ghaemiyeh.com
نهج البلاغة
خطب ، رسائل ، كلام ، وصايا
عهود ، حكم ، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام
الطبعة الأولى
1424ه - 2003م
دار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان
محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي
نهج البلاغة
خطب ، رسائل ، كلام ، وصايا
عهود ، حكم ، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام
منهَاج البراعة
شرح
نهج البلاغة
لِمُوْلَفِهِ
العلامة الحقوق والحاج میرزا حبیب الله هاشمي الحق في قدس سره
طبعة جديدة
ضبط وتحقيق
على عاشور
مكتبة الروضة الحيدرية
4495
2005/1/29
المجلد الثاني
دار الحياء التراث العربى
بيروت - لبنان
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1424ه - 2003م
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان. شارع دكاش - هاتف: 272652 - 272900 - 272782 - 272783 فاكس: 850717 - 850623 ص.ب. 11/7957
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/1|
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«ثُمَّ فَتَقَ سُبْحانَهُ ما بَينَ السَّمَواتِ العُلى ، فَمَلاَهُنَّ أَطواراً مِنْ مَلائِكَتِهِ ، فَمِنْهُمْ سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ ، وَصافُونَ لا يَتَزايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ، لا يَغْشيهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ، وَلا سَهْوُ الْعُقُولِ، وَلا فَتْرَةُ الأَبْدانِ، وَلا غَفْلَةُ النِّسْيانِ، وَمِنْهُمْ أُمَناءٌ عَلى وَحْيِه، وَالْسِنَةُ إلى رُسُلِهِ، وَمُخْتَلِفُونَ بفَضائِه وَأَمْره، وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبادِهِ، وَالصَّدَنَةُ لأبواب جنايه ، وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ في الأَرَضِينَ السفلى أقدامُهُمْ ، وَالْمَارِقَةُ مِنَ السماءِ العُليا أَعْناقهُمْ، وَالْخَارِجَةُ مِنَ الأقطارِ أَرْكَانُهُمْ، وَالْمُناسَبَةُ لِقَوائِمِ الْعَرْشِ اكْتافُهُمْ، ناكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ، مُتَلَفْعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَينَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ وَأَسْتار الْقُدْرَةِ، لا يَتَوَهُمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْويرِ، وَلا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفات الْمَصْنُوعينَ، وَلا يَحُدُونَهُ بِالأَمَاكِنِ، وَلا يُشيرُون إِلَيْهِ بالنظائر (1)».
(أطوار) جمع طور كثوب وأثواب، وهو في الأصل التارة يقال: أتيته طوراً بعد طور، أي تارة بعد تارة، ويجيء بمعنى الحالة، والمراد به هنا الأصناف المختلفة كما فسر به قوله تعالى :
(وقد خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) ) [نوح: 14].
أي مختلفين في الصفات ، أغنياء وفقراء، وزمناء وأصحاء، (والملائكة) مأخوذة من
الألوك وهو الرسالة، يقال: يقال : ألك بين القوم ألكاً من باب ضرب، والألوك الرسول، وواحدها ملك، وأصله على ما قاله الفيومي ملاك، وزنه معفل ، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام وسقطت لكثرة الإستعمال فوزنه معفل فإنّ (الفاء) هي الهمزة وقد سقطت ، وقيل : مأخوذ من لاك إذا أرسل، فملاءك مفعل فنقل الحركة وسقطت الهمزة وهي عين ، فوزنه مفل وعلى كل تقدير فملك إما إسم مكان بمعنى محلّ الرّسالة ، أو مصدر ميمي بمعنى المفعول (والسجود) و (الركوع) هنا جمع ساجد وراكع ، وفاعل الصفة يجمع على فعول إذا جاء مصدره عليه أيضاً
1) تفسير الصافي : 286/4 .
(والإنتصاب) القيام (والصف) من صففت الشيء من باب نصر إذا نظمته طولاً مستوياً ومنه صف الجماعة (والتزايل) التفارق ( والسامة) الملالة والضجر (ويغشيهم) مضارع غشيته أي أتيته (والفترة) الإنكسار والضعف (والسدنة) جمع سادن كخدمة وخادم لفظاً ومعنى (والمارقة) أي الخارجة يقال: مرق السهم من الزمية إذا خرج من الجانب الآخر، (والأقطار) الأطراف (والأركان) جمع الزكن كأقفال وقفل وهو جانب الشيء والمراد هنا الأجزاء والجوارح (والناكس) المتاطيء رأسه (وتلفّع) بالثوب تلحف واشتمل به (والنظائر) جمیع نظيرة وهي المثل والشبه فى الأشكال والأفعال والأخلاق ، والنظير المثل في كل شيء قيل : وفي بعض النسخ بالنواظر، أي بالأبصار، وفي بعضها بالمواطن أي بالأمكنة.
كلمة (ثم) هنا للترتيب الحقيقي فيكون فتق السماوات بعد خلق الشمس والقمر بل بعد جعلها سبعاً وخلق الكواكب فيها، ويحتمل أن يكون للترتيب الذكري ، وناكسة وتالياها مرفوعات على أنّها أوصاف للمناسبة المرفوعة بالابتداء أو معطوفات عليها أو على الثابتة بحذف العاطف، ومسوغ الإبتداء في المعطوفات نكارتها إما عطفها على ما يصح الإبتداء ، أو كون الخبر مجروراً ، مثل ولكلّ أجل كتاب، أو كون الصفة عاملة عمل الرفع، وهذه قواعد ثلاث من القواعد المصححة للابتداء بالنكرات ، صرّح بها ابن هشام في «المغني»، أو لقيام الصفة مقام الموصوف وهو رابع القواعد المسوّغة للابتداء بالنكرة كما قررّ في الأدبية، مثل مؤمن خير من مشرك ، أي رجل مؤمن خير، ويحتمل أن يكون ناكسة والمرفوعان بعدها خبراً لمبتدأ محذوف ، والجملة استئنافاً بيانياً كأنه سأل عن حال الملائكة المتصفة بالأوصاف السالفة وعن شأنهم ، فقال علیه السلام : « هم ناكسة الأبصار دون العرش » هذا وعن بعض النسخ ناكسة ومتلفعين ومضروبة بالنصب على الحالية ، ومثلها محلّ الجملات بعدها ، أعني قوله لا يتوهمون (ا ه-).
لما ذكر علیه السلام كيفية خلق السماوات السبع وتزيينها بزينة الشمس والقمر والكواكب، أشار بعد ذلك إلى سكانها وحالات الساكنين فيها وصفاتهم وأصنافهم المختلفة باختلاف الصفات، وأقسامهم الكثيرة بكثرة الشؤن والحالات فقال علیه السلام: (ثم فتق ما بين السماوات العلى) المستفاد من كلام الشارح البحراني أن كلمة ثمّ (هنا) للترتيب الذكري حيث قال: فإن قلت : لم أخر ذكر فتق السماوات وإسكان الملائكة لها عن ذكر إجراء الشمس والقمر وتزيينها بالكواكب ومعلوم أن فتقها متقدّم على اختصاص بعضها ببعض الكواكب؟ قلت: إنّ إشارته إلى تسوية السماوات إشارة جملية، فكأنه قدر أوّلاً أن خلق السماوات كرة واحدة كما عليه
بعض المفسرين، ثم ذكر عُلياهن وسفلاهن لجريانهما مجرى السطحين الداخل والخارج لتلك الكرة ، ثم أشار إلى بعض كمالاتها وهي الكواكب والشمس والقمر جملة، ثم بعد ذلك أراد التفصيل فأشار إلى تفصيلها وتمييز بعضها عن بعض بالفتق وإسكان كلّ واحدة منهنّ ملاءً معيناً من الملائكة، ثم عقب ذلك بتفصيل الملائكة، ولا شك أن تقديم الإجمال وتعقيبه بالتفصيل أولى في الفصاحة، انتهى .
أقول : ظاهر كلمة (ثمّ) وظاهر سياق كلامه علیه السلام أنها هنا للترتيب الحقيقي فيستفاد منهما أن خلق السماوات بعد خلق الشمس والقمر والكواكب، وبعد جعلها سبباً، ودعوى معلومية تقدّم الفتق على اختصاص بعضها ببعض الكواكب ممنوعة إذ لم يقم دليل على التقدّم ، بل يمكن أن يكون السماوات السبع مرتتقة مطبقة مخلوقة فيها الكواكب، ثم فضل بينها بالهواء ونحوه، كما روي نظيره في «مجمع البيان» عن ابن عباس في تفسير الآية الشريفة:
( أَوَلَم يرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا ﴾ [الأنبياء : 30] .
حيث قال : المعنى كما كانتا ملتزقتين منسدّتين ففضلنا بينهما بالهواء، عن ابن عبّاس وغیره ، انتهى .
فإن قيل : قد مضى في ثالث تنبيهات الفصل السابق في حديث أبي جعفر علیه السلام ما يدل على بطلان هذا التفسير، حيث أمر الشامي بالإستغفار عن زعم كون المراد بالرتق والفتق الإلتصاق والإنفصال إلى آخر ما مضى .
قلت : ما ذكرناه هنا من «مجمع البيان » إنّما هو على سبيل التنظير، ضرورة أن كلامنا في فتق السماوات ، وتفسير ابن عباس كالحديث السابق ناظران إلى فتق السّماء والأرض، وأحدهما غير الآخر، وبطلان احتمال الالتصاق بين السماء والأرض بدليل خاص لا يوجب بطلان احتمال الالتصاق في السماوات السبع .
والحاصل : أنّه لا دليل على كون ( ثم) في كلامه علیه السلام للترتيب الذكري بخصوصه بل يحتمل ذلك وكونها للترتيب المعنوي، وعلى أي تقدير ففي كلامه علیه السلام دلالة على بطلان مذهب الفلاسفة من تماس الأفلاك وعدم الفصل بينهما بهواء ونحوه .
وكيف كان فلما خلق الله سبحانه السماوات وفضل بعضها عن بعض ( ملأهنّ أطواراً من ملائكته ) وأسكنهم فيها على وفق ما يقتضيه تذبيره وحكمته ، وللناس في ماهية الملائكة آراء متشتة وأهواء مختلفة.
فمنهم من قال : إنّها أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة كاملة في
العلم والقدرة على الأفعال الشاقة ، مسكنها السماوات، رسل الله إلى أنبيائه وأمناءه على وحيه يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، نسبه في «شرح المقاصد» إلى أكثر الأمة والفخر الرازي إلى أكثر المسلمين.
ومنهم من قال : إنها هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والإنحاس، المسعدات ملائكة الرحمة ، والمنحسات ملائكة العذاب ، وهو مذهب عبدة الأوثان .
ومنهم من قال : إنّهم متولدون من جوهر النور لا على سبيل التناكح، بل على سبيل تولد الضوء من المضيء، والحكمة من الحكيم، كما أن الشياطين متولدون من جوهر الظلمة حسب تولد السفه السفيه، وهو رأي معظم المجوس والثنويه المثبتين للأصلين حسب ما مر تفصيله في «شرح الفصل السابع» من فصول الخطبة، وهذه الأقوال متفقة في كون الملائكة أشياء متحيزة جسمانية.
ومنهم من قال : إنّهم في الحقيقة هي الأنفس الناطقة بذاتها المفارقة للأبدان على نعت الصفا والخيرية، كما أن الشياطين هي الأنفس الناطقة على وصل الخباثة والكدرة، وهو قول طائفة النصارى .
ومنهم من ذهب إلى أنها جواهر قائمة بأنفسها ومخالفة بنوع النفوس الناطقة البشرية من حيث الماهية وأكمل منها قوة ، وأكثر علماً، وإنّما النفوس البشرية جارية منها مجرى الأضواء بالنسبة إلى الشمس، ثم إن هذه الجواهر على قسمين : منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما : أعلى شأناً تدبير أجرام الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ، ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة المقربون، ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة، وهذان القسمان اتفقت الفلاسفة على إثباتهما .
ومنهم من أثبت نوعاً آخر وهى وهي الملائكة المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي ثم قالوا: إنّ المدبرات إن كانت خيّرة فهم الملائكة، وإن كانت شريرة فهم الشياطين، وهذه الأقوال الأخيرة متفقة في نفي التحيز والجسمية عنها، هذا.
وقال المحدث المجلسي طاب ثراه في البحار : إعلم أنه اجتمعت الإمامية بل جميع المسلمين إلا من شذ منهم من المتفلسفين الذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم وتضييع عقائدهم : على وجود الملائكة، وأنّهم أجسام لطيفة نورانية أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع وأكثر قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة، وأنه سبحانه بورد عليهم بقدرته ما شاء من الأشكال والصور على حسب الحكم والمصالح ، ولهم حركات صعوداً وهبوطاً، وكانوا يراهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، والقول بتجردهم وتأويلهم بالعقول والنفوس
الفلكية والقوى والطبائع وتأويل الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة تعويلاً على شبهات واهية واستبعادات وهمية ، زيغ عن سبيل الهدى واتباع لأهل الهوى والعمى، انتهى (1).
ثمّ إنّ للملائكة أقساماً لا تحصى حاصلة من اختلافهم في النعوت والصفات، وتفاوتهم في المراتب والدرجات، فمنهم الكروبيون ومنهم الروحانيون ومنهم المدبّرون ومنهم الحافظون ومنهم المسبحون ومنهم الصافون ومنهم أمناء الوحي وسفراء الرسل ومنهم الخزنة للجنان ومنهم الزبانية للنيران إلى غير ذلك، وقد أشار إلى جملة منها الإمام سيد الساجدين وزين العابدين علیه السلام في دعاء الصحيفة في الصلاة على حملة العرش وكل ملك مقرب، وأمّا الإمام علیه السلام فقد قسمهم هنا إلى أقسام أربعة وفصلهم بكلمة (من) ، والظاهر أن القسمة ليست حقيقية، بأن يكون بين الأقسام تبايناً وانفصالاً حقيقياً، ضرورة جواز إنصاف بعض هذه الأقسام بالأوصاف الثابتة لغيره، وجواز اجتماع اثنين منها، أو ثلاثة أو جميع الأربعة في نوع واحد أو فرد واحد كما قال علیه السلام في الصحيفة السجادية :
«أللهُمْ وَحَمَلَهُ عَرشِكَ الَّذِينَ لا يَفْتَرُون مِنَ تسبيحِكَ، ولا يَسأَمونَ (مِنْ) تقدِيسِكَ » (2).
حيث أثبت لحملة العرش كونهم مسبحين وقد فصل هنا حيث قال علیه السلام : ومسبحون لا يسأمون، ومنهم الثابتة (ا ه-) وقد علم ممّا ذكرنا أن هذه القسمة ليست أيضاً بعنوان منع الجمع، فبقي كونها بعنوان منع الخلو ، أو جميع أصناف الملائكة من المذكورين هنا وغيرهم يمكن دخوله في قوله علیه السلام : «ومسبحون لا يسأمون»، إذ ما من ملك إلا وهو مسبح له سبحانه كما قال سبحانه حكاية عنهم : ونحن نسبح بحمدك، غاية الأمر أن بعضاً ذلك بصفة أخرى أوجبت جعله قسماً برأسه فافهم.
ومما ذكرنا يظهر ما في كلام القطب الراوندي على ما حكى عنه الشارح المعتزلي من جعله حفظة العباد والسدنة لأبواب الجنان مع أمناء الوحي قسماً واحداً وإرجاعه الأقسام الأربعة إلى الثلاثة، كما يظهر منه أيضاً ما في كلام الشارح البحراني من جعلهم أمناء الوحي وألسنة الرّسل والمختلفين بالقضاء والأمر، داخلين في الأقسام السّابقة على هذا القسم في كلامه علیه السلام، لما عرفت من أن تفصيله في الأقسام باعتبار اختلاف الصفات، لا باعتبار القسمة الحقيقية، و معه لا داعي إلى تقليل الأقسام وإرجاع بعضها إلى بعض وإدخالها فيه، وإن كان المقصود بيان أن حفظة العباد والسدنة للأبواب كما أن فيهم وصف الحافظة والسدانة كذلك فيهم وصف الأمانة .
فتقول : إنّ فيهم وصف المسبحية أيضاً فما الداعي إلى جعلهم مع الأمناء بخصوصهم قسماً واحداً ، وكذلك نقول : إن اتصاف أمناء الوحي وألسنة الرّسل والمختلفين بالقضاء والأمر ، بكونهم مع ذلك أيضاً سجوداً لا يركعون مثلاً لا يوجب إدخالهم في هذا القسم، لأنا نقول : إنهم متصفون مع ذلك بكونهم حفظة العباد أيضاً فإنّ جبرئيل مثلاً مع كونه أمين الوحي كان حافظاً لإبراهيم علیه السلام مثلاً عند إلقاء النار، وليوسف علیه السلام في غيابة الجب ونحو ذلك .
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح الكلام وتوضيح الأقسام التي أشار إليها بقوله: (فمنهم) أي القسم الأوّل منهم (سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون) يعني أن بعضاً منهم ساجد لا يرفع رأسه من السجود ليركع، ومنهم من هو راكع لا يقوم من ركوعه ، ومنهم صافون للعبادة لا يتفارقون من مكانهم، ومنهم مسيحون لا يملون من تسبيحهم ، كما قال سبحانه حكاية عنهم :
( وما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ 164 وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ 165 وَإِنَّا لَنَحْنُ المسحُونَ 166﴾ [الصافات: 164-166] .
إشارة إلى تفاوت مراتبهم ودرجاتهم في العبادة، أي ما منا أحد إلا له مقام معلوم في العبادة والمعرفة والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم، وإنا لنحن الصافون في أداء الطاعة ومنازل الخدمة، وإنا لنحن المسبحون المنزّهون الله عما لا يليق به.
وقيل : إنّ المراد بالصافين القائمون صفوفاً في الصلاة، وعن الكلبي صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض، وعن الجبائي المعنى صافون بأجنحتنا في الهواء للعبادة والتسبيح ، والمراد بالمسبحين القائلون سبحان الله على وجه التعظيم ، الله هذا.
وينبغي أن يعلم أن المراد بالسجود والركوع والصف والتسبيح في كلامه علیه السلام ما هو المتبادر منها، أعني وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه في الأول، والإنحناء في الثاني ، والقيام في خط مستطيل في الثالث، وقول سبحان الله ونحوه في الرابع، وأنكر الشارح البحراني ذلك ولا بأس بنقل عبارته لتوضيح ما رامه.
قال : نعم إن السجود والركوع والصف والتسبيح عبادات متعارفة من الحق ومتفاوتة في استلزام كمال الخشوع والخضوع، ولا يمكن حملها على ظواهرها المفهومة منها، لأن وضع الجبهة على الأرض وإنحناء الظهر والوقوف في خط واحد وحركة اللسان بالتسبيح أمور مبنية على وجود هذه الآلات التي هي . خاصة ببعض الحيوانات ، وبالحري أن يحمل تفاوت المراتب المذكورة لهم على تفاوت كمالاتهم في الخضوع والخشوع لكبرياء الله وعظمته، إطلاقاً للفظ الملزوم على لازمه على أن السجود في اللغة هو الإنقياد والخضوع كما مر .
إذا عرفت ذلك فنقول : يحتمل أن يكون قوله منهم سجود إشارة إلى مرتبة الملائكة
المقربين، لأن درجتهم أكمل درجات الملائكة، فكانت نسبة عبادتهم وخضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود إلى خضوع الركوع .
فإن قلت : إنّه قد تقدّم أنّ الملائكة المقربين مبرؤون عن تدبير الأجسام والتعلق بها، فكيف يستقيم أن يكونوا من سكان السماوات ومن الأطوار الذين ملئت
بهم.
قلت : إن علاقة الشيء بالشيء وإضافته إليه يكفي فيها أدنى مناسبة بينهما، والمناسبة هنا حاصلة بين الأجرام السماوية وبين هذا الطور من الملائكة، وهي وهي مناسبة العلة للمعلول، والشرط للمشروط، انتهى، وأشار بقوله : فإن قلت: إنه قد تقدّم (ا ه-)، إلى ما ذكره سابقاً من أن المقربين هم الذوات المقدّسة عن الجسمية والجهة ، وعن حاجتها إلى القيام بها وعن تدبيرها (ا ه-) .
أقول : وأنت خبير بما فيه .
أما أولاً : فلان صرف الألفاظ المذكورة عن معانيها الظاهرة فيها حسب ما اعترف به لا وجه له ، بل قد قامت الأخبار المتواترة على المعنى الظاهر، مثل ما رواه في «البحار» عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: « إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون إنّ السّماء أطت (1)وحق لها أن تنط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد الله » (2).
وعن ابن جبير أنّ عمر سأل النبي صلی الله علیه واله وسلم عن صلاة الملائكة فلم يرد عليه شيء فأتاه جبرئيل فقال إنّ أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان الحي الذي لا يموت.
وفي «الأنوار» الصادق علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم مررنا ليلة المعراج بملائكة عن من ملائكة الله عزّ وجل ، خلقهم الله كيف شاء، ووضع وجوههم كيف شاء ليس شيء من أطباق وجوههم إلا وهو يسبح الله ويحمده من كل ناحية بأصوات مختلفة أصواتهم مرتفعة بالتسبيح والبكاء من خشية الله، فسألت جبرئيل عنهم، فقال: كما ترى خلقوا إن الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قط ، ولا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقهم ، ولا خفضوا ورؤوسهم إلى ما تحتهم، خوفاً من الله وخشوعاً، فسلمت عليهم فردوا عليي إيماء برؤوسهم، ولا ينظرون إليّ من الخشوع فقال لهم جبرئيل : هذا محمد نبي الرحمة أرسله الله إلى العباد رسولاً ونبياً، وهو خاتم الأنبياء وسيدهم ، قال : فلما سمعوا ذلك من جبرئيل أقبلوا عليّ بالسّلام، وبشروني
وأكرموني بالخير لي ولأمتي» (1).
قال الشارح: إنه جاء في الخبر أنّ حول العرش سبعين ألف صفٌ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الإيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح إلى غير ذلك ، مما يقف عليه المتتبع، فإن نص الرّواية الأولى أن سجود الملائكة إنما هو بوضع الجبهة، والمستفاد من تخصيص الساجدين بالسّماء الدنيا والراكعين بالثانية، والقائمين بالثالثة، في الزواية الثانية أن المراد من كلّ من الألفاظ المذكورة معانيها المتعارفة، إذ لو أريد المعنى الذي ذكره الشارح لزم أن يكون الساجدون الذين هم أكمل خشوعاً، أدنى درجة وأسفل مكاناً من الراكعين الذين
هم أدنى خشوعاً منهم، وهكذا وهو كما ترى.
ومنه يظهر أيضاً فساد ما ذكره الشارح في «شرحه» من جعل الساجدين عبارة عن المقربين ، والراكعين عبارة عن حملة العرش ، والضافين عبارة عن الحافين حول العرش، بملاحظة أن زيادة الخشوع يوجب ارتفاع الدّرجة ، والساجد أعلى خشية من الراكع فيكون أعلى دركة منه ، والراكع أكمل خشوعاً من الصافين فيكون أعلى مقاما منهم .
وجه ظهور الفساد أن ما ذكره من قبيل الإستدلال بالعقل ، ولا عبرة به في مقابل النصّ الدال على الخلاف ، وأمّا الرّواية الثالثة فقد استفيد منها أن تسبيح الملائكة إنما هو برفع الأصوات وتكلّمهم بحركة اللسان، حيث إنّهم ردوا السّلام أولاً على النبي بالإيماء، ثم تعرض عليهم جبرئيل بالتكلم فسلّموا عليه صلی الله علیه واله وسلم وبشروه، وأما الرواية الرابعة فقد دلت على أنّ صف الملائكة إنما هو بالقيام، كما دلت على تسبيحهم برفع الأصوات، هذا .
ومما ذكرناه عرفت أيضاً ما في تخصيص الجوارح والآلات ببعض الحيوات، وإنكار
ثبوتها في حق الملائكة على ما هو المستفاد من ظاهر كلامه، فإن هذا عجب غاية العجب، ضرورة أنّ الملائكة لهم أيد وأرجل وعوائق وأبصار ووجوه وأجنحة إلى غير ذلك من الجوارح المثبتة لهم في الآيات والأخبار والآثار، بل كان أن يكون ضرورياً، غاية الأمر أنّ جوارحهم ليس من قبيل جوارحنا كثيفة ، بل نورانية لطيفة ، والظاهر أن ما ذكره من فروعات مذهب الفلاسفة المستندة إلى الأوهام السخيفة والعقول الناقصة والإستبعادات الوهمية حسبما عرفت سابقاً، ولا يعبأ بها قبال الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة .
وأما ثانياً : فلأنه لقائل أن يقول : إنّه إذا لم يكن خضوع الملائكة وخشوعهم بعنوان السجدة والركوع والقيام والتسبيح ونحو ذلك من العناوين المتصوّرة في عبادات البشر، ففي
1) تفسير نور الثقلين : 107/3
ضمن أيّ عنوان يخضعون ويخشعون؟
وإن كان المراد بالخضوع التكويني، ففيه أن الخضوع التكويني عام لجميع الموجودات ، ولا اختصاص له بالملائكة، إذ كلّ شيء خاضع له ومقهور تحت قدرته، قال :
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ [الإسراء : 44] . وإن أريد الخضوع التكليفي كما هو الظاهر فلا بد وأن يكون التكليف في ضمن عنوان من العناوين، والثابت في الأخبار أنّ عبادتهم إنّما هو في ضمن واحد من العناوين المذكورة، ولم يثبت عنوان آخر وراء تلك العناوين من الأدلة التقلية والعقل لا مسرح له فيها .
هذا كله مضافاً إلى قوله سبحانه :
(فَسَجَدَ الْمَلَيْكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ) [الحجر: 30-31] .
فإنّ ذلك مقيد للعموم من جهات عديدة، فيدلّ على سجود جميع أصناف الملائكة وأحادهم وحينئذٍ نقول : إن سجدتهم لآدم إما أن تكون بالعنوان المتعارف الذي هو وضع الجبهة كما هو الظاهر، ففيه دلالة على هدم جميع ما قاله الشارح، وإما أن تكون عبارة عن مجرد إظهار التواضع فهو خلاف الظاهر أولاً من حيث إنهم أظهروا التواضع لآدم ، واعترفوا بفضيلته حين أنبأهم بالأسماء وثانياً : من حيث إن حكاية حال قوم لقوم بألفاظ مخصوصة يوجب إرادة المعاني المتعارفة عند المحكي لهم من هذه الألفاظ، ولا ريب أن المتبادر من السجدة هو المعنى الشرعي، هذا كله مضافاً إلى إفادة بعض الأخبار كون سجودهم بالعنوان المتعارف ، وبعد التنزل نقول : إنّ أكثر المفسرين احتملوا إرادة كلّ من المعنيين، فلو لم يتصوّر في حقهم وضع الجبهة لما احتملوا ذلك بل جعلوا الآية نصاً في المعنى الآخر .
وأما ثالثاً: فإنّ احتماله كون المراد بالسجود الملائكة المقربون نظراً إلى كون درجتهم أكمل الدرجات كما أن خضوع السجودي أفضل الخضوعات ممنوع، لما قد مرّ في الرّواية السابقة من أنّ أهل السماء الدنيا هم الساجدون، وأنه ليس في لسماء موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد ، أنّ المقربين عنده أرفع درجة من حملة العرش الذين هم أعلى درجة من أهل السماء الدنيا بمراتب ، ومن أهل سائر السماوات أيضاً.
وأما رابعاً : فإنّ المستفاد من الإيراد الذي أورده على نفسه من كون المقربين منزهين عن تدبیر الأجسام (1 ه-)، وتقريره في الجواب ذلك حيث لم يتعرّض لرده مضافاً إلى تصريحه سابقاً بما ذكره في الإيراد حسب ما حكيناه عنه : إنّ المقربين عنده منزهون عن الجهة والجسمية وتدبير الأجسام والتعلّق بها كما هو رأي الفلاسفة الذي بيناه سابقاً، وعلى ذلك فنقول إن جبرئيل هل هو ملك مقرب أم لا؟
فإن قال : لا ولا أظنّه قائلاً به فقد ردّ قوله سبحانه في وصفه:
( إنه لقولُ رَسُولٍ كَرِيم ذى قوة عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينِ * تُطَاعِ ثُمَّ أَمِينِ 21﴾ [التكوير : 19 -21] .
فإنّ المكانة هو القرب كما صرح به المفسرون، وقوله صلی الله علیه واله وسلم في الصحيفة السجادية :
«وَجِبريل الأمين عَلى وَحْيِكَ المُطاعِ في أهل سَمواتِكَ، المَكين لَدَيْكَ المُقَرَّبِ
عندك» (1).
والأخبار الكثيرة الدالة على ذلك مثل ما رآه علي بن إبراهيم في حديث المعراج قال جبرئيل : أقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره .
وإن قال نعم وهو الظاهر من كلامه بل صريحه في ذيل قوله : ومنهم أمناء على وحيه ، فنقول : إنّه كيف لا يكون في جهة ومكان ولقد قال سبحانه :
( ولقد رواهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ المُنى ) [النجم: 13-14] .
وقال: وَلَقَدْ رَوَاهُ بِالْأُننِ المبين [ التكوير : 23] .)وكيف يمكن إنكار جسميته وقد ملاً ما بين الخافقين بأجنحته، وكيف ينكر تدبيرهالأجسام مع أنّه كان ناصراً للنبي صلى الله عليه واله وسلم في غزواته، ومصاحباً معه في خلواته ، في خلواته وقالعاً لبلاد قوم لوط، ومهلكاً بصيحته لثمود، وقد وصفه الله بكونه مطاعاً في السماوات ومعناه أن يطاع له في الأمر والنهي، ومعلوم أن الأمر والنهي إنما يكونان لتدبير الأمور.وأما خامساً : فإنّ ما ذكره من كفاية أدنى الملابسة في صحة الإضافة مسلّم، إلا أن هذا الجواب يدفعه ما مرّ في الرّواية ، من أنه ليس في السّماء موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد، ومثله ، الرّواية الأخرى، فإنّهما صريحتان في سكون الملائكة الساجدين في السماء بعنوان الحقيقة لا يعنوان المجاز .وأما سادساً : فإن قوله : والمناسبة حاصلة بين الأجرام السماوية وبين هذا الطور من الملائكة، وهي مناسبة العلة للمعلول ، والشرط للمشروط ، ممّا لا يفهم معناه إذا العلة الفاعلية للسماوات هو الله سبحانه ، والعلة المادية هو الماء أو الدّخان أو الزبد أو نور محمد صلی الله علیه واله وسلم على ما مر ، ولا علية للملائكة في شيء منها ، والقول بأنه سبحانه علة العلل وإن العلة للسماوات العقول المجرّدة، هو مذهب الفلاسفة الباطل عند الإمامية .وكيف كان فقد وضح وظهر أن الملائكة المشغولين بطاعة الله على أصناف أربعة : منهم
1) الصحفية السجادية الكاملة - الأمام زين العادين: 34 .
سجود، ومنهم ركوع، ومنهم صفوف لا يتفارقون عن صفّهم، ومنهم مسبحون لا يملون من تسبيحهم بل يتقوّون ،به كما قال سبحانه:( فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَمُ بِاَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَمُونَ [فصلت : 38]. (لا يغشيهم نوم العيون ) الظاهر رجوع الضمير إلى الصنف السابق، والظاهر إطراد الأوصاف في الجميع .
ثم مفاد كلامه علیه السلام عدم غشيان النوم للملائكة وعلله الشارح البحراني (رحمت الله) بأن غشيان النوم لهم مستلزم لصحة النوم عليهم، واللازم باطل في حقهم، فالملزوم مثله، أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان اللازم فلأن النوم عبارة عن تعطيل الحواس الظاهرة عن أفعالها ، لعدم انصباب الرّوح النفساني إليها، أو رجوعها بعد الكلال والضعف ، والملائكة السماوية منزهون عن هذه الأسباب والآلات ، فوجب أن يكون النوم غير صحيح في حقهم فو أن لا يغشيهم .
وعن القطب الراوندي أن معنى قولهم لا يغشيهم نوم العيون يقتضي أن لهم نوماً قليلاً لا يغفلهم عن ذكر الله، فأما الباري سبحانه فإنّه لا تأخذه سنة ولا نوم أصلاً مع أنه حي، وهذه هي المدحة العظمى.
وأورد عليه الشارح المعتزلي بقوله : ولقائل أن يقول : لو ناموا قليلاً لكانوا زمان النوم وإن قلّ غافلين عن ذكر الله، لأن الجمع بين النوم وبين الذكر يستحيل، ثم قال، والصحيح أن الملك لا يجوز عليه النوم كما لا يجوز عليه الأكل والشرب ، لأنّ النوم من توابع المزاج والملك لا مزاج له ، وأما مدح الباري بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم فخارج عن هذا الباب، لأنه يستحيل عليه النوم إستحالة ذاتية لا يجوز تبدلها ، والملك يجوز أن يخرج عن كونه ملكاً بأن يخلق في أجزاء جسمية رطوبة ويبوسة وحرارة وبرودة يحصل من إجتماعها مزاج ويتبع ذلك المزاج النوم، فاستحالة النوم عليه إنّما هي ما دام ملكاً ، فهو كقولك : الماء بارد ، أي ما دام ماء لأنه يمكن أن يستحيل هواء ثم ناراً فلا يكون بارداً لأنه ليس حينئذ ماء ، والباري جلت عظمته يستحيل على ذاته أن يتغير، فاستحال عليه النوم إستحالة مطلقة مع أنه حي ، ومن هذا نشأ التمدح ، انتهى (1).
وظاهره كما ترى إنكار صحة النوم عليه مطلقاً وإستحالته في حقه، لأن تجويزه له مع الخروج عن حقيقته الملكية مما لا يقابل بالإنكار وخارج عن محلّ الكلام، وأما المستفاد من الكلام المحكي عن الراوندي فهو أنه يعرضهم حالة السنة وهو أول النعاس ولا يعرضهم النوم الموجب للغفلة .
1) شرح النهج : 93/1
ويمكن الإستشهاد عليه بما رواه الصدوق بإسناده عن داود العطار ، قال: قال لي بعض أصحابي : أخبرني عن الملائكة أينامون؟ فقلت: لا أدري فقال : يقول الله عزّ وجلّ :
(و يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾ [الأنبياء : 20].
ثم قال : ألا أطرفك عن أبي عبد الله فيه بشيء؟ قلت : بلى، فقال : سئل عن ذلك فقال: «ما من حي إلا وهو ينام ما خلا الله وحده عزّ وجلّ» فقلت: يقول الله عزّ وجل يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: «أنفاسهم تسبيح » هذا (1).
وبه ظهر الجواب عمّا أورده الشارح المعتزلي بأنّهم لو ناموا قليلاً لكانوا زمان النوم غافلين ،كما ظهر به وجه الجمع بين قوله علیه السلام : « لا يغشيهم نوم العيون »، وبين الرواية المروية في «العلل» لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم ، قال : سئل أبو عبد الله علیه السلام عن الملائكة يأكلون ويشربون وينكحون ، فقال : « لا ، إنهم يعيشون بنسيم العرش »، فقيل له : ما العلة في نومهم؟ فقال: «فرقاً بينهم وبين الله عزّ وجلّ، لأنَّ الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله ».
وحاصل الجمع أن يحمل النوم في هذه الرواية وما شابهها من الأخبار المثبتة له ، على النوم القليل المعبر عنه بالسنة الغير المانعة عن الذكر والتسبيح. وفي قوله : لا يغشيهم نوم العيون على النوم الغالب الموجب للغفلة ، ولا يبعد إستفادة هذا المعنى من قوله : لا يغشيهم ، كما ذكره الراوندي بأخذه من الغشي الموجب لتعطيل القوى المحركة، إلا أنه خلاف الظاهر،والظاهر أنه مأخوذ من غشيته إذا أتيته ، فلا دلالة فيه من حيث الوضع، وإنما الدلالة باقتضاء الجمع الذي ذكرناه ، وعليه فالمعنى أنه لا يأتيهم نوم العيون الموجب للغفلة ، كما يأتي
غيرهم.
وهذا نظير ما روي في خواص النبي صلی الله علیه واله وسلم، من أنه كانت تنام عينه ولا ينام قلبه انتظاراً للوحي الإلهي ، فالنوم وإن اعتراه ، لكنه لا يعطله عن مراقبة ربه سبحانه كما يعطل غيره والله العالم (ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان ) الفرق بين السهو والنسيان والغفلة : أن السهو هو عزوب الشيء وانمحاؤه عن القوة الذاكرة مع ثبوته في الحافظة بحيث يلحظ الذهن عند الإلتفات إليه، والنسيان هو ذهابه عنهما معاً بحيث يحتاج في تحصيله إلى كسب جديد، والغفلة أعم منهما، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة من عوارض القوى الإنسانية صح سلبها عن الملائكة، لعدم وجود تلك المعروضات فيهم كما في الإنسان، وسلب الأعمّ وإن كان مستلزماً لسلب الأخص إلا أنه علیه السلام جمع فيهما لزيادة التوكيد .
1) تفسير نور الثقلين : 417/3 .
وأمّا سلب فتور الأبدان فلان الفتور هو وقوف الأعضاء البدنية عن العمل بسبب تحلل الأرواح البدنية وضعفها ورجوعها للإستراحة، وكلّ ذلك من توابع المزاج الحيواني، فلا جرم صح سلبه عنهم، وفاقاً لقوله سبحانه : يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
(و) القسم الثاني : (منهم أمناء على وحيه ) الحافظون له مؤدين إياه إلى رسله جمع الأمين وهو الحافظ لما كلف بحفظه على ما هو عليه ليؤديه إلى مستحقه، قال سبحانه :
(ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينِ * مُطَاع ثَمَّ أَمِين ﴾ [التكوير: 20-21].
روي أنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لجبرئيل : ما أحسن ما أثنى عليك ربّك : ذي قوة عند ذي العرش (ا ه-) فما كانت قوتك؟ وما كانت أمانتك؟ » فقال: وأما قوتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماوات أصوات الدّجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهنّ . وأما أمانتي فإنّي لم أومر بشيء فعدلت إلى غيره، وفي رواية أخرى فعدوته إلى غيره (1).
وأما أمناء الوحي فقد أشير إليهم في جملة من الأخبار .
مثل ما رواه في«الاختصاص» بإسناده عن ابن عبّاس ، قال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه واله وسلم فيما سأله : من أخبرك ؟ قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «جبرئيل » ، قال : عمّن؟ قال :« عن ميكائيل»، قال: عمّن؟ «قال عن إسرافيل»، قال: عمّن؟ قال: «عن اللوح المحفوظ »، قال : عمّن؟ قال : «عن القلم »، قال: عمّن؟ قال : «عن ربّ العالمين» ، قال : صدقت (2).
ونظيره ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن علي بن هلال، عن علي بن موسى الرّضا، عن موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد ، عن محمد بن علي، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي عليهم السلام، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل ، عن اللوح ، عن القلم ، قال الله عزّ وجلّ: ولاية علي بن أبي طالب حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي .
وفي بعض الأخبار أن جبرئيل قال لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم في وصف إسرافيل : هذا حاجب الرب، وأقرب خلق الله منه ، واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلّم الرّب بالوحي ضرب اللوح جبينه، فنظر فيه ثم ألقى إلينا نسعى به في السماوات والأرض.
ولعلّ الإختلاف فيها محمول على اختلاف الكيفيات ، أو بحسب اختلاف المقامات والمستفاد من الرواية الأخيرة كظاهر الأولى كون اللوح ورقاً، كما أنّ مفاد الثانية كونه ملكاً، وكلاهما مما ورد في الأخبار كالقلم، وقد ظهر من هذه الأخبار كيفية تلقي الوحي.
وفي رواية أخرى بنحو آخر، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لجبرئيل : «من أين تأخذ الوحي »؟ قال : أخذه من إسرافيل ، قال: «من أين يأخذه إسرافيل»؟ قال: يأخذه من ملک فوقه من الروحانيين، قال: «ممّن يأخذه ذلك الملك»؟ قال: يقذف في قلبه قذفاً، هذا (1).
وقال الشارح البحراني: يشبه أن يكون هذا القسم داخلاً في الأقسام السابقة من الملائكة، وإنّما ذكره ثانياً باعتبار وصف الأمانة على الوحي والرسالة ثم أورد على نفسه بقوله فإن قلت : كيف يصح أن يكون هذا القسم داخلاً في السجود، لأنّ كان أبداً ساجداً كيف يتصوّر أن يكون مع ذلك متردّداً في الرسالة والنزول والصعود ، مختلفاً بالأوامر والنواهي إلى الرّسل ، وأجاب بقوله :قلت إنا بينا أنّه ليس المراد بسجود الملائكة هو وضع الجبهة على الأرض بالكيفية التي نحن عليها، وإنما هو عبارة عن كمال عبوديتهم الله وخضوعهم تحت قدر قدرته ، والإمكان والحاجة تحت ملك وجوب وجوده ، ومعلوم أنه ليس بين السجود بهذا المعنى وبين ترددهم بأوامر الله واختلافهم بقضائه على وفق مشيئته وأمره منافاة، بل كلّ ذلك من كمال عبوديتهم وخضوعهم لعزّته وإعترافهم بكمال عظمته ، انتهى .
أقول : وفيه بعد الغض عمّا أوردنا عليه سابقاً في إدخال هذا القسم في القسم السابق ، مضافاً إلى ما ذكرناه أيضاً من منع كون السجود بمعنى الخضوع المطلق حسبما مر تفصيلاً بما لا مزيد عليه ، أنه جعل الساجدين عبارة عن المقربين الذين حكم فيهم بكونهم منزهين عن الجسمية والجهة وسكون السماوات وتدبير الأجسام وعلى ذلك فنقول له : هب أن السجود بالمعنى الذي ذكرت لا ينافي الرسالة والتردّد صعوداً وهبوطاً، والوساطة بين الحق والرّسل والإختلاف بالقضاء والأمور ، إلا أن تنزّههم عن الأوصاف المذكورة ينافي هذه الأمور قطعاً كما هو ظاهر لا يخفى.
(و) لما كانت الملائكة واسطة بين الحق سبحانه وبين رسله في تأدية خطاباته إليهم مفصحين لهم عن مكنون علمه حسن التعبير عنهم بأنّهم (السنة إلى رسله) تشبيهاً لهم باللسان المفصح عمّا في الضمير وإنّما احتيج إلى الواسطة في تبليغ الخطابات وتأديتها، لأن التخاطب يقتضي التناسب بين المتخاطبين، فاقتضت الحكمة توسط الملك ليتلقف الوحي بوجهه الذي في عالم الملكوت تلقفاً روحانيّاً، ويبلغه بوجهه الذي في عالم الملك والحكمة إلى النبي، لأن من خواص الملك أن يتمثل للبشر فيراه جسماً، فربما ينزل الملك إلى الصورة البشرية،
1) التوحيد : 264 .
وربّما يترقى النّبي إلى رتبة الملكية ويتعرى عن كثرة البشرية فيأخذ عنه الوحي (ومختلفون لقضائه وأمره ) من الإختلاف بمعنى التردّد، وفي وصف الأئمة في بعض الخطب الآتية وفي الزيارة الجامعة : ومختلف الملائكة، أي محل ترددهم ويأتي توضيح ذلك في الفصل الآخر من فصول الخطبة المائة والثامنة إن شاء الله . والمراد بالقضاء : إما الحكم وهو أحد معانيه العشرة ، فيكون عطف الأمر عليه من قبيل عطف الخاص على العام.
وإما بمعنى الأمر كما فسر به قوله :
(وقضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا ﴾ [الإسراء : 23].
وعلى ذلك فالعطف للتفسير والتبيين، وعلى التقديرين فالمراد بالأمر الأمر التكليفي هذا.
ولكن الأظهر أنّ المراد بالقضاء هو ما يساوق القدر، وبالأمر الأمورات المقدَّرة الحادثة في العالم السفلي فيكون المعنى ومختلفون بمقتضياته ومقدراته ؛ وإنما جعلنا المصدر بمعنى المفعول، لأن القضاء بمعنى المصدري عبارة عن إبداع الحق سبحانه صور الموجودات وجميع الأشياء معقولة مفصلة محفوظة عن التغير في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب ويسمّى بالعلم الملزم ، ومعلوم أن هذا المعنى مما قد فرغ عنه، ولا يتصور تردّد الملائكة وتدبيرهم فيه ، وإنّما تدبيرهم في المقتضيات الموجودة على طبق ما في اللوح المحفوظ .
توضیحه : أنّ القضاء كما عرفت عبارة عن إبداعه سبحانه لصور الموجودات الكلية والجزئية التي لا نهاية لها من حيث هي معقولة في العالم العقلي وهوام الكتاب، ثم لمّا كان إيجاد ما يتعلق منها بمواد الأجسام في موادها وإخراج المادة من القوة إلى الفعل غير ممكن إلا على سبيل التعاقب والتدرّج، لامتناع قبولها لتلك الكثرة دفعة، وكان الجود الإلهي مقتضياً لإيجادها ولتكميل المادة بإبداعها فيها وإخراج ما فيها من قبول تلك الصور من القوّة إلى الفعل، قدر بلطيف حكمته وجوده زماناً لا ينقطع ليخرج فيه تلك الأمور من القوة إلى الفعل واحداً بعد واحد ، فيصير في جميع ذلك موجودة في موادها والمادة كاملة بها، فالمقتضيات عبارة عن وجود هذه الأشياء مفصلة واحداً بعد واحد في موادها السفلية الخارجية بعد أن كانت ثابتة في صحائفها العلوية بأيدي المدبرات ، وإلى هذا أشار سبحانه في قوله :
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَابِنُهُ وَمَا نُزِلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: 21])وإلى هذا القسم من الملائكة أشار في قوله سبحانه :(فَالْمُدَبِرَاتِ أَمْرًا [النازعات : 5]. روى في «مجمع البيان» عن عبد الرحمان بن سابط أن المراد بالمدبرات جبرئيل
وميكائيل وملك الموت وإسرافيل يدبرون أمور الدنيا، فأما جبرئيل فموكل بالرياح والجنود وأما میکائيل فموكل بالقطر والنّبات، وأما ملك الموت بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو يتنزّل بالأمر عليهم، والتدبير ليس منحصر في الأربعة حسبما تعرفه في الأخبار الآتية، وإنما ذكرناه لتوضيح معنى الآية، كما أنّ الأمور الواقعة فيها التدبير لا تنحصر فيما ذكر، وستعرفه أيضاً وقد ظهر بما ذكرنا معنى القضاء والمقتضيات والملائكة المختلفون بالقضاء .
وأما القدر فهو دون مرتبة القضاء، إذ هو عبارة عن صور جميع الموجودات في لوح المحو والإثبات على الوجه القابل للتغيير، وإلى ذلك الإشارة في قوله سبحانه :
(يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ ﴾ [الرعد: 39]
قال الصادق علیه السلام بعد ما سئل عنه عن هذه الآية : « إن ذلك الكتاب كتاب يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت فمن ذلك الذي يردّ الدّعاء القضاء، وذلك الدّعاء مكتوب عليه الذي يردّ به القضاء حتى إذا صار إلى أم الكتاب لم يغن الدّعاء فيه شيئاً » (1).
وحاصل ما ذكرنا كله يرجع إلى جعل المراد بالقضاء في كلامه علیه السلام الأمور المحتومة، وبالأمر الأمور الموقوفة ونظيره ما روى عن الصادق علیه السلام ، قال : «هما أمران موقوف ومحتوم، فما كان من محتوم أمضاه ، وما كان من موقوف فله فيه المشيئة يقضي فيه ما يشاء» هذا (2).
ويحتمل أن يكون المقصود من قوله علیه السلام: بقضائه وأمره ، أنهم مختلفون بإظهار قضائه وأمره إلى النبي والأئمة عليهم السّلام ، وإلى ذلك وقع الإشارة في وصف الأئمة علیه السلام بأنهم مختلف الملائكة، أي محل إختلافهم كما في الأخبار المتظافرة، وقد عقد في «الكافي» باباً فی ذلك، وهو باب أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة، وإليه الإشارة في قوله سبحانه :
(تنزلُ المَلَيْكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَهِم مِّن كُل أَمر ﴾ [القدر: 4] .
قال الصادق علیه السلام : إذا كانت ليلة القدر نزلت الملائكة والرّوح والكتبة إلى السّماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء الله في تلك السنة فإذا أراد الله أن يقدّم شيئاً أو يؤخره أمر الملك أن يمحو ما يشاء، ثم يثبت الذي يريد» (3).
قال القمي: تنزل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان ويدفعون إليه ما قد كتبوه .
ويشهد به ما رواء في «الكافي» عن الباقر علیه السلام قال : «قال الله عزّ وجلّ في ليلة القدر :
(وفِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) [الدخان : 4] .
يقول : ينزل فيها كل أمر حكيم، والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عزّ وجلّ، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنه مصیب فقد حكم بحكم الطاغوت إنّه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الأمور سنة سنة يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا، وأنه ليحدث لولي الأمرى سوى ذلك كلّ يوم علم الله عزَّ ذكره الخاص والمكنون والعجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر ثم قرأ.
( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلَمُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَتُ الله إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم )(1)[لقمان: 27] .
وفيه أيضاً عن حمران ، عن أبي جعفر علیه السلام أنه قال : يقدر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل من خير وشرّ وطاعة ومعصية ومولود وأجل ورزق، فما قدر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم، والله عزّ وجلّ فيه المشيئة»(2).
والمراد حسبما ذكرنا إظهار تلك المقادير للملائكة، وإظهارهم لها إلى النبي والأئمة عليهم السلام في تلك الليلة، وإلا فالمقادير كما عرفت من الأزل إلى الأبد ثابتة في أم الكتاب، هذا .
وبقي الكلام في أنّ المختلفين بالقضاء والأمر هم بعض الملائكة أو جميعهم، قال النيسابوري: قوله تعالى : تنزّل الملائكة ، يقتضي نزول كلّ الملائكة إما إلى السماء الدنيا وإما إلى الأرض، وهو قول الأكثرية، وعلى التقديرين فإنّ المكان لا يسعهم إلا على سبيل التفاوت والنزول فوجاً فوجاً كأهل الحج، فإنّهم على كثرتهم يدخلون الكعبة أفواجاً، انتهى كلامه على ما حكى عنه .
ولكن الظاهر من كلمة منهم في كلام الإمام علیه السلام هو أن المتصفين بهذا الوصف بعض الملائكة، وهو الظاهر ممّا روي عن أبي جعفر علیه السلام في حديث طويل قال : « إذا أنت ليلة القدر فيهبط من الملائكة إلى ولي الأمر »(اه)(3)، والمستفاد من الأخبار الكثيرة أن جبرئيل من هذه الجملة، ونص الآية الشريفة كون روح القدس منها أيضاً، وقد يفسّر بالرّوح الأمين وهو
جبرئيل ؛ ولكن الظاهر أنه غيره كما يدلّ عليه ما روي عن الصادق علیه السلام ، قال : «إنّ الرّوح أعظم من جبرئيل أي إن جبرئيل من الملائكة والرّوح هو خلق أعظم من الملائكة، أليس يقول الله تبارك وتعالى : تنزّل الملائكة والروح» (1).
وفي «شرح الصحيفة» قال : أتى رجل علي بن أبي طالب علیه السلام يسأله عن الزوح أليس هو جبرئيل؟ فقال له : «جبرئيل من الملائكة والروح غير جبرئيل »، فقال له : لقد قلت عظيماً من القول ، ما أحد يزعم أن الرّوح غير جبرئيل، فقال له علي علیه السلام: «إنك ضال تروي عن أهل الضلال، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه علیه السلام:
( لوا أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنزِلُ الْمَليكة بالروح (2)[النحل : 1- 2]
وعنه علیه السلام أيضاً أن له سبعين ألف وجه ، ولكلّ وجه سبعون ألف لسان ، لكلّ لسان سبعون لغة يسبّح الله تعالى بتلك اللغات كلها ، ويخلق الله تعالى من تسبيحه ملكاً يطير مع الملائكة، ولم يخلق الله أعظم من الرّوح غير العرش، ولو شاء أن يبلغ السماوات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل، فسبحان من هو على كل شيء قدير، ومثلهما في البحار .
(و) القسم الثالث : (منهم الحفظة لعباده) ظاهر العبارة أن المراد بهمحفظة العباد من المعاطب والمهالك لا الحفظة عليهم يحفظون على العبد عمله ، فهم من أشير إليهم في قوله تعالى :
(لَه مُعَقِّبَتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11] .
روى في «المجمع» عن علي علیه السلام «أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير » (3)
وفي «الصافي» عن علي بن إبراهيم ، عن الصادق علیه السلام « إن هذه الآية قرئت عنده، فقال لقارئها : ألستم عرباً »؟ فكيف تكون المعقبات من بين يديه وإنّما المعقب من خلفه، فقال الزجل جعلت فداك : كيف هذا؟ فقال: «إنّما نزلت له : معقبات من خلفه ، ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله، ومن ذا الذي يقدر أن يحفظ لشيء من أمر الله الملائكة الموكلون بالناس »، ومثله عن العياشي (4).
وعنه أيضاً عن الباقر علیه السلام «من أمر الله يقول بأمر الله من أن يقع في ركي (1)، أو يقع عليه حائط، أو يصيبه شيء حتى إذا نزل القدر خلوا بينه وبينهم يدفعونه إلى المقادير وهما ملكان يحفظانه بالليل ، وملكان يحفظانه بالنهار يتعاقبانه (والسدنة لأبواب جنانه ) أي المتولون لأبواب الجنان بفتحها وإغلاقها وإدخال من أذن لهم بالدخول» (2)
أقول : أمّا الجنان فعلى ما أشير إليه في القرآن ثمان : جنة النعيم وجنة الفردوس وجنة الخلد وجنة المأوى وجنة عدن ودار السلام ودار القرار وجنة عرضها السماوات والأرض، وفي بعض كتب الأخبار تسمية الأخيرة بالوسيلة.
وأما أبوابها فثمانية أيضاً على ما في بعض كتب الأخبار : الباب الأول : إسمه التوبة، والثاني: الزكاة، والثالث الصلاة، والرابع الأمر والنهي، والخامس الحج، والسادس الورع، والسابع الجهاد ، والثامن الصبر .
وفي «الصافي»: عن الخصال، عن الصادق عن أبيه ، عن جده، عن علي عليهم السّلام قال: «إنّ للجنة ثمانية أبواب : باب يدخل منه النّبيون والصدّيقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا ، فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو وأقول ربّ سلم شيعتي ومحبي وأنصاري وأوليائي ومن تولاني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش قد أجيبت دعوتك، وشفعت في شيعتك ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه ، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلا الله ولم يكن في قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البيت »(3).
وعن الباقر علیه السلام: أحسنوا الظن بالله واعلموا أنّ للجنّة ثمانية أبواب عرض كلّ باب منها مسيرة أربعمائة سنة (4).
وأمّا سدنتها وخزانها فقد أشير إليه في سورة الزمر، قال سبحانه :
(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ هَمْ خَزَنَتُها سَلَامُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِدِينَ ﴾ [الزمر : 73]
و في «الأنوار» في حديث المحشر : فإذا أتوا إلى رضوان الله هو جالس على باب الجنة
ومعه سبعون ألف ملك، مع كلّ ملك سبعون ألف ملك فينظر إليهم وهم في أقبح صورة من سواد البدن وطول الشعر وكونهم عزلاً بلا ختان ، فقال لهم : كيف تدخلون الجنّة وتعانقون الحور العين على هذه الهيئة؟ فيأمر جماعة من الملائكة الواقفين أمامه فيذهبون بالمؤمنين إلى عين ماء عند جدار الجنّة، وهي عين الحياة فإذا اغتسلوا فيها صار وجه كل واحد منهم كالبدر في تمامه وتسقط شعورهم وغلفهم وتبيض قلوبهم من النّفاق والحسد والكذب والرذائل والأوصاف الذميمة حتى لا يتحاسدوا في الجنة بعلق الدرجات والتفاوت في المراتب، فيصير كلّ واحد منهم بصورة ابن أربعة عشر سنة، ويعطي حسن يوسف، وصوت داود، وصبر أيوب، فإذا أتوا إلى باب الجنّة وجدوا على بابها حلقة تطن عند كل من يدخلها ويقول طنینها : یا علي ، لكنها تطن عند كلّ داخل بطنين خاص ليس كالطنين الآخر ، فيعرف بذلك الطنين أهل المؤمن في منازله وخدمه وحور العين إن هذا فلان فيأتون لاستقباله، هذا(1).
وقد أشير إلى طائفة من السدنة والأبواب في حديث الجنان والنوق من «روضة الكافي»، وهو ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه، عن ابن محبوب عن عن محمد بن إسحاق المدني عن أبي جعفر أبي جعفر علیه السلام ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سئل عن قول الله :
(يومَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وفدا ) [مريم : 85] .
فقال :« يا علي إن الوفد لا يكونون إلا ركباناً، أولئك رجال اتقوا الله فأحبّهم الله عزّ
ذكره واختصهم ورضي أعمالهم فسمّاهم المتقين» (2).
ثم قال له: « يا علي أما والذي فلق الحبة وبريء النسمة إنهم ليخرجون من قبورهم ، وإنّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العزّ عليها رحائل الذهب مكللة بالدر والياقوت وجلائلها الإستبرق والسندس وخطمها جندل الأرجوان، تطير بهم إلى المحشر مع كل رجل منهم ألف ملك قدامه من وعن يمينه وعن شماله يزفونهم زفناً حتى ينتهوا بهم إلى باب الجنة الأعظم وعلى باب الجنّة شجرة إنّ الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من النّاس، وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية ، قال : فيسقون منها فيظهر الله يسقون منها فيظهر الله بها قلوبهم من الحسد، ويسقط عن أبشارهم الشعر وذلك قول الله عزّ وجلّ :
(وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) [الإنسان : 21] .
«من تلك العين المطهرة» (3).
قال : «ثم يصرفون إلى عين أخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون أبداً ».
قال: «ثم يوقف بهم قدام العرش وقد سلموا من الآفات والأسقام والحر والبرد أبداً ».
قال : «فيقول الجبار جل ذكره للملائكة الذين معهم : احشروا أوليائي إلى الجنة ولا توقفوهم مع الخلائق، فقد سبق رضائي عنهم ووجبت رحمتي لهم، وكيف أريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات والسيئات .
قال : «فتسوقهم الملائكة إلى الجنّة ، فإذا انتهوا إلى باب الجنّة الأعظم ضرب الملائكة ضربة تصرّ صريراً يبلغ صوت صريرها كلّ حوراء أعدّها الله عزّ وجلّ لأوليائه في الجنان، فيتباشرون بهم إذا سمعوا صرير الحلقة، فيقول بعضهم لبعض : قد جائنا أولياء الله، فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنة، وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين ، فيقلن : مرحباً بكم، فما كان أشدّ شوقنا إليكم ويقول لهنّ أولياء الله : مثل ذلك» (1)
فقال علي علیه السلام : «يا رسول الله أخبرنا عن قول الله عزّ وجلّ :
(و غُرَفٌ مِّن فَوقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: 20]
بماذا بنيت يا رسول الله ؟ فقال صلی الله علیه واله وسلم : يا علي تلك غرف بناها الله عزّ وجلّ لأوليائه بالدّر والياقوت والزبرجد سقوفها الذهب، محبوكة بالفضة، لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب ، على كلّ باب منها ملك موكل به ، فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير والديباج بألوان مختلفة ، وحشوها المسك والكافور والعنبر، وذلك قول الله عزّ وجلّ .
(وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴾ [الواقعة : 34] .
«إذا دخل المؤمن إلى منازله في الجنة ووضع على رأسه تاج الملك والكرامة ألبس حلل الذهب والفضة والياقوت والدر المنظومة في الإكليل تحت التاج ».
قال : «وألبس سبعين حلة حريراً بألوان مختلفة وضرب مختلفة منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت الأحمر، فذلك قول الله عزّ وجلّ:
( يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُوْلُوْ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [الحج : 23].
فإذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحاً، فإذا استقر لولي الله عزّ وجلّ منازل له في الجنان استأذن عليه الملك الموكل بجناته ليهنئه بكرامة الله عز وجل إياه ، فيقول له خدّام
1) شرح أصول الكافي : 16/12.
المؤمن من الوصفاء والوصائف : مكانك ، فإنّ ولي الله قد اتكأ على أريكته وزوجته الحوراء تهيأ له فاصبر لولي الله ».
قال: «فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها تمشي مقبلة وحولها وصائفها وعليها سبعون حلة منسوجة بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد هي من مسك وعنبر وعلى رأسها تاج الكرامة، وعليها نعلان من ذهب مكللتان بالياقوت واللؤلؤ، شراكهما ياقوت أحمر، فإذا دنت من ولي الله فهم أن يقوم إليها شوقاً، فتقول له : يا ولي الله ليس هذا يوم تعب ولا نصب وأنت لي».
قال: «فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدنيا لا يملها ولا تمله».
قال: «فإذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها، فإذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر، وسطها لوح صفحته درّة مكتوب بها : أنت يا ولي الله حبيبي وأنا الحوراء حبيبتك إليك تناهت نفسي وإلي تناهت نفسك، ثم يبعث الله إليه ألف ملك يهنونه بالجنّة ويزوّجونه بالحوراء».
قال: «فينتهون إلى أوّل باب من جنانه (1)، فيقولون للملك الموكل بأبواب جنانه : إستأذن لنا علي ولي الله فإن الله بعثنا إليه تهنئة، فيقول لهم الملك : حتّى أقول للحاجب فيعلمه مكانكم ».
قال: «فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أوّل باب ، فيقول للحاجب : إنّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين ليهنئوا ولي الله ، وقد سألوني أن أذن لهم، فيقول الحاجب : إنه ليعظم علي أن أستأذن لأحد على ولي الله وهو مع زوجته الحوراء».
قال «وبين الحاجب وبين ولي الله جنتان ».
قال : «فيدخل الحاجب إلى القيم، فيقول له : إن على باب العرصة ألف ملك ، أرسلهم رب العزّة يهنون ولي الله فاستأذن لهم فيقدم القيم إلى الخدّام ، فيقول لهم: إن رسل الجبار على باب العرصة وهم ألف ملك، أرسلهم يهنون ولي الله فأعلموه بمكانهم، فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على ولي الله ، وهو في الغرفة ولها ألف باب ، وعلى كل باب من أبوابها ملك موكل به ، فإذا أذن للملائكة بالدخول على ولي الله فتح كل ملك بابه الموكل به ».
قال : «فيدخل القيم كلّ ملك من باب من أبواب الغرفة ، فيبلغون رسالة الجبار جل
1) في نسخة : جناته .
وعز، وذلك قول الله عزّ وجلّ :
(والْمَلَيكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب ) [الرعد: 23] من أبواب الغرفة، (سَلَامُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 24] .
قال : وذلك قول الله عزّ وجلّ :
وَإِذَا رَأَيْتَ ثُمَّ رَأَيْتَ نَعِيها ومُلكًا كبيرًا [الإنسان : 20]. يعني بذلك ولي الله وما هو فيه من الكرامة والنّعيم والملك العظيم الكبير، إن الملائكة من رسل الله عزّ ذكره يستأذنون عليه فلا يدخلون إلا بإذنه، فذلك الملك العظيم الكبير، الحديث (1).
(و) القسم الرابع: (منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ) وعن بعض النسخ في الأرض السفلي أقدامهم قال في «البحار»: وهو أظهر، والجمع على الأوّل إما باعتبار القطعات والبقاع، أو لأن كلاً من الأرضين السبع موضع قدم بعضهم والوصف على الأوّل بالقياس إلى سائر الطبقات، وعلى الثاني بالقياس إلى السماء (والمارقة) أي الخارجة (من السماء العليا) وهي السابعة (أعناقهم والخارجة من الأقطار ) أي من جوانب الأرض أو جوانب السماء (أركانهم) وهذا إشارة إلى ضخامتهم وعرضهم (والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ) والمراد بالتناسب إما القرب أو الشباهة في العظم ، فإن العرش على عظمه حسبما تعرفه في الأخبار الآتية وكفى بذلك كونه محيطاً بجميع المخلوقات وكون الأرضين والسّماوات جميعاً وما فيها عنده كحلقة في فلاة، له أربع قوائم .
كما رواه في البحار: عن الدر المنثور ، عن حماد قال : خلق الله العرش من زمردة خضراء، وله أربع قوائم من ياقوتة حمراء، وخلق له ألف لسان، وخلق في الأرض ألف أمة يسبح الله بلسان العرش (2).
وفيه أيضاً من روضة الواعظين ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام أنّه قال : في العرش تمثال ما خلق الله من البر والبحر، وهذا تأويل قوله :
وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآينه [ الحجر : 21].)وإن بين من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسير ألف عام، القائمة من قوائم والعرش يكسى كلّ يوم سبعين ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله ،
والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة، وإنّ الله تعالى ملكاً يقال له : خرقائيل له ثمانية عشر ألف جناح ، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، فخطر له خاطر هل فوق العرش شيء، فزاده الله تعالى مثلها أجنحة أخرى، فكان له ست وثلاثون ألف جناح ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام، ثم أوحى الله إليه أيها الملك طر، فطار مقدار عشرين ألف عام لم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش، ثم ضاعف الله له في الجناح والقوة وأمره أن يطير ، فطار مقدار ثلاثين ألف عام لم ينل أيضاً، فأوحى الله إليه أيها الملك لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ إلى ساق عرشي فقال الملك :(سُبْحانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ، فأنزل الله عز وجل : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَی [الأعلى : 1].)فقال النبي صلى الله عليه وآله : «اجعلوها في سجودكم »(1.)ومن إكمال الدين بإسناده عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد ، قال : قال ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : «إنّ الله تبارك وتعالى ملكاً يقال له : دردائيل، كان له ستة عشر ألف جناح ما بين الجناح إلى الجناح هواء، والهواء كما بين السماء والأرض، فجعل يوماً يقول في نفسه : أفوق ربنا جل جلاله شيء؟ فعلم الله تبارك وتعالى ما قال ، فزاده أجنحة مثلها، فصار له اثنان وثلاثون ألف جناح ، ثم أوحى الله عزّ وجل إليه، فطار مقدار خمسمائة عام فلم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش، فلما علم الله عزّ وجلّ أتعابه أوحى إليه أيها الملك عد إلى مكانك ، فأنا عظيم فوق كلّ عظيم، وليس فوقي شيء ولا أوصف بمكان، فسلبه الله عزّ وجلّ أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة، فلما ولد الحسين علیه السلام هبط جبرئيل في ألف قبيل من الملائكة لتهنئة النبي صلی الله علیه واله وسلم فمر بدردائيل ، فقال له : سل النبي بحق مولوده أن يشفع لي عند ربّي، فدعا له النبي صلی الله علیه واله وسلم بحق الحسين علیه السلام فاستجاب الله دعائه وردّ عليه أجنحته ورده إلى مكانه» هذا (2.)ويحتمل أن يكون المراد بالمناسبة في كلامه علیه السلام التماس، فالمراد بهم حملة العرش، بل هذا هو الظاهر بملاحظة أن الأوصاف المذكورة في كلامه علیه السلام لقد أثبتت في الأخبار الكثيرة على هؤلاء الطائفة .مثل ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى :(وَيَحِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَد منية [الحاقة : 17] .
قال : يقال : ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدّتهم إلا الله ، ويقال ثمانية أملاك رؤوسهم تحت العرش في السماء السابعة، وأقدامهم في الأرض السفلى، ولهم قرون كقرون الوعلة، ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه خمسمائة عام .
الخصال بإسناده عن حفص بن غياث ، قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إن حملة العرش ثمانية ، لكل واحد منهم ثمانية أعين ، كلّ عين طباق الدنيا .
وعن تفسير الإمام علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «إنّ الله لما خلق العرش خلق له ثلاثمائة وستين ألف ركن ، وخلق عند كلّ ركن ثلاثمائة ألف وستين ألف ملك لو أذن الله لأصغرهم فالتقم السماوات السبع والأرضين السبع ما كان بين لهواته إلا كالرملة في المفازة الفضفاضة، فقال لهم الله : يا عبادي احملوا عرشي هذا فتعاطوه فلم يطيقوا حمله ولا تحريكه ، فخلق الله عزّ وجلّ مع كلّ واحد منهم واحداً فلم يقدروا أن يزعزعوه، فخلق الله كلّ واحد منهم عشرة فلم يقدروا أن يحركوه، فخلق الله بعدد كلّ واحد منهم مثل جماعتهم فلم يقدروا أن يحركوه، فقال الله عزّ وجل لجميعهم : خلوه عليّ أمسكه بقدرتي، فخلوه فأمسكه الله عزّ وجلّ بقدرته، ثم قال لثمانية منهم احملوه أنتم ، فقالوا: يا ربنا لم نطقه نحن وهذا الخلق الكثير والجم الغفير فكيف نطيقه الآن دونهم؟ فقال عز وجل : لأني أنا الله المقرب للبعيد والمذلل للعبيد والمخفف للشديد والمسهّل للعسير أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد أعلمكم كلمات تقولونها يخف بها عليكم قالوا وما هي؟ قال : تقولون :
بسم الله الرّحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله الطيبين فقالوها ، فحملوه، فخف على كواهلهم كشعرة نابتة على كاهل رجل جلد قوي فقال الله عزّ وجلّ لسائر تلك الأملاك: خلوا على هؤلاء الثمانية وطوفوا أنتم حوله وسبحوني ومجدوني وقدسوني، فأنا الله القادر على ما رأيتم وعلى كلّ شيء قدير »(1).
وعن وهب قال : حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في أرزاقهم، وملك في صورة نسر يشفع للطير في أرزاقهم، وملك في صورة ثور يشفع للبهائم في أرزاقها وملك في صورة الأسد يشفع للسباع في أرزاقها ، فلما حملوا العرش وقعوا على ركبهم من عظمة الله ، فلقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله، فاستووا قياماً على أرجلهم.
وعن ابن زيد قال : لم يسم من حملة العرش إلا إسرافيل .
وعن هارون بن رئاب، قال حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت ضخيم، يقول أربعة منهم :
1) بحار الأنوار: 97/27
«سُبْحَانِكَ وبِحَمْدِكَ على حِلْمِكَ بعد علمكَ»
وأربعة منهم يقولون :
«سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ على عَفُوكَ بعد قُدْرَتِكَ » هذا.
ولا ينافي هذه الأخبار ما وردت في الأخبار الأخرى من أن حملة العرش ثمانية أربعة من الأولين، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، وأربعة من الآخرين ، وهم محمد وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم، لأن العرش في الأخبار الأولة الجسم المحيطة بالمخلوقات، وفي هذه الأخبار هو العلم لانه أحد معانيه كما عرفته في شرح الفصل الخامس من فصول هذه الخطبة وصرّح بما ذكرناه الصدوق في إعتقاداته حيث قال : وإنما صارت هؤلاء حملة العرش الذي هو العلم، لأن الأنبياء الذين كانوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم على شرائع الأربعة من الأولين : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومن قبل هؤلاء الأربعة صارت العلوم إليهم، وكذلك صار العلم بعد محمّد وعلي والحسن والحسين إلى من بعد الحسين من الأئمة عليهم السّلام (1).
(ناكسة دونه) أي دون العرش ( أبصارهم ) إما لكثرة نور العرش كما يدل عليه ما روي عن ميسرة ، قال : ثمانية أرجلهم في التخوم ورؤوسهم عند العرش لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور، وإما لزيادة الخوف كما روي عنه أيضاً قال : حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشدّ خوفاً من أهل السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشدّ خوفاً من السّماء التي تليها والسماء التي تليها أشدّ خوفاً من التي تليها، وفي دعاء الصحيفة السجادية على داعية أفضل السلام والتحية في
وصف الملائكة:
«الخشع الأَبْصَارِ فلا يَرُومون النَّظر إلَيْكَ، النَّواكِسُ الأَذْقَانِ الَّذِينَ قَدْ طَالَت رَغْبَتُهُمْ فِيمَا لَدَيْكَ ».
وفي التوحيد بإسناده عن وهب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «إن لله تبارك وتعالى ملائكة ليس شيء من أطباق أجسادهم إلا وهو يسبح الله عزّ وجل ويحمده بأصوات مختلفة لا يرفعون رؤوسهم إلى السماء ولا يخفضونها إلى أقدامهم من البكاء والخشية (متلفعون تحته) أي تحت العرش (بأجنحتهم) (2).
روى الشارح البحراني عن وهب قال : إنّ لكلّ ملك من حملة العرش ومن حوله أربعة
أجنحة إما جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق ، وإما جناحان فيلفون ( فيهفون خ ل ) بهما ليس لهم كلام إلا التسبيح والتحميد .
وفي «الأنوار»: روى أنّ صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة فجناحان يلقون بهما أجسادهم وجناحان يطيرون بهما في أمر من أمور الله وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله وحينئذ فكلّ جناحين لغرض مخصوص، وبه يظهر فائدة الجناح الثالث المشار إليه في قوله سبحانه (1):
(و أُولِي أَجْنِحَةِ مَثْنَى وَثُلَكَ وَرُبع ) [فاطر: 1] .
ثمّ إن هذا في جانب القلّة، وأما في جانب الكثرة فيزيد الله سبحانه فيهم ما يشاء وهو على كل شيء قدير (مضروبة بينهم وبين من دونهم ) من الملائكة أو البشر أو الجن أو الأعم (حجب العزّة وأستار القدرة ) المانعة عن إدراك ذواتهم والإطلاع على شؤونهم.
وتوضيحه بالتمثيل أنّ ملوك الدنيا إذا بلغوا في العزّ والعظمة مرتبة الغاية القصوى لا يصل إلى حضور خواصه فضلاً عن ذاته إلا الأوحدي من الناس، ولا يراهم إلا من كان له معهم علقة شديدة ووسيلة قوية، والحاجب عن ذلك ليس إلا هيبة السلطنة وقدرة الملك وعظمته ، وإذا كان هذا حال خواص السلطنة العارية والملوك الذين هم في الحقيقة مماليك ، فشأن خواص الحضرة الربوبية وملك الملوك أعلى واستناد الحايل عن إدراك مقاماتهم ودرجاتهم إلى حجب العزّة وأستار القدرة أخرى (ولا يتوهمون ربهم بالتصوير) لكونهم منزهين عن الإدراكات الوهمية والخيالية في حق مبدئهم وخالقهم جلّت عظمته، لأن عقولهم صافية غير مشوبة بالتوهمات والتخيلات (ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر ) لأن إجراء الصفات والتحديد بالأماكن والإشارة بالنظائر إنما هو من مخترعات الواهمة والمتخيلة المختصتين بذوات الأمزجة العنصرية الغير الجائزتين في حق الملائكة السماوية ومقرّبي الحضرة الربوبية، هذا تمام الكلام في شرح حال الملائكة حسبما اقتضاه المقام ويأتي شطر منه عند شرح بعض الخطب الآتية المقتضية لذلك كخطبة الأشباح وغيرها، والله الموفق والمعين.
1) نهج البلاغة (20/1 ) .
پس منشق کرد و گشود خداوند سبحانه و تعالی میان آسمانهایی که بلندهستند، پس پر کرد آن طبقات را با اصناف مختلفه از ملائکه و فرشتگان خود ، پس بعضی از ایشان ساجدانند که رکوع نمیکنند و بعضی راکعانند که راست نمی ایستند و بعضی دیگر صف زدگانند که از صفوف و مکانهای خود زایل نمیشوند و طایفه تسبیح کنندگانند که ملال و پریشانی نمی آورند . عارض نمیشود به ایشان خواب چشمها و نه سهو عقلها و نه سستی بدنها و نه غفلت فراموشی و بعضی دیگر امینانند بر وحی او و زبانهای صدقند در رسانیدن فرمایشات او به
غمبران و تردد کنندگانند به قضا و امر او قضا و امر او و بعضی دیگر از ایشان حافظانند بندگان خدا را از مکاره و مهالك و طایفه دیگر دربانان و خازنانند از برای درهای بهشت های او و بعضی دیگر از ایشان آنانند که ثابت است در زمینهای زیرین قدم های ایشان و بیرون رفته از آسمان بلند گردنهای ایشان و خارج است از اطراف زمین و آسمان اعضا و جوارح ایشان و مناسب است با قائمههای عرش دوش های ایشان و پایین افتاده در زیر عرش چشمان ایشان، پیچیده شدهاند در زیر عرش به بالهای خودشان زده شده میان آنها و میان فروتر از آنها پردههای عزّت و سترهای قدرت و عظمت در حالتی که توهم نمیکنند پروردگار خودشان را به صورت درآوردن و اجرا نمیکنند بر او صفات مخلوقات را و تحدید نمی کنند او
را به مکانها و اشاره نمیکنند به سوی او به نظایر یر و امثال و نعم ما قيل:
برتر است از مدرکات عقل و وهم *** لاجرم گم گشت در وی فکر و فهم
چون به کلی روی گفت و گوی نیست *** هیچ کس را جز خموشی روی نیست
«ثُمَّ جَمَعَ سُبْحانَهُ مِنْ حَزْنِ الأَرْضِ وَسَهْلِها وَعَذَبِها وَسَبْخها، تُرْبَةً سَنّها بالماء حتى خلَصَتْ ، وَلاطَها بِالْبِلْةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ (فَجَعَلَ خَ) مِنْها صُورَةً ذاتَ أَحْناءٍ وَوُصُولٍ، وَأَعْضاءٍ وَفُصُولِ، أَجْمَدَها حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَها حَتى صَلْصَلَتْ ، لِوَقْتِ مَعْدُودٍ، وَأَجَل مَعْلُومٍ، وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَتَمَثَّلَتْ إنساناً ذا أذهان یُجيلُها ، وَفِكْرِ يَنْصَرْفُ بِها، وَجَوارح يَخْتَدِمُها، وأذواتٍ يُقَلبُها ، وَمَعْرِفَةِ يُفَرِّقُ بها بَينَ الْحَقِّ وَالْباطِل، والأذواقِ وَالْمَشَامُ، والألوان وَالأَجْنَاسِ، مَعْجُوناً بِطيئَةِ الألوانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالأَشباءِ الْمُؤْتَلِفَةِ، وَالأَصْدادِ المُتَعادِيَةِ، والأَخْلاطِ الْمُتَبايَنَةِ، مِنَ الْحَرُ وَالْبَرْدِ، وَالْبِلةِ وَالْجُمُودِ، وَالْمَسانَةِ وَالسُّرُور» (1).
(الحزن) من الأرض ما غلظ منها وهو على وزن فلس ( والسّهل) خلافه (والعذب) من الأرض ما طاب منها واستعد للنبات (والسبخ) كفلس أيضاً المالحة منها يعلوها الملوحة الغير الصالحة للنبات ولا تكاد تنبت إلا بعض الأشجار ومثله السبخة بفتح الموحدة وسكونها أيضاً تخفيفاً واحدة السباخ مثل كلبة وكلاب بالكسر أيضاً يجمع على سبخات مثل كلمة وكلمات (والتربة) التراب والجمع ترب كغرفة وغرف (سنها بالماء) من سننت الماء على الأرض صببتها (ولاطها) أي مزجها من لاط الشيء بالشيء لوطاً لصق ، (والبلة) بالكسر الرطوبة من البلل (واللزوب) الإشتداد يقال لزب الشيء لزوباً من باب قعد اشتد وطين لازب يلزق باليد لاشتداده (فجبل) وفي بعض النسخ (فجعل) وكلاهما بمعنى خلق (وإحناء) جمع حنو وهو الجانب و (وصول) جمع الوصل كما أن (فصول) جمع الفصل وهما كلّ ملتقي عظمين في الجسد يطلق عليه باعتبار إتصال أحد العظمين بالآخر وصولاً وأوصالاً، وباعتبار انفصال أحدهما عن الآخر فصولاً ومفاصل.
وتفسير الشارح البحراني الوصول بالمفاصل غير مناسب لما عرفت من ترادف المفاصل للفصول، وإن كان محل الوصل عين محل الفصل إلا أن التغاير بحسب الإعتبار موجود وملحوظ نعم مصداقهما متحد (وأصلدها) من الصلد وهو الصلب المتين و (صلصل) الشي صلصلة إذا صوّت يقال صلصل الحديد وصلصل الرعد والصلصال الطين اليابس الغير المطبوخ الذي يسمع له عند النقرصوت كما يصوت الفخار وهو المطبوخ من الطين، وقيل: إن الصلصال هو الطين المنتن مأخوذ من صل اللحم وأصل إذا صار منتناً، وهو ضعيف لما سنذكره (فتمثلت) أي تصورت وفي بعض النسخ فمثلت من مثل بين يديه مثولاً من باب قعد
1) نهج البلاغة : 20/1 .
انتصب قائماً (والأذهان) جمع الذهن وهو الفطنة وفي الإصطلاح القوى الباطنة المدركة (والإختدام) الإستخدام (والأدوات) الآلات (والمشام) جمع المشموم لما يشم كالمأكول لما يؤكل (معجوناً) من عجنه عجناً أي خمره والعجين الخمير (والطينة) الخلقة والجبلة (والأشباه) جمع الشبه المثل والنظير.
كلمة (حتى) في قوله (حتى خلصت) (وحتى لزيت ) حرف إبتداء يبتدأ بها الجمل
المستأنفة مثل قوله :
(ثم بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا ﴾ [الأعراف : 95] .
وذهب ابن مالك إلى أنّها جارة وأنّ بعدها (أن) مضمرة قال ابن هشام : ولا أعرف له في ذلك سلفاً وفيه تكلف إضمار (أن) من غير ضرورة، ولفظة ذات منصوبة على الوصيفة مؤنثة (ذو)، وجملة أجمدها لا محلّ لها من الإعراب لأنّها مستأنفة بيانية فكأنه قيل : ثم فعل بها ماذا ؟ فقال : أجمدها وتحتمل الإنتصاب على الحالية ، والضمير فيه وفي أصلدها راجع إلى الصورة، (واللام) في قوله علیه السلام لوقت معدود للتعليل أو بمعنى إلى، والضمير في قوله علیه السلام: (نفخ فيها ) راجع إلى الصورة أيضاً ، وكلمة (من) في قوله ( من روحه) زائدة أو تبغضية أو نشوية بناء على الإختلاف في معنى الرّوح حسبما تعرفه ، ومعجوناً منتصب على الحالية من إنسانا ويحتمل الوصفية له ، وكلمة (من) في قوله : من الحر والبرد ، بيانية .
المعنى
(منها في صفة آدم علیه السلام) يعني بعض هذه الخطبة في صفته علیه السلام فإنّه علیه السلام لما فرغ من إظهار قدرة الله سبحانه في عجائب خلقه الملكوت والسّماوات وبدائع صنعته في إيجاد الفضاء والهواء والمجرّدات أشار إلى لطائف صنعه في العنصريات من إيجاد الإنسان وإختياره على الأشباه والأقران لكونه نسخة جامعة لما في عالم الملك والملكوت، ونخبة مصطفاة من رشحات القدرة والجبروت :
أتزعم أنك جم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر
فقال علیه السلام: (ثم جمع سبحانه) إسناد الجمع إليه تعالى من التوسع في الإسناد من باب بنى الأمير المدينة إذا الجمع حقيقة فعل ملك الموت بأمر الله سبحانه بعد أن اقتضت الحكمة خلقة آدم وجعله خليفة في الأرض.
قال سيد بن طاووس في «كتاب سعد السعود» على ما حكى عنه في «البحار »: وجدت في صحف إدريس من نسخة عتيقة أن الأرض عرفها الله جل جلاله أنه يخلق منها خلقاً فمنهم
من يطيعه ومنهم من يعصيه ، فاقشعرت الأرض واستعفت إليه وسألته أن لا يأخذ منها من يعصيه ويدخله النار ، وإن جبرئيل أتاها ليأخذ عنها طينة آدم علیه السلام فسألته بعزة الله أن لا يأخذ منها شيئاً حتى يتضرع إلى الله وتضرعت فأمره الله بالإنصراف عنها، فأمر الله ميكائيل فاقشعرت وسألت وتضرّعت فأمره الله بالإنصراف عنها، فأمر الله تعالى إسرافيل بذلك فاقشعرت وسألت وتضرعت فأمره الله بالإنصراف عنها، فأمر عزرائيل فاقشعرت وتضرّعت فقال: قد أمرني ربي بأمر أنا ماض سرّك ذاك أم سائك فقبض منها كما أمره الله ثم صعد بها إلى موقفه فقال الله له : كما وليت قبضها من الأرض وهو كاره كذلك تلي قبض أرواح كل من عليها وكلما قضيت عليه الموت من اليوم إلى يوم القيامة (1).
ومضمون هذه الرواية مطابق لأخبار أهل البيت عليهم السّلام، فإنّ الموجود فيها أيضاً أنّ القابض هو عزرائيل وأنه قبض (من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها) أي من غليظها ولينها وطيبها ومالحها، وهذه إشارة إلى أنّ القبضة المأخوذة من غير محلّ واحد من وجه الأرض ويوافقه سائر الأخبار، ولعل ذلك هو الشرفي تفاوت أنواع الخلق لاستناده إلى إختلاف المواد وفي بعض الأخبار أنها أخذت من أديم الأرض أي من وجهها ومنه سمي آدم والمراد أنه جمع سبحانه من أجزاء الأرض المختلفة (تربة سنّها بالماء) أي مزجها به (حتى خلصت ) أي صارت خالصة (ولاطها) أي ألصقها (بالبلة) أي بالرطوبة (حتى لزبت) واشتدت .
قيل : هاتان الفقرتان إشارتان إلى أصل امتزاج العناصر وإنما خص الأرض والماء لأنهما الأصل في تكون الأعضاء المشاهدة التي تدور عليها صورة الإنسان المحسوسة (فجبل) ( فجعل خ) منها (صورة ذات أحناء ووصول) أي صاحبة جوانب وأوصال (وأعضاء وفصول) أي جوارح ومفاصل .
وهاتان إشارتان إلى خلق الصورة الإنسانية وإفاضتها بكمال أعضائها وجوارحها ومفاصلها وما يقوم به صورتها (أجمدها حتى اسمتسكت وأصلدها حتى صلصلت ) أي جعلها جامدة بعد ما كانت رطبة ليّنة حتى صار لها إستمساك وقوام ، وجعلها صلبة متينة حتى صارت صلصالاً يابساً يسمع له عند النقرصوت كصلصلة الحديد .
وقال بعضهم: إن الصلصال هو المنتن وكلام الإمام علیه السلام شاهد على فساده حيث إنّه علیه السلام نبه بحصول الإستمساك بعد الجمود وحصول الصلصالية بعد الصلود ومن الواضح أن النتن يرتفع مع حصول الجمود واليبوسة فهو على تقدير وجوده إنما كان قبل تلك الحالة، وهى حالة المسنونية المشار إليها في قوله تعالى :
1) بحار الأنوار: 121/11
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمَرٍ مَسنُون ) [ الحجر : 26] .
قال الفخر الرازي: كونه حماء مسنوناً يدلّ على النتن والتغير وظاهر الآية يدلّ على أن هذا الصلصال إنّما تولد من الحما المسنون، فوجب أن يكون كونه صلصالاً مغايراً لكونه حماً مسنوناً، ولو كان كونه صلصالاً عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالاً وبين كونه حمأ مسنوناً تفاوت، انتهى ، هذا.
ويحتمل أن تكون هاتان الفقرتان إشارة إلى قوام مادة الإنسان، فالإجماد لغاية الإستمساك راجع إلى بعض أجزاء الصورة المجعولة كاللحم والعروق والأعصاب ونحوها، والأصلاد راجع إلى البعض الآخر كالأسنان والعظام وبعد أن أكمل الله سبحانه للصورة أعضائها وجوارحها وهيئها لقبول الزوح أبقاها (لوقت معدود وأجل معلوم) أي لأجل وقت أو إلى وقت معين اقتضت الحكمة والمصلحة نفخ الروح فيها، وإلى هذا الوقت أشير في قوله تعالى :
(وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مذكورًا) [الإنسان : 1].
قال في «مجمع البيان»: وقد كان شيئاً إلا أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، لأنه كان تراباً وطيناً إلى أن نفخ فيه الروح، وقيل إنّه أتى على آدم أربعون سنة لم يكن شيئاً مذكوراً لا في السماء ولا في الأرض، لأنه كان جسداً ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الزوح.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه عن ابن عباس أنه تم خلقه بعد عشرين ومائة سنة، انتهى (1).
وعن بعض الصحف السماوية أن طينة آدم علیه السلام عجنت أربعين سنة ثم جعلت لازب، ثم جعلت حماً مسنوناً أربعين سنة ثم جعلت صلصالاً كالفخار أربعين سنة، ثم جعلت جسداً ملقى على طريق الملائكة أربعين سنة ونفخ فيها من روحه بعد تلك المدّة .
وفي العلل بإسناده عن عبد العظيم الحسني قال : كتبت إلى أبي جعفرعلیه السلام أسأله عن علة الغائط ونتنه ، قال : « إن الله خلق آدم وكان جسده طيّباً فبقي أربعين سنة ملقى تمر به الملائكة فتقول لأمر ما خلقت ، وكان إبليس يدخل في فيه ويخرج من دبره فلذلك صار ما في جوف آدم منتناً خبيثاً غير طيب »(2).
وفي «البحار» عن الخصال وتفسير الفرات بإسناده عن الحسن علیه السلام فيما سأله كعب الأخبار أمير المؤمنين علیه السلام قال : لما أراد الله خلق آدم بعث جبرئيل فأخذ من أديم الأرض قبضة فعجنه بالماء العذب والمالح وركب فيه الطبائع قبل أن ينفخ فيه الروح فخلقه من أديم
الأرض فطرحه كالجبل العظيم، وكان إبليس يومئذٍ خازناً على السّماء الخامسة يدخل في منخر آدم ثم يخرج من دبره ثم يضرب بيده على بطنه فيقول لأي أمر خلقت؟ لئن جعلت فوقي لأطعتك، ولئن جعلت أسفل منّي لأعينك فمكث في الجنّة ألف سنة ما بين خلقه إلى أن ينفخ فيه الروح » الحديث (1).
ووجه الجمع بين هذه الرواية وما سبق من حيث اختلافهما في مقدار مدة تأخير النفخ غير خفي على العارف الفطن .
فإن قيل : لماذا أخر نفخ الروح في تلك المدة الطويلة .
قلنا : لعله من باب اللطف في حق الملائكة لتذهب ظنونهم في ذلك كل مذهب فصار كإنزال المتشابهات الذي تحصل به رياضة الأذهان في تخريجها وفي ضمن ذلك يكون اللطف، ويجوز أن يكون في أخبار ذرية آدم بذلك لطف لهم، ولا يجوز إخبارهم بذلك إلا إذا كان المخبر عنه حقاً.
أقول: هكذا أجاب الشارح المعتزلي، ويشير إلى جوابه الأول الرواية السابقة فيما حكاه علیه السلام من قول إبليس لأي أمر خلقت (1 ه-).
والأولى أن يقال : إنّ السّر فيه لعلّة إعتبار الملائكة، إذ الإعتبار في التدريج أكثر أو ليعلم الناس التأني في الأمور وعدم الإستعجال ، ومثله خلق السماوات والأرض في ستة أيام على ما نطق به القرآن الحكيم مع أنه سبحانه كان قادراً على خلقها في طرفة عين، قال أمير المؤمنين علیه السلام : «ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق، ولكنه جعل الإناثة والمداراة مثالاً لأمنائه وإيجاباً للحجة على خلقه» (2).
(و) كيف كان فلما حلّ الأجل الذي اقتضت الحكمة فيه النفخ (نفخ فيها) أي في الصورة المستعدة لقبول النفخ (من روحه) الذي اصطفاه على سائر الأرواح والمراد بنفخ الروح فيها إفاضته عليها، إستعير به عنها لأن نفخ الرّيح في الوعاء لما كان عبارة عن إدخال الريح في جوفه وكان الإحياء عبارة عن إفاضة النفس على الجسد ويستلزم ذلك حلول القوى والأرواح في الجنّة باطناً وظاهراً حسن الإستعارة.
قال بعض المتألهين : إنّ النّفخ لما كان عبارة عن تحريك هواء يشتعل به الحطب ونحوه كالفحم فالبدن كالفحم وهذا الروح كالهواء الذي في منافذ الفحم وأجوافه، والنفخ سبب لإشتعال الرّوح البخاري بنار النفس وتنورها بنور الروح الأمري فللتفخ صورة وحقيقة ونتيجة،
فصورته إخراج الهواء من آلة النفخ إلى جوف المنفوخ فيه حتى تشتعل ناراً وهذه الصورة في حق الله محال ، ولكن النتيجة والمسبب غير محال ، وقد يكنى بالسبب عن النتيجة والأثر المترتب عليه كقوله تعالى :
(وغَضِبَ الله عَليهم ﴾ [الممتحنة : 13] (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) [الزخرف : 25].
وصورة الغضب عبارة عن نوع تغير في نفس الغضبان يتأذى به ونتيجته إهلاك المغضوب عليه أو جرحه وإيلامه فعبر في حق الله عن نتيجة الغضب بالغضب وعن نتيجة الإنتقام بالإنتقام، فكذلك يمكن أن يقال ههنا : إنه عبّر عمّا ينتج نتيجة النفخ بالنفخ وإن لم يكن على صورة النفخ ولكن نحن لا نكتفي في الأسماء التي هي مبادىء أفعال الله بهذا القدر، وهو مجرّد ترتب الأثر من غير حقيقه تكون بإزاء الصورة ، بل نقول : حقيقة النفخ الذي في عالم الصورة عبارة عن إخراج شيء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه كالزق ونحوه هي إفاضة نور سر الزوح العلوي الإلهي على القالب اللطيف المعتدل المستوي أعني به الرّوح الحيواني القابل لفيضان النور العقلي ، والروح الإلهي كقبول البلور لفيضان النور الحسي من الشَّمس النافذ في أجزائه وأقطاره، وهكذا يكون أنوار الحس والحياة نافذة في كل جزء من أجزاء القالب والبدن ، فعبر عن إضافة الروح على البدن بالنفخ فيه ، انتهى .
بقي الكلام في إضافة الروح إليه سبحانه، فنقول : إنّ الإفاضة من باب التشريف والإكرام ، روى في «الكافي» بإسناده عن محمّد بن مسلم ، قال سألت أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ ونفخت فيه من روحي كيف هذا النفخ ؟ فقال : «إنّ الزوح متحرك كالريح وإنما سمّي روحاً لأنه اشتق اسمه من الريح، وإنما إخراجه على لفظة الزيح لأنّ الأرواح مجانسة للزيح، وإنّما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح كما قال لبيت من البيوت، بيتي، ولرسول من الرسل خليلي وأشباه ذلك وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر »(1).
ومثل إضافة الروح إليه تعالى إضافة الصورة إليه سبحانه في بعض الأخبار كما رواه في «الكافي» عن محمّد بن مسلم أيضاً قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عمّا يروون أن الله تعالى خلق آدم على صورته ؟ فقال : هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله تعالى واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والرّوح إلى نفسه فقال : بيتي ونفخت فيه من روحي» هذا (2).
ولكن الصدوق روى العيون بإسناده عن الحسين بن خالد قال : قلت للرضا علیه السلام : يا بن
رسول الله إنّ النّاس يروون أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : إن الله خلق آدم على صورته فقال: «قاتلهم الله لقد حذفوا أوّل الحديث إنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه : قبح الله وجهك ووجه من يشبهك، فقال رسول الله : يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإن الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته »(1).
فإن المستفاد من هذه الرواية رجوع الضمير في صورته إلى الرّجل المسبوب، وإنما لم يتعرض الباقر علیه السلام في الرّواية الأولى لردّه ولم يشر إلى تحريف الزواية إما للتقية أو إشارة إلى أنّ الرّواية على تقدير صحتها أيضاً دلالة فيها على ما هو مطلوب العامة من إعتقاد التجسيم وإثبات الصورة له ، سبحانه عمّا يقول الظالمون وتعالى علوا كبيراً .
وربّما يجاب بأن المراد أنه على صورته لأنه مظهر الصفات الكمالية الإلهية، أو يقال : إن الضمير راجع إلى آدم أي صورته اللائقة به المناسبة له، هذا.
وقد تحقق بما ذكرناه كله معنى نفخ الروح ووجه المناسبة في إضافته إلى الضمير الراجع إليه تعالى .
وأمّا نفس الرّوح فاعلم أنه قد يطلق على النفس الناطقة التي تزعم الحكماء أنها مجردة ، وهي محلّ للعلوم والكمالات ومدبّرة للبدن، وقد يطلق على الروح الحيواني وهو البخار اللطيف المنبعث من القلب الساري في جميع أجزاء البدن، ويمكن إرادة المعنيين كليهما من الروح المنفوخ في آدم ، وقد استفيد من قول الباقر علیه السلام في الرواية السابقة : إنّ الروح متحرك كالريح كون الرّوح متحركاً سريعاً في جميع أجزاء البدن، وأنّه يجري آثاره في تجاويف أعضائه فيصلح البدن ويحيى ما دام فيه، كما أنّ الرّيح متحرك سريعاً في أقطار العالم ويجري آثاره فيها فيصلح العالم بجريانه ويفسد بفقدانه (2)
وفي الإحتجاج في جملة مسائل الزنديق عن أبي عبد الله علیه السلام، قال : فهل يوصف الرّوح بخفّة وثقل ووزن؟ قال علیه السلام: « الرّوح بمنزلة الرّيح في الزق إذا نفخت فيه إمتلأ الزق منها فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه ولا ينقصها خروجها منه كذلك الزوح ليس لها ثقل ولا وزن »، قال : أخبرني ما جوهر الرّيح قال علیه السلام : « الريح هواء إذا تحرك سمّي ريحاً وإذا سكن سمّي هواء وبه قوام الدنيا ولو كفت الريح ثلاثة أيام لفسد كلّ شيء على وجه الأرض ونتن، وذلك إن الزيح بمنزلة مروحة تذبّ وتدفع الفساد عن كلّ شيء وتطيبه فهي بمنزلة الرّوح إذا خرج عن البدن نتن البدن وتغير تبارك الله أحسن الخالقين (فتمثلت) الصورة
المجبولة بعد نفخ الروح (إنساناً) (1)
روى في «العلل » مرفوعاً عن أبي عبد الله علیه السلام: قال : «سمّي الإنسان إنساناً لأنَّه وقال الله عزّ وجلّ : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي» (2).
وعن «الدر المنثور » عن ابن عباس قال: خلق الله آدم من أديم الأرض أرض يوم يوم الجمعة بعد العصر فسماه آدم ثم عهد الله فنسي فسمّاه الإنسان ، قال ابن عبّاس: فبالله ما غابت الشمس من ذلك اليوم حتّى أهبط من الجنّة (3).
وقال الرّاغب : الإنسان قيل سمّي بذلك لأنه خلق خلقة لأقوام له إلا بأنس بعضهم ببعض ، ولهذا قيل الإنسان مدني بالطبع من حيث إنّه لا قوام لبعضهم إلا ببعض ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه ومحاوجه .
وقيل سمّي بذلك لأنه يأنس بكلّ ما يألفه وقيل هو أفعلان وأصله إنسيان سمّي بذلك لأَنَّه عهد إليه فنسي .
أقول : الإنسان لو كان من الإنس فوزنه فعلان وهو مذهب البصريين، ولو كان من النّسي فوزنه إفعان أصله إنسيان على وزن إفعلان فحذفت الياء استخفافاً لكثرة ما يجري على ألسنتهم وعند التصغير يردّ إلى الأصل يقال إنيسيان، وهو مذهب الكوفيين والرواية السابقة مؤيدة لمذهبهم ، وقوله علیه السلام ( ذا أذهان يجيلها ) قال الشارح البحراني: إشارة إلى ما للإنسان من القوى الباطنة المدركة والمتصرفة ومعنى إجالتها تحريكها وبعثها في انتزاع الصور الجزئية كما للحس المشترك، والمعاني الجزئية كما للوهم (وفكر يتصرف بها ) أي صاحب حركات
فكرية يتصرف بها في أمور معاشه ومعاده، وإلا فالقوة المتفكّرة في الإنسان واحدة وهي القوّة المودعة في مقدم البطن الأوسط من الدّماغ من شأنها تركيب الصور بالصور والمعاني بالمعاني والمعاني بالصور والصور بالمعاني (وجوارح يختدمها، وأدوات يقلبها). المراد بالجوارح والأدوات إما معنى واحد وهي الأعضاء والآلات البدنية جميعاً فإنها خادمة للنفس الناطقة وواسطة التقليب، وإما أن المراد بالأولى الأعم وبالثانية خصوص بعض الأعضاء ممّا يصخ نسبة التقليب والتقلب إليه كاليد والزجل والبصر والقلب (ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل) والمراد بالمعرفة هي القوّة العاقلة إذ الحق والباطل من الأمور الكلية والتميز بينها حظ العقل (و) هي المفرقة أيضاً بين (الأذواق والمشام والألوان والأجناس ) .
والمراد بالأذواق المذوقات المدركة بالذوق وهي قوة منبثة في العصب المفروش على سطح اللسان التي يدرك بها الطعوم من الحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة وغيرها. چوبالمشام المشمومات المدركة بالشم وهي قوّة مودعة في زايدتي مقدّم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي بها تدرك الروائح من الطيبة والمنتنة وغيرهما .
وبالألوان المبصرات المدركة بحس البصر وهي قوة مرتبة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان فتفترقان إلى العينين التي بها يدرك الألوان من السواد والبياض والحمرة والصفرة والأشكال والمقادير والحركات ونحوها .
وبالأجناس الأمور الكلية المنتزعة من تصفح الجزئيات وإدراكها ولذلك أخر علیه السلام ذكر الأجناس عنها إشارة إلى ما ذكر، وذلك لأنّ النّفس بعد ما أدرك الجزئيات بالمدركات والمشاعر التالفة تتنبه لمشاركات بينها ومباينات فاصلة بينها مميّزة لكل واحد منها عن الآخر، فتنتزع منها تصوّرات كلية بعضها ما به الإشتراك بينها، وبعضها ما به امتياز إحديها عن الأخرى، ولعله أريد بالأجناس مطلق الأمور الكلية لا الجنس المصطلح في علم المنطق والكلام .
فإن قلت: التفرقة بين الأذواق والمشام والألوان إنما هو من فعل الحواس الظاهرة، إذ هی المدركة لها والمميزة بينها حسبما ذكرت فما معنى نسبته إلى العقل؟
قلت : إدراك هذه، وإن كان بالحواس المذكورة إلا أنها قد يقع فيها الشك والمرجع فيها حنيئذ إلى العقل لأنه الرافع للشك عنها.
توضيح ذلك ما ورد في رواية «الكافي» بإسناده عن يونس بن يعقوب ، قال: كان عند أبي عبد الله علیه السلام جماعة من أصحابه منهم حمران بن أعين ومحمد بن أعين ومحمّد بن النعمان وهشام بن سالم والطيار وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب ، فقال أبو عبد الله علیه السلام : «يا هشام ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته» ! فقال هشام : يا بن رسول الله إني أجلك واستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله علیه السلام:« إذا أمرتكم بشيء فافعلوا »، قال هشام : بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة فعظم ذلك عليّ فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء متزر بها من صوف وشملة مرتد بها والناس يسألونه فاستفرجت النّاس فافرجوا لي ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي، ثم قلت :
أيّها العالم إنّي رجل غريب تأذن لي في مسألة؟ فقال لي: نعم، فقلت له : ألك عين؟ فقال لي يا بني أي شيء تريد من هذا السؤال وشيء تراه كيف تسأل عنه ؟ فقلت : هكذا مسألتي فقال : يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء، قلت: أجبني فيها، قال لي: سل،
قلت : ألك عين؟ قال: نعم، قلت : فما تصنع بها؟ قال : أرى بها الألوان والأشخاص، قلت: فلك أنف؟ قال : نعم ، قلت : فما تصنع به؟ قال: أشم به الرائحة ، قلت : ألك فم؟ قال: نعم ، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم ، قلت : فلك أذن؟ قال : نعم، قلت : فما تصنع بها؟ قال أسمع بها الصوت ، قلت : ألك قلب؟ قال: نعم، قلت : فما تصنع به؟ قال: أميز به كلما ورد على هذه الجوارح والحواس ، قلت : أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ فقال : لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال : يا بني إن الجوارح إذا شكت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب فيستبين اليقين «فيستيقن خ» ويبطل الشك، قال هشام : فقلت له : فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم قلت : لا بد من القلب وإلا لم يستيقن الجوارح ؟ قال : نعم ، فقلت له : يا أبا مروان فإن الله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يصح لها الصحيح ويتيقن به ما شككت فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكّهم وإختلافهم لا يقيم لهم إماماً يردون إليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكك؟ قال : فسكت ولم يقل لي شيئاً، ثم التفت إلي فقال لي : أنت هشام بن الحكم؟ فقلت : لا ، فقال : أمن جلسائه؟ قلت : لا ، :قال فمن أين أنت؟ قلت من أهل الكوفة ؛ قال : فأنت إذا هو ، ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتى قمت ، قال : فضحك أبو عبد الله علیه السلام فقال :« يا هشام من علمك هذا؟» قلت: شيء أخذته منك وألفته، فقال: «هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى» (1).
قال بعض المحققين من شراح الحديث : ومعنى شك الحواس وغلطها أنّ الحسّ أو الوهم المشوب بالحسّ يشك أو يغلط بسبب من الأسباب، ثم يعلم النفس بقوة العقل ما هو الحق المتيقن كما يرى البصر العظيم صغيراً لبعده والصغير كبيراً لقربه والواحد اثنين لحول في العين والشجرة التي في طرف الحوض منكوسة لانعكاس شعاع البصر من الماء إليها، والسمع يسمع الصوت الواحد عند الجبل ونحوه مما فيه صلابة أو صقالة صوتين لمثل العلّة المذكورة من انعكاس الهواء المتموّج بكيفية المسموع إلى الضماخ تارة أخرى ويقال للصوت الثاني : الصداء، وكما تجد الذائقة الحلو مرّاً لغلبة المرة الصفراء على جرم اللسان، وكذا تشمئز من الشامةالروائح الطيبة بالزكام فهذه وأمثالها أغلاط حسيّة يعرف القلب حقيقة الأمر فيها، انتهى ما أهمنا نقله .
واتضح به كلّ الوضوح أنّ التفرقة بين الحق والباطل وبين المحسوسات عند الشك والإرتياب إنّما هي وظيفة العقل والقلب وهو اللطيفة النورانية المتعلقة أوّل تعلّقها بهذا القلب
1) الكافي : 170/1 .
الصنوبري ونسبته إلى أعضاء الحس والحركة كنسبة النفس إلى قوى الحس والحركة في أنه ينبعث منه الدّم والرّوح البخاري إلى سائر الأعضاء فالنفس رئيس القوى وإمامها والقلب وهو مستقرها وعرش استوائها بإذن الله رئيس سائر الأعضاء وإمامها .
(معجوناً) أى مخمراً ذلك الإنسان (بطيئة الألوان المختلفة ) وأصلها وهذه إشارة إلى اختلاف أجزاء الإنسان فإن بعض أعضائه أبيض كالعظام والشحم، وبعضها أحمر كالدّم واللحم، وبعضها أسود كالشعر وحدقة العين وهكذا، ومثل اختلاف أجزائه إختلاف أفراد نوع الإنسان، فمنهم السعيد والشقي والطيب والخبيث، وكل ذلك مستند إلى اختلاف المواد.
كما يدلّ عليه ما رواه القمي في «تفسيره » بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم في حديث طويل، وفيه قال: «فاغترف ربنا تبارك وتعالى غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات وكلتا يديه يمين فصلصلها في كفه فجمدت ، فقال لها : منك أخلق النّبيين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمة المهتدين والدعاة إلى الجنّة وأتباعهم إلى يوم القيامة ولا أبالي ولا أسأل عما أفعل وهم يسألون، ثم اغترف غرفة من الماء المالح الإجاج فصلصلها في كفه فجمدت، ثم قال : منك أخلق الجبارين والفراعنة والعتاة وإخوان الشياطين والدعاة إلى النار وأشياعهم إلى يوم القيامة، ولا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون، قال : وشرط في ذلك البداء فيهم ولم يشترط في أصحاب اليمين، ثم خلط المائين جميعاً في كفه فصلصلهما ثم كفاهما قدام عرشه وهما سلالة من طين » (1)الحديث ، وسيأتي تمامه بعيد ذلك.
(والأشباه المؤتلفة )كالإئتلاف بين العظام والأسنان ونحوها فإنّها أجسام متشابهة ائتلف بعضها مع بعض وبها قامت الصورة الإنسانية (والأضداد المتعادية ، والأخلاط المتباينة ، من الحر والبرد والبلة والجمود والمسائة والسّرور).
والمراد بالبلة والجمود الرطوبة واليبوسة، وكلمة من تبيين للأضداد والأخلاط جميعاً وليست بياناً للأخلاط فقد بقرينة ذكر المسائة والسّرور.
قيل : والمراد بالحرّ الصفراء وبالبرد البلغم وبالبلة والدم وبالجمود السوداء فكلامه علیه السلام إشارة إلى الطبائع الأربع التي بها تحصل المزاج وبها قوام البدن الإنساني.
وفي حديث القمي السابق بعد قوله علیه السلام: ( ثم كفاهما قدام عرشه ) وهما سلالة من طين، قال: ثم أمر الله الملائكة الأربعة الشمال والجنوب والصبا والدبور أن يجولوا على هذه السلالة من طين فأبرؤها وأنشأوها ثم جزوها وفصلوها وأجروا فيها الطبائع الأربعة .
1) بحار الأنوار : 238/5
قال : الرّيح في الطبائع الأربعة من البدن من ناحية الشمال، والبلغم في الطبائع الأربعة من ناحية الصباء ، والمرة في الطبائع الأربعة من ناحية الدبور ، والدّم في الطبائع الأربعة من ناحية الجنوب.
