ghaemiyeh.com
نهج البلاغة
خطب ، رَسَائِلٌ ، كلام ، وصايا عهود، حكم، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)
لِمَؤلَفه العلامة المحقق الحاج میرزا حسین حبیب الله الهاشمي الخوئي (قدس سره)
طبعة جديلة
ضبط وتحقيق
علي عاشور
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1424هـ- 2003م
المجلد الأول
دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان - شارع دکاش - :هاتف 272653 - 272655 - 272787 - 272783 فاکس: 850717 - 850623 ص.ب: 11/7957
.
TVAT TVTVAY –
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652272655272782-272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11
محرر الرقمي: سيد أسد الله الحسيني
مکتبة الرّوضة الحیدریة
www.haydarya.com
نهج البلاغة
خطب ، رَسَائِلٌ ، كلام ، وصايا عهود، حكم، ومواعظ
الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)
منهاج البراعة شرح نهج البلاغة
لِمَؤلَفه العلامة المحقق الحاج میرزا حسین حبیب الله الهاشمی الخوی (قدس سره)
طبعة جديلة
ضبط وتحقيق
علی عاشور
مكتبة الروضة الحيدرية
المجلد الأول
دار الحياة العالم العربي
بيروت - لبنان
بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعزّ المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وبعد : فقد أتحفت المكتبة العربية والإسلامية بكثير من الكتب وبمختلف مجالات العلوم، التفسير والتأويل والتاريخ والسير والاقتصاد والسياسة والنحو والبلاغة والأدب والآداب والأخلاق وما شأن ذلك، وقد شمر علماؤنا الأعلام ومصنفينا الأعزاء عن ساعدهم فأفرجوا لنا كثيراً من هذه الكتب بالشكل المناسب والكيفية المطلوبة.
بید أن «نهج البلاغة» والذي هو من تصنيف إمام معصوم لا يستطيع الكثير من الناس أن يحيطوا بعلمه كما قال (علیه السلام): «بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة».
كتاب شمل الآداب والأخلاق وتهذيب النفس والتاريخ والسير والاقتصاد والسياسة والبلاغة والأدب، وتحدث عن أسرار كتاب الله العزيز وشرح وفسر بعض آياته . قد جمع نهج البلاغة الكثير من العلوم وأصولها، بأفضل أسلوب وأدق ألفاظ، ببلاغة تفوق بلاغة العرب منذ عصر أمير المؤمنين عليه السلام وحتى هذا العصر. وقد اعترف بذلك الكثير من المفكرين وأصحاب التواريخ من المسلمين وغيرهم فأصبح من يريد الأخلاق والآداب ينهل من معين« نهج البلاغة»، ومن يريد أسرار الصلاة والصوم والحج والعبادة والطاعة يأتي إلى الكلام الإلهي في نهج البلاغة .
وكذلك من يريد التاريخ والسياسة فإن مراده في الفيض الرباني والمنح الملكوتي في كلام النور الثاني نور علي بن أبي طالب صلوات المصلين عليه .
لذا كان العلماء الأعلام مهتمين بشرح هذا العطاء العلوي والنور المطلبي، فبينو مقصود الإمام عليه السلام وأزالوا عنه ما أبْهِمْ، وقربوا لنا البعيد من معانيه بربط كلامه بعضه ببعض أو الإتيان عليه بشاهد ،قرآني أو تأييده برواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين
المعصومين وقاموا بشرح ألفاظه التي باتت غريبة على الناس بسبب بعدهم عن حقيقة اللغة وبلاغتها، وأزاحوا عن كلامه الشريف ما يتوهمه الذهن من المعاني الباطلة والبعيدة. وكان هذا الشرح من الحجة السند حبيب الله الخوئي لكلام الإمام عليه السلام من أروع الشروح وأفضلها وأكملها، وامتاز بكثرة الروايات والأحاديث التي أتى بها والآيات القرآنية من أجل شرح مراد الإمام (عليه السلام) أو من أجل تأييد كلامه وتبيين مقصوده الشريف.
وقد قمنا بتقويم النص والأحاديث وتبريزها ثم تخريجها من المصادر المعتبرة والأصول الموثقة، إضافة إلى التخريجات التي يشير المصنف إلى إسم مصدرها في المتن . كما وقمنا بتخريج الآيات القرآنية وبعض الأقوال على حسب ما تيسر من مصادر .
وكنا أحياناً تعلق على بعض المطالب لأهميتها أو لدفع توهم محتمل محتمل حفاظاً على الأمانة العلمية ودفعاً للشبهات التي تطرح على مذهب الشيعة .
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل المتواضع، وأن يهدينا لما فيه الصلاح والحمد الله رب العالمين.
علي عاشور
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لا شريك له في خلقه ولا شبيه له في عظمته والصلاة والسلام على أمينه وحبيبه وصفيه محمد عبده ورسوله وعلى الأئمة المعصومين الطيبين الطاهرين من وعترته، وبعد إن كتاب (نهج البلاغة) الذي جمعه الإمام الهمام العلامة الفهامة شمس فلك الفصاحة قطب رحى البلاغة : الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي تغمدهما الله برحمته، كتاب في الإتقان يتلو الفرقان لكونه حاوياً لكلمات وصي من نزل إليه القرآن، فلذلك لا يسع لأحد وصف ما فيه من فنون الفصاحة، ووجوه البلاغة والحِكَم الإلهية والمواعظ الحسنة الشافية كما هو حقه، كما قال صاحب الكتاب الذي ضاق نطاق الوصف عن التبسط في شخصيته في سبب تأليفه : (علماً أنّ ذلك يتضمن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر العربية وثواقب الكلم الدينية ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ولا مجموع الأطراف في كتاب إذ كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مشرع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه(عليه السلام) ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا وتقدّم وتأخروا).
