منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة المجلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

نهج البلاغة

خطب ، رسائل ، كلام ، وصايا

عهود ، حكم ، ومواعظ

الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام

الطبعة الأولى

1424ه - 2003م

دار إحياء التراث العربي

بيروت - لبنان

محرر الرقمي: محمد مهدي الفصيحي

اشارة

نهج البلاغة

خطب ، رسائل ، كلام ، وصايا

عهود ، حكم ، ومواعظ

الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام

منهَاج البراعة

شرح

نهج البلاغة

لِمُوْلَفِهِ

العلامة الحقوق والحاج میرزا حبیب الله هاشمي الحق في قدس سره

طبعة جديدة

ضبط وتحقيق

على عاشور

مكتبة الروضة الحيدرية

4495

2005/1/29

المجلد الثالث

دار الحياء التراث العربى

بيروت - لبنان

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1424ه - 2003م

دار إحياء التراث العربي

للطباعة والنشر والتوزيع

DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI

Publishing & Distributing

بيروت - لبنان. شارع دكاش - هاتف: 272652 - 272900 - 272782 - 272783 فاكس: 850717 - 850623 ص.ب. 11/7957

Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/1|

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة الثالثة

في كيفية غصب أهل الخلافة للخلافة وما جرى منهم يوم السقيفة وبعدها من إجبار أمير المؤمنين علیه السلام على البيعة وإنكار من أنكر عليهم ذلك وما جرى في تلك الوقائع من الظلم والطغيان لعنة الله على أهل البغي والعدوان ، ونحن نذكر هنا ما وصل إلينا من طرق أصحابنا رضوان الله عليهم، وأما ما ذكره العامة في هذا الباب ورووه في سيرهم وتواريخهم فنتصدّى لها كبعض روايات الخاصة إن شاء الله في شرح الخطب الآتية مما أشار فيها الإمام علیه السلام إلى هذا المرام.

فنقول : روى الشيخ أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في كتاب

«الاحتجاج » عن أبي المفضل محمد بن علي الشيباني بإسناده الصحيح عن رجال ثقة عن ثقة، أنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خرج في مرضه الذي توفى فيه إلى الصلاة متوكئاً على الفضل بن عباس وغلام له يقال له : ثوبان ، وهي الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله ثم حمل على نفسه صلی الله علیه واله وسلم وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله فقال لغلامه : اجلس على الباب ولا تحجب أحداً الأنصار، وتجلاه الغشى فجاء الأنصار فأحدقوا بالباب وقالوا : ائذن لنا على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فقال : هو مغشي عليه وعنده نساؤه ، فجعلوا يبكون، فسمع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم البكاء فقال: «من هؤلاء»؟ قالوا : الأنصار، فقال: «من ههنا من أهل بيتي »؟ قالوا : عليّ والعباس فدعاهما، وخرج متوكئاً عليهما فاستند إلى جذع (1)من أساطين مسجده وكان الجذع جريد نخل فاجتمع الناس وخطب صلی الله علیه واله وسلم ، وقال في كلامه : «إنّه لم يمت نبي قط إلا خلف تركة وقد خلّفت فيكم الثقلين : كتاب الله وأهل بيتي ، ألا فمن ضيعهم ضيعه الله، ألا وإنّ الأنصار كرشي (2)وعيبتي التي آوي إليها، وإنّي أوصيكم بتقوى الله والإحسان إليهم، فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسیئهم ».

ثم دعا أسامة بن زيد وقال: سر على بركة الله والنصر والعافية حيث أمرتك بمن أمرتك عليه، وكان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قد أمره على جماعة من المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر


1) بالكسر : ساق النخلة .

2) كرش الرجل عياله وصغاره وولده والعيبة من الرجل موضع سره .

وجماعة من المهاجرين الأولين ، وأمره أن يعبروا «يغبروا خ ل » على موتة واد(1)من فلسطين ، فقال أسامة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتأذن لي في المقام أياماً حتى يشفيك الله ، فإنّي متى خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي قلبي منك قرحة ، فقال صلی الله علیه واله وسلم: «أنفذ يا أسامة لما أمرتك، فإن القعود عن الجهاد لا نحب في حال من الأحوال »، فبلغ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن الناس طعنوا في عمله، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «بلغني أنكم طعنتم في عمل أسامة وفي عمل أبيه من قبل، وأيم الله إنّه لخليق للإمارة وإنّ أباه كان خليقاً لها وإنه لمن أحب الناس إلي، فأوصيكم به خيراً فلأن قلتم في إمارته فقد قال قائلكم في إمارة أبيه».

ثم دخل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بيته وخرج أسامة من يومه حتّى عسكر على رأس فرسخ من المدينة ونادى منادي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أن لا يتخلف عن أسامة أحد ممّن أمرته عليه ، فلحق الناس به، وكان أول من سارع إليه أبو بكر وعمرو أبو عبيدة ابن الجرّاح، فنزلوا في زقاق واحد مع جملة أهل العسكر .

قال : وثقل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فجعل الناس ممن لم يكن في بعث أسامة يدخلون عليه إرسالاً (2)وسعد (3)بن عبادة شاك (4)فكان لا يدخل أحد من الأنصار على النبي صلی الله علیه واله وسلم إلا انصرف إلى سعد يعوده .

قال وقبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وقت الضحى من يوم الاثنين بعد خروج أسامة إلى معسكره بيومين ، فرجع أهل العسكر والمدينة قد رجفت بأهلها، فأقبل أبو بكر على ناقة له حتى وقف على باب المسجد فقال: أيها الناس مالكم تموجون ، إن كان محمد قد مات فرب محمد لم يمت .

وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَايْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن ينقلب عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَ اللهَ شَيْئًا [آل عمران: 144]. اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة وجاء به إلى سقيفة بني ساعدة فلما بذلك

سمع عمر أخبر به أبا بكر ومضيا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح وفي السقيفة خلق كثير من الأنصار وسعد بن عبادة بينهم مريض، فتنازعوا الأمر بينهم فآل الأمر إلى أن قال أبو بكر في آخر كلامه للأنصار : إنّما ادعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو عمر و كلاهما قد رضيت لهذا الأمر وكلاهما أراه له أهلاً، فقال أبو عبيدة وعمر : ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا أبا


1) موضع قتل فيه جعفر بن أبي طالب .

2) الزقاق كغراب السكة من الطريق المنسد ، ق .

3) أي جماعات متتابعين، منه.

4) الشوكة داء معروف وحمرة تعلو الجسد، ق ،

بكر أنت أقدمنا إسلاماً وأنت صاحب الغار وثاني اثنين فأنت أحق بهذا الأمر وأولانا به ، فقالت الأنصار نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم فنجعل منا أميراً ومنكم أميراً ونرضى به على أنه إن هلك اخترنا آخر من الأنصار، فقال أبو بكر بعد أن مدح المهاجرين: وأنتم يا معاشر الأنصار ممن لا ينكر فضلهم ولا نعمتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصاراً لدينه ولرسوله وجعل إليكم مهاجرته وفيكم محلّ أزواجه، فليس أحد من الناس بعد المهاجرين الأولين بمنزلتكم فهم الأمراء وأنتم الوزراره.

فقال الحباب بن المنذر الأنصاري : يا معشر الأنصار املكوا(1)على أيديكم فإنّما الناس في فيئكم وظلالكم ولن يجتري مجتر على خلافكم ولن تصدر الناس إلا عن رأيكم، وأثنى على الأنصار، ثم قال : فإن أبى هؤلاء تأميركم عليهم فلسنا نرضى بتأميرهم علينا ولا نقنع بدون أن يكون منا أمير ومنهم أمير.

فقام عمر بن الخطاب فقال : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد (2)واحد إنه لا ترضى العرب أن تأمركم ونبيها من غيركم لكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وأولوا الأمر منهم، وكنا بذلك على من خالفنا الحجّة الظاهرة والسّلطان البين فما ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدلّ يباطل أو متجانف (3)بإثم أو متورّط في الهلكة محب للفتنة.

فقام الحباب بن المنذر ثانية فقال : يا معشر الأنصار امسكوا على أيديكم لا تسمعوا مقال هذا الجاهل وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، وإن أبوا أن يكون أمير وأمير فاجلوهم عن بلادكم وتولوا هذا الأمر عليهم فأنتم والله أحق به منهم فقد دان بأسيافكم قبل هذا الوقت من لم يكن يدين بغيرها وأنا جذيلها (4)المحكك وعذيقها المرجب (5)والله لئن ردّ أحد قولي لأحطمن أنفه بالسيف.


1) يقال املك عليك لسانك أي لا تبحره إلا بما يكون لك لا عليك، نهاية.

2) الغمد بالكسر : جفن السيف وهو غلاقه، لغة .

3) الجنف : محركة كالجنوف بالضم الميل عن الحق والجانف المايل، ق .

4) الجذل واحد الأجذال وهو أصول الحطب العظام ومنه قول حباب بن المنذر : أنا جذيلها المحكك والمجاذل المنتصب مكان لا يبرح شبه بالجذل الذي ينصب في المعاطن لتحتك به الإبل الجربي، أراد أن يستغني برأيه وتدابيره، صحاح.

5) في حديث السقيفة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. الرجبة أن تعمد النخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشب إذا خيف عليها لطولها وكثرة حملها أن تقع ورجبتها فهي مرجبة والعذيق تصغير العذق بالفتح وهي النخلة وهو تصغير عظيم وقد يكون ترجيبها بأن يجعل حولها شوك لئلا يُرتقى إليها «النهاية» وترجيبها ضم أعزاقها إلى سعفاتها وشدها بالخوص لئلا تنقضها الريح أو وضع الشوك حولها لئلا يصل إليها أكل ومنه أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، ق.

قال عمر بن الخطاب : فلما كان حباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه جواب «في کلام خ ل » فإنّه جرت بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فنهاني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن مهاترته فحلفت أن لا أكلمه أبداً.

ثم قال عمر لأبي عبيدة : تكلم، فقام أبو عبيدة بن الجراح وتكلم بكلام كثير وذكر فيه فضائل الأنصار وكان بشير بن سعد سيداً من سادات الأنصار لما رأى اجتماع الأنصار على سعد بن عبادة لتأميره حسده وسعى في إفساد الأمر عليه وتكلم في ذلك ورضى بتأمير قريش وحثّ النّاس كلهم ولا سيما الأنصار على الرّضا بما يفعله المهاجرون.

فقال أبو بكر : هذا عمرو وأبو عبيدة شيخا قريش فبايعوا أيهما شئتم .

فقال عمر وأبو عبيدة : ما نتولى هذا الأمر امدد يدك نبايعك .

فقال بشير بن سعد : وأنا ثالثكما، وكان سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج، فلما رأت الأوس صنيع بشير وما دعت إليه الخزرج من تأمير سعد، أكبا على أبي بكر بالبيعة وتكاثروا على ذلك وتزاحموا فجعلوا يطأون سعداً من شدة الزحمة وهو بينهم على فراشه مريض، فقال: قتلتموني قال عمر : اقتلوا سعداً قتله الله .

فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمرو قال: والله يا ابن صهاك الجبان في الحروب الفرّار الليث في الملاء والأمن لو حركت منه شعرة ما رجعت في وجهك واضحة، فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر فإنّ الرّفق أبلغ وأفضل، فقال سعد: يا ابن صهاك وكانت جدة عمر حبشية : أما والله لو أنّ لي قوّة على النهوض لسمعتها مني في سككها زئيراً أزعجك وأصحابك منها ولألحقتكما بقوم كنتما فيهم أذناباً أذلاء، تابعين غير متبوعين ، لقد اجترأتما ، ثم قال للخزرج : احملوني من مكان الفتنة، فحملوه فأدخلوه منزله، فلما كان بعد ذلك بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فبايع فقال : لا والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي واخضب منكم سنان رمحي وأضربكم بسيفي ما أقلت يدي فأقاتلكم بمن تبعني من أهل بيتي وعشيرتي ثم وأيم الله لو اجتمع الجن والإنس عليّ لما بايعتكما أيها الغاصبان حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي، فلما جاءهم كلامه قال عمر : لا بد من بيعته، فقال بشير بن سعد : إنّه قد أبى ولج وليس بمبايع أو يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه الخزرج والأوس فاتركوه، فلیس ترکه بضائر فقبلوا قوله وتركوا سعداً.

فكان سعد لا يصلّي بصلاتهم ولا يقضي بقضائهم ولو وجد أعواناً لصال ولقاتلهم، فلم يزل كذلك مدة ولاية أبي بكر حتى هلك أبو بكر، ثم ولى عمر وكان كذلك فخشي سعد غائلة عمر فخرج إلى الشّام فمات بحوران في ولاية عمر ولم يبايع

أحداً وكان سبب موته رمى بسهم في الليل فقتل وزعم أن الجن رموه، وقيل أيضاً إنّ بن سلمة الأنصاري تولى ذلك بجعلة جعلت له عليه ، وروي أنه تولى ذلك المغيرة

بن شعبة، وقيل خالد بن الوليد (1).

قال : وبايع جماعة الأنصار ومن حضر من غيرهم وعلي بن أبي طالب مشغول بجهاز رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فلما فرغ من ذلك وصلى على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والناس يصلون عليه من بايع أبي بكر ومن لم يبايع وجلس في المسجد فاجتمع إليه بنوا هاشم ومعهم الزبير بن العوام ، واجتمعت بنوا أميّة إلى عثمان بن عفان وبنوا زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف فكانوا في المسجد مجتمعين إذ أقبل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجزاح، فقالوا: ما لنا نريكم خلقاً شتى؟ قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الأنصار والنّاس، فقام عثمان وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما فبايعوا وانصرف علي علیه السلام وبنو هاشم إلى منزل علي ومعهم الزبير .

قال : فذهب إليهم عمر في جماعة ممّن بايع فيهم أسيد بن حصين وسلمة بن سلامة فألفوهم مجتمعين، فقالوا لهم بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس فوثب الزبير إلى سيفه، فقال: عمر عليكم بالكلب العقور فاكفونا شره فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يديه فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره وأحدقوا بمن كان هناك من بني هاشم ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر فلما حضروا ، قالوا : بايعوا أبا بكر وقد بايعه الناس وأيم الله لئن أبيتم من ذلك لنحاكمنكم بالسيف، فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل فجعل يبايع حتى لم يبق ممن حضر إلا علي بن أبي طالب علیه السلام .

فقالوا له : بايع أبا بكر فقال علي علیه السلام: أنا أحق بهذا الأمر : أنا أحق بهذا الأمر منه وأنتم أولى بالبيعة لي أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من الرسول وتأخذونه منا أهل البيت غصباً ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فأعطوكم المقادة وسلّموا لكم الإمارة وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، أنا أولى برسول الله صلی الله علیه واله وسلم حياً وميتاً وأنا وصيه ووزيره ومستودع سره وعلمه وأنا الصديق الأكبر أول من آمن به وصدقه وأحسنكم بلاء في جهاد المشركين وأعرفكم بالكتاب والسنة وأذربكم لساناً وأثبتكم جناناً، فعلام تنازعونا هذا الأمر، أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم ، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفته لكم الأنصار وإلا فبوؤا بالظلم والعدوان وأنتم تعلمون .

فقال عمر : أما لك بأهل بيتك أسوة؟ فقال علي علیه السلام «سلوهم عن ذلك »، فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم فقالوا : ما بيعتنا بحجة على علي علیه السلام ومعاذ الله أن نقول: إنا نوازيه في الهجرة وحسن الجهاد والمحلّ من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال عمر: إنك لست متروكاً حتى تبايع طوعاً أو كرهاً، فقال علي علیه السلام : «احلب حلباً لك شطره اشدد له اليوم ليرد عليك غداً إذا والله لا أقبل قولك ولا أحفل بمقامكم ولا أعبؤ ، فقال أبو بكر: مهلاً يا أبا الحسن ما


1) راجع الاحتجاج: 94/1، والبحار: 183/28 .

نشد فيك ولا نكرهك .

فقام أبو عبيدة إلى علي علیه السلام فقال : يا ابن عم لسنا ندفع قرابتك ولا سابقتك ولا علمك ولا نصرتك، ولكنك حدث السن، وكان لعلي علیه السلام يومئذ ثلاث وثلاثون سنة وأبو بكر شيخ من مشايخ قومك وهو أحمل لثقل هذا الأمر وقد مضى الأمر بما فيه فسلم له، فإن عمرك الله يسلموا هذا الأمر إليك ولا يختلف فيك إثنان بعد هذا إلا وأنت به خليق وله حقيق ولا نبعث الفتنة في أوان الفتنة فقد عرفت بما في قلوب العرب وغيرهم عليك.

فقال أمير المؤمنين علیه السلام : « يا معاشر المهاجرين والأنصار، الله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري ولا تخرجوا سلطان محمد صلی الله علیه واله وسلم من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله حقه ومقامه في الناس فوالله يا معاشر الناس «الجمع خ» إن الله قضى وحكم ونبيه أعلم وأنتم تعلمون بأنا أهل البيت أحق لهذا الأمر منكم ما كان (1)القارىء منكم لكتاب الله الفقيه في دين الله المضطلع بأمر الرعية والله إنّه لفينا لا فيكم فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعداً وتفسدوا قديمكم بشر من حديثكم ».

فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطأ الأمر لأبي بكر وقالت جماعة من الأنصار : يا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتها «الانتظام خ» لأبي بكر ما اختلف فيك إثنان .

فقال علي علیه السلام: «يا هؤلاء كنت أدع الرسول وهو مسجى (2)لا أواريه وأخرج أنازع في سلطانه ، والله ما خفت (3)أحداً يسمو له وينازعنا أهل البيت فيه ويستحل ما استحللتموه، ولا علمت أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ترك يوم غدير خم لأحد حجّة ولا لقائل مقالاً »، فأنشد الله رجلاً سمع يوم غدير خم يقول صلی الله علیه واله وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله » ، أن يشهد الآن بما سمع .

قال زيد بن أرقم : فشهد اثنا عشر رجلاً بدرياً بذلك وكنت ممن سمع القول من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فكتمت الشهادة فذهب بصري ، قال : وكثر الكلام في هذا المعنى وارتفع الصوت وخشي عمر أن يصغي (4)إلى قول علي صلی الله علیه واله وسلم ففسخ المجلس وقال : «إن الله يقلب القلوب والأبصار ولا تزال يا أبا الحسن ترغب عن قول الجماعة فانصرفوا يومهم ذلك » (5)


1) في نسخة : فكان.

2) مسجى سجيت الميت تسجية إذا مددت عليه ثوباً .

3) في نسخة : خلت .

4) في نسخة : الناس .

5) بطوله في بحار الأنوار: 176/18 - 180 ح 1 ، والاحتجاج : 43 - 47 .

وفي«الاحتجاج» أيضاً عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام : جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه ومجلس رسول الله صلی الله علیه واله وسلم؟ فقال علیه السلام : «نعم كان الذي أنكر على أبي بكر إثني عشر رجلاً »، من المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص وكان من بني أمية، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمّار بن ياسر ، وبريدة الأسلمي ومن الأنصار أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل ، وعثمان ابنا حنيف، وخزيمة بن ثابت، وذو الشهادتين، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري، قال: فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم فقال بعضهم لبعض : والله لنأتيته ولننزلنه عن منبر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وقال آخرون منهم والله لئن فعلتم ذلك إذاً لأعنتم على أنفسكم، فقال قال الله تعالى :

وَلَا تُلْقُوا بِأَيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] .)فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين علیه السلام لنستشيره ونستطلعه على الأمر ونستطلع رأيه، فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين علیه السلام بأجمعهم فقالوا يا أمير المؤمنين : تركت حقاً أنت أحق وأولى منه، لأنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : «عليّ مع الحق والحق مع عليّ يميل مع الحق كيف مال »، ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فجئناك لنستشيرك ونستطلع رأيك فيما تأمرنا .فقال أمير المؤمنين علیه السلام: «وأيم الله لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حرباً، ولكنكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين، وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين أسيافكم مستعدين للحرب والقتال وإذاً لاتوني فقالوا لي : بايع وإلا قتلناك، فلا بد من أن أدفع القوم عن نفسي وذلك إن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أوعز إلي قبل وفاته ، وقال لي يا أبا الحسن : إنّ الأمة ستغدر بك من بعدي وتنقض فيك عهدي وإنّك مني بمنزلة هارون من موسى وإنّ الأمة من بعدي بمنزلة هارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه ، فقلت يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان (1كذلك ؟ فقال : إن (2)وجدت أعواناً فبادر إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً كف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوماً، فلما توفي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم اشتغلت بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه، ثم آليت يميناً أن لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن، ففعلت ثم أخذت بيد فاطمة وابني الحسن والحسين فدرت على أهل بدر وأهل السابقة فناشدتهم الله إلى حقي ودعوتهم إلى نصرتي فما أجابني منهم إلا أربعة رهط : سلمان ، وعمار، والمقداد، وأبو ذر، ولقد راودت في ذلك بقية أهل بيتي ، فأبوا علي إلا السكوت لما علموا من وغارة صدور القوم وبغضهم الله ولرسوله ولأهل بيت نبيه، فانطلقوا بأجمعكم إلى هذا الرجل فعرفوه ما سمعتم)


1) في نسخة زيادة كهارون .

2) في نسخة : إذا .

من قول نبيكم صلی الله علیه واله وسلم ليكون ذلك أوكد للحجّة وأبلغ للعذر وأبعد لهم من رسول الله إذا وردوا عليه ، فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وكان يوم الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار : تقدّموا فتكلموا، فقال الأنصار للمهاجرين : بل تكلموا أنتم فإنّ الله عزّ وجل أدناكم في الكتاب إذ قال الله عزّ وجلّ :(ولَقَد تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ [التوبة : 117].)فقال آبان :فقلت : يا ابن رسول الله إنّ الأمة لا تقرأ كما عندك ،« قال وكيف تقرأ يا أبان»؟ قال : قلت : إنها تقرأ لقد تاب الله على النّبي والمهاجرين والأنصار فقال علیه السلام : «ويلهم وأي ذنب كان لرسول الله حتى تاب الله عليه منه إنما تاب الله به على أمته »، فأوّل من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص ثم باقي المهاجرين ثم من بعدهم الأنصار، وروي أنّهم كانوا غيّباً عن وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقدموا وقد تولى أبو بكر وهم يومئذ أعلام مسجد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .فقام خالد بن سعيد بن العاص وقال : اتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال، «ونحن محتوشوه (1يوم بني قريظة حين فتح الله له وقد قتل عليّ يومئذٍ عدة من صناديد رجالهم وأولي البأس والنجدة منهم : يا معاشر المهاجرين والأنصار إني أوصيكم بوصية فاحفظوها ، ومودعكم أمراً فاحفظوه ألا إنّ علي بن أبي طالب أميركم بعدي وخليفتي فيكم بذلك أوصاني ربي، ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيّتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم واضطرب عليكم أمر دينكم وولاكم شراركم ، ألا إن أهل بيتي هم الوارثون لأمري والعاملون بأمر أمّتي من بعدي، اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي واجعل لهم نصيباً من مرافقتي يدركون به نور الآخرة ، اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فاحرمه الجنّة التي عرضها كعرض السماء والأرض » .)فقال له عمر بن الخطاب : اسکت یا خالد فلست من أهل المشورة ولا من يقتدى برأيه، فقال خالد: اسكت يا ابن الخطاب فإنّك تنطق على لسان غيرك وأيم الله لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسباً وأدناها منصباً وأخسها قدراً وأخملها ذكراً وأقلهم غناء ورسوله وأنك لجبان في الحروب بخيل في المال لئيم العنصر مالك في قريش من فخر ، ولا في الحروب من ذكر وأنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان .(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للإِنسَنِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفر قال إني برى مِنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَقِينَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاوُا الظَّالِمِينَ [الحشر: 16 -17].)


1) محتوشوه احتوشت القوم على كذا أي جعلوه وسطهم وأحاطوا عليه.

فأبلس (1عمر وجلس خالد بن سعيد .)ثم قام سلمان الفارسي (رضی الله عنه وقال : كرديد ونكرديد أي فعلتم ولم تفعلوا وامتنع من البيعة قبل ذلك حتى وجي عنقه فقال يا أبا بكر : إلى من تستند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه وإلى من تفزع إذا سُئلت عمّا لا تعلمه فما عذرك في تقدم من هو أعلم منك وأقرب إلى رسول الله وأعلم بتأويل كتاب الله وسنة نبيه صلی الله علیه واله وسلم ومن قدمه النبي صلی الله علیه واله وسلم في حياته وأوصاكم به عند وفاته ، فنبذتم قوله وتناسيتم وصيّته وأخلفتم الوعد ونقضتم العهد وحللتم العقد الذي كان عقده عليكم من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد حذراً من مثل ما أتيتموه وتنبيهاً للأمة على عظيم ما اجتر متموه «حتموه خ » من مخالفة أمره فعن قليل يصفو لك الأمر وقد أنقلك الوزر ونقلت إلى قبرك وحملت معك ما كسبت يداك فلو راجعت الحق من قرب وتلافيت نفسك وتبت إلى الله من عظيم ما اجترمت كان ذلك أقرب إلى نجاتك يوم تفرد في حفرتك ويسلمك ذوو نصرتك، فقد سمعت كما سمعنا ورأيت كما رأينا ، فلم يردعك ذلك عمّا أنت متشبث به هذا الأمر الذي لا عذر لك في تقلده ولاحظ للدين ولا للمسلمين في قيامك به، فالله الله نفسك فقد أعذر من أنذر ولا تكن أنت كمن أدبر واستكبر .)ثمّ قام أبو ذر الغفاري فقال : يا معشر قريش أصبتم قباحة «قناعة خ » قباعة خ »وتركتم قرابة والله ليرتدن جماعة من العرب وليشكنّ في هذا الدين ولو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان، والله لقد صارت لمن غلب ولتطمحنّ إليها عين من ليس من أهلها ، وليسفكن فيها دماء كثيرة فكان كما قال أبو ذر ، ثم قال : لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: «الأمر بعدي لعلي ثم لابني الحسن والحسين ثم للطاهرين من ذريتي ، فأطرحتم قول نبيكم وتناسيتم ما عهد به إليكم فأطعتم الدنيا الفانية ونسيتم (2الآخرة الباقية التي لا يهرم شبابها ولا يزول نعيمها ولا يحزن أهلها ولا يموت سكانها بالحقير التافه الفاني الزائل وكذلك الأمم من قبلكم كفرت بعد أنبيائها ونكصت على أعقابها وغيرت وبدلت واختلفت فساويتموهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ، وعما قليل تذوقون وبال أمركم وتجزون بما قدمت أيديكم وما الله بظلام للعبيد » .)ثم قام المقداد بن الأسود فقال : يا أبا بكر ارجع عن ظلمك وتب إلى ربّك والزم بيتك وابك على خطيئتك وسلم الأمر إلى صاحبه الذي هو أولى به منك، فقد علمت ما عقده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في عنقك من بيعته وألزمك من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد وهو مولاه، ونيه على بطلان وجوب هذا الأمر لك ولمن عضدك عليه بضمه لكما إلى علم النفاق ومعدن الشنئان والشقاق عمرو بن العاص الذي أنزل الله فيه على نبيه :


1) أَبْلَسَ : أي سَكَتَ.

2) في نسخة بعتم شريتم .

(ان شانك هو الْأَبَر [الكوثر : 3] .)فلا اختلاف بين أهل العلم أنها نزلت في عمرو وهو كان أميراً عليكما وعلى سائر المنافقين في الوقت الذي أنفذه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في غزاة ذات السلاسل وأن عمراً قلدكما حرس عسكره فأين الحرس إلى الخلافة؟ اتق الله وبادر إلى الاستقالة قبل فوتها فإن ذلك أسلم لك في حياتك وبعد وفاتك ولا تَرْكَنُ إلى الدنيا «دنياك خ » ولا تغرنك قريش وغيرها فعن قليل تضمحل عنك دنياك ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك وقد علمت وتيقنت أن علي بن أبي طالب علیه السلام صاحب الأمر بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فسلمه إليه بما جعله الله له فإنّه أتم لسترك وأخف لوزرك فقد والله نصحت لك إن قبلت نصحي وإلى الله ترجع الأمور .ثم قام بريدة الأسلمي فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا لقي الحق من الباطل يا أبا بكر أنسيت أم تناسيت وخدعت أم خدعتك نفسك وسوّلت تلك الأباطيل أولم تذكر ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من تسمية عليّ بأمرة المؤمنين والنبي بين أظهرنا وقوله له في عدّة أوقات هذا عليّ أمير المؤمنين وقاتل القاسطين؟ اتق الله وتدارك نفسك قبل أن لا تدركها وأنقذها ممّا يهلكها واردد الأمر إلى من هو أحق به منك ولا تتمارى (1في اغتصابه وراجع وأنت تستطيع أن تراجع فقد محضتك النصح ودللتك على طريق النّجاة فلا تكونن ظهيراً للمجرمين.)ثم قام عمّار بن ياسر فقال : يا معاشر قريش ويا معاشر المسلمين إن كنتم علمتم والا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم أولى به وأحق بإرثه وأقوم بأمور الدين وآمن على المؤمنين وأحفظ لملته وأنصح لأمته فمروا صاحبكم فليرة الحقِّ إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم ويضعف أمركم ويظهر شنآنكم وتعظم الفتنة بكم وتختلفوا فيما بينكم ويطمع فيكم عدوّكم، فقد علمتم بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم وعلي من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله، وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد عند سد النبي بعد عند سد النبي صلی الله علیه واله وسلم أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلها غير بابه وإيثاره إياه بكريمته فاطمة الزهراء دون سائر من خطبها إليه منكم، وقوله صلی الله علیه واله وسلم : «أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها، وإنكم جميعاً مضطرون فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه، وهو مستغن عن كل أحد منكم إلى ماله من السوابق التي لأفضلكم فما بالكم تحيدون عنه وتبتزون عليّاً حقه (2وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة؟ بئس للظالمين بدلاً اعطوه ما جعله الله ولا تولوا مدبرين ولا تردوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ».)ثمّ قام أبي بن كعب فقال : يا أبا بكر لا تجحد حقاً جعله الله لغيرك ولا تكن أوّل من عصى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في وصيته (3وصدف عن أمره اردد الحق إلى أهله تسلم ولا تتماد في)(1 لا تتمارى لا تجادل .)


1) لا تتمارى لا تجادل .

2) في نسخة وصفيه.

3) في نسخة وتنيرون على حقه

غيّك فتندم وبادر إلى الإنابة يخف وزرك ولا تخصصن بهذا الأمر الذي لم يحله(1الله لك نفسك فتلقى وبال عملك، فعن قليل تفارق ما أنت فيه وتصير إلى ربّك فيسألك عما جنيت ، وما ربّك بظلام للعبيد .)ثم قام خزيمة بن ثابت فقال : أيها الناس ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبل شهادتي وحدي ولم يرد معي غيري؟ قالوا : بلى ، قال : فأشهد أنّي سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول : «أهل بيتي يفرقون بين الحق والباطل وهم الأئمة الذين يقتدى بهم وقد قلت ما علمت وماعلى الرسول إلا البلاغ المبين ».ثم قام أبو الهيثم بن التيهان فقال: وأنا أشهد على نبينا صلی الله علیه واله وسلم و أنه أقام عليا علیه السلام يعني في يوم غدير خم فقالت الأنصار : ما أقامه إلا للخلافة ، وقال بعضهم : ما أقامه إلا ليعلم الناس أنّه مولى من كان رسول الله مولاه، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالاً منا إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فسألوه عن ذلك فقال لهم قولوا :« عليّ وليّ المؤمنين بعدي وأنصح الناس لامتي وقد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن يوم الفصل كان ميقاتاً ».ثم قام سهل بن حنيف فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي محمد وآله ثم قال: يا معاشر قريش اشهدوا على أنّي أشهد على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد رأيته في هذا المكان يعني الروضة وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب علیه السلام وهو يقول: «أيها الناس هذا عليّ إمامكم من بعدي ووصيي في حياتي وبعد وفاتي وقاضي ديني ومنجز وعدي وأوّل من يصافحني على حوضي فطوبى لمن اتبعه ونصره والويل لمن تخلف عنه وخذله».ثم قام من بعده أخوه عثمان بن حنيف فقال : سمعنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: «أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم وقدموهم ، فهم الولاة بعدي»، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله وأي أهل بيتك؟ فقال صلی الله علیه واله وسلم علي والطاهرين من ولده، وقد بين علیه السلام فلا تكن يا أبا بكر أوّل کافر به فلا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون .ثم قام أبو أيوب الأنصاري فقال : اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم وارددوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا صلی الله علیه واله وسلم ، و مجلس بعد مجلس يقول : أهل بيتي ألمتكم بعدي ويومىء إلى عليّ علیه السلام يقول : هذا أمير البررة وقاتل الكفرة ، مخذول من خذله منصور من نصره فتوبوا إلى الله من ظلمكم إنّ الله تواب رحيم، ولا تتولوا عنه مدبرين ، ولا تتولوا عنه معرضين.


1) في نسخة : يجعله.

قال الصادق علیه السلام «فأفحم (1أبو بكر على المنبر حتى لم يحر (2)جواباً ثم قال وليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني.)فقال له عمر بن الخطاب : أنزل عنها يا لكع إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام ؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة، قال فنزل ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .خالد فلما كان في اليوم الرابع جاءهم بن الوليد ومعه ألف رجل فقال لهم : ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم ، وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل فما زال يجتمع رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل فخرجوا شاهرين أسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فقال عمر والله يا أصحاب عليّ لئن ذهب الرّجل منكم يتكلم بالذي تكلم به بالأمس لنأخذنّ الذي فيه عيناه .فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال : يا ابن صهاك الحبشية أفبأسيافكم تهدّدونا أم بجمعكم تفزعونا؟ والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وإنا لأكثر منكم وإن كنا قليلين لأن حجّة الله فينا والله لولا أنّي أعلم أن طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري ، فقال «له خ» أمير المؤمنين علیه السلام : «إجلس يا خالد فقد عرف لك مقامك وشكر لك سعيك»، فجلس .وقام إليه سلمان الفارسي فقال الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وإلا صمنا يقول : «بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي ومعه نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أهل النار يريدون قتله وقتل من معه، ولست أشك إلا وأنكم هم » ، فهم به عمر بن الخطاب، فوثب إليه أمير المؤمنين علیه السلام وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال: يا ابن صهاك الحبشية لولا كتاب من الله سبق وعهد من الله تقدّم لأريتك أينا أضعف ناصراً أو أقل عدداً، ثم التفت إلى أصحابه فقال : انصرفوا رحمكم الله فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون إذ قال له أصحابه :(فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَيلاً إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ [المائدة : 24] . والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم و أول لقضية أقضيها ، فإنّه لا يجوز لحجة أقامه رسول الله أن يترك الناس في حيرة (3).


1) أنحمها أسكتها.

2) لم يحر لم يرد

3) بطوله في الاحتجاج : 1/ 97 - 102 ، والبحار: 191/28 - 209 .

وفي «الإحتجاج» أيضاً عن عبد الله بن عبد الرحمن قال : إن عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي ألا إن أبا بكر قد بويع فهلموا إلى البيعة فينثال (1)الناس يبايعون فعرف أنّ جماعة في بيوت مستترون فكان يقصدهم في جمع كثير فيكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي علیه السلام فطالبه بالخروج فأبى، عمر بحطب ونار ، وقال والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقَنَّة على ما فيه، فقيل له : إنّ فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله و آثار رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيه، وأنكر النّاس ذلك من قوله له فلما عرف إنكارهم قال : ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت التهويل فراسلهم علي علیه السلام أن ليس إلى خروجي حيلة، لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن ، قال : وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إليهم فوقفت على الباب ثم قالت لا عهد لي بقوم أسوء محضراً منكم تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم ولم تؤامرونا ولم تروا لنا حقاً، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرّجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة (2).

وفي «غاية المرام » من كتاب سليم بن قيس الهلالي وهو كتاب مشهود معتمد نقل منه المصنفون في كتبهم وهو من التابعين رأى عليّاً وسلمان وأبا ذر وفي مطلع كتابه ما هذه صورته : فهذه نسخة كتاب سليم بن قيس الهلالي رفعه إلى أبان بن أبي عياش وقرأه علي علیه السلام وذكر أبان أنه قرأ على علي بن الحسين علیه السلام فقال صدق سليم هذا حديثنا نعرفه ، قال سليم : سمعت سلمان الفارسي أنّه قال : فلما أن قبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وصنع الناس ما صنعوا جالهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وخاصموا الأنصار بحجة علي علیه السلام فخصموهم فقالوا يا معاشر الأنصار قريش أحق بالأمر منكم، لأنّ رسول الله من قريش ، والمهاجرون خير منكم لأن الله سبحانه بدأ بهم في كتابه وفضلهم، وقد قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : الأئمة من قريش.

قال سلمان : فأتيت وهو يغسل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقد كان أوصى علياً أن لا يلي غسله إلا هو ، فقال : يا رسول الله ومن يعينني عليك ؟ فقال : جبرئيل علیه السلام، وكان علي علیه السلام لا يريد عضواً إلا انقلب له، فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فتقدم علي علیه السلام وصفنا خلفه وصلى عليه وعائشة في الحجرة


1) إنثال عليه الناس : أي انصبوا .

2) بطوله في الاحتجاج : 1/ 105 ، والبحار : 204/18 3.

تعلم، ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار يدخلون فيدعون ثم يخرجون «فيصلون ويخرجون خ » حتّى لم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه.

قال سلمان : فأتيت عليّاً وهو يغسل «قلت لعلي علیه السلام حين يغسل خ » رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأخبرته بما صنع النّاس فقلت : إن أبا بكر الساعة قد رقي منبر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولم يرضوا أن يبايعوه بيد واحدة وأنّهم ليبايعونه بيديه جميعاً بيمينه وشماله ، فقال علیه السلام : «يا سلمان وهل تدري أوّل من بايعه على منبر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم؟ فقلت : لا إلا أني رأيت (1)في ظلة بنی ساعدة حين خصمت الأنصار فكان (2)أوّل من بايعه المغيرة بن شعبة، ثم بشير بن سعد، ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطاب، ثم سالم مولى أبي حذيفة ، ومعاذ بن جبل، قال: «لست أسألك عن هؤلاء ولكن هل تدري أول من بايعه حين صعد المنبر» ؟ قال (3): لا ولكن رأيت شيخاً كبيراً متوكياً على عصا بين عينيه سجادة شديدة التشمير صعد المنبر (4)وهو يبكي ويقول : الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك في هذا المكان ابسط يدك، فبسط (5)يده فبايعه، ثم نزل فخرج من المسجد .

فقال علي علیه السلام : «وهل تدري يا سلمان من هو »؟ قلت : وقد ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، قال علي علیه السلام : «فإنّ ذلك إبليس لعنة الله عليه (6)إنّ إبليس وأصحابه شهدوا نصب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إياي بغدير خم لما أمره الله تعالى وأخبرهم أني أولى بهم من أنفسهم وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب، فأقبل إلى إبليس أبالسته ومردة أصحابه، فقالوا: هذه الأمة مرحومة معصومة لا لك ولا لنا عليهم سبيل قد علموا مقرّهم وإمامهم (7)بعد نبيهم فانطلق إبليس آيساً حزيناً»

قال فأخبرني رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بعد ذلك وقال تبايع الناس أبا بكر في بني ساعدة حتى ما يخاصمهم بحقنا وحجتنا ، ثم يأتون المسجد فيكون أوّل من يبايعه على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مستبشر يقول له : كذا وكذا ثم يخرج فيجمع أصحابه وشياطينه وأبالسته فيخرون سجداً فينخر ويكسع، ثم يقول: كلاً زعمتم أن ليس لي عليهم سلطان ولا سبيل فكيف رأيتموني صنعت بهم حتى تركوا ما أمرهم الله به من طاعته وأمرهم به رسول الله وذلك قول الله تعالى :

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ : 20] .


1) في نسخة : رأيته

2) في نسخة : وكان.

3) في نسخة : قلت .

4) في نسخة : أول من صعد.

5) في نسخة هو .

6) في نسخة : أخبرني رسول الله

7) في نسخة علموا إمامهم ومصرعهم.

قال سلمان : فلما كان الليل حمل فاطمة على حمار وأخذ بيد الحسن والحسين عليهما السلام فلم يدع أحداً من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتاه في منزله وذكره حقه ودعاه إلى نصرته فما استجاب له إلا أربعة وأربعون رجلاً فأمرهم أن يصبحوا محلقين رؤوسهم ومعهم سلاحهم على أن يبايعوه على الموت وأصبحوا لم يوافقه منهم إلا أربعة ، فقلت لسلمان : من الأربعة؟ قال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام، ثم عاودهم ليلاً يناشدهم ، فقالوا : نصحبك بكرة فما أتاه أحد غيرنا فلما رأى علي علیه السلام غدرهم وقلة وفائهم لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه ، فلم يخرج من بيته حتى جمعه وكان المصحف في (1)القرطاس والأسيار والرقاع .

فلما جمع كله وكتبه على تنزيله «والناسخ والمنسوخ » وبعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع فبعث إليه علي علیه السلام إني مشغول، ولقد آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء إلا للضلاة حتّى أؤلف القرآن وأجمعه ، فجمعه في ثوب واحد وختمه ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فنادى بأعلى صوته : «يا أيها الناس إنّي لم أزل منذ قبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم مشغولاً بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد فلم ينزل الله على رسوله آية إلا وقد جمعتها، وليست منه آية إلا وقد أقرأني (2)إياها رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وعلمني تأويلها ».

ثم قال (3)علي علیه السلام : «لا تقولوا يوم القيامة إني لم أدعكم إلى نصرتي ولم أذكركم حقي، فأدعوكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته »، فقال عمر: ما أغنانا بما معنا عما تدعونا إليه، ثم دخل علي علیه السلام بيته ، فقال عمر لأبي بكر : أرسل إلى عليّ فلسنا في شيء حتى يبايع ولو قد بايع آمنا فأرسل إليه أبو بكر أجب خليفة رسول الله، فأتاه الرسول فقال له ذلك، فقال له علي علیه السلام: «ما أسرع ما كذبتم على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أنّ الله ورسوله لم يستخلف غيري»، فذهب الرسول فأخبره بما قاله له، فقال: إذهب فقل له أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بذلك، فقال له علي علیه السلام : «سبحان الله والله ما طال العهد فينسى والله إنّه ليعلم أن هذا الإسم لا يصلح إلا لي وقد أمره رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهو سابع سبعة فسلّموا عليه (4)بإمرة المؤمنين فاستفهمه هو وصاحبه من بين السبعة وقالا : أحق من الله ورسوله »؟ قال رسول الله : «نعم حقا حقاً من الله ومن رسوله إنّه أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وصاحب لواء «الغرخ» المحجّلين يقعده الله عزّ وجلّ يوم


1) الأسبار والسير بالفتح الذي يقد من الجلد والجمع سيور .

2) نسخة : أقرثنيها

3) في نسخة : ثم قال علي الثلا تقولوا غداً إنا كنا عن هذا غافلين.

4) في نسخة علي

القيامة على الضراط فيدخل أوليائه الجنّة وأعدائه النّار»، فانطلق الرّسول فأخبره بما قال فسكتوا عنه يومهم ذلك .

فلمّا كان الليل حمل عليّ فاطمة وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين عليهم السلام فلم يدع أحداً من أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلا أتاه في منزله فناشدهم الله حقه ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب له منهم أحد غير الأربعة فإنا خلقنا رؤوسنا وبذلنا نصرتنا وكان الزبير أشد نصرة فلما رأى علي علیه السلام خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم له لزم

بیته .

وقال عمر لأبي بكر : ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع فإنّه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة، وكان أبو بكر أرقّ الرّجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غوراً، والآخر أفظهما وأجفاهما، فقال له أبو بكر : من ترسل إليه ؟ فقال عمر : نرسل إليه قنفذاً وكان رجلاً فظاً غليظاً جافاً من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب، فأرسله إليه وأرسل معه أعواناً فانطلق فاستأذن على عليّ علیه السلام ، فأبى أن يأذن لهم فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما في المسجد والناس حولهما، فقالوا: لم يؤذن لنا، فقال عمر : اذهبوا فإن أذن لكم وإلا فادخلوا عليه من غير إذن، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة عليها السّلام أحرج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذني؟ فرجعوا فثبت القنفذ الملعون، فقالوا : إن فاطمة قالت لنا كذا وكذا فحرّجتنا أن ندخل بيتها من غير إذن، فغضب عمر فقال : ما لنا وللنساء .

ثم أمر أناساً حوله يحملون حطباً فحملوا الحطب وحمل عمر معهم فجعلوه حول بيت علي علیه السلام وفيه علي وفاطمة وابناهما صلوات الله عليهم، ثم نادى عمر حتى أسمع عليّاً وفاطمة : والله لتخرجن يا علي ولتبايعن خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وإلا أضرمت عليك بيتك ناراً، ثم رجع قنفذ إلى أبي بكر وهو متخوّف أن يخرج علي إليه بسيفه لما يعرف من بأسه وشدّته، فقال أبو بكر لقنفذ : ارجع فإن خرج وإلا فاهجم (1)عليه بيته، فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم

ناراً .

فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن وسار (2)علي علیه السلام إلى سيفه وسبقوه إليه وهم كثيرون فتناول بعضهم سيفه وكاثروه فألقوا في عنقه حبلاً وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت فضربها قنفذ لعنه الله بسوط كان معه فماتت صلوات الله عليها ، وأن في عضدها مثل الدماليج (3)من ضربته ثم انطلق به يعتل عتلاً حتى انتهى إلى أبي بكر ،


1) في نسخة فاقتحم .

2) في نسخة ثار.

3) في نسخة : الدملج .

وعمر قائم بالسيف على رأسه وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حصين وبشير بن سعد وسائر الناس حول أبي بكر عليهم السلام .

قال : قلت لسلمان : أدخلوا على فاطمة بغير إذن؟ قال : أي والله ما عليها خمار فنادت وا أبتاه وا رسول الله يا أبتاه لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر وعيناك لم تنفقيا في قبرك تنادي بأعلى صوتها، فلقد رأيت أبا بكر ومن حوله يبكون وينتحبون وما فيهم إلا باك غير عمر وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وعمر يقول : إنا لسنا من النساء ورأيهن في شيء .

قال فانتهوا به إلى أبي بكر وهو يقول : أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلى هذا أبداً والله لم ألم نفسي في جهادكم لو كنت استمكنت من الأربعين لفرقت جماعتكم ولكن لعن الله أقواماً بايعوني ثم خذلوني وقد كان قنفذ لعنه الله حين ضرب فاطمة بالسوط حين حالت بينه وبين زوجها أرسل إليه بينه وبين زوجها أرسل إليه عمر إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها ، فألجأها قنفذ لعنه الله إلى عضادة باب بيتها ودفعها فكسر لها ضلعاً من جنبها وألقت جنيناً من بطنها ، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلوات الله عليها من ذلك شهيدة.

قال : فلما انتهى بعلي إلى أبي بكر انتهره عمر وقال له : بايع، فقال له علي علیه السلام «إن أنا لم أبايع فما أنتم صانعون؟» قالوا نقتلك ذلاً وصغاراً، فقال :« إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسول الله»، فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسول الله فما نعرفك (1)بهذا، قال علیه السلام : «أتجحد أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم آخا بيني وبينه؟ » قال : نعم ، فأعاد ذلك عليه ثلاث مرات .

ثم أقبل عليهم علي علیه السلام، فقال : «يا معاشر المسلمين والمهاجرين والأنصار انشدكم الله أسمعتم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول يوم غدير خم كذا وكذا وفي غزوة تبوك كذا وكذا فلم يدع شيئاً قال (2)له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علانية للعامة إلا ذكرهم إياه » قالوا : اللهم نعم: فلما أن تخوف ينصره النّاس وأن يمنعوه منه بادرهم (3)، فقال له : كلما قلت حق قد سمعناه بآذاننا وعرفناه ووعته قلوبنا ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول بعد هذا: «إنّا أهل بيت اصطفانا الله تعالى واختار لنا الآخرة على الدنيا فإن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة»، فقال علي علیه السلام: «هل أحد من أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم اشهد هذا معك »؟ فقال عمر: صدق خليفة رسول الله قد سمعته منه كما قال .

قال : وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل : قد سمعنا من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال علي علیه السلام: «لقد وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاهدتم (4)عليها في


1) في نسخة : تقرُّ لك .

2) في نسخة : قاله فيه

3) في نسخة إياها .

4) في نسخة : تعاقدتم .

الكعبة إن قتل الله محمّداً أو مات لتزوون هذا الأمر عنا أهل البيت»، فقال أبو بكر فما علمك بذلك أطلعناك عليها، فقال علي علیه السلام يا زبير وأنت يا سلمان وأنت يا أبا ذر وأنت يا مقداد أسألكم بالله وبالإسلام أسمعتم رسول الله يقول ذلك وأنتم تسمعون إن فلاناً وفلاناً حتى عد هؤلاء الأربعة «الخمسة »قد كتبوا بينهم كتاباً وتعاهدوا فيه وتعاقدوا إيماناً على ما أن قتلت أو متّ أن يتظاهروا عليك وأن يزووا عنك هذا الأمر يا عليّ؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فما تأمرني إذا كان ذلك، فقال إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ونابذهم، وإن لم تجد أعواناً فبايع واحقن دمك.

فقال علیه السلام : «أما والله لو أنّ أولئك الأربعين رجلاً الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله »، فقال عمر: أما والله لا ينالها أحد من أعقابكم إلى يوم القيامة ثم نادى علي علیه السلام قبل أن يبايع والحبل في عنقه :

(ابن أُمَ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي) [الأعراف : 150].

ثم تناول يد أبي بكر فبايع ، وقيل للزبير بايع فأبى فوثب إليه عمر و خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وأناس معهم فانتزعوا سيفه فضربوا به الأرض حتى كسروه ثم لتبوه (1)فقال الزبير وعمر على صدره : يا ابن صهاك أما والله لو أنّ سيفي في يدي لحدت عني ثم بايع .

قال سلمان : ثم أخذوني فوجؤوا عنقي حتى تركوه كالسلعة ثم أخذوا يدي فبايعت مكرهاً، ثم بايع أبو ذر والمقداد مكرهين وما من أحد بايع مكرهاً غير علي وأربعتنا ولم يكن أحد منا أشدّ قولاً من الزبير، فإنّه لما بايع قال : يا ابن صهاك أما والله لولا هؤلاء الطغاة الذين أعانوك لما كنت تقدم عليّ ومعي سيفي لما أعرف من جبنك ولؤمك، ولكن وجدت طغاة تقوى بهم وتصول بهم، فغضب عمر فقال : أتذكر صمّاك ؟ فقال : ومن صهاك ومن (2)يمنعني من ذكرها وقد كانت صهاك زائية وتنكر ذلك أوليس كانت أمة لجدّي عبد المطلب فزنى بها جدك نقيل فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب لجدّك بعد ما ولدته وأنّه لعبد جدي وَلَدُ زنا، فأصلح أبو بكر بينهما وكف كلّ واحد منهما عن صاحبه .

قال سليم : فقال لسلمان : فبايعت أبا بكر ولم تقل شيئاً؟ قال : بلى قد قلت بعد ما بايعت : تباً لكم سائر الذهر لو تدرون ما صنعتم بأنفسكم أصبتم وأخطأتم أصبتم سنّة الأولين (3)وأخطأتم سنة نبيكم حين أخرجتموها من معدنها وأهلها فقال عمر: أما إذا قد


1) في نسخة من كان قبلكم من الفرقة والاختلاف

2) في نسخة ما.

3) في نسخة من كان قبلكم من الفرقة والاختلاف

بایعت یا سلمان فقل ما شئت وافعل ما بدا لك وليقل صاحبك ما بدا له قال سلمان : قلت إني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : « إنّ عليك وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة ومثل عذابهم جميعاً»، فقال عمر : قل ما شئت أليس قد بايعت ولم يقر الله عينك بأن يلبسها صاحبك، فقلت أشهد أني قرأت في بعض كتب الله إنك بإسمك وصفتك باب من أبواب جهنم ، فقال : قل ما شئت أليس قد أزالها الله عن أهل البيت الذين اتخذتموهم أرباباً؟ فقلت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول وقد سألته عن هذه الآية :

فَيَوْمَذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر : 25 - 26] فأخبرني بأنك أنت هو، فقال لي عمر: اسكت أسكت الله نأمتك أيها العبد ابن اللخناء، فقال لي علي علیه السلام : اسکت یا سلمان ، فوالله لو لم يأمرني علي بالسكوت لخبرته بكل شيء نزل فيه وكلّ شيء سمعته من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيه وفي صاحبه، فلما رآني عمر قد سكت قال لي : إنّك له لمطيع مسلّم فلما أن بايع أبو ذر والمقداد ولم يقولا شيئاً قال عمر : ألا كففت كما كف صاحباك والله ما أنت أشدّ حيّاً بأهل هذا البيت منهما ولا أشدّ تعظيماً لحقهم منهما وقد كفّا كما ترى وقد بايعا.

فقال أبو ذر : أفتعيرنا يا عمر بحب آل محمّد عليهم السّلام وتعظيمهم وقد فعل من أبغضهم وافترى عليهم وظلمهم حقهم وحمل الناس على رقابهم وردّ هذه الأمة القهقري على أدبارهم ، فقال عمر : آمين لعن الله من ظلمهم حقهم لا والله ما لهم فيها من حق وما هم فيها وعرض الناس إلا سواء، قال: لم خاصمت الأنصار بحقها؟ فقال علي علیه السلام العمر: «يا ابن صهاك فليس لنا فيها حق وهي لك ولا بن آكلة الذُّبان»، فقال عمر: كف يا أبا الحسن إذ قد بایعت؛ فإن العامة رضوا بصاحبي ولم يرضوا بك فما ذنبي، فقال علي علیه السلام : «لكن الله ورسوله لم يرضيا إلا بي فأبشر أنت وصاحبك ومن اتبعكما ووازركما بسخط الله وعذابه وخزيه ويلك يا ابن الخطاب لو ترى ماذا جنيت على نفسك وعلى صاحبك»؟ فقال أبو بكر يا عمر : أما إذا بايع وأمنا شرّه وفتكه وغائلته فدعه يقول ما شاء.

فقال علي علیه السلام : «لست قائلاً غير شيء واحد أذكركم بالله أيها الأربعة - قال لسلمان والزبير وأبي ذر والمقداد، أسمعتم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول : « إن تابوتاً من نار فيه إثني عشر سنة من الأولين وستة الآخرين في قعر جهنم في جبّ في تابوت مقفل على ذلك الجب صخرة فإذا أراد الله أن يسعر جهنّم كشفت تلك الصخرة عن ذلك الجبّ فاسعرت جهنّم من وهج ذلك الحب ومن حرّه »، قال علي علیه السلام «فسألت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأنتم شهود »، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «أما الأولون فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون ذو الفراعنة، والذي حاج إبراهيم في ربّه ، ورجلان من بني اسرائيل بدلا كتابهم غيّر أسنتهم، أما أحدهما فهود اليهود والآخر نصر النصارى ، وعاقر الناقة ، وقاتل يحيى بن زكريا ، والدجال في الآخرين وهؤلاء

الأربعة أصحاب الكتاب وجبتهم وطاغوتهم الذي تعاهدوا عليه وتعاقدوا على عداوتك يا أخي ويتظاهرون عليك هذا وهذا » ،حتى عدهم وسماهم.

قال : فقلنا : صدقت نشهد أنه قد سمعنا ذلك من رسول الله ، فقال عثمان : يا أبا الحسن أما عندك في حديث؟ فقال علي علیه السلام : « بلى لقد سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم یلعنك ثم لم يستغفر لك بعد(1)لعنك »، فغضب عثمان ثم قال : ما لي ومالك لا تدعني على حال كنت على عهد النبي صلی الله علیه واله وسلم ولا بعده، فقال له علي علیه السلام : «فأرغم أنفك » ثم قال له عثمان: لقد سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول إنّ الزبير يقتل مرتداً .

قال سلمان : فقال لي علي علیه السلام فيما بيني وبينه : صدق عثمان، وذلك أنه يبايعني بعد قتل عثمان ثم ينكث بيعتي فيقتل مرتداً. قال سلمان : فقال علي علیه السلام : « إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غير أربعة، إنّ النّاس صاروا بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بمنزلة هارون ومن تبعه ومنزلة العجل ومن تبعه » ، فعلي علیه السلام في شبه هارون ، وعتيق في شبه العجل، وعمر في شبه السامري، وسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : «اليجيء قوم من أصحابي من أهل العلية والمكانة مني ليمروا على الضراط فإذا رأيتهم ورأوني وعرفتهم وعرفوني اختلجوا دوني فأقول يا ربّ أصحابي أصحابي فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدوا على أدبارهم حيث فارقتهم، فأقول بعداً وسحقاً .

وسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : «التركبن أمتي سنة بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة شبراً بشير باعاً يباع وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحراً لدخلوا فيه معهم وإنّه كتب التوراة والقرآن ملك واحد في رق واحد وجرت الأمثال والسنن» (2).

أقول: هذه الرواية رواها الطبرسي أيضاً في «الإحتجاج » والمحدث المجلسي (رحمت الله ) في المجلد الثامن من «بحار الأنوار» بنقصان في الأول وزيادة في الثاني وتغيير يسير في غير الزائد والناقص، وكانت نسخة «غاية المرام » التي عندنا غير خالية من الغلط والتحريف يسيراً في متن الرواية فأصلحناها من نسختي «الاحتجاج» و«البحار» بما رأيناه أصلح وأنسب، فلو وجدت فيما رويناه شيئاً غير مطابق لما في الأصل فسره ما ذكرناه ولا تحملته على التقصير في الضبط والنقل والله الهادي .

وفي «البحار» من رجال الكشي عن علي بن الحكم عن ابن عميرة عن أبي بكر الحضرمي قال : قال أبو جعفر علیه السلام : «إرتد النّاس إلا ثلاثة نفر : سلمان وأبو ذر والمقداد »، قال : قلت: فعمار، قال قد كان حاص حيصة ثم رجع ، ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم


1) في نسخة : منذ .

2) بطوله في البحار 2061/28 - 270 ح 45 ، وكتاب سليم: 149 - 151.

يدخله شك فالمقداد، فأما سلمان فإنّه عرض في قلبه عارض إن عند أمير المؤمنين علیه السلام إسم الله الأعظم لو تكلّم به لأخذتهم الأرض وهو هكذا فلبّب ووجيت حتى تركت كالسلعة، فمرّ به أمير المؤمنين علیه السلام فقال له : يا أبا عبد الله هذا ذلك بايع فبايع ، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين علیه السلام بالسكوت ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم فأبى إلا أن يتكلم فمر به عثمان فأمر به، ثم أناب النّاس بعد وكان أوّل من أناب أبو ساسان الأنصاري وأبو عمرة وشتيرة وكان نواظره سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين علیه السلام إلا هؤلاء السبعة (1).

أقول : أبو ساسان اسمه الحصين بن المنذر بالحاء المهملة المضمومة والصاد المهملة ، وأبو عمرة من الأنصار أيضاً اسمه ثعلبة بن عمرو، وشتيرة يقال له أيضاً صاحب راية علي علیه السلام بصفين وقتل هناك مع إخوته قاله في «الخلاصة».

كتاب «الإختصاص» للمفيد بإسناده عن عمرو بن ثابت قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام : « يقول : إن النبي صلی الله علیه واله وسلم لما قبض ارتد الناس على أعقابهم كفاراً إلا ثلاثة : سلمان لا والمقداد وأبو ذر الغفاري أنّه لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جاء أربعون رجلاً إلى علي بن أبي طالب علیه السلام فقالوا : لا والله لا نعطي أحداً طاعة بعدك أبداً، قال: ولم؟ قالوا : سمعنا من رسول الله فيك يوم غدير ، قال : وتفعلون؟ قالوا: نعم ، قال فأتوني غداً محلقين ، قال: فما أتاه إلا هؤلاء الثلاثة، قال : وجاءه عمّار بن ياسر بعد الظهر فضرب يده على صدره ثم قال: ما آن لك أن تستيقظ من نومة الغفلة ، ارجعوا فلا حاجة لي فيكم أنتم لم تطيعوني في حلق الرؤوس فكيف تطيعوني في قتال جبال الحديد ، ارجعوا فلا حاجة لي فيكم» (2).

وفي «الإحتجاج » عن الباقر علیه السلام أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر : اكتب إلى أسامة بن زيد يقدم عليك فإن في قدومه قطع الشنعة، فكتب أبو بكر إليه : من أبي بكر خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى أسامة بن زيد ، أما بعد ، فانظر إذ أتاك كتابي فأقبل إلي أنت ومن معك فإن المسلمين قد اجتمعوا علي وولوني أمرهم ، فلا تتخلّفن فتعصني ويأتيك مني ما تكره والسلام.

قال : فكتب إليه أسامة جواب كتابه : من أسامة بن زيد عامل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على غزوة الشام إلى أبي بكر بن أبي قحافة ، أما بعد فقد أتاني منك كتاب ينقض أوّله آخره، ذكرت في أوّله أنك خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وذكرت في آخره أنّ المسلمين قد اجتمعوا عليك فولوك أمرهم ورضوا بك ، فاعلم أنّي ومن معي من جماعة المسلمين فلا والله ما رضينا بك ولا وليناك أمرنا ، وانظر أن تدفع الحقِّ إلى أهله وتخليهم وإيّاه فإنّهم أحق به منك فقد علمت ما


1) الإختصاص : 10، والبحار : 440/22. ح .8

2) الاختصاص : 6 ، والبحار : 259/18

كان من قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في علي علیه السلام يوم الغدير، فما طال العهد فتنسى فانظر مركزك ولا تخالف فتعصي الله ، ورسوله وتعصي من استخلفه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عليك وعلى صاحبك،

، ولم يعزلني حتى قبض رسول الله وإنك وصاحبك رجعتما وعصيتما فأقمتما في المدينة بغير إذني.

قال: فأراد (1)أبو بكر أن يخلعها من عنقه قال : فقال له عمر : لا تفعل قميص قمصك الله لا تخلعه فتندم ولكن ألح عليه بالكتب ومر فلاناً وفلاناً يكتبون إلى أسامة أن لا يفرق جماعة المسلمين وأن يدخل معهم فيما صنعوا، قال : فكتب إليه أبو بكر وكتب إليه ناس من المنافقين: أن ارض بما اجتمعنا عليه وإياك أن تشمل المسلمين فتنته فإنّهم حديث عهد بالكفر ، قال : فلما وردت الكتب على أسامة انصرف بمن معه حتى دخل المدينة، فلما رأى اجتماع الخلق على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب علیه السلام فقال له: ما هذا؟ قال له علي علیه السلام: «هذا ماذا ترى » ، قال له أسامة : فهل بايعته ؟ فقال : «نعم يا أسامة»، فقال: أطائعاً أو كارهاً؟ قال : لا بل كارهاً ، قال : فانطلق أسامة فدخل على أبي بكر وقال له : السلام عليك يا خليفة المسلمين ، قال : فردّ عليه أبو بكر ، وقال : السّلام عليك أيها الأمير، هذا (2).

ويأتي بعض أخبار هذا الباب من طرق الخاصة كسائر الأخبار العامة إن شاء الله عند شرح الخطب الآتية والله المستعان وعليه التكلان (3)

تصريح الإمام حسن بن علي علیه السلام :

أخرجه أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين، قال في رسالته لمعاوية :«فلما توفي صلی الله علیه واله وسلم تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش : نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه.... ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاجت به العرب فلم تتصفنا قريش انصاف العرب لها ... واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي النصير.

وقد تعجبنا لتوتب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا صلی الله علیه واله وسلم وان كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام فأمسكنا عن منازعتهم بذلك سبب منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم لما أرادوا به من فساده ، فاليوم فليعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله » (مقاتل الطالبيين : 65 ذكر الخبر في بيعة الحسن بعد وفاة أمير المؤمنين ، وأهل البيت لتوفيق أبي علم : 313 رسالة الإمام إلى معاوية).

• أقول : وللإمام الحسن مقولة مشهورة لأبي بكر : «انزل عن منير أبي » (السقيفة: 66 ، وشرح النهج : 6/ 42 الخطبة 66، وأنساب الأشراف: 27/3 ، ومقتل الخوارزمي: 93/1 ، وكنز العمال: 616/5 ح 14085 و 654/13 37662 ، وكفاية الطالب : 424).

تصريح الحسين بن علي (عليهما السلام)

وذلك في قوله لعمر :« انزل عن منبر أبي» ( تاريخ دمشق: 175/14 ترجمة الحسين علیه السلام ، وكنز العمال: 5/ 616 تصريح 14085 و 654/13 ع 37662 ).

فاطمة بنت محمد (عليها السلام)

كانت فاطمة بنت محمد المدافع الاول عن نبوة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، ثم عن خلافته التي قضى عمره الشريف تبليغ الاسلام وبالخلافة يحفظ الاسلام ، فكانت صلوات الله عليها تخرج مع علي علیه السلام تدعو لنصرته (الإمامة والسياسة : 29/1 ) .

وقد أبرزت ذلك بقولها في مواقف عدة من ذلك ما قالته صلوات الله عليها في خطبتها في مجلس أبي بكر بعد وفاة النبي الأعظم صلی الله علیه واله وسلم جاء فيها :

«.... حتى إذا اختار الله لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) دار أنبيائه ظهرت حسكة النفاق وسهل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين ، وتبع حامل الافلين ، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، واطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة ملاحظين، ثم استنهضكم، فوجدكم خفافاً وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إيلكم وأوردتم غير شيربكم، هذا والعهد قريب؟! والكلم رحيب، والجرح لما يندمل ، بماذا زعمتم: خوف الفتنة؟

الا في الفتنة سقطوا ...» (التذكرة الحمدونية : 257/6 - 628 وبلاغات النساء : 25 كلام فاطمة، وأهل البيت لتوفيق أبي علم : 159 ، ومقتل الحسين للخوارزمي: 78 الفصل الخامس ) .

وقالت عليها رضوان الله تعالى : «.... ونحن بقية استخلفنا عليكم ومعنا كتاب الله بينة بصائره، وآي فينا، منكشفة سرائره وبرهان منجلية ظواهر ...» (بلاغات النساء : 28 كلام فاطمة (عليها السلام)).

• وقالت عليها السلام في مرض وفاتها للنساء الذين دخلن عليها :

«..... ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوّة ومهبط الروح الأمين الطبن بأمور الدنيا والدين ، ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن نقموا والله منه تكير سيفه وشدّة وطأته، ونكال وقعته وتنمره في ذات الله ، وبالله لو تكافتوا على زمام نبذه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) لسار بهم سيراً سجحاً (سهلاً)، لا يكلم خشاشه ولا يتمتع راكبه، ولأوردهم منهلاً روياً... ولفتحت ليهم بركات من السماء.. إلى أي لجأ لجأوا وأسندوا ، وبأي عروة تمسكوا ، ولبئس المولى ولبتس العشير، استبدلوا والله الذنابي بالقوادم والعجز بالكامل، فرغماً لمعاطس قوم (يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً إلا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) ويحكم: (أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون)...

انلزمكموها وأنتم لها كارهون »(بلاغات النساء : 32 - 33 كلام ،فاطمة والسقيفة للجوهري : 117 - 118 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 233/16 كتاب 45 ، وأهل البيت لتوفيق أبي علم 176 - 177 ) .

ومنه ما قالته (عليها السلام) في مجلس الأنصار :

«ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة منّي بالخذلان الذي خامر صدوركم واستشعرته قلوبكم، ولكن قلته فيضة النفس ونفثة الغيظ وبثّة الصدر ومعذرة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها مديرة الظهر ناقبة الخف، باقية العار، موسومة بشنار الأبد..» (التذكرة الحمدونية : 259/6 ح 628 ، وبلاغات النساء : 31 كلام فاطمة، والسقيفة للجوهري : 100 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 211/16 كتاب 45 ) .

وزاد الجوهري : «..... افتأخرتم بعد الاقدام ونكصتم بعد الشدّة وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر أنّهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون» (السقيفة: 100 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 211/16 كتاب 45 ) .

وزاد الطيري الإمامي من طريق أهل البيت (عليهم السلام) :« ... فما جعل الله لأحد بعد غدير خم من حجة ولا عذر »(دلائل الإمامة : 38 ) .

وأخرج الجزري بسنده عن فاطمة (عليها السلام) انها قالت لهم :

«أنسيتم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم :«من كنت مولاه فعلي مولاه؟!».

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنتَ مني بمنزلة هارون من موسى (عليهما السلام) ».

وقال : وهكذا أخرجه الحافظ الكبير أبو موسى المديني في كتابه المسلسل بالأسماء (أسمى المناقب في : تهذيب أسنى المطالب : 33 ح 5 ) .

• أقول هذه جملة ما وصل إلينا من تصريحات فاطمة (عليها السلام )، وقد ذكر أصحابنا الكثير منها، أغمضنا عن ذكرها لأن الفضل ما شهدت به غيرنا (راجع دلائل الإمامة: 38 - 40 ، والاحتجاج : 97/1 إلى 109).

تصريح أبو بكر بن أبي قحافة

أخرجه الجوهري عن المغيرة قال : مرَّ المغيرة بأبي بكر وعمر وهما جالسان على باب النبي حين قبض، فقال : وما يقعد كما ؟

قالا : ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه ، يعنيان عليا .

فقال : أتريدون أن تنظروا حبل الحيلة من أهل هذا البيت وسموها في قريش تتسع .

قال: فقاما إلى سقيفة بني ساعدة، أو كلاماً هذا معناه( السقيفة : 68 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 6/ 43 الخطبة 66) .

تصريح عمر بن الخطاب

قال في أثناء حواره لابن عباس: أما والله ان كان صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله إلا انا خفتاه على اثنتين حداثة سنه وحبه بني عبد المطلب السقيفة : 52 و 73 و 129 ، وشرح النهج لابن أبي :الحديد 57/2 الخطبة 27 ، و 6 / 50 الخطبة 66).

وقال له يوماً : يابن عبّاس ما أظنّ صاحبك إلا مظلوماً .

فقلت يا أمير المؤمنين علیه السلام فاردد عليه ظلامته .

فانتزع يده من يدي يا بن عباس ما أظن القوم منعهم من صاحبك الا انهم استصغروه.

فقلت : والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ براءة من أبي بكر( السقيفة : 70 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 45/6 خطبة 66).

وقال له يوماً : يابن عباس ما يمنع قومكم منكم وأنتم أهل البيت خاصة؟

قلت: لا أدري.

قال : لكنّي أدري انكم فضلتموهم بالنبوة فقالوا ان فضلوا بالخلافة مع النبوّة لم يُبقوا لنا شيئاً (العقد الفريد 265/4 كتاب الخلفاء - أمر الشورى).

تصریح عثمان بن عفان

ذلك ما قد يستفاد من ضمن حواره مع ابن عباس حول الخلافة حيث قال :

انّي أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب ان كان لكم حق تزعمون انكم غلبتم عليه فقد تركتموه في يدي من فعل ذلك بكم، وأنا أقرب إليكم رحماً منه (تاريخ المدينة لابن شبة : 1046/3 حياة عثمان).

تصريح معاوية

قال معاوية في رد رسالة محمد بن أبي بكر :

فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزه جحقهج وخالفه على ذلك اتفقا ،واتسقا ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما، فهما به الهموم وأرادا به العظيم فبايع وسلم لهما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضا وانقضى أمرهما .

إلى أن قال : أبوك مهد مهاده وبنى ملكه ،وشاده فإن يكن ما نحن فيه صواباً فأبوك أوّله، وان يك جوراً فأبوك أسسه، ونحن شركاؤه وبهديه أخذنا وبفعله ،اقتدينا، ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب وأسلمنا له، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فإحتذينا بمثاله جرأينا أباك فعل ما فعل فاحتذينا مثاله واقتدينا بفعاله فعب أباك ما بدا لك أو دع والسلام على من أناب ورجع عن غوايته وتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم : ( 120 - 121 الجزء الثاني - كتاب معاوية إلى محمد بن أبي بكر ومروج الذهب 12/3 - 13 ذكر خلافة معاوية) .

وأخرجه نصر بن مزاحم والمسعودي والبلاذري بطوله مع تفاوت في بعض الألفاظ (أنساب الأشراف: 3 165 - 166 أمر مصر في خلافة علي ط. دار الفكر). أقول : اعترف عمر بمضمون كلام معاوية عندما قال لابن عباس : اما والله ان كان صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ... ان أوّل من ريثكم عن هذا الأمر أبو بكر .

(شرح النهج : 57/2 خطبة 26).

تصريح سلمان الفارسي

أنبأنا علي بن عبد الله أنبأنا أبو زرعة عبد الكريم بن إسحاق بن سهلويه أنبأنا أبو بكر الدينوري اجازة سمعت أبا منصور عبد الله بن علي الأصبهاني ببروجرد سمعت أبا القاسم الطبراني، حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أشياخه قال : لما كان يوم السقيفة اجتمعت الصحابة على سلمان الفارسي فقالوا: يا أبا عبد الله ان لك سنّك ودينك وعملك وصحبتك من رسول الله فقل في هذا الأمر قولاً يخلد عنك فقال : «گویم اگر شنوید ».

ثم غدا عليهم فقالوا : ما صنعت أبا عبد الله فقال: گفتم اگر بکار بريد ثم أنشأ يقول :

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منهم عن أبي الحسن

أوليس أوّل من صلّى لقبلته *** وأعلم بالقول بالأحكام والسنن

ما فيهم من صنوف الفضل يجمعها *** وليس في القوم ما فيه من الحسن

يقال ليس لسلمان غير هذه الأبيات (التدوين في أخبار قزوين : 78/1 - 79 القول في بيان من ورد قزوين من الصحابة - سلمان).

أقول : سوف أذكر ان هذه الأبيات من تصريح ابن أبي لهب والعباس.

وأخرج البلاذري وابن أبي شيبة والفظ للأول كردان ونا كردان أي عملتم وما عملتم لو بايعوا عليّاً لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم أنساب الأشراف: 187/12 ح 1188 ط مصر و 274/2 ط. دار الفكر، أمر السقيفة ) .

ولفظ الثاني : أخطأتم وأصبتم أما لو جعلتموها في أهل بيت نبيكم لأكلتموها رغداً (المصنف : 443/7 ح 37083 كتاب المغازي - خلافة علي - ) .

وذكره سبط ابن الجوزي بلفظ : كردي نكردي أي فعلتموها فوجئت عنقه (تذكرة الخواص: 63 الباب الرابع).

وأخرجها الجوهري بلفظ ابن أبي شيبة (السقيفة : 43 ، وشرح النهج : 49/2 خطبة 26 و 43/6 خطبة (66) . أيضاً قوله : أصبتم الخير ولكن أخطأتم المعدن» (السقيفة : 67 ، وشرح النهج : 43/6 خطبة وأخرج 66) .

تصريح العباس

أخرج الحموي عن علي قال: قال العباس بن عبد المطلب بن بويع لأبي بكر :

ما كنت أحسب ان الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن

اليس أوّل من صلّى لقبلتكم *** وأعلم الناس بالآثار والسنن

وأقرب الناس عهداً بالنبي ومن *** جبريل عون له في الغسل والكفن

من فيه ما في جميع الناس كلهم *** وليس س في الناس ما فيه من الحسن

ماذا الذي ردّكم عنه فنعرفه *** ها إن بيعتكم من أوّل الفتن

(فرائد السمطين: 82/2 ح 401).

وأخرج ابن شبة قوله لعلي : واحذر هؤلاء الرهط فانّهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا تاريخ) المدينة : 926/3 تفصيل عمر لصفات الصحابة).

وفي رواية قال: ما أحد أولى بمقام رسول الله منه (علي) (أهل البيت لتوفيق أبي علم : 236).

أقول : أخرج الطبري الإمامي كلاماً للعبّاس عندما استسقى عمر به وتوسل : يستسقون بنا ويتقدمونا، فإذا قحطوا استسقوا بهم، وإذا ذكروا الخلافة تمنّوا سالماً مولى أبي حذيفة والجارود العبدي (المسترشد للطبري : 692 ح 359) .

تصريح أبو سفيان

أخرج عبد الرزاق وابن المبارك وابن عبد البر والبلاذري وابن أبي شيبة واليعقوبي وغيرهم قول أبي سفيان : عليكم على هذا الأمر أرذل بيت في قريش اما والله لأملأنها خيلاً ورجالاً (المصنف لعبد الرزاق : 5/ 451 - 976 بيعة أبي بكر، والاستيعاب : 254/2 ترجمة أبو بكر و 87/4 ترجمة أبو سفيان وتاريخ اليعقوبي: 126/2 خبر السقيفة، والثقات لابن حبان 287/2 ،ترجمة وشرح النهج : 45/2 خطبة 26 عن الجوهري و 6 / 40 عنه أيضاً خطبة 66 ، وأنساب الأشراف: 271/2 أمر السقيفة ط. دار الفكر ) .

وقال يو. السقيفة أيضاً : : ... فاما علي بن أبي طالب فأهل والله أن يسود على قريش وتطيعه الأنصار الأخبار الموفقيات : 585 ح 382 ) .

وزاد البلاذري في لفظ : اني لأرى فتقاً لا يرتقه إلا الدم (أنساب الأشراف: 271/2 أمر السقيفة ط. دار الفكر).

وأنشد يوم السقيفة :

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم *** ولا سيما تیم بن مرة أو عدي

فما الأمر إلا فيكم وإليكم *** وليس لها إلا أبو حسن علي

(تاريخ اليعقوبي : 126/2 خبر السقيفة والاخبار الموفقيات : 577 ح،376 وشرح النهج : 17/6 خطبة 66 ) .

تصريح عبد الله بن عباس

أخرجه ابن قتيبة في لعيون قال: قال ابن عباس لمعاوية: ندعي هذا الأمر بحق من لولاحقه لم تقعد مقعدك هذا، ونقول كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقاً ضيّعوه وحظاً حرموه.... اما الذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم فعهد منه إلينا قبلنا فيه قوله وينا بتأويله ولو أمرنا أن تأخذه على الوجه الذي نهانا عنه لأخذناء أو أعذرنا فيه ولا يعاب أحد على ترك حقه، انما المعيب من يطلب ما ليس له وكل صواب نافع وليس كل خطأ ضاراً (عيون الأخبار لابن قتيبة: 6/1 كتاب السلطان - محل السلطان وسيرته وسياسته وله تصريحات أخرى وهي المحاورات التي جرت بينه وبين عمر حتى قال له عمر يوماً : ان أوّل من رائكم عن هذا الأمر أبو بكر .

فأجابه ابن عبّاس: امّا قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت فلو ان قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود (شرح النهج لابن أبي :الحديد: 20/ 160 عن الجوهري، والسقيفة : 129 ) .

وقال له عمر يوماً آخر لعلك ترى صاحبك لها ؟

فقلت : القربى في قرابته وصهره وسابقته أهلها؟

:قال بلى ولكنه امرؤ فيه دعابة (تاريخ المدينة لابن شبة : 880/3 مقتل عمر ) .وقال عمر له يوماً ثالثاً : أترى صاحبكم لها موضعاً؟

:قال فقلت وأين يبتعد من ذلك مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه؟

:قال هو كما ذكرت ولو وليهم تحملهم على منهج الطريق فأخذ المحجة الواضحة، إلا ان فيه خصالاً : الدعابة في المجلس واستبداد الرأي والتبكيت للناس مع ح داثة السن.

قال :قلت يا أمير المؤمنين هلاً استحدث استحدثتم سنه يوم الخندق إذ خرج عمرو ابن عبد الود وقد كعم عنه الأبطال وتأخرت عنه الأشياخ ؟! ويوم بدر إذ كان يقط الأقران قطاً، ولا سبقتموه بالإسلام إذ كان جعلته الشعب وقريش يستوفيكم؟! (تاريخ اليعقوبي : 158/2 - 109 ذيل أيام عمر .

تصريح المقداد

أخرجه ابن أبي الحديد عن الجوهري بلفظ : واعجبا من قريش واستثثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معدن الفضل ونجوم رأيت رجلاً بعد رسول الله (صلى الله عليه

الأرض ونور البلاد والله ان فيهم لرجلاً . وآله وسلم) أولى منه بالحق ولا أقضى بالعدل (شرح النهج : 21/9 خطبة 135 ، والسقيفة : 81 ) . وبلفظ آخر :له وانّي لأعجب من قريش وتطاولهم على الناس بفضل رسول الله ثم انتزاعهم سلطانه من أهله (شرح النهج : 49/9 - 58 خطبة 135 ، والسقيفة للجوهري : 89) .

وأخرجه ابن شبة بألفاظ قريبة تاريخ المدينة : 931/3 ذيل أخبار عمر) .

تصريح عمار بن ياسر

:قال يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم تحولونه هاهنا مرة وهاهنا ،مرة، وما أنا آمن أن ينزعه الله منكم الله منكم ويضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله (شرح النهج لابن

أبي الحديد : 49/9 - 58 خطبة 135 عن الجوهري، السقيفة: 90).

وذكر في العقد الفريد باختصار ولكن أوّله : فأنّى تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم (العقد الفريد: 264/4 كتاب الخلفاء - أمر الشورى ).

عمّار الذي قال فيه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق» (جامع

هذا تصريح الأحاديث: 149/1 ح 904).

وقال صلی الله علیه واله وسلم : عمار ما خير بين أمرين إلا اختار أرشدهما» (جامع الأحاديث: 46/1 ح 175).

تصريح أبو ذر

قال أبو ذر لما توفي النبي وبويع لأبي بكر : أصبتم قناعه وتركتم ،قرابه لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان (شرح النهج : 13/6 خطبة 66 عن الجوهري، والسقيفة: 62).

وأخرج اليعقوبي قوله : أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها اما لو قدمتم من قدّم الله وأخرنم من أخر الله ، وأقررتم للولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم تاريخ اليعقوبي : 171/2 أيام ،عثمان وأهل البيت للشرقاوي : 145).

تصريح عبد الله بن جعفر

قال لمعاوية : ... ايم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه، ولأطيع الرحمن وعُصي الشيطان وما اختلف في الأمة سيفان (الإمامة والسياسة: 195/1 ح رب صفین ط بیروت. و 149 ط. مصر 1378 ، وأهل البيت لتوفيق : 399 ) .

تصريح عتبة بن أبي لهب

أخرج ابن سيد الناس في المدح واليعقوبي والزبير بن بكار وغيرهم قوله :

ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفاً *** عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن

أليس أوّل من صلّى لقبلته (لقبلتكم) *** وأعلم الناس بالقرآن والسنن

(اقرب) وآخر الناس عهداً بالنبي ومن *** جبريل عون له في الغسل والكفن

من فيه مافيهم لا يمترون به *** وليس في القوم ما فيه من الحسن

ماذا الذي رذهم عنه فتعلمه *** ها ان ذا غَيْننا من أعظم الغبن

(منح المدح: 287 ذكر ابن أبي لهب وتاريخ اليعقوبي : 124/2 خبر السقيفة وشرح النهج 21/6 شرح خطبة 66 ، وأسد الغابة : 40/4 ترجمته والمواهب اللدنية 242/1 ط .مصر ، وشرح النهج : 21/6 خطبة 66 ، والاخبار الموفقيات للزبير : 580 ح 380 ط. بغداد وتاريخ أبي الفداء : 156/1 أخبار أبي بكر، والجوهرة: 122 ) .

• أقول : تقدمت هذه الأبيات ونسبت تصريحاً لسلمان وأيضاً للعباس، وهنا لعتبة، والمهم أنها صدرت منهم جميعاً أو رددوا هذه الكلمات فصح كونها تصريحاً لهم وأيضاً يأتي عن ابن عبد البر نسبتها إلى والد عتبة وهو الفضل بن عباس . تصريح الفضل بن عباس

قال : يا معشر قريش انه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها دونكم وصاحبنا أولى بها منكم هذا لفظ اليعقوبي.

وذكره ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار بلفظ يا معشر قريش وخصوصاً يا بني تيم انكم انّما أخذتم الخلافة بالنبوة ونحن أهلها دونكم.. وانا لنعلم ان عند صاحبنا عهداً هو ينتهي إليه (الأخبار الموفقيات للزبير بن بکار 580 ح ،380 ، وتاريخ اليعقوبي : 124/2 خبر السقيفة وشرح النهج : 21/6 شرح خطية 66). * أقول وفي الاستيعاب والجوهرة نسب الأبيات المتقدمة اليه الاستيعاب بهامش الإصابة : 67/3 ذيل ترجمة علي والجوهرة : 122).

تصریح حسان بن ثابت

قال يوم السقيفة :

جزى الله خيراً والجزاء بكفه *** أباح من عنا ومن كأبي حسن

سبقت فريشاً بالذي أنت أهله *** فصدرك مشروح وقلبك ممتحن

تمنت رجال من قريش أعزة *** مكانك هيهات الهزال من السمن

وكنت المُرجُى من لؤي بن غالب *** لما كان منه جمنهمج والذي بعد لم يكن

حفظت رسول الله فينا وعهده *** إليك ومن أولى به منك مَنْ ومَن

ألست أخاه في الإخا ووصيه *** وأعلم فهر منهم بالكتاب والسنن

(تاريخ اليعقوبي: 128/2 أيام أبي بكر، والاخبار الموفقيات : 598 ح 388 وما بين المعكوفين منه ) .

تصريح البراء بن عازب

قال : لم أزل لبني هاشم محبّاً فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خفت أن تتمالاً قريش على اخراج هذا الأمر عنهم (شرح) النهج : 219/1 الخطبة الثالثة عن الجوهري، والسقيفة : 46 ) .

تصريح زيد بن أرقم

قال يوم السقيفة: انا لا ننكر فضل من ذكرت يا عبد الرحمن .. أنا لنعلم ان ممن سميت من قريش من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد علي بن أبي طالب (شرح النهج لابن أبي الحديد: 20/6 شرح خطبة 66 ، والأخبار الموفقيات للزبير بن بكار 579 ،378 ، وتاريخ اليعقوبي: 125/2 خبر السقيقة عن المنذر بن أرقم ) . تصريح النعمان بن العجلان الزرقي الأنصاري

قال :

وأهل أبو بكر لها خير قائم *** وان علياً كان أخلق للأ.

وكانا هوانا في علی وانه *** لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري

ورواه الزبير بلفظ :

لأهل لها من حيث ندري ولا ندري

(الاستيعاب 5503 ،ترجمته والاخبار الموفقيات للزبير بن بكار : 593 ح 384 وما بين المعكوفين منه ) .

تصریح خالد بن بن سعيد

أخرج الطبري وعبد الرزاق وابن عساكر والبلاذري قوله : لما قدم خالد من اليمن بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تربّص ببيعته شهرين ولقي علي بن أبي طالب وعثمان وقال يا بني عبد مناف لقد طبتم نفساً عن أمركم أمركم يليه غيركم .

فأما أبو بكر فلم يحضى بها، وأمّا عمر فاضطغنها عليه فلما بعث أبو بكر خالد بن سعيد أميراً على ربع من أرباع الشام فجعل عمر يقول : أبو مرة وقد قال ما قال.

فلم يزل بأبي بكر حتى عزله ورولّى يزيد بن أبي سفيان (الاستيعاب : 255/2 ترجمة أبو بكر، وانساب :الأشراف: 22/ 270 أمر السقيفة ط. دار الفكرة وتاريخ الطبري: 586/2 سنة 13 ، والمصنف لعبد الرزاق 9770 ، وتاريخ دمشق : 78/16 رقم الترجمة : 188) .

وأخرج اليعقوبي عنه قوله لعلي علیه السلام : هلم أبايعك فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك (تاريخ اليعقوبي : 2/ 126 خبر سقيفة بني ساعدة وتاريخ دمشق: 78/16 رقم الترجمة 1880).

تصريح هزيل بن شرحبيل

أخرجه البزار والحميدي وابن ماجه وأبو نعيم وأحمد قال: كان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، ود أبو بكر لو وجد من رسول الله في ذلك عهداً فخرم أنفه بخرامه (مسند البزار: 8/ 3370 وبالهامش أخرجه ابن ماجة : 2/ 900 ح 2696 ، والحميدي: 315/2) .

وأخرجه أبو نعيم صححه وأحمد بلفظ : لو وجد مع رسول الله - فخزم أنفه بخزامة (مسند أحمد: 382/4 ط. م و 5 / 516 ح 18918 طرب، وحلية الأولياء : 21/5 ترجمة طلحة بن مصرف رقم 285).

تصريح الخليفة المأمون

وذلك ضمن مناظرته المشهورة في فضل علي علیه السلام وتفضيله على الصحابة بحضور فقهاء عصره جاء فيها: ان أمير المؤمنين يدين الله على أن علي بن أبي طالب خير الخلق بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم) وأولى الناس بالخلافة له (العقد الفريد 77/5 كتاب أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة - احتجاج المأمون ) .

تصريح داود بن علي

خطب في أوّل خلافة أبو العباس فقال : والله قسماً برّاً لا أريد إلا الله به ، ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) أحق به من علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا، فليظن ظائكم وليهمس هامسكم عيون الأخبار لابن قتيبة : 252/2 كتاب العلم والبيان - الخطب).

تصريح يزيد بن معاوية

أخرج البلاذري في تاريخه قال : لما قتل الحسين بن علي كتب عبد الله ابن عمر إلى يزيد بن معاوية : اما بعد فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة، وحدث في الإسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم الحسين.

فكتب إليه يزيد : يا أحمق انا جئنا إلى بيوت منجدة، وفرش ممهدة، ووسائد منضدة فقاتلنا عنها، فإن يكن الحق لنا فعن ح فمن حقنا، وان يكن لغيرنا فأبوك أول من وان يكن لغيرنا فأبوك أوّل من سن هذا وابتزه واستأثر بالحق على أهله الأنوار النعمانية : 53/1 عن البلاذري).

• أقول: هذه جملة من تصريحات الصحابة من كتب القوم، وهناك تصريحات أخرى من كتب أصحابنا لم تذكرها (الاحتجاج : 18 / 76 إلى 79 و 87 إلى 89 ومناقب آل أبي طالب : 252/2)

1) في نسخة : فهم .

2) الاحتجاج: 114/1 ، والبحار : 12/29

3) تصريح الصحابة بأحقية علي علیه السلام

المقدمة الرابعة

في الإشارة إلى بعض طرق الخطبة ورفع الاختلاف بينها فأقول :

اعلم أنّ المستفاد من مضمون هذه الخطبة الشريفة كما هو المستفاد من بعض طرقها الآتية أيضاً أنه علیه السلام خطب بها في أواخر عمره الشريف وذلك بعد ما انقضى أيام خلافة المتخلفين الثلاثة وبعد ما ابتلى به من قتال الناكثين والقاسطين والمارقين وهذا مما لا خفاء فيه ، وأمّا المقام الذي خطب علیه السلام بها فيه فقد اختلفت فيه الروايات.

منها ما هي ساكتةعن تعيين المكان ، مثل ما رواه العلامة الحلي طاب ثراه في كتاب «كشف الحق» و«نهج الصدق » عن الحسن بن عبد الله بن مسعود العسكري من أهل السنة في كتاب «لمعاني الأخبار» بإسناده إلى ابن عباس قال : ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين علیه السلام فقال: «والله لقد تقمصها أخو تيم وأنه يعلم » (1)، إلى آخر ما ذكره الرضي بتغيير يسير .


1) راجع الطرائف 418 ، وبيت الأحزان 89

ومثلها ما رواه المحدث المجلسي في المجلد الثامن من «البحار من معاني الأخبار» وعلل الشرائع للصدوق عن ماجيلويه عن عمه عن البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام فقال : «والله لقد تقمصها أخو تيم» (ا ه)، ومن الكتابين أيضاً عن الطالقاني عن الجلودي عن أحمد بن عمّار بن خالد عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن عيسى بن راشد عن علي بن حذيفة عن عكرمة عن ابن عباس مثله، ومن أمالي الشيخ عن الحفّار عن أبي القاسم الدعيلي عن أبيه عن أخي دعبل عن دعبل عن محمّد بن سلامةالشامي عن زرارة عن أبي جعفر الباقر عن أبيه عن جده عليهم السّلام، والباقر، عن ابن عباس قال : ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين علیه السلام فقال : «والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة» (1)، وذكر نحوه بأدنى تغيير .

ومنها ما هي دالة على أنه علیه السلام لخطب بها في منبر مسجد الكوفة وهو ما رواه المحدث المجلسي طاب ثراه في المجلد الرابع عشر من «البحار» من بعض مؤلفات القدماء عن القاضي أبي الحسن الطبري عن سعيد بن يونس المقدسي عن المبارك عن خالص بن أبي سعيد عن وهب الجمال عن عبد المنعم بن سلمة عن وهب الرائدي عن يونس بن ميسرة عن الشيخ المعتمر الرّقي رفعه إلى أبي جعفر ميثم التمار ، قال : كنت بين يدي مولاي أمير المؤمنين علیه السلام إذ دخل غلام وجلس في وسط المسلمين ، فلما فرغ علیه السلام من الأحكام نهض إليه الغلام ، وقال يا أبا تراب : أنا إليك رسول جئتك برسالة تزعزع لها الجبال من رجل حفظ كتاب الله إلى آخره وعلم علم القضايا والأحكام وهو أبلغ منك في الكلام وأحق منك بهذا المقام ، فاستعد للجواب ولا تزخرف المقال ، فلاح الغضب في وجه أمير المؤمنين علیه السلام ، وقال العمار: أركب جملك وطف في قبائل الكوفة وقل لهم أجيبوا عليّاً ليعرفوا الحق من الباطل والحلال والحرام والصحة والسقم، فركب عمّار فما كان إلا هنيئة حتى رأيت العرب كما قال الله تعالى:

(إن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةُ وَاحِدَةً ) [يس: 53] (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ)

[يس: 51] .

فضاق جامع الكوفة وتكاثف الناس تكاثف الجراد على الزرع الغض في أوانه، فنهض العالم الأردع والبطل الأنزع ورقى في المنبر وراقى ثم تنحنح فسكت جميع من في الجامع ، فقال علیه السلام : رحم الله من سمع فوعى ، أيها الناس يزعم أنه أمير المؤمنين والله لا يكون الإمام إماماً حتى يحيي الموتى أو ينزل من السماء مطراً أو يأتي بما يشاكل ذلك مما يعجز عنه غيره


1) الإرشاد : 287/1 ، والاحتجاج : 281/1 ، والبحار : 505/29 .

وفيكم من يعلم أنّي الآية الباقية والكلمة التامة والحجّة البالغة ولقد أرسل إلي معاوية جاهلاً من جاهلية العرب عجرف في مقاله وأنتم تعلمون لو شئت لطحنت عظامه طحناً، ونسفت الأرض من تحته نسفاً، وخسفتها عليه خسفاً إلا أنّ احتمال الجاهل صدقة.

ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلی الله علیه واله وسلم وأشار بيده إلى الجوّ فدمدم ، وأقبلت غمامة وعلت سحابة وسمعنا منها إذاً يقول : السّلام عليك يا أمير المؤمنين ويا سيّد الوصيين ويا إمام المتقين ويا غياث المستغيثين ويا كنز المساكين ومعدن الرّاغبين، وأشار إلى السحابة فدنت ، قال ميثم: فرأيت الناس كلهم قد أخذتهم السكرة، فرفع رجله وركب السحابة، وقال لعمّار : اركب معي وقل ، بسم الله مجريها ،ومرسيها ، فركب عمّار وغابا عن أعيننا، فلما كان بعد ساعة أقبلت السحابة حتى أظلت جامع الكوفة، فإذا مولاي جالس على دكة القضاء وعمّار بين يديه والناس حاقون به، ثم قام وصعد المنبر وأخذ الخطبة المعروفة بالشقشقية، فلما فرغ إضطرب الناس، وقالوا فيه أقاويل مختلفة، فمنهم من زاده الله إيماناً ويقيناً، ومنهم من زاده كفراً وطغياناً .

قال عمار : وقد طارت بنا السحابة في الجوّ فما كانت هنيئة حتى أشرفنا إلى بلد كبير حواليه أشجار وأنهار ، فنزلت بنا السحابة وإذا نحن في مدينة كبيرة والناس يتكلمون بكلام غير العربية فاجتمعوا عليه ولاذوا به فوعظهم وأنذرهم بمثل كلامهم، ثم قال : يا عمّار اركب ففعلت ما أمرني فادركنا جامع الكوفة، ثم قال علیه السلام لي يا عمّار ، تعرف البلدة التي كنت فيها؟ قلت : الله أعلم ورسوله ووليه قال علیه السلام: كنا في الجزيرة السابعة من الصين أخطب كما رأيتني إنّ الله تبارك وتعالى أرسل رسوله إلى كافة الناس وعليه أن يدعوهم ويهدي المؤمنين منهم إلى الصراط المستقيم، وأشكر ما أوليتك من نعمه ، واكتم من غير أهله فإن الله تعالى ألطافاً خفية في خلقه لا يعلمها إلا هو ومن ارتضى من رسول .

ثم قالوا : أعطاك الله هذه القدرة وأنت تستنهض الناس لقتال معاوية، فقال علیه السلام : «إن الله تعبدهم بمجاهدة الكفار والمنافقين والناكثين والقاسطين والمارقين ، والله لو شئت لمددت يدي هذه القصيرة في أرضكم هذه الطويلة وضربت بها صدر معاوية بالشام وأخذت بها من شاربة أو قال : من لحيته ، فمد يده وردّها وفيها شعرات كثيرة»، فتعجبوا من ذلك ، ثم وصل الخبر بعد مدة أن معاوية سقط من سريره في اليوم الذي كان علیه السلام مد يده وغشى عليه ثم أفاق وافتقد من شاربه ولحيته شعرات (1)

وقد ذكرت الرّواية بتمامها إذ فيها قرّة عين للشيعة فهنيئاً لهم ثم هنيئاً بما خصهم الله به من موالاة صاحب المناقب الفاخرة والمعجزات القاهرة.


1) نوادر المعجزات: 47 ، ومدينة المعاجز : 476/1 ، والبحار: 346/54

منها ما هي مفيدة لكونه علیه السلام خاطباً بها في الرحبة مثل ما رواه الطبرسي في «الإحتجاج » قال : وروى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس قال: كنت عند أمير المؤمنين علیه السلام بالرحبة فذكرت الخلافة وتقدّم من تقدّم عليه، فتنفس الصعداء ثم قال: أما والله لقد تقمصها ، وذكر قريباً ممّا رواه الرّضي، ومثله ما رواه في «البحار» من «إرشاد المفيد » قال روى جماعة إلى آخر ما ذكره في «الإحتجاج» إلا أن فيه وتقديم من تقدم ، وأم والله بدل أما ، وفي «البحار » أيضاً عن الشيخ قطب الدين الراوندي قدس سره في شرحه على «نهج البلاغة » بهذا السند ، أخبرني الشيخ أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيم عن الحاجب أبي الوفاء محمد بن بديع والحسين بن أحمد بن عبد الرحمن عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الاصفهاني عن سليمان بن أحمد الطبراني عن أحمد بن علي الأبار عن إسحاق بن سعيد أبي سلمة الدمشقي عن خليد بن دعلج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: كنا مع علي علیه السلام بالرحبة فجرى ذكر الخلافة ومن تقدّم عليه فيها، : أما والله لقد تقمصها فلان ، إلى آخر الخطبة .

هذه جملة ما عثرت عليها من طرق الخطبة وإسنادها ويمكن الجمع بين مختلفها بأن يكون علیه السلام قد خطب بها تارة بالرحبة وأخرى بمنبر الكوفة والله العالم.

وإذا تمهد لك هذه المقدمات فلنشرع في شرح كلامه علیه السلام بتوفيق من الله سبحانه فأقول : وشرحها في ضمن فصول.

الفصل الأول

اشارة

«أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبي قُحَافَةٍ وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلّي مِنْهَا مَحَلَّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحى، يَنْحَدِرُ مِنِّي السَّيْلُ، وَلاَ يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيرُ، فَسَدَلْتُ دُونَها ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشَحاً، وَطَفِقْتُ أَرْتاي بَينَ أَنْ أصولَ بِيَدِ جَذَاءَ ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الْكَبِيرُ، وَيَشيبُ فِيهَا الصغيرُ ، ويَكْدَحُ فيها مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَي فيها رَبَّهُ، فَرَأَيْتُ أنَّ الصَّبْرَ عَلى هاتا أَحْجَى ، فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَينِ قَدَى، وَفِي الْحَلْقِ شَجى ، أَرَى تُراثي نَهْباً » (1).

اللغة

يقال قمّصه قميصاً ألبسه فتقمّص هو و (قحافة) بضم القاف وتخفيف الحاء و(قطب الرّحي) مثلة وكعنق : الحديدة التي تدور عليها الرّحى و (سدل الثّوب ) يسدله أرسله وأرخاه، و(الكشح ) ما بين الخاصرة إلى أقصر الأضلاع، يقال فلان طوى كشحه أي أعرض مهاجراً، و ( طفق) في كذا أي شرع وأخذ و(ارتأى) في الأمر إذا فكر طلباً للرأي الأصلح وافتعل من روية القلب و (الصولة) الوثبة والحملة، (واليد الجداء) (بالجيم) (والذال) المعجمة المقطوعة المكسورة، قال في« النهاية» في حديث علي علیه السلام (أصول بيد جذاء) کنی به عن قصور أصحابه وتقاعدهم عن الغزو، فإنّ الجند للأمير كاليد ويروى (بالحاء) المهملة وفسره في موضعه باليد القصيرة التي لا تمد إلى ما يراد ، قال : وكأنها (بالجيم) أشبه و(الطخية) بالضم، على ما في أكثر النسخ أو بالفتح الظلمة أو الغيم ، وفي «القاموس » الطخية الظلمة ويثلث و(العمياء) تأنيث الأعمى يقال مفازة عمياء أي لا يهتدي فيها الدليل، ووصف الطخية بها إشارة إلى شدّة الظلمة و (هرم) كفرح أي بلغ أقصى الكبر، (والشيب) بياض الشعر، و(الكدح) السعي وكدح في العمل كمنع سعى وعمل لنفسه خيراً وشراً و(أحجي) أي أولى وأجدر وأحق من قولهم حجى بالمكان إذا أقام وثبت ذكره في «النهاية»، وقيل: أي أليق وأقرب بالحجى وهو العقل و(القذى) ما يقع في العين وفي الشراب أيضاً من نتن أو تراب أو وسخ و(الشجي) ما اعترض في الحلق ونشب من عظم ونحوه و(التراث) ما يخلّفه الرّجل لورثته (والتاء) فيه بدل من (الواو) و(النّهب) السلب والغارة والغنيمة .

الإعراب

(أما) حرف تنبيه تدلّ على تحقق ما بعدها مثل (ألا) ولكونها مفيدة للتحقيق لا تقع

الجملة بعدها إلا مصدّرة بالقسم قال الشاعر :


1) يراجع الاقتصاد للطوسي : 210 ، وعلل الشرائع : 150/1 ، والبحار 505/29 .

أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات واحيى والذي أمره الأمر

والضمير في تقمصها راجع إلى الخلافة المستفادة بقرينة المقام كما في قوله تعالى :

(حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) [ ص: 32].

أي الشمس أو المصرّح بها كما في سائر طرق الخطبة على ما تقدم ومثله الضمائر الثلاثة بعدها، وجملة وإنّه ليعلم (ا ه) حالية، وجملة ينحدر (آه) استئنافية، و(أو)، في قوله أو أصبر بمعنى (الواو)، لاقتضاء كلمة بين ذلك، لأن العطف بعدها لا تقع إلا (بواو) الجمع يقال : جلست بین زید و عمرو ولا يقال أو عمرو، وفي بعض النسخ وأصبر (بالواو)، وكلمة (ها) في هاتا للتنبيه، و (تا) للإشارة إلى المؤنّث أشير بها إلى الطخية الموصوفة .

المعنى

(أما والله لقد تقمّصها ) أي لبس الخلافة مثل القميص (ابن أبي قحافة ) والإشارة به إلى أبي بكر واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سلام بن تيم بن مرة، وأمه سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب ، وفي بعض الكتب أن اسمه في الجاهلية عبد العزى فغيره النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى عبد الله ، قال في «القاموس»: إسمه عتيق سمته به أمه أو لقب له، وفي التعبير عنه بهذا اللفظ دون الألقاب المادحة دلالة على الاستخفاف، كتعبيره عن الثاني فيما سيأتي بابن الخطاب .

وما تكلفه قاضي القضاة في دفع دلالته عليه بأنّه قد كانت العادة في ذلك الزمان أن يسمّى أحدهم صاحبه ويكنيه ويضيفه إلى أبيه حتى كانوا ربما قالوا لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم : یا محمّد، فليس في ذلك دلالة على الاستخفاف ولا على الوضع.

فقد أجاب عنه السيد (رحمت الله ) في «محكي الشافي» بأنه ليس ذلك صنع من يريد التعظيم والتبجيل، وقد كانت لأبي بكر عندهم من الألقاب الجميلة ما يقصد إليه من يريد تعظيمه، وقوله : إنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان ينادي باسمه، فمعاذ الله ما كان ينادي باسمه إلا شاك أو جاهل من طعام (1)العرب، وقوله : إنّ ذلك عادة العرب فلا شك أن ذلك عادتهم فيمن لا يكون له من الألقاب أفخمها وأعظمها كالصديق ونحوه ، انتهى.

وقال المحدث المجلسي (قدس الله سره) في ترجمة أبي بكر: اعلم أنه لم يكن له نسب شريف ولا حسب منيف ، وكان في الإسلام خياطاً وفي الجاهليّة معلّم الصبيان ونعم ما قيل:

كفى المرء نقصاً أن يقال له *** معلم صبيان وإن كان فاضلاً


1) في نسخة: طعان.

وكان أبوه سيّىء الحال ضعيفاً وكان كسبه أكثر من عمره من صيد القماري والدباسي لا يقدر على غيره. فلما عمى وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد الله بن جذعان من رؤساء مكة فنصبه ينادي على مائدته كل يوم لإحضار الأضياف وجعل له على ذلك ما يعونه من الطعام، وذكر ذلك جماعة منهم الكلبي في كتاب «المثالب » على ما أورده في «الصراط المستقيم »، ولذا قال أبو سفيان لعلي علیه السلام بعدما غصب الخلافة أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي عليكم تيمي رذل .

وقال أبو قحافة ما رواه ابن حجر في صواعقه حيث قال: وأخرج الحاكم أن أبا قحافة لما سمع بولاية ابنه، قال: هل رضى بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: اللهم لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت ، وقالت فاطمة عليها السلام في بعض كلماتها : إنّه من أعجاز قريش وأذنابها ، وقال بعض الظرفاء : بل من ذوي أذنابها ، وقال صاحب« إلزام النواصب »: أجمع النسابون أن أبا قحافة كان جزاً (1)لليهود، والعجب أنهم مع ذلك يدعون أن الله أغنى النبي صلی الله علیه واله وسلم بمال أبي بكر، انتهى (2).

أقول : وذكر الشارح المعتزلي نظير ما رواه ابن حجر، هذا .

وفي «الاحتجاج» روى أن أبا قحافة كان بالطائف لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وبويع وبويع لابي بكر، فكتب إلى أبيه كتاباً عنوانه من خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى أبيه أبي قحافة : أما بعد فإنّ الناس قد تراضوا بي فإنّي اليوم خليفة الله فلو قدمت علينا كان أحسن بك، قال : فلما قرأ أبو قحافة الكتاب قال للرسول : ما منعكم من علي صلی الله علیه واله وسلم؟ قال الرسول : هو حدث السن وقد أكثر القتل في قريش وغيرها وأبو بكر أسنّ منه، قال أبو قحافة : إن كان الأمر في ذلك بالسن فأنا أحق من أبي بكر ، لقد ظلموا عليّاً حقه وقد بايع له النبي صلی الله علیه واله وسلم وأمرنا ببيعته ثم كتب إليه : من أبي قحافة إلى أبي بكر أما بعد ، فقد أتاني كتابك فوجدته كتاب أحمق ينقض بعضه بعضاً، مرّة تقول : خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ومرة تقول : خليفة الله، ومرة تقول : تراضى بي النّاس ، وهو أمر ملتبس فلا تدخلن في أمر يصعب عليك الخروج منه غداً ويكون عقباك منه إلى الندامة وملامة النفس اللوامة لدى الحساب يوم القيامة، فإنّ للأمور مداخل ومخارج وأنت تعرف من هو أولى بها منك ، فراقب الله كأنك تراه ولا تدعن صاحبها، فإن تركها اليوم أخف عليك وأسلم لك .

ثم إعلم أنه لم يتعرّض عليه أحد بسوء النسب لا من الخاصة ولا من العامة حسبما طعنوا في أنساب أمثاله، ولعلّ سرّه ما أشار إليه المحدث الجزائري في أنوار النعمانية : من أنّ


1) جراً: أي راعي إبل.

2) راجع البحار: 519/30 ، وكتاب الأربعين للشيرازي: 532.

الأئمة عليهم السّلام من نسله وذلك ، لأن أم فروة وهي أم الصادق علیه السلام بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر .

ثمّ إنّه علیه السلام لما ذكر تلبّسه بالخلافة أراد التنبيه على عدم استحقاقه بذلك اللباس، ونبه على بطلان خلافة المتقمّص بذكر مراتب كماله الدالة على أفضلية المشيرة إلى قبح تفضيل المفضول والعدول عن الأفضل ، فقال : (وإنه ليعلم أن محلّي منها ) أي من الخلافة (محل القطب من الرّحى) شبه علیه السلام نفسه بالقطب والخلافة بالرّحى ومحله من الخلافة بمحل القطب من الرّحى . والأوّل من قبيل تشبيه المحسوس بالمحسوس، والثاني من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، والثالث من قبيل تشبيه المعقول بالمعقول، والمقصود أن الأثر المطلوب من الرّحى كما لا يحصل إلا بالقطب ولولاه لم يحصل لها ثمر قط كذلك الثمرة المطلوبة من الولاية والخلافة أعني هداية الأنام وتبليغ الأحكام ونظام أمور المسلمين وانتظام أمر الدنيا والدين، لا تحصل إلا بوجوده علیه السلام فتكون الخلافة دائرة مدار وجوده كما أنّ الرّحى دائرة مدار القطب، ففيه إشارة إلى عدم إمكان قيام غيره مقامه وإغنائه غناه كما لا يقوم غير القطب

مقامه ولا يغني عنه .

وبهذا المضمون صرّح علیه السلام في بعض كلماته الآتية، وهو قوله في الكلام المائة والثامن عشر : «وإنما أنا قطب الرحى تدور عليّ وأنا بمكاني فإذا فارقته استحار مدارها واضطرب ثقالها » (1)، ومنه يظهر أن ما ذكره الشارح المعتزلي من أن مراده علیه السلام بهذا الكلام هو أنه من الخلافة في الصميم وفي وسطها وبحبوحتها كما أن القطب وسط دائرة الرحى مع كونه خلاف الظاهر ليس على ما ينبغي ، هذا.

وفي إتيان قوله : وإنّه ليعلم مؤكداً (بإن واللام) ، دلالة على منتهى المبالغة في الطعن عليه لدلالته على أن تقمصه بالخلافة لم يكن ناشياً عن الجهالة والغفلة عن مرتبته علیه السلام حتى يكون جاهلاً قاصراً معذوراً فيه ومعفواً عنه، بل قد تقمّص بها مع علمه بأن مدارها عليه وانتظامها به فيكون تقمصه بالخلافة لم يكن ناشئاً عن الجهالة والغفلة عن مرتبته علیه السلام حتى يكون جاهلاً قاصراً معذوراً فيه ومعفواً عنه، بل قد تقمّص بها مع علمه بأن مدارها عليه وانتظامها به فيكون تقمصه بها مع وجود ذلك العلم ظلماً فاحشاً وغصباً بيناً .

ويدل على علمه بذلك ما رواه في «الإحتجاج » عن عامر الشعبي عن عروة بن الزبير عن الزبير بن العوام قال : لما قال المنافقون: إن أبا بكر تقدّم عليّاً وهو يقول أنا أولى بالمكان منه، قام أبو بكر خطيباً فقال: صبراً على من ليس يؤل إلى دين ولا يحتجب برعاية ولا يرعوى لولاية ، أظهر الإيمان ذلة وأسر النّفاق غلّة هؤلاء عصبة الشيطان وجمع الطغيان،


1) راجع شرح مائة كلمة : 232.

يزعمون أني أقول إني أفضل من عليّ وكيف أقول ذلك وما لي سابقته ولا قرابته ولا خصوصيته ، ووحد الله وأنا ملحده وعبد الله قبل أن أعبده ، ووالى الرسول وأنا عدوّه، وسابقني بساعات لم ألحق شأوه ولم أقطع غباره، إن ابن أبي طالب فاز والله من الله بمحبة، ومن الرسول بقربة، ومن الإيمان برتبة ، لو جهد الأولون والآخرون إلا النبيون لم يبلغوا درجته ولم يسلكوا منهجه .

بذل في الله مهجته ولابن عمه مودته، كاشف الكرب ودامغ الزيب وقاطع السبب إلا سبب الرّشاد وقامع الشرك، ومطهر ما تحت سويداء حبّة النّفاق محنة لهذا العالم ، لحق قبل أن يلاحق وبرز قبل أن يسابق ، جمع العلم والحلم والفهم فكانت جميع الخيرات لقلبه كنوزاً لا يدّخر منها مثقال ذرة إلا أنفقه فى بابه فمن ذا يؤمل أن ينال درجته ، وقد جعله الله ورسوله للمؤمنين وليّاً وللنبي وصيّاً وللخلافة راعياً وبالإمامة قائماً ، أفيغتر الجاهل بمقام قمته إذا أقامني وأطعته إذا أمرني ، سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول :« الحق مع عليّ وعلي مع الحق، من أطاع عليّاً رشد ومن عصى عليّاً فسد، ومن أحبه سعد، ومن أبغضه شقى ، والله لو لم يحب ابن أبي طالب إلا لأجل أنه لم يواقع الله محرّماً ولا عبد من دونه صنماً ولحاجة الناس إليه بعد نبيهم، لكان في ذلك ما «مماخ» يجب، فكيف لأسباب أقلها موجب وأهونها مرغب ، للرحم الماسة بالرّسول والعلم بالدقيق والجليل والرّضا بالصبر الجميل والمواساة في الكثير والقليل (1)وخلال لا يبلغ عدها ولا يدرك مجدها ود المتمنون أن لو كانوا تراب أقدام ابن أبي طالب، أليس هو صاحب لواء الحمد والساقي يوم الورود وجامع كلّ كريم وعالم كل علم والوسيلة إلى الله وإلى رسوله » (2).

ثم إنه علیه السلام أشار إلى علوّ مقامه وسمو مكانه بقوله (ينحدر عني السيل) تشبيهاً لنفسه بذروة الجبل المرتفع فاستعار له ما هو من أوصاف الجبل وهو السيل المنحدر عنه إلى الغيطان، ولعل المراد بالسيل المنحدر عنه علیه السلام هو علومه وحكمه الواصلة إلى العباد والفيوضات الجارية منه علیه السلام على المواد القابلة ، وتشبيه العلم بالماء والسيل من الطف التشبيهات ووجه الشبه هو اشتراكهما في كون أحدهما سبب حياة الجسم والآخر سبب حياة الروح، وقد ورد مثل ذلك التشبيه في الكتاب العزيز قال تعالى :

(قُلْ أَرَمَيْتُم إِن أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَا مَعِين ) [الملك: 30] .

روى علي بن إبراهيم القمي (رحمت الله) في تفسيره بإسناده عن فضالة بن أيوب قال : سُئِل الرضا علیه السلام عن قول الله عزّ وجل : (قل أرأيتم ) الآية ، فقال علیه السلام : ماؤكم أبوابكم أي الأئمة،


1) خلال جمع خلة مثل خصلة (وزناً ومعناً)

2) بطوله في الإحتجاج : 116/1، وحلية الأبرار: 313/2.

والأئمة أبواب الله بينه وبين خلقه، فمن يأتيكم بماء معين ، يعني يأتيكم بعلم الإمام (1)، وفي تفسير القمي أيضاً في قوله تعالى:

(وَبِثْرِ مُعَطَّلَمْ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ [الحج : 45] .

قال : هو مثل جرى لآل محمد صلی الله علیه واله وسلم قوله : بئر معطلة ، هو الذي لا يستقي منها وهو الإمام الذي قد غاب فلا يقتبس منه العلم إلى وقت الظهور ، والقصر المشيد هو المرتفع، وهو مثل لأمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم وفضائلهم المنتشرة في العالمين المشرفة على الدنيا ثم يشرف على الدنيا، وهو قوله :

(لِيُظْهِرَمُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [الفتح 28].

وقال الشاعر في ذلك :

بستر معطلة وقصر مشرف *** مثل لآل محمد مسطرف

فالقصر مجدهم الذي لا يرتقي *** والبئر علمهم الذي لا ينزف

ثم إنه علیه السلام ترقى في الوصف بالعلو وأكد علو شأنه ورفعة مقامه بقوله : (ولا يرقى إلى الطير ) فإن مرقى الطير أعلى من منحدر السيل فكيف ما لا يرقى إليه كأنه قال : إنّي لعلو منزلتي كمن في السّماء التي يستحيل أن يرقى الطير إليها قال الشاعر :

مکارم لجت في علوّ كأنما *** تحاول ثأراً عند بعض الكواكب

ولعله علیه السلام أراد بعدم رقي الطير إليه عجز طائر الأوهام عن الوصول إلى مقاماته الجليلة ، وقصور العقول عن الإحاطة بمناقبه الجميلة من حيث عدم انتهائها بعد، وعدم وقوفها إلى حد قال تعالى :

(ولو أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلَمُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [لقمان: 27] .

قال في «الإحتجاج» : سأل يحيى بن أكثم أبا الحسن العالم علیه السلام عن قوله تعالى : سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ما هي؟ فقال : هي عين الكبريت وعين اليمين وعين البرهوت وعين الطبرية وحمّة (2)ما سيدان وحمة أفريقية وعين باحوران (3)، ونحن الكلمات التي لا تدرك


1) تفسير القمي : 379/2 ، وتأويل الآيات : 708/2

2) الحمة كل عين فيها ماء حار تنبع يشتفي بها المرضى.

3) في نسخة بلعوران، وفي نسخة ناحوران.

فضائلنا ولا تستقصى (1).

