ليت من يرضى من النّاس كلهم ***بعمرو وعبد الله في لجة البحررضينا بحكم الله لا حكم غيره ***وبالله ربّا والنّبي وبالذّكروبالأَصلع الهادي علي إمامنا ***رضينا بذاك الشيخ في العسر واليسررضینابه حيّاً وميتاً وأنّه ***إمام هدى في الحكم والنهي والأمرفما قال لا قلنا بلى أنّ أمره ***لأَفضل ما نعطاه في ليلة القدروما لابن هند بيعة في رقابنا ***وما بيننا غير المثقفة السّمروضرب يزيل الهام عن مستقرة ***وهيهات هيهات الرّضا آخر الدهرأنت لي أشياخ الأراقم سبة ***أبت بها حتّى أغيّب في القبروتكلم جماعة أخرى بمثل كلامه في الرّضا بخلافة علي علیه السلام وإنكار خلافة معاويةوحكم الحكمين.قال نصر :وكان علي علیه السلام لما سمع ما خدع به عمر وأبا غمّه ذلك وساءه و خطب النّاس فقال :« الحمد لله وإن أتى الذهر بالخطب الفادح .... »إلى آخر ما مرّ في الكتاب مع الزّيادة التي ذكرناها .قال نصر : فكان علي علیه السلام: بعد الحكومة إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاةقال : اللهم العن معاوية وعمراً وأبا موسى وحبيب بن مسلمة وعبد الرحمن بن والضّحاك بن قيس والوليد بن عقبة (1)وروى ابن ويزيل إنّ أبا موسى كتب من مكة إلى علي علیه السلام، أمّا بعد فقد بلغني أنكتلعنني في الصّلاة ويؤمن خلفك الجاهلون وإنّي أقول كما قال موسى:«ورَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَى فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ»[القصص : 17] .
1) بحار الأنوار: 303/3 - 553، ووقعة صفين لأبن مزاحم : 46 .
### الترجمةاز جمله خطب آن حضرت است بعد از حکم قرار دادن مردم ابوموسی اشعری و عمرو عاص عليهما اللعنة والعذاب را و اختیار کردن عمرو عاص ملعون امارت معاويه بدبنیاد را و خیانت کردن ابوموسی بدنهاد در حق آن امام انس و جان و سرور عالمیان که می فرماید:حمد بی قیاس خداوند را سزاست و اگرچه آورد روزگار غدار به کار بزرگ و ثقيل و حادثه عظیم و جلیل و شهادت می دهم بر این که هیچ مستحق معبودیت نیست مگر معبود به حق و خداوند مطلق در حالتی که نیست با او خدایی که بوده باشد با او ،و شهادت می دهم به این که محمد بن عبدالله صلوات الله و سلامه علیه بنده ای برگزیده و فرستاده پسندیده اوست ،پس از ستایش الهی و درود حضرت رسالت پناهی .پس مخالفت کردن و عصیان نمودن نصیحت کننده مهربان و دانای تجربه کار باعث می شود به حسرت و از پی در می آورد افسوس و ندامت را و به تحقیق که بودم امر نمودم شما را در باب این حکومت حکمین به امر خود و خالص نمودم از برای شما در این باب رأی صواب خود را که در گنجینه ضمیر بود، اگر می بود که اطاعت می شد مرقصير بن سعد را امری پشیمان نمی شدید و به ورطه حسرت نمی افتادید، پس ابا و امتناع نمودید بر من مثل امتناع اختلاف کنندگان جفاکار و عهدشکنندگان تا فرمان بردار تا این که به شک افتاد پنددهنده به پند خود و بخل ورزید آتش زنه به بیرون دادن آتش خود.پس بود حال من و شما در نصیحت دادن من و مخالفت کردن شما مثل آن که گفت برادر هوازن در شعر خود که فرمودم شما را به امر خود و پند دادم شما را در منزل منعرج اللوى ،پس ندانستید ثمره نصیحت مگر در چاشتگاه روز دیگر که در دیار زخار خونخوار گرفتار شدید؛ یعنی همچنان که قوم ورید شاعر نصیحت او را گوش ندادند و بهورطه هلاکت افتادند همچنین شما از فرمان من معصیت ورزیدید که مستعقب حسرت و ندامت گردیده دچار بلا و محنت شدید.
## ومن خطبة له علیه السلام في تخويف أهل النهروان وهي السادسة والثلاثون من المختار في باب الخطب### اشارة«فَأَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْناء هذَا النَّهْرِ ، وبِأَهْضام هذَا الغائط، عَلى غَيْرِ بَيْنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، ولا سُلْطَانٍ مُبين مَعَكُمْ ، قَدْ طَوَّحَتْ بِكُمُ الدّارُ ، وَاحْتَبَلَكُمُ الْمِقدارُ، وَقَدْ كُنتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلى أباءَ الْمُخَالِفِينَ الْمُنابِذِينَ، حَتَّى صَرْفتُ رَأيي إلى هَواكُمْ، وأَنْتُمْ مُعاشِرُ أَخِفَاءُ الْهامِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ لَمْ آتِ لا أَبا لَكُمْ بُجْراً ولا أَرَدْتُ بِكُمْ ضَرَا (1.)### اللغة(النّهروان بفتح النّون وتثليث الرّاء ومن العرب من يضمّ النون أيضاً ثلاث قرى أعلا وأوسط وأسفلهن بين واسط وبغداد، وفي «المصباح »بلدة تقرب من بغداد أربعة فراسخ و (صرعی) جمع صريع و (ثنى) الوادي بكسر الثاء المثلثة منعطفة ،والجمع أثناء وفي بعض النّسخ بأكناف هذا النّهر وهو جمع كنف كسبب وأسباب بمعنى الجانب و (الأهضام) جمع هضم بفتح الهاء، وقد يكسر بطن الوادي والمطمئن من الأرض و (الغائط) ما سفل من الأرض.)و (طاح يطوح ويطيح هلك وسقط، وطوحه فتطوح توهبه فرمى هو بنفسه ههنا وههنا ،وطوحته الطوائح قذفته القواذف و (احتبل) الصيّد أوقعه في الحبالة و (المقدار) هو القدر والفضاء و (الهامة) الرّأس والجمع الهام .)و (البجر بضمّ الباء وسكون الجيم المعجمة الداهية والشرّ، وفي بعض النّسخ هجراً و هو السّاقط من القول، وفي نسخة ثالثة نكراً وهو الأمر المنكر، وفي رابعة عرّاً والعر والمعرّة الإثم، والعرّ أيضاً داء يأخذ الإبل في مشافرها ويستعار للداهية .)### الإعرابنسبة طوحت إلى الدّار واحتبل إلى المقدار من التوسع وجملة وأنتم معاشر (آه حالية والعامل صرفت، وبجراً مفعول لم آت، وجملة لا أبا لكم معترضة بينهما وهي تستعمل في المدح كثيراً وفي الذم أيضاً، وفي مقام التعجب والظاهر هنا الذّم أو التعجب .)
1) نهج البلاغة : 87/1 ، وبحار الأنوار: 357/33 - 592.
### المعنىروي في «شرح المعتزلي »عن محمّد بن حبيب قال :خطب علي علیه السلام الخوارج يوم النّهر فقال لهم : «نحن أهل بيت النّبوة وموضع الرّسالة ومختلف الملائكة وعنصر الرّحمة ومعدن العلم والحكمة، نحن أفق الحجاز بنا يلحق البطيء وإلينا يرجع التائب» (1، أيها القوم : (فأنا نذير لكم أن تصبحوا صرعى )أي مصروعين مطروحين على الأرض (بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط على غير بينة) وحجّة شرعيّة (من ربكم ولا سلطان مبين) وبرهان عقلي (معكم )تتمسكون به في خروجكم، (قد طرحت بكم الدّار) ورمت بكم المرامي وأهلكتكم (واحتبلكم المقدار) أي: أوقعكم القدر النازل بكم في حبالته كالصّيد لا يستطيع الخروج منها (وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة) التي ندمتم عليها وما كنت راضياً بها وراغباً إليها (فأبيتم عليَّ إباء المخالفين الجفاة (والمنابذين) العصاة ( حتى صرفت رأبي إلى هواكم )وأقدمت على التحكيم برضاكم من دون أن يكون لي رضا في ذلك و (أنتم معاشر إخفاء الهام) لعدم ثباتكم في الرّأي و (سفهاء الأحلام )لعدم كمالكم في العقل أنكم أمس كنتم معتقدين وجوب التحكيم واليوم تزعمونه كفراً وتجعلونه ضراراً و (لم آت لا أبا لكم بجراً ولا أردت بكم ضراً) وإنّما ورد عليكم ذلك الضّرر ونزلت بكم تلك الداهية بسوء تدبيركم وقلّة عقلكم، وإن إرادتي من التحكيم وغرضي منه بعد إكراهكم إيّاي عليه لم يكن إلا الخير والمنفعة، فانعكست القضية وانجرت إلى المضرة .)### وينبغي تذييل المقام بأمرين الأولفي ذكر ما ورد من أخبار النّبي صلی الله علیه و آله القتال الخوارج وكفرهم من طريق الخاصةفأقول.في (البحار من كتاب كشف الغمة قال :ذكر الإمام أبو داوود سليمان بن الأَشعث« مسنده» المسمّى بالسّنن يرفعه إلى أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في أمّتي اختلاف وفرقة ،قوم يحسنون القيل ويسيؤون الفعل يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ،يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّمية، هم شرّ الخلق طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله منهم » (2).)ونقل مسلم بن حجّاج في «صحيحه» ووافقه أبو داوود وسندهما عن زيد بن وهب أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع علي علیه السلام قال علي : «أيّها النّاس إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : يخرج قوم من أمّتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنّه لهم وهو عليهم لا تجاوز قراءتهم تراقيهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السهم من الزمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيّهم لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أنّ فيهم رجلاً له عضد ليس له ذراع على عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات البيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشّام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم ،والله إنّي لأَرجو أن يكون هؤلاء القوم فإنّهم قد سفكوا الدّم الحرام وأغاروا على سرح النّاس فتسيروا » (1)ومن كتاب «الأمالي »للشيخ بإسناده عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلی الله و علیه و آله: «الخوارج كلاب أهل النّار» (2)ومن كتاب «المناقب» لابن شهر آشوب من تفسير القشيري وإبانة العكبري عن سفيان عن الأَعمش عن سلمة عن كهيل عن أبي الطفيل أنّه سأل ابن الكوا أمير المؤمنين علیه السلام عن قوله تعالى :(قُلْ هَلْ نُنَبِکُم بِالْأَخْسَرِينَ أعلاه [الكهف: 103] .)فقال علیه السلام: «إنهم أهل حروراء »ثمّ قال :(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا [الكهف: 104] في قتال علي بن أبی طالب (أُولَيْكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَابِهِ. فَبَطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَم يَوْمَ الْقِيِّمَةِ وَزْنَا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا وَايْنِي وَرُسُلِي هُزُواً) [الكهف : 105 - 106 ] يعني محمّد صلی الله علیه و آله«هزواً» استهزؤوا بقوله : ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، وأنزل في أصحابه : (إنَّ الَّذينَ وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصلح)[البقرة: 277] الآية .
فقال ابن عباس:( نزلت في أصحاب الجمل).
ومن تفسير الفلكي عن أبي أمامة قال النّبي صلی الله علیه و آله في قوله تعالى :
يَومَ تَبْيَضُ رُجُوهُ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 106] الآية هم الخوارج.
وفي «شرح اللمعتزلي »قد تظاهرت الأخبار حتّى بلغت حد التّواتر بما وعد الله قاتلي
الخوارج من الثواب على لسان نبيّه .
وفي« الصّحاح »المتفق عليها أّنّ رسول الله صلی الله علیه و آله بينا هو يقسم قسماً جاءه رجل يدعى ذا الخويصرة فقال : أعدل يا محمّد فقال : قد عدلت فقال له ثانية: اعدل يا محمّد فإنّك لم تعدل . فقال : «ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ».
فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله ائذن لي أضرب عنقه فقال : دعه فإنّه يخرج من ضئضيء (1)هذا قوم يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الزمية، ينظر أحدكم إلى نضيه فلا يجد شيئاً فينظر إلى نضيه، ثمّ ينظر إلى القذذ فكذلك سبق الفرث والدّم يخرجون على خير فرقة من النّاس يحتقر صلاتكم في جنب صلاتهم وصومكم عند صومهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم آيتهم رجل أسود و قال صلی الله علیه وآله أوعج مخدج إليه إحدى يديه كأنّها ثدي امرأة أو بضعة تدر در (2).
وفي بعض الصّحاح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأَبي بكر وقد غاب الرّجل عن عينه : قم فاقتله، فقام ثمّ عاد وقال : وجدته يصلّي فقال لعمر : مثل ذلك فعاد وقال وجدته يصلي فقال لعلي علیه السلام: مثل ذلك فعاد وقال : «لم أجده» فقال رسول الله : «لو قتل هذا لكان أوّل فتنة وآخرها، أما أنّه سيخرج من ضئضيء هذا الحديث (3).
في مسند أحمد بن حنبل عن مسروق قال : قالت عائشة إنّك من ولدي ومن أحبّهم إلي، فهل عندك علم من المخدج ؟ فقلت : قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تأمر ولأَسفله نهروان بين لخاقيق وطرفاء ،قالت : أبغني على ذلك بينة فأقمت رجالاً شهدوا عندها بذلك ، قال : فقلت لها سألتك بصاحب القبر ما الذي سمعت من رسول الله صلی الله علیه و آله فيهم؟ قالت نعم: سمعته يقول إنّهم شرّ الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة أقربهم عند الله وسيلة (4).
في كيفية قتال الخوارج وبعض احتجاجاته صلوات الله عليه وآله معهم فأقول : قال في «شرح المعتزلي »روى ابن ويزيل في كتاب صفّين عن عبد الرحمن بن زياد ،
عن خالد بن حميد، عن عمر مولى غفرة، قال : لما رجع علي من صفين إلى الكوفة أقام الخوارج حتّى ،جموا، ثمّ خرجوا إلى صحراء بالكوفة تسمّى حروراء، فتنادوا لا حكم إلاّ لله ولو كره المشركون، ألا إن عليّاً ومعاوية أشركا في حكم الله .
فأرسل علي علیه السلام إليهم عبد الله بن العباس فنظر في أمرهم وكلمهم، ثمّ رجع إلى علي علیه السلام فقال له: ما رأيت؟ فقال ابن عباس: والله ما أدري ما هم فقال:« أرأيتهم منافقين» فقال : والله ما سيماهم سيماء منافقين إنّ بين أعينهم لأَثر السّجود يتأوّلون القرآن، فقال دعوهم مالم يسفكوا دماً أو يغصبوا مالاً.
وأرسل إليهم ما هذا الذي أحدثتم وما تريدون؟ قالوا: نريد أن نخرج نحن وأنت ومن كان معنا بصفين ثلاث ليال ونتوب إلى الله من أمر الحكمين، ثم نسير إلى معاوية فنقاتله حتّى يحكم الله بيننا وبينه، فقال علي علیه السلام: «فهلا قلتم حين بعثنا الحكمين وأخذنا منهم العهد وأعطيناهموه ألا قلتم هذا حينئذٍ» قالو:ا كنا قد طالت الحرب علينا واشتدّ البأس وكثر الجراح وكلّ الكراع والسّلاح.
فقال لهم : «أفحين اشتدّ البأس عليكم عاهدتم، فلما وجدتم الجمام قلتم ننقض العهد إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله كان يفي المشركين أفتأمرونني بنقضه»، فمكثوا مكانهم لا يزال الواحد منهم يرجع إلى علي ولا يزال الآخر منهم يخرج من عند علي علیه السلام.
فدخل واحد منهم على علي علیه السلام بالمسجد والناس حوله، فصاح لا حكم إلا لله ولو كره المشركون. فتلفت الناس فقال : لا حكم إلا لله ولو كره المتلفتون، فرفع علي علیه السلام رأسه إليه فقال : لا حكم إلا الله ولو كره أبو الحسن ، فقال علیه السلام : «إن أبا الحسن لا يكره أن يكون الحكم الله»، ثم قال : «حكم الله انتظر فيكم»، فقال النّاس هلا ملت يا أمير المؤمنين على هؤلاء النّاس فأفنيتهم ؟ فقال : «إنهم لا يفنون إنّهم لفي أصلاب الرّجال وأرحام النّساء إلى يوم القيامة». (1)
وروى أنس بن عياض المدني، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام أنّ عليّاً كان يوماً يؤمّ النّاس وهو يجهر بالقراءة فجهر ابن الكوا من خلفه:
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِك لين أشرَكتَ لَيَحبَطنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ 65) [الزمر: 65] .
فلماجهر ابن الكوا من خلفه بها سكت علي علیه السلام، فلما أنهاها ابن الكوا أعاد علي علیه السلام فأتم ،قراءته، فلما شرع علي علیه السلام في القراءة أعاد ابن الكوا الجهر بتلك الآية فسكت على علیه السلام
1) نهج السعادة: 316/2 ، وبحار الأنوار: 344/33.
فلم يزالا كذلك يسكت هذا ويقرأ هذا مراراً حتّى قرأ علي علیه السلام:
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾ [الروم: 60] فسكت ابن الكوا وعاد علي علیه السلام إلى قراءته .
وذكر الطبري «صاحب التاريخ» أنّ عليّاً علیه السلام لما دخل الكوفة دخل معه كثير من الخوارج وتخلف منهم بالنخيلة وغيرها خلق كثير لم يدخلوها، فدخل حرقوص بن زهير السعدي وزرعة البرج الطائي وهما من رؤوس الخوارج على علي علیه السلام فقال له حرقوص : تب من خطيئتك واخرج بنا إلى معاوية نجاهده، فقال علیه السلام :« إنّي كنت نهيت عن الحكومة فأبيتم، ثمّ الآن تجعلونها ذنباً، أما أنها ليست بمعصية ولكنّها عجز من الرّأي وضعف في التّدبير وقد نهيتكم عنه ».
فقال زرعة :أما والله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لأقتلنّك، أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقال له علي علیه السلام: «بؤساً لك ما أشقاك كأني بك قتيلاً يسفي عليك الرّياح »، قال زرعة :وددت أنّه كان ذلك قال : وخرج علي علیه السلام يخطب فصاحوا به من جوانب المسجد لا حكم إلا لله وصاح به رجل :
(و ولقد أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَين أشركت ليحطنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ65)[الزمر: 65] فقال علي علیه السلام: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ60 )[الروم: 60].
قال أبو العباس المبّرد: ويقال أول من حكم عروة بن أويّة ،أویّة جدّة له جاهلية وهو عروة جدير أحد بني ربيعة، وقال قوم أول من حكم رجل من بني محارب يقال له سعيد ولم يختلفوا في اجتماعهم على عبد الله بن وهب الرّاسبي وأنّه امتنع عليهم، وأوماً إلى غيره فلم يقنعوا إلاّ به، فكان إمام القوم وكان يوصف برأي.
فأمّا أوّل سيف سلّ من الخوارج فسيف عروة بن أوّية ،وذاك أنّه أقبل على الأَشعث فقال: ما هذه الدنية يا أشعث وما هذا التحكيم أشرط أوثق من شرط الله عزّ وجل، ثمّ شهر عليه السّيف والأشعث مولّ فضرب به عجز بغلته .
قال أبو العباس: وعروة هذا من النّفر الذين نجوا من حرب النّهروان، فلم يزل باقياً مدّة من أيّام معاوية، ثمّ أتي به زياد ومعه مولى له فسأله عن أبي بكر وعمر فقال خيراً، فقال له : فما تقول في أمير المؤمنين عثمان وفي أبي تراب «قال ظ »فتولى عثمان ستّ سنين من خلافته، ثمّ شهد عليه بالكفر وفعل في أمر علي علیه السلام مثل ذلك إلى أن حكم ،ثمّ شهد عليه بالكفر ثم سأله عن معاوية فسبه سبّاً قبيحاً، ثم سأله نفسه فقال أولك لزينة، وآخرك لدعوة وأنت بعد عاص لرّبك فأمر به فضربت عنقه .
ثم دعا مولاه فقال : صف لي أموره قال: أطنب أم أختصر، قال :بل اختصر، قال: ما أتيته بطعام بنهار قط ولا فرشت له فراشاً بليل قط .
قال المبرد: وسبب تسميتهم الحروري أن علياً لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس إياهم كان فيما قال لهم : «ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم إن هذه مكيدة ووهن، ولو أنّهم قصدوا إلى حكم المصاحف لآتوني وسألوني التحكيم، أفتعلمون أن أحداً أكره على التحكيم مني». قالوا صدقت.
قال: «فهل تعلمون أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم، فأشرطت أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله فمتى خالفاه فأنا وأنتم من ذلك براء. وأنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني»، قالوا: اللهم نعم ، قال : «وكان معهم في ذلك الوقت ابن الكوا وهذا من قبل أن يذبحوا عبد الله بن خباب وإنما ذبحوه في الفرقة الثانية بكسكر» فقالوا له : حكمت في دين الله برأينا ونحن مقرون بأنا كنا كفرنا ولكن الآن تائبون فأقر بمثل ما أقررنا به وتب ننهض معك إلى الشام .
فقال: «أما تعلمون أن الله قد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرّجل وامرأته فقال سبحانه :
(فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء : 35] .
وفي صيد أصيب كأرنب يساوي نصف درهم فقال :
(و يحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة : 95] .
فقالوا له : فإن عمراً لما أبى عليك أن تقول في كتابك هذا ما كتبه عبد الله علي أميرالمؤمنين محوت اسمك الخلافة وكتبت علي بن أبي طالب فقد خلعت نفسك .
فقال علیه السلام: «لى أسوة برسول الله حين أبى عليه سهل بن ،عمرو، أن يكتب هذا ما كتبه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو، وقال لو أقررت بأنك رسول الله ما خالفتك، ولكني أقدمك لفضلك فاكتب محمد بن عبد الله فقال لي: يا علي أمح رسول الله فقلت يا رسول الله لا تشجعني نفسي على محو اسمك من النبوة قال: فقفني عليه فمحاه بيده، ثم قال : اكتب محمد بن عبد الله ، ثم تبسم إلي وقال : إنك ستسام (أي تعامل) مثلها فتعطي.
فرجع معه علیه السلام منهم ألفان من الحروراء، وقد كانوا تجمعوا بها فقال لهم :عَلامَ نسمّيكم؟ ثم قال : أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء.
قال المبرد: إن عليّاً في أوّل خروج القوم عليه دعا صعصة بن صوحان العبدي وقد كان وجهه إليهم وزياد بن نضر الحارثي مع عبد الله بن العباس فقال لصعصعة بأي القوم رأيتم أشدّ إطاعة، فقال: بيزيد بن قيس الأرحبي، فركب إلى حروراء فجعل يتخللهم حتى صار إلى
مضرب يزيد بن قيس، فصلى فيه ركعتين، ثمّ خرج فاتكأ على قوسه وأقبل على النّاس.
فقال: «هذا مقام من فلج فيه فلج إلى يوم القيامة» ، ثم كلمهم وناشدهم، فقالوا إنّا أذنبنا
ذنباً عظيماً بالتّحكيم، وقد تبنا فتب إلى الله كما تبنا نعدلك فقال علي علیه السلام : «أنا أستغفر الله من كل ذنب». فرجعوا معه وهم ستّة ألاف ،فلما استقرّوا بالكوفة أشاعوا أنّ عليّاً رجع التحكيم ورآه ضلالاً، وقالوا : إنّما ينتظر أن يسمن الكراع ويجيء المال، ثمّ ينهض بنا إلى الشّام.
فأتى الأَشعث عليّاً فقال : يا أمير المؤمنين إنّ النّاس قد تحدّثوا أنك رأيت الحكومة ضالّة، والإقامة عليها كفراً فقام علي علیه السلام فخطب فقال: من زعم أنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب ومن رآها ضلالاً، فقد ضلّ فخرجت حينئذٍ الخوارج من المسجد فحكمت (1).
قال الشّارح المعتزلي : قلت كلّ فساد كان في خلافة علي علیه السلام وكلّ اضطراب حدث فأصله الأَشعث، ولولا محاقته أمير المؤمنين في معنى الحكومة في هذه المرّة لم يكن حرب النهروان ،ولكان أمير المؤمنين ينهض بهم إلى معاوية ويملك الشّام فإنّه علیه السلام حاول أن يسلك معهم مسلك التّعريض والموارية، وفي المثل النبوي صلوات الله على قائله : الحرب
خدعة (2).
وذلك أنّهم قالوا له : تب إلى الله مما فعلت كما تبنا، ننهض معك إلى حرب الشام، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء والمرسلون والمعصومون، وهي قوله : (استغفر الله من كل ذنب) فرضوا بها وعدوها إجابة لهم إلى سؤالهم ، وصفت لهم نياتهم ،واستخلصت بها ضمائرهم من غير أن يتضمّن تلك الكلمة اعترافاً بكفر أو ذنب.
فلم يتركه الأشعث وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً عن الحال وهاتكاً ستر التورية والكناية،
ومخرجاً لها من مشكلة الإجمال إلى تفسيرها بما يفسد التّدبير ويوعر الصّدور، ويعيد الفتنة فخطب بما صدع به عن صورة ما عنده مجاهرة، فانتقض ما دبّره وعادت الخوارج إلى شبهها الأولى، وراجعوا التّحكيم، وهكذا الأوّل التي يظهر فيها أمارات الزوال والإنقضاء يتاح لها مثال الأَشعث أولى الفساد في الأرض.
(سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَةِ اللهِ تَبْدِيلًا 62﴾ [الأحزاب: 62] .
ثم قال : قال المبرّد: ثم مضى القوم إلى النهروان ،وقد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن، فمن طريق أخبارهم أنّهم أصابوا في طريقهم مسلماً ونصرانياً فقتلوا المسلم لأَنّه عندهم كافر إذ كان على خلاف معتقدهم ،واستوصوا بالنّصراني وقالوا احفظوا ذمة نبيّكم
قال : ولقاهم عبد الله بن خباب في عنقه مصحف على حمار ومعه امرأة وهي حامل فقالوا له: إنّ هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك فقال لهم: ما أحياه القرآن فأحيوه وما أماته فأميتوه ؛ فوئب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فصاحوا به ،فلفظها تورعاً وعرض لرجل منهم خنزير فضربه وقتله، فقالوا :هذا فساد في الأرض وأنكروا قتل الخنزير .
ثم قالوا لابن خباب : حدّثنا عن أبيك، فقال سمعت أبي يقول : قال رسول الله صلی اللهُ علیه وآله :«ستكون بعدي فتنة يموت فيها قلب الرّجل كما يموت بدنه سي مؤمناً و ييصبح كافراً، فكن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل»، قالوا : فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيراً، قالوا فما تقول في على قبل التّحكيم وفي عثمان في السّنين الست الأَخيرة؟ فأثنى خيراً قالوا :فما تقول في علي بعد التّحكيم والحكومة؟ قال: إنّ عليّاً أعلم بالله وأشدّ توقياً على دينه وأنفذ بصيره، فقالوا : إنّك لست تتبع الهدى إنما تتبع الرّجال على أسمائهم، ثم قربوه إلى شاطىء النهر فاضجعوه فذبحوه.
قال المبرّد :وساوموا رجلاً نصرانياً بنخلة له فقال هي لكم، فقالوا : ما كنا لنأخذها إلاّ بثمن، فقال : واعجباه أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون خبا نخلة إلاّ بثمن . قال أبو عبيدة واستنطقهم علي علیه السلام بقتل ابن خباب فأقروا به ؛ فقال: «انفردوا كتائب لأَسمع قولكم كتيبة كتيبة »، فتكتبوا كتائب وأقرت كلّ كتيبة بما أقرّت به الأخرى من قتل ابن خباب ،وقالوا :لنقتلنك كما قتلناه ،فقال : والله لو أقرّ أهل الدّنيا كلهم بقتله هكذا، وأنا أقدر على قتلهم به لقتلتهم، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : شدّوا عليهم فأنا أوّل من يشدّ عليهم ،فحمل بذي الفقار حملة منكرة ثلاث مرّات كلّ حملة يضرب به حتّى يعوج متنه،ثمّ يخرج فيسوّيه بركبتيه، ثم يحمل به حتّى أفناهم.
وروى قيس بن سعد بن عبادة أنّ عليّاً علیه السلام لما انتهى إليهم قال لهم : «قيدونا بدم عبد الله بن خباب» ،فقالوا : كلنا قتله فقال علیه السلام: «احملوا عليهم ».
وروی مسلم الضّبي أيضاً عن حبة العرني : قال لما انتهينا إليهم رمونا ، فقلنا لعلي : يا أمير المؤمنين قد رمونا ،فقال : كفوا ثمّ رمونا فقال : كفوا، ثم الثالثة فقال :« الآن طاب القتال
احملوا عليهم». (1)
وروى المحدّث العلامة المجلسي في «البحار» من كتاب الخرائج قال: روي عن جندب بن زهير الأزدي ، قال: لما فارقت الخوارج عليّاً خرج علیه السلام إليهم وخرجنا معه،
1) بحار الأنوار: 347/33
فانتهينا إلى عسكرهم فإذا لهم دويّ كدويّ النّحل في قراءة القرآن ،وفيهم أصحاب البرانس
وذو الثفنات.
فلما رأيت ذلك دخلني شك ونزلت عن فرسي وركزت رمحي ووضعت ترسي ونثرت عليه درعي، وقمت أصلي وأنا أقول في دعائي : اللّهم إن كان قتال هؤلاء القوم رضاً لك فأرني من ذلك ما أعرف به أنّه الحقّ، وإن كان لك سخطاً فاصرف عنّي إذ أقبل عليّ فنزل عن بغلة رسول الله وقام يصلي إذ جاءه رجل فقال : قطعوا النّهر، ثم جاء آخر يشدّ دابته فقال : قطعوه وذهبوا ،فقال أمير المؤمنين :« ما قطعوه ولا يقطعونه وليقتلن دون النّطفة عهد من الله ورسوله».
وقال لي: يا جندب ترى الشّك؟ قلت: نعم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حدّثني أنّهم يقتلون عنده»، ثمّ قال إنا نبعث إليهم رسولاً يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه فيرشقون وجهه بالنّبل وهو مقتول، قال : فانتهينا إلى القوم فإذا هم في معسكرهم لم يبرحوا ولم يترحّلوا فنادى النّاس وضمهم .
ثمّ أتى الصّف وهو يقول من يأخذ هذا المصحف ويمشي به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وهو مقتول وله الجنّة، فما أجابه أحد إلاّ شاب من بني عامر بن صعصعة، فلما رأى حداثة سنه قال له : ارجع إلى موقفك، ثم أعاد فما أجابه إلا ذلك الشاب.
قال: خذه أما أنّك مقتول فمشى به حتّى إذا دنا من القوم حيث يسمعهم ناداهم إذ رموا وجهه بالنّبل، فأقبل علينا ووجهه كالقنفذ، فقال علي علیه السلام: «دونكم القوم فحملنا عليهم »، قال جندب ذهب الشّك عني وقتلت بكفي ثمانية .
ومن كتاب المناقب لابن شهر آشوب لما دخل علي علیه السلام الكوفة جاء إليه زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير التّميمي ذو الثدية، فقال لا حكم إلا لله، فقال علي علیه السلام: «كلمة حق براد بها باطل »،قال حرقوص : فتب من خطيئتك وارجع عن قصتك واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتّى نلقى ربنّا، فقال علي علیه السلام :قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتاباً وشروطاً وأعطينا عليها عهوداً ومواثيق، وقد قال الله تعالى :
( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ )[النحل : 91] .
فقال حرقوص : ذلك ذنب ينبغي أن نتوب عنه فقال علي علیه السلام: «ما هو بذنب، ولكنّه عجز من الرّأي وضعف في العقل، وقد تقدّمت فنهيتكم عنه»، فقال ابن الكواء: الآن صحّ عندنا أنك لست بإمام ،ولو كنت إماماً لما رجعت ،فقال علي علیه السلام: «ويلكم قد رسول الله صلی الله علیه و آله عام الحديبيّة عن قتال أهل مكّة ».
ففارقوا أمير المؤمنين وقالوا لا حكم إلاّ لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ،وكانوا اثنى عشر ألفاً من أهل الكوفة والبصرة وغيرهما، ونادى مناديهم أّنّ أمير القتال شيت بن ربعي وأمير الصّلاة عبد الله بن الكوّاء والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة الله على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، واستعرضوا النّاس وقتلوا عبد الله بن خباب وكان عامله علیه السلام على النهروان .
فقال أمير المؤمنين علیه السلام :«يا ابن عبّاس امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه ،ولماذا اجتمعوا »فلما وصل إليهم قالوا: ويلك يا ابن عباس أكفرت برّبك كما كفر صاحبك علي بن أبي طالب، وخرج خطيبهم عتاب بن الأَعور التّعلبي.
فقال ابن عبّاس : من بنى الإسلام؟ فقال: الله ورسوله ،فقال النّبي أحكم أموره وبيّن حدوده أم لا؟ قال بلى ،قال فالنّبي بقي في دار الإسلام أم ارتحل؟ قال : بل ارتحل، قال: فأمور الشرع ارتحلت معه أم بقيت بعده؟ قال : بل بقيت، قال: فهل قام أحد بعده بعمارة ما بناه؟ قال : نعم الذّرية والصّحابة ،قال: أفعمروها أو خربوها؟ قال: بل عمروها؟ قال: فالآن هي معمورة أم خراب؟ قال: بل خراب قال : خربها ذريته أم أمّته؟ قال: بل أمّته، قال : أنت من الذرية أو من الأمة؟ قال من الأمة قال : أنت من الأمة وخربت دار الإسلام فكيف ترجو الجنّة، وجرى بينهم كلام كثير .
فحضر أمير المؤمنين في مائة رجل،فلما قابلهم خرج إليه ابن الكوا في مائة رجل فقال:«أنشدكم الله هل تعلمون حيث رفعوا المصاحف، فقلتم نجيبهم إلى كتاب الله ، فقلت لكم : إنّي أعلم بالقوم منكم، وذكر مقالة إلى أن قال: فلما أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن ،فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخلف حكمه، وإن أبيا فنحن منه براء».
فقالوا له : أخبرنا أترى عدلاً تحكيم الرّجال في الدّماء؟ فقال: «إنا لسنا الرّجال حكمنا، وإنما حكَّمنا القرآن ،والقرآن إنّما هو خط مستور بين دفتين لا ينطق إنّما يتكلم به الرّجال». قالوا : فأخبرنا عن الأَجل لم جعلته فيما بينك وبينهم ؟ قال ليعلم الجاهل ويثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه المدة هذه الأمة، وجرت بينهم مخاطبات فجعل بعضهم يرجع فأعطى أمير المؤمنين علیه السلام الراية أمان مع أبي أيّوب الأنصاري فناداهم أبو أيوب: من جار إلى هذه الرّاية أو خرج من بين الجماعة فهو آمن ،فرجع منهم ثمانية الآف، فأمرهم أمير المؤمنين أن يتميّزوا منهم، وأقام الباقون على الخلاف وقصدوا إلى نهروان، فخطب أمير المؤمنين واستفزّهم فلم يجيبوه، فتمثل بقوله :
أمرتكم أمري بمنعرج الّوی ***فلم تستبينوا النّصح إلا ضحى الغد
ثمّ استنفرهم فنفر ألفا رجل يقدمهم عدي بن حاتم وهو يقول :
إلى شرّ خلق من شراة تخرّبوا ***وعادوا له النّاس رب المشارق
فوجّه أمير المؤمنين نحوهم وكتب إليهم على يدي عبد الله بن أبي عقب وفيها : والسّعيد من سعدت به رغبته ،والشقي من شقيت به رغبته، وخير النّاس خيرهم لنفسه، و شرّ هم النّاس شرّ هم لنفسه، ليس بين الله وبين أحد قرابة .
(وكُلُّ نَفسِِ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر : 36].
فلما أتاهم أمیر المؤمنين علیه السلام فاستعطفهم فأبوا إلاّ قتاله وتنادوا أن دعوا مخاطبة علي علیه السلام وأصحابه، وبادروا الجنّة وصاحوا :الرّواح الرواح إلى الجنّة، وأمير المؤمنين يؤبي أصحابه ونهاهم أن يتقدّم إليهم أحد، فكان أول من خرج أخنس بن العزيز الطائي وجعل يقول :
ثمانون من حيّ جديلة اقتلوا ***على النهر كانوا يخصبون العواليا
ینادون لا لا حكم إلا لرّبنا *** حنانيك فاغفر حوينا والمسائيا
هم فارقوا من جاز في الله حكمه ***فكلّ على الرحمن أصبح ثاويا
فقتله أمير المؤمنين علیه السلام وخرج عبد الله بن وهب الرّاسبي يقول:
أنا ابن وهب الرّاسبی الشاري*** اضرب في القوم لأخذ الثّار
حتّی تزول دولة الأشرار ***ويرجع الحقّ إلى الأخيار
وخرج مالك بن الوضّاح وقال :
إنّي لبائع ما یفنی بباقیه ***ولا أريد لدى الهيجاء تربيصاً
وخرج أمير المؤمنين والوضاح بن الوضاح من جانب وابن عمه حرقوص من جانب فقتل الوضاح وضرب ضربة على رأس الحرقوص فقطعه، ووقع رأس سيفه على الفرس فشرد ورجله في الرّكاب حتّى أوقعه في دولاب خراب فصارت الحرورّية :
(كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) [إبراهيم: 18] .
فكان المقتولون من أصحاب علي رؤبة بن وبر البجلي ،ورفاعة بن وابل الأرجي والفياض بن خليل الأزدي، وكيسوم بن سلمة الجهني، وحبيب بن عاصم الأِزدي إلى تمام تسعة، وانفلت من الخوارج تسعة وكان ذلك لتسع خلون من صفر سنة ثمان وثلاثين (1).
1) مناقب آل أبي طالب : 371/2 ، وبحار الأنوار: 391/33 .
ومن كتاب «كشف الغمّة »قال : قال ابن طلحة لمّا عاد أمير المؤمنين من صفين إلى الكوفة بعد إقامة الحكمين أقام ينتظر إنقضاء المدّة التي بينه وبين معاوية ليرجع إلى المقاتلة والمحاربة إذا انخزلت طائفة من خاصّة أصحابه في أربعة آلاف فارس وهم العباد والنساك ،فخرجوا من الكوفة وخالفوا عليّا علیه السلام وقالوا : لا حكم إلا الله ولا طاعة لمن عصى الله وانحاز نيف عن ثمانية آلاف ممّن يرى رأيهم فصاروا إثنا عشر ألفاً، وساروا إلى أن نزلوا الحروراء، وأمّروا عليهم عبد الله ابن الكوا.
فدعا علي علیه السلام عبد الله بن عبّاس فأرسله إليهم فحائهم فلم يرتدعوا ،وقالوا :ليخرج إلينا علي علیه السلام بنفسه لنسمع كلامه عسى أن يزول ما بأنفسنا إذا سمعناه، فرجع ابن عبّاس فأخبره فركب في جماعة ومضى إليهم، فركب ابن الكوا في جماعة منهم، فوافقه.
فقال له علي علیه السلام :«یا بن الكوّا إنّ الكلام كثير فأبرز إلي من أصحابك لأكلمك فقال : وأنا آمن من سيفك؟ فقال: نعم، فخرج إليه في عشرة من أصحابه فقال له: عن الحرب مع معاوية، وذكر له رفع المصاحف على الرّماح وأمر الحكمين ،قال: «ألم أقل لكم إن أهل الشّام يخدعونكم بها، فإنّ الحرب قد عضّتهم فذروني أناجزهم فأبيتم ،ألم أرد نصب ابن عمّي وقلت إِنّه لا ينخدع فأبيتم إلاّ أبا موسى ،وقلتم رضينا به حكماً، فأجبتكم كارهاً، ولو وجدت في ذلك الوقت أعواناً غيركم لما أجبتكم، وشرطت على الحكمين بحضوركم أن يحكما بما أنزل الله من فاتحته إلى خاتمته والسّنة الجامعة وأنّهما إن لم يفعلا فلا طاعة لهما عليّ كان ذلك، أو لم يكن»؟
قال ابن الكوّاء: صدقت كان هذا كله فلم لا ترجع الآن إلى حرب القوم؟ فقال: «حتّى تنقضي المدّة التي بيننا وبينهم»؟ قال ابن الكوّا: وأنت مجمع على ذلك، قال: «نعم لا يسعني غيره »،فعاد ابن الكوا والعشرة الذين معه إلى أصحاب علي علیه السلام راجعين عن دين الخوارج وتفرّق الباقون وهم يقولون ،لا حكم إلاّ لله وأمّروا عليهم عبد الله بن واهب الرّاسبي وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثّدية وعسكروا بالنّهروان .
وخرج علي حتّى بقي على فرسخين منهم ،وكاتبهم وراسلهم فلم يرتدعوا، فأركب إليهم ابن عبّاس وقال: «سلهم ما الذي نقموه وأنا ردفك فلا تخف منهم». فلما جاءهم ابن عبّاس قال : ما الذي نقمتم من أمير المؤمنين علیه السلام قالوا :نقمنا أشياء لو كان حاضراً لكفرناه بها، وعلي علیه السلام وراءه يسمع ذلك، فقال :يا أمير المؤمنين قد سمعت كلامهم وأنت أحقّ بالجواب .
فتقدّم وقال :« أيّها النّاس أنا علي بن أبي طالب فتكلموا بما نقمتم عليه ». قالوا :نقمنا عليك أوّلاً إنّا قاتلنا بين يديك بالبصرة فلمّا أظفرك الله بهم أبحثنا ما في
عسكرهم ومنعتنا النّساء والذريّة فكيف حلّ لنا ما في العسكر ولم يحلّ لنا النّساء؟
فقال لهم «يا هؤلاء إنّ أهل البصرة قاتلونا وبدؤونا بالقتال فلمّا ظفرتم أقسمتم سلب من قاتلكم ومنعتكم من النّساء والذريّة، فإنّ النساء لم يقاتلن والذريّة ولدوا على الفطرة ولم ينكثوا ،ولا ذنب لهم، ولقد رأيت رسول الله منّ على المشركين فلا تعجبوا أن مننت على المسلمين فلم أسب نسائهم ولا ذريتّهم ».
وقالوا : نقمنا عليك يوم صفّين كونك محوت اسمك من إمرة المؤمنين فإذن لم تكن أميرنا فلا نطيعك ولست أميراً لنا .
قال: «يا هؤلاء إنّما اقتديت برسول الله حين صالح سهيل بن عمرو» وقد تقدّمت. قالوا :فإنّا نقمنا عليك أنّك قلت للحكمين : أنظرا كتاب الله فإن كنت أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة فإذا كنت شاكاً في نفسك فنحن فيك أشدّ وأعظم شكّاً.
فقال:« إنّما أردت بذلك النّصفة فإنّي لو قلت: أحكما لي دون معاوية لم يرض ولم يقبل، ولو قال النّبي لنصارى نجران لما قدموا عليه تعالوا نبتهل ثم أجعل لعنة الله عليكم لم يرضوا، ولكن أنصفهم من نفسه كما أمره الله فقال :
(فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الكَذِبِينَ ﴾ [آل عمران: 61] .
فأنصفهم من نفسه فكذلك فعلت أنا ولم أعلم بما أراد عمرو بن العاص من خدعة أبي موسى ».
قالوا: فإنّا نقمنا عليك أنك حكمت حكماً في حقّ هو لك فقال : «إن رسول الله حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ولو شاء لم يفعل ،وأنا اقتديت به فهل بقي عندكم شيء »؟ فسكتوا وصاح جماعة منهم من كلّ جانب التّوبة التّوبة يا أمير المؤمنين واستأمن إليه ثمانية آلاف وبقي على حربه أربعة آلاف ،فأمر المستأمنين بالإعتزال عنهم في ذلك الوقت، وتقدّم بأصحابه حتّى دنا منهم.
وتقدّم عبد الله بن وهب وذو الثّدية حرقوص وقالا :ما نريد بقتالنا إيّاك إلاّ وجه الله والدّار الآخرة ، فقال علیه السلام:
(وقُل هَلْ تُلَيْتكُم بِالأَخَسَرِينَ أَعْمَلا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعَيُهُمْ فِي الحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا )[الكهف : 103 - 104] .
ثمّ التحم القتال بين الفريقين ،واستعرّت الحرب بلظاها وأسفرت عن زرقة صبحها وحمرة ضحاها ،فتجادلوا وتجالدوا بألسنة رماحها وحداد ظباها فحمل فارس من الخوارج يقال له الأخنس الطائي وكان شهد صفّين مع علي علیه السلام فحمل وشقّ الصفوف يطلبه علیه السلام
فبدره علي بضربة فقتله .
فحمل ذو الثّدية ليضرب عليّاً فسبقه علي علیه السلام وضربه ففلق البيضة ورأسه فحمله فرسه لما به فألقاه في آخر المعركة في جرف دالية على شط النهروان ،وخرج من بعده ابن عمّه مالك بن الوضاح وحمل على عليّ فضربه فقتله .
وتقدم عبد الله بن وهب الرّاسبي فصاح يا ابن أبي طالب والله لا تبرح من هذه المعركة
حتّى تأتي على أنفسنا أو نأتي على نفسك فابرز إليَّ وابرز إليك وذر الناس جانباً، فلما سمع علي علیه السلام كلامه تبسم وقال: «قاتله الله من رجل ما أقل حياؤه أما أنّه ليعلم أني لحليف السيف وخدين الرّمح ولكنّه قد يئس من الحياة، وأنّه ليطمع طمعاً كاذباً ثم حمل على علي ،فحمله علي علیه السلام فضربه وقتله وألحقه بأصحابه القتلى».
واختلطوا فلم تكن إلاّ ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم وكانوا أربعة آلاف، فما أفلت منهم إلاّ تسعة أنفس: رجلان هربا إلى خراسان إلى أرض سجستان وبها نسلهما ورجلان صارا إلى بلاد عمان وفيها نسلهما ورجلان صارا إلى اليمن فيها نسلهما، وهم الإباضية، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يعرف بالسن والبوازيخ وإلى شاطىء الفرات وصار آخر إلى تل موزون .
وغنم أصحاب عليّ غنائم كثيرة، وقتل من أصحاب علي تسعة بعدد من سلم من الخوارج، وهي من جملة كرامات علي علیه السلام فإنّه قال : «نقتلهم ولا يقتل منّا عشرة ولا يسلم منهم عشرة، فلما قتلوا قال علي علیه السلام : «التمسوا المخدج فالتمسوه »فلم يجدوه فقام علي علیه السلام بنفسه حتّى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض فقال : أخروهم فوجدوه ممّا يلي الأرض فكبر علي علیه السلام وقال : «صدق الله وبلغ رسوله» .
قال أبو الوضيئي : فكأنّي أنظر إليه حبشي عليه قريطق ،إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعرات مثل شعر ذنب اليربوع، وهذا أبو الوضيئي هو عباد بن نسيب القيسي تابعي يروي عنه هذا القول أبو داود (1).
وفي كتاب «المناقب »لابن شهر آشوب عن أبي نعيم الأصفهاني عن سفيان الثوري إنّ أمير المؤمنين أمر أن يفتش على المخدج بين القتلى فلم يجدوه فقال رجل : والله ما هو فيهم فقال علي علیه السلام : «ما كذبت ولا كذبت »(2).
وعن «تاريخ الطبري »وإبانة بن بطة ومسند أحمد عن عبد الله بن أبي رافع وأبي موسى
الوابلي وجندب وأبي الوضيئي واللفظ له قال علي علیه السلام: «اطلبوا المخدج» فقالوا: لم نجده فقال :« والله ما كذبت ولا كذبت با عجلان ائتني ببغلة رسول الله »،فأتاه بالبغلة فركبها وجال في القتلى ثمّ قال :« اطلبوه ههنا »قال :فاستخرجوه من تحت القتلى في نهر وطين(1). وعن «تاريخ القمي» أنّه رجل أسود عليه شعرات عليه قريطق مخدج اليد أحد ثدييه كثدي المرأة عليه شعيرات مثل ما يكون على ذنب اليربوع (2).
وعن أبي داود بن بطة أنّه قال علي: «من يعرف هذا»؟ فلم يعرفه أحد قال رجل أنا رأيت هذا بالحيرة فقلت: إلى أين تريد؟ فقال إلى هذه وأشار إلى الكوفة وما لي بهذا معرفة فقال علي علیه السلام «صدق هو من الجان وفي رواية هو من الجن » (3).
وفي رواية أحمد قال أبو الوضيئي: لا يأتيتكم أحد يخبركم من أبوه ، قال : فجعل النّاس يقول : هذا ملك هذا ملك ويقول علي : «ابن من ».
وفي «مسند الموصلي »في حديث: من قال من النّاس أنّه رآه قبل مصرعه فهو كاذب (4).
وفي «مسند أحمد »عن أبي الوضيئي أنّه قال علي علیه السلام: «أما إن خليلي أخبرني بثلاثة أخوة من الجنّ هذا أكبرهم، والثّاني له جمع كثير والثالث فيه ضعف » (5).وفي «شرح المعتزلي» عن ابن ديزيل عن الأَعمش عن زيد بن وهب قال : لمّا شجرهم علي علیه السلام بالرّماح قال : «اطلبوا ذا الثّدية» فطلبوه طلباً شديداً حتّى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى ،فأتي به وإذا رجل على يديه مثل سبلات السّنور؛ فكبّر علي علیه السلام وكّبر النّاس معه سروراً بذلك (6).
وعن ابن ويزيل أيضاً عن مسلم الضبي عن حبة العرني قال : كان رجلاً أسود منتن الرّيح له يد كثدي المرأة إذا مدّت كانت بطول اليد الأخرى، وإذا تركت اجتمعت وتقلصت وصارت المرأة عليه شعرات مثل شوارب الهرة، فلما وجدوه قطعوا يده ونصبوها على رمح ،ثمّ جعل علي يقول : «صدق الله وبلغ رسوله »، ولم يزل يقول ذلك هو وأصحابه بعد العصر إلى أن غربت الشّمس أو كادت .
وعن العوام بن الحوئب ،عن أبيه ،عن جدّه يزيد بن رويم، عن جدّه يزيد بن رويم، قال: قال علي علیه السلام :«يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثّدية»، فلما طحن القوم ورام استخراج ذي الثّدية فأتعبه ،أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة ،فركب بغلة رسول الله وقال اطرح على كلّ قتيل منهم قصبة ،فلم يزل كذلك وأنا بين يديه وهو راكب خلفي والناس يتّبعونه حتّى بقيت في يدي واحدة فنظرت وإذا وجهه أربد ، وإذا هو يقول: «والله ما كذبت ولاكذبت »فإذا حزير ماء عند موضع دالية، فقال: «فتّش هذا »،ففتشته فإذا قتيل قد صار في الماء وإذا رجله في يدي فجذبتها، وقلت هذه رجل إنسان فنزل عن البغلة مسرعاً فجذب الرجل الأخرى وجررناه حتى صار على التّراب، فإذا هو المخدج فكبّر علي بأعلى صوته ثمّ سجد فكبر النّاس كلهم هذا (1).
وبقية الكلام في اقتصاص وقعة الخوارج تأتي إن شاء الله عند شرح بعض الخطب الآتية المسوقة لهذا الغرض والله الموفق والمعين
1) بحار الأنوار: 352/33 .
از جمله خطب شریفه آن سرور اولیاء عليه و آله آلاف التحية و التّنا است در ترسانیدن اهل نهروان که می فرماید:
بس من ترساننده شما هستم از این که صباح نمایید جان داده و افتاده در اثنای این جوی و در زمین های هموار این گودال در حالتی که هیچ حجت شرعیه نبوده باشد شما را از جانب پروردگار خود در خروج و نه برهان عقلی باشد با شما در ارتکاب این امر ،به تحقیق که متحیر و سرگشته ساخت یا این که بهورطه هلاکت انداخت شما را دنیای فانی و در حباله و دام واقع نمود شما را قضا و قدر ربانی و به تحقیق که بودم نهی کردم شما را از این حکومت حکمین ،پس ابا ابا و امتناع کردید بر من مثل ابا کردن مخالفان و شکنندگان پیمان تا این که صرف نمودم رأی خود را به میل و خواهش شما و حال آن که شما جماعتی هستید سبك مغز و شوریده عقل، نیاوردم من به شما حادثه ای و داهیه ای را ،پدر مباد شما را و اراده نکردم در حق شما شر و ضرر را ،بلکه جزای سوء تدبیر خودتان است که می برید.
«فَقُمْتُ بِالأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا، وتَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا ، ونَطَقْتُ حينَ تَعْتَعُوا، ومَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا، وكُنتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً ، وأَعْلاهُمْ فَوْتاً ، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِها ، كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ الْقَواصِفُ، وَلاَ تُزِيلُهُ الْعَواصِفُ، لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ فِي مَهْمَزُ، وَلَا لِقَائِلِ فِي مَعْمَزٌ، الذَّليلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقِّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضعيفٌ حَتَّى أَخَذَ الْحَقِّ مِنْهُ، رَضينا عَنِ اللَّهِ قَضاءَهُ، وَسَلَّمْنا لِلَّهِ أَمْرَهُ ، أَتَرانِي أَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلی الله علیه و آله وَاللهِ لأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدْقَهُ، فَلاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ، فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَإِذا طاعَتي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتي، وَإِذا الميثاقُ في عُنُقِي لِغَيْري» (1).
(فشل) كفرح فهو فشل ضعف وكسل وتراخي وجبن و (التطلع ) هو الإشراف من عال وتطلعه أشرف عليه وعلم به و (التّقبع) التّقبض يقال قبع القنفذ أدخل رأسه في جلده، وقبع الرّجل في قميصه دخل وتخلف عن أصحابه و(التّعتعة) في الكلام التّردد والإضطراب فيه من أوعى و(الفوت) السّبقة يقال فاته فلان بذراع سبقه فيها ومنه يقال إفتات فلان إفتياتاً إذا سبق بفعل شيء و (استبدّ) برأيه واستبدّ بالشّيء استقلّ به وانفرد.
و(الزمان) إما جمع الزمن كالرهون والرّهن وهو ما يوضع عندك لينوب مناب ما يؤخذ منك، أو مصدر كالمراهنة يقال : راهنت فلاناً على كذا رهاناً وتراهن القوم أخرج كلّ واحد رهناً ليفوز السّابق بالجميع إذا غلب، والثاني هو الأظهر وعليه فالمراد به ما يرهن ويستبق عليه.
و (القواصف) جمع القاصف يقال قصفت الرّيح العود قصفاً فانقصف مثل كسرته فانكسر وزناً ومعناً و(العواصف) جمع العاصف يقال : عصفت الرِّيح عصفاً اشتدّت فهي عاصف وعاصفة ،والأولى يجمع على العواصف والثّانية على العاصفات صرّح به الفيومي في «المصباح» ز(المهمز) و (المغمز) المطعن اسم مكان من الهمز والغمز يقال : همزه همزاً.
اغتابه في غيبتة وغمزه غمزاً أشار إليه بعين أو حاجب، وليس فيه مغمزة ولا غميزة أي عيب.
1) المزار : 232 ، وكتاب الأربعين: 174 .
صوتاً وفوتاً منصوبان على التّمييز والباء في بعنانها للاستعانة وفي قوله برهانها للصّلة ،ويحتمل كونها بمعنى في فلا بدّ حينئذٍ من إبقاء الرّهان على معناه المصدري فيكون المعنى انفردت من الأقران في مقام المراهنة والرّهان وجملة: لا تحرّكه القواصف، كالجمل التي بعدها منصوبة المحلّ على الحاليّة ؛ وقوله : حتّى أخذ بنصب المضارع بنفس حتّى كما يقوله الكوفيون، أو بأن مضمرة نظراً إلى أن حتّى خافضة للأسماء وما تعمل في الأسماء لا تعمل في الأفعال، وكذا العكس.
اعلم أن المستفاد من شرح المعتزلي هو أنّ هذا الكلام له فصول أربعة يلتقطه من كلام طويل له قاله بعد وقعة النّهروان مشتمل على وصف حاله منذ توفي رسول الله صلی تاالله علیه و آله إلى آخر وقته، فجعل السيد (ره) ما التقطه سرداً فصار عند السّامع كأنّه يقصد به مقصداً واحداً.
مشتمل على ذكر مناقبه الجميلة الممتاز بها عن غيره وهو قوله: (فقمت بالأَمر حين فشلوا )والمراد به قيامه علیه السلام بتشييد أمر الدّين وتأسيس أساس اليقين وترويج سنّة سيد المرسلين في الحروب والخطوب حين ضعف عنه سائر أصحابه صلوات الله عليه ،وفشلوا وجبنوا وكسلوا وكان ذلك دأبه وديدنه في زمن الرسول وبعده .
وقال الشّارح المعتزلي : الإشارة بذلك الفصل إلى قيامه بالأَمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أيّام أحداث عثمان وكون المهاجرين كلهم لم ينكروا ولم يواجهوا عثمان بما كان يواجهه به وينهاه عنه، فمعنى قمت بالأَمر قيامه علیه السلام بالنّهي عن المنكر حين فشل أصحاب محمّد إنتهى (1).
والأَظهر هو ما ذكرنا إلاّ أن يكون في بيان الذي أسقطه السّيد (ره) من كلامه قرينة على ما ذكره الشّارح عثر عليه هو ولم يعثر عليه بعد (وتطلعت حين تقبّعوا )أي أشرفت على حقائق المعقولات ودقائق المحسوسات واطلعت عليها حين قصر عنه سائرِ الأصحاب فحصل لي التّطاول فيها ولهم القصور (ونطقت حين تعتعوا )أراد به تكلمه في الأحكام المشكلة والمسائل المفصلة وغيرها بكلام واف بالمراد كاف في أداء المقصود مطابق لمقتضى الحال والمقام على ما كان يقتضيه ملكة الفصاحة والبلاغة التي كانت فيه، وأمّا غيره علیه السلام فقد عييوا به وعجزوا من أدائه واضطربوا فيه ولم يهتدوا لوجهه وطرقه.
1) شرح النهج للمعتزلي : 285/2 .
(ومضيت بنور الله حين وقفوا )حائرين بائرين جاهلين مفتونين ،والمراد بنور الله هو علم الإمامة المتلقّى من منبع النّبوة والرسالة وإليه الإشارة بآية النّور على ما رواه «في البحار من جامع الأَخبار» بإسناده عن فضيل بن يسار قال:
قلت لأبي عبد الله الصَّادق علیه السلام : (واللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور: 35] قال علیه السلام «كذلك قال الله عزّ وجل »قلت : «مَثَلُ نُورِهِ »قال لي محمّد صلی الله علیه و آله قلت: «كَمِشْكوةٍ» قال صدر محمّد قلت «فيها مِصْباحُ »قال فيه نور العلم يعني النّبوّة قلت : «الْمِصْباحُ فِي زُجَاجَةٍ» قال علم رسول الله صدر إلى قلب علي قلت «كَأَنَّها» قال لأَيِّ شَيْءٍ تقرأ كأنها؟ قلت فكيف جعلت فداك؟ قال كأَنَّه «كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ »قلت: «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ» قال ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لا يهودي ولا نصراني قلت: «يَكادُ زَيْتُها يُضيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ »قال يكاد العلم يخرج من فم آل محمّد من قبل أن ينطق به قلت :«نُورٌ عَى نُورٍ »قال الإمام على أثر الإمام (1).
(وكنت أخفضهم صوتاً )لأَن خفض الصوت دليل الدعة والاستكانة والتّواضع ورفع الصّوت علامة الجلافة والتكبر والتجبر وقد كان مشركو العرب يتفاخرون بالأَصوات الرافعة فوبخهم الله بما حكاه من وصية لقمان لابنه بقوله :
(واقصِد فِي مَشْيِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوتُ الْحَمِيرِ ) [لقمان: 19].
هذا كله مضافاً إلى أنّ السكوت وخفض الصّوت في الحروب دليل العزم والثبات والقوة ورفعه علامة الضّعف والجبن كما قال علیه السلام في بعض كلماته السابقة : «وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الأَمرين الفشل ولسنا نرعد حتّى نوقع، ولا نسيل حتّى نمطر».
ولما كان الخفض علامة القوة وعدم المبالاة حسن إردافه بقوله : ( وأعلاهم فوتاً) إذ لا شك أن من كان أشدّ ثباتاً وقوة كان أشدّ تقدّماً وسبقة إلى مراتب الكمال والسّعادة، حائزاً قصب السّبق في مضمار البراعة (فطرت بعنانها واستبددت برهانها )الضّميران راجعان إلى الفضائل النّفسانية والكمالات المعنويّة وان لم يجر لها ذكر لفظي في الكتاب .
قال الشارح البحراني: استعار ههنا لفظ الطيران للسَبق العقلي لما يشتركان فيه من معنى السرعة واستعار لفظي العنان والرهان الذين هما من متعلقات الخيل للفضيلة التي استكملتها نفسه تشبيهاً لها مع فضائل نفوسهم بخيل الجلبة ووجه المشابهة أن الصحابة لما كانوا يقتنون الفضائل ويستبقون بها إلى رضوان الله وسعادات الآخرة كانت فضائلهم التّي عليها يستبقون كخيل الرهان، ولما كانت فضيلته أكمل فضائلهم وأتمّها كانت بالنّسبة إلى فضائلهم كالفرس لا يشق غباره فحسن منه أن يستعير لسبقه بها لفظ الطيران ويجري عليها لفظ لعنان والرّهان.
1) توحيد الصدوق: 157 ، وتفسير الصافي : 848/2 .
مشتمل على ذكر حاله في زمن الخلافة وحين انتهائها إليه علیه السلام يقول كنت لما وليت الأَمر (كالجبل) العظيم في الثّبات على الحق والوقوف على القانون العدل فكما (لا تحركه) الرّياح (القواصف) عن مكانه (ولا تزيله )الزّعازع (العواصف) عن مقامه فكذلك أنا لا يحركني عن سواء السّبيل وعن الصّراط المستقيم مراعاة هوى النّاس ومتابعة طباعهم المائلة إلى خلاف ما تقتضيه السّنة النّبوية والأوامر الإلهية.
و حاصله أنه لا يأخذني في الله لومة لائم (ليس لأحد في مهمز ولا لقائل في مغمز) أي
لأَحد أن يعيب علي ويطعن في في الغيبة والحضور في شيء من الحلال والحرام والحدود والأَحكام كما عابوا على من كان قبلي من المتخلفين لأحداث وقعت منهم وجرائر صدرت عنهم (الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحقّ له )ممّن ظلم في حقّه (والقوي عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه )وأنتصفه للمظلوم.
مشتمل على الرّضا بالقضاء وتسليم الأمر الله سبحانه وتعالى، لمّا تفرّس في طائفة من قومه أنّهم يتّهمونه بالكذب فيما يخبرهم به من الغيبيّات والملاحم الواقعة في القرون المستقبلة كما يأتي شطر منها في شرح كلامه السّادس والخمسين، ويأتي في تلك الأَخبار أنّ بعضهم واجهه بالشّك والتّهمة فعند ذلك قال : (رضينا عن الله قضائه وسلّمنا له أمره )وذلك لأنّه لما كان القضاء الإلهي قد جرى على قوم بالتكذيب له والتّهمة فيما يقول لا جرم كان أولى بلزوم باب الرّضا والتسليم إلى الله فيما جرى عليه قلم القضاء، ثمّ أبطل أوهامهم على سبيل الإستفهام الإنكاري الإبطالي وقال : (أتراني) الخطاب لكل من أساء الظن في حقه (أكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله) وكيف لي بذلك (فوالله لأَنا أول من صدقه فلا أكون أول من كذب عليه).
يذكر فيه حاله بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله وأنّه قد عهده النّبي بعدم المنازعة في الأَمر و وأوصى له بطلبه بالرفق والمداراة فإن حصل له وإلا فليمسك عنه وليحقن دمه كما قال : (فنظرت في أمري) أي أمر الخلافة التي هي حق لي (فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي) أي وجوب طاعتي لرسول الله فيما أمرني به من ترك القتال عند عدم الأَعوان قد سبق على بيعتي للقوم فلا سبيل لي إلى الإمتناع (وإذا الميثاق في عنقي لغيري )أي ميثاق الرّسول وعهده إليّ بترك الشقاق والمنازعة فلم يحلّ لي أن أتعدّى أمره، أو أخالف نهيه .
الأول: قال الشارح المعتزلي بعد شرح الفصل الأخير من كلامه علیه السلام على نحوماشرحناه :فإن قيل فهذا تصريح بمذهب الإماميّة .
قيل : ليس الأمر كذلك بل هذا تصريح بمذهب أصحابنا من البغداديّين لأَنّهم يزعمون أنّه الأَفضل والأَحق بالإمامة وأنّه لولا ما يعلمه الله ورسوله من الأَصلح للمكلفين من تقديم المفضول عليه لكان من تقدّم عليه هالكاً، فرسول الله صلی الله علیه و آله أعلمه أن الإمامة حقه وأنّه أولى بها من الناس أجمعين وأعلمه أنّ في تقديم غيره وصبره على التأخر عنها مصلحة للدّين راجعة إلى المكلفين، وأنه يجب عليه أن يمسك عن طلبها ويغضي عنها لمن هو دون مرتبته، فامتثل أمر رسول الله صلی الله علیه و آله ولم يحرجه تقدّم من تقدّم عليه من كونه الأَفضل والأَولى والأحق.
ثم قال : وقد صرّح شيخنا أبو القاسم البلخي بهذا وصرّح به تلامذته وقالوا :لو نازع عقيب وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلّ سيفه لحكمنا بهلاك كلّ من خالفه وتقدّم عليه كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنّه مالك الأَمر وصاحب الخلافة إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها وحكمه في ذلك حكم رسول الله صلی الله علیه و آله لأنّه قد ثبت عنه في الأَخبار الصّحيحة أنّه قال: «علي مع الحقّ والحقّ مع علي يدور حيثما دار»، وقال علیه السلام غيره مرّة : «حربك حربي وسلمك سلمی وهذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي وبه أقول ،انتهى كلامه (1).
أقول : ما ذكره هنا ملخص ما ذكره في شرح الخطبة الشّقشقيّة وقد نقلنا كلامه في مقدمات تلك الخطبة، وذكرنا هنالك ما يتوجّه عليه من وجوه الكلام وضروب الملام .
ونقول ههنا مضافاً إلى ما سبق هناك :أن تقدّم غيره إمّا أن يكون بفعل الله سبحانه وفعل رسوله ،و إمّا أن لا يكون يفعلهما بل تقدّم الغير بنفسه لاعتقاده أنّه أحق بها منه علیه السلام ، أو قدّمه من سائر الصّحابة والمكلفين إما بهوى أنفسهم أو رعاية المصلحة العامّة.
أمّا الأوّل ففيه أولاً أنّهم لا يقولون به، لاتّفاقهم على عدم النّص من الله ومن رسوله فى باب الإمامة، وثانياً : أنّه لو كان ذلك بفعلهما لم يكن لتشكيه من القوم وجه ولما نسبهم إلى التّظليم ولما كان يقول مدّة عمره والله ما زلت مظلوماً مدفوعاً عن حقّي مستأثراً علي منذ قبض الله رسوله ولكان الواجب أن يعذرهم في ذلك، وثالثاً أن تقديم المفضول على الفاضل والأَفضل قبيح عقلاً وبنصّ القرآن قال سبحانه : ( أفمن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَّا يَهدِى إِلَّا أَن يُهْدَى )[يونس : 35]ُ الآية وقال
1) شرح النهج للمعتزلي : 297/2
أيضاً : (هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9] .
ومع كونه قبيحاً كيف يمكن صدوره من الله سبحانه أو من رسوله.
فإن قلت :تقديم المفضول إذا كان لمصلحة الدّين راجعة إلى المكلفين فلا نسلم قبحه .
قلت : بعد تسليم الصّغرى أوّلاً وتسليم كون الحسن والقبح في الأشياء مختلفاً بالوجوه والاعتبارات . ثانياً : إن أمير المؤمنين إذا كان عالماً بالمصلحة في تقدّم الغير على ما صرّح به من أنّ رسول الله أعلمه به ،كان اللازم حينئذٍٍ له السّكوت ؛ إذ المعلوم بالضّرورة من حاله أنّ طلبه للخلافة لم يكن للدّنيا وحرصاً على الملك، بل إنّما كان غرضه بذلك حصول نظام الدّين وانتظام أمر المكلفين وإقامة الحقّ وإزاحة الباطل، كما صرّح علیه السلام به في قوله في الخطبة الثالثة والثلاثين، «والله لهي أحبّ إليّ من إمارتكم هذه إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً»، فإذا كان حصول هذا النّظام والإنتظام وصلاح المكلفين بتقدّم الغير لا بد وأن يكون مشغوفاً به وراضياً بذلك أشدّ الرّضا لا شاكياً ومظهراً للتظلم والشكوى كما مرّ في الخطبة الشّقشقية، وفي قوله في الخطبة السّادسة والعشرين فنظرت فإذا ليس لي معين (آ ه) .
وأما الثاني : وهو أن تقدّم الغير عليه إنّما كان لزعم الغير أنّه أحق بها منه علیه السلام ففيه أن الأَمر إذا دار بين متابعة رأي الأفضل ومتابعة رأي المفضول ،كان اللاّزم ترجيح الأوّل على الثاني دون العكس وهو واضح .
وأمّا الثالث : وهو أنّ تقدّم كان بتقديم المكلفين بمقتضى هوى أنفسهم الأَمارة بالسوء
ولما كان في صدورهم من الحسد والسّخائم فهو الحقّ والصّواب من دون شك فيه وارتياب . ولنعم ما قال أبو زيد النحوي الخليل بن أحمد حين سئل عنه ما بال أصحاب رسول الله كأنهم بنو أم واحدة وعلي علیه السلام كأنه ابن علة ؟ قال تقدّمهم إسلاماً وبذهم شرفاً وفاقهم علماً ورجهم حلماً وكثرهم هدى فحسدوه والنّاس إلى أمثالهم وأشكالهم أميل .
وقال ابن عمر لعلي علیه السلام : كيف تحبّك قريش وقد قتلت في يوم بدر واحد من ساداتهم سبعين سيداً تشرب أنوفهم الماء قبل شفاههم؟ فقال أمير المؤمنين علیه السلام: «ما تركت بدر لنا مذيقاً ولا لنا خلفنا طريقاً » (1).
وسئل زين العابدين علیه السلام وابن عباس أيضاً لم أبغضت قريش عليّاً؟ قال : «لأَنه أورد
أولهم النّار وآخرهم العار» (2).
وقال أبو زيد التحوي: سألت الخليل بن أحمد العروضي لم هجر النّاس عليّاً وقرباه من
رسول الله صلى الله عليه وسلم قرباه وموضعه من المسلمين موضعه وعناؤه في الإسلام عناؤه ،فقال :بهر والله نوره أنوارهم وغلبهم على صفو كلّ منهل ، والنّاس إلى أشكالهم أميل أما سمعت الأول حيث يقول :
وكلّ شكل لشكله ألف ***أما ترى الفيل يألف الفيلا
قال : وأنشد الرّياشي في معناه عن العباس بن الأَحنف:
وقائل كيف تهاجر تما ***فقلت قولاً فيه إنصاف
لم يك من شكلي فهاجرته ***والنّاس أشكال وآلاف
وأمّا الرابع ففيه أنّ التقديم إمّا أنّه كان بفعل جميع المكلّفين أو بفعل البعض والأول ممنوع لما قد عرفت في شرح الخطبة الشّقشقية من تخلف وجوه الصّحابة عن البيعة وعرفت هناك أيضاً قول الشّارح بأنّه لولا عمر لم يثبت لأَبي بكر أمر ولا قامت له قائمة، والثاني : لا حجيّة فيه ،هذا مضافاً إلى أنّه كيف يمكن أن يخفى عليه علیه السلام ما لم يخف على غيره من وجوه المصلحة التّي لاحظوها في التّقديم على زعمك ،إذ قد ذكرنا أنّه لو علم المصلحة في ذلك لسكت ولم يتظلّم.
فإن قيل : إنّ هذا يجري مجرى امرأة لها إخوة كبار وصغار فتولى أمرها الصغار في التزويج فإنّه لا بدّ أن يستوحش الكبار ويتشكّوا من ذلك .
قيل : إنّ الكبير متى كان ديّناً خائفاً من الله فإن استيحاشه وثقل ما يجري على طبعه لا
يجوز أن يبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد والخلاف فيه وإيهام أنّه غير ممضي ولا صواب ،وكل هذا جرى من جرى من أمير المؤمنين فيكشف ذلك كله عن عدم المصلحة في تقدّم الغير عليه بوجه من الوجوه .
ثمّ إنّ ما حكاه من شيخه أبي القاسم البلخي وبنى عليه مذهبه من أنّه صاحب الخلافة ومالك الأَمر إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها وإذا أمسك عنها وجب القول
بعدالة من غضي لها :
فيه أنّ الشرطية الأولى مسلّمة والمقدم فيها حقّ فوجب القول بتفسيق المنازعين والدّليل على طلبه علیه السلام لها واضح لمن له أدنى تتّبع في الأَخبار، ويكفي في ذلك قوله في الخطبة التي رواها الشارح المعتزلي في شرح كلامه لما قلد محمّد بن أبي بكر المصر، وقد مضت روايتها منّا في «شرح الخطبة »السّادسة والعشرين وهو قول علیه السلام: «ثم قالوا هلم فبايع وإلا جاهدناك، فبايعت مستكرها وصبرت محتسباً، فقال قائلهم : يا ابن أبي طالب إنك على هذا الأَمر لحريص، فقلت أنتم أحرص منّي وأبعدأَينا أحرص أنا الذي طلبت تراثي وحقّي الذي جعلني الله ورسوله أولى به ،أم أنتم تضربون وجهي دونه وتحولون بيني وبينه، فبهتوا والله لا يهدي
القوم الظالمين» إلى آخر ما مرّ .
ويشهد بذلك ما رواه الشّارح أيضاً في «شرح الخطبة» المذكورة من أنّ قوله علیه السلام : «فنظرت فإذاً ليس لي معين إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن الموت» فتقول ما زال يقوله ولقد
قاله عقيب وفاة رسول الله ،وقال : لو وجدت أربعين ذوي عزم (1).
ويدلّ عليه ما رواه أيضاً في« شرح الخطبة» المذكورة حيث قال: ومن كتاب معاوية المشهور ؛ وعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصّديق، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسّوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأوليت إليهم بإبنيك واستنصرتهم على صاحب رسول الله، فلم جبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة إلى غير ذلك ممّا مضى، ويأتي في تضاعيف الكتاب، وبالجملة فمطالبته لها واضح لأولي الأَبصار كالشّمس في رابعة النّهار .
ويعجبني أن أورد هنا حكاية مناسبة للمقام، وهو ما نقله شيخنا البهائي في الكشكول قال :كتب علي بن صلاح الدّين يوسف ملك الشام إلى الإمام الناصر لدين الله يشكو أخويه أبا بكر وعثمان لما خالفا وصية أبيهم له :
مولاي إنّ أبا بكر وصاحبه*** عثمان قد غصبا بالسّيف حق علي
وكان بالأَمس قد ولاّه والده ***في عهده فأضاع الأمر حقد ولي
فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي ***من الأواخر ما لاقى من الأول
إذ خالفاه وحلا عقد بيعته ****واببنهما والنّص فيه جلی
فوقع الخليفة النّاصر على ظهر كتابه :
وإذا كتابك يا ابن يوسف منطقا ***بالخير يخبر أنّ أصلك طاهر
منعوا عليّاً إرثه إذ لم يكن ***بعد النّبي له بيشرب ناصر
فاصبر فإنّ غداً علي حسابهم ***وأبشر فناصرك الإمام النّاصر
وأمّا الشّرطية الثانية فممنوعة إذ الإمساك عنها لا دلالة فيه على عدالة من غضى لها ،نعم إنّما يدلّ عليها إذا لم يكن للإمساك وجه إلاّ الرّضا وطيب النّفس، وأمّا إذا كان هناك احتمال أن يكون وجهه هو الخوف والتّقية فلا .
وقال المرتضى (ره) وليس لأحد أن يقول : كيف يجوز على شجاعته وما خصه الله من القوّة الخارقة للعادة أن يخاف منهم ولا يقدم على قتالهم لولا أنّهم كانوا محقّين؟ وذلك إن شجاعته وإن كانت على ما ذكرت وأفضل فلا يبلغ أن يغلُب جميع الخلق ويحارب سائر النّاس
1) شرح النهج للمعتزلي: 20/2 - 22 .
و هو الشّجاعة بشر يقوي ويضعف ويخاف ويأمن والتّقية جائزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم هذا.
وأمّا الحديث الذي رواه من قوله صلی الله علیه و آله «علي مع الحقّ والحقّ مع علي» فمن الأحاديث المعروفة المعتبرة المستفيضة بل لا يبعد دعوى تواتره ،وقد رواه السّيد المحدّث البحراني في كتاب غاية المرام بخمسة عشر طريقاً من طرق العامة وإحدى عشر طريقاً من طرق الخاصّة .ففي بعض الطرق العاميّة عن شهر بن حوشب قال : كنت عند أم سلمة (رض) إذا استأذن رجل فقالت من أنت ؟ فقال : أنا أبو ثابت مولى علي علیه السلام فقالت أمّ سلمة: مرحباً بك يا أبا ثابت أدخل .فدخل فرحبت به ثمّ قالت: يا أبا ثابت أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟ قال : تبع علي علیه السلام قالت :وفّقت والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «علي مع الحقّ والقرآن ،والحق والقرآن مع علي ولن يفترقا حتى يردا على الحوض» (1).
وفي بعضها عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : علي مع الحقّ والحق مع علي لن يفترقا حتّى يردا على الحوض» (2).
وفي رواية موفق بن أحمد بإسناده عن سليمان الأَعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود :قالا: سمعنا أبا أيوب الأَنصاري قال : سمعت النّبي صلی الله علیه و آله يقول لعمار بن ياسر: «يا عمّار تقتلك الفئة الباغية وأنت مع الحقّ والحقّ معك ،يا عمّار إذا رأيت عليّاً سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع علي ودع النّاس ،إنّه لن يدلك على ردى ولن يخرجك عن الهدى، يا عمّار إنّه من تقلد سيفاً أعان به عليّاً على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحاً من درّ، ومن تقلد سيفاً أعان به عدو علي قلده یوم القيامة وشاحاً من نار» قال قلت : حسبك (3).أقول: لا خفاء في دلالة هذا الخبر على عصمته وإمامته ،وبطلان خلافة الثلاثة غير خفية من وجوه عديدة:
الأَوّل: أنّه أخبر بكون الحقّ معه علیه السلام وهو يقتضي عصمته إذ لا يجوز أن يخبر على الإطلاق بأنّ الحقّ مع علي مع جواز وقوع القبيح عنه علیه السلام، لأنّه إذا وقع كان إخباره بذلك كذباً وهو محال فلا محال فلا بدّ أن يكون معصوماً .
الثَّاني : أنّ لن إمّا لنفي التّأبيد أو لنفي المستقبل فتدلّ على التّقديرين على عدم انفكاك
الحقّ منه، فإذا كان الحقّ لا ينفك عنه أبداً ثبت إمامته وبطل خلافة من خالفه .
الثالث: أنّ قوله : لعمّار إذا رأيت عليّاً سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره يره فاسلك مع علي نصّ صريح في وجوب الاقتداء به وعدم جواز الإقتداء بغيره، ولا سيّما بملاحظة تعليله بأنه لن يدلك على ردى ولن يخرجك عن الهدى، فإنّه يدل على أنّه إن سلك سبيل الغير يكون خارجاً من الهدى إلى الرّدى، ولذلك إنّ عمّار لازم عليّاً وأنكر على الأَول وتخلف عن البيعة حتّى أكرهوه على البيعة فبايع بعد بيعة مولاه علیه السلام بكره وإجبار هذا.
ومن العجب العجاب أنّ بعض النّاصبين قال : إن صح الخبر دلّ على أنّ علياً كان مع الحقّ أينما دار وهذا شيء لا يرتاب فيه حتّى يحتاج إلى دليل،بل هذا دليل على حقيّة الخلفاء، لأَنّ الحقّ كان مع علي وعلي كان مع الخلفاء حيث تابعهم وناصحهم، فثبت من هذا خلافة الخلفاء وأنّها كانت حقّاً صريحاً، وأمّا من خالف عليّاً من البغاة فمذهب أهل السّنة والجماعة أنّ الحقّ كان مع علي وهم كانوا على الباطل ،ولا شك في هذا ،انتهى .
ويتوجه عليه أولاً أنّ صحة الخبر ممّا لا مجال للكلام فيه، وثانياً أنّ كونه مع الخلفاء وتابعهم ممنوع إلا بمعنى كونه معهم في سكون المدينة، وبمعنى التّابعة الإجباريّة والمماشاة في الظاهر، وإلاّ فما وقع بينهم من المخالفات والتنازع والمشاجرات قد بلغ في الظهور إلى حدّ لا مجال للإخفاء وفي الشناعة إلى مرتبة لا تشتبه على الآراء كما مضى، وسيجيء أيضاً إن شاء الله تعالى، وأمّا نصحه لهم فمسلم لكن لأمور الدّين وانتظام شرع سيّد المرسلين، لا لأجل ترويج خلافتهم ونظم أسباب شوكتهم وجلالتهم .
وثالثاً: أن التّفرقة بين الخلفاء وبين البغاة بكون الآخرين على الباطل دون الأوّلين لا وجه له، إذ كل من الفرقتين كان مريداً لقتله علیه السلام غاية الأَمر أنّه وجد هناك أعواناً فقاتلهم ذووهم عن نفسه ولم يجد ههنا ناصراً فبايعهم إجباراً وكف عن القتال وحقن دمه، فلو أنه وجد أعواناً له يومئذٍ لشهر عليهم سيفه وجاهدهم ويشهرون سيفهم عليه ويقاتلونه، كما أنّه لو يجد أعواناً مع البغاة وكفّ عنهم وتابع آراءهم لم يكونوا مقاتلين له ولم يجادلوا معه علیه السلام .
هذا كله مضافاً إلى أنّ بغي البغاة وخروجهم عليه علیه السلام من بركة البرامكة ومن ثمرة هذه الشجّرة الملعونة عذبهم الله عذاباً أليماً .
قد عرفت أنّ سبب تقاعده علیه السلام عن جهاد من تقدم عليه هو عهد رسول الله صلی الله علیه و آله إليه بالكفّ عنهم، حيث لم يجد أعواناً وفيه مصالح أخر قد أشير إليها في أخبار الأئمة الأطهار، ولا بأس بالإشارة إلى تلك الأَخبار والأَخبار التي أشير فيها إلى معاهدة النّبي صلی الله علیه و آله إليه حتّى يتّضح الأَمر ويظهر لك بطلان ما زعمه العامة من أنّ سكوته وعدم نهوضه إليهم دليل على رضاه بتقدّمهم، وعلى كونهم محقّين فأقول وبالله التّوفيق.