مع ذلك اجتهد جماعة العلماء المتبحرين من المتقدمين والمتأخرين كل على قدر من بضاعته في تفسير جمله وتبيين مشكلاته وتوضيح معضلاته، ولكن لم يأت أحد منهم فيما رأيته مثل ما أتى به السيد السند والحبر المعتمد فقيه آل الرسول وشرف ابناء البتول جامع المعقول والمنقول فخر المحققين وزبدة المجتهدين الحاج مير حبيب الله الهاشمي الموسوي الخوئي) طاب الله ثراه، فإنه رحمه الله بعد عوده من النجف الأشرف إلى بلدة خوى شمّر ذيوله وصرف برهاً من زمانه وعمدة أيام شبابه في تأليف كتاب (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، فأتى بكتاب على نهج غريب ونمط عجيب لم أرَ مثله قط في زبر الأولين ولم يسمح به قريحة أحد من المتأخرين ينتفع منه كل أحد على قدر رتبته ويستضيء به كل من أراد دفع ظلمته فتأليفه هذا وسائر تأليفه الغير المطبوعة يوقف القارىء على تبحره في العلوم المتنوعة، وبسط يده في المعارف الإلهية .
هو العلّامة المؤيد المسدّد المتبحر الأديب الحاج مير حبيب الله بن السيد محمد الملقب بأمين الرعايا ابن السيد هاشم ابن السيد عبد الحسين رضوان الله عليهم أجمعين .
ولد في بلدة خوى من بلاد آذربایجان صانها الله عن الحدثان وفيها نشأ وتربى والذي يظهر مما هو مشهور بين عشيرته وأحفاده أنه رحمه الله سافر إلى النجف الأشرف مع
من مصاحبة ابن عمه العلامة الآية الحاج السيد محمد حسين الهاشمي الموسوي رضوان الله عليه، وأن عم- كان خمس وعشرين سنة، ومن تاريخ مسافرته الذي كتب والده السيد محمّد
عمره أمين الرعايا رحمه الله بخطه في ظهر الصفحة الأولى من كتاب حق اليقين وهذا عين عبارته : مشرف شدن نور العيونی آقای میر حبیب الله حفظه الله تعالى بعتبات عالیات عرش درجات بعزم تحصیل که در دوازدهم شهر جمادى الآخر بهمراهی نوردیده جناب آقای میر محمد حسین از خوی حرکت نمود و روانه شده جناب باری بحق مقربان در گاه خودهر دورا حفظ فرموده در غربت ناساز نفرموده از شر شیطان جنّ وإنس ومن شر الأعداء نكه داشته بسلامتی و تندرستی بوطن مألوف عالم وفاضل باعمل بركرداندا إنشاء الله سنة (1286) هو انطباق ولادته تقريباً على سنة (1261) والله العالم .
والذي رأيته من تدويناته أصولاً وفقهاً ومنها تعليقته على فرائد الأصول من أوله إلى آخر حجيّة ،الظن كلها بخطه أغلبه دراسات العلامة الآية آقا سيد حسين الحسيني الكوه کمری رضوان الله عليه، لكن ذكر العلامة الحجة الشيخ آقا بزرك الطهراني دامت بركاته في طبقات أعلام الشيعة الجزء الأول نقباء البشر في القرن الرابع عشر ص ( 362 رقم الاسم (721) تلمذه من الآيتين : الشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي، والمجدد الشيرازي أيضاً.
1 - شرح العوامل في النحو .قرب 412 صفحة ألفه قبل تشرفه بالنجف الأشرف في أوائل شبابه وكتبه بخطه غير خط غيره من مصنفاته وفرغ من كتابته في غرة شهر رمضان سنة 1283 وأرّخ في آخر الكتاب بما هذا لفظه ليلة يوم الثالث وهي غرّة الشهر التاسع من السنة من العشر التاسع من المائة الثالثة من الألف الثاني.
2 - تقريرات درس أستاذه العلامة الآية السيد حسين الحسيني قدس سره بخطه علقه
على فرائد الأصول من أوله إلى آخر حجية الظن ألفه في النجف الأشرف قيدنا عين تاريخه ( وقد وقع الفراغ منه بيد مؤلفه الفقير المحتاج إلى ربّه الغني حبيب الله هاشم الموسوي يوم الجمعة وهو الرابع عشر من شهر صفر المظفر، وقد مضى من الهجرة النبوية تسعة وثمانون ومائتان بعد الألف، وقد كان شروعي فيه الأحد ثامن عشر ربيع الآخر من شهور السبعة والثمانين، ويتلوه الكلام في مسألة البراءة إن شاء الله ، سبحانه أسأل أن يوفقني لإتمامه ويمنّ علينا بمجاورة أحسن بلاده ومؤانسة أكرم عباده، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وآله وأصحابه وأحبائه صلاة كثيرة كثيرة، سنة 1289 .