ثم إنه علیه السلام لما أشار إلى اغتصاب الخلافة نبّه على إعراضه عنها ويأسه منها وقال : (فسدلت) أي أرخيت وأرسلت (دونها ثوباً) وضربت بيني وبينها حجاباً فعل الزاهد فيها والراغب عنها (وطويت عنها كشحاً) وأعرضت عنها ويئست منها مهاجراً ، وقيل : إنّ المراد إنّي أجعت نفسي عنها ولم ألقمها لأن من أجاع نفسه فقد طوى كشحه كما أنّ من أكل وأشبع فقد ملأ كشحه (و) لما رأيت الخلافة في بيدِ مَنْ لم يكن أهلاً لها (طفقت) أي أخذت وشرعت (أرتأي) في الأمر وأفكر في طلب الأصلح وأجيل الفكر في تدبير أمر الخلافة وأردّده (بين) أمرين أحدهما : (أن أصول ) عليهم واقاتل معهم (بيد جذاء) أي مقطوعة مكسورة والمراد حملته عليهم بلا معاون ولا ناصر ، واستعار وصف الجذاء لعدمهما لمشابهة أن قطع اليد كما أنّه مستلزم لعدم القدرة على التصرف بها والصيال، فكذلك عدم المعين والناصر مستلزم لذلك أيضاً فحسنت الاستعارة وثانيهما الصبر على معاينة الخلق على شدّة وجهالة وضلالة وهو المراد بقوله (أو أصبر على طخية عمياء) أي على ظلمة والتباس من الأمور متصف بالعمى بمعنى أنه لا يهتدي فيه السّالك إلى سلوك طريق الحق بل يأخذ يميناً وشمالاً، وإلى هذه الظلمة أشيرت في قوله تعالى :

(أَوْ كَظُلُمَةٍ فِي بَحْرٍ أَي يَغْشَهُ مَوْجٌ مِن فَونِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ، سَحَابٌ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بعض إذا أَخْرَجَ يَدَمُ لَمْ يَكَد يرتهَا وَمَن لَّوْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ [النور: 40] .

وقد فسرت الظلمات في الأخبار بخلافات الثلاثة، ثم أشار علیه السلام إلى طول مدة هذه الطخية بأنه (يهرم فيها الكبير) أي يبلغ أقصى الكبر (ويشيب فيها الصغير) أي يبيض رأسه ويحتمل أن يراد بهما المجاز والتوسع بمعنى أن أيام اغتصاب الخلافة لشدّة صعوبتها وكثرة أهوالها يكاد أن يهرم الكبير فيها ويشيب الصغير قال تعالى :

(يومًا يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شيبا) [المزمل: 17] .

(ويكدح فيها مؤمن ) أي يسعى المؤمن المجتهد في الذب عن الحق والأمر بالمعروف ويكد ويقاسي الأحزان والشدائد (حتى) يموت (ويلقى ربّه) ثم إنه علیه السلام لما ذكر تردّده بين الصبر والقتال أشار إلى ترجيحه الأوّل على الثاني بقوله: (فرأيت أن الصبر على هاتا أحجي) أي أليق وأصلح وأجدر ، أو أقرب بالحجا والعقل، وذلك لأن ترك الخلق على الضلالة والجهالة وإبقائهم على الغي والغفلة إنّما يقبح مع الاستطاعة والقدرة ويلزم معهما ردعهم عن الباطل ونهيهم عن المنكر وإرجاعهم إلى الصراط المستقيم والنهج القويم ولو بالقتال


1) الإختصاص : 94 ، ومناقب آل أبي طالب : 504/3

والصيال، وأما مع عدم التمكن والقدرة من حيث عدم المعاون والناصر فلا يلزم شيء من ذلك، بل يجب التحمل والصبر حذراً من إلقاء النفس على الهلاكة وتعريضها على العطب وإستئصال آل محمد صلی الله علیه واله وسلم سيما وأن مقصوده علیه السلام من الخلافة لم يكن إلا هداية الأنام وإعلاء كلمة الإسلام وإثارة الحرب والجدال إذا كانت موجبة لاضطراب نظام المسلمين، بل مؤذية إلى رجوع النّاس إلى أعقابهم القهقرى واضمحلال كلمة الإسلام لغلبة الأعداء فلا يحكم العقل حينئذ إلا بالكف عن الجهاد والصبر على البلاء والتحمل على الأذى كي لا يلزم ضدّ المقصود ولا نقض الغرض (فصبرت) والحال إنّ (في العين قذى ) يوجب أذيتها كما يصبر الرّجل الأرمد (وفي الحلق شجى ) اعترض فيه كما يصبر المكابد للخنق، والجملتان کنایتان عن شدّة تأذيه بسبب اغتصاب ما يرى أنّه أولى به من غيره (أرى تراثي) وفي بعض الروايات تراث محمّد وآله (نهباً) أي سلباً وغارة والمراد بتراثه المنهوب المسلوب إما فدك الذي خلفه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لابنته من حيث إن مال الزوجه في حكم مال الزوج، وإما الخلافة الموروثة منه صلی الله علیه واله وسلم لصدق لفظ الإرث عليها كصدقه على منصب النبوة في قوله تعالى حكاية عن زكريا :

( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ) [مريم : 6] .

والأظهر حمله على العموم والله العالم.

الترجمة

آگاه باش به خدا قسم که پوشید خلافت را مثل پیراهن پسر ابی قحافه و حال آن که به درستی آن عالم بود به این که محل من از خلافت مثل محل قطب است از سنگ آسیا ، منحدر میشود و پایین می آید از من سیل علوم و ترقی نمی کند به سوی من پرنده بلند پرواز از اوهام و عقول ، پس فروگذاشتم نزد آن خلافت لباس صبر را و در نور دیدم از آن تهیگاه را و شروع کردم به فکر کردن در امر خود میان آن که حمله کنم به دست بریده و یا این که صبر نمایم بر ظلمتی که متصف است به صفت کوری که کنایه است از خلافت أهل جلافت ، آن چنان ظلمتی که به نهایت پیری میرسد در آن بزرگ سال و به حال پیری می پیری میرسد در آن خوردسال و سعی می کند و به مشقت و رنج می افتد در آن مؤمن تا این که میمیرد و و ملاقات می کند پروردگار خود را .

و چون حال بر این منوال بود پس دیدم که صبر کردن بر این ظلمت و و بر خلافت اهل شقاوت اليق و انسب است ، پس صبر نمودم و ترك قتال و جدال کردم و حال آن که در چشم من غبار و خاشاک بود که از آن اذیت میکشیدم و در گلوی من استخوان بود که گلوگیر شده بودم و سبب این اذیت و گلوگیری آن بود که می دیدم میراث خود را غارت شده و خلافت خود را تاراج گردیده .

الفصل الثاني

اشارة

حَتَّى مَضَى الأَوَّلِ لِسَبيلِهِ، فَأَدْلَى بِها إِلَى ابْنِ الْخَطاب بَعْدَهُ، ثم تَمَثْل علیه السلام بقول الأعشى:

شَتّان مَا يَوْمي عَلَى كُورِها *** وَيَوْمَ حَيانَ أَخي جَابِر

«فَيا عَجَباً بَيْنا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَها لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدُ ما تَشَطُوا ضَرْعَيْها، فَصَيَّرَها في حَوْزَةٍ خَشْناءَ يَغْلِظُ كَلْمُها ، وَيَخْشَنُ مَشهَا، وَيَكثُرُ الْعِثارُ فيها، والإعتذار منها ، فَصاحِبُها كَراكِب الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَدَّمَ، فَمُنِي النَّاسُ لَعَمْرُ الله بخَيْطٍ وَشماسِ، وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِرَاضِ، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ».

اللغة

يقال فلان (مضى) لسبيله أي مات و (أدلى) بها إلى فلان أي ألقاها إليه ودفعها قال تعالى :

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلَى الْكَامِ [البقرة: 188]. أي تدفعوها إليهم رشوة وأصله من أدليت الحبل في البئر إدلاء أي أرسلتها ليستقي بها و (تمثل) بالبيت أنشده للمثل و (شتان) إسم فعل فيه معنى التعجب يقال : شتان ما هما وما بينهما وما عمرو وأخوه أي بعد ما بينهما ، قال الشارح المعتزلي ولا يجوز شتان ما بينهما إلا على قول ضعيف و( الكور) بالضم رحل البعير بأداته و (الإقالة) فك عقد البيع ونحوه، والاستقالة طلب ذلك و (شدّ) أي صار شديداً مثل حبّ إذا صار حبيباً (تشطر) إما مأخوذ من الشطر بمعنى النصف يقال : فلان شطر ماله أي نصفه ، أو من الشطر بمعنى خلف الناقة بالكسر ، قال الشارح المعتزلي : وللناقة أربعة أخلاف خلفان قادمان وخلفان آخران وكل اثنين منهما شطر وتشطرا ضرعيها اقتسما فأيدتها ، والضمير للخلافة وسمّى القادمين معاً ضرعاً وسمّى الآخرين معاً ضرعاً لتجاورهما ولكونهما لا يحلبان إلا معاً كالشيء الواحد، انتهى ، ولفظ التشطر على وزن التفعل غير موجود في كتب اللغة.

قال العلامة المجلسي: وفي رواية «المفيد» وغيره شاطرا على صيغة المفاعلة يقال : شاطرت ناقتي إذا احتلبت شطراً وتركت الآخر، وشاطرت فلاناً ما لي إذا ناصفته و(الحوزة) الطبيعة والناحية و(الغلظ) ضدّ الرّقة و (الكلم) بفتح (الكاف) وسكون (اللام) يقال : كلمته كلماً من باب قتل جرحته من باب ضرب لغة، ثم أطلق المصدر على الجرح ويجمع على كلوم وكلام مثل بحر وبحور وبحار و(العثار) بالكسر مصدر من عثر الرجل والفرس أيضاً يعثر من باب قتل وضرب وعلم كبا و (الصعبة) من النوق غير المنقادة لم تذلل بالمحمل ولا بالركوب

و (أشنق) بعيره أي جذب رأسه بالزمام ليمسكه عن الحركة العنيفة كما يفعل الفارس بفرسه وهو راكب، وأشنق هو (بالألف) أيضاً كشنق رفع رأسه فيستعمل الرباعي لازماً ومتعدياً كالثلاثي.

قال الرضي بعد إيراد تمام الخطبة : قوله علیه السلام إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم ، يريد أنه إذا شدّد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها وإن أرخى لها شيئاً مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها ، يقال : أشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه وشنقها أيضاً ذكر ذلك ابن السكيت «في إصلاح المنطق» وإنّما قال: أشنق لها ولم يقل : أشنقها، لأنه جعله في مقابلة قوله : أسلس لها فكانه علیه السلام قال : إن رفع لها رأسها بالزمام بمعنى أمسكه عليها ، انتهى.

و (الخرم) الشق يقال خرم فلاناً كضرب أي شق وترة أنفه، وهي ما بين منخريه فخرم هو كفرح و(أسلس لها) أرخى زمامها و (تقحم ) فلان رمى نفسه في المهلكة وتقحم الإنسان في الأمر ألقى نفسه فيه من غير روية، وتفحم الفرس راكبه رماه على وجهه و(مني) على المجهول أي ابتلى و (الخبط) بالفتح السير على غير معرفة وفي غير جادة (والشماس) بكسر الشين النفار يقال: شمس الفرس شموساً وشماساً أي منع ظهره فهو فرس شموس بالفتح و(التلون) في الإنسان أن لا يثبت في خلق واحد و(الإعتراض) السير على غير استقامة كأنه يسير عرضاً و (المحنة) البلية التي يمتحن بها الإنسان.

الإعراب

(اللام) في قوله علیه السلام : لسبيله، بمعنى (على) كما في قوله :

فخر صريعاً لليدين وللفم

(وشتان) مبني على الفتح لتضمّنه معنى افترق مع تعجب ، أي ما أشدّ الافتراق فيطلب فاعلين كافترق نحو شتان زيد وعمرو، وقد يزاد بعده (ما) كما في البيت، و(يومي ويوم حيان )مرفوعان على الفاعلية، و(يا عجباً) منصوب بالنداء وأصله يا عجبي ثم قلبت الياء ألفاً، كأن المتكلّم ينادي عجبه ويقول له : احضر فهذا أوان حضورك، وبينا هي بين الظرفية اشبعت فتحها فصارت (ألفاً) وتقع بعدها (إذا) الفجائية غالباً، و(اللام) في قوله علیه السلام : لشد جواب للقسم المقدر، وشدّ أي صار شديداً ، و (ما) مصدرية والمصدر فاعل شدّ ولا يستعمل هذا الفعل إلا في التعجب والضمير في قوله : فيها ومنها ، راجع إلى الحوزة، ويحتمل رجوع الثاني إلى العثرات المستفادة من كثرة العثار ، (ومن) في قوله : (منها) صلة للاعتذار أو للصفة المقدرة صفة للاعتذار أو حالاً عن يكثر أي الناشيء أو ناشئاً منها .

وقال الشارح المعتزلي: ويمكن أن تكون (من) هنا للتعليل والسببية أي ويكثر اعتذار الناس عن أفعالهم وحركاتهم لأجلها، والعمر بالضم والفتح مصدر عمر الرّجل بالكسر إذا

عاش زماناً طويلاً ولا يستعمل في القسم إلا العمر بالفتح فإذا أدخلت عليه (اللام) رفعته بالابتداء، و(اللام) لتوكيد الإبتداء والخبر محذوف والتقدير لعمر الله قسمي، وإن لم يأتِ (باللام) نصبت نصب المصادر .

المعنى

(حتى إذا مضى الأول) وهو أبو بكر ( لسبيله) أي على سبيله الذي يسلكه كلّ إنسان وهو سبيل الآخرة، وذلك بعد ما مضى من خلافته سنتان وثلاثة أشهر إلا خمس ليال ، وقيل : سنتان وثلاثة أشهر وسبع ليال ، وقال ابن إسحاق: توفي على رأس اثنتين وثلاثة أشهر واثني عشر يوماً من متوفي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وقيل وعشرة أيام وقيل وعشرين يوماً، ذكر ذلك كلّه في «البحار» من كتاب «الاستيعاب».

وكيف كان فإنّه لمّا ظهرت له علائم الموت (أدلى بها ) أي بالخلافة أي دفعها (إلى ابن الخطاب بعده) بطريق النّص والوصيّة من دون أن يكون له استحقاق لها كما يشير إليه لفظ الإدلاء على ما نبه به الشارح المعتزلي حيث قال بعدما فسّر الادلاء بالدفع على وجه الرّشوة.

فإن قلت: فإن أبا بكر إنما دفعها إلى عمر حين مات ولا معنى للرّشوة عند الموت.

قلت : لما كان علیه السلام يرى أن العدول بها عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق شبه ذلك بادلاء الإنسان بماله إلى الحاكم، فإنّه إخراج للمال إلى غير وجهه فكان ذلك من باب الاستعارة ، هذا .

والمراد بابن الخطاب هو عمر وهو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بالمثناة التحتانية وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.

وينبغي لنا تحقيق الكلام في هذا النسب الشريف من طريقنا ومن طريق العامة فأقول :

قال العلامة في «كشف الحق» : وروى الكلبي وهو من رجال السنة في كتاب «المثالب»قال: كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف فوقع عليها نقيل بن هاشم ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح وجاءت بنفيل جد عمر بن الخطاب ، وقال الفضل بن روزبهان في الشرح بعد القدح في صحة النقل : إن أَنْكِحَةِ الجاهلية على ما ذكره أرباب التواريخ على أربعة أوجه: منها أن يقع جماعة على امرأة ثم ولد منها يحكم فيه القائف أو تصدّق المرأة وربما كان هذا من أنكحة الجاهلية، وأورد عليه شارح الشرح بأنه لو صح ما ذكره لما تحقق زنا في الجاهلية ولما سمّي مثل ذلك في «المثالب» ولكان كلّ من وقع على امرأة كان ذلك نكاحاً منه عليها ولم يسمع عن أحد أنّ من نكاح الجاهلية كون امرأة واحدة في يوم واحد أو شهر واحد في نکاح جماعة من النّاس .

وقال المحدث المجلسي في «البحار » : وحكى بعض أصحابنا عن محمد بن شهر آشوب وغيره أن صهاك كانت أمة حبشية لعبد المطلب وكانت ترعى له الإبل ، فوقع عليها نفيل فجاءت بالخطاب، ثم إن الخطاب لما بلغ الحلم رغب في صهاك فوقع عليها فجاءت بابنة فلقتها في خرقة من صوف ورمتها خوفاً من مولاها في الطريق فرآها هاشم بن المغيرة مرمية الطريق فأخذها وربّاها وسمّاها حنتمة فلما بلغت رآها خطاب يوماً فرغب فيها وخطبها من هاشم فأنكحها إياه فجاءت بعمر بن الخطاب فكان الخطاب أباً وجداً وخالاً لعمر، وكانت حتتمة أماً وأختاً وعمّة له، فتأمل.

ثم قال المجلسي (رحمت الله) فأقول : وجدت في كتاب «عقد الدرر » لبعض الأصحاب روى بإسناده عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن ابن الزيات عن الصادق علیه السلام أنه قال : كانت صهاك جارية لعبد المطلب وكانت ذات عجز وكانت ترعى الإبل وكانت من الحبشة وكانت تميل إلى النكاح، فنظر إليها نفيل جدّ عمر فهواها وعشقها من مرعى الإبل ، فوقع عليها فحملت منه بالخطاب، فلما أدرك البلوغ نظر إلى أمه صهاك فأعجبه عجيزها فوثب عليها فحملت منه بحنتمة فلما ولدتها خافت من أهلها فجعلتها في صوف وألقتها بين أحشام مكة ، فوجدها هشام بن المغيرة بن الوليد ، فحملها إلى منزله ورباها وسمّاها بالحنتمة، وكانت شيمة العرب من ربى يتيماً يتخذه ولداً، فلما بلغت حنتمة نظر إليها الخطاب فمال إليها وخطبها من هشام فتزوجها فأولد منها عمر ، فكان الخطاب أباه وجده وخاله، وكانت حنتمة أمه وأخته وعمته، وينسب إلى الصادق علیه السلام في هذا المعنى شعر :

من جده خاله ووالده *** وأمّه أخته و عمّته

أجدر أن يبغض الوصي وان *** ينكر يوم الغدير بيعته(1)

أقول: هذا النّسب وأما الحسب فقد حكى العلامة في «كشف الحق» عن ابن عبد ربه في كتاب العقد الحديث استعمال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص في بعض ولايته، فقال: عمرو بن العاص : قبح الله زماناً عمل فيه عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب، والله إنّي لأعرف الخطاب على رأسه حزمة من حطب وعلى ابنه مثلها وما ثمنها إلا تمرة لا تبلغ مضغته، وروى نحو ذلك الشارح المعتزلي عن زبير بن بكار في حديث طويل وفيه فلما رأى عمر وكثرة ما أخذ منه قال : لعن الله زماناً صرت فيه عاملاً لعمر والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية لا يجاوز مأبض ركبتيه وعلى عنقه حزمة حطب والعاص بن وائل في مزررات الديباج ، انتهى .


1) راجع البحار: 277/28 و 98/31 ، والطرائف : 469

وفي «البحار» عن «النهاية» في «تفسير المبرطش »كان عمر في الجاهلية مبرطشاً وهو الساعي بين البائع والمشتري شبه الدّلال، ويروى (بالسين) المهملة بمعناه وفي «القاموس» المبرطس الذي يكتري للناس الإبل والحمير ويأخذ عليه جعلا (1).

وقال المحدث الجزائري : ومن عجب ما رووه عن الخطاب والد عمر بن الخطاب أنه كان سراقاً وقطع في السّرقة ما ذكره أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب «الشهاب» في تسمية من قطع من قريش في الجاهلية في السرقة ما هذا لفظه :قال : والخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عدي بن كعب أبو عمر بن الخطاب قطعت يده في سرقة قدر ومحاه ولاية عمر ورضي الناس عنه ، قال بعض المسلمين : ألا تعجب من قوم رووا أن عمر كان ولد زنا وأنه كان في الجاهلية نخاس الحمير وأنّه كان أبوه سراقاً وأنه ما كان يعرف إلا بعمير لرذالته ثم هذا جعلوه خليفة قائماً مقام نبيهم صلی الله علیه واله وسلم ونائباً عن الله تعالى في عباده وقدموه على من لا طعن عليه في حسب ولا نسب ولا أدب ولا سبب ، ويا ليتهم حيث ولوه وفضحوا أنفسهم بذلك كانوا قد سكتوا عن نقل هذه الأحاديث التي قد شمتت بها الأعداء وجعلوها طريقاً إلى جهلهم بمقام الأنبياء وخلافة الخلفاء، هذا.

وبقي الكلام في كيفية عقد أبي بكر الخلافة لعمر وإدلائه بها إليه فأقول : قال الشارح المعتزلي : وروى كثير من الناس أن أبا بكر لما نزل به دعا عبد الرحمان بن عوف فقال: أخبرني عن عمر فقال: إنّه أفضل من رأيت إلا أن فيه غلظة، فقال أبو بكر ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو قد أفضى الأمر إليه لترك كثيراً ممّا هو عليه وقد رمقته إذا أنا غضبت على رجل أراني الرضى عنه وإذا لنت له أراني الشدّة عليه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : سريرته خير من علانيته وليس فينا مثله ، فقال لهما لا تذكرا ممّا قلت لكما شيئاً ولو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان والخيرة لك أن لا تلي من أمورهم شيئاً ولوددت أني كنت من أموركم خلواً وكنت فيمن مضى من سلفكم .

ودخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر فقال : إنه بلغني أنك يا خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه فكيف به إذا خلا وأنت غداً لاق ربّك فسألك عن رعيتك؟ فقال أبو بكر: اجلسوني ثم قال: أبالله تخوّفني إذا لقيت ربي فسألني قلت : استخلفت عليهم خير أهلك ، فقال طلحة : أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم؟ فاشتد غضبه فقال : أي والله هو خيرهم وأنت شرهم أم والله لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك ولرفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون الله هو الذي يضعها، أتيتني وقد دلكت عينيك تريد أن تفتنني عن ديني وتزيلني عن رأيي ، قم لا أقام الله رجليك، أما والله لئن


1) راجع البحار : 112/31 ، والغدير : 60/8 ، والنهاية لابن الأثير : 119/1.

عشت فواق ناقة وبلغني أنك غمضته فيها أو ذكرته بسوء لألحقتك بخمصات قنة (1)حيث كنتم تسقون ولا تروون وترعون ولا تشبعون وأنتم بذلك متبجحون راضون، فقام طلحة فخرج .

ثم قال الشارح : أحضر أبو بكر عثمان وهو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهده وقال : اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا ما عهد عبد الله بن عثمان إلى المسلمين أما بعد ، ثم أغمي عليه وكتب عثمان : قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، وأفاق أبو بكر فقال : أقرأ، فقرأه فكبر أبو بكر وسرّ، وقال: أراك خفت أن تختلف الناس إن مت في غشيتي؟ قال: نعم، قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله، ثم أتم العهد وأمر أن يقرأ على النّاس فقرأ عليهم ، ثم أوصى عمر بوصايا وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشر .

أقول : انظروا يا أهل البصيرة والانصاف والدقة والاعتبار إلى الخلافة العظمى والرئاسة الكبرى كيف صارت لعبة للجهال ودولة بين أهل الغي والضلال وانظروا رئيس الضالين والمضلين كيف اجترى على ربّ العالمين في تلك الحالة التي كان يفارق الدنيا وينتقل إلى نزاعة للشوى، فحكم بكون عمر أفضل الصحابة مع كون أمير المؤمنين علیه السلام بينهم، وقد قال فيه نبيهم صلی الله علیه واله وسلم : «اللهم إئتني بأحب الخلق إليك » (2)، وسائر أحاديث الفضل التي لا تحصى حسبما عرفت بعضها في مقدّمات هذه الخطبة وغيرها، ثم انظر إلى ابن الخطاب عليه النكال والعذاب كيف لم يقل لأبي بكر في هذه الحالة التي يغمى عليه فيها مرة ويفيق أخرى : إنّه ليهجر، كما قال للنبي صلی الله علیه واله وسلم حين أراد أن يكتب كتاباً أن لا يضلوا بعده : انه ليهجر ولنعم ما قيل :

أوصى النبي فقال قائلهم *** قد خلّ يهجر سید البشر

ورأى أبا بكر أصاب أصاب ولم *** بهجر فقد أوصى إلى عمر

ثم العجب من النعثل الفاجر عثمان بن عفان عليه سخط الرّحمن حيث كتبها برأيه بدون مصلحة الخليفة الخوان، والعجب كل العجب من هذا الشقي كيف مدحه وشكره وجزاه خيراً عن الإسلام وأهله ولم يقل له: لم اجترأت على هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم الذي هو مقام الأنبياء وميراث الأوصياء يترتب عليه أمر الدين والدنيا بمحض رأيك ورضاك وطبعك وهواك، مع أن سيد الورى صلی الله علیه واله وسلم لا يجتري أن يخبر بأدنى حكم إلا بوحي يوحى ويلزم على زعمهم الفاسد ورأيهم الكاسد أن يكون أبو بكر وعثمان أشفق على أهل الإسلام والإيمان من سيد الانس والجان لأنه بزعمهم أهمل أمر الأمة ولم يوص لهم بشيء، وهما أشفقا على الأمة حذراً من ضلالتهم فنصبا لهم جاهلاً شقياً وفظاً غليظاً .


1) الخمصة الجوعة قنة : إسم موضع.

2) أمالي الطوسي : 546 .

ياناعی الإسلام قم فائعه *** قدمات عرف وبدا المنكر

وغير خفي على العاقل اللبيب والكامل الأريب أنّ تلك الأمور الفاضحة والحيل الواضحة لم تكن إلا لتأسيس أساس الكفر والنفاق وهدم بنيان الإسلام والاتفاق، وإرجاع الناس إلى أعقابهم القهقرى وترويج عبودية اللات والعزى ، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله شر الجزاء، وغضب عليهم ملؤ الأرض والسماء.

(ثم تمثل علیه السلام بقول الأعشى) أعشى قيس وهو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل:

(شتان ما يومي على كورها *** ويوم حیان أخي جابر )

وهو من قصيدة طويلة له قالها في منافرة علقمة بن علانة بن عوف وعامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر وتفصيل قصة نفارهما ذكره أبو الفرج في الأغاني وقيل ذلك البيت الذي تمثل علیه السلام به قوله :

زيافة

ة با

وقد أسلي الهم اذ بعتری *** بحسرة دوسرة عاقر

زیافه بالوحل خطارة *** تلوي بشرخی ميسة فاتر

ارمي بها الیبداء إذ هجرت *** وأنت بين القرد والعاصر

في مجدل شید بنیانه *** يزل عنه ظفر الطایر

ومعنى البيت بعد ما بين يومي على رحل هذه النّاقة الموصوفه وبين يوم حيان وهو في سكرة الشّراب ناعم البال مرفه من الأكدار والمشاق، وحيان وجابر ابنا السمين الحنفيان وكان حيان صاحب حصن باليمامة وكان من سادات بني حنيفة مطاعاً في قوله يصله كسرى في كلّ سنة وكان في رفاهية ونعمة مصوناً من وعثاء السفر، لم يكن يسافر أبداً، وكان الأعشى ينادمه وكان أخوه جابر أصغر سناً منه ، حكي أن حيان قال للأعشى نسبتني إلى أخي وهو أصغر سناً منی فقال : إنّ الرّوي اضطرني إلى ذلك، فقال : والله لا نازعتك كأساً أبداً ما عشت ، هذا.

مني ومعنى البيت على ما ذكرناه هو الذي أفاده المرتضى (قدس الله سره) وهو الظاهر المطابق للبيت الذي بعده أعني قوله : أرمي بها البداء . وهو أيضاً مما تمثل علیه السلام به على ما حكي عن بعض النسخ، فيكون غرضه علیه السلام من التمثل على ذلك بيان البعد بين يومه صابراً على القذى والشجي وبين يومهم فائزين بما طلبوا من الدنيا، وقريب منه ما قال الشارح المعتزلي حيث

قال : يقول أمير المؤمنين علیه السلام : «شتان بين يومي في الخلافة مع ما انتقض عليّ من الأمر ومنیت به من انتشار الحبل واضطراب أركان الخلافة، وبين يوم عمر حيث وليها على قاعدة ممهدة وأركان ثابتة وسكون شامل » ، فانتظم أمره واطرد حاله .

قال بعض الشارحين : المعنى ما أبعد ما بين يومي على كور الناقة أدأب وانصب وبين يومي منادماً حيان أخي جابر في خفض ودعة، فالغرض من التمثل إظهار البعد بين يومه علیه السلام

بعد وفاة الرسول صلی الله علیه واله وسلم مقهوراً ممنوعاً عن حقه، وبين يومه في صحبة النبي صلی الله علیه واله وسلم فارغ البال مرقه الحال كاسباً للفيوضات الظاهرية والباطنية، وهذا المعنى هو الأقرب إلى النظر والأنسب إلى السياق، وبه فسره المحدث الجزائري حيث قال : وقوله علیه السلام : «شتان البيت وهو الأعشى يقول: تفرق ما بين يومي يوم سروري وهو منادمتي لأخي حيان، ويوم شدتي وركوبي على متن ناقتي في البراري والقفار ، وهو علیه السلام قد استعار هذا ليوميه يوم فرحه لما كان نديمه النبي صلی الله علیه واله وسلم ، ويوم تعبه ويوم ركوبه المشاق والحروب وحده بلا معاون ولا نصير ».

ثم إنه علیه السلام أظهر التعجب من ادلائه بالخلافة إليه مع إستقالته منها بقوله: (فيا عجباً بينا هو ) يعني أبا بكر (يستقيلها) أي يطلب الإقالة منها (في حياته ) ويقول : أقيلوني أقيلوني ( إذ عقدها لآخر ) أراد به عمر أي جعلها معقودة له لتكون له (بعد وفاته) ووجه التعجب أن إستقالته منها في حياته دليل على رغبته عنها وزهده فيها وعقدها لغيره دليل على رغبته فيها وميله إليها ، وهو يضاد الإستقالة الحقيقية فيكون دليلاً على كون الإستقالة منه صورية ناشئة عن وجه

الخدعة، والتدليس، ونعم ما قيل:

حملوها يوم سقيفة وزراً *** تخف الجبال وهي نبال وهي ثقال

ثم جاؤوا من بعدها يستقيلون *** وهيهات عشرة لا تقال

هذا وخبر الإقالة مما رواه الجمهور، وهو قوله : «أقبلوني أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم »، ورواه في «البحار» عن الطبري في «تاريخه» والبلاذري في «أنساب الأشراف » والسمعاني في «الفضائل » وأبي عبيدة في بعض مصنفاته، قال : ولم يقدح الفخر الرازي في صحته وإن أجاب عنه بوجوه ضعيفة، وكفى كلامه علیه السلام شاهداً على صحته، انتهى (1).

وقال بعض المحققين من أصحابنا : معنى استقالته الأمر بقتل علي بن أبي طالب علیه السلام يعني ما دام عليّ فيكم موجوداً فأنا لست بخيركم فاقتلوه حتى أكون خليفة بلا منازع ، وقوله علیه السلام : (لشد ما تشطرا ضرعيها ) شبه الخلافة بناقة لها ضرعان وكان كلّ واحد منهما أخذ منها ضرعاً يحلبه لنفسه، فالمعنى والله لصار شديداً أخذ كل واحد منهما شطراً أي نصفاً أو شطراً بالكسر أي خلفاً من ضرعيها ، والمقصود اقتسامهما فأيدتها بينهما، وفي بعض روايات السقيفة أنه علیه السلام قال لعمر بن الخطاب بعد يوم السقيفة: احلب حلباً لك شطره، اشدد له اليوم يردّه عليك غدا (2). (فصيرها في جوزة) أي في طبيعة أو ناحية (خشناء) متصفاً بالخشونة لا ينال ما عندها، ولا يرام ولا يفوز بالنجاح من قصدها .


1) بحار الأنوار: 519/29

2) المسترشد 375، والاحتجاج : 96/1.

قال بعض الأفاضل: الظاهر أن المفاد على تقدير إرادة الناحية تشبيه المتولي للخلافة بالأرض الخشناء في ناحية الطريق المستوى، وتشبيه الخلافة بالراكب السائر فيها أو بالناقة أي أخرجها عن مسيرها المستوى وهو من يستحقها إلى تلك الناحية الحزنة هذا : والأظهر إرادة معنى الطبيعة .

ثم وصف علیه السلام الحوزة ثانياً بأنها (يغلظ كلمها ) أي جرحها وفي الإسناد توسع، قال الشارح البحراني غلظ الكلم كناية عن غلظ المواجهة بالكلام والجرح به، فإن الضرب باللسان أعظم من وخز السنان ، أقول : ومن هنا قيل:

جراحات السنان لها التيام *** ولا يلتام ما جرح اللسان

(و) وصفها ثالثاً بأنّها (يخشن مسها ) أي تؤذي وتضر من يمسها قال البحراني : وهي كناية عن خشونة طباعه المانعة من ميل الطباع إليه المستلزمة للأذى كما يستلزم من الأجسام الخشنة .

أقول : والمقصود من هذه الأوصاف الإشارة إلى فظاظة عمر وغلظته وجفاوته وقبح لقائه وكراهة منظره ، ورغبة الناس عن مواجهته ومكالمته، ويدلّ على ذلك ما روي أن ابن عباس لما أظهر بطلان مسألة العول بعد موت عمر قيل له : من أول من أعال الفرائض ؟ فقال : عمر بن الخطاب ، قيل له : هلا أشرت عليه؟ قال هبته (1)، وما رواه الشارح المعتزلي (2)في شرح هذا الفصل أن عمر هو الذي غلظ على جبلة بن الأيهم حتى اضطره إلى مفارقة دار الهجرة بل مفارقة بلاد الإسلام كلها حتى عاد مرتداً داخلاً في دين النصرانية لأجل لطمة لطمها ، وقال جبلة بعد ارتداده متندّماً على ما فعل :

تنصرت الأشراف من أجل لطمة *** وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

فياليت أمي لم تلدني وليتني *** رجعت إلى القول الذي قاله عمر

أقول : هذه الرواية كافية في فضل هذا الرجل ومنقبته، فإنّ النبي صلی الله علیه واله وسلم لم يبعثه الله إلا لهداية الأنام والإرشاد إلى دعائم الإسلام، فعاشر معهم بمحاسن الأخلاق ومكارم الآداب حتى نزل فيه :

وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] .وكان صلی الله علیه واله وسلم كثيراً ما يتحمل الأذى ويصبر على شدائد البلوى، لهداية نفس واحدة وإنجائها من الضلالة، وهذا الرّجل الجلف الذي يزعم أنه خليفة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كيف يصرف الناس عن الإسلام إلى النصرانية بمقتضى خبث طينته وسوء سريرته وغلظ كلمته؟ وفوق كل


1) الخلاف للطوسي : 75/4

2) شرح النهج : 183/1.

ذلك فظاظة جسارته على النبي صلی الله علیه واله وسلم بكلمات يكره اللسان بيانها ويأبى القلم عن كتبها وإظهارها ، مثل قوله له صلی الله علیه واله وسلم في صلح الحديبية لم تقل لنا ستدخلونها في ألفاظ نكره حكايتها، ومثل الكلمة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، قال الشارح المعتزلي : ومعاذ الله أن يفسد بها ظاهرها ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزية ولم يتحفّظ منها، وكان الأحسن أن يقول : مغمور أو مغلوب بالمرض وحاشاه أن يعني بها غير ذلك .أقول : وشهد الله أنّ قصده ما كان إلا ظاهرها وحاشاه أن يقصد بها إلا ذلك .وقال الشارح أيضاً في شرح الخطبة الخامسة والعشرين عند الكلام على حديث الفلتة : واعلم أنّ هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة ولا حيلة له فيها، لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها، ولا ريب عندنا أنّه كان يريد أن يتلطف وأن يخرج ألفاظه ، مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوء «ولا يريد بها ذمّاً ولا تخطئة كما قدّمنا قبل ذلك في اللفظة التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وكاللفظات التي قالها عام الحديبية وغير ذلك، والله لا يجازي المكلف إلا بما نواه ، ولقد كانت نيته من أطهر النيات وأخلصها الله سبحانه ، انتهى (1.)وفيه أن إقتضاء الطبيعة واستدعاء الغريزة التي جعله معذرة له إن أراد به انه بلغ إلى حيث لم يبق لعمر معه قدرة على إمساك لسانه عن التكلّم بخلاف ما في ضميره، بل كان يصدر عنه الذم في مقام يريد به المدح ، والشتم في موضع يريد الإكرام ويخرج بذلك عن التكليف فلا مناقشة في ذلك، لكن مثل هذا الرّجل يعده العقلاء في زمرة المجانين، خلاف في ولا أن العقل من شروط الإمامة، وإن أراد أنّه يبقى مع ذلك ما مناط التكليف فذلك مما لا يسمن ولا يغني من جوع، فإن إبليس استكبر آدم بمقتضى الجبلة النارية، و مع ذلک استحق النار وشملته اللعنة إلى يوم الدين ، والزاني إنّما يزني بمقتضى شهوته التي جبله الله تعالى عليها ومع ذلك يرجم ولا يرحم، هذا.(و وصف علیه السلام الحوزة رابعاً بأنّها (يكثر العثار فيها والاعتذار منها ) ومعناه على جعل الحوزة بمعنى الطبيعة واضح أي يكثر العثار في تلك الطبيعة والاعتذار من هذه الطبيعة أو اعتذار صاحبها منها أو الإعتذار من عثراتها وقد مضى في بيان الإعراب إحتمال كون (من) نشوية وتعليلية، وأما على تقدير جعلها بمعنى الناحية، فالمعنى ما ذكره بعض الأفاضل عقيب كلامه الذي حكيناه في شرح قوله علیه السلام : «فصيرها في حوزة خشناء » ، بما لفظه : فيكثر عثارها أو عثار مطيتها فاحتاجت إلى الإعتذار من عثراتها الناشئة من خشونة الناحية وهو في الحقيقة)


1) راجع البحار : 466/30 .

اعتذار من الناحية، فالعاثر والمعتذر حينئذ هي الخلافة توسعاً .وكيف كان فالغرض من هذه الجملة الإشارة إلى كثرة أخطاء عمر في القضايا والأحكام ، وجهالته بالفتاوى وشرائع الإسلام، ولا بأس بالإشارة إلى بعض عثراته ونبذ من جهالاته ويسير من هفواته وزلاته .فمنها ما ذكره الشارح المعتزلي حيث قال : وكان عمر يفتي كثيراً بالحكم، ثم ينقضه ويفتي بضده وخلافه، قضى في الجد مع الأخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة فقال : من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجدّ برأيه .ومنها ما ذكره أيضاً وهو أنّه لما مات رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وشاع بين الناس موته طاف عمر على النّاس قائلاً : إنه لم يمت ، ولكنه غاب عنا كما غاب موسى عن قومه ، فليرجعن وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات ، فجعل لا يمر بأحد يقول: إنه مات إلا ويخبطه ويتوعده حتى جاء أبو بكر فقال: أيها الناس من كان يعبد محمّداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد ربّ محمّد فإنّه حتي لم يمت ، ثم تلا قوله تعالى :(أفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ [آل عمران : 144] . قالوا : فوالله لكأنّ الناس ما سمعوا هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، وقال عمر لما سمعته يتلوها : هويت إلى الأرض وعلمت أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قد مات .

أقول : من بلغ من قلة المعرفة إلى مقام ينكر موت النبي صلی الله علیه واله وسلم ويحكم مع ذلك من تلقاء نفسه بأنّه يرجع ويقطع أيدي رجال وأرجلهم كيف يكون إماماً واجب الطاعة على جميع الخلق؟

ومنها ما رواه أيضاً كغيره من أنّه قال مرّة لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي صلی الله علیه واله وسلم إلا ارتجعت ذلك منها، فقالت امرأة : ما جعل الله لك ذلك إنّه قال تعالى :

(وَاتَيْتُمْ إِحْدَثَهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [النساء:

20 ] .

فقال : كل الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال (1)، ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت فأضلت إمامكم ففضلته، واعتذار قاضي القضاة بأنه طلب الاستحباب في ترك التجاوز والتواضع في قوله: كلّ النّاس أفقه من عمر، خطاء، فإنّه لا يجوز ارتكاب المحرم وهو ارتجاع المهر، لأجل فعل المستحب، وأما التواضع فإنّه لو كان الأمر كما قال عمر لاقتضى إظهار القبيح وتصويب الخطأ، ولو كان العذر صحيحاً لكان هو المصيب والمرأة مخطئة مع


1) أنظر الغدير : 82/6 - 328 ، وشرح المعتزلي: 182/1 .

أنه مخالف لصريح قوله : ألا تعجبون من إمام أخطأ (ا ه) .

ومنها ما رواه هو وغيره من أنه كان يعس بالليل فسمع صوت رجل وامرأة في بيت فارتاب فتسور الحائط، فوجد امرأة ورجلاً وعندهما زقّ خمر ، فقال : يا عدو الله كنت ترى أن الله يسترك وأنت على معصيته؟ قال: إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث ، قال الله تعالى : ولا تجسسوا ، وقد تجسّست ، وقال : وأتوا البيوت من أبوابها، وقد تسورت ، وقال: إذا دخلتم بيوتاً فسلموا، وما سلمت.

ومنها ما رواه أيضاً وجماعة من الخاصة والعامة من أنه قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا محرمهما ومعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج (1)، قال الشارح المعتزلي : وهذا الكلام وإن كان ظاهره منكراً فله عندنا مخرج وتأويل أقول : بل هو باق على منكريته والتأويل الذي ارتكبوه مما لا يسمن ولا يغني من جوع، ولعلنا نسوق الكلام فيه مفصلاً في مقام أليق إن شاء الله .

ومنها ما رواه أيضاً من أنه مرّ يوماً بشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن فاستسقاه فجدح له ماء بعسل فلم يشربه ، وقال : إن الله تعالى يقول :

(أَذهَبْتُمْ طَبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا) [الأحقاف : 20]

فقال له الفتى : إنها ليست لك ولا لأحد من أهل هذه القبلة ، اقرأ ما قبلها :

(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذهَبْتُمْ طَيْبَتِكُمْ فِي حَيَائِكُرُ الدُّنْيَا ) [الأحقاف : 20] .

فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر.

ومنها أنه أمر برجم امرأة حاملة فقال له أمير المؤمنين علیه السلام :« إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل»، فقال: لولا عليّ لهلك عمر (2).

ومنها أنه أمر برجم مجنونة فنبهه أمير المؤمنين علیه السلام وقال : « القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق »، فقال: لولا علي لهلك عمر (3).

ومنها ما رواه في «الفقيه » عن إبراهيم بن محمد الثقفي قال : استودع رجلان امرأة وديعة وقالا لها لا تدفعي إلى واحد منا حتى نجتمع عندك، ثم انطلقا فغابا، فجاء أحدهما إليها وقال: أعطيني وديعتي فإنّ صاحبي قد مات فأبت حتى كثر اختلافه إليها ثم أعطته، ثم جاء الآخر فقال هاتي وديعتي، فقال (4): أخذها صاحبك وذكر أنك قد مُتَّ فارتفعا إلى عمر، فقال


1) الكافي: 61/8 .

2) دعائم الإسلام : 453/2 - 1584 .

3) الكافي : 424/7 ح 6 .

4) في نسخة : فقالت .

لها عمر : ما أراك إلا وقد ضمنت ، فقالت المرأة اجعل عليا علیه السلام بيني وبينه، فقال له : اقض بينهما، فقال علي علیه السلام : هذه الوديعة عندها، وقد أمرتماها أن لا تدفعها إلى واحد منكما حتی تجتمعا عندها فأتني بصاحبك، ولم يضمنها، وقال علي علیه السلام « إنما أرادا أن يذهبا بمال المرأة » (1).

ومنها ما في «الفقيه» أيضاً عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعد بن طريف عن الأصبغ ابن نباتة قال أتى عمر بامرأة زوجها ،شيخ فلما أن واقعها مات على بطنها، فادعى بنوه أنها فجرت وشاهدو (2)عليها فأمر بها عمر أن ترجم ، فمروا بها على علي بن أبي طالب علیه السلام ، فقالت : يا ابن عم رسول الله إني مظلومة وهذه حجتي فقال علیه السلام : « هاتني حجتك» ، فدفعت إليه كتاباً فقرأه فقال : هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوّجها ويوم واقعها، وكيف كان جماعة لها ردوا المرأة، فلما كان من الغد دعا علي علیه السلام بصبيان يلعبون أتراب وفيهم ابنها فقال لهم : العبوا ، فلعبوا حتى إذا لهاهم اللعب، ثم فصاح علیه السلام بهم فقاموا وقام الغلام الذي هو ابن المرأة متكياً على راحتيه، فدعا به علي علیه السلام فورثه من أبيه وجلد أخوته المفترين حداً، فقال عمر كيف صنعت؟ قال : قد عرفت ضعف الشيخ في اتكائة الغلام على راحتيه (3).

ومنها ما رواه الصدوق أيضاً عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال : أتى عمر بن الخطاب بجارية فشهد عليها شهود أنها بغت ، وكان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل وكان للرّجل امرأة وكان الرّجل كثيراً ما يغيب عن أهله، فشبّت اليتيمة، وكانت جميلة فتخوّفت المرأة أن يتزوجها زوجها إذا رجع إلى منزله، فدعت بنسوة من جيرانها فأمسكتها، ثم افتضتها بإصبعها، فلما قدم زوجها سأل امرأته عن اليتيمة فرمتها بالفاحشة وأقامت البينة من جيرانها على ذلك، قال: فرفع ذلك إلى عمر فلم يدر كيف يقضي في ذلك، فقال : للرجل اذهب بها إلى عليّ بن أبي طالب علیه السلام، فأتوا عليّاً وقضوا عليه قضتها فقال لامرأة الرجل ألك بيّنة؟ قالت : نعم ، هؤلاء جيراني يشهدون عليها (4)بما أقول، فأخرج علي علیه السلام السيف من غمده وطرحه بين يديه، ثم أمر علیه السلام بكل واحدة من الشهود فأدخلت بيتاً، ثم دعا بامرأة الرجل فأدارها لكلّ وجه فأبت أن تزول عن قولها، فردّها إلى البيت الذي كانت فيه .

ثم دعا بإحدى الشهود وجنا على ركبتيه ، فقال لها : أتعرفيني أنا علي بن أبي طالب وهذا سيفي، وقد قالت امرأة الرّجل ما قالت ، ورجعت إلى الحق وأعطيتها الأمان فاصدقيني والا ملات سيفي منك، فالتفتت المرأة إلى علي فقالت : يا أمير المؤمنين الأمان على الصدق، قال لها عليّ : فاصدقي فقالت : لا والله ما زنت اليتيمة ولكن امرأة الرجل لما رأت حسنها


1) من ح لا يحضره الفقيه : 19/3 - 3248.

2) في نسخة تشاهدوا .

3) من لا يحضره الفقيه : 24/3.

4) في نسخة : القصة.

وجمالها وهيئتها خافت فساد زوجها بها فسقتها المسكر ودعتنا فأمسكناها فافتضتها بإصبعها، فقال علي علیه السلام: «الله أكبر الله أكبر أنا أوّل من فرّق بين الشهود إلا دانيال »، ثمّ حدّ المرأة حدّ القاذف وألزمها ومن ساعدها على افتضاض اليتيمة المهر لها أربعمائة درهم ، وفرّق بين المرأة وزوجها وزوجه اليتيمة، وساق عنه المهر إليها من ماله .

فقال عمر بن : فحدثنا يا أبا الحسن بحديث دانيال النبي صلی الله علیه واله وسلم فقال : إن دانيال كان غلاماً يتيماً لا أب له ولا أم ، وإنّ امرأة من بني إسرائيل عجوزاً ضمّته إليها وربته، وإن ملكاً من ملوك ملوك بني إسرائيل كان له قاضيان وكان له صديق ، وكان رجلاً صالحاً، وكان له امرأة جميلة، وكان يأتي الملك فيحدثه فاحتاج الملك إلى رجل يبعثه في بعض أموره، فقال للقاضيين : اختارا لي رجلاً أبعثه في بعض أموري، فقالا : فلان ، فوجهه ملك وكان القاضيان يأتيان باب الصديق فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما فقالا لها، إن لم تفعلي شهدنا عليك عند الملك بالزنا ليرجمك ، فقالت : افعلا ما شئتما ، فأتيا الملك فشهدا عليها أنها بغت وكان لها ذكر حسن جميل، فدخل الملك من ذلك أمر عظيم واشتدّ غمّه وكان بها معجباً، فقال لهما : إن قولكما مقبول فاجلدوها ثلاثة أيام ثم ارجموها ونادى في مدينته : احضروا قتل فلانة العابدة فإنّها قد بعت ، وقد شهد عليها القاضيان بذلك، فأكثر النّاس القول ذلك فقال الملك لوزيره : ما عندك في هذا حيلة؟ فقال: لا والله ما عندي في هذا شيء .

فلما كان اليوم الثالث ركب الوزير وهو آخر أيامها، وإذا هو بغلمان عراة يلعبون وفيهم دانیال ، فقال دانیال : یا معشر الضبيان تعالوا حتى أكون أنا الملك وتكون أنت يا فلان العابدة ويكون فلان وفلان القاضيين الشاهدين عليها، ثم جمع تراباً وجعل سيفاً من قصب ثم قال : للغلمان خذوا بيد هذا فنحوه إلى موضع كذا ، والوزير واقف وخذوا هذا فنحوه إلى كذا ، ثم دعا بأخدهما فقال : قل حقاً فإنك إن لم تقل حقاً قتلتك، قال: نعم والوزير يسمع فقال بم تشهد على هذه المرأة قال أشهد أنها زنت قال في أي يوم قال : قال : في يوم كذا وكذا، قال في أي

وقت؟ قال: في وقت ؟ قال: فی وقت كذا وكذا ، قال : في أي موضع ؟ قال : في موضع كذا وكذا، قال : مع فلان ابن فلان ، قال : فردوه إلى مكانه وهاتوا الآخر، فردوه وجاؤوا بالآخر، عن ذلك فخالف صاحبه في القول، فقال دانيال: الله أكبر الله أكبر شهدا عليها بزور، ثم نادى في الغلمان إنّ القاضيين شهدا على فلانة العابدة بزور فأحضروا قتلها، فذهب الوزير إلى الملك مبادراً فأخبره الخبر فبعث الملك إلى القاضيين فأحضرهما، ثم فرّق بينهما وفعل كما فعل دانيال بالغلامين، فاختلفا كما اختلفا فنادى في الناس وأمر بقتلهما (1).

ومنها ما رواه الشارح البحراني وهو أن عمر أمر أن يؤتى بامرأة لحال اقتضت ذلك،


1) الأنوار العلوية: 110 ، ومن لا يحضره الفقيه : 22/3

وكانت حاملاً فانزعجت من هيبته فأجهزت (1)جنيناً فجمع جمعاً من الصحابة وسألهم ماذا يجب عليه ، فقالوا : أنت مجتهد (2)ولا نرى أنه يجب عليك شيء، فراجع علياً علیه السلام في ذلک وأعلمه بما قال بعض الصحابة، فأنكر ذلك وقال : إن كان ذلك عن اجتهاد منهم فقد أخطأوا ، وإن لم يكن عن اجتهاد فقد غشوك، أرى عليك الغرّة، فعندها قال: لا عشت لمعضلة لا تكون لها يا أبا الحسن (3). ورواه الشارح المعتزلي بتغيير في متنه، إلى غير ذلك من موارد أخطائه وخبطه وجهالته التي لو أردنا استقصائها لطالت ، وكثيراً ما كان أمير المؤمنين علیه السلام ينبه على أخطائه فيها ويبين له معضلات المسائل التي كان يعجز عنها، وقد روي أنه قال في سبعين موضعاً : لولا عليّ لهلك عمر، والعجب أنه مع اعترافه بذلك يدعي التقدم عليه ومع جهله بكل ذلك يرى نفسه قابلة للخلافة ومستحقه نفسه قابلة للخلافة ومستحقة لها مع أنّ قابلية الخلافة واستحقاق الولاية لا يكون إلا بالعلم بجميع الأحكام والإحاطة بشرائع الإسلام، ولا يكون ذلك إلا بإلهام إلهي وتعليم ربّاني وإرشاد نبوي، وذلك مختص بالأئمة ومخصوص بسراج الأمة، إذ هم اتبعوا آثار النبوة، واقتبسوا أنوار الرّسالة ، وعندهم معاقل العلم وأبواب الحكمة وضياء وفصل ما بين الناس، وهم المحدثون المفهمون المسدّدون المؤيدون بروح القدس .

كما يدلّ عليه ما رواه في «البحار » من كتاب بصائر الدرجات بإسناده عن جعيد الهمداني قال : سألت عليّ بن الحسين علیه السلام بأي حكم تحكمون؟ قال : نحكم بحكم آل داود فإن عيينا شيئاً تلقانا به روح القدس (4).

وعن الساباطي قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام : بما تحكمون إذا حكمتم ؟ فقال : بحكم الله وحكم داود، فإذا ورد علينا شيء ليس عندنا تلقانا به روح القدس. وعن عبد العزيز عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام ؛ جعلت فداك إن الناس يزعمون أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عليا علیه السلام إلى اليمن ليقضي بينهم ، فقال علي علیه السلام: «فما أورد الله على قضية إلا حكمت بحكم الله وحكم رسوله»، فقال علیه السلام : «صدقوا»، قلت: وكيف ذلك ولم يكن أنزل القرآن كله، وقد كان رسول الله غائباً عنه ؟ فقال : «تلقاه به روح القدس » ، هذا (5)البصائر : 471 ، والكافي : 398/1 (6).

وقد ظهر مما ذكرنا كله أن الحكم الصواب وفصل الخطاب مختص بالمعصومين من آل الرّسول سلام الله عليه وعليهم، وأن أحكام عمر إنما كانت عن هوى نفس وبدعة وضلالة وجهالة، ولذلك كان يفتي كثيراً، ثم يرجع عن فتياه ويعتذر ، وربّما كان يحكم بشيء ثم


1) في نسخة : فأجهضت ك

2) في نسخة مؤدب .

3) الارشاد: 204/1

4) البصائر : 471 ، والكافي : 398/1

5)

6)

ينقضه، ويحكم بخلافه لقلة المعرفة وكثرة الجهالة واختلاف دواعي نفسه الأمارة التي تارة تحكم بذلك وأخرى بخلافه ، هذا كله مضافاً إلى قوّة إفراط القوة الغضبية فيه وخشونة الحوزة وغلظة الطبيعة (فصاحبها) أي صاحب تلك الحوزة والطبيعة (كراكب) الناقة (الصعبة) الغير المنقادة (إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحم) قال الرّضي (رحمت الله) بعد تمام الخطبة : يريد علیه السلام أنه إذا شدّد عليها في جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها، وإن أرخى لها شيئاً مع

صعوبتها تقحمت به فلم يملكها.

أقول: وقد أرخى زمامها ولم يمسكها فرمت به في أودية الضلالة وتقحمت به في ورطات الهلاكة فلم يمكنه التخلص منها والخروج عنها، وعلى هذا المعنى فالمراد بصاحب الحوزة هو عمر، وهذا أظهر وقد ذكروا في المقام وجوهاً أخرى.

منها أنّ الضمير في صاحبها يعود إلى الحوزة المكنّى بها عن الخليفة أو أخلاقه ، والمراد بصاحبها من يصاحبها كالمستشار وغيره ، والمعنى أن المصاحب للرّجل المنعوت حاله صعوبة الحال كراكب الناقة الصعبة فلو تسرع إلى إنكار القبائح من أعماله أدى إلى الشقاق بينهما وفساد الحال ولو سكت وخلاه وما يصنع أدى إلى خسران المال .

ومنها أن الضمير راجع إلى الخلافة أو إلى الحوزة ، والمراد بصاحبها نفسه علیه السلام ، والمعنى أن قيامي في طلب الأمر يوجب مقاتلة ذلك الرجل وفساد أمر الخلافة رأساً وتفرق نظام المسلمين ، وسكوتي عنه يورث التقحم في موارد الذل والصغار .

ومنها أن الضمير راجع إلى الخلافة وصاحبها من تولى أمرها مراعياً للحق وما يجب عليه ، والمعنى أن المتولي لأمر الخلافة إن أفرط في إحقاق الحق وزجر الناس عمّا يريدونه بأهوائهم أوجب ذلك نفار طباعهم وتفرّقهم عنه، لشدة الميل إلى الباطل، وإن فرّط في المحافظة على شرائطها ألقاه التفريط في موارد الهلكة وضعف هذا الوجه وبعده واضح، هذا.

ولما ذكر علیه السلام أوصاف الرجل الذميمة وأخلاقه الخبيثة الخسيسة أشار إلى شدة ابتلاء النّاس في أيام خلافته بقوله : (فمني الناس) أي ابتلوا (العمر الله بخبط) أي بالسير على غير معرفة وفي غير جادة (وشماس) ونفار (وتلوّن) مزاج (واعتراض) أي بالسير على غير خط مستقیم كانه يسير عرضاً، قال الشارح المعتزلي : وإنّما يفعل ذلك البعير الجامح الخابط وبعير عرضي يعترض في سيره لأنه لم تتم رياضته وفي فلان عرضية أي عجز فيه وصعوبة، وقال البحراني في شرح تلك الجملة : إنّها إشارة إلى ما ابتلوا به من اضطراب الرجل وحركاته التي كان ينقمها عليه ، فكنّى بالخبط عنها وبالشماس عن حفاوة طباعه وخشونتها ، وبالتلون والاعتراض عن انتقاله من حالة إلى أخرى في أخلاقه ، و وهي استعارات وجه المشابهة فيها أن خبط البعير ، وشماس الفرس واعتراضها في الطريق حركات غير منظومة، فأشبهها ما لم يكن

منظوماً من حركات الرّجل التي ابتلي الناس بها .

أقول : وعلى ذلك فالأربعة أوصاف للرجل والمقصود كما ذكره الإشارة إلى ابتلاء الناس في خلافته بالقضايا الباطلة لجهله واستبداده برأيه مع تسرعه إلى الحكم مع إيذائهم بحدته وبالخشونة في الأقوال والأفعال الموجبة لنفارهم عنه، وبالتفار عن الناس كالفرس الشموس والتلوّن في الآراء والأحكام لعدم ابتنائها على أساس قوي ، وبالخروج عن الشرع السواء والجادة المستقيمة أو بالحمل على الأمور الصعبة والتكاليف الشاقة، هذا.

ويحتمل كونها صفات للنّاس ، فإنّ خروج الوالي عن الجادّة يستلزم خروج الناس أحياناً وكذا تلوّنه واعتراضه يوجب تلوّن الرعية واعتراضهم على بعض الوجوه وخشونته يستلزم نفارهم وهو ظاهر .

ثم إنه علیه السلام أردف ذلك كله بتكرير ذكر صبره على ما صبر عليه مع الثاني كما صبر مع الأوّل وقال: (فصبرت على طول المدة ) أي طول مدة تخلف الأمر عنه علیه السلام (وشدّة المحنة) أي شدّة الإبتلاء بسبب فوات حقه وما يستتبع ذلك من اختلال قواعد الدين وانهدام أركان اليقين.

الترجمة

تا آن که گذشت اول یعنی ابوبکر به راه خود که طریق جهنم است، پس دفع کرد و واگذاشت خلافت را به سوی پسر خطاب بعد از خود .بعد از آن مثل زد أمير المؤمنين (علیه السلام) به قول أعشی که در مفاخره علقمه و عامر گفته و عامر را مدح و علقمه را هجو نموده و معنی بیت این است که چقدر دور است میان دو روز من روزی که بر کوهان و پالان شتر سوار و به رنج و تعب سفر گرفتار و روز حیان برادر جابر که ندیم وی بودم و به ناز و نعمت می گذرانیدم و یا این که بعید است میان روز من که بر پشت ناقه سوار و روز حیان که راحت از مشقت سفر و فارغ ازملال و كدورات .

و مقصود امام (علیه السلام ) از تمثیل به این بیت بنابراین معنی اظهار بعد است میان حال خود که گرفتار محنت بوده و قرین مشقت و میان حال قومی که به مقاصد خودشان واصل و در سعه و رفاهیت محفوظ . و بنابر معنی اول اظهار مباعدت و دوری است میان دو روز خود: یکی بعد از وفات حضرت رسالت مآب (صلی الله علیه واله وسلم) که از حق خود مغصوب و در خانه خود معتزل و به صحبت اشرار گرفتار و به فتن و محن مبتلا و روز دویم زمان حضور آن حضرت صلوات الله علیه که در خدمت او كسب فيوضات ظاهریه و کمالات معنویه میکردند .

و به هر تقدیر امام (علیه السلام) بعد از مثل زدن فرمود : پس بسا تعجب وقتی که ابوبكر طلب اقاله و فسخ نمود خلافت را در حال حیات خود هنگامی که عقد کرد آن را به جهت دیگری که آن عمر است تا آن که بوده باشد او را بعد از مردن او . به خداوند قسم هر آینه سخت شد گرفتن ابوبکر و عمر هر یكى يك نصف خلافت را یا این که گرفتن ایشان جانب هر دو پستان آن را و این کنایه است از اشتراك ایشان در قسمت منفعت و فواید خلافت همچنان که دو نفر دوشنده دو پستان شتر بعد از دوشیدن، نفع آن را تقسیم مینمایند.

پس گردانید ابوبکر خلافت را در طبیعتی زبر و خشن که غلیظ بود جراحتی که حاصل بود از آن طبیعت و درشت بود مس آن و بسیار بود به سر درآمدن او در احکام شرعیه و مسائل دینیه و عذرخواهی او از عثرات خود ، پس صاحب آن طبیعت با خشونت مثل سوار ناقه سرکش است؛ اگر سر آن ناقه را با افسار و خرام نگه بدارد بینی خود را پاره مینماید و اگر رها کند و به حال خود فروگذارد واقع میشود در مهالك و معاطب ، پس مبتلا شدند مردم قسم به بقای خدا به انداختن خود در غیر طریق قویم و به رمیدن از صراط مستقیم و به تلوّن مزاج و به سیر نمودن در عرض طریق ، پس صبر نمودم مرتبه دویم بر درازی روزگار اعتزال و سختی اندوه و ملال .

الفصل الثالث

«حَتَّى إِذا مَضى لِسَبيلِه جَعَلَها في سِتَّةِ زَعَمَ أَنّي أَحَدُهُمْ، فَيالله وَلِلسُّوري مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِي مَعَ الأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أَقْرَنُ إِلى هذِهِ النَّظائِرِ ، وَلكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسْفُوا وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَغَى رَجُلٌ مِنْهُمْ لِصْغِنَه، وَمالَ الآخَرُ لِصِهْره، مَعَ هَنِ وَهَنِ» .

اللغة

(الزعم) مثلثة الفاء الفتح للحجاز والضم للأسد والكسر لبعض قيس وهو قريب من الظن، وقال المرزوقي: أكثره يستعمل فيما كان باطلاً أو فيه ارتياب، وقال ابن الأثير: إنّما يقال: زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه ، وقال الزمخشري: هي ما لا يوثق به من الأحاديث و (الشورى) إسم من تشاور القوم واشتوروا، وقيل: إنه مصدر كبشرى بمعنى المشورة والأوّل أظهر و(اعترض) الشيء إذا صار عارضاً كالخشبة المعترضة في النهر و (أقرن) على لفظ المجهول أي اجعل قريناً لهم ويجمع بيني وبينهم و(أسف) الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه وأسف الرجل للأمر إذا قاربه و (طرت) أي إرتفعت استعمالاً للكلي في أكمل الأفراد و (صغى) إلى كذا مال إليه وصغت النجوم مالت إلى الغروب و (الضغن) الحقد والبغض .

و (الصهر) قال الخليل: هو أهل بيت المرأة ، قال : ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعاً أصهاراً، وقال الأزهري : الصهر يشتمل على قرابات النّساء ذوي المحارم وذوات المحارم كالأبوين والأخوة وأولادهم والأعمام والأخوال والخالات، فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضاً، وقال ابن السكيت : كلّ من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخته أو عمه الأحماء، ومن كان ومن قبل المرأة فهم الأختان ويجمع الصنفين الأصهار و (هن) خفيف (النون) كناية عن كلّ إسم جنس ومعناه شيء (ولامها ) محذوفة، فالمعروف أنها (واو) بدليل جمعها على هنوات، وقيل: هی (هاء) لتصغيره على هنيهة ، وقيل : (نون) والأصل هنّ بالتثقيل والتصغير هنين، وقال نجم الأئمة الرّضي: (الهن) الشيء المنكر الذي يستهجن ذكره من العورة والفعل القبيح وغير ذلك.

الإعراب

(اللام) في الله مفتوحة لدخولها على المستغاث أدخلت للدلالة على الإختصاص بالنداء للإستغاثة، وفي قوله للشورى مكسورة لدخولها على المستغاث لأجله قال الشاعر :

یبكيك ناء بعيد الدار مغترت *** يا للكهول وللشبان للعجب

بفتح (لام) الكهول وكسر (لام) العجب وكسرها في للشبان لكونه معطوفاً على

المستغاث من غير إعادة حرف النداء ولو أعيدت فتحت قال الشاعر :

يالقومي ويا لأمثال قومي *** لإناس عتوهم في ازدياد

(والواو) في قوله : وللشورى إما زائدة أو عاطفة على محذوف مستغاث له أيضاً كما ستعرفه في بيان المعنى .

المعنى

(حتى إذا مضى) الثاني ( لسبيله) ومات وذلك بعد ما غصب الخلافة عشر سنين وستة أشهر على ما حكاه في «البحار» من كتاب الاستيعاب وستعرف تفصيل الكلام في كيفية موته وتعيين يوم موته في التذنيبات الآتية، وكيف كان فإنّه لما أراد الله أن يقبضه إلى ما هيأ له من أليم العذاب (جعلها في ستة) نفر وفي بعض النسخ في جماعة (زعم أنّي أحدهم ) وفي «تلخيص الشافي » زعم أني سادسهم وهؤلاء الجماعة هم : أمير المؤمنين علیه السلام وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ، هذا هو المعروف وقيل : إنّهم خمسة، قال الطبري: لم يكن طلحة ممن ذكر في الشورى ولا كان يومئذ بالمدينة، وعن أحمد بن أعثم لم يكن بالمدينة، فقال عمر: انتظروا لطلحة ثلاثة أيام فإن جاء وإلا اختاروا رجلاً من الخمسة (1)

(فيا الله) أنت الناصر والمعين والمغيث أستغيث بك لما أصابني عنه أو لنوائب الدهر عامة (وللشورى) خاصة والإستغاثة للتألم من الإقتران بمن لا يدانيه في الفضائل ولا يقارنه في الفواضل ولا يستأهل للخلافة ولا يليق بالولاية، ولذلك أتبعه علیه السلام بالإستفهام على سبيل الإنكار والتعجب بقوله :

(متى اعترض الزيب في مع الأول منهم ) يعني متى صار الشك عارضاً لأذهانهم في بمساوات أبي بكر (حتى صرت أقرن ) أي اجعل قريناً ( إلى هذه النظائر) الخمسة أو الأربعة ويجمع عمر بيني وبينهم ويجعلهم نظائر لي مع كونهم أدنى من الأوّل رتبة وأخس منزلة ، فكيف بقياسهم إلي وتناظرهم بي (ولكني أسففت) مع القوم (إذا أسفوا وطرت ) معهم (اذ طاروا ) يعني أني تابعتهم تقيّة وجريت معهم على ما جروا ، ودخلت معهم في الشورى مع أنهم لم يكونوا نظراء لي وتركت المنازعة من حيث اقتضاء المصلحة (فصغى) ومال (رجل منهم) من الحق إلى الباطل (الضغنه) وحقده الذي كان في صدره.

والمراد بذلك الرجل على ما ذكره القطب الرواندي والشارح البحراني والمحدث


1) راجع البحار : 530/29 ، وتاريخ الطبري: 292/3 ، والفتوح لأبي أعثم: 327/2

الجزائري وغيرهم هو سعد بن أبي وقاص اللعين، وسبب ضغنه على ما ذكره الراوندي هو أنه علیه السلام قتل أباه يوم بدر، وقال سعد أحد من تخلف عن بيعة أمير المؤمنين علیه السلام عند رجوع الأمر إليه ، إلا أن الشارح المعتزلي أورد عليه بأن أبا وقاص وإسمه مالك بن أهيب مات في الجاهلية حتف أنفه ، وقال : إنّ المراد به طلحة وعلل ميله عنه علیه السلام بقوله : وإنما مال طلحة إلى عثمان لانحرافه عن علي علیه السلام باعتبار أنه تيمي وابن عمّ أبي بكر، وقد كان حصل في نفوس بني هاشم من بني تيم حنق شديد لأجل الخلافة، وكذلك صار في صدور تيم على بني هاشم ، وهذا أمر مركوز في طباع البشر وخصوصاً طينة العرب وطباعها، والتجربة إلى الآن تحقق ذلك .

قال: وأما الزواية التي جاءت بأنّ طلحة لم يكن حاضراً يوم الشورى فإن صحت فذو الضغن هو سعد بن أبي وقاص، لأن أمّه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبدشمس، والضغنة التي كانت عنده على علي علیه السلام من قبل أخواله الذين قتل صناديدهم وتقلد دمائهم، ولم يعرف أن علياً علیه السلام قتل أحداً من بني زهرة لينسب الضغن إليه (ومال الآخر) وهو عبد الرحمن بن عوف (لصهره) وهو عثمان والمصاهرة بينهما من جهة أنّ أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط کانت تحته وهي أخت خت عثمان من من أمه، وروى بنت كريز وهذا الميل أيضاً لم يكن لمجرد المصاهرة ومحض القرابة، بل (مع هن وهن ) أي مع شيء وشيء قبيح يستهجن ذكره، وهو البغض والحسد منه له علیه السلام أو نفاسته عليه أو رجاؤه وصول الخلافة بعد عثمان إليه أو انتفاعه بخلافته بالإنتساب وإكتساب الأموال والترفع على الناس والاستطالة أو غير ذلك مما هو علیه السلام لي أعلم به وكنى عنه .

وينبغي التذييل بأمور : الأول

كيفية قتل عمر وقاتله ، ويوم قتله .

أما الأول : فقاتله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة ، روى المحدث المجلسي (رحمت الله) في «البحار» من مؤلف العداد القوية نقلاً من كتب المخالفين والجزائري في «الأنوار» من كتاب الاستيعاب لابن عبد البرّ من رجال العامة قال : ذكر الواقدي قال : أخبرني نافع عن أبي نعيم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : غدوت مع عمر بن الخطاب إلى السوق وهو متكي على يدي فلقاه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال له: ألا تكلّم مولاي يضع عنّي من خراجي؟ قال: كم خراجك؟ قال : دينار فقال عمر: ما أرى أن أفعل أنك لعامل محسن وما هذا بكثير، ثم قال له عمر : ألا تعمل لي رحى؟ قال: أبو لؤلؤة : لأعملن لك رحى يتحدث

: بين المشرق والمغرب ، قال ابن الزبير : فوقع في نفسي قوله ، قال : فلما كان

بها ما النداء في لصلاة الصبح وخرج عمر إلى الناس قال ابن الزبير : وأنا في مصلاي، وقد اضطجع له أبو

لؤلؤة فضربه بالسكين ست طعنات إحداهن تحت سرته وهي قتلته ، قال في «البحار»: وجاء بسكين له طرفان ، فلما خرج عمر خرج معه ثلاثة عشر رجلاً في المسجد، ثم أخذ، فلما أخذ قتل نفسه .

ومن كتاب الإستيعاب أيضاً أن عمر لما ضربه أبو لؤلؤة بالسكين في بطنه قال : ادعوا إلى الطبيب، فدعى الطبيب، فقال: أتي الشّراب أحبّ إليك ؟ فقال : النبيذ، فسقى نبيذاً فخرج من بعض طعناته فقال النّاس : هذا دم هذا صديد ، فقال: اسقوني لبناً، فسقوه لبناً فخرج من الطعنة، فقال له الطبيب: لا أرى أن تمسي فما كنت فاعلاً فافعل، وتمام الخبر مذكور في الشورى، قال بعض أصحابنا : ولقد كان يحبّ أن يلاقي الله سبحانه وبطنه الممزوق ممتلىء من الشراب، فانظروا يا أولى الألباب.

وأما الثاني : فالمشهور بين العلماء أن قتله كان في ذي الحجة وهو المتفق عليه بين العامة، ولكن المشهور بين العوام في الأقطار والأمصار هو أنه في شهر ربيع الأول قال الكفعمي في «المصباح » في سياق أعمال شهر ربيع الأول : إنه روى صاحب مسار الشيعة أنه من أنفق في اليوم التاسع منه شيئاً غفر له ويستحب فيه إطعام الأخوان، وتطييبهم والتوسعة والنفقة ولبس الجديد والشكر والعبادة وهو يوم نفي الغموم، وروي أنه ليس فيه صوم وجمهور الشيعة يزعمون أن فيه قتل عمر بن الخطاب وليس بصحيح .

قال محمد بن إدريس في «سرائره » من زعم أن عمر قتل فيه فقد أخطأ بإجماع أهل التواريخ والسير، وكذلك قال المفيد (رحمت الله ) في كتاب التواريخ، وإنما قتل يوم الاثنين لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة نص على ذلك صاحب الغرة وصاحب المعجم وصاحب الطبقات وصاحب كتاب مسار الشيعة وابن طاوس بل الإجماع حاصل من الشيعة وأهل السنة على ذلك، انتهى (1).

أقول : قد عرفت أن المشهور بين جمهور الشيعة هو أنه في شهر الربيع ، فدعوى الإجماع على كونه في ذي الحجة ممنوعة، ويدل على ذلك ما رواه في «الأنوار» من كتاب محمد بن جرير الطبري قال : المقتل الثاني يوم التاسع من شهر ربيع الأَوّل.

أخبرنا الأمين السيد أبو المبارك أحمد بن محمد بن أردشير الدستاني .

قال: أخبرنا السيد أبو البركات محمد الجرجاني ، قال : أخبرنا هبة الله القمي واسمه

يحيى ، قال : حدثنا أحمد بن إسحاق البغدادي، قال: حدثنا الفقيه الحسن ابن الحسن السامري أنه قال: كنت أنا ويحيى بن أحمد بن جريج ، فقصدنا أحمد بن إسحاق القمي وهو


1) البحار 121/31

صاحب الإمام العسكري علیه السلام بمدينة قم، فقرعنا عليه الباب فخرجت علينا من داره صبية عراقية فسألناها عنه ، فقالت: هو مشغول وعياله فإنه يوم عيد ، قلنا : سبحان الله الأعياد عندنا أربعة : عيد الفطر وعيد الصّحى النحر والغدير والجمعة ، قالت : روي سيدي أحمد بن إسحاق عن سيّده العسكري عن أبيه علي بن محمّد عليهم السلام أنّ هذا يوم عيد و عيد وهو خيار الأعياد عند أهل البيت عليهم السلام وعند مواليهم ، قلنا: فاستأذني بالدخول عليه وعرّفيه بمكاننا ، قال : فخرج علينا وهو متزر بمئزر له ومحتبي بكسائه يمسح وجهه ، فأنكرنا عليه ذلك ، فقال : لا عليكما إنني كنت أغتسل للعيد ، فإنّ هذا اليوم(1)وهو اليوم التاسع من شهر

، ربيع الأول فأدخلنا داره وأجلسنا على سرير له .

ثم قال : إنّي قصدت مولاي أبا الحسن العسكري علیه السلام مع جماعة من إخواني في مثل هذا اليوم وهو اليوم التاسع من ربيع الأول، فرأينا سيدنا قد أمر جميع خدمه أن يلبس ما يمكنه من الثياب الجدد ، وكان بين يديه مجمرة يحرق فيها العود، قلنا يا بن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : هل تجد في هذا اليوم لأهل البيت عليهم السّلام فرحاً ؟ فقال علیه السلام : وأي يوم أعظم حرمة من هذا اليوم عند أهل البيت وأفرح؟ (2)

وقد حدثني أبي علیه السلام أن حذيفة (رضی الله عنه ) دخل في مثل هذا اليوم وهو اليوم التاسع من الأول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، قال حذيفة: فرأيت أمير المؤمنين مع ولديه الحسن والحسين مع رسول الله صلوات الله عليه وعليهم يأكلون، والرسول يتبسم في وجوههما ويقول : «كُلا هنيئاً مريئاً لكما ببركة هذا اليوم وسعادته، فإنّه اليوم الذي يقبض الله فيه عدوّه وعدوكما وعدو جدكما ، ويستجيب فيه دعاء أنكما، فإنّه اليوم الذي يكسر فيه شوكة مبغض جدكما وناصر عدوّكما ، كُلا فإنّه اليوم الذي يفقد فيه فرعون أهل بيتي وهامانهم وظالمهم وغاصب حقهم، كُلا فإنّه اليوم الذي يفرح الله فيه قلبكما وقلب أمكما» .

قال حذيفة: فقلت يا رسول الله في أمتك وأصحابك من يهتك هذا الحرم؟ قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «جبت من المنافقين يظلم أهل بيتي ويستعمل في أمتي الرياء ويدعوهم إلى نفسه ويتطاول على الأمة من بعدي ويستجلب أموال الله من غير حله وينفقها في غير طاعته، ويحمل على كتفه درّة الخزى ويضلّ النّاس عن سبيل الله ويحرف كتابه ويغيّر سنتي ويغصب ارث ولدي وينصب نفسه علماً، ويكذبني ويكذب أخي ووزيري ووصيتي وزوج ابنتي، ويتغلب على ابنتي ويمنعها حقها وتدعو فيستجاب الله لها الدعاء في مثل هذا

اليوم » .


1) في نسخة عيد.

2) البحار : 121/31

قال حذيفة (رضی الله عنه ) : قلت يا رسول الله ادع الله ليهلكته في حياتك قال : «يا حذيفة لا أحب أن أجتري على الله عزّ وجلّ لما قد سبق في علمه، لكني سألت الله تعالى أن يجعل اليوم الذي يقبضه فيه إليه فضيلة على سائر الأيام، ويكون ذلك سنة يستن بها أحبائي وشيعة أهل بيتي ومحبيهم، فأوحى الله عزّ وجل إلي »:

قال : يا محمد إنّه قد سبق في علمي أن يمسك وأهل بيتك محن الدنيا وبلائها وظلم المنافقين والمعاندين من عبادي ممّن نصحتهم وخانوك ومحضتهم وغشوك وصافيتهم وكاشحوك، وأوصلتهم وخالفوك وأوعدتهم وكذبوك، فإنّي بحولي وقوتي وسلطاني لأفتحنّ على روح من يغضب «يغضب » بعدك عليّاً حقه وصيك وولي خلقي (1)ألف باب من النيران من سفال الفيلوق، ولا وصلته وأصحابه قعراً يشرف عليه إبليس لعنه الله فيلعنه، ولأجعلن ذلك المنافق عبرة في القيامة مع فراعنة الأنبياء وأعداء الدين في المحشر، ولا حشرنّهم وأوليائهم وجميع الظلمة والمنافقين في جهنم ولأدخلنهم فيها أبد الآبدين.

يا محمد أنا أنتقم من الذي يجتري (2)عليّ ويبدل كلامي ويشرك بي ويصد الناس عن سبيلي وينصب نفسه عجلاً لا منك ويكفر بي، إن قد أمرت سبع سماوات من شيعتكم ومحبّيكم أن يتعيدوا في هذا اليوم الذي أقبضه إليّ فيه وأمرتهم أن ينصبوا كراسي كرامتي بإزاء البيت المعمور ويثنوا علي ويستغفروا لشيعتكم من واد آدم.

يا محمد وأمرت الكرام الكاتبين أن يرفعوا القلم عن الخلق« كلهم خ» ثلاثة أيام من أجل ذلك اليوم، ولا أكتب عليهم شيئاً من خطاياهم كرامة لك ولوصيك .

يا محمد إني قد جعلت ذلك عيداً لك ولأهل بيتك وللمؤمنين من شيعتك، وآليت على نفسي بعزتي وجلالي وعلوي في رفيع مكاني إنّ من وسع في ذلك اليوم على عياله وأقاربه لأزيدن في ماله وعمره ولأعتقنه من النار ولأجعلن سعيه مشكوراً وذنبه مغفوراً، وأعماله مقبولة، ثم قام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فدخل بيت أم سلمة فرجعت عنه صلی الله علیه واله وسلم وأنا غير شاك في أمر الشيخ الثاني حتى رأيته بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم و قد فتح الشر وأعاد الكفر والارتداد عن الدين وحرّف القرآن (3).

وفي «البحار» من كتاب «الإقبال » لابن طاوس بعد ذكر اليوم التاسع من ربيع الأول: أعلم أن هذا اليوم وجدنا فيه رواية عظيمة الشأن ووجدنا جماعة من العجم والإخوان يعظمون


1) في نسخة من العذاب الأليم.

2) في نسخة : ولأدخلنهم.

3) البحار: 118/31 - 120

السّرور فيه ويذكرون أنه هلاك من كان يهون بالله جل جلاله ورسوله ويعاديه ، ولم أجد فيما تصفحت من الكتب إلى الآن موافقة اعتمد عليها للرواية التي رويناها عن ابن بابويه تغمّده الله رضوانه، فإن أراد أحد تعظيمه مطلقاً لسرّ يكون في مطاويه غير الوجه الذي يظهر فيه احتياطاً للزواية، فهكذا عادة ذوي الدّراية ، وإن كان يمكن تأويل ما رواه أبو جعفر بن بابويه في أن قتل من ذكر كان في تاسع ربيع الأول ، لعلّ معناه أن السبب الذي اقتضى قتل المقاتل على قتله كان في ذلك اليوم، ويمكن أن يسمى مجازاً سبب القتل بالقتل، أو يكون توجه القاتل من بلده في ذلك اليوم، أو وصول القاتل إلى مدينة القتل فيه، وأما تأويل من تأوّل أن الخبر وصل إلى بلد ابن بابويه فيه فلا يصح، لأنّ الحديث الذي رواه ابن بابويه عن الصادق علیه السلام تضمن أن القتل في ذلك اليوم فكيف يصح هذا التأويل .

قال في «البحار» بعد حكايته ذلك : ويظهر منه ورود رواية أخرى عن الصادق علیه السلام بهذا المضمون رواها الصدوق، ويظهر من كلام خلفه الجليل ورود عدة روايات دالة على كون قتله في ذلك، فاستبعاد ابن إدريس وغيره رحمة الله عليهم ليس في محله، إذ اعتبار تلك الروايات مع الشهرة بين أكثر الشيعة سلفاً وخلفاً لا يقصر عمّا ذكره المؤرخون من المخالفين، ويحتمل أن يكونوا غيروا هذا اليوم ليشتبه الأمر على الشيعة فلا يتخذوه يوم عيد وسرور .

فإن قيل : كيف اشتبه هذا الأمر العظيم بين الفريقين مع كثرة الدواعي على ضبطه ونقله .

قلنا : نقلب الكلام عليكم مع أنّ هذا الأمر ليس بأعظم من وفات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقع الخلاف فيه بين الفريقين، بل بين كلّ منهما مع شدّة تلك المصيبة العظمى وما استتبعه من الدواهي الأخرى مع أنّهم اختلفوا في يوم القتل، وإن اتفقوا في كونه ذي الحجة، ومن نظر في اختلاف الشيعة وأهل الخلاف في أكثر الأمور التي توفرت الدواعي على نقلها مع كثرة حاجة النّاس إليها كالأذان والوضوء والصلاة والحج، وتأمل فيها لا يستبعد أمثال ذلك، والله أعلم بحقائق الأمور (1).

الثاني

في ذكر أخبار الشورى من طرق العامة فأقول : روى في «البحار» عن ابن الأثير «الكامل» و «الطبري » عن شيوخه بطرق متعدّدة أنّه لما طعن أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب، وعلم أنّه قد انقضت أيامه واقترب أجله ، قال له بعض أصحابه : لو استخلفت يا أمير المؤمنين، فقال : لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته وقلت لربّي إن سألني : سمعت نبيك يقول : أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً استخلفته وقلت لربّي إن سألني : سمعت


1) بطوله في البحار: 132/31

نبيّك يقول: إنّ سالماً شديد الحب الله فقال رجل : ولّ عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله ، والله ما أردت الله بهذا، ويحك كيف أستخلفت رجلاً عجز عن طلاق امرأته (1)

وفي «شرح المعتزلي» أنّ عمر لما طعنه أبو لؤلؤة وعلم أنه ميت استشار فيمن يوليه الأمر بعده فأشير إليه بأبنه عبد الله فقال لاهاء الله لا يليها رجلان من ولد الخطاب حسب عمر ما حمل حسب عمر ما احتقب لاهاء الله ، لا أتحملها حياً وميتاً، ثم قال: إن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم مات وهو راض عن هذه السنة من قريش : علي وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختار والأنفسهم، ثم قال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير منّي يعني أبا بكر وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله ، ثم قال : ادعوهم لي، فدعوهم فدخلوا عليه وهو ملقى على فراشه وهو يجود بنفسه، فنظر إليهم فقال : أكلكم يطمع في الخلافة بعدي؟ فوجموا فقال لهم : ثانية فأجابه الزبير وقال : وما الذي يبعدنا منها وليتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة والقرابة .

قال الشارح : قال الشيخ أبو عثمان الجاحظ : والله لولا علمه أن عمر يموت في مجلسه ذلك لم يقدم على أن يفوه من هذا الكلا بكلمة ولا أن ينبس منه لفظ، فقال عمر: أفلا أخبركم عن أنفسكم قالوا : قل فإنا لو استعفيناك لم تعفنا، فقال: أما أنت يا زبير فوعقة(2)لقس (3)مؤمن الرّضى كافر الغضب ، يوماً إنسان ويوماً شيطان ، ولعلها لو أفضت إليك ظلت قومك تلاطم بالبطحاء على مدّ من شعير ، أفرأيت إن أفضت إليك فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطاناً ومن يكون يوم تغضب إماماً، وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة وأنت على هذه الصفة .

أقبل على طلحة وكان له مبغضاً منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر، فقال له : أقوم أم أسكت؟ وقال : قل فإنك لا تقول من الخير شيئاً، قال: أما أني أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد والباد (4)الذي حدث لك، لقد مات رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ساخطاً عليك للكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب (5).

قال الشارح : قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ : الكلمة المذكورة أن طلحة لما أنزلت آية


1) البحار (383/18 ، وتاريخ الطبري : 2923، والغدير : 360/6 .

2) وعقة: رجل وعق أي سيء الخلق.

3) لقس: لقست نفسه إلى الشيء أي نازعت إليه .

4) الباد : العجب.

5) شرح النهج لابن أبي الحديد: 190/1.

الحجاب قال بمحضر ممّن نقل عنه إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : ما الذي يغنيه حجابهن اليوم سيموت غداً فننكحهنّ ، قال : قال أبو عثمان أيضاً : لو قال لعمر قائل أنت قلت: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مات وهو راض عن السنّة فكيف تقول الآن لطلحة إنه صلی الله علیه واله وسلم مات ساخطاً عليك للكلمة التي قلتها ، لكان قد رماه بمشاقصة ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقوم له : ما دون هذا فكيف هذا؟ .

ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص فقال : أما أنت صاحب مقنب (1)من هذه المقانب

تقاتل به وصاحب قنص وقوس وأسهم وما زهرة والخلافة وأمور الناس.

ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف فقال : وأما أنت يا عبد الرحمن فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح أيمانك به ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك وما زهرة وهذا الأمر.

ثم أقبل على علي علیه السلام فقال : الله أنت لولا دعابة فيك أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء .

ثم أقبل على عثمان فقال هيها (2)إليك كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إيّاك أمية وبني أبي معيط على رقاب النّاس وآثرتهم بالفيء فسارت (3)إليك عصابة من فحملت رابان (4)العرف فذيحوك على فراشك ذبحاً والله لئن فعلوا لتفعلن ولئن فعلت ليفعلن، ثم أخذ بناصيته فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي فإنه كائن .

ثم قال : إدعوا لي أبا طلحة الأنصاري فدعوه له فقال : انظر يا أبا طلحة إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلاً من الأنصار حاملي سيوفكم فخذ هؤلاء النفر بامضاء الأمر وتعجيله واجمعهم في بيت وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم، فإن اتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن فارجع إلى ما قد اتفقت عليه فإن أصرت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقها ، وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر قاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم.

فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين من


1) المقنب من النحيل الأربعون والخمسون وأكثر ويعني أنه صاحب جيوش.

2) هيها الهية من ينحي لدنس ثيابه.

3) في نسخة فثارت .

4) في نسخة : ذوبان .

الأنصار حاملي سيوفهم ثم تكلم القوم وتنازعوا ، فأوّل ما عمل طلحة أنه أشهدهم على نفسه أنه قد وهب من الشورى لعثمان، وذلك لعلمه أن الناس لا يعدلون به عليّاً وعثمان وأن الخلافة لا تخلص له وهذان موجودان ، فأراد تقوية أمر عثمان وإضعاف جانب علي علیه السلام بهبة أمر لا انتفاع ولا تمكن له منه ، فقال الزبير في معارضته وأنا أشهدكم على نفسي أني قد وهبت تقي من الشورى لعلي علیه السلام، وإنما فعل ذلك لأنه لما رأى عليا علیه السلام قد ضعف وانخذل بهبة طلحة حقه لعثمان دخلته حمية النسب، لأنه ابن عمة أمير المؤمنين علیه السلام وهي صفية بنت عبد المطلب وأبو طالب خاله، فبقي من الستة أربعة ، فقال سعد بن أبي وقاص : وأنا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمّي عبد الرحمن، وذلك لأنّهما من بني زهرة ولعلم سعد أنّ الأمر لا يتم له .

فلما لم يبق إلا الثلاثة قال عبد الرحمن لعلي وعثمان : أيكما يخرج نفسه من الخلافة ويكون إليه الاختيار في الاثنين الباقيين؟ فلم يتكلم منهما أحد، فقال عبد الرحمن: إنّي أشهدكم قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدهما، فأمسكا، فبدأ بعلي علیه السلام وقال له : أبايعك على كتاب الله وسنة رسول وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر، فقال: بل على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي ، فعدل عنه إلى عثمان فعرض ذلك عليه، فقال: نعم، فعاد إلى علي علیه السلام فأعاد قوله، فعل ذلك عبد الرحمن ثلاثاً، فلما رأى أنّ عليّاً غير راجع عما قاله وأنّ عثمان ينعم له بالإجابة صفق على يد عثمان ، وقال : السّلام عليك يا أمير المؤمنين، فيقال: إن علياً علیه السلام قال له : «والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه ، دق الله بينكما عطر منشم »، قيل : ففسد بعد ذلك بين عثمان وعبد الرحمن فلم يكلم أحدهما صاحبه حتى مات عبد الرحمن .

وقال الشارح أيضاً : لما بنى عثمان قصره طمارد الزوراء وصنع طعاماً كثيراً ودعا الناس إليه كان فيهم عبد الرحمن، فلما نظر إلى البناء والطعام قال : يا ابن عفان لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك وإني أستعيذ بالله من بيعتك، فغضب عثمان وقال : أخرجه عني يا غلام ، فأخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض، ومرض عبد الرحمان فعاده عثمان ، فكلمه ولم يكلمه حتى مات (1).

أقول : هذا ما رواه الشارح المعتزلي في قضية الشورى وأتبعه بروايات أخرى لأمهم في إطالة الكلام بذكرها ، وإنّما المهم الإشارة إلى بعض ما يطعن به على عمر في هذه القضية من ابداعه في الدين وخروجه عن نهج الحق المبين وغير ذلك مما لا يخفى على أهل البصيرة واليقين .


1) بطوله في شرح النهج : 196/1.

منها مخاطبته القوم ومواجهتهم بمثل تلك الكلمات الكاشفة عن غلظ طبيعته وخشونة مسه وجفوته، وذلك شاهد صدق على ما ذكره علیه السلام سابقاً بقوله : فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها (ا ه) .

ومنها خروجه في هذا الأمر عن النص والاختيار جميعاً.

ومنها حصر الشورى في ستة وذمّ كلّ واحد منهم بأن ذكر فيه طعناً لا تصلح معه الإمامة ثم أهله بعد أن طعن فيه.

ومنها نسبة الإمام علیه السلام إلى الدعابة والمزاحة وهو افتراء عليه وظلم في حقه، ومثل ذلك زعم عمرو بن العاص وكذبه علیه السلام في بعض خطبه الآتية بقوله : عجباً لابن النابغة يزعم أن في دعابة أو أنّي امرء ملعابة. إلى آخر ما يأتي وهو المختار الثالث والثمانون.

ومنها جعل الأمر إلى سنة ثم إلى أربعة ثم إلى واحد وصفه بالضعف والقصور. ومنها ترجيح قول الذين فيهم عبد الرحمن لعلمه بأنه لا يكاد يعدل بالأمر عن ختنه وابن عمه .

ومنها إدخاله عثمان في الشورى مع دعواه العلم بظهور الفساد والقتل من خلافته وصرف مال الله في غير أهله كما يدلّ عليه قوله : والله لئن فعلوا لتفعلن. ومنها أمره بقتل الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن لو أصروا على المخالفة ومن

المعلوم أنّ مخالفته لا توجب استحقاق القتل .

ومنها أمره بقتل الستة وضرب أعناقهم إن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا، ومن الواضح أن تكليفهم إذا كان الاجتهاد في اختيار الإمام فربما طال زمان الاجتهاد وربما قصر بحسب ما يعرض فيه من العوارض، وكيف يسوغ الأمر بالقتل إذا تجاوزت الثلاثة إلى غير هذه مما هی غير خفيّة على أهل البصيرة والمعرفة .

الثالث

في ذكر طائفة من الاحتجاجات التي احتج بها الإمام علیه السلام في مجلس الشورى ومناشداته معهم وتعديد فضائله وذكر خصائصه ، وهي كثيرة روتها الخاصة والعامة في كتبهم ونحن نقتصر على رواية واحدة.

وهو ما رواه الطبرسي في «الاحتجاج» عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر علیه السلام قال : إن عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة وأجمع على الشورى بعث إلى ستة نفر من قريش : إلى علي بن أبي طالب علیه السلام وإلى عثمان بن عفان وإلى زبير بن

العوام وإلى طلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، وأمرهم أن يدخلوا إلى بيت ولا يخرجوا منه حتى يبايعوا لأحدهم فإن اجتمع أربعة على واحد وأبى واحد أن يبايعهم قتل ، وإن امتنع اثنان وبايع ثلاثة قتلا فأجمع رأيهم على عثمان.

فلما رأى أمير المؤمنين علیه السلام ما هم القوم به من البيعة لعثمان قام فيهم ليتخذ عليهم الحجة، فقال علیه السلام لهم : «إسمعوا مني فإن يك ما أقول حقاً فأقبلوا، وإن يك باطلاً فأنكروه » ثم قال علیه السلام:« أنشدكم (1)بالله الذي يعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم هل فيكم أحد صلّى القبلتين كلتيهما غيري؟ قالوا: لا، قال نشدتكم بالله هل فيكم من بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان غيري »؟ قالوا: لا، قال : نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخوه المزين بالجناحين (2)غيري؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد عمه سيد الشهداء غيري؟ » قالوا : لا ، قال :« نشدتكم بالله هل فيكم أحد زوجته سيدة نساء أهل الجنة غيري»؟ قالوا: لا .

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد إبناه إبنا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهما سيدا شباب أهل الجنة غيري»؟ قالوا: لا ، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد عرف الناسخ من المنسوخ في القرآن غيري» ؟ قالوا : لا .

قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً غيري»؟ قالوا: لا ، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد عاين جبرئيل في مثال دحية الكلبي غيري»؟ قالوا : لا ، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد أدّى الزكاة وهو راكع غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد مسح رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عينيه وأعطاه الرّاية يوم خيبر فلم يجد حراً ولا برداً غيري»؟ قالوا : لا .

قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد نصبه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يوم غدير خم بأمر الله فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه غيري؟ قالوا: لا، قال: فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد أخو رسول الله في الحضر ورفيقه في السفر غيري»؟ قالوا : لا .

قال : «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد بارز عمرو بن عبدود يوم الخندق وقتله غيري»؟ قالوا : لا ، قال : «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلوات الله عليه وآله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي غيري» ؟ قالوا : لا .

قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد سمّاه الله تعالى في عشر آيات من القرآن مؤمناً


1) في نسخة : نشدتكم.

2) في نسخة : يطير بهما في الجنة.

غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد ناول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه الكفار فانهزموا غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد وقفت الملائكة أحد يوم حتى ذهب الناس عنه غيري»؟ قالوا : لا ، قال : «فأنشدتكم بالله هل أحد قضى دين رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد

اشتاقت الجنّة إلى رؤيته غيري» ؟ قالوا : لا .

قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد شهد وفات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غيري»؟ قالوا: لا، قال :« نشدتكم بالله هل فيكم أحد غسل رسول الله * وكفنه غيري» ؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ورايته وخاتمه غيري»؟ قالوا: لا .

قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد جعل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم طلاق نسائه بيده غيري»؟ قالوا: لا ، قال : «انشدتكم بالله هل فيكم أحد حمله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على ظهره حتى كسر الأصنام على باب الكعبة غيري»؟ قالوا: لا، قال: «انشدتكم بالله هل فيكم أحد نودي بإسمه

يوم بدر من السماء لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي غيري»؟ قالوا : لا .

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد أكل مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من الطائر المشوي الذي أهدي إليه غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت صاحب رايتي في الدنيا وصاحب لوائي في الآخرة غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد قدم بين يدي نجويه صدقة غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد خصف نعل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم غيري»؟ قالوا : لا .

قال : « نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، أنا أخوك وأنت أخي غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اللهم ائتني بأحب خلقك (1)إليّ وأقواهم بالحق غيري»؟ قالوا (2): لا قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد استقى مائة دلو بمائة تمر وجاء بالتمر فأطعمه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهو جائع غيري؟ قالوا : اللهم : لا .

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد سلّم عليه جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في ثلاثة آلاف من الملائكة (3)يوم بدر غيري »؟ قالوا : اللهم لا ، قال: «انشدتكم بالله هل فيكم أحد غمض عين رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غيري»؟ قالوا : لا ، قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد وحد الله قبلي


1) في نسخة : الخلق.

2) في نسخة : اللهم .

3) نسخة كل واحد منهم في ألف من الملائكة .

غيري»؟ قالوا : لا ، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد كان أوّل داخل على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وآخر خارج من عنده غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فأنشدتكم بالله هل فيكم أحد مشى مع رسول الله فمرّ على حديقة فقال (1)ما أحسن هذه الحديقة، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وحديقتك في الجنّة أحسن من هذه الحديقة حتّى إذا مرّ(2)على ثلاثة حدائق كل ذلك يقول رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حديقتك في الجنّة أحسن من هذه غيري» ؟ قالوا: لا.

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أنت أوّل من آمن بي وأوّل من يصافحني يوم القيامة غيري؟ قالوا: لا، قال نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بیده وید امرأته وابنيه حين أراد أن يباهل نصارى نجران غيري»؟ قالوا : لا .

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أول طالع يطلع عليكم من هذا الباب يا أنس فانّه أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وخير الوصيين وأولى الناس بالناس فقال أنس : اللهم اجعله رجلاً من الأنصار فكنت أنا الطالع فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لأنس : ما أنت بأوّل رجل أحب قومه غيري»؟ قالوا: لا، قال : « نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية :

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة : 55 ] .

غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه وفي ولده :

(إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴾ [الإنسان : 55] .

إلى آخر السورة ، غيري»؟ قالوا : لا ، قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه :

(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يستورنَ عِندَ الله ) [التوبة : 19].

غيري»؟ قالوا: لا، قال: «انشدتكم بالله هل فيكم أحد علمه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ألف كلمة كلّ كلمة مفتاح ألف كلمة غيري؟ قالوا: لا .

قال : « لانشدتكم بالله هل فيكم أحد ناجاه رسول الله يوم الطائف فقال أبو بكر وعمر : ناجيت عليّاً دوننا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : ما أنا ناجيته بل الله أمرني بذلك ، غيري»؟ قالوا : لا .


1) في نسخة : فقلت .

2) في نسخة : مررت .

قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد سقاه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من المهراس (1)غيري»؟ قالوا : لا ، قال : « نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله : أنت أقرب الخلق مني يوم القيامة يدخل بشفاعتك الجنّة أكثر من عدد ربيعة ومضر غيري؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت تكسي حين أكسي، غيري» ؟ قالوا: لا .

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: أنت وشيعتك هم الفائزون يوم القيامة غيري»؟ قالوا : لا ، قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : كذب من زعم أنه يحبني ويبغض هذا، غيري» ؟ قالوا : لا .

قال : « نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: من أحب شعراتي «هذه خ» فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ، فقيل له : وما شعراتك يا رسول الله؟ قال: علي والحسن والحسين وفاطمة ، غيري» ؟ قالوا : لا .

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت خير البشر بعد النبيين غيري»؟ قالوا : لا ، قال : « نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: أنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل غيري»؟ قالوا: لا، قال : « نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت أفضل الخلائق عملاً يوم القيامة بعد النبيين غيري»؟ قالوا: لا.

قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كساه عليه وعلى زوجته وعلى ابنيه ثم قال : اللهم أنا وأهل بيتي إليك لا إلى النار غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الطعام وهو في الغار ويخبره بالأخبار غيري»؟ قالوا: لا. قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : لا الله دونك ، غيري» ؟ قالوا : لا .

قال :« نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت أخي ووزيري وصاحبي من أهلي غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت اقدمهم سلما وأفضلهم علماً وأكثرهم حلماً غيري» ؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم

أقل منهم أحد قتل مرحباً اليهودي مبارزة فارس اليهود غيري»؟ قالوا : لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد عرض عليه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الإسلام فقال له : الإسلام فقال له: أنظرني حتّى ألقى والدي، فقال له رسول الله : يا علي فإنّها أمانة عندك، فقلت: فإن كانت أمانة عندي فقد أسلمت غيري» ؟

قالوا : لا .

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد احتمل باب خیبر حين فتحه فمشى به مائة ذراع ثم


1) المهراس حجر منقور يدق فيه ويتوضأ .

عالجه بعده أربعون رجلاً فلم يطيقونه ، غيري؟ قالوا : لا ، قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية .

(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَى نجونَكُمْ صَدَقَةً ) [المجادلة : 12] .

فكنت أنا الذي قدّم الصدقة غيري»؟ قالوا: لا ، قال : «انشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : من سب عليّاً فقد سبني ومن سبّني فقد سب الله ، غيري» ؟ قالوا: لا ، قال : « نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : منزلي مواجه منزلك في الجنّة غيري» ؟ قالوا : لا .

قال : « نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : قاتل من قاتلك وعادى عاداك غيري» ؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد اضطجع على فراش رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حين أراد أن يسير إلى المدينة ووقاه بنفسه من المشركين حين أرادوا قتله غيري»؟ قالوا : لا ، قال :«نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله : أنت أولى الناس بأمتي من بعدي غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت يوم القيامة عن يمين العرش والله يكسوك ثوبين أحدهما أخضر والآخر وردي غيري»؟ قالوا : لا .

قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد صلّى قبل الناس (1)بسبع سنين وأشهر غيري»؟ قالوا : لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أنا أنا يوم القيامة آخذ بحجزة رمي والحجزة النور وأنت آخذ بحجزتي وأهل بيتي آخذون بحجزتك، غيري»؟ قالوا : لا .

قال :« نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أنت كنفسي وحبك حبي وبغضك بغضي غيري»؟ قالوا : لا ، قال : نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : ولايتك كولايتي عهد عهده إلي ربّي وأمرني أن أبلغكموه غيري»؟ قالوا: لا، قال :« نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : اللهم اجعله لي عوناً وعضداً وناصراً ، غيري»؟ قالوا لا .

قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: المال يعسوب الظلمة وأنت يعسوب المؤمنين غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لابعثن اليكم رجلاً امتحن الله قلبه للإيمان غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد أطعمه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم رمانة وقال : هذه من رمان الجنة لا ينبغي أن يأكل منه إلا نبي أو وصي نبي، غيري؟ قالوا : لا .


1) في نسخة مع رسول الله

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ما سألت ربي شيئاً إلا أعطانيه ولم أسأل ربي شيئاً إلا سألت لك مثله غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت أقومهم بامر الله وأوفاهم بعهد الله وأعلمهم بالقضية وأقسمهم بالسوية وأعظمهم عند الله مزيّة غيري»؟ قالوا : لا .

قال :« نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : فضلك على هذه الأمة كفضل الشمس على القمر وكفضل القمر على النّجوم ، غيري »؟ قالوا: لا ، قال : «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: يدخل الله وليك الجنّة وعدوّك النار غيري »؟ قالوا : لا ، قال :«نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : الناس من أشجار شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة، غيري»؟ قالوا: لا

قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: أنا سيد ولد آدم وأنت سيد العرب (1)ولا فخر غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد رضي الله عنه في الآيتين من القرآن غيري»؟ قالوا: لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : موعدك وموعدي وموعد شيعتك الحوض إذا خافت الأمم ووضعت الموازين ، غيري»؟ قالوا: لا .

قال:«نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : اللهم إنّي أحبّه فأحبّه اللهم إني أستودعكه غيري»؟ قالوا: لا، قال :« نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أنت تحاج الناس فتحجهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والقسم بالسوية، غيري»؟ قالوا: لا .

قال :« نشدتكم بالله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بيده يوم بدر «غدیر خ» فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض ابطيه وهو يقول : ألا إنّ هذا عليّ بن أبي طالب أخي وابن عمّي ووزيري فوازروه وناصحوه وصدقوه فهو وليكم غيري»؟ قالوا: لا ، قال : نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية . (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9] .

غيري؟ قالوا: لا، قال: «فهل فيكم أحد كان جبرئيل أحد ضيفانه غيري»؟ قالوا: لا ، قال : «فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حنوطاً من حنوط الجنّة ثم قال : اقسمه أثلاثاً ثلثاً لي تحطني به وثلثاً لابنتي وثلثاً لك ، غيري»؟ قالوا : لا .


1) في :نسخة والعجم .

قال: «فهل فيكم أحد كان إذا دخل على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حياه وأدناه ورحب به وتهلل له وجهه غيري»؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنا أفتخر بك يوم القيامة إذا افتخرت الأنبياء بأوصيائها، غيري»؟ قالوا: لا .

قال: «فهل فيكم أحد سرحه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بسورة براءة إلى المشركين من أهل مكة بأمر الله غيري»؟ قالوا: لا، قال: «فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : إني لأَرحمك من ضغائن في صدور أقوام عليك لا يظهرونها حتى يفقدونني فإذا فقدوني خالفوا فيها ، غيري»؟ قالوا : لا .

قال: «فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أذى الله أذى الله عن أمانتك أدّى الله عن ذمتك غيري»؟ قالوا : لا، قال: «نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنت قسيم النار تخرج منها من زكى وتذر فيها كل كافر ، غيري»؟ قالوا: لا .

قال: «فهل فيكم أحد فتح حصن خيبر وسبى بنت مرحب فأذاها إلى رسول الله غيري»؟ قالوا : لا ، قال: «فهل فيكم أحد قال له رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : ترد على الحوض أنت وشيعتك روّاء مرويين مبيضة وجوههم ويردّ عليّ عدوك ظمأ مظمنين مقمحين مسودة وجوههم غيري»؟ قالوا : لا .

ثم قال لهم أمير المؤمنين علیه السلام : «أما إذا أقررتم على أنفسكم واستبان لكم ذلك من قول نبيكم فعليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأنهاكم من سخطه وغضبه ولا تعصوا أمره، وردوا الحق إلى أهله واتبعوا سنة نبيكم فإنكم إن خالفتم خالفتم الله ، فادفعوها إلى من هو أهله وهي له .

قال : فتغامزوا فيما بينهم وتشاوروا وقالوا : قد عرفنا فضله وعلمنا أنه أحق الناس بها، ولكنه رجل لا يفضل أحداً على أحد، فإن وليتموها إياه جعلكم وجميع الناس فيها شرعاً سواء، ولكن ولوها عثمان فإنّه يهوى الذي تهوون، فدفعوها إليه (1).


1) بطوله في الإحتجاج : 201/1 - 210 ، والبحار : 335/31 - 344.

الترجمة

تا هنگامی که در گذشت عمر به راه خود و جان به مالکان دوزخ سپرد گردانید ، خلافت را در شش نفر گمان نمود که من یکی از ایشانم ، پس خداوند به فریاد من از برای شوری ! چگونه شك عارض شد به مردم در شأن من با اول ایشان که

برس ابوبکر بود تا این که گشتم مقرون به امثال این اشخاص و لیکن به جهت اقتضاء مصلحت مدارا کردم من با ایشان و نزديك شدم به زمین در طیران هنگامی که ایشان نزديك شدند و طیران کردم وقتی که ایشان طیران کردند ، پس میل کرد یکی از ایشان از من به جهت حقد و حسد که آن سعد وقاص بود یا طلحه و میل کرد دیگری از آنها به سوی قرابت زن خود و آن عبدالرحمن بن عوف بود که میل نمود به عثمان به جهت آن که برادرزن او بود و تنها میل آن به سوی او به جهت مصاهرت و قرابت نبود ، بلکه با شیء قبیح ، (و شیء قبیح که آن بغض و عداوت امير المؤمنين (علیه السلام) بود یا طمع در وصول خلافت به او بعد از انقضاء ایام عثمان یا سایر اغراض نفسانیه که اظهار آن قبیح و ذکر آن مستهجن است) .

الفصل الرابع

اشارة

«إلى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نافِجاً حِضْنَيْهِ بَينَ نَيْلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ، وَقامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضِمُونَ مالَ اللهِ تَعَالَى خَضْمَ الإِبِل نِبْتَةَ الربيع، إلى أن التَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بطنَتُه ».

اللغة

(النفج) بالجيم الرفع يقال نفج الثدي الثوب أي رفعه و(الحضن ) الجنب وما بين الإبط والكشح يقال للمتكبر جاء نافجاً حضنيه ولمن امتلاء بطنه من الأكل جاء نافجاً حضنيه ، والأنسب في المقام الثاني تشبيهاً بالبعير المنتفج الجنبين من كثرة الأكل و(النثيل) الروث وفي رواية الصدوق بين إيله «كذا» وهو بالكسر وعاء القضيب أو نفسه و(المعتلف) موضع الإعتلاف وهو أكل الدابة العلف و(الخضم )الأكل بجميع الفم ويقابله القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، يقال خضم الشيء كعلم وضرب أكله بجميع فمه، وعن النهاية الخضم الأكل بأقصى الأضراس، والقضم بأدناها .

ومنه حديث أبي ذر (رحمت الله) وتأكلون خضماً ونأكل قضماً وقيل : الخضم خاص بالشيء الرّطب، والقضم باليابس و (النبتة) بكسر النون النبات يقال : نبت الرطب نباتاً وأنبته و(النكث) النقض يقال : نكث فلان العهد والحيل فانتكث نفضه فانتفض و (قتل) الحبل لواه وبرمه و (الإجهاز) إتمام قتل الجريح وإسراعه و (كبا) الفرس يكبو سقط على وجهه وكبابه أسقطه و(البطنة) بالكسر الكظة وهو الامتلاء من الطعام والإسراف في الأكل.

الإعراب

(بين نثيله ومعتلفه) متعلّق بقام أي قام بين روثه ومعتلفه ، وجملة (يخضمون) منصوب المحلّ على الحالية .

المعنى

لما ذكر علیه السلام لخلافة الثاني ونبه على جعله الخلافة شورى بين الستة وأشار إلى عدول بعض هؤلاء عن منهج الصواب ، أتبعه بما ترتب على ذلك وهو خلافة الثالث بقوله : (إلى أن قام ثالث القوم ) والمراد بالقيام الحركة في تولي أمر الخلافة، وثالث القوم هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وكان أبوه عفّان ممّن يضرب بالدف ويتخنّث به ويلعب ، رواه العلامة في كشف الحق ومؤلف كتاب «إلزام النواصب » عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، هذا.

وأثبت علیه السلام له حالاً يستلزم تشبيهه بالبعير واستعار له صفته بقوله : (نافجاً حضنيه) أي نافجا جنبيه ورافعاً ما بين إبطه وكشحه من كثرة الأكل والشرب كالبعير المنتفج الجنبين (بين نشيله ومعتلفه) أي قام بالأمر وكانت حركته بين روثه ومعتلفه يعني لم يكن همّه إلا الأكل والرجيع كالبهائم التي لا اهتمام لها إلا بالأكل والروث قال الشارح المعتزلي : وهذا من أمض الذم وأشدّ من قول الحطية الذي قيل إنه أهجى بيت للعرب:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

هذا والمعنى على رواية الصدوق أنّ قيامه كان بين منكحه ومطعمه وبالجملة فالمقصود أن همّه لم يكن إلا بطنه وفرجه والترفه بالمال وإصلاح مصالح نفسه وإعمال دواعي خاطره من دون أن يكون له قيام بمصالح المسلمين وتوجّه إلى إصلاح أمور الخلافة ومراعاة لوازم الولاية (وقام معه بنو أبيه) أراد بهم بني أمية فإنّهم قاموا معه حال كونهم (يخضمون مال الله) ويأكلونه بأقصى أضراسهم .

وهو كناية عن كثرة توسعهم بمال المسلمين وشدّة أكلهم من بيت المال من غير مبالاة لهم فيه (كخضم الإبل ) وأكلها بجميع فمها ( نبتة الربيع ) ونباته، ووجه الشبه أن الإبل لما كانت تستلذ نبت الربيع بشهوة صادقة وتملاء منه أحناكها وذلك لمجيئه عقيب يبس يس الأرض وطول مدة الشتاء، كان ما أكله أقارب عثمان من بيت المال مشبهاً ، بذلك لاستلذاذهم به وانتفاعهم منه بعد طول فقرهم ، وامتداد ضرهم، وذلك الكلام منه علیه السلام خارج معرض التوبيخ والدّم إشارة إلى ارتكابه معهم مناهي الله المستلزم لعدم قابليته للخلافة واستعداده للإمامة.

قال الشارح المعتزلي : وصحت فيه فراسة عمر فإنّه أوطأ بني أمية رقاب الناس وولاهم الولايات وأقطعهم القطائع وافتتحت أرمينية في أيامه فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان، وطلب إليه عبد الله بن خلد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قد سيره ثم لم يرده أبو بكر ولا عمر وأعطاه مائة ألف درهم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهروز على المسلمين فأقطعها عثمان الحرث بن الحكم أخا مروان بن حكم ، وأقطع مروان فدك وقد كانت فاطمة عليها السلام طلبتها بعد وفات أبيها صلوات الله عليه تارة بالميراث وتارة بالنّحلة فدفعت عنها ، وحمى المراعي حول المدينة كلها عن مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية .

بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح أفريقية بالمغرب وهي من

وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح أفريقية بالمغرب وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين.

وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه ابنته أم أبان فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت

المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكي، فقال : عثمان أتبكي إن وصلت رحمي؟ قال: لا ، ولكن أبكى لأنى أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم والله لو أعطيت لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً فقال لكان كثيراً فقال : ألق المفاتيح فإنا سنجد غيرك، وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني أمية ، وأنكح الحرث بن الحكم ابنته عائشة فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضاً بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنة، انتهى (1).

وقال السيد المرتضى (قدس الله سره) في محكى «الشافي» : روى الواقدي بإسناده عن المسود بن عنبسة قال: سمعت عثمان يقول : إن أبا بكر وعمر كانا يناولان في هذا المال طلاق أنفسهما وذوي أرحامهما وإني ناولت فيه صلة رحمي، وروى إنه كان بحضرته زياد بن عبيد مولی الحرث بن كلدة الثقفي وقد بعث إليه أبو موسى بمال عظيم من البصرة فجعل عثمان يقسمه بين ولده وأهله بالصحاف، فبكى زياد فقال : لا تبك فان عمر كان يمنع أهله وذوي قرابته ابتغاء وجه الله، وأنا أعطي ولدي وأهلي وقرابتي ابتغاء وجه الله (2).

وقد روى هذا المعنى عنه عدة طرق بألفاظ مختلفة، وروى الواقدي أيضاً قال قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحرث بن الحكم بن أبي العاص، وروى أيضاً أنه ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف فوهبها له حين أتاه بها .

وروى أبو مخنف والواقدي أنّ الناس أنكروا على عثمان أعطاه سعد بن العاص مائة ألف وكلمه علي علیه السلام والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن في ذلك فقال : إن له قرابة ورحماً، قالوا: وما كان لأبي بكر وعمر قرابة وذو رحم؟ فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي ، قالوا فهديهما والله أحب إلينا من هديك .

وروى أبو مخنف أن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية قدم على عثمان من مكة ومعه ناس أمر لعبد الله بثلاثمائة ألف ولكل واحد من القوم بمائة ألف وصك بذلك على عبد الله بن الأرقم وكان خازن بيت المال فاستكثره ورد الصك به، ويقال : إنه سأل عثمان أن يكتب عليه بذلك كتاباً فأبى وامتنع ابن الأرقم أن يدفع المال إلى القوم، فقال له عثمان: إنّما أنت خازن لنا فما حملك على ما فعلت؟ فقال ابن الأرقم: كنت أراني خازن المسلمين وإنّما خازنك غلامك والله لا آل لك بيت المال أبداً، وجاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر، ويقال: بل ألقاها إلى عثمان فدفعها إلى نائل مولاه .


1) شرح نهج البلاغة : 199/1 ، والغدير : 260/8

2) راجع الصراط المستقيم : 32/3 والشافي : 273 - 274

وروى الواقدي أنّ عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت مال المسلمين إلى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمائة ألف درهم، فلما دخل بها عليه قال له : يا أبا محمد إنّ أمير المؤمنين أرسل إليك يقول قد شغلناك عن التجارة ولك رحم أهل حاجة ففرق هذا المال فيهم واستعن به على عيالك، فقال عبد الله بن الأرقم مالي إليه حاجة وما عملت لأن يثيبني عثمان والله إن كان هذا من بيت مال المسلمين ما بلغ قدر عملي أن أعطي ثلثمائة ألف ، ولئن كان مال عثمان فما لي إليه حاجة (1)

والحاصل أنه قد كان يصرف مال الله على نفسه وعلى أقاربه وأصهاره، وكان مستمراً فی إتلاف بيت مال المسلمين مستبداً برأيه في ذلك.

وأنضم إليه أمور أخرى من تسيير أبي ذر إلى ربذة ، وضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر أضلاعه، وما أظهر من الحجاب ، والعدول عن جادة الشريعة في إقامة الحدود وردّ المظالم وكفّ الأيدي العادية والانتصاب لسياسة الزعية.

(إلى أن ) ضاق له المخرج وعمى المصدر وانجز الأمر إلى اجتماع أهل المدينة عليه مع جماعة من أهل مصر أهل مصر (فانتكث) أي انتقض (عليه فتله ) أي برم حبله وهو كناية عن انتقاض تدابيره المبرمة ورجوعها إليه بالفساد وتأديتها إلى الهلاك ( وأجهز عليه) أي أسرع إليه بالقتل بعد كونه مجروحاً (عمله) أي أعماله الشنيعة وأفعاله القبيحة التي صارت سبباً لقتله ففي الاسناد توسع (وكبت به ) أي أسقطته على وجهه (بطنته) وإسرافه في الشبع كالجواد الذي يكبو من كثرة الأكل والإمتلاء والكظة ، وهذه كلها إشارة إلى تأدي كاته الشنيعة إلى سوء

الخاتمة .