روى الشّيخ السّعيد عزّ الدّين أبو المنصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (ره) في «الإحتجاج»، قال :روي أنّ أمير المؤمنين كان جالساً في بعض مجالسه بعد رجوعه من نهروان فجرى الكلام حتّى قيل له لم حاربت أبا بكر وعمر كما حاربت الطلحة والزّبير ومعاوية ؟ فقال : «إنّي كنت لم أزل مظلوماً مستاثراً عليّ حقيّ»، فقام إليه أشعث بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين لم لم تضرب بسيفك ولم تطلب بحقّك؟ فقال: «يا أشعث قد قلت قولاً فاسمع الجواب وعه واستشعر الحجّة إن لي أسوة بستّة من الأنبياء عليهم السّلام.
أوّلهم نوح علیه السلام حيث قال : فَدَعَا رَبَّهُ ،أَنِي مَغْلُوبٌ فَانتَصِر [القمر: 10])فإن قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصي أعذر .وثانيهم لوط علیه السلام حيث قال : (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُرَةٌ أَوْ ءَاوِِِى إِلَى رُكْنٍٍٍِِِِِِ شَدِيدٍ 80)[هود : 80]فإن قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصيِِِّ أعذر.وثالثهم إبراهيم خليل الله علیه السلام حيث قال: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ [مريم : 48].
فإن قال قائل : إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصيّ أعذر.
ورابعهم موسى علیه السلام حيث قال : (فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء: 21] .
فإن قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصيّ أعذر.
وخامسهم أخوه هارون علیه السلام حيث قال : إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ [الأعراف : 150] .فإن قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلا فالوصيّ أعذر .
وسادسهم أخي محمد صلی الله علیه و آله خير البشر حيث ذهب إلى الغار ونوّمني على فراشه، فإن قال قائل إنّه ذهب إلى الغار لغير خوف فقد كفر وإلاّ فالوصيّ أعذر فقام إليه النّاس بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين قد علمنا أنّ القول قولك ونحن المذنبون التّائبون، وقد عذرك الله (1).
وفيه أيضاً عن أحمد بن همام قال : أتيت عبادة بن الصّامت في ولاية أبي بكر فقلت :يا عبادة أكان النّاس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف؟ فقال : يا أبا ثعلبة إذا سكتنا عنكم فاسكتوا عنّا ولا تبحثونا، فوالله لعليّ بن أبي طالب أحقُ بالخلافة من أبي بكر كما كان رسول الله أحق بالنّبوة من أبي جهل.
1) مستدرك الوسائل : 73/11 ، والاحتجاج : 280/1 .
قال : وأزيدكم أنّا كنّا ذات يوم عند رسول الله فجاء علي وأبو بكر وعمر إلى باب رسول الله صلی الله علیه و آله فدخل أبو بكر، ثم دخل عمر، ثمّ دخل علي علیه السلام على أثرهما، فكأنّما سفى وجه رسول الله الرّماد، ثمّ قال:« يا علي أيتقدّمك ،هذان، وقد أمرك الله عليهما»؟ فقال أبو بكر :نسيت يا رسول الله ،وقال عمر: سهوت یا رسول الله ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما نسيتما ولا سهوتهما وكأني بكما قد أسلبتماه ملكه، وتحاربتما عليه وأعانكما على ذلك أعداؤه وأعداء رسول الله، وكأني بكما قد تركتما المهاجرين والأَنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسّيف على الدّنيا، وكأنّي بأهل بيتي وهم المقهورون المشتتون في أقطارها، وذلك لأمر قد قضي».
ثمّ بكى رسول الله صلی الله علیه و آله حتّى سالت دموعه، ثمّ قال : «يا علي الصبّر الصبّر حتّى ينزل الأمر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، فإنّ لك من الأَجر في كلّ يوم ما لا يحصيه كاتباك، فإذا أمكنك الأمر فالسّيف السّيف فالقتل القتل حتّى يفيؤوا إلى أمر الله وأمر رسوله، فإنك على الحقِّ ومن ناوأك على الباطل، وكذلك ذريّتك من بعدك إلى يوم القيامة» (1)وفي تفسير علي بن إبراهيم القميّ عن أحمد بن علي قال: حدّثنا الحسين بن عبد الله السعدي، قال: حدثنا الحسن بن موسى الخشاب، عن عبد بن الحسين، عن بعض فلان أصحابه عن الكرخي قال : قال رجل لأبي عبد الله علیه السلام : ألم يكن علي قوياً في بدنه قوياً في أمر الله؟ قال له أبو عبد الله علیه السلام : «بلی» قال فما منعه أن يدفع أو يمتنع؟ قال: «قد سألت فافهم الجواب ،منع عليّاً من ذلك آية من كتاب الله »، قال : وأي آية؟قال:
«فاقرء: (لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ).
إنّه كان الله ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين ،فلم يكن علي ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع، فلما خرج ظهر على من ظهر وقتله، وكذلك قائمنا أهل البيت لم يظهر حتى يخرج ودائع الله، فإذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله (2).
أقول: هذا التّأويل ،وتنزيله أنّه لو تميّز هؤلاء الذين كانوا بمكة من المؤمنين والمؤمنات وزالوا من الكفّار لعذّبنا الذين كفروا ،بالسيف والقتل بأيديكم .
وفي «البحار »من أمالي المفيد (ره) بإسناده عن جندب بن عبد الله، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، وقد بعثمان بن عفان، فوجدته مطرقاً كثيباً، فقلت له : ما أصابك جعلت فداك من قومك؟ فقال: «صبر جميل»، فقلت: سبحان الله، والله
إنك لصبور، قال: «فأصنع ماذا؟ قلت: تقوم في النّاس وتدعوهم وتخبرهم أنك أولى بالنبی صلی الله علیه و اله وبالفضل والسّابقة وتسألهم النّصر على هؤلاء المتظاهرين عليك، فإن أجابك عشرة مائة شددت بالعشرة على المائة، فإن دانوا لك كان ذلك ما أحببت ،وإن أبوا قاتلتهم، فإن ظهرت عليهم فهو سلطان الله الذي أتاه نبيّه وكنت أولى به منهم ،وإن قتلت في طلبه قتلت إن شاء الله شهيداً وكنت بالعذر عند الله ، لأنّك أحقّ بميراث رسول الله .
فقال أمير المؤمنين علیه السلام :«أتراه يا جندب كان يبايعني عشرة من مائة :فقلت أرجو ذلك ،فقال : لكنّي لا أرجو ولا من كلّ مائة إثنان ،وسأخبرك من أين ذلك إنّما ينظر النّاس إلى قريش وإنّ قريشاً تقول : إنّ آل محمّد يرون لهم فضلاً على سائر قريش وإنّهم أولياء هذا الأمر دون غيرهم من قريش، وإنّهم إن ولوه لم يخرج منهم هذا السلطان إلى أحد أبداً، ومتى
كان في غيرهم تداولوه بينهم ،ولا والله لا تدفع إلينا هذا السلطان قريش أبداً طائعين».
فقلت له : أفلا أرجع فاخبر النّاس بمقالتك هذه وأدعوهم إلى نصرك؟ فقال: «يا جندب ليس ذا زمان ذاك»، قال جندب : فرجعت بعد ذلك إلى العراق فكنت كلما ذكرت من فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب شيئاً زبروني ونهروني حتّى رفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة، فبعث إلي فحبسي حتّى كلم في فخلى سبيلي (1).
ومن (العيون) و (علل الشرائع) عن الطالقاني عن الحسن بن علي العددي، عن الهيثم بن عبد الله الرّماني قال: سألت الرّضا علیه السلام فقلت له :يا ابن رسول الله أخبرني عن علي علیه السلام لم لم يجاهد أعداءه خمسة وعشرين سنة بعد رسول الله صلی الله علیه و آله ، ثمّ جاهد في أيّام ولايته ؟ فقال : لانّه اقتدى برسول الله في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النّبوة ثلاث عشر سنة وبالمدينة تسعة عشر شهراً، وذلك لقلة أعوانه، وكذلك علي علیه السلام ترك مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم، فلم لم تبطل نبوة رسول الله مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهراً فكذلك لم تبطل إمامة علي مع ترك الجهاد خمسة وعشرين سنة إذا كانت العلة المانعة لهما عن الجهاد واحدة (2).
ومن كتاب الغيبة للشيخ بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي ،عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن العباس قالا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لأمير المؤمنين علیه السلام : يا علي إنّ قريشاً ستظاهر عليك ويجتمع كلهم على ظلمك وقهرك، فإن وجدت أعواناً فجاهدهم ،وإن لم تجد أعواناً فكف يدك واحقن دمك، فإنّ الشهادة من ورائك لعن الله قاتلك» (3).
ومن كتاب سليم بن قيس الهلالي قال: كنا جلوساً حول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام وحوله جماعة من أصحابه ،فقال له قائل : يا أمير المؤمنين لو استنفرت النّاس؟ فقام وخطب وقال : «أما إني قد استنفرتكم فلم تنفروا ،ودعوتكم فلم تسمعوا ،فأنتم شهود كغيّاب ،وأحياء كأموات ،وصمّ ذوو اسماع ،أتلو عليكم الحكمة وأعظكم بالموعظة الشّافية الكافية وأحثكم على جهاد أهل الجور فما آني على آخر كلامي حتى أراكم متفرقين حلقاً شتّى تناشدون الأشعار، وتضربون الأمثال ،وتسألون عن سعر التّمر واللبن.
تبّت أيديكم لقد دعوتكم إلى الحرب والإستعداد لها ،وأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها ،شغلتموها بالأباطيل والأَضاليل أغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلاّ ذلوا ،وأيم الله ما أظنّ أن تفعلوا حتّى يفعلوا.
ثمّ وددت أنّي قد رأيتهم فلقيت الله على بصيرتي ويقيني واسترحت من مقاساتكم وممارستكم، فما أنتم إلا كإبل جمّة ضلّ راعيها، فكلما ضمّت من جانب انتشرت من جانب، كأني بكم والله فيما أرى أن لو حمس الوغى ،واحمر الموت قد انفرجتم عن علي بن أبي طالب انفراج الرّأس وانفراج المرأة عن قبلها لا تمنع منها .
قال الأَشعث بن قيس: : فهلا فعلت كما فعل ابن عفّان ؟ فقال علیه السلام: «أو كما فعل ابن عقّان رأيتموني فعلت ،أنا عائذ بالله من شرّ ما تقول يا ابن قيس ،والله إنّ التي فعل ابن عفّان المخزاة لمن لا دین له ولا وثيقة معه ،فكيف أفعل ذلك وأنا على بيّنة من ربي، والحجة في يدي والحق معي ، والله إنّ امرءاً أمكن عدوّه من نفسه يجز لحمه ويفري جلده و یهشم عظمه ويسفك دمه وهو يقدر على أن يمنعه لعظيم وزره ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، فكن أنت ذاك يا ابن قيس » (1).
«فأمّا أنا فوالله دون أن أعطي بيده ضرب بالمشرفي تطير له فراش الهام وتطيح منه الأَكف والمعاصم، ويفعل الله ما يشاء، ويلك يا ابن قيس إنّ المؤمن يموت كلّ ميتة غير أنّه لا يقتل نفسه، فمن قدر على حقن دمه ، ثم خلى عمّن يقتله فهو قاتل نفسه .
يا ابن قيس إنّ هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة ،واحدة في الجنّة واثنتان وسبعون في النّار، ولشرّها وأبغضها وأبعدها منه السّامرة الذين يقولون لا قتال ،وكذبوا قد أمر الله بقتال الباغين في كتابه وسنّة نبيّه، وكذلك المارقة» (2).
فقال ابن قيس لعنه الله وغضب من قوله : فما منعك يا ابن أبي طالب حين بويع أبو بكر
أخو بني تيم وأخو بني عديّ بن كعب، وأخو بني أميّة بعدهم، أن تقاتل وتضرب بسيفك وأنت لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلاّ قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر، والله إنّي لأولى النّاس بالنّاس، وما زلت مظلوماً منذ قبض رسول الله ،فما يمنعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك.
قال: «يا ابن قيس اسمع الجواب، لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهة للقاء ربي وأن لا أكون أعلم، إنّ ما عند الله خير لي من الدنيا والبقاء فيها ،ولكن منعني من ذلك أمر رسول الله صلی الله علیه و آله وعهده إليّ ،أخبرني رسول الله صلی الله علیه و آله بما الأمّة صانعة بعده، فلم أكن بما صنعوا حين عاينته بأعلم به ولا أشد استيقاناً منّي به قبل ذلك».
بل أنا بقول رسول الله أشدّ يقيناً منّي بما عاينت وشهدت، فقلت يا رسول الله فما تعهد إليّ إذا كان ذلك؟ قال صلی الله علیه و آله : ؟ «إن وجدت أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم وإن لم تجد فكف يدك واحقن دمك حتّى تجد على إقامة الدّين وكتاب الله وسنّتي أعواناً ».
وأخبرني أنّ الأمة ستخذلني وتبايع غيري ،وأخبرني أنّي منه بمنزلة هارون من موسى ،
وأنّ الأمة بعده سيصيرون بمنزلة هارون ومن تبعه ،والعجل ومن تبعه إذ قال له موسی:(وقَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّوا (92)أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى (93)قَالَ يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذ بِلِحْيَنِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَقَت بَيْنَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَلَمْ تَرْقُ قَوْلِي )[طه: 92 - 94] .
وإنّما يعني أنّ موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلوا فوجد أعواناً أن يجاهدهم، وإن لم يجد أعواناً أن يكفّ يده ويحقن دمه ولا يفرق بينهم، وإنّي خشيت أن يقول ذلك أخي رسول صلی الله علیه و آله علم فرّقت بين الأمة ولم ترقب قولي ،وقد عهدت إليك أنّك إن لم تجد أعواناً أن تكف يديك وتحقن دمك ودم أهلك وشيعتك .
فلمّا قبض رسول الله مال النّاس إلى أبي بكر فبايعوه وأنّا مشغول برسول الله نغسله ؛ ثمّ شغلت بالقرآن فاليت يميناً بالقرآن أن لاّ أرتدي إلا للصّلاة حتّى أجمعه في كتاب ففعلت، ثمّ حملت فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين فلم أدع أحداً من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلاّ ما نشدتهم الله ،وحقّي ودعوتهم إلى نصرتي فلم يستجب من جميع النّاس إلاّ أربعة رهط :الزّبير، وسلمان ،وأبو ذر ،والمقداد ولم يكن معي أحد من أهل بيتي
أصول به ولا أقوى به .
أمّا حمزة فقتل يوم أحد، وأمّا جعفر فقتل يوم مؤتة وبقيت بين جلفين خائفين ذليلين حقيرين: العباس وعقيل وكانا قريبي عهد بكفر ، فأكرهوني وقهروني فقلت كما قال هارون لأخيه:(قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقُْتُلُونَنِي )فلي بهارون أسوة حسنة ولي بعهد
رسول الله حجّة قوية (1).
قال الأشعث: كذلك صنع عثمان إستغاث بالنّاس ودعاهم إلى نصرته فلم يجد أعواناً، فكف يده حتّى قتل مظلوماً، قال علیه السلام ،« ويلك يا ابن قيس إنّ القوم حين قهروني واستضعفوني وكادوا يقتلونني فلو قالوا نقتلك البّتة لامتنعت من قتلهم إياي ولو لم أجد غير نفسي وحدي، ولكن قالوا إن بايعت كففنا عنك وأكرمناك وقربناك وفضّلناك، وإن لم تفعل قتلناك، فلما لم أجد أحداً بايعتهم وبيعتي لهم لما لا حقّ لهم فيه لا يوجب لهم حقّاً ولا يلزمني رضاً» .
«ولو أنّ عثمان لمّا قال له النّاس : اخلعها ونكف عنك، خلعها لم يقتلوه، ولكنّه قال : لا أخلعها قالوا :فإنّا قاتلوك فكفّ يده عنهم حتّى قتلوه ،ولعمري لخلعه إيّاها كان خيراً له، لأنّه أخذها بغير حقّ ولم يكن له فيها نصيب، وادّعى ما ليس له وتناول حقّ غيره ».
«ويلك يا ابن قيس إنّ عثمان لا يعدو أن يكون أحد الرّجلين إما أن يكون دعا النّاس إلى نصرته فلم ينصروه، وإمّا أن يكون القوم دعوه إلى أن ينصروه فنهاهم عن نصرته، فلم يكن يحلّ له أن ینهی المسلمين عن أن ينصروا ،إماماً هاديا مهتدياً لم يحدث حدثاً ولم يؤد محدثاً، وبئس ما صنع حين نهاهم وبئس ما صنعوا حين أطاعوه ،فأما أن يكونوا لم يروه أهلاً لنصرته الجوره وحكمه بخلاف الكتاب والسّنة، وقد كان مع عثمان من أهل بيته ومواليه وأصحابه أكثر من أربعة آلاف رجل، ولو شاء الله أن يمتنع بهم لفعل ولم ينههم عن نصرته ،ولو كنت وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رجلاً مطيعين لجاهدتهم، أما يوم بويع عمر وعثمان فلا لأني كنت بايعت ومثلي لا ينكث بيعته» (2).
«ويلك يا ابن قيس كيف رأيتني صنعت حين قتل عثمان ووجدت أعواناً، هل رأيت منّي فشلاً أو جبناً أو تقصيراً في وقعتي يوم البصرة وهي حول جملهم الملعون من بيعة الملعون، ومن قتل حوله الملعون ومن ركبه الملعون ومن بقي بعده لا تائباً ولا مستغفراً :فإنّهم قتلوا أنصاري ونكثوا بيعتي ومثلوا بعاملي وبغوا علي، دمرت إليهم في اثني عشر ألفاً ،وفي رواية أخرى أقلّ من عشرة آلاف وهم نيف على عشرين ومائة ألف وفي رواية زيادة على خمسين
فنصرني الله عليهم وقتلهم بأيدينا وشفى صدور قوم مؤمنين . وكيف رأيت يا ابن قيس وقعتنا بصفّين قتل الله منهم بأيدينا خمسين ألفاً في صعيد واحد إلى النار، وفي رواية أخرى زيادة على سبعين ألفاً وكيف رأيتنا يوم النهروان إذ لقيت المارقين وهم مستبصرون ومتدّينون قد ضلّ سعيهم
في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فقتلهم الله في صعيد واحد إلى النّار، ولم يبق منهم عشرة ولم يقتلوا من المؤمنين عشرة .
ويلك يا ابن قيس هل رأيت لي لواء ردّ أو راية ردت إياي تعير يا ابن قيس وأنا صاحب رسول الله في جميع مواطنه ومشاهده ،والمتقدّم إلى الشّدائد بين يديه لا أفرّ ولا ألوذ ولا أعتل ولا أمنح اليهود ويرأي (أرى ظ) أنّه لا ينبغي للنبي ولا للوصيّ إذا لبس لأمته وقصد لعدوه أن يرجع أو ينشي حتّى يقتل أو يفتح الله له.
يا ابن قيس هل سمعت لي بفرار قط أو بنوة «كذا »، يا ابن قيس، أما والذي فلق الحبّة وبرءالنّسمة لو وجدت يوم بويع أبو بكر الذي عيرتني بدخولي في بيعته رجلاً كلهم على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت، لما كففت يدي ولناهضت القوم، ولكن لم أجد خامساً» (1).
قال الأََشعث:ومن الأَربعة يا أمير المؤمنين؟ قال: «سلمان، وأبو ذر، والمقداد، والزّبير بن صفيّة قبل نكثه بيعتي فإنّه بايعني مرتين، أما بيعته الأولى التي وفى بها فإنّه لما أبو بكر أتاني أربعون رجلاً من المهاجرين والأنصار فبايعوني، فأمرتهم أن يصبحوا عند بابي محلّقين رؤوسهم عليهم السّلاح ،فما وافى منهم أحد ولا صبحني منهم غير أربعة : سلمان، وأبو ذر والمقداد، والزّبير، وأمّا بيعته الأخرى فإنّه أتاني هو وصاحبه طلحة بعد قتل عثمان فبايعاني طائعين غير مكرهين ،ثمّ رجعا عن دينهما مرتدّين ناكثين مكابرين معاندین حاسدين، فقتلهما الله إلى النّار، وأما الثلاثة :سلمان :وأبو ذر، والمقداد، فثبتوا على دين محمّد وملة إبراهيم حتى لقوا الله يرحمهم الله.
يا ابن قيس فوالله لو أن أولئك الأََربعين الذين بايعوني وفوا لي وأصبحوا على بابي محلّقين قبل أن تجب لعتيق في عنقي بيعة، لناهضته وحاكمته إلى الله عز وجل، ولو وجدت قبل بيعة عثمان أعواناً لناهضتهم وحاكمتهم إلى الله ؛ فإنّ ابن عوف جعلها لعثمان واشترط عليه فيما بينه وبينه أن يردها عليه عند موته ،فأما بعد بيعتي إيّاهم فليس إلى مجاهدتهم سبيل».
فقال الأَشعث: والله لأن كان الأَمر كما تقول : لقد هلكت الأمة غيرك وغير شيعتك فقال علیه السلام:« إنّ الحقّ والله معي يا ابن قيس كما أقول، وما هلك من الأمّة إلاّ النّاصبين والمكاثرين والجاهدين والمعاندين، فأما من تمسّك بالتّوحيد والإقرار بمحمّد والإسلام ولم يخرج من الملة ولم يظاهر علينا الظلمة، ولم ينصب لنا العداوة وشك في الخلافة، ولم يعرف أهلها ولم يعرف ولاية ولم ينصب لنا عداوة، فإن ذلك مسلم مستضعف يرجى له رحمة الله ويتخوف عليه ذنوبه ».
1) مستدرك الوسائل : 76/11 ، وبحار الأنوار: 470/29 .
قال أبان : قال سليم بن قيس: فلم يبق يومئذٍ من شيعة علي أحد إلاّ تهلل وجهه وفرح
بمقالته إذ شرح أمير المؤمنين علیه السلام الأمر وباح به وكشف الغطاء وترك التقيّة، ولم يبق أحد من القرّاء ممن كان يشك في الماضين ويكف عنهم ويدع البراءة منهم، ودعا وتأثماً إلاّ استيقن واستبصر وحسن وترك الشّك والوقوف ولم يبق أحد حوله أتى ببيعته على وجه ما بويع عثمان، والماضون قبله إلا رأى ذلك في وجهه وضاق به أمره وكره مقالته، ثمّ أنّهم استبصر عامتهم وذهب شكهم .
قال أبان عن سليم :فما شهدت يوماً قط على رؤوس العامة أقر لأََعيننا من ذلك اليوم لما كشف للناس من الغطاء، وأظهر فيه من الحقّ وشرح فيه الأَمر وألقى فيه التّقيّة والكتمان، وكثرت الشيعة بعد ذلك المجلس مذ ذلك اليوم، وتكلموا وقد كانوا أقل أهل عسكره وصار (1)النّاس يقاتلون معه على علم بمكانه من الله ورسوله، وصار الشّيعة بعد ذلك المجلس أجلّ النّاس وأعظمهم(2).
وفي رواية أخرى :جل الناس وعظمهم، وذلك بعد وقعة النّهروان وهو يأمر بالتّهية والمسير إلى معاوية ، ثم لم يلبث أن قتل ،قتله ابن ملجم لعنه الله غيلة وفتكاً، وقد كان سيفه مسموماً قبل ذلك .
أقول : ولا حاجة لنا بعد هذه الزواية الشّريفة إلى ذكر سائر ما روي في هذا المعنى ،
لأنها قاطعة للعذر كافية في توضيح ما أوردناه، وتثبيت ما قصدناه من أنّ قعوده عن جهاد
المتخلفين كان بعهد من النّبي صلی الله علیه و آله إليه مضافاً إلى سائر المصالح التي فيه، فلا يمكن مع ذلك كله دعوى كون ترك الجهاد دليلاً على حقيّة خلافة الثلاثة ،وكاشفاً عن رضاه علیه السلام بذلك، وفي هذا المعنى روايات عامية لعلنا نشير إليها في شرح بعض الخطب الآتية في المقام المناسب إن ساعدنا التوفيق والمجال إن شاء الله تعالى .
از جمله کلام هدایت فرجام آن امام عالی مقام است که جاری مجرای خطبه است و آن جمع شده است از کلام طویلی که آن حضرت بعد از وقعه نهروان ادا فرموده اند و مدار آن چه که سید این جا ذکر نموده است به چهار فصل است:
فصل اول
مشتمل است به ذکر مناقب جمیله و فضایل جلیله خود که می فرماید:
پس برخاستم به امر خدا و امر حضرت خاتم الانبيا عليه آلاف التحية و الثّناء در زمانی که ضعیف شدند و ترسیدند مردمان و مطلع شدم بر حقایق اشیاء و احکام خدا هنگامی که سر فرو بردند مردمان و عاجز گردیدند و گویا شدم در احکام مشکله و مسائل معضله در وقتی که درمانده بودند و گذشتم به نور خداوند ،در حینی که ایستاده و سرگردان شدند و بودم من پست تر ایشان از حیث آواز و بلندتر ایشان از حيث سبقت به مراتب کمالات و درجات سعادات، پس پرواز نمودم به دوال لجام فضیلت و به تنهایی قیام نمودم به بردن کرو منقبت .
فصل دویم
مشتمل است به بیان حال به جهت منوال خود در زمان نشستن در مسند خلافت و استقرار در سریر ولایت که می فرماید:
بودم من در آن هنگام مثل کوه باشکوه که نجنباند او را بادهای شکننده و زایل نگرداند او را بادهای تند وزنده ،در حالتی که نبود هیچ احدی را در شأن من جای عیب و عار و نه هیچ گوینده را در حق من جای طعن به کردار و گفتار، ذلیل و خوار در نزد من عزیز است و با مقدار تا این که بازیافت بکنم حق او را از جابر و ستمکار و صاحب قوت و اقتدار در نزد من ضعیف است و بی مقدار تا این که اخذ بکنم از او حق ستم کشیدگان را در روزگار .
فصل سيم
مشتمل است به رضای به قضای خدا و دفع توهم کذب و افترا در حق آن سرور اوصیا که می فرماید:
راضی شدیم از خدا حکم او را و گردن نهادیم مرخداوند را امر او را ،آیا گمان می برید مرا که دروغ بگویم بر پیغمبر خدا؟ پس قسم به خداوند هر آینه من اول کسی هستم که تصدیق نمودم او را،پس نباشم اول کسی که تکذیب نماید او را .
فصل چهارم
مشتمل است به اعتذار از ترك جهاد و خصومت با غاصبین خلافت که سبب آن اطاعت و امتثال بود به عهد و وصیت حضرت خاتم رسالت صلوات الله سلامه علیه که می فرماید: پس نظر کردم در امر خود، پس ناگاه فرمان بردن من امر پیغمبر را به ترك قتال پیشی گرفته بود بر بیعت من به این گروه بدفعال و ناگاه پیمان در گردن من بوده از برای غیر من یعنی در ذمه من بود پیمان پیغمبر خدا به طلب خلافت با رفق و مدارا و در صورت عدم حصول آن ترك نمایم جهاد و قتال را و صبر ورزم و اختیار کنم زاويه خمول و اعتزال را .
«وإنّما سُمِّيَتِ الشَّبْهَةُ شُبْهَةً لأَنها تُشْبِهُ الحَقِّ، فَأَمَّا أَوْلِياءُ الله نَضِيَآؤُهُمْ فِيهَا اليَقينُ، ودَليلُهُمْ سَمْتُ الْهُدى، وأَما أَعداء الله فَدُعاؤُهُمْ فِيهَا الصَّلالُ ، ودَليلُهُمُ العَمى، فَما يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ مَن خَافَهُ، ولا يُعْطَى الْبَقاءُ مَنْ أَحَبّهُ ».
(السّمت) بالفتح فالسكون الطريق وهيئة أهل الخير، والسيّر على الطريق بالظن وحسن
النّحو وقصد الشيء والسّكينة والوقار .
البقاء إمّا بالرّفع كما في أكثر النّسخ، وهو الأظهر على قراءة يعطى بصيغة المجهول، أو
منصوب كما في بعضها على كون يعطي مبنياً على الفاعل فيكون مفعولاً ثانياً قدّم على الأوّل.
اعلم أن هذا الكلام له فصلان غير ملتئمين : فأما أن السّيد (ره) جمعهما من كلام طويل على ما هو دأبه في هذا الكتاب، وإمّا أن يكون الفصل الثاني مربوطاً على كلام مذكور قبل الفصل الأََول حسن ارتباطه به فيكون الفصل الأَول إعتراضاً بينهما وكيف كان.
وارد في بيان وجه تسمية الشّبهة وبيان حال النّاس فيها، أما وجه التسمية فأشار إليه بقوله : (وإنّما سميت الشّبهة شبهة لأنها تشبه الحقّ) اعلم أن الشّبهة هو الإلتباس مأخوذة من التشابه وهو كون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التّمييز بينهما قال الله
تعالى :
إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَه عَلَيْنَا [البقرة: 70] .)وقال رسول الله صلی الله علیه و آله: «حلال بيّن وحرام بين وشبهات بين ذلك،» ثمّ لما كان المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كلّ ما لا يهندي الإنسان إليه بالمتشابه ،
ونظيره المشكل سمّي بذلك لانه أشكل أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه (1.)قال الصادق علیه السلام:« أمر بيّن رشده فيتبع ،وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل وأمر مشكل يرد علمه إلى الله ورسوله، ثمّ يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة إنّه مشكل» (2.)إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ في قوله إشارة إلى أنّ الأمور على ثلاثة حقّ بین رشده ،وباطل بيّن غيه، وشبهة بين ذلك سمیّت بها لأنها تشبه الحقّ ،واللازم فیها الرّجوع الی الرّاسخين في العلم الذّين تثبتوا وتمكنوا فيه، ولهم حسن التدبر وجودة الذّهن لتجرد عقولهم عن غواشي الحسّ لكون نفوسهم مشرقة بنور اليقين مستضيئة بنور النبوة في سلوك الصّراط المستقيم، فبهم يكشف النقاب عن وجه الشّبهة ويرتفع الحجاب ويهتدى إلى صوب الصّواب كما قال علیه السلام:(فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى فيخرجون تابعيهم والمهتدين)بهم من الرّدى ويدلونهم على الهدى وهو هدى الله سبحانه وتعالى وقد قال :﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123] .)في «البحار» من كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات بإسناده عن داوود النجار عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام أنّه سأل أباه عن قول الله :(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 121] .)قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله: «يا أيها النّاس اتّبعوا هدى الله تهتدوا وترشدوا وهو هداي علي بن أبي طالب ،فمن اتّبع هداه في حياتي وبعد موتي فقد اتّبع هداي، ومن اتبع هداي فقد اتّبع هدى الله ومن اتبع هدى الله فلا يضل ولا يشقى».(وأما أعداء الله الذين في قلوبهم زيغ وعدول عن الحقّ ( فدعاؤهم فيها الضّلال )والغوى (ودليلهم العمى) فيهدون المهتدين بهم إلى طريق الرّدى ويخرجونهم عن قصد الهدى الأئمة الهادون إلى النّار الموقفون لتابعيهم كأنفسهم في غضب الجبّار كما قال تعالى :)(وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَمُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ قَالَ بَصِيرًا كَذَلِكَ أَنتَكَ وَايْتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُسَى [طه: 124 - 125 -)126].روي في «الكافي »عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزّ وجل :
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَمُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه: 124]. قال : يعني به ولاية أمير المؤمنين قلت :
(وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى )[طه : 124] .
قال يعني أعمى البصر في الآخرة أعمى القلب في الدّنيا عن ولاية أمير المؤمنين قال :
وهو سيحشر يوم القيامة يقول : (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذلِك أَتَنكَ ءَايْتُنَا) [ طه : 125 - 126 ] . قال الآيات الأئمة عليهم السّلام «فَنَسَيْتَها وكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسى».
يعني تركتها فكذلك تترك في النّار كما تركت الأئمة، فلم تطع قولهم ولم تسمع أمرهم . وقد ظهر ممّا ذكرنا أن مقصوده بذلك الإشارة إلى وجوب الرّجوع في الوقائع المشتبهة والأمور الملتبسة إلى أئمة الحقّ الذين هم أولياء الله سبحانه وتعالى، لأنّهم من حيث كمال القدسيّة بنور اليقين قادرون على رفع الشكوكات ودفع الشّبهات، ومن حيث أن دليلهم سمت الهدى يهدون الراجعين إليهم إلى طريق النّجاة.
وأما أئمة الجور الذين هم أعداء الله عز وعلا فلا يمكن الرجوع فيها إليهم لأَنهم من حيث اتّصافهم بالجهل والعمى عاجزون عن رفع النقاب وكشف الحجاب في الأمور المشتبهة والوقائع المشكلة، ومن حيث إنهم معزولون عن الحقّ يدعون الراجعين إليهم والتابعين لهم إلى طريق الضّلال.
وقد قال لكميل بن زياد: الناس ثلاثة :عالم ربّاني، ومتعلم على طريق النجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق يميلون مع كلّ ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، هذا .
ويحتمل أن يكون غرضه بذلك الكلام الإشارة إلى خصوص أمر الخلافة الذي اشتبه على الناس وصاروا منه في شبهة ،فمنهم من رآه أهلاً لها واقتدى فسعد ونجي وصار من أصحاب الصراط السوي وأهدى، فتنور قلبه بنوره علیه السلام ويهدي الله لنوره من يشاء من عباده؛ ومنهم من قدم غيره عليه وانتم به فَضَل وهلك وخاب وغوى ويحشر يوم القيمة أعمى.
وإلى الفريقين أشير في قوله عزّ وجل:
(أَو مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: 122].
قال علي بن إبراهيم في «تفسيره»: جاهلاً عن الحق والولاية فهديناه إليها.
(وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشي به في النَّاسِ ) قال : النّور الولاية كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ
بخارج منها »يعني في ولاية غير الأئمة (ع) (1).
(كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 122] .
وروى العياشي عن بريد العجلي قال : قال :
(أو مَن كَانَ ميْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) .
قال : الميت الذي لا يعرف هذا الشأن ،قال: أتدري ما يعني ميتاً؟ قال: قلت: جعلت فداك لا، قال: الميت الذي لا يعرف شيئاً فأحييناه بهذا الأمر وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس، قال : إماماً فأتم به قال:
(كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بخَارِج يَنْهَا) [الأنعام: 122].
قال : كمثل هذا الخلق الذين لا يعرفون الإمام (2).
وفي قوله : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور ) [البقرة: 257] .
قال الصادق علیه السلام في «رواية الكافي »عن ابن أبي يعفور عنه علیه السلام من ظلمات الذّنوب إلى نور التوبة أو المغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله قال :
(والَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ) [البقرة: 257].
فأي نور يكون للكافر فيخرج منه، إنّما عنى بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام، فلما تولوا كلّ إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إيّاهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النّار مع الكفّار وقال :
(أُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة : 257].
وإلى الفرقة الأولى خاصة وقعت الإشارة في قوله سبحانه: فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ،وَالنُّورِالَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن : 8] .)قال أبو خالد :سألت أبا جعفر علیه السلام عن هذه الآية فقال علیه السلام : يا أبا خالد النّور والله إلى يوم القيامة هم والله نور الله الذي أنزل ،وهم والله نور الله في السّموات والأَرض والله يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشّمس المضيئة بالنهار، وهم والله يتّورون قلوب المؤمنين ويحجب الله نورهم عمن يشاء، فتظلم قلوبهم، والله يا أبا خالد لا يحبّنا عبد ويتولانّا حتّى يطهر الله قلبه، ولا يطهر الله قلب عبد حتّى يسلم ويكون سلماً لنا، فإذا كان سلما لنا سلّمه الله من شديد الحساب وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر (3.)
وإلى الفرقه الثّانية خاصّة أشيرت في قوله سبحانه :(نَامَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ [آل عمران :7] . فقد روي في «الكافي »بإسناده عن عبد الرّحمن بن كثير عن أبي عبد الله علیه السلام
عز وجل:
(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ وَايَةٌ تُحْكَمَتُ ﴾ [آل عمران :7] قال: «أمير المؤمنين والأَئمة عليهم السّلام «وأُخَرَ مُتَشابهات »قال فلان وفلان وفلان «يَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ،إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران: 7].
وهم أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام (1)، هذا .
وغير خفي على النّاقد البصير المجد الخبير أنّ التّأويل الذي ذكرته في شرح كلامه علیه السلام ممّا لم يسبقني أحد من الشّراح، وإنّما حاموا حول القيل والقال وأخذوا بشرح ظاهر المقال وقد هداني إلى هذا التحقيق نور التوفيق، وقد اهتديت إليه بميامن التمسك بولاية أئمة الهدى والإعتصام بعراهم الوثقى، (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُونَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8] .
وارد في مقام التذكير بالموت الذي هو هادم اللذات ،كما قال علیه السلام (فما ينجو من
الموت من خافه) يعني :
(إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُتَتكُم
بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجمعة: 8] .
وقوله علیه السلام (ولا يعطى البقاء من أحبّه) يعني أنّ حب البقاء في الدّنيا لا يثمر البقاء فيها وفي معنى هذا الفصل قال في الدّيوان المنسوب إليه :
أرى الدنيا ستؤذن بانطلاق ***مشمّرة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحيّ ***ولا حيّ لى الدّنيا بياق
وقال أيضاً:
حياتك أنفاس تعدّ فكلما ***مضی نفس منها انتق انتقضت به جزءاً
1) الكافي : 219/80 ح 397 ، ودعائم الإسلام: 22/1 .
ويحييك مايفينك في كل حالة ***ويحدوك حاد ما يريد بك الهزءاً
فتصبح في نفس وتمسي بغيرها ***ومالك من عقل تحس به رزءاً
وقال أيضاً:
الموت لا والداً يبقى ولا ولداً ***هذا السبيل إلى أن لا ترى أحداً
كان النّبي ولم يخلد لأمّته ***لو خلد الله خلقاً قبله خلداً
للموت فينا سهام غير خاطئة ***من فاته اليوم سهم لم يفته غداً
از جمله خطب آن حضرت است که مشتمل است به دو فصل :فصل اول :در بیان وجه تسمیه شبهه می فرماید که:
به درستی نام نهاده شد شبهه به شبهه ،به جهت آن که آن شباهت دارد به حق،پس اما دوستان خدا، روشنی ایشان در آن شبهه نور یقین است و راهنمایی پس ایشان قصد راه راست است و اما دشمنان خدا ،پس خواندن ایشان در امور مشتبه گمراهی است و ضلالت و دلیل ایشان کوری است و عدم بصیرت .
فصل :دوم در تذکیری موت می فرماید:
پس نجات نیافت از مرگ کسی که ترسید از او و عطا نشد بقا بر کسی که دوست داشت آن را ،بلکه مآل هر دو اجل است ،پس هر که راه خدا گزید به بهشت و نعیم رسید و هر که راه دشمنان خدا اختیار نمود گرفتار عقوبت و جهنم گردید.
خطب بها في غزاة النّعمان بن بشير بعين التّمر على ما تعرفها إن شاء الله قال :« مُنيتُ بِمَنْ لا يُطيعُ إذا أَمَرْتُ، ولا يُجيبُ إِذا دَعَوْتُ ،لا أَبا لَكُمْ ما تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ، أما دينَ يَجْمَعُكُمْ ، ولا حَمِيَّةٌ تُحْمِشُكُمْ أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً، وأناديكُمْ مُتَغَوَّثَاً، فَلا تَسْمَعُونَ لي قَوْلاً، ولا تُطيعُونَ لي أَمْراً، حَتَّى تَكْشِفَ الأُمُورُ عَنْ عَواقِبِ الْمَسالَةِ، فَما يُدْرَكُ بكُم ثارٌ، ولا يُبْلَعُ بِكُمْ مَرامٌ ،دَعَوْتُكُمْ إلى نُصْرَةِ إِخْوانِكُمْ فَجَرْجرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَل الأسرِّ، وتَثاقَلْتُمْ تَناقُلَ النَّضْرِ الأَدْبَرَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَدائِبٌ ضعيفٌ، كَأَنَّما يُساقون إلى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ » (1).
قال السّيد (ره) أقول قوله علیه السلام: متذائب أي مضطرب من قولهم تذاءبت الرّيح أي
اضطرب هبوبها، ومنه سمي الذّئب ذئباً لاضطراب مشيته .
(منيت) على البناء للمفعول أي ابتليت و (حمشه) جمعه کحمشه وأغضبه كأحمشه وحمش القوم ساقهم بغضب و (المستصرخ) المستنصر مأخوذ من الصّراخ وهو الصّياح باستغاثة ،و (المتغوث )القائل واغوثاه و (تكشف) بصيغة المضارع من باب ضرب أي تظهر وفي بعض النّسخ تنكشف، وفي بعضها تكشف بصيغة الماضي من باب التّفعل يقال تكشف الأمر وانكشف أي ظهر.
و (النّار) الدّم والطلب به وقاتل حميمك قاله في «القاموس »و (الجرجرة) صوت تردّده الإبل في حنجرته وأكثر ما يكون ذلك عند الإعياء والتّعب و (السرر) داء يأخذ البعير في سرته يقال : منه جمل السّر و (النّضو) البعير المهزول) و (الأدبر) الذي به دبر وهي القروح في ظهره و (الجنيد) تصغير الجند للتحقير .
ما تنتظرون استفهام على سبيل الإنكار التّوبيخي، وأما دين يجمعكم استفهام على سبيل التّقرير أو للتّوبيخ ومستصرخاً متغوثاً منصوبان على الحال من فاعل أقوم وأنادي، وقوله:
1) الغارات : 291/1 .
حتّى تكشف الأمور الغاية داخل في حكم المغيى ،وعلى ما في بعض النّسخ من تكشف
بصيغة الماضي فحتّى ابتدائية على حد قوله سبحانه: ثَّم بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا ، [الأعراف: 95] ،وإضافة العواقب إلى المسائة بيانية ،وجملة وهم ينظرون منصوبة المحلّ على الحال من فاعل يساقون .)### المعنىاعلم أنّ هذه الخطبة خطب بها في غزاة النعمان بن بشير الأنصاري على عين التّمر، وهو عين ماء قرب الكوفة، وكيفية تلك الغزوة على ما ذكره في «شرح المعتزلي »من كتاب الغارات هي أنّ النّعمان قدم هو وأبو هريرة على عليّ من عند معاوية بعد أبي مسلم الخولاني يسألانه أن يدفع قتلة عثمان إلى معاوية ليقتلهم بعثمان ،لعلّ الحرب أن تطفأ ويصطلح النّاس. وإنّما أراد معاوية أن يرجع مثل النّعمان وأبي هريرة من عند علي علیه السلام وهم لمعاوية عاذرون، ولعلي لائمون، وقد علم معاوية أن عليّاً لا يدفع قتلة عثمان إليه، فأراد أن يكون هذان يشهدان له عند أهل الشّام بذلك، وأن يظهرا عذره، فقال لهما انتيا عليّاً فانشداه الله وسلاه بالله لما دفع إلينا قتلة عثمان، فإنّه قد آواهم ومنعهم، ثمّ لا حرب بيننا وبينه، فإن أبى فكونوا شهداء الله عليه وأقبلا على النّاس فأعلماهم ذلك، فأتيا إلى علي علیه السلام فدخلا عليه .فقال له أبو هريرة يا أبا الحسن إنَّ الله قد جعل لك في الإسلام فضلاً وشرفاً أنت ابن عمّ محمّد رسول الله ، وقد بعثنا إليك ابن عمك معاوية يسألك أمراً يسكن به هذه الحرب ويصلح الله تعالى به ذات البين أن تدفع إليه قتلة عثمان ابن عمّه فيقتلهم به، ويجمع الله تعالى أمرك وأمره ويصلح بينكم وتسلم هذه الأمة من الفتنة والفرقة .ثمّ تكلم النّعمان بنحو من هذا.فقال علیه السلام: «لهما دعا الكلام في هذا، حدثني عنك يا نعمان أنت أهدى قومك سبيلاً»؟ یعنی الأنصار قال: لا، قال: «فكل قومك تبعني إلا شذاذ منهم ثلاثة أو أربعة ،أفتكون أنت من الشّذاذ ؟ فقال النّعمان : أصلحك الله إنّما جئت لأكون معك وألزمك، وقد كان معاويةسألني أن أؤدي هذا الكلام، ورجوت أن يكون لي موقف أجتمع فيه معك وطمعت أن يجري الله بينكما صلحاً، فإذا كان غير ذلك رأيك فأنا ملازم ،وكائن معك، فأما أبو هريرة فلحق بالشام وأقام النّعمان عند علي عليه السلام فأخبر أبو هريرة معاوية بالخبر فأمره أن يعلم الناس ففعل. وأقام النّعمان بعده ،ثمّ خرج فارّاً من علي حتى إذا مر بعين التمر أخذه مالك بن کعبالأَرحی وكان عامل علي عليها ،فأراد حبسه وقال له : ما مر بك ههنا قال : إنّما أنا رسولبلغت رسالة صاحبي، ثمّ انصرفت فحبسه ،وقال كما أنت حتى أُكتب إلى علي فيك فناشده ،وعظم عليه أن يكتب إلى علي فيه فأرسل النّعمان إلى قرطة بن كعب الأنصاري وهو كاتبحبي
عين التّمر يجبي خراجها لعلي علیه السلام فجاءه مسرعاً فقال لمالك بن كعب :خل سبيل ابن عمي يرحمك الله، فقال يا قرطة اتق الله ولا تتكلم في هذا فإنّه لو كان من عباد الأنصار ونساكهم لم يهرب من أمير المؤمنين علیه السلام إلى أمير المنافقين ،فلم يزل به يقسم عليه حتى خلا سبيله وقال له يا هذا لك الأَمان اليوم والليلة وغداً والله لإن أدركتك بعدها لأضربن عنقك .فخرج مسرعاً لا يلوي على شيء، وذهبت به راحلته فلم يدر أين ينتكع من الأرض ثلاثة أيام لا يعلم أين هو ثمّ قدم إلى معاوية فأخبره بما لقي ولم يزل معه مصاحباً له يجاهدويتبع قتلة عثمان حتّى غزا الضّحاك بن قيس أرض العراق، ثمّ انصرف إلى معاوية فقالمعاوية : أما من رجل أبعث من رجل أبعث معه بجريدة خيل حتى يغير على شاطيء الفرات، فإنّ الله يرغب بها أهل العراق فقال له النّعمان :فابعثني فإنّ لي في قتالهم نيّة وهوى، وكان النّعمان عثمانياً، قال فانتدب على اسم الله فانتدب وندب معه ألفي رجل وأوصاه أن يتجنّب المدن والجماعات، وأن لا يغير إلا على مسلحة وأن يعجّل الرّجوع .فأقبل النّعمان حتّى دنا من عين التّمر وبها مالك بن كعب الأرحبي الذي جرى له معه ما ذكرناه ومع مالك ألف رجل، وقد أذن لهم فقد رجعوا إلى الكوفة فلم يبق معه إلاّ مائة أو نحوها.فكتب مالك إلى علي علیه السلام: أما بعد، فإنّ النّعمان بن بشير قد نزل بي في جمع كثيففما رأيك سدّدك الله تعالى وثبتك؟ والسّلام .فوصل الكتاب إلى علي علیه السلام فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: اخرجوا هداكم الله إلى مالك بن كعب أخيكم، فإن النّعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشّام ليس بالكثير فانهضوا إلى إخوانكم لعلّ الله يقطع بكم من الكافرين طرفاً ثمّ نزل (1.)فلم يخرجوا فأرسل علیه السلام إلى وجوههم وكبرائهم فأمر أن ينهضوا ويحثّوا النّاس علىالمسير قلم يصنعوا شيئاً، واجتمع منهم نفر يسير نحو ثلثمائة فارس أو دونهم فقام علیه السلام. فقال : (ألاإنّي منيت بمن لا يطيعني إذا أمرت ولا يجيب دعوتي (إذا دعوت) وهو إظهار لعذر نفسه على أصحابه لينسب التّقصير إليهم دونه ويقع عليهم لائمة غيرهم (لا أبا لكم ما تنتظرون بنصركم ربكم )وهو توبيخ لهم على التّثاقل والتقاعد والانتظار واستنهاضهم على نصرة الله، (أما دين يجمعكم ولا حمية تحمشكم) وهو إمّا تقرير لهم بما بعد النفي ليقرّوا بذلك ويعترفوا بكونهم أصاحب دين وحمية ،فيلزم عليهم الحجة ويتوجه عليهم اللوم والمذمّة، وإمّا توبيخ بعدم اتصافهم بدين جامع وحمية مغضبة .)
1) شرح النهج للمعتزلي : 304/2، والغارات : 453/2 .
ونظيره في الإحتمالين قوله سبحانه :(اليسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36].)وعلى التّقديرين فالمقصود به حثهم وترغيبهم على الجهاد تهيجاً وإلهاباً بأن صاحب الدّين والحميّة لا يتحمل أن ينزل على إخوانه المؤمنين داهية، فلا ينصرهم مع قدرته على الذّب عنهم وتمكنه من حماية دمائهم ومعاونتهم .(أقوم فيكم مستصرخاً، وأناديكم متغوثاً، فلا تسمعون لي قولاً، ولا تطيعون لي أمراً حتّى تكشف الأمور عن عواقب المساءة أراد أنّ عدم طاعتهم له مستمرَ إلى أن تظهر الأمور أي الأمور الصّادرة عنهم عن عواقب السوء، وترجع مالها إلى النّدامة وملامة النفس اللوامة، أو المراد أنه ظهر الأمور الفظيعة أي الأمور الصّادرة عن عدوهم بالنّسبة إليهم كالقتل والغارة وانتقاص الأطراف .)(فما يدرك بكم ثأر ولا يبلغ بكم مرام تهييج لهم على التآلف في النّصرة إذ من شأن العرب ثوران طباعهم بمثل هذه الأقوال (دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر) قال الشارح البحراني استعار لفظ الجرجرة لكثرة تململهم وقوة تضجرهم من ثقل ما يدعوهم إليه، ولما كانت جرجرة الجمل الأسر أشدّ من جرجرة غيرها لاحظ شبه ما تشبه إليهم من التضجر بها، وكذلك التشبيه في قوله (وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر).)وقوله : (ثمّ خرج إليَّ منكم جنيد متذائب مضطرب (ضعيف) إشارة إلى حقارة شأنهم)وقلّة عددهم، وقد ذكرنا أنهم كانوا نحواً من ثلاثمائة أو دونها ،وقوله : (كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون إشارة إلى شدة خوفهم وجبنهم واضطرابهم فيما يساقون إليه مثل اضطراب من يساق إلى الموت وخوفه منه هذا.)وقال صاحب «الغارات»: إنّه بعد ما خطب هذه الخطبة نزل من المنبر فدخل منزله، فقام عدي بن حاتم فقال : هذا والله الخذلان ما على هذا بايعنا أمير المؤمنين، ثمّ دخل إليه فقال: يا أمير المؤمنين إنّ معي من طي ألف رجل لا يعصوني، فإن شئت أن أسير بهم سرت، قال: ما كنت لأَعرض قبيلة واحدة من قبائل العرب للنّاس، ولكن أخرج إلى النخيلة وعسكر بهم، فخرج وعسكر وفرض علي علیه السلام لكل رجل منهم سبعمائة، فاجتمع إليه ألف فارس عدا طياً أصحاب عدي ،وورد عليه الخبر بهزيمة النعمان .وروى عبد الله بن جوزة الأزدي قال : كنت مالك بن كعب حين نزل بنا النّعمان وهو في ألفين وما نحن إلا مائة ؛ فقال لنا : قاتلوهم في القرية واجعلوا الجدر في ظهوركم ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، واعلموا أُن الله ينصر العشرة على المائة والمائة على الألف والقليل على الكثير.
ثمّ قال : إنّ أقرب من ههنا إلينا من شيعة أمير المؤمنين قرطة بن كعب ومخنف بن سليم، فاركض إليهما فأعلمهما حالنا وقل لهما فلينصرانا، فمررت بقرطة فاستصرخته فقال : إنّما أنا صاحب خراج وليس عندي من أغيثه به فمضيت إلى مختف فسرح معي عبد الرّحمن بن مخنف في خمسين رجلاً.وقاتل مالك وأصحابه النّعمان وأصحابه إلى العصر، فأتيناه وقد كسر هو وأصحابه جفون سيوفهم واستقبلوا الموت ،فلو أبطأنا منهم هلكوا ،فما هو إلا أن رآنا أهل الشام، وقد أقبلنا عليهم أخذوا ينكصون عنهم ويرتفعون وراءنا مالك وأصحابه، فشدّوا عليهم حتّى دفعوهم عن القرية، فاستعرضناهم فصرعنا منهم رجالاً ثلاثة ،فظنَّ القوم أن لنا مدداً وحال الليل بيننا وبينهم فانصرفوا إلى أرضهم.وكتب مالك إلى علي علیه السلام أما بعد: فإنّه نزل بنا النّعمان بن بشير في جمع من أهل الشام كالظاهر علينا، وكان أعظم أصحابي متفرّقين وكنا للذي كان منهم آمنين، فخرجنا رجالاً مصلتين فقاتلناهم حتّى المساء واستصرخنا مخنف بن سليم، فبعث لنا رجالاً من شيعة أمير المؤمنين وولده، فنعم الفتى ونعم الأَنصار كانوا فحملنا على عدوّنا وشددنا عليهم، فأنزل الله علينا نصره وهزم عدوّه وأعز جنده والحمد لله ربّ العالمين والسّلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته (1.)
1) الغارات 457/2 ، ونهج السعادة: 549/2.
### الترجمةاز جمله خطب آن حضرت است در وقتی که نعمان بن بشیر به امر معاویه بدضمیر با دو هزار سوار به جهت تخویف اهل عراق از شام حرکت نموده ،چون به عين التمر رسيد با مالك بن کعب ارحبی که عامل امیرالمؤمنین بود جنگ نموده ،مالك آن حضرت را از ما وقع اخبار نموده ،آن حضرت هر چند ترغیب فرمود اصحاب خود را به نصرت مالك و کارزار دشمنان ایشان تکاهل ورزیدند، پس حضرت این خطبه را خواند که:مبتلا شدم به کسی که اطاعت نمی کند مرا در قتال اهل ضلال هرگاه امر نمایم او را به آن و اجابت نمی نماید قول مرا در جدال هرگاه دعوت میکنم او را به آن ، پدر مباد شما را ،چه انتظار می کشید به یاری دادن پروردگار خود. آیا نیست شما را دینی که نماید شما را از این تفرّق و اختلاف آراء؟ و نیست غیرتی که به خشم آورد شما را از این حرکت و کردار اعداء؟ ایستاده ام در میان شما فریاد کننده به جهت دفع اشرار و می خوانم شما را به فریادرسی در قتل دشمنان جفاکار.پس گوش نمی دهید به گفتار من و اطاعت نمی کنید به امر و فرمان من تا این که اظهار می کند این کارهای ناشایسته شما از عاقبت های بدی ،یا این که ظاهر می شود کارهای دشوار از عاقبت های بد، پس ادراک نمی شود به اعانت شما کینه جویی و خون خواهی از اعداء و رسیده نمی شود به یاری و حمایت شما مقصودی از مقصودها .دعوت کردم شما را به یاری برادران خودتان ،پس آواز گردانیدید در حنجره به جهت دلتنگی از دعوت من ،چون آواز گردانیدن شتری که درد ناف داشته باشد و ناله کند از آن و گرانی نمودید در کارزار ،چون گرانی شتر لاغر ریش پشت در رفتار، پس بیرون آمد به سوی شما از جانب شما لشگرکی مضطرب و ناتوان ،گویا که رانده می شوند با جبر و اکراه به سوی مرگ در حالتی که نظر می کند به شداید مرگ و اهاویل آن .
## ومن كلام علیه السلام في الخوارج وهو الأربعون من المختار في باب الخطب### اشارةلمّا سمع قولهم لا حكم إلاّ الله قال علیه السلام : «كَلِمَةً حَقٍ يُرادُ بِهَا الْباطِلُ، نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إلا لله، وَلكِن هؤلاءِ يَقُولُونَ : لا إِمْرَةً وإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَميرِ بَرْ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ اَلْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكافِرُ ، ويُبَلِّغُ الله فِيهَا الأَجَلَ، ويُجْمَعُ بِهِ الفيء، ويُقاتَلُ بِهِ الْعَدُو، وتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ ويُؤْخَذُ بِه لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ حَتَّى يَسْتَريحَ بَر، ويُسْتَراحَ مِنْ فاجِرٍ . وفي رواية أخرى أنَّه لما سمع تحكيمهم قال : حُكْمَ اللهِ أَنْتَظرُ فِيكُمْ ، وقال : «أَمَّا الإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ، وأمَّا الإمْرَةُ الْفاجِرَةُ فَيَتَمَتَعُ فيها الشقي، إلى أنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وتُدْرِكَهُ مَنِیَّةُ» (1.)### اللغة(نعم بفتحتين حرف جواب لتصديق المخبر إذا وقعت بعد الخبر و (الإمرة) بالكسر الولاية اسم مصدر من أمر علينا مثلثة إذا ولي و (البر) بفتح الباء كالبار الكثير البر والجمع أبرار و (القيء) الغنيمة ولفظ (التحكيم) في قول الرّضى (ره) من المصادر المولدة من قولهم لا حكم إلا لله مثل التسبيح والتهليل من قول سبحان الله ولا إله إلا الله .)### الإعرابلكن مخففة من الثقيلة وهي حرف ابتداء غير عاملة لدخولها على الجملتين ومعناها الإستدراك، وفسّر بأن ينسب لما بعدها حكماً مخالفاً لما قبلها ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها نحو ما هذا ساكناً ولكن متحرّك، أو ضدّ له نحو ما هذا أبيض ولكن أسود، قيل أو خلاف نحو ما زيد قائماً، ولكن شارب، وقيل لا يجوز ذلك وكلامه دليل على الجواز.وجملة وأنه لا بد للناس (آ ه حالية ؛ والضمير في أنّه للشأن وجملة: يعمل في إمرته ، كالتالية لها مجرورة المحلّ على الوصفية، وقوله : حتى يستريح، كلمة حتى إما بمعنى إلى على حد قوله سبحانه :)(حتى يرجع إلينا موسى [طه: 91] أو بمعنى كي التعليلية على حد قوله :)
1) نهج البلاغة : 91/1 ح 40، وبحار الأنوار: 358/33 - 593 .
(هو ولا يَزَالُونَ يُقَتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ [البقرة : 217] وقوله :( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى)مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُوا [المنافقون : 7] .)### المعنىقد مضى في «شرح الخطبة» السادسة والثلاثين كيفية قتال الخوارج، ومرّ هناك أنّهم اتخذوا قول الا حكم إلا لله شعاراً لهم وأنه لما دخل الكوفة جاء إليه زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير التميمي ذو الندية فقال : لا حكم إلا الله، ومرّ أيضاً أنه خرج يخطب الناس فصاحوا به من جوانب المسجد لا حكم إلا الله وصاح به رجل:(وَلَقَدْ أوحى إليكَ وإلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَينْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ [الزمر: 65] فقال : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَحْفَتَكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُون [الروم: 60] .)ولما سمع قولهم لا حكم إلا الله قال : إنها (كلمة حق يراد بها الباطل أما أنها كلمة حق فلكونها مطابقة لنفس الأمر إذ هو سبحانه أحكم الحاكمين لاراد لحكمه ولا دافع لقضائه كما قال تعالى :)(إن الحكم إلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ [الأنعام : 57] .)يعني أنه إذا أراد شيئاً لا بد من وقوعه، ويحتمل أن يكون الحكم لحقيتها نظراً إلى كون جميع الأحكام مستنداً إليه سبحانه بملاحظة أنه سبحانه جاعلها وشارعها كما قال :(لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: 48] .)ولأجل مطابقتها لنفس الأمر صدقهم بقوله : (نعم لا حكم إلا الله وأما أنّهم أرادوا بها الباطل فلان بذلك إنّما كان إبطال جعل الحكمين وإنكار صحة تفويض الأمر إليهما مقصودهم بذ أن الأحكام كلها الله سبحانه، وهو الحاكم لا غير، فلا يجوز لأحد الحكم في شيء من بزعم الأشياء إلا بنص به في القرآن فلا يصح التحكيم وإناطة الأمر برأي الحكمين، لعدم ورود نص فيه بصحته، وهو معنى قولهم بعد ما سمعوا صحيفة الصلح في صفين على ما مر : الحكم الله يا علي لا لك فلا نرضى بأن يحكم الرّجال في دين الله ، وقولهم لابن عباس لما احتج معهم بأمره والرابعة أنه حكم الرجال في دين الله ولم يكن ذلك إليه .)ووجه بطلان ذلك أولاً أنّ كون الأحكام الله لا يستلزم كون جميع الأحكام منصوصاً به في القرآن إذ رب حكم مستنبط من السنة ومن سائر الأدلة الشرعية، وهو لا يخرج بذلك عن كونه حكماً ،الله، وثانياً منع عدم ورود النص بالتحكيم في القرآن، وقد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرّجل وامرأته فقال سبحانه :
(فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا [النساء : 35] وحكم الرجال في طائر فقال : (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّمَرِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ ) [المائدة : 95] .)قدماء المسلمين أعظم من دم طائر، والشقاق بينهم أشد من الشقاق بين الرّجل والمرأة وثالثاً: أن مقتضى نفيهم الحكم لغير الله هو نفي الإمارة للملازمة التي بينهما، كما أشار إليه بقوله : (ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا أنّ التّالي ،باطل، فالمقدم مثله بيان الملازمة أنّ الأمير لا بد أن يكون حاكماً وناظراً إلى وجوه المصلحة، فإذا لم يجر له حكم ولم ينفذ له أمر ولم يمض له رأي فلا يكون له إمارة ،البتة، (و) أما بطلان التالي فلانه (لا بد للناس من أمير بر أو فاجر) وذلك لأنّ النوع الإنساني بمقتضى النفس الأمارة المودعة فيه مائل إلى الشرور والمفاسد، فلا بد في بقاء نظامهم وانتظام أمر معاشهم ومعادهم من مانع يمنعه من ورادع يردعه عن شرّه .)والعلة المانعة عند الإستقراء مرجعها إلى أحد أمور أربعة إما عقل زاجر أو دين حاجز أو عجز مانع أو سلطان رادع ، والسلطان القاهر أبلغها نفعاً لأن العقل والدين ربما كانا مغلوبين بدواعي الهوى، فيكون رهبة السلطان أقوى ردعاً وأعلم نفعاً وإن كان جائراً ولهذا اشتهر أنما نزع السلطان أكثر مما نزع القرآن وما يلتئم بالسنان لا ينتظم بالبرهان.وكفاك شاهداً ما يشاهد من استيلاء الفتن والإبتلاء بالمحن بمجرّد هلاك من يقوم بإمارة الحوزة ورعاية البيضة وإن لم يكن على ما ينبغي من الصلاح ،والسداد، ولم يخل من شائبة شر وفساد ولهذا لا ينتظم أمراً دون اجتماع كرفقة طريق بدون رئيس يصدرون عن رأيه، ومقتضى أمره ونهيه .بل ربّما يجري مثل هذا فيما بين الحيوانات العجم كالنحل لها يعسوب يقوم مقام الرئيس ينتظم أمرها ما دام فيها ، فإذا هلك انتشر الأفراد انتشار الجراد وشاع فيما بينها الهلاك والفساد.وبالجملة فقد تلخص ممّا ذكرنا أن وجود السلطان وإن كان جائراً خير من عدمه المستلزم لوجود الفتنة ووقع الهرج والمرج بين الخلق إذ كان بوجوده صلاح بعض الأمور، على أنه وإن كان لا خير فيه أيضاً من جهة جائريته إلا أن هيبته ووجوده بين الخلق مما يوجب الإنزجار عن إثارة الفتن ويكون ذلك خيراً وقع في الوجود بوجوده لا يحصل فوجوده مطلقاً واجب.وهذا معنى قوله ولا بد للنّاس من أمير بر أو فاجر وقوله : (يعمل في إمرته المؤمن روي في «شرح المعتزلي» عن بعض شارحي عن بعض شارحي كلامه علیه السلام أن النظر فيه إلى إمارة الفاجر، وهكذا الألفاظ التي بعد ذلك كلها راجعة إليها وأن المقصود بذلك أن إمارة الفاجر ليست بمانعة)
للمؤمن من العمل لأنه يمكنه أن يصلي ويصوم ويتصدق وإن كان الأمير فاجراً في نفسه وبقوله : (ويستمتع فيها الكافر أنه يتمتع بمدته كما قال سبحانه للكافرين :)(قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم: 30] .)و قال الشارح البحراني: الضمير في إمرته راجع إلى الأمير، ولما كان لفظ الأمير محتملاً للبر والفاجر كان المراد بالإمرة التي يعمل فيها المؤمن إمرة الأمير من حيث هو برّ، وبالتي يستمتع فيها الكافر إمرته من حيث هو فاجر قال وهذا أولى من قول بعض الشارحين إنّ الضمير يعود إلى الفاجر فإنّ إمرة الفاجر ليست مظنة تمكن المؤمن من عمله .والمراد بعمل المؤمن في إمرة البرّ عمله على وفق أوامر الله ونواهيه، إذ ذلك وقت تمكنه منه والمراد باستمتاع الكافر في إمرة الفاجر انهماكه في اللذات الحاضرة التي يخالف فيها أوامر الله ونواهيه، وذلك وقت تمكنه من مخالفة الدين.أقول : ويؤيد هذا الوجه الرواية الأخرى الآتية، ويمكن أن يكون المعنى أنّه لا بد من انتظام أمور المعاش من أمير بر أو فاجر ليعمل المؤمن بما يستوجب به جنات النعيم، ويتمتع فيها الكافر ليكون حجة عليه ويبلغ الله فيها (الأجل أي في إمارة الأمير يراً كان أو فاجراً،( وفائدة هذه الكلمة تذكير العصاة ببلوغ الأجل وتخويفهم به ، ويجمع به أي بالأمير مطلقاً (الفيء ويقاتل بوجوده العدوّ وتأمن) بسطوته (السبل ويؤخذ) بعد (له) الحق (للضعيف من)القوي وهذه الأمور كلها ممكنة الحصول في إمارة الفاجر كحصولها في إمارة البر.)ألا ترى أن أمراء بني أمية مع كونهم فساقاً كان الفيء يجمع بهم والبلاد تفتح في أيامهم، والثغور الإسلامية محروسة والسبل آمنة والقوي مأخوذ بالضعيف ولم يضرّ جورهم شيئاً في تلك الأمور.وقوله : (حتى يستريح بر ويستراح من فاجر يعني أن هذه الأمور لا تزال تحصل بوجود الأمير براً كان أو فاجراً إلى أن يستريح البرّ من الأمراء أو مطلق النّاس، ويستريح الناس من الأمير الفاجر أو مطلق الفاجر بالموت أو العزل، وفيهما راحة للبر لأنّ الآخرة خير من الأولى، ولا يجري الأمور غالباً على مراده ولا يستلذ كالفاجر بالإنهماك في الشهوات، وراحة للناس من الفاجر لخلاصهم من جوره وإن انتظم به نظام الكل في المعاش.)وعلى كون حتى مرادفة كي التعليلية فالمعنى أن غاية صدور هذه الأمور أن يستريح البرّ من النّاس في دولة البرّ من الأمراء، ويستريح الناس مطلقاً من بغي الفجار ومن الشرور والمكاره في دولة الأمير مطلقاً، ولا ينافي ذلك إصابة المكروه من فاجر أحياناً هذا.وقال السيد ره (وفي رواية أخرى أنّه علیه السلام لما سمع تحكيمهم قال : (حكم الله أنتظر فيكم ) أي جريان القضاء بقتلهم وحلول وقت القتل، وقد مرت هذه الرواية في شرح)
الخطبة» الخامسة والثلاثين عن ابن ويزيل في كتاب صفين ولا حاجة إلى الإعادة .وقال: (أما الإمرة البرّة فيعمل فيها التقي ويقوم بمقتضى تقواه (وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي) بمقتضى شقاوته إلى أن تنقطع (مدته أي مدة دولته أو حياته وتدركه منيته).)### تنبيهقال الشّارح المعتزلي في شرح المقام : إنّ هذا الكلام نص صريح منه علیه السلام بأن الإمامة واجبة، فأما طريق وجوب الإمامة ما هي فإنّ مشايخنا البصريين يقولون طريق وجوبها الشرع وليس في العقل ما يدلّ على وجوبها وقال البغداديون وأبو عثمان الجاحظ من البصريين وشيخنا أبو الحسين إن العقل يدلّ على وجوب الرئاسة وهو قول الإمامية إلا أن الوجه الذي يوجب أصحابنا الرّئاسة غير الوجه الذي توجب الإمامية منه الرئاسة .وذاك إن أصحابنا يوجبون الرّئاسة على المكلفين من حيث كان في الرئاسة مصالح دنيوية ودفع مضار دنيوية، والإماميّة يوجبون الرّئاسة على الله من حيث كان في الرّئاسة لطفاً به وبعداً للمكلفين عن مواقعة القبائح العقلية، والظاهر من كلام أمير المؤمنين يطابق ما يقوله أصحابنا ألا تراه كيف علل قوله : لا بد للنّاس من أمير فقال في تعليله يجمع بها الفيء ويقاتل بها العدوّ، ويؤمن به السّبل ويؤخذ للضعيف من القوي، وهذه كلها مصالح الدّنيا انتهى (1.)أقول : وأنت خبير بما فيه ،لأن كلامه علیه السلام نص صريح في وجوب الإمارة، والإمارة غير الإمامة، لإمكان حصولها من البرّ والفاجر كما هو صريح كلامه، بل من الكافر أيضاً، بخلاف الإمامة فإنّها نيابة عن الرسول والغرض العمدة فيها هو مصلحة الدّين واللطف في حق المكلفين، كما أنّ المقصود من بعث النّبي أيضاً كان ذلك، فلا يمكن حصولها من الفاجر وإن كان يترتب عليها مصلحة دنيوية أيضاً إلاّ أن المصالح الدّنيوية زائدة في جنب المصالح الأخروية لا صلاحيّة فيها للعلّية للإمامة، وإنّما يصلح علة لوجوب الإمارة ويكتفي فيها بذي شوكة له الرّئاسة العامة إماماً كان أو غير إمام، فإنّ انتظام الأمر يحصل بذلك كما في عهد فجار بني أميّة حيثما ذكرنا سابقاً، ولأَجل كون نظره علیه السلام إلى وجوب الإمارة علل الوجوب بأمور راجعة إلى المصالح الدّنيوية، ولو كان نظره علیه السلام إلى الإمامة لعللها بأمور راجعة إلى مصالح الدين والدّنيا .وبالجملة فلا دلالة في كلامه علیه السلام على مذهب الشارع تبعاً للبغداديين من كون وجوب الإمامة مستنداً إلى أنّ فيها جلب منافع دنيوية ودفع مضار دنيوية، وليس مقصوده الإشارة إلى(1 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 308/2.)
وجوب الإمامة فضلاً عن كونه نصاً صريحاً فيه، وإنّما كان مقصوده بذلك ردّ الخوارج المنكرين لوجوب الإمارة، فأثبت وجوبها لاحتياج النّاس إليها فافهم جيّداً.
### الترجمةاز جمله کلام آن عالی مقام است در شأن خوارج نهروان وقتی که شنید گفتار ایشان را که لاحكم إلا لله مي گفتند؛ یعنی هیچ حکم نیست مگر خداوند را ، آن حضرت فرمود که :این سخن ،سخن حقی است که اراده شده به آن امر باطل .بلی به درستی که هیچ حکمی نیست مگر خدای را ولیکن این جماعت مقصودشان از این سخن این است که هیچ امارت نیست در میان مردمان و حال آن که این حرف بیوجه است از جهت این که ناچار است مردم را از امیری نیکوکار یا بدکار تا این که عمل کند در زمان امارت امیر نیکوکار مؤمن پرهیز کار به اوامر و نواهی پروردگار و لذت بردارد در زمان امیر فاجر منافق و کافر و تا برساند خدای تعالی در امارت آن امیر مردمان را به منتهای زمان و جمع شود به وجود آن امیر غنیمت و قتال کرده شود به واسطه او با دشمنان و آسوده شود به سبب او راه های بیابان و گرفته شود به عدالت او حق ضعیف بیچاره از صاحب قوت باشوکت تا آسوده و راحت شود نیکوکار و راحتی یافته شود از شرير روزگار.سید مرحوم گفته در روایت دیگر وارد شده که آن حضرت زمانی که شنید «لاحكم إلا لله »گفتن خارجیان را ،فرمود که حکم خداوند را انتظار می کشم در حق شما که حلول وقت قتل ایشان بود و فرمود آن حضرت که اما امارت نیکو ،پس عمل می کند در آن پرهیزکار و اما امارت بد ،پس تمتع یابد در آن تبه کار تا آن که منقطع شود و به نهایت برسد مدت عمر او در زمان و دریابد و ادراک نماید او را مرگ ناگهان ،والله أعلم بسرّ كلامه (علیه السلام .)
## ومن خطبة له علیه السلام وهي الإحدى والأربعون من المختار في باب الخطب### اشارةوقد رواها المحدث المجلسي في «البحار» من كتاب مطالب السؤول لمحمد ین طلحة قال : ومن خطبه علیه السلام : الحمد الله، وإن أتى الدّهر بالخطب الفادح والحدث الجليل، فإنّه لا ينجو من الموت من خافه ولا يعطى البقاء من أحبه .إِنَّ الْوَفاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ ، ولا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقى مِنْهُ ، ولا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا في زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً ، ونَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الحِيلَةِ، ما لَهُمْ قاتَلَهُمُ الله قَدْ يَرَى الْحُولُ القَلْبُ وَجْهَ الحيلَةِ ودُونَهُ مانع مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهِيهِ، فَيَدْعُها رَأْيَ عَينٍٍٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْها ، ويَنْتَهِزُ فُرْصَتَها مَنْ لا حَريجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ (1.)### اللغة(التوأم معروف يقال : هذا توأم هذا وهذه توأم وهذه وهما توأمان، و (الجنّة) بالضم الترس و (المرجع) اسم مكان أو مصدر والموجود في أكثر النّسخ بفتح الجيم وفي بعضها بالكسر ،والظاهر أنّه الصّحيح، قال الفيروزآبادي : رجع يرجع رجوعاً ومرجعاً كمنزل ومرجعة شاذان، لأنّ المصادر من فعل يفعل إنّما تكون بالفتح و (الكيس) وزان فلس مصدر من كاس كيساً وهو الفطنة والعقل و (الحول القلب )البصير بتقليب الأمور وتحويلها و (الرّأي) مصدر كالرّؤية و (الإنتهاز) المبادرة يقال انتهز الفرصة اغتنمها وبادر إليها و (الحريجة) التحرج، والتأثم، أي التحرز من الحرج والإثم، قال الفيومي : تحرج الإنسان تحرجاً هذا ممّا ورد لفظه مخالفاً لمعناه ،والمراد فعل فعلاً جانب به الحرج كما يقال : تحنث إذا فعل ما يخرج به عن الحنث، قال ابن الأعرابي : للعرب أفعال تخالف معانيها ألفاظها يقال: تحرج وتحنث وتأثمّ وتهجد إذا ترك الهجود .)### الإعرابقوله :كيف المرجع كيف اسم استفهام مبني على الفتح وهو في محل رفع علىالخبرية، والمرجع مبتدأ مؤخر والجملة في موضع نصب بعلم ،وهي معلقة عنها العامل لأنّ الإستفهام لا يعمل فيه ما قبله ،ومالهم إستفهام إنكاري ،وجملة قاتلهم الله دعائية لا محلّ لها من الإعراب، وجملة ودونه مانع حالية، وانتصاب رأي عين على حذف المضاف لدى بعد رأيه أو مع رأيه بعين ويحتمل أن يكون حالاً أي تركها حال لكونها مرئية بعين، وجملة وينتهز
1) بحار الأنوار: 97/72 ، وميزان الحكمة: 2914/4 .
فرصتها إستئنافية لا محلّ لها من الإعراب ،ومن الموصولة فاعل ينتهز .### المعنىاعلم أنّ الوفاء والصّدق من جنود العقل كما أنّ الغدر والكذب من جنود الجهل على ما ورد في رواية «الكافي» (1بإسناده عن ابن مهران عن أبي عبد الله علیه السلام، وتقابل الأوّلين الآخرين تقابل العدم والملكة، لأنّ عد هذه الأَوصاف من جنود العقل والجهل باعتبار مبادئها الرّاسخة وملكاتها الثّابتة في النفس دون آثارها التي هي من الأعمال والأَفعال، وعلى هذا فالوفاء ملكة نفسانية تنشأ من لزوم العهد كما ينبغي والبقاء عليه، والغدر عدم الوفاء عمن من شأنه الوفاء، والصدق ملكة تحصل من لزوم مطابقة الأقوال للواقع، والكذب عدم الصدق لمن من شأنه الصدق .)وأمّا النّسبة بين الوفاء والصّدق فهي أنّ الأوّل أخصّ من الثاني مطلقاً لأنّ الوفاء هو الصّدق في الوعد وربّما يكون صادقاً في غير مقام الوعد فكلّ وفاء صدق ولا يكون كل صدق وفاء، ويمكن أن يقال: إن النسبة عموم من وجه إذ الصّدق لا يكون إلا في القول، لأَنّه أنواع الخبر ،والخبر قول والوفاء قد يكون بالعمل ،ومثلها النّسبة بين الغدر والكذب قال الشاعر :غاض الوفاء وفاض الغدر واتسعت ***مسافة الخلف بين القول والعملإذا عرفت ذلك فأقول : إنّ الوفاء والصّدق لما كانا متشاركين في كونهما من جنود العقل متلازمين غالباً لا جرم شبّههما بالتوأمين وقال علیه السلام:( إنّ الوفاء توأم الصّدق وذلك إن التوأم الولد المقارن للولد في بطن واحد، فشبه الوفاء به لتقارنه الصّدق بحسب العقل وتصاحبه معه غالباً (ولا أعلم جنّة أوقى منه )أي أشد وقاية منه من عذاب الآخرة ومن عار الدّنيا المترتبين على الغدر وخلف الوعد ، مضافاً إلى ما فيه من الثمرات والمنافع الآخروية، وسنشير إلى منافعه الأخروية بعد الفراغ من شرح الخطبة، وأما الثمرات الدنيوية فمنها اعتماد الناس على قول الوفي وثقتهم به وركونهم إليه واستحقاق المدح والثّناء عند الخالق والخلائق، ومن هنا قيل الوفاء مليح والغدر قبيح.)قال المطرزي في «شرح المقامات »:السموأل يضرب به المثل في الوفاء يقال : أوفى من السموأل ،ومن وفائه أنّ امرء القيس بن الحجر لما أراد الخروج استودع السموأل دروعاً فلمامات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل، فأخذ ابنا له كان مع ظئرخارجاً من الحصن، ثمّ صاح بالسموأل فأشرف عليه ثمّ قال هذا ابنك في يدي وقد علمت أنّ
1) الكافي: 23/1 - 14ح .
امرء القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه، فإن دفعت إلى الدروع وإلا ذبحت ابنك، فقال: أجلني، فأجله فجمع أهل بيته ونساءه فشاورهم فكل أشار إليه أن يدفع الدروع، فقال: ما كنت لأحقر أمانة فاصنع ما أنت صانع إن الغدر طوق لا يبلي ولابني هذا أخوة، فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه، ورجع خائباً فلما دخلت أيام الموسم وافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرئ القيس .وفي الأثر، أنّ النعمان بن المنذر قد جعل له يومين ،يوم بؤس من صادفه فيه قتله وأرداه ، ويوم نعيم من لقي فيه أحسن إليه وأغناه، وكان رجل من طي قد خرج ليطلب الرّزق لأَولاده، فصادفه النعمان في يوم بؤسه فعلم الطائي أنّه مقتول ،فقال : حيا الله الملك إنّ لي صبية صغاراً ولم يتفاوت الحال في قتلي بين أول النهار وآخره، فإن رأى الملك أن أوصل إليهم هذا القوت وأوصي بهم أهل المروّة من الحيّ ثم أعود للملك، فقال النعمان: لا إذن لك إلا أن يضمنك رجل معنا فإن لم ترجع قتلناه ،وكان شريك بن عدي نديم النعمان معه، فقال : أيّها الملك أنا أضمنه فمضى الطائي مسرعاً وصار النعمان يقول لشريك جاء وقتك فتأهب للقتل، فقال : ليس للملك علي سبيل حتّى يأتي المساء .فلما قرب المساء قال النعمان: تأهب للقتل، فقال شريك، هذا شخص قد لاح مقبلاً وأرجو أن يكون الطائي، فلما قرب إذا هو الطائي قد اشتدّ في عدوه مسرعاً حتّى وصل؛ فقال : خشيت أن ينقضي النّهار قبل وصولي فعدوت، ثمّ قال: أيّها الملك مر بأمرك، فأطرق النّعمان ثم رفع رأسه فقال : ما رأيت أعجب منكم، أما أنت يا طائي فما تركت لأَحد في الوفاء مقاماً يفتخر به، وأما أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء، فلا أكون أنا ألأم الثلاثة ألا وإنّي قد رفعت يوم بؤسي عن النّاس ونقضت عادتي كرماً لوفاء الطائي وكرم شريك، فقال له النعمان: ما حملك على الوفاء وفيه إتلاف نفسك، فقال: من لا وفاء له لا دین له.فأحسن إليه النعمان ووصله بما أغناه .ثمّ إنّه علیه السلام یعد الترغيب في الوفاء وبيان حسنه رهّب عن الغدر بقوله : (ولا يغدر من علم كيف المرجع يعني من كان له علم بحالة الغادر في الآخرة وبما يستحق به بغدره من الجحيم والعذاب الأليم، لا يصدر منه غدر ولا يكون له رغبة إليه .)روي في «البحار» من «الكافي »مسنداً عن الأصبغ بن نباته ،قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام ذات يوم وهو يخطب على المنبر بالكوفة : «يا أيّها الناس لولا كراهية الغدر لكنت من أدهى النّاس إلا أن لكلّ غدرة فجرة، ولكل فجرة كفرة ألا وإن الغدر والفجور والخيانة في النّار (1هذا .)
1) الكافي : 22 / 338ح 6، وتحف العقول: 99.