قال : فاستقلت النسمة وكمل البدن، فلزمه من ناحية الرّيح حبّ النساء وطول الأمل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حبّ الطعام والشراب والبز والحلم والرّفق، ولزمه من ناحية المرّة الغضب والسّفه والشيطنة والتجبر والتمرّد والعجلة، ولزمه من ناحية الدم حب الفساد واللذات وركوب المحارم والشهوات قال أبو جعفر : وجدنا هذا في كتاب أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، هذا.
وأما المساءة والسرور فهما من الكيفيات النفسانية، وسبب السرور إدراك الكمال والإحساس بالمحسوسات الملائمة والتمكن من تحصيل المرادات والقهر والإستيلاء على الغير والخروج عن الآلام وتذكر الملذات، وسبب المسائة مقابلات هذه .
قال البحراني ومقصوده علیه السلام التنبيه على أن طبيعة الإنسان فيها قوة قبول واستعداد لتلك الكيفيات وأمثالها، وتلك القوة هي المراد بطينة المساءة والسرو والله العالم.
پس جمع فرمود حق سبحانه و تعالی از زمین درشت و زمین نرم و زمین شیرین و زمین شور پاره خاک را آمیخت و ممزوج نمود آن خاک را به آب تا این که خالص و پاکیزه شد و مخلوط و ملصق نمود آن را به رطوبت تا این که چسبان گشت، پس ایجاد کرد از آن صورت و شکلی که صاحب طرفها بود و بندها و صاحب جوارح بود و فصلها ، خشك ساخت آن صورت را تا این که قوام حاصل شد آن را و سخت گردانید آن را تا این که گل خشك آواز کننده گردید، پس باقی گذاشت آن را به جهت وقت شمرده شده و اجل دانسته گردیده ، پس از آن دمید در آن صورت روح خود را یا از روحی که اختیار کرده بود آن را به سایر ارواح ، پس متمثل شد و متصوّر گردید انسانی که صاحب ذهنهایی است که متحرک می سازد
آن را و صاحب فکرهایی است که تصرّف و تفتیش می میکند کند با آن و صاحب
جوارحی که طلب خدمت میکند از آنها و صا کند از آنها و صاحب آلاتی که برمی گرداند آنها را در امورات خود و صاحب معرفت و عقلی که فرق میگذارد با آن میان حق و باطل و میان ذوقها و مشام ها و میان رنگها و جنس ها ، در حالتی که آمیخته و خمیر شده آن انسان به اصل رنگهای گوناگون و شبههایی که با همدیگر الفت دارند ، چون استخوان و دندان و ضدهایی که تعاند دارند با همدیگر و خلط هایی که تباین دارند با یکدیگر از حرارت و برودت و رطوبت و یبوست و پریشانی
و خوشحالی.
«وَاسْتَأْدَى اللَّه الْمَلائِكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِه إِلَيْهِمْ ، في الإذعان بِالسُّجُودِ لَهُ وَالْخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ فَقالَ: اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ وَقَبيلَهُ (وَجُنُودَهُ خ) ، اعْتَرَتْهُمُ الْحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقْوَةُ، تَعَزّرُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاستَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلصالِ، فَأَعْطاه الله النَّظْرَةَ اسْتِحْقاقاً لِلسُّخَطَةِ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجازاً لِلْعِدَةِ، فَقالَ : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينِ إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ الْمَعْلُومِ » .
(استادى الله الملائكة) أي طلب منهم الأداء (والخنوع) كالخضوع لفظاً ومعنى (والتكرمة) إما بمعنى التكريم وهو التعظيم والإحترام مصدر ثان من التفعيل كما في الأوقيانوس، أو إسم من التكريم على ما قاله الفيومي (وإبليس) إفعيل من إبلس قال سبحانه :
(فَإذَا هُم مُّبْسُونَ ﴾ [الأنعام : 44] .
أي آيسون من رحمة الله ، واسمه بالعبرانية عزازيل بزائين معجمتين وبالعربية الحارث وكنيته أبو مرّة (والقبيل) في الأصل الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى فإن كانوا من أب واحد فقبيلة، وقد تسمى قبيلاً وجمعه قبل وجمع القبيلة القبائل (والشقوة) بكسر الشين الشقاوة ( والتعزز) التكبر (واستوهنوا) عدوه واهناً ضعيفاً (والنظرة) بكسر الظاء مثل كلمة اسم من أنظرت الدين أخرته قال سبحانه:
(فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةً ﴾ [البقرة: 280] .
أي تأخير (والسخطة) بالضم كالسخط الغضب وعدم الرضا (والبلية) إسم من الإبتلاء وهو الإمتحان (وأنجز) وعده وعدته إذا وفى به .
(الملائكة) منصوب بنزع الخافض أي من الملائكة ، وإضافة العهد إلى الوصية قيل من قبيل إضافة الضفة إلى الموصوف أي وصيته المعهودة ، وإستثناء إبليس إما منقطع على ما هو الأظهر الأشهر بين أصحابنا وكثير من المعتزلة، أو متصل على ما ذهب إليه طائفة من متكلمي العامة واختاره منا الشيخ (رحمت الله) في التّبيان، ومنشأ الخلاف أن إبليس هل هو من الجنّ أم من الملائكة؟ ويأتي تحقيق الكلام فيه ، وانتصاب الإستحقاق والإستتمام والإنجاز على المفعول له .
(واستأدى الله الملائكة ) أي طلب منهم أداء (وديعته) المودعة (لديهم و) طلب أداء (عهد وصيته إليهم ) والمراد بتلك الوديعة والوصيّة ما أشار إليه سبحانه في سورتي الحجر وص .
قال في الأولى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ [الحجر: 28 - 29] .)قال أمير المؤمنين علیه السلام على ما رواه القمي عنه : وكان ذلك من الله تقدمة في آدم قبل أن يخلقه وإحتجاجاً منه عليهم.وفي الثانية :( وإذ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَحْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ [ص: 71-72]
فلقد كان عزّ وجلّ أوصاهم وعهد إليهم أنه خالق بشراً لا بد لهم من السجود له بعد إستوائه ونفخ الروح فيه، وإلى ذلك أشار علیه السلام بقوله (في الإذعان بالسجود له و) الانقياد ب- (الخنوع ) والخضوع (لتكرمته) وتعظيمه (فقال ) سبحانه للملائكة بعد الإستواء ونفخ الروح (اسجدوا لآدم) قال الصادق علیه السلام :« وكان ذلك الخطاب بعد ظهر الجمعة (فسجدوا) وبقوا على السجدة إلى العصر (إلا إبليس) قال الرضا علیه السلام كان إسمه الحارث سمّي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله (وقبيله) (1)
قال المحدث المجلسي (قدس الله سره) : وضمّ القبيل هنا إلى إبليس غريب، فإنّه لم يكن له في هذا الوقت ذريّة ولم يكن أشباهه في السّماء، فيمكن أن يكون المراد به أشباهه من الجنّ في الأرض بأن يكونوا مأمورين بالسجود أيضاً، وعدم ذكرهم في الآيات وسائر الأخبار لعدم الإعتناء بشأنهم، أو المراد به طائفة خلقها الله تعالى في السماء غير الملائكة، ويمكن أن يكون المراد بالقبيل ذريته ويكون إسناده عدم السجود إليهم لرضاهم بفعله كما قاله علیه السلام في موضع آخر: «إنّما يجمع الناس الرّضا والسخط، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضا، فقال سبحانه :
(فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَدِمِينَ 157 ) (2)[الشعراء: 157].
أقول: والأوجه ما أجاب به أخيراً ويشهد به مضافاً إلى ما ذكره ما رواه السيد (رحمت الله) في آخر الكتاب عنه علیه السلام من أنّ الرّاضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وقال سبحانه :
(قد جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالْبَيِّنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ فَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [آل عمران : 183]
فإنّه روى في «الكافي » عن الصادق علیه السلام قال : «كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام، فألزمهم الله القتل لرضاهم بما فعلوا و، مثله عن العياشي في عدة روايات (اعترتهم) وغشيتهم (الحمية) والعصبية (وغلبت عليهم الشقوة) والضلالة (تعزّزوا) وتكبروا (بخلقة النار واستوهنوا ) واستضعفوا (خلق الصلصال ) وقالوا: إن مادتنا وجوهرنا خير من جوهر آدم الطيني فلا نسجد له ، لأَن السجود إنّما هو لمكان شرف الجوهر وجوهر النار أشرف من جوهر التراب، وهذا معنى قوله سبحانه في سورة الأعراف :
( قال ما منعكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذ ارتكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ 12﴾ [الأعراف : 12 ] .
وفي «الكافي » والاحتجاج عن الصادق علیه السلام أنه دخل عليه أبو حنيفة فقال له: «يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس » قال : نعم ، أقيس ، قال : «لا تقس فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال : (وخَلَقْتَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ [الأعراف : 12] فقاس ما بين النار والطين ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر» (1).
قال بعض الأفاضل: إن إبليس قد غلط حيث لاحظ الفضل باعتبار الجوهر والعنصر فلولا حظه باعتبار الفاعل لعلم فضل آدم عليه نظراً إلى ما أكرمه الله به من إضافة روحه إلى نفسه ونسبة خلقته إلى يديه حيث قال :
( ولمَا خَلَقْتُ بِيَدَى ﴾ [طه: 75] .
مضافاً إلى ما في قياسه في نفسه أيضاً من الفساد من حيث إنّ الطين أمين يحفظ كل ما أودع عنده والنار خائن يفني كل ما يلقى فيه . والنّار متكبر طالب للعلو، والتراب متواضع طالب السفل، والتواضع أفضل من التكبر هذا.
وقد ظهر مما ذكرناه فساد العمل بالقياس أيضاً وقد عنونه أصحابنا في «علم الأصول» وحكموا بعدم جواز العمل في «الأحكام الشرعية » بالأقيسة والإستحسانات العقلية، نظراً إلى ما نشاهده من حكم الشارع في «الموارد الكثيرة » بخلاف ما تقتضيه عقولنا الناقصة.
كجمعه بین المتشاكلات وتفريقه بين المختلفات في متزوحات البئر .
وكجمعه بين النوم والبول والغائط في الأحداث.
وحكمه بوجوب الإحرام في الحلّ مع أنّ الحرم أفضل.
وحكمه بوجوب مسح ظاهر القدم مع أن الباطن أولى .
1) الكافي: 58/1 ، وشرح أصول الكافي: 27/2 ، علل الشرائع : 86/1 .
وحكمه بحرمة صوم يوم العبد وجوب سابقه وندبية لاحقه .
وحكمه بوجوب خمسمائة دينار وهو نصف الدّية الكاملة في قطع إحدى اليدين وقطع اليد لربع دينار .
وحكمه لقطع اليد لسرقة ربع دينار وعدم جواز قطعه للغصب ولو كان ألفاً إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبع ومع ذلك كيف يمكن الإستبداد بالعقول الناقصة والآراء الفاسدة في استخراج مناطات الأحكام الشرعية، وقد قامت الأخبار المتواترة عن اتمتنا عليهم السّلام على النهي عن العمل بالقياس والإستحسانات العقلية، مثل قولهم: إنّ دين الله لا يصيب العقول، وإنّ السنة إذا قيست محق الدين، وإنّه لا شيء أبعد عن عقول الرّجال من دين الله .
روى الصدوق والكليني بإسنادهما عن أبان بن تغلب ، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام : ما تقول في رجل قطع اصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قال: قلت : قطع اثنين؟ فقال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون»، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون فيقطع أربعاً فيكون عليه عشرون، إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبراً ممّن قاله ، ونقول : إن الذي «جاء به خ» قاله شیطان ، فقال : مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله إن المرأة تعاقل الرّجل إلى ثلث الدّية فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النّصف ، يا أبان إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدین (1).
وفي الإحتجاج أن الصادق علیه السلام قال لأبي حنيفة لما دخل عليه : «من أنت»؟ قال: أبو حنيفة، قال: «مفتي أهل العراق »، قال : نعم ، قال: «بم تفتيهم» ؟ قال : كتاب الله ، قال : «فأنت العالم بكتاب الله؟ ناسخه و منسوخه ومحكمه ومتشابهه »، قال : نعم ، قال: «فأخبرني عن قول الله عزّ وجل.
(وقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴾ [سبأ: 18] .
أي موضع هو »؟ قال أبو حنيفة : هو ما بین مكة والمدينة ، فالتفت أبو عبد الله علیه السلام إلى جلسائه وقال: «نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تؤمنون على دمائكم من القتل وعلى أموالكم من السرق»؟ فقالوا اللهم نعم ، قال : «ويحك يا أبا حنيفة إن الله لا يقول إلا حقاً، أخبرني عن قول الله :
( وَمَن دَخَلَمُ كَانَ عَامِنَا )[آل عمران : 97] .
1) رياض المسائل : 505/2 .
أي موضع هو »؟ قال : ذاك بيت الله الحرام، فالتفت أبو عبد الله علیه السلام إلى جلسائه وقال لهم :« نشدتكم بالله هل تعلمون أنّ عبد الله بن زبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل»؟ قالوا : اللهم نعم ، فقال : أبو عبد الله علیه السلام : «ويحك يا أبا حنيفة إن الله لا يقول إلا حقاً».
فقال أبو حنيفة : ليس لي علم بكتاب الله عزّ وجلّ إنّما أنا صاحب قياس، قال أبو عبد الله علیه السلام :«فانظر في قياسك إن كنت مقيساً أيما أعظم عند الله القتل أو الزنا »؟ قال : بل القتل، قال: «فكيف رضي الله في القتل بشاهدين ولم يرض في الزنا إلا بأربعة؟ ثم قال له : الصّلاة أفضل أم الصّيام»؟ قال : بل الصلاة أفضل، قال:« فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام ، وقد أوجب الله عليها قضاء الصّوم دون الصلاة ، ثم قال : البول أقذر أم المني؟ قال : البول أقذر ، قال: يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب الله الغسل على المني دون البول » (1).
قال : إنّما أنا صاحب رأي ، قال علیه السلام : «فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد فولدتا غلامين فسقط البيت عليهم فقتلت الإمرأتين وبقي الغلامان أيهما في رأيك المالك وأيهما المملوك وأيهما الوارث وأيهما الموروث»؟
قال : إنّما أنا صاحب حدود ، فقال علیه السلام: فما ترى في رجل أعمى فقاً عين صحيح ، وأقطع يدر رجل كيف يقام عليهما الحد»؟
قال : إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء، قال: «فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى
وهارون حين بعثهما إلى دعوة فرعون :
(لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44] .
(العل) منه شكّ؟» قال: نعم، قال: ذلك من الله شك إذ قال لعله ؟ قال أبو حنيفة : لا أعلم.
قال علیه السلام : إنك تفتي بكتاب الله ولست ممن ورثه ، وتزعم أنك صاحب قياس وأوّل من قاس إبليس ولم يبن دين الإسلام على القياس، وتزعم أنك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم صواباً ومن دونه خطأ، لأنّ الله قال :
(هو لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَرَنكَ اللهُ ﴾ [النساء : (105] »(2).
ولم يقل ذلك لغيره، وتزعم أنك صاحب حدود ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك وتزعم أنك عالم بمباعث الأنبياء وخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك، لولا أن يقال: دخل على ابن رسول الله فلم يسأله من شيء ما سألتك عن شيء، فقس إن كنت مقيساً، قال: لا تكلمت بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس ، قال علیه السلام : «كلا إن حب الرئاسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك الخبر» (1)
ثم إنّ إبليس اللعين بعد ما تمرّد عن السجود وتكبّر عن طاعة المعبود سأل الله النظرة والمهلة والإبقاء إلى يوم البعث وقال :
(ورَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [ الحجر : 36] .
( فأعطاه الله النظرة إستحقاقاً للسخطة) أي لأجل إستحقاقه سخط الله سبحانه وغضبه، فإن في الإمهال، وإطالة العمر إزدياد الإثم الموجب لإستحقاق زيادة العقوبة، قال سبحانه :
(هو ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي فَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمَاً وَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينُ ﴾ [آل عمران: 178] .
(وإستتماماً للبلية ) أي لإبتلاء بني آدم وتعريضهم للثواب بمخالفته (وإنجازاً للعدة) قيل: المراد به وعد الإمهال وليس بشيء، لأنه لم يسبق منه سبحانه وعد في إمهاله حتى ينجزه، بل الظاهر أن المراد به أنّه تعالى لما كان لا يضيع عمل عامل بمقتضى عدله وقد عبده إبليس في الأرض وفي السماء وكان مستحقاً للجزاء الذي وعده سبحانه لكل عامل مكافأة لعمله، فأنجز له الجزاء الموعود في الدنيا مكافأة لعبادته حيث لم يكن له في الآخرة من خلاق.
روي في «البحار» عن العياشي عن الحسن بن عطية قال سمعت : أبا عبد الله
علیه السلام يقول : « إنّ إبليس عبد الله في السماء في ركعتين ستة ألف سنة وكان إنظار الله إياه إلى يوم الوقت المعلوم بما سبق من تلك العبادة » (2)
وفي رواية علي بن إبراهيم الآتية عن أمير المؤمنين علیه السلام قال إبليس :« يا رب وكيف وأنت العدل الذي لا تجور ولا تظلم فثواب عملي باطل ، قال : لا ، ولكن سلني «إسأل خ» من أمر الدنيا ما شئت ثواباً لعملك فأعطيك، فأوّل ما سأل البقاء إلى يوم الدين فقال الله : قد أعطيتك» . الخبر (3).
وفي روايته الآتية أيضاً عن زرارة عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قلت : جعلت فداك بماذا
استوجب إبليس من الله أن أعطاه ما أعطاه ؟ قال : «بشيء كان منه شكره الله عليه »، قلت وما كان منه جعلت فذاك؟ قال: «ركعتين ركعهما في السماء في أربعة آلاف سنة فقال : (إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) »(1).
قال الرّازي في «تفسيره »: إعلم أن إبليس إستنظر إلى يوم البعث والقيامة وغرضه منه أن لا يموت ، لأنه إذا كان لا يموت قبل يوم القيامة وظاهر أن بعد قيام القيامة لا يموت فحينئذ يلزم منه أن لا يموت البتة، ثم إنه تعالى منعه عن هذا المطلوب وقال :
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر: 37-38] واختلفوا في المراد منه على وجوه :
أحدها: أن المراد من يوم الوقت وقت النفخة الأولى حين تموت كل الخلائق وإنّما سمّي هذا الوقت بالوقت المعلوم، لأن من المعلوم أنه تموت كل الخلائق فيه، وقيل إنّما سمّاه الله تعالى بهذا الإسم، لأن العالم بذلك هو الله تعالى لا غير كما قال تعالى :
(و إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لا يجليها لونها إلا هو ) [الأعراف: 187] وقال: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمٌ السَّاعَةِ [لقمان : 34])وثانيها: أنّ المراد من يوم الوقت المعلوم هو الذي ذكره وهو قوله :(إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ الحجر : 36].
وإنما سمّاه الله تعالى بيوم الوقت المعلوم لأن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار ذلك كالمعلوم ، فإن قيل : لما أجابه الله تعالى إلى مطلوبه لزم أن لا يموت إلى وقت قيام الساعة وبعد قيام القيامة لا يموت أيضاً فيلزم أن يندفع عنه الموت بالكلية ، قلنا يحمل قوله : إلى يوم يبعثون إلى ما يكون قريباً منه ، والوقت الذي يموت فيها كلّ المكلفين قريب من يوم البعث على هذا الوجه ، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى الوجه الأول.
وثالثها: أن المراد بيوم الوقت المعلوم يوم لا يعلمه إلا الله تعالى وليس المراد منه يوم القيامة، انتهى .
أقول : والمستفاد من بعض أخبارنا الوجه الأول، وهو ما روى في «العلل» عن الصادق علیه السلام أنه سئل عنه فقال: «يوم الوقت [المعلوم] يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الأولى والثانية »(2).
ومن البعض الآخر أنه عند الرجعة، وهو ما رواه القمي بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله، قال: «يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على الصخرة في بيت المقدس» (1).
وفي رواية أخرى رواها العياشي عنه علیه السلام أيضاً أنه سئل عنه فقال: «أتحسب أنه يوم يبعث فيه النّاس إنّ الله أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتّى يجثو بين يديه على ركبتيه فيقول : يا ويله من هذا اليوم فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه فذلك يوم الوقت المعلوم، ويحتمل الجمع بينهما بأن يقتله القائم ثم يحيى ويقتله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ثم يحيى ويموت عند النفخة (2)، والله العالم بحقائق الأمور ».
وينبغي التنبيه على أمور مهمة مفيدة لزيادة البصيرة في المقام .
الأول : أنّه سبحانه ذكر قصة آدم وكيفية خلقته ومعاملة إبليس معه في مواقع كثيرة من القرآن الكريم وفي ذلك أسرار كثيرة :
منها الإشارة إلى كمال قدرته وعظمته حيث إنّه خلق إنساناً كاملاً ذا عقل وحس وحياة وصاحب مشاعر ظاهرة وباطنة من تراب جامد، ثم جعله طيناً لازباً فجعله حمأ مسنوناً فجعل الحماً صلصالاً يابساً، ثم نفخ فيه من روحه فاستوى انساناً كاملاً فتبارك الله أحسن الخالقين.
ومنها تذكير الخلق بما أنعم به على أبيهم آدم حيث فضله على ملائكة السماء بما علمه من الأسماء وجعله مسجوداً لهو وذا مزية عليهم.
ومنها تحذير الخلق عن مكائد الشيطان ليجتنبوا عن مصائده وفخوخه فإن عداوته أصلية ومنافرته ذاتية لا يمكن توقع الوصل والعلقة معه ألبتة .
ومنها تنبيه الخلق على أن آدم مع فعله زلة واحدة كيف أخرج من جوار رحمة الله وأهبط إلى دار البلية، فما حال من تورّط في الذنوب واقتحم في المهالك والعيوب مدى عمره وطول زمانه وهو مع ذلك يطمع في دخول دار الخلد ونعم ما قيل :
يا ناظراً نوراً بعيني راقد *** ومشاهداً للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي *** درك الجنان ونيل فوز العابد
أنیت أنّ الله أخرج آدماً *** منها إلى الدنيا بذنب واحد
لقائل أن يقول : أمر الملائكة بالسجود لآدم لماذا وما السر في ذلك؟ قلنا : فيه أسرار كثيرة :
منها إظهار فضيلته على الملائكة .
ومنها الإبتلاء والإمتحان ليظهر حال إبليس على الملائكة حيث علموا بعد إبائه وإمتناعه عن السجدة أنه لم يكن منهم، وقد زعموا قبل ذلك أنه منهم كما يدلّ عليه ما رواه علي بن إبراهيم القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سُئِلَ عمّا ندب الله الخلق إليه أدخل فيه الضلال؟ «الضلالة خ » «قال : نعم والكافرون دخلوا فيه ، لأن الله تبارك وتعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فدخل في أمره الملائكة وإبليس، فإنّ إبليس كان الملائكة في السماء يعبد الله وكانت الملائكة تظن أنه فلمّا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أخرج ما كان في قلب إبليس من الحسد ، فعلمت الملائكة أنّ إبليس لم يكن منهم ، »فقيل له علیه السلام: فكيف وقع الأمر على إبليس وإنّما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ فقال: «كان إبليس منهم بالولاء ولم يكن من جنس الملائكة، وذلك أنّ الله خلق خلقاً قبل آدم، وكان إبليس فيهم حاكماً في الأرض فعتوا وأفسدوا وسفكوا الدّماء، فبعث الله الملائكة فقتلوهم وأسروا إبليس ورفعوه إلى السماء فكان مع الملائكة يعبد الله إلى أن خلق الله تبارك وتعالى آدم »(1).
ومنها أن سجودهم له لما كان في صلبه له لما كان في صلبه من أنوار نبينا وأهل بيته المعصومين صلوات الله عليهم يدلّ عليه ما رواه في «الصافي» و «البحار» عن تفسير الإمام عن علي بن الحسين عن أبيه عن رسول الله سلام الله عليهم، قال: «يا عباد الله إن آدم لما رأى النور ساطعاً من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور ولم يتبين الأشباح، فقال: يا رب ما هذه الأنوار؟ فقال عزّ وجلّ : أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح، فقال آدم : يا ربّ لو بينتها لی، فقال الله عزّ وجلّ : انظر يا آدم إلى ذروة العرش، فنظر آدم ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية فرأى أشباحنا ، فقال : ما هذه الأشباح يا ربّ؟ قال الله يا آدم هذه أشباح أفضل خلائقي وبرياتي هذا محمّد وأنا الحميد المحمود في فعالي شققت له إسماً من اسمي ، وهذا عليّ وأنا العلي العظيم شققت له إسماً من إسمي، وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي وفاطم أوليائي عمّا يعرهم «يعتريهم خ» وشينهم، فشققت لها إسماً من إسمي ، وهذا الحسن، وهذا الحسين وأنا المحسن المجمل فشققت
1) بحار الأنوار: 234/6
إسميهما من إسمي هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريتي بهم أخذ أعطي وبهم أعاقب وبهم أثيب فتوسل بهم إلي يا آدم إذا دهتك داهية فاجعلهم إلى شفعائك فإنّي آليت على نفسي قسماً حقاً أن لا أخيب بهم آملاً ولا أردّ آملاً ولا أردّ بهم سائلاً فلذلك حين زلت زلت منه الخطيئة دعا الله عزّ وجل بهم فتاب عليه وغفر له» (1)(2)
فقال إلهي ما الضياء الذي أرى *** جنود السما تعشو اليه تردداً
فقال نبي خير من وطيء الثرى *** وأفضل من في الخير راح أو اغتدى
تخيرته من قبل خلقك سيدا *** والبسه قبل النبیین سوددا
سكن الفؤاد فعش هنیئایا جسد *** هذا النعیم هو المقیم الی الابد
روح الوجود حياة من هو واجد *** لولاه ماتم الوجود لمن وجد
عیسى وآدم والصدور جميعهم *** هم اعین هو نورها لما سجد
لوابصر الشيطان طلعة نوره *** فی وجه ادم کان اول من سجد
أو لو رأى النمرود نور جماله *** عبد الجليل مع الخليل ولا عند
لكن جمال الله جل فلایری *** الا بتخصیص من الله الصمد
(المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : 36/1 - 44 تشريف الله للنبي من المقصد الأول ).
طأطأ كل الأنبياء باء لطاها *** ذلك عِزّ عَزَّ أن یضاهی
تقبلت تربة آدم الصفی *** بیمینه اکرم به من خلف
و سجدة الاملاك لا لغرته *** بل نور یاسین بدا فی غرته
به نجی نوح من طوفان *** بمرسلات اللطف والاحسان
وقال العباس بمدح النبي صلی الله علیه واله وسلم :
من قبلها طبت في الضلال وفي *** مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر *** أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد *** ألجم نسراً وأهله الغرق
تنقل من صالب الى رحم *** اذا مضی عالم بدا طبق
حتی احتوى بيتك المهيمن من *** خندف علياء تحتها النطق
وانت لما ولدت اشرقت الا *** رض وضاءت بنورک الافق
فنحن في ذلك الضياء وفي الن *** -ور وسُبُلَ الرشاد نخترق
( مجمع الزوائد : 400/8 ح 13830 کتاب علامات النبوة، والمستدرك: 327/3 كتاب معرفة الصحابة مناقب العباس )
وزاد ابن الجوزي هذا البيت:
وردت نار الخليل مكتتما *** تجول فيها ولت تحترق
( الوفا باحوال المصطفى : 28 الباب الثاني . ح 9 ، وينابيع المودة : 14.13 ) .
أقول : هو اشارة الى ما تقدم في وجود نور النبي محمد في الأنبياء (عليهم السلام) . وقال الصفوري: لما ألقي إبراهيم في النار كان نور محمد صلی الله علیه واله وسلم في جنبه وعند الذبح كان النور قد انتقل الى اسماعيل ( - نزهة المجالس : 2/ 2450) .
وزاد القاضي عياض :
يا بَرْدَ نار الخليل يا سَبَباً *** لعصمة النار وهي تخترقُ
(- الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 168.167/1 الباب الثالث ).
لقائل أن يقول : ماذا كان المانع لإيلبس عن السجود؟ قلت : المستفاد سجود؟ قلت : المستفاد من رواية القمي السالفة أنّه الحسد، والمستفاد من الآيات القرآنية أنّه الإستكبار، وهو المستفاد أيضاً ممّا رواه في «البحار» عن قصص الراوندي بالإسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن عباس قال : قال إبليس النوح علیه السلام: لك عندي يد سأعلمك خصالاً، قال :نوح وما يدي عندك؟ قال: دعوتك على قومك حتى أهلكهم الله جميعاً ، فإياك والكبر وإياك والحرص وإياك والحسد، فإن الكبر هو الذي حملني على أن تركت السجود لآدم فأكفرني وجعلني شيطاناً رجيماً، وإياك والحرص فإن آدم أبيح له الجنّة ونهي عن شجرة واحدة فحمله الحرص على أن أكل منها، وإياك والحسد فإنّ ابن آدم حسد أخاه فقتله، فقال نوح: متى تكون أقدر على ابن آدم؟ فقال: عند الغضب (1)، هذا .
ولا منافاة بينها لأنه يجوز أن يكون المانع الحسد والكبر الناشيء من قياسه الفاسد
جميعاً.
ويدل عليه ما رواه علي بن إبراهيم بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم في حديث طويل وساق الحديث إلى قوله : فخلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصوّراً وكان يمر به إبليس اللعين فيقول : لأمر ما خلقت ، فقال العالم علیه السلام : فقال إبليس : لأن أمرني الله بالسجود لهذا لعصيته ، قال : ثم نفح فيه، فلما بلغت فيه الروح إلى دماغه عطس عطسة فقال : الحمد الله ، فقال الله له : يرحمك الله ، ثم قال الله تبارك وتعالى للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا له، فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد فقال الله عزّ وجلّ .
( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذ أَمَرَتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ [الأعراف : 12]
قال الصادق علیه السلام: فأول من قاس إبليس واستكبر ، والإستكبار هو أوّل معصية عصي
1) البحار بحار الأنوار: 293/118 ، ودرر الأخبار: 442 .
الله بها ، قال : فقال إبليس : يا ربّ إعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرّب ولا نبي مرسل ، قال الله تعالى : لا حاجة لي إلى عبادتك إنما أريد أن أعبد من حيث أريد لا من حيث تريد ، فأبى أن يسجد فقال الله تبارك وتعالى :
(قالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّين) (1)[ الحجر : 34-35].
فقال إبليس : يا رب كيف وأنت العدل الذي لا تجور فثواب عملي باطل ، قال ، لا :
: ولكن إسأل من أمر الدنيا ما شئت ثواباً لعملك فأعطيك فأوّل ما سأل البقاء إلى يوم إلى يوم الدين، فقال الله : قد أعطيتك .
قال : سلطني على ولد آدم ، قال : سلطتك قال : أجرني فيهم مجري الدم في العروق قال : أجريتك، قال: لا يولد لهم ولد إلا ولد لي إثنان وأراهم ولا يروني وأتصوّر لهم في كلّ صورة شئت ، فقال : قد أعطيتك ، قال : يا رب زدني، قال : قد جعلت لك ولذريتك صدورهم أوطاناً، قال : ربّ حسبي، فقال إبليس عند ذلك :
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص: 82-83 ] (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَمَالِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكرين) [الأعراف: 17] . وروى أيضاً بإسناده عن زرارة عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «لما أعطى الله تبارك وتعالى لإبليس ما أعطاه من القوّة قال :آدم يا رب سلطت إبليس على ولدي وأجريته فيهم مجرى الدّم في العروق وأعطيته ما أعطيته فما لي ولولدي ! فقال : لك ولولدك السيئة بواحدة والحسنة بعشر أمثالها ، قال : يا رب زدني ،قال : التّوبة مبسوطة إلى حين تبلغ النفس الحلقوم، فقال: يا رب زدني قال : أغفر ولا أبالي قال : حسبي »(2).
إختلفوا في أنّ إبليس اللعين هل هو من الجنّ أم من الملائكة؟ المعزى إلى أكثر المتكلمين من أصحابنا والمعتزلة هو الأوّل، وذهب كثير من فقهاء العامة على ما حكى عنهم الفخر الرازي وجمهور المفسرين ومنهم ابن عباس على ما حكاه عنهم الشارح البحراني إلى الثاني.
والمختار عندنا الأوّل وفاقاً للأكثر ومنهم المفيد وقد نسبه إلى الإمامية كلها، حيث
قال في «المحكي» في كتاب المقالات : إن إبليس من الجنّ خاصة وإنه ليس من الملائكة، ولا كان منها، قال الله تعالى :
(و إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ﴾ [الكهف: 50]
وجاءت الأخبار المتواترة عن أئمة الهدى من آل محمّد عليهم السلام بذلك، وهو
مذهب الإمامية كلها وكثير من المعتزلة وأصحاب الحديث ، انتهى .
واحتج للمختار بوجوه .
الأَوّل: إنّ إبليس من الجنّ فوجب أن لا يكون من الملائكة، أما أنه من الجن فلقوله
تعالى في سورة الكهف :
(هو إلا إبليسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ [الكهف: 50]
وأما أنه إذا كان من الجنّ، فوجب أن لا يكون من الملائكة، فلقوله تعالى :
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَيْكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَنَكَ أَنتَ وَلِيُّنا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ﴾ [سبأ: 40-41]
فإنّ الآية صريحة في الفرق بين الجن والملائكة .
وما ربما يتوهم من أنّ معنى قوله سبحانه : كان من الجنّ ، أنّه كان خازن الجنّة على ما روى عن ابن مسعود ، أو أنّ كان بمعنى صار ، أي صار من الجنّ كما أن قوله : وكان من الكافرين، بمعنى صار من الكافرين، فظاهر الفساد.
أما أولاً : فلأنه خلاف الظاهر المتبادر من الآية الشريفة ، كما أن حمل كان بمعنى صار كذلك .
أما ثانياً : فلانه سبحانه علل ترك السجود بأنّه كان من الجن ولا يمكن تعليل ترك
السجود بكونه خازناً للجنة كما لا يخفي.
والعجب من بعضهم حيث قال : إن كونه من الجنّ لا ينافي كونه من الملائكة لأنّ الجن من الإجتنان وهو الإستتار، والملائكة مستترون عن العيون فصخ جواز إطلاق اللفظ عليهم .
وفيه أن الجن وإن كان يجوز إطلاقه بحسب اللغة على الملك إلا أنه صار في
الإصطلاح مختصاً بالجنس المقابل للملك والإنس، فلا يجوز الإطلاق.
الثاني : أنّ إبليس له ذرية ونسل، قال الله تعالى :
(و أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي ﴾ [الكهف: 50] .
والملائكة لا ذرية لهم إذ ليس فيهم أنثى كما يدل عليه قوله سبحانه :
(وَجَعَلُوا المَلَيكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِننا ﴾ [الزخرف : 19] .
وأورد عليه بمنع دلالة على إنتفاء الأنثى أولاً، ومنع ملازمة إنتفاء الأنثى على تقديره ثانياً، ألا ترى أنّ الشياطين ليس فيهم أنثى ومع ذلك لهم ذرية، ولذلك قال شيخنا الطوسي (رحمت الله) في محكي كلامه عن التبيان : من قال إن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ولا يتناكحون ولا يتناسلون فقد عوّل على خبر غير معلوم (1).
الثالث : أن الملائكة معصومون لأدلة العصمة، وإبليس ليس بمعصوم فلا يكون منهم وربما يستدل بوجوه أخر لا حاجة إلى ذكرها .
واحتج للقول الثاني بوجهين :
الأول: أنه سبحانه إستثناه في غير موضع من القرآن من الملائكة، والإستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وهو يفيد كونه من الملائكة .
وما أورد عليه أولاً من أن الإستثناء المنقطع شائع في كلام العرب وكثير في كلام الله سبحانه قال :
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِي [الزخرف: 26- 27] ولا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَفُوا وَلَا تَأْتِيمًا * إِلَّا فِيلا سَلَمًا سَلَمًا [الواقعة: 25-26] (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم ييْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةٌ عَن تَرَاضِ مِنكُمْ﴾ [النساء : 29] . وثانياً: من أنّ الإستثناء على تسليم إتصاله أيضاً لا يفيد الدخول كما قال الزمخشري بعد قوله سبحانه (إلا إبليس) إستثناء متصل، لأنه كان جنّياً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم فغلبوا عليه في قوله فاسجدوا ثم إ فغلبوا عليه في قوله فاسجدوا ثم إستثنى منهم إستثناء واحد منهم .
فقد ردّ الأول بأنّه خلاف الأصل ولا يصار إليه إلا بدليل والأدلة السالفة على كونه من الجن من منه لا تصلح للدلالة لأنها من قبيل العمومات، والأمر في المقام دائر بين تخصيصها على جعل إبليس من الملائكة وبين حمل الاستثناء على المنقطع على جعله من الجنّ وكلاهما خلاف الأصل إلا أنّ الأوّل أولى لأن تخصيص العام أغلب من إنقطاع الإستثناء فلا بد من المصير إليه .
والثاني : بأن تغليب الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه في جنب الكثير أما إذا كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك الواحد لم يجز إجراء حكم غيره عليه وتغليبه عليه وفيه نظر ووجهه سيظهر .
1) بحار الأنوار : 287/60 .
الثاني: أنه لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان الأمر بالسجدة بقوله إسجدوا شاملاً له، فلا يكون تركه للسجود إباءً واستكباراً ومعصية ، ولما استحق الذم والعقاب، وحيث حصلت هذه الأمور كلها فعلمنا بتناول الخطاب له، ولا يتناوله إلا مع كونه من الملائكة .
ورة أولاً بمنع كونه مخاطباً بذلك الخطاب العام المستلزم للتناول، لم لا يجوز أن
يخاطب بأمر آخر مختص به؟
وثانياً بمنع إستلزام تناول ذلك الخطاب له على تقدير تسليمه كونه من الملائكة لجواز أن يكون طول مخالطته بهم ونشوئه معهم مصححاً لتعلق الخطاب وتناوله فلا يثبت به الملازمة.
ويضعف الأول بأن ظاهر قوله : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس، أن الإباء والعصيان إنما حصل بمخالفة هذا الأمر لا بمخالفة أمر آخر .
والثاني: بأن طول المخالطة لا يوجب تناول الحكم وإلا لتناول خطاب المذكور في
الأدلة الشرعية للإناث وبالعكس وهو خلاف ما صرح به علماء الأصول.
أقول: هذا جملة ما استدل به على الطرفين في المقام والتعويل عندنا على الأخبار الصّحيحة عن العترة الطاهرة :
منها رواية علي بن إبراهيم القمي السالفة في الأمر الثاني .
ومنها ما عن تفسير الإمام عن يوسف بن محمّد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار عن أبويهما عن العسكري علیه السلام في ذيل قصة هاروت وماروت بعد إثباته علیه السلام العصمة الملائكة، «قالا : قلنا له: فعلى هذا لم يكن إبليس أيضاً ملكاً، فقال : لا بل كان من الجنّ، أما تسمعان الله عز وجل يقول :
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنَ) (1)[الكهف: 50]
فأخبر عزّ وجلّ أنّه كان من الجنّ، وهو الذي قال الله عزّ وجلّ :
(والحان خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ﴾ [الحجر: 27] .
ومنها ما رواه العياشي عن جميل بن درّاج عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سألته قال : سألته عن إبليس أكان من الملائكة أو هل كان يلي شيئاً من أمر السماء ؟ قال علیه السلام : لم يكن من الملائكة ولم يكن يلي شيئاً من أمر السماء ، وكان من الجن ، وكان مع الملائكة، وكانت الملائكة ترى أنه
1) عيون أخبار الرضا : 244/2
منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها فلما أمر بالسجود كان منه الذي كان (1).
ومنها ما رواه عليّ بن إبراهيم بإسناده عن جميل قال : كان الطيار يقول لي : إبليس ليس من الملائكة وإنما أمرت الملائكة بالسجود لآدم ، فقال إبليس لا أسجد فما لإبليس يعصى حين لم يسجد وليس هو من الملائكة ، قال: فدخلت أنا وهو على أبي عبد الله علیه السلام ، قال :
فأحسن والله في المسألة فقال جعلت فداك : أرأيت ما ندب الله إليه المؤمنين من قوله :
(لوياتها الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ [البقرة : 178] .
دخل في ذلك المنافقون معهم؟ قال: «نعم، والضلال وكلّ من أقرّ بالدعوة الظاهرة ، وكان إبليس ممّن أقرّ بالدّعوة الظاهرة معهم »(2).
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي قد سمعت في صدر المسألة عن المفيد «قده» إدعاءه تواترها ونسبة المذهب المختار إلى الإمامية رضوان الله عليهم الظاهر في كونه مجمعاً عليه بينهم ، ولا يعبأ بخلاف شيخنا الطوسي قدس الله روحه في المسألة ولا يقدح ذلك فی الإجماع مع كونه معلوم النسب وإدعاؤه الرواية عن أبي عبد الله علیه السلام بكونه من الملائكة ضعيف، بما قاله العلامة المجلسي من أنا لم نظفر بها، وإن ما ورد في بعض الأخبار فهو نادر مأوّل .
فإن قلت : سلّمنا ذلك كله ولكن كيف يتصوّر في حق الملائكة عدم علمهم بأن إبليس منهم بعد أن أسروه من الجنّ ورفعوه إلى السماء، وما المراد بقولهم عليهم السلام في الأخبار السابقة : وكانت الملائكة ترى أنه منها ؟
قلنا : يحتمل أن يكون المراد أن الملائكة ترى أنه منهم فی طاعة الله وعدم العصيان لمواظبته على عبادته سبحانه أزمنة متطاولة، فيكون من قبيل قولهم عليهم السلام : سلمان منا، أو أنّهم لما رأوا تباين أخلاقه ظاهراً للجن وتكريم الله تعالى إياه وجعله من بينهم مرفوعاً إلى السماء، وجعله رئيساً على بعضهم كما قيل ، ظنوا أنه كان منهم وقع بين الجن .
لقائل أن يقول : كيف كان سجود الملائكة لآدم أهو بنحو السجود المتعارف من وضع الجبهة على المسجد أو بنحو آخر؟ قلت : الموجود في كلمات الأعلام أنه كان بنحو السجود المتعارف، وهو المروي عن الصادق علیه السلام أيضاً، ولا إشكال فيه وإنّما الإشكال في أنّ السّجدة عبادة، وكيف جاز في حق آدم.
قلت : قد اتفق المسلمون على أنّ ذلك السجود ليس سجود عبادة، لأن سجود العبادة لغير الله كفر ولا يمكن أن يكون مأموراً به.
ثم اختلفوا بعد ذلك على أقوال :
أحدها: أنه على وجه التكرمة لآدم والتعظيم لشأنه وتقديمه عليهم وهو قول قتادة وجماعة من أهل العلم، وهو المروي عن أئمتنا ولهذا جعل أصحابنا ذلك دليلاً على أفضلية لأنبياء من الملائكة من حیث أنّه أمرهم بالسجود لآدم وذلك يقتضي تعظيمه وتفضيله عليهم ، وإذا كان المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل علمنا أنّه أفضل من الملائكة، وقد نسب الصدوق ذلك في العقائد إلى إعتقاد الإمامية، وهو ظاهر في قيام إجماعهم على هذا القول .
لا يقال : سجود التعظيم والتكرمة هو عبارة أخرى لسجود العبادة فيعود الإشكال لأنا نقول : لا نسلّم كونه عبادة، وذلك لأن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيداً كالقول يبين ذلك أن أحدنا للغير يفيد من الإعظام ما يفيده القول وما ذاك إلا للعادة فلا يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأرض وإلصاقه الجبين بها مفيداً ضرباً من التعظيم وإن لم يكن ذلك عبادة، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبد الله الملائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته.
الثاني : أنّ السجود كان الله وآدم كالقبلة حكاه الطبري عن الجبائي وأبي القاسم البلخي .
وأورد عليه أولاً بأنه لا يقال صلّيت للقبلة بل يقال صليت إلى القبلة فلو كان آدم قبلة يقول إسجدوا إلى آدم مع أنه قال إسجدوا لآدم، ويظهر منه عدم كونه قبلة . وثانياً : بأن إباء إبليس عن السجود إنما هو لاعتقاده تفضيله به وتكرمته وحسبانه أن كونه مسجوداً له يدل على أنه أعظم شأناً من الساجد كما يشعر به قول :
(قَالَ أَرَءَ يُنكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَى )[الإسراء: 62] وقوله : (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ [الأعراف: 12] .
ومن المعلوم أنّ السّجدة للقبلة لا توجب تفضيل القبلة على الساجد ألا ترى أن النبي صلی الله علیه واله وسلم كان يصلي إلى الكعبة ولا يلزم أن يكون الكعبة أفضل منه؟
وأجيب عن الأوّل بأنّه كما يجوز أن يقال : صليت إلى القبلة كذلك يصح أن يقال : صليت للقبلة ، وكلاهما بمعنى واحد ، ويشهد بصحته قول حسان في مدح مولانا أمير المؤمنين علیه السلام :
ما كنت أعرف «أحسب خ» أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن
أليس أوّل من صلى لقبلكتم *** وأعرف الناس بالآيات «القرآن خ» والسنن
وعن الثاني بأن إبليس شكي تكريمه وذلك التكريم لا نسلم أنه حصل بمجرد تلك
المسجودية، بل لعله حصل بذلك مع أمور أخرى، هذا، وأنت خبير بما فيه
الثالث: أن السجود في أصل اللغة هو الإنقياد والخضوع وهو المراد هنا .
وردّه الفخر الرازي بأنّ السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأصالة عدم النقل، انتهى .
وفيه ما لا يخفي وأنت بعد الخبرة بما ذكرناه تعرف أن الأقوى هو القول الأول.
إن قيل : أي حكمة في خلقة الشيطان وتسليطه على ابن آدم وإمهاله إلى يوم الدين؟
قلت : هذه شبهة وقعت في البرية وأصلها نشأت من إبليس من إستبداده بالرأي في مقابلة النصّ وإختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالنار التي خلق منها على الطين والصلصال، وتفصيل هذه الشبهة ما حكاه الفخر الرازي عن محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أوّل كتابه المسمّى بالملل والنحل وحكاية عن ماري شارح الأناجيل الأربعة، قال: وهي مذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود، قال إبليس للملائكة : إنّي أسلم أن لي إلهاً هو خالقي وموجدي وهو خالق الخلق لكن لي على حكمة الله أسألة سبعة .
الأول : ما الحكمة في الخلق لا سيّما كان عالماً بأنّ الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا الآلام؟
الثاني : ثم ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود منه ضرّ ولا نفع، وكلّ ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟
الثالث : هب أنّه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟
الرابع : ثم لما عصيته في ترك السجود لآدم فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ولي فيه أعظم الضرر؟
الخامس : ثمّ لمّا فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة وسوست لآدم علیه السلام ؟
السادس : ثم لما فعلت ذلك فلم سلّطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟
السابع : ثمّ لمّا إستمهلته المدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني؟ ومعلوم أنّ العالم لو كان خالياً عن الشر لكان ذلك خيراً .
قال شارح الأناجيل : فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال والكبرياء يا إبليس أنك ما عرفتني ولو عرفتني لعلمت أنه لا إعتراض علي في شيء من أفعالي، فإنّي أنا الله لا إلا أنا لا أسأل عما أفعل .
قال الفخر الرازي بعد حكاية ذلك: وإعلم أنه لو اجتمع الأوّلون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات مخلصاً وكان الكل لازماً، أما إذا أجبنا بذلك الجواب الذي ذكره الله تعالى زالت الشبهات واندفعت الإعتراضات، وكيف لا ، وكما أنّه سبحانه واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في صفاته فهو مستغن في فاعليته عن المؤثرات المرجحات إذ لو افتقر لكان فقيراً لا غنيّاً فهو سبحانه مقطع الحاجات ومنتهي الرّغبات ومن عنده نيل الطلبات ، وإذا كان كذلك لم تتطرق اللميّة إلى أفعاله ولم يتوجه الإعتراض على خالقيته ، انتهى (1).
قال الصدر الشيرازي في كتابه المسمّى بمفاتيح الغيب بعد ذكره شبهات إبليس وجوابه سبحانه وذكره ما حكيناه عن الرّازي : أقول: إن لكلّ من هذه الشبهات جواباً برهانياً صحيحاً واضحاً عند أصحاب القلوب المستقيمة، لابتنائه على الأصول الحقة العرفانية في المقدمات الإضطرارية اليقينية لكن الجاحد المعوج لا ينفعه كثرة البراهين النيرة، وإنما يسكته الجواب الجدلي المشهور المبني على المقدمات المقبولة التي يذعن بها الجمهور، وليس معنى قوله تعالى لا أسأل عما أفعل أنّه ليس لما فعله مبدأ ذاتي وغاية عقلية ومصلحة حكمية، كما هو مذهبهم من إبطال العلية والمعلولية وإنكار العلاقة الذاتية بين الأسباب ومسبباتها وتجويز ترجیح أحد المتساويين في النسبة على الآخر وتمكين المجازات الإختيارية والإرادات التخييلية بل المراد أحد معنيين.
الأوّل: أنّه لا لمية للفعل الصادر عن ذاته من غير واسطة سوى ذاته هو منشأ وإنما ذاته الفعل المطلق وغايته وكما لا سبب لذاته في وجوده لا لذاته في إيجاده ، وإلا لكان ناقصاً في ذاته مستكملاً بغيره تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً .
الثاني : أن من ليس ليس له درجة الإرتقاء إلى عالم الملكوت والوصول إلى شهود المعارف الإلهية وإدراك الحضرة الربوبية فلا يمكنه العلم بكيفية الصنع والإيجاد على ما هو عليه ، ولا سبيل له إلا التسليم والإعتراف بالقصور من له مرتبة إدراك الأشياء كما بالعلم اللدنّي فلا حاجة له إلى السؤال، لأنه يلاحظ الأمور على ما هي عليه بنور الله وبعين قلبه المنوّر بنور الإيمان والعرفان ، لا بأنوار المشاعر كالشيطان ، ولهذا منع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم الناس عن التكلم والبحث في الأشياء الغامضة كسر القدر ومسألة الرّوح، لأن البحث عنها لا يزيد إلا حيرة ودهشة .
وقال في «شرح أصول الكافي» ما محصله : إن عرض الفخر الرازي إثبات مذهب أصحابه من القول بالفاعل المختار ونفي التخصيص في الأفعال، وذلك مما ينسد به باب
1) راجع تفسير الميزان : 45/8 .
إثبات المطالب بالبراهين كإثبات الصانع وصفاته وأفعاله وإثبات البعث والرسالة، إذ مع تمكين هذه الإرادة الجزافية لم يبق إعتماد على شيء من اليقينيات ، فيجوز أن يخلق الفاعل المختار بالإرادة التي يعتقدها هؤلاء الجدليون فينا أمراً يرينا الأشياء لا على ما هي عليه.
فأقول : إنّ لكلّ شبهة من هذه الشبهات التي أوردها اللعين جواباً برهانياً حقاً من قبل الله تعالى بما يسكته ، وهو بيان حاله وما هو عليه من كفره وظلمة جوهره عن إدراك الحق كما هو، وإن ليس غرضه في إبداء هذه الشبهات إلا الإعتراض وإغواء من يتبعه من الجهال الناقصين أو الغاوين الذين هم جنود إبليس أجمعون ، فقيل له : إنك لست بصادق في دعواك معرفة الله وربوبيته، ولو صدقت فيها لم تكن معترضاً على فعله .
وأمّا الأجوبة الحكمية عن تلك الشبهات على التفصيل لمن هو أهلها ومستحقها فهي هذه .
وهي السؤال عن الحكمة والغاية في خلق إبليس، فالجواب عنها أنه من حيث إنه من جملة الموجودات على الإطلاق فمصدره وغايته ليس إلا ذاته تعالى التي تقتضي وجود كل ما يمكن وجوده ويفيض عنها الوجود على كل قابل ومنفعل ، وأما حيثية كونه موجوداً ظلمانياً وذاتاً شريرة وجوهراً خبيثاً فليس ذلك بجعل جاعل ، بل هو من لوازم هويته النازلة في آخر مراتب النفوس وهي المتعلقة بما دون الأجرام السماوية وهو الجسم الناري الشديدة القوة فلا جرم غلبت عليه الأنانية والإستكبار والإفتخار والآباء عن الخضوع والإنكسار .
وهي السؤال عن حكمة التكليف بالمعرفة والطاعة ، فالجواب عنها أن الغاية في ذلك تخليص النفوس من أسر الشهوات وسجن الظلمات ونقلها من حدود البهيمية والسبعية إلى حدود الإنسانية والملكية وتطهيرها وتهذيبها بنور العلم وقوة العمل من درن الكفر والمعصية ورجس الجهل والظلمة ، ولا ينافي عموم التكليف عدم تأثيره في النفوس الجاشية والقلوب القاسية، كما أنّ الغاية في إنزال الغيث إخراج الحبوب وإنبات الثّمار والأقوات منها وعدم تأثيره في الصخور القاسية والأراضي الخبيثة لا ينافي عموم النزول، والله أجل من أن تعود إليه فائدة في هداية الخلق كما في إعطائه أصل خلقه بل هو الذي ( أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هدَى) [ طه : 50] .
من غير غرض أو عوض في فضله وجوده.
وهي السؤال عن فائدة تكليفه بالسجود لآدم والحكمة فيه، فالجواب عنها :
أولاً: أنه ينبغي أن يعلم أن الله سبحانه في كل ما يفعله أو يأمر به حكمة بل حكماً كثيرة لأنه تعالى منزّه عن فعل البعث والإتفاق والجزاف وإن خفى علينا وجه الحكمة في كثير من الأمور على التفصيل بعد أن علمنا القانون الكلي في ذلك على الإجمال، وخفاء الشيء علينا لا يوجب إنتفائه، وهذا يصلح للجواب عن هذه الشبهة ونظائرها .
ثانياً : أن التكليف بالسجود كان عاماً للملائكة وكان هو معهم في ذلك الوقت فعمه الأمر بها تبعاً وبالقصد الثاني، لكنه لما تمرد وعصى واستكبر وأبي بعدما اعتقد بنفسه أنه من المأمورين صار مطروداً ملعوناً.
وثالثاً : أنّ الأوامر الإلهية والتكاليف الشرعية ما يمتحن به جواهر النفوس ويعلن ما في بواطنهم ويبرز ما في مكان صدورهم من الخير والشر والشقاوة فتتم به الحجة وتظهر المحجة .
(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَنَا وَيَحْيَى مَنْ حَى عَنْ بَيِّنَةٌ﴾ [الأنفال : 42]
وهي السؤال عن لمّة تعذيب الكفار والمنافقين وإيلامهم بالعقوبة وإبعادهم عن دار الزحمة والكرامة، فالجواب عنها أن العقوبات الأخروية من الله تعالى ليس باعثها الغضب والإنتقام وإزالة الغيظ ونحوها تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وإنما هي لوازم وتبعات ساق إليها أسباب داخلية نفسانية وأحوال باطنية إنتهت إلى التعذيب بنتائجها من الهوى إلى الهاوية والسقوط في أسفل درك الجحيم ومصاحبة المؤذيات من العقارب والحيات وغيرها.
ومثالها في هذا العالم الأمر الأمراض الواردة على البدن الموجبة للأوجاع والأسقام بواسطة همة سابقة، فكما أن وجع البدن لازم من لوازم ما ساق إليه الأحوال الماضية والأفعال السابقة من كثرة الأكل أو إفراط الشهوة ونحوهما من غير أن يكون ههنا معذب خارجي، فكذلك حال العواقب الأخروية وما يوجب العذاب الأليم الدائم لبعض النفوس الجاحدة للحق المعرضة عن الآيات وهي:
( نار اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَنْدَةِ [الهمزة: 6-7].
وأما التي دلت عليه الأخبار والآيات الواردة في الكتب الإلهية والشّرائع الحقة من العقوبات الجسمانية الواردة على بدن المسيء من خارج على ما يوصف في التفاسير فهي أيضاً
منشأها أمور باطنية وهيئات نفسانية برزت من الباطن إلى الظاهر وتصورت بصور النيران والعقارب والحيات والمقامع من حديد وغيرها، وهكذا حصول الأجسام والأشكال والأشخاص في الآخرة كما حقق في مباحث المعاد الجسماني وكيفية تجسّم الأعمال، ودلّ عليه كثير من الآيات مثل قوله تعالى :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَفِرِينَ [التوبة : 49] وقوله :( وبرزت الجيم القارينَ ) [الشعراء: 91] وقوله: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرُونَ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرُونَهَا عَيْن الْيَقِينِ : التكاثر : 5 - 7] وقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ 9 وَحُضِلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10 [العاديات 109] .)ثمّ إذا سلّم معاقب من خارج فإن في ذلك أيضاً مصلحة عظيمة، لأن التخويف والإنذار بالعقوبة نافع في أكثر الأشخاص والإنقياد بذلك التخويف بتعذيب المجرم المسيء تأكيد للتخويف ومقتض لإزدياد النفع، ثم هذا التعذيب ، وإن كان شراً بالقياس إلى الشخص المعذب لكنّه خير بالقياس إلى أكثر أفراد النوع فيكون من جملة الخير الكثير الذي يلزمه الشر القليل كما في قطع العضو لا صلاح البدن وسائر الأعضاء.### وأما الشبهة الخامسةوهي السؤال عن فائدة تمكين الشيطان من الدخول إلى آدم في الجنّة حتى غره بوسوسته فأكل ما نهي عنه فأخرج به من الجنّة، فالجواب عنها أنّ الحكمة في ذلك والمنفعة عظيمة، فإنّه لو بقي في الجنة أبداً لكان بقي هو وحده في منزلته التي كان عليها في أوّل الفطرة من غير استكمال واكتساب فطرة أخرى فوق الأولى وإذا هبط إلى الأرض خرج من صلبه أولاد لا تحصى يعبدون الله ويطيعونه إلى يوم القيامة ويرتقي منهم عدد كثير في كل زمان إلى درجات الجنان بقوّتي العلم والعبادة ، وأتي حكمة وفائدة أعظم وأجلّ وأرفع وأعلى من وجود الأنبياء والأولياء؟ ومن جملتهم سيد المرسلين وأولاده المعصومون صلوات الله عليهم وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ولو لم يكن في هبوطه إلى الأرض مع إبليس إلا إبتدائه مذة الدنيا وإكتسابه درجة الإصطفاء لكانت الحكمة عظيمة والخير جليلاً .### وأما الشبهة السادسةوهي السؤال عن وجه الحكمة في تسليطه على ذرية آدم بالإغواء والوسوسة بحيث يراهم من حيث لا يرونه ، فالجواب عنها أن نفوس أفراد البشر في أوّل الفطرة ناقصة بالقوة، ومع ذلك بعضها خيرة نورانية شريفة بالقوّة مائلة إلى الأمور القدسية عظيمة الرغبة إلى الآخرة، وبعضها خسيسة الجوهر ظلمانية شريرة مائلة إلى الجسمانيات عظيمة في إيثار الشهوة والغضب، فلو لم يكن الإغواء ولا طاعة النفس والهوى لكان ذلك منافياً للحكمة لبقائهم على
طبقة واحدة من نفوس سليمة ساذجة فلا تتمشى عمارة الدنيا بعدم النفوس الجاسية الغلاظ العمالة في الأرض لأغراض دنيئة عاجلة ، ألا ترى إلى ما روي من قوله تعالى الحديث القدسي: إنّي جعلت معصية آدم سبباً لعمارة العالم وما روي أيضاً في الخبر: لولا أنّكم تذنبون لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون(1.)### وأما الشبهة السابعةوهي السؤال عن فائدة إمهاله إلى يوم الوقت المعلوم، فالجواب عنها بمثل ما ذكرناه، فإن بقائه تابع لبقاء النوع البشري بتعاقب الأفراد وهي مستمرة إلى يوم القيامة، فكذلك وجب إستمراره لأجل إيراثه الفائدة التي ذكرناها في وجوده ووجود وسوسته إلى يوم الدين ، انتهى ما أهمنا نقله وبعض أجوبته غير خال عن التأمل، فتأمل.
1) رياض الصالحين: 244 بتفاوت .
### الترجمةو طلب ادا نمود حق سبحانه و تعالی از فرشتگان امانت خود را که نزد ایشان داشت و وصیت معهودهای که به ایشان نموده بود در اذعان و انقیاد نمودن ایشان به سجده کردن مراورا و خضوع و فروتنی ایشان از برای تعظیم و تکریم آن ، پس فرمود خداوند ربّ العزّة ایشان را که سجده کنید آدم را ، پس همه سجده کردند و هيچ يك تمرّد نکرد مگر شیطان ملعون و قبیله و تابعان او. عارض شد ایشان را عصبیت و غالب شد بر ایشان شقاوت و بدبختی . تکبّر نمودند و عزیز شمردند خودشان را به جهت مخلوق شدن ایشان از آتش و ضعیف و خوار شمردند مخلوق از صلصال و گل خشك را ، پس عطا فرمود خداوند او را مهلتی از برای استحقاق او مر سخط و غضب خداوندی را و از برای تمام ساختن امتحان بنی نوع انسان از جهت راست نمودن وعده خود، پس فرمود که به درستی تو از مهلت داده شدگان هستی تا روزی که وقت دانسته شده است.
## الفصل الثاني عشر### اشارة«ثُمَّ أَسْكَنَ آدَمَ داراً أَرْغَدَ فيها عيشَتَهُ، وَآمَنَ فِيها مَحَلَّتَهُ ، وَحَذَرَهُ إِبْلِيسَ وَعَداوَتَهُ، فَاغْتَرَّهُ عَدُوهُ نَفاسةً عَلَيْهِ بِدارِ الْمَقام وَمُرافَقَةِ الأَبْرارِ ، فَباعَ الْيَقِينَ بِشَكّه وَالْعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْجَدْلِ وَجَلاً، وَبِالْإِعْتِرَازِ نَدَمَا » (1.)### اللغة(السكون هو الإطمئنان والمسكن المنزل و (الرغد) النفع الواسع الكثير الذي ليس فيه عناء، قال ابن دريد : الرّغد السعة في العيش و (العيشة) بكسر العين كالعيش بالفتح مصدر عاش يعيش وهو الحياة وما يعاش به من الرزق والطعام والخبز و (محلة) القوم منزلهم (فاغتره) من الغرّة بالكسر وهو الغفلة و (نفس) الشيء بالضم نفاسة كرم و نفست به مثل ضننت به لنفاسته لفظاً ومعنى و (المقام) بالفتح إسم مكان من قام بمعنى انتصب وبالضم إسم مكان من أقام وكلاهما صحيحان وعزم (عزيمة) وعزمة إجتهد وجد في أمره و (الجذل) بفتحتين مصدر جذل إذا فرح و (اعتز) بفلان عد نفسه عزيزة به .)### الإعرابكلمة (ثمّ في قوله علیه السلام ثم أسكن حرف عطف مفيدة للتعقيب فتفيد أن الإسكان في الجنة بعد أمر الملائكة بالسجود وسجودهم وهو الظاهر من الترتيب الذكري في الآية الشريفة سورة البقرة حيث قال سبحانه)﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الإسراء: 61] ثم قال : وَقُلْنَا يَتَنَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ [البقرة : 35] الآية . إلا أنّ المستفاد من الأخبار وظاهر بعض الآيات والتفاسير كون السجود حين السكون في الجنّة، ويمكن الجواب بأن المراد بالسكنى في الآية الشريفة وفي قوم الإمام علیه السلام هو المقام مع اللبث والإستقرار وهو لا ينافي كون آدم علیه السلام في الجنة قبل ذلك أيضاً وكون سجود الملائكة له حين ما كان هو فيه كما هو ظاهر لا يخفى، ونصب إبليس في قوله وحذره إبليس على نزع الخافض ، (ونفاسة) منصوب على المفعول له، (والباء) في قوله: بدار المقام للتبية، وفي قوله بشكه (باء الأثمان) وهي الداخلة على الأعواض مثل بعت الكتاب بدرهم، وقد يطلق عليها (باء المقابلة ) ، وفي قوله علیه السلام : (بالجذل ) ( وبالإعتزاز ) كذلك، ويحتمل كونها هنا بمعنى من بناء على كون الإستبدال بمعنى التبدل يقال : تبدّله وتبدّل منه إذا إتخذه منه بدلاً .
1) نهج البلاغة : 22/1 .
(ثمّ) إنّه سبحانه بعد ما أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس فجعله رجيماً وأخرجه من جواره و (أسكن آدم) (داراً) أي في دار (أرغد فيها عيشته) أي جعله فيها في عيشة واسعة كما قال سبحانه في سورة البقرة :
(وَقُلْنَا يَكَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِنْتُمَا ﴾ [البقرة: 35].
(وآمن فيها محلته ) نسبة الأمن إلى المحلّ من قبيل المجاز العقلي أي جعله فيها في أمن من الآفات وسلامة من المكاره والصدمات ، وهذه من صفات الجنّة لأنّ من دخلها كان آمناً كما قال سبحانه:
(ادْخُلُوهَا بِسَكرٍ عَامِنِينَ ﴾ [الحجر: 46]
وهذا لا غبار عليه وإنّما الكلام في أن الجنة التي أسكنه الله فيها هل هي جنة الدنيا .
وتفصيل ذلك ما ذكره الفخر الرازي ، قال : اختلفوا في أنّ الجنّة المذكورة في الآية هل كانت فى الأرض أو فى السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السّماء فهل هي الجنّة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنّة أخرى؟
فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني : هذه الجنّة كانت في الأرض وحملاً الإهباط (1)على الإنتقال من بقعة إلى بقعة ، كما في قوله تعالى :
(و اهْبِطُوا مِصْرًا) [البقرة: 61] .
واحتجا عليه بوجوه :
أحدها: أن هذه الجنّة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله :
( هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لا يبلى) [ طه : 120] ولما صح قوله : (ومَا نَهَنكُما رَبُّكُما عنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَلِدِينَ ﴾ [الأعراف: 20].
وثانيها : أن من دخل هذه الجنّة لا يخرج منها ، لقوله تعالى :
(ومَا هُم بِخَرِمِينَ ﴾ [البقرة : 167] .
وثالثها: أن إبليس لما امتنع من السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن
يصل إلى جنة الخلد .
1) أي في قوله تعالى : ( وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو)، الآية، منه
ورابعها: أنّ الجنّة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها ، لقوله تعالى :
( أكلها دَابِرُ وَظِلُّهَا ﴾ [الرعد: 35] ولقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَلِدِينَ فيها [هود : 108] إلى أن قال: عَطَاءٌ غَيْرَ يَجدُونَ [هود : 108] .
أي غير مقطوع، فهذه الجنّة لو كانت هي التي دخلها آدم لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَر [ القصص :)ولما خرج منها آدم وانقطعت تلك الراحات .وخامسها : أنّه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدأ الخلق في جنّة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل ، ولأنه تعالى لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.وسادسها : لا نزاع في أنّ الله تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء. ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء كان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النّعم، فدلّ ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله له .﴿ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة : 135])جنّة أخرى غير جنة الخلد .القول الثاني: وهو قول الجبائي أن تلك الجنّة كانت في السّماء السابعة ، والدليل عليه قوله تعالى : اهبطوا منها، ثم إنّ الإهباط الأوّل كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان السماء إلى الأرض.القول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا إن هذه الجنّة هي دار الثوب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنّة لا يفيد العموم، لأن سكون جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق ، والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب فوجب صرف اللفظ إليها .القول الرابع: إن الكلّ ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم ، انتهى .أقول : والأظهر من هذه الأقوال هو القول الأول، لقوّة أدلته، وإن كان يمكن تطرّق النظر إليها .
أمّا الأول والثاني : فلاء مكان أن يقال: إن الخلود فيها وعدم الخروج إنما يكون بعد إستقرار أهل الجنة فيها للثواب ، وهو المستفاد من أدلة الخلود ، وأمّا قبل ذلك فلا دليل عليه .وأما الثالث: فلما قيل : من أن إبليس لم يدخل في الجنّة بل وسوس لهما من وراءجدار الجنّة أو من الأرض .وفيه نظر لأنّ المستفاد من ظاهر الآيات كون مخاطبته معهما مشافهة، كما أنّ الموجود في أخبارنا دخوله إليها بوسيلة الحية حسبما يأتي الإشارة إليها .والأولى أن يقال : هذا الدليل على تقدير تسليمه جار على غير هذا القول أيضاً، وذلك لأنّ غضب الله سبحانه كما هو مانع من دخول جنة الخلد فكذلك مانع من دخول مطلق الجنّة، وإن لم تكن دار خلد ، لأنّ الجنتين كلتيهما مشتركتان في كونهما دار رحمة وقرب، فلا يستحقهما من غضب الله عليه ولعنه وطرده بقوله :(فأخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ [الحجر: 34]. فإن قيل : فكيف التوجيه بين ذلك وبين ما استظهرت من الآيات ودلت عليه الأخبار من دخوله في الجنة بتوسط الحية .
قلت : يمكن التوجيه بأن يقال: إنه كان ممنوعاً من دخولها بارزاً بحيث يعرف، وقد دخلها مخفيّاً ليدليهما بغرور، وقد ورد ذلك في بعض الأخبار، أو يقال: إن دخوله فيه على وجه التقرب والتنعم مناف لكونه مغضوباً عليه ، وأما الدخول للتدليس والإزلال بعد اقتضاء الحكمة له فلا منافاة له معه كما لا يخفى.
وأما الرابع: فلما مر في الأولين.
وأما الخامس : فلجواز أن يكون ذلك تفضلاً منه سبحانه، وليست في ذلك منافاة
للحكمة كما توهّم .
وأما السادس : فظاهر لأنه إستبعاد محض، هذا كلّه ما يقتضيه التصرفات الفكرية ودقة النظر في الأدلة والقاطع للكلام إنّما هو للكلام إنما هو الأخبار المأثورة عن الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة.
فقد روى في «الكافي» و «العلل» عن الصادق أنها كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر ولو كان من جنان الخلد ما خرج منها أبداً» (1)
1) علل الشرائع : 600/2 .
ومثلهما عليّ بن إبراهيم القمي في «تفسيره» عن أبيه رفعه إليه علیه السلام وقوله : (وحذره إبليس وعداوته ) إشارة إلى ما حكاه سبحانه في سورة طه بقوله :
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا تَعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ ولزوجكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه: 116 -117].)فوسوس إليه الشيطان وقال :(يَتَنَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلدِ وَمُلْكِ لَا يَبْلَى [طه: 120 ] .)و (اغتره عدوه نفاسة وبخلا ( عليه بدار المقام ومرافقة الأبرار) من الروحانيين والملائكة المقربين.)(فأكَلَا مِنْهَا فَدَتْ هَمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى عَادَمُ رَبِّه فَعَوَى [ طه : 121] .)وأما كيفية الإغترار فقد يأتي تفصيلا (فباع اليقين بشكه قيل : إن بيع اليقين بالشك مثل قديم للعرب لمن عمل عملاً لا يفيده وترك ما ينبغي له أن يفعله، تمثل به أمير المؤمنين علیه السلام ههنا ولم يرد أن آدم شكٍّ في أمر الله .)أقول: ويمكن إجراء الكلام على ظاهره بأن يراد باليقين اليقين بعداوة إبليس وبالشك الشك فيها، والمراد ببيعه به تبديله به وذلك لأنّ إبليس لما أبى واستكبر عن السجود وأظهر الفضيلة والأنية وجعل مطروداً تيقن آدم بعداوته له، وقد أعلمه الله سبحانه به حينئذ أيضاً كما قال :(وفَقُلْنَا يَتَعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [ طه : 117 ] .)ولما وسوس إليهما الشيطان :(وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّصِمِينَ [الأعراف : 21]. ولم یکن آدم وحواء شاهدان قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً، وثقاً بقوله وشكّاً عداوته لمكان ذلك، ويمكن إستنباط ذلك من رواية العيون والإحتجاج الآتية للرضا علیه السلام مع المأمون، وليس في ذلك منافاة لمرتبة الرّسالة كما توهم ، لأنّ ذلك ليس بأعظم من أكل الشجرة وستعرف تحقيقه في مقامه إنشاء الله وقوله : ( والعزيمة بوهنه) أي العزيمة التي كانت له في عدم القرب من الشجرة والأكل منها بالوهن الذي حصل له من النسيان، قال سبحانه :
(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) [ طه : 115 ] .
قال في «الكشاف» : والعزم التصميم والمضي على ترك الأكل وأن يتصلب في ذلك
تصلباً يونس الشيطان من التسويل له ، وقال : فإن قلت ما المراد بالنسيان؟ قلت: لا يجوز أن يراد النسيان الذي هو نقيض الذكر وأنه لم يعن بالوصية العناية الصادقة ولم يستوثق منها بعقد القلب عليها وضبط النفس حتى تولد من ذلك النسيان، وأن يراد الترك وأنه ترك ما وصي به من الإحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها ، انتهى .
وقال الطبرسي (رحمت الله ) معناه أمرنا وأوصينا إليه أن لا يقرب الشجرة ولا يأكل منها، فترك الأمر ، عن ابن عبّاس ، ولم نجد له عقداً ثابتاً، وقيل معناه : فنسي من النسيان هو السهو ولم نجد له عزماً على الذنب، لأنَّه أخطأ ولم يتعمد، عن ابن زيد وجماعة، وقيل : ولم نجد له حفظاً لما أمر به، عن عطية ، وقيل : صبراً، عن قتادة .
قال الشارح البحراني : وحاصل هذه الأقوال يعود إلى أنه لم يكن له قوة على حفظه ما أمر الله سبحانه ، انتهى .
وفي «الكافي » عن علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي جعفر علیه السلام قال :« إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها، وهو قول الله تبارك وتعالى :
(ولَقَدْ عَهِدْنَا ﴾ [طه 115] الآية (1).
وفيه أيضاً عن الصادق علیه السلام ، قال في قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ [طه: 115]. كلمات فى محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم عليهم السّلام فنسي ، هكذا والله أنزلت (2)على محمّد صلى الله عليه وآله(3).
أقول : والظاهر أنّ المراد بتلك الكلمات حسبما يستفاد من الأخبار التي يأتي بعضها هو إقرار آدم بفضيلة محمّد وآله المعصومين عليهم السّلام وإعتقاده لشرافتهم وعدم تمنيه منزلتهم، فنسي تلك الكلمات وتمنى منزلتهم فأخرجه الله سبحانه من الجنّة (واستبدل بالجذل ) والسرور خوفاً و (جلاً وبالإعتزاز ) أي العزّة التي طلبها من أكل الشجرة بتدليس إبليس وقوله لهما:
(ما تمنكما ربككُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَلِدِينَ ﴾ [الأعراف: 20]
(ندماً) وخيبة، ولذلك :
(وقالا ربنا ظلمنا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ) [الأعراف : 23].
لقائل أن يقول : كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع كونه خارج الجنّة وكون آدم في الجنّة؟ فنقول : قد اختلفوا فيه على أقوال.
أحدها: ما حكي عن القصاص وهو الذي روي عن ابن عباس أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنّة منعته الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية وهي كأحسن الدواب بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات ، فما قبله واحد منها فابتلعته الحيّة وأدخلته الجنّة خفيّة من الخزنة ، فلما دخلت الحيّة الجنّة خرج إبليس من فمها واشتغل بالوسوسة فلا جرم لعنت الحيّة وسقطت قوائمها وصارت تمشي على بطنها وجعل رزقها في التراب وعدواً لبني آدم.
وثانيها أنه دخل الجنة في صورة دابة .
وثالثها : ما قاله بعض «الأصوليين»: إنّ آدم وحواء لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب ويوسوس إليهما .
ورابعها : أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة.
أقول : والأَظهر هو القول الأول ، لبعد الرابع من حيث إنّ الوسوسة عبارة عن الكلام الخفي والكلام الخفي لا يمكنه إيصاله من بعد ، والثالث والثاني لم يرد بهما خبر ، والموجود في أخبارنا أن إيقاع الشيطان لهما فيما نهيا عنه قد كان بسبب الحيّة، وذلك على ما حكاه المفسر الفيض في «الصافي» والمحدث الجزائري في« الأنوار» هو أن الشيطان لما أخرج من الجنّة لم يقدر على الدخول إليها بنفسها فأتى إلى جدار الجنّة ورأى الحيّة أعلى الجدار، فقال لها أدخليني الجنّة وأعلمك الإسم الأعظم، فقالت له : الملائكة تحرس الجنّة فيرونك، فقال لها : أدخل في فمك واطبقي علي حتى أدخل ، ففعلت، ومن ثم صار السم في أنيابها وفي فمها لمكان جلوس إبليس فيه، فلما أدخلته قالت له: أين الإسم الأعظم؟ فقال لها : لو كنت أعلمه لما احتجت إليك في الدخول ، فأتى إلى آدم وبدأ به فقال :
(ما كما ربكما عن هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ [الأعراف: 20]
إن تناولتما منها تعلمان الغيب وتقدران على ما يقدر عليه من خصه الله بالقدرة .
(أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ ﴾ [الأعراف: 20] لا تموتان أبداً (وَقَاسَمَهُمَا ﴾ [الأعراف : 21] حلف
لهما (وإنِّي لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ ﴾ [ القصص : 20].
وكان إبليس بين لحيي الحنة وكان آدم يظن أن الحية هي التي تخاطبه ولم يعلم أن إبليس قد اختبئ بين لحيي الحيّة فرد آدم على الحيّة أنّ هذا من غرور إبليس كيف يخوننا ربنا أم كيف تعظمين الله بالقسم به وأنت تنسبينه إلى الخيانة وسوء الظن وهو أكرم الأكرمين؟ أم كيف أروم التوصل إلى ما منعني منه ربي وأتعاطاه بغير حكمه؟ فلما آيس إبليس من قبول آدم فأتى إلى حوّاء وخاطبها من حيث يوهمها هي التي تخاطبها، وقال: يا حواء أرأيت هذه الشجرة التي كان الله عزّ وجلّ حرّمها عليكما فقد أحلّها لكما بعد تحريمها، لما عرف من حسن طاعتكما له وتوقير كما إياه وذلك أن الملائكة الموكلين بالشجرة الذين معهم الحراب يدفعون عنها سائر حيوانات الجنّة لا يدفعك عنها إذ رمتها فاعلمي بذلك أنه قد أحل لك وابشري بأنك إن تناولتها قبل آدم كنت أنت المسلطة عليه الآمرة الناهية فوقها، فقالت حوّاء سوف أجرب هذا فرامت فأرادت الملائكة أن يدفعوها عنها بحرابها، فأوحى الله إليهم إنّما تدفعون بحرابكم من لا عقل له بزجره، فأما من جعلته ممكناً مميزاً فكلوه إلى عقله الذي جعلته حجة عليه فإن أطاع إستحق ثوابي وجزائي، فتركوها ولم يتعرضوا لها بعد ما هموا يمنعها بحرابهم، فظنت أنّ الله ما نهاهم، لأنه قد أحلها بعد ما حرمها، فقالت صدقت الحية وظنت أن المخاطب بها الحية، فتناولت منها ولم تنكر من نفسها شيئاً، فأتت حواء إلى آدم فصارت عوناً للشيطان عليه، وقالت ألم تعلم أن الشجرة المحرّمة علينا قد أبيحت لنا تناولتها ولم يمنعني منه أملاكها ولم أنكر شيئاً من حالي، ولذلك اغتر آدم فقام آدم معها إلى الأكل من الشجرة فكانت أول قدم مشت إلى الخطيئة، فلما مد أيديهما إليها تطاير ما عليهما من الحلي والحلل وبقيا عريانين فأخذا من ورق التين فوضعاه على عورتيهما، فتطاير الورق فوضع آدم يده على عورته والأخرى على رأسه كما شأن العراة(1)
ويستفاد من بعض الأخبار أنّ هذه العلة في وجوب الوضوء، وهو ما رواه الصدوق طاب ثراه في «الفقيه » قال : جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فسألوه عن مسائل وكان فيما سألوه أخبرنا يا محمد لأي علة توضأ هذه الجوارح الأربع وهي أنظف المواضع في الجسد؟ قال النبي صلی الله علیه واله وسلم: « لما أن وسوس الشيطان إلى آدم علیه السلام دنا من الشجرة فنظر إليها فذهب ماء وجهه، ثم قام ومشى إليها وهي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة، ثم تناول بيده منها ما عليها فأكل قطار الحلّي والحلل عن جسده، فوضع آدم يده على أم رأسه وبكى فلما تاب الله عزّ وجلّ عليه فرض عليه وعلى ذريته تطهير هذه الجوارح الأربع، فأمر الله بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بهما، وأمره بمسح الرّأس لما
1) تفسير الصافي: 119/1.
وضع يده على أم رأسه وأمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة» (1).
وقد ذكر فيه علّة أخرى له رواها عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السّلام ولا ربط لها بالمقام ، ولا يذهب عليك أن توارد العلل المتعددة على معلول واحد في العناوين الشّرعيّة لا ضير فيه، لأنها من قبيل المعرفات وليست عللاً حقيقية كما هو ظاهر .
قد اختلفت الأخبار كالأقوال في الشجرة المنهية، ففي رواية أنها شجرة الحسد، وفيأخرى أنها شجرة الكافور، وفي ثالثة أنّها شجرة الحنطة .
وعن تفسير الإمام أنها شجرة علم محمّد وآل محمّد عليهم السلام آثرهم الله بهم دون سائر خلقه لا يتناول منها بأمر الله إلا هم ، ومنها ما كان يتناوله النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام بعد إطعامهم المسكين واليتيم والأسير حتى لم يحسوا بجوع ولا عطش ولا تعب ولا نصب، وهي شجرة تميزت من بين سائر الأشجار بأن كلا منها إنّما يحمل نوعاً من الثمار، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البز والعنب والتين والعنّاب وسائر أنواع الثمار والفواكه والأطعمة فلذلك اختلف الحاكون بذكرها، فقال بعضهم: برة، وقال آخرون: هي عنبة ، وقال آخرون : هي عنابة وهي الشجرة التي الشجرة التي من تناول منها بإذن الله الهم علم الأوّلين والآخرين من غير تعلّم، ومن تناول بغير إذن الله خاب مراده وعصى ربّه .
وعن العيون بإسناده إلى عبد السلام بن صالح الهروي :قال قلت للرّضا علیه السلام يا بن رسول الله أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها، فمنهم من يروي أنها الحنطة، ومنهم من يروي أنها العنب ، ومنهم من يروى أنّها شجرة الحسد، فقال علیه السلام: كل ذلك حق؟ قلت : فما معنى الوجوه على اختلافها؟ فقال : « يا أبا الصلت إنّ شجرة الجنّة تحمل أنواعاً ، وكانت شجرة الحنطة وفيها عنب ليست كشجرة الدنيا، وإن آدم لما أكرمه الله تعالى ذكره بإسجاده ملائكته وبإدخاله الجنّة قال في نفسه : هل خلق الله بشراً أفضل مني ؟ فعلم الله عزّ وجلّ ما وقع في نفسه فناداه أرفع رأسك يا آدم وانظر إلى ساق عرشي، فرفع رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوباً : لا إله إلا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيد أشباب أهل الجنّة ، فقال آدم : يا رب ، من هؤلاء؟ فقال عزّ وجلّ : هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنّة والنار ولا السماء ولا الأرض فإيّاك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى
1) من لا يحضره الفقيه : 056/1
منزلتهم فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهى عنها وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة بعين الحسد حتّى أكلت من الشجرة كما أكل آدم ، فأخرجهما الله عن جنته وأهبطهما عن جواره إلى الأرض (1)، هذا » .
وقال بعض العارفين : كما أن لبدن الإنسان غذاء من الحبوب والفواكه، كذلك لروحه غذاء من العلوم والمعارف، وكما أن لغذاء بدنه أشجاراً تثمرها، فكذلك لروحه أشجار تثمرها ولكلّ صنف منه ما يليق به من الغذاء ، فإنّ من الإنسان من يغلب فيه حكم البدن على الزوح، ومنهم من هو بالعكس، ولهم في ذلك درجات يتفاضل بها بعضهم على بعض، ولأهل الدرجة العليا كل ما لأهل الدرجة السفلى وزيادة ، ولكل فاكهة في العالم الجسماني مثال في العالم الروحاني مناسب لها، ولهذا فسرت الشجرة تارة بشجرة الفواكه، وأخرى بشجرة العلوم، وكانت شجرة علم محمّد إشارة إلى المجوبية الكاملة المثمرة لجميع الكمالات الإنسانية المقتضية للتوحيد المحمدي الذي هو الفناء في الله والبقاء بالله المشار إليه بقوله صلی الله علیه واله وسلم : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، فإن فيها من ثمار المعارف كلها ، وشجرة الكافور إشارة إلى برد اليقين الموجب للطمأنينة الكاملة المستلزمة للخلق العظيم الذي كان لنبينا صلی الله علیه واله وسلم ودون لأهل بيته ، فلا منافاة بين الروايات ولا بينها وبين ما قالها أهل التأويل إنّها شجرة الهوى والطبيعة لأنّ قربها إنّما يكون بالهوى والشهوة الطبيعية ، وهذا معنى ما ورد أنها شجرة الحسد : فإنّ الحسد إنّما ينشأ منها ، انتهى .
وقد تلخص منه ومن الروايات السالفة أن آدم كما أكل من الشجرة المنهية التي هي شجرة الفاكهة في عالم الظاهر، فكذلك أكل في عالم الباطن والحقيقة من الشجرة المختصة بآل محمّد عليهم السلام التي غرسها الله لهم بيد قدرته ، فطابق ظاهره وباطنه في إرتكاب الخطيئة وكان ذلك سبباً لإهباطه إلى دار البلية .
وفي بعض الأخبار أنّ ذلك أيضاً سبب لوجوب غسل الجنابة ولزيادة حظ الذكر من
الأنثى في الميراث .
وهو ما رواه الصدوق في «الفقيه» قال: جاء نفر من اليهود إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فيما سأله أن قال: لأي شيء أمر الله تعالى بالإغتسال من الجنابة ولم يأمر بالغسل من الغائط والبول؟ فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «إنّ آدم لما أكل من الشجرة دبّ ذلك في عروقه وشعره وبشره، فإذا جامع الرّجل أهله خرج الماء من كلّ عرق وش كلّ عرق وشعرة في جسده، فأوجب الله تعالى على ذريته الاغتسال من الجنابة إلى يوم القيامة، والبول يخرج من الشراب الذي يشربه الإنسان، والغائط يخرج من فضلة الطعام الذي يأكله الإنسان، فعليه في
1) عيون أخبار الرضا (علیه السلام) : 274/3 ح 67
ذلك الوضوء»، قال اليهودي : صدقت يا محمد (1).
وفي «العيون» بإسناده عن الرّضا عن آبائه عليهم السّلام في حديث الشامي مع أمير المؤمنين علیه السلام وسأله لم صارت الميراث للذكر مثل حظ الانثيين؟ فقال علیه السلام: «من قبل السنبلة كانت عليها ثلاث حبات ، فبادرت إليها حوّاء فأكلت منها حبّة وأطعمت آدم حبتين، فلذلك ورث الذكر مثل حظ الأنثيين » (2).
إعلم أنّ النّاس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السّلام على أقوال شتى، وينبغي أن نشير أولاً إلى معنى لى معنى العصمة .
فنقول : العصمة في اللغة إسم من عصمه الله من المكروه يعصمه من باب ضرب أي حفظه ووقاء ومنعه عنه، وفي الإصطلاح هي ملكة إجتناب المعاصي مع التمكن منها .
وقيل : هي ملكة تمتع الفجور ويحصل بها العلم بمعايب المعاصي ومناقب الطاعات.
وقال الرّاغب : هي فيض إلهي يقوي بها الإنسان على تحري الخير وتجنّب الشر حتى تصير كمانع له ، وإن لم يكن منعاً محسوساً.
وقال العلامة في الباب الحادي عشر : العصمة لطف خفي يفعل الله تعالى بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك .
وقال المرتضى في كتاب «الدرر والغرر »: العصمة اللطف يفعله الله تعالى فيختار العبد عنده الإمتناع من فعل القبيح، فيقال على هذا : إن الله عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح ، ويقال : إن العبد معصوم ، لأنه اختار عند هذا الداعي الذي فعل له الامتناع من القبيح، وأصل العصمة في موضوع اللغة المنع ، يقال : عصمت فلاناً من السوء إذا منعت من حلوله به ، غير أنّ المتكلمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللطف الذي يفعله الله تعالى به ، لأنه إذا فعل ما يعلم أنه يمتنع عنده من فعل القبيح فقد منعه من القبيح فأجروا عليه لفظة المانع قهراً وقسراً وأهل اللغة يتعارفون ذلك أيضاً ويستعملونه، لأنّهم يقولون فيمن أشار على غيره برأي فقبله منه مختاراً، واحتمى بذلك من ضرر يلحقه وسوء يناله أنه حماه من ذلك الضرر ومنعه وعصمه منه ، وإن كان على سبيل الاختيار ، انتهى .
وقد ظهر مما ذكرنا كله أن العصمة ملكة مانعة عن ارتكاب المعاصي وموجبة لإتيان
الطاعات على وجه الإختيار فما ذهب إليه بعضهم من أنّ المعصوم مجبول عليهما وأنه لا يمكنه الإتيان بالمعاصي باطل جداً وإلا لما استحق مدحاً كما هو ظاهر.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ النّاس اختلفوا في عصمة الأنبياء على أقوال كثيرة قال الفخر الرّازي وضبط القول فيه أن يقال : الإختلاف في هذه الباب يرجع إلى أقسام أربعة :
أحدها : ما يقع في باب الإعتقاد .
وثانيها : ما يقع في باب التبليغ .
وثالثها في باب الأحكام والفتيا.
ورابعها ما يقع على أفعالهم وسيرتهم .
أمّا اعتقادهم الكفر والصّلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة، وقالت الفضلية من الخوارج : إنّهم قد وقعت منهم الذنوب والذنب عندهم كفر وشرك فلا جرم قالوا : بوقوع الكفر منهم، وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية.
أمّا النوع الثاني : وهو ما يقع بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك كما لا يجوز وقوعه منهم عمداً لا يجوز أيضاً سهواً، ومن الناس من جوّز ذلك سهواً قالوا: لأن الإحتراز عنه غير ممكن.
وأمّا النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطاهم فيه على سبيل التعمد، وأما على سبيل السهو فجوّزه بعضهم ، وأباه آخرون.
وأمّا النّوع الرّابع: وهو الذي يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على أقوال خمسة :
أحدها : قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية.
والثاني: قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، وهذا قول أكثر المعتزلة.
القول الثالث : أنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة العمد البتة، بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي .
القول الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم مأخوذون ما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعاً عن أمنهم، وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر ، وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم.
القول الخامس : أنّه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا
على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ وهو مذهب الرافضة.
واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول من ذهب أنهم معصومون من وقت مولدهم، وهو قول الرافضة. وثانيها : قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم إرتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة، وهو قول كثير من المعتزلة .
وثالثها: قول من ذهب إلى أنّ ذلك وقت النّبوة، أما قبل النبوة فجائز وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة، انتهى ما أهمنا نقله من كلامه .
وقد ظهر منه أنّ الشيعة لا يجوزون عليهم المعاصي مطلقاً.
وأما ما ذكره من أنّ الإمامية أجازت عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية فهو افتراء عليهم، وإنّما هو شيء ذكره صاحب «المواقف »، وكيف يجوزون إظهار الكفر للأنبياء والأئمة مع تأييدهم بالنفوس القدسية والقوى الربانية ، وما هذه النسبة إلا فرية بينة وبهتان عظيم.
وأما ما ذكره من أنّ الشيعة لا يجوزون عليهم المعاصي مطلقاً فهو حق ولهم على ذلك أدلة عقلية ونقليّة ذكروها في كتبهم الكلامية والتفاسير القرآنية .
منها أنّ متابعة النبي واجب لقوله : فاتبعوني، فلو كان عاصياً وجب الإقتداء عليه في معصيته فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال وإذا ثبت ذلك في حق النّبي ثبت في حق سائر الأنبياء لعدم القول بالفصل.
ومنها أنه لو أقدم على المعصية لوجب زجره عنها من باب النهي عن المنكر مع أنزجرهم وإيذائهم محرم لقوله :
( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) [الأحزاب: 57] .
ومنها أنه لا شيء أقبح عند العقل من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في بلاده وعباده يسمع نداء ربه أن لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته وغير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده هذا معلوم القبح بالضرورة.
ومنها أنه لو لم يكونوا معصومين لانتفت فائدة البعثة واللازم باطل فالملزوم مثله، بیان الملازمة أنه إذا جازت المعصية عليهم لم يحصل الوثوق بصحة قولهم لجواز الكذب حينئذ عليهم، وإذا لم يحصل الوثوق لم يحصل الإنقياد لأمرهم ونهيهم فينتفي فائدة بعثتهم وهو محال، هذا.
وقد ذكروا أدلة كثيرة وراء ما ذكرنا عليك بمطالبتها من مواقعها .
فإن قلت غاية ما يستفاد من تلك الأدلة هو كونهم معصومين بعد البعثة على ما ذهب إليه الأشاعرة وطائفة من المعتزلة . ولا دلالة فيها على وجوب العصمة قبلها أيضاً كما هو مذهب الشيعة.
قلنا: إذا تمت دلالتها على ما بعد البعثة فنقول فيما قبل البعثة : إن من الواضح أن القلوب تشمئز ولا ينقاد إلى طاعة من عهد منه في سالف عمره أنواع المعاصي والكبائر وما تنفر النفس عنه، ألا ترى أن عالماً لم يكن له مبالاة فی أفعاله وأقواله قبل تحصيله وفي أيام صغره ، لا يكون له وقع في القلوب بعدما كمل وبلغ من العلم والكمال غايته .
إذا مهدت هذا فنقول : ما ورد في الكتاب العزيز والأخبار مما يوهم صدور الذنب عنهم الذي جعله الخصم دليلاً على مذهبه لا بد من حمله على ترك الأولى جمعاً بينها الأدلة الموهمة لخلاف العصمة قد ذكر له وجوه ومحامل في مواضعه وعليك في ذلك بمطالعة كتاب تنزيه الأنبياء الذي رتبه علم الهدى المرتضى رضي الله عنه وغيره من الكتب المعدة لذلك، ولولا خوف الإطالة لذكرنا نبذة منه إلا أنه لا بأس بذكر ما يوهم ذلك في قصة آدم علیه السلام الذي تمسك به الخصم وهو سبعة أوجه .
الأول : أنه كان عاصياً لقوله : وعصى آدم ربه ، والعاصي صاحب الكبيرة لأنه قد توعد عليه بالعقاب، قال سبحانه :
( ومَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارٌ جَهَنَّمَ ) [الجن: 23] .
الثاني : أنه كان غاوياً لقوله : فغوى ، والغي ضدّ الرّشد يدلّ عليه المقابلة في قوله:
(قد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ ) [البقرة : 256] .
الثالث : أنه تائب لقوله :
(ثم اجنبهُ رَبُّكُمُ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ [طه: 122]
والتوبة إنّما هو عن الذنب .
الرابع : ارتكابه المنهي عنه كما يشهد به توبيخه بقوله :
(ألم أنهكما عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ ) [الأعراف: 22] ويدلّ عليه قوله: وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِالشَّجَرَةَ [البقرة: 35].
ومرتكب المنهي عنه مذنب
الخامس : أنه ظالم لقوله :
(فتكونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة : 35] وقوله حكاية عنهما ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ [الأعراف: 23].
والظلم ذنب بالضرورة.
السادس: إعترافه بأنه لولا مغفرة الله إياه لكان خاسراً في قوله :
(وإن لم تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] .
والخسران إنّما يكون عن الذنب.
السابع : أنّه أخرج من الجنّة بسبب إطاعته للشيطان وقبوله لوسوسته وإزلاله وذلك يقتضي كونه مذنباً، هذا.
والجواب عن الأوّل أنّ كون آدم عاصياً مسلماً ، وأمّا أنّ كلّ عاص صاحب كبيرة فممنوع، لأنّ المعصية عبارة عن مخالفة الأمر واجباً كان أو مندوباً، فإنّهم يقولون أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني ، بل يطلق على مخالفة الأوامر الإرشادية أيضاً كما يقولون: أمرته بشرب الدواء فعصاني، وقال عمرو بن العاص لمعاوية :
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني *** وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
وقال ابن المنذر ليزيد بن المهلب أمير خراسان :
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني *** فأصبحت مسلوب الإمارة نادماً
إذا عرفت ذلك فنقول : لا يمتنع إطلاق إسم العصيان على فعل آدم علیه السلام، لا لكونه تاركاً للواجب، بل لكونه تاركاً للأولى من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أما ما قيل في «الإستدلال» من أن العاصي قد توعد عليه بالعقاب في قوله : ومن يعص الله الآية، فنقول : إنّ الآية وإن كانت مفيدة للعموم بدلالة لفظة من إلا أنّها مخصوصة بالعاصي بترك الأوامر الواجبة، لا مطلق الأوامر ضرورة أنّ المندوب لا عقاب على تركه .
ويشهد بما ذكرنا من عدم كون الأمر في المقام إلزامياً أنه على تقدير كونه للإلزام لزم استحقاق آدم للعقاب بنص الآية الشريفة أعني قوله : ومن يعص الله الآية وكيف لأحد أن يجترى ويجسر على هذه الدعوى ويجيز العقاب على الأنبياء الذين هم أعلام الهدى والعروة الوثقى إن هذا إلا بهتان عظيم وافتراء.
وعن الثاني سلّمنا أنّ الغي عبارة عن ضدّ الرّشد إلا أنّ الرّشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء يوصل إلى المقصود، فمن توصل بشيء إلى شيء فحصل له ضد مقصوده كان ذلك غيّاً كما قال الشاعر :
فمن يلق خيراً يحمد النّاس أمره *** ومن يغو لم يعدم على الغيّ لائماً
وعلى ذلك فمعنى قوله سبحانه :(فغوی) ، فخاب ممّا كان يطمع فيه بأكل الشجرة من
الخلود في الجنّة والملك الدائم .
وعن الثالث أنا نمنع من أنّ التّوبة لا تكون إلا عن ذنب لأنها عبارة عن الندم على ما مضى فيجوز على ترك المندوب وسيأتي تحقيق له في الفصل الآتي.
وعن الرابع المنع من كون مرتكب المنهي عنه مذنباً مطلقاً وإنّما هو في ارتكاب المناهي التحريمية، وأما مخالفة النهي التنزيهي فلا يكون ذنباً، وذلك لأن آدم كان مندوباً إلى ترك التناول من الشجرة وكان بالتناول منها تاركاً نفلاً وفضلاً ولم يكن فاعلاً للقبيح ، لأنّ القبيح لحق فاعله للعقاب وقد علمت أن العقاب منفي عن الأنبياء ، ومن أجاز العقاب عليهم فقد أساء عليهم الثناء وأعظم الفرية على الله تعالى .
فإن قيل : ألم يكن إخراج آدم وإهباطه إلى الأرض عقوبة له؟
قلت : إن آدم لم يكن مخلوقاً للجنة وإنما خلقه الله سبحانه ليكون خليفة في الأرض كما يشهد به إخباره سبحانه للملائكة قبل خلق آدم بقوله
(وإنّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ) [البقرة: 30].
وإنما كان إسكانه في الجنّة من باب التفضّل والإكرام.
وعن الخامس بأن الظالم ربّما يقال على من بخس نفسه الثّواب، فنقول: لا شك أنه كان تاركاً للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلماً على نفسه فالظلم هو النقص وبخس الثواب بترك المندوب .
وعن السّادس بأن الخسران عبارة عن عدم الربح ، ومن الواضح أنه لو لم يقدم على أكل الشجرة حصل له الثواب الموعود من الله سبحانه من الأكل الرغيد والعيش السعيد، وبالأقدام عليه حصل له الخسران وفوّت المنفعة على نفسه وحاصله منع أن الخسران لا يكون إلا عن ذنب .
وعن السابع بما ذكرناه سابقاً من أن آدم خلق لأن يكون خليفة في الأرض وليس في إهباطه إلى الأرض دلالة على كونه مذنباً، نعم يمكن أن يقال: إن تركه للأولى كان سبباً لتعجيل الهبوط، لاحتمال تغير المصلحة في البقاء بحصول الأكل، هذا. وبقي الكلام في أن أكل آدم من الشجرة هل كان على سبيل السهو والنسيان أو على سبیل العمد والقصد؟
المستفاد من بعض الأخبار هو الأوّل، وهو رواية علي بن إبراهيم عن أبي جعفر علیه السلام التي سبقت عند شرح قوله علیه السلام والعزيمة بوهنه .
وربّما أورد عليه بأنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل، لعدم القدرة على الترك مع النسيان وتكليف الغافل قبيح عقلاً.
وفيه أنّ العتاب يحتمل أن يكون على ترك التحفّظ لأن إستقلال العقل بقبح المؤاخذة على النسيان مطلقاً ممنوع لأن النسيان الصادر عن ترك التحفظ لا يقبح المؤاخذة عليه، ولذلك صح دعاء النبي صلی الله علیه واله وسلم وسلم واستيهابه لها من ربّه ليلة المعراج بقوله :
(ربنا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا ﴾ [البقرة: 286] الآية .
وهذه المؤاخذة هي التي من برفعها على أمة النبي صلى الله عليه وآله وخصت به من بين الأمم كما يدلّ عليه حديث رفع التّسعة الذي رواه الصدوق في الخصال والتوحيد عن النبي صلی الله علیه واله وسلم .
وهو أنه صلی الله علیه واله وسلم قال : « رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ ، والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون ، وما اضطروا إليه، والحسد ، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة .
وبالجملة المؤاخذة على النسيان التحفّظ قبيحة عقلاً وإجماعاً، وأما مع عدمه فليس فيها قبح »، ولذلك استوهبها النبي صلی الله علیه واله وسلم ليلة المعراج ومنّ الله على أمته برفعها منها من باب التفضل والأنعام (1).
وأما الثاني أعني إقدامه على الأكل مع العمد فقد العمد فقد ذهب إليه جمع من المفسرين من العامة والخاصة، ثم اختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم ، وقد علمت أنّه مذهب الإمامية .
الثاني: أنه كان عمداً من آدم وكان ذلك كبيرة وكان آدم نبياً في ذلك الوقت وهو مذهب الفضلية من الخوارج خذلهم الله .
الثالث : ما عزاه الفخر الرازي إلى أكثر المعتزلة، وهو أنه أقدم على الأكل بسبب إجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة بيان الإجتهاد والخطأ أنه لما قيل له ولا تقربا هذه الشجرة فلفظة هذه قد يراد بها الشخص، وقد يشار بها إلى النوع، فلما سمع آدم قوله : ولا تقربا هذه الشجرة ، ظنّ آدم أنّ المراد بها الشجرة المشخّصة المعينة. فترك الأكل منها وتناول من شجرة أخرى من نوعها إلا أنه كان مخطئاً في ذلك الإجتهاد، لأن مراده سبحانه من كلمة هذه كان النّوع لا الشخص ، والخطأ في الفروع إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب، لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا .
1) التقية للأنصاري : 40 ، والخصال: 417 ح 9 .
أقول : ومثل هذه المقالة قد وردت في بعض أخبارنا وهو ما رواه الصدوق في العيون كالطبرسي في «الإحتجاج » عن علي بن محمد بن الجهم، قال حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علیه السلام ، فقال له المأمون يا بن رسول الله أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلی ، فقال : ما معنى قول الله عزّ وجل:
(وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَنَوَى ﴾ [طه: 121] .
فقال علیه السلام : إن الله تبارك وتعالى قال لآدم :
(اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِتْتُمَا وَلَا نَقَرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ [البقرة : 35].
وأشار لهما إلى شجرة الحنطة .
(فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة : 35].
ولم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجرة ولا ممّا كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة وإنّما أكلا من من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما وقال : إنّما نهاكما ربِّكما عن هذه الشجرة وما نهاكما أن تقربا غيرها ولم ينهكما عن الأكل منها :
(إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّصِمِينَ ﴾ [الأعراف : 20 - 21]
ولم يكن آدم وحواء شاهدان قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً.
(فَدَلَنَهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ﴾ [الأعراف: 22] .
(وَعَصَى اَدَ رَبَّهُ فَقَوَى (ثُمَّ اجنَبَهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [طه : 121 - 122] وقال: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وَعَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران 33] الحدیث (1).
أقول: وهذا الحديث كما ترى مطابق لمذهب المعتزلة كما حكيناه عنهم، ومخالف
لأصول الإمامية لتصريح ذيله بجواز صدور الصغيرة على الأنبياء قبل نزول الوحي فلا بد.
إما من طرحه لضعف سنده من حيث الإرسال كما في «الاحتجاج»، أو إنتهاء سلسلة السند إلى تميم بن عبد الله بن تميم القرشي كما في «العيون»، فإن السند فيه حدثنا تميم بن
1) الاحتجاج : 216/2 .
عبد الله بن تميم القرشي، قال حدثني أبي عن حمدان بن سليمان النيسابوري عن علي بن محمّد بن الجهم، وقد ضعفه العلامة في «الخلاصة» حيث قال : تميم بن عبد الله بن تميم القرشي الذي روى عنه أبو جعفر محمد بن بابويه ضعيف .
أو حمله على التقية وإن بعدت ، أو تأويله بما يطابق أصول المذهب، وقد أوله الطبرسي على ما رأيته في حاشية نسخ الإحتجاج بقوله : ولعلّ الرضا علیه السلام أراد بالصغائر الموهوبة ترك المندوبة وإرتكاب المكروه من الفعل دون الفعل القبيح .
وفيه أن ما ذكره، وإن كان مقتضى أصول المذهب إلا أنّ تأويل الزواية به غير ممكن، لأن الصغائر بالمعنى الذي ذكره لا إختصاص لها بما قبل نزول الوحي حسبما ورد في الرواية، ولا يجب العصمة عنها بعد النبوة أيضاً كما يفهمه قوله علیه السلام : «فلما أجتباه الله وجعله نبياً كان معصوماً لا يذنب صغيرة ».
ومثل هذا الإشكال يلوح على رواية أخرى نظير تلك الرواية ، وهي ما رواه في «العيون» أيضاً بإسناده عن أبي الصلت الهروي قال : لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا عليهما السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصائبين وسائر أهل المقالات، فلم يقم أحد إلا وقد ألزمه حجته كأنه ألقمه حجراً، قام إليه علي بن محمد بن الجهم، فقال له يا بن رسول الله : أتقول : بعصمة الأنبياء عليهم السلام؟ قال علیه السلام: «نعم »، قال فما تقول بقول الله :
(وعصى آدَمُ رَبَّهُ فَعُوى ﴾ [طه: 121].
إلى أن قال: فقال الرّضا علیه السلام: «ويحك يا علي اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأوّل كتاب الله برأيك فإنّ الله عزّ وجل قد قال:
( وما يعلم تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران: 7] .
«وأما قوله عزّ وجل في آدم : وعصى آدم ربه فغوى فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم حجّة في أرضه وخليفة في بلاده، لم يخلقه للجنّة وكانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض وعصمته يجب أن تكون في الأرض ليتم مقادير أمر الله، فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجّة وخليفة عصم بقوله عزّ وجلّ .
( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وَعَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران :33] الحديث » (1)، وعسى أن يكون للروايتين تأويل عند غيري وفوق كل ذي علم عليم، هذا.
1) عيون أخبار الرضا (علیه السلام): 171/2 ح 1 باب 14 .
ويلوح على الرواية الأولى إشكال آخر وهو أنه علیه السلام قد ذكر أن المشار إليها بقوله (وَلَا نَقَرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) شجرة الحنطة، ولم يقل لهما : لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا مما كان من جنسها فلم يقربا هذه وإنّما أكلا من غيرها بتدليس إبليس .
وحاصل الإشكال أن يقال : المشار إليها بهذه إما أن تكون شخص الشجرة، وإما أن تكون نوعها، فعلى الأوّل لا يكون أكلا من غيرها مما هي من نوعها تركاً للأولى على مذهبنا وذنباً على مذهب غيرنا ، فأي توبيخ كان من الله سبحانه عليه في فعله ذلك، وعلى الثاني كيف يمكن تدليس الشيطان لهما بقوله : إنّما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة وما نهاكما أن تقربا غيرها حسبما ورد في الرّواية مضافاً إلى أنّ اللازم على الله سبحانه نصب القرينة على إرادة النوع، بأن يقول: ولا تقربا هذه الشجرة ولا غيرها مما كان من نوعها، لقبح الإغراء بالجهل وتأخير البيان عن وقت الحاجة .
ويمكن رفع الإشكال بأن يقال: إنّ المنهي عنه إنّما كان نوع الشجرة، وكلمة هذه قد يشار بها إلى الشخص ، وقد يشار بها إلى النّوع، فقوله : ولا تقربا هذه الشجرة ، مع عدم نصب القرينة من قبيل الخطاب بالمجمل لا أن الخطاب مجمل بل متعلق الخطاب أعني المكلّف به مردد بين الكلي والفرد ، ونفس الخطاب أعني التكليف بالاجتناب معلوم؛ فاللازم على آدم علیه السلام حينئذ هو الإحتياط بالإجتناب عن جميع الأفراد، وقد دلسه الشيطان وأوقعه في خلاف الإحتياط المقتضي للإجتناب، وقال له إن الله حيث لم ينصب قرينة على إرادة النوع فقد أباح النوع إلا الفرد الخاص فأكل من غير ذلك الفرد واستحق التوبيخ، وهذا ليس من قبيل الإغراء بالجهل ، ولا من قبيل تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ نفس التكليف قد كان معلوماً بالعلم التفصيلي لا جهالة فيه أصلاً، ولا حاجة له إلى البيان غاية الأمر كون المكلف به مجملاً مردداً بين أمرين والعقل حاكم فيه بوجوب الإحتياط بترك المحتملات، هذا ما نقده الخاطر القاصر في المقام، والعالم بحقائق الأمور والأحكام الله ولأوليائه الكرام عليهم السلام .