وقد قتل وانتقل إلى الحامية في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وذلك بعدما غصب الخلافة اثنتي عشرة سنة إلا إنني عشر يوماً، وقيل إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وأربعة عشر يوماً، وقيل ثمانية عشر يوماً، وقد كان بعد قتله مطروحاً في خندق اليهود إلى ثلاثة أيام لا يستحلّ أحد دفنه ولا يقدم أحد على ذلك خوفاً من المهاجرين والأنصار حتى نهبه بنو أمية ودفنوه، وقيل: كان مطروحاً في مزبلة اليهود ثلاثة أيام حتى أكلت الكلاب إحدى رجليه فاستأذنوا عليّاً علیه السلام فأذن في دفنه ودفن في حش كوكب وهي مقبرة كانت لليهود بالمدينة، فلما ولى معاوية وصلها بمقابر أهل الإسلام ، ويأتي تفصيل الكلام في كيفية قتله في شرح الكلام الثلاثين إن شاء الله، هذا.

والعجب أن الشارح المعتزلي بعد ذكره ما حكينا عنه سابقاً في ذيل قوله علیه السلام:


1) راجع البحار : 22031 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 36/3، والغدير: 277/8.

«يخضمون مال الله »(ا ه) ، قال : وقد أجاب أصحابنا عن المطاعن في عثمان بأجوبة مشهورة في كتبهم والذي نقول نحن : إنّها وإن كانت أحداثاً إلا أنها لم تبلغ المبلغ الذي يستباح به دمه وقد كان الواجب عليهم أن يخلعوه من الخلافة حيث لم يستصلحوه لها ولا يعجلوا بقتله (1).

أقول: وهذا الكلام منه صريح في عدم قابليته للخلافة ومع ذلك لا يكاد ينقضي عجبي منه كيف يجعله ثالث الخلفاء ويعتقد بخلافته ؟ وما ذلك إلا من أجل أنهم «ألفوا آبائهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون» .

الترجمة

تا آن که ایستاد و متولی خلافت گردید سوم قوم که عثمان بن عفان عليه النيران بود در حالتی که بادکننده بود هر دو جانب خود را از کثرت کبر و غرور یا از زیادتی اکل و شرب . ایستاد او در میان سرگین یا در میان ذکر خود و موضع علف آن؛ یعنی همت او مصروف به خوردن و آشامیدن و سرگین انداختن بود مثل بهائم و ایستادند با او فرزندان پدر او یعنی بنی امیه در حالتی که میخوردند با جمیع دهان خودشان مال خدا را با لذت و رفاهیت مثل خوردن شتر به همه دهان خود علف بهار را و مستمر بودند بر این حالت تا این که باز شد تاب ریسمان تابیده او و به کشتن شتاب نمود بعد از جراحت بسیار کردار ناپسندیده او و به رویش افکند

کثرت اكل و شدت امتلاء او .


1) راجع شرح النهج : 37/3

الفصل الخامس

اشارة

«فَما راعَني إِلا وَالنَّاسُ إِلَيَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ يَنتَالُونَ عَلَيَّ حَتَّى لَقَدْ وُطِيءَ الْحَسَنانِ، وَشُقَّ عِطفايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبيضَةِ الْغَنَم، فَلَمّا نَهَضْتُ بِالأمْرِ نَكَشَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَفَسَقَ آخَرُونَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «تِلْكَ الدّارَ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عَلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »، بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْها، وَلَكِنَّهُ «لَكِنَّهُمْ خ » حَلِيَتْ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُها .

اللغة

(راعني) الشيء روعاً من باب قال أفزعني وروّعني مثله وراعني جماله أعجبني، وفي «شرح المقامات » عن الأزهري ما راعني إلا مجيئك أي ما شعرت إلا بمجيئك كأنه قال : ما أصاب روعي إلا لذلك، وهذا كلام يستعمل في مفاجاة الأمر ألا ترى أنه يعاقب إذا المفاجأة تقول : خرجنا فإذا زيد بالباب وخرجت فما راعني إلا فلان بالباب و (عرف) الذابة شعر عنقها وعرف الضبع يضرب به المثل في الازدحام و (القول) صبّ ما في الإناء وانثال انصب وانشال عليه القول تتابع وكثر فلم يدر بأية يبدأ .

وقال المطرزي في «شرح المقامات » للحريري: الانثيال الاجتماع والانصباب انفعال من القول وهو جماعة النّحل ومن قولهم : ثويلة من النّاس ، أي جماعة من بيوت متفرقة يقال : منه انثالوا عليه وتثولوا أي اجتمعوا وانثال التراب انصب ومنه انثال عليه الناس من كل وجه أي انصبوا ، انتهى ، و (عطف) الشيء جانبه والعطفان الجانبان .

وفي بعض النسخ وشق عطافي وهو بالكسر الرداء وهو أنسب و( الربيض والربيضة) الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها و(التكث) النقض و (المروق) الخروج يقال مرق السهم من الرمية مروقاً من باب قعد خرج منه من غير مدخله ومنه قيل : مرق من الذين أيضاً إذا خرج منه و (فسق) الرّجل فجر وفي بعض النسخ قسط وهو من باب ضرب جار وعدل من الأضداد والمراد به هنا الأوّل و(وعى) الحديث وعياً من باب وعد حفظه و(حلى) الشيء بعيني وبصدري يحلى من باب تعب حسن عندي وأعجبني و(راقني) الشيء أعجبني و(الزبرج) الزينة والذهب.

الإعراب

فاعل ( راعني) محذوف مدلول عليه بالفعل وجملة و (الناس إلي ) حالية مبينة لهيئة المفعول ومفسّرة للمستثنى المحذوف، (والي) متعلق بمحذوف تقديره (والناس رسل إلي) وقد صرّح به في رواية «الاحتجاج»، وكون الجملة مفسرة للمحذوف نظير قوله تعالى :

(تُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينِ ) [يوسف: 35] .

قال الزمخشري في «الكشاف» : فاعل (بدا ) مضمر لدلالة ما يفسّره عليه وهو ليسجننه والمعنى بدا لهم بداء أي ظهر لهم رأي ليسجننه (1 ه) ، وتقدير كلام الإمام علیه السلام على ما ذكرنا : (ما راعني رائع إلا حالة ) أعني كون النّاس رسلاً إليّ والرّسل بفتحتين القطيع من الإبل والجمع أرسال مثل سبب وأسباب ويشبه به النّاس فيقال : (جاؤوا أرسالاً) أي جماعات متتابعين ، وجملة (ينثالون) إما خبر بعد خبر للنّاس، أو حال بعد حال ومجتمعين حال من فاعل ينثالون .

المعنى

إعلم أنه علیه السلام لما ذكر خلافة المتخلفين الثلاثة وبين حال أيام خلافتهم وأشار إلى ما ابتلى به الناس في تلك الأيام، شرع في بيان كيفية انتقال الأمر إليه علیه السلام ظاهراً كما كان له باطناً وكان ذلك في شهر ذي الحجّة يوم الجمعة بعد ما مضى من الهجرة خمس وثلاثون سنة فقال علیه السلام (فما راعني ) رائع (إلا) حالة (و) هو كون (الناس) متتابعين (إلي) متزاحمين (كعرف الضبع ينثالون علي) يتتابعون ويكثرون القول (من كل جانب حتى لقد وطيء الحسنان) الحسن والحسين صلوات الله عليهما من شدة الإزدحام .

وعن المرتضى (قدس الله سره) أن أبا عمر محمّد بن عبد الواحد غلام ثعلب روى في قوله علیه السلام (وطيء الحسنان ) أنهما الابهامان وأنشد للشنفر مهضومة (1)الكشحين خرماء الحسن «كذا» وروى أن أمير المؤمنين علیه السلام له إنما كان يومئذٍ جالساً محتبياً وهي جلسة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم المسماة بالقُرفصاء وهي جمع الركبتين وجمع الذيل ، فلما اجتمعوا ليبايعوه زاحموه حتى وطئوا ابهاميه وشقوا ذيله بالوطيء ولم يعن الحسن والحسين علیه السلام وهما رجلان كسائر الحاضرين.

وكيف كان فالمقصود بهذه الجملة الإشارة إلى كثرة تزاحم الناس عليه علیه السلام وقد أكده ثانياً بقوله : (وشق عطفاي ) أراد بشق عطفيه خدش جانبيه لشدّة الإصطكاك منهم والزحام، أو شق جانبي قميصه بعلاقة المجاورة، أو جانبي ردائه، ويؤيده الرواية الأخرى أعني شق عطافي كما في بعض النسخ ، هذا.

وشقهم عطفيه علیه السلام أو عطافه إما لكثرة فرحهم به علیه السلام، أو جرياً على ما هو عادتهم من قلة مراعاة شرائط التوقير والأدب في المعاشرات والمخاطبات (مجتمعين حولي كربيضة الغنم ) المجتمعة في مرابضها (فلما نهضت بالأمر ) وقمت به بعد مضي السنين المتطاولة (نكثت طائفة ) ونقضت بيعتها، والمراد بها أصحاب الجمل وقد كان علیه السلام يتلو وقت مبايعتهم :


1) الهضم محركة خمص البطن ولطف الكشح وقلة انفجار الجنبين .

(فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾ [الفتح : 10].

(ومرقت) طائفة (أخرى) أي خرجت من الدين كمروق السهم من الرمية، والمراد بها أصحاب النهروان (وفسق آخرون ) بخروجهم على الإمام العادل وتعدّيهم عن سنن الحق، وهم معاوية وأتباعه ، وفي بعض النسخ وقسط آخرون أي جاروا في حق أمير المؤمنين وظلموا آل محمد عليهم السلام حقهم ، وتسميتهم بالقاسطين كتسمية الأوليين بالناكثين والمارقين مما سبقت من النبي صلی الله علیه واله وسلم عند إخباره علیه السلام بالملاحم والوقائع التي تكون بعده صلوات الله عليه.

روى في «غاية المرام » من «أمالي الشيخ » بإسناده عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق عن أبيه عن جده عليهم السّلام قال : بلغ أم سلمة زوج النبي الله صلی الله علیه واله وسلم أن مولى لها ينتقص علياً علیه السلام ويتناوله ، فأرسلت إليه فلما صار إليها قالت له : يا بني بلغني أنك تنقص عليّاً وتتناوله؟ قال : نعم يا أماه، قالت له : اقعد ثكلتك أمك حتى أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، ثم اختر لنفسك .

إنا كنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليلة تسع نسوة وكانت ليلتي ويومي من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأتيت الباب فقلت : أدخل يا رسول الله؟ قال : لا ، فكبوت كبوة شديدة مخافة أن يكون ردني من سخطه أو نزل في شيء من السماء .

ثم البث «كذا » حتّى أتيت الباب الثاني فقلت : أدخل يا رسول الله ؟ فقال : لا ، فكبوت كبوة أشدّ من الأولى ثم البث «كذا» حتّى أتيت الباب الثالث فقلت : أدخل يا رسول الله ؟ فقال: «أدخلي يا أم سلمة » فدخلت وعلي علیه السلام جالس بين يديه وهو يقول: «فداك أبي وأمي يا رسول الله إذا كان كذا وكذا فما تأمرني»؟ قال:« آمرك بالصبر»، ثم أعاد عليه القول ثانية فأمره بالصبر، فأعاد عليه القول الثالثة فقال له : «يا علي يا أخي إذا كان ذلك منهم فسل سيفك وضعه على عاتقك واضرب قدماً قدماً حتى تلقاني وسيفك شاهر يقطر من دمائهم ».

ثم التفت علیه السلام إلي فقال لي: «تالله ما هذه الكآبة يا أم سلمة»؟ قلت : الذي كان من ردّك إياي يا رسول الله ، فقال لي: «والله ما رددتك من موجدة وإنك لعلى خير من ورسوله، ولكن أتيتني وجبرائيل يخبرني بالأحداث التي تكون بعدي فأمرني أن أوصي بذلك علياً.

يا أم سلمة إسمعي واشهدي هذا عليّ بن أبي طالب أخي في الدنيا وأخي في الآخرة.يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا عليّ بن أبي طالب حامل لوائي في الدنيا وحامل لواء الحمد غداً في القيامة.

يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا عليّ بن أبي طالب وصيّي وخليفتي من بعدي وقاضي عداتي والذائد عن حوضي .

يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب سيّد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين » ، قلت : يا رسول الله من الناكثون؟ قال: «الذين يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة ، قلت : من القاسطون»؟ قال : معاوية وأصحابه من أهل الشام ، قلت : من المارقون؟ قال : أصحاب النهروان ، فقال مولى أم سلمة : فرجت عني فرج الله عنك والله لا سببت عليّاً أبداً، هذا (1).

والأخبار في هذا المعنى كثيرة تأتي في مواقعها إن شاء الله ، ثم إنه علیه السلام شدّد النكير على الجماعة في مخالفتهم له وإعراضهم عنه بقوله : (كأنهم لم يسمعوا الله تعالى يقول : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ عَمَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83] لما كانت الآية دالة على كون إستحقاق الآخرة معلقاً على عدم إرادة العلو والفساد كان اللازم على من سمعها وتدبر فيها إن كان ذا عقل أن لا يريدهما، وهؤلاء الجماعة لما علوا في الأرض وأفسدوا فيها وخالفوا الإمام العادل وتركوا متابعته لا جرم شبههم بمن لم يسمعها لما ذكرنا من أن لازمة السماع ترك إرادتهما .

ثم دفع توهم الإعتذار عنهم بعدم السماع لو اعتذر به بقوله : (بلى والله لقد سمعوها ووعوها )مؤكداً بالقسم (واللام) كلمة التحقيق، ثم إستدرك ذلك بالإشارة إلى سرّ عدم حصول ثمرة السّماع بعد حصول نفسه بقوله : (ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها ) فكان ذلك هو المانع عن ترتب ثمرة السماع عليه والباعث على إعراضهم عن الدار الآخرة والسبب لاشترائهم الضلالة بالهدى ولسعيهم في الأرض بالعلوّ والفساد.

وحاصل الكلام أن سماع الآية مقتض لعدم إرادة العلو والفساد ويترتب عليه مقتضاه لو لم يصادف وجود المانع، وأما مع المصادفة له كما في حق هؤلاء الجماعة حيث افتتنوا بالدنيا وأعجبهم ذهبها وزينتها فيبقى المقتضي على اقتضائه ولا يترتب عليه آثاره، هذا.

والضمائر الأربعة في قوله : ولكنّهم، ولم يسمعوا ، وسمعوا، ووعوا، إما راجعة إلى الطوائف الثلاث: الناكثين والمارقين والقاسطين وهو الأقرب لفظاً والأنسب معنی والأظهر لمن تدبر ، أو إلى الخلفاء الثلاثة على ما استظهره المحدث المجلس (قدس الله سره) معللاً بأن الغرض من الخطبة ذكرهم لا الطوائف، وبأنه المناسب لما بعد الآية لا سيما في سمعوها، ووعوها، ضمير الجمع .

بقي الكلام في معنى الآية الشريفة وبعض ما تضمنها من النكات واللطائف فأقول : المشار إليها في الآيه هيا الجنّة، والإشارة إلى التعظيم والتفخيم ، يعني تلك التي سمعت


1) أمالي الشيخ الصدوق : 464 ح 620 ، ومعاني الأخبار: 204

يذكرها وبلغك وصفها ، والمراد بالعلوّ في الأرض هو التجبر والتكبر على عباد الله والاستكبار عن عبادة الله ، وبالفساد الدّعاء إلى عبادة غير الله أو أخذ المال وقتل النفس بغير حق أو العمل بالمعاصي .

روى في «مجمع البيان » عن راوان عن أمير المؤمنين علیه السلام لأنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو دال (1)يرشد الضّال ويعين الضعيف ويمر بالبائع والبقال فيفتح عليه القرآن ویقرأ : (وتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص : 83] ويقول : نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس (2).

وفي «غاية المرام » عن أبي الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي في مناقبه بإسناده عن زاوان أيضاً قال: رأيت عليّاً علیه السلام يمسك الشسوع بيده ثم يمر في الأسواق فيناول الرّجل الشسع ويرشد الصّال ويعين الحمّال على الحمولة ويقرأ هذه الآية: (وتِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ ) [ القصص : 83] الآية ، ثم يقول : هذه الآية نزلت في الولاة وذوي القدرة من الناس (3).

وفي «مجمع البيان » عن أبي سلام الأعرج عن أمير المؤمنين علیه السلام قال: «إنّ الرّجل ليعجبه شراك نعله فيدخل في هذه الآية، وقريب منه ما في «الكشاف»، قال الطبرسي: يعني تكبر على غيره بلباس يعجبه فهو ممّن يريد علوّاً في الأرض وقيل : إن الآية لما كانت بعد قصة قارون وقبل قصة فرعون ، كان العلوّ إشارة إلى كفر فرعون لقوله تعالى :

(علا في الأَرْضِ ) [القصص : 44] والفساد إلى بغي قارون لقوله: وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ (4)[ القصص : 77] .)ففي كلام الإمام علیه السلام يحتمل كون الأول إشارة إلى الأولين والثاني إلى الثالث أو الجميع إليهم جميعاً، وعلى ما استظهرناه فالأظهر كون الأول إشارة إلى طلحة وزبير وأتباعهما ومعاوية وأصحابه والثاني إلى أصحاب النهروان، ويحتمل الإشارة فيهما إلى جميعهم، هذا .وبقي هنا شيء وهو أنه سبحانه لم يعلق الموعد في الآية الشريفة بترك العلو والفساد لكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما كما علق الوعيد بالرّكون في قوله :(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود : 113] .


1) في المناقب : ذاك .

2) تفسیر مجمع البيان: 464/7 ، ومناقب آل أبي طالب: 372/1.

3) العمدة : 308 ح 511

4) راجع جامع البيان للطبري: 149/20 ، ومجمع البيان للطبرسي : 464/7.

فيدل على قبح إرادة السوء وكونها معصية ويستفاد ذلك أيضاً من قوله سبحانه :

(اللَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 19] .

وقوله: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله [البقرة : 284] .

المستفاد من الأخبار المستفيضة مثل قوله صلی الله علیه واله وسلم : إنما يحشر الناس على نياتهم، وهو وقوله صلی الله علیه واله وسلم : نية الكافر شرّ من عمله »، وما ورد من تعليل خلود أهل النار فيها وأهل الجنة في الجنّة بعزم كلّ منهما على الثبات على ما كانوا عليه من المعصية والطاعة لو كانوا مخلدين في الدنيا إلى غير هذه ممّا رواها المحدث الشيخ الحرّ في أوائل الوسائل، وإلى ذلك ذهب جمع الأصحاب منهم العلامة وابن إدريس وصاحب المدارك وشيخنا البهائي والمحقق الطوسي في «التجريد»، إلا أن المستفاد الأخبار الأخرى هو العفو عن نية السوء وأنها لا تكتب وهي كثيرة أيضاً رواها في «الوسائل»، وهو مذهب شيخنا الشهيد في القواعد، قال في محكي كلامه : لا يؤثر نية المعصية عقاباً ولا ذماماً لم يتلبس بها وهو ممّا ثبت في الأخبار العفو عنه، انتهي (1).

وقد شيخنا العلامة الأنصاري طاب رمسه بينهما بحمل الأدلة الأول على من

جمع اشتغل بعد القصد ببعض المقدمات، والثانية على من اكتفى بمجرّد القصد أو حمل الأول على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره ، وحمل الآخر على من ارتدع عن قصده بنفسه.

وربما يجمع بينها بحمل أخبار العفو على نيّة المسلم وأخبار العقوبة على نية الكافر ، أو حمل النّفي على عقوبة الآخرة والإثبات على عقوبة الدنيا، أو حمل النفي على فعليّة العقاب والإثبات على الاستحقاق، أو حمل النفي على عقوبة السيئة التي همّ بها فلا يكون عقوبة القصد كعقوبة العمل وحمل أخبار العقوبة على ثبوتها في الجملة ، إلى غير هذه من المحامل ممّا لا يخفى على الفطن العارف ، والله العالم بحقائق أحكامه.


1) راجع فرائد الأصول للأنصاري: 49/1.

الترجمة

پس تعجب نیاورد مرا تعجب آورنده مگر حالت پیاپی آمدن مردم به سوی من به

جهت عقد بيعت مثل یال کفتار ، در حالتی که تزاحم میکردند بر من از هر طرف ، حتی این که به تحقیق پایمال گردانیده شدند حسن و حسین (عليهما السلام) و شکافته شد دو طرف پیراهن من یا عبای من از کثرت ازدحام در حالتی که مجتمع بودند گرداگرد من مثل گله گوسفند ، پس زمانی که برخاستم به امر خلافت شکستند طايفه عهد بیعت مرا و خارج شدند طایفه دیگر از جاده شریعت مثل خروج تیر از کمان و فاسق شدند طایفه سیّم ، گویا نشنیده اند آنها خداوند تعالی را که می فرماید در قرآن مجید خود که "این دار آخرت است می گردانیم آن را به جهت کسانی که اراده نمی کنند بلندی را در زمین و نه فساد و فتنه را و عاقبت به خیر متقین و پرهیزکاران راست ". بلی به خدا قسم که به یقین شنیده اند این آیه را و حفظ کردهاند آن را و لیکن زینت داده شده است دنیا در نظر آنها و تعجب آورده است زینت و زر دنیای فانی ایشان را .

الفصل السادس

اشارة

«أَمَا وَالَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ ، وَقِيامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، وَما أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَماءِ أَنْ لا يُقارُوا عَى كِفْةِ ظَالِمٍ، وَلاَ سَغَبٍ مَظْلُوم، لألْقَيْتُ حَبْلَها عَلَى غارِبِها، وَلَسَقَيْتُ آخِرَها بِكَأْسَ أَوَّلِها ، وَلأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزِ »(1)

اللغة

(الفلق) الشق قال تعالى : فالق الحبّ والنوى (وبرا) أي خلق قيل : وقلّما يستعمل في غير الإنسان و(النسمة) محرّكة الإنسان أو النفس والروح، وقد يستعمل فيما عدا الإنسان و (قاره) مقارّة قرّ معه وقيل إقرار كلّ واحد صاحبه على الأمر وتراضيهما به و(الكظة) ما يعتري الإنسان من الامتلاء من الطعام و(السنب) بالتحريك الجوع و( الغارب) أعلى كتف الناقة و(الزهد) خلاف الزغبة والزهيد القليل و (العطفة) قال ابن الأثير : الضرطة، وقال الشارح المعتزلي : عفطة عنز ما تنشره من أنفها وأكثر ما يستعمل ذلك في النعجة، فأما العنز فالمستعمل الأشهر فيها النفطة (بالنون) ويقولون : ما له عافط ولا نافط أي نعجة ولا عنز ، ثم

قال :

فإن قيل : أيجوز أن يقال العفطة هنا الحبقة؟ فإن ذلك يقال في العنز خاصة عفطت (2)تعفط .

قيل : ذلك جائز إلا أن الأحسن والأليق بكلام أمير المؤمنين علیه السلام التفسير الأول، فإن جلالته وسؤدده يقتضي أن يكون ذلك أراد لا الثاني فإن صح أنه لا يقال في العطسة عفطة إلاّ للنعجة، قلنا إنه علیه السلام استعمله في العنز مجازاً.

الإعراب

كلمة (ما) في قوله : (وما أخذ الله) مصدرية والجملة في تأويل المصدر معطوفة على الحضور أو موصولة والعائد محذوف وعلى الأوّل فجملة (أن لا يقاروا) في محل النصب مفعولاً لأخذ ، وعلى الثاني بيان لما أخذه الله بتقدير حرف جرّ أو نفس (أن) تفسيرية على حدّ قوله تعالى :

(وَنُودُوا أَن تِلكُمُ الْجَنَّةُ ﴾ [الأعراف : 43] وقوله : (وَأَنطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا) [ص: 6] .


1) علل الشرائع: 151/1.

2) حفظت أي ضرطت

على ما ذهب إليه بعضهم، ويحتمل أن يكون بدلاً أو عطف بيان .

المعنى

لما ذكر علیه السلام حاله مع القوم وحالهم معه من غصب الأَوّل للخلافة وإدلائه بها بعده إلى الثاني وجعله لها بعده شورى وإقرانه له علیه السلام إلى النظائر المذكورين وإنتهائها إلى ثالث القوم ونبه على خلاف الناكثين والقاسطين والمارقين له علیه السلام بعد قبوله الخلافة ونهوضها، أردف ذلك كله ببيان العذر الحامل له على قبول هذا الأمر بعد عدوله عنه إلى هذه الغاية وقدم على ذلك شاهد صدق على دعواه بتصدير كلامه بالقسم العظيم فقال :

(أما والذي فلق الحبة ) أي شقها وأخرج النبات منها بقدرته الكاملة (وبرأ القسمة) أي خلق الإنسان وأنشأه بحكمته التامة الجامعة (لولا حضور الحاضر) للبيعة من الأنصار والمهاجر أو حضور الوقت الذي وقته رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لقيامه بالتواهي والأوامر (وقيام الحجة ) عليه علیه السلام (بوجود الناصر) والمعين (و) لولا (ما أخذه الله على العلماء) أي الأئمة عليهم السّلام أو الأعم من (أن لا يقاروا) ولا يتراضوا ولا يسكنوا (على كظة ظالم) وبطنته (ولا سغب مظلوم) وجوعه وتعبه ، والكظة كناية عن قوّة ظلم الظالم والسعب كناية عن شدّة مظلومية المظلوم والمقصود أنه لولا أخذ الله على أئمة العدل وعهده عليهم عدم جواز سكوتهم على المنكرات عند التمكن والقدرة (الألقيت حبلها ) أي زمام الخلافة (على غاربها ) شبة الخلافة بالناقة التي يتركها راعيها لترعى حيث تشاء ولا يبالي من يأخذها وما يصيبها، وذكر المغارب وهو ما بين السنام والعنق تخييل وإلقاء الحبل ترشيح (ولسقیت آخرها بكأس أولها ) أي تركتها آخراً كما تركتها أولاً وخليت النّاس يشربون من كأس الحيرة والجهالة بعد عثمان ويعمهون في سكرتهم كما شربوا في زمن الثلاثة (ولأ لفيتم دنياكم هذه ) التي رغبتم فيها وتمكن حبها في قلوبكم (أزهد عندي) وأهون (من عفطة عنز) أي ضرطتها أو عطستها .

الترجمة

آگاه باش ای طالب منهج قويم و سالك صراط مستقیم ، قسم بآن خداوندی

که دانه را شکافت بقدرت کامله و انسان را خلق فرمود بحکمت بالغه ، اگر

نمی بود حضور حاضرین از برای بیعت و قائم شدن حجت بر من بجهت وجود یاری کنندگان و آن چیزی که اخذ فرمود آن را خداوند بر علماء که قرار ندهند با یکدیگر و راضی نشوند بر امتلاء ستمکار و نه بر گرسنگی ستم رسیده ، هر آینه میانداختم افسار خلافت را بر کوهان آن و هر آینه سیراب می کردم آخر خلافت را با جام اول آن، و هر آینه می یافتید و نیای خودتان را که بآن مینازید و دین خود را که در طلب آن میبازید، بی مقدارتر در نزد من از جیفه بز یا از عطسه آن

الفصل السابع

اشارة

قالُوا: «وَقامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوادِ عِندَ بُلُوغِهِ إلى هَذَا الْمَوْضع مِنْ خُطْبَتِهِ فَناوَلَهُ كِتاباً فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَراءتِهِ قالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسِ رَحِمَهُ اللهُ : يَا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ لَو اطْرَدَتْ مَقَالَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ، فقالَ : هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبّاس تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَوَاللَّهِ ما أَسَفْتُ عَلَى كَلامٍ قَط كَأَسَفِي عَلَى هَذَا الْكَلامِ أَلا يَكُونَ أَمِيرُ المؤمِنينَ علیه السلام بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أَرادَه ».

اللغة

(أهل السواد ) ساكنو القرى وتسمّى القرى سواداً لخضرتها بالزرع والنبات والأشجار والعرب تسمى الأخضر أسود و(ناوله) أعطاه و(الاطراد) هو الجري يقال : أطرد الأمر أي تبع بعضه بعضاً وجرى بعضه أثر بعض ، ونهران يطردان أي يجريان و (الإفضاء) الإنتهاء قال الشارح المعتزلي : أصله خروج إلى الفضاء فكأنه شبهه حيث سكت علیه السلام عما كان يقوله بمن خرج من خباء أو جدار إلى فضاء من الأرض، وذلك لأن النفس والقوى والهمة عند ارتجال الخطب والأشعار تجتمع إلى القلب، فإذا قطع الإنسان وفرغ تفرقت وخرجت عن حجر الاجتماع واستراحت و (الشقشقة) بالكسر شيء كالرّية يخرجه البعير من فيه إذا هاج ، ويقال للخطيب ذو شقشقة تشبيهاً له بالفحل و (هدير) الجمل ترديده الصّوت في حنجرته .

الإعراب

كلمة (لولا) إما للتمنّي أو الجواب محذوف أي لكان حسناً، والمقالة إما مرفوعة على الفاعلية (لو كان أطردت) بصيغة المؤنث الغائب من باب الإفتعال ، أو منصوبة على المفعولية (لو كان ) بصيغة الخطاب من باب الأفعال أو الافتعال أيضاً .

المعنى

(قالوا وقام إليه رجل من أهل السواد ) قيل : إنه كان من أهل سواد العراق (عند بلوغه علیه السلام إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتاباً) وأعطاه (فأقبل ) إليه وكان (ينظر فيه فلما فرغ )علیه السلام (من قراءته) وأجاب الرجل بما أراد حسبما نشير إليه (قال له ابن عباس رحمه الله : يا أمير المؤمنين لو أطردت )أي جرت (مقالتك من حيث أفضيت ) وانتهيت لكان حسناً (فقال علیه السلام : هیهات یا این عبّاس تلك شقشقة هدرت ثم قرت ) وسكنت .

شبه علیه السلام نفسه بالفحل الهادر فاستعار لخطبته لفظ الشقشقة التي من خواص الفحل قيل : في الكلام إشعار بقلة الاعتناء بمثل هذا الكلام إما لعدم التأثير في السامعين كما ينبغي ،

أو لقلة الاهتمام بأمر الخلافة من حيث إنّها سلطنة ، أو للإشعار بانقضاء مدته، فإنها كانت في قرب شهادته، أو لنوع من التقية أو لغيرها (قال ابن عباس: فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي ) وحزني (على هذا الكلام ألا يكون أمير المؤمنين علیه السلام يبلغ منه حيث أراد).

قال الشارح المعتزلي: حدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي، قال: قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة، فلما انتهيت إلى هذا الموضع قال لي : لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له : وهل بقي في نفس ابن عمّك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد؟ والله ما رجع عن الأولين ولا عن الآخرين ولا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم (1).

وبقي الكلام في الكتاب الذي ناوله الرّجل فأقول روى الشارح البحراني والمحدّث الجزائري وغيره عن أبي الحسن الكندري (رحمت الله) أنه قال : وجدت في الكتب القديمة أنّ الكتاب الذي دفعه الرّجل إلى أمير المؤمنين علیه السلام كان فيه عدة مسائل (2).

إحداها : ما الحيوان الذي خرج من بطن حيوان آخر وليس بينهما نسب؟ فأجاب علیه السلام بأنه يونس علیه السلام خرج من بطن حوت.

الثانية : ما الشيء الذي قليله مباح وكثيره حرام؟ فقال علیه السلام: «هو نهر طالوت » لقوله تعالى :(إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ [البقرة: 249].

الثالثة : ما العبادة التي إن فعلها أحد استحق العقوبة وإن لم يفعلها أيضاً استحق العقوبة؟ فأجاب علیه السلام بأنها صلاة السكارى.

الرابعة : ما الطائر الذي لا فرخ له ولا فرع ولا أصل ؟ فقال علیه السلام: « هو طائر عیسی علیه السلام » في قوله :

(تَخَلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بإِذْنِي وَتُرِيُّ) [المائدة: 110 ] .

الخامسة : رجل عليه من الذين ألف درهم وله في كيسه ألف درهم فضمنه ضامن بألف فحال عليه الحول فالزّكاة على أي المالين تجب ؟ فقال علیه السلام: «إن ضمن الضامن بإجازة من عليه الدين فلا يكون عليه، وإن ضمنه من غير إذنه فالزكاة مفروضة في ماله » .

السادسة: حج جماعة ونزلوا في دار من دور مكة وتركوا فيها ثيابهم وأغلق واحد منهم


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي: 1/ 200 ، والغدير : 197/4

2) البحار : 546/29

باب الدار وفيها حمام فمتن من العطش قبل عودهم إلى الدار فالجزاء على أيهم يجب؟ فقال علیه السلام: «على الذي أغلق الباب ولم يخرجهن ولم يضع لهن ماء ».

السابعة : شهد شهداء أربعة على محصن بالزنا فأمرهم الإمام برجمه فرجمه واحد منهم دون الثلاثة الباقين ووافقهم قوم أجانب في الرّجم فرجع من رجمه عن شهادته والمرجوم لم يمت ثم مات فرجع الآخرون عن شهادتهم عليه بعد موته فعلى من يجب ديته؟ فقال علیه السلام : «يجب على من رجمه من الشهود ومن وافقه ».

الثامنة : شهد شاهدان من اليهود على يهودي أنّه أسلم فهل يقبل شهادتهما؟ فقال علیه السلام : «لا تقبل شهادتهما لأنهما يجوزان تغيير كلام الله وشهادة الزور».

التاسعة شهد شاهدان ان من النّصارى على نصارى أو مجوسي أو يهودي أنه أسلم؟ فقال علیه السلام :« تقبل شهادتهما لقول الله سبحانه :

(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَذَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَرَى) [المائدة: 82] الآية .

ومن لا يستكبر عن عبادة الله لا يشهد شهادة الزور.

العاشرة : قطع إنسان يد آخر فحضر أربعة شهود عند الإمام وشهدوا على من قطع يده وأنه زنى وأنه محصن فأراد الإمام أن يرجمه فمات قبل الرّجم بقطع يده على القاطع دية القطع أو دية النفس؟ فقال علیه السلام : «لاعلى من قطع يده دية القطع حسب ولو شهدوا أنه سرق نصاباً لم يجب دية يده على قاطعها (1)، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ».


1) بطوله في البحار 547/29 - 549 ، ومستدرك الوسائل : 55/7.

الترجمة

راویان گویند : برخاست به سوی آن حضرت مردی از اهل سواد کوفه نزد رسیدن او به این موضع از خطبه خود ، پس داد او را نوشته ای ، پس روی آورد و نظر میفرمود به سوی آن ، پس چون فارغ شد از خواندن آن کتاب عرض کرد خدمت آن حضرت عبدالله بن عباس (رحمت الله) : ای امیرمؤمنان و مقتدای عالمیان اگر جاری میفرمودی کلام بلاغت نظام خود را از آن جا که باقی مانده بود هرآینه خوب بود ، پس آن حضرت فرمود : چه دور است آن حالت نسبت به این حالت ای ابن عباس ، این مانند شقشقه شتر بود که نزد هیجان نفس و اشتغال آن با صوت و غریدن از دهن بیرون آمد ، بعد از آن قرار گرفت و ساکن شد . گفت عبدالله بن عباس : به خدا قسم که تأسف نخوردم بر هیچ کلامی هرگز در مدت عمر خود چون تأسف خوردن خود بر این کلام که نشد امیرالمؤمنین (علیه السلام ) برسد از آن کلام به جایی که اراده کرده بود.

ومن خطبة له عليه السلام ( بعد مقتل طلحة والزبيرخ) وهي الخطبة الرابعة

اشارة

خطب بها أمير المؤمنين علیه السلام بعد قتل طلحة والزبير كما في «شرح البحراني »و «المعتزلي» وزاد في الأخير مخاطباً بها لهما ولغيرهما من أمثالهما وفيه أيضاً هذه الكلمات والأمثال ملتقطة من خطبة طويلة منسوبة إليه قد زاد فيها قوم أشياء حملتهم عليها أهوائهم لا يوافق ألفاظها طريقته علیه السلام في الخطب ولا تناسب فصاحتها فصاحته ولا حاجة إلى ذكرها فهي شهيرة، وفي «البحار» قال القطب الراوندي : أخبرنا بهذه جماعة عن جعفر الدوريستي عن أبيه محمّد بن العباس عن محمد بن علي بن موسى عن محمد بن علي الاسترابادي عن علي بن محمد بن سيار عن سيار عن أبيه عن الحسن العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام وهذا ما ظفرت بعد إلى تلك الخطبة التقطت هذه منها على ما ذكره الشارح المعتزلي ، نعم رواها في كتاب «الإرشاد» للمفيد (رحمت الله) بأدنى تغيير واختلاف ، قال : من كلامه علیه السلام حين قتل طلحة وانقض أهل البصرة :

بنا تسنمتم الشرف ، وبنا انفجرتم عن السرار ، وبنا اهتديتم في الظلماء، وقر سمع لم يفقه الواعية، كيف يراعي النبأة من أصمته الضيحة، ربط جنان لم يفارقه الخفقان ، ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر، وأتوسّمكم بحلية المغترين ، سترني عنكم جلباب الدين وبصرنيكم صدقة النية، أقمت لكم الحق حيث تعرفون ولا دليل وتحتقرون ولا تميهون ، اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان ، عزب فهم أمرء تخلّف عني، ما شككت في الحقِّ منذ رأيته ، كان بنو يعقوب على المحجة العظمى حتى عقوا آبائهم وباعوا أخاهم ، وبعد الإقرار كانت توبتهم، وباستغفار أبيهم وأخيهم غفر لهم، هذا، وشرح ما ذكره الرضي قدس سره في ضمن فصلين (1).


1) البحار : 337/32

الفصل الأول

«بنَا اهْتَدَيْتُم فِي الظُّلُمَاءِ، وَتَسَمْتُمُ الْعَلْيَاءَ، وَبِنَا انْفَجَرْتُمْ عَنِ السَّرَارِ، وِقُرَ سَمْع لَمْ يَفْقَهِ الْوَاعِيَةَ، وَكَيْفَ يُراعي النَّبأَةَ مَنْ أَصمَّتَهُ الصَّيْحَةُ ، رُبِطَ جَنانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الْخَفَقَانُ، ما زِلْتُ أَنتَظِرُ بِكُمْ عَواقِبَ الْغَدْرِ، وَأَتَوَسُمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَزينَ، سَتَرَني عَنْكُمْ جِلباب الذينِ، وَبَصَّرَنيكُمْ صِدْقُ النِّيَّة »(1).

اللغة

(الظلماء) كصحراء الظلمة، وقد تستعمل وصفاً يقال ليلة ظلماء أي شديدة الظلمة (التسنم) هو العلوّ وأصله ركوب السّنام و (العلياء) كصحراء أيضاً السماء ورأس الجبل والمكان العالي ، وكل ما علا من شيء والفعلة العالية المتضمنة للرفع والشرف و (انفجرتم) أي دخلتم في الفجر و (السرار) الليلة واللّيلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر، وروى أفجرتم قال الشارح المعتزلي: وهو أفصح وأصح لأن انفعل لا يكون إلا لتطاوع فعل نحو كسرته فانكسر وحطمته فانحطم إلا ما شذ من قولهم: غلقت الباب فانغلق ؛ وأزعجته فانزعج ، وأيضاً فإنّه لا يكون إلا حيث يكون علاج وتأثير نحو انكسر وانحطم ولهذا قالوا : إن قولهم: انعدم خطأ، وأما افعل فيجيء لصيرورة الشيء على حال، وأمر نحو أغذ البعير أي صار ذا غدة وأجرب الرجل إذا صار ذا إبل جربي وغير ذلك، وأفجرتم أي صرتم ذوي فجر و (الوقر) ثقل في الأذن أو ذهاب السمع كله ، وقد وقر كوعد ووجل ومصدره وقر بالسكون والقياس بالتحريك ووقر كعنى أيضاً ووقرها الله يقرها .

و (الواعية ) الصراخ والصوت كما في «القاموس» لا الصارفة كما ذكره الشارح البحراني والمعتزلي تبعاً للجوهري، وفي «القاموس» أنّه وهم، وعن الأساس ارتفعت الواعية أي الصراخ والصوت ، وفي الاقيانوس سمعت واعية القوم أي أصواتهم و (النبأة) الصوت الخفي (خفقت) الزاية كحسب خفقاً وخفقاناً محرّكة اضطربت وتحركت و (توسم) الشيء تفرسه وتخيله والمتوسم الناظر في السمة الدالة وهي العلامة وتوسم فيه الخير أو الشر أي عرف سمة ذلك و (الجلباب) بفتح الجيم وكسرها القميص ، وفي «المصباح» ثوب أوسع من الخمارودون الرداء وقال ابن فارس: الجلباب ما يغطي به من ثوب وغيره والجمع الجلابيب.

الإعراب

(الباء) في قوله علیه السلام (بنا) للسببية، وكلمة (عن) قوله عن السرار على حقيقتها الأصلية


1) نهج السعادة: 320/1. 320/1.

وهي المجاوزة أي منتقلين عن السرار ومتجاوزين له، ووقر بفتح (الواو) وضمها على صيغة المعلوم أو المجهول (وسمع) فاعله على الأول وعلى الثاني الفاعل هو الله .

المعنى

إعلم أن هذه الخطبة من أفصح كلامه علیه السلام وهي على وجازتها متضمنة لمطالب شريفة ونكات لطيفة ، ومشتملة على مقاصد عالية ، وإن لاحظتها بعين البصيرة والاعتبار وجدت كلّ فقرة منها مفيدة بالإستقلال مطابقة لما اقتضاه المقام والحال وستجيء الإشارة إلى بعض ذلك ما ساعدته الوقت والمجال إن شاء الله .

فأقول قوله : (بنا اهتديتم في الظلماء) أي بآل محمّد عليهم السلام إهتديتم في ظلمات الجهل، والخطاب لأهل البصرة وغيرهم من طلحة وزبير وسائر حاضري الوقت وهو جار في حق الجميع وفيه إشارة إلى كونهم عليهم السّلام سبب هداية الأنام في الغياهب والظلام، ولما كانت الظلمة عبارة عن عدم الضوء عمّا من شأنه أن يكون مضيئاً، فتقابل النور تقابل العدم للملكة على ما ذهب إليه محققو المتكلمين والفلاسفة، أو عبارة عن كيفية وجودية تقابل التضاد كما ذهب إليه آخرون وهو الأظهر نظراً إلى أنها على الأوّل لا تكون شيئاً لأَنها عدم وكيف ذلك والله سبحانه خالقها، وعلى أي تقدير كان قوله دالاً بالمطابقة على كونهم الهداة إلى سبيل النجاة في المدلهمات والظلمات ، وبالالتزام على كونهم نوراً مضيئاً وقمراً منيراً إذ الاهتداء في الظلمة لا يكون إلا بالنور الظاهر في ذاته المظهر لغيره .

أما المدلول المطابقي فقد أشير إليه في غير واحدة من الآيات الكريمة، وصرّح به في الأخبار البالغة حد التظافر بل التواتر .

منها ما رواه في «الكافي» بإسناده عن عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ :

(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ ) [الأعراف : 181].

قال : هم الأئمة صلوات الله عليهم (1).

ومنها ما في تفسير علي بن إبراهيم في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى :

(أفمن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لا يَهْدِى إِلا أَن يُهْدَى فَا لَكُم كيف تحكمون)

[يونس : 35]


1) الكافي: 414/1 13

فأما من يهدي إلى الحق فهو محمّد صلى الله عليه وآل محمد صلی الله علیه واله وسلم من بعده، وأما من لا يهدي إلا أن يهدى فهو من خالف من قريش وغيرهم أهل بيته من بعده (1).

ومنها ما في «البحار» من تفسير العياشي بإسناده عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى :

(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَنهُ بِغَيْرِ هُدًى مِن الله) [القصص : 50] .

قال علیه السلام هو من يتخذ دينه برأيه بغير هدى إمام من الله أئمة الهدى (2).

ومنها ما في « البحار» أيضاً من كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات بالإسناد عن عيسى بن داود النجار عن أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام أنه سأل أباه عن قول الله عزّ وجلّ:

(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه: 123] .

قال قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم :« أيّها النّاس اتبعوا هدى الله تهتدوا وترشدوا وهو هدى علي بن أبي طالب علیه السلام فمن اتبع هداه في حياتي وبعد موتي فقد أتبع هداي ، ومن اتبع هداي فقد اتبع هدى الله فلا يضلّ ولا يشقى » (3)، إلى غير هذه ممّا لا نطيل بذكرها .

وأما المدلول الالتزامي وهو كونهم عليهم السّلام أنوارا يستضاء بها في الليلة الظلماء ونجوماً يهتدي بها في غياهب الدّجى، فقد أشير إليه في قوله سبحانه وتعالى :

(فَتَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) [التغابن : 8] .

روى علي بن إبراهيم في «تفسيره» عن علي بن الحسين عن البرقي عن ابن محبوب عن أبي أيوب عن أبي خالد الكابلي قال سألت أبا جعفر علیه السلام عن هذه الآية فقال : يا أبا خالد النور والله الأئمة من آل محمد إلى يوم القيامة هم والله نور الله الذي أنزل وهم والله نور الله في السماوات والأرض، والله يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنّهار، وهم والله ينوّرون قلوب المؤمنين ويحجب الله نورهم عمّن يشاء فتظلم قلوبهم، والله يا أبا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلماً لنا، فإذا كان سلماً سلمه الله من شديد الحساب وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر (4)


1) تفسير القمي: 249/1.

2) البصائر 33 والبحار: 302/2 - 36 .

3) البحار 149/24

4) تفسير القمي : 3722

وقال الصادق علیه السلام في مروي العياشي إن الله قال في كتابه :

(اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ) [البقرة: 257] .

فالنّور هم آل محمّد عليهم السّلام والظلمات عدوّهم (1).

وفي «البحار» من تفسير فرات بن إبراهيم عن جعفر بن محمد الفزاري معنعناً

عبّاس في قول الله تعالى:

(يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللهَ وَعَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفَلَيْنِ مِن رَّحْميهِ) [الحديد: 28] .

قال الحسن والحسين علیه السلام:

(وتَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾ .

قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام:

وفي تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى :

(هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِيَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَتِ البَر وَالْبَحْرِ) [الأنعام: 97] .

قال : النجوم آل محمّد عليه وعليهم السلام (2).

وفيه أيضاً عن عبد الرحمن بن محمّد العلوي إسناده عن عكرمة، وسئل عن قول الله تعالى :

وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا نَلَنَهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّنَهَا * وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَهَا [الشمس : 1 - 4] .)قال : الشَّمس وضحاها هو محمد صلی الله علیه واله وسلم، والقمر إذا تليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، والنّهار إذا جلاها آل محمّد الحسن والحسين علیه السلام ، والليل إذا يغشاها بنو أمية .وفي «البحار» من تفسير العياشي عن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى :(وَعَلَمَتْ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل : 16] .)قال : هو أمير المؤمنين علیه السلام (3، وفيه من «المناقب» لابن شهر آشوب عن أبي الورد عن أبي جعفر علیه السلام في قوله :)


1) تفسير العياشي: 139/1 ، وتفسير الصافي : 285/1.

2) البحار : 76/24 ح 15 ، وتفسير القمي: 211/1.

3) البحار 82/24

(وَعَلَمَتْ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل : 16] .)قال : نحن النجم (1:)إلى غير هذه ممّا يطلع عليها العارف الخبير والمتتبع المجد، وبالجملة فقد ظهر وتحقق مما ذكرنا كله أنهم عليهم السّلام نور الله في السماوات والأرض والنجوم التي يهتدي بها في ظلمات البز والبحر والقمر الهادي في أجواز البلدان والقفار وغياهب الليالي ولجج البحار .فإن قلت : سلمنا ذلك كله ولكنك قد ذكرت أنّ الخطاب في قوله: بنا اهتديتم في الظلماء لطلحة والزبير ونظرائهما من أهل الجمل، ومن المعلوم أنهم كانوا من المنافقين الناكثين فكيف يكونون من المهتدين؟ مع أنّ اعتقادنا أنهم مخلدون في النار بخروجهم على الإمام العادل ونقضهم بيعته، والمهتدون يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمانهم يوم القيامة ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما قال تعالى :(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123])قلت: أوّلاً إن اهتديتم بصيغة الماضي دالة على إهتدائهم فيما مضى فهو لا ينافي بارتدادهم بعد الرسول صلی الله علیه واله وسلم إذ الإهتداء تارة يكون بالوصول إلى المطلوب وهو الموجب للأجر الجميل ، وهو الذي لا يتصوّر بعده الضلالة، وأخرى بالوصول إلى ما يوصل إلى المطلوب وهو لا يستلزم الوصول إليه البتة ولا ينافي الخذلان والضلالة قطعاً.وثانياً : إنّ المراد بالظلماء في قوله علیه السلام وهو ظلمة الكفر وبالإهتداء هو الإهتداء إلى الإسلام وهو بانفراده لا يكفي في استحقاق الثواب، بل لا بد وأن ينضم إلى ذلك نور الولاية كما مرّ تحقيق ذلك وتفصيله في التذنيب الثالث من تذنيبات الفصل الرابع من فصول الخطبة الأولى، ويشهد بذلك ويوضحه مضافاً إلى ما مر : ما رواه في «البحاره » من كتاب غيبة النعماني عن الكليني بإسناده عن ابن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتوالونكم ويتوالون فلاناً وفلاناً لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق قال : فاستوى أبو عبد الله علیه السلام جالساً وأقبل علي كالمغضب ثمّ قال : لا دين لمن دان بولاية إمام جائر ليس من دين لمن دان بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من بولاية إمام عادل من الله ، قلت : لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء، ثم قال علیه السلام: ألا تسمع قول الله عزّ وجلّ:( الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257].)


1) مناقب ابن شهر آشوب 313/3

[يعني] من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة أو المغفرة لولايتهم كلّ إمام عادلمن الله قال :(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلى الظُّلُمَتِ [البقرة: 257].)فأتي نور يكون للكافر فيخرج منه إنما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام، فلما تولوا كلّ إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إياهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب لهم النار مع الكفّار فقال :(أُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (1)[البقرة : 39])وأوضح من هذه الرواية دلالة ما في «البحار» من تفسير العياشي عن سعيد بن أبي الأصبغ قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام وهو يسأل عن مستقر ومستودع، قال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، وقد يكون مستودع الإيمان، ثمّ ينزع منه ولقد مضى الزبير في ضوء الإيمان ونوره حتى قبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حتى مشى بالسيف وهو يقول لا نبايع إلا عليا علیه السلام (2.)وعن العياشي أيضاً عن جعفر بن مروان قال : إن الزبير اخترط سيفه يوم قبض النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وقال لا أغمده حتى أبايع لعلي علیه السلام، ثمّ اخترط سيفه فضارب عليّاً وكان ممن أعير الإيمان، فمشى في ضوء نوره ثم سلبه الله إياه .(وتستمتم العلياء أي بتلك الهداية وشرافة الإسلام ركبتم سنام العلياء والرفعة علا ذكركم ورفع قدركم، شبه علیه السلام العلياء بالنّاقة وأثبت لها سنامها تخييلاً، ورشح ذلك بذكر التسنّم الذي هو ركوب السّنام (وبنا انفجرتم ) أو أفجرتم ( عن السرار) أي انفجرتم انفجار العين من الأرض، أو دخلتم في الفجر، أو صرتم ذوي فجر منتقلين عن السرار، واستعار علیه السلام لفظ السرار لما كانوا فيه من ليل الجهل وخمول الذكر في الجاهلية وغيرها، ولفظ الانفجار عنه لخروجهم من ذلك إلى نور الإسلام واستضاءَتهم بضياء صباح وجودهم عليهم السلام كما قال)عز من قائل:(واليل إذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنفَسَ [التكوير : 17 - 18].)قال أمير المؤمنين لابن الكوّا حين سأله ذلك : يعني ظلمة الليل وهذا ضربه الله(3)


1) الكافي : 376/18 ح 3 ، وغيبة النعماني: 133، والبحار : 105/65. ، 133

2) تفسير العياشي: 371/1.

3) تفسير العياشي: 371/1 ح 70

مثلاً لمن ادعى الولاية لنفسه وعدل عن ولاة الأمر قال: فقوله : ( وَالصُّبْحِ إِذَا نَفَسَ يعني بذلك الأوصياء يقول : إن علمهم أنور وأبين من الصبح إذا تنفس (1)،هذا .)ولما ذكر فضله عليهم بكونه علیه السلام سبب هدايتهم وعلة لعلوّ مقامهم، وسموّ مكانهم وجهة لشرافتهم ورفعة قدرهم وداعياً لصيرورتهم من ظلمة الغواية والضلالة إلى فجر الهداية والرشاد مع مقابلتهم كلّ ذلك بالنفاق والنفار والعتو والإستكبار، أردف ذلك بالدّعاء عليهم بقوله (وقر سمع لم يفقه الواعية إشارة إلى أنهم كيف لم يفقهوا بيانه بعد ما بينه ولم يقبلوه بعد ما سمعوه ولم يطيعوه بعد ما فهموه وجهلوا قدره بعد ما عرفوه .)قال البحراني : وهذا كما يقول أحد العلماء لبعض تلاميذه المعاند له المدعي لمثل فضيلته: إنّك بي اهتديت من الجهل وعلا قدرك في النار وأنا سبب لشرفك أفتكبر عليّ وقر سمعك لم لا تفقه قولي وتقبله ، هذا ، وعلى ما ذكرناه من كون الواعية بمعنى الصوت يكون معنی کلامه علیه السلام ثقل سمع لم يفقه الصوت بعد ما سمعه، وعلى قراءة : وقر بصيغة المجهول يكون المعنى أثقل سمع لم يفقه الصوت بعد ما سمعه ، وعلى قراءة : وقر بصيغ المجهول يكون المعنى أثقل الله سمعاً لم يفقه الصراخ ، وعلى ذلك فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض شارحي كلامه علیه السلام تارة بجعل الواعية صفة لمحذوف مع حذف مفعول لم يفقه أي وقر سمع لم يفقه صاحبه بإذنه الواعية علم الشريعة ، وأخرى بجعل الفاعل بمعنى المفعول مع حذف الموصوف أيضاً أي لم يفقه الأشياء الموعية، وثالثة بجعلها بمعنى الصارفة .فإن قلت : ما السر في وصفه السمع بعدم الفقه لا بعدم السماع وتعبيره بقوله : لم يفقه دون لم يسمع مع كون الواعية أيضاً من قبيل المسموعات لا المفقوهات ، والحال أن الموصوف والمتعلق كليهما مقتضيان للتعبير بالثاني دون الأول.قلت : بعد الغض عن عدم ملائمة الوصف بالثاني للدّعاء بالوقر لاستلزامه تحصيل الحاصل أن السر في ذلك هو «أنّ المقصود بالسمع ليس مجرد السّماع والاستماع بل الفقه والفهم والاتعاظ بالمواعظ والنصائح بعد إدراك السمع لها، فإذا أدركها ولم يفقهها ولم يقم بمقتضياتها فهو حري بالدعاء عليه بكونه موقوراً ثقيلاً مع أنّ في التعبير بهذه اللفظة إشارة إلى غاية نفارهم واستكبارهم وشدّة لجاجهم وعنادهم ونهاية بغضهم وعداوتهم ومنتهى نفرتهم عن قبول الحق كما قال عز من قائل:(وَمِنهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ القُم وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ [يونس : 42] .)وصفهم بالصمم مع إثبات الاستماع أولاً من حيث عدم انتفاعهم بما يستمعون، فهم


1) البحار 077/24

والأصم على السواء وذلك فإنّ الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن جميع الجهات الحسن فيه، فالصّمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت فكذلك حصول هذا البغض والاستكبار والمنافرة كالمنافي للوقوف عن محاسن ذلك الكلام والإطلاع بما أريد منه .ثم كما أنه لا يمكن جعل الأصم سميعاً فكذلك لا يمكن جعل العدو البالغ إلى هذا الحد صديقاً مطيعاً، ولذلك اعتذر علیه السلام من عدم تأثير كلامه فيهم بقوله : (وكيف يراعي النبأة أي الصوت الخفي (من أصمته الصيحة ) إشارة إلى أن من لم يؤثر فيه كلام الله وكلام رسوله الذي هو كالصيحة المكرّرة عليهم حتى جعلهم أصمّ من كثرة التكرار وشدة الإصرار ، كيف يؤثر فيهم كلامه علیه السلام الذي نسبته إلى كلامهما نسبة النّبأة إلى الصيحة، ومن المعلوم أن الصوت الضعيف لا يدرك عند الصوت القوي أو الحواس لا تدرك الأضعف مع وجود الأقوى المماثل في كيفيته، ففي هذه الفقرة من كلامه دلالة على عدم اختصاص تمردهم به علیه السلام فقط ، بل كانوا متمردين من أوّل الأمر مستكبرين عن طاعة الله وطاعة رسوله أيضاً، كما أنّ فيها وفي سابقتها إشارة إلى تماديهم في الغفلة بما غشت قلوبهم من الظلمة والقسوة حيث لم يسمعوا داعي الله ولم يفقهوا كلام الله ولم يتدبروا في القرآن ، ونكثوا بيعة ولي الرّحمان، قال سبحانه في الحديث القدسي : يا ابن آدم استقامة سماواتي في الهواء بلا عمد باسم من أسمائي ولا تستقيم قلوبكم بألف موعظة من كتابي ، يا أيها الناس كما لا يلين الحجر في الماء كذلك لا تغني الموعظة للقلوب القاسية .)ثم إنه علیه السلام لما دعى بالوقر على الأذن الغير الواعية للواعية وأتبعه بالإشارة إلى عدم إمكان تأثير نبأته فيمن أصمّته الصيحة لاستحالة تأثر القلوب القاسية بالموعظة والنصيحة ، أردف ذلك بالدّعاء للقلوب الوجلة الخائفة بقوله : (ربط جنان أي سكن وثبت (لم يفارقه) الإضطراب (والخفقان) من خشية الله والاشفاق من عذابه.)ثم خاطب علیه السلام بقية أصحاب الجمل أو المقتولين أو هما معاً وقال: (ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر والحيلة وأترقب منكم المكر والخديعة وذلك إما من أجل أن النبي صلی الله علیه واله وسلم أخبره بذلك وبأنّهم ينقضون بيعته بعد توكيدها، وإما من أجل إستنباطه علیه السلام ذلك من حركاتهم ووجنات أحوالهم كما يشعر به قوله : (وأتوسمكم بحيلة المغترين) وذلك لأنه علیه السلام فهم أنهم من أهل الغرّة وقبول الباطل عن أدنى شبهة بما لاح له من صفاتهم وسماتهم الدالة على ذلك، وكان علمه علیه السلام بذلك مستلزماً لعلمه بغدرهم بعهده ونقضهم لبيعته فكان ينتظر ذلك منهم .)ولذلك إن طلحة والزبير لما دخلا عليه علیه السلام يستأذنانه في العمرة قال: «ما العمرة تریدان » ، فحلفا له بالله إنهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما : «ما العمرة تريدان ، وإنّما تريدان الغدرة ونكث البيعة »، فحلفا بالله ما لخلاف عليه ولا نكث بيعته يريدان وما رأيهما غير

العمرة، قال لهما ، «فأعيدا البيعة لي ثانياً »، فأعاداها بأشد ما يكون من الأيمان والمواثيق، فأذن لهما فلما خرجا من عنده قال لمن كان حاضراً :« والله لا ترونهما إلا في فتنة يقتتلان فيها »، قالوا: يا أمير المؤمنين فمر بردّهما عليك، قال : ليقضي الله أمراً كان مفعولاً (1.)وقوله : (سترني عنكم جلباب الذين قال البحراني : وارد مورد الوعيد للقوم في قتالهم له ومخالفتهم لأمره، والمعنى أنّ الذين حال بيني وبينكم وسترني عن أعين بصائركم أن تعرفوني بما أقوى عليكم من العنف بكم والغلظة عليكم وسائر وجوه تقويكم وردعكم عن الباطل وراء ما وقفني عليه الدين من الرّفق والشفقة وشهب ذيل العفو عن الجرائم فكان الدين غطاء حال بينهم وبين معرفته فاستعار له لفظ الجلباب . قال : وروي ستركم عنّي أي عصم الإسلام مني دمائكم واتباع مدبركم وأن أجهز على جريحكم وغير ذلك مما يفعل من الأحكام في حق الكفّار، هذا.)ولما أشار علیه السلام إلى عدم معرفتهم له حق معرفته وغفلتهم عن مراتب شأنه ووظيفته أتبعه بقوله : ( ويصر نيكم صدق النية وأشار بذلك إلى معرفته لهم حق المعرفة بعين اليقين والبصيرة من حيث صفاء نفسه وخلوص نيته ونور باطنه كما قال علیه السلام : اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله، وقال الرّضا علیه السلام في رواية بصائر الدرجات : لنا أعين لا تشبه أعين الناس وفيها نور ليس للشيطان فيه شرك (2). وبذلك النور يعرفون كل مؤمن ومنافق ويعرفون صديقهم من عدوهم كما تدلّ عليه أخبار كثيرة.)مثل ما رواه في «البحار» عن العيون عن تميم القرشي عن أبيه عن أحمد بن عليّ الأنصاري عن الحسن بن الجهم قال : سئل عن الرضا علیه السلام لما وجه إخباركم بما في قلوب الناس؟ قال: أما بلغك قول الرسول صلی الله علیه واله وسلم : «اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله »؟ قال : بلى ، قال : فما من مؤمن إلا وله فراسة ينظر بنور الله على قدر إيمانه ومبلغ إستبصاره وعلمه، وقد جمع الله للأئمة منا ما فرقه في جميع المؤمنين وقال عزّ وجلّ في كتابه :(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِلْمُتَوَسَمِينَ [ الحجر : 75] .)فأول المتوسمين رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، ثم أمير المؤمنين علیه السلام من بعده، ثم الحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين سلام الله عليهم إلى يوم القيامة (3.)ومن كتاب البصائر والاختصاص عن السندي بن الربيع عن ابن فضال عن ابن رئاب عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر علیه السلام قال :« ليس مخلوق إلا وبين عينيه مكتوب أنه مؤمن أو


1) عيون أخبار الرضا : 216/1 .

2) البحار 126/24 .

3) عيون أخبار الرضا : 216/1 .

كافر، وذلك محجوب عنكم وليس بمحجوب من الأئمة من آل محمّد عليهم السّلام ليس يدخل عليهم أحد إلا عرفوه هو مؤمن أو كافر»، ثم تلا هذه الآية :(إِنَّ فِي ذَلِكَ لايت لِلمُوسَمِينَ [الحجر: 75] فهم المتوسمون (1). ومن الإختصاص أيضاً بإسناده عن جابر قال : بينا أمير المؤمنين علیه السلام في مسجد الكوفة إذ جاءت امرأة تستعدي على زوجها فقضى علیه السلام لزوجها عليها ، فغضبت فقالت: لا والله ما الحق فيما قضيت وما تقضي بالسوية ولا تعدل في الرّعيّة ولا قضيتك عند الله بالمرضية، فنظر إليها ملياً ثم قال لها: كذبت يا جرية يا بذية يا سلفع يا سلقلقية (2)يا التي لا تحمل من حيث تحمل النّساء، قال: فولت المرأة هارية مولولة وتقول : ويلي ويلي لقد هتكت يا بن أبي طالب ستراً كان مستوراً.

قال : فلحقها عمرو بن حريث فقال : يا أمة الله لقد استقبلت عليّاً بكلام سررتني به، ثم إنه نزع لك بكلام فوليت عنه هاربة تولولين، فقالت إن علياً علیه السلام والله أخبرني بالحق وبما أكتمه من زوجي منذ ولي عصمتي ومن أبوي، فعاد عمرو إلى أمير المؤمنين علیه السلام فأخبره بما قالت له المرأة ، وقال له فيما يقول : ما أعرفك بالكهانة فقال له علي علیه السلام: «ويلك إنها ليست بالكهانة منّي ولكنّ الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام »، فلما ركب الأرواح في أبدانها كتب بين أعينهم كافر ومؤمن وما هم به مبتلون وما هم عليه من سيء عملهم وحسنه في قدر إذن الفارة، ثمّ أنزل بذلك قراناً على نبيه صلی الله علیه واله وسلم فقال :

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِلْمُتَوَسَمِينَ ) [ الحجر : 75] .

فكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم المتوسم ، ثم أنا من بعده، والأئمة من ذريتي هم المتوسمون (3)، فلما تأملتها عرفت ما فيها وما هي عليه بسيمائها (4).

ومن البصائر بإسناده عن عبد الرحمن يعني ابن كثير قال: حججت مع أبي عبد الله علیه السلام ، فلما صرنا في بعض الطريق صعد على جبل فأشرف فنظر إلى النّاس فقال: «ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج »، فقال له داود الرقي: يا بن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم هل يستجيب الله دعاء هذا الجمع الذي أرى؟ قال : «ويحك يا أبا سليمان إن الله لا يغفر أن يشرك به، الجاحد لولاية علي علیه السلام كعابد وثن »، قال : قلت : جعلت فداك هل تعرفون محبكم ومبغضكم؟ قال : «ويحك يا أبا سليمان إنّه ليس من عبد يولد إلا كتب بين عينيه مؤمن أو كافر، وإن الرّجل


1) بصائر الدرجات: 374 ، والاختصاص 202

2) اسلقه في الكلام آذاه .

3) مناقب آل أبي طالب : 404/3 .

ليدخل إلينا بولايتنا وبالبراءة من أعدائنا فنرى مكتوباً بين عينيه مؤمن أو كافر، قال الله عزّ وجلّ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِلْمُتَوَسَمِينَ [ الحجر : 75]. نعرف عدونا من ولينا (1).)وقد وضح بهذه الأخبار كلّ وضوح معنى قوله السابق : أتوسمكم بحلية المغترين، وظهر أن توسمه عبارة عن نظره علیه السلام إلى سماتهم الدالة على خبث الطينة ولحاظه العلامات الكاشفة عن سوء السريرة، فافهم ذلك واغتنم .### الترجمةبه سبب نور وجود ما هدایت یافتید در ظلمت شب جهالت و بهواسطه ما سوار شدید بر کوهان بلند یقین و به جهت ما منتقل گشتید از شب ضلالت و به صباح اسلام رسیدید . کر باد یا سنگین باد گوشی که نفهمید صدای داعی حق را و چگونه مراعات بنماید آواز ضعیف را آن کسی که کر ساخته است او را آواز قوی .ثابت باد قلبی که جدا نشد از آن طپیدن از ترس خدا . همیشه بودم که انتظار میکشیدم از شما عاقبتهای خیانت را و به فراست می یافتم شما را که متصفید به زینت فریفتگان از قبول باطل و ناروا . پوشانید مرا از دیده شما پرده دین من و بینا گردانید مرا بر حال شما خلوص نیت و صفای باطن من .


1) البصائر ،378 ، والاختصاص 303

### الفصل الثاني«أَقَمْتُ لَكُمْ عَلى سُنَنِ الْحَقِّ فِي جَوادِ الْمَضَلَّةِ حَيْثُ تَلْتَقُونَ وَلا دَليلَ وَتَحْتَفِرُونَ وَلا تَميهُونَ الْيَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذاتَ الْبَيانِ، عَزَبَ رَأْيُ امْرَءِ تَخَلَّفَ عَنّي، ما شَكَكْتُ في الْحَقِّ مُذْ رَأَيْتُهُ، لَم يُوجِسْ مُوسى خيفَةً عَلى نَفْسِهِ ، أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَالِ، ودُوَلِ الضَّلالِ، الْيَوْمَ تَواقَفْنا عَلى سَبِيلِ الْحَقِّ وَالْباطِلِ، مَنْ وَيْقَ بِماءٍ لَمْ يَظْمأ » (1.)### اللغة(أقام بالمكان إقامة دام (سنن) الطريق مثلثة وبضمتين نهجه وجهته والسنة الطريقة، والسنة من الله حكمه وأمره ونهيه وأرض (مضلة) بفتح الميم والضاد يفتح ويكسر أي يضلّ فيها الطريق و (أماه) الحافر وأموه بلغ الماء، والبهيمة (العجماء) لأنها لا تفصح واستعجم الكلام علينا مثل استبهم وكلمة عجماء مبهمة و (عزب) الشيء عزوباً من باب قعد بعد ، وغرب من بابي قتل وضرب خفي وغاب و (الوجس) كالوعد الفزع يقع في القلب وأوجس في نفسه خيفة أي أحس وأضمر و (الإشفاق) الخوف و (دول) مثلثة جمع دولة .)وقال الفيومي: تداول القوم الشيء تداولاً وهو حصوله في يد هذا تارة وفي يد هذا أخرى، والإسم الدولة بفتح الدال وضتها وجمع المفتوح دول بالكسر مثل قصعة وقصع وجمع المضموم دول بالضم مثل غرفة وغرف ، ومنهم من يقول الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب وعلى هذا فالأنسب أن يكون دول في كلامه علیه السلام بالكسر ليكون جمع دولة بالفتح و( التواقف بالقاف قبل الفاء هو الوقوف و (الظماء) شدة العطش.)### الإعراب(العجماء بالفتح مفعول أنطق أو صفة لمحذوف أي الكلمات ، (وخيفة) بالنصب مفعول لم يوجس، وأشفق بصيغة التفضيل صفة (خيفة) ويحتمل أن يكون بصيغة الماضي وإستدراكاً عن سابقه أي لم يوجس موسى خيفة على نفسه ، ولكنّه أشفق من غلبة الجهال .)### المعنىلما ذكر علیه السلام حال المنافقين معه من غدرهم واغترارهم ونفارهم واستكبارهم و ما هم عليه من الغفلة والجهالة بشأنه علیه السلام ورتبته مع كونه سبب هدايتهم في الظلماء وتستمهم على سنام العلياء أردف ذلك بما يدل على وجوب اقتفاء آثاره ، واقتباس أشعة أنواره في سلوك


1) البحار 141/13

منهج الحق القويم وسير سبيل الله المستقيم فقال (أقمت لكم أي: دمت وثبت (على سنن الحق) وجهته (في جواد المضلة) أي الجواد التي يضل فيها وتزل فيها الأقدام، والمراد يسنن الحق هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره وهو الصراط المستقيم الموصل إلى الرضوان ومن جواد المضلة هو سبل الشيطان المؤدية إلى النيران .)قال عبد الله بن مسعود : خط لنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خطاً وقال : «هذا صراط الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وشماله وقال : هذه سبل وعلى كلّ سبيل منها شيطان يدعون الناس إليها »، ثم تلا قوله تعالى :وَأَنَّ هَذَا صِرَعَى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ (1)[الأنعام: 153 ] .)والمراد بقوله علیه السلام (أقمت لكم الإشارة إلى إقامته على نهج الحق لدعوة الناس إليه كما قال تعالى:)(قُل هَذِهِ سَبِيلِ أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: 108] .)قال أبو جعفر الطوسي في «تفسيره »: ذاك رسول الله وأمير المؤمنين والأوصياء من بعدهما عليهم السّلام يعني أن الداعي هو رسول الله أنّ الدّاعي هو رسول الله ومن اتبعه أمير المؤمنين والأوصياء التابعون له في جميع الأقوال والأفعال فمن أجاب لهم دعوتهم وسلك سبيلهم:(فأُولَيكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعم اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَيكَ رَفِيقًا [النساء : 69] .)ومن تخلف عنهم ولم يجبهم دعوتهم وسلك سبيل غيرهم يكون ذلك حسرة عليه ويقول:(ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَنلَيْتَنِي اتَّخَذَتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: 27] .)وبالجملة فمقصوده علیه السلام من كلامه إني فعلت من هدايتكم وإرشادكم وأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر ما يجب على مثلي فوقفت لكم جادة الطريق ومنهجه حيث أن طرق الضلال كثيرة مختلفة وأنتم فيها تائهون حائرون (حيث تلتقون وتجتمعون (ولا دليل) لكم (وتحتفرون) الآبار لتجدوا ماء تروون به غلتكم (فلا تميهون ) ولا تجدون الماء اليوم (انطق لكم العجماء ذات البيان ) لتشهد بوجوب أتباعي وتدلّ على ما ينبغي فعله في كل باب وكنّى)


1) مسند أحمد: 435/1، وسنن الدارمي: 67/1

علیه السلام بالعجماء ذات البيان عن العبر الواضحة وما حلّ بقوم فسقوا عن أمر ربهم وعمّا هو واضح من كمال فضله علیه السلام بالنسبة إليهم وعن حال الدين ومقتضى أوامر الله، فإنّ هذه الأمور عجماء لا نطق لها مقالاً ذات البيان حالاً، ولما بينها علیه السلام لهم وعرفهم ما يقوله لسان حالها فكأنّه أنطقها لهم، وقيل: (العجماء صفة لمحذوف أي الكلمات العجماء، والمراد بها ما في هذه الخطبة من الرموز التي لا نطق لها مع أنها ذات بيان عند أولى الألباب .)قال الشارح المعتزلي : وهذه إشارة إلى الرموز التي تتضمنها هذه الخطبة يقول: خفية غامضة وهي مع غموضها جليّة لأولى الألباب فكأَنّها تنطق كما ينطق ذوو الألسنة كما قيل : ما الأمور الصامتة الناطقة؟ فقيل : الدلائل المخبرة والعبر الواضحة، وفي الأثر سل الأرض من شق أنهارك وأخرج ثمارك؟ فإن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً، ثم إنه علیه السلام أشار إلى ذمّ من تخلف عنه وتوبيخه بقوله : (عزب أي بعد أو غاب وخفي (رأى امرء تخلف عني) لأَنّ التخلف عنه دليل على بعد الرأي الصائب عن المتخلف، وذلك لأن المتخلف لما فكر في أن أي الأمور أنفع له أن يكون من متابعيه أو المتخلفين عنه ، ثم رأى أن التخلف عنه أوفق كان ذلك أسوء الآراء وأقبحها فهو في الحقيقة كمن أقدم على ذلك بغير رأي يحضره، أو لأن الرأي الحق كان غارباً عنه .)ثم أشار علیه السلام إلى بعض علل وجوب أتباعه بقوله : (ما شككت في الحق مذ رأيته لأنّ من لم يشك في الحق أحق بالاتباع ممن كان في شك من دينه لاحتياجه إلى من يهديه قال سبحانه :)(أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لا يَهْدِى إِلا أَن يُهْدَى مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس : 35] .)(لم يوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهال على الحق ودول (الضلال ) وهذا تمثيل وإشارة إلى أن خوفه علیه السلام منهم لم يكن على نفسه بل كان شدة خوفه من غلبة أهل الجهل على الدين وفتنة الخلق بهم وقيام دول الضلال كما أن خوف موسى من جهلة السحرة على ما أخبر به سبحانه في كتابه الكريم هذه الجهة قال في سورة طه :)(قَالُوا يَمُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِما أَن تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلقَى * قَالَ بَل القُوا فَإِذَا جَاهُمْ وَعِصِيتُهُمْ يُمل إلَيْهِ مِن سِحرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * في نَفْسِهِ خِيفَةٌ مُوسَى * مَنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى [طه: 65 - 68].)قال الطبرسي : معناه فأحس موسى ووجد في نفسه ما يجده الخائف، ويقال أوجس القلب فزعاً أي أضمر ، والسبب في ذلك أنه خاف أن يلتبس على النّاس أمرهم فيتوهموا أنهم فعلوا مثل فعله ويظنوا المساواة فيشكوا ولا يتبعونه، ثم ذكر وجوهاً أخرى في سبب الخوف،

والأظهر ذلك كما يشهد به كلام الإمام علیه السلام ويدل عليه قوله: «لا تخف إنك أنت الأعلى»، فإنّه تقرير لغلبته عليهم على أبلغ وجه وآكده كما يعرب عنه الاستئناف وحرف التحقيق وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلوّ المنبيء عن الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل (اليوم تواقفنا على سبيل الحق والباطل أي وقفت على سبيل الحق ووقفتم على سبيل الباطل وضم نفسه إليهم على حد قوله :)(وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَو فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ [سبأ: 24] وقوله (من وثق بماء لم يظمأ) الظاهر أن المراد به أنّ من كان على الحق وأيقن على ذلك واعتمد على ربه وتوكل عليه لا يبالي على ما وقع فيه ، كما أن من ائتمن بماء لم يفزعه عطشه، وقال الشارح المعتزلي والبحراني : إن مراده علیه السلام إن سكنتم إلى قولي ووثقتم بي كنتم أقرب إلى الهدى والسلامة وأبعد من الضلالة، وما ذكرناه أظهر .

الترجمة

ثابت شدم من به جهت هدایت شما بر طریق حق در جاده هایی که محل

ابر گمراهی است در مکانی که ملاقات میکردید به همدیگر و حال آن که هیچ دلیل و هادی نبود شما را و چاه میکندید و به آب نمی رسیدید؛ یعنی بحث و کاوش می کردید از برای اخراج نتیجه مطلوب در اودیه قلوب و از تحصیل نتیجه مطلوبه عاجز بودید . امروز بر زبان در آوردم به جهت شما حیوان بی زبان را یعنی هر که از بی زبانان ، مخبرند به لسان حال به امتثال مقال من و ناطقند بر وجوب اتباع و حقیقت حال من . غایب شد رأی صایب مردی که تخلف کرده است از من . شك نكرده ام من در حق از آن زمانی که عالم به حق شده ام . احساس نکرد موسى بن عمران (علیه السلام)خوفی را بر نفس خود که سخت تر بوده باشد از خوفی که داشت از غلبه جلاهان و قيام دولت های گمراهان . امروز ایستاده ایم ما و شما ما بر راه حق و باطل؛ یعنی من ایستاده ام بر طریق هدایت و شما ایستاده اید در راه ضلالت ، هر کسی که وثوق و اطمینان داشته باشد به آب تشنه نماند؛ والله أعلم بالصواب .

ومن كلام له علیه السلام لما قبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وخاطبه و العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة وهو الخامس من المختار في باب الخطب

اشارة

ورواه في «البحار» من مناقب ابن الجوزي بأدنى اختلاف تطلع عليه :

«أَيُّهَا النَّاسُ شُقُوا أَمْواجَ الْفِتَنِ بِسُفْنِ النَّجاةِ، وعَرْجُوا عَنْ طَريقِ الْمُنافِرَة، وَضَعُوا تيجان الْمُفاخِرَةِ، أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَناحَ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ، ماءً آجِنِّ ولُقْمَةً يَعُضُّ بها آكلها، ومُجْتَني الثَّمَرَةِ لِغَيرِ وَقتِ إيناعِها كَالزَارِعَ بِغَيرِ أَرْضِهِ، فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُث يَقُولُوا جَزَعَ مِنَ الْمَوْتِ ، هَيْهاتَ بَعْدَ اللَّتَيَا وَالَّتي، والله لاَبْنُ أَبي طالب آنسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِشَذِي أُمه، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لأَضْطَرَبْتُمْ إِضْطِرابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِي البعيدة » (1).

اللغة

(عرجوا) أي انحرفوا واعدلوا يقال : عرجت عنه عدلت عنه وتركته و (تیجان) جمع تاج وهو الإكليل و (فاخره) مفاخرة وفخاراً عارضه بالفخر، قال الشارح المعتزلي : المفاخرة هو أن يذكر كلّ من الرّجلين فضائله ومفاخره، ثم يتحاكما إلى ثالث و (الماء الاجن) المتغير الطعم واللون و (غصص) بالكسر والفتح ويغص بالفتح وهو غاص و (جنيت الثمرة) واجتنيتها و (ينعت) الثمار من باب ضرب ومنع أدركت و (اللتيا) بفتح اللام والتاء وتشديد الياء تصغير التي ، (واللتيا والتي ) من أسماء الدّاهية يقال : وقع فلان في (اللتيا والتي ) أي في الداهية ، وقيل : يكنى بهذه اللفظة من كمال الشدة والحزن وبهذه كمال الشدة والحزن وبهذه المناسبة جعلت علماً للداهية ، وقيل: (اللتيا) الدّاهية التي بلغت الغاية والتصغير للتعظيم أو بالعكس والتصغير للتحقير .

وفي بعض كتب الأدبية على ما بيالي أنه تزوّج رجل امرأة قصيرة سيئة الخلق فقاسي منها شدائد فطلقها ، وتزوّج طويلة فقاسى منها أضعاف القصيرة فطلقها وقال بعد (اللتيا والتي ) لا أتزوّج فصار مثلاً، ومثل ذلك ذكر الشارح البحراني.

وقال الحريري في «المقامات» (اللتيا) تصغير (التي) وهي على غير قياس التصغير المطرد لأن القياس أن يضم أوّل الاسم إذا صغر، وقد أقر هذا الاسم على فتحه الأصلية عند تصغيره إلا أن العرب عوضته من ضم أوله بأن زادت في آخره (ألفاً) وأجرت أسماء الإشارة عند تصغيرها على حكمه فقال في تصغير (الذي والتي) : اللذيا واللتيا وفي تصغير (ذا وذاك)،


1) البحار 233/28

ذيا وذياك، وقد اختلف في معنى قولهم بعد( اللتيا والتي) وقيل : هما من أسماء الداهية ، وقيل : المراد بهما صغير المكروه وكبيره ، انتهى .

و (اندمج )في الشيء دخل فيه وتستر به و (باح) بسره أظهره كأباحه و (الارشية) جمع رشا ككساء وهو الحبل و (الطوى) كغنى إسم بئر بذي طوى على ما ذكره الفيروز آبادي ، ولعل المراد هنا مطلق البئر كطوية .

الإعراب

(ماء آجن ) مرفوع على الإبتداء والخبر محذوف وهو ما صرّح به في رواية ابن الجوزي أي أجدر بالعاقل (ا ه) ، أو خبر محذوف المبتدأ أي ما تدعوني إليه ماء آجن (ومجتنى القمر) مبتدأ وكالزارع خبره (وعلى) في قوله علیه السلام على مكنون علم بمعنى (في) على حد قوله : ودخل المدينة على حين غفلة، (والبعيدة) صفة وتأنيثها باعتبار أن الطوى إسم للبئر وهى أنثى .

المعنى

إعلم أنه قال الشارح المعتزلي : لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم واشتغل علي علیه السلام بغسله ودفنه وبويع أبو بكر خلا الزبير وأبو سفيان وجماعة من المهاجرين بعباس وعلي علیه السلام للإجالة الرأي وتكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض والتهييج ، فقال العباس رضي الله عنه : قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم ولا لظنة نترك آرائكم فامهلونا نراجع الفكر، فإن لم يكن لنا من الإثم مخرج صر بنا وبهم الحق صرير الجدجد، ونبسط إلى المجد أكفا لا نقبضها أو يبلغ بالمدى ، وإن تكن الأخرى فلا لقلة في العدد ولا لوهن في الأيد والله لولا أن الإسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلي فحل اصطكاكها من المحلّ العلي، فحل علیه السلام للحبوته وقال : «الصبر حلم والتقوى دين والحجّة محمد صلی الله علیه واله وسلم والطريق الصراط، أيها الناس شقوا أمواج الفتن»، الخطبة، ثم نهض إلى منزله وافترق القوم .

وقال البحراني: روي أنّه لمّا تم في أنّه لما تم في سقيفة بني ساعدة لأبي بكر أمر البيعة أراد أبو سفيان بن حرب أن يوقع الحرب بين المسلمين ليقتل بعضهم بعضاً فيكون ذلك دماراً للدين، فمضى إلى العباس فقال له : يا أبا الفضل إنّ هؤلاء القوم قد ذهبوا بهذا الأمر من بني هاشم وجعلوه في بني تميم ، وإنّه ليحكم فينا غداً هذا الفظ الغليظ من بني عدي فقم بنا حتى ندخل على عليّ علیه السلام ونبايعه بالخلافة وأنت عم رسول صلی الله علیه واله وسلم ، وأنا رجل مقبول القول في قريش (1)،


1) راجع البحار : 234/28

فإن دافعونا عن ذلك قاتلناهم وقتلناهم، فأتيا أمير المؤمنين علیه السلام فقال له أبو سفيان : يا أبا الحسن لا تغافل عن هذا الأمر متى كنا لتيم الارذال وكان علیه السلام يعلم من حاله أنه لا يقول ذلك عصبة للذين بل للفساد الذي زواه في نفسه فأجابه علیه السلام بقوله :

(أيّها النّاس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة ) شبه الفتن بالبحر المتلاطم في كون كل منهما سبب هلاك الخائضين فيها، وقرن ذلك بالأمواج التي هي من لوازم البحر وكنّى بها عن هيجان الفتنة وثورانها ، وأتبعها بذكر سفينة النّجاة التي هي من ملائمات البحر، ولما كانت السفن الحقيقية تنجي من أمواج البحر استعارها لكل ما يحصل به الخلاص من الفتن ووجه المشابهة كون كل منهما وسيلة إلى السلامة (وعرّجوا) أي انحرفوا واعدلوا (عن طريق المنافرة) إلى المتاركة والمسالمة (وضعوا تيجان المفاخرة) لما كان التاج ممّا يعظم به قدر الإنسان وهو أعظم ما يفتخر به إستعاره لما كانوا يتعظمون به ويفتخرون وأمرهم بوضعه مريداً بذلك ترك التفاخر الموجب لانبعاث الفتنة وهيجان العصبية ، ولما أمر علیه السلام بالعدول عن النفار والافتخار أشار إلى ما ينبغي أن يكون الانسان عليه في تلك الحالة التي هاجت فيها الفتن وعظمت فيها المحن بقوله : (أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح ) يعني أن الفلاح في تلك الحال بأحد الأمرين.

أحدهما: النّهوض إلى الأمر ومطالبة الحق بوجود الناصر والمعين اللذين هما بمنزلة الجناح للطير في كونها واسطة الظفر بالمطلوب والفوز بالمقصود.

وثانيهما: التسليم والإنقياد والترك والسلامة لمن لم يكن له جناح النجاح فيستسلم

وينقاد فيريح نفسه من تعب الطلب .

ثم أشار علیه السلام إلى أن ما كانوا يدعون إليه ويحملونه عليه (ماء آجن) بتغير اللون والطعم ( ولقمة يغص بها ) أي بأكلها (أكلها) أي ينشب في حلق آكلها ويكون غاضاً لا يمكنه إساغتها، وتشبيه الخلافة في تلك الحالة بهما إشارة إلى نفرة النفس عنها وعدم التذاذها بها مع وجود المنافسة التي كانت فيها ، فهي في تلك الحال كانت لقمة منغصة وجرعة لا يسيغها شاربها وقد ذكر شارحو كلامه في هذا المقام وجوهاً أخرى وما ذكرناه أظهر، ثمّ إنّ هذا كله على جعل (ماء آجن ) خبراً لمبتدأ محذوف على ما أشرنا إليه وأما على تقدير جعله مبتدأ حذف خبره مطابقاً لما صرح به في رواية ابن الجوزي التي تأتي في التكملة الآتية، فالغرض أن التحمل على المذلة والصبر على الشدة أولى مع حسن العاقبة وأحسن من ارتكاب أمر يوجب اشتداد البلية وسوء العاقبة.

ثم أخذ في الإعتذار عن الإمساك وترك المنازعة بقوله علیه السلام: ( ومجتني الثمرة لغير وقت ابنامها كالزارع بغير أرضه ) يعني من اجتنى الثمرة قبل أن تدرك لا ينتفع بها كما لا ينتفع

الزارع بغير أرضه من زرعه لعدم قدرته على الإقامة في محلّ زراعته وعدم إمكان سعيه في إصلاحها بسقيها وحراستها وجبايتها ونحوها ، والمقصود أن هذا الوقت ليس وقت طلب هذا الأمر ولا يسوغ لي المطالبة إما لعدم الناصر أو لغير ذلك.

وقال المحدّث المجلسي طاب رمسه : ولعله شبه علیه السلام طلبه في هذا الوقت بمن يجتني ثمرته مع عدم إيناعها ، وشبه اختيار الملعون الخلافة بمن زرع في غير أرضه فيفيد ما تقدم أي عدم الانتفاع مع كمال التشبيه في الفقرتين ( فإن أقل) في باب الخلافة شيئاً (يقولوا: حرص على الملك) كما قاله عمر في غير موضع واحد (وإن أسكت ) من حيث اقتضاء المصلحة (يقولوا: جزع من الموت) وهذا كله إشارة إلى عدم أمنه علیه السلام من حصائد الألسنة وغوائل الزخرفة، حيث إنّهم مع التكلم كانوا ينسبونه إلى الحرص والاهتمام بأمر الدنيا، ومع السكوت كانوا ينسبونه إلى الجزع والعجز والخوف من الموت كما هو دأب المنافق الحاسد والكافر الجاحد في كل عصر وزمان خصوصاً في حق مثله علیه السلام .

كما قال الصادق علیه السلام في رواية المجالس: «إنّ رضا النّاس لا يملك وألسنتهم تضبط ، ألم ينسبوه صلی الله علیه واله وسلم يوم بدر إلى أنه أخذ من المغنم قطيفة حمراء حتى أظهره الله على القطيفة، وبرأ نبيه من الخيانة ، وأنزل في كتابه: وَمَا كَانَ لِنَي أَن يَغُل [آل عمران : 161] الآية.)وفي «الصافي» عن المجالس عن الصادق علیه السلام : إن رضا الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط وكيف تسلمون ما لم يسلم منه أنبياء الله ورسله وحججه ألم ينسبوا نبينا محمداً صلی الله علیه واله وسلم إلى أنه ينطق عن الهوى في ابن عمه علي صلی الله علیه واله وسلم حتى كذبهم الله فقال :(وما ينطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى [ النجم : 3 - 14 ] (1).)وقال الشاعر، وربّما ينسب إليه علیه السلام :قیل إنّ الإله ذو ولد *** وقيل إنّ الرّسول قد كهنامانجا الله والرسول معاً *** من لسان الورى فكيف أناثمّ إنّه علیه السلام أشار إلى بطلان ما زعموا في حقه وتكذيب ما قالوا فيه من جزعه من الموت على تقدير السكوت بقوله : (هيهات أي بعد ما يقولون (بعد اللتيا والتي ) أي بعد هذه الداهية الكبرى وملاقات كبار الشدائد وصغارها (والله لابن أبي طالب آنس بالموت ) وأرغب فيه وأميل إليه (من) ميل (الطفل) ورغبته (بثدي أمه ) وتفضيله علیه السلام لأنسه بالموت على أنس الطفل بالثدي بملاحظة أن أنس الطفل جبلي وطبيعي في معرض الفناء والزوال وأنسه علیه السلام)


1) تفسير الصافي : 396/1.

بالموت ولقاء ربه عقلي روحاني متصف بالبقاء والثبات فأين أحدهما من الآخر.ثم أشار علیه السلام إلى سرّ سكوته عن طلب حقه بقوله : (بل اندمجت أي أنطويت (على مكتون علم لو بحت به ) وأظهرته (لاضطربتم اضطراب الأرشية ) والحبال (في الطوى البعيدة) والبئر العميقة، واختلفوا في أن المراد بالعلم المكنون ماذا؟)فقيل: إنه إشارة إلى الوصية التي اختص بها وقد كان من جملتها الأمر بترك النزاع في مبدأ الاختلاف.وقيل إنّ المراد به علمه بعواقب الأمور المانع من سرعته إلى ما فيه المفسدة والموجب لتوقفه على ما اقتضته المصلحة.وقيل : إنّه أراد به علمه بأحوال الآخرة وأهوالها ، يعني أنّ الذي يمنعني من المنافسة في هذا الأمر والقتال عليه اشتغالي بما انطويت عليه من علم الآخرة ممّا لو أظهرته لكم لاضطربتم اضطراب الحيال في الآبار خوفاً من العقاب وشوقاً إلى الثواب والذهلتم عمّا أنتم فيه من التنافس في أمر الدنيا.أقول : والأظهر عندي أنّ المراد به هو ما أعلمه النبي صلی الله علیه واله وسلم بالوحي الإلهي من جريان حكم القضاء اللازم على دوران رحى الضلالة بعده صلوات الله عليه وآله على قطبها إلى رأس خمس وثلاثين من الهجرة، ثمّ قيام دولة بني أمية على ما يجري فيها على المسلمين والمؤمنين من العذاب الأليم والتكال العظيم، ثم ملك الفراعنة أعني بني العباس على ما يبتلى به الناس فيه من الفتن والمحن، ولعل هذا الوجه أقرب، ومحصله أن القضاء الأزلي والقدر الحتمي قد جرى على وقوع هذه الأمور واستيلاء الدولة الباطلة لا محالة، فلا يثمر النهوض ولا ينفع إلا السكوت، والله العالم بحقائق كلام وليه صلوات الله عليه وآله .### تكملةهذا الكلام رواه المجلسي في «البحار» بأدنى اختلاف ، قال : مأخوذ من مناقب ابن الجوزي خطبة خطب بها أمير المؤمنين علیه السلام بعد وفات رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، روى مجاهد عن ابن عباس قال : لمّا دفن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم جاء العباس وأبو سفيان بن حرب ونفر من بني هاشم إلى أمير المؤمنين علیه السلام ، فقالوا : مد يدك نبايعك ، وهذا اليوم الذي قال فيه أبو سفيان: إن شئت ملأتها خيلاً ورجلاً ، فخطب علیه السلام وقال :«أيّها النّاس شقوا أمواج الفتن بسفن النّجاة، وعرّجوا عن طريق المنافرة وضعوا تيجان المفاخرة، فقد فاز من نهض بجناح، أو استسلم فارتاح ، ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها أجدر بالعاقل من لقمة تحشي بزنبور ، ومن شربة تلذ بها شاربها مع ترك النظر في عواقب الأمور،،

فإن أقل يقولوا: حرص على الملك ؛ وإن أسكت يقولوا : جزع من الموت ، هيهات هيهات بعد (اللتيا والتي والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، ومن الرجل بأخيه وعمه، ولقد اندمجت على مكنون علم لوبحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة » (1))### الترجمةاز جمله کلام آن حضرت است در حینی که پیغمبر خدا (صلی الله علیه واله وسلم از دنیا احتجاب فرمود و خطاب نمودند به آن حضرت عباس بن عبدالمطلب و ابوسفیان بن حرب در آن که بیعت نمایند به او به خلافت ، پس فرمود در جواب ایشان :)ای مردمان بشکافید موجهای فتنه ها را که در تلاطم مانند بحار زخار است به کشتی های راستکاری و منحرف بشوید و عدول نمایید از راه مخالفت به سوی استکانت و سلامت و بگذارید از سرها تاجهای مکابرت و مفاخرت را . راستکار گردید کسی که برخاست به جناح اعوان و انصار یا اطاعت نمود و نفس خود را راحت کرد . چیزی که مرا به سوی آن دعوت میکنید از عقد بیعت ، همچو آبی است گندیده و مانند لقمه ای است که به سبب خوردن آن گلوگیر میشود خورندهآن و چیننده میوه در غیر وقت رسیدن آن به منزله کسی است که زراعت کننده است در غیر زمین خود ، پس اگر بگویم که میل دارم در خلافت میگویند که حریص است در ملك و امارت و اگر ساکت شوم میگویند که ترسید از مقاتله و شهادت . چه دور است آن چه میگویند بعد از این داهيه عظمی و مصیبت کبری و تعاقب شدائد بسیار و ملاقات سختی های بی شمار. به خدا قسم هر آینه پسر ابوطالب انس گیرنده تر است به مرگ از انس گرفتن طفل شیر خواره به پستان مادر خود ، بلکه سبب سکوت و توقف من در این باب آن است که پیچیده شده ام به علم مخزون و سرّ مکنونی که پنهان است که اگر اظهار بدارم آن را به شما ، هر آینه مضطرب می شوید و به لرزه می افتید مانند لرزیدن ریسمان در چاه دور و دراز و این اشاره است به قیام دولت اهل ضلالت و طغیان و امتداد زمان غصب خلافت ایشان .


1) البحار 141/29

## ومن كلام له علیه السلام لما أشير إليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال وهو سادس المختار في باب الخطب الجاري مجراها### اشارةورواه في «البحار» من «الأمالي » بسند يأتي، في «شرح البحراني » عن أبي عبيد قال أقبل أمير المؤمنين علیه السلام الطواف وقد عزم على اتباع طلحة والزبير وقتالهما فأشار إليه ابنه الحسن علیه السلام أن لا يتبعهما ولا يرصد لهما القتال فقال علیه السلام في جوابه :«وَاللهِ لا أَكُونُ كَالضَّبْع تَنَامُ عَلَى طُولِ اللذم حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا وَيَخْتِلَها رَاصِدُها، وَلكِنِّي أَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ وبِالسَّامِع الْمُطيع الْعَاصِي الْمُرِيبَ أَبَداً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي، فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَتَّي مُسْتَأْثِراً عَليَّ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلی الله علیه واله وسلم حَتَّى يَوْمِ النّاس هذا » (1.)### اللغة(الضبع بضم (الباء) حيوان معروف مؤنثه، قال الفيروز آبادي وهي سبع كالذئب إلا أنه إذا جرى كأنه أعرج ولذلك سمّى السبع العرجاء و(اللدم) اللطم والضرب بشيء ثقيل يسمع وقعه و(ختله) يختله من باب نصر وضرب خدعه و (استأثر) بالشيء استبد به .)### الإعراب(على في قوله على طول اللدم ، للاستعلاء المجازي على حد قوله تعالى :« ولهم علي ذنب »، (والباء) في قوله : بالمقبل وبالسامع، للإستعانة أو المصاحبة، (وعلي) في قوله : يأتي علي ، زائدة ، وحتى في قوله : حتى يقوم النّاس بمعنى (إلى) والإتيان بها دون إلى للإشارة إلى دخول ما بعدها في حكم ما قبلها إذ الغالب في ( حتّى) مع الخلو من القرينة هو الدخول ، كما أن الغالب في (إلى) العكس؛ صرّح به ابن هشام في «المغني».)### المعنىإعلم أن الضبع حيوان معروف بالحمق والعرب تقول في أمثالها : أحمق من الضبع ، ومن حمقها أن الصائد يأتي إلى باب مغارها فيضرب بعقبه الأرض عند الباب ضرباً خفيفاً، وذلك هو اللدم ويقول خامري أم عامر مراراً بصوت ليس بشديد فتنام على ذلك فيدخل إليها ويجعل الحبل في عرقوبها ويجزها فيخرجها .


1) البحار 135/32 ، ومجمع البحرين: 116/4 .

وفي «شرح المعتزلي » والعرب يزعمون أن الصائد يدخل عليها وجارها فيقول : أطرقي أمّ طريق خامري أم عامر ، ويكرر ذلك مراراً فتلجأ إلى أقصى مغارها وتنقبض فيقول: أمّ عامر ليست في وجارها أمّ عامر نائمة ، فتمد يديها ورجليها وتستلقي فيدخل عليها ويوثقها.أقول : عامر هو جرو الضبع وأمّ عامر كنية لها ومعنى خامري أم عامر استتري والزمي مكانك من المخامرة وهو الإستتار ولزوم المكان ، وأمّ طريق كقبيط كنية لها أيضاً وهو كثير الاطراق .وفي «القاموس» يقال : خامري حضاجر أتاك ما تجاوز هكذا وجدناه والوجه خامر بحذف (الباء أو تجاوزين بإثباتها، وحضاجر علم جنس للضبع غير منصرف لأنه منقول عن الجمع وكان في الأصل حضجر بمعنى عظيم البطن سمّى به الضبع مبالغة في عظم بطنها، كأن كلّ فرد منها جماعة من هذا الجنس ، فهو علم للمفرد المؤنث ولذلك قال الفيروز آبادي : والوجه أن يقال: تجاوزين ، وأما الوجه الآخر الذي ذكره وهو حذف (الياء) في خامر فهو مبني على كونه علماً لجنس الضبع الأعم الشامل للذكر والأنثى على ما ذهب إليه البعض على ما حكاه الفيومي في «المصباح».)وكيف كان فإذا عرفت ما مهدناه وضح لك معنى قوله علیه السلام : (والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم حتى يصل إليهاطالبها ويختلها أي يخدعها (راصدها) ومترقبها والمقصود إني لا أقعد عن الحرب ولا أؤخر القتال فيكون حالي مع القوم المشار إليهم حال الضبع تنام على حيلة صائدها، فأكون قد أسلمت نفسي لهم ويكونون متمكنين منّي تمكن صائد الضبع منها بختله وخديعته (ولكني أضرب) مصاحباً (بالمقبل إلى الحق) وجه (المدبر عنه و) أحارب مستعيناً (بالسامع المطيع) بداعي الحق (العاصي المريب) في الحق الشاك فيه (أبداً) أي ما دام العمر (حتى يأتي علي يومي) الذي قدّر فيه موتي (فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقي) الذي كنت أستحقه بنص من الله ورسوله (مستأثراً علي )ومستبداً برأيي غير محتاج إلى مشاورة الغير (منذ قبض الله نبيه صلی الله علیه واله وسلم ) إليه (حتى يوم الناس هذا ) يعني أن التغلب علي واندفاعي عن الخلافة شيء لم يتجدد الآن بل كان منذ قبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى ذلك اليوم الذي خالفوني ونكثوا بيعتي .)وفي« الاحتجاج » قال أمير المؤمنين علیه السلام في أثناء كلام له : وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النّبوة ولا من ذريّة الرّسول حتى رأيا أنّ الله قد ردّ علينا حقنا بعد أعصر قلم يصبرا حولاً كاملاً ولا شهراً حتى وثبا علي دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرّقا جماعة المسلمين عني ثم دعا عليهما (1.)


1) الإرشاد: 249/1 ، والاحتجاج : 236/1 .

### وينبغي التنبيه على أمورالأول : في ذكر نسب طلحة والزبير أما طلحة فقد قال العلامة الحلي قدس الله روحه في «كشف الحق» وقد ذكر أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي من علماء الجمهور أن من جملة البغايا وذوي الرايات صعبة بنت الحضرمي وكانت لها راية بمكة واستصفت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان وتزوجها عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر، فاختصم أبو سفيان وعبيد الله في طلحة فجعلا أمرهما إلى صعبة فألحقته بعبيد الله فقيل لها : كيف تركت أبا سفيان؟ فقالت يد عبيد الله طلقة ويد أبي سفيان بكرة، وقال أيضاً : وممّن كان يلعب به ويتخنّث عبيد الله أبو طلحة.وأما الزبير فقد قال في «البحار»: قال مؤلف كتاب «إلزام النواصب »وصاحب «تحفة الطالب »: قد ورد أن العوام كان عبداً لخويلد ثمّ أعتقه وتبنّاه (1ولم يكن من قريش، وذلك أنّ العرب في الجاهلية كانت إذا كان لأحدهم عبد وأراد أن ينسبه إلى نفسه ويلحق به نسبه أعتقه وزوجه كريمة من العرب فيلحقه بنسبه وكان هذا من سنن العرب ويصدق ذلك شعر عدي بن حاتم في عبد الله بن الزبير بحضرة معاوية وعنده جماعة من قريش وفيهم عبد الله بن الزبير ، فقال عبد الله لمعاوية يا أمير المؤمنين ذرنا نتكلم عدياً فقد زعموا أن عنده جواباً، فقال : إنّي احذركموه ، فقال: لا عليك دعنا وإياه فقال يا أبا طريف متى فقأت عينك؟ فقال: يوم فرّ أبوك وقتل شر قتلة وضربك الاشتر على استك فوقعت هارباً من الزحف وأنشد يقول شعراً .)أماد أبي يا ابن الزبير لو أنني *** لقيتك يوم الزحف رمت مدى سخطاًوكان أبی في طي وأبوايي *** صحيحين لم ينزع عروقهما القبطاقال معاوية : قد حذرتكموه فأبيتم، وقوله : صحيحين (ا ه تعريض بابن الزبير بأن أباه وآبا أبيه ليسا بصحيحي النسب وأنهما من القبط ولم يستطع ابن الزبير انكار ذلك في مجلس معاوية (2).)### الثانيفي سبب نقض طلحة والزبير بيعته علیه السلام ، قال الشارح المعتزلي: لما بويع علي علیه السلام كتب إلى معاوية : «أما بعد فإنّ النّاس قتلوا عثمان من غير مشورة منّي وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع فإذا أتاك كتابي فبايع وأوفد إلي أشراف أهل الشام قبلك، فلما قدم رسوله على معاوية وقرأ كتابه بعث رجلاً من بني عيسى وكتب معه وكتب معه كتاباً إلى الزبير بن العوام وفيه :


1) أي أخذه إبناً له.

2) البحار 219/32

بسم الله الرّحمن الرّحيم لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك ، أما بعد فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الحلب فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقنك إليهما ابن أبي طالب فإنّه لا شيء بعد هذين المصرين، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك فأظهرا الطلب بدم عثمان وادعوا النّاس إلى ذلك وليكن منكما الجد والتشمير أظفر كما الله وخذل مناديكما ».فلما وصل هذا الكتاب إلى الزبير ستر به وأعلم به طلحة وأقرأه إياه فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية وأجمعا عند ذلك على خلاف علي علیه السلام .قال الشارح: جاء الزبير وطلحة إلى علي علیه السلام بعد البيعة بأيام فقالا: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كنا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلها وعلمت رأي عثمان كان في بني أمية وقد ولاك الله الخلافة من بعده فولنا بعض أعمالك. فقال علیه السلام لهما : «ارضيا بقسم الله لكما حتى أرى رأيي واعلما أني لا أشرك في أمانتي إلا من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي ومن قد عرفت دخيلته »، فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة (1.)وفي «الإحتجاج » عن ابن عباس أنه قال: كنت قاعداً عند علي علیه السلام حين دخل عليه طلحة والزبير فاستأذناه في العمرة فأبى أن يأذن لهما فقال : «قد اعتمرتما »، فعادا عليه الكلام فأذن لهما ثم التفت إليّ فقال: «والله ما يريدان العمرة » ، قلت : فلا تأذن لهما، فردّهما، ثمّ قال لهما : والله ما تريدان العمرة وما تريدان إلا نكثا لبيعتكما وإلا فرقة لأمتكما فحلفا له فأذن لهما ثم التفت إليّ فقال : «والله ما يريدان العمرة » ، قلت فلم أذنت لهما؟ قال: «حلفا لي بالله » ،قال : خرجا إلى مكة فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها (2)وفي «شرح المعتزلي » من كتاب «الجمل» لأبي مخنف أنّ علياً علیه السلام خطب لما سار الزبير وطلحة من مكة ومعهما عائشة يريدون البصرة فقال :«أيها الناس إنّ عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير وكلّ منهما يرى الأمر له دون صاحبه أما طلحة فابن عمها وأما الزبير فختنها ، والله لو ظفروا بما أرادوا ولن ينالوا ذلك أبداً ليضرين أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد والله إنّ راكبة الجمل الأحمر ما تقطع عقبة ولا تحلّ عقدة إلا في معصية الله وسخطه حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة أي والله ليقتلن ثلثهم وليهر بن ثلثهم وليتوبن ثلثهم وأنها التي تنبحها كلاب الحواب وأنهما ليعلمان أنهما مخطئان وربّ عالم قتله جهله ومعه علمه لا ينفعه وحسبنا الله ونعم الوكيل، فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية أين المحتسبون أين المؤمنون؟ مالي ولقريش أما والله لقد قتلتهم كافرين


1) شرح نهج البلاغة : 231/1

2) رسائل المرتضى : 66/4 ، والاحتجاج : 235/1.

ولأقتلنّهم مفتونين، ومالنا إلى عائشة من ذنب إلا أنا أدخلناها في حيزنا والله لا يقرن الباطل حتّى يظهر الحق من خاصرته» (1.)ورواه في «البحار» من كتاب «الكافية» لإبطال توبة الخاطئة قريباً منه، وفيه بدل قوله : وليتوبنّ ثلثهم وليرجع ثلثهم وبدل قوله : وما لنا إلى عائشة من ذنب وما لنا إليها من ذنب غير أنا خيرنا عليها فأدخلناها في حيزنا (2.)### الثالثروى المحدّث المجلسي (قدس الله سره في «البحار» من «أمالي المفيدة » عن الكاتب عن الزّعفراني عن الثقفي عن الفضل بن دكين عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال : لما نزل علي علیه السلام بالزبدة سألت عن قدومه إليها فقيل : خالف عليه طلحة والزبير وعائشة وصاروا إلى البصرة فخرج يريدهم فصرت إليه فجلست إليه حتى صلى الظهر والعصر فلما فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن علیه السلام فجلس بين يديه ثم بكى وقال : يا أمير المؤمنين إنّي لا أستطيع أن أكلمك وبكى علیه السلام ، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية .)فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تئوب العرب وتعود إليها أحلامها وتأتيك وفودها فوالله لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الإبل حتى تستخرجك منه ثمّ خالفك إلى الحق طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما فإن اجتمعت الأمة فذاك وإن اختلفت رضيت بما قسم الله وأنا اليوم أسألك أن لا تقدم العراق وأذكرك بالله أن لا تقتل بمضبعة .فقال أمير المؤمنين علیه السلام أما قولك: «إن عثمان حصر فما ذاك وما عليّ منه وقد كنت بمعزل عن حصره»، وأما قولك : انت مكة فوالله ما كنت لأكون الرّجل يستحل به مكة، وأمّا قولك: اعتزل العراق ودع طلحة والزبير فوالله ما كنت لأكون كالضبع ينتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها أرباً إرباً ولكن أباك يا بني يضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه وبالسّامع المطيع العاصي المخالف أبداً حتى يأتي علي يومي فوالله ما زال أبوك مدفوعاً عن حقه مستأثراً عليه منذ قبض الله نبيه صلی الله علیه واله وسلم حتى يوم الناس (3هذا .)


1) شرح النهج : 233/1.

2) وسائل الشيعة : 34/1 والبحار 104/32

3) أمالي الطوسي : 53 ، وحلية الأبرار 300/2

وكان طارق بن شهاب - أي وقت حدث بهذا الحديث - بكي، هذا .والمستفاد من هذه الرّواية أنه علیه السلام خطب بهذه الخطبة بالربذة ، والمستفاد من رواية الشارح البحراني السالفة أنه خطب بها بمكة ، والله العالم بحقائق الوقائع .### الترجمةاز جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است که فرمود در حینی که اشاره کرده شد به سوی او که نرود پی طلحه و زبیر و مهیا نسازد به جهت ایشان مقاتله و محاربه را و اشاره کننده حضرت امام حسن (علیه السلام بود که به حضور پدر بزرگوار این عرض را نمود ، پس آن امام عالی مقام جواب داد:)به خدا سوگند که من نمیتوانم مثل کفتار بشوم که بخوابد بر درازی زدن صید کننده او پاشنه خود را به سنگ که این از جمله اسباب صید اوست تا این که برسد به او طلب کننده و فریب دهد او را انتظار کشنده او ولیکن من میزنم به استعانت و مصاحبت کسی که اقبال کننده حق است ادبار کننده از حق را و به یاری شنونده فرمان بردار گنه کار شك آورنده را در جمیع حالات و در همه اوقات تا این که بیاید به سوی من روز موعود من .پس به خداوند سوگند همیشه بوده ام دفع کرده شده از حق خود ، ممنوع گردیده از خلافت مستبد در امر و تنها ایستاده ام برکار خود و هیچ ناصر و معین من نبوده از آن زمان که قبض فرمود حق سبحانه و تعالی روح پرفتوح پیغمبر خود را تا روز مردمان این روزگار؛ یعنی اغتصاب خلافت و ممنوع شدن من از حق خود چیزی نیست که تازگی داشته باشد و از آن استیحاش بکنم ، بلکه امری است مستمر از روز وفات حضرت رسالت مآب سلام الله علیه تا امروز که این منافقین با من به مقام نقض عهد آمده و بنایشان دفع نمودن من است از حق خود؛ واللهأعلم بالصواب.

## ومن خطبة له علیه السلام وهي الخطبة السابعة### اشارة«اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأَمْرِهِمْ مِلاكاً، وَأَتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْراكاً ، فَبَاضَ وَفَرْخَ فِي صُدُورِهِمْ، ودَبَّ ودَرَجَ في حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ في أَعْيُنِهِمْ ، ونَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَزَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَلَ، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرْكَهُ الشَّيْطَانُ في سُلْطَائِهِ، ونَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ » (1)### اللغة(الشيطان فيعال من شطن إذا تباعد فكأنه يتباعد عنه ذكر الله تعالى، وقيل إنه فعلان من شاط يشيط إذا احترق غضباً لأنه يحترق ويغضب إذا أطاع العبد الله سبحانه و(ملاك) الأمر ما به قوامه و(الإشراك) إما جمع شريك كشريف وأشراف وهو الأظهر ، أو جمع شرك وهو حبائل الصيد والغالب في جمعه شرك بضمتين وقد يجمع على أشراك كجبل وأجبال و(باض) الطائر ونحوه يبيض بيضاً فهو بائض و (فرخ) من باب التفعيل و(دب) الصغير دبيباً من باب ضرب سار و (درج) الصبي دروجاً من باب قعد مشى قليلاً، وقد يختص الدبيب بالحركة الخفية و (الخطل ) الكلام الفاسد يقال : أخطل : في كلامه أي أخطأ.)### الإعراب(فعل من قد شركه مفعول مطلق مجازي لقوله : (اتخذوا) إذ العامل محذوف والتقدير فعلوا ذلك فعل من (ا ه) .)### المعنىإعلم أنه علیه السلام أشار في هذه الخطبة إلى ذمّ المنابذين والمخالفين له والمتمردين عن طاعته فقال : (اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً أي به قوام أمورهم ونظام حالهم فجعلوه ولياً لهم سلطاناً عليهم متصرّفاً فيهم بالأمر والنهي كما قال سبحانه :)(اتَّخَدُوا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ [الأعراف: 30] وقال تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 27] . أي حكمنا بذلك لأنهم يتناصرون على الباطل يؤمنون به ويتولون الشيطان ويشركون بالرّحمن كما قال تعالى :

(إنَّما سُلْطَنُم عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [النحل : 100 ] .


1) البحار : 121/44

(واتخذهم له أشراكاً ) يعني أنهم بعد ما ملكوا الشيطان أمورهم فتصرف فيهم بأن أخذهم شركاء له وجعلهم جنوده وأتباعه كما قال تعالى :

(اسْتَحوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَهُمْ ذِكْر اللَّهِ أَوَلَيْكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ هُمُ المَتَرُونَ ) [المجادلة : 19]

وأما على جعل الإشراك جمعاً لشرك فقد قال الشارح البحراني أنه استعارة حسنة، فإنّه لمّا كان فائدة الشرك إصطياد ما يراد صيده وكان هؤلاء القوم بحسب ملك الشيطان لآرائهم وتصرفه فيهم على حسب حكمه أسباباً لدعوة الخلق إلى مخالفة الحق ومنابذة إمام الوقت وخليفة الله في أرضه أشبهوا الأشراك لاصطيادهم الخلق بألسنتهم وأموالهم وجذبهم إلى الباطل بالأسباب الباطلة التي ألقاها إليهم الشيطان ونطق بها على ألسنتهم فاستعار لهم لفظ الإشراك.

ثم أشار علیه السلام إلى ملازمة الشيطان لهم بقوله : (قباض وفرخ في صدورهم ) كالطائر الذي يبيض ويفرخ وذلك لا يكون إلا بعد طول الملازمة والإقامة، فشبه علیه السلام صدورهم بعش الطائر وموطنه إذ البائض لا يبيض إلا في مسكنه ، وكنّى بالبيض والفرخ عن إقامته عليهم ومكثه في قلوبهم لإغوائهم، ويمكن أن يكون المراد بهما معناهما الأصلي لأنه لا نتاج له وإنما يبيض ويفرخ بنفسه .

كما يدلّ عليه ما رواه في «البحار» من الخصال بإسناده عن أبي عبد الرحمن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله علیه السلام قال : الآباء ثلاثة آدم ولد مؤمناً، والجان ولد كافراً وإبليس ولد كافراً وليس فيهم نتاج إنّما يبيض ويفرخ وولده ذكور ليس فيهم إناث » (1).

وفيه من العلل بإسناده عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «إنّ الله عزّ وجلّ حين أمر آدم أن يهبط ، هبط آدم وزوجته وهبط إبليس ولا زوجة له وهبطت الحيّة ولا زوج لها فكان أوّل من يلوط بنفسه إبليس فكانت ذريته من نفسه، وكذلك الحيّة وكانت ذرية آدم من زوجته فأخبرهما أنهما عدوان لهما »، هذا (2).

ولكن الأظهر هو المعنى الأَوّل لأنّ الكناية أبلغ من الإفصاح وأسد من التصريح، فيكون ذلك نظير قوله صلی الله علیه واله وسلم: (إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) ، فإن المقصود به ليس أنه يدخل عروقه وأوراده وتجاويف أعضائه بل المعنى أن الشيطان لا يزال يراقب العبد ويوسوس


1) الخصال: 152 286، والبحار: 111/11

2) علل الشرائع : 547/2 2 والبحار : 237/11 ،

إليه في نومه ويقظته، إذ هو جسم لطيف هوائي يمكنه أن يصل إلى ذلك الإنسان فيوصل كلامه ووسواسه إلى باطن أذنه فيصير إلى قلبه، والله العالم بكيفية ذلك .

وبالجملة كلام العرب إشارات وتلويحات والكلام إذا ذهب عنه المجاز والاستعارة

والكناية زالت براعته وفارقه رونقه وبقي مغسولاً وصار عامياً مرذولاً وكان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وكذلك سيّد الأوصياء علیه السلام أفصح الفصحاء وأكمل البلغاء، فتكون فائدة كلامه صلوات الله عليه أن الشيطان يلازمك ويراصدك من حيث لا تعلم فعليك بالإحتراز منه لا تعلم فعليك بالإحتراز منه والتوقي من كيده ومكره ، وفائدة كلامه علیه السلام أن الشيطان استوطن قلوبهم ولزم صدورهم لزوم الطير البائض على بيضته (ودب ودرج في حجورهم ) دبيب الولد في حجر والديه فهو معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه، وعلى الوجه الآخر الذي ذكرناه من احتمال استعمال باض وفرّخ في معناهما الحقيقي فالأظهر رجوع الضميرين في دب ودرج إلى الفرخ المستفاد من فرخ .

ثم أشار علیه السلام إلى شدّةِ اتحاده معهم بقوله (فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم) وذلك لأن النظر والنطق وسائر أفعال الأعضاء والجوارح بأسرها تابعة لإرادة القلب، إذ القلب هو الحاكم عليها بالأمر والنهي والمتصرف في مملكة البدن والرئيس على الجوارح والمشاعر الباطنة والظاهرة.