ولمّا بين حسن الوفاء وقبح الغدر أشار إلى ما عليه أكثر أهل زمانه من رغبتهم إلى الغدروعدهم ذلك حسناً وغفلتهم عن قبحه فقال : و(لقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر )والخديعة (كيسا وفطانة (ونسبهم أهل الجهل فيه إلى )صحة التّدبير و(حسن الحيلة).)وذلك لأن الغدر كثيراً ما يستلزم الذّكاء والتفطن لوجه الحيلة وإيقاعها بالمغدور به كماأنّ الكيس أيضاً عبارة عن الفطانة وجودة الذّهن في استخراج وجوه وجودة الذهن في استخراج وجوه المصالح، فالغادر والكيس يشتركان في الإنصاف بالفطنة إلا أنّ الأوّل يستعمل فطنته في استخراج وجوه الحيلة لجلب منفعة دنيوية وإن خالفت القوانين الشرعية والكيس يستعمل تفطنه في استنباط وجوه المصالح الكلية على وجه لا يخالف قواعد الشريعة فلدقة الفرق استعمل الغادرون غدرهم في موضع الكيس ونسبهم أهل الجهالة والغفلة إلى صحة الرأي وحسن الحيلة، كما كانوا يقولون في عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ولم يعلموا أن حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور وأنه لا حسن في حيلة جرت إلى رذيلة .(مالهم أي لهؤلاء الغادرين في افتخارهم بغدرهم (قاتلهم الله وأبعدهم من رحمته (قد يرى الحول القلب أي كثير البصيرة في تحويل الأمور وتقليبها لاستنباط وجوه المصالح، وأراد به نفسه الشريف ومقصوده أنّ الغدر والخديعة ليس قابلاً لأنّ يفتخر به فإن صاحب البصيرة ربّما يعرف وجه الحيلة كأنه يراه عياناً (و) مع ذلك لا يقدم عليها لما يشاهد أن (دونها) أي دون الحيلة والعمل بها مانع من أمر (الله) بتركها (ونهيه) عن فعلها (فيدعها) ويتركها رأى عين) أي مع رؤيته عياناً (بعد القدرة عليها وتمكنه منها تجنباً من الرذائل الموبقة وخوفاً من الله سبحانه وينتهز (فرصتها ويبادر إليها من لا حريجة له في الدين ولا مبالاة له في أوامر الشرع المبين ولا خوف له من الله رب العالمين.)### تبصرةقد عرفت حسن الوفاء وأنه مما يترتب عليه المدح والثواب وقبح الغدر وأنه مما يترتب عليه اللوم والعقاب، فيكون الأوّل واجباً سواء كان في عهود الله سبحانه أو عهود الخلق، والآخر حراماً، وقد أشير إلى ذلك المعنى في غير موضع من القرآن ووردت بذلك أخبار كثيرة ولا بأس بالإشارة إلى بعضها فإن الاستقصاء غير ممكن.فأقول : قال سبحانه في سورة المائدة:(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1].)أي بالعهود قال ابن عباس والمراد بها العهود التي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أحلّ لهم أو حرّم عليهم، وفي رواية أخرى قال ما هو أحلّ وحرّم وما فرض
وما حد في القرآن كله أي فلا تتعدوا ولا تنكثوا وقيل : المراد العقود التي يتعاقدها الناسبينهم .وفي سورة النحل : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ [النحل: 91] وفيها أيضاً : (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللهِ هُو خير لكم إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [النحل : 95] .
قال الطبرسي : أي لا تخالفوا عهد الله بسبب شيء يسير تنالوه من حكام الدنيا فتكونوا قد بعتم عظيم ما عند الله بالشيء الحقير .
وفي سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِیَّا) [مريم : 54].
قال في «مجمع البيان» : إذا وعد بشيء وفى به ولم يخلف، قال ابن عبّاس : إنه واعد
رجلاً أن ينتظره في مكان ونسي الرّجل فانتظره سنة حتى أتاه الرّجل(1).
وعن «الكافي» عن الصادق، و«العيون» عن الرّضا عليهما السلام ما في معناه والإسماعيل بن خزقيل وقيل إسماعيل بن إبراهيم، والأوّل رواه أصحابنا عن أبي عبد الله علیه السلام.
أقول : ولعلّه أراد بهذه الرواية ما رواه المحدّث العلامة المجلسي في «البحار» عن الصدوق بإسناده عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه وآله: «إن أفضل الصدقة صدقة اللسان تحقن به الدماء وتدفع به الكريهة وتجر المنفعة إلى أخيك المسلم ».
ثم قال : إن عابد بني إسرائيل الذي كان أعبدهم كان يسعى في حوائج الناس عند الملك، وإنّه لقي إسماعيل بن حزقيل فقال لا تبرح حتى أرجع إليك يا إسماعيل، فسهل عنه عند الملك فبقي عند الملك، فبقي إسماعيل إلى الحول هناك فأنبت الله لإسماعيل عشباً فكان يأكل منه وأجرى له عيناً وأظله بغمام فخرج الملك بعد ذلك إلى التنزه ومعه العابد فرأى إسماعيل : فقال له : إنّك لههنا يا إسماعيل : فقال له : قلت لا تبرح فلم أبرح فسمّي صادق الوعد.
قال : وكان جبار مع الملك فقال : أيها الملك كذب هذا العبد قد مررت بهذه البرية فلم
أراه ،ههنا، فقال إسماعيل إن كنت كاذباً فنزع الله صالح ما أعطاك قال فتناثرت أسنان الجبّار فقال جبار : إنّي كذبت على هذا العبد الصالح فاطلب أن يدعو الله أن يرد علي أسناني فإني شيخ كبير، فطلب إليه الملك فقال : إنّي أفعل قال : الساعة قال : لا ، وأخره إلى السحر، ثم
1) بحار الأنوار: 6/68 ، ومجمع البيان: 429/6.
دعا ثمّ قال : يا فضل إنّ أفضل ما دعوتم الله بالأسحار، قال الله تعالى: (وبالأسحار هم یستغفرون)(1).
وفي سورة الأحزاب : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23] .
روي في «الصافي» من «الكافي» عن الصادق علیه السلام أنه قال : المؤمن مؤمنان، فمؤمن
صدق بعهد الله ووفى بشرط الله ؛ وذلك قول الله عزّ وجل (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: 23]، وذلك الذي لا يصيبه أهوال الدّنيا ولا أهوال الآخرة، وذلك ممن يشفع ولا يشفع له، ومؤمن كخامة الزّرع يعوج أحياناً ويقوم أحياناً، فذلك ممّن يصيبه أهوال الدّنيا وأهوال الآخرة، وذلك ممّن يشفع له ولا يشفع .
وعنه علیه السلام لقد ذكركم الله في كتابه فقال: (من المؤمنين رجال صدقوا )، الآية إنّكم
وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا.
وفي سورة الصّف : يَاَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف : 2] الآية ونحوها آيات أخر.
وأمّا الأخبار فمضافاً إلى ما ذكرنا ما رواه في الوسائل من« الكافي »بإسناده عن شعيب العقرقوفي، عن أبي عبد الله علیه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد ».
ومن «العلل» بإسناده عن عبد الله بن سنان قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام، يقول : إن رسول الله صلی الله و علیه و آله وعد رجلاً إلى صخرة فقال أنا لك ههنا حتّى تأتي، قال: فاشتدّت الشمس عليه فقال له أصحابه يا رسول الله لو أنك تحوّلت إلى الظل ، قال صلی الله علیه و آله : «قد وعدته إلى ههنا وإن لم يجيء كان منه المحشر » (2).
وفي كتاب «تحف العقول »قال: ومن حكم أمير المؤمنين علیه السلام وترغيبه وترهيبه ووعظه أما بعد فإن المكر والخديعة في النار فكونوا من الله على وجل ومن صولته على حذر إنّ الله لا يرضى لعباده بعد إعذاره وإنذاره استطراداً واستدراجاً لهم من حيث لا يعلمون، ولهذا يضل سعي العبد حتّى ينسى الوفاء بالعهد ويظن أنّه قد أحسن صنعاً .
ولا يزال كذلك في ظن ورجاء وغفلة عمّا جاءه من النبأ يعقد على نفسه العقد ويهلكها
بكل الجهد وهو في مهلة من الله على عهد (1)يهوى مع الغافلين ،ويغدو مع المذنبين ويجادل
فی طاعة الله المؤمنين ،ويستحسن تمويه المترفين «المسرفين خ»، فهؤلاء قوم شرحت قلوبهم بالشبهة ؛ وتطاولوا على غيرهم بالفرية، وحسبوا أنّها الله قربة .
وذلك لأنّهم عملوا بالهواء، وغيّروا كلام الحكماء، وحرّفوه بجهل وعمى وطلبوا به السّمعة والزياء ،بلا سبيل قاصدة ،ولا أعلام جارية، ولا منار معلوم إلى أمدهم وإلى منهل هم واردوه حتّى إذا كشف الله لهم عن ثواب سياستهم، واستخرجهم من جلابيب غفلتهم، استقبلوا مدبراً واستدبروا مقبلاً، فلم ينتفعوا بما أدركوا من أمنيتهم، ولا بما نالوا من طلبتهم ،ولا ما قضوا من وطرهم، وصار ذلك عليهم وبالاً فصاروا يهربون ممّا كانوا يطلبون.
وإنّي أحذّركم هذه المنزلة، وآمركم بتقوى الله الذي لا ينفع غيره فلينتفع بتقية «بنفسه خ ل »إن كان صادقاً على ما يحن ضميره ،فإنّ البصير من سمع وتفكر ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، وسلك جدداً واضحاً يتجنّب فيه الصرعة في الهوى، ويتنكب طريق العمى، ولا يعين على فساد نفسه الغوات بتعسّف في حق أو تحريف في نطق أو تغيير في صدق، ولا قوة إلا بالله، الحديث (2).
وفي حديث الأئمة إنّ الله أخذ من شعيتنا الميثاق كما أخذ على بني آدم ألست بربكم فمن وفى لنا وفى الله له بالجنّة (3).
وعن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله ويجيء كل غادر يوم القيامة بإمام مائل شدقه حتّى يدخل النار» (4)هذا.
وقد ظهر لك ممّا ذكرناه ورويناه أنّ متعلق الوفاء أعم من عهود الله سبحانه ومواثيقه التي أخذها من العباد ،ومن عهود النّاس وشروط بعضهم مع بعض ومواثيقهم الموافقة للقوانين الشرعية، والأولى عامة لأصول العقائد من التوحيد والنّبوة والولاية حيث أخذ ميثاق النّاس عليها في عالم الذر، وبالسنة الأنبياء والرسل والكتب المنزلة، والفروع العقائد من العبادات البدنية والواجبات العملية، والثانية شاملة للعقود التي يتعاقدونها بينهم من البيع والصلح والإجارة ،ونحوها، وللعهود والعدات المجرّدة عن العقد.
وثمرة الوفاء بالأولى الترقي إلى مدارج الكمال واليقين والطيران في حظيرة القدس مع
الأولياء المقربين وثمرة الوفاء بالفروع البدنية النجاة من الجحيم والخلاص من العذاب الأليم، ونتيجة الوفاء بالعقود استكمال النظام وحصول الإنتظام، وبالعهود المجرّدة إفتاء الفضائل واجتناب الرّذائل .
والظاهر من كلامه علیه السلام الذي نحن في شرحه هو أن مراده بالوفاء هو وفاء الناس بما يتعاهدون بينهم، وبالغدر الغدر المقابل له وغير خفي أن حسن الوفاء ووجوبه إنما هو في حق أهل الوفاء كما أشار إليه أمير المؤمنين علیه السلام في بعض كلماته: «الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله» (1).
يعني أنّه إذا كان بينهما عهد ومشارطة فغدر أحدهما وخالف شرطه فيجوز للآخر نقض العهد أيضاً، ولا يجب له الوفاء بل يكون وفاؤه في حقه غدراً قبيحاً، وغدره وفاء متصفاً بالحسن، وذلك لأن الله سبحانه قد أمر بالوفاء مع وفاء الطرف الآخر وبالنقض مع نقضه كما أشير إليه في قوله :
(كيف يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَمْ ) [التوبة : 7] .
فيكون الوفاء مع مخالفة الطرف الآخر مخالفاً لأمر الله ولحكمه الذي كان يجب عليه امتثاله والإلتزام به فيكون ذلك الوفاء غدراً في حكم الله ويترتب عليه أثره، والغدر له امتثالاً لأمر الله ووفاء بحكم الله فيستحق الثناء الجميل والأجر الجزيل ويحتمل أن يكون المراد أنه يترتّب على الموفي إثم الغادر وعلى الغادر أجر الموفي، والله العالم.
1) مستدرك الوسائل : 47/11 ، والبحار : 97/72.
از جمله خطب آن حضرت است در مدح وفا و ذمّ غدر، می فرماید:
به درستی که و فانمودن به عهد همزاد راستی و درستی است و نمیدانم هیچ سپری که نگاه دارنده تر باشد از این خصلت و غدر نمیکند کسی که داند که چگونه است بازگشت به خدا و به تحقیق که صباح کرده ایم در زمانی که اخذ نمودهاند بیشترین اهل آن زمان بیوفایی را کیاست و زیرکی و نسبت داده اهل جهالت جماعت غدّار را در آن روزگار به نیکویی حیلت و فراست چیست این جماعت ،را خدا دور گرداند ایشان را از رحمت خود در هر دو جهان به درستی که میبیند مردی که صاحب بصیرت است در تحویل امور و تقلیب آنها و در استنباط وجوه مصالح ظاهر حیله را و حال آن که نزد آن حیله مانعی است از امر خدا و نهی او پس ترک میکند آن حیله را در حال دیدن آن به چشم بعد از قدرت او بر آن به جهت خوف از عقاب خداوند و غنیمت می شمارد مجال آن را کسی که صاحب پرهیز از گناه نیست در دین.
وقد رواها المحدث المجلسي وغيره بطرق مختلفة واختلاف يسير، ورواها الشارح المعتزلي أيضاً في شرح الخطبة الآتية ونشير إلى تلك الروايات بعد الفراغ من شرح ما أورده السيد قدّس سرّه في الكتاب وهو قوله عليه الصلاة والسلام :
«أيُّهَا النَّاسُ إِنْ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيْكُمْ اثْنَتَانِ : اتَّبَاعُ الْهَوى، وطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّباعُ الْهَوَي فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، وأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَتْ حَذَاءَ،فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإناءِ إِصْطَبَّها صَابها، ألا وإنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلِّ مِنْهُمَا بَنُونَ ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُّنْيَا، فَإِنْ كُلِّ وَلَدِ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ (بأمه خ ل) يوم القيامة، وإنَّ اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
قال السيد (ره) قوله : (حذاء) الحذاء السريعة ومن الناس من يروي جذاء بالجيم والذال أي انقطع خيرها و درها انتهى و (الصبابة) بضم الصاد المهملة بقية الماء في الإناء و(الإصطباب) افتعال من الضب وهو الإراقة .
كلمة ما في قوله أخوف ما أخاف نكرة موصوفة والعائد من الصفة إلى الموصوف محذوف، أي أخوف ما أخافه على حد قوله ربما تكره النفوس له فرجة كحل العقال أي ربّ شيء تكرهه النفوس، وقوله: اتباع الهوى وطول الأمل مرفوعان على أنهما خبران لمبتدأ محذوف واقعان موقع التفسير ،لاثنتان وهو من باب الإيضاح بعد الإبهام المسمى في فنّ البلاغة بالتوشيح وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسّر باسمين ثانيهما عطف على الأول، ومثله يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل، وحذاء منصوب على الحالية، والإصبابة مرفوع على الإستثناء المفرغ .
اعلم أنّ مقصوده بهذه الخطبة النهي عن اتباع الهوى والمنع من طول الأمل في الدنيا فإنّهما من أعظم الموبقات وأشدّ المهلكات كما قال سبحانه :
(نَأَمَّا مَن طَغَى وَ اثر الحيوةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات : 37 - 41] .
يعني من تجاوز الحدّ الذي حده الله وارتكب المعاصي وفضل الدنيا على الآخرة واختارها عليها : فإنّ النّار منزلها ومأواها وأما من خاف مقام مسألة ربه فيما يجب عليه فعله أو تركه ونهى نفسه عن الحرام الذي تهواه وتشتهيه، فإنّ الجنّة مقرّه ومثواه ولكونهما من أعظم المهلكات كان خوفه منهما أشدّ كما أشار إليهما بقوله علیه السلام (أيها الناس إن أخوف ما أخافه عليكم اثنتان) أي خصلتان إحداهما اتباع الهوى والمراد به هو ميل النفس الأمارة بالسّوء إلى مقتضى طباعها من اللذات الدنيوية إلى حدّ الخروج عن قصد الشريعة .
ومجامع الهوى خمسة أمور جمعها قوله سبحانه :
(أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَقَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوَلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ
الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَكَهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) [ الحديد : 20].
والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة جمعها قوله سبحانه :
(زُين للنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَنعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَتَابِ) [آل عمران: 14] .
و الخصلة الثانية (طول الأمل) والمراد بالأمل تعلّق النفس بحصول محبوب في المستقبل، ويرادفه الطمع والرّجاء إلا أنّ الأمل كثيراً ما يستعمل فيما يستبعد حصوله والطمع فيما قرب حصوله والزجاء بين الأمل والطمع وطول الأمل عبارة عن توقع أمور دنيوية يستدعي حصولها مهلة في الأجل وفسحة من الزمان المستقبل .
ثم إنه علیه السلام بعد تحذيره عن اتباع الهوى وطول الأمل أشار إلى ما يترتب عليهما من المفاسد الدينية والمضار الأخروية فقال: «أما اتباع الهوى فيصد عن الحق» وذلك لأنّ اتباع الهوى يوجب صرف النظر إلى الشهوات الدنيوية وقصر الهمة في اللذات الفانية وهو مستلزم للإعراض عن الحق وهو واضح، لأنّ حبّك للشيء صارفك عما وراه وشاغلك عما عداه .
(وأمّا طول الأمل فينسى الآخرة) وذلك لما قد عرفت من أن طول الأمل عبارة عن توقع أمور محبوبة دنيوية فهو يوجب دوام ملاحظتها ودوام ملاحظتها مستلزم لإعراض النفس عن
ملاحظة أحوال الآخرة وهو مستعقب لانمحاء تصورها في الذهن وذلك معنى النسيان لها .
قال بعضهم سبب طول الأمل هو حب الدنيا فإنّ الإنسان إذا أنس بها وبلداتها ثقل عليه مفارقتها وأحب دوامها، فلا يتفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، فإن من أحب شيئاً كره الفكر فيما يزيله ويبطله، فلا يزال تمنّي نفسه البقاء في الدنيا وتقدر حصول ما تحتاج إليه من أهل ومال وأدوات وأسباب ويصير فكره مستغرقاً في ذلك فلا يخطر الموت والآخرة بباله .
وإن خطر بخاطره الموت والتوبة والإقبال على الأعمال الأخروية أخر ذلك من يوم إلى ،يوم ومن شهر إلى شهر ومن عام إلى عام وقال إلى أن اكتهل ويزول سنّ الشباب، فإذا اكتهل قال إلى أن أصير شيخاً، فإذا شاخ قال إلى أن أتم هذه الدار وأزوج ولدي فلاناً وإلى أن أعود هذا السفر وهكذا يسوف التوبة كلما فرغ من شغل عرض له شغل آخر بل أشغال حتى يختطفه الموت وهو غافل عنه غير مستعدّ له مستغرق القلب في أمور الدنيا، فتطول في الآخرة حسرته وتكثر ندامته وذلك هو الخسران المبين .
ثمّ إنّه بعد الإشارة إلى كون اتباع الهوى صاداً عن الحق وطول الأمل منسياً للآخرة أردف ذلك بالتنبيه على سرعة زوال الدنيا وفنائها كي يتنبه الغافل عن نوم الغفلة ويعرف عدم قابليتها لأن يطال الأمل فيها أو يتبع الهوى فقال (ألا وإن الدنيا قد ولت حذاء) أي أدبرت سريعة لكونها مفارقة لكلّ شخص (فلم يبق منها) بالنسبة إليه (إلّا صبابة كصبابة الإناء اصطبّها صابّها) إطلاق الصبابة استعارة لبقيّتها القليلة، والقلة هي الجامع بين المستعار منه والمستعار له (ألا وإنّ الآخرة قد أقبلت) إشارة إلى سرعة لحوق الآخرة ؛ إذا ادبار العمر مستلزم لإقبال الموت الذي هو آخر أيام الدنيا وأول أيام الآخرة .
والإتيان بإن المؤكدة وحرف التنبيه وقد التحقيقية من أجل تنزيل العالم منزلة الجاهل فكأن المخاطبين لغفلتهم عن إقبالها حيث لم يتزوّدوا لها ولم يتخذوا لها ذخيرة جاهلون له وقوله علیه السلام ( ولكل منهما بنون) شبه الدنيا والآخرة بالأب أو الأم وأهلها بالأبناء والأولاد إشارة إلى فرط ميل أهل الدنيا إلى دنياهم وأهل الآخرة إلى آخرتهم فهم من فرط المحبة إليهما بمنزلة الإبن إلى أبويه، وهما من حيث تهيئة الأسباب لأهلهما بمنزلة الأبوين الصارفين نظرهما إلى تربية الأولاد.
ثم لما كان غرضه علیه السلام حث الخلق على السعي للآخرة والميل إليها والإعراض عن الدنيا قال (فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا) وعلله بقوله (فإنّ كلّ ولد سيلحق بأبيه يوم القيامة) قال الشارح البحراني وأشار بذلك إلى أن أبناء الآخرة والطالبين لها والعاملين لأجلها مقربون في الآخرة لاحقون المراداتهم فيها، (ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم ما يدعون نزلاً من غفور رحيم ).
وأما أبناء الدنيا فإنّ نفوسهم لما كانت مستغرقة في محبتها وناسية لطرف الآخرة ومعرضة عنها لا جرم كانت يوم القيامة مغمورة في محبة الباطل مغلولة بسلاسل الهيئات البدنية والملكات الرّدية فهي لتعلقها بمحبة الدّنيا حيث لا يتمكن من محبوبها بمنزلة ولد لا تعلق له إلا بوالده ولا ألف له إلا هو ولا أنس إلاّ معه ،ثم حيل بينه وبينه مع شدة تعلقه به وشوقه إليه، وأخذ إلى ضيق الأسجان وبدل بالعز الهوان فهو في أشدّ وله ويتم وأعظم حسرة وغم.
وأمّا أبناء الآخرة ففي حضانة أبيهم ونعيمه قد زال عنهم بؤس الغربة وشقاء اليتم وسوء الحضن فمن الواجب إذا تعرف أحوال الوالدين واتباع أثرهما وأدومهما شفقة وأعظمهما بركة، وما هى إلا الآخرة وليكن ذو العقل من أبناء الآخرة وليكن براً بوالده متوصلاً إليه بأقوى الأسباب وأمتنها (وإن اليوم عمل ولا حساب) أراد باليوم مدة الحياة يعني أنّ هذا اليوم يوم عمل، لأنّ التكليف إنما هو في هذا اليوم والعمل به والإمتثال له إنما يكون فيه (وغداً حساب ولا عمل) أراد بالغد ما بعد الموت وهو وقت الحساب ولا عمل فيه لانقطاع زمان التكليف فعلى هذا فاللازم للعاقل أن يبادر إلى العمل الذي به يكون من أبناء الآخرة في وقت إمكانه قبل مجيء الغد الذي هو وقت الحساب دون العمل، والله ولي التوفيق.
تبصرة
اعلم أنّ طول الأمل من أعظم الموبقات حسبما مرت إليه الإشارة، وكفى في ذلك قوله سبحانه :
(ربما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يعْلَمُونَ) [الحجر: 2 - 3] .
فنبه سبحانه على أن إيثار التنعم والتلذذ الذي هو من شئونات اتباع الهوى وما يؤدي إليه طول الأمل من أخلاق الكافرين لا من أخلاق المؤمنين .
وأما الأَخبار في ذمه والتحذير منه وبيان ما يترتب عليه من المفاسد فهو فوق حد الإحصاء.
فمن ذلك ما ورد في الحديث القدسي : يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك
قلبك وقاسي القلب مني بعيد (1).
وفي الحديث النبوي المعروف المروي في البحار بعدة طرق قال صلی الله علیه وآله : «يا أبا ذر إياك والتسويف بأملك فإنك بيومك ولست بما بعده فإن يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم، يا أبا ذر كم مستقبل يوماً لا يستكمله ومنتظر غداً لا يبلغه يا أبا ذر لو نظرت إلى الأجل ومصيره لأبغضت الأمل وغروره يا أبا ذر إذا أصبحت لا تحدث نفسك بالمساء؛ وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنّك لا تدري ما اسمك غداً » (2).
وعن أنس أنّ النّبي خط خطاً وقال: هذا الإنسان ، وخط إلى جنبه وقال :هذا أجله ، وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل فبينما هو كذلك إذ جاءه الأقرب (1).
وفي رواية أنه اجتمع عبدان من عباد الله فقال أحدهما للآخر : ما بلغ من قصر أملك؟ فقال أملي إذا أصبحت أن لا أمسي وإذا أمسيت أن لا أصبح فقال : إنك لطويل الأمل، أمّا أنا فلا أؤمل أن يدخل لي نفس إذا خرج ولا يخرج لي نفس إذا دخل .
وفي الصحيفة السجادية على منشئها آلاف السّلام والتحية : اللهم صل على محمد وآل محمد واكفنا طول الأمل، وقصره عنا بصدق العمل، حتى لا نؤمل استتمام ساعة بعد ساعة، ولا استيفاء يوم بعد يوم ولا اتصال نفس بنفس، ولا لحوق قدم بقدم وسلمنا من غروره وآمنا من شروره (2).
وفي (الديوان) المنسوب إلى علي علیه السلام :
تؤمل في الدنيا طويلاً ولا تدري***إذا جن ليل هل تعيش إلى فجر
فكم من صحيح مات من غير علة *** وكم من مريض عاش دهراً إلى دهر
وكم من فتى يمس ويصبح آمناً *** وقد نسجت أكفانه وهو و لا يدري
وبالجملة فإنّ مضار طول الأمل ومفاسده غير خفيّة على من تنور قلبه بنور العرفان ، ولو لم يكن فيه إلاّ نسيان الآخرة الذي أشار علیه السلام إليه بقوله : «وأما طول الأمل فينسى الآخرة» لكفى، فكيف بمفاسد متجاوزة عن حدّ الإحصاء، وقاصرة عن طي مسافتها قدم الإستقصاء، عصمنا الله من طول الأمل في الدنيا ومن طول الحساب في الآخرة بمحمد وآله أعلام الهدى إنه على كل شيء قدير وبالإجابة حقيق وجدير .
اعلم أنّ هذه الخطبة مروية في «البحار» وغيره مسندة بعدة طرق واختلاف يسير أحببت الإشارة إليها .
فأقول : في «البحار» من مجالس المفيد عن أحمد بن الوليد عن أبيه عن الصفار عن
ابن معروف عن ابن مهزیار عن عاصم عن فضيل الرّسال عن يحيى بن عقيل قال : قال علي علیه السلام : «إنّما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ارتحلت الآخرة مقبلة وارتحلت الدنيا مدبرة ولكل
بنون فكونوا من بني الآخرة ولا تكونوا من بني الدنيا، اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل» (1).
وفي بعض مؤلفات أصحابنا من المجالس والأمالي عن «المفيد» عن الجعابي عن محمد بن الوليد عن عنبر بن محمد عن شعبة عن مسلمة عن أبي الطفيل قال: سمعت أمير المؤمنين علیه السلام يقول : إن أخوف ما أخاف عليكم طول الأمل واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأمّا اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإنّ الدّنيا قد تولت مديرة، وأنّ الآخرة
قد أقبلت مقبلة، ولكلّ واحدة منهما ،بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب والآخرة حساب ولا عمل» (2).
وفي «شرح المعتزلي» من كتاب نصر بن مزاحم أن عليّاً قدم من البصرة في غرة شهر رجب من سنة ست وثلاثين إلى الكوفة وأقام بها سبعة عشر شهراً يجري الكتب بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص حتى صار إلى الشام .
قال نصر وقد روي من طريق أبي الكنود وغيره أنّه قدم الكوفة بعد وقعة الجمل لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة ست وثلاثين، فدخل الكوفة ومعه أشراف النّاس من أهل البصرة وغيرهم فاستقبل أهل الكوفة وفيه قراؤهم وأشرافهم فدعوا له بالبركة وقالوا يا أمير المؤمنين أين تنزل أتنزل القصر ؟ قال علیه السلام : «ولكني أنزل الرهبة» ، فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثمّ قال :
«أما بعد يا أهل الكوفة فإنّ لكم في الإسلام فضلاً ما لم تبدلوا وتغيروا، دعوتكم إلى الحق فأجبتم وبدأتم بالمنكر ،فغيرتم ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله ، فأما الأحكام والقسم فأنتم أسوة غيركم ممن أجابكم، ودخل فيما دخلتم فيه ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحقِّ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا إن الدنيا قد رحلت مديرة، وإنّ الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة، اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل » (3).
ويأتي روايتها بسند آخر في شرح الخطبة المائتين والرابعة والعشرين إنشاء الله تعالى باختلاف وزيادة كثيرة .
از جمله خطب آن حضرت است در تنفیر مردمان از اتباع هوی و طول أمل به این وجه که می فرماید:
ای مردمان به درستی که ترسناک ترین چیزی که میترسم بر شما از عقوبت آن دو چیز :است یکی متابعت خواهشات نفس اماره و دویمی درازی امید در اما متابعت هوای نفس پس باز می دارد بنده را از راه حق و اما
امور دنیویه، پس پس درازی ،امید پس فراموش میگرداند آخرت را ؛ آگاه باشید که دنیای فانی روگردانیده است در حالتی که شتابان است یا در حالتی که مقطوع المنفعة است؛ آگاه باشید که آخرت رو آورده است و مرهریکی را از دنیا و آخرت پسران است پس باشید از فرزندان آن جهان تا داخل شوید در بهشت جاویدان و نباشید از فرزندان این جهان تا معذب شوید به عذاب ،نیران پس به درستی که هر فرزند ملحق می شود به پدر خود فردای قیامت و به درستی امروز که روز زندگانی است روز عمل است و حساب نیست و فردا روز حساب است و عمل ،نیست پس لازم است که امروز که روز عمل است فرصت را غنیمت شمرده و در عمل کوشید تا فردا که روز حساب است فارغ البال از کوثر و سلسبیل آب نوشید و از سندس و استبرق لباس پوشید؛ والله العالم.
وقد أشار عليه (1)أصحابه بالإستعداد لحرب أهل الشام بعد إرساله إلى معاوية لجرير بن
عبد الله البجلي :
«إِنَّ اسْتِعْدادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ إغلاق لِلشام، وصَرْفٌ لأَهْلِه عَنْ خَيْرٍ إن أَرادُوهُ، وَلكِنْ قَدْ وُقتَ لِجَرير وقتاً لا يُقيمُ بَعْدَهُ إِلا مَخْدُوعاً أو عاصِياً، وَالرَّأَي مَعَ الأَناةِ، فَأَرْودُوا ولا أَكْرَهُ لَكُمُ الإعْدادَ ، وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أنف هذا الأمر وعَيْنَهُ، وقَلبْتُ ظَهْرَهُ وبَطْتَهُ فَلَمْ أر فيهِ إِلا الْقِتالَ أَوِ الكُفْرَ بِما جاءَ مُحَمَّدٌ صلی الله علیه وآله لا إِنَّهُ قَدْ كانَ عَلَى الأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْداثاً وأَوْجَدَ النّاسَ مَقالاً فَقَالُوا ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا » (2).
(أشار) علي بكذا أي أراني ما عنده من المصلحة و (البجلي) بالتحريك منسوب إلى البجيلية حي باليمن من معدو (الإغلاق) الإكراه كما في «القاموس» وقيل : إنّه من أغلق الباب
إذا عسر فتحه و (الأناة) كالقناة اسم من التأني وهو الرفق والتثبت و (أرودوا) أمر من باب الأفعال يقال أرود في السير إرواداً أي سار برفق و (الحدث) بالتحريك الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة هكذا فسره ابن الأثير على ما حكي عنه و (أوجد) هنا للصيرورة أي صيرهم واجدين مقالاً (ونقم) مقالاً (ونقم) منه نقماً من باب ضرب منه نقماً من باب ضرب وعلم عاقبه ونقم الأمر كرهه وأنكره.
اللام في قول الرضي لجرير زائدة للتقوية ، وفي بعض النسخ بدون اللام وجملة وجرير عندهم حالية، وإغلاق خبر إن والضمير في أنّه للشأن والكوفيون يسمونه ضمير المجهول لأن ذلك الشّأن مجهول لكونه مقدّراً إلى أن يفسر الضمير .
قال نجم الأئمة الرّضي : وهذا الضمير كأنه راجع في الحقيقة إلى المسؤول عنه بسؤال ،مقدر تقول هو لأمير مقبل كأنه سمع ضوضاء وجلبة فاستبهم الأمر فسأل ما الشأن والقصّة؟
فقلت هو الأمير مقبل، أي الشأن هذا، فلما كان المعود إليه الذي تضمنه السؤال غير ظاهر قبل اكتفى في التفسير بخير هذا الضمير الذي يتعقبه بلا ،فصل لأنه معين للمسؤول عنه، ومبين له فبان لك بهذا أنّ الجملة بعد الضمير لم يؤت بها لمجرد التفسير، بل هي كسائر أخبار المبتدأت لكن سمّيت تفسيراً لما قررته والقصد بهذا الإبهام، ثمّ التفسير تعظيم الأمر وتفخيم الشأن، فعلى هذا لا بد أن يكون مضمون الجملة المفسّرة شيئاً عظيماً يعتنى به فلا يقال مثلاً هو الذباب يطير .
اعلم أنه كان ظنّ كثير من النّاس بعد ولايته علیه السلام أن معاوية لا يمكن له ولا ينقاد لبيعته بإمارات كانت لائحة عندهم (و) لذلك (قد أشار عليه أصحابه بالإستعداد) والتهيؤ (لحرب أهل الشام بعد إرساله) علیه السلام (إلى معاوية لجرير بن عبد الله البجلي) مع كتاب له كتبه إليه على ما يأتي ذكره، ولما لم تكن هذه الإشارة من الأصحاب مطابقة لرأيه الصواب أجابهم بقوله : (إنّ استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام) وإكراه (وصرف لأهله عن خير إن أرادوه) .
وذلك لأَنّهم ما دام كون جرير عندهم في مقام الشورى والتروي في متابعة أي الأميرين، وإن لم يكن كلهم فبعضهم كذلك لا محالة فاستعداده لحربهم في تلك الحال موجب لاستعدادهم لحربه وتأهبهم للقائه وملجئاً لهم إلى قتاله، ففيه صرف لقلب من كان متردّداً في الأمر ومريداً للخير (ولكن قد وقت لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلا مخدوعاً أو عاصياً)، وجه الحصر أنّ تخلفه عن الوقت الموقت له إما أن يكون بسبب تأخيرهم في الجواب خداعاً له وأخذاً في تلك المدّة بتهيئة الأسباب، وإما أن يكون بسبب تقصير منه في المبادرة إلى المراجعة إليه، فيكون عاصياً .
ولما لم يستصوب رأيهم أشار إلى وجه المصلحة وما هو الرّأي الصواب بقوله: (والرأي مع الأناة)، وذلك لأن إصابة المطالب والظفر بها إنّما يكون في الغالب بالتثبت والتأني لأن أناة الطالب هي مظنة فكره في الإهتداء إلى تلخيص الوجه الأليق والأشمل للمصلحة في تحصیل ،مطلوبه ولذلك جعل التوثدة من جنود العقل والتسرع وهو ضدها من جنود الجهل.
قال بعض المحققين : التّوئدة صفة نفسانية من فروع ملكة التوسط والإعتدال في القوّة الغضبية يعني هيئة الوقار كما أن التسرع الذي هو ضدّها وهو الإشتياط من فروع الإفراط فيها.
وتوضيحه ما قاله بعض «شرّاح الكافي» حيث قال : التوئدة تابعة للسكون والحلم الذين من أنواع الإعتدال في القوة الغضبية، فإن حصولها يتوقف عليهما، أما على السكون فلانه عبارة عن ثقل النفس وعدم خفتها في الخصومات، وأما على الحلم فلانه عبارة عن الطمأنينة
الحاصلة للنفس باعتبار ثقلها وعدم خفتها بحيث لا يحركها الغضب بسرعة وسهولة، وإذا حصلت للنّفس هاتان الصفتان أمكن لها التأني والتثبت وعدم العجلة في البطش والضرب والشتم إلى غير ذلك من أنواع المؤاخذة (1).
وكيف كان فلما أجابهم يكون صلاح الأمر في الإناة عقبه بالأمر بملازمتها بقوله (فأرودوا) فإنّ الرّفق والمداراة الذين هما معنى الإرواد لازمان للتثبت والإناة، ولما كان ظاهر كلامه مفيداً لكون الصواب في الإناة مطلقاً استدرك ذلك بقوله : ( ولا أكره لكم الإعداد) قال الشارح المعتزلي: ولا تناقض بينه وبين نهيه لهم سابقاً عن الإستعداد، لأنه كره منهم إظهار الإستعداد والجهر به ولم يكره الإعداد في السرّ وعلى وجه الكتمان والخفاء، وقال الشارح البحراني : إنّه علیه السلام نبه بذلك على أنّه ينبغي لهم أن يكونوا على يقظة من هذا الأمر حتى يكونوا حال إشارته إليهم قريبين من الإستعداد.
وقال البحراني أيضاً: إن قوله (ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه وقلبت ظهره وبطنه) استعارة على سبيل الكناية فإنّه استعار لفظ العين والأنف والظهر والبطن التي حقائق في الحيوان، لحاله مع معاوية في أمر الخلافة وخلاف أهل الشام له وكنى بالعين والأنف عن المهم من هذا الأمر وخالصه ، فإنّ العين والأنف أعزّ ما في الوجه وكنى بالضرب لهما عن قصده للمهم على سبيل الإستعارة أيضاً، وكنى بلفظ الظهر والبطن لظاهر هذا الأمر وباطنه ووجوه الرأي فيه ولفظ التقليب لتصفح تلك الوجوه وعرضها على العقل واحداً واحداً.
ثمّ أشار إلى ما تحصل له بعد التروي والتفكر والتقليب بقوله: (فلم أر فيه إلا القتال أو الكفر بما جاء) به (محمد صلی الله علیه وآله) ومن المعلوم أن الكفر في حقة علیه السلام لمحال فتعين القتال، ووجه انحصار الأمر فيهما أنه كان مأموراً من هما أنه كان مأموراً من الله ومن رسوله بقتال الناكثين والقاسطين ،والمارقين، فكان أمره دائراً بين المقاتلة والجهاد امتثالاً للأمر والترك والمنابذة كفراً وعصياناً، وربما يسمّى ترك بعض الواجبات بالكفر حسبما مر تفصيلاً في شرح آخر فقرات الخطبة الأولى أعني قوله : ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين، فتذكر .
ويدلّ على كونه مأموراً بقتال هؤلاء ما رواه في «البحار» من أمالي الشيخ بإسناده عن مجاهد عن ابن عبّاس قال لما نزلت :
(يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ ) [التوبة : 73] .
قال النبي صلی الله علیه وآله: «لأَجاهدن العمالقة» يعني الكفّار والمنافقين فأتاه جبريل قال : أنت أو على (2).
ومن «الكافي» بإسناده عن الفضيل بن عياض عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال : قال : بعث الله محمداً بخمسة أسياف ثلاثة منها ،شاهرة وسيف منها مكفوف، وسيف سله إلى غيرنا ثم قال: وأما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل، قال الله تعالى :
(وإن طايفنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله) [الحجرات : 9] .
فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلی الله علیه وآله : «إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل» فسئل النبي صلی الله علیه وآله من هو ؟ فقال : «خاصف النُّعل» يعني أمير المؤمنين فقال : عمار بن ياسر : قاتلت بهذه الرّواية مع النبي ثلاثاًريا، وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى بلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق وأنّهم على الباطل (1).
ومن «العيون» بإسناد التميمي عن الرّضا عن آبائه عليهم السلام، قال: قال علي : «أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين» (2).
ومن رجال النجاشي مسنداً عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه، عن أبي رافع قال: دخلت على رسول الله وهو نائم أو يوحى إليه وإذا حيّة في جانب البيت فكرهت أن أقتلها فأوقظه، فاضطجعت بينه وبين الحبة حتى إن كان منها سوء يكون لي دونه، فاستيقظ وهو يتلو هذه الآية :
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) [المائدة:55].
ثمّ قال : الحمد لله الذي أكمل لعلي منيته، وهنيئاً لعلي بتفضيل الله إياه»، ثم التفت قرآني إلى جانبه فقال: «ما أضجعك ههنا يا أبا رافع»؟ فأخبرته خير الحية فقال : قم إليها فاقتلها، فقتلتها، ثم أخذ رسول الله بيدي فقال : « يا أبا رافع كيف أنت وقوم يقاتلون عليّاً هو على الحق وهم على الباطل يكون في حق الله جهادهم فمن لم يستطع جهادهم فبقلبه ومن لم يستطع بقلبه فليس وراء ذلك شيء»، فقلت: ادع لي إن أدركتهم أن يعينني الله ويقويني على قتالهم ، فقال صلی الله علیه وآله : «اللهم إنّ أدركهم فقوه وأعنه» ثم خرج إلى النّاس فقال: «يا أيها الناس من أحب أن ينظر إلى أميني على نفسي فهذا أبو رافع أميني على نفسي ».
قال عون بن عبيد الله بن أبي رافع : فلما بن أبي رافع: فلما بويع عليّ وخالفه معاوية بالشام وسار طلحة والزبير إلى البصرة، قال أبو رافع هذا قول رسول الله سيقاتل عليّاً قوم يكون حقاً في الله
جهادهم فباع أرضه بخيبر وداره ثم خرج مع علي وهو شيخ كبير له خمس وثمانون سنة، وقال الحمد الله لقد أصبحت ولا أحد بمنزلتي لقد بايعت البيعتين: بيعة العقبة، وبيعة الرّضوان، وصليت القبلتين وهاجرت الهجر الثلاث ،قلت : وما الهجر الثلاث؟ قال: هاجرت مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، وهاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهذه الهجرة مع عليّ بن أبي طالب إلى الكوفة فلم يزل مع عليّ حتى استشهد علي علیه السلام فرجع أبو رافع إلى المدينة مع الحسن لا دار له بها ولا أرض فقسم له الحسن دار علي بنصفين وأعطاه سنخ أرض أقطعه إيّاها فباعها عبيد الله بن رافع من معاوية بمائة ألف وسيعين ألفاً (1). والأخبار في هذا المعنى من طريق الخاصّة والعامة كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
ثم إنّه علیه السلام بعد الإشارة إلى مصير مآل أمره مع معاوية إلى القتال، نبّه على بطلان ما نسبه إليه معاوية وجعله عذراً لمخالفته وسبباً لعصيانه له، وهو الطلب بدم عثمان وتهمته له بذلك فقال : (إنّه كان على الأمة وال) وهو عثمان بن عفان (أحدث) في الدّين (احداثاً) وأبدع بدعاً (وأوجد النّاس مقالاً )أي أبدى لهم طريقاً إليه بإحداثه (فقالوا) في حقّه وأكثروا القول في
إحداثه (ثمّ نقموا فغيّروا )أي أنكروا وعتبوا وطعنوا عليه فغيّروه وأزالوه.
وينبغي تذييل المقام بأمرين الأول
اعلم أنّ الشارح المعتزلي قد ذكر في شرح هذا الكلام حال أمير المؤمنين منذ قدم الكوفة بعد وقعة الجمل إلى أن سار إلى صفّين، وقد أردت أن أذكر طرفاً ملخّصاً ممّا رواه له ارتباط بالمقام وفيه توضيح للمرام بإسقاط الزّوائد المستغنى عنها حذراً من الإطناب الممل فأقول :
في الشّرح من كتاب الصّفين لنصر بن مزاحم أنّ عليّاً حين قدم من البصرة إلى الكوفة بعد انقضاء أمر الجمل، كاتب إلى العمّال فكتب إلى جرير بن عبد الله البجلي وكان عاملاً لعثمان على ثغر همدان كتاباً مع زجر بن قيس، فلمّا قرأ جرير الكتاب قام فقال : أيّها النّاس هذا كتاب أمير المؤمنين وهو المأمون على الدّين والدنيا وقد كان من أمره وأمر عدوّه ما يحمد الله عليه ،وقد بايعه الناس الأوّلون من المهاجرين والأنصار والتّابعين بإحسان ،ولو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقّهم بها، ألا وإنّ البقاء في الجماعة والفناء في الفرقة، وإنّ علياً حاملكم على الحقّ ما استقمتم ،فإن ملتم أقام ميلكم ، فقال النّاس: سمعاً وطاعة رضينا رضينا، فكتب جرير إلى عليّ جواب كتابه بالطاعة .
قال نصر: وأقبل جرير سائراً من ثغر همدان حتّى ورد على عليّ الكوفة، فبايعه ودخل
1) بحار الأنوار : 306/32.
فيما دخل فيه النّاس في طاعته ولزوم أمره، فلمّا أراد عليّ أن يبعث إلى معاوية رسولاً قال له جرير: إبعثني يا أمير المؤمنين إليه فأدعوه على أن يسلّم لك الأمر ويجامعك على الحقّ على أن يكون أميراً من أُمرائك وأدعو أهل الشام إلى طاعتك فجلّهم قومي وأهل بلادي، وقد رجوت أن لا يعصوني، فقال له الأشتر : لا تبعثه ولا تصدّقه فو الله إنّي لأظنّ هواه هواهم ونيته تیّتهم،، فقال له علیه السلام : دعه حتّى ننظر ما يرجع به إلينا ،فبعثه علي وقال له حين أراد أن يبعثه إنّ حولي من أصحاب رسول الله من أهل الرّأي والذين من قد رأيت وقد اخترتك لقول رسول الله صلی الله علیه و آله إنّ فيك من خير ذي يمن انت معاوية بكتابي فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلاّ فانبذ إليه وأعلمه أنّي لا أرضى به أميراً ،وإنّ العامة لا ترضى به خليفة . فانطلق جرير حتّى أتى الشّام ونزل بمعاوية، فلمّا دخل عليه حمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد يا معاوية فإنّه قد اجتمع لابن عمّك أهل الحرمين وأهل المصرين وأهل الحجاز وأهل اليمن وأهل العروض ،والعروض عمان ،وأهل البحرين واليمامة فلم يبق إلاّ هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها سيل من أودينه غرقها وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرّجل، ودفع إليه كتاب علي ويأتي ذكر هذا الكتاب في باب المختار من كتبه علیه السلام في الكتاب إن شاء الله .
فلمّا قرأ الكتاب قام جرير فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال ،أيّها النّاس إنّ أمر عثمان قد أعيى من شهده فما ظنكم بمن غاب عنه، غاب عنه، وإنّ النّاس بايعوا عليّاً غير واتر ولا موتور ،وكان طلحة وزبير ممّن بايعه ثمّ نكنا بيعته على غير حدث ألا وإنّ هذا الدين لا يحتمل الفتن ،ألا وإن العرب لا يحتمل السّيف، وقد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للنّاس، وقد بايعت العامّة علياً ولو ملكنا والله أمورنا لم نختر لها غيره ومن خالف هذا استعتب فادخل يا معاوية فيما دخل فيه النّاس .
فإن قلت :استعملني عثمان ثمّ لم يعزلني، فإنّ هذا قول لو جاز لم يقم لله دین و کان لكل امرىء ما في يديه، ولكن الله جعل للآخر من الولاة حقّ الأوّل وجعل الأمور موطأة وحقوقاً ينسخ بعضها بعضاً، فقال معاوية انظر وننظر واستطلع رأي أهل الشام، فمضت أيّام وأمر معاوية منادياً ينادي الصّلاة جامعة .
فلمّا اجتمع النّاس صعد المنبر وقال بعد كلام طويل: أيّها النّاس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأمير المؤمنين عثمان بن عفّان عليكم، وإني لم أقم رجلاً منكم على خزاية قط، وأنّي ولي عثمان وقد قتل مظلوماً والله تعالى يقول :
(ومن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ).
وأنا أحبّ أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان ،فقام أهل الشام بأجمعهم فأجابوا
إلى الطلب بدم عثمان ،وبايعوه على ذلك وأوثقوا الله على أن يبذلوا بين يديه أموالهم وأنفسهم حتّى يدركوا بثأره أو يفني الله أرواحهم.
قال نصر : فلمّا أمسى معاوية اغتمّ بما هو فيه وجنّه الليل وعنده أهل بيته واستحثه جرير بالبيعة، فقال يا جرير: إنّّها ليست بخلسة وإنّه أمر له ما بعده فابلغ (فابلع خ له )ريقي ودعا ثقاته فأشار عليه أخوه بعمرو بن العاص، وقال إنّه من قد عرفت ،وقد اعتزل أمر عثمان في حياته وهو لأمرك أشدّ اعتزالاً إلاّ أن يثمن له دينه .
وقد ذكرنا في شرح الفصل الثّالث من فصول الخطبة السّادسة والعشرين رواية استدعائه عمرو بن العاص وما شرط له من ولاية مصر واستقدامه شرحبيل بن السّمط ودس الرّجال عليه يغرّونه بعلي علیه السلام ويشهدون عنده أنّه قتل عثمان حتّى ملأوا قلبه وصدره حقداً بما لا حاجة إلى إعادته .
قال نصر: فخرج شرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال : ابعث فليأتنا فبعث إليه حصين زرنا فعندنا شرجيل فاجتمعا عند حصين ،فتكلم شرحبيل فقال : يا جرير أتيتنا بأمر ملفّف لتلقينا في لهوات الأَسد وأردت أن تخلط الشام بالعراق وأطريت عليّاً وهو قاتل عثمان والله سائلك عمّا قلت يوم القيامة .
فأقبل عليه جرير وقال يا شرحبيل أما قولك: إنّي جئت بأمر ملفّف فكيف يكون أمراً ملفّفاً وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار وقوتل على رده طلحة والزّبير، وأمّا قولك إني ألقيتك في لهوات الأسد ففي لهواتها ألقيت نفسك، وأمّا خلط الشام بأهل العراق فخلطهما على حقّ خير من فرقتهما على باطل، وأمّا قولك : إن عليّاً قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلاّ الرّجم بالغيب من مكان بعيد، ولكنّك ملت إلى الدنيا وشيء كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقاص .
فبلغ معاوية قول الرّجلين فبعث إلى جرير وزجره وكتب جرير إلى شرحبيل أبياتاً يعظه فيها فذعر شرحبيل وفكر وقال هذا نصيحة لي في ديني لا والله لا أعجل في هذا الأمر لشيء وكاد يحول عن نصر معاوية فلفف معاوية له الرّجال يدخلون إليه ويخرجون ويعظمون عنده قتل عثمان، حتّى أعادوا رأيه وشحذوا عزمه ؛ ثمّ حنّه معاوية على السّير في مدائن الشّام والنّداء فيها أنّ عليّاً قتل عثمان وأنّه يجب على المسلمين أن يطلبوا بدمه، فسار شرحبيل فبدأ بأهل جمص فأجابه النّاس كلّهم إلاّ نساكاً من أهل حمص ،فإنّهم قالوا له :بيوتنا قبورنا ومساجدنا وأنت أعلم بما ترى وجعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتّى استفرغها لا يأتي على قوم إلا قبلوا ما أتاهم به.
قال نصر : فآيس جرير عند ذلك من معاوية وعن عوام أهل الشام، وكان معاوية قد أتى
جريراً قبل ذلك في منزله فقال : يا جرير إنّي قد رأيت رأياً، قال :هاته ،قال :اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشّام ومصر جباية فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأَحد بعده في عنقي بيعة وأسلم له هذا الأَمر، وأكتب إليه بالخلافة، فقال جرير : أكتب ما أردت وأكتب معك ،فكتب معاوية بذلك إلى علي فكتب عليّ إلى جرير أمّا بعد .
فإنّما أراد معاوية أن لا يكون لي في عنقه بيعة وأن يختار من أمره ما أحبّ وأراد أن يورئيك ويبطيك حتّى يذوق أهل الشام ،وأنّ المغيرة بن شعبة قد كان أشار علي أن أستعمل معاوية على الشام وأنّا بالمدينة فأبيت ذلك عليه، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضداً، فإن بايعك الرّجل وإلاّ فاقبل والسّلام ،وفشا كتاب معاوية في النّاس .
وفي حديث صالح بن صدقة قال :أبطأ جرير عند معاوية حتّى اتهمه النّاس وقال علي علیه السلام: «قد وقت لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلاّ مخدوعاً أو عاصياً»، وأبطأ على علي حتّى
آيس منه .
وفي حديث محمد وصالح بن صدقة قال : وكتب علي إلى جرير : أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل ثمّ خيره وخذه بالجواب بين حرب مخزية أو سلم مخطية، فإن اختار الحرب فانبذ إليه، وإن اختار السّلم فخذه ببيعته والسّلام ،ويأتي ذكر هذا الكتاب من السّيد في باب المختار من كتبه .
قال: فلمّا انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب وقال له : يا معاوية إنّه لا يطبع على قلب إلاّ بذنب ولا يشرح صدر إلاّ بتوبة ،ولا أظنّ قلبك إلا مطبوعاً عليه أراك قد وقفت بين الحقّ والباطل كانك تنتظر شيئاً في يد غيرك فقال معاوية ألقاك بالفصل في أوّل مجلس إن شاء الله ، فلمّا بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال : يا جرير الحق بصاحبك وكتب إليه بالحرب وكتب في أسفل الكتاب شعر كعب بن جعيل :
أرى الشام تكره أهل العراق ***وأهل العراق هم کارهونا
وقد مرّ تمام ذلك الشعر في شرح الكلام الثلاثين :
أقول وروي أنّ الكتاب الذي كتبه علیه السلام مع جرير صورته :
«إنّي قد عزلتك ففوض الأمر إلى جرير والسّلام».
وقال لجرير : «صن نفسك عن خداعه فإن سلم إليك الأَمر وتوجه إلي فأقم أنت بالشام، وإن تعلل بشيء فارجع »، فلما عرض جرير الكتاب على معاوية تعلل بمشاورة أهل الشام وغير ذلك؛ فرجع جرير وكتب معاوية في أثره في ظهر كتاب علي علیه السلام من ولاك حتّى تعزلني والسلام.
قال نصر :لمّا رجع جرير إلى عليّ كثر قول النّاس في التّهمة لجرير في أمر معاوية فاجتمع جرير والأشتر عند علي فقال الأشتر: أما والله يا أمير المؤمنين أن لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيراً لك من هذا الذي أرخا من خناقه وأقام عنده حتّى لم يدع باباً يرجو فتحه إلاّ فتحه ولا باباً يخاف أمره إلاّ سدّه ؛ فقال جرير : والله لكنت أتيتهم لقتلوك وخوّفه بعمر وذوي الكلاع وحوشب ، وقال : إنّهم يزعمون أنّك من قتلة عثمان، فقال الأَشتر: والله لو أتيتهم لم يعيني جوابها ولم يثقل علي محملها ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن فكره ،قال :فائتهم إذن ، قال : الآن وقد أفسدتهم ووقع بيننا الشر.
قال نصر: وروى الشعبي قال: اجتمع جرير عند عليّ فقال الأَشتر : أليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريراً وأخبرتك بعداوته و غشّه ،وأقبل الأَشتر يشتمه ويقول : يا أخا بجيله إنّ عثمان اشترى منك دينك بهمدان ،والله ما أنت بأهل أن تمشي فوق الأَرض حيّاً إنّما أتيتهم لتتخذ عندهم يداً بمسيرك إليهم ثمّ رجعت إلينا من عندهم تهدّدنا بهم ، أنت والله منهم ولا أرى سعيك إلاّ لهم ،لئن أطاعني فيك أمير المؤمنين لحبستّك وأشباهك في محبس لا يخرجون حتى يستمّ هذه الأمور ويهلك الله الظالمين .
قال جرير: وددت والله لو كنت مكاني بعثت إذن والله لا ترجع، قال: فلمّا سمع جرير مثل ذلك من قوله فارق قوله فارق عليّاً علیه السلام فلحق بقرقيساء، ولحق به أناس من قسر من قومه فلم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر رجلاً، ولكن شهدها من أحمس سبعمائة رجل وخرج علي علیه السلام إلى دار جرير فهدمه وهدم دور قوم ممّن خرج معه حيث فارق عليّا (1).
في أحداث عثمان وبدعه ومطاعنه والمثالب التي طعن بها فيه وهي كثيرة ونحن نذكر منها هنا عشرين (2).
أنّه ولي أمور المسلمين من لا يصلح لذلك ولا يؤتمن عليه ومن ظهر منه الفسق والفساد ومن لا علم له مراعاة لحرمة القرابة وعدولا عن مراعاة حرمة الذين والنظر للمسلمين حتى ظهر ذلك منه ،وتكرّر، وقد كان عمر حذره من ذلك حيث وصفه بأنه كلف بأقاربه وقال له : إذا وليت هذا الأمر فلا تسلّط بني أبي معيط على رقاب الناس، فوقع منه ما حذره إياه وعوتب في ذلك فلم ينفع العتب .
وذلك نحو استعماله الوليد بن عقبة وتقليده إيّاه حتى ظهر منه شرب الخمر واستعماله سعيد بن العاص حتى ظهرت منه الأمور التي عنده أخرجه أهل الكوفة وتوليته عبد الله بن أبي سرج، وعبد الله بن عامر بن كريز حتى روي عنه في أمر ابن أبي سرج أنّه لما تظلّم منه أهل مصر وصرفه عنهم بمحمد بن أبي بكر كاتبه بأن يستمرّ على ولايته فأبطن خلاف ما أظهر فعل من غرضه خلاف الدين ويقال إنّه كاتبه بقتل محمد بن أبي بكر وغيره ممّن يردّ عليه، وظفر بذلك الكتاب ولذلك عظم التظلم من بعد وكثر الجمع، وكان سبب الحصار والقتل حتى كان من أمر مروان وتسلطه عليه وعلى أمور ما قتل بسببه.
أنه رد الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله إلى المدينة وقد امتنع أبو بكر من ردّه، فصار بذلك مخالفاً للسنة ولسيرة من تقدّمه وقد شرط عليه في عقد البيعة اتباع سيرتهما.
أنّه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة من بيت مال المسلمين، وقد مرّ ما يوضحه في شرح كلامه في الخطبة الشقشقية يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، فتذكر .
أنه حمي الحمى عن المسلمين مع أن رسول الله جعلهم شُركاء سواء في الماء والكلا.
روى المرتضى عن الواقدي بإسناده قال : كان عثمان يحمي الربذة والشرف وانقيع فكان لا يدخل الحمى بعير له ولا فرس ولا لبني أمية حتى كان آخر الزمان فكان يحمي الشرف لإبله وكانت ألف بعير ولإبل الحكم بن أبي العاص والرّبذة لإبل الصدقة، ويحمي التقيع لخيل المسلمين وخيله وخيل بني أمية .
أنّه أعطى من بيت مال الصدقة المقاتلة وغيرها، وذلك مما لا يحل في الدِّين لأن المال الذي جعل الله له جهة مخصوصة لا يجوز العدول به عن تلك الجهة .
أنه ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر بعض أضلاعه ، وقد رووا في فضله في صحاحهم أخباراً كثيرة .
قال المرتضى في «محكي الشافي»: قد روى كلّ من روى السيرة على اختلاف طرقهم
أن ابن مسعود كان يقول : ليتني وعثمان برمل عالج يحثو علي وأحثو عليه حتى يموت ن الأعجز منّي ،ومنه وكان يقول في كل يوم جمعة بالكوفة جاهراً معلناً إن أصدق القول كتاب الله ، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النّار، وإنّما كان يقول ذلك معرضاً بعثمان حتى غضب الوليد بن عقبة من استمرار تعريضه ونهاه عن خطبته هذه فأبى أن ينتهي فكتب إلى عثمان فيه فكتب عثمان يستقدمه عليه .
وروى الواقدي وغيره أنّ ابن مسعود لما استقدم المدينة دخلها ليلة جمعة فلما علم عثمان بدخوله :قال: أيها الناس إنه قد طرقكم الليلة دويبة (تمشي من تمر على طعامه تقىء وتسلح فيه) على طعامه يقي ويصلح فقال ابن مسعود لست كذلك، ولكنّني صاحب رسول الله يوم بذر، وصاحبه أحد، وصاحبه يوم بيعة الرّضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين قال وصاحت عائشة يا عثمان أتقول هذا لصاحب رسول الله ؟ فقال عثمان اسكتي ، ثم قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود أخرجه إخراجاً عنيفاً، فاحتمله حتى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعاً من أضلاعه فقال : قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان (1).
أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف وأبطل ما لا شك أنه منزل من القرآن وأنه مأخوذ من الرسول ولو كان ذلك حسناً لسبق إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مرّ توضیح ذلك التنبيه الثاني من تنبيهات الفصل من فصول الخطبة الأولى.
والطعن في ذلك من وجهين في أحدهما: أن جمع الناس على قراءة زيد إبطال للقرآن المنزل وعدول عن الرّاجح إلى المرجوح في اختيار زيد من جملة قراء القرآن، بل هو ردّ صريح لقول رسول الله له نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف على ما ورد في صحاح أخبارهم الثاني : أن إحراق المصاحف الصحيحة استخفاف بالدين محادّة لله ربّ العالمين.
أنّه أقدم على عمّار بن ياسر بالضرب حتى حدث به فتق ولهذا صار أحد من ظاهر المتظلمين من أهل الأمصار على قتله وكان يقول قتلنا كافراً.
قال المرتضى في محكي الشافي ضرب عمّار ممّا لم يختلف فيه الرواة وإن اختلفوا
1) البحار: 189/31.
في سببه، فروى عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله وأظهر النّاس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكل كلام شديد حتى غضب فخطب وقال : لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام، فقال له علي إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه ، فقال عمار: اشهد والله أن انفي أوّل راغم من ذلك، فقال عثمان أعلى يا ابن ياسر وسمية تجتري؟ خذوه، فأخذ ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه، ثمّ أخرج فحمل حتى أتي به منزل أمّ سلمة فلم يصل الظهر والعصر والمغرب فلما أفاق توضأ وصلى وقال الحمد لله ليس هذا أوّل يوم أوذينا في الله .
فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان عمّار حليفاً لبني مخزوم : يا عثمان أما علي علیه السلام فاتقيته، وأما نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشرفت به على التلف أما والله لئن مات لأقتلنّ به رجلاً من بني أمية عظيم الشأن، فقال عثمان : وإنّك ههنا يا ابن القسرية قال : فإنهما قسريتان وكانت أم هشام وجدته قسريتين من بحيلة فشتمه عثمان وأمر به فأخرج، وأتي به أم سلمة فإذا هي قد غضبت لعمّار وبلغ عائشة ما صنع بعمار فغضبت أيضاً وأخرجت شعراً من شعر رسول الله ونعلاً من نعاله وثوباً من ثيابه وقالت أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم تبل.
وروى آخرون أنّ السبب في ذلك أنّ عثمان مر بقبر جديد فسأل عنه فقيل عبد الله بن مسعود، فغضب على عمار لكتمانه إياه موته إذ كان المتولي للصّلاة عليه والقيام بشأنه فعندها وطىء عثمان عماراً حتى أصابه الفتق .
وروى آخرون أن المقداد وطلحة والزبير وعمار أو عدة من أصحاب رسول الله كتبوا كتاباً عددوا فيه أحداث عثمان وخوّفوه ربه وأعلموا أنهم مواثبوه ان لم يقلع فأخذ عمّار الكتاب فأتاه به فقرأه منه صدراً، ثمّ قال له أعلى تقدم من بينهم، فقال إنّي أنصحهم لك، قال: كذبت یا ابن سميّة فقال : أنا والله ابن سميّة وابن ياسر ، فأمر عثمان غلماناً له فمدّوا بيديه ورجليه ثمّ ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق وكان ضعيفاً كبيراً فغشي عليه .
وقال المحدّث المجلسي : وعندي أنّ السّبب الحامل لعثمان على ما صنع بعمّار هو أنّ عماراً كان من المجاهرين بحب علي علیه السلام وأن من غلبه على الخلافة غاصب لها فحملته عداوته لأمير المؤمنين وحبه للرئاسة على إهانته وضربه حتى حدث به الفتق وكسر ضلعاً من أضلاعه (1).
1) بحار الأنوار: 197/31.
ما صنع بأبي ذر من الإهانة والضرب والإستخفاف مع علوّ شأنه وتقدمه في الإسلام حتى سيره إلى الربذة ونفاه ويأتي تفصيل ذلك في الكتاب حيثما بلغ الكلام محله .
تعطيله الحد الواجب على عبيد الله بن عمر بن الخطاب، فإنه قتل الهرمزان بعد إسلامه بتهمة أنه أغرى أبا لؤلؤة إلى قتل أبيه عمر، فلم يقده عثمان به وقد كان أمير المؤمنين يطلبه،وروي أنّه لمّا ولي الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاوية بالشام.
وهو اجمالي قاليّ وهو أنّه لو لم يقدم عثمان على إحداث يوجب خلعه والبراءة منه لوجب على الصحابة أن ينكروا على من قصده من البلاد متظلماً، وقد علمنا أن بالمدينة كان كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ولم ينكروا على القوم بل أسلموه ولم يدفعوا عنه، بل أعانوا قاتليه ولم يمنعوا من قتله وح- وحصره ومنع الماء عنه وهذا من أقوى الدليل على تصديق الصحابة للمطاعن فيه وبراءتهم منه، ولو لم يكن في أمره إلا ما روي عن أمير المؤمنين من قوله الله قتله وأنا . معه مريداً بذلك رضاءهما به لكفى .
هذا كلّه مضافاً إلى أنّهم تركوه بعد قتله ثلاثة أيام على المزابل لم يدفنوه وهو من أدل الدلائل على رضاهم بقتله .
ويناسب المقام حكاية ظريفة روي في كتاب الصّراط المستقيم وغيره أن ابن الجوزي قال يوماً على منبره : سلوني قبل أن تفقدوني، فسألته امرأة عما روى أن علياً سار في ليلة إلى سلمان فجهزه ورجع ،فقال : روي ذلك، قالت: فعثمان ثم ثلاثة أيام منبوذاً في المزابل وعلي حاضر قال نعم قالت فقد لزم الخطأ لأحدهما، فقال: إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة الله وإلا فعليه فقالت: خرجت عائشة إلى حرب علي علیه السلام بإذن النبي أولا؟ فانقطع ولم يجد جواباً (1).
إتمامه الصلاة بمنى مع كونه مسافراً وهو مخالف للسنة وللسيرة، فقد روي في «البحار» من كتاب «جامع الأصول» عن عبد الرحمن بن يزيد قال صلى بنا عثمان يمني أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود، فقال: صليت مع رسول الله بمنى ركعتين ومع أبي بكر
1) الصراط المستقيم : 218/1 .
ركعتين ومع عمر ركعتين ركعتين (1).
جرأته على الرّسول صلى الله عليه وسلم ومضادّته له، فقد حكى العلامة في كتاب «كشف الحق» عن الحميدي قال : قال السدي في تفسير قوله تعالى :
(وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبداً) [الأحزاب: 53] .
أنّه لما توفي أبو سلمة وعبد الله بن حذافة وتزوّج النبي صلى الله عليه وسلم إمرأتهما أمّ سلمة وحفصة، قال طلحة وعثمان : أينكح محمد نسائنا إذا متنا ولا ننكح نساءه إذا مات، والله لو قد مات لقد أجلنا على نسائه بالسهام، وكان طلحة يريد عائشة وعثمان يريد امّ سلمة فأنزل الله تعالى :
(وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدأَ إِنَّ ذَلِكُمْ كان عند اللهِ عَظِيمًا) [الأحزاب: 53] وأنزل (إن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُل شَيْءٍ عَلِيمًا ) [الأحزاب: 54] وأنزل : (نَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِِينًا) [الأحزاب: 57] .
عدم إذعانه بقضاء رسول الله ، روى العلامة أيضاً في «كشف الحق» عن السدي في تفسير قوله تعالى :
(وَتَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَيكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُواءِ يَحْكُم بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإن يكن لم الحق يأتوا إليه إِلَيْهِ مُذعِنِينَ، أفي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَي أَن تَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَصِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَيكَ هُمُ الظَّلِمُونَ ) [النور: 47 - 50] .
الآيات قال السدي: نزلت هذه في عثمان بن عفان قال لما فتح رسول الله بني النضير فغنم أموالهم فقال عثمان لعلي : انت رسول الله فاسأله أرض كذا وكذا، فإن أعطاكها فأنا شريكك وآتيه أنا فاسأله إياها، فإن أعطانيها فأنت شريكي فيها فسأله عثمان أولاً فأعطاه إيَّاها فقال له عليّ أشركني فأبى عثمان، فقال بيني وبينك رسول الله فأبى أن يخاصمه إلى النّبي الله فقيل له لم لم تنطلق معه إلى النبي ؟ فقال : هو ابن عمه فأخاف أن يقضي له فنزل قوله :
1) بحار الأنوار : 23131 ، والغدير : 99/8 .
(وَ إِذَا دُعُّوا إِِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [النور: 48] إلى قولك: بَلْ أُولَبكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور: 50] فلما بلغ النبي ما أنزل الله فيه أتى النّبي فأقر لعلي بالحق .)### الخامس عشرأنّه زعم أنّ في المصحف لحناً، فقد حكي في «البحار» من «كشف» الحق عن تفسير الثعلبي في قوله تعالى: ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانِ [طه: 63] قال : قال عثمان : إن في المصحف لحناً فقيل له ألا تغيره؟ فقال : دعوه فلا يحلّل حراماً ولا يحرم حلالاً قال في «البحار»: ورواه الرّازي أيضاً في تفسيره.
تقديمه الخطبتين في العيدين، وكون الصّلاة مقدّمة على الخطبتين قبل عثمان ممّا تظافرت به الأخبار العامية وأخبار أهل البيت في ذلك أيضاً بالغة حد الإستفاضة وقال العلامة (ره) في «محكي المنتهى»: لا نعرف في ذلك خلافاً إلا من بني أمية، وفي «البحار» من التهذيب بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أحدهما قال : الصلاة قبل الخطبتين : وكان أوّل من أحدثها بعد الخطبة عثمان لما أحدث أحداثها كان إذا فرغ من الصلاة قام الناس ليرجعوا فلمّا رأى ذلك قدم الخطبتين واحتبس الناس للصلاة.
إحداثه الأَذان يوم الجمعة زائداً على ما سنه رسول الله صلی الله علیه وآله وهو بدعة محرمة.
أنّه لم يتمكن من الإتيان بالخطبة، فقد روي في «البحار» من «روضة الأحباب» أنه لما كان أوّل جمعة من خلافته صعد المنبر فعرضه العي فعجز عن أداء الخطبة فتركها وقال : «بسم الله الرّحمن الرّحيم أيها النّاس سيجعل الله بعد عسر يسراً وبعد عي نطقاً، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام ،قوال أقول قولي واستغفر الله لي ولكم» فنزل .
قال: وفي رواية أنّه قال: الحمد الله وعجز عن الكلام، وفي رواية أنه قال: أوّل كلّ مركب صعب وأنّ أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى امام قائل، وإن أعش فآتكم الخطبة على وجهها ويعلم الله إن شاء الله تعالى (1).
فإن الظاهر من الزواية أن الخطبة كانت خطبة الجمعة الواجبة وأن عثمان لما حضر وعرضه العي ترك الخطبة ولم يأمر أحداً بالقيام بها وإقامة الصلاة وإلا لرووه فالأمر في ذلك
1) بحار الأنوار : 245/31 ، والغدير : 163/8 .
ليس مقصوراً على العجز والقصور، بل فيه ارتكاب المحظور فيكون أوضح في الطعن .
التاسع عشر
جهله بالأحكام، فقد روى العلامة في «كشف الحق» من «صحيح مسلم» أنّ امرأة دخلت على زوجها فولدت لستة أشهر فذكر ذلك لعثمان بن عفّان فأمر بها أن ترجم فدخل عليه علي علیه السلام فقال : إن الله عزّ وجل يقول :
(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف : 15] وقال أيضاً: (وَفِصَلُهُ فِي عَامَيْنِ) [لقمان: 14] فلم يصل رسولهم إليه إلا بعد الفراغ من رجمها فقتل المرأة المسلمة عمداً، لجهله بحكم الله وقد قال الله :
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء : 93] وقال أيضاً: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَيكَ هُمُ الكفرُونَ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَتبكَ هُمُ الْفَسِقُونَ [المائدة : 44 - 45 - 47] .
الطعن العشرون
قلة إعتنائه بالشريعة، وقد قال في «البحار» أن مروياته في كتب الجمهور مع حرص أتباعه من بني أمية والمتأخرين عنهم على إظهار فضله لم يزد على مائة وستة وأربعين، وقد رووا عن أبي هريرة خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً، وذلك إما لغلبة الغباوة حيث لم يأخذ في طول الصحبة إلا نحواً مما ذكر أو لقلة الإعتناء برواية كلام الرسول وكلاهما يمنعان من استيهال الخلافة والإمامة.
وإعلم أن الشارح المعتزلي بعد ما أورد المطاعن العشرة الأول مع الطعن الحادي عشر
في الشرح وما أجاب به قاضي القضاة عن تلك المطاعن في «المغني» وما أورده السّيد في «الشافي» على تلك الأجوبة أجاب عنها جميعاً بوجه إجمالي وهو أنا لا ننكر أن عثمان أحدث أحداثاً أنكرها كثير من المسلمين، ولكنا ندعي مع ذلك أنها لم تبلغ درجة الفسق ولا أحبطت ثوابه وأنّها من الصغائر التي وقعت مكفرة، وذلك لأنا قد علمنا أنه مغفور له وأنّه من أهل الجنّة لثلاثة أوجه :
أحدها: أنه من أهل بدر وقد قال رسول الله : إنّ الله اطلع على أهل بدر فقال «إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (1).
لا يقال : إنّ عثمان لم يشهد بدراً لأَنا نقول : صدقتم إنه لم يشهدها ولكنه تخلف على
1) الوسائل:462/14،و مسند أحمد: 80/1.
رقية ابنة رسول الله بالمدينة لمرضها وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره باتفاق سائر الناس.
وثانيها : أنّه من أهل بيعة الرضوان الذين قال الله تعالى فيهم : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة) [الفتح: 18] .
لا يقال : إنّه لم يشهد البيعة تحت الشجرة لأنا نقول : صدقتم إنّه لم يشهدها ولكنه كان رسول الله أرسله إلى أهل مكة ولأجله كانت بيعة الرضوان حيث أرجف بأن قريشاً قتلت عثمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وإن كانوا قتلوه لأضرمنا عليهم ناراً» ثم جلس تحت الشجرة وبايع النّاس على الموت ثمّ قال: «إن كان عثمان حيّاً فأنا بايع عنه» فصفح بشماله على يمينه وقال: «شمالي خير من يمين عثمان»، روی ذلك أرباب أهل السّيرة متفقاً عليه (1).
جميع وثالثها: أنّه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار بأنهم من أهل الجنّة وإذا كانت هذه الوجوه الثلاثة دالة على أنه مغفور له وأنّ الله قد رضي عنه وأنه من أهل الجنة بطل أن يكون فاسقاً، لأنّ الفاسق عندنا يخرج من الإيمان وينحط ثوابه ويحكم له بالنار ولا يغفر له ولا يرضى عنه ولا يرى الجنّة ولا يدخلها، فاقتضت هذه الوجوه الصحيحة الثابتة أن يحكم بأن كل ما وقع منه فهو من باب الصغائر المكفرة توفيقاً بين هذه الوجوه وبين روايات الأحداث المذكورة، انتهى .
ويورد عليه أنّ المستند في جميع تلك الوجوه ليس إلا ما تفرد المخالفون بروايته ولا يصحّ التمسك به في مقام الإحتجاج كما مرّ مراراً، والأصل في أكثرها ما رواه البخاري عن عثمان عبد الله قال : قال رجل من أهل مصر لعبد الله بن عمر: أنا سائلك عن شيء فحدثني هل تعلم أنّ عثمان فرّ يوم أحد؟ قال نعم فقال : تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد ؟ قال : نعم قال : تعلم أنّه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنّه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه»، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من لبعثه مكانه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرّضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان ثم قال ابن عمر إذهب بها الآن معك (2).
وابن عمر هو الذي قعد عن نصرة أمير المؤمنين وبايع رجل الحجاج ولا عبرة بقوله ولا روايته مع قطع النظر عن سائر رواة الخبر، وحديث العشرة المبشرة أيضاً مما تفردوا بروايته ، وقد روى أصحابنا تكذيب أمير المؤمنين لهذه الرواية.
وهو ما رواه الطبرسي في «الإحتجاج» عن سليم بن قيس الهلالي قال : لما التقى أمير المؤمنين أهل البصرة يوم الجمل نادى الزبير أبا عبد الله أخرج إليّ، فخرج الزبير ومعه طلحة، قال : والله إنّكما لتعلمان وأولوا العلم من آل محمّد وعائشة بنت أبي بكر أن كل أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمد وقد خاب من افترى قال الزبير : كيف نكون ملعونين ونحن أهل الجنة ؟ فقال علي علیه السلام: «لو علمت أنكم من أهل الجنّة لما استحللت قتالكم» .
فقال له الزبير أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروى يروى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : عشرة من قريش في الجنة قال علي علیه السلام : «سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته»، فقال له الزبير : أفتراه يكذب على رسول الله فقال علي علیه السلام: «لست أخبرك بشيء حتى تسمّيهم»، قال الزبير: أبو بكر، وعمر، وعثمان ،وطلحة ؛ والزبير وعبد الرّحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجرّاح ،وسعيد بن عمرو بن نفيل ؛ فقال له علي علیه السلام :«عدد تسعة فمن العاشر»؟ قال له : أنت .
قال له علي علیه السلام : «أما أنت فقد أقررت أني من أهل الجنة وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فأنا به من الجاحدين الكافرين»، قال الزبير : أفتراه كذب على رسول الله؟ قال : ما أراه كذب ولكنّه ،والله اليقين، فقال علي علیه السلام : «والله إنّ بعض ما سمّيته لفي تابوت في شعب في جبّ في أسفل درك من جهنّم على ذلك الجبّ صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنّم رفع تلك الصخرة سمعت ذلك من رسول الله وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي على يديك والا أظفرني الله عليك وعلى أصحابك وعجّل أرواحكم إلى النّار». فرجع الزبير إلى أصحابه وهو يبكي (1).
ويؤيّد ضعفه أيضاً أنه ليس بمروي في صحاحهم إلا عن رجلين عدا أنفسهما، وهما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف والتهمة في روايتهما لتزكيتهما أنفسهما واضحة.
ويؤكده أيضاً ما ذكره السّيد (ره) في «الشّافي» من أنّه تعالى لا يجوز أن يعلم مكلفاً يجوز أن يقع منه القبيح والحسن وليس بمعصوم من الذنوب بأنّ عاقبته الجنة لأن ذلك يغريه بالقبيح ولا خلاف في أن أكثر العشرة لم يكونوا معصومين من الذنوب وقد أوقع بعضهم
1) بحار الأنوار: 198/32 .
بالاتفاق كبائر وإن ادعى المخالفون أنهم تابوا منها .
قال : وما يبين بطلان هذا الخبر أن أبا بكر لم يحتج به لنفسه ولا احتج به له في مواقع وقع فيه الإحتياج إلى الإحتجاج كالسقيفة وغيرها، وكذلك عمر وعثمان لما حوصر وطولب بخلع نفسه وهموا بقتله، وقد رأيناه احتج بأشياء يجري مجرى الفضائل والمناقب، وذكر القطع له بالجنة أولى وأحرى بأن يعتمد عليه في الإحتجاج وفي عدول الجماعة عن ذكره دلالة واضحة على بطلانه .
روى الشارح المعتزلي في تضاعيف شرح هذا المقام عن إبراهيم بن ويزيل قال حدثنا زكريا بن يحيى قال : حدثنا علي بن القاسم عن سعيد بن ،طارق عن عثمان بن القاسم، عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: «ألا أدلكم على ما إن تسالمتم عليه لم تهلكوا إن وليكم الله وإمامكم عليّ بن أبي طالب فناصحوه وصدقوه فإن جبريل أخبرني بذلك» (1).
ثم قال الشارح : فإن قلت : هذا نصّ صريح في الإمامة فما تصنع المعتزلة قلت : يجوز أن يريد أنّه إمامهم في الفتاوى والأحكام الشرعية لا في الخلافة، وأيضاً فإنّا قد شرحنا من قول شيوخنا البغداديين ما محصوله أنّ الإمامة كانت لعلي إن رغب فيها ونازع عليها، وإن أقرّها في غيره وسكت عنها تولينا ذلك الغير وقلنا بصحة خلافته، وأمير المؤمنين لم ينازع الأئمة الثلاثة ولا جرّد السيف ولا استنجد بالناس عليهم، فدل ذلك على إقراره لهم على ما كانوا فيه فلذلك توليناهم وقلنا فيهم بالطهارة والخير والصلاح ولو حاربهم وجرد السيف عليهم واستصرخ العرب على حربهم وقلنا فيهم ما قلناه فيمن عامله هذه المعاملة من التفسيق والتضليل انتهى .
أقول: بعد الإعتراف بكون الرّواية نصّاً صريحاً في الإمامة كما هي كذلك في الواقع أيضاً كيف يجوز تأويله، إذ التأويل إنّما يأتي في المتشابهات والمحتملات لا في النصوصات، وعلى فرض التنزيل أقول : لا أقل من كونها ظاهرة في الإمامة المطلقة ولا دليل ولا داعي إلى رفع اليد عن الظهور وحملها على الإمامة في الفتاوى والأحكام مع تنافي المعطوف عليه أعني قوله : وليكم، لذلك الحمل أيضاً، لأن المتبادر منه هو الأولى بالتصرف حسبما ذكرناه في مقدمات الخطبة الشقشقية، مضافاً إلى عدم تعارف استعمال لفظ الإمامة في مقام الفتوى والقضاء كما لا يخفى.
1) المسترشد: 632 ح 296 ، وميزان الحكمة: 1/ 137.
وأما ما ذكره من قول شيوخه البغداديين فهو محصل ما حكيناه عنه في مقدمات الخطبة الشقشقية وفي شرح الكلام السابع والثلاثين في أوّل التنبيهين ونبهنا هناك على فساده بما لا مزيد عليه ودللنا على أنه علیه السلام طلب الخلافة ورغب فيها واستنجد في الناس واستصرخ العرب على الحرب وحمل امرأته وابنيه معه، فلم يدع أحداً من المهاجرين والأنصار إلا استنجد بهم واستنصر منهم، فلم يجبه إلا ثلاثة أو أربعة ولما لم يجد أعواناً كفّ وسكت تقية وحقناً لدمه فليس في عدم تجريد السيف والنزاع دليلاً على التقرير والرّضاء كما علمت تفصيلاً فتذكر.