3 - رسائل كثيرة شتى في الأصول والفقه بخطه لا اسم لها ولا تاريخ إلا أن كلها مباحث دروس أساتيذه.
4 - كتاب تحفة) الصائمين في شرح الأدعية الثلاثين قرب 152 صفحة بخطه، ألفه في أوائل مراجعته من النجف الأشرف في بلدة خوى أرخ في آخره وهذا عين عبارته: (وكان الفراغ من كتابته في ليلة التاسع عشر من شهر ربيع المولود سنة (1291).
ه - رسالة في رد الصوفية ألفها في بلدة خوى، أفردها من محتويات المجلد السادس من كتاب منهاج البراعة لأهميته وبسط الكلام فيها بمناسبة المائتين والثامن من المختار في باب الخطب واستنسخه في خوى وكتب تاريخه بخطه وهذا نصه: (وكان الفراغ منه في شهر شعبان المعظم من شهور سنة (1321).
6 - كتاب منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة بخطه في سبع مجلدات الى الخطبة المائتين والثامنة والعشرين وشرح جملاً قلائل من أوّل هذه الخطبة وهي آخر ما وفق رحمه الله بشرحها، كما كتبه ناسخ الطبع في آخر المجلد السابع بأمر ولده العالم الفاضل الحجة الحاج السيد أبو القاسم الهاشمي الموسوي الملقب بأمين الإسلام رضوان الله عليه في سنة 1328 المطبوع من مؤلفاته رحمه الله هذا الدر الثمين فقط في سبع مجلدات، شَخَصَ من خوى إلى طهران لطبعه وطبع مقداراً منه وأدركه الأجل وطبع الباقي بأمر ولده العالم المذكور وسائر أولاده الكرام في سنة 1351.
وحيث صارت نسخة الطبعة الأولى - مع ما فيها من عدم مطبوعية أسلوب طبعها - قليلة الوجود حثنا بعض الأفاضل من أصدقائنا وولده السعيد السيّد نعمة الله الهاشمي سلمه الله تعالى وسبطه العالم الفاضل الحجة السيد عبد الحميد الهاشمي الموسوي نزيل طهران دامت ،إفاضاته على تجديد طبعه ونشره على أسلوب جديد عرضنا وأظهرنا هذا النظر لذوي الرغبة في نشر الكتب الدينية الإسلامية وفق بحمد الله من بينهم السيد الجليل الحاج السيد
إسماعيل مدير المكتبة الإسلامية بطهران شارع بوذرجمهري ومؤسسة المطبوعات الدينية بقم.
فإنه وفقه الله وجماعة المؤسسة لا يزالون يشمرون أذيالهم ويواصلون جهدهم في نشر
الكتب الإسلامية فلله درهم وعليه أجرهم .
وقد طبع هذا الأثر الخالد بحمد الله باهتمامهم على أسلوب جديد، وورق جيد وحروف طباعيّة حديثة وباشر مقابلته على الأصل الذي بخطه (رحمه الله) مع معاونة جمع من الفضلاء سبطه العالم المذكور الذي كان نسخ الأصل من مؤلفاته (رحمه الله) كلها عنده .
توفي أعلى الله مقامه في شهر صفر من شهور سنة 1324 في عاصمة طهران، ونقل جنازته إلى مشهد عبد العظيم الحسني سلام الله عليه ودفن في الحجرة الأخيرة الواقعة في طرف الغربي من الصحن الشريف كما حكاه سبطه العلامة السيد عبد الحميد أدام الله توفيقاته .
هذا نبذ من تاريخ حياته السعيدة وآثاره الثمينة على سبيل الاختصار، والمرجو من إخواننا المؤمنين أن يذكرونني بدعاء الخير لأنني محتاج إليه في حياتي وبعد مماتي.