ولما جعلوا هؤلاء قلوبهم عش الشيطان وموطنه وألقوا مقاليد أمورهم إليه وعزلوا عقولهم عن التصرف والتدبير ، كان إرادتهم القلبية التي هي منشأ الحركات والأفعال للجوارح تبعاً له ومنبعثة من وسوسته وإغوائه، فتكون جميع الأفعال والحركات والسكنات لهم مستندة إليه وصادرة عن حكمه ، فيكون نظرهم نظر الشيطان ونطقهم نطق الشيطان لا ينظرون إلا إلى ما فيه رضاه، ولا ينطقون إلا بما هو مطلوبه ومناه.

(ف) معند ذلك (ركب بهم الزلل ) والضّلالة (وزيّن لهم الخطل ) والفكاهة وفعلوا ذلك مثل (فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه ) يعني كما أنّ من جعله الشيطان شريكاً له في تسلطه وأمره ونهيه وكان ناطقاً بالباطل على لسانه ، تكون جميع أفعاله وأقواله في جميع أحواله تبعاً لذلك اللعين، فكذلك هؤلاء المنافقين والمنابذين لعنة الله عليهم أجمعين.

الترجمة

اخذ نمودند منافقان شیطان را به جهت کارهای خودشان محل اعتماد و ما به

با القوام و : اخذ نمود شیطان ایشان را به جهت خود شریکان ، پس تخم شقاوت نهاد و جوجه درآورد و در سینه ایشان به حرکت درآمد و با تدریج رفتار کرد در کنار ایشان ، پس با چشم آنها نگاه نمود و با زبان ایشان گویا گردید ، پس سوار نمود ایشان را بر مرکب لغزش و گناه و زینت داد به جهت ایشان قول فاسد و تباه را . می نمایید کارها را مثل کردن کسی که شريك نموده باشد او را شیطان در سلطان و طغیان خود و همچو کردن کسی که گویا باشد به امر باطل بر زبان او ؛ یعنی افعال و اقوال اینها مثل فعل و قول کسی است که من جميع الوجوه مطیع شیطان بوده باشد و از غایت اختلاط و امتزاج با شیطان اثنینیت از میانه برداشته شود.

ومن كلام له علیه السلام يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك وهو ثامن المختار في باب الخطب

اشارة

«یزعَمُ أَنَّهُ قَدْ َبايَعَ بِيَدِهِ وَلَمْ يُبايِعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أَقَرُ بِالْبَيْعَةِ ، وَادْعَى الْوَلِيجَةَ، فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرِ يُعْرَفُ، وَإِلا فَلْيَدْخُلْ فيما خَرَجَ مِنْهُ» .

اللغة

(ولج) يلج ولوجاً ولجة دخل، والوليجة الدخيلة والبطانة وخاصتك من الرجال ومن تتخذه معتمداً من غير أهلك ، وهو وليجتهم أي لسيق بهم ، والمراد هنا ما أضمره الإنسان في قلبه .

الإعراب

(الفاء) في قوله علیه السلام : فقد أقر ، وقوله : فليأت ، فصيحة وفي قوله : فليدخل جواب للشرط.

المعنى

إعلم أنّ الزبير بعد نكثه بيعته علیه السلام كان يعتذر عن ذلك، فيدعي تارة أنّه أكره على البيعة و(يزعم ) أخرى أنه ورّى في ذلك تورية ونوى دخيلة و (أنّه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه ) فأجاب علیه السلام عنه وردّ ادعائه بأنه (قد أقز بالبيعة) بتسليمه البيعة بيده ظاهراً و(ادعى) أنه أضمر في باطنه ما يفسد بيعته من (الوليجة) والبطانة وهذه دعوى لا تسمع منه ولا تقبل شرعاً ما لم ينصب عليها دليلاً ولم يقم عليها برهاناً (فليات) على إثباتها (بأمر يعرف ) صحته ودليل يتضح دلالته ( وإلاً) أي إن لم يقم عليها برهاناً كما أنّ الشأن ذلك (فليدخل فيما خرج منه) من طاعته علیه السلام وانقياد حكمه وليمض على بيعته .

قال الشارح المعتزلي : لما خرج طلحة والزبير من المدينة إلى مكة لم يلقيا أحداً إلا وقالا : ليس لعلي في أعناقنا بيعة وإنّما بايعناه مكرهين فبلغ عليّاً علیه السلام قولهما فقال علیه السلام : «أبعدهما الله وأعزب دارهما وأنا والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل ويأتيان من وردا بأشام يوم ولقد أتياني بوجهي فاجرين ورجعا بوجهي غادرين ناكثين، والله لا يلقيانني بعد هذا اليوم إلا في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما فبعداً لهما وسحقاً»(1)


1) شرح نهج البلاغة : 233/1 .

وفي «الإحتجاج» عن نصر بن مزاحم أن أمير المؤمنين علیه السلام حين وقع القتال وقتل طلحة تقدم على بغلة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الشهباء بين الصفين، فدعا الزبير، فدنا إليه حتى إذا اختلفت أعناق دابتيهما ، فقال : يا زبير أنشدك أسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: «إنك ستقاتل عليّاً وأنت له ظالم » ، قال : اللهم نعم، قال: فلم جئت؟ قال: جئت لأصلح بين الناس فأدير الزبير وهو يقول:

ترك الأمور التي يخشى عواقبها *** لله أجمل من الدنيا وفي الدين

أتى عليّ بأمر كنتُ أعرفه *** قد كان عمر أبيك الخير مذحين

فقلت حسبك من عدل أبا حسن *** فبعض ما قلته ذا اليوم يكفيني

فاخترت عاراً على نار مؤجّجة *** أنى يقوم لها خلق من الطين ن

بئت طلحة وسط النقع منجدلاً *** مأوى الضيوف ومأوى كل مسكين

قد كنت أنصره أحياناً وينصرني *** في النائبات ويرمي من يراميني

حتّى ابتلينا بأمر ضاق مصدره *** فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني

ماي قال : وأقبل الزبير إلى عائشة فقال : يا أمه والله مالي في هذا بصيرة وأنا منصرف، فقالت عائشة : يا أبا عبد الله أفررت من سيوف ابن أبي طالب؟ فقال : إنّها والله طوال حداد تحملها فتية أنجاد، ثم خرج راجعاً فمرّ بوادي السباع وفيه الأحنف ابن قيس قد اعتزل في بني تميم فأخبر الأحنف بانصرافه فقال : ما أصنع به إن كان الزبير قد ألقي (ألف خ) بين غارين من المسلمين وقتل أحدهما بالآخر ثم هو يريد اللحاق بأهله فسمعه ابن جرموز فخرج هو ورجلان معه وقد كان لحق بالزبير رجل من كلب ومعه غلامه .

فلمّا أشرف ابن جرموز وصاحباه على الزبير فحرك الرجلان رواحلهما وخلفا الزبير وحده، فقال الزبير : ما لكما ثلاثة ونحن ثلاثة فلما أقبل ابن جرموز قال له الزبير : مالك إليك عني فقال ابن جرموز : يا أبا عبد الله إنني جئتك لأسألك عن أمور الناس قال : تركت الناس على الرّكب يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف.

قال ابن جرموز : يا أبا عبد الله أخبرني عن أشياء أسألك عنها قال: هات ، فقال أخبرني عن خذلك عثمان وعن بيعتك عليّاً وعن نقضك نقضك بيعته وعن إخراجك عائشة أم المؤمنين وعن صلاتك خلف ابنك وعن هذه الحرب التي جنتها وعن لحوقك بأهلك ، فقال: أما خذلي عثمان فأمر قدّم الله فيه الخطيئة وأخر فيه التوبة، وأما بعيني عليّاً فلم أجد منها بداً إذ بايعه المهاجرون والأنصار، وأما نقضي بيعته فإنّما بايعته بيدي دون قلبي، وأما إخراجي أم المؤمنين فأردنا أمراً وأراد الله غيره، وأما صلاتي خلف ابني فإنّما خالته قدمته، فتنحى ابن جرموز عنه، وقال قتلني الله إن لم أقتلك .

وفي شرح المعتزلي بعدما ذكر سؤال ابن جرموز وجواب الزبير قال : فسار ابن جرموز معه وكلّ واحد منهما يتقي الآخر فلما حضرت الصلاة فقال الزبير يا هذا إنا نريد أن نصلي ، فقال ابن جرموز : أنا أريد ذلك فقال الزبير :فتؤمني وأؤمّك، قال: نعم فثنى الزبير رجلاً وأخذ وضوئه، فلما قام إلى الصلاة شد ابن جرموز عليه فقتله وأخذ رأسه وخاتمه وسيفه وحثا عليه تراباً يسيراً ورجع إلى الأحنف فأخبره، فقال: والله ما أدري أسأت أم أحسنت ، اذهب إلى علي علیه السلام فأخبره فجاء إلى علي فقال للآذن : قل له : عمرو بن جرموز بالباب ومعه رأس الزبير وسيفه فأدخله .

وفي كثير من الروايات أنّه لم يأت بالرّأس بل بالسيف، فقال له : أنت قتلته، قال: نعم قال : والله ما كان ابن صفية جباناً ولا لئيماً ولكن الحين ومصارع السوء، ثم قال : ناولني سيفه فناوله فهزّه ، وقال : سيف طال ما جلى به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

فقال ابن جرموز : الجائزة يا أمير المؤمنين، فقال علیه السلام : أما اني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول: «بشر قاتل ابن صفية بالنّار »، فخرج ابن جرموز خائباً وقال:

أتيتُ عليّاً برأس الزبير *** أبغی به عنده الزلفة

فبشّر بالنار يوم الحساب *** فبیست بشارة ذي التحفه

فقلت له إن قتل الزبير *** لولا رضاك من الکلفه

فإن ترض ذاك فمنك الرضا *** وإلا فدونك لي حلفه

وربّ المحلين والمحرمين *** ورب الجماعة والألفة

لسيّان عندي قتل الزبي *** وضرطة عنز بذي الجحفة

ثم خرج ابن جرموز على عليّ علیه السلام مع أهل النهر ، فقتله معهم فيمن قتل (1).

فإن قيل : أليس ما رواه ذلك صريحاً في توبة الزبير حيث إنه لو لم يكن تائباً لما استحق قاتله النار بقتله، فيدل ذلك على صحة ما ذهب إليه الشارح المعتزلي وفاقاً لسائر المعتزلة من صحة توبة الزبير .

قلت: قد أجيب عنه تارة بأن بشارة القاتل بالنار لا ينافي كون المقتول فيها أيضاً، ولا يلازم توبته، وذلك لأن ابن جرموز قتل الزبير على وجه الغيلة والمكر وهذه منه معصية لا شبهة فيها فإنّما استحق ابن جرموز النار بقتله إيَّاه غدراً لا لأن المقتول في الجنة.

وأجيب أخرى بأنّ جرموز كان من جملة الخوارج كما ذكره الشارح في آخر كلامه


1) شجرة طوبى : 320/2 ، والجمل للمفيد : 208

والنبي صلی الله علیه واله وسلم قد كان خبره بحالهم ودله على جماعة منهم بأعيانهم وأوصافهم، فلما جاءه ابن جرموز برأس الزبير أشفق أمير المؤمنين علیه السلام من أن يظن به لعظيم ما فعله الخير ويقطع له على سلامة العاقبة ويكون قتله الزبير شبهة فيما يصير إليه من الخارجية قطع عليه بالنار لتزول الشبهة في أمره وليعلم أنّ هذا الفعل الذي فعله لا يساوي شيئاً مع ما يرتكبه في المستقبل.

والذي يدلّ على أن بشارته بالنار لم تكن لكون الزبير تائباً بل لبعض ما ذكرناه هو أنه لو كان الأمر كما ادعوه لأقاده أمير المؤمنين علیه السلام به ففي عدوله علیه السلام من ذلك دلالة على ما ذكرنا كما هو واضح لا يخفى ، مضافاً إلى أنه لو كان تائباً لم يكن مصرعه مصرع سوء لاسيما وقد قتله غادراً، ويأتي إن شاء الله تحقيق هذا المعنى في شرح الكلام المائة والسابعة والثلاثين بما لا مزيد عليه فانتظر .

الترجمة

از جمله کلام بلاغت نظام آنحضر تست که اراده نموده بآن زبیر را در حالی که اقتضا میکرد آنرا ادعا میکند زبیر که بیعت کرده بدشت خود و بیعت ننموده بقلب خود ، پس بتحقیق اقرار نمود بیعت خود شرعاً وادعا کرد پنهان داشتن خلاف آنرا در باطن ، پس باید که بیاورد بر آن دعوی یا دلیلی که شناخته میشود میشود بآن دلیل صحت آن دعوی ، و اگر اقامه دلیل نتواند بکند باید داخل شود بآن چیزی که از آن خارج شده .

ومن كلام له علیه السلام وهو تاسع المختار في باب الخطب

اشارة

«وَقَدْ أَرْعَدُوا وَأَبْرَقُوا ، وَمَعَ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ، وَلَسْنَا تُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ، وَلَا نُسِيلُ حَتَّى تُمْطِرَ » (1)

اللغة

(أرعد) الرجل و (أبرق) أوعد وتهدّد قال الكميت :

أرعد وأبرق یا یزيد *** فما وعيدك لي بضائر

و (الفشل) بفتحتين مصدر فشل إذا ضعف وجبن .

الإعراب

(الفشل) مرفوع على الإبتداء قدم عليه خبره توسعاً، والفعلان الواقعان بعد (حتى) منصوبان إما بنفس (حتى) كما يقوله الكوفيون، أو (بان) مضمرة نظراً إلى أنّ (حتّى) إنّما تخفض الأسماء وما يعمل في الأسماء لا يعمل في الأفعال، وكيف كان فهي في الموضعين إما بمعنى (إلى) كما في قوله سبحانه: (حَتَّى يَريعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: 91] .

أبو بمعنى (إلا) كما في قوله :

ليس العطاء من الفضول سماحة *** حتّى تجود وما لديك قليل

قال ابن هشام : هذا المعنى ظاهر من قول سيبويه في تفسير قولهم : والله لا أفعل إلا أن تفعل ، المعنى حتى أن تفعل والأظهر في كلامه علیه السلام إرادة المعنى الثاني فافهم .

المعنى

إعلم أن كلامه علیه السلام في هذا المقام ناظر إلى طلحة والزبير وأتباعهما من أصحاب الجمل ووارد في توبيخهم وذمهم (و) ذلك لأنهم (قد أرعدوا وأبرقوا ) أي أو عدوا وتهدّدوا قبل إيقاع الحرب (ومع هذين الأمرين الفشل ) إذ الوعيد والتهديد والضوضاء قبل ايقاع الحرب والظفر على الخصم أمارة الضعف والجبن وعلامة رذالة النفس، كما أنّ الضمت والسكوت أمارة الشجاعة ولذلك أنه علیه السلام قال لأصحابه في تعليم آداب الحرب في ضمن كلامه المائة والرابع والعشرين : وأميتوا أصواتكم فإنّه أطرد للفشل، وقال لأصحابه في غزوة الجمل: إياكم وكثرة الكلام فإنّه فشل .


1) البحار : 52/32 .

ثم بعد الإشارة إلى ذمّهم ورذالة أنفسهم أشار علیه السلام إلى علو همته وفضيلة نفسه وأصحابه بقوله : ( ولسنا ترعد حتى نوقع ولا نسيل حتى نمطر) يعني كما أن فضيلة السّحاب اقتران وقوع المطر منه برعده وبرقه وإسالته بأمطاره فكذلك أقوالنا مقرونة بأفعالنا وإسالة عذابنا مقارنة بأمطاره، ويحتمل أن يكون المعنى إنا لا نهدّد إلا أن نعلم أنا سنوقع، ولا نوعد إلا إذا أوقعنا بخصمنا ، يعني إذا أوقعنا بخصمنا أوعدنا حينئذ بالإيقاع به غيره من خصومنا وهكذا كان حال الشجعان في سالف الزمان وغابره.

كما روي أن كاتب حدود الزوم كتب إلى المعتصم أن أبا قيس الرومي حاكم قلعة عمورية أمسك امرأة من المسلمين يعذبها وهي تصيح وامحمداه وامعتصماه وأبو قيس يستهزء بها ويقول : إن المعتصم يركب مع جنوده على خيل بلق يأتي إلي ويستخرجك من عذابي ، فلمّا ورد عليه الكتاب كان خادمه معه قدح من ماء السكر يشربه المعتصم فقال له احفظ هذا ولا تناولنيه إلا في بيت المرأة المسلمة، فخرج من سرّ من رأى وأمر بعساكره أن لا يركب إلا من عنده فرس أبلق فاجتمع عنده ثمانون ألفاً يركبون خيلاً بلقا، وكان المنجمون أشاروا عليه بأن لا يسافر وأن قلعة عمورية لا تفتح على يديه .

فقال إن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال : «من صدق منجماً فقد كذب ما أنزل الله على محمد » فسار إلى القلعة وحصرها مدة وكان الشتاء في غاية البرد فخرج المعتصم يوماً من خيمته ووجد العسكر واقفاً شدة البرد لا يقدرون على رمي السهام، فأمر بمائتي قوس وركب إلى حصار القلعة بنفسه فلما رآه جنوده ركضوا على القلعة من أطرافها وفتحوها فسأل عن المرأة فدلوه عليها واعتذر لديها ، وقال : إنّك ندبتني من عمورية وسمعتك من سامرا وقلت : لبيك ، فها أنا ركبت على الخيل البلق وأخذت بظلامتك، ثم أمر خادمه باحضار ماء السكر فشربه وقال : الآن طاب الشّراب واحتوى على ما فيها من الأموال وقتل ثلاثين ألف أو أزيد، هذا.

وفي قوله علیه السلام (ولا نسيل حتى نمطر) تعريض على أصحاب الجمل وأنّهم في وعيدهم وأجلاً بهم بمنزلة من يدعي أنه يحدث السيل قبل إحداث المطر وهذا محال لأن السّيل إنما يكون من المطر فكيف يسبق المطر؟ والله العالم بحقائق كلام أوليائه .

الترجمة

یعنی مانند رعد در تهدید میغرند و مانند برق در توعید میجهند و با این دو ترس و جبن است و نیستیم ما که بترسانیم تا این که واقع گردانیم و نه سیل

امر روان نماییم تا این که ببارانیم؛ والله أعلم.

ومن خطبة له علیه السلام وهي الخطبة العاشرة

اشارة

«أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجُلَهُ ، وإِنَّ مَعي لَبَصِيرَتي، ما لَبْسْتُ عَلَى نَفْسي وَلا لُبْسَ عَلَيَّ، وأَيْمُ اللَّهِ لأَفَرُطَنْ لَهُمْ حَوْضَاً أَنا مانِحُهُ، لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ، وَلاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ » (1).

اللغة

(الخيل) الفرسان و(الرجل) بالفتح جمع راجل كالركب جمع راكب و (أيم الله) مخفف أيمن قال الفيومي أيمن إسم استعمل في القسم والتزم رفعه كما التزم رفع لعمرو الله ، وهمزته عند البصرتين وصل واشتقاقه عندهم من اليمن وهو البركة، وعند الكوفيين قطع لأنه جمع يمين عندهم وقد يختصر منه ويقال وأيم الله بحذف الهمزة والنون ثم اختصر ثانياً فيقال م الله بضم الميم وكسرها و (أفرطن) إما بفتح الهمزة وضم الراء مضارع فرط زيد القوم كقعد أي سبقهم وتقدم عليهم، وفرط بفتحتين المتقدم في طلب الماء يهيء الدلاء والإرشاء، وإما بضم الهمزة وكسر الراء من باب الأفعال مأخوذ من أفرط المزادة أي ملأها و(الماتح ) كالمائح وهو المستقي من البئر إلا أن الفرق بينهما كاعجامهما كما قاله أبو علي، يعني أن الناء بنقطتين من فوق وكذلك الماتح لأنه المستقي فوق البئر، والياء بنقطتين من تحت ، وكذلك المائح لأَنَّه الذي ينزل إلى البئر فيملأ الدلو .

الإعراب

(ألا) حرف تنبيه تدل على تحقق ما بعدها لتركبها من همزة الإستفهام (ولاء) النّفي

، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق نحو :

(اليس ذلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْتى الولى ) [القيامة : 40] .

قال الزمخشري : ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا

مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم نحو :

(أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس : 62] .

أقول : وكان ينبغي له أن يضيف إلى ذلك وقوع نفس القسم بعدها كما في كلامه علیه السلام ، (وأيم الله) مرفوع بالإبتداء خبره محذوف أي أيم الله قسمي ، وقد تدخله (اللام) للتوكيد فيقال: ليمن الله قسمي ، وافرطن إن كان من فعل فحوضا منصوب بنزع الخافض (واللام) في (لهم)


1) عيون الحكم: 110 .

إما للتقوية على حد قوله : يؤمن للمؤمنين، أو تعليلية أي لاسبقنهم أو لأسبقن لأجلهم إلى حوض على حد قوله : واختار موسی قومه، وإن كان من افعل (فحوضاً) مفعول به (ولهم) مفعول لأجله أي لأملئن لأجلهم حوضاً، وجملة (لا يصدرون عنه ولا يعودون إليه ) حالية أو صفة للحوض.

المعنى

إعلم أن هذه الخطبة ملتقطة من خطبة طويلة له علیه السلام لما بلغه أن طلحة والزبير خلعا بيعته وهو غير منتظم، وقد أورد السيد منها فصلاً آخر وهي الخطبة الثانية والعشرون؛ ونورد تمام الخطبة هناك إنشاء الله ، وعلى ذلك فالمراد بقوله علیه السلام : (ألا إن الشيطان قد جمع حزبه ) هو الشيطان الحقيقي لا معاوية كما توهمه الشارح المعتزلي، وحزبه هو طلحة والزبير وأتباعهما وهم المراد أيضاً بقوله : ( واستجلب خيله ورجله) وفيه إشارة إلى أن الشيطان هو الباعث لهم على مخالفة الحق والجامع لهم على الباطل بوسوسته وإغرائه وتزيينه الباطل في قلوبهم وأن هؤلاء أطاعوا له وأجابوا دعوته وشاركوه في الدعاء إلى الباطل فصاروا حزبه قال تعالى :

(وَاسْتَغْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجلِب عَلَيهم يخيلك ورجلك وَشَارِكَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالأَوَلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء: 64] .

أي استخف من استطعت منهم أن تستفزه بدعائك إلى الفساد قال ابن عباس : كل راكب أو راجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله فخيله ورجله كلّ من شاركه في الدعاء إلى المعصية.

ثم أشار علیه السلام إلى كمال عقله واستعداده بقوله : (وإن معي البصيرتي ) يريد أن البصيرة التي كانت معي في زمن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لم تتغير ، وإلى هذا أشير في قوله تعالى :

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف: 108] .

قال أبو جعفر علیه السلام في رواية «الكافي» ذاك رسول الله وأمير المؤمنين والأوصياء من بعدهما (1)، يعني أن الداعي إلى الله مع البصيرة هو رسول الله وأمير المؤمنين والأوصياء التابعون له في الأقوال والأفعال.

ثم أكد كمال عقله بالإشارة إلى عدم انخداعه بخدع الشيطان وبتلبيسه الباطل بصورة الحق كما يلبس على ذوي البصائر الضعيفة وأولي العقول السخيفة سواء كانت مخادعته بغير


1) الكافي : 325/1 ح 66

واسطة وهو المشار إليه بقوله : (ما لبست على نفسي ) أي لا يلتبس على نفسي المطمئنة ما تلقيه إليها نفسي الأمارة، أو بواسطة غيره وهو المشار إليه بقوله : (ولا لبس علي) أي لم يحصل التلبيس عليّ من الخارج من جنود إبليس وأتباعه الذين تلقفوا عنه الشبه وصار في قوتهم أن يلبسوا الحق صورة الباطل (وأيم الله لأفرطن لهم حوضاً أنا ماتحه ) هذا الكلام منه علیه السلام وارد مورد التهديد وجار على سبيل الاستعارة، ومعناه لأسبقنهم أولاً سبقن لأجلهم حياض الحرب التي أنا متدرب بها ، أو لأملئن لهم حياض الحرب التي هي عادتي وأنا خبير بها .

قال الشارح البحراني: استعار إفراط الحوض لجمعه الجند وتهيئة أسباب الحرب وكنى بقوله : أنا ماتحه ، أنه هو المتولي لذلك وفي تخصيص نفسه بالمتح تأكيد تهديد لعلمهم بشجاعته وقد حذف المضاف إليه أي أنا ماتح مائه إذ الحوض لا يوصف بالمتح وقوله : (لا يصدرون عنه ولا يعودون إليه ) يعني أنّ الوارد منهم إليه لا يصدر عنه ولا ينجو منه فهو بمنزلة من يغرق فيه وأنّ من نجا منهم لا يطمع في الحرب مرّة أخرى ولا يعود إليها أبداً.

الترجمة

آگاه باش قسم به خدا که به تحقیق شیطان ملعون جمع کرده است حزب خود را از برای اغواء و اضلال و جمع نموده است سواران و پیادگان یعنی أعوان و انصار خود را و به درستی بصیرتی که داشتم در زمان حضرت رسالت مآب (صلی الله علیه واله وسلم) با من است . نپوشانیده ام بر نفس خود باطل را به صورت حق و پوشانیده نشده است بر من؛ یعنی بر ضلالت نیفتاده ام نه از قبل نفس خود و نه بهواسطه اضلال دیگری .

قسم به خداوند هر آینه سبقت میکنم ایشان را به سوی حوضهای حرب یا پر میکنم به جهت ایشان حوضهای محاربه و مقاتله را که من آب کشنده آن حوضها می باشم؛ یعنی خبیر و بصیر باشم به آنها چنان حوض هایی که بازنگردد از آنها آنهایی که آمده باشند و بازنیایند به سوی آنها آنهایی که رهیده باشند؛ یعنی هر که به سوی بحر حرب شتابد غرق شود و جان به مالك دوزخ بسپارد و هر که از آن دریای خونخوار نجات یابد دیگرباره طمع در جنگ نمی نمايد؛ والله أعلم بالصواب و إليه المرجع والمآب.

ومن كلام له علیه السلام لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل وهو الحادي عشر من المختار في باب الخطب

اشارة

«تَزُولُ الْجِبالُ وَلاَ تَزَلْ، عَضْ عَلى ناجِذِكَ، أَعِرِ الله جُمْجُمَتَكَ ، تِلْ فِي الْأَرْضِ قَدَمَكَ،

إِرْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وغَضٌ بَصَرَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِندِ اللهِ سُبْحَانَة »(1).

اللغة

(عض) أمر من عضضت اللقمة وبها وعليها من باب تعب لكن بسكون المصدر ومن باب منع أمسكتها (الناجذ) السن بين الضّرس والناب وضحك حتى بدت نواجذه، قال تغلب: المراد الأنياب، وقيل الناجذ آخر الأضراس وهو ضرس الحلم لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل وقيل : الأضراس كلّها نواجذ (والجمجمة) عظم الرأس المشتمل على الدماغ وربّما يعبر بها عن الإنسان كما يعبّر عنه بالرّأس و(يد) أمر من وتد قدمه في الأرض أي أثبتها فيها كالوتد .

الإعراب

متعلق (تزول وتزل) محذوف أي تزل الجبال عن مكانها ولا تزل عن مقامك وموضعك، (والباء) في قوله : ارم ببصرك زائدة، يقال: رميته ورميت به ألقيته ، (وسبحانه) منصوب على المصدر بمحذوف من جنسه أي سبحته سبحاناً، ونقل عن سيبويه أن سبحان ليس بمصدر بل هو واقع موقع المصدر الذي هو التسبيح، والإضافة إلى المفعول لأنه هو المسبح بالفتح ، ونقل عن أبي البقاء أنّه جوّز أن يكون الإضافة إلى الفاعل وقال : المعروف هو الله الأَوّل ؛ والمعنى على ذلك اسبح مثل ما سبح نفسه.

المعنى

اعلم أنه علیه السلام أشار في كلامه هذا إلى أنواع آداب الحرب وكيفية القتال وعلم محمّداً ستة أمور منها .

الأول : ما عليه مدار الظفر والغلبة وهو الثبات والملازمة وإليه أشار بقوله: (تزول الجبال ولا تزل ) وهو خبر في معنى الشرط أريد به المبالغة أي لو زالت الجبال عن مواضعها لا تزل وهو نهى عن الزوال مطلقاً لأنّ النهي عنه على تقدير زوال الجبال الذي هو محال عادة مستلزم للنهي عنه على تقدير العدم بالطريق الأولى.


1) مناقب آل أبي طالب : 341/2

الثاني : ما أشار إليه بقوله : (عض على ناجذك ) فإن عض النواجذ ينبو السّيف عن الدّماغ من حيث إنّ عظام الرّأس تشتدّ وتصلب عند ذلك كما قال علیه السلام في موضع آخر : «وعضوا على النواجذ (1)، فإنّه أنبأ للصوارم » عن الهام مضافاً إلى ما في عضها من ربط الجأش عن الفشل والخوف كما يشاهد في حال البرد والخوف الموجب للرعدة فإنه إذا عض على أضراسه تسكن رعدته ويتماسك الإنسان بدنه .

الثالث : ما أشار إليه بقوله : (أعر الله جمجمتك ) والمراد به بذلها في طاعة الله لينتفع بها في دين الله كما ينتفع المستعير بالعارية، قال الشارح المعتزلي : ويمكن أن يقال إنّ ذلك إشعار بأنه لا يقتل في تلك الحرب لأنّ العارية مردودة ولو قال له : الله جمجمتك لكان ذلك إشعاراً له بالشهادة فيها .

أقول : وذلك لقوله سبحانه :

(إن الله اشترى من المؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ

اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ﴾ [التوبة : 111] الآية .

الرابع: ما أشار إليه بقوله : (تذ في الأرض قدمك ) وهو أمر بالزام قدمه في الأرض كالوتد لاستلزامه ربط الجأش وإستصحاب العزم وكونه مظنة الشجاعة .

الخامس : ما أشار إليه بقوله : (إرم ببصرك أقصى القوم) وهو الأمر بفتح عينيه ورفع طرفه ومدّ نظره إلى أقاصي القوم ليعلم على ماذا يقدم فعل الشجاع المقدام غير المبالي لأنّ الجبان تضعف نفسه ويضطرب قلبه فيكون غضيض الطرف ناكس الرأس لا يرتفع طرفه ولا يمتد عنقه .

السادس : ما أشار إليه بقوله : (وغض بصرك) وهو أمر بغض بصره بعد مده عن بريق سيوفهم ولمعان دروعهم، لأنّ مدّ النظر إلى بريق السيوف مظنة الزهبة والدهشة، ثمّ إنّه علیه السلام بعد تعليمه آداب المحاربة والمقاتلة قال له : ( وإعلم أن النصر من عند الله سبحانه) ليتأكد ثباته بوثوقه بالله سبحانه مع ملاحظة قوله تعالى :

(إن ينصركُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ [آل عمران: 160] هذا .

وينبغي لنا أن نذكر هنا طرفاً من وقائع الجمل ممّا يناسب المقام بما فيه من الإشارة إلى مورد ذلك الكلام منه علیه السلام .

فأقول : في «البحار» من كتاب «المناقب » من كتاب «جمل أنساب الأشراف » أنه زحف


1) خصائص الأئمة : 75

عليّ علیه السلام بالناس غداة يوم الجمعة لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وعلى ميمنته الأشتر وسعيد بن قيس وعلى ميسرته عمار وشريح بن هاني وعلى القلب محمد بن أبي بكر وعدي بن حاتم وعلى الجناح زياد بن كعب وحجر بن عدي وعلى الكمين عمرو بن الحمق وجندب بن زهير وعلى الرّجالة أبو قتادة الأنصاري وأعطى رايته محمّد بن الحنفية ثم أوقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر يدعوهم ويناشدهم ويقول لعائشة إنّ الله أمرك أن تقرى في بيتك اتقي الله وارجعي. ويقول لطلحة والزبير، خبأتما نسائكما وأبرزتما زوجة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم واستفززتاها ، وهما فيقولان: إنّما جئنا للطلب بدم عثمان وأن يرد الأمر شورى وألبست عائشة درعاً وضربت على هودجها صفائح الحديد وألبس الهودج درعاً وكان الهودج لواء أهل البصرة وهو على جمل يدعى عسكرا (1).

ابن مردويه في کتاب الفضائل من ثمانية طرق أن أمير المؤمنين علیه السلام قال للزبير : أما تذكر يوماً كنت مقبلاً بالمدينة تحدثني إذ خرج رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فراك وأنت تبسم إلي فقال لك : يا زبير أتحب عليّاً؟ فقلت : وكيف لا أحبه وبيني وبينه من النسب والمودة في الله ما ليس لغيره، فقال : إنّك ستقاتله وأنت ظالم له فقلت : أعوذ بالله من ذلك، وقد تظاهرت الروايات أنه علیه السلام قال : إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال لك : «يا زبير تقاتله ظلماً وضرب كتفك » قال: اللهم نعم، قال : أفجئت تقاتلني ؟ فقال : أعوذ بالله من ذلك، ثم قال أمير المؤمنين علیه السلام : «دع هذا بايعتني ثم جئت طایعا محارباً فما عدا ممّا بدا » ، فقال : لا جرم والله لا قاتلتك (2).

«حلية الأولياء» قال عبد الرحمن بن أبي ليلى فلقاه عبد الله ابنه فقال : جبناً جبناً فقال يا بني: قد علم الناس أني لست بجبان ولكن ذكرني علي شيئاً سمعته من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فحلفت أن لا أقاتل ، فقال : دونك غلامك فلان أعتقه كفارة يمينك (3).

«نزهة الأبصار» عن ابن مهدي أنّه قال همام الثقفي :

أيعتق مكحولا(4)ويعصي نبيه *** لقد تاه عن قصد الهدى ثمّ عوق

لشتان ما بين الضلالة والهدى *** وشتان من يعصي الإله ويعتق

وفي رواية قالت عائشة لا والله بل خفت سيوف ابن أبي طالب أما أنها طوال حداد تحملها سواعد أنجاد ولئن خفتها فلقد خافها الرّجال من قبلك، فرجع إلى القتال فقيل : لأمير المؤمنين علیه السلام إنه قد رجع ، فقال دعوه إنّ الشيخ محمول عليه ، ثم قال علیه السلام: «أيها الناس


1) مناقب آل أبي طالب : 340/2 ، والبحار : 173/32

2) البحار 17332 ، والمناقب: 340/2

3) البحار 173/32 و تاريخ دمشق: 411/18، وسير أعلام النبلاء: 60/1.

4) اسم غلام الزبير .

غضوا أبصارهم وعضوا على نواجذكم وأكثروا من ذكر ربكم وإياكم وكثرة الكلام فإنّه فشل »، ونظرت عائشة إليه وهو يجول بين الصفين فقالت : انظروا إليه كان فعله فعل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يوم بدر، أما والله ما ينتظر بك إلا زوال الشمس فقال علي علیه السلام يا عائشة :

(عَمّا قَلِيلِ يَصْحُنَّ نَدِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 40] .

فجدّ النّاس في القتال فنهاهم أمير المؤمنين ، وقال : «اللّهم إنّي أعذرت وأنظرت فكن لي عليهم من الشاهدين »، ثم أخذ المصحف وطلب من يقرأ عليهم :

وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات : 9] الآية . فقال مسلم المجاشعي : ها أناذا فخوّفه علیه السلام بقطع يمينه وشماله وقتله فقال : لا عليك يا أمير المؤمنين فهذا قليل في ذات الله فأخذه ودعاهم إلى الله فقطعت يده اليمنى فأخذه اليسرى فقطعت فأخذه بیده بأسنانه فقتل فقالت أمه شعراً :

يا رب إن مسلماً أتاهم *** بمحكم التنزيل إذ دعاهم

يتلو كتاب الله لا يخشاهم *** فرمّلوه (1)رمّلت لحاهم (2)

فقال علي علیه السلام : الآن طاب الضراب ، وقال لمحمد بن الحنفية والزاية في يده : يا بني تزول الجبال ولا تزل إلى آخر ما مر ثم صبر سويعة فصاح النّاس عن كل جانب من وقع النبال، فقال علیه السلام: «تقدّم يا بني فتقدّم وطعن طعناً منكراً »، وقال علیه السلام:

اطعن بها طعن أبيك تحمد *** لا خير في الحرب إذا لم توقد

بالمشرفي (3)والقنا المسدّد *** والضرب بالخطي (4)والمهند

فأمر الأشتر أن يحمل فحمل وقتل هلال بن وكيع صاحب ميمنة الجمل وكان زيد يرتجز ويقول: ديني ديني وبيعي بيعي وجعل مخنف بن مسلم يقول:

قد عشت يانفس وقد غنيت *** دهراً وقبل اليوم عییت

وبعد ذا لا شك قد فنيت *** أما ملا مللت طول ما حییت

فخرج عبد الله بن الثيربي قائلاً:


1) أي لطخوه بالدم منه.

2) جمع لحية، منه.

3) المشرفية سيوف نسبت إلى مشارف وهي قرى من أرض العرب تولد من الريف ذكره الجوهري، وقال المهند السيف المطبوع من حديد الهند، بحار.

4) والخط موضع باليمامة ينسب إليه الرماح الخطية لأنها تحمل من بلاد الهند فتقوم به بحار.

يا ربّ إنّي طالب أبا الحسن *** ذاك الذي يفرق حقاً بالفتن

فبرز إليه علي علیه السلام قائلاً:

إن كنت تبغي أن ترى أبا الحسن *** فاليوم تلقاه ملياً فاعلمن

فضربه ضربة مجرفة (1)فخرج بنو ضبة وجعل يقول بعضهم:

نحن بنو ضبة أعداء علي *** ذاك الذي يعرف فيهم بالوصي

وكان عمر بن التيربي يقول:

إن تنكروني فانا ابن الثيربي *** قاتل علباء وهذا الجملی

ثم ابن صوحان علی دين علی

فبرز إليه عمار قائلاً :

لا تبرح العرصة يا ابن الثيربي *** أثبت أقاتلك على دين لى دين على

وأرداه عن فرسه وجرّ برجله إلى علي علیه السلام فقتله فخرج أخوه قائلاً:

أضربكم ولو أرى عليّاً *** عممته أبيض مشرفياً

وأسمراً عنطنطا (2)خطياً *** أبكي علیه الولد والوليّ

فخرج علي علیه السلام المتنكراً وهو يقول:

يا طالباً فی حربه عليا *** یمسخه أبيض مشرفياً

أثبت ستلقاه بها ملياً *** مهذباً سميدعاً كميّا (3)

فضربه فرمی نصف رأسه فناداه عبد الله بن خلف الخزاعي صاحب منزل عائشة بالبصرة: أتبارزني؟ فقال علیه السلام: «ما أكره ذلك ولكن ويحك يا ابن خلف ما راحتك في القتل وقد علمت من أنا فقال : ذرني من بذخك يا ابن أبي طالب » ثم قال :

إن تدن منی يا علي فتراً *** فاننی دان إلیك شبراً

بصارم يسقسک کاسا مرا *** ها إن في صدري عليك وتراً

فيرز إليه علي علیه السلام قائلاً:

يا ذا الذي يطلب مني الوترا *** إن كنت تبغي أن تزور القيرا

حقاً وتصلي بعد ذلك جمرا *** فادن تجدنی أسداً هزيراً


1) جرفه جرفاً وجرفة ذهب به كله، ق.

2) الأسمر : الرمح والعنطنط الطويل.

3) السميدع : السيد الموطؤ الأكتاف والكمى : الشجاع المتكمي في سلاحه

اصعطه (1)اليوم ذعاقاً صبرا

فضربه علیه السلام فطير جمجمته فخرج ماذن الضبي قائلاً:

لا تطمعوا في جمعنا المكلل *** موت دون الجمل المجلل

فبرز إليه عبد الله بن نهشل قائلاً:

إن تنكروني فأنا ابن نهشل *** فارس هیجا وخطيب فيصل

فقتله وكان طلحة يحث النّاس ويقول عباد الله الصبر الصبر في كلام له ، وعن البلادري أنّ مروان بن الحكم قال والله ما أطلب تأري بعثمان بعد اليوم أبداً فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته والتفت إلى أبان بن عثمان وقال لقد كفيتك أحد قتلة أبيك :

معارف القتيبي أن مروان قتل طلحة أن مروان قتل طلحة يوم الجمل فأصاب ساقه الحميري:

واختلّ من طلحة المزهو جنته *** سهم بكف قديم الكفر غدّار

في كف مروان اللعين أرى *** رهط الملوك ملوك غير أخبار

وله :

واغتر طلحة عند مختلف القنا *** عبل (2)الذراع شديد أصل المنكب

فاختل حية قلبه بمدلق *** ریان من دم جوفه المتصبّب

في مارقين من الجماعة فارقوا *** باب الهدى وحيا الربيع المخصب

وحمل أمير المؤمنين علیه السلام على بني ضبة فما رأيتهم إلا كرماد اشتدت به الزيح في يوم عاصف فانصرف الزبير فتبعه عمرو بن جرموز وجز رأسه وأتى به إلى أمير المؤمنين علیه السلام القصّة، فقالوا: يا عائشة قتل طلحة والزبير وجرح عبد الله بن عامر من يدي علي فصالحي عليّاً فقال كبر عمرو عن الطوق وجل أمر عن العتاب ثم تقدمت فحزن علي علیه السلام وقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون » فجعل يخرج واحد بعد واحد ويأخذ الزمام حتى قتل ثمان وتسعون رجلاً ثم تقدمهم كعب بن سورة الأزدي وهو يقول :

يا معشر الناس عليكم أمكم *** فإنّها صلاتكم و وصومكم

والحرمة العظمى التي تعمكم *** لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم

فقتله الأشتر فخرج ابن جفير الأزدي وهو يقول:


1) اضغطه الرمح : طعنه به في أنفه.

2) َجُل عبل الذراعين ضخمهما.

قد وقع الأمر بما لم يحذر *** والنبل يأخذن وراء العسكر

وأمنا فی حذرها المشمر

فبرز إليه الأشتر قائلاً:

اسمع ولا تعجل جواب الأشتر *** واقرب تلاق كأس موت أحمر

ينسيك ذكر الجمل المشمر

فقتله ثم قتل عمير الغنوي وعبد الله بن عتاب بن أسيد ثم جال في الميدان جولاً وهو يقول :

نحن بنو الموت به غذينا

فخرج إليه عبد الله بن الزبير فطعنه الأشتر وأرداه وجلس على صدره ليقتله، فصاح عبد الله اقتلوني ومالكاً واقتلوا مالكاً فقصد إليه من كل جانب فخلاه وركب فرسه فلمّا معني رأوه راكباً تفرّقوا عنه، وشدّ رجل من الأزد على محمّد بن الحنفية وهو يقول : يا معشر الأزد كروا فضربه ابن الحنفية فقطع يده وقال : يا معشر الأزد فزوا فخرج الأسود بن البختري السلمي قائلاً :

ارحم إلهي الكل من سلیم *** وانظر الیه نظره الرحیم

فقتله عمرو بن الحمق فخرج جابر الأزدي قائلاً:

يا ليت أهلي من عمار حاضري *** من سادة الأزد وكانوا ناصري

فقتله محمد بن أبي بكر، وخرج عوف القيني قائلاً:

يا أم يا أمّم خلا مني الوطن *** لا أبتغي القبر ولا أبغي الكفن

فقتله محمد بن الحنفية، فخرج بشر الضبي قائلاً:

ضبة أبدي للعراق عمعمة *** وأضرم الحرب العوان المضرمة

فقتله عمار وكانت عائشة تنادي بأرفع صوت أيها الناس عليكم بالصبر وإنما تصبر الأحرار فأجابها كوفي :

يا أمّ يا أمّ عققت فاعلموا *** والام تغذو ولدها وترحم

أما ترى كم من شجاع يكلم *** وتجتلي ها مته والمعصم

وقال آخر :

قلت لها وهي على مهوات *** إِنَّ لنا سواك أمهات

فی مسجد الرسول ناديات

فقال الحجاج بن عمرو الأنصاري :

يا معشر الأنصار قد جاء الأجل *** إني أرى الموت عياناً قد نزل

فبادروه نحو أصحاب الجمل *** ما كان في الأنصار جبن وفشل

وقال خزيمة بن ثابت :

فكلّ شيء ما خلا الله الجلل

لم يغضبوا الله إلا للجمل *** والموت خير من مقام في خمل

والموت أحرى من فرار وفشل

وقال شريح بن هاني:

لا عيش إلا ضرب أصحاب الجمل *** والقول لا ينفع إلا بالعمل

ما إن لنا بعد علی من بدل

وقال هاني بن عروة المذحجي :

يالك حرباً حشها جمالها *** قائدة ينقصصها ضلالها

هذا علي حوله أقیالها

وقال سعد بن قيس الهمداني:

قل للوصي اجتمعت قحطانها *** إن يك حرب اضر مت نيرانها

وقال عمار:

إنّي لعمّار وشيخ ياسر *** صاح كلانا مؤمن مهاجر

طلحة فيها الزبير غادر *** والحق کف علی ظاهر

وقال الأشتر :

هذا عليّ في ي الذجي مصباح *** نحن بذا في فضله فصاح

وقال عدي بن حاتم :

أنا عدي ويمانی حاتم *** هذا علي بالكتاب عالم

بم یعصه فی الناس إلا ظالم

وقال عمرو بن الحمق :

هذا عليّ قائد يرضى به *** أخو رسول الله في أصحابه

من عوده النامی ومن نصابه

وقال رفاعة بن شداد البجلي:

إن الذين قطعوأ الوسیله *** ونازعوا على عليّ الفضیله

في حربه كالنعجة الأكيلة

وشكت السهام الهودج حتى كأَنه جناح نسر أو درع قنفذ، فقال أمير المؤمنين : ما أرى يقاتلكم غير هذا الهودج اعقروا الجمل. وفي رواية عرقبوه ، فإنه شيطان، وقال لمحمد أبي بكر : انظر انظر إذا عرقب الجمل فأدرك أختك فوارها، فعرقب رجل منه فدخل تحته رجل ضبي ثمّ عرقب أخرى عبد الرحمن فوقع على جنبه فقطع عمار نسعه فأتاه علي علیه السلام ودق رمحه على الهودج وقال : يا عائشة أهكذا أمرك رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أن تفعلي؟ فقالت : يا أبا الحسن ظفرت فأحسن وملكت فأسجح، فقال لمحمد بن أبي بكر : شأنك باختك فلا يدنو أحد منها سواك، فقال : فقلت لها : ما فعلت بنفسك عصيت ربك وهتكت سترك ثم أبحت حرمتك وتعرضت للقتل ، فذهب بها إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي فقالت: أقسمت عليك أن تطلب عبد الله بن الزبير جريحاً كان أو قتيلاً، فقال : إنه كان هدفاً للأشتر فانصرف محمّد إلى العسكر فوجده ، فقال : اجلس یا میشوم أهل بيته ، فأتاها فصاحت وبكت ثم قالت : يا أخي استأمن له من علي علیه السلام ، فأتى أمير المؤمنين فاستأمن له منه فقال علیه السلام : «أمنته وأمنت جميع الناس ».

وكانت وقعة الجملة بالحزيبة ووقع القتال بعد الظهر وانقضى عند المساء فكان مع أمير المؤمنين عشرون ألف رجل منهم البدريون ثمانون رجلاً وممّن بايع تحت الشجرة مأتان وخمسون ومن الصحابة ألف وخمسمائة رجل ، وكانت عائشة في ثلاثين ألف أو يزيدون منها المكيون ستمائة رجل ، قال قتادة : قتل يوم الجمل عشرون ألفاً، وقال الكلبي قتل من أصحاب علي علیه السلام ألف رجل وسبعون فارساً ، منهم زيد بن صوحان وهند الجملي وأبو عبد الله العبدي وعبد الله بن رقية.

وقال أبو مخنف والكلبي : قتل من أصحاب الجمل من الأزد خاصة أربعة آلاف رجل، ومن بني عدي ومواليهم تسعون رجلاً، ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل، ومن بني حنظلة تسمعائة رجل ، ومن ناجية أربعمائة رجل ؛ والباقي من أخلاط الناس إلى تمام تسعة آلاف إلا تسعين رجلاً القرشيّون منهم طلحة والزبير وعبد الله بن عتاب بن أسيد وعبد الله حكيم بن خرام وعبد الله بن شافع بن الله طلحة ومحمد بن طلحة بن عبد الله بن أبي بن خلف الجمحي وعبد الرحمن بن معد و عبد الله بن معد (1).

وعرقب الجمل أولاً أمير المؤمنين علیه السلام ، ويقال المسلم بن عدنان ، ويقال رجل من الأنصار، ويقال رجل ذهلي، وقيل لعبد الرحمن بن صرد الشوخي لم عرقبت الجمل ؟فقال :

عقرت ولم أعقر بها لهوانها *** عليّ ولكني رأيت المهالكا


1) البحار : 183/32 ، والمناقب : 346/2

إلى قوله :

فيا لیتني عرق رقبته قبل ذلك

تبصرة

في ترجمة محمد بن الحنفية والإشارة إلى بعض أحواله ومناقبه .

أقول : اشتهاره بابن الحنفية لأن أمه خولة بنت جعفر بن قيس من قبيلة بني حنيفة وكنيته أبو القاسم برخصة من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في ذلك ولم يرخص في حق غيره أن يكنّى بأبي القاسم والإسم محمد ذكره ابن خلكان في «تاريخه» .

قال الشارح المعتزلي : أم محمد رضي الله عنه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، واختلف في أمرها فقال قوم: إنّها سبية من سبايا الرّدة قوتل أهلها على يد خالد الوليد في أيام أبي بكر لما منع كثير من العرب الزكاة وارتدت بنو حنيفة وادعت نبوّة مسيلمة وأن أبا بكر دفعها إلى علي علیه السلام من سهمه في المغنم .

وقال قوم منهم أبو الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني : هي سبية في أيام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قالوا: بعث رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وسلم عليا علیه السلام إلى اليمن فأصاب خولة لابني زبيد وقد ارتدوا مع عمرو بن معدي كرب وكانت زبيد سبتها من بني حنيفة في غارة لهم عليهم فصارت في سهم علي علیه السلام فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «إن ولدت منك غلاماً فسمه بإسمي وكنّه بكنيتي »، فولدت له بعد موت فاطمة عليها السّلام محمّداً فكناه أبا القاسم (1).

وقال قوم وهم المحققون وقولهم الأظهر: إنّ بني أسد أغارت على بني حنيفة في خلافة أبي بكر فسبوا خولة بنت جعفر وقدموا بها المدينة فباعوها من علي علیه السلام وبلغ قومها خبرها فقدموا المدينة على عليّ فعرفوها وأخبروه بموضعها منهم فأعتقها ومهرها وتزوجها فولدت له محمّداً فكناه أبا القاسم وهذا القول خيار أحمد بن يحيى البلادري في كتابه المعروف« بتاريخ الأشراف ».

وقال : كان علي علیه السلام يقذف لمحمد في مهالك الحرب ويكف حسناً وحسيناً عنها وقيل لمحمد لم يغرر بك أبوك في الحرب ولا يغرر بالحسن والحسين عليهما السلام؟ فقال : إنهما عيناه وأنا يمينه فهو يدفع عن عينيه بيمينه (2).

أقول : هذا الجواب منه رضي الله عنه يكفي في جلالة قدره وسمو مكانه وخلوص باطنه.

وقال : لما تقاعس محمّد يوم الجمل عن الحملة وحمل عليّ بالرّاية فضعضع أركان


1) أنساب الأشراف للبلاذري : 200 ، وشرح النهج : 244 .

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 244/18 ، والبحار : 99/42

عسكر الجمل، دفع إليه الزاية وقال : امح الأولى بالأخرى وهذه الأنصار معك وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع الأنصار كثير منهم من أهل بدر حمل حملات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم وأبلى بلاء حسناً فقال خزيمة بن ثابت لعلي علیه السلام : أما أنه لو كان غير محمّد اليوم لافتضح ولئن كنت خفت عليه الجبن وهو بينك وبين حمزة وجعفر لما خفناه عليه وإن كنت أردت أن تعلمه الطعان فطال ما علمته الرجال، وقالت الأنصار : يا أمير المؤمنين لولا ما جعل الله تعالى لحسن وحسين عليهما السلام لما قدمنا على محمد أحداً العرب فقال علي علیه السلام: أين النجم من الشمس والقمر أما أنه قد أغنى وأبلى وله فضله ولا ينقص فضل صاحبيه عليه وحسب صاحبكم ما انتهت به نعمة الله إليه فقالوا يا أمير المؤمنين: إنا والله ما نجعله كالحسن والحسين ولانظلمهما له ولا نظلمه لفضلهما عليه حقه فقال علي علیه السلام أين يقع ابني من ابني رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فقال خزيمة بن ثابت فيه شعراً :

محمد مافي عودك اليوم وصمة *** ولا كنت في الحرب الضروس معرّداً

أبوك الذي لم يركب الخيل مثله *** عليّ وسماك النبي محمداً

فلو كان حقاً من أبيك خليفة *** لكنت ولكن ذاك ما لا يرى له بدّاً

وأنت بحمد الله أطول غالب *** لساناً وأنداها بما ملكت يداً

وأقربها من كل خير تريده *** قريش وأوفاها بما قال موعداً

وأطعنهم صدر الكمي برمحه *** وأكساهم للهام غضباً مهتداً

سوى أخويك السيدين كلاهما *** إمام الورى والداعيان إلى الهدى

أبى الله أن يعطي عدوّك مقعداً *** من الأرض أو في اللوح مرقى ومصعداً

وفي «البحار» من «المناقب» دعا أمير المؤمنين علیه السلام محمد بن الحنفية يوم الجمل فأعطاه رمحه وقال له : اقصد بهذا الزمح قصد الجمل فذهب فمنعوه بنو ضبة فلما رجع إلى والده انتزع الحسن رمحه من يده وقصد الجمل وطعنه برمحه ورجع إلى والده وعلى رمحه أثر الدّم فتمعّز وجه محمد من ذلك فقال أمير المؤمنين علیه السلام : لا تأنف فإنّه ابن النبي وأنت ابن علي (1).

أقول : هذا نبذ من مناقبه وفضائله في زمن أبيه سلام الله عليه وأما بعده فقد كان خالصاً في التشيع ومخلصاً للولاية لأخويه عليهما السلام وبعدهما لابن أخيه علي بن الحسين سلام الله عليه .

كما يوضحه ما رواه ثقة الإسلام الكليني عطر الله مضجعه في «الكافي» بإسناده


1) البحار 99/42

المفضل بن عمر عن أبي عبد الله علیه السلام قال : لما حضرت الحسن بن علي عليهما السلام الوفاة قال : يا قنبر انظر هل ترى من وراء بابك مؤمناً من غير آل محمد صلى الله عليه واله وسلم فقال : الله ورسوله وابن رسوله أعلم منّي قال : ادع لي محمد بن عليّ فأتيته فلما دخلت عليه قال: هل حدث الأخير ، قلت : أجب أبا محمّد فعجل على شسع نعله فلم يسوّه وخرج معي يعدو فلمّا قام بين يديه سلم ، فقال له الحسن بن علي عليهما السلام : اجلس فإنّه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات ويموت به الأحياء : كونوا وعية العلم ومصابيح الهدى فإنّ ضوء النّهار بعضه أضوء من بعض ، أما علمت أن الله تبارك وتعالى جعل ولد إبراهيم علیه السلام أئمة وفضل بعضهم على بعض وأتى داود علیه السلام زبوراً وقد علمت بما استأثر الله به محمداً صلی الله علیه واله وسلم يا محمد بن عليّ إني أخاف عليك الحسد وإنما وصف الله به الكافرين فقال الله عزّ وجلّ :

(كُفَارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة : 109] .

ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطاناً يا محمد بن عليّ ألا أخبرك بما سمعت من من أبيك فيك؟ قال بلى قال : سمعت أباك علیه السلام يقوم يوم الظلة (البصرة خ) من أحبّ أن يبرني في الدّنيا والآخرة فليبر محمّداً ولدي ، يا محمد بن علي لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك ، يا محمد بن علي أما علمت أن الحسين بن علي علیه السلام بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي وعند الله جلّ اسمه في الكتاب وراثة من النبي صلی الله علیه واله وسلم أضافها الله عزّ وجلّ له في وراثة أبيه وأمه صلى الله عليهم، فعلم الله أنكم خيرة خلقه فاصطفى منكم محمداً صلی الله علیه واله وسلم واختار محمد عليا علیه السلام واختارني علي بالإمامة واخترت أنا الحسين علیه السلام .

فقال له محمد بن علي : أنت إمام وأنت وسيلتي إلى محمد صلی الله علیه واله وسلم والله لوددت أن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام الأوان في رأسي كلاماً لا تنزفه الدلاء ولا تغيّره نقمة الرّياح كالكتاب المعجم في الرّق المنمنم أهم بإبدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل أو ما جاءت (خلت خ) به الرسل وأنه الكلام يكلّ به لسان الناطق ويد الكاتب حتى لا يجد قلماً ويؤتوا بالقرطاس جماً فلا يبلغ فضلك وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوة إلا بالله .

الحسين أعلمنا علماً وأثقلنا حلماً وأقربنا من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم رحماً كان فقيهاً قبل أن يخلق وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله في أحد خيراً غير محمد صلی الله علیه واله وسلم ما اصطفى الله محمداً فلما اختار الله محمداً واختار محمد علياً واختارك علي إماماً واخترت الحسين، سلمنا ورضينا من [هو] بغيره يرضى ومن كنا نسلم به من مشكلات أمرنا (1).

وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام يذكر فيه كيفية دفن الحسن علیه السلام بعد ما ذكر منع عائشة من دفنه عند النبي صلی الله علیه واله وسلم واحتجاج الحسين علیه السلام عليها قال: ثم تكلم محمد بن


1) الكافي: 302/1 ، وإعلام الوري: 423/1 .

الحنفية، وقال لعائشة يوماً على بغل ويوماً على جمل فما تملكين نفسك ولا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم ، قال : فأقبلت عليه فقالت : يا ابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك ؟ فقال لها الحسين علیه السلام : وأنى (1)تبعدين محمّداً من الفواطم فوالله لقد ولدته ثلاث فواطم فاطمة بنت عمران بن عائذ بن عمرو بن مخزوم وفاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص (2)بن عامر الحديث (3).

وعن أبي عبيدة وزرارة جميعاً عن أبي جعفر علیه السلام قال : لما قتل الحسين علیه السلام أرسل محمد بن الحنفية إلى عليّ بن الحسين عليهما السلام فخلی به فقال له : ابن أخي قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دفع الوصية والإمامة من بعده إلى أمير المؤمنين علیه السلام ثم إلى الحسن ثم إلى الحسين عليهما السلام وقد قتل أبوك رضي الله عنه وصلى على روحه ولم يوص وأنا عمك وصنو أبيك وولادتي من عليّ علیه السلام في سنّي وقدمي أحق بها في حداثتك فلا تنازعني في الوصية والإمامة ولا تحاجني .

فقال له عليّ بن الحسين عليهما السلام اتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين إن أبي يا عم صلوات الله عليه أوصى إلي قبل أن يتوجه إلى العراق وعهد إلي في ذلك قبل أن يشهد (يستشهد خ) بساعة وهذا سلاح رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عندي فلا تتعرّض لهذا فإنّي أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال إن الله عزّ وجلّ جعل الوصية والإمامة في عقب الحسين علیه السلام فإذا أردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر حتى نتحاكم

إليه ونسأله عن ذلك.

قال أبو جعفر علیه السلام وكان الكلام بينهما بمكة فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال علي بن الحسين عليهما السلام لمحمّد بن الحنفية : إبدأ أنت فابتهل إلى الله عزّ وجلّ واسأله أن ينطق لك الحجز ثم سأل فابتهل محمّد في الدعاء وسال الله عزّ وجلّ ثم دعا الحجر فلم يجبه فقال علي بن الحسين عليهما السلام يا عم لو كنت وصيّاً وإماماً لأجابك قال له محمد فادع الله أنت يا ابن أخي واسأله فدعا الله علي بن الحسين عليهما السلام بما أراد ثم قال :

أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما خبرتنا من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي عليهما السلام؟ قال: فتحرّك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه ثمّ أنطقه الله عزّ وجلّ بلسان عربي مبين فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لك ، قال فانصرف محمد بن علي وهو يتولى علي بن الحسين عليهما السلام (4).


1) في نسخة : أنت .

2) في نسخة مقص.

3) الكافي : 303/1، والبحار : 114/44. 303/1

4) الكافي : 348/1 ، وروضة الواعظين: 198.

الترجمة

از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است که فرمود پسر خود محمد بن حنفیه را هنگامی که داد او را علم در روز حرب جمل :

زایل میشوند کوهها از جای خود و تو زایل مشو از جای خودت ، دندان بالای دندان خود بگذار ، عاریه بده به خداوند تعالی کاسه سر خودت را ، میخ ساز بر زمین قدم خود را ؛ یعنی ثابت قدم باش و در مکان خود محکم بایست ، بینداز چشم خود را بر نهایت قوم تا در کار قتال خود با بصیرت بوده باشی و فروخوابان چشم خود را از لمعان سیوف که مظنه خوف و خشیت است و بدان به درستی که نصرت از حق سبحانه و تعالی است.

ومن كلام له علیه السلام لما أظفره الله بأصحاب الجمل وهو الثاني عشر من المختار في باب الخطب

اشارة

«وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَدِدْتُ أَنْ أَخي فُلاناً كانَ شاهِدَنَا لِيَرَى مَا نَصَرَكَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَعْدَائِكَ فَقَالَ علیه السلام : أَهَوى أَخِيكَ مَعَنا؟ فَقالَ : نَعَمْ ، قَالَ علیه السلام: فَقَدْ شَهِدَنَا وَلَقَدْ شَهِدَنا في عَسْكَرِنا هذا قَوْمٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجالِ وأَرْحامِ النِّساءِ سَيَرْعَفٌ بِهِمْ الزَّمانُ، ويَقْوَى بِهِمْ الإيْمَانُ » (1).

اللغة

( يرعف) بهم الزمان يوجدهم ويخرجهم كما يرعف الإنسان بالدم الذي يخرجه من

أنفه قال الشاعر :

وما رعف الزمان بمثل عمرو *** ولا تلد النساء له ضريباً

الإعراب

(هوى) مرفوع المحل على الإبتداء و (معنا) خبره وفاعل شهد الأول ضمير راجع إلى (أخيك)، وفاعل شهد الثاني (قوم) واسناد يرعف إلى الزمان مجاز عقلي إذ الفاعل الحقيقي هو (الله) وهو من قبيل الإسناد إلى الظرف أو الشرط والمعدّ لأَن الزمان من الأسباب المعدة لقوابل وجودهم.

المعنى

لما كان بعض أصحابه علیه السلام يحب حضور أخيه معهم في تلك الحرب حتى يرى نصرة الله لأوليائه على أعدائه ويفرح بذلك قال علیه السلام له : أهوى أخيك معنا أن أخيك كان هواه معنا وكانت إرادته وميله أن يكون في حزبنا (فقال : نعم ) هو من مواليك هو من مواليك وكان هواه معك (قال علیه السلام : فقد شهدنا )أخوك بالقوة وإن لم يكن حاضراً بالفعل وحصل له من الأجر مثل ما حصل للحاضرين بمقتضى هواه ومحبته التي كانت له ، ثم أكد حضوره بقوله علیه السلام : (ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء ) من المحبين والموالين وعباد الله الصالحين (سيرعف بهم الزمان ) ويخرجهم من العدم إلى الوجود (ويقوى بهم الإيمان).

اعلم أن الشارح المعتزلي ذكر في شرح هذا الفصل نبذاً من الوقائع التي صدرت منه علیه السلام بعد ظفره على أصحاب الجمل ولامهم لنا في الإطالة بالإشارة إلى جميع ما ذكره هنا


1) بحار الأنوار : 245/32.

مع خلو أكثرها عن المناسبة للمقام ، وإنّما ينبغي الإشارة إلى طوافه علیه السلام على القتلي بعدما وضعت الحرب أوزارها، وما قاله علیه السلام الطلحة حين وقوفه عليه قصداً للتنبيه على خطأ الشارح تبعاً لأصحابه، ولنذكر أولاً ما رواه أصحابنا رضي الله عنهم في هذا الباب، ثم نتبعها بما رواه الشارح.

فأقول : روى الطبرسي في «الاحتجاج» أنه علیه السلام لما مر على طلحة بين القتلى قال اقعدوه، فأقعد فقال : إنّه كانت لك سابقة لكن الشيطان دخل منخريك فأوردك النار .

وفيه أيضاً روى أنه علیه السلام مر عليه فقال : هذا الناكث بيعتي والمنشيء للفتنة في الأمة والمجلب علي والداعي إلى قتلي وقتل عترتي اجلسوا طلحة، فأجلس فقال أمير المؤمنين علیه السلام:« يا طلحة بن عبيد الله لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً»؟ ثم قال : «أضجعوا طلحة»، وسار فقال بعض من كان معه : يا أمير المؤمنين تكلم طلحة بعد قتله ؟ فقال : «والله لقد سمع كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوم بدر»، وهكذا فعل علیه السلام بكعب بن سور لما مر به قتيلاً، وقال: «هذا الذي خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنه ناصر أمه يدعو الناس إلى ما فيه وهو لا يعلم ما فيه ، ثم استفتح وخاب كل جبار عنيد، أما أنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله » (1).

وفي «البحار» من كتاب «الكافية » لإبطال توبة الخاطئة روی خالد مخلد بن عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر عن آبائه عليهم السّلام قال: مرّ أمير المؤمنين علیه السلام على طلحة وهو صريع فقال: «أجلسوه»، فأجلس، فقال: «أم والله لقد كانت لك صحبة ولقد شهدت وسمعت ورأيت ولكن الشيطان أزاغك وأمالك فأوردك جهنم » (2)

وروى الشارح المعتزلي عن أصبغ بن نباتة أنه لما انهزم أهل البصرة ركب علي علیه السلام بغلة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الشهباء وكانت باقية عنده وسار في القتلى ليستعرضهم فمرّ بكعب بن سور القاضي قاضي البصرة وهو قتيل فقال : أجلسوه ، فاجلس، فقال : ويل أمك كعب بن لقد كان لك علم لو نفعك ولكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار أرسلوه، ثمّ مرّ يطلحة بن عبيد الله قتيلاً فقال : اجلسوه فأجلس ، ثم قال: قال أبو مخنف في كتابه : فقال له : ويل امّك طلحة لقد كان لك قدم لو نفعك ولكن الشيطان أضلك فأزلك فعجلك إلى النار (3).

قال الشارح بعد ذكر ذلك وأما أصحابنا فيروون غير ذلك، يروون أنه قال له لمّا اجلسوه : اعزز علي أبا محمد أن أراك معفّراً تحت نجوم السماء وفي بطن هذا الوادي أَبَعْدَ


1) الاقتصاد للطوسي ،228 ، والبحار 32 200

2) البحار 201/32

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 248/1

جهادك في الله وذبّك عن رسول الله، فجاء إليه انسان فقال : اشهد يا أميرالمؤمنين لقد مررت عليه بعد أن أصابه السهم وهو صريع فصاح بي فقال : من أصحاب من أنت؟ فقلت : من أصحاب أمير المؤمنين ، فقال : أمدد يدك لأبايع لأمير المؤمنين فمددت إليه يدي فبايعني لك فقال علي علیه السلام : « أبى الله أن يدخل طلحة الجنّة إلا وبيعتي في عنقه »، انتهى كلامه (1).

وأنت خبير بما فيه أما أولاً فلان هذه الرواية مما انفرد أصحابه بنقلها فهي غير مسموعة والمعروف بين الفريقين هو ما رواه أبو مخنف، وثانياً أن الشارح قال في أوائل شرحه عند الكلام على البغاة والخوارج : أما أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلهم إلا عائشة وطلحة والزبير ، فإنّهم تابوا ولولا التوبة لحكموا لهم بالنار لاضرارهم على البغي فإنّ هذا الكلام منهم صريح في استحقاقه للنار لولا التوبة ولا بد لهم من إثبات التوبة وأنّى لهم بذلك ومبايعته لمن يبايع أمير المؤمنين علیه السلام في تلك الحال التي كان عليها صريعاً بين القتلى آيساً من الحياة لا يكفي في رفع العقاب واستحقاق الثواب قال سبحانه :

(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَبِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَارُ أُوْلَيْكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء : 17 - 18] .

بل أقول: إنّ توبته في تلك الحال على تسليم كون تلك المبايعة منه توبة إنّما هي مثل توبة فرعون التي لم تنجه من عذاب ربه كما قال تعالى :

(وجوزْنَا بِبَنِي إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدَوا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْفَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى وَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنت مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 90 - 91] .

وحاصل ما ذكرته عدم ثبوت التوبة أولاً وعدم كفايتها في رفع العقوبة على تقدير ثبوتها ثانياً.

وههنا لطيفة

يعجبني ذكرها لمناسبته للمقام وهي أن الشيخ المحدّث الشيخ يوسف البحراني صاحب «الحدائق» ذكر في «لؤلؤة البحرين» عند التعرض لأحوال شيخ الطائفة محمّد بن محمد بن النعمان المفيد (قدس الله سره) عن الشيخ ورام بن أبي فراس في كتابه أنّ الشيخ المفيد (رحمت الله) كان من أهل


1) المراجعات: 143 ، والمستدرك للحاكم : 373/3 ، وشرح النهج : 249/1

عكبرا ثم انحدر وهو صبي من أبيه إلى بغداد واشتغل بالقراءة على الشيخ أبي عبد الله المعروف بجعل، وكان منزله في درب رباح من بغداد وبعد ذلك اشتغل بالدرس عند أبي ياسر في باب خراسان من البلدة المذكورة.

ولما كان أبو ياسر المذكور بما عجز عن البحث معه والخروج عن عهدته أشار عليه بالمضي إلى علي بن عيسى الزماني الذي هو من أعاظم علماء الكلام، فقال الشيخ: إنّي لا أعرفه ولا أجد أحداً يدلني عليه، فأرسل أبو ياسر معه بعض تلامذته وأصحابه فلما مضى وكان مجلس الزماني مشحوناً من الفضلاء جلس الشيخ في صف التعال وبقي يتدرّج في القرب كلما خلا المجلس شيئاً فشيئاً لاستفادة بعض المسائل من صاحب المجلس، فاتفق أن رجلاً أهل البصرة دخل وسأل الزماني فقال له : ما تقول في حديث الغدير وقصة الغار؟ فقال الزماني : قصة الغار دراية وخبر الغدير رواية ولا تعارض الرّواية الدراية ولما كان ذلك الرّجل البصري ليس له قوة المعارضة سكت وخرج.

فقال الشيخ إني لم أجد صبراً عن السكوت عن ذلك فقلت : أيها الشيخ عندي سؤال، فقال : قل ، فقلت : ما تقول في من خرج على الإمام العادل وحاربه ؟ فقال : كافر، ثم استدرك فقال: فاسق ، فقلت ما تقول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ؟ فقال : إمام عادل، فقلت : ما تقول في حرب طلحة والزبير له في حرب الجمل؟ فقال: انهم تابوا ، فقلت له : خبر الحرب دراية والتوبة رواية ، فقال: أو كنت عند سؤال الرّجل البصري ؟ فقلت : نعم ، فقال : رواية برواية وسؤالك متجه وارد .

ثمّ إنه سأله من أنت وعند من تقرأ من علماء هذا البلد ؟ فقلت : عند علماء هذا البلد ؟ فقلت : عند الشيخ أبي عبد الله جعل ، ثمّ قال لي : مكانك ودخل منزله وبعد لحظة خرج وبيده رقعه ممهورة فدفعها إلي فقال : ادفعها إلى شيخك أبي عبد الله، فأخذت الرقعة من يده ومضيت إلى مجلس الشيخ المذكور ودفعت له الرقعة ففتحها وبقي مشغولاً بقراءتها وهو يضحك فلما فرغ من قراءتها

قال : إن جميع ما جرى بينك وبينه قد كتب إليّ وأوصاني بك ولقبك المفيد ، والله الهادي.

الترجمة

از جمله کلام آن جناب ولایت مآب است هنگامی که مظفر و منصور گردانید خداوند سبحانه و تعالی او را به اصحاب جمل و گفت او را بعض اصحاب او : دوست داشتم که برادر من فلان حاضر بود در این حرب تا این که میدید آن چیزی را که نصرت داده تو را خدای تعالی به آن بر دشمنان تو . پس فرمود آن حضرت آیا میل و محبت برادر تو با ماست؟ گفت : بلی یا امیرالمؤمنین . فرمود : پس به تحقیق حاضر است با ما و به خدا سوگند البته حاضرند با ما در این لشگرگاه ما جماعت محبان ما که در پشتهای پدرانند و در رحم های مادران ، زود باشد که بیرون آورد ایشان را زمان مانند بیرون آمدن خون از دماغ و قوت گیرد به سبب وجود ایشان ایمان و اهل طغیان مقهور شوند در دست ایشان.

ومن كلام له علیه السلام في ذم أهل البصرة وهو الثالث عشر من المختار في باب الخطب

اشارة

تكلم بذلك بعد الفراغ من قتال أهلها وقد رواه الطبرسي في «الاحتجاج» وعلي بن إبراهيم القمي والمحدّث البحراني بزيادة ونقصان يعرف تفصيل ذلك في أوّل التنبيهات إنشاء الله .

«كُنتُمْ جُندَ الْمَرْأَةِ وَأَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ، رَعَا فَأَجَبْتُمْ، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ، أَخْلاقُكُمْ دِقاقٌ ، وَعَهْدُكُمْ شقاق، ودِينُكُمْ نِفاق، وماؤكُمْ زُعاق ، الْمُقِيمُ بَينَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنّ بِذَنْبِهِ، وَالشَّاخِصُ عِنْكُمْ مُتَدارَكَ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ، كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُوْجُوْ سَفِينَةٍ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعَذابَ مِنْ فَوْقِهَا وَمِنْ تَحْتِهَا، وَغَرَقَ مَنْ فِي ضِمْنِها. وفي رواية وَأَيْمُ اللَّهِ لَتُغْرَقَنَّ بَلْدَتْكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِها كَجُرْجُو سَفِينَةٍ أَوْ نُعَامَةٍ جَاثِمَةٍ. وفي رواية كَجُوجُوْ طَيرِ في لُجَّةِ بَحْرِ » (1)

اللغة

(الزغاء) وزان غراب صوت البعير ورغت الناقة ترغو صوتت فهي راغية و(الدّقيق) خلاف الجليل و (شاقه) مشاقه وشفاقاً خالفه وحقيقته أن يأتي كلّ منهما ما يشق على صاحبه فيكون كلّ منهما في شقّ غير شق صاحبه (نافق) الرجل نفاقاً إذا أظهر الإسلام لأهله وأضمر غير الإسلام و(الزعاق) بضم الزّاء المعجمة المالح و(بين أظهر) الناس وبين ظهريهم وبين ظهرانيهم بفتح النون كلها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم والاستناد إليهم وكان المعنى أن ظهراً منه قدامه وظهراً ورائه فكأنه مكنوف من جانبيه هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم وإن كان غير مكنوف بينهم و(الجؤجؤ) كهدهد من الطير والسفينة صدرهما وقيل عظام الصدر و(جثم) الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جثوماً وهو كالبروك من البعير .

الإعراب

(الفاء) في قوله : فأجبتم ، وقوله : فهربتم ، فصيحة ، وقوله كأني بمسجدكم (ا ه) (كان) للتقريب (والباء) زائدة والأصل كأني أبصر مسجدكم ثم حذف الفعل وزيدت (الباء) كما ذكره المطرزي في شرح قول الحريري: كأنّي بك تنحط ، من أنّ الأصل كأني أبصرك تنحط حذف الفعل وزيدت (الباء) وقال ابن عصفور:( الباء والكاف ) في كأني بك تنحط ، وكأنك بالدنيا لم


1) أمالي الطوسي : 703 : 703 ح 1503

تکن، کافتان لكان عن العمل، (والباء) زائدة في المبتدأ وعلى ذلك فيكون قوله علیه السلام (بمسجدكم) مبتدأ (وكجؤجؤ سفينة) خبره وجملة (قد بعث) حال متممة لمعنى الكلام كالحال في قوله تعالى:

(فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) [المدثر : 49] .

وقال نجم الأئمة الرّضي في المثال الثاني : الأولى أن تبقى كان على معنى التشبيه ولا تحكم بزيادة شيء وتقول التقدير كأنك تبصر بالدنيا أي تشاهدها من قوله تعالى :

(فَبَصُرَت بِهِ- عَن جُنبِ﴾ [القصص: 11].

والجملة بعد المجرور (بالباء) حال أي كأنك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة.

المعنى

اعلم أنه علیه السلام ذكر في كلامه ذلك أموراً سبعة نبه فيها على ذمهم وتوبيخهم.

الأول : ما أشار علیه السلام إليه بقوله : (كنتم جند المرأة ) وأراد بها عائشة حيث جعلوها عقد نظامهم و مدار قوامهم، ومن المعلوم أنّ النساء على نقصان عقولهن وحظوظهن وإيمانهن على ما ستعرفها تفصيلاً في محلها مذمومة عند العرب وسائر العقلاء، فالتابع لها والجاعل زمام أمره إليها لا بد وأن يكون أنقص عقلاً منهن وحريا بالدم والتوبيخ .

روى في «البحار» من «كنز جامع الفوائد » وتأويل الآيات عن محمد البرقي عن

الحسين بن سيف عن أخيه عن أبيه عن سالم بن مكرم عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول في قوله تعالى :

( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبوتِ) [العنكبوت : 41] .

قال : هي الحميراء (1)قال مؤلف الكتاب : إنّما كنّى عنها بالعنكبوت لأنه حيوان ضعيف اتخذت بيتاً ضعيفاً أوهن البيوت، وكذلك الحميراء حيوان ضعيف لقلة عقلها وحظها ودينها اتخذت من رأيها الضعيف وعقلها السخيف في مخالفتها وعداوتها لمولاها بيتاً مثل بيت العنكبوت في الوهن والضعف وسيأتي بعض الأخبار فيها في التنبيه الثاني إنشاء الله

الثاني : ما نبه علیه السلام عليه بقوله : (وأتباع البهيمة )وأراد بها الجمل .

قال في «البحار» : وأعطى يعلى بن منبه عائشة جملاً اسمه عسكر اشتراه بمائتي دينار وقيل بثمانين ديناراً فركبته وقيل : كان جملها لرجل من عربية قال العرني بينما أنا أسير على


1) الجمل : 46 ، والبحار 286/32

جمل إذ عرض لي راكب قال اتبيع جملك؟ قلت : نعم ، قال : بكم؟ قلت : بألف درهم قال : أمجنون أنت؟ قلت : ولم والله ما طلبت عليه أحداً إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد إلا فته، قال : لو تعلم لمن نريده إنّما نريده لامّ المؤمنين عائشة ، فقلت : خذه بغير ثمن قال: بل ارجع معنا إلى الرّحل فنعطيك ناقة ودراهم قال : فرجعت فأعطوني ناقة مهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة .

وفي شرح المعتزلي : لما عزمت عائشة على الخروج إلى البصرة طلبوا لها بعيراً أيدا يحمل هودجها فجاءهم يعلى بن أمية ببعير المسمّى عسكراً وكان عظم الخلق شديداً، فلمّا رأته أعجبها وأنشأ الجمال يحدثها بقوته وشدّته ويقول في أثناء كلامه عسكر، فلما سمعت هذه اللفظة استرجعت وقالت ردّوه لا حاجة لي فيه وذكرت حيث سألت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه وأمرت أن يطلب لها غيره فلم يوجد لها ما يشبهه فغير لها بجلال غير جلاله، وقيل لها قد أصبنا لك أعظم منه خلقاً وأشدّ قوة وأتيت به فرضيت (1).

ثم إنه علیه السلام أوضح متابعتهم للبهيمة بقوله : (رغا فأجبتم ) فإنّ كونهم مجيبين لرغائه شاهد صدق على المتابعة وقد كان الجمل راية أهل البصرة قتلوا دونه كما يقتل الرّجال تحت الرايات، وكان كلّ من أراد الجد في الحرب وقاتل قتال مستميت يتقدم الجمل ويأخذ بخطامه وروی أنه أخذ الخطام سبعون رجلاً من قريش قتلوا كلهم وكان أكثر الناس حماية له وذباً عنه بني ضبة والأزد.

وفي شرح المعتزلي عن المدائني والواقدي أنه ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قيل يوم الجمل، وأكثره لبني ضبّة والأزد الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه ولقد كانت الرؤوس تندر عن الكواهل، والأيدي تطيح من المعاصم ، وأقتاب البطن تندلق من الأجواف ، وهم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تتزلزل ولا تتحلحل حتى لقد صرخ بأعلى صوته ويلكم اعقروا الجمل فإنه شيطان، ثم قال علیه السلام اعقروه وإلا فنيت العرب لا يزال السيف قائماً وراكعاً حتى يهوى البعير إلى الأرض فعمدوا له حتى عقروه فسقط وله رغاء شديد فلمّا برك كانت الهزيمة وإليه أشار علیه السلام بقوله : (وعقر فهربتم).

قال أبو مخنف حدثنا مسلم الأعور عن حبّة العرني قال : فلما رأى علي علیه السلام أن الموت عند الجمل وأنّه ما دام قائماً فالحرب لا يطفا وضع سيفه على عاتقه وعطف نحوه وأمر أصحابه بذلك ومشى نحوه والخطام مع بني ضبة فاقتتلوا قتالاً شديداً واستحر القتل في بني ضبة فقتل منهم مقتلة عظيمة وخلص علي علیه السلام في جماعة من النخع وهمدان إلى الجمل.


1) شرح نهج البلاغة : 225/6 ، والبحار: 138/32 :

فقال لرجل من النخع اسمه بحير : دونك الجمل يا بحير فضرب عجز الجمل بسيفه فوقع لجنبه وضرب بجرائه الأرض وعج عجاً شديداً لم يسمع بأشد منه فما هو إلا أن صرع الجمل حتى فرّت الرّجال كما يطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب واحتملت عائشة بهودجها فحملت إلى دار عبد الله بن خلف وأمر عليّ علیه السلام بالجمل أن يحرق ثم يذري بالريح، وقال: «لعنة الله من دابة فما أشبهه بعجل بني إسرائيل » ثم قرأ:

(وانظر إِلَى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلتَ عَلَيْهِ مَاكِما لَتُحَرِّفَنَّهُ ثُمَّ لَنَنفَنَّهُ فِي الْيَمِ نَسْفا) (1)[ طه : 97 ] .

وفي« الاحتجاج» أن محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر توليا عقره بعد طول دمائه،

وروي أنه كلما قطعت قائمة من قوائمه ثبت على أخرى حتى قتل.

الثالث ما ذكره بقوله علیه السلام (أخلاقكم دقاق) أي رذيلة حقيرة قال الشارح المعتزلي: في الحديث أن رجلاً قال له : يا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إني أحب أن أنكح فلانة إلا أن في أخلاق أهلها دقة فقال له : «إياك وخضراء الدمن إيّاك والمرأة الحسناء في منبت السوء »(2).

وعلل البحراني دقة أخلاقهم بأن أصول الفضائل الخلقية لما كانت ثلاثة : الحكمة والعفّة والشَّجاعة وكانوا على طرف الجهل لوجوه الآراء المصلحية وهو طرف التفريط من الحكمة العلمية وعلى طرف الجبن وهو التفريط من الشجاعة وعلى طرف الفجور وهو طرف الإفراط من ملكة العفة والعدالة لا جرم صدق أنهم على رذائل الأخلاق ودقاقها.

أقول : ويشهد على جهلهم اتباعهم للمرأة ومتابعتهم للبهيمة، وعلى جبنهم ما مر في الخطب السابقة من قوله علیه السلام : وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الأمرين الفشل، وعلى فجورهم خروجهم على الإمام العادل ومحاربتهم معه .

الرابع: ما نبه علیه السلام عليه بقوله : ( وعهدكم شقاق) يعني معاهدتكم لا يمكن الاعتماد عليها والوثوق بها، لأنها صورية وظاهرية وفي المعنى والحقيقة مخالفة وعداوة يشهد بذلك نكثهم لبيعته بعد عقدهم إياه .

الخامس: ما أشار إليه علیه السلام بقوله : (ودينكم نفاق ) وذلك أنهم أظهروا الإسلام أي الإيمان بألسنتهم وخالفوا بقلوبهم كما حكى علیه السلام فيما سبق عن الزبير أنه : يزعم أنه بايع بيده ولم يبايع بقلبه فقد أقرّ بالبيعة وادعى الوليجة.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 253/1

2) راجع جواهر الكلام : 37/29، والكافي : 332/5.

السادس: ملوحة مائهم المشار إليه بقوله : (وماؤكم زعاق ) أي مالح بسبب قربه من البحر يوجب أمراضاً كثيرة كسوء المزاج والبلادة وفساد الطحال ونحوها، وهذا وإن لم يكن من أفعالهم الاختيارية إلا أنه ممّا يذم به البلد فيستحقون بذلك المذمة لسوء اختيارهم ذلك المكان قال الشاعر :

بلاد بها الحمى وأسد عرينة *** وفيها المعلى يعتدي ويجور

فإنّي لمن قد حلّ فيها لراحم *** وإنّي لمن لم يأتها لنذير

(و) السابع : أن (المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه ) لأنه إما أن يشاركهم في الذنوب أو يراها فلا ينكرها، وقد وردت الأخبار عن أئمتنا الأطهار سلام الله عليهم على تحريم مجاورة أهل المعاصي ومخالطتهم اختياراً والمجالسة معهم وكون المجاور والمجالس مستحقاً بذلك للعقوبة .

مثل ما رواه في الوسائل : بإسناده عن مهاجر الأسدي عن أبي عبد الله صلی الله علیه واله وسلم قال : من عيسى بن مريم علیه السلام على قرية قدمات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما أنهم لم يموتوا إلا السخطة ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا ، فقال الحواريون : يا روح الله وكلمته ادع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنتجنّبها ، قال : فدعا عيسى علیه السلام فنودي من الجوّ أن نادهم فقام عيسى بالليل على شرف من الأرض فقال : يا أهل القرية ، فأجابه مجيب منهم لبيك، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال : عبادة الطاغوت وحبّ الدنيا مع خوف قليل وأمل بعيد وغفلة في لهو ولعب إلى أن قال : وكيف عبادتكم للطاغوت ؟ قال : الطاعة لأهل المعاصي قال : كيف كانت عاقبة أمركم؟ قال : بتنا في عافية وأصبحنا في الهاوية، فقال: وما الهاوية؟ قال: سجين، قال: وما سجين؟ قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة، إلى أن قال ، قال : ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم؟ قال : يا روح الله إنّهم ملجمون بلجم من نار : بأيدي (1)ملائكة غلاظ شداد وإنّي كنت فيهم ولم أكن منهم فلما نزل العذاب أعمني معهم وأنا معلّق بشعرة على شفير جهنّم لا أدري اكبكب فيها أم أنجومنها، فالتفت عیسی علیه السلام الی الحواريين فقال : يا أولياء الله أكل الخبز اليابس بالملح الجريش والنوم على المزابل خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة (2).

وعن أبي حمزة عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال : سمعته يقول : أما أنّه ليس من سنة أقل مطراً من سنة ولكن الله يضعه حيث يشاء إن الله جل جلاله إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطرفي تلك السنة إلى غيرهم وإلى الفيافي


1) في العلل وثواب الأعمال عليهم.

2) الوسائل : 256/16 ، وثواب الأعمال : 254

والبحار والجبال، وإنّ الله ليعذب الجمل في جحرتها بحبس المطر عن الأرض التي هي بمحلتها لخطايا من بحضرتها، وقد جعل الله لها السبيل إلى مسلك سوى محلة أهل المعاصي قال : ثم قال أبو جعفر علیه السلام : فاعتبروا يا أولي الأبصار (1).

وعن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين عليهما السلام في حديث طويل قال: إياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم (2).

،وفي «الفقيه » عن محمد بن مسلم قال : مربي أبو جعفر علیه السلام وأنا جالس عند قاض بالمدينة فدخلت عليه من الغد فقال علیه السلام : ما مجلس رأيتك فيه أمس قال : قلت له : جعلت فداك إنّ هذا القاضي لي مكرم فربما جلست إليه فقال : وما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعمك معة (3)، وروي في خبر آخر : فتعم من في المجلس.

وفي «الكافي » عن الجعفري قال: سمعت أبا الحسن علیه السلام يقول : ما لي رأيتك عند عبد الرّحمن بن يعقوب؟ فقال علیه السلام : إنه خالي فقال : إنه يقول في الله قولاً عظيماً يصف الله ولا يوصف فإما جلست معه وتركتنا ، وإما جلست معنا وتركته؛ فقلت هو يقول ما شاء أي شيء علي منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال أبو الحسن علیه السلام: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً، أما علمت بالذي كان من أصحاب موسى علیه السلام وكان أبوه من أصحاب فرعون فلمّا لحقت خيل فرعون موسى تخلف عنه ليعظ أباه فيلحقه بموسى فمضى أبوه وهو يراغمه حتى بلغ طرفا من البحر فغرقا جميعاً فأتى موسى الخبر فقال : هو في رحمة الله ولكن النقمة إذا نزلت ليس لها عمّن قارب المذنب دفاع (4).

وقوله علیه السلام: (والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه) وذلك لأنّ المقيم بينهم والمخالط معهم إذا كان رهيناً بذنبه يلزمه كون الشاخص عنهم والمتباعد من ساحتهم متداركاً برحمة الله لسلامته من عقوبة المجاورة والمجالسة .

ثم أشار علیه السلام إلى ابتلائهم بالعقوبة الدنيوية قبل عذاب الآخرة وقال: (كاني بمسجدكم كجوجو سفينة قد ) برز من الماء حين (بعث الله عليها) أي على البصرة (العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها ) قال الرّضي (وفي رواية) أخرى: (وأيم الله لتغرقن بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة ) أي باركة متلبدة بالأرض قال : (وفي


1) محاسن البرقي : 116/1 ، والكافي : 27/2.

2) تحف العقول: 254 ، والوسائل : 16 / 260

3) من لا يحضره الفقيه : 6/3 الوسائل : 15/27

4) الكافي : 375/2، والوسائل : 261/16.

رواية ) ثالثة (كجؤجؤ طير في لجة بحر).

قال الشارح المعتزلي : أما إخباره علیه السلام أن البصرة تغرق عدا المسجد الجامع فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدلّ على أنّ البصرة تهلك بالماء الأسود ينفجر من أرضها فتغرق ويبقى مسجدها، والصحيح أن المخبر به قد وقع فإنّ البصرة غرقت مرتين مرة في أيام القادر بالله ومرّة في أيام القائم بأمر الله غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلا مسجدها الجامع مبارزاً بعضه كجؤجؤ الطائر حسب ما أخبر به أمير المؤمنين علیه السلام : جاءها الماء من بحر فارس من جهة

: الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس ومن جهة الجبل المعروف الآن بجزيرة السنام، وخربت دورها وغرق كلّ ما في ضمنها وهلك كثير من أهلها ، وأخبار هذين الغرقين عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم (1).

أقول: ولا بأس بما ذكره إلا أن المستفاد من ذيل هذه الخطبة على ما رواها الشارح البحراني حسبما تعرفه في أوّل التنبيهات أن الماء الذي تغرق به البصرة ينفجر من الأرض كما قال علیه السلام : وإني لأعرف موضع منفجره من قريتكم هذه . وظاهر ذلك أنه لا يكون من ناحية أخرى، والله العالم بحقائق الأمور.

وينبغي التنبيه على أمور الأول

اعلم أن هذه الخطبة رويت بطرق مختلفة قد رواها جماعة من الأصحاب بزيادة ونقصان ولا بأس بالإشارة إليها تكثيراً للفائدة .

فمنها ما في «الاحتجاج » عن ابن عباس (رضی الله عنه) قال : لما فرغ أمير المؤمنين علیه السلام من قتال أهل البصرة وضع قتباً على قتب فحمد الله وأثنى عليه فقال : يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة يا أهل الداء العضال يا أتباع البهيمة يا جند المرأة رغا فأجبتم وعقر فهربتم ، ماؤكم زعاق، ودينكم نفاق، وأحلامكم دقاق، ثم نزل علیه السلام يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه فمرّ بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال يا حسن أسبغ الوضوء فقال : يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ويصلّون الخمس ويسبغون الوضوء، فقال له أمير المؤمنين علیه السلام :« قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدوّنا»؟ فقال: والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين لقد خرجت في أوّل يوم فاغتسلت وتحنّطت وصيبت عليّ سلاحي وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة كفر، فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة نادى مناد يا حسن إلى أين ارجع فإنّ القاتل والمقتول

في النار، فرجعت ذاعراً وجلست في بيتي.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 253/1

فلما كان في اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم المؤمنين هو الكفر فتحنطت وصيبت عليّ سلاحي وخرجت أريد القتال حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فنادى مناد من خلفي يا حسن إلى أين مرّة بعد أخرى فإنّ القاتل والمقتول في النار.

قال علي علیه السلام: «صدقت أفتدري من ذلك المنادي»؟ قال : لا ، قال علیه السلام: «أخوك إبليس وصدقك أن القاتل والمقتول منهم في النار »، فقال الحسن البصري: الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم هلكى (1).

ومنها ما في تفسير علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله :

(وَالْمُوْنَفِكَةَ أَهْوَى ) [النجم: 53] .

قال : المؤتفكة البصرة، والدليل على ذلك قول أمير المؤمنين علیه السلام: يا أهل البصرة ويا أهل المؤتفكة يا جند المرأة وأتباع البهيمة رغا فأجبتم وعقر فهربتم ماؤكم زعاق وأخلاقكم دقاق (2)وفيكم ختم النّفاق ولعنتم على لسان سبعين نبياً إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أخبرني أن جبرئيل علیه السلام أخبره أنه طوى له الأرض فرأى البصرة أقرب الأرضين من الماء وأبعدها من السماء، وفيها تسعة أعشار الشر والدّاء العضال ، المقيم فيها مذنب والخارج عنها برحمة وقد انتفكت بأهلها مرتين وعلى الله تمام الثالثة، وتمام الثالثة في الرّجعة (3).

أقول : قال في «مجمع البيان »: المؤتفكة المنقلبة وهي التي صار أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها، وأهوى أي أنزل بها في الهواء قال : والمؤتفكة قرى قوم لوط المخسوفة أهوى أي أسقط أهواها جبرئيل بعد أن رفعها وهذا تنزيلها وما رواه القمّي رحمه الله تأويلها، وقال القمّي في تفسير قوله سبحانه :

(وجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبلَهُ وَالْمُؤْتَفكَتُ بِالخالية ) [الحاقة : 9] .

المؤتفكات البصرة، والخاطئة فلانة وفي نسخة حميراء، وفي «البحار» وأما التأويل الذي ذكره علي بن إبراهيم فقد رواه مؤلف تأويل الآيات الباهرة عن محمد البرقي عن سيف بن عميرة عن أخيه عن منصور بن حازم عن حمران قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : وجاء فرعون يعني الثالث ، ومن قبله يعني الأولين، والمؤتفكات أهل البصرة، بالخاطئة الحميراء، فالمراد بمجيء الأولين والثالث بعائشة أنهم أسسوا لها بما فعلوا من الجور على أهل البيت عليهم السّلام أساساً به تيسر لها الخروج ولولا ما فعلوا لم تكن تجتري على ما فعلت ،


1) الاحتجاج : 251/1 ، ومناقب آل أبي طالب: 512/1

2) في نسخة وأصلامكم .رقاق.

3) بحار الأنوار: 226/32

والمراد بالمؤتفكات أهل المؤتفكات والجمع باعتبار البقاع والقرى والمحلات .

ومنها ما في «شرح البحراني» متفرّقة إلا أن المحدث العلامة المجلسي (رحمت الله) جمع ما وجد منها في «البحار» وألف شتاتها ونحن نرويها من «البحار» من الشرح .

قال (قدس الله سره) روى الشيخ كمال الدين بن ميثم البحراني مرسلاً أنه لما فرغ أمير المؤمنين علیه السلام من أمر الحرب لأهل الجمل أمر منادياً ينادي في أهل البصرة أن الصلاة الجامعة لثلاثة أيام من غد إنشاء الله ولا عذر لمن تخلّف إلا من حجّة أو علة فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً فلما كان اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج علیه السلام فصلى بالناس الغداة في المسجد الجامع فلمّا قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلى فخطب الناس وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي وآله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ثمّ قال :

يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة التفكت بأهلها ثلاثاً وعلى الله تمام الرابعة ، يا جند المرأة وأعوان البهيمة رغا فأجبتم وعقر فانهزمتم أخلاقكم دقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق ، وبلادكم أنتن بلاد الله تربة وأبعدها من السماء ، بها تسعة أعشار الشر المحتبس فيها بذنبه والخارج منها بعفو الله ، كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها الأشرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر.

فقام إليه الأحنف بن قيس فقال له : يا أمير المؤمنين متى يكون ذلك؟ قال: يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان وإن بينك وبينه لقروناً ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم لكي رأوا البصرة قد تحوّلت أخصاصها دوراً وآجامها قصوراً فالهرب الهرب يبلغوا إخوانهم إذا هم فإنّه لا بصرة لكم يومئذ .

ثم التفت عن يمينه فقال : كم بينكم وبين الابلة؟ فقال له المنذر بن الجارود: فداك أبي وأمي أربعة فراسخ قال له : صدقت فوالذي بعث محمّداً وآله وأكرمه بالنبوة وخصّه بالرّسالة وعجل بروحه إلى الجنّة لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال لي : يا علي هل علمت أن بين التي تسمى البصرة وتسمى الإبلة أربعة فراسخ وسيكون في التي تسمّى الإبلة موضع أصحاب العشور يقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألفاً شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر .

فقال له المنذر : يا أمير المؤمنين ومن يقتلهم فداك أبي وأمي ؟ قال : يقتلهم إخوان الجنّ وهم جيل كانهم الشياطين سود ألوانهم منتنة أرياحهم شديد كلبهم قليل سلبهم طوبى لمن قتلهم ، وطوبى لمن قتلوه ينفر لجهادهم في ذلك الزّمان قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان، مجهولون في الأرض معروفون في السماء تبكي السماء عليهم وسكانها والأرض وسكانها .

ثم هملت(1)عيناه بالبكاء ثم قال : ويحك يا بصرة ويلك يا بصرة لا رهج (2)له ولا حس، فقال له المنذر : يا أمير المؤمنين وما الذي يصيبهم من قبل الغرق مما ذكرت وما الويح وما الويل؟ فقال : هما بابان فالويح باب رحمة والويل باب عذاب يا ابن الجارود نعم تارات عظيمة .

منها عصبة يقتل بعضها بعضاً، ومنها فتنة يكون بها خراب منازل وخراب ديار وانتهاك أموال وقتل رجال وسباء نساء يذبحن ذبحاً، يا ويل أمرهن حديث عجيب.

منها أن يستحل بها الدجال الأكبر الأعور الممسوح العين اليمنى والأخرى كأنها ممزوجة بالدّم لكأنها في الحمرة علقة ناتيء (3)الحدقة كهيئة حبّة العنب الطافية على الماء فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالإبلة من الشهداء أناجيلهم في صدورهم يقتل من يقتل ويهرب من يهرب ثم رجف ثمّ قذف ثم خسف ثمّ مسخ ثمّ الجوع الأغبر ثمّ الموت الأحمر وهو الغرق .

يا منذر إن للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في الزبر الأول لا يعلمها إلا العلماء منها الخريبة ومنها تدمر ومنها المؤتفكة ، يا منذر والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أشاء لأخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة متى تخرب ومتى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة وإن عندي ذلك علماً جماً وإن تسألوني تجدوني به عالماً لا أخطىء منه علماً ولا دافناء(4)ولقد استودعت علم القرون الأولى وما هو كائن إلى يوم القيامة .

ثمّ قال: «يا أهل البصرة إنّ الله لم يجعل لأحد أمصار المسلمين خطة شرف ولا كرم إلا وقد جعل فيكم أفضل ذلك وزادكم من فضله بمنه ما ليس لهم أنتم أقوم الناس قبلة قبلتكم على المقام حيث يقوم الإمام بمكة ، وقارئكم أقرأ الناس ، وزاهدكم أزهد الناس، وعابدكم أعبد النّاس، وتاجركم أتجر النّاس وأصدقهم في تجارته، ومتصدقكم أكرم الناس صدقة ، وغنيكم أشدّ النّاس بذلاً وتواضعاً، وشريفكم أحسن الناس خلقاً، وأنتم أكرم الناس جواراً وأقلهم تكلفاً لما لا يعنيه وأحرصهم على الصلاة في جماعة، ثمرتكم أكثر الثّمار، وأموالكم أكثر الأموال وصغاركم أكيس الأولاد، نساؤكم أقنع النساء وأحسنهن تبعلاً سخر لكم الماء يغدو عليكم ويروح ، صلاحاً لمعاشكم والبحر سبباً لكثرة أموالكم فلو صبرتم واستقمتم لكانت لكم شجرة طوبى مقيلاً ظلاً ظليلاً غير أن حكم الله فيكم ماض وقضاؤه نافذ لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب يقول الله :

(وان مِن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكَرُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَسمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عذابا شديدا كان ذلك في الكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ [الإسراء : 58]


1) هملت : أي فاضت

2) رهج غبار.

3) ناتي المرتفع .

4) دافتاء الأمر داخله

واقسم لكم يا أهل البصرة ما الذي ابتدأتكم به من التوبيخ إلا تذكيراً وموعظة لما بعد لكي لا تسرعوا إلى الوثوب في مثل الذي وثبتم وقد قال الله لنبيه صلی الله علیه واله وسلم :

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِكرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات : 55]

ولا الذي ذكرت فيكم من المدح والتطرية بعد التذكير والموعظة رهبة مني لكم ولا رغبة في شيء مما قبلكم فإنّي لا أريد المقام بين أظهركم إنشاء الله الأمور تحضرني قد يلزمني المقام بها فيما بيني وبين الله لا عذر لي في تركها ولا علم لكم بشيء منها حتى يقع مما أريد أن أخوضها مقبلاً ومدبراً.

فمن أراد أن يأخذ بنصيبه منها فليفعل ، فلعمري إنّه للجهاد الصافي صفاه لنا كتاب الله ولا الذي أردت به من ذكر بلادكم موجدة منّي عليكم لما شاققتموني غير أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لي يوماً وليس معه غيري: إن جبرئيل الروح الأمين حملني على منكبه الأيمن حتى أراني الأرض ومن عليها وأعطاني أقاليدها ولم يكبر ذلك علي كما لم يكبر على أبي آدم علمه الأسماء ولم يعلمه الملائكة المقربون» .

«وإني رأيت بقعة على شاطيء البحر تسمّى البصرة، فإذا هي أبعد الأرض من السماء وأقربها من الماء وأنها لأسرع الأرض خراباً وأخشنها (اخشبها خ) تراباً وأشدّها عذاباً، ولقد خسف بها في القرون الخالية مراراً وليأتين عليها زمان وإنّ لكم يا أهل البصرة وما حولكم من القرى من الماء ليوماً عظيماً بلاؤه وإني لأعرف موضع منفجره من قريتكم هذه، ثمّ أمور قبل ذلك تدهمكم أخفيت عليكم وعلمناه فمن خرج عند دنو غرقها فبرحمة من الله سبقت له، ومن بقي فيها غير مرابط بها فبذنبه وما الله بظلام للعبيده » .

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة ومن أهل البدعة ومن أهل السنة .

فقال علیه السلام: «إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن لا تسأل أحداً بعدي، أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا ، فذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله ، وأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا ، وأما أهل السنة فالمستمسكون بما سنّه الله ورسوله وإن قلوا ؛ وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ولرسوله العالمون (1)برأيهم وهوائهم وإن كثروا قد مضى منهم الفوج الأول وبقيت أفواج وعلى الله قصمها واستئصالها عن جدد الأرض وبالله التوفيق »(2).

أقول: ولعلّ تمام الخطبة ما رواه في «الاحتجاج » عن يحيى بن عبد بن الحسن عن


1) في نسخة : العاملون .

2) کنز العمال: 614/13 ، وبحار الأنوار: 257/32 .

أبيه عبد الله بن الحسن ، قال : كان أمير المؤمنين علیه السلام يخطب بالبصرة بعد دخولها بأيام ، فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة؟ وساق إلى قوله : واستئصالها عن جدد الأرض وبعده، فقام إليه عمّار وقال : يا أمير المؤمنين إنّ الناس يذكرون الفيء ويزعمون أنّ من قاتلنا فهو وماله وولده فيء لنا.

فقام إليه رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس ، وكان ذا عارضة ولسان شديد فقال يا أمير المؤمنين ، والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت في الرعية فقال : علیه السلام ولم ويحك؟ قال: لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية فقال : أيها الناس من كان له جراحة فليداوها بالسمن ، فقال عباد : جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات.

فقال له أمير المؤمنين علیه السلام: «إن كنت كاذباً فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف»، قيل : ومن غلام ثقيف؟ فقال رجل لا يدع الله حرمة إلا انتهكها فقيل أفيموت أو يقتل؟ فقال علیه السلام : «يقصه قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه ».

يا أخا بكر أنت أمرء ضعيف الرأي، أو ما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وأنّ الأموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على رشدة وولد وأعلى فطرة، وإنما لكم ما حوى عسكرهم وما كان في دورهم فهو ميراث ، فإن عدا أحد منهم أخذنا بذنبه، وإن كفّ عنا لم نحمل عليه ذنب غيره.

يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في أهل مكة ، فقسم ما حوى العسكر ولم يتعرض لما سوى ذلك، وإنّما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل .

يا أخا بكر أما علمت أنّ دار الحرب يحلّ ما فيها ، وأن دار الهجرة لا يحلّ ما فيها إلا بحق فمهلاً مهلاً رحمكم الله، فإن لم تصدقوني وأكثرتم عليّ وذلك أنه تكلم في هذا غير واحد، فأيكم يأخذ عائشة بسهمه؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا فنحن نستغفر الله »، ونادى الناس من كل جانب أصبت يا أمير المؤمنين أصاب الله بك الرشاد والسداد.

فقام عباد (1)فقال: «أيها النّاس إنكم والله ان اتبعتموه وأطعتموه لن يضل بكم عن منهل نبيكم صلی الله علیه واله وسلم حتى فيس شعرة كيف؟ ولا يكون ذلك، وقد استودعه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم علم المنايا والقضايا (2)وفصل الخطاب على منهاج هارون علیه السلام وقال له : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فضلاً خصه الله به وإكراماً منه لنبيه حيث أعطاه ما لم يعط أحداً من خلقه .


1) في نسخة : عمار.

2) في نسخة والوصايا.

ثم قال أمير المؤمنين علیه السلام :« انظروا رحمكم الله ما تؤمرون به ، فامضموا له فإن العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الأخس ، فإنّي حاملكم إنشاء الله إن أطعتموني على سبيل النجاة، وإن كان فيه مشقة شديدة ومرارة عتيدة والدنيا حلوة والحلاوة لمن اغتر بها من الشقوة والندامة عما قليل.

ثمّ إنّي أخبركم أن جيلاً من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليلاً منهم ، فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم، وأما عائشة فأدركها رأي النّساء ولها بعد ذلك حرمتها الأولى والحساب على الله ، يعفو عمّن يشاء ويعذب من يشاء » (1)

الثاني

في الإشارة إلى جملة من الآيات والأخبار الواردة في نهي عائشة عن الخروج إلى القتال وما فيها الإشارة إلى تعديها عن حدود الله وعمّا أوجباه في حقها فتقول قال تعالى :

(بَنِسَاءَ النَّبِي مَن يَأْتِ مِنكُنَ بِفَاحِشَةٍ تُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بَسِيرًا ﴾ [الأحزاب: 30] .

روى علي بن إبراهيم في «تفسيره» بإسناده عن حريز عن أبي عبد الله علیه السلام قال : الفاحشة الخروج بالسيف، وقال تعالى :

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّحْن تبرح الْجَهِلِيَّةِ الأُولَى ) [الأحزاب: 33] .

روى في «الصافي» من الإكمال عن ابن مسعود عن النبي صلی الله علیه واله وسلم في حديث أن يوشع بن نون وصي موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسی فقالت : أنا أحق منك بالأمر فقاتلها فقتل مقاتليها وأحسن أسرها، وإن ابنة أبي بكر ستخرج على علي علیه السلام في كذا وكذا ألف من أمتي فيقاتلها فيقتل مقاتليها ويأسرها فيحسن أسرها، وفيها أنزل الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولى [الأحزاب: 33] يعني صفراء بنت شعيب، وروى القمي عن الصادق عن أبيه علیه السلام في هذه الآية قال : أي سيكون جاهلية أخرى، وفي «البحار» من الكافية من تفسير الكلبي عن ابن عباس لما علم الله أنه سيجري حرب الجمل قال الأزواج النبي صلی الله علیه واله وسلم : وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وقال :)(يَنِسَاءَ التي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَ [الأحزاب: 30 ] .


1) البحار 22332 وكنز العمال 186/16 ح 44216 .

في حربها مع علي علیه السلام(1).

وفي «الاحتجاج » روى الشعبي عن عبد الرحمان بن مسعود العبدي قال : كنت بمكة مع عبد الله بن الزبير وطلحة والزبير فأرسلا إلى عبد الله بن الزبير وأنا معه فقالا له : إن عثمان قتل مظلوماً وإنا نخاف أمر أمة محمد صلی الله علیه واله وسلم أن يختل بهم ، فإن رأت عائشة أن تخرج معنا لعل الله أن يرتق بها فتقاً ويشعب بها صدعاً .

قال : فخرجنا نمشي حتى انتهينا إليها فدخل عبد الله بن الزبير معها في سترها، وجلست على الباب فأبلغها ما أرسلا به إليها ، فقالت : سبحان الله ، والله ما أمرت بالخروج وما تحضرني من أمهات المؤمنين إلا أمّ سلمة فإن خرجت خرجت معها فرجع إليها فبلغهما ذلك، فقالا ارجع فلتأتها فهي أثقل عليها منا فرجع إليها فبلغها فأقبلت حتى دخلت على أمّ سلمة فقالت أم سلمة : مرحباً بعائشة والله ما كنت لي بزوّارة فما بدا لك؟ قال: قدم طلحة والزبير فخبرا أن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوماً، فصرخت أم سلمة صرخة أسمعت من في الدار، فقالت : يا عائشة أنت بالأمس تشهدين عليه بالكفر وهو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوماً فما تريدين؟ قالت : تخرجين معنا فلعل الله أن يصلح بخروجنا أمر أمة محمدصلی الله علیه واله وسلم ، قالت: يا عائشة اخرجي وقد سمعت من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ما سمعنا .

نشدتك بالله يا عائشة الذي يعلم صدقك إن صدقت أتذكرين يوماً كانت نوبتك من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فصنعت حريرة في بيتي فأتيت بها وهو يقول : والله لا تذهب الليالي والأيام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له : الحواب امرأة من نسائي في فئة باغية فسقط الإناء من يدي فرفع رأسه إليّ وقال : ما لك يا أم سلمة؟ فقلت : يا رسول الله ألا يسقط الإناء من يدي وأنت تقول ما تقول؟ ما يؤمنني أن أكون أناهي؟ فضحكت أنت فالتفت إليك فقال: ممّ تضحكين يا حميراء الساقين إني أحسبك هيه.

ونشدتك بالله يا عائشة أتذكرين ليلة أسرى بنا مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من مكان كذا وكذا وهو بيني وبين علي بن أبي طالب علیه السلام يحدثنا، فأدخلت جملك فحال بينه وبين علي فرفع مقرعة كانت معه فضرب بها وجه جملك وقال : أما والله ما يومه منك بواحد ولا بليته منك بواحدة إنّه لا يبغضه إلا منافق كذاب .

وأنشدك بالله أتذكرين مرض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الذي قبض فيه فأتاه أبوك يعوده ومعه عمر، وقد كان عليّ بن أبي طالب علیه السلام يتعاهد ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعله وخفّه ويصلح ما دهى منها، فدخل قبل ذلك فأخذ نعل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهي حضرمية وهو يخصفها خلف البيت


1) البحار : 283/32

فاستأذنا عليه ، فأذن لهما فقالا: يا رسول الله كيف أصبحت؟ قال : أحمد الله ، قالا : لا بد من الموت ، قال صلی الله علیه واله وسلم: أجل لا بدّ من الموت : قالا يا رسول الله فهل استخلفت أحداً؟ قال: ما خليفتي فيكم إلا خاصف النّعل، فمرًا على علي علیه السلام وهو يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كل ذلك تعرفيه يا عائشة وتشهدين عليه .

ثم قالت أم سلمة : يا عائشة أنا أخرج على علي علیه السلام بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فرجعت إلى منزلها وقالت: يا بن الزبير أبلغهما إني لست بخارجة من بعد الذي سمعته من أمّ سلمة، فرجع فبلغهما قال : فما انتصف الليل حتى سمعنا رغاء إبلها ترتحل فارتحلت معهما (1).

وفيه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السّلام قال : كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم في المسجد بعد أن صلى الفجر، ثمّ نهض ونهضت معه وكان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا أراد أن يتجه إلي أعلمني بذلك، وكان إذا أبطأ في ذلك الموضع صرت إليه لأعرف خبره لأنه لا يتصابر قلبي على فراغه ساعة واحدة ، فقال لي : أنا متجه إلى بيت عائشة فمضى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومضيت إلى بيت فاطمة الزهراء عليها السلام ، فلم أزل مع الحسن والحسين فأنا وهي مسروران بهما.

ثمّ إنّي نهضت وصرت إلى باب عائشة فطرقت الباب فقالت لي عائشة : هذا ؟ فقلت لها: أنا علي فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم راقد فانصرفت ، ثم قلت : رسول الله راقد وعائشة في الدار فرجعت وطرقت الباب، فقالت لي عائشة : من هذا؟ فقلت لها : أنا علي ، فقالت: إنّ النبي صلی الله علیه واله وسلم على حاجة فانثيت مستحيياً من دقي الباب ووجدت في صدري ما لا أستطيع عليه صبراً، فرجعت مسرعاً فدققت الباب دقاً عنيفاً، فقالت لي عائشة من هذا؟ فقلت لها : أنا عليّ، فسمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول لها : افتحي الباب ففتحت ، ودخلت فقال لي : اقعد يا أبا الحسن أحدثك بما أنا فيه أو تحدثني بإبطائك عني ؟ فقلت : يا رسول الله حدثني فإن حديثك أحسن .

فقال : يا أبا الحسن كنت في أمر كتمته من ألم الجوع، فلما دخلت بيت عائشة وأطلت القعود ليس عندها شيء تأتي به ، فمددت يدي وسألت الله القريب المجيب فهبط علي حبيبي جبرئيل ومعه هذا الطير ووضع اصبعه على طائر بين يديه فقال: إن الله تعالى أوحى إلي أن آخذ هذا الطير وهو أطيب طعام في الجنة، فأتيتك به يا محمد ، فحمدت الله عزّ وجلّ كثيراً وعرج جبرئيل فرفعت يدي إلى السماء فقلت : اللهم يسر عبداً يحبك ويحبني يأكل معي هذا الطير، فمكثت ملياً فلم أو أحداً يطرق الباب فرفعت يدي إلى السماء فقلت : اللهم يسّر عبداً


1) رسائل المرتضى : 67/4 ، والاحتجاج : 243/1.

يحبك ويحبني أن يأكل معي هذا الطير، فمكثت ملياً فلم أر أحداً يطرق الباب، فرفعت يدي إلى السماء فقلت : اللهم يسر عبداً يحبك ويحبني وتحبه وأحبه يأكل معي هذا الطير، فسمعت طرقك الباب وارتفاع صوتك فقلت لعائشة : أدخلي عليّاً، فدخلت .

فلم أزل حامداً الله حتى بلغت إلي إذ كنت تحب الله وتحبني ويحبك الله وأحبك، فكل يا علي فلما أكلت أنا ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم الطائر قال لي: يا علي حدثني فقلت: يا رسول الله لم أزل منذ فارقتك أنا وفاطمة والحسن والحسين مسرورين جميعاً، ثم نهضت أريدك فجئت فطرقت الباب فقالت لي عائشة : من هذا؟ فقلت : أنا علي ، فقالت: إن رسول الله راقد ، فانصرفت فلما أن صرت إلى بعض الطريق الذي سلكته رجعت فقلت : إن رسول الله راقد وعائشة في الدار لا يكون هذا ، فجئت فطرقت الباب فقالت لي: من هذا؟ فقلت لها أنا علي فقالت: إن رسول الله على حاجة فانصرفت متسحيباً، فلما انتهيت إلى الموضع الذي رجعت منه أول مرة وجدت في قلبي ما لم أستطع عليه صبراً ، فقلت : النبي صلی الله علیه واله وسلم على حاجة وعائشة في الدار، فرجعت فدققت الباب الدق الذي سمعته يا رسول الله ، فسمعتك يا رسول الله وأنت تقول لها: ادخلي علياً .

فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «أبيت إلا أن يكون الأمر هكذا يا حميرا ما حملك على هذا؟ » قالت : يا رسول الله اشتهيت أن يكون أبي يأكل من الطير، فقال لها : ما هو أول ضغن بينك وبين علي علیه السلام وقد وقفت على ما في قلبك إن شاء الله لتقاتلينه .

فقالت : يا رسول الله وتكون النساء يقاتلن الرّجال ؟ فقال لها : «يا عائشة إنّك لتقاتلين عليّاً ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي وأصحابي فيحملونك عليه وليكونن في قتالك أمر يتحدث به الأولون والآخرون وعلامة ذلك أنّك تركبين الشيطان ثم تبتلين قبل أن تبلغي إلى الموضع الذي يقصد بك إليه، فتنبح عليك كلاب الحوأب فتسألين الرجوع فتشهد عندك قسامة أربعين رجلاً ما هي كلاب الحوأب فتصيرين إلى بلد أهله أنصارك، وهو أبعد بلاد على الأرض من السماء وأقربها إلى الماء، ولترجعين وأنت صاغرة غير بالغة ما تريدين، ويكون هذا الذي يردّك مع من يثق به من أصحابه، وأنه لك خير منك له ولينذرنك ما يكون

الفراق بيني وبينك في الآخرة ، وكل من فرق عليّ بيني وبينه بعد وفاتي ففراقه جائزة ».

فقالت يا رسول الله : ليتني مت قبل أن يكون ما تعدني فقال : هيهات هيهات والذي نفسي بيده ليكونن ما قلت حتى كأني أراه .

ثم قال صلی الله علیه واله وسلم لي : قم يا علي فقد وجبت صلاة الظهر حتى أمر بلالاً بالأذان، فأذن بلال وأقام وصلّى وصليت معه ولم نزل في المسجد (1).


1) الاحتجاج : 294/12 ، والبحار: 185/30 .

وفيه عن الباقر علیه السلام أنه قال : لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال أمير المؤمنين علیه السلام: «والله ما أراني إلا مطلقها فأنشد الله رجلاً سمع من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : يا عليّ أمر نسائي بيدك من بعدي لما قام فشهد قال : فقام ثلاثة عشر رجلاً فيهم بدرتان فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول: يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي ، قال : فبكت عائشة عند ذلك حتى سمعوا بكائها » (1).