از جمله کلام بلاغت نظام آن امام عالی مقام است در وقتی که اشاره کردند بر او اصحاب او به مهیا شدن از برای حرب اهل ،شام بعد از فرستادن آن حضرت جریر بن عبدالله بجلی را به سوی معاویه ملعون، میفرماید:
به درستی که مهیا شدن من از برای محاربه اهل شام و حال آن که جریر نزد ایشان است اکراه کردن است یا در بستن شام را و بازگردانیدن است اهل آن را از قبول طاعت اگر اراده طاعت داشته باشند، ولیکن من تعیین کرده ام از برای جریر وقتی را که نمی ایستد بعد از آن وقت مگر فریفته شده یا عصیان ورزیده و فکر صایب با تأنی و آهستگی است پس به نرمی کار کنید و مکروه نمی شمارم از برای شما مهیا ساختن اسباب حرب را به جهت حزم و احتیاط و به تحقیق که زدم بینی این کار را و چشم او را و گردانیدم پشت و شکم او را پس ندیدم از برای خود در آن کار مگر محاربه نمودن یا کافر شدن به آن چیزی که پیغمبر خدا آن را آورده است؛ به درستی که بود بر امت حضرت رسالت حاکمی که پدید آورد کارهای بی موقع و نامناسب را و موجود ساخت از برای مردمان محل گفتگورا گفتند در حق او آن چه گفتنی بود، بعد از آن انکار کردند و عتاب نمودند، پس تغییر دادند و به قتل آوردند او را .
لمّا هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية وكان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين وأعتقهم، فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام .
«قَبَّحَ اللهُ مَصْقَلَةَ فَعَلَ فِعْلَ السّادَةِ، وفَرَّ فَرارَ الْعَبِيدِ ، فَما أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلاَ
صَدْقَ واصِفَهُ حَتّى نَكَبَهُ، وَلَوْ أَقَامَ لأَخَذَنَا مَيْسُورَهُ وانْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وَفُورَهُ » (1).
(مصقلة) بفتح الميم وهو مصقلة بن هبيرة بن شبل بن ثيرى بن امرئ القيس بن ربيعة بن بن ثعلبة بن شيبان، و(بنو ناجية) قوم نسبوا أنفسهم إلى سامة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة، فدفعتهم قريش عن هذا النسب ونسبتهم إلى أمّهم ناجية وهي امرأة سامة بن لؤي.
قالوا : إنّ سامة خرج إلى ناحية البحرين مغاضباً لأخيه كعب بن لؤي فطأطأت ناقته رأسها لتأخذ العشب فعلق بمشفرها أفعى ثمّ عطفت على قبتها فحكته به ،فدب الأفعى على القبت «كذا »حتّى نهش ساق سامة فقتله، وكانت معه امرأته ناجية فلما مات تزوّجت رجلاً في البحرين فولدت منه الحارث، ومات أبوه وهو صغير فلمّا ترعرع طمعت أمّه أن تلحقه بقريش فأخبرته أنّه ابن سامة بن لؤي فرحل من البحرين إلى مكة ومعه أمّه ،فأخبر كعب بن لؤي أنّه ابن أخيه سامة ،فعرف كعب أمّه ناجية فظنّ أنّه صادق في دعواه فقبله ،ومكث عنده مدّة حتّى قدم ركب من البحرين فرأوا الحارث فسلموا عليه وحادثوه فسألهم كعب بن لؤي أين يعرفونه، فقالوا :هذا ابن رجل من بلدنا يعرف بفلان، وشرحوا له خبره فنفاه كعب عن مكة ونفي أمّه فرجعا إلى البحرين فكانا هناك، وتزوج الحارث وأعقب هذا العقب (2) .
و(خاس به ) يخيس ويخوس أي غدر به ،وخاس فلان بالعهد أي أخلف و(التنكيب) التوبيخ والتّقريع و(الميسور) ضد المعسور و(الوفور) مصدر وفر المال أي كثر وتمّ ويجيء متعدّياً وفي بعض النّسخ موفوره وهو التّام.
1) بحار الأنوار: 405/33 ح 627 ، ونهج السعادة: 191/5.
جملة : قبّح الله مصقلة ،دعائية لا محلّ لها من الإعراب ،وجملة: فعل فعل السّادة، استئنافية بيانية واقعة موقع الجواب عن سؤال علة الدّعاء بالتقبيح .
إعلم أنّ هذا الكلام قاله علیه السلام (لمّا هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني) منه (إلى معاوية وكان ) سبب هر به أنّه ( قد ابتاع سبي بني ناجية من )معقل بن قيس الرياحي (عامل أمير المؤمنين وأعتقهم فلمّا طالبه )أمير المؤمنين (بالمال خاس به )وغدر (وهرب إلى الشام) نحو معاوية فبلغ ذلك إليه علیه السلام فقال : «قبح الله مصقلة »ونحاه عن الخير (فعل فعل السّادة) حيث اشترى القوم وأعتقهم (وفرّ فرار العبيد) على ما هو شيمتهم وعادتهم (فما أنطق مادحه حتّى أسكته) يعني أنّه جمع بين عاتبين متنافيين إنطاقه لمادحه بفداء الأسرى مع إسكاته بهربه قبل تمام إنطاقه، وهو وصف لسرعة إلحاقه رذيلته بفضيلته حتّى كأنه قصد الجمع بينهما (ولا صدّق واصفه حتّى نكبه) يعني : أنّه لم يصدق الواصف له بحسن فعله حتّى وبخه بسوء عمله ،ثم أشار إلى جواب ما يتوهّم اعتذاره به وهو خوف التضييق عليه في بقيّة المال فقال (ولو أقام) ولم يهرب (الأخذنا )منه (ميسوره وانتظرنا بماله) تمامه (ووفوره) هذا .
وأما قصة بني ناجية وسبب هرب مصقلة فعلى ما ذكره في «البحار» وشرح المعتزلي من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمّد الثقفي بتلخيص منّا هو :أن الخريت ابن راشد النّاجي بني ناجية قد شهد مع علي علیه السلام صفّين ثمّ استهواه الشيطان وصار من الخوارج بسبب التّحكيم، فخرج هو وأصحابه إلى المدائن وقتلوا في طريقهم مسلماً فوجه أمير المؤمنين إليهم زياد بن حفصة في مائة وثلاثين رجلاً، فلحقوهم بالمدائن واقتتلوا هنالك واستشهد من أصحاب زياد رجلان وأصيب منهم خمسة نفر وحال الليل بين الفريقين فبات أصحاب زياد في جانب وتنحّى الخوارج فمكثوا ساعة من الليل ثمّ مضوا فذهبوا .
ولمّا أصبح أصحاب زياد وجدوا أنّهم ذهبوا فمضى أصحاب زياد إلى البصرة وبلغهم أنّهم أتوا الأَهواز فنزلوا في جانب منها ،وتلاحق بهم ناس من أصحابهم نحو مائتين، فأقاموا معهم وكتب زياد بذلك إلى أمير المؤمنين يخبره الخبر، ويأتي ذكر ذلك الكتاب وتفصيل قتال الفريقين في شرح المختار المائة والثمانين إن شاء الله .
قال إبراهيم: : فلمّا أتاه الكتاب قرأه على النّاس، فقام إليه معقل بن قيس الرّياحي فقال : أصلحك الله يا أمير المؤمنين إنّما كان ينبغي أن يكون مكان كلّ رجل من هؤلاء الذين بعثتهم في طلبهم عشرة من المسلمين فإذا لحقوهم استأصلوا شافتهم وقطعوا دايرهم، فقال علیه السلام له : «تجهز يا معقل إليهم» وندب معه ألفين من أهل الكوفة فيهم يزيد بن المعقل وكتب إلى
عبدالله بن العباس وكان عامل البصرة .
«أمّا بعد فابعث رجلاً من قلبک صليباً شجاعاً معروفاً بالصلاح في ألفي رجل من أهل البصرة فليتبع معقل بن قيس فإذا خرج من أرض البصرة فهو أمير أصحابه حتّى يلقى معقلاً، فإذا لقاه فمعقل أمير الفريقين فليسمع منه وليطعه ولا يخالفه ،ومر زياد بن حفصة فليقبل إلينا فنعم المرء زياد ونعم القبيل قبيلته »وكتب علیه السلام إلى زياد.
«أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به الناجي وأصحابه الذين طبع الله على قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فهم حياري عمون يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ووصفت ما بلغ بك وبهم الأَمر فأما أنت وأصحابك فلله سعيكم وعليه جزاؤكم وأيسر ثواب الله للمؤمن خير له من الدنيا التي يقتل الجاهلون أنفسهم عليها فما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، وأمّا عدوّكم الذين لقيتم فحسبهم خروجهم من الهدى وارتكابهم في الضّلالة وردّهم الحقّ وجماحهم في التّيه ،فذرهم وما يفترون ،ودعهم فی طغيانهم يعمهون ، فأسمع بهم وأبصر فكأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل، فأقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم وأحسنتم البلاء والسلام ».
قال : ونزل النّاجي جانباً من الأَهواز واجتمع إليه علوج كثير من أهلها ممّن أراد كسر الخراج ومن اللّصوص وطائفة أخرى من الأَعراب يرى رأيه (1).
قال إبراهيم: وروي عن عبد الله بن قعين قال: كنت أنا وأخي كعب بن قعين في ذلك الجيش مع معقل بن قيس، فلما أراد الخروج أتى أمير المؤمنين يودعه فقال علیه السلام : «يا معقل ابن قيس اتّق الله ما استطعت فإنّه (فإنها خ) وصيّة الله للمؤمنين لا تبغ على أهل القبلة ولا تظلم على أهل الذمة ولا تتكبر فإنّ الله لا يحب المتكبرين»، فقال معقل: الله المستعان ،فقال علیه السلام: «خير مستعان»، ثمّ قام فخرج وخرجنا معه حتّى نزل الأهواز، وبعث ابن عباس خالد بن معدان مع جيش البصرة فدخل على صاحبنا فسلّم عليه بالإمرة واجتمعا جميعاً في عسكر واحد .
قال عبد الله بن قعين :ثمّ خرجنا إلى التّاجي وأصحابه فأخذوا نحو جبال رامهرمز يريدون قلعة حصينة، وجاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك فخرجنا في آثارهم فلحقناهم وقد دنوا من الجبل فصفقنا لهم، ثمّ أقبلنا نحوهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد، ووقف الناجي بمن معه من العرب فكانوا ميمنة وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وجماعة من الأكراد ميسرة .
1) الغارات : 3501 ، وبحار الأنوار: 411/33 .
وسار فينا معقل يحرضنا ويقول : يا عباد الله لا تبدأوا القوم وغضوا الأَبصار وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب وأبشروا في قتالهم بالأَجر العظيم إنّما تقاتلون مارقة مرقت وعلوجاً منعوا الخراج ولصوصاً وأكراداً فما تنتظرون فإذا حملت فشدوا شدّة رجل واحد .
قال فمرّ في الصف لكلهم يقول هذه المقالة حتّى إذا مرّ بالنّاس كلهم أقبل فوقف وسط الصّف في القلب ونظرنا إليه ما يصنع فحرك رايته تحريكتين ثمّ حمل في الثالثة وحملنا معه جميعاً، فوالله ما صبروا لنا ساعة حتّى ولوا وانهزموا ،وقتلنا سبعين عربياً من بني ناجية، ومن بعض من اتّبعه من العرب، ونحو ثلثمائة من العلوج، والأكراد، وخرج الناجي منهزماً حتّى لحق بسيف من أسياف البحر وبها جماعة من قومه كثير فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي علیه السلام ويزين لهم فراقه ويخبرهم أنّ الهدى في حربه ومخالفته حتّى اتبعه منهم ناس كثير .
وأقام معقل بن قيس بأرض الأهواز وكتب إلى أمير المؤمنين بالفتح وكان في الكتاب : لعبد الله علي أمير المؤمنين من معقل بن قيس سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنا لقينا المارقين وقد استظهروا علينا بالمشركين فقتلنا منهم ناساً كثيراً ولم نعد فيهم سيرتك، لم نقتل منهم مدبراً ولا أسيراً ولم ندفف منهم على جريح، وقد نصرك الله والمسلمين والحمد لله رب العالمين.
فلما قدم الكتاب على علي علیه السلام قرأه على أصحابه واستشارهم فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد قالوا نرى أن نكتب إلى معقل بن قيس يتبع آثارهم ولا يزال في طلبهم حتى يقتلهم أو ينفيهم من أرض الإسلام.
فكتب علیه السلام إليه «أما بعد فالحمد لله على تأييده أوليائه وخذله أعدائه، جزاك الله والمسلمين خيراً فقد أحسنتم البلاء وقضيتم ما عليكم فاسأل عن أخي بني ناجية فإن بلغك أنه استقر في بلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه، فإنّه لم يزل للمسلمين عدواً والفاسقين وليّا ».
قال : فسأل معقل عن مسيره والمكان الذي انتهى إليه فنبىء بمكانه بسيف البحر بفارس وأنّه قد رد قوم طاعة علي علیه السلام وأفسد من قبله من عبد القيس ومن ولأهم من سائر عن العرب، وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضاً.
فسار إليهم معقل في ذلك الجيش من أهل الكوفة والبصرة فأخذوا على أرض فارس
حتى انتهوا إلى أسياف البحر فلما سمع الناجي بمسيره أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج فأسر إليهم أني أرى رأيكم وأن علياً ما كان ينبغي له أن يحكم الرجال في
دین الله، وقال للآخرين من أصحابه مسرّاً إليهم : إن عليّاً قد حكم حكماً ورضي به فخالف حكمها الذي ارتضاه لنفسه وهذا الرّأي الذي خرج عليه من الكوفة، وقال لمن يرى رأي عثمان وأصحابه إنا على رأيكم وإن عثمان قتل مظلوماً، وقال لمن منع الصّدقة شدّوا أيديكم على صدقاتكم ثمّ صلوا بها أرحامكم وعودوا إن شئتم على فقرائكم فأرضى كلّ طائفة يضرب من القول .
وكان فيهم نصارى كثير أسلموا، فلما رأوا ذلك الاختلاف قالوا والله لديننا الذي خرجنا منه خير وأهدى من دين هؤلاء الذين لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء وإخافة السبل فرجعوا إلى دينهم، فلقي الناجي أولئك فقال : ويحكم إنه لا ينجيكم من القتل إلا الصبر لهؤلاء القوم واتصالهم أتدرون ما حكم علي فيمن أسلم من النصارى ثم رجع إلى النصرانية لا والله لا يسمع له قولاً ولا له قولاً، ولا يرى له عذراً ولا دعوة ولا يقبل منه توبة ولا يدعوه إليها وأنّ حكمه فيه أن يضرب عنقه ساعة يستمكن منه، فما زال حتى خدعهم فاجتمع إليه ناس كثير وكان منكراً ،داهياً، فلما رجع معقل قرأ على أصحابه كتاباً من علي فيه :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ عليه كتابي هذا من المسلمين والمؤمنين والمارقين والنصارى والمرتدين سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وافياً بعهد الله ولم يكن من الخائنين».
«أما بعد فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه وأن أعمل فيكم بالحق وبما أمر الله تعالى به في كتابه فمن رجع منكم إلى رحله وكف يده واعتزل هذا المارق الهالك المحارب الذي حارب الله ورسوله والمسلمين وسعى في الأرض فساداً فله الأمان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا والخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه وجعلناه بيننا وبينه وكفى بالله ولياً والسلام».
قال فأخرج معقل راية أمان فنصبها وقال: من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين تابذوا أوّل مرّة، فتفرق عن الخريت كلّ من كان معه من غير قومه وعباً معقل أصحابه ثم زحف بهم نحوه، وقد حضر مع الخريت جميع قومه مسلمهم ونصرانيهم ومانع الصدقة منهم فجعل مسلميهم يمنة ومانع الصدقة يسرة .
وسار معقل يحرض أصحابه فيما بين الميمنة والميسرة ويقول : أيها الناس ما تدرون ما سيق إليكم في هذا الموقف من الأجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة وارتدوا من الإسلام ونكثوا البيعة ظلماً وعدواناً إنّي شهيد لمن قتل منكم بالجنّة، ومن عاش بأن الله يقر عينه بالفتح والغنيمة، ففعل ذلك حتى مرّ بالنّاس أجمعين ثم وقف في القلب برايته فحملت الميمنة عليهم ثم الميسرة وثبتوا لهم وقاتلوا قتالاً شديداً ، ثم حمل هو وأصحابه عليهم فصبروا لهم ساعة.
ثمّ إنّ النعمان بن صهبان أبصر بالخريت فحمل عليه وضربه فصرعه عن فرسه ثم نزل إليه وقد جرحه فاختلفا بينهما ضربتين فقتله النعمان وقتل معه في المعركة سبعون ومائة وذهب الباقون في الأرض يميناً وشمالاً، وبعث معقل الخيل إلى رحالهم فسبى من أدرك فيها رجالاً ونساء وصبياناً، ثمّ نظر فيهم فمن كان مسلماً خلاه وأخذ بيعته وخلا سبيل عياله، ومن كان ارتد عن الإسلام عرض عليه الرّجوع إلى الإسلام أو القتل فأسلموا فخلى سبيلهم وسبيل عيالاتهم إلا شيخاً منهم نصرانياً أبى فقتله .
وجمع الناس فقالوا ردوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من من المسلمين عقالين وعمد إلى النصارى وعيالاتهم فاحتملهم معه، وأقبل المسلمون الذين كانوا معهم يشيعونهم، فأمر معقل بردّهم فلما ذهبوا لينصرفوا تصايحوا ودعا الرجال والنساء بعضهم إلى بعض، قال: فلقد رحمتهم رحمة ما رحمتها أحداً قبلهم ولا بعدهم.
وكتب معقل إلى أمير المؤمنين علیه السلام أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعن عدوّه إنا رفعنا إلى عدوّنا بأسياف البحر فوجدنا بها قبائل ذات جد وعدد وقد جمعوا لنا فدعوناهم إلى الجماعة والطاعة وإلى حكم الكتاب والسنّة وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين ورفعنا لهم راية أمان فمالت إلينا طائفة منهم وثبتت طائفة أخرى، فقبلنا أمر التي أقبلت وصمدنا إلى التي أدبرت فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم، فأما من كان مسلماً فإنَّا مننا عليه وأخذنا منهم بيعته لأمير المؤمنين لأمير المؤمنين وأخذنا الصدقة التي كانت عليهم، وأما من ارتد فعرضنا عليهم الرّجوع إلى الإسلام وإلا قتلناه فرجعوا إلى الإسلام غير رجل واحد فقتلناه وأما النصارى فإنّا سبيناهم وأقبلنا لهم ليكونوا نكالاً لمن بعدهم من أهل الذمة كيلا يمنعوا الجزية ولا يجترؤا على قتال أهل القبلة وهم للصغار والذلة أهل رحمك الله يا أمير المؤمنين وأوجب لك جنات النعيم والسلام.
قال : ثم أقبل بالأسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامل علي على أردشير خوّة وهم خمسمائة إنسان فبكى إليه النساء والصبيان وتصايح الرّجال يا أبا الفضل يا حامل الثقيل يا مأوى الضعيف وفكاك العصاة أمنن علينا فاشترنا وأعتقنا، فقال مصقلة : أقسم بالله لأتصدقنّ عليهم إن الله يجزي المتصدقين، فبلغ قول معقلاً فقال : والله لو أعلمه قالها توجعاً لهم ووجداً وإزراء عليّ لضربت عنقه، وإن كان في ذلك فناء بني تميم وبكر بن وائل.
ثم إن مصقلة بعث زهل بن الحارث إلى معقل فقال : يعني نصارى بني ناجية فقال : أبيعكم بألف ألف درهم فأبى عليه فلم يزل يراضيه حتى باعه إياهم بخمسمائة ألف درهم ، ودفعهم إليه وقال: عجل بالمال إلى أمير المؤمنين فقال مصقلة : أنا باعث الآن بصدر منه، ثم أبعث بصدر آخر وكذلك حتى لا يبقى منه شيء .
وأقبل معقل إلى أمير المؤمنين علیه السلام فأخبره بما كان من الأمر فقال: «أحسنت وأصبت ووفقت» وانتظر علي علیه السلام أن يبعث مصقلة بالمال فأبطأ به وبلغ عليّاً أن مصقلة خلى الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء فقال : «ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة ولا أراكم إلا سترونه عن قريب مبلدحاً».
ثم كتب علیه السلام إليه «أما بعد ، فإنّ أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأعظم الغش على أهل المصر غش الإمام وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف درهم، فابعث بها إلي حين يأتيك رسولي وإلا فأقبل إلي حين تنظر في كتابي فاني قد تقدمت إلى رسولي أن لا يدعك ساعة واحدة تقيم بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال والسلام».
فلما قرأ كتابه أتاه بالكوفة فأقرّه أياماً لم يذكر له شيئاً، ثم سأله المال فأدى إليه مائتي ألف درهم وعجز عن الباقي ففرّ ولحق بمعاوية فلما بلغ ذلك عليّاً قال : ماله ترحه الله فعل فعل السيد وفرّ فرار العبد، وخان خيانة الفاجر، فلو عجز ما زدنا على حسبه، فإن وجدنا له شيئاً أخذناه، وإن لم نجد له مالاً تركناه .
ثم سار علي علیه السلام إلى داره فهدمها وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعة لعلي علیه السلام مناصحاً فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب يقال له حلوان : أما بعد فإنّي كلمت معاوية فيك فوعدك الكرامة ومناك الإمارة فأقبل ساعة تلقى رسولي والسّلام.
فأخذه مالك بن كعب الأر فسرح به إلى علي فأخذ كتابه فقرأه ثم قدمه فقطع يده فمات، وكتب نعيم إلى مصقلة شعراً يتضمن امتناعه وتعييره، فلما بلغ الكتاب إليه علم أن النصراني قد هلك ولم يلبث التغلبيون إلا قليلاً حتى بلغهم هلاك صاحبهم، فأتوا مصقلة فقالوا : أنت أهلكت صاحبنا فإما أن تجيئنا به وإما أن تديه فقال: أما أن أجيء به فلست أستطيع ذلك، وأما أن أديه فنعم فوديه .
قال إبراهيم: وحدثني ابن أبي سيف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال: قيل لعلي علیه السلام حين هرب مصقلة : أردد الذين سبوا ولم يستوف ثمنهم في الرق، فقال علیه السلام : «ليس ذلك في القضاء بحق قد عتقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم وصار مالي ديناً على الذي أشريهم» (1).
1) الغارات: 370/1 وبحار الأنوار: 417/33 .
از جمله کلام آن حضرت است در حینی که بگریخت مصقلة بن هبيرة شيباني به سوی معاویه ملعون و جهت فرار او این بود که خریده بود اسیران بنی ناحیه را از معقل بن قیس ریاحی عامل امیرالمؤمنین (علیه السلام) و آزاد کرده بود ایشان را پس زمانی که مطالبه کرد امام ثمن آنها را غدر کرد مصقله به آن و گریخت به طرف شام، پس چون آن خبر به حضرت رسید فرمود:
دور گرداند خدا مصقله را از رحمت ،خود کرد کار خواجگان را که خریدن بندگان بود و آزاد کردن ایشان و گریخت همچو گریختن غلامان همچو گریختن غلامان پس گویا نگردانید مدح گوینده خود را تا این که ساکت ساخت او را به غدر و فرار و تصدیق نکرد وصف کننده خود را تا این که توبیخ نمود او را به جهت سوء کردگار و اگر اقامت می کرد و نمی گریخت هر آینه دریافت میکردیم از او آن چه مقدور او بود و انتظار میکشیدیم به مال او افزونی او را ؛ یعنی میگذاشتیم مال او زیاده شود و از عهده قرض و دین خود برآید.
«الْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلاَ مَخْلُو مِنْ نِعْمَتِهِ، وَلاَ مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ،وَلاَ مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ، الذي لا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ وَلا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةً، وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِي لَهَا الْفَناء، ولأَهْلِها مِنْهَا الْجَلاءُ، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَقَدْ عُجِّلَتْ لِلطَّالِبِ، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ، فَارْتَحِلُوا عَنْهَا بِأَحْسَن ما بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، ولا تَسْتَلُوا فيها فَوقَ الْكَفافِ، وَلاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلاغ» (1).
(القنوط) اليأس (والإستنكاف) الإستكبار والمستنكف على صيغة المفعول و (مناه) الله أي
قدره و(الجلاء) بفتح الجيم الخروج من الوطن قال سبحانه :
(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ) [الحشر : 3] .
و (الخضرة) بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد والخضر ككتف الغصن والزرع والبقلة الخضراء و (الكفاف) من الرزق كسحاب ما أغنى عن الناس و(البلاغ) كسحاب أيضاً الكفاية .
غير مقنوط نصب على الحال، ولا مخلوّ عطف على مقنوط ونحوه قوله سبحانه :
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ) [البقرة : 73] .
وربّما يجيء المعطوف بالنصب عطفاً على موضع غير وجملة: الذي لا يبرح وصفته ،ولأهلها، إما متعلق بمقدر وهو خبر مقدم والجلاء مبتدأ مؤخر والواو عاطفة للجملة على الجملة فتكون المعطوفة في محلّ الرفع على كونها صفة لدار كالمعطوف عليها أو لأهلها عطف على لها والجلاء مرفوع على النيابة عن الفاعل كما أن الفناء مرفوع كذلك، والباء في قوله بأحسن للمصاحبة والملابسة وفي قوله : بحضرتكم للظرفية ومن الزاد بيان لما .
1) بحار الأنوار: 321/36، ونهج البلاغة : 96/1 .
إعلم أن المستفاد من شرح البحراني هو أن هذه الخطبة ملتقطة من خطبة طويلة له علیه السلام خطبها يوم الفطر، وأن بين قوله: ونعمة، وقوله : والدنيا، فصل طويل، والمستفاد منه أيضاً أن الخطبة الثامنة والعشرين أيضاً من فصول تلك الخطبة الطويلة إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ ما أتى به السيد (ره) هنا منتظم من فصلين .
مشتمل على حمد الله سبحانه وثنائه وهو قوله (الحمد لله غير مقنوط من رحمته) أصل الرّحمة رقّة القلب وانعطاف أي نيل روحاني يقتضي التفضل والإحسان، وإذا أسندت إلى الله سبحانه كان المراد بها غايتها أعني التفضّل والإحسان، لأن الرقة من الكيفيات المزاجية المستحيلة في حقّه سبحانه، فيكون إطلاقها على التّفضّل إمّا من باب المجاز المرسل من قبيل ذكر السبب وإرادة لمسبب لكون الرّقة سبباً للتفضل وإما من باب التمثيل بأن شبه حاله تعالى بالقياس إلى المرحومين في إيصال الخير إليهم بحال الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم فأصابهم بمعروفه وأنعامه، فاستعير الكلام الموضوع للهيئة الثانية للأولى من غير أن يتمحل في شيء من مفرداته .
وكيف كان ففي كلامه علیه السلام تنبيه على عدم جواز اليأس من رحمة الله سبحانه لعمومها وسعتها للخلائق في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: (ورحمتي وسعت كل شيء) وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنّ الله عزّ وجلّ مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه فيها يتعاطفون ويتراحمون، وأخر تسعاً وتسعين لنفسه يرحم بها يوم يوم القيامة .
وروي إنّ الله قابض هذه إلى تلك فيكملها مائة يرحم بها عباده يوم القيامة (ولا مخلو من نعمته) لأَنّ سبوغ نعمته دائم لآثار قدرته التي استلزمت طبائعها الحاجة إليه فوجب لها فيض جوده إذ كل ممكن مفتقر إلى كرمه وجوده (ولا مأيوس من مغفرته) وذلك لأن عفوه تعالى غالب على عقابه ورحمته سابقة على غضبه ومغفرته قاهرة لعقوبته كما قال سبحانه:
(قل يعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ الزمر : 53] .
وفي الحديث : ليغفر الله يوم القيامة مغفرة ما خطرت قط على قلب أحد حتى أن إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه (1)،هذا .
ونظير كلامه في الفقرات الثلاث المفيدة لاتصافه سبحانه بالرحمة والإنعام والمغفرة ما
1) حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا ،99 ، وكنز العمال: 244/4 .
ورد في دعاء الإستقالة عن الذنوب من الصحيفة السجادية وهو قوله علیه السلام : «أنتَ الَّذي وَسَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْماً ، وأَنْتَ الَّذي جَعَلْتَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ فِي نِعَمِكَ سَهْماً، وَأَنْتَ الَّذي عَفْرُهُ أعلى من عِقابه».
(ولا مستنكف عن عبادته) إذ هو المستحق للعبادة دون ما عداه، لأنه جامع الكمال المطلق ليس فيه جهة نقصان إليها يشار فيكون سبباً للإستنكاف والاستكبار فالمقصود بقوله : ولا مستنكف عن عبادته أن عبادته ليست محلاً لأن يستنكف عنها، لأنها لا استنكاف عنها ولا استكبار، ضرورة أنّ المستكبرين والمستنكفين من الجنة والناس من الكافرين والمنافقين فوق حدّ الإحصاء، ولذلك خص سبحانه عدم الإستكبار بأهل التقرب والمكانة كما قال : (وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ) [الأنبياء : 19].
وقال : (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَكُم وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف: 206].
وقال : (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِف عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْرٍ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء : 173].
(الذي لا تبرح له رحمة ولا تفقد له نعمة) الإتيان بهذين الوصفين للإشارة إلى وجوب شکره سبحانه بهذين الإعتبارين أيضاً .
فإن قلت: أليس قوله : غير مقنوط من رحمته ولا مخلو من نعمته، مغنياً عن هذين الوصفين؟
قلت : لا إذ عدم القنوط من رحمته لا يستلزم دوام الرّحمة فلا يغني ذكره عنه وهو ظاهر، وأمّا عدم الخلو من النعمة وإن كان ملازماً لعدم فقدانها إلا أنه يمكن أن يكون المراد بالأوّل الخصوص يعني عدم خلوّ نفسه من نعمته كما أن الظاهر في الفقرات الثلاث الباقية أيضاً ذلك، وبالثاني مشمول نعمته لجميع الخلائق وعدم فقدانها في حق أحد .
وأمّا البرهان على دوام رحمته وكمال نعمته فهو على ما ذكره الفخر الرازي أن الأشياء على أربعة أقسام : الذي يكون نافعاً وضرورياً معاً، والذي يكون نافعاً ولا يكون ضرورياً، والذي يكون ضرورياً ولا يكون نافعاً، والذي لا يكون نافعاً ولا يكون ضرورياً.
أما القسم الأوّل وهو الذي يكون نافعاً وضرورتاً معاً، فأما أن يكون كذلك في الدنيا فقط وهو مثل النفس، فإنّه لو انقطع منك لحظة واحدة لحصل الموت وإما أن يكون كذلك الآخرة وهو معرفة الله تعالى فإنها إن زالت عن القلب لحظة واحدة حصل الموت للقلب واستوجب العذاب الأبد .
وأما القسم الثاني وهو الذي يكون نافعاً ولا يكون ضرورياً فهو كالمال في الدنيا وكسائر العلوم والمعارف في الآخرة.
وأما القسم الثالث وهو الذي يكون ضرورياً ولا يكون نافعاً فكالمضار التي لا بد منها في الدنيا، كالأمراض والموت والفقر والهرم ولا نظير لهذا القسم في الآخرة، فإنّ ضروريات الآخرة لا يلزمها شيء من المضار.
وأما القسم الرابع وهو الذي لا يكون ضرورياً ولا نافعاً فهو كالفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة .
إذا عرفت ذلك فنقول : قد ذكرنا أن النفس في الدنيا نافع وضروري، فلو انقطع عن الإنسان لحظة لمات في الحال، وكذلك معرفة الله تعالى أمر لا بد منه في الآخرة فلو زالت عن القلب لحظة لمات القلب لا محالة، لكن الموت الأوّل أسهل من الثاني لأنه لم يتألم في الموت الأوّل إلا ساعة واحدة، وأما الموت الثاني فإنه يبقى ألمه أبد الآباد.
وكما أنّ التنفّس له أثران: أحدهما إدخال النسيم الطيب على القلب وإبقاء إعتداله وسلامته والثاني إخراج الهواء الفاسد الحاد المحترق عن القلب كذلك الفكر له أثران : أحدهما إيصال نسيم الحجّة والبرهان إلى القلب وإبقاء اعتدال الإيمان والمعرفة عليه، والثاني : إخراج الهواء الفاسد المتولد من الشبهات عن القلب، وما ذاك إلا بأن يعرف أن هذه المحسوسات متناهية في المقدار منتهية بالآخرة إلى الفناء بعد وجودها، فمن وقف على هذه الأحوال بقي آمناً من الآفات واصلاً إلى الخيرات والمسرات وكمال هذين الأمرين ينكشف بعقلك بأن تعرف أن كلّ ما وجدته ووصلت إليه فهو قطرة من بحار رحمة الله وذرة من أنوار إحسانه فعند هذا ينفتح على قلبك معرفة كون الله رحماناً رحيماً .
فإذا أردت أن تعرف هذا المعنى على التفصيل فاعلم أنك جوهر مركب من نفس وبدن
وروح وجسد، أما نفسك فلا شك أنها كانت جاهلة في مبدأ الفطر كما قال تعالى :
(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَيْكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالأَفْيدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78] .
ثم تأمّل في مراتب القوى الحسّاسة والمحركة والمدركة والعاقلة وتأمل في مراتب المعقولات وفي جهاتها واعلم أنه لا نهاية لها البتة ولو أن العاقل أخذ في اكتساب العلم بالمعقولات وسرى فيها سيران البرق الخاطف والريح العاصف، وبقي في ذلك السير أبد الآبدين ودهر الداهرين لكان الحاصل له من المعارف والعلوم قدراً متناهياً، ولكانت المعلومات التي ما عرفها ولم يصل إليها أصلاً غير متناهية والمتناهي في جنب غير المتناهي قليل في كثير فعند هذا يظهر له أنّ الذي قاله الله تعالى في قوله :
(وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء : 85] حق وصدق .
وأما بدنك فإنّه جوهر مركب من الأخلاط الأربعة، فتأمل كيفية تركيبها وتشريحها وتأمل ما في كلّ واحد من الأعضاء والأجزاء من المنافع العالية والآثار الشريفة، وحينئذ يظهر لك صدق قوله سبحانه وتعالى :
(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إبراهيم : 43] .
وحينئذٍ ينجلي لك أثر من آثار كمال رحمته في خلقك وهدايتك، فتفهم شيئاً قليلاً من رحمته الكاملة ونعمته السابغة الشاملة .
متضمّن للتنفير عن الدنيا والتنبيه على بعض عيوباتها وهو قوله ( والدنيا دار مني لها الفناء
و) قدر (لأهلها منها الجلاء) كما قال سبحانه:
(كُلٌّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ ) [الرحمان: 26] وقال: كُل شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88].
(وهي حلوة) في الذوق (خضرة) في النظر يستلذ بها الذائق والناظر (و) لكنّها (قد عجلت للطالب) فليس لها دوام وثبات حتّى يتمتّع منها على وجه الكمال (والتبست بقلب الناظر) أي اشتبهت لديه حتى صار مولعاً بحبّها مفتتناً بخضرتها ونضارتها.
(کَمَثَلِِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَكَهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَلَماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ
شَدِيدٌ) [الحديد: 20].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية أبي هريرة : لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية، فاستهوته الخدعة فركن إلى دار السوء سريعة الزوال، وشيكة الإنتقال إنّه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب أو صر جالب فعلى ما تعرجون وماذا تنتظرون فكأنّكم والله وما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن وما يصيرون إليه من الآخرة لم ،يزل فخذوا أهبة لا زوال لنقلة وأعدّوا الزاد لقرب ،الرّاحلة واعلموا أن كل امرىء على ما قدم قادم وعلى ما خلف نادم (1).
ولما نبه على فناء الدنيا وتعجيل زوالها أردف ذلك بقوله (فارتحلوا عنها) يعني تهيئوا للإرتحال واستعدوا للموت قبل نزول الفوت بأحسن ما بحضرتكم من الزاد وهو
1) بحار الأنوار: 183/74 ، ونهج السعادة: 61/7 .
التقوى والأعمال الصالحة (ولا تسألوا فيها فوق الكفاف ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ).
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية أنس بن مالك: «يا معشر المسلمين شمّروا فإنّ الأمر جد، وتأهبوا فإنّ الرّحيل قريب، وتزوّدوا فإنّ السفر بعيد، وخفّفوا أثقالكم فإن وراءكم عقبة كؤوداً لا يقطعها إلا المخفّفون أيها الناس إن بين يدي الساعة أموراً أشداداً، وأهوالا عظاماً، وزماناً صعباً يتملك فيه الظلمة، ويتصدّر فيه الفسقة، ويضام فيه الآمرون بالمعروف، ويضطهد فيه الناهون عن المنكر، فأعدوا لذلك الإيمان وعضوا عليه بالنواجذ، والجأوا إلى العمل الصالح وأكرهوا عليه النفوس تفضوا إلى النّعيم الدائم» (1).
عقد ثقة الإسلام الكليني عطر الله مضجعه في «الكافي» باباً للكفاف وروى فيه الأخبار الواردة في مدحه وحسنه ولا بأس برواية بعضها تيمناً وتبركاً فأقول :
فيه بإسناده عن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر يقول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عزّ وجلّ : «إن من أغبط أوليائي عندي رجلاً خفيف الحال ذا حظّ من صلاة أحسن عبادة ربّه بالغيب وكان غامضاً في الناس، جعل رزقه كفافاً فصير عليه عجلت منيته فقل تراثه وقلت بواكيه» (2).
وعن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافاً » .
وعن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم ارزق محمّداً وآل محمد ومن أحب محمداً وآل محمّد العفاف والكفاف، وارزق من أبغض محمّداً وآل محمّد المال والولد» (3).
وعن النّوفلي رفعه إلى عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما قال : من رسول الله براعي إبل فبعث يستسقيه فقال : أما ما في ضروعها فصبوح الحي وأما ما في آنيتها فغبوقهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أكثر ماله وولده، ثم مر براعي غنم فبعث إليه يستسقيه فحلب له ما في ضروعها وأكفأ ما في إناثه في إناء رسول الله وبعث إليه بشاة وقال : هذا ما عندنا وإن أحببت أن نزيدك زدناك ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزقه الكفاف، فقال له بعض أصحابه يا رسول الله دعوت للذي ردّك بدعاء عامتنا نحبّه، ودعوت للذي أسعفك بحاجتك
بدعاء كلنا نكرهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنّ ما قل وكفى خير مما أكثر وألهى اللهم ارزق محمّداً وآل محمّد الكفاف» (1).
وعن البختريّ عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «إن الله عز وجل يقول : يحزن عبدي المؤمن إن قترت عليه وذلك أقرب له منّي ويفرح عبدي المؤمن إن وسعت عليه وذلك أبغض له مني» (2).
وفي حديث أبي ذر المروي في «البحار» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« يا أبا ذر إنّي قد دعوت الله جلّ ثناؤه أن يجعل رزق من يحبني الكفاف، وأن يعطي من يبغضني كثرة المال والولد» (3).
وقد أكثر شعراء العرب والعجم في مدح الكفاف والإستغناء عن الناس، ومن جيّد ما
قالوه قول أبي العلاء المعري :
فإن كنت تهوى العيش قانع توسطاً***فعند التناهي يقصر المتطاول
توفي البدور النقص وهي أهلة***ويدركها النقصان وهي كوامل
وقال سليمان بن مهاجر البجلي:
کسوت جميل الصبر وجهي فصانه***به الله عن غشيان كل بخيل
فلم يتبذلني البخيل ولم أقم***على بابه يوماً مقام ذليل
وإنّ قليلاً يستر الوجه أن يرى***إلى النّاس مبذولاً بغير قليل
وقال بعض شعراء الحكماء :
فلا تجزع إذا أعسرت يوماً***فقد أيسرت في الدهر الطويل
ولا تظنن بربّك ظنّ سوء***فإن الله أولى بالجميل
وإنّ العسر يتبعه يسار***وقيل الله أصدق كل قيل
ولو أنّ العقول تجرّ رزقاً***لكان المال عند ذوي العقول
قد ذكرنا سابقاً أن المستفاد من شرح البحراني أنّ هذه الخطبة والخطبة الثامنة والعشرين ملتقطتان من خطبة طويلة خطب بها يوم الفطر، وقد ظفرت بعد ما شرحت الخطبة على تمامها برواية الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه فأحببت إيرادها على ما رواها قدس سرّه فأقول : قال :
وخطب أمير المؤمنين علیه السلام يوم الفطر فقال : «الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون لا نشرك بالله شيئاً ولا نتخذ من دونه وليّاً، والحمد لله له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الدنيا والآخرة وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور، كذلك الله لا إله إلا هو إليه المصير، والحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إنّ الله بالناس لرؤوف رحيم .
اللهم ارحمنا برحمتك، واعممنا بمغفرتك إنك أنت العلي الكبير، والحمد لله الذي لا مقنوط من رحمته ولا مخلو من نعمته ولا مأيوس من روحه ولا مستنكف عن عبادته، بكلمته قامت السماوات السبع، واستقرت الأرض المهاد وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرّياح اللواقح ، وسار في جوّ السّماء السحاب وقامت على حدودها البحار، وهو إله لها وقاهر يذلّ له المتعززون ويتضاءل له المتكبرون ويدين له طوعاً وكرها العالمون .
نحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونشهد أن لا إله
إلا الله الله وحده لا شريك له يعلم ما تخفي النفوس وما يجن البحار وما توارى منه ،ظلمة ولا يغيب عنه غائبة، وما يسقط من ورقة من شجرة، ولا حبّة في ظلمات الأرض إلا يعلمها، لا إله إلا هو، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ويعلم ما يعمل العاملون؛ وأي مجرى ،يجرون، وإلى أي منقلب ينقلبون.
ونستهدي الله بالهدى ونشهد أن محمداً عبده ونبيه ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه، وأنه قد بلغ رسالات ربه وجاهد في الله الحائدين عنه العادلين به، وعبد الله حتى أتاه
اليقين .
أوصيكم بتقوى الله الذي لا تبرح منه نعمة، ولا تفقد منه رحمة، ولا يستغني العباد عنه ولا يجزى لنعمه الأعمال، الذي رغب في التقوى، وزهد في الدنيا وحذر المعاصي وتعزز بالبقاء، وذلل خلقه بالموت ،والفناء والموت غاية المخلوقين وسبيل العالمين ومعقود بنواصي الباقين لا يعجزه إباق الهاربين وعند حلوله يأس أهل الهوى يهدم كلّ لذة، ويزيل كل نعمة، ويقطع كلّ بهجة .
والدنيا دار كتب الله لها الفناء، ولأَهلها منها الجلاء، فأَكثرهم ينوي بقاءها ويعظم بناءها: وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب، والتبست بقلب الناظر ويضني ذو الثروة الضعيف، ويحتويها الخائف الوجل، فارتحلوا منها يرحمكم الله بأحسن ما بحضرتكم ولا تطلبوا منها أكثر من القليل ولا تسألوا منها فوق الكفاف وارضوا منها باليسير ولا تمدن أعينكم منها إلى ما متع المترفون واستهينوا بها ولا توطنوها وأضروا بأنفسكم فيها، وإياكم والتنعم والتلهي والفاكهات فإنّ في ذلك غفلة واغتراراً .
ألا إنّ الدّنيا قد تنكرت وأدبرت وأصولت وآذنت بوداع، ألا وإن الآخرة قد رحلت فأقبلت وأشرفت وآذنت باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم والسباق غداً، ألا وإن السبقة الجنّة والغاية النّار، أفلا تائب من خطيئته قبل يوم منيته، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه، وفقره، جعلنا الله وإياكم ممّن يخافه فيرجو ثوابه.
ألا وإنّ هذا اليوم يوم جعله الله لكم عيداً، وجعلكم له أهلاً، فاذكروا الله يذكركم وادعوه يستجب لكم وأدوا فطرتكم فإنّها سنة نبيكم وفريضة واجبة من ربّكم فليؤدّها كلّ امرئ منكم عن نفسه وعن عياله كلهم ذكرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم وحرّهم ومملوكهم عن كلّ إنسان منهم صاعاً من بر أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير.
وأطيعوا الله فيما فرض عليكم وأمركم به من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم شهر رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى نسائكم وما ملكت أيمانكم .
وأطيعوا الله فيما نهاكم عنه من قذف المحصنة وإتيان الفاحشة، وشرب الخمر وبخس المكيال ونقص الميزان وشهادة الزور، والفرار عن الزحف .
عصمنا الله وإياكم بالتقوى، وجعل الآخرة خيراً لنا ولكم من الأولى، إن أحسن الحديث وأبلغ موعظة المتقين كتاب الله العزيز أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، بسم الرحمن الرّحيم، (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* الله الصَّمَدُ * لَم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَه كُفُوًا أَحَدٌ) (1)[الإخلاص : 1 1-4].
1) الكافي : 485/3 ، وبحار الأنوار: 111/88 .
از جمله خطبههای آن حضرت است
حمد و ثنا مرخدای را است در حالتی که نوید کرده نشده است از رحمت او و خالی کرده نشده است از نعمت او و نومید کرده نشده است از مغفرت او و کبر ورزیده نشده است از عبادت ،او چنان خداوندی که زایل نمیشود از او هیچ رحمتی و نایاب نمیشود از او هیچ نعمتی و دنیا سرایی است تقدیر کرده شده است از برای او فنا و از برای اهل او بیرون رفتن از آن با رنج و عنا و آن دنیا شیرین است در مذاق و سبز و خرم است در نظر اهل آفاق و به تحقیق که شتابانیده شده است از برای جوینده او و مشتبه شده است در قلب نظر کننده او پس رحلت نمایید و کوچ کنید از او به نیکوترین چیزی که در حضور شما است از توشه که عبارت است از تقوی و اعمال صالحه و سؤال نکنید در او بالاتر از قدر کفاف معیشت و طلب ننمایید از او زیاده از حد کفایت که این است شعار صاحبان بصیرت و سالكان طريق حقيقت .
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْتَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَب، وسُوءِ الْمَنْظَرِ في الأَهْل وَالْمَالِ، أَللَّهُمَّ أَنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ، َوأَنْتَ الْخَلِيفَةُ في الأَهْلِ، ولا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ، لأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لاَ يَكُونُ مُسْتَضْحَباً ، وَالْمُسْتَصْحَبَ لَا يَكُونُ مُسْتَخْلَفَاً» (1).
وفي نسخة ابن أبي الحديد قال الرّضي : وابتداء هذا الكلام مروي عن رسول الله صلی الله علیه وسلم وقد قفاه أمير المؤمنين عليه السلام بأبلغ كلام وبأحسن تمام من قوله : ولا يجمعهما غيرك، إلى آخر الفصل.
(وعثاء السّفر) مشقّته وأصل الوعث المكان السهل الدهس تغيب فيه الأقدام والطريق العسر، وقد وعث الطريق كسمع وكرم تعسّر سلوكه و(الكآبة) والكأب الغم وسوء الحال والإنكسار من حزن و (المنقلب) مصدر ومكان من القلب أي رجع ومثله (المنظر) قال الفيروز آبادي: نظره كضربه وسمعه وإليه نظراً ومنظراً ونظراناً ومنظرة وقال : والمنظر والمنظرة ما نظرت إليه فأعجبك حسنه أو ساءك .
لفظة (اللهم) منادى محذوف النداء ولا يجوز حذف حرف النداء من لفظ الجلالة إلا مع إلحاق الميم المشدّدة به، وذلك لأن حق ما فيه اللام أن يتوصل إلى ندائه بأي أو باسم الإشارة، فلما حذفت الوصلة في هذه اللفظة الشريفة لكثرة ندائها لم يحذف الحرف إلا نادراً لئلا يكون إجحافاً، فإن أردت الحذف ألحقت الميم المشدّدة؛ وإنّما أخرت الميم تبركاً باسمه سبحانه، وقال الكوفيون: إن الميم ليست عوضاً بل مأخوذة من فعل والأصل يا الله آمنا بخير فيخيرون الجمع بينها وبين ياء في السعة ورد بأنه لو كان كذلك لما حسن اللهم آمنا بخير وفي حسنه دليل على أن الميم ليست مأخوذة منه إذ لو كان كذلك لكان تكراراً .
1) بحار الأنوار: 391/32 ح ،362، ونهج السعادة: 124/2 .
إعلم أنّ هذا الدعاء دعا به أمير المؤمنين علیه السلام بعد وضع رجله في الرّكاب حينما توجّه من النّخيلة إلى الشّام لحرب معاوية وأتباعه ،قال نصر بن مزاحم لما وضع علي علیه السلام رجله فى ركاب دابته قال : «بسم الله، »فلمّا جلس على ظهرها قال :سبحان الذي سخر اء هذا وما كنا له مقرنين وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون (اللهم إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر) ومشقّته (وكآبة المنقلب) أي الحزن بعد الرجوع إلى الوطن»، وفي رواية نصر بعده والحيرة بعد اليقين (وسوء المنظر في الأهل والمال) المورث للكآبة والملل.
(اللهم أنت الصاحب في السفر) ومن شأن الصاحب العناية بأمور صاحبه (وأنت الخليفة في الأهل و) من وظيفة الخليفة على الشيء حسن القيام والولاية على ضروريات ذلك الشيء وحفظه مما يوجب له الضرر (لا يجمعهما) أي الصحابة والخلافة في آن واحد (غيرك) لامتناع ذلك في حق الأجسام (لأنّ المستخلف لا يكون مستصحباً والمستصحب لا يكون مستخلفاً) وأما الله سبحانه فلتنزهه عن الجهة والجسمية يجوز كونه خليفة وصاحباً معاً في آن واحد كما قال سبحانه:
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [الحديد: 4] وقال: (مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِمُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة:7].
وقد مضى تحقيق الكلام في ذلك في الفصل الخامس والسادس من فصول الخطية الأولى عند شرح قوله: مع كلّ شيء لا بمقارنة فتذكر .
إعلم أنّ الدّعاء من معظم أبواب العبادات وأعظم ما يستعصم به من الآفات وأمتن ما يتوصل به إلى استنزال الخيرات، ووجوبه وفضله معلوم من العقل والشرع.
أما العقل فلآن دفع الضرر عن النفس مع القدرة عليه والتمكن منه واجب وحصول الضرر ضروري الوقوع في دار الدنيا، إذ كلّ إنسان لا ينفك عما يشوّش نفسه ويشغل عقله ويتضرّر به إما من داخل كحصول عارض يغشي مزاجه، أو من خارج كاذبة ظالم ونحوها ولو خلا من الكلّ فالعقل يجوز وقوعه فيها، وكيف لا وهو في دار الحوادث التي لا تستقر على حال، وفجائعها لا ينفك عنها آدمي إما بالفعل أو بالقوة، فضررها إما واقع حاصل أو ممكن الوقوع ومتوقع الحصول، وكلاهما يجب إزالته مع القدرة عليه، والدعاء محصل لذلك وهو مقدور فيجب المصير إليه .
وقد نبّه على ذلك أمير المؤمنين علیه السلام حيث قال: «ما من أحد أبتلي وإن عظمت بلواه بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن من البلاء» (1).
فقد ظهر من هذا الحديث احتياج كلّ أحد إلى الدعاء معافاً ومبتلى وفائدته رفع البلاء الحاصل ودفع السّوء النازل أو جلب نفع مقصود أو تقرير خير موجود.
فإن قلت : المطلوب بالدّعاء إما أن يكون معلوم الوقوع الله سبحانه أو معلوماً عدم وقوعه، فعلى الأول يكون واجباً وعلى الثاني ممتنعاً، وعلى التقديرين فلا يكون للدعاء فائدة، لأنّ الأقدار ،سابقة، والأقضية واقعة وقد جف القلم بما هو كائن فالدعاء لا يزيد ولا ينقص فيها شيئاً .
قلنا: هذه شبهة ربما سبقت إلى الأذهان القاصرة وفسادها ،ظاهر، لأن كل كائن فاسد موقوف في كونه وفساده على شرائط توجد وأسباب تعدّ لأحدهما لا يمكن بدونها، وعلى ذلك فلعل الدّعاء من شرائط ما يطلب به وهما وإن كانا معلومي الوقوع الله سبحانه وهو تعالى علتهما الأولى، إلا أنه هو الذي ربط أحدهما بالآخر، فجعل سبب وجود ذلك الشيء الدّعاء كما جعل سبب صحة المرض شرب الدواء، وما لم يشرب الدواء لم يصح، وبذلك أيضاً ظهر فساد ما قيل أن المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح العباد فالجواد المطلق لا يبخل به وإن لم يكن من مصالحهم لم يجز طلبه وجه ظهور الفساد أنه لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله مصلحة بعد الدّعاء ولا يكون مصلحة قبل الدّعاء .
وأما النقل فمن الكتاب قوله سبحانه :
(قُلْ مَا يَعْبُؤُا بِكُمْ رَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ) [الفرقان: 77] وقوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) [غافر: 60] .
فجعل الدعاء عبادة والمستكبر عنها كافراً وقوله :
(وَإِذَا سألك عِبَادِي عَنِي فَإِنِي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة: 186] .
قال أحمد بن فهد الحلّي في كتاب عدّة الداعي : هذه الآية قد دلت على أمور :
الأوّل: تعريفه تعالى لعباده بالسؤال بقوله :
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِ فَإني قريب ) [البقرة : 186].
الثاني : غاية عنايته بمسارعة إجابته ولم يجعل الجواب موقوفاً على تبليغ الرسول بل قال : فإنّي قريب ولم يقل قل لهم إنّي قريب .
1) الأمالي : 337 ح 395 ، ووسائل الشيعة: 42/7 395، 8668.
الثالث : خروج هذا الجواب بالفاء المقتضي للتعقيب فلا فصل .
الرابع : تشريفه تعالى لهم بردّ الجواب بنفسه لينبه بذلك على كمال منزلة الدعاء وشرفه
عنده تعالى ومكانه منه ، قال الباقر علیه السلام: «لا تمل من الدعاء فإنّه الله بمكانه» (1).
من الخامس: دلت هذه الآية على أنه لا مكان له إذ لو كان له مكان لم يكن قريباً من كل
من يناجيه .
السادس: أمره تعالى لهم بالدعاء في قوله : فليستجيبوا لي أي فليدعوني .
السابع : قوله تعالى: وليؤمنوا بي أي وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوه فأمرهم باعتقادهم قدرته على إجابتهم وفيه فائدتان إعلامهم بإثبات صفة القدرة له وبسط رجائهم في وصولهم إلى مقترحاتهم وبلوغ مراداتهم ونيل سؤالاتهم فإن الإنسان إذا علم قدرة معامله ومعاوضه على دفع عوضه كان ذلك داعياً له إلى معاملته ومرغباً له في معاوضته،كما أنّ علمه بعجزه عنه على الضد ذلك، ولهذا تراهم يجتنبون معاملة المفلس .
الثامن : تبشيره تعالى لهم بالرشاد الذي هو طريق الهداية المؤدّي إلى المطلوب فكأَنه بشرهم بإجابة الدعاء، ومثله قول الصادق : «من تمنّى شيئاً وهو الله رضى لم يخرج من الدنيا حتى يعطاه» ، وقال : «إذا دعوت فظن حاجتك بالباب» (2).
فإن قلت نحن نرى كثيراً من الناس يدعون الله فلا يجيبهم فما معنى قوله : أجيب دعوة الداع إذا دعان؟ وبعبارة أخرى إنه سبحانه وعد إجابة الدعاء وخلف الوعد عليه تعالى محال
لأنه كذب قبيح في حقه عزّ وجلّ.
قلت : قد أجاب الطبرسي في «مجمع البيان» بأنّه ليس أحد يدعو الله على ما توجبه الحكمة إلا أجابه الله ، فإن الداعي إذا دعاه يجب أن يسأل ما فيه صلاح له في دينه ولا يكون له مفسدة فيه فإنّه سبحانه يجيب إذا اقتضت المصلحة إجابته أو يؤخر الإجابة إن كانت المصلحة في التأخير، ثم قال: وإذا قيل إنّ ما تقتضيه الحكمة لا بد أن يفعله فما معنى وإجابته؟ أجاب بأنّ الدّعاء عبادة في نفسها لما فيه من إظهار الخضوع والإنقياد وأيضاً لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله إنّما صار مصلحة بعد الدّعاء (3).
أقول: أما ما ذكره من أنه ليس أحد يدعو الله (آ ه)، فهو حق لا ريب فيه وبه صرح في عدة الداعي حيث قال : ليس أحد يدعو الله سبحانه وتعالى على ما يوجبه الحكمة مما فيه صلاحه إلا أجابه وعلى الداعي أن يشرط ذلك بلسانه أو يكون منويّاً في قلبه، فالله يجيبه البتّة
إن اقتضت المصلحة إجابتها، أو يؤخر له إن اقتضت المصلحة التأخير قال الله تعالى :
(وَلَوْ يُعَجِلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَ اسْتِمْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) [يونس : 11] .
وفي دعائهم : يا من لا تغير حكمته الوسائل، ولما كان علم الغيب منطوياً عن العبد وربما تعارض عقله القوي الشهوية ويخالطه الخيالات النفسانية فيتوهم أمراً مما فيه فساده صلاحاً له فيطلبه من الله سبحانه ويلح في السؤال عليه، ولو يعجّل الله إجابته ويفعله به لهلك البتة، وهذا أمر ظاهر العيان غني عن البيان كثير الوقوع فكم نطلب أمراً ثم نستعيذ منه منه وكم نستعيذ من أمر ثم نطلبه، وعلى هذا خرج قول علي علیه السلام: «رب أمر حرص الإنسان عليه فلما أدركه وذ أن لم يكن أدركه وكفاك قوله تعالى :
(وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُم
لا تَعْلَمُونَ) [البقرة : 216] .
فإنّ الله سبحانه وتعالى من وفور كرمه وجزيل نعمه لا يجيبه، وذلك إما لسابق رحمته به
فإنّه هو الذي سبقت رحمته غضبه وإنّما أنشأه رحمة به وتعريضاً لإثابته وهو الغنى عن خلقته ومعاقبته أو لعلمه سبحانه بأن المقصود للعبد من دعائه هو إصلاح حاله فكان ما طلبه ظاهراً غير مقصود له مطلقاً، بل بشرط نفعه له فالشرط المذكور حاصل في نيته وإن لم يذكره بلسانه بل وإن لم يخطر بقلبه حالة الدّعاء.
وإيضاح ذلك على سبيل المثل أنه إذ قال كريم : أنا لا أردّ سائلاً ولا أخيب آملاً،ثم أتى سفيه وطلب منه ما يعلم أنه يقتله والسائل لم يكن عالماً بذلك، أو أتى صبي جاهل وطلب منه أفعياً لحسن نقشه ونعومته، فالحكمة والجود يقتضيان منعهما لإعطائهما، ولو أعطاهما لذمّه العقلاء، فظهر أنّ هذا الوعد من الحكيم لا بد أن يكون مشروطاً بالمصلحة.
وتوهّم أن ما فيه صلاح العباد يأتي الله تعالى به لا محالة من دون حاجة إلى الدعاء، مدفوع بما أشار إليه الطبرسي من إمكان كون المصلحة في الإعطاء الدعاء ومع عدمه يكون الصلاح في المنع .
وعلى هذا فالمطالب ثلاثة: الأول: ما يكون المصلحة في إعطائه مطلقاً كالرزق الضروري. الثاني: ما يكون المصلحة في المنع كذلك. الثالث : أن تكون المصلحة في العطاء مع الدعاء وفي العدم مع العدم وإنّما يظهر أثر الدعاء في الثالث هذا.
وأما ما ذكره أخيراً في الجواب من أن الدعاء عبادة في نفسها فصحيح إلا أنّه لا ربط له بالسؤال هذا، والإنصاف أن مجرد اشتمال الدّعاء على المصلحة لا يستلزم الإجابة بل لا بد من اقترانه مضافاً إلى ذلك بشرائطها المقررة المستفادة من الأخبار مع كونه صادراً عن وجه
الإخلاص وتمام الإنقطاع والفراغ والتخلية التامة للقلب .
ولنعم ما قال إبراهيم بن أدهم حيث قيل له : ما بالنا ندعو الله سبحانه فلا يستجيب لنا قال : لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرّسول فلم تتبعوا ،سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه وأكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب النّاس.
والحاصل أن الدعاء كسائر العبادات لها شروط لحصولها وموانع عن قبولها فلما لم يتحقق الشرائط ولم ترتفع الموانع لم يترتب عليها آثارها الدنيوية والأخروية مثلاً الصلاة إذا ورد فيها من صلى دخل الجنة أو زيد في رزقه، فإذا صلى بغير وضوء أو فعل ما يبطلها ويحبطها لم يترتب عليها آثارها الدنيوية والأخروية، وإذا قال الطبيب : السقمونيا مسهل فإذا شرب الإنسان معه ما يبطل تأثيره كالأفيون فهو لا ينافي قول الطبيب ولا ينافي حكمه في ذلك .
فكذا الدعاء إستجابتها وقبولها وترتيب الأثر عليها مشروطة بشرائط، فإذا أخل لشيء منها لم تترتب عليها الإستجابة، وقد وردت أخبار كثيرة في شرائط الدعاء ومنافاته، وربما يشير إليه قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِتَنى فَارْهَبُونِ [البقرة : 40] .
قال الشارح البحراني : سبب إجابة الدعاء هو توافي الأسباب، وهو أن يتوافى دعاء
: رجل مثلاً فيما يدعو فيه وسائر أسباب وجود ذلك الشيء معاً عن الباري تعالى لحكمة إلهية على ما قدر ،وقضى ثمّ الدّعاء واجب وتوقع الإجابة ،واجب، فإن انبعاثنا للدّعاء سببه من هناك، ويصير دعاؤنا سبباً للإجابة وموافاة الدّعاء لحدوث الأمر المدعو لأجله وقد يكون أحدهما بواسطة الآخر، وإذا لم يستجب الدعاء لداع وإن كان يرى أن الغاية التي يدعو لأجلها نافعة فالسبب في عدم الإجابة أن الغاية النافعة ربما لا تكون نافعة بحسب نظام الكل بل بحسب مراده فلذلك تتأخر إجابة الدعاء أو لا يستجاب له وبالجملة قد يكون عدم الإجابة لفوات شرط من شروط ذلك المطلوب حال الدعاء .
وإعلم أن النفس الزكية عند الدّعاء قد يفيض عليها من الأوّل قوة تصير بها مؤثرة في العناصر فتطاوعها متصرفة على إرادتها فيكون ذلك إجابة للدّعاء، فإن العناصر موضوعة لفعل النفس فيها واعتبار ذلك في أبداننا فإنّا ربما تخيلنا شيئاً فتتغير أبداننا بحسب ما تقتضيه أحوال نفوسنا وتخييلاتها وقد يمكن أن تؤثر النفس في غير بدنها كما تؤثر في بدنها، وقد تؤثر في نفس غيرها وقد يستجيب الله لتلك النفس إذا دعت فيما تدعو فيه إذا كانت الغاية التي تطلبها بالدعاء نافعة بحسب نظام الكل.
ومن السنة أخبار فوق حدّ الإحصاء ولنقتصر على بعض ما رواه في عدّة الداعي.
فعن حنان بن سدير قال : قلت لأبي جعفر علیه السلام: أي العبادة أفضل ؟ فقال علیه السلام: «ما شيء أحب إلى الله من أن يسأل ويطلب ما عنده وما أحد أبغض إلى الله ممّن يستكبر عن
عبادته ولا يسأله ما عنده» (1).
وعن زرارة عن أبي جعفر قال علیه السلام: إنّ الله عزّ وجلّ يقول :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر : 60] . پ قال : «هو الدّعاء وأفضل العبادة الدّعاء»، قلت :
(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ ) [التوبة : 114] قال : الأوّاه هو الدعاء (2).
وعن ابن القداح عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين : «أحب الأعمال
إلى الله في الأرض الدّعاء، وأفضل العبادة العفاف»، وكان أمير المؤمنين علیه السلام رجلاً دعاء (3).
وعن عبيد بن زرارة عن أبيه، عن رجل عن أبي عبد الله علیه السلام: «الدعاء هو العبادة التي قال الله :
(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) [غافر: 60] ولا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه» (4).
وعن عبد الله بن ميمون ،القداح عن أبي عبد الله علیه السلام : الدعاء كهف الإجابة كما أن السحاب كهف المطر .
وعن هشام بن سالم قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : «هل تعرفون طول البلاء من قصره»؟ قلنا : لا، قال: إذا ألهم أحدكم الدعاء فاعلموا أن البلاء قصير» (5).
وعن أبي ولاد قال : قال أبو الحسن علیه السلام : «ما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيلهمه الله الدعاء إلا كان كشف ذلك البلاء وشيكاً، وما من بلاء ينزل على عبد مؤمن فيمسك عن الدّعاء إلا كان البلاء طويلاً، فإذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء والتضرع إلى الله عزّ وجلّ » (6).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «افزعوا إلى الله عزّ وجلّ في حوائجكم، والجأوا إليه في ملماتكم وتضرعوا إليه وادعوه، فإنّ الدّعاء مخ العبادة، وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له فأما أن يعجل له في الدنيا أو يؤجل له في الآخرة، وإما أن يكفّر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بمأثم » (7).
وعنه صلی الله علیه وسلم: «أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالدّعاء ».
وعنه صلی الله علیه وسلم : «ألا أدلكم على أبخل النّاس وأكسل الناس وأسرق الناس وأجفا الناس وأعجز النّاس»؟ قالوا : بلى يا رسول الله، قال: «أما أبخل النّاس فرجل يمر بمسلم ولا يسلم عليه، وأما أكسل الناس فعبد صحيح فارغ لا يذكر الله بشفة ولا بلسان وأما أسرق الناس فالذي يسرق من صلاته فصلاته تلف كما يلفّ الثّوب الخلق فيضرب بها وجهه وأما أجفا الناس فرجل ذكرت بين يديه فلم يصلّ عليّ، وأما أعجز الناس فمن عجز عن الدعاء» (1).
وعنه صلی الله علیه وسلم: «أفضل العبادات الدعاء وإذا أذن الله للعبد في الدعاء فتح له باب الرحمة،إنّه لن يهلك مع الدّعاء أحد » (2).
وعن معاوية بن عمار قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام في الرجلين افتتحا الصلاة في ساعة واحدة فتلا هذا القرآن فكانت تلاوته أكثر من دعائه، ودعا هذا فكان دعاؤه أكثر من تلاوته ثم انصرفا في ساعة واحدة أيهما أفضل؟ قال علیه السلام: «كلّ فيه فضل وكلّ حسن» ، قلت: إنّي قد علمت أن كلاً حسن وأن كلاً فيه ،فضل، لكن أيهما أفضل؟ فقال علیه السلام : «الدّعاء أفضل أما سمعت قول الله عزّ وجلّ :
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين ) [غافر : 60] .
هي والله العبادة هي والله أفضل أليست هي العبادة هي والله العبادة، أليست أشدّهن هي والله أشدّهن هي والله أشدّهنَ » (3).
وعن يعقوب بن شعيب قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: إن الله أوحى إلى آدم أني سأجمع لك الكلام في أربع كلمات قال : يا ربّ وما هنّ، قال: واحدة لي، واحدة لك، واحدة فيما بيني وبينك واحدة بينك وبين الناس فقال :آدم بينهن لي يا ربّ، فقال الله تعالى: «أما التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً، «وأما التي لك فأجزيك بعملك أحوج ما تكون إليه وأما التي بيني وبينك فعليك الدّعاء وعليّ الإجابة وأما التي بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك» .
ومن كتاب الدعاء لمحمّد بن حسن الصفار في حديث مرفوع قال: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: «يدخل الجنّة رجلان كانا يعملان عملاً واحداً فيرى أحدهما صاحبه فوقه فيقول : يا رب بما أعطيته وكان عملنا واحداً، فيقول الله تبارك وتعالى سألني ولم تسألني ثم قال : اسألوا الله وأجزلوا فإنّه لا يتعاظمه شيء» (4).
ومنه أيضاً برواية مرفوعة قال : قال النبي صلی الله علیه وسلم:«ليسألنّ الله أو ليقضين عليكم إن الله عباداً يعملون فيعطيهم وآخرين يسألونه صادقين فيعطيهم ثم يجمعهم في الجنّة فيقول الذين عملوا ربنا عملنا فأعطيتنا فيما أعطيت هؤلاء؛ فيقول : عبادي أعطيتكم أجوركم ولم ألتكم من أعمالكم شيئاً وسألني هؤلاء فأعطيتهم وهو فضلي أوتيه من أشاء» (1).
وعن الصادق علیه السلام قال لميسر بن عبد العزيز : «يا ميسر ادع الله ولا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه إنّ عند الله منزلة لا تنال إلا بمسألة ولو أن عبداً سدّ فاه ولم يسأل لم يعط شيئاً فاسأل تعط، یا ميسر إنّه ليس يقرع باب إلا يوشك أن يفتح لصاحبه» (2).
وفي هذه الرواية دلالة على ما قدمناه سابقاً من أنه لا امتناع في كون الدعاء محدثاً للمصلحة في المطلوب بعد أن لم يكن فيه مصلحة ولا بعد في كونه من أسباب وجود المطلوب وشرائط حصوله حسبما مر تفصيلاً والله ولي التوفيق .
از جمله کلام آن حضرت است هنگام عزم بر تشریف بردن شام و آن این است که :
بارخدایا به درستی که من پناه میبرم به تو از مشقت سفر و از غم و اندوه بازگشت؛ یعنی از پریشانی که بعد از مراجعت وطن حاصل میشود و از بدی نظر در اهل و مال بارخدایا تویی همراه در سفر و تویی جانشین در محافظت اهل در حضر و جمع نمیکند مصاحبت و خلافت غیر ،تو از جهت این که کسی که خلیفه ساخته شده باشد نمی باشد همراه داشته شده و کسی که همراه داشته شده باشد نمیشود خلیفه ساخته شده؛ یعنی محال است که جانشین همراه در سفر باشد به جهت این که ممکن نیست جسم واحد در آن واحد در دو مکان بوده باشد اما خداوند ذو العزة که منزه است از جهت و جسمیه پس در حق او جایز است خلافت و مصاحبت معاً.
«كَأَنِّي بِكِ يا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّاً الأديم الْعُكاظي، وتُعْرَكينَ بِالنَّوَازِلِ ، وَتُرْكَبينَ بِالزَّلازِلِ، وَإِنّي لأَعْلَمُ أَنَّهُ ما أَرادَ بِكِ جَبَارٌ سُوءً إِلا ابْتَلاهُ اللهُ بِشاغل، ورَماهُ بِقَاتِل» (1).
(الأديم) الجلد أو مدبوغه وجمعه أدم و (عكاظ) بالضم اسم سوق للعرب بناحية مكة كانت العرب تجتمع بها في كل سنة ويقيمون شهراً ويتبايعون ويتعاكظون أي يتفاخرون ويتناشدون الأشعار قال أبو ذؤيب :
إذا بنى القباب على عكاظ***وقام البیع واجتمع الألوف
فلما جاء الإسلام هدمه وأكثر ما كان يباع بها الأديم فنسب إليها و(العرك) الدلك والحك وعركه أي حمله عليه الشّر وعركت القوم في الحرب إذا ما رستهم حتى أتعبتهم و (النوازل) المصائب والشدائد و(الزلازل) البلايا.
المستفاد من المطرزي في شرح المقامات أنّ الفعل في كأني بك محذوف، والأصل كأني أبصرك فزيدت الباء بعد حذف الفعل، وقال الرّضي والأولى أن تبقى كان على معنى التشبيه ولا تحكم بزيادة شيء وتقول التقدير كأني أبصر بك أي أشاهدك من قوله تعالى فبصرت به عن جنب، والجملة بعد المجرور بالباء حال أي كأني أبصر بك يا كوفة حال كونك ممددة مدّ الأديم ، وقوله تركبين على البناء للمجهول كالفعلين السابقين أي تجعلين مركوبة لها أو بها على أن تكون الباء للسببية كالسابقة .
إعلم أنّ هذا الكلام له علیه السلام من جملة ما أخبر به عن المغيبات بين فيه حال الكوفة وحال أهلها وتجاذب أيدي الظالمين وتسلطهم عليهم بالظلم والعدوان وفي قوله (كأني بك يا كوفة) إشارة إلى أن المخبر به لا محالة واقع ووقوعه شاهد بعين اليقين (تمذين مد العكاظي) وجه الشبه شدّة ما يقع بأهله من الظلم والبلاء كما أن الأديم العكاظي مستحكم
1) بحار الأنوار: 209/57 ح 12.
الدباغ شديد المد (تعركين بالنوازل وتركبين بالزلازل) أراد بهما الشدائد والمصائب التي نزلت بأهل الكوفة والظلم والبلايا التي حلت بها وأوجبت اضطراب أهلها، وهي كثيرة معروفة مذكورة في كتب السير والتواريخ .
وفي قوله : (وإني لأعلم) مؤكداً بأن واللام والقسم إشارة إلى تحقق وقوع المخبر به
يعني أنه معلوم بعلم اليقين (أنه ما أراد بك جبار سوءاً إلا ابتلاه الله بشاغل ورماه بقاتل).
قال أبو الحسن الكيدري في شرحه: فمن الجبابرة الذين ابتلاهم الله بشاغل فيها زياد وقد جمع الناس في المسجد ليلعن عليّاً صلوات الله عليه فخرج الحاجب وقال : انصرفوا فإنّ الأمير مشغول عنكم وقد أصابه الفالج في هذه الساعة وابنه عبيد الله بن زياد وقد أصابه الجذام والحجاج بن يوسف وقد تولدت الحيات في بطنه حتى مات وعمر بن هبيرة وابنه يوسف وقد أصابهما البرص وخالد القسري وقد حبس فطولت حتى مات جوعاً .
وأما الذين رماهم الله يقاتل فعبيد الله بن زياد ومصعب بن الزبير وأبو السرايا وغيرهم قتلوا جميعاً ويزيد بن مهلب قتل على أسوأ حال هذا .
والعجب من الشارح البحراني حيث قال : وأما الجبابرة الذين أرادوا بها سوءاً وطعنوا فيها فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب وأخذهم بذنوبهم وما كان لهم من الله من ،واق فجماعة وذكر التي تقدم ذكرها من الكيدري وأضاف إليها المختار بن أبي عبيدة الثقفي .
وأنت خبير بأن عدّ (1)المختار في ذلك العداد ظلم في حقه رسوء أدب بالنسبة إليه إذ الأخبار في ذمه وإن كانت كثيرة إلا أنها مع ضعف سندها معارضة بأخبار المدح، وقد ذكرهما الكشي في رجاله فغاية الأمر مع عدم الترجيح لأخبار المدح هو التوقف، وعلى فرض الترجيح لأَخبار الذم فهي لم تبلغ حداً يوجب الجرأة على عده في عداد أمثال زياد وحجاج ومصعب ،ونحوهم وعلى جعله من الجبابرة الموصوفة لعنهم الله .
كيف؟ وابن طاووس بعد القدح في روايات الدم قال : إذا عرفت هذا فإن الرجحان في جانب الشكر والمدح ولو لم يكن تهمة فكيف ومثله موضع أن يتهم فيه الرواة ويستغش فيما يقول عنه المحدّثون لعيوب تحتاج إلى نظر (2).
ويكفي في فضله ما رواه الكشي عن عبد الله بن شريك قال: دخلنا على أبي جعفر علیه السلام يوم السحر وهو متكىء وقد أرسل إلى الحلاق فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال: من أنت؟ قال: أنا أبو محمد الحكم بن
المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وكان متباعداً من أبي جعفر فمد يده إليه حتى كاد أن يقعده في حجره بعد منعه يده، ثم قال : أصلحك الله إنّ النّاس قد أكثروا في أبي وقالوا: والقول والله قولك ، قال : أي شيء يقولون؟ قال : يقولون كذاب ولا تأمرني بشيء إلا قبلته، فقال: سبحان الله أخبرني أبي والله أن مهر أمّي كان ممّا بعث به المختار أو لم يبن دورنا وقتل قاتلنا وطلب بدمائنا؟ رحم الله وأخبرني والله أنه كان ليقيم عند فاطمة بنت علي يمهدها الفراش ويثني لها الوسائد ومنها أصاب الحديث رحم الله أباك رحم الله أباك ما ترك لنا حقاً عند أحد إلا طلبه قتل قتلتنا وطلب بدمائنا (1)، هذا.
واعلم أن في قوله : ما أراد بك جبار سوءاً إلا ابتلاه الله إشعاراً بمدح الكوفة وفضلها وقد جاء عن أهل البيت عليهم السّلام في ذلك شيء كثير مثل قول أمير المؤمنين علیه السلام: «نعمت المدرة»، وقوله عليهم السّلام: «إنه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفاً وجوههم في صورة القمر» ، وقوله عليهم السّلام: «مدينتنا ومحلّتنا ومقر شيعتنا، وقول الصادق عليه السّلام اللهم ارم من رماها وعاد من عاداها»، وقوله عليهم السّلام: «تربة تحبّنا ونحبّها» .
وفي «البحار» من «معاني الأخبار والخصال» للصدوق بإسناده عن موسى بن بكير عن
أبي الحسن الأول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اختار من البلدان أربعة : فقال عزّ وجلّ :
(وَالتينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ) [التين : 1 - 3 ] .
فالتين المدينة، والزيتون البيت المقدّس، وطور سنين الكوفة، وهذا البلد الأمين مكة،الخبر (2).
قال المجلسي: لعله إنما كنى عن المدينة بالتين لوفوره وجودته فيها، أو لكونها من
أشارف البلد كما أنّ التّين من أفاضل الثّمار وكنّى عن الكوفة بطور سنين لأن ظهرها وهو النجف كان محل مناجاة سيّد الأوصياء كما أن الطور محلّ مناجاة الكليم، أو لأن الجبل الذي سأل موسى عليه الرّؤية تقطع فوقع جزء منه هناك كما ورد في بعض الأخبار، أو أن ابن نوح لما اعتصم بهذا الجبل تقطع فصار بعضها في طور سينا، أو أنه طور سينا حقيقة.
وغلط فيه المفسّرون واللغويون كما روى الشيخ في «التهذيب» بإسناده عن الثمالي عن أبي جعفر قال عليه السّلام : «كان في وصيّة أمير المؤمنين أن أخرجوني إلى الظهر فإذا تصوّبت أقدامكم واستقبلتكم ريح فادفنوني وهو أول طور سينا ففعلوا ذلك»(3).
ومن مجالس الشيخ بإسناده عن عبد الله بن الوليد قال : دخلنا على أبي عبد الله عليه السّلام فسلمنا عليه وجلسنا بين يديه فسألنا من أنتم؟ قلنا : من أهل الكوفة فقال: «أما إنّه ليس من بلد من البلدان أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة، ثم هذه العصابة خاصة إنّ الله هداكم لأمر جهله الناس، أحببتمونا وأبغضنا النّاس، وصدقتمونا وكذبنا النّاس، واتبعتمونا وخالفنا النّاس، فجعل الله محياكم محيانا ومماتكم مماتنا» (1).
از جمله کلام آن حضرت است در ذکر حال کوفه و خراب شدن آن از دست ظلمه، می فرماید :
گویا میبینم تو را ای کوفه در حالتی که کشیده میشوی همچو کشیدن چرم عکاظی، مالیده شوی به سبب فرود آمدن مصیبتها و حادثه ها و سوار کرده شوی به جنبشها و زلزله،ها این همه اشاره است به انواع بلا و محنت و جفا و مصیبت که واقع شد به اهل کوفه از ظلم به اهل کوفه از ظلم ظلمه و ستم فجره و به درستی که می بینم آن که اراده نکند به تو هیچ گردن کش ستمکار بدی و مضرت را مگر این که گرفتار سازد او را خداوند قهار به بلایی که مشغول کننده او است و بیندازد او را به دست قاتلی که کشنده او است؛ والله أعلم بمعاني كلامه .
1) الكافي : 236/8 - 316 ، ودعائم الإسلام : 74/1 .
وهي مروية في كتاب صفين لنصر بن مزاحم باختلاف وزيادة تطلع عليه إن شاء الله.
«الْحَمْدُ لِلهِ كُلَّما وَقَبَ لَيْلٌ وغَسَقَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّما َلاحَ نَجْمٌ وَخَفَقَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الإِنْعَامِ، ولا مُكافَاً الإِفْضَالِ، أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمتي وأَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا الْمِلْطاطِ، حَتى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ إِلَى شِرْدِمَةٍ مِنْكُمْ، مُوَطِّنينَ أَكْنَافَ دَجْلَةَ، فَأَنْهضَهُمْ مَعَكُمْ إلى عَدُوِّكُمْ ، وأَجْعَلُهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقَوَّةِ لَكُمْ» (1).
قال السيد (ره) أقول يعني عليه السّلام بالملطاط السمت الذي أمرهم بلزومه، وهو شاطىء الفرات، ويقال ذلك لشاطيء البحر وأصله ما استوى من الأرض، ويعني بالنطفة ماء الفرات وهو من غريب العبارات وأعجبها .
(الوقوب) الدخول و(غسق) الليل أظلم، ومنه الغاسق قال سبحانه :
(وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) [الفلق : 3] .
قال الطبرسي : الغاسق في اللغة الهاجم بضرره وهو ههنا الليل لأنه يخرج السباع من آجامها والهوام من مكانها فيه يقال : غسقت القرحة إذا جرى صديدها ومنه الغساق صديد أهل النار لسيلانه بالعذاب وغسقت عينه سال دمعها و(خفق) النجم يخفق خفوقاً غاب و (المكافا) بصيغة المفعول من كافأه مكافأة كمعاملة وكفاه جازاه و (مقدمة) الجيش بالكسر وقد يفتح أوّله ما يتقدم منه على العسكر و(الملطاط) حافة الوادي وساحل البحر، والمراد هنا شاطىء الفرات كما قال السيد و(النطفة) بالضم الماء الصافي قل أو كثر و(الشرذمة) بالكسر القليل من النّاس و (موطنين) إما من باب الأفعال أو التفعيل يقال : أوطنه ووطنه واستوطنه اتخذه وطناً و(الكنف) بالتحريك الجانب والناحية و(نهض) كمنع قام وأنهضه غيره أقامه و(الإمداد) جمع مدد بالتحريك وهو الناصر والمعين.
غير منصوب على الحالية، وقوله: ولا مكافاً الإفضال، لا زائدة عند البصريين للتوكيد وعند الكوفيين هي بمعنى غير كما قالوا جئت بلا شيء فأدخلوا عليها حرف الجر فيكون لها
1) بحار الأنوار: 421/32 .