وأنا الراجي عفو ربِّه الكريم الغفور وشفاعة أجداده الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين :
علي أصغر بن مجتبى بن صادق الحسيني الخوئي في 22 صفر الخير سنة 1378.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم وبه نستعين
«اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَجَزَتْ عَنْ إدْرَاكِهِ الْمَشاعِرُ وَالْعُيُونُ بِمُشاهَدَةِ الْعَيَانِ، وَعَقَدَتْ عَلَى مَعْرِفَتِهِ الضَّمَائِرُ والقُلُوبُ بِعَزِيمات الإيْمَانِ الْمُتَقَدِّسِ في عَنْ جَلالِهِ عَنِ الْكَوْنِ وَالْمَكَانِ، وَالْمُتَعَالِي فِي عُلُوّ كَمَالِهِ مِنَ الأَيْنِ وَالآنِ وَلَهُ الشَّكرُ على ما أَكْرَمَنَا بِدائِعَ الأَيَادِي وَرَوائِع ، الإِحْسَانِ، وَآثَرَنا بِفَهم حَقَائِقِ الْمَعَانِي وَدَفَائِقِ الْبَيانِ، حَمْداً وَشَكْراً مُتَطَابِقاً عَلَيْهِ الْجَوَارِحَ وَالأَعْضَاء وَالْجَنانُ، وَلَهُ الثّناءُ على ما سَهَّلَ لَنَا ارْتِقَاءَ مَدَارِجِ الْكَمَالِ وَمَعَارِجِ الْيَقِينِ، بالتّمَسكِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَالْحَبْلِ الْمَتِينِ ، وَأَبْلَجَ لَنَا نَهْجَ الْبَلاغَةِ وَمِنْهَاجَ الْبَرَاعَةِ بِمَنَارِ كَلام الْوَلِيِّ الأَمينِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْمُجْتَبى مِنْ شَجَرَةِ الأَنْبِياءِ، وَالْمُرْتَضَى مِن سُرَّةِ الْبَطْحَاءِ، وَالْمُصْطَفَى مِنْ مِشْكَاةِ الضَّيَاءِ، الذي أسْرَى بِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ الْعُلَى فَانْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ دَنَى فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْن أَوْ أَدْنَى ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ في وَلِيْهِ ما أَوْحَى، وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلامُ ما التَّقَى، وَأَرْكَانُ الْهُدَى وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، لاَسِيَّما وَصِيْه وَوَزِيرِهِ، وَحافِظِ شَرْعِهِ وَحَامِي دينِه، وَمَوْضِع سِرِّه وَمَلْجَإٍ أَمْرِهِ، الَّذِي آتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ أَلْفَ ،بابٍ، فَانْفَتَحَ مِنْ كُلِّ بابٍ أَلْفُ ،باب بِغَيْرِ طَلَب مِنْهُ وَلا اكْتِسَابِ، بَل اختصاص مِنَ الْمُفَضْلِ الْوَهَّابِ، فَبِذَلِكَ صَارَ كَلامُهُ (صلی الله علیه وآله وسلم) جامِعَاً لِلْعَجَبِ الْعُجَابِ، مُنْحَدِراً عَنْهُ السَّيْلُ وَالْعُبَابُ، بَلْ كَانَ بَحْراً مُتَلاَطِمَ التَّيَارِ ، مُتَراكِم الزُخَارِ، فَهُوَ أَعْظَمُ شَأناً ، وأَمْنَعُ جانباً، وَأَجَلُ قَدْراً، وَأَبْعَدُ قَعْراً، مِنْ أَنْ يَنالُهُ غَوْضُ الأَنْهَام، أَوْ يَبْلُغَ غَوْرَهُ الْعُقُولُ وَالأَوْهَامُ، هَيْهاتَ هَيْهَاتَ ضَلَّتِ الْعُقُولُ، وَتَاهَتِ الْحُلُومُ، وحَصَرَتِ الْخُطَباءُ، وَعَجَزَتِ الأَدَبَاءُ، وَكَلَّتِ الْفُصَحاءُ، وَعَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ، وَتَحَيْرَتِ الْحكَمَاءُ، وَتَصاغَرَتِ الْعُظَمَاءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنِ مِنْ شَأْنِهِ، أَوْ إِدْرَاكِ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاهُ، وَمَنَحَنِي اتَّبَاعَ آثَارِهِ وَهُدَاهُ، وَشَرَحَ صَدْرِي لِقَهُم كَلامِهِ وَمُنَاهُ، وَهَذِهِ عَايَةُ مَسْأَلَتِي في دُنْيَايَ وَآخِرَتِي، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ حَقيقَ جَدِيرٌ.
وبعد فيقول العبد المفتاق إلى رحمة ربّه الغني حبيب الله بن محمد بن هاشم الهاشمي
العلوي الموسوي الخوئي الآذربيجاني، عفا الله عن جرائمهم بجاه أجدادهم الطاهرين، وآتاهم صحائفهم بأيمانهم يوم حشر الأولين والآخرين : إن أحق ما ينبغي أن ينفق فيه نقود الأعمار، وأشرف ما يحق أن يصرف له سهود الأبصار، وأفضل ما يليق أن يبذل به كنوز الأفكار هو العلم الموصل إلى السعادة الأبدية، والمحصل للعناية السرمدية، وهو علم الأحاديث والأخبار، المأثورة عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) و عترته الأطهار الأخيار، إذ به تدرك سعادة الدارين، ويخلص من كلّ عار ،وشين وبه يعرف الربّ ويُوحّد، ويطاع الله ،ويُعبد و به يوصل الأرحام، ويعرف الحلال والحرام، وهو المؤنس في الوحدة والمصاحب في الوحشة، وشفاء القلوب من الأسقام والعيوب، وبه قوام السياسة المدنيّة، وانتظام الطاعات المالية والبدنية، وتعلّمه الله سبحانه حسنة، وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح وتعليمه صدقة والعمل به جهاد وبذله قربة واتصافه بتلك الأوصاف، لكونه مقتبساً من السادة الأشراف من فروع عبد مناف المؤيدين المسدّدين بروح القدس، المهذبين المطهرين من الدنس ،والرّجس، الذين هم خزان أسرار التنزيل، ومنار أنوار التأويل، وحفظة الكتاب المبين، وورثة علم النبيين، المعصومون عن الخطأ ،والنسيان والمبرّؤون من السهو والنقصان المهديون ،المقربون وعباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وأهل الذكر الذين عنهم يسألون، بقوله :
«تتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ » [النحل : 43] .