وفي «البحار» من كتاب «الكافية» لإبطال توبة الخاطئة عن الحسن بن حماد عن زياد بن المنذر عن الأصبغ بن نباتة قال : لما عقر الجمل وقف علي علیه السلام على عائشة فقال : وما حملك على ما صنعت؟ قالت ذيت وذيت (2)، فقال: «أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد ملأت أذنيك من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهو يلعن أصحاب الجمل وأصحاب النهروان، أما أحياؤهم فيقتلون في الفتنة ، وأما أمواتهم ففي النار على ملة اليهود » (3)، إلى غير ذلك مما رواها الأصحاب وتركنا روايتها مخافة الأطناب .

الثالث

قال العلامة الحلي طاب ثراه في كتاب كشف الحق ونهج الصدق : خرجت عائشة إلى قتال أمير المؤمنين صلوات الله عليه ومعلوم أنّها عاصية بذلك.

أما أولاً : فلأن الله قد نهاها عن الخروج وأمرها بالاستقرار في منزلها فهتكت حجاب الله ورسوله وتبرّجت وسافرت في محفل عظيم وجم غفير يزيد على ستة عشر ألفاً .

وأما ثانياً : فلأنها ليست وليّ الدّم حتى تطالب به ولا لها حكم الخلافة فبأي وجه

خرجت للطلب؟

وأما ثالثاً : - فلأنها طلبته من غير من عليه الحق لأنّ أمير المؤمنين علیه السلام لم يحضر قتله ولا أمر به ولا واطأ عليه، وقد ذكر ذلك كثيراً .

وأما رابعاً : فلأنها كانت تحرض على قتل عثمان وتقول : اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً فلمّا بلغها قتله فرحت بذلك، فلما قام أمير المؤمنين علیه السلام بالخلافة أسندت القتل إليه وطالبته بدمه لبغضها له وعداوتها معه ، ثم مع ذلك تبعها خلق عظيم وساعدها عليه جماعة كثيرة الوفا مضاعفة، وفاطمة سلام الله عليها لما جاءت تطالب بحق ارثها الذي جعله الله لها في كتابه


1) الاحتجاج: 12 / 24 ، والبحار : 278/32 ،240

2) أي كيت وكيت.

3) الكافية للمفيد : 34 والبحار 30/28

العزيز وهي محقة فيه لم يتبعها مخلوق ولم يساعدها بشر، انتهى كلامه (1)

• أمّا القرآن الكريم فبقوله تعالى:

(وإذ أسرَّ النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عليه

عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنباك هذا قال

نبأني العليم الخبير، إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا

عليه فإنّ الله هو مولاء وجبريل وصالح المؤمنين ) ( التحريم : 3 - 4 ) .

والمفسرون على نزولها في حفصة وعائشة :

قفي تفسير ابن عباس : توبا إلى الله يا عائشة ويا حفصة من إيذائكما رسول الله ومعصيتكما له ( تفسير ابن عباس 477 مورد الآية .... :

وقال البيضاوي : (إن تتوبا إلى الله خطاب لحفصة وعائشة على الإلتفات للمبالغة في المعاقبة ( تفسير البيضاوي (293/4).

وذكر الطبري وابن كثير والرازي نحو ذلك ( تفسير الطبري : 104/28 ، وتفسير ابن كثير: 409/4 - وتفسير الرازي: 44/30 مورد الآية في الجميع، والطبقات الكبرى: 151/8 ذكر ما هجر رسول الله نساءه. وقال الزمخشري: خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما ) - تف- الزمخشري: 1/ 127 مورد الآية 10 من التحريم ).

وقال في معرض تفسير قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط): وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمّي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله (صلى الله عليه وسلم بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشدّه ؛ لما في التمثيل من ذكر الكفر ... والتعريض بحفصة أرجح لأنّ امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم )) - تفسير الزمخشري : 131/4 مورد الآية 10 من التحريم ).

وقال يحيى بن سلام في الآية : يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين تظاهرتا عليه فتح القدير : 255/5 مورد الآية 10 من التحريم).

وقال الشيخ الطبرسي : ثم خاطب سبحانه عائشة وحفصة، فقال: (إن تتوبا الى الله من التعاون على النبي صلی الله علیه واله وسلم بالإيذاء والتظاهر عليه ( تفسير مجمع البيان: 474/10 ).

ونحوه للقمّي في تفسيره ( تفسير القمّي : (376/2 ).

وروى الفريقان نزولها في عائشة وحفصة من ذلك ما رواه البخاري ومسلم والطبري وأبو يعلى الموصلي والطبراني عن عبيد وابن ثور وابن رومان جميعاً عن ابن عباس قال: سألت عمر بن الخطاب عن المتظاهرتين .

فقال : حفصة وعائشة ( صحيح البخاري : 21/3 - 735 كتاب اللباس باب ما كان النبي يتجوز من ح اللياس والبسط وصحيح مسلم: 323/10 - 330 کتاب الطلاق باب في ايلاء واعتزال النساء ح 3675 - 3679 ، المعجم الأوسط : 349/9 ح 8759 ، ومسند أبي يعلى: 162/1 178 وبالهامش: إسناده ح صحيح، وأحكام القرآن لابن العربي : 1519/3) .

وأخرجه الموفق بن أحمد بسنده عن أمير المؤمنين وعن ابن عباس وعن مجاهد وأبي صالح والضحاك عن ابن عبّاس ( ينابيع المودة : 93/1 ط. اسلامبول 1301 ه- و 107 ط. النجف باب 22 وكنز العمال: 2/ ، 4665 و 4664 و 4666 كتاب التفسير - سورة التحريم).

ورواه البخاري عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة ( صحيح البخاري : 89/7 كتاب الطلاق باب 133 ح 193 ) .

ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري ) صحيح الترمذي: 420/5 ح 3318 420 كتاب التفسير عن ابن أبي ثور وابن عباس ).

والطبري عن علي بن الحسين علیه السلام وعبيد بن حنين معاً عن ابن عبّاس ( تفسير الطبري: 104/28 مورد الآية).

وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ( راجع تفسير ابن كثير: (411/4) .

ورواه أحمد في المسند والترمذي وابن سعد والطبري عن ابن أبي ثور عن ابن عباس ( الطبقات الكبرى : 85/8 ترجمة زينب بنت جحش - 4132 .، و 151 و 147 ، وتفسير ابن كثير : 410/4، ومسند أحمد: 33/1 و 48 ط. الميمنة و 78/1 - 55 ط ب ح 222).

والبلاذري عن محمد بن جبير بن مطعم ( أنساب الأشراف: 424/12 ح 887 أزواج الرسول وولده).

والأخبار كثيرة بهذا المضمون .. راجع تفسير الزمخشري: 127/4 مورد آية التحريم وتفسير الدر المنثور : 239/6 مورد الآية وتفسير نور الثقلين 367/5 وشواهد التنزيل: 351/2 - 995).

وأما السنة :

ففي المجمع : عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم جالساً مع حفصة فتشاجرا بينهما فقال لها:

هل لكِ أن أجعل بيني وبينك رجلا ؟

قالت نعم .

فأرسل إلى عمر، فلما دخل عليها قال لها : «تكلمي».

:فقالت يا رسول الله تكلّم ولا نقل إلا حقاً .

فرفع عمر يده فوجا وجهها، ثم رفع يده فوجأ يدها ] وجهها [.

فقال له النبي (صلى الله عليه واله وسلم) كف.

فقال عمر: يا عدرة الله النبي لا يقول إلا حقاً ؟؟ ) تفسير الميزان: 315/16 ، وأهل البيت لتوفيق أبو علم : 26 الباب الأول ).

وزاد الواحدي والذي بعثه بالحق نبياً لولا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي .

فقام النبي (صلى الله عليه وسلم) فصعد إلى غرفته فمكث فيها شهراً لا يقرب شيئاً من نسائه يتغدى ويتعشى فيها فأنزل الله هذه الآيات (يا نساء النبي) . أهل البيت لتوفيق أبو علم : 26 الباب الأول ).

( ومن العجيب ؛ فقد رويت هذه الحادثة عن عائشة أيضاً ودخول أبي بكر عليها بدل عمر، ولعلها صدرت منهما معاً فهما المتظاهرتان !! ( إحياء العلوم اللغزالي : 43/2 كتاب آداب النكاح - الباب الثالث في آداب : المعاشرة، وفي هامشه أخرجه الطبراني في الأوسط والخطيب في التاريخ من حديث عائشة، وذكره في نهج الحق : 370 ، والطرائف: 292/1 عنه ) .

• قال ابن الجوزي: عن عائشة أنها قالت كان بيني وبين رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كلامٌ فقال: مَنْ ترضين أن يكون بيني وبينك؟ أترضين أبا عبيدة بن الجراح؟».

قلت: لا، ذاك رجل لن يقضي لك علي .

قال: «أترضين بعمر ؟ » .

قلت : لا ، إنّي أفرق من عمر.

قال: «فالشيطان يفرقه ! أترضين بأبي بكر؟».

قلت : نعم، فبعث إليه فجاء.

فقال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم ): إقض بيني وبين هذه .

قال : أنا يا رسول الله !؟!

قال : نعم .

فتكلّم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

فقلت : اقصد یا رسول الله .

قالت : فرفع أبو بكر يده فلطم وجهي لطمة بدر منها أنفي ومنخراي دماً .

وقال : لا أباً لك ! فمن يقصد إذا لم يقصد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ( الوفا بأحوال المصطفى: ح 1323 أبواب نكاحه - الباب التاسع).

وأخرجه الطبراني في الأوسط مختصراً ( المعجم الأوسط : 455/5 ح 4876 من اسمه عباد).

وكذا المتقي الهندي ( كنز العمال: 696/13 ح 37782 كتاب الفضائل ) .

• وخرجه البلاذري عن سعيد بن المسيب بلفظ :قال : قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم لأبي بكر : ألآ تعديني على عائشة؟

فرفع أبو بكر يده فضرب صدرها ضربة شديدة.

فجعل يقول : غفر الله لك أبا بكر إنا لم نرد هذا كله ( أنساب الأشراف: 417/1 ح 877 أزواج الرسول وولده).

•

وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف بلفظ يقرب منه ( المصنف : 431/11 ح 20923 باب أزواج النبي).

•

وأخرج عبد الرزاق والغزالي عنها أنها قالت مقولة شنيعة بعد كيدها ( - لما أخرجه ابن حجر العسقلاني حيث أدرج الحديث تحت عنوان كيد النساء» ثم أدرجه تحت عنوان الرفق بالحيوان والخيار لك عزيزي القارىء !!. : أنت الذي تزعم أنك الله ] إنك لتقول إنك لنبي [؟!

فقام إليها أبو بكر فضرب خدّها 11 ) إحياء علوم الدين: 43/2 كتاب آداب النكاح - الباب الثالث والمصنف لعبد الرزاق: 31/11 ح 20924 باب أزواج النبي - وما بين المعقودين منه) .

وأخرجه أبو يعلى بلفظ :قالت فقلت ألست تزعم أنك رسول الله !؟

قالت : فتبسم، قال: أوفي شكّ أنت يا أم عبد الله؟». :قالت :قلت: ألست تزعم أنك رسول الله ! أفهلاً عدلت؟؟

وسمعني أبو بكر وكان فيه غَرْبٌ - أي حدّة - فأقبل عليّ فلطم وجهي .

فقال رسول الله : «مهلاً يا أبا بكر ».

فقال : يا رسول الله أما سمعت ما قالت؟ ( مسند أبي يعلى: 130/8 الزوائد : 322/4 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 590/4 - 591 591 ح 7694 كتاب النكاح - باب غيرة النساء، وقال الهيثمي بعد الحديث رواه أبو يعلى وفيه محمد ابن إسحاق وهو مدلس وسلمة بن الفضل وقد وثقه جماعة: ابن معين وابن حبان وأبو حاتم، وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح - وقد رواه أبو الشيخ بن حبّان في كتاب (الأمثال) وليس فيه غير اسامة بن زيد الليثي وهو من رجال الصحيح وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات والمطالب العالية : 2/ 19 ح 1540 باب كيد النساء و 157 - 19/2 158 باب الرفق بالدواب ورسائل الجاحظ : 355/2 ح 800 كتاب النكاح ) .

وكانت كثيراً ما ترفع صوتها على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، فيلطم أبو بكر على صدرها ( خصائص النسائي : 28 ط مصر 1348 ، ومسند أحمد 275/4 ط. الميمنة و 345/5 ط. بيروت ح 17953 ، والطبقات الكبرى 64/8 ط بيروت و 568 ط مصر - ذيل ترجمة عائشة، ومناقب آل أبي طالب : 109/1 فصل في معجزات - أقواله، وصحيح أبي داود باب ما جاء في المزاح، والمطالب العالية : 19/2 ح 1540).

•

وعن ابن عمر قال: قام النبي صلی الله علیه واله وسلم خطيباً فأشار إلى مسكن عائشة وقال : الفتنة ههنا، حيث يطلع قرن الشيطان وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض ] - المسند : 2/ 89 و 105 ط بیروت و 18/2 و 27 ط. ) الميمنة، وصحيح البخاري كتاب الخمس باب ما جاء في بيوت أزواج النبي، ومسند أبي يعلى : 383/9 5511 مسند ابن عمر - وما بين المعقودين منه - وبهامشه : إسناده صحيح).

•

وفي رواية أخرى : خرج رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من بيت عائشة فقال: رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان ) :المسند: 2/ 98 و 105 ط. ب و 23/2 و 27 ط. م).

وكان يقول لها : قد جاءك شيطانك» ( سنن النسائي : 727 ).

• وهي التي أغضبت النبي صلی الله علیه واله وسلم وكذبت عليه، وأهانت خديجة (عليها السلام) إهانات صريحة ) أنساب الأشراف: 461/1 خ 933 أزواج الرسول - متفرقات، ومقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 26 - 28 الفصل الثاني، وكفاية الطالب : 359 باب 99 ، وصفة الصفوة: 3/2 ، وتاريخ الإسلام: 238/1 وفاة أبو طالب وخديجة والمعجم الكبير : 11/23 - 13 مناقب خديجة، وكنز العمّال: 528/2 ح 4664 كتاب التفسير ، وتذكرة الخواص: 273 الباب 11 - ذكر فضائل خديجة، وكتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين : 57 مناقب خديجة) .

حتى قالت للنبي يوماً : هل كانت إلا عجوزاً حمراء الشدقين؟ فقد أبدلك الله خيراً منها .

فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب [ وفي رواية عنها : غضب غضباً أسقطت في جلدي ].

ثمّ قال: ما أبدلني الله خيراً منها ) التبيين في أنساب القرشيين : 52 - أزواج النبي - خديجة، وكتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين : 56 ح 6 مناقب خديجة، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان : 73/9 6969 كتاب المناقب - ذكر إكثاره ذكر خديجة بتفاوت، ومشارق الأنوار للحمزاوي : 98 الفصل الخامس من الباب الثالث - أزواجه).

• وهما اللتان غرّرتا بينت النعمان وكذبتا في دعواهما أنّ النبي يحب من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول له : أعوذ بالله منك، فطلقها الرسول فطلقها الرسول صلی الله علیه واله وسلم من أجل ذلك ( الطبقات الكبرى : 115/8 ط بيروت، ذكر من تزوج الرسول من النساء فلم يجمعهن ومن فارق منهن، و 104/8 ط . مصر - السعادة 1349 ، وأنساب الأشراف: 457/1 ح 925 أزواج الرسول -أسماء، والمستدرك: 37/4 ذكر أزواج النبي) .

وهي التي قالت لمليكة : أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك؟ استعيذي بالله منه . فاستعاذت، فطلقها (صلى الله عليه وسلم ) أنساب الأشراف: 458/18 ح 926 أزواج الرسول - مليكة الكنانية ، و 97/2 أزواجه ط بيروت وتاريخ دمشق 2313 (ترجمتها ).

وهي التي كانت تتجسس على النبي صلی الله علیه واله وسلم ( سنن النسائي : 72/7) .

انظر إلى الفتن التي كانت تحيكها مع حفصة في بيت الطهر والطهارة !

ولعلّ عثمان - عندما تشاجر مع حفصة وعائشة - أشار إلى ذلك بقوله الذي أخرجه عبد الرزاق في المصنف : إنّ هاتان الفتانتان، إلا تنتهيان أو لاسبتكما ما حلّ لي السباب، وإني لأصْلِكُما لَعَالِم ) - المصنف لعبد الرزاق : 356/11 ح 20732 باب الفتن).

وعائشة التي أنشدت الشعر فرحةً عند موت أمير المؤمنين علي علیه السلام ( تذكرة الخواص : 165 الباب السابع - في وفاته عن الطبري وابن سعد، وأنساب الأشراف: 505/2 أمر ابن ملجم ومقتل علي، ومقاتل الطالبيين : 55 ، والأخبار الموفقيات للزبير بن بكار : 131 ح (59)، بل وسجدت شكراً لذلك !! ) مقاتل الطالبيين : 55 ترجمة عليّ بن أبي طالب - ذكر خبر مقتله والسبب فيه ).

وقالت لأبي هريرة يوماً : إنّك تحدّث عن رسول الله بأشياء ما سمعتها منه.

فقال لها : إنّه كان يشغلك عن تلك الأحاديث المرآة والمكحلة !! ( المعرفة والتاريخ للفسوي : 486/1 ذكر أبي هريرة) .

• ومن مفارقاتها العجيبة أنها كانت تلعن عثمان وتأمر بقتله لكفره، ثم تخرج مطالبة بدمه ! ( راجع إضافة : إلى ما تقدّم، تذكرة الخواص : 66 - 71 الباب الرابع).

وكذلك مع معاوية، فكانت راضيةً عليه عندما كان يسخي عليها في العطاء ؛ ثم أخذت بعدها بلعته ! ( المسند: 92/4 ط . ،م ، و 5 / 54 ح 163890 ط. ب، وتذكرة الخواص: 101 الباب الرابع - تمام حديث الخوارج).

حوكتب أمير المؤمنين علیه السلام إليها : أما بعد فإنّك قد خرجت من بيتك عاصية لله تعالى ولرسوله محمد (صلی الله عليه وسلم ) تذكرة الخواص: 71 الباب الرابع مسير علي إلى البصرة ومناقب الخوارزمي : 184 223 فصل 16 حرب الجمل، والفتوح : 1/ 109 كتاب علي إلى عائشة).

•

وقال لها ابن عباس : فخرجت منه عاصيةً لله تعالى ولرسوله محمّد (صلى الله عليه وسلم) ) - الفتوح: 1 13 کلام ابن عباس لعائشة).

•

وقال لها أخوها محمّد فعلت بنفسك ما فعلت وعصيت ربّك وهتكت سترك وأبحت حرمتك وتعرضت للقتل ) مناقب الخوارزمي: 189 ح 223، والفتوح لابن الأعثم: 128/18 ذكر عقر الجمل).

•

ويكفي أنها قاتلت إمام زمانها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام في حرب الجمل، بعد إجماع الأمة على إمامته وبعد سماعها من النبي صلی الله علیه واله وسلم الأعظم :

إنّ الحق مع عليّ وعلي مع الحق) ( تاريخ دمشق: 360/20 ، وتاريخ بغداد: 322/11، وأمالي :الشجري : 153/1 ، وتذكرة الخواص: 39 ومناقب الخوارزمي : 104 ، والفضائل الخمسة: 122/2 ، ، وترجمة الأمير لابن عساكر: 151/3) .

تلك الحرب التي قضى بسببها نحو ستة عشر ألفاً وسبعمائة وتسعون رجلا من المسلمين ) - الفصول المهمة : 8 الفصل الأول ذيل حرب الجمل، وتاريخ اليعقوبي: 183/2 خلافة أمير المؤمنين، ونهج الحق : 370) .

تلك الحادثة التي حذرها منها رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ومن فعلها فيها وأوصى أمير المؤمنين بالرفق بها ( كتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين: 71 ح 11 مناقب عائشة، ومناقب الخوارزمي : 176 213 فصل 16 ، وتاريخ الإسلام : 4903 حرب الجمل والفتوح : 99/1 ، والمستدرك : 119/3 مناقبه من كتاب الزوائد: 23/7 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 474/7 ح المعرفة 12026 وقال : رواه البزار ورجاله ثقات والمواهب اللدنية : 99/3 - 100) .

كما أخبر صلوات المصلين عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين المسلمين متعجباً أنها تقاتلهم ! ) - مستدرك الصحيحين: 471/4 كتاب الفتن والملاحم والمعجم الأوسط : 91/2 ح 1176 عن حذيفة، ومجمع الزوائد : 234/7 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 474/7) .

حتى قال يوماً : تكون بعدي فتنة قائدتهم امرأة لا يفلحون» ) تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب: 1 : 487 رقم 814 عن أبي بكرة - الفصل الثاني).

فكانت قصة كلاب الحواب ونبحها إياها، وقول النبي صلی الله علیه واله وسلم بنجاتها بعد ما كادت؟! ) - المصنف لعبد الرزاق 365/11 20753 باب الفتن والمصنّف لابن أبي شيبة : 536/7 - 538 536/7 - 538 ح 37760 - 37774 كتاب ،الجمل ومسند أبي يعلى: 282/8 4868 مسند عائشة - وبالهامش : إسناده صحيح، والعقد :الفريد 309/4 كتاب الخلفاء - خلافة علي - قولهم في أصحاب الجمل والإحسان بترتيب صحيح ابن :حبان 258/8 - 6697 باب إخباره عمّا يكون في أمته من الفتن والمحاسن والمساوىء: 49 مساوىء ح تلك الحروب، والمستدرك : 3/ 120 مناقب الأمير، والإمامة والسياسة : 60/1 ط. طه الزيني و 82 .. بيروت تحقيق علي شيري - توجه عائشة إلى البصرة ومسند إسحاق بن راهويه 8913 : ح 1569 مسند عائشة وبالهامش: (صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين ونور الأبصار: 100 ط. الهند و 184 ط. قم - واقعة الجمل ومناقب الخوارزمي : 181 ح 217 فصل 16 ، وإرشاد القلوب : 337/2 وكفاية الطالب: 171 باب 37 وتطهير الجنان واللسان لابن حجر : 66 و 67 ، وتاريخ اليعقوبي : 181/2 الذهب: 6/2 ط. 1346 و 2 / 357 ط دار الاندلس بيروت - ذكر يوم الجمل مصر 23/7 خلافة علي، ومروج والإيضاح : 35 ذكر عائشة والمسند: 97/6ط. م و 7 / 14 طرب، ومجمع الزوائد : 23/72 و 289/8 ط مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 4747 ح 12024 وما بعده، وتاريخ الطبري : 3/ 12024 485ط. مصر 1357 ، وكنز العمّال : 83/6 - 84 ط. دكن 1312 و 197/11 ح 31208 و 334 ح 31668 ، ومناقب الكوفي : 348/2 826 ، وتاريخ الإسلام: 389/1 - السيرة - باب اخباره بالكوائن ح بعده والكامل في التاريخ : 315/2 حوادث سنة 36 ، والفتوح : 97/1 - 99 كتاب أم سلمة لعلي في أمر عائشة، وتذكرة الخواص: 68 الباب الرابع، وأنساب الأشراف: 224/2 حرب الجمل، وأعلام النبوة للماوردي: 107 باب 12 ، والمعجم الكبير للطبراني : 151/7 ح 6272 ) .

• حتى ندمت عن مسيرها ذلك ( مروج الذهب: 14/2 ط مصر 1346 و 2 / 370 ط. دار الاندلس بيروت - واقعة الجمل، والأخبار الطوال للدينوري : 147 واقعة الجمل، وتطهير الجنان 69 ، والطبقات الكبرى 59/8 ترجمة عائشة عائشة، ورب- وربيع الأبرار: 119/3 مناقب الأمير، والمحاسن والمساوىء للبيهقي : 298 محاسن الندامة، وتذكرة الخواص : 80 - 100 الباب الرابع، وأنساب الأشراف: 249/2 - 266 مقتل ابن طلحة من حرب الجمل - مقتل ابن الزبير ومناقب الخوارزمي : 182 و 219 فصل 16 ، ومائة منقبة : 120 المنقبة ،70 ، وشواهد التنزيل: 38/2 ، وتفسير نور الثقلين: 276/4 ، ومجمع الزوائد : 9/ 112 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 144/92 ح 14661 كتاب المناقب والمستدرك: 119/3 مناقب على وبلاغات النساء: 20 ، والمسند: 455/10 - 475 ط. ب و 276 - 349 طعم والكامل في التاريخ : 3542 ، ومناقب الكوفي : 347/2 ، والفتوح : 134/1 ذكر انصراف عائشة من البصرة إلى المدينة، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 18/3 ح 1037)، وقالت آخر حياتها حين لا ينفع الندم :

إني قد أحدثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فادفنوني مع أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم)) ( الطبقات الكبرى : 59/8 ترجمة عائشة والمصنّف لابن أبي شيبة 536/7 37761 كتاب الجمل ح والعقد الفريد: 308/4 كتاب الخلفاء - خلافة علي - قولهم في أصحاب الجمل، ومستدرك الصحيحين: 6/4 ذكر أزواج النبي، والمعارف لابن قتيبة : 80 بلفظ مع أخواتي ومناقب الكوفي : 348/2 ح 835 .

«لتن أكون قررت كما قررن صواحباتي احب إلي من أن يكون لي من رسول الله مثل عبد الله بن الزبير ) تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب: 562/1 رقم 944 الفصل الثاني، والمعارف لابن قتيبة : 160 ذكر الحرث بن هشام - بتفاوت كبير : لئن أكون قعدت في منزلي عن مسيري إلى البصرة أحب ... عشرة أولاد مثل عبد الرحمن).

•

وأخرج أبو يعلى وابن طيفور وغيرهما قولها : إنّ يوم الجمل معترض في حلقي، ليتني مت قبله، أو كنت 2648 مسند ابن عباس نسياً منسيّاً ( بلاغات النساء : 20 كلام عائشة، ومسند أبي يعلى : 57/5 مصر 1360 ، وبالهامش : إسناده صحيح - مع تفاوت والطبقات الكبرى من عدة طرق : 58/8 - 59 - 60 ترجمة عائشة ، ومناقب الخوارزمي : 182 220 فصل 16 حرب الجمل وتاريخ بغداد 1859 والمسند: 455/1 ط. ب و 1 / 276 ،ط. م ، وصفة الصفوة : 19/2 ، والمعجم الكبير : 321/10 ترجمة ابن عباس ما روى عنه ذكوان ح 10783 ، وتذكرة الخواص: 80 الباب الرابع، وأنساب الأشراف: 265/2 مقتل الزبير وربيع الأبرار : 345/3 باب الغزو والقتل والشهادة، ومستدرك الصحيحين: 9/4 ذكر أزواج النبي، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان : 9/ 120 ح 7064 كتاب المناقب).

•

قال هشام بن محمد: فكانت عائشة تبكي بعد يوم الجمل وتقول: يا ليتني كنت نسياً منسيّاً، أي الحيضة الملقاة ( تذكرة الخواص: 80 الباب الرابع ذيل حرب الجمل وربيع الأبرار: 821/1).

وأخرج ابن أبي شيبة بسنده قولها : وددت أني كنت غصناً رطباً ولم أسر مسيري هذا - المصنف لابن أبي شبيبة : 53/7 ح 37807 كتاب الجمل ).

وأخرج ابن سعد : ياليتني لم أخلق يا ليتني كنت شجرة، ياليتني كنت مدرة - الطبقات الكبرى : 59/8 ترجمة عائشة).

وبعد ذلك نستطيع أن ندرك سبب تمني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم موت عائشة ودفنها في حياته ) - مع نهيه صلى الله عليه وآله عن تمني الموت راجع مسند أبي يعلى : 6/7- 7 7ح 3891 ) ، كما يروي لنا ذلك ابن سعد والإمام أحمد : قالت عائشة:

وا رأساء.

فقال صلی الله علیه واله وسلم : وددتُ أنّ ذلك يكون وأنا حتي فأصلي عليكِ وأدفنك ».

فقلت غَيْرَى: «أوكأنك تبرّ ذلك، لكأني أراك في ذلك اليوم معرساً ببعض نساء !! ( - الطبقات الكبرى : 158/2 ذكر أول ما بدأ برسول الله وجعه الذي توفّي فيه والمسند: 144/6 ط. م و : 207/7 ح 24589 طرب وجامع الأصول : 4/ 108 - 107 ، وأنساب الأشراف: 215/2 ، والسنن الكبرى: 378/3 - 396 ) .

وفي لفظ : «الأظنّك تحبّ ،موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرساً ببعض أزواجك ( كتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين : 79 ح 19 مناقب عائشة). وأخرجه الطبراني وابن حبان وأبو يعلى وابن الجوزي بتفاوت يسير ( المعجم الأوسط : 285/5 ح والوفا بأحوال المصطفى : 784 ح 1441 أبواب مرضه ووفاته - الباب الرابع، ومسند أبي يعلى: 56/8 ح 4579 مسند عائشة، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان : 197/8 ح 6552 باب مرض النبي ).

وندرك أيضاً معرفة حفصة لحقيقة أمر عائشة في آخر حياة النبي بقولها لها: ما رأيت منك خيراً قط أبداً» ! ( مسند إسحاق بن راهويه : 110/2 ح 580 مسند عائشة وبالهامش: (صحیح رجاله ثقات رجال الشيخين)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: 203/8 6567 باب مرض النبي).

.

1) وإليك بعض ما يدلّ على ذلك من القرآن الكريم والسنة الشريفة:

الترجمة

از جمله کلام فصاحت نظام آن امام عالی مقام است که در مذمت بصره و

اهل آن فرموده :

بودید شما لشگر زن که عایشه است و تابعان بهیمه که جمل او بود آواز کرد آن جمل ، پس جواب دادید آن را و پی کرده شد ، پس گریختید . خلق های شما رذیل و حقیر است و عهد شما مخالفت است و شقاق و دین شما دورویی است و تفاق و آب شما بی مزه است و شور . اقامت کننده در میان شما رهین است به گناه خویش و رحلت نماینده از شما دریافته شده است به رحمت پروردگار خود.گویا من نظر میکنم به مسجد شما که فراگرفته است آن را آب به مرتبه ای که دیده نمی شود مگر کنگرههای آن مسجد مانند سینه کشتی در دریا . به تحقیق که فرو فرستاده خداوند سبحانه بر بصره که شهر شما است عذاب را از بالای آن و غرق کرده شده کسی که در میان آن شهر بوده . و در روایت دیگر وارد شده که فرمود :قسم به ذات خداوند هر آینه غرق کرده شود این شهر شما تا این که گویا من نظر میکنم به سوی مسجد آن شهر همچو سینه کشتی بر روی دریا یا شتر مرغ سینه خوابیده در دریا . و در روایت دیگر آمده که" همچو سینه مرغ در میان دریا" .

ومن كلام له علیه السلام في مثل ذلك وهو الرابع عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها

اشارة

«أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْماءِ، بَعيدَةٌ مِنَ السَّماءِ، خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهَتْ حُلومُكُمْ، فَأَنتُمْ غَرَضٌ لِنَابِل، وأكْلَةٌ لآكِلِ، وفَريسَةٌ لِصائِلِ» (1).

اللغة

(سفه) سفهاً من باب تعب وسفه بالضمّ سفاهة فهو سفيه والسفه النقص في العقل وأصله الخفّة، وسفه الحق جهله قال سبحانه :

(ومن يرغبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَر﴾ [البقرة: 130].

قال الطبرسي صاحب «التفسير»: أي جهل قدره و (الحلم ) العقل والجمع حلوم وأحلام و (الغرض) ما ينصب ليرمي بالسهام و (النابل) ذو التبل و ((الأكلة) بضم الهمزة اسم للمأكول و (فريسة) الأسد ما يفرسه و (صول) البعير والأسد ككرم صالة واثب الناس أو صار يقتل الناس ويعد وعليهم فهو صائل وصول .

الإعراب

العطف في قوله علیه السلام : (وسفهت حلومكم) للتفسير والتوكيد إن كان المراد بالسفه المعنى الأول، وإلا فللتأسيس (والقاء) في قوله : فأنتم ، فصيحة وهو ظاهر.

المعنى

قد عرفت في شرح الخطبة السّابقة أن قوله علیه السلام (أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء ) مما حكاه علیه السلام عن النبي والمراد بقرب أرضهم من الماء إما كون موضع البصرة منخفضاً قريباً من البحر كما يشاهد من دخول الماء حدائقهم ومزارعهم كل يوم مرة أو مرتين، أو كونها قريبة من الغرق بالماء فيكون قوله علیه السلام: من الماء من قبيل الحذف والإيصال ، وأمّا بعد أرضهم من السماء فأما من حيث انخفاضها عن غير من الأرض، أو من حيث بعدها عن دائرة المعدّل .

قال الشارح المعتزلي: إنّ أرباب علم الهيئة وأهل صناعة التنجيم يذكرون إن أبعد


1) البحار : 46/32 .

موضع في الأرض من السماء الإبلة، وذلك موافق لقوله علیه السلام ومعنى البعد عن السماء لههنا هو بعد تلك الأرض المخصوصة عن دائرة معدّل النهار ، والبقاع والبلاد تختلف في ذلك، وقد دلت الأرصاد والآلات النجومية على أن أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدل النهار هو الإبلة، والإبلة هي قصبة البصرة ، انتهى (1).

وفيه أن كونها أبعد بلاد العرب من المعدل مسلم، وأما كونها أبعد موضع منه في المعمورة ممنوع قطعاً وفاسد حسّاً إلا أن يكون مراده به ما ذكرناه، ويكون التسامح في العبارة، هذا.

ويحتمل أن يكون المراد ببعدها من السماء البعد من سماء الرّحمة والاستعداد لنزول العذاب وقوله : (خفت عقولكم وسفهت حلومكم )وصف لهم بقلة العقل والسفاهة الموجبة لانحطاط الرتبة والدّرجة في العقائد الدينية والعبادات البدنية وإشارة إلى قلة استعدادهم لدرك وجوه المصالح الواقعية كما يشهد به متابعتهم للمرأة وإجابتهم للبهيمة، وتنبيه على جهالتهم وعدم تفكّرهم في عواقب الأمور وغفلتهم عن إصلاح أحوالهم وعلى تسرعهم إلى ما لا ينبغي، ولأجل ذلك حسن التفريع بقوله: (فأنتم غرض لنابل) أي هدف لمن يريد أذاكم (وأكلة لأكل ) أي : عرضة لأن يطمع في أموالكم ويأكلها من يريد أكلها و (فريسة لصائل) أي: في معرض أن يفترسكم من يريد قتلكم وهلاككم، وهذا كله من لوازم خفّة العقل والسفاهة وقلة الفهم والغباوة.

الترجمة

از جمله کلام آن امام انام است در مثل همین مقام :

زمین شما نزديك است به آب و دور است از آسمان ، خفیف است عقل های شما و سفیه است حلم های شما ، پس شما بهواسطه نقصان عقل و قلت تدبير نشانه اید از برای هر تیراندازنده و طعمه اید از برای هر خورنده و شکارید از برای هر حمله کننده و هجوم و هجوم آورنده ؛ والله أعلم بالصواب.


1) شرح النهج : 268/1

من كلام له علیه السلام فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان وهو الخامس عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها

اشارة

«وَالله لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزوّجَ بِهِ النِّساء، ومُلِكَ بِهِ الإماءُ، لَرَدَدْتُهُ فَإِنْ فِي الْعَدْلِ سِعَةٌ ، ومَنْ ضاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَورُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ» .

اللغة

(القطائع) اسم لما لا ينقل من المال كالأراضي والحصون ويقابله الصفايا وهو إسم للمنقول ، وفي «شرح المعنزلي» القطائع ما يقطعه الإمام لبعض الرّعية من أرض بيت المال ذات الخراج ، ويسقط عنه خراجه ويجعل عليه ضريبة يسيرة عوضاً عن الخراج.

الإعراب

إسناد تزوّج وملك إلى النّساء والإماء مع خلوهما من علامة التأنيث على حد قوله

تعالى : وقال نسوة .

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام مع الخطبة الآتية من فصول خطبة خطب علیه السلام بها بعد قتل عثمان، وقد رويت بزيادة ونقصان ونحن نوردها بتمامها في «شرح الخطبة » الآيتة ونقول : هنا مضافاً إلى ما سيأتي أنّه قد رواه الشارح المعتزلي عن الكلبي مرفوعاً إلى أبي صالح عن ابن عباس (رضی الله عنه ) قال : إن عليا علیه السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال : ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان ، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرق في البلدان لرددته إلى حاله فإنّ في العدل سعة ومن ضاق عنه العدل فالجور عنه أضيق (1).

إذا أحطت خبراً بذلك فلنعد إلى شرح كلامه علیه السلام على ما أورده الرضي (رحمت الله ) .

فنقول : إن عثمان كان أقطع كثيراً من بني أمية وغيرهم من أصحابه وأتباعه قطائع من أرض الخراج كما عرفته في «شرح الفصل » الرابع من فصول الخطبة الشقشقية، وقد كان عمر أقطعها أيضاً إلا أنه أقطعها لأرباب الجهد والعناء وذوي الوقائع المشهورة في الحروب، ترغيباً


1) البحار : 223/31 ، والغدير : 77/9

في الجهاد، ولما كانت قطائعه لغرض صحيح لم يتعرّض علیه السلام له بعد نهوضه بالخلافة، وإنما تعرض لقطائع عثمان التي أقطعها لمجرد هوى نفسه وميلاً إلى أصحابه من غير عناء في الحرب، فقال علیه السلام (والله لو وجدته) أي ما بذله عثمان تزوج به النساء من تلك القطائع (قد تزوج به وملك به الإماء ) أي : صار مهراً للحرائر وثمناً للإماء (الرددته) إلى حاله وإلى بيت مال المسلمين .

ثم علل ذلك بقوله : (فإن في العدل سعة) يعني أنّ وجوب الردّ بمقتضى العدل وفي وسعة للناس إذ به نظامهم وقوام أمورهم ، ولولاه لاختل النظام وضاع القوام.

ثم أكد ذلك بقوله : (ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق) يعني من ضاق عليه القيام بالحكم الذي اقتضاه العدل فالجور الذي أقدم عليه بمقتضى هوى نفسه وميل طبعه أضيق عليه في الدنيا والآخرة، وذلك توعيد لهم وإشارة إلى أنّ ردّ القطائع التي أقطعها عثمان لهم، وإن كان ضيقاً عليهم وشاقاً في أنفسهم، لكنّه عدل والقيام به سهل بالنسبة إلى عدم الرد والامتناع منه، لأنه أضيق عليهم منه في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلأنها ربما انتزعت منهم قهراً ويكون جورهم سبباً للتحريج والتضييق وأما الآخرة فلكونها موجبة للسخطة والعقوبة، هذا.

وذكر شارحو الكتاب في تفسير كلامه علیه السلام ذلك وجوهاً يأبى عنها الذوق السليم والطبع المستقيم من أراد الإطلاع عليها فليرجع إليها .

قال الكلبي بعد روايته ما روبنا عنه سابقاً : ثم أمر علیه السلام بكل سلاح و بكل سلاح وجد لعثمان في داره مما تقوى بها على المسلمين فقبض وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة ، فقبضت وأمر بقبض سيفه ودرعه ، وأمر أن لا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمون وبالكفّ عن جميع أمواله التي وجدت في داره وغير داره ، وأمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان وحيث أصيبت أو أصيب أصحابها فبلغ ذلك عمرو بن العاص، وكان بأيلة من أرض الشام أناها حيث دئب الناس على عثمان فنزلها ، فكتب إلى معاوية ما كنت صانعاً فاصنع إذا قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحائها . قال الشارح المعتزلي : وقال الوليد بن عقبة وهو أخو عثمان من أمه يذكر قبض علي علیه السلام نجانب عثمان وسيفه وصلاحه :

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم *** ولا تنهبوه تحل مناهبه

بني هاشم كيف الهوادة بيننا *** وعند علي درعه ونجائبه

بنی هاشم كيف التودد منكم *** و بزابن (1)اردى فيكم وحرائي


1) أي سلبه.

بني هاشم إلا تردّوا فإننا *** سواء علينا قاتلاه وسالبه

بني هاشم إنّا وما كان منكم *** كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه

قتلتم أخي كي ما تكونوا مكانه *** كما غدرت يوماً بکسری مرازیه

فأجابه عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب بأبيات طويلة من جملتها :

فلا تسألونا سيفكم إن سيفكم *** أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه

سلوا أهل مصرعن سلاح ابن اختنا *** فهم سلبوه سيفه وحرائبه

وكان ولي الأمر بعد محمّد *** علي وفي كل المواطن صاحبه

علي إلى أن أظ الله دينه *** وأنت مع الأشقين فيمن يحاربه

وأنت أمرؤ من أهل ضفور نارخ *** فمالك فينا من حميم يغائبه

وقد أنزل الرحمن إنّك فاسق *** وما لك في الإسلام سهم تطالبه

وشبهته كسرى وقد كان مثله *** شبيهاً بکسری هدیه وضرائبه

أي كان كافراً كما كان كسرى كافراً قال الشارح : وكان المنصور إذا أنشد هذا البيت يقول : لعن الله الوليد هو الذي فرّق بين بني عبد مناف بهذا الشعر .

الترجمة

از جمله کلام آن حضرت است در خصوص چیزی که رد فرموده بود آن را بر مسلمانان از قطیعه های عثمان که بر بنی امیه و سایر اعوان خود بخشش کرده بود و آن کلام عدل نظام این است که فرمود :

به خداوند سوگند اگر بیابم آن مال را که تزویج شده باشند به آن زنان و ملك

شده باشند به آن کنیزان ، هر آینه بر می گردانم آن را از جهت این که در در عدل عدل وسعت است و هر که تنگ آید بر او عدل پس جور و ستم بر او تنگ تر است.

ومن كلام له علیه السلام لما بويع بالمدينة وهو السادس عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها

اشارة

والأولى العنوان من خطبة له علیه السلام كما في بعض النسخ لأن هذه من جلائل خطبه ومن مشهوراتها وهي أوّل خطبة خطبها بالمدينة بعد ما نهض بالخلافة، وقد رواها جمع منا ومن العامة كالكليني في «روضة الكافي »والمفيد في «الإرشاد » والمحدث المجلسي والشارح البحراني والشارح المعتزلي من كتاب البيان والتبيين للجاحظ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى وغير هؤلاء، إلا أن فيها على اختلاف طرقها زيادة ونقصاناً وتغييراً كثيراً، ونحن نوردها بتمامها بعد الفراغ من شرح ما أورده الرّضي قدس سره بطريق الكليني توضيحاً لما أورده وتثبيتاً لما ذكره مع الإشارة إلى تفسير بعض ما رواه الكليني أيضاً، وشرح ما أورده الرّضي (رحمت الله) في ضمن فصلين .

الفصل الأول

«ذِمَّتي بِما أقُولُ رَهينَةٌ وأنَا بِهِ زَعِيمٌ ، إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ الْعِبَرُ عَمَا بَينَ يَدَيْهِ من المثلات ، حَجَزَهُ التَّقْوَى عَنِ التَّقَحُم في الشُّبُهَاتِ، أَلا وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عادَتْ كَهَيْئَتِها يَوْمَ بَعَثَ نَبِيَّه صلی الله علیه واله وسلم ، والذي بَعَثَهَ بِالْحَقِّ لَتُلْبَلُنَّ بَلْبَلَةَ، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُساطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ، وَأَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلْيَسْقَنَّ سَابِقُونَ كانُوا قَصَّرُوا، وَلْيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كانُوا سَبَقُوا، وَاللهِ ما كَتَمْتُ وَسْمَةً، وَلا كَذِبْتُ كِذَّبَةً، وَلَقَدْ نُبُثْتُ بِهذَا الْمَقام، وهذَا الْيَوْم أَلاَ وإِنَّ الْخَطايا خَيْلُ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْها أَهْلُها، وخُلِعَتْ لُجُمُها ، فَتَقَحَمَتْ بِهِمْ في النَّارِ، أَلاَ وَإِنْ التَّقْوى مَطايا ذُلُل حُمِلَ عَلَيْها أَهْلُها ، وَأَعْطُوا إِزْمُتَها، فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ حَق وباطل، وَلِكُلِّ أَهْل فَلَيْنْ أَمَرَ الْبَاطِلُ لَقَديماً فَعَلَ، وَلَئِنْ قَلْ الْحَقُّ فَلَرُبما وَلَعَلَّ، وَلَقَلَمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ »(1).

قال الرّضي (رحمت الله) أقول: إن في هذا الكلام أدنى من مواقع الإحسان ما تبلغه مواضع الاستحسان ، وإنّ حطّ العجب منه أكثر من حظ العجب به، وفيه مع الحال التي وصفنا زوائد الفصاحة لا يقوم بها لسان ، ولا يطلع فجها إنسان ، ولا يعرف ما أقول إلا من ضرب في هذه الصناعة بحق ، وجرى فيها على عرق ، وما يعقلها إلا العالمون.

اللغة

(الرهينة) الوثيقة و (الزعيم ) الكفيل و (صرحت) کشفت و (العبر) جمع العبرة و


1) البحار : 27/32 ، وعيون الحكم 154 ، والوسائل : 161/27

(المثلات) العقوبات و (الحجز ) الحجب والمنع و (تقحم )فلان ألقى نفسه في المهلكة، وتقحم الإنسان في الأمر دخل فيه من غير روية و (تبلبلت )الألسن أي اختلطت، وفي النهاية البلابل الهموم والأحزان وبلبلة الصدر وسوسته ومنه حديث علي علیه السلام التبلبلن بلبلة و (تغربلن) من غربل الدقيق أي نخله أو من غربلت اللحم أي قطعته و (ساط) القدر يسوطه سوطاً قلب ما فيها من الطعام بالمحراك وأداره حتى اختلط أجزائه و (السباق) كشدّاد و (الوشمة) بالشين المعجمة الكلمة وبالمهملة الأثر والعلامة و (شمس) الفرس شموساً وشماساً منع ظهره من الرّكوب فهو شموس والجمع شمس كرسل و(اللجم) بضمتين جمع لجام و (ذلل) جمع ذلول کرسل ورسول وهو المنقاد قال سبحانه:

(فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً) [النحل : 69] .

و (أمر) الباطل بالكسر إذا كثر وتم .

الإعراب

من المثلات بيان (لما)، وجملة حجزه (ا ه) مرفوعة المحلّ على كونها خبر إن، (وتبليلن وتغريلن وتساطن ) كلها بالبناء على المفعول (وكتمت) بالبناء على المفعول أو على المعلوم وكلاهما صحيحان محتملان ، وفاعل (خلعت) ضمير مستتر راجع إلى الخيل (ولجمها) منصوب على المفعولية، أو خلعت بصيغة المجهول ، ( ولجمها) نائب عن الفاعل (وحق وباطل ) خبران لمبتدأ محذوف بقرينة المقام أي الأمور كلها ، إما حق أو باطل أو أن التقوى حق والخطأ باطل على ما سبق التصريح إليهما .

وقوله (القديماً فعل ) فاعل الفعل عائد إلى الباطل والمفعول محذوف أي قديماً فعل الباطل ذلك وإسناده إليه مجاز والمراد به أهله أو أن فعل بمعنى افعل كما في قوله قد جبر الدين الإله فجبر أي فانجبر ، وقوله : (فلربما ولعلّ ) كلمة (ما) كافة مهيئة لدخول ربّ على الفعل المحذوف بعدها بقرينة المقام، ولعلّ للترجي والمعمول محذوف وتقدير الكلام ولئن قل الحق فلربما يكون غالباً ولعله ينتصر أهله.

المعنى

اعلم أنه علیه السلام صدر كلامه بما يكون مرغباً لهم في الاستماع بما يقوله بقوله: (ذمتي بما أقول) به ( رهينة) أي وثيقة (وأنابه) أي بكونه صدقاً مطابقاً للواقع (زعيم) وكفيل ثم أشار علیه السلام إلى وجوب الاعتبار بالعبر النافعة من حيث كونها وسيلة إلى التقوى الحاجز عن الاقتحام في الشبهة وقال (إنّ من صرّحت له العبر) أي كشفت (عما بين يديه من المثلات ) والعقوبات الواقعة على الأمم السابقة والجارية في القرون الخالية يكون انكشاف تلك العبر واعتباره بها

مؤدّياً إلى الخشية من الله سبحانه (وحجزه التقوى عن التقحم في الشبهات )والاقتحام في الهلكات من غير روية .

والمراد بالشبهات الأمور الباطلة الشبيهة بالحق وحاجزية التقوى منها من حيث إنّه لمّا كان عبارة عن إتيان الأوامر وترك النواهي كما قال الصادق علیه السلام في تفسيره بعد ما سئل عنه : أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك (1)، لا بد وأن يكون المتصف به مجتنباً الشبهات كي لا يقع في المناهي والمحرمات، فإن الأخذ بها والتقحم فيها مظنّة الوقوع في الحرام من حيث لا يعلم وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في عدة روايات .

مثل ما رواه في الوسائل بإسناده عن فضيل بن عياض عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قلت له : من الورع من الناس؟ قال : الذي يتوزع من محارم الله ويجتنب هؤلاء فإذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه .

وعن عمر بن حنظلة عنه علیه السلام أيضاً في حديث قال: وإنما الأمور ثلاثة : أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ علمه إلى الله سبحانه، قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم »، ثمّ قال في آخر الحديث : «فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات »(2).

وعن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول: «إنّ لكل ملك حمى وإن الله حلاله وحرامه والمشتبهات بين ذلك، كما لو أن راعياً رعى إلى جانب الحمى لم يثبت غنمه أن تقع في وسطه، فدعوا المشتبهات» (3).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه علیه السلام لما نبههم على لزوم التقوى وأنّه مانع من تقحم الشبهات تبههم بعده على أنهم في الشبهات مغمورون بقوله :( ألا وإن بليتكم هذه قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه صلی الله علیه واله وسلم) وأشار علیه السلام ببليتهم هذه إلى ما هم عليه من تشتت الآراء وتفرّق الأهواء وعدم الإلفة والاجتماع في نصرة الله عن شبهات يلقيها الشيطان على الأذهان القابلة لوسوسته المقهورة في يده، وذلك من أعظم الفتن التي يبتلي الله عباده كما قال :

وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [المائدة : 35] . وهي أمور تشبه ما كان عليه النّاس حال بعثة النبي صلی الله علیه واله وسلم ، لأنهم كانوا يومئذ مللاً متفرقة وأهواء منتشرة وطرائق متشتتة، وفيه تنبيه لهم على أنهم ليسوا من تقوى الله في شيء ، ولا


1) السرائر لابن إدريس : 651/35 ، ومستدرك الوسائل : 223/8 .

2) الكافي: 68/1 ، وتهذيب الأحكام: 303/6.

3) الخلاف للطوسي : 137/30 ، والأمالي: 381

على دين الحق أيام خلافة الثلاثة كما أنّهم لم يكونوا من أهل الديانة في أيام الفترة ويوم بعثة النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وإشارة إلى أنهم كما كانوا يومئذ مأمورين بالتمسك بأذيال النبوة كي يخلصوا من الكفر والصّلالة فكذلك هؤلاء اليوم مأمورون باتباعه والاقتباس من أنواره علیه السلام ليهتدوا بها في ظلمات الشبهات ومدلهمات الجهالة .

كما قال الرّضا علیه السلام في حديث عبد الله بن جندب المروي في الوسائل من تفسير العياشي: إنّ هؤلاء القوم سنح لهم الشيطان اغترهم بالشبهة ولبس عليهم أمر دينهم وأرادوا الهدى من تلقاء أنفسهم فقالوا لم ومتى وكيف؟ فأتاهم الهلك من مأمن احتياطهم وذلك بما كسبت أيديهم وما ربّك بظلام للعبيد، ولم يكن ذلك لهم وعليهم بل كان الفرض عليهم والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحير وردّ ما جهلوه من ذلك إلى عامله (1)ومستنبطه لأنّ الله يقول في كتابه (2):

وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء : 83] . يعني آل محمّد عليهم السّلام وهم الذين يستنبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام وهم الحجّة الله على خلقه وقد مضى في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الثانية .

ثمّ إنّه علیه السلام لما ذكر وقوعهم في البلية وقابل يوم بيعته بيوم البعثة أشار إلى مآل ذلك الابتداء وما يؤل إليه آخر أمر المبايعين من خلوص بعضهم وارتداد الآخرين فقال: (والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ) أي لتخلطن بعضكم ببعض وتقعن في الهموم والأحزان ووساوس الصدور (ولتغربلن غربلة) أي ليتميزن جيدكم من رديكم تميز نخالة الدقيق من خالصه بالغربال .

كما قال الصادق علیه السلام في رواية ابن أبي يعفور المروية في «الكافي» في باب التمحيص والامتحان : لا بد للنّاس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا ويستخرج في الغربال خلق كثير ! (3)(ولتساطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم ) لتصريف أئمة الجور إياكم وتقليبكم من حال إلى حال وإهانتكم وتغييركم من وضع إلى وضع ومن دين إلى دين ، ويحتمل أن يكون المراد به أنه يصير عزيزكم ذليلاً وذليلكم عزيزاً ويرفع أراذلكم ويحط أكابركم (وليسبقن سابقون كانوا قصّروا ) وهم المقصّرون عن نصرته في مبدأ الأمر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم الناصرون الله في ولايته المقاتلون معه في سائر حروبه (وليقصرن سباقون كانوا سبقوا ) وهم الذين كانت لهم سابقة في الإسلام ثم خذلوه وانحرفوا عنه وقاتلوه كأصحاب الجمل والشام وأهل النهروان


1) في نسخة : عالمه .

2) بحار الأنوار: 296/23 ، ومسند الإمام الرضا: 463/2 .

3) الكافي: 370/1 ح 2 .

قال الشارح البحراني : ويشبه أن يكون مراده علیه السلام أعم من ذلك، فالمقصرون الذين يسبقون كلّ من أخذت العناية الإلهية بيده وقاده زمام التوفيق إلى الجد في طاعة الله واتباع سائر أوامره والوقوف عند نواهيه وزواجره بعد تقصير في ذلك، وعكس هؤلاء من كان في بدء الأمر مستمراً في سلوك سبيل الله ثم جذبه هواه إلى غير ما كان عليه وسلك به الشيطان مسالكه فاستبدل بسبقه في الدين تقصيراً وانحرافاً عنه .

ثم إنه عليه السلام لما أخبرهم بعواقب أمورهم ومآل حالهم أكد ذلك بالقسم البار تحقيقاً لوقوع المخبر به لا محالة، ونبه عليه السلام على أنه ما ينطق عن الهوى في هذه الأخبار وأمثالها وإنما تلقاها من مصدر النبوة ودوحة الرسالة فقال : (والله ما كتمت وشمة ) على البناء للمفعول أي لم يكتم مني رسول الله صلی الله علیه واله وسلم و كلمة أو علامة مما يجب عليه إظهاره، أو بالبناء على المعلوم أي لم أكتم شيئاً مما يتعين على الإباحة به من كلمة أو أثر وعلامة (ولا كذبت كذبة )في شيء مما أخبت به (ولقد نبشت) أي أنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله (بهذا المقام) وهو مقام إجتماع الخلق عليه (وهذا اليوم ) أي يوم بيعتهم له .

ثمّ إنّه أردف كلامه بالترهيب عن الخطأ والترغيب في التقوى بالتنبيه على ما يقود إليه كلّ منهما وقال : (ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقخمت بهم في النار) وهو من لطيف التشبيه ومن قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، ووجه الشبه أنّ الفرس الشموس التي خلعت لجامها كما أنها تجري على غير نظام وتتقحم بصاحبها في المعاطب والمهالك، فكذلك الخطيئة يجري راكبها بركوبه عليها على غير نظام الشريعة فتورده أعظم موارد الهلكة، وهي نار الجحيم المعدة للعاصين والخاطئين( ألا وإنّ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها واعطوا أزمتها فأوردتهم الجنّة )والتشبيه فيه كما في سابقه، ووجه الشبه أن المطية الذلول التي زمامها بيد راكبها كما أن من شأنها أن تتحرك براكبها على رفق ونظام ويصرفها الراكب من أجل كون زمامها بيده عن المهالك ويسير بها إلى المقاصد، فكذلك التقوى، فإنّ صاحبه الذي زمامه بيده وهي الحدود الشرعية التي بها يملكه ويستقر عليه يسهل له سلوك الصراط المستقيم والعطف عن الشمال واليمين ، ويتمكن من الفوز بالسعادة الأبدية ومن الوصول إلى أسنى المطالب السنية وهي الجنّة التي عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

ثم إنه علیه السلام لما أشار إلى أنّ ههنا طريقين مسلوكين أحدهما طريق الخطأ والآخر طريق التقوى ذكر بعدهما أنهما (حق وباطل) يعني أنّ التقوى حق والخطأ باطل أو أنّ الأمور كلها إما حق أو باطل (ولكلّ ) منهما (أهل) أي سالك يسلكه وطالب يطلبه بمقتضى طيب الطينة وخبثها

(1)


1) الكافي: 370/1 ح 2 ، ودلائل الإمامة : 456

(فلئن أمر الباطل) وكثر (القديماً فعل ) الباطل أي أهله ذلك (ولئن قل الحق فلربما ) يكون غالباً مع قلته على الباطل ( ولعله ) ينتصر أهله (ولقلما أدبر شيء فأقبل).

قال الشارح البحراني : استبعاد لرجوع الحق إلى الكثرة والقوة بعد قلته وضعفه على وجه كلي فإنّ زوال الاستعداد للأمر مستلزم لزوال صورته وصورة الحق إنما أفيضت على قلوب صفت واستعدت لقبوله فإذا أخذ ذلك الاستعداد في النقصان بموت أهله أو يموت قلوبهم ، وتسوّد ألواح نفوسهم بشبه الباطل، فلا بد أن ينقص نور الحق وتكثر ظلمة بسبب قوة الاستعداد لها، وظاهر أنّ عودة الحق وإضائة نوره بعد ادباره وإقبال ظلمة الباطل أمر بعيد وقلما يعود مثل ذلك الاستعداد لقبول مثل تلك الصورة للحق ولعله يعود بقوّة فتصبح ألواح النفوس وأرضها مشرقة بأنوار الحق ويكز على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وما ذلك على الله بعزيز، وفي ذلك تنبيه لهم على لزوم الحق وبعث على القيام به كي لا يضمحل بتخاذلهم عنه فلا يمكنهم تداركه ، انتهى كلامه هذا.

ولعلّ الظاهر المناسب في شرح الفقرات الأخيرة أعني قوله : حق وباطل إلى آخر كلامه علیه السلام ما ذكره بعض الأخباريين حيث قال حق وباطل خبران لمبتدأ محذوف أي الإمام حق وباطل وهو تقسيم للإمام على قسمين ، أحدهما الإمام بالحق وإليه أشير في قوله تعالى :

(إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة : 124] وفي قوله: وَجَعَلْتَهُمْ أَيْتَةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا )[الأنبياء : 73] والثاني الإمام بالباطل وإليه الإشارة في قوله :و(َجَعَلْنَهُمْ أَبِيَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص : 41] .)(وأمر الباطل من باب نصر وعلم وحسن من الإمارة بمعنى الولاية، (ولقديماً) منصوب على الظرفية ، وعامله فعل بعده على البناء للمجهول وضميره عائد إلى المصدر المفهوم من أمر وحذف (قاء) الجزاء مع كون الشرط والجزاء ماضيين لفظاً ومعنى اكتفاء بذكرها في الجملة التالية ، (ولئن قل الحق) بضم (القاف) على البناء للمفعول من باب نصر من القل وهو الرفع، قال في «القاموس» استقله حمله ورفعه كقله وأقله، (فلربما ولعلّ) للتقليل وندرة الوقوع والتقدير ربّما كان كذلك ولعله كان كذلك.)وهو إشارة إلى أن الحق قد يكون غالباً كما في زمن سليمان علیه السلام وذي القرنين والمقصود بذلك الإشارة إلى كون الحق غالباً في زمن الرسول صلى الله عليه واله وسلم ومغلوباً في أزمنة الخلفاء الثلاثة وغالباً فى زمنه علیه السلام أيضاً وهو نادر وعلى هذا فمعنى كلامه علیه السلام أن الإمام حق وباطل ولكل منهما أهله فإن صار الباطل أميراً بعد الرسول صلى الله عليه واله وسلم فلقد فعل ذلك أي أمرة الباطل في قديم الزمان وليس بأمر حادث يتعجب منه، ولئن ارتفع الإمام بالحق بعد خلافة الثلاثة فلربما كان كذلك ولعله كان كذلك ولقلما أدبر شيء من الحق فأقبل إليه، انتهى كلامه والله العالم.

تكملةقد أشرنا في صدر الكلام أنّ هذا الفصل من كلامه علیه السلام كالفصل الآتي من كلامه ممّا رواه العامة والخاصة ووعدناك هناك أن نذكر تمام الخطبة ونفسّر بعض فقراتها المحتاجة إلى التفسير والبيان فأقول وبالله التكلان.روى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن علي بن رئاب ويعقوب السراج عن أبي عبد الله علیه السلام أن أمير المؤمنين علیه السلام لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال :«أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلاَ فَاسْتَعْلَى ، وَدَنَا فَتَعَالَى وَارْتَفَعَ فَوْقَ كُلِّ مَنْظَر، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خ ل رَسُولُ اللهِ خاتَمُ النَّبِيِّنَ، وحُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعَالَمِينَ، مُصَدِّقاً لِلرُّسُلِ الأَوَّلِينَ، وكانَ بالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفاً رَحِيماً، وَصَلَّى اللهُ وَمَلائِكَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ. أَمَّا بَعد أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الْبَغْيَ يَقُودُ أَصْحَابَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ بَغَى عَلَى اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَناقُ بِنْتُ آدَمَ ، وأَوَّلُ قَتيل قَتَلَهُ الله عَناقُ، وَكَانَ مَجْلِسُها جَريباً مِنَ الأَرْضِ فِي جَريب، وكانَ لَها عِشْرُونَ إِصْبَعَاً، في كُلِّ إِصْبَعِ ظُفْرانِ مِثْلُ الْمِنْجَلَين، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَسَداً كَالْفِيل، وذِنْبَاً كَالْبَعِير، ونَسْراً مِثْلَ الْبَغْلِ ، فَقَتْلُوهَا ، وَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ الْجَبَابِرَةَ عَلَى أَفْضَلِ أَحْوَالِهِمْ ، وَآمَن ما كانُوا عَلَيْهِ، وأَماتَ هامانَ وأَهْلَكَ فَرْعَوْنَ، وَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ، أَلاَ وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْتَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ .)وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبْلبَلُنَّ بَلْبَلَةً، وَلَتَعْرْبَلُنْ غَرْبَلَةً، وَلَتَساطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ، وَأَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلْيَسْبِقَنْ سابِقُونَ كانُوا قَصْرُوا، وَلْيُقَصُرُونَ سَبَاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا، وَاللهِ ما كَتَمْتُ وَسَمَةَ، وَلا كَذِبْتُ كَذَّبَةَ، وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ، وهُذَا الْيَوم.أَلاَ َوإِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، وخَلَعَتْ لُجُمها، فَتَقَحْمَتْ بِهِمْ في النَّارِ.أَلاَ وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايا ذُلُلِّ ْحمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، وأعطوا أَزِمَّتَها، فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ ، وفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُها، ووَجدُوا ريحها وطيبها ، وقيلَ لَهُمْ أَدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ .أَلاَ وَقَدْ سَبَقَنِي إِلى هَذَا الأَمْرِ مَنْ لَمْ أُشْرِكْهُ فِيهِ، وَمَنْ لَمْ أَهَبْهُ لَهُ، وَمَنْ لَيْسَتْ لَهُ تَوْبَةً إِلا بِنَبِيِّ يُبْعَثُ .أَلاَ وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ، أَشْرَفُ مِنْهُ عَلَى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانهارَ به في نَارِ جَهَنَّمَ، حَقٌّ وباطل ولِكُلِّ أَهْل ، فَلَيْنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ، وَلَئِن قَلْ الْحَقِّ لَرُبَّمَا وَلَعَلَّ، وَلَقَلْما أَدْبَرَ شَيْءٍ فَأَقْبَلَ ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ سُعَداءُ، وَما عَليَّ الاَ الْجَهْدُ، وَإِنِّي لأَخْشَى أَنْ تَكُونُوا عَلَى فَتْرَةِ مِلْتُمْ عَنّي مَيْلَةَ كُنتُمْ فيها عِنْدي غَيرَ مَحْمُودِي الرَّأي ، وَلَوْ أَشَاءُ لَقُلْتُ عَفَا الله عَمّا سَلّفَ .

سَبَقَ فِيهِ الرَّجُلانِ وَقامَ الثَّالِثُ كَالْغُرَابِ، هِمْتُهُ بَطْنُهُ، وَيْلَهُ لَوْ قُصَّ جَناحَاهُ وقُطِعَ رَأْسُهُ لكان خيراً لَهُ، شَغَلَ عَن الْجَنَّةِ وَالنَّارُ أَمَامَهُ ثَلَثَةٌ وَإِثْنَانِ ، خَمْسَةٌ لَيْسَ لَهُمْ سادِسٌ مَلَكٌ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ، وَنَبِيُّ أَخَذَ اللَّهُ بِضَبْعَيْهِ، وَساعِ مُجْتَهِد ، وطَالِبٌ يَرْجُو، ومُقَصِّرٌ في النار.أَلْيَمِينُ وَالشِّمالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّريقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ ، عَلَيْهَا بَقِي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، هَلَكَ مَنِ ادَّعَى ، وَخابَ مَنِ افْتَرى ، إِنَّ اللَّهَ أَدْبَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّيْفِ وَالسَّوْطِ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ عِنْدَ الإمام فيهِما هَوادَةٌ، فَاسْتَتِرُوا في بُيُوتِكُم، وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنَكُمْ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ ».وفي مروي البحراني بعد قوله علیه السلام : «من أبدى صفحته للحقِّ هلك»: أَلا وَإِنْ كُلْ قَطِيعَةٍ أَقْطَعَها عُثْمَانُ وما أَخَذَهُ مِنْ بَيْتِ (مال ط الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ في بَيْتِ مَالِهِمْ وَلَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوجَ بِهِ النِّساءُ وفُرْقَ فِي الْبَلَدِ (1)، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَسَعُهُ الْحَقُّ فَالْبَاطِلُ أَضْيَقُ عَنْهُ »(2).)### بیان(الجريب الوادي استعير للقطعة المتميزة من الأرض وفي «المصباح» للفيومي من كتاب المساحة للسمؤال ما محصله أنه عشرة آلاف ذراع وعن قدامة الكاتب ما محصله أنه ثلاثة آلاف ذراع وستمائة ذراع، و(المنجل) كمنبر حديدة يقضب بها الزرع والواسع الجرح من الأسنة (وأمات هامان وأهلك فرعون ) كناية عن الأول والثاني كما في قوله تعالى:)(وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَغَمَلَهُمْ أَبِيَّةُ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: 5 -6 ]. (من لم أشرك فيه ) كما أشرك موسى هارون على ما أشير إليه في قوله سبحانه: (وأشركه في أمري ) وهو نص صريح في عدم رضائه بخلافة من سبق إليه (ومن لم أهبه له )(اللام) للانتفاع (ومن ليست له توبة إلا بنبي يبعث) استثناء مفرّغ والمقصود أنه لا يتصوّر للثلاثة توبة بسبب من الأسباب إلا أن يبعث الله نبيّاً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دون فصل يكون شرعه ناسخاً لشرع محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورافعاً لما أوجبه من خلافته علیه السلام ووجوب اتباعه وما حكم به من بطلان خلافة الثلاثة (أشرف منه ) قيل: الضمير


1) في البحار : البلدان

2) البحار : 223/31 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 269/1 .

في أشرف عائد إلى (من) وفي منه راجع إلى مصدر سبقني وكلمة (من) للتعليل والجملة استئنافية بيانية والمعنى أنه أشرف من لم أشركه فيه من أجل سبقته إلى هذا الأمر (على شفا جرف هار) أي على قاعدة أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات (فانهار به في نار جهنم) أي فهو الباطل به في نار جهنم وهذا مأخوذ من قوله سبحانه في سورة البراءة :

أَفَمَنْ اسس بنتم على تقوى من اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرُ أَم مَنْ أَسَرَ يُنْسَنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ [التوبة : 109] . (لئن رد عليكم أمركم ) الذي يلزمكم القيام به وهو امتثالهم لأمره وتصديقهم بإمامته علیه السلام (إنكم )تكونون حينئذ (سعداء وما علي إلا الجهد) بفتح (الجيم) أي الجد والاجتهاد يعني أنا أعمل على ما يجب علي القيام به من أمر الشريعة وعزل ولاة السوء وامراء الفساد عن المسلمين فإن تمّ ما أريده فذاك، وإلا كنت قد أعذرت نظير قوله سبحانه :

(فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النحل : 82]

قوله : (كالغراب همته بطنه) حيث يقع على الجيفة وعلى الثمرة وعلى الحبّة وفي المثل أحرص من غراب وأجشع من غراب (ويله ) منصوب على النداء وحرف النداء محذوف (لو قض جناحاه ) أي قطع بالمقراض ونحوه كان خيراً له والمقصود أنه لو كان قتل قبل تلبسه بالخلافة كان خيراً له من تقحمه فيه وقوله (ثلاثة واثنان ) مرفوعان على الابتداء و(خمسة) خبر لهما وهو فذلكة العدد كما في قوله سبحانه :

(ثلاثةِ أَيَّامٍ فِي الْجَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُهُ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِله ﴾ [البقرة : 196]

والمقصود أنّ المكلفين على خمسة أقسام منشعبة من قسمين لأنّه إمّا معصوم أو أو غير معصوم، والمعصوم على ثلاثة أقسام (ملك يطير بجناحيه) حامل للوحي ونحوه (ونبي أخذ الله بضبعيه) وعضده ووصي (ساع) في الدين (مجتهد) في الشرع أي متحمّل للجهد والمشقة (و) غير المعصوم على قسمين أحدهما (طالب) للجنة (برجو) رحمة ربه (و) الثاني (مقصر) في الدين هالك (في النّار) قوله : (إنّ الله أدب) (ا ه) إشارة إلى بعض مطاعن الثلاثة (ا من تعطيله حدود الله سبحانه لملاحظة القرابة أو لأغراض أخرى و(الهوادة) اللين وما يرجى به الصلاح وقيل هو الشفاعة لترك الانتقام من مرتكب العصيان، هذا.

وغير ما ذكرته مما يحتاج من كلامه علیه السلام إلى التفسير يأتي في شرح الفصل الآتي بيانه، والله الهادي .

الترجمة

و از جمله کلام بلاغت نظام آن حضرت است:

عهد و پیمان من به صحت آن چه میگویم در گرو است و من به صدق و صواب بودن آن کفیل و ضامنم . به درستی که کشف نمود از برای او عبرت ها از آن چه در پیش او گذشته از عقوبات .مانع میشود او را پرهیزکاری از انداختن نفس خود در شبهه ها . آگاه باشید به تحقیق که بلیه که عبارت است از اختلاف آراء و تفرّق اهواء ، رجوع نموده بر مثال و هیئت آن در آن روز که خداوند سبحانه پیغمبر خود را مبعوث فرمود .

قسم به آن کسی که برانگیخت پیغمبر خود را به حق هر آینه که مخلوط می شوید به همدیگر مخلوط شدنی و البته بیخته میشوید به غربال بیختنی که خوب و بد از همدیگر تمیز مییابد و البته بر هم زده میشوید مثل برهم زدن آن چه در دیگ است از طعام با قاشق و نحو آن تا باز برگردد پست ترین شما بر بلندترین شما و بلندترین شما بر پست تین شما؛ یعنی زیر و بالا میشوید و البته پیشی می گیرند پیش افتادهگانی که بودند باز پس مانده و البته مقصر میشوند پیش گیرندگانی که بودند پیش افتاده .

مراد از طایفه اولی اشخاصی بودند که بعد از وفات حضرت رسالت مآب (صلی الله علیه واله وسلم )از نصرت آن حضرت قصور ورزیدند و در زمان خلافت آن بزرگوار با جان و دل بیعت نموده و شیعه خالص وی شدند و مراد از طایفه دوم اشخاصی هستند که ایشان را در اسلام سابقه ای بود و در زمان امامت آن امام عالی مقام انحراف ورزیده و با او به مقام مقاتله و محاربه برآمدند؛ مثل طلحه و زبیر و سایر اصحاب جمل و نهروان .

بعد از آن اشاره میفرماید به این که این اخبار غیبه از منبع نبوّت و مهبط وحی و رسالت مأخوذ گردیده و احتمال خلاف در آن بهوجه نمی باشد و فرمود:

به خدا سوگند پنهان داشته نشده ام از هیچ کلمه ، یعنی حضرت رسول (صلی الله علیه واله وسلم) جميع مطالب را به من اطلاع داد یا این که پنهان نداشتم هیچ کلمه ای را که لازم

بود اظهار آن و دروغ نگفته ام هیچ دروغی و به تحقیق که خبر داده شده ام به این مقام که مقام اجتماع خلق است بر من و بر این روز که روز بیعت بر مردمان است با من .

آگاه باشید که به تحقیق خطاها اسبانی هستند سرکش که سوار شده باشند بر آن صاحبان آن و برکنده باشند لجامهای خود را ، پس انداخته باشند در مهالك آتش راکبان خود را . آگاه باشید به درستی که تقوی و پرهیزکاری شترانی هستند رام که سوار شده باشند بر آن صاحبان آن و داده شده باشند به دستهای ایشان افسارهای ایشان ، پس وارد سازند در بهشت عنبر سرشت سواران خود را. پرهیزکاری راهی است راست و خطاها راهی است باطل و هریکی را از این دو راه اهلی است ، پس اگر بسیار شود باطل هر آینه در قدیم الزمان کرده است آن را اهل آن و در آن زمان آن زمان به همان قرار و اگر کم شده است حق در آن زمان که غالب شود آن و امید هست که منصور باشد اهل آن و هر آینه کم است که پشت کرده باشد چیزی پس روی آورد .

سید رضی (رحمت الله) بعد از اداء خطبه فرموده که میگویم من : به درستی در این کلام امام (علیه السلام) که کوتاه ترین لفظ است از موارد حسن چیزی هست که نمی رسد به آن مواضع وقوع تحسین؛ یعنی فکرها که ادراک حسن کلام را می میکنند محاسن آن را مینمایند و به درستی که بهره تعجب از این کلام بیشتر است از بهره خودپسندی؛ یعنی تعجب فصحا از بدایع حسن او بیشتر است از بهره عجب به سبب استخراج نكات رائقه و لطایف فایقه آن ، به جهت این که بسا بدایعی در آن هست که عقل آن را به نور بصیرت ادراک می نماید ولی زبان بیان از تعبیر و تقريرش عاجز و قاصر است.

و در این کلام بلاغت نظام با وجود حالتی که وصف کردم زیادتها است از صناعت فصاحت که قایم نمی شود به ادای آن هیچ زبان و اطلاع نمی یابد به عمق آن هیچ انسان و نمیشناسد آن چیزی را که من گفتم از این اوصاف مگر کسی که عمر خود را مصروف بدارد در این صناعت فصاحت به راستی و جاری شود این صناعت بر عروق و اعصاب آن و آن را کما هو حقه دانسته باشد و تعقل نمی کند نم یکند آن را مگر عالمان کاملان .

الفصل الثاني

«شغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ أمامه، ساع سَريعٌ نَجا، وطالب بطيء رَجا، ومُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوى، الْيَمينُ وَالشِّمالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّريقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ، عَلَيْها باقي الْكِتَابِ وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، ومِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ، وَإِلَيْها مَصِيرُ الْعَاقِبَةِ، هَلَكَ مَنِ ادَّعى، وخابَ مَنِ افْتَرَى، مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ عِنْدَ جَهْلِهِ النّاس ، وكَفى بالمَرْ جَهْلاً أَنْ لاَ يَعْرفَ قَدْرَهُ، لاَ يَهْلَكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلِ، وَلا يَظْمَأُ عَلَيْهِ زَرْعُ قَوْم ، فَاسْتَتِرُوا بُيُوتَكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَالثَّوْبَةُ مِنْ وَرائِكُمْ، وَلاَ يَحْمَدُ حامِدٌ إِلا رَبَّهُ، وَلاَ يَلُمْ لاَئِمٌ إِلا نَفْسَهُ »(1).

اللغة

(الطريق) يذكر في لغة نجدو به جاء القرآن في قوله تعالى :

(فَاضْرِبْ هَمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَسا ﴾ [طه: 77]

ويؤنث في لغة الحجاز وعليه جرى قوله علیه السلام و (الجادة) معظم الطريق و(الصفحة) من كلّ كالصفح جانبه و (السنخ) من كل شيء أصله و (البين) بالفتح من الأضداد يطلق على الوصل وعلى الفرقة ، ومنه ذات البين للعداوة والبغضاء ، وقولهم لإصلاح ذات البين أي لإصلاح الفساد بين القوم ، والمراد إسكان الناثرة .

الإعراب

شغل على البناء للمفعول، (ومن) الموصولة نائب عن الفاعل ؛ (والجنّة والنار) مرفوعان على الابتداء، (وأمامه) خبر والجملة صلة لمن ، وقيل : إنّ شغل مسند إلى الضمير المستتر العائد إلى الثالث السابق في كلامه علیه السلام حسبما حكيناه من «الكافي»، (ومن الجنة) بكسر الميم جار ومجرور، (والنار أمامه) مبتدأ وخبر .

ويؤيد ذلك ما في رواية «الكافي» من تبديل كلمة (من) بكلمة (عن)، وعليه فالمعنى شغل الثالث يعني عثمان عن الجنّة والحال أنّ النار أمامه ، (وساع وطالب ومقصر) مرفوعات على الخبرية من محذوف بقرينة المقام، وإضافة الباقي إلى الكتاب إما من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي الكتاب الباقي بين الأمة، أو بمعنى (من)، ففيها إشارة إلى وقوع التحريف في القرآن والنقصان فيه ، وكفى بالمرء (الباء ) زائدة في المفعول ، وإضافة السنخ إلى أصل من قبيل سعيد كرز وكرى القوم، (واستتروا بيوتكم ) أي في بيوتكم منصوب بنزع الخافض، والتوبة من ورائكم كلمة (من) بمعنى (في) وهو واضح .


1) الكافي: 68/8 ، والإرشاد للمفيد : 239/1

المعنى

قد عرفت في شرح الفصل السابق أن هذا الفصل من الخطبة التي ذكرناها هناك وقوله علیه السلام (شغل من الجنة والنار أمامه ) جملة خبرية في معنى الإنشاء، يعني من كانت الجنة والنار أمامه يجب أن يكون مشغولاً بهما عن جميع ما يشغل عنهما من زبرج الدنيا وزخارفها ولذاتها وشهواتها، والمراد بالاشتغال بهما الاشتغال بما يؤذيه إلى الجنّة وينجيه من النّار، ومن كونهما أمامه كونهما نصب قلبه وخياله بمرئي ومسمع منه غير غافل عنها متذكراً لهما مدة ،عمره فيشغل بهما عن غيرهما.

ويحتمل أن يكون المراد أنّ الإنسان لما كان من بدو نشأته وعمره إلى منتهاه بمنزلة المسافر إلى الله ، وكان دائماً في قطع مسافة والانتقال من نشأة إلى نشأة، والتبدل من طور إلى طور من أطوار العالم الجسماني وأطوار نشأة الآخرة من حين الموت إلى حين البعث من حيث إن الموت ليس عبارة عن عدم الإنسان بل من بطلان قالبه لخروج الروح منه قائماً بذاتها دون افتقارها بهذا البدن فله بعد هذه النشأة نشآت كثيرة في القبر والبرزخ وعند العرض والميزان إلى أن يدخل الجنة أو النار ، لا جرم كان المنزل لذلك المسافر إحداهما فكأنما أمامه في ذلك السفر غايتين يؤمهما الإنسان من مبدأ خلقته إلى أن ينزل إلى إحداهما

كان أبداً في السفر إلى غاية معينة فيجب أن يكون مشغولاً بمهمات تلك الغاية.

ولما نبه علیه السلام على وجوب الاشتغال بهما قسم الناس باعتبار ذلك الاشتغال إلى أقسام ثلاثة أحدها (ساع) إلى رضوان الله (سريع) في عدوه (نجا) برحمة ربه (و) الثاني (طالب) للرّضوان (بطيء) في سيره (رجا) للغفران (و) الثالث ( مقصر) في طاعة الرحمن سالك سبيل الشيطان مخلّد (في النار هوى ) إلى الجحيم واستحق العذاب الأليم وقد أشير إلى الأقسام الثلاثة في قوله سبحانه : (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَثَةَ * فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَبُ المَشمَةِ مَا أَصْحَابُ المَشْمَةِ * وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ * أُوْلَيْكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [الواقعة: 7 - 11 ] .

فأصحاب الميمنة هم المؤمنون من أهل التبعات يوقفون للحساب، وأصحاب المشئمة هم المقضرون الظالمون الذين سلك بهم الشيطان سبله فأوردهم النّار وهم مهانون ، وأمّا السابقون فهم الفائزون الحائزون لقصب السبق يسبقون الخلق إلى الجنّة من غير حساب ، ويشمل هذا القسم الأنبياء والأولياء كشمول قوله علیه السلام: ساع سريع نجا ، لهم .

ويشهد به ما في غاية المرام من تفسير الثعلبي بإسناده عن ابن عباس قال: قال

رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «قسم الله الخلق قسمين، فجعلني في خيرها قسماً فذلك قوله تعالى:

(واضحبُ اليَمِينِ مَا أَصْحَبُ اليَمِينِ ) [الواقعة: 27]

فأنا خير أصحاب أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلاثاً، فذلك قوله تعالى :

(فأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ) [الواقعة: 8] .

وأنا من خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها بيتاً فذلك قوله تعالى :

(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تطهيرا) [الأحزاب: 33] هذا والأظهر بمقتضى الحال والمقام وبملاحظة إقراره الأنبياء في قسم رابع مستقل كما سبق ذكره في شرح الفصل السابق، خروج الأنبياء من هذا القسم وإرادته بالساع السريع نفسه الشريف والنقباء من شيعته كسلمان وأبي ذر والمقداد ، وبالطالب البطيء سائر الشيعة ، وبالمقصّر الجاحد لولايته، وقد فسّر السابقون في الآية بذلك أيضاً.

كما رواه في «غاية المرام » من أمالي الشيخ بإسناده عن ابن عباس قال: سألت

رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن قول الله عزّ وجلّ (1):

(والسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ثَلَثَةَ * أَوْلَهَكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾ [الواقعة: 10-12].

فقال : قال لي جبرائيل: ذلك علي وشيعته هم السابقون إلى الجنّة المقربون من الله بكرامة لهم (2).

ويؤيده ما رواه علي بن إبراهيم في تفسير قوله :

(وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنصَارِ ﴾ [التوبة : 100] .

قال : وهم النقباء : أبو ذر والمقداد وسلمان وعمار ومن آمن وصدق وثبت على ولاية أمير المؤمنين علیه السلام .

ولما قسم الناس إلى السابقين واللاحقين والمقصرين ، أشار لهم علیه السلام إلى الطريق التي يجب سلوكها ونصب عليها أعلام الهدى ليوصل إلى حضرة الحق سبحانه وتعالى فقال : (اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة ) الموصلة لسالكها إلى المطلوب وهي حظيرة القدس، وذلك لأنّ طريق السالكين إلى الله إما العلم أو العمل، فالعلم طريق القوّة النظرية، والعمل طريق القوّة العملية ، وكلّ منهما محتو برذيلتين هما طرفا التفريط والإفراط، والوسط منهما هو العدل والطريق الوسطى هي الجادّة الواضحة لمن اهتدى .


1) شرح أصول الكافي للمازندراني : 124/8 ، ومستدرك الوسائل : 433/3.

أقول : ولعلّه كنى باليمين والشمال عن طريق الجبت والطاغوت ، وبالطريق الوسطى عن طريق الولاية له علیه السلام، وأشار بقوله مضلة إلى كونهما في ضلالة فيضلان سالكين طريقهما البتة، وبقوله هي الجادة إلى وجوب سلوك الطريق الوسطى، وهي ولايته لكونها سالمة ومحفوظة من الضلالة منصوبة عليها أعلام الهداية فهو علیه السلام السبيل الأعظم والصراط الأقوم وولايته الطريق الوسطى والجاذة العظمى لأن جميع العباد إنما يصلون إلى الله تعالى إلى محبته وجنته وقربه والفوز لديه بما أعده لمن أطاعه بولايته ومحبته وطاعته ، وإنما تصعد أعمال الخلق إلى الله إذا كانت جارية على سنته وطريقته وكانت مأخوذة عنه بالتسليم له والردّ إليه وبالولاية له والبراءة من أعدائه قول الله عزّ وجلّ :

(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 27].

يعني أن الله لا يقبل من أحد عمله إلا من المتقي، وهو الذي أحب الله ورسوله وائتمر بأمره وانتهى عن نهيه ووالى ولي الله وعادى عدوّ الله ، ومعنى المتقين في الباطن المتقون من ولاية أعدائه علیه السلام وهم أهل الشمال واليمين فمن اتقى سنة أعدائه فهو المتقي، فكان علیه السلام هو الطريق إلى الله وولايته أيضاً طريق صعود الأعمال إليه تعالى .

وقد أشير إلى هذه الطرق الثلاث أعني اليمين والشمال والوسطى، وإلى التحذير من لأوّلين ووجوب سلوك الأخيرة الأخيرة في غير واحد من الآيات والأخبار مثل ما رواه في «غاية المرام » من الكافي بإسناده عن بريد العجلي قال سألت أبا جعفر علیه السلام عن قول الله :

(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِ الأَمر مِنكُمْ ) [النساء : 59] فكان جوابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلاً [النساء: 51] .)يقول : الأئمة الضلال والدعاة إلى النّار هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلا (1)(أَوْلَكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء : 52])وفيه من تفسير العياشي بإسناده عن بريد العجلي عن أبي عبد الله علیه السلام قال :(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: 153 ] .

قال : تدري ما يعني بصراطي مستقيماً؟ قلت: لا، قال : ولاية علي والأوصياء، قال: وتدري ما يعني فاتبعوه؟ قلت : لا ، قال : يعني علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، قال:


1) البصائر للصفار : 54، ودعائم الإسلام: 20/1.

وتدري ما يعني بقوله : ولا تتبعوا السبيل؟ قلت : لا ، قال : ولاية فلان وفلان والله ، قال : وتدري ما يعني فتفرق بكم عن سبيله ؟ قال : قلت: لا، قال يعني سبيل علي بن أبي طالب علیه السلام (1).

وفيه عن الكليني بإسناده عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي علیه السلام قال : قلت: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِلًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ﴾ [الملك: 22].

قال : إنّ الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي علیه السلام كمن يمشي مكباً على وجهه لا يهتدي لأمره، وجعل من تبعه سوياً على صراط مستقيم ؛ والصراط المستقيم أمير المؤمنين علیه السلام (2).

وفيه عن ابن شهر آشوب عن ابن عبّاس كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحكم وعلي بين يديه مقابله ، ورجل عن يمينه ورجل عن شماله ، فقال علیه السلام : اليمين والشمال مضلة ، والطريق السوي الجادة، ثمّ أشار صلى الله عليه وآله بيده إنّ هذا صراط علي مستقيم فاتبعوه الآية (3).

وفيه عن عليّ بن إبراهيم في «تفسيره» قال : حدثني أبي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : نحن والله سبيل الله الذي أمركم الله باتباعه ، ونحن والله الصراط المستقيم، «ونحن والله الذين أمر الله بطاعتهم، فمن شاء فليأخذ من هنا، ومن شاءفليأخذ هناك، لا تجدون (4)عنها محيصاً »(5).

وفيه عن سعد بن عبدالله في كتاب بصائر الدرجات بإسناده عن زر بن حبيش عن أمير المؤمنين علیه السلام قال : سمعته يقول : إذا دخل الرّجل حفرته أتاه ملكان اسمهما منكر ونكير فأوّل ما يسألانه عن ربه ثم عن نبيه ثم عن وليه فإن أجاب نجا، وإن تحير عذباه، فقال رجل : فما حال من عرف ربه ولم يعرف وليه؟ قال : مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجدله سبيلاً، فذلك لا سبيل له، وقد قيل للنبي صلى الله عليه وآله : من ولينا يا نبي الله ؟ فقال : وليكم في هذا الزمان علي ومن بعده وصيه لكلّ زمان عالم يحتج الله به لئن يكون كما قال الصلال قبلهم حين فارقتهم أنبياؤهم .


1) البحار 371/35

2) الكافي : 433/1، والبحار : 57/64 .

3) الكافي : 68/8 ، والمسترشد : 405 ح 137

4) في نسخة عنا والله محيصاً.

5) البحار : 14/24 ، وتفسير القمي: 66/2 .

(أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ وَايْكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَ وَنَخْزَى ﴾ [طه : 134].

فما كان من ضلالتهم وهي جهالتهم بالآيات وهم الأوصياء فأجابهم الله عز وجلّ : (قُل كُلٌ مُتَرَيْصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ القِرَاءِ السَّوِيَ وَمَنِ اهْتَدَى [ طه : 135].

وإنما كان تربصهم أن قالوا نحن في سعة من معرفة الأوصياء حتى نعرف إماماً فعيّرهم الله بذلك، والأوصياء هم أصحاب الصّراط وقوفاً عليه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم عند أخذه المواثيق عليهم ووصفهم في كتابه، فقال عزّ وجلّ:

(وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بيهم ﴾ [الأعراف: 46] .

وهم الشهداء على أوليائهم والنبي الشهيد عليهم أخذلهم مواثيق العباد بالطاعة وأخذ النبي الميثاق بالطاعة فجرت نبوّته عليهم ذلك قول الله عزّ وجلّ :

(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِمٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا لا يَوْمَيذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ) [النساء : 41 - 42 ].

وفيه عن محمد بن العباس معنعناً عن الحضرمي عن عن الحضرمي عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَاطِ السَّوِيَ وَمَنِ اهْتَدَى ) [طه: 135].

قال : عليّ صاحب الضراط السوي ومن اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت (1).

وإذا أحطت خبراً بما ذكرنا وظهر لك أن المراد بالطريق الوسطى هي ولايته علیه السلام المعبر عنه تارة بالصراط السوي، وأخرى بالصراط المستقيم، وثالثة بالطريق السوي، ورابعة بسبيل الله الذي أمر الله باتباعه ظهر لك معنى قوله : ( عليها باقي الكتاب ) أي على الطريق الوسطى الكتاب بعد وقوع التحريف فيه أو عليها الباقي من الكتاب الباقي بين الأمة والثقل الأكبر الذي خلّفه رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم .

وعلى أي تقدير فالمراد به أن من سلك طريق الولاية يحصل له العلم بالكتاب ويتيسر له أخذه من قيمه والعالم به وهو صاحب الولاية المطلقة ، لما قد عرفت التلازم وعدم الافتراق بين الثقلين الأكبر والأصغر في الفصل السابع عشر من فصول الخطبة الأولى، وعرفت تفصيلاً في التذييل الثالث من تذييلات ذلك الفصل أنّ أمير المؤمنين والطيبين من آله عليهم السّلام هم العالمون بتنزيل الكتاب وتأويله وعامه وخاصه ومرسله ومحدوده ومجمله ومبينه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وظاهره وباطنه ، وأنّ علمه منحصر فهيم عليهم السلام وأن من

(2)


1) بصائر الدرجات : 518

2) بحار الأنوار: 150/24

ادعى حمله وحفظه على ما أنزل والعلم بما فيه غير العترة الطاهرة فهو كذاب، وفي بعض النسخ عليها ما في الكتاب يعني مدار ما في الكتاب وقوامه على تلك الطريقة، هذا.

ويحتمل أن يكون المراد من كون باقي الكتاب أو ما في الكتاب عليها كونه منصوباً عليها، وعلماً يهتدي به إليها، إذ فيه دلالة على هذه الطريقة كما أن في الباقي منه على تقدير النقصان ما فيه كفاية لوجوب سلوكها ولزوم متابعتها كالآيات السالفة وغيرها من الآيات النازلة في شأنه علیه السلام والمشيرة إلى ولايته .

وهذان الإحتمالان جاريان في قوله علیه السلام: (وآثار النبوة) أي على هذه الطريقة أعلام النبوة، وإماراتها ، من سلكها يظهر له تلك الأعلام لكون الولاية مظهر النبوة، وعلى الاحتمال الثاني فالمعنى أن آثار النبوة منصوبة على تلك الطريق بتلك الآثار يهتدى إليها ويستدل عليها، ولا يبعد أن يكون المراد بالآثار على هذا الاحتمال هو الأخبار النبوية والروايات المنقولة عنه علیه السلام(ومنها منفذ السنة ) النبوية ومخرج الشريعة المحمدية عليه وآله آلاف الثناء والتحية، إذ به وبالطيبين من أولاده سلام الله عليهم انتشرت الشرائع والأحكام وعرف الحلال والحرام، واستقامت الشريعة الطاهرة واستحكمت السنة الباهرة.

(وإليها مصير العاقبة ) أي عاقبة الخلق في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلأنّ نظام أمورهم في حركاتهم وسكناتهم مبنى على القوانين الشرعية المأخوذة من هذه الطريقة، وإلى تلك القوانين ترد عواقب أمورهم، وعليها يحملون، وأما في الآخرة فواضح لأنّ إياب الخلق إليه صلی الله علیه واله وسلم وإلى أولاده الطاهرين، وحسابهم عليهم وإليه الإشارة في قوله سبحانه :

(إنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهم ﴾ [الغاشية: 25 - 26] . *

أي إلى أوليائنا رجوعهم ومصيرهم بعد الموت، وعليهم جزاؤهم على أعمالهم، ويشهد بما ذكرته صريحاً ما ورد في فقرات الزيارة الجامعة الكبيرة : وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم .

قال المحدّث المجلسي في شرح هذه الفقرة : أي رجوعهم في الدنيا لأجل المسائل والزيارات، وفي الآخرة لأجل الحساب، كما روى عنهم عليهم السلام أنهم الميزان أي الحقيقي والواقعي، أو في الآخرة بقرينة وحسابهم عليكم كما قال تعالى أي إنّ إلينا أي إلى أوليائنا بقرينة إيابهم ثم إن علينا حسابهم .

وروى في الأخبار الكثيرة أن حساب الخلائق يوم القيامة إليهم ولا استبعاد في ذلك كما أنّ الله تعالى قرّر الشهود عليهم من الملائكة والأنبياء والأوصياء والجوارح مع أنه تعالى قال:

(وَكَفَى بالله شهيدا ) [النساء : 79] .

وهو القادر الديان يوم القيامة ويمكن أن يكون مجازاً باعتبار حضورهم مع الأنبياء عند محاسبة الله إياهم ، انتهى .

أقول : وما ذكره أولاً هو الأظهر إذ المصير إلى المجاز إنّما هو مع تعذر إرادة المعنى الحقيقي، وأما مع الإمكان فلا، وقد دلت الأخبار الكثيرة كما اعترف (رحمت الله) به أيضاً على أنّ المحاسب هم عليهم السّلام فيتعين إرادة الحقيقة .

ومن هذه الأخبار ما في «الكافي» عن الباقر علیه السلام إذا كان الله الأولين يوم القيامة وجمع والآخرين لفصل الخطاب دعى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ودعى أمير المؤمنين فیکسی رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حلة خضراء تضيء ما بين المشرق والمغرب ويكسي أمير المؤمنين علیه السلام مثلها ويكسي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وردية يضيء لها ما بين المشرق والمغرب ويكسي علي علیه السلام مثلها، ثم يصعدان عندها، ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب النّاس، فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنّة وأهل النّار النار (1).

وعن الكاظم علیه السلام: وإلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم، فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عزّ وجلّ حتمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك ، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عزّ وجلّ، هذا (2).

ويحتمل أن يكون المراد من قوله علیه السلام: (وإليها مصير العاقبة )، كون مدار عاقبة الخلق وخاتمتهم خيراً وشراً على الولاية، فإن كان العبد مذعناً بالولاية كانت عاقبته عاقبة خير، وإن كان منكراً لها كانت عاقبته عاقبة شرّ ، كما دلت عليه الأخبار المتواترة والمستفيضة الواردة في تفسير قوله سبحانه :وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ .)مثل ما روى في «غاية المرام» عن الشيخ في «مصباح الأنوار» بإسناده عن عبد الله بنعباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان يوم القيامة أقف أنا وعلي على الضراط بيد كلّ واحد منا سيف فلا يمر أحد من خلق الله إلا سألناه عن ولاية علي علیه السلام فمن معه شيء منها نجا وإلا ضربنا عنقه وألقيناه في النار ثم تلا .(الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ [البقرة : 12](3)

والأخبار في هذا المعنى كثيرة لا حاجة إلى الإطالة (هلك من ادعى) الإمامة من غير


1) الكافي: 159/8

2) الكافي : 162/8 ، ومناقب آل أبي طالب : 302/2

3) البحار 3327 ، وبشارة المصطفى : 286 ح 7 .

استحقاق لها (وخاب من افترى ) على الله وعلى رسوله في دعواه لها، والجملتان تحتملان الدعاء والأخبار، والمراد بالهلاك الهلاك الأخروي وبالخيبة الحرمان والخسران كما أشير إليه في قوله تعالى :

(ذالِكَ بِأَنَّهُمْ وَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطَيعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: 3]. قال أبو عبد الله علیه السلام في مروي «البحار » من غيبة النعماني بإسناده عن ابن ظبيان عنه في «تفسيره » من زعم أنه إمام وليس بإمام (1).

وفي «البحار» أيضاً من تفسير العياشي عن أبي بصير عن أبي جعفر علیه السلام :

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَى وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ الله ).

قال : من ادعى الإمامة دون الإمام (2).

وعن علي بن ميمون الصائغ عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماماً من الله ، ومن قال : إنّ لفلان ولفلان نصيباً في الإسلام (3).

ومن المحاسن بإسناده عن العلا محمد قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : إن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله والحق قد ضلّوا بأعمالهم التي يعملونها (4).

(كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ البعيد ).

(ومن أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة النّاس ) أراد به نفسه ونبه به على أن المتجرّد لإظهار الحق في مقابلة كلّ باطل ورد الجهال من جهالاتهم وحملهم على مرّ الحق وصعبه في كل وقت يكون في معرض الهلاك بأيديهم وألسنتهم، إذ لا يعدم منهم من يوليه المكروه ويسعى في دمه .

ويشهد بذلك ما رواه السيد المحدث الجزائري (رحمت الله) مرفوعاً في كتابه المسمّى بزهر الربيع أن الصادق علیه السلام سئل عن الخلفاء الأربعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما


1) البحار : 113/15 ، وغيبة النعماني : 55

2) بحار الأنوار: 113/25 ح 12.

3) تفسير العياشي: 178/1 ح

4) محاسن البرقي: 93/1 ، والكافي : 184/1

بال الشيخين قد انتظمت لهما أمور الخلافة وجرت على أيديهم فتوح البلاد من غير معارضة المسلمين؟ وما بال عثمان وأمير المؤمنين علیه السلام لم تنتظم لهما أمور الخلافة بل قام المسلمون على عثمان وحصروه في داره وقتلوه وسط بيته ، وأما أمير المؤمنين علیه السلام فثارت الفتن في زمن خلافته حتى قتل الناكثين والقاسطين والمارقين؟ فأجاب علیه السلام: «أن أمور تلك الدنيا والخلافة فيها لا يجري بباطل بحت ولا بحق خالص، بل تجري بحق وباطل ممزوجين» ، فأما عثمان فأراد أن يجري أمور الخلافة بمحض الباطل فلم يتم له الأمر، وأمّا أمير المؤمنين علیه السلام فأراد أن يجري أحكامها على الطريقة المستقيمة والسنن النبوية فلم يحصل له ما أراد، وأما الشيخان فأخذا قبضة من الحق وقبضة من الباطل فجرت لهما الأمور كما أرادا .

ولما نبه علیه السلام على معاندة الجهال للحق وأهله أشار إلى ما يترتب على صفة الجهالة وما هي ثمرة لها بقوله : ( وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره )ويتعدي طوره ويجهل رتبته ولا يتصوّر نفسه كآحاد النّاس، وهذا من أعظم المهلكات لكونه منشأ العجب والكبر والغرور الآنية وادعاء ما ليس له بأهل كما في معاوية عليه الهاوية حيث لم يعرف رتبته وقدره وادعى الخلافة وسعى في إهلاكه علیه السلام وإفساد الأمر عليه لإبداء صفحته للحق، وحمله الناس على الطريقة المستقيمة والمحجة البيضاء التي كانت مكروهة لذلك اللعين بمقتضى طينته الخبيثة .

ثم نبه علیه السلام على لزوم التقوى بقوله : (ولا يهلك على التقوى سنخ أصل ) كان بناؤه عليه إذ الأصل الذي كان بنيانه على التقوى محال أن يهلك ويلحق بانيه خسران كما قال سبحانه :

(أَفَمَنْ أسس بنكنه على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانِ خَيْرٌ أَم مَنْ أَسَس بنسَنَهُ عَلَى شَفَا

جرف هار )[التوبة : 109] .

(ولا يظمأ عليه زرع قوم ) لأن من زرع في أرض قلبه زرعاً أخروياً كالمعارف الإلهية والعقائد الحقة وسقاها ماء التقوى وجعله مادتها فلا يلحق ذلك الزرع ظمأ، بل عليه ينشأ بأقوى ساق وأزكى ثمرة وقوله : (فاستتروا بيوتكم )قد عرفت في شرح الفصل السابق أن هذا الكلام مسبوق بقوله علیه السلام: إن الله أدب هذه الأمة بالسيف والسوط وليس لأحد عند الإمام فيهما هوادة ، أي شفاعة في تأخير التعزير أو تركه وهو وارد في مقام التهديد والتوعيد وإشارة إلى أنه علیه السلام لا يأخذه في الله لومة لائم وأنه لا يشفع عنده في إقامة الحدود والسياسات ولا يعطل الأحكام بالشفاعة كما عطلها من تقدم عليه علیه السلام .

ولما نبههم على ذلك أمرهم بالاستتار في بيوتهم كي لا يجتمعوا على المنافرات والمفاخرات والمشاجرات فيحصل من اجتماعهم ما يوجب الحد والتعزير ولا يمكن له إسقاطه بالشفاعة والهوادة ، فالاستتار في البيوت كناية عن الاعتزال حسماً لمادة الفتن .

ولمّا كان قطع مادة الفتنة سبباً لإصلاح ذات البين أردفه بقوله : (وأصلحوا ذات بينكم )نبه العصاة على استدراك عصيانهم بالرجوع إلى التوبة بقوله : ( والتّوبة من ورائكم) قال الشارح البحراني : وكونها وراء لأن الجواذب الإلهية إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتى أعرض عنها والتفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضاً عنه من الندم على المعصية والتوجّه إلى القبلة الحقيقة فإنه يصدق عليه إذن أنّ التوبة وراء أي وراء عقلياً وهو أولى من قول من قال من المفسرين أن ورائكم بمعنى أمامكم (ولا يحمد حامد إلا ربه ولا يلم لائم إلا نفسه) جملتان خبريّتان في معنى الإنشاء يعني أنّه يجب أن يكون حمد كلّ حامد الله سبحانه لكونه مبدأ جميع المحامد والخيرات ، ويجب أن يكون لوم كلّ لائم على نفسه لكونها منشأ الشرور والخطيئات كما قال تعالى :

(ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمَن نَّفْسِكَ ﴾ [النساء : 79]

والحمد لله والصلاة على نبيه ووليه وآله .

الترجمة

مشغول گردید آن کسی که بهشت و دوزخ در پیش او است به اینها از غیر

اینها و مکلفین به اعتبار اشغال به اینها سه فرقه اند :

یکی سعی نماینده به رضای خداوند ، شتابنده در سعی خود و نجات یافت به

رحمت پروردگار ؛

دومی طلب کننده خیرات که کامل است در آن طلب امیدوار است به مغفرت کردگار؛

سومی تقصیر کننده در طاعات که فرود آمده است در جهنم . جانب راست و جانب چپ محل ضلالت و گمراهی است و راه میانه آن جاده ای است درست و بر او است باقی كتاب واجب التكريم و علامت نبوت واجب التعظيم و از او است مخرج سنت مطهره و به او است بازگشت عاقبت خلق در دنیا و آخرت . هلاك شد کسی که دعوی امامت نمود به باطل و فضول و نومید گردید کسی که افترا بست به خداوند و رسول . کسی که ظاهر گردانید روی خود را از برای حق در مقابل باطل هلاك شد نزد مردمان نادان و جاهل و کفایت میکند مراو را از حیث جهالت این که قدر خود را نشناسد و رتبه و شأن خود را نداند و هلاک نمی شود اصلی که بناء آن پرهیزکاری بوده باشد و تشنه نمیباشد زراعت هیچ گروهی که آبیاری آن از پرهیزکاری گردد ، پس پنهان شوید در خانه های خودتان و اصلاح کنید در میان مردمان و توبه و پشیمانی در پیش شما است و باید که حمد ثنا نکند و هیچ ستایش کننده ای در روزگار مگر به پروردگار خود، به جهت این که او است منعم على الاطلاق و سزاوار تعظیم و اجلال و باید که ملامت نکند هیچ ملامت کننده ای مگر نفس خود را که منشأ شر است و فساد .

من كلام له علیه السلام في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل وهو السابع عشر من المختار

اشارة

هذا الكلام الشريف رواه المفيد في «الإرشاد» من ثقات أهل النقل عند الخاصة والعامة، والطبرسي أيضاً في «الاحتجاج» مرسلاً عنه علیه السلام كالكتاب، وثقة الإسلام الكليني قدس الله روحه في باب البدع والرأي والمقاييس من أصول «الكافي» مسنداً تارة ومرفوعاً أخرى حسبما تعرفه، وأما ما ذكره الرّضي قدس سره فهو أنه قال:

«إِنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلى الله رَجُلانِ : رَجُلٌ وَكَلَهُ الله إِلى نَفْسِهِ، جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مَشْغُوفٌ بِكَلام بِدْعَةٍ، وَدُعاءِ ضَلَالَةٍ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ افْتَتَنَ به ، ضالَّ عَنْ هُدى مَنْ كانَ قَبْلَهُ، مُضِلَّ لِمَن اقْتَدَى به في حَياتِه وبَعْدَ وَفاتِه، حَمَالُ خَطايا غَيرِه ، رَهْنٌ بِخَطيئَتِه ، ورَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً مَوْضِعِ فِي جُهالِ الأمةِ، غاز في أَغْباشِ الْفِتْنَةِ، عَم بما في عَقْدِ الْهُدْنَةِ، قَدْ سَمَاهُ أَشباه النَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِه ، بَكْرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ ما قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِما كَثُرَ، حَتَّى إِذَا ارْتَوى مِنْ آجِنِ، وَاكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طائِل ، جَلَسَ بَينَ النّاسِ َقاضِياً، ضامِناً لِتَخليص مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْره، فَإِنْ نَزَلَتْ به إحْدَى الْمُبْهَمَات هَيَّا لَها حَشُوا رَنَا مِنْ رأيهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشَّبُهَاتِ مِثْلَ نَسجِ الْعَنْكَبُوتِ، لا يَدْري أَصابَ أَمْ أَخْطَأَ ، فَإِنْ أَصابَ خافَ أَنْ يَكُونَ قَد أَخْطَأَ ، وإِنْ أَخطَأَ رَجا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصابَ، جاهِلْ خَبّاطُ جَهالاتٍ ، عاشٍ رَكَّابُ عَشَواتٍ، لَمْ يَعُضُّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسِ قاطع، يُذْرِي الرَّوايات إذ راءَ الرّيحِ الْهَشيم، لأمَليءٌ وَاللَّهِ بِإِصْدَارِ ما وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلا هُوَ أَهْلَ لِما فُوِّضَ إِلَيْه، لا يَحْسِبُ الْعِلْمَ في شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلا يَرى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ ما بَلَغَ مِنْهُ مَذْهَباً لِغَيره ، وإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرُ اكْتَتَمَ بِهِ، لِما يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، تَصْرَخُ مِنْ جَوْرٍ قَضائِهِ الدّماءُ، وَتَعِجٌ مِنْهُ الْمَواريتُ إِلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعيشُونَ جُهَالاً، ويَمُوتُونَ ضلالاً، لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةُ أَبْوَرُ مِنَ الْكِتابِ إِذا تُلِي حَقَّ تِلاوَتِه، وَلَا سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً، وَلَا أَغْلى ثَمَناً مِنَ الْكِتابِ إذا حُرُفَ عَنْ مَواضِعِه، ولا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَلَا أَعْرَفُ مِنَ الْمُنْكَر».

اللغة

(وكله) إلى نفسه بالتخفيف يكله وكلا ووكولاً تركه ونفسه و (الجائر) بإعجام الأول أو بإعجامهما وفي بعض نسخ «الكافي» بالمهملتين والمعاني متقاربة أي عادل أو متجاوز أو حيران (عن قصد السبيل مشغوف ) بالغين المعجمة وفي بعض النسخ بالمهملة وبهما قرأ قوله تعالى : (قد شغفها حبّاً )، وعلى الأول فهو مأخوذ من شغاف القلب أي حجابه أو سوايده ،

وعلى الثاني من الشعف شدّة الحبّ وإحراقه القلب و (البدعة) اسم من ابتدع الأمر إذا أحدثه كالرفعة من الارتفاع والخلفة من الاختلاف و (الهدى) بفتح الأوّل وسكون الثاني الطريقة والسيرة أو بالضم والقصر وهو الرّشاد و (رهن)، وفي بعض النسخ رهين أي مأخوذ و (القمش) جمع الشيء من ههنا وههنا و (موضع )بضم الميم وكسر الضاد مسرع من وضع البعير أسرع وأوضعه راكبه فهو موضع به أي أسرع به و (غار) بالغين المعجمة والراء المهملة المشدّدة أي غافل ، وفي بعض النسخ عاد بالعين والدال المهملتين من العدو بمعنى السعي أو من العدوان ، وفي أكثر نسخ «الكافي» عان بالعين والنّون من قولهم عني فيهم أسيراً، أي قام فيهم على إسارة واحتبس وعناه غيره حبسه ، والعاني الأسير، أو من عنى بالكسر بمعنى تعب أو من عني به فهو عان اشتغل واهتم به، و (الأغباش )جمع غبش كسبب وأسباب وهو ظلمة آخر الليل، وفي بعض النسخ أغطاش الفتنة، والغطش أيضاً الظلمة .

وعمي عماً كرضى ذهب بصره كله فهو أعمى و (عم) وهي عمياء وعمية والعمى أيضاً ذهاب بصر القلب والبكرة والبكور هو الصباح و (بكر) بالتشديد والتخفيف إذا دخل فيه وكثيراً ما يستعملان في المبادرة والإسراع إلى شيء في أي وقت كان ، ومنه الحديث بكروا بصلاة المغرب أي صلوها عند سقوط القرص، وروى من الماء بالكسر و (ارتوی) امتلا من شربه والماء (الآجن) المتغير الطعم واللون و (اكتنز) من الاكتناز وهو الاجتماع، وفي بعض النسخ وأكثر وهو الظاهر .

و (التخليص) التبيين وهو قريب من التلخيص أو هما واحد و (الحشو) فضل الكلام و (الزث) بفتح الراء والتشديد الخلق ضد الجديد و (عاش) خابط في ظلام و (العشوة) بتثليث الأوّل الأمر الملتبس الذي لا يعرف وجهه مأخوذة من عشوة الليل أي ظلمته (وذرت) الريح الشيء ذروا واذرته إذراء أطارته وقلبته و (الهشيم) النّبت اليابس المنكسر، وفي بعض الرّوايات يذر والرّوايات ذرو الريح وفي بعضها يذري الزوايات ذر والرّيح الهشيم، وتوجيهه مع كون الدر ومصدر يذرو لا يذري هو كونهما بمعنى واحد ، حسبما عرفت فصح إقامة مصدر المجرّد مقام مصدر المزيد (والمليء) بالهمزة الثقة الغني قال الجزري : قد أولع الناس بحذف الهمزة وتشديد الياء و (يحسب) إما بكسر السين من الحسبان، وإما بالضم من الحساب و (العج) رفع الصوت و (السلعة) بالكسر المتاع و (أبور) أفعل من البور وهو الفاسد وبار الشيء فسد وبارت السلعة كسدت ولم ينفق، وهو المراد ههنا وأصله الفساد أيضاً و(نفق) البيع إذا راج .

الإعراب

قوله (بكر فاستكثر ) من جمع ما قلّ منه خير مما كثر روى من جمع منوّناً وبغير تنوين،

أما بالتنوين فيحتمل كونه بمعنى المفعول أي من مجموع ، وكونه على معناه الحقيقي المصدري وعلى كل تقدير ، (فما) موصولة مبتدأ (وخير) خبره، وقلّ صلتها وفاعل قلّ ضمير مستكن عائد إلى الاستكثار المفهوم من استكثر وضمير منه عائد إلى الموصول، والجملة مجرورة المحلّ لكونها بدلاً للجمع، وأما بدون التنوين فالموصوف محذوف وهو المضاف إليه أي من جمع شيء الذي قلّ منه خير ، (فما) على ذلك موصولة، ويحتمل كونها مصدرية أي من جمع شيء قلته خير من كثرته .

وقيل : (إن) جمع مضاف إلى (ما) والمحذوف هو (أن) المصدرية بعدها، (وقلّ) مبتدأ بتقديرها على حد ، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، أي من جمع ما أن أقل منه أي قلته خير، وفي رواية «الكافي» بكر فاستكثر ما قل منه خير، وقوله : واكتنز من غير طائل إسناد اكتنز إلى فاعله وهو الرّجل الموصوف إما على سبيل المجاز أو في الكلام تقدير أي اكتنز له العلوم الباطلة، وعلى ما في بعض النسخ من قوله : فأكثر من غير طائل لا يحتاج إلى تكلف، وضامناً إمّا صفة لقاضياً أو حال بعد حال.

المعنى

اعلم أنّ البغض كالحبّ الذي هو ضدّه لما كان من صفات النفس أعني نفار النفس عن الشيء وكان إسناده إليه سبحانه محالاً لا جرم ينبغي أن يراد به حيثما أسند إليه معناه المجازي أعني سلب الفيض والإحسان، وهذا المعنى هو المراد بقوله علیه السلام : (إنّ أبغض الخلائق إلى الله جلان ) يمزجان بين الحق والباطل متشبثان بذيل الشبهات والجهالات يحسبان أنهما من علوم الدين ومراتب اليقين.

وإنّما كانا أبغض الخلائق باعتبار أن ضررهما الناشيء من جهالتهما بأمر الذين لم يكن راجعاً إلى أنفسهما فقط، بل متعدّياً إلى الغير وسارياً إلى الأتباع وباقياً في الأعقاب إلى يوم القيامة، فكانا ضلالتهما في نفسهما مضلين لغيرهما عن سلوك جادة اليقين وتحصيل مع معارف الدين، فلذلك كانا أبغض الخلائق.

وكيف كان فأحمد الرّجلين (رجل وكله الله إلى نفسه ) أي فوض إليه أمره وخلاه ونفسه وجعل وكوله واعتماده عليها لظنه الاستقلال في نفسه على القيام بمصالحه وزعمه القدرة على تحصيل المراد، والوصول إليه بالرأي والقياس والاستحسانات الفاسدة التي لا أصل لها، والروايات التي لم تؤخذ مأخذها فلا أفاض الله عليه صورة الاعتماد على نفسه فيما من يريده من أمور الدين وقوانين الشرع المبين فلم يدر أنه هلك في أتي واد :

وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد: 33].)

وحيث إنه كان اعتماده عليه (فهو جائر عن قصد السبيل ومائل عن طريق الحق وضال عن الصراط المستقيم وواقع في طرف الإفراط من فضيلة العدل قريب من الشر بعيد عن الخير، كما ورد في بعض الأدعية : ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإنك إن وكلتني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير .)وسر ذلك أن النفس بالذات مائلة إلى الشر، فإذا سلبت عنها أسباب التوفيق والهداية تاهت في طريق الضلالة والغواية (مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة أي دخل حبّ كلام البدعة ودعوته النّاس إلى الضلالة شغاف قلبه أي حجابه أو سويد (اه)، وعلى كونه بالعين المهملة فالمعنى أنه غشى حبّها قلبه من فوقه إذ الشغفة من القلب رأسه عند معلّق النياط، وهو عرق علق به القلب إذا انقطع مات صاحبه، وعلى أي تقدير فالمقصود به كونه أشدّ حبّاً وأفرط ميلاً إلى كلامه الذي لا أصل له في الدين ودعوته المضلة عن نهج اليقين، فهو من الأخسرين)أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا فهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.كما قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار » (1.)وعنه صلی الله علیه واله وسلم أيضاً في رواية «الكافي»: أبى الله لصاحب البدعة بالتوبة، قيل: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال : إنّه قد أشرب قلبه حبها (2.)ولا بأس بتحقيق الكلام في معنى البدعة، وقد عرفت معناها اللغوي وغلبت في العرف على ما هو زيادة في الدين أو نقصان منه ، وقيل : كلّ ما لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم فهو بدعة .وردّه الأردبيلي بمنع الشرطية وقال : البدعة هي كل عبادة لم تكن مشروعة ثم أحدثت بغير دليل شرعي أو دل دليل شرعي على نفيها، فلو صلى أو دعى أو فعل غير ذلك من العبادات مع عدم وجودها في زمانه صلی الله علیه واله وسلم فإنه ليس بحرام لأن الأصل كونها عبادة ولغير ذلك مثل الصلاة خير موضوع والدعاء حسن ، انتهى، وأنت خبير بما في تخصيصها بالعبادات لظهور عمومها لها ولغيرها.والتحقيق فيها ما ذكره الشهيد (قدس الله سره في القواعد قال في «محكى كلامه » : ومحدثات الأمور بعد عهد النبي صلی الله علیه واله وسلم تنقسم أقساماً لا يطلق اسم البدعة عندنا إلا ما هو محرّم عندنا.)أوّلها : الواجب كتدوين القرآن والسنّة إذا خيف عليها التفلت من الصدور ، فإنّ التبليغ للقرون الآتية واجب إجماعاً ولا يتم إلا بالحفظ، وهذا في زمن الغيبة واجب، وأما في زمان


1) شرح مسلم للنووي: 237/12

2) محاسن البرقي: 1/ 207 ح 69 ، والكافي : 54/1ح 4.