پس از آن ساکن گردانید حق سبحانه و تعالی جناب آدم على نبينا و آله و عليه
السلام را در سرایی که وسیع نمود در آن عیش او را و ایمن ساخت در در آن محل او را از مکاره و آفات و بترسانید او را از ابلیس لعین و دشمنی او، پس فریفته ساخت او را دشمن او به جهت بخل و حسد او به سکون او در سرای اقامت که بهشت است و به رفیق شدن او با نیکوکاران که ملائکه مقربین اند. پس بفروخت یقین به عداوت ابلیس را به شك در عداوت به جهت قسم خوردن او به خداوند که من از ناصحین هستم و بفروخت عزیمت و اهتمامی که داشت در نخوردن از شجره به وهن و سستی خود که عارض شد او را به جهت تدلیس ابلیس و استبدال کرد و بدل نمود فرح و سرور را به خشیت و ترس و عزت و بزرگی را به ندامت و پریشانی .
«ثُمَّ بَسَطَ اللَّه لَهُ في تَوْبَتِهِ، وَلَقَاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ المَرَدَّ إِلى جَنَّتِه » (1).
(التوبة) الإنابة وأصلها الرّجوع عمّا سلف والندم على ما فرط و (لقيه) ألقاه من باب تعب لقيا إستقبله وكلّ شيء إستقبل شيئاً أو صادفه فقد لقيه قال الطبرسي (رحمت الله) في «تفسيره» : فتلقى آدم من ربه كلمات : التلقى نظير التلقن يقال : تلقيت منه أي أخذت وقبلت ، وأصله من لقيت خيراً فيعدي إلى مفعول واحد ثم يعدي إلى مفعولين بتضعيف العين، نحو لقيت زيداً خيراً كقوله تعالى :
(وَلَقَهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾ [الإنسان : 11] .
أقول : ومثله قول الإمام علیه السلام : ( ولقيه كلمة رحمته)، وحكى الفخر الرازي عن القفال قال : أصل التلقي التعرض للقادم يوضع في موضع الإستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول والأخذ قال الله :
(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْهَانَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَيد ﴾ [النمل: 6] .
أي تلقنه ويقال: تلقينا الحاج أي إستقبلناه، ويقال: تلقيت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه ، وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقي رجلاً فتلاقيا لقي كلّ واحد صاحبه فأضيف الإجتماع إليهما معاً ، صلح أن يشتركا في الوصف بذلك، فيقال: كل ما تلقيته فقد تلقاك، فجاز أن يقال: تلقى آدم كلمات أي أخذتها ووعاها واستقبلها بالقبول، وجاز أن يقال تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات و (المرد) كالردّ مصدر من رذه إذا صرفه .
مفعول بسط محذوف، والتقدير بسط الله له بساط رحمته وكرامته في توبته ، بأن جعلها مقترنة بالقبول ، وعلى ما في بعض النسخ من انتفاء كلمة له يجوز جعل بسط بمعنى سرّ يقال: بسط فلاناً، أي سره فالمفعول حينئذ الضمير المحذوف الراجع إلى آدم علیه السلام .
(ثم) إن آدم علیه السلام لما اغتره عدوّه وأكل من الشجرة وارتكب خلاف الأولى واستبدل
1) بحار الأنوار: 102/1 ، وتفسير نور الثقلين : 63/1 .
الإعتزاز بالندم (بسط الله له ) بساط رحمته وكرامته (في توبته ) بأن ألهمها إليه وتقبلها بقبول حسن (ولقيه) أي لقنه (كلمة رحمته ) التي أشير إليها في قوله سبحانه :
(فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَةٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [البقرة : 37] .
(ووعده المرد) والرجوع (إلى جنته )كما قال سبحانه في سورة البقرة :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِني هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38] وفي سورة طه (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى )[طه: 123] .)### تنبيهات الأولأن ظاهر كلام الإمام علیه السلام كون توبة آدم قبل الإهباط من الجنّة حيث عطف الإهباط على بسط التّوبة، وهو مقتضى الترتيب الذكري في الآية من سورة طه، قال سبحانه :(وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّرُ فَنَوَى * ثُمَّ اجْبَهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا [طه: 121 - 123] حيث جعل الأمر بالهبوط بعد التوبة .)قال الشارح المعتزلي : وذلك أحد قولي المفسرين (ا ه-، ولكن الأشهر أنّ التوبة كانت بعد الهبوط كما ورد في سورة البقرة قال سبحانه:)(فَازَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَت فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الثَّوَابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 36 - 37] .)والأقوى ي عندي كون التوبة بعد الإهباط على ما ورد في سورة البقرة، فيكون كلام الإمام علیه السلام من قبيل التقديم والتأخير، والتقدير فاستبدل بالجذل وجلاً وبالإعتزاز ندماً فأهبطه الله إلى دار البلية وتناسل الذرية، ثم بسط في توبته ولقنه كلمة رحمته .قال : قلت : مقتضى النظم حسبما ذكرت في إحدى الآيتين مخالف للأخرى ظاهراً فما الدليل على ترجيح ما يستفاد من آية البقرة؟ ثم على تقدير وجود الدليل ما السر في تقديم التوبة على الإهباط في آية طه؟قلت: أما السر فيما ذكر فلعله هو أنه سبحانه لما نسب إلى آدم العصيان والغي الظاهرين فی صدور الذنب الموهمين للإفتضاح وسقوطه عن رتبة النبوة والإصطفاء كما سبق إلى ذوي الأفهام القاصرة والعقول الناقصة من العامة العمياء فإنّهم وإن لم يقروا بذلك إلا أنّه لازم كلامهم نظراً إلى أنّ المذنب لا يكون نبياً كما عرفت في الفصل السابق، إقتضى الحال والمقام أن يعقبه بما يوجب دفع ذلك التوهم وينبه على أن صدور ذلك لم يوجب انحطاط رتبته بحيث يسلبه التوفيق والألطاف الخفية بالكلية، ويكون موجباً للخذلان والحرمان فعقبه من دون فصل
بما أفاد كونه مجتبي ومرتضي ، وأن صدور ذلك الفعل لم يسقطه عن الإستعداد والقابلية للعناية الربانية، كما قدم الإجتباء على التوبة لذلك السر أيضاً وهو زيادة إشعاره بدفع ذلك التّوهم فاقتضى الحال تقديمه .وأمّا سورة البقرة فقد جرت الحكاية فيها على ما هو الأصل فيها من المطابقة للمحكي ، وهذا السر ممّا لم يسبق إليه أحد غيري من العلماء والمفسرين والله العالم .وأما الدليل على تقدّم الإهباط على التوبة فهو الأخبار الكثيرة.منها ما رواه عليّ بن إبراهيم القمي في «تفسيره» عن الصادق علیه السلام قال : فأهبط آدم على الصفا، وإنما سميت الصفا لأن صفوة الله نزل عليها ونزلت الحوّاء على المروة [وإنما سميت المروة ظ] لأن المرأة نزلت عليها، فبقي آدم أربعين صباحاً ساجداً يبكي على الجنّة فنزل عليه جبرئيل فقال يا آدم : ألم يخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته؟ قال: بلى ، قال : وأمرك أن لا تأكل من الشجرة فلم عصيته ؟ قال : يا جبرئيل إن إبليس حلف لي بالله أنه لي ناصح وما ظننت أن أحداً من خلقه يحلف بالله عزّ وجل كاذباً، فقال له جبرئيل : يا آدم تب إلى الله (1.)ومنها ما رواه أيضاً بإسناده عنه علیه السلام، قال :« إنّ آدم بقى على الصفا أربعين صاحباً ساجداً يبكي على الجنّة، وعلى خروجه من جوار الله عزّ وجلّ، فنزل جبرئيل فقال : يا آدم ما لك تبكي؟ فقال : يا جبرئيل ما لي لا أبكي وقد أخرجني الله من جواره وأهبطني إلى الدنيا ، فقال : یا آدم تب إليه ، الحديث » ويأتي بتمامه إنشاء الله في أواخر الخطبة عند شرح إعلام الحج (2.)ومنها ما رواه في «البحار» عن معاني الأخبار عن العجلي عن ابن زكريا القطان عن ابن حبيب عن ابن بهلول عن محمد بن سنان عن المفضّل قال : قال أبو عبد الله علیه السلام «إن الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم صلوات الله عليهم فعرضها على السماوات والأرض والجبال، فغشيها نورهم فقال الله تبارك وتعالى للسماوات والأرض والجبال : هؤلاء أحبائي وأوليائي وحججي على خلقي وأئمة ريتي، ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منهم ولهم ولمن تولاهم خلقت جنتي، ولمن خالفهم وعادهم خلقت ناري، فمن ادعى منزلتهم مني ومحلّهم من عظمتي عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وجعلته مع
المشركين في أسفل درك من ناري ومن أقرّ بولايتهم ولم يدع منزلتهم مني ومكانهم من عظمتي جعلته معهم (معي خ ل في روضات جناني وكان لهم فيها ما يشاؤون عندي ، وأبحتهم كرامتي وأحللتهم جواري وشفعتهم في المذنبين من عبادي وإمائي، فولايتهم أمانة عند خلقي فأيكم يحملها بأثقالها ويدعيها لنفسه دون خيرتي، فأبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن من ادعاء منزلتها وتمنّى محلّها من عظمة ربّها، فلمّا أسكن الله آدم وزوجته الجنة قال لهما :)(وكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِنْتُمَا وَلَا نَفَرَيَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا [البقرة : 35]. يعني شجرة الحنطة .
(فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف : 19].
فنظراً إلى منزلة محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم عليهم السلام فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة فقالا : يا ربنا لمن هذه المنزلة؟ فقال الله جل جلاله : ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي فرفعا رؤوسهما فوجدا إسم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة ئمة بعده بعدهم صلوات الله عليهم مكتوباً على ساق العرش بنور من نور الجبار جل جلاله ، فقالا : يا ربنا ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، وما أحبهم إليك وما أشرفهم لديك؟ فقال الله جل جلاله: لولاهم ما خلقتكما فهؤلاء خزنة علمي وأمنائي على سري إياكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنيا منزلتهم عندي ومحلّهم من كرامتي فتدخلا بذلك في نهيي وعصياني فتكونا من الظالمين ، قالا ربنا ومن الظالمون؟ قال : المدعون لمنزلتهم بغير حق، قالا ربنا فأرنا منازل ظالميهم حتى نراها كما رأينا منزلتهم في جنّتك، فأمر الله تبارك وتعالى النار فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النكال والعذاب، وقال الله عزّ وجل مكان الظالمين لهم المدعين لمنزلتهم في أسفل درك منها :
(كلما أرادوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَةٍ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ [الحج : 22]
وكلما نضجت جلودهم بدلوا سواها ليذوقوا العذاب .
يا آدم ويا حواء لا تنظرا إلى أنواري وحججي بعين الحسد فأهبطكما عن جواري وأحل بكما هواني.
(فَوَسْوَسَ هُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُرِى عَنْهُمَا مِن سَوْءَانِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَلِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إني لكما لمنَ التَّصِمِينَ ﴾ [الأعراف: 20-21]
وحملهما على تمنّي منزلتهم فنظرا إليهم بعين الحسد فخذلا حتى أكلا من شجرة الحنطة فعاد مكان ما أكلا شعيراً فاحمل الحنطة ممّا لم يأكلاه وأصل الشعير كله منا عاد مكان ما
أكلاه فلما أكلا من الشجرة طار الحلّي والحلل عن أجسادهما وبقيا عريانين.
وَطَفِقَا يَخصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَتْهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنهَكُمَا عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُما إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين له وقالا ربنا ظلمنا أَنفُسَنَا وَإِن لَّوْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ [الأعراف: 22 - 23] .)قال : إهبطا من جواري فلا يجاورني في جنتي من يعصيني فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش، فلمّا أراد الله عزّ وجلّ أن يتوب عليهما جائهما جبرئيل فقال لهما : إنكما ظلمتما أنفسكما بتمنّي منزلة من فضل عليكما، فجزاؤكما ما قد عوقبتما به من الهبوط من جوار الله عزّ وجلّ إلى أرضه فاسألا ربّكما بحق الأسماء التي رأيتموها على ساق العرش حتّى يتوب عليكما، فقالا : اللهم إنا نسألك بحق الأكرمين عليك : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة إلا تبت علينا ورحمتنا، فتاب الله عليهما إنه هو التواب الرحيم، فلم تزل أنبياء الله بعد ذلك يحفظون هذه الأمانة ويخبرون بها أوصيائهم والمخلصين من أممهم، فيأبون حملها ويشفقون من ادعائها وحملها الإنسان الذي قد عرف فاصل كل ظلم منه إلى يوم القيامة وذلك قول الله عزّ وجل:(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسن إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (1)[الأحزاب: 82] .)قال المجلسي (رحمت الله : الإنسان الذي عرف هو أبو بكر (2)، هذا.)والأخبار في هذا الباب كثيرة، والإستقصاء فيها موجب للإطالة وفيما ذكرناه كفاية إنشاء الله .وبقي الكلام في مدة بكاء آدم على الجنّة والمستفاد من روايتي علي بن إبراهيم السالفتين أنه بكى أربعين صباحاً .وفي رواية الصدوق في «العيون» عن الرّضا عن آبائه عليهم السلام في أسألة الشامي أمير المؤمنين علیه السلام بالكوفة ، قال : وسأله عن بكاء آدم على الجنّة وكم كانت دموعه التي خرجت من عينيه ؟ فقال علیه السلام:« بكى مائة سنة وخرج من عينه اليمنى مثل الدّجلة والعين الأخرى مثل الفرات» (3)
وفي «لأنوار » للمحدّث الجزائري أخذاً عن الأخبار، ثمّ إنّ آدم وحواء أنزلا من السماوات على جبل في شرقي الهند ، يقال له : باسم وفي رواية أخرى يقال له: سرانديب، وهو في الإقليم الأوّل ممّا يلي معدّل النهار، وقد كانت حوّاء ضفرت رأسها في الجنة، فقالت : ما أصنع بهذه الضفيرة وأنا مغصوب عليّ، ثمّ إنّها حلت ضفرتها وفي خبر آخر أنّها حلت عقيصة واحدة فأطارت الريح ذلك الطيب في بلاد الهند ، فمن ثم كان أكثر الطيب منه .ثم أتى جبرئيل فأخذ آدم إلى مكة ليعلمه المناسك، فطوى له الأرض فصار موضع قدميه عمران ، وما بينهما خراب فأهبط آدم على الصفا وبه سمي لهبوط صفي الله عليه وحوّاء على المروة وبه سميت لنزول المرأة وهي حواء عليها، فبكى آدم على ما وقع منه وعلى فراق الجنّة ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء، وبكى حتى صار على خدّيه كالنهرين ، فخرج من عينه اليمنى دموع مثل دجلة، ومن عينه اليسرى مثل الفرات ، ثمّ إنّ آدم رأى حوّاء يوم الثامن من شهر ذي الحجة فلم يعرفها ذلك اليوم لشعث أحوالها وطول أحزانها، فتروى وتفكر ذلك، ثم إنه عرفها يوم التاسع، فمن ثمّ سمّي يوم الثامن يوم التروية والتاسع يوم عرفة، ولما لم تقبل توبته في تلك السنين والأعوام أتى إليه جبرائيل، فقال : يا آدم ادع الله بالأسماء التي رأيتها مكتوبة على ساق العرش بسطور النور وقل : اللهم بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة الطاهرين أن تقبل توبتي .ولعلّ المحدّث المذكور قد أخذ تقدير مذة البكاء بما ذكره ممّا رواه الصدوق في«الفقيه» في باب علّة باب علة وجوب الصّلاة الخمس عن النبي الصّلاة الخمس عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم فيها من الشجرة فأخرجه الله من الجنّة فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة واختارها لأمتي فهي من أحب الصّلاة إلى الله عزّ وجلّ ، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات، وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها على آدم ، وكان ما بين الصلوات، وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها على آدم ، وكان ما بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة من أيّام الدّنيا، وفي أيام الآخرة يوم وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء، فصلّى آدم ثلاث ركعات ركعة لخطيئتة وركعة لخطيئة حواء وركعة لتوبته الحديث »(1، ويأتي بتمامه إنشاء الله في «شرح الخطبة» المائة والتاسعة، هذا.)ولا بأس باختلاف هذه الأخبار في مدة أيام البكاء زيادة (الزايد، خ ونقصاناً، (الناقص خ ) لا مكان حمل الأقل على الشديد والأكثر على الخفيف والمراد بالشديد هو ما يشتمل على النوح، ويقال له : البكاء بالمد والثاني بالقصر.)
1) من لا يحضره الفقيه : 212/1 643 . ح 643
### الثانياختلفت الأقوال كالأخبار في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه التي أشار إليها الإمام علیه السلام بقوله : ولقاه كلمة رحمته .فقيل : إنّ المراد بها هي قوله: ربنا ظلمنا أنفسنا الآية.وقيل : هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .وعن ابن عباس إن الله علم آدم وحواء أمر الحج والكلمات التي يقال فيه، فحجا، فلما فرغا أوحى الله تعالى إليهما أني قد قبلت توبتكما .وفي «الكافي» عن أحدهما علیه السلام أن الكلمات :«لا إِلهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانِكَ اللهُم وَبِحَمْدِكَ عَمِلتُ سُوءً وظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لي وَأَنتَ خَيْرٌ الغَافِرِينَ، لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ عَمِلتُ سُوءَ فَاغْفِر لَيْ وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ أَرحَمُ الرّاحِمِينَ، لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانِكَ اللَهُمْ وَبِحَمدِكَ عَمِلتُ سُوءٍ وظلمتُ نَفْسِي فَاغْفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم »(1.)وفي أكثر أخبارنا أنّ المراد بها الأسماء المباركة لمحمد وآل محمّد سلام الله عليهم التي توسل آدم بها إلى الله سبحانه في قبول توبته ، ولا منافاة بينها لإمكان تلقى الجميع وإن كان الأقوى الأخير لقوة أدلته عدداً وسنداً.فمن تلك الأدلة رواية معاني الأخبار السالفة في التذييل الأول.ومنها ما عن تفسير الإمام علیه السلام: لما زلت من آدم الخطيئة واعتذر إلى ربّه عزّ وجلّ قال : يا ربّ تب عليّ وأقبل معذرتي فلقد تبين نقص الخطيئة وذلها بأعضائي وسائر بدني، قال الله تعالى يا آدم : أما تذكر أمري إياك بأن تدعوني بمحمد وآله الطيبين عليهم السلام عند شدائدك ودواهيك، وفي «النوازل» تبهظك (2، قال آدم یا ربّ بلى، قال الله عزّ وجلّ: فهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام خصوصاً فادعني أجبك إلى ملتمسك وأزدك فوق مرادك ، قال آدم : يا رب الهي وقد بلغ عندك من محلهم أنك بالتوسل بهم تقبل توبتي وتغفر خطيئتي وأنا الذي أسجدت له ملائكتك وأبحته جنتك وزوجته حواء أمتك وأخدمته كرام ملائكتك، قال الله تعالى : يا آدم إنّما أمرت الملائكة بتعظيمك بالسجود لك إذ كنت وعاء لهذه الأنوار ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك وأن أفطنك لدواعي)
عدوّك إبليس حتى تحترز منها لكنت قد جعلت ذلك، ولكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقاً لعلمي فالآن فيهم فادعني لأجيبك، فعند ذلك قال آدم: اللهم بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم لما تفضلت بقبول توبتي وغفران زلتي وإعادتي من كراماتك إلى مرتبتي، قال الله عزّ وجلّ : قد قبلت توبتك وأقبلت برضواني عليك وصرفت آلائي ونعمائي إليك وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي ووفرت نصيبك من رحماتي، فذلك قوله عزّ وجلّ(1.)(فَتَلَقَّى وَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَةٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة : 37] . پومنها ما في «البحار» عن معاني الأخبار بإسناده عن المفضل عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السّلام ، قال: سألته عن قول الله عزّ وجل : (وإذ ابتلى إبراهم ربه بِكَلِمَتِ ﴾ [البقرة : 124].
ما هذه الكلمات؟ قال علیه السلام : «هي الكلمات التي تلقيها آدم من ربه فتاب عليه وهو أنه قال: يا ربّ أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي ، فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم»، فقلت: يا بن رسول الله فما يعني عزّ وجل بقوله أتمهنّ، قال: يعني أتمهنّ إلى القائم إثنا عشر إماماً تسعة من ولد الحسين ، قال المفضل : فقلت له : يا بن رسول الله ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ :
(وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ [الزخرف: 28] .
قال: «يعني بذلك الإمامة جعلها الله في عقب الحسين علیه السلام إلى يوم القيامة » قال: فقلت له : يا بن رسول الله فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن وهما جميعاً ولدا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وسبطاه وسيدا شباب أهل الجنة ؟ فقال : « إنّ موسى وهارون كانا نبيين ومرسلين أخوين، فجعل الله النّبوة في صلب موسى دون طلب هارون ولم يكن لأحد أن يقول : لم فعل الله ذلك، فإنّ الإمامة خلافة الله عزّ وجلّ ليس لأحد أن يقول: لم جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسن عليهما السّلام، لأن الله هو الحكيم في أفعاله لا يسأله عما يفعل وهم يسألون» (2).
ومنها ما فيه أيضاً عن جامع الأخبار وأمالي الصدوق بالإسناد عن معمر بن راشد، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: «أتى يهودي النبي صلی الله علیه واله وسلم ، فقام بين يديه يحدّ النظر إليه، فقال صلی الله علیه واله وسلم : «يا يهودي حاجتك»؟ قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي كلمه الله وأنزل عليه التوراة والعصا وفلق له البحر وأظلّه بالغمام؟ فقال له النبي صلی الله علیه واله وسلم: «إنه يكره للعبد أن يزكي
نفسه ولكنّي أقول : إن آدم لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: اللهم إني أسألك بحق محمّد وآل محمّد لمّا غفرت لي فغفرها الله له ، وإن نوحاً لما ركب في السفينة وخاف الغرق، قال : اللهمّ إنّي أسألك بحق محمد وآل محمد لمّا أنجبتني من الغرق فنجاه الله ، وإن إبراهيم لمّا ألقي في النّار قال: اللهم إنّي أسألك بحق محمد وآل محمد لمّا أنجيتني منها فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وإن موسى لما ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال : اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمّد لمّا أمنتني ، فقال الله جلّ جلاله : لا تخف إنك أنت الأعلى يا يهودي إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوّتي ما نفعه إيمانه شيئاً ولا نفعته النبوة ، يا يهودي ومن ذريتي المهدي علیه السلام إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته فقدمه وصلى خلفه »(1). إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة، تركناها مخافة الأطناب، وقد عقد المحدث العلامة المجلسي طاب ثراء في «البحار» باباً في أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والإستشفاع بهم صلوات الله عليهم أجمعين .
في تحقيق توبة الأنبياء على وجه لا ينافي العصمة .
فنقول : قد عرفت في الفصل السابق أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من أوّل عمرهم إلى آخره، وأنه لم يصدر منهم ذنب قط لا صغيرة ولا كبيرة لا في الصغر ولا في الكبر ولا قبل البعثة ولا بعد البعثة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو والخطأ، على ما ذهبت إليه أصحابنا رضي الله عنهم، وعند ذلك احتاجوا إلى تأويل ما ورد في الكتاب العزيز من الآيات الدالة على توبتهم، وكذلك ما ورد في الأخبار .
فمن توبة النبي صلی الله علیه واله وسلم مثل ما رواه في «الكافي» بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام أنّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كان يتوب إلى الله عزّ وجلّ كلّ يوم سبعين مرّة .
وما رواه الطبرسي في «مجمع البيان» عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بآخره (2)لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ، فسألناه عن ذلك ، فقال : إنّي أمرت بها ثم قرأ (3).
( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ [النصر: 1]. إلى آخر السورة.
وكذلك ما ورد من توبة الأئمة عليهم السلام كما في الأخبار الكثيرة والأدعية المأثورة،
وكفاك شاهداً أدعيّة الصّحيفة السجادية ولا سيّما دعاء التوبة ودعاء الإستقالة المتضمنة للإعتراف بالذنوب والمعاصي.
إذا عرفت ذلك فأقول : قد أجاب عنه أكثر الأصحاب بأنّ ترك المندوب وفعل المكروه ربّما يسمّى ذنباً فيجوز التوبة حينئذ.
قال الطبرسي (رحمت الله ) : وعندنا تصح التوبة إذا كانت من ترك المندوب ويكون ذلك على وجه الرجوع إلى فعله، وعلى هذا يحمل توبة الأنبياء في جميع ما نطق به القرآن .
وقد أجيب عن استغفار النبي والأئمة عليهم السّلام وتوبتهم مضافاً إلى ما مر بوجوه خاصة :
أحدها : أنّه لتعليم الأمة وتأديبهم وتنبيههم على كيفية الإقرار والإعتراف بالتقصير
والذنوب والإستغفار والتوبة .
الثاني : أنّه من قبيل التّواضع والإعتراف بالعبودية وأنّ البشر مظنّة التقصير .
الثالث : أن الإعتراف بالذنوب والإستغفار منها إنّما هو على تقدير وقوعها، والمعنى إن صدر منّي شيء من هذه الأمور فأغفره لي، وقد تقرّر أنه لا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد من جزئيها .
الرابع : أنهم يتكلمون على لسان أمتهم ورعيتهم، فاعترافهم بالذنوب إعتراف بذنوب أمّتهم، لأن كل راع مسؤول عن رعيته وإنما أضافوا الذنوب إلى أنفسهم المقدسة للإتصال والسبب، ولا سبب أوكد مما بين الرسول أو الإمام علیه السلام وبين أمته ورعيته، ألا ترى أن رئيس القوم إذا وقعت من قومه هفوة أو تقصير قام هو في الإعتذار منهم ونسب ذلك إلى نفسه وإذا أريد عتابهم وتوبيخهم وجه الكلام إليه دون غيره منهم، وإن لم يفعل هو ذلك بل ولا شهده وهذا في الاستعمال معروف.
أقول : ويؤيد هذا الوجه ما رواه القمي عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى:
(لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قال علیه السلام: والله ما كان له ذنب ولا هم بذنب، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها » وفي «المجمع » عنه أنه سئل عنها ، فقال علیه السلام: «والله ما كان له ذنب ، ولكن الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي ما تقدّم من ذنبهم وما أخر » (1)، قال بعض أهل المعرفة : قد ثبت عصمته فلم يبق لإضافة الذنب إليه إلا أن يكون هو المخاطب والمراد أمته كما قيل : إياك أدعو
1) تفسیر مجمع البيان: 185/9 .
واسمعي يا جاره.
الخامس : ما ذكره الشيخ علي بن عيسى الأربلي (رحمت الله) في كشف الغمة واستحسنه أكثر من تأخر عنه كالمحدث المجلسي (رحمت الله) والشيخ البهائي في «شرح الأربعين» والطريحي وشارح الصحيفة السيد صدر الدين علي الحسيني وغيرهم من متصدّي الأخبار .
قال (رحمت الله) : فائدة سنية كنت أرى الدعاء الذي كان يقوله أبو الحسن علیه السلام في سجدة الشكر وهو :
«رَبِّ عَصَيْتُكَ بِلِسانِي وَلَوْ شِئْتَ وعِزَّتِكَ لأَخْرَسَتَني وَعَصَيْتُكَ بِبَصَرِي وَلَوْ شِئْتَ وعِزَّتِكَ لأَكْمَهْتَني وعَصَيْتُكَ بِسَمْعِي وَلَوْ شِئْتَ وعَزَّتِكَ لأَضمَمْتَني وعَصَيْتُكَ بِيَدي وَلَوْ شِئْتَ وعِزَّتِكَ لَكنَعْتَني وعَصَيْتُكَ بِفَرْجِي وَلَوْ شِئْتَ وعِزَّتِكَ لَعَقَمْتَني وعَصَيْتُكَ بِرِجْلي وَلَوْ شِئْتَ وعِزَّتِكَ لَجَدَّمْتَني وعَصَيْتُكَ بِجَميع جَوارِحي الَّتي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ وَلَمْ يَكُنْ هذا جَزَاكَ مِنْي » (1).
بخط عميد الروؤساء: العقمتني والمعروف عقمت المرأة وعقمت وعقمت وأعقمها الله .
فكنت أفكر في معناه وأقول : كيف يتنزل على ما يعقده الشيعة من القول بالعصمة ، وما اتضح لي ما يدفع التردّد الذي يوجبه ، فاجتمعت بالسيد السعيد النقيب رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى الطاوس الحسني رحمه الله وألحقه بسلفه الطاهر، فذكرت له ذلك فقال : إن الوزير السعيد مؤيد الدين القمي رحمه الله سألني عنه ، فقلت: كان يقول هذا ليعلم النّاس، ثم إني ذكرت بعد ذلك فقلت : هذا كان يقوله في سجدته في الليل وليس عنده من يعلمه، ثم سألني الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي (رحمت الله) فأخبرته بالسؤال والجواب الأول الذي قلت والذي أوردته عليه وقلت : ما بقي إلا أن يكون يقوله على سبيل التواضع، وما هذا معناه، فلم تقع مني هذه الأقوال بموقع ولا حلت من قلبي في موضع ، ومات السيد رضي الدين رحمه الله ، فهداني الله إلى معناه ووفقني على فحواه، فكان الوقوف عليه والعلم به وكشف حجابه بعد السنين المتطاولة والأحوال المجرية والأدوار المكرّرة من كرامات الإمام موسى علیه السلام ومعجزاته ولتصح نسبة العصمة إليه علیه السلام وتصدق على آبائه وأبنائه البررة الكرام وتزول الشبهة التي عرضت من ظاهر هذا الكلام.
وتقريره أنّ الأنبياء والأئمة عليهم السلام تكون أوقاتهم مشغولة بالله تعالى وقلوبهم مملوّة وخواطرهم متعلقة بالملا الأعلى، وهم عليهم السلام أبداً في المراقبة كما قال علیه السلام :«أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك »، فهم أبداً متوجهون إليه ومقبلون بكلهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة إلى الإشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ
1) مصباح المتهجد : 66 .
إلى النكاح وغيره من المباحات، عدوه ذنباً واعتقدوه خطيئة واستغفروا منه .
ألا ترى أنّ بعض عبيد أبناء الدنيا لو قعد وأكل وشرب ونكح وهو يعلم أنه بمرىء من سيده ومسمع ، لكان ملوماً عند الناس ومقصراً فيما يجب عليه من خدمة سيده ومالكه، فما ظنك بسيد السادات وملك الأملاك
وإلى هذا أشار علیه السلام :« أنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر بالنّهار سبعين مرة» (1)، ولفظة السبعين إنّما هي لعد الإستغفار لا إلى الرّين، وقوله : حسنات الأبرار سيئات المقربين .
ويزيده إيضاحاً من لفظه ليكون أبلغ من التأويل ويظهر من قوله عقمني والعقيم الذي لا يولد له والذي يولد من السفاح لا يكون ولداً، فقد بان بهذه أنّه كان يعد اشتغاله في وقت ما بما هو ضرورة للأبدان معصية ويستغفر الله منها .
وعلى هذا فقس البواقي وكلما يرد عليك من أمثالها ، وهذا معنى شريف يكشف بمدلوله حجاب الشبه ويهدي به الله من حسر عن بصره وبصيرته رين العمى والعمه وليس السيد (رحمت الله) كان حيّاً لأهدي هذه العقيلة إليه وأجلوا عرايسها عليه ، فما أظنّ أنّ هذا المعنى اتضح من الدعاء لغيري ، ولا أن أحداً سار في إيضاح مشكله وفتح مقفّله مثل سيري. وقد ينتج الخاطر العقيم فيأتي بالعجائب ، وقديماً ما قيل : مع الخواطي سهم صائب، انتهى كلامه رفع مقامه .
وقد اقتفى أثره القاضي ناصر الدين البيضاوي في «شرح المصابيح » عن شرح قوله علیه السلام : «إنّه ليغان على قلبي وإنّي لأستغفر الله في اليوم مائة مرّة »، قال : الغين لغة في الغيم وغان على كذا أي غطى ، قال أبو عبيدة في معنى الحديث أي يتغشى قلبي ما يلبسه، وقد بلغنا عن الأصمعي أنه سئل عن أنه سئل عن هذا ، فقال للسائل : عن قلب من تروي هذا ؟ فقال : عن قلب النبي صلی الله علیه واله وسلم ، فقال : لو كان غير قلبي النبي صلى الله عليه واله وسلم ، لكنت أفسره لك، قال القاضي والله درّ الأصمعي في انتهاجه منهج الأدب وإجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه ومنزل تنزيله .
ثم قال : لما كان قلب النبي صلی الله علیه واله وسلم أتم القلوب صفاء وأكثرها ضياء وأعرفها عرفاناً وكان علیه السلام معنياً مع ذلك بتأسيس الملة وتشريع السنة ميسراً غير معسر، لم يكن له بد من النزول إلى الرّخص والإلتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشرية ، فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك أسرعت كدورة إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته، فإن الشيء كلما كان أرقّ وأصفى كان ورود المكدّرات عليه أبين وأهدى، فكان إذا أحس بشيء من ذلك عده على النفس ذنباً فاستغفر منه ، انتهى ما حكى عنه ملخصاً .
وقال المحدث العلامة المجلسي طاب ثراه في المجلد السابع من البحار : اعلم أن
1) من لا يحضره الفقيه : 385/4 .
الإمامية رضي الله عنهم اتفقوا على عصمة الأئمة عليهم السّلام من الذنوب صغيرها وكبيرها فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمداً ولا نسياناً ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد رحمة الله عليهما فإنّهما جوزا الإسهاء من الله تعالى لمصلحة في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام، لا السهو الذي يكون من الشيطان، وقد مرت الأخبار والأدلة الدالة عليها في المجلد السادس والخامس وأكثر أبواب هذا المجلد مشحونة بما يدل عليها، فأما ما يوهم خلاف ذلك من الأخبار والأدعية فمؤلة بوجوه .
الأَوّل: أنّ ترك المستحب وفعل المكروه قد يسمى ذنباً وعصياناً، بل ارتكاب بعض المباحات أيضاً بالنسبة إلى رفعة شأنهم وجلالتهم ربما عبروا عنه بالذنب، لانحطاط ذلك عن سائر أحوالهم كما مرت الإشارة إليه في كلام الأربلي (رحمت الله ) .
الثاني : أنّهم بعد انصرافهم عن بعض الطاعات التي أمروا بها من معاشرة الخلق وتكميلهم وهدايتهم ورجوعهم عنها إلى مقام القرب والوصال ومناجاة ذي الجلال، ربّما وجدوا أنفسهم لانحطاط تلك الأحوال عن هذه المرتبة العظمى مقصرين، فيتضرعون لذلك وإن كان بأمره تعالى ، كما أن أحداً من ملوك الدنيا إذا بعث واحداً من مقربي حضرته إلى خدمة من خدماته التي يحرم بها من مجلس الحضور والوصال ، فهو بعد رجوعه يبكي ويتضرع وينسب نفسه إلى الجرم والتقصير لحرمانه عن هذا المقام الخطير .
الثالث : أنّ كمالاتهم وفضائلهم وعلومهم لما كانت من فضله تعالى، ولولا ذلك لأمكن أن يصدر منهم أنواع المعاصي، فإذا نظروا إلى تلك الحال أقروا بفضل ربهم وعجز نفسهم بهذه العبارة الموهمة لصدور السيئات ، فمفادها إني أذنبت لولا توفيقك ، وأخطأت لولا هدايتك .
الرابع: أنهم لما كانوا في مقام الترقي في الكمالات والصعود على مدارج الترقيات في كلّ آن من الآنات في معرفة الزب تعالى وما يتبعها من السعادات فإذا نظروا إلى معرفتهم السابقة وعملهم معها، اعترفوا بالتقصير وتابوا منه ، ويمكن أن ينزل عليه قول النبي صلى الله عليه واله وسلم : وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة ».
الخامس: أنّهم عليهم السلام لما كانوا في غاية المعرفة لمعبودهم فكلما أتوا به من الأعمال بغاية جهدهم ثم نظروا إلى قصورها عن أن يليق بجناب ربهم ، عدوا طاعاتهم من المعاصي، واستغفر منها كما يستغفر المذنب العاصي.
ومن ذاق من كأس المحبّة جرعة شائقة لا يأبى عن قبول تلك الوجوه الرائقة والعارف المحب الكامل إذا نظر إلى غير محبوبه أو توجه إلى غير مطلوبه، يرى نفسه من أعظم
الخاطئين ، رزقنا الله الوصول إلى درجات المحبين .
أقول : هذا ما ذكره علماؤنا البارعون في التقصي عن الإشكال المذكور، شكر الله سعيهم و وأجزل مساعيهم رضوان الله عليهم، إلا أن لي في المقام وجهاً آخر وهو بحسب الظاهر قريب من بعض الوجوه السابقة إلا أن نسبته إليها كنسبة الثريا إلى النّري كما هي غير خفية على صاحب الذوق السليم والطبع المستقيم .
أنك قد عرفت في «التذييل» الأوّل من تذييلات الفصل الثامن من فصول هذه
وهو الخطبة، أنّ أوّل ما خلق الله سبحانه أنوار النبي وآله عليهم السّلام ، كما عرفت أنه سبحانه خلق تلك الأنوار من قبل أن يخلق العالم بألوف من السنين ، ومرّ هناك في حديث أبي الحسن البكري أنه سبحانه خلقها قبل إيجاد العالم بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام .
إذا تذكرت ذلك فنقول : إنّهم قد كانوا حينئذ أنواراً بسيطة وجواهر مجرّدة عن التعلق بالأجسام والجسمانيات، خالصة عن الكدورات فارغة عن القيودات والعلاقات، مستغرقة في تلك المدة المتطاولة في شهود جمال الحق سبحانه وتعالى مشتغلة في جميع هذه المدة بالتسبيح والتقديس والتنزيه ، تارة في حجاب القدرة وأخرى في حجاب العظمة، وثالثة في حجاب العزّة ، ورابعة في حجاب الهيبة إلى غير هذه من حجب النور المذكورة في الحديث المذكور، ثم اقتضت الحكمة الربانية إهباطهم من عالم التجرّد إلى عالم التقيد والتعلق ، فتصوّروا بالصور الإنسانية هداية للخلق وإرشاداً للأمة، وحصلت لهم في هذا العالم من القيودات والعلاقات ما هو مقتضي البشرية والجسمانية، ولما لم يتمكنوا في هذا العالم من الاستغراق التام والفراغ الكامل، مثل تمكنهم في ذلك العالم، لوجود التعلقات المانعة هنا وعدمها هناك استغفروا الله سبحانه لذلك، واعترفوا بالتقصير إعتراف المذنب المقصر، هذا ما خطر بالخاطر القاصر، والله الهادي إلى المنهج القويم ، والصراط المستقيم.
پس بعد از این که جناب آدم از شجره منهیّه اکل نمود و به عمل خود نادم و پشیمان گشت و چهل شبانه روز و به روایتی یکصد سال و به روایت دیگر سیصد سال گریه و زاری کرد ، بسط فرمود خداوند سبحانه و تعالی به جهت او بساط کرامت و رحمت خودش را در توبه او ، به این نحو که الهام توبه فرمود بر او و قبول کرد آن را از او و تلقین نمود بر او کلمه رحمت خود را که بنا بر اشهر، توسل به اسماء مبارکه محمد و آل محمد سلام الله علیهم است که که در ساق عرش
دیده بود و وعده فرمود بر او رجوع دادنش را به بهشت عنبر سرشت خود.
«فَأَهْبَطَهُ إلى دَارِ الْبَلِيةِ وَتَناسُل الذُرِّيَّةِ، وَاصْطَفى مِنْ وُلده أنبياء أخذ على الوخي أَخَذَ ميثاقَهُمْ، وَعَلى تَبْلِغ الرِّسالَةِ أَمانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرَ خَلْقِهِ عَهْد الله إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاتَّخَذُوا الأَنْدادَ مَعَهُ، وَاجْتالَتْهُمُ الشَّياطينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِم رُسُلَهُ، وَواتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياتَهُ ، لِيَسْتأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكُرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِه، وَيَحْتَجُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلغ، وَيُثيرُوا لَهُمْ دَفَايِنَ الْعُقُولِ، وَيَرُوهُمْ آيَاتِ المَقْدُرَةِ مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوع، وَمِهادِ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعِ ، وَمَعايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجال تُفنيهم ؛ وَأَوْصاب تُهْرِمُهُمْ وَأَحْداثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ ».
(هبط) الماء وغيره هبطاً من باب ضرب نزل وفي لغة قليلة يهبط هبوطاً من باب قعد وهبطته أنزلته يتعدي ولا يتعدي ، و (البلية) كالبلاء والبلوى إسم من الإبتلاء بمعنى الإمتحان و (التناسل) التوالد و (الذريّة) والنسل والولد نظائر وتكون الذرية واحداً وجمعاً وفيها ثلاث لغات أفصحها ضمّ (الذال) وبها قرأ السبعة في الآيات القرآنية، والثانية كسرها، ويروي عن زید بن ثابت ، والثالثة فتح (الدال) مع تخفيف (الرّاء) وزان كريمة وبها قرأ أبان بن عثمان وتجمع على ذريات والذراري.
وفي أصلها أربعة مذاهب : من الذرء بالهمز من ذرء الله الخلق، ومن الذر والدّرور والذري، فعلى الأوّل وزنها فعيلة أبدلت الهمزة ( ياء ) كبرية ، وعلى الثاني وزنها فعلية كقمرية أو فقيلة نحو ذريرة، فلما كثرت (الزاآت) أبدلت الأخيرة ( ياء ) وأدغمت (الياء) الأولى فيها، نحو سرية فيمن أخذها من السّر، وهو النكاح ، أو فعولة نحو ذرورة فأبدلوا (الزاء) الأخيرة لما ذكرناه فصار ذروية ثمّ أدغمت (الواو) في (الياء) فصار ذرية، وعلى الثالث فوزنها فعولة وعلى الرابع فعيلة و (الأنداد) الند جمع وهو المثل (واجتالتهم) من الجولان أي إدارتهم و (الشياطين) جمع شيطان من الشطن وهو البعد ، قال الزمخشري في «محكى كلامه » :قد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصليّة وفي آخر زائدة، والدليل على أصالتها قولهم : تشيطن ، واشتقاقه من شطن إذا بعد لبعده عن الصلاح والخير ، ومن شاط إذا بطل إذا جعلت (نونه) زائدة و (واتر) من المواترة وهي المتابعة ، قيل : ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة ، وإلا فهي مداركة ومواصلة و (أثار) الغبار يثيره هيجه وأثار والأرض في الآية الشريفة أي قلبوها للزراعة و( المقدرة) بفتح (الميم) وحركات (الدال) كالقدرة مصدر من قدر عليه إذا قوى و (المهاد) الفراش والبساط و (الأوصاب) جمع الوصب وهو المرض والوجع و (أهرمه) إذا أضعفه من هرم هرماً من باب تعب كبر وضعف ورجل هرم ككتف وامرأة هرمة و (الأحداث) جمع الحدث بفتحتين وهي الأمور الحادثة، وخضت في العرف
بالنوائب المتجددة والمصائب الحادثة.
وتناسل الذرية بالجز عطف على البليّة، وجملة أخذ على الوحي (ا ه-) في محلّ النصب على الحاليّة من فاعل أخذ أو مفعوله، (ولما) في قوله علیه السلام: لما بدل، ظرفية بمعنى (حين) أو بمعنى (إذ) وتختص بالماضي وبالإضافة إلى الجملة فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أوليهما وتقدير الكلام : لما بدل أكثر خلقه عهد الله اصطفى من ولده أنبياء، والعامل فيها الجواب المقدّم، وآيات المقدرة بالإضافة، وفي بعض النسخ الآيات المقدرة بالتوصيف، (ومن سقف ) بيان للآيات .
ثمّ إن آدم لما أكل من الشجرة أخرجه الله سبحانه من الجنة (فأهبطه) أي أنزله (إلى دار البلية ) والمراد بالإهباط على تقدير كون آدم علیه السلام في جنة السماء واضح، وأما على تقدير كونه في جنة الدنيا كما هو الأظهر لما قد مرّ، فالمراد بالإهباط هو الإنتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى : إهبطوا مصراً، والمراد بدار البلية هو دار الدنيا، لأن الله سبحانه قد جعل فيه البلاء أدباً للظالم وامتحاناً للمؤمن ودرجة للأنبياء وكرامة للأولياء على ما ورد في الخبر .
ثمّ إنّ أوّل بقعة هبط إليها آدم هي الصفا على ما مرّ في الصفا على ما مرّ في الأخبار ، وفي بعض الأخبار هی جبل سرانديب كما مرّ أيضاً وهو جبل بأعلى الصين في أرض الهند يراه البحريون من مسافة أيام ، وفيه على ما نقل أثر قدم آدم مغموسة، ونقل أنّ الياقوت الأحمر موجود في هذا الجبل تحدرها السيول والأمطار من ذروته إلى الحضيض وبه يوجد الماس أيضاً ويوجد العود.
وقد كان هبوط آدم بعد غروب الشمس على ما رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن أبي جعفر علیه السلام، قال : كان عمر آدم علیه السلام من يوم خلقه الله إلى يوم قبضه تسعمائة وثلاثين سنة، ودفن بمكة ونفخ فيه يوم الجمعة بعد الزوال، ثم برء زوجه من أسفل أضلاعه وأسكنه جنّته من يومه ذلك، فما استقر فيها إلا ست ساعات من يومه ذلك حتی عصى الله وأخرجهما من الجنّة بعد غروب الشمس وما بات فيها .
وفي «الفقيه » عن الحسين بن العلاء عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إنّه لما أهبط آدم من الجنّة ظهرت به شامة سوداء من قرنه إلى قدمه فطال حزنه وبكاؤه لما ظهر به فأتاه جبرئيل فقال : له ما يبكيك يا آدم؟ فقال : لهذه الشامة التي ظهرت بي قال : قم يا آدم فصل فهذا وقت الصلاة الأولى، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى عنقه، فجاءه في الصلاة الثانية فقال : يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الثانية ، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى سرته، فجاءه في الصلاة
الثالثة فقال : يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الثالثة، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى ركبتيه، فجاءه في الصلاة الرابعة فقال : يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الرابعة، فقام فصلى فانحطت الشّامة إلى قدميه ، فجائه في الصلاة الخامسة فقال : يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الخامسة، فقام فصلى فخرج منها، فحمد الله وأثنى عليه فقال جبرئيل : يا آدم مثل ولدك في هذه الصلاة كمثلك في هذه الشامة ، من صلى من ولدك في كلّ يوم وليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشامة» (1).
وفي «الوسائل» في باب تحريم العصير العنبي بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «إنّ الله لما أهبط آدم أمره بالحرث والزرع وطرح غرساً عليه من غرس الجنّة فأعطاه النخل والعنب والزّيتون والرّمان فغرسها لعقبه وذرّيته، فأكل هو من ثمارها فقال إبليس : إنذن أن آكل منه شيئاً فأبى أن يطعمه فجاء عند آخر عمر آدم ، فقال لحواء : قد أجهدني الجوع والعطش أريدان تذيقني من هذه الثّمار ، فقالت له : إن آدم عهد إلي أن لا أطعمك شيئاً من هذا الغرس وأنه من الجنّة ولا ينبغي لك أن تأكل منه ، فقال لها : فاعصري منه في كفي شيئاً، فأبت عليه، فقال: ذريني أمضه ولا آكله ، فأخذت عنقوداً من عنب فأعطته فمصه ولم يأكل منه لما كانت حواء قد أكدت عليه، فلما ذهب يعض عليه اجتذبته حوّاء من فيه ، فأوحى الله إلى آدم إنّ العنب قد مضه عدوي وعدوّك إبليس وقد حرمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس إبليس فحرمت الخمر، لأنّ عدو الله إبليس مكر بحواء حتى أمصته العنبة، ولو أكلها لحرّمت الكرمة من أوّلها إلى آخرها وجميع ثمارها وما يخرج منه، ثم إنّه قال لحواء : أو أمصصتني شيئاً من التمر كما أمصصتني من العنب، فأعطته تمرة فمضها إلى أن قال ثم إن إبليس ذهب بعد وفاة آدم فيال في أصل الكرمة والنّخلة ، فجرى الماء في عودهما يبول عدوّ الله ، فمن ثم يختمر العنب والكرم ، فحرّم الله على ذرية آدم كل مسكر ؛ لأنّ الماء جرى ببول عدوّ الله في النخلة والعنب وصار كلّ مختمر خمراً لأنّ الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله (2)، هذا ».
وقد استطرفت هذه الأخبار لكونها غير خالية عن المناسبة للمقام مع ما فيها من الإشارة إلى بعض ما ابتلی به آدم علیه السلام بعد إحباطه إلى دار البلية .
ومن أعظم ما ابتلى به قتل هابیل ولقد رثى له بما رواه في «العيون» بإسناده عن الرّضا عن آبائه عليهم السّلام في حديث الشّامي مع أمير المؤمنين علیه السلام وسأله عن أول من قال الشعر : فقال علیه السلام: «آدم» علیه السلام، فقال : وما كان شعره؟ قال علیه السلام: «لما أُنزل من السماء إلى الأرض فرأى تربتها وسعتها وهواها ، وقتل قابيل هابيل قال آدم علیه السلام:
تغيّرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح
كل ذي لون وطعم *** وقل بشاشة الوجه الوجه المليح
ومالى لا أجود بسكب كب دمع *** وهابيل تضمّنه الضريح
أرى طول الحياة عليّ غماً *** وهل أنا من حياتي مستریح
قتل قابيل هابیل أخاه *** فواحزناً لقد فقد المليح
فأجابه إبليس لعنه الله
تنخ عن البلاد وساكنيها *** فبي في الخلد ضاق بكل الفسيح
وكنت بها وزوجك في قرار *** وقلبك من أذى الدنيا مریح
فلم تنفك من كيدي ومكري *** إلى أن فاتك الثمن الربیح
وبدل أهلها اثلا وخمطاً *** بجنات وأبواب متیح
فلولا رحمة الجبار أطح *** بكنّك من جنان الخلد ريح »(1)
هذا وقوله علیه السلام وتناسل (الذرية) أي أهبطه إلى دار توالد الأولاد من البنات والبنين .
وقد اختلف في إبتداء التناسل فذهب المجوس المجوزون لنكاح المحارم إلى أنّ آدم زوج البنات للبنين فحصل التناسل وكثر الخلق .
وفي الآثار أنهم كان لهم ملك فسكر ليلة فوقع على أخته وأمه فلما أفاق ندم وشق ذلك عليه وأراد رفع التعيير عنه ، فقال للناس : هذا حلال ، فامتنعوا عليه فجعل يقتلهم وحفر لهم الأخدود.
وفي خبر آخر عن أمير المؤمنين علیه السلام يأتي في شرح الخطبة الثانية والتسعين أنه احتج لهم على جوازه بتزويج أولاد آدم وأنهم قد كانوا ينكحون أخواتهم فقبله جماعة وبقوا عليه إلى الآن.
ووافقهم على ذلك الإعتقاد الفاسد جمهور المخالفين ، فإنّهم قالوا: إن حواء امرأة آدم كانت تلد في كلّ بطن غلاماً وجارية ، فولدت أوّل بطن قابيل وتوأمته إقليميا، والبطن الثاني هابيل وتوأمته لیوذا، فلما أدركوا جميعاً أمر الله تعالى أن ينكح قابيل أخت هابيل وهابيل أخت قابیل ، فرضي هابيل وأبى قابيل، لأنّ أخته كانت حسناء، وقال ما أمر الله سبحانه بهذا ولكن هذا من رأيك فأمرهما آدم أن يقربا قرباناً فرضياً بذلك، فانطلق هابيل إلى أفضل كبش من غنمه وقربه التماساً لوجه الله تعالى ومرضاة أبيه ، وأما قابيل فإنّه قرب الزوان الذي يبقى في البيدر
1) عيون أخبار الرضا 220/2 .
الذي لا يستطيع أن يدسه، فقرب ضغثاً منه لا يريد به وجه الله ولا مرضاة أبيه، فقبل الله قربان هابيل وأتت نار بيضاء من السماء فأخذته ، ورد على قابيل قربانه ، فقال إبليس لعنه الله لقابيل : إنّه يكون لهابيل عقب يفتخرون على عقبك ، بأن قبل قربان أبيهم فاقتله حتى لا يكون له عقب ، فقتله ، وهذا مقالة المخالفين الموافقة لمذهب المجوس لعنهم الله .
وأما الحق الحقيق الذي ينبغي أن يدان به فهو ما ذهب إليه أصحابنا أخذاً عن
الأخبار المأثورة عن أهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم .
منها ما رواه الصدوق في «الفقيه» عن زرارة عن أبي عبد الله علیه السلام : إن آدم ولد له شيث وأن اسمه هبة الله ، وهو أوّل وصي الله الآدميين في الأرض، ثم ولد له بعد شيث يافث، فلما أدركا أراد الله أن يبدأ بالنسل ما ترون وأن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرّم الله عزّ وجلّ من الأخوات على الإخوة ، أنزل بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنّة اسمها نزلة ، فأمر الله عزّ وجلّ أن يزوجها من شيث ، فزوجها منه ، ثم أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنّة اسمها منزلة فأمر الله عزّ وجلّ أن يزوجها من يافث ، فزوجها منه ، فولد لشيث غلام، وولد ليافث جارية، فأمر الله عزّ وجل آدم علیه السلام حين أدركا أن يزوج ابنة يافث من ابن شیث ،ففعل، فولد الصفوة من النبيين والمرسلين من نسلهما ، ومعاذ الله أن يكون ذلك على ما قالوا من أمر الإخوة والأخوات » (1).
ومنها ما فيه عن القاسم بن عروة عن بريد العجلي عن أبي جعفر علیه السلام، قال : «إنّ الله تبارك وتعالى أنزل على آدم حوراء من الجنّة فزوجها أحد ابنيه وزوج الآخر ابنة الجان، فما كان في النّاس من جمال كثير جمال كثير أو حسن خلق فهو من الحوراء، وما كان فيهم من سوء الخلق فهو من ابنة الجانّ » (2).
ومنها ما رواه أبو بكر الحضرمي عن أبي جعفر علیه السلام قال : قل لي ما يقول الناس في تزویج آدم ولد ؟ قال : قلت يقولون : إن حوّاء كانت تلد لآدم في كلّ بطن غلاماً وجارية ، فتزوج الغلام الجارية التي من البطن الآخر الثاني وتزوّج الجارية الغلام الذي من البطن الآخر الثاني حتى توالدوا، فقال أبو جعفر علیه السلام : « وليس هذا كذاك ، أيحجكم المجوس، ولكنّه لمّا ولد آدم هبة الله وكبر سأل الله أن يزوجه ، فأنزل الله حوراء من الجنّة فزوجها إياه فولدت له أربعة بنين، ثم ولد آدم ابناً آخر فلما كبر أمره فتزوّج إلى الجان فولد أربع بنات فتزوج بنو هذا بنات ، هذا ، فما كان من جمال فمن قبل الحور وما كان من حلم فمن قبل آدم ، وما كان من حقد فمن قبل الجان، فلما توالدوا صعدت الحوراء إلى السماء »(3).
ومنها ما رواه الصدوق أيضاً بإسناده عن مسمع عن زرارة قال : سئل أبو عبد الله علیه السلام عن بدء النسل من آدم كيف كان هو ؟ وعن بدء النّسل من ذرية آدم فإنّ إناساً عندنا يقولون : إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يزوّج بناته بنيه وأنّ هذا كله أصله من الإخوة والأخوات ، فقال أبو عبد الله علیه السلام : « تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، يقول من قال هذا : بأنّ الله عزّ وجلّ خلق صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام ، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من حلال، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب، فوالله لقد نبئت (بينت خ) أن بعض البهائم تنكرت له أخته، فلما نزا عليها ونزل كشف له عنها، فعلم أنّها أخته أخرج عزموله ثمّ قبض عليه بأسنانه حتى قطعه فخر ميتاً، وآخر تنكرت له أمه ففعل هذا بعينه، فكيف الإنسان في فضله وعلمه؟ غير أن جيلاً من هذا الخلق الذي ترون رغبوا عن علم أهل بيوتات أنبيائهم وأخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه فصاروا إلى ما ترون من الضلال والجهل إلى أن قال علیه السلام : وحقاً أقول : ما أراد من يقول هذا وشبهه إلا تقوية حجج المجوس، فما لهم قاتلهم الله».
ثم أنشأ علیه السلام يحدثنا كيف بدأ النسل من آدم وكيف كان بدء النسل من ذريته، فقال: «إنّ آدم صلوات الله عليه ولد له سبعون بطناً في كل بطن غلام وجارية إلى أن قتل هابيل، فلما قتل هابيل جزع آدم جزعاً شديداً قطعه عن إتيان النساء فبقي لا يستطيع أن يغشي حوّاء خمسمائة عام، ثم تجلى ما به من الجزع عليه فغشى حوّاء، فوهب الله شيئاً وحده ليس معه ثان، وإسمه شيث هبة الله، وهو أول ما أوصى إليه من الآدميين في الأرض، ثم ولد له من بعد شیث یافث ليس معه ثان ، فلما أدركا وأراد الله أن يبلغ النسل ما ترون وأن يكون ما جرى به القلم من تحريم ما حرم الله عزّ وجلّ من الأخوات على الإخوة، أنزل الله بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنّة اسمها نزلة فأمر الله أن يزوجها من شيث إلى آخر ما مرّ في الحديث الأوّل » (1).
ويمكن الجمع بين هذه الأخبار المختلفة ظاهراً بأن يكون ليافث زوجتان : إحديهما
حوراء، والأخرى جنية، أو يكون الولد المتزوّج بالجنّية غير شيث ويافث، هذا.
ولم يستفد من الروايات أحوال بنات آدم فلا بد إما من بقائهن بلا زوج ، وإما من جواز تزويج العمات دون الأخوات وهو بعيد أيضاً والله العالم.
(و) كيف كان فإنّ الله سبحانه لما أهبط آدم إلى دار الدنيا وبدأ بالنسل والأولاد (اصطفى من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم على تبليغ الرسالة أمانتهم) أي أخذ منهم العهد والميثاق على أداء الوحي إليهم من الأصول والفروع، وأخذ الأمانة منهم على تبليغ الرسالة
1) علل الشرائع: 19/1.
ونشر الشرائع والأحكام وإبلاغها إلى أمتهم كما قال سبحانه :
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِينَ مِتَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نوح وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَزيمٌ﴾ [الأحزاب: 7] .
وتوضيح هذا الأخذ ما رواه في «الكافي» كالبحار من تفسير العياشي بإسنادهما عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر علیه السلام قال : لما أكل آدم من الشجرة أهبط إلى الأرض فولد له هابيل وأخته توأم، ثم إنّ آدم أمر هابيل و قابيل أن يقرّبا قرباناً، وكان هابيل صاحب غنم وكان قابیل صاحب زرع ، فقرب هابيل كبشاً من أفاضل غنمه، وقرّب قابيل من زرعه ما لم ينق ، فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل وهو قول الله عزّ وجلّ(1):
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى عَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُتِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ
الْآخَرِ ﴾ [المائدة: 27] الآية .
وكان القربان تأكله النار ، فعمد قابيل إلى النار فبنى لها بيتاً وهو أول من بنى بيوت النار ، فقال : لأعبدن هذه النار حتى يتقبل مني قرباني، ثم إن إبليس لعنه الله أتاه ، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فقال له : يا قابيل قد تقبل قربان هابیل ولم يتقبل قربانك ، وإنك إن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك ويقولون نحن أبناء الذي تقبل قربانه، وأنتم أبناء الذي ترك قربانه ، فاقتله كي لا يكون له عقب يفتخرون على عقبك ، فقتله، فلما رجع قابيل إلى آدم علیه السلام قال له : يا قابيل أين هابيل ؟ قال : اطلب (اطلبوه خ ل) حيث قربنا القربان، فانطلق آدم فوجد هابيل مقتولاً ، فقال آدم لعنت من أرض كما قبلت دم هابيل وبكى آدم علیه السلام على هابيل أربعين ليلة ، ثم إنّ آدم سأل ربه ولداً فولد له غلام فسماه هبة الله لأن الله عزّ وجلّ وهبه له، وأخته توأم فلما انقضت نبوة آدم واستكمل أيامه أوحى الله عز وجل إليه يا آدم قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والإسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك عند هبة الله ابنك ، فإني لم أقطع العلم والإيمان والإسم الأكبر وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك إلى يوم القيامة ولن أدع الأرض إلا وفيها عالم يعرف به ديني ويعرف به طاعتي، ويكون نجاة لما يولد فيما بينك وبين نوح .
وبشر آدم بنوح ، وقال : إن الله تبارك وتعالى باعث نبياً اسمه نوح وأنّه يدعو إلى الله عزّ ذكره ، ويكذبه قومه ، فيهلكهم الله بالطوفان ، وكان بين آدم وبين نوح عشرة آباء أنبياء وأوصياء كلهم، وأوصى آدم إلى هبة الله من أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه وليصدق به فإنّه ينجو من الغرق .
1) الكافي : 113/8 .
ثم إنّ آدم مرض المرضة التي مات فيها فأرسل هبة الله ، وقال له إن لقيت جبرئيل أو من لقيت من الملائكة فاقرأه مني السلام وقل له : يا جبرئيل إن أبي يستهديك من ثمار الجنّة، فقال له جبرئيل : يا هبة الله إن أباك قد قبض وإنا نزلنا للصلاة عليه «وما نزلنا إلا للصلاة عليه خ » ،فارجع، فرجع فوجد آدم قد قبض فأراه جبرئيل كيف يغسله حتى إذا بلغ للصلاة قال هبة الله : يا جبرئيل تقدّم فصلّ على آدم ، فقال له جبرئيل : إن الله عزّ وجلّ أمرنا أن نسجد لأبيك آدم وهو في الجنة فليس لنا أن نؤم شيئاً من ولده فتقدم هبة الله وصلى على أبيه وجبرئيل خلفه وجنود الملائكة ، وكبر عليه ثلاثين تكبيرة، فأمره جبرئيل فرفع من ذلك خمساً وعشرين تكبير والسنة اليوم فينا خمس تكبيرات، وقد كان يكبر على أهل بدر تسعاً وسبعاً.
ثم إن هبة الله لما دفن آدم أتاه قابيل فقال : يا هبة الله إني قد رأيت أبي آدم قد خضك من العلم بما لم أخص به أنا ، وهو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل به قربانه، وإنما قتلته لكي لا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فيقولون نحن أبناء الذي تقبل منه قربانه وأنتم أبناء الذي ترك قربانه ، وإنك إن أظهرت من العلم الذي اختصك به أبوك شيئاً قتلتك كما قتلت أخاك هابيل.
فلبث هبة الله والعقب من بعده مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث النبوة وآثار علم النبوة حتى بعث الله نوحاً، وظهرت وصية هبة الله حين نظروا في وصيّة آدم ، فوجدوا نوحاً نبياً قد بشر به أبوهم آدم ، فآمنوا به واتبعوه وصدقوه، وقد كان آدم أوصى إلى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يوم عيدهم فيتعاهدون بعث نوح وزمانه الذي يخرج فيه، وكذلك في وصية كل نبي حتى بعث الله محمداً صلی الله علیه واله وسلم ، وإنما عرفوا نوحاً بالعلم الذي عندهم، وهو قول الله عزّ وجل:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ﴾ [الأعراف: 59] الآية .
وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمّي من استعلن من الأنبياء صلوات الله أجمعين وهو قول الله عزّ وجل :
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء : 164] يعني لم إسم المستخفين كما سمّيت المستعلنين من الأنبياء عليهم السلام، فمكث نوح علیه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً لم يشاركه في نبوّته أحد، ولكنه قدم على قوم مكذبين للأنبياء عليهم السّلام الذين كانوا بينه وبين آدم علیه السلام وذلك قول الله عز وجل : (كَذَّبَت قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الشعراء: 105].
يعني من كان بينه وبين آدم إلى أن انتهى إلى قوله عز وجل :
(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) [الشعراء: 9] .
ثم إن نوحاً لما انقضت نبوّته واستكمل أيامه ، أوحى الله عزّ وجل إليه أن يا نوح قد قضيت نبوّتك وأستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والإسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك، فإنّي لن أقطعها كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء صوات الله عليهم التي بينك وبين آدم علیه السلام ولن أدع الأرض إلا وفيها عالم يعرف به ديني ويعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيها بين قبض النّبي إلى خروج النبي الآخر .
وبشر نوح ساماً بهود ، فكان فيما بين نوح وهود من الأنبياء عليهم السّلام وقال نوح : إنّ الله باعث نبياً يقال له : هود وأنه يدعو قومه إلى الله عز وجل فيكذبونه والله عزّ وجلّ مهلكهم بالرّيح، فمن أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه فإن الله عزّ وجلّ ينجيه من عذاب الرّيح. وأمر نوح علیه السلام ابنه ساماً أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة، فيكون يومئذ عيداً لهم فيتعاهدون وفيه ما عندهم من العلم والإيمان والإسم الأكبر ومواريث العلم وآثار علم النبوة، فوجدوا هوداً نبياً وقد بشر به أبوهم نوح علیه السلام فآمنوا به وأتبعوه وصدقوه فنجوا من عذاب الريح، وهو قول الله عزّ وجل.
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا [الأعراف: 65] وقوله عزّ وجلّ: كَذَّبَتْ عَادُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ همْ أَخُوهُمْ هُودُ أَلَا تَتَّقُونَ [الشعراء: 123 - 124] وقال تبارك وتعالى : وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة : 132] وقوله: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا [الأنعام: 84] لنجعلها في أهل بيته (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ ﴾ [الأنبياء : 76] لنجعلها في أهل بيته . وأمر العقب من ذريته الأنبياء عليهم السّلام من كان قبل إبراهيم لإبراهيم علیه السلام، فكان بين إبراهيم وهو من الأنبياء صلوات الله عليهم وهو قول الله عزّ وجل.
وَمَا قَوْمُ لُوطٍ يَنكُم بِبَعِيد [هود: 89] وقوله عز ذكره : (وفَتَامَنَ لَم لُوطٍ وَقَالَ إِنِّي سُهَاجر إلى ربي ) [العنكبوت : 26]
وقوله عزّ وجل: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ . فجرى بين كلّ نبيين عشرة أنبياء وتسعة وثمانية أنبياء كلهم أنبياء، وجرى لكل نبي كما جرى لنوح علیه السلام، وكما جرى لآدم وهود وصالح وشعيب وإبراهيم صلوات الله عليهم .)حتى انتهت إلى يوسف بن يعقوب علیه السلام، ثم صارت من بعد يوسف في أسباط إخوته ، حتى انتهت إلى موسى علیه السلام فكان بين يوسف وبين موسى من الأنبياء، فأرسل الله موسى وهارون إلى فرعون وهامان وقارون، ثم أرسل الرسل :
( تتر كُل مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُنَا كَذَّبُوهُ فَاتَّبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ [المؤممنون: 44] . وكانت بنو إسرائيل تقتل نبياً واثنان قائمان ويقتلون اثنين وأربعة قيام ، حتى أنه كان ربما قتلوا في اليوم الواحد سبعين نبياً، ويقوم سوق قتلهم آخر النهار، فلما نزلت التوراة على موسي علیه السلام ، بشر بمحمد صلى الله عليه وآله ، وكان بين يوسف وموسى من الأنبياء، وكان وصي موسى يوشع بن نون عليهما السلام، وهو فتاه الذي ذكره الله في كتابه . فلم تزل الأنبياء تبشر بمحمد صلى الله عليه واله وسلم حتى بعث الله تبارك وتعالى المسيح عيسى بن مريم فبشر بمحمد صلی الله علیه واله وسلم، وذلك قوله تعالى .
(يجدونه) يعني اليهود والنصارى (مكتوبا ) يعني صفة محمّد صلی الله علیه واله وسلم (عِندَهُم) يعني في التّوراة والإنجيل (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ) وهو قول الله عزّ وجلّ يخبر عن عیسی ( وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف: 6] وبشر موسى و عیسی بمحمد صلى الله عليه واله وسلم ، كما بشر الأنبياء بعضهم ببعض، حتى بلغت محمداً.
فلما قضى محمد صلی الله علیه واله وسلم نبوته واستكمل أيامه أوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا محمد قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك ، فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في أهل بيتك ، عند علي بن أبي طالب علیه السلام فإني لم أقطع العلم والإيمان والإسم الإكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك ، كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم، وذلك قوله الله تعالى :
( إن الله اصطفى وَادَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وَعَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران 33-34].
وإن الله تبارك وتعالى لم يجعل العلم جهلاً، ولم يكل أمره إلى أحد من خلقه، لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ، ولكنه أرسل رسولاً من ملائكته، فقال له : قل كذا وكذا، فأمرهم بما يحب ونهاهم عما يكره، فقص عليهم أمر خلقه بعلم، فعلم ذلك العلم وعلم أنبيائه وأصفيائه من الأنبياء والأخوان والذرية التي بعضها من بعض، فذلك قوله عزّ وجل:
(فَقَدْ آتَيْنَا عَالَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَمَاتَيْنتَهُم مُلْكًا عَظِيمًا) [النساء : 54] .
فأما الكتاب فهو النبوة، وأمّا الحكمة فهم الحكماء من الأنبياء من الصفوة وأما الملك العظيم منهم الأئمة الصفوة، وكل هؤلاء من الذرية التي بعضها من بعض، والعلماء الذين جعل فيهم البقية وفيهم الباقية وحفظ الميثاق حتى تنقضي الدنيا، والعلماء ولولاة الأمر إستنباط العلم وللهداة فهذا شأن الفضل من الصفوة والرسل والأنبياء والحكماء وأئمة الهدى والخلفاء الذين هم ولاة أمر الله عز وجل ، وإستنباط علم الله وأهل آثار علم الله من الذرية التي بعضها من بعض من الصفوة بعد الأنبياء عليهم السّلام من الآباء والإخوان والذرية من الأنبياء.
فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم ونجا بنصرتهم، ومن وضع ولاة أمر الله تبارك وتعالى في غير الصفوة من بيوتات الأنبياء صلوات الله عليهم، فقد خالف أمر الله جلّ وعزّ وجعل الجهال ولاة أمر الله والمتكلّفين بغير هدى من الله عزّ وجلّ ، وزعموا أنهم أهل استنباط علم الله ، فقد كذبوا على الله تبارك وتعالى ورسوله ، ورغبوا عن وصيّته وطاعته، ولم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله تبارك وتعالى، فضلوا وأضلوا أتباعهم ولم يكن لهم حجة يوم القيامة إنما الحجة في آل إبراهيم علیه السلام ، لقول الله عزّ ذكره :
(فَقَدْ آتَيْنَا وَالَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَاتَنتَهُم مُلكًا عَظِيمًا) [النساء : 54] .
فالحجّة الأنبياء صلوات الله عليهم وأهل بيوتات الأنبياء عليهم السّلام حتى تقوم الساعة، لأنّ كتاب الله ينطق بذلك وصيّة الله بعضها من بعض الذي وضعها على الناس، فقال جلّ وعزّ :
(وفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ) [النور: 36] .
وهي بيوت الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى ، فهذا بيان عروة الإيمان التي نجا بها من نجا قبلكم وبها ينجو من يتبع الأئمة، وقال الله عزّ وجلّ في كتابه :
(وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِنَا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلَّ مِنَ الصَّلِحِينَ * وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وكلا فضلنا على العلمينَ * وَمِن وَاب بِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْنَتَهم وهديتهم إلى صراط هَدَيْنَهُمْ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 84 - 87] (أُولَبِكَ الَّذِينَ انَيْنَهُمُ الْكِتَب وَالحُكْرَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْوَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بكفرين ) [الأنعام: 89] .
فإنّه وكل بالفضل من أهل بيته والأخوان والذرية، وهو قول الله تبارك وتعالى : إن يكفر به أمتك فقد وكلنا أهل بيتك بالإيمان الذي أرسلتك به، فلا يكفرون به أبداً ولا أضيع الإيمان الذي أرسلتك به من أهل بيتك من بعدك علماء أمتك وولاة أمري بعدك وأهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب ولا إثم ولا زور ولا بطر ولا رياء ، فهذا بيان ما ينتهي إليه أمر هذه الأمة إنّ الله عزّ وجلّ طهر أهل بيت نبيه صلی الله علیه واله وسلم وسألهم أجر المودة وأجرى لهم الولاية وجعلهم أوصيائه وأحبائه ثانية بعده في أمته ، فاعتبروا أيها الناس فيما قلت : حيث وضع الله عزّ وجل ولايته وطاعته ومودته واستنباط علمه وحججه ، فإيّاه فتقبلوا به ، و به فاستمسكوا تنجوا به، ويكون لهم الحجة يوم القيامة وطريق ربّكم جلّ وعزّ، لا يصل ولاية إلى الله عزّ وجل إلا بهم، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يكرمه ولا يعذبه، ومن يأت الله عز وجل بغير ما أمره كان حقاً على الله عزّ وجل أن يذله وأن يعذبه .
أقول: لا يخفى على الفطن العارف ما في هذه الرواية الشريفة من النكات الرائقة والأسرار الفائقة والمطالب المهمة والمسائل المعظمة، وبالغور فيها يمكن استخراج بعض ما تضمنته من كنوز الأسرار ، وبالتوسل بها يمكن الوصول إلى رموز المعارف وحقائق الأنوار، وإنما ذلك في حق من امتحن قلبه بنور العرفان والإيمان ، وصفى ذهنه من كدورات الشبهات وظلمات والأوهام، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقوله علیه السلام (لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم ) يعني إذا بدل أكثر الخلق عهد الله وميثاقه المأخوذ عليهم في باب التوحيد والمعرفة والنبوة والولاية حسبما أشير إليه في الآية الشريفة والأخبار المتواترة قال سبحانه :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي عَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِداً أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيِّمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ نَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ مَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: 172-173] . قال أكثر المفسرين وأهل الأثر : إنّ الله أخرج ذرية آدم من صلبه كهيئة الذر فعرضهم علی آدم وقال : إني آخذ على ذريتك ميثاقهم أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئاً وعلى أرزاقهم ، ثمّ قال: ألست بربكم قالوا : بلى شهدنا أنك ربنا، فقال للملائكة : اشهدوا، فقالوا : شهدنا .
وقيل : إن الله جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه ويفهمونه، ثمّ ردّهم إلى صلب آدم والناس محبوسون بأجمعهم حتى يخرج كلّ من أخرجه في ذلك الوقت وكل من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأولى، ومن كفر وجحد فقد تغير على الفطرة الأولى.
وردّ المحققون هذا التفسير بوجوه كثيرة تنيف على عشرة .
ومنهم المرتضى رضي الله عنه، وقد شدد النكير على ذلك في كتاب الغرر والدرر، قال بعد ذكر الآية : وقد ظن بعض من لا بصيرة له ولا فطنة عنده أن تأويل هذه الآية أن الله استخرج من ظهر آدم علیه السلام جميع ذريته وهم في خلق الذر، فقررهم بمعرفته وأشهدهم على أنفسهم، وهذا التأويل مع أنّ العقل يبطله ويحيله، ممّا يشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأنّ الله قال :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ [الأعراف: 172]ولم يقل من آدم ، وقال : (مِن ظُهُورِهِ ولم يقل من ظهره وقال : (ذُرِّيَّتَهُمْ) ولم يقل ذريته، ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لثلاً يقولوا يوم القيامة إنّهم كانوا عن هذا غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم وأنهم نشأوا على دينهم وسنتهم، وهذا يقتضي أن الآية لم تتناول ولد آدم لصلبه وأنها تناولت من كان له آباء مشركون، وهذا يدلّ على اختصاصها ببعض ذرية آدم، فهذا شهادة الظاهر ببطلان تأويلهم.)
فأما شهادة العقل فمن حيث لا تخلو هذه الذرية التي استخرجت من ظهر آدم فخوطبت وقررت من أن تكون كاملة العقل مستوفية الشروط أو لا تكون كذلك .فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال وما قزروا به واستشهدوا عليه لأن العاقل لا ينسى ينسى ما جرى هذا المجرى وإن بعد العهد وطال الزمان ، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل ، فينسى مع بعد العهد جميع تصرّفه المتقدم وسائر أحواله، وليس أيضاً لتخلّل الموت بين الحالين تأثير لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر لكان يتخلل النوم والسكر والجنون والإغماء بين أحوال العقلاء يزيل الذكر، لما مضى من أحوالهم، لأن سائر ما عددناه مما ينفي العلوم يجري مجرى الموت في هذا الباب ، وليس لهم أن يقولوا إذا جاز في العاقل الكامل أن ينس- ينسي ما كان عليه في حال الطفوليّة جاز ما ذكرناه، وذلك إنا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادعوه إذ أكملت عقولهم من حيث جرى عليهم وهم كاملوا العقل، ولو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أو جبناه ، على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية، وذلك إن الله تعالى أخبر بأنه إنما قزرهم وأشهدهم لئلا يدعوا لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك، وسقوط الحجّة عنهم فيه، فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجّة عنهم وزوالها .وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العلم «العقل خ » وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم وصار ذلك عبثاً قبيحاً تعالى الله عنه .ثم قال : فإن قيل : قد أبطلتم تأويل مخالفيكم فما تأويلها الصحيح عندكم؟قلنا في الآية وجهان أحدهما : أن يكون تعالى إنّما عنى بها جماعة من ذرية بني آدم خلقهم وبلغهم وأكمل عقولهم وقرّرهم على ألسن رسله بمعرفته وما يجب من طاعته، فأقروا بذلك وأشهدهم على أنفسهم به لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو يعتذروا بشرك آبائهم إلى أن قال :والجواب الثاني: وهو أحسن أنه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيباً يدلّ على معرفته ويشهد بقدرته ووجوب عبادته ، وأراهم العبر والآيات والدلائل في غيرهم وفي أنفسهم ، كان بمنزلة المستشهد لهم على أنفسهم وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره على الوجه الذي أراد الله تعالى وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته بمنزلة المقر المعترف ، وإن لم يكن هناك شهادة ولا اعتراف على الحقيقة إلى آخر ما ذكره، وقد وافقه على الجواب الأخ الزمخشري في «الكشاف »وغيره من «المفسرين» .وأقول: أما ما ذكره السيد (رحمت الله من عدم انطباق ظاهر الآية بما حملوها عليه من جود)
عالم أخذ الميثاق وإخراج ذرية آدم من صلبه كالذر فمسلّم ، لكن يتوجه عليه أن ما ذكره من الوجهين في تأويل الآية أيضاً كذلك ، بل مخالفة الظاهر فيهما أزيد منها في الوجه الذي ذكروه مع عدم شاهد على واحد منهما في شيء من الأخبار .وأما إنكار أصل هذه القضية والحكم باستحالته بما ذكره من دليل العقل، فلا وجه له ولا يعبأ بالدليل المذكور قبال الأخبار المتواترة المفيدة لوجود ذلك العالم، بل قد وقع في الأخبار الكثيرة تفسير الآية به أيضاً، والإستقصاء فيها موجب للأطناب الممل إلا أنا نذكر شطراً منها تبركاً وتوضيحاً واستشهاداً .منها ما رواه علي بن إبراهيم القمي في «تفسيره» عن ابن مسكان عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله : «وإذ أخذ ربّك ، إلى قوله : قالوا بلى ، قلت : معاينة كان هذا؟ قال: نعم، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه فلولا ذلك لم يدر أحد خالقه ورازقه، فمنهم من أقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه ، فقال الله :(فمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبل (1)[الأعراف: 101] .)ومنها ما رواه أيضاً عنه علیه السلام ، قال : «كان الميثاق مأخوذاً عليهم الله بالربوبية ولرسوله بالنبوة ولأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام بالإمامة، فقال: ألست بربكم، ومحمد نبيكم ، وعلي إمامكم، والأئمة الهادون أئمتكم؟ فقالوا : بلى» (2.)ومنها ما في «البحار» عن أمالي الشيخ عن المفيد بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عن أبيه جده عليهم السّلام، «أنّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال لعلي علیه السلام : أنت الذي احتج الله بك في ابتدائه الخلق حيث أقامهم أشباحاً، فقال لهم : ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال ومحمد رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: وعلي أمير المؤمنين؟ فأبى الخلق جميعاً استكباراً وعتقاً عن ولايتك إلا نفر قليل، وهم أقل القليل وهم أصحاب اليمين»(3.)ومنها ما فيه أيضاً من بصائر الدرجات بإسناده عن عبد الرحمان بن كثير عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله عزّ وجلّ :« وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية ، قال : أخرج الله من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة كالذر فعرفهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه وقال : ألست بربكم؟ :قالوا بلى وأنّ محمّداً رسول الله وعلياً أمير المؤمنين »(4.)
ومنها ما فيه أيضاً من كشف الغمة من كتاب الإمامة عن الحسن بن الحسين الأنصاري عن يحيى بن العلا عن معروف بن خربوز المكي عن أبي جعفر علیه السلام ، قال : «لو يعلم الناس متى سمّي علي أمير المؤمنين لم ينكروا حقه ، فقيل له : متى سمّي ؟ فقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ إلى قوله (اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ )قالوا : بلى قال محمد رسول الله وعلي أمير المؤمنين ». ومنها ما فيه أيضاً من تفسير فرات بن إبراهيم عن ابن القاسم معنعناً عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ إلى آخر الآية ، قال : أخرج الله من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر وعرفهم نفسه وأراهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه، قال: ألست بربكم؟ قالوا بلى ، قال : فإنّ محمداً عبدي ورسولي رأنّ عليّاً أمير المؤمنين خليفتي وأميني، وقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : كل مولود يولد على المعرفة بأن الله تعالى خالقه، وذلك قوله تعالى :)(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مِّن خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله (1)[الزخرف: 87] .)إلى غير هذه من الأخبار الكثيرة، وقد عقد المجلسي طاب ثراه باباً فيها في مجلّدالإمامة من البحار.وبالجملة فقد تلخص ممّا ذكرنا أنّ المراد من العهد المأخوذ عن الخلق الذي بدلوه هو الميثاق المأخوذ عليهم الله بالربوبية ولرسوله صلی الله علیه واله وسلم و سلم بالنبوة وللأئمة عليهم السلام بالولاية وكذلك المراد بالحق في قوله علیه السلام (فجهلوا حقه هو الحق اللازم على العباد من المعرفة والتوحيد كما يشهد به رواية معاذ بن جبل التي مضت في ثاني التذنيبات من رابع فصول الخطبة، قال : كنت رفقت النبي صلی الله علیه واله وسلم ، فقال : يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد؟ يقولها ثلاثاً ، قلت : الله ورسوله أعلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «حق الله عز وجل على العباد أن لا يشركوا به شيئاً » إلى آخر ما مر هناك، ويحتمل أن يكون المراد به الأعم مما ذكرنا ومن الفروعات، ويشعر به ثالث الجملات المعطوفة من قوله : ( واتخذوا الأنداد) أي الأمثال (معه واجتالتهم) أي أدارتهم وصرفتهم (الشياطين عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ) أي أقطعتهم كما في بعض النسخ كذلك، فهم قطاع طريق العباد عن عبادة الله سبحانه وتعالى (ف-) لما كان الحال بهذا المنوال (بعث فيهم) أي أرسل إليهم (رسله، وواتر إليهم أنبيائه ) أي أرسلهم متواتراً وبين كلّ نبتين فترة قال سبحانه:)(وثم اَرْسَلْنَا رُسُلَنا تقرا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّهُ رَسُولُنَا كَذَّبُوهُ فَأَبْعَنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 44] .
1) بصائر الدرجات / 91 .
قال الطبرسي في تفسير الآية أي متواترة تتبع بعضهم بعضاً، عن ابن عباس ومجاهد، وقيل متقاربة الأوقات وأصله الاتصال ومنه الوتر لاتصاله بمكانه من القوس ومنه الوتر، وهو الفرد عن الجمع المتصل، قال الأصمعي يقال : واترت الخبر أتبعت بعضه بعضاً وبين الخبرين هنيهة، انتهى ، وقوله : (ليستأدوهم ميثاق فطرته ) إلى قوله : «ويروهم آيات المقدرة إشارة إلى الغاية من بعث الرسل والثمرة المترتبة على ذلك»، وهي على ما ذكره علیه السلام خمس، والمراد من ميثاق الفطرة هو ميثاق التوحيد والنبوة والولاية .
كما يشهد به ما رواه الصدوق في التوحيد بإسناده عن عبد الرحمان بن كثير مولى أبي جعفر علیه السلام عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزّ وجلّ :
(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30].
قال : التوحيد ومحمد رسول الله وعلي أمير المؤمنين»(1)
وعن ابن مسكان عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: أصلحك الله ، قول الله عزّ وجلّ في كتابه:
( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم : 30].
قال: «فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفته أنّه ربّهم ، قلت : وخاطبوه؟ قال: فطأطأ رأسه ثم قال : لولا ذلك لم يعلموا من ربهم ولا من رازقهم» (2).
وعن عبد الله بین سنان عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سألته عن قول الله عزّ وجلّ : فطرة الله التي فطر الناس عليها ما تلك الفطرة؟ قال : «هي الإسلام، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد فقال : ألست بربكم وفيهم المؤمن والكافر »، والمراد بالنعمة في قوله علیه السلام: ( ويذكروهم منسي نعمته إما النعمة التي من بها على العباد في عالم الذر والميثاق حسبما مرّ، أو جميع النّعم المغفول عنها، والأول هو الظاهر نظراً إلى ظاهر لفظ النسيان (ويحتجوا
عليهم )أي في يوم القيامة (بالتبليغ) أي تبليغ الأحكام ونشر الشرائع والأديان(3).
(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَى عَنْ بَيْنَ﴾ [الأنفال : 42] (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلُ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) [النساء : 165].
(ويثيروا) أي يهيجوا (لهم دفائن العقول) من شواهد التوحيد وأدلة الربوبية كما قال سبحانه :
(إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الريح وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة : 164] .
(لها ويروهم آيات المقدرة ) أي علامات القدرة وشواهدها حتى ينظروا إليها بنظر الدقة والإعتبار وإلا فالإمارات المذكورة ممّا هي بمرئى ومسمع من كل أحد لا حاجة فيها إلى الأرائة كما هو ظاهر .
ثم أشارعلیه السلام إلى ست آيات من تلك الآيات وبينها بقوله: (من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع) كما قال سبحانه :
(وَالسَّقْفِ الْمَرْنوع وقال : (أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) [النبأ: 6-7] إلى أن قال: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا 12 [النبأ: 12].
وقد مضى في التذييل الثاني من تذييلات الفصل الثامن من فصول هذه الخطبة ما يوجب زيادة البصيرة في المقام فتذكر ( ومعايش تحييهم ، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم) نسبة الإحياء إلى المعايش أي المطعومات والمشروبات التي بها قوام الحياة، والإفناء إلى الآجال، والأهرام إلى الأوصاب والأمراض من قبيل الإسناد إلى السبب مجازاً على حد أنبت الربيع البقل (وأحداث) أي نوائب حادثة ومصائب متجدّدة (تتتابع عليهم ) وفي كل واحدة من الآيات المذكورة دلالة على أن للعالم صانعاً قادراً يفعل فيه ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا راد لقضائه ولا دافع عن بلائه .
پس فروفرستاد او را به سرای محنت و امتحان و به خانه تناسل نسل و زاییدن اولاد و برگزید او سبحانه از اولاد او پیغمبران را در حالتی که اخذ فرمود بر ابلاغ وحی عهد و پیمان ایشان را و بر رساندن رسالت امانت آنها را در حینی که تبدیل کردند بیشتر خلایق پیمان خدا را که به سوی ایشان است سوی ایشان است، پس جاهل و نادان شدند حق او را و فراگرفتند شریکان و امثال مر او را و برگردانیدند ایشان را شیاطین از شناخت او و بریدند ایشان را از پرستش او ، پس مبعوث و برانگیخته فرمود در میان ایشان فرستادگان خود را و پی در پی فرستاد به سوی ایشان پیغمبران خود را تا طلب ادا کنند از ایشان عهد فطرت و پیمان خلقت خود را که مخلوق شده بودند بر آن که عبارت است از توحید و معرفت و تا این که یادآوری نمایند ایشان را نعمتهای فراموش شده او را و اتمام حجت بکنند بر ایشان با تبلیغ و رساندن احکام و برانگیزانند از برای ایشان دفینههای عقلها و خزاین فهمها بنمایند ایشان را علامات قدرت خداوندی را که آن امارات قدرت عبارت است از آسمانی که در بالای ایشان برافراشته و فراشی است که در زیر آنها نگاه داشته معیشتهایی است که زنده میدارد ایشان را و اجلهایی که فانی میسازد ایشان را و بیماریهایی که پیرفانی میگرداند ایشان را و مصیبتهایی که پی در پی می آید بر ایشان .
«وَلَمْ يُخْلِ الله سُبحانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلِ، أَوْ كِتابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لازمةٍ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ، رُسُلُ لا يُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّهُ عَدَدِهِمْ، وَلا كَثرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ مِنْ سابِقِ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غابِرِ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ » (1).
(النّبي) فعيل بمعنى الفاعل وهو مشتق من النبأ وهو الخبر ونبأ ونبأ وأنبأ كلها بمعنى أخبر ،والنّبي مخبر عن الله تعالى ، وقلبوا فيه الهمزة كما في الذرية حسبما مرّ في الفصل السابق .
وعن شارح المقاصد النّبوة هو كون الإنسان مبعوثاً من الحق إلى الخلق، فإن كان النبي مأخوذاً من النباوة وهو الإرتفاع لعلو شأنه وارتفاع مكانه ، أو من النّبي بمعنى الطريق لكونه وسيلة إلى الحق، فالنّبوة على الأصل كالأبوة، وإن كان من النبأ بمعنى الخبر لأنبائه عن الله تعالى فعلى قلب الهمزة واواً ثم الإدغام كالمروة.
وقال في المحكي عنه : النبي هو إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحى إليه، وكذا الرسول ، وقد يخص بمن له شريعة وكتاب فيكون أخص من النّبي ، واعترض عليه بزيادة عدد الرّسل على الكتب، وربّما يفرق بأنّ الرّسول من له كتاب أو نسخ لبعض أحكام الشريعة السابقة، والنبي قد يخلو عن ذلك كيوشع .
وفي كلام بعض المعتزلة أن الرسول صاحب الوحي بواسطة الملك ، والنّبي هو المخبر عن الله بكتاب أو إلهام أو تنبيه في منام، والتفصيل في ذلك المقام موكول إلى الكتب الكلامية، ومن أراد اقتباس النور في هذا الباب من كلام الأئمة فعليه بالرجوع إلى باب الفرق بين الرسول والنّبي والمحدث، وهو ثالث أبواب كتاب الحجّة من «الكافي» و (الحجة) بالضم ما يحج به الإنسان غيره أي يغلب به و (المحجة) بفتح الميم جادة الطريقة و (الغابر) هو الباقي وقد يطلق على الماضي فهو من الأضداد .
الظاهر أن كلمة (أو) في قوله علیه السلام (أو كتاب) (أو حجّة) (أو محجّة) لمنع الخلو إذ الإنفصال الحقيقي كمنع الجمع لا يمكن إرادته، وسياق الكلام هو منع الخلو كما يدلّ عليه قوله : ولم يخل الله صريحاً، ويمكن جعلها بمعنى (الواو) نظراً إلى دلالة ولم يخل صراحة
1) نهج البلاغة : 24/1 (محمد عبده).
على منع الخلق، فلا حاجة إلى جعلها لذلك فافهم، و (رسل) مرفوع على الخبرية، يعني أنهم رسل ، والجملة هذه لا محلّ لها من الإعراب، لكونها مستأنفة فكأنه قيل هؤلاء المرسلون الذين لم يخل الخلق منهم هل بلغوا ما أرسلوا به أم قصروا فيه لوجود التقية ؟ فقال علیه السلام : إنهم رسل لا يقصر (ا ه-)، فهي من قبيل الإستنئاف البياني، ومتعلق لا يقصّر محذوف ، أي لا يقصّر بهم عن أداء الرّسالة وإبلاغ التكليف وكلمة (من) في قوله علیه السلام لمن سابق بيان للرسل وتفصيل لهم.
إعلم أنه علیه السلام بعد ما نبه بخلقه آدم علیه السلام وتفصيل ما جرى عليه من إسجاد الملائكة له وإسكانه في الجنّة واجتنائه من الثمرة المنهيّة وإهباطه إلى الأرض واصطفاء الأنبياء من ولده لإرشاد الخلق وهداية الأنام، أشار علیه السلام إلى العناية الكاملة الله سبحانه بالخلق من عدم إخلائه منهم من نبي هاد لهم إلى المصالح ورادع لهم عن المفاسد ، أو كتاب مرشد إلى الخيرات والحسنات ومانع عن الشرور والسيئات ، وذلك كله لإكمال اللطف وإتمام العناية فقال علیه السلام : (ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل ) وهذا مما لا ريب فيه ، ولا بد في بيان الحاجة إلى بعث الرسل وإقامة البرهان علم إصرار الناس إليه وأنه لا بد في كلّ زمان من حجة معصوم عالم بما يحتاج إليه الخلق ، وقد دللوا على ذلك في الكتب الكلامية بالبراهين العقلية والنقلية ونحن نذكر منها هنا وجهاً واحداً لاقتضاء المقام، وذلك موقوف على رسم مقدمات .
الأولى: أنّ لنا خالقاً صانعاً قادراً على كلّ شيء.
الثانية : أنه سبحانه منزّه عن التجسّم والتعلق بالمواد والأجسام وعن أن يكون مبصراً أو محسوساً بإحدى الحواس.
الثالثة : أنّه تعالى حكيم عالم بوجوه الخير والمنفعة في النظام وسبيل المصلحة للخلائق في المعيشة والقوام والبقاء والدوام.
الرابعة : أنّ النّاس على كثرتهم محتاجون في معاشهم ومعادهم إلى من يدبر أمورهم ويعلمهم طريق المعيشة في الدنيا والنجاة من العذاب في العقبى، وذلك لأن في العقبى، وذلك لأن من المعلوم أن نوع الإنسان مدني بالطبع، بمعنى أنه لا بد في بقاء النوع إلى اجتماع كل واحد من الأفراد مع الآخر يستغني به فيما يحتاج إليه من الماكل والمشارب والملابس والمساكن ونحوها، فيكون هذا يطحن لهذا، وذلك يبني لذلك، وذلك يخيط لآخر، وهكذا، فمن ذلك احتاجوا إلى بناء البلاد واجتماع الأحاد، واضطروا إلى عقد المعاملات.
وبالجملة لا بد في بقاء الإنسان من الإجتماع والمعاونة ، والتعاون لا يتم إلابالمعاملة
ولا بد في المعاملة من قانون عدل، إذ لو ترك النّاس وآراؤهم في ذلك لاختلفوا فيه فيرى كلّ أحد منهم ماله عدلاً ما عليه ظلماً وجوراً نظراً إلى أن كل أحد بالذات والطبع طالب لجلب المنفعة لنفسه ودفع المضرة عن نفسه كما هو واضح فعلم وجه الحاجة في المعاملات إلى القانون العدل .
ولا بد لذلك القانون من مقنّن ومعدل ولا يجوز أن يكون ذلك المعدل ملكاً، بل لا بد وأن يكون بشراً، ضرورة أنّ الملك لا يمكن رؤية أكثر الناس له لأن قواهم لا يقوى على رؤية الملك على صورته الأصلية، وإنّما رآهم الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية، ولو فرض أن يتشكل بحيث يراه جميع الخلق كان ملتبساً عليهم كالبشر كجبرئيل في صورة دحية، ولذلك قال سبحانه :
( وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْتَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام 9] .
ولا بد أن يكون المعدل له خصوصية ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه أمراً لا يوجد لهم فيتميز به منهم، فيكون له المعجزات التي أخبرنا بها ، والحاجة إلى هذا الإنسان في بقاء نوع البشر أشدّ من كثير من المنافع التي لا ضرورة فيها للبقاء ، كإنبات الشعر على الحاجبين وتعقير الأخمص للقدمين وما يجري مجراهما من منافع الأعضاء التي بعضها للزينة وبعضها للسّهولة في الأفعال والحركات ، ووجود هذا الإنسان الصالح لأن يشرع ويعدل ممكن، وتأييده بالمعجزات الموجبة لأذعان الخلق له أيضاً ممكن، فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي تلك المنافع ولا تقتضي هذه التي هي أصلها وعمدتها .
فإذا تمهدت هذه المقدمات فثبت وتبين أنّه واجب أن يوجد نبي وأن يكون إنساناً وأن يكون له خصوصية ليست لسائر الناس، وهي الأمور الخارقة للعادات، ويجب أن يسنّ للناس سنناً بإذن الله وأمره ووحيه وإنزال الملك إليه، ويكون الأصل الأول فيما يسنّه تعريفه إياهم أنّ لهم صانعاً قادراً واحداً لا شريك له، وأنّ النبي عبده ، ورسوله ، وأنه عالم بالسر والعلانية، وأنه من حقه أن يطاع أمره ، وأنّه قد أعد للمطيعين الجنّة وللعاصين النار حتى يتلقى الجمهور أحكامه المنزلة على لسانه من الله والملائكة بالسمع والطاعة .
وإلى هذا البرهان أشار الصادق علیه السلام فيما رواه في «الكافي» بإسناده عن هشام بن الحكم عنه علیه السلام أنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء والرسل؟ قال: «إنّا لما أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسو فينا شرهم ويباشرونه ويحاجوهم ويحاجونه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلونهم على مصالحهم وما به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، والمعبرون عنه جلّ وعزّهم
الأنبياء وصفوته من خلقه حكماء مؤدّين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم، مؤيدين عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان ممّا أنت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين لكي لا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته ، هذا (1).
وقال بعض «شراح الكافي» في شرح قوله علیه السلام : ثم ثبت ذلك في كلّ دهر وزمان ممّا أنت به الرّسل والأنبياء من الدلائل والبراهين: يعني أنه ثبت وجود النبي في كل وقت من جهة ما أتوا به من المعجزات وخوارق العادات ، كأنّ قائلاً يقول: إن الذي ذكرته من البرهان قد دلّ على حاجة الناس في كلّ زمان بوجود النبي، وأنه الله يجب من بعثه الرسل والأنبياء وإرسالهم، ولكن من أي سبيل تعلم النّاس النبي ويصدق بنبوته ورسالته، فأجيب بأنه ثبت ذلك عليهم بمشاهدة ما أتت به الرسل والنّبيون من الدلائل والبراهين، يعني المعجزات الظاهرة منهم، وهي المراد ههنا بالدلائل والبراهين إذ الناس لا يذعنون إلا بما يشاهدونه وقوله علیه السلام : «لكي لا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم » يدل على صدق مقالته وجواز عدالته تعليل متعلق بقوله: «ثم ثبت ذلك في كل دهر » ، ووجه التعليل أنّ ما دامت الأرض باقية والناس موجودون فيها فلا بد لهم من حجة الله عليهم يقوم بأمرهم ويهديهم إلى سبيل الرشاد وحسن المعاد، وهو الحجة الظاهرة ولا بد أن يكون معه علم بالله وآياته يدل على صدق مقالته ودعوته للناس وعلى جريان حكمه عليهم وجواز عدالته فيهم ، وهو الحجة الباطنة،
انتهى (2).
وبه ظهر الوجه في عدم إخلائه سبحانه خلقه من نبي مرسل على ما صرح به الإمامعلیه السلام ، كما ظهر وجه قوله علیه السلام: (أو حجة لازمة) أي لازمة على الخلق (أو محجّة قائمة ) أي طريقة عدل يقفون عليها ولا يميلون عنها يميناً ويساراً، والمراد بها هنا الشريعة كما قال سبحانه :
(لكل جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48] وقال : (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَسَى بِهِ نوحا ) [الشورى: 13] .
ثم إن الحجة قد تطلق ويراد بها الكتاب ، وقد تطلق على الإمام المعصوم الذي يكون مقتدى للخلائق يأتمون به ويتعلمون منه سبيل الهدى وطريق التقوى، نبياً كان أو وصيّاً، وهو المراد منها فيما رواه في« الكافي» بإسناده عن أبي إسحاق عمّن يثق به من أصحاب أمير المؤمنين، أن أمير المؤمنين علیه السلام قال : « اللهم إنّك لا تخلي أرضك من حجة لك على
خلقك» (1)، يعني أنك بلطفك وجودك على عبادك لا تخلي أرضك من حجّة لك عليهم ليهتدوا به سبيلك ، ويسلكوا به سبیل قربك ورحمتك، وينجو به عن معصيتك وعقابك .
وقد تطلق ويراد بها العقل، فإنّه حجة الله على النّاس في الباطن كما أن النبي والإمام حجة في الظاهر، وقد وردت به الأخبار المستفيضة عن أئمتنا عليهم السلام .
إذا عرفت ذلك فنقول : الظاهر بل المتعين أن المراد بها هنا هو الإمام المعصوم أعني الوصي بخصوصه، لعدم إمكان إرادة النبي والكتاب لسبق ذكرهما وعدم إمكان إرادة العقل لأن حجيته منحصرة في المستقلات العقلية لا مجال له في غيرها ، فلا يعرف الحق من الباطل في الأمور التي عجزت عن إدراكها عقول البشر بأفكارها ، وإنّما يعرفها الإمام بنور الإلهام فلا يتم اللطف منه تعالى على خلقه بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا بوجوده علیه السلام فيهم.
وبذلك ظهر فساد ما توهّمه الشارح المعتزلي من جعله الحجة في العبارة حجة العقل حيث قال : ومنها أن يقال إلى ماذا يشير علیه السلام بقوله أو حجّة لازمة ، هل هو إشارة إلى ما يقوله الإمامية من أنه لا بد في كلّ زمان من وجود إمام معصوم؟ الجواب أنهم يفسرون هذه اللفظة بذلك، ويمكن أن يكون المراد بها حجة العقل، انتهى (2).
وجه الفساد ما ذكرنا، ونزيد توضحياً ونقول : إن الله سبحانه حجتين : داخلية وخارجية ، والنّاس إما أهل بصيرة عقلية أم أهل حجاب ، فالحجّة على أهل البصيرة إنّما هي عقولهم الكلية العارفين بها بالمصالح والمفاسد الكامنة الواقعية ، فلا حاجة لهم إلى إتباع الحجة الخارجية، بل حجّة الله عليهم بصيرتهم ونور عقلهم وهداهم، وأما أهل الحجاب وذو العقول الناقصة فالحجّة عليهم إنّما هي الخارجيّة ، لعدم إحاطة عقولهم بالجهات المحسنة والمقبحة، فلا يكمل اللطف في حقهم إلا بقائد خارجي يتبعون به، إذ الأعمى يحتاج في قطع السبيل إلى قائد خارجي يتبعه تقليداً في كل قدم وهو واضح .
فقد تحصل مما ذكرنا أن المراد بالحجّة في كلامه علیه السلام هو الإمام المعصوم كما قد ظهر مما بيناه هنا وفيما سبق في شرح قوله من نبي مرسل : لزوم وجود الحجة في الخلق ، لمكان الحاجة .
وملخص ما ذكرناه هنا وسابقاً أن نظام الدنيا والدين لا يحصل إلا بوجود إمام يقتدي به النّاس ويأتمون به ويتعلمون منه سبيل هداهم وتقواهم ، والحاجة إليه في كلّ عصر وزمان أعظم وأهم من الحاجة إلى غذاهم وكساهم وما يجري مجراهما من المنافع والضرورات ، فوجب في العناية الزبانية أن لا يترك الأرض ولا يدع الخلق بغير إمام نبياً كان أو وصيّاً، وإلا
لزم أحد الأمور الثلاثة : إما الجهل وعدم العلم بتلك الحاجة، أو النقص وعدم القدرة على خلقه، أو البخل والصّنة بوجوده والكل محال على الله سبحانه، هذا .
ويطابق كلام الإمام ما رواه في «الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى
عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر أبي جعفر علیه السلام قال : قال : والله ما ترك الله أرضاً منذ قبض الله آدم إلا فيها إمام يهتدي به إلى الله، وهو حجّة على عباده ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة الله على عباده .
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام، قال : إنّ الله أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل » (1).
وأيضاً عن أبي بصير عن أحدهما علیه السلام ، قال : قال : «إن الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل »، يعني في الأمور التي تعجز عن إدراكها العقول حسبما مر سابقاً (2).
وفي الأخبار الكثيرة المستفيضة بل القريبة من التواتر المعنوي المروية في «الكافي» و «علل الشرائع» وإكمال الدين ورجال الكشي وغيرها أنّ الأرض لو بقيت بغير إمام لساخت (3)، يقال : ساخت الأرض بهم انخسفت، والمراد به في الأخبار إما غوصها في الماء حقيقة أو كناية عن هلاك البشر وذهاب نظامها كما نبه عليه المحدث المجلسي طاب ثراه في مرآة العقول ثم إنه علیه السلام وصف المرسلين بأنهم رسل (لا يقصر بهم قلة عددهم ) أي عن نشر التكليف وحمل أعباء الرسالة (ولاكثرة المكذبين لهم ) أي عن تبليغ الأحكام وأداء الأمانة، وهذا الكلام صريح في عدم جواز التقية على الأنبياء.
ومنه يظهر فساد ما نسبه الفخر الرازي إلى الإمامية من تجويزهم الكفر على الأنبياء تقية حسبما مر في تذييلات الفصل الثاني عشر في باب عصمة الأنبياء عليهم السلام، ضرورة أن اقتداء الإمامية رضوان الله عليهم إنّما هو على إمامهم علیه السلام ، ومع تصريحه علیه السلام بما ذكر كيف يمكن لهم المصير إلى خلاف قوله علیه السلام؟ هذا .
مضافاً إلى ما أوردناه عليه سابقاً بل ومع الغض عن تصريحه علیه السلام، بذلك أيضاً نقول : كيف يمكن أن يتفوّه ذو عقل بصدور كلمة الكفر عن نبي مع أن بعث النبي ليس إلا لحسم مادة الكفر، نعوذ بالله من هذه الفرية البيّنة وذلك البهتان العظيم، ثم إنه علیه السلام بين الرّسل وميزهم بقوله : (من سابق سمّي له من بعده أو غابر) أي لاحق (عرفه من قبله ) يعني أنهم بين
سابق سمي لنفسه من بعده، بمعنى أنه عين من يقوم مقامه من بعده، أو أنّ السّابق سمّي الله له من يأتي بعده وأطلعه عليه، وبين لا حق عرّفه من قبله وبشر به، كتعريف عيسى علیه السلام وبشارته بالنبي صلی الله علیه واله وسلم كما قال سبحانه حكاية عنه :
(مُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحَدٌ). [الصف : 6] .
وقد مرّ في حديث «الكافي» عند شرح قوله واصطفى من ولده أنبياء (1 ه-)، تفصيل بشارة الأنبياء السلف للخلف سلام الله عليهم أجمعين فتذكر .
و خالی نگذاشت حق سبحانه و تعالی مخلوقان خود را از پیغمبر مرسلی یا از کتاب منزلی یا برهانی لازم که عبارت است از امام معصوم یا طریقه مستقیمه ای که عبارت است از شریعت قویمه آنها ، رسولانی هستند که قاصر نمی کند یا
نمیکند مقصر نمی کند آنها را کمی عدد ایشان از تبلیغ رسالت و نه بسیاری تکذیب کنندگان ایشان از اداء وحی و امانت ، طایفه از ایشان سابق بودند که نام میبردند به جهت خود آن کسی را که بعد از اوست یا این که خداوند عالم نام برد آن کسی را که بعد از او بود و طایفه دیگر لاحق بودند که تعریف کرده بود او را آن کسی که پیش از او بود .
«عَلَى ذَلِكَ نَسْلَتِ الْقُرُونُ ، ومَضَتِ الدُّهُورُ ، وسَلَفتِ الآباء، وخَلَفَتِ الأَبْناءُ، إلى أَنْ بَعَثَ الله مُحَمَّداً صلی الله علیه واله وسلم لأنجاز عِدَتِهِ ، وَإِتْمام نُبُوَّتِه، مَأخوذاً عَلى النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُ، مَشْهُورَةً سَماتُهُ، كَريماً ميلادُهُ ، وَأَهْلُ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَّفَرْقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنتَشِرَةٌ ، وَطَرائِقُ مُتَشَتَّتَةٌ، بَينَ مُشَبِّه الله بِخَلْقِه ، أَوْ مُلْحِدٍ فِي إِسْمِه، أَوْ مُشيرٍ إِلى غَيْرِهِ، فَهَدِيهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكانِه مِنَ الْجَهالَةِ »(1).
(نسل) نسلا من باب ضرب كثر نسله ويتعدّى إلى مفعول يقال : نسلته أي ولدته ونسل الماشي ينسل بالضم وبالكسر نسلاً ونسلاً ونسلاناً أسرع، ونسلت القرون أي ولدت أو أسرعت و (سلف) سلوفاً من باب قعد مضى وانقضى و (خلفته) جنت بعده، والخلف بالتحريك الولد الصالح ، فإذا كان فاسداً أسكنت (اللام) وربما استعمل كل منهما مكان الآخر و (الميثاق) والموثق كمجلس العهد و (السمات) العلامة و (الميلاد) كالمولد وقت الولادة، ولم يستعمل في الموضع كما توهمه الشارح البحراني بل مختص بالزمان ، والمولد يطلق على الوقت والموضع كما صرح به الفيومي (والملل) جمع الملة والدين (والأهواء) جمع هوا بالقصر إرادة النفس (وطرائق متشتتة) أي متفرقة و (الملحد) من الإلحاد يقال الحد ولحد إذا حاد عن الطريق وعدل عنه و (الإنقاذ) كالنقذ والإستنقاذ التخليص و (المكان) مصدر بمعنى الكون.