فمن استقى من منهل علومهم فقد ارتوى بالكأس الأوفى، ومن اقتبس من أنوار آثارهم فقد فاز بقدحي الرقيب والمعلّى، لأنهم لا يقولون فيما ينطقون عن الهوى، وما يؤثر عنهم فليس إلا وحيا يوحى.
شعر
مُطَهَّرُون نَقِيّاتٌ ثِيابهم*** تَجْرِي الصَّلاةُ عَلَيْهِمْ أَيْنَمَا ذُكِرُوا
اللَّهُ لَمّا بَرَى خَلْقاً وأَتْقَنَهُ*** صَفاكُمُ وَاصْطَفاكُمْ أَيُّهَا الْبَشَرُ
فأَنْتُمُ المَلاَة الأعْلَى وَعِندَكُمُ*** عِلمُ الْكِتَابِ وَمَا جَاءَتِ بِهِ السُّورُ (1)
والله در مَن قال :
إِذا شِئْتَ أَنْ تَرْضَى لِنَفْسِكَ مَذْهَباً*** يُنَجِّيكَ يَوْمَ الْبَعْثِ مِنْ لَهَبِ النّارِ
فَدَعْ عَنْكَ قَوْلَ الشَّافِعَيُ وَمَالِكِ*** وأَحْمَدَ وَالْمَرْوِي عَنْ كَعْبٍ أخبارٍ
وَوَالٍ أُناساً قَوْلُهُمْ وَحَديثُهُمْ*** رَوَى جَدُّنَا عَنْ جَبْرَئِيلَ عَنِ الباري (2)
مسر
ثم إن أحسن الرّوايات المنشورة وأبهى الكلمات المنثورة، هو ما دونه السيد السند والركن المعتمد الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين الموسوي قدس الله سره ونوّر ضريحه في «نهج البلاغة» من شرايف الكلام والخطب ولطائف الوصايا والكتب والأدب، المأثورة من باب مدينة العلم والحكمة والمتلقاة من قطب دائرة الطهارة والعصمة، حجة الله في عباده وخليفة الله في بلاده.
ولعمري إنّه كتاب شرع المناسك للناسك، وشرح المسالك للسالك، وهو خلاص المتورّطين في الهلكات ومناص المتحيّرين في الفلوات ملاذ كل بائس فقير ومعاذ كلّ خائف مستجير مدينة المآرب وغنية للطالب، لأنّ ما أودع فيه كلام عليه مسحة من الكلام الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي (صلی الله علیه وآله وسلم) ، ظاهره أنيق وباطنه عميق مشتمل على أمر ونهي، ووعد ووعيد وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، يدلّ على الجنة ،طالبها، وينجي من النار هاربها شفاء من الداء العضال، ونجاة من ظلمة الضلال دواء لكلّ عليل ورواء لكلّ غليل وأمل لكلّ ،آمل وبحر ليس له ساحل وكنز مشحون بأنواع الجواهر والدرر تفوح من نفحاته المسك الأذفر والعنبر.
ومع ذلك قد احتوى من حقائق البلاغة ودقائق الفصاحة ما لا يبلغ قعره ،الفكر وجمع من فنون المعان وشؤون البيان ما لا ينال غوره النظر، وتضمّن من أسرار العربية والنكات الأدبية والمحاسن البديعية ما يعجز عن تقريره لسان البشر، ولنعم ما قيل :
تَهْجُ الْبَلاغَةِ تَهْجُ العِلم والعمل*** فَاسْلُكُهُ يَا صَاحَ تَبْلُغُ غاية الأمل
كُمْ فِيهِ مِنْ حِكُم بِالْحَقِّ مُحْكَمَةٍ*** تخيي القلوبَ وَمِنْ حُكْمِ وَمِنْ مَثَل
أَلْفَاظُهُ دُرَرٌ أَغْنَتْ بِحُلْيَتِها*** أَهْلَ الفَضَائِلِ عَنْ حَلّي وَعَنْ حُلَلٍ
وَمِنْ مَعَانِيهِ أَنْوارُ الْهُدَى سَطَعَتْ ***فانْجَابَ عَنْهَا ظَلامُ الزّيغ وَالزَّلَلِ
وَكَيْفَ لاَ وَهُوَ نَهْجٌ طَابَ مُنْهِجُهُ*** أَهْدَى إِلَيْهِ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ عَلي(1)
وهذا الكتاب المستطاب قد اشتهر بين علماء الأمصار وفضلاء الأعصار، اشتهار الشمس في رابعة النهار، وشرحه من قبل جماعة من أولي الألباب من دون أن يميزوا بين القشر واللباب فهم فيه كحاطب ،ليل، أو جالب رجل وخيل .
منهم: الشيخ سعيد الدين هبة الله القطب الراوندي قدّس سرّه، وما ظفرت بعد على شرحه، وإنما يحكي عنه الشارح المعتزلي في تضاعيف شرحه أحياناً، ولعله لم يتعاط منه إلا القليل من غير تحقيق وتفصيل .
1) الذريعة : 111/14.