ظهور الإمام علیه السلام لأنه الحافظ لها حفظاً لا يتطرق إليه خلل .وثانيها : المحرّم ؛ وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة كتقديم غير المعصومين عليهم وأخذهم مناصبهم واستيشار ولاة الجور بالأموال ومنعها مستحقها وقتال أهل الحق ، وتشريدهم وإبعادهم والقتل على الظنّة والإلزام ببيعة الفسّاق والمقام عليها وتحريم مخالفتها والغسل في المسح والمسح على غير القدم، وشرب كثير من الأشربة ، والجماعة في النوافل والأذان الثاني يوم الجمعة، وتحريم المتعين ، والبغي على الإمام وتوريث الأباعد ومنعالأقارب، ومنع الخمس أهله والإفطار في غير وقته إلى غير ذلك من المحدثات المشهورات ومنها تولية المناصب غير الصالح لها ببذل أو إرث أو غير ذلك.وثالثها : المستحب وهو ما تناولته أدلة الندب كبناء المدارس والربط، وليس منه اتخاذ الملوك الأهبة ليعظموا في النفوس اللهم إلا أن يكون مرهباً للعدو.ورابعها :المكروه، وهو ما شملته أدلة الكراهة كالزيادة في تسبيح الزهراء عليها السلام ، وسائر الموظفات أو النقيصة منها والتنعم في الملابس والمآكل بحيث يبلغ الإسراف بالنسبة إلى الفاعل، وربما أدى إلى التحريم إذا استضربه هو وعياله .وخامسها : المباح، وهو الداخل تحت الأدلة المباحة كنخل الدقيق فقد ورد أول شيء أحدثه النّاس بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم اتخاذ المناخل لأنّ لين العيش والرفاهية من المباحات فوسيلته مباحة ، انتهى كلامه رفع مقامه .وقد تحصل من ذلك أن البدعة عبارة عن محدثات الأمور المحرّمة وأن الزجل الموكول إلى نفسه الجائر عن قصد السبيل قد شغف بها وبدعوته إلى الضلالة ومن أجل ذلك كان سبباً أجاب دعوته( فهو فتنة لمن افتتن به وبلاء لمن اتبع له (ضالّ عن هدى من کان قبله ) أي عن سيرة أئمة الدين وطريقة أعلام اليقين الذين أخذوا العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية بإلهام إلهي وإرشاد نبوي، وذلك من حيث اغتراره بنفسه وإعجابه بكلامه واستقلاله برأيه واستغنائه بما اخترعه فهمه وما ابتدعه وهمه عن الرّجوع إليهم والعكوف عليهم.)كما قال أبو الحسن موسى بن جعفر علیه السلام : لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت أنا، وقالت الصحابة وقلت هذا (1.)وعلى كون (هدى في كلامه علیه السلام بضم الهاء والألف المقصورة فالمراد به كونه ضالاً عن الصراط المستقيم مع وجود هدى قبله مأمور باتباعه وهو كتاب الله وسنة رسوله وأعلام هداه الحاملون لدينه ، لما أشرنا إليه من استبداده برأيه الفاسد ونظره الكاسد نظير ما صدر عن)


1) المحاسن للبرقي: 213/1 ح 91 ، والكافي : 56/1 - 9.

أبي حنيفة ونظرائه .كما حكاه الزمخشري في «ربيع الأبرار» قال : قال يوسف بن أسباط : ردّ أبو حنيفة على النبي صلی الله علیه واله وسلم أربعمائة حديث أو أكثر قيل : مثل ماذا ؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : للفرس سهمان، وقال أبو حنيفة: لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن وأشعر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأصحابه البدن، وقال أبو حنيفة : الإشعار مثلة ، وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : البيعان بالخيار ما لم يفترقا (1، وقال أبو حنيفة إذا وجب البيع فقد لزم، وكان صلی الله علیه واله وسلم يقرع بين نسائه إذا أراد سفراً، وقال أبو حنيفة : القرعة قمار، انتهى .)(مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته وذلك لأن من كان ضالاً في نفسه ومشغوفاً بكلامه البدعة ودعاته الضالة لا بد أن يكون مضلاً وسبباً لا ضلال غيره في حال حياته وهو ظاهر ، وبعد مماته أيضاً من حيث بقاء العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة المكتسبة عنه بعده ترى كيف بقي مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وغيرها من المذاهب المبتدعة والآراء المخترعة المضلة إلى الآن؟ وتبقى إلى ظهور صاحب الزمان فتبعها جمع كثير وتضلّ بهما جم غفير، ولذلك صار هذا الرّجل المضلّ (حمّال خطايا غيره )كحمله خطايا نفسه حيث كان سبباً لضلالته فهو (رهن بخطيئته )كما أنه رهين بخطيئة غيره مأخوذ بها ومعاقب عليها كما قال سبحانه :)(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَايردون [النحل : 25] . قال الفخر الرازي: إنّه يحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع، والسبب فيه ما روى عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنه قال : « أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء، وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء ».

وأعلم أنه ليس المراد أنّه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء ، لأن هذا لا يليق بعدل الله والدليل عليه قوله تعالى :

(وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى ) [النجم: 39] وقوله (أَلَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [النجم: 38 ].

بل المعنى أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه حتى أنّ ذلك العقاب يكون مساوياً لكلّ ما يستحقه كل واحد من الأتباع .


1) عوالي اللآلي: 209/3 ، والمهذب البارع : 374/2.

قال الواحدي : لفظة (من) في قوله : ومن أوزار الذين يضلونهم، ليست للتبعيض لأنها لو كانت للتبعيض لخفف عن الأتباع بعض أوزارهم وذلك غير جائز لقوله علیه السلام من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، ولكنها للجنس أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع ، هذا.

ولمّا فرغ من أوصاف أوّل الرّجلين أشار إلى ثانيهما ، وذكر له أحداً وعشرين وصفاً.

الأوّل: ما أشار إليه بقوله : ( ورجل قمش جهلاً) أي جمعه من أفواه الرّجال أو من الروايات الغير الثابتة عن الحجّة أو ممّا اخترعه وهمه بالقياس والاستحسان واستعار لفظ الجمع المحسوس للمعقول بقصد الإيضاح .

الثاني: أنه (موضع في جهال الأمة) يعني أنه مسرع بين الجهال أو أنه مطرح فيهم وضيع ليس من أشراف الناس على ما ذكره البحراني من كون وضع بفتح الضاد، وقال إنّه يفهم منه أنه خرج في حق شخص معين وإن عمه وغيره .

الثالث: أنه (غار في أغباش الفتنة ) أي غافل في ظلمات الخصومات لا يهتدي إلى

قطعها سبيلاً، وقد مرّ فيه وجوه أخرى في بيان اللغة .

الرابع : أنّه (عم بما في عقد الهدنة) يعني أنه عميت بصيرته عن إدراك مصالح المصالحة بين الناس فهو جاهل بالمصالح مثير للفتن .

الخامس: أنّه (قد سماه أشباه الناس عالماً وليس به ) والمراد بأشباه الناس العوام والجهال لخلوهم عن معنى الإنسانية وحقيقتها وهم يشبهون الناس في الصورة الظاهرة الحسية التي بها يقع التمايز على سائر الصور البهيمية، ولا يشبهون في الصور الباطنية العقلية التي هي معيار المعارف اليقينية والعلوم الحقيقية، فهؤلاء الأشباه لفقد بصائرهم ونقصان كمالاتهم ينخدعون بتمويه ذلك الرجل ويزعمون من تلبسه بزي العلماء أنه عالم مع أنه ليس بعالم .

السادس: أنه (بكر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير مما كثر) يعني أنّه أسرع وبادر في كل صباح، وهو كناية من شدة اهتمامه وطلبه في كلّ يوم أو في أول العمر إلى جمع شيء فاستكثر منه ما قليله خير من كثيره، أو قلته خير من كثرته ، والمراد بذلك الشيء إما زهرات الدنيا وأسبابها، ويؤيده مناسبته لما قبله يعني أنه لم يطلب العلم، ولكن طلب أسباب الدنيا التي قليلها خير من كثيرها، هذا إن كان جمعها على وجه الحلال وإلا فلا خير فيه أصلاً، وإما الشبهات المضلة والآراء الفاسدة والعقائد الباطلة، ويؤيده زيادة ارتباط ذلك بما بعده، وعلى التقديرين فيه تنبيه على غاية بعده عن الحق والعلم لرسوخ الباطل في طبعه وثبوته في

ذهنه .

السابع : ما يترتب على بكوره واستكثاره من جمع الشبهات ، وهو ما أشار إليه بقوله : (حتى إذا ارتوى من جن) يعني حصل له الامتلاء من شرب الماء الآجن المتعفن (واكتنز) أي

اجتمعت له العلوم الباطلة (من غير طائل ) ولا فائدة يتصوّر فيها (جلس بين الناس قاضياً) استعار الآجن للشبهات الفاسدة والأفكار الباطلة والعلوم الحاصلة له من الاستحسانات والأقيسة، كما يستعار عن العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية بالماء الصافي الزّلال، ثمّ وشح تلك الاستعارة بذكر الارتواء وجعل غايته المشار إليها من ذلك الاستكثار جلوسه بين الناس قاضياً .

الثامن: كونه (ضامناً لتخليص ما التبس على غيره ) لوثوقه من نفسه بفصل ما بين الناس من الخصومات والمرافعات وظنّه القابلية لقطع المنازعات، ومنشأ ذلك الوثوق والإطمئنان هو زعمه أن العلوم الحاصلة له من آرائه الفاسدة وأقيسته الباطلة علوم كاملة كافية في تخليص الملتبسات وتلخيص المشكلات مع أنها ليست بذلك.

التاسع : ما أشار إليه بقوله : (فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشواً رثاً من رأيه ثمّ جزم به ) يعني أنه إذا نزلت به إحدى المسائل المبهمة المشكلة الملتبس عليه وجه فصلها وطريق حلّها هيا لها كلاماً لا طائل تحته ولا غناء فيه وأعد لحلها وجهاً ضعيفاً من رأيه، ثمّ قطع به كما هو شأن أصحاب الجهل المركب.

العاشر : ما نبه عليه بقوله : (فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت) نسج العنكبوت مثل للأمور الواهية كما قال سبحانه :

وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ المَنكَبُونِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 41] .)قال الشارح البحراني : ووجه هذا التمثيل أن الشبهات التي تقع على ذهن مثل هذا الموصوف إذا قصد حلّ قضية تكثر فيلتبس على ذهنه وجه الحق منها فلا يهتدي له لضعف ذهنه، فتلك الشبهات في الوهن تشبه نسج العنكبوت، وذهنه فيها يشبه ذهن الذباب الواقع فيه ، فكما لا يتمكّن الذباب من خلاص نفسه من شباك العنكبوت لضعفه، فكذا ذهن هذا الرّجل لا يقدر على التخلص من تلك الشبهات، وقال المحدث المجلسي بعد نقله كلام البحراني هذا : أقول : ويحتمل أيضاً أن يكون المراد تشبيه ما يلبس على الناس من الشبهات بنسج العنكبوت لضعفها وظهور بطلانها، لكن تقع فيها ضعفاء العقول فلا يقدرون على التخلص منها لجهلهم وضعف يقينهم، والأوّل أنسب بما بعده.الحادي عشر : أنه (لا يدري أصاب فيما حكم به (أم أخطأ فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب) وخوف الخطأ مع الإصابة ورجاء الإصابة مع الخطأ من لوازم عدم الدّراية في الحكم والافتاء .)الثانية عشر: أنه (جاهل خباط جهالات أراد به أنه جاهل بالأحكام كثيراً لخبط في جهلاته، كنّى به عن كثرة أغلاطه التي يقع فيها في القضايا والأحكام فيمشي فيها على غير)

طريق الحق من القوانين، وذلك معنى خبطه مأخوذ من خبط العشواء وهي الناقة التي في بصرها ضعف تخبط بيدها كلّ شيء إذا مشت .الثالث عشر: أنه (عاش ركاب عشوات يعني أن به عشاوة وسوء بصر بالليل والنهار وأنه كثير الركوب على الأمور الملتبسة المظلمة، قال الشارح البحراني (رحمت الله) وهي إشارة إلى أنه لا يستنتج نور الحق في ظلمات الشبهات إلا على ضعف ونقصان في نور بصيرته، فهو يمشي فيها على ما يتخيله دون ما يتحققه من الصفة هذه ، أي وكثيراً ما يكون حاله كذلك، ولما كان شأن العاشي إلى الضوء في الطرق المظلمة تارة يلوح له فيمشي عليه، وتارة يخفي عنه فيضل عن القصد ويمشي على الوهم والخيال كذلك حال السالك في طرق الذين من غير أن يستكمل نور بصيرته بقواعد الدين ويعلم كيفية سلوك طرقه، فإنّه تارة يكون نور الحق في المسألة ظاهراً فيدركه ، وتارة تغلب عليه ظلمات الشبهات فتعمى عليه الموارد والمصادر فيبقى فی الظلمة خابطاً وعن القصد جائراً .)الرابع عشر أنّه (لم يعض على العلم بضرس قاطع وهو كناية عن عدم نفاذ بصيرته في العلوم وعدم اتقانه للقوانين الشرعية لينتفع بها انتفاعاً تاماً، يقال فلان لم يعض على العلم بضرس قاطع إذا لم يحكمها ولم يتقنها، وأصله أن الإنسان يمضغ الطعام الذي هو غذاؤه، ثمّ لا يجيد مضغه لينتفع به البدن انتفاعاً تاماً فمثل به من لم يحكم ولم يتقن ما يدخل فيه من المعقولات التي غذاء الروح لتنتفع به الروح انتفاعاً كاملاً.)الخامس عشر : أنه (بذري الروايات إذراء الرّيح الهشيم اليابس من النبات المنكسر وفيه تشبيه تمثيلي ووجه الشبه صدور فعل بلا روية من غير أن يعود إلى الفاعل نفع وفائدة، فإن هذا الرجل المتصفّح للروايات ليس له بصيرة بها ولا شعور بوجه العمل عليها، بل هو يمرّ على رواية بعد أخرى ويمشي عليها من غير فائدة ، كما أنّ الريح التي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها ولا يعود إليها من ذلك نفع .)السّادس عشر : أنه (لا مليء والله بإصدار ما ورد عليه أي ليس له من العلم والثقة قدر ما يمكنه أن يصدر عنه انحلال ما ورد عليه من الشبهات والإشكالات.)السابع عشر : ما في بعض نسخ الكتاب من قوله : (ولا هو أهل لما فوض إليه أي : ليس هو بأهل لما فوضه إليه الناس من أمور دينهم، وأكثر النسخ خال من ذكر هذا الوصف ، وفي رواية «الكافي» الآتية ولا هو أهل لما منه فرط بالتخفيف بمعنى سبق وتقدّم أي ليس هو أهل لما ادعاه من علم الحق الذي من أجله سبق الناس وتقدّم عليهم بالرئاسة والحكومة، وربما يقرأ بالتشديد أي ليس هو من أهل العلم كما يدعيه لما فرّط فيه وقصر عنه، وعن الإرشاد ولا يندم على ما منه فرط ، وقال الشارح المعتزلي: وفي كتاب ابن قتيبة ولا أهل لما)

فرط به ، قال : أي ليس بمستحق للمدح الذي مدح به.الثامن عشر: أنه (لا يحسب العلم في شيء مما أنكره ولم يعرفه يعني أنّ ذلك الرّجل يعتقد أن ماله من العلم المغشوش المدلس بالشبهات الذي يكون الجهل خيراً منه بمراتب هو العلم ولا يظنّ لغاية جهله وجود العلم لأحد في شيء مما جهله لاعتقاده أنه أعلم العلماء وأنّ كلّ ما هو مجهول له مجهول لغيره بالطريق الأولى، وعلى احتمال كون يحسب من الحساب على ما مرت إليه الإشارة فالمعنى أنه لا يعد ما ينكره علماً ولا يدخله تحت الحساب والاعتبار بل ينكره كسائر ما أنكره .)التاسع عشر : ما أشار إليه بقوله: (ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ منه مذهباً لغيره يعني أنه لوفور جهله يظن أنه بلغ غاية العلم فليس بعد ما بلغ إليه فكره لأحد موضع تفكر ومذهب صحیح .)العشرون ما نبه عليه بقوله : (وإن أظلم عليه أمراً اكنتم به أي إن صار عليه أمر من أمور الدين مظلماً مشتبهاً لا يدري وجه الحق فيه ولا وجه الشبهة أيضاً اكتتم به وستره من غيره من أهل العلم وغيرهم وذلك (لما يعلم من جهل نفسه ) بذلك الأمر وعدم معرفته به حتى من وجه الشبهة والرأي فيستره ويخفيه ولا يسأله من غيره ولا يصغي إلى غيره حتى يستفيده، وذلك لئلا يقال : إنّه لا يعلمه فيحفظ بذلك علوّ منزلته بين الناس كما المشاهد السوء، فإنّهم كثيراً ما يشكل عليهم الأمر في القضايا والأحكام فيكتتمون ما أشكل عليهم ولا يسألون أهل العلم عنه لئلا يظهر جهلهم بين أهل الفضل مراعاة لحفظ المنزلة والمناصب.)الحادي والعشرون : أنه (تصرخ من جور قضائه الدماء وتعج منه المواريث ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام ويحرم بقضائه الفرج الحلال، كما في «رواية الكافي» الآتية ونسبة الصراخ إلى الدماء والعجيج إلى المواريث، إما من قبيل الحذف والإيصال ، أي تصرخ أولياء الدماء وتعجّ مستحقوا المواريث، أو من قبيل المجاز في الإسناد على نحو صام نهاره مبالغة على سبيل التمثيل والتخييل بتشبيه الدماء والمواريث بالإنسان الباكي من جهة الظلم والجور وإثبات الصراخ والعجيج لهما، أو من قبيل الاستعارة التحقيقية التبعية باستعارة لفظ الصراخ والعجيج لنطق الدّماء والمواريث بلسان حالها المفصح عن مقالها ووجه المشابهة أنّ الصّراخ والعج لما كانا يصدران من ظلم وجور وكانت الدّماء المهراقة والمواريث المستباحة بالأحكام الباطلة ناطقة بلسان حالها مفصحة بالتظلم والشكاية، لا جرم حسن تشبيه نطقها بالصراخ والعج واستعارتهما له ، فالمعنى أنه تنطق الدّماء والمواريث بالشكاية والتظلم من جور قضاياه وأحكامه .)وأما استحلال الفرج الحرام بقضائه وتحريم الفرج الحلال ، فإما من أجل جهله بالحكم

أو لخطئه وسهوه في موضع الحكم لعدم مراعاة الاحتياط أو لوقوع ذلك منه عمداً لغرض دنيوي كالتقرب بالجائر أو أخذ الرّشوة أو نحو ذلك .ثم أنه علیه السلام بعد أن خص الرجلين المذكورين بما ذكر فيهما من الأوصاف المنفرة على سبيل التفصيل، أردف ذلك بالتنفير عنهما على الإجمال بما يعمهما وغيرهما من سائر الجهال والضلال فقال: (إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالاً ويموتون ضلالاً والثاني مسبب عن الأول إذ العيش على الجهالة يؤدي إلى الموت على الصّلالة (ليس فيهم سلعة) ومتاع (أبور من الكتاب إذا تلى حق تلاوته )يعني إذا فسر الكتاب وحمل على الوجه الذي أنزل عليه وعلى المعنى الذي أريد منه اعتقدوه فاسداً وطرحوه لمنافاة ذلك الوجه والمعنى لأغراضهم (ولا سلعة أنفق بيعاً) أي أكثر رواجاً (ولا أغلى ثمناً إذا حرف عن مواضعه) ومقاصده الأصلية ونزل على حسب أغراضهم ومقاصدهم ومنشأ كل ذلك وأصله هو الجهل (ولا عندهم أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر) وذلك لأن المعروف لما خالف أغراضهم ومقاصدهم طرحوه حتى صار منكراً بينهم يستقبحون فعله ، والمنكر لما وافق دواعيهم ولائم طباعهم لزموه حتى صار معروفاً بينهم يستحسنون إتيانه، هذا.)وينبغي الإشارة إلى الفرق بين الرّجلين الموصوفين فأقول :قال الشارح المعتزلي : فإن قيل : بينوا الفرق بين الرجلين اللذين أحدهما وكله الله إلى نفسه والآخر رجل قمش جهلاً؟ قيل : أمّا الرّجل الأوّل فهو الضال في«أصول العقائد » كالمشبه والمجبّر ونحوهما، ألا تراه كيف قال : مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة، وهذا عر بما قلناه من أنّ مراده به المتكلم في أصول الدين وهو ضال عن الحق، ولهذا قال: إنّه فتنة لمن افتتن به ضالّ عن هدى من قبله مضل لمن يجيء بعده وأما الرجل الثاني فهو المتفقه في فروع الشرعيات وليس بأهل لذلك كفقهاء السوء ألا تراه كيف يقول: جالس بين الناس قاضياً، وقال أيضاً : تصرخ من جور قضائه الدماء وتعج منه المواريث.وقال المحدث المجلسي (قدس الله سره في كتاب مرآة العقول بعد حكاية كلام الشارح على ما حكيناه : أقول : ويمكن الفرق بأن يكون المراد بالأوّل من نصب نفسه لمناصب الإفادة والإرشاد ، وبالثاني من تعرض للقضاء والحكم بين الناس ولعله أظهر .)ويحتمل أيضاً أن يكون المراد بالأوّل العباد المبتدعين في العمل والعبادة كالمتصوفة والمرتاضين بالرياضات الغير المشروعة، وبالثاني علماء المخالفين ومن يحذو حذوهم حيث يفتون الناس بالقياسات الفاسدة والآراء الواهية، وفي «الإرشاد» وأن أبغض الخلق عند الله عزّ وجلّ رجل وكله الله إلى نفسه ، إلى قوله : رهن بخطيئته وقد قمش جهلاً، فالكل صفة لصف واحد .

### تكملة استبصاريةإعلم أنك قد عرفت الإشارة إلى أنّ هذا الكلام له علیه السلام مما رواه ثقة الإسلام الكليني في «الكافي» وصاحب «الاحتجاج» عطر الله مضجعهما فأحببت أن أذكر ما في الكتابين اعتضاداً لما أورده الرّضي (رحمت الله في الكتاب ومعرفة تلك بمواقع الاختلاف بين الروايات فأقول :)روى في «الكافي » عن محمد بن يحيى عن بعض أصحابه وعلي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة صدقة عن أبي عبد الله علیه السلام وعلي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب رفعه عن أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال :من أبغض الخلق إلى الله تعالى لرجلين : رجل وكله الله تعالى إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدى من كان قبله ، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد موته حمّال خطايا غيره رهن بخطيئته .ورجل قمش جهلاً في جهال الناس عان بأغباش الفتنة قد سماه أشباه الناس عالماً ولم يغن فيه يوماً سالماً بكر فاستكثر ما قلّ منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن واكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتلخيص (التخليص خ ما التبس على غيره، وإن خالف قاضياً سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله، وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع.)فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ لا يحسب العلم في شيء مما أنكر ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهباً ، إن قاس شيئاً بشيء لم يكذب نظره، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكي لا يقال له : لا يعلم ، ثم جسر فهو مفاتيح (1عشوات ركاب شبهات خباط جهالات لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم يذري الروايات ذر والرّيح الهشيم تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدّماء ويستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال لا مليء بإصدار ما عليه ورد، ولا هو أهل لما منه فرط، من ادعائه علم الحق (2))وفي «الاحتجاج» وروى أنه علیه السلام قال: «إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان : رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل ؛ سائر بغير علم ولا دليل ، مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به ضالّ عن هدى من كان قبله ، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمّال خطايا غيره ، رهن بخطيئته.


1) في نسخة مفتاح.

2) البحار 103/2 ، وكشف اليقيني للحلي: 188 .

ورجل قمش جهلاً فوضع في جهله الأمة، عان بأغباش فتنتة، قد لهج منها بالصوم والصلاة ، عم بما في عقد الهدنة قد سمّاه الله عارياً منسلخاً، وقد سمّاه أشباه الناس (1عالماً، ولما يغن في العلم يوماً سالماً، بكر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن، وأكثر من غير طائل جلس بين الناس مفتياً قاضياً ضامناً لتخليص (2)ما التبس على غيره .)إن خالف من سبقه لم يأمن من نقض حكمه من يأتي من بعده كفعله بمن كان قبله ، فإن نزلت به إحدى المبهمات (3هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت خباط جهالات، وركاب عشوات، ومفتاح شبهات، فهو وإن أصاب أخطأ ، لا يدري أصاب الحق أم أخطأ إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب».)فهو من رأيه مثل نسج (4العنكبوت الذي إذا مرت به النار لم يعلم بها، لم يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم ، يذري الروايات إذ راء الرّيح الهشيم لا مليء والله بإصدار ما ورد عليه، لا يحسب العلم في شيء ممّا أنكره ، ولا يرى أن من وراء ما ذهب فيه مذهب ناطق ، وإن قاس شيئاً بشيء لم يكذب رأيه كي لا يقال له لا تعلم شيئاً، وإن خالف قاضياً سبقه لم يأمن في صحته حين خالفه، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم .)من معشر يعيشون جهالاً ويموتون ضلالاً لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، تصرخ منه الدّماء، وتولول منه الفتياء وتبكي منه المواريث ، ويحلل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال، ويأخذ المال أهله فيدفعه إلى غير أهله (5.)وروى الطبرسي والمفيد في «الإرشاد» بعد رواية هذا الكلام نحواً مما تقدّم أنه علیه السلام قال بعد ذلك :«أيها الناس عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تعذرون بجهالة ، فإن العلم الذي هبط به آدم علیه السلام وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة نبيكم محمد صلی الله علیه واله وسلم، فأنى يتاه بكم بل أين تذهبون؟ يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة، هذه مثلها فيكم فاركبوها، فكما نجا في هاتيك من نجا فكذلك ينجو في هذه من دخلها أنا رهين بذلك قسماً حقاً، وما أنا من


1) في نسخة : الرجال.

2) في نسخة : تلخيص .

3) في نسخة : المعضلات.

4) في نسخة : غزل .

5) البحار : 285/2

المتكلفين، والويل لمن تخلف ثم الويل لمن تخلف ».أما بلغكم ما قال فيكم نبيكم؟ حيث يقول في حجة الوادع : «إنّي تاركم فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنّهم لم يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، ألا هذا عذب فرات فاشربوا، وهذا ملح أجاج فاجتنبوا » (1.)


1) الإرشاد للمفيد : 233/1 ، والاحتجاج : 391/1

### الترجمةاز جمله کلام آن عالی مقام است در صفت کسی که متصدی شود به حکم کردن میان امت محمدیه و حال این که اهلیت نداشته باشد :به تحقیق که دشمن ترین خلق به سوی خدا دو مردند :یکی از این دو نفر مردی است که بازگذاشته باشد حق تعالی او را به نفس خودش و الطاف خفیه خود را از او سلب نموده باشد ، پس آن بدروزگار تبه کار میل کننده است از میانه راه راست به میان دل او رسانیده شده است سخنان بدعت و جهالت با این که دلسوخته شده است از فرط محبت به این کلام بدعت و به خواندن مردم به گمراهی و ضلالت ، پس آن مرد فتنه و بلا است مر آن کسی را که فتنه و بلا افتاده باشد بهواسطه او گمراه است از راه راست و طریقه مستقیم آن کسی که بوده است پیش او گمراه کننده است مرکسی را که اقتدا نماید او را در حال حیات او و بعد از وفات او، بردارنده است بار گناهان غیر خود را ، در گرو است به گناه خود و گرفتار است به کار تباه خود.و دومی از این دو نفر مردی است که جمع کرده جهالت را سرعت کننده است به این که وضیع و پست گردانیده شده در میان جاهلان امت ، غافل است در ظلمات خصومات ، بی بصیرت است به آن چه در عقد صلح است از مصالح مصالحه. به تحقیق که نام نهاده اند او را جهال مردمان که در صورت انسان و در معنى حیوان می باشند . عالم به علوم شریعت و حال آن که عالم نیست. بامداد کرد پس بسیار نمود از جمع آوردن چیزی که اندکی آن از او بهتر است از آن چه بسیار است یا آن که از جمع آوردن چیزی که کمی او بهتر است از زیاده آن ، مراد فکرهای فاسده و رأیهای باطله است تا این که چون سیراب شد از آب متعفن گندیده و پر شد از مسایل بی فایده ناپسندیده .نشست در میان مردم در حالتی که حکم کننده است میان ایشان ، ضامن است از برای خالص کردن آن چیزی که مشتبه است حل آن بر غیر او، پس اگر نازل بشود بر او یکی از قضایای مشکله مهیا میکند از برای کند از برای آن سخنان بی فایده ضعیف

و سست از رأی باطله خود ، پس از آن جزم و قطع کند به آن کلام ، پس او از پوشیدگی و التباس شبهه ها افتاده است در امور واهیه که مثل تار عنکبوت است ، نمیداند به صواب حکم می کند یا به خطاء، پس اگر اگر به صواب حکم می کند می می ترسد از آن که خطا کرده باشد و اگر به خطا حکم نماید امید میدارد که صواب گفته باشد.نادانست بسیار خبط کننده در نادانیها ضعيف البصر است، در ظلمات جهل سواره شبهات ، نگزیده علم و دانش به دندان برنده و این کنایه است از عدم ایقان بر قوانین شرعیه و عدم اتقان مسائل دینیه . منتشر میسازد و می پراند روایات را مثل پراندن و منتشر کردن باد گیاه خشك را . به خدا سوگند که نیست قادر و توانا به بازگردانیدن و جواب دادن آن چه وارد شده است بر او از مسایل . گمان نمی برد که علمی که و رای اعتقاد او است فضیلتی داشته باشد و گمان نمی کند این که از ورای آن چه رسیده است به او مذهبی بوده باشد مرغیر اورا .و اگر پوشیده و پنهان باشد بر او کاری ، پنهان می کند آن را به جهت آن که داند از جهل نفس خود به مسایل و میخواهد که آشکار نشود حال او به ارباب فضایل ، فریاد میکند از جور حکم او خونهای ناحق ریخته و می نالد از ستم او میرانهای مأخوذه با حکم های باطله .به سوی خداوند شکایت میکنم از جماعتی که زندگانی می کنند در حالتی که جاهلانند و می میرند در حالتی که گمراهانند . نیست در میان ایشان هیچ متاعی که کاسدتر باشد از کتاب الله وقتی که خوانده شود حق خواندن بدون تحریف و تغییر و نیست هیچ متاعی که رواج تر باشد از روی فروختن و نه پربها باشد از کتاب خدا وقتی که تحریف و تغییر داده شود از مواضع خود و نیست نزد ایشان زشت تر از معروف و نه نیکوتر از منکر؛ والله العالم .

## من كلام له علیه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتبا وهو الثامن عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها### اشارةوقد رواه الطبرسي في «الاحتجاج »مرسلاً عنه كالكتاب.«تردُ على أَحَدِهِمُ الْقَضِيَّةُ في حُكْم مِنَ الأَحْكام فَيَحْكُمُ فيها برأيه، ثُمَّ تَردُ تِلْكَ الْقَضِيةُ تَرِدُ بِعَيْنِها عَلَى غَيرِه فَيَحْكُمُ فيها بخَلافِ غَيرِه (قوله خ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةَ بِدَلِكَ عِنْدَ الأَمامِ الَّذِي اسْتَقْصاهُمْ فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَميعاً، وإلهُهُمْ واحد، ونبيهم واحِدٌ ، وكِتابُهُمْ واحِدٌ، أَفَأَمَرَهُمُ الله بالإختلافِ فَأَطَاعُوهُ؟ أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ؟ أَمْ أَنْزَلَ اللَّه ديناً ناقصاً فَاسْتَعانَ بِهِمْ عَلى إتمامه؟ أَمْ كانُوا شُرَكَاءَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وعَلَيْهِ أَنْ يَرْضى؟ أَمْ أَنْزَلَ الله ديناً تاماً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ صلی الله علیه واله وسلم عَنْ تبليغه وأَدائِهِ؟ وَالله سُبْحانَهُ يَقُولُ : «ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيءٍ» وقال: «فيه تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ» وذَكَرَ أَنَّ الْكِتابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، وأنَّهُ لا اخْتِلافَ فِيهِ فَقالَ سُبْحانَهُ : «ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدَ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثيراً » وإِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أنيق، وباطِنُهُ عَميق، لا تَفْنى عَجائِبُهُ «ولا تَنْقَضي عَجائِبُهُ خ » ولا تُكْشَفَ الظُّلُماتُ إِلا بِه» (1).)### اللغة(الفتيا بالضم الفتوى و (استقضى) فلاناً طلب إليه أن يقضيه واستقضى صير قاضياً و (التبيان) بالكسر وقد يفتح من المصادر الشاذة إذ المصادر على وزن التفعال لم تجيء إلا بالفتح كالتكرار والتذكار و (الأنيق) كأمير الحسن المعجب.)### الإعرابالضمير في غيره الثاني راجع إلى غيره الأول، وفي بعض النسخ كالاحتجاج فيحكم فيها بخلاف قوله ، فيكون مرجع الضمير فيه وفي غيره الأول واحداً وهو أحدهم، (والواو في قوله وإلههم واحد حالية كاللتين بعدها ، (والهمزة) في قوله أفامرهم للاستفهام على سبيل الانكار الإبطالي على حد قوله : (أناصفيكم ربكم بالبنين) وكلمة (من) في قوله : من شيء ، زائدة في المفعول، وقوله (وإنّ القرآن) (ا ه) جملة استئنافية .)### المعنىإعلم أنه لا بد قبل الخوض في شرح كلامه علیه السلام من تمهيد مقدمة وهي أنه وقع الخلاف


1) الاحتجاج : 389/1

ببین العامة والخاصة في التخطئة والتصويب، وقد عنونه أصحابنا رضي الله عنهم في كتبهم الأصولية وحققوا الكلام فيه بما لا مزيد عليه ، ومحصل ما ذكروه أن الكلام يقع فيه في مقامات أربعة .الأول : أصول العقائد وقد نقل غير واحد من الأصحاب إجماع الكل على أن المصيب فيها واحد وعلى أن المخطىء فيها أثم كافر إن كان نافياً للإسلام، ولم يخالف فيه إلا أبو عبد الله الحسين العنبري والجاحظ فذهبا إلى أنّ الكلّ مصيب ، قال العلامة ليس مرادهما الإصابة من حيث المطابقة في نفس الأمر، بل المراد زوال الحرج والاثم عن المخطىء باعتقاد خلاف الواقع وخروجه عن عهدة التكليف باجتهاده، وربّما عزى الخلاف إلى الأوّل في أصل الإصابة وإلى الثاني في تحقق الإثم على ما ذكره العلامة .وعلى أي تقدير فهو شاذ ضعيف لا يلتفت إليه ، ضرورة بطلان الإصابة واستحالتها ببديهة العقل، وإلا لزم اجتماع النقيضين في مثل قدم العالم وحدوثه ، وعصمة الإمام وعدمها، ووجود المعاد الجسماني وعدمه.وأما من حيث الإثم فالحق فيه التفصيل بين القصور والتقصير فالمقصر آثم دون القاصر ، وإلا لزم التكليف بما لا يطاق، وهو ظاهر إلا أن الكلام في تحقق الصغرى وأنّ القصور هل هو ممكن موجود؟ وتفصيل الكلام في «الأصول»، ولا يخفى أن ما ذكرناه من أنه لا إثم على الكافر القاصر فإنّما هو في الآخرة، وأمّا في الدنيا فلا يبعد القول بإجراء أحكام الكفر عليه .الثاني: الفرعيات التي استقل العقل بحكمها، فالحق فيها أيضاً من حيث الإصابة هو العدم كما عليه الجمهور حذراً من اجتماع النقيضين في مثل قبح الظلم والعدوان، ومن حيث الإثم وعدم التفصيل بين التقصير والقصور على ما سبق ، ولا خفاء في إمكان القصور هنا بل تحققه غالباً في مطلق الناس، وأما المجتهد فلا يبعد في حقهم دعوى إمكان الوصول إلى الواقع دائماً .الثالث: الفرعيات العملية التي قام الدليل القطعي عليها كالضروريات من العبادات والمعاملات، فالحق فيها أيضاً أن المصيب واحد ، وأما من حيث الإثم ففيه ما مرّ من التفصيل، قال بعض الأصحاب : أما إمكان الخفاء والعدم ففيه في هذا المقام خفاء لكن بعد التأمل يظهر الإمكان نادراً في غير المجتهدين، وأما المجتهدون المتفحصون ففي إمكان الخفاء عليهم لأجل عروض الشبهات إشكال، لكن لو رأينا أحداً أنكر واحتمل في حقه الشبهة أجرينا عليه أحكام المقصر لغلبة التقصير في المنكرين ، وهذه الغلبة معتبرة عندهم في هذا المقام .الرابع: الفرعيات التي لم يستقل العقل بحكمها ولم يقم عليها دليل قطعي ، وهذه هي التي صارت معركة للآراء بينهم، فذهب أصحابنا إلى أن الله سبحانه في كل واقعة حكماً واحداً

معيناً، والمصيب واحد ، ومن أخطأ فهو معذور فلا إثم عليه .وذهب جمهور المخالفين إلى أنه لا حكم معين الله تعالى فيها، بل حكمه تابع لظن المجتهد وظنّ كل مجتهد فيها حكم الله في حقه وحق مقلده ، وكل مجتهد مصيب لحكم الله غير آثم وتصوير الإصابة فيها بوجوه :أحدها : أن الحكم تابع للحسن والقبح وأنهما يختلفان بالوجوه والاعتبارات فحدوث العلم والجهل محدث للصفة والضفة يتبعها الحكم، فرأي المجتهد محدث للحكم، وتكون الأحكام متعلقة على آرائهم .الثاني : أنه تعالى أوجد أحكاماً مقصودة بالأصالة ويطابقها آراء المجتهدين قهراً عليهم.الثالث : أنه تعالى أوجد أحكاماً واقعيّة ويطابقها آراء المجتهدين من باب الاتفاق لا محالة .الرابع : أنّه تعالى لما علم أنّ الآراء تتعلق بالأحكام المخصوصة، فجعل لأجل علمه بذلك أحكاماً فيطابقها، وبعبارة أخرى أنّه تعالى جعل أحكاماً مختلفة في الواقع بحسب اختلاف آراء المجتهدين على ما يعلمه من أن كل واحد منهم لدى التشبث بالأمارة يؤدي ظنه إليه حتى أنه ربما يكون في حق الشخص الواحد أحكاماً مختلفة بحسب الواقع باختلاف الأمارات المتعدّدة في الأزمنة المتدرجة فضلاً الأزمنة المتدرجة فضلاً عن اختلاف الواقعيات اختلاف الواقعيات في حق الأشخاص ويجمعه وسابقه انتفاء الحكم الواقعي المشترك فيه الكلّ ، وإن كان في الوجه الأول بانتفاء المقيد وفي الثلاثة الأخيرة بانتفاء القيد.وكيف كان والتصويب بجميع تصويراته باطل عند أصحابنا نور الله مضاجعهم، وقد أقاموا على بطلانه الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة في كتبهم الأصولية، ودلت نصوصهم المتواترة عن أئمتهم سلام الله عليهم على أن حكم الله سبحانه في الوقائع واحد بحسب الواقع، وإن الله تعالى في كل واقعة حكماً مخزوناً عند أهله أصابه من أصابه، وأخطأه من أخطأه، ومن جملة تلك النصوص كلامه علیه السلام الذي نحن بصدد شرحه حسبما تعرفه إن شاء الله .لا يقال : المستفاد من كلامه علیه السلام وما ضاهاه هو اتحاد الحكم بقول مطلق، وهو ينافي بناء الأصحاب على آرائهم وعملهم بما أدت إليه ظنونهم وتعبّدهم بالعمل بذلك بناء على أنه حكم الله في حق المجتهد وحق مقلده، ضرورة أن الآراء مختلفة فتختلف باختلافها الأحكام جداً.لأنا تقول : أولاً إن كلامه علیه السلام ناظراً إلى العاملين بالقياس والرّأي لا بالكتاب والسنة كما صرح به الفاضل القمي في القوانين .

وأشار إليه الشارح المعتزلي: حيث قال : والمراد الرد على أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية وإفساد قول من قال : كل مجتهد مصيب، وتلخيص الاحتجاج من وجوه خمسة، ذكر الوجوه الخمسة، ثم قال : واعلم أنّ هذه الوجوه هي التي تتعلق بها الإمامية ونفاة القياس والاجتهاد في الشرعيّات.وثانياً : أن كلامه علیه السلام وإن كان مطلقاً إلا أنه لا بد أن يراد به اتحاد الأحكام الواقعية لقيام الإجماع على تعدّد الأحكام الظاهرية، وعلى أنّ المجتهد متعبد بظنه وتكليفه العمل بما أدى إليه ظنّه الحاصل من الأمارات الشرعية كظواهر الكتاب والسنة وأخبار الآحاد وغيرها.فإن قلت: إذا كان تكليف المجتهد التعبد بظنه والعمل بمؤدّيات الظنونات ، واختلفت الأحكام باختلافها فلا فرق حينئذ بين المصوبة والمخطئة إذ مال القولين كليهما إلى تعدّد الأحكام بتعدد الظنونات فيكون الحكم الشرعي تبعاً للظنّ.قلت : الفرق بينهما واضح ، ضرورة أن القائلين بالتصويب يقولون بتبعية الأحكام الواقعية لعلم المجتهد أو ظنّه، وأن العلم أو الظنّ يوجب جعل الحكم في حقه في الواقع، فما لم يحصل له علم أو ظن لا يكون في حقه حكم واقعاً .وأما القائلون بالتخطئة فيقولون : إنّ الله سبحانه حكمين واقعي، وهو الذي كلّفنا به أولاً لولا جهل المكلف المانع من تعلق التكليف به ، وحكم ظاهري وهو الذي يجب علينا البناء عليه والتعبد به في ظاهر الشرع بمقتضى الأمارات الشرعية، سواء علمنا مطابقته للأوّل، أو ظنناه، أو شككناه، أو ظننا مخالفته، أو علمنا بالمخالفة كما هو في بعض الفروض.وبعبارة أخرى مقتضى القول بالتصويب هو كون الحكم من أصله تابعاً للأمارة بحيث لا يكون في حق الجاهل مع قطع النظر عن وجود الأمارة وعدمها حكم، فتكون الأحكام مختصة في الواقع بالعالمين بها ، والجاهل مع قطع النظر عن قيام إمارة عنده على حكم العالمين لا حكم له أو محكوم بما يعلم الله أن الأمارة تؤدّي إليه .ومقتضى القول بالتخطئة هو أن في الواقع حكماً مشتركاً بين الكل، وعليه فإن حصل للمكلّف علم به أو ظن مطابق له فهو ، والا فتكليفه العمل بما أدّى إليه ظنّه في ظاهر الشرع ويكون ذلك واقعياً ثانوياً في حقه.فإن قلت: إذا كان تكليفه عند عدم حصول العلم بالواقع هو العمل بالظن فلا تفاوت بین أن نقول: إنّ هناك حكماً واقعياً وراء المظنون كما يقوله المخطئة، وبين أن نقول : بأن لا حكم هنا وراء المظنون ، ومحصله عدم ثمرة عمليه بين القولين وعدم فائدة تترتب على الخلاف في مقام العمل .قلنا : الثمرة إنما تظهر إذا انكشف له الحال بعد العمل بالظن بأن حصل له العلم بالواقع

وكان ظنّه الذي عمل به مخالفاً للواقع فيلزمه الإتيان به ثانياً على القول بالتخطئة لأن مطلوب الشارع في المقام حقيقة هو الواقع، وإنما تعلق التكليف بالظاهر نظراً إلى اشتباه المكلف وعجزه عن الوصول إلى الواقع .وتحقيق ذلك أن مؤديات الطرق الشرعيّة على القول بالتصويب مجعولات في الواقع ليس للمكلف في الواقع تكليف وراءها، فحالها مثل حال الأوامر الواقعية الاختيارية لا إشكال في إجزائها بل لا يتصوّر انكشاف الخلاف فيها أصلاً، وأما على القول بالتخطئة فإنّما تترتب عليها الآثار الشرعية مع عدم حصول العلم بخلافها، ومع قصور المكلف عن الوصول إلى الواقع، وأمّا بعد انكشاف الخلاف وحصول علمه بالواقع فيكون مكلفاً به ويرجع الأمر إلى التكليف الأَوّل، فإن كان الوقت باقياً وجب الإعادة بمقتضى الأصل لبقاء التكليف ووجوب الامتثال ، وإن كان فائناً وجب القضاء لو دلّ دليل على وجوب القضاء لصدق الفوات .ثمّ إن هذا كله مبني على ما ذهب إليه غير واحد من متأخري أصحابنا من جعلهم مسألة الإجزاء من متفرعات مسألة التخطئة والتصويب وبنوا الأجزاء على التصويب وعدمه على التخطئة إلا أنّ الشأن عدم تماميّة التفريع في الطرفين لعدم الملازمة بين التخطئة وعدم الإجزاء، بل مع القول بها مجال للإجزاء وعدمه ، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى الأصول، فليرجع إليه .وإذا تمهد لك هذه المقدمة فلنرجع إلى شرح كلامه علیه السلام فنقول: إنه صدر كلامه ببيان حال العلماء السوء العاملين بالآراء تعريضاً عليهم ببطلان عملهم بالرأي وتوبيخاً لهم على ذلك، ثم أردفه بالإشارة على بنائهم عليه من القول بالتصويب في الأحكام المختلفة المتشعبة عن الآراء المتشتتة، ونبه على بطلان ذلك البناء وفساد هذا القول بالوجوه الآتية فقال :(ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام الشرعية (فيحكم فيها برأيه) أي بظنونه الأدلة الشرعية والمآخذ المنتهية إلى الشارع بل من الاستحسانات العقلية)المأخوذة لا من والقياسات الفقهية (ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره أي: على غير القاضي الأول (فيحكم فيها بخلاف قوله) أي : قول الأول استناداً إلى رأيه الفاسد ونظره الكاسد أيضاً، كما كان استناد الأول في حكمه إليه .)(ثم يجتمع القضاة بذلك الحكم المختلف (عند الإمام ) الضال ورئيسهم المضل (الذي استقضاهم) وصيّرهم قاضياً (فيصوب آرائهم جميعاً ) ويحكم بكون الأحكام المختلفة الصادرة عنهم في قضية شخصية كلها صواباً مطابقاً للواقع (و) هو باطل بالضرورة، لأنّ (إلههم واحد ونبتهم واحد وكتابهم واحد ) وليس لكلّ منهم إله يحكم بحكم مخالف لحكم اله الآخر، ويرسل على ذلك رسولاً وينزل على ذلك كتاباً حتى يسند كلّ منهم حكمه المخالف لحكم)

الآخر إلى الهه، وإذا ثبت وحدة الإله سبحانه فلا بد أن يكون الحكم الواقعي واحداً إذ الوجوه المتصوّرة لاستناد تعدد الأحكام واختلافها حينئذ إليها أمور كلها باطلة بحكم العقل والنقل، كما أشار إليها بقوله : (أفأمرهم الله بالاختلاف فأطاعوه ، أم نهاهم عنه فعصوه مفاد (همزة) الاستفهام المفيدة للإنكار على سبيل الإبطال مع (أم) المنقطعة المفيدة للإضراب مفادها في قوله تعالى :)(قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس : 59] . فيدلّ الكلام على ذلك، على أن اختلافهم ليس مأموراً به بل منهي عنه ، فيكونون

عاصين فيه ، أما أنه ليس مأموراً به فلعدم ورود أمر بذلك في الكتاب والسنة، وأما أنه منهي عنه فلدلالة العقل والنقل على ذلك، أما العقل فلتقبيح العقلاء من يتكلف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى فضلاً عمّا علم بعدم وروده، وأمّا النقل فمن الكتاب الآية السابقة حيث دلت على أنّ ما ليس بإذن من الله فهو افتراء له ، ومن المعلوم أن الافتراء حرام ومنهي عنه وقوله :

(ومَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأَوْلَيكَ هُمُ الكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: 44] وقوله (وَمَن لَّمْ

يحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَبكَ هُمُ الظَّلِمُونَ ﴾ [المائدة : 45] .

فإنّ الحكم بالرأي الذي هو منشأ للاختلاف حكم بغير ما نزل من الله سبحانه إذا العمل بالرأي والقياس إنما هو فيما لم يتبيّن حكمه في الكتاب والسنّة كما هو ظاهر.

ومن السنة ما رواه محمّد بن خالد عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنّة : رجل قضى بالجور وهو يعلم فهو في النّار، ورجل قضى بالجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النّار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة» (1)

ووجه الدلالة غير خفي حيث إن المستفاد منه أن القضاء بما لا يعلم سواء كان حقاً أو جوراً موجب لدخول النار فيكون محرماً منهياً عنه، ومن المعلوم أنّ القضاء بالآراء المختلفة قضاء بما لا يعلم فيكون منهياً عنه، وستعرف توضيح ذلك بما لا مزيد عليه في التنبيه الآتي ، وكيف كان فقد تحصل مما ذكرناه أن الاختلاف ليس مأموراً به بل منهي عنه ، هذا .

ولما نبه علیه السلام على بطلان كون الاختلاف بأمر منه سبحانه أردفه بسائر الوجوه التي يحتمل كونه بسببها مما هو ضروري البطلان ، وهي بحسب الاستقراء منحصرة في ثلاثة إذ اختلافهم في دينه وشرعه وحاجتهم إلى ذلك إما أن يكون مع نقصانه أو مع تمامه، وتقصير


1) المهذب البارع : 455/4، والكافي للحلبي : 427 .

الرسول في أدائه، وعلى الوجه الأول فذلك الاختلاف إنّما يكون على أحد وجهين: أحدهما أن يكون إتماماً لذلك النقصان أو على وجه أعم من ذلك وهو كونهم شركاءه في الدين، وقد أشار علیه السلام إلى الوجه الأول بقوله : (أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه) وإلى الثاني بقوله : (أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى)، وإلى الثالث بقوله : (أم أنزل الله ديناً تاماً فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه) .

ثم استدل على بطلان الوجوه الثلاثة بقوله : ( والله سبحانه يقول) في سورة الأنعام (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (وقال) (فيه تبيان كل شيء) وهذا مضمون آية في سورة النحل وهو قوله تعالى :

(وَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْنَا لِكُلِّ شَىءٍ ) [النحل: 89] .

ومثلها قوله سبحانه في سورة الأنعام:

وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كتب مبين [الأنعام: 59] .)فإنّ دلالة هذه الآيات على بطلان الوجهين الأولين واضحة ، ضرورة أنّ الكتاب الحكيم إذا لم يترك فيه شيء ولم يفرط فيه من شيء بل كان فيه بيان كلّ شيء وكل رطب ويابس، فلا بد أن يكون الدين بتمامه منزلاً فيه ، وحينئذ فلا يكون فيه نقصان حتى يستعان بهم على إتمامه أو يأخذهم شركاء له في أحكامه، فالقول يكون الدين ناقصاً باطل بنص القرآن وحسبان الاستعانة والافتقار بهم على الإتمام أو كونهم مشاركين له في الأحكام كفر وزندقة بالبديهة والعيان، وأما دلالتها على بطلان الوجه الثالث فهي أيضاً ظاهرة بعد ثبوت عصمة النبي صلى الله عليه واله وسلم وعدم إمكان تصوير التقصير منه صلی الله علیه واله وسلم في التبليغ وقد قال تعالى :(قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَانُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُم إلى مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى [الأنعام: 50].)روى الصدوق في «العيون» عن الرضا علیه السلام أنه سئل يوماً، وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم في الشيء الواحد فقال علیه السلام: «إن الله عزّ وجلّ حرّم حراماً وأحل حلالاً وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحل الله أو رفع فريضة في كتاب الله رسمها قائم بلا نسخ نسخ ذلك، فذلك شيء لا يسع أَخذ به، لأن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لم يكن ليحرم ما أحل الله ولا ليحلل ما حرم الله ولا ليغير فرائض الله وأحكامه ، وكان في ذلك كله متبعاً مسلماً مؤيداً عن الله عزّ وجلّ، وذلك قول الله عزّ وجلّ: (إنّ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى [الأنعام: 50] فكان متبعاً مؤدياً عن الله ما أمر به من تبليغ الرسالة (1))


1) عيون أخبار الرضا (علیه السلام) : 23/1، والوسائل : 113/27

ثمّ إنّه بعد ما تحصل من كلامه بطلان كون الاختلاف جائزاً ومأذوناً فيه، وبأمر من الله سبحانه، أكد ذلك بالتصريح على دليل ذلك بقوله : (وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضاً وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه في سورة النساء (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله )أي من كلام غيره سبحانه (لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).)وتقريب الاستدلال بها أنّ القرآن مدرك الدين ومشتمل على الأحكام الشرعية، وقد أخبر الله سبحانه بأنه لا يوجد فيه اختلاف، لكونه من عنده فلا يوجد فيه أحكام مختلفة من حيث إن نفي العام مستلزم لنفي الخاص فإذن لا يكون الاختلاف في الأحكام من عنده سبحانه ومأذوناً فيه وهو واضح .قال الطبرسی في «مجمع البيان » وهذه الآية تضمّنت الدّلالة على أن التناقض من الكلام لا يكون من فعل الله، لأنه لو كان فعله لكان من عنده لا من عند غيره، والاختلاف في الكلام يكون على ثلاثة أضرب : اختلاف تناقض، واختلاف تفاوت ، واختلاف تلاوة ، واختلاف التفاوت يكون في الحسن والقبح والخطأ والصواب مما تدعو إليه الحكمة وتصرف عنه ، وهذا الجنس من الاختلاف لا يوجد في القرآن كما لا يوجد اختلاف التناقض، وأما اختلاف التلاوة فهو كاختلاف وجوه القرآن واختلاف مقادير الآيات والسور ، واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فذلك موجود في القرآن وكله حق وصواب(1.)ثمّ إنّه علیه السلام أردف كلامه بالتنبيه على أن الكتاب العزيز وافٍ بجميع المطالب إذا تدبّروا معناه ولاحظوا أسراره فقال : (وإنّ القرآن ظاهره أنيق أي حسن معجب بأنواع البيان وأصنافه وغرابة الأسلوب وحسنه وإئتلاف النظم واتساقه (وباطنه عميق ) لاشتماله على أنواع الحكم من أمر بحسن ونهي عن قبيح وخبر عن مخبر صدق ودعاء إلى مكارم الأخلاق وحث على الخير والزهد واشتماله على تبيان كلّ شيء وعلى ما كان وما يكون وما هو كائن .)كما قال الصادق علیه السلام في «رواية العياشي »: «نحن والله نعلم ما في السماوات وما في الأرض وما في الجنة وما في النار وما بين ذلك»، ثمّ قال: إن ذلك في كتاب الله ثم تلا قوله تعالی (2:)(ونزلنا عليك الكتب بينا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل : 89] .)وفي «الكافي » عنه علیه السلام إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنّة وأعلم ما في النّار، وأعلم ما كان وما يكون ، ثم سكت هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من


1) تفسیر مجمع البيان: 142/3.

2) تفسير العياشي : 266/2

سمعه منه فقال : علمت ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ إنّ الله يقول : فيه تبيان كل شيء (ولا تفنى عجائبه أي الأمور المعجبة منه (ولا تنقضي غرائبه ) أي : النكت الغريبة فيه (ولا تكشف الظلمات) أي : ظلمات الشبهات (إلا به) أي بسواطع أنواره ولوامع أسراره .)### تنبیهقد تحصل مما ذكرنا كله أن مقصود الإمام علیه السلام بهذا الكلام من أوله إلى آخره هو المنع عن العمل بالرأي وإبطال الاختلاف في الأحكام المتشعبة عن الآراء المختلفة وإفساد القول بالتصويب فيها، وهذا كله موافق لأصول الإمامية رضوان الله عليهم ومطابق لأخبارهم المتواترة المأثورة عن العترة الطاهرة، ولا بأس بالإشارة إلى بعض تلك الأخبار تثبيتاً للمرام وتوضيحاً لكلام الإمام علیه السلام .فمنها ما رواه ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني قدّس الله روحه في« الكافي» عن محمد بن أبي عبد الله رفعه عن يونس بن عبد الرحمن قال: قلت لأبي الحسن الأول علیه السلام فقال : «يا يونس لا تكونن مبتدعاً من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه ضل، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر » (1.)وعن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة قال : حدثني جعفر علیه السلام أبيه أن علياً علیه السلام قال: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس ومن دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس»، قال : وقال أبو جعفر علیه السلام: «من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضاد الله، حيث أحلّ وحرّم فيما لا يعلم » (2.)والظاهر أنّ المراد بالإلتباس هو التخليط بين الحق والباطل ، وبالارتماس الانغماس في ظلمات الشبهة والضلالة، فالالتباس باعتبار استخراج الأحكام بالرأي والقياس، لأنه يلتبس عليه الأمور ويشتبه عليه الحق والباطل ، والارتماس باعتبار العمل بتلك الأحكام ، قال المجلسي (قدس الله سره في قوله فقد ضاد الله : أي جعل نفسه شريكاً الله .)وعن عليّ بن محمّد بن عيسى عن يونس عن قتيبة قال سأل رجل أبا عبد الله علیه السلام عن مسألة فأجابه فيها فقال الرّجل : أرأيت إن كان كذا وكذا وما يكون القول فيها؟ فقال له : مه ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لسنا من (أرأيت في شيء.)قال المجلسي: لمّا كان مراده أخبرني عن رأيك الذي تختاره بالظن والاجتهاد نهاه علیه السلام


1) الكافي : 56/1 ح 10.

2) الكافي : 58/1 ح 17 .

عن هذا الشيء من الظنّ وبين أنّهم لا يقولون شيئاً إلا بالجزم واليقين، وبما وصل إليه من سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين (1.)ومنها ما في «الوسائل» عن أحمد محمد بن خالد البرقي في «المحاسن » عن أبيه عمّن ذكره عن أبي عبد الله علیه السلام في رسالته إلى أصحاب الرأي والقياس : أما بعد فإنّ من غيره إلى دينه بالارتياء والمقاييس لم ينصف ولم يصب حظه، لأن المدعو إلى ذلك أيضاً لا يخلو من الارتياء والمقاييس، ومتى لم يكن بالدّاعي قوّة في دعائه على المدعو لم يؤمن على الداعي أن يحتاج إلى المدعو بعد قليل، لأنا قد رأينا المتعلم الطالب ربّما كان فائقاً لمعلمه ولو بعد حين، ورأينا المعلم الدّاعي ربّما احتاج في رأيه إلى رأي من يدعو، وفي ذلك تحير الجاهلون وشك المرتابون وظن الظانون ولو كان ذلك عند الله جائزاً لم يبعث الله الرّسل بما فيه الفصل ولم ينبه عن الهزل ولم يعب الجهل، ولكن النّاس لما سفهوا الحق وغمطوا النعمة واستغنوا بجهلهم وتدابيرهم عن علم الله واكتفوا بذلك عن رسله ، والقوّام بأمره وقالوا لا شيء إلا ما أدركته عقولنا وعرفته ألبابنا فولاهم الله ما تولوا وأهملهم وخذلهم حتى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون ، ولو كان الله رضي منهم اجتهادهم وارتيائهم فيما ادعوا من ذلك لم يبعث إليهم فاصلاً لما بينهم ولا زاجراً عن وصفهم (2.)وإنّما استدللنا أن رضاء الله غير ذلك ببعثة الرّسل بالأمور القيمة الصحيحة والتحذير من الأمور المشكلة المفسدة، ثم جعلهم أبوابه وصراطه والأدلاء عليهم بأمور محجوبة عن الرأي والقياس، فمن طلب ما عند الله بقياس ورأى لم يزدد من الله إلا بعداً، ولم يبعث رسولاً قط، وإن طال عمره قائلا من الناس خلاف ما جاء به حتى يكون متبوعاً مرّة وتابعاً أخرى ، ولم ير أيضاً فيما جاء به استعمل رأياً ولا مقياساً حتى يكون ذلك واضحاً عند الله كالوحي من الله ، وفي ذلك دليل لكلّ ذي لب وحجي أن أصحاب الرأي والقياس مخطئون مدحضون.والأخبار في هذا المعنى فوق حد الإحصاء وقد عقد في «الوسائل» كالكافي باباً لعدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس ونحوها من الاستنباطات الظنية في الأحكام الشرعية من أراد الإطلاع فليرجع إلى الكتابين ، والله الهادي ..


1) :البحار 299/2 .

2) محاسن البرقي: 209/1 ، والوسائل : 27/ 50

### الترجمةاز جمله کلام بلاغت نظام آن امام عالمیان است در مذمت اختلاف علما درفتواها که استغنا ورزیده اند به جهت عمل به آراء از ائمه هدى (عليهم السلام :وارد میشود بر یکی از آنها قضیه در حکمی از حکمها پس حکم میکند آن قضیه به رأی فاسد و نظر کاسد خودش که مستند است به استحسانات عقلیه و قیاسات ظنیه، بعد از آن وارد میشود همین قضیه شخصیه بر غیر آن حاکم پس حکم می کند آن حاکم ثانی در همان قضیه به خلاف قول حاکم اول ، بعد از آن جمع میشوند قاضیان به آن احکام نزد پیشوای خودشان که آنها را قاضی نموده است، پس حکم میکند کند به صواب بودن رأیهای همه ایشان و حال آن که این تصویب فاسد است، به جهت این که خدای ایشان یکی است و پیغمبر ایشان یکی است و کتاب ایشان یکی است .)پس آیا امر نموده است خداوند ایشان را به اختلاف؟ پس اطاعت کرده اند را یا این که نهی فرموده است ایشان را از آن اختلاف؟ پس معصیت کرده اند ایشان به او یا آن که خداوند فرو فرستاده دین ناقصی پس یاری خواسته به ایشان در اتمام آن یا این که بودهاند ایشان شریکان خداوند رحمن، پس ایشان راست این که بگویند و مراور است این که راضی بشود به گفتار ایشان چنان که شان شریکان با همدیگر این است یا این که فرو فرستاده خداوند دین تمامی پس تقصیر کرده حضرت رسالت مآب (صلی الله علیه واله وسلم از رسانیدن و ادا نمودن آن بر انام.)و حال آن که حق تعالی فرموده در کتاب مجید خود که : ما تقصیر نکرده ایم در کتاب خود از هیچ چیز در هیچ باب و در آن کتاب است بیان هر چیزی و ذکر فرموده این که به درستی که قرآن تصدیق کننده است بعضی از آن مربعض دیگر را و به درستی که به وجه من الوجوه در آن اختلاف نیست ، پس فرموده است که : اگر بودی این کتاب عزیز از نزد غیر پروردگار هر آینه یافتندی در آن اختلاف بسیار و به درستی که ظاهر قرآن حسن است و معجب و باطن آن عمیق است و بی پایان ، فانی نمیشود سخنان عجیبه آن و به نهایت نمی رسد نکته های غریبه آن و زایل نمی شود ظلمات شبهات مگر به انوار آیات باهرات آن .

## ومن كلام له علیه السلام وهو التاسع عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها### اشارةقاله للأشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب فمضى في بعض كلامه علیه السلام شيء اعترضه الأشعث فقال يا أمير المؤمنين : هذه عليك لا لك، فخفض علیه السلام إليه بصره ثم قال علیه السلام له :«وَما يُدْرِيكَ ما عَلَيَّ وَمالي؟ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللهِ ولَعْنَةُ اللأعِنينَ، حائِكُ بْنُ حاتِكِ، مُنافِقُ بْنُ كافِرِ، وَالله لَقَدْ أَسَرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةً وَالإِسْلامُ أُخرى، فَما فَداكَ مِنْهُما مالكَ وَلا حَسَبُكَ، وَإِنَّ امْراً دَلْ عَلى قَوْمِهِ السَّيْفَ، وسافَ إِلَيْهِمُ الْخَلْفَ لَحَرِي أَن يَمْقْتَهُ الأَقْرَبُ، وَلا يَأْمَتَهُ الأَبْعَد »(1.)أقول : يريد أنه أسر في الكفر مرّة وفي الإسلام مرّة، وأما قوله : دلّ على قومه السيف فاراد به حديثاً كان للأشعث خالد بن الوليد باليمامة غرّ فيه قومه ومكر بهم حتى أوقع بهم خالد، وكان قومه بعد ذلك يسمونه عرف النّار، وهو اسم للغادر عندهم .### اللغة(خفض إليه بصره طأطأه و (الحائك) بالهمزة الناسج و (الفداء) ما يفديه الأسير لفك رقبته و (الحتف) الموت و (العرف) الرمل والمكان المرتفعان .)قال الشارح البحراني، وأما استعارتهم له عرف النار فلان العرف عبارة عن كلّ عال مرتفع، والأعراف في القرآن الكريم سور بين الجنة والنار، ولما كان من شأن كلّ عال مرتفع أن يستر ما وراءه وكان الغادر يستر بمكره وحيلته أموراً كثيرة وكان هو قد غرّ قومه بالباطل وغدر بهم ، صدق عليه بوجه الاستعارة لفظ عرف النار لستره عليهم لما وراءه من نار الحرب أو نار الآخرة إذ حملهم على الباطل.أقول: روى في «المجلد التاسع » من «البحار» في الباب المائة والثلاثة عشر المتضمّن للأخبار الغيبية لأمير المؤمنين علیه السلام عن الحسن بن علي علیه السلام في خبر أن الأشعث بن قيس الكندي بني في داره ميذنة وكان يرقي إليها إذا سمع الأذان في أوقات الصلاة في مسجد جامع الكوفة فيصيح من أعلى ميذنته : يا رجل إنّك لكذاب ساحر، وكان أبي يسميه عنق النار، وفي رواية : عرف النار ، فسئل عن ذلك فقال : إنّ الأشعث إذا حضرته الوفاة دخل عليه عنق من النار ممدودة من السماء فتحرقه فلا يدفن إلا وهو فحمة سوداء، فلما توفي نظر سائر من حضر


1) :البحار (3132 ، والأصول الأصلية للفيض: 124.

إلى النار وقد دخلت عليه كالعنق الممدود حتى أحرقته وهو يصيح ويدعو بالويل والثبور (1.)والميذنة بالكسر موضع الآذان والمنارة، وقد ظهر من هذه الرواية سبب تسميته بعرف النار ، وأنه ليس سببها ما توهمه البحراني (رحمت الله .)### الإعرابكلمة (ما مرفوع المحلّ على الإبتداء ، ( ويدريك) خبره ، ( وماء) الثانية في موضع رفع على الإبتداء، (ويدريك) معلق لتضمّنه معنى الاستفهام وعلى خبره ، والجملة متعلقة بيدريك في موضع المفعول الثاني على حد قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْحَاقَّةُ ) [الحاقة : 3] قال الثوري : يقال : للمعلوم ما أدريك ولما ليس بمعلوم ما يدريك في جميع القرآن (وحائك) مرفوع على أنّه خبر لمبتدأ محذوف ، أي أنت حائك، أو على النداء بحذف حرف النداء، أو منصوب بتقدير الفعل المحذوف أي أذمّ حائك بن حائك على حد قوله : ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب) [المسد : 4] فتأمل .

المعنى

إعلم أن هذا الكلام (قاله علیه السلام للأشعث بن قيس ) الأشخ لأنه شج في بعض حروبه وهو من بني كندة واسمه معدي كرب، وكان أشعث الرأس أبداً فغلب الأشعث عليه حتى نسي اسمه وكيف كان فقد قاله (وهو على منبر الكوفة يخطب ) خطبة يذكر فيها أمر الحكمين ، وذلك بعد ما انقضى أمر الخوارج (فمضى في بعض كلامه شيء) وهو أنه قام إليه رجل من أصحابه وقال له : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فما ندري أي الأمرين أرشد؟ فصفق علیه السلام بإحدى يديه على الأخرى وقال : هذا جزاء من ترك العقدة (2)أي جزائي حيث وافقتكم على ما الزمتموني به من أمر التحكيم، وترك الحزم (3).

فلمّا قال ذلك (اعترضه الأشعث) لشبهة وجدها في نفسه من تركه علیه السلام وجه المصلحة و اتباع الأراء الباطلة وأراد إفحامه (فقال يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك ) وجهل أو تجاهل وجه المصلحة قد يترك محافظة على أمر أعظم منه ومصلحته أهم فإنه علیه السلام لم يترك العقدة إلا خوفاً من أصحابه أن يقتلوه كما ستطلع عليه في قصتهم، هذا.

وقال الشارح المعتزلي : إنّ الشيء الذي اعترضه الأشعث في كلامه هو أنه كان مقصوده


1) کتاب سليم : 214 ، والبحار : 306/41.

2) العقدة: الحزم والرأي.

3) الاحتجاج : 273/1

بقوله: هذا جزاء من ترك العقدة هذا جزاؤكم إذ تركتم الرّأي والحزم وأصررتم على إجابة القوم إلى التحكيم، فظنّ الأشعث أنه أراد هذا جزائي حيث تركت الرّأي والحزم وحكمت لأنّ هذه اللفظة محتملة ألا ترى أنّ الرّئيس إذا شعب عليه جنده وطلبوا منه اعتماد أمر ليس بصواب فوافقهم تسكيناً لشغبهم لا استصلاحاً لرأيهم، ثم ندموا بعد ذلك، قد يقول هذا جزاء من ترك الرأي وخالف وجه الحزم ؛ ويعني بذلك أصحابه وقد يقوله يعني به نفسه حيث وافقهم أمير المؤمنين علیه السلام إنما عنى ما ذكرناه دون ما خطر للأشعث (1).

(ف) لما قال له هذه عليك لا لك (خفض علیه السلام إليه بصره ) وطأطأه (ثم قال له : وما يدريك ما علي ممّا لي ) إشارة إلى جهله وعدم جواز الاعتراض من مثله عليه سلام الله عليه ، ثم اتبعه الطرد والأبعاد عن رحمة الله سبحانه وقال (عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين) واستحقاقه بذلك من حيث كونه من المنافقين في خلافته علیه السلام وهو في أصحابه كعبد الله بن أبي بن سلول في أصحاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كل واحد منهما رأس النفاق في زمانه، كما يدلّ عليه اعتراضه عليه علیه السلام ويشهد به شهادته علیه السلام بأنه منافق ابن كافر، ولا شك أن المنافق مستحق للعن والطرد لقوله تعالى :

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَبِ أُوْلَيكَ يلْعَهُمُ اللهُ وَيَلْعَهُمُ العنون ) [البقرة : 159].

ويدلّ على كفره ونفاقه صريحاً ما رواه الشارح المعتزلي عن أبي الفرج الأصبهاني في شرح كلام الخامس والستين في ذكر كيفية شهادة أمير المؤمنين علیه السلام، قال : قال أبو الفرج : وقد كان ابن ملجم لعنه الله أتى الأشعث بن قيس في هذه الليلة فخلا به في بعض نواحي المسجد ومرّ بهما حجر بن عدي فسمع الأشعث وهو يقول : ابن ملجم النجا النّجا بحاجتك فقد فضحك الصبح ، قال له حجر: قتلته يا أعور ، وخرج مبادراً إلى علي علیه السلام وقد سبقه ابن ملجم وضربه ، وأقبل حجر والناس يقولون : قتل أمير المؤمنين علیه السلام .

قال أبو الفرج : وللأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين علیه السلام أخبار يطول شرحها .

منها أنه جاء الأشعث إلى علي علیه السلام يستأذن عليه فردّه قنبر فأدمى الأشعث أنفه فخرج علي علیه السلام وهو يقول : مالي ولك يا أشعث أما والله لو لعبد ثقيف تمرست لا قشعرت شعيراتك، قيل: يا أمير المؤمنين من عبد ثقيف؟ قال غلام لهم لا يبقى أهل من العرب إلا أدخلهم ذلاً، قيل يا أمير المؤمنين كم يلي أو كم يمكث؟ قال : عشرين إن بلغها .


1) شرح نهج البلاغة : 296/1 .

وقال أبو الفرج: إنّ الأشعث دخل على علي علیه السلام فكلمه فأغلظ علي له فعرض له الأشعث أن سبقتك به فقال له علي علیه السلام: «أبالموت تخوفني أو تهددني؟ فوالله ما أبالي وقعت على الموت أو وقع الموت علي »(1).

أقول : وأشار بعيد ثقيف إلى حجاج بن يوسف الثقفي والمستفاد من رواية أبي مخنف المروية في «البحار »أن حضور الأشعث تلك الليلة في المسجد إنّما كان لمعونة ابن ملجم لعنه الله على قتله علیه السلام، وفي «الكافي » عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين ، وابنته جعدة سمّت الحسن، وابنه محمّد شرك في دم الحسين عليهم السلام (2)

ثم غيره علیه السلام بأنه (حائك بن حائك ) والمراد بهما إمّا معناهما الحقيقي لما روى أنه كان هو وأبوه ينسجان برود اليمن وليس هذا ممّا يخص بالأشعث بل أهل اليمن كلهم يعيرون بذلك كما قال خالد بن صفوان : ما أقول في قوم ليس فيهم إلا حائك برد، أو دابغ جلد، أو سایس قرد ، ملكتهم امرأة، وأغرقتهم فارة، ودلّ عليهم هدهد.

وإما معناهما المجازي، وهو حائك الكذب على الله ورسوله ووليه كما هو شأن المنافق والكافر.

ومن ذلك ما رواه في «الوسائل » مرفوعاً إلى أبي عبد الله علیه السلام قال ذكر الحائك عند أبي عبد الله علیه السلام أنه ملعون ، فقال : «إنّما ذلك الذي يحوك الكذب على الله ورسوله » وعلى هذا المعنى فإرداف اللعن به يكون إشارة إلى علة الاستحقاق له، هذا (3).

والأظهر أنه وارد على سبيل الاستعارة إشارة إلى نقصان عقله وقلة تدبيره واستعداده، كما أنّ الحائك ناقص العقل، إما من حيث كون معاشرته غالباً مع النساء والصبيان كالمعلمين، ولا شك أن المخالطة مؤثرة .

ولذلك قال الصادق علیه السلام :« لا تستشيروا المعلمين ولا الحوكة فإنّ الله قد سلبهم عقولهم » (4)مبالغة في قصور عقلهم .

وفي حديث آخر عنه علیه السلام أنه قال: «عقل أربعين معلماً عقل حائك، وعقل أربعين حائكاً عقل امرأة، والمرأة لا عقل لها ».


1) مقاتل الطالبين : 21.

2) الكافي : 167/8 187 ، والبحار : 228/42.

3) الكافي : 340/2 ح 10.

4) مستدرك الوسائل : 98/13 ، ونور البراهين: 362/2.

وإما من حيث إن ذهنه عامة وقته مصروف إلى جهة صنعته مصبوب الفكر إلى أوضاع الخيوط المتفرّقة وترتيبها ونظامها محتاجاً إلى حركة يديه ورجليه كما أن الشاهد له يعلم من حاله أنه مشغول الفكر عمّا وراء ما هو فيه غافل عما عداه .

ويمكن أن يكون المقصود بالاستعارة الإشارة إلى دناءة النفس ورذالة الطبع والبعد عن الأخلاق ومحاسن الآداب والتخلق بالأوصاف الذميمة والأخلاق الدنية، لاتصاف مكارم الحائك بذلك كله، ولذلك ورد في بعض الأخبار النهي عن الصلاة خلفه، بل ورد أن ولده لا ينجب إلا سبعة أبطن نحو ما ورد في ولد الزنا . وروى القمي في تفسير قوله سبحانه :

(وَهُزَى إِلَيْكِ يجذع النَّخْلَةِ ) [مريم : 25]

إنّه كان ذلك اليوم يوم سوق فاستقبلها الحاكة وكانت الحياكة أنبل صناعة في ذلك الزمان، فأقبلوا على بغال شهب فقالت لهم مريم: أين النخلة اليابسة؟ فاستهزؤا بها وزجروها ، فقالت لهم: جعل الله كسبكم بوراً وجعلكم في النّاس عاراً، ثم استقبلها جمع من التجار فدلوها على النخلة اليابسة فقالت لهم : جعل الله البركة في كسبكم وأحوج الناس إليكم، الحديث .

وروى المحدث الجزائري (رحمت الله) في كتاب زهر الربيع عن شيخنا بهاء الملة والدين أنه دخل رجل إلى مسجد الكوفة وكان ابن عبّاس مع أمير المؤمنين علیه السلام يتذاكران العلم، فدخل الزجل ولم يسلم وكان أصلع الرأس من أوحش ما خلق الله تعالى وخرج أيضاً ولم يسلم .

فقال أمير المؤمنين علیه السلام:« يا ابن عباس اتبع هذا الرجل واسأله ما حاجته ومن أين وإلى أين»، فأتى وسأله فقال: أنا من خراسان وأبي من القيروان وأمي من أصفهان قال : وإلى أين تطلب؟ قال : البصرة في طلب العلم، قال ابن عباس : فضحكت من كلامه فقلت له : يا هذا تترك عليّاً جالساً في المسجد وتذهب إلى البصرة في طلب العلم والنبي صلى الله عليه واله وسلم قال : «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت المدينة من بابها »، فسمعني علي علیه السلام وأنا أقول له ذلك، فقال: يا ابن عباس اسأله ما تكون صنعته، فسألته فقال : إني رجل حائك، فقال علیه السلام: صدق والله حبيبي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حيث قال: «يا علي إياك والحائك، فإنّ الله نزع البركة من أرزاقهم في الدنيا وهم الأرذلون ».

ثم قال علیه السلام : «يا ابن عباس أتدري ما فعل الحياك في الأنبياء والأوصياء من عهد آدم إلى يومنا هذا »، فقال: الله ورسوله وابن عم رسوله أعلم ، فقال علیه السلام: «معاشر الناس من أن يسمع حديث الحائك فعليه بمعاشرة الديلم، ألا ومن مشى مع الحائك قتر عليه رزقه، ومن أصبح به جفی»، فقلت يا أمير المؤمنين ولم ذلك؟

قال علیه السلام: «لأنهم سرقوا ذخيرة نوح ، وقدر شعيب ، ونعلي شيث، وجبة آدم، وقميص

حواء ، ودرع داود، وقميص هود ، ورداء صالح ، وشملة إبراهيم ، ونخوت إسحاق، وقدر يعقوب، ومنطقة يوشع ، وسروال زليخا ، وازار أيوب، وحديد داود، وخاتم سليمان، وعمامة إسماعيل، وغزل سارة ، ومغزل هاجر ، وفصيل ناقة صالح، وإطفاء سراج لوط، وألقوا الرّمل في دقيق شعيب ، وسرقوا حمار العزير وعلّقوه في السقف وحلفوا أنه لا في الأرض ولا في السّماء، وسرقوا مردد «مرودظ» الخضر، ومصلى زكريا، وقلنسوة يحيى، وفوطة يونس، وشاة إسماعيل ؛ وسيف ذي القرنين ومنطقة أحمد ، وعصا موسى ، وبرد هارون ، وقصعة لقمان ، ودلو المسيح ، واستر شدتهم مريم فدلوها على غير الطريق، وسرقوا ركاب النبي، وحطام الناقة ولجام فرسي، وقرط خديجة، وقرطي فاطمة ، ونعل الحسن، ومنديل الحسين ، وقماط إبراهيم ، وخمار فاطمة ، وسراويل أبي طالب ، وقميص العباس، وحصير حمزة ، ومصحف ذي النون ، ومقراض إدريس، وبصقوا في الكعبة، وبالوا في زمزم ، وطرحوا الشوك والعثار في طريق المسلمين .

وهم شعبة البلاء ، وسلاح الفتنة ، ونسّاج الغيبة، وأنصار الخوارج، والله تعالى نزع

البركة من بين أيديهم بسوء أعمالهم، وهم الذين ذكرهم في محكم كتابه العزيز بقوله :

(وكانَ فِي الْمَدِينَةِ يَسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾ [النمل: 48] .

وهم الحاكة والحجّام فلا تخالطوهم ولا تشاركوهم، فقد نهى الله عنهم .

ويناسب هذه الرواية الشعر المنسوب إليه علیه السلام وإن لم أجده في الديوان المعروف نسبته إليه وهو :

لعن الحائك في عشر خصال فعلوها *** بشلنك لنك لنك ومكوك ترحوها

وبرجلين تطق طق وبرأس حركوها *** وبكر كرفرّ هاء هوء نسجوها

سرقوا قدر شعیب وحريص أكلوها *** قتلوا ناقة صالح ثم جاؤوا قسموها

ومناديل رسول سرقوها حرقوها *** وبسبعين نبياً كلهم قد لعنوها

وبالجملة فقد تحصل ممّا ذكرناه أن تعريضه علیه السلام على الأشعث الملعون بأنه حائك بن حائك دلالة على كمال القدح والطعن وأكده بقوله (منافق بن كافر) بحذف حرف العطف إشارة إلى كمال الاتصال المعنوي، ثم أتبعه بقوله : ( والله لقد أسرك الكفر مرّة والإسلام أخرى ) تأكيداً لنقصان عقله وإشارة إلى أنّه لو كان له عقل لما حصل له في الأسر مرتين.

أما أسره الواقع في الكفر فهو على ما رواه الشارح المعتزلي عن ابن الكلبي أنه لما قتلت مراد أباه قيساً الأشخ خرج الأشعث طالباً بثاره ، فخرجت كندة متساندين على ثلاثة ألوية، على أحد الألوية كبش بن هاني بن شرحبيل ، وعلى أحدها القشعم، وعلى أحدها الأشعث فأخطأوا مراداً ولم يقعوا عليهم ووقعوا على بني الحارث بن كعب، فقتل كبش والقشعم وأسر

الأشعث فقدى بثلاثة آلاف بعير لم يفد بها عربي قبله ولا بعده ، فقال في ذلك عمرو بن معد يكرب الزبيدي فكان فداؤه ألفي بعير وألف من طريفات وتله .

وأما أسره الواقع في الإسلام فهو أنّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لما قدمت كندة حجاجاً عرض نفسه عليهم كما كان يعرض نفسه على أحياء العرب، فدفعه بنو وليعة من بني عمرو بن معاوية ولم يقبلوه، فلما هاجر صلی الله علیه واله وسلم وتمهدت دعوته وجاءته وفود العرب جاءه وفد كندة وفيهم الأشعث وبنو وليعة، فأسلموا فأطعم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بني وليعة من صدقات حضرموت، وكان قد استعمل على حضر موت زياد بن لبيد البياضي الأنصاري فدفعها زياد إليهم فأبوا أخذها ، وقالوا : لا ظهر لنا فابعث بها إلى بلادنا على ظهر من عندك، فأبى زياد وحدث بينهم وبين زياد شركاً ويكون حرباً، فرجع منهم قوم إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وكتب زياد إليه صلی الله علیه واله وسلم يشكوهم.

قال الشارح المعتزلي : وفي هذه الواقعة كان الخبر المشهور أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لبني وليعة : لتنتهن يا بني وليعة أو لأ بعثن إليكم رجلاً عديل نفسي يقتل مقاتليكم ويسبي ذراريكم ، قال عمر بن الخطاب : فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول : هو هذا ، فأخذ بيد عليّ وقال هو : هذا (1).

ثم كتب لهم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى زياد فوصلوا إليه الكتاب، وقد توفى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، وطار الخبر بموته إلى قبائل العرب فارتدت بنو وليعة وغنّت بغاياهم وخضبن له أيديهن ، فأمر أبو بكر زياداً على حضرموت وأمره بأخذ البيعة على أهلها واستيفاء صدقاتهم فبايعوه إلا بني

وليعة .

فلما خرج ليقبض الصدقات من بني عمرو بن معاوية أخذ ناقة لغلام منهم يعرف بشيطان بن حجر، وكانت صفية نفيسة اسمها شذرة ، فمنعه الغلام عنها، وقال خذ غيرها فأبي زياد ذلك ولج فاستغاث الشيطان بأخيه الغداء بن حجر، فقال لزياد دعها وخذ غيرها، فأبى زياد ذلك ولج الغلامان في أخذها ولج زياد فهتف الغلامان مسروق بن معدي كرب، فقال مسروق لزياد : أطلقها، فأبى ثمّ قام فأطلقها فاجتمع إلى زياد بن لبيد أصحابه، واجتمع بنو وليعة وأظهرو أمرهم فتبينهم زياد وهم غارون فقتل منهم جمعاً كثيراً، ونهب وسبى ولحق فلهم وذ بالأشعث بن قيس اللعين فاستنصروه، فقال لا أنصركم حتى تملكوني عليكم ، فملكوه وتوجوه كما يتوج الملك من قحطان فخرج إلى زياد في فخرج إلى زياد في جمع كثيف.

وكتب أبو بكر إلى مهاجر بن أبي أمية وهو على صنعاء أن يسير بمن معه إلى زياد، فاستخلف على صنعاء وسار إلى زياد، فلقوا الأشعث فهزموه وقتل مسروق ولجأ الأشعث والباقون إلى الحصن المعروف بالبخير، فحاصرهم المسلمون حصاراً شديداً حتى ضعفوا،


1) البحار : 40/ 75 - 80 ، وشرح نهج البلاغة : 294/1 75/40

ونزل الأشعث ليلاً إلى مهاجر وزياد فسألهما الأمان على نفسه حتى يقدما به على أبي بكر فيرى فيه رأيه على أن يفتح لهم الحصن ويسلم إليهم من فيه .

وقيل: بل كان في الأمان عشرة من أهل الأشعث فآمناه وأمضيا شرطه، ففتح لهم

الحصن فدخلوه واستنزلوا كل من فيه وأخذوا أسلحتهم وقالوا للأشعث : اعزل العشرة ، فعزلهم فتركوهم وقتلوا الباقين وكانوا ثمان مائة ، وقطعوا أيدي النساء اللواتي شمتن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأسروا الأشعث وحملوه إلى أبي بكر موثقاً في الحديد هو والعشرة.

وقيل : إنّه لما حاصره المسلمون وقومه بعث إلى زياد يطلب منه الأمان لأهله ولبعض قومه ، وكان من غفلته أنه لم يطلب لنفسه بالتعيين، فلما نزل أسره زياد وبعث به إلى أبي بكر فسأل أبا بكر أن يستبقيه لحربه فعفا عنه وزوجه اخته أم فروة بنت أبي قحافة.

وكان من جهالته أنه بعد خروجه من مجلس عقد أمّ فروة أصلت سيفه في أزقة المدينة وعقر كلّ بغیر ر راه وذبح كل شاة استقبلها للناس، والتجأ إلى دار من دور الأنصار، فصاح به الناس من كل جانب وقالوا : قد ارتد الأشعث مرة ثانية فأشرف عليهم من السطح وقال: يا أهل المدينة إنّي غريب ببلدكم، قد أولمت بما نحرت وذبحت فليأكل كلّ إنسان منكم ما وجد وليغد إليّ من كان له علي حق حتى أرضيه فدفع أثمانها إلى أربابها، فضرب أهل المدينة به المثل وقالوا : أولم من الأشعث وفيه قال الشاعر:

لقد أولم الكندي يوم ملاكه *** وليمة حمّال لثقل العظائم

فإن قلت : المستفاد مما ذكرته أخيراً مضافاً إلى ما ذكرته سابقاً من أنه فدى عند أسره في الكفر بثلاثة آلاف بعير أنه كان ذا مال وثروة فكيف يجتمع مع قوله علیه السلام :( فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك)؟

قلت : لم يرد علیه السلام به الفداء الحقيقي وإنّما أراد به ما دفع عنك الأسر مالك ولا حسبك وما نجاك من الوقوع فيه شيء منهما .

ثم أردف علیه السلام ذلك كله بالإشارة إلى صفة رذيلة أخرى له أعني صفة الغدر الذي هو مقابل فضيلة الوفاء وقال : (وإنّ امرءاً دل على قومه السيف وقاد إليهم الحتف لحري بأن يمقته الأقرب و) حقيق بأن (لا يأمنه الأبعد ) والمراد به الإشارة إلى ما سبق ذكره منا أنه طلب الأمان لنفسه أولاً مع عشرة من قومه ففتح لزياد ومهاجر باب الحصن وعزل العشرة وأسلم الباقين للقتل فقتلوا صبراً، ولا شك أن من كان كذلك لجدير أن يمقته قومه ولا يأمنه غيرهم.

وأما ما قاله السيد رضي الله عنه من أنه أراد به حديثاً كان للأشعث خالد بن الوليد باليمامة إلى آخر ما مرّ ذكره ، فأنكره الشارحان إلا أن البحراني قال : وحسن الظن بالسيد يقتضي تصحيح نقل السيد (رحمت الله) .

الترجمة

از جمله کلام آن عالی مقام است که گفته است آن را به اشعث بن قيس عليه

اللعنة والعذاب در حالتی که بر بالای منبر کوفه خطبه می فرمود ، پس گذشت در اثنای کلام آن حضرت چیزی که اشعث به آن اعتراض نمود ، پس گفت ای امیرمؤمنان این کلمه که فرمودی بر ضرر تو است نه بر نفع تو ، پس فرود آورد به سوی اشعث چشم خود را بعد از آن فرمود:

و چه دانا گردانید تو را بر آن چه بر من مضر است از آن چه بر من نفع دارد. بر تو باد لعنت خدا و لعنت جميع لعن کنندگان ای جولاه پسر جولاه و منافق پسر کافر .قسم به خدا که اسیر نمودند تو را اهل كفر يك بار و اهل اسلام يك بار دیگر، پس نجات نداد از افتادن تو در دست هر يك از اهل كفر و اسلام مال تو و نه حسب تو و به درستی مردی را که راهنمایی کند بر قوم خود شمشیر برنده را و بکشد به سوی ایشان مرگ و هلاك را ، هر آینه سزاوار است به این که دشمن دارد او را نزديك تر او و خاطر جمع نباشد به او دورتر او ؛ یعنی کسی که متصف باشد به صفت غدر لایق است به این که قوم و بیگانه از او ایمن نشود و به این که او را دشمن بدارند .

ومن خطبة له علیه السلام وهي العشرون من المختار في باب الخطب

اشارة

«فَإِنَّكُمْ لَوْ عاينتُمْ ما قَدْ َعايَنَ مَنْ ماتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ ووَهِلْتُمْ وَسَمِعْتُمْ وأَطَعْتُمْ، وَلكِن مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ ما قَدْ عايَنُوا ، وقريب ما يُطْرَحُ الْحِجَابَ، وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأَسْمِعْتُمْ إن سَمِعْتُمْ ، وهديتُمْ إِن اهْتَدَيْتُمْ ، بِحَقِّ أَقُولُ لَقَدْ جاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ ، وزُجِزْتُم بِما فيهِ مُزْدَجَرٌ، وما يُبلغ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلا الْبَشره» (1).

اللغة

(جزع) الرّجل جزعاً من باب تعب ضعف عن حمل ما نزل به فلم يجد به صبراً و (وهل) كتعب أيضاً فزع و (زجرته) زجراً من باب قتل منعته وازدجر يستعمل لازماً ومتعدّياً و (المزدجر) المتّعظ مفتعل من الزجر، أبدلت (التاء ) دالاً لتوافق (الزاي) بالجهر قال سبحانه: (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر)، أي متعظ وهو بمعنى المصدر أي ازدجار عن الكفر وتكذيب الرّسل .

الإعراب

(قريب) مرفوع على الخبرية، (وما) مصدرية مرفوع المحلّ على الابتداء والجملة بعدها في تأويل المصدر.

المعنى

إعلم أن هذه الخطبة له واردة في إنذار الجاهلين والغافلين بالأهاويل والشدائد الواقعة بعد الموت وحينه فكأنه علیه السلام يقول يا أهل الجهالة والعصيان المتمردين عن طاعة الرحمن، حتام على الدنيا إقبالكم، وبشهوتها اشتغالكم، وقد وخطكم القتير (2)، ووافاكم النذير ، وأنتم عما يراد بكم لاهون، وبلدة يومكم ساهون .

(فإنكم لو عاينتم ) بعين التعين الخالصة عن الشوائب العارية عن الغطاء والحواجب (ما قد عاينه من مات منكم ) قبلكم من غمرات الموت وسكراته ؛ وأهوال القبر وظلماته، وعقوبات البرزخ ونقماته ، وعذاب الآخرة وشدائدها (لجزعتم ووهلتم) وفزعتم لشدّة تلك الأهوال وهول هذه الأحوال (و) (سمعتم) الواعية (وأطعتم) الداعية للملازمة البينة بين معاينة هذه الأمور بعين


1) الكافي: 1/ : 405/1 ح

2) القتير : الشيب، والوخط : أي خالطه الشيب.

اليقين وبين الجزع والفزع والسماع والطاعة لربّ العالمين.

كما شهد به الكتاب المكنون : (إذ لا مجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون) (ولكن) من اعتذر منكم بلسان حالكم بأنه (محجوب عنكم ما قد عاينوه )مستور عنكم ما قد شهدوه، ولذلك ذهلتم وغفلتم ورغيتم في الدنيا وألهتكم لذاتها، وشغلتكم شهواتها ألا إن هذا العذر غير مقبول، وذلك الاعتذار غير نافع (و) ذلك لأنه (قريب ما يطرح الحجاب) حين ما حلّ بك الموت وواراك التراب وشهد عليك الرقيب والعتيد، فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد .

(و) الله (لقد بضرتم ) وصيرتم مبصرين (إن أبصرتم) ونظرتم بعيون ناظرة (واسمعتم) وصيرتم سامعين (إن سمعتم) ووعيتم بإذن واعية (وهديتم إن اهتديتم ) بعقول كاملة وقلوب صافية (بحق أقول لقد جاهرتكم العبر) وعالتكم الأنباء والأثر بالمصائب النازلة على الأمم الماضية، والعقوبات الواقعة في القرون الخالية، وما حلّ بأهل القبور سطوراً بإفناء الدور، ألا ترونهم كيف تدانوا في خططهم ، وقربوا في مزارهم وبعدوا في لقائهم، عمروا فخربوا ، وآنسوا فأوحشوا، وسكنوا فاز عجوا، وقطنوا فرحلوا .

فإنّ في هذه الأمور كلها عبرة لمن اعتبر وتذكرة لمن أذكر (و) مع هذه كلها (زجرتم بما فيه مزدجر) من النهي الأكيد، والوعيد الشديد الوارد في الكتب الإلهيّة والسنن النبوية (و) بعد ذلك كله لم يبق عذر لمن اعتذر و(ما يبلغ عن الله بعد رسل السماء إلا البشر) وما فرّط ولا قصر ، بل بلغ وذكر ، وبشر وأنذر حكمة بالغة فما تغني النذر .

ولنتبع هذه الخطبة الشريفة لأمير المؤمنين وسيد الوصيين بندبة جليلة لسبطه الأجل زين العابدين وسيد الساجدين سلام الله عليهما من ربّ العالمين، لكون تلك الندبة هذه الخطبة مطابقة المضامين مضافاً إلى ما فيها من الفوائد الجمة والمواعظ الحسنة التي يتنبه بها الجاهل عن نوم الغفلة، ويهتدي بها الضال ، عن طريق الضلالة .

وهي ما رواها شاكر بن غنيمة بن أبي الفضل عن عبد الجبار الهاشمي قال: سمعت هذه الندبة من الشيخ أبي بشر بن أبي طالب الكندي يرويها عن أبي عيينة الزهري قال : كان علي بن الحسين علیه السلام يناجي ويقول :

قل لمن قل عزاؤه، وطال بكاؤه، ودام عناؤه ، وبان صبره ، وتقسم فكره ، والتبس عليه أمره، من فقد الأولاد، ومفارقة الآباء والأجداد، والامتعاض بشماتة الحسّاد : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فعل رَبُّكَ بِأَصْحَب الْفِيلِ [الفيل : 1] بعاد إرم ذات العماد شعر :

تعز فكلّ للمنية ذائق *** وكل ابن انثى للحياة مفارق

فعمر الفتى للحادثات ذريئة *** تناهبه ساعاتها والدقائق

كذا تتفاني واحداً بعد واحد *** وتطرقنا بالحادثات الطوارق

فحسّن الأعمال، وجمل الأفعال، وقضر الآمال الطوال ، فما عن سبيل المنية ،مذهب ولا عن سيف الحمام مهرب ، ولا إلى قصد النّجاة مطلب ، فيا أيها الإنسان المتسخط على الزمان، والدّهر الخوّان ، مالك والخلود إلى دار الأحزان ، والسكون إلى دار الهوان، وقد نطق القرآن بالبيان الواضح في سورة الرحمن: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَلِ وَالْإِكْرَاءِ ) [الرحمن : 26-27] شعر :

وفيم وحتى م الشكاية والرّدى *** جموح لآجال البرية لاحق

فكل ابن انثى هالك وابن هالك *** لمن ضمنته غربها والمشارق

فلا بد من إدراك ما هو كائن *** ولا بد من إتيان ما هو سابق

فالشباب للهرم، والصحة للسّقم، والوجود للعدم ، وكلّ حتي لا شك مخترم ، بذلك جرى القلم ، على صفحة اللوح في القدم ، فما هذا التلهف والندم ، وقد خلت من قبلكم الأمم، شعر :

أترجو نجاةً من حياة سقيمة *** وسهم المنايا للخليقة راشق

سرورك موصول بفقدان لذة *** ومن دون ما تهواه تأتي العوائق

وحبّك للدنيا غرور وباطل *** وفي ضمنها للراغبين البوائق

أفي الحياة طمع ، أم إلى الخلود نزع؛ أم لما فات مرتجع، ورحى المنون دائرة، و فراسها غائرة ، وسطواتها قاهرة ، فقرب الزاد ، ليوم المعاد، ولا تتوطّ على غير مهاد وتعمّد الصواب ، وحقق الجواب ، فلكل أجل كتاب ، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، شعر :

فسوف تلاقي حاكماً ليس عنده *** سوى العدل لا يخفى عليه المنافق

يميّز أفعال العباد بلطفه *** ويظهر منه عند ذاك الحقائق

فمن حسنت أفعاله فهو فائز *** ومن قبحت أفعاله فهو زاهق

أين السلف الماضون ، والأهلون والأقربون، والأولون والآخرون، والأنبياء والمرسلون ، طحنتهم والله المنون ، وتوالت عليهم السنون، وفقدتهم العيون ، وإنا إليهم صائرون، فإنّ الله وإنا إليه راجعون، شعر :

إذا كان هذا نهج من كان قبلنا *** فإنا على آثارهم تتلاحق

فكن عالماً أن سوف تدرك من مضى *** ولو عصمتك الراسيات الشواهق

فما هذه دار المقامة فاعملن «فاعلمن خ » *** ولو عمر الإنسان ما ذرّ شارق

أين من شق الأنهار، وغرس الأشجار، وعمر الديار، ألم تمح منهم الآثار، وتحلّ بهم دار البوار ، فاخش الجوار، فلك اليوم بالقوم اعتبار، فإنّما الدنيا متاع والآخرة هي دار القرار شعر:

تخرمهم ريب المنون فلم تكن *** لتنفعهم جنّاتهم والحدائق

ولا حملتهم حين ولوا بجمعهم *** نجائبهم والصافنات السوابق

وراحوا عن الأموال صفراً وخلفوا *** ذخائر هم بالرّغم منهم وفارقوا

أين من بنى القصور والأساكر، وهزم الجيوش والعساكر، وجمع الأموال وحاز الآثام والجرائر، أين الملوك والفراعنة والأكاسرة والسياسنة، أين العمال والدهاقنة أين ذوو النواحي والرّساتيق ، والأعلام والمناجيق ، والعهود والمواثيق ، شعر :

كأن لم يكونوا أهل عز ومنعة *** ولا رفعت أعلامهم والمناجق

ولا سكنوا تلك القصور التي بنوا *** ولا أخذت منهم بعهد مواثق

وصاروا قبوراً دارسات وأصبحت *** منازلهم تسفى عليه الخوافق

ما هذه الحيرة والسبيل واضح ؛ والمشير ناصح، والصواب لائح، عقلت فأغفلت ، و عرفت فأنكرت ، وعلمت فأهملت ، هذا هو الدّاء الذي عزّ دواؤه، والمرض الذي لا يرجى شفاؤه، والأمل الذي لا يدرك انتهاؤه ، أفأمنت الأيام، وطول الأسقام ، ونزول الحمام ، والله يدعو إلى دار السلام ، شعر :

لقد شقيت نفس تتابع غيها *** وتصدف عن إرشادها وتفارق

وتأمل ما لا يستطاع بحيلة (بحمله خ) *** وتعصيك إن خالفتها وتشاقق

وتصغى إلى قول الغوي وتنثني *** وتعرض عن تصديق من هو صادق

فيا عاقلاً راحلاً، ولبيباً جاهلاً، ومتيقظاً غافلاً ، أتفرح بنعيم زائل ، وسرور حائل ، ورفيق خاذل ، فيا أيها المفتون بعمله ، الغافل عن حلول أجله، والخائض في بحار زَلَلِهِ، ما هذا التقصير وقد وخطك القتير ، ووافاك النذير ، وإلى الله المصير ، شعر :

طلابك أمر لا يتم شروره *** وجهدك باستصحاب من لا يوافق

وأنت كمن يبني بناء وغيره *** يعاجله في هدمه ويسابق

وینسج آمالاً طوالاً بعيدة *** ويعلم أن الدهر للنسج خارق

ليست الطريقة لمن ليس له الحقيقة ، ولا يرجع إلى خليقة ؛ إلى كم تكدح ولا تقنع وتجمع ولا تشبع ؛ وتوفر لما تجمع، وهو لغيرك مودع ، ماذا الرأي العازب، والرشد الغائب ،

والأمل الكاذب، ستنقل عن القصور، وربات الخدور، والجذل والسرور إلى ضيق القبور ومن دار الفناء إلى دار الحبور ، كل نفس ذائقة الموت، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور شعر:

فعالك هذا غرّة وجهالة *** وتحسب يا ذا الجهل أنك حاذق

تظن بجهل منك أنك راتق *** وجهلك بالعقبي لدينك فاتق

توخيك من هذا أدلّ دلالة *** وأوضح برهاناً بأنك مائق

عجباً لغافل عن صلاحه ، مبادر إلى لذاته وأفراحه ، والموت طريدة «في خ» مسائه وصباحه، فيا قليل التحصيل، ويا كثير التعطيل ، ويا ذا الأمل الطويل ، (وأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) [الفيل : 1] بناؤك للخراب ، ومالك للذهاب ، وأجلك إلى اقتراب، شعر:

وأنت على الدنيا حريص مكاثر *** كأنك منها بالسلامة واثق

تحدّثك الأطماع أنك للبقا *** خلقت وأنّ الدّهر خل موافق

كانك لم تبصر اناساً ترادفت *** عليهم بأسباب المنون اللواحق

هذه حالة من لا يدوم سروره ، ولا تتم أموره، ولا يفك أسيره، أتفرح بمالك ونفسك ، وولدك وغرسك «عرسك»، وعن قليل تصير إلى رمسك ، وأنت بين طي ونشر ، وغنى وفقر ووفاء وغدر ، فيا من القليل لا يرضيه ، والكثير لا يغنيه ، اعمل ما شئت أنك ملاقيه، (يَوْمَ يَفِرُّ المَرَهُ مِنْ لَخِيهِ 34 وَأَمِهِ، وَأَبِيهِ * وَصَحِبَيْهِ، وَبِنَيهِ * لِكُلِّ امْرِي مِنْهُمْ يَومَيذٍ شَانٌ يُنيه ) [عبس: 34 - 37] شعر :

سیقفر بیت کنت فرحة أهله *** ويهجر مثواك الصديق المصادق

وينساك من صافيته وألفته *** ويجفوك ذو الود الصّحيح الموافق

على ذا مضى النّاس اجتماع وفرقة *** وميت ومولود وقال ووامق

أفٍّ لدنيا لا يرقى سليمها، ولا يصح سقيمها، ولا يندمل كلومها، وعودها كاذبة ، وسهامها غير صائبة، وآمالها خائبة، لا تقيم على حال، ولا تمتع بوصال، ولا تسر بنوال، شعر:

وتلك لمن يهوى هواها مليكة *** تعبده أفعالها والطرائق

يسرّ بها من ليس يعرف غدرها *** ويسعى إلى تطلابها ويسابق

إذا عدلت جارت على أثر عدلها *** فمكروهة أفعالها والخلائق

فياذا السطوة والقدرة ، والمعجب بالكثرة ، ما هذه الحيرة والفترة ، لك فيمن مضى عبرة، وليؤذن الغافلون عما إليه يصيرون، إذا تحققت الظنون، وظهر السّر المكنون وتندمون

حين لا تقالون ، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، شعر:

سیندم فعال على سوء فعله *** ویزداد منه عند ذاك النّشاهق

إذا عاينوا من ذي الجلال اقتداره *** وذو قوة من كان قد ما يدافق

هنالك تتلو كل نفس کتابها *** فيطفو ذو عدل ويرسب فاسق

لموكلّ إلى كم ذا التشاغل بالتجائر والأرباح، إلى كم ذا النهور بالسرور والأفراح، وحتام التغرير بالسلامة في مراكب النياح ، من ذا الذي سالمه الدهر فسالم، ومن ذا الذي تاجره الزمان فغنم، ومن ذا الذي استرحم الأيام فرحم ، اعتمادك على الصحة والسلامة خرق ، وسكونك إلى المال والولد حمق، والاغترار بعواقب الأمور خلق، فدونك وحزم الأمور، والتيقظ ليوم النشور ، وطول اللبث في صفحات القبور، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور ، شعر :

فمن صاحب الأيام سبعين حجّة *** فلذاتها لا شك منه طوالق

فعقبي حلاوات الزمان مريرة *** وإن عذبت حيناً فحينا خرابق

ومن طرفته الحادثات بویلها *** فلا بد أن تأتيه فيها الصواعق

فما هذه الطمأنينة وأنت مزعج، وما هذه الولوج وأنت مخرج، جمعك إلى تفريق ورفوك (وفرك خ) إلى تمزيق، وسعتك إلى ضيق فيا أيها المفتون، والطامع بما لا يكون، أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون، شعر:

ستندم عند الموت شر ندامة *** إذا ضم أعضاك الشرى والمطابق

وعاينت أعلام المنية والردى *** ووافاك ما تبيض منه المفارق

وصرت رهيناً في ضريحك مفرداً *** وباعدك الجار القريب الملاصق

فيا من عدم رشده ، وجار قصده ، ونسي ورده ، إلى متى تواصل بالذنوب وأوقاتك محدودة، وأفعالك مشهودة، أفتعول على الاعتذار ، وتهمل الأعذار والإنذار، وأنت مقيم على الإصرار، ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنّما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، شعر :

إذا نصب الميزان للفصل والقضا *** وإبليس محجاج واخرس ناطق

وأججت النيران واشتد غيظها *** إذا فتحت أبوابها والمغالق

وقطعت الأسباب من كل ظالم *** يقيم على أسراره وينافق

فقدم التّوبة، واغسل الحوبة ، فلا بد أن تبلغ إليك النوبة، وحسن العمل قبل حلول

الأجل وانقطاع الأمل، فكلّ غائب قادم ، وكل عريب عازم (1)وكل مفرط نادم، فاعمل للخلاص قبل القصاص، والأخذ بالنواص ، شعر :

فإنّك مأخوذ بما قد جنيته *** وإنّك مطلوب بما أنت سارق

وذنبك إن أبغضته فمعانق *** ومالك إن أحببته فمفارق

فقارب وسدد واتق الله وحده *** ولا تستقل الزاد فالموت طارق (2)

(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )

[البقرة: 281] .

تكملة

المستفاد من الكافي أنّ هذه الخطبة ملتقطة من خطبة طويلة، وروى صدرها هناك باختلاف لما أورده السيد هنا .

قال في «الكافي» في باب ما يجب من حق الإمام على الرّعيّة : محمد بن يحيى العطار عن بعض أصحابنا عن هارون بن مسلم عن مسعدة عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام: لا تختانوا ولاتكم ، ولا تغشوا هداتكم ، ولا تجهلوا أئمتكم ، ولا تصدّعوا عن حبلكم فتفشلوا وتذهب ريحكم، وعلى هذا فليكن تأسيس أموركم والزموا هذه الطريقة فإنكم لو عاينتم ما عاين من قد مات منكم ممّن خالف ما قد تدعون إليه لبدرتم وخرجتم ولسمعتم ، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريباً ما يطرح الحجاب (3).


1) الكافي : 405/1 ح 3.

2) نهج السعادة: 7/ 69

3) الكافي : 405/1 ح 3.

الترجمة

ای غافلان و تمردکنندگان از طاعت پروردگار عالمیان ، پس به درستی که اگر ببینید آن چیزی را که به معاینه دیدند کسانی که مردند از شما هر آینه به جزع و فزع شنوید و اطاعت مینمایید و لکن مستور است از شما آن چه معاینه

در آیید و میشنوید دیدهاند آن را گذشتگان و نزديك است برداشته شدن حجاب و به تحقیق که نموده میشوید اگر ببینید به نظر بصیرت و شنوانیده میشوید اگر بشنوید به گوش حقیقت و هدایت یافته میشوید اگر طلب هدایت نمایید به عقل کامل و قلب صافی . به راستی میگویم شما را که به تحقیق جهارا و آشکارا صدا نمود شما را عبرتها و زجر و منع کرده شدید به چیزی که در آن ازدجار و ممانعت هست از مناهی اکیده و وعیدهای شدیده و تبلیغ نمی نماید از جانب خداوند تبارك و تعالی بعد از ملائکه آسمان مگر جنس آدمیان از پیغمبران پس جای عذر نمانده شما را در را در تخلف کردن از دعوت ایشان .

ومن خطبة له علیه السلام وهي الحادية والعشرون من المختار في باب الخطب

اشارة

«فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمامَكُمْ، وَإِنْ وَراءكُمُ السَّاعَةُ تَحْدُوكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يَنتَظِرُ بِأُولِكُمْ آخِرُكُم » (1).

قال السيد (رحمت الله) : إنّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام الله سبحانه وكلام رسوله بكل كلام به راجحا وبرز عليه سابقاً، فأما قوله علیه السلام (تخففوا تلحقوا ) فلا سمع كلام أقل منه مسموعاً ولا أكثر محصولاً، وما أبعد غورها من كلمة ، وأنقع نطقتها من حكمة، وقد نبهنا في كتاب «الخصائص » على عظم قدرها وشرف جوهرها.

اللغة

(حدا) الإبل وبها حدوا إذا زجرها وغنى لها ليحتها على السير و (الغور) العمق ، و (النطفة) ما صفى من الماء وما (أنقع) الماء ما أرواه للعطش وفي بعض النسخ ما أنفع (بالفاء) الموحدة ولا بأس به.

الإعراب

(تحدوكم) منصوب المحل على الحالية (وتلحقوا) منصوب (بكي) مضمرة.

المعنى

إعلم أن المستفاد من كتاب «مطالب السؤول » لمحمد بن طلحة على ما رواه «البحار » منه هو أنّ هذا الكلام له علیه السلام من تمام الخطبة السابقة حيث قال: ومن كلام أمير المؤمنين لقد جاهرتكم العبر وزجرتم بما فيه مزدجر وما يبلغ عن الله بعد رسل السماء إلا البشر، ألا وإنّ الغاية أمامكم (ا ه) (2).

وكيف كان فقد اختلفت أنظار الشراح في تفسير هذا الكلام له وبيان المراد منه على أقوال ، والأظهر عندي أن قوله (فإنّ الغاية أمامكم ) أراد بالغاية الموت كما صرح به في الحديث الآخر : الموت غاية المخلوقين، أي نهايتهم التي ينتهون إليها، ولأجل كونه منتهى سير المخلوقين صح جعله أمامهم، لأنهم يسيرون إليه بحركة جبلية وتوجه غريزي فيكون أمامهم لا محالة .


1) خصائص الأئمة للرضي 112 وروضة الواعظين: 490.

2) شرح النهج : 302/2.

وأما قوله : ( وإن وراءكم الساعة) فالمراد بالساعة ساعات الليل والنهار سمّيت بها لأنّها تسعى الناس بها كما سمّيت القيامة ساعة لأنها تسعى النّاس إليها بحركة جبلية وتوجه غريزي أيضاً، كما يسعى إلى الموت وإنما جعلها وراءنا مع كونها منبسطة على مدى العمر وانقسامها إلى الماضي والاستقبال، باعتبار أنها تحت الإنسان تحثيثاً وتسوقه سوقاً حثيثاً إلى الغاية التي أمامه أعني الموت كما يدل عليه قوله : (تحدوكم).

أمّا أنّها تسوقنا إليها فلانه بانقضائها شيئاً فشيئاً يكون الإنسان بعيداً من المبدأ قريباً إلى المنتهى، فتكون بمنزلة السائق إليه، ومن الواضح أن الحادي والسائق من شأنه أن يكون وراء ما يحديه ويسوقه ، فبذلك الاعتبار صح جعلها وراءنا ، ويمكن استنباط ما ذكرته من تقديم الخبر على الاسم، بيان ذلك أن كون الموت أمام الإنسان لما كان واضحاً عند الكلّ أجرى الكلام فيه على الحقيقة بتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير حيث قال: فإن الغاية أمامكم .

وأما كون الساعة في الوراء لمّا كان خفياً بالاعتبار الذي ذكرناه من انقسامها إلى الماضي والاستقبال، وكان نظر الجاهل دائماً إلى ما بقي من عمره وإلى ما هي أمامه من الساعات الباقية غير ملتفت إلى ما مضى ، لا جرم نبه على أن ما تحسبونه أمامكم فهي في الحقيقة وراءكم باعتبار أنها تحدوكم ، فلذلك قدّم الخبر على الاسم وقال : إنّ وراءكم الساعة لمزيد الاهتمام به وزيادة إشعاره بهذا المعنى، فافهم.

وإذا عرفت ما ذكرناه فلنذكر ما ذكره الشراح في «المقام» فأقول :

قال الشارح البحراني في شرح قوله : إن الغاية أمامكم : لما كانت الغاية من وجود الخلق أن يكونوا عباد الله ، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الحَنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات : 56] ، وكان المقصود من العبادة إنما هي الوصول إلى جناب عزته والطيران في حظائر القدس بأجنحة الكمال مع الملائكة المقربين، وكان ذلك الملائكة المقرّبين، وكان ذلك هو غاية الإنسان المطلوبة منه والمقصودة له والمأمور بالتوجّه إليها بوجهه الحقيقي، فإن سعى لها سعيها أدركها وفاز بحلول جنات النعيم، وإن قصر في طلبها وانحرف صراط السواء الموصل إليها، كان في جهنّم من الهاوين، وكانت غايته فدخلها مع الداخلين ، فإذن ظهر أن غاية كلّ إنسان أمامه إليها يسير وبها يصير.)وفي شرح: وإن وراءكم الساعة تحدوكم: إنّ المراد بالساعة القيامة الصغرى وهيضرورة الموت.فأما كونها وراءهم فلأن الإنسان لما كان بطبعه ينفر من الموت ويفرّ منه، وكانت العادة في الهارب من الشيء أن يكون وراءه مهروب منه، وكان الموت متأخراً عن وجود الإنسان ولاحقاً تأخراً ولحوقاً عقليّاً، أشبه المهروب منه المتأخر اللاحق هرباً وتأخراً ولحوقاً حسياً،

فلا جرم استعير لفظ الجهة المحسوسة وهي الوراء.وأما كونها تحدوهم فلأن الحادي لما كان من شأنه سوق الإبل بالحداء، وكان تذكر الموت وسماع نواد به مقلقاً مزعجاً للنفوس إلى الاستعداد لأمور الآخرة والأهبة للقاء الله سبحانه، فهو يحملها على قطع عقبات طريق الآخرة كما يحمل الحادي الإبل على قطع الطريق البعيدة الوحرة ، لا جرم أشبه الحادي فأسند الحداء إليه انتهى .وأقول: أما ما ذكره في شرح الفقرة الأولى، ففيه أن الظاهر من صدر كلامه حسبما يستفاد من التمسك بالآية أيضاً هو أنه جعل الغاية في كلامه علیه السلام أنه جعل الغاية في كلامه بمعنى العلة الغائبة، وعليه فلا يستقيم جعل الجحيم غاية للإنسان، بل ولا الجنّة أيضاً إذا لغرض من خلقة الإنسان هو العبودية كما هو نص الآية الشريفة، وأما المثوبة والعقوبة فهما متفرّعان عليها امتثالاً وعصياناً، فلا يصح جعلهما غاية، وأن جعل الغاية بمعنى النّهاية فكونهما غاية بهذا المعنى صحيح إلا أنه لا حاجة معه إلى الاستدلال بالآية ، وإلى ما مهدّه من المقدّمة مضافاً إلى منافاته بنص قوله : وكان ذلك هو غاية الإنسان المطلوبة منه .وأما ما ذكره في شرح الفقرة الثانية: فقيه أن جعل الساعة بمعنى الموت إما باعتبار أنها حقيقة فيه عرفاً أو شرعاً من دون ملاحظة المناسبة بينه وبين معناها اللغوي، فيتوجه عليه أولاً منع الحقيقة العرفية أو الشرعية، وثانياً منع عدم ملاحظة المناسبة على تقدير تسليم الحقيقية بأحد الوجهين ، وإمّا باعتبار أن إطلاقها عليه بملاحظة أنّ النّاس تسعى إليه مع حسبما ذكرناه سابقاً فيتوجه عليه أن إطلاقها عليه بإعتبار إن يسعى إليه وصفه بكونه في الوراء باعتبار أن الناس تهرب منه حسبما قرره ، لا يخفى ما فيه من السماجة، فافهم جيداً.وقال الشارح المعتزلي : غاية المكلفين هي الثواب والعقاب فيحتمل أن يكون أراد ذلك، ويحتمل أن يكون أراد بالغاية الموت، وإنما جعل ذلك أمامنا لأن الإنسان كالسائر إلى الموت أو كالسائر إلى الجزاء، فهما أمامه أي بين يديه ، ثم قال: وإن وراءكم الساعة تحدوكم أي تسوقكم، وإنما جعلها وراءنا لأنها إذا وجدت ساقت الناس إلى موقف الجزاء كما يسوق الرّاعي الإبل، فلمّا كانت سائقة لنا كانت كالشيء يخفر الإنسان من خلفه ويحركه من وراءه إلى جهة ما بين يديه ، انتهى (1.)وفيه أنّ الجملة الخبرية على ما حققها الأصوليون حقيقة فيما تلبس المبتدأ بالخبر في الحال، واستعمالها فيما لم يتلبس به بعد مجازا إتفاقاً لا يصار إليه إلا بقرينة، وعلى ذلك فجعل كون الساعة وراءنا بمعنى أنها تكون وراءنا إذا وجدت مجازاً لا ينبغي إرادته إلا بقرينة ظاهرة، وهي في المقام مفقودة .