حكم غير وأجاب البصريون عن هذا بأنّ لا دخلت للمعنى فتخطاها العامل والجار في قوله : إلى شرذمة، متعلق بمحذوف أي متوجهاً إليهم ومثلها إلى في قوله : إلى عدوّكم .
إعلم أنّ هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين علیه السلام وهو بالنّخيلة خارجاً من الكوفة متوجهاً إلى صفّين بخمس مضين من شوال سنة سبع وثلاثين فقال : (الحمد لله كلما وقب ليل وغسق )أي دخل وأظلم (الحمد لله كلما لاح نجم وخفق )أي ظهر وغاب .
تقييد الحمد بالقيود المذكورة قصداً للدّوام والثبات مع ما في ذلك من الإشارة إلى كمال
القدرة والعظمة والتّنبيه بما في وقوب الليل من النّعم الجميلة من النوم والسكون والسبات، والتذكير بما في طلوع الكواكب وغروبها من المنافع الجليلة من معرفة الحساب والسّنين والشهور والساعات والإهتداء بها في الفيافي والفلوات إلى غير هذه ممّا يترتب عليها من الفوائد والثمرات( والحمد لله غير مفقود الإنعام )وقد مرّ تحقيق ذلك في شرح الخطبة الرابعة والأربعين في بيان معنى قوله علیه السلام: ولا تفقد له نعمة (ولامكافاً الأفضال )إذ إحسانه سبحانه لا يمكن أن يقابل بالجزاء، إذ القدرة على شكره وثنائه الذي هو جزاء إحسانه نعمة ثانية من نعمه.
وقد مرّ تفصيل ذلك في شرح الخطبة الأولى في بيان معنى قوله علیه السلام: ولا يؤدّي حقّه المجتهدون (أمّا بعد فقد بعثت مقدّمتي )أراد مقدمة جيشه التي بعثها مع زياد بن النّصر وشريح بن هاني نحو صفّين ،وقد كانوا اثنا عشر ألف فارس (وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط) والوقوف في شاطىء الفرات (حتّى يأتيهم أمري) ويبلغهم حكمي (وقد رأيت )المصلحة في( أن أقطع هذه النّطفة) أراد ماء الفرات كما مرّ متوجهاً (إلى شرذمة منكم موطنين أكناف دجلة) أراد بهم أهل المدائن (فأنهضهم معكم إلى عدوّكم وأجعلكم من أمداد القوة لكم) وفي رواية نصر بن مزاحم الآتية فأنهضهم معكم إلى أعداء الله .
وقال نصر : فسار علیه السلام حتّى انتهى إلى مدينة بهر سير ،وإذا رجل من أصحابه يقال له جرير بن سهم بن طريف من بني ربيعة ينظر إلى آثار كسرى ويتمثل بقول الأسودبن يعفر:
جرت الزياح على محل ديارهم*** فكأنما كانوا على میعاد
فقال علیه السلام له : ألا قلت:
(كُمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وزُرُوع ومقامٍ كَرِيم ، ونِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاها قَوْماً آخَرِينَ، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ والأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ) (1).
1) بحار الأنوار: 74/13 ، ونهج السعادة : 135/2.
إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين، ولم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية إيّاكم وكفر النّعم لا تحلّ بكم النّقم انزلوا بهذه النّجوة، قال نصر فأمر الحرث الأعور فصاح في أهل المدائن من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر فوافوه في تلك الساعة فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :
«فإنّي قد تعجبت من تخلفهم عن دعوتكم، وانقطاعكم من أهل مصركم في هذه
المساكن الظالم أهلها الهالك أكثر سكّانها ،لا معروف تأمرون به ،ولا منكر تنهون عنه ».
قالوا :يا أمير المؤمنين إنّا كنّا ننتظر أمرك مرنا بما أحببت ،فسار وخلف عليهم عدي بن حاتم فأقام عليهم ثلاثاً، ثمّ خرج في ثمانمائة رجل منهم وخلف ابنه زيداً بعده فلحقه في أربعمائة رجل، وهؤلاء هم الذين جعلهم من أمداد القوة لجيشه هذا .
ومن عجائب ما روي عنه علیه السلام ما في «البحار »من كتاب «الفضائل »لشاذان بن جبريل القمي عن الأَحوص، عن أبيه، عن عمار الساباطي قال : قدم أمير المؤمنين عليه السلام المدائن فنزل بإيوان كسرى وكان معه دلف بن بحير، فلمّا صلى علیه السلام قام وقال لدلف: قم معي ،وكان معه جماعة من أهل ساباط .فما زال يطوف منازل كسرى ويقول لدلف: كان لكسرى في هذا المكان كذا وكذا ويقول دلف : هو والله كذلك فما زال كذلك حتّى طاف المواضع بجميع من كان عنده ودلف يقول : يا سيدي ومولاي كأنك وضعت هذه الأشياء في هذه المساكن.
ثمّ نظر إلى جمجمة نخرة فقال لبعض أصحابه : خذ هذه الجمجمة ثمّ جاء إلى الإيوان وجلس فيه، ودعا بطشت فيه ماء فقال للرجل دع هذه الجمجمة في الطشت ثمّ قال : أقسمت عليك يا جمجمة أخبرني من أنا وأنت ،فقال الجمجمة بلسان فصيح : أمّا أنت فأمير المؤمنين وسيّد الوصيين وإمام المتّقين، وأمّا أنا فعبد الله وابن أمة الله كسرى أنوشيران .
فقال له أمير المؤمنين: «كيف حالك»، فقال : يا أمير المؤمنين إنّي كنت ملكاً عادلاً
شفيقاً على الرّعايا رحيماً لا يرضى بظلم، ولكن كنت على دين المجوس، وقد ولد محمّد في زمان ملكي فسقط من شرفات قصرى ثلاثة وعشرون ليلة ولد ،فهممت أن أؤمن به من كثرة ما سمعت من الزّيادة من أنواع شرفه وفضله ومرتبته وعزّه في السموات والأرض ومن شرف أهل ولكني تغافلت عن ذلك وتشاغلت منه في الملك ،فيا لها من نعمة ومنزلة ذهبت منّي حيث لم أ »من به ،فأنا محروم من بالجنّة بعدم إيماني به ولكنّي مع هذا الكفر خلصني الله من عذاب النّار ببركة عدلي وإنصافي بين الرّعيّة وأنا في النّار، والنّار محرّمة عليّ فراجسرتا لو آمنت لكنت معك يا سيّد أهل بيت محمّد ويا أمير أمّته .
قال: فبكى النّاس وانصرف القوم الذين كانوا من أهل ساباط إلى أهليهم وأخبروهم بما
كان وما جرى ،فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين ،فقال المخلصون منهم : إنّ أمير
المؤمنين علیه السلام عبد الله ووليّه ووصيّ رسول الله، وقال بعضهم بل هو النّبي، وقال بعضهم : بل هو الرّب، وهو مثل عبد الله بن سبأ وأصحابه، وقالوا لولا أنّه الرّب كيف يحيي الموتى . قال فسمع بذلك أمير المؤمنين علیه السلام ، وضاق صدره وأحضرهم وقال : «يا قوم غلب عليكم الشيطان إن أنا إلاّ عبد الله أنعم عليّ بإمامته وولايته ووصيّة رسوله، فارجعوا عن الكفر، فأنا عبد الله وابن عبده ومحمّد خير منى ،وهو أيضاً عبد الله وإن نحن إلاّ بشر مثلكم »، فخرج بعضهم من الكفر وبقي قوم على الكفر ما رجعوا فألخ أمير المؤمنين عليهم بالرّجوع فما رجعوا فأحرقهم بالنّار وتفرّق قوم منهم في البلاد وقالوا: لولا أنّ فيه الرّبوبيّة ما كان أحرقنا بالنّار، فنعوذ بالله من الخذلان (1).
روی نصر بن مزاحم في كتاب صفّين بسنده عن عبد الرّحمن بن عبيد بن أبي الكنود؛ قال : لمّا أراد على علیه السلام الشّخوص من النّخيلة قام في النّاس لخمس مضين من شوال يوم الأَربعاء فقال :
«الحمد الله غير مفقود النّعم، ولا مكافا الأفضال، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، ونحن على
ذلكم من الشاهدين، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلی الله علیه و آله، أمّا بعد ذلكم فإنّي قد بعثت مقدّماتي وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط، حتّى يأتيهم أمري، فقد أردت أن أقطع هذه النّطفة إلى شرذمة منكم موطنون بأكناف دجلة، فأنهضكم معكم إلى أعداء الله إن شاء الله ،وقد أمرت على المصر عقبة بن عمرو الأَنصاري، ولم ألوكم ونفسي ،فإيّاكم والتخلف والتّربص، فإنّي قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي وأمرته أن لا يترك متخلفاً إلا ألحقه بكم عاجلاً إن شاء الله (2)».
از جمله خطب آن حضرت است هنگام رفتن شام، فرموده :
سپاس بی قیاس خداوندی را سزا است هر وقتی که داخل شد شب و رو به تاریکی نهاد و ثناء بي انتها واجب الوجودی را روا است هر وقتی که طلوع نمود ستاره و در غروب افتاد و ستایش بی حد ،معبود به حقی را است در حالتی که نایاب شده نیست احسان او و جزا داده و برابر کرده نیست انعام او .
پس از حمد الهی و شکر نامتناهی، پس به تحقیق فرستادم پیشرو لشکر خود را به جانب صفین و امر کردم ایشان را به لازم شدن و مکث نمودن در این جانب فرات تا این که بیاید به ایشان فرمان من و به تحقیق که مصلحت را در این دیدم قطع کنم آب فرات را ؛ یعنی بگذرم از فرات و متوجه شوم به طرف گروهی اندک از شما در حالتی که وطن گرفته اند آن گروه در کنار شط ،پس برپای کنم ایشان را با و متوجه شوند به سوی عدوی شما و بگردانم ایشان را از مددهای قوت شما در وقت پیدا شدن امارت محاربه .
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الأمُورِ ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلامُ الظُّهُورِ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْن الْبَصِيرِ، فَلا عَينُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ ، ولا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ ، سَبَقَ فِي الْعُلُو فَلاَ شَيْءٍ أَعْلاَ مِنْهُ ، وَقَرُبَ في الدُّنُو فَلا شَيْء أَقْرَبُ مِنْهُ، فَلَا اسْتِعْلاؤُهُ باعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا قُرْبُهُ ساواهُمْ فِي الْمَكانِ بِهِ ، لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يُحْجِبُها عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاما الوُجود ،عَلَى إِقْرَارِ قَلْبٍ ذِي الْجُحُودٍ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ الْمُشَبُهُونَ بِِهِ والجاحِدُونَ لَهُ عُلُوًّا كَبيراً» (1).
(بطنته) أبطنه علمته وأخبرته و (الاعلام) جمع العلم بالتحريك وهو ما يستدل به على الشيء كالعلامة و(لم يطلع )من باب الأفعال يقال أطلعت زيداً على كذا مثل أعلمته وزنا ومعناً و(الجحود) الإنكار يقال جحد حقّه أي أنكره قال الفيومي ولا يكون إلاّ على علم من الجاحد به .
فاعل امتنع محذوف بقرينة المقام أي امتنع رؤيته، وكلمة لا في قوله فلا عين ولا قلب بمعنى ليس، وفي قوله فلا شيء لنفي الجنس وبه متعلّق بقوله ساواهم، وإضافة الواجب إلى معرفته من باب إضافة الصّفة إلى الموصوف ،وعلى إقرار متعلّق بتشهد.
إعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مشتملة على مباحث جليلة من الحكمة الإلهية ومطالب
نفيسة من صفات الربوبية .
الأول: أنّه سبحانه عالم بالخفيّات والسرائر وخبير بما في الصدور والضمائر وإليه الإشارة بقوله (الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور )ويدلّ ذلك على كونه عالماً بالجليات بطريق أولى كما برهن ذلك في الكتب الكلاميّة، وقد حقّقنا الكلام في علمه بجميع الأَشياء ودللنا عليه بطريق النقل والعقل بما لا مزيد عليه في تنبيه الفصل السّابع من فصول الخطبة الأولى ولا حاجة لنا إلى إطناب الكلام في المقام وكفى بما ذكره علیه السلام شهيداً قوله سبحانه :
1) بحار الأنوار: 4/ 308 ح 36 ، وميزان الحكمة : 1926/3.
(عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ) [الجن: 26]. وقوله: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمٌ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا نَكِيبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِي أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: 34] . وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يابِِِِس إلا في كِتَبٍ مُّبِينٍ) [الأنعام: 59]
فإن المراد بالغيب هو الغائب عن الحواس الخفي على الخلق ،وأظهر منها دلالة قوله سبحانه :
وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ وَأَخْفَى7 [طه: 7] .)يعني : لا تجهد نفسك برفع الصوت فإنّك وإن لم تجهر علم الله السر وأخفى من السّرّ، قال الطبرسي : اختلفوا فيما هو أخفى من السّر فقيل : السّرّ ما حدث به العبد غيره في خفية وأخفى منه ما أضمره في نفسه ما لم يحدث به غيره ،وقيل : السّر ما أضمره العبد في نفسه وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد، وروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السّلام: السّرّ ما أخفيته في نفسك وأخفى ما خطر ببالك ثمّ أنسيته (1.)(و الثاني: أنّه تعالى (دلت عليه أعلام الظهور) والمراد بأعلام الظهور الآيات والآثار الدالة على نور وجوده الظاهر في نفسه المظهر لغيره، وإليها الإشارة في قوله سبحانه :)(إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الريح وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 164 [البقرة : 164] . ولا يخفى أنّ الإستدلال بتلك الأَدلة والآيات هو طريق الملّيين وسائر فرق المتكلمين فإنّهم قالوا: إنّ الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون، وهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فالأَجسام كلها حادثة ،وكلّ حادث مفتقر إلى محدث فمحدثها غير جسم ولا جسماني وهو الباري جلّ اسمه دفعاً للدور والتسلسل .
وقريب منها طريقة الطبيعيين وهو الإستدلال بالحركة قالوا: إنّ المتحرك لا يوجب حركة بل يحتاج إلى محرك غيره، والمحرك لا محالة ينتهي إلى محرّك غير متحرّك أصلاً دفعاً للدور والتسلسل، وهو لعدم تغيره وبراءته عن القوة والحدوث واجب الوجود.
وهنا طريقة أخرى أحكم من السابقتين وهو الإستدلال بالفعل على الفاعل وإليه الإشارة
1) بحار الأنوار: 364/83 .
في حديث الزنديق المروي في «الكافي» فإنّه بعد ما سأل أبا عبد الله علیه السلام عن دليل التوحيد وأجاب عنه علیه السلام فكان من سؤاله أن قال :فما الدليل عليه أي على وجوده تعالى؟ فقال أبو عبد الله علیه السلام: «وجود الأفاعيل دلت على أنّ صانعاً صنعها، ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أنّ له بانياً وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده»، قال: فما هو: قال: شيء بخلاف الأشياء .
وإنّما قلنا: إنّ هذه الطريقة أحكم لأنَّه يرجع إلى البرهان اللمي وذلك لأَنّ كون الشيء على صفة قد يكون معلولاً لما ذاته علّة له، ألا ترى أنّ البناء من حيث إنّه بناء لا يعرف إلاّ بالبناء، والكاتب من حيث هو كاتب يدخل في حدّ الكتابة وما يدخل في حدّ الشيء يكون سبباً له وبرهاناً عليه لميا، فذاته تعالى وإن لم يكن من حيث ذاته برهان عليه إذ لا جنس له ولا فصل له ،وما ليس له جنس ولا فصل لا حد له وما لا حد له لا برهان عليه، إلا أنّه من حيث صفاته وكونه مصدراً لأَفعاله ممّا يقدم عليه البرهان ،كقولنا :العالم مصنوع مبني يقتضي أن له صانعاً بانياً، وإذا ثبت أنّ له صانعاً ثبت وجوده في نفسه ضرورة، إذ ثبوت الشيء على صفة في الواقع لا ينفك عن ثبوته في نفسه كما هو ظاهر، وكيف كان فهذه الطرق هي المشار إليها بقوله سبحانه :
(سَنُرِيهِمْ وَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَنَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ ) [فصلت : 53] .
وهي كلها مشتركة في أنّ التوسل فيها إلى معرفته سبحانه إنّما هو باعتبار أمر آخر غيره،
كالإمكان للمهيّة والحدوث للخلق والحركة للجسم.
وهنا طريقة أخرى هي أسد وألطف وأشرف وهي أن يستدل به تعالى عليه ثم يستشهد بذاته على صفاته وأفعاله واحداً بعد واحد وإليها أشار الشارح البحراني بقوله : وأما الإلهيون فلهم في الإستدلال طريق آخر ،وهي أنّهم ينظرون أوّلاً في مطلق الوجود أهو واجب أو ممكن ويستدلون من ذلك على إثبات واجب، ثمّ بالنظر في لوازم الوجوب من الوحدة الحقيقية على نفي الكثرة بوجه ما المستلزمة لعدم الجسمية والعرضيّة والجهة وغيرها، ثمّ يستدلون بصفاته على كيفية صدور أفعاله عنه واحداً بعد آخر .
وظاهر أنّ هذا الطريق أجل وأشرف من الطريق الأول وذلك لأن الاستدلال بالعلة على المعلول أولى البراهين بإعطاء اليقين لكون العلم بالعلة المعينة مستلزماً للعلم بالمعلول المعين من غير عكس.
قال بعض العلماء :وإنّه طريق الصّديقين الذين يستشهدون به لا عليه أي يستدلون بوجوده على وجود كلّ شيء إذ هو منه ولا يستدلون بوجود شيء عليه بل هو أظهر وجوداً من كلّ شيء فإن خفي مع ظهوره ،فلشدّة ظهوره، وظهوره سبب بطونه ،ونوره هو حجاب نوره، إذ كلّ ذرّة من ذرات مبدعاته ومكوناته فلها عدة ألسنة تشهد بوجوده وبالحاجة إلى تدبيره
وقدرته، لا يخالف شيء من الموجودات شيئاً من تلك الشهادات ولا يتخصص أحدها بعدم
الحاجات.
وقال الصدر الشيرازي في «شرح الكافي »: واعلم أنّ للحكماء في إثبات هذا المطلب يعني وجود الصّانع منهجين: «أحدهما»: الإستدلال على وجوده تعالى من جهة النظر في أفعاله وآثاره وثانيهما: الإستشهاد عليه من جهة النظر في حقيقة الوجود وأنّها يجب أن يكون بذاتها محقّقة وبذاتها واحدة وهى ذات الواجب وأنّ ما ذات الواجب وأنّ ما سواه من الأشياء التي لها مهيّات غير حقيقة الوجودية تصير موجودة وأنّ وجودها رشح وتبع لوجوده فدلت ذاته على ذاته.
وإلى هذين المنهجين أشير في الكتاب الإلهي حيث قال الله تعالى :
( سَنُرِِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ) [فصلت : 53] .
هذا منهج قوم وقال : (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدُ) [فصلت: 53].
هذا منهج قوم آخر وهم الصّديقون الذين يستشهدون من ذاته على حقيقة ذاته ومن
حقيقة ذاته على أحدية ذاته كما قال الله تعالى :
(وشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ )[آل عمران : 18] .
ومن أحدية ذاته على سائر صفاته ، ومن معرفة صفاته على كيفية أفعاله الأوائل والثواني واحداً بعد واحد على ترتيب الأشرف والأشرف، إلى أن ينتهي إلى الجسمانيات والمتحركات، ولا شك أنّ هذا المنهج أحكم وأوثق وأشرف وأعلا انتهى كلامه .
فليفهم جيّداً فإنّه غير خال عن إيهام القوم بوحدة الوجود الفاسد عند أهل الشرع كما يأتي تفصيلاً في شرح الكلام المائتين والثامن إن شاء الله تعالى ،وقد قرّر هذا المرام في أوّل السفر الإلهي من كتابه الأََسفار بتقرير أوضح وأبسط ، ولا حاجة بنا إلى ذكره وفيما أوردناه هنا كفاية للمسترشد وهداية للمهتدي.
و فی كلّ شيء له آية*** تدلّ علی أنه واحد
(و) الثالث: أنّه سبحانه (امتنع) رؤيته (على عين البصير) :
(لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103] .
وهذا هو مذهب أصحابنا وفاقاً للمعتزلة ،وعليه دلت الآيات الكريمة والبراهين المتينة
والأخبار المتواترة عن أهل بيت العصمة سلام الله عليهم، ولنقتصر منها على رواية واحدة .
وهو ما رواه في «الكافي »بإسناده عن أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث علیه السلام أسأله عن الرؤية وما اختلف فيه النّاس . قال :« فكتب لا يجوز الرؤية ما لم يكن
بين الرّائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئي لم يصحّ الرؤية وكان في ذلك الاشتباه، لأَن الزائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان ذلك التشبيه لأنّ الأسباب لا بدّ من اتصالها بالمسببات» (1)وهذه الرواية كما ترى دالة على إمتناع الرّؤية بوجهين أحدهما: أن من شرائط تحقق الرؤية وجود الهواء أو ما يجري مجراه كالماء الصافي ونحوه بين الرائي والمرئي لتنفذ فيه شعاع البصر ويتّصل بالمبصر فإذا انقطع الهواء عنهما أو عن أحدهما امتنعت الرّؤية الثاني : لو
جاز رؤيته سبحانه لزم كونه مشابهاً لخلقه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .
وإليه أشار علیه السلام بقوله : «وكان في ذلك الإشتباه »،يعني :في كون الهواء بين الرائي والمرئي الإشتباه يعني شبه كل منهما بالآخر يقال إشتبها إذا شبه كلّ منهما الآخر لأنّ الرّائي متى ساوى المرئي وماثله في النّسبة إلى السبب الذي أوجب بينهما الرؤية وجب الإشتباه ومشابهة أحدهما الآخر في توسط الهواء بينهما .
وكان في ذلك التشبيه أي كون الرّائي والمرئي في طرفي الهواء الواقع بينهما يستلزم الحكم بمشابهة المرئي بالرّائي من الوقوع في جهة ليصح كون الهواء بينهما فيكون متحيزاً ذا صورة وضعية فإنّ كون الشيء في طرف مخصوص من طرفي الهواء و توسط الهواء بينه وبين شيء آخر سبب عقلي للحكم بكونه في جهة ومتحيز أو ذا وضع، وهو المراد بقوله : لأنّ الأسباب لا بدمن اتصالها بالمسببات فقد تحقّق واستبان من ذلك امتناع رؤيته سبحانه مطلقاً في الدنيا والآخرة .
وظهر بطلان ما ذهبت إليه الأَشاعرة من إمكان رؤيته منزهاً عن المقابل والجهة والمكان كما قال عمر النسفي وهو من عظماء الأشاعرة :ورؤية الله جائزة في العقل واجبة بالنقل فيرى لا في مكان ولا على جهة من مقابلة أو إتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرائي وبين الله
تعالى.
وقوله : فيرى لا في مكان (آ ه) ناظر إلى منع اشتراط الهواء بين الرائي والمرئي واشتراط الجهة والمكان كما استدل به الباقون للرؤية ،وتوضيح هذا المنع ما ذكره الغزالي في محكي کلامه من كتابه المسمّى ب«الاقتصاد في الإعتقاد»، فإنّه بعد ما نقل استدلال أهل الحقّ في نفي الرّؤية من أنه يوجب كونه تعالى في جهة وكونه في جهة يوجب كونه عرضاً أو جوهراً جسمانياً وهو محال .
قال : إن أحد الأصلين من هذا القياس مسلّم وهو أن كونه تعالى في جهة يوجب
1) الكافي: 1/ 97 ح 4 ، والتوحيد : 109 ح 7.
المحال، ولكن الأَصل الأَوّل وهو ادعاء هذا اللازم على اعتقاد الرّؤية ممنوع فنقول : لم قلتم أنّه إن كان مرئياً فهو في جهة من الرّائي أعلمتم ذلك ضرورة أم بنظر ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، وأما النظر فلا بد من بيانه ومنتهاه أنهم لم يروا إلى الآن شيئاً إلا وكان بجهة من الرائي مخصوصة، ولو جاز هذا الإستدلال لجاز للخصم «للمجسم خ ل »أن يقول : إنّ الباري تعالى جسم لأنّه فاعل فإنّا لم نر إلى الآن فاعلاً إلا جسمياً، وحاصله يرجع إلى الحكم بأن ما
شوهد وعلم ينبغي أن يوافقه ما لم يشاهد ولم يعلم .
أقول: وهذا معنى قول التفتازاني في «شرح العقائد النسفية» في هذا المقام من أن قياس الغائب على الشاهد فاسد هذا ،وغير خفي على الفطن العارف فساد ما زعموه ،إذ دعوى كون المرئي بهذا العين مطلقاً يجب أن يكون في جهة ليست مبنية على أنّ المرئيات في هذا العالم لا يكون إلاّ في جهة حتّى يكون من باب قياس الغائب على الشاهد، بل النظر والبرهان يؤدّيان إليه .
بيان ذلك على ما حقّقه بعض المحققين ،هو أنّ القوة الباصرة التي في عيوننا قوّة جسمانية وجودها وقوامها بالمادّة الوضعيّة ،وكل ما وجوده وقوامه بشيء فقوام فعله وانفعاله بذلك الشيء إذ الفعل والإنفعال بعد الوجود والقوام وفرعه، إذ الشيء يوجد أوّلاً إمّا بذاته أو بغيره، ثمّ يؤثر في شيء أو يتأثر عنه، فلأجل هذا نحكم بأن البصر لا يرى إلا لما له نسبة وضعية إلى محل الباصرة، والسامعة لا تنفعل ولا تسمع إلاّ ما وقع منها في جهة أو أكثر فهذا هو البرهان .
ثم إنّه علیه السلام بعد ما نبّه على إمتناع رؤيته سبحانه أردف ذلك بجملتين .
إحداهما قوله : (فلاعين من لم يره تنكره )مشيراً بذلك إلى ردّ ما ربما يسبق إلى الوهم في باديء الرّأي من أن العين إذا امتنع عليها رؤيته فلا بدّ من إنكارها له ،ومحصل دفع ذلك التوهم أنّ عدم الرؤية لا يستلزم الإنكار ،إذ آيات القدرة وعلامات المقدرة وآثار العظمة من الآفاق والأنفس شاهد حقّ على وجوده وبرهان صدق على ذاته، فكيف يمكن من هذه الآيات الظاهرة والبراهين الساطعة الإنكار بمجرّد عدم الإبصار، مضافاً إلى أنّ حظ العين أن يدرك بها ما صح إدراكه فأما أن ينفي بها ما لا يدرك من جهتها فلا ،ويأتي تحقيق الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الرّابعة والستين إن شاء الله تعالى .
والثانية قوله علیه السلام: (ولا قلب من أثبته ببصره )مريداً بذلك تأكيد امتناع الإحاطة به وبيان عجز العقول عن الوصول إلى كنه حقيقته، فإن معنى الإبصار هو الإدراك على وجه الاكتناه، فالمقصود أن المثبت لا يمكن له أن يعرفه بقلبه معرفة ضرورية وأن يحيط به إحاطة تامّة.
ولما كان الإبصار حقيقة في الرؤية بالعين المستلزمة للإحاطة بالعلم والعرفان الضروري
فأطلق لفظ يبصر وأريد به ذلك مجازاً من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم .
بيان ذلك أن إثباته تعالى بالقلب الذي هو عبارة أخرى عن الإيمان به ممّا يضعف ويشتد وينقص ويكمل ويكون في مبدأ اكتسابه ضعيفاً ناقصاً، ثمّ يتدرج بمزاولة الأَفكار والأَعمال ويشتد شيئاً فشيئاً ويستكمل قليلاً قليلاً كما يقع للفحم بمجاورة النّار يتسخن أوّلاً تسخناً قليلاً، ثم يشتد تسخّنه حتّى يحمرّ، ثمّ يتنوّر ثمّ يضيء ويحرق، ويفعل كما يفعله النّار من التّسخين والإضاءة والإحراق، فهكذا يشتدّ نور العلم وقوّة الإيمان حتّى يصير العلم عيناً، والإيمان عياناً ،والمعرفة تنقلب مشاهدة ولهذا قيل إنّ المعرفة بذر المشاهدة.
ولكن يجب أن يعلم أن العلم إذا صار عيناً لم يصر عيناً محسوساً، وأن المعرفة إذا انقلب مشاهدة لم ينقلب مشاهدة بصرية حسية لأَن الحس والمحسوس نوع مضاد للعقل والمعقول لا يمكن لشيء من أفراد أحد النوعين المضادين أن ينتهي في مراتب استكمالاته واشتداداته إلى شيء من أفراد النوع الآخر فالإبصار إذا اشتدّ لا يصير تخيلاً مثلاً، ولا التّخيل إذا اشتدّ يصير تعقلاً ولا بالعكس.
نعم إذا اشتدّ التّخيل يصير مشاهدة ورؤية بعين الخيال لا بعين الحس وكثيراً ما يقع الغلط من صاحبه أنّه رأى بعين الخيال أم بعين الحس الظاهر كما يقع للمجانين والكهنة وكذا التعقل إذا اشتدّ يصير مشاهدة قلبية ورؤية عقليّة لا خيالية ولا حسية ،وهذا هو معنى الإبصار بالقلب على ما ثبت في بعض الأخبار .
وهو ما رواه في «الكافي» عن أبي جعفر علیه السلام في جواب الزجل الخارجي الذي قال له : أي شيء تعبد ؟ قال : الله ، قال : رأيته؟ قال علیه السلام:« بل لم تره العيون بمشاهدة الإبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » (1).
فإنّ المراد برؤية القلوب له هو إدراك العقول القدسيّة له بالأنوار العقلية الناشئة من الإيمان والإذعان الخالص فإن الإيمان إذا اشتد حسبما ذكرنا حصل في القلب نور يشاهد به الرّب كمشاهدة العيان ،وسيأتي لهذا مزيد توضيح وتحقيق في مقامه المناسب إن شاء الله .
فإن قلت : فكيف يجتمع ذلک مع كلامه علیه السلام الذي نفى فيه الإبصار .
قلت : لعلك لم تتأمل فيما حققناه حقّ التأمل إذ لو تأملته عرفت عدم التدافع بين الخبرين لعدم رجوع النفي والإثبات فيهما إلى شيء واحد إذ الإبصار المنفي في حقّه هو إدراكه على وجه الإحاطة ومعرفته حقّ المعرفة ،كما قال صلوات الله عليه : ما عرفناك حقّ معرفتك، والرؤية المثبتة في خبر أبي جعفر علیه السلام هو إدراكه لا على وجه الإحاطة، بل غاية ما
1) الكافي: 1/ 97 ح 5 ، والأمالي : 352 ح427.
يمكن أن يتصور في حقّ العبد التي هي أشدّ مراتب الإيمان وأكمل درجاته، ويأتي لذلك الخير توجيهات أخر في شرح الكلام المائة والثامن والسّبعين إن شاء الله .
فإن قلت :هل لك شاهد من الأخبار على حمل الإبصار المنفي في كلامه على المعنى
الذي ذكرت؟
قلت: نعم وهو ما رواه في «الكافي» بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي
عبد الله علیه السلام في قوله تعالى :
(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: 103] .
قال : إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله :
( وقد جاءَكُم بَصَارُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ [الأنعام: 104]
ليس يعني به بصر العيون.
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ [الأنعام: 104] . ليس يعنى من أبصر بعينه :
(وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ [الأنعام: 104] .
ليس يعني عمى العيون إنّما عني إحاطة الوهم كما يقال فلان بصير بالشعر، وفلان بصير
بالفقه، وفلان بصير بالدّراهم ،وفلان بصیر بالثیاب الله أعظم من أن يرى بالعين .
فإنّ السائل لمّا توهّم كون المراد بالآية نفي الرّؤية المعتادة بهذا البصر الحسي نبّه علیه السلام على أن المراد بها ليس ذلك، لأَنه أمر مستغنى عنه ،وذاته تعالى أجل من أن يحتمل في حقّه ذلك حتّى يصير الآية محمولة عليه، بل المراد نفي إحاطة الوهم به عنه، وأن الأبصار ليست ههنا بمعنى العيون بل بمعنى العقول والأَوهام على ما وردت في الآيات واشتهر إطلاقها عليها بين أهل اللسان .
ومثله ما رواه أيضاً عن محمّد بن بن يحيى، عن أحمدبن محمّد، عن أبي هاشم الجعفري
عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال : سألته عن الله هل يوصف،فقال: «أما تقرأ القرآن »قلت ،بلى قال : أما تقرأ قوله تعالى :
(ولَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَر ) [الأنعام: 103] .
قلت: بلى ،قال : فتعرفون الأبصار ،قلت :بلى ،قال ما هي؟ قلت: أبصار العيون ،
قال : إنّ أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأَوهام (1).
1) الكافي: 99/1 ح 10 .
قال المحدّث المجلسي في «مرآة العقول»: والمراد بأوهام القلوب إدراك القلوب بإحاطتها به، ولما كان إدراك القلوب بالإحاطة لما لا يمكن أن يحاط به وهما عبر علیه السلام عنه بأوهام القلوب.
هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام ويحمل عليه كلام الإمام علیه السلام، وأما ما ذكره الشارح البحراني من أنّ المراد بقوله : ولا قلب من أثبته يبصره، أنّ من أثبته مع كونه مثبتاً له بقلبه لا يبصره فبعيد لفظاً ومعنى فافهم جيداً.
(و) الرابع: أنه سبحانه (سبق في العلق) وتقدّم على من عداه (فلا شيء أعلا منه) والمراد بالعلوّ العلق العقلي لا الحِسّي تعلق السّماء بالنسبة إلى الأرض: ولا التخييلي كما للملك بالنسبة إلى الرعية، إذ الأوّل مقصور في المحسوسات والمتحيّزات والثاني متغيّر بحسب الأشخاص والأوقات، وهو سبحانه منزّه عن الحس والمكان ومقدس عن الكمال الخيالي القابل للزيادة والنقصان، فله الفوقية المطلقة والعلق العقلي.
وذلك أن أعلى مراتب الكمال هو مرتبة العلية ولما كان الأوّل تعالى مبدأ كلّ شيء حسّي وعقلي وعلته التي لا يتصوّر فيها النقصان بوجه لا جرم كان مرتبته أعلى المراتب العقلية مطلقاً، وله الفوق المطلق في الوجود العاري عن الإضافة إلى شيء دون شيء، وعن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه أو في مرتبته ما يساويه فهو المتفرّد بالفوقية المطلقة والعلوّ المطلق لا يلحقه فيهما غيره.
ويحتمل أن يكون المراد بالعلوّ العلق بالقدرة والقهر والغلبة أو بالكمال والإنصاف بالصفات الحسنة وتماميته بالنسبة إلى كلّ شيء ونقص الكلّ بالنسبة إليه فكلّ متوجّه إلى فوق ما عليه متوجّه إليه، فهو فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه ومرجع ذلك كله إلى كمال رتبة وجوده وشدّة نوره.
(و) الخامس : أنه جلت عظمته (قرب في الدنو) إلى من سواه (فلا شيء أقرب منه) إليهم، ولما كان السبق في العلق مستلزماً للبعد عن الغير حسن المقابلة بينه وبين القرب في الذنو، وكما أنّ علوه على خلقه كان علوّاً ،عقليّاً، فكذلك قربه إليه قرب عقلي وهو القرب بالعلم والإحاطة أو القرب بالزحمة ،والإفاضة ، فهو الذي لا يعزب عن علمه شيء وأقرب إلى الناس من حبل الوريد.
ولمّا كان قربه إلى الأشياء وإلى الخلق بهذا المعنى لا يكون له منافاة لبعده عنهم اللازم من علوّه، فهو سبحانه في كمال علوّه عليهم وبعده عنهم من حيث الذات والصفات منهم قريب، وفي كمال قربه منهم ودنوّه إليهم من حيث العلم والإحاطة عنهم بعيد لأنّ النور كلّما كان أشد وأقوى كان مع علوّه وبعده أقرب وأدنى.
واعتبر ذلك بنور الشمس وهي في السماء الرابعة وبنور السّراج والمشعل وهو عندك في وجه الأرض فانظر أيهما أقرب منك حتى تعلم أن أعلى الموجودات شرفاً ونوراً يجب أن يكون أقربها منك .
وحيث إنّ علوّه سبحانه لم يكن علوّاً حسيّاً ولا فوقيته فوقية مكانيّة (فلا) يكون (استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه) بعداً مكانياً وإن كان بعيداً منهم بمقتضى علوّه العقلي ومتباعداً عن عقولهم بسبب ارتفاعه الذاتي (و) حيث إن قربه من الخلق لم يكن قرباً حسياً ولا دنوّه دنوّاً مكانياً ف (لا) يكون (قربه) منهم (ساواهم في المكان به) .
والمقصود بهاتين الجملتين ردّ توهم أولى الأوهام الناقصة والأذهان القاصرة الذين لم يفهموا من العلق إلا الحسي المستلزم للتباعد، ولم يعرفوا من القرب إلا المكاني المستلزم لمساواة المتقاربين في المحل وقد عرفت هنا وفي شرح الفصل الخامس والسادس من الخطبة الأولى في بيان معنى قوله : ومن قال علام فقد أعلا منه وقوله : مع كلّ شيء لا بمقارنة بطلان هذا التوهم بما لا مزيد عليه .
وأقول الآن تأكيداً لما سبق وتوضيحاً لما هنا إنّه روي في «الكافي» في باب الحركة والإنتقال بإسناده عن يعقوب بن جعفر الجعفري عن أبي إبراهيم علیه السلام قال : ذكر عنده قوم يزعمون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فقال إن الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل إنّما منظره في القرب والبعد سواء ، لم يبعد منه قريب ولم يبعد منه بعيد ولم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه، وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم، الحديث.
أقول : لمّا كان زعم بعض العامة أنّ الله سبحانه مكاناً أعلى الأمكنة وهو العرش وأنه ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ليقرب من أهل الأرض ويناديهم بما أراد، ردّ زعمهم بأنّه تعالى لا ينزل ولا حاجة له إلى أن ينزل وذلك لأن المتحرك من مكان إلى مكان إنّما يتحرّك لحاجته إلى الحركة، حيث إن نسبة جميع الأمكنة إليه ليست نسبة واحدة بل إذا حضر له مكان أو مكاني غاب عنه مكان أو مكاني آخر، وإذا قرب من شيء بعد من شيء آخر، فيحتاج في حصول مطلوبه الغائب إلى الحركة إليه والله تعالى لما لم يكن مكانياً كانت نسبته إلى جميع الأمكنة والمكانيات نسبة واحدة وليس شيء أقرب إليه من شيء آخر ولا أبعد ولا هو أقرب إلى شيء من شيء آخر ولا أبعد، ونظره في القرب والبعد أي فيما يتصوّر فيه القرب والبعد بالنظر إلى عالم الحواس وأوهام الخلق سواء لا تفاوت فيه أصلاً.
وفيه أيضاً عن عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله تعالى :
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5].
فقال : استوى في كلّ شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء، لم يبعد منه بعيد ولم يقرب
منه قريب، استوى في كلّ شيء .
وعن ابن أذينة عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى :
(ما يكُونُ مِن تَجَوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) [المجادلة : ] .
«فقال هو واحد واحديّ الذات، باين من خلقه، وبذلك وصف نفسه وهو و بكلّ شيء محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بالإحاطة والعلم لا بالذات لأن الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة فإذا كان بالذات لزمها الحواية» .
توضیح جوابه علیه السلام إنّ وحدته سبحانه وحدة ذاتيّة لا عددية حتى ينافي الكثرة وكونه رابعاً لثلاثة وبعينه سادساً لخمسة باين من خلقه وتباعد عنهم لا مباينته من حيث التشخصات والأوضاع، وتباعداً من حيث الأمكنة والحيزات، وإنما مباينته من حيث الذات وعدم مشاركتهم له في شيء من الصفات فهو تام كامل وهم ناقصون محتاجون إليه وبه تمامهم وغنائهم، وبذلك التباين، وصف نفسه وقال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ) [الشورى: 11] وهو بِكُلِّ شَيْءٍ تُحيطا [النساء : 126] لا يخلو منه شيء من الأشياء.
وإحاطته إنّما هو بالإشراف والإطلاع وإحاطة العلم والقدرة فمثال إحاطته بكل شيء كمثال علم أحد منا بأشياء كثيرة متباينة الوضع من جهة العلم بأسبابها ومبادئها، لكن علمه عين ذاته وعلمنا زائد على ذاتنا وعلمه تامّ ولكلّ شيء، وعلمنا ناقص وببعض الأشياء، وكما لا يلزم من علمنا بتلك الأشياء حصول شيء واحد بالعدد في أماكن متباينة الوضع، فكذلك لا يلزم فيه بل ذاته أشد إحاطة وأوسع علماً .
وهو معنى قوله علیه السلام : لا بالذات، يعني أن عدم عزوب شيء من الأشياء لأشياء عنه باعتبار الإحاطة العلمية لا باعتبار حصول ذاته في مكان قريب من مكانه، لأن الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة عدها أربعة مع كونها ستة لأنّ القدام والخلف واليمين والشمال لما كانت غير متحيّزة إلا باعتبار عد الجميع عدين وعد الفوق والتحت حدين فصارت أربعة والمعنى أنه لو كان عدم بعد شيء عنه باعتبار كون ذاته في مكان قريب منه لزم احتواء المكان عليه كالمتمكن وكونه محاطاً بالمكان تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً، وبذلك التحقيق ظهر معنى قوله علیه السلام : ولا ،قربه ساواهم في المكان به .
والسادس: أنه تعالى شأنه (لم يطلع العقول على تحديد صفته) إذ ليس لصفاته الكمالية
التي هي عين ذاته حدّ يحدّ به ذاته حد يحد به حتى يمكن للعقول الاطلاع عليه .
بيان ذلك : أن الحد يراد به أحد معنيين أحدهما القول الشارح لمهية الشيء المؤلف
من المعاني الذاتية المختصة إما بحسب الحقيقة أو بحسب الاسم الثاني: النهاية والطرف، وكلاهما منفيان عنه سبحانه .
أما الحد بالمعنى الأوّل فلان ذاته غير مؤلف من معاني وأمور ذاتية ولا تركيب فيها
أصلاً بشيء من أنحاء ،التركيب بل هو بسيط الذات من جميع الجهات وصفاته عين ذاته ووجودها وجود ذاته فليس لصفاته حد به تحذ حتى يصح اطلاع العقول عليه .
وأما الحد بالمعنى الثاني فلان التناهي واللاتناهي إنما يوصف بهما أولاً وبالذات المقادير والأعداد وإذا وصف بها شيء آخر كان إما باعتبار تعلقه بالكميات وإما باعتبار ترتبها أو ترتب ما يوصف بها على ذلك الشيء، والله سبحانه أجلّ من ذلك وإلا لزم كونه محلاً للحوادث مضافاً إلى أنه لو كان له حد معين ونهاية معيّنة لزم احتياجه إلى علة محدّدة قاهرة إذ طبيعة الوجود بما هو وجود لا يقتضي حداً خاصاً، ويلزم من ذلك أي من وجود العلة المتباينة القاهرة أن يكون لخالق الأشياء كلّها من خالق محدّد فوقه، وهو محال .
(و) السابع: أنّه سبحانه (لم يحجبها ) أي لم يجعل العقول محجوبة (عن واجب معرفته) بل قد وهب لكلّ نفس قسطاً من معرفته هو الواجب لها بحسب استعدادها لقبوله ولولا ذلك لكان تكليفهم بالأصول والفروع تكليفاً بما لا يطاق .
ولذلك قال الصادق علیه السلام : «ليس الله على خلقه أن يعرفوا وللخلق على الله أن يعرفهم والله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا ».
وفي رواية «الكافي عن إبراهيم عمر اليماني قال : سمعت أبا عبد الله يقول : إن أمر الله كله عجيب إلا أنه قد احتج عليكم بما عرفكم من نفسه، يعني أن معرفة ذاته وصفاته الحقيقية كما هي فوق إدراك كلّ أحد تكلّ العقول والأذهان وتبهر الألباب عن کنه جلاله وغور عزّه وكماله إلا أنه مع ذلك لكلّ أحد نصيب عن لوامع إشراقات نوره قل أو أكثر، فله الحجّة على كلّ أحد بما عرفه من آيات وجوده ودلائل صنعه وجوده فوقع التكليف بمقتضى المعرفة والعمل بموجب العلم (1).
(فهو الذي تشهد له أعلام الوجود) وآيات الصنع والقدرة (على إقرار) قلب كل أحد حتى قلب ذي الجحود لأنّ الجاحد وإن كان يجحده متابعة لرأيه وهواه إلا أنه لو تدبّر في آثار القدرة والجلال وإعلام العظمة والكمال لارتدع عن رأيه وهواه ورجع عن جحده وإنكاره، وأذعن بوجود الإله فلا يعبد معبوداً ،سواه، لكفاية تلك الآثار في الشهادة، وتمامية هذه الأعلام في الهداية والدلالة كما قال سبحانه :
1) الكافي: 1/ 86 ح3 ، وميزان الحكمة : 1890/3
(وَلَئِن سَأَلَتَهُم مِّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ وَلَين سَأَلَتَهُم مَّن نَزَلَ مِن السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) [العنكبوت : 61 - 63] .
وفي «الكافي» بإسناده عن أبي سعيد الزهري عن أبي جعفر علیه السلام قال: «كفى لأولي الألباب بخلق الرّب المسخّر، وملك الربّ القاهر، وجلال الربّ الظاهر، ونور الربّ الباهر وبرهان الرب ،الصادق وما أنطق به ألسن العباد وما أرسل به الرسل وما أنزل على العباد دليلاً على الرب عز وجل» (1).
قال بعض شراح الحديث : ذكر علیه السلام ثمانية أمور كل منها كاف لذوي العقول دليلاً على وجود الربّ أحدها خلقه المسخّر له. وثانيها : ملكه القاهر على كلّ مالك ومملوك وثالثها: جلاله الظاهر من عظائم الخلقة وبدائع الفطرة كالأجرام العالية والنفوس وغيرها ورابعها : نوره الغالب على نور كلّ ذي نور وحس كل ذي حس وشعور وخامسها: برهانه الصادق وهو وجود آياته الكائنة في السموات والأرض وسادسها: ما أنطق به ألسن العباد من العلوم والمعارف وغيرهما وسابعها ما أرسل به الرسل من الشرائع والأحكام والسياسات والحدود، وثامنها : ما أنزل على العباد من الصحائف الإلهية والكتب السماوية.
ف( تعالى الله عما يقول المشبهون به والجاحدون له علواً كبيراً) والمراد بالمشبهين المشبهون للخلق بالخالق، وهم المشركون الذين جعلوا الله شركاء وقالوا : إنّه ثالث ثلاثة، ونحو ذلك وبالجاحدين المنكرون للصانع، وليس المراد بالمشبهين المشبهة المعروفة أعني الذين شبهوه سبحانه بخلقه كالمثبتين له تعالى أوصافاً زائدة على الذات، والمجوّزين في حقه الرؤية والمكان ونحوهما والمثبتين له الأعضاء والجوارح إلى غير هذه ممّا هو من صفات الممكن.
وبالجملة المراد المشبّهون به كما هو صريح كلامه علیه السلام لا المشبّهون له بخلقه على ما توهمه الشارح البحراني .
واعلم أن المشتبهين به أوله مقرون به سبحانه صريحاً وجاهدون له لزوماً إذ المعنى الذي يتصوّرونه إلها ويجعلونه له شركاء أو يجوزون في حقه ويثبتون له صفات الممكن ليس هو نفس الإله والجاحدين منكرون له صريحاً معترفون به لزوماً واضطراراً على ما حققناه آنفاً شرح قوله : فهو الذي يشهد له أعلام الوجود (آ ه) وكلا الفريقين جاحدان له في الحقيقة وإن كانا يفترقان في الإعتراف باللسان.
1) الكافي: 82/1 ، وفتح القدير : 337/3 .
از جمله خطبههای شریفه آن حضرت است:
حمد و ثنا مرخدای را سزا است که عالم است به باطن امور پنهانی و خبیر است به جمیع اشیاء نهانی و دلالت کرده بر وجود او علامات ظاهره قدرت و آیات باهره عظمت و ممتنع و محال شده دیدن او بر چشم بینا، پس پس نه چشم کسی که او را ندیده انکار ذات او بتواند بنماید و نه قلب کسی که اثبات وجود او را کرده احاطه و ادراك تام وجود او را دارد پیشی گرفته در بلندی به ،مخلوقات پس هیچ چیز عالی مرتبه بلندتر از او نیست و قریب است در نزدیکی به مخلوقات پس هیچ چیز نزديك تر از او نیست.
پس نه بلندی او دور میگرداند او را از چیزی از مخلوقات و نه نزدیکی او مساوی نموده ایشان را با او در مکان و جهات و مطلع نگردانیده عقلها را بر تعریف صفات خود و ممنوع نگردانیده عقلها را از واجب شناخت خود، پس او کسی است که گواهی میدهد از برای او نشانها وجود بر اقرار کردن دل صاحب انکار و جحود پس بلند است حق سبحانه و تعالی و منزه است از آن چه گویند تشبیه کنندگان خلایق به او و انکار کنندگان وجود او بلندی بزرگ ؛ یعنی او برتر است از اقوال باطله مشرکین و عقاید فاسده منكرين .
ورواها ثقة الإسلام الكليني عطر الله مضجعه في «أصول الكافي» وفي كتاب «الروضة»
أيضاً مسندة بالسندين الآتين باختلاف يسير في الأول ومبسوطة في الثاني.
«إِنَّما بَدْ وُقُوع الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ ، وأحكام تُبْتَدَعُ ، يُخالف فيها كِتابُ اللهِ، ويَتَوَلَّى عَلَيْها رِجالٌ رِجَالاً عَلى غَيرِ دينِ اللهِ، فَلَوْ أَنَّ الْباطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزاج الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتادينَ ، ولَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْس الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هذا ضِغَتُ ومِنْ هذا صِغَتْ فَيُمْزَجانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَولِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْى» (1).
(البدء) بفتح الباء وسكون الدال والهمزة أخيراً بمعنى الأوّل وبمعنى الإبتداء أيضاً يقال
بدأت بالشيء بدأ أي أنشأته إنشاء، ومنه بدأ الله الخلق أي أنشأهم و(الفتن) جمع الفتنة وهو الإختبار والامتحان تقول : فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر جودته، وقد أكثر استعمالها فيما يقع به الإختبار كما في قوله تعالى :
( إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ) [الأنفال: 28] .
ثمّ أكثر استعمالها في الإثم والكفر والصّلال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء كذا حكى عن النهاية و(البدعة) اسم من ابتدع الأمر أي ابتدأه ثمّ غلب على ما هو زيادة في الدين أو نقصان منه و (التولي) الإتباع ومنه قوله سبحانه وَمَن يَتَوَكَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة : 51] .
أي من يتبعهم و(المزاج) ككتاب ما يمزج به قال سبحانه :
(كان مزَاجُهَا كَافُورًا) [الإنسان : 5] وقال الشاعر :
كان سبيئة من بيت رس***يكون مزاجها عسل وماء
و(الإرتياد) الطلب والمرتاد الطالب و(الضّغث) قبضة حشيش مختلط رطبها بیابسها ويقال ملاء الكف من قضبان أو حشيش أو شماريخ وفي التنزيل:
(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِعْنَا فَأَضْرِب بِهِ وَلَا تَخَنَتْ) [ ص: 44] .
1) الأصول الستة عشر : 25 ، والأصول الأصيلة: 125 .
جملة : تتبع وتبتدع مرفوعة المحل على الوصفية وجملة: يخالف ويتولى إما في محل الرفع على الوصف أيضاً أو في محلّ النصف على الحالية، وقوله: على غير دين الله، متعلق بالمقدر، وهو إما حال من رجالا أو صفة له وإضافة المزاج إلى الحق بيانية .
اعلم أنّ مقصوده بهذه الخطبة هو توبيخ الخلق على متابعة الأهواء المبتدعة والآراء المضلة ، وعلى مخالفة الكتاب القويم والعدول عن الصراط المستقيم المؤدي إلى وقوع الفتن وفساد نظم العالم كما قال علیه السلام: (إنما بدء وقوع الفتن) والضلالات (أهواء) مضلة (تتبع وأحكام) مباطلة ( تبتدع) التي يخالف فيها أي في تلك الأحكام (كتاب الله) إذ الأحكام المبتدعة خارجة من الكتاب والسنة مخالفة لهما، لما قد عرفت سابقاً أن البدعة عبارة عن إدخال ما ليس من الدين في الدين فهي لا محالة مخالفة لأصول الشريعة المستفادة من الكتاب والسنة .
ومن ذلك أن يونس بن عبد الرحمن لما قال لأبي الحسن علیه السلام: بما أوحد الله؟ قال له : «يا يونس لا تكونن مبتدعاً من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه ،ضل، ومن ترك كتاب
الله وقول نبيه كفر» (1).
فإنّ المستفاد منه أن في العمل بالرأي ومتابعة الهوى مخالفة لكتاب الله وعدولاً عن سنة رسول الله ( ويتولى فيها رجال رجالاً على غير دين الله) أي يتخذ طائفة من المائلين إلى تلك الأهواء الزائفة والآراء الباطلة طائفة أخرى من أمثالهم أولياء ونواصر لهم، فيتبعونهم ويحبونهم تربية لأهوائهم الفاسدة وتقوية لبدعهم الضالة .
ثمّ أشار علیه السلام إلى أن أسباب تلك الآراء أيضاً إنّما هي امتزاج المقدمات الحقة بالباطلة في الحجج التي يستعملها المبطلون في استخراج المجهولات ونبة على ذلك بشرطيتين
متصلتين .
إحداهما: قوله (فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين) وجه الملازمة أن مقدّمات الشبهة إذ كانت كلها باطلة أدرك طالب الحق بطلاتها بأدنى سعي ولم يخف عليه فسادها مثال ذلك قول قوم من الباطنية : الباري تعالى لا موجود ولا معدوم وكل ما لا يكون موجوداً ولا معدوماً يصح أن يكون حياً قادراً، فالباري تعالى يصح أن يكون قادراً
1) الكافي: 12 / 56 ح 11 ، ووسائل الشيعة : 27/ 40 ح 8.
فهاتان المقدمتان جميعاً ،باطلتان ولذلك صار هذا القول مرغوباً عنه عند العقلاء.
والأخرى قوله : ( ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين) لأنّ المقدمات إذا كانت صحيحة حقة كانت النتيجة حقاً، وانقطع عنها اللجاج والعناد، كقولنا: العالم حادث وكلّ حادث محتاج إلى المحدث فالعالم محتاج إلى المحدث، ولكن لما لم يخلص الباطل من المزاج ولم يمحض الحق من الإلتباس بل امتزج الباطل بالحق واختلاط الحق بالباطل وتركبت القضايا من المقدمات الحقة ،والباطلة مثل ما قال المدعون للرؤية : الباري تعالى موجود وكل موجود يصح أن يكون مرئياً فالباري تعالى يصح أن يكون مرئيّاً، لا جرم خفى الأمر على الطالب المرتاد وكثر لذلك اللجاج والعناد .
وهذا هو معنى قوله : ( ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان) أي الضغثان (فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه) ويغلب على أتباعه وأحبائه ويجد مجالاً للإضلال والإغواء ويزين لهم إتباع الآراء والأهواء، فأولئك سيجدون قبائح أعمالهم وعقائدهم وهم عليها واردون وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
(و) أما العارفون بالله بعين الحقيقية والسالكون لسبيله بنور البصيرة ف- (-ينجو)ن من ذلك ويتخلصون من المهالك وهم (الذين سبقت لهم من الله الحسنى) والعناية الأزلية وقادتهم التوفيقات الربانية وهؤلاء عن النار مبعدون وأولئك في الجنة هم خالدون .
واعلم أن ما ذكرته في شرح المقام إنّما هو جرياً على ما هو المستفاد من ظاهر كلامه علیه السلام المسوق على نحو العموم والإطلاق، والذي ظهر لي منه بعد النظر الدقيق خصوصاً بملاحظة الزيادات الآتية في رواية «الروضة» هو و أن أن غرضه بذلك الطعن على المتخلفين الغاصبين للخلافة والتابعين لهم وعلى من حذا حذوهم من الناكثين والقاسطين والمارقين وأضرابهم، فإنّهم أخذوا بظاهر أحكام الشريعة ودسوا فيها بدعاتهم الباطلة الناشئة من متابعة أهوائهم المضلة، فخلطوا عملاً صالحاً بآخر سيئاً وصار ذلك سبباً لافتتان الناس بهم واتباع أفعالهم وأقوالهم واشتباه الأمر عليهم .
لأن كل باطل وكذب ما لم يكن فيه شبه حق وصدق لا يقبله ذو عقل وحجى كما أن كل مزيف كاسد ما لم يكن مغشوشاً بنقد رائج لا يصير رائجاً في سوق ذوي الأبصار إذ التميز بين الذهب والنحاس والفضة والرصاص ممّا لا يخفى على ذوي العقول السليمة .
لأنّ الباطل الصرف لاحظ له في الوجود ولا يقع في توهم ذوي العقول إلا إذا اقترن بشبه الحق، ولا الكذب المحض ممّا يصدق به ذو عقل إلا إذا امتزج بالصدق فلما حصل الامتزاج والاختلاط واشتبكت الظلمة بالنور التبس الأمر على النّاس فأضلهم الشيطان وزين لهم أعمالهم فصدوا عن سبيل الدين وانحرفوا عن الإمام المبين، فارتد كلهم أجمعون إلا
أولياء الله المخلصين فإنّه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .
قد أشرنا سابقاً إلى أنّ هذه الخطبة مروية مسندة في «الكافي» فينبغي لنا أن نورد ما هناك جرياً على ما هو دأبنا في هذا الشرح، ثم تعقبه بتفسير بعض كلماته الغريبة وتوضيح ما فيه من النكات اللطيفة الشريفة فأقول :
في باب البدع والرأي والمقاييس من كتاب العقل والجهل منه عن الحسين بن محمد الأَشعري؛ عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشا، وعدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن فضال جميعاً، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام قال : خطب أمير المؤمنين علیه السلام الناس فقال :
«أيها الناس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله ويتولى فيها رجل (1)رجالاً ، فلو أنّ الباطل خلص لم يخف على ذي حجي، ولو أن الحق خلص لم یکن ،اختلاف ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيجيئان معا فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه ونجى الذين سبقت لهم من الله الحسنى » (2).
وفي كتاب «الروضة» عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عثمان عن سليم بن قيس الهلالي قال خطب أمير المؤمنين علیه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ صلى على النبي صلی الله علیه وسلم ثم قال :
«ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان : إتباع الهوى وطول الأمل أما إتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا إن الدنيا قد ترحلت مديرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنّ اليوم عمل ولا حساب وإنّ غداً حساب ولا عمل (3).
وإنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وآراء تبتدع يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجال رجالا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجي، لكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيجتمعان فيجللان معاً فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ونجى الذين سبقت لهم من الله (4)الحسنى.
إني سمعت رسول الله يقول: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنّة، فإذا غير منها شيء قيل قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكراً ثم تشتد البلية وتسبى الذرية وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب وكما تدق الرّحا بثفالها ويتفقهون لغير الله، ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة ».
ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته فقال علیه السلام: «قد عملت الولاة أعمالاً خالفوا فيها رسول الله متعمدين لخلافه. ناقضين لعهده مغيّرين لسنّته، ولو
قبلي حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عزّ ذكره وسنة رسول الله صلی الله علیه وسلم .
أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله ، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة، ورددت صاع رسول الله كما كان، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله صلی الله علیه وسلم الأقوام لم تمض لهم ولم تنفض ، ورددت دار جعفر علیه السلام إلى ورثته وهدمتها من المسجد، ورددت قضايا من الجور قضى بها، ونزعت نساء تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن واستقبلت بهنّ الحكم في الفروج والأحكام وسبيت ذراري بني تغلب ورددت ما قسم من أرض خيبر ومحوت دواوين العطايا وأعطيت كما كان رسول الله يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الأغنياء وألقيت المساحة، وسويت بين المناكح، وأنفذت خمس الرّسول كما أنزل الله عزّ وجلّ وفرضه ورددت مسجد رسول الله على ما كان عليه وسددت ما فتح فيه من الأبواب، وفتحت ما سدّ منه، وحرّمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ، وأمرت بإحلال المتعتين، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات، وألزمت النّاس الجهر ببسم الله الرّحمن الرّحيم، وأخرجت من أدخل مع رسول الله في مسجده ممن كان رسول الله أخرجه، وأدخلت من أخرج بعد رسول الله ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخله، وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم، ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنّة نبيه إذاً لتفرقوا عني.
والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي : يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً ».
ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ما لقيت هذه الأمة من الفرقة وطاعة أئمة
الضلالة والدعاة إلى النار، وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عزّ وجلّ : (إن
كُنتُمْ اَمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) [الأنفال: 41] .
فنحن والله عنى بذي القربي الذي قربنا الله بنفسه وبرسوله فقال تعالى: فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي القرى واليَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَن لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا النكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7] .
ووصى به نبيه ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً، أكرم الله رسوله وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس، فكذبوا الله وكذبوا رسول الله وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا ومنعونا فرضاً فرضه الله لنا ما لقي أهل بيت نبي من أمته ما لقيته بعد نبينا والله المستعان على من ظلمنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1).
«يجللان» بضم الياء بصيغة المضارع المبني للمفعول مأخوذ من التجليل يقال جللت الشيء إذا غطيته ألبستكم» كذا في أكثر النسخ البستم علي بناء المجهول من باب الأفعال وهو الأظ ظهر وفي بعض النسخ لبستم والثفال» بالفاء مثل كتاب جلد أو نحوه يوضع تحت رحى اليد يقع عليه الدقيق قال الفيروز آبادي بثفالها أي على ثفالها أي حال كونها طاحنة نَّهم لا يثفلونها إلا إذا طحنت وفي أكثر النسخ ثقالها بالقاف ولعله تصحيف، وعليه فلعل المراد مع ثقالها أي إذا كانت معها ما يثقلها من الحبوب فيكون أيضاً كناية عن كونها طاحنة .
قال المجلسي (ره) : «لو أمرت بمقام إبراهيم» إشارة إلى ما فعله عمر من تغيير المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول الله إلى موضع كان فيه في الجاهلية ورددت صاع رسول الله كان صاعه على ما قيل أربعة أمداد فجعله عمر خمسة أمداد «ونزعت نساء» (ا ه) ، كالمطلقات ثلاثاً في مجلس واحد وغيرها مما خالفوا فيه حكم الله «وسبيت ذراري بني تغلب» لأنّ عمر رفع عنهم الجزية.
قال المطرزي : بنو تغلب قوم من مشركي العرب طالبهم عمر بالجزية فأبوا فصولحوا على أن يعطوا الصدقة متضاعفة فقبلوا ورضوا (آ ه) ، ولعدم كونهم من أهل الذمة يجلّ سبي ذراريهم ومحوت) دواوين العطايا أي التي بنيت على التفضيل بين المسلمين في زمن عمر وعثمان .
«وألقيت» إشارة إلى ما عده الخاصة والعامة من بدع عمر أنّه قال ينبغي أن نجعل مكان هذا العشر ونصف العشر دراهم نأخذها من أرباب الأملاك، فبعث إلى البلدان من مسح على
1) الكافي : 53/1 ح 1 ، والأصول الستة عشر : 25.
أهلها فألزمهم الخراج فأخذ من العراق وما يليها ما كان أخذه منهم ملوك الفرس على كل جريب درهماً واحداً وقفيزاً من أصناف الحبوب، وأخذ من مصر ونواحيها ديناراً وإردباً عن مساحة جريب كما كان يأخذ منهم ملوك الإسكندرية، والإردب لأهل مصر أربعة وستون منّا، وكان أوّل بلد مسحه عمر بلد الكوفة .
و«سويت بين المناكح» بأن يزوّج الشريف والوضيع كما فعله رسول الله صلی الله علیه وسلم وزوج بنت مقداداً، وعمر نهى عن تزويج الموالي والعجم «ورددت مسجد رسول الله» (ا ه) إشارة إلى ما وقع فيه من التغيير في زمن عثمان حيث وسمعوه وأدخلوا فيه بعض الدور التي كانت جواره غصباً وعدواناً «وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات» أي لا أربعاً كما ابتدعته العامة ونسبوه إلى عمر وألزمت النّاس الجهر قال في البحار يدلّ ظاهراً على وجوب الجهر بالبسملة مطلقاً وإن أمكن حمله على تأكد الإستحباب .
و«أخرجت من أدخل» يحتمل أن يكون المراد إخراج جسدي الملعونين الذين دفنا في بيته بغير إذنه مع أنّ النبي صلی الله علیه وسلم لم يأذن لهما لخوخة في مسجده وإدخال جسد فاطمة ودفنها عند النبي أو رفع الجدار من بين قبريهما، ويحتمل أن يكون المراد إدخال من كان ملازماً لمسجد رسول الله صلی الله علیه وسلم في حياته كعمار وأبي ذر وأضرابهما، وإخراج من أخرجه الرسول صلی الله علیه وسلم من المطرودين كحكم ابن أبي العاص وابنه ،مروان، وقد كان رسول الله أخرجهما فأدخلهما عثمان .
«ورددت أهل نجران إلى مواضعهم» قال المجلسي : لم أظفر إلى الآن بكيفية إخراجهم وسببه وبمن أخرجهم «ورددت سبايا فارس» لعل المراد الاسترداد ممّن اصطفاهم أو أخذ زائداً حقه «ما لقيت» كلام مستأنف للتعجب «وأعطيت» رجوع إلى الكلام السابق ولعلّ التأخير من الرواة «إن كنتم آمنتم بالله» من تتمّة آية الخمس حيث قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ هُم وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءامَنتُم )الآية.
قال البيضاوي : إن كنتم آمنتم بالله متعلق بمحذوف دلّ عليه واعلموا أي إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، فإنّ العلم المتعلق بالعمل لم يرد منه العلم المجرد ، لأنه مقصود بالعرض والمقصود بالذات هو العمل «وما أنزلنا على عبدنا» محمد من الآيات والملائكة والنصر «يوم الفرقان» يوم بدر فإنّه فرق فيه بين الحق والباطل «يوم التقى الجمعان» المسلمون والكفّار .
وقوله (كَئ لا يَكُونَ دُولَةٌ) [الحشر : 7] تتمّة لآية أخرى ورد في فيئهم حيث قال : (مَّا أَفاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لَا
يَكُونَ ) [الحشر : 7] أي الفيء الذي هو حق الإمام (دولةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) [الحشر: 7] الدولة بالضم ما يتداوله الأغنياء يدور بينهم كما كان في الجاهلية «رحمة لنا» أي قرر الخمس والفيء لنا رحمة منه لنا وليغنينا بهما عن أوساخ أيدي النّاس.
از جمله کلام فصاحت نظام آن امام است که می فرماید:
جز این نیست که ابتدا واقع شدن فتنها هواها و خواهشات نفسانی است که پیروی کرده میشود و حکمهای شیطانی است که اختراع کرده میشود مخالفت کرده میشود در آن اهواء و احکام کتاب خدا و متابعت می نماید در آن احکام ،مردانی مردانی را در حالتی که میباشند ایشان بر غیر دین خدا، پس اگر باطل خالص میبود از آمیزش حق مخفی نمیماند بر طلب کنندگان و اگر حق خالص می بود از التباس به باطل بریده میشد از او زبانهای ستیزه ،نمایندگان ولیکن فراگرفته میشود از حق دستهای و از باطل دستهای پس این جا یعنی نزد امتزاج حق به باطل مستولی میشود شیطان بر اولیاء خود و نجات می یابد از خطر این ،شبهه آن کسانی که پیشی گرفته است از برای ایشان از جانب خدا حالتی نیکو که عبارت است از عنایت ازلی و توفيق لم يزلي.
ورواها في البحار وفي «شرح المعتزلي» جميعاً من كتاب صفين لنصر بن مزاحم، قال نصر : حدثنا عمرو بن سعيد عن جابر قال : خطب علي علیه السلام :يوم الماء فقال :
«أما بَعْدُ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ بَدَؤُكُمْ بِالظُّلم، وفاتَحُوكُمْ بِالْبَغْيِ، وَاسْتَقْبَلُوكُمْ بِالْعُدْوانِ، وقَدِ اسْتَطَعمُوكُمْ الْقِتالَ حَيْثُ مَنَعوكُمُ الْمَاءَ، فَأَقِرُوا عَلى مَذَلَّةٍ وتَأْخَيرِ مَحَلَّةٍ، أَوْرَوُوا السُّيُوفَ مِنَ الدّماءِ تَرْوُوا مِنَ الْمَاءِ، فَالْموتُ في حَيوتِكُمْ مَقْهُورينَ، وَالْحَيوةُ فِي مَوْتِكُمْ قاهِرينَ، أَلا وإِنْ مُعاوِيَةَ قادَ لُمَّة مِنَ الْغُواةِ، وعَمَسَ عَلَيْهِمُ الخَبَرَ ، حَتَّى جَعَلَ نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ المَنِيَّةِ» (1).
(استطعموكم القتال) أي طلبوه منكم يقال فلان يستطعمني الحديث أي يستدعيه مني ويطلبه (فأقروا على مذلة) من القرار وهو السكون والثبات كالإستقرار، أو من الإقرار والإعتراف والأول أظهر و (اللمة) بالضم والتخفيف جماعة قليلة، و (عمس عليهم الخير) بفتح العين المهملة وتخفيف الميم وتشديدها أبهمه عليهم وجعله مظلماً، والتشديد لإفادة الكثرة ومنه ليل عماس أي مظلم و (الأغراض) جمع غرض وهو الهدف.
ضمير الخطاب في استطعموكم منصوب المحل بنزع الخافض على حد قوله تعالى : (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ ) [الأعراف: 155] أو مجروره على حد قوله : أشارت كليب بالأكف الأصابع، والفاء في قوله فأقروا فصيحة، وقوله: ترووا من الماء مجزوم لوقوعه في جواب الأمر على حد اثتني أكرمك، ومقهورين وقاهرين منصوبان على الحال.
إعلم أن هذا الكلام له علیه السلام من أبلغ الكلام وألطفه في التحريض على الحرب والجذب إلى القتال، وقد خطب به لما غلب أصحاب معاوية على شريعة الفرات يصفين ومنعوا أصحابه من الماء وحالوا بينهم وبينه فقال لهم : (إنّهم قد استطعموكم القتال حيث منحوكم الماء) يعني
1) نهج البلاغة : / 100 ، وبحار الأنوار: 442/22.
أنّهم من جهة مما نعتهم من الماء طلبوا منكم أن تطعموهم القتال فكأنهم لما حازوا الماء أشبهوا في ذلك من طلب الطعام له ولما استلزم ذلك المنع طلبهم للقتال تعين تشبيه ذلك بالطعام وهو من لطائف الإستعارة.
(فأقروا على مذلة وتأخير محلة أورووا السيوف من الدماء ترووا من الماء) يعني أنّهم لما طلبوا منكم القتال بالمنع من الماء فاللازم عليكم حينئذ أحد الأمرين، إما الكفّ عن الحرب والإذعان بالعجر والإستقرار على الذلة المستلزم لتأخير المنزلة وانحطاط الدرجة عن رتبة أهل الشرف والشَّجاعة، وأما الإستعداد للقتال وتروية السيوف من الدماء المستلزم للتروية من الماء .
وفي هذا الكلام من الحسن واللطف ما لا يخفى إذ من المعلوم أن الإقرار بالعجز والثبات على الذلة مكروه بالطبع، والتروي من الماء للعطاش محبوب بالطبع والعاقل لا يختار المكروه على المحبوب قطعاً بل يرجّحه عليه ويتوصل إليه ولو بتروية سيفه من الدماء فيكون القتال محبوباً عنده أيضاً مع كونه مكروهاً بالطبع من أجل إيصاله إلى المطلوب.
ولما أشار إلى كون الثواني في الجهاد موجباً للذل وانحطاط الرتبة فرع على ذلك
قوله: (فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم (قاهرين) تنبيهاً على أن الحياة مع الذلة موت في الحقيقة والموت مع العزّة حياة كما قال الشاعر :
ومن فاته نيل العلى بعلومه***وأقلامه فليبغها بحسامه
فموت الفتى في العز مثل حياته***وعيشته في الذّل مثل حمامه
وذلك لأن الحياة في حالة المقهورية ومع الذلة وسقوط المنزلة أشد مقاساة من موت البدن عند العاقل بكثير، بل موتات متعاقبة عند ذي اللب البصير، كما أنّ الموت في حالة القاهرية ومع العزّة موجب للذكر الباقي الجميل في الدنيا وللأجر الجزيل في العقبى؛ فهو في الحقيقة حياة لا تنقطع ولا تفنى كما قال تعالى :
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .
هذا ولا يخفى ما في هاتين الفقرتين من حسن المقابلة كما في ما قبلهما من السجع المطرف، وفيما قبلهما من السجع المتوازي .
ثم أنه بعد حث أصحابه على الجهاد أشار إلى ما عليه معاوية وأصحابه من الغوى والضلالة والعدول عن المنهج القويم والصراط المستقيم بقوله : (ألا إن معاوية قاد لمة من الغواة و) ساق طائفة من البغاة (عمس عليهم الخبر ) وأظلم عليهم الأثر (حتى جعل نحورهم أغراض المنية) بإيهام أن عثمان قتل مظلوماً وأنه علیه السلام وأصحابه ،قاتله، وأن ذلك الملعون
وأصحابه أولياء دمه و والمستحقون لأخذ ثأره، مع أنهم عن الضراط لناكبون وفي جهنم خالدون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فنحن نرويها من البحار ومن شرح المعتزلي جميعاً من كتاب صفّين لنصر بن مزاحم بتلخيص
منا.
قال نصر : كان أبو الأعور السلمي على مقدّمة معاوية واسمه سفيان بن عمرو، وكان قد ناوش مقدمة علي وعليه الأشتر النخعي مناوشة ليست ما بعظيمة، فلما انصرف أبو الأعور عن الحرب راجعاً سبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقناصرين إلى جانب صفين قد نزلوا منزلاً اختاروه مستوياً بساطاً واسعاً، وأخذوا الشريعة، فهي في أيديهم.
وساق الأَشتر يتبعه فوجده غالباً على الماء وكان في أربعة آلاف من مستبصري أهل العراق فصدموا أبا الأعور وأزالوه عن الماء، فأقبل معاوية في جميع الفيلق بقضه وقضيضه، فلما رآهم الأشتر إنحاز إلى علي وغلب معاوية وأهل الشام على الماء وحالوا بين أهل العراق وبينه وأقبل علي علیه السلام في جموعه، فطلب موضعاً لعسكره وأمر الناس أن يضعوا أثقالهم وهم أكثر من مائة ألف فارس، فلما نزلوا تسرع فوارس من فوارس علي علیه السلام على خيولهم إلى معاوية يطعنون ويرمون بالسهام ومعاوية بعد لم ينزل، فناوشهم أهل الشام القتال فاقتتلوا هوياً.
قال نصر : فحدثني عمر بن سعد، عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: فكتب معاوية إلى علي علیه السلام عافانا الله وإياك .
ما أحسن العدل والإنصاف من عمل***وأقبح الطيس ثم النقش في الرّجل
وكتب بعده شعراً يحثه فيه بأن يروع بجيشه من التسرع والعجلة عند الحرب، فأمر علي علیه السلام أن يوزع الناس عن القتال حتى أخذ أهل الشام مصافهم، ثم قال : أيها الناس إن هذا
موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة ومن فلح فيه فلح يوم القيامة .
قال : فتراجع النّاس كلّ من الفريقين إلى معسكره وذهب شباب من النّاس إلى الماء ليستسقوا فمنعهم أهل الشام وقد أجمعوا أن يمنعوا الماء .
وروى نصر عن عبد الله بن عوف قال : فتسرعنا إلى أمير المؤمنين فأخبرناه بذلك، فدعا صعصعة بن صوحان فقال : انت معاوية فقل إنا صرنا إليك مصيرنا هذا وأنا أكره قتالكم قبل الأعذار إليكم، وأنك قدمت خيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالحرب ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها قد حلتم بين الناس وبين الماء، فخل بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له، وإن كان أحب إليك
أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا .
فلما مضى صعصعة برسالته إلى معاوية قال معاوية لأصحابه : ما ترون» فقال الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان حصروه أربعين يوماً يمنعونه برد الماء ولين الطعام، اقتلهم عطشاً قتلهم الله ، وقال عمرو بن العاص : خل بين القوم وبين الماء فإنهم لن يعطشوا وأنت ريّان، ولكن لغير الماء، فانظر فيما بينك وبينهم فأعاد الوليد مقالته .
وقال عبد الله بن سعيد بن أبي سرح وكان أخا عثمان من الرضاعة، أمنعهم الماء إلى الليل فإنّهم إن لم يقدروا عليه رجعوا وكان رجوعهم هزيمتهم، امنعهم الماء منعم الله يوم القيامة .
فقال صعصعة : إنّما إنما يمنع الماء يوم القيامة الفجرة الكفرة شربة الخمر ضربك وضرب هذا الفاسق يعني الوليد فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه، فقال معاوية : كفوا عن الرّجل فإنّما
هو رسول.
قال عبد الله بن عوف : إنّ صعصعة لما رجع إلينا حدثنا بما قال معاوية وما كان منه وما رده عليه قلنا وما الذي رده عليك؟ قال : لما أردت الإنصراف من عنده قلت : ما تردّ عليّ؟ قال: سيأتيكم رأيي قال : فوالله ما راعنا إلا تسوية الرّجال والصفوف والخيل، فأرسل إلى أبي الأعور امنعهم الماء فازدلفنا والله إليهم فارتمينا واطعنا بالرماح واضطربنا بالسيوف، فقال: ذلك بيننا وبينهم حتى صار من الماء بأيدينا فقلنا : لا والله لا نسقيهم فأرسل عليّ علیه السلام أن خذوا الماء حاجتكم وارجعوا إلى معسكركم وخلوا بينهم وبين الماء فإن الله قد نصركم عليهم بيغيهم وظلمهم .
وقال نصر : قال عمرو بن العاص: خل بينهم وبين الماء فإنّ عليّاً لم يكن ليظمأ وأنت ريان وفي يده أعنة الخيل وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت وأنت تعلم أنَّه الشجاع المطرق، وقد سمعته أنا وأنت مراراً وهو يقول : لو أنّ أنا وأنت مراراً وهو يقول : لو أنّ معي أربعين رجلاً يوم فتش البيت يعني بيت فاطمة عليها السلام، ويقول : لو استمسكت من أربعين رجلاً يعني من أمر الأوّل.
قال : ولما غلب أهل الشام على الفرات فرجعوا بالغلبة وقال معاوية : يا أهل الشام هذا والله أوّل الظفر لا سقاني الله ولا أبا سفيان إن شربوا منه أبداً حتّى يقتلوا بأجمعهم وتباشر أهل
الشام .
فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام همداني ناسك يتأله ويكثر العبادة يقال له المعري بن الأفيل؛ وكان صديقاً لعمرو بن العاص مواجاً ،له فقال يا معاوية سبحان الله سبقتم القوم إلى الفرات تمنعونهم الماء، أما والله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعوهم الفرات فينزلون على فرضة أخرى فيجازونكم بما صنعتم ، أما
تعلمون أنّ فيهم العبد والأمة والأجير والضعيف ومن لا ذنب له، هذا والله أوّل الجهل (الجور) فأغلظ له معاوية وقال لعمرو : اكفني صديقك فأتاه عمرو فأغلظ له فقال الهمداني في ذلك شعراً :
لعمر وأبي معاوية بن حرب***وعمرو ما لدائهما دواء
سوى طعن يحار العقل فيه***وضرب حين يختلط الدّماء
ولست بتابع دین ابن هند***طوال الدهر يا أرسي حراء
لقد وهب العتاب فلا عتاب***وقد ذهب الولاء فلا ولاء
وقولي في حوادث كل حرب***على عمرو وصاحبه العفاء
ألا لله درك يا ابن هند***لقد برح الخفاء فلاخفاء
أتحمون الفرات على رجال***وفى أيدیهم الأسل الظماء
وفي الأعناق أسياف حداد***كانّ القوم عندهم نساء
أترجوا أن يحاوركم عليّ***بلا ماء وللأحزاب ماء
دعاهم دعوةّ فأجاب قوم***كجرب الإبل خالطها الهناء
قال: ثم سار الهمداني في سواد الليل حتى لحق بعلي علیه السلام ومكث أصحاب علي يوماً وليلة بغير ماء، واغتم علیه السلام بما فيه أهل العراق من العطش.
وفي رواية سهل بن حنيف المروية في المجلد التاسع من البحار أنه لما أخذ معاوية مورد الفرات أمر أمير المؤمنين علیه السلام لمالك الأشتر أن يقول : لمن على جانب الفرات: يقول لكم عليّ : اعدلوا عن الماء، فلما قال ذلك : عدلوا عنه فورد قوم أمير المؤمنين علیه السلام الماء فأخذوا منه، فبلغ ذلك معاوية فأحضرهم وقال لهم في ذلك فقالوا : إن عمرو بن العاص جاء وقال : إنّ معاوية يأمركم أن تفرجوا عن الماء فقال معاوية لعمرو : إنك لتأتي أمراً ثم تقول ما فعلته .
فلمّا كان من غد وَكََّلَ معاوية حجل بن عتاب النخعي في خمسة آلاف فأنفذ أميرالمؤمنين مالكاً فنادى مثل الأوّل، فمال حجل عن الشريعة فورد أصحاب علي وأخذوا منه فبلغ ذلك معاوية فأحضر حجلاً وقال له في ذلك، فقال: إنّ ابنك يزيد أتاني فقال : إنك أمرت بالتنحي عنه، فقال ليزيد في ذلك فأنكر ، فقال معاوية : فإذا كان غداً فلا تقبل من أحد ولو أتيتك حتى تأخذ خاتمي.
فلمّا كان اليوم الثالث أمر أمير المؤمنين لمالك مثل ذلك، فرأى حجل معاوية وأخذ منه خاتمه وانصرف عن الماء وبلغ معاوية فدعا وقال له في ذلك، فأراه خاتمه فضرب
معاوية يده على يده فقال : نعم وإنّ هذا من دواهي علي رجعنا إلى رواية نصر بن مزاحم . قال: فأتى الأشعث عليّاً فقال : يا أمير المؤمنين أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا والسيوف في أيدينا؟ خل عنا وعن القوم فوالله لا نرجع حتى نردّه أو نموت، ومرّ الأشتر يعلو بخيله ويقف حيث يأمره علي علیه السلام فقال علي : ذلك إليكم فرجع الأشعث فنادى في الناس من يريد الماء أو الموت فميعاده موضع كذا فإنّي ناهض فأتاه اثنى عشر ألفاً من كندة وإفناء قحطان واضعي سيوفهم على عواتقهم .