ومنهم : الفاضل البارع الأديب عزّ الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي البغدادي، وقد شرحه في نيف وأربعين وستمائة، وهو أبسط الشروح إلا أنه عند الناقد البصير، والمتتبع الخبير، جسد بلا روح لأنه قد أتى فيه بما قويت فيه مُنّته، وترك ما لا معرفة له به ممّا قصرت عنه ،همته، حيث اكتفى بتفسير غرائب الألفاظ وما زعمه مشكلاً من النحو والتصريف والاشتقاق ونحوها مما يدور على القشر دون اللباب وأطنب بذكر القصص والحكايات وإيراد الأمثال والأنساب والمناسبات، ونحوها مما ليس له كثير فائدة في شرح الكتاب، ولا له ثمرة تعتد بها عند أولي الألباب، وإنّما هي وظيفة أصحاب التواريخ والسير، لا أهل الدرايات والأثر، ومع ذلك فليته يقنع بذلك ولم يجتز بعد على الله، ولم يؤوّل بمقتضى رأيه الفاسد ونظره الكاسد وظواهر كلام ولي الله فإنّه لفساد الاعتقاد، ولانحرافه عن منهج الرشاد، سلك مسلك العصبية والعناد، وأكثر من اللجاج في شرح الخطب المتضمنة للاحتجاج، وأوّل الكلمات المسوقة لإظهار التظلم والشكاية عن الغاصبين للخلافة بتأويلات بعيدة تشمئز عنها الطباع، وتنفرّ عنها الأسماع، ويصرفها عن ظواهرها بغير دليل، فأضل كثيراً وضل عن سواء السبيل، حسبما تطلع عليه في مقدمات الخطبة الشقشقية وغيرها على تحقيق وتفصيل.
ومنهم: الشيخ الفقيه الحكيم المتكلّم ميثم بن علي بن ميثم البحراني قدس الله روحه، وكان ختام شرحه في سنة سبع وسبعين وستمائة، وشرحه أحسن الشروح خال عن الحشو والزوائد، منظم بدرر الفوائد ومنتظم بغرر الفرائد ، إلا أنه (رحمه الله) لما كان عمدة فيه المطالب الحكميّة، والمسائل الكلامية سلك في الشرح مسلك أهل المعقول وفاته فوائد المنقول وحيث اقتضى الحال والمقام ذكر رواية اعتضاداً أو استناداً اعتمد فيه على رواية عامية وليس لها اعتبار، وقصرت يده عن التمسك بذيل أخبار الأئمة الأطهار، واقتصر في اللغات ببيان مواد الكلمات ، من دون تحقيق للهيئات.(1).
فحيث لم يكن له شرح يليق به عزمت بعد الاستعانة والاستمداد من ربّ العالمين والتمسّك بالعروة الوثقى والحبل المتين والتعلق بأذيال أجدادي الطيبين سلام الله عليهم أجمعين، على تهذيب شرح يذلل صعابه للطالبين، ويرفع حجابه للراغبين، مسفراً عن وجوه النقاب، مفصلاً بین اللغة والترجمة والإعراب مفصحاً عما تضمنه من دقائق المعان وحقائق البيان، مبيناً لمشكلات معانيه بأحسن البيان مفسّراً لمعضلات مبانيه بأتقن التبيان مرشحة أصوله بآيات محكم الكتاب وموشّحة فصوله بروايات الأئمة الأطياب متضمّناً لفضائل دثرة، وفوائد جمة خلت عنها أو عن جُلّها سائر الشروح .
يسود إحداها أني ضبطت في الشرح أعداد ما في المتن من الخطب المختارة والكلام
1) الخرائد: جمع خريدة: اللؤلؤة.
المختار وغيرهما، والداعي لذلك الضبط والتعداد تسهيل الأمر للطالبين، وسهولة الحوالة والتناول للمتناولين فإنّه ربّما يذكر في شرح كلام له(علیه السلام) آيات شريفة، وروايات لطيفة، وتحقيقات عميقة ونكات أنيقة ؛ ثم يجيء كلام آخر له (علیه السلام) على نسق كلامه السابق يقتضي شرحه ذكر ما تقدّم ذكره استظهاراً أو استشهاداً. وربما يكون أحد كلاميه تفسيراً لكلامه الآخر، أو يكون الكلامان كلاهما ملتقطين من كلام ،واحد فتمس الحاجة إلى الإحالة إلى ما تقدّم تارة، وإلى الإشارة إلى ما تأخر أُخرى، إذ إعادة ما تقدّم في السابق، وتقديم ما يأتي في اللاحق يوجب الإطناب والتكرار المستهجن عند أولي الأبصار.
الثانية: أنّي رمت أن أفضل مباسط خطبه (علیه السلام) ومفصلات كلامه بفصول معدودة ،مضبوطة، وربما ذيلتها بتذييلات رائقة وأردفتها بتنبيهات فائقة حسبما اقتضته الحال والمجال والغرض من تقطيع الأصول في ضمن تلك الفصول سهولة الإحاطة بأقطار ما نذكرها في الشرح وغيرة على عقائل كلامه سلام الله عليه وآله كيلا يبعد العهد بها بطول الشرح فتنسى، وفيه أيضاً من تسهيل الحوالة والتعاطي ما لا يخفى.