1) عيون الحكم 405 ، والبحار : 3/75

وقال القطب الرواندي على ما حكى عنه الشارح الشارح المعتزلي : معنى قوله : فإن الغاية أمامكم، يعني أن الجنة والنار خلفكم ، ومعنى قوله : وراءكم الساعة أي قدامكم ، انتهى .وهو أردء ما ذكروه في «شرح المقام» أما أولاً فلأن الوراء بمعنى القدام، وإن ورد إلا أنالأمام بمعنى الخلف لم يسمع من أحدكما ، ذكره الشارح المعتزلي .وثانياً على تقدير تسليم وروده بذلك المعنى أن التعبير عن الخلف بالأمام وعن القدام بالوراء مع ظهورهما في العكس منا يأبى عنه الذوق السليم والطبع المستقيم، فيجب تنزيه كلام الإمام علیه السلام الذي هو إمام الكلام عنه .وثالثاً أنه إذا جعل المراد بالغاية الجنّة والنار فلا داعي إلى حمل الأمام بمعنى الخلف كما هو ظاهر، بل إرادة المعنى الظاهر الذي هو نقيض الخلف أولى حسبما ذهب إليه الشارح المعتزلي والبحراني على ما قدمنا ذكره ، هذا.وأما قوله : (تخففوا تلحقوا فأصله أنّ الرّجل يسعى وهو غير مثقل بما يحمله فيكون أجدر أن يلحق الذين سبقوه، لأنّ التخفيف وقطع العلائق في الأسفار سبب السبق والفوز بلحوق السابقين ، وكذلك الزهد في الدنيا وتخفيف المؤنة فيها توجب اللحوق بالسالفين المقربين، والوصول إلى درجات أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .)وما أنسب بالمقام ما رواه المحدّث الجزائري عن سلمان الفارسي ، وهو أنه لما بعث إلى المدائن ركب حماره وحده، فاتصل بالمدائن خبر قدومه ، فاستقبله أصناف الناس على طبقاتهم، فلما رأوه قالوا : أيها الشيخ أين خلفت أميرنا؟ قال : ومن أميركم؟ قالوا: الأمير سلمان الفارسي صاحب رسول الله ، فقال : لا أعرف الأمير وأنا سلمان ولست بأمير، فترجلوا له وقادوا إليه المراكب والجنائب ، فقال : إن حماري هذا خير لي وأوفق ، فلما دخل البلد أرادوا أن ينزلوه دار الإمارة قال: ولست بأمير، فنزل على حانوت في السوق، وقال: ادعوا إلي صاحب الحانوت، فاستأجر منه وجلس هناك يقضي بين الناس وكان معه وطاء يجلس عليه، ومطهرة يتطهر بها للصلاة، وعكازة يعتمد عليها في المشي، فاتفق أن سيلاً وقع في البلد فارتفع صياح الناس بالويل والعويل يقولون : وأهلاه و وا ولداه ووامالاه، فقام سلمان ووضع وطائه في عاتقه وأخذ مطهرته وعكازته بيده ، وارتفع على صعيد، وقال: هكذا ينجو المخففون يوم القيامة .وروى عن الشيخ ورّام طاب ثراه أنه لما مرض سلمان مرضه الذي مات فيه أتاه سعد يعوده، فقال: كيف أنت يا عبد الله؟ فبكى فقال : ما يبكيك؟ فقال : والله ما أبكي حرصاً على الدنيا ولا حبالها، ولكن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولي عهد إلينا عهداً فقال : ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا کزاد راكب ، فأخشى أن نكون قد جاوزنا أمره وهذه الأساور حولي، وليس حوله إلا مطهرة

فيها ماء، وإحانة وجفنة (1.)قال : ودخل رجل عليه فلم يجد في بيته إلا سيفاً ومصحفاً ، فقال له : ما في بيتك إلا ما أرى؟ قال: إن أمامنا عقبة كثودا، وإنا قدمنا متاعنا إلى المنزل أولاً فأولاً، وقال: وقع الحريق فأخذ سلمان سيفه ومصحفه، وقال: هكذا ينجو المخفّفون .ثم إنه علیه السلام لما أمرهم بالتخفيف وحنّهم على قطع العلائق علله بقوله: (فإنما ينتظر بأولكم آخركم يعني إنّما ينتظر بالبعث الأكبر والقيامة الكبرى للذين ماتوا أولاً وصول الباقين وموتهم .)وتحقيق ذلك الانتظار على ما حققه الشارح البحراني أنه لما كان نظر العناية الإلهية إلى الخلق نظراً واحداً، والمطلوب منهم واحداً وهو الوصول إلى جناب عزّة الله الذي هو غايتهم ، أشبه طلب العناية الإلهية وصول الخلق إلى غايتهم انتظار الإنسان لقوم يريد حضور جميعهم وترقبه بأوائلهم ووصول أواخرهم، فأطلق عليه لفظ الانتظار على سبيل الاستعارة ، ولما صوّر ههنا صورة انتظارهم لوصولهم ؛ جعل ذلك علة لحثهم على التخفيف وقطع العلائق، ولا شك أن المعقول لأولى الألباب من ذلك الانتظار حات لهم أيضاً على التوجه بوجوه أنفسهم إلى الله والأعراض عما سواه .


1) مستدرك الوسائل : 54/12

### الترجمةپس به درستی که غایت یعنی مرگ در پیش شماست و به درستی که در عقبشما است ساعتهای روز و شب در حالتی که میراند شما را به سوی مرگ ، سبك شويد تا لاحق شوید پس به تحقیق که انتظار کشیده شده به لاحق شدن پیشینیان پسینیان شما .گفته است سید رضی (رحمت الله : به درستی که این کلام امام اگر موازنه بشود بعد از کلام خدا و رسول (صلى الله علیه وآله وسلم ) به ،هر کلامی ، هر آینه میل میکند این کلام به جمیع کلامها در حالتی که راجح است و غالب میشود به آنها در حالتی که سابق است ، اما فرمایش آن حضرت "تخففوا تلحقوا "پس شنیده نشده کلامی که کمتر باشد از او از حیثیت لفظ و نه بیشتر باشد از حیثیت معنی و چه قدر بعید است عمق این کلمه طیبه و چه قدر رافع عطش است آب صافی این حکمت لطیفه . به تحقیق که تنبیه کرده ایم ما در کتاب خصایص خود بر عظمت قدر و شرافت جوهر آن کلمه عالی مرتبه ؛ وفقنا الله لفهم نكات تلك الكلمات بجاه محمد و آله .)

## ومن خطبة له علیه السلام وهي الثانية والعشرون من المختار في باب الخطب### اشارةخطب بها حين بلغ أن طلحة والزبير خلعا بيعته، وهي ملتقطة من خطبة طويلة مروية في «شرح البحراني » وقد وردت فصول منها في طرق عديدة مختلفة بزيادة ونقصان يأتي إلى بعضها الإشارة ، وما رواه السيد رحمه الله :«أَلاَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ جَلْبَهُ ، لِيَعُودَ الْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ، وَيُرْجِعَ الْبَاطِلُ إِلَى نِصابِهِ، وَاللَّهِ ما أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَهُمْ نِصْفاً، وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقًّاهُمْ تَرَكُوهُ، وَدَمَا هُمْ سَفَكُوهُ، فَلَيْنْ كُنتُ شَريكَهُمْ فَإنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَلَئِنْ كَانُوا وَلَوْهُ دُوني فَمَا التَّبِعَةُ إِلا عِنْدَهُمْ ، وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ، يَرْتَضِعُونَ أَمَّا قَدْ فَطَمَتْ، ويُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أَمينَتْ ، يَا خَيْبَةَ الدّاعي مَنْ دَعا، وإلى ما أجيبَ وَإِنِّي لَراضِ بِحُجَّةِ اللهِ عَلَيْهِمْ ، وعِلْمِهِ فِيهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، َوكَفَى بِهِ َشافِياً مِنَ الْباطِلَ، وناصِراً لِلْحَقِّ، ومِنَ الْعَجَب بَعْتُتُهُمْ (1إِلَى أَنِ ابْرُز لِلطَّعانِ، وَأَنِ اصْبِرْ لِلجلاد، مبلتْهُمُ الهَبُولُ لَقَدْ كُنْتُ وَما أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلا أَذهَبُ بِالضَّرْبِ، وَإِنِّي لَعَلى يَقِينِ مِنْ رَبِّي، وغَيرِ شُبْهَةٍ مِنْ ديني» (2).)### اللغة(ذمر يروى بالتخفيف والتشديد وهو الحثّ والحض ، والتشديد دليل التكثير والمبالغة لأنّهم يقولون : إنّ الزّيادة في البناء لزيادة المعنى، قال في «الكشاف » ومما طن على أُذني من ملح العرب أنّهم يسمون مركباً من مراكبهم بالشقدق، وهو مركب خفيف ليس في ثقل حمال العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم : ما اسم هذه المحمل؟ أردت محمل العراقي فقال : أليس ذلك اسمه الشقدق؟ قلت: بلى ، فقال هذا اسمه الشقنداق، فزاد في بناء الاسم الزيادة المعنى.)و (جلبت الشيء جلباً من باب ضرب وقتل ، والجلب بفتحتين فعل بمعنى مفعول وهو ما تجلبه من بلد إلى بلد ، قال الشارح المعتزلي ويروى جُلبه وجلبه وهما بمعنى ، وهو السّحاب الرقيق الذي لا ماء فيه أي جمع قوماً كالجهام الذي لا نقع فيه وفي «المصباح» عن الأَزهري وابن فارس (نصاب) كلّ شيء أصله والجمع نصب وأنصبة مثل حمار وحمر وأحمرة و (النصف ) بتثليث النون وسكون الصاد اسم بمعنى الانصاف .)


1) في نسخة : بعثهم.

2) البحار: 53/32 - 63

و اعتراض الشارح المعتزلي عليه بأن المعنى لا يحتمله ، لأنه لا معنى لقوله : ولا جعلوا بيني وبينهم إنصافاً، بل النصف بمعنى الذي ينصف ، والمعنى لم يجعلوا بيني وبينهم إنصاف، ممّا لا يكاد يظهر وجهه و(ولي الشيء وعليه ولاية من باب حسب إذا ملك أمره و(التبعة) كفرحة تقول : لي قبل فلان تبعة وهي الشيء الذي لك فيه بغية شبه ظلامة ونحوها و(فطم) الصبي من باب ضرب إذا فصله عن الرضاع و (حد السيف) الموضع القاطع و (الجلاد) المجادلة بآلة الحرب و (هبلته ) أمه بكسر (الباء) ثكلته و (الهبول) الشكول التي لم يبق لها ولد.)### الإعراب(يا خيبة الداعي نداء على سبيل التعجب من عظم خيبة الدعاء إلى قتاله ، وهو نظير النداء في قوله تعالى: ﴿يَنحَسْرَةٌ عَلَى الْعِبَادِ مَا) [يس: 30]، أي يا خيبة احضري فهذا أوانك وكلمة (من) إما مرفوع المحل على الابتداء والفعل بعده خبر ؛ أو منصوب المحل اضمر عامله على شريطة التفسير فلا محلّ لما بعده ، إذا الجملة المفسّرة لا محلّ لها على الأصح. وقال ابن هشام : إنّ جملة الاشتغال ليست من الجمل التي تسمّى في «الاصطلاح» جملة تفسيرية وإن حصل بها تفسير ، وكيف كان فجملة من دعا على الأوّل جملة اسمية، وعلى التقدير الثاني جملة فعلية ، (وشافياً وناصراً) منصوبان على الحالية (والواو) في قوله (وما اهدّد) زائدة، (وكنت) بمعنى ما زلت أي ما زلت لا أهدد بالحرب.

قال الشارح المعتزلي: وهذه كلمة فصيحة كثيراً ما يستعملها العرب، وقد ورد في القرآن العزيز (كان) بمعنى (ما زال ) في قوله : وكان الله عليماً حكيماً، ونحو ذلك من الآي والمعنى: لم يزل الله عليماً حكيماً .

المعنى

قد أشرنا أنّ هذه الخطبة من خطب الجمل واردة في معرض التعرض على الناكثين وقد وقع التصريح بذلك في بعض طرقها حسبما تأتي إليها الإشارة، وقد كنى عنهم بحزب الشيطان وجنود إبليس كما قال : (ألا وإن الشيطان قد ذمر حزبه )وحشا قبيله (واستجلب جلبه) وجمع جمعه (ليعود الجور إلى أوطانه) كما كان عليها أولاً (ويرجع الباطل إلى نصابه ) وأصله الذي كان عليه سابقاً (والله ما أنكروا علي منكراً) وهو قتل عثمان حيث نسبوه إليه علیه السلام وزعموا أنه منكر فأنكروه عليه فردّهم بانكار كونه منكراً ، وعلى تقدير تسليمه بعدم صحته لنسبته إليه وعلى كل تقدير فإنكارهم عليه يكون منكراً (ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً) وعدلاً إذ لو جعلوا ميزان العدل في البين يظهر بطلان دعواهم (و) ذلك ل( - أنهم ليطلبون حقاً) أي حق قصاص (هم

تركوه) حيث أمسكوا النكير على قاتليه (ودماهم سفكوه ) لأنهم أوّل من ألب الناس على عثمان وأغرى بدمه ، كما يشهد به قول عائشة : اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً.

يدلّ عليه ما في رواية أبي مخنف الآتية من قوله : اللهم إنّ طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به ورماني اللهم فلا تمهله .

وعن الطبري في «تاريخه » أن علياً كان في ماله بخيبر لما أراد الناس حصر عثمان فقدم المدينة والناس مجتمعون على طلحة في داره، فبعث عثمان إليه علیه السلام يشكو أمر طلحة فقال علیه السلام: أما أكفيكه؟ فانطلق إلى دار طلحة وهي مملوءة بالنّاس فقال له يا طلحة : ما هذا الأمر الذي صنعت بعثمان؟ فقال طلحة : يا أبا الحسن بعد أن مس الحزام الطبيين، فانصرف علي علیه السلام إلى بيت المال فأمر بفتحه فلم يجدوا المفتاح ، فكسر الباب وفرّق ما فيه على الناس فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده، فسرّ عثمان بذلك، وجاء طلحة إلى عثمان فقال له : يا أمير المؤمنين إنّي أردت أمراً فحال الله بيني وبينه وقد جئتك تائباً ، فقال : والله ما جئت تائباً ولكن جئت مغلوباً، الله حسبك يا طلحة (1).

وروى أن الزبير لما برز لعلي علیه السلام يوم الجمل قال له: ما حملك يا عبد الله على ما صنعت؟ قال: أطلب بدم عثمان ،فقال : أنت وطلحة وليتماه وإنما توبتك من ذلك أن تقدّم نفسك وتسلمها إلى ورثته (2).

وبالجملة فقد ظهر مما ذكرناه أنّه لا ريب في دخولهم في قتل عثمان في دخولهم في قتل عثمان ومع مكان ذلك الدخول لا يجوز لهم المطالبة بدمه.

توضيح ذلك أن دخولهم فيه إما أن يكون بالشركة، وإما أن يكون بالاستقلال وعلى أي تقدير فليس لهم أن يطلبوا بدمه وقد أشار إلى الشق الأول بقوله: (فلان كنت شريكهم فيه فإنّ لهم لنصيبهم منه ) واللازم عليهم حينئذ أن يبدؤوا بأنفسهم ويسلموها إلى أولياء المقتول ثمّ يطالبوا بالشريك، وإلى الشق الثاني بقوله : (وإن كان ولوه ) وباشروه (دوني فما التبعة إلا قبلهم ) واللازم عليهم حينئذ أن يخصوا أنفسهم بالمطالبة (وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم) حيث يدعون دعوى ضررها عائد إليهم لقيام الحجة فيها عليهم ( يرتضعون أما قد فطمت ) أي يطلبون الشيء بعد فواته لأن الأم إذا فطمت ولدها فقد انقضى إرضاعها.

ولعلّ المراد به أن مطالبتهم بدم عثمان لغو لا فائدة فيه، ويحتمل أن يكون المراد بالأم التي قد فطمت ما كان عادتهم في الجاهلية من الحمية والغضب وإثارة الفتن، وبفطامها


1) البحار 57/32

2) تمخضت تحركت

اندراسها بالإسلام فيكون قوله : ( ويحيون بدعة قد أمينت ) كالتفسير له.

وقال الشارح البحراني: استعار لفظ الأم للخلافة فبيت المال لبنها والمسلمون أولادها المرتضعون، وكنى بارتضاعهم لها عن طلبهم منه من الصّلات والتفضيلات، مثل ما كان عثمان يصلهم به ويفضل بعضهم على بعض وكونها قد فطمت عن منعه علیه السلام وقوله : ويحيون بدعة إشارة إلى ذلك التفضيل، فإنه كان بخلاف سنّة رسول الله والبدعة مقابلة السنة، وإماتتها تركه علیه السلام في ولايته ذلك (يا خيبة الداعي) احضري فهذا أوان حضورك والداعي أحد

الثلاثة طلحة والزبير وعائشة، كما صرح به الشارح المعتزلي أيضاً .

ثم قال على سبيل الإستصغار لهم والاستحقار (من دعا) أي أحقر القوم دعاهم هذا الداعي (وإلى ما أجيب) أي أقبح بالأمر الذي أجابوه إليه فما أفحشه وأرذله (وإني لراض ب-) -قيام (حجة الله عليهم) وهو أمره سبحانه بقتال الفئة الباغية كما قال : فإن بغت إحديهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله (و) ب- علمه فيهم ) بما يصنعون (فإن أبوا) عن طاعتي وامتنعوا من الملازمة على مبايعتي مع قيام هذه الحجّة الله من سبحانه عليهم (أعطيتهم حد السيف ) القاطع امتثالاً لأمر الله سبحانه وابتغاء لمرضاة الله (وكفى به) أي بذلك السيف حال كونه (شافياً من الباطل وناصراً للحق)، هذا

(ومن العجب) كلّ العجب (بعثتهم إلي) مع علمهم بحالي في الشجاعة والحرب والصبر على المكاره ( بأن أبرز للطعان و) تهديدهم علي ب- (أن أصبر للجلاد )ثكلتهم الثواكل و(هبلتهم الهبول) كيف يهددوني ويرهبوني (لقد كنت وما اهدد بالحرب ) و مازلت (لا أرهب بالضرب) وذلك ( لأني على يقين من ربي) وعلى بصيرة من أمري (وغير شبهة من ديني ) فليس لمثلي أن يهدّد ويرهب ، لأنّ الموقن بأنّه على الحق ناصر الله ذاب عن دين الله أشد صبراً وأقوى جلداً وأثبت قدماً في مقام الجدال ومعركة الجهاد والقتال، لأن ثقته بالله سبحانه على كل حال.

تكملة

قد أشرنا سابقاً إلى أنّ هذه الخطبة ملتقطة من خطبة طويلة مروية في «شرح البحراني »، وقدمنا لك أيضاً في شرح كلامه العاشر أن هذا الكلام أيضاً من فصول هذه الخطبة فينبغي أن نورد الخطبة بتمامها حتى يتضح لك الحال ، ثم نشير إلى بعض ما وردت فيها فقرات من هذه الخطبة على غير اتساق وانتظام بتوفيق الله المتعال .

فأقول : تمام الخطبة على ما رواها الشارح البحراني أنه علیه السلام حين بلغه أنّ طلحة والزبير خلعا بيعته قال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله :

أيها الناس إن الله افترض الجهاد فعظمه وجعله نصرته وناصره ، والله ما صلحت دنيا

ولا دین إلا به، وقد جمع الشيطان حزبه، واستجلب خيله، ومن أطاعه ليعود له دينه وسنته وخدعه، وقد رأيت أموراً قد تمخضت (1)والله ما أنكروا عليّ منكراً ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً، وأنهم ليطلبون حقاً تركوه ، ودماً سفكوه، فإن كنت شريكهم فيه فإنّ لهم لنصيبهم منه ، وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلا قتلهم وإنّ أوّل عدلهم لعلى أنفسهم ولا اعتذر مما فعلته ولا أبرأ مما صنعت وإن معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس عليّ، وإنّها للفئة الباغية فيها الحَمَ (2)والحمّة طالت جلبتها وانكفت (3)جونتها (4)، ليعودن الباطل في نصابه .

«يا خيبة الداعي من دعى لو قيل ما أنكر في ذلك وما أمامه وفيمن سنته والله إذا لزاح الباطل من نصابه وانقطع لسانه ، وما أظنّ الطريق له فيه واضح حيث نهج والله ما تاب من قتلوه قبل موته ، ولا تنصل من خطيئة وما اعتذر إليهم فعذروه ، ولا دعا فنصروه وأيم الله « الأقرطن لهم حوضاً أنا مانحته » لا يصدرون عنه برى ولا يعبون (5)حسوة ابداً وأنها لطيبة نفسي بحجّة الله عليهم وعلمه فيهم وإنّي راعيهم فمعذر إليهم فإن تابوا وأقبلوا وأجابوا وأنابوا فالتوبة مبذولة، والحق مقبول وليس عليّ كفيل، وإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفى به شافياً من باطل وناصراً لمؤمن ، ومع كلّ صحيفة شاهدها وكاتبها ، والله إن الزبير وطلحة وعائشة ليعلمون أني على الحق وهم مبطلون، هذا »(6)

وفي «شرح المعتزلي» عن أبي مخنف قال : حدثنا مسافر بن عفيف بن أبي الأخنس قال : لما رجعت رسل علي من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب قام فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثم قال :

«أيها الناس إنّي قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعوا ويرجعوا ، ووبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم فلم يستحيوا، وقد بعثوا إلي أن أبرز للطعان فأصبر للجلاد ، وإنما تمنيك نفسك أماني الباطل وتعدك الغرور ألا هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب ، ولا أرهب بالضرب ولقد أنصف القادة من راماها ، فلير عدوا وليبرقوا ، فقد رأوني قديماً وعرفوا نكايتي فكيف رأوني أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين وفرقت جماعتهم، وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم ، وإني لعلى ما وعدني ربّي من النصر والتأييد، وعلى يقين من أمري وفي غير شبهة من ديني ».


1) الحَمّ: بقية الالية التي أذيبت وأخذ دهنها . والحمّة: السواد وهما استعارتان لأرذال الناس.

2) انگفت استدارت

3) جونتها الجونة بالضم: القدر.

4) يسبون : العب الشرب من غير مص.

5) البحار : 56/32 ، والغدير : 103/9.

6) أمالي الطوسي: 170 ، والبحار : 61/32 .

«أيها الناس إنّ الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ليس عن الموت محيد ولا

محيص من لم يقتل مات ، وإن أفضل الموت القتل ، والذي نفس علي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش اللهم إن طلحة نكثت بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به ورماني اللهم فلا تمهله ، اللهم إن الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي و وظاهر على عدوي فاكفنيه الموت بما شئت (1).

وعن أبي الحسن علي بن محمد المدائني عن عبد الله بن جنادة قال: قدمت من الحجاز أريد العراق في أوّل أمارة علي ، فمررت بمكة فاعتمرت ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول الله إذ نودي الصلاة جامعة فاجتمع النّاس وخرج عليّ متقلداً سيفه فشخصت الأبصار نحوه فحمد الله وصلى على رسوله ثم قال :

«أما بعد فإنّه لما قبض الله نبيه صلی الله علیه واله وسلم قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ولا يطمع في حقنا طامع إذ انتزى لنا قومنا فعصبونا سلطان نبينا وسرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل فبكت العين منا لذلك، وخشنت الصدور وجزعت النّفوس ».

«وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الذين ، لكنا على ما غير (2)كنا لهم عليه فولى الأمر ولاة لم يألوا الناس خيراً ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شأن منّي لأمركم وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم وبايعني هذان الرّجلان في أوّل من بايع يعلمون ذلك، وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم ».

«اللهم فخذهما بما عملا أخذة واحدة رابية، ولا تنعش لهما صرعة ولا تقلهما عثرة ،

ولا تمهلهما فواقا ، فإنّهما يطلبان حقاً تركاه ودماً سفكاه ».

«اللهم إني أقتضيك وعدك فإنك قلت وقولك الحق لمن بغي عليه لينصرنّه الله اللهم فأنجز لي موعدي ولا تكلني إلى نفسي انك على كل شيء قدير »(3)

أقول: وهذه الزواية كما ترى صريحة في اغتصاب الخلافة وأنها انتزعت منه علیه السلام ظلماً وجوراً من دون أن يكون له علیه السلام رضاً فيه كما أنها صريحة في أن تولي ولاة السوء لها لم يكن قصداً للخير منهم، وإنّما كان حباً للرئاسة واتباعاً للهوى.


1) في نسخة : غير ما .

2) الغدير : 108/9 ، وشرح ابن أبي الحديد : 307/1

3) نسخة : خلق .

ومن العجب أن الشارح المعتزلي مع روايته هذه يزعم أنه علیه السلام إنما ترك الأمر إليهم برضى منه وميل، وأنهم تولوا الأمر ملاحظة لصلاح الشريعة ومراعاة لمصلحة الإسلام، كما مر تفصيلاً في شرح الخطبة الشقشقية، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله شرّ الجزاء.

وعن الكليني قال : لما أراد علي علیه السلام المسير إلى البصرة قام فخطب الناس فقال ناس فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله :

إنّ الله لما قبض نبيه استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة ، فرأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم، والنّاس حديثو عهد بالإسلام ، والدين يمخض مخض الوطب ، يفسده أدنى وهن ويعكسه أقلّ خلف (1)فولى الأمر قوم لم يألو في أمرهم اجتهاداً، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء والله ولي تمحيص سيئاتهم، والعفو عن هفواتهم.

فما بال طلحة والزبير وليسا من هذا الأمر بسبيل ، لم يصبرا علي حولاً ولا أشهرا حتى وئبا ومرقا ونازعاني أمراً لم يجعل الله لهما إليه سبيلاً بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين؛ يرتضعان أمّا قد فطمت ، ويحييان بدعة قد أميتت دم عثمان زعماً والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم وإنّ أعظم حجّتهم لعلى أنفسهم، وأنا راض بحجّة الله عليهم وعلمه فيهم فإن فاءا أو أنابا فحظهما أحرزا وأنفسهما غنما وأعظم بهما غنيمة وإن أبيا أعطيتهما حد السيف وكفى به ناصراً لحق وشافياً لباطل، ثم نزل(2).

وعن أبي مخنف عن زيد بن صوحان قال: شهدت عليّاً بذي قار وهو معتم بعمامة

سوداء وملتف بساج يخطب، فقال في خطبته :

الحمد لله على كلّ أمر وحال في الغدو والأصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وابتعثه رحمة للعباد، وحياة للبلاد، حين امتلأت الأرض فتنة واضطرب حبلها وعبد الشيطان في أكنافها واشتمل عدو الله إبليس على عقائد أهلها فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب الذي أطفأ الله به نيرانها ، وأحمد به شرارها ، ونزع به أو تادها وأقام به ميلها أمام الهدى ، والنبي المصطفى، فلقد صدع بما أمر به وبلغ رسالات ربه فأصلح الله به ذات البين ، وآمن به السبل، وحقن به الدماء، وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور حتى أتاه اليقين.

ثمّ قبضه الله إليه حميداً ثمّ استخلف النّاس أبا بكر فلم يأل جهده، ثم استخلف أبو بكر


1) الإمام علي للهمداني : 702 وشرح النهج : 308/1

2) الإرشاد للمفيد : 245/1

عمر فلم يأل جهده، ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم ونلتم منه حتى إذا كان من أمره ما كان ، أتيتموني لتبايعوني فقلت لا حاجة لي في ذلك ودخلت منزلي فاستخرجتموني فقبضت يدي فبسطتموها وتداككتم علي حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك، ولا جذل وقد علم الله سبحانه أني كنت كارهاً للحكومة بين أمة محمد صلی الله علیه واله وسلم .

ولقد سمعته يقول : ما من وال يلي شيئاً من أمر أنتي إلا أتى به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رؤوس الخلائق، ثمّ ينشر كتابه فإن كان عادلاً نجا ، وإن كان جائراً هوى حتى اجتمع علي ملاءكم وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في أوجههما ، والنكث في أعينهما ثم استأذناني في العمرة فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان ، فسارا إلى مكة واستخفا عائشة وخدعاها وشخصا معها أبناء الطلقاء، فقدموا البصرة وقتلوا بها المسلمين، وفعلوا المنكر .

ويا عجباً لاستقامتهما على أبي بكر وعمر وبغيهما علي وهما يعلمان أني لست دون أحدهما، ولو شئت أن أقول لقلت : ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتاباً يخدعهما فيه فكتماه عني وخرجا يوهمان الظعام أنهما يطلبان بدم عثمان ، والله ما أنكر عليّ منكراً، ولا جعلا بيني وبينهم نصفاً، وإن دم عثمان لمصحوب بهما ومطلوب منهما .

يا خيبة الداعي إلى مدعى إنّما ذا أجيب والله إنهما لعلى ضلالة صماء، وجهالة عمياء، وإنّ الشيطان قد ذمر لهما حزبه ، واستجلب منهما خيله ورجله ليعد الجور إلى أوطانه ويرد الباطل إلى نصابه، ثم رفع يديه فقال :

«اللهم إن طلحة والزبير قطعاني وظلماني وألبا عليّ ونكثا بيعتي فاحلل ما عقدا ، وانكث ما ابرما ، ولا تغفر لهما أبداً وأرهما المساءة فيما عملا وأملا» (1)


1) الكافي: 57/5 ح 6.

الترجمة

از جمله خطبه شریفه آن حضرت است در مذمت طلحه و زبیر و اتباع ایشان که نسبت دادند خون عثمان عليه اللعنة والتيران را به آن امام عالمیان :

آگاه باش به درستی که شیطان لعین برانگیخت گروه خود را و بکشید سپاه خود را تا بازگرداند ستم را به جای های خود و راجع گرداند باطل را به اصل خود. به خداوند سوگند انکار نکرده اند بر من فعل منکر را که عبارت است از نسبت قتل عثمان به من و نگردانیدهاند میان من و خودشان انصاف و عدل را و به درستی که آن ها هر آینه طلب می کنند حقی را که خود ترك كردهاند و خونی را که خود ریخته اگر بودم من شريك ایشان در آن خون پس به تحقیق ایشان را است نصیب

پس ایشان از آن خون و اگر ایشان خودشان مباشر آن خون شدند بدون من ، پس در این صورت نیست عقوبت بازخواست مگر از ایشان و به درستی که بزرگ ترین حجت ایشان بر نفس های ایشان است ، شیر میخواهند از مادری که از شیر بازگرفته بچه خود را و زنده میکنند بدعتی را که میرانیده شده است ، ای نومیدی دعوت کنند حاضر باش که وقت حضور تو است چه کس است آن که دعوت نمود او را این داعی و به چه چیز جواب داده شد و به درستی که من خوشنودم به حجت خدا ایشان و به علم حق تعالی در شأن آن جمع پریشان ، پس اگر امتناع بکنند از طاعت من که طاعت خداست بدهم به ایشان تیزی شمشیر بران را و کافی است آن شمشیر در حالتی که شفادهنده است از باطل و یاری دهنده میباشد از برای اهل حق و از جمله امور عجیبه است فرستادن ایشان به سوی من این که بیرون آی از برای نیزه زدن و صبر کن از برای شمشیر کشیدن ، بی فرزند باد مادر ایشان و در ماتم ایشان گریه کند زن های گریه کننده هر آینه بوده ام که تهدید کرده نشده ام به محاربه و تخویف کرده نشده ام به مضاربه و به درستی که من بر یقینم از پروردگار خود و بی شبهه ام از دین استوار خویش ، پس تهدید و تخویف بی ثمر خواهد شد.

ومن خطبة له علیه السلام وهي الثالثة والعشرون من المختار في باب الخطب وشرحها في ضمن فصلين

الفصل الأول

وهو مروي في «الكافي» باختلاف تطلع عليه بعد الفراغ من شرح ما أورده السيد هنا .

«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ كَقَطْرِ الْمَطَرِ، إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِما قُسْمَ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ وَنُفَصَانٍ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ لأَخَيهِ غَفيرَةً فِي أَهْلِ أَوْ مَالَ أَوْ نَفْسٍ، فَلا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةٌ، فَإنَّ الْمَرْ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ، فَيَخْشَعُ لَها إِذَا ذُكِرَتْ، ويَغْري بها لِتَامُ النَّاسِ، كَالْفَالِجِ الْيَاسِرِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِداحِهِ، تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ، ويُرْفَعُ بِها عَنْهُ الْمَغْرَمُ، وكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيانَةِ، يَنتَظِرُ إِحْدَى الْحُسْنَيين : إما داعي الله فما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَا رِزْقَ اللهِ فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْل ومالٍ ومَعَهُ دينُهُ وحَسَبُهُ، إِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْتُ الدُّنْيَا وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ حَرْتُ الآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا الله لأقوام، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ ما حَذْرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاحْشُوْهُ خَشْيَةٌ لَيْسَتْ بِتَعْذِيرِ، وَاعْلَمُوا في غَيرِ رِياءِ وَسُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيرِ اللَّهِ يَكِلْهُ اللهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ، نَسْأَلُ اللهَ مَنَازِلَ الشُّهَداءِ، وَمُعَايَشَةَ السُّعَداءَ، وَمُرافَقَةَ الأَنْبِياءِ» (1).

اللغة

(الغفيرة) قال الرّضي: هي ههنا الزيادة والكثرة من قولهم للجمع الكثير الجم الغفير ويروى عفوة من أهل أو مال والعفوة الخيار من الشيء يقال أكلت عفوة الطعام أي خياره.

أقول : ويحتمل أن يكون العفوة من العفو بمعنى الزيادة أيضاً، وبه فسر قوله تعالى : (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) قال الشاعر :

ولكنّا يعض السيف منا *** باسوق عافيات الشحم كوم

أي زايدات الشحم و(غشى) فلاناً كرضى أتاه و (غری) به کرضى أيضاً ولع به وأغراه به ولعه و (الفالج) الفائز من السهام من الفلج وهو الظفر والفوز و(الياسر) القامر واللاعب بالميسر قال سبحانه: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس )، وهو كمنزل اشتقاقه إما من اليسر وهو السهولة لأنه أخذ لمال الرّجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سبب يساره، وقيل من اليسر بمعنى التجزئه لأنّ كلّ شيء جزأته فقد يسرته


1) شرح أصول الكافي للمازندراني : 295/9 ، ومستدرك الوسائل: 99/1.

يقال : يسروا الشيء أي أقسموه فالجزور نفسه يسمّى ميسراً لأنه يجزء أجزاء، والياسر الجازر لأَنَّه يجزء لحم الجزور ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: إنّهم ياسرون، لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤون لحم الجزور.

قال الفيروز آبادي: الميسر كمنزل اللعب بالقداح أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزوراً نسأة ونحروه قبل أن ييسروا وقسموه ثمانية وعشرين قسماً أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الانصباء وغرم من خرج له الغفل .

وقال الزمخشري في «الكشاف »: كانت لهم عشرة قداح وهي : الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس بفتح (الحاء) وكسر (اللام) وقيل بكسر (الحاء) وسكون (السلام) والمسبل والمعلى والنافس والمنيح والسفيح والوغد ، لكلّ واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء وقيل ثمانية وعشرين جزء إلا لثلاثة وهي المنيح والسفيح والوغد ولبعضهم في هذا المعنى شعر :

لي في الدنيا سهام ليس فيهنّ ربيح *** وأساميهن وغدو سفيح ومنيح

فللفذ سهم وللتوأم سهمان وللرقيب ثلاثة وللحلس أربعة وللنافس خمسة وللمسبل ستة وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل ثم يجلجلها يدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم ، انتهى.

و (التعذير) إظهار العذر ممّن لا عذر له في الحقيقة، قال الفيروز آبادي قوله تعالى : (وجاء المعدّرون )، بتشديد (الذال ) المكسورة أي المعتذرون الذين لهم عذر، وقد يكون المعذر غير محق فالمعنى المقصرون بغير عذر قال : وقرأ ابن عباس بالتخفيف من أعذر وكان يقول : والله لهكذا أنزلت ، وكان يقول : لعن الله المعذرين وكان المعذر عنده إنما هو غير المحق وبالتخفيف من له عذر .

الإعراب

(الباء) في قوله : بما قسم لها، بمعنى على ، وما في قوله ما لم يغش دناءة ظرفية مصدرية، وجملة ( تظهر) منصوب المحلّ على أنها صفة لدناءة، وجملة فيخشع أيضاً منصوب المحل لكونها عطفاً على تظهر، ومثلها جملة يغري بها، وقوله كالفالج خير إنّ ، (والياسر) صفة وأصل الكلام كالياسر الفالج أي كالقامر الفائز وقدم الوصف على الموصوف على حد

قوله سبحانه :(وغرابيب سود ) .

قال الشارح المعتزلي : وحسن ذلك فهنا إنّ اللفظتين صفتان وإن كانت إحداهما مرتبة على الأخرى، وجملة (توجب له المغنم) صفة للفوزة، ويرفع إما بالبناء على الفاعل وفيه ضمير مستتر راجع إلى الفالج ، (والمغرم) منصوب على المفعولية أو بالبناء على المفعول، والمغرم مرفوع على النيابة عن الفاعل ، وقوله : فإذا هو ذو أهل إذا للمفاجأة، والعمل الصالح بالرفع والنصب، وقوله : ليست بتعذير ، أي ليست بذات تعذير ، أي تقصير فحذف المضاف كقوله تعالى: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورٍ * قُبِلَ أَصْحَبُ الأَخْدُورِ [البروج: 3 - 4] ، أي ذي النار، (ومن) في قوله : (من يعمل) شرطية ( ويعمل ويكله) مجزومان على حد قوله : (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به ) [النساء : 123] .)### المعنىإعلم أن مدار هذه الخطبة الشريفة على تأديب الفقراء بعدم الوقوع في الفتنة من الحسد ونحوه بما يشاهدونه في الأغنياء وعلى تأديب الأغنياء بالتزهيد عن المال وجمعه وعلى العمل بالإخلاص وإخلائه من السمعة والرباء، وعلى الترغيب في صلة الأرحام والترهيب عن القطيعة بذكر منافع الصلة ومفاسد القطيعة ، ومدار هذا الفصل على الثلاثة الأول، كما أن مدار الفصل الآتي على الرابع .إذا عرفت ذلك فأقول : إنه علیه السلام مهد أوّلاً مقدمة شريفة ليبني عليها غرضه ومحصلها أن جميع الأمور إنّما هو بقضاء إلهي وقدر ربّاني وأن ما يحدث من زيادة أو نقصان أو يتجدّد فيما يكون به صلاح حال الخلق في أمر المعاش والمعاد إنما هو صادر عن القسمة الزبانية، فلو تفكر في ذلك العاقل وتدبّر فيه رضي بما قدره الله تعالى في حقه وما قسمه عليه وعلى غيره، فإذن لا يقع في الفتنة والحسد لو رأى لغيره مزيّة عليه وإلى هذه المقدمة أشار بقوله :(أما بعد حمد الله سبحانه والصلاة على رسوله وآله (فإنّ الأمر ) أي الأمورات المقدّرة الحادثة في العالم السفلي ينزل من (السماء إلى الأرض )ويخرج من القوّة إلى الفعل ويوجد المواد السفلية الخارجية بعد أن كان ثابتاً فى الصحائف العلوية (ك-) نزول (قطر المطر) إلى الأرض بأيدي المديرات كما قال سبحانه: (نَزَّلُ الْمَلَيكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرِ ) [القدر: 4] أي كلّ أمر قدره الله في حق العباد وقسمه (إلى كلّ نفس )بمقدار (ما قسم لها) وقدر في حقها (من زيادة أو نقصان )أو قلة أو كثرة كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَى مُسْتَقِيمُ) [الحجر: 41] .

(فإذا )كان نزول الأمور بتقدير الله سبحانه وتفريقها بتقسيم الملك العادل على وفق الحكمة واقتضاء المصلحة و(رأى أحدكم لأخيه ) المؤمن (غفيرة) وزيادة (في أهل أو مال أو

نفس) أو رفعة أو مكانة (ف-) لابد له أن يرضى بقسمة الجبّار وأن (لا تكونن ) رؤية هذه الغفيرة (له فتنة) ولا توجب له ضلالاً ولا توقع له في الحسد ولا تبعث له إلى الرغبة إلى الأغنياء وإخلاص السّعي لهم ولخدمتهم للطمع بما في أيديهم (فإنّ) هذه كلها تكون شاغلة له سلوك سبيل الحق، حاجبة عن التوجه إلى الله مانعة عن الوصول إلى رضوان الله وفيها دناءة النفس ورذالة الطبع (والمرء المسلم ما لم يغش دناءة تظهر) ولم يأت على رذالة تشهر بين النّاس (فيخشع لها إذا ذكرت ) ويستحيي من ذكرها ويلزمه بارتكابها الخجل (وتغري بها لنام النّاس) وعوامهم في فعل مثل أو هتك سره بها كان (كالفالج الياسر) والقامر الفائز (الذي ينتظر) في قماره ولعبه بالأقداح (أول فوزة من قداحه توجب له ) هذه الفوزة (المغنم) ويأخذ بها نصيبه الموسوم به (وترفع بها عنه المغرم) ويدفع ضرر الغرامة عنه .

و(كذلك المرء المسلم ) الصائن لنفسه الحافظ لدينه العاري من الدناءة و(البريء من الخيانة ينتظر) في حياته مع صبره عن المعصية فوز (إحدى الحسنيين إمّا ) أن يدعوه (داعي الله) بقبضه إليه فيستجيب له ويفوز إذن بالنعيم المقيم ويدخل الجنّة التي عرضها الأرض والسماء (فما عند الله خير له ) وأبقى وهي فوزة لا تفنى (وإما ) أن يفتح له أبواب (رزق الله ) ويدركه كرامة الله (فإذا هو ذو أهل ومال ومعه دينه وحسبه ) فيفوز الفوز العظيم مع الأمن من العذاب الأليم وهو أفضل عند العاقل من الفتنة بالغير والالتفات عن الله وتدليس لوح النفس برذائل

الأخلاق من الحسد ونحوه .

وذلك من حيث (إن المال والبنين حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة ) ومن كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ، فحرث الدنيا حقير وحرث الآخرة جليل خطير والمال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربّك ثواباً وخير أملاً .

(وقد يجمعها الله لأقوام ) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فأتيهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ( فاحذروا من الله) واتفوه (بما حذركم من نفسه) بقوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (واخشوه خشية )صادقة (ليست بس) ذات (تعذير) إذ الاعتذار إنّما ينفع عند من هو جاهل بالسرائر ومحجوب عما في الضمائر .

وأما الله العالم الخبير بما في الصدور فليس للاعتذار عنده نفع ولا ثمر، وينبؤا الإنسان يومئذ بما قدّم وأخر، بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو القى معاذيره ، فيجزى المعتذرون جزاء ما كانوا يعملون ، فيومئذٍ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون .

(واعملوا في غير رياء ولا سمعة) أي عملاً خالصاً مخلصاً عنهما وفي حذف المتعلق

دلالة على العموم فيشمل جميع الأعمال ويدلّ على وجوب الإخلاص في الكلّ كما قال الصادق علیه السلام : لا بد للعبد من خالص النية في كل حركة وسكون لأنَّه إذا لم يكن بهذا المعنى يكون غافلاً والغافلون قد وصفهم الله تعالى فقال : (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) وقال: (أولئك هم الغافلون)(1)

قال بعض العلماء في تفسير ذلك : يجب أن يكون للعبد في كلّ شيء يفعله وعمل يعمل من نية اخلاص حتى في مطعمه ومشربه وملبسه ونومه ونكاحه، فإنّ ذلك كله من أعماله التي يسأل عنها ويجازى عليها فإن كانت الله وفي الله كانت في ميزان حسناته، وإن كانت في سبيل الهوى ولغير الله كانت في ميزان سيئاته ، وكان صاحبها في الدنيا على مثال البهائم الرائعة والأنعام المهملة الشارقة ولا يكون على الحقيقة إنساناً مكلفا موفقاً وكان من الذين ذكرهم الله بقوله : أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي وجدناه غافلاً كقولك : دخلت بلدة فاعمرتها أي وجدتها عامرة فهو غافل عما يأتيه ويذره متبعاً لهواه فيما يورده ويصدره.

ثم علل علیه السلام وجوب ترك الزباء بقوله : (فإنّه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له ) ويقطع عنه ميامن لطفه وألطاف نظره.

ومعناه ما رواه أحمد بن فهد في عدّة الداعي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال يقول الله تعالى : أنا خير شريك ومن أشرك معي شريكاً في عمله فهو الشريكي دوني لأني لا أقبل إلا ما خلص لی (2).

قال : وفي حديث آخر: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً ثم أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي اشرك به دوني، هذا(3).

ولما كانت همته علیه السلام مقصورة على طلب السعادة الأخروية أردف كلامه بقوله : (نسأل الله منازل الشهداء ومعايشة السعداء ومرافقة الأنبياء) .

قال الشارح البحراني : وفي ذلك جذب للسامعين إلى الإقتداء به في طلبها والعمل بها وبدأ علیه السلام بطلب أسهل المراتب الثلاثة للإنسان وختم بأعظمها فإنّ من حكم له بالشهادة غايته أن يكون سعيداً، والسعيد غايته أن يكون في زمرة الأنبياء رفيقاً لهم، وهذا هو الترتيب اللائق من المؤدب الحاذق، فإنّ المرتبة العالية لا تنال دفعة دون نيل ما هو أدون منها .


1) مستدرك الوسائل : 1/ 100 ، وعدة الداعي : 203

2) عدة الداعي : 203 ، والبحار : 304/69 ح 51 . 1

3) بحار الأنوار: 305/69.

تكميل استبصاري

في بيان معنى الرياء وذكر بعض ما وردت فيه من الآيات والأخبار والإشارة إلى أقسامه وإلى الدواء النافع له فالكلام في مقامات أربعة .

المقام الأول

في تحقيق معنى الزباء والسمعة فنقول : إنّ الرّياء هو ترك الإخلاص بملاحظة غير الله فيه وأصله من الرؤية كأنه لا يعمل إلا إذا رأى الناس ورأوه، والسمعة بالضم كالزياء إلا أنها تتعلق بحاسة السمع والرّياء بحاسة البصر .

وعن الفارابي في «ديوان الأدب» يقال : فعل ذلك رياء وسمعة إذا فعل ذلك ليراه الناس ويسمعوا به.

وقال الغزالي في «إحياء العلوم » : الزياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع وإنّما الزياء أصله طلب المنزلة في قلوب النّاس بإيرانهم خصال الخير إلا أن الجاه والمنزلة تطلب في القلب بأعمال سوى الله ، وإسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها، فحد الرّياء هو إرادة العباد بطاعة الله، فالمرائي هو العابد ، والمرائى هو النّاس المطلوب رؤيتهم بطلب المنزلة في قلوبهم ، والمرائى به هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها ، والرّياء قصد إظهار ذلك.

أقول : والأولى ما ذكرناه، لكونه شاملاً للعبادات وغيرها فعلاً وتركاً حسبما تعرفه في الأقسام الآتية، وما ذكره مختص بفعل العبادات فقط فلا يعم.

الثاني

في ذكر بعض ما ورد فيه من الآيات والأخبار .

قال الله سبحانه: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ الماعون : 4 - 6 ] .)وقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «إنّ النار وأهلها يعجون من أهل الزياء، فقيل : يا رسول الله كيف تعج النار؟ قال : من حرّ النار التي يعذبون بها »(1.)وقال أيضاً: ينادى المرائي يوم القيامة بأربعة أسماء :يا كافر ، یا فاجر ، یا غادر یا خاسر، ضل سعيك، وبطل عملك، ولا خلاق لك ، التمس الأجر ممّن كنت تعمل له يامخادع.


1) الكافي : 296/2 ، وثواب الأعمال : 253.

وقال أيضاً: إنّ أوّل ما يدعي يوم القيامة رجل جمع القرآن، ورجل قاتل في سبيل الله ، ورجل كثير المال فيقول الله عزّ وجلّ للقارىء ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يا ربّ فيقول : ما عملت به فيما علمت؟ فيقول : يا رب قمت به في آناء الليل وأطراف النّهار، فيقول الله تعالى: كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله تعالى : إنّما أردت أن يقال فلان ،قارىء فقد قيل ذلك .ويؤتى بصاحب المال فيقول الله تعالى : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ فيقول : بلى يا ربّ، فيقول : فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله تعالى : كذبت ، وتقول الملائكة :كذبت ، ويقول الله تعالى : بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك .ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله تعالى : ما فعلت؟ فيقول : أمرت بالجهاد في سبيل الله فقاتلت حتى قتلت ، فيقول الله تعالى :كذبت ، وتقول الملائكة كذبت، ويقول الله تعالى : بل أردت أن يقال فلان جريء شجاع فقد قيل ذلك، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «أولئك خلق الله تسعرهم نار جهنّم »، وهذه الأخبار رويناها من كتاب «الأنوار» للمحدّث الجزائري.وفي «الوسائل » عن الكليني بإسناده عن فضل أبي العبّاس عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ما يصنع أحدكم أن يظهر حسناً ويسر سيئاً أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك والله عزّ وجلّ يقول : بل الإنسان على نفسه بصيرة، إنّ السّريرة إذا صحت قويت العلانية .وعن السكوني عنه علیه السلام أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم » (1.)وعن البرقي في كتاب «المحاسن» عن يحيى بن بشير النبال عمن ذكره عن أبي عبد الله علیه السلام قال : من أراد الله عزّ وجلّ بالقليل من عمله أظهره الله أكثر ممّا أراده به ، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب في بدنه وسهر من ليله أبى الله إلا أن يقلله في عين من سمعه (2.)وروى الصدوق في كتاب عقاب الأعمال بإسناده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه صلوات الله عليهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : يؤمر برجال إلى النار فيقول الله عزّ وجلّ لمالك : قل للنار: لا تحرق لهم أقداماً فقد كانوا يمشون بها إلى


1) محاسن البرقي : 255/1 ، والكافي : 296/2

2) في نسخة وجوهاً .

المساجد، ولا تحرق لهم وجوه (1فقد كانوا يسيغون الوض- فقد كانوا يسيغون الوضوء، ولا تحرق لهم أيدي فقد كانوا يرفعونها بالدّعاء، ولا تحرق لهم ألسنة فقد كانوا يكثرون تلاوة القرآن ، قال : فيقول لهم خازن النار : يا أشقياء ما كان حالكم؟ قالوا : كنا نعمل لغير الله عزّ وجلّ فقيل لنا خذوا ثوابكم ممّن عملتم (2).)وفي «الوسائل»عن الكليني بإسناده عن جرّاح المدائني عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزّ وجلّ :(ومَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] قال : الرّجل يعمل شيئاً من القواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية النفس يشتهي يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه، ثم قال ما من عبد أسرّ خيراً فذهبت الأيام أبداً حتى يظهر الله له خيراً، وما من عبد يسر شراً فذهبت الأيام حتى يظهر الله له شرًا (3).)وعن السكوني عنه علیه السلام أيضاً قال : قال النبي صلی الله علیه واله وسلم إنّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به فإذا سعد بحسناته يقول الله عزّ وجل: اجعلوها في سجين إنّه ليس إياي أراد به (4.)وعن علي بن عقبة عن أبيه قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : اجعلوا أمركم هذا الله ولا تجعلوا للنّاس فإنّه ما كان الله فهو الله وما كان للناس فلا يصعد إلى الله (5.)وفي عدّة الداء الداعي لأحمد بن فهد الحلي عن الشيخ أبي جعفر محمّد محمد بن أحمد بن عليّ القمّي نزيل الرّي في كتابه المبني عن زهد النبي عن عبد الواحد عمّن حدّثه معاذ عن بن جبل قال :قلت: حدثني بحديث سمعته من رسول الله وحدثته من دقائق ما حدثك به، قال نعم وبكى معاذ .ثمّ قال : بأبي وأمي حدثني وأنا رديفه فقال : بينا نحن نسير إذ رفع بصره إلى السماء فقال صلی الله علیه واله وسلم: الحمد لله الذي يقضي في خلقه ما أحب»، ثم قال : يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول الله وسيّد المؤمنين ، قال : يا معاذ ، قلت : لبيك يا رسول الله امام الخير ونبي الرحمة، قال صلی الله علیه واله وسلم أحدثك شيئاً ما حدث نبي أمته إن حفظته نفعك عيشك وإن سمعته ولم تحفظه انقطعتحجتك عند الله .ثم قال صلی الله علیه واله وسلم، «إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات فجعل في كل سماء


1) علل الشرائع : 466/2 .

2) شرح أصول الكافي : 292/9، والوسائل : 71/1.

3) الوسائل : 71/1

4) التوحيد للصدوق : 415.

5) بطوله في عدة الداعي : 229 ، والبحار: 248/67.

ملكاً قد جللها بعظمته وجعل على كل باب من أبواب السماء بوّاباً فيكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي ثم ترفع الحفظة بعمله وله نور كنور الشمس، حتى إذا بلغ سماء الدنيا فتزكيه وتكثره فيقول الملك قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك الغيبة فمن اغتاب لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري أمرني بذلك ربي ».قال صلی الله علیه واله وسلم: «ثم يجيء الحفظة الغد ومعهم عمل صالح فتمرّ به وتزكيه وتكثر حتى تبلغ السماء الثانية فيقول الملك الذي في السماء الثانية : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وإنما أراد بهذا العمل عرض الدنيا أنا صاحب الدنيا لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري وهو يحبّ الدّنيا ».قال :« ثم تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً بصدقة وصلاة فتعجب به الحفظة وتجاوزه إلى السماء الثالثة فيقول الملك قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك صاحب الكبر فيقول : إنّه عمل وتكبر على الناس في مجالسهم أمرني ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري.قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدري في السماء له دوي بالتسبيح والصوم والحج فتمر به إلى السماء الرابعة فيقول لهم الملك : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه أنا ملك العجب إنّه كان يعجب بنفسه وإنّه عمل وأدخل نفسه العجب أمرني ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري.قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى أهله فتمرّ به إلى ملك السماء الخامسة بالجهاد والصدقة ما بين الصلاتين وكذلك العمل له رنين كرنين الإبل عليه ضوء كضوء الشمس فيقول الملك : قفوا أنا ملك الحسد وأضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه، إنّه كان يحسد من يتعلم أو يعمل الله بطاعته وإذا رأى لأحد فضلاً في العمل والعبادة حسده ووقع فيه فحملوه على عاتقه ويلعنه عمله .قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وحج وعمرة فيتجاوز به إلى السماء السادسة فيقول الملك : قفوا أنا صاحب الرحمة اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واطمسوا عينيه، لأن صاحبه لم يرحم شيئاً إذا أصاب عبداً من عباد الله ذنباً للآخرة أو ضراء في الدنيا شمت به أمرني ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري.قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد بفقه واجتهاد وورع وله صوت كالرعد وضوء كضوء البرق ومعه ثلاثة آلاف ملك فتمر بهم إلى ملك السماء السابعة فيقول الملك : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك الحجاب أحجب كل عمل ليس الله إنّه أراد رفعة عند القوّاد وذكراً في المجالس وصيتاً في المدائن أمرني ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري ما لم

يكن الله خالصاً.قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به من صلاة وزكاة وصيام وحج وعمرة وخلق الحسن وصمت وذكر كثير تشيعه ملائكة السماوات والملائكة السبعة بجماعتهم فيطئون الحجب كلّها حتى يقوموا بين يديه سبحانه فيشهدوا له بعمل ودعاء فيقول سبحانه: أنتم حفظة عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إنّه لم يردني بهذا العمل عليه لعنتي فتقول الملائكة : عليه لعنتك ولعنتنا ».قال : ثم بكى معاذ قال : قلت يا رسول الله ما أعمل وأخلص قال : اقتد نبيك يا معاذ في اليقين ، قال :قلت : أنت رسول الله وأنا معاذ قال : فإن كان في عملك تقصير يا معاذ فاقطع لسانك عن إخوانك وعن حملة القرآن، ولتكن ذنوبك عليك لا تحمّلها على إخوانك ، ولا تزك نفسك بتذميم إخوانك، ولا ترفع نفسك بوضع إخوانك ، ولا تراء بعملك ، ولا تداخل الدنيا في الآخرة، ولا تفحش في مجلسك لكي يحذروك لسوء خلقك، ولا تناج مع رجل وأنت مع آخر، ولا تعظم على الناس فتنقطع عنك خيرات الدنيا، ولا تمزق الناس فتمزقك كلاب أهل النار، قال الله تعالى: (وَالنَّشِطَتِ نَشَطا [النازعات: 2] أفتدري ما الناشطات؟ إنها ( كلاب أهل النار تنشط اللحم والعظم، قلت: ومن يطيق هذه الخصال؟ قال: يا معاذ أما أنه يسير على من يسر الله تعالى عليه قال : وما رأيت معاذاً يكثر تلاوة القرآن كما يكثر تلاوة هذا الحديث (1).

الثالث

في أقسام الرياء والوجوه المتصوّرة فيه، وهي كثيرة إلا أنها منشعبة عن قسمين أحدهما : الرياء المحض والثاني : الرياء المشوب .

أما الزياء المحض فهو أن لا يكون مراده بالعبادة إلا الدنيا ورؤية الناس كالذي يصلي بين أظهر الناس، ولو كان منفرداً لكان لا يصلي بل ربما يصلي من غير طهارة مع النّاس، فهذا يجب أن يترك لأنه معصية لا طاعة فيه أصلاً.

وأمّا الرّياء المشوب فهو يتصوّر على وجوه.

أحدها: أن يعقد على الإخلاص قلبه ثم يطرأ الرياء ودواعيه مثل أن يفتتح الصلاة بالإقبال فيدخل عليه داخل أو ينظر إليه ناظر فيقول له الشيطان : رد صلاتك حسناً حتى ينظر إليك هذا الناظر بعين الوقار فتخشع جوارحه ويحسن صلاته .


1) مستدرك الوسائل : 115/1

وذلك مثل ما روي أن رجلاً لا يقدر على الإخلاص في العمل فاحتال وقال: إن في ناحية البلد مسجداً مهجوراً لا يدخله أحد فأمضي إليه ليلاً وأعبد الله فيه، فمضى إليه في ليلة ظلماء وكانت ذات رعد وبرق ومطر فشرع في العبادة فبينما هو في الصلاة إذ دخل عليه داخل فأحس به فدخله السرور وبرؤية ذلك الداخل له وهو مشتغل بالعبادة في الليلة المظلمة، فأخذ في الجد والاجتهاد في عبادته إلى أن جاء النهار فنظر إلى ذلك الدّاخل فإذا هو كلب أسود قد دخل المسجد مما أصابه من المطر فندم الرّجل على ما فعل وقال : يا نفس إنّي فررت من أن أشرك بعبادة ربي أحداً فوقعت أن أشركت في عبادته كلباً وا أسفا وا ويلا على هذا .

الثاني: أن يأتيه الشيطان من معرض الخير ويقول له : اعمل هذا العمل ليقتدي بك النّاس فيحصل لك أجر من عمل به، وهذه المكيدة أعظم من الأولى وينخدع بها من لا ينخدع بتلك وهو عين الرياء لأنه إذا رأى هذه الحالة خيراً لا يرتضي بغيره تركها فلم تركه وهو في الخلوة وليس أحداً أغرّ على الإنسان من نفسه .

الثالث : أن يتنبه العاقل لهاتين ويستحي من المخالفة بین صلاته في الخلاء والملاء صلاته في الخلوة فيحسن صلاته في الخلوة ليطابق الجلوة، وهذا أيضاً من الرّيا لأنَّه ليحسن في الملاء فكان نظره في عمله إلى الناس.

الرابع: : أن ينظر إليه الناس وهو في صلاته فيعجز الشيطان عن إيقاعه في الرياء بأن يقول له : اخشع لأجلهم ولكن يقول له تفكر في عظمة الله وجبروته ومن أنت أنت واقف بين يديه واستحي أن ينظر الله إلى قلبك وأنت غافل عنه فيحضر بذلك وتجتمع جوارحه ويظن أن ذلك عين الإخلاص وهو عين الرياء فإنّ خشوعه لو كان لنظره إلى عظمة الله لِمَ لَمْ تكن حالته في الخلوة هكذا؟

الخامس : أن يكمل العبادة على الإخلاص لكن عرض له بعد الفراغ حبّ اظهارها لتحصيل بعض الأغراض، وذلك بأن يخدعه الشيطان ويقول له : إنك قد أكملت العبادة الخالصة وقد كنت في ديوان المخلصين ولا يقدح فيها ما يتجدد وإنّما ينضم إلى ما حصله بها من الخير الأجل خير عاجل فيحدث به ويظهره، وهو أيضاً مبطل للعمل ومفسد له وإن سبق .

قال الصادق علیه السلام من عمل حسنة سرّاً كتبت له سراً فإذا أقرّ بها محيت وكتبت جهراً، فإذا أقر بها ثانياً محيت وكتبت رياء وفضل عمل السّر على عمل الجهر سبعون ضعفاً (1)، نعم لو تعلّق بإذاعته غرض صحيح كما لو أراد ترغيب الغير فيه إذا لم يمكن الترغيب بدونه لم یکن به بأس.


1) عدة الداعي : 220 .

السادس: أن يترك العمل خوفاً من الرياء، وهذا أيضاً من خدائع إبليس اللعين لأن غرضه الأقصى ترك العمل فإذا لم تجب إليه واشتغلت به فيدعوك إلى الزياء وغيره فإذا تركته فقد حصلت غرضه .

قال ابن فهد في «عدّة الداعي» ومثال ذلك من سلم إليه مولاه حنطة فيها قليل من المباين إما شعير أو مدر ، وقال : خلصها من التراب مثلاً ونقها منه تنقية جيّدة بالغة ، فيترك أصل العمل ويقول : أخاف إن اشتغلت به ألا يخلص خلاصاً صافياً ويترك العمل من أصله.

السابع : أن يترك العمل لا لذلك بل خوفاً على النّاس أن يقولوا إنّه مرائي فيعصون الله تعالى به، وهذا أيضاً كسابقه رياء خفي لأنّ ترك العمل خوفاً من أن يقال له : إنه مرائي عين الرياء، ولولا حبه لمحمدتهم وخوفه من مذمتهم فماله ولقولهم إنّه مراء أو قالوا إنه مخلص وأي فرق بين ترك العمل خوفاً من قولهم: إنّه مراء وبين أن يحسن العمل خوفاً من قولهم : إنّه مقصر غافل مع ما في ذلك من سوء الظن بالمسلمين، ومن إطاعة الشيطان في ترك العمل .

الثامن: أن يكون ترك العمل إشفاقاً على المسلمين بأن يقول له إبليس اللعين :اترك العمل إشفاقاً على المؤمنين من وقوعهم في الاثم بظن السوء وتركك العمل إشفاقاً عليهم يقوم مقام العمل ويحصل لك بذلك النواب لأن نظر المصلحة للمسلمين حسنة فيعادل الثواب الحاصل من العمل بل هو أفضل لأنه متعدّ إلى الغير ؛ وهذا الخيال من غوائل النفس الأمارة المائلة إلى الكسالة والبطالة ومكيدة عظيمة من الشيطان الخبيث لما لم يجد إليك مسلكاً فصدك من هذا الطريق وزين لك هذا التنميق.

قال ابن فهد ووجه فساده يظهر من وجوه :

الأول : أنّه عجل لك الوقوع في الاثم المتيقن فإنّك ظننت أن يظنوا بل إنّك مراء، وهذا ظنّ سوء وعلى تقدير وقوعه منهم يلحقهم به إثم وظنّك هذا يهم أيضاً ظنّ سوء يلحقك به الاثم إذا لم يكن مطابقاً لما ظننت بهم وتركت العمل من أجله فعدلت من ظنّ موهوم إلى إثم ،معلوم، وحذراً من لزوم إثم لغيرك فأوقيت فيه نفسك .

الثاني : أنك إذا وافقت إرادة الشيطان بترك العمل الذي هو مراده، وترك العمل والبطالة موجب لاجتراء الشيطان عليك وتمكّنه منك، لأنّ ذكره تعالى والتولي في خدمته يقربك منه وبقدر ما تقرب منه تبعد من الشيطان وإنّ فيه موافقة للنفس الأمارة بميلها إلى الكسالة والبطالة وهما ينبوع آفات كثيرة إن كان لك بصيرة.

الثالث : مما يدلك أنّ هذا من غوائل النّفس وميلها إلى البطالة أنك لما نظرت إلى فوات الثواب الحاصل لك من البطالة وإلى فوات وقوعهم في الاثم آثرتهم على نفسك بتخفيف ما

الاثم بسوء الظن وحرمت نفسك النواب، وتفكر في نفسك وتمثل في قلبك بعين

يلزمهم من الانصاف لو حصل بينك وبينهم في شيء من حظوظ العاجلة منازعة إمّا في دار أو مال أو ظهر لك نوع معيشة تظنّ فيها فائدة وحصول أكنت تؤثرهم على نفسك وتتركه لهم؟ كلا والله بل كنت تناقشهم مناقشة المشاقق وتستأثر عليهم فيما يظهر لك من أنواع المعيشة إن أمكنك فرصة الاستيثار وتقلى الحبيب وتقضي القريب.

التاسع : أن يقول لك اللعين إذا كنت لا تترك العمل لذلك فاخف العمل فإنّ الله سيظهره عليك فإما إذا أظهرته فيمكن أن تقع في الرياء، وهذا التلبيس عين الرياء لأن إخفاك له كي يظهر بين الناس هو بعينه العمل لأجل النّاس، وما عليك إذا كان مرضيّاً عند الله تعالى أن يظهر للنّاس أو يخفى .

الرابع

في علاج الرياء وهو على ما ذكره الغزالي في «إحياء العلوم » أن الإنسان يقصد الشيء ويرغب فيه لظنّه أنه خير له ونافع ولذيذ إما في الحال وإما في المال، فإن علم أنه لذيذ في الحال ولكنه ضارّ في المال سهل عليه قطع الرّغبة عنه كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إذا بان له أنّ فيه سما أعرض عنه، فكذلك طريق قطع هذه الرغبة أن يعلم ما فيه من المضرة.

ومهما عرف العبد مضرّة الرّباء وما يفوته من صلاح قلبه وما يحرم عنه في الحال التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند الله وما يتعرض له من العقاب العظيم والمقت الشديد والخزي الظاهر حيث ينادي على رؤوس الخلائق یا فاجر یا غادر یا مرائي أما استحييت؟ إذ اشتريت بطاعة الله عرض الدنيا ، وراقبت قلوب العباد واستهزءت بطاعة الله وتحبّبت إلى العباد بالتبغض إلى الله، وتزينت لهم بالشين عند الله ، وتقربت إليهم بالبعد من الله، وتحمدت إليهم بالتذمّم عند الله، وطلبت رضاهم بالتعرض لسخط الله أما كان أحد أهون عليك من الله ؟

فمهما تفكّر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا بما يفوته في الآخرة وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال مع أنّ العمل الواحد به ربما كان يترجح ميزان حسناته لو خلص ، فإذا فسد بالرياء خوّل إلى كفة السيئات فترجح به ويهوى إلى النار ؛ فلو لم يكن في الرّياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافياً في معرفة ضرره وإن كانت مع ذلك سائر حسناته راجحة، فقد كان ينال بهذه الحسنة علوّ الرتبة عند الله في زمرة النّبيين والصديقين، وقد حط عنهم بسبب الزياء وردّ إلى صف النعال من مراتب الأولياء، هذا.

مع ما يتعرّض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق، فإن رضا الناس غاية لا تدرك فكلّ ما يرضی به فريق يسخط به فريق ، ورضا بعضهم فيه سخط بعضهم، ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليهم وأسخطهم أيضاً عليه .

ثمّ أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم، ولا يزيدهم حمدهم رزقاً ولا أجلاً، ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة.

وأما الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أنّ الله هو المسخّر للقلوب بالمنع والإعطاء ولا رازق إلا الله ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة ، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد؟ وقد يصيب وقد يخطىء وإذا أصاب فلا تفي لذته بألم منته ومذلته .

وأما ذمّهم فلم يحذر منه ولا يزيده ذمّهم شيئاً فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته وأقبل على الله قلبه ، فإنّ العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقلّ نفعه ، ويكفيه أنّ النّاس لو علموا ما في بطنه من قصد الرّياء وإظهار الإخلاص لمقتوه، وسيكشف الله عن سرّه حتى يبغضه إلى الناس ويعرفهم أنّه مراء وممقوت عند الله ولو أخلص الله لكشف الله لهم إخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له وأطلق ألسنتهم بالمدح والثناء عليه .

أقول وهو كما روي أن رجلاً من بني إسرائيل قال : لأعبدنّ الله تعالى عبادة أذكر بها فمكث مدّة مبالغاً في الطاعات ، وجعل لا يمر بملاء من الناس إلا قالوا متصنّع مراء، فأقبل على نفسه وقد قال : أتعبت نفسك وضيعت عمرك في لا شيء، فينبغي أن تعمل الله سبحانه فغير نيته وأخلص عمله الله تعالى ، فجعل لا يمر بملاء من الناس إلا قالوا ورع تقي، هذا.

مع أنّ مدح الناس لا ينفعه وهو عند الله مذموم ، ومن أهل النار، وذمّ النّاس لا يضره وهو عند الله محمود، ومن أهل الجنّة فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد والمنازل الرفيعة عند الله استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيه من الكدورات والمنقصات وكيف يرضى العاقل أن يجعل ثمن عمله مدح النّاس له وما في أيديهم من حطام الدنيا وزخارفها مع أنّها على تقدير النيل إليها ثمن بخس ورضا الله سبحانه هو الجزاء الأوفى.

فلو قيل لك : إنّ ههنا رجلاً معه جوهر نفيس يساوي مائة ألف دينار، وهو محتاج إلى ثمنه بل إلى بيعه عاجلاً وإلى أضعافه ثمناً، فحضر من يشتري منه متاعه بأضعاف ثمنه مع حاجته إلى الأضعاف، فأبى بيعه بذلك وباعه بفلس واحد ألست تحكم بسفاهة ذلك البائع و نقصان عقله؟

فحال المرائي بعينه مثل حال هذا البائع، فإن ما يناله العبد بعمله من حطام الدنيا ومدح الناس له، بالإضافة إلى ثواب الآخرة ومرضاة الله سبحانه أقل من فلس في جنب ألف ألف دينار، بل أقل من نسبته إلى الدنيا وما فيها؛ هذا كله هو الدواء العلمي.

وأما الدواء العملي : فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها كما يغلق الأبواب بواب دون الفواحش حتّى يقنع قلبه بعلم الله وإطلاعه على عبادته ولا تنازعه النفس إلى

طلب علم غيره سبحانه .

ولذلك كان عيسى يقول للحوارنين إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ولحيته، ويمسح شفتيه بالزيت لئلا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله، وإذا صلّى فليرخ ستر بابه، فإنّ الله يقسم الثناء كما يقسم الرّزق .

وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إن في ظل العرش ثلاثة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله : رجلان تحابا في الله وافترقا عليه ، ورجل تصدق بيمينه صدقة فأخفاها عن شماله ، ورجل دعته امرأة ذات جمال فقال : إني أخاف الله ربّ العالمين (1).

فلا دواء للرّياء مثل الإخفاء، وذلك يشقّ في بداية المجاهدة، وإذا صبر عليه مدة بالتكلّف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل ألطاف الله وما يمد به عباده من حسن التوفيق والتأييد والتسديد ، ولكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فمن العبد المجاهدة،ومن الله الهداية ومن العبد قرع الباب ومن الله فتح الباب ، والله لا يضيع أجر المحسنين، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً .

تكملة

هذا الفصل من الخطبة الشريفة رواه ثقة الإسلام الكليني في «الكافي » عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن عبد الرحمان بن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة عن يحيى بن عقيل عن حسن علیه السلام قال : خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه فحمد الله وأثنى عليه وقال :

أما بعد فإنّه إنما هلك من كان قبلكم حيث ما عملوا من المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك، وإنّهم لما تمادوا في المعاصي ولم ينبههم الربانيون والأحبار نزلت لهم العقوبات، فأمروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يقربا أجلاً، ولن يقطعا رزقاً، إنّ الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر، إلى كلّ نفس بما قدر الله من زيادة أو نقصان ، فإن أصاب أحدكم مصيبة في أهل أو مال أو نفس، ورأى عند أخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا يكونن لهم فتنة، فإنّ المرء المسلم البريء من الخيانة ما لم يخش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت ويغرى بها لئام الناس كان كالفالج الياسر الذي ينتظر أوّل فوزة من قداحه ، توجب له المغتم ويرفع عنه بها الله

المغرم ، وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة ينتظر من الله إحدى الحسنين إما داعي فما عند الله خير له ، وإمّا رزق الله فإذا هو ذو أهل ومال ومعه دينه وحسبه، إن المال والبنين


1) بحار الأنوار: 39/100، والكافي: 56/1.

حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، فاخشوه خشية ليست بتعذير، واعملوا في غير رياء وسمعة فإنّه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له ، نسأل الله منازل الشهداء، ومعايشة السعداء، ومرافقة الأنساء (1).

الترجمة

از جمله خطب آن امام عالمیان است در تأدیب فقرا با عدم حسد به اغنیاء و تأديب اغنیاء با تزهید از جمع مال دنیا و در اخلاص اعمال و افعال از سمعه و ریا ؛ می فرماید :

اما بعد از حمد الهی و درود حضرت رسالت پناهی ، پس به درستی که امر الهی نازل میشود از آسمان بر زمین و خارج میشود از قوه به عمل و موجود می شود در مواد سفلیه بعد از وجود در صحایف علویه مانند قطرههای باران به سوی هر نفسی به مقدار آن قسمت شده بر او از زیاده و نقصان ، پس هرگاه ببیند یکی از شما مربرادر خود را زیادتی در اهل یا مال یا نفس یا سایر آنها ، پس باید که

نباشد مر او را فتنه فساد چون وقوع در حسد و عناد پس به درستی مرد مسلمان

و مادام که نیاید بر سر دنائت و ناکسی که ظاهر شود آن دنائت از او در میان مردمان ، پس چشم برهم نهد از خجالت برای ظهور آن دنائت در وقت مذاکره مردم آن دنائت را و حریص کرده شوند مردمان دنی در فعل مثل آن میشود آن مرد مسلم مثل فیروزی یابنده قمار بازنده که انتظار کشد اول بردن را از تیرها و چوب های آن که آن بردن واجب میگرداند از برای آن غنیمت را و برداشته می شود از او به جهت آن بردن غرامت.

و مثل همین قمارباز است مرد مسلمان که بری است از خیانت انتظار می میکشد

از جانب خداوند یکی از این دو حالت را یا خواننده خدا به سوی او پس آن چه که نزد خداوند از اصناف کرامت و انواع رحمت است بهتر است مراورا و یا


1) الكافي: 154/2 ح 19 ، ومناقب آل أبي طالب : 326/10.

روزی خدا ، پس ناگاه میشود او صاحب اهل و مال در حالتی که با اوست دین و حسب و علم و ادب او به درستی مال و اولاد کشت این سرای فانی اند و عمل صالح کشت دار باقی است.

و گاهی جمع میفرماید خداوند هر دو این کشت را از برای گروهی که متصف بشوند به صفت توکل ، پس بترسید از خداوند به آن چه که ترسانده شما را با او از خودش و بترسید از او ترسیدنی که نباشد در او عذرخواهی و دروغ و عمل نمایید عمل خالصی که خالی است از ریا و سمعه ، پس به درستی هر که عمل نماید از برای غیر خدا واگذار می کند خداوند تعالی او را بر آن کس که عمل کرده از برای .او میخواهیم از خدای تعالی منزلهای شهیدان و زندگانی سعیدان و رفاقتی پیغمبران و همراهی ایشان را .

الفصل الثاني

وهو مروي في «الكافي» باختلاف كثير وزيادة ونقصان حسبما تطلع عليه :

«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ وإِنْ كانَ ذا مالٍ عَنْ عَشِيرَتِهِ ، ودِفاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ والسِنَتِهِمْ ، وهُمْ أَعْظَمُ النّاسِ حيطَةٌ مِنْ َورَائِهِ ، وَأَلَمُهُمْ لِشَعْثه وأَعْطَفَهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ به، ولِسانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ الله لِلمَرْءِ في النّاس خَيْرٌ لَهُ مَنَ الْمَالِ يُوَرِّتُهُ غَيرَهُ».

منها

«ألا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ الْقَرابَةِ، يُرى بهَا الْخَصاصة أن يَسُدّها بالذي لا يَزيدُهُ إِنْ

أَنْ أَمْسَكَهُ، وَلا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّما تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ واحِدَةٌ وتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدي كَثيرَةٌ ، ومَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ الْمَوَدَّة» (1)

اللغة

(الحيطة) بكسر الحاء وسكون الياء الحفظ يقال حاطه حوطا وحيطه وحياطة حفظه وصانه و (لم) الله شعثه قارب بين شتيت أموره وجمعها و(الخصاصة) الفقر قال: (يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) و (حاشية) الرجل نفسه وجانبه، وحاشيته أيضاً اتباعه وخواصه وأهله.

الإعراب

جملة (يرى) في محلّ النّصب على الحالية، (وأن يسدّها) في موضع الجر بدلاً من (القرابة) ، (وحاشيته ) بالرفع فاعل (تلن)، وفي «رواية الكافي» الآتية يلن (بالياء) التحتانية (فحاشيته) بالرفع أو بالنصب مفعول له بواسطة الحرف أي (يلن لحاشيته).

المعنى

إعلم أنّه لمّا أدب الفقراء بترك الحسد على الأغنياء بما مر تفصيلاً في الفصل السابق أردف ذلك بتأديب الأغنياء بعدم الزّهد عن الأرحام الفقراء والبعد عنهم، وعن سد خلتهم وجبر فاقتهم فقال : (أيها الناس إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال ) وصاحب ثروة (عن عشيرته) وقبيلته (و) عن (دفاعهم عنه بأيديهم) صولة قبائل (و) ذبهم عنه (بألسنتهم) مسبة قائل.

وذلك لأنّ المال والثروة لا يغني عن الإخوان والعشيرة بل أشد الناس حاجة إلى الأعوان والأتباع هم أكثر النّاس ثروة وغفيرة، ألا ترى الملوك والمتشبهين بهم من أرباب الأموال كم حاجتهم إلى الأصحاب والأعوان في الأعمال والأفعال؟ وأحق الناس بعدم


1) الترادف : التعاون.

الاستغناء عنه هم عشيرة الرجل وأقرباءه (وهم أعظم الناس حيطة من ورائه )وحفظاً لجانبه (وألمهم لشعثه) وأجمعهم لمتفرّق أموره (وأعطفهم عليه عند نازلة )أو مصيبة( إذا نزلت به ) وذلك لجهة القرب الباعثة لدواعي الشفقة عليه (ولسان الصدق ) والذكر الجميل المترتب على البذل والانفاق ( يجعله الله للمرء في الناس )وبينهم (خير له من) جمع (المال) وإمساكه حتى (يورثه غيره) ولنعم ما قال حاتم في هذا المعنى مخاطباً لامرأته مارية :

أماري أن يصبح صداي لقفرة *** من الأَرض لا ماء لدي ولا خمر

ترى أنّ ما أنفقت لم يك ضربي *** وأن يدي ممّا بخلت به صفر

أماري ما يغني الشراء عن الفتى *** إذا حشرجت يوماً وضاق به الصدر

أماري إن المال غاد ورايح *** ويبقى من المال الأحاديث والذكر

وقد علم الأقوام لو أن حاتماً *** أراد ثراء الماء كان له وفر

(ألا لا يعد لن أحدكم عن )الأرحام و (القرابة يرى بها ) الفاقة و (الخصاصة أن يسدها) بفضل ماله (الذي لا يزيد إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه ) أي لا ينفع ذلك الشخص إمساكه ولا تضره الفاقة لكونه زايدا على قدر الحاجة وفاضلاً على معيشته ، (ومن يقبض يده عن عشيرته فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة وتقبض منهم عنه أيدي كثيرة ) .

قال السيد : ما أحسن هذا المعنى فإنّ الممسك خيره عن عشيرته إنما يمسك نفع يد واحدة ، فإذا احتاج إلى نصرتهم واضطر إلى مرافدتهم (1)قعدوا عن نصره وتثاقلوا عن صوته فمنع ترافد الأيدي الكثيرة وتناهض الأقدام الجمة .

(ومن تلن حاشيته) ويحسن خلقه ويتواضع للنّاس (يستدم من قومه المودة) لأن لين الجانب وحسن الخلق والتواضع جالب للألفة وكاسب للمودة، كما أن التكبر والجفاوة وخشونة الطبيعة باعثة على الانقطاع والعداوة قال سبحانه :

وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ هُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأُمِّر [آل عمران: 159] .)هذا كله إن حملنا لفظ الحاشية على النفس والجانب ، وإن حملناه على الأتباعوالخواص فيكون المقصود به التأديب لهم بإصلاح حال الأتباع .بيان ذلك أنّ الأتباع هم الذين عليهم يدور تدبير صلاح حال الرجل فبحسب شدتهم وغلظتهم ولينهم وتواضعهم يكون النّاس أقرب إليه وأبعد منه وبذلك يتفاوت بغضهم


1) الكافي : 154/2 ، والبحار 122/71

ومحبتهم له، وأنسهم وتفارهم عنه، فيلزم على الرّجل إصلاحهم كما يلزم عليه إصلاح نفسه ويلحقه اللوم والذم بترك الأوّل كما يلحقانه بترك الثاني، إذ بتواضعهم ولينية جانبهم يستدام المحبة ويستجلب المودة، كما أن تواضعه بنفسه يستديمها ويستجلبها ولنعم ما قيل:وإذا ما إختبرت ود صديق *** فاختبر ودّه من الغلامان### تبصرةإعلم أن هذا الفصل من الخطبة قد رواه الكليني في «الكافي » بزيادة ونقصان وتقديم وتأخير لا بأس بالإشارة إليه والسند فيه محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى بن عثمان بن عيسى عن يحيى عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام:« لن يرغب المرء عن عشيرته ، وإن كان ذا مال وولد ، وعن مودتهم وكرامتهم ودفاعهم بأيديهم وألسنتهم ، هم أشدّ النّاس حيطة من ورائه وأعطفهم عليه، وألمهم لشعثه، وإن أصابته مصيبة وأنزل به بعض مكاره الأمور، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنّما يقبض عنهم يداً واحدة ويقبض عنه منهم أيدي كثيرة ، ومن يلن حاشيته يعرف صديقه منه المودة، ومن بسط يده بالمعروف إذا وجده يخلف الله له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته، ولسان الصدق للمرء يجعله الله في الناس خير من المال يأكله ويورثه، لا يزدادن أحدكم كبراً وعظماً في نفسه ونأياً عن عشيرته إن كان موثراً في المال، ولا يزدادن أحدكم في أخيه زهداً ولا منه بعداً إذا لم ير منه مروّة وكان معوزاً في المال ، لا يغفل أحدكم عن القرابة بها الخصاصة أن يسدّها بما لا ينفعه إن أمسكه ، ولا يضره إن استهلكه» (1.)### تكملةقد عرفت جملة من ثمرات صلة الأرحام ومفاسد قطيعتها في هذه الخطبة مثل كونهم معاونين للرّجل وحامين له ، والذابين عنه وكون البرّ عليهم موجباً للذكر الخير والثناء الجميل وكون الممسك عنهم بمنزلة الطالب لمنفعة يد واحدة المفوت على نفسه منافع أيدي كثيرة، وقد أشير إلى طائفة ممّا يترتب عليهما من الآثار والثمرات وراء ما مر في سائر الروايات، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها ممّا رواها ثقة الإسلام الكليني في «الكافي» .فبإسناده عن إسحاق بن عمار قال : بلغني عن أبي عبد الله علیه السلام أن رجلاً أتى النبي صلی الله علیه واله وسلم فقال : يا رسول الله أهل بيتي أبوا إلا توثبا علي وقطيعة لي وشتيمة فأرفضهم؟ قال صلی الله علیه واله وسلم :« إذا يرفضكم الله جميعاً»، قال: فكيف أصنع ؟ قال : «تصل من قطعك ، وتعطي من حر حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، فإنّك إذا فعلت ذلك كان لك من الله عليه عليهم ظهير » (2)


1) الكافي : 150/2

2) الكافي : 2 / 150 ، والوسائل : 534/21 .

*وعن محمد بن عبد الله قال : قال أبو الحسن الرّضا علیه السلام : يكون الرّجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها الله ثلاثين سنة ويفعل الله ما يشاء (1.)وعن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر علیه السلام صلة الأرحام تزكي الأعمال، وتنمي الأموال، و ترفع البلوى ، وتيسر الحساب، وتنسىء في الأجل(2.)وعن أبي حمزة عن أبي عبد الله علیه السلام قال : صلة الأرحام تحسن الخلق، وتسمح الكف، وتطيب النّفس، وتزيد في الرزق ، وتنسيء في الأجل (3.)وعن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال أبو ذر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : حافنا الصراط يوم القيامة الرّحم يوم القيامة الرحم والأمانة، فإذا مرّ الوصول للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنّة، وإذا مرّ الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل، وتكفأ به الصراط في النّار (4.)وعن الحكم الحناط قال : قال أبو عبد الله علیه السلام: صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار.وعن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إن صلة الرحم والبرّ ليهونان الحساب، ويعصمان من الذنوب فصلوا أرحامكم، وبروا بإخوانكم ولو بحسن السّلام ورد الجواب .وعن عبد الصمد بن بشير قال : قال أبو عبد الله علیه السلام یقول: أن صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة وهي منسأة في العمر، وتقي مصارع السوء، وصدقة الليل تطفىء غضب الرّب (5.)وعن إسحاق بن عمّار قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : ما نعلم شيئاً يزيد في العمر إلا صلة الزحم حتّى أنّ الرّجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرحم ، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثاً وثلاثين سنة، ويكون أجله ثلاث (6وثلاثين سنة فيكون قاطعاً للرحم فيقصه (7)الله ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين (8)، والروايات في هذا الباب كثيرة ، وفيما رويناه كفاية إن شاء الله .)


1) تحف العقول: 299 ، والوسائل : 534/21

2) المصدر السابق من الكافي.

3) الكافي : 152/2 ، والوسائل: 68/19 .

4) الكافي: 157/2 ، والدعوات للراوندي: 126 .

5) في نسخة ثلاثاً.

6) في نسخة : فينقصه .

7) كشف اللثام 533/2 ، والكافي : 153/2 .

8) البحار: 464/29

### الترجمةای گروه مردمان به درستی که مستغنی نمیشود مرد و اگرچه بوده باشد صاحب جاه و مال از قبیله خود و از رفع کردن ایشان مکروه را از او به دست های خود و زبانهای خود و ایشان بزرگ ترین مردمانند از حیثیت حفظ و حمایت از پس او او و جمع کننده ترین مردمانند مرکارهای پریشان او را و مهربان ترین خلقند بر او هنگام فرود آمدن بلا اگر فرود آید به او و زبان صدق و ذکر خیر که می گرداند خدای تعالی از برای مرد در میان مردمان بهتر است از برای او از مالی که ارث بگذارد آن را به غیر خود . آگاه باشید باید میل نکند و عدول ننماید یکی از شما از خویش و قوم در حالتی که بیند در او فقر و پریشانی از آن که سد کند فقر آن را به مال زاید خود که افزون نمیگرداند او را اگر امساک کند و نگه دارد آن را و کم نمیسازد اگر بذل نماید و انفاق کند آن را و هر که قبض و نگه دارد دست خود را از قبیله خود پس به درستی که نگه داشته میشود از جانب او از خویشان یکدست و فراهم گرفته میشود از جانب ایشان از او دستهای بسیار و هر که نرم باشدجانب او و خوش نفس باشد طلب دوام میکند از قوم خود محبت را .

## ومن خطبة له علیه السلام وهي الرابعة والعشرون من المختار في باب الخطب### اشارة«وَلَعْمري ما عَلَيَّ مِنْ قِتالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقِّ وَخابَطَ الْغَيِّ مِنْ إِدْهانِ وَلا إِيْهانٍ، فَاتَّقُوا الله عِبادَ اللهِ وَفِرُوا مِنَ الله إلى الله، وَامْضُوا في الَّذي نَهَجَهُ لَكُمْ ، وقوموا بِما عَصَبهُ بِكُمْ، فَعَليّ ضامن لفلجكُمْ آجلاً إنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عاجلاً » (1.)### اللغة(خابط الغي بصيغة المفاعلة خبط كلّ منهما في الآخر، والغي الضلالة و (الادهان) والمداهنة المصانعة والمنافقة قال سبحانه: ﴿ودوا الوتدهن فيدهنون) و (الايهان) مصدر أوهنه أي أضعفه و (نهج) الأمر أوضحه وجعله نهجاً أي طريقا بيناً و (عصبه بكم) أي ربطه وناطه كالعصابة التي يشدّ بها الرّأس و (الفلج) بالضم الفوز ومنه الفالج الذي قد مرّ في الخطبة السابقة و (منحه) كضربه ومنعه أعطاه والاسم المنحة و وهي العطية .)### الإعراب(العمر بفتح العين وضمها البقاء ولا تستعمل في القسم إلا بالفتح قال بعض المحققين : قول الشخص لعمري مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، والتقدير قسمي أو يميني وهو دائر بين فصحاء العرب ، قال تعالى : (لعمرك إنّهم لفي سكرتهم يعمهون ) .)لا يقال : إن الحلف بغير الله تعالى منهي عنه .لأنا نقول ليس المراد به القسم الحقيقي بجعل غيره تعالى مثله في التعظيم بل المراد صورته لترويج المقصود أو الكلام على حذف المضاف أي فبواهب عمري وعمرك.### المعنىإعلم أن مقصوده علیه السلام بهذا الكلام الرّد على قول من قال إن متابعته لمحاربيه ومصانعتهم كان أولى من محاربتهم ، فنيه على فساد ذلك القول وبطلان هذا الزعم وقال : (العمري ما علي قتال من خالف الحق و جهاد من (خابط الغى من )مساهلة و (ادهان ولا ) ضعف و (إيهان) إذ مقاتلة أهل التمرد والضلالة واجبة والمداهنة فيها معصية .)ولذلك إنّ الله سبحانه أوحى إلى شعيب النبي إنّي معذب من قومك مائة ألف أربعين ألفاً


1) شرح أصول الكافي للمازندراني: 118/1 ، وعدة الداعي : 285.

من شرارهم وستين ألفاً من خيارهم ، فقال : يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله إليه داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا بغضبي.(فاتقوا الله عباد الله بالحذر عن معاصي الله (وفروا من ) غضب (الله إلى ) رحمة (الله وامضوا في )الطريق (الذي نهجه لكم )وشرعه في حقكم وهو جادة الشريعة التي يجب سلوكها لكلّ أحد (وقوموا بما عصبه بكم )وربطه عليكم وهي الأوامر الشرعية والتكاليف الإلهية وإذا قمتم بواجب ما أمرتم من هذه الأوامر (فعلي) بن أبي طالب (ضامن لفلجكم آجلاً) في دار القرار بجنات تجري من تحتها الأنهار (إن لم تمنحوه عاجلاً) في دار الدنيا لعدم تمام استعدادكم له، وقَدْ يَتِمُ الفوز بالسعادتين العاجليّة والآجليّة لمن وقت قوته بالقيام بهما وكمل استحقاقه لذلك في علم الله سبحانه ولما كان حصول السعادة والفوز للدرجات العالية من لوازم التقوى ظاهر اللزوم في علمه علیه السلام لا جرم كان ضامناً له وزعيماً به .)### إشراقفي بيان معنى التقوى لغة وشرعاً وما يترتب عليه من الثمرات الدنيوية والأخروية.فنقول : التقوى في اللغة الاتقاء وهو اتخاذ الوقاية ، وفي العرف هي الاحتراز بطاعة الله عن عقوبتهوقيل : هي بحسب العرف الشرعي تعود إلى خشية الحق سبحانه المستلزمة للإعراض عن كل ما يوجب الالتفات عنه من متاع الدنيا وزينتها وتنحية ما دون وجهة القصد .وقال الصادق علیه السلام في «تفسيرها»: أن لا يفقدك حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك (1.)وقال بعض العارفين : إن خيرات الدنيا والآخرة جمعت تحت لفظة واحدة وهي التقوى انظر إلى ما في القرآن الكريم من ذكرها ، فكم علق عليها من خير ووعد لها من ثواب وأضاف إليها من سعادة دنيوية وكرامة أخروية .وفي «عدّة الدّاعي» هي العدة الكافية في قطع الطريق إلى الجنّة بل هي الجنة الواقية من متالف الدنيا والآخرة ، وهي الممدوحة بكل لسان والمشرفة لكلّ إنسان، وقد شحن بمدحها القرآن وكفاها شرفاً قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَن اَتَّقُوا الله [النساء: 131] ولو كان في العالم خصلة هي أصلح للعبد وأجمع للخير وأعظم بالقدر وأولى بالإيجال وأنجح للآمال من هذه الخصلة التي هي التقوى؛ لكان الله أوصى بها عباده لمكان حكمته ورحمته، فلما أوصى بهذه الخصلة الواحدة جمع الأولين والآخرين واقتصر


1) الإمام علي للهمداني : 733 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 332/1

عليها علم أنّها الغاية التي لا يتجاوز عنها ولا مقتصر دونها ، والقرآن مشحون بمدحها وعدد في مدحها خصالاً :

الأول : المدحة والثناء (وإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: 168].

الثاني: الحفظ والتحصين من الأعداء وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: 120])الثالث : التأييد والنصر (أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة : 194]

الرابع: إصلاح العمل (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [الأحزاب: 70 - 71] .

الخامس: غفران الذنوب وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَر [آل عمران: 31].)السادس: محبة الله (فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران : 76] .)السابع: قبول الأعمال (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27].

الثامن : الإكرام وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُم بِرازِقِينَ [الحجر: 20] . التاسع: البشارة عند الموت (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَوةِ)الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلمت الله ذلك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس : 63 ].

العاشر : النجاة عن النار (ثم ننجى الَّذِينَ اتَّقَوا) [مريم : 72] .

الحادي عشر : الخلود في الجنّة( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133] .

الثاني عشر : تيسير الحساب (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ).

الثالث عشر : النّجاة من الشدائد والرّزق الحلال (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ يَخرَجًا * وَيَرْزُقَهُ مِنْ حيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغْ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق: 2 - 3 ] فانظر ما جمعت هذه الخصلة الشّريفة من السعادات فلا تنس نصيبك منها .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن حضرت است در اظهار ثبات قدم خود در محاربه جماعت طاغيه و ردّ قول کسی که قایل به مداهنه او است در محاربه و ترهیب مردمان از تمرد و عصیان و ترغیب ایشان به طاعت خداوند عالمیان می فرماید :

قسم به زندگانی خود که نیست بر من از مقاتله مخالفین حق و شریعت و سالكين طريق ضلالت هیچ مدارا کردن و سستی نمودن ، پس بترسید از خدای بندگان خدا و بگریزید به سوی رحمت خدا از غضب خدا و بروید در و بروید در آن راهی که روشن ساخته است آن را از برای شما و قیام نمایید به آن چه باز بسته است آن را

شما و هر گاه این طور حرکت نمایید پس علی بن ابی طالب ضامن است بر

رستگاری شما در آخرت اگر داده نشوید فیروزی و به مراد خود نرسید در دنیا .

ومن خطبة له علیه السلام وهي الخامسة والعشرون من المختار في باب الخطب

اشارة

وهي من أواخر خطبة خطب بها بعد فراغه من صفّين وانقضاء أمر الحكمين والخوارج، وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد وقدم عليه عاملاه على اليمن وهما عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران لما غلب عليهما بسر بن أرطأة فقام علیه السلام إلى المنبر ضجراً بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرأي فقال علیه السلام :

«ما هِيَ إِلا الْكُوفَةُ أَقْبِضُها وَأَبْسُطُها إِنْ لَمْ تَكُوني إِلا أَنْتِ تَهُبُّ أَعاصيرُكِ فَقَبْحَكِ الله ثم تَمَثَلَ بِقَوْلِ الشَّاعِر :

لَعَمْرُ أَبيكَ الْخَيرِ يا عَمْرُو إِنَّني *** عَلى وَضَرٍ مِنْ ذا الإناءِ قليل

ثُمَّ قال :

أُنْبِثْتُ بُسْراً قَدِ اطْلَعَ عَلى اليَمَن وإني والله لأظُنُّ هؤلاءِ الْقَوْمَ سَيُدالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِماعِهِمْ على باطِلِهِمْ ، وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَفْكُمْ، وبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الْحَقِّ، وطاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ في الْباطِلِ، وبأدائِهِمُ الأَمانَةَ إلى صاحِبِهِمْ ، وخِيانَتِكُمْ صاحِبَكُمْ، وَبِصَلاحِهِمْ فِي بِلادِهِمْ ، وفَسادِكُمْ، فَلَوِ اثْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلى قُعْبِ لَخَشَيْتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعلاقته ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُم ومَلوني، وسَيْمَتَهُمْ وسَيْمُونِي فَأَبْدِلْني بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ ، وأَبْدِلْهُمْ بي شَرًا مِنّي ، اللهُمَّ مِنْ قُلوبَهُمْ كَما يُماتُ الْمِلْحُ في الماءِ أَما وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنْ لي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فَراسِ بْنِ غَنْم »:

هُنالِكَ لَوْ دَعَوْتِ أَناكِ مِنْهُمْ *** فَوارِسُ مِثلُ أَرْمِيَةِ الحَمِيم (1)

ثم نزل علیه السلام من المنبر .

قال السيد: (الأرمية) جمع رمى وهو السحاب، و(الحميم) في هذا الموضع وقت الصيف وإنما خص الشاعر سحاب الضيف بالذكر لأنه أشدّ جفولاً وأسرع خفوقاً، لأنه لا ماء فيه، وذلك لا يكون في الأكثر إلا في الشتاء وأراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا والإغاثة إذا استغيثوا .

اللغة

(قبض) من باب ضرب و (بسط) من باب نصر و (هبت ) الريح من باب نصر وهاجت (الأعاصير) جمع إعصار وهي الرّيح المستديرة على نفسها قال تعالى:( فأصابها إعصار فيه


1) في نسخة الدسم.

نار ) و (الوضر) بقية الاسم (1)في الإناء ويستعار لكل بقيّة من شيء يقل الانتفاع بها و (اطلع) فلان علينا إذا ظهر و (أدالنا) الله من عدونا أي جعل الدولة والغلبة لنا عليهم و (القعب) قدح من خشب مقعر و (علاقته )ما يتعلق به عليه و (ماث) زيد الملح في الماء إذا أذابه، وبنو فراس بن غنم بفتح (الغين) وسكون (النون) حتي معروف بالشَّجاعة من بني كنانة وهم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة و (الجفول) في كلام الرّضي الإسراع و (الخفوق) الطيران.

الإعراب

كلمة (ما) نافية وهي مبتدأ وإلا الكوفة خبر ، (واقبضها) خبر ثان أو خبر لمبتدأ محذوف أي أنا أقبضها ، والمرجع لكلمة (هي) هو المملكة نزل حضورها في ذهنه علیه السلام منزلة الذكر السابق أي ما مملكتي إلا الكوفة ، ويحتمل أن يكون هي ضمير شأن والكوفة مبتدأ وأقبضها خيراً عنه ونظيره في إحتمال الضمير للأمرين قوله : (كلا إنها لظى) .

وقوله : إن لم تكوني إلا أنت كلمة (أنت) تأكيد للضمير المستتر وهو اسم تكون والخبر محذوف، وجملة تهب أعاصيرك في موضع الحال، وتقدير الكلام إن لم تكوني إلا أنت عدة لي وجنة اتقى بها العدو وحظا من الملك والخلافة مع ما عليه حالك من المذام فقبحا لك، ويمكن أن يقدّم المستثنى منه حالاً أي إن لم تكوني على حال إلا أن تهب فيك الأعاصير دون أن يكون فيك من يستعان به على العدو فقبحك الله ، والخير بالجز صفة لأبيك، وقليل صفة لو ضر ، والضمير المستتر في قوله : أن يذهب بعلاقته ، راجع إلى الأحد، (والباء) للتعدية أو إلى القعب (والباء) بمعنى مع (والباء) في قوله إن لي بكم للعوض.

المعنى

إعلم أنه ينبغي لنا أن نذكر نسب معاوية عليه اللعنة والهاوية في هذا المقام أولاً، ثمّ نشير إلى إطلاع بسر على اليمن إجمالاً وما جرى من جوره وظلمه على شيعة أمير المؤمنين في اليمن وغيرها ، ثم نرجع إلى شرح الخطبة فأقول :

قال العلامة الحلّي قدس سره في كشف الحق: روى أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي في كتاب المثالب كان معاوية لعمارة بن الوليد المخزومي، ولمسافر ابن أبي عمرو، ولأبي سفيان ، ولرجل آخر سمّاه ، وكانت هند أمه من المعلمات وكان أحب الرّجال إليها السودان، وكانت إذا ولدت أسود دفنته، وكانت حمامة إحدى جدات معاوية لها راية في ذي المجاز .


1) البحار : 113/42 ، والدرجات الرفيعة : 159 .

وذكر أبو سعيد إسماعيل بن علي السمعاني الحنفي من علماء العامة علماء العامة في مثالب بني أميّة، والشيخ أبو الفتوح جعفر بن محمد الهمداني من علمائهم في كتاب البهجة المستفيد أن مسافر بن عمرو بن أمية بن عبد شمس كان ذا جمال وسخاء ، فعشق هنداً وجامعها سفاحاً واشتهر ذلك في قريش، فلما حملت وظهر السفاح هرب مسافراً من أبيها إلى الحيرة، وكان فيها سلطان العرب عمرو بن هند ، وطلب أبوها عتبة أبا سفيان ووعده بمال جزيل وزوجه هنداً فوضعت بعد ثلاثة أشهر معاوية، ثم ورد أبو سفيان على عمرو بن هند فسأله مسافر عن حال هند فقال : إني تزوّجتها فمرض ومات .

وفي «البحار» من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمّد الثقفي عن يوسف بن كليب المسعودي عن الحسن بن حماد الطائي عن عبد الصمد البارقي قال : قدم عقيل على عليّ علیه السلام وهو جالس في صحن مسجد الكوفة فقال : السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته قال : وعليك السّلام يا أبا يزيد ثم التفت إلى الحسن بن علي فقال : قم وانزل عمّك، فذهب به وأنزله وعاد إليه فقال علیه السلام له : اشتر له قميصاً جديداً ورداءً جديداً وإزاراً جديداً ونعلاً جديداً، فغدا على علي علیه السلام في التّياب فقال : السّلام عليك يا أمير المؤمنين قال: وعليك السّلام يا أبا يزيد قال : يا أمير المؤمنين ما أراك أصبت من الدنيا شيئاً إلا هذه وإنّي لا ترضى نفسي من خلافتك بما رضيت به لنفسك فقال : يا أبا يزيد يخرج عطائي فأدفعه إليك (1).

فارتحل عن عليّ إلى معاوية فلما سمع به معاوية نصب كراسيه وأجلس جلسائه فورد عليه فأمر له بمائة ألف درهم فقبضها فقال له معاوية : أخبرني عن العسكرين فقال: مررت بعسكر علي بن أبي طالب فإذا ليل كليل النّبي ونهار كنهار النّبي إلا أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ليس في القوم، ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نفر برسول الله ليلة العقبة.

فقال : من هذا الذي عن يمينك يا معاوية؟ قال : هذا عمرو بن العاص قال : هذا الذي اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جرارها.

فمن الآخر؟ قال : الضحاك بن قيس الفهري قال: أما والله لقد كان أبوه جيّد الأخذ

لعسب (2)التيوس خسيس النفس .

فمن هذا الآخر؟ قال أبو موسى الأشعري قال : هذا ابن المراقة السراقة .

فلمّا رأى معاوية أنه قد أغضب جلسائه قال : يا أبا يزيد ما تقول فى؟ قال : دع عنك


1) العسب ضراب الفحل .

2) الغارات: 65/1 .

قال : لتقولن قال : أتعرف حمامة؟ قال : ومن حمامة؟ قال : أخبرتك ، ومضى عقيل فأرسل معاوية إلى النسابة فقال : أخبرني من حمامة؟ قال : أعطني الأمان على نفسي وأهلي فأعطاه قال : حمامة جدتك وكانت بغية في الجاهلية لها راية تؤتى ، قال الشيخ: قال أبو بكر بن رنین: هي أم أم أبي سفيان (1).

وفي «شرح المعتزلي» معاوية هو أبو عبد الرحمان معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، وهو الذي قاد قريشاً في حروبها إلى النبي وكانت هند تذكر في مكة بفجور وعهر .

وقال الزمخشري في کتاب «ربيع الأبرار» : كان معاوية يعزى إلى أربعة إلى مسافر بن أبي عمرو ، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وإلى العباس عبد المطلب، وإلى الصباح مغنّ كان لعمارة بن الوليد (2).

قال : وقد كان أبو سفيان ذميماً قصيراً أو كان الصباح عسيفاً (3)لأبي سفيان شاباً وسيماً، فدعته هند إلى نفسها فغشيها وقالوا إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضاً، وقالوا إنها كرهت أن تضعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك، وفي هذا المعنى يقول حسان بن ثابت أيام المهاجاة بين المشركين والمسلمين في حياة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبل عام الفتح :

لمن الضبي بجانب البطحاء *** في الترب ملقى غير ذي مهد

بخلت به بيضاء أنسة *** من عبد شمس صلته الخدّ

قال الشارح : ولى معاوية اثنتي وأربعين سنة منها اثنتا وعشرون سنة، ولى فيها إمارة الشام منذ مات أخوه يزيد بن أبي سفيان بعد خمس سنين من خلافة عمر إلى أن قتل أمير المؤمنين علي علیه السلام في سنة أربعين، ومنها عشرون سنة خليفة إلى أن مات في سنة ستين.

قال: وكان معاوية على أس الدّهر مبغضاً لعلي علیه السلام شديد الانحراف عنه وكيف لا يبغضه وقد قتل أخاه بدر وخاله الوليد بن عتبة وشرك في قتل جده وهو عتبة أو في عمّه وهو شيبة على اختلاف الرواية، وقتل من بني عبد شمس نفراً كثيراً من أعيانهم وأماثلهم، ثم جاءت الطاقة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلها إليه بشبهة إمساكه عنه وانضواء كثير من قتله إليه علیه السلام فتأكدت البغضة وثارت الأحقاد وتذكرت تلك الترات الأولى حتّى أقضى الأمر إلى ما أفضى إليه .

قال : وقد كان معاوية مع عظم قدر علي علیه السلام في النفوس واعتراف العرب بشجاعته وأنه


1) ربیع الأبرار : 548/3 باب القرابات والأنساب.

2) عسف فلاناً أي استخدمه.

3) بحار الأنوار: 202/33 ، وشرح نهج البلاغة : 340/1.

البطل الذي لا يقام له يتهدّده وعثمان بعد حي بالحرب والمنابذة ويراسله من الشام رسائل خشنة .

ثم قال : ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا يرمى بالزندقة وقد ذكرنا في نقض السفيانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الالحاد والتعرض لرسول الله وما تظاهر به من الجبر والإرجاء ، ولو لم يكن شيء من ذلك لكان في محاربته الإمام علیه السلام ما يكفي في فساد حاله لا سيما على قواعد أصحابنا وكونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار والخلود فيها إن لم يكفرها التوبة (1).

وأما بسر بن أرطاة وقيل ابن أبي أرطاة وكيفية خروجه وظهوره على البلاد فهو أنّ قوماً بصنعاء كانوا من شيعة عثمان يعظمون قتله لم يكن لهم نظام ولا رأس فبايعوا لعلي علیه السلام على ما في أنفسهم وعامل علي على صنعاء يومئذ عبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب وعامله على الجند سعيد بن نمران.

فلما اختلف الناس على عليّ بالعراق وقتل محمّد بن أبي بكر بمصر وكثرت غارات أهل الشام تكلموا ودعوا إلى الطلب بدم عثمان فبلغ ذلك عبيد الله بن عباس فأرسل إلى أناس من وجوههم فقال ما هذا الذي بلغني عنكم؟ قالوا: إنا لم نزل ننكر قتل عثمان ونرى مجاهدة من سعى عليه فحبسهم فكتبوا إلى من في الجند من أصحابهم فثاروا بسعيد بن نمران فأخرجوه من الجند وأظهروا أمرهم وخرج إليهم من كان بصنعاء وانضم إليهم كلّ من كان على رأيهم ولحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم إرادة أن يمنعوا الصدقة.

والتقى عبيدالله بن عبّاس وسعيد بن نمران ومعهما شيعة علي فقال ابن عبّاس لابن نمران : والله لقد اجتمع هؤلاء وإنّهم لنا لمقاربون وإن قاتلناهم لا نعلم على من تكون الدّبرة فهلم لنكتب إلى أمير المؤمنين نخبرهم فكتبا إليه علیه السلام يخبرانه الخبر ، فلما دخل كتابهما ساء علياً علیه السلام وأغضبه فكتب إليهما كتاباً يوبخهما على سوء تدبيرهما في ترك قتال أهل اليمن ، وكتب إلى أهل الجند وصنعاء كتاباً يهددهم فيه ويذكرهم الله سبحانه فأجابوه بأنا سامعون مطيعون إن عزلت عنا هذين الرّجلين عبيد الله وسعيداً ، وقالوا : وكتبت تلك العصابة حين جاءها كتاب علي علیه السلام إلى معاوية يخبرونه وكتبوا في كتابهم :

معاوي إلا تشرع السير نحونا *** نبايع عليّاً أو يزيد اليمانيا

فلما قدم كتابهم إلى معاوية دعا بسر بن أبي أرطاة وكان قاسي القلب فظاً سفاكاً للدماء، لا رأفة عنده ولا رحمة فأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة حتى ينتهي إلى اليمن وقال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاة لهم وأنك محيط بهم، ثمّ اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي فمن أبى فاقتله واقتل شيعة علي


1) الغارات للثقفي : 642/2 ، والغدير: 28/11.

حيث كانوا .

فتوجه بسر نحو اليمن، ولما قرب المدينة كان عامل علي عليها أبو أيوب الأنصاري ، فخرج عنها هارباً فدخل بسر المدينة فخطب الناس وشتمهم وتهددهم، ثم شتم الأنصار وتهددهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم ودعى النّاس إلى بيعة معاوية فبايعوه، ونزل فأحرق دوراً كثيرة وأقام بالمدينة أياماً، ثم قال لهم إنّي قد عفوت عنكم وإن لم تكونوا لذلك بأهل ، وقد استخلفت عليكم أبا هريرة فإيّاكم وخلافه .

ثم خرج إلى مكة وقتل في طريقه رجالاً وأخذ أموالاً وبلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامة أهلها ، وخافوا وهربوا فخرج ابنا عبيد الله بن العباس وهما سليمان وداود وأنهما حورية، وتكنى أم حكيم مع أهل مكة فأضلوهما عند بئر ميمون ابن الحضرمي وهجم عليهما بستر فأخذهما وذبحهما فقالت أمهما :

ها من أحس بابني اللذين هما *** كالدّرْتين تشظى عنهما الصدف

ها من أحس بابني اللذين هما *** سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف

هامن أحس بابني اللذين هما *** مخ العظام فمخي اليوم مزدهف

نبشت بسرا وما صدقت ما زعموا *** من قتلهم ومن الإفك الذي افترقوا

الأبيات

ولما قرب بسر من مكة هرب قثم بن العباس وكان عامل علي ، ودخلها بسر فشتم أهل مكة وأنبهم، ثم خرج واستعمل عليها شيبة بن عثمان ودخل الطائف وبات بها، وخرج منها فأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان وابنه مالكاً، وكان عبد الله هذا صهراً لعبيد الله العباس، ثمّ جمعهم وقام فيهم وقال : يا أهل نجران يا معشر النصارى وإخوان القرود أما والله إن بلغني عنكم ما أكره لأعودن عليكم بالتي تقطع النسل وتهلك الحرث وتخرب الديار ، وتهدّدهم طويلاً.

ثم سار حتى أتى أرحب فقتل أبا كرب وكان يتشيّع ويقال : إنه سيّد من كان بالبادية من همدان فقدمه فقتله، وأتى صنعاء وقد خرج عنها عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران، وقد استخلف عبيد الله عليها عمر بن أراكة الثقفي فمنع بسراً من دخولها وقاتله فقتله بسر ودخل صنعاء فقتل منها قوماً، وأتاه وفد مارب فقتلهم ولم ينج منهم إلا رجل واحد .

ثم خرج من صنعاء وأتى أهل حيان وهم شيعة لعلي فقاتلهم وقاتلوه فهزمهم وقتلهم قتلاً زريعاً، ثم رجع ثم رجع إلى صنعاء وقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس .

وروى أبي وداك قال : كنت عند علي علیه السلام لما قدم عليه سعيد بن نمران الكوفة فعتب

علیه السلام عليه وعلى عبيد الله أن لا يكونا قاتلا بسراً، فقال سعيد قد والله قاتلت ولكن ابن عباس خذلني وأبى أن يقاتل ، ولقد خلوت به حين دنا منا بسر فقلت : إن ابن عمّك لا يرضى مني ومنك بدون الجدّ في قتالهم قال : لا والله ما لنا بهم طاقة ولا يدان فقمت في الناس فحمدت الله ثم قلت : يا أهل اليمن من كان في طاعتنا وعلى بيعة أمير المؤمنين فإلي إليّ، فأجابني منهم عصابةمنهم فاستقدمت فقاتلت قتالاً ضعيفاً وتفرّق الناس عني وانصرفت .

قال أبو مخنف فندب علي علیه السلام أصحابه لبعث سرية في أثر بسر فتثاقلوا فقام علیه السلام إلى المنبر ضجراً بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرأي فقال علیه السلام: (ما هی إلا الكوفة أقبضها وأبسطها ) أي أتصرف فيها كما يتصرّف الإنسان في ثوبه بقبضه وبسطه .

والكلام في معرض التحقير أي ما أصنع بتصرفي فيها مع حقارتها، ويحتمل أن يكون المراد عدم التمكن التّامّ من التصرف فيها لنفاق أهلها كمن لا يقدر على لبس ثوب بل على قبضه وبسطه، أو المراد بالبسط بث أهلها للقتال عند طاعتهم وبالقبض الاقتصار على ضبطهم عند المخالفة .

قال الشارح البحراني: أقبضها وأبسطها كنايتان عن وجوه التصرف فيها، أي إنّ الكوفة والتصرف فيها بوجوه التصرف حقير بالنسبة إلى سائر البلاد التي عليها الخصم فما عسى أصنع بتصرفي فيها وما الذي أبلغ به من دفع الخصم ومقاومته .

وهذا كما يقول الرجل في تحقير ما في يده من المال القليل إذا رام به أمراً كثيراً : إنّما هو هذا الدنيا فما عسى أبلغ به من الغرض.

ثم قال على علیه السلام طريق صرف الخطاب (فإن لم تكوني إلا أنت ) عدو لا من الغيبة إلى الخطاب على حد قوله : إياك نعبد وإياك نستعين ، يعني إن لم تكن مملكتي من الدنيا إلا أنت حال كونك ( تهب أعاصيرك) وتنبعث منك الآراء المختلفة والفتن المضله ويثور الشقاق والنفاق (فقيحك الله ثم تمثل ) لأجل استصغاره أمرها (بقول الشاعر:

لعمر أبيك الخير يا عمرو أنني *** على وضر من ذا الإناء قليل )

تشبيهاً للكوفة بالوضر الباقي في الإناء في حقارتها بالنسبة إلى ما استولى عليها خصمه من الدنيا كحقارة الوضر بالنسبة إلى ما يشتمل عليه الإناء من الطعام، فاستعار لفظ الإناء للدنيا ولفظ الوضر القليل للكوفة يعني إني على بقية من هذا الأمر كالوضر القليل في الإناء.

(ثم )شرع في استنفارهم إلى الجهاد ف- (قال : أنبئت بسرا قد اطلع على اليمن وظهر على أهلها وإني والله لأظنّ هؤلاء القوم ) المنافقين القاسطين (سيدالون منكم) ويغلبون عليكم (ب-) الأسباب التي توجب دولتهم وغلبتهم عليكم وهو (اجتماعهم على باطلهم ) وهو التصرف الغير الحق في البلاد (وتفرقكم عن حقكم ) وهو التصرف المستحق بإذن ولي الأمر

(وبمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل ) في أوامره الباطلة وأحكامه الضالة (وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم ) حيث لزموا بعهده ووفوا ببيعته (وخيانتكم صاحبكم) حيث تركتم مؤازرته في القتال ونقضتم عهده وغدرتم له ( وبصلاحهم في بلادهم) حيث راقبوا انتظام أمورهم (وفسادكم) .

والسر في جميع ذلك ما قاله الجاحظ من أن أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون القدح والطعن والترجيح بين الرّجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء وأهل الشام ذوو بلادة وتقليد وجمود على رأي واحد لا يرون النظر ولا يسألون عن مغيب الأحوال وهذه هي ! العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء وطاعة أهل الشام لهم.

ثم بالغ علیه السلام في ذمهم بالخيانة على سبيل الكناية وقال : (فلو انتمنت أحدكم على قعب خشب لخشيت أن يذهب ) ذلك القعب (بعلاقته) .

ثم شكى إلى الله سبحانه منهم بقوله : (اللهم إني قد مللتهم )لكثرة ما تكرّر منّي الأمر لهم بالجهاد والذب عن دين الله المنافي لطبائعهم والمنافر عنه قلوبهم المشغولة بالدنيا وزخارفها والبقاء فيها ( وملوني) لأني دعوتهم إلى الله سبحانه وإلى تحصيل مرضاته ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعوتي إلا فراراً (وستمتهم وستموني) .

ثم أردف تلك الشكاية بالتضرع إلى الله في الخلاص منهم، ثم بالدعاء عليهم بقوله : (فأبدلني بهم خيراً منهم ) كلمة الخير هنا بمنزلتها في قوله سبحانه: أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ [الفرقان: 15] على سبيل التنزل أو التحكم؛ أو أريد بها المعنى الوصفي بدون تفضيل ولعلّ المراد بذلك قوم صالحون ينصرونه ويوفقون لطاعته، أو ما بعد الموت من مرافقة النّبي وآله وغيره من الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ، وتمنيه لفوارس فراس بن غنم ربما يؤيّد الأول.

وأما قوله : (وأبدلهم بي شرّاً منّي ) فربما استشكل صدور مثل هذا الدعاء عنه علیه السلام من وجهين :

أحدهما : أنه يقتضي أن يكون هو ذا شر وقد ثبت أنه كان منزّهاً عن الشرور .

الثاني : أنه كيف يجوز أن يدعو بوجود الشرور ووجود الأشرار.

وأجيب عن الأوّل بوجهين أحدهما: أن صيغة أفعل لم يرد بها التفضيل وإنّما أريد بها أصل الوصف فالمعنى أبدلهم بمن فيه شرّ غيري، الثاني: أن يكون شراً منّي بحسب عقائد أهل الكوفة إن في شراً عليهم واعتقادهم أنه ذو شر لا يوجب كونه كذلك.

وعن الثاني بوجهين أيضاً أحدهما : أن دعائه علیه السلام بما يبدلهم بمن هو شرّ منه مشتملة على مصلحة مقتضية لحسنه وهو أن هذا الدعاء ربما يكون مخوفاً لهم جاذباً لأكثرهم إلى الله سبحانه ما فيه مضافاً إلى ما ذكر من أنّ نزول الأمر المدعو به عليهم بعده مما ينبههم على فضله ويذكرهم أن ابتلائهم بذلك إنّما هو لتركهم أوامر الله وخروجهم عن طاعته وطاعة وليه، الثاني : لعلّه إنما دعى عليهم لعلمه أنه لا يرجى صلاحهم فيما خلقوا فيما خلقوا لأجله ومن لا صلاحه بل يكون وجوده سبباً لفساد النظام فعدمه أولى فيكون الدعاء عليهم مندوباً إليه .