قوله علیه السلام : على ذلك متعلق بالفعل الذي يليه ، واللام في قوله لإنجاز عدته تعليل للبعث متعلّق به، ومأخوذاً ومشهوراً وكريماً منصوبات على الحالية عن محمد صلی الله علیه واله وسلم، كما أن محلّ الجملة أعني قوله علیه السلام: ( وأهل الأرض) (ا ه-) ، كذلك، (وملل وأهواء وطرائق) مرفوعات على الخبرية من أهل الأرض، وإسنادها إليه من باب التوسع، والأصل ذو ملل متفرقة، وقيل: إنّ المبتدأ محذوف أي مللهم ملل متفرقة ، وأهواؤهم أهواء منتشرة، وطرائقهم طرائق متشتتة ، وبين ظرف متعلق بقوله : متشتتة، وهو من الظروف المبهمة لا يتبين معناه إلا بالإضافة إلى اثنين فصاعداً أو ما يقوم مقامه كقوله تعالى : عوان بین ذلك .
قال الفيومي في «المصباح»: والمشهور في العطف بعدها أن يكون بالواو، لأنها للجمع المطلق، نحو المال بين زيد وعمرو وأجاز بعضهم (بالفاء) مستدلاً بقول امرء القيس : (بين الدخول فحومل)، وأجيب بأن الدخول إسم لمواضع شتى، فهو بمنزلة قولك المال بين القوم
1) نهج البلاغة : 24/1 .
وبها يتم المعنى، انتهى.
إذا عرفت ذلك فأقول : الظاهر أنّ كلمة (أو) في قوله : أو ملحد، أو مشير، بمعنى الواو إجراء للفظ بين على ما هو الأصل فيه، مضافاً إلى عدم معنى الإنفصال ههنا، وقول الشارح البحراني، إنّ الإنفصال هنا لمنع الخلو فاسد، ضرورة أن بعض أهل الأرض عند بعثة النبي صلى الله عليه واله وسلم كان من أهل التوحيد حسبما تعرفه وهؤلاء ليس داخلاً في أحد الأصناف الثلاثة فافهم جيّداً، (والباء) في بمكانه سببية، أي أنقذهم بسبب كونه ووجوده صلی الله علیه واله وسلم من الجهالة .
إعلم أنه علیه السلام ساق هذه الخطبة بما اقتضاه الترتيب الطبيعي ، أي من لدن آدم علیه السلام إلى بعث محمد صلى الله عليه واله وسلم وهداية الخلق به واقتباسهم من أنوار وجوده الذي هو المقصود العمدة في باب البعثة، فقال علیه السلام (على ذلك ) يعني على هذا الأسلوب الذي ذكرناه من عدم إخلاء الأرض والخلق الأنبياء والحجج (نسلت القرون) وولدت أو أسرعت، وهو كناية عن انقضائها (ومضت الذهور، وسلفت الآباء) أي تقدّموا وانقضوا (وخلفت الأبناء) أي جاؤوا بعد آبائهم وصاروا خليفة لهم (إلى أن بعث الله ) النبي الأمي العربي القرشي الهاشمي الأبطحي التّهامي المصطفى من دوحة الرّسالة والمرتضى من شجرة الولاية (محمداً صلی الله علیه واله وسلم لانجاز عدته ) التي وعدها لخلقه على ألسنة رسله السابقين بوجوده علیه السلام (ولإتمام نبوته) الظاهر رجوع الضمير فيه إلى الله سبحانه ، وقيل : برجوعه إلى محمد صلی الله علیه واله وسلم ولا يخلو عن بعد.
وينبغي الإشارة إلى الحجج الذين لم يخل الله سبحانه خلقه منهم من لدن آدم علیه السلام إلى بعث نبينا صلوات الله عليهم أجمعين فنقول :
روى الصدوق في «الأمالي »، عن ابن المتوكل عن الحميري عن ابن عيسى عن الحسن بن محبوب عن مقاتل بن سليمان عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «أنا سيد النبيين، ووصي سيد الوصيين، وأوصيائي سادة الأوصياء، إن آدم سأل الله عزّ وجلّ أن يجعل له وصياً صالحاً، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه إني أكرمت الأنبياء بالنبوة ثم اخترت خلقاً( خلقي خ ل) وجعلت خيارهم الأوصياء، فقال آدم : يا ربّ اجعل وصيتي خير الأوصياء، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه يا آدم أوص إلى شيث وهو هبة الله بن آدم ، وأوصى شيث إلى ابنه شبان ، وهو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها الله على آدم من الجنّة فزوجها ابنه شيئاً، وأوصى شبان إلى محلث ، وأوصى محلث إلى محوق وأوصى محوق إلى عثميا، وأوصى عثميا إلى اخنوخ وهو إدريس النبي ، وأوصى إدريس إلى ناخور ودفعها ناخور إلى نوح النبي وأوصى نوح إلى سام، وأوصى سام إلى عثامر وأوصى عثامر إلى برغيثاشا، وأوصى برغيثاشا إلى يافث ، وأوصى يافث إلى برة ، وأوصى برة إلى جفشية، وأوصى جفشية إلى عمران ،
ودفعها عمران إلى إبراهيم الخليل علیه السلام، وأوصى إبراهيم إلى ابنه اسماعيل، وأوصى إسماعيل إلى إسحاق أوصى إسحاق إلى يعقوب ، وأوصى يعقوب إلى يوسف، وأوصى يوسف إلى بريثا، وأوصى بريثا إلى شعيب ، ودفعها شعيب إلى موسى بن عمران، وأوصى موسى بن عمران إلى يوشع بن نون ، وأوصى يوشع بن نون إلى داود، وأوصى داود إلى سليمان، وأوصى سليمان إلى آصف بن برخيا وأوصى آصف بن برخيا إلى زكريا، وأوصى (دفعها خ ل ) زكريا إلى عيسى بن مريم وأوصى عيسى بن مريم إلى شمعون بن حمون الصفا، وأوصى شمعون إلى يحيى ابن زكريا ، وأوصى يحيى بن زكريا إلى منذر ، وأوصى منذر إلى سليمة، وأوصى سليمة إلى بردة ».
ثم ق قال رسول الله صلى الله عليه وآله :« ودفعها إلى بردة ، وأنا أدفعها إليك يا علي ، وأنت تدفعها إلى وصيّك، ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحداً بعد واحد حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك ، ولتكفرن بك الأمة، ولتختلفن عليك اختلافاً شديداً الثابت عليك كالمقيم ، والشاذ عنك في النار، والنار مثوى للكافرين » (1).
وقد مضى في شرح قوله علیه السلام : واصطفى من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم ، ما يوجب ازدياد البصيرة في المقام فراجعه وقوله علیه السلام : (مأخوذاً على النبتين ميثاقه).
أقول : قد عرفت في الفصل الرابع عشر عند شرح قوله علیه السلام : لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم ، ما دل على أخذ ميثاق جميع الخلق على توحيد الله تعالى ونبوة محمد صلی الله علیه واله وسلم وإمامة الأئمة عليهم السّلام في عالم الميثاق .
وينبغي أن نذكر هنا بعض ما يفيد أخذ ميثاق النبيين بخصوصهم سلام الله عليهم
، فأقول : قال سبحانه في سورة آل عمران:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِتَقَى النَّبِيِّينَ لَمَا اتَبْتُكُم مِن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِنَ الشَّهِدِينَ [آل عمران : 81] .)قال الطبرسي عند تفسير الآية وروى عن أمير المؤمنين علیه السلام وابن عباس وقتادة أنّ الله أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبينا صلی الله علیه واله وسلم «أن يخبروا أممهم بمبعثه ورفعته، وبشروهم به ويأمروهم بتصديقه» (2)وقال أيضاً : وقد روي عن علي علیه السلام أنه قال: «لم يبعث الله نبياً آدم ومن بعده إلا أخذ
عليه العهد لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره بأن أخذ العهد بذلك على قوله :وفي تفسير علي بن إبراهيم القمي قال الصادق علیه السلام في قوله (1:)﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ [الأعراف: 172] الآية. كان الميثاق مأخوذاً عليهم بالربوبية ولرسوله صلی الله علیه واله وسلم بالنبوة ولأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام بالإمامة فقال : « ألست بربكم ومحمد نبيكم وعلي إمامكم والأئمة الهادون أئمتكم» ؟ فقالوا : بلى ، فقال الله تعالى (2).
(أن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَمَة) [الأعراف: 172] أي لئلا تقولوا يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف: 172] فأول ما أخذ الله عزّ وجلّ الميثاق على الأنبياء بالربوبية وهو قوله : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيتَقَهُمْ [الأحزاب: 7] فذكر جملة الأنبياء ثم أبرز أفضلهم بالأسامي فقال: «وَمِنْكَ» يا محمد فقدم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لأنه أفضلهم «وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسى وعيسَى بْنِ مَرْيَمَ ».
فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبياء ورسوله الله صلی الله علیه واله وسلم ، أفضلهم، ثم أخذ بعد ذلك ميثاق رسول الله صلی الله علیه واله وسلم على الأنبياء بالإيمان به وعلى أن ينصروا أمير المؤمنين، فقال:
(وإذ أخذ الله مِيثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا اتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا
معكُمْ ﴾ [آل عمران : 81] يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ [آل عمران : 81] .
يعني أمير المؤمنين علیه السلام تخبروا أممكم بخبره وخبر وليه من الأئمة.
وفي «البحار» عن كشف الغمّة من كتاب بكر بن كتاب بكر بن محمد الشامي بإسناده عن أبي الصباح الكناني عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام قال : أتى رجل أمير المؤمنين علیه السلام وهو في مسجد الكوفة قد احتبى بسيفه ، قال : يا أمير المؤمنين إن في القرآن آية قد أفسدت قلبي وشككتني في دینی، قال علیه السلام له : «وما هي »؟ قال : قوله عزّ وجل:
(وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا ) [الزخرف: 45] .
هل كان في ذلك الزمان نبياً غيره صلى الله عليه واله وسلم يسأله؟ فقال له علي علیه السلام: «اجلس أخبرك إنشاء الله إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه :
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَرَكْنَا حَوْلَهُ
لِنُرِيَمُ مِنْ عَايَنِنَا ﴾ [الإسراء : 1].
فكان من آيات الله عزّ وجلّ التي أراها محمداً صلی الله علیه واله وسلم أنه أتاه جبرئيل فاحتمله من مكة فوافی به بیت المقدس في ساعة من الليل، ثم أتاه بالبراق فرفعه إلى السماء، ثم إلى البيت المعمور، فتوضأ جبرئيل وتوضأ النبي صلی الله علیه واله وسلم كوضوئه، وأذن جبرئيل وأقام مثنى مثنى، وقال للنّبي : تقدم فصلّ واجهر بصلاتك فإن خلفك أفقاً من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله ، وفي الصف الأول أبوك آدم ونوح وهود وإبراهيم وموسى وكلّ نبي أرسله الله من خلق السماوات والأرض إلى أن بعثك يا محمد ، فتقدم النبي صلی الله علیه واله وسلم فصلى بهم غير هائب ولا محتشم ركعتين، فلما انصرف من صلاته أوحى الله إليه أسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية، فالتفت إليهم النبي صلی الله علیه واله وسلم، فقال تشهدون؟ قالوا : نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله ، وأن علياً أمير المؤمنين ووصيك وكل نبي مات خلف وصيّاً من عصبته غير هذا، وأشاروا إلى عيسى بن مريم ، فإنه لا عصبة له ، وكان وصيه شمعون الصفا ابن حمون بن عمامة، ونشهد أنك رسول الله سيّد النبيين ، وأنّ علي بن أبي طالب علیه السلام سيد الوصيين، أخذت على ذلك مواثيقنا لكما بالشهادة» ، فقال الرجل: أحييت قلبي وفرجت عنّي يا أمير المؤمنين »(1).
وفيه أيضاً عن بصائر الدرجات بإسناده عن حرمان عن أبي جعفر علیه السلام، قال : إن الله تبارك وتعالى أخذ الميثاق على أولى العزم أني ربّكم ومحمّد رسولي وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزّان علمي، وأن المهدي أنتصر به لديني .
إلى غير هذه مما يطلع عليه المتتبع (مشهورة سمانه) أي صفاته وعلاماته في الكتب المنزلة والصحف السماوية من التّوراة والزبور والإنجيل وصحف إبراهيم ودانيال وكتاب زكريا وشعيا وغيرها ، قال سبحانه في سورة البقرة :
(الَّذِينَ آتَيْنَهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة : 146].
يعني يعرفون محمّداً بنعته وصفته ومبعثه ومهاجره وصفة أصحابه كما يعرفون
أبنائهم في منازلهم، وقال أيضاً في سورة الأعراف :
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبي الأتى الذى يحدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالإنجيل )[الأعراف: 157].
روى العياشي عن الباقر علیه السلام :«يعني اليهود والنصارى صفة محمد واسمه » (2)
وفي «الصافي» عن المجالس عن أمير المؤمنين علیه السلام في حديث: «قال يهودي لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم إني قرأت نعتك في التوراة محمد بن عبد الله ، مولده بمكة ، ومهاجره بطيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا مترنن بالفحش ولا قول الخنا ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، هذا مالي فاحكم فيه بما أنزل الله» (1).
وفي «الكافي » عن الباقر علیه السلام «لما أنزلت التّوراة على موسى بشر بمحمد صلی الله علیه واله وسلم ، قال : فلم تزل الأنبياء تبشر به حتى بعث المسيح عيسى بن مريم علیه السلام فبشر بمحمد صلی الله علیه واله وسلم ، وذلك قوله :(يجدونه) يعني اليهود والنصارى، (مَكْتُوبًا )، يعني صفة محمّد (عِندَهُمْ )، يعني في التوراة والإنجيل، وهو قول الله عزّ وجلّ يخبر عن عيسى :
(وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحمد ) (2)[الصف: 6]
وقد مضى تمامه عند شرح قوله علیه السلام: واصطفى من ولده أنبياء، أخذ على الوحي ميثاقهم ( ا ه- ) .
وفي «الكافي» أيضاً مرفوعاً: أن موسى علیه السلام ناجاه ربه تبارك وتعالى، فقال في مناجاته : أوصيك يا موسى وصيّة الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم، ومن بعده بصاحب الجمل الأحمر الطيب الطاهر المطهر، فمثله في كتابك أنّه مهيمن على الكتب كلها، وأنه راكع ساجد راغب راهب ، إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون (كريماً ميلاده) أي وقت ولادته صلی الله علیه واله وسلم، فقد وُلد وكان طالع ولادته على ما حكاه المجلسي (قدس الله سره) عن أبي معشر : الدرجة العشرون من جدي ، وكان زحل والمشتري في العقرب ، والمريخ في بيته في الحمل ، والشمس في الحمل في الشرف ، والزهرة في الحوت في الشرف ، والعطارد أيضاً في الحوت ، والقمر في أوّل الميزان ، والرّأس في الجوزاء، والذنب في القوس(3).
وروي أيضاً إتفاق الحكماء على أن طالعه صلی الله علیه واله وسلم المشتري والعطارد والزهرة والمريخ ، وقالوا إنّ نظر المشتري علامة العلم والحكمة والفطنة والكياسة والرئاسة له صلی الله علیه واله وسلم، وإن نظر العطارد كان آية لطافته وظرافته وملاحته وفصاحته وحلاوته صلی الله علیه واله وسلم ، وإن نظر الزهرة دليل صباحته وسروره وبشاشته و حسنه وطيبه وبهائه وجماله ودلاله صلی الله علیه واله وسلم، وإن نظر المريخ علامة شجاعته وجلادته ومحاربته وقتاله وقهره وغلبته .
وأما تاريخ ولادته صلی الله علیه واله وسلم فقد قال في «الكافي »: إنه ولده صلی الله علیه واله وسلم لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال (4).
وروى أيضاً عند طلوع الفجر قبل أن يبعث بأربعين سنة، وحملت به أمه أيام التشريق عند الجمرة الوسطى، وكانت في منزلة عبد الله بن عبد المطلب وولدته في شعب أبي طالب في دار محمد بن يوسف في الزاوية القصوى عن يسارك وأنت داخل في الدار، وقد أخرجت الخيزران ذلك البيت فصيّروه مسجداً يصلي الناس فيه ، انتهى كلامه رفع مقامه .
أقول : أما ما ذكره من كون تولده في ثاني عشر من شهر ربيع الأوّل فهو المشهور بين الجمهور ولعله (رحمت الله ) وافقهم على ذلك تقيّة، ولبعض العامة قول بكونه في ثامن ذلك الشهر، وقول آخر بأنه في عاشره وقول شاذ يكونه في شهر رمضان .
والمشهور في أخبارنا وبين أصحابنا بل المدعى عليه إجماعنا في جملة من العبائر أن تولده صلی الله علیه واله وسلم في السابع عشر .
وأما ما ذكره من أنّ أمّه حملت به في أيام التشريق عند الجمرة الوسطى يستلزم بقائه في بطن أمه إمّا ثلاثة أشهر أو سنة وثلاثة أشهر مع أنه خلاف ما اتفق عليه أصحابنا من كون أقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها تسعة ، ولم يقل أحد أيضاً بكون ذلك من خصائصه ولا وردت عليه رواية .
وأجاب عنه جمع من الأصحاب كالمجلسي (رحمت الله) والمحدث الجزائري (رحمت الله) وغيرهما بأنه مبني على النسيء المراد بقوله :
(إِنَّمَا النَّبِي زِيَادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ [البقرة: 37].
وذلك أن المشركين كانوا يؤخرون موسم الحج، فمرّة كانوا يحجون في صفر وأخرى في محرّم وهكذا، تبعاً لاعتدال الوقت والهواء وكان حجهم في سنة تولده في جمادى الآخرة.
قال الجزائري ويؤيده ما رواه ابن طاوس في كتاب الإقبال أنه صلی الله علیه واله وسلم حملت به أمه في ثمان عشر مضت من جمادى الآخرة، ولما فتح النبي صلی الله علیه واله وسلم مكة كان حجهم في شهر ذي الحجّة فقال الآن دار الزمان كما كان فلا يجوز لأحد تغييره ولا تبديله ، انتهى .
وكيف كان فقد كان مولده على مذهب الشيعة اليوم السابع عشر من شهر الأول
ربيع وبعث للرّسالة يوم السابع والعشرين من رجب وله حينئذ أربعون سنة (و) قد كان (أهل الأرض يومئذ) أي يوم بعثه وتصديعه بالرسالة ذي (ملل) وشرائع (متفرّقة وأهواء) أي آراء (منتشرة وطرائق) أي مسالك (متشتتة ) ومتفرقة ومذاهب مختلفة( بين مشبه الله بخلقه ، أو ملحد فی اسمه، أو مشير إلى غيره ).
قال الشارح المعتزلي : إن العلماء يذكرون أن النبي صلی الله علیه واله وسلم بعث والناس أصناف شتّى في أديانهم، يهود ونصارى ومجوس وصابئون وعبدة أصنام وفلاسفة وزنادقة، فأما الأمة التي بعث
فيها محمد صلی الله علیه واله وسلم فهم العرب وكانوا أصنافاً شتى، فمنهم معطلة ومنهم غير معطلة، فأما المعطلة منهم فبعضهم أنكر الخالق والبعث والإعادة وقالوا : ما قال القرآن العزيز منهم :
(مَا هِيَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية : 24].
فجعلوا الجامع لهم الطبع والمهلك الدّهر، وبعضهم اعترف بالخالق سبحانه وأنكر البعث، وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله :
قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [ياسين : 78] . ومنهم من أقروا بالخالق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا أنّها شفعاء عند الله في الآخرة وحجوا لها ونحروا لها الهدى وقربوا لها القربان وحللوا وحرموا، وهم جمهور العرب ، وهم الذين قال الله تعالى عنهم :
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي في الاسواق [الفرقان: 7]. وكانوا في عبادة الأصنام مختلفين، فمنهم من يجعلها مشاركة للباري جلّ اسمه ويطلق عليها لفظ الشريك ، ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك ويجعلها وسائل وذرائع إلى الخالق سبحانه وهم الذين قالوا :
(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُفَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر: 3] .
وكان في العرب مشبهة ومجسّمة، وكان جمهورهم عبدة الأصنام فكان وة لكلب بدومة (1)الجندل ، وسواع (2)لهذيل ونسر لحمير، ويغوث لهمدان ، واللات لسقيف بالطائف ، والعزى لكنانة وقريش وبعض بني سليم، ومناة لغسان والأوس والخزرج، وكان هبل لقريش خاصة على ظهر الكعبة، واساف (3)ونائلة على الصفا والمروة ، وكان في العرب من يميل إلى الهيودية، منهم جماعة من التبابعة وبلوك اليمن، ومنهم نصارى كبني تغلب والعباديين رهط عدي بن زيد ونصارى نجران ، ومنهم من كان يميل إلى الصائبة ويقول بالنجوم والانواء (4)، فأما الذين ليسوا بمعطلة من العرب فالقليل منهم وهم المتألهون أصحاب الورع والتحرج عن القابئح ، كعبد الله وعبد المطلب وأبي طالب وزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة الأيادي، وجماعة غير هؤلاء، انتهى باختصار منا .
إذا عرفت هذا فأقول : قوله علیه السلام بين مشبه الله بخلقه ، إشارة إلى بعض هذه الفرق ، وهم المشبهة الذين شبهوا الله تعالى بالمخلوقات ومثلوه بالحادثات وأثبتوا له صفات الجسم .
فمنهم مشبهة الحشوية، قالوا: هو جسم لا كالأجسام، ومركب من لحم ودم ولا كاللحوم والدّماء، وله الأعضاء والجوارح، ويجوز عليه الملامسة والمعانقة والمصافحة للمخلصين.
ومنهم الذين قالوا : إنّ الله على العرش من جهة العلق مماس له من الصفحة العليا ، ويجوز عليه الحركة والإنتقال ، قال أمية بن أبي الصلت :
من فوق عرش جالس قد حط *** رجليه على كرسيه المنصوب
ومنهم اليهود والنصارى الذين قالوا:
(وَنَحْنُ اَبْنَتَوُا اللَّهِ وَأَحِبَؤُهُ ﴾ [المائدة: 18] (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30] وقالت اليهود : (يدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة : 64] .
وقد أثبتوا له سبحانه يداً وولداً إلى غير هؤلاء من المشبهة والمجسمة .
وقوله علیه السلام: «أو ملحد في اسمه » إشارة إلى فرقة أخرى من هذه، وهم الذين يعدلون بأسماء الله تعالى عمّا هي عنه فيسمون بها أصنامهم ، ويغيرونها بالزيادة والنقصان ، فاشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز ، ومناة من المنان وهذا المعنى حكاه الطبرسي عن ابن عبّاس ومجاهد في تفسير قوله تعالى:
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَيهِ سَيُجْزَوْنَ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: 180])ثم قال : وقيل : إن معنا يلحدون في أسمائه يصفونه بما لا يليق به ، ويسمونه بما لا يجوز تسميته به ، وهذا الوجه أعم فائدة ، ويدخل فيه قول الجبائي : أراد تسميتهم المسيح بأنه ابن الله ، ثم قال وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز أن يسمّى الله إلا بما سمّى به نفسه .وقوله علیه السلام : «أو مشير إلى غيره » إشارة إلى الدهرية وبعض عبدة الأصنام ممن لم يدخل في القسمين السابقين .والحاصل أنّ النّاس عند بعث النبي صلی الله علیه واله وسلم كانوا على مذاهب مختلفة، وآراء متفرقة من اليهودية والنصرانية والمجوسية والذهرية وعبدة الأصنام وغيرهم (فهداهم الله سبحانه (به) صلی الله علیه واله وسلم أي بنور وجوده (من الضلالة) والغواية (وأنقذهم بمكانه) أي خلصهم وأنجاهم بكونه ووجوده (من) ظلمة (الجهالة) فانجلى به عین قلوب العارفين، واضمحل باطل الشيطان بما جاء به من الحق اليقين .)
### الترجمةپس بر این منوال منقضی می شد قرنها و می گذشت روزگارها و از پیش رفتند پدران و از پس درآمدند و خلیفه شدند پسران، تا این که برانگیخت خداوند عالم محمد بن عبدالله صلی الله علیه واله وسلم را به جهت رواکردن وعده خود که به انبیاء گذشته داده بود و به جهت تمام فرمودن نبوت خود در حالتی که فراگرفته بود بر پیغمبران عهد و پیمان او را در حالتی که مشهور و معروف بود علامات و صفات او در کتب سماويه و صحف منزله و در حالتی که شریف و عزیز بود وقت ولادت او و حال آن که اهل زمین در روز بعثت او صاحبان ملل و مذاهب متفرقه بودند و خداوندان هواها و رأیهای پراکنده و صاحبان راههای مختلف در میان ، تشبیه کننده حق تعالی به مخلوقات خود و عدول کننده در اسماء حسنای او و اشاره کننده بر غیر او، پس هدایت و راهنمایی فرمود ایشان را به نور وجود او از گمراهی و خلاص فرمود آنها را به جهت هستی او از جهالت و نادانی
## الفصل السابع عشر### اشارةثُمَّ اخْتارَ سُبْحانَهُ لِمُحَمَّدٍ صلی الله علیه واله وسلم لِقانَهُ، ورَضِي لقائهُ، ورَضِي لَهُ ما عِنْدَهُ فَأَكْرَ لَهُ ُعَنْ دار الدُّنْيا، ورَغِبَ بِه عَنْ مُقارَنَةِ (مَقام خ ل الْبَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَريماً صلی الله علیه واله وسلم، وخَلْفَ فيكم ما خَلْفَتِ الأنبياء في أُمَمِها ، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمِلاً بِغَير طريق واضح ، وَلا عَلَم قائم، كِتابَ رَبِّكُمْ مُبَيِّناً حَلالَهُ وحَرامَهُ ، وفَضائِلَهُ وفَرَائضِهِ، وناسِخَهُ ومَنْسُوحَهُ، ورُحْصَهُ وعَزائِمَهُ ، وخاصَّهُ وعامهُ ، وعِبَرَهُ وأَمْثَالَهُ، ومُرْسَلَهُ ومَحْدُودَهُ، ومُحْكَمَهُ ومُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً جُمَلَهُ ، ومُبَيِّناً غَوامِضَهُ، بَينَ مَأْخوذ ميثاقُ عِلْمِه، ومُوَسَّع عَلَى الْعِبادِ فِي جَهْلِهِ، وبَينَ مُتَبَتِ في الكِتابِ فُرْضُهُ، ومَعْلُومٍ في السُّنَّةِ نَسْخُهُ، وواجب في السُّنَّةِ أَخْذُهُ، وَمُرَخَصٍ فِي الْكِتابِ تَرْكُهُ، وبَينَ واجِبِ لِوَقْتِه، وزايل في مُسْتَقْبَلِه، ومُبايَنِ بَينَ مَحارِمِهِ ، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نيرانَهُ ، أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَينَ مَقبُول في أَدْناهُ، وَمُوَسَّع في أَقْصاهُ .)### اللغة(رغب بالكسر من باب تعب إذا تعدى بكلمة في فبمعنى الإرادة والميل ، وإذا عدّى يعن فبمعنى الأعراض والعدول ، يقال : رغب فيه رغباً ورغبة إذا أراده ورغب عنه إذا لم يرده وأعرض عنه و (البلوى) والبلاء بمعنى واحد و (خلفوا) أثقالهم تخليفاً خلوها وراء ظهورهم و (الهمل) محركة مصدر همل كضرب يقال : تركت الإبل والغنم ونحوهما هملاً، أي سدى يرعى بغير راع ليلاً ونهاراً، والهمل أيضاً جمع هامل مثل همّل وهمال وزان ركع وكتاب ، يقال : بغير هأمل أي راع ولا راعي له و (العلم) هو العلامة وما ينصب في الطريق لإهتداء النّاس به من الميل والمنار و (الفضائل) جمع الفضيلة وهو الخير ، وهو خلاف النقيصة و (الفرائض) جمع الفريضة بمعنى المفروضة، وهي الأحكام الواجبة يقال : فرض الله الأحكام أي أوجبها و (النسخ) إزالة ما كان ثابتاً و (الرّخص) جمع الرخصة كغرف وغرفة وهو التسهيل في الأمر والتيسير يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصاً وأرخص إرخاصاً إذا يسره وسهله و (العزائم) جمع العزيمة وفسرها أهل اللغة بالفريضة والظاهر بقرينة المقابلة بالرّخص إرادة الفرائض المشتملة على الجد والضيق و (العبر) جمع عبرة وهو الاإعتبار والاتعاظ بما مضى و (المحكم) من اللفظ ما اتضح دلالته و (المتشابه) خلافه و (غمض) الحق غموضاً من باب قعد خفى ونسب غامض لا يعرف و (المبائن) بفتح الياء مفعول من باين بمعنى المفاصل و (أوصد)له أي أعدله .)### الإعراب(كريماً حال من مفعول قبضه ، وكلمة (ما) مفعول لقوله خلف مجازاً، والأصل مثل ما خلفت (وإذ لم يتركوهم) تعليل لتخليف الأنبياء، (وكتاب) منصوب على أنه عطف بيان)
(الما ، ومبيناً حال من فاعل خلف وهو العامل فيه ، ومفسّراً حال بعد حال، والضمائر كلها راجعة إلى الكتاب المشتمل على الأحكام المذكورة ، وبين مأخوذ متعلق بمقدر حال من الكتاب، أي حالكون ذلك الكتاب دائراً بين مأخوذ ، ومبائن بالجرّ عطف على سابقه أي بين مباین بین محارمه .)وما توقمه الشارح المعتزلي وتبعه غيره من أن الواجب كونه بالرفع لا بالجر نظراً إلى أنّه ليس معطوفاً على ما قبله ، بدليل أنّ ما قبله يستدعي الشيء وضده، أو الشيء ونقيضه وقوله (ومبائن بين محارمه لا نقيض ولا ضدّ له، لأنه ليس القرآن العزيز على قسمين أحدهما مبائن بين محارمه، والآخر غير (مبائن)، فإنّ ذلك لا يجوز، فوجب رفع مبائن وأن يكون خبر مبتدأ محذوف.)فیه إن أراد أن كلمة (بين يستدعي الإضافة إلى اثنين فصاعداً نقيضاً كان أحدهما)فيه للآخر أو ضدّاً نظراً إلى عدم تمامية المعنى بدونهما، ففيه منع ذلك، لما قد عرفت في الفصل السابق من تجويزهم إضافته إلى شيء واحد يقوم مقام شيئين كما في قوله تعالى: عوان بین ذلك، وقول امرء القيس : (بين الدخول فحومل، حيث ردّوا من جوّز العطف بعدها (بالفاء)، إستدلالاً بالبيت المذكور بأنّ الدخول إسم لمواضع شتى.)وإن أراد أن جميع ما ذكره علیه السلام قبل قوله : ومبائن ، ممّا أقحم فيه كلمة بين قد ذكر علیه السلام فيه الشيء وضدّه أو الشيء ونقيضه، ومبائن لو كان مجروراً بالعطف للزم أن يذكر له ضدّاً ونقيض وليس فليس ، فقيه أن كون ما قبله على النسق المذكور لا يستدعي كون ذلك على ذلك النسق أيضاً، ألا ترى إلى قوله علیه السلام بعد ذلك بين محارمه حيث لم يذكر له ضد ولا نقيض .فإن قلت : إنّ المحارم لما لم تكن شيئاً واحداً بل بعضها من قبيل الكبائر وبعضها من قبيل الصغائر كما بينها بقوله علیه السلام : من كبير أوعد عليه نيرانه أو صغير (ا ه- لا جرم حسن الإكتفاء بها في مقام الإضافة.)قلت : أولاً إنّ هذا هدم لما أتسته لما أسسته، وثانياً أنّ المبائن ليس أيضاً شيئاً واحداً شخصياً، بل هو مثل المحارم، وبعبارة أخرى الحرمة المباينة بين المحارم تابعة للمحارم في تعدّد الأفراد، فافهم جيداً.وأما قوله : لأنّ القرآن العزيز ليس على قسمين ، أحدهما مبائن ، والآخر غير مبائن، ففيه إن ذلك مما تضحك منه الثكلى ، ضرورة أن الكتاب ليس منحصراً في المبائن، بل بعضه جدل وبعضه قصص وبعضه مثل وبعضه أحكام وبعضه ترغيب وبعضه ترهيب، كما أنّ بعضه مبائن بين محارمه إلى غير ذلك مما اشتمل عليه .وبالجملة فقد تلخص مما ذكرنا كله أنّ (مبائن مجرور معطوف على ما قبله وليس)
بمرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، مضافاً إلى أن جعله مرفوعاً خلاف ما يستفاد من سياق كلامه علیه السلام سابقاً ولاحقاً .### المعنى(ثمّ إن محمداً صلی الله علیه واله وسلم لما بلغ الرسالة وأدى الأمانة وأكمل الدين وأتم النعمة وهدى الأمة من الضّلالة وأنقذها من الجهالة (اختار) الله (سبحانه) عند ذلك له أي ( المحمد صلی الله علیه واله وسلم لقائه، ورضي له ما عنده ) ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (فأكرمه) وأعزّه (عن) اللبث والبقاء (في دار الدنيا، ورغب به ) وصرفه (عن) إقامة (مقام) المحنة و (البلوى فقبضه ) أي قبض روحه الشريف (إليه) أي إلى قربه الروحاني حال كونه (كريماً ) شريفاً ( صلی الله علیه واله وسلم ) وكان قبضه صلی الله علیه واله وسلم الاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع لأول يوم الاثنين، وهو ابن ثلاث وستين سنة على ما في «الكافي»، والأشهر أنه لليلتين بقينا من صفر، ولم يمض صلی الله علیه واله وسلم حتى بين للناس معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم ، ولم يتركهم بعده سدى وهملاً ، بل خلف فيهم الثقلين على ما دلّ عليه الحديث المتواتر بين الفريقين ويأتي إنشاء الله في « شرح المختار » السادس والثمانين وغيره من المقام اللائق والمناسب .)ومن جملة طرقه الصدوق : قال : حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن الحسين السكري عن محمد بن زكريا الجوهري عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب سلام الله عليهم ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم :« إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين »، وضم بين سبابتيه، فقام إليه جابر بن عبد الله ، فقال : يا رسول الله من عترتك؟ قال صلی الله علیه واله وسلم :« علي والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين عليهم السلام إلى يوم القيامة» (1.)وإلى ذلك المعنى أشار علیه السلام بقوله : (وخلف فيكم أي خلى وراء ظهره مثل (ما خلفت الأنبياء) السابقة والرسل السالفة (في أممها) من آثار النبوة وأعلام الرّسالة (إذ لم يتركوهم هملاً) أي لم يتركوا أممهم يفعلون ما يشاؤون كالإبل التي رعت حيث تشاء ولا راعي لها ليلاً ونهاراً، ويحتمل الجمع على ما مرّ أي لم يتركوهم هاملين (بغير طريق واضح) يوصل إلى مقام القرب والزلفى (ولا علم قائم ) بينهم ينجي بهم عن ورطة الهلاكة والردي.)أقول: قد عرفت في الفصل السادس عشر أن بعث الأنبياء والحجج عليهم السلام إنما هو لأن يدعوا الخلق إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وليكونوا سبباً لانتظام أمر معاشهم
1) كمال الدين وتمام النعمة / 244 .
ومعادهم ، لمكان ما جاؤوا به من القانون العدل والشرع السواء، ولأجل ذلك مست الحاجة على أن يأتوا من عنده سبحانه بكتاب باق وعلم قائم بعد انقراض قرن النبي المبعوث إلى زمن مجيء بعث النبي الآخر، ليكون تذكرة لهم، وكي لا تندرس تندرس آثار النبوة من الأرض ولا تنقطع بفقدانهم، ولا يكون الخلق ينسون ما ذكروا به وغافلين وكالهمل من الحيوان يعملون ما يشتهون، أو كالهمج الرعاع لكل ناعق يصغون، ولما كان شرع نبينا صلی الله علیه واله وسلم مستمراً إلى يوم القيامة وجب له أن يخلّف لمن يليه ما يكون ذكرى وتذكرة في هذه المدة المتطاولة .وقد خلف الثقل الأكبر مضافاً إلى الثقف الأصغر وهو حبل ممدود من السماء إلى الأرض ينجى به من المهالك ومن فارقه فهالك وبين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، وكما جعله الله سبحانه خاتماً للأنبياء فقد جعل كتابه خاتماً للكتب، فلا كتاب بعده أحلّ فيه حلالاً وحرّم حراماً، فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة فيه شرعكم وخبر من قبلكم وخبر من بعدكم وهو (كتاب ربكم وجعله النبي صلى الله عليه واله وسلم علماً باقياً وطريقاً قائماً أمته حال كونه (مبيناً حلاله وحرامه ) كما قال تعالى :)( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا [البقرة : 275] .)وقد يجعل الحلال أعم من المباح والمكروه ليكون ذلك مع قوله علیه السلام : (وفضائله وفرائضه إشارة إلى الأحكام الخمسة التي عليها مدار الفقه ، لتكون الفضائل إشارة إلى المندوبات ، والفرائض إشارة إلى الواجبات ، وذلك مثل قوله سبحانه :)﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلوةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأَنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةُ إِنَّ الصَّلوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبا موقوتا [النساء : 103 ] . فإن ذكر الله سبحانه بعد قضاء الصلاة وفعلها داخل في المندوباب، وإقامة الصلاة بعد الإطمئنان موقوتة مفروضة (وناسخة و منسوخة ) والمراد بالأوّل الحكم الرافع للحكم الثابت بالنص المتقدم، ويسمّى الثاني وهو الحكم المرفوع منسوخاً، ومثال ذلك قوله تعالى :
(وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة : 5] .
فإنه منسوخ بقوله تعالى :
(ولا تنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ) [البقرة: 221] وبقوله: وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر [ الممتحنة : 10].)كما يدلّ عليه ما رواه في «الكافي» عن الحسن بن الجهم قال : قال لي أبو الحسن الرّضا علیه السلام: يا يا محمد ما تقول في رجل يتزوّج نصرانية على مسلمة»؟ قلت جعلت فداك وما قولي بين يدك، قال: «التقولنّ فإن ذلك تعلم به قولي »:قلت : لا يجوز تزويج نصرانية على مسلمة ولا على غير مسلمة ، قال: «ولم»؟ قلت : يقول الله عزّ وجلّ:
﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنُ [البقرة : 221] . قال: فما تقول في هذه الآية :
(وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ) [المائدة: 5] .
قلت : فقوله : ولا تنكحوا المشركات نسخت هذه الآية فتبسم علیه السلام ثم سكت (ورخصه وعزائمه ) الظاهر أن المراد بالعزائم الأحكام التي لا يجوز مخالفتها بحال من الأحوال، مثل وجوب الاعتقاد والإقرار بالتوحيد كما قال تعالى (1):
(فاعلَم أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ﴾ [محمد : 19] .
وبالرخص ما يجوز مخالفته وأذن في تركه في بعض الأحيان لقيام الداعي إلى المخالفة كأكل الميتة في حال المخمصة على ما يدل عليه الآية الشريفة .
( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ ولا عاد فلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ [البقرة : 173] .
وقريب منه ما قيل : من أنّ الرّخص ما أذن في فعله مع قيام السبب المحرم لضرورة أو غيرها، والعزائم ما كان من الأحكام الشرعية جارياً على وفق سببه الشرعي.
أقول : وذلك مثل صوم شهر رمضان، فإنّه رخصة بمعنى أنه يجوز تركه في حق الحامل المقرب والمرضعة القليلة اللبن والشيخ والشيخة، ويجب تركه في حق المريض والمسافر، فيكون الإفطار عزيمة لهما و« الصوم ظ» عزيمة في حق غيرهم من الجامعين لشرائط الوجوب، قال تعالى :
(أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كما كتب على الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 183 - 184 ].
فإنّ الصّيام عزيمة في حق المؤمنين، ورخص في تركه لمن كان مريضاً أو على سفر فيجب له الإفطار كما رخص جوازاً في حق الذين لهم طاقة وليس لهم وسع من الحامل المقرب ونحوها ممن ذكرناه، وإليه الإشارة بقوله : وعلى الذين يطيقونه، فإنهم مرخصون في
1) تفسیر نور الثقلين : 494/1 .
الإفطار مخيرون بين الصوم والفدية وأن يصوموا خير لهم إن كانوا يعلمون (وخاصه وعامه) العام هو اللفظ الموضوع للدلالة على استغراق أجزائه أو جزئياته، والخاص خلافه والأوّل مثل قوله تعالى:
(وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَاتُوا الزَّكَوة ) [البقرة : 43] وقوله :( أحِلَ لَكُمُ الطَّيِّبَةُ ﴾ [المائدة: 5] والثاني مثل قوله: وَجَاءَ مِنْ أَقصَا الْمَدِينَةِ [ ياسين : 20] .ويحتمل أن يكون المراد بالعام ما لفظه موضوع للعموم وأريد منه ذلك أيضاً : كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ [البقرة : 95] .
وبالخاص ما لم يرد به ذلك وإن كان اللفظ موضوعاً له ، مثل قوله تعالى حكاية عن بلقيس : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ [النمل: 23].
فإنّ لفظه عام ومعناه خاص، لأنها لم تؤت شيئاً كثيراً منها الذكر واللحية وقوله : (يبَنِي إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَانّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة : 122]
لأن معناه خاص، لأنهم إنما فضلوا على أهل زمانهم بأشياء خصهم بها (وعبره وأمثاله) العبر جمع العبرة مأخوذة من العبور الذي هو انتقال الجسم من مكان إلى آخر، ومعناها انتقال ذهن الإنسان من شيء إلى آخر بسبب من الأسباب ؛ كانتقاله من المصائب والآلام الواقعة على الغير إلى نفسه فيقدرها كأنها نازلة به ، فيحصل له بذلك رغبة عن الدنيا وميل إلى العقبى، قال تعالى :
(فاخذه الله تكال الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبَرَةُ لِمَن يَخْشَى ) [النازعات: 25-26].
وهذا أكثر مواقع استعمالها، وقد يستعمل في الإنتقال من آثار الصنع والقدرة إلى وجود الصانع وصفات كماله، قال سبحانه:
(يقلب اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَرِ ﴾ [النور: 44] وقال أيضاً: وَإِنَّ لكُم فِي الْأَنْعَامِ لَعِبَرَةٌ تُسَقِيكُم تِمَا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنا خَالِصًا سَآيِنًا لِلشَّرِينَ [النحل: 66 ] (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة: 5] .
وأما الأمثال فكقوله عزّ من قائل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِ سُبُلَة مِائَةُ حَبَّةٌ [البقرة : 261]
(ومرسله ومحدوده) المراد بالمرسل هو المطلق، وهو على ما عرفه أكثر الأصوليين اللفظ الدال على شائع في جنسه، وفرق الشهيد في التمهيد بينه وبين العام ، بأن المطلق هو الماهية لا بشرط شيء والعام هو الماهية بشرط الكثرة المستغرقة ، والتفصيل في ذلك موكول إلى الأصول، والمراد بالمحدود هو المقيد مثال الأوّل قوله تعالى :
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةٌ [البقرة : 67] . ومثال الثاني قوله: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا [البقرة : 71] الآية .)(ومحكمه ومتشابهه قال تعالى :)(هو الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ وَايْن تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَبَهُ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران : 7].)(والمحكم مأخوذ من حاكمت وأحكمت بمعنى رددت ومنعت، والحاكم يمنع الظالم من الظلم ، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرّض له، وسمّيت الحكمة حكمة لمنعها عما لا ينبغي، والتشابه أن يكون أحد الشيئين شبيهاً بالآخر بحيث يعجز الذهن عن التميز بينهما، قال تعالى :)(وإِنَّ الْبَقَرَ قَشَبة علينا [البقرة: 70])وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم:« حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك »، ولما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التميز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه إطلاقاً لإسم السبب على المسبب ، هذا (1.)وعرفهما المحققون من العامة والخاصة بأنّ اللفظ الموضوع لمعنى إما أن يحتمل غير ذلك أم لا، الثاني النص، وعلى الأوّل فإما أن يكون أحدهما راجحاً والآخر مرجوحاً أم لا، بل يكون إحتماله لهما على السواء، فعلى الأوّل الراجح الظاهر، والمرجوح المأوّل، والثاني المشترك أو المجمل، والقدر المشترك بين النّص والظاهر هو المحكم، وبين المجمل والمأوّل هو المتشابه.فقد ظهر من ذلك أن المحكم ما اتضح دلالته ، والمنشابه خلافه وقد حققنا الكلام فيهما بما لا مزيد عليه في حواشينا على القوانين مثالا الأول قوله :( إنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس : 44] ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) [النساء : 40]) ومثال المتشابه قوله : ( وَالْمُطْلَقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوو﴾ [البقرة : 228] وقوله : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5] .
والتشابه في الأولى من جهة الإشتراك، وفي الثانية من تعذر الحقيقة واختفاء قرينة المجاز، ومن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور مثل (الم )(وحم )(وطه)
1) الحدائق الناظرة : 426/10 .
ونحوها وقوله علیه السلام (مفسراً جمله ) المراد بالجمل الألفاظ المجملة المحتملة المحتاجة إلى التفسير والبيان، مثل ثلاثة قروء في الآية السابقة المردّدة بين الطهر والمحيض، ومنه على مذهب البعض قوله :
(حرمَتْ عَلَيْكُمْ أَتَهَتُكُمْ [النساء: 23] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة : 3] (لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا) [المائدة : 1] .
وأمثالها مما أضيف فيه التحليل والتحريم إلى الأعيان فإنّ إرادة الحقيقة فيها غير ممكنة، والمجازات متعدّدة، واللفظ مجمل بالنسبة إليها ومحتمل لكلّ منها (ومبيناً غوامضه) أي معضلاته ومشكلاته.
ثم أشارعلیه السلام إلى تقسيم الكتاب بنحو آخر بقوله : (بين مأخوذ ميثاق علمه) أي على كلّ أحد لا يقبل العذر فيه، وذلك مثل معرفة الصانع وتوحيده قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف: 172] الآية .)(و بين (موسع على العباد في جهله ) كالمتشابهات التي جعل علمها مخصوصاً)بالراسخين في العلم ، وغيرهم منها في سعة كما قال :(وما يعلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران : 7]
(وبين مثبت في الكتاب فرضه ، ومعلوم في السنة نسخه ) هذا الكلام نص وصريح في وقوع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، فيدلّ على جوازه بطريق أولى، لأن الوقوع أخص من الإمكان، وهو مذهب أصحابنا رضي الله عنهم والمتكلمين من المعتزلة والأشاعرة، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة ومالك، وخالف فيه الشافعي وأكثر الظاهرية على المحكي عنهم في «النهاية» والحنبلي في إحدى الروايتين عنه، والمسألة معنونة في «الأصول» ويشهد بوقوعه قوله :
وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن سَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ في البيوت حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ فَهُنَّ سَبِيلا * وَالدَانِ يَأْتِيَنهَا مِنكُمْ فَقَاذُوهُمَا فَإن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا [النساء: 15 - 16].)فإن مفاد الآية الأولى حبس الفواحش من النساء في البيوت إلى حين الممات، كما أنّ مفاد الثانية وجوب إيذاء الآيتين للفاحشة، ثم نسخ ذلك أي الحبس والإيذاء بالجلد الثابت لغير المحصن والمحضة بالكتاب أعني قوله :(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2].
والرّجم الثابت لهما بالسنة النبوية .
وأما ما قيل : من أنّ الآية الأولى منسوخة بآية الجلد والرّجم الثابت بالسنة مضاف إلى الجلد زيادة وليس نسخاً له، وأنّ الآية الثانية باقية بحالها غير منسوخة إذ الزاني المستحق للحد يذمّ أولاً ويعنف ، ثم يحدّ فليست الآيتان منسوختين بالسنة .
ففيه منع إضافة الجلد إلى الرّجم دائماً كمنع إضافة الرّجم إليه كذلك، بل بعض الفاحشات مستحقة للجلد فقط وبعضها للرّجم فقط وبعضها يجمع لها بين الحدين على ما فصل في الكتب الفقهية.
وأما ما قاله الشارح البحراني في تقرير الإستشهاد بهما على المدعي : من أنه كانت الثيب إذا زنت في بدء الإسلام تمسك في البيوت إلى الممات ، والبكر تؤذي بالكلام ونحوه بمقتضى هاتين الآيتين، ثمّ نسخ في حق الشيب بالرجم وفي حق البكر بالجلد والتعزير بحكم السنة .
ففيه أولاً: أن الآية الأولى غير مختصة بالتيب بل شاملة لها وللبكر، اللهم إلا أن يقال باستفادة القيبوبة من الإضافة ، لأنه سبحانه أضافهن إضافة زوجية إذ لو أراد غير الزوجات لقال : من النّساء، ولم يقل : من نسائكم ، فالبكر تكون خارجة عنها .
وثانياً : أن السنة لم تقم على الرجم في حق الثيب مطلقاً بل في حق المحصنة منها فاللازم تبديل لفظ التّيب في قوله : ثمّ نسخ، في حق الثيب بالمحصنة .
وثالثاً : أن ثبوت الجلد للبكر إنّما هو بالكتاب لا بحكم السنة، لا يقال إن غاية ما يستفاد من الكتاب هو جلد الزانية مائة جلدة، وكون المراد بها هي البكر الغير المحصنة ممّا استفيد من السنة، فثبوت الجلد في حقها قد كان بحكم السنّة فكان الناسخ هو السنة دون الكتاب ، لأنا نقول : إنّ الناسخ هو الكتاب ، والسنة بيان لما هو المراد بالناسخ، فافهم.
ورابعاً: أن المستفاد كلامه (رحمت الله ) أن الآية الأولى واردة في حق الثيب والآية الثانية في حق البكر وهو خلاف ما يستفاد من الأخبار، فإنّ المستفاد منها أن الأولى واردة في حق النّساء، والثانية في حق الرّجال .
قال علي بن إبراهيم القمي (رحمت الله) عند تفسير الآيتين: فإن في الجاهلية إذا زنى الرّجل يؤذى والمرأة تحبس في بيت إلى أن تموت ، ثم نسخ ذلك بقوله : الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة (1).
وروى في «الوسائل » عن رسالة المحكم والمتشابه للمرتضى، نقلاً من تفسير النعماني
1) التفسير الصافي : 430 .
بإسناده عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام في حديث الناسخ والمنسوخ ، قال : كان من شريعتهم في الجاهلية أنّ المرأة إذا زنت حبست في البيت وأقيم بادوها حتى يأتيها الموت، وإذا زنى الرجل نفوه عن مجالسهم وشتموه وآذوه وعيروه ولم يكونوا يعرفون غير هذا قال الله تعالى في أوّل الإسلام (واللاتي يأتين الفاحشة ) [النساء : 105] إلى آخر الآيتين ، فلما كثر المسلمون وقوى الإسلام واستوحشوا أمور الجاهلية أنزل الله تعالى : الزانية والزاني، الآية، فنسخت هذه آية الحبس والأذى.
أقول : ولعلّ مراده علیه السلام نسخ هذه الآية لتلك الآيتين في حق غير المحصن والمحصنة فلا ينافي ما قررناه في مقام الإستشهاد كما لا يخفى (و) بين (واجب في السنة أخذه، ومرخص في الكتاب تركه ) هذا الكلام كسابقه صريح في عكس سابقه، وهو وقوع نسخ السنّة بالكتاب ، فيدل على الجواز بالأولوية حسبما مز وهو مذهب الإمامية والأشاعرة والمعتزلة وجميع فقهاء العامة، والمخالف منحصر في الشافعي على ما حكى عنه، والشاهد على وقوعه أنّ التوجّه إلى بيت المقدّس كان واجباً في إبتداء الإسلام بالسنّة خاصة، لعدم دليل في الكتاب عليه ثمّ نسخ بقوله تعالى :
(رفَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 144] .
وأن مباشرة النساء في الليل كانت محرّمة على الصائمين بالسنة أيضاً، وقد نسخ بقوله تعالى :
(فالن بشرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ﴾ [البقرة : 187] .
وأن صوم عاشوراء كان واجباً بالسنة ، ثم نسخ بصوم شهر رمضان بقوله :
( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة : 185] .
كما رواه في «الوسائل » عن الحارث العطار قال سألت أبا جعفر علیه السلام عن صوم عاشوراء فقال :«صوم متروك بنزول شهر رمضان ، والمتروك بدعة»، وفيه أيضاً عن زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم جميعاً أنهما سألا أبا جعفر الباقر علیه السلام عن صوم يوم عاشور، فقال: «كان صومه قبل شهر رمضان ، فلما نزل شهر رمضان ترك (وبين واجب لوقته وزائل في مستقبله )كالنذر والعهد واليمين الموقت بوقت معين ، قال تعالى :
(وَأَوْنُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولا ) [الإسراء: 34] وقال أيضاً: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِالله إذا عَهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَد جعلتم الله عليكم کفیلا »(1)[النحل: 91])
1) وسائل الشيعة : 341/7 .
وتمثيل الشارح البحراني له بالحج الواجب في العمر مرّة لا معنى له، إذ الحج وإن كان واجباً في العمر مرّة إلا أنه لا يزول وجوبه في المستقبل، مع عدم الإتيان، بل يجب في العام القابل ويجب قضاؤه مع عدم الإتيان به دوام العمر.فإن قيل : لعلّ مراده علیه السلام بقوله : وزائل في مستقبله هو زوال الوجوب بعد الإتيان بالواجب، وعلى ذلك فيصح التمثيل.قلت : لو بنى على ذلك لاستوى فيه جميع الواجبات سواء كان وجوبه في العمر مرّة أو غير مرّة ضرورة أن كلا منها مع الإتيان يوجب سقوط التكليف، فلا يبقى بعد الإتيان والإمتثال وجوب كما هو ظاهر.لا يقال كيف يمكن إنكار الفرق بين الحجّ وبين صلاة الظهر وأمثالها من الواجباتالمكرّرة، مع أنّ الحجّ إذا أن الحج إذا أتى به مزة يزول التكليف به بعده ، بخلاف الظهر، فإن الإتيان به فی ذلك اليوم لا يوجب سقوط الوجوب في الغد .لأنا نقول: إن أردت من عدم سقوط الوجوب في الغد عدم سقوط وجوب الظهر المأتي به في ذلك اليوم، ففيه أنه ساقط قطعاً إذ لا معنى للإمتثال عقيب الإمتثال، وإن أردت عدم سقوط وجوب الظهر الواجب عند زوال الغد، ففيه أنه واجب مستقبل لا منافاة بين وجوبه وسقوط وجوب ظهر اليوم بعد الإتيان به في وقته ، فافهم جيّداً.ومن العجب جعله الحج من الموقتات أنه لا وقت له فلو بدله بصلاة الجمعة ومثلمع بها كما فعله الشارح المعتزلي لكان له وجه (و بين حكم (مبائن بین محارمه )جمع محرم كمقعد، والمراد بها المحرمات التي هي محل الحرمة ، والمراد بالحكم المبائن أي المفاصل هو الحرمة ، والمعنى وبين حرمة مفاصلة بين محال الحرمة ، أي مفرقة بين محرمات الكتاب بالشدّة والضعف كما بيّنه بقوله : (من كبير أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه) فرق بين الكبير والصغير بأنّ الأوّل ما توعد عليه بالنيران، والثاني ما أعد له الغفران.)وبهذا صرّح في جمع من الأخبار، مثل ما رواه المفيد عن عباد بن كثير قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عن الكبائر ، فقال :« كلّ ما أوعد الله عليه النار» (1)وفي «الوسائل» عن علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال : سألته عن الكبائر التي قال الله عزّ وجلّ:(و إن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء : 31].
1) المعاد : 304/2.
قال : التي أوجب الله عليه النار (1)، وبمعناهما أخبار أخرى .
وفي بعض الأخبار أنّها سبع، وهو وهو ما رواه ما رواه في «الكافي» عن ابن محبوب قال كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن علیه السلام يسأله عن الكبائر كم هي وما هي؟ فكتب علیه السلام: «الكبائر من اجتنب ما أوعد الله عليه النار كفَّر عنه سيئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات قتل النفس الحرام وعقوق الوالدين وأكل الربا والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف »(2)
ومثله في تعيين السبع المذكور رواية ثواب الأعمال بإسناده عن أحمد بن عمر الحلبي أبي عن عبد الله علیه السلام، وزيد في بعض الأخبار على السبع، ونقص في أخرى واختلف الحاصر لها في السبع أيضاً في تعيينها، وبالجملة الأخبار كالأقوال في المقام مختلفة جداً وقد جمعوا بينها بحمل الكبيرة على ما هو كذلك بالنسبة إلى ما هو أصغر منه والصغيرة على ما هو كذلك بالنسبة إلى ما هو أكبر منه، فالقبلة صغيرة بالنسبة إلى الزّنا ، وكبيرة بالنسبة إلى النظر، وهكذا.
قال الصدوق : الأخبار في الكبائر ليست مختلفة، لأن كل ذنب بعد الشرك كبير بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، وكلّ كبير صغير بالنسبة إلى الشرك بالله .
وفي «مجمع البيان » عند تفسير قوله تعالى :
(إن تَجْتَنِبُوا كَبَابَرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) [النساء : 31].
قال: اختلف في معنى الكبيرة، فقيل : كلّ ما أعد الله عليه في الآخرة عقاباً وأوجب عليه في الدنيا حداً فهو كبيرة ، وهو المروي عن سعيد بن جبير ومجاهد ، وقيل : كلّ ما نهى الله عنه فهو كبيرة، عن ابن عباس وإلى هذا ذهب أصحابنا، فإنّهم قالوا : المعاصي كلّها كبيرة من حيث كانت قبائح لكن بعضها أكبر من بعض ، وليس في الذنوب صغيرة وإنما تكون بالإضافة إلى ما هو أكبر منه ويستحق العقاب عليه أكثر (3)، هذا .
وأكثر الأخبار جمعاً واحتواء لها ما رواه الصدوق بإسناده، والطبرسي في «مجمع البيان » جميعاً عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال حدثني أبو جعفر الثاني علیه السلام قال سمعت أبي يقول : «سمعت أبي موسى بن جعفر علیه السلام يقول : دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله علیه السلام فلما سلم وجلس تلا هذه الآية :
(والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبير الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) [الشورى: 37]».
ثمْ أمسك، فقال له أبو عبد الله علیه السلام : «ما أسكتك»؟ قال أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله ، فقال علیه السلام: « نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك بالله يقول الله :
(مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) [المائدة : 72]
وبعده الإياس من روح الله، لأن الله عزّ وجلّ يقول:
(وَلَا يَايْسُ مِن زَوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [يوسف: 87]
ثمّ الامن من مكر الله، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول :
(فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [الأعراف : 99] .
ومنها عقوق الوالدين، لأن الله سبحانه جعل العاق جباراً شقياً، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق لأن الله عزّ وجلّ يقول :
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 93 [النساء : 93] إلى آخر الآية، وقذف المحصنة لأن الله عزّ وجلّ يقول:
(لِمِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 23] .
وأكل مال اليتيم، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول :
( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء : 10]. والفرار من الزحف، لأن الله عزّ وجلّ يقول :(ومن بُوَلِهِمْ يَوْمَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّرًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِوَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال : 16]
وأكل الرّبا لأنّ الله عزّ وجلّ يقول :
(الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَس )
[البقرة : 275]
والسحر لأنّ الله عزّ وجلّ يقول :
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَنهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَقَ [البقرة: 102] .)والزنا، لأن الله عزّ وجلّ يقول :(ومن يفعل ذلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان: 69 - 68 ] .
واليمين الغموس (1)الفاجرة لأنّ الله عزّ وجلّ يقول :
(الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَيكَ لا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ﴾ [آل عمران : 77]
والغلول لأَن الله عزّ وجل يقول :
وَمَن يَعْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَمَةُ [آل عمران: 161].)ومنع الزكاة المفروضة، لأنّ الله عزّ وجل يقول :(فَتَكْوَى بِهَا جَبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [التوبة : 35] . وشهادة الزور وكتمان الشهادة لأن الله عزّ وجلّ يقول :
وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ عَالِمٌ قَلْبُهُ [البقرة : 283] وشرب الخمر، لأن الله عزّ وجلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان، وترك الصلاة متعمداً أو شيئاً ممّا فرض الله عزّ وجلّ ، لأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: «من ترك الصلاة متعمداً فقد برأ من ذمة الله وذمة رسوله، ونقض العهد وقطيعة الرحم لأنّ الله عزّ وجلّ يقول :
(لَهمُ اللَّعْنَةُ وَلَمْ سُوءُ النَّارِ)» (2)[الرعد: 25].
قال : فخرج عمرو وله صراخ من بكائه ويقول : هلك من قال برأيكم ونازعكم في الفضل والعلم (وبين مقبول في أدناه وموسّع في أقصاه )كالقيام إلى صلاة الليل، فإن قليله مقبول والكثير منه موسع ، قال تعالى:
(وَيَأَيُّهَا الْمُزَمَلُ * قُهِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * يُصْفَهُ أَي أَنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْهَانَ تَرْتِيلًا ) [المزمل: 1 - 4] وقال أيضاً: إِنَّ رَبِّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن تُلْتِي الَّيْلِ وَنِصْفَمُ وَكُلُهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقدِرُ الَّيْلَ وَالنَّهار عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَأَقْرَهُوا مَا نَكَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ [المزمل: 20] .
أي صلوا ما تيسر من الصلاة في الليل ، عبر عن الصلاة بالقرآن، لأنها تتضمّنه وكقرائة القرآن، فإنّه مرغوب فيها ومن القربات المستحبة قليلها مقبول والنّاس من الكثير منها في سعة، وبها فسّرت الآية الأخيرة في أحد التفسيرين، وروى في «مجمع البيان » عن الرّضا عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: «ما تيسر منه أي من القرآن لكم فيه خشوع القلب وصفاء السر، هذا (3).
في الإشارة إلى فائدة إنزال القرآن ونعته بلسان الرّمز والإشارة وبيان جملة من القابِهِ وأسمائه .
فأقول : إعلم هداك الله إلى الصراط المستقيم، وثبتك على المنهج القويم، أن القرآن لما كان أصله مكتوباً :
(في كتب تَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: 78-79] .
بلا صحائف ولا أوراق ، لكونه قبل وجود الأنفس والآفاق، وكنا في ابتداء وجودنا ضعفاء العقول، ضعفاء الأبصار ولم تكن تصل قوة أنظارنا إلى أطراف هذه الأرقام، وأكناف هذه الكلمات العظام، لتعاظم حروفها ، وتعالي كلماتها ، وتباعد أطرافها وحافاتها، لا جرم تضرعنا إليه سبحانه بلسان احتياجنا وإستعدادنا ، وقلنا : إلهنا ارحم على قصورنا ، ولا تؤيسنا عن روحك ورحماتك ، واهدنا سبيلاً إلى مطالعة كلماتك، ووصولاً إلى رضوانك وجناتك، فتلطف سبحانه بنا بمقتضى عنايته الشاملة، وحكمته الكاملة ورحمته الواسعة، وقدرته البالغة، فأعطى لنا نسخة مختصرة من أسرار كتبه الجامعة ، ونموذجاً وجيزاً من معاني كلماته التامة.
وهو القرآن الكريم والصّراط المستقيم ، والتنزيل من العزيز الرحيم، نزله على النبي الأمين ، لإنجاء العباد من سلاسل تعلقات النفس، ووساوس الشيطان اللعين، فلو كشف نقاب العزّة عن وجهه ، ورفع جلباب العظمة والكبرياء عن سره، لشفي كل عليل، وروى كل غليل، وداوى كلّ مريض القلب بعلل الأخلاق الذميمة، وأسقام الجهالات المهلكة، وأنجى المقيدين بسلاسل التعلقات ، والمزينين بحب الأهل والأولاد والشهوات ، وهو مع عظمة قدره وعلق منزلته وسموّ مكانه، قد تلبس بلباس الحروف والأصوات، واكتسى بكسوة الألفاظ والعبارات، رحمة منه سبحانه على العباد، وشفقة على خلقه وتقريباً إلى أفهامهم ومداراة معهم، ومنازلة إلى أذواقهم، وإلا فما للتّراب ورب الأرباب، ففي كل حرف منه ألف رمز
وإشارة، وفي كلّ لفظ ألف سرّ وكناية .
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيما رواه في «الكافي » بإسناده إلى الصادق علیه السلام عن آبائه، عنه صلی الله علیه واله وسلم: «أيها الناس إنّكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كلّ جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود ، فأعدوا الجهاز لبعد المجاز» .
قال: فقام المقداد بن الأسود، فقال يا رسول الله : وما دار الهدنة؟ قال: «دار بلاغ
وانقطاع فإذا التَبَسَتْ عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفع وماحل (1)مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنّة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم، وباطنه ،علم ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له تخوم وعلى تخومه تخوم ، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة ، فليجل جال بصره ، وليبلغ الصفة نظره، ينج من تج من عطب ويتخلص من نشب فإن التفكر حياة قلب البصير كما يشمي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص »، هذا ، (2).
ولغاية عظمته ومنتهى جلالته سمّي بأسماء مختلفة ولقب بألقاب كثيرة، لأنّ الشيء كلما ازداد جلالة ورفعة ازداد نعتاً ووصفاً
فمنها الكتاب قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة : 2] .
ومنها القرآن: إِنَّهُ لَقُرْءَانُ كَرِيمٌ [الواقعة: 77] .
ومنها الفرقان لكونه فارقاً بين الحق والباطل ، قال سبحانه :
(وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة : 185].
ومنها النّور، لأنه نور عقلي ينكشف به أحوال المبدأ والمعاد وتتراءى منه حقائق الأشياء، ويهتدي به في ظلمات برّ الأجسام وبحر النفوس ويظهر به للسالكين إلى الدار الأخرى طريق الجنة وطريق النار، قال تعالى :
(جاء كم بين اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللهُ مَن اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُل السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [المائدة: 16] .
ومنها الحكمة، قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ آل عمران : 164].وهي عبارة عن أفضل علم بأحكم معلوم ولا يوصف بها إلا المتجرّدون عن جلباب البشرية، والمسلخون عن لباس هذا الوجود الكوني ولذلك قال سبحانه بعد قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَب وَالْحِكْمَةَ .)(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: 21]
ومنها الرُّوحُ ، قال تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِنُذِرَ يَوْمَ الثَّلَاقِ) [غافر : 15] .
ومنها الحق، لأنه ثابت لا يتغير أبداً من حق الأمر إذا ثبت، ولأنه صادق مطابق للواقع لا يعتريه شك وريب، قال تعالى :
(بل هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَنهُم مِّن نَذِيرٍ ﴾ [السجدة: 3] .
بنها الهدى، لأنه يهدي إلى الضراط المستقيم، قال تعالى :
(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة : 2] ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ [الزمر: 23] .)ومنها الذكر، (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوفَ تُسْتَلُونَ [الزخرف : 44] .
سمّي به لأنه يتذكر به أمور الآخرة وأحوال المبدأ والمعاد.
ومنها النبأ العظيم، لأنه يخبر عن عالم الغيب والمغيبات، قال:
(قُلْ هُوَ نَبُوا عَظِيمٌ * أَنتُم عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ [ص: 67 - 68] .
ومنها الشفاء، لأنه يقع به الشفاء على الأمراض النفسانية والأسقام الباطنية قال تعالى :
(قل هوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَاةٌ ) [فصلت : 44] .
ومنها الرّحمة، قال تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل : 64]
ومنها العلي الحكيم، قال تعالى: وَإِنَّهُ فِي أَي الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيُّ حَكِيمُ [الزخرف: 4] أمّا كونه عليّاً فلأن أصله من العالم العلوي، وأما كونه حكيماً فواضح.)ومنها التنزيل ومنها البشير النذير ومنها العزيز ومنها الموعظة الحسنة ومنها المجيد إلى غير ذلك ذلك منالألقاب والأسماء ولا شك أن كثرة الأسماء والأوصاف تدل على عظم شأن المسمّى والموصوف ، والله العالم بجلالة شأن كلامه ورفعة مرتبة كتابه ومقامه .### الثانيأنّه لا بد أن يعلم أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين على سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله أجمعين هل هو ما بين الدفتين وما وصل إلينا وتناولته أيدينا أم لا ، بل الواصل إلينا بعض القرآن وأنّ القرآن الأصيل الذي نزل به جبرئيل قد حزف وبدل وزيد عليه ونقص عنه، إختلف فيه الأصحاب.فالذي ذهب إليه أكثر الأخباريين على ما حكى عنهم السيد الجزائري في «رسالة منبع الحياة »وكتاب «الأنوار» هو وقوع التحريف والزيادة والنقصان.وإليه ذهب عليّ بن إبراهيم القمي ، وتلميذه محمّد بن يعقوب الكليني، والشيخ
أحمد بن أبي طالب الطبرسي، والمحدث العلامة المجلسي قدس الله روحهم .وذهب المرتضى على ما حكى عنه، والصدوق في اعتقاداته ، والشيخ في «التبيان» والطبرسي في «مجمع البيان » إلى عدمه ، وعزى ذلك إلى جمهور المجتهدين بل الظاهر من الصدوق وقيام الإجماع عليه حيث قال في إعتقاداته : إن إعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله علي نبيه محمد صلی الله علیه واله وسلم هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي النّاس ليس بأكثر من ذلك، إلى أن قال : ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب ، انتهى (1.)ومثله الشيخ، حيث ادعى قيامه على عدم الزيادة، قال في «محكي كلامه »:وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه، وأما النقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى (رحمت الله ، وهو الظاهر من الرّوايات ، غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن طريقها الآحاد لا توجب علماً، فالأولى الإعراض وترك التشاغل بها، لأنّها يمكن تأويلها ، انتهى .)ومثله الطبرسي في «مجمع البيان » حيث قال : فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه وأما النقصان فيه فقد روى جماعة من أصحابنا وجماعة من حشوية العامة، أنّ ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه .قال : وهو الذي نصره المرتضى واستوفى الكلام فيه غاية الإستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات، وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ، والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم تبلغه فيما ذكرناه لأنّ القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدّينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كلّ شيء اختلفوا فيه من إعرابه وقراءة حروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد.وقال أيضاً قدس سره: وإن العلم بتفصيل القرآن في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة، ككتاب سيبويه والمزني، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف وميّز وعلم أنّه ملحق، وليس من أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني، ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أضبط من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء .
1) الاعتقادات : 84، والتفسير الصافي: 54/1 .
ثم قال الطبرسي : وذكر - أي المرتضى - أنّ من خالف في ذلك من ( الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته ، انتهى ما ذكره في «مجمع البیان» (1))وهذه العبارات منه وممن سبق ذكره كما ترى مطبقة في صحة نقل ما بين الدفتين وعدم وقوع تغير فيه بوجه من الوجوه ، وإنما اختلفت في دعوى الإجماع. فالظاهر من الصدوق كما عرفت قيامه على التغير بوجه ، حيث نسب ذلك إلى إعتقاد الإمامية.وعبارة الشيخ والطبرسي حسبما حكيناها صريحة في قيامه على عدم الزيادة وتبعهما على ذلك من متأخري المتأخرين السيد المحقق الكاظمي «في شرح الوافية » حيث ، قال : إتفق الكل لا تمانع بينهم على عدم الزيادة، ونطقت به الأخبار، والمرتضى رضي الله عنه وإن لم يدّع الإجماع عليه إلا أنه (رحمت الله حسبما عرفت أشد نكيراً منهم لدعواه العلم الضروري به.)إذا عرفت ذلك فأقول : المختار عندي هو وقوع النقصان فيه دون الزّيادة ، ولا بأس بذكر أدلة الطرفين وما يمكن الإستدلال به عنهم حتى يتضح الحق من البين، ولتقدم أدلة النافين لكون قولهم مطابقاً للأصل، ثم نتبعها بأدلة المثبتين فنقول :إحتج النافون القائلون بالعدم بوجوه، بعضها دالّ على عدم التغيير مطلقاً وبعضها مختص بنفي الزيادة.الأول : الإجماع المستفاد من كلام الصدوق السابق والمنقول في كلام الشيخ والطبرسي صريحاً حسبما تقدم.وفيه بعد الغض عن حجيّة الإجماع المنقول في نفسه أن حجيته إنما هو من جهة إفادته الظن وهو لا يكافىء القطع الحاصل من الأخبار المتواترة المفيدة للنقيصة حسبما تعرفها إنشاء الله ، نعم هو حجة على مدعي الزيادة، لأنّ الظن الحاصل من أدلتها لا يقاوم الظن الحاصل منه .الثاني : ما ظهر من كلام المرتضى من توفّر الدواعي وإشتداد العنايات على حفظه وضبطه، لكونه معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية ومدرك الأحكام الدينية.وفيه منع توفر الدواعي على الحفظ والضبط لو لم يقم على التضييع والتحريف .(2)
وما استدل به عليه :أولاً من كونه متضمناً للتحدي والإعجاز ، وثانياً : من كونه مدرك الأحكام الشرعية لا ينهض على الإثبات :أما الأول : فلانه إنّما يتم لو انحصر طريق إثبات النبوة فيه ، كانحصار معجزة عيسى علیه السلام في الطب وإبراء الأكمه والأبرص ، ومعجزة موسى علیه السلام في العصا واليد البيضاء، وأما مع عدم الإنحصار فلا تتوفّر الدواعي عليه، كأكثر معجزاته لم تتوافر بعد.فإن قلت: سلمنا عدم انحصار معجزته فيه ولكنه أظهر المعجزات وأقواها وأكدها فتوفّرت الدواعي عليه .قلت: إنّ الإعجاز كما يحصل بالجميع كذلك يحصل بالبعض، إذ المناط في الاعجاز هو الفصاحة والبلاغة وغرابة الأسلوب وحسن النظم، وهي باقية بحالها لم تتغير ولم تتبدل، فلا يخرجه وقوع التحريف فيه عن كونه دليلاً للنبوة والرسالة، بل لو فرض والعياذ بالله سقوط جميع آياته عن الإعجاز لكفانا فيه قوله :(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أمر مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا أَمْرٌ رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 44] .)فإنّها مع اختصارها وجازتها مشتملة على أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.وحكى أن بعضهم سمع بدوية تنشد أبياتاً، فقال لها : الله درك ما أفصحك، فقالت:الفصاحة الله وذكرت هذه الآية، وقوله سبحانه :﴿وَقِيلَ يَتَأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَسمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي [هود : 44] الآية.)لأنّها مشتملة على وجوه عديدة من الفصاحة يقطع معها بأنها خارجة عن وسع البشر .وقد روي أن من تكلم من قريش بكلام فصيح كان يعلقه على الكعبة مباهاة وتفاخراً، فلما نزلت الآية هذه ذهبوا في ظلام الليل وأخذوا ما علقوه مخافة الفضاحة والشناعة.وفي «مجمع البيان » يروى أن كفار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن ، فعكفوا على لباب البز ولحوم الضان وسلاف الخمر أربعين يوماً لتصفو أذهانهم، فلما أخذوا فيما أرادوا وسمعوا هذه الآية تركوا ما أخذوا فيه وافترقوا (1.)وكيف كان فقد ظهر مما ذكرنا أن وقوع التحريف لا يخرجه عن الإعجاز حتى تبقى
1) تفسیر مجمع البيان: 282/5
النّبوة الخاصة بلا دليل ، لأنَّ الفصاحة باقية على حالها بل سائر وجوه الإعجاز أيضاً موجودة فيه كالصرفة واشتماله على القصص والحكايات ، والأخبار عن المغيبات وعدم الإختلاف فيه مع طوله إلى غير هذه من الجهات .وأما الثاني : فلان المتيقن الثبوت من الأخبار الآتية هو طُرُوّ التحريف على الآيات المشتملة على فضائل أهل البيت وفضائح أهل النفاق، وأما طروه على آيات الأحكام فهو بعد غير ثابت، فالأدلة القطعية الدالة على جواز العمل بالظواهر واستنباط الأحكام الشرعية منها محكمة، ولم يثبت مانع منها، فلا يرفع اليد عن مقتضاها ، ومجرد احتمال وجود المانع لا يكفي في رفع اليد عن اقتضاء المقتضىء .وبالجملة كون القرآن مدرك الأحكام الشرعية إنما يدل على عدم وقوع التحريفوالنقصان في آيات الأحكام، ويستلزم توفّر الدواعي فيها فحسب لا مطلقاً.وهذا كله مبني على التنزل والمماشاة، وإلا فنقول : إنّ كونه مدركاً للأحكام وإن كان مقتضياً لتوفر الدواعي إلا أنه إنما يتم إذا لم يمنع منه مانع ولم يمنع المكلفون على أنفسهم اللطف إذ قد تتوفر الدواعي على تضييعه وكتمانه أكثر منها على ضبطه وإعلانه ، نظير الإمام علیه السلام ، فإن وصية النبي صلی الله علیه واله وسلم و بحفظه وإعانته وكونه حجة الله على خلقه وبريته وأصل أحكامه وشريعته، مما يوجب توفّر الدواعي عليه مع أن الدواعي قد توفّرت على حجبه وغيبته، ونعم ما قال في «التجريد »: وجوده لطف وتصرفه لطف آخر، وعدمه منا.وبالجملة وقوع التحريف والنقصان في آيات الأحكام على فرض ثبوته ليس بأبعد من غيبة الإمام، فكما أنّ المكلفين صاروا سبباً لاختفائه وغيبته ، ومانعاً عن تبليغه والرجوع إليه مع كونه أساس الأحكام وعماد الإسلام، فكذلك صاروا مانعاً عن استنباط الأحكام من القرآن بسبب ما فعلوه فيه من التحريف وأحدثوه فيه من النقصان .الثالث : قوله تعالى﴿وَإِنَّهُ لَكِتَبُ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 42] .)فإن ورود التحريف عليه إتيان الباطل من خلفه، وقد أخبر الله سبحانه بعدمه فلا بد أن يكون سالماً محفوظاً .وفيه أنّ المراد بالآية أنه ليس في إخباره عما مضى باطل ، ولا في إخباره عما يكون في المستقبل باطل، بل أخباره كلها موافقة لمخبراتها ، رواه الطبرسي في «مجمع البيان » عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السّلام، وفي تفسير القمي عن أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام
قال: «لا يأتيه الباطل من قبل التّوراة ولا من قبل الإنجيل والزبور ولا من خلفه، لا يأتيه من بعده كتاب يبطله »(1)الرابع: قوله تعالى :(إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحفِظُونَ [ الحجر : 9] .)فإنّ الله سبحانه قد أخبر بكونه حافظاً للقرآن فلا بد من كونه محفوظاً عن تطرق التغيير .قال الفخر الرازي : في الآية دلالة على كون التسمية آية من كل سورة، لأن الله قد وعد بحفظ القرآن والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصوناً من الزيادة والنقصان، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كان القرآن مصوناً من التغيير، ولما كان محفوظاً عن الزيادة .وفيه أن كون أصل القرآن الذي نزل به الروح الأمين على خاتم النبيين صلی الله علیه واله وسلم محفوظاً عند الأئمة الذين هم خزان علم الله وكهوف كتبه يكفي في صدق الآية، ولا دلالة فيها على كون ما بأيدينا محفوظاً كما لا يخفى، مضافاً إلى احتمال أن يكون المراد أنه سبحانه يحفظه إلى آخر الدهر بأن بعث جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه بين الخلق ، فتحفظه الأمة وتناولته الأيدي قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة لقيام الحجّة به على الخلق وكونه معجزة النبوة.هذا كله بعد الغض عن رجوع الضمير في له إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وإلا كما ذهب إليه الفرّاء فيسقط الإستدلال رأساً، قال ابن الأنباري : لما ذكر الله الإنزال والمنزل والمنزل دلّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه لكونه أمراً معلوماً كما في قوله :(إنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1].
فإن عودت الضمير إلى القرآن مع عدم تقدّم ذكره لكونه معلوماً من المقام .
الخامس: الأخبار الدالة على وجوب التمسك بالقرآن والآمرة بالرجوع إليه كحديث الثقلين المتواتر بين الفريقين ونحوه ، والأخبار المفيدة بعرض الأخبار المتعارضة عليه ، مثل مقبولة عمر بن حنظلة وفيها : فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة.
وما رواه السكوني عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : إن على كل حق حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه »(2).
وما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، قال : قال الصادق علیه السلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردوه » إلى غير هذه مما هي قريبة من التواتر أو متواترة (1).
تقريب الإستدلال أن المراد بالكتاب الذي أمرنا بالتمسك به والرجوع إليه وعرض الأخبار المتعارضة عليه إن كان هو الكتاب المنزل المحفوظ عن تطرق السوانح وطرو الزيادة والنقصان الذي هو موجود عند الأئمة عليهم السّلام على قول المدعين للتحريف، ففيه أن التمسك به والرّجوع إليه ممّا لا يستطاع.
وإن كان المراد به المحرّف المبدل، فلا وجه له، لأنه لم يبق فيه حجية وليس به وثوق واطمئنان فلا بد أن يكون الموجود بأيدينا سالماً محفوظاً.
قال الشيخ في محكي كلامه : ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه، فما وافقه عمل عليه وما خالفه يجنب ولم يلتفت إليه .
وقد ورد عن النبي صلی الله علیه واله وسلم الرواية لا يدفعها أحد أنّه قال: إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، وهذا مما يدل على أنه موجود في كل عصر، فإنّه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به ، كما أنّ أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت ، انتهى كلامه .
وملخصه : أن ظاهر هذه الأخبار أنه لم يتطرق على هذا القرآن الموجود بأيدينا تحريف وتغيير، لأن المستفاد منها وجوب الرجوع إليه إذ الرجوع إلى غيره غير مقدور، فلا بد من كونه محفوظاً من الخلل والنقصان ، والألم يبق به وثوق واطمئنان، فلا يكون وجه للأمر بالرجوع إليه .
وفيه أوّلاً أنّ الأخبار المذكورة إما نبوية كخبر الثقلين وبعض أخبار العرض، وإما مروية عن الأئمة عليهم السلام.
أمّا الطائفة الأولى فلا دلالة فيها على المدعي أصلاً، لأنه صلی الله علیه واله وسلم قد كان أمرنا بالاتباع بالكتاب والعرض عليه ولم يتطرّق عليه تحريف يومئذ ، كما أمرنا باتباع أهل بيته وعترته وأخذ الأحكام عنهم والإقتباس من أنوارهم، وإنّما طرأت السوانح بعدما اختار الله سبحانه له صلی الله علیه واله وسلم لقائه فمنع المكلفون على أنفسهم اللطف بسوء إختيارهم ، وغيروا كتاب الله ونبذوه وراء
1) بحار الأنوار: 235/2 .
ظهورهم كما تركوا العترة وصاروا سبباً لاعتزالهم وتشريدهم إلى أن انتهى الأمر إلى الغيبة الكبرى، فكما أن غيبة الإمام علیه السلام واعتزال الأئمة وقصور اليد عن التمسك وأخذ الأحكام عنهم الناشئ من سوء فعل المكلفين لا منافاة له مع أمر النبي صلی الله علیه واله وسلم بالتمسك، فكذلك قصور اليد عن اتباع القرآن المنزل على ما هو عليه لا ينافي أمر النبي صلی الله علیه واله وسلم باتباعه والتمسك به، بل نقول : إن أمره صلی الله علیه واله وسلم لو لم يكن إلا لأجل أن لا يفعلوا في كتاب الله ما فعلوه، وأن لا يقصروا في حق الآل على ما قصروا .
وأمّا الطائفة الثانية : فلا دلالة فيها أيضاً ، لأنا نقول: إنّ الأئمة عليهم السّلام إنما أمرونا بالرجوع إلى هذا الكتاب الموجود بأيدينا مع ما هو عليه من التحريف والنقصان لأجل التقية والخوف على أنفسهم وشيعتهم، فيكون ما استفدناه حكماً ظاهراً بالنسبة إلينا، فافهم.
وثانياً أن يجاب عنه بما ذكره في «الصافي»، فإنّه بعد نقله كلام الشيخ الذي حكيناه قال : أقول : يكفي في وجوده في كلّ عصر وجوده جميعاً كما أنزل الله محفوظاً عند الله ووجود ما احتجنا إليه منه عندنا وإن لم نقدر على الباقي، كما أن الإمام كذلك فإن الثقلين سيان في ذلك، انتهى .
وأورد عليه المحقق الكاظمي (رحمت الله ) بأنّ التمسك بهم عبارة عن موالاتهم وسلوك طريقتهم، وذلك ممكن مع الغيبة للعلم بهم ، وهذا بخلاف التمسك بالقرآن، فإنه إنّما يتحقق بالأخذ والإطلاع عليه ، فقد بان الفرق واتضح الأمر، انتهى (1)..
أقول والإنصاف أنه إن أريد بلفظ (تمسكتم ) في الرّواية ، التمسك التفصيلي بأن يتمكن من الرّجوع إلى المتمسك به ويؤخذ عنه ويؤخذ عنه الأحكام مهما الأحكام مهما أريد، فهو غير ممكن في حال الغيبة الكبرى ، لظهور انسداد باب العلم فيه ، مع أن انفتاحه في حال ظهور الأئمة عليهم السلام أيضاً محلّ كلام حسبما قرّرناه في «الأصول»، وإن أريد به التمسك الإجمالي بأن نرجع إليه بقدر الإمكان ومع عدم التمكن والقدرة نكون في مقام التسليم والإذعان والعزم على الرجوع مع التمكن والتوفيق ، فالحق أنّ الثقلين سيان فيه .
وبالجملة هما في حال الغيبة الكبرى سيان في عدم إمكان التمسك بهما تفصيلاً وفي إمكانه إجمالاً، بأن يصدّقا وتسلّما ويؤخذ عنهما الأحكام بقدر الوسع والطاقة، والتفرقة بينهما بحمل التمسك بالنقل الأصغر على التمسك التفصيلي والتمسك بالأكبر على التمسك الإجمالي مما لا وجه له .
وثالثاً إنا نقول : إنّ أهل بيت العصمة سلام الله عليهم لعلمهم بعدم طرو التحريف على آيات الأحكام رخصونا في الرجوع والعرض، فبملاحظة ترخيصهم يحصل لنا القطع بكونها
1) تفسير الصافي : 55/1
محفوظة عن الخلل أو أنهم رخصونا في ذلك ، لعلمهم بأنه ليس في الساقط ما يرجع إليه أو يعرض عليه إلا وفي الثابت ما يقوم مقامه .
هذا تمام الكلام في أدلة النّافين ، وقد عرفت أنها غير ناهضة على إثبات المدعي كما لا يخفي .
وحجة القائلين: بالتحريف أيضاً وجوه كثيرة بعضها مثبت لوقوع مطلق التحريف ، وبعضها مختص باثبات الزيادة والنقيصة، وبعضها دال على النقصان فقط فالأدلة في المقام على ثلاثة أقسام.
القسم الأول : الأدلة الدالة على مطلق التحريف والتغيير فيه.
أولها : ما ذكره السيد الجزائري من أن القرآن كان ينزل منجماً على حسب المصالح والوقائع، وكتاب الوحي كانوا أربعة عشر رجلاً من الصحابة، وكان رئيسهم أمير
المؤمنين علیه السلام، وقد كانوا في الأغلب ما يكتبون إلا ما يتعلق بالأحكام وإلا ما يوحى إليه صلی الله علیه واله وسلم في المحافل والمجامع ، وأما الذي كان يكتب ما ينزل عليه في خلواته ومنازله فليس هو إلا أمير المؤمنين علیه السلام، لأنه كان يدور معه كيفما دار ، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف، فلما مضى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، إلى لقاء حبيبه وتفرقت الأهواء بعده ، جمع أمير المؤمنين علیه السلام القرآن كما أنزل ، وشده بردائه وأتى به إلى المسجد، فقال لهم: «هذا كتاب ربّكم كما أنزل»، فقال عمر : ليس لنا فيه حاجة هذا عندنا مصحف عثمان، فقال علیه السلام «لن تروه ولن يراه أحد حتى يظهر القائم علیه السلام » (1).
أقول :أما قوله : فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف فيشهد به :
ما رواه في «الكافي» بإسناده عن جابر عن أبي عبد الله علیه السلام، قال :« سمعته يقول: ما ادعى أحد أنّه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب ، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله إلا علي ابن أبي طالب علیه السلام والأئمة من بعده »(2).
وأما ما ذكره من إتيان أمير المؤمنين علیه السلام بالكتاب إلى المسجد فيدل عليه ما رواه الطبرسي في «الإحتجاج» عن أبي ذر الغفاري أنّه لما توفي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم جمع علي علیه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، فلما فتحه أبو بكر خرج في أوّل صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال : يا علي إردده لا حاجة لنا فيه، فأخذه علي علیه السلام وانصرف، ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارءاً للقرآن، فقال له عمر : إنّ عليّاً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن
وتسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك المهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال : فإن أنا فرغت من القرآن على علیه السلام ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كلّ ما علمتم؟ قال عمر فما الحيلة؟ قال :زيد أنت أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه، فدبّر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك، فلما استخلف عمر سأل عليّاً أن يدفع إليهم فيحرفوه فيما بينهم، فقال يا أبا الحسن : إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأتِ به إلينا حتى نجتمع عليه، فقال علي علیه السلام : «هيهات ليس إلى ذلك سبيل إنّما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجّة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به ، إنّ القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي » .
فقال عمر : فهل وقت لإظهاره معلوم؟ قال :« نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره
ويحمل الناس عليه فتجري السنة به صلوات الله عليه» (1).
الثاني : ما رواه الطبرسي في الإحتجاج عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في جواب سؤال الزنديق حيث سأله عن تصريح الله سبحانه بهفوات الأنبياء، وزلاتهم مثل قوله :
(وعصى عَادَم رَبَّهُ فَعُوى ﴾ [طه: 121] .
ونحوه، وتوريته أسماء من اغتر وفتن خلقه وضل وأضل وتعبيهر عنهم بالكناية مثل قوله :
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ) [الفرقان: 27] .
ونحوه ، فقال علیه السلام : إنّ الكناية عن أسماء ذو الجزائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، وإنّهما من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين ، واعتاضوا الدنيا من الذين ، وقد بيّن الله قصص المغيرين بقوله :
(لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا ثَمَنًا قَلِيلا ) [البقرة: (79] وبقوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْورنَ الْسِنَتَهُم بِالكِتب ، وبقوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا ، يرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) [النساء : 108] (2).
بعد فقد الرّسول الله صلی الله علیه واله وسلم، وما يقيمون به أود باطلهم حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى علیه السلام من تغيير التوراة والإنجيل وتحريف الكلم عن مواضعه وبقوله :
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِ ﴾ [الصف : 8] .
يعني أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليقة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوه فيه وحرفوا منه، وبيّن عن أفكهم وتلبيسهم وكتمان ما علموه منه، ولذلك قال لهم :
(ولِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقِّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ ﴾ [آل عمران: 71] وضرب مثلهم بقوله: (فأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيُعَكُتُ فِي الْأَرْضِ ) [الرعد: 17].
فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع الناس منه ، فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقلوب تقبله والأرض في هذا الموضع هي محلّ العلم وقراره ، وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والكفر والملل المنحرفة من قبلتنا وإبطال هذا العلم الظاهري الذي قد استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الإستمار لهم والرضا بهم، ولأنّ أهل الباطل في القديم والحديث أكثر عدداً من أهل الحق،
ولأن الصبر على ولاة الأمر مفروض بقول الله تعالى لنبيه صلی الله علیه واله وسلم :
( فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف : 34]
وإيجابه مثل ذلك على أوليائه وأهل طاعته بقوله :
(لقد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [الأحزاب: 21] .
ثم قال علیه السلام : « فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت، فإنّ شريعة التقية تحظر بأكثر منه» (1)
الثالث : ما رواه علي بن إبراهيم القمي عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى :
(له مُعَقِّبَتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد: 11] .
أنه قال: «كيف يحفظ الشيء من أمر الله وكيف يكون العقب من بين يديه»؟ فقيل له كيف ذلك يا ابن رسول الله ؟ فقال : « إنّما أنزلت له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله ».
الرابع: ما رواه عنه علیه السلام أيضاً في قوله :
(لَقَد تَابَ الله عَلَى النَّبِي وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ) [التوبة: 117] .
1) الإحتجاج : 371/1
أن الآية هكذا نزلت لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين ».
الخامس : ما رواه أيضاً قال : إنّه قرأ على أبي عبد الله علیه السلام:
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّدِنَا فُرَّةَ أَعْيُنٍ واجعلنا لِلْمُتَّقين إماما)
[الفرقان: 74]
فقال أبو عبد الله علیه السلام: «لقد سألوا الله عظيماً أن يجعلهم للمتقين اماماً »، فقيل يا ابن رسول الله كيف ذلك ؟ فقال علیه السلام : إنما نزلت واجعل لنا من المتقين إماماً».
السادس: ما رواه أيضاً عن ابن أبي عمير عن ابن سنان قال: قرأت على أبي عبد الله علیه السلام:
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] .
فقال أبو عبد الله علیه السلام :« خير أمة يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ابني علي عليهم السلام »، فقال القارىء : جعلت فداك كيف نزلت ؟ فقال علیه السلام:« نزلت: خير أئمة اخرجت للناس، ألا ترى مدح الله لهم في آخر الآية :
(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله ) (1)[آل عمران: 110] .
السابع: ما رواه السيد المعتمد السيد هاشم البحراني عن المفيد في كتاب الاختصاص، قال : وروي عن جابر الجعفي قال : كنت ليلة من بعض الليالي عند أبي جعفر علیه السلام فقرأت هذه الآية :
(يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 9] .
فقال: «مه يا جابر كيف قرأت ، يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله »، قال : قال : قلت فكيف أقرأ جعلني الله فداك؟ قال: هذا تحريف يا جابر، قال: فقال علیه السلام :« يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة فامضوا إلى ذكر الله ، هكذا نزلت یا جابر، لقد كان يكره أن يعدو الرّجل إلى الصلاة يا جابر لم سمّيت الجمعة؟ قال» : قال: قلت : تخبرني جعلني الله فداك، قال: «أفلا أخبرك بتأويله الأعظم»؟ قال :قلت : بلى جعلني الله فداك، قال: فقال: «يا جابر سمّى الله الجمعة جمعة لأنّ الله عزّ وجلّ جمع في ذلك الأولين والآخرين وجميع ما خلق الله من الجن والإنس وكلّ شيء خلق ربنا والسماوات والأرضين والبحار والجنة والنار وكلّ شيء خلق الله في الميثاق فأخذ الميثاق منهم له بالربوبية ولمحمّد صلی الله علیه واله وسلم بالنبوة ولعلي علیه السلام البالولاية، وفي ذلك اليوم قال الله للسماوات والأرض :
1) بحار الأنوار: 60/89 .
(انتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنَيْنَا طَامِينَ) [فصلت: 11] .
فسمّى الله ذلك اليوم الجمعة لجمعه فيه الأولين والآخرين، ثم قال عزّ وجلّ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة من يومكم هذا الذي جمعكم فيه والصلاة أمير المؤمنين علیه السلام، يعني بالصلاة الولاية ، وهي الولاية الكبرى ففي ذلك اليوم أنت الرسل والأنبياء والملائكة وكلّ شيء خلق الله والثقلان الجن والإنس والسماوات والأرضون والمؤمنون بالتلبية الله عزّ وجلّ فامضوا إلى ذكر الله وذكر الله أمير المؤمنين علیه السلام، وذروا البيع، يعني الأوّل، ذلكم، يعني بيعة أمير المؤمنين وخلافته، خير لكم من بيعة الأوّل وولايته، إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة يعني بيعة أمير المؤمنين، فانتشروا في الأرض يعني بالأرض بالأرض الأوصياء أمر الله بطاعتهم وولايتهم، كما أمر بطاعة الرسول وطاعة أمير المؤمنين كنى الله في ذلك من أسمائهم فسمّاهم بالأرض، وابتغوا من فضل الله»، قال جابر : وابتغوا من فضل الله ، قال : «تحريف هكذا نزلت وابتغوا من فضل الله على الأوصياء ، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، ثم خاطب الله عزّ وجلّ في ذلك الموقف محمداً صلی الله علیه واله وسلم ، فقال يا محمد : فإذا رأوا الشكاك والجاحدون تجارة ، يعني الأول أو لهواً، يعني الثاني ، انصرفوا إليها ، قال : قلت انفضوا إليها قال : تحريف هكذا نزلت ، وتركوك، مع علي قائماً ، قل يا محمد ما عند الله ، من ولاية عليّ والأوصياء ، خير من اللهو والتجارة، يعني بيعة الأوّل والثاني للذين اتقوا »، قال : قلت ليس فيها للذين اتقوا، قال: فقال : «بلى هكذا نزلت الآية، وأنتم هم الذين اتقوا، والله خير الرازقين» (1).
الثامن: ما رواه الصدوق في التوحيد بإسناده عن علي بن الحسن بن علي بن فضال عن أبيه عن الرّضا علي بن موسى عليهما السلام قال سألته عن قول الله عزّ وجلّ :
(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْمَاءِ وَالْمَلَيكَةُ) [البقرة: 210].
قال : «يقول : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام ، وهكذا
نزلت (2)، والعجب من الصدوق مع روايته ذلك كيف أنكر وقوع التحريف فيه .
القسم الثاني: الأدلة الدالة على وجود الزيادة والنقصان.
أولها : ما رواه في «الصافي» عن العياشي عن أبي جعفر علیه السلام قال : «لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ونقص ما خفي حقنا على ذي حجى (3)»(4).
الثاني: ما رواه العياشي عنه أيضاً أن القرآن قد طرحت منه أي كثيرة ولم يزد فيه إلا حروف أخطأت به الكتبة وتوهمتها الرّجال .
الثالث : ما في تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله :
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب: 7]. قال: هذه الواو زيادة في قوله ومنك ، وإنّما هو منك ومن نوح.
القسم الثالث : الأدلة الدالة على وجود النقصان فقط ، وهي كثيرة .
أولها : ما رواه في «الكافي» عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله علیه السلام، قال : «إن القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف(1)آية» (2)، ووجه دلالته أنّ الموجود بأيدينا من القرآن لا يزيد على سبعة آلاف آية ، وعلى ما ضبطه الشيخ الطبرسي ستة آلاف ومأنا آية وستة وثلاثون آية .
الثاني: ما رواه الطبرسي في الإحتجاج عن علي علیه السلام في جواب الزنديق الذي احتج عليه بتناقض ظواهر بعض الأبات أنه علیه السلام قال : وأما ظهورك على تناكر قوله :
وَإِن خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ [النساء : 3] .وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كلّ النّساء أيتام ، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين في القرآن بين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر ثلث القرآن، وهذا ما أشبهه مما أظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كلما أسقط وحرّف وبدّل ممّا يجري هذا المجرى لطال وظهر ما يحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء.الثالث: ما رواه في «الكافي » عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال دفع إلي أبوالحسن علیه السلام مصحفاً، فقال: «لا تنظر فيه »، ففتحته وقرأت فيه : لم يكن الذين كفروا ، فوجدت فيها إسم سبعين من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم ، قال : «فبعث إلي ابعث إليّ بالمصحف »(3)
الرابع: ما رواه أبو عبيدة بسنده عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآنكله وما يدريه ما كله ، قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر.و بسنده عن عائشة ، قال : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان الرسول صلی الله علیه واله وسلم ماتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما الآن.هو و بسنده عن زر بن حبيش ، قال : قال لي أبي بن كعب كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت : اثنتين وستين آية أو ثلاثاً وستين آية ، قال : إن كانت لتعدل سورة البقرة.وفي «الكشاف» : عن زر مثله إلا أن فيه قلت ثلاثاً وسبعين آية ، قال فوالذي يحلف به أبي بن كعب ان كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرج، الشيح والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم.الخامس: ما رواه في كتاب تذكرة الأئمة عن تفسير الكازر، والمولى فتح الله عنمصحف ابن مسعود ، وهو آيات كثيرة في سورة متعددة.ففي المائدة : (یأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغَتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: 67].)وفي الرعد: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: 7] . وفي الشعراء: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَتَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء: 227]، ورواه القمي أيضاً عن أبي عبد الله علیه السلام .
وفي الصافات قوله: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَناصَرُونَ [الصافات: 24-25].
وفي النساء قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا اتَنهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ مَاتَيْنَا عَالَ إبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَاتَيْتَهُم مُلكًا عَظِيمًا [النساء : 54] .
وفي الزمر :( تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [الزمر: 1] ورواه الطبرسي أيضاً
عن جابر بن عبد الله الأنصاري.
وفي طه قوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ [طه: 115] كَلِماتٍ في مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَينِ وَالنِّسْعَةِ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحُسَينِ (فَنَى وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: 115]، ورواه أيضاً في «الكافي» عن الصادق علیه السلام إلا أن في آخره والأئمة من ذريتهم بدل قوله والتسعة، ثم قال هكذا والله نزلت على محمد صلی الله علیه واله وسلم (1).
وفي النجم قوله تعالى: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ [النجم: 10 ] .)
1) الكافي: 416/1 .
وفي آية الكرسي: (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [البقرة : 255] وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا) [البقرة: 255] . وفي الأحزاب قوله: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله فَوِيًّا عَزِيزا [الأحزاب: 25. ] .)ومنها سورة الولاية :( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِالنَّبِي وَالْوَلِي اللذيْنَ بَعَثْنَاهُمَا يَهْدِيانِكُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ نَبِيٌّ وَوَلِيٍّ بَعْضُهُمَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَنَا الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ، إِنَّ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ لَهُمْ جَنَاتُ النَّعيم، فَالَّذِينَ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا كَانُوا بِآيَاتِنَا مُكَذِّبِينَ إِنَّ لَهُمْ فِي جَهَنَّمَ مَقَامٌ عَظِيمٌ ، نُودِيَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الضَالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لِلْمُرْسَلِينَ، ما خَلَفَهُمُ الْمُرْسَلِينَ إِلا بِالْحَقِّ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُنْظِرَهُمْ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَعَلَيَّ مِنَ الشَّاهِدِينَ .)ومنها سورة النورين ، تركت ذكرها لكونها مع طولها مغلوطة لعدم وجود نسخة مصححة عندي يصح الركون إليها .السادس : ما رواه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره وهو أيضاً كثير.منها قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 71] . ومنها قوله تعالى: ( لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَمُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَيكَةُ يَشْهَدُونَ) [النساء : 166].
ومنها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ [النساء : 168]. ومنها: وَلَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ [النساء : 64] .)ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوتِ [الأنعام: 93]
السابع: ما رواه في «الصافي» عن العياشي عن الباقر علیه السلام في قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِيِّنَ [آل عمران : 81] .)أنها نزلت : وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين»(1)الثامن: ما فيه عنه في قوله : (فبدل الذين أنها نزلت فبدل الذين ظلموا آل محمّد حقهم)
1) تفسير الصافي : 351/1 .
غير الذي قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمّد حقهم رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون .التاسع : ما رواه في «الكافي» عن أبي بصير مقطوعاً في حديث طويل، ثم أتى الوحي إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم فقال :«سَئَلَ سَائِلٌ بِعَذَابِ واقِعِ لِلكافِرِينَ بِوِلايَةِ عَلِيٍّ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ».قال : قلت : جعلت فداك إنا لا نقرأها ،هكذا فقال : «هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد صلی الله علیه واله وسلم، وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة عليها السلام ، إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع المجد وأكثر التفاسير احتواء لذلك تفسير القمي» ، وفيما ذكرناه كفاية لمن طلب الحق، لأنها على الإختلاف مؤدياتها متفقة على الدلالة على النقيصة في الكتاب فيحصل منها العلم الضروري بها (1.)والمناقشة فيها بأن الزيادات المذكورة فيها إنّما هي من قبيل الأحاديث القدسية لا القرآن، فبعيدة جداً كما أن احتمال أن يكون الناقصات من قبيل التفاسير وبيان المعاني كذلك، لما عرفت من التصريح في بعضها بأنها هكذا نزلت ، وفي بعضها هكذا والله نزلت ، ومع التصريح كيف يمكن القول بكون المنقوصات من قبيل التفاسير كما توهمه الصدوق .والإنصاف أنّ القول بعدم النقص فيه مما يمكن إنكاره بعد ملاحظة الأدلة والأخبار التى قدمناها، فإنّها قد بلغت حد التواتر مضافاً إلى أخبار ورود الأمة على الحوض وقولهم بعد سؤال النبي صلی الله علیه واله وسلم عنهم كيف خلفتموني في الثقلين : أما الأكبر فحرقناه (فبدلناه خ ل وأما الأصغر فقتلناه، وهذه الأخبار أيضاً متواترة، ومع التنزل عن بلوغها حد التواتر نقول: إنه بانضمامها إلى الأخبار الأول لا محاولة تكون متواترة مفيدة للعلم بثبوت النقصان، إذ لو كان القرآن الموجود بأيدينا اليوم بعينه القرآن المنزل من السماء من دون أن يكون فيه تحريف ونقصان، فأتي داع كان لهم على الطبخ والإحراق الذي صار من أعظم المطاعن عليهم.)فإن قلت : إذا ثبت وقوع التغيير في القرآن فكيف يجوز لنا قراءته؟ بل اللازم قراءته على نحو ما أنزل فيما اطلعنا عليه .قلت : إنّ الأئمة عليهم السلام رخصونا على ما هو الموجود الآن ولم يأذنوا بقراءته على نحو ما أنزل .يدلّ على ذلك ما رواه في «الكافي» مرسلاً عن سهل بن زيادة عن محمد بن سليمان عن
1) شرح أصول الكافي : 81/7
بعض أصحابه عن أبي الحسن علیه السلام قال : قلت له : جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم؟ فقال علیه السلام: «لا ، اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم» (1.)وفيه أيضاً بإسناده إلى سالم بن سلمة ، قال: قرأ رجل على أبي عبد الله علیه السلام وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرئها النّاس، فقال أبو عبد الله علیه السلام: «مه كف هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم علیه السلام : فإذا قام قرأ كتاب الله على حده واخرج المصحف الذي كتبه علي علیه السلام (2.)فإن قلت : سلمنا وجود التحريف فيه فلم لم يصححه أمير المؤمنين علیه السلام حيثما جلس على سرير الخلافة مع أنه لم يكن منه مانع يومئذ.قلت: إنه علیه السلام لم يتمكن منه لوجود التقية المانعة من حيث كونه مستلزماً للتشنيع على من سبقه كما لم يتمكن من إبطال صلاة الضحى ، ومن إجراء متعتي الحج والنساء، ومن عزل شريح عن القضاوة ، ومعاوية عن الإمارة، وقد صرّح بذلك في رواية الإحتجاج السابقة في مكالمته علیه السلام مع الزنديق .مضافاً إلى اشتمال عدم التصحيح على مصلحة لا تخفى، وهو أن يتم الحجة في يوم القيامة على المحرّفين المغيرين من هذه الجهة أيضاً بحيث يظهر شناعة فعلهم لجميع أهل المحشر، وذلك بأن يصدر الخطاب من مصدر الربوبية إلى أمة محمد صلی الله علیه واله وسلم، ويقال لهم : كيف قرأتم كتابي الذي أنزلته إليكم؟ فيصدر عنهم الجواب ، بأنّا قرأناه كذا وكذا، فيقال لهم : ما أنزلناه هكذا فلم ضيعتموه وحرفتموه ونقصتموه؟ فيجيبوا أن يا ربنا ما قصرنا فيه ولا ضيعناه ولا فرطنا ، بل هكذا وصل إلينا، فيخاطب حملة الوحي ويقول لهم : أنتم قصرتم في تبليغ وحيي وأداء أمانتي؟ فيقولوا ربنا ما فرطنا في وحيك من شيء وإنما فرط فيه فلان وفلان بعد مضي نبيهم، فيظهر شناعه فعلهم وفضاحة عملهم لجميع أهل المحشر ويستحقون بذلك الخزي العظيم والعذاب الأليم مضافاً إلى إستحقاقهم للتكال والعقاب بتفريطهم في أمر الرسالة وتقصيرهم في غصب الخلافة .فإن قلت : سلّمنا أن علياً علیه السلام لم يتمكن من تصحيحه وأن بقائه على التحريف كان مشتملاً على المصلحة التي ذكرتها، ولكن بقي هنا شيء وهو أنّ الأئمة لَمَ لمْ يدفعوا ما عندهم من الكتاب المنظم المحفوظ السالم عن التحريف إلى الأمة وما كان المانع لهم من ذلك؟قلت : السر في عدم إظهارهم عليهم السلام له وجوه كثيرة :
منها أنه لو أظهر ذلك الكتاب مع بقاء هذا الكتاب المحرّف لوقع الإختلاف بين الناس ويكون ذلك سبباً لرجوع الناس إلى كفرهم الأصلي وأعقابهم القهقري.ومنها : أنّ شوكة النفاق يومئذٍ كان أكثر فلو أظهروه لأحدث المنافقون فيه مثل ما أحدثه رئيسهم قبلهم .ومنها : أنّه مع إظهاره أيضاً لا يكون له رواج لمكان شهرة ذلك المحرّف إلى غير هذه من الأسرار التي تستفاد من الأخبار .وكيف كان فقد ظهر وتحقق مما ذكرنا كله أن حدوث التحريف والنقصان في القرآن مما لا غبار عليه.وأمّا الزيادة ففيها تردّد والأقوى العدم إذ الذليل عليها ليس إلا عدة روايات وهي لاتقاوم إلا الجماعات التي ادعاها الشيخ والصدوق والطبرسي والمحقق الكاظمي.فإن قلت : قد ظهر من كلام الصدوق الإجماع على عدم النقيصة أيضاً، فإن كانالاجماع المنقول حجّة فهو حجّة في المقامين كليهما، وإلا فلا يعبأ به في شيء منهما والتفرقة بينهما بالعمل به في أحدهما دون الآخر شطط من الكلام.قلت : الإجماع المنقول إنّما هو معتبر لأجل إفادته الظن، وهو لا يكافيء القطع الحاصل من الأخبار المتواترة الدالة على النقيصة، ولكن لما كان الظنّ الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل من أدلة الزيادة لا جرم رجحناه عليها .هذا تمام الكلام في المقام، وقد تكلمنا فيه بمقتضى أفهامنا، والله العالم بحقائق لأمور.### التذليل الثالثإعلم أنّه قد تواترت الأخبار عن العترة الزاكية وأجمعت الأصحاب من الفرقة الناجية الأمامية على أن قيم القرآن بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم أي العالم بتفسير محكماته وتأويل متشابهاته، والحافظ لأسراره وآياته وأنوار بيناته ، هو علي والطيبون من أولاده عليهم السلام، وقد طابق العقل في ذلك النقل فكلاهما متطابقان في علمهم بالقرآن .أمّا العقل فلأنه قد علمت عند شرح قوله علیه السلام: ولم يخل الله خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل أو حجّة لازمة، أنّ الأرض لا تبقى بلا حجة من بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم، إذ الحاجة من الخلق ماسة دائماً إلى وجود من يقربهم إلى الله ويهديهم إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة
الحسنة، فلا بد أن يكون ذلك الحجة عالماً بجميع القرآن ، إذ القرآن لا يكون بنفسه حجة من دون قيم ، ضرورة أن القرآن ليس كتاباً يقوم بعلمه عامة أهل النّظر من الفضلاء، فضلا عن غيرهم كيف؟ وأكثر أرباب النظر عاجزون عن مطالعة كتب الحكماء وفهمها ، ككتب أفلاطون وأرسطو فيكف يمكنهم أن يعلموا القرآن ويفهموه، وهو كتاب الهي وكلام ربّاني نسبته إلى سائر الكتب كنسبة الرب تعالى إلى مصنّفي تلك الكتب، وهو مشتمل على رموز وبطون وأسرار ونكات ، فلا يهتدي إلى نوره إلا بتأييد إلهي وإلهام رباني وتعليم نبوي، ولم نجد أحداً يقول : إنّه علم القرآن كله ، وإنّه قيمه إلا علياً وأولاده المعصومين سلام الله عليهم اجمعين فَهُم قيم القرآن وعارفوه .وفي رواية «الكافي» عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام إلى أن قال: وقلت للنّاس : تعلمون أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كان هو الحجة من الله على خلقه قالوا : بلی ، قلت : فحين مضى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من كان الحجة على خلقه ؟ فقالوا : القرآن، فنظرت فإذا هو يخاصم فيه المرجئي والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرّجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، فما قال فيه من شيء كان حقاً، فقلت لهم، من قيم القرآن؟ فقالوا : ابن مسعود قد كان يعلم ، وعمر يعلم، وحذيفة يعلم ، قلت : كله؟ قالوا: لا فلم أجد أحداً يقول : إنه يعرف ذلك كله إلا عليّاً صلوات الله عليه، وإذا كان الشيء بين القوم، فقال هذا : لا أدري ، وقال :هذا لا أدري ، وقال هذا : لا أدري وقال هذا : أنا أدري فاشهد أن علياً علیه السلام كان قيم القرآن ، وكان طاعته مفروضة ، وكان الحجة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ ما قال في القرآن فهو حق فقال علیه السلام رحمك الله (1.)وأما النقل فقد روي عن ابن عباس أنه كان ليلة من الليالي عند أمير المؤمنين علیه السلام وهو يفسّر فاتحة الكتاب، فرأى نفسه عنده كجرة عند بحر عظيم، وهو علیه السلام قال «لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب »(2)وفي «غاية المرام» عن محمد بن الحسن الصفار بإسناده عن الأصبغ بن نباتة، قال قال أمير المؤمنين علیه السلام:« لو كسرت لي وسادة فقعدت عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل الفرقان بفرقانهم بقضاء يصعد إلى الله يزهر والله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلا وقد علمت فيمن انزلت ، ولا أحد مرّ على رأسه الموسى إلا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله تسوق إلى الجنة أو إلى النار »،فقام إليه رجل، فقال يا أمير المؤمنين علیه السلام ما الآية التي نزلت فيك؟ قال علیه السلام له : «أما سمعت الله يقول :
«أَفَمَنْ كانَ عَلَى بَيِّنة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهد».فرسول الله صلی الله علیه واله وسلم على بينة من ربّه وأنا شاهد له فيه وأتلوه معه» (1.)وفي «غاية المرام» أيضاً عن الشيخ في «أماليه» بإسناده عن علي علیه السلام، قال : «سلوني عن كتاب الله، فوالله ما أنزلت آية من كتاب الله عزّ وجل في ليل أو نهار ولا مسير ولا مقام إلا وقد أقرأنيها رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وعلمني تأويلها »، فقام ابن الكوا، فقال يا أمير المؤمنين: فما كان ينزل عليه وأنت غائب عنه ؟ قال : «كان يحفظ على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا عنه غائب حتى أقدم عليه فيقرئنيه ويقول لي يا علي أنزل الله عليّ بعدك كذا وكذا، وتأويله كذا وكذا فيعلمني تأويله وتنزيله» (2.)وفي «البحار» عن «بصائر الدرجات» بإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبيه عن أبي الحسن الأول علیه السلام، قال : قلت له جعلت فداك : النبي صلی الله علیه واله وسلم وورث علم النبيين كلهم؟ قال لي : «نعم» قلت : من لدن آدم إلى أن انتهى إلى نفسه، قال: «نعم»، قلت ورثهم النبوة وما كان في آبائهم من النبوة والعلم ، قال : «ما بعث الله نبياً إلا وقد كان محمد صلی الله علیه واله وسلم أعلم منه »، قال : قلت : إنّ عيسى ابن مريم كان يحيى الموتى بإذن الله ، قال: «صدقت»، وسليمان بن داود كان يفهم كلام الطير ، قال : «وكان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقدر على هذه المنازل » ، فقال: «إن سلیمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشك في أمره :(مالی لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَابِينَ [النمل: 20] . وكان المردة والرّيح والنمل والناس والجن والشياطين له طائعين، وغضب عليه، فقال:
(لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَا أَنْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ [النمل: 21].