الثالثة : أنّي فضلت بين اللغة والمعنى ،والإعراب وميزت بين القشر واللباب وأشرت في اللغات إلى المواد وما عساه يشكل من الهيئات ليتضح مباني الكلمات وأوردت في الإعراب من النكات العربية، واللطائف الأدبية ما فيه تشحيذ (1)للأذهان وتقريب للأفهام وأتيت في بيان المعنى لكلّ من الفقر، بما يناسبها من الآيات والروايات والأثر، استناداً واستدلالاً، أو لمحض المناسبة والارتباط، والغرض بذلك سوق ماء العلم الفرات من جداول تلك الفقرات وما يتلوها من الآيات والروايات إلى أراضي القلوب الزكية، ليخرج به من الثمرات ما أغذية الأرواح والقلوب، وفواكه الألباب والعقول.
«يسقى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُل»[الرعد: 4] .
فإنّ كلام الله وكلام النبي والأئمة عليهم السلام كلّها من نبع واحد، يمدّ بعضها بعضاً ويكشف بعضها عن بعض. الرابعة : أنّي مزجت الشرح بالمتن مبالغة في توضيح المعنى وإيضاح المرام حتى صارا بمنزلة واحدة من الكلام على أحسن نظام وانتظام ولكن أنّى لي ولأمثالي أن ينسب إلى كلام الإمام، وكيف يمزج الغثّ بالسمين، واللجين باللجين(2) ؛ وأين مطلع السهيل من موقع السيل، وأي نسبة من الدرّ والحصى وبين السيف والعصا، وأنى يقاس الذهب
بالنحاس والفضة بالرصاص، ويسوّى بين القطر والعباب(1). ، أم بين السراب والشراب .
الخامسة : أنّ كل فصل طغى فيه قلم الشارح المعتزلي أو زلت به قدمه ودعاه سوء العقيدة إلى العدول عن النهج القويم والصراط المستقيم، أوردت كلام الشارح بتمامه وأردفته بالتنبيه على هفواته وآثامه .
السادسة : أن كل كلام أشار (رحمه الله ) فيه إلى ملحمة أو واقعة أو حادثة أوردت في الشرح بيان تلك الواقعة واقتصاص هذه الملحمة بسند أضبط على طريق أوسط، معرضاً عن الإيجاز المفرّط ، والإطناب المفرط
السابعة : أنّ السيد قد أتى بما أورده في هذا الكتاب على نحو الإرسال، وحذف الإسناد والرجال، ومع ذلك فحيث كان ذلك فحيث كان غرضه على زعمه إيراد النكت واللمع، لا التتالي والنسق اختار من كلام طويل أو خطبة طويله له(رحمه الله) فقرة أو فقرات، وسلك فيهما مسلك التقطيع والالتقاط ، وربّما أورد شطراً من خطبة في أوائل الكتاب وسطراً منها في أواخر الكتاب،
، فأوجب ذلك القلق والاضطراب في فهم المعنى والإعراب فبنيت في الشرح على ذكر سلسلة السند وإيراد تمام الخبر، حيثما ظفرت به في أصل ،معتبر كالكافي والفقيه والبحار والوسائل والتوحيد والإرشاد وغيرها من كتب الأخبار .
وكثيراً ما أورد الرواية بطريق غير ما أورده السيّد، لما بين الطريقين من التفاوت والاختلاف، وتغاير الأحفة والأطراف.
والغرض من ذلك كله أنّ أشقّ للإخوان الصالحين تلك الأصداف السمينة وأخرج للخلان السالكين دررها الثّمينة، ولولا سوء الأدب لقلت للسيد (رحمه الله ) أنى لك الفرق بين فقرات كلام الإمام الذي هو إمام الكلام، وكيف اجترأت على الحذف والإسقاط والتقطيع والالتقاط في كلام هو تالي كلام الملك ،العلام وكلام سيد الأنام، وهل له الله في باب الخطابة كلام غير فصيح والفصحاء كلهم عياله، أو خطبة غير فصيحة والبلغاء كلهم متمسكون بأذياله
وهذا كله مع اعترافي بأني قصب اعترافي بأني قصير الباع، وقاصر الذراع، ولست ممن يعدّ في عداد من يؤسس هذا البنيان أو يقدر على السباق في ذلك الميدان، إلا أنّ عمومات كرم واهب المواهب غير مدفوعة وفيوضات فيضه الواسع لا مقطوعة ولا ممنوعة فلا غرو عة، فلا غرو أن يشرق نور فضله العميم على مرآة من لا يرى نفسه أهلاً لهذا التكريم فهو بحمد الله سبحانه
1) العباب بالقسم : معظم الماء وكثرته وارتفاعه .
للمبتدي جناح وللمنتهي نجاح، وللفصيح مفتاح وللبليغ مصباح، وللسالك بصيرة وللناسك ،ذخيرة، وللشريعة محجّة وللشيعة حجة، وللمناظر دلالة، وللواعظ آلة . وسميته منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة وجعلته هدية إلى حضرة من دون فنائه يحط مطايا الآمال، وببابه تقرع أيادي السؤال حجّة الله على العالمين وآية الله في الأَرضين المتشرف بمنقبة .
« ومن النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاء مرضات الله » [البقرة : 207] والمخصوص بكرامة «أَجَعَلْتُمْ سِنَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » [التوبة : 19].