وعلى ذلك يحمل أيضاً دعاؤه بقوله : (اللهم مث قلوبهم ) بتوارد الهم والغم والخوف عليهم (كما يماث الملح في الماء) وذلك الدعاء تأس منه علیه السلام بالسابقين من الأنبياء في الشكاية من قومهم إلى الله والدّعاء عليهم كنوح علیه السلام إذ قال (رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً قلم يزدهم دعائي إلا فراراً ) ثم ختم بالدعاء على من لم يرج صلاحهم بقوله : (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ) .

روى إنّ اليوم الذي دعا عليهم فيه بهذا الدعاء ولد فيه الحجاج بن يوسف، وروى أنه ولد بعد ذلك اليوم بأوقات يسيرة وفعله بأهل الكوفة مشهور حتى قيل لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها وفاجرها وجئنا بالحجّاج وحده لزدنا عليهم.

وعن «مروج الذهب » للمسعودي أنّ أمّ الحجاج ولدته لا دیر له فثقب له دبر وأبى أن يقبل القدي.

وفي الحديث أن إبليس تصوّر لهم بصورة الحارث بن كلدة فقال : اذبحوا له تيساً

والعقوه من دمه وأطلوا به وجهه وبدنه ففعلوا به ذلك فقبل الثدي فلاجل ذلك كان لا يصبر عن سفك الدماء وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته في سفك الدماء وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره.

وأحصى من قتل بأمره سوى من قتل في حروبه فكانوا مائة ألف وعشرين ألفاً، ووجد في سجنه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة ولم يجب على أحد منهم قتل ولا قطع وكان يحبس الرّجال والنساء في موضع واحد لا سقف له ، فإذا أوى المسجونون إلى الجدران يستظلون بها من حرّ الشمس رمتهم الحرس بالحجارة، وكان طعامهم خبز الشعير مخلوطاً بالملح والرماد .

ومن أعجب ما روى أنه وجد على منبره مكتوباً (قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار ) فكتب تحته (قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ) [آل عمران : 119] .

ثم قال علیه السلام (أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم) وهو حتي معروف بالشجاعة حسبما أشير إليه وتمثل بقول أبي جندب الهذلي.

(هنالك لو دعوت أتاك منهم *** فوارس مثل ارمية الحميم)

والخطاب لامّ زيناغ وضمير منهم راجع إلى بني تميم بقرينة الذي قبله وقوله :

ألا يا أم زيناغ أقیمی*** صدور العيسي نحو بني تميم

ومعنى البيت واضح مما ذكره السيد ومقصوده علیه السلام بالتمثل تمنّى كون القوم الذين ودّ كونهم عوضاً عن قومه بصفة الفوارس الذين أشار إليهم الشاعر في سرعة الإجابة والمبادرة إلى الإغاثة، ومقصوده في جميع ذلك توبيخ أهل الكوفة وتحقيرهم بتثاقلهم عن الجهاد.

قال الكلبي وأبو مخنف : ولما تثاقل أصحابه عن الخروج في أثر بسر بن أرطاة فأجابه إلى ذلك جارية بن قدامة السعدي فبعثه في ألفين فشخص إلى البصرة، ثمّ أخذ طريق الحجاز حتى قدم اليمن وسأل عن بسر فقيل : أخذ في بلاد بني تميم فقال : أخذ في ديار قوم يمنعون أنفسهم .

وبلغ بسراً مسير جارية فانحدر إلى اليمامة وأخذ جارية بن قدامة السير ما يلتفت إلى مدينة مرّ بها فلا أهل حصن ولا يعرج على شيء إلا أن يرمل بعض أصحابه من الزاد، فيأمر أصحابه بمواساته أو يسقط بعير رجل أو تحفى دابته فيأمر أصحابه بأن يعقبوه حتى انتهوا إلى أرض اليمن فهربت شيعة عثمان حتى لحقوا بالجبال وأتبعهم شيعة علي وتداعت عليهم من كلّ جانب وأصابوا منهم وصمد نحو بسر وبسر بين يديه يفرّ من جهة إلى جهة أخرى حتى أخرج من أعمال علي علیه السلام كلها .

فلما فعل به ذلك أقام جارية بحرس نحوا من شهر حتى استراح وأراح أصحابه ووثب النّاس ببسر في طريقه لما انصرف من بين يدي جارية لسوء سيرته وفظاظته وظلمه وغشمه، وأصاب بنو تميم من في بلاده.

فلما وصل بسر معاوية قال : أحمد الله يا أمير المؤمنين إنّي سرت في هذا الجيش أقتل عدوّك ذاهباً جائياً لم ينكب رجل منهم نكبة فقال معاوية : الله قد فعل ذلك لا أنت وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفاً وحرق قوماً بالنار.

روي أنه دعا علي علیه السلام على بسر فقال : اللهم إنّ بسراً باع دينه بالدنيا وانتهك محارمك وكانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده من عندك، اللهم فلا تمته حتّى تسلبه عقله ولا توجب له رحمتك ولا ساعة من نهار ، اللهم العن بسراً وعمراً ومعاوية وليحلّ عليهم غضبك ولتنزل بهم نقمتك وليصبهم بأسك وزجرك لا تردّه عن القوم المجرمين (1)


1) بحار الأنوار: 226/18 ، وشجرة طوبى : 224/2 .

فلم يلبث بسر بعد ذلك إلا يسيراً حتى وسوس وذهب عقله فكان يهذي بالسيف ويقول : أعطوني سيفاً أقتل به لا يزال يردّد ذلك حتى اتخذ له سيف من خشب وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتّى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

الترجمة

از جمله خطب آن حضرت است که فرمود در حالتی که به تواتر رسید خبرها به غالب شدن اصحاب معاويه عليه اللعنة شهرها و آمدند به سوی آن حضرت عاملان او که حاکم بودند بر یمن ، عبدالله بن عبّاس و سعید بن نمران وقتی که غالب شده بود بر ایشان بسر بن أبى أرطاة ولدالزنا ، پس برخاست آن حضرت به طرف منبر در حالتی که تنگ دل بود به جهت گرانی اصحاب خود از جهاد و به جهت مخالفت کردن ایشان با او در رأی ، پس فرمود:

نیست مملکت مملكت من مگر کوفه در حالتی که قبض میکنم آن را و بسط می کنم آن را ؛ یعنی همین کوفه است که محل تصرف من است به حل و عقد و امر و نهی و اعتماد نمودن بر مردمان آن در حرب و ضرب نه سایر بلاد ، اگر نباشیای کوفه مگر تو که باشی سپر دشمن و ساز لشگر من در حالتی که وزد گردبادهای تو ، پس قبیح گرداند خدای تعالی تو را .

پس آن حضرت به جهت تحقیر کوفه متمثل شد به قول شاعر که معنیش این است : قسم به زندگانی پدر تو که بهتر مردمان است ای عمر و به تحقیق که من واقع شده ام بر چربی اندکی که باقی مانده است از این ظرف طعام؛ یعنی کوفه در نظر من در غایت حقارت است مانند چربی که می ماند بعد از اکل در ظرف . بعد از آن فرمودند که :

خبر داده شدم که بسر بن أبى أرطاة رسیده به دیار یمن و به درستی من قسم به خدا هر آینه گمان کنم آن قوم را که زود باشد که دولت و تسلط داده شوند از قبل شما به سبب اتفاق ایشان بر باطل خود و تفرق شما از حق خود و به جهت

معصیت شما امام خود را در امر حق و اطاعت ایشان امام خود را در امر باطل و به سبب ادا کردن ایشان امانت و عهد را به صاحب خودشان و خیانت کردن شما در امانت و به جهت صلاح ایشان در شهرهای خود در جمیع امور ملکی و فساد شما در بلاد خودتان ، پس اگر امین گردانم یکی از شما را بر قدح چوبین هرآینه میترسم که ببرد آن را با دوال و دسته اش.

بارخدایا به درستی که من تنگدل شده ام از ایشان و تنگدل شده اند ایشان از من و سیر شده ام من از ایشان و سیر شده اند ایشان از من پس بدل کن برای من

شدهام ایشان را به بهتر از ایشان و عوض کن برای ایشان مرا به کسی که متصف به صفت شرارت بوده باشد .خداوندا بگداز بترس و عذاب قلبهای ایشان را چنان چه می شود نمك در آب . آگاه باشید به خدا سوگند هر آینه دوست میدارم این که باشد مرا به عوض شما هزار سوار از فرزندان فراس بن غنم آن جا اگر بخوانی و آواز دهیآیند به سوی تو از ایشان سوارانی مثل ابرهای تابستان با سرعت و

گداخته استيلا.

ومن خطبة له علیه السلام وهي السادسة والعشرون من المختار في باب الخطب

اشارة

وهی ملتقطة من خطبة طويلة خطب بها قبل مسيره إلى النهروان حسبما تطلع عليه وشرحها في ضمن فصول ثلاثة.

الفصل الأول

«إن الله بَعَثَ مُحَمَّداً صلی الله علیه واله وسلم وآله نَذيراً لِلْعالَمينَ، وأميناً على التنزيل، وأَنتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلى شَرّدين وفي شَرِّ دارٍ، مُنسِخُونَ بَينَ حِجَارَةِ حُشُنِ وحَيَاتٍ صُمْ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ ، وتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفكُونَ دِمانَكُمْ ، وتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ ، الأَصْنامُ فيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآثَامُ بكُم مَعْصُوبَةٌ » (1).

اللغة

(أناخ) الناقة أبركها و (الصم) بالضم إمّا جمع صماء وهي الأرض الغليظة أو جمع أصمّ وهي الحيّة التي لا تقبل الرّقى، والرّجل الأصم لا يطمع فيه، ولا يرد عن هواه ، وأصمه الله فهو أصمّ أي به انسداد السمع وثقل الأذن و (كدر ) كدراً وتكدّر نقيض صفا فهو كدر وكدر كفخذ وفخذ بكسر العين وسكونها و (جشب) الطعام فهو جشب وجشب أي غليظ أو بلا أدم و (المعصوبة) المشدودة.

الإعراب

(وأنتم معشر العرب ) ا ه جملة حالية، (منيخون) خبر بعد خبر، (وحنات صمّم) إن كان الضم جمع صماء فالحيات مضافة إليها، وإن كان جمع أصم فهي صفة لها، وجملة (تشربون وتاليها ) حالية أيضاً.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة وارد في بيان حال العرب في أيام الجاهلية وما كانوا عليه يومئذ من الضّنك والضيق ، ومن سوء الحال في أمر المعاش والمعاد وتذكرة بما من الله سبحانه به عليهم من بعث الرسول فيهم وتبديله سبحانه بوجوده الشريف سوء حالهم بحسن الحال في الدنيا والآخرة حيث جعلوا ذا رفاهية وسعة ونعمة ، وفتحوا البلاد وغنموا الأموال


1) في نسخة : أبوال.

وكسروا الجيوش وفاقوا الملوك، وكان لهم الذكر الباقي والشرف الثابت واهتدوا إلى دين الإسلام الذي هو طريق دار السلام ، فاكتسبوا السعادة الباقية وفازوا المقامات العالية .

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه علیه السلام فأقول قوله : (إن الله بعث محمداً صلی الله علیه واله وسلم نذيراً للعالمين ).

خص النذارة بالذكر واختارها على البشارة إذ المقصود في هذا المقام التوبيخ للعرب وترقيق قلوبهم المشتملة على الغلظة والفظاظة، ولا ريب أنّ الإنذار أقوى في الترقيق والردع ، وذلك لأن عامة الخلق إلا قليلاً منهم أنظارهم مقصورة على زخارف الدنيا وشهواتها غافلون عن نعم الآخرة ولذاتها، فلا يرغبون عن النعم الحاضرة بما يبشرون بها من النعم الغائبة، ولا يقابلون اللذائذ الموجودة بلذائذ الموعودة، لكون هذه عندهم نقداً وتلك نسيئة وكان السبب الأقوى في الردع والالتفاف إلى الله إنما هو الإنذار والتخويف، فاختار كونه نذيراً على كونه

بشيراً .

(و) أردفه بكونه (أميناً على التنزيل) غير خائن ولا مقصر في تبليغ آياته ولا مبدل لكلماته (وأنتم معشر العرب على شرّ دين) حيث عبدتم الأصنام والأوثان واتخذتم الله الأنداد والشركاء (وفي شرّ دار ) أراد بها تهامة أو نجد أو البوادي التي كانوا يسكنونها، ثمّ فتح الله عليهم البلاد.

ووصفها بالشّر من حيث فساد أمر معاشهم فيها كما فسره بقوله: (منيخون) أي مقيمون (بين حجارة خشن ) صلت لا نداوة فيها ولا نبات (وحيات صم) لأن أرض العرب على غلظتها وخشونتها ذات حيات كثيرة، وعلى التركيب الوصفي فالمراد بها الحيات التي لا تقبل العودة ولا تنزجر بالصوت لشدّة قوتها .

قال البحراني : ووصفها بالصمّ لأن حيات تلك الأرض على غاية من القوة وحدة

السموم لاستيلاء الحرارة واليبس عليها .

وقال الشارح المعتزلي : ويجوز أن يعني به المجاز وهو الأحسن يقال للأعداء حيات، والحية الصماء أدهى من التي ليست بصماء لأنها لا تنزجر بالصوت ويقال للعدو أيضاً إنّه لحجر خشن المس إذا كان ألذ الخصام (تشربون الكدر) لأن غالب مياه العرب هو الغدران والآبار .

أما الغدران فأصلها ماء المطر ينزل على الأودية السبخة والقفار الملحة فيسيل حتى يقع في تلك الغدران فيكون مرّاً ملحاً إجاجاً، ثمّ يتكدر ويتعفن من طول الزمان ووقوع الشمس عليها وتأثره بها .

وأما الآبار فمضافاً إلى وقوع ماء المطر الموصوف فيها، ربما تنزل العشائر حولها

وينيخون أباعرهم هنالك فتثور الرياح البار (1)الأباعر وأرواثها وسائر كثافات القوم بعد ارتحالهم من ذلك المكان حتى تقع على تلك الآبار فيكون مياهها كثيفاً كدراً.

وربما أمسكنا عن شرب الماء وصبرنا على العطش يوماً أو يومين في مسافرتنا إلى مكة زادها الله شرقاً لما شاهدناه من كثافة تلك المياه بما يتنفّر عنه الطبع مع كون سفرنا في أيام الشتاء، وربّما كنا نشرب عوض الماء السكنجبين وسائر الأشربة التي كانت معنا (وتأكلون الجشب) فإنك تجد عامتهم يأكل ما ذبّ من حيوان ، وبعضهم يخلط الشعير بنوى التّمر ويطحنها ويتخذ منها خبزاً.

قيل : كانت العرب لم تعرف طيّبات الأطعمة إنما كان طعامهم اللحم يطبخ بالماء

والملح حتى أدرك معاوية فاتخذ ألوان الأطعمة .

قال أبو بردة :كانوا يقولون: من أكل الخبز سمن، فلما فتحنا خييراً جهضناهم عن

خبزهم فقعدت عليه آكل وأنظر في أعطافي هل سمنت؟ .

وقال خالد بن عمير العددي : شهدت فتح الأملة فأصبنا سفينة مملوة جوزاً فقال رجل ، ما هذه الحجارة؟ ثم كسر واحدة فقال : طعام طيب .

وقال بعضهم : أصابوا جرباً من الكافور فخالوها الملح فذاقوه فقالوا لا ملوحة لهذا الملح فقطن ناس من أهل الخبرة فجعلوا يعطونهم جراباً من ملح ويأخذون جراباً من الكافور .

وقدم إلى أعرابي خبز عليه لحم فأكل اللحم وترك الخبز وقال: خذ الطبق وكان بنو أسديأكلون الكلاب ولذلك قال الفرزدق :

إذا أسدي جاع يوماً ببلدة *** وكان سميناً کلبه فهو آكله

وقال بعضهم: نزلت برجل فأضافني فأتى بحية مشوية شوّاها فأطعمنيها ثم أتى بماء منتن فسقانيه، فلما أردت الارتحال قال : ألا قمت لطعام طيب وماء نمير؟ وكان أحدهم يتناول الشعر المحلوق فيجعله في جفنة من الدقيق ثم يأكله مع ما فيه من القمل قال شاعرهم :

بني أسد جاءت بكم قملية *** بها باطن من داء سوء وظاهره

ومن طعامهم الفظ وهو ماء الكرش .

وقيل لأعرابي : ما تأكلون؟ فقال: نأكل ما دبّ ودرج إلا أمّ جبين فقال: لتهنّ أم جبين


1) في نسخة : الإناء .

العافية وقال أبو نواس :

ولا تأخذ عن الأعراب طعماً *** ولا عيشاً فعیشهم جديب

وكان روبة يأكل الفار فقيل : لم لا تستقذره ؟ فقال : هو والله لا يأكل إلا فاخرات

متاعنا .

وبنو تميم يعيرون بأكل الضب قال أبو نواس في هجوهم:

إذا ما تميمي أتاك مفاخراً *** فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب

قال الأصمعي دنوت من بعض الأخبية في البادية فسقيت لبناً في إناء، فلما شربته قلت هل كان هذا إلا إناء (1)نظيفاً؟ فقيل : نعم نأكل منه في النهار ونبول فيه بالليالي، فإذا أصبحنا سقينا فيه الكلب فلحسه ونقاه ، فقلت : لعنك الله ولعن هذه النظافة (وتسفكون دمائكم وتقطعون أرحامكم) فإنّ القتل والغارة كان شعار العرب في أيام الجاهلية حتى أن الوالد ربما كان يقتل ولده وبالعكس قال سبحانه: (وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت) [التكوير : 9] .

قال ابن عبّاس: المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة وقعدت على رأسها، فإن ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلاماً حبسته (الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة ) استعار لفظ العصب للزوم الآثام لهم في تلك الحال .


1) بحار الأنوار: 311/28 ح 50 ، وشرح نهج البلاغة : 22/2 .

الترجمة

از جمله خطب آن حضرت است در بیان حال عرب در ایام جاهلیت می فرماید:

به درستی که خداوند سبحانه و تعالی مبعوث فرمود محمد بن عبدالله را در حالتی که ترساننده بود عالمیان را از بدی افعال ایشان و امین بود بر آن چه نازل می شد بر او می رسانید آن را بدون زیاده و نقصان و حال آن که شما جماعت عرب بر بدترین دین بودید و در بدترین خانه ها مقیم بودید ، در میان سنگهای درشت و مارهای با شدت و صلابت در حالتی که آشا میدید آبهای ناصاف را و می خوردید طعام غلیظ و بی ادام را و میریختید خونهای یکدیگر را و قطع می کردید خویشان خودتان را ، بتان در میان شما نصب کرده شده بودند و گناهان برشما بسته گردیده .

الفصل الثاني منها

«فَنَظَرْتُ فَإذا ليْسَ لي مُعينٌ إِلا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ الْمَوْتِ، وَأَغْضَيْتُ عَلى

الْقَذى، وشَرَبْتُ عَلى الشَّجي، وصَبَرْتُ عَلى أَخْذِ الْكَظم، وعَلى أَمر مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ » .

اللغة

(ضننت) بكسر النون ويروى بالفتح أيضاً من الضنة وهو البخل و (اغضيت) على كذا أطبقت عليه جفنى و (القذى) ما يقع في العين من تبن ونحوه يوجب أذيتها و (الشجي) ما اعترض في الحلق من نشب وعظم ، وقد مرّ هذان اللفظان في الخطبة الشقشقية و( أخذ يكظمه) محركة وهو مجرى نفسه و (العلقم) شجر بالغ المرارة ويقال في العرب على كلّ مر .

الإعراب

كلمة (إذا) في قوله : فإذا لي معين ، للظرف ، والتنوين عوض عن الجملة المضاف إليها أي فنظرت فإذ غصبوني حقي ليس لي معين، وكلمة (على) في الموارد الأربعة إما للاستعلاء المجازي أو بمعنى (مع) على حد قوله : «وإنّ ربّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم» (وأمر) صفة لموصوف محذوف.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه حكاية لحاله الذي كان هو عليه بعد ارتحال الرسول صلی الله علیه واله وسلم وما جرى عليه من الظلم والجور في اغتصاب الحق الذي كان له علیه السلام .

فكأَنه يقول : إنّهم بعد غصبهم للخلافة تفكرت في أمر المقاومة والدفاع عن هذا الأمر الذي كنت أولى به (فنظرت فإذا ليس لي معين )يعينني (إلا أهل بيتي) وهم كانوا قليلين غير مقاومين للمخالفين (فضننت بهم عن الموت) لعلمي بأنهم لو قاتلوا لقتلوا (و) لما علمت عدم حصول المقصود بهؤلاء النفر (أغضيت) وأطبقت جفوني على القذى وشربت على الشجي وكنّى الأغضاء والشّرب( على القذى والشجي )عن تحمله على الأمور التي يصعب التحمل عليها لصعوبتها وشدّتها وألمها وأذيتها كما يشهد به قوله : (وصبرت على أخذ الكظم وعلى ) أمور (أمر من طعم العلقم) لشدّة مرارتها من حيث إنّ فيها الألم النفساني وفي العلقم الألم البدني.

واعلم أنّ هذا الكلام منه صريح في اغتصاب الخلافة ونص على أن تركه مطالبتها لم يكن من رغبة واختيار، وإنما كان جبراً واضطراراً، وقد أشرنا إلى ذلك في مقدمات الخطبة الشقشقية وذكرنا ثمة أخبار السقيفة الدالة على انتحال الخلافة من طرق الخاصة، والمقصود الآن ذكر بعض الأخبار العامية الصريحة في ذلك ممّا رواها الشارح المعتزلي عن رواتهم، لأنه أثبت حجّة وأقوى استناداً فأقول :

قال الشارح : اختلفت الروايات في قصّة السقيفة فالذي تقول الشيعة وقد قال قوم من المحدثين بعضه ورود كثير منه أن عليا علیه السلام امتنع من البيعة حتى أخرج كرهاً، وأن الزبير بن العوام امتنع من البيعة وقال: لا أبايع إلا علياً، وكذلك أبو سفيان بن حرب وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس وعباس بن عبد المطلب وبنوه وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وجميع بني هاشم.

وقالوا : إنّ الزبير شهر سيفه فلما جاء عمر ومعه جماعة من الأنصار وغيرهم قال في جملة ما قال : خذوا سيف هذا فاضربوا به الحجر ويقال : إنّه أخذ السيف من يد الزبير فضرب حجراً فكسره وساقهم كلهم بين يديه إلى أبي بكر فحملهم على بيعته ولم يتخلف إلا عليّ وحده، فإنه اعتصم ببيت فاطمة فتحاملوا إخراجه منه قسراً وقامت فاطمة عليها السلام إلى باب البيت فأسمعت من جاء يطلبه فتفرقوا وعلموا أنه بمفرده لا يضر شيئاً فتركوه .

وقيل: إنهم أخرجوه فيمن أخرج وحمل إلى أبي بكر فبايعه، وقد روى أبو جعفر

محمد بن جرير الطبري كثيراً من هذا.

فأما حديث التحريق وما جرى مجراه من الأمور الفظيعة وقول من قال : إنهم أخذوا عليّاً يقاد بعمامته والناس حوله فأمر بعيد والشيعة منفردة به على أن جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه وسنذكر ذلك.

وقال أبو جعفر عليه السلام : إنّ الأنصار لما فاتها ما فاتها ما طلبت من الخلافة قالت أو قال بعضها لا نبايع إلا عليّاً، وذكر نحو هذا علي بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الموصلي في تاريخه (1).

فأما قوله : لم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، فقول ما زال علیه السلام يقوله، ولقد قاله عقيب وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : «لو وجدت أربعين ذوي عزم »! ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب صفين، وذكره كثير من أرباب السيرة .

وأما الذي يقوله جمهور المحدثين وأعيانهم فإنّه امتنع من البيعة ستة أشهر ولزم بيته فلم يبايع حتى ماتت فاطمة، فلما ماتت بايع طوعاً .

وفي «صحيحي مسلم» و «بخاري» كانت وجوه الناس إليه وفاطمة عليها السلام لما تمت (2)بعد فلما ماتت فاطمة عليها السلام انصرفت وجوه الناس عنه وخرج من بيته فبايع أبا بكر وكانت مدة بقائها بعد أبيها عليه الصلاة والسّلام ستة أشهر .

(3)


1) الطرائف : 238 ح 341، وتاريخ الطبري : 448/2

2) في نسخة ماتت .

3) كتاب الأربعين للشيرازي : 167 ، ومعالم المدرستين: 130/1.

قال : وروی أحمد بن عبد العزيز قال : لما بويع لأبي بكر كان الزبير والمقداد يختلفان فی جماعة من الناس إلى علي علیه السلام الناس إلى علي وهو في بيت فاطمة فيتشاورون ويتراجعون أمورهم فخرج عمر حتى دخل على فاطمة عليها السلام وقال : يا بنت رسول الله ما من أحد من الخلق أحبّ إلينا من أبيك ، وما من أحد أحب إلينا منك بعد أبيك، وأيم الله ما ذاك بما نعي أن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن أمر بتحريق البيت عليهم، فلما خرج عمر جاؤوها فقالت : تعلمون أن عمر جاءني وحلف لي بالله إن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم الله ليمضين لما حلف له فانصرفوا عنا راشدين فلم يرجعوا إلى بيتها وذهبوا وبايعوا لأبي بكر .

قال : ومن کتاب معاوية المشهور إلى علي علیه السلام: وعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأوليت إليهم بابنيك واستنصرتهم على صاحب رسول الله فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقاً لأجابوك، ولكنّك ادعيت باطلاً وقلت ما لا يعرف ورمت ما لا يدرك، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم الناهضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد (1).

وروى أيضاً من كتاب أحمد بن عبد العزيز الجوهري بن عبد العزيز الجوهري عن حباب بن يزيد عن جرير بن المغيرة أن سلمان والزبير والأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليّاً بعد النبي، فلمّا بويع أبو بكر قال سلمان : أصبتم الحيرة وأخطأتم المعدن.

وعن حبيب بن أبي ثابت قال : قال سلمان يومئذ : أصبتم ذا ألسن منكم وخالفتم أهل بيت نبيكم لو جعلوها فيهم ما اختلف عليكم اثنان ولأكلتموها رغداً.

وروى أيضاً بن عبد الحميد قال : لما أكثر في تخلف علي علیه السلام عن بيعة أبي عن بكر واشتد عمر وأبو بكر عليه في ذلك خرجت أم مسطح بن أثاثة فوقفت عند القبر وقالت :

كانت أمور وأنياء وأنبثة (2)*** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقد ناك فقد الأرض وابلها *** واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

ومن كتاب الجوهري أيضاً عن أبي الأسود قال : غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة، وغضب عليّ والزبير فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حصين وسلمة بن بن وقش وهما من بني عبد الأشهل فصاحت


1) في نسخة : هنيئة

2) في نسخة فبدر.

فاطمة وناشدتهم فأخذوا سيفي علي والزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما، ثمّ أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا ، ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم وقال : إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها وخشيت الفتنة وأيم الله ما حرصت يوماً قط، ولقد قلدت أمراً عظيماً ما لي طاقة ولا يدان ولوددت أن أقوى الناس عليه مكاني ، وجعل يعتذر إليهم فقبل المهاجرون عذره، إلى آخر ما رواه .

وقد روي بإسناد آخر ذكره أن ثابت بن قيس بن شماس كان مع الجماعة الذين حضروا مع عمر في بيت فاطمة عليها السّلام ، وثابت هذا أخو بني الحرث ابن الخزرج .

وروى أيضاً أنّ محمّد مسلمة كان معهم وأنّ محمّداً هو الذي كسر سيف الزبير وعن سلمة بن عبد الرحمن قال : لما جلس أبو بكر على المنبر كان عليّ والزبير .

وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم فقال : والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيت أو لتحرقن البيت عليكم، فخرج الزبير مصلتاً سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار وزياد بن لبيد فدق به فبدو (1)السيف فصاح به أبو بكر وهو على المنبر : اضرب به الحجر قال أبو عمرو : فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة ويقال هذه ضربة سيف الزبير، ثم قال أبو بكر : دعوهم فسيأتي الله بهم قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه .

وقد روى الجوهري في رواية أخرى أنّ سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السّلام والمقداد بن الأسود أيضاً ، وأنّهم اجتمعوا إلى أن يبايعوا عليّاً فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت ، فخرج إليه الزبير بالسيف وخرجت فاطمة تبكي وتصيح فنهنهت من الناس وقالوا ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس ، وإنّما اجتمعنا لنؤلّف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر فاستمر الأمر واطمئن الناس .

وقد روى الجوهري أيضاً عن داود بن المبارك قال : أتانا عبد الله بن موسى بن عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ونحن راجعون من الحج في جماعة فسألناه عن مسائل

وكنت أحد من سأل فسألته عن أبي بكر وعمر فقال: أجيبك بما أجاب به عبد الله بن الحسن فإنّه سئل عنهما فقال : كانت فاطمة صديقة ابنة نبي مرسل فماتت وهي غضباء على قوم فنحن غضاب لغضبها (2)

وروى أيضاً بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السّلام عن ابن عباس قال: قال لي عمر : أما والله أن كان صاحبك أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله إلا أنا خفناه على


1) السقيفة وفدك للجوهري : 54

2) المصدر السابق.

اثنتين ، قلت : ما هما؟ قال: خشيناه على حداثة سنه وحبّه بني عبد المطلب (1)

وعن الشعبي قال: سأل أبو بكر وقال أين الزبير؟ فقيل : عند علي علیه السلام وقد تقلد سيفه فقال : قم يا عمر يا خالد بن الوليد انطلقا حتى تأتياني بهما فانطلقا فدخل وقام خالد على باب البيت من خارج فقال عمر للزبير : ما هذا السيف؟ فقال: نبايع علياً، فاخترطه عمر فضرب به حجراً فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه وقال: يا خالد دونکه فأمسكه، ثم قال لعلي : قم فبايع لأبي بكر فتلكأ واحتبس فأخذ بيده وقال : قم فأبى أن يقوم فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه ورأت فاطمة ما صنع بهما فقامت على باب الحجرة وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله ، والله لا أتكلم حتى ألقى الله، إلى آخر ما رواه (2).

ثم قال الشارح: وأعلم أنّ الآثار والأخبار في هذا الباب كثيرة ومن تأملها وأنصف علم أنه لم يكن هناك نص صريح مقطوع به لا تختلجه الشكوك ولا تتطرق إليه الاحتمالات كما تزعم الإمامية، فإنّهم يقولون : إنّ الرّسول نص نصاً صريحاً جلياً ليس بنص الغدير ولا خبر المنزلة ولا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق العامة وغيرها، بل نص عليه بالخلافة وبإمرة المؤمنين وأمر المسلمين أن يسلّموا عليه بذلك فسلموا عليه بها، وصرّح لهم في كثير من المقامات بأنه خليفة عليهم من بعده وأمرهم بالسمع والطاعة له.

ولا ريب أن المنصف إذا سمع ما جرى لهم بعد وفاة رسول الله يعلم قطعاً أنه لم يكن هذا النص ، ولكن قد يسبق إلى النفوس والعقول أنه قد كان هناك تعريض وتلويح وكناية وقول غير صريح وحكم غير مثبوت، ولعلّه كان يصدّه عن التصريح بذلك أمر يعلمه ومصلحة يراعيها ووقوف مع إذن الله تعالى في ذلك.

فأما امتناع علي عليه السلام من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه فقد ذكره المحدّثون ورواة السّير، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا هذا النحو ما لا يحصى كثرة .

فأما الأمور الشنيعة المستهجنة التي يذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة وأنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى أن ماتت، وأن عمر ضغطها بين الباب والجدار فصاحت يا ابتاه يا رسول الله وألقت جنيناً ميتاً، وجعل في عنق علي حبل يقاد به وهو يعتل، وفاطمة خلفه تصرخ بالويل والثبور ، وابناه حسن وحسين معهما يبكيان، وأنّ


1) السقيفة وفدك للجوهري : 53

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 60/2 ، وراجع البحار: 321/28 ح 51 - 52 . 60/2

عليّاً لما أحضر سألوه البيعة فامتنع فهدد بالقتل فقال : إذا تقتلون عبداً الله وأخا رسول الله فقالوا : أما عبد فنعم، وأما أخو رسول الله فلا، وأنه طعن في أوجههم بالنّفاق وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها، وبأنّهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله ليلة العقبة، فكله لا أصل له عند أصحابنا ولا يثبته أحد منهم ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه، وإنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله ، انتهى (1).

أقول : والعجب كل العجب من الشارح كيف ينكر وجود النص الصريح الذي لا يحتمل التأويل مع وجود النّصوص مع وجود النصوص التي رواها هو وغيره من رسول الله في حق أمير المؤمنين بأنه الإمام والخليفة والوصي والولي وما شابهها من الألفاظ الصّريحة في الخلافة، وقد مضت شطر منها في مقدّمات الخطبة الشقشقية ويأتي كثير منها في مواقعها بعد ذلك إن شاء الله .

وأما عدم إفادتها للقطع عند من استحوذ عليه الشيطان وأنساه ذكر ربه، وكان قلبه مشوباً بالشبهات والشكوك فلا غرو فيه :

إذا لم يكن للمرء عين صحيحة *** فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر

وأعجب من ذلك أنّه من مع روايته لتلك الأخبار وتصحيحه لها وحكمه بوثاقة رواتها يقول : إنّ أمير المؤمنين ترك الأمر إليهم اختياراً وطوعاً، إليهم اختياراً وطوعاً، مع أنّ هذه الأخبار كما ترى أن هذه الأخبار كما ترى صريحة في أنّ خروجه من بيته وبيعته لأبي الفصيل لم يكن إلا كرهاً وإجباراً وترك المقاومة لهم لم يكن إلا عجزاً لا اختياراً.

ثم لا أدري أنه كيف ينكر حديث التحريق ويزعم أنّه مما انفردت به الشيعة مع رواية الجوهري له وكونه من الثقات المأمونين عنده .

وقد رواه غير واحد من رواتهم أيضاً مطابقاً لما روته الشيعة منهم إبراهيم بن سعيد الثقفي قال : حدثنا أحمد بن عمر والبجلي قال : حدثنا أحمد بن حبيب العاملي عن أبي عبد الله جعفر بن بن محمد الصادق علیه السلام قال : والله ما بايع علي علیه السلام حتى رأى الدخان قد دخل عليه بيته (2)رواه المرتضى في «الشافي» .

وفيه أيضاً عن البلادري عن سلمة بن محارب عن سليمان التميمي عن أبي عون أن أبا بكر أرسل إلى عليّ فلم يبايع فجاء عمر ومعه قبس فَتَلَقَّاهُ فاطمة على الباب فقال : يا ابن الخطاب أتراك محرقاً ؟ قال : نعم وذلك أقوى فيما جاء به أبوك وجاء علي علیه السلام فبايع .

قال السيد (رحمت الله) عقيب هذا الحديث : وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة وإنما


1) الغارات: 317/1 ، والبحار 55/33

2) تهديد بيت فاطمة بنت محمد (عليها السلام) بالإحراق

الطريق أن يرويه شيوخ محدّثي العامة لكنّهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة ، وربما تنبهوا على ما يروونه عليهم فكفوا عنه، وأي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع (1)

أما في في مروج الذهب المطبوع والمحرف فقال المسعودي: وحدث النوفلي في كتابه في الاخبار عن ابن عائشة عن أبيه عن حماد بن سلمة قال كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره اياهم في الشعب وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول أنما أراد بذلك ارهابهم ليدخلوا في طاعته كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لاحراقهم اذ هم أبوا البيعة فيما سلف وهذا الخبر لا يحتمل ذكره هنا وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الاذهان أنتهى (مروج :الذهب 72/20 . تحت عنوان: ذكر أيام معاوية بن يزيد... وعبد الله بن الزبير) . من الطبعة الأولى بالمطبعة الأزهرية المصرية سنة 1303 ه- ، و 77/3ط . المصورة في ايران . دار الهجر 1404 ه- و 2 / 100 ، ط مصر 1346 ه-). فحذف اسم عمر منها .

• وقال أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة عن سلمة بن عبد الرحمن قال: «لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي والزبير وناس من بني هاشم في بيت فاطمة فجاء عمر اليهم فقال : والذي نفسي بيده لتخرجن الى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم »!.

وفي رواية سعد بن أبي وقاص كان معهم المقداد أيضاً، ولكن فيه : وخرجت فاطمة (عليها السلام) تبكي وتصيح (شرح النهج لابن أبي الحديد: 134/1 - 130 شرح الخطبة 26 من طبعة دار الكتب العربية بمصر سنة 1329 ه- ، و 56/2 . 45 . من طبعة الحلبي الأولى بمصر 1961 م - 1378 ه- بتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، الموافقة للمصورة في ايران) .

•

وقال الطبري عن زياد بن كليب قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجن الى البيعة» (تاريخ الطبري: 198/3 - 200 أوائل حوادث سنة 11 من الطبعة الحسينية الأولى بمصر سنة 1326 ، و 443/2 من طبعة الاستقامة بالقاهرة سنة 1357 ه- الموافقة للمصورة بايران).

•

وقال توفيق أبو علم بعد ذكر رواية الطبري : وفي رواية أخرى أنه عمر قال لعلي ان لم تبايع أبا بكر لاحرقن دارك. قال علي : أو تحرقها وفيها بنت رسول الله !! :قال أحرقها وفيها بنت رسول الله !

واستشهد بأبيات شاعر النيل حافظ ابراهيم أهل البيت: 238 موقف الامام بعد وفاة الرسول ).

• ونقل المدائني عن ابن عون ان أبا بكر أرسل الى علي يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت : يا ابن الخطاب أتراك محرقاً علي بابي؟

قال : نعم وذلك أقوى فيما جاء به أبوك» انساب الاشراف: 586/18 1184 حديث الشورى ط دار المعارف . القاهرة الطبعة الثالثة ).

• وقال اليعقوبي ( وبعض المؤرخين ): وبلغ ابا بكر وعمر ان جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار، فخرج علي ومعه السيف فلقيه عمر قصارعه عمر فصرعه وكسر سيفه ودخلوا الدار، فخرجت فاطمة فقالت : والله لتخرجنّ او لأكشفن شعري ولأعجن الى الله !

فخرجوا (تاريخ اليعقوبي : 126/2 ذيل خبر السقيفة ربيعة أبي بكر وأهل البيت لتوفيق أبو علم : 238 :وقال ذكرها اليعقوبي وغيره من المؤرخين) . * وقال في الملل والنحل عن ابراهيم النظام ان عمر ضرب بطن فاطمة ، وكان يصبح أحرقوا دارها بمن فيها وما كان في الدار ألقت الجنين من بطنها، وكان البيعة حتى يوم غير علي وفاطمة والحسنين (الملل والنحل : 83 باب 1 فصل 1 - ذكر المعتزلة . فرقة النظامية . من ط . مصر، ، وج 73/1ط . مصر الاولى ،1317 ، و 57 من ط. دار الفكر - بيروت).

*وأخرج الحموي بسنده الى ابن عباس : وأما ابنتي فاطمة فانها سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين وهي بضعة مني وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبي، الحوراء الانسية، واني لما رأيتها ذكرت ما يُصنع بها ،بعدي، كأني وقد دخل الذل بيتها وانتهكت حرمتها وغصب حقها ومنعت ارثها وكسر جنبها واسقطت جنينها وهي تنادي يا محمداه فلا تجاب وتستغيث فلا تغاث ... اللهم العن من ظلمها وعاقب من غصبها وذلل من أذلها، وخلد في النار من ضرب جنبها حتى القت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك آمين (فرائد السمطين: 35/2 الباب السابع ح 371 ).

وقال ابن قتيبة : ان ابا بكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث عمر فجاء فناداهم في دار علي فأبوا ان يخرجوا، فدعا بالحطب وقال : الذي نفس عمر بيده لتخرجن او لأحرقتها على من فيها قيل :له يا ابا حفص أن فيها فاطمة (عليها السلام) ؟ فقال : وإن !! فوقفت فاطمة رضي الله عنها على

. بابها فقالت: «لا عهد لي بقوم حضروا أسوا محضر منكم تركتم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم امركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقاً».

فانصرفوا . ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى اترا باب فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت اصواتهم بأعلى صوتها يا ابت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ثم قال : فقال عمر لابي بكر: انطلق بنا الى فاطمة فانا اغضبناها، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلما فادخلهما عليها، فلما قعدا عندها حولت وجهها الى الحائط فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام فقالت: أرأيتكما ان حدثتكما حديثاً عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم تعرفانه وتفعلان به؟ قالا : نعم . فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول : رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد احبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن اسخط فاطمة فقد اسخطني . قالا : نعم من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قالت فاني اشهد الله وملائكته انكما اسخطماني وما ارضيتماني ولئن لقيت النبي لا شكونكما اليه . فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ثم انتحب يبكي حتى كادت نفسه تزهق . وهي تقول : والله لادعون الله عليك في كل صلاة اصليها الامامة والسياسة : 1/ 13 تحت عنوان: كيف كانت بيعة علي من طبعة الفتوح الأدبية بمصر سنة 1344 وج 19.18/1 من طبعة الحلبي بالقاهرة بتحقيق الدكتور طه الزيني سنة 1378 ه-، و 30/1 من الطبعة المصورة في ايران عن طبعة مصر بتحقيق علي شيري، وكتاب سليم 254، وبحار الأنوار: 204/43 ، وعلل الشرائع : 186/1 سمعناه باب 129) .

•

وروي الجوهري بعض هذا الكلام في خطبة فاطمة في مجلس أبي بكر اختصره ابن أبي الحديد، جاء فيه : والله لا كلمتك أبدا ! والله لادعون الله عليك (شرح النهج : 16 / 214 كتاب 45 كتابه الى عثمان بن الأحنف ).

•

وقال محمد الحفناوي في كتابه (أبو سفيان وأشهر الروايات في تخلف علي وبني هاشم، وأكثرها ذيوعاً ما أورده ابن قتيبة في الامامة والسياسة، وذكر الخبر بطوله» (أبو سفيان لمحمد الحفناوي: 169 الطبعة الأولى . دار الزيني بمصر سنة 1959/1378).

وقال ابن عبد البر الاندلسي: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر : علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث اليهم عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت ،فاطمة، وقال له : ان أبوا فقاتلهم». فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟؟ قال نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة ! (العقد الفريد : 2594 . 260 كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء تحت عنوان: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر من طبعة القاهرة الطبعة الثانية 1962 م، و2/ 250 مصر 1293 1293ه-، و 4 247 ط ، دار احياء التراث العربي ببيروت ).

وقال حافظ ابراهيم تحت عنوان: «عمر وعلي».

وقولة لعلي قالها عمر *** أكرم بملقيها أعظم بملقيها

حرقت دارك لا أبقى عليك بها *** إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها *** أمام فارس عدنان وحاميها

فاذكرهما وترحم كلما ذكروا *** أعاظماً الهوا في الكون تأليها

قال المحقق في هامش الديوان : يشير بهذه الابيات الى امتناع علي عن البيعة لابي بكر يوم السقيفة وتهديد عمر اياه باحراق بيته إذا استمر على امتناعه وكان فيه زوجة علي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم دیوان حافظ ابراهيم: 63/1 طبعة صادر الأولى ببيروت 1409ه-، ونقل الابيات توفيق أبو علم مع تغاير

بسيط أشرت له أهل البيت لتوفيق: 238 موقف الامام بعد وفاة الرسول ).

.

1) * قال المسعودي في مروج الذهب : وكان عروة بن الزبير بعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول : انما أراد بذلك ان لا تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر فانه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار (شرح النهج لابن أبي الحديد 495/4 ذيل شرح الحكمة : 461 ط. دار الكتب العربية بمصر 1329، و 147/20 من الطبعة الأولى سنة /1378/ 1961 للحلبي بمصر بتحقيق محمد أبو الفضل، وذكر بالهامش: مروج الذهب : 86/3 مما يشعر بأنه وقف على نسخة الكتاب غير المحرفة. هذا في شرح النهج .

(1) في نسخة : المبايع .

الترجمة

بعضی دیگر از فقرات این خطبه است که بیان میفرماید در او حال خود را بعد از ارتحال حضرت رسول (صلى الله عليه واله وسلم) و شکایت مینماید از اهل خلافت که غصب خلافت کردند و میگوید که :

چون اهل عناد حق مرا غصب نمودند ، پس نظر کردم من در تدبیر امور خود، پس آن زمان که غصب خلافت کردند نبود مرا یاری دهنده مگر اهل بیت خود که معدود قلیلی بود نسبت به مخالفین ، پس بخل ورزیدم به ایشان از مرگ؛ یعنی ایشان را از معارك مهالك نگاه داشتم و بپوشانیدم چشم خود را بر چیزی که اذیت می کشید از او دیده من و و آشامیدم زهر آب ستم مخالفان را در حینی که بودم گلوگیر از غصه و غم و صبر کردم بر خشم فروخوردن بر چیزی که تلخ تر بود از چشیدن درخت علقم با وجود آن که درختی است در غایت تلخی و مرارت.

الفصل الثالث منها

«وَلَمْ يُبايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَة ثَمَناً ، فَلا ظَفَرَتْ يَدُ الْبايع (1)وَخَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتاع ، فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أَهْبَتَها، وأَعدُّوا لَها عُدَّتَها، فَقَدْ شُبَّ لظاها، وعَلا سَناها، وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ، فَإِنَّهُ أدعى للنضر» (2).

اللغة

(خزيت) من الخزى وهو الذل والإهانة و (الأهبة) كالمعدة بضم (الفاء) فيهما ما يعد للحرب من السلاح والآلات و (شب لظاها ) بالبناء على الفاعل أي ارتفع لهبها، أو بالبناء على المفعول أي أوقدت نارها و (السناء) الضوء (أدى للنصر ) وفي بعض النسخ أحزم للنصر من حزمت الشيء إذا شدّدته كأنه يشد النصر .

الإعراب

فاعل يبايع عائد إلى عمرو بن العاص ، وجملة فلا ظفرت دعائية لا محلّ لها من الإعراب ، وإسناده إلى الأمانة من باب التوسع ، والحرب مؤنّث سماعي ولذلك أعيد الضمائر الخمسة بعدها إليها مؤنثة .

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه بيان لحال عمرو بن العاص مع معاوية (و) يقول إنّ عمروا (لم يبايع) لمعاوية ( حتى شرط أن يؤتيه ) معاوية (على البيعة) مصر طعمة و (ثمناً فلا ظفرت )ولا فازت ( يد البائع) وهو عمرو في بيعته بالثّمن أو بما يأمله (وخزيت أمانة المبتاع ) وهو معاوية .

وقال الشارح المعتزلي : البائع معاوية والمبتاع هو عمرو، ولعله نظر إلى أن معاوية باع مصر له ببيعته ولكنّه خلاف ظاهر الكلام حيث إنه علیه السلام جعل البيعة مثمناً فتكون مصر ثمناً، فالأظهر ما ذكرناه .

ثم أمر علیه السلام بتهيئة أسباب الجهاد مع القاسطين بقوله: (فخذوا للحرب أهبتها ) أي سلاحها (وأعدوا لها عدتها فقد شبّ لظاها) ولهبها (وعلاسناها) وضوؤها، استعار لفظ اللظا والسنا عن أمارات الحرب لكون كلّ منهما علامة لما فيه مظنة الهلاك، ثم أمر بالصبر في


1) البحار (270/28 ، والكنى والألقاب: 387/1.

2) في نسخة فتسويا

الحرب بقوله : ( واستشعروا الصبر) أي اجعلوه شعاراً لكم كالثوب الملازم للجسد (فإنّه) أي الصبر (أدعى للنصر ) ومن أقوى أسبابه .

واعلم أنّ كيفية تلك المبايعة على ما رواه المحدّث العلامة المجلسي والشارح المعتزلي جميعاً من كتاب الصفين لنصر بن مزاحم مع إسقاط الزوائد منا هو أنه علیه السلام حين قدم الكوفة بعد فراغه من قتال الناكثين كتب إلى معاوية كتاباً على ما يأتي ذكره في الكتاب في باب المختار من كتبه إن شاء الله يدعوه فيه إلى البيعة، وأرسل جرير بن عبد الله البجلي رسولاً إليه مع كتابه فقدم عليه به الشام فقرأه واغتم بما فيه، وذهبت به أفكاره كلّ مذهب وطاول جريراً بالجواب عن الكتاب حسبما تطلع على تفصيله في شرح كلامه الثالث والأربعين في باب

المختار من الكتب.

حتى كلم قوماً من أهل الشام في الطلب بدم عثمان فأجابوه وبايعوه على ذلك، وأوثقوا له على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم أو يدركوا ثاره أو يفنى الله أرواحهم.

فلما أمسى معاوية اغتم بما هو فيه واستحثه جرير بالبيعة فقال : يا جرير إنها ليست بخلسة وإنه أمر له ما بعده فأبلغني ريقي حتى أنظر، ودعا ثقاته فقال له أخوه عتبة بن أبي سفيان: استغن بعمرو بن العاص فإنّه من قد علمت في دهائه ورأيه وقد اعتزل أمر عثمان في حياته وهو لأمرك أشدّ اعتزالاً إلا أن يثمن له دينه فسيبيعك فإنّه صاحب دنيا .

فكتب معاوية إلى عمرو : أما بعد فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في نفر من أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة عليّ، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني فأقبل أذاكرك أموراً لا تعدم معتبها إن شاء الله .

فلما قدم الكتاب على عمر واستشار ابنيه عبد الله ومحمّداً فقال: ما تريان؟ فقال عبد الله : أرى أنّ نبي الله قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده، وقتل عثمان وأنت عنه غائب فقر في منزلك فلست مجعولاً خليفة ولا تريد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشكتما إن تهلكا فتستويا (1)في عقابها .

وقال محمد : أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها وأن تصرم هذا الأمر وأنت فيه غافل تصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام ، وكن يداً من أيديها واطلب بدم عثمان فإنّه سيقوم بذلك بنو أمية .

فقال عمر: وأما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي وأنا ناظر فيه ، فلما جنّه الليل رفع صوته ينشد أبياتاً في ذلك


1) في نسخة شهرت .

رددها فقال عبد الله : ترحل الشيخ.

ودعى غلاماً له يقال له وردان، وكان داهياً مارداً فقال: ارحل يا وردان ثم قال : احطط یا وردان ثمّ قال: ارحل يا وردان احطط یا وردان فقال له : وردان خلطت أبا عبد الله ، أما أنّك إن شئت أنبأتك بما في نفسك قال : هات ويحك قال: إعتركت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت : عليّ معه الآخرة في غير الدنيا وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة وليس في الدنيا عوض من الآخرة، فأنت واقف بينهما قال : فإنّك والله ما أخطأت فما ترى يا وردان؟ قال : أرى أن تقيم في بيتك فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك قال الآن لما شهدت (1)العرب مسيري إلى معاوية .

فارتحل وصار حتى قدم على معاوية وعرف حاجة معاوية إليه فباعده من نفسه وكايد كلّ واحد منهما صاحبه فقال له معاوية يوم دخل عليه : أبا عبد الله طرقتنا في ليلتنا هذا ثلاثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر قال : وما ذاك؟ قال: منها أنّ محمّد بن أبي حذيفة كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه وهو من آفات هذا الدّين ، ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام، ومنها أن علياً نزل الكوفة متهيئاً للمسير إلينا .

فقال عمرو : كلّ ما ذكرت عظيماً أما أمر ابن أبي حذيفة فما يعظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه رجلاً يقتله أو يأتيك به، وإن قاتل لم يضرك، وأما قيصر فأهد له الوصائف وآنية الذهب والفضة وسله الموادعة فإنّه إليها سريع ، وأما علي فلا والله يا معاوية ما يسوي العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء وأنّ له في الحرب لحظاً ما هو لأحد لأحد من قريش وأنّه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه .

قال نصر وروى عمر بن سعد بإسناده قال : قال معاوية لعمرو : يا أبا عبد الله إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربّه وشق عصا المسلمين وقتل الخليفة وأظهر الفتنة وفرق الجماعة وقطع الرّحم، قال عمرو : من هو ؟ قال :علي قال عمرو : والله يا معاوية ما أنت وعلي حملي بعير ما لك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا فقهه ولا علمه ، ووالله إنّ له ذلك جداً وجدوداً وخطاً وخطوة وبلاء من الله حسناً، فما تجعل لي على أن شائعتك على ما تريد قال : حكمك قال : مصر طعمة .

قال : فتلكا (2)عليه معاوية قال له : أبا عبد الله أما تعلم أن مصر مثل العراق قال: بلى ولكنّها إنما تكون لي إذا كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليّاً على العراق.


1) تلكاً أي ماطل في الجواب.

2) بحار الأنوار: 376/32.

قال : فدخل عليه عتبة بن أبي سفيان فقال : أما ترضى أن تشتري عمرواً بمصر إن هي صفت لك ليتك لا تغلب على الشام فقال معاوية : يا عتبة بت عندنا الليلة ، قال : فلمّا جنّ الليل على عتبة رفع صوته يسمع معاوية بأبيات يحثه فيها على إرضاء عمرو، فلمّا سمع معاوية ذلك أرسل إلى عمرو وأعطاها إياه ، فقال عمرو :ولى الله عليك بذلك شاهد قال له معاوية : نعم لك الله عليّ بذلك إن فتح الله علينا الكوفة فقال عمرو : والله على ما نقول وكيل فخرج عمرو من عنده فقال له ابناه : ما صنعت؟ قال: أعطانا مصر أعطانا مصر طعمة قالا : وما طعمة قالا : وما مصر في ملك ؛ قال : لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر .

قال : وكتب له معاوية بمصر كتاباً وكتب على أن لا ينقض شرط طاعته فكتب عمرو أن لا ينقض طاعته شرطاً وكائد كلّ منهما صاحبه.

قال : وكان مع عمرو ابن عم له فتى شاب ، وكان داهياً، فلما جاء عمرو بالكتاب مسروراً عجب الفتى وقال : لا تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش أعطيت دينك ومنيت دنيا غيرك، أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي؟ وأتراها إن صارت لمعاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب؟

فقال عمرو : يا ابن أخي إنّ الأمر الله دون عليّ ومعاوية، وأنشد الفتى في ذلك شعراً فقال له عمرو : يا ابن عم لو كنت مع عليّ وسعني بيتي ولكنّي مع معاوية ، فقال له الفتى : إنك إن لم ترد معاوية لم تردك ولكنك تريد دنياه ويريد دينك.

وبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب ولحق بعلي فحدثه بأمر عمرو ومعاوية ، قال: فسرّ ذلك عليّاً وقربه قال : وغضب مروان وقال : ما بالي لا أشتري كما اشترى عمرو فقال له معاوية : إنما نبتاع لك .

قال نصر : فلما كتب الكتاب قال معاوية لعمرو ما ترى؟ قال: امض الرأي الأوّل فبعث مالك بن هبيرة الكندي في طلب محمّد بن أبي حذيفة فأدركه وقتله ، وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه ، ثم قال : ما ترى في علي؟ قال: إنّه قد أتاك في طلب البيعة خير أهل العراق ومن عند النّاس في أنفس النّاس ودعواك أهل الشام إلى ردّ هذه البيعة خطر شديد ، ورأس أهل الشّام شرحبيل بن السمط الكندي وهو عدوّ لجرير المرسل إليك فابعث إليه ووطيء له ثقاتك فليفشوا في الناس أن علياً قتل عثمان وليكونوا أهل الرّضا عند شرحبيل فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب، وإن تعلقت بقلب شرجيل لن تخرج منه بشيء أبداً .

فكتب إلى شرحبيل أن جرير بن عبد الله قدم علينا من عند علي بن أبي طالب بأمر مفظع فأقدم ، فدعى معاوية بريد بن لبيد وبسر بن أرطاة وعمرو بن سفيان ومخارق بن الحرث الزبيدي وحمزة بن مالك وعابس بن سعيد الطائي وهؤلاء رؤساء قحطان واليمن،

وكانوا ثقات معاوية وخاصته وبني عم شرحبيل بن السمط فأمرهم أن يلقوه ويخبروه أن علياً قتل عثمان .

فلما قدم كتاب معاوية على شرحبيل وهو بحمص استشار بأهل اليمن فاختلفوا عليه، فقام إليه عبد الرحمن بن غنم وهو صاحب معاذ بن جبل وختنه وكان أفقه أهل الشّام، فنهاه عن المسير إلى معاوية ووعظه ونهاه أيضاً عياض اليماني وكان ناسكاً فأبى شرحبيل إلا أن یسیر إلى معاوية، فلما قدم تلقاه النّاس فأعظموه ودخل على معاوية .

فقال له معاوية : يا شرحبيل إنّ جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة علي وعلي خير الناس لولا أنه قتل عثمان وحبست نفسي عليك ، وإنّما أنا رجل من أهل الشام أرضى ما رضوا وأكره ما كرهوا فقال شرحبيل : أخرج وأنظر ، فلقاه هؤلاء النفر الموطؤون له فكلهم أخبره أنّ عليّاً قتل عثمان، فرجع مغضباً إلى معاوية فقال : يا معاوية أبي النّاس إلا أن علياً قتل عثمان، والله إن بايعت له لنخرجك من شامنا أو لنقتلنك .

فقال معاوية : ما كنت لأخالف عليكم ما أنا إلا رجل من أهل الشّام قال : فردّ هذا الرّجل إلى صاحبه فعرف معاوية أن شرجيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق ، وأنّ الشام كله مع شرجيل وعند ذلك استعد للقتال وكتب إلى علي علیه السلام ما ستعرفه في شرح الكلام الثالث والأربعين إن شاء الله (1).

تكملة

قد أشرنا سابقاً إلى أنّ هذا الفصل من كلامه علیه السلام كالفصلين السابقين ملتقط من كلام طويل له علیه السلام ولكونه مشتملا على مطالب نفيسة أحببنا أن نورده هنا بتمامه.

فأقول : روى العلامة المجلسي في «البحار» والشارح المعتزلي في شرح الكلام السابع والستين جميعاً من كتاب الغارات لإبراهيم بن مسعود الثقفي عن رجاله عن عبد الرحمان بن جندب عن أبيه قال: دخل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبّة العرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين فقالوا له : بين لنا ما قولك في أبي بكر وعمر ؟ فقال لهم علي علیه السلام : هل فرغتم لهذا وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي قد قلت أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عما سألتم، وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم فاقرؤوه على شيعتي وكونوا على الحق وهذه نسخة الكتاب :

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى قراء كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين السّلام عليكم فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد ..


1) بحار الأنوار: 567/33 ، والغارات : 303/1 .

«فإنّ الله بعث محمّداً نذيراً للعالمين أميناً على التنزيل وشهيداً على هذه الأمة؛ وأنتم معاشر العرب يومئذ على شرّدين ، وفي شرّ دار منيخون على حجارة خشن وجنادل صمّ وشوك مثبوت في البلاد، تشربون الماء الخبيث وتأكلون الطعام الجشب وتسفكون دماءكم وتقتلون أولادكم وتقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل، سبلكم خائفة والأصنام فيكم منصوبة، ولا يؤمن أكثركم بالله إلا وهم مشركون »(1)

فمن الله عزّ وجلّ عليكم بمحمّد فبعثه إليكم رسولاً من أنفسكم وقال فيما أنزل من كتابه: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [آل عمران: 164] وقال : (لقد جائكم رسول ولقد من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) [التوبة : 128] وقال : (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) [آل عمران : 164] وقال : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) [المائدة : 54] .

فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم، فعلمكم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة.

وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم وصلاح ذات البين، وأن تؤدوا الأمانات إلى

أهلها، وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها.

وأمركم أن تعاطفوا وتباروا وتباشروا وتباذلوا وترحموا ونهاكم عن التناهب والتظالم والتحاسد والتباغي والتقاذف وعن شرب الحرام وبخس المكيال ونقص الميزان، وتقدّم إليكم فيما تلى عليكم أن لا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن لا تعثوا فى الأرض مفسدين ، ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين.

فكل خير يدنى إلى الجنّة ويباعد من النار أمركم به، وكلّ شرّ يدني إلى النار ويباعد من الجنة نهاكم عنه .

فلمّا استكمل مدته الدنيا توفاه الله إليه سعيداً حميداً فيا لها مصيبة خصت الأقربين وعمّت جميع المسلمين ، ما أصيبوا قبلها بمثلها ولن يعاينوا بعدها أختها، فلما مضى السيله صلی الله علیه واله وسلم تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد صلی الله علیه واله وسلم عن أهل بيته ولا أنهم تنحوه عني من بعده.

فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام محمد صلی الله علیه واله وسلم وملة محمد في الناس ممن تولى الأمر بعده.

فلبثت بذلك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام تدعو إلى محق دین الله وملة محمد ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهذا ما تكون


1) في نسخة : المصاب.

المصيبة (1)بهما أعظم من فوات ولاية أموركم التي إنّما هي متاع أيام قلائل، ثم يزول ما كان منها كما يزول السّراب وكما ينقشع السحاب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدّد وبس وقارب واقتصد ، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً .

وما طمعت أن لو حدث به حدث وأنا حي أن يرد إلى الأمر الذي بايعته فيه طمع مستيقن ولا يئست منه يائس من لا يرجوه ، ولولا خاصة ما كان بينه وبين عمر لضننت أنّه لا يدفعها عني .

فلما احتضر بعث إلي عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وناصحنا وتولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة سيمون النقيبة .

حتى إذا احتضر قلت في نفسي لن يعتدلها عنّي ليس يدافعها عنّي فجعلني سادس ستة فما كانوا لولاية أحد أشدّ كراهية منهم لولايتي عليهم، فكانوا يسمعوني عند وفاة الرسول أحاج أبا بكر وأقول يا معشر قريش أنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان فينا من يقرأ القرآن ويعرف السنة ويدين بدين الحق؟

فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعاً واحداً فصرفوا الولاية إلى عثمان وأخرجوني منها رجاء أن ينالوها ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي ، ثم قالوا : هلم فبايع وإلا جاهدناك فبايعت مستكرهاً وصبرت محتسباً فقال قائلهم : يا ابن أبي طالب إنّك على هذا الأمر لحريص فقلت: إنهم أحرص مني وأبعد، أينا أحرص أنا الذي طلبت تراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله أولى به، أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه وتحولون بيني وبينه فبهتوا والله لا يهدي القوم الظالمين.

اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وأضاعوا إناتي وصغروا عظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به منهم فسلبونيه ، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه فاصبر كمداً أو من أسفاً وحنقاً، فنظرت فإذا ليس معي رافد ولا ذاب ولا ناصر ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى وتجرعت ريقي على الشجى وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم وألم للقلب من خر الشفاز .

حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ثم جئتموني لتبايعوني قابيت عليكم وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتموني وبسطتم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها، وازدحمتم


1) مسالحكم المسالح : الثغور

علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم وأنكم قاتلي فقلتم بايعنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك بايعنا لا نفترق ولا تختلف كلمتنا فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايع طوعاً قبلته منه ومن أبى لم أكرهه وتركته فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما .

فلما لبثنا إلا يسيراً حتى بلغني أنهما قد خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة، فقدما على عاملي وخزان بيت مالي وعلى أهل مصر في الذين كلّهم على بيعتي وفي طاعتي ، فشتتوا كلمتهم وأفسدوا جماعتهم، ثم دئبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدراً، وطائفة صبراً، وطائفة منهم غضبوا الله فشهروا سيوفهم وضربوا بها حتى لقوا الله صادقين.

فوالله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلاً واحداً متعمدين لقتله لحل لي به قتل ذلك الجيش بأسره فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم، وقد أدال الله منهم فبعداً للقوم الظالمين .

ثمّ إني نظرت في أمر أهل الشام فإذا أعراب أحزاب وأهل طمع جفاة طغاة يجتمعون من كلّ أرب من كان ينبغي أن يؤدب أو يولي عليه ويؤخذ على يديه ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين بإحسان، فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا شقاقاً وفراقاً ونهضوا في وجوه المسلمين ينظمونهم بالنبل ويشجرونهم بالرماح فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم.

فلما عضهم السّلاح ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن وأنهم رفعوها غدراً ومكيدة وخديعة ووهناً وضعفاً فأمضوا على حقكم وقتالكم، فأبيتم علي وقلتم أقبل منهم فإن أصابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحق ، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم فقبلت منهم وكففت عنهم إذ دنيتم وأبيتم .

وكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين يحييان ما أحيى القرآن ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما وتفرّق حكمهما ونبذا حكم القرآن وخالفا ما في الكتاب فجنبهما الله السداد وولأهما في الضلالة، فنبذا حكمهما وكانا أهله.

فانخزلت فرقة منا فتركناهم ما تركونا حتى إذا عثوا فى الأرض يقتلون ويفسدون أتيناهم ، فقلنا ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثم كتاب الله بيننا وبينكم قالوا: كلنا قتلهم وكلنا استحل دماءهم ودماءكم وشدّت علينا خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين .

فلمّا كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوّكم فقلتم : کلت

سيوفنا ونفدت نبالنا ونصلت سنة رماحنا، وعاد أكثرها قصداً فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا فإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا وفارقنا فإن ذلك أقوى لنا على عدونا .

فأقبلت بكم حتى إذا ظللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة وأن تلزموا معسكركم وأن تضمّوا قواضيكم وأن توطنوا على الجهاد أنفسكم ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم، فإنّ أهل الحرب المصابروها، وأهل القشيم فيها غاصية فلا من بقي منكم صبر وثبت، ولا من دخل المصر عاد إليّ ورجع، فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون رجلاً.

فلمّا رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فلم أقدر إلى أن تخرجوا إلى يومنا هذا فما تنتظرون أما ترون أطرافكم قد انتقصت، وإلى مصركم قد فتحت ، وإلى شيعتي بها قد قتلت ، وإلى مسالحكم (1)تغری (2)، وإلى بلادكم تغزى، وأنتم ذوو عدد كثير، وشوكة وبأس شديد.

فما بالكم الله أنتم من أين تؤتون ، وما لكم تسحرون ، وأنى تؤفكون، ولو عزمتم وأجمعتم لم تراموا إلا أن القوم قد اجتمعوا وتناشبوا وتناصحوا وأنتم قد دنيتم وتغاششتم وافترقتم ما أنتم إن أتممتم عندي على هذا بمنقذين فانتهوا عما نهيتم واجمعوا على حقكم وتجردوا لحرب عدوّكم قد أبدت الرغوة من التصريخ (3)وبين الصبح لذي عينين.

إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء وأولى الجفاء ومن أسلم كرهاً فكان لرسول الله أنف الإسلام كله حرباً أعداء الله والسنة والقرآن وأهل البدع والأحداث ومن كانت بوا بوائقه تتقى وكان على الإسلام وأهله مخوفاً آكلة الرّشا وعبدة الدنيا .

لقد أنهى إلي أن ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه وشرط له أن يؤتيه أتية هي أعظم ممّا في يده من سلطانه إلا صفرت يد هذا البائع دينه بالدّنيا، وخزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين وأنّ فيهم من قد شرب فيكم الخمر وجلد الجلد (4)يعرف بالفساد في الدين وفي الفعل النبىء وأنّ فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخة (5).

فهؤلاء قادة القوم ومن تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم بل هو شرّ ويود هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر والفساد والفجور والتسلط


1) تغري : أي خالية عن الرجال والسلاح

2) التصريخ : اللبن الخالص إذا ذهبت رغوته .

3) في نسخة : الحد.

4) في نسخة رضخة.

5) حم : حان الوقت .

بالجبرية واتبعوا الهوى وحكموا بغير الحق، ولأنتم على ما كان فيكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلاً فيكم العلماء والفقهاء والنجباء والحكماء وحملة الكتاب والمتهجدون بالأسحار وعمّار المساجد بتلاوة القرآن .

أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم والأشرار الأراذل منكم فاسمعوا قولي وأطيعوا أمري إذا أمرت فوالله لئن أطعتموه لا تغورون، وإن عصيتموه لا ترشدون .

خذوا للحرب أهبتها وأعدوا عدتها فقد شبت نارها وعلا سناؤها وتجرّد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد الله ويطفؤوا نور الله إلا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطّمع والمكر والجفاء بأولى في الجد في غيّهم وضلالهم من أولياء الله أهل البر والزهادة والإخبات بالجد في حقهم وطاعة ربهم ومناصحة إمامهم.

أي والله لو لقيتهم فرداً وهم ملاء الأرض ما باليت ولا استوحشت وأنّي من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي نحن عليه لعلى ثقة وبيّنة ويقين وبصيرة، وإني إلى لقاء ربّي المشتاق ولحسن ثوابي لمنتظر، ولكن أسفاً يعتريني وحزناً يخامرني أن يلي أمر هذه الأمة صفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً والفاسقين حزباً .

وأيم الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم وتحريضكم، ولتركتكم إذا دنيتم وأبيتم حتى

ألقاهم بنفسي متى حمّ(1)لي لقائهم، فوالله إنّي لعلى الحق، وإنّي للشهادة لمحب.

فانفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف وتبؤوا بالذل ويكن نصيبكم الآخر إن أخا الحرب ليقظان ومن ضعف أودى ومن ترك الجهاد كان كالمغبون المهين .

اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى ، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيراً لنا

ولهم من الأولى، والسلام » (2)


1) الغارات للثقفي : 37/1 ، والبحار : 573/33

2) بطوله في الغارات: 471/2 - 468 ، ومكاتيب الرسول : 734/3

الترجمة

بعض دیگر از این خطبه اشاره است بر قصه بیعت عمرو عاص بر معاویه ملعون . میفرماید که :

بیعت نکرد عمرو عاص حتی این که شرط نمود آن که بدهد معاویه به او بر بیعت او ثمن و بهایی که عبارت بود از حکومت مصر ، پس مظفر مباد دست بیعت کننده و خوار و ذلیل باد عهد و پیمان بیعت نموده شده ، پس اخذ نمایید از برای جنگ اسلحه جنگ را و مهیا سازید از برای او ساز و یراق آن را و به تحقیق که افروخته شد آتش حرب و بلند شد شعله او و شعار خود نمایید صبر و شکیبایی را در معرکه قتال ، پس به درستی که استشعار صبر اقوی داعی است از برای انتصار و ظفر ؛ والله أعلم.

ومن خطبة له علیه السلام وهي السابعة والعشرون من المختار في باب الخطب

اشارة

وهذه من مشاهير خطبه وصدرها مروية في الوسائل من «الكافي» عن أحمد بن سعيد عن جعفر بن عبد الله العلوي وعن أحمد بن محمّد الكوفي عن علي بن العبّاس عن إسماعيل بن إسحاق جميعاً عن أبي روح فرخ بن فروة عن مسعدة بن صدقة عن ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمان السلمي عنه علیه السلام .

ورواها المبزد في «أوائل الكامل » والعلامة المجلسي في «البحار» من معاني الأخبار للصدوق بزيادة ونقصان ليطلع عليها بعد الفراغ من شرح ما أورده السيد في الكتاب وهو قوله :

«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ باب مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ الله لِخاصّةِ أوْلِيائِهِ وَهُوَ لِباسُ التَّقْوى ودِرْعُ الله الحَصينَةِ وجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةِ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةٌ عَنْهُ أَلْبَسَهُ الله ثَوْبُ الذُّلِّ وشَمِلَهُ الْبَلاءُ، وديت بِالصَّغارِ وَالْقِماء، وضُرِبَ عَلى قَلْبِه بالأسدادِ، وأديلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضييع الْجِهادِ، وَسيمَ الْخَسْفَ ومُنِعَ النَّصْفَ .

الا وأنّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إلى قِتالِ هؤلاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً ونهاراً وَسِراً وإغلاناً، وقُلْتُ لَكُمْ اغْرُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَالله ما غُزِيَ قَومٌ قَط في عُقْرِ دارِهِمْ إِلا ذَلُوا، فَتَواكَلْتُمْ وَتَخاذَلْتُمْ حَتَّى شُنْتْ عَلَيْكُمُ الغاراتُ، ومُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأَوْطَانُ ، وهذا أخو عَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأَنْبَارَ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَانَ بْنَ حَسّان الْبَكْرِي وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسالِحِها ، وَلَقَدْ بَلَغَني أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَالأخرى الْمُعاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حَجْلَها وَقُلْبَها وقَلائِدَها وَرِعاثَها، ما تَمْتَنعُ مِنْهُ إِلا بالإسترجاعِ وَالإِسترحام، ثُمَّ انْصَرَفُوا وافِرينَ ما نالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ، وَلَا أُريقَ لَهُ دَم .

فَلَوْ أَنّ امْرَأَ مُسْلِماً ماتَ مِنْ بَعْدِ هذا أَسَفاً ما كانَ به مَلوُماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدي جَديراً، فَيا عَجَباً عَجَباً وَاللهِ يُمِيتُ القَلْبَ ويَجْلِبُ الْهَمْ مِنْ اجتماعِ هؤلاء عَلى باطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقْكُمْ، فَقُبْحاً لَكُمْ وتَرَحاً، حينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمى، يُغارُ عَلَيْكُمْ ولا تُغيرونَ، وتُغْزَوْنَ ولا تَغْزُونَ ، ويُعْصَى اللَّه وتَرْضُونَ، فَإِذا أَمَرْتُكُمْ بِالسِّيرِ في أيّام الْحَرِّ قُلْتُمْ هذه حَمارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنا يَسْبَخْ عَنَّا الْحَرَّ، وإذا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ في الشَّتاءِ قُلْتُمْ هذه صَبَارَةُ الْقُرْ أَمْهِلْنا يَنْسَلِحْ عَنا الْبَرْدُ، كُل هذا فِراراً مِنَ الْحَرُ وَالْقُرْ، فَإِذَا كُنتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرْ تَفِرُونَ فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أفرُ.

يا أشباءَ الرّجالِ وَلا رِجال، حُلُومُ الأَطْفالِ ، وعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجالِ، لَوَدَدْتُ أنّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفُكُمْ ، مَعْرِفَةً والله جرَّتْ نَدَماً وَأَعْفَبَتْ سَدَماً ، قاتَلَكُمُ الله لَقَدْ مَلَاتُمْ قَلْبي قيحاً،

وشَحَنْتُمْ صَدْري غَيْظاً، وجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ النَّهِمام أنفاساً ، وأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيانِ وَالْخِذْلانِ، حَتَّى قَالَتْ قُرَيْسٌ : إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجاعٌ ، وَلكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ الله أَبُوهُمْ، وَهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أشَدَّ لها مراساً ، وأَقَدَمُ فيها مقاماً مِنّي ، لَقَدْ نَهَضْتُ فيها وَما بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَها أَنا ذا قَدْ ذَرَّفت عَلَى الستّينِ وَلكِنْ لا رَأْيَ لِمَن لا يُطاع».

اللغة

(درع) الحديد مؤنث سماعي وقد يذكر و(الجنّة) بالضم كل ما وقى و (شمله) ربما يقرأ (بالتاء) وهي کساء تغطى به والفعل أظهر كما هو المضبوط و (ديثه) ذلله ومنه الديوث الذي لا غيرة له و (الصغار) الذل والضيم و (القماء) بالمد الصغار وعن الراوندي القما بالقصر وهو غير معروف ، وفي رواية «الكافي» القمائة .

قال في «القاموس » : قماً كجمع وكرم قماءة وقماءة وقماء بالضم والكسر ذل وصغر و (الأسداد) بفتح الهمزة جمع السد وهو الحاجز يقال : ضربت عليه الأرض بالأسداد سدت عليه الطرق وعميت عليه مذاهبه، وفي بعض النسخ بالإسهاب يقال أسهب الرجل بالبناء للمفعول إذا ذهب عقله من أذى يلحقه و (أديل الحق منه ) أي يغلب الحق عليه فيصيبه الوبال كقول سيد العابدين علیه السلام في الصحيفة أدل لنا ولا تدل منا، والأدالة الغلبة و (سيم) بالبناء للمفعول من سامه خسفا أي كلفه ذلاً و (النصف) بكسر النون الانصاف و (عقر) الشيء بالضم أصله ووسطه) و (التواكل) أن يكل الأمر كل واحد منهم إلى صاحبه يقال تواكل القوم أنكل بعضهم على بعض وتخاذلوا ومنه رجل وكل أي عاجز يكل أمره إلى غيره و شنت) أي مزقت.

قال الشارح المعتزلي: وما كان من ذلك متفرّقاً نحو إرسال الماء على الوجه دفعة بعد دفعة فهو بالشين ، وما كان إرسالاً غير متفرّق فهو بالسين المهملة و (أخو غامد) هو سفيان بن عوف الغامدي منسوب إلى الغامد قبيلة من اليمن و (الأنبار) بلد قدیم من بلاد العراق على الفرات من الجانب الشرقي و (المسالح) جمع مسلحة الحدود التي رتب فيها ذو الأسلحة لدفع العدو كالثغر و (المعاهدة ) بصيغة اسم الفاعل ذات العهد وهي الذمية و (الحجل) بفتح الحاء وكسرها الخلخال و (القلب) بالضم سوار المرأةِ و (الرّعاث) جمع رعثة بفتح الراء وسكون العين وفتحها وهي القرط ، والزعاث أيضاً ضرب من الحلي.

و (الاسترجاع ) قول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وقيل : ترديد الصوت بالبكاء و (الاسترحام) مناشدة الرحم أي قول أنشدك الله والرحم، وقيل: طلب الرحم وهو بعيد و (انصرفوا وافرين) أي تامين يقال وفر الشيء أي تم ووفرت الشيء أي أتممته .

وفي «رواية المبرد » والصدوق موفورين وهو بمعناه و (الكلم) الجرح و (الترح) محركة ضد الفرح و (الغرض) الهدف و (حمارة القيظ) بتشديد الراء شدّة حرّه و (تسيخ الحر) بالسين

والباء والخاء المعجمة سكن وفتر كسيخ تسبيخاً و (صبارة) الشتاء بالتشديد شدة برده و (القر) بضم القاف البرد أو يخص بالشتاء و (ربات الحجال ) النساء أي صواحبها أو اللاتي ربين فيها، وهي جمع حجلة وهي بيت يزين فيها.

و (السدم) الحزن و (قاتلكم الله ) كناية عن اللعن والإبعاد و (القيح) الصديد بلا دم و (الندب) نغبة كالجرعة لفظاً ومعنى و (التهمام) بفتح التاء الهم و (انفاساً) أي جرعة بعد جرعة و( الله أبوهم ) كلمة مدح ولعلها استعملت هنا للتعجب و (المراس) مصدر مارسه أي زاوله وعالجه و (ذرفت على الستين ) بتشديد الراء أي زدت .

الإعراب

لباس التقوى بحذف المضاف أي لباس أهل التقوى، ويمكن عدم الحذف بالتأويل الآتي وإضافة الثّوب إلى الذل بيانيّة، (والباء) في قوله بتضييع الجهاد للسببية وسيم الخسف النائب عن الفاعل ضمير (من)، والخسف بالنصب مفعول أي كلف بالخسف وألزم (ا ه) ، وكلمة (على) في قوله ( وملكت عليكم ) تفيد الاستعلاء بالقهر والغلبة والضمير في قوله (ما كان به ) راجع إلى الموت المستفاد من مات.

وقوله : (فيا عجبا ) منصوب على النداء أصله يا عجبي أي أحضر هذا أوانك، (وعجباً) الثاني إما توكيد له أو منصوب بالمصدرية أي أيها الناس تعجبوا منهم عجباً، والقسم معترض بین الصفة والموصوف.

(وقبحا وترحا) منصوبان على المصدرية ، (ولا رجال) خبره محذوف، (وحلوم الأطفال وعقول ربات الحجال ) إما بالنصب على حذف حرف النداء أي يا ذوي حلوم الأطفال وذوي عقول النساء، وفي بعض النسخ بالرّفع أي حلومكم حلوم الأطفال وعقولكم عقول النساء، (ومعرفة) يمكن أن يكون فعله محذوفاً أي عرفتكم معرفة جرت ندماً، (وأنفاساً) مفعول مطلق الجرعتموني على غير لفظه ، والضمائر الثلاثة للحرب وهي مؤنثة وقد يذكر.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة ممّا خطب بها في أواخر عمره الشريف، وذلك بعد ما انقضت وقعة صفين واستولى معاوية على البلاد وأكثر القتل والغارة في الأطراف وأمر سفيان بن عوف الغامدي بالمسير إلى الأنبار وقتل أهلها .

وتفصيله هو ما رواه الشارح المعتزلي من ما رواه الشارح المعتزلي من كتاب «الغارات» الإبراهيم بن محمد الثقفي عن ابن الكنود.

قال: حدثني سفيان بن عوف الغامدي ، قال دعاني معاوية فقال : إني باعثك في جيش

كثيف ذي أداة وجلادة فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها، فإن وجدت بها جنداً فأغر عليهم وإلا فامض حتى تغير على الأنبار فإن لم تجد بها جنداً فامض حتى توغل المدائن، ثمّ أقبل إلى واثق أن تقرب الكوفة واعلم أنك إن أغرت على الأنبار وأهل المدائن فكأنك أغرت على الكوفة، إنّ هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم، وتفرح كلّ من له فينا هوى منهم، وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر ، فاقتل من لقيت ممّن ليس هو على مثل رأيك ، واخرب كلّ ما مررت به من القرى، واحرب الأموال فإنّ حرب الأموال شبيه بالقتل، وهو أوجع للقلب .

قال : فخرجت من عنده فعسكرت وقام معاوية في النّاس خطبهم فقال: أيها الناس انتدبوا مع سفيان بن عوف فإنّه وجه عظيم فيه أجر سريع، فيه أدبتكم إن شاء الله ثم نزل .

قال : فوالذي لا إله غيره ما مرت ثالثة حتى خرجت في ستة آلاف، ثمّ لزمت شاطىء الفرات فأغذذت السير حتى أمر بهيت فبلغهم ، إنّي قد غشيتهم فقطعوا الفرات فمررت بها وما بها غريب كأنها لم تحلّل قط، فوطيتها حتى أمر بصدوراء ففزوا فلم ألق بها أحداً فأمضي حتى افتتح الأنبار وقد أنذروا أبي فخرج صاحب المسلحة فوقف إلي فلم أقدم عليه حتى أخذت غلماناً من أهل القرية فقلت لهم : أخبرني كم بالأنبار من أصحاب علي ؟ قالوا : عدة رجال المسلحة خمسمائة ولكنّهم قد تبدّدوا ورجعوا إلى الكوفة ولا ندري بالذي يكون فيها قد يكون مأتي رجل .

فنزلت فكتبت أصحابي كتائب ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة فيقاتلهم والله ويصير لهم ويطاردهم ويطاردون في الأزفة، فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحواً من مائتين وأتبعتهم الخيل، فلمّا حملت عليهم الخيل وأمامها الرّجال تمشي لم يكن شيء حتى تفرقوا، وقتل صاحبهم في نحو من ثلاثين رجلاً، وحملنا ما كان في الأنبار من الأموال ثم انصرفت .

فوالله ما غزوت غزاة كانت أسلم ولا أقر للعيون ولا أسرّ للنفوس منها، وبلغني أنها رعبت الناس ، فلما عدت إلى معاوية حدثته الحديث على وجهه فقال : كنت عند ظني بك لا تنزل في بلد من بلداني إلا قضيت فيه مثل ما يقضي فيه أميره ، وإن أحببت توليته وليتك، وليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني قال : فوالله ما لبثنا إلا يسيراً حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الإبل هرباً من عسكر علي علیه السلام .

قال إبراهيم : وقدم علج من أهل الأنبار على عليّ فأخبره الخبر فصعد المنير فخطب النّاس وقال : إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار وهو معتزل لا يخاف ما كان، واختار ما عند الله على الدنيا، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفاً أنكلتموهم عن العراق أبداً ما بقوا.

ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلم متكلم منهم بكلمة، فلم ينفس أحد منهم بكلمة، فلما رأى صمتهم نزل وخرج يمشي راجلاً حتّى أتى التخيلة والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا : ارجع يا أمير المؤمنين نحن نكفيك ، فقال علیه السلام : ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم، فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله ، وهو واجم كتيب.

ودعى سعيد بن قيس الهمداني فبعثه من النخيلة في ثمانية آلاف، وذلك إنّه أخبر أن القوم جاؤوا في جمع كثيف، فخرج سعيد بن قيس على شاطىء الفرات في طلب سفيان بن ف حتى إذا بلغ عامات ، أمامه هاني بن الخطاب الهمداني فاتبع آثارهم حتى دخل أدنى أرض قنسرين، وقد فاتوه فانصرف .

قال : ولبث علي علیه السلام حتى ترى فيه الكآبة والحزن حتى قدم عليه سعيد بن قيس، وكان تلك الأيام عليلاً فلم يقو على القيام في الناس بما يريده من القول، فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد ومعه ابناه حسن وحسين عليهما السّلام وعبد الله بن جعفر .

ودعا سعداً مولاه، فدفع إليه الكتاب وأمره أن يقرأه على الناس، فقام سعد بحيث يسمع علي علیه السلام صوته ويسمع ما يرد النّاس عليه ، ثم قرأ الخطبة هذه (أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه) كما رواه في «الكافي» عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن التوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «اللجنة باب يقال باب المجاهدين يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم والجمع في الموقف والملائكة ترحب بهم » (1).

والمراد بخواص الأولياء المخلصون له في المحبة والعبادة، ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله لوجه الله لا لغرض آخر من خواص الكاملين في العبادة والخالصين في المحبة.

وذلك لأن المرء والمسلم إذا فارق أهله وأولاده وسلك إلى الجهاد علمه بأن العدوّ لو قهره قتله ويتملك أمواله ويستبيح ذريته ومع هذه كلها يوطن نفسه على الصبر والثبات امتثالاً لأمر الله وطلباً لمرضاته سبحانه، فذلك الولي الكامل والمؤمن الخالص في مقام الإيمان والعبودية، وحقيق بأن يدخل في زمرة :

(ألا إن أَوْلِيَاءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ يونس : 62] وأن يستبشر شارة : (إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهَم بأن لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا التَّوْرَةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرَهَانِ وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ مِن اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [التوبة : 111]


1) السنبك كقنفذ ضرب من العدو وطرف الحافر (القاموس).

(وهو لباس التقوى ) أي به يتقي في الدنيا من غلبة الأعادي، وفي الآخرة من حرّ النار كما يتقي بالثّوب من الحرّ والبرد ، أو هو يدفع المضار عن التقوى ويحرسها، أو عن أهل التقوى بحذف المضاف (ودرع الله الحصينة) الواقية (وجنته الوثيقة )المحكمة بها يحفظ النفس من المضار ويحترز من ذوي الأشرار (فمن تركه) كراهة له و (رغبة عنه البسه الله ثوب الذل ) في الآخرة والأولى (وشمله البلاء) وفتنة الأعداء (وديث بالصغار والقماء).

كما قال صلوات الله وسلامه عليه وآله :«فمن ترك الجهاد البسه الله ذلاً وفقراً معيشته، ومحقاً في دينه إن الله أغنى أمتي بسنابك (1)خيلها ومراكز رماحها »(2)(وضرب على قلبه بالأسداد )فعجز عن تدبير مصالحه وعميت عليه مذاهبه وضاقت له مسالكه (واديل الحق منه بتضييع الجهاد ) فتورط في الضلال ولحقه الوبال (وسيم الخسف) والذلة (ومنع النصف) والعدالة .

وقد تحصل ممّا ذكره علیه السلام منافع الجهاد ومصالحه و مفاسد تركه ومعايبه، وفيه تحضيض على القيام به، وترهيب عن القعود عنه، فإنه وإن كان شاقاً على النفس في بادي الأمر من حيث كونه أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ؛ وكون بقاء النفس للنفس مطلوباً إلا أنه بعد ملاحظة ما يترتب على القيام به من المنافع والثّمرات وعلى القعود عنه من المضار والعيوبات يسهل عليه القيام به ، ويشري نفسه ابتغاء مرضات الله كما قال تعالى:

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرَهُ لَكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن

تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216] .

يعني أن الشيء ربما كان شاقاً عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالعكس، ولأجله حسن شرب الدواء المرّ في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن تحمّل الأخطار في الأسفار يتوقع حصول الربح.

والجهاد كذلك لأنّ تركه، وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون الانفاق، ولكن فيه أنواع من المضار الدنيوية والأخروية، كالذل والفقر وحرمان بالغنيمة ومحق الدين وطمع الأعداء، حيث إن العدو إذا علم ميل نظرائه إلى الذعة والسكون قصد بلادهم وحاول قتلهم، فأما أن يأخذهم ويستبيح دماءهم وأموالهم ويسبي ذراريهم، وإما أن يحتاجوا إلى قتاله من غير أعداد آلة وسلاح.

وهذا يكون كترك مداواة المريض مرضه في أول ظهوره بسبب مرارة الدواء، ثم يصير


1) الكافي : 2/5 2.

2) في الروضة يأخذ منه :

في آخر الأمر مضطراً إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة، مضافاً إلى ما يفوته من الثمرات الجليلة في الدنيا والآخرة من الأمن وسلامة الوقت والفوز بالغنيمة وحلاوة الاستيلاء على الأعداء، والدرجات التي وعدها الله بقوله :

(فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ الله الحسنى وفضل الله المجتهدين على الْقَلَمِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) [النساء : 95] (دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةٌ وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء : 96] .

والبشرى التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للشهداء منهم بقوله : «للشهيد سبع خصال من الله أول قطرة منه مغفور له كلّ ذنب ، والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين وتمسحان الغبار عن وجهه وتقولان مرحباً بك ، ويقول هو مثل ذلك لهما ، والثالثة يكسى من كسوة الجنّة، والرابعة تبتدره خزنة الجنّة بكل ريح طيبة أيهم يأخذه معه (1)، والخامسة أن يرى منزله ، والسّادسة يقال لروحه اسرحي في الجنّة حيث شئت ، والسابعة أن ينظر في وجه الله وأنها لراحة لكل نبي وشهيد »(2).

وكيف كان فإنه علیه السلام لما صدر خطبته بذكر منافع الجهاد ومضاره فعلاً وتركاً أشار إلى مقصوده الذي مهد له تلك المقدّمة وهو حقهم على جهاد معاوية وأصحابه فقال : (ألا قد وإني دعوتكم إلى قنال هؤلاء القوم ) القاسطين الفاسقين (ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً ، وقلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا ).

وسرّ ذلك ما أشار إليه الشارح البحراني، وهو أن للأوهام أفعال عجيبة في الأبدان تارة بزيادة القوة وتارة بنقصانها حتى أن الوهم ربما كان سبباً لمرض الصحيح لتوهمه المرض وبالعكس، فكان السبب في ذلّ من غزي في عقر داره وإن كان معروفاً بالشجاعة هو الأوهام.

أما أوهامهم فلأنها تحكم بأنّها لم تقدم على غزوهم إلا لقوّة غازيهم واعتقادهم فيهم الضعف بالنسبة إليه ، فتنفعل إذا نفوسهم عن تلك الأوهام، وتنقهر عن المقاومة وتضعف عن الانبعاث وتزول غيرتها وحميّتها فتحصل على طرف رذيلة الذل.

وأما أوهام غيرهم فلأنّ الغزو الذي يلحقهم يكون باعثاً لكثير الأوهام على الحكم

بضعفهم ومحزكاً لطمع كلّ طامع فيهم، فيثير ذلك لهم أحكاماً وحمية تعجزهم عن المقاومة.

ثم إنه أشار إلى ما قابلوا به نصحه بقوله (فتواكلتم) أي وكل كل واحد منكم أمره إلى غيره ( وتخاذلتم ) أي خذل بعضكم بعضاً (حتى شنّت عليكم الغارات) وصبت من كل جانب دفعة بعد دفعة (وملكت عليكم الأوطان ) بالقهر والغلبة والعدوان (وهذا أخو غامد) سفيان بن


1) المهذب البارع : 297/2 ، وروضة الواعظين : 363.

2) نهج السعادة 557/2 ، وشرح نهج البلاغة : 87/2

عوف الغامدي (قد وردت خيله الأنبار) بأمر معاوية اللعين الجبّار (وقد قتل حسّان بن حسان البكري ) وكان من أصحابه والياً على الأنبار

روى إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب «الغارات» عن عبد الله بن قيس عن حبيب ابن عفيف قال : كنت مع حسّان بالأنبار على مسلحها إذ صبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها فهالونا والله وعلمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا طاقة ولا يد، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرّقنا فلم يلقهم نصفنا، وأيم الله لقد قاتلناهم فأحسنًا قتالهم حتى كرهونا ، ثم نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى :

( فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23] .

ثم قال لنا : من كان لا يريد لقاء الله ولا لقاء الله ولا يطيب نفساً بالموت فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم ؛ فإنّ قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب، ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار ، ثم نزل في ثلاثين رجلاً، فهممت بالنزول معه ثم أبت نفسي فتقدم هو وأصحابه فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله (1).

(وأزال خيلكم عن مسالحها ) وحدودها المعدة لها (ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة و ) المرأة (الأخرى المعاهدة ف-) كان (ينتزع) منها (حجلها) وخلخالها (وقلبها) وسوارها (وقلائدها) من نحرها (ورعاتها) من آذانها (ما) يمكن أن (تمتنع منه إلا )بالتذلل و (بالاسترجاع) والخضوع (والاسترحام ثم انصرفوا) بعد القتل والغارة (وافرین) تامين غير مرزوئین (ما نال رجل منهم كلم ولا أريق له دم فلو أن امرء مسلماً) ذا غيرة وحمية (مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً) وحقيقاً .

(فيا عجبا عجبا ) أي عجب (والله يميت) ذلك العجب (القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ) مع علمهم بأنهم على الباطل (وتفرقكم عن حقكم ) مع معرفتكم بأنكم على الحق (فقبحاً لكم وترحاً) وهماً (حين) تثاقلتم عن الجهاد حتى (صرتم غرضاً برمى ) بالتبال ألا تستحيون من سوء عملكم ولا تخجلون من قبح فعلكم (يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون ويعصى الله ) بقتل الأنفس ونهب الأموال وهتك العرض وتخريب البلاد (و) أنتم (ترضون ) بذلك إذ لولا رضاكم لما تمكن العدو منكم ولما هجم عليكم (فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيام الحز) تخلّفتم عن أمري واعتذرتم و (قلتم هذه حمارة القيظ ) وهجمة الصيف (أمهلنا حتى يسبخ عنا الحز) ويفتر عنا الهجر (وإذا أمرتكم بالسير إليهم في ) أيام (الشتاء) عصيتم أمري و (قلتم هذه صبارة القر أمهلنا ينسلخ عنا البرد) وينقضي القرّ و (كل هذا ) الاستمهال والاعتذار (قراراً من الحرّ والقر فإذا كنتم من الحرّ والفرّ تفزون) مع هوانهما


1) الكافي : 24/8 ، وتحف العقول: 99

(فأنتم والله من السيف أفر) على شدّته إذ لا مناسبة بين شدّة الحرّ والقر وبين القتل بالسيف والمجاهدة مع الأبطال.

(يا أشباه الرجال ) خلقة وصورة (ولا رجال) غيرة وحميّة حلومكم (حلوم الأطفال و)

عقولكم (عقول ربات الحجال).

أما وصفهم بحلوم الأطفال فلأنّ ملكة الحلم ليس بحاصل للطفل، وإن كانت قوة الحلم حاصلة له لكن قد يحصل له ما يتصوّر بصورة الحلم كعدم التسرع إلى الغضب عن خيال يرضيه، وأغلب أحواله أن يكون ذلك في غير موضعه وليس له ملكة تكسب نفسه طمأنينة كما في حق الكاملين فهو إذاً نقصان، ولما كان تاركوا أمره علیه السلام قد تركوا المقاولة حلماً أدنى خيال كتركهم الحرب بصفين عن خدعة أهل الشام لهم بالمسالمة وطلب المحاكمة ورفع المصاحف، فقالوا إخواننا في الذين لا يجوز لنا قتالهم، كان ذلك حلماً في غير موضعه حتى كان من أمرهم ما كان بأشبه رضى الصّبيان .

وأما إلحاق عقولهم بعقول النساء فللإشتراك في القصور والنقصان وقلة المعرفة بوجوه المصالح المخصوصة بتدبير الحرب والمدن، ثمّ إنّه عرفهم محبّته لعدم رؤيتهم ومعرفتهم بقوله (لوددت أني لم أركم ) رؤية أبداً (ولم أعرفكم معرفة) أصلاً (والله لقد جرت) معرفتكم علي (ندماً) وسئماً (وأعقبت) حزناً و (سدماً ) ثم دعا عليهم بقوله (قاتلكم الله) أي لعنكم .

قال ابن الأَنباري : المقاتلة من القتل فإذا أخبر الله بها كان معناها اللعنة منه، لأنّ من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك، يعني أنّ المقاتلة لما كانت غير ممكنة بحسب الحقيقة في حق الله سبحانه، فإذا أسند الله سبحانه لا بد وأن يراد بها لوازمها ، كاللعن والطرد والبعد ومنع اللطف ونحوها .

(لقد ملأتم قلبي ) لسوء أعمالكم سديداً و (قيحاً وشحنتم صدري) يقبح فعالكم غضباً و (غيظاً وجرعتموني نغب التهمام ) وجرع الهموم (أنفاساً) أي جرعة بعد جرعة (وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان ) ومعنى إفسادهم له خروجه بسبب عدم التفاتهم إليه عن أن يكون منتفعاً به لغيرهم (حتى لقد قالت قريش : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب).

وذلك لأن الناس إذا رؤوا من قوم سوء تدبير أو مقتضى رأي فاسد كان الغالب أن ينسبوه إلى رئيسهم ومقدّمهم، ولا يعلمون أنه من تقصير القوم لا من قصور الرئيس، ولذلك تعجب منهم وردّ توهمهم بقوله : (الله أبوهم وهل أحد أشدّ لها )للحراب (مراساً) ومعالجة (وأقدم فيها مقاماً) وممارسة (مني ولقد ) صرفت فيها تمام عمري و (نهضت فيها وما بلغت العشرين وها أنا قد ذرفت على الستين ).

ثم بيّن أن السبب في فساد حال أصحابه ليس ما تخيله قريش فيه من ضعف الرأي في الحرب وقلة التدبير، بل عدم طاعتهم له فيما يراه ويشير إليه، وذلك قوله (ولكن لا رأي لمن لا يطاع ) فإنّ الرّأي الذي لا يقبل بمنزلة الفاسد وإن كان صواباً، والمثل له .

قيل : وإنما قال أعداؤه لا رأي له لأنه كان متقيّداً بالشريعة لا يرى خلافها ولا يعمل

بما يقتضي الدين تحريمه، وقد قال هو علیه السلام : «لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب »(1)وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوقفه سواء كان مطابقاً للشرع أو لم يكن، هذا.

روى في «البحار» من كتاب إرشاد القلوب بإسناده إلى أبي جعفر الباقر علیه السلام قال: بينما أمير المؤمنين يتجهز إلى معاوية ويحرض الناس على قتاله إذ اختصم إليه رجلان في فعل فعجل أحدهما في الكلام وزاد فيه ، فالتفت إليه أمير المؤمنين علیه السلام وقال له : اخسأ، فإذا رأسه رأس الكلب، فبهت من حوله وأقبل الرّجل بأصبعه المسبحة يتضرّع إلى أمير المؤمنين علیه السلام ويسأله الإقالة فنظر إليه وحرّك شفتيه فعاد كما كان خلقاً سوياً.

فوتب إليه بعض أصحابه فقال له : يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك كما رأينا وأنت تجهز إلى معاوية فما لك لا تكفيناه ببعض ما أعطاك الله من هذه القدرة؟ فأطرق قليلاً ورفع رأسه إليهم وقال :

والذي فلق الحبة وبرىء النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والأودية حتى أضرب بها صدر معاوية على سريره فأقلبه على أمّ رأسه لفعلت، ولو أقسمت على الله عزّ وجلّ أن أوتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا وقبل أن يرتد إلي أحد منكم طرفه لفعلت، ولكنا كما وصف الله في كتابه: (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) (2).

ثم روى في «البحار» من الإرشاد بإسناده إلى ميثم التمار قال : خطب بنا أمير المؤمنين علیه السلام في جامع الكوفة، فأطال في خطبته وأعجب النّاس تطويلها وحسن وعظها وترغيبها وترهيبها، إذ دخل نذير من ناحية الأنبار مستغيثاً يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في رعيتك وشيعتك، هذه خيل معاوية قد شنت علينا الغارة في سواد الفرات ما بين هيت والأنبار .

فقطع أمير المؤمنين علیه السلام الخطبة وقال : ويحك بعض خيل معاوية قد دخل الدّسكرة التي تلي جدران الأنبار فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الأطفال ذكراً وسبعة إناثاً وشهروا بهم


1) الهداية الكبرى للخصيبي : 125، والثاقب في المناقب: 242.

2) في نسخة فيعجل.

ووطؤوهم بحوافر الخيل وقالوا هذه مراغمة لأبي تراب .

فقام إبراهيم بن الحسن الأزدي بين يدي المنبر فقال يا أمير المؤمنين : هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك إنّ في دارك خيل معاوية ابن آكلة الأكباد وما فعل بشيعتك ولم يعلم بها هذا فلم تغضي عن معاوية .

فقال له : ويحك يا إبراهيم ليهلك من هلك عن بيئة ويحيى من حي عن بينة، فصاح النّاس من جوانب المسجد يا أمير المؤمنين فإلى متى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بيئة؟ وشيعتك تهلك فقال لهم : ليقضي الله أمراً كان مفعولاً .

فصاح زيد بن كثير المرادي وقال : يا أمير المؤمنين تقول بالأمس وأنت تجهز إلى معاوية وتحرّضنا على قتاله ويحتكم إليك الرّجلان في الفعل فتعمل (1)عليك أحدهما في الكلام فتجعل رأسه رأس الكلب فتستجير بك فتردّه بشراً سوياً .

ونقول لك ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شره فتقول لنا : وفالق الحبّة وبارىء النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية لفعلت فما بالك لا تفعل ما تريد إلا أن تضعف نفوسنا فنشك فيك فندخل النار .

فقال أمير المؤمنين علیه السلام :« الأفعلن ذلك ولأعجلته على ابن هند، فمد رجله على منبره فخرجت عن أبواب المسجد وردّها إلى فخذه وقال : معاشر النّاس أقيموا تاريخ الوقت واعلموه فقد ضربت برجلي هذه الساعة صدر معاوية فقلبته عن سريره على أم رأسه، فظن أنه قد أحيط به ، فصاح يا أمير المؤمنين فأين النظرة؟ فرددت رجلي عنه » (2).

وتوقع الناس ورود الخبر من الشّام وعلموا أن أمير المؤمنين علیه السلام لا يقول إلا حقاً، فوردت الأخبار والكتب بتاريخ تلك الساعة بعينها من ذلك اليوم بعينه أنّ رجلاً جاءت من ناحية الكوفة ممدودة متصلة فدخلت من إيوان معاوية والنّاس ينظرون حتى ضربت صدره ، فقلبته عن سريره على أم رأسه فصاح يا أمير المؤمنين وأين النظرة؟ ورُدّت تلك الرجل عنه، وعلم النّاس ما قال أمير المؤمنين إلا حقاً .

تكملة

قد أشرنا سابقاً إلى أنّ هذه الخطبة من خطبه المشهورة ، وأنّها مما رواها جماعة من


1) دعائم الإسلام للمغربي: 391/1، والبحار 282/33

2) هي الشنوف واحدها رعثة وجمعها رعات وجمع الجمع رعث .

العامة والخاصة ، ولمّا كانت رواية الصدوق مخالفة لرواية السّيّد في بعض فقراتها أحببنا إيرادها بسند الصدوق أيضاً ازدياداً للبصيرة فأقول :

روى في «البحار» و «الوسائل» من كتاب «معاني الأخبار » للصدوق عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني عن عبد العزيز بن يحيى الجلودي عن هشام بن علي ومحمد بن زكريا الجوهري ، عن ابن عائشة بإسناد ذكره أن علياً انتهى إليه أن خيلاً لمعاوية ورد الأنبار فقتلوا عاملاً له يقال له : حسّان بن حسّان، فخرج مغضباً يجرّ ثوبه حتى أتى النخيلة، وأتبعه الناس فرقى رباوة من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه ثم قال :

«أما بعد فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى و درع الله الحصينة وجنّته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه البسه الله ثوب الذلّ وسيماء الخسف وديث بالصغار، وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسرّاً وإعلاناً وقلت لكم : اغزوهم من قبل أن يغزوكم فوالذي نفسي بيده ما غزي قوم قط في عقر ديارهم إلا ذلوا .

فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهرياً حتى شنّت عليكم الغارات، هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار وقتلوا حسان بن حسان ورجالاً منهم كثيراً ونساء .

والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة فينتزع أحجالهما ورعثهماً (1)، ثم انصرفوا موفورين لم يكلم أحد كلما فلو أن أمراً مسلماً مات من دون هذا أسفاً ما كان عندي فيه ملوماً بل كان عندي به جديراً .

يا عجباً كلّ العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء قلتم هذا أوان قز وصرّ، وإن قلت لكم اغزوهم في الصيف قلتم هذا حمارة القيظ انظرنا ينصرم الحرّ عنا، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرّون فأنتم والله من السيف أفر.

يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا ظعام الأحلام ، وبا عقول ربات الحجال والله لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، ولقد ملأتم جوفي غيظاً حتى قالت قريش إن ابن أبي طالب شجاع ، ولكن لا رأي له في الحرب، الله درّهم ومن ذا يكون أعلم بها وأشدّ لها مراساً منّي ، فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، ولقد نيفت اليوم على الستين، ولكن لا رأي لمن يطاع يقولها ثلاثاً».

فقام إليه رجل ومعه أخوه فقال : يا أمير المؤمنين أنا وأخي هذا كما قال الله عز وجل


1) نهج البلاغة : 62/4 ، ومعاني الأخبار: 310 ..

حكاية عن موسى: (ربّ إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي ) (1)، فمرنا بأمرك فوالله لننهتن إليه ولو حال بيننا وبينه جمر الغضا وشوك القتاد ، فدعا له بخير ثم قال علیه السلام : وأين تقعان مما أريد ثم نزل (2) .

قال إبراهيم في كتاب «الغارات»: إن القائم إليه العارض عليه جندب بن عفيف الأزدي هو، وابن أخ له يقال له عبد الرحمان بن عبد الله بن عفيف ، والله أعلم بحقائق الوقائع .

الترجمة

از جمله خطب شریفه آن حضرت است در توبیخ اصحاب خود به جهت تثاقل

ایشان از قتال و جدال و تحضیض ایشان به جهاد معاویه رئیس بدعت و ضلال فرماید بعد از حمد الهی و درود نامتناهی بر حضرت رسالت پناهی:

پس به درستی که جهاد دری است از درهای بهشت عنبر سرشت ، گشاده است آن را خداوند و دود به جهت دوستان خاصه خود و اوست لباس پرهیزکاری و تقوی و زره استوار خدا و سپر محکم حق سبحانه و تعالی ، پس هر که ترک نماید آن را بپوشاند خدا او را جامه خواری و شامل شود او را بلا و گرفتاری و خار گردانیده شود به مذلت و بی اعتباری و زده شود بر دل او به ذهاب عقل و بی خردی و گردانیده شود حق از او و مغلوب میشود به جهت تضییع کارزار و الزام میشود به ذلت و خواری و ممنوع میشود از انصاف شود از انصاف و دادگری .

آگاه باشید که به تحقیق خواندم شما را به محاربه این فرقه طاغيه شب و روز و در نهان و آشکار و گفتم به شما که جنگ کنید با ایشان پیش از آن که ایشان با شما جنگ نمایند ، پس به خدا قسم که هیچ غزا کرده نشد قومی هرگز در اصل خانه خودشان مگر این که خوار و ذلیل شدند ، پس موکول کردید شما کار خود را به یکدیگر و خوار نمودید شما یکدیگر را تا این که ریخته شد غارتها پیاپی برشما


1) بحار الأنوار: 217/19 ، وتفسير القمي: 2590/1

و گرفته شد از شما وطن ها با غلبه و استیلا .

و این مرد که برادر غامد و سفیان بن عوف غامدی است ، به تحقیق که وارد شده لشکریان او به شهر انبار و به یقین که کشته است حسّان بن حسّان بکری را و زایل نموده سواران شما را از سرحدهای آن ها و به تحقیق که رسید به من آن که مردان قبیله داخل شده بر زن مسلمه و بر کافر ذمیه ، پس برمی کنده خلخال و دست برنجهای او را و گردن بندها و گوشواره های آن را ، امتناع نتوانسته است آن زن از آن مرد مگر باگریه و زاری و با قسم دادن به قرابت و خویشی .

پس آن قوم بدنهاد بعد از غارت کردن مراجعت نمودهاند در حالتی که تمام بودهاند در حین مراجعت با غنیمت ، نرسیده به مردی از ایشان هیچ زخمی و ریخته نشده او را خونی ، پس اگر بمیرد مرد مسلمان ، پس از این ظلم دل سوز از روی غم و اندوه نباشد به مردن ملامت کرده ، شده بلکه هست نزد من به آن لایق گردیده .

ای بسا تعجب ای قوم تعجب کنید چه تعجبی به خدای لایزال که می میراند دل را و میکشد اندوه را از انفاق آن گروه بر باطل خود و از تفرقه شما از حق ،خود پس زشت باد روی شما و حزن باد بر شما هنگامی که گشتید هدف تیر انداخته شدهو غارت میکنند شما و غارت نمی کنید و جنگ می کنند با شما و جنگ نمی نمایید و نافرمانی کرده میشود خدا و شما خوشنود می باشید.

پس هرگاه امر میکنم شما را به رفتن سوی دشمنان در ایام تابستان میگویید که این شدت گرماست مهلت ده ما را تا سبک شود از ما گرما و هر وقتی که امر به میکنم شما را سیر نمودن به طرف خصمان در وقت زمستان میگویید که این شدت سرما است ما را بگذار تا بر طرف شود از ما سرما.

این همه عذرها از برای گریختن است از گرما و سرما پس چون بودید از گرما و سرما می گریزید ، پس شما به خدا سوگند از شمشیر گریزان تر هستید .

ای جماعت شبیه به مردان به حسب شکل و صورت نیستید مردان از روی معنی و حقیقت ، حلم های شما مانند حلم های بچگان است و عقل های شما مانند عقلهای زنانو هر آینه دوست میداشتم آن که نمی دیدم شما را و نمی شناختم شما را شناختنی که به خدا سوگند که کشیده است ندامت و پشیمانی را و

متعقب شده است اندوه و پریشانی را .

لعنت کند خدا شما را هر آینه پر کردید دل مرا از ریم و زرداب و پر ساختید شینه مرا از خشم و التهاب و نوشانیدید مرا جرعه های غم و اندوه را نفس نفس و فاسد ساختید رأی مرا بر من با معصیت و خذلان تا آن که گفتند قریش به درستی که پسر أبى طالب مردی است شجاع و لیکن مهارت در حرب ندارد .

خدا نگهدار باد پدران ایشان را ، آيا هيچ يك از ایشان سخت تر است مرحرب

را از روی علاج و مقدم تر است در حرب از روی ایستادن از من؟ هر آینه قیام نمودم در معارك قتال با شجاعان و ابطال در حالتی که نرسیده بودم بیست سالگی و اکنون که سن من افزون گشته بر شصت سال ، یعنی در عرض این مدت غالباً مشغول بوده ام بر جنگ و جدال ولیکن هیچ رأی نیست کسی را که فرمان بردار نشود و اطاعت او را نکنند .

محتوى الجزء الثالث من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة

المقدمة الثالثة ... 5

المقدمة الرابعة ... 34

الفصل الأول ... 38

اللغة ... 38

الإعراب ... 38

المعنى ... 39

الترجمة ... 46

الفصل الثاني ... 47

اللغة ... 47

الإعراب ... 48

المعنى ... 49

الترجمة ... 63

الفصل الثالث ... 65

اللغة ... 65

الإعراب ... 65

المعنى ... 66

وينبغي التذييل بأمور : الأول ... 67

الثاني ... 71

الثالث ... 75

الترجمة ... 83

الفصل الرابع ... 84

اللغة ... 84

الإعراب ... 84

المعنى ... 84

الترجمة ... 88

الفصل الخامس ... 89

اللغة ... 89

الإعراب ... 89

المعنى ... 90

الترجمة ... 95

الفصل السادس ... 96

اللغة ... 96

الإعراب ... 96

المعنى ... 97

الترجمة ... 98

الفصل السابع ... 99

اللغة ... 99

الإعراب ... 99

المعنى ... 99

الترجمة ... 102

ومن خطبة له عليه السلام (بعد مقتل طلحة والزبيرخ) وهي الخطبة الرابعة ... 103

الفصل الأول ... 104

اللغة ... 104

الإعراب ... 104

المعنى ... 105

الترجمة ... 114

الفصل الثاني ... 115

اللغة ... 115

الإعراب ... 115

المعنى ... 115

الترجمة ... 119

ومن كلام له علیه السلام لما قبض رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة وهو الخامس من المختار في باب الخطب ... 120

اللغة ... 120

الإعراب ... 121

المعنى ... 121

تكملة ... 124

الترجمة ... 125

ومن كلام له علیه السلام لما أشير إليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال وهو سادس المختار في باب الخطب الجاري مجراها ... 126

اللغة ... 126

الإعراب ... 126

المعنى ... 126

وينبغي التنبيه على أمور ... 128

الثاني ... 128

الثالث ... 130

الترجمة ... 131

ومن خطبة له علیه السلام وهي الخطبة السابعة ... 132

اللغة ... 132

الإعراب ... 132

المعنى ... 132

الترجمة ... 135

ومن كلام له علیه السلام يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك وهو ثامن المختار في باب الخطب ... 136

اللغة ... 136

الإعراب .... 136

المعنى ... 136

الترجمة ... 139

ومن كلام له علیه السلام وهو تاسع المختار في باب الخطب ... 140

اللغة ... 140

الإعراب ... 140

المعنى ... 140

الترجمة ... 141

ومن خطبة له علیه السلام وهي الخطبة العاشرة ... 142

اللغة ... 142

الإعراب ... 142

المعنى ... 143

الترجمة ... 144

ومن كلام له علیه السلام لابنه محمد بن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل وهو الحادي عشر من المختار في باب الخطب ... 145

اللغة ... 145

الإعراب ... 145

المعنى ... 145

تبصرة ... 154

الترجمة ... 158

ومن كلام له علیه السلام لما أظفره الله بأصحاب الجمل وهو الثاني عشر من المختار في باب الخطب ... 159

اللغة ... 159

الإعراب ... 159

المعنى ... 159

وههنا لطيفة ... 161

الترجمة ... 163

ومن كلام له علیه السلام في ذم أهل البصرة وهو الثالث عشر من المختار في باب الخطب ... 164

اللغة ... 164

الإعراب ... 164

المعنى ... 165

وينبغي التنبيه على أمور الأول ... 170

الثاني ... 176

الثالث ... 180

الترجمة ... 188

ومن كلام له علیه السلام في مثل ذلك وهو الرابع عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها ... 189

اللغة ... 189

الإعراب ... 189

المعنى ... 189

الترجمة ... 190

ومن كلام له علیه السلام فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان وهو الخامس عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها ... 191

اللغة ... 191

الإعراب ... 191

المعنى ... 191

الترجمة ... 193

ومن كلام له علیه السلام لما بويع بالمدينة وهو السادس عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها .... 194

الفصل الأول ... 194

اللغة ... 194

الإعراب ... 195

المعنى ... 195

بیان ... 201

الترجمة ... 203

الفصل الثاني ... 205

اللغة ... 205

الإعراب .... 205

المعنى ... 206

الترجمة ... 215

ومن كلام له علیه السلام في صفة من يتصدى للحكم هو السابع عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها ... 217

اللغة ... 217

الإعراب ... 218

المعنى ... 219

تكملة استبصارية ... 228

الترجمة ... 231

ومن كلام له علیه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتيا وهو الثامن عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها ... 233

اللغة ... 233

الإعراب ... 233

المعنى ... 233

تنبیه ... 241

الترجمة ... 243

ومن كلام له علیه السلام وهو التاسع عشر من المختار في باب الخطب الجاري مجراها ... 244

اللغة ... 244

الإعراب ... 245

المعنى ... 245

الترجمة ... 252

ومن خطبة له علیه السلام وهي العشرون من المختار في باب الخطب ... 253

اللغة ... 253

الإعراب ... 253

المعنى ... 253

تكملة ... 259

الترجمة ... 260

ومن خطبة له علیه السلام وهي الحادية والعشرون من المختار في باب الخطب ... 261

اللغة ... 261

الإعراب ... 261

المعنى ... 261

الترجمة ... 266

ومن خطبة له علیه السلام وهي الثانية والعشرون من المختار في باب الخطب ....... 267

اللغة ... 267

الإعراب ... 268

المعنى ... 268

تكملة ... 270

الترجمة ... 275

ومن خطبة له علیه السلام وهي الثالثة والعشرون من المختار في باب الخطب وشرحها في ضمن فصلين ... 276

الفصل الأول ... 276

اللغة ........ 276

الإعراب ... 277

المعنى ... 278

تكميل استبصاري ... 281

المقام الأول ... 281

الثاني ... 281

الثالث ... 285

الرابع ... 288

تكملة ... 290

الترجمة ... 291

الفصل الثاني ... 293

منها ... 293

اللغة ... 293

الإعراب ... 293

المعنى ... 293

تبصرة ... 295

تكملة ... 295

الترجمة ... 297

ومن خطبة له علیه السلام وهي الرابعة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 298

اللغة ... 298

الإعراب ... 298

المعنى ... 298

إشراق ... 299

الترجمة ... 301

ومن خطبة له علیه السلام وهي الخامسة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 302

اللغة ... 302

الإعراب ... 303

المعنى ... 303

الأبيات ... 307

الترجمة ... 312

ومن خطبة له علیه السلام هی السادسة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 314

الفصل الأول ... 314

اللغة ... 314

الإعراب ... 314

المعنى ... 314

الترجمة ... 318

الفصل الثاني منها ... 319

اللغة ... 319

الإعراب ... 319

المعنى ... 319

الترجمة ... 328

الفصل الثالث منها ... 329

اللغة ... 329

الإعراب ... 329

المعنى ... 329

تكملة ... 333

الترجمة ... 339

ومن خطبة له علیه السلام وهي السابعة والعشرون من المختار في باب الخطب ... 340

اللغة ... 341

الإعراب ... 342

المعنى ... 342

تكملة ... 350

الترجمة ... 352

مكتبة الروضة الحيدرية

الرقم 4496

التاريخ 2005/1/29

طبع علی مطابع

دار احیاء التراث العزیی