وإنّما غضب عليه لأنه كان يدله على الماء فهذا وهو طير قد أعطي ما لم يعط سليمان، وإنما أراد ليدله على الماء فهذا لم يعط سليمان وكانت المردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء، وكانت الطير تعرفه ، إن الله يقول في كتابه :
(وَلَوْ أَنَّ قُرْهَانَا سُيَرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلَّمَ بِهِ الْمَوْتَى) [الرعد: 31].
فقد ورثنا نحن هذا القرآن فعندنا ما تسير به الجبال وتقطع به البلدان ويحيى به الموتى بإذن الله ، ونحن نعرف ما تحت الهواء وإن كان في كتاب الله لآيات لا يراد بها أمر من الأمور التي أعطاها الله الماضين النّبيين والمرسلين إلا وقد جعله الله ذلك كله لنا في أم الكتاب، إن
الله تبارك وتعالى يقول :
(وما من غَابَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ (75﴾) [النمل: 75] ثم قال عزّ وجلّ : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [فاطر: 32]
فنحن الذين اصطفانا الله، فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كلّ شيء»(1)
وفي «الكافي» بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال :
(قالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا عَالِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَكَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ [النمل: 40] .
قال : ففرج أبو عبد الله علیه السلام بين أصابعه فوضعها في صدره، ثم قال : «وعندنا والله علم الكتاب كله »(2)
وفي تفسير علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن اذينة عن أبي عبد الله علیه السلام أيضاً قال : «الذي عنده علم الكتاب ، هو أمير المؤمنين علیه السلام »وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال علیه السلام: «ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر »(3).
وفي «غاية المرام» عن محمد بن الحسن الصفار بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : قد ولدني رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأنا أعلم كتاب الله، وفيه بدؤ الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة وفيه خبر السّماء وخبر الأرض وخبر الجنّة وخبر النار وخبر ما كان وخبر ما هو كائن ، أعلم ذلك كأنما أنظر إلى كفّي إنّ الله يقول:
(الكتب تبينا لِكُلِّ شَيْءٍ ) [النحل : 89] (4):
وقريب منه ما في «الكافي» بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : والله إنّي لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفي، فيه خبر السماء وخير الأرض وخبر ما كان وخير ما هو كائن ، قال الله عزّ وجلّ فيه تبيان كلّ شيء» (5)
قال بعض المحققين : قوله علیه السلام: «كأنه في كفّي تنبيه على أن علمه بما في الكتاب شهودي بسيط واحد بالذات متعلّق بالجميع، كما أن رؤية ما في الكف رؤية واحدة متعلقة بجميع أجزائه، والتعدد إنّما هو بحسب الإعتبار.
وقوله علیه السلام: «فيه خبر السماء» يعني من أحوال الأفلاك وحركاتها وأحوال الملائكة ودرجاتها وحركات الكواكب ومداراتها ومنافع تلك الحركات وتأثيراتها إلى غير ذلك من الأمور الكائنة في العلويات والمنافع المتعلقة بالفلكيات.
وقوله علیه السلام: «وخبر الأرض» يعني من جوهرها وإنتهائها وما في جوفها وأرجائها وما في تحتها وأهوائها وما فيها من المعدنيات وما تحت الفلك من البسائط والمركبات التي يتحير في إدراك نبذ منها عقول البشر، ويتحير دون بلوغ أدنى مراتبها ظاهر الفكر والنظر.
وقوله علیه السلام: «وخبر ما كان وخير ما هو كائن » أي من أخبار السابقين وأخبار اللاحقين كلياتها وجزئياتها وأحوال الجنة ومقاماتها وتفاوت مراتبها ودرجاتها وأخبار المشاب فيها بالإنقياد والطاعة والمأجور فيها بالعبادة والزهادة وأهوال النّار ودركاتها وأحوال مراتب العقوبة ومصيباتها، وتفاوت مراتب البرزخ في النور والظلمة، وتفاوت أحوال الخلق فيه بالراحة والشدة، كلّ ذلك بدليل قوله : فيه تبيان كل شيء، أي كشفه وإيضاحه فلا سبيل إلى إنكاره .
إعلم أنه قد وردت الأخبار المتظافرة في النهي عن تفسير القرآن بالرأي .
منها ما في «مجمع البيان »، قال : إعلم أن الخبر قد صح عن النبي والأئمة القائمين
مقامه أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح والنص الصريح ، قال : وروی العامة أنه صلی الله علیه واله وسلم قال : « من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ» (1).
ومنها ما عن تفسير العياشي عن أبي عبد الله علیه السلام، قال « من فسّر القرآن إن أصاب لم يوجر، وإن أخطأ سقط أبعد من السماء» (2).
ومنها ما عن الرّضا عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : قال الله عزّ وجلّ في الحديث القدسي ما آمن بي من فسّر كلامي برأيه، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من استعمل القياس في ديني »(3).
ومنها ما رواه في «الكافي » عن زيد الشحام في حديث قتادة مع أبي جعفر علیه السلام قال : فقال أبو جعفر علیه السلام : ويحك يا قتادة إن كنت إنما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت إنّما أخذته من الرّجال فقد هلكت وأهلكت إلى أن قال: فقال أبو جعفر علیه السلام ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به » (1)
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ طائفة من متأخري أصحابنا وهم الأخباريون قالوا : بعدم جواز إستنباط حكم من الأحكام من القرآن وعدم جواز الإستدلال به على شيء من المسائل إلا بعد صدور بيانه من الأئمة عليهم السّلام، متمسكاً بالأخبار المذكورة ، وبأدلة أخرى إستدلوا بها على مذهبهم في محالها، وقد خالفوا في ذلك جميع المجتهدين، لإتفاقهم على جواز العمل بمحكمات الكتاب نضاً كان أو ظاهراً وإستدلوا عليه بأدلة وافية وبراهين شافية تعرّضوا لها في علم الأصول، ولا حاجة لنا في المقام إلى إشباع الكلام في هذه المسألة، وإنّما مقصودنا تحقيق معنى الأخبار المذكورة ليتضح المراد بها ويظهر أيضاً عدم دلالتها على ما رامه الأخبارية.
فنقول : إن التفسير مأخوذة من الفسر وهو كشف الستر عن المستور، يقال: فسّر الشيء فسراً إذا كشف عن غطائه، وقد يقال : إنّه كشف المراد عن اللفظ المشكل، وفي «الأوقيانوس » انه في عرف المفسرين مرادف للتأويل وفي «المصباح» فسرت الشيء فسراً من باب ضرب بينته وأوضحته ، وعن «الصحاح الفسر البيان»، وقد فسرت الشيء أفسره بالكسر فسراً والتفسير مثله .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه إن أريد بالتفسير المذكور في الأخبار المعنيان الأولان . فلا يكون فيها دلالة على المنع عن العمل بالظواهر وبالنصوص بطريق أولى ، لظهور أن التفسير على المعنيين المذكورين إنّما يكون في الألفاظ التي معانيها خفية مستورة ، والألفاظ التي معانيها مشكلة كالمجملات والمتشابهات ، ولا ريب أن المعاني الظاهرة من الألفاظ بنفسها لا سترة عليها حتى تحتاج إلى الكشف، ولا إشكال فيها حتّى تحتاج إلى الفسر .
وأما على القول بكونه مرادفاً للتأويل فكذلك، إذ نحن لا ننكر عدم جواز تأويل ما
يحتاج إلى التأويل من تلقاء النفس ونعترف بانحصار علم المتشابهات المحتاجة إليه في الأئمة عليهم السلام، لقوله تعالى :
( وما يعلم تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران : 7] .
ولكن أين ذلك من إتباع المحكمات من العمل بالظواهر، نعم على القول بأن معناه
1) الكافي: 312/8
البيان والإيضاح كما حكيناه عن «المصباح» و «الصحاح» يكون للإستدلال بالأخبار المذكورة وجه ، لعدم إختصاص التفسير على ذلك المعنى بالألفاظ المجملة والمتشابهة إلا أن يقال: إن المراد بالرأي في الأخبار المذكورة هو الإعتبار العقلي الظني الراجع إلى الإستحسان، فالمراد التفسير بالرأي حمل اللفظ على خلاف ظاهره أو أحد إحتماليه ، لرجحان ذلك في نظره القاصر، فلا يشمل حمل ظواهر الكتاب على معانيها اللغوية والعرفية الظاهرة، فالمقصود بهذه الرّوايات ذمّ المخالفين وطردهم من حيث استغنائهم بآرائهم الفاسدة عن مراجعة أهل البيت عليهم السلام، ويشعر بذلك ما قاله سبحانه : في الحديث القدسي السالف : (وما على ديني : من استعمل القياس في ديني ) ويرشد إليه ما روي عن الصادق علیه السلام ، قال في حديث طويل :« هلك الناس في المتشابه»، لأنهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم فاستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء، ويمكن أن يراد بالرأي الهوى وميل الطبع .
توضيحه ما ذكره الغزالي في «إحياء العلوم »وهو أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأوّل القرآن على وفق رأيه وهواه ليحتج على تصحيح غرضه ، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى فكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا تارة يكون مع العلم ، كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبس به على خصمه وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول قال الله عزّ وجلّ :
(اذهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه : 24] .
ويشير إلى قلبه ويوميء إلى أنه المراد بفرعون، وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة ، تحسيناً للكلام وترغيباً للمستمع، وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعاً أنها غير مرادة به ، انتهى ملخصاً.
وقد ظهر واتضح ممّا ذكرنا كله أن الأخبار المأثورة لا تنهض دليلاً على المنع من
إستنباط الأحكام من الظواهر ومحكمات الكتاب ، ولا على المنع من العمل بها إلا بعدالسماع والنقل كيف وقد مدح الله سبحانه المستنبطين بقوله : لعلمه الذين يستنبطونه، ووردت الأخبار المتواترة بعرض الأخبار المتعارضة على كتاب الله وأخذ الموافق له وطرح المخالف، فتدل على أن الكتاب حجة ومعروض عليه، ولو لم يصح فهم معناه إلا بالنص كيف يمكن العرض عليه وهو غير مفهوم المعنى، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى حواشينا على قوانين الأصول، هذا.
وقد بقي في المقام بعض أبحاث قرآنية من تواتره وتواتر قراءات السبع وفضائله وفضائل قراءته وسماعه والنظر فيه وغير ذلك من المباحث الشريفة النفيسة ، إلا أنا طوينا عنها كشحاً الخوف الإطالة والأطناب، ولعلنا نشير إلى بعضها في المقام المناسب، والله الموفق والمعين .
پس اختیار کرد و برگزید خداوند سبحانه و تعالی به جهت محمد خاتم الانبياء صلوات الله عليه و آله ملاقات روحانی او را و پسندید از برای او آن چیزی را که نزد او است ، پس اکرام فرمود و عزیز شمرد او را از ماندن دار دنیای فانی و صرف فرمود و بگردانید میل او را از اقامت مقام بلاد محنت ، پس قبض فرمود روح شریف او را به سوی خود در حالتی که عزیز و شریف بود و خلیفه گذاشت آن حضرت بعد از خود در میان شما مثل آن چیزی که خلیفه گذاشتند پیغمبران در میان امتان خود ، زیرا که ترک نکردند ایشان امتان را سر خود و واگذاشته بی راه روشن و بدون علامت و نشانه ثابت که عبارت است (آنخلیفه گذاشته شده ) از کتاب پروردگار شما در حالتی که بیان کننده بود آن حضرت حلال آن را و حرام آن را و فضیلتهای آن را که مندوبات است و فریضههای آن را که واجبات است و نسخ کننده آن را و نسخ کرده شده آن را و رخصتهای آن را که در حال ضرورت اذن داده شده و عزیمتهای آن را که در هیچ حال اذن مخالفت آنها داده نشده و خاصهای آن را و عامهای آن را و عبرتهای آن را و مثل های آن را و مطلقات آن را و مقیدات آن را و محکمات آن را که واضح الدلالة هستند و متشابهات آن را که غیر واضح الدلالة باشند در حالتی که آن حضرت تفسیر کننده بود مجملهای آن را و بیان کننده بود مشکلهای آن را و در حالتی که آن کتاب میان چیزی است که اخذ کرده شده است پیمان دانستن آن و میان چیزی
است که وسعت داده شده بر بندگان در جهالت آن و دیگر میان آن چیزی است که ثبت شده است در کتاب فرض و وجوب آن و دانسته شده است در سنت نبوی نسخ آن و دیگر میان آن چیزی است که واجب است در سنت اخذ و فراگرفتن آن و اذن و رخصت داده شده است در آن کتاب ترک نمودن آن و دیگر مسایل آن چیزی است که واجب است در وقت خود و زایل است در زمان استقبال خود و دیگر میان حکمی است که جدا شده است میان محرّمات خود با شدت و ضعف که آن محرمات عبارت است از کبیری که وعده داده است بر آن آتش سوزان خود را و از صغیری که آماده و مهیا فرموده است به جهت آن رحمت و غفران خود را و دیگر میان چیزی است که مقبول است در مرتبه ادنای خود و موسع است یعنی وسعت داده شده در مرتبه اعلای خود .
«منها وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةَ لِلأَنَامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الأَنْعام، وَيَأْلِهُونَ إِلَيْهِ وَلُوهَ الْحَمامِ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلامَةٌ لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمّاعاً أَجَابُوا لَهُ دَعْوَتَهُ وَصَدَّقُوا لَهُ كَلِمَتَهُ ، وَوَقَفُوا مَواقِفَ أنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا مَلائِكَتَهُ الْمُطيفينَ بِعَرْشِهِ ، يُحْرِزُونَ الأَرْبَاحَ في مَتْجَرِ عِبَادَتِهِ، وَيَتَبادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ، جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ لِلإِسْلَام عَلَمَا، وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً ، فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
(الحج) بالفتح والكسر هو القصد وفي لسان الشرع أو المتشرعة قصد بيت الله الحرام تقرباً إليه سبحانه بأفعال مخصوصة في زمان مخصوص في مواطن مخصوصة ، وفي «المصباح» حج حجاً من باب قتل قصد والإسم الحج بالكسر و(الورود) هو الدخول في الماء للشرب منه (يألهون ) إليه من (1)يوله من باب ضرب ومنع وحسب إذا ذهب عقله من فرح أو حزن، ومعنى يألهون إليه يشتد شوقهم إليه حتى تكاد تذهب عقولهم من شدة الإشتياق و(الولوه) بالضم مصدر (وَلَة يوله) من الباب الرابع مثل الولوغ من ولغ يولغ، أو مصدر (وله يوله ) من الباب السادس مثل الولوغ أيضاً من ولغ يولغ أو مصدر (وله يوله) من الباب الثاني مثل الرجوع من رجع يرجع أو بالفتح ، مصدر وله يوله من الباب الرابع أيضاً مثل الولوع من ولع يولع ، وعلى جميع الإحتمالات فالهمزة في يألهون مقلوبة من الواو.
وبما ذكرنا ظهر فساد ما توهمه الشارح المعتزلي حيث إنه بعد ضبطه في المتن (يولهون إليه وله الحمام) (ا ه) قال : الوله شدّة الوجد حتى يكاد العقل يذهب، وله الرّجل يوله ولها، ومن روى يألهون إليه ولوه الحمام فسّره بشيء آخر، وهو يعكفون عليه عكوف الحمام ، وأصل أله عبد، ومنه الإله أي المعبود ، ولما كان العكوف على الشيء كالعبادة الملازمة له والإنقطاع إليه ، يقال : أله فلان إلى كذا أي عكف عليه كانه يعبده .
ثم قال: ولا يجوز أن يقال : يألهون إليه في هذا الموضع بمعنى يولهون، وأن أصل الهمزة الواو كما فسره الراوندي لأن فعولاً لا يجوز أن يكون مصدراً من فعلت بالكسر ، ولو كان يألهون هو يولهون كان أصله أله بالكسر فلم يجز أن يقول : (ولوه الحمام )، وأما على ما فسرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدراً، لأن الآله مفتوح، فصار كقولك : دخل
1) الوله : محركة الحزن أو ذهاب العقل حزناً.
دخولاً، انتهى .
وجه ظهور الفساد أولاً أن المضبوط من كلامه علیه السلام في النسخ المتعددة يألهون إليه ولوه الحمام ولم نعثر بعد على ما ضبطه الشارح أعني يولهون إليه وله الحمام في شيء من النسخ، ولعله غير كلامه لما زعم من عدم مطابقته للقواعد الصّرفية مع أنّ ذلك الزعم فاسد حسيما تعرفه بعيد، هذا
وثانياً : أنّ ما ذكره من عدم مجيء فعول مصدراً من فعل بالكسر لا يعرفه وجه له بل اللغة يشهد بخلافه على ما يظهر من الكتب المدوّنة فيها، حيث إنّ المتحصل منها أنّ فعولاً بضم (الفاء) قد يجيء مصدراً من فعل مفتوح (العين)، سواء كان مضارعه يفعل بالفتح أيضاً كالركوع والرنوع والولوغ والهبوغ (بالغين ) المعجمة في الأخيرين ، أو يفعل بالضم كالسجود والبلوغ والقعود والدخول ، أو يفعل بالكسر كالرجوع، وقد يكون مصدراً من فعل مكسور (العين) سواء كان مضارعه يفعل بالكسر كالولوع أيضاً أو بالفتح كالولوغ أيضاً، وقد ذكروا أن الفعول أيضاً بفتح الفاء قد يكون مصدراً من فعل بكسر العين كالولوع بالعين المهملة .
وثالثاً: أن ما ذكره أخيراً من قوله : وأمّا على ما فسرناه نحن فلا يمتنع أن يكون الولوه مصدراً لأن أله مفتوح فصار كقولك دخل دخولاً.
فيه أولاً أنّه لم يسبق منه تفسير في ذلك، وإنما روى تفسيراً من غيره بقوله ومن روى يألهون (ا ه) فسّره هكذا ، فقوله : وأما على ما فسرناه نحن غير خال عن السماجة .
وثانياً بعد الإغماض والحمل على التسامح اللفظي أن التفسير المذكور لا يصحح ما ذكره، إذ الهمزة في أله بمعنى عبد أصلية وليست مقلوبة من الواو ، فكيف يكون الولوه مصدراً له، وإنما مصدره الاهة وألوهة حسبما مرّ في تفسير لفظ الجلالة في صدر الخطبة .
وثالثاً أنّ ظاهر تمثيله بقوله : دخل دخولاً، يشعر يكون أله من هذا الباب أيضاً أي من باب فعل يفعل يفتح عين الماضي حسبما صرح به نفسه أيضاً وضمّ عين المضارع مع أن اللغويين صرحوا بأن أله بمعنى عبد من باب فعل يفعل كفرح يفرح (والسماع) لم أجده في كتب اللغة ولعلّة بضم السين وتشديد الميم، جمع سامع كشمار جمع سامر وهكذا ضبطه الشارح البحراني (ويحرزون الأرباح ) من قولهم أحرزت الشيء إحرازاً ضممته، ومنه قولهم: أحرز قصب السبق إذا سبق إليها فضمها دون غيره و(التبادر) هو التسارع، ويتعدى (بإلى) كما أنّ التسارع كذلك يقال : سارعوا إليه وتسارعوا و(العائدين) جمع عائذ بالياء المثناة والدَّال المعجمة والدال المهملة والأول أقرب و(الوفادة) كالإفادة بقلب الواو همزة والوفد والوفود مصدر وفد كضرب يقال : وفد إلى الأمير وعليه وفداً ووفوداً ووفادة وإفادة إذا قدم وورد، وفي الحديث حق الصلاة أن تعلم أنها وفادة إلى الله، أي قدوم إليه طلباً لفضله .
جملة ( يردونه) في محلّ النصب على الحالية (والورود والولوه ) منتصبان على المصدرية مجازاً، أي وروداً مثل ورود الأنعام ، وولوها مثل ورود «ولوه ظ» الحمام، ومواقف مفعول فيه، وموعد منصوب بنزع الخافض أي إلى (موعد) مغفرته ويحتمل الإنتصاب على المفعول فيكون المعنى أنهم يتسارعون عند الحج لوعد المغفرة، ومن إستطاع في محل الجز بدل من الناس بدل بعض من الكل والربط في الجملة الخبرية أعني قوله : فإنّ الله غني عن العالمين، العموم فيها الشامل للمبتدأ إذ العالمين شامل لمن كفر وغيره ومثله قوله :
(وَالَّذِينَ يُمَتِكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ [الأعراف : 170 ] .
قال الرّضي (رحمت الله ) (ومنها ذكر الحج) إعلم أن فاتحة كلامه علیه السلام في هذا الفصل كخاتمته مشتملة على ذكر وجوب الحج وفرضه ، وتالي الفاتحة ومتلوّ الخاتمة متطابقان في وصف البيت الحرام والواسطة بينهما واردة في أوصاف الحجاج الكرام ومدايحهم والثناء لهم ، فهو من أبلغ الكلام على أحسن نظام .
قال علیه السلام : «وفرض عليكم حجّ بيته الحرام أما فرض الحج ووجوبه فقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين بل الضرورة من دين الإسلام حسبما يأتي في آخر الفصل إنشاء الله .
وأما البيت الحرام فهو أوّل بيت وضع للناس مباركاً وهدي للعالمين، وموضعه أوّل بقعة خلقت من الأرض خلقها الله سبحانه من زبد الماء ودحى الأرض من تحتها واختارها على أجزائها وجعلها مطاف الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين والعباد الصالحين، كيف لا وقد بناه الخليل بأمر الجليل والمهندس جبرائيل والتلميذ إسماعيل كما قال :
(وإذ بوانا لإبراهيم مكان البيت أَن لَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا وَطَهِرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج : 26] .
وينبغي التعرض في المقام لأصل بناء البيت ومبناه ولبعض المشاعر والمناسك والإشارة إلى جهة توصيف البيت بالحرام فالبحث في مقاصد ثلاثة .
إعلم أنّ موضع البيت حسبما أشير إليه هو أول جزء من أجزاء الأرض في عالم الخلق كما روي في الفقيه عن أبي جعفر علیه السلام: « لما أراد الله أن يخلق الأرض أمر الرياح الأربع
فضربن بهن الماء حتى صار موجاً، ثم أزيد فصار زبداً واحداً، فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلاً من زبد، ثمّ دحى الأرض من تحته، وهو قول الله :
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكًا ﴾ [آل عمران: 96]
فأول بقعة خلقت من الأرض الكعبة ثم بدت الأرض منها ».
وأما البناء الأصلي ففي رواية الفقيه عن علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام أنه قال : « في خمسة وعشرين من ذي القعدة أنزل الله عزّ وجلّ الكعبة البيت الحرام، فمن صام ذلك اليوم كان كفارة سبعين سنة، وهو أول يوم أنزلت فيه الرّحمة من السماء على آدم علیه السلام».(1)
وفي رواية أخرى فيه أيضاً عن أبي خديجة ، عن أبي عبد الله علیه السلام «أنّ الله عز وجل أنزله لآدم من الجنّة وكان درّة بيضاء فرفعه الله عزّ وجلّ إلى السماء وبقي أساسه وهو يحيال هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يرجعون إليه أبداً، فأمر الله عزّ وجلّ إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام ببنيان البيت على القواعد» (2).
وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق علیه السلام في رواية طويلة ، قال علیه السلام : «فلما بلغ يعني إسماعيل مبلغ الرّجال أمر الله تعالى إبراهيم علیه السلام أن يبني البيت، فقال: يا ربّ في أتي بقعة ؟ فقال : في البقعة التي أنزلت على آدم القبة، فأضاء لها الحرم، فلم تزل القبة التي أنزلها الله على آدم قائمة حتى كان أيام الطوفان أيام نوح علیه السلام فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة وغرقت الدنيا إلا موضع البيت فسميت البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق، فلما أمر الله إبراهيم أن يبني البيت لم يدر في أي مكان يبنيه ، بعث الله جبرئيل فخط له موضع البيت فأنزل الله عليها القواعد من الجنّة، ولما كان الحجر الذي أنزل الله على آدم أشد بياضاً من الثلج، فلما مسته أيدي الكفّار اسود فبنى إبراهيم البيت ونقل إسماعيل الحجر من ذي طوى فرفعه إلى السماء تسعة أذرع ثم دله على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم ووضعه في موضعه الحديث » (3).
أقول : المستفاد من هاتين الروايتين ومن بعض الزوايات الآتية في المقصد الثاني أنّ أصل البناء كان في زمن آدم ، ويطابقهما بعض الزوايات الذالة على أنّ أوّل البناء كان من آدم ، ثم انطمس في زمان نوح فبناه إبراهيم، ثم بناه العمالقة ، ثم قريش، ثم الحجّاج اللعين .
وفي رواية أبي بصير المروية في «الفقيه» عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن آدم هو الذي
بنى البنية ووضع أساسه وأوّل من كساه الشعر وأول من حج » إليه الحديث (1).
إلا أنّ المستفاد من بعض الروايات الآخر أنه كان قبل آدم هناك بيت يسمّى بيت الضراح كان يطوف به الملائكة، فلما هبط آدم إلى الأرض أمر بطوافه .
ويؤيده ما رواه الصدوق عن بكير بن أعين عن أخيه زرارة ، قال : قلت أبي عبد الله علیه السلام : جعلني الله فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاماً فتفتيني، فقال: «يا زرارة بيت يحج قبل آدم بألفي عام تريد أن يفتي مسائله في أربعين عاماً، وسيأتي إنشاء الله عند شرح قوله : ووقفوا مواقف أنبيائه، في حديث حج آدم ما يفيد ذلك أيضاً (2)
ووجه الجمع بين هذه الروايات والروايات الأولى غير خفية على أهل المعرفة .
في الإشارة إلى بعض المشاعر العظام كالحجر والمقام، وهما من الآيات التي أشير إليها في قوله تعالى : (وفِيهِ ايَتُ بينت )[ آل عمران: 97] .
أما الحجر : فقد أودع الله فيه مواثيق الخلق، قال الصدوق في «الفقيه» وإنما يقبل الحجر ويستلم ليؤدي إلى الله العهد الذي أخذ عليهم في الميثاق، وإنّما وضع الحجر في الركن الذي هو فيه ولم يضعه في غيره، لأنه تعالى حين أخذ الميثاق أخذه في ذلك المكان، وجرت السنة بالتكبير وإستقبال الركن الذي فيه الحجر من الصفا ، لأنه لما نظر آدم وقد وضع الحجر في الرّكن كبر الله وهلله ومجده، وإنما جعل الميثاق في الحجر لأنّ الله لما أخذ الميثاق له بالربوبية ولمحمد صلی الله علیه واله وسلم بالنبوة ولعلي علیه السلام بالوصية، اصطكت فرائص الملائكة، وأوّل من أسرع إلى الإقرار بذلك الحجر، فلذلك اختار الله وألقمه الميثاق وهو يجيء يوم القيامة وله لسان ناطق وعين ناظرة يشهد لكلّ من وافاه إلى ذلك المكان وحفظ الميثاق، وإنّما اخرج الحجر من الجنة ليذكر آدم ما نسى من العهد والميثاق، انتهى .
وتفصيل ما ذكره هنا وسنده ما رواه في «علل الشرائع » بإسناده عن بكير بن أعين، قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام :« هل تدري ما كان الحجر» ؟ قال : قلت : لا قال: «كان ملكاً عظيماً عظماء الملائكة عند الله عزّ وجلّ، فلما أخذ الله من الملائكة الميثاق، كان أوّل من آمن به وأقرّ لذلك ذلك الملك فاتخذه الله أميناً على جميع خلقه فألقمه الميثاق وأودعه عنده واستعبد الخلق أن يجدّدوا عنده في كلّ سنة الإقرار بالميثاق والعهد الذي أخذه الله عليهم، ثم جعله الله
مع آدم في الجنة يذكر الميثاق ويجدّد عند الإقرار في كل سنة» .
«فلما عصى آدم فاخرج من الجنة أنساه الله العهد والميثاق الذي أخذ الله عليه وعلى ولده لمحمد ووصيه صلوات الله وسلامه عليهما وجعله باهتاً حيراناً، فلما تاب على آدم حوّل ذلك الملك في صورة درة بيضاء ، فرماه من الجنّة إلى آدم وهو بأرض الهند ، فلما رآه آنس إليه وهو لا يعرفه بأكثر من أنّه جوهرة، فأنطقه الله عزّ وجلّ ، فقال : يا آدم أتعرفني؟ قال: لا قال : أجل إستحوذ عليك الشيطان فأنساك ذكر ربك، وتحوّل إلى الصورة التي كان بها في الجنة مع آدم ».
«فقال لآدم : أين العهد والميثاق؟ فوثب إليه آدم وبكى ذكر الميثاق وبكى وخضع له وقبله وجدّد الإقرار بالعهد والميثاق، ثم حوّل الله عزّ وجلّ جوهر الحجر درة بيضاء يضيء، فحمله آدم على عاتقه إجلالاً له وتعظيماً، فكان إذا أعيا حمله جبرئيل علیه السلام حتى وافی به مكّة، فما زال يأنس به بمكة ويجدد الإقرار له كل يوم وليلة، ثم إن الله عزّ وجلّ لما أهبط جبرئيل إلى أرضه وبنى الكعبة هبط إلى ذلك المكان بين الركن والمقام والباب، وفي ذلك المكان ترأى لآدم حين أخذ الميثاق ، وفي ذلك الموضع ألقم الملك الميثاق، فبتلك العلة وضع في ذلك الرّكن ونحى آدم من مكان البيت إلى الصفا وحواء إلى المروة، وجعل الحجر في الرّكن فكبر الله وهلله ومجده، فلذلك جرت السنة بالتكبير في إستقبال الزكن الذي فيه الحجر من الصفا».
وإن الله عزّ وجلّ أودعه العهد والميثاق وألقمه إياه دون غيره من الملائكة لأنّ الله عزّ وجلّ لما أخذ الميثاق له بالربوبية ولمحمد صلی الله علیه واله وسلم بالنبوة ولعلي علیه السلام بالوصية إصطكت فرائص الملائكة، وأوّل من أسرع إلى الإقرار بذلك ذلك الملك، ولم يكن فيهم أشدّ حبّاً لمحمد وآل محمّد عليهم السلام منه ، فلذلك اختاره الله عز وجل من بينهم وألقمه الميثاق فهو يجيء يوم القيامة وله لسان ناطق وعين ناظرة يشهد لكل من وافاه إلى ذلك المكان وحفظ الميثاق (1).
أقول : كان علمه مقتبساً من نور النبوة والوحي الإلهي يعلم سرّ إستلام الحجر
من وتقبيله وأن أداء الأمانة عنده من جهة إختصاصه بالتقدم إلى الولاية من بين الملائكة، ويعرف أنّه يؤدي الموافاة يوم القيامة وأما من أضل الله وأعمى قلبه فلا يظنه إلا حجراً لا يضر ولا ينفع.
كما روي الفخر الرازي عن عمر بن الخطاب أنّه انتهى إلى الحجر الأسود فقال : إنّي
لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع وأنّ الله ربّي، ولولا أني رأيت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقبلك ما قبلتك .
1) علل الشرائع : 431/2 .
وزاد الغزالي قال: ثم بكى حتى علا نشيجه فالتفت إلى ورائه فرأى عليّاً كرم الله ورضي الله عنه ، فقال : يا أبا الحسن هيهنا تسكب العبرات وتستجاب الدعوات، فقال علي:« بل هو يضر وينفع»، قال : وكيف؟ قال:« إنّ الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتاباً ثم ألقمه هذا الحجر فهو يشهد للمؤمن بالوفا ويشهد على الكافر بالجحود »انتهى (1).
أقول: كما يمكن أن يكون قوله : إنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، من باب الجهالة ولا
غرو فيها، لما ستطلع عليه إنشاء الله في تضاعيف ذلك الكتاب بجهالاته التي أعظم من هذه ، كذلك يمكن أن يكون من باب التجاهل باقتضاء خبثه الباطني ونفاقه الغريزي، هذا.
وفي بعض الأخبار: أنّ الحجر لا يستقر مكانه إلا أن يضعه نبي أو إمام مرّ أنّ أوّل وضعه في موضعه كان من آدم ، ثم من إبراهيم، حيث إنّه لما بنى البيت وانتهى إلى موضع الحجر ناداه أبو قبيس : يا إبراهيم إنّ لك عندي وديعة ، فأعطاه الحجر فوضعه موضعه ، رواه في «الفقيه».
وعندما هدمت قريش الكعبة من جهة السيل الذي كان يأتيهم من أعلى مكة فيدخلها وانصدعت، ووضعه النبي صلی الله علیه واله وسلم موضعه
وعندما هدمها الحجاج على ابن الزبير ثم بناها وفرغ من بنائها سأل علي بن الحسين عليهما السّلام أن يضعه في موضعه فأخذ ووضعه موضعه .
وفي زمن القرامطة الإسماعيلية خذلهم الله ولعنهم حيثما نقلوا الحجر إلى مسجد الكوفة ثم ردّ إلى مكة فوضعه الإمام صاحب العصر عجل الله فرجه موضعه ، وكان ذلك في الغيبة الكبرى، كلّ ذلك رويناه عن الأخبار الصحيحة.
وفي «الفقيه »: وكان أشد بياضاً من اللبن فاسود من خطايا بني آدم، ولولا ما مته من أرجاس الجاهلية ما منه ذو عاهة إلا برء ، وفي رواية عليّ بن إبراهيم القمي وكان الحجر الذي أنزله الله على آدم أشد بياضاً من الثلج فلمّا مسته أيدي الكفّار اسود.
وأما المقام فهو من أعظم الأعلام، قال في «الفقيه »: قال زرارة بن أعين لأبي جعفر علیه السلام: قد أدركت الحسين علیه السلام قال : «نعم ، اذكروا أنا معه في المسجد الحرام وقد دخل فيه السّيل والناس يقومون على المقام يخرج الخارج ويقول : قد ذهب به السيل ويدخل الداخل ويقول : مكانه ، قال : فقال يا فلان ما يصنع هؤلاء؟ فقلت : أصلحك الله يخافون أن
1) مناقب آل أبي طالب : 185/2
يكون قد ذهب بالمقام ، قال : إن الله عزّ وجل جعله علماً لم يكن ليذهب به فاستقروا وكان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم عند جدار البيت، فلم يزل هناك حتّى حوّله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم، فلما فتح النبي صلی الله علیه واله وسلم مكة رذه إلى الموضع الذي وضعه إبراهيم علیه السلام فلم يزل هناك إلى أن ولى عمر ، قال للناس : من فيكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟ فقال له رجل : أنا كنت قد أخذت مقداره بنسع فهو عندي قال : ائتني به ، فأتاه فقاسه ثم ردّه إلى ذلك المكان، هذا (1).
ولكون المقام من المشاعر العظام وأعظم البينات والأعلام خص بالذكر في القرآن
وطوى ذكر غيره، قال تعالى :
(فِيهِ دَايَتُ بَيْنَتُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [آل عمران : 97] .
وفيه أثر قدم إبراهيم ، وسبب هذا الأثر أنّه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة، فغاصت فيه قدماه .
وقيل : إنه لما جاء زائراً من الشام إلى مكة وكان قد عهد لامرأته أن لا تنزل بمكة حتى يرجع، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل أو امرأة إسماعيل: إنزل حتى تغسل رأسك، فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه ، ثم حولته إلى الجانب الأيسر حتى غسلت الجانب الآخر .
وغير خفي أنّ تأثر الصخرة الصماء وغوص قدمه فيها إلى الكعبين وبقائها في ألوف من السنين مع كثرة الأعداء الأعداء من اليهود والنصارى والملحدين ، من أعظم آيات التوحيد وأظهر براهين التفريد.
فی علة وصف البيت بالحرام والإشارة إلى بعض أسمائه :
أنه أمّا الأَوّل: فلما قال في «الفقيه » من حرم على المشركين أن يدخلوه ، ويحتمل أن يكون ذلك من جهة أنّه حرام فيه ما هو حلال في غيره من البيوت كالجماع والملابسة لشيء من الأقذار ، أو أنه حرام دخوله من غير إحرام قال في «الفقيه » : وحرم المسجد لعلّة الكعبة، وحرم الحرام لعلة المسجد، ووجب الإحرام لعلة الحرم، وقال رسول الله حرم مكة يوم فتح مكة: « إنّ خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد من بعدي ولم تحلّ لي إلا ساعة من النّهار» . (2)
وأما وصفه بالعتيق في قوله :
(وَلْيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29] .
فإما من جهة أنّه عتيق من الناس لم يملكه أحد غيره تعالى ، وإما أنه عتيق وقديم وقد بينا في المقصد الأوّل أنّه كان قبل آدم ، وإما أنه عتيق من الغرق والطوفان حيث رفع إلى السماء في طوفان نوح، وإما أنه من عتق الطائر إذا قوى في وكره فلما بلغ في القوّة إلى حيث أن قصد قاصد تخريبه أهلكه الله سمّى عتيقاً .
وأما الثاني : ففي الصافي عن الخصال عن الصادق علیه السلام: «أسماء مكة خمسة : أمّ القرى، ومكة ، وبكة، والبساسة إذا ظلموا بها بستهم أي أخرجتهم وأهلكتهم وأم رحم كانوا إذا ألزموها رحموا» (1)
ثم إنه علیه السلام بعد وصفه البيت بالحرام وصفه بأنه (الذي يجعله قبلة للأنام )وهذه العبارة صريحة في أنّ القبلة هي نفس البيت لجميع الخلق ، ولما لم يتمكن النائي من تحصيل التوجه إلى العين اكتفى في حقه بمراعاة الجهة ، وهو مذهب المتأخرين من أصحابنا، خلافاً للمتقدمين حيث ذهبوا إلى أن البيت قبلة للمسجد والمسجد لأهل الحرم والحرم لمن في الدنيا، والتفصيل في الفقه وكونه قبلة للأنام صريح الكتاب مضافاً إلى السنة والإجماع، قال تعالى :
(قد نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَة [البقرة: 144] .
قال الصدوق في الفقيه : وصلّى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وتسعة عشر شهراً بالمدينة ثم عيرته اليهود ، فقالوا له : إنّك تابع لقبلتنا، فاغتم لذلك غمّاً شديداً فلما كان في بعض الليل خرج صلی الله علیه واله وسلم يقلب وجهه في آفاق السماء فلما أصبح صلى الغداة، فلما صلى من الظهر ركعتين جاءه جبريل فقال له : قد نرى تقلب وجهك في السماء الأية ، ثم أخذ بيد النبي صلی الله علیه واله وسلم فحول وجهه إلى الكعبة وحوّل من وجوههم حتّى قام الرّجال مقام النساء والنساء مقام الرجال، فكان أوّل صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة وبلغ الخبر مسجداً بالمدينة وقد صلى أهله من العصر ركعتين، فحوّلوا نحو الكعبة فكان أول صلاتهم إلى بيت المقدّس وآخرها إلى الكعبة، فسمّى ذلك المسجد مسجد القبلتين، فقال المسلمون صلاتنا إلى بيت المقدس أتضيع يا رسول الله؟ فأنزل الله تعالى:
(وما كان الله ليضيع إيمَنكُمْ ﴾ [البقرة : 143]
1) تفسير الصافي : 357/1 .
أي صلاتكم إلى بيت المقدس، قال الصدوق : وقد أخرجت الخبر في ذلك على وجهه في كتاب النبوة (1)
وفي «الإحتجاج» للطبرسي قال أبو محمد الحسن العسكري صلوات الله عليه : «لما كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بمكة أمره الله عزّ وجلّ أن يتوجه نحو البيت المقدس في صلاته ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن وإذا لم يمكن استقبل بيت المقدس كيف كان ، وكان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاث عشرة سنة، فلما كان بالمدينة وكان متعبداً باستقبال بيت المقدس إستقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً وجعل قوم من مردة اليهود يقولون : والله ما يدري كيف محمّد يصلي حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ويأخذ بهدينا، فاشتد ذلك على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لما اتصل به عنهم وكره قبلتهم وأحب الكعبة، فجاءه جبرئيل فقال له رسول الله : يا جبرئيل لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس إلى الكعبة، فقد تأذيت بما اتصل إلي من قبل اليهود من قبلتهم فقال جبرئيل : فاسأل ربك أن يحولك إليها فإنه لا يردّك عن طلبتك ولا يخيبك عن بغيتك، فلما استتم دعائه صعد جبرئيل ثم عاد من ساعته فقال اقرأ يا محمد :
(قدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ ﴾ [البقرة: 144] الآية، فقال اليهود عند ذلك : مَا وَلَنَهُمْ عَن قبلهم التي كانُوا عَلَيْهَا [البقرة : 142] فأجابهم الله بأحسن جواب، فقال يا محمد : (قُل للَّه الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ [البقرة : 115] وهو يملكها وتكليفه التحول إلى جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر :
(يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (2).
وهو أعلم بمصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم وهو مصلحهم ومؤديهم إلى جنات النعيم ، هكذا في تفسير الإمام علیه السلام ، وقال أبو محمد علیه السلام: وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، فقالوا يا محمد ، هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع عشرة سنة ثم تركتها الآن أمحقاً كان ما كنت عليه ؟ فقد تركته إلى باطل، فإن ما يخالف الحق باطل، أو كان باطلاً فقد كنت عليه طول هذه المدّة فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟ فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وسلم :« بل ذلك كان حقاً وهذا حق يقول الله عزّ وجل:
(وقُل لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ). إذا عرف صلاحكم يا أيها
العباد في إستقبال المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في إستقبال المغرب أمركم به به، وإذا عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به ، فلا تنكروا تدبير الله في عباده وقصده إلى مصالحهم».
ثم قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: «لقد تركتم العمل يوم السبت ثم عملتم بعده سائر الأيام ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده أفتركتم الحق إلى الباطل أو الباطل إلى حق أو الباطل إلى الباطل أو الحق إلى الحق؟ قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم ».
:قالوا بل ترك العمل يوم السبت حق والعمل بعده حق، قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق» ، فقالوا له يا محمد : أفبدا لربّك فيما أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدّس حتى نقلك إلى الكعبة؟ .
قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: «ما بدا له عن ذلك، فإنّه العالم بالعواقب والقادر على المصالح، لا يستدرك على نفسه غلطاً ولا يستحدث رأياً يخالف المقدس جلّ عن ذلك، ولا يقع عليه أيضاً مانع يمنعه من مراده وليس يبدو «إلاخ » لمن كان هذا وصفه ، وهو جلّ وعزّ متعال عن هذه الصفات علواً كبيراً ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أيها اليهود أخبروني عن الله عزّ وجلّ أليس يمرض ثم يصخ ويصخ ثم يمرض أبداً له في ذلك شيء؟ ليس يحي ويميت أبدا له فيكل واحد من ذلك»؟ قالوا : لا ، قال : كذلك عزّ وجلّ تعبّد نبيه محمّداً بالصلاة إلى الكعبة بعد أن كان تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس ، وما بدا له «الله خ» في الأول» .
ثم قال: «أليس الله عزّ وجلّ يأتي بالشّتاء في أثر الصيف والصيف في أثر الشتاء أبدا له في كل واحد من ذلك؟» قالوا : لا ، قال : فكذلك لم يبدو له في القبلة.
قال : ثم قال صلی الله علیه واله وسلم: « أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة والزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحرّ فبداله في الصيف حين أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء»؟ قالوا: لا، قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: «فكذلكم الله تعبّدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء ثم بعده في وقت آخر لصلاح يعلمه بشيء آخر، فإذا أطعتم الله عزّ وجلّ في الحالتين إستحققتم ثوابه» ، فأنزل الله تعالى:
(ولله المُشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة : 115 ] .
يعني إذا توجهتم بأمره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه.
ثم قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: «يا عباد الله أنتم كالمرضى والله عزّ وجلّ كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه «يعمله خ» الطبيب ويدبّره به ، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه إلا فسلموا الله أمره تكونوا من الفائزين»، فقيل يا رسول الله : فلم أمر بالقبلة الأولى؟ قال: «لما قال الله عز وجل :
(وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ [البقرة : 143] وهي بيت المقدس إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (1)[البقرة : 143].)إلا لنعلم ذلك وجوداً ذلك وجوداً بعد أن علمناه سيوجد وذلك ان هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد الله أن يبين متبع محمد صلی الله علیه واله وسلم ممن خالف «متبعي محمد من مخالفيه خ » باتباع القبلة التي كرهها ، ومحمد صلی الله علیه واله وسلم يأمر بها ، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمّداً فيما يكرهه فهر مصدقه وموافقه ثم قال :(وإن كانتْ لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله [البقرة : 143]. وإن كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة إلا على من يهدي الله ، فعرف أنّ الله عزّ وجل أن يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة هواه .
قوله صلی الله علیه واله وسلم: «يردونه ورود الأنعام » شبه علیه السلام ورود الحاج على البيت الحرام بورود الأنعام على الماء للشرب ووجه الشبه الإجتماع والتزاحم، ومن ذلك سمي ببكة لأنه من اليك الذي هو عبارة عن دفع البعض بعضاً، بكه يبكه بكاً إذا دفعه وزاحمه .
كما قال الصادق علیه السلام في رواية «العمل»: إنّما سمّيت بكة بكة، لأن الناس يباكون فيها أي يزدحمون.
وروى عطا قال : صلّى رجل في المسجد الحرام فمرت به امرأة بين يديه فزجرها وكان الباقر علیه السلام حاضراً، فمنع الرجل وقال: «لا تزجرها هذه بكة يبك بعضه بعضاً أي يدق »(2).
وفي «الفقيه » روى أن الكعبة شكت إلى الله عزّ وجلّ في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام فقالت يا ربّ مالي قل زوّاري مالي قل عوّادي ، فأوحى الله إليها أنّي منزل نوراً جديداً على قوم يحنون إليك كما تحن الأنعام إلى أولادها ، ويزفون إليك كما تزف النسوان إلى أزواجها، يعني أمة محمّدصلی الله علیه واله وسلم ، أي يشتاقون إليك كما تشتاق الأنعام، ويسرعون إليك كما تسرع النسوان ، وهو معنى قوله صلی الله علیه واله وسلم: (يألهون) أي يسرعون (إليه ولوه الحمام) وكلّ ذلك كناية عن شدّة اشتياق الحجاج وفرط ميلهم إلى البيت الحرام (جعله سبحانه) أي الحج (علامة لتواضعهم لعظمته )و امارة (إذعانهم لعزته ) إذ به يعرف المتواضع من المتكبر ويتميز المذعن من المتجبر، لما فيه من التواضع والخضوع ما ليس في سائر العبادات، ومن هجر البلدان وقطع العلاقات ، وتعب الأبدان وترك الشهوات، وتحمل الأخطار بقطع الأسفار وركوب الضوامر في الجبال والقفار ، وكشف الرأس ونزع اللباس وعدم التمكن من البلوغ إلا بشق الأنفس، وغير ذلك النسك العظام التي حارت الأفهام عن إدراك أسرارها، وقصرت
الأوهام عن اقتباس أنوارها، إلا من أتى الله بقلب سليم ، فهداه إلى صراط مستقيم، وأما من لم يجعل الله له نوراً فماله من نور، ومن لم يعط هدى ودليلاً فأولئك هم كالأنعام بل أضل سبيلاً.
كما روى في «الفقيه » أنّ ابن أبي العوجاء دخل تمرّداً وإنكاراً على من يحج وكان يكره العلماء مساءلته إياهم ومجالسته لهم ، لخبث لسانه وفساد ضميره ، فأتى جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام ، فجلس إليه في جماعة من نظرائه ، ثم قال له : إن المجالس أمانات ولا بد لمن به سؤال أن يسأل أفتأذن لي في الكلام؟ فقال تكلم ، فقال : إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا ،نفر من فكر هذا أو قدر علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر ، فقل فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه، وأسه ونظامه.
فقال أبو عبد الله علیه السلام : « إن من أضله الله وأعمى قلبه إستوخم الحق فلم يستعذبه وصار الشيطان وليه يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره، وهذا بيت إستعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه وزيارته ، وجعله محل أنبيائه وقبلة للمصلين له، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه، منصوب على إستواء الكمال ، ومجتمع العظمة والجلال ، خلقه الله تعالى قبل دحو الأرض بألفي عام ، وأحق من اطيع فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وزجر الله المنشيء للأرواح والصور » الحديث (1)
ثم أشار علیه السلام إلى وصف الحجاج بقوله : (واختار من خلقه سماعاً) أي السامعين الذين (أجابوا الله دعوته ) لهم إلى الحج (وصدقوا كلمته) الجارية عن لسان إبراهيم علیه السلام وهو الأذان به والأمر باتيانه ، والمراد بتصديقهم كلمته إتيانهم ما أمروا به وقد أشير إلى ذلك في قوله سبحانه مخاطباً لإبراهيم علیه السلام .
(وَأَذِن فِي النَّاسِ بِالْحَج يَأْتُوكَ يالا وعلا كني ضامر بأنين مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق )
[ الحج : 27] .
قال علي بن إبراهيم: ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج، فقال: يا ربّ وما يبلغ صوتي، فقال : أذن عليك الأذان وعلي البلاغ، وارتفع على المقام وهو يومئذٍ ملصق بالبيت ، فارتفع به المقام حتى كان أطول من الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه شرقاً وغرباً يقول: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم، فأجابوه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع
1) ذخيرة المعاد : 548/3 .
التراب من أطراف الأرض كلها من أصلاب الرجال ومن أرحام النساء بالتلبية : لبيك اللهم لبيك ، أولا ترونهم يأتون يلبون، فمن حج يومئذ إلى يوم القيامة فهم ممن إستجاب الله وذلك قوله :
(وفِيهِ وَايَتُ بينَتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمٌ ﴾ [آل عمران: 97]
يعني بذلك نداء إبراهيم على المقام بالحج.
وعن «الكافي» و«العلل» عن الصادق علیه السلام قال : « المّا أمر إبراهيم وإسماعيل ببناء البيت وتم بناؤه قعد إبراهيم على كل ركن ثم نادى هلم الحج ، فلو نادى هلموا إلى الحج لم يحج إلا من كان يومئذ إنسياً مخلوقاً، ولكن نادى هلم هلم الحج الحج، فلبّى الناس في أصلاب الرّجال، لبيك داعي الله لبيك داعي الله ، فمن لبّى عشراً حج عشراً، ومن لبى خمساً خمساً، ومن لبّى أكثر فبعدد ذلك، ومن لبّى واحدة حجّ واحدة ، ومن لم يلب لم يحج »، ونحو ذلك في «الفقيه» (ووقفوا مواقف أنبيائه) هذه الفقرة كالتالية لها تحريص وترغيب للحجاج على إتيان المناسك وتحملهم الأذى عند ذلك، لأنهم لو تفكروا وتدبّروا فيما هم عليه من متابعة الأنبياء وتشبههم بملائكة السماء ، لاستسهلوا احتمال الأذى في تحمل الضيم القماء، بل يجدون الأذى لذة والذلّ عزّة (1)
وأما الأنبياء الواقفون في تلك المواقف :
فأولهم آدم علیه السلام، ويدل عليه ما رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله علیه السلام، قال : « إن آدم بقي على الصفا أربعين صباحاً ساجداً يبكي على الجنة وعلى خروجه منها من جوار الله عزّ وجلّ ، فنزل جبرئيل فقال يا آدم مالك تبكي ؟ فقال ؟ فقال: يا جبرئيل ما لي لا أبكي وقد أخرجني الله من جواره وأهبطني إلى الدنيا، فقال يا آدم : تب إليه؟ قال : كيف أتوب؟ فأنزل الله تعالى عليه قبة من نور فيه موضع البيت فسطح نورها في حيال مكة فهو الحرم، فأمر الله جبرئيل أن يضع عليه الأعلام، قال: ثم يا آدم ، فخرج به يوم التروية وأمره أن يغتسل ويحرم وأخرج من الجنّة أول يوم من ذي القعدة فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة أخرجه جبرئيل إلى منى فبات بها فلما أصبح أخرجه إلى عرفات، وقد كان علمه حين أخرجه من مكة : الإحرام، وعلمه التلبية، فلما زالت الشمس يوم عرفة فقطع التلبية وأمره أن يغتسل ، فلما صلى العصر أوقفه بعرفات وعلمه الكلمات التي تلقى بها ربه وهي :
«سُبْحَانَكَ اللهُمَ وبحَمْدِكَ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ عَمِلتُ سوء وظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعتَرفْتُ بذَنْبي
1) علل الشرائع : 419/2 .
فَاغْفُر لِي إِنَّكَ أَنت خير الغَافِرينَ، سُبْحانَكَ اللهم وبِحَمْدِكَ لا إله إِلا أَنْت عَمِلتُ سُوءٌ وظَلَمتُ نَفسي واعترفتُ بِذنبي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أنت التواب الرحيم ».
فيقي إلى أن غابت الشمس، ردّه إلى المشعر فبات بها ، فلما أصبح قام على المشعر الحرام فدعا الله بكلمات وتاب إليه ثم أفاض إلى منى وأمره جبرئيل أن يحلق الشعر الذي عليه، فحلقه ثم ردّه إلى مكة فأتى به إلى عند الجمرة الأولى فعرض إبليس عندها فقال يا آدم أين تريد؟ فأمره جبرئيل أن يرميه بسبع حصيات، وأن يكبر مع كل حصاة تكبيرة، ففعل، ثم ذهب فعرض له إبليس عند الجمرة الثانية فأمره أن يرميه بسبع حصيات، فرمى وكبر مع كل حصاة تكبيرة ثم مضى به ، فعرض له إبليس عند الجمرة الثالثة، فأمره أن يرميه بسبع حصيات فرمى وكبر مع كلّ حصاة تكبيرة، ثم مضى به فذهب إبليس لعنه الله فقال له جبرئيل ؛ انك لن تراه بعد هذا اليوم أبداً، فانطلق به إلى البيت الحرام وأمره أن يطوف به سبع مرات ، ففعل فقال له : إن الله قد قبل توبتك وحلل لك زوجتك ، قال : فلما قضى آدم علیه السلام حجته لقبته الملائكة بالأبطح، فقالوا: يا آدم بر حجك، أما نحن قد حججنا قبلك هذا البيت بألفي عام » (1)
وفي «الفقيه »قال أبو جعفر علیه السلام أتى آدم هذا البيت ألف آتية على قدميه منها سبعمائة حجّة وثلاثمائة عمرة وكان يأتيه من ناحية الشام، وكان يحج على ثور والمكان الذي بنيت فيه الحطيم وهو ما بين باب البيت والحجر الأسود وطاف آدم قبل أن ينظر إلى حواء مائة عام، وقال له رئيل : حياك الله وبياك يعني أصلحك أصلحك الله » (2)
وفيه أيضاً بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «موضع الكعبة ربوة من الأرض بيضاء تضيء كضوء الشمس والقمر حتى قتل ابنا آدم أحدهما صاحبه فاسودت فلما نزل آدم رفع الله تعالى له الأرض كلها حتى رآها ، ثم قال : هذه لك كلها ، قال : يا رب ما هذه الأرض البيضاء المنيرة؟ قال: هي حرمی في أرضي وقد جعلت عليك أن تطوف بها كل يوم سبعمائة طواف (3).
ومنهم نوح النبي علیه السلام قال الصدوق في «الفقيه» : وروي أنّه كان طول سفينة نوح ألفا ومائتي ذراع، وعرضها مائة ذراع ، وطولها في السماء ثمانين ذراعاً، فركب فيها قطافت بالبيت سبعة أشواط، وسعت بين الصفا والمروة سبعاً ثم استوت على الجودي.
ومنهم: إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واختصاص البيت بهما كاختصاصهما به من
جهة تجديد البناء ووقوفهما فيها غني عن البيان .
ومنهم موسى علیه السلام قال الصدوق وروى أن موسى علیه السلام أحرم من زملة وانه مرّ في سبعين نبياً على صفائح الزوحاء عليهم العباء (القطوانية) (1)، يقول لبيك عبدك وابن عبديك لبیك .
وروى في خبر آخر أن موسى علیه السلام مر بصفائح الرّوحاء على جمل أحمر خطامه من ليف عليه عبائتان قطوانيتان ، وهو يقول : لبيك يا كريم لبيك .
وقال الصادق علیه السلام : «لما حج موسى علیه السلام نزل جبرئيل علیه السلام فقال له موسى: يا جبرئیل ما لمن حجّ هذا البيت بلا نية صادقة ولا نفقة طيبة؟ قال لا أدري حتى أرجع إلى ربي ، فلما رجع قال الله يا جبرئيل ما قال لك موسى؟ وهو أعلم بما قال قال يا رب قال لي ما لمن حج هذا البيت بلا نية صادقة ونفقة طيبة ؟ قال الله : ارجع إليه وقل عليه أهب له حقي وأرضى عنه خلقي، قال فقال يا جبرئيل : ما لمن حج هذا البيت بنية صادقة ونفقة طيبة ؟ قال : فرجع إلى الله فأوحى الله إليه ، قل له في الرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً (2)
ومنهم يونس بن متى كما في «الفقيه» فقد مرّ بصفائح الروحاء وهو يقول : لبيك، كشاف الكرب العظام لبيك .
ومنهم عيسى بن مريم فقد مرّ بصفائح الرّوحاء وهو يقول : لبيك ابن امتك لبيك كما رواه الصدوق أيضاً.
ومنهم : سليمان بن داود ، فقد روى الصَّدوق أيضاً عن زرارة عن أبي جعفر * قال : إن سلیمان بن داود عليهما السلام قد البيت في الجن والإنس والطير والزياح ، وكسا البيت القباطي وروى عن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال :« آن آدم هو الذي بنى البنية ووضع أساسه وأول من كساه الشعر وأول من حج إليه، ثم كساه تبع بعد آدم الإنطاع، ثم كساه إبراهيم الخصف ، وأوّل كساه الثياب سليمان كساه القباطي »(3).
ومنهم النبي صلی الله علیه واله وسلم ، فقد حج عشرين حجة، وكذلك أولاده المعصومون سلام الله عليهم أجمعين فهنيئاً للحجاج الواقفين مواقف الأنبياء والمرسلين ، والسالكين مسالك الأولياء
المرضيين، وطوبى لهم وحسن مآب وأنا أسأل الله سبحانه أن يوفقني ثانياً للعكوف عليه بعدما منحني في غابر الزمان الوقوف عليه بحق محمد نبي الرحمة وآله أهل الصلاة والطهارة.
(وتشبّهوا ملائكته المطيفين بعرشه ) قد عرفت في الفصل التاسع عند شرح قوله علیه السلام : ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم (ا ه ) عدد الملائكة المطيفين بالعرش، وأما صفوفهم فقد قال الشارح البحراني : جاء في الخبر أن حول العرش سبعين ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عوانقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح .
وفي رواية طويلة لعلي بن إبراهيم بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام المسوقة الابتداء خلق آدم علیه السلام بعد ما ذكر علیه السلام قوله سبحانه للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ، وقولهم له (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) ، وقوله لهم : (الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُون ماذا أَرَادَ ) .)قال علیه السلام : « فقالت يا ربنا افعل ما شئت لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال علیه السلام : فباعدهم الله من العرش مسيرة خمسمائة عام ، قال علیه السلام: فلاذوا بالعرش وأشاروا بالأصابع، فنظر الرب جل جلاله إليهم ونزلت الرحمة، فوضع لهم بيت المعمور، فقال طوفوا به ودعوا العرش، فإنه لي رضى فطافوا به وهو البيت الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، فوضع الله البيت المعمور توبة لأهل السماء ووضع الكعبة توبة لأهل الأرض» (1الحديث .)قال الغزالي في «إحياء العلوم »: وأما الطواف بالبيت فاعلم أنه صلاة فاحضر في قلبك فيه من التعظيم والخوف والرجاء والمحبة واعلم أنّك بالطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله، ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت بل طواف قلبك ربّ البيت حتى لا تبتدأ بالذكر إلا منه ، ولا تختم إلا به كما تبدأ بالبيت وتختم به .قال : واعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية، وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر وهي عالم الملكوت كما أن البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب وأن عالم الملك والشهادة مدرجة إلى عالم الغيب ، والملكوت لمن فتح الله له الباب، وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة بأن البيت المعمور في السّماوات بإزاء الكعبة، فإن طواف الملائكة به كطواف الإنس بهذا البيت ، ولما قصرت رتبة أكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف أمروا بالتشبه
1) بحار الأنوار: 104/11
بهم بحسب الإمكان، ووعدوا بأن من تشبه بقوم فهو منهم، والذي يقدر على مثل ذلك الطواف يقال : إنّ الكعبة تزوره وتطوف به ، انتهى.أقول : هذا الطواف الحقيقي مختص بأولياء الله سلام الله عليهم، وفي عالم المعنى الكعبة طائفة بهم وكاسبة من فيوضاتهم، وإلى هذا المعنى أشار الفرزدق في قصيدته الميمية التي قالها في مدح علي بن الحسين عليهما السّلام على رغم هشام بن عبد الملك بن مروان عليهم اللعنة والنيران ، بقوله :هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرميكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلملو يعلم الركن من قد جاء يلثمه *** لخرّ يلثم منه ما وطى القدملما كان طباع الخلق مايلة إلى حبّ الأرباح وطلب المنافع في المكاسب شوّقهم يقوله علیه السلام : (يحرزون الأرباح في منجر عبادته تنبيهاً على أن قيامهم بالعبادة في هذه المواقف الشريفة تجارة للآخرة ولا محالة مشتملة على الربح والمنفعة، فلا ينبغي للعاقل أن يفوتها على نفسه .)قال أبو جعفر الباقر علیه السلام في مروي «الفقيه»: «الحج والعمرة سوقان من أسواق الآخرة اللازم لهما من أضياف الله إن أبقاه أبقاه ولا ذنب له وإن اماته أدخله الجنة» (1)ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الإستعارة، حيث شبه الحجاج بالتّجار وشبّه عبادتهم ببضاعة التجارة، وذكر المتجر إستعارة تخييلية، وذكر الأرباح ترشيح ، والمراد بالأرباح هو الثواب الجميل والأجر الجزيل المبذول للحجاج والمعتمرين والوفاد والطائفين .قال الصادق علیه السلام:« إن الله تعالى حول الكعبة عشرين ومائة رحمة منها ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ».وقال علیه السلام أيضاً : «من نظر إلى الكعبة وعرف من حقنا وحرمتنا مثل الذي عرف من حقها وحرمتها غفر الله له ذنوبه كلها وكفاه هم الدنيا والآخرة »(2.)وقال أمير المؤمنين علیه السلام : «ما من مهل يهل في التلبية إلا أهل من عن يمينه من شيء إلى مقطع التراب ومن عن يساره إلى مقطع التراب وقال له الملكان : أبشر يا عبد الله وما يبشِّر الله عبداً إلا بالجنّة، ومن لبى في إحرامه سبعين مرة إيماناً واحتساباً أشهد الله له ألف ملائكة
ببراءة من النار وبرائة من النفاق، ومن انتهى إلى الحرم فنزل واغتسل وأخذ نعليه بيده ثم دخل الحرم حافياً تواضعاً الله محا الله عنه مائة ألف سيئة وكتب الله له مائة ألف حسنة وبنى له مائة الف درجة وقضى له مائة ألف حاجة ، ومن دخل مكة بسكينة غفر الله له ذنبه، وهو أن يدخلها غير متكبر ولا متجبر، ومن دخل المسجد حافياً فسكينة ووقار وخشوع غفر الله له، ومن نظر الكعبة عارفاً بحقها غفر الله له ذنوبه وكفى ما لهمه»(1)وروى الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يحدث الناس بمكة، قال علیه السلام : «صلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بأصحابه الفجر، ثم جلس معهم يحدثهم حتى طلعت الشمس فجعل يقوم الرّجل بعد الرجل حتى لم يبق معه إلا رجلان : أنصاري وثقيف ، فقال لهما رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : قد علمت أنّ لكما حاجة تريدان أن تسألاني عنها، فإن شئتما أخبرتكما بحاجتكما قبل أن تسألاني وإن شئتما فاسألاني، فقالا : بل تخبرنا أنت يا رسول الله فإن ذلك أجلى للعمى وأبعد من الإرتياب وأثبت للإيمان.فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم :«أما أنت يا أخا الأنصار فانك من قوم يؤثرون على أنفسهم وأنت قروي وهذا الثقفيبدوي افتؤثره بالمسألة»؟ قال : نعم، قال صلی الله علیه واله وسلم :«أما أنت يا أخا ثقيف جئتني تسألني عن وضوئك وصلاتك وما لك فيهما، فاعلم انك إذا ضربت يدك في الماء وقلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، تناثرت الذنوب التي إكتسبتها يداك .فإذا غسلت وجهك تناثرت الذنوب التي اكتسبتها عيناك بنظرهما وفوك بلفظه .فإذا غسلت ذراعيك تناثرت الذنوب عن يمينك وشمالك .فإذا مسحت رأسك وقدميك تناثرت الذنوب التي مشيت إليها على قدميك، فهذا لك في وضوئك .فإذا قمت إلى الصلاة توجهت وقرأت أم الكتاب وما تيسر لك من السور ثم ركعت فأتممت ركوعها وسجودها وتشهدت وسلّمت غفر لك كلّ ذنب فيما بينك وبين الصلاة قدمتها إلى الصلاة المؤخّرة، فهذا لك في صلاتك ووضوئك ».«وأما أنت يا أخا الأنصار فإنك جئت تسألني عن حجك وعمرتك ومالك فيهما من الثواب، فأعلم أنك إذا توجهت إلى سبيل الحج ثم ركبت راحلتك لم تضع راحلتك خفّا ولم
1) منتهى المطالب : 644/3
ترفع خفا إلا كتب الله لك حسنة ومحاعنك سيئة.فإذا أحرمت ولبيت كتب الله لك بكل تلبية عشر حسنات ومحا عنك عشر سيئات .فإذا طفت بالبيت أسبوعاً كان لك بذلك عند الله عهد وذكر يستحيي منك ربك أنيعذبك بعده.فإذا صليت عند المقام ركعتين كتب الله لك بهما ألفي ركعة مقبولة .وإذا سعيت بين الصفا والمروة سبعة أشواط كان لك بذلك عند الله مثل أجر من حج ماشياً من بلاده ومثل أجر من أعتق سبعين نسمة (رقبة خ .)وإذا وقفت بعرفات إلى غروب الشَّمس فلو كان عليك من الذنوب مثل رمل عالج وزبد البحر ليغفر الله لك.فإذا رميت الجمار كتب الله لك لكل حصاة عشر حسنات فيما تستقبل من عمرك.فإذا حلقت رأسك كان لك بكل شعرة حسنة يكتب لك فيما يستقبل من عمرك .فإذا طفت بالبيت أسبوعاً للزيارة وصليت عند المقام ركعتين ضرب ملك كريم على كتفيك، فقال أمّا ما مضى فقد غفر لك فاستأنف العمل فيما بينك وبين عشرين ومائة يوم »هذا (1.)والأخبار في فضائل الحج كثيرة وقد جمع الصدوق فيها باباً في «الفقيه» وأخرجت هذه الأخبار منه وفيها كفاية للمهتدي إنشاء الله .(ويتبادرون عنده موعد مغفرته أي يتسارعون ويستبق كل منهم الآخر عند الحج إلى الله سبحانه لهم ، ويحتمل أن يكون إسم مكان (جعله سبحانه للإسلام علماً))وعدة المغفرة من أي جعل البيت علامة للدين والإسلام الذين هما طريقان إلى الرضوان، كما أنّ السالكين والمسافرين يهتدون إلى مطالبهم وماربهم بالأعلام المنصوبة والمناور المرفوعة (والمعائدين حرماً يعني جعله حرماً للمعتصمين به والملتجئين إليه لا يجوز إيذاؤهم فيه وإخراجهم منه .)قال في «الفقيه» وروي أن من جنى جناية ثم لجأ إلى الحرم لم يقم عليه الحدّ ولا يطعم ولا يسقى ولا يؤذى حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد، فإن أتى ما يوجب الحد في الحرم أخذ به في الحرم لأنه لم ير للحرم حرمة .وفيه أيضاً وسأل عبد الله بن سنان أبا عبد الله علیه السلام عن قول الله :
1) بحار الأنوار: 5/96
( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ عَامِنَا [آل عمران: 97] .)قال: من دخل الحرم مستجيراً به فهو آمن من سخط الله وما دخل من الوحش والطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤدي حتى يخرج من الحرم » الحديث (1.)ومثله في «الكافي عن العياشي عنه علیه السلام .وعنه علیه السلام أيضاً قال: إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فرّ إلى الحرم لم يسع لأحد أن يأخذه في الحرم ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقي ولا يكلم ، فإنّه إذا فعل ذلك يوشك أن يخرج فيؤخذ، وإذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم» ، وزاد في «الكافي أنه لم يدع للحرم حرمة (2.)وفي «الكافي» عنه علیه السلام أيضاً وقد سأله سماعة عن رجل لي عليه مال فغاب عنّي بزمان فرأيته يطوف حول الكعبة أفأتقاضاه مالي ؟ قال« لا تسلم عليه ، ولا تردعه حتى يخرج من الحرم هذا.ومن أجل كونه حرم الله سبحانه لم يقصده جبّار بسوء إلا إبتلاه الله بشاغل أو رماه بقاتل .وقد قصده أصحاب الفيل فأرسل سبحانه إليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول على ما نطق به التّنزيل .وقصده تبع الملك وأراد قتل مقاتلته وسبى ذراريهم وهدمه بعد ذلك فسالت عيناه حتى وقعتا على خديه فسأل عن ذلك، فقالوا: ما نرى الذي أصابك إلا بما نويت في هذا البيت، لأنّ البلد حرم الله والبيت بيت الله وسكان مكة ذرّية إبراهيم خليل الرّحمن، فقال: صدقتم فما مخرجي مما وقعت فيه ؟ قالوا : تحدث نفسك بغير ذلك، فحدث نفسه بخیر فرجعت حدقتاه حتى ثبتنا في مكانهما، فدعا القوم الذين أشاروا إليه بهدمها ، فقتلهم ثم أتى البيت فكساه الأنطاع وأطعم الطعام ثلاثين يوماً كل يوم مائة جزور، حتى حملت الجفان إلى السباع في رؤوس الجبال، ونثرت الأعلاف للوحش، ثم انصرف من مكة إلى المدينة فأنزل بها قوماً من أهل اليمن من غسان وهم الأنصار.فإن قيل : كيف لم يجر على الحجاج اللعين ما جرى على تبع وأصحاب الفيل معهدمه البيت؟
قلنا : إن الحجاج لم يكن قصده إلى هدم البيت وإنما كان قصده إلى ابن الزبير وكان ضد الحق، فلما استجار بالكعبة أراد الله أن يبين للناس أنه لم يجره، فأمهل من هدمها عليه بذلك صرّح في الفقيه .ثم أكد علیه السلام وجوب الحج بقوله : (فرض حجه وأوجب معرفة ( حقه) وملاحظة حرمته (وكتب عليكم ) أي ألزم عليكم ( وفادته ) والقدوم إليه لكسب الفيوضات وتحصيل الكمالات.)روى الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام ، قال : «الحجاج والمعتمر وفد الله إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم وإن شفعوا شفعهم وإن سكتوا إبتدئهم ويعوذون «يعوضون ظ » بالدرهم درهم (فقال والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (1)[آل عمران: 97] .)قال الطبرسي : معناه والله على من استطاع إلى حج البيت سبيلاً من الناس البيت ، أي من وجد إليه طريقاً بنفسه وماله.واختلف في الإستطاعة، قيل : هي الزاد والراحلة عن ابن عباس وابن عمر ، وقيل ما يمكنه معه بلوغ مكة بأي وجه يمكن عن الحسن ومعناه القدرة على الوصول إليه، والمروي أئمتنا عليهم السلام أنه وجود الزاد والراحلة ونفقة من يلزمه نفقته والرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة مع الصّحة في النفس وتخلية السّرب من الموانع وإمكان السير.أقول : أما اشتراط الزاد والراحلة في تحقق الإستطاعة للبعيد فمما أجمع عليهعن الأصحاب .وأما القريب الغير المحتاج إلى قطع المسافة كأهل مكة وما قاربها ممن يمكنه السعي من غير راحلة بحيث لا يشق عليه عادة، فإنّ الرّاحلة حينئذ غير شرط .وأما البعيد المتمكن من المشي فهل هي شرط للوجوب في حقه أم لا؟ الظاهر من المنتهى الأول حيث قال : إتفق علمائنا على أن الزاد والراحلة شرطان في الوجوب فمن فقدهما أو أحدهما مع بعد مسافته لم يجب عليه الحجّ، وإن تمكن من المشي واستشكل فيه بعض متأخري المتأخرين كصاحب المدارك ونحوه من أجل قيام بعض الأخبار على الثاني.وأما الرّجوع إلى الكفاية فقد اشترطه الشيخان أبو الصلاح وابن البراج وابن حمزة ، ورواه الصدوق في «الفقيه» عن أبي الزبيع الشامي قال سئل أبو عبد الله علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)
1) تحريم الأحكام : 89/1
[آل عمران: 97] ، فقال: «ما يقول الناس فيها »؟ فقيل له : الزاد والراحلة، فقال علیه السلام : «قد سئل أبو جعفر علیه السلام عن هذا فقال : هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله واستغنى به عن الناس ينطلق إليه فيسلبهم إياه لقد هلكوا إذا »، فقيل له : فما السبيل؟ فقال: « السّعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويبقى بعض لقوت عياله ، أليس قد فرض الله عزّ وجلّ الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم؟» (1)وذهب الأكثر ومنهم المرتضى وابن ادريس وابن أبي عقيل وابن الجنيد إلى عدم الإشتراط، إستدلالاً بعموم الآية والأخبار الصحيحة، واستضعافاً لسند رواية أبي الربيع، وطعنا فيه بجهالة الزاوي وبأنّ من جملة رجاله خالد بن جرير ولم يرد فيه توثيق بل ولا مدح يعتد به ، هذا .وأما قوله تعالى : ومن كفر ، فقد قال الطبرسي : معناه ، ومن جحد فرض الحج ولم يره واجباً، عن ابن عباس والحسن:﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران : 97] . لم يتعبّدهم بالعبادة لحاجته إليها وإنّما تعبدهم بها لما علم فيها من مصالحهم .
وقيل : إنّ المعني به اليهود فإنّه لما نزل قوله :
(ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 97] .
قالوا : نحن مسلمون ، فامروا بالحج فلم يحجوا، وعلى هذا يكون معنى من كفر من
ترك الحج من هؤلاء فهو كافر، انتهى .
أقول : إطلاق الكافر على تارك الحجّ كما في الآية قد وقع في الأخبار الكثيرة وتفسيره بالجاحد بوجوبه حسبما فعله الطبرسي وتبعه غيره لا داعي إليه ، وإنّما هو ناشيء عن حسبان أن الكفر له معنى واحد وهو المعنى المعروف بين الفقهاء وهو ما يوجب نجاسة المتصف به وخلوده في النّار، وليس كذلك بل له معان متعددة.
بيان ذلك أن الكفر في اللغة هو الستر، ومنه سمي الليل كافراً لأنه یستر ما أظهره نور النهار، وإطلاقه على الكافر من جهة ستره ما أنعم الله به عليه من المعارف الحقة والأنوار الإلهية والنعم الجلية والخفيّة، وفي لسان الفقهاء يطلق الكافر على جاحد الرب ومنكره ، وعلى منكر ما علم ثبوته ضرورة من دين الإسلام.
وأما في القرآن والأخبار، فربما أطلق على تارك بعض الواجبات ولو لم يكن عن جحود كما يطلق على فاعل بعض المحرمات، ويدل على عدم انحصار معناه في المعروف ما رواه
1) المقنعة / 384 .
الكليني عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن بكر بن صالح عن القاسم ابن يزيد عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «الكفر في كتاب الله عز وجل على خمسة أوجه : فمنها كفر الجحود والجحود على وجهين والكفر بترك ما أمر الله وكفر البرائة وكفر النعم :
فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية ، وهو قول من يقول : لا ربّ ولا جنة ولا نار ، وهو قول صنفين من الزنادقة لعنهم الله يقال لهم: الدّهرية وهم الذين يقولون : وما يهلكنا إلا «الدّهر» إلى أن قال : «وأما الوجه الآخر من الجحود على معرفته فهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استيقن عنده ، وقد قال الله عزّ وجل .
(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْها أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوا )[النمل: 14] وقال الله تعالى: وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ. فَلَعَنَةُ اللهِ عَلَى الْكَفِرِينَ [البقرة: 89 ] .
فهذا تفسير وجهي الجحود، والوجه الثالث من الكفر كفر النعم، وذلك قوله تعالى
يحكى قول سليمان :
(وهَذَا مِن فَضْلِ رَتي لبلونِي أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي رَبِّي غني كَرِيمٌ ﴾ [النمل: 40] وقال: لَن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ] وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَأَشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة : 152] .
والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله به وهو قول الله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيتَقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تُظْهَرُونَ عَلَيْهِم بالإثم وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ [البقرة : 84 - 85] فكفرهم بترك ما أمر الله به ونسبهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده فقال :
(فما جَزَاهُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ اَلْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85]
والوجه الخامس : من الكفر كفر البرائة، وذلك قوله تعالى يحكى قول إبراهيم :
(كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاهُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة: 4] .
يعني تبرأنا منكم » الحديث (1).
فقد ظهر منه أنّ إطلاق الكفر على ترك بعض الفرائض وإتيان بعض المناهي ليس من
1) الكافي : 39/2 ، وشرح أصول الكافي : 66/10 .
أجل إشتماله على الجحود والإنكار، حيث إنّه علیه السلام لجعل الكفر الجحودي قسيماً للكفر بترك ما أمر الله به .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ تارك الحج مع وجود الإستطاعة كافر حقيقة وإن لم يحكم بنجاسته، لأن الحكم بالنجاسة من خواص الكفر على وجه الجحود، ويدل على ذلك مضافاً إلى ظهور الآية الشريفة، ما رواه الصدوق في آخر «الفقيه » في باب النوادر في وصيّة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم لعلي علیه السلام : «يا علي ، تارك الحج وهو مستطيع كافر قال الله تبارك وتعالى :
(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ [آل عمران: 97] الآية .
من سرّف الحج حتى يموت بعثه الله يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً»، وفي ذلكيا عليّ الباب أيضاً : يا علي كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة : القتاة والسّاحر والديوث وناكح المرأة حراماً في دبرها وناكح البهيمة ومن نكح ذات محرم والساعي في الفتنة وبائع السلاح من أهل الحرب ومانع الزكاة من وجد سعة فمات ولم يحج » هذا (1)
والأخبار في عقوبة تارك الحج ومسوّفه وكونه كبيرة موبقة كثيرة، ومن الآيات الدالة على ذلك مضافة إلى الآية السابقة قوله تعالى:
وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الإسراء : 72]. قال الصدوق : روى محمّد بن الفضيل قال سألت أبا الحسن علیه السلام عن هذه الآية فقال: «نزلت فيمن سوّف الحج حجة الإسلام وعنده ما يحج به فقال : العام أحج العام أحج حتى يموت قبل أن يحج ».
وروى عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل لم يحج قط وله مال، فقال: هو ممن قال الله عزّ وجلّ :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى [طه: 124] . فقلت: سبحان الله أعمى ، فقال : أعماه الله عن طريق الخير (2).
قد عرفت فضل البيت الحرام وفضائل المشاعر العظام وكونه حرم الله وأمنه وإختياره سبحانه على جميع أقطار أرضه من سهله وحزنه إلا أنه قد وردت أخبار مستفيضة دالة على تفضيل أرض كربلا عليه وكونه حرم الله سبحانه من قبله .
مثل ما رواه جعفر بن محمد بن قولويه في المزار بإسناده عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله علیه السلام في حديث ثواب زيارة الحسين علیه السلام قال : « والله لو أني حدثتكم في فضل زيارته لتركتم الحج رأساً وما حج أحد ويحك أما علمت أن الله أتخذ كربلا حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتخذ مكة حرماً».
قال ابن أبي يعفور : قد فرض الله على الناس حج البيت ولم يذكر زيارة قبر الحسين علیه السلام ، قال : وإن كان كذلك فإن هذا شيء جعله الله هكذا أما سمعت قول أمير المؤمنين علیه السلام: إن باطن القدم أحق بالمسح من ظاهر القدم ولكن الله فرض هذا على العباد، أما علمت أن الإحرام ولو كان في الحرم كان أفضل لأجل الحرم ولكن الله صنع ذلك في غير الحرم » (1).
وروى أيضاً بإسناده عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله علیه السلام : أن أرض الكعبة قالت من مثلي وقد بني بيت الله على ظهري يأتيني النّاس من كل فج عميق، وجعلت حرم الله وأمنه، فأوحى الله إليها كفى وقري ما فضل ما فضلت به فيما أعطيت أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غمست في البحر فحملت من ماء البحر ولولا تربة كربلا ما فضلتك ولولا من ضمنه كربلاء لما خلقتك ولا خلقت الذي افتخرت به فقري واستقري وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا مسختك وهويت بك في نار جهنم» (2).
وبإسناده عن أبي الجارود عن عليّ بن الحسين علیه السلام قال : إتخذ الله أرض كربلاء حرماً قبل أن يتخذ مكة حرماً بأربعة وعشرين ألف عام » (3)
وبإسناده عن صفوان الجمال قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول :« إن الله فضل الأرضين والمياه بعضها على بعض ، فمنها ما تفاخرت ومنها ما بغت ، فما من أرض ولا ماء إلا عوقبت لترك التواضع لله حتى سلّط الله على الكعبة المشركين وأرسل إلى زمزم ماء مالحاً فأفسد طعمه، وإن كربلاء وماء الفرات أول أرض وأول ماء قدس الله وبارك عليه، فقال لها تكلمي ما فضلك الله ، فقالت : أنا أرض الله المقدسة المباركة، الشفاء في تربتي ومائي ولا فخر بل خاضعة ذليلة لمن فعل بي ذلك ولا فخر على من دوني بل شكر الله، فأكرمها وزادها بتواضعها وشكرها الله بالحسين علیه السلام وأصحابه »، ثم قال أبو عبد الله علیه السلام : «من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله » (4).
والحمد لله على حسن توفيقه لشرح الخطبة الأولى ومنه أسأل التوفيق لشرح الخطبة الآتية بحق محمّد وعترته الطاهرة.
و واجب گردانید حق تعالی بر شما حج خانه خود را که حرام است بر مشرکین داخل شدن او ؛ چنان خانه ای که گردانیده است آن را قبله خلقان در حالتی که وارد میشوند بر آن با ازدحام مثل وارد شدن حیوانات بر آب در وقت تشنگی و شایق میشوند به سوی آن مثل اشتیاق کبوتران حرم به آشیان خودشان. گردانید خداوند آن خانه را علامت و نشانه به جهت فروتنی و تواضع آنها مربزرگواری و عظمت خود را و به جهت اعتقاد و یقین آنها مرعزت و سلطنت او را و پسندید از خلق خود شنوندگان که اجابت کردند به جهت او دعوت او را و تصدیق نمودند از برای او کلمه تامه او را و بایستادند ایشان در جای ایستادن انبیاء مرسلین و متشبّه شدند به ملائکه مقربین که طواف کنندگانند بر عرش رب العالمین در حالتی که آوری میکنند ایشان سودها منفعتها در تجارت گاه و در تجارت گاه پرستش او و میشتابند و سرعت می کنند بر وعدگاه آمرزش او ؛ گردانید آن خانه را خداوند نشانه و علامت از برای دین اسلام و حرم و مأمن به جهت پناه برندگان؛ واجب نمود حج آن را و لازم گردانید حق آن را و متحتّم فرمود آمدن آن را به جهت کسب فیض و سعادت ، پس فرمود: مرخدای را است بر بندگان حج بيت الحرام هر کسی که تمکن داشته باشد به سوی او از حیثیت راه و هرکس کافر باشد یعنی ترک حج نماید پس به تحقیق خداوند ملك منان غنی و بی نیاز است از همه عالمیان . یعنی امر فرمودن خداوند ایشان را به عبادت نیست به جهت افتقار و حاجت بلکه وجود مصلحت است در طاعات و عبادات.
«أَحْمَدُهُ اسْتِتْماماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ، وَاسْتَعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَسْتَعينُهُ فاقَةً إلى كِفَايَتِهِ، إِنَّهُ لا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلاَ يَئِلُ مَنْ عَادَاهُ، وَلاَ يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مَا وُزِنَ، وَأَفْضَلُ ما حُزِنَ ».
(صفين) بسكر الصاد وتشديد الفاء كسجين إسم موضع قرب الرّقه بشاطىء الفراء من الجانب الغربي كانت به الوقعة العظمى بين علي علیه السلام ومعاوية لعنه الله ووزنه إما فعيل كظليم وضليل فالنّون أصليّة ويدلّ عليه ضبط الجوهرية والفيروز آبادي له في باب النّون، وهو الأشهر، وإمّا فعلين بزيادة (الياء) (والنون) كغسلين ويدلّ عليه ضبط الفيومي كبعض اللغويين له في باب (الصاد) مع (الفاء)، قال في «المصباح» وهو فعلين من الصف، أو فعيل من الصّفون، فالنّون أصلية على الثاني .
أقول : على تقدير كونه مأخوذاً من الصف بكسر (الصاد) فأصله الصف يفتحها وزيادة (الياء) (والنون) للمبالغة، كما أن غسلين من الغسل وهو ما يغتسل به كالماء والصابون والخطمي ، فزيدت الياء والنون مبالغة واستعمل فيما يسيل من جلود أهل النار قال سبحانه :
(وَلَا طَعَامُ إِلَّا مِنْ غِلين ﴾ [الحاقة : 36].
وتسميته على هذا التقدير يحتمل أن يكون لكثرة الصفوف في الوقعة الواقعة فيه، وعلى تقدير كونه مأخوذاً من الصفون فهو من صفن الفرس صفوناً قام على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة، وصفن الرّجل إذا صف قدميه، وصفن به الأرض ضربه وعلى كل التقدير فاللازم أن تكون التسمية به متأخرة عن وقوع الوقعة نظير ما قالوه في إطلاق المسلخ على الميقات المعروف الذي هو أوّل وادي العقيق من أنه لأجل سلخ الثياب ونزع اللباس فيه فيكون التسمية متأخرة عن كونه ميقاتاً و(الإستسلام ) الإنقياد والخضوع و(العزّة) من عزّه يعزّه عزّاً من باب ضرب إذا غلبه والإسم العزة وهي القوة والغلبة ، والعزيز من أسمائه سبحانه هو الغالب الذي لا يغلب و(الفاقة) الفقر والحاجة و(الكفاية) مصدر يقال : كفى الشيء يكفى كفاية إذا حصل به الإستغناء عن غيره قال تعالى :
(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) [الأحزاب: 25].
أي أغناهم عنه ووئل (يثل) من باب ضرب وتلاوؤ ولا إذا طلب النجاة فنجي، والموئل الملجأ والمنجى .
قال الشراح المعتزلي : صفين إسم غير منصرف للتأنيث والتعريف واستدل بقول الشاعر :
إنّي أدين بما دان الوصي به *** يوم الخريبة من قتل المحلّينا
والذي دان يوم هر دنت به *** وشاركت كفّه كفي بصفّينا
تلك الدّماء معاً يا رب في عنقي *** ثم اسقني مثلها آمین آمینا
أقول : أمّا التعريف فيه فمسلم ، وأما التأنيث فغير لازم إذ كما يجوز تفسيره بالأرض والبقعة كذلك يجوز تفسيره بالمكان والموضع والشعر لا دلالة فيه على ما رامه ، لأن دلالته إنما يتم لو كان أصليّة النّون فيه مسلمة لظهور كون محل الإعراب فيه حينئذ هو آخر الكلمة، وأما على تقدير كونها زائدة كما اختاره الفيومي في «المصباح» حسبما أشير إليه (فالنّون) مفتوحة دائماً ، ويظهر أثر الإعراب حينئذ فيما قبل النون ، فيقال : صفين وصفون نظير عالمين وأرضين، وقد صرّح بما ذكرناه أخيراً في الأوقيانوس أيضاً، فافهم جيداً.
(واستتماماً وإستسلاماً واستعصاماً ) منصوبات على أنّها مفاعيل لفاعل الفعل المعلل بها وهو أحمد وانتصاب فاقة على ذلك أيضاً والضمير في قوله علیه السلام : (فإنّه أرجح) ماوزن إمّا راجع إلى الحمد المستفاد من قوله : أحمد، أو راجع إلى الله سبحانه وستعرف تحقيقه .
(أحمده إستتماماً لنعمته ) أي طلباً لتمام النعمة وفي إفرادها إشارة إلى أن نعمه سبحانه غير متناهية وفيوضاته تعالى غير منتهية من الكم والكيفية ، فهي أعظم من أن تتم في حق عبد فيكون طلب تمامها حينئذ عبثاً وإنّما يتفضل منها على العباد بحسب إستعدادهم وقابليتهم (وإستسلاماً لعزّته ) أي إنقياداً لقهره وغلبته وخضوعاً لجلاله وعظمته (واستعصاماً من معصيته) أي طلباً للعصمة من معصيته الحاصلة بكفران النعمة .
ولا يخفى ما في كلامه من النكتة اللطيفة حيث إنه علل الحمد أولاً بطلب تمام نعمة الله سبحانه إشارة إلى أنّ العلة الداعية إلى الحمد هو طلب تمام النعمة من حيث إن الحمد يوجب تمامها وكمالها بمقتضى الوعد الذي ورد في كلامه تعالى من قوله :
(لين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7] .
علله بعلة ثانية منشعبة من العلة الأولى من حيث إن طلب تمام نعمته موقوف على معرفته سبحانه من حيث إنّه منعم ومعرفة النعمة من حيث إنّها نعمة ولا تتمّ تلك المعرفة إلا بأن تعرف أن النعم كلها جليتها وخفيها منه سبحانه وأنّه المنعم الحقيقي، والأوساط كلها منقادة لحكمه ومسخرة لأمره، وثمرة تلك المعرفة هي الخضوع والاستسلام والتذلل لعزته وقدرته .
وأمّا العلّة الثالثة ففيها إشارة إلى أنّ بالحمد تحصل العصمة من المعصية إذ في تركه كفران النعمة وقد أوعد عليه سبحانه :
(وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7]، هذا .
وغير خفي على الفطن الدقيق أنّ ما ذكرناه في شرح كلامه علیه السلام أولى مما صنعه الشارح البحراني من جعل الإستتمام والإستسلام والاستعصام غابات للحمد مترتبة عليه ، لظهور أن طلب التمام ليس من غايات الحمد ، بل هو علة باعثة له وإنّما غايته وفائدته المترتبة عليه هو التّمام والزّيادة ، وهكذا الكلام في الإستسلام والاستعصام ، وبالجملة المفاعيل الثلاثة في كلامه علیه السلام على حد قولهم ، قعدت عن الحرب جبناً، لا على نحو قولهم : جئتك زيارة لك، فافهم جيداً.
ثم إن الظاهر أن المراد بالحمد في كلامه علیه السلام هو الشكر، وفي قوله : إستتماماً لنعمته تلويح لذلك، لأنّ الثناء على المنعم من حيث النعمة ومن حيث تمامها وزيادتها هو الشكر ، وفي قوله سبحانه : لئن شكرتم (اه) إشارة إلى ذلك .
قال المحقق النصير الطوسي (رحمت الله) في محكي كلامه إعلم أنّ الشكر مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية وله أركان ثلاثة .
الأول :معرفة المنعم وصفاته اللائقة به ومعرفة النعمة من حيث إنها نعمة ولا تتم تلك المعرفة إلا بأن تعرف أنّ النعم كلها جليها وخفيها من الله سبحانه ، وأنه المنعم الحقيقي، وأنّ الأوساط كلها منقادة لحكمه مسخرة لأمره.
الثَّاني: الحالة التي هي ثمرة تلك المعرفة وهي الخضوع والتواضع والسرور بالنعم / من حيث إنّها موافقة لغرض النفس، فإن في ذلك متابعة لهواها وقصر الهمة على رضاها، بل من حيث إنّها هدية دالة على عناية المنعم بك، وعلامة ذلك أن لا تفرح من نعم الدنيا إلا بما يوجب القرب منه .
الثالث : العمل الذي هو ثمرة تلك الحال ، فإن تلك الحال إذا حصلت في القلب حصل
فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه تعالى، وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان والجوارح .
أمّا القلب فالقصد إلى تعظيم المنعم وتمجيده وتحميده والتفكر في صنائعه وأفعاله وآثار لطفه والعزم على إيصال الخير والإحسان إلى عامة الخلق .
وأما عمل اللسان فإظهار ما قصدته ونويته من التمجيد والتعظيم بتهليله وتحميده وتسبيحه والثناء عليه وإرشاد الخلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك.
وأما عمل الجوارح فاستعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته وعدم إستعمالها في معصيته ومخالفة أمره كأعمال العين في النظر إلى عجيب مصنوعاته وآياته ، والنظر في كتابه ، وإستعمال السمع في إستماع دلائله وبراهينه والإنصات لقراءة كتابه ، وقس على ذلك سائر الجوارح ، ومن هنا ظهر أن الشكر أشرف معارج السالكين وأعلى مدارج العارفين ، ولا يبلغ حقيقته إلا من ترك الدنيا وراء ظهره، وهم قليلون ولذلك قال عزّ من قائل: (وقيل من عبادي ) الشكور. انتهى كلامه قده ، (وأستعينه فاقة إلى كفايته ) الكلام في هذه الفقرة كالكلام في سابقتها إذا لفاقة إلى كفايته سبحانه علة داعية إلى الإستعانة ، ومعناها طلب الاعانة منه تعالى للحاجة إلى غناه واستغناء به عن غيره سبحانه كما قال تعالى :
( أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر : 36].
وذلك من جهة أنّ أزمة الأمور كلها بيده جل شأنه، فلا يقع شيء منها إلا بايجاده وإذنه وكلّ من سواه مفتقر إليه، ومن ذلك صح الإستغناء به عن غيره في جميع الأمور وكلّ الأحوال، وإستحال الإستغناء عنه في شيء منها قال تعالى :
(يَتَأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) [فاطر: 15].
والمراد بغناه هو الغني المطلق الذي هو سلب مطلق الحاجة ، لا الغنى بالمعنى المعروف كما أن المراد بالفقر مطلق الحاجة إذ حقيقة الغنى هو إستقلال الشيء بذاته في كلّ ما له من غير تعلق له بالغير أصلاً، وهو بهذا المعنى لا يكون إلا الله، وحقيقة الفاقة والفقر عدم إستقلال الشيء بذاته وتعلقه بالغير ولو في شيء، ما، وهو بهذا المعنى صفة لكلّ ممكن، فثبت انتعالى غني عن خلقه من كل الوجوه وتحقق فقرهم إليه من كل وجه ، لما تقرر من أن فقيراً بالذات من وجه ما فهو من وجه ما فهو فقير بالذات من جميع الوجوه ( إنه لا يضل من هداه ولا يثل من عاداه ) تعليل لطلبه المعونة على تحصيل الكفاية فكأنّه قال : وأستعينه على أن يرزقني الكفاية المستلزمة للهداية التي هي الغنى الحقيقي والملك الأبدي، فإنّه لا يضلّ من هداه ولا يطلب النّجاة من عذابه من عاداه، لعدم وجود منجي وموئل غيره حتى يلتجأ منه إليه، إذ كلّ من سواه مقهور تحت قدرته ومضمحل في جنب ذاته ، لا راد لحكمه ولا دافع لقضائه، فكيف يمكن الفرار من حكومته أو يلتجأ إلى من سواه، والمراد بمعاداته سبحانه للعبد إعراضه عنه
وإضلاله له فيكون كلامه علیه السلام في قوة أن يقال : إنّه لا يضلّ من هداه ولا يهتدي من أضله، تصديقاً لقوله سبحانه :
(ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلَّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيز ذِى أَنتِقَامٍ ) [الزمر: 36 - 37] ولقوله: مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَمُ وَلِيًّا تُرْشِدَا [الكهف : 17].
(ولا يفتقر من كفاه ) إذ بيده سبحانه خزائن الأرض والسماوات وعنده نيل الطلبات وله القدرة التامة التي لا يعجزها شيء والجود الذي لا يعتريه بخل ، والغنى الذي ليس معه فقر ، فإذا كان كافياً لعبده حصل له الإستغناء عمّن سواه وانقطعت حاجته عمّن عداه (فإنه أرجع ما وزن وأفضل ما خزن ) الضمير يحتمل رجوعه إلى الحمد المدلول عليه بقوله أحمده من قبيل:
(اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا) [المائدة: 8] .
فيكون المراد به أنه أرجح ما وزن بميزان الأعمال، وأفضل ما خزن واذخر ليوم الجراء ، وذلك لعظم فوائده وكثرة ثمراته حسبما ستعرفه بعيد ذلك، ويحتمل أن يرجع إلى الله سبحانه فيكون المعنى أنه أرجح ما وزن بميزان العقول وأفضل ما خزن في خزانة القلوب، وهذا أقرب لفظاً جرياً على سياق الضمائر السّابقة، والأوّل أقرب معنى للحاجة إلى التأويل على الثاني إذ الوزن والخزن من صفات الأجسام، وذاته تعالى مقدسة عن ذلك، فلا بد أن يجعل المراد رجحان عرفانه في ميزان العقل إذ لا يوازن عرفانه عرفان ما عداه ، بل لا يخطر ببال العارف عند الإخلاص سراه حتى يصدق هناك موازنته يقال فيها أرجح وقد مرّ تحقيقه في الفصل الرابع من فصول الخطبة الأولى عند شرح قوله علیه السلام : ( وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه )، فتذكر .
إعلم أنه قد تطابق النقل والعقل على وجوب شكر المنعم وحسنه وقبح کفران نعمه سبحانه .
أما النقل فمن الكتاب قوله تعالى في سورة إبراهيم علیه السلام .
(وَإِذْ نَاذَنَ رَبُّكُمْ لمن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَمَن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم: 7] وفي سورة النمل: وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40] إلى غير هذه الآيات الكثيرة .
ومن السنة أخبار كثيرة ، مثل ما رواه عبد الله بن إسحاق الجعفري عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «مكتوب في التوراة اشكر من أنعم عليك وأنعم من شكرك فإنه لا زوال
للنعماء إذا شكرت ، ولا بقاء لها إذا كفرت ، الشكر زيادة في النعم وأمان من الغير» (1)
وما رواه معاوية بن وهب عنه علیه السلام قال : «من أعطى الشكر أعطى الزيادة يقول غزّ وجلَّ: (لئن شكرتم لأزيدنكم ) (2)[إبراهيم: 7]
وروى عبد الله بن الوليد قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : «ثلاث لا يضر معهن شيء: الدعاء عند الكرب والاستغفار عند الذنب والشكر عند النعمة » (3)
وروى معمر بن خلاد عن أبي الحسن صلوات الله عليه قال : سمعته يقول : «من حمد الله على النعمة فقد شكره وكان الحمد أفضل من تلك النعمة» (4)
وروی سفیان بن عيينة عن عمّار الدّهني قال : سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: « إن الله يحب كلّ قلب حزين ويحب كل عبد شكور ، ويقول الله تعالى لعبد من عبيده يوم القيامة : أشكرت فلاناً ؟ فيقول : بل شكرتك يا ربّ فيقول : لم تشكرني إذ لم تشكره، ثم قال : أشكركم الله أشكركم للناس . إلى غير هذه من الأخبار المتظافرة المستفيضة وقد عقد في «الكافي» باباً في الشكر وأخرجت هذه الأخبار منه من أراد زيادة البصيرة، فليرجع إليه (5).
وأما العقل فهو مستقل في وجوب الشكر وحاكم بحسنه ، وأتفق على ذلك الإمامية والمعتزلة، وخالف فيه الأشاعرة بعد تنزلهم عن أصلهم الذي أسسوه في مسألة الحسن والقبح، وذهبوا إلى عدم حكم للعقل بوجوب شكر المنعم على تقدير تسليم حكمه مطلقاً وإدراكه الحسن والقبح في الجملة والمسألة معنونة في الأصول، وأدلة الطرفين مفصلة فيها .
وعمدة ما تمسك به المخالف دليلان ، أحدهما نقلي والآخر عقلي.
أما النقلي فهو قوله تعالى :
(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15]
وجه الإستدلال أن وجود وجوب شيء عبارة عن ترتب العقاب على مخالفته، وحيث إنتفى العقاب قبل الشرع بحكم الآية إنتفى الوجوب .
وأجيب عنه أولاً بالتخصيص بالمستقلات العقلية فيختص حكم الآية بغير المستقلات
ويكون المراد، وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع، والتخصيص وإن كان خلاف الظاهر إلا أنه يجب ارتكابه عند قيام الدليل عليه، وقد قام الدليل على حكم العقل في الجملة حسبما تعرفه .
وثانياً : بجعل الرسول أعم من الظاهر والباطن، أما الظاهر فهو الأنبياء، وأما الباطن فهو العقل بل هو الرسول الذي لولاه لما تقرّر رسالة أحد من الأنبياء ولزم إفحامهم، وذلك لأنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة على طبق دعواه، فأما ان يجب على المستمع استماع قوله والنظر إلى معجزته أولاً، وعلى الثاني فقد بطل القول بالنبوة ولزم الافحام، وعلى الأوّل فاما أن يكون وجوبه بالعقل أو بالشرع، فان وجب بالعقل فقد ثبت المدعي وهو كون العقل حاكماً، وإن وجب بالشرع فهو باطل لأن الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره، والأوّل باطل، لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك المدّعي يقول : الدليل على وجوب قبول قولي هو قولي إنّه يحب قبول قولي وهذا إثبات للشيء بنفسه وبعبارة أخرى وجوب النظر إلى معجزته واستماع قوله يتوقف على حجية قوله مع أن حجيته موقوفة على النظر، والثاني أيضاً باطل ، لأنّ الكلام فيه كالكلام في الأول، ولزم إما الدور أو التسلسل، وهما محالان.
وثالثاً : أن نفي التعذيب لا يلازم عدم الوجوب إذ الواجب ما يستحق فاعله العقاب لا ما يترتب عليه العقاب فعلاً ، لجواز سقوطه بعفو أو شفاعة ، وربما أورد عليه بأن العفو عن ترك جميع الواجبات وفعل المحرمات إلى زمان البعث . وكون الآية إخباراً عن ذلك مستلزم لإلغاء الإيجاب والتحريم، إذ المقصود منهما فعل الواجب وترك الحرام وهما لا يتحصلان في حق عموم المكلفين إلا المخلصين إلا بالخوف عن العقاب، فإذا انتفى الخوف بسبب الاخبار عن العفو وحصل الاطمئنان للنفس بعدم التعذيب ، لا يتحصل الغرض من التكليف، فيكون التكليف لغواً وعبثاً .
ورابعاً بمنع عدم تحقق الوجوب بدون العقاب، فإنّه يكفي فيه استحقاق المدح بفعله والذم بتركه ، ونلتزم في حسن العقاب على الواجبات بوجوب اللطف وتأكيد العقل بالنقل فمع عدم وجود النقل لا يجوز العقاب وإن حسن الدّم، وهو يكفي في تحقق الوجوب وكيف كان فقد تحصل مما ذكره عدم نهوض الآية للدلالة على نفي حكومة العقل مطلقاً وفي وجوب شكر المنعم بخصوصه كما ظهر ثبوت حكومته أيضاً في الجملة مما ذكرناه في الجواب الثاني .