فشدّ عليه سلاحه ونهض بهم حتى كاد يخالط أهل الشام وجعل يلقي رمحه ويقول لأصحابه : بأبي أنتم وأمي تقدّموا إليهم قاب رمحي هذا فلم يزل ذلك دأبه حتى خلط القوم وحسر عن رأسه ونادى أنا الأشعث بن قيس خلوا عن الماء، فنادى أبو الأعور أما حتى لا يأخذنا وإياكم السيوف فلا، فقال الأشعث قد والله أظنها دنت منا ومنكم، وكان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي فبعث إليه الأشعث أقحم الخيل، فأقحمها حتى وضعت بسنابكها في الفرات وأخذت أهل الشام السيوف فولوا مدبرين.
قال نصر : وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر وزيد بن الحسن قالا : فنادى عمرو بن العاص فقال : ويحك يا ابن العاص خل بيننا وبين الماء، فوالله لئن لم تفعل لتأخذنا وإياكم السيوف : فقال عمرو : والله لا نخلي عنه حتى تأخذنا السيوف وإياكم فيعلم ربنا سبحانه أينا أصبر اليوم فترجل الأشعث والأشتر وذوو البصائر من أصحاب علي وترجل معهما اثنى عشر ألفاً، فحملوا على عمرو وأبي الأعور ومن معهما من أهل الشام، فأزالوهم عن الماء حتى غمست خيل علي علیه السلام سنابكها في الماء.
قال نصر : فروى عمر بن سعيد أن علياً قال ذلك اليوم : هذا يوم نصرتم فيه بالحمية .
قال :نصر فحدّثنا عمر بن (1)جابر قال : خطب علي يوم الماء فقال: «أما بعد: فإن القوم قد بدؤوكم بالظلم» إلى آخر ما رويناه سابقاً .
قال نصر: وحدّثنا عمر بن شمر عن جابر عن الشعبي عن الحرث بن أدهم وعن صعصعة قال : أقبل الأشتر يوم الماء فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتى كشفهم عن الماء، وكان لواء الأشعث بن قيس مع معاوية بن الحرث، فقال الأشعث: الله أبوك ليست النخع بخير من كندة قدم لواءك، فإن الحظ لمن سبق، فتقدم لواء الأشعث وحملت الرّجال بعضها على ،بعض فما زالوا كذلك حتى انكشف أهل الشام عن الماء، وملك أهل العراق المشرعة (2)هذا.
وفي «رواية أبي مخنف» عن عبد الله بن قيس قال : قال أمير المؤمنين يوم صفين وقد أخذ أبو الأعور السلمي الماء على الناس ولم يقدر عليه أحد، فبعث إليه الحسين علیه السلام في خمسمائة فارس فكشفه عن الماء، فلما رأى ذلك أمير المؤمنين قال : ولدي هذا يقتل بكر بلا عطشاناً، وينفرّ فرسه ويحمحم ويقول في حمحمته : الظليمة الظليمة من أمة قتلت ابن بنت نبيها، وهم يقرؤون القرآن الذي جاء به إليهم، ثم إن أمير المؤمنين علیه السلام أنشأ يقول :
أرى الحسين قتيلاً قبل مصرعه***علماً يقيناً بأن يبلى بأشرار
وكلّ ذي نفس أو غير ذي نفس***يجري إلى أجل يأتي بأقدار
قال : وقال عمرو بن العاص لمعاوية لما ملك أهل العراق الماء : ما ظنك يا معاوية بالقوم إن منعوك اليوم الماء كما منعتهم أمس أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه؟ ما أغنى عنك أن تكشف لهم السورة؟ فقال له معاوية : دع عنك ما مضى فما ظنك بعلي بن أبي طالب؟ قال ظنّي أنه لا يستحل منك ما استحللت منه وإن الذي جاء له غير الماء.
قال نصر : فقال أصحاب علي له : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك فقال: لا، خلوا بينهم وبينه لا أفعل ما فعله الجاهلون، سنعرض عليهم كتاب الله وندعوهم إلى الهدى فإن أجابوا وإلا ففي حد السيف ما يعني إن شاء الله .
قال : فوالله ما أمسى الناس حتى رأوا سقاتهم وسقاة أهل الشام وروايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنساناً (1).
1) البحار 443/32 ، وشرح النهج للمعتزلي : 331/3 .
از جمله کلام آن امام انام است که فرموده در حینی که غالب شدند اصحاب معاویه بر شریعه فرات در صفین و منع نمودند اصحاب آن حضرت را از آب:
به تحقیق که اصحاب معاویه طلب میکنند از شما آن که طعام بدهید بر ایشان قتال را پس قرار بدهید یا اقرار نمایید برخواری و مذلت و بر باز پس انداختن منزلت و مرتبت یا سیراب سازید شمشیرهای خود را از خونهای آن جماعت باغی تا سیراب شوید از آب صاف جاری پس مرگ در زندگانی شما است در حالتی که مقهور و مغلوب هستید و زندگانی در مرگ شما است در حالتی که غالب و قاهر باشید بدانید و آگاه شوید که معاویه بدبنیاد کشیده دست به حرب جماعت اندک را از صاحبان ضلالت و عناد و پوشانیده است بر ایشان خبر را تا آن که گردانیده است گلوهای ایشان را نشانیهای سهام موت از طعن و ضرب و سایر اسباب فوت.
وهي ملتقطة من خطبة طويلة خطب بها يوم النحر رواها الصدوق مرسلة في كتاب من لا يحضره الفقيه على ما ستطلع عليه، وشرح ما أورده السيد في الكتاب في ضمن فصلين :
«أَلا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ تَصَرَّمَتْ وآذَنَتْ بِانْقِضاءٍ وتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها وأَدْبَرَتْ حَذَاءَ فَهِيَ تَحْفِرُ بِالْفَناءِ سُكّانَها وتَحْدُو بِالْمَوْتِ جيرانَها وقَدْ أمْرُ مِنْها ما كانَ حُلْوا، وكَدِرَ مِنْها ما كانَ ، صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْها إِلا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الإِداوَةِ، أَو جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ لَوْ تَمَزِّزَهَا الصَّدْيَانَ لَمْ فَأَرْمِعُوا عِبادَ اللَّهِ الرَّحِيلَ عَنْ هذِهِ الدّارِ الْمَقْدُورِ عَلى أَهْلَها الزَّوالُ ، ولا يَغْلِبَئُكُمْ فيها الأَمَلُ، ولا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ، فَوَالله لَوْ حَنَتْتُمْ حَنينَ الْوُلَّهِ الْعِجالِ، ودَعَوْتُمْ بِهَديلِ الْحَمام، وجأَرْتُمْ جُوْارَ مُتَبَتِّلي الرُّهْبانِ، وخَرَجْتُمْ إِلى اللهِ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَولادِ، إِلْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْه في ارْتِفاع دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أَوْ غُفْرانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْها كُتُبُهُ، وحَفِظَها رُسُلُهُ، لَكَانَ قَليلاً فيما أَرْجُو لَكم مِنْ ثَوَابِه وأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقابِه وتَاللهِ لَوْ انمانَتْ قُلُوبُكُمْ إِنْمياناً، وسالَتْ عَيُونُكُمْ مِنْ ، إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمُرْتُمْ فِي الدُّنْيا مَا لدُّنْيا ،باقية ما جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ ، ولَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظامَ، وَهُداهُ إِيَّاكُمْ للإيمان» (1).
(تصرمت) انقطعت وفنيت و (آذنت) بالمد أعلمت و (تنكر) جهل و (الحذاء) الشريعة الذهاب، وروي جذاء بالجيم وهي منقطعة النفع والخير و (حفزه) يحفزه من باب ضرب دفعه من خلفه، وبالزمح طعنه وعن الأمر أعجله وأزعجه وحفز الليل النهار ساقه و (أمر) الشيء صار مراً و (كدر) الماء كدراً من باب تعب زال صفاته وكدر كدورة من باب صعب.
و (السملة) بالفتحات البقية من الماء يبقى في الإناء و (الإدارة) بالكسر المطهرة و (المقلة) بفتح الميم وسكون القاف حصاة للقسم يقسم بها الماء عند قلته في المفاوز، وفي السفر تلقى في الماء ليعرف قدر ما يسقى كل واحد منهم و (التمزز) تمصّص الشّراب قليلاً قليلاً و (الصديان) كعطشان لفظاً ومعنى و (نقع) ينقع أي سكن عطشه و (أزمعت) الأمر أي أجمعت وعزمت على فعله و (المقدور) المقدّر الذي لا بد منه و (الأمد) بالتحريك الغاية.
1) نهج البلاغة : 1/ 102 ، ونهج السعادة: 519/1 .
و(الحنين) مصدر بمعنى الشوق وأصله ترجيع الناق صوتها أثر ولدها .
و (الوله) واله من الوله وهو ذهاب العقل وفقد التمييز و (العجال) جمع عجول وهي الناقة التي تفقد أولادها و هديل الحمام نوحها و (جار) يجار من باب منع جاراً وجؤاراً بالضم رفع صوته وتضرع واستغاث و (التبتل) الإنقطاع إلى الله بإخلاص النية و (إنماث) القلب ذاب و (الجهد) بالضم والفتح الطاقة و (الأنعم) كأفلس النعمة .
حذاء منصوب على الحال والرّحيل منصوب على المفعولية، وقوله التماس منصوب على، المفعول له ولكان قليلاً جواب لو حننتم وما في قولها ما الدنيا باقية ظرفية أي مدة بقائه، وجملة ولو لم تبقوا (آ ه) معترضة بين الفعل وهو جزت ومفعوله الذي هو أنعمه والعظام صفة الأنعم ، وهداه بالنصب المحلي عطف على أنعمه .
اعلم أنّ مدار هذا الفصل من الخطبة على فصول ثلاثة .
متضمّن للتنفير عن الدنيا والتحذير منها والنهي عن عقد القلب عليها، والأمر بالرحيل عنها، وإليه أشار بقوله : (ألا وإنّ الدنيا قد تصرّمت) أي انقطعت (وآذنت بانقضاء)، قد مضى في «شرح الخطبة» الثامنة والعشرين والخطبة الثانية والأربعين ما يوضح معنى هذه الفقرة من كلامه علیه السلام، فإن رجعت إلى ما ذكرناه هناك تعرف أن مراده علیه السلام من تصرّم الدنيا وانقطاعها هو تقضي أحوالها الحاضرة شيئاً فشيئاً، وأن المراد من إعلامها بالإنقضاء هو الإعلام بلسان الحال على ما من تفصيلاً.
(وتنكر معروفها وأدبرت حذاء) وهي إشارة إلى تغيرها وتبدلها وسرعة انقضائها وإدبارها حتى أن ما كان منها معروفاً لك يصير في زمان يسير مجهولاً عندك، وأدنى ما هو شاهد على ذلك حالة شبابك الذي كنت أمس إليه متبهجاً به كيف طرأ عليها المشيب في زمان قليل :
فولّی الشباب كأن لم يكن***وحلّ المشيب كأن لم يزل
کانّ المشیب کصبح بدا***وأمّا الشّباب کبدرا فل
(فهي تحفز بالفناء سكانها) أي تعجلهم وتسوقهم أو تطعنهم برماح الفناء وتدفعهم من خلفهم حتى توقعهم في حفرتهم (وتحدو بالموت جيرانها) حتى توصلهم إلى دار ،غربتهم، أفلا ترى إلى السلف الماضين والأهلين والأقربين كيف توالت عليهم السنون وطحنتهم المنون
وفقدتهم العيون، أو لا ترى إلى الملوك والفراعنة والأكاسرة والسياسنة كيف انتقلوا عن القصور وربات الخدور إلى ضيق القبور .
باتوا على قلل الجبال تحرسهم***غلب الرجال فلم ينفعهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم***إلى مقابرهم يا بئس مانزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا***أين الأَسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت محجبة***من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم***تلك الوجوه عليها الدود تنتقل
قد طال ما أكلوا فيها وهم شربوا***فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وطال ما كثروا الأموال وادخروا***فخلفوها على الأَعداء وارتحلوا
وطال ما شيّدوا دوراً لتحصنهم***ففارقوا الدّور والأهلين وانتقلوا
أضحت مساكنهم وحشاً معطلة***وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
سل الخليفة إذ وافت منيته***أين الجنود وأين الخيل والخول
أين الكنوز التي كانت مفاتحها***تنوء بالعصبة المقرين لو حملوا
أين العبيد التي أرصدتهم عدداً***أين الحديد وأين البيض والأسل
أين الفوارس والغلمان ما صنعوا***أين الصوارم والخطية الذبل
أين الكفاة ألم يكفوا خليفتهم***لما رأوه صريعاً وهو يبتهل
أين الكماة التي ماجوا لما غصبوا***أين الحماة التي تحمي به الدّول
أين الرماة ألم تمنع بأسهمهم***لما أتتك سهام الموت تنتصل
هیهات ما منعوا ضيماً ولا دفعوا***عنك المنيّة إذ وافى بك الأجل
ولا الرشا دفعتها عنك لو بذلوا***ولا الرقى نفعت فيها ولا الخيل
ما ساعدوك ولا واساك أقربهم***بل سلموك لها يا قبح ما فعلوا
(وقد أمر منها ما كان حلواً وكدر منها ما كان صفواً) وذلك مشاهد بالوجدان ومرثي بالعيان، إذ الأمور التي تقع لذيذة فيها ويجدها الإنسان في بعض الأحيان حلوة صافية عن الكدورات خالية عن مرارة التنغيص هي في معرض التغير والتبدل بالمرارة والكدر، فما من أحد تخاطبه بما ذكر إلا ويصدق عليه أنه قد عرضت له من تلك اللذات ما استعقب صفوتها كدراً وحلاوتها مرارة إما من شباب تبدل بمشيب أو غنى بفقر أو عزّ بذل أو صحة بمرض .
(فلم يبق منها إلا سملة كسملة الأداوة أو جرعة كجرعة المقلة لو تمزّزها الضديان)
وتمصّصها العطشان لم يرو و (لم ينقع) قال الشارح البحراني : هذا تقليل وتحقير لما بقي منها لكل شخص من النّاس فإن بقاء ماله على حسب بقائه فيها وبقاء كلّ شخص فيها يسير ووقته قصير واستعار لفظ السملة لبقيتها وشبهها ببقيّة الماء في الأدارة، وبجرعة المقلة، ووجه الشبه ما أشار إليه بقوله : لو تمززها الصّديان لم ينقع، أي كما أنّ العطشان الواجد لبقية الماء في الأداوة أو الجرعة لو تمصّصها لم ينقع عطشه، كذلك طالب الدنيا المتعطش إليها الواجد لبقية عمره ولليسير من الإستمتاع فيه بلذات الدنيا لا يشفى ذلك غليله ولا يسكن عطشه .
ثم إنّه بعد التنبيه على تحقير الدنيا والتنفير عنها أمر بالرحيل عنها بقوله : (فأزمعوا عباد الله الرحيل عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال) يعني إذا كانت الدنيا بهذه المثابة من الدناءة والحقارة معقبة صفوها للكدورة متغيرة حلاوتها إلى المرارة فلا بد لكم من العزم على الرحيل عنها بقطع العلائق الدنيوية عن القلب والإقبال إلى الله والرغبة إلى رضوان الله قدر في حق أهلها من الزّوال وكتب لسكانها من الرّحيل والإنتقال ، أفلا تنظر إلى الأمم الماضية والقرون الفانية وإلى من عاشرتهم من صنوف الناس وشيعتهم إلى الأرماس كيف اخترمتهم أيدي المنون من قرون بعد قرون، أو لا تعتبر ممّن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض ض من الإفك، ومن فجعت به من إخوانك ونقلت إلى دار البلا من أقرانك .
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها***محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم***وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها***وضمتهم تحت التراب الحفائر
(و) بعد ما اعتبرت بما رأيته من الأهلين والإخوان واذكرت بما شاهدته من الأمثال والأقران فالبتة (لا يغلبنكم فيها الأمل ولا يطولنّ عليكم) فيها (الأمد) أي لا تتوهم طول مدة البقاء فيها مع ما شاهدت ومن قصر مدنها وقرب زوالها .
متضمّن للتّنبيه على عظيم ثواب الله وعقابه، فإنّه بعد ما نبه على تحقير الدنيا والتحذير عنها وأمر بالعزم على الجد والإرتحال أشار إلى ما ينبغي أن يهتم به ويلتفت إليه ويرجى ويخشى من ثواب الله وعقابه فأشار إلى تعظيمها بتحقير الأسباب والوسائل التي يتوصل بها العباد ويعتمدون عليها في الفوز إلى الثواب والهرب من العقاب .
وقال: (فوالله لو حننتم) إلى الله مثل ( حنين الوله العجال) شوقاً ورغبة (ودعوتم) له تعالى (بهديل) مثل هديل (الحمام) استيحاشا ووحشة (وجأرتم) إليه سبحانه بمثل (جوار متبتلي الرهبان) خوفاً وخشية (وخرجتم إلى الله من الأموال والأولاد) وتركتم الأوطان والبلاد وفعلتم
كل ذلك (لالتماس القربة إلى الله) وثمناً للوصول إلى رضوان الله (في ارتفاع درجة عن ده أو غفران سيئة أحصتها كتبه وحفظها رسله الكرام البررة (لكان) ذلك كله (قليلاً فيما أرجو لكم من ثوابه وأخاف عليكم من عقابه) .
ومحصّله على ما ذكره البحراني هو أنكم لو أتيتم أنكم لو أتيتم بجميع أسباب التقرب إلى الله الممكنة لكم من عبادة وزهد ملتمسين بذلك التقرب إليه في أن يرفع لكم عنده درجة أو يغفر لكم سيئة أحصتها كتبه والوجه المحفوظة لكان الذي أرجوه من ثوابه للمتقرب إليه في أن يرفع منزلته من حضرة قدسه أكثر مما يتصوّره المتقرب أنه يصل إليه بتقربه ولكان الذي أخافه من عقابه على المتقرّب في غفران سيّئة عنده أكثر من العقاب الذي يتوهم أنه يدفعه عن نفسه بتقربه .
فينبغي لطالب الزيادة في المنزلة عند الله أن يخلص بكليته في التقرب إليه ليصل إلى ما هو أعظم مما يتوهم أنه يصل إليه من المنزلة عنده وينبغي للهارب من ذنبه إلى الله أن يخلص
من هول ما هو أعظم مما يتو يتوهم
أنه يدفعه عن نفسه بوسيلته، فإن الأمر في معرفة ما أعد الله لعباده الصالحين من الثواب العظيم، وما أعده لأعدائه الظالمين من العقاب الأليم أجلّ ممّا تتصوّره عقول البشر ما دامت في عالم الغربة وإن كانت عقولهم في ذلك الإدراك متفاوتة، ولما كانت نفسه القدسية أشرف نفوس الخلق لا جرم نسب القواب المرجوّ لهم والعقاب المخوف عليهم إلى رجائه وخوفه وذلك لقوّة اطلاعه من ذلك على ما لم يطلعوا عليه.
متضمن للتنبيه على عظيم نعمة الله على العباد، وإليه أشار بقوله: (والله لو انمائت قلوبكم انمياثاً وسالت عيونكم في رغبة إليه) سبحانه (أو رهبة منه دماً ثم عمرتم في الدنيا ما الدنيا باقية ما جزت أعمالكم) التي أتيتموها وبذلتم فيها جهدكم وسعيكم (ولو لم تبقوا شيئاً من جهدكم أنعمه) التي أنعم بها (عليكم) من نعمه العظام وهداه إياكم للإيمان .
يعني أنّ كل ما أتيتم به من الأعمال التي بذلتم جهدكم فيها في طاعة الله، وما عساه يمكنكم أن تأتوا به منها فهو قاصر عن مجازاة نعمه العظام ولا سيما نعمة الهداية التي هي أشرف الآلاء وأفضل النعماء، مع أن القيام بوظائف العبودية ليس إلا بتوفيق منه سبحانه وتأييد منه، وذلك من جملة نعمه أيضاً فكيف يجازي نعمته ونعم ما قيل :
شكر الله نعمة موجبة لشكره***وكيف شكري برّه و شکره من بّره
از جمله خطب لطیفه و شریفه آن حضرت است در بیان تحقیر دنیای فانی و ترغیب به عقبای جاودانی میفرماید :
آگاه باشید که به درستی دنیا روی آورده به انقطاع و فنا و اعلام کرده است به زوال و انقضاء و مجهول شده است معروف آن به جهت این که به اندک فرصتی و کمتر مدتی تغییر و تبدیل می یابد لذایذ آن بر ضد آن و پشت کرده و ادبار نموده در حالتی که سرعت ،کنند سرعت کننده و شتابنده ،است پس پس آن میراند به نیزه فنا ساکنان خود را و میراند به سوی مرگ همسایگان خود را و به تحقیق که تلخ گشت از دنیا آن چه بود شیرین و با کدورت و ناصاف شد از آن آن چه بود صاف و گزین پس باقی نمانده است از دنیا مگر بقیه ای مانند بقیه آب در مطهره یا مقدار يك آشامیدن مثل مقدار يك آشامیدن که به مقله اخذ نمایند در وقت قحط آبی که اگر بمکد آن بقیه و جرعه را صاحب عطش فرونشاند تشنگی او را پس عزم نمایید ای بندگان خدا کوچ بر نمودن از این سرای پرجفا که مقدر شده است در حق اهل او زوال و فنا و باید که غالب نشود شما را در این دنیا آرزوی نفس و هوا و باید که توهم ننمایید در این سرا درازی مدت و طول بقا را .
پس قسم به خداوند که اگر ناله کنید شما مثل ناله کردن شتران حیران و سرگردان که گم نماینده باشند بچهگان خودشان را و بخوانید خدا را به نوحه ای حزين مثل نوحه نمودن کبوتران و تضرع نمایید به خداوند مانند تضرع نمودن زاهدان نصاری و بیرون آیید از اموال و اولاد به جهت خدا در بلند شدن درجه نزد او سبحانه و تعالی یا آمرزیدن گناهی که شمرده باشد آن گناه را نامه اعمال و ضبط نموده باشد او را فرشتگان حضرت ذوالجلال هر آینه باشد این جمله اندك در آن چه امید میدارم برای شما از ثواب دادن او و در آن چه می ترسم از برای شما از عقاب کردن او .
و سوگند به خدا که اگر گداخته شود قلبهای شما گداختنی از ترس الهی و روان شود چشمهای شما به جهت رغبت ثواب او و از جهت ترس از عذاب او
به خون های دمادم، پس از آن عمر نمایید در دنیا مادامی که دنیا باقی است، جزا مکافات نباشد عملهای شما که در این مدت به عمل آورده اید و اگرچه باقی نگذارید چیزی از سعی و طاقت خود به نعمتهای عظیمه او سبحانه که سبحانه که به شما انعام فرموده و به هدایت و راهنمایی او به سوی ایمان که در حق شما مرعی داشته؛ یعنی اگر تا انقراض دنیا مشغول عمل صالح شوید و دقیقه ای فتور ننمایید، برابری این نعم عظیمه که در حق شما التفات فرموده است نخواهد بود.
«منها في ذكر يوم النحر في صفة الأضحية ومِنْ تَمام الأُضْحِيَة اسْتِشَرافُ أُذُنِها ، وسَلامَةً عَيْنِها ، فَإِذا سَلِمَتِ الأُذُنُ وَالْعَينُ سَلِمَتِ الأضْحِيَةُ وتَمَّتْ، ولَوْ كانَتْ عَصْباءُ الْقَرْن تَجُرُّ رِجْلَها إلَى الْمَنْسَك» (1).
(الأضحية) بضم الهمزة وكسرها إتباعاً للحاء والياء المخفّفة، والجمع أضاحي ويقال ضحية أيضاً والجمع ضحايا كعطية وعطايا وهي الشّاة التي يضحى بها أي تذبح بها ضحاة، ومنها سمّي يوم الأضحى للعاشر من ذي الحجة و (الإستشراف) الإرتفاع والإنتصاب يقال إذن شرفاء أي منتصبة و (العضباء) المكسور القرن وقيل القرن الداخل و (المنسك) محل النسك وهو العبادة والمراد به هنا المذبح ويجوز فيه فتح السين وكسرها .
قوله ولو كانت، شرطيّة وصلية، وجملة تجرّ في محلّ الرّفع على النصب من اسم كان أو في محلّ النّصب على الحالية، وفي نسخة الفقيه على ما ستطلع عليه ولو كانت عضباء القرن أو تجر رجلها إلى المنسك فلا تجزي.
اعلم أنّ الأضحية مستحبة مؤكدة إجماعاً بل يمكن دعوى ضرورة مشروعيتها وقول الأسكافي بوجوبها شاذ ويدلّ على شدة الإستحباب مضافاً إلى الإجماع أخبار كثيرة.
ففي «الفقيه»: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استفرهوا ضحاياكم فإنها مطاياكم على الصراط (2).
وجاءت أم سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر الأضحى وليس عندي ثمن الأضحية، فأستقرض فأضحي ؟ فقال : «استقرضي وضحي فإنّه دين مقضي ويغفر لصاحب الأضحية عند أوّل قطرة يقطر من دمها» (3).
ومن «العلل» : عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام قلت له : ما علة الأضحية؟ فقال : «إنّه يغفر لصاحبها عند أوّل قطرة تقطر من دمها في الأرض وليعلم الله عزّ وجل من يتقيه بالغيب» قال الله عزّ وجل: (لَن يَنَالَ الله لحومها ولا دِمَاؤُها ولكن يَنَالُهُ التَّقْوَى) [الحج : 37] ثم قال : انظر كيف قبل الله قربان هابیل وردّ قربان قابيل.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من عمل يوم النحر أحبّ إلى الله عز وجل من إراقة دم، وأنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وأنّ الدّم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع الأرض فطيبوا بها نفساً» (1).
عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً «أنّ لكم بكل صوفة من جلدها حسنة، وبكل قطرة من دمها حسنة، وأنها لتوضع في الميزان فأبشروا» .
إذا عرفت ذلك فأقول إن قوله : (ومن تمام الأضحية استشراف أذنها وسلامة عينها» أراد بذلك أن لا يكون بعض أذنها أو جميعها مقطوعة وأن لا تكون عوراء، (فإذا سلمت الأذن) من النقص (والعين) من العور (سلمت الأضحية وتمّت) أي أجزأت (ولو كانت عضباء القرن) وعرجاء (تجرّ رجلها إلى المنسك) .
قد عرفت أن الأضحية مستحبة عندنا وهل سلامة العين والأذن شرط الإجزاء أو شرط الكمال ظاهر كلامه يعطى الأول، لأن قوله : إذا سلمت الأذن والعين سلمت الأضحية يدلّ بمفهومه على أنه إذا لم تسلم الأذن والعين لم تسلم الأضحية، ومعنى عدم سلامتها عدم كفايتها في الإتيان بالمستحب .
وهو المستفاد أيضاً ممّا رواه في «الوسائل» : عن محمد بن الحسن الصفار بإسناده عن شریح بن هاني عن علي صلوات الله عليه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضاحي أن تستشرف العين والأذن ونهانا عن الخرقاء والشرفاء والمقابلة والمدايرة (2).
وعن الصدوق في «معاني الأخبار» الخرقاء أن يكون في الأذن ثقب مستدير والشرقاء المشقوقة الأذن باثنين حتى ينفذ إلى الطرف والمقابلة أن يقطع في مقدم أذنها شيء، ثم يترك ذلك معلقاً لاثنين كأنه زنمة، ويقال لمثل ذلك من الإبل المزنم والمدابرة أن يفعل ذلك بمؤخر أذن الشاة (3).
وفي «الوسائل»: أيضاً عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام قال : قال رسول الله صلی علیه وسلم «لا يضحى بالعرجاء البين ،عرجها، ولا بالعوراء البين عورها ولا بالعجفاء ولا بالخرقاء، ولا بالجدعاء، ولا بالعضباء» هذا (1).
ولكن الأظهر هو أنّهما شرطا الكمال فيكون المراد بالأمر والنهي في رواية شريح هو الاستحباب والكراهة دون الوجوب والحرمة وعلى الكراهة أيضاً يحمل قوله : لا يضحى بالعرجاء (اه) في الرواية الثانية .
ويدل على ما ذكرناه ما رواه الحلبي قال : سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الضحية تكون الأذن مشقوقة، فقال: إن كان شقها وسماً فلا بأس، وإن كان شقاً فلا يصلح، فإن لفظة لا يصلح ظاهرة في نفي الكمال أو المراد بالأضحية في الزوايتين هي الأضحية الواجبة المسماة بالهدي دون المستحبة، وعلى ذلك فيبقى الأمر والنهي والنفي على ظاهرها فتكون الشروط المذكورة شرطاً للصحة.
ويدلّ عليه ما رواه الصدوق بإسناده عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر علیه السلام عن الرجل يشتري الأضحية عوراء فلا يعلم إلا بعد شرائها هل تجزي عنه ؟ قال : نعم إلا أن يكون هديا واجباً فإنّه لا يجوز أن يكون ناقصاً، هذا.
ولعلّ حمل الروايتين على الوجه الأخير أولى نظراً إلى فهم الأصحاب حيث إنّ بناء استدلالهم في الشروط الواجبة للهدي عليهما ولا يتم إلا بعد صرف الأضحية فيهما إلى الهدي، وكيف كان فقد ظهر مما ذكرنا أن سلامة العين والأذن في الأضحية شرط الكمال كما هو صریح رواية علي بن جعفر التي قد مرّت، وقد نصّ به غير واحد من الأصحاب أيضاً، وعليه فلا بد أن يراد بقوله علیه السلام في الخطبة: ومن تمام الأضحية (ا ه) كمالها فافهم جيداً.
إن كسر القرن الخارج مع سلامة الداخل وهو الأبيض الذي في وسط الخارج لا بأس به في الهدي والأضحية جميعاً، وأما كسر الداخل فإن كان في الهدي فلا يجزي قطعاً، وأما في الأضحية فظاهر كلامه علیه السلام على ما رواه السيد (ره) يعطي الإجزاء، وأما على رواية الصدوق الآتية ،فالعدم، قال المحدّث الحر في الوسائل بعد نقله رواية الصدوق : وهو محمول على الاستحباب .
1) وسائل الشيعة: 127/14 ح 18783، ومعاني الأخبار: 221 .
أنّ المستفاد من كلامه هنا أيضاً إجزاء العرجاء وعلى ما رواه الصدوق فهي أيضاً غير مجزية ويطابقه قوله : ولا يضحى بالعرجاء البين عرجها في رواية السكوني السالفة، إلا أن يراد بها التضحية بالواجب على ما ذكرناه سابقاً، قال العلامة (ره) في «محكي المنتهى» العرجاء البين عرجها التي عرجها متفاحش يمنعها السّير مع الغنم ومشاركتهن في العلف والرعي فتهزل.
روى الصدوق هذه الخطبة في «الفقيه» مرسلة قال : وخطب علیه السلام أي أمير المؤمنين علیه السلام عيد الأضحى فقال: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا وله الشكر على ما فيما» أولانا والحمد لله على مارزقنا من بهيمة الأنعام»، وكان علیه السلام يبدأ بالتكبير إذا صلى الظهر من يوم النحر وكان يقطع التكبير آخر أيام التشريق عند الغداة، وكان يكبر في دبر كل صلاة فيقول: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر والله الحمد»، فإذا انتهى إلى المصلى تقدّم فصلى بالناس بغير أذان ولا إقامة فإذا فرغ من الصلاة صعد المنبر ثم بدأ فقال :
«الله أكبر الله أكبر الله أكبر زنة عرشه رضا نفسه وعدد قطر سمائه وبحاره له الأسماء الحسنى والحمد الله حتى يرضى وهو العزيز الغفور، الله أكبر كبيراً متكبراً وإلهاً متعززاً ورحيماً متحنناً يعفو بعد القدرة ولا يقنط من رحمته إلا الضالون.
الله أكبر كبيراً ولا إله إلا الله كثيراً وسبحان الله حناناً ،قديراً والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه وتشهد أن لا إله إلا هو وأن محمداً عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد اهتدى وفاز فوزاً عظيماً، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبیناً .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله وكثرة ذكر الموت والزّهد في الدنيا التي لم يتمتع بها من كان فيها قبلكم ولن تبقى لأحد من بعدكم وسبيلكم فيها سبيل الماضين ألا ترون أنها قد تصرمت و آذنت بانقضاء وتنكر معروفها وأدبرت حذاء فهي تخبر «تحفزخ» بالفناء وساكنها يحدي بالموت، فقد أمر منها ما كان حلواً وكدر منها ما كان صفواً فلم يبق منها إلا سملة كسملة الأداوة وجرعة كجرعة الإناء، ولو يتمزّزها الصديان لم تنقع غلبة بها .
فأزمعوا عباد الله بالرحيل من هذه الدار المقدور على أهلها الزوال، الممنوع أهلها من الحياة المذللة أنفسهم بالموت، فلا حيّ يطمع بالبقاء ولا نفس إلا مذعنة بالمنون، فلا يغلبتكم
الأمل، ولا يطول عليكم الأمد، ولا تغتروا فيها بالأمال، وتعبدوا الله أيام الحياة.
فو الله لو حننتم حنين الواله العجلان، ودعوتم بمثل دعاء الأنام، وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان، وخرجتم إلى الله من الأموال والأولاد التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده، أو غفران سيّئة أحصتها كتبه وحفظتها ،رسله لكان قليلاً فيما أرجو لكم من ثوابه وأتخوف عليكم من أليم عقابه.
وبالله لو انمائت قلوبكم انميانا وسالت عيونكم من رغبة إليه أو رهبة منه دماً،ثم عمّرتم في الدنيا ما كانت الدنيا باقية ما جزت أعمالكم ولو لم تبقوا شيئاً من جهدكم لنعمه العظام عليكم، وهداه إياكم إلى الإيمان ما كنتم لتستحقوا أبد الدهر ما الدهر قائم بأعمالكم جنته ولا ،رحمته ولكن برحمته ،ترحمون وبهداه تهتدون وبهما إلى جنته تصيرون جعلنا الله وإياكم برحمته من التائبين العابدين.
وإنّ هذا يوم حرمته عظيمة وبركته مأمولة والمغفرة فيه مرجوّة، فأكثروا ذكر الله واستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو التواب الرحيم ومن ضحى منكم بجذع من المعز فإنّه لا يجزي عنه، والجذع من الضأن يجزي ومن تمام الأضحية استشراف عينها وأذنها، وإذا سلمت العين والأذن تمّت الأضحية، وإن كانت عضباء القرن أو تجرّ برجلها إلى المنسك فلا تجزي.
وإذا ضحيتم فكلوا وأطعموا واهدوا واحمدوا الله على ما رزقكم من بهيمة الأنعام وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأحسنوا العبادة وأقيموا الشهادة وارغبوا فيما كتب عليكم وفرض الجهاد والحج والصيام فإن ثواب ذلك عظيم لا ينفذ وتركه وبال لا يبيد وأمروا بالمعروف، وأنهوا عن المنكر، وأخيفوا الظالم وانصروا المظلوم، وخذوا على يد المريب وأحسنوا إلى النساء وما ملكت أيمانكم، واصدقوا الحديث، وأدوا الأمانة وكونوا قوامين بالحق، ولا تغرنّكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور» (1).
1) من لا يحضره الفقيه : 521/1 ، وبحار الأنوار: 110/88 .
بعض دیگر از این خطبه در یاد کردن عید قربان در صفت گوسفند قربانی بیان میفرماید که :
از تمامی گوسفند قربانی است درازی گوش او و سلامتی چشم او پس هرگاه سلامت باشد گوش و چشم به سلامت باشد آن قربانی و به مرتبه تمامیت میرسد و اگرچه باشد گوسفند شاخ شکسته و بکشد پای خود را به سبب لنگی به سوی رفتن به موضع عبادت که عبادت است از قربانگاه؛ والله أعلم بالصواب و إليه المآب .
«فَتَداكُوا عَلَيَّ تداك الإِبْلِ الهيمِ يَوْمَ وِرْدِها قَدْ أَرْسَلَها راعيها وخُلِعَتْ مَثانيها، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قاتِليَّ، أَوْ بَعْضَهُمْ قاتِلُ بَعْض بَطْنَهُ وظَهْرَهُ ، حَتى مَنَعَنِيَ النَّوْمَ لَدَيّ، وَقَدْ قَلْبْتُ هذا ا فَما وَجَدَتْني يَسَعْنِي إِلا قِتالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِما جاءَ بِه مُحَمَّد الا الله ، فَكَانَتْ مُعالَجَةُ الْقِتالِ أَهْوَنَ عَليَّ مِنْ مُعالَجَةِ الْعِقابِ، ومَوْتَاتِ الدُّنْيا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوثَاتِ الآخِرَةِ» (1).
(الذك) هو الدق والتداك مأخوذ منه و (الهيم) بالكسر العطاش و (الورد) الشرب، وفي بعض النسخ يوم ورودها وهو حضورها لشرب الماء ، و (المثاني) جمع مثناة بالفتح والكسر وهي الحبال من صوف أو شعر يثني ويعقل بها البعير و (قاتلي) على صيغة الجمع مضافة إلى ياء المتكلم ، و ( وجدتني) على صيغة المتكلم .
بعضهم بالنصب عطف على محلّ اسم أن، والنوم منصوب بنزع الخافض، وجملة يسعني مفعول ثانٍ، وعلي في قوله : أهون علي، للاستعلاء المعنوي على حد قوله تعالى (وَهُمْ عَلَى ذَنْبُ) [الشعراء: 14].
قال الشارح البحراني : هذا الكلام إشارة إلى صفة أصحابه بصفّين لما طال منعهم من قتال أهل الشّام، وفي «البحار» أن كثيراً من الشواهد تدلّ على أنه لبيان حالة البيعة لا سيما ما كان في نسخة ابن أبي الحديد فإنه ذكر العنوان ومن كلام له علیه السلام في ذكر البيعة .
وكيف كان فقوله (فتداكوا علي تداك الإبل الهيم يوم وردها) كناية عن شده ازدحامهم يعني أنهم اجتمعوا عليّ وتزاحموا مثل تزاحم الإبل العطاش حين شرب الماء تدك بعضها بعضاً، (قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها)، أي أطلقها راعيها وخلع عقالها، (حتى ظننت أنهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي) لفرط ما شاهدت منهم من الزحام وشدّة ما رأيت منهم من الاجتماع والتداك .
1) بحار الأنوار: 70/28 ح 31 ، وبحار الأنوار: 555/32 ح 463 .
(وقد قلبت هذا الأمر بطنه وظهره) وصرت أتفكر في أمر القتال مع أهل الشام، وأتردّد بين الإقدام عليه وتركه أو المراد أمر الخلافة حسبما استظهره المحدث المجلسي (حتى منعني) ذلك من (النوم) والكرى (فما وجدتني يسعني إلا قتالهم) أي قتال معاوية وأصحابه على ما ذكره البحراني أو قتال الناكثين على ما ذكره المجلسي «قد» (أو الجحود بما جاء به محمد صلی علیه وسلم) وقد مر وجه انحصار أمره في القتال والجحود في شرح كلامه الثالث والأربعين مفصلاً.
وقد ذكرنا هناك أنّه كان مأموراً من الله ومن رسوله بقتال التاكثين والقاسطين والمارقين فكان أمره دائراً بين الجهاد والقتال امتثالاً لحكم الله وحكم رسوله وبين الترك والمنابذة المستلزمين للجحود، والمخالفة والعقاب في الآخرة( فكانت معالجة القتال أهون علي من معالجة العقاب) إذ سعادة الدنيا وشقاوتها ونعمتها ونقمتها لا نسبة لها إلى سعادة الآخرة وشقوتها، لأنها فانية لا تبقى وتلك دائمة لا تزول، (وموتات الدنيا أهون علي من موتات الآخرة) والمراد بموتات الدنيا شدائدها وأهوالها ومتاعبها بقرينة موتات الآخرة، ويحتمل أن یراد بالأولى أنواع الموت وبالثانية الشدائد التي هي أشد من الموت .
از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است که اشاره است به حال اصحاب خود در صفین در حینی که ایشان را منع میفرمود از قتال اهل شام به جهت این که حرص و شوق ایشان به جهاد بیشتر ،گردد به ملاحظه این که طبیعت انسان مجبول است به آن که هر چند او را از امری منع نمایند شوق او در طلب او زیاد خواهد شد چنان که گفته اند:" احب شيء إلى الإنسان مامنعا" إلى الإنسان مامنعا و یا اشاره است به حال بیعت کنندگان مراورا بعد از قتل عثمان که ازدحام داشتند در بیعت او می فرماید:
پس کوفتند یکدیگر را بر سر بیعت من چون کوفتن شتران تشنه یکدیگر را در روز وارد شدن ایشان بر آب در حالتی که واگذاشته باشد ایشان را چراننده ایشان و برکنده شده باشد ریسمانهای زانوبند ایشان تا این که گمان کردم که ایشان کشنده منند یا بعض ایشان کشنده بعض دیگرند نزد من .
و به تحقیق که برگرداندم پشت و شکم این کار را حتی این که بازداشت تفکر در آن مرا از خواب پس نیافتم خود را که وسعت داشته باشد به من امری مگر کارزار نمودن با اهل شام یا با طلحه و زبیر و اتباع ایشان و یا انکار نمودن به آن چه که آمده است با او حضرت خاتم الانبیا از جانب حق جل وعلا، پس شد علاج جنگ نمودن و کوشش نمودن در آن آسان تر نزد من از علاج کردن عقاب و عذاب و مرگهای دنیا آسان تر در نزد من از مرگهای آخرت و سختیهای روز قیامت .
وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين.
«أَمَّا قَوْلُكُمْ أَكُلُ ذلِكَ كَراهِيَةَ الْمَوْتِ فَوَالله ما أبالي أَدْخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إلَيَّ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ شَكا في أَهْلِ الشَّامِ فَوَاللَّهِ ما دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلا وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بي وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْنِي وَذلِكَ أَحبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَها عَلَى ضَلالِها وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بآثامها»(1).
(عشى) إلى نار وإليها يعشو عشواً رآها ليلاً من بعيد ببصر ضعيف فقصدها، ويقال لكلّ قاصد عاش قال الشاعر :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره***نجد خير نار عندها خیر موقد
و (باء) بإثمه رجع به قال سبحانه:
(إنّي أُُرِِيدُ أَن تَبُوا بِإِثْمِي وَإِيْمَكَ) [المائدة : 29] .
أي ترجع إلى ربك متلبساً بإثمي وإثمك .
كل ذلك في بعض النسخ بالنصب فيكون مفعولاً لفعل محذوف، وكراهية منصوب علی المفعول لأجله أي نفعل كل ذلك لأجل كراهية الموت، وفي أكثر النسخ كل مرفوع فيكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره أكلّ هذا مفعول أو تفعله كراهية الموت، وجوز في الكراهية الرفع أيضاً على قرائة كلّ بالرفع على أنه خبر منه، وشكّا منصوب على أنه مفعول له أيضاً وعامله محذوف أي إني أسامح في القتال للشك، أو منصوب على المصدرية أي أشك شكاً.
اعلم أنه قد أنّه قد روي أنّه لمّا ملك أمير المؤمنين الماء بصفين، وسمح لأهل الشام في المشاركة والمساهمة رجاء أن يعطفوا إليه استمالة لقلوبهم وإظهاراً للمعدلة وحسن السيرة
1) بحار الأنوار: 556/320 ح 464 ، ونهج السعادة 158/2 .
فيهم، مكث أيّاماً لا يرسل إلى معاوية أحداً ولا يأتيه من عنده أحد، قال له أهل العراق :يا أمير المؤمنين خلفنا نسائنا وذرارينا بالكوفة وجئنا إلى أطراف الشام لتّخذها وطناً ائذن لنا في القتال، فإنّ النّاس قد قالوا ،قال لهم : ما قالوا؟ فقال منهم قائل : إنّ النّاس يظنّون أنّك تكره الحرب كراهية للموت وأنّ من النّاس من يظنّ أنّك في شك من قتال أهل الشام .
فأجابهم علیه السلام بذلك، ورد زعم الفرقة الأولى بقوله : (أمّا قولكم أكل ذلك كراهية الموت فوالله ما أبالي أدخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ )،ضرورة أنّ العارف بالله بمعزل عن تقيّته الموت خصوصاً من بلغ الغاية في الكمالات النّفسانية والخصال القدسيّة .
ورد زعم الفرقة الثّانية بقوله : (وأمّا قولكم شكاً في أهل الشام فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة)، منهم: (فتهندي بي وتعشو إلى ضوئي) وتستضيء بي وفيه تعريض بضعف بصائر أهل الشام ،فهم في الاهتداء بهداه كمن يعشو ببصر ضعيف إلى النّار في الليل.
ولمّا كان المقصود بالذات للأنبياء والأَولياء هو اهتداء الخلق بهم والاكتساب من كمالاتهم والاستضاءة بأنوارهم، وكان تحصيل ذلك المقصود باللطف والرّفق أولى من القتل والقتال، لا جرم حسن انتظاره بالحرب ومدافعتها يوماً فيوماً طمعاً لأن يلحق به منهم من يجذب العناية الإلهيّة بذهنه ويجرّه نور التّوفيق الأزلي إلى مدارج الكمال واليقين وسلوك طريق
الحقّ المبين .
ولأَجل ذلك رتب عليه قوله : (وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت )الطائفة الضّالة (تبوء) إلى ربها (بآثامها) . إذ (كُل نَفْسٍِ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر : 38] وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر : 7] .)
### الترجمةاز جمله کلام آن عالی مقام است در حالتی که دیر شمردند اصحاب او رخصت و اذن دادن ایشان را در جنگ صفین که فرمود:اما گفتار شما که آیا این همه تعلل و تأخیر و منع از قتال به جهت مکروه داشتن مرگ است و فنا؟ پس قسم به خداوند که هیچ باک ندارم که داخل شوم به سوی مرگ یا خارج شود مرگ به سوی من. و اما گفتار شما که این تأخیر و مسامحه به جهت به جهت شك من است در قتال اهل شام ،پس به حق خدا که دفع نکردم حرب را يك روز مگر به ملاحظه طمعی که دارم در این که لاحق شود به من طايفه ای ، پس هدایت یابند به جهت اقتداء به من و بنگرند به چشم ضعیف به سوی روشنی راه من و این محبوب تر است نزد من از آن که بکشم آن گروه را به گمراهی ایشان و اگرچه باشند که باز می گردند به گناهان خود در آن جهان .
وقد قاله في قصة ابن الحضرمي بعد إصابة محمّد بن أبي بكر بمصر حسبما تطلع عليه لا في يوم صفّين على ما زعمه الشارح البحراني.«ولَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَقْتُلُ آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأَعْمامَنا ما يَزِيدُنا ذلِكَ إلا إيماناً وتسليماً، ومُضِيَّا عَلى اللقم، وصَبْراً عَلى مَضَضِ الألم، وجدا في جهادِ العَدُو، ولَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنّا وَالآخَرُ مِنْ عَدُوّنا يَتَصاوَلانِ تَصاولَ الفَحْلَين، يَتَخالسانِ أَنْفُسَهُما أَيُّهُما يَسْقي صاحِبَهُ كَأسَ المَنُونِ، فَمَرَّةً لَنا مِنْ عَدُوّنا ومَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَا، فَلَمّا رَأى الله صِدْقَنا أَنْزَلَ بعَدُونَا الكَبْتَ ، وأَنْزِلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الإسلامُ مُلْقِياً جِرانَهُ ، وَمُتَبَوِّنَا أَوْطانَهُ ولَعَمْرِي لَوْ كُنا نَأْتي ما أَتَيْتُمْ ما قامَ ِللدِّينِ عَمُودٌ ، ولا اخْضَرَّ للإيمانِ عُودٌ ، وأَيْمُ الله لَتَحْتَلِبُنَّها دَماً ، ولَتُتْبِعُنَّها نَدَماه » (1.)### اللغة(لقم الطريق بالتحريك الجادة الواضحة و (المضض) بفتح الأول والثاني أيضاً وجع الألم و (الصّولة) الحملة والتصاول مأخوذ منه وهو أن يحمل كلّ واحد من القرنين على صاحبه و (التخالس) التسالب و (الكبت )الإذلال و (جران) البعير مقدّم عنقه من مذبحه إلى منحره و (تبوأت) المنزل نزلته .)### الإعرابجملة (يتصاولان في محل النصب على الخبريّة ،وأيّهما يسقي بالرّفع مرفوع على الإبتداء، وجملة يسقي خبره وأيّ هذه استفهاميّة لا يجوز كونها موصولة لفساد المعنى مضافاً إلى أنّ الموجود في النّسخ رفعها، ولو كانت موصولة لا بد من انتصابها .)قال نجم الأئمة الرّضي: يتبيّن الاستفهام من غيره في أي لكونه معرباً تقول في الاستفهام علمت أيهم قام برفع أيّ، وإذا كان موصولاً قلت علمت أيّهم قام بنصبه وليس معنى الاستفهام هنا هو استفهام المتكلم للزوم التّناقض لأنّ علمت المقدّم على أیّهم مفيد أنّ قائل هذا الكلام عارف بنسبة القيام إلى القائم المعيّن، لأنّ العلم واقع على مضمون الجملة، فلو
1) الغارات : 373/2 ح 2،وبحار الأنوار: 329/30 .
كان أي لاستفهام المتكلم لكان دالاً على أنّه لا يعرف انتساب القيام إليه، لأَن أيّهم قام استفهام عن مشكوك فيه هو انتساب القيام إلى معين ربّما يعرفه الشّاك بأنّه زيد أو غيره، فيكون المشكوك فيه إذن النّسبة، وقد كان المعلوم هو تلك النّسبة وهو تناقض فنقول إذن : أداة الاستفهام لمجرد الاستفهام لا لاستفهام المتكلّم والمعنى عرفت المشكوك فيه الذي يستفهم عنه وهو أنّ نسبة القيام إلى أي شخص هي :ثمّ قال: ثمّ اعلم أنّ جميع أدوات الاستفهام ترد على الوجه المذكور أي لمجرّد الاستفهام لا لاستفهام المتكلّم بعد كلّ فعل شكّ لا ترجيح فيه لأَحد الجانبين على الآخر لتبيين المشكوك فيه نحو شككت أزيد في الدّار أم عمرو، ونسيت أو ترددّت أقوم أم أقعد، كما ترد بعد كلّ فعل يفيد العلم كعلمت وتبيّنت ودريت وبعد كلّ فعل يطلب به العلم كفكرت وامتحنت، وبلوت وسألت واستفهمت وجميع أفعال الحواس الخمس كلمست وأبصرت ونظرت واستمعت وشممت وذقت،تقول : تفكرت أزيد يأتيني أم عمرو، وقد يضمر الدّالّ على التفكر كقوله تعالى :(يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيْكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُهُ فِي التَّابِ [النحل : 59] .)أي مفكّراً أيمسكه أم يدسّه ، وفي «نهج البلاغة »: يتخالسان أنفسهما أیّهما يسقي صاحبهكأس المنون ،أي مفكرين أيّهما يسقي انتهى كلامه رفع مقامه .ومرّة، منصوب على الظرفية والعامل محذوف تقديره ،فمرّة تكون الدوالة لنا من عدوّناومرّة تكون له منّا ،وملقياً ومتبوثاً منصوبان على الحاليّة ،ودماً وندماً منصوبان على التّمييز.### المعنىاعلم أنّ مقصوده بهذا الكلام توبيخ أصحابه على التّثاقل عن الجهاد، والتقصير في الحرب، فمهد قبل الإتيان بمقصوده مقدّمة تهييجاً لهم وإلهاباً بالإشارة إلى حاله وحال سائر الصّحابة في الثبات على الشدائد ،وتحمّل المشاق في الحروب في زمن الرّسول صلی الله علیه و آله.وذلك قوله : (ولقد كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ابتغاء لمرضاة الله (ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً )بالله (وتسليماً) لقضاء الله (ومضيّاً على اللّقم) والجادة الوسطى (وصبراً على مضض الألم )ومرارة البلاء( وجدا في جهاد العدو) والخصماء ((ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما) مفكرين . (أيهما يسقى صاحبه كأس المنون) وجرع الموت (قمرّة) كانت الدوالة (لنا من عدوّنا ومرّة )أخرى كانت (العدوّنا منّاء ،فلمّا رأى الله صدقنا )وعلم استعدادنا وقابليّتنا بمشاهدة الصّبر والثبات الذي كان منّا (أنزل بعدوّنا الكبت) والخذلان (وأنزل علينا النصر) والتأييد.)
كما قال سبحانه (يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِِضِِِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِاثَنَيْنِ وَإن يكن مِنكُم مِاياشة يغلبوا الفا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ السَّنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يكن مِّنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن منكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّبِرِينَ [الأنفال : 65 - 66] .)(حتى انتظم أمر الدين و (استقر الإسلام ملقياً جرانه) تشبيه الإسلام بالبعير استعارة بالكناية وإثبات الجران تخييل وذكر الإلقاء ترشيح وكذلك قوله : (ومتبوئاً أوطانه) استعار لفظ التبوء ونسبه إلى الأوطان تشبيهاً له بمن كان من الناس خائفاً متزلزلاً غير مستقر، ثمّ اطمأن واستقر في وطنه، واستعار لفظ الأوطان لقلوب المؤمنين وكنى بتبوء أوطانه عن استقراره فيها.)ثمّ إنّه بعد ما مهد المقدّمة التي أشرنا إليها رجع إلى ما هو مقصوده الأصلي من سوق الكلام، وهو تنبيه الأصحاب على التقصير والتفريط فقال: (ولعمري لو كنا نأتي مثل (ما أتبتم) يعني لو قصرنا في بدو الإسلام كتقصيركم اليوم (ما قام للذين عمود ولا اخضر للإيمان عود).)الأَوّل: تشبيه للدين بالبيت ذي العمود الذي قوائمه عليه، ولولاه لانهدم وخرب والثاني : تشبيه للإيمان بالشجرة ذات الفروع والأغصان التي بهجتها ونضارتها بها، وأيم الله لتحتلبنها دماً قال البحراني: استعار لفظ حلب الذم لثمرة تقصيرهم وتخاذلهم عما يدعوهم إليه من الجهاد ولاحظ في تلك الاستعارة تشبيههم لتقصيرهم في أفعالهم بالناقة التي أصيب ضرعها ناقة من تفريط صاحبها فيها، والضمير المؤنث يرجع في المعنى إلى أفعالهم، وكذلك الضمير في قوله : ( ولتتبعنها ندماً فإنّ ثمرة التفريط الندامة .)### تنبيهزعم الشارح البحراني أنّ هذا الكلام صدر منه يوم صفين حين أقر الناس بالصلح وأنه هو الذي قدمنا ذكره في «شرح الخطبة» الخامسة والثلاثين برواية نصر بن مزاحم عند شرح كيفية التحكيم، ولكن الأظهر بملاحظة الاختلاف بين ما هنا وما سبق أنه ليس بذلك، والمستفاد من رواية الواقدي الآتية أنّه قال في قضية ابن الحضرمي .وأصل تلك القضية على ما رواه ملخصاً في «البحار» من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي هو أن معاوية لما أصاب محمّد بن أبي بكر بمصر، بعث عبد الله بن عامر الحضرمي إلى أهل البصرة ليدعوهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم عثمان، فلما أتاهم وقرأ عليهم كتاب معاوية اختلفوا فبعضهم ردّوا وأكثرهم قبلوا وأطاعوا .
وكان الأمير مير يومئذٍ بالبصرة زياد بن عبيد، وقد استخلف عبد الله بن العباس وذهب إلى علي ليغريه عن محمد بن أبي بكر، فلما رأى زياد إقبال الناس على ابن الحضرمي استأجر من الأزد ونزل فيهم، وكتب إلى ابن عباس وأخبره بما جرى فرفع ابن عباس ذلك إلى عليّ علیه السلام وشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك، واختلف أصحابه علیه السلام فيمن يبعثه إليهم فقال علیه السلام:«تناهوا أيها الناس وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاوي، ولتجتمع كلمتكم، والزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين، وحجّة الله على الكافرين، واذكروا إذ كنتم قليلاً مشركين متباغضين منفرّقين، فألف بينكم بالإسلام، فكثرتم واجتمعتم وتحاببتم فلا تتفرقوا بعد إذ اجتمعتم ولا تباغضوا بعد إذ تحاببتم، وإذا رأيتم النّاس وبينهم الثائرة، وقد تداعوا إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم ووجوههم بسيوفكم حتى يفرغوا إلى الله وكتابه وسنة نبيه صلی علیه وسلم، فأما تلك الحمية فإنها من خطوات الشيطان فانتهوا عنها لا أبا لكم» (1.)ثم قال : وقال ابن أبي الحديد: وروى الواقدي أن علياً استنفر بني تميم أياماً لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي ويردّ عاوية بني تميم الذين أجاروه بها، فلم يجبه أحد فخطبهم وقال :أليس من العجب أن ينصرني الأزد ويخذلني مضر، وأعجب من ذلك تقاعد بني تميم الكوفة بي وخلاف بني تميم البصرة وأن أستنجد بطائفة منهم ما يشخص إلى أحد منها فيدعوهم إلى الرّشاد، فإن أجابت وإلا فالمنابذة والحرب فكأني أخاطب صمّاً بكماً لا يفقهون حوراء ولا يجيبون نداء، كل ذلك حبّاً عن الناس وحباً للحياة، لقد كنا مع رسول الله نقتل آباءنا إلى آخر ما مرّ في المتن .قال : فقام إليه أعين بن صبيعة المجاشعي فقال : أنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين، هذا الخطب وأنكفل لك بقتل ابن الحضرمي وإخراجه عن البصرة، فأمره بالتهيؤ للشخوص فشخص حتى قدم البصرة .قال : قال الثّقفي في كتاب الغارات: فلما قدمها دخل على زياد وهو بالأزد مقيم فرحب به وأجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له علي وأنّه ليكلمه إذ جاءه كتاب من عليّ فيه :«من عبد الله أمير المؤمنين علي إلى زياد بن عبيد سلام عليك أما بعد فإني قد بعثت أعين بن صبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فأرقب ما يكون منه، فإن فعل وبلغ من ذلك
1) الغارات : 395/2 .
ما يظن به وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما نحب، وإن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانبذ من أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم، فإن ظفرت فهو ما ظننت، وإلا قطاولهم وماطلهم فكأن كتائب المسلمين قد أظلت عليك، فقتل الله الظالمين المفسدين، ونصر المؤمنين المحقين والسلام».فلمّا قرأه زياد أقرأه أعين بن صبيعة فقال له : إنّي لأرجو أن يكفي هذا الأمر إن شاء الله ، ثم خرج من عنده فأتى رحله فجمع إليه رجالاً من قومه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :«يا قوم على ماذا تقتلون أنفسكم وتهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء والأشرار، وإني والله ما جئتكم حتى عبّيت إليكم الجنود، فإن تنيبوا إلى الحق تقبل منكم ونكفّ عنكم ، وإن أبيتم فهو والله استئصالكم وبواركم» .فقالوا: بل نسمع ونطيع فقال : انهضوا اليوم على بركة الله ،فنهض بهم على جماعة ابن الحضرمي فخرجوا إليه فصافوه ووافقهم عامة يومه يناشدهم الله ويقول: يا قوم لا تنكثوا بيعتكم ولا تخالفوا إمامكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثتكم بيعتكم وخلافكم فكفوا عنه وهم في ذلك يشتمونه فانصرف عنهم وهو منهم منتصف .فلمّا آوى إلى رحله تبعه عشرة نفر، يظنّ الناس أنهم خوارج فضربوه بأسيافهم وهو علىفراشه لا يظن أن الذي كان يكون، فخرج يشتد عرياناً فلحقوه في الطريق فقتلوه .فكتب زياد إلى علي علیه السلام ما وقع، وكتب إني أرى أن تبعث إليهم جارية بن قدامة فإنه نافذ البصيرة، ومطاع في العشيرة، شديد على عدوّ أمير المؤمنين .فلما قرأ الكتاب دعا جارية فقال علیه السلام: «يا ابن قدامة تمنع الأَزد عاملي وبيت مالي وتشاقني مضر وتنابذني، وبنا ابتدأها الله بالكرامة، وعرفها الهدى وتدعو إلى المعشر الذين حاذوا الله ورسوله وأرادوا إطفاء نور الله سبحانه حتى علت كلمته عليهم وأهلك الكافرين» . فروى إبراهيم بإسناده عن كعب بن قعين قال: خرجت مع جارية من الكوفة في خمسينرجلا من بني من بني تميم، وما كان فيهم يماني غيري وكنت شديد التشيع، فقلت لجارية : إن شئت كنت معك، وإن شئت ملت إلى قومي فقال : بل سر معي فوالله لوددت أن الطير والبهائم تنصرني عليهم فضلاً عن الإنس؛ فلما دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحب به وأجلسه إلى جانبه وناجاه ساعة ،وسأله، ثمّ خرج فقام في الأزد فقال: جزاكم الله من حي خير الجزاء، ثم قرأ عليهم وعلى غيرهم كتاب أمير المؤمنين فإذا فيه :«من عبد الله أمير المؤمنين إلى من قرأ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين ،والمسلمين سلام عليكم، أما بعد، فإنّ الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البينة، ولا
يأخذ المذنب عند أوّل وهلة، ولكنّه يقبل التوبة، ويستديم الأناة، ويرضى بالإنابة ليكون أعظم للحجة وأبلغ في المعذرة.وقد كان من شقاق جلكم أيها الناس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه، فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السيف عن مدبركم وقبلت من مقبلكم وأخذت بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب وقصد الحق، وأقم فيكم سبيل الرشد، فوالله ما أعلم أن والياً بعد محمد صلی الله وسلم أعلم بذلك مني ولا أعلم، أقول قولي هذا صادقاً غير ذام لمن مضى ولا منتقصاً لأعمالهم، وإن خطت بكم الأهواء المردية وسفه الرّأي الجائر إلى منابذتي وتريدون خلافي فها أنا ذا قربت جيادي ورحلت ركابي .وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأَوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلعقة لاعق، وإنّي لظان إن شاء الله أن لا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، وقد قدمت هذا الكتاب حجة عليكم، وليس أكتب إليكم من بعده كتاباً إن أنتم استغششتم نصيحتي، ونابذتم رسولي حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله والسلام» .فلما قرأ الكتاب على الناس قام صبرة بن شقان فقال : سمعنا وأطعنا ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم ،سلم إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، وإن أحببت أن ننصرك نصرناك، وقام وجوه النّاس فتكلموا مثل ذلك، فلم يأذن لأحد أن يصير معه ، ومضى نحو بني تميم وكلمهم فلم يجيبوه، وخرج منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه فأرسل إلى زياد والأزد يستصرخهم ويأمرهم أن يسيروا إليه .فسارت الأَزد بزياد، وخرج إليهم ابن الحضرمي فاقتتلوا ساعة، واقتتل شريك ابن أعور الحارثي، وكان من شيعة علي وصديقاً لجارية، فما لبث بنو تميم أن هزموهم واضطروهم إلى دار سبيل السعدي، فحصروا ابن الحضرمي فيها وأحاط جارية وزياد بالدار، وقال جارية علي بالنار، فقالت الأَزد: لسنا من الحريق في شيء وهم قومك وأنت أعلم، فحرق جارية الدار عليهم، فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا أحدهم عبد الرحمن بن عثمان القرشي وسارت الأزد بزياد حتى أوطئوا قصر الإمارة، ومعه بيت المال وقالت له : هل بقي علينا من جوارك شيء ؟ قال : لا ، فانصرفوا عنه .وكتب زياد إلى أمير المؤمنين: أما بعد فإنّ جارية بن القدامة العبد الصالح قدم من عندك، فناهض جمع ابن الحضرمي ممن نصره وأعانه من الأزد، فقصه واضطره إلى دار مندور البصرة في عدد كثير من أصحابه، فلم يخرج حتى حكم الله بينهما، فقتل ابن الحضرمي وأصحابه، منهم من أحرق ومنهم من ألقي عليه جدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قتل بالسيف، وسلم منهم نفر فتابوا وأنابوا فصفح عنهم ، وبعد المن عصى وغوى
والسّلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته .فلما وصل الكتاب قرأه على النّاس فسر بذلك وسرّ أصحابه وأثنى على جارية وعلى الأزد، وذمّ البصرة فقال إنّها أول القرى خراباً إما غرقاً وإما حرقاً حتّى يبقى مسجدها كجوجو سفينة (1.)(1 الغارات : 1/ 192 ، وشرح النهج للمعتزلي : 52/4 .)
### الترجمةاز جمله کلام آن حضرت است در بیان حال سید ابرار و تحریص اصحاب خود را بر این که متابعت نمایند بر ایشان در افعال و کردار و ثابت قدم باشند در روز مصاف و کارزار که میفرماید :و هر آینه به تحقیق بودیم ما با رسول خدا صلوات الله سلامه علیه و آله در حالتی که میکشتیم پدران خود را و پسران خود را و برادرها و عموهای خود را زیاده نمی ساخت ما را آن کشتن مگر ایمان و تسلیم و گذشتن بر راه راست مستقیم و صبر نمودن بر سوزش الم و محن و جد و جهد کردن در محاربه دشمن و هر آینه بود در زمان پیغمبر که مردی از ما و مردی دیگر از دشمن ما حمله می آوردند به یکدیگر مثل حمله آوردن دو نر با قوه تمام تر که می ربودند نفس یکدیگر در حالتی که فکر مینمودند که کدام یک از ایشان مینوشاند به همره خود کاسه مرگ را .پس يك بار نوبت گردش دولت ما را بود از دشمن ما و بار دیگر دشمن ما را بود از ما، پس چون که دید حق سبحانه و تعالی صدق و راستی ما را، نازل فرمود بر دشمن ما ذلت و خواری را و نازل فرمود بر ما نصرت و یاری را تا این که قرار گرفت دین اسلام در حالتی که افکنده بود پیش گردن را بر زمین مثل شتر آرام گیرنده و جای گیرنده بود در مکانهای خود که عبارت است از قلوب مؤمنان گرونده .و سوگند به زندگانی خودم که اگر می بودیم ما در آن زمان که می آمدیم با مثل آن چه که شما آمدید به آن، یعنی تقصیر می کردیم در حرب چنان چه شما تقصیر ،کنید برپای نمی شد از برای دین هیچ ستونی و سبز نمی شد از برای ایمان هیچ شاخ و عودی و به حق خدا سوگند هر آینه میدوشید از آن حالت تقصیر خون را به عوض شیر و در می آورید پشیمانی را عقب آن حالت تفریط و تقصیر ؛ والله أعلم بحقايق كلماته .
## ومن كلام له علیه السلام وهو السادس والخمسون من المختار في باب الخطب### اشارة«أَما إِنَّه سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ البُلْعُوم، مُنذَحِقُ البَطْن، يَأْكُلُ ما يَجِدُ، ويَطْلُبُ مالا ،يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، ولَنْ تَقْتُلُوهُ، ألا وإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالبَراءَةِ مِنّي، فَأَمَّا السَّبْ فَسُبُوني، فَإِنَّهُ لي زَكاةً وَلَكُمْ نَجاةً ، وأَمَّا البَراءَةُ فَلا تَتَبَرُؤُا مِنّي، فَإِنِّي وُلْدِتْ عَلَى الفِطْرَةِ، وسَبَقْتُ إلى الإيمانِ وَالهِجْرَة» (1.)### اللغة(ظهر عليه غلب و (رحب البلعوم) واسعه والبلعوم بضم الباء مجرى الطعام في الحلق و (المندحق) البارز من اند حقت رحم الناقة إذا خرجت من مكانه و (الفطرة) بالكسر الخلقة والمراد بها الإسلام .)### الإعرابأما بالفتح والتخفيف حرف استفتاح بمنزلة ،ألا قال الرّضي كأنهما مركبان من همزة الإنكار وحرف النّفي، ونفي النفي إثبات ركبا لإفادة الإثبات والتحقيق وقول الشارح البحراني يحتمل أن يكون المشدّدة والتقدير، أما بعد إنّه كذا فيه أنّ إما الشرطية يلزمها الفاء بعدها اللازمة للشرط ولا يجوز حذفها إلا في مقام الضرورة قال الشاعر :فأما القتال لا قتال لديكموأيضاً فإنّهم قد قالوا في كتب الأدبية، إن أما بعد أصله مهما يكن من شيء بعد الحمد، فوقعت كلمة أما موقع اسم هو المبتدأ وفعل هو الشرط، وتضمّنت معناهما فتلضمنها معنى الابتداء لزمها لصوق الاسم اللازم للمبتدأ أداء بحق ما كان وإبقاء له بقدر الإمكان، ولتضمّنها معنى الشرط لزمتها الفاء، فعلى ما ذكروه يستلزم حذف كلمة بعد القائها عن أصلها وعدم أداء الحق الواجب مراعاته.### المعنىاعلم أن هذا الكلام له علیه السلام إخبار ببعض ما يبتلى به أهل الكوفة بعده، وأمر لهم بما يجب عليهم أن يعملوه حين الابتلاء بتلك البلية فخاطبهم بقوله : (أما إنه سيظهر عليكم بعدي
1) وسائل الشيعة : 228/16 ح 21431 ، والغارات : 659/2 .
رجل أكول (رحب البلعوم مندحق البطن) وهو لفرط حرصه بالأكل (يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد) وحيث أدركتموه (فاقتلوه) لعدوله عن طريق السداد وكونه من أهل الزندقة والإلحاد (ولن تقتلوه ألا وإنه سيأمركم بسبي) لشدّة ما فيه من الكفر والنفاق (وبالبراءة مني) لغلبة ما عليه من البغضاء والشقاق، (فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة) إذ ذكر المؤمن بسوء هو زكاة له وسبّه ما ليس فيه هو زيادة في جاهه وشرفه كما ورد في الحديث (ولكم نجاة) إذ مع السب يرتفع التهمة عنكم ولا يؤخذ بأعناقكم ، (وأما البراءة فلا تتبرءوا منّي) وذلك (فإنّي ولدت على الفطرة) أي: على فطرة الإسلام التي فطر النّاس عليها، (وسبقت) الناس (إلى الإيمان والهجرة) .)وفي هذا الكلام نكات شريفة ينبغي الإشارة إليها، الأول:إنّ هذا الكلام له علیه السلام إخبار بما يكون قبل كونه بإعلام من الله وتعليم من رسول الله ، ونحو هذا قد وقع منه علیه السلام كثيراً فوق حد الإحصاء في الوقائع الملحمة والخطوب المعظمة حسبما يأتي في شرح الخطبة الثانية والتسعين وغيرها أيضاً، ولا بأس بالإشارة إلى نبذ منها هنا .مثل ما عن كتاب الغارات لإبراهيم بن هلال الثقفي عن زكريا بن يحيى العطار عن ،فضیل، عن محمّد بن علي عليهما السّلام، قال : قال لما قال علي علیه السلام : «سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها»، قام إليه رجل فقال : أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر، فقال له علي علیه السلام : والله لقد حدثني خليلي أن على كل طاقة شعر من رأسك ملكاً يلعنك، وأن على كل طاقة شعر من لحيتك شيطاناً يغويك، وإن في بيتك سخل يقتل ابن رسول الله وكان ابنه قاتل الحسين يومئذٍ طفلاً يحبو، وهو سنان بن أنس النخعي (1.)وروى الحسن بن محبوب، عن ثابت الثّمالي، عن سويد بن غفلة أن علياً خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال : يا أمير المؤمنين إنّي مررت بواد القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له فقال علیه السلام: «ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوانه حبيب بن حمّاد»، فقام رجل آخر من تحت المنبر فقال يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حمّاد وأني لك شيعة ومحب، فقال: وأنت حبيب بن حماد ؟ قال : نعم فقال له ثانية : والله إنّك لحبيب بن حمّاد؟ فقال أي والله قال : أما والله إنك لحاملها ولتحملتها ولتدخلن بها من هذا الباب، وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة، قال ثابت فوالله ما مت حتى رأيت ابن زياد وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته ،
1) شرح مئة كلمة : 252 ، والإمام علي (ع): 347 .
وحبيب بن حماد صاحب رايته ودخل بها من باب الفيل (1.)وروى عثمان بن سعيد، عن يحيى التميمي عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجا قال: قام أعشى بأهله وهو غلام يومئذٍ حدث إلى عليّ وهو يخطب ويذكر الملاحم فقال يا أمير المؤمنين ما أشبه هذا الحديث بحديث الخرافة فقال : إن كنت أثماً فيما قلت يا غلام فرماك الله بغلام ،ثقيف، ثم سكت فقال رجال ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟ قال: «غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك الله حرمة إلا انتهكها يضرب عنق هذا الغلام بسيفه» .فقالوا : كم يملك يا أمير المؤمنين؟ قال : عشرين إن بلغها قالوا : فيقتل قتلاً أم يموت ،موتاً قال بل يموت حتف أنفه بداء البطن يثقب مريره لكثرة ما يخرج قال إسماعيل بن رجا فوالله لقد رأيت بعيني أعشى بأهله وقد أحضر في جملة الأسرى الذين أسروا من جيش عبد الرحمن بن محمد الأشعث بين يدي الحجاج فقرعه وذبحه واستنشده شعره الذي يحرض فيه عبد الرحمن على الحرب، ثمّ ضرب عنقه في ذلك المجلس (2.)وروى إبراهيم بن ميمون الأزدي عن حبّة العرنى قال: كان جويرية بن مسهر العبدي صالحاً، وكان لعلي بن أبي طالب صديقاً، وكان علي يحبه ؛ وكان له شدة اختصاص به حتى دخل على عليّ يوماً وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك ، قال : فتبسّم أمير المؤمنين علیه السلام قال : «وأحدثك يا جويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيديه لتعتلن إلى العتل الزّنيم فليقطعن يدك ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر قال : فوالله ما مضت الأيام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية، فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب جذع ابن مكعبر وكان جذعاً طويلاً فصلبه على جذع قصير إلى جانبه (3.)وعن كتاب الغارات عن أحمد بن الحسن الميثمي :قال كان ميثم التمار مولى علي بن أبي طالب عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه علي منها وأعتقه وقال له ما اسمك؟ فقال: سالم فقال : إن رسول الله صلی لله علیه وسلم: أخبرني أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم، فقال: صدق الله وصدق رسوله وصدقت يا أمير المؤمنين فهو والله اسمي قال : فارجع إلى اسمك ودع سالماً فنحن تكنيك به فكناه أبا سالم .قال : وقد كان قد أطلعه علي على علم كثير وأسرار خفية من أسرار الوصية، فكان
ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك فيه قوم من أهل الكوفة وينسبون علياً في ذلك إلى المخرفةوالإيهام والتدليس.حتى قال له يوماً بمحضر من خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص : يا ميثم إنك تؤخذ بعدي وتصلب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دماً حتى يخضب لحيتك، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة يقضى عليك، فانتظر ذلك، والموضع الذي تصلب فيه نخلة على باب دار عمرو بن حريث، إنّك لعاشر عشرة أنت أقصرهم الأرض، ولأرينك النّخلة التي تصلب على جذعها، ثمّ أراه إياها بعد ذلك بيومين .وكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول : بوركت من نخلة لك خلقت، ولي نبت، فلم يزل يتعاهدها بعد قتل علي علیه السلام حتى قطعت فكان يرصد جذعها ويتعاهده ويتردّد إليه ويبصره، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: إنّي مجاورك فأحسن جواري، فلا يعلم ما يريد فيقول له : أتريد أن تشتري دار ابن مسعود : أم دار ابن حكيم؟قال : وحجّ في السنة التي قتل فيها، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها، فقالت له : من أنت؟ قال: عراقي فاستنسبته فذكر لها أنه مولى علي بن أبي طالب فقالت : وأنت ميثم؟ قال: أنا ميثم فقالت: سبحان الله والله لربما سمعت رسول الله يوصي بك عليّاً في جوف الليل، فسألها عن الحسين بن علي علیه السلام فقالت: هو في حائط له، قال: أخبريه أني قد أحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب العالمين إن شاء الله ولا أقدر اليوم على لقائه وأريد الرجوع.فدعت بطيب فطيب لحيته فقال لها : أما أنها ستخضب بدم، فقالت : مَنْ أنباك هذا؟ قال : أنبأني سيدي، فبكت أم سلمة وقالت له : إنّه ليس بسيدك وحدك وهو سيدي وسيد المسلمين، ثم ودعته .فقدم الكوفة فأخذ وأدخل على عبيد الله بن زياد وقيل له : هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب، قال : ويحكم هذا الأعجمي؟ قالوا: نعم، فقال له عبيد الله : أين ربك؟ قال: بالمرصاد ، قال : قد بلغني اختصاص أبي تراب لك، قال: قد كان بعض ذلك فما تريد؟ قال : وإنّه ليقال إنّه قد أخبرك بما سيلقاك، قال نعم : أخبرني.قال: ما الذي أخبرك أني صانع بك؟ قال : أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة وأنا أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة قال لأخالفنّه قال : ويحك كيف تخالفه؟ إنما أخبر عن رسول الله، وأخبر رسول الله عن جبريل، وأخبر جبريل عن الله ؛ فكيف تخالف هؤلاء، أما والله لقد عرفت الموضع الذي أصلب فيه أين هو من الكوفة، وإنّي لأوّل خلق الله الجم في
الإسلام بلجام كما يلجم الخيل، فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي، فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد إنّك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين، فتقتل هذا الجبار الذي نحن في حبسه وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخديه فلما دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد يأمره بتخلية سبيله وذاك أن أخته بن عمر بن الخطاب فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد فشفع فأمضى كانت تحت عبد الله شفاعته وكتب بتخلية سبيل المختار على البريد، فوافى البريد وقد أخرج ليضرب عنقه فأطلق.وأما ميثم فأخرج بعده ليصلب، وقال عبيد الله : لأَمضين حكم أبي تراب فيك فلقاه رجل فقال له: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم؟ فتبسّم فقال وهو يؤميء إلى النخلة لها خلقت ولي غذيت، فلما رفع على الخشبة اجتمع النّاس حوله على باب عمرو بن حريث، فقال عمرو ولقد كان يقول لي إني مجاورك فكان يأمر جاريته كلّ عشيّة أن تكنس تحت خشبته وترشه وتجمر بالمجمر تحته .فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم ومخازي بني أمية وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد ؛ فقال ،الجموه فألجم فكان أوّل خلق الله ألجم في الإسلام، فلما كان اليوم الثاني فاضت منخراه رقمه دماً فلما كان اليوم الثالث طعن بحربة فمات، وكان قتله قبل قدوم الحسين علیه السلام العراق بعشرة أيام (1.)وروى صاحب «الغارات» عن زياد بن النّصر الحارثي :قال كنت عند زياد وقد أتي برشيد الهجري وكان من خواص أصحاب علي علیه السلام فقال له :زياد ما قال لك خليلك إنّا فاعلون بك؟ قال : تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني ! فقال زياد أما والله لأكذبن حديثه خلوا سبيله، فلما أراد أن يخرج قال ردّوه لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلم ، فقال : صلبوهخنقاً في عنقه، فقال رشيد : قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه؛ فقال زياد اقطعوا لسانه، فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال : خلوا عنّي أتكلم ،كلمة ، فنفسوا عنه، فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين أخبرني بقطع لساني، فقطعوا لسانه وصلبوه (2.)وفي «البحار» من كتاب كشف الغمة، من كتاب لطف التدبير لمحمد بن عبد الله الخطيب قال : حكي أنّ معاوية بن أبي سفيان قال لجلسائه بعد الحكومة : كيف لنا أن تعلم تؤول إليه العاقبة في أمرنا، قال جلساؤه: ما نعلم لذلك وجها، قال: فأنا أستخرج علم ذلك من عليّ فإنّه لا يقول الباطل.
فدعا ثلاثة رجال من ثقاته وقال لهم: أمضوا حتّى تصيروا جميعاً من الكوفة على مرحلة، ثمّ تواطأوا على أن تنعوني بالكوفة وليكن حديثكم واحد في ذكر العلة واليوم والوقت وموضع القبر، ومن تولى الصلاة عليه وغير ذلك حتى لا تختلفوا في شيء، ثمّ ليدخل أحدكم فليخبر بوفاتي، ثمّ ليدخل الثاني فيخبر بمثله، ثمّ ليدخل الثالث فليخبر بمثل خبر صاحبه وانظروا ما يقول عليّ .فخرجوا كما أمرهم معاوية، ثمّ دخل أحدهم وهو راكب مغذّ شاحب فقال له النّاس بالكوفة :من أين جئت؟ قال : من الشّام قالوا له: ما الخبر ؟ قال : مات معاوية ،فأتوا عليّاً علیه السلام فقالوا : رجل راكب من الشام يخير بموت معاوية فلم يحفل علي علیه السلام بذلك، ثمّ دخل آخر من الغد وهو مغذ فقال له النّاس : ما الخبر ؟ فقال : مات معاوية وخير بمثل ما خبر صاحبه ،فأتوا عليّاً علیه السلام فقالوا : رجل راكب يخبر بموت معاوية بمثل ما أخبر صاحبه ولم يختلف كلامهما ، فأمسك علي علیه السلام ثم دخل الآخر في اليوم الثالث فقال الناس ما وراءك؟ قال: مات ،معاوية فسألوه عما شاهد فلم يخالف قول صاحبيه، فأتوا عليّاً فقالوا: يا أمير المؤمنين صحّ الخبر هذا راكب ثالث قد خبر بمثل ما خبر صاحباه .فلمّا أكثروا عليه قال علي صلوات الله عليه، كلاً أو تخضب هذه من هذه يعني لحيته من هامته ويتلاعب بها ابن آكلة الأكباد، فرجع الخبر بذلك إلى معاوية هذا.والأنباء الغيبية منه علیه السلام متجاوزة عن حدّ الإحصاء، ولو أردنا أن نجمع منها ما يسعها الطاقة وتناولها يد التّتبع لصار كتاباً كبير الحجم، ويأتي بعض منها في تضاعيف الشرح، ومنها إخباره بغرق البصرة ومن في ضمنها وبقاء مسجدها كجؤجؤ سفينة في لجة بحر على ما مرّ إليه الإشارة في كلامه الحادي عشر (1.)### الثانياختلف الشّرّاح في الرجل الذي أخبر علیه السلام بظهوره على أهل الكوفة فقيل : هو زياد بن أبيه، وقيل: الحجاج بن يوسف ،وقيل المغيرة بن شعبة، والأكثرون على أن المراد به معاوية بن أبي سفيان لاتصافه بما وصفه علیه السلام به من التّهم وكثرة الأكل، وكان بطيناً يقعد بطنه إذا جلس على فخذيه ،وكان جواداً بالمال والصلاة وبخيلاً على الأكل والطعام.يقال : إنه مازح إعرابياً على طعامه، وقد قدم بين يديه خروف، فأمعن الأعرابي في أكله فقال له : ما ذنبه إليك أنصحك أبوه ، فقال الأعرابي : وما حنوك عليه أرضعتك أمّه ؛ وقد روي
1) بحار الأنوار: 33 /280 ، وكشف الغمة: 288/1.