وأمّا العقلي فتقريره ما ذكره الحاجبي في «المختصر » ، قال: شكر المنعم ليس بواجب عقلاً، لأنه لو وجب لوجب لفائدة وإلا لكان عبثاً وهو قبيح ولا فائدة الله تعالى لتعاليه عنها، ولا للعبد في الدنيا لأنه مشقة ولا حظ للنفس فيه، ولا في الآخرة إذ لا محلّ للعقل في ذلك .
وتوضيحه ما ذكره العضدي في شرحه حيث قال : لنا لو وجب لوجب لفائدة واللازم باطل، أما الأولى فلأنه لولا الفائدة لكان عبثاً وهو قبيح فلا يجب عقلاً إذ كان ايجابه عبثاً وهو قبيح فلا يجوز على الله ، وأما الثانية فلان الفائدة إما لله وإما للعبد والثاني، إما في الدنيا وإما في الآخرة، والثلاث منتفية، أما الله فلتعاليه عن الفائدة، وأمّا للعبد في الدنيا فلان منه فعل الواجبات وترك المحرمات العقلية وأنه مشقة وتعب ناجز ولا حظ للنفس فيه، وهو كذلك لا يكون له فائدة دنيوية، وأما للعبد في الآخرة فلان أمور الآخرة من الغيب الذي لا مجال للعقل فيه .والجواب أولاً بمنع كون وجوبه لفائدة، لجواز كون وجوبه لنفسه لا لشيء آخر، فإنّه لا يلزم ثبوت الغايات لكل شيء وإلا لزم التسلسل، بل لا بد وأن ينتهي إلى ما يكون واجباً لذاته ولا غاية له سوى ذاته كما أن دفع الضرر واجب لذاته لا لغاية أخرى، ولهذا يعلل العقلاء ، وجوبه بكونه شكراً للنعمة لا لشيء آخر، وإن لم يعلموا شيئاً آخر من جهات الوجوب .
وثانياً سلمنا أن الوجوب لا يكون إلا لفائدة ، إلا أنا نمنع انتفاء الفائدة الدنيوية للعبد لأنّ أداء الشكر وإن كان فيه ضرر عاجل وتعب ناجز (1)إلا أن دفع الخوف من النفس الحاصل في العاجل بسبب تجويز الضرر الآجل بتركه أمر مطلوب وهو راجح على ضرر الشكر العاجل وهو کاف في الوجوب .
وثالثاً : سلمنا انتفاء الفائدة الدنيوية إلا أنا نمنع انتفاء الفائدة الأخروية وهو النجاة من العقاب المترتب على عدم الشكر .
لا يقال : إن أردت بالعقاب المترتب على عدم الشكر العقاب القطعي فممنوع ، لأن القطع بثبوته عند عدمه إنّما يحصل لو كان الشكر يسرّ المشكور والكفر يسوؤه، أما المنزه عن ذلك فلا، وإن أردت العقاب المحتمل فلا ينفع لأن احتمال العقاب كما هو موجود عند الكفر كذلك موجود عند الشكر أيضاً، أمّا أوّلا فلانه تصرف في ملك الغير بدون إذن المالك، فإنّ ما يتصرف فيه العبد من نفسه وغيرها ملك الله تعالى ، وأما ثانياً فلأنه كالإستهزاء.
بيان ذلك : أنا لو فرضنا سلطاناً عظيماً وملكاً كريماً بسط لأهل مملكته من الخاص والعام بساط مائدة عظيمة لا مقطوعة ولا ممنوعة على توالي الأيام وتواتر السنين والأعوام، مشتملة على أنواع المأكولات والمطاعم وأقسام المشروبات والفواكه، يجلس عليها الدّاني والقاصي ويأكل منها المطيع والعاصي، وفرضنا أنه حضر فيها فقير لم يحضرها قبل الآن، ودفع إليه الملك من تلك المائدة لقمة خبز لا غير ، فتناولها الفقير ، ثم شرع في الثناء والمدح على ذلك الملك الكبير، وجعل يمدحه بجليل الأنعام والإحسان ، ويحمده على جزيل البر والامتنان، ولم يزل يصف تلك اللقمة ويذكرها ويعظم شأنها ويشكرها، فتارة يحرك أنملته
1) أقول : بل فيه منفعة دنيوية وهي استدامة النعم وازديادها .
شاكراً، وأخرى يهز رأسه ذاكراً لانتظم شكره ذلك عند العقلاء في سلك التهكم والإستهزاء، ولا ريب أن نعم الله سبحانه علينا بالنسبة إلى عظيم سلطانه وعميم إحسانه أحقر من تلك اللقمة بالنسبة إلى ذلك بمراتب لا تحصى ودرجات لا يحوم حولها الإستقصاء .
لأنا نقول : أوّلاً إنّ العقاب المترتب على الكفران قطعي، وقوله : إن القطع بثبوته إنّما يتصور في حق من يسره الشكر ويسوؤه الكفر، ممنوع، لأنّ ترك الواجب علة في إستحقاق العقاب بتركه، وثانياً سلمنا ولكن نمنع احتمال العقاب على الشكر ، وما علله به أولاً من أنّه تصرف في ملك الغير من دون إذنه فضعيف بأنا نعلم قطعاً أن الإشتغال بوظائف الخدمة والقيامة بالشكر والمواظبة عليه أسلم من تركه والاعراض عن الخدمة والتغافل عن الشكر كضعف ما علله به ثانياً من كونه كالاستهزاء.
وتمثيل النعمة باللقمة باطل، فإنّ نِعَم الله على العبد بالإيجاد والإحياء والاقدار وما منحه من العقل والسلامة والملاذ والنعم أعظم من الدنيا بأجمعها .
والمثال المطابق للممثل أنه إذا كان مسكين مغفول ، وفقير في زاوية الخمول أخرس اللسان، مؤف الأركان ، أشل اليدين ، أعرج الزجلين ، أعمى العينين، أصم الأذنين، عاجزاً عن الحركات ، مبتلى بالبليات ، فأخرجه الملك من تلك الزاوية ، وهذه الهاوية، وأكرمه بمعالجة أسقامه ومداواة أمراضه، فانطلق لسانه وسلم أركانه، وقدر على الحركات والسكنات، وبرء من الأسقام والآفات ، وأعطى السمع والبصر، وميز بين النفع والضرر، وقويت يداه واستقامت رجلاه ، ثم أكرمه الملك بعد تمام العلاج وكمال المزاج، بمزيد الاحسان والإكرام، وبذل له غاية المعروف والأنعام، فأعطاه المساكن والملابس، ومنحه المطاعم والمشارب، وأتمّ له العيش الرغيد والعمر السعيد، فلو فرض أن هذا الشخص بعد حصول هذه المنن الجسام، وتلك النّعم العظام في حقه، أعرض عن شكر الملك ورغب عن ثنائه، ولم يظهر منه ما يدلّ على الاعتناء بنعمائه، والإلتفات بآلائه ، بل كان حاله بعد حصولها كحاله قبل وصولها، لذمّه العقلاء وطعنه الألباء، كما تشهد به العقول السليمة، والطباع المستقيمة، وهذا المثال هو الأوفق بالتمثيل ، والله الهادي إلى قصد السبيل والحمد لله على ما عرفنا من حمده، وألهمنا من شكره.
حمد سپاس میکنم پروردگار را به جهت طلب تمامی نعمت او و به جهت انقياد و فرمان برداری عزت آن و به جهت طلب عصمت و محفوظی از معصیت آن و طلب یاری میکنم از او به جهت فقر و حاجت بر غنا و کفایت آن . به درستی که گمراه نمی شود هر کسی که خداوند هدایت فرمود آن را و نجات نمی یابد هرکسی که عداوت فرمود با آن و محتاج نمی گردد هر کسی که کفایت فرمود آن را ، پس به درستی که خداوند راجح ترین چیزی است که سنجیده میشود با میزان عقول کامله و فاضل ترین چیزی است که مخزون گردد در خزانه قلوب صافیه یا این که حمد خداوند ارجح چیزی است که موزون میشود در میزان اعمال
افضل چیزی است که مذخور و مخزون میباشد به جهت لقاء حضرت متعال .
«وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، شَهادَةً مُمْتَحَناً إخلاصها، مُعْتَقَداً مُصاصُها، نَتَمَسْكُ بها أَبَداً ما أَبْقانا ، ونَدْخِرُها لأَهَاويل ما يَلْقانا، فَإِنَّها عَزيمَةُ الإِيْمَانِ، وَفَاتِحَةُ الإِحْسَانِ ، وَمَرْضَاتُ الرَّحْمَنِ، وَمُدْخِرَةُ الشَّيْطَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بالدين المشهور، والعلم المأثور، وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورٍ ، وَالنُّورِ الساطع، والضياء اللامع، والأَمْرِ الصادِعِ ، إِزاحَةَ لِلشَّبُهَاتِ ، وَاحْتِجَاجاً بِالْبَيِّنَاتِ، وَتَحْذِيراً بِالآيَاتِ، وَتَخْوِيفاً لِلْمَثلات » (1).
(المصاص) بضم الميم والضادين المهملتين الخالص من كلّ شيء وفي الحديث ليس لمصاص شيعتنا في دولة الباطل إلا القوت ، و(الإدخار) افتعال من الذخر وهو إعداد الشيء واختياره لوقت الحاجة، وادّخر يدّخر أصله إذ تخر قلبت (التاء) (دالا) مهملة وأدغمت، وقد يعكس فتصير ذالاً معجمة ، وهو الأقل وهذه قاعدة كلية في (كلما اجتمع) (التاء والذال) في كلمة واحدة كاذكر ونحوه (أهاويل) جمع أهوال وهو جمع هول كأقاويل وأقوال وقول، يقال: هالني الشيء يهول هولاً من باب قال أفزعني و(العزيمة) العقيدة يقال : عزم على الشيء وعزمه عزماً وعزماً بالضم وعزيمة إذا عقد ضميره على فعله ، ويحتمل أن يكون من العزم هو الجد
الأمر يقال : عزم عزيمة وعزمة إجتهد وجد في أمره ومنه قوله تعالى :
(وإِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْرِ الْأُمورِ ﴾ [آل عمران : 186].
أي معزومات الأمور التي يجب أن يجد فيها ، وأولوا العزم أولوا الجد والثبات
(والمرضات) كالرّضا والرّضوان مصدر من رضي عنه ضد سخط قال تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَسْرِى نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مُضَاتِ الله [البقرة : 207])(والمدحرة إسم فاعل من ادخره أي أبعده ومنه أدخر عني الشيطان أي أبعده عني و(العلم) ما يهتدي به و(المأثور) المنقول يقال آثرت الحديث أثراً نقلته والأثر بفتحتين اسم منه، وحديث مأثور ينقله خلف عن سلف و (الساطع) و(اللامع) بمعنى واحد و(الصادع) الظاهر أو الفاصل أو الحاكم بالحق قال الفيروز آبادي : قوله تعالى :)( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر: 94] . أي شقّ جماعتهم بالتوحيد أو أجهر بالقرآن أو أظهر أو أحكم بالحق وأفصل بالأمر أو أقصد بما تؤمر أو أفرق به بين الحق والباطل و (الإزاحة) الإزالة يقال : أزاح الشيء عن موضعه
1) نهج البلاغة : 028/1
أزاله ونحاه و (المثلات) بفتح (الميم) وضم (الثاء) كالمثولات جمع المثلة بفتح (الميم) وضمّ (الثاء) هی العقوبة التي يعتبر بها ، من مثل بفلان مثلاً نكل ومثل تمثيلاً بالتشديد للمبالغة، ومن قال في الواحد مثله بضم وسكون القاء قال في الجمع مثلات نحو غرفة وغرفات، وقيل: في جمعها مثلات كركبات بفتح (الكاف) قال في «الكشاف» في تفسير قوله تعالى :
وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثْلَتُ [الرعد: 6] .)أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فمالهم لم يعتبروا بها ، والمثلة : العقوبة بوزن السمرة والمثلة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة :(وَجَزَاؤُا سَيْشَةٍ سَبْةٌ مِثْلُها [الشورى: 40] .)يقال أمثلت الرّجل من صاحبه أقطعته عنه ، والمثال القصاص، وقرأ المثلات بضمتين والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات انتهى .#### الاعرابكلمة (لا في قوله : أشهد أن لا إله (ا ه) نافية للجنس، ويسمّى تبرية، وإله إسمها مبني على الفتح ، واختلف في خبرها، فقيل : إنّه محذوف جرياً على ما هو الغالب من حذف خيرها إذا كان معلوماً، نحولا فوت ولا ضير أي لا فوت لهم، ولا ضير علينا، ويلزمه أي حذف الخبر المعلوم (التميميون والطائيون».)واختلف هؤلاء في المحذوف، فقيل إنه موجود ويضعف بأنه لا ينفي إمكان إله معبود بالحق غيره تعالى ، لأنّ الإمكان أعم من الوجود ، وقيل : ممكن وفيه أنه لا يقتضي وجوده بالفعل، وقيل مستحق للعبادة، وفيه أنه لا يدلّ على نفي التعدد مطلقاً وقال أبو حيان لنا أو في الوجود أو نحو ذلك، ويتوجّه عليه ما يتوجه على ما تقدمه ، وقال الزمخشری في جزء لطيف له على كلمة الشهادة : هكذا قالوا :والصواب أنه كلام تام ولا حذف وأنّ الأصل الله إله مبتدأ و خبر كما يقول : زيد منطلق، ثم جيء بأداة الحصر، وقدم الخبر على الإسم وركب مع (لا كما ركب المبتدأ معها في (لا رجل في الدار)، ويكون الله مبتداً مؤخراً وإله خبراً مقدماً، وعلى هذا يخرج نظائره نحو لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ، انتهى ، ونسبه الشهيد في «الروضة» إلى المحققين، وقال الموضح بعد نقله ذلك، قلت : وقد يرجح قوله بأن فيه سلامة من دعوى الحذف، ودعوى إبدال ما لا يحل محل المبدل منه، وذلك على قول الجمهور ومن الأخبار عن النكرة بالمعرفة ،وعن العام بالخاص وذلك على قول من يجعل المرفوع خبراً، انتهى .)أقول : إنّ العقول بعد ما غرقت في تيار بحار معرفته سبحانه ، والإفهام عجزت عن
إدراك هوية حقيقته، وكذلك بعدما تقاصرت الألباء وتحير الأدباء ، في تحقيق لفظة الجلالة الموضوعة لذاته المقدّسة الجامعة لصفاته الكمالية ونعوته الجمالية، فلا غرو أن يختلفوا بهذا الإختلاف في هذه الكلمة الطيبة المباركة، ويعجزوا عن إدراك معناها ونيل مغزاها ، كيف والمقصود بها توحيد من لا يناله غوص الفطن ولا يدركه بعد الهمم .والذي يخطر بالخاطر القاصر في هذا المقام أن يقال: إنّه لا خفاء في إفادتها التوحيد والتفريد .أمّا عند العوام الذين أذهانهم خالصة عن الكدر ، وغرائزهم صافية عن مزاج الشبه ، فلظهور أن هذه الكلمة لو عرضت عليهم لما فهموا منها ولا يتبادر إلى أذهانهم إلا أنه ليس إله سوى الله سبحانه من دون أن يخطر ببالهم أن يكون هناك إله ممكن غير موجود أو إله غير مستحق للعبودية، نظير أنه لو قيل لهم : لا سيف إلا ذو الفقار لا يفهمون منه إلا انحصار السيف فيه من دون أن يحتملوا أن يكون هناك سيف ممكن في دائرة العدم يصدق عليه أنه سيف أيضاً، وسرّ ذلك ما أشرنا إليه من صفاء خواطرهم عن التشكيكات والإحتمالات.وأمّا عند من كان خاطره غير نقي عن الخطرات والبدوات ومألوفاً بالبراهين الحكمية والشكوكات العقليّة البدوية، فلآن له أن يقدر الخبر ممكن، ويجب عن الإشكال الذي أورد أنّه عليه من لا يقتضي وجوده سبحانه بالفعل بأنّ هذه الكلمة كلمة توحيد، والمقصود بها ليس إثبات الوجود بل إثبات التوحيد ونفي الشريك، وذلك إنّما هو بعد الفراغ عن ثبوت وجوب وجوده بدلیل آخر وراء هذه مسبوقة به ، ويشهد به كلامه علیه السلام في الخطبة الأولى: أوّل الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده ، حيث جعل التوحيد تالياً للتصديق، ولازمه أن يكون التوحيد بعد الفراغ عن التصديق، وقد بيّنا هناك أن المراد بالتصديق هو الإذعان بوجوب الوجود.بل أقول: إن لفظة الجلالة على ما اتفق الكلّ عليه من وضعها للذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية يكون مؤداها على تلك الذات بوصف الإستجماع، فيكون المعنى لا إله ممكن موجوداً كان أو معدوماً إلا الذات المستجمعة، ومن الواضح أن الإستجماع لصفات الكمال فرع وجود المتصف بها بنفسه إذ لا يعقل أن يكون المعدوم فضلاً عن كونه جامعاً لجميع الصفات الوجودية ، نعم يبقى هنا شيء، وهو أن الإستثناء على هذا التوجيه يشبه أن يكون منقطعاً، إذا المستثنى منه هو الإله الممكن ، والمستثنى هو الله الواجب والإنقطاع في الإستثناء وإن كان خلاف الأصل إلا أنه لا ضير في المصير إليه بعد اقتضاء الداعي له، هذا.ويمكن أن يقدر الخبر موجود ، ويجاب عن الإشكال السابق من عن الإشكال السابق من أنه لا ينفي إمكان إله غيره تعالى ، بأن نفي الوجود يستلزم نفي الإمكان إذ لو اتصف فرد آخر بوجوب الوجود لوجد
ضرورة، فإذا لم يوجد علم عدم إنصافه به وما لم يتصف بوجوب الوجود لم يمكن أن يتصف به لإستحالة الإنقلاب بالضرورة.وهذا الجواب ذكره جمال الدين الخوانساري في حواشي «الروضة» وظاهره كما ترى يفيد أن المراد بالموجود الذي جعل خبراً هو الموجود بوجوب الوجود فيتوجه عليه حينئذ أنّه لا ينفي الإله الموجود بالوجود الإمكاني، وإن أراد الأعم من الموجود بالوجوب والموجود بالإمكان فيعود الإشكال بأنّه لا ينفي إمكان إله غيره ولا يتمشى الجواب بأنّ نفي الوجود يستلزم نفي الإمكان إذ لا انقلاب على هذا التقدير حتى يستحيل كما هو واضح ، فتأمل في هذا المقام جيداً فإنّه من مزال الأقدام.ووحده منصوب على الحالية ولا يضرّ كونه معرفة، لتأويله بالنكرة أي متوحداً فالصورة ، وإن كانت معرفة فهي في التقدير نكرة على نحو : وأرسلها العراك ، أي معتركة ، وقال : بعض النحويين إنّه منصوب على المفعولية والفعل محذوف والجملة حال ، أي ينفرد وحده، وكيف كان فهي حال مؤكدة لمضمون الجملة على حدّ زيد أبوك عطوفاً، ويحتمل التأسيس بأن يكون المراد بالجملة التوحيد في الذات ، وبالحال التوحيد في الصفات ، وجملة لا شريك له حال بعد حال ، وهي تأكيد بعد تأكيد، ويحتمل التأسيس : بأن يراد بها التوحيد في الأفعال، (وممتحناً ومعتقداً صفتان جاريتان لغير من هما له ، وجملة (نتمسك) صفة أيضاً، وجملة (أرسله) تحتمل الحالية والوصفية ، وإزاحة، (واحتجاجاً وتحذيراً، وتخويفاً ) منصوبات على المفعول لأجله.)#### المعنيإعلم أنه علیه السلام قرن حمداً الله سبحانه بالشهادة بتوحيده ، فقال : (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهذه الكلمة أشرف كلمة نطق بها في التوحيد، ولذلك قال صلی الله علیه واله وسلم في مروي أبي سعيد الخدري : « ما قلت ولا قال القائلون قبلي مثل لا إله إلا الله» .)وقد ورد لهذه الكلمة الطيبة فضائل كثيرة في أخبار أهل العصمة عليهم السلام فقد روى الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده عن أبي حمزة قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: «ما من شيء أعظم ثواباً من شهادة أن لا إله إلا الله، لأن الله عزّ وجلّ لا يعد له شيء ولا يشركه في الأمر احد»، وفي «الكافي» و« ثواب الأعمال» مثله (1.)وعن السكوني عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم «خير العبادة قول لا إله إلا الله»(2)
وعن أبي الطفيل عن علي علیه السلام قال : ما من عبد مسلم يقول : لا إله إلا الله، إلا صعدت تخرق كلّ سقف ولا تمر بشيء من سيئاته إلا طلستها حتى ينتهي إلى مثلها من الحسنات فيقف» (1.)وعن الشيباني عن الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «إنّ الله عزّ وجلّ عموداً من ياقوتة حمراء رأسه تحت العرش وأسفله على ظهر الحوت في الأرض السابعة السفلى فإذا قال العبد : لا إله إلا الله إهتز العرش وتحرك العمود وتحرك الحوت، فيقول الله تبارك وتعالى : اسكن يا عرش فيقول : لا أسكن وأنت لم تغفر لقائلها، فيقول الله تبارك وتعالى : إشهدوا سكان سمواتي اني قد غفرت لقائلها » (2.)وعن عبد السلام بن صالح أبي الصلت الهروي قال: كنت مع علي بن موسى الرّضا علیه السلام حين رحل من نيشابور وهو راكب بغلة شهباء وإذا محمد بن رافع وأحمد بن حرب ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وعدة من أهل العلم قد تعلّقوا بلجام بغلته في المربعة فقالوا : بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث قد سمعته من أبيك، فأخرج رأسه من العمارية وعليه مطرف خزّ ذو وجهين ، وقال : «حدثني أبي عبد الصالح موسى بن جعفر قال : حدثني أبي الصادق جعفر بن محمد ، قال: حدثني أبي أبو جعفر محمد بن علي باقر علم الأنبياء، قال : حدثني أبي علي بن الحسين سيد العابدين، قال: حدثني أبي سيد شباب أهل الجنّة الحسين، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال سمعت النبي صلی الله علیه واله وسلم يقول قال : الله جل جلاله: إنّي أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني ، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالاخلاص دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي»، وفي رواية أخرى نحوه وفي آخرها : فلما مرّت الرّاحلة نادانا : بشروطها وأنا من شروطها (3.)قال الصدوق (رحمت الله من شروطها الإقرار للرّضا علیه السلام بأنّه إمام من قبل الله عزّ وجلّ على العباد مفترض الطاعة عليهم.)وفي ثواب الأعمال عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : قال الله جل جلاله لموسى بن عمران علیه السلام : يا موسى لو أنّ السّماوات وعامريهن عندي والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله » في كفّة مالت بهن لا إله إلا الله ومثله في التوحيد (4.)
وعن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : القنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنها تهدم الذنوب، فقالوا يا رسول الله : فمن قال في صحته، فقال صلی الله علیه واله وسلم : «ذلك أهدم وأهدم ، إنّ لا إله إلا الله أنس للمؤمن في حياته وعند موته وحين يبعث»، وقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : قال جبرئيل : « يا محمد لو تراهم حين يبعثون هذا مبيض وجهه ينادي لا إله إلا الله والله أكبر وهذا مسود وجهه ينادي يا ويلاه يا ثبوراه» (1.)وعن عبد الله بن الوليد رفعه قال : قال النبي صلی الله علیه واله وسلم : من قال لا إله إلا الله غرست له شجرة في الجنة من ياقوتة حمراء، منتبهاً في مسك أبيض أحلى من العسل وأشد من بياضاً الثلج وأطيب ريحاً، فيها أمثال أثداء الأبكار تفلق عن سبعين حلة » وفي «الكافي»مثله (2.)والأخبار في هذا الباب كثيرة وفي الإستقصاء إطالة ، وفيما روبناها كفاية إنشاء الله (شهادة ممتحنا إخلاصها أي مختبراً كونها مخلصاً ، يعني أنه علیه السلام إختبر قلبه في إخلاص هذه الشهادة فوجده عرياً عن شبهة الباطل وخالصاً عن شوائب الشرك (معتقداً مصاصها) أي خالصها، يعني أن هذه الشهادة صادرة عن صميم القلب ، والقلب مطابق فيها للّسان ومذعن بخلوصها، وبالجملة ففي توصيف الشهادة بهذين الوصفين إشارة إلى كونها في مرتبة الكمال وأنّها خالصة مخلصة، وهذه المرتبة هي المطلوبة في باب التوحيد ، وإلا فالشهادة الصادرة عن محض اللسان إنّما تطهر جلد الإنسان ولا يترتب عليها ثمرة في الآخرة وأما الصادرة بالإخلاص فهي الشهادة في الحقيقة .)ولذلك قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيما رواه في التوحيد عنه صلی الله علیه واله وسلم : «رأيت أشهد أن لا إله إلا الله كلمة عظيمة كريمة على الله عزّ وجلّ ، من قالها مخلصاً إستوجب الجنّة ومن قالها كاذباً عصمت ماله ودمه وكان مصيره إلى النّار » (3.)وفيه أيضاً عن زيد بن أرقم عن النبي صلی الله علیه واله وسلم بن أرقم عن النبي : « من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة وإخلاصه بها أن حجزه لا إله إلا الله عما حرم الله»، ورواه في ثواب الأعمال أيضاً مثله (4.)وفيهما عن جابر عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : «أتاني جبرئيل بين الصفا والمروة فقال يا محمد : طوبى لمن قال من أمتك لا إله إلا الله وحده مخلصاً » (5.)
وفي «الكافي»عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله علیه السلام قال :« يا أبان إذا قدمت الكوفة فازو هذا الحديث ، من شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً وجبت له الجنّة»، قال : قلت له : إنّه يأتيني من كلّ صنف من الأصناف أفأروي هذا الحديث؟ قال :« نعم يا أبان إنه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأولين والآخرين فتسلب لا إله إلا الله منهم إلا من كان على هذا الأمر » (1)والمراد بسلبها منهم عدم نفعها لهم، لكونه الولاية شرطاً في التوحيد كما مز في رواية الرضا علیه السلام من قوله : بشروطها وأنا من شروطها ( نتمسك بها أبداً ما أبقانا ونذخرها لأهاويل ما يلقانا لأنّها أنس للمؤمن في حياته وفي مماته وحين يبعث كما مرّ في رواية ثواب الأعمال، فهي أعظم ذخيرة لأهوال الآخرة وشدائدها».)وقد مرّ في رواية ثواب الأعمال والتوحيد: قوله تعالى لموسى بن عمران: لو أن السماوات وعامريهنّ عندي والأرضين السبع في كفّة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهنّ لا إله إلا الله ، فأتي ذخيرة تكون أعظم منها ثم علل علیه السلام التمسك والإدخار بأمور أربعة.أولها : ما أشار إليه بقوله علیه السلام: (فإنّها عزيمة الإيمان أي عقيدتها وممّا يجب للمؤمن أن يعقد قلبه عليها، أو أنها معزومة الإيمان بمعنى أنها مما ينبغي أن يجد فيها ويجتهد حسبما أشير إليه في بيان لغتها .)الثاني : قوله علیه السلام : (وفاتحة الإحسان أي إبتداء الإحسان وأوله، وإضافته إليه من قبيل اضافة الجزئي إلى الكلّ ، مثل فاتحة الكتاب، فيكون مصدراً بمعنى الفتح كالكاذبة بمعنى الكذب ، وعلى هذا فالمراد بالإحسان هو التوحيد وأصول الشريعة ويدل على صحة إطلاقه بذلك ما رواه في التوحيد عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر قال : حدثني أبي عن جده جعفر بن فر بن محمّد أبيه عن آبائه عن عليّ عليهم السلام في قول الله عزّ وجل:)(وهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ [الرحنن : 60] . تل قال علي علیه السلام : « ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة » (2)، هذا ، ويحتمل أن تكون الفاتحة وصفاً من الفتح ضد الغلق فالإضافة لامية، وهذا هو الأظهر والمعنى لأظهر والمعنى أنّ الشهادة باعثة لفتح أبواب الإحسان والإنعام وأنها مفتاح لها، إذ بها يستحق العبد للفيوضات الأبدية والنعم السرمدية .
ويدلّ عليه مضافاً إلى الأخبار السالفة ما رواه في «الإحتجاجم عن أمير المؤمنين علیه السلام :« من قال لا إله إلا الله مخلصاً طمست ذنوبه كما يطمس الحرف الأسود من الرّق الأبيض، فإذا
قال ثانية لا إله إلا الله مخلصاً خرق أبواب السماء وصفوف الملائكة حتى تقول الملائكة بعضها لبعض إخشعوا لعظمة أمر الله، فإذا قال ثالثة مخلصاً لا إله إلا الله لم تنته دون العرش فيقول الجليل : اسكتي فوعزتي وجلالي لأغفرن لقائلك بما كان فيه» (1)، ثم تلا هذه الآية :
( إلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10] .
يعني أذا كان عمله خالصاً إرتفع قوله وكلامه هذا، وظهر لي معنى ثالث وهو أن يكون المصدر بمعنى الفاعل ويكون المراد أنها إبتداء كون الرّجل محسناً مقابل كونه مسيئاً .
الثالث قوله علیه السلام : (ومرضات الرّحمن وذلك واضح لأنها محصلة لمرضاته تعالى ورضائه ورضوانه ومعدة للخلد في جنانه.
الرابع قوله علیه السلام: ( ومدحرة الشيطان) وذلك أيضاً واضح لأن مقصود اللعين الإضلال والإغواء والكفر، والشهادة بالإخلاص زاجرة له وكاسرة «قاصمة خ ل » لظهره ورافعة لكيده ومكره، ولذلك أن اللعين بعد ما قال :
(بِعِزَّيْكَ لأُخرِينَهُمْ أَجْمِينَ) [ص: 82] .
عقبه بالإستثناء بقوله :
(إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) [الحجر: 40] .
وفي عدة الذاعي لأحمد بن فهد الحلّي قال : وقد روى عن النبي صلی الله علیه واله وسلم «على كل قلب جائم من الشيطان، فاذا ذكر اسم الله خنس الشيطان وذاب وإذا ترك الذاكر التقمه فجذبه وأغواه واستنزله وأطغاه »(2)
وفي حديث آخر أنه قال : «الشيطان على قلب ابن آدم له خرطوم مثل خرطوم الخنزير يوسوس لابن آدم إن أقبل على الدنيا ما لا يحل الله فإذا ذكر الله خنس أي ذهب واستتر »(وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ) عقب علیه السلام الشهادة بالتوحيد بالشهادة بالرسالة أما أولا فلان مرتبة الرّسالة تالية لمرتبة التوحيد كما أنّ النبي صلی الله علیه واله وسلم ثاني الموجودات في الموجودية وإن كان الأوّل تعالى لا ثاني له في الوجود فينبغي أن تكون الشهادة برسالته عقيب الشهادة بالتوحيد طباقاً لما هو الواقع (3).
وأما ثانياً : فلأن المقصود من الخلق هو العرفان وإخلاص التوحيد والسلوك إلى الله ولا
بد للسالك من دليل يدلّ عليه وهاد يستهدي به ومبلغ يصدق بقوله ويقر برسالته، فلا بد من إقتران التصديق بالرسالة بالتصديق بالوحدانية كي يتوصل به إليه ويسلك به مسالكه، إذ النبي صلی الله علیه واله وسلم الموصل إليه وباب له وفاتح لمغلقات مراتب التوحيد ، وبوجوده صلی الله علیه واله وسلم تحصل المعرفة الثامة ويكمل الإخلاص التام.
وأما ثالثاً : فلأنه سبحانه قد قارن بين كلمتي التوحيد والرّسالة وكتب لا إله إلا الله ومحمد رسول الله بخطوط النور على ساق العرش وطبقات السّماوات وأقطار الأرضين و صفحتي الشمس والقمر، كما يستفاد من الأخبار، فينبغي المقارنة في شهادتيهما إقتفاء لما قد جرى عليه القلم الرباني وسطور النور .
وأمّا فضل الجمع بينهما فقد روى في «الكافي» عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر علیه السلام، قال : «من قال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله كتب الله له ألف حسنة ».
وفي ثواب الأعمال عن بشر الأوزاعي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال : «من شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله كتب له عشر حسنات، فإن شهد أن محمداً رسول الله كتبت له ألفي ألفي حسنة» (1).
وعن سهل بن سعد الأنصاري قال سألت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عن قول الله عزّ وجل:
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا [القصص : 46] .)قال : «كتب الله عز وجل قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورق آس أنبته ثم وضعها على العرش، ثم نادى يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن يلقني منكم يشهد أن لا إله إلا أنا وأن محمداً عبدي (2)ورسولي أدخلته الجنة برحمتي » (3))وفي عدة الدّاعي لأحمد بن فهد الحلّي عن الباقر علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم سرّه أن يلقى الله يوم القيامة وفي صحيفته شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويفتح له ثمانية أبواب الجنة فيقال له : يا ولي الله أدخل الجنّة من أيها شئت فليقل إذا أصبح وإذا أمسى :
«أُكْتُبَا بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فيها ، وأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ عَلَى ذَلِكَ أَحْيى وَعَلَى ذلِكَ أَمُوتُ وعَلَى ذلِكَ أَبْعَثُ حَيًّا إنشاءَ اللَّهُ ، إِقْرَءا مُحَمَّداً مِنِّي السَّلامُ، أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أَذهَبَ اللَّيْلَ مُظْلِماً بِقُدْرَتِهِ، وَجَاءَ بالنَّهَارِ مُبْصِراً بِرَحْمَتِهِ، خَلْقاً جَدِيداً مَرْحَباً بِالْحَافِظِينَ » ويلتفت عن يمينه : «وَحَيّاكُمَا اللَّهُ مِنْ كاتِبَينِ» ويلتفت عن شماله (1هذا.)وأما تسمية النبي صلی الله علیه واله وسلم بمحمد فأوّل من سماه بذلك الإسم هو الله سبحانه كما يدلّ على حديث عرض الأشباح لآدم علیه السلام حيث قال سبحانه له : هذا محمد وأنا الحميد المحمود في فعالي شققت له إسماً من إسمي ، وقد مرّ بتمامه في ثاني تنبيهات الفصل الحادي عشر من فصول الخطبة الأولى، ثم سمّاه عبد المطلب بذلك يوم سابع ولادته إلهاماً سابع ولادته إلهاماً منه سبحانه وتفاؤلا بكثرة حمد الخلق له، لكثرة خصاله الحميدة، وقد قيل لم سمّيت ابنك محمّداً وليس من أسماء آبائك ولا قومك ؟ فقال : رجوت أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله رجائه.وفي «الوسائل » عن «كشف الغمة» عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام عن ابن عباس قال:« إذا كان يوم القيامة نادى مناد ألا ليقم كل من كان اسمه محمّد فليدخل الجنة بكرامة سميه محمد صلی الله علیه واله وسلم »(2.)وفي «الكافي» عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «لا يولد لنا ولد إلا سميناه محمداً، فإذا مضى سبعة أيام فإن شئنا غيرنا وإلا تركنا » هذا (3.)وقد وردت الأخبار المتظافرة بل المستفيضة في إستحباب التسمية بذلك الإسم المبارك، وروي له خواص كثيرة من أراد الإطلاع عليها فليرجع إلى أبواب أحكام الأولاد في كتب الأخبار .وأما تقديم وصف العبودية على الوصف بالرّسالة في كلمة الشهادة، فلأن مقام العبودية متقدّم على مرتبة الرّسالة كما يشهد به ما رواه في «الكافي» عن زيد الشحام ، قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : «إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتَّخذه نبياً وإن الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، وإنّ الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإن الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً فلما له الأشياء(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماما (4)[البقرة : 124].)قال : فمن أعظمها في عين إبراهيم:
(قال إني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّيّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّلِمِينَ [البقرة : 124]. قال: «لا يكون السفية إمام التقي» ، ومثله أخبار أخرى ويأتي تحقيق الكلام فيها عند الكلام على مسألة الإمامة في مواضعها اللائقة إنشاء الله .
ثم أشار علیه السلام إلى تعظيم الرسول صلی الله علیه واله وسلم بما جاء به فقال : (أرسله بالدين المشهور ) أي بين الأمم الماضية والقرون الخالية (والعلم المأثور) توكيد للفقرة الأولى وأشار به إلى كون ذلك الدين علماً يهتدي إلى حظيرة القدس التي يطلب السلوك إليها، وكونه مأثوراً إشارة إلى كون ذلك الدين مختاراً على سائر الأديان، أو أنه مأثور منقول من قرن إلى قرن ويهتدي به قوم بعد قوم (والكتاب المسطور) بقلم النور على اللوح المحفوظ قبل وجود الأنفس والآفاق، والمكتوب على الأوراق والصفحات بعد تلبسه بلباس الحروف وجلباب الأصوات (والنور الساطع والضياء اللامع )يحتمل أن يكون المراد بهما الكتاب فيكون العطف للتوكيد قال تعالى :
(قد جاء كم تين اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾ [المائدة: 15] يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [المائدة: 16].
فهو نور عقلي تنكشف به أحوال المبدأ والمعاد ويتراءى منه حقائق الأشياء وضياء يهتدي به في ظلمات بر الأجسام وبحر النفوس، ويظهر به للسالكين إلى الدار الأخرى طريق الجنّة والنّور، ويحتمل أن يكون المراد علم النبوة فإنه نور مقتبس من الوحي الإلهي يتنور به في ظلمات الجهالة ، وضياء يستضاء به في مفاوز الضلالة (والأمر الصادع ) أي الظاهر أو الفارق بين الحق والباطل أو الحاكم بالحق وفيه تلميح إلى قوله تعالى :
(فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ [الحجر: 94] .
ثم أشار علیه السلام إلى دواعي البعثة وما هو المقصود بالرسالة فقال علیه السلام: (إزاحة للشبهات) أي أرسله صلی الله علیه واله وسلم إزالة للشبهات الباطلة والشكوكات الفاسدة (وإحتجاجاً بالبينات) أي بالمعجزات القاهرة والبراهين الساطعة (وتحذيراً بالآيات )أي إنذاراً بالآيات القرآنية والخطابات الشرعية ويحتمل أن يكون المراد بالآيات العقوبات النازلة بالعصاة التي هي علامة القهر والقدرة وفيها عبرة للمعتبرين كما قال تعالى :
(وَأَمطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجَبلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِلْمُتَوَسَمِينَ ) [ ال- :جر 74-75] وقال: فَالْيَوْمَ تُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ وَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ وَايَتِنَا لَغَفِلُونَ (92) [يونس : 92] .)وعلى هذا الإحتمال فيكون عطف قوله : (وتخويفاً للمثلات عليه من قبيل العطف للتوكيد، أي تخويفاً بالعقوبات الواقعة بأهل الجنايات ، هكذا فسر الشارحان البحراني)
والمعتزلي هذه الفقرة ، الأوّل تصريحاً والثاني تلويحاً، ولكنّه خلاف الظاهر، لأنه قال علیه السلام : للمثلات ولم يقل : بالمثلات ، والأظهر عندي هو أن المراد بها التمثيل والتنكيل بجدع الأنف وقطع الأذن ونحوهما ممّا كان شعاراً في الجاهلية، وقد نهى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عنه وخوف له، كما يدلّ عليه وصيّته الآتية في الكتاب للحسن والحسين عليهما السّلام لما ضربه ابن ملجم :« يا بني عبد المطلب لا الفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون : قتل أمير المؤمنين لاتقتلن لي إلا قاتلي : انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا يمثل بالرّجل فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول : «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور » (1.)وفي «الكافي» بإسناده عن إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد الله علیه السلام إن الله يقول في كتابه :(ومن قُيْلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيهِ سُلْطَنَا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتل [الإسراء : 33].)ما هذا الإسراف الذي نهى الله عنه ؟ قال : « نهى أن يقتل غير القاتل أو يمثل بالقاتل » الحديث، والأخبار في هذا الباب كثيرة، ولعلنا نشير إلى بعضها عند شرح الوصية الآتية إن ساعدنا التوفيق إن شاء الله .
1) روضة الواعظين/ 137
#### الترجمةو شهادت میدهم به این که نیست هیچ معبودی به جز ذاتی که مستجمع است جميع صفات کمالیه را ، در حالتی که منفرد است در صفات و در حالتی که شريك نباشد او را در افعال و مصنوعات ؛ شهادتی که آزموده شده باشد اخلاص او و اعتقاد کرده باشد خاص و خالص او ؛ هم چنان شهادتی که تمسک میکنیم به آن همیشه مادامی که باقی گذاشته است خداوند سبحانه ما را در دار دنیا ، ذخیره می سازیم آن را به جهت هولهایی که ملاقات میکند ما را در داراخری ، پس به تحقیق آن شهادت عقیده ایمان است که باید مؤمن عقد قلب به آن نماید و جد و جهد در آن به جا آورد.و اول احسان است و یا این که گشاینده نعمتهای ابدی و فیوضات سرمدی است و خشنود کننده خداوند رحیم است و طرد کننده شیطان رجیم و شهادت می دهم به این که محمد بن عبدالله صلوات الله و سلامه عليه و آله بنده پسندیده خدا است و پیغمبر فرستاده او و در حالتی که فرستاده او را با دین و شریعتی که مشهور است و با علم نبوتی که مأثور است یعنی اختیار شده بر سایر دین ها یا این که نقل میشود از قرنها به قرنها و با کتابی که نوشته شده است بر صحایف و اوراق و بر لوح محفوظ پیش از وجود انفس و آفاق و با نور درخشنده و با روشنی تابنده و با امری که ظاهر است یا این که فاصل است میان حق و باطل فرستادن آن جهت زایل کردن و محو نمودن شبهههای باطله است و شکوکات فاسده و از جهت حجت آوردن بر مردمان با معجزات قاهره و براهین ظاهره و از برای ترسانیدن به آیههای قرآنی و خطابات فرقانی و به جهت ترسانیدن از برای تمثیلها و تنکیلها که از شعار جاهلیت بود و آن عبارت است از این که جنایت بزنند بر مرد با چیزی فضیع از بریدن گوش یا دماغ و مثل آن که باعث شهرت و جاری مجرای مثله بوده باشد چنان که در حق حمزه سیدالشهداء نمودند.
### الفصل الثالث#### اشارة«وَالنَّاسُ في فِتَنِ انْجَذَمَ فيها حَبْلُ الدِّينِ، وتَزَعْزَعَتْ سَوارِي الْيَقينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ ، وتَشَتَّتَ الأَمْرُ، وضاقَ الْمَخْرَجُ ، وعَمِيَ الْمَصْدَرُ ، فَالْهُدَى حَامِلٌ، وَالْعَمى شامِلٌ ، عُصِيَ الرَّحْمَنُ ، ونُصِرَ الشَّيْطَانُ، وخُذِلَ الإيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعائِمُهُ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ، وعَفَتْ شُرُكُهُ، أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسالِكَهُ ، وَوَرَدُّوا مَناهِلَهُ ، سارَتْ أَعْلامُهُ، وقامَ لواؤُهُ في فِتَنِ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِها ، وَوَطِئَتْهُمْ بِأَخْلافِها، وقامَتْ عَلى سَنَابِكِها ، فَهُمْ فِيها تائِهُونَ ، حائِرُونَ، جاهِلُونَ، مَفْتُونُونَ، في خَيرِ دَارٍ وَشَرُ جيرانِ نَوْمُهُم سُهُودٌ ، وكُحْلُهُمْ دُمُوع بِأَرْضِ عَالِمُها مُلجم، وجاهِلُها مُكْرَم » (1.)#### اللغة(الفتن جمع الفتنة وهي الحيرة ومنه بأيكم المفتون وإعجابك بالشيء والضلال والإثم والكفر والفضيحة والعذاب، وإذابة الذهب والفضة . والإضلال والجنون والمحنة والمال واختلاف النّاس في الآراء وأكثر المعاني مناسب للمقام و (انجذم) انقطع و(الزعزعة) تحريك الريح الشجرة وتزعزع تحرّك و (السواري) جمع السارية وهي الاسطوانة و(النجر) بفتح النون كالتجار والنجار بالكسر والضمّ الأصل و(الخامل) الساقط يقال خمل الرّجل خمولاً من باب قعد فهو حامل أي ساقط لا نباهة له مأخوذ من خمل المنزل إذا عفا ودرس و(انهارت) أي سقطت (والدعائم) جمع الدعامة بالكسر ما يستند إليه الحائط ونحوه إذا مال ويمنعه من السقوط و (التنكر) التغير عن حال تسرك إلى حال تكرهها و(المعالم) جمع معلم كمقعد مظنة الشيء وما يستدل به عليه و(الشرك) من الطريق بضمتين جواده أو الطرق التي لا تخفى عليك ولا تستجمع لك مفردها شركة و (المناهل) جمع المنهل وهو المشرب و(الدوس) الوطىء بالزجل و(السنابك) جمع السنبك طرف الحافر و(التائهون) جمع التائه وهو الضال و(السهود) كالشهد الأرق.)#### الإعرابقوله علیه السلام : ( والناس في فتن ، يحتمل أن تكون الجملة حالية والعامل أرسله وهو الأظهر ويحتمل أن تكون إستئنافية ( والناس) مرفوع بالإبتداء، (وفي فتن) متعلق بمقدر خبر له، وقوله علیه السلام (في فتن داستهم)، يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله : سارت أعلامه وقام لواؤه، ويحتمل أن تكون خبراً بعد خبر للنّاس، وقوله : فهم (الفاء) تفريعية، وقوله : في خير دار يحتمل أن تكون الجار متعلقاً بقوله : (مفتونون) أو ما قبله من الأوصاف، ويحتمل أن يكون)
1) نهج البلاغة: 29/1
خبراً ثالثاً للناس ، وقوله : (بأرض عالمها ملجم يحتمل أن يكون متعلقاً بما تعلق به قوله في خير دار ، ويحتمل أن تكون خبراً رابعاً.)#### المعنىإعلم أنك قد عرفت أن الجملة أعني قوله علیه السلام : (والناس في فتن يحتمل أن تكون حالية وعلى ذلك فالمراد بالناس هو أهل زمان البعثة والمراد بالفتن فتن العرب في الجاهلية، ويحتمل أن تكون مستأنفة وعليه فالجملة مسوقة لذمّ أحوال أهل زمانه علیه السلام فيكون المراد بالفتن فتن بني أمية ومعاوية عليه الهاوية وعلى الإحتمال الأوّل فمعناه أنه سبحانه أرسل النبي صلی الله علیه واله وسلم وبعثه والحال أن الناس يومئذ كانوا في ضلالات وتشتت آراء ، وإختلاف أهواء (انجذم) أي انقطع (فيها) أي في تلك الفتن (حبل الدين ) وانفصمت عروة الشرع المبين وتشبيهه الذين بالحبل من جهة أن المعتصم به مأمون إذ هو حبل الله سبحانه وقد أمر الله بالإعتصام به حيث قال :)(ياتها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَالِهِ وَلَا تَوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ [آل عمران: 102-103] . أي تمسكوا بدين الله أو بالقرآن أو بأهل البيت عليهم السّلام كما في الأخبار الكثيرة، قال في «الكشاف» عند تفسير الآية قولهم إعتصمت بحبله يجوز أن تكون تمثيلات لإستظهاره به ووثوقه بحمايته بإمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن إنقطاعه، وأن يكون الحبل إستعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد أو ترشيحاً لإستعارة الحبل بما يناسبه، والمعنى واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تفرقوا عنه أو واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده وهو الايمان والطاعة أو بكتابه لقوله علیه السلام : « القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرّد من قال به صدق ومن عمل به رشد و من اعتصم به هدي إلى صراط مستقیم »انتهى .
وبالجملة الدين هو حبل الله المتين ، وذكر الإنجذام من قبيل ترشيه التشبيه والمراد بذلك الإنجذام هو انحراف الخلق عن الحق وعدم تمسكهم به وعدولهم عن سواء السبيل ( وتزعزعت) أي تحركت واضطربت (سواري اليقين ) أي دعائمه واسطواناته، والمراد باليقين هو الحق والعقائد اليقينية واضطراب دعائمه كناية عن عدم إستقامة الناس عليه وتزلزل عقائدهم، أو كناية عن موت أهل الدين الذين كان بهم قوامه وانقراض العاملين الذين لم يأخذهم في الله لومة لائم (واختلف النجر) أي الأصل الجامع للخلق وهي الفطرة التي فطر النّاس عليها (وتشتت الأمر ) أي تفرق أمر الدين بتفرق الأهواء، وتشتت الآراء (وضاق) للخلق بعد تورطهم في فتن الشبهات واقتحامهم في الهلكات (المخرج) منها (وعمى) عليهم
(المصدر) أي طريق الصدور عنها والخلاص منها .
وإسناد العمى إلى المصدر من باب المجاز العقلي والإسناد إلى المحل إذ العمي في الحقيقة صفة البصر والمراد به هنا فقد البصيرة تشبيهاً للمعقول بالمحسوس فكما أن فاقد البصر لا يهتدي إلى مقاصده المدركة بحسن البصر فكذلك إنتفاء البصيرة يوجب يوجب الضّلالة عن طريق الحق والعجز عن الوصول إلى الواقع (فالهدى خامل) أي أعلام الهداية بينهم حال عماهم عن المصدر ساقطة ومندرسة وأنوار الدراية منكسفة ومنطمسة (و) رين (العمى شامل) عليهم أي غشاوة الضلالة محيطة بقلوبهم، فهم مشتركون في تورّط الشبهات معتمرون في ظلم الجهالات (عصي الرّحمن) بخمول الهدى (ونصر الشيطان ) بشمول العمى وإتباع الهوى (وخذل الإيمان) بانفصام عروته الوثقى
(ف) لأجل خذلانه واضطراب قواعده وأركانه (إنهارت دعائمه) وسقطت سواريه (وتنكرت معالمه )وتغيرت آثاره (ودعائم الإيمان ومعالمه )كنايتان عن حملة الدين ودعاة الحق ،( وانهيارهم) كناية عن عدمهم أو عدم قبول قولهم ، وتنكرهم إشارة إلى عدم معرفة الخلق لهم لقلتهم (و درست سبله ) وطرقه ( وعفت شركه )وجواده فلم يبق له سبيل يوصل إليه ولا جادة سالكة إليه ، وهذا كله مبالغة في ضعف الإيمان ووهن الدين (وأطاعوا الشيطان ) بمخالفة الأوامر والنواهي وإتيان المعاصي والمناهي (فسلكوا مسالكه) واتبعوا آثاره) ووردوا مناهله )وشربوا من عيون ضلالته (بهم سارت أعلامه وقام لواؤه ) وقوى شوكته واستحكم خبائله حيث كانوا من جنوده معاونين له شركاء معه ساعين في إطفاء نور الهداية وإعلاء لواء الضلالة (في فتن ) والظاهر أنّ المراد بهذه الفتن غير ما سبق أوّلاً إذ النكرة إذا أعيدت كانت غير الأولى، وعلى تقدير تعلقه بقوله سارت فالمغايرة أظهر، وشبه علیه السلام هذه الفتن بأنواع الحيوان فاستعار لها أخفافاً وأظلافاً وحوافر وقال (داستهم) أي وطأتهم (بأخفافها ، ووطأتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها ) أي أطراف حوافرها.
قال الشارح البحراني : ويحتمل أن يكون هناك إضمار ، أي داستهم بأخفاف إبلها ووطأتهم بأظلاف بقرها وقامت على سنابك خيلها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وحينئذ يكون التّجوز في نسبة الوطي والدّوس والقيام إليها فقط وهو المجاز في الإسناد.
وكيف كان (فهم فيها )أي في هذه الفتن (تائهون) ضالون عن القصد (حائرن) متحيرون في أن الصواب في أتي جهة مألهم قبلة ولا دبرة (جاهلون) غير عالمين بالحق، مفتونون بالفتن العمياء الصماء (في خيردار) وهو مكة زادها الله شرفاً وشرّ جيران) يعني قريشاً .
قال الشارح المعتزلي: وهذا لفظ النّبي صلی الله علیه واله وسلم حين حكى بالمدينة حالة كانت في مبدأ البعثة، فقال: كنت في خير دار وشرّ جيران (نومهم ،سهود، وكحلهم دموع ) صفتان للجيران ،
قال المعتزلي : هو مثل أن يقول جودهم بخل وأمنهم خوف، أي لو استتمهم محمد صلی الله علیه واله وسلم النوم لجادوا عليه بالشهود عوضاً عنه، ولو استجداهم الكحل لكان كحلهم الذي يصلونه به الدموع (بأرض عالمها ) أي العارف بصدق محمد صلی الله علیه واله وسلم والمؤمن به (ملجم) بلجام الخوف والتقية (وجاهلها) أي الجاحد لنبوته والمنكر له (مكرم) بكرامة العز والمكنة .
كلّ ما ذكرناه في معنى هذا الفصل قد أشرنا سابقاً إلى أنه مبني على كون قوله: (والنّاس في فتن ) جملة حالية مسوقة لبيان حال إبتداء البعثة، وأما على الاحتمال الآخر، وهو كونها جملة إستئنافية مسوقة لبيان حال أهل زمانه حسبما استظهره جمع من الشراح ومنهم الشارح البحراني حيث قال : واعلم أنّ الذي يتبادر إلى الذهن أنّ هذا القدر الذي أورده السيد من هذه الخطبة فصول ملفقة ليست على نظامها التي خرجت عليه مع ما يفهم من سائر عباراتها أيضاً فيكون المراد بالفتن الفتن الحادثة بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي فتن معاوية وأصحاب الجمل وغيرها.
وعلى هذا الإحتمال فالمراد بالذين في قوله : حبل الدين ، دين النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وبالنجر هو الفطرة الأصلية التي كانت متفقاً عليها بوجود الرسول واختلفت بعده فسلك كل فرقة مسلكاً غير مسلك الفرقة الأخرى، وبقوله : أطاعوا الشيطان ، الإطاعة له بعده لهم عن الحق وبغيهم عليه علیه السلام وخروجهم إلى حربه وقتالهم معه علیه السلام ، وبقوله : (تائهون حائرون)، أنهم مترددون في أنّ الحق مع علي علیه السلام أم مع غيره.
وقوله : (في خير دار وشرّ جيران ) اختلف فيه الشارحون ، فقال الراوندي على ما حكاه عنه في شرح المعتزلي : إن خير دار الكوفة وقيل الشام لأنّها الأرض المقدّسة وأهلها شرّ جيران يعني أصحاب معاوية وعلى التفسير الأوّل يعني أصحابه قال : وقوله : (نومهم سهود ) يعني أصحاب معاوية لا ينامون طول الليل بل يرتبون أمره وإن كان وصفاً لأصحابه بالكوفة وهو الأقرب، فالمعنى أنّهم خائفون يسهرون ويبكون لقلة موافقتهم إياه وهذا شكاية منه علیه السلام لهم ، (وكحلهم دموع) : أي نفاقاً فإنّه إذا تم نفاق المرء ملك عينيه . والأقوال الأخرى مفصلة في شرح البحراني فلتطلب منه .
حق سبحانه و تعالی ارسال فرمود حضرت رسالت پناه صلوات الله عليه و آله را و حال آن که مردمان افتاده بودند در فتنه های جاهلیت از کفر و ضلالت و تفرق رأیها و اختلاف خواهشات؛ چنان فتنه هایی که بریده شده بود در آن فتنهها
فتنههایی ریسمان متین دین مبین و مضطرب شده بود ستونهای یقین و مختلف شده بود اصل دین ایشان و متفرق گشته بود کار اسلام و ایمان و تنگ شده بود بر ایشان محل خارج شدن از آن فتنهها و کور شده بود بر آنها محل مراجعت از آنها ، پس نور هدایت در میان ایشان خاموش است و کوری بر همه ایشان عام و شامل است. معصیت کرده شده است خداوند و دود و یاری داده شده است ابلیس مطرود و خوار گذاشته شده است ایمان و طاعت حضرت معبود، پس سرنگون شد ستون های ایمان و تغییر یافت آثار آن ، پس محو شد راههای آن و زایل گشت جاده های ،آن اطاعت و فرمانبرداری کردند شیطان را ، پس رفتند در راههای ضلالت آن و آشامیدند از چشمههای شقاوت آن ، به اعانه ایشان سیر نمود علم های آن و راست ایستاد رایت کفر آیت آن ، در فتنههایی که پایمال کرد ایشان را با پاپوش های خود همچو شتران و لگدکوب کرد ایشان را با ناخنهای خود مثل گاوها و راست ایستاد بر آنها بر طرف سم های خود مثل اسب ها ، پس ایشان در آن آن فتنه ها سرگردانانند ،متحیرانند ، نادانانند و فریفته گانند در بهترین سرا که مکه معظمه است و بدترین همسایهها که کفار قریش است ، همچنان همسایههایی که خواب ایشان بی خوابی است و سرمه ایشان اشکهای جاری است، در زمینی که دانای آن لجام کرده شده است با لجام خوف و خشیت و نادان آن اکرام کرده شده است به انواع عزت و کرامت.
«وَهُمْ مَوْضِعُ سِرِّه، ولَجاءُ (1)أَمْرِهِ، وعَيْبَةُ عِلْمِهِ، ومَوْثِلُ حُكْمِهِ، وَكَهْفُ كُتُبِهِ، وَحِبالُ دِينِهِ ، بِهِمْ أَقامَ انْجِناءَ ظَهْرِهِ، وَاذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرائِصِهِ» (2).
(اللجاء) محرّكة كالملجأ الملاذ من لجأ إليه كمنع وفرح لاذ و (العيبة) ما يجعل فيه القياب ومن الرّجل موضع سرّه و (الموئل) المنجأ من وئل إليه يثل وثلا ووؤلا وئيلا وائل موائلة ووثالا لجأ وخلص و (الكهف) غار واسع في الجيل فإن كان صغيراً قيل له الغار والبيت المنقور في الجبل، وفلان كهف لأنه يلجأ إليه كالبيت على الإستعارة و(الإنحناء) الإعوجاج و (الإرتعاد) الإضطراب و( الفرائص) جمع الفريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترتعد .
الضمائر الثمانية راجعة إلى محمد صلی الله علیه واله وسلم كما مر ذكره في أوائل الخطبة، وهذا هو الأظهر بقرينة المقام والأوفق بنسق أجزاء الكلام ، وإستبعاده في كتبه لا وجه له بعد إمكان التأويل القريب حسبما نشير إليه .
وقيل : برجوع الجميع إليه إلا الأخيرين فإنّهما راجعان إلى الدين وهو غير بعيد بل
أنسب معنى.
وقيل : إنّ الجميع راجع إليه إلا في كتبه .
وقيل : برجوع الجميع إلى الله إلا الأخيرين فإنّهما للنبي صلی الله علیه واله وسلم، وهذان وإن كانا سالمين عن التأويل إلا أن فيهما خروج الكلام عن النسق كما في السابق عليهما وهو ظاهر.
إعلم أنه علیه السلام قد وصف آل محمّد عليهم السّلام بثمانية أوصاف إشارة إلى علوّ مقامهم وسموّ مكانهم ورفعة درجاتهم وعظمة شؤوناتهم، والمراد باله صلی الله علیه واله وسلم هم الأئمة المعصومون سلام الله عليهم أجمعين حسبما تعرفه مفصلاً إن شاء الله في موقعه المناسب.
ومن العجب العجاب أنّ الشارح البحراني (رحمت الله ) جعل الأمور المذكورة أوصافاً لأهل النبی صلی الله علیه واله وسلم الأدنين من بني هاشم كالعباس وحمزة وجعفر وعلي بن أبي طالب عليهم السلام .
أقول : أما علي علیه السلام فمسلم وأمّا العبّاس وحمزة وجعفر ونظراؤهم من سائر بني هاشم فأين لهم قابلية لحفظ سرّ الله، أم أنّى لهم إستعداد لأن يكونوا ملجأ أمر الله ؟ أم كيف لهم الإحاطة بكتب الله؟ بل القابل لها ولسائر الأوصاف المذكورة إنما هو آل الله وآل رسوله سلام الله عليه وعليهم الذين هم العروة الوثقى ومنار الهدى وأعلام التقى وكهف الورى، وهم الملجأ والمنجى .
ما أشار علیه السلام إليه بقوله : (هم موضع سرّه) والمراد بالسّر علم لا يجوز إظهاره للعموم والأئمة عليهم السلام موضعه ومأواه ومستقره ومقامه وخزانه وحفاظه لا يظهرونه أو لا يظهرون منه إلا ما يحتمل على من يتحمل إذ العموم لا يقدر على تحمل أسرار الله سبحانه، ولذلك قال علي بن الحسين عليهما السّلام لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله» (1).
وفي «البحار» من كتاب السيد حسن بن كيش بإسناده عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : «يا أبا محمد إنا «إنّ ظ» عندنا سرّاً من سرّ الله وعلماً من علم الله لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان والله ما كلف الله أحداً ذلك الحمل غيرنا، ولا استبعد بذلك أحداً غيرنا وإنّ عندنا سرّاً من سرّ الله وعلماً من علم الله أمرنا الله بتبليغه فبلغنا عن الله عزّ وجل ما أمرنا بتبليغه ما «فلم خ ل » نجد له موضعاً ولا أهلاً ولا حمالة يحملونه حتى خلق الله لذلك أقواماً خلقوا من طينة خلق منها محمد صلی الله علیه واله وسلم وذريته ومن نور خلق الله منه محمداً وذريته وصنعهم بفضل صنع رحمته التي منها محمداً وذريته «وآله خ ل » فبلغناهم عن الله عزّ وجلّ ما أمرنا بتبليغه فقبلوه واحتملوا ذلك عنا فقبلوه واحتملوه وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا فلولا أنهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك ولا والله ما احتملوه ».
ثم قال علیه السلام : «إنّ الله خلق قوماً «أقواماً خ ل » لجهنم والنار، فأمرنا أن نبلغهم كما بلغناهم فاشمأزوا من ذلك ونفرت قلوبهم وردّوه علينا ولم يحتملوه وكذبوا به وقالوا : ساحر كذَّاب فطيع الله على قلوبهم وأنساهم ذلك، ثم أطلق الله لسانهم ببعض الحق فهم ينطقون به وقلوبهم منكرة ليكون ذلك دفعاً عن أوليائه وأهل طاعته ولولا ذلك ما عبد الله في أرضه فأمرنا الله بالكف عنهم والكتمان منهم فاكتموا ممن أمر الله بالكفّ عنهم واستروا عمّن أمر الله بالستر
والكتمان منهم ».
1) الكافي : 401/1 .
قال : ثم رفع علیه السلام يده وبكى وقال : «اللهم إن هؤلاء لشرذمة قليلون فاجعل محياهم محيانا ومماتهم مماتنا، ولا تسلط عليهم عدواً لك فتفجعنا بهم، فانّك إن فجعتنا بهم لم تعبد أبداً في أرضك »، ورواه في «الكافي» عن أبي بصير
مثله (1)
أقول : وبهذه الرواية يحصل الجمع بين قولهم عليهم السلام: إن حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، وبين الخبر الخالي عن الإستثناء، فإنّ الثاني محمول على السّر المختصّ بهم عليهم السلام الذي لا يحتمله أحد غيرهم، والأوّل محمول على السر الذي هو أدنى من ذلك . وهو السر الذي تقدم إليهم النّص من الله سبحانه لإظهاره لبعض خواصهم على مراتب إستعدادهم، وهو الذي أشار إليه الصادق علیه السلام بقوله : لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان (ا ه) ، فإن أبا ذر لا استعداد له على احتمال السّر الذي احتمله سلمان، وكذلك كميل بن زياد مع كونه من خواص أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام لا يحتمل ما احتمله أبو ذر (رحمت الله )، فهو وإن كان صاحب سره علیه السلام لكن بالنسبة إلى غيره من سائر الناس، ولذلك أنّه بعد ما سئل عنه علیه السلام عن الحقيقة وأجاب علیه السلام بقوله : ما لك والحقيقة ، قال : أولست صاحب سرّك ؟ فلم يقرره علیه السلام على عموم ما ادعاه ، بل أجاب علیه السلام بقوله : بلى ولكن يترشح عليك ما يطفح مني، فإنّ استدراكه علیه السلام بقوله : ولكن (ا ه)، إشارة إلى أنّ ما يظهره من السّر عليه من قبيل نداوة الطفحان ورشحته الفائضة جوانبه، وأنه ليس صاحب السّر على نحو العموم.
وبالجملة فقد وضح وظهر مما ذكرنا أن أسرار الله سبحانه هي علوم لا يجوز إظهار ما جاز إظهارها منها إلا للكمل على إقتضاء مراتب الإستعداد.
وقد روى في الخرائج بإسناده عن عبد الرحمان بن كثير عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «أتي الحسين علیه السلام ناس فقالوا له : يا أبا عبد الله حدّثنا بفضلكم الذي جعل الله لكم ، فقال : إنكم لا تحتملونه ولا تطيقونه ، قالوا : بلى نحتمل ، قال : إن كنتم صادقين فليتنح إثنان وأحدث واحداً فإن احتمله حدثتكم، فتنحى إثنان وحدّث واحداً فقام طائر العقل ومرّ على وجهه وذهب، وكلمه صاحباه فلم يردّ عليهما شيئاً وانصرفوا» (2).
وفيه بالإسناد المذكور قال: أتى رجل الحسين بن علي عليهما السّلام فقال : حدثني بفضلكم الذي جعل الله لكم ، فقال : «إنك لن تطيق حمله »، قال: بل حدثني يا ابن رسول الله إني أحتمله ، فحدثه بحديث فما فرغ الحسين علیه السلام من حديثه حتى ابيض رأس الرجل ولحيته
وأنسي الحديث، فقال الحسين علیه السلام «أدركته رحمة الله حيث أُنسي الحديث»(1).
وفي «البحار» من كتاب «المختصر» للحسن بن سليمان من كتاب ابن شريفة الواسطي يرفعه إلى ميثم التمار ، قال : بينما أنا في السوق إذ أتى أصبغ بن نباتة فقال : ويحك يا ميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين علیه السلام حديثاً صعباً شديداً ، قلت : وما هو ؟ قال : سمعته يقول : «إن حديث أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان »، فقمت من فورتي فأتيت عليّاً علیه السلام فقلت : يا أمير المؤمنين حديث أخبرني به أصبغ عنك قد ضقت به ذرعاً ، فقال علیه السلام : «ما هو »؟ فأخبرته به ، فتبسم ثم قال : «اجلس يا ميثم ، أو كل علم يحتمله عالم؟ إن الله تعالى قال للملائكة :
(و إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30].
فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟ قال: قلت : وإن هذا أعظم من ذلك، قال: «والأخرى إن موسى بن عمران أنزل الله عليه التّوراة فظن أن لا أحد أعلم منه فأخبره أنّ في خلقه أعلم منه، وذلك إذ خاف على نبيه العجب ؟ قال : فدعا ربه أن يرشده إلى العالم ، قال :فجمع الله بينه وبين الخضر عليهما السّلام ، فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسى ، وقتل الغلام فلم يحتمله، وأقام الجدار فلم يحتمله .
وأمّا النبيون فإن نبينا صلی الله علیه واله وسلم أخذ يوم غدير خم بيدي فقال : اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه ، فهل رأيت أحداً احتمل ذلك إلا من عصم الله منهم، فأبشروا ثم أبشروا قد خصكم بما لم يخص به الملائكة والنبيين والمرسلين فما احتملتم ذلك في أمر رسول الله وعلمه فحدّثوا عن فضلنا ولا حرج ولا عظيم أمرنا ولا إثم ولا عظيم أمرنا ولا إثم ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : أمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم »(2)
قال المحدث المجلسي (رحمت الله ) بعد ذكر الحديث : لعل المراد بآخر الخبر أنّ كلما رويتم في فضلنا دون درجتنا، لأنا نكلم الناس على قدر عقولهم، أو المعنى أنا كلفنا بذلك ولم تكلفوا بذلك فقولوا في فضلنا ما شئتم وهو بعيد .
ما نبه عليه بقوله : ( ولجأ أمره) قال البحراني وأشار بكونهم عليهم السلام ملجأ أمره إلى أنهم الناصرون له والقائمون بأوامر الله والذابون عن الدين فإليهم يلتجيء وبهم يقوم سلطانه.
أقول : المستفاد من ظاهر كلامه أنّ المراد بالأمر هو الأمور الدينية وأنهم ملجأ لنفس الأوامر، والأظهر الأقوى عندي أن المراد أنهم لجأوا للعباد في الأوامر الدينية بمعنى أن الخلق إذا تنازعوا في شيء منها وعجزوا فيها عن النيل إلى الواقع فهم الملجأ والملاذ ، لأنهم أولو الأمر قال تعالى:
(لوياتها الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن لَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء : 59] .
قال علي بن إبراهيم القمي في تفسيره: حدثني أبي عن حماد عن حرير عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «انزل فان تنازعتم في شيء فارجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم »(1).
وهو يدلّ على أن المنزل فارجعوه مكان فردّوه ، ويحتمل أن يكون تفسيراً له ويدلّ أيضاً على أن الموجود في مصحفهم قول وإلى أولي الأمر منكم، وعلى ذلك فالآية صريحة في الدلالة على المطلوب من رد الأمور الدينية التي اختلف فيها إلى كتاب الله وإلى رسوله والأئمة عليهم السلام .
وأمّا على ما هو الموجود في هذه المصاحف التي بأيدينا فالدلالة أيضاً غير خفية على مذهبنا لأن الرّد إلى الأئمة القائمين مقام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بعد وفاته هو مثل الرّد إلى الرسول في حياته، لأنهم الحافظون لشريعته والخلفاء في أمته فجروا مجراه فيه، ومثله قوله تعالى:
( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء: 108] .
روى في «البحار» من تفسير العياشي عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر
علیه السلام هذه الآية، قال: «لهم الأئمة عليهم السلام»(2).
وعن عبد الله بن جندب قال كتب إلي أبو الحسن الرضا علیه السلام :« ذكرت رحمك الله هؤلاء القوم الذين وصفت أنهم كانوا بالأمس لكم إخواناً والذي صاروا إليه من الخلاف لكم والعداوة لكم والبراءة منكم والذي تأفكوا به من حياة أبي صلوات الله عليه ورحمته، وذكر في آخر الكتاب أن هؤلاء القوم سنح لهم شيطان إغترهم بالشبهة ولبس عليهم أمر دينهم، وذلك لما ظهرت فريتهم واتفقت كلمتهم ونقموا على عالمهم وأرادوا الهدى من تلقاء أنفسهم فقالوا : لم ومن وكيف؟ فأتاهم الهلاك من ما من احتياطهم، وذلك بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام
للعبيد، ولم يكن ذلك لهم ولا عليهم ، بل كان الفرض عليهم والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحير وردّ ما جهلوا من ذلك إلى عالمه ومستنبطه، لأن الله يقول في محكم كتابه :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ [النساء : 83] . يعني آل محمّد عليهم السلام ، وهم الذين يستنبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام وهم الحجّة على خلقه هذا (1).
وقد ظهر مما ذكر أنّ الأئمة عليهم السّلام هم ولاة الأمر وأنهم المقصودون بأولي الأمر في الآيتين، أما الآية الثانية فلما ذكرنا وأما الآية الأولى فللأخبار المستفيضة .
أمّا الأخبار فمنها ما رواه في «البحار » عن تفسير فرات بن إبراهيم عن عبيد بن كثير معنعناً أنه سأل جعفر بن محمّد عليهما السّلام عن قول الله :
(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر منكر) [النساء: 59] .
قال أولي الفقه والعلم، قلنا : أخاص أم عام ؟ قال علیه السلام: «بل خاص لنا» .
وفي «الكافي » عن جابر الجعفي قال سألت أبا جعفر علیه السلام عن هذه الآية : قال «الأوصياء» (2).
وفيه أيضاً عن بريد العجلي قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن قول الله عزّ ذكره:
(هو إن الله يأمرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمني إلى أهلها وإذا حكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالْعَدْلِ ) [النساء : 58] .
فقال علیه السلام : إيانا عني أن يؤد الأوّل إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم، ثم قال للناس:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَتي منكر ) [النساء : 59].
إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا، فإن خفتم تنازعاً في أمر فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم، كذا نزلت وكيف يأمرهم الله عزّ وجلّ بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم إنّما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم »(3)، والأخبار في هذا الباب كثيرة لا تحصى.
وأما دليل العقل فلأنه سبحانه أمر بوجوب طاعة أولي الأمر على نحو العموم فلا بد من
كونه معصوماً وإلا لزم أن يكون تعالى قد أمر بالقبيح لأن من ليس بمعصوم لا يؤمن صدور القبيح عنه، فإذا وقع كان الإقتداء به قبيحاً والمعصوم بعد الرسول صلی الله علیه واله وسلم منحصر بإجماع الأمة فی الأئمة، وسيأتي تمام الكلام في هذا المقام في مقدمات الخطبة الشقشقية إن شاء الله هذا.
ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله علیه السلام : ( ولجأ أمره)، الأعم من الأمور الدينية، وربّما فسّر به في الآيتين أيضاً، فالمراد به على ذلك جميع الأمور المقدرة المشار إليها في قوله سبحانه
(وتَنَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِ أَمر )[البقدر : 4] وفي قوله: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِير [الدخان : 4] .)وقد مضى في الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى في شرح قوله علیه السلام: (ومختلفون بقضائه وأمره ، ما يوجب زيادة البصيرة في المقام، وقد مضى هناك في رواية الكافي عن الباقر علیه السلام « أنه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الأمور سنة سنة يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا وفي أمر الناس بكذا وكذا »(1)، إلى آخر ما مر هناك، وهذا الإحتمال أقرب بالنظر إلى عموم وظيفتهم عليهم السّلام .)#### الثالثما أشار علیه السلام إليه بقوله : ( وعيبة علمه أنّ علمه مودع عندهم كالثياب النفيسة المودعة في العيبة، وتشبيههم بالعيبة من حيث إنّهم كانوا حافظين وصائنين له عن الضياعة والإندراس حسن الإستعارة بالعيبة الحافظة للباس عن الأدناس .)قال البحراني : وكونهم عيبة علمه مرادف لكونهم موضع سرّه، إذ يقال في العرف فلان عيبة العلم إذا كان موضع أسراره .وأقول : أما تراد فهما في اللغة والعرف فقد صرّح به بعض اللغويين أيضاً، ولكن الظاهر أنّ السّر أخض من العلم، لما قد عرفت سابقاً من أن السّر هو العلم الذي يكتم وقد صرّح به غير واحد من اللغويين وهو المتبادر منه أيضاً، فيكون حقيقة فيه، وعلى هذا فيكون العلم أعمّ منه وهو الأنسب بالمقام أيضاً، من حيث أن التأسيس أولى من التأكيد.وكيف كان فلا غبار على أنّ علم الله وعلم رسوله المتلقى منه سبحانه مودع عندهم وهم الحافظون له ، ويدل عليه الأخبار المتواترة القطعية .منها ما رواه في «الكافي » بإسناده عن يونس بن رباط قال :دخلت أنا وكامل الثمار على
1) الكافي: 248/1 3.
أبي عبد الله علیه السلام ، فقال له كامل : جعلت فداك حديث رواه فلان ، فقال : اذكره، فقال: حدثني أن النبي صلی الله علیه واله وسلم حدث عليا علیه السلام بألف باب يوم توفي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم كل باب يفتح له ألف باب فذلك ألف ألف باب ، فقال: «لقد كان ذلك »، قلت جعلت فداك فظهر ذلك لشيعتكم ومواليكم؟ فقال علیه السلام : يا كامل باب أو بابان ، فقلت له جعلت فداك فما يروى من فضلكم من ألف ألف باب إلا باب أو بابان؟ قال : فقال : «وما عسيتم أن ترووا من فضلنا ما ترون من فضلنا إلا ألفاً غير معطوفة»(1)وفي «البحار» من كتاب «المختصر » للحسن بن سليمان من نوادر الحكمة يرفعه إلى أبي بصير قال : كنت عند أبي عبد الله فدخل عليه المفضل بن عمر فقال : مسألة يا بن رسول الله ، فقال علیه السلام : «سل یا مفضل»، قال ما منتهى علم العالم ؟ قال علیه السلام: «قد سألت جسيماً ولقد سألت عظيماً ما السماء الدنيا في السماء الثانية إلا كحلقة ملقاة درع في أرض فلاة، وكذلك كل سماء عند سماء أخرى، وكذلك السماء السابعة عند الظلمة، ولا الظلمة عند النور، ولا ذلك كله في الهواء وكا «لاظ» الأرضين بعضها في بعض ولا مثل ذلك كله في علم العالم يعني الإمام إلا مثل مدّ من خردل دققته دقاً ثم ضربته بالماء «ثم خ» حتّى إذا اختلطو (رغا (2)أظهر أخذت منه لعقة باصبعك ، ولا علم العالم في علم الله إلا مثل حبة من خردك دققته دقاً ثم ضربته بالماء حتى إذا اختلط ورغا إنتهزت منه برأس إبرة نهزة » ثم قال علیه السلام : « يكفيك من هذا البيان بأقله وأنت بأخبار الأمور تصيب»(3))ومن كتاب «المحتضر» أيضاً نقلاً من كتاب «الأربعين » رواية سعد الأوبلي عن عمار بن خالد عن إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن سليمان قال : وجد في ذخيرة أحد حواري المسيح رق مكتوب بالقلم السرياني منقولاً من الثوراة وذلك لما تشاجر موسى والخضر عليهما السّلام في قضيّة السفينة والغلام والجدار ورجع موسى إلى قومه سأل أخوه هارون عمّا استعمله من الخضر وشاهد من عجائب البحر .قال: بينما أنا والخضر على شاطيء البحر إذ سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره قطرة من ماء البحر ورمى بها نحو المشرق، ثم أخذ ثانية ورمى بها نحو المغرب، ثم أخذ ثالثة ورمى بها نحو السماء، ثم أخذ رابعة ورمى بها نحو الأرض، ثم أخذ خامسة وألقاها في البحر فبهت الخضر وأنا ، قال موسى : فسألت الخضر عن ذلك فلم يجب، وإذا نحن بصياد يصطاد فنظر إلينا وقال : ما رأيكما في فكر وتعجب، فقلنا : في أمر الطائر، فقال: أنا رجل صياد وقد
علمت إشارته وأنتما نبيّان لا تعلمان ، قلنا ما تعلم إلا ما علمنا الله عزّ وجلّ، قال: هذا طائر في البحر يسمّى مسلم، لأنه إذا صاح يقول في صياحه مسلم، وأشار بذلك إلى أنه يأتي في آخر الزمان نبي يكون علم أهل المشرق والمغرب وأهل السماء والأرض عند علمه مثل هذه القطرة الملقاة في البحر، ويرث علمه ابن عمّه ووصيه ، فسكن ما كنا فيه من المشاجرة واستقل كلّ واحد منا ،علمه بعد أن كنا به معجبين ومشينا ثم غاب الصياد فعلمنا أنه ملك بعثه الله إلينا يعرفنا بنقصنا حيث ادعينا الكمال (1.)أقول : وبهذه الأخبار يعرف المعيار إجمالاً لعلومهم عليهم السلام، وفيها كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد ، وأمّا تحقيق كيفية هذا العلم وأنه هل هو على نحو الإحاطة الفعلية أو الإرادية فلعلنا نشير إليه في الموقع المناسب إن شاء الله تعالى .#### الرابعما أشار علیه السلام إليه بقوله : (وموئل حكمه والمراد بالحكم إما الأحكام الشرعية أي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين من حيث الاقتضاء أو التخيير، وإما القضاء الرافع للخصومات ، وعلى أي تقدير فهم موئله ومنجاه إليهم يلتجىء فيه وبهم يحصل الخلاص والنّجاة لأنّ ما عندهم هو الحكم المتلقى من الوحي الإلهي الذي هو مطابق للواقع والواقع مطابق له ، وهو كله صواب لا ريب فيه وهم المرشدون إليه، والأدلاء عليه.)ويشهد به ما في «البحار » من مجالس المفيد بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : «أما أنّه ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب إلا شيء أخذوه منا أهل البيت، ولا أحد من الناس يقضي بحق وعدل إلا ومفتاح ذلك القضاء وبابه وأوله وسنته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ، فإذا اشتبهت عليهم الأمور كان الخطأ من قبلهم إذا اختطأوا والصواب من قبل عليّ بن أبي طالب علیه السلام (2)وفي «الكافي» عن أبي جعفر علیه السلام، قال : « قال الله عزّ وجل في ليلة القدر:(وفِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم [الدخان : 4] . يقول : ينزّل فيها كلّ أمر حكيم والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عز وجل، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت »(3)، وقد مضى بتمامه في الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى عند شرح قوله ومختلفون بقضائه وأمره فتذكر .
وفي «البحار »من بصائر الدرجات عن المفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : كان أمير المؤمنين علیه السلام يقول : أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد ، علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب »(1)
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام قال : يا أبا بصير إنا أهل بيت أوتينا علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب وعرفنا شيعتنا كعرفان الرّجل أهل بيته» (2)
والمراد بفصل الخطاب الحكم الفاصل بين الحق والباطل، أو المفصول الواضح الدلالة على المقصود ، أو ما كان من خصائصهم من الحكم المخصوص في كلّ واقعة والجوابات المسكنة للخصوم في كلّ مسألة وسيأتي شطر من قضاياه أعني أمير المؤمنين علیه السلام في شرح الخطبة الآتية عند قوله : «ويكثر العثار فيها والإعتذار منها ».
إذا عرفت ما ذكرناه فنقول: إنّ اللازم حينئذ أخذ الأحكام منهم والرجوع إليهم ولا يجوز الإستبداد بالعقول الناقصة والآراء الفاسدة في الأحكام الشرعية والإعتماد فيها على الأقيسة والإستحسانات كما حققناه في شرح الفصل الحادي عشر من فصول الخطبة الأولى.
وقد قال أبو الحسن علیه السلام فيما رواه في «بصائر الدرجات » عن محمد بن حكيم عنه علیه السلام : «إنما هلك من كان قبلكم بالقياس وإن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه صلی الله علیه واله وسلم حتى أكمل له جميع دينه في حلاله وحرامه، فجاءكم بما تحتاجون إليه في حياته وتستغنون به وبأهل بيته بعد موته وأنّها مخيبة عند أهل بيته حتى أنّ فيه لأرش الخدش، ثم قال علیه السلام : إن أبا حنيفة ممّن يقول : قال علي علیه السلام وقلت أنا» (3)
وكذلك لا يجوز الرجوع في المرافعات إلى القضاة السوء فمن رجع إليهم كان بمنزلة الذين قال الله عز وجل:
(ألم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ وَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ [النساء : 60] الآية .
ويأتي تفصيل حالات هؤلاء القضاة وما يترتب على الرجوع إليهم في الكلام السابع عشر والثامن عشر وشرحهما إن ساعدنا التوفيق إن شاء الله
ما أشار علیه السلام إليه بقوله : ( وكهف كتبه) تشبيههم بالكهف باعتبار أنهم يلتجى إليهم فيها، أو أنّهم المأوى لها والحاوون لما فيها كالكهف الذي يحوي من يأوي إليه، والمراد بالكتب إما كتب الله وهو على تقدير رجوع الضمير فيه إليه سبحانه، فالمراد بها القرآن وما أنزل قبلها من الصحف والكتب السماوية .
أما كونهم كهف القرآن ومأواه والحافظين له والعالمين به تأويله وتنزيله وظهره وبطنه وبطن بطنه وهكذا إلى سبعة أبطن وكذلك سائر أوصافه من العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والأحكام والتشابه إلى غير ذلك، فواضح وقد مضى شطر من الكلام على هذا الباب في التذييل الثالث من تذييلات الفصل السابع عشر من فصول الخطبة الأولى .
وأما سائر الكتب السماوية ففي حديث أبي ذر عن النبي صلی الله علیه واله وسلم قلت: كم كتاباً أنزل؟ قال صلی الله علیه واله وسلم : «مائة كتاب وأربعة كتب أنزل على شيث خمسين صحيفة ، وعلى اخنوخ ثلاثين صحيفة ، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشرة صحائف وأنزلت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكانت صحف إبراهيم كلها أمثالاً» (1)
وروى في «البحار» من إرشاد القلوب بالإسناد إلى المفيد يرفعه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام: «يا سلمان الويل كل الويل لمن لا يعرف لنا حق معرفتنا وأنكر فضلنا ، يا سلمان إيما أفضل محمد صلی الله علیه واله وسلم أم سليمان بن داود علیه السلام؟ قال : سلمان قلت :بلى محمد صلی الله علیه واله وسلم أفضل ، فقال : يا سلمان فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس إلى سبأ في طرفة عين وعنده علم من الكتاب ولا أفعل أنا ذلك ألف وعندي كتاب الله ، أنزل الله على شيث بن آدم خمسين صحيفة ، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم الخليل عشرين صحيفة ، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فقلت: صدقت یا سيدي، قال الإمام علیه السلام : إن الشاك في أمورنا وعلومنا كالمستهزىء في معرفتنا أو حقوقنا،
وقد فرض الله ولايتنا في كتابه في غير موضع وبين ما أوجب العمل به وهو مكشوف »(2) .
ومن كتاب التوحيد عن هشام بن الحكم في خبر طويل قال جاء بريهة جائليق النصارى فقال لأبي الحسن علیه السلام: جعلت فداك أنى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء، قال: «هي عندنا وراثة من عندهم نقرئها كما قرؤوها ونقولها كما قالوها إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل من شيء يقول : لا أدري » (3) الخبر .
ومن «بصائر الدرجات » بإسناده عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : «يا أبا محمد عندنا الصحف التي قال الله صحف إبراهيم وموسى »، قلت الصحف هی الألواح؟ قال : «نعم » (1).
هذا كله على احتمال أن يكون المراد بالكتب الكتب المنزلة من الله سبحانه وأما على تقدير رجوع الضمير في كتبه إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم فالمراد بالكتب القرآن وغيره مما أشير إليه في الأخبار .
مثل ما رواه في «البحار» من «البصائر » بإسناده عن أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر علیه السلام قال: «حدثني أبي عمن ذكره ، قال : خرج علينا رسول صلی الله علیه واله وسلم وفي يده اليمنى كتاب وفي يده اليسرى كتاب فنشر الكتاب الذي في يده اليمنى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب لأهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يزاد فيهم واحد ولا ينقص منهم واحد، قال: «ثم نشر الذي بيده اليسرى فقرأ كتاب من الله الرّحمن الرّحيم لأهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم لا يزاد فيهم واحد ولا ينقص منهم واحد» (2)
ومن «البصائر» أيضاً بإسناده عن الأعمش قال : قال الكلبي : يا أعمش أي شيء أشدّ ما سمعت من مناقب علي علیه السلام؟ قال : فقال حدثني موسى بن طريف عن عبابة قال : سمعت علياً علیه السلام وهو يقول: « أنا قسيم النار فمن تبعني فهو مني ومن عصاني فهو من أهل النار»، فقال الكلبي : عندي أعظم مما عندك، أعطى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عليا علیه السلام كتاباً فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء أهل النار ، فوضعه عند أم سلمة فلما ولي أبو بكر طلبه فقالت: ليس لك، فلما ولي عمر طلبه ، فقالت : ليس لك ، فلما ولي علي علیه السلام دفعته إليه » (3)
ومنه أيضاً بإسناده عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : « يا أبا محمد إن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة »؟ قال : قلت : جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أملاه من فلق فيه وخطه علي علیه السلام بيمينه فيها كل حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش » (4)
وفي «الإحتجاج» في حديث طويل عن أبي عبد الله علیه السلام قال : وكان علیه السلام يقول : « علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع وإنّ عندنا الجفر الأحمر، والجفر
الأبيض، ومصحف فاطمة عليها السلام ، وعندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال علیه السلام : «أما الغابر فالعلم بما يكون ، وأما المزبور فالعلم بما كان ، وأمّا النكت في القلوب فهو الإلهام وأمّا النّقر في الأسماع فحديث الملائكة نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم، وأما الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت، وأما الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأولى، وأما مصحف فاطمة ففيه ما يكون من حادث وأسماء من يملك ومن لا يملك إلى أن تقوم الساعة وليس فيه قرآن، وأما الجامعة فهو كتاب طوله سبعون ذرعاً إملاء رسول الله صلی الله علیه واله وسلم من فلق فيه وخط علي بن أبي طالب علیه السلام بيده ، فيه والله جميع ما يحتاج النّاس إليه إلى يوم القيامة حتى أن فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة » ، الحديث (1).
وفي «البحار» من «بصائر » الدرجات عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن أحمد بن عمر عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله علیه السلام، قال : فقلت له : إني أسألك جعلت فداك مسألة ليس ههنا أحد يسمع كلامي، قال : فرفع أبو عبد الله علیه السلام ستراً بيني وبين بيت آخر فاطلع فيه ، ثم قال: «يا أبا محمد سل عما بدا لك » قال قلت : جعلت فداك : إنّ الشيعة يتحدثون أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علم عليا علیه السلام باباً يفتح منه ألف باب ، قال: فقال أبو عبد الله علیه السلام : يا أبا محمّد علّم والله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم علياً ألف باب يفتح له من كل باب ألف باب »، قال: قلت له : هذا والله العلم، فنكت ساعة في الأرض ثم قال: «إنّه لعلم وما هو بذاك ».
قال : ثم قال: «يا أبا محمد وإنّ عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ، قال: قلت جعلت فداك : وما الجامعة، قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وإملاه من فلق فيه وخطه علي علیه السلام بيمينه ، فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش وضرب بيده إليّ فقال تأذن لي يا أبا محمد »؟ قال : قلت جعلت فداك : أنا لك إصنع ما شئت، قال : فغمزني بيده فقال : حتى أرض هذا، فكأنه مغضب قال: قلت جعلت فداك : هذا والله العلم، قال: «إنّه لعلم وليس بذاك»، ثم سكت ساعة .
ثم قال : «إن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر مسك شاة أو جلد بعير»، قال: قلت جعلت فداك ما الجفر؟ قال : «وعاء أحمر وأديم أحمر فيه علم النبيين والوصيين»، قلت: هذا والله هو العلم، قال: «إنّه لعلم وما هو بذاك»، ثم سكت ساعة.
ثم قال : «وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة ، قال علیه السلام فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد إنّما هو شيء
1) نور البراهين : 438/2
أملاه الله عليها أو أوحى إليها »،قال : قلت :هذا والله هو العلم، قال: « إنّه لعلم وليس بذاك»، قال ثم سكت ساعة .
ثم قال : «إن عندنا لعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة »، قال : قلت : جعلت فداك، هذا والله هو العلم ، قال : «إنه لعلم وما هو بذاك»، قال: قلت جعلت فداك فأي شيء هو العلم ، قال : «ما يحدث بالليل والنهار الأمر بعد الأمر والشّيء بعد الشيء إلى يوم القيامة (1).
قال في «البحار»: قوله علیه السلام « والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد أي فيه علم ما كان وما يكون ».
فإن قلت : في القرآن أيضاً بعض الأخبار، قلت : لعله لم يذكر فيه ما في القرآن .
فإن قلت : يظهر من بعض الأخبار إشتمال مصحف فاطمة عليها السلام أيضاً على
الأحكام، قلت: لعل فيه ما ليس في القرآن.
فإن قلت: قد ورد في كثير من الأخبار إشتمال القرآن على جميع الأحكام والأخبار ممّا كان أو يكون ، قلت : لعل المراد به ما نفهم من القرآن لا ما يفهمون منه، ولذا قال : قرآنكم على أنه يحتمل أن يكون المراد لفظ القرآن، ثم الظاهر من أكثر الأخبار إشتمال مصحفها عليها السلام على الأخبار فقط فيحتمل أن يكون المراد عدم اشتماله على أحكام القرآن ، انتهى (2)هذا .
وفي المقام إشكال قوي : وهو أن المستفاد من قوله علیه السلام : « إنّ عندنا لعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة»، أنهم عليهم السّلام يعلمون جميع الشرائع والأحكام وما كان وما يكون ، ومثله ورد في الأخبار الكثيرة وعلى ذلك فأي شيء يبقي حتى يحدث لهم بالليل والنّهار كما يدل عليه آخر الحديث ويستفاد من الأخبار الأخر أيضاً .
وقد أجيب عنه بوجوه : الأوّل أن العلم ليس ما يحصل بالسّماع وقراءة الكتب وحفظها، فإن ذلك تقليد وإنّما العلم يفيض من عند الله سبحانه على قلب المؤمن يوماً فيوماً وساعة فساعة فيكشف به من الحقائق ما تطمئن به النفس وينشرح له الصدر ويتنوّر به القلب ، والحاصل أن ذلك مؤكد ومقرّر لما علم سابقاً يوجب مزيد الإيمان واليقين والكرامة والشرف بإفاضة العلم عليهم بغير واسطة المرسلين.
الثاني : أن يفيض عليهم عليهم السّلام تفاصيل عندهم مجملاتها وإن أمكنهم إستخراج التفاصيل مما عندهم من أصول العلم ومواده .
الثالث : أنهم عليهم السّلام في النشأتين سابقاً على الحياة البدني ولاحقاً بعد وفاتهم يعرجون في المعارف الربانية الغير المتناهية على مدارج الكمال إذ لا غاية لعرفانه تعالى وقربه.
قال العلامة المجلسي بعد تقوينه هذا الوجه : ويظهر ذلك من كثير من الأخبار وظاهر أنّهم إذا تعلموا في بدء إمامتهم علماً لا يقفون في تلك المرتبة ويحصل لهم بسبب مزيد القرب والطاعات زوائد العلم والحكم والترقيات في معرفة الرب تعالى ، وكيف لا يحصل لهم ويحصل ذلك لسائر الخلق مع نقص قابليتهم واستعدادهم، فهم عليهم السلام أولى بذلك وأحرى.
ثمقال (قدس الله سره) : ولعل هذا أحد وجوه إستغفارهم وتوبتهم في كل يوم سبعين مرة وأكثر، إذ عند عروجهم إلى كلّ درجة رفيعة من درجات العرفان يرون أنهم كانوا في المرتبة السابقة فی النقصان ، فيستغفرون فيها ويتوبون إليه تعالى .
ما أشار علیه السلام إليه بقوله (وجبال دينه) قال الشارح المعتزلي : لا يتحلحلون عن الدين أو أن الدين ثابت بوجودهم كما أن الأرض ثابتة بالجبال لولا الجبال لمادت بأهلها وقال البحراني وأشار بكونهم جبال دينه إلى أن دين الله سبحانه بهم يعتصم عن وصمات الشياطين وتبديلهم (1)وتحريفهم كما يعتصم الخائف بالجبل ممّن يؤذيه .
أقول : والمعنيان متقاربان والمقصود واحد وهو أن وجودهم سبب لبقاء الدين وانتظام أمر المسلمين، وبهم ينفي عنه تحريف الغالين وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
كما روى في «البحار » من كتاب قرب الاسنار عن هارون عن ابن صدقة عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال : « في كلّ خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجهال، وإن أئمتكم وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون في دينكم وصلواتكم »(2).
ومن «علل الشرائع » بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : «إن الله لم يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان من دين الله عزّ وجل، فإذا زاد المؤمنون
شيئاً ردّهم، وإذا نقصوا أكمله لهم ولولا ذلك لالتبس على المسلمين أمرهم »(1)وعن أبي حمزة قال : قال أبو عبد الله علیه السلام: لن تبقى الأرض إلا وفيها من يعرف الحق فإذا زاد النّاس فيه قال : قد زادوا ، وإذا انقصوا منه قال : قد نقصوا، وإذا جاؤوا به صدقهم ولو لم يكن كذلك لم يعرف الحق من الباطل» ، والأخبار في هذا المعنى كثيرة (2)
ما أشار علیه السلام إليه بقوله : (بهم أقام إنحناء ظهره ، وأذهب إرتعاد فرائصه ) والمراد بذلك على تقدير رجوع الضمير في ظهره وفرائصه إلى الدين واضح ، وهو أنهم أسباب لقوام الدين ورافعون لاضطرابه حسبما عرفت آنفاً ، وأما على تقدير رجوعهما إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم فهو إشارة إلى أن الله سبحانه جعلهم أعضاداً يشدّون إزره ويقومون ظهره، وإنحناء ظهره كناية عن ضعفه في بدء الإسلام ، وإرتعاد الفرائص كناية عن الشيء ببعض لوازمه إذ كان ارتعاد الفرائص من لوازم شدّة الخوف، يعني أن الله أزال عنه صلی الله علیه واله وسلم بمعونتهم خوفه الذي كان يتوقعه من المشركين على حوزة الدين، وإتصافهم عليهم السّلام بهذين الوصفين ظاهر لا ريب فيه لأنهم لم يألوا جهدهم في نصرة النبي صلی الله علیه واله وسلم وتقوية دينه وقولاً أو فعلاً، وقد قال تعالى :
(وإن يُرِيدُوا أَن يَخدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال : 62 ] .
وقد روى العامة والخاصة عن أبي هريرة قال : مكتوب على العرش لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ومحمد عبدي ورسولي أيدته بعلي علیه السلام(3)، فأنزل الله عزّ وجل :
(هُوَ الَّذِى أَيْدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ 62﴾ [الأنفال : 62].
فكان النصر علياً علیه السلام ودخل مع المؤمنين فدخل في الوجهين جميعاً، وبمضمونه أخبار أخر من الطريقين، وقال سبحانه أيضاً :
(يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال : 64] .
قال أبو هريرة : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب علیه السلام، وهو المعني بقوله : المؤمنين، وبالجملة فانتصار النبي صلى الله عليه واله وسلم بأمير المؤمنين علیه السلام وحمايته له باليد واللسان وجده في إعلاء كلمة الإسلام ممّا هو غني عن
بدر له شاهد والشعب من أحد *** والخندقان ويوم الفتح إن علموا
وكفى بذلك شهيداً مبيته على فراش رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حتى باهى الله سبحانه بذلك على ملائكته وأنزل :
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مرضات الله ﴾ [البقرة : 207] .
وبرازه يوم الخندق لعمرو بن عبدود حتى أنزل فيه :
(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾ [الأحزاب: 25].
بعلي بن أبي طالب ، وقتله عمرو على ما ورد في الرّوايات الكثيرة، وفي ذلك اليوم قال صلی الله علیه واله وسلم : «ضربة عليّ أفضل من عبادة التقلين»(1)
وأما سائر الأئمة عليهم السلام فقد كان هممهم مقصورة على حماية حمى الذين وإحياء أحكام سيد المرسلين ، بعضهم بالقتال والجدال كالحسين علیه السلام ، وبعضهم باللسان والبيان كسائر المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، وذلك مع ما هم عليه من التقية والخوف ، ولذلك إنّ الصادقين عليهما السلام لما تمكنا من إظهار الأحكام ونشر الشرائع وزالت عنهم التقية التي كانت على غيرهم قصروا أوقاتهم في إحياء الشريعة وإقامة السنة على ما هو معروف، وقد كان أربعة آلاف نفر من أهل العلم متلمذاً عنده وقد صنفوا من أجوبته في المسائل أربعمائة كتاب ، هي معروفة بكتب الأصول، فبوجودهم استقام أمر الذين واستحكم شريعة خاتم النبيين، وبقائمهم يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلما وجوراً.
1) الطرائف : 519 ، والبحار : 2/39
آل حضرت رسالت مآب صلوات الله عليه وعليهم موضع اسرار خفیه آن جناباند و پناهگاه امور دینیه اویند و صندوق علم اویند و محل نجات و خلاصی احکام اویند که به جهت التجاء ایشان خلاصی می یابند مردم از بادیه عجز و سرگردانی و مخزن کتابهای اویند و کوههای دین اویند که نگاه میدارند دین را از اضطراب و از تحریف و تبدیل همچنان که کوه ها نگاه میدارند زمین را از تموج و تزلزل ، به سبب وجود ایشان راست کرد خمی و کجی پشت او را که در بدو اسلام ضعیف بود و بهواسطه ایشان زایل فرمود لرزیدن گوشت پارههای میان پهلو و شانه آن را که حاصل بود به جهت خوف بر دین و از ترس بر حوزه شرع مبين .
Kزّرْعُوا الْفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الْغُرُورَ، وَحَصَدُوا النُّبُورَ ، لا يُقاسُ بالِ مُحَمَّدٍ (*) أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ ، وَلاَ يُسَوّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أبَداً، هُمْ أَساس الدِّينِ، وَعِمَادُ الْيَقِينِ، إلَيْهِمْ يُفيء الغالي، وَبِهِمْ يَلْحَقُ التّالي ، وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَق الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ والوراثة، الآنَ إذْ رَجَعَ الْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ » (1).
( حصدت) الزرع وغيره حصداً من بابي ضرب وقتل فهو محصود وحصيد و(الثبور) الهلاك والخسران و (أساس) الشيء أصله و(الغلق) التجاوز عن الحد قال تعالى : لا تغلوا في دينكم، إي لا تجاوزوا الحدّ و(تلوت) الرّجل أتلوه تلواً تبعته والمراد بالتالي هنا المرتاد الذي يريد الخير ليوجر عليه .
قال الجوهري : (الآن) إسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة ولم يدخله (الألف) (واللام) للتعريف لأنه ليس له ما يشركه ، انتهى، وهو في محل الرفع على الإبتداء، وكلمة (إذ) مرفوع المحل على الخبرية ومضافة إلى الجملة بعدها أي الآن وقت رجوع الحق إلى أهله فإذ في المقام نظير إذا في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً ؛ على ما ذهب إليه في «الكشاف» من كون (إذا) فيه خبراً، ويمكن أن يكون الآن خيراً مقدماً (وإذ) مبتدأ مثل (إذ) في قوله تعالى على قراءة بعضهم لمن .
(من الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ ﴾ [آل عمران : 164].
أي مِنْ مَنْ الله على المؤمنين وقت بعثه، ذكره الزمخشري أيضاً، هذا ويحتمل أن تكون (إذ) بمعنى (قد) للتحقيق وهو أقرب معنى وإليه ذهب بعضهم في قوله تعالى :
(وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذ ظَلَمْتُمْ ) [الزخرف : 39].
أو يكون للتوكيد والزيادة حكاه ابن هشام عن أبي عبيدة وابن قتيبة في قوله تعالى:
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتيكة) [الحجر: 28] .
1) دلائل الإمامة: 21 ح 2 .
قيل : الإشارة بمفتتح كلامه علیه السلام في هذا الفصل إلى الخوارج وقيل : إلى المنافقين كما ورد مصرحاً به في بعض النسخ .
وقال البحراني : يحتمل أن يكون متناولاً لكل من نابذه وخرج عن طاعته زاعماً أنه بذلك متعصب الدين وناصر له ويدخل في ذلك القاسطون وهم أصحاب معاوية والمارقون وهم الخوارج ومن في معناهم إذ زعم الكلّ أنّهم لقتاله طالبون للحق ناصرون له .
وقال الشارح المعتزلي : وإشارته هذا ليست إلى المنافقين كما ذكره الرضي (رحمت الله) وإنما هي إشارة إلى من تغلب عليه وجحد حقه كمعاوية وغيره ، ولعلّ الرضي (رحمت الله) عرف ذلك وكني عنه .
وكيف كان فقد استعار فجور هؤلاء وعدولهم عن الحق للحبّ الذي يبرز وقرنه بما يلائم المشبه به ترشيحاً للإستعارة ، فقال علیه السلام: (زرعوا الفجور ) فإن الزرع لما كان عبارة عن إلقاء الحب في الأرض حسن استعارته لبذر الفجور في أراضي قلوبهم، ولأن إنتشاره عنهم ونموه فيهم يشبه نموّ الزرع وإنتشاره في الأرض، هكذا قيل والأظهر أنه إستعارة مكنية تخيلية حيث شبه الفجور بالحب المزروع وأثبت الزرع تخيّلاً .
ثم لما كان إستمرارهم على الفجور والغي إنّما نشأ من غرورهم ومن تماديهم في الغفلة قرنه بقوله علیه السلام : ( وسقوه الغرور ) أي سقوه بماء الغرور وتشبيهه بالماء من حيث إن الماء كما أنه سبب حياة الزرع ونموه ومادة زيادته ، فكذلك الغرور منشأ فجورهم، ومادة زيادة طغيانهم ، ولأجل ذلك حسن استعارة لفظ السقي الذي هو من خصائص الماء له ونسبته إليهم .
ثم لما كانت غاية ذلك الفجور هو الهلاك والعطب في الدنيا بسيف الأولياء وفي الآخرة بالنار الحامية حسن اتباعه بقوله : ( وحصدوا الثبور) وجعله الثبور الذي هو الهلاك نتيجة لزراعة الفجور وثمرة لها أي كانت نتيجة ذلك الزرع والسقي حصاداً هو الهلاك .
ثم لما ذكر علیه السلام مثالب الأعداء أشار إلى مناقب الأولياء وقال : (لا يقاس بال محمد ) صلی الله علیه واله وسلم (من هذه الأمة أحد ) ولا يوازنهم غيرهم ، ولا يقاسون بمن عداهم؛ كما صرح علیه السلام به أيضاً فيما رواه في «البحار» من كتاب المحتضر للحسن بن سليمان من كتاب «الخصائص» لابن البطريق رفعه إلى الحرث ، قال : قال علي علیه السلام: «نحن أهل بيت لانقاس بالناس »، فقام رجل فأتى عبد الله بن العباس فأخبره بذلك، فقال: صدق علي علیه السلام ، أوليس كان النبي صلی الله علیه واله وسلم يقاس بالناس ثم ، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في علي علیه السلام (1):
1) بحار الأنوار: 8/38 ح 13 .
(إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ أُولَيْكَ هُوَ خَيْر الْبَرِيَّة ) [البينة : 7]،
ومن كتاب «المحتضر» أيضاً من كتاب «الخطب» لعبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: خطب أمير المؤمنين علیه السلام: فقال : «سلوني قبل أن تفقدوني فأنا عيبة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فإذا «فأناخ ل» فقأت عين الفتنة بباطنها وظاهرها ، سلوا من عنده علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، سلوني فأنا يعسوب المؤمنين حقاً، وما من فئة تهوى مائة أو تضل مائة إلا وقد أتيت بقائدها وسائقها ، والذي نفسي بيده لو طوي لي الوسادة فأجلس عليها لقضيت بين أهل التّوراة بتوراتهم ولأهل الانجيل بانجيلهم ولأهل الزبور بزبورهم ولأهل الفرقان بفرقانهم » ، قال : فقام ابن الكوا إلى أمير المؤمنين علیه السلام وهو يخطب الناس، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن نفسك ، فقال : «ويلك أتريد أن أزكي نفسي وقد نهى الله عن ذلك مع أني كنت إذا سألت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أعطاني وإذا سكت ابتدأني وبين الجوانح منّي علم جم ونحن أهل بيت لا نقاس بأحد» (1)
وبالجملة فهم عليهم السّلام لا يقاسون بأحد ولا يقاس أحد بهم ولا يستحق أحد بلوغ مراتبهم ونيل مقاماتهم (ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ) هذا العطف بمنزلة التعليل لإبطال قياس المساواة بينهم وبين غيرهم ، وفي هذه الجملة على وجازتها إشارة إلى مطالب نفيسة كلّ واحد منها خير من الدنيا وما فيها .
الأول : أنّهم أولياء النّعم شاهدها وغائبها وظاهرها وباطنها .
الثاني: أن نعمتهم جارية على العباد أبد الدهر لا يختص بآن دون آن ، وفيوضاتهم
متواترة لا تنحصر بوقت دون وقت .
الثالث : ما كالنتيجة لسابقيه، وهو أن التسوية بينهم وبين غيرهم حينئذ باطلة ضرورة أنّ المنعم أفضل من المنعم عليه.
أما الأول »: فلأنّهم أصول نِعم الله سبحانه وخزائن كرمه ولوجودهم خلقت الدنيا وما فيها وبوجودهم ثبتت الأرض والسماء كما قال الصادق علیه السلام فيما رواه في «الكافي» عن مروان بن مياح عنه علیه السلام ، قال : « إن الله خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده ، ولسانه الناطق في خلقه ، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه، وبابه الذي يدلّ عليه ، وخزانه في سمائه وأرضه ، بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثّمار وجرت الأنهار ، وبنا ينزل غيث السماء ونبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله ولولا نحن ما عبد الله » (2)
فقد ظهر منه أنّهم عليهم السّلام وسائط الفيوضات النازلة والنعم الواصلة، وأنهم يد الله المبسوطة، كما ظهر أن إيجادات الخلق وما تضمنت من العبادات والشرعيات وتكاليف المكلفين وما تضمنت من الوجودات كلها آثارهم ومن شؤنات ولايتهم.
لهم خلق الله العوالم كلها *** وحكمهم فيها بها من خليقة
فهم علة الإيجاد والله موجد *** قال للأشياء كوني فكانت (1)
وعن الإمام الصادق علیه السلام :«نحن السبب بينكم وبين الله تعالى - بشارة المصطفى : 90) . وفي الزيارة الجامعة: بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينزل الغيث ) بحار الأنوار: 1440/102). ( وعن أبي جعفر علیه السلام في وصف آل محمد: نحن الذين بنا تنزل الرحمة وبنا تسقون الغيث) ( بحار الأنوار: 24/26 ، وبصائر الدرجات: 63 باب انهم حجة الله و بابه ) .
وقريب منه عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض وبهم يسقي خلقه الغيث (الاختصاص : 12/ 224 ).
منها قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةُ [لقمان: 20] .)قال الباقر علیه السلام :«النعمة الظاهرة النبي صلی الله علیه واله وسلم وما جاء به من معرفته وتوحيده. وأما النعمة الباطنة فولايتنا أهل البيت وعقد مودتناه » (2.)ومنها قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر : 8] .
روى في «البحار » عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على محمد بن عليّ عليهما السّلام فقدم لي طعاماً لم آكل أطيب منه ، فقال لي : «يا أبا خالد كيف رأيت طعامنا»؟ فقلت: جعلت فداك ما أطيبه غير أنّي ذكرت آية في كتاب الله فنغصته، قال علیه السلام وما هي؟ قلت : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَدٍ عَنِ النَّعِيمِ ، فقال علیه السلام «والله لا تسأل عن هذا الطعام أبداً»، ثم ضحك حتى افتر ضاحكاً وبدت أضراسه، وقال «أتدري ما النعيم»؟ قلت: لا، قال: نحن النعيم الذي تسألون عنه »(3).)ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفرا [إبراهيم : 28] .)روى في تفسير العياشي عن الأصبغ بن نباتة في هذه الآية، قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : «نحن نعمة الله التي أنعم على العباد »(4)
ومنها قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا وَالَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف: 69] .)روى في «الكافي» عن أبي يوسف البزاز ، قال : تلا أبو عبد الله علیه السلام هذه الآية، قال علیه السلام «أتدري ما آلاء الله»؟ قلت: لا قال: «هي أعظم نعم الله على خلقه وهي ولايتنا »(1.)ومنها قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ الَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن : 13 ] .)قال أبو عبد الله علیه السلام في مروتي داود الرقي: أي بأي نعمتي تكذبان ، بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أم بعلي علیه السلام فيهما أنعمت على العباد إلى غير ذلك من الآيات التي يطول ذكرها .وبالجملة فوجود الأئمة سلام الله عليهم نعمة وولايتهم نعمة .وما نعمة الا وهم أولياؤها *** فهم نعمة منها أتت كل نعمةوأما الثاني : وهو عدم إختصاص فيوضاتهم بوقت دون وقت وجريان نعمتهم أبد الدهر فقد ظهر وجهه إجمالاً من رواية «الكافي» السابقة عن مروان بن مباح عن الصادق علیه السلام .وتفصيله أنّ النّعم على كثرتها إما دنيوية أو أخروية.أما الدنيوية : فقد ظهر من الزواية السابقة أنهم سبب إبداع الموجودات وإيجاد المبدعات ، وأنّهم عين الله الناظر ويده الباسطة وخزّان الله في الأرض والسماء وبابه الذي منه يؤتى ، كا ظهر في الفصل الخامس عشر من فصول الخطبة الأولى عند شرح قوله علیه السلام أو حجّة لازمة ، أن نظام العباد وإنتظام البلاد إلى يوم التناد إنّما هو بوجود الإمام، وأن الأرض لو تبقى بغير حجّة لساخت وانخسفت .ويدلّ على ذلك مضافاً إلى ما سبق ، ما رواه في «البحار» من كتاب إكمال الدين وأمالي الصدوق بالإسناد عن الأَعمش عن الصادق عن أبيه عن علي بن الحسين عليهم السلام، قال: «نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين وسادة المؤمنين وقادة الغر المحجلين وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض كما أنّ النجوم أمان أهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها وبنا ينزل الغيث وبنا ينشر الرحمة ويخرج بركات الأرض»، ثم قال علیه السلام: « ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله ، فيها ولولا ذلك لم يعبد الله ، قال سليمان : فقلت للصادق علیه السلام : فكيف ينتفع الناس بالحجة
1) البصائر : 101 ، والكافي: 217/1
الغائب المستور؟ قال علیه السلام : كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»، ومثله في« الاحتجاج» إلى قوله : لم يعبد الله (1.)وأما النعم الأخروية فإنّما هي كلها متفرعة على معرف كلها متفرّعة على معرفة الله سبحانه وعبادته، وهم أصول تلك المعرفة إذ بهم عرف الله عبد الله ولولاهم ما عبد الله ، كما دلت عليه رواية «الكافي» السالفة وغيرها من الأخبار المتواترة، مضافاً إلى ما مز في ثالث تذنيبات الفصل الرابع من فصول الخطبة الأولى أن ولايتهم عليهم السّلام شرط صحة الأعمال وقبولها، وبها يترتب عليها ثمراتها الأخروية، وبدونها لا ينتفع بشيء منها .هم العروة الوثقى التي كل من بها *** تمسك لم يسأل غداً عن خطيئةفبولايتهم ينال السعادة العظمى وتدرك الشفاعة الكبرى ويكتسب الجنان ويحصل الرّضوان الذي هو أعظم الثّمرات وأشرف اللذات، كما قال سبحانه:(وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَلدين فيها ومسكن طيبة فِي جَنَّتِ عَدْدٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 72] .)وأما الثالث : وهو أفضلية المنعم من المنعم عليه فضروري مستغن عن البيان خصوصاً إذا كانت الأنعام بمثل هذه النعم الجليلة التي أشرنا إليها، وأعظمها الهداية إلى الله والدلالة على الله والإرشاد إلى رضوان الله .ويرشد إلى ما ذكرناه ما رواه في «الإحتجاج » عن أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام، قال: «إن رجلاً جاء إلى علي بن الحسين علیه السلام برجل يزعم أنه قاتل أبيه، فاعترف فأوجب عليه القصاص وسأله أن يعفو عنه ليعظم الله ثوابه فكانت نفسه لم تطب بذلك، فقال علي بن الحسين عليهما السّلام لمدعي الدّم الذي هو الولي المستحق للقصاص : إن كنت تذكر لهذا الرّجل عليك فضلاً فهب له هذه الجناية واغفر له هذا الذنب ، قال له : يا ابن رسول الله له علي حق ولكن لم يبلغ به إلى أن أعفو له عن قتل والدي، قال علیه السلام فتريد ماذا ؟ قال : أريد القود فإن أراد بحقه على أن أصالحه على الدّية لصالحته وعفوت عنه ، قال علي بن الحسين عليهما السّلام : فماذا حقه عليك؟ قال يا ابن رسول الله : لقاني توحيد الله ونبوة رسول الله وإمامة عليّ والأئمة عليهم السّلام ، فقال علي بن الحسين عليهما السّلام : فهذا لا يفي بدم أبيك بلى والله هذا يفي بدماء أهل الأرض كلهم من الأولين والآخرين سوى الأنبياء والأئمة عليهم السلام إن قتلوا فإنّه لا يفي بدمائهم شيء » الخبر(2.)(هم أساس الدين وبهم قوامه ودوامه كما أن قوام البناء على الأساس، وقد ظهر وجهه)
في شرح قوله علیه السلام بهم أقام إنحناء ظهره (ا ه فتذكر (وعماد البقين) ودعامته وعليهم اعتماده وبهم ثباته، إذ بهم يرتفع الشبهاب ويدفع الشكوكات، ويحتمل أن يكون المراد باليقين خصوص المعارف الحقة المعارف الحقة والعقائد البقينية، ولعلّه الأنسب بقوله : أساس الدين (إليهم يفيء) أي يرجع (الغالي وبهم يلحق التالي ) قال البحراني : أشار بقوله : إليهم يفيء الغالي إلى أن المتجاوز للفضائل الإنسانية التي مدارها على الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة، إلى طرف الإفراط منها يرجع إليهم ويهتدي بهم في تحصيل هذه الفضائل، لكونهم عليها، وبقول علیه السلام : (وبهم يلحق التالي ) إلى أنّ المقصر عن بلوغ هذه الفضائل المرتكب لطرف التفريط في تحصيلها عند طلبه لها ومعاونة الله له بالهداية إلى ذلك، انتهى)أقول : وما ذكره (رحمت الله ممّا لا غبار عليه إلا أنّ الأظهر بملاحظة السياق وسبق قوله : هم أساس الدين : أنّ المراد بالغالي هو المفرط في الدين، وبالتالي المقصر فيه بخصوصه، وإن كانت وظيفتهم عليهم السلام العدل في كل الأمور وهم الأئمة الوسط والنمط الأوسط، كما في الحديث: «نحن النمط الأوسط ولا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي»، وفي حديث آخر «نحن النمرقة الوسطى، بنا يلحق التالي وإلينا يرجع الغالي »(1))قال بعض شارحي الحديث : إستعار علیه السلام لفظ النمرقة بصفة الوسطى لهم عليهم السلام باعتبار كونهم أئمة العدل يستند الخلق إليهم في تدبير معاشهم ومعادهم، ومن حق الإمام العادل أن يلحق به التّالي المفرط والمقصر في الدين ، ويرجع إليه الغالي المتجاوز في طلبه حد العدل كما يستند إلى النّمرقة المتوسطة من على جانبيها.وفي «البحار» من أمالي الشيخ بإسناده عن فضل بن يسار، قال: قال الصادق علیه السلام: «احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم، فإنّ الغلاة شر خلق الله يصغرون عظمة الله ويدعون الربوبيّة لعباد الله، والله إنّ الغلاة لشرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا »، ثم قال علیه السلام: « إلينا يرجع الغالي فلا نقبله وبنا يلحق المقصر فتقبله »، فقيل له : كيف ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال علیه السلام : «لأن الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله عز وجل ، وأن المقصر إذا عرف عمل وأطاع (2.)(ولهم خصائص حق الولاية العظمى والخلافة الكبرى وهي الرئاسة الكلية والسلطنة الإلهية .)وفي هذه الجملة تنبيه على أن للولاية خصائص بها يتأهل لها، وشروطاً بها يحصل استحقاقها، وأن تلك الخصائص والشرائط موجودة فيهم ومختصة بهم لا توجد في غيرهم ،
وذلك بملاحظة كون (اللام حقيقة في الإختصاص الحقيقي مضافاً إلى دلالة تقديم الخبر الذي حقه التأخير على المبتدأ على انحصار هذه الخصائص فيهم.)وبالجملة فهذه الجملة دالة بمنطوقها على أنّ هؤلاء هم المستحقون للولاية والرئاسة العامةمن أجل وجود خواصها فيهم، وبمفهومها على عدم استحقاق من سواهم لها لخلوهم عن هذه الخواص.وأما ما ذكره الشارح المعتزلي في تفسير كلامه علیه السلام : من أن لهم خصائص حق ولاية الرّسول على الخلق فتأويل بعيد مخالف لظاهر كلامه علیه السلام كما لا يخفى، ومن العجب أنه فسّر الولاية قبل كلامه ذلك بالإمارة، فيكون حاصل معنى الكلام على ما ذكره أنّ لهم خصائص حق إمارة الرسول على الخلق .وأنت خبير بما فيه أما أولاً : فلأنه إن أراد بإمارة الرسول على الخلق الرياسة العامة والسلطنة الكلية التي هي معنى الأولى بالتصرف ، فتفسير الولاية بها حينئذ صحيح إلا أنه لا داعي إلى ذلك التفسير إذ دلالة لفظ الولاية على ذلك المعنى أظهر من دلالة الإمارة عليه، وإن أراد بها الإمارة على الخلق في الأمور السياسية ومصالح الحروب فقط فهو كما ترى خلاف ظاهر كلامه علیه السلام خصوصاً بملاحظة سابقة ولاحقه الوارد في مقام التمدح وإظهار الفضائل والمناصب الإلهية ، ومن المعلوم أن منصب إمارة الحرب ونحوه ليس ممّا يعبأ به ويتمدح عند منصب النبوة والرسالة .وأما ثانياً فلأنا لم نر إلى الآن توصيف النبي صلی الله علیه واله وسلم في كلام أحد من الأمة ولا إطلاق الأمير عليه صلی الله علیه واله وسلم في آية ولا سنة، في آية ولا سنة فأتي داع إلى تمحل هذا التأويل المشتمل على السماجة؟والأولى الإعراض عن ذلك والتصدي لبيان خصائص الولاية .وقد أشير إليها في أخبار كثيرة أكثرها جمعاً لها ما رواه في «الكافي» عن أبي محمد القاسم بن علا رفعه عن عبد العزيز بن مسلم، وفي «العيون» و«البحار» من كتاب إكمال الدين ومعاني الأخبار وأمالي الصدوق (1جميعاً عن الطالقاني عن القاسم بن محمد بن علي الهاروني عن عمران بن موسى عن القاسم بن مسلم عن أخيه عبد العزيز بن مسلم، قال: كنا مع الرّضا علیه السلام [في أيام علي بن موسى الرضا علیه السلام](خ ل ) ، بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء بدوخ مقدمنا فإذا رووا «فأدار الناس خ » أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي ومولاي علیه السلام فأعلمته خوض (2)النّاس فيه، فتبسم علیه السلام ثم قال يا)
عبد العزيز جهلوا القوم وخدعوا عن آرائهم (1ان الله لم يقبض نبيه صلی الله علیه واله وسلم حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان (2)كل شيء بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، فقال عز وجل:)﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ [الأنعام: 38] وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره صلی الله علیه واله وسلم ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]. وأمر الإمامة من تمام الدين ولم يمض حتى بين لامته معالم دينهم «دينه خ» وأوضح لهم سبيلهم «سبله خ» وتركهم على قصد سبيل الحق وأقام لهم عليا علیه السلام علماً وإماماً وما ترك شيئاً يحتاج إليه الأمة إلا بينه . فمن زعم أن الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله ، كتاب الله فهو كافر، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها إختيارهم؟ إن الإمامة أجلَّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم: إن الإمامة خصّ الله بها إبراهيم الخليل علیه السلام بعد النبوة والخلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها، وأشاد بها جلّ ذكره فقال :
( إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة: 124] فقال الخليل علیه السلام سروراً بها (ومن ذریتی )[البقرة : 124] قال الله تبارك وتعالى : (لا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 124] .
فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال :
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلًّا جَعَلْنَا لِمِينَ * وَجَعَلْتَهُمْ أَيْمَةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعَلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَيدِينَ) [الأنبياء: 72-73].
فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا عن قرن (3)حتى ورثها الله عز وجل
النبي صلی الله علیه واله وسلم، فقال جل وتعالى :
(إن أولَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68] .
فكانت له خاصة، فقلدها علياً علیه السلام بأمر الله عزّ وجلّ على رسم ما فرض «فرضها خ »الله فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله جلّ وعلا :
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَبِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْث .)
فهي في ولد علي علیه السلام خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء .إنّ الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول صلی الله علیه واله وسلم ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين عليهم السلام ، إنّ الإمامة «الإمام خ » زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين.إنّ الإمامة أساس الإسلام النامي وفرعه السامي .بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع التغور والأطراف .الإمام يحلل حلال الله ويحرم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة .الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار .الإمام البدر المنير والسّراج الظاهر والنور والساطع والنجم الهادي في غياهب الدّجى وأجواز البلدان والقفار «والبيد القفار خ » ولجج البحار .الإمام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى والمنجي من الرّدى .الإمام النار على البقاع الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك من فارقه فهالك.الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والسماء الظليلة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة .الإمام الأنيس الرفيق والوالد الشفيق «الأمين الرفيق والوالد الرقيق » والأخ الشقيق والأم الداهية «وخ» الناد.البرة بالولد الصغير ومفزع العباد في الإمام أمين الله في خلقه وحجّته على عباده وخليفته في بلاده والداعي إلى الله والذَّاب عن حرم الله .الإمام المظهر من الذنوب والمبرى من العيوب المخصوص بالعلم المرسوم بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين .الإمام واحد دهره ولا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظیر مخصوص بالفضل كله من غير طالب منه ولا إكتساب بل إختصاص من المفضل الوهاب .فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه إختياره هيهات هيهات ، ضلت العقول وتاهت
الحلوم، وحارت الألباب، وحسرت «خسئت خ» العيون وتصاغرت العظماء وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الآلباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء ، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله فأقرت «وأقرت خ» بالعجز والتقصير.وكيف يوصف بكله أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم« يقوم أحد خ» مقامه ويغني غناه؟ لا كيف وأنّى وهو بحيث النجم من أيدي «يدخ» المتناولين ووصف الواصفين فأين الإختيار من هذا وأين العقول عن هذا وأين يوجد مثل هذا؟ .ظنّوا «أيظنون خ» أن ذلك يوجد في غير آل الرسول «محمد خ» عليهم السلام كذَّبتهم والله أنفسهم ومنتهم الأباطيل «الباطل خ» فارتقوا مرتقاً صعباً دحضاً تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة، وآراء مضلة، فلم يزدادوا منه إلا بعداً قاتلهم الله أنّى يؤفكون «وخ» لقد راموا صعباً وقالوا إفكاً وضلوا ضلالاً بعيداً ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة.(وزين لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [العنكبوت : 38]. رغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم والقرآن يناديهم :
(وربك يخلق ما يشاء وتختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يُشْرِكُون )[القصص : 68] وقال عزّ وجل : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ يُشْرِكُو أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36] الآية .
وقال عز وجل:( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَبُ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لا تَخَيَّرُونَ ال أَمْ لَكُمْ أَيْمَنُ عَلَيْنَا بَلِغَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِمَةُ إِنَّ لَكُمْ لَا تَحْكُمُونَ سَلَهُمْ أَنَّهُم بِذَلِكَ زَعِم أَمْ هُمْ شُرَكَاهُ فَليَأْتُوا بِشُرَكَاهِمْ إِن كَانُوا صَدِقِينَ ﴾ [القلم: 36-41] وقال عز وجل: (وَأَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَان 201 أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ ، [محمد : 24]( وَطيعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْتَهُونَ ﴾ [التوبة: ، كَالَّذِينَ 87] ، (و کالذین قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال : 21] (إِنَّ شَرَّ الدَّواتِ عِندَ اللهِ 21] (الصُّمُ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ ) [الأنفال : 22 - 23] ، (قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا )[البقرة: 93] (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21] .
فكيف لهم باختيار الإمام والإمام عالم لا يجهل وراع «داع خ »لا ينكل معدن القدس
خ) والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة ، مخصوص بدعوة الرسول ونسل المطهرة البتول ، لا مغمز فيه في «من خ » نسب ولا يدانيه ذو حسب فالبيت من قريش والذروة من هاشم ، والعترة من الرسول صلی الله علیه واله وسلم ، والرضا من الله «عز وجل خ » شرف الأشراف، والفرع من عبد
مناف ، نامي العلم كامل الحلم مضطلع بالإمامة ، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله، إن الأنبياء والأئمة «صلوات الله عليهم خ» يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون «علمهم خ » فوق كلّ علم أهل زمانهم في قوله تبارك وتعالى :
(أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَّا يَهدِى إِلا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحكُمُونَ ) [ يونس : 35] .
وقوله عزّ وجلّ: وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة : 269].
وقوله عزّ وجلّ في طالوت: إِنَّ اللهَ اصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِي الْعِلْمِوَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَرُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 247]
وقال عز وجل لنبيه صلی الله علیه واله وسلم : وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تعلم وكان فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء : 113] .)وقال عز وجل في الأئمة من أهل بيته وعترته وذريته «صلوات الله عليهم خ» :(ام يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَلَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ وَأَتَيْنَا عَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَهُم مُلكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [النساء: 54-55] .
وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً فلم يع بعده بجواب ، ولا تحير فيه عن الصواب وهو «فهوخ» معصوم مؤید موفق مسدّد «مسدّد الخطأ خ » وقد أمن الخطايا والزلل والعثار يخصه الله عزّ وجلّ بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه :
( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21] .
فهل يقدرون مثل هذا فيختاروه نه ؟ أو بكون مختارهم بهذه الصفة فيقدموه «نه خ» بعدد «تعدد خ» «نعدواظ» وبيت الله الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء فنبذوه واتبعوا أهواههم فذمّهم الله ومقتهم وأتعسهم، فقال عزّ وجل :
(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَتَهُ بِغَير هدى مين الله إن الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
[القصص : 50].
وقال عز وجل:( نَتَمْسًا هُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ) [محمد : 8] .
وقال عز وجل: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ
مُتَكَبَرِ جَبَّارٍ ﴾ [غافر : 35] . وصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وآله وسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثيرا (1).
(وفيهم الوصية والوراثة ) قال الشارح المعتزلي، أما الوصية فلا ريب عندنا أن علياً علیه السلام كان وصيّ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وإن خالف في ذلك من هو منسوب إلى العناد، ولسنا نعني بالوصيّة النّص والخلافة ولكن أموراً أخرى لعلها إذا لمحت أشرف وأجل وأما الوراثة فالإمامية يحملونها على ميراث المال والخلافة ونحن نحملها على وراثة العلم ، انتهى .
أقول: وأنت خبير بما فيه أما أولاً: فلانه قد تقرّر في مقامه أن حذف المتعلّق يفيد العموم، وعلى ذلك فحيث لم يذكر علیه السلام الوصية متعلقاً ولم يقيد الوراثة بشيء مخصوص فلا بد أن يكون المراد منه كلّ ما كان صالحاً للوصية وقابلاً للتوريث من المال والعلم والإمامة والخلافة، فكلامه علیه السلام بنفسه مع قطع النظر عن الأدلة الخارجة العقلية والنقلية العامية والخاصية كما ستأتي في مقدّمة الخطبة الآتية دال على ثبوت الوصية لهم في جميع ما ذكر ووراثتهم لها كذلك ، فيكون إستحقاقهم لها من جهتي الوصية والوراثة معاً.
وأما ثانياً : فلانا لا ندري أتي أمر أشرف وأجلّ من الرئاسة العامة والخلافة الإلهية حتى يحمل الوصية في كلامه علیه السلام عليه ، بل كل ما يتصور حملها عليه فهو دون مرتبة الخلافة التالية لمرتبة النبوة، ومن كان له نظر بصيرة ودقة يعرف تدليس الشارح وأنه يزخرف كلامه ويوري مرامه هذا ، ومن لطائف الأشعار المقولة في صدر الإسلام المتضمنة لوصايته علیه السلام قول عبد الرّحمٰن بن خعيل «خثيل ظ »:
لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة *** على الدين معروف العفاف موفقاً
عليّاً وصيّ المصطفى وابن عمه *** وأول من صلّى أخا الدين والثقى
وقال الفضل بن عباس :
وكان ولي الأمر بعد محمّد *** علي وفي كل المواطن صاحبه
وصي رسول الله حقاً وصهره *** وأول من صلى وما ذم جانبه
وقال عقبة بن أبي لهب مخاطباً لعائشة :
أعايش خلي عن عليّ وعنبه *** بما ليس فيه إنما أنت والدة
وصي رسول الله من دون أهله *** فأنت على ما كان من ذاك ذاك شاهدة
وقال أبو الهيثم بن التيهان :
قل للزبیر و قل
1) الكافي: 203/1 ، وعيون الأخبار : 199/2، وأمالي الصدوق: 778.
نحن الذين رأت قريش فعلنا *** يوم قليب أولئك الكفار
کنا شعار نبينا و دثاره *** يفديه منّا الروح والأبصار
إن الوصي إمامنا وولينا *** برح الخفاء وباحت الأسرار
وقال عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب :
ومنا علي ذاك صاحب خيبر *** وصاحب بدر يوم سالت كتائبه
وصي النّبي المصطفى وابن عمه *** فمن ذايدانيه ومن ذا يقاربه
ومن أحسن ما قاله المتأخرون قول القاضي التنوخي :
وزير النبي المصطفى ووصيه *** ومشبهه في شيمة وضراب
ومن قال في يوم الغدير محمّد *** وقد خاف من غدر العداة النواصب
أما أنني أولى بكم من نفوسكم *** فقالوا بلى ريب المريب الموارب
فقال لهم من كنت مولاه منکم *** فهذا أخي مولاه بعدي وصاحبي
أطيعوه طراً فهو منّي بمنزل *** كهارون من موسى الكليم المخاطب
(الآن اذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله ) أي موضع إنتقاله والمراد بالحق هو حق الولاية الذي سبق ذكره ، (فاللام) للعهد وهذه الجملة كالنّص في أنّ الخلافة كانت فيما قبل في غير أهلها وأنه علیه السلام هو أهل لها دون من تقدمه .
قال الشارح المعتزلي بعد ما قال : إنّ هذا يقتضي أن يكون فيما قبل في غير أهله ونحن نتأول ذلك على غير ما تذكره الإمامية ونقول : إنّه علیه السلام كان أولى بالأمر وأحق لا على وجه النّص بل على وجه الأفضلية ، فإنّه أفضل البشر بعد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأحق بالخلافة من جميع المسلمين، لكنه ترك حقه لما علمه من المصلحة وما تفرّس فيه هو والمسلمون من اضطراب الإسلام وانتشار الكلمة لحسد العرب له وضغنهم عليه، وجائز لمن كان أولى بشيء فتركه ثم استرجعه أن يقول : قد رجع إلى أهله (1).
أقول : فيه اولاً : إنّ التأويل خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل .
وثانياً : إنّ إنكار كونه علیه السلام أحق بالأمر من جهة النّص لا وجه له بل النص على ذلك كتاباً وسنّة فوق حد الإحصاء.
وثالثاً : إنه علیه السلام إذا كان أفضل البشر بعد الرسول والأحق بالخلافة من الجميع فلا بد
1) شرح النهج : 1/ 139 ، وكتاب الأربعين : 201 .
على ذلك أن يكون هو الخليفة دون غيره، إذ تفضيل المفضول على الفاضل وتقديم المحتاج إلى التكميل على الكامل قبيح عقلاً ونقلاً حسبما ستعرفه في مقدمات الخطبة الآتية إنشاء الله، ومن العجب أن الشارح مع كونه عدلي المذهب نسب ذلك القبح إلى الله سبحانه في خطبة الشرح حيث قال: وقدم المفضول على الفاضل لمصلحة إقتضاها التكليف.
ورابعاً : إن تركه علیه السلام لحقه عن طوع واختيار لم يدلّ عليه دليل يعول عليه إلا الأخبار العامية الموضوعة «المختلقة خ ل » والأخبار المتواترة من طرق الخاصة بل والمستفيضة من طريق العامة ناصة على خلافه وكفى بذلك شاهداً الخطبة الآتية المعروفة التي هي صريحة في أن تركه علیه السلام للأمر لم يكن عن رضا واختيار ، وتأويلات الشارح هناك مثل سائر ما تكلفه في تضاعيف الشرح أوهن من بيوت العنكبوت نظير إحتجاجاته على حقية الجبت والطاغوت، كما ستطلع عليه حيثما بلغ الكلام محله إنشاء الله، ولنعم ما قيل :
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة *** فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
بعض دیگر از این خطبه که در شأن منافقین است میفرماید : کاشتهاند منافقین تخم فسق و فجور را در قلب خودشان و آب دادهاند آن را با آب غفلت و درویدهاند هلاکت را در دنیا و آخرت که ثمره آن فجور و غرور است. قیاس کرده نمیشود به آل محمد صلوات الله وسلامه عليه و علیهم از این امت هیچ احد
و برابر کرده نمیشود به ایشان آن کسی که جاری شده نعمتهای ایشان بر او همیشه . ایشان اصل دیناند و ستون يقين اند . به سوی ایشان باز میگردد افراط و کنندگان به ایشان لاحق میشود تفریط نمایندگان و ایشان راست خاصههای حق ولایت و خلافت و در ایشان است وصیت حضرت رسالت و وراثت از خاتم نبوت .این هنگام وقت آن است که راجع شود حق ولایت به اهل خود و زمان آن است که نقل شود رتبه خلافت به محل انتقال خود یا آن که این هنگام به تحقیق رجوع نمود حق به اهلش و منتقل گردید به موضع انتقالش؛ والله العالم بحقايق كلام وليه (علیه السلام) .
نسبة لها إلى ما عبر به عنها وهو لفظة الشقشقية، حيث قال علیه السلام: «تلك شقشقة هدرت » (ا ه) ، وربما تعرف بالمقمصة أيضاً من حيث اشتمالها على لفظ التقمص الوارد في أوّلها، وهو نظير التعبير عن السور بأشهر ألفاظها كالبقرة وآل عمران والرّحمن والواقعة وغير ذلك، ولا بد قبل الشروع في المقصود من تمهيد مقدمات :
إنّه قد وقع الخلاف بین علماء الخاصة وكثير من علماء العامة في أنّ هذه الخطبة من كلام الإمام علیه السلام أو من كلام الرّضي رضي الله عنه .
أما الخاصة: فالظاهر إتفاقهم على الأوّل، ولم يظهر لي إلى الآن من ينكر كونها منه علیه السلام، وقد نقلها جمع كثير من المحققين من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين وغيرهم في مؤلفاتهم من دون إشارة إلى خلاف فيها منها .
وأما العامة : فكثير منهم ذهبوا إلى الثاني وأنكروا كونها من كلامه علیه السلام نظراً إلى ما اشتملت عليه من التظلم والشكاية في أمر الإمامة ودلالتها على اغتصاب الخلافة، وقد أفرط بعضهم وقال : إنه علیه السلام لم يصدر منه شكاية قط ولا كلام في هذا الأمر أصلاً.
ومنهم من أذعن بكونها منه علیه السلام إلا أنه على زعمه الفاسد أوّل المطاعن المشتملة عليها على وجه لا يوجب القدح في سلفهم، ومن هؤلاء الفرقة القاضي عبد الجبار البغدادي الشارح المعتزلي حسبما تعرفه في كلامه الذي نحكيه .
أقول : والحق أنه لا غبار على كونها منه علیه السلام ولا معنى لإنكار ذلك.
أما أولاً : فلشهادة فصاحتها وحسن أسلوبها وبديع نظمها على أنها كلام فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق ، فهي بنفسها شاهد صدق على أنها صادرة من مصدر الإمامة ومعدن الولاية .
وأما ثانياً : فلضعف مستند المنكر إذ الألفاظ المشتملة على التظالم والشكاية قد صدرت منه علیه السلام فوق حد الإحصاء، كما يشهد به ملاحظة أخبار السقيفة وغيرها، والمناقشة بينه علیه السلام وبين المتخلفين في أمر الخلافة ممّا صارت من الضروريات لا ينكره إلا جاهل أو متجاهل .
وأما ثالثاً : فلأنّ هذه الخطبة قد وجدت في كتب جماعة من العامة والخاصة صنفت قبل زمن الرّضي .
قال الشارح البحراني : قد وجدتها في موضعين تاريخهما قبل مولد الرضي بمدة أحدهما : أنها مضمنة كتاب الإنصاف لأبي جعفر بن قبة تلميذ أبي القاسم الكعبي أحد شيوخ المعتزلة وكانت وفاته قبل مولد الرّضي. الثاني: أني وجدتها بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات ، وكان وزير المقتدر بالله وذلك قبل مولد الرّضي بنيف وستين سنة، والذي يغلب على ظني أنّ تلك النسخة كانت كتبت قبل وجود ابن الفرات بمدة، انتهى.
وقال الشارح المعتزلي : حدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة ، قال : قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الله أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة، فقلت له : أتقول إنّها منحولة ؟ فقال : لا والله، وإني لأعلم أنه كلامه كما أعلم أنك مصدق ، قال : فقلت له : إن كثيراً من الناس يقولون : إنّها من كلام الرّضي، فقال : أنَّى للرضي ولغير الرّضي هذا النفس وهذا الأسلوب، قد وقفنا على رسائل الرّضي وعرفنا طريقته وفنّه في المنثور وما يقع مع هذا الكلام في خلّ ولا خمر ، قال : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هي من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو محمد والد الرضي.
قال الشارح : قلت : وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة، وجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الإمامية وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب الإنصاف، وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي ومات فی ذلك العصر قبل أن يكون الرضي (رحمت الله ) موجوداً، انتهى (1).
وقال المحدث العلامة المجلسي (رحمت الله) في «البحار»: ومن الشواهد على بطلان تلك الدعوى الواهية الفاسدة ابن القاضي عبد الجبار الذي هو من متعصبي المعتزلة قد تصدى في كتابه المبني لتأويل بعض كلمات الخطبة ومنع دلالتها على الطعن في خلافة من تقدّم عليه ولم ينكر إستناد الخطبة إليه، وذكر السيد المرتضي رضي الله عنه كلامه في «الشافي» وزيفه وهو أكبر من أخيه الرضي (رحمت الله) وقاضي القضاة متقدم عليهما، ولو كان يجد للقدح في إستناد الخطبة إليه مساغاً لما تمسك بالتأويلات الركيكة في مقام الإعتذار وقدح كما فعل في كثير من الروايات المشهورة، وكفى للمصنف وجودها في تصانيف الصدوق (رحمت الله) وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وكان مولد الرضي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، انتهى كلامه (رحمت الله) (2).
ويشهد به أيضاً رواية «المفيد» لها في كتاب «الإرشاد»، وهو (رحمت الله) شيخ الرّضي وأستاذه .
فقد ظهر واستبان ممّا ذكرنا كله أنّه لا وجه لإنكار كون الخطبة منه علیه السلام، وظني أن من أنكر ذلك إنّما أنكره من حيث إنّه رأى صراحتها في الطعن على المنتحلين للخلافة لا جرم بادر إلى الإنكار كي لا يلتزم بمقتضاها كما هو دأبهم وديدنهم في أكثر النصوص المفيدة لانحصار الخلافة فيه علیه السلام ، أو للطعن في غيره وكفى بذلك إنكار بعضهم حديث الغدير المتواتر الذي قاله النبي صلی الله علیه واله وسلم بمحضر سبعين ألفاً من المهاجر والأنصار والحاضر والباد، وليت الشارح المعتزلي أنكرها أيضاً من أصلها كي يستريح من تكلفاته الفاسدة وتأويلاته الباردة التي ارتكبها لرفع العار والشناعة عن الثلاثة ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر .
إعلم أنه قد طال التشاجر بين الخاصة والعامة في مسألة الإمامة فاختلفوا تارة في أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة هل هو واجب على الله أم علينا عقلاً أو سمعاً؟
وثانية : في أن العصمة هل هي لازمة للإمام أم لا؟
وثالثة : في أنّ الإمام هل يجب أن يكون أفضل من رعيته؟
ورابعة : في أنّ الإمام بعد الرسول صلی الله علیه واله وسلم من هو ؟ إلى غير ذلك من المسائل التي صارت معركة للآراء بين علماء الإسلام ، وتفصيلها موكول إلى علم الكلام ولا حاجة لنا إلى إشباع الكلام فيها .
وإنما المقصود بالبحث في هذه المقدّمة هو أن الشارح المعتزلي مع قوله بأفضلية أمير المؤمنين علیه السلام واختياره تفضيله على المتخلفين الثلاثة بأي معنى حمل الأفضل أعني الأكثر ثواباً أم الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة ومع مبالغته ومزيد اصراره في ديباجة الشرح في تشييد مباني هذا الأصل وتأسيس أساسه أنكر فرع الأصل كشيوخه البغداديين، وضاعت منه ثمرة هذه الشجرة والتزم بترجيح المرجوح على الراجح، وتقديم المفضول على الأفضل مع كونه قبيحاً عقلاً ونقلاً . وأسند ذلك القبيح تارة إلى الله سبحانه وتعالى كما قال في خطبة الشرح : وقدم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف، وأسنده أخرى إلى أن الإمام علیه السلام بنفسه قدم غيره على نفسه لما تفرّس من اضطراب دعائم الإسلام مع عدم التقديم له من حيث ضغن العرب وحقدهم له ووجود السخائم في صدورهم .
وقد كرّر ذلك الكلام في تضاعيف الشرح وبالغ فيه شدّة المبالغة كمبالغته في إنكار النّص الجلي على إمامة أمير المؤمنين علیه السلام وذهابه إلى أن استحقاقه علیه السلام الخلافة إنما كان من أجل الأفضلية لا من جهة التنصيص ووجود النص به من علیه السلام أو من النبي من حيث قصورالنصوص عن الدلالة على رأيه الفاسد ونظره الكاسد أو التزامه بتأويلها مع تسليمه صراحتها نظراً إلى قيام الدليل القطعي على زعمه على خلافها وهو الإجماع المنعقد على خلافة الأوّل
وكون بيعته بيعة صحيحة شرعيّة إلى غير ذلك من المزخرفات التي طرس منها شرحه وشيد بها مذهبه .
وقد ذكر منها شطراً يسيراً في ذيل الخطبة السابقة حسبما عرفت هناك ولفق منها كثيراً في شرح هذه الخطبة وغيرها من الخطب الآتية، وقد التزمنا في شرحنا ذلك أن ننبه على هفواته، ونكشف عن خطاياه وزلاته بقدر الإمكان على حسب ما يقتضيه المقام .
ولما كان بسط الكلام في كل ما زل فيه قدمه أو طغى فيه قلمه يوجب الإطالة والإطناب أحببنا أن نذكر في هذه المقدّمة أصلاً كافياً يرجع إليه، ودليلاً وافياً يعتمد عليه في إبطال جميع ما ذهب إليه ينتفع به في شرح هذه الخطبة وسابقتها، ويسهل الحوالة إليه ، في شرح الخطبة التّالية ممّا احتيجت إلى الإحالة فيها، فالمقصود في هذه المقدّمة هو إثبات خلافة أمير المؤمنين علیه السلام وإقامة الدليل على انحصار الخلافة بالنقل والعقل كليهما، فأقول وبالله التكلان وهو المستعان : إن هنا مقصدين.
الأدلة النقلية والنصوص اللفظية وهي على قسمين .
الآيات القرآنية، وهي كثيرة لا تحصى ونحن نذكر منها طائفة مما هي أقوى دلالة وأثب حجه .
منها قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ راكِعُونَ [المائدة : 55] .
تقريب الإستدلال أن الولي قد جاء في اللغة تارة بمعنى الناصر والمعين، كقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) [التوبة : 71] . ﴾
وأخرى بمعنى المتصرف والأحق به والأولى بذلك، ومن ذلك : السلطان ولي من لا ولي له ، وقوله علیه السلام: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، ولا يجوز أن يراد به في الآية المعنى الأول، إذ الولاية بذلك المعنى عامة لجميع المؤمنين كما يشهد به الآية السابقة، فلا بد أن يكون المراد به المعنى الثاني كي يستقيم الحصر المستفاد من كلمة إنّما، فإذا ثبت أن المراد به الأولى بالتصرف فالمراد به أمير المؤمنين علیه السلام لا غير .
أما أولاً : فللإجماع المركب ، إذ كلّ من قال : إنّ المراد بالآية هو الشخص الخاص
بمقتضى كلمة الحصر فقد قال: إن المراد به هو علي علیه السلام .
وأما ثانياً : فللاجماع على أن إيتاء الزكاة في حال الركوع لم يكن إلا في حق
علي علیه السلام ، فتكون الآية مخصوصة به ودالة على إمامته.
وأمّا ثالثاً : فلإتفاق المفسرين على ما حكاه شارح «التجريد» القوشجي على أنها نزلت في حقه علیه السلام حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته ، ومثله ابن شهر آشوب في كتاب الفضائل حيث قال في محكي كلامه : إجتمعت الأمة على أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين علیه السلام، انتهى .
وأما رابعاً : فلدلالة الأخبار المتظافرة بل المتواترة من العامة والخاصة على نزولها فيه علیه السلام ، وقد نقل السيد المحدث العلامة السيد هاشم البحراني في كتاب «غاية المرام» من طرق العامة أربعة وعشرين حديثاً في نزولها فيه علیه السلام، ومن طريق الخاصة تسعة عشر حديثاً، من أراد الإطلاع فليرجع إليه (1)وفي ذلك قال حسان بن ثابت :
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكلّ بطيء في الهواء ومسارع
أيذهب مدحي والمخبر ضائع *** وما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً *** فدتك نفوس القوم يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية *** وبينها في محكمات الشرائع
هذا، وأورد الناصب الفخر الرازي في التفسير الكبير على الإستدلال بالآية تارة بعدم إمكان أن يكون المراد بها علي علیه السلام ، وأخرى بأنها على تقدير أن يكون المراد بها هو ذلك لا دلالة فيها على ولايته علیه السلام، لأنه إنما يتم إذا كان المراد بلفظ الولي هو المتصرف لا الناس الناصر والمحبّ، وهو ممنوع بل حمله على الثاني أولى.
وأستدل على الأوّل أعني عدم إمكان كون المراد بها أمير المؤمنين سلام الله عليه
بوجوه :
الأوّل: أنّ الزكاة إسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى: وَءَاتُوا الزَّكَوةَ ، فلو أنه أتى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب، وذلك عند أكثر العلماء معصية وأنه لا يجوز إسناده إلى علي علیه السلام، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أنّ قوله : وآتوا الزكاة ، ظاهره يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب)الثاني : هو أن اللائق بعلي علیه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة ، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لإستماع كلام الغير ولفهمه، ولهذا قال تعالى :
1) ذكره في الباب الثامن عشر، غاية المرام: 5/2
( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: 191] ومن كان قلبه مستغرقاً في الفكر كيف يتفرّغ لإستماع كلام الغير .
الثالث : أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير واللائق بحال علي علیه السلام أن لا يفعل ذلك .
الرابع: أن المشهور أنه علیه السلام كان فقيراً ولم يكن له مال تجب فيه الزكاة، ولذلك فإنّهم يقولون : إنّه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة هل أتى، وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيراً، فأما من كان له مال تجب فيه الزّكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص إذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة إمتنع حمل قوله : ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، عليه .
أقول : ويتوجه على الأوّل منع كون الزكاة إسماً للواجب فقط، بل هو كسائر أسامي العبادات موضوع للواجب والمندوب كليهما، وإلا لزم أن يكون للمندوبات إسم تختص به وراء أسامي الواجبات، وهو خلاف ما اتفق عليه الكلّ إذ لم نطلع إلى الآن على أحد يفرق بين الواجب والمندوب في الإسم، ولم نجد للمندوبات أسامي مستقلة غير أسماء الواجبات في كتبهم الفقهية والأصولية، ولا في شيء من الكتاب والسنة ، وكون الزكاة في الآية واجبة من حيث تعلّق الأمر بها لا يدلّ على كون مطلق التسمية للواجب، إذ التسمية مقدمة على لحكم ذاتاً ورتبة فلا دلالة ورتبة فلا دلالة فيها على أنّ كلّ ما كان زكاة فهو واجب ولو في غير مقام تعلق الأمر كما في الآية التي نحن بصددها، وكما في قولنا الزكاة عبادة، ونحو ذلك، وعلى فرض التنزل والمماشاة نمنع كون تأخير أدائها عن وقت الوجوب مطلقاً معصية إذ ربما يجوز تأخيرها لعدم وجود المستحق، أو لعذر آخر ولا إثم على ذلك بوجه، بل يجوز بل يجوز التأخيرها العزل أيضاً على مذهب البعض ، بل ومع عدم العزل أيضاً إلى شهرين على مذهب أبي حنيفة وغيره من العامة، وكيف كان فلا خفاء في فساد ما توهمه.
وعلى الثاني: أن استغراق القلب بالذكر في الصلاة إنما ينافي التوجه إلى الأمور الدنيوية الشاغلة عن الذكر، وأمّا إعطاء الخاتم للفقير المستحق ابتغاء لمرضاته سبحانه والتوجه إلى سؤاله فلا ينافي الإستغراق، بل هو عين الذكر.
يعطي ويمنع لا تلهيه سكرته *** عن القديم ولا يلهو عن الكاس
أطاعه سكره حتى تمكن من *** فعل الصحات فهذا أفضل النّاس
ولو كان مطلق التوجه إلى الغير منافياً للإستغراق لم يتصوّر ذلك في حق النبي صلى الله عليه واله وسلم مع أنه قد حصل ذلك في حقه كما يدل عليه ما استدل به الشافعي على جواز التنبيه في الصّلاة على الحاجة بتسبيح ونحوه ، بأن علياً علیه السلام قال : كانت لي ساعة أدخل فيها على
رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، فإن كان في الصلاة سبح وذلك إذنه، وإن كان في غير الصلاة أذن(1)، وما استدل به أبو حنيفة على عدم جواز ردّ جواب السلام في الصلاة بأن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم دخل مسجد بني عمرو بن عوف يصلي ودخل معه صهيب ، فدخل معه رجال من الأنصار يسلمون عليه، فسألت صهيباً كيف كان يصنع إذا سلم عليه ؟ قال : يشير بيده، ولو كان إستماع كلام الغير مطلقاً منافياً للإستغراق كيف يستمع السلام ويشير بيده على ما مر أو يرد الجواب، على ما رواه الباقر علیه السلام من أن عماراً سلم عليه صلی الله علیه واله وسلم فردّ عليه السلام ويأتي على ذلك دليل آخر فانتظر.
وعلى الثالث : منع كون ذلك فعلاً كثيراً أولاً إذ ليس ذلك بأزيد من خلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعليه في الصلاة وهما فعلان وليس بأكثر من حمله صلی الله علیه واله وسلم أمامة بنت أبي العاص، وكان إذا سجد وضعها و إذا قام رفعها، وقتل عقرباً وهو يصلي، وأخذ بإذن ابن عباس وأداره عن يساره إلى يمينه ، وأمر بقتل الأسودين في الصّلاة : الحية والعقرب وثانياً على فرض التنزل والمماشاة أنّ الكثرة إنما يسلم لو كان علیه السلام مباشراً للخلع والإعطاء، وأما إذا كان خلعه بفعل السائل بإشارة منه علیه السلام فلا .
وهو الذي رواه الحمويني من علماء العامة بإسناده عن أنس مالك أن سائلاً أتى
بن المسجد وهو يقول؛ من يقرض الملي الوفي ، وعلي صلوات الله عليه راكع يقول بيده خلفه للسائل أن أخلع الخاتم من يدي ، قال : فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم : «يا عمر وجبت» قال: بأبي وأمي يا رسول الله ما وجبت؟ قال :« وجبت له الجنة ، والله ما خلعه من يده حتى خلعه من كلّ ذنب ومن كل خطيئة» (2).
وقال الزمحشري في «الكشاف»: إنّ الآية نزلت في علي علیه السلام حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه كأنه كان مرحباً «مرخياظ » في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته وفي هذا المعنى قال دعبل الخزاعي :
إذا جاءه المسكين حال صلاته *** فامتد طوعاً بالذراع وباليد
فتناول المسكين منه خاتماً *** هبط الكريم الأجودي الأجود
فاختصّه الزحمن في تنزيله *** من حاز مثل فخاره فليعدد
إن الإله وليكم و رسوله *** والمؤمنين فمن يشأ فليجحد
يكن الإله خصیصه غداً *** والله ليس بمخلف في الموعد (3)
وعلى الرّابع : أنّ المراد بالزكاة في الآية الصدقة النافلة لما عرفت من صحة إطلاقها عليها كصحة إطلاقها على الواجبة وكونه فقيراً لم يكن له مال يجب فيه الزكاة فلا ينافي إعطاء الزكاة تطوعاً كمال قال الفرزدق :
لا يقبض العسر بسطاً من أكفهم *** سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
کلتا یدیه غیاث عمّ نفعهما *** ستو كفان ولا كفان ولا يعروهما العدم
هذا، وغير خفي أنّ فقره علیه السلام لم يكن من عجزه وعدم تمكنه من جمع المال بل إنّما هو كثرة الجود والسخاء، وكفى بذلك أنه لم يخلف ميراثاً وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشّام ونحوه، وشاهد صدق على ما ذكرنا الخاتم الذي أعطاه للسائل وقد ذكر الغزالي في محكي كلامه شن كتاب سرّ العالمين أن ذلك الخاتم كان خاتم سليمان بن داود علیه السلام.
وفي رواية عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبد الله علیه السلام أن الخاتم الذي تصدّق به أمير المؤمنين علیه السلام وزن أربعة مثاقيل حلقته من فضة وفضه خمسة مثاقيل وهو من ياقوتة حمراء وثمنه خراج الشّام، وخراج الشام ثلاثمائة حمل من فضة وأربعة أحمال من ذهب وكان الخاتم لمران بن طوق قتله أمير المؤمنين علیه السلام وأخذ الخاتم من إصبعه وأتى به إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم من جملة الغنائم وأمره النبي صلی الله علیه واله وسلم أن يأخذ الخاتم فأخذ الخاتم وأقبل وهو في إصبعه وتصدق به على السائل في أثناء صلاته خلف النبي صلی الله علیه واله وسلم (1).
وكيف كان فقد ظهر مما ذكرنا أن عدم وجوب الزكاة عليه لم يكن من أجل عدم تملكه للنصاب كما يتوهم من ظاهر كلام الناصب بل قد تملك نصباً كثيرة وبذل نصباً كثيرة وإنّما المانع من تعلق الوجوب هو أنه لم يكن حريضاً على جمع المال حتى يحول عليه الحول، يمنعه من الإدخار ملكة الجود والسخاء والزهد، ولأنّ اللازم على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا ( يتبيغ ) (2)بالفقير فقره ، وحاصل الكلام منع كونه فقيراً بالمعنى الذي يتوهم من كلام الناصب أوّلاً، ومنع امتناع حمل الآية عليه على تقدير كونه عادماً لمال تجب فيه الزكاة ثانياً، فافهم جيداً، هذا.
واستدل على الثاني أعني أولوية إرادة الناصر والمحب من لفظ الولي بالنسبة إلى المتصرف بوجوه .
الأول : أن اللائق بما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلا هذا المعنى، أما ما قبل هذه الآية فلأنه تعالى قال:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاةٌ ﴾ [المائدة : 51]
وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أرواحكم وأموالكم، لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحباباً وأنصاراً ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال : إنّما وليكم الله ورسوله والمؤمنون والموصوفون ، والظاهر أنّ الولاية المأمور بها مهنا هي المنهى عنها فيما قبل ، ولما كانت الولاية المنهى عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النّصرة كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله :
(ايها الذين وَآمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِینگر هُزُوا وَلَعِبا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالكفار أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة : 57] .
فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفّار أولياء ، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي بمعنى الولاية بمعنى النّصرة فكذلك الولاية في قوله : إنما وليكم الله ، يجب أن تكون هي النصرة، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله : إنّما وليكم الله ، ليس إلا بمعنى الناصر والمحب، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام ، لأن ذلك يكون إلقاء الكلام الأجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه .
الثاني : أنا لو حملنا الولاية بمعنى التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورون في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول ، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال ، فثبت أنّ حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين ، فلا بد وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال إمتنع حمل الآية عليها.
الثالث: أنّه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع ، وهي قوله : والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، وحمل الألفاظ الجمع، وإن جاز على الواحد على سبيل التعظيم لكنه مجاز لا حقيقة والأصل حمل الكلام على الحقيقة.
الرابع: أنا قد بيّنا بالبراهين البيئة أن الآية المتقدّمة وهي قوله : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه إلى آخر الآية من أقوى الدلالة على صحة إمامة أبي بكر، فلو دلت هذه
الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول صلی الله علیه واله وسلم الامام التناقض بين الآيتين وذلك باطل، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن علياً هو الإمام بعد الرسول .
الخامس : أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل ، وليس للقوم أن يقولون إنّه تركه للتقية، فإنّهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع فضائله ومناقبه ولم يتمسك البتة بهذه الآية في إثبات إمامته، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله .
السادس: هب أنّها دالة على إمامة عليّ لكنّا توافقنا على أنّها عند نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال، لأن علياً ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن علياً سيصير إماماً بعد ذلك، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان ، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت ، فإن قالوا: الأمة في هذه الآية على قولين ، منهم من قال : إنّها لا تدل على إمامة علي ، ومنهم من قال إنّها تدل على إمامته وكل من قال بذلك قال : إنّها تدل على إمامته بعد الرسول من غير فصل : فالقول بدلالة الآية على إمامة علي لا على هذا الوجه قول ثالث ، وهو باطل ، لأنا نجيب عنه، فنقول : ومن الذي أخبركم أنه ما كان أحد في الأمة قال هذا القول ، ومن المحتمل بل من الظاهر أنه منذ استدل مستدل بهذه الآية على إمامة علي فإنّ السائل يورد على ذلك الإستدلال هذا السؤال، فكان ذكر هذا الإحتمال وهذا السؤال مقروناً بذكر هذا الإستدلال.
السابع أن قوله : إنّما وليكم الله ورسوله لا شك أنه خطاب مع الأمة، وهم كانوا قاطعين بأن المتصرف هو الله ورسوله ، وإنما ذكر الله هذا الكلام تطييباً لقلوب المؤمنين وتعريفاً لهم بأنّه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار، وذلك لأنّ كان الله ورسوله ناصراً له ومعيناً فأي حاجة له إلى طلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك كان المراد بقوله : إنّما وليكم الله ورسوله، هو الولاية بمعنى النصرة والمحبة ، ولا شك أنّ لفظ الولي مذكور مرّة واحدة ، فلما أريد لههنا معنى النصرة إمتنع أن يراد به معنى التصرف، لما ثبت أنه لا يجوز إستعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معاً.
الثامن: أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية السابقة بقوله :
(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَفِرِينَ ﴾ [المائدة : 54].
فإذا حملنا قوله : إنّما وليكم الله ورسوله ، على معنى المحبة والنصرة كان قوله : إنما وليكم الله ورسوله، يفيد فائدة قوله : يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين،
وقوله : يجاهدون في سبيل الله ، يفيد فائدة قوله : يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكّدة لمعناها فكان ذلك أولى، فثبت بهذه الوجوه أنّ الولاية المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف .
ثم قال الناصب : أمّا الوجه الذي عوّلوا عليه وهو أنّ الولاية المذكورة في الآية غير عامة والولاية بمعنى النصرة عامة فجوابه من وجهين :
الأوّل: إنا لا نسلم أنّ الولاية المذكورة في الآية غير عامة ولا نسلم أن كلمة (إنّما)،
للحصر والدليل عليه قوله :
(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [يونس : 24].
ولا شك أنّ الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل، وقال:
إِنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [محمد : 36] . ولا شك أنّ اللعب واللهو قد يحصل في غيرها
الثاني: لا نسلم أنّ الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين وبيانه أنّه تعالى قسم المؤمنين قسمين ، أحدهما : الذين جعلهم مولياً عليهم وهم المخاطبون بقوله إنما وليكم الله، والثاني : الأولياء، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، فإذا فسرنا الولاية لههنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصاراً للقسم الثاني ، ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين ولو كان كذلك لزم في القسم الذي المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم، وذلك محال، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أنّ لا تكون بمعنى النصرة، وهذا جواب حسن دقيق لا بد من التأمل فيه ، انتهى كلامه هبط مقامه .
أقول : والجواب عن الوجه الأوّل أولاً أنّ كون الولي في الآية السابقة واللاحقة بمعنى الناصر لا دلالة فيه على كون المراد به في هذه الآية ذلك المعنى أيضاً بإحدى من الدلالات ، وما استدل به عليه من أنه لولا ذلك لزم إلقاء الكلام الأجنبي بين كلامين مسوقين لغرض واحد وذلك في غاية الركاكة، ففيه منع الأجنبية أولاً إذ الولاية بمعنى النصرة شأن من شؤنات الولاية المطلقة، فحيث إنه سبحانه نهى عن إتخاذ الكفار أولياء أي أنصاراً أثبت الولاية المطلقة لنفسه ولرسوله وللمؤمنين الموصوفين ،ومن المعلوم أنّ الولاية المطلقة أعني التصرف في أمور المؤمنين على وجه الإطلاق شاملة على التصرف بالنصرة، فعلى ذلك يكون في الآية دلالة على كون الله ورسوله والمؤمنين الموصوفين ناصرين لسائر المؤمنين على وجه الكمال، فعلى ذلك التأمت أجزاء الكلام على أحسن إتساق وإنتظام ، ومنع كون هذه الأجنبية موجبة للركاكة
ثانياً، إذ المجانبة بينها ليست بأزيد من المجانبة بين الشرط والجزاء في قوله تعالى :
(وإِن خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ ) [النساء: 3] .
وعلى تقدير تسليم الركاكة فيكون ذلك إعتراضاً على خليفتهم عثمان ثالثاً، لظهور أنّ هذه الآيات الثلاث لم تنزل دفعة واحدة، بل قد نزلت تدريجاً ونجوماً، وقد جمعها عثمان بهذا الوجه وحرف الكلم عن مواضعها ولم يرتب الآيات كما هو حقها .
وثانياً: أن توافق الآيات وجريها على نسق واحد وإن كان مقتضياً لحمل الولي ههنا على الناصر وموجباً لظهوره فيه، إلا أنه إذا امتنع حمله عليه بمقتضى كلمة الحصر والجملة الوصفية الظاهرتين في المعنى الآخر حسبما عرفت في تقريب الإستدلال وستعرفه أيضاً، فلا بدّ من رفع اليد عن ذلك الظهور، وبعبارة أخرى ظهور التناسق يوجب حمله على الناصر إلا أنه معارض بظهور الحصر والوصف في المعنى الآخر إن لم يكونا نصين فيه ، والثاني أقوى من الأوّل فيجب المصير إليه.
وعن الثاني: بأنّه إنّما يتم على مذهب من يجعل المشتق حقيقة في الحال كما هو الأشهر، وأمّا على مذهب من يجعله حقيقة في مطلق ما اتصف بالمبدأ سواء كان في الماضي أو في الحال أو الإستقبال إذا كان محكوماً عليه فلا ، فيكون ذلك مثل قوله تعالى :
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَمُوا أَيْدِيَهُمَام ) [المائدة: 38] .
حيث إنّهم يستدلون بهذه الآية على وجوب قطع يد السارق، ولو لم يكن سارقاً حين نزول الآية إلا أنّ هذا القول لما كان غير مرضي عندنا على ما حققناه في حاشيتنا على القوانين ونبهنا هناك أيضاً على ضعف الإستدلال بآية السّرقة، فالأولى الإعراض عنه والجواب على المذهب المختار الموافق للمشهور، وهو أنا لا ننكر كون المشتق حقيقة في الحال أي حال التلبس، ولازمه الاتصاف بالولاية حال نزول الآية لظهور الجملات الخبرية في كون حال التلبس فيها هو حال النطق إلا أنا نقول : إنّ الحقيقة إذا كانت متعذرة بما ذكره الناصب من عدم الاتصاف بالولاية بمعنى التصرف حال النزول، فلا بد من المصير إلى المجاز وهو المتلبس به في المستقبل، وأما ما ذكره من أنا لو حملنا الولاية على النّصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، ففيه أن حصول النصرة حين نزول الآية من المؤمنين الموصوفين بل ومن الرّسول أيضاً غير معلوم .
فإن قلت : سلمنا ولكن بين المعنين فرق واضح ، وهو أن تصرفهم أعني المؤمنين حال النزول معلوم العدم ونصرتهم غير معلومة .
قلت : اللازم في صحة الإطلاق الحقيقة للمشتق هو العلم بالاتصاف بالمبدأ حال
الإطلاق، وعدم العلم به غير كاف في صحة الإطلاق، بل هو كالعلم لعدم الاتصاف يوجب مجازية الإطلاق، وبالجملة فقد تحقق بما ذكرنا أن جعل الولي بمعنى الناصر لا يكفي في صحة إطلاق الحقيقي وأنّ ما اعترض به على جعله بمعنى المتصرف وارد على جعله بمعنى الناصر حرفاً بحرف فاللازم حينئذٍ حمله على المعنى المجازي وهو المتصف بالولاية أعم أن يكون في الماضي والحال والإستقبال جميعاً كما في الله ورسوله، ومن أن يكون في خصوص الإستقبال كما في المؤمنين الموصوفين، وهذا كله مبني على المماشاة مع الخصم ، وإلا فنقول : إن المراد بالولي في الآية هو الأولى بالتصرف كما هو أحد معانيه اللغوية وعليه فالإعتراض ساقط من أصله كما لا يخفى.
وعن الثالث : أوّلاً بالنقض، فإنه قد قال في تفسير قوله تعالى:
وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ [النور: 22].)إنّ المراد من أولي الفضل أبو بكر وكنى عنه بلفظ الجمع، والواحد إذا كني عنه بلفظ الجمع دلّ على علو شأنه كقوله تعالى :(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكرَ ، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْنَرَ [الكوثر: 1] .)فانظر : إنّ الشخص الذي كناه الله سبحانه مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه ؟ انتهى .وثانياً بالحلّ، وهو أنّ الأصل في أنّ الأصل في الإستعمال وإن كان هو الحقيقة إلا أنه مع قيام القرائن القطعية من الأخبار العامية والخاصية على إرادة المعنى المجازي لا بد من حمل اللفظ عليه، مضافاً إلى ما في حسن التعبير بلفظ الجمع من اشتماله على التعظيم والنكتة اللطيفة التي لا تخفى، وهي ما أشار إليه في «الكشاف»، قال : فإن قلت : كيف صح أن يكون لعلي علیه السلام واللفظ لفظ الجماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً ليرغب النّاس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه ولبنبه على أن سجيّة المؤمنين لا بد أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء حتى أن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم فی الصلاة لم يؤخروه إلى الفراغ منها، انتهىوعن الرابع : بأنّه مما تضحك منه الثكلى، لأنه خلاف ما اتفقت عليه الأمة، أما الخاصة فلأنّهم اتفقوا على أنّ الآية أعني قوله : (ويتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ [المائدة: 54] (ا ه)، إنما هي إشارة إلى ظهور الدولة الحقة القاهرة وإلى رجعة آل محمد وسلطنتهم سلام الله عليه وعليهم، وعليه قد دلت الأخبار المتظافرة من طرقهم ومن طريق العامة كما رواها في «غاية المرام »، أو إلى أنّ المراد بالمرتدّين هم الناكثون والقاسطون والمارقون، وبقوم يحبهم ويحبونه ، هم أمير المؤمنين علیه السلام وأصحابه كما في أخبار اخر .
وأمّا العامة فلاتفاقهم على أن خلافة أبي بكر كانت مستندة إلى البيعة لا إلى النّص .
وأيضاً لو كان الآية دالة على صحة خلافته للإستدلال بها يوم السقيفة وليس فليس ، والعجب كل العجب أنّ الناصب يقول : إن المراد بقوم يحبهم ويحبونه هو أبو بكر وأصحابه، والشيعة يقولون : إن هؤلاء داخلون في قوله : من يرتد منكم عن دينه ، وإن المراد بالمرتدين هم الغاصبون لحق آل محمد صلی الله علیه واله وسلم فانظر ماذا ترى من التفاوت بين القولين، ويأتي إنشاء الله تحقيق إيطال مقال هذا الناصب في هذه الآية بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثامن من الخطبة المائة والحادية والتسعين .
وعن الخامس: بأن عدم تمسكه سلام الله عليه بهذه الآية ممنوع، بل قد تمسك بها كما تمسك بخبر الغدير والمباهلة وغيرهما، وقوله : ولم يتمسك ألبتة بهذه الآية إن أراد به عدم ورود تمسكه بها في أخبارهم فهو مسلّم إلا أنه لا يوجب القطع بعدم التمسك؛ إذ جل مسائل الحقة لم يرد به رواية منهم ، وهو لا يدل على إنتفاء تلك المسائل واقعاً وإن أراد به عدم ورود خبر على ذلك من طرق الخاصة كوروده في تمسكه بخبر الغدير والمباهلة، ففيه منع ذلك الورود تمسكه بها في بعض أخبارهم مثل ورود التمسك بغيرها، وهو ما رواه في كتاب «غاية المرام » من مجالس الشيخ بإسناده إلى أبي ذر في حديث منا شدة أمير المؤمنين علیه السلام عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص يوم الشورى وإحتجاجه عليهم بما فيه من النصوص من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم والكلّ منهم يصدّقه فيما يقوله، فكان فيما ذكره علیه السلام فهل فيكم أحد أتى الزكاة وهو راكع؟ فنزلت فيه :
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ [المائدة : 55] .
غيري؟ قالوا: لا ، وفي ذلك الكتاب أيضاً عن ابن بابويه بإسناده عن أبي سعيد الوراق عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام في حديث مناشدة علي علیه السلام لأبي بكر حين ولي أبو بكر الخلافة وذكر علیه السلام فضائله لأبي بكر والنصوص عليه من رسول الله فكان فيما قال له : (فأنشدك بالله الي الولاية من الله مع ولاية رسول الله في آية زكاة الخاتم أم لك)؟ قال : بل لك (1).
فقد ظهر مما ذكرنا غفلة الناصب اللعين عن أخبار الشيعة ولا غرو في ذلك فإنّه جاهل بما هو أعظم من ذلك وليس من ذلك الظالمين ببعيد.
وعن السادس: أولاً بمنع عدم ثبوت الولاية له علیه السلام حال نزول الآية، لما قد ذكرنا سابقاً أن المراد بالولى هو الأولى بالتصرف، وهذا المعنى كان حاصلاً له حال النزول، وثانياً
1) الخصال: 549 ، والاحتجاج : 161/1 .
سلّمنا أنّ الآية مفيدة لكونه ولياً المستقبل نظراً إلى كون الولي بمعنى المتصرف، إلا أنا نمنع قوله. ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان (ا ه) ، إذ الآية كما هي مثبتة لإمامته علیه السلام ، كذلك نافية للإمامة عن غيره حسبما حققناه في تقريب الإستدلال وسنحققه أيضاً بما لا مزيد عليه ، وعليه فلا يبقى للثلاثة خلافة حتى يتأخر علي علیه السلام عنهم أو يتقدم عليهم وهو ظاهر .
وثالثاً أن قوله : فإن المحتمل (ا ه) واضح الفساد، إذ مجرد إحتمال الخلاف لا يوجب القدح في حجية الإجماع، وإلا لم يسلم شيء من الإجماعات المحجية، والعجب كل العجب أن الناصب اللعين يسقط الإجماع عن الحجية هنا بمجرد احتمال المخالف، ويحتج له كغيره على خلافة أبي بكر مع وجود الخلاف القطعي المحقق هناك من غير واحد من أعاظم الصحابة، فكيف يكون الإجماع على البيعة حجة مع وجود الخلاف القطعي ولا يكون ذلك دليلاً بمجرد إحتمال الخلاف؟ .
وعن السابع : إنا قد ذكرنا سابقاً أن التصرف بالنّصرة شأن من شؤنات الولاية المطلقة وعليه فتطيب قلوب المؤمنين كما يحصل بتعريفهم كون الله ورسوله ناصراً لهم كذلك يحصل بتعريفهم كونه سبحانه ورسوله أولى بالتصرف في أرواحهم وأبدانهم ومتصرفاً فيهم بالنصرة وبغير النصرة في جميع حالاتهم وأطوارهم، بل حصول التطيب بالثاني أقوى وآكد من حصوله بالأوّل كما هو غير خفي على العارف الفطن .
وعن الثامن : أن الآيتين لا ربط لإحداهما بالأخرى، ولا داعي إلى تكلف التطبيق بينهما، إذ كلّ منهما مسوقة لمقصود غير ما قصد بالأخرى، مضافاً إلى ما في المناسبة التي أبدئها بينهما من سخافة لا تخفى ، هذا.
وبقي الكلام في الوجهين اللذين أجاب بهما الناصب اللعين عمّا عوّل عليه أصحابنا من كون الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، والولاية بمعنى النّصرة عامة فأقول :
أما الوجه الأول : ففيه أنه إن أراد بقوله : لا نسلم أن كلمة (إنما) للحصر عدم إفادتها الحصر في خصوص تلك الآية فيتوجه عليه أنه لا يناسب على ذلك الإستدلال له بالآيتين ، لعدم دلالة عدم إفادتها للحصر فيهما على زعمه عدم إفادتها له في هذه الآية بشيء من الدلالات، وإن أراد به عدم إفادتهما مطلقاً كما هو الظاهر من كلامه، ففيه مضافاً إلى أنه خلاف ما صرّح به نفسه في تفسير قوله :
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى أَنَّمَا الهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ ) [فصلت : 6] .
أولاً : أن المتبادر منها هو الحصر فكيون حقيقة فيه، لأنّ التبادر علامة الحقيقة، وثانياً أنّ المشهوريين الأصوليين واللغويين والنحويين هو ذلك، وإليه ذهب الجوهري وصاحب «القاموس» وحكى عن البيضاوي في «المنهاج »، والسكاكي في «المفتاح»، والقزويني في
«الإيضاح » وإليه ذهب من أصحابنا رضوان الله عليهم الشيخ والمحقق والعلامة والطبرسي والطريحي والعميدي ونجم الأئمة الرّضي وغيرهم بل قد ادعى عليه الإتفاق جماعة منّا ومنهم، منهم العلامة في «التهذيب» قال : إنّما للحصر بالنقل عن أهل اللغة، وفي «النهاية» قال أبو علي الفارسي : إنّ النحاة أجمعوا عليهم وصوّبهم فيه ونقله وقوله حجة، والطريحي في «مجمع البحرين »قال: وإنّما المتكرّر في الكتاب والسنة وكلام البلغاء فهي على ما نقل عن المحققين موضوعة للحصر عند أهل اللغة ، ولم نظفر بمخالف لذلك وإستعمال العربية والشعراء والفصحاء إيَّاها بذلك يؤيّده، انتهى .
وعن الأَزهري في كتاب «الزهر» عن أهل اللغة أن (إنما ) تقتضي ايجاب شيء ونفي غيره، وفي «التلخيص» تبعاً «للمفتاح» في مقام الإستدلال لإفادتها للحصر قال لتضمّنه معنى (ما) (وإلا)، لقول المفسرين :
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة : 173] .
بالنصب معناه ما الله عليكم إلا الميتة ، وهو المطابق لقراءة الرفع ولقول النحاة :
حرم إنما لإثبات ما يذكر بعده ونفي ما سواه انتهى ، ومع ذلك كله لا وجه لمنع إفادتها الحصر إذ قول اللغوي الواحد معتبر في باب الأوضاع فضلاً عن الشهرة المحصلة والإتفاقات المحكية أدلة مضافاً إلى الأدلة التي استدلوا بها في كتب «الأصول» و «البيان» و«النحو» وغيرها.
وأما الآيتان اللتان إستدل بهما ففيهما أولاً منع عدم إفادتهما الحصر فيهما ولو بالتأويل القريب يشهد بذلك وقوع كلمة ما وإلا عوضها في الآية الأخرى وهو قوله :
(وما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ [الأنعام : 32]
إذ لا خلاف في إفادتها للحصر وثانياً سلمنا ذلك إلا أنهما لا تثبتان الدعوى لكونهما أخص من المدعى حسبما أشرنا إليه سابقاً. وثالثاً : أن الإستعمال أعم من الحقيقة ، والمجاز خير من الإشتراك، فقد تحصل مما ذكرنا كله أنها حقيقة في الحصر فتكون مجازاً في غيره فبطل القول بكونه حقيقة في الثاني كما حكى عن الأمدي وأبي حيان وغيرهما، والقول بكونها مشتركة بينهما بالإشتراك اللفظي كما هو محتمل كلام الفيومي في «المصباح»، وتفصيل الكلام زيادة عن ذلك فليطلب من مواضعه .
وأمّا الوجه الثاني : ففيه أن جعل المؤمنين على قسمين أحدهما الناصرون والآخر المنصورون لا يسمن ولا يغني من جوع، بيان ذلك : أنّ كلمة إنّما مفيدة للحصر ومقتضية لإثبات الولاية الله ولرسوله وللمؤمنين الموصوفين نافية لها عمّن سواهم، فمقتضى الآية بحكم أداة الحصر هو اختصاص الولاية لهؤلاء الثلاثة وهو إنما يتم لو جعل المراد بالآية الأولى بالتصرف بخلاف ما لو أريد بها النّصرة ، ضرورة عدم إختصاص النصرة بهم بل يعمهم
وغيرهم من المؤمنين الغير موصوفين بالضفة المذكورة لحصولها منهم ومن غيرهم وحينئذ فلا يكون للحصر فائدة وهذا معنى قولنا : إن الولاية بمعنى النصرة عامة من حيث عدم إختصاصها بالمؤمنين المتصفين بإيتاء الزكاة في حال الرّكوع وليس معناه أنها عامة لجميع المؤمنين حتى يعترض عليه بجعلهم على قسمين وتخصيصها بأحد القسمين كما توهمه الناصب .
لا يقال : إن هذا يتم لو جعل جملة وهم راكعون حالية، وأما لو جعلت معطوفة فلا .
لأنا نقول : لا يجوز جعلها عطفاً لأن الصلاة قد تقدمت وهي مشتملة على الركوع فيكون إعادة ذكر الركوع تكراراً، فوجب جعلها حالاً أي يؤتون الزكان حال كونهم راكعين وقد وقع الإجماع على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا من علي علیه السلام ، فقد تحقق مما ذكرنا كله أنّ الآية الشريفة من أقوى الدلائل على خلافة أمير المؤمنين علیه السلام وأنّ اعتراضات الناصب اللعين أوهن من نسج العنكبوت فهو من :
(بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلَا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْيَوْةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا) [الكهف: 104 ] .
وأقول على رغم الناصب :
با من بخاتمه تصدّق راكعاً *** إني ادخرتك للقيامة شافعاً
الله عرفني وبصرني به *** فمضيت في ديني بصيراً سامعاً
ومنها قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمر منكر [النساء : 59] .)تقريب الإستدلال أنه سبحانه أمر بطاعة أولى الأمر كما أمر بطاعة الرسول، وهو يقتضي عموم طاعتهم حيث إنه سبحانه لم يخص طعاتهم بشيء من الأشياء ففي فقد البيان منه تعالى دلالة على إرادة الكل وإذا ثبت ذلك لا بد وأن يكون ولي الأمر معصوماً عن الخطأ، إذ مع عدم عصمته عن الخطأ لم يؤمن من وقوع الخطأ منه، وعلى تقدير وقوع الخطأ منه يلزم أن يكون قد أمرنا الله بمتابعته فيلزم منه أمره سبحانه بالقبيح وهو محال، فثبت أن أمره سبحانه بمتابعة أولي الأمر وطاعتهم مستلزم لعصمتهم، وإذا ثبت دلالة الآية على العصمة وعموم الطاعة ثبت أن المراد بأولي الأمر فيها الأئمة عليهم السّلام، إذ لا أحد يجب طاعته على ذلك الوجه بعد النّبي صلی الله علیه واله وسلم إلا هم سلام الله عليهم .وبهذا التقرير ظهر ضعف ما ذهب إليه العامة من حمل أولي الأمر على المتخلفين الثلاثة كما ذهب إليه منهم طائفة، وحمله على أمراء السرايا كما ذهبت إليه طائفة أخرى، وعلى علماء العامة كما هو مذهب طائفة ثالثة ، ضرورة إنتفاء العصمة عنهم جميعاً، مضافاً إلى عدم وجوب طاعة الأمراء كالعلماء على نحو العموم باتفاق منا ومنهم، وإنما طاعة الأمراء واجبة فيما تعلّق بإمارتهم، وطاعة العلماء كذلك في الأحكام الشرعية، على أن الأمراء كالعلماء ربما
يختلفون في الآراء، ففي طاعة بعضهم عصيان بعض ، وإذا أطاع المؤمن بعضهم عصى الآخر لا محالة، هذا.وذهب الناصب فخر المشككين إلى أن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد وأنّ الآية دالة على أن إجماع الأمة حجة حيث قال بعد ما أثبت دلالة الآية على وجوب عصمة أولي الأمر بمثل ما أثبتناه ما هو صريح عبارته : فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوماً قطعاً، ثم نقول : ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة لا جائز أن يكون بعض الأمة لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول إليهم والإستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إليهم عاجزون عن إستفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة، ولا طائفة من طوائفهم، ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله وأولى الأمر أهل الحلّ والعقد من الأمة ذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجّة .ثمّ إنّه بعد طائفة من الكلام في النقض والإبرام في ذلك المرام قال :وأما حمل الآية على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوده .أحدها : ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين يهم وبمذاهبهم صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر قوله : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، يقتضي الإطلاق، وأيضاً ففي الآية ما يدفع هذا الإحتمال، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة وهو قوله : وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة ، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة فی حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر.الثاني : أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأولو الأمر جمع وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.وثالثها: أنه قال: ﴿فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء : 59] . ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن تنازعتم في)فردوه إلى الإمام، فثبت أنّ الحق تفسير الآية بما ذكرناه ، انتهى كلامه هبط مقامه.أقول : وأنت خبير بما فيما ذهب إليه من الضعف والفساد.
أمّا أولاً : فلأن ما ذكره من دلالة الآية على حجية الإجماع، إما أن يكون مراده به إجماع جميع الأمة كما هو المستفاد من صدر كلامه وذيله أعني قوله : الآية دالة على أن إجماع الأمة حجة وقوله : وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة، وإما أن يكون مراده به خصوص إجماع أهل الحل والعقد وهم المجتهدون وهو الأظهر بملاحظة قوله : فوجب أن يكون ذلك المعصوم أهل الحل والعقد، فإن كان مراده به الأول ، ففيه أن إجماع جميع الأمة لا يمكن إنعقاده إلى يوم القيامة فكيف يحمل الآية على غير الممكن، وذلك لأن أمة محمد صلی الله علیه واله وسلم كل من تابعه إلى يوم القيامة وكلّ موجود في عصره فإنّه بعض الأمة، وإن كان مراده به الثاني ، ففيه أنه لم يقم دليل على عصمة أهل الحل والعقد فلا يمكن حمل المعصوم الذي هو المراد بقوله وأولي الأمر على ما حققناه وحققه عليهم بل لم يقم دليل على عصمة جميع الأمة أيضاً وإن استدلوا عليها بما رووه عن النبي من قوله : الا تجتمع أمتي على الخطأ أو على خطأه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم «لا تجتمع أمّتي على الضلالة»، وقوله: «سألت ربي أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها » إلى غير ذلك من الأخبار التي استدلوا بها في باب حجية الإجماع الغير الناهضة لإثبات الدعوى من حيث ضعف سندها ودلالتها من وجوه عديدة، على ما حققه أصحابنا رضوان الله عليهم في كتبهم الأصولية (1.)و«أما ثانياً »: فلأن المراد من المؤمنين المخاطبين بقوله : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله [النساء : 59] الآية : إما المجتهدون خاصة، أو المقلدون خاصة، أو الأعم الشامل للجميع ، ولا يمكن إرادة واحد من الأولين لما فيه من التخصيص الذي هو خلاف الأصل، مضافاً إلى إستلزامه إختصاص وجوب طاعة الله ورسوله باحدى الطائفتين، وإلى استلزامه حجية إجماع العوام على تقدير إرادة الثاني، لأن المخاطبين بقوله : فإن تنازعتم في شيء، هم المخاطبون الأولون، ومفهومه عدم وجوب الرّد إلى الله والرسول حين الإتفاق فيلزم حجية إجماع العوام حينئذٍ ولا يقول به الخصم، وإذا لم يمكن إرادة أحد الأولين تعين إرادة الثالث أعني جميع المؤمنين الشاملين للمجتهدين والمقلدين ، وعليه فلا بد وأن يكون أولوا الأمر غير المجتهدين، لئلا يلزم إتحاد المطيع والمطاع، مع أن ظاهر اللفظ أيضاً المغايرة فتعيّن أنّ المراد بأولي الأمر الأئمة المعصومون وبطل ما توهمه الناصب من حمله على أهل الحل والعقد وهذا تحقيق نفیس فافهمه جيّداً، هذا. وأما الوجوه الثلاثة التي استبعد بها حمل أولي الأمر في الآية على الأئمة، فيتوجه على أوّلها أوّلاً: أنّه مشترك الورود، إذ كما أنّ طاعة الإمام المعصوم موقوف على معرفته وعلى قدرة الوصول إليه واستفادة الأحكام منه، فكذلك طاعة أهل الحل والعقد موقوفة على
1) راجع البحار 4/29 ح 1 وما بعده.
معرفتهم وعلى قدرة الوصول إليهم وإستفادة الأحكام منهم، وكما أنا عاجزون في زماننا هذا عن الوصول إلى حضرة الإمام علیه السلام وعن إستفادة الدين والعلم منه فكذلك عاجزون عن الوصول إلى حضرة جميع أهل الحل والعقد وعن إستفادة العلم منهم والاطلاع على آرائهم، وإن كان عجزنا في الأوّل مستنداً إلى غيبتهم علیه السلام ، وفي الثاني إلى كثرتهم وإنتشارهم في شرق الأرض وغربها .
وثانياً : أن توقف طاعة أولي الأمر على معرفتهم وإستفادة الأحكام لا يوجب كون
وجوبها مشروطاً بذلك، وإنّما هي من مقدّمات الوجود، وبالجملة إطاعة أولي الأ الأمر واجب مطلق، والواجب المطلق تحصيل مقدماته على عهدة المكلف، فيجب تحصيل العلم برأيهم حتى يطيعهم، وعجزنا في هذا الزمان عن الوصول إلى حضرة ولي الأمر وعن العلم برأيه إنما هو مستند إلى أنفسنا، لأنه إذا كنا نحن السبب في إستتاره فكل ما يفوتنا من الإنتفاع به وبتصرّفه وبما معه من الأحكام يكون قد أتانا من قبل نفوسنا فيه، ولو أزلنا سبب الإستتار لظهر وإنتفعنا به وأدى إلينا الحق الذي عنده وتمكنا من طاعته وامتثاله، هذا كله مضافاً إلى عدم تمشي ما ذكره في زمان حضور الأئمة فلم يكن مانع يومئذٍ عن حمل أولي الأمر عليهم، وإنما المانع الذي توهمه الناصب وهو العجز عن الوصول إلى ولي الأمر مختص بزمان الغيبة الكبرى، فدليله أخص من مدعاه .
وعلى الثاني أولاً: نمنع أنه لا يكون في الزمان إلا إمام واحد، فإنه متعدد في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده من الأئمة، لوجود أولادهم المعصومين معهم. وثانياً : أن الجمع باعتبار تعددهم وإن تعددت الأزمنة، ولا دلالة في الآية على أن طاعتهم جميعاً لا بد وأن تكون في زمان واحد ، لإمكان حصولها تدريجاً كما وجد واحد منهم، وثانياً بعد الإغماض عمّا ذكر أن حمل الجمع على الفرد وإن كان خلاف الظاهر إلا أنه مع قيام أنك المقتضي عليه لا ضير فيه بل اللازم حينئذ المصير إليه والمقتضي في المقام موجود، وهو انک قد عرفت أن ولي الأمر لا بد وأن يكون معصوماً، وقد عرفت انحصار العصمة فيهم وبطلان ما توهمه الناصب كغيره من وجودها في الإجماع، فلا بد أن يكون المراد من أولي الأمر الإمام المعصوم ، وإن كان استعمال الجمع في الفرد خلاف الظاهر كما توهمه الناصب .
وعلى الثالث : أنه غير مفهوم المراد إذ لا ملازمة بين كون المراد من أولي الأمر الإمام المعصوم وبين وجوب أن يقال : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، اللهم إلا أن يوجه بأن مراده أنه لو كان المراد من أولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم، وحيث لم يقل كذلك علم أن أولي الأمر داخلون في المخاطبين بقوله : (نَتَزَعْتُمْ في ) [النساء : 59] ، فيكون ذلك قرينة على أن المراد بأولي الأمر في قوله : وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، هو أهل الحل والعقد،
والجواب انا قد بينا سابقاً أن الظاهر أن المخاطبين بقوله : فإن تنازعتم، هم المخاطبون بقوله: (هو يتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا ﴾ [البقرة : 104] فكما أن أولي الأمر خارجة عن الخطاب الأوّل قطعاً حسبما ذكرنا سابقاً، فكذلك خارجة عن ذلك الخطاب أيضاً، وأما عدم ذكر الرّد إليهم هنا فلا غناء ذكر الرّد إلى الرسول عن الرّد إليهم، لأن الرّد إلى الأئمة القائمين مقام رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بعد وفاته هو مثل الرّد إلى الرسول في حياته لأنهم الحافظون لشريعته والهادون لأمته فجروا مجراه فيه.
لا يقال : هذا الكلام جار في الرّد إلى الرسول أيضاً، لأن الرد إليه ردّ إلى الله فلم
يستغن عنه بذكره.
لأنا نقول : إنّ المراد بالرّد إلى الله هو الرّد إلى كتاب الله ، وبالرد إلى الرسول هو الرد إلى السنة، ومن المعلوم عدم وفاء الكتاب بالمتنازعات وعدم كفايته في رفع النزاع عنها ، إذ الأحكام المشتمل عليها الكتاب أقل قليل من الأحكام، فلا يغني ذكر الرد إليه عن ذكر الرد إلى السنة المشتملة على جميع الأحكام الشرعية الكافية في رفع النزاع عنها إلا قليل منها، هذا .
ويؤيد ما ذكرنا أعني كون الرد إلى أولي الأمر مراداً بالآية أيضاً ما رواه علي بن إبراهيم القمي في «تفسيره » عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «نزل فإن تنازعتم في شيء فارجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم »، وهو يدل على أنّ في مصحفهم عليهم السلام كان قول إلى أولي الأمر منكم، وإن عدم وجوده في المصاحف التي بأيدينا من إسقاط المحرفين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا بالدين، فقد تحقق واتضح مما ذكرنا أن الآية الشريفة نص ظاهر جلي لولا اتباع الهوى من امثال الناصب اللعين (1).
(أُوْلَيْكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِنَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَابِهِ، فَبَطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ وَزْنا) [الكهف: 105 ] .
ومنها قوله تعالى: يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَوْ تَفْعَلَ مَا بَلَغَتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة : 67] .)فقد ذهب الخاصة ككثير من العامة إلى أنها نزلت في علي علیه السلام، ورووا في ذلك أخباراً كثيرة، مثل ما رواه الفخر الرازي بعد ما ذكر وجوهاً سخيفة في شأن النزول قال : العاشر : نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب علیه السلام ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده، وقال علیه السلام : «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه »، فلقاه عمر فقال: هنيئاً يا ابن أبي
1) تفسير الصافي : 465/1 .
طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي (1.)وفي «غاية المرام » من تفسير الثعلبي في «تفسيره» هذه الآية قال: قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام : معناه بلغ ما أنزل إليك من ربّك في فضل علي بن أبي طالب علیه السلام وفي نسخة أخرى أنه علیه السلام قال : « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك في عليّ»، وقال : هكذا نزلت ، رواه جعفر بن محمد، فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بید علي علیه السلام وقال : «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» (2.)وفي كتاب «فصول المهمة » للمالكي قال : روى الإمام أبو الحسن الواحدي في كتابه المسمّى «بأسباب النزول» يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربّك يوم غدير خم في علي بن أبي طالب علیه السلام(3)، إلى غير ذلك من الأخبار المروية من طرق العامة البالغة حد الاستفاضة والمراد من قوله : بلغ ما أنزل ، هو تبليغ ولاية علي علیه السلام إلى الناس وقد بلغه وأداه حيث نزل بالغدير وأخذ بيده وقال : أيها النّاس ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا: بلى يا رسول الله ، قال : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه كيف ما دار ، وفي ذلك اليوم قال حسان بن ثابت :)يناديهم يوم الغدير نبيّهم *** بخم وأكرم بالنّبي منادياًيقول فمن مولاكم ووليكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعادياإلهك مولانا وأنت ولينا *** ولن تجدن منالك الدهر عاصياًفقال له قم يا علي فاننی *** رضيتك من بعدي إماماً وهادياًفمن کنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أنصار صدق موالياًهناك دعا اللهم وال وليه *** وكن للذي عادى عليّاً معادياًوقال قيس بن سعد :قلت لما بغى العدو علينا *** حسبنا ربنا ونعم الوكيلحسبنا ربنا الذي فتق النصرة *** بالأمس والحديث طويلو علی امامنا أمام *** سلوانا أتى به التنزيليوم قال النبي من كنت مولاه *** فهذا مولاه خطب جلیل
إنّما قاله النبی على الأمة *** حتماً مافيه قال وقيلوالمراد من المولى في قوله : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، هو الأولى بالتصرف بقرينة قوله ألست أولى(ا ه ، ولعدم صلاحية إرادة غير هذا من معانيه الستة، وهو المعتق والمعتق ، والجار والحليفوالناصر، أما الأربعة الأولى فواضح، وأما الخامس فلعدم إحتياجه إلى البيان سيما وقد قال الله تعالى :)(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة : 71] .)ويؤيده إرادة ذلك المعنى إقتران هذه الجملة ببعض القرائن الموجودة في بعض طرق ذلك الحديث .وهو ما رواه علي بن أحمد المالكي من أعيان علماء العامة قال : روى الحافظ أبو الفتوح سعد بن أبي الفضائل بن خلف العجلي في كتابه الموحد في فضل الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، يرفعه بسنده إلى حذيفة بن أسد الغفاري وعامر بن ليلى بن حمزة، قالا: لما صدر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من حجة الوداع ولم يحج بعد غيرها أقبل حتى إذا كان بالجحفة وهي عن سمرات (1متقاربات بالبطحاء أن لا ينزل تحتهن أحد حتى إذا أخذ القوم منازلهم أرسل فقم ما تحتهن حتى نودي بالصلاة صلاة الظهر عمد إليهن فصلى بالنّاس تحتهن ، وذلك يوم غدير خم، ثم بعد فراغه من الصلاة قال صلی الله علیه واله وسلم :« أيها الناس إنه قد نبأني اللطيف الخبير أنه لن يعمر نبي إلا نصف عمر النّبي الذي كان قبله وإني لأظن أني أدعى فأجيب فإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون هل بلغت فما أنتم قائلون»؟ قالوا : نقول : قد بلغت وجهدت ونصحت وجزاك الله خيراً، قال: «ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً (2)«رسول الله خ » عبده ورسوله، وأن جنّته حق وأنّ ناره حق، والبعث بعد الموت حق؟ قالوا بلى نشهد، قال: اللهم اشهد ، ثم قال : «أيها الناس ألا تسمعون ألا فإنّ الله مولاي وأنا أولى بكم من أنفسكم ألا ومن كنت مولاه فعلي مولاه» ، وأخذ بيد علي علیه السلام فرفعها حتى نظرها القوم، ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداهه » (3))فإن قرائن الدّلالة على المعنى المقصود في هذه الرواية غير خفية منها جمعه صلی الله علیه واله وسلم التنبيه على الولاية وبين أصول العقائد من التوحيد والنبوة والمعاد، فيعلم منه أن المراد بالمولى هو الإمام الأولى بالتصرف، إذ هو الذي يليق بأن يعتقد به بعد الإعتقاد بالتوحيد والرسالة ومنها تصدير كلامه صلى الله عليه وآله وسلم بحرف التنبيه ثم توكيدها بتكرارها تنبيهاً
على عظم المقصود، ومن المعلوم أنّ النّصرة لا يليق بأن يبالغ فيها تلك المبالغة ويهم بها ذلك الإهتمام ومنها حثهم على الإستماع بقوله ألا تسمعون ، إلى غير هذه من وجوه الدلالة.وبالجملة فقد تحقق مما ذكرنا كله أنه لا غبار على دلالة الآية على خلافته علیه السلام ولو بمعاونة الأخبار المفسرة المستفيضة العامية والخاصية كما ظهر دلالة تلك الأخبار وغيرها من أحاديث الغدير المتواترة على المدّعي لو لم نقل بكونها صريحة في إثبات الدعوى.وأنت بعد الخبرة بما تلوناه عليك تقدر على دفع ما أورده بعض النواصب علينا في الإستدلال بهذه الأخبار .منها : ما ذكره الشارح القوشجي في « شرح التجريد » عن شرح قول المحقق الطوسي: ولحديث الغدير المتواتر، حيث قال : وأجيب بأنه غير متواتر بل هو خبر واحد في مقابلة الإجماع كيف؟ وقد قدح في صحته كثير من أهل الحديث، ولم ينقله المحققون منهم كالبخاري ومسلم والواقدي، وأكثر من رواه لم يرو المقدمة التي جعلت دليلاً على أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف.ومنها ما ذكره أيضاً كصاحب المواقف . من أن قوله : اللهم وال من والاه، يشعر بأن المراد بالمولى هو الناصر والمحب، قال القوشجي : بل مجرد إحتمال ذلك كاف في دفع الاستدلال، وما ذكر من أن ذلك معلوم ظاهر من قوله : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، لا يدفع الإحتمال ، لجواز أن يكون الغرض على التنصيص على موالاته ونصرته ليكون أبعد عن التخصيص الذي يحتمله أكثر العمومات، وليكون أوفى بإفادة الشرف حيث قرن بموالاة النبي صلی الله علیه واله وسلم.)ومنها : ما ذكراه أيضاً وهو أنه وإن سلّم أن المراد بالمولى هو الأولى فأين الدليل على أنّ المراد الأولى بالتصرف والتدبير؟ بل يجوز أن يراد به الأولى في أمر من الأمور كما قال تعالى :(ان أولَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [إبراهيم: 68] . وأراد الأولوية في الإتباع والإختصاص به والقرب منه لا في التصرف فيه .
ومنها ما ذكره صاحب «المواقف» وبعض شرّاح «التجريد» من أنّ (أولى) بمعنى (أفعل ) (ومولى) بمعنى (مفعل) ولم يرد أحدهما بمعنى الآخر إلا لصح أن يقترن لكل منهما ما يقترن بالآخر، وذلك بأن يقال : فلان مولى من فلان كما يقال : فلان أولى من فلان ، وفلان أولى فلان كما يقال مولى فلان ، وليس فليس إلى غير ذلك من الوجوه السخيفة التي لفقوها وصرف العمر فيها ظلم في حقه فالتشاغل عنها أولى. ولا بأس بأن نشير إلى دفع هذه الإعتراضات لتعرف أنها أضغاث أحلام من عمل الشيطان وليقاس عليها غيره من الوجوه الضعيفة البيان فنقول :
أما الإعتراض الأول وهو إنكار تواتر الحديث، ففيه أنه لم يصدر إلا عن التعنت
والتعصب يشهد بذلك مراجعة كتب الأخبار العامية والخاصية.
وقد رواه المحدث العلامة السيد هاشم البحراني في كتاب «غاية المرام» بتسعة وثمانين طريقاً من طرق العامة وثلاثة وأربعين طريقاً من طرق الخاصة، قال السيد في الكتاب المذكور : أقول : خبر غدير خم قد بلغ حدّ التّواتر من طرق العامة والخاصة حتى أن محمد بن جرير الطبري صاحب «التاريخ » أخرج خبر غدير خم وطرقه من خمسة وسبعين طريقاً وأفرد له كتاباً سمّاه كتاب الولاية وهذا الرّجل عامي المذهب.
وذكر أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة خبر يوم الغدير وأفرد له كتاباً
وطرقه من مائة وخمسة طرق وهذا قد تجاوز حد التواتر فلا يوجد خبر قط نقل من طرق بقدر هذا الطرق ، والدليل على ما ذكرناه من أنّه لم يوجد خبر له طرق كخبر غدير خم ما حكاه السيد العلامة علي بن موسى بن طاووس، وعلي بن محمد بن شهر آشوب ذكراً عن شهر آشوب، قال: سمعت أبا المعالي الجويني يتعجب ويقول شاهدت مجلّداً ببغداد في يد صحاف فيه روايات غدير خم مكتوباً عليه المجلّدة الثامنة والعشرون من طرق قوله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، ويتلوه المجلد التاسع والعشرون ، انتهى (1).
وقال قاضي نور الله نور الله مرقده في كتاب «إحقاق الحق » في ردّ الناصب اللعين فضل بن روزبهان : أنه روى الحديث في صحاح القوم كالبخاري ورواه أحمد بن حنبل إمامهم في مسنده بطرق متعددة على الوجه الذي ذكره المصنف، وكذا رواه الثعلبي في تفسيره ، وابن المغازلي الشافعي في كتابه من طرق شتى ، وابن عقدة في مائة وخمس طرق، وذكر الشيخ ابن الكثير الشامي الشافعي عند ذكر أحوال محمد بن جرير الطبري الشافعي أني رأيت كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين وكتاباً جمع فيه طرق حديث الطبر، ونقل عن أبي المعالي الجويني أنّه كان يتعجب إلى آخر ما حكاه عنه في«غاية المرام »، ثم قال: وأثبت الشيخ ابن الجزري الشافعي في رسالته الموسومة بأسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب علیه السلام تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة، ونسب منكره إلى الجهل والعصبية.
وقال ابن شهر آشوب : العلماء مطبقون على قبول هذا الخبر وإنما وقع الخلاف في تأويله، ذكره محمّد بن إسحاق، وأحمد البلادري، ومسلم بن الحجاج، وأبو نعيم الأصفهاني، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر بن مردويه ، وابن شاهين وأبو بكر الباقلاني، وأبو المعالي الجويني، وأبو إسحاق الثعلبي ، وأبو سعيد الخركوشي وأبو المظفر السمجاني،
1) غاية المرام : 302/1 .
وأبو بكر بن شيبة، وعلي بن الجعد ، وشعبة ، والأعمش وابن عباس، وابن الثلاج، والشعبي ، والزهري ،والأقليشي ، وابن اليسع ، وابن ماجه ، وابن عبد ربه ، والاسكافي، وأبو يعلى الموصلي من عدة طرق، وأحمد بن حنبل من أربعين طريقاً، وابن بطة من ثلاث وعشرين طريقاً، وابن جرير الطبري من نيف وستين طريقاً، في كتاب الولاية، وأبو العباس بن عقدة عن مائة وخمس طرق، وأبو بكر الجعاني من مائة وخمس وعشرين طريقاً .
وقد صنف علي بن هلال المهلبي كتاب الغدير ، وأحمد بن محمد بن سعد كتاب من روى غدير خم، ومسعود السحري كتاباً فيه رواة هذا الخبر وطرقها .
واستخرج منصور (اللالكائي ظ) (1)الرّازي في كتابه أسماء رواتها على حروف المعجم، (2)وذكر عن الصاحب الكافي أنه قال : روى لنا قصة غدير خم القاضي أبو بكر الجعابي، عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ،وطلحة ، والزبير ، والحسن ، والحسين ، وعبد الله بن جعفر ، وعباس بن عبد المطلب ، وعبد الله بن عباس ، وأبو ذر ، وسلمان ، وعبد الرّحمن ، وأبو قتادة ، وزيد بن أرقم ، وجرير بن حميد ، وعدي بن حاتم ، وعبد الله بن أنيس ، والبراء بن عازب، وأبو أيوب، وأبو بريدة الأسلمي، وسهل بن حنيف، وسمرة بن جندب، وأبو الهيثم، وعبد الله بن ثابت الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، والخدري، وعقبة بن عامر، وأبو رافع ، وكعب بن عجرة ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو مسعود البدري، وحذيفة بن أسيد ، وزید بن ثابت ، وسعد بن عبادة ، وخزيمة بن ثابت ، وحباب بن عتبة ، وجند بن سفيان ، وعمر بن أبي سلمة ، وقيس بن سعد ، وعبادة بن الصامت ، وأبو زينب، وأبو ليلى، وعبد الله بن ربيعة ، وأسامة بن زيد ، وسعد بن جنادة ، وحباب بن سمرة، ويعلى بن مرّة، وابن قدامة الأنصاري، وناجية بن عميرة ، وأبو كاهل، وخالد بن الوليد ، وحسان بن ثابت، والنعمان بن عجلان، وأبو رفاعة ، وعمر بن الحمق ، وعبد الله بن يعمر ، ومالك بن الحويرث، وأبو الحمراء، وضمرة بن الحبيب ، «الحديد» خ ، ووحشي بن حرب ، وعروة بن أبي الجعد ، وعامر بن النميري ، وبشر بن عبد المنذر ، ورفاعة بن عبد المنذر، وثابت بن وديعة وعمرو بن حريث، وقيس بن عاصم، وعبد الأعلى بن عدي ، وعثمان بن حنيف، وأبي بن كعب ، ومن النساء فاطمة الزهراء، وعائشة ،وأم سلمة ، وأمّ هاني، وفاطمة بنت حمزة، انتهى .
وبالجملة فقد بلغ هذا الخبر في الإشتهار إلى حد لا يوازيه خبر من الأخبار وتلقته محققوا الأمة بالقبول والاعتبار، فلا يردّه إلا معاند جاحد، أو من لا إطلاع له على كتب
الحديث والآثار (1)
تلخيص المتشابه : 244/1 رقم 383 البراء بزيادة وأبغض من أبغضه وأحب - وأعز من نصره والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان: 42/9 ح 6891 ، والمعارف: 320 أهل العاهات عن أنس، ومسند شمس الاخبار : 101/1 الصادق وعلي وامالي الشجري : 146/1 أبو هريرة الحديث السادس، والاعتقاد للبيهقي : 181 - 182 - 195 ، والبيان والتعريف في أسباب ورود الحديث: 233 - 234 ح 1576 ، وأخرجه أحمد ومسلم عن البراء والترمذي والنسائي والضياء المقدسي عن زيد قال الهيثمي رجال أحمد ثقات وفي موضع آخر رجاله رجال الصحيح وقال السيوطي الحديث متواتر والمصنف لابن أبي شيبة : 6 368 ح 32056 وما بعده عن بريدة وجابر الأنصاري و رباح بن الحرث وأبي أيوب وسعد، ومسند أبي يعلى: 307/11 ح 6423 عن أبي هريرة ومشكاة المصابيح : 1723/3 6094 البراء وزيد مع تهنئة عمر باب فضائل علي ومصابيح السنة : 172/4 ع 4767 زيد باب فضائل علي وسنن ابن ماجة : 43 -
45 عن البراء وسعد - المقدمة التاريخ الكبير : 193/4 و 241/6 ، وتهذيب الكمال: 484/20 ، « YAP 1496 عن زيد والمواهب اللدنية : 532/2 ، ومسند البزار : 35/3 786 ، وتاريخ :اصبهان 12/1/8 - 192 - 283 و تاریخ :بغداد 389/7 ، والتاريخ الكبير : 1/ 375 ح 1191 ، والمستدرك: 2/ 130 .
والمعجم الاوسط : 199/9 ح 8429 عن أبي سعيد، ومجمع الزوائد: 258/9 وحذيفة بن أسيد و 128 إلى 138 ح 14610 وما بعده عن جملة من الصحابة وفضائل الصحابة : 563/2 - 569 - 572 - 586 - 596 - 598 - 599 - 610 - 612 - 613 - 705 ح 947 إلى ح 1048 - ح 1206 من طرق والفردوس : 499/1 ح 2037 ط . الكتب و 554 ح 1861 ط. الكتاب والمصنف لعبد الرزاق : 225/11 ح 20388 بريدة باب أصحاب النبي ومسند الشاشي: 1/ 127 و 166 ح 63 و 106 عن سعد، والمطالب العالية : 20/4 - 65 ، ومناقب الكوفي : 119/18 - 127 - 171 ، والشفاء: 241/1 و 48/2 الغدير متواتر وكشف الخفاء : 274 ، وفاء الوفا : 1081/2 عن البراء وزيد الفصل الثالث من الباب السادس - مسجد غدير خم ونزل الأبرار : 51 الى 54 من طرق متعددة الباب الاول والجواهر 235 - ،237 والمعجم الاوسط: 1/ 229 ح 348 عن بريدة و ، 576/2 ح مع شهادة الناس به عن زيد و 2/ 68 1115 عن عن أبي هريرة، وشرح الأخبار : 99/1 ح 21 عن زيد وجابر وابن عمر والباقر، وجواهر المطالب : 43/1 الى 86 باب 12 عن أبي الحارث والبراء وزيد وأبو الطفيل ومحمد، والمعجم الاوسط : 448/7 ح 6878 عن عمير
وكنز العمال: 138/13 36437 ح - 1987 عن جرير البجلي، و 131 ح 36417 و 157 ح و 154 ح 36480 و 104 ح 36340 و 158 36487 عن ابن يشبع و 137 36420 عن ابن عازم و 170 عن ابن ليلى وابي عمر.
شواهد التنزيل : 1/ 200 الی 208 ح 210 وما بعده عن أبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد و 249 الى 258 244 وما بعده عن أبي هريرة وابي سعيد وابن عباس وابن أبي أوفى والباقر وجابر و 381/2 و 390 - 1030 وما بعده عن علي وعلي بن الحسين والباقر وحذيفة وابي هريرة ومناقب الكوفي : 415/2 365 - 387 - 388 الی 409 و 423 الى 455 .
وتاريخ الاسلام: 628/3 - 629 - 631 - 632 - عهد الخلفاء عن سعد وبريدة وابي الطفيل وزيد والبراء، - واخبار الدول : 102 باب 2 فصل 4 ، وشرح النهج : 168/6 الخطبة ،73 ، ومناقب علي الكلابي : 443 والتنبيه والاشراف: 221 ذكر سنة 8 ،هجري، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 45/2 - 35 35 ح 535 وما بعده عن زيد من طرق وحذيفة بن اسيد والبراء وطلحة وابن مسعود وجابر وابي سعيد وغيرهم كماياتي ، وروضة الواعظين: 89 - 100 ، تاريخ الخميس: 3511 واسمى المناقب: 21 - 31 - 33 عن ، جملة من الصحابة كما ياتي وانساب الاشراف : 156/2 عن أبي وائل وكنز الفوائد: 226، والذرية الطاهرة : 166 228 عن علي، والفصول المهمة: 41 - 42 عن علي وأبي سعيد وسفيان بن عينية. وتذكرة الخواص : 35 - 36 باب الثاني عن راذان وبريدة ورياح بن الحرث والعوفي عن زيد والبراء، والعقد الفريد كتاب الخلفاء - خلافة علي : 291/4 ، والمستدرك : 3/ 109 - 110 عن زيد وبريدة من كتاب 2914 المعرفة - مناقبه .
والنور المشتعل : 56 عن ابي سعيد ح 4 ، الفتوح: 302/1 عن عمار مناظرة ابي نوح وذي الكلاع وخصائص النسائي : 85 الى 91 - 96 الی 98 - 135 ح 76 الى 93 - 153 عن ابن يثيع والبراء وزيد وبريدة وسعد وعميرة وابن وهب والمعجم الصغير : 1/ 64 ح 162 ما اسمه احمد و 71 ح 178 ، وصفة الصفوة : 121/2 ، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 206/18 - 209 - 232 - 233 - 234 - 235 - 237 - 239 - 396 الی 409 ح 250 - 251 - و 274 وما بعدها ح 458 وما بعده الى ح478 عن جملة من
الصحابة كما ياتي في الرواة .
والمسند: 142/18 - 189 - 191 - 545 و 5 / 37 - 347 ط-م و 6 / 510 - 476 370/5 رح 305 3052 طرب و 88 - 119 - 118 - 331 2 و 953 - 964 ح ح 22436 - 22633 عن بريدة وزيد طب.
وصحيح الترمذي 633/5 ط. دار الحديث ومروج الذهب: 2/ 10 ط. مصر 1346 و 364/2 ط. دار : الاندلس بيروت - ذكر موقعة الجمل عن علي وطلحة و 425 ذكر لمع من كلامه وفضله، والمعجم الكبير للطبراني : 357/2 ح 2505 ترجمة جرير ما روى بشر عنه و 3 / 179 - 180 ح 3049 - 2052 ترجمة حذيفة بن أسيد ما روى عنهو اثلة.
وأسد الغابة: 368/1 ترجمة حبيب بن بديل و 307/3 - 92 ترجمة عامر بن ليلي وعبد الرحمن، وه/ 205 ترجمة ابو زينب ابن عوف و 6/5 ترجمة ناجية بن عمرو و 308/1 ترجمة جندع الانصاري، 28/4 ترجمة علي وفضائله و 276/5 ترجمة ابي قدامة .
والمسند 5/ 495 - 502 - 49 - 501 طب و 281/4 - 370 - 368 - 372 ط-م و 1 / 331 ط.م و 1 / 545 طرب و 84 - 88 - 118 - 119 ط . م و 135 - 191 - 189 طرب، والامامة والسياسة: 97/1 ط، مصر 88 ط.م 97/1 1378 تحقيق طه الزيني و 129 ط. بيروت تحقيق علي شيري - وقوع عمرو في علي، والجامع الصغير للطبراني : : 310/2 و تاريخ اليعقوبي: 2/ 112 ذيل حجة الوداع .
ومنتخب كنز العمال: 30/5 - 32 عن عائشة، وذخائر العقبى : 67 عن البراء بن عازب وعمر وزيد وارشاد القلوب : 259/2 - 264 - 331 - 381 عن ابي ذر والصادق وحذيفة وقيس، وتاريخ السيوطي: 331 169 في الاحاديث الواردة في فضله عن جمله من الصحابة وتقريب المعارف: 151، والايضاح: 52، ومائة منقبة : 72 المنقبة 22 عن علي، وتفسير عياشي : 1/ 250 ، والطرائف: 18/ 140 - 121 ، وعيون اخبار الرضا : 44/1 باب 6 ح 20 .
واحقاق الحق: 436/2 الى 481 وذكر جملة كبيرة من مصادر الغدير .
والمعجم الكبير : 5/ 170 ح 4980 ترجمة زيد ما روى ابو الضحى بن صبيح عنه و 166 ح 4969 ترجمة زيد ما روي عنه وائلة و 175 - 192 - 194 - 195 ترجمة زيد بن أرقم ما روى عنه ابو سليمان واسحاق السبعي والشيباني وثوير وابو ليلى وعطية وميمون ح 5090 وما بعده وانيسه بنت زيد ح 5125 و 203 و 212 ح 19593 وما بعده ترجمة ابن عباس ما روى عنه عمرو بن میمون - و 17/4 اح 3514 ترجمة حبشي بن جنادة و 173 و 174 ح 4052 ترجمة ابي ايوب ما روى عنه رباح - و 12/ 78ح 19593 ترجمة ابن عباس ما روى عنه ابن ميمون و 95 ح 12653 ترجمة ابن عباس ما ورى عنه الضحاك، - و 19/ 291 ترجمة مالك بن نضلة الجشمي.
وكنز العمال: 602/11 - 609 ح 32904 - 32949 ، ومقامات العلماء: 212 - 150 ، ومناقب الخوارزمي : 127 - 134 - 135 - 205 - 199 - 182 - 150 فصل 13 - 14 - 16 ح 182 - 221 - 239 - 240 ح 140 ، ومقتل الحسين للخوارزمي: 47/1 فصل 4 عن جملة، وسنن ابن ماجة : 43 - 45 المقدمة فضل علي والفصول المهمة 39 - 41 عن زيد وعامر والبراء وكنوز الحقائق: 481 ، والصراعق : المحرقة : 65 - 66 الشبهة 11 و 187 باب 9 فصل 2 .
والمسند: 281/4 - 3700 - 372 ط.م و 5 / 355 - 498 - 501 ح 18011 - 18815 - 18838 عن البراء : وزيد و مسند احمد: 84/1 - 88 - 119 - 331 ط.م و 1 / 135 - 142 - 191 - 189 - 545 ط.ب.
اسباب النزول للواحدي : 126 - 135 ، وفتح الغدير : 60/2 .