أنهّ كان يأكل فيكبر، ثمّ يقول : ارفعوا فوالله ما شبعت ولكن مللت وتعبت (1.)قال في «شرح المعتزلي »تظاهرت الأخبار أن رسول الله صلی الله علیه و آله دعا على معاوية لما بعث إليه يستدعيه فوجده يأكل، ثم بعث فوجده يأكل فقال : اللهم لا تشبع بطنه قال الشاعر:وصاحب لي بطنه كالهاوية ***كأن في أمعائه معاويةويدل على ما ذكرنا من أنّ مراده علیه السلام بالرجل الموصوف معاوية قوله : أما إنَّه سيأمركم بسبي والبراءة منّي فإنّ غيره ممّن ذكرنا ،وإن كان يأمر بالبراءة والسّب أيضاً إلاّ أنّ هذا الملعون ابن الملعون قد أخذ ذلك شعاراً له ؛ وقد أمر الناس بالشام والعراق بسبه والبراءة منه، وخطب بذلك على منابر الإسلام حتّى صار ذلك سنة في أيام بني أمية على ما يأتي تفصيله في شرح الكلام السّابع والتسعين إلى أن قام عمر بن عبد العزيز، فأزاله .روى الجاحظ أن قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين إنك قد بلغت ما أملت ،فلو كففت عن لعن هذا الرجل ،فقال : لا والله حتّى يربو عليها الصغير ويهرم عليها الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلاً.وأمّا السبب في منع عمر بن عبد العزيز عن ذلك فهو على ما روي عنه أنّه قال: كنت غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود ،فمرّ بي يوماً وأنا ألعب مع الضبيان ونحن نلعن علياً، فكره ذلك ودخل المسجد فتركت الضبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي ،فلمّا رآني قام وصلّى وأطال في الصّلاة شبه المعرض عني حتّى أحسست منه بذلك، فلمّا انفتل من صلاته كلح في وجهي ،فقلت له ما بال الشيخ ،فقال لي :فقال لي: يا بني أنت اللاعن عليّا منذ اليوم، قلت: نعم، قال: فمتى علمت أنّ الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ يا أبتاه وهل كان عليّ من أهل بدر؟ فقال: ويحك وهل كانت بدر كلها إلا له، فقلت: لا أعود، فقال : الله إنك لا تعود، قلت: نعم، فلم ألعنه بعدها .ثمّ كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب يوم الجمعة وهو حينئذٍ أمير المدينة، فكنت أسمع يمرّ في خطبة حتّى تهدر شقاشقه حتّى يأتي إلى لعن علي فيجمجم ويعرض له من الفهامة والحصر ما الله عالم به، فكنت أعجب من ذلك فقلت له يوماً : أنت أفصح الناس وأخطبهم، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك وإذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكنعيباً .فقال : يا بني إنّ من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم لو علموا من فضل هذا الرّجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد، فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قال لي معلمي
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 054/4 .
أيام صغري، فأعطيت الله عهداً لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأُغيّرن، فلما منَّ الله عليبالخلافة أسقطت ذلك وجعلت مكانه :(إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَنِ وَإِيتَاي ذِي الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90 ] .)وكتب به إلى الآفاق فصار سنّة، وعن مروج الذهب جعل مكانه :(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10 ] . وفي هذا المعنى قال السّيد الرّضي رحمه الله عليه :
یا ابن عبد العزيز لو بكت العين ***فتاً من أمية لبکیتك
غیر أنّي أقول إنّك قد طبت ***وإن لم يطب ولم يزل بيتك
أنت نزهتنا عن السب والقذف ***فلو أمكن الجزاء جزيتك
ولو إني رأيت قبرك لاستحييت ***من أن أرى وما حبّبتك
وقليل أن لو بذلت دماء البدن ***صرداً على الذي الذي أسقيتك
دير سمعان فيك نادى أبي حفص ***يؤدي لو أنني أوتيتك
دیر سمعان لا أعبك غيث ***خير ميت من آل مروان ميتك
أنت بالذكر بين عيني وقلبي ***إن تدانيت منك أو إن نأيتك
وعجبت إنّي قليت بني مروان ***كلا وأنّني ماقليتك
قرب العدل منك لما نأى الجور ***منهم فاحتويتهم واجتبيتك
فلو أنّي ملكت دفعاً لما نابك ***من طارق الرّدي لفديتك
الثالث
لقائل أن يقول : ما الفرق بين السّبّ والتبرّي حيث رخص في الأَول ونهى عن الثاني مع
أنّ السّب أفحش من التبرّي .
قال الشارح المعتزلي : لأنّ هذه اللفظة ما وردت في القرآن العزيز إلاّ عن المشركين ألا
ترى إلى قوله :
(براءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة : 1] وقال تعالى : (أَنَّ اللهَ
بَرِىهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُه) [التوبة : 3] .
فقد صارت بحسب العرف الشرعي مطلقة على المشركين خاصّة، فإذن يحمل هذا النهي
على ترجيح تحريم لفظ البراءة على لفظ السّبّ، وإن كان حكمهما واحداً.
أقول :والتحقيق في الجواب ما ذكره الشارح البحراني حيث قال : إنّ السّب من صفات
القول اللساني وهو أمر يمكن إيقاعه من غير اعتقاده احتماله التعريض، ومع ما يشتمل عليه من حقن دماء المأمورين ونجاتهم بامتثال الأمر به، وأمّا التبرؤ فليس بصفة قولية فقط بل يعود إلى المجانبة القلبية والمعاداة والبغض وهو المنهي عنه ههنا ،فإنّه أمر باطن يمكنهم الانتهاء عنه ولا يلحقهم بسبب تركه وعدم امتثال الأمر به ضرر وكأنه لحظ فيه قوله تعالى :
(إِلَّا مَنْ أُكُْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَين باَلايمينِ ولَكِن مَن شَرَحَ بِِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) [النحل: 106] الآية .
ومحصّله إرجاع النّهي عن التّبري في قوله : ولا تتبرّوا على التّبري بالقلب دون التبري بمجرد اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان، ويدل على ذلك ما يأتي في حديث الطبيب اليوناني مع أمير المؤمنين علیه السلام في شرح الفصل الأَول من الخطبة المائة والسابعة ،من أمره علیه السلام له بإظهار التبري في مقام التّقية، ويستفاد من بعض الأَخبار أن ترك كلمة الكفر والصبر على القتل أفضل من التقيّة وهو ما رواه المحدّث الجزائري.
قال في «زهر الرّبيع »روي أنّ مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من المسلمين فقال لأحدهما : ما تقول في محمّد ؟ قال :رسول الله صلی الله علیه و آله قال : فما تقول في؟ قال: أنت أيضاً، فخلاه، وقال للآخر فما تقول في محمّد ؟ قال رسول الله ،قال: فما تقول في؟ قال: أنا
أصم ،فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه الأول فقتله، فبلغ ذلك رسول الله فقال: أمّا الأوّل فقد أخذ
برخصة الله ،وأمّا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له .
از جمله کلام بلاغت انجام آن حضرت است که فرمود به اصحاب خود: آگاه باشید که زود باشد غالب شود بر شما بعد از من مردی گشاده گلوی برآمده شکم که میخورد آن چه را که یابد و می جوید آن چه را که نیابد؛ منظور معاوية بن ابي سفيان عليه اللعنة و النيران است.
پس بکشید آن را و حال آن که هرگز نخواهید کشت؛ بدانید به درستی زود باشد که امر نماید شما را آن مرد به ناسزا گفتن به من و به تبرّی کردن از من. پس اما ناسزا ،گفتن پس ناسزا گویید مرا از جهت این که آن ناسزا گفتن شما باعث پاکیزگی من است و سبب نجات و خلاصی شما است و اما برائت و بیزاری پس تبرّی نکنید از جهت این که من مولود شده ام بر فطرت اسلام و پیشی گرفته ام بر هجرت و ایمان و معلوم است کسی که متّصف به این صفت باشد تبری از او جایز و سزا نیست ،بلکه باعث عذاب ابدی است و سبب عقاب دائمی.
«أَصابَكُمْ حاصِبٌ ، ولا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرُ، أَبْعَدَ إِيماني بِاللَّهِ وَجِهادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلی الله علیه و آله أَشْهَدُ عَلى نَفْسِي بِالْكَفْر ، لَقَدْ ضَلَلْتُ إذا وما أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الأَعْقابِ ،أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقُونَ بَعْدي ذلاً شاملاً ، وسَيْفاً قاطعاً، وأَثْرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّة» (1).
(الحاصب) الريح الشديدة التي تثير الحصباء، وهي صغار الحصى قال أبو نواس :
كأن صغري وكبري من فواقعها ***حصباء درّ على أرض من الذهب
قال السّيد قوله : (ولا بقي منكم آبر) يروى بالراء من قولهم أبر للذي يأبر النخل أي يصلحه، ويروى آثر وهو الذي يأثر الحديث أي يحكيه ويرويه، وهو أصح الوجوه عندي كأنّه قال : لا بقي منكم مخبر، ويروى آبز بالزاء المعجمة وهو الوائب والهالك يقال له أيضاً آبز انتهى.
استئثار وهو وقيل : يجوز أن يكون المراد بالآبر النمام و (آب) يَؤوب رجع و (الأعقاب) جمع عقب بالكسر وهو مؤخّر القدم وأثرها وعلامتها و (الأثرة) بالفتحات اسم من بالشيء والتّفرد به أو من آثر إيثاراً إذا أعطى.
جملة : أصابكم حاصب ولا بقي منكم آبر ،دعائية لا محلّ لها من الإعراب، وكلمة : بعد ظرف لغو متعلق بقوله : أشهد، والفاء في قوله: فأوبوا ،فصيحة ،وجملة: يتّخذها الظالمون في محلّ النّصب على الوصفيّة .
اعلم أن المرويّ في عدة من شروح الكتاب، وفي «البحار» هو أنّ الخوارج لمّا اعتزلوا منه وتنادوا من كلّ ناحية لا حكم إلاّ لله الحكم الله يا علي لا لك، وقالوا : بأننا أخطأنا فرجعنا وتبنا فارجع إليه أنت وتب، وقال بعضهم : اشهد على نفسك بالكفر، ثمّ تب منه، حتّى نطيعك، على ما مرّ تفصيل ذلك كلّه في «شرح الخطبة »السّادسة والثلاثين والكلام الأربعين
1) الغارات 492/2 ، بحار الأنوار: 36/33 ح 594 .
أيضاً أجابهم بهذا الكلام فقال :( أصابكم حاصب )وهو كناية عن العذاب وقيل : أي أصابكم حجارة من السماء (ولا بقي منكم آبر) وهو دعاء عليهم بانقطاع نسلهم كما قال نوح :
(وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلدُوا إِلَّا
فاجرا كَفَّارًا )[نوح: 26 - 27] .
ثم نبّه على إنكار مقالتهم وطلبهم شهادته على نفسه بالكفر بقوله: (أبعد إيماني بالله
وجهادي مع رسول الله صلی الله علیه و آله أشهد على نفسي بالكفر) والخطأ، (لقد ضللت إذا وما أنا المهتدين) إذ الشهادة على النّفس بالكفر مع وجود الإيمان الرّاسخ ضلال عن الهدى وعدول عن الرّشاد لا محالة .
قال المبرّد ومن شعر أمير المؤمنين علیه السلام الذي لا اختلاف فيه أنّه قال : «وكان يرووه أنّهم لمّا سألوه أن يقرّ بالكفر ويتوب حتّى يسيروا معه إلى الشام فقال : أبعد صحبة رسول الله والتّفقّه في دين الله أرجع كافراً»، ثم قال علیه السلام:
يا شاهد الله عليّ فاشهد*** إنّي على دين النّبي أحمد
من شك في الله فإنّي مهتدي ****يا ربّ فاجعل في الجنان موردي (1)
وقوله : (فأوبوا شرّ مآب وارجعوا إلى أثر الأعقاب )قيل : هو أمر لهم بالرجوع والإياب إلى الحقّ من حيث خرجوا منه قهراً كان القاهر يضرب في وجوههم بردّهم على الأعقاب والرّجوع هكذا شرّ الأنواع ، وقيل : هو دعاء عليهم بالذّل وانعكاس الحال، قال العلامة المجلسي (ره) : ويحتمل أن يكون الأمر على التهديد كقوله تعالى :
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكم [التوبة : 105].)(أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً وهو كناية عن ابتلائهم بعده بالقتل والاستئصال ،وقد كان الأمر بعده على ما أخبر ،وقتلوا بيد مهلب وغيره حتى أفناهم الله تعالى، وتفصيل أحوالهم واستئصالهم ومقاتلتهم مع المهلب مذكور في «شرح المعتزلي »من أراد الاطلاع فليرجع إليه، (وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة) يعني أنّ الظالمين يختارون لأَنفسهم في الفيء والغنائم أشياء حسنة، وينفردون بها، أو أنهم يفضلون غيركم عليكم في نصيبكم ويعطونهم دونكم.)
1) البحار : 353/33 .
### الترجمةاز جمله کلام آن حضرت است که تکلم کرده به آن با خوارج در وقتی که ایشان گفتند ما و تو به جهت تحکیم خطا نمودیم و کافر شدیم و ما از کفر خود توبه نمودیم ،بایست تو هم شهادت بدهی بر نفس خود با کفر و توبه کنی از آن، پس تعرّض فرمود به ایشان و گفت که :برسد به شما عذاب و باقی نماند از شما مصلح کارساز ،آیا بعد از ایمان آوردن من به حضرت پروردگار و مجاهده نمودن من با رسول مختار شهادت بدهم بر نفس خود به کافر شدن و از دین برگشتن، هرآینه گمراه باشم این هنگام که شهادت بر کفر خود دهم و نباشم از هدایت یافتگان ،پس برگردید از بدترین جای بازگشت به سوی حق و رجوع نمایید به حق براثر پاشنه های خود ،آگاه بشوید که شما زود باشد که ملاقات نمایید بعد از من به خواری فراوان و به شمشیر بران و به اشیاء نفسیه ای که فراگیرند آن را ظالمان در شما سنه جاریه؛ یعنی بعد از من ظالمین خوب ترین مال های شما را از شما می گیرند و به جهت خودشان اختیار می نمایند و این سنت می شود در میان شما .
## وقال علیه السلام لما عزم على حرب الخوارج وهو الثامن والخمسون من المختار في باب الخطب### اشارةوقيل له : إنّهم قد عبروا جسر النهروان:«مصارعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ وَالله لا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ ولا يَهْلِكُ مِنْكُم عَشَرَةٌ » (1.)قال السّيد: يعني بالنطفة ماء النهر، وهي أفصح كناية عن الماء، وإن كان كثيراً جمّاً، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مضي ما أشبهه .### اللغة(الجسر معروف و (الصّرع) الطرح على الأرض والمصرع يكون موضعاً ومصدراً، والمراد هنا موضع هلاكهم، و (النطفة) بالضم الماء الصافي قل أو كثر، والنطفتان في الحديث بحر المشرق والمغرب، أو ماء الفرات وبحر جدة، والمراد بها هنا كما ذكره السيد (ره) ماء النهروان، وقد مضى التعبير بها أيضاً في الخطبة السابعة والأربعين و (الإفلات) والتفلت والانفلات التخلص من الشيء فجأة .)### الإعرابكلمة: لما في كلام السيد ظرفيّة بمعنى حين، وجملة : قيل له عطف على عزم، وقوله: مصارعهم دون النطفة في محلّ النصب مقول لقال .### المعنىاعلم أن قوله: «مصارعهم دون النطفة والله لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منكم عشرة إخبار عمّا يكون قبل كونه وهو من معجزاته المتواترة.وروي أنّه لما قتل الخوارج وجدوا المفلت منهم تسعة، تفرّقوا في البلاد، فانهزم اثنان منهم إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل موزون، فظهرت بدعهم في البلاد وصاروا فرقاً كثيراً على ما ستطلع عليه في شرح كلامه الآتي، ووجدوا المقتول من أصحابه ثمانية ويمكن أن يكون خفي على القوم مكان واحد من المقتولين أو يكون التعبير بعدم إهلاك العشرة للمشاكلة والمناسبة بين القريتين .
1) شرح أصول الكافي : 285/6 ، وبحار الأنوار: 36/33 - 594 .
### تذكرةقد مضى في «شرح الخطبة» السادسة والثلاثين أسماء المقتولين من أصحابه، ومضى أيضاً في شرح كلامه الخامس والثلاثين سند تلك الرواية ونقلها من العلامة المجلسي من كتاب الخرائج عن جندب بن زهير .وأقول هنا مضافاً إلى ما سبق: إنّه روى عن المدائني في كتاب الخوارج، أنه لما خرج علي إلى أهل النهروان أقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض حتى انتهى إلى علي فقال : البشرى يا أمير المؤمنين قال ما بشراك؟ قال : إن القوم عبروا النهر لما أبلغهم وصولك فأبشر، فقد منحك الله أكتافهم؛ فقال : الله أنت رأيتهم قد عبّروا قال: نعم، فأحلفه ثلاث مرات في كلها يقول نعم فقال : والله ما عبروا ولن يعبروا وإنّ مصارعهم لدون النطفة والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لن يبلغوا إلا ثلث ولا قصر بوران حتى يقتلهم الله ، وقد خاب من افترى .قال : ثمّ أقبل فارس آخر يركض فرسه فقال كقول الأوّل فلم يكترث علیه السلام بقوله،وجاءت الفرسان كلها تركض وتقول مثل ذلك فقام فجال في متن فرسه.قال : فقال شاب من الناس والله لأكونن قريباً منه، فإن كان عبروا النهر لأجعلن سنان رمحي في عينه أيدعي علم الغيب فلما انتهى عليّ إلى النّهر وجد القوم، قد كسروا جفون سيوفهم وعرقبوا خيولهم وحبوا على ركبهم وتحكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له نرجل فنزل ذلك الشاب فقال : يا أمير المؤمنين إنّي كنت شككت فيك آنفاً وإنّي تائب إلى الله وإليك فاغفر لي فقال علي: إنّ الله هو الذي يغفر الذنوب فاستغفره» (1.)### تنبيه وتحقيققال الشارح المعتزلي : هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة، لاشتهاره ونقل الناس له كافة وهو من معجزاته وإخباره المفصلة عن الغيوب (2.
1) البحار 33/ 348 .
2) علم آل محمد للغيب)قال رجب البرسي وها إننا نورد في هذا الفصل شمة من أسرار الأئمة الهداة والبررة السادات والميامين الولاة، ونطقهم بالمغيبات، وإظهارهم الكرامات وإبرازهم الخفيات توبيخاً لأهل الجهالات الذين أنكروا هذه الحالات، ومنعوا هذه الصفات وزعموا أنهم من العداة.وكيف لا يطلعون على الغيب؟وعلمه واجب لهم من وجوه الأوّل أن الله سبحانه سطر في اللوح المحفوظ علم ما كان وما يكون، ثم أبرز إلى كل نبي منهم ما يكون له ولأوصيائه إلى ظهور الشريعة التي تأتي بعده حتى ختمت الرسل بفاتحهم، وختمت الشرايع بخاتمها، فوجب أن يكون عنده علم ما سبق وما يلحق إلى يوم القيامة، لكونه خاتماً لأن كتابه الجامع المانع، ثم إنه ليلة المعراج لما وصل المقام الأسنى، وكان قاب قوسين أو أدنى، وعلا على اللوح المحفوظ رفعة وعلماً، وخوطب من الأسرار الإلهية بما ليس في اللوح، فكان علم الغيب الأول والآخر عنده وله، بل هو اللوح المحفوظ لأنه السابق على الكل وجوداً، والحمد للكل جوداً، فعلم ما كان وما يكون عنده وعند أوصباته مشارق : 107 .أقول : الذي يدعي علم الغيب للإمام والنبي : لا يدعيه على نحو الاستقلالية، بل يدعي أن الله أطلع نبيه وأهل بيته على الأمور الغيبية التي لم يطلع عليها أحداً .وإن شئت قلت: علم الغيب لذات الشخص وبلا توسط من الغير هو العلم الثابت لواجب الوجود والذي هو عين الذات، وهذا مختص بالله ولغيره كفر .أمّا العلم بالغيب الذي هو بتوسط الله تعالى وليس هو عين الذات، فهذا الذي علمته الأئمة ورسول الله صلی الله علیه وسلم وعليه دلت الآيات والروايات :فعن أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال : «والله لقد أعطينا علم الأولين والآخرين».فقال له رجل من أصحابه : «جعلت فداك أعندكم علم الغيب؟فقال له علیه السلام: «ويحك إنّي أعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ويحكم وسعوا صدوركم ولتبصر أعينكم ولتع قلوبكم، فنحن حجّة الله تعالى في خلقه ولن يسع ذلك إلا صدر كلّ مؤمن قوي قوته كقوة جبل تهامة إلا بإذن الله والله لو أردت أن أحصي لكم كل حصاة عليها لأخبرتكم بحار الانوار: 28/26 ح28 باب جهات علومهم عن مناقب آل أبي طالب : 374/3 .وقال رسول الله لعلي 8 : «إنّ الله أطلعني على ما شاء من غيبه وحياً وتنزيلاً واطلعك عليه إلهاماً» مشارق أنوار اليقين : 135. 136 و 25 وفي بحار الأنوار: 4/26 ح1: «أنا صاحب اللوح المحفوظ الهمني الله علم ما فيه ».وقيل لأبي جعفر علیه السلام:إن شيعتك تدعي أنك تعلم كيل ما في دجلة . وكانا جالسين على دجلة .فقال له أبو جعفر علیه السلام: «يقدر الله عز وجل أن يفوض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه؟»قال : نعم .فقال علیه السلام : «أنا أكرم على الله من بعوضته» ثم خرج إثبات الوصية : 191 - 192.وقال أمير المؤمنين علیه السلام في خطبة يصف فيها الإمام: «فهو الصدق والعدل . يطلع على الغيب ويعطى التصرف على الإطلاق» بحار الأنوار: 170/25 ح 38 و مشارق أنوار اليقين : 115.وقال الإمام الصادق علیه السلام: «يا مفضل من زعم أن الإمام من آل محمد يعزب عنه شيء من الأمر المحتوم فقد كفر بما نزل على محمّد، وإنا لنشهد أعمالكم ولا يخفى علينا شيء من أمركم، وإن أعمالكم لتعرض علينا، وإذا كانت الروح وارتاض البدن أشرقت أنوارها وظهرت أسرارها وأدركت عالم الغيب مشارق أنوار اليقين : 138 .وقال أمير المؤمنين علیه السلام: «والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا في رسول الله صلی الله علیه وسلم، ألا وإني مفضيه إلى الخاصة نهج البلاغة: 250 الخطية 175 . وقالت عائشة للإمام الحسن علیه السلام بعد أن أخبرها بما فعلته يوم وفاة الأمير ولم يطلع عليه أحد سواها: يا ابن خبوت جدّك وأبوك في علم الغيب، فمن ذا الذي أخبرك بهذا عنّي !! الهداية الكبرى : 197 198 ، ذيل الباب الرابع.وعندما أخبرها بخفايا ضميرها وما أخبرها به رسول الله صلی الله وسلم من حربها الأمیر علیه السلام من قالت: جدّك أخبرك بذلك أم هذا من غيبك؟!قال علیه السلام: هذا من علم الله وعلم رسوله وعلم أمير المؤمنين الهداية الكبرى: 197 198 ، ذيل الباب الرابع.وقال الإمام الحسن العسكري علیه السلام لمن سأله عن القائم المنتظر عجل الله فرجه : «ألسنا قد قلنا لكم لا تسألونا عن عن علم الغيب فنخرج ما علمنا منه إليكم فيسمعه من لا يطيق استماعه فيكفر» الهداية الكبرى: 334 باب 13 .وعن الإمام زين العابدين علیه السلام: «ألا إن للعبد أربع أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح له العينين في قلبه فأبصر بهما الغيب في أمر آخرته] وأمر آخرته [الخصال: 240/1 ح 90 باب الأربعة.ورواه المتقي الهندي في كنز العمال بلفظ : «ما من عبد إلا وفي وجهه عينان يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد بعبد خيراً فتح عينيه اللتين في قلبه ؛ فأبصر بهما ما وعده بالغيب، فآمن بالغيب على الغيب» كنز العمال: 42/2 ح 3043 .وفي قصة أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة ما يؤكد علم الإمام الكاظم علیه السلام الغيب حيث قال أحدهما لصاحبه: جئنا لنسأله عن الفرض والسنّة وهو الآن جاء بشيء من علم الغيب.فسألاه: من أين أدركت أمر هذا الرجل الموكل بك أنه يموت في هذه الليلة؟قال الإمام علیه السلام: «من الباب الذي أخبر بعلمه رسول الله صلی الله علیه وسلم علي بن أبي طالب علیه السلام» الخرائج والجرايح : 387 - 288 الباب الثامن.وأيضاً في قصة إخبار الإمام الرضا علیه السلام ابن هذاب بما يجري عليه ما يزيل الشك في الباب حيث قال علیه السلام له:« إن أخبرتك أنك ستبلى في هذه الأيام بذي رحم لك كنت مصدّقاً لي؟»قال : لا ، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى .قال علیه السلام: «أوليس الله يقول : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فرسول الله صلی الله علیه وسلم عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وإن الذي أخبرتك يا ابن هذاب لكائن إلى خمسة أيام فإن لم يصح ما قلت فيهذه المدة، وإلا فإنّي كذاب ،مفتر، وإن صح فتعلم أنك الواد على الله وعلى رسوله.ولك دلالة أخرى فتصاب ببصرك وتصير مكفوفاً فلا تبصر سهلاً ولا جبالاً وهذا كائن بعد أيام.ولك عندي دلالة أخرى أنّك ستحلف يميناً كاذبة فتضرب بالبرص» .قال محمد بن الفضل : بالله لقد نزل ذلك كله بابن هذاب الخرائج والجرايح : 306 الباب التاسع.* أقول : هذه رواية صريحة في علمهم للغيب لا ينكرها إلا ناصبي .وعن أمير المؤمنين علیه السلام في خطبة له :«والإمام يا طارق بشر ملكي وجسد سماوي، وأمر إلهي وروح قدسي، ومقام علي ونور جليّ وسرّ خفي، فهو ملك الذات إلهي الصفات زائد الحسنات عالم بالمغيبات؛ خصاً من ربّ العالمين ونصاً من الصادق الأمين بحار الأنوار: 172/25 ح 38 باب جامع في صفات الإمام .وعن أبي جعفر الجواد علیه السلام لما أخبر أمّ الفضل بنت المأمون بما فاجأها مما يعتري النساء عند العادة.قالت له : لا يعلم الغيب إلا الله .قال علیه السلام: «وأنا أعلمه من علم الله تعالى» الإرشاد إلى ولاية الفقيه : 254 .* أقول: وهذه رواية أخرى تنص على علمهم للغيب فلا تغفل وأزل الشك من قلبك.وفي خطبة لأمير المؤمنين يذكر فيها صفات الإمام جاء فيها: «ويلبس الهيبة وعلم الضمير ويطلع على الغيب ويعطى التصرّف على الإطلاق مشارق أنوار اليقين: 115 .هذا إضافة إلى روايات إخبارهم بأمور غيبية جزئية ليس هنا محل ذكرها. وقال تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول [الجن: 26].)قال الإمام الرضاء الله العمرو بن هذاب عندما نفى عن الأئمة: علم الغيب محتجاً بهذه الآية: إن رسول الله هر المرتضى عند الله ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على غيبه فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة بحار الأنوار: 22/12 و 74/15 . وقال أبو جعفر علیه السلام: «(إلا من ارتضى من رسول) وكان والله محمد ممن ارتضاه» الإرشاد الى ولاية الفقيه : 257 ، وقريب منه في الخرائج والجرايح : 306 .)وقال : ذلك (من أنباء الغيب نوحيه إليك . تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك [آل عمران 44 هود 49 يوسف : 102].)وقال : (وعلمك ما لم تكن تعلم [النساء : 113] ، وهي عامة .)(وكل شيء أحصيناء في إمام مبين [يس: 12]. والإمام المبين هو أمير المؤمنين علي ج ينابيع المودة: 1/ 77 ط . اسلامبول و 87 ط . النجف، وتفسير نور الثقلين: 379/4 مورد الآية والهداية الكبرى : 98 الباب 87 الثاني والأنوار النعمانية : 47/1 و : 18/2 .)وقال تعالى : (وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين 1 [يونس: 61 ، وسبأ: 3].)وقال عز من قائل : (وكل شيء أحصيناه كتاباً [النبأ: 29] وهم الكتاب المبين ينابيع المودة : 81/1 ط النجف و 1 / 71 ط . تركيا ومشارق أنوار اليقين : 136.)وقال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء [الأعراف: 156].)فروي عن الإمام الباقر علیه السلام في تفسيرها :« علم الإمام، ووسع علمه الذي هو من علمه كل شيء» نور الثقلين : 78/2 ح 288 عن الكافي .وقال أمير المؤمنين علیه السلام: «أنا رحمة الله التي وسعت كل شيء» الهداية الكبرى : 400 .
والأخبار على قسمين:أحدهما: الأَخبار المجملة ولا إعجاز فيها نحو أن يقول الرجل لأصحابه : إنّكم
ستنصرون على هذه الفئة التي تلقونها غداً، فإن نصر جعل ذلك له حجة عند أصحابه وسماها معجزة، وإن لم ينصر قال لهم: تغيرت نياتكم فمنعكم الله نصره ونحوه ذلك من القول .
والقسم الثاني: الأخبار المفصلة عن الغيوب مثل هذا الخبر، فإنّه لا يحتمل التلبيس لتقييده بالعدد المعين في أصحابه، وفي الخوارج ووقوع الأمر بعد الحرب بموجبه من غير زيادة ولا نقصان وذلك أمر إلهي عرفه من جهة رسول الله وعرفه رسول الله من جهة الله سبحانه، والقوة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا، ولقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره.وبمقتضى ما شاهد النّاس من معجزاته وأحواله المنافية للقوى البشرية، غلا فيه من غلا ،حتى نسب إلى أن الجوهر الإلهي حلّ في بدنه كما قالت النّصارى في عيسى، وقد أخبره النبي صلی الله علیه وسلم بذلك، فقال : «يهلك فيك محبّ غال ومبغض قال، وقال له تارة: «والذي
نفسي بيده لولا أني أشفق أن يقول طوائف من أمّتي فيك ما قالت النّصارى في ابن مريم لقلت : اليوم فيك مقالاً لا تمر بملأ من النّاس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة» (1. قال الشّارح: وأوّل من جهر بالغلو في أيّامه عبد الله بن سبأ قام إليه وهو يخطب فقال له أنت أنت وجعل يكرّرها، فقال له ويلك من أنا، فقال : أنت الله فأمر بأخذه وأخذ قوم كانوا على رأيه .)وروى أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمّار الثقفي عن علي بن محمّد بن سليمان النوفلي عن أبيه وعن غيره من مشيخته أنّ عليّاً قال: يهلك في رجلان: محبّ مطر يضعني غير موضعي ويمدحني بما ليس فيّ ومبغض مفتر يرميني بما أنا منه بريء.قال أبو العباس: وهذا تأويل الحديث المروّي عن النبي صلی الله علیه وسلم فيه وهو قوله صلی الله علیه وسلم: «إنّ فيك مثلاً عن عيسى بن مريم، أحبته النّصارى فرفعته فوق قدره ،وأبغضته اليهود حتّى بهتت أمّه ».قال أبو العباس : وقد كان علي عثر على قوم خرجوا من محبته باستحواذ الشيطان عليهم إلى أن كفروا بربهم وجحدوا ما جاء به نبیّهم واتّخذوه رباً وإلهاً وقالوا : أنت خالقنا ورازقنا فاستتابهم وتوعدهم فأقاموا على قولهم فحفر لهم حفراً دخن عليهم طمعاً في رجوعهم فأبوا فحرقهم بالنّار (2.)قال الشّارح: وروى أصحابنا في كتاب «المقالات» أنّه لما حرقهم صاحوا إليه : الآن ظهر لنا ظهوراً بينا أنك أنت الإله لأن ابن عمك الذي أرسلته قال : لا يعذّب بالنار إلاّ رب النّار (3.)وروى أبو العباس عن محمّد بن سليمان بن حبيب المصيصي عن علي بن محمّد النوفلي عن أبيه ومشيخته، أن علياً مرّ بهم وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً فقال : أسفر أم مرضى؟ قالوا :ولا واحدة ،قال: أفمن أهل الكتاب أنتم؟ قالوا: لا، قال: فما بال الأَكل فيشهر رمضان نهاراً؟ قالوا: أنت أنت لم يزيدوه على ذلك، ففهم مرادهم ونزل علیه السلام عن فرسه فألصق خده بالتراب ثمّ قال علیه السلام : ويلكم إنّما أنا عبد من عبيد الله فاتّقوا الله وارجعوا إلى الإسلام فأبوا فدعاهم مراراً فأقاموا على أمرهم فنهض عنهم، ثمّ قال شدّوهم وثاقاً وعلي بالفعلة والنّار والحطب ثم أمر بحفر بئرين فحفرنا فجعل أحدهما سرباً والأخرى مكشوفة وألقي الحطب في المكشوفة وفتح بينهما فتحاً وألقى النّار في الحطب فدخن عليهم وجعل
يهتف بهم ويناشدهم ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فأمر بالحطب والنّار وألقى عليهم فاحترقوا فقال الشاعر :لترم بي المنیة حيث شاءت ***إذا لم ترم بي في الحفرتيناذا ما حشتا طباً بنار ***فذاك الموت نقداً غير دينقال أبو العباس: ثمّ إن جماعة من أصحاب علي منهم عبد الله بن عبّاس شفعوا في عبد الله بن سبأ خاصّة وقالوا: يا أمير المؤمنين إنّه قد تاب فاعف عنه فأطلقه بعد أن اشترط عليه أن لا يقيم بالكوفة، فقال: أين أذهب؟ قال : المدائن فنفاه إلى المدائن فلما قتل أمير المؤمنين أظهر مقالته وصارت له طائفة وفرقة يصدقونه ويتبعونه .وقال : لمّا بلغه قتل علي علیه السلام: والله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة لعلمنا أنّه لم يمت ولا يموت حتّى يسوق العرب بعصاه، فلما بلغ ابن عباس ذلك قال : لو علمنا لما تزوّجنا نساءه ولا قسمنا ميراثه .قال أصحاب المقالات :واجتمع إلى عبد الله بن سبأ بالمدائن جماعة على هذا القول وتفاقم أمرهم وشاع بين النّاس قولهم وصار لهم دعوة يدعون إليها وشبهة يرجعون إليها وهي ما ظهر وشاع بين النّاس من إخباره بالمغيبات حالاَ بعد حال ،فقالوا: إنّ ذلك لا يمكن أن يكون إلاّ لله تعالى أو من حلت ذات الإله في جسده، ولعمري إنّه لا يقدر على ذلك إلاّ بأقدار الله تعالى إيّاه عليه، ولكن لا يلزم من إقداره إيّاه عليه أن يكون هو الإله أو تكون ذات الإله حالة فيه. هذا. وحيث أنجز الكلام إلى هذا المقام فلا بأس بأن نحقّق الكلام في معنى الغلو والتّفويض ونشير إلى بعض الآيات والأخبار الواردة فيهما، ونذكر وجوه التفويض وما ينبغي أن يدان به ويعتقد عليه.فأقول : قال الصدوق في اعتقاداته: اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنّهم كفار بالله جل جلاله وأنّهم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والقدريّة والحرورية ومن جميع أهل البدع والأَهواء المضلة ، وأنّه ما صغر الله جل جلاله تصغيرهم شيء وقال الله جلّ جلاله:(ما كَانَ ليشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُول لِلنَّاسِِ كُونُوا عباداً لي مِن دوُنِ الله ولاكن كونُوا رَبَّنئِنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِمُونَ الكتب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ 79، وَلَا يَأْمُرَكُمْ أََن تَتَّخِذُوا اَلملئِكَةَ وَالنَّبِيِنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ 80[آل عمران : 79-80] .وقال الله عز وجلّ:(لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى الله إلََّا الحَقِّ إِنَّمَا [النساء: 171].)واعتقادنا في النبي والأئمة أنّ بعضهم قتلوا بالسيف وبعضهم بالسم وأنّ ذلك جرى
عليهم على الحقيقة وأنّه ما شبه أمرهم كما يزعمه من يتجاوز الحدّ فيهم« إلى أن قال »وكان الرّضا علیه السلام يقول في دعائه:«اللّهمّ إنّي بريء إليك من الحول والقوّة، ولا حول ولا قوّة إلا بك، اللهم إنّي أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحقّ ،اللهم إنّي أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا، اللهمّ لك الحق ومنك الرزق وإياك نعبد وإياك نستعين، اللهمّ أنت خالقنا وخالق آباءَنا الأَولين وآباءَنا الآخرين، اللهمّ لا تليق الرّبوبية إلاّ بك، ولا تصلح الألوهيّة إلاّ لك، فالعن النّصارى الذين صغّروا عظمتك، والعن المضاهئين لقولهم من بريّتك.اللهم إنّا عبيدك وأبناء عبيدك، لا نملك لأَنفسنا نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ،ولا حياة ،ولا نشوراً، اللهمّ من زعم أنّنا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرّزق، فنحن منه براء كبراءة عيسى ابن مريم من النّصارى، اللهمّ إنّا لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدعون، ولا تدع على الأَرض منهم دياراً، إنّك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً» (1.)وروي عن زرارة أنّه قال : قلت للصادق علیه السلام إنّ رجلاً من ولد عبد الله بن سبأ يقول بالتّفويض، فقال: وما التّفويض؟ قلت : يقول إنّ الله خلق محمّداً وعليّاً صلوات الله عليهما ففوض الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأماتا وأحيبا ،فقال : «كذب عدوّ الله إذا انصرفت إليه فاتلعليه هذه الآية التي في سورة الرّعد .( اَم جعلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَفُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَه الخَلقُ عَلَيْهِم قُلِِ الله خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ» [الرعد: 16].)فانصرفت إلى الزجل فأخبرته بما قال الصادق علیه السلام، فكأنّي ألقمته حجراً أو قال: فكأنّما خرس وقد فوّض الله عزّ وجلّ إلى نبيه أمر دينه فقال عز وجل:(و وَمَا ءَاتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: 7] . وقد فوض ذلك إلى الأئمة عليهم السلام (2).
وعن «المفيد» في شرح هذا الكلام: الغلو في اللغة هو تجاوز الحدّ والخروج عن القصد قال الله تعالى :
(يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقِّ) [النساء: 171] الآیة.
فنهى عن تجاوز الحدّ في المسيح، وحذّر من الخروج عن القصد في القول، وجعل ما ادّعته النّصارى فيه غلوّاً لتعدية الحدّ على ما بيّناه ،والغلاة من المتظاهرين بالإسلام الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام إلى الألوهية والنّبوة، ووصفوهم من الفضل في الدّين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحدّ، وخرجوا عن القصد وهم ضالون كفّار حكم فيهم أمير المؤمنين بالقتل والتحريق بالنار وقضت الأئمة عليهم السلام عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام والمفوّضة صنف من الغلاة وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الأئمة وخلقهم، ونفي القدم عنهم وإضافة الخلق والرزق مع إليهم ، ودعواهم أن الله تفرد بخلقهم خاصة وأنه فوّض إليهم خلق العالم بما فيه وجميع الأفعال انتهى كلامه رفع مقامه (1).
وقال المحدّث العلامة المجلسي طاب ثراه : اعلم أنّ الغلو في النبي والأئمة عليهم الصلاة والسّلام إنما يكون بالقول بألوهيتهم، أو بكونهم شركاء الله تعالى في المعبودية أو في الخلق والرّزق، أو أن الله تعالى حلّ فيهم، أو اتحد بهم، أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى أو بالقول في الأئمة أنهم كانوا أنبياء أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض، أو القول بأنّ معرفتهم تغني عن جميع الطاعات ولا تكليف معها بترك المعاصي، والقول بكلّ منها إلحاد وكفر وخروج عن الدين كما دلت عليه الأدلة العقلية والآيات والأخبار.
وقد عرفت أنّ الأئمة عليهم السّلام تبرؤوا منهم وحكموا بكفرهم وأمروا بقتلهم وإن قرع سمعك شيء من الأخبار الموهمة لشيء من ذلك فهي إما مؤوّلة أو هي من مفتريات الغلاة، ولكن أفرط بعض المتكلمين والمحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة عليهم السّلام، وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم فقدحوا في كثير من الرواة الثقاة لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم من الغلو نفي السهو عنهم أو القول بأنهم يعلمون ما كان وما يكون وغير ذلك .
مع أنه قد ورد في أخبار كثيرة لا تقولوا فينا ربا وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا، وورد أن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، وورد لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله وغير ذلك.
فلا بد من المتدين أن لا يبادر برد ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم ومعالي أمورهم
إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة انتهى كلامه رفع مقامه .
1) تصحيح الاعتقادات : 133 ، والبحار : 345/25 .
وهو كاف في تحقيق المقام وتوضيح المرام وما ذكره (ره) هي الجادّة الوسطى والنمط الأوسط والصّراط المستقيم الذي ينبغي سلوكه والمذهب الحق الواجب أخذه ولزومه، فالرّاغب عنه ما رق واللازم له لا حق المقصر فيه زاهق.
وأما التفويض فالوارد في الأخبار الكثيرة المنع من القول به، وقد أكثروا فيها من ذمّ المفوّضة وتكذيبهم والتبرّي منهم ومن ذلك ذهب جمع من الأصحاب إلى نفيه والمنع من القول به، ولكن الإنصاف أنّ القول بالمنع مطلقاً ،تفريط، كما أنّ القول بثبوته مطلقاً إفراط إذ الأخبار في طرفي المنع والثبوت بالغة حد الإستفاضة لو لم تبلغ حد التواتر، فالعمل بإحدى الطائفتين وطرح الطائفة الأخرى بالمرة وإسقاطها عن درجة الإعتبار غير ممكن، فاللازم الأخذ بكلّ منهما في الجملة، ومقتضاه القول بالتفصيل في المسألة ويظهر ذلك برسم وجوه التفويض .
فأقول وبالله التوفيق أن التفويض عبارة عن تسليم الأمر إلى الخلق وردّه إليه، وهو على وجهين.
أحدهما: تفويض أمور الخلق إلى أنفسهم، وهو الذي قال به القدرية ويقال لها المفوّضة أيضاً ومحصل ما ذهبوا إليه أن الله أوجد العباد وأقدرهم على أفعالهم وفوّض إليهم الإختيار فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيئتهم وإرادتهم وطبق قدرتهم من دون أن يكون له سبحانه تأثير فيها بوجه من الوجوه وبإزاء هؤلاء الجماعة جماعة أخرى ذهبت إلى أن لا مؤثر في الوجود إلا الله فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا علة لفعله ولا راد لقضائه.
وهذان الفريقان واقعان في طرفي التّضادّ، أحدهما يسمى بالقدرية والآخر بالجبرية، وزعمت الفرقة الأولى أنّ بالقول بالتفويض يظهر فائدة التكليف بالأمر والنهي والوعد والوعيد، و به يحصل استحقاق الثواب والعقاب وبه ينزّه الله سبحانه عن إيجاد الشرور والقبائح التي هي أنواع الكفر والمعاصي، وزعمت الفرقة الأخرى أنّ بالقول بالجبر يحصل سلطنة مالك الملوك في ملكوته وملكه وأن فيه تعظيماً لقدرة الله تعالى وتقديساً له عن شوائب النقصان والإفتقار في التأثير إلى شيء آخر .
وأنت خبير بأن القول الأوّل مستلزم للشرك، والثاني مستلزم للكفر، وقد ورد في الأخبار الكثيرة المنع منهما والرد عليهما صريحاً بقولهم: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين، وتحقيق الأمر بين الأمرين وتوضيح الرد على الفريقين لعلنا نشير إليها في مقام مناسب إن شاء الله .
الوجه الثاني : تفويض أمور الخلق إلى النّبي والأئمة الطاهرين سلام الله عليهم، وردّها
إلى اختيارهم وهو يتصوّر على أنحاء بعضها صحيح وبعضها باطل.
التفويض في الخلق والإيجاد والتربية والززق والإماتة والإحياء وغيرها من الأفعال، وقد أثبته بهذا المعنى بعض الناقصين من الغلاة.
فإن كان مرادهم منه أنهم يفعلون جميع ذلك بإرادتهم وقدرتهم وهم الفاعلون لها حقيقة كما هو ظاهر كلماتهم على ما حكى عنهم غير واحد، فهو كفر صريح دلت على امتناعه الأدلة العقلية ،والنقلية وقد مضى الإشارة إلى بعضها في كلامي الصدوق والمفيد السابقين.
ويدلّ عليه صريحاً ما رواه في «العيون» عن الرضا علیه السلام أنه قال: «من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثمّ يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أن الله فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك » (1).
وفيه أيضاً بإسناده عن أبي هاشم الجعفري قال: سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن الغلاة والمفوّضة فقال : «الغلاة كفار والمفوّضة مشركون من جالسهم أو خالطهم أو واكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوجهم أو تزوّج إليهم أو أمنهم أو انتمنهم على أمانة أو صدق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عزّ وجلّ وولاية رسول الله وولايتنا أهل البيت» (2).
وفي «البحار» من كتاب الرجال للكشي بإسناده عن عبد الله بن شريك عن أبيه قال: بينا علي عند امرأة له من غنزة وهي أم عمرو إذ أتاه قنبر فقال : إنّ عشرة نفر بالباب يزعمون أنك ربِّهم فقال : أدخلهم قال : فدخلوا عليه فقال لهم : ما تقولون؟ فقالوا : إنّك ربنا وأنت الذي خلقتنا وأنت الذي رزقتنا فقال لهم: ويلكم ربي وربكم الله ويلكم توبوا أو ارجعوا فقالوا: لا نرجع عن مقالتنا أنت ربنا ترزقنا وأنت خلقتنا فقال : يا قنبر ائتني بالفعلة فخرج قنبر فأتاه بعشرة رجال مع الزبل والمرود، فأمر أن يحفروا لهم في الأرض فلما حفروا خدا أمر بالحطب والنار فطرح فيه حتى صار ناراً تتوقد قال لهم توبوا قالوا لا نرجع فقذف علي علیه السلام بعضهم ثم قذف بقيتهم في النار قال علیه السلام:
إنّي إذا أبصرت شيئاً منكراً***أوقدت ناري ودعوت قنبراً (3)
وعن «العيون» عن ماجيلويه، عن عليّ، عن أبيه عن ياسر الخادم قال: قلت للرضا علیه السلام ما تقول في التفويض ؟ فقال : «إنّ الله تبارك وتعالى فوّض إلى نبيه أمر دينه» فقال :
(وَمَا وَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [الحشر: 7] .
فأما الخلق والرّزق فلا، ثم قال : إنّ الله عزّ وجلّ خالق كلّ شيء وهو يقول عزّ وجلّ:
(الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُبيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَايكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن
شَيْءٍ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (1)[الروم: 40] .
وفي «الإحتجاج» وعن «العيون» جميعاً عن علي بن أحمد الدّلال القمّي قال : اختلف جماعة من الشيعة في أنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى الأئمة أن يخلقوا ويرزقوا فقال قوم: هذا محال لا يجوز على الله، لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عزّ وجلّ، وقال آخرون بل الله عزّ وجلّ أقدر الأئمة على ذلك وفوّض إليهم، فخلقوا ورزقوا، وتنازعوا في ذلك نزاعاً شديداً فقال قائل : ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان فتسألونه عن ذلك ليوضح لكم الحق فيه فإنّه الطريق إلى صاحب الأمر علیه السلام، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلّمت وأجابت إلى قوله فكتبوا المسألة فأنفذوها إليه، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته .
إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق، لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فأما الأئمة فإنّهم يسألون الله فيخلق ويسألونه: فيرزق ايجاباً لمسألتهم وإعظاماً لحقهم.
إلى غير هذه من الأخبار الواردة في ردّ هذه المقالة الفاسدة وطعن القائلين به، فلا يستريب عاقل في الحكم بكفرهم إن كان مرادهم التفويض بالاستقلال.
وإن كان مرادهم أن الله يفعل الأشياء مقارناً لإرادتهم كشق القمر وإحياء الموتى وقلب العصا حية وغير ذلك من المعجزات، بمعنى أن يكون الفاعل لها حقيقة هو الله سبحانه ويكون هو الخالق والرازق والمحيي والمميت والضار والنافع إلا أن ذلك لما كان مقارناً لإرادتهم ومقترناً لمشيتهم فأطلق ذلك عليهم مجازاً .
وبعبارة أخرى لما كان وقوع هذه الأفعال بسبب إرادتهم فصاروا بمنزلة الفاعل لها حقيقة، فهذا المعنى مما لا إباء للعقل عنه لأنه لا يأبى عن أن يكون الله خلقهم وأكملهم وألهمهم ما يصلح لنظام العالم ثم خلق كل شيء بقدرته مقارناً لإرادتهم ومشيتهم .
إلا أن المحدث المجلسي قال : إنّ الأخبار الكثيرة تمنع من القول به فيما عدا المعجزات ظاهراً بل صريحاً، مع أن القول به قول بما لا يعلم إذ لم يرد ذلك في الأخبار
1) عيون أخبار الرضا (ع) : 219/1 ح 130 ، وبحار الأنوار: 7/17 ح 9 .
المعتبرة فيما نعلم، وما ورد من الأخبار الدالة على ذلك كخطبة البيان وأمثالها فلم يوجد إلا في كتب الغلاة ،وأشباههم، مع أنه يمكن أن يكون المراد كونهم علة غائية لجيمع الممكنات،وإيجاد جميع المكونات وإنه تعالى جعلهم مطاعين في الأرضين والسماوات، ويطيعهم بإذن الله تعالى كل شيء حتى الجمادات، وأنهم إذا شاؤوا أمراً لا يرد الله مشيئتهم ولكنهم لا يشاؤون إلا أن يشاء الله .
وأما ما ورد من الأخبار في نزول الملائكة والروح إليهم لكل أمر ، وأنه لا ينزل من السماء ملك لأمر إلا بدأ بهم فليس ذلك لمدخلهم في ذلك ولا للاستشارة بهم، بل له الخلق والأمر تعالى شأنه وليس ذلك إلا لتشريفهم وإكرامهم وإظهار رفعة مقامهم .
التفويض في أمر الدّين في الجملة وإنّما قيّدنا به وخالفنا ظاهر أكثر العبائر لأنّ كثيراً من الأمور الدينيّة ممّا نطق به الكتاب العزيز وبعضها ثبت بالأحاديث القدسية، فلا بد أن يكون التفويض فيما عداها وبه يظهر ما في إطلاقات الأكثر ، فالمقصود بذلك أنه سبحانه لما أكمل نبيه بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئاً إلا ما يوافق الحق والصواب، ولم يكن يخطر بباله ما يخالف مشيئة الله في كل باب فوض إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في الصلاة وتعيين النوافل في الصّلاة والصوم وطعمة بالجد وتحريم كل مسكر ونحو ذلك مما سيأتي في ضمن الأخبار .
والتفويض بذلك المعنى حق ثابت بالأخبار المستفيضة وقد ذهب إليه جمع من الأَصحاب وهو الظاهر من أكثر المحدثين بل الظاهر من أكثر المحدثين بل صريح بعضهم كالكليني حيث عقد في «الكافي» باباً فيه والصدوق في جملة من كتبه، فقد ذكر الأخبار الدالة على ذلك من غير تعرض لردها، وصرح به في عقائده حسبما عرفت سابقاً، والمحدث المجلسي في جملة من كتبه وغيرهم.
فمما يدل على ذلك رواية ياسر الخادم التي أسلفناها .
وما رواه في «الكافي» عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجلّ أدب نبيه فأحسن أدبه ، فلمّا أكمل له الأدب قال :
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم : 4] . ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده فقال :
(وَمَا مَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: 7] .
وإن رسول الله كان مسدّداً موفقاً مؤيّداً بروح القدس لا يذلّ بزل ظ» ولا يخطيء بشيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بأداب الله ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر رکعات، فأضاف رسول الله صلی الله علیه وسلم إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر ،والحضر، فأجاز الله له ذلك كله ، فصارت الفريضة سبع عشر ركعة .
ثمّ سنّ رسول الله صلی الله علیه وسلم النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة، فأجاز الله له ذلك، والفريضة النافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعد بركعة مكان الوتر وفرض الله في السنّة صوم شهر رمضان، و سن رسول الله صوم شعبان وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله له ذلك .
وحرم الله الخمر بعينها حرم رسول الله المسكر من كل شراب فأجاز الله ذلك وعاف رسول الله أشياء وكرهها لم ينه عنها نهي حرام إنما نهى عنها نهي إعاقة وكراهة ثم رخص فيها فصار الأخذ برخصته واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ولم يرخص لهم رسول الله فيما نهاهم عنه نهي ،حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم فكثر المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام .
ولم يرخص رسول الله تقصير الركعتين اللتين ضمّهما إلى ما فرض الله بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً لم يرخص لأحد في شيء من ذلك إلا للمسافر، وليس لأحد أن يرخص ما لم يرخصه رسول الله صلی الله علیه وسلم فوافق أمر رسول الله أمر الله عز وجل ونهيه نهي الله عز وجل، ووجب على العباد التسليم له كالتسليم الله تبارك وتعالى .
وفي «الكافي» أيضاً عن عبد الله بن سليمان العامري عن أبي جعفر علیه السلام قال: «لما عرج برسول الله له نزل بالصلاة عشر ركعات ركعتين ركعتين فلما ولد الحسن والحسين زاد رسول الله سبع رکعات شكراً الله فأجاز الله له ذلك وترك الفجر لم يزد فيها لضيق وقتها، لأنه يحضرها ملائكة الليل وملائكة النّهار، فلما أمره الله تعالى بالتقصير في السفر وضع عن أمته ست ركعات وترك المغرب لم ينقص منها شيئاً» (1).
وفي «البحار» من كتاب الاختصاص بإسناده عن جابر بن يزيد، قال تلوت على أبي جعفر علیه السلام هذه الآية من قول الله :
(لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ) [آل عمران : 128].
فقال إن رسول الله صلی الله علیه وسلم حرص أن يكون على ولي الأمر من بعده فذلك الذي عنى الله .
1) الكافي : 2487/2 ، ووسائل الشيعة : 50/4 ح 4486 .
(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) [آل عمران: 128].
وكيف لا يكون له من الأمر شيء وقد فوض الله إليه فقال : ما أحلّ النّبي فهو حلال وما حرم النبي فهو حرام .
وفيه أيضاً من بصائر الدرجات بإسناده عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبيه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سمعته يقول : إنّ الله أذب رسوله حتى قومه على ما أراد ثم فوض إليه فقال :
(وَمَا عَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر : 7] .
فما فوّض الله إلى رسوله فقد فوّض إلينا، ورواه في «الكافي» أيضاً مثله .
وفي «البحار» من البصائر أيضاً عن أديم بن الحر، قال أديم: سأله موسى بن أشيم يعني
أبا عبد الله علیه السلام عن آية من كتاب الله فخبره بها، ولم يبرح حتى دخل رجل فسأله عن تلك الآية بعينها فأخبره بخلاف ما أخبره قال ابن أشيم: فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كنت كاد قلبي أن يشرح بالسكاكين وقلت تركت أبا قتادة بالشام لا يخطىء في الحرف الواحد الواو وشبهها وجئت إلى من يخطىء هذا الخطأ كله فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله تلك الآية بعينها فأخبره بخلاف ما أخبرني، والذي سأله بعدي فتجلى عني وعلمت أن عن ذلك تعمّداً منه، فحدثت نفسي بشيء فالتفت إلى أبو عبد الله علیه السلام فقال : يا ابن أشيم لا تفعل كذا وكذا فحدثني عن الأمر الذي حدثت به نفسي ثم قال: يا ابن أشيم إن الله فوّض إلى سلیمان بن داوود فقال :
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص: 39] وفوّض إلى نبيه فقال: وَمَا ءَاتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: 7] .
فما فوّض إلى نبيه فقد فوّضه إلينا، ورواه في «الكافي» نحوها إلى غير ذلك مما وردت في هذا الباب هذا.
والمستفاد من الروايتين الأخيرتين هو ثبوت التفويض إلى الأئمة كما ثبت للنبي صلی الله علیه وسلم، وهو نص الصدوق في عبارته التي نقلناها سابقاً، ولكنه مشكل جداً، وذلك لأن الظاهر من تفويض أمر الدين إليهم حسبما ذكرناه سابقاً هو تسليم أمره إليهم وجعله موكولاً إلى اختيارهم، بمعنى أن يكون لهم الخيار في تحريم شيء أو تحليله والحكم بطهارة شيء أو نجاسته إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والوضعية وهو مناف للأحاديث المستفيضة بل المتواترة الدالة على أنّ جميع الأحكام مما علمه رسول الله عليّاً والأئمة من ولده، وأنه ما بقي شيء يحتاج إليه الأمة من الأحكام الشرعية والمسائل الدينية حتى أرش الخدش إلا بينه صلی الله علیه وسلم.
وتنافيه للتفويض ظاهر، إذ المستفاد من هذه الأخبار أنه لم يبق من أمر الدين شيء إلا وأودعه عندهم، فلم يبق حكم واقعي حتى يفوّض الأمر فيه إليهم أو يحكموا به من تلقاء أنفسهم ؛ بل الظاهر أن كل ما حكموا به فهو نور مقتبس من أنوار الرّسالة .
ومنه ينقدح إشكال آخر، وهو أنّ المستفاد من كثير من الأخبار والآيات أن في القرآن تبيان كلّ شيء، وأنه لا رطب ولا يابس إلا في وأنّ كتاب مبين جميع الأحكام مما نزل به الرّوح الأمين من عند ربّ العالمين، وذلك ينافي التفويض إلى النّبي أيضاً بالتقريب الذي ذكرناه آنفاً، وقد قال سبحانه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَى إِن هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى ) [ النجم : 3-4] إ(ِن أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الأحقاف : 9] ومن المعلوم أنه كثيراً ما كان ينتظر الوحي ولا يجيب من تلقاء نفسه، فلو كان الأمر مفوّضاً إليه لما احتاج إلى ذلك .
ويمكن الجواب عن الإشكال الأَول بحمل الأَحكام المفوّضة إليهم على الأحكام الظاهرية كالواردة في مقام التقية، وربما يشعر به الرواية الأخيرة إلا أنّ المستفاد من ذيلها كالزواية المتقدّمة عليها هو كون التفويض إلى الأئمة على حد التفويض إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن ما فوّض إلى رسول الله فوّض إلى الأئمة، وقد ظهر من رواية الفضيل أن التفويض إليه صلى الله عليه وسلم إنما هو في الأحكام الواقعية فالأولى الجواب بأن المراد بالتفويض إليهم هو التفويض في تشريع الأحكام واختراعها .
لا يقال: إن تشريع الأحكام كان مختصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يبق بعده حكم حتى يكون مفوّض التشريع إلى الأئمة.
لأَنا نقول : إنّ غاية ما يستفاد من الأخبار هو أن إكمال الدين وإنزال جميع الأحكام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأما تبليغه لها كلها إلى الأمة فلا بل لم يبلغ صلوات الله عليه إلا قليلاً من الأحكام وإنّما أودعها كلها عند الأئمة وسلّمها إليهم وهم عليهم السلام بلغوا منها إلى الأمة ما كانت محتاجة إليه وبقي مخزوناً عندهم ما لم يكن لها إليه حاجة .
وبمثل هذا الجواب أيضاً يمكن الذب عن الإشكال الثاني إلا أن التحقيق في الجواب عنه أن يقال : إن كون جميع الأحكام مما أوحي بها إلى النبي لا ينافي التفويض إليه، لأنّ المستفاد من الأخبار أن تفويض أمور الدين إليه صلى الله عليه وسلم إنما وقع بعد أن أدبه الله سبحانه، والمراد بتأديبه هو اجتباؤه بالهداية إلى جميع ما فيه صلاح العباد في أمر المعاش والمعاد، وإكرامه بالعصمة المانعة من الخطأ والزلل، وإكمال عقله وإقداره على معرفة جهات الأفعال من المصالح والمفاسد الواقعة فيها .
فيكون محصل المراد بتلك الأخبار أن الله أكمل عقل نبيّه وعلمه المصالح جميع والمفاسد الواقعية فحسن علمه وكماله ثم فوّض إليه أمر دينه أي أذن له في مراجعة عقله
في معرفة الأحكام، فعرف في شيء جهة حسن ملزم فحكم في نفسه بوجوبه، وفي شيء آخر جهة قبح ملزم فحكم في نفسه بحرمته، وهكذا ثم لحقه الإجازة من الله سبحانه، فحاله عند التحقيق كحال المجتهد إذا رجع الأدلة فحكم بحكم الأدلة فحكم بحكم ثم عرض على المعصوم فأقره عليه وأجاز له ذلك .
وبعبارة أخرى : إنّ الله لما أكمل نبيه بالعقل والعلم والعصمة والهداية، والنبي لما عرف الجهات الواقعية للأفعال، فعيّن في نفسه الشريف لكلّ فعل حكماً من الأحكام على حسب ملاحظة الجهات ومراعاة اقتضاء المقتضيات الواقعية فلحقه الإجازة منه سبحانه بما عينه في نفسه، ثمّ كلف الناس به بعد لحوق الإجازة فيكون وحياً ويندرج في أحكام الله سبحانه، ثمّ في الكتاب المشتمل عليها وعلى غيرها، وكيف كان فلا ينطق بما اختاره في نفسه إلا بعد الإجازة ونزول وحي يدلّ على تقريره عليه.
ومن هنا ذهب بعض أصحابنا الأصوليين إلى أن المراد بقولهم كلما حكم به العقل حكم الشرع : هو العقل الكل العالم بالجهات المحسنة والمقبحة العارف بالمصالح والمفاسد الواقعية، ويوضح ما حققناه ما ورد في أمر تحويل القبلة من أنّ النبي كان متعبداً باستقبال بيت المقدس، فلما عيرت به اليهود وقالوا له : إنك تابع لقبلتنا كره استقبال قبلتهم وأحب التحويل إلى الكعبة فأنزل الله سبحانه :
(قد ترى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَيْسَنَكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة : 144] .
فإنّ النبي صلی الله علیه وسلم قد اختار في نفسه التحويل، ومع ذلك لم يكلف الناس به من هوى نفسه وإنما كلفهم بعد نزول الوحي فولى وجهه شطره فولوا وجوههم إليه، فافهم واغتنم .
تفويض أمر الخلق إليهم من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم ووجوب إطاعتهم فيما أحبوا وكرهوا وفيما علموا جهة المصلحة فيه وما لم يعلموا وبعبارة أخرى أنه تعالى فوّض زمام الخلق إليهم وأوجب عليهم طاعتهم في كل ما يأمرون به وينهون عنه، سواء علموا جهة المصلحة أم لم يعلموا وإنما الواجب عليهم الإذعان والإنقياد.
قال العلامة المجلسي (ره) : وهذا المعنى حق دلت عليه الآيات والأخبار وأدلة العقل (ا ه)، أقول : من الآيات قوله تعالى :
(أطيعوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمي منكر) [النساء : 59] وقوله : (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أطَاعَ اللهُ ) [النساء : 80] .
ومن الأخبار ما رواه في «الكافي» بإسناده عن أبي إسحاق النحوي قال: دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فسمعته يقول : إن الله أدب نبيه على محبته فقال :
(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [القلم: 4] ثمّ فوّض إليه، فقال: (وَمَا وَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُم عنه فَانتَهُوا [ الحشر: 7] وقال: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ ) [النساء : 80] .
ثمّ قال : وإن نبي الله فوّض إلى عليّ وأنتمنه فسلمتم وجهد الناس فوالله لنحبكم الحسبكم خ ل أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا ونحن فيما بينكم وبين الله ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا (1).
وفي «الكافي» و«البحار» من بصائر الدرجات بإسنادهما عن زرارة قال سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يقول : «إنّ الله فوّض إلى نبيه أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم» ثمّ تلي هذه الآية :
(وَمَا ءَاتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) [الحشر: 7] .
وعن زرارة أيضاً عن أبي جعفر علیه السلام قال : وضع رسول الله صلی الله علیه وسلم دية العين ودية النفس ودية الأنف، وحرم النبيذ وكل مسكر فقال له رجل فوضع هذا رسول الله من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ قال : نعم ليعلم من يطع الرسول ممن يعصيه (2).
تفويض القول بما هو أصلح لهم أو للخلق بسبب اختلاف العقول والأفهام والأزمنة والحالات أو غير ذلك من الاعتبارات.
وبعبارة أوضح أنه سبحانه فوض إليهم بيان العلوم والأحكام بما أراد وأراد المصلحة فيها بسبب اختلاف عقول الناس وبسبب التقيّة فيفتون بعض الناس بالواقع من الأحكام وبعضهم بالتقية، ويبينون تفسير الآيات وتأويلها بحسب ما يحتمل عقل كلّ سائل، ولهم أن يبينوا ولهم أن يسكتوا بحسب ما يراهم الله من مصالح الوقت ويشهد بذلك رواية ابن أشيم السالفة .
وما رواه الكليني بإسناده عن الوشا عن الرّضا قال : قلت له : حقا علينا أن نسألكم قال نعم قلت حقاً عليكم أن تجيبونا قال : لا ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل أما تسمع قول الله
(هذا عطاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابِ ) [ ص: 39].
وبإسناده عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر علیه السلام قال: سألته عن مسألة فأجابني ثم جاءه رجل آخر فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرّجلان قلت له يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه فقال يا زرارة إن هذا خير لنا ولكم وأبقى لنا ولكم ولو اجتمعتم على أمر واحد لما صدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا ولبقائكم .
وعن الخصال بسنده عن حماد قال : قلت للصادق علیه السلام: إن الأحاديث تختلف عنكم قال : فقال : إن القرآن نزل على سبعة أحرف وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه ثم قال :
(هذا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابِ ) [ ص: 39]. ﴾
وفي «الكافي» مسنداً عن منصور بن حازم :قال قلت لأبي عبد الله علیه السلام : أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب يجيئك غيري فتجيب فيها بجواب آخر، فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان (1).
قال العلامة المجلسي: ولعلّ تخصيص هذا النحو من التفويض بالنّبي والأئمة عليهم السّلام لعدم تيسّر هذه التوسعة لسائر الأنبياء والأوصياء، بل كانوا مكلفين بعدم التقية في بعض الموارد وإن أصابهم الضرر (2).
التفويض في قطع الخصومات ومقام القضاء، فلهم أن يحكموا بظاهر الشريعة ولهم أن يحكموا بعلمهم وبما يلهمهم الله من الواقع ومخ الحق في كل واقعة.
ويدلّ عليه ما رواه محمد بن سنان قال قال أبو عبد الله علیه السلام لا والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى الرسول وإلى الأئمة عليه وعليهم السّلام فقال :
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَئَكَ اللهُ ﴾ [النساء : 105].
وهي جارية في الأوصياء. فإنّ الظاهر أن المراد بالإراءة هو الإلهام وما يلقى في القلب
فتدلّ على التفويض بالمعنى المذكور، ويأتي تحقيق ذلك إن شاء الله في شرح كلامه المائة
والتاسع عشر .
التفويض في العطاء والمنع ، فإنّ الله تعالى خلق لهم الأرض وما فيها وجعل لهم الأنفال والخمس والصفايا فلهم أن يعطوا من شاؤوا وأن يمنعوا من شاؤوا .
ويدلّ عليه ما رواه في «البحار» من كتاب «الاختصاص» و «بصائر الدرجات»، عن محمد بن خالد الطيالسي عن سيد بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن رفيد مولى ابن هبيرة قال : قال أبو عبد الله إذا رأيت القائم أعطى رجلاً مائة ألف وأعطى آخر درهماً فلا يكبر في صدرك، وفي رواية أخرى فلا يكبر ذلك في صدرك فإنّ الأمر مفوض إليه (1).
وفي هذا المعنى أخبار كثيرة أوردها الأصحاب بعضها في أبواب الخمس وبعضها في أبواب الجهاد هذا، وأنت بعدما أحطت خبراً بما ذكرناه من أقسام التفويض وعرفت صحيحها وباطلها ظهر لك فساد القول بالنفي والإثبات على وجه الإطلاق، وعليك بالتأمّل حق التأمل في هذا المقام فإنّه من مزال الأقدام (2)
قال الإمام علي بن الحسين علیه السلام: «من خصه الله بالروح فقد فوض اليه أمره ان يخلق باذنه»
الهداية الكبرى : 230 الباب السادس .(3)قال : إن الله تعالى يقول : (تبارك الله أحسن الخالقين فقد أخبر أن في عباده خالقين منهم عيسى ابن مريم خلق من الطين كهيئة الطير باذن الله، فنفخ فيه فصار طائراً باذن الله )
التوحيد للصدوق : 63 باب 2 باب التوحيد ح18.(4)وفي زيارات أبي عبد الله الحسين علیه السلام التي رواها ابن قولويه بسند صحيح عن الإمام الصادق علیه السلام جاء فيها : «بكم يباعد الله الزمان الكلب وبكم يمحو الله ما يشاء وبكم يثبت وبكم تنبت الأرض اشجارها وبكم تخرج الأرض المارها وبكم تنزل السماء قطرها ورزقها وبكم ينزل الله الغيث، ارادة الرب في مقادير اموره تهبط البكم وتصدر من بيوتكم»
كامل الزيارات: 200 الباب 79 . (5)وعن أمير المؤمنين علیه السلام في خبر طويل جاء فيه : «وصرت انا صاحب أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال الله : (يلقي الروح من امره على من يشاء من عباده) وهو روح الله لا يعطيه ولا يلقي هذا الروح إلا على ملك مقرب او نبي مرسل او وصي منتجب، فمن إعطاء الله هذا الروح فقد ابائه من الناس وفوض اليه القدرة واحيى الموتى»
بحار الأنوار: 5/26 باب نادر في معرفتهم بالنورانية ح 1.(6)مشارق انوار اليقين: 161 .(7)وعن جابر الجعفي في حديث طويل مع الإمام الباقر علیه السلام جاء فيه :
قلت : يا سيدي وما معرفة روحه ؟
قال علیه السلام: «ان يعرف كل من خصه الله تعالى بالروح فقد فوض اليه امره ؛ يخلق باذنه ويحيي باذنه...فمن خصه الله تعالى بهذا الروح فهذا كامل غير ناقص يفعل ما يشاء باذن الله»
بحار الأنوار: 14/26 . 15 باب نادر في معرفتهم بالنورانية ح 2 .(8)ثم قال: يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق ومن تخلف عنها محق ومن لزمها لحق، خذها اليك يا محمد»
اصول الكافي : 441/1 مولد النبي من ابواب التاريخ ح 5 وبحار الأنوار: 340/25 - 24 . (9)هذا لفظ الكافي وفي رياض الجنان جاء بلفظ :
«ان الله لم يزل متفرداً في الوحدانية، ثم خلق محمداً وعليا وفاطمة علیهم السلام: فمكثوا ألف دهر، ثم خلق الاشياء واشهدهم خلقها واجرى عليها طاعتهم وجعل فيهم ما شاء وفوض أمر الاشياء اليهم في الحكم والتصرف والارشاد والأمر والنهي في الخلق لانهم الولاة ؛ فلهم الأمر والولاية والهداية، فهم ابوابه ونوابه وحجابه يحللون ما شاء ويحرمون ما شاء ولا يفعلون إلا ماشاء، عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون الى ان يقول: خذها يا محمد فانها من مخزون العلم و مكنونه
بحار الأنوار : 339/25 باب نفي الغلو من كتاب الامامة ح 21 . (10)والمتتبّع للروايات يدرك ذلك وسوف أنقل لك كلام العلامة المجلسي الذي وقف على جلّ هذه الروايات وخرج بالنتيجة التالية قال :
فذلكة: اعلم ان الغلو في النبي والأئمة: انّما يكون بالقول بألوهيتهم أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبودية أو في الخلق والرزق أو ان الله تعالى حلّ فيهم أو اتحد بهم، أو انهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى، أو بالقول في الأئمة انهم كانوا أنبياء أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض أو القول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات ولا تكليف معها بترك المعاصي .
والقول بكل منها إلحاد وكفر وخروج عن الدين كما دلت عليه الأدلة العقلية والآيات والأخبار السالفة ،وغيرها، وقد عرفت ان الأئمة تبرؤوا منهم وحكموا بكفرهم وأمروا بقتلهم وان قرع سمعك شيء من الأخبار الموهمة لشيء من ذلك فهي اما ماوّلة أو هي من مفتريات الغلاة.
ولكن أفرط بعض المتكلمين والمحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة علیه السلام: وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم فقدحوا في كثير من الرواة الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم : من الغلو نفي السهو عنهم أو القول بأنهم يعلمون ما كان وما يكون وغير ذلك .
مع انه قد ورد في أخبار كثيرة: «لا تقولوا فينا ربّاً وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا» وورد: «ان أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للايمان» وورد :«لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، وغير ذلك ممّا مرّ وسيأتي
البحار 346/25 347 باب نفي الغلو .(11)وقال في موضع آخر : قد عرفت مراراً ان نفي علم الغيب عنهم معناه انهم لا يعلمون ذلك من أنفسهم بغير تعليمه تعالى بوحي أو إلهام وإلا، فظاهر أن عمدة معجزات الأنبياء والأوصياء : من هذا القبيل
بحار الأنوار: 103/26 باب انّهم لا يعلمون الغيب ح6 . (12)وللعلامة الأميني كلام مشابه جميل لا بأس بالرجوع إليه
الغدير : 52/5 إلى 65 .(13)قد وجدت بعد ذلك رواية يدعي فيها الجائليق ان من أحبى الموتى فهو رب مستحق أن يُعبد، ولذلك قالوا بربوبية عيسى عليه السلام .
فأجابه الإمام الرضا7 بأن احياء الموتى لا يؤدي للقول بالربوبية وذلك لأنه يحيي بإذن الله تعالى.
قال الإمام الرضا علیه السلام: «... فان اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى مشى على الماء وأحيا الموتى وابرأ الاكمه والأبرص ، فلم يتخذه امته رباً ولم يعبده أحد من دون الله .
ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى ابن مريم فأحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة».
وساق الحديث وذكر إحياء النبي محمد صلی الله علیه وسلم للموتى وابراء الاكمه والابرص فقال: «لقد ابرأ النبي محمد الاكمه والأبرص والمجانين وكلمه البهائم والطير والجن والشياطين ولم نتخذه رباً من دون الله عزوجل»
التوحيد للصدوق : 423 باب ذكر مجلس الرضا ح ا باب 65 . (14)وقوع التفويض في القرآن الكريم
1 - (انا نحن نزلنا الذكر - نزل به الروح الأمين) [الحجر: 9، الشعراء: 93] .
2 - (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [الأنفال : 17].
3 - (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم وقال : الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) (طيبين) [السجدة: 11، النحل : 28 - 32].
وقال تعالى : (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) [الزمر: 42].
ففي عين نسبة الأمانة لملك الموت نسبها للملائكة ثم نسبها لنفسه تعالى . وهذا تفويض لملك الموت في الإماتة وليس هو بعرض إماتة الله للأنفس .
وأيضاً هنا تفويض آخر وهو تفويض جبرائيل الإماتة للملائكة أو الله للملائكة .
4 - (والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً فالمدبرات أمراً) [النازعات : 1 - 5].
فأسند الله عزّوجل تدبير أمور الكون إلى الملائكة عموماً أو إلى الملائكة الأربعة المديرة، فجبرائيل يدبر الرياح والجنود والوحي وميكائيل يدبر أمر القطر والنبات وعزرائيل موكل بقبض الأرواح، وإسرافيل يتنزل بالأمر عليهم وهو صاحب الصور، وقيل إسرافيل موكّل بالاحياء
يراجع تفسير الميزان: 180/20 ، والأربعون حديثاً للإمام الخميني: 490 .(15)قال صدر المتألهين: ولا شك لمن له قدم راسخ في العلم الإلهي والحكمة التي هي فوق العلوم الطبيعية، ان الموجودات كلّها من فعل الله بلا زمان ولا مكان ولكن بتسخير القوى والنفوس والطبائع، وهو المحيي والمميت والرازق والهادي والمضل، ولكن المباشر للاحياء ملك اسمه اسرافيل وللإماتة ملك اسمه عزرائيل يقبض الأرواح من الأبدان، وللأرزاق ملك اسمه ميكائيل يعلم مقادير الأغذية ومكائيلها، وللهداية ملك اسمه جبرائيل، وللإضلال دون الملائكة جوهر شيطاني اسمه عزازيل، ولكل من هذه الملائكة أعوان وجنود من القوى المسخّرة لأوامر الله
شرح دعاء السحر : 94 . (16)وقال الحافظ البرسي : .. فمظهر ركن الحياة إسرافيل ومظهر ركن العلم جبرائيل ومظهر ركن الإرادة ميكائيل ومظهر ركن المقدرة عزائيل
مشارق أنوار اليقين : 32 . (17)6 - (إذ تخلق من الطين كهيئة الطير) [المائدة: 110].
7 - (قال فخذ أربعة من الطير قصر هن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً) [البقرة: 260].
تبارك الله أحسن الخالقين . المؤمنون: 14 . .
.........................................................................................................................
.......................................................................................................................
.......................................................................................................................
گفته امیرمؤمنان عليه التحية و السلام در وقتی که عزم نمود بر حرب خوارج نهروان و گفته شده آن حضرت را که خارجیان عبور کرده اند از پل نهروان:
مواضع هلاك شدن ایشان نزد آب نهروان است به خدا سوگند نمی رهند از ایشان ده نفر و هلاك نمیشود از شما ده نفر .
شارح میگوید به قراری که آن حضرت خبر داده بود، نه نفر از خوارج خلاصی یافت و نه نفر از اصحاب آن حضرت شهید شد و این از جمله اخبار غیبیه آن حضرت است.
وقال عليه السلام لما قتل الخوارج وهو التاسع والخمسون من المختار في باب الخطب
فقيل له يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم :
«كلاَ وَاللَّهِ إِنَّهُمْ نُطَفٌ في أَصْلابِ الرِّجالِ، وقراراتِ النِّساءِ، كلما نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ حتى يَكُونُ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَّابينَ» (1).
( القرار) والقرارة بالفتح ما قرّ فيه شيء وسكن والمراد هنا الأرحام و(نجم) ينجم من باب نصر ظهر وطلع و(القرن) الرُّدق من الحيوان وموضعه من رأس الإنسان أو الجانب الأعلى منه والقرن من القوم سيّدهم ورئيسهم و(اللصوص) جمع لص مثلثة و(السّلب) الاختلاس.
قوله: في أصلاب الرجال، متعلق بالاستقرار المقدّر صفة للنطف، وسلابين حال مؤكدة.
هذا الكلام أيضاً من جملة أخباره الغيبية حسبما عرفت في شرح كلامه السابق فإنّ أصحابه لما توهموا هلاك القوم جميعاً واستئصالهم ردعهم بقوله كلا والله إنهم نطف) مستقرة
( في أصلاب الرجال وقرارات النساء) يعني أن قوماً ممّن يرى رأيهم ويقول بمثل مقالتهم الآن موجودون بعضهم في أصلاب الأباء وبعضهم في أرحام الأمهات وسيظهرون ويتبعون لهم ويكون لهم رؤوساً ذو أتباع وكلما نجم منهم قرن قطع أراد به استئصال رؤسائهم واستعار لهم لفظ القرن مرشحاً بذكر النجم والقطع لكونهما من ملائمات المستعار منه، ثم أشار إلى ما يصير إليه حالهم من الدناءة والابتذال بقوله (حتى يكون آخرهم لصوصاً سلابين) أي قطاعاً للطريق.
روي أنّ طائفة من الخوارج لم يحضروا القتال ولم يظفر بهم أمير المؤمنين علیه السلام وقد عرفت في شرح الكلام السابق أن المفلتين من القتل كانوا تسعة نفر، فتفرقوا في البلاد وشاعت
1) شرح مئة كلمة : 238 ، وبحار الأنوار: 33/33 ح 641 .
بدعهم فيها وصاروا نحواً من عشرين فرقة وكبارها ست وقيل سبع .
وهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علیه السلام عند التحكيم وكفروه، وهم اثنا عشر ألف رجل كانوا أهل صلاة وصيام، وفيهم قال النبي صلی الله علیه وسلم: «يحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم، وصوم أحدكم في جنب صومهم، ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم»، قالوا: من نصب من قريش وغيرهم وعدل فيما بين النّاس فهو إمام، وإنّ غيّر السيرة وجار وجب يعزل أو يقتل ولم يوجبوا نصب الإمام، وجوزوا أن لا يكون في العالم إمام وكفروا عثمان وأكثر الصحابة ومرتكب الكبيرة (1).
أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر وكان بالحجاز وقتل في زمن الوليد قالوا: الإيمان هو الإقرار والعلم بالله وبما جاء به الرسول فمن وقع فيما لا يعرف أحلال هو أم حرام فهو كافر، لوجوب الفحص عليه حتى يعلم الحق، وقيل لا يكفر حتى يرجع أمره إلى الإمام فيحده وكلّما ليس فيه حد فمغفور، وقيل لا حرام إلا ما في قوله :
(قُل لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا ) [الأنعام: 145] الآية .
وقالوا : إذا كفر الإمام كفرت الرّعيّة حاضراً أو غيباً، وقال بعضهم السكر من شراب حلال لا يؤاخذ صاحبه .
أصحاب نافع بن الأزرق وكانوا أكبر الفرق غلبوا على الأَهواز وبعض بلاد فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير وهم في ثلاثين ألف فارس فأنفذ إليهم المهلب ولم يزل في حربهم هو وأولاده تسع عشرة إلى أن فرغ من أمرهم في أيّام الحجّاج ومذهبهم أنهم قالوا : كفر علي بالتحكيم وهو الذي أنزل الله في شأنه :
(ومن النَّاسِ مَن يُعجبك قوله في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ الدُّ الْخِصَامِ) [البقرة: 204] .
و ابن ملجم محق في قتله وهو الذي أنزل في شأنه :
1) راجع من لا يحضره الفقيه : 544/4.
(ومن النَّاسِ مَن يَشرِى نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مرضات الله ) [البقرة : 207] .