وينابيع المودة : 30/1 - الى 37 - 115 - 239 - 249 - 274 ط. استانبول 1301 ه- و 33 الى 41 ط. النجف باب 4 عن البراء وزيد وأبي سعيد وبريده وعامر وعلي وسليم وابن ميمون وحذيفة وابن عباس وابي عمر وابي الطفيل و 135 باب 38 عن سليم و 283 - 297 باب 56 المناقب السبعون و 328 باب 57 ، 135 وإمالي الصدوق: 106 - 107 المجلس 26 ، ومعاني الاخبار: 65 - 67 67 ، وغيبة النعماني : 46 ، وعيون الاخبار: 44/1 باب 6 ح 20 .
وكفاية الطالب : 56 - 58 - 59 - 60 - 62 من الباب الاول و 243 باب 62 و 286 باب 70 .
والازهار المتناثرة : 76 ح 102 وقد فصل طرقه، واتحاف ذوي الفضائل : 169 ح 216 ، ونضم المتناثر : 206 ح 232 .
1) مصادر حديث الغدير
وأمّا الإعتراض الثاني وهو إشعار أخر الحديث بإرادة النّصرة والمحبة، فهو إنما يتم لو قيل إنّ اللفظ بعدما اطلق على أحد معانيه لا يناسب أن يطلق ما يدانيه ويناسبه في الإشتقاق على معنى آخر ، وليس كذلك، بل قد يعدّ ذلك من المحسنات البديعية، فالأشعار بذلك خصوصاً مع المقدمة المتواترة ممنوع ، على أن مؤخر الخبر جملة دعائية مستأنفة ليس إرتباطه بوسط الحديث كارتباط المقدمة به ، فإشعاره بذلك لا يكافؤ إشعار المقدمة بخلافه .
هذا كله مضافاً إلى أنّ من تأمل في الآية بعين البصيرة والإعتبار يعلم أن سياقها يقتضي أنّ المأمور بتبليغه أمر عظيم يفوت بفوات تبليغه ركن من أركان الشريعة على ما يقتضيه قوله : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، خصوصاً على قراءة فما بلغت رسالاته بصيغة الجمع كما في «الكشاف» وغيره. وأتي أمر يفوت من الشريعة بعدم تبليغ أن علياً علیه السلام ناصر المؤمنين، وأتي خوف كان للرسول في إظهار نصرته حتى يقول الله صلی الله علیه واله وسلم يعصمك من الناس مع أنّ نصرته علیه السلام للإيمان وحمايته للإسلام وكونه ناصراً للمؤمنين وذاباً عن دين سيد المرسلين كان بديهياً غير محتاج إلى البيان .
فبديهة العقل حاكمة بأن نزول النبي صلی الله علیه واله وسلم في زمان ومكان لم يكن نزول المسافر متعارفاً فيهما، حيث كان الهواء على ما روي في بعض طريق الحديث في شدة الحرارة حتى كان
الرّجل يستظل بدابته ويضع الرداء تحت قدميه من شدة الرمضاء وحرّ الهاجرة، والمكان مليء من الأشواك، ثم صعوده على منير من الأقتاب والدعاء لعلي علیه السلام على وجه يناسب شأن الملوك والخلفاء لم يكن إلا لنزول الوحي الحتمي الفوري في ذلك الزمان لإستدراك أمر عظيم الشأن جليل الخطب يختص بخصوص علي علیه السلام كنصبه للإمامة والخلافة، لا لمجرد طلب المحبة والنصرة الجارية في حقه وفي حق غيره من أهل بيته صلی الله علیه واله وسلم .
ذلك كله فلا مجال لإحتمال إرادة النصرة حتى يدفع به الإستدلال كما توهّمه
ومع الناصب القوشجي، كما لا مجال لإحتمال التخصيص بعد ملاحظة كثرة مجاهداته في الدين ، ونهاية نصرته في غزواته المؤمنين حتى يحتاج إلى التنصيص على ما توهمه أيضاً .
وأما الإعتراض الثالث ففيه أنّ التقييد بقوله : من أنفسهم ،أو من أنفسكم ، على إختلاف الروايتين دليل على أنّ المراد بالأولى هو الأولى بالتصرف دون الأولى في أمر من الأمور، إذ لا معنى للأولوية من الناس بنفس الناس إلا الأولوية في التصرف نعم لو لم يوجد القيد لتمت المعارضة بقوله : إن أولى الناس بإبراهيم، فإنّه لو كان نظم الآية مثلاً إن أولى الناس بإبراهيم من نفسه ، لكان المراد الأولى بالتصرف .
وأما الإعتراض الرابع ففيه أن عدم ورود مولى بمعنى الأول ممنوع، وقد نقله الشارح القوشجي في قوله تعالى :
(مَأْوَنكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَنَكُمْ ﴾ [الحديد: 15]
عن أبي عبيدة ، واستدل على مجيئه بهذا المعنى بهذه الآية، وبقوله صلی الله علیه واله وسلم «أيما امرأة نكحت بغير إذن ،مولاها»، أي الأولى بها والمالك لتدبير أمرها، ثم قال: «ومثله في الشعر كثير» (1).
وأما الإستدلال عليه بعدم صحة إقتران كلّ منهما بما يقارنه الآخر، ففيه أن كون أحد اللفظين بمعنى الآخر لا يقتضي صحة إقترانه بكل ما يقترن به الآخر ولا جريان حكم أحدهما على الآخر مطلقاً ألا ترى أن الصلاة بمعنى الدعاء مع أنّ تعدية الأول بعلي وتعدية الثاني (باللام)، يقال صلى عليه ودعا له ، ولو قيل دعا عليه لم يكن بمعناه، وأن كلمة (إلا) بمعنى (غير) لا يجوز حذف موصوفها، ولا يقال جائني إلا زيد بخلاف غير فإنّه يقال : جائني غير زيد ، والسر في ذلك أن إستعمالات كلام العرب منوطة على التوقيف والتوظيف . فكل مقام إستعملت فيه كلمة مخصوصة على كيفية خاصة فلا بد من متابعتها ، ولا يجوز التعدي عنها لبطلان القياس في اللغات.
وحاصل الكلام أنه بعد تواتر الحديث كما اعترف به أكابر أهل السنة ووضوح دلالته ،
1) راجع كتاب الأربعين للماحوزي : 158 ، والغدير : 354/1 .
يكون إرتكاب القدح فيه والمنع عليه ناشياً عن إعوجاج الفطرة وسوء الإستعداد والتورّط في العصبية والعناد ، ذلك جزاؤهم جهنم بما اتخذوا آيات الله وأوليائه هزواً، هذا .
والآيات القرآنية النازلة في حق أمير المؤمنين وأولاده المعصومين سلام الله عليهم أجمعين كثيرة جداً وسيأتي الإشارة إليها إجمالاً في أخبار مناشدته صلوات الله عليه مع صحابة يوم الشورى وغيرها ، وطوينا عن الزيادة على ما ذكرناه لغرضين، أحدهما مخافة الإطناب، والثاني الخوف عن عدم مساعدة العمر لإتمام الكتاب ومن أراد الإطلاع عليها تفصيلاً فليرجع إلى كتب أصحابنا المؤلفة في ذلك المقصد، ككتاب «كشف الحق» للعلامة الحلي، وكتاب «غاية المرام » للسيد هاشم المحدث البحراني ، وغيرهما من مؤلفات القوم ، فإن فيها كفاية لمن له علم ودراية ، وإذا عرفت عذرنا في الإقتصار من الآيات على هذا المقدار فلنتصد إلى الأخبار فنقول :
السنة النبوية والأخبار الدالة على إمامته علیه السلام، وهي أكثر من أن تحصى، وقد صنف علماؤنا في ذلك وأكثروا ولنقصر لههنا على القليل لأن الكثير غير متناه .
فمنها خبر الغدير المتواتر الذي رويناه سابقاً.
ومنها قوله صلی الله علیه واله وسلم لعلي علیه السلام: «أنت أخي ووصتي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني » (1)، تمسك به في «التجريد» وهو نص صريح دال على خلافته علیه السلام وأورد عليه بعض شراحه أولاً : بأنه خبر واحد في مقابلة الإجماع ولو صح لما خفي على الصحابة والتابعين والمهرة المتفننين والمحدثين سيما علي وأولاده الطاهرين، ولو سلم فغايته إثبات خلافته علیه السلام لا نفي خلافة الآخرين وثانياً، أنه أراد به الوصية والخلافة على المدينة ، ويحتمل ذلك في قضاء دينه وإنجاز موعده، ومع تطرق هذه الإحتمالات لا يمكن التمسك به في وجوب خلافته .
أقول : أما ما ذكره من أنه خبر واحد في مقابلة الإجماع، ففيه منع صحة الإجماع حسبما يأتي في مقامه إنشاء الله، وما ذكره من أنه لو صح لما خفي على الصحابة، ففيه أنه لم يخف على عليّ وأولاده الذين هم رؤساء الصحابة، وقد تمسكوا به وبنظيره في غير واحد من إحتجاجاتهم وصرحوا به في أخبارهم ورواياتهم، أما غيرهم ممن عقدوا قلبهم على إطفاء نور الله وأجمعوا أمرهم على غصب خلافة الله فلم يخف عليهم أيضاً وإنما أخفوه عمداً حيث كان إظهاره نقضاً لغرضهم، وما ذكره من أنّه على تقدير تسليمه إنما يثبت خلافته ولا ينفي خلافة
الآخرين، ففيه بعد تسليم عدم نفيه لخلافة الآخرين أن كفايته لإثبات خلافته علیه السلام فقط كافية
1) الصراط المستقيم : 82/2
لنا، وما المقصود إلا ذلك، وأمّا خلافة الآخرين فقد قامت الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على عدمها حسبما تطلع عليها في مواردها إن شاء الله تعالى.
وأما الإيراد باحتمال كون الوصية والخلافة على المدينة ففيه أنه خلاف الظاهر، إذ ظاهر اللفظ الإطلاق ولا يعدل عنه إلا بدليل وليس فليس ، بل نقول: إنّ حذف المتعلق دليل العموم، بل قوله صلی الله علیه واله وسلم : «من بعدي»، لا يخلو من إشعار بعدم كون مراده الخلافة على المدينة كما لا يخفى ، وكيف كان فلا ريب في بطلان الإحتمال المذكور كما لا ريب في بطلان إحتمال كون متعلق الوصية قضاء الدين وإنجاز الموعد لما ذكرنا من أصالة الأطلاق خصوصاً بملاحظة قوله : «وقاضي ديني » فإن تصريحه به مشعر بل مفید لعدم كون متعلق الخلافة والوصاية ذلك فقط وإلا كان الأنسب أن يقال : ووصتي قضاء ديني .
وهذا كله على التنزل والمماشاة وإلا فنقول : إنه صلی الله علیه واله وسلم لم يكن له دين يبقى على ذمته إلى وفاته حتى يوصي به إليه لما روي أنه في أيام مرضه طلب براءة الذمة عن الناس ولم يدع عليه أحد شيئاً سوى من ادعى عليه ضرب سو سوط من عمد، وعلى هذا فالظاهر أنّ الدين في قوله صلی الله علیه واله وسلم: وقاضي ديني بكسر (الدال) كما صرح به المحقق الطوسي في «التجريد»، وعليه فهو دليل آخر على المدعي إذ الحاكم في أمر الدين لا بد وأن يكون خليفة معصوماً .
ومنها ما رواه الشارح المعتزلي في شرح الخطبة القاصعة وهي الخطبة المائة والحادية والتسعون، عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام قال : كان علي علیه السلام يرى مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قبل الرّسالة الضوء ويسمع الصوت، وقال صلی الله علیه واله وسلم له علیه السلام:« لولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكاً في النبوة، فإن لا تكن نبياً فإنّك وصي نبي ووارثه بل أنت سيّد الأوصياء وإمام الأتقياء» (1)
ومنها ما رواه الشارح هناك أيضاً عن الطبرسي في «تاريخه » عن عبد الله بن عباس عن عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، قال : لما نزلت هذه الآية .
(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفرين ) [الشعراء: 214].
وساق الحديث إلى أن قال: ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال : «يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم أن شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصبي وخليفتي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت : أنا ، وإني لأحدثهم سناً وأرمضهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً، أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه فأعاد القول فامسكوا
1) مناقب أهل البيت للشيرواني : 113، والمراجعات: 398.
وأعدت ما قلت فأخذ برقبتي ثم قال لهم: هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع» (1).
أقول : وجوه الدلالة في هذه الرواية من طرق شتى غير خفيّة على من استضاء قلبه بنور الولاية أو ألقى السمع وهو شهيد ، وسيأتي إنشاء الله بتمامه في مقامه، والعجب كل العجب من الشارح كيف خفي عليه وجوه الدلالة وعزب عن الإهتداء إليها .
ومنها ما رواه هناك أيضاً قال : قال النبي صلی الله علیه واله وسلم في الخبر المجمع (2)على روايته بين سائر فرق الإسلام: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، ثم قال : فأثبت له جميع مراتب هارون ومنازله عن موسى ، فإذا هو وزیر رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وشاد ازره، ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكاً في أمره ، انتهى (3).
أقول: توضيح الإستدلال وتحقيقه أنه صلی الله علیه واله وسلم أثبت لعلي علیه السلام جميع مراتب هارون من موسى واستثنى النبوة ويبقى الباقي على عمومه ، ومن جملة المنازل أنه كان خليفة لموسى علیه السلام بدليل قوله تعالى : إخلفني في قومي ، فكان خليفة في حياته فيكون خليفة بعد وفاته لو عاش ، لكنه لم يعش علي علیه السلام عاش فتكون خلافته ثابتة .
قال القوشجي في «شرح التجريد»: وأجيب بأنه غير متواتر بل هو خبر واحد في مقابلة الإجماع، وبمنع عموم المنازل بل غاية الإسم المفرد المضاف إلى العلم الإطلاق، وربّما يدعي كونه معهوداً معيناً كغلام زيد، وليس الإستثناء المذكور إخراجاً لبعض أفراد المنزلة بمنزلة قولك إلا النبوة، بل منقطع بمعنى (لكن)، فلا يدلّ على العموم كيف، ومن منازله الأخوة ولم يثبت لعلي علیه السلام، اللهم إلا أن يقال إنّها بمنزلة المستثنى لظهور إنتفائها، ولو سلم العموم فليس من منازل هارون الخلافة والتصرف بطريق النيابة على ما هو مقتضى الإمامة لأنه شريك له في النبوة، وقوله إخلفني ليس إستخلافاً، بل مبالغة وتأكيداً في القيام بأمر القوم، فلو سلم فلا دلالة على بقائها بعد الموت ، وليس إنتفاؤها بموت المستخلف عزلاً ولا نقصاً، بل ربما تكون عوداً إلى حالة أكمل هي الإستقلال بالنبوة والتبليغ من الله ، وتصرف هارون ونفاذ أمره لو بقي بعد موسى إنّما يكون لنبوّته، وقد انتفت النبوة في حق علي فينتفي ما يبنى عليها ويتسبب عنها، وبعد (اللتيا) (والتي) لا دلالة فيه على نفي إمامة الأئمة الثلاثة قبل علي علیه السلام، انتهى .
ويتوجه عليه وجوه من الكلام وضروب من الملام الأوّل أن إنكار تواتر الخبر مما لا
يصغي إليه بعد ما سمعته من الشارح المعتزلي من كونه مجمعاً على روايته بين فرق الإسلام، وقد رواه السيد المحدث البحراني في كتاب «غاية المرام» بمائة طريق من طرق العامة ، وبسيعين طريقاً من طرق الخاصة (1).
الثاني : أن عدم إفادة المفرد المضاف للعموم بحسب الوضع مسلم، إلا أنه لا غبار على إفادته له في المقام بخصوصه بقرينة الإستثناء وبدليل الحكمة ، لأنا لو حملنا المنزلة على بعض المنازل دون بعض فإما أن تكون معينة أو مبهمة ، والأوّل ممتنع ، ضرورة عدم دلالة اللفظ على التعيين، والثاني أيضاً ممتنع لما فيه من الإجمال وعدم الإفادة، نظير ما قاله الأصوليون في إفادة المفرد المعرف للعموم إذا لم يكن ثم معهود ، مثل قوله : أحلّ الله البيع .
الثالث: أن الأصل في الإستثناء الإتصال وحمل (إلا) بمعنى (لكن) خلاف الظاهر . الرابع : أن معنى قوله : إخلفني في قومي ، كن خليفتي فيهم كما صرح به في
«الكشاف»، وعلى ذلك فكان تصرفه في القوم بطريق النيابة عن موسى كما كان نافذ التصرف بالأصالة بمقتضى نبوّته وحيث انتفى النبوة في حق علي علیه السلام فتكون تصرفاته بطريق النيابة .
الخامس: هب أن بقاء هارون بعد موسى لا يقتضي كونه نافذ التصرف من حيث النيابة والخلافة لإمكان النبوة المستقلة في من الله التي التي هي أعلى وأكمل رتبة من مرتبة الخلافة من موسى، إلا أن النبوة لما كانت غير ممكنة في حق علي علیه السلام بمقتضى الإستثناء فلا بد وأن يكون نفوذ تصرفه المستند إلى الخلافة في حال حياة النبي المستفاد من عموم المنزلة مستمراً إلى ما بعد الوفاة، وإلا لزم العزل والنقص وتنفر الطباع، إذ نفوذ التصرف مرتبة جليلة لا يحط عنها من ثبت له هذه المرتبة، لأن ذلك يقتضي غاية التنفير و، بعبارة أخرى المجيب قد سلم كون إنتفاء الخلافة بموت المستخلف موجباً للعزل والنقص إلا أنه قد ذب عنه بإمكان جبران ذلك النقصان بحصول مرتبة هي أكمل من مرتبة الخلافة، وعليه فأقول : إن الجابر للنقص لما لم يكن في حق على علیه السلام، لزم بقاء الخلافة في حقه على حالها لوجود مقتضى البقاء وهو ظاهر لا يخفى.
السّادس : أن عدم دلالته على نفي إمامة الثلاثة منوع، لأنه إذا دلت الرواية على عموم عن المنزلة حسبما عرفت ، فمن جملة منازل هارون هو التدبير والتصرف ونفاذ الحكم على فرض التعيش بعد موسى علیه السلام على عامة الأمة بحيث لم يشدّ منهم أحد، فبعد إثبات العموم وتسليم الخصم يلزم دخول عامة امة النبي صلی الله علیه واله وسلم في حال حياته وإرتحاله تحت تصرف أمير المؤمنين علیه السلام كما كان عامة قوم موسى تحت تصرف هارون، وهذا ينفي إمامة الثلاثة مطلقاً،
1) أنظر غاية المرام: 267/1 الباب 16
فقد تحقق مما ذكرنا كله كفاية الرواية في إثبات خلافته ونفي خلافة الثلاثة، ويأتي إن شاء الله مزيد تحقيق وبسط لذلك في التنبيه الثالث من شرح الفصل الثامن من فصول الخطبة المائة والحادية والتسعين، ولنعم ما قال زيد بن علي علیه السلام:
فمن شرف الأقوام يوماً برأيه *** فإن عليّاً شرّ فته المناقب
وقول رسول الله والحق قوله *** وإن رغمت منه أنوف الكواذب
بأنك مني يا علي معالناً *** كهارون ومن موسى أخ لي وصاحب
وقال آخر:
وانزله منه على رغمة العدى *** كهارون من موسى على قدم الدهر
فمن كان في أصحاب موسى وقومه *** كهارون لازلتم على زلل الكفر
وقال ابن حماد :
نص النبي على الهادي أبي الحسن *** نضاً على صدقه أجمعت أنت معي
في قوله لك مني اليوم منزلة *** كانت لهارون من موسى فلا نرع
وانّما قال هذا حين خلفه *** على المدينة أن انصفت فاقتنع
ومنها ما رواه في «غاية المرام» عن ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «إنّ الله عزّ وجلّ أنزل قطعة من نور فأسكنها في صلب آدم فساقها حتى قسمها جزئين فجعل جزء في صلب عبد الله وجزء في صلب أبي طالب، فأخرجني نبياً وأخرج عليّاً وصياً »(1)
ومنها ما رواه في «غاية المرام» عن ابن شيرويه الديلمي وهو من أعيان علماء العامة من كتاب «الفردوس» في باب الخاء، قال بإسناده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: «خلقت أنا وعلي من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بأربعة آلاف عام ، فلما خلق الله آدم ركب ذلك النور في صلبه فلم نزل في شيء واحد حتّى افترقنا في صلب عبد المطلب ففي النبوة، وفي علي الخلافة »(2).
ومنها ما رواه في «كشف الحق» من كتاب المناقب لأبي بكر أحمد بن مردويه، وهو حجة عند المذاهب الأربعة، رواه بإسناد إلى أبي ذر قال : دخلنا على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فقلنا : من أحبّ أصحابك إليك وإن كان أمر كنا معه، وإن كانت نائبة كنا من دونه؟ قال: هذا عليّ أقدمكم سلماً وإسلاماً .
وأورد عليه بأنه يدلّ على فضيلة أمير المؤمنين علیه السلام وأن النبي صلی الله علیه واله وسلم يحبه حباً شديداً ولا يدلّ على النص بإمارته، ولو كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ناصاً على خلافته لكان هذا محلّ إظهاره، وهو ظاهر، فإنه لما لم يقل إنه الأمير بعدي علم عدم النّص فكيف يصح الإستدلال به.
وأجيب بأنّ النّص على المعنى المراد كما يكون بالدلالة على ذلك من مجرد مدلول اللفظ، كذلك يكون بإقامة القرائن الواضحة النافية للإحتمالات المخالفة للمعنى المقصود ، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ قول السائل وإن كان أمر كنا معه وإن كانت نائبة كنا من دونه مع قوله صلی الله علیه واله وسلم : هذا عليّ أقدمكم (ا ه ) ، نصّ على إرادة الخلافة ، فإنّ قوله : أقدمكم، بمنزلة الدليل على أهليته للتقدم على سائر الأمة، فقوله : لو كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ناصاً لقال إنه الأمير بعدي ، من باب تعيين الطريق الخارج عن شرح «المحصلين »، بل لو قال النبي ذلك لكان يتعسف الناصب الشقي ويقول الإمارة ليست نصاً صريحاً في الخلافة لإستعماله في إمارة الجيوش وفي إمارة قوم دون قوم، كما قال الأنصار، منا أمير ومنكم أمير وبالجملة التصريح والتطويل لا ينفع المعائد المحيل ولو تليت عليه التوراة والإنجيل .
ومنها ما رواه فيه أيضاً من كتاب ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أنه قال : «لكل نبي وصي ووارث، وإن وصيّي ووارثي علي بن أبي طالب علیه السلام »، وإحتمال كون المراد بالوصاية غير الخلافة مدفوع، بأن الظاهر من قوله صلی الله علیه واله وسلم : لكل نبي وصي ووارث ، هو أن المراد بالوصي الوصي في أمر النبوة ، وإلا يقال إن لكلّ أحد وصي ومن المعلوم أن الوصاية في أمر النبوة هو عبارة أخرى للخلافة، وسيأتي لذلك مزيد توضيح بعيد ذلك .
ومنها : ما رواه فيه أيضاً من مسند أحمد بن حنبل عن سلمان أنّه قال : يا رسول الله من وصيك؟ قال: يا سلمان من وصي أخي موسى؟ قال: يوشع بن نون، قال: «فإن وصتي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب علیه السلام»(1).
وأرود عليه الناصب فضل بن روزبهان بأن الوصي قد يطلق ويراد به من أوصى له بالعلم والهداية وحفظ قوانين الشريعة وتبليغ العلم والمعرفة، فإن أريد هذا من الوصي فمسلم أنه كان وصيّاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا خلاف في هذا ، وإن أريد الوصية بالخلافة فقد ذكرنا بالدلائل العقلية والنقلية عدم النص في خلافة عليّ، ولو كان نضاً جلياً لم يخالفه الصحابة، وإن خالفوا لم يطعهم العساكر وعامة العرب سيما الأنصار.
وفيه : أولاً أن الوصي بمعنى الأول الذي سلم إتّصافه به أيضاً لا بد وأن يكون خليفة إذ نعني بالخلافة إلا حفظ قوانين الدين وحماية شريعة سيد المرسلين وهداية الأمة إلى أعلام
1) الأنوار العلوية : 22 .
المعرفة ومنار اليقين ، وأنى حصل هذا المعنى في حق الثلاثة المتحيرين في بوادي الضلالة التائهين في مفازة الجهالة العاجزين عن معرفة ظواهر الكتاب والسنة وعن تفسير معنى والكلالة، فضلاً عن ضبط معانيها وعن معرفة أحكامها وعن هداية الأمة إليها .
وثانياً : أن ضرب يوشع مثلاً لعلي علیه السلام يعطي كون مراده بالوصاية الخلافة، حيث إنّ يوشع كان خليفة لموسى بعده كما صرح به غير واحد منهم الشهرستاني في بيان أحوال اليهود حيث قال في محكي كلامه : إنّ الأمر كان مشتركاً بين موسى وبين أخيه هارون إذ قال : أشركه في أمري، فكان هو الوصي فلما مات هارون في حياته انتقلت الوصاية إلى يوشع وديعة ليوصلها إلى شبير وشبراً بني هارون قراراً وذلك أن الوصية والإمامة بعضها مستقر وبعضها
مستودع.
وثالثاً : أنّ أيّ دليل عقلي أو نقلي قام على عدم النص، وإن هو إلا مصادرة على
الدعوى.
وأما ما ذكره من أنه لو كان نصاً جلياً لم يخالفه الصحابة، ففيه أن من الصحابة من كان قلبه منوراً بنور الإيمان والعرفان فلم يخالفوه بل ائتموا به واقتبسوا أنواره واتبعوا آثاره حتى أتاهم اليقين ومضوا إلى لقاء ربّ العالمين، وأما غيرهم فقد كان همهم من أوّل الأمر على إطفاء نور الله وكتمان آيات الله فلا غرو في كتمانهم وإخفائهم ذلك، وأما العساكر فمخالفتهم إنما هو للحقد للحقد والسخائم الثابتة في صدورهم من أجل قتله أقاربهم وأحبائهم وإخوانهم وأولادهم ، ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وكان لهم على علي علیه السلام دم أراقه في سبيل الله كما اعترف به غير واحد منهم منهم ذلك الناصب، ومنهم الشارح المعتزلي وغيرهما، ومن المعلوم أن الطبائع البشرية مجبولة على بعض من قتل أقارب قوم وأقوامهم، وحري على المبغض بمقتضى جبلته أن يخالف القاتل ويعاند ، ويمنعه مما يرومه بقدر وسعه وطاقته.
ومنها خبر الثقلين المتواتر بين الفريقين، وقد رواه في «غاية المرام » (1)بتسعة وثلاثين طريقاً من طرق العامة وإثنين وثمانين طريقاً من طرق الخاصة، ومن جملة طرقه أحمد حنبل في «المسند» عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: التقلين واحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي » هذا، والأخبار الناصة على خلافته وإمامته بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم فوق حد الإحصاء والمقام لا يقتضي الزيادة على ما رويناه ، وسيأتي إن شاء الله كثير منها في تضاعيف الشرح في مواضعها المناسبة ومن الله التوفيق والإستعانة.
1) أنظر غاية المرام : 305/2 الباب 28 .
في الأدلة العقلية الدالة على إمامته وهي علیه السلام علي كثيرة .
منها أنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً وغير علي علیه السلام لم يكن معصوماً فتعين أن يكون هو الإمام ، أما الكبرى فبالإجماع منا ومن العامة وأمّا الصغرى أعني وجود عصمة الإمام فلما قد مرّ في الإستدلال بقوله :
(أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأتي منكر) [النساء : 59].
و محصل ما ذكرناه هناك أن طاعة أولي الأمر واجبة مطلقاً فلو لم يكن معصوماً لم يؤمن منه الخطأ، فأما أن يجب متابعته عند صدوره منه، وإما أن يجب ردعه عنه وإنكاره منه، فعلى الأوّل يلزم أن يكون قد أمرنا الله سبحانه بالقبيح وهو محال ، وعلى الثاني فيكون الإنكار له مضاداً لوجوب طاعته ، وأيضاً الحاجة إلى الإمام إنما هو لإقامة الحدود والأحكام وحمل الناس على فعل الواجب والكفّ عن الحرام وإنتصاف حق المظلوم من الظالم ومنع الظالم من الظلم، فلو جازت عليه المعصية وصدرت عنه إنتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر وتسلسل، ويأتي في شرح الفصل الثامن من الخطبة المائة والحادية والتسعين تقرير آخر لوجوب عصمة الإمام إن شاء الله تعالى.
ومنها أن الإمام يجب أن يكون منصوصاً وغير علي علیه السلام لم يكن منصوصاً بالإجماع فهو المتعين ، وإنما قلنا بوجوب التنصيص لما عرفت من أن شرط الإمام العصمة وهي من الأمور الخفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى وأيضاً سيرة النبي صلی الله علیه واله وسلم تقتضي التنصيص، لأنه أشفق بالأمة من الوالد بولده ولهذا لم يقصر في إرشاد أمور جزئية مثل ما يتعلق بدخول المسجد والخروج منه ، ولم يترك شيئاً مما تحتاج إليه الأمة إلا بينه حتى إرش الخدش والجلدة ، ونصف الجلدة، ومع ذلك كيف يهمل أمرهم فيما هو من أهم الواجبات وأعظم المهمات ولا ينص على من يتولى أمرهم بعده؟ ويأتي تقرير آخر إن شاء الله لوجوب النص ولزومه في شرح الكلام المائة والحادي والستين من النقيب أبي جعفر البصري، وهو ألطف كلام وأمتن دليل نقله الشارح المعتزلي عن النقيب هناك فليراجع ثمة .
هذا مضافاً إلى أن الله تعالى قد أخبرنا بإكمال الدين وإتمام النعمة، ومن المعلوم أن الإمامة من تمام الدين فمن زعم أن الله لم يكمل دينه فقد رذ كتاب الله ومن ردّ كتاب الله فهو كافر، وتوضيح هذا الدليل يظهر من رواية «الكافي» عن الرضا علیه السلام التي سبقت في آخر فصول الخطبة السابقة عند شرح قوله علیه السلام: ولهم خصائص حق الولاية»، فارجع إليها تجدها في إثبات هذه الدعوى كنزاً مشحوناً بأنواع الدرر والجواهر ، وبحراً مواجاً ليس له ساحل.
ومنها أنّ الإمام لا بد أن يكون أفضل من رعيته وغير علي علیه السلام من الثلاثة لم يكن
أفضل فتعين علیه السلام ، أما أنّ الإمام لا بد أن يكون أفضل فلانه لو لم يكن أفضل لا يخلو إما أن يكون مساوياً أو مفضولاً، أما المساوي فيستحيل تقديمه لأنه يفضي إلى الترجيح بلا مرجح، وأما المفضول فترجيحه على الفاضل يبطله العقل لحكمه بقبح تعظيم المفضول وإهانة الفاضل ورفع مرتبة المفضول وخفض مرتبة الفاضل، وهو بديهي عند العوام فضلاً عن الخواص فانظر إلى عقلك هل يحكم بتقديم المبتدي في الفقه على مثل ابن عباس ؟ وقد نص على إنكاره القرآن أيضاً فقال تعالى :
(أفمن يَهْدِى إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لا يَهْذِى إلا أن يُهْدَى ما لكم كيف تحكمون فَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [يونس : 35].
وقال: هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَبِ [الزمر: 9] .)وأما أنّ غير علي علیه السلام لم يكن أفضل منه فبتسليم الخصم أعني الشارح المعتزلي الذي عمدة مقصودنا من تمهيد هذه المقدّمة إبطال مذهبه الذي أشرنا إليه في صدر المقدمة، حيث ذهب إلى كونه أفضل منهم، وقد قال في أوائل شرحه بعد ذكر اختلاف العامة في تفصيل الأربعة ما هذا لفظه : وأما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون من تفضيله علیه السلام، وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الأفضل وهل المراد به أكثر ثواباً أم الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة؟ وبينا أنه علیه السلام أفضل على التفسيرين معاً، وليس هذا الكتاب موضوعاً لذكر اللجاج في ذلك أو في غيره من المباحث الكلامية لنذكره، ولهذا موضع هو أليق به ، انتهى .أقول : ولا بأس بأن نبسط الكلام في المقام إيضاحاً للمرام ونذكر يسيراً من مناقب أمير المؤمنين وفضائله علیه السلام رغماً لأنوف النواصب اللثام إذا لإستقصاء غير ممكن، كما روى الخطيب الخوارزمي وهو من أعيان علماء العامة بإسناده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : « لو أنّ الرّياض أقلام والبحر مداد والجن حساب والأنس كتاب ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب علیه السلام »(1.)وروی مثله من طريق الخاصة، وهو ما عن الصدوق في «أماليه » بإسناده عن سعيد بن جبير قال : أتيت عبد الله بن عباس فقلت: يا ابن عم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إني جنتك أسألك علي بن أبي طالب علیه السلام و اختلاف الناس فيه ، فقال ابن عباس : جئت تسألني عن خير خلق الله من الأمة بعد محمّد بعد محمد صلی الله علیه واله وسلم جئت تسألني عن وصي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ووزيره وخليفته وصاحب حوضه ولوائه وشفاعته ، والذي نفس ابن عباس بيده لو كان بحار الدنيا مداداً
1) راجع البحار 197/38 ، وكشف الغمة: 109/1
وأشجارها أقلاماً وأهلها كتاباً فكتبوا مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام وفضائله من يوم خلق الله عز وجل الدّنيا إلى أن يفنيها ما بلغوا معشار ما آتاه الله تبارك وتعالى (1.)فمن يقول عنه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وابن عباس مثل هذا كيف يمكن درك فضائله لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله ، والميسور لا يسقط بالمعسور. فينبغي أن نورد شطراً منها ليعلم بذلك أفضليته على غيره المقتضية لأحقيته بالخلافة والوصاية وإستحقاقه علیه السلام لها فقط دون غيره، لقبح ترجيح المرجوح على الراجح، والمفضول على الفاضل (2.)
1) أمالي الصدوق : 652 ،887 ، وروضة الواعظين : 127 .
2) أفضلية علي على الامة قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يوم المباهة : «أبا هلكم بخير أهل الأرض وأكرمهم عند الله ».)وأشار إلى علي فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم.فقالوا : لم لا تباهلنا بأهل الكرامة والكبر وأهل الشارة ممن آمن بك واتبعك؟فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أجل أبا هلكم بهؤلاء خير أهل الأرض وأفضل الخلق .فذهلوا وذابت قلوبهم من الخوف والرعب ورجعوا قافلين الى الأسقف زعيمهم يستشيرونه قائلين: يا أبا حارثة ماذا ترى في الأمر؟فأجابهم الأسقف وقد غمزته هيبة آل الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا أرى وجوها لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله أهل البيت لتوفيق أبو علم : 54 - 55 الباب الأول .)روي عن أبي سعد عن أبي عقال هلال بن زيد بن حسن بن اسامة الكلبي الدمشقي مولى النبي في حديث طويل جاء فيه : فقلت ملأتني سروراً يا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فمن أفضل الناس بعدك ؟فذكر له نفر من قريش .ثم قال : علي بن أبي طالب .فقلت يا رسول الله فأيهم أحب إليك؟ قال : علي بن أبي طالب ».فقلت : ولم ذلك؟ فقال : الأني خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد» . فقلت : قلم جعلته آخر القوم؟قال : «ويحك يا أبا عقيل أليس قد أخبرتك إني خير النبيين، وقد سبقوني بالرسالة وبشروا بي من قبلي، فهل ضرني شيء إذا كنت آخر القوم، أنا محمد رسول الله .وكذلك لا يضر علياً إذا كان آخر القوم، ولكن يا أبا عقال فضل علي على سائر الناس كفضل جبرئيل على سائر الملائكة» (كفاية الطالب : 316 الباب السابع والثمانون حديث خلق علي من نور النبي صلی الله علیه واله وسلم وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الصحابة : ه .. وأفضلهم علي( الكامل لابن عدي: 77/6 ترجمة كوثر بن حكيم 1610) .)وروي عن الامام الباقر محمد بن علي عن آبائه (عليهم السلام إنّه سئل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم عن خير الناس؟)فقال:« أخبرها وأتقاها وأفضلها وأقربها إلى الجنة أقربها مني ولا أقرب ولا أتقى إلي من علي بن أبي طالب ينابيع المودة : 247/1 ط. تركيا و ط. النجف : 294 عن كتاب الهمداني (مودة القربى المودة الثالثة) .)وعن ابن عمر عن سلمان قال: «لو شئت لأنبأتكم بأفضل هذه الأمة بعد نبيها وأفضل من هذين الرجلين أبي . بكر وعمر ...قال: دخلت على رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فقلت : يا رسول الله هل أوصيت؟فساق الحديث إلى أن قال صلی الله علیه واله وسلم: وإنّي أوصيت إلى علي وهو أفضل من أتركه من بعدي» ينابيع المودة : 1 253 ط . تركيا و 301 ط . النجف ذيل الباب 56 .وعن ابن عباس قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: أفضل رجال العالمين في زماني هذا علي وأفضل نساء الأولين والآخرين فاطمة) (ينابيع المودة : 253/1 ط. تركيا و ط. النجف : 302 عن مودة القربى) .)وعن جابر قال : قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم: يا علي لو أن أحداً عبد الله حق عبادته ثم يشك فيك وأهل بيتك أنكم أفضل الناس كان في النار ينابيع المودة : 253/1 ط. تركيا و ط. النجف : 302 عن مودة القربي المودة السابعة.)وعن الهروي عن الرضا عن آبائه عن رسول الله قال صلی الله علیه واله وسلم: والفضل بعدي لك يا علي وللائمة من بعدك . . يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض وكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى التوحيد ومعرفة ربنا عز وجل وتسبيحه وتقديسه وتهليله، لأن أول ما خلق الله أرواحنا فانطقنا بتوحيده وتمجيده ينابيع المودة : 582/2 باب 93 ذكر خليفة النبي صلى الله عليه وسلم و 485 ط اسلامبول.)وعن حكيم بن جبير قال : قلت لعلي بن الحسين علیه السلام : جعلت فداك كان أبو جحيفة يزعم أنه سمع علياً يقول :« ألا أخبركم بأفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر؟ ثم سكت ».فقال لي علي بن الحسين علیه السلام: فهذا سعيد بن المسيب أخبرني انه ترضی أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. هل كان في بني اسرائيل بعد موسى أفضل من هارون صلى الله عليهما وسلم؟!» قلت : لا . فضرب على كتفي ثم قال لي علي بن الحسين: فأين ذهب بك ؟!! (تاریخ دمشق: 100/31 ترجمة أبي بكر، وقريب منه في ترجمة علي من تاريخ دمشق : 327/1 - 364).)سعداً قال : قال رسول الله ومن ذلك ما رواه أبو بكر ، قال : قال رسول الله : علي مني كمنزلتي من ربي أخرجه ابن السمان الصواعق المحرقة : 178 ط. مصر - وط. بيروت: 270 المقصد الخامس وفي حديث آخر عنه : علي أعظم الناس منزلة من الرسول وأقربه قرابة وأفضله [حالة دالة وأعظمه غناء عن نبيه كنز العمال: 13 / 115 ح 36375 ، وجواهر العقدين : 380 الباب الثالث عشر).). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : من أشفع له أولاً فهو أفضل». أخرجه أبو طاهر المخلص والطبراني والذهبي والدارقطني (كنز العمال: 94/12 ح 34145 ، وجواهر العقدين : 292 الباب السابع وبالهامش أخرجه الديلمي في الفردوس برقم (29 (231 والمخلص في الفوائد المنتقاة: 69/1، والخطيب في موضع أوهام الجمع : 271/2 ، وينابيع المودة : 269/1 ط. تركيا و ط. النجف : 321 باب 18، والصواعق المحرقة : 160 ط . مصر . وط. بيروت: 244 الايات الواردة فيهم الآية 10، و 282 الفصل الثاني من المقصد الخامس من الباب 11) وعنه صلی الله علیه واله وسلم: أول من أشفع له من أهل بيتي كنز العمال: 94/12 ))وكذا قوله صلی الله علیه واله وسلم: «المبارزة علي لعمر يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي الى يوم القيامة »، مستدرك :الصحيحين: 323 كتاب المغازي .أخرج ابن قتيبة عن أمير المؤمنين بمحضر المهاجرين والأنصار في مسجد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا مقامه في الناس وحقه فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن عن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارىء لكتاب الله الفقيه في دين الله العالم بسنن رسول الله (صلی الله عليه وسلم ، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنّه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعداً ».)فقال بشر بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان (الامامة والسياسة : 29/1 إباية علي علیه السلام عن البيعة .)وقال علیه السلام بعد كلام بليغ في بدء الخلق وخلق آدم ومحمد صلی الله علیه واله وسلم:« ثم انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في أئمتنا ، من أنوار السماء وأنوار الأرض فينا النجاة، ومنا مكنون العلم ، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتمة الأئمة، ومنقذ الأمة، وغاية النور، ومصدر الأمور، فنحن أفضل المخلوقين وأشرف الموحدين وحجج رب العالمين فليهنا بالنعمة من تمسك بولايتنا وقبض على عروتنا (مروج الذهب : 18/1 1346 ه- ، وط. بيروت 43/1 ذكر المبدأ وشأن الخليقة - الباب الثالث.)وقال الامام الحسن علیه السلام في خطبته الأولى بعد بيعته واني أحتسب عند الله عز وجل مصابي بأفضل الاباء بعد رسول الله صلى الله عليه مقتل علي لابن أبي الدنيا : 93 ح 87.قال ابن عبد البر في الاستيعاب وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم أن علي بن أبي طالب أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره . انتهي جواهر العقدين: 462 الباب الخامس عشر والاستيعاب : 15/3 ترجمة علي .وقالت غانمة لمعاوية : «الومنا أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أفرس بني هاشم وأكرم من احتفى وتنعل بعد رسول الله (المحاسن والمساوىء 92 محاسن كلام غانمة بنت غانم .)وأخرج احمد والبزار عن عبدالله بن مسعود: كنا نتحدث أنّ أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب (مسند البزار : 5/ 55 ح 1616 ، وفضائل علي والحسنين وامهما : 96 ، ومجمع الزوائد : 116/9 ط . مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 151 ح 14679 ، والرياض النضرة: 209/2ط مصر الأولى، ومقاتل الطالبيين : 42 ، الرياض النضرة : 182/3 عن أحمد - الفصل السابع، وفضائل الصحابة 604/2 و 646 646ح 1033 - 1097 والكامل في التاريخ 77/6 رقم (1610 .)وعن أبي وائل عن ابن عمر قال: كنا إذا عددنا أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم قلنا أبو بكر وعمر وعثمان .)فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن فعلي ما هو ؟قال: علي من أهل البيت لا يقاس به أحد هو مع رسول الله في درجته ينابيع : 301/1 عن مودة القربى - المودة السابعة وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي بن حنبل : سألت أبي عن التفضيل فقال: «أبو بكر وعمر وعثمان ثم سكت.فقلت يا أبت أين علي بن أبي طالب؟ قال : هو من أهل البيت لا يقاس به هؤلاء» (ينابيع: 302/1 عن مودة القربى - المودة السابعة.)وقال ضرار في وصف أمير المؤمنين علیه السلام: «كان والله علم الهدى .. خير من آمن واتقى وأفضل من تقمص وارتدى وأبر من انتعل وسعى »(مروج الذهب : 84/2 ط. مصر 1346 ه-، وط. بيروت 51/3 ذكر الصحابة ومدحهم (علي والعباس ومن ذلك ما روي عن الشعبي قال : بينما أبو بكر جالس اذ طلع علي فلما رآه قال: من سره أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة وأقربهم قرابة وأفضلهم حالة وأعظمهم حقاً عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلينظر إلى هذا الطالع الصواعق المحرقة : 178 ط . مصر - وط. بيروت: 270 المقصد الخامس جواهر العقدين : 380 الباب الثاني عشر) .)وعن ابن عباس عندما سأله معاوية عن علي رضي الله عن أبي الحسن كان والله علم الهدى وكهف التقى .. خير من آمن واتقى وأفضل من تقمص وارتدى وأفصح من تنفس وقرا.. فهل يوازيه أحد؟ لم تر مثله ولن ترى مروج الذهب /84/2ط. مصر 1346 ه-، وط. بيروت 51/3 - 52 ذكر الصحابة : ومدحهم .وقال الحافظ الشافعي: «لا جرم كان علي أقضاهم وأعلمهم وأفضلهم تاريخ دمشق : 132/47 ترجمة الشافعي.)وقد صرح البحتري بفضله على الشيخين( المطالب العالية : 85/4 .)وقال يحيى بن آدم: «ما أدركت أحداً بالكوفة إلا يُفضّل عليا يبدأ »(به ترجمة علي من تاريخ دمشق: 3/ 311 و 312 ح 1350 - 1352.)وقال معمر : عجبت من أهل الكوفة كأن الكوفة إنما بنيت على حب علي !!! ما كلمت أحداً منهم إلا وجدت المقتصد منهم الذي يفضل علياً على أبي بكر وعمر منهم سفيان الثوري (ترجمة علي من تاريخ دمشق 311/3 و 312 ح 1350 - 1352 ، وجواهر العقدين : 463 الباب الخامس عشر .)وقال الحسن علیه السلام : لقد قبض في هذه الليلة رجل لا ] ما يسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الاخرون مستدرك الصحيحين : 172/3 مناقب الحسن من كتاب المعرفة والمعجم الأوسط : 3/ 88 ع 2176 .وقال صلی الله علیه واله وسلم: أفضلهم أفضلهم علماً» (المطالب العالية : 103/3 - 104 ح 3000 ويأتي أنه أعلمهم.)وقال السيد الحسن رباني هذه الأمة بعد نبيها وصاحب شرفها وفضلها علي (مناقب ابن المغازلي : 65 : ط بيروت - وط. طهران: 73 ح 107 ، والعقد الفريد : 293/4 كتاب الخلفاء - خلافة علي مع تفاوت عن الحسن البصري، وفتح الملك العلي: 78 عن الاستيعاب : 1110/3 ط . حیدر آباد.)وقال أبو أيوب حيث نزل بين ظهرانيكم ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم وخير المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده( الامامة والسياسة : 132/1 ط . مصر الحلبي ،1378 ، و 172 الط. المصورة في ایران) .)وقال المأمون في مناظرته الطويلة لاسحاق بن ابراهيم :« أفرأيت ان من أيقن أن هذا الحديث (الطير صحيح ثم زعم أن أحداً أفضل من علي لا يخلو من احدى ثلاثة :)ان تكون دعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم عنده مردودة عليه !!)من أو أن يقول : عرف ] الله [ الفاضل من خلقه وكان المفضول أحب اليه !!أو أن يقول : ان الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول ؟؟فأي الثلاثة هذه الوجوه أحب اليك أن تقول ؟؟ (العقد الفريد : 76/5ط بيروت - احتجاج المأمون على الفقهاء من كتاب التيمية الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين ،والبرامكة و 43/2 طبعة مصر الاولى و 31/3 المطبعة الشرقية 1316). وأنشد المامون : علي أعظم الثقلين حقاً .. وأفضلهم سوى حق النبي (المحاسن والمساوىء : 68 محاسن ما قيل فيهم من الاشعار).)وذكر المأمون أن سبب التفضيل أربعة : العلم والشجاعة والكرم وشرف النسب وكلها في علي أكمل منها غيره فهو أفضل الصحابة (لوامع الانوار البهية: 418/2 ذيل الباب الخامس - فصل في المفاضلة لمفاضلة بين البشر واملائكة.)وممن فضله آخر الصحابة أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني (الرياض المستطابة : 237 والاستيعاب 3 : ،15، وينابيع المودة : 418/2 ط . تركيا و ط. النجف : 501 باب 70. .
فأقول وبالله التوفيق: إنّ أمير المؤمنين علیه السلام أفضل جميع أمه النبي صلی الله علیه واله وسلم بل أفضل جميع من في الأرض بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم من حيث كثرة القواب ومن حيث جمعه للخصال الحميدة والكمالات الذاتية والفضائل النفسانية.أمّا كثرة القواب فلظهور أن الثواب مترتب على العبادة وبكثرتها وقلتها بتفاوت الثواب والجزاء زيادة ونقصاناً، وستعرف أنه أعبد من الكل فيكون أكثر مثوبة ولو لم يكن له من العبادات إلا ضربته يوم الخندق التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : «إنّها أفضل من عبادة الثقلين» (1، لكفى في إثبات هذا المرام فضلاً عن سائر عباداته التي لا تضبطها الصحف والدفاتر، ولا يحصيها الزبر والطوامير .)وأمّا الخصال الحميدة والفضائل والفواضل النفسانية وسائر جهات الفضل فكثيرة جمّة .منها : سبقه إلى الإسلام، وقد صرّح به نفسه في المختار السابع والثلاثين بقوله أتراني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنا أوّل من صدقه، وفي المختار السادس والخمسين بقوله : فإنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة، وتعرف تفصيل سبقته علیه السلام إليه وتحقيقه في «شرح المختار» إن شاء الله تعالى .وأقول هنا : قد اعترف أبو بكر أيضاً بمسابقته علیه السلام إلى الإسلام منه فيما رواه أبو زرعة الدمشقي وأبو إسحاق الثعلبي في كتابيهما أنه قال أبو بكر: يا أسفاً على ساعة تقدّمني فيها عليّ بن أبي طالب علیه السلام، فلو سبقته لكان لي سابقة الإسلام .وفي «مناقب ابن شهر آشوب » من أنساب الصحابة عن الطبري التاريخي، والمعارف عن القتيبي أن أوّل من أسلم خديجة ثم علي ثم زيد ثم أبو بكر، يعقوب النسوي في التاريخ، قال الحسن بن زيد : كان أبو بكر الرابع في الإسلام ، وفي تاريخ الطبري أن عمر أسلم بعد خمسة وأربعين رجلاً وإحدى وعشرين إمرأة وفي هذا المعنى قال الحميري :من كان وحد قبل كل موحد *** يدعو الإله الواحد القهارامن كان صلى القبلتين وقومه *** مثل النواهق تحمل الأسفارا
1) مناقب آل أبي طالب 289/10 ، والبحار : .228/38
### وقال أيضاًمن فضله أنه قد كان أول من *** صلى وآمن بالرّحمن إذ كفرواسبع سنين وأياماً محرمة *** مع النبي على خوف وما شعروا### وله أيضاًألم يؤت الهدى والناس حيرى *** فوحد ربه أحد العلیاوصلّى ثانياً في حال خوف *** سنين بحریث سبعاً أسياوقال آخرأما لا يرون أقام الصلاة *** وتوحیده وهم مشرکوناویشهد أن لا إله سوی *** ربنا احسن الخاقیناسنين كوامل سبعاً ببیت *** يناجی الإله له مستکینابذلك فضَله ربِّنا *** على أهل فضلكم أجمعيناومنها المسابقة بالصلاة وستعرف تفصيلها أيضاً في «شرح المختار » إن شاء الله تعالى.وأقول هنا : روى في «المناقب» عن المرزباني عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى :(إن الذين امنوا وعملوا الصيحات واخبروا إلى ربهم أو لبكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَاخلِدُونَ [هود : 23] . نزلت في علي علیه السلام خاصة وهو أول مؤمن وأوّل مصل بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1). وفيه عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله :
(والسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ * أُوْلَيْكَ الْمُقَرَبُونَ ﴾ [الواقعة: 10-11] .
فقال : سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب علیه السلام (2).
وفيه من كتاب أبي بكر الشيرازي عن مالك بن أنس عن سمي عن أبي صالح عن ابن عباس قال :
(وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ ﴾ [التوبة : 100].
نزلت في أمير المؤمنين علیه السلام سبق الناس كلهم بالإيمان وصلى القبلتين وبايع البيعتين بيعة بدر وبيعة الرضوان، وهاجر الهجرتين : مع جعفر من مكة إلى حبشة ومن حبشة إلى المدينة، وفي هذا المعنى قال الحميري :
وصي رسول الله والأول الذي *** أناب إلى دار الهدى حين ايفعا
غلاماً فصلی مستسراً بدينه *** مخافة أن يبغي عليه فيمنعا
يمكة إذ كانت قريش وغيرها *** تظل لأوثان سجوداً وركعاً
الم يصلّ علي قبلهم حججاً *** ووحد الله رب الشمس والقمر
وهولاء ومن في حزب دينهم *** قوم صلاتهم للعود والحجر
فإنك كنت تعبده غلاماً *** بعيداً من أساف ومن منات
ولا وثناً عبدت ولا صليباً *** ولا عزى ولم تسجد للات
ومنها السبقة إلى البيعة روى في «المناقب» عن ابن جبير أنه لما نزل قوله تعالى :
(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقرين ﴾ [الشعراء: 214].
جمع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بني هاشم وهم يومئذ أربعون رجلاً وأمر علياً أن ينضج رجل شاة وخبز لهم صاعاً من طعام وجاء بعس من لبن ثم جعل يدخل إليه عشرة عشرة حتى شبعوا ، وإنّ منهم لمن يأكل الجذعة (1)ويشرب الفرق .
وفي رواية مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه صلی الله علیه واله وسلم قال : «وقد رأيتم هذه الآية ما رأيتم »، وفي رواية براء بن عازب وابن عباس أنه بَدَرهُم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرّجل، ثم قال النبي صلی الله علیه واله وسلم: «إني بعثت على الأسود والأبيض والأحمر إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين ، وإني لا أملك لكم من الله شيئاً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله »، فقال أبو لهب لهذا دعوتنا، ثم تفرقوا عنه فنزلت :
(وتَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ ) [المسد : 1] .
ثم دعا دفعة ثانية وأطعمهم وسقاهم ، ثم قال لهم : « يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكامها، وما بعث الله نبياً إلا جعل له وصياً أخا ووزيراً فأيكم يكون أخي
1) الجذعة : الجذع من الإبل ما دخل في السنة الخامسة ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية.
ووزيري ووصيي ووارثي وقاضي ديني » ، وفي رواية الطبري عن ابن جبير عن ابن عباس : فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم (1).
وفي رواية أبي بكر الشيرازي عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، وفي سند العشرة وفضائل الصحابة عن أحمد بإسناده عن ربيعة بن ناجد عن علي علیه السلام: فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟ فلم يقم إليه أحد وكان علي أصغر القوم يقول: أنا، فقال في الثالثة : أجل ، وضرب بيده على يد أمير المؤمنين علیه السلام(2).
وفي «تفسير الخركوشي»عن ابن عباس وابن جبير وأبي مالك ، وفي «تفسير الثعلبي» عن البراء بن عازب فقال علي علیه السلام وهو أصغر القوم: (أنا يا رسول الله )، فقال: أنت، فلذلك كان وصيه ، قالوا : فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أمر عليك، وقد نظمه السيد الحميري بقوله :
ويوم قال له جبريل قد علموا أنذر *** عشيرتك الأدنين إن بصروا
فقام يدعوهم من دون أمته *** فماتخلّف عنهم منهم بشر
فمنهم آكل في مجلس جذعاً *** وشارب مثل عس وهو محتقر
فصدّهم عن نواحي قصعة شبعاً *** فيها من الحب صاع فوقه الوزر
فقال يا قوم إنّ الله أرسلني *** الیكم فاجيبوا الله واذكروا
فايكم يجتبي قولي ويؤمن بي *** ني بي رسول فانبرى عذر
فقال تبا أتدعونا لتلفتنا *** عن دينناثم ديننا ثم قال القوم فانشمروا
من الذي قال منهم وهو أحدثهم *** سنا وخيرهم في الذكر إذ سطروا
أمنت بالله قد أعطيت نافلة *** لم يعط طها أحد جن ولا بشر
وإن ما قلته حق وأنهم *** إن لم يجيبوا فقد خانوا وقد خسروا
ففارقه تايها والله اكرمه *** فكان سباق غايات إذا ابتدروا
فلما دعا المصطفى أهله *** إلى الله سراً دعاه رفيقاً
ولاطفهم عارضاً نفسه *** على قومه فجزوه عقوقاً
فبایعه دون أصحابه *** وكان لحمل أذاه مطيقاً
ووحد من قبلهم سابقاً *** وكان على كل فضل سبوقاً
وأما العلم فهو علیه السلام ينبوعه ومصدره ومورده ومأواه وعنه أخذ العلوم جميعها وهو أبو عذرها وسابق مضمارها والنّاس كلهم عياله في جميع فنونها وهو البحر المتراكم الزخار والمتلاطم التّيار، وقد أشار عزّ وجلّ إلى غزارة علمه علیه السلام بلسان الرّمز والإشارة في قوله :( حم عسق )، روى الصفواني في الأحن والمحن عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال (حم) إسم من أسماء الله (عسق) علم علي سبق كل جماعة وتعالي عن كل فرقة بالكناية، وفي قوله :
(قُل كَفَى بِاللهِ شهيدا [الإسراء: 96] الآية .
قال ابن شهر آشوب في «المناقب» ما لفظه : محمد بن مسلم وأبو حمزة الثّمالي و جابر بن يزيد عن الباقر علیه السلام، وعلي بن فضال والفضيل بن يسار عن الصادق علیه السلام، وأحمد بن محمد الحلبي ومحمد بن الفضيل عن الرّضا علیه السلام، وقد روى عن موسى بن جعفر علیه السلام، وعن زيد بن علي علیه السلام، وعن محمد بن الحنفية ، وعن سلمان الفارسي وعن أبي سعيد الخدري، وعن إسماعيل السدي أنهم قالوا في قوله :
(قُل كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ ﴾ [الإسراء: 96] .
هو علي بن أبي طالب علیه السلام ، (1)فإذا انضم إلى ذلك قوله تعالى :
وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَبِ مُّبِينِ [الأنعام: 59] يثبت كونه علیه السلام عالماً عالماً بجميع فنون العلم، قال العوني :
ومن عنده علم الكتاب وعلم ما *** يكون وما قد كان علماً مكتماً
وشهد رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أيضاً له بالعلم في قوله : علي عيبة علمي، وقوله صلی الله علیه واله وسلم: «علي أعلمكم علماً وأقدمكم سلماً»، وقوله صلی الله علیه واله وسلم «أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب علیه السلام »، رواه في « المناقب» عن علي بن هاشم وابن شيرويه الديلمي بإسنادهما إلى سلمان (2)، وقال صلی الله علیه واله وسلم أيضاً بإجماع المخالف والمؤالف: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب ، في
«المناقب» رواه أحمد من ثمانية طرق، وإبراهيم الثقفي من سبعة طرق، وابن بطة من طرق والقاضي الجعابي من خمسة طرق وابن شاهين من أربعة طرق، والخطيب التاريخي من ثلاثة طرق، ويحيى بن معين من طريقين، وقد رواه السمعاني والقاضي الماوردي وأبو
منصور السكري وأبو الصلت الهروي وعبد الرزاق وشريك عن ابن عباس ومجاهد وجابر (1)، ونعم ما قيل .
هذا الإمام لكم بعدي يسدّدكم *** رشداً ويوسعكم علماً وآداباً
إنّي سي مدينة علم الله وهولها *** باب فمن رامها فليقصد البابا
قال ابن شهر آشوب بعد روايته هذا الحديث وهذا يقتضي وجوب الرجوع إلى أمير
المؤمنين علیه السلام لأنه صلی الله علیه واله وسلم كنى عنه بالمدينة وأخبر أنّ الوصول إلى علمه من جهة على علیه السلام خاصة، لأنه جعله كباب المدينة الذي لا يدخل إليها إلا منه ، ثم أوجب ذلك الأمر به بقوله : فليأت الباب، وفيه دليل على عصمته، لأنه من ليس بمعصوم يصح منه وقوع القبح، فإذا وقع كان الإقتداء به قبيحاً فيؤدي إلى أن يكون صلی الله علیه واله وسلم قد أمر بالقبيح، وذلك لا يجوز، ويدلّ أيضاً أنه أعلم الأمة، انتهى (2).
أقول : ومثل هذا الحديث قوله تعالى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأَتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة : 189] .
وقد مضى في شرح الفصل الرابع من الخطبة الأولى حديث شريف في تفسير هذه الآية فليراجع ثمّة، وقد روى المخالف والمؤالف أيضاً أنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فتح له ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب (3)، وإليه أشار الحميري بقوله :
عليّ أمير المؤمنين أخو الهدى *** وأفضل ذي نعل ومن كان حافياً
أسر إليه أحمد العلم جملة *** وكان له دون البرية داعياً
ودوّنه في مجلس منه واحد *** بألف حديث كلها كان هادياً
وكل حديث من أولئك فاتح *** له ألف باب فاحتواها كما هيا
وفي «المناقب » والنقاش في «تفسيره » قال ابن عباس : عليّ علم علماً علمه رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ورسول الله علمه الله ، فعلم النّبي علم الله وعلم عليّ من علم النبي، وما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر (4).
الضحاك عن ابن عباس قال : أعطي علي بن أبي طالب علیه السلام تسعة أعشار العلم وأنه لأعلمهم بالعشر الباقي (5).
فأما قول عمر بن الخطاب وإعترافه بعلمه علیه السلام ليلا فكثير رواه الخطيب في الأربعين قال : قال عمر : العلم ستة أسداس لعلي من ذلك خمسة أسداس، وللناس سدس، ولقد شاركنا في السدس حتى لهو أعلم به منا (1). إبانة بن بطة كان عمر يقول فيما يسأله عن عليّ فيفرج عنه : لا أبقاني الله بعدك (2)، تاريخ البلادري: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن (3)الإبانة والفائق أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن (4)، في «المناقب» وقد ظهر رجوعه إلى علي علیه السلام في ثلاث وعشرين مسألة حتى قال :
«لولا علي لهلك عمر »(5).
وقد رواه الخلق منهم أبو بكر بن عباس(6)وأبو المظفر السمعاني قال الصاحب :
هل في مثل فتواك إذ قالوا مجاهرة *** لولا عليّ هلكنا في فتاوينا
خطیب خوارزم :
إذا عمر تخطأ فی جواب *** ونبهه علي بالصواب
يقول بعدله لولا علی *** هلکت هلکت في ذاك الجواب
هذا وقد مضى في شرح الفصل الرابع من الخطبة السابقة عند شرح قوله علیه السلام : ( وعيبة علمه ) الإشارة الإجمالية إلى ميزان علمه علیه السلام.
وقد أفصح عن غزارة علمه بما رواه في التوحيد عن الصادق عن الباقر علیه السلام في حديث طويل قال : ولم يجد جدّي أمير المؤمنين علیه السلام حملة لعلمه حتى كان يتنفس الصعداء ويقول على المنبر : (سلوني قبل أن تفقدوني فإنّ بين الجوانح منّي علماً جماً ، هاه هاه ألا لا أجد من يحمله) (7)
وأفصح عنه أيضاً بقوله علیه السلام في هذه الخطبة التي نحن في شرحها : ( ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير) .
وعن إحاطته وكونه غير فاقد لشيء من فنون العلوم بقوله الذي ما زال علیه السلام يقول : «سلوني قبل أن تفقدوني» (1).
وعن إحاطته بالأخبار الأرضية بما يأتي في الخطبة الثانية والتسعين من قوله علیه السلام : « فاسألوني قبل أن تفقدوني فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تهدى بآية وتضل بآية إلا أنبئتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ومن يقتل من أهلها قتلاً ويموت منهم موتاً» .
وعن علمه بالأخبار السماوية بل كونه علیه السلام أخبر بها من الأخبار الأرضية بقوله في الخطبة المائة والثامنة والثمانين : (أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض) (2).
وعن إحاطته بالأخبار الغيبية خطبه المتضمنة للأخبار عن الملاحم، وهي كثيرة مثل كلامه السادس والخمسين ويأتي إنشاء الله في شرحه جملة من أخباره الغيبية، وهكذا الخطبة الثانية والتسعون ومثل الخطبة المائة والخطبة المائة والثمانية والعشرين إلى غير هذه ممّا لا نطيل بتعدادها .
وعن إحاطته بالكتب المنزلة بما رواه في «المناقب» عن ابن البختري من ستة طرق ، وابن المفضل من عشر طرق، وإبراهيم الثقفي من أربعة عشر طريقاً: أن أمير المؤمنين علیه السلام قال بحضرة المهاجرين والأنصار وأشار إلى صدره كيف ملأ علماً: «لو وجدت له طالباً سلوني قبل أن تفقدوني هذا سقط العلم هذا لعاب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهذا ما زقني رسول الله زقاً فاسألوني فإنّ عندي علم الأولين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي الوسادة ثم أجلست عليها لحكمت بين أهل التّوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى ينادي كلّ كتاب بأن علياً حكم في بحكم الله »، وفي رواية : حتى ينطق الله التوراة والإنجيل، وفي رواية أخرى: حتّى يزهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول : يا رب إنّ عليّاً قضى بقضائك ثم قال:« سلوني قبل أن تفقدوني فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية في ليلة أنزلت أو في نهار مكيها ومدنيها وسفريها وحضريها ناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم » هذا مجمل ما يتعلق بجهات علمه علیه السلام (3).
وأما التفصيل فاستمع لما يملأ عليك إن كنت طالباً للهدى مبتغياً رشداً، فأقول وبالله التوفيق :
أمّا العلم الإلهي فيظهر سبقه علیه السلام فيه على الجميع من خطبه الشريفة المتضمنة للتوحيد والمعرفة وتمجيد الحق الأوّل عزّ وجلّ باعتبار نعوت جلاله وصفات جماله لا سيما الخطبة التسعون المعروفة بالأشباح، والخطبة المائة والخامسة والثمانون التي تجمع من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة ، فراجع المقامين وانظر كيف خاض في غمار عمّانه وغاص علي فرائده وجمانه .
وأما علم التفسير والقراءة فيصح مسابقته فيه بما مر آنفاً وبما تقدّم في ثالث تذييلات الفصل السابع عشر من الخطبة الأولى.
وأقول : هنا مضافاً إلى ما سبق: قال الشارح المعتزلي : إذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك لأن أكثره عنه علیه السلام وعن عبد الله بن عباس وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له وانقطاعه إليه وأنه تلميذه وخريجه ، وقيل له: أين علمك من علم ابن عمّك، قال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط، انتهى (1).
وقد روى عن ابن عباس أنّه قال: حدثني أمير المؤمنين علیه السلام في (باء) بسم الله الرّحمن الرّحيم من أوّل الليل إلى الفجر ولم يتم .
وعن قرة قال علي علیه السلام «لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً في تفسير فاتحة الكتاب»، وعن فضائل العكبري قال الشعبي : ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبي الله من علي بن أبي طالب علیه السلام (2).
وفي «المناقب القراء السبعة إلى قراءته يرجعون، فأما حمزة والكسائي فيقولان على قراءة علي وابن مسعود وليس مصحفهما مصحف ابن مسعود فهما إنّما يرجعان إلى علي علیه السلام ويوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الإعراب، وقد قال ابن مسعود ما رأيت أحداً أقرأ من علي بن أبي طالب للقرآن ، وأمّا نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءاتهم ترجع إلى ابن عباس ، وابن عباس قرأ على أبي بن كعب وعلي علیه السلام والذي قرأه هؤلاء القراء يخالف قراءة أبي فهو إذاً مأخوذ عن علي علیه السلام وأما عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وقال أبو عبد الرحمن قرأت القرآن كله على عليّ بن أبي طالب علیه السلام، فقالوا : أفصح القراءات قراءة عاصم لأنه أتى بالأصل وذلك أنه يظهر ما ادغمه غيره ويحقق من الهمز ما ليته غيره ويفتح من
الإلفات ما أماله غيره، والعدد الكوفي في القرآن منسوب إلى علي علیه السلام وليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره، وإنما كتب عدد ذلك كلّ مصر من التابعين .
وأما علم الفقه والفروع فهو علیه السلام مرجع الفقهاء كلهم فيه وعنه علیه السلام تلقوه أما فقهاؤنا الأمامية أنار الله برهانهم فحالهم ظاهر ، وأمّا فقهاء العامة فقد قال الشارح المعتزلي كلّ فقيه في الإسلام فهو عيال ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة، وأمّا الشافعي فقرأ على محمد ابن الحسن فيرجع فقهه أيضاً إليه ، وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة وقرأ أبو حنيفة على جعفر بن محمد عليهما السلام، وقرأ جعفر على أبيه، وينتهي الأمر إلى علي علیه السلام، وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة ، وقرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على علي علیه السلام، انتهى ما قاله الشارح . (1)
وأقول: ما عند فقهاء العامة من الحق في الفروع الفقهية فقد خرج من أمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليهم السلام ، وما عندهم من الباطل فقد نسجتها إستحساناتهم العقلية وأقيستهم الباطلة وآراؤهم الفاسدة .
وقال في «المناقب »(2): إنّ جميع فقهاء أهل الأمصار إليه يرجعون ومن بحره يغترقون، أما أهل الكوفة وفقهاؤهم سفيان الثوري والحسن بن صالح بن حيّ وشريك بن عبد الله وابن أبي ليلى وهؤلاء يقرعون المسائل ويقولون هذا قياس قول علي علیه السلام ويترجمون الأبواب بذلك، وأما أهل البصرة وفقهاؤهم الحسن وابن سيرين وكلاهما كانا يأخذان عمن أخذ عن علي علیه السلام، وابن سيرين يفصح بأنه أخذ عن الكوفيين، وعن عبيدة بن السماني وهو أخص الناس بعلي علیه السلام، وأما أهل مكة فأخذوا عن ابن عباس وعن عليّ علیه السلام وقد أخذ عبد الله معظم علمه عنه وأما أهل المدينة فعنه علیه السلام لأخذوا، وقد صنف الشافعي كتاباً مفرداً في الدّلالة على اتباع أهل المدينة لعلي علیه السلام وعبد الله ، وقال محمد بن الحسن الفقيه : لولا علي ابن أبي طالب علیه السلام ما علمنا حكم أهل البغي.
وأما علم المناظرة ففي الأخبار أنّ أوّل من سن دعوة المبتدعة بالمجادلة إلى الحق علي علیه السلام، وقد ناظره الملاحدة والزنادقة في متناقضات القرآن فأجاب لهم بأجوبة متينة ، وأجاب مشكلات مسائل الجائليق حتى أسلم، وقال علیه السلام لرأس الجالوت لما قال له:« لم تلبثوا بعد نبيكم إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف »، فقال علیه السلام: «وأنتم
لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لموسى علیه السلام : إجعل لنا إلها كما لهم آلهة».
روى أبو بكر بن مردويه في كتابه عن سفيان أنّه قال : ما حاج علي علیه السلام أحداً إلا حجه (1).
أقول : ويشهد بذلك الرجوع إلى إحتجاجاته المروية في كتاب الإحتجاج حمد بن أبي طالب الطبرسي وفي مجلد إحتجاجات الأئمة علیه السلام ومجلد الفتن والمحن من البحار للمحدث العلامة المجلسي (رحمت الله) .
وأما القضاء والفصل بين الخصوم فيدل على سبقه علیه السلام فيه على الكل شهادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حقه وقوله : أفضاكم عليّ، ويفصح عنه ما أخبر به عن نفسه فيما رويناه عنه قريبا قريباً من قوله علیه السلام :« ثنيت لي الوسادة ثم أجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم » الحديث والآتي في الكلام المائة والتاسع عشر : وعندنا أهل البيت أبواب الحكم وضياء الأمر، ويدل عليه قضاياها علیه السلام في الوقائع الإتفاقية بما يحتار في أكثرها العقول وسيأتي شطر منها في شرح هذه الخطبة وغيرها إنشاء الله تعالى ورجوع الصحابة إليه علیه السلام فيها مأثور مسطور ، وقول عمر في مواطن كثيرة : لولا عليّ لهلك عمر، معروف
مشهور .
وأما علم الفصاحة والبلاغة فهو بارعه وحائز قصب السبق في مضماره حتى قيل في وصفه : إن كلامه علیه السلام فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق ، وقد تقدم من الرّضي في ديباجة المتن وصفه بأنه مشرع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها ومنه ظهر مكنونها وعنه أخذ قوانينها، ويشهد بذلك خطبته البارعة المدونة في هذا الكتاب وسنشير إلى بعض مزايا كلامه علیه السلام في تضاعيف الشرح إنشاء الله تعالى ، وقد تقدم في ديباجة الشرح الإشارة إلى بعضها على ما ساعد المجال . قال ابن نباتة : حفظت من كلامه علیه السلام ألف خطبة ففاضت ثم فاضت .
وأمّا علم النجوم فيدل على براعته علیه السلام فيه ما يأتي منه في الكلام الثامن والسبعين وشرحه إنشاء الله تعالى من الأحكام النجومية العجيبة لم يهتد إليها المنجمون.
وأما علم النحو والأدبية فقد اتفق العلماء على أنه علیه السلام هو واضعه ومخترعه، قال أبو القاسم الزجاجي في محكي كلامه عن «أماليه» : حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري، حدثنا أبو الحاتم السجستاني حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي حدثنا سعيد بن مسلم الباهلي حدثنا أبي عن جدي عن أبي الأسود الدنلي، قال: دخلت على علي بن أبي
1) البحار: 160/40 .
طالب علیه السلام فرأيته متفكراً فقلت له : فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال علیه السلام : «إني سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتاباً في أصول العربية »، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد ثلاث فألقى إلي صحيفة فيها : بسم الله الرّحمن الرّحيم الكلام إسم وفعل وحرف ، فالإسم ما انبأ عن المسمّى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال علیه السلام: « لي تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أنّ الأشياء ثلاثة : ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر وإنما تتفاضل العلماء فيما ليس بظاهر ولا مضمر». قال أبو الأسود : فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه علیه السلام ، فكان من ذلك حروف النصب فذكرت منها (إنّ) (وان) (وليت) (ولعل) (وكان) ولم أذكر (لكن) فقال علیه السلام: «لم تركتها »: فقلت : لم أحسبها منها، فقال علیه السلام :« بلى هي منها فردها فيها » انتهى (1).
وأمّا علم الحساب فيدل على وفور علمه علیه السلام فيه ما رواه في المناقب عن ابن أبي ليلى أن رجلين تغدّيا في سفر ومع أحدهما خمسة أرغفة الآخر ثلاثة وأكلها ثالث فأعطاهما ثمانية دراهم عوضاً فاختصما وارتفعا إلى أمير المؤمنين علیه السلام فقال: «هذا أمر فيه دنائة والخصومة فيه غير جميلة والصلح فيه أحسن»، فأبى صاحب الثلاثة إلا من القضاء فقال علیه السلام : « إذا كنت لا ترضى إلا بمر القضاء فإنّ لك واحدة من ثمانية ولصاحبك سبعة أليس كان لك ثلاثة أرغفة ولصاحبك خمسة؟» قال بلى قال : (فهذه أربعة وعشرون ثلثاً أكلت منها والضيف ثمانية فلما أعطاكما الثمانية الدراهم كان لصاحبك سبعة ولك واحدة )، ويأتي رواية هذه القضية بطريق آخر في تضاعيف الشرح في موقعه بأبسط وجه إن شاء الله تعالى .
وأما علم الكيميا فهو أكثرهم حظاً منه، قال: في المناقب وقد سئل عن الصنعة فقال علیه السلام : (هي أخت النبوة وعصمة المروة والناس يتكلمون فيها بالظاهر وأنا أعلم ظاهرها وباطنها، ما هي والله إلا ماء جامد وهواء راكد ونار جائلة وأرض سائلة )، قال : وسئل في أثناء خطبته هل الكيمياء تكون؟ فقال علیه السلام:« كان وهو كائن وسيكون »، فقيل من أي شيء هو ؟ فقال علیه السلام:«من الزئبق الرّجراج والأسرب والزاج والحديد المزعفر وزنجار النحاس الأخضر الحور «الحبورخ» إلا توقف على عابرهن »، فقيل : فهمنا لا يبلغ إلى ذلك فقال علیه السلام: «اجعلوا البعض أرضاً واجعلوا البعض ماء وافلحوا الأرض بالماء» وقد تم، فقيل زدنا يا أمير المؤمنين، فقال علیه السلام:« لا زيادة عليه فإنّ الحكماء القدماء ما زادوا عليه [ كيماظ ] (2)يتلاعب به الناس »(3).
وأما زهده وطلاقه للدنيا ورغبته بالكلية عنها فهو من المتواترات القطعية أظهر وأبهر من الشمس في رابعة النّهار، ويفصح عن ذلك ويبين عنه وتأتيك من سبأ بنبأ يقين الخطب والكلمات المدونة عنه في هذا الكتاب وغيره المتضمنة لزهده عليه سلام الله ربّ العالمين ملأ السماوات والأرضين وقد أقسم فيما يأتي من كلماته القصار بالقسم (الباء) وقال : (والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم )، وقال في الكلام المائتين والثاني والعشرين : (وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى) (1)
وفي «المناقب» المعروفون من الصحابة بالورع : علي وأبو بكر وعمرو بن مسعود وأبو ذر وسلمان ومقداد وعثمان بن مظعون وابن عمر، ومعلوم أن أبا بكر توفي وعليه بيت مال المسلمين نيف وأربعون ألف درهم، وعمر مات وعليه نيف وثمانون ألف درهم ، وعثمان مات وعليه ما لا يحصى كثرة، وعلي مات وما ترك إلا سبعمائة فضلاً عطائه أعدها لخادم .
أمالي الطوسي في حديث عمار : يا علي إنّ الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها ، زيّنك بالزهد في الدنيا وجعلك لا تزراً منها شيئاً ولا تزرا منك شيئاً، ووهبك حب المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعاً ويرضون بك إماماً .
اللؤلوثيات قال عمر بن عبد العزيز ما علمنا أحداً كان في هذه الأمة أزهد من علي بن أبي طالب علیه السلام بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم ، ويروى أنه كان عليه وقت لا يكون عنده ثلاثة دراهم يشتري بها إزاراً وما يحتاج إليه ثم يُقسم كل ما في بيت المال على النّاس ثم يصلّي فيه ويقول : الحمد لله الذي أخرجني منه كما دخلته ، وأتي إليه بمال فكوم كومة من ذهب وكومة من فضة وقال يا صفراء اصفري يا بيضاء ابيضي وغرّي غيري ،
هذا خبای «جنای خ » وخياره فيه *** وكل جان يده إلى فيه
الأشعث العبد قال : رأيت عليّاً علیه السلام اغتسل في الفرات يوم جمعة ثم ابتاع قميصاً كرابيس بثلاثة دراهم فصلّى بالناس الجمعة وما خيط جربانه بعد ، وفي فضائل أحمد رؤي على علي علیه السلام إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم، ورؤي عليه إزار مرقوع فقيل له في ذلك فقال علیه السلام:« يقتدي به المؤمنون ويخشع له القلب وتذل به النفس ويقصد به المتابع »، مسند أحمد وكان كمّه لا يجاوز أصابعه ويقول ليس للكمين على اليدين فضل، ونظر إلى فقير انخرق كم ثوبه فخرق كمّ قميصه وألقاه إليه، مسند الموصلي الشعبي عن الحارث عن علي علیه السلام قال : «ما كان لي ليلة اهدي لفاطمة شيء ينام عليه إلا جلد كبش »، واشترى ثوباً
1) الصراط المستقيم: 223/1
فأعجبه فتصدق به (1).
وأما العبادة وصالح الأعمال فقد علم إجمالاً بما قدمناه في كونه أكثر ثواباً وأقول مضافاً إلى ما سبق : إنّه علیه السلام قد كان بالغاً فيها غايتها ، وكفى به شهيداً أنّه كان يؤخذ النشاب من جسده عند الصّلاة وهو غير شاعر له لإستغراقه في شهود جمال الحق وفنائه في الله وانقطاعه لكليته عمّن سواه، وكان السجاد علي بن الحسين عليهم السّلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ثم يأخذ صحف عبادات أمير المؤمنين علیه السلام وينظر ما فيها سيراً، ثم يتركها من يده كالمتضجر المتأسف على تقصير نفسه في العبادة، ويقول : من يقدر على عبادة علي بن أبي طالب علیه السلام، وفيه نزل قوله تعالى :
(تَرَتْهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضَوَنَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودُ ﴾ [الفتح: 29].
روی ابن شهر آشوب في «المناقب» عن النيسابوري في «روضة الواعظين »أنه قال عروة بن الزبير : سمع بعض التابعين أنس بن مالك يقول: نزلت في علي بن أبي طالب علیه السلام:
(آمَنْ هُوَ فَنِتُ انَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَفَابِمَا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ [الزمر: 9] الآية .
قال الرّجل : فأتيت عليا علیه السلام وقت المغرب فوجدته يصلي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر، ثم جدد وضوءه وخرج إلى المسجد وصلى بالنّاس صلاة الفجر، ثم قعد في التعقيب إلى أن طلعت الشمس، ثم قصده الناس فجعل يقضي بينهم إلى أن قام إلى صلاة الظهر فجدد الوضوء، ثم صلى بأصحابه الظهر، ثم قعد في التعقيب إلى أن صلى بهم العصر ، ثم كان يحكم بين النّاس ويفتيهم إلى أن غابت الشمس.
وفيه عن الباقر علیه السلام في قوله تعالى :
( إلا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ ﴾ [الشعراء: 227] قال : ذاك أمير المؤمنين
علیه السلام وشيعته : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمنُون [التين : 6] .
وفيه عن محمد بن عبد الله بن الحسن عن آبائه عليهم السلام وعن أبي مالك عن ابن عباس ومحمد بن علي الباقر علیه السلام في قوله تعالى :
(وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) [فاطر: 32].
«والله لهو علي بن أبي طالب علیه السلام »(2).
مفرق الأحزاب ضراب الطلی *** مکسر الأصنام كشاف شاف الغم
الزاهد العابد في محرابه *** الساجد الراكع في جنح الظلم
صام هجيراً وعلى سائله *** جاد بإفطار الصيام ثم نم
وكم غمرة الموت الله خاضها *** ولجة بحر في الحكوم اقامها
وکم ليله ليلا والله قامها *** وكم صبحة مسجورة الحرّ صامها
وفيه أيضاً عن عروة الزبير قال : تذاكرنا صالح الأعمال فقال أبو الدرداء : أعبد الناس علي بن أبي طالب علیه السلام سمعته قائلاً بصوت حزين ونغمة شجيّة في موضع خال: إلهي كم من موبقة حملتها «حلمتها خ » عني فقابلتها بنعمتك وكم من جريرة تكرمت عليّ بكشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك ولا أنا براج غير رضوانك.
ثم ركع ركعات فأخذ في الدعاء والبكاء فمن مناجاته : إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي ثم أذكر العظيم من أخذك فيعظم عليّ بليتي ثم قال له إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول خذوه فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولا تنفعه قبيلته يرحمه البلاء إذا أذن فيه بالنداء آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار لواعة للشواء آه من غمرة من لهبات لظى، ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حساً فقلت : غلب عليه النوم أوقظه لصلاة الفجر فأتيته فإن هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون مات والله علي بن أبي طالب علیه السلام قال : فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم فقالت فاطمة عليها السلام : ما كان من : شأنه؟ فأخبرتها فقالت : هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله تعالى، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ونظر إلي وأنا أبكي فقال : مم بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فكيف ولو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب وأحوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ فوقفت بين يدي ملك الجبار قد أسلمتني الأحباء ورحمني أهل الدنيا أشد رحمة لي بين يدي من لا يخفى عليه خافية (1).
ومنها الشجاعة ولقد كان أشجع النّاس وأنسى شجاعة من كان قبله ومحا إسم من كان يأتي بعده وتعجبت الملائكة من حملانه ، وفيه قال النبي صلی الله علیه واله وسلم لما لما خرج لقتال عمرو بن
1) أمالي الصدوق : 138 ح 126 ، ومدينة المعاجز: 80/2.
عبدود :« برز الإيمان كله إلى الشرك كله »، فلما قتله قال صلی الله علیه واله وسلم له : «أبشر يا علي فلو وزن عملك اليوم بعمل أمتي لرجح عملك بعملهم »، رواه في «المناقب» لأحمد بن حنبل والنسائي عن ابن مسعود ، وأنزل الله تعالى (1):
(وكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالُ ﴾ [الأحزاب: 25] بعلي الآية، كما عن مصحف ابن مسعود، قال ربيعة السعدي: أتيت حذيفة اليمان فقلت يا أبا عبد الله : إنا لنتحدث عن علي ومناقبه فيقول أهل البصرة : « إنكم لتفرّطون في عليّ فهل تحدثني بحديث؟ فقال حذيفة والذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كفة الميزان منذ بعث الله محمّداً إلى يوم القيامة ووضع عمل علي علیه السلام في الكفّة الأخرى لرجح عمل عليّ على جميع أعمالهم، فقال ربيعة هذا الذي لا يقام له ولا يقوم ، فقال حذيفة: يا لكع وكيف لا يحمل وإن كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم عمرو بن عبدود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا عليّاً، فإنه نزل إليه فقتله والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد إلى يوم القيامة.
قال الشارح المعتزلي : وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه علیه السلام قتلهم أظهر وأكثر قالت أخت عمرو بن عبدود ترثيه :
لو كان قاتل عمرو غیر قاتله *** بكيته ابداً ما دمت في البلد
لكن قاتله من لا نظير له *** وكان يدعي أبوه بيضة البلد
وفي غزاة أحد إنهزم المسلمون وخشي رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وضربه المشركون بالسيوف والرماح وعليّ يدافع عنه فنظر إليه النبي صلی الله علیه واله وسلم عنه فنظر إليه النبي له بعد إفاقته من غشيته وقال صلی الله علیه واله وسلم : «ما فعل المسلمون؟ فقال: (نقضوا العهد وولوا الدبر)، فقال: «أكفني أمر هؤلاء » فكشفهم عنه وصاح صائح بالمدينة قتل رسول الله ، فانهلعت القلوب ونزل جبرئيل قائلاً لا سيف إلا ذو الفقار ولا
، فتى إلا عليّ ، وقال للنبي صلی الله علیه واله وسلم يا رسول الله لقد عجبت الملائكة من حسن مواساة علي لك بنفسه، قال النبي صلی الله علیه واله وسلم «ما يمنعه عن ذلك وهو مني وأنا منه »، إلى غير ذلك مما لا يحكيه قلم ولا يضبطه رقم، وستطلع على فتوحاته ومجاهداته تفصيلاً في مواقعها إنشاء الله ، كما ستطلع على سائر مكارم أخلاقه ومحاسن خصاله على حسب الإستطاعة والتمكن في مقاماته المناسبة، ولو أردنا شرح معشار فضائله وخصائصه لاحتجنا إلى إفراد كتاب يماثل حجم هذا الكتاب بل يزيد .
قال الجاحظ في محكي كلامه ، ونعم ما قال حال كونه من أعظم الناس عداوة لأمير
1) الطرائف لابن طاووس : 35 ح 22
المؤمنين علیه السلام : صدق علي علیه السلام في قوله : نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد كيف يقاس بقوم منهم رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، والأطيبان علي وفاطمة ، والسبطان الحسن والحسين، والشهيدان أسد الله حمزة وذو الجناحين جعفر، وسيد الورى عبد المطلب وساقي الحجيج العباس وحامي النبي ومعينه ومحبه أشدّ حبّاً وكفيله ومربيه والمقر بنبوته والمعترف برسالته والمنشد في مناقبه أبياتاً كثيرة، وشيخ قريش أبو طالب والنجدة والخير فيهم ، والأنصار من نصرهم ، والمهاجرون من هاجر لهم ومعهم، والصديق من صدقهم، والفاروق من فارق بين الحق والباطل فيهم، والحواري حواريهم ، وذو الشهادتين لأنه شهد لهم، ولا خير إلا فيهم ولهم ومنهم ومعهم، وأبان رسول الله أهل بيته بقوله :« إني تارك فيكم الخليفتين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض»، ولو كانوا كغيرهم لما قال عمر لما طلب مصاهرة علي علیه السلام: إني سمعت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يقول كل سبب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ».
فأما عليّ فلو أفردنا لفضائله الشريفة ومقاماته الكريمة ودرجاته الرفيعة ومناقبه السنية لأفنينا في ذلك الطوامير الطوال والدفاتر ، العرق صحيح، والنسب صريح، والمولد مكان معظم ، والمنشأ مبارك مكرم ،والشأن عظيم، والعمل جسيم والعلم كثير، وليس له نظير، والبيان عجيب واللسان خطيب، والصدر رحيب ، وأخلاقه وفق أعراقه، وحديثه يشهد على تقديمه ، انتهى (1).
وأنت إذا أحطت خبراً بما مهدناه في هذه المقدّمة عرفت فساد ما توهمه النواصب اللئام من عدم وجود النّص على إمامة أمير المؤمنين وسيد المتقين ويعسوب الدين وقائد الغرّ المحجلين عليه وعلى أولاده آلاف التحية والسلام، كما عرفت فساد القول بتفضيل غيره عليه، كما اتفق لجماعة منهم، وكذا القول بتفضيله على غيره مع القول بصحة خلافة الثلاثة وتقديمهم عليه كما هو مذهب الشارح المعتزلي ومن يحذو حذوه من معتزلة بغداد وغيرهم على ما حكى عنهم في أوائل الشرح، وعمدة ما أوقعه كغيره في هذا الوهم الفاسد والرّأي الكاسد ما ذكره في تضاعيف شرح هذه الخطبة ولا بأس أن نذكر كلامه بطوله ثم نتبعه بما يلوح عليه من ضروب الكلام ووجوه الملام .
فأقول : قال الشارح خذله الله عند شرح قوله علیه السلام : (أما والله لقد تقمصها ) إلى قوله : (أرى تراثي نهباً )، ما لفظه : إن قيل بينوا لنا ما عندكم في هذا الكلام أليس صريحه دالاً على تظليم القوم ونسبتهم إلى إغتصاب الأمر فما قولكم في ذلك إن حكمتم عليهم بذلك فقد طعنتم فيهم، وإن لم تحكموا عليهم بذلك فقد طعنتم في المتكلم عليهم؟
1) كتاب الأربعين للماحوزي : 352 وكشف الغمة : 32/1 وينابيع المودة: 461/1.
قيل : أما الإمامية من الشيعة فتجري هذه الألفاظ على ظواهرها وتذهب إلى أن النبي نص على أمير المؤمنين وأنه غصب حقه، وأما أصحابنا رحمهم الله فلهم أن يقولوا إنه لما كان أمير المؤمنين هو الأفضل والأحق وعدل عنه إلى من لا يساويه في فضل ولا يوازيه في جهاد وعلم ولا يماثله في سودد وشرف ساغ إطلاق هذه الألفاظ وإن كان من وسم بالخلافة قبله عدلاً تقياً وكانت بيعته بيعة صحيحة ألا ترى أن البلد قد يكون فيه فقيهان أحدهما أعلم من الآخر بطبقات كثيرة فيجعل السلطان الأنقص علماً منهما قاضياً فيتوجد الأعظم ويتألم وينفث أحياناً بالشكوى ولا يكون ذلك طعنا في القاضي ولا تفسيقاً له ولا حكماً منه بأنه غير صالح، بل للعدول عن الأحق والأولى، وهذا أمر مركوز في طباع البشر ومجبول في أصل الغريزة والفطنة، فأصحابنا لما أحسنوا الظن بالصحابة وحملوا ما وقع منهم على وجه الصواب وأنّهم نظروا إلى مصلحة الإسلام وخافوا فتنة لا تقتصر على ذهاب الخلافة فقط، بل ويفضي إلى ذهاب النبوة والملة، فعدلوا عن الأفضل الأشرف الأحق إلى فاضل آخر دونه فعقدوا له، إحتاجوا إلى تأويل هذه الألفاظ الصادرة عمّن يعتقدونه في الجلالة والرفعة قريباً من منزلة النبوة، فتأوّلوها بهذا التأويل وحملوها على التألم للعدول عن الأولى، وليس هذا بأبعد من تأويل الإمامية قوله تعالى :
(وعَصَى عَادَمُ رَبَّهُ فَغَوى ﴾ [طه: 121 ] .
وقولهم : معنى عصى أنه عدل عن الأولى، لأنّ الأمر بترك أكل الشجرة كان أمراً على سبيل الندب فلما تركه آدم كان تاركاً للأفضل والأولى فسمّي عاصياً باعتبار مخالفة الأولى، وحملوا (غوى) على (خاب) لا على الغواية بمعنى الصّلال، ومعلوم أن تأويل كلام أمير المؤمنين علیه السلام وحمله على أنه شكا من تركهم الأولى وأحسن من حمل قوله تعالى : وعصى آدم على أنه ترك الأولى.
إن قيل : لا يخلو الصحابة أن يكون عدلت عن الأفضل لعلة ومانع في الأفضل أولاً لمانع فإن كان لا لمانع كان ذلك عقداً للمفضول بالهوى فيكون باطلاً، وإن كان لمانع وهو ما يذكرونه من خوف الفتنة وكون الناس كانوا يبغضون علياً ويحسدونه فقد كان يجب أن يعذرهم أمير المؤمنين علیه السلام في العدول عنه في العدول عنه ويعلم أن العقد لغيره هو المصلحة للإسلام، فكيف حسن منه أن يشكوهم بعد ذلك ويتوجد إليهم؟ وأيضاً فما معنى قوله : فطفقت أرتاي بين أن أصول بيد جذاء، على ما تأوّلتم به كلامه فإنّ تارك الأولى لا يصال عليه بالحرب.
قيل : يجوز أن يكون أمير المؤمنين لم يغلب على ظنّه ما غلب على ظنون الصحابة من الشعب وثوران الفتنة ، والظنون تختلف باختلاف الإمارات غرب إنسان يغلب على ظنه أمر يغلب على ظن غيره خلافه ، وأما قوله : أرتاي بين أن أصول ، فيجوز أن يكون لم يعن به صيال الحرب، بل صيال الجدل والمناظرة ، يبين ذلك أنه لو كان جادلهم وأظهر ما في نفسه
لهم فربما خصموه بأن يقولوا له : قد غلب على ظنوننا أنّ الفساد يعظم ويتفاقم إن وليت الأمر، ولا يجوز مع غلبة ظنوننا لذلك أن نسلّم الأمر إليك، فهو علیه السلام قال : (طفقت أرتاي) بین أن أذكر لهم فضائلي عليهم وأحاجهم بها فيجيبوني بهذا الضرب من الجواب الذي تصير حجتي بهم جذاء مقطوعة ولا قدرة لي على تشييدها ونصرتها ، وبين أن أصبر على ما منيت به ووقعت إليه .
إن قيل : إذا كان لم يغلب على ظنّه وجود العلة والمانع فيه وقد استراد الصحابة وشكاهم لعدولهم عن الأفضل الذي لا علة فيه عنده، فقد سلمتم أنّه ظلم الصحابة ونسبهم إلى غصب حقه فما الفرق بين ذلك أن وبين يظلمهم لمخالفة النّص وكيف هربتم من نسبته لهم إلى الظلم لدفع النّص ووقعتم في نسبته لهم إلى الظلم لخلاف الأولى من غير علة من الأولى؟ ومعلوم أن مخالفة الأولى من غير علة في الأولى كتارك النص، لأن العقد في كلا الموضعين يكون فاسداً؟
قيل : الفرق بين الأمرين ظاهر لأنّه لو نسبهم إلى مخالفة النص لوجب وجود النص، ولو كان النص موجوداً لكانوا فساقاً أو كفّاراً لمخالفته، وأما إذا نسبهم إلى ترك الأولى من غير علة في الأولى فقد نسبهم إلى أمر يدعون فيه خلاف ما يدعي علیه السلام وأحد الأمرين لازم، وهو إما أن يكون ظنّهم صحيحاً أو غير صحيح، فإن كان ظنهم هو الصحيح فلا كلام في المسألة ، وإن لم يكن ظنهم صحيحاً كانوا كالمجتهد إذا ظن وأخطأ ، فإنّه معذور ومخالفة النّص خارج عن هذا الباب لأن مخالفه غير معذور بحال ، فافترق المحملان ، انتهى كلامه (1).
أقول : لا يخفى ما فيه من وجوه الجهل وضروب التجاهل أما أولاً فلأن قوله : وإن كان من وسم بالخلافة عدلاً تقياً، أول الكلام وستطلع على فسق أسلافه عند التعرض لمطاعتهم حيثما بلغ الكلام محله إنشاء الله .
وأما ثانياً فلان قوله : وكانت بيعته بيعة صحيحة، ممنوع إذ خلافة أبي بكر لم تنعقد إلا باعتبار متابعة عمر بن الخطاب له برضاء أربعة : أبي عبيدة وسالم مولى حذيفة وبشر بن سعد وأسيد بن حصين لا غير ، وقد تخلف عنها وجوه الصحابة حسبما تعرفه في محله ، وقد صرّح الشارح في شرح قوله علیه السلام: (فصيرها في حوزة خشناء ) بأن استقرار الخلافة له لم يحصل إلا بوجود عمر حيث قال: وعمر هو الذي شيّد بيعة أبي بكر ورقم المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لما جرده ودفع في صدر المقداد ووطأ في السقيفة سعد بن عبادة وقال : اقتلوا سعداً قتل الله سعداً وحطم أنف وحطم أنف الحباب ابن المنذر الذي قال يوم السقيفة : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، وتوعد من لجأ إلى دار فاطمة من الهاشميين وأخرجهم منها، ولولاه لم يثبت لأبي
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي: 159/1 .
بكر أمر ولا قامت له قائمة، انتهى .
وهذا الكلام كما ترى صريح في أن عقد البيعة لأبي بكر لم تكن من إجماع الكل واجتماعهم عن طوع ورغبة ، وإنّما حصل عن تشييد عمرو وتأسيسه، وعلى تقدير تسليم أن يكون أهل البيعة جماعة كثيرة فنقول : لا خفاء في أنهم تابعون لتصرف الشرع فيهم لا تصرف لهم في أنفس غيرهم من آحاد الأمة في أقل مهم من مهماتهم، فكيف يولون الغير على أنفس الخلائق منهم ومن غيرهم؟ فإنّ من لا يعقل له التصرف في أقل الأمور لأدنى الأشخاص كيف يكون له القدرة على جعل الغير متصرّفاً في نفوس أهل الشرق والغرب وفي دمائهم وأموالهم وفروجهم؟ .
وهذا الذي ذكرناه إنّما هو على سبيل المماشاة وإلا فقد صرّح صاحب المواقف وشارحه السيد الشريف بانعقاد البيعة بالواحد والإثنين حيث قال: وإذا ثبت حصول الإمامة بالإختيار والبيعة فاعلم أن ذلك الحصول لا يفتقر إلى الإجماع من جميع أهل الحل والعقد إذ لم يقم عليه أي على هذا الإفتقار دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف في ثبوت الإمامة ووجوب إتباع الإمام على أهل الإسلام، وذلك لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين وشدّة محافظتهم على أمور الشرع كما هو حقها اكتفوا في عقد الإمامة بذلك المذكور من الواحد والإثنين كعقد عمر لأبي بكر وعقد عبد الرحمان بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا في عقدها إجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد فضلاً عن إجماع الأمة علماء أمصار الإسلام ومجتهدي جميع أقطارها على هذا كما مضى ولم ينكر عليهم أحد، من وعليه أي وعلى الإكتفاء بالواحد والإثنين في عقد الإمامة انطوت الأعصار بعدهم إلى وقتنا هذا ، انتهى .
ذلك كله كيف يمكن أن يقال ، أن بيعة أبي بكر كانت بيعة صحيحة شرعية؟ وكيف ومع يحلّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر إيجاب أتباع من لم ينص الله ورسوله؟ ولا اجتمعت الأمة عليه على جميع الخلق لأجل مبايعة رجل واحد ، وله يرضى العاقل لنفسه الإنقياد إلى هذا المذهب وأن يوجب على نفسه ذل الطاعة لمن لا يعرف عدالته ولا يدري حاله من الإيمان وعدمه ولا يعرف حقه من باطله لأجل أن شخصاً لا يعرف عدالته ومعرفته بايعه، إن هو إلا محض الجهل والحمق والضلال عن سبيل الرشاد.
وأمّا ثالثاً فإنّ قوله ألا ترى أن (البلد) (اه) ظاهر هذا المثال بملاحظة تطبيقه الممثل يعطي أنّ تقديم أبي بكر إنّما حصل بفعل الله سبحانه ، وهو ظاهر ما ذكره في خطبة الشرح من قوله : وقدم المفضول على الأفضل لمصلحة إقتضاها التكليف، وحينئذ فيتوجه عليه أولاً أنه مناف لما صرح به بعد ذلك : من أن الصحابة نظروا إلى مصلحة الإسلام فعدلوا من الأفضل الأشرف، حيث إن المستفاد منه أن تقديمه إنما كان يفعل الصحابة لا يفعل الله .
وثانياً : أنه يستلزم أن يقدم اللطيف الخبير المفضول المحتاج إلى التكميل على الفاضل الكامل وهو مع أنه قبيح عقلاً ونقلاً إفتراء عليه سبحانه وقد قال تعالى :
(أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَن لَا يَهْدِى إِلا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ الله )[يونس : 35] وقال: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر : 9] .
وثالثاً : أنه لو كان هذا التقديم من الله لم يصح لعلي علیه السلام الشكاية مطلقاً لأنّها حينئذ تكون ردّاً على الله والرد على الله على حد الشرك بالله .
وأما رابعاً : فإن قوله : وأنّهم نظروا إلى مصلحة الإسلام (ا ه)، ممنوع بل نقول إنّ تقديمهم له إنّما نشأ من حبّ الجاه والرئاسة وعداوة لإمام الأمة كما يكشف عند قول طلحة حين كتب أبو بكر وصيّة لعمر بالولاية والخلافة : وليته أمس ولاك اليوم.
وقال الغزالي في كتابه المسمّى بسرّ العالمين على ما حكاه عنه غير واحد في مقالة الرابعة التي وضعها لتحقيق أمر الخلافة بعد عدة من الأبحاث وذكر الإختلاف ما هذه عبارته : لكن اسفرت الحجة وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته صلوات الله عليه في الغدير باتفاق الجميع وهو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة فهذا تسليم ورضاء وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرئاسة وحمل عمود الخلافة وعقود البنود وخفقان الهواء في قعقعة الرايات و إشتباك ازدحام الخيول وفتح الأمصار سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوا الحق وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون (1).
وأما خامساً فلأن تمثيله بالآية لا وجه له، إذا ارتكاب التأويل في الآية الشريفة بحمل العصيان فيها على ترك الأولى وحمل الغي على الخيبة إنما هو من أجل قيام الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة من العقل والنقل على عصمة الأنبياء عليهم السّلام حسبما عرفت تفصيلاً في التذنيب الثالث من تذنيبات الفصل الثاني عشر من فصول الخطبة الأولى، وأما فيما نحن فيه فمجرد حسن الظن بالصّحابة لا يوجب إرتكاب التأويل ورفع اليد عما هو ظاهر في التظلم والتشكّي بل صريح في الطعن وإغتصاب الخلافة.
وأما سادساً : فإن الجواب عن الإعتراض الذي ذكره بقوله : قيل : يجوز أن يكون أمير المؤمنين علیه السلام لم يغلب على ظنه ما غلب على ظنون الصحابة ، تكلف بارد . إذ كيف يمكن أن يجهل عليّ الذي هو باب مدينة العلم ودار الحكمة بما عرفه عامة الخلق مع جهالتهم و انحطاط درجاتهم منه في العلم من الثرى إلى الثريا ولا سيّما أنّ هذه الخطبة مما خطب علیه السلام بها في أواخر عمره الشريف كما يشهد به مضمونها ، فهب أنه لم يغلب على ظنه في أوّل الأمر
1) رسالة سرّ العالمين : 10 - 11 المجموعة السادسة.
ما غلب على ظنون الصحابة إلا أنه كيف يمكن أن يخفى عليه في هذه السنين المتطاولة ما ظهر على الصحابة في بادي الرأي.؟
فإن قلت : هذه الخطبة منه حكاية حال ماضية ولا تنافي إطلاعه على ما اطلع عليه الصحابة بعد هذه الحال .
قلت : المنافاة واضحة إذ اللازم عليه بعد إطلاعه بما ظنوه أن يعذرهم ويعتذر عنهم ولا يتكلم بمثل هذا الكلام الحاكي عن سوء فعالهم والكاشف عن قبح أعمالهم، ويأتي لهذا إن شاء الله مزيد تحقيق في شرح الكلام المائتين والرابع عشر .
وأما سابعاً : فإنّ ما أجاب به بقوله : وأما قوله أرتاي بين أن أصول ، فيجوز أن يكون لم يعن به صيال الحرب بل صيال الجدل والمناظرة، فاسد جداً.
أما أولاً فلأن ظاهر الكلام هو الصيال بالحرب مؤيداً بما هو صريح كلامه علیه السلام في الخطبة السادسة والعشرين وهو قوله : (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت عن الموت (1)وأغضيت على القذى وشربت على الشجى وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم)، وقد قال الشارح هناك : فأما قوله : لم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت ، فقول ما زال علیه السلام يقوله : ولقد قاله : عقيب وفاة الرسول صلی الله علیه واله وسلم ، قال : لو وجدت أربعين ذوي عزم ، ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب «صفين» وذكره كثير من «أرباب السيرة »، انتهى (2).
وأما ثانياً : فلانه علیه السلام قد ذكر فضائله ومناقبه والنصوص الواردة فيه واحتج بها يوم السقيفة كما ستعرفه في محله، فلم يصبر عن الاحتجاج بها حتى يقول: فصبرت وفي العين قدى وفي الحلق شجي، وكيف كان فقد تحصل مما ذكرنا كله أن تكلفات الشارح وتأويلاته فاسدة جداً وتطلع على فسادها زيادة على ما ذكر في تضاعيف الكتاب إن ساعدنا التوفيق والمجال إن شاء الله .
إلى هنا تم الجزء الثاني من هذه الطبعة النفيسة البهية ، وقد تصدى لتصحيحه وتهذيبه العبد السيد ابراهيم الميانجي » عفى عنه ووقع الفراغ في اليوم الخامس عشر من شهر رجب الأصب سنة 1378 ويليه الجزء الثالث ، وأوله : «المقدمة الثالثة» والحمد الله كما هو أهله.
محتوى الجزء الثاني من كتاب منهاج البراعة شرح نهج البلاغة
الفصل التاسع ... 5
اللغة ... 5
الإعراب ... 6
المعنى ... 6
الترجمة ... 32
الفصل العاشر منها في صفة آدم علیه السلام ... 32
اللغة ... 33
الإعراب ... 34
الترجمة ... 45
الفصل الحادي عشر ... 46
اللغة ... 46
الإعراب ... 46
المعنى ... 47
الثاني ... 54
الثالث ... 56
الرابع ... 57
الخامس ... 61
السادس ... 63
أما الشبهة الأولى ... 65
وأما الشبهة الثانية ... 65
وأما الشبهة الثالثة ... 66
وأما الشبهة الرابعة ... 66
وأما الشبهة الخامسة ... 67
وأما الشبهة السادسة ... 67
وأما الشبهة السابعة ... 68
الترجمة ... 69
الفصل الثاني عشر ... 70
اللغة ... 70
الإعراب ... 70
المعنى ... 71
تذنيبات الأول ... 76
الثاني ... 78
الثالث ... 80
الترجمة ... 90
الفصل الثالث عشر ... 91
اللغة ... 91
الإعراب ... 91
المعنى ... 91
تنبيهات الأول ... 92
الثاني ... 97
الثالث ... 99
الترجمة ... 105
الفصل الرابع عشر ... 106
اللغة ... 106
الإعراب ... 107
المعنى ... 107
الترجمة ... 123
الفصل الخامس عشر ... 124
اللغة ... 124
الإعراب ... 124
المعنى ... 125
الترجمة ... 130
الفصل السادس عشر ... 131
الإعراب ... 131
المعنى ... 132
الترجمة ... 140
الفصل السابع عشر ... 141
اللغة ..... 141
الإعراب ... 141
المعنى ... 143
وينبغي تذييل هذا الفصل بأمور مهمة مفيدة ... 155
ليزيادة البصيرة الأول ... 155
الثاني ... 157
التذليل الثالث ... 175
التذييل الرابع ... 179
الترجمة ... 182
الفصل الثامن عشر ... 184
اللغة ... 184
الإعراب ... 186
المعنى ... 186
المقصد الأول ... 186
المقصد الثاني ... 188
المقصد الثالث ... 191
تکمیل ... 208
الترجمة ... 210
ومن خطبة له عليه السلام وهي الثانية من المختار في باب الخطب خطب بها بعد انصرافه من صفين ونشرحها في ضمن فصول ... 211
الفصل الأول ... 211
اللغة ... 211
الإعراب ... 212
المعنى ... 212
تنبيه وتحقيق ... 215
الترجمة ... 220
الفصل الثاني ... 221
اللغة ... 221
الاعراب ... 222
المعنى ... 224
الترجمة ... 233
الفصل الثالث ... 234
اللغة ... 234
الإعراب ... 234
المعنى ... 235
إستدراك ... 237
الترجمة ... 238
الفصل الرابع منها ويعني آل محمد صلی الله علیه واله وسلم ... 239
اللغة ... 239
الإعراب ... 239
المعنى ... 239
وبالجملة فأول الأوصاف المذكورة ... 240
الثاني ... 242
الثالث ... 245
الرابع ... 247
السادس ... 253
السابع والثامن ... 254
الترجمة ... 256
الفصل الخامس منها يعني قوماً آخرين (منها في المنافقين خ ل) ... 257
اللغة ... 257
الإعراب ... 257
المعنى ... 258
الترجمة ... 272
خطبة له عليه السلام وهي الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشیه ... 273
الأولى ... 273
الثانية ... 275
المقصد الأول ... 276
القسم الأول ... 276
القسم الثاني ... 303
المقصد الثاني ... 310
وقال أيضاً ... 317
وله أيضاً ... 317
وله أيضاً ... 318
وله أيضاً ... 318
وقال آخر ... 319
قال بعض السادات .... 330
وقال العبدي .... 330