وفيه قال شاعرهم :
یا ضربة من تقي ما أراد بها***إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً
إني لأَذكره يوماً فأحسبه***أو في البريّة عند الله ميزاناً
عليه وعليهم ألف ألف لعنة من الله والملائكة والناس أجمعين وقالوا أيضاً بكفر عثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبد الله بن العباس وسائر المسلمين بن العباس وسائر المسلمين معهم وقضوا بتخليدهم في النار، وكفروا الذين قعدوا عن القتال وإن كانوا موافقين لهم في الدين وقالوا بتحريم التقيّة في القول والعمل وبجواز قتل أولاد المخالفين ونسائهم وأنه لا رجم على الزّاني المحصن إذ هو غير مذكور في القرآن والمرأة إذا قذفت أحداً لا تحد، لأن المذكور في القرآن هو صيغة الذين وهي للمذكر وجوزوا أن يكون النبي كافراً وإن كان بعد النبوة، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر .
نسبتهم إلى نجدة بن عامر التخعي وكان معه أميران يقال : لأحدهما عطية وللآخر أبو فديك، ففارقاه بشبهة ثم قتله أبو فديك وصار لكل منهما جمع عظيم؛ وقتلا في زمن عبد الملك، وهم افترقوا من حيث المذهب إلى فرق عديدة منها :
العاذرية وهم الذين عذروا الناس في الجهالات بالفروع وذلك أن نجدة وجد لعنه الله بجيش إلى أهل القطيف فقتلوهم وأسروا نساءهم ونكحوهن قبل القسمة وأكلوا من الغنيمة قبلها أيضاً فلما رجعوا إلى نجدة وأخبروه بما فعلوا قال : لم يسعكم ما فعلم فقالوا لم نعلم أنه لا يسعنا فعذروهم بجهالتهم وقال النجدات كلّهم لا حاجة للناس إلى الإمام بل الواجب عليهم رعاية النّصفة فيما بينهم ويجوز لهم نصبه إذا توقفت عليه الأمور وخالفوا الأزارقة في غير التكفير .
ومنها الأصغرية أصحاب زياد بن الأصغر يخالفون الأزارقة في تكفير من قعد عن القتال إذا كانوا موافقين لهم في الدين وفي إسقاط الرّجم فإنّهم لم يسقطوه وجوزوا التقية في القول دون العمل، وقالوا المعصية الموجبة للحدّ لا يسمّى صاحبها إلا بها فيقال سارق مثلاً ولا يقال کافر وما لا حد فيه لعظمته كترك الصلاة والصوم يقال لصاحبه كافر .
نسبتهم إلى عبد الله بن أباض كان في أيام مروان بن محمّد فوجد إليه عبد الله محمد بن عطية فقاتله وقتله وهؤلاء ذهبوا إلى أنّ مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين
يجوز مناكحتهم وغنيمة أموالهم حلال عند الحرب دون غيره، ودار هم دار الإسلام إلا معسكر سلطانهم، ومرتكب الكبيرة موحد غير مؤمن بناء على أنّ الأعمال داخلة في الإيمان، وفعل العبد مخلوق الله تعالى ومرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا كفر ،ملة، وتوقفوا في النّفاق أهو
شرك أم لا وكفروا عليّاً وأكثر الصحابة وتحت هذه الفرقة أيضاً فرق عديدة.
منهم الحفصية نسبتهم إلى أبي حفص بن أبي المقدام وزادوا على الإباضية أنّ بين الإيمان والشرك معرفة الله تعالى فإنّها خصلة متوسطة بينهما، فمن عرف الله تعالى وكفر بما سواه من رسول أو جنّة أو نار أو بارتكاب كبيرة فكافر لا مشرك .
ومنهم اليزيدية وهم أصحاب يزيد بن أنيسة زادوا على الأباضية بقولهم : إنّه سيبعث نبي
من العجم بكتاب يكتب في السماء وينزل جملة واحدة ويترك شريعة محمد إلى محمّد إلى ملّة الصابئة المذكورة في القرآن وقالوا أصحاب الحدود مشركون وكلّ ذنب شرك صغيرة كانت أو كبيرة.
ومنهم الحارثية وهم أصحاب أبي الحارث الأباضي، خالفوا الأباضية في القدر أي كون أفعال العباد مخلوقة منه تعالى وفي كون الاستطاعة قبل الفعل.
أصحاب عبد الكريم بن عجرد زعموا أن العبد إذا أتى بما أمر به ولم يقصد الله كان ذلك طاعة، وقالوا أيضاً بوجوب التبرّي عن الطفل حتى يدعي الإسلام بعد البلوغ، ويجب دعاؤه إلى الإسلام إذا بلغ، وهذه الفرقة افترقوا فرقاً كثيرة :
منهم الميمونية نسبتهم إلى ميمون بن عمران قالوا: بإسناد الأفعال إلى قدر العباد وتكون الاستطاعة قبل الفعل وأن الله يريد الخير دون الشر ولا يريد المعاصي كما هو مذهب المعتزلة، قالوا: وأطفال الكفّار في الجنّة، ويروي منهم تجويز نكاح البنات للبنين والبنين للبنات، وجوزوا أيضاً نكاح بنات البنين وبنات البنات وبنات أولاد الأخوة والأخوات، ونقل عنهم إنكار سورة يوسف فإنهم زعموا أنّها قصّة من القصص، ولا يجوز أن تكون قصة العشق قرآناً .
ومنهم الحمزية نسبتهم إلى حمزة بن أدرك وافقوا الميمونية إلا أنهم قالوا أطفال الكفار في النّار .
ومنهم الشعيبية نسبتهم إلى شعيب بن محمد وهم كالميمونية في بدعتهم إلا في القدر .
ومنهم الحازمية نسبتهم إلى حازم بن عاصم وافقوا الشعيبية ويحكى عنهم أنّهم يتوقفون في أمر علي ولا يصرحون بالبراءة منه كما يصرحون بالبراءة من غيره.
ومنهم الخلفية أصحاب خلف الخارجي وهم خوارج كرمان أضافوا القدر خيره وشره إلى الله وحكموا بأنّ أطفال المشركين في النار بلا عمل وشرك .
ومنهم الأطرافية وهم على مذهب حمزة ورئيسهم رجل من سجستان يقال له: غالب إلا أنهم قالوا بمعذورية أهل الأطراف فيما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما يعرف لزومه من جهة العقل، ووافقوا أهل السنة في أصولهم .
ومنهم المعلومية هم كالحازمية إلا أن المؤمن عندهم من عرف الله بجميع أسمائه وصفاته، ومن لم يعرفه كذلك فهو جاهل لا مؤمن وفعل العبد مخلوق الله تعالى.
ومنهم المجهولية ومذهبهم كمذهب الحازمية أيضاً إلا أنهم قالوا يكفي المعرفة ببعض أسمائه فمن علمه كذلك فهو عارف به وفعل العبد مخلوق له .
ومنهم الصّلتية نسبتهم إلى عثمان بن أبي الصلت وهم كالعجاردة لكن قالوا من أسلم واستجار بنا تولينا وتبرأنا من أطفاله حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقبلوا.
وربما عدت هذه من فرق العجاردة فتكون الفرق الكبار ستاً، وبعضهم جعلها ستاً بإسقاط المحكمة، وكيف كان فهم أصحاب ثعلبة بن عامر، قالوا بولاية الأطفال صغاراً كانوا أو كباراً حتى يظهر منهم إنكار الحق بعد البلوغ، ونقل عنهم أنهم يرون أخذ الزكاة من العبيد إذا استغنوا وإعطاءها لهم إذا افتقروا، وتفرقوا إلى أربع فرق .
الأولى : الأخنسية أصحاب الأخنس بن قيس، وامتازوا عن الثعالبة بأن توقفوا فيمن هو في دار التقية من أهل القبلة فلم يحكموا عليه بإيمان ولا كفر، ونقل عنهم تجويز نكاح المسلمات من مشركي قهومهن .
الثانية : المعبدية نسبتهم إلى معبد بن عبد الرحمن خالفوا الأخنسية في تزويج المسلمات من المشركين وخالفوا الثعالبة في زكاة العبيد أي أخذها منهم ودفعها إليهم .
الثالثة : الشيبانية نسبتهم إلى شيبان بن سلمة قالوا بالجبر ونفي القدرة الحادثة.
الرابعة : المكرمية نسبتهم إلى مكرم العجلي قالوا تارك الصلاة كافر لا لترك الصلاة بل لجهلهم بالله فإنّ من علم أنّه مطلع على سرّه وعلنه ومجازيه على طاعته ومعصيته لا يتصوّر منه الإقدام على ترك الصلاة وكذا كل كبيرة فإنّ مرتكبها كافر بجهله بالله .
و فرموده آن حضرت وقتی که قتل نمود خوارج را و عرض کردند به آن حضرت که جميع طایفه خوارج هلاك و تمام شدند :
نیست و همچنین به خدا قسم به درستی که ایشان نطفهها هستند در پشتهای مردان و در رحمهای زنان هرگاه ظاهر شود از ایشان شاخی بریده شود تا این که باشد آخر ایشان دزدان ربایندگان یعنی مآل کارشان به جایی رسد که در آخر از رذالت و دنائت نفس قطاع الطريق و راهزن میشوند.
«لا تَقْتُلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي فَلَيْسَ مَنْ طَلب الْحَقِّ فَأَخطَأَهُ كَمَنْ طَلب الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ»(1).
قال السيد : يعني معاوية وأصحابه .
المراد (بالحق والباطل) هنا كلما هو مطلوب الله سبحانه ومبغوض له.
الفاء في الموارد الثلاثة للسببية إلا أنها في الأوّل بمعنى لام السببية دون الأخيرين بل هي فيهما للسبب والعطف .
وتوضيحه يظهر مما حققه نجم الأئمة الرّضي حيث قال : والفاء التي لغير العطف أيضاً لا تخلو من معنى الترتيب وهي التي تسمّى فاء السببية وتختص بالجمل وتدخل ما هو جزاء مع تقدّم كلمة الشرط، نحو: إن لقيته فأكرمه ومن جاءك فأعطه، وبدونها نحو زيد فاضل ،فأكرمه إلى أن قال وكثيراً ما تكون فاء السببية بمعنى لام السببية، وذلك إذا كان ما بعده سبياً لما قبله كقوله تعالى:
(فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ) [الحجر: 34].
وتقول : أكرم زيداً فإنه فاضل فهذه تدخل على ما هو الشرط في المعنى كما أنّ الأولى دخلت على ما هو الجزاء في المعنى، وذلك إنك تقول : زيد فاضل فأكرمه فهذا دخل على الجزاء فإذا عكست الكلام فقلت: أكرمه فإنّه فاضل فقد دخل على ما هو شرط، ثم اعلم أنه لا تنافي بين السببية والعاطفة، فقد تكون سببية وهي مع ذلك عاطفة جملة على جملة نحو يقوم زيد فيغضب عمرو، لكن لا يلازمها العطف نحو إن لقيته فأكرمه انتهى كلامه رفع مقامه .
اعلم أنه علیه السلام نهى عن قتل الخوارج بعده مشيراً إلى علة النّهي بقوله (لا تقتلوا الخوارج
1) وسائل الشيعة 84/15 ، وبحار الأنوار: 434/33 ح 642 .
بعدي) فإنّه (ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه) ومحصل التعليل أن استحقاق القتل إنما هو بطلب الباطل والوقوع فيه عن علم وعمد لا مجرد الوقوع في الباطل ولو من حيث لا يشعر والخوارج لما لم يكن مقصودهم بالذات الإدرك الحق فأخطأوا فيه ووقعوا في الباطل من حيث لا يشعرون لا جرم نهى عن قتله، وأما معاوية وأصحابه فلما كان مطلوبهم بالذات هو الباطل ومحق الحق لم يمنع علیه السلام عن قتلهم بل أمر به فيما سبق من كلامه بقوله : أما إنّه سيظهر عليكم من بعدي رجل رحب البلعوم إلى قوله : فاقتلوه ولن تقتلوه (اه) .
أمّا أنّ الخوارج كان مقصودهم بالذات هو الحق ووقوعهم في الباطل كان بالعرض، فلما عرفت من حالهم في شرح الخطبة السادسة والثلاثين وأنّهم كانوا أهل عبادة وزهادة حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حقهم «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صومكم إلى صومهم بشيء إلا أنهم بالغوا في التحري وشدّة الطلب للحق حتّى تجاوزوا عن فضيلة العدل فيه إلى رذيلة الإفراط، وزعموا أنهم كفروا بالتحكيم، وزعموا كفر أمير المؤمنين بذلك أيضاً فوقعوا في الباطل ومرقوا من الدين» (1).
وأما أن مقصود معاوية كان بالذات هو الباطل وهكذا أصحابه، فلما عرفت في شرح الخطبة الخامسة والعشرين وغيرها وستعرف بعد ذلك أيضاً أنه كان أهل زندقة والحاد وذا تعرّض لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومحارباً لأمير المؤمنين علیه السلام وساباً له ولاعناً في الجمعة والأَعياد، وكانت أحواله كلها مؤدية بانسلاخه عن العدالة وإصراره على الباطل عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين من الملائكة والإنس والجن أجمعين ملاً السماوات والأرضين.
فإن قلت : إذا كان علة المنع من قتل الخوارج بعده هو عدم كونهم بالذات طالبين للباطل، فهذه العلة بعينها كانت موجودة في زمانه فلم قاتلهم وقتلهم؟
قلت : أجاب الشارح البحراني بأنه نهى عن قتلهم على تقدير لزوم كل منهم نفسه واشتغالهم بها واستتارهم في بيوتهم وهو إنّما قتلهم من حيث إنّهم أفسدوا في الأرض وسفكوا الدّم الحرام وقتلوا جماعة من الصالحين كعبد الله بن خباب وشقوا بطن امرأته ودعوا الناس إلى بدعتهم، ومع ذلك كان يقول لأصحابه : لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم، ولم يشرع في قتلهم حتى بدؤوا بقتل جماعة أصحابه .
قال؛ ويحتمل أن يقال : إنه إنما قتلهم لأنه إمام عادل رأى الحق في ذلك وإنما نهى عن
1) بحار الأنوار: 329/33 - 574 ، والغدير : 54/10.
قتلهم بعده لأنّه علم أنّه لا يلى هذا الأمر بعده هذا الأمر بعده من له بحكم الشريعة أن يقتل ويتولى الحدود.
أقول : والتحقيق في الجواب ما ذكره في «البحار» تبعاً للشارح المعتزلي حيث قال: لعل المراد لا تقتلوا الخوارج بعدي ما دام ملك معاوية وأضرابه كما يظهر من التعليل، وقد كان يسبه علیه السلام ويبرأ منه في الجمع والأعياد ولم يكن إنكاره للحقِّ عن شبهة كالخوارج، ولم يظهر منهم من الفسوق ما ظهر منه ولم يكن مجتهداً في العبادة وحفظ قوانين الشرع مثلهم، فكان أولى بالجهاد، انتهى (1).
ويدلّ على ذلك ما رواه أبو العباس المبرد قال وخرج من الخوارج على معاوية بعد قتل علي حوثرة الأسدي وحابس الطائي خرجا في جمعهما فصارا إلى موضع أصحاب التخيلة ومعاوية يومئذ بالكوفة وقد دخلها في عام الجماعة، ووفد الحسن بن علي وخرج يزيد من المدينة فوجه إليه معاوية وقد تجاوز في طريقه يسأله أن يكون المتولي لمحاربة الخوارج فكان جواب الحسن : والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين وذاك يسعني أفأقاتل عنك قوماً أنت والله أولى بالقتل منهم وهذا الجواب مطابق الكلام أبيه علیه السلام، والمقصود منهما أن الخوارج أعذر من معاوية وأقل ضلالاً ومعاوية أولى بالمحاربة منهم (2).
و فرموده است آن حضرت در شأن خوارج که :
نکشید خارجیان را بعد از من، پس نیست کسی که طلب کند حق را پس خطا کند در آن مثل کسی که طلب کند باطل را پس دریابد آن را ، سید رضی الله عنه گفته که اراده فرموده حضرت به طالب باطل معاويه عليه الهاويه و اصحاب او را .
«وإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ جُنَّةٌ حَصينَةٌ، فَإذا جاءَ يَوْمِي إِنْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمْتَنِي فَحِينَئِذٍ لَا يَطِيشُ
السهم، وَلا يَبْرَة الْكَلَم» (1).
(الغيلة) بالكسر فعلة من الاغتيال وهو القتل على غفلة و(الجنّة) بضم الجيم ما يجنّ به أي يستتر من درع وترس ونحوهما و (طاش) السهم يطيش من باب ضرب صدف عن الغرض وانحرف عنه و(الكلم) بفتح الكاف وسكون اللام الجرح.
علي خبر إن قدم على الاسم توسعاً وعلى لاستعلاء المعنوي، ومن الله متعلق بمقدّر حال من فاعل حصينة وتقدمه للتوسع أيضاً .
روي أنه علیه السلام خوف من غيلة ابن ملجم لعنه الله مراراً وأنّ الأشعث لقاه متقلداً سيفه فقال له : ما يقلدك السّيف وليس بأوان حرب؟ فقال لعنه الله : أردت أن أنحر به جذور القرية، فأتى الأشعث إليه علیه السلام فأخبره وقال : قد عرفت ابن ملجم وفتكه، فقال: ما قتلني بعد.
وروي أنه علیه السلام: كان يخطب مرّة ويذكر أصحابه وابن ملجم تلقاء المنبر فسمعه يقول:
والله لأريحتهم منك، فلما انصرف علیه السلام أتوا به ملبباً فأشرف عليهم، وقال ما تريدون ، فخبروه بما سمعوا عنه ،فقال: فما قتلني بعد خلوا عنه(2).
(وإنّ عليّ من الله جنّة حصينة) استعار الجنة لعناية الله سبحانه بحفظ أسباب حياته في المدة الممكنة له في الفضاء الإلهي؛ والجامع أنّ الجنّة كما أنها حافظة للإنسان عن آلام السهام ونحوها، فكذلك بقاء أسباب الحياة وثبات مادتها حافظان له عن سهام الموت، فحسن استعارتها لها وذكر الحصينة ترشيح للاستعارة (فإذا جاء يومي) الذي قدر فيه موتى (انفرجت) تلك الجنّة (عني وأسلمتني) للموت وكنّى بانفراجها عن انعدام بعض أسباب الحياة في حقه، وهو ترشيح آخر للاستعارة المذكورة فحينئذ لا يطيش السهم كما قال في الديوان المنسوب
إليه .
للموت فينا سهام غير خاطئة***إن فاته اليوم سهم لم يفته غداً
(ولا يبرء الكلم) وفي معنى هذا الكلام قال عليه الصلاة والسلام في الديوان:
أيّ يومي من الموت أفر***يوم ماقدر أو يوم قدر
يوم ما قدّر لم أخش الردى***وإذا قدر لا يغني الحذر
أقول : وفي هذا الكلام إشعار بأنّ للإنسان أجلاً موقوتاً وأمداً ممدوداً إذا أدركه يبطل حياته وإلى ذلك ذهب جماعة واستدلوا عليه بقوله سبحانه :
(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَبًا مُوَجَلاً) [آل عمران : 145].
وقال أيضاً: (وَلِكُلِ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) [الأعراف : 34].
وبأنّ المقدّرات في الأزل والمكتوبات في اللوح المحفوظ لا تتغير بالزيادة والنقصان، لاستحالة خلاف معلوم الله، وقد سبق العلم بوجود كل ممكن أراد وجوده وبعدم كلّ ممكن أراد عدمه الأزلي أو إعدامه بعد إيجاده، فكيف يمكن الحكم بزيادة العمر أو نقصانه بسبب من الأسباب.
وذهب آخرون إلى قبوله الزيادة والنقصان مستدلين بقوله : (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) . وبالأَخبار الكثيرة الدالة على أنّ صلة الرحم توجب الزيادة في العمر والقطعية توجب النقصان وكذلك البرّ والعقوق هذا .
والتحقيق في المقام هو التفصيل بما يجمع به بين الأدلتين، وتوضيحه يحتاج إلى تمهيد مقدّمة، وهو أنّ المستفاد من بعض الآيات والأخبار هو أن الأجل على قمسين محتوم، وموقوف، قال سبحانه في سورة نوح :
(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لَا يُؤَخِّرُ) [نوح: 3 - 4] .
قال المفسرون: الأجل المسمّى هو الأمد الأقصى الذي قدر الله لهم بشرط الإيمان والطاعة وراء ما قدره لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان، فإن وصف الأجل بالمسمّى وتعليق تأخيرهم إليه بالإيمان صريح في أن لهم أجلاً آخر لا يجاوزونه إن لم يؤمنوا، وهو المراد بقوله : (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّر) [نوح: 4] أي ما قدر لكم على تقدير بقائكم على الكفر إذا جاء وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر والعصيان لا يؤخر، فبادروا إلى الإيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه الذي هو البقاء على الكفر، فلا يجيء ويتحقق شرط التأخير إلى الأجل المسمّى فتأخروا إليه.
وفي «الكافي» بإسناده عن حمران عن أبي جعفر علیه السلام قال سألته عن قول الله عزّ وجل:
(قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ) [الأنعام: 2] .
قال هما :أجلان أجل محتوم، وأجل موقوف (1).
وعن علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد الله أبي عبد الله في تفسير هذه الآية، قال: الأجل المقضي هو المحتوم الذي قضاه ،وحتمه والمسمّى هو الذي فيه البداء، ويقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير (2).
إذا عرفت هذه المقدمة ظهر لك أن من الأجل قسما قابلاً للتغيير وقسماً ليس قابلاً له، وعليه فاللازم حمل الأدلة الأولية الدالة على عدم التغير في الأجال بالتقدم والتأخر على الأجل المحتوم، وحمل الأدلة الثانية على الأجل الموقوف القابل للتغير بحصول شروط الزيادة وأسبابها وعدمه، وعلى ذلك فإن كان مراد القائلين بثبوت التغير والقائلين بعدمه هو ما ذكرناه الآخر أيضاً على ذلك لفظياً، وإن أرادوا ثبوت فلا مشاحة بيننا وبينهم ويصير نزاع نزاع أحدهما مع التغير في مطلق الآجال وعدمه كذلك فالمنع على القولين واضح.
ثم لا يذهب عليك أن وجود التغير في الأجل الموقوف حسبما ذكرنا لا يوجب التغير في علمه سبحانه حسبما يزعمه القائلون بالقول الأول، وذلك لأنه سبحانه كما علم كمية العمر علم ارتباطه بسببه المخصوص، وكما علم من زيد دخول الجنّة علم ارتباطه بأسبابه المخصوصة من إيجاده وخلق العقل له وبعث الأنبياء ونسب الإلطاف وحسن الاختيار والعمل بموجب الشرع، وعلم أيضاً حصول تلك الأسباب في الخارج المحصلة لوجود المسبب، وبالجملة جميع ما يحدث في العالم فهو معلوم لله سبحانه على ما هو واقع عليه من شرط أو سبب .
توضیح ذلك أنّ الله سبحانه قد خلق لوحاً وسماه لوح المحو والإثبات قد كتب فيه الآجال والأرزاق وجميع ما يكون في عالم الكون معلقاً على الأسباب والشرائط وهو الذي يقع في المحو والإثبات والتغيير والبداء، مثلاً كتب أن عمر زيد عشر سنين إن لم يصل رحمه، وعشرون إن وصل وأنّه إن أذى الزكاة يحصل له البركة في ماله وإن لم يؤذه لم يحصل وكذلك جميع الكائنات فهذا اللوح الذي أبدع فيه صور الموجودات على الوجه القابل للتغيير، وخلق لوحاً آخر أبدع فيه صور الموجودات وجميع الأشياء مفصلة معقولة محفوظة عن التغيّر وهو المسمّى بأم الكتاب المشار إليه في قوله تعالى:
(يَمحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ ) [الرعد: 39] .
وقد كتب الله فيه الكائنات على ما علمه في الأزل ويسمّى ذلك بالعلم الملزم لا تغير فيه ولا تبدل بوجه من الوجوه، لأن علمه بالأسباب والمسببات على نهج واحد، وقد علم وقوع الأسباب وعدم وقوعها وأن زيداً يصل رحمه فيكون عمره كذا، أولاً يصل رحمه فيكون كذا وقد علم في الأزل أحد الطرفين فكتبه في اللوح المحفوظ، وهذا هو المشار إليه في الأخبار بقولهم: جف القلم بما هو كائن يعني أنه كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة فلن يكتب بعده أبداً إذ لم يبق شيء حتى يكتب .
نعم يبقى الكلام في فائدة لوح المحو والإثبات وتغيير الكائنات وصفاتها فيه مع وجود اللوح المحفوظ، ولا حاجة لنا إلى البحث في ذلك الآن وإنما الواجب التسليم والإذعان بعد دلالة نص الأخبار عليهما والقرآن والله العالم الخبير بأسرار عالم الإمكان.
از جمله کلام آن امام عالی مقام است در وقتی که ترسانیدند او را از کشتن ابن ملجم ملعون غفلت می فرماید که:
به درستی بر من است از جانب خداوند سپری محکم که عبارت است از بقاء اسباب حیات تا روز فوت پس هرگاه بیاید روز مرگ من واشود آن سپر از من و بازگذارد مرا به دست ،مرگ پس این هنگام خطا نمی کند تیر موت و البته ت و البته بر نشانه بدن واقع میشود و خوب نشود اثر جراحت و روی به صحت نگذارد.
«أَلاَ وِإِنَّ الدُّنْيا دار لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إلا فيها، ولا يُنْجَى بشَيْءٍ كَانَ لَها أَبْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةٌ، فَما أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وحُوسِبُوا عَلَيْهِ، وما أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وأَقَامُوا فيهِ، فَإِنْها عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظَّلِّ بَيْنا تَراهُ سابِغاً حَتَّى قَلَصَ وزائداً حَتَّى نَقَصَ»(1).
(فاء) الظلّ يفيء فيئاً رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، قال الفيروز آبادي : الفيء ما كان مشمساً فينسخه الظلّ و (سبغ) الشيء سبوغاً من باب قعدتم وكمل، وسبغ الدرع طال من فوق إلى أسفل، وسبغ الظل طال إلى الأرض وقلص الظل انقبض .
فتنة مفعول مطلق بغير لفظ فعله، نحو قعدت جلوساً وانتصابه بالفعل المقدر على مذهب سيبويه أي ابتلى الناس وفتنوا بها فتنة وبالفعل الظاهر على مذهب المازني والمبرد والسيرافي، وهو الأولى إذ الأصل عدم التقدير بلا ضرورة داعية إليه، وقول الشارح البحراني يكونه منصوباً بالمفعول له أو كونه مصدراً بمعنى الضلال ساداً مسدّ الحال بعيد عن الصواب.
وإضافة الفيء إلى الظلّ من قبيل إضافة الخاص إلى العام، وبينا أصله بين فأشبعت الفتحة فحدثت الألف، وقد يزاد ما فتقول: بينما والمعنى واحد والجملة بعدها مجرورة المحلّ إضافتها إليها، وهي في الظاهر مضافة إلى الجملة وفي المعنى إلى مصدرها كسائر ما يضاف إلى الجمل، تقول جئتك يوم قدم زيد أي يوم قدومه والتقدير بين رؤيتك إياه زائداً، وحتى حرف ابتداء يعني أنها حرف يستأنف بعدها الكلام، سواء كانت الجملة إسمية أو فعلية كقوله : حتى يقول الرسول، بالرفع.
اعلم أنّ هذه الخطبة واردة في مقام التزهيد عن الدنيا والترغيب في الآخرة وفيها إشارة إلى كونها دار بلاء وفتنة، وإلى أنها قريبة الزوال سريعة الفناء فقوله (ألا وإن الدنيا دار لا يسلم
1) روضة الواعظين : 441 ، وعيون الحكم والمواعظ : 148 .
منها إلا فيها) تنبيه على أن السّلامة من شرور الدّنيا ومفاسدها وما يترتب عليها من العذاب الأليم والتكال العظيم لا تكون إلا في دار الدنيا بالزهد والرياضات وبملازمة التقوى والطاعات، وذلك لأن التكليف إنّما هو في دار الدنيا والآخرة ليست بدار تكليف بل جزاء، وبامتثال التكاليف فيها يسلم من العقاب وينال حسن الثواب كما أن بمخالفتها يحصل الشقاوة ويستحق العقوبة.
وإلى ذلك الإشارة في حديث الهيثم بن واقد الحريري (1)المروي في «الكافي» عن أبي عبد الله علیه السلام قال: من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام (و) منه يعلم انه (لا ينجي بشيء كان لها) بيان ذلك أن الدنيا والآخرة ضرتان متضادتان فما هو للدنيا مضاد للآخرة فكيف يوجب النّجاة فيها كما أن ما هو للآخرة مضاد للدنيا ومضار لها، ولذلك قيل : إنّهما ككفتي الميزان بقدر ترجيح إحداهما تخف الأخرى.
وقال رسول الله صلی الله علیه وسلم : «إن في طلب الدنيا إضراراً بالآخرة وفي طلب الآخرة إضراراً بالدنيا، فأضروا بالدنيا فإنّها أحق بالإضرار» (2)وقال الله سبحانه :
(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُ أَمَلًا) [الكهف : 46]
يعني أنّ المال والبنين يتفاخر بهما في الدنيا ويتزين بهما فيها ولا ينفعان في الآخرة إذ لا يبقى شيء منهما للإنسان فينتفع به فيها، والأعمال الصالحة والطاعة الحسنة التي يبقى ثوابها أفضل ثواباً عند الله من المال والبنين وأصدق أملاً من زهرات الدنيا وزخارفها، لأنها أمل لا يكذب فيها يؤمّل الثواب وينجى من أليم العقاب.
وقوله : (ابتلي النّاس بها فتنة) إشارة إلى أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأن الله ابتلى عباده فيها تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا قال الشاعر :
ألا أنّما الدنيا بلاء وفتنة***على كل حال أقبلت أو تولت
فصارت المنحة والمحنة كلاهما بلاء، فالمنحة مقتضية للشكر والمحنة مقتضية للصبر كما قال تعالى :
(وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالخَيْرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) [الأنبياء : 35].
قال الطبرسي: أي نعاملكم معاملة المختبر بالفقر والغنى والسراء والضراء والشدة والرخاء، وقيل مما تكرهون وما تحبّون ليظهر صبركم فيما تكرهون وشكركم فيما تحبّون وقيل : الشر غلبة الهوى على النفس والخير العصمة عن المعاصي.
واعلم أن أصل الابتلاء والاختبار أن يراد به الوقوف على حال المختبر بفتح الباء والاطلاع على ما يجهل من أمره وقد يراد به إظهار جودته ورداءته وربما يقصد به الأمران، ولمّا كان الأول محالاً في حقه تعالى لاستلزامه الجهل لا بد أن يراد به حيثما نسب الابتلاء إليه سبحانه المعنى الثاني، فإذا قيل: بلاه الله بكذا وابتلاه فليس المراد إلا إظهار حسن طينته خبث سريرته دون التعرف لحاله والوقوف على ما يجهل منه وعلى هذا يحمل الآيات القرآنية مثل :
(وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالخَيرِ ) [الأنبياء : 35] (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ) [البقرة: 155] الآية: (وَإذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِم رَبُّهُ بِكَلِمَتِ) [البقرة: 124].
وربما يحمل على معنى ثالث قال في الكشاف في تفسير الآية الأخيرة: اختبره بأوامر ونواهي واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك .
وقال الطبرسي في تفسيرها: أي اختبر إبراهيم وهو مجاز وحقيقته أنه أمر إبراهيم ربه وكلّفه وسمّى ذلك اختباراً لأن ما يستعمل الأمر منافي مثل ذلك يجري على جهة الاختبار والامتحان فأجرى على أمره اسم أمور العباد توسعاً، وأيضاً فإن الله لما عامل عباده معاملة المبتلي المختبر إذ لا يجازيهم على ما يعلمه منهم أنّهم سيفعلونه قبل أن يقع ذلك الفعل منهم كما لا يجازي المختبر للغير ما لم يقع الفعل منه ، سمّى أمره ابتلاء، هذا.
ولمّا ظهر أنّ الدّنيا وما فيها إنما خلقت لاختبار النّاس وابتلائهم لا بد وأن يكون همتهم
فيها مصروفة إلى ما هو محصل للسعادة في الآخرة حتى يخلصوا عن قالب الامتحان ويستحقوا الدرجات الرفيعة العلية، ولا يكون نظرهم مقصوراً على عاجل زهراتها الخسيسة الدنيّة (ف) انّ (ما أخذوا منها لها أخرجوا منه وحوسبوا عليه وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه) ومن المعلوم أنّ العاقل لا يرجح ما هي سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزوال والفناء على ما هي دائمة البقاء خصوصاً إذا كانت الفانية حقيرة خسيسة والباقية خطيرة نفيسة، وذلك لأن خيرات الدنيا حسية وخيرات العقبى عقلية والعقلية أشرف من الحسية بمراتب كثيرة لا سيما إذا كانت الدنيوية محاسباً عليها مسؤولاً عنها .
قال أبو عبد الله علیه السلام في رواية «الكافي» فيما وعظ به لقمان ابنه : يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له، وإنما أنت عبد مستأجر قد
أمرت بعمل ووعدت عليه أجراً، فأوف عملك واستوف أجرك، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدّهر أخربها ولا تعمرها فإنك لم تؤمر بعمارتها .
واعلم أنّك ستسأل غداً إذا وقفت بين يدي الله عزّ وجلّ عن أربع : شبابك عن أربع شبابك فيما أبليته وعمرك فيما أفنيته ومالك مما اكتسبته، وفيما أنفقته فتأهب لذلك وأعد له جواباً، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا فإنّ قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك وتعرض لمعروف ربّك، وجدد التوبة في قلبك واكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك، ويقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد (1).
(فإنها عند ذوي العقول كفيء الظل بينا تراه سابغاً حتى قلص وزائداً حتى نقص) تخصيص ذوي العقول بالذكر من أجل أنّهم هم الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الظلماني الفاني إلى لب الوجود الروحاني النوراني الباقي فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر سرعة زوال الدنيا ،وانقضائها وعرفوا أن بقائها عين حدوثها وتجدّدها ووجودها نفس زوالها وفنائها وأما غيرهم فإنّهم عن الذكر لمعزولون، وما هم مهتدون إن هم إلا كالأنعام بل أضل سبيلاً، هذا .
وتشبيه الدنيا بفيء الظل من التشبيهات السائرة في الأشعار والأخبار .
قال الباقر علیه السلام للجابر الجعفي: يا جابر أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته تريد التحوّل عنه، وهل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب، ولا أحد يعبؤ بها، أو كثوب لبسته أو كجارية وطئتها يا جابر الدنيا عند ذوي الألباب كفيء الظلال.
وعن «العيون»، عن البيهقي عن الصولي، عن محمد بن يحيى بن أبي عباد، عن عمه قال : سمعت الرّضا عليه التحية والثناء يوماً ينشد شعراً :
كلنا نأمل مداً في الأجل***والمنايا من آفات الأمل
لا يغرنك أباطيل المنی***والزم القصد ودع عنك العلل
إنّما الدنيا كظل زائل***حلّ فيه راكب ثم رحل (2)
ولبعضهم:
ألا إنّما الدنيا كظل غمامة***أظلت يسيراً ثم حقت فولت
وقال آخر:
ألا إنما الدنيا كظل سحابةٍ***أظلّتك يوماً ثم عنك اضمحلت
فلاتك فرحاناً بها حين أقبلت***ولا تك جزعاناً بها حين ولت
از جمله خطب شریفه آن حضرت است در مقام تنفیر از دنیا و ترغیب در ،آخرت میفرماید که : بدانید و آگاه باشید که دنیا سرایی است که سلامت مانده نمیشود از آن مگر در آن و خلاصی یافته نمیشود به چیزی که باشد از برای آن امتحان شده اند مردمان با او امتحان ،شدنی پس آن چه که گرفتهاند از برای دنیا بیرون کرده میشوند از آن به صد رنج و عنا و حساب کرده میشوند بر آن در روز جزا و آن چه که گرفته آن را از دنیا از برای غیر دنیا یعنی از برای نجات ،عقبی آیند بر او و می ایستند در او؛ یعنی ثواب آن را در می یابند و به جزای آن نایل می شوند.
به درستی دنیا در نزد صاحبان عقل و شعور مانند سایه ای است در این اثنا که می بینی آن را شایع و منتشر حتی آن که برچیده میشود در این که زاید و تمام است تا این که ناقص می شود؛ یعنی دنیا در نظر مردم ثبات و دوام ،دارد لیکن اگر تأمل و فکر درست بکنی، در معرض زوال و فنا است .
«فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وبادِرُوا أَجالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، وَابْتَاعُوا ما يَبْقَى لَكُمْ بِما يَزُولُ عَنْكُمْ، وتَرَحْلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَاسْتَعِدُوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ ، وكُونُوا قَوْماً صبحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا ، وعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدِلُوا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدّى، وما بَينِ أَحَدِكُمْ وَبَينَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ ، وإِنَّ غايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ لَجَدَيرَةُ بِقَصْرِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ عَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدانِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَحَرِيُّ بِسُرْعَةِ الأَوْبَةِ ، وإِنَّ قَادِماً يَقْدِمُ بِالْقَوْزِ أَوِ الشَّفْرَةِ لَمُسْتَحِنُ لأَفْضَلِ الْعُدَّةِ، فَتَزَوَّدُوا في الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا ما تُحْرِزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً.
فَاتَّقَى عَبْد رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ غَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خادِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانَ مُوَكَّلْ بهِ يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَها، ويُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا، حَتَّى تَهْجَمَ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ ما يَكُونُ عَلَيْهَا ، فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً ، وأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى شَقْوَةٍ، نَسْتَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ نَعْمَةٌ، وَلَا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّه غايةٌ ، ولا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ ولا كَابَة» (1).
(بادره) مبادرة وبداراً وبدر غيره إليه عاجله و(جد بكم) بصيغة المجهول أي عجل بكم وحثثتم على الرّحيل و (استعد) له تهيأ و(أظلني) الشيء غشيني أو دنا مني حتى ألقى على ظله و (صبح بهم) من الصياح وهو الصوت بأقصى الطاقة و (استبدلوا) بصيغة الأمر بمعنى أبدلوا
) و(السدى) بالضم وقد يفتح المهملة من الإبل يستعمل في الواحد والجمع و(الجديدان) والأجدان الليل والنهار و(الأوبة) الرجوع و(العدة) ما أعددته من مال أو سلاح أو غير ذلك والجمع عدد مثل غرفة وغرف و (الحرز) الحفظ وتحرزون إما ثلاثي مجرد من باب نصر أو مزيد فيه من باب الأفعال و(التسويف) المبطل وأصله أن يقول مرة بعد أخرى سوف أفعل و(البطر) الطغيان) و(كتب) الرّجل كآبة إذا صار كثيباً أي منكسراً حزناً .
الباء في قوله بأعمالكم للمصاحبة، وفي قوله : بما يزول للمقابلة، وفي قوله: بكم
1) ميزان الحكمة : 2966/4 ح ،3730 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع) 206/1 .
للتعدية، والفاء في قوله : فقد جد بكم، وقوله : فقد أظلكم للسببية، وفي قوله فانتبهوا ،عاطفة وفي قوله فاستبدلوا ،فصيحة وفي قوله : فإنّ الله للسّببية أيضاً .
وما في وما بين أحدكم للنفي، وقوله : أن ينزل به في محل رفع بدل من الموت، وقوله : وأنّ غاية (اه) عطف على قوله : فإنّ الليل والنهار بدل من الجديدان أو عطف بيان وجملة يزين (اه) منصوب المحل على الحالية، وأغفل منصوب بنزع الخافض أي في أغفل حالة، وقوله يا لها حسرة منادى مستغاث والحسرة منصوب على التمييز كأنه قال: يا للحسرة على الغافلين ما أكثرك أو أنه مستغاث لأجله والمنادى محذوف أي يا قوم أدعوكم للحسرة، وفتحة اللام حينئذ من أجل دخولها على الضمير ومثل ذلك قول علي بن موسى الرّضا عليه التحية والثناء :
وقبر بطوس يا لها من مصيبة***ألحت على الاحشاء بالزفرات
وقوله : أن يكون عمره (اه) في محل الجز على كونه بدلاً من كل ذي غفلة، وجملة: نسأل الله دعائية لا محلّ لها من الإعراب.
إعلم أن المقصود بهذه الخطبة أيضاً هو التنفير عن الدنيا نظراً إلى قصر مدتها وسرعة زوالها والترغيب في الآخرة لتحصيل ما هو وسيلة إلى ثوابها منجية عن عقابها وهو التقوى ولزوم الأعمال الصالحة المشار إليها بقوله (فاتقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم) أي سارعوا إلى آجالكم الموعودة مصاحباً بأعمالكم الصالحة وهو كناية عن ترقب الموت وعدم الغفلة عنه، وهو إنّما يكون بالتجافي عن دار الغرور والرغبة إلى دار السرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت (وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم) وهو أمر بشراء الآخرة بالدنيا وتوصيف المبتاع بالبقاء والثّمن بالزوال ترغيباً وتحريصاً، إذ تبديل الزائل بالباقي بيعة رابحة وكفة راجحة لا يرغب عنها العاقل واستعمال المبايعة في هذه المبادلة والمعاوضة غير عزيز قال سبحانه :
(یايُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَل أدلكم على تعرف تُجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَهدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَكُم إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الصف : 10 - 11] .
واعلم أن البيع اعتماده على أركان أربعة البائع والمشتري والثمن، والعثمن، فالثّمن كما علمت هو متاع الحياة الدنيا الفانية ولذائذها النفسانية ؛ والمبتاع نعيم الآخرة الباقية والجنّة التي أكلها دائم وظلها والمشتري هو العبد، ومعلوم أن البائع لا بد أن يكون هو الله سبحانه
إذ هو مالك ملك السماوات والأرض وله الآخرة والأولى، وله جنة المأوى.
فقد شبه علیه السلام دار الدنيا بسوق تجارة عرض الله فيها متاع الآخرة للبيع وليس في بدء الخلق إلا دراهم مزيفة مغشوشة وهي زينة الحياة الدنيا فأمر بابتياع ذلك المتاع بتلك الدراهم، فمن كان له عقل وكياسة امتثل ذلك الأمر فربح وفاز فوزاً عظيماً ومن كان ذا حمق وجهالة تضرّ وخاب فخسر خسراناً مبيناً وقد وقع الإشارة إلى تلك التجارة وما فيها من الربح العظيم والمنفعة الكثيرة في قوله سبحانه :
(إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَدِلُونَ فِي سَبِيلِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [التوبة : 111 ] .
قال المفسرون: في هذه الآية وجوه من الدلالة على الحثّ والتأكيد بتلك المعاملة.
الأَوّل: إن حقيقة الاشتراء غير جائز في حقه سبحانه، لأن المشتري إنّما يشتري ما لا يملك وهو سبحانه مالك الأشياء كلها، لكنه ذكر لفظ الشراء تلطفاً لتأكيد الجزاء لأنّه لمّا ضمن النواب على نفسه في مقابلة العبادات البدنية والمالية جعل نفسه بمنزلة المشتري اللازم عليه ردّ الثّمن بعد أخذ المبيع .
الثاني : أنه جعل في مقابلة النفس التي هي منبع الشرور والمفاسد والمال الذي هو منشأ الغرور والمهالك الجنّة الدائمة والسعادات الباقية وهذه تجارة لن تبور، فلا يرغب عنها عاقل ولا يستقيلها إلا جاهل روي أن أعرابياً من يباب المسجد فسمع النبي صلی الله علیه وسلم يقرأ هذه الآية فقال هذا الكلام لمن ؟ قالوا : الله سبحانه قال : متى وقع هذا البيع والشرى؟
قالوا: في عالم الميثاق، قال : والله بيع مربح لا نقيل ولا نستقيل.
الثالث : قوله : وعداً، ووعد الله حق.
الرابع : قوله عليه وكلمة على للوجوب .
خامس: قوله : حقاً وهو التأكيد للتحقيق.
السادس :قوله : (في التوراة والإنجيل والقرآن) وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المعاملة .
السابع : قوله : ومن أوفى بعهده من الله ) وهو في غاية التأكيد إذ معناه أنه يفي ولا يخلف إذ عدم الوفاء للوعد إما للعجز وعدم القدرة أو للبخل والدناءة، وكلها مستحيلة في حق الله سبحانه مضافاً إلى ما فيه من الكذب والخيانة .
الثامن: قوله : (فاستبشروا بيعكم) وهو مبالغة في التأكيد أي فافرحوا بهذه المبايعة لأنكم بعتم فانياً بباقي وزائلاً بدانم.
التاسع : قوله : وذلك هو الفوز .
العاشر : قوله : العظيم، فثبت بهذه الوجوه العشرة عظم منفعة هذه المبايعة وجلالة قدرها وكثرة ربحها (وترحلوا فقد جدّ بكم) وهو أمر بقطع منازل السفر إلى الله وسلوك الطرق الموصلة إلى رضوان الله معللاً بأنّكم حثثتم على هذا السير والسلوك وعجلتم على طي هذه
المنازل، فشبه علیه السلام، الدنيا بمنزل ينزل فيه قافلة ليستريحوا ساعة ثم ينادي فيهم بالرحيل . ونظيره ما يأتي منه في أواخر الكتاب قال : تغرّ وتضرّ وتمرّ إن الله لم يرضها ثواباً
لأوليائه ولا عقاباً لأعدائه وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا وقال علیه السلام في الديوان المنسوب إليه .
تزوّد من الدنيا فإنّك راحل***وبادر فإن الموت لا شك نازل
ألا إنّما الدنيا كمنزل راكب***أراح عشيّاً وهو في الصبح راحل
فإن قلت : ظاهر التشبيه يعطي أن للناس في دار الدنيا منادياً ينادي فيهم الرحيل وآمراً يأمرهم بالسير والتعجيل، فمن ذلك المنادي، وما المراد بذلك الأمر؟
قلت : يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الملك المأمور بالنداء من جانب الله سبحانه كما ورد في حديث أبي جعفر علیه السلام، وفي الديوان :
له ملك ينادي كل يوم***لدوا للموت وابنوا للخراب
ويحتمل أن يكون كناية عن توارد الأسباب التي تعد المزاج للفساد وتقربه إلى الآخرة وإلى ذلك أشار علیه السلام في الديوان أيضاً بقوله :
إلى إِلامَ تجر أذيال التصابي***وشيبك قد نضا برد الشباب
بلال الشيب في فوديك نادى***بأعلى الصوت حي على الذهاب
خلقت من التراب وعن قريب***تغیب تحت أطباق التراب
طمعت إقامة في دار ظعن***فلا تطمع فرجلك في الركاب
وأرخيت الحجاب فسوف يأتي***رسول ليس يحجب بالحجاب
أعامر قصرك المرفوع أقصر***فإنك ساكن القبر الخراب
(واستعدوا للموت فقد أظلكم) أي تهيئوا له فإنّه قريب منكم وأشرف عليكم كأنه أوقع ظلاله على رؤوسكم، والتهيؤ له إنما يحصل بالعلم بأن أمامه طريقاً بعيداً وسفراً مهولاً وممراً على الصراط، وأن المسافر لا بد له من زاد فمن لم يتزوّد وسافر هلك وعطب، فإذا علم ذلك استكمل نفسه وقصر أمله وأصلح عمله وقطع العلائق الدنيوية وترك الشهوات النفسانية وأشرب قلبه حبّ الآخرة فحينئذ لا يبالي أوقع على الموت أم الموت وقع عليه .
وإلى ما ذكرناه ينظر ما عن تفسير العسكري عن آبائه عليهم السّلام قال : قيل لأمير المؤمنين علیه السلام: ما الاستعداد للموت ؟ قال : «أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والاشتمال على المكارم ثم لا يبالي إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه، والله ما يبالي ابن أبي طالب إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه (وكونوا قوماً صيح بهم فانتبهوا وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار) وهو أمر لهم بكونهم مثل أقوام التفتوا إلى منادي الله وهو لسان الشريعة فحصل لهم بذلك الالتفات الانتباه من مراقد الطبيعة، وعلموا أنّ الدّنيا ليست لهم بدار وأن مأواهم الآخرة دار القرار فكانوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، واتخذوا الأرض بساطاً، والتراب فراشاً والماء طيباً، وقرضوا من الدنيا تقريضاً، فإنّ من اشتاق إلى الجنة سلا من الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ألا إنّ الله عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنّة مخلّدين وكمن رأى أهل النار في النار ،معذبين شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة، صبروا أياماً قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة .
أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم يسعون في فكاك رقابهم من النار، وأما النهار فحكماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح قد براهم الخوف العبادة ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض أم خولطوا فقد خالط القوم من أمر عظيم من ذكر النار وما فيها (فاستبدلوا) أي أبدلوا الآخرة بالدنيا» (1).
وهو تفريع على التشبيه يعني: أنّ القوم الذين صيح به كما أنهم علموا أن الدنيا ليست لهم بدار وبدلوها بالآخرة فكذلك أنتم إذا كنتم مثلهم فاستبدلوها بها (فإنّ الله لم يخلقكم عبئاً ولم يترككم سدى) إما علة لجميع ما أمر به سابقاً من التقوى والمبادرة إلى الآجال بالأعمال وابتياع الآخرة بالدنيا وغيرها مما تلاها، أو لخصوص الأمر الأخير أعني الاستبدال، وكيف كان فالمقصود بذلك أنه سبحانه لم يخلق الناس عبثاً ولم يتركهم مهملين كالإبل المرسلة ترعى حيث تشاء وإنما خلقهم للمعرفة والعبادة كما قال سبحانه :
(وما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات : 56].
فلا بد لهم من القيام بوظائف الطاعات وتحمل المشاق في أداء العبادات وتبديل سيئاتهم بالحسنات بتوبتهم من الخطيئات ليتمكنوا من الوفود إلى الدرجات العاليات .
وفي الحديث القدسي من منتخب التوراة : «يا ابن آدم إني لم أخلقكم عبئاً ولا جعلتكم سدى ولا أنا بغافل عما تعملون وإنكم لن تنالوا ما عندي إلا بالصبر على ما تكرهون في طلب رضائي والصبر على طاعتي أيسر عليكم من حرّ النار وعذاب الدنيا أيسر عليكم من
1) الكافي: 132/2 وشرح أصول الكافي : 373/8 - 15 .
عذاب الآخرة، يا ابن آدم كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم مريض إلا من شفيته، وكلكم فقير إلا من أغنيته، وكلكم هالك إلا من أنجيته وكلكم مسيء إلا من عصمته، فتوبوا إلي أرحمكم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم» (1)، هذا.
ولما علل وجوب الأبدال بما ذكر أكد ذلك بقوله : (وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به) وذلك لأن العاقل إذا لاحظ أنه لا حجاب بينه وبين الجنة أو النار إلا موته فيقطع العلائق الدنيوية ويفرغ قلبه من حبها ويستبدل الآخرة بالدنيا، ويمتثل لقوله : موتوا قبل أن تموتوا شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب.
ومقصوده بذلك الإشارة إلى قرب الساعة وما يكون فيها من الثواب والعقاب وأنها ليست بعيدة كما يزعمه أهل الحجاب.
بيان ذلك أن أهل الحجاب وأصحاب الشك والارتياب يزعمون يوم القيامة بعيداً من الإنسان بحسب الزمان .
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَابِمَةً [الكهف: 36] وبحسب المكان (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّکان بعيد ﴾ [سبأ: 53] . وأما أهل العلم واليقين فيرونه قريباً بحسب الزمان .
(أقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر: 1] حاضراً بحسب المكان (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا *ونَرَاهُ قَرِيبا) [المعارج : 6- 7] .
هذه هي القيامة الكبرى، وأما القيامة الصغرى فهي إذا انقطع علاقة الروح من الجسد كما قال : من مات فقد قامت قيامته ثم إن كان من السعداء فيكون قبره روضة من رياض الجنة؛ وإن كان من الأشقياء فيكون القبر حفرة من حفر النيران، هذا بحسب مذاق أهل الشرع.
وأما مذاق أهل العرفان فهو على ما ذكروه أن كل من شاهد بنور البصيرة باطنه في الدنيا لراه مشحوناً بأصناف السباع والمؤذيات مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء وغيرها، وهي التي لا تزال تفرسه وتنهشه إن سها عنها بلحظة إلا أن أكثر الناس محجوب العين عن مشاهدتها، فإذا انكشف الغطاء بالموت ووضع في قبره عاينتها وهي محدقة عليه، وقد تمثلت بصورها وأشكالها الموافقة لمعانيها، فيرى بعينه العقارب والحيات قد أحدقت وإنما هي ملكاته وصفاته الحاضرة الآن، وقد انكشف له صورها الطبيعية وهذا عذاب القبر .
1) أمالي الطوسي : 166 ، والبحار : 140/68 .
وإن كان سعيداً تمثل له ما يناسب أخلاقه الحسنة وملكاته المرضية على وفق ما كانت تعتقدها أو فوقها من الجنات والحدائق والأنهار والغلمان والحور العين والكأس من المعين فهذا عقاب القبر وثوابه، ولذا قال صلوات الله عليه وآله : القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران» (1)، فالقبر الحقيقي هذه الهيئة وثوابه وعذابه ما ذكر .
ثم إنه علیه السلام علل وجوب الاستبدال بعلة ثانية مشيرة إلى سرعة زوال الدنيا وفنائها وقصر مدتها وانقضائها وهو قوله : (وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة) أراد بالغاية أجل الإنسان ومدّة تعيشه في دار الدنيا ونبه على قصرها بأنها تنقصها اللحظة أي النظرة لأن كلّ جزء من الزمان فرصته قد مضى من مدة الإنسان منقص لها، وبأنها تهدمها الساعة أي ساعات الليل والنهار، لأن الطبائع الجرمية فلكية كانت أو عنصرية متجددة الوجود والحدوث في كل آن، فوجودها نفس زوالها وحدوثها نفس فنائها والمواد والأعراض تابعة للطبائع فإذن تكون الساعات هادمة لها .
وقال الشارح البحراني : كنى بالساعة عن وقت الموت ولا شكّ أنّ الآن الذي تنقطع فيه علاقة النفس مع البدن غاية لأجل الإنسان، وغاية الشيء هي ما ينتهي عندها الشيء فكنى بالهدم عن ذلك الانقطاع والانتهاء كناية بالمستعار ( وإن غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحري بسرعة الأوبة) المراد بالغائب الإنسان فإنّه غائب عن وطنه الأصلي ومنزله الحقيقي الذي إليه معاده ومسيره وهو دار الآخرة وشبه الليل والنهار بالحادي لكونهما مقربين للإنسان بتعاقبهما إلى وطنه موصلين له إليه كما أن الحادي يحدو الإبل ويحثها على السير بحدائه حتى يوصلها إلى المنزل، ومن المعلوم أن من كان حاديه الليل والنهار فهو في غاية سرعة السير والرجوع إلى وطنه وقبل المراد بالغائب الموت .
قال البحراني : وهو وإن كان محتملاً إلا أنه لا يطابقه لفظ الأوبة لأنه لم يكن حتّى يرجع .
أقول : يمكن الجواب عنه بأنّ الموت لما كان عبارة عن العدم الطارىء للإنسان وكان الإنسان مسبوقاً بالعدم أيضاً حلول الموت بالأوبة.
قال الصدر الشيرازي: اعلم أن المبدأ الفطرة الأولى، والمعاد هو العود إليها، فالإشارة إلى الأولى كان الله ولم يكن معه شيء.
(وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)
فهذا خروج من العدم الأصلي إلى الوجود الكوني الحدوثي، والإشارة إلى الانتهاء .
(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ ) [الرحمان: 26 - 27] .
1) الكافي : 242/3 ، والمعجم الأوسط : 273/8 .
(كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: 88] .
وهذا خروج من هذا الوجود الخاص إلى العدم الفطري، فعلى هذا يصح توصيف الموت بأنّه يؤوب إلى الإنسان إلا أن توصيفه يكون الليل والنهار حاديين له لا يخلو عن بعد فافهم (وإنَّ قادما يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدة) والمراد بالقادم بالفوز أو الشقوة هو الإنسان لما قد علمت أنه غائب عن وطنه الأصلي وسائر إليه، فهو حين قدومه على منزله إما أن يكون سعيداً فيفوز بالسعادة الباقية، وإما أن يكون شقياً فيقع في الخيبة الدائمة، ومن كان هذا شأنه فاللازم عليه أن يستعد أفضل العدة، ويدخر لنفسه أحسن الزاد والذخيرة حتى
ينادي بنداء .
(يَأَيَّها النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةَ * فَادْخُلِي فِي عِبادى) [الفجر: 27 - 30] .
(فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غداً) يعني أن الإنسان إذا كان مستحقاً
لأفضل العدة فلا بد له أن يتزود من دنياه ما يحفظ دنياه ما يحفظ به نفسه غداً نفسه غدا بعد الموت ويوم القيامة حر النار ومن غضب الجبار ، لأنّ ذلك أفضل العدة وأحسن الزاد وهذا هو التقوى كما قال الله تعالى :
(وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: 197].
وإليه أشار بقوله (فاتقى عبد ربه نصح نفسه قدم توبته غلب شهوته) وهذه جُمَل خبرية في معنى الإنشاء مفضّلة للزاد الذي به يحصل حرز النفس وحفظها والمراد بنصح النفس النظر إلى مصالحها بأمرها بما هو محصل لها الكمال ونهيها عما يوقعها في الضلال وحنّها بالخيرات والحسنات ومنعها عن الشرور والسيئات ومن جملة النصح أن يقدم توبته على أجله ولا ينخدع بطول أمله ويستغفر ربه فيما فات ويقصر عن شهوته فيما هو آتٍ .
(فإنّ أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موکل به يزين له المعصية ليركبها، ويمنيه التوبة ليسوفها، حتى تهجم منيته عليه أغفل ما يكون عليها) وهذه كلها علل لوجوب تقديم التوبة وتحذير عن هجوم الموت في حالة الغفلة.
بيان ذلك أن ستر الأجل واختفائه عن الإنسان موجب واختفائه عن الإنسان موجب لغفلته عن ذكره وطول الأمل خادع له يخدعه بطول الحياة كما قيل :
أعلل النفس بالآمال أرقيها***ما أضيق الدّهر لولا فسحة الأمل
فإذا انضاف إلى ذلك خداع الشيطان ووسوسته وتزيين المعصية في نظره وتسويفه للتوبة وإلقائها في أمنيته مع كونه موكلاً به ملازماً له، كانت الغفلة أشدّ والنسيان آكد، فيهجم منيته عليه في نهاية غفلة من دون تمكن من توبته ولا تدارك منه ،لمعصيته، فعند ذلك ينتبه من نوم
الغفلة والجهالة، ويقع في كمال الخيبة والندامة وهو عند ذلك يقول :
(رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلى أَعْمَلُ صَلِيمًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَايَلُها وَمِن وَرَابِهِم بَرزَع إلى يوم
يبعثونَ ) [المؤمنون : 99-100] .
(فيا لها حسرة على كلّ ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجّة) أي شاهداً بلسان حاله على ما اكتسب فيه من الإثم والمعصية (وأن يؤديه أيامه) التي أمهله الله فيها لتحصيل السعادة (إلى شقوة) ثم دعا علیه السلام لنفسه وللمخاطبين بقوله : (نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة) أي من الذين لا يوجب كثرة التعم له البطر والطغيان كما أن ذلك من جبلة الإنسان قال سبحانه :
(كَلَّا ۖ إِنَّ الإِنسَنَ لَطْغَى أَن رَوَاهُ اسْتَغْى) [العلق : 6] .
(ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية) أي لا تكون مقصراً في الطاعات لغرض من الأغراض الدنيوية (ولا يحل به بعد الموت) حسرة (وندامة ولا حزن و كآبة) لانغماره في المعصية وتسويفه التوبة وهجوم موته عليه في حالة الغفلة .
قد تحصل من كلامه علیه السلام أنّ اللازم على الإنسان أخذ الزاد ليوم المعاد وأن لا يطمئن بطول الأجل ولا يغتر بخداع الأمل، إذ ربّ آمل شيء لا يدرك ما أمل كما قال عليه الصلاة والسلام في الديوان:
يا من بدنیاه اشتغل***قد غره طول الأمل
والموت یأتي بغتة***والقبر صندوق العمل
وقال آخر :
يا راقد الليل مسروراً بأوله***إنّ الحوادث قد يطرقن أسحاراً
لا تأمنن بليل طال أوّله***فرب آخر ليل أجج النّارا
ولا سيما أن الشيطان اللعين عدوّ مبين وهو في الكمين :
(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُم جِبلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) [ياسين : 62] .
فينبغي للعاقل أن للعاقل أن يحسن عمله ويقصر أمله ويقدم توبته أجله ويعجل في طلب الغفران ولا يغتر بتسويف الشيطان، ويتوب إلى الله سبحانه من صغائر ذنوبه وكبائرها، وبواطن سيئاته ،وظواهرها وسوالف زلاته وحوادثها توبة من لا يحدّث نفسه بمعصية، ولا يضمر أن يعود
في خطيئة، حتى يصل بذلك إلى روح وريحان ويتمكن من نزول الجنان، ولا يقع بعد الموت في الخيبة والخسران والحسرة والحرمان.
ولنذكر هنا حديثاً ينور القلوب، ويكشف الحجاب عن وجه المطلوب، ويظهر به عظم منفعة التوبة، ويتضح به معنى التسويف فيها وهو.
ما رواه في «الصافي» من المجالس وبعض الأصحاب من الأمالي بإسنادهما عن عبد الرّحمن بن غنم الدوسي قال: دخل معاذ بن جبل على رسول الله صلی الله علیه وسلم باكياً، فسلم فرد عليه السلام ثم قال : ما يبكيك يا معاذ ؟ فقال : يا رسول الله صلی الله علیه وسلم إن بالباب شابا طري الجسد نقي اللون حسن الصورة يبكي على شبابه بكاء الشكلى على ولدها يريد الدخول عليك.
فقال النبي صلی الله علیه وسلم: أدخل علي الشاب يا معاذ فأدخله عليه فسلم فرد عليه السّلام، ثم قال: ما يبكيك يا شاب؟ قال: كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوباً إن أخذني الله عزّ وجلّ ببعضها أدخلني نار جهنم ولا أراني إلا سيأخذني بها ولا يغفر لي أبداً فقال رسول الله هل أشركت بالله شيئاً؟ قال: أعوذ بالله أن أشرك بربي شيئاً، قال: أقتلت النفس التي حرم الله؟ قال: لا، فقال النبي صلی الله علیه وسلم: يغفر الله لك ذنوبك وإن كان مثل الجبال الرواسي قال الشاب: فإنّها أعظم من الجبال الرواسي .
فقال النبي صلی الله علیه وسلم: يغفر الله لك ذنوبك وإن كان مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق، قال الشاب : فإنّها أعظم من الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق، فقال النبي صلی الله علیه وسلم يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السماوات ونجومها ومثل العرش والكرسي قال فإنّها أعظم من ذلك قال : فنظر النّبي إليه كهيئة الغضبان ثم قال : ويحك يا شاب ذنوبك أعظم أم ربّك؟ فخر الشاب على وجهه وهو يقول سبحان ربي ما من شيء أعظم من ربي ربي أعظم يا نبي الله من كل عظيم، فقال النبي صلی الله علیه وسلم: فهل يغفر لك الذنب العظيم إلا الرب العظيم ؟ قال الشاب، لا والله يا رسول الله ثم سكت الشاب، فقال له النبي صلی الله علیه وسلم : ويحك يا شاب ألا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك؟ قال: بلى أخبرك .
إني كنت أنبش القبور سبع سنين أخرج الأموات وأنزع الأكفان، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار فلما حملت إلى قبرها ودفنت وانصرف عنها أهلها وجنّ عليهم الليل أتيت قبرها فنبشتها، ثم استخرجتها ونزعت ما كان عليها من أكفانها وتركتها مجردة على شفير قبرها ومضيت ،منصرفاً، فأتاني الشيطان فأقبل يزينها لي ويقول أما ترى بطنها وبياضها أما ترى وركيها، فلم يزل يقول لي هذا حتى رجعت إليها ولم أملك نفسي حتى جامعتها وتركتها مكانها، فإذاً أنا بصوت من ورائي يقول : يا شاب ويل لك لك من ديان يوم الدين يوم يقفني وإياك
كما تركتني عريانة في عساكر الموتى ونزعتني من حفرتي وسلبتني أكفاني وتركتني أقوم جنبة إلى حسابي، فويل لشبابك من النار، فما أظن أني أشم ريح الجنّة أبداً فما ترى لي يا رسول الله ؟
فقال النبي صلی الله علیه وسلم تنح عنّي يا فاسق إنّي أخاف أن أحترق بنارك فما أقربك من النار، ثمّ لم يزل يقول ويشير إليه حتى أمعن أي أبعد من بين يديه فذهب فأتى المدينة فتزود منها، ثمّ أتى بعض جبالها فتعبد فيها ولبس مسحاً وغل يديه جميعاً إلى عنقه ونادى :
يا ربّ هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول يا ربّ أنت الذي تعرفني وزلّ منّي ما تعلم سيدي يا ربّ إنّي أصبحت من النادمين وأتيت نبيك تائباً فطردني وزادني خوفاً، فأسألك باسمك وجلالك وعظيم سلطانك أن لا تخيب رجائي سيدي ولا تبطل دعائي ولا تقنطني من رحمتك (1).
فلم يزل يقول ذلك أربعين يوماً وليلة تبكي له السباع والوحوش، فلما تمت له أربعون يوماً وليلة رفع يديه إلى السماء وقال:
اللهم ما فعلت في حاجتي إن كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي فأوح إلى نبيك، وإن لم تستجب دعائي ولم تغفر لي خطيئتي وأردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلكني وخلصني من فضيحة يوم القيامة فأنزل الله تعالى على نبيه :
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) يعني الزنا (أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) [آل عمران: 135].
يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان :
(ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) [آل عمران: 135].
يقول خافوا الله فعجلوا التوبة :
(وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ) [آل عمران : 135].
يقول عز وجل: «أتاك عبدي تائباً فطردته فأين يذهب وإلى من يقصد ومن يسأل أن يغفر له ذنبه» غيري ثم قال عزّ وجل:
(وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) [آل عمران: 135].
يقول الله عزّ وجل لم يقيموا على الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان :
(أولَيكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ
1) الأمالي: 99 ، وروضة الواعظين: 480 .
الْعَمِلِينَ ) [آل عمران: 136] .
فلما نزلت هذه الآية على رسول الله صلی الله علیه وسلم خرج وهو يتلوها ويتبسم، فقال لأصحابه من يدلني على ذلك الشاب التائب؟ فقال معاذ: يا رسول الله بلغنا أنه في موضع كذا وكذا، فمضى رسول الله بأصحابه حتى انتهوا إلى ذلك الجبل وصعدوا إليه يطلبون الشاب، فإذاهم بالشاب قائم بين صخرتين مغلولة يداه إلى عنقه قد اسود وجهه وتساقطت أشفار عينيه من البكاء وهو يقول :
سيدي قد أحسنت خلقي وأحسنت صورتي وليت شعري ماذا تريد بي، في النار تحرقني أم في جوارك تسكنني ، اللهم إنك قد أكثرت الإحسان إلي وأنعمت علي فليت شعري ماذا يكون آخر أمري، إلى الجنة ،تزفني أم إلى النّار تسوقني، اللهم إن خطيئتي أعظم من السماوات والأرض ومن كرسيك الواسع وعرشك ،العظيم فليت شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة .
فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثو التراب على رأسه وقد أحاطت به السباع وصفت فوقه الطير وهم يبكون لبكائه، فدنا رسول الله صلی الله علیه وسلم فأطلق يديه من عنقه ونفض التراب عن رأسه :وقال يا بهلول أبشر فإنك عتيق من النار، ثم قال هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول، ثم تلى عليه ما أنزل الله عزّ وجلّ وبشره بالجنة (1).
وفي «الصافي» و«البحار» من المجالس بإسناده عن قطر بن خليفة عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال : لما نزلت هذه الآية صعد إبليس جبلاً بمكة يقال له ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فقالوا: يا سيدنا لماذا دعوتنا؟ قال : نزلت هذه الآية فمن لها فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا قال لست ،لها فقال آخر مثل ذلك، فقال: لست ،لها فقال الوسواس الخناس أنا لها قال بماذا ؟ قال : أعدهم وأمنيهم التوبة، حتى يواقعوا في الخطيئة فإذا وقعوا الخطيئة أنسيتهم الإستغفار فقال : أنت لها فوكله بها إلى يوم القيامة .
أقول: ومن نظر إلى هاتين الروايتين بعين البصيرة وتفكر فيما تضمنته الأولى من جلالة فائدة التوبة وتأمل فيما تضمنته الثانية من عظم الخطر في تأخيرها وتسويفها وعرف أن التسويف والتأخير من وسوسة (الوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) الناس : [4 - 5]لا بدّ له أن يستيقظ من نوم الغفلة والجهالة ويتدارك الموت قبل حلوله ولا يغره الأمل بطوله .
1) الأمالي : 551 - 736، ووسائل الشيعة : 67/16.
وكذلك قال رسول الله صلی الله علیه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه :
«يا أبا ذر اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك فبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك .
يا أبا ذر إياك والتسويف بأملك، فإنّك بيومك ولست بما بعده، فإن يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم وإن لم يكن غداً لك لم تندم على ما فرطت في اليوم.
يا أبا ذر كم مستقبل يوم لا يستكمله. ومنتظر غداً لا يبلغه .
يا أبا ذر لو نظرت إلى الأجل ومسيره لأبغضت الأمل وغروره.
يا أبا ذر كن كأنك في الدنيا عابر سبيل، وعد نفسك من أصحاب القبور .
يا أبا ذر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك فإنك لا تدري ما اسمك غدا» (1).
وبالجملة فالتعجيل في جميع الأمور قبيح إلا في التوبة فإنه فيها حسن إذ التأخير مظنة الفوت الموجب للإقتحام في الهلكات مع ما في التأخير من خطر آخر وهو أنّ التوبة إذا وقعت عقيب السيئة تؤثر فيها وتمحو أثرها وإذا تأخرت يتراكم الزين وظلمة الذنوب على القلب فلا يقبل التأثير .
ولذلك قال لقمان لابنه : يا بني لا تؤخر التوبة فإنّ الموت يأتي بغتة، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين أحدهما: أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ريناً وطبعاً فلا يقبل المحو الثاني : أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو .
ولذلك أيضاً ورد في الخبر أن أكثر صياح أهل النار من التسويف، فما هلك هلك من إلا بالتسويف فيكون تسويده القلب نقداً وجلاؤه بالطاعة نسبة إلى أن يختطفه الموت فيأتي الله بقلب سقيم ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، وإلى ما ذكرنا كله ينظر قوله سبحانه :
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِهَا ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَيْكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ التَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَبِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء : 17 - 18] .
1) وسائل الشيعة : 114/1 ح 285 ، ومستدرك الوسائل : 107/2 ح 1555 .
از جمله خطب شریفه آن امام انام و حجت عالی مقام است که می فرماید پرهیز نمایید از معبود به سزا ای بندگان خدا و بشتاید به سوی اجلهای خود با عملهای خود و بخرید آخرت باقی را در عوض دنیای فانی و رحلت نمایید به سوی ،آخرت پس به تحقیق که تعجیل کرده شده است به شما و مهیا باشید به مرگ که به تحقیق انداخته است شما و بشوید مثل طایفه ای که از طرف خدا ندا کرده شدند،پس بیدار شدند و دانستند که نیست دنیای فانی از برای ایشان خانه و سرای زندگانی .
پس بدل نمایید دنیا را به آخرت از جهت این که خداوند عبث خلق نکرده است شما را و سرخود و مهمل نگذاشته است شما را و نیست میان یکی از شما و میان بهشت و جهنم مگر مرگ که نازل شود بر او و به درستی مدت و مسافت عمری که کم میگرداند آن را نگریستن و خراب میسازد آن را ساعتهای شب و روز، هر آینه سزاوار است آن به کوتاهی مدت و به درستی غایبی که می رانند او را تازه آیندگان که عبارت است از شب و روز، هرآینه لایق است به سرعت بازگشت .
یعنی به سوی وطن اصلی که عبارت است از آخرت و به درستی که آینده ای که میآید به سوی آخرت با سعادت یا شقاوت هر آینه استحقاق دارد به بهترین توشهای که عبارت است از عبادت و اطاعت تا برساند به برساند به سعادت سعادت پس توشه بردارید در دنیا از دنیا آن چیزی را که حفظ نمایید با آن نفسهای خودتان را از عقوبت روز جزا .
پس متقی شد بنده برای پروردگار خود که نصیحت کرد نفس خود را و مقدم داشت تو به خود را و غلبه نمود بر شهوت خود پس به درستی که اجل آن پنهان است از او و آرزوی او فریبنده او است و شیطان ملعون موکل او است که زینت می دهد از برای او معصیت را تا سوار شود بر او و آرزومند می سازد او را به توبه و انابه تا به تأخیر اندازد آن را تا این که هجوم آورد مرگ او به او در غافل ترین
حالتی که می باشد بر آن حالت .
ای حسرت حاضر باش بر هر صاحب غفلت که باشد عمر او بر او حجت در روز قیامت و برساند او را روزگار او به بدبختی و شقاوت سؤال میکنیم از خداوند تعالی آن که برگرداند ما و شما را از کسانی که به طغیان نیندازد او را نعمت و مقصر نسازد او را از اطاعت پروردگار خود غرض و غايت يعنى أغراض دنیویه مانع اطاعت او نگردد و از کسانی که حلول نکند به او بعد از مرگ و رحلت هیچ حسرت و ندامت و نه اندوه و محنت.
إلى هنا انتهى الجزء الرابع من هذه الطبعة البهية القيمة وذلك بتصحيح وتهذيب من العبد «السيد إبراهيم الميانجي» ووقع الفراغ في أوائل شهر جمادى الأولى سنة 1379 ويليه ان شاء الله الجزء الخامس وأوله أول المختار الرابع والستين والحمد لله رب العالمين.
ومن خطبة له عليه السلام وهي الثامنة والعشرون من المختار في باب الخطب:..5
اللغة ...6
الإعراب ...6
المعنى ...7
تكملة ...10
تزهيد وترغيب ...11
الترجمة ...14
ومن خطبة له عليه السلام وهي التاسعة والعشرون من المختار في باب الخطب ...15
اللغة ...15
الإعراب ...16
المعنى ...17
تكملة ...21
الترجمة ...24
ومن كلام له عليه السلام في معنى قتل عثمان وهو الثلاثون من المختار في باب الخطب...25
اللغة ...25
المعنى ...26
تذييل ...29
الترجمة ...36
ومن كلام له علیه السلام قاله لابن عباس لما أنفذه إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب
الجمل وهو الحادي والثلاثون من المختار في باب الخطب ...37
اللغة ...37
الإعراب ...37
المعنى ...37
الترجمة ...39
ومن خطبة له عليه السلام وهي الثانية والثلاثون من المختار في باب الخطب ...42
اللغة ...43
الإعراب ...43
المعنى ...44
الترجمة ...50
ومن خطبة له عليه السلام عند خروجه لقتال أهل البصرة وهي الثالثة والثلاثون من المختار في باب الخطب ...52
اللغة ...52
الإعراب ...52
المعنى ...53
تكملة ...57
تبصرة ...57
...58
الترجمة ...59
ومن خطبة له عليه السلام في استنفار الناس إلى أهل الشام وهي الرابعة والثلاثون من المختار في باب الخطب ...60
اللغة ...60
الإعراب ...61
المعنى ...61
تنبیه ...65
تكملة ...67
الترجمة ...69
ومن خطبة له عليه السلام بعد التحكيم وهي الخامسة والثلاثون من المختار في باب الخطب...71
اللغة ...71
الإعراب ...71
المعنى ...72
وقبله ...74
وبعده ...74
الترجمة ...94
ومن خطبة له عليه السلام في تخويف أهل النهروان وهي السادسة والثلاثون من المختار في باب الخطب ...95
اللغة ...95
الإعراب ...95
المعنى ...96
وينبغي تذييل المقام بأمرين الأول ...96
الثاني ...98
الترجمة ...112
ومن كلام له عليه السلام يجري مجرى الخطبة وهو السابع والثلاثون من المختار في باب الخطب ...113
اللغة ...113
فالفصل الأول ...114
والفصل الثاني ...116
والفصل الثالث ...116
الفصل الرابع ...116
وينبغي التنبيه على أمرين ...117
الثاني ...122
الترجمة ...131
ومن خطبة له عليه السلام وهي الثامنة والثلاثون من المختار في باب الخطب ...133
اللغة ...133
الإعراب ...133
المعنى 133
فالفصل الأول ...133
والفصل الثاني ...137
الترجمة ...139
ومن خطبة له عليه السلام وهي التاسعة والثلاثون من المختار في باب الخطب ...140
اللغة ...140
الإعراب ...140
المعنى ...141
الترجمة ...145
ومن كلام له عليه السلام في الخوارج وهو الأربعون من المختار في باب الخطب ...146
اللغة ...146
الإعراب ...146
المعنى ...147
تنبيه ...150
الترجمة ...150
ومن خطبة له عليه السلام وهي الإحدى والأربعون من المختار في باب الخطب ...153
اللغة ...153
الإعراب ...153
المعنى ...154
تبصرة ...156
الترجمة ...161
و من خطبة له عليه السلام وهي الثانية والأربعون من المختار في باب الخطب ...162
تكملة ...166
الترجمة ...168
ومن كلام له عليه السلام وهو الثالث والأربعون من المختار في باب الخطب ...169
اللغة ...169
الإعراب 169
وينبغي تذييل المقام بأمرين الأول ...173
التذييل الثاني ...177
الأول ...177
الثاني ...178
الثالث ...178
الرابع ...178
الخامس ...178
السادس ...178
التاسع ...181
العاشر ...181
الحادي عشر ...181
الثاني عشر ...181
الثالث عشر ...182
الرابع عشر ...182
تبصرة ...187
الترجمة ...189
ومن كلام له عليه السلام وهو الرابع والأربعون من المختار في باب الخطب ...190
اللغة ...190
الإعراب ...191
المعنى ...191
الترجمة ...197
ومن خطبة له عليه السلام وهي الخامسة والأربعون من المختار في باب الخطب ...198
اللغة ...198
الإعراب ...198
الفصل الثاني ...202
هداية ...203
تكملة ...205
الترجمة ...207
ومن كلام له عليه السلام عند عزمه على المسير إلى الشام وهو السادس والأربعون من المختار في باب الخطب ...208
اللغة 208
الإعراب ...208
المعنى ...209
تنبيه وتحقيق ...209
الترجمة ...216
ومن كلام له عليه السلام في ذكر الكوفة وهو السابع والأربعون من المختار في باب الخطب ...217
اللغة ...217
الإعراب ...217
المعنى 217
الترجمة ...220
ومن خطبة له عليه السلام عند المسير إلى الشام وهي الثامنة والأربعون من المختار في باب الخطب ...221
الإعراب ...221
المعنى ...222
تكملة ...224
الترجمة ...225
ومن خطبة له عليه السلام وهي التاسعة والأربعون من من المختار في باب الخطب ...226
اللغة ...226
الإعراب ...226
المعنى ...226
الترجمة 239
ومن خطبة له عليه السلام وهي الخمسون من المختار في باب الخطب ...240
اللغة ...240
الإعراب ...241
المعنى ...241
بیان ...245
الترجمة...248
ومن خطبة له عليه السلام لما غلب أصحاب معاوية أصحابه على شريعة الفرات بصفين ومنعوهم الماء وهي الحادية والخمسون من المختار في باب الخطب ...249
اللغة ...249
الإعراب ...249
المعنى ...249
وأما كيفية غلبة أصحاب معاوية على الماء ...251
الترجمة ...256
ومن خطبة له عليه السلام وهي الثانية والخمسون من المختار في باب الخطب ...257
الفصل الأول ...257
اللغة ...257
الإعراب ...258
المعنى ...258
الفصل الأول...258
والفصل الثاني ...260
والفصل الثالث ...261
الترجمة ...262
الفصل الثاني ...264
اللغة ...264
الإعراب ...264
المعنى ...264
فروع الأول ...265
الثاني ...266
الثالث ...267
تكملة استبصارية ...267
الترجمة ...269
ومن خطبة له عليه السلام و هي الثالثة والخمسون من المختار في باب الخطب ...270
اللغة ...270
الإعراب ...270
المعنى ...270
الترجمة ...272
ومن كلام له عليه السلام وهو الرابع والخمسون من المختار في باب الخطب ...273
اللغة ...273
الإعراب ...273
المعنى ...273
الترجمة ...275
ومن كلام له عليه السلام و هو الخامس والخمسون من المختار في باب الخطب ...276
اللغة...276
الإعراب...276
المعنى ...277
تنبيه ...278
الترجمة...283
ومن كلام له عليه السلام وهو السادس والخمسون من المختار في باب الخطب ...284
اللغة ...284
الإعراب ...284
المعنى ...284
الثاني ...289
الثالث ...291
الترجمة ...293
ومن كلام له عليه السلام کلم به الخوارج وهو السابع والخمسون من المختار في باب الخطب...294
الإعراب ...294
المعنى ...294
الترجمة ...296
وقال عليه السلام لما عزم على حرب الخوارج وهو الثامن والخمسون من المختار في باب الخطب ...297
اللغة ...297
الإعراب ...297
المعنى ...297
تذكرة ...298
تنبيه وتحقيق ...298
الأول ...307
الثاني ...309
الثالث ...313
الرابع ...314
الخامس...315
السادس ...316
الترجمة ...320
وقال عليه السلام لما قتل الخوارج وهو التاسع والخمسون من المختار في باب الخطب ...321
اللغة...321
الإعراب...321
المعنى ...321
إحداها المحكمة ...322
الثانية البيهسية ...322
الثالثة الأزارقة ...322
الرابعة النجدات ...323
الخامسة الأباضية ...323
السادسة العجاردة ...324
السابعة الثعالبة ...325
الترجمة ...326
وقال عليه السلام وهو الستون من المختار في باب الخطب ...327
اللغة ...327
سالإعراب ...327
المعنى ...327
الترجمة ...329
ومن كلام له عليه السلام لما خوف من الغيلة وهو الحادي والستون من المختار في باب الخطب ...330
الترجمة ...334
ومن خطبة له عليه السلام وهي الثانية والستون من المختار في باب الخطب ...335
اللغة ...335
الإعراب ...335
المعنى ...335
الترجمة ...339
ومن خطبة له عليه السلام وهي الثالثة والستون من المختار في باب الخطب ...340
اللغة ...340
الإعراب ...340
المعنى ...341
هداية فيها دراية...348
مكتبة الروضة الحيدرية