نعمة الله على الأبرار، ونقمته على الفجار، الحائز قصب السبق في مضمار الفخار، الجامع من بدائع الفضل للوامع الافتخار صاحب المواهب الزاهرة، وحاوي المناقب الباهرة، سيدي ومولاي ومولى الكونين، ووصي رسول الثّقلين أبي الحسنين، يعسوب الدين، أمير المؤمنين أسد الله الغالب علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه وتحياته عليه وعلى أولاده الطاهرين، ونفسي وروحي فداه مع أرواح العالمين.
أَهْدَتْ سُلَيْمَانَ يَوْمَ الْعَرْضِ نَمْلَتُهُ*** رِجْلَ الْجَرَادِ الَّتي قَدْ كانَ في فيها
تَرَنَّمَتْ بقصيحِ الْقَوْلِ وَاعْتَذَرَتْ*** أَنَّ الْهَدَايَا عَلَى مِقْدَارِ مُهْديها
وأنا أرجو من فضله العظيم، وكرمه العميم، أن يكون صلتي قبال هديتي : الشفاعة لي عند الله سبحانه في غفران ذنوبي التي تحبس الدعاء، وتغيّر الآلاء، والمعاصي التي تهتك العصم وتنزل النقم، وأن يرزقني عزّ وجلّ سعادة الدارين والتوفيق في النشأتين، إنه تعالى ولي الإحسان والكرم والامتنان.
وقبل الشروع في المقصود لا بد من تقديم مقدّمة وجملة من المطالب المهمة يستعان بها على ما يذكر في الشرح وتوجب زيادة البصيرة في المباحث الآتية.
ففي تقسيم اللفظ بالنسبة إلى المعنى، وفيه أبحاث:
اللفظ والمعنى إما أن يتحدا أو يتكثرا أو يتحد اللفظ ويتكثر المعنى، أو بالعكس، فالأقسام أربعة .
الأول : أن يتحدا معاً والظاهر عدم وجود مثال لهذا القسم، وإن ذكره العلامة الحلي (رحمه الله ) في النّهاية وتبعه الأكثرون في هذا المقام وقسموه إلى الجزئي كالعلم والمضمر والمبهم، وإلى الكلي من المتواطئ والمشكك وذلك لأن مرادهم بالمعنى في المقسم إن كان خصوص المعنى الحقيقي فيبطل التقسيم في الأقسام الآتية، وإن كان الأعم من الحقيقة والمجاز فيشكل القسمة إلى هذا القسم، إذ ما من حقيقة إلا وله مجاز، فليس لنا لفظ متحد المعنى ظاهراً، فتأمل.
الثاني: أن يتكثرا معاً أي يتعدّد كل واحد من اللفظ والمعنى، فالألفاظ متباينة سواء تصادق المفاهيم كلياً كما في إنسان ،وضاحك، أو جزئياً كأن يكون النسبة بينهما عموماً مطلقاً أو من وجه، أو تعاندت كما في المتقابلين بالتّضادّ أو بالتضايف أو بالإيجاب والسلب أو بالعدم والملكة .
الثالث: أن يتكثر اللفظ ويتحد المعنى فالألفاظ مترادفة سواء كانت من لغة واحدة كالليث والأسد، أو من لغتين.
الرابع: أن يتحد اللفظ ويتكثر المعنى، وهو على أقسام لأن اللفظ إما أن يكون موضوعاً لأحد المعنيين أو يكون موضوعاً لهما جميعاً. وعلى الأول فإن كان موضوعاً لمعنى ثم استعمل في الثاني لعلاقة بينه وبين الموضوع له وقرينة صارفة عنه إليه سمي بالنسبة إلى الأوّل حقيقة، وبالنسبة إلى الثاني مجازاً مرسلاً إن كانت العلاقة غير المشابهة، واستعارة إن كانت هي المشابهة.
وإن كان موضوعاً لمعنى ثم نقل إلى الثّاني ولم يكن النقل لعلاقة يسمّى مرتجلاً ، كجعفر المنقول إلى العلم بعد وضعه للنّهر الصغير .
وإن كان النقل لوجود العلاقة والمناسبة بين المعنيين يسمّى اللفظ بالنسبة إلى الثاني منقولاً لغوياً إن كان الناقل أهل اللغة كالغائط لفضلة الإنسان بعد وضعه للمكان المنخفض الأرض، وعرفياً عاماً إن كان الناقل أهل العرف كالذابة لذات القوائم بعد وضعه لما يدبّ في الأرض، وعرفيّاً خاصاً إن كان النقل من طائفة مخصوصة كالفعل والحرف في النّحاة، والموضوع والمحمول في اصطلاح المنطقيين، ونحو ذلك. ويخص ما كان ناقله الشارع بالمنقول الشرعي كالصلاة والزكاة والحج ونحوها .
ثم إن النقل قد يكون بالتخصيص والتعيين، وقد يكون بالتخصص والتعين بأن يستعمل اللفظ في الثاني مجازاً مع القرينة ويكثر الاستعمال إلى أن يشتهر اللفظ في الثاني ويهجر الأوّل ويحصل الاستغناء عن القرينة، والظاهر أنّ المنقولات في العرف العام كلها القبيل كبعض المنقولات في العرف الخاص.
وعلى الثاني وهو ما كان اللفظ موضوعاً لهما جميعاً يسمّى اللفظ بالنسبة إليهما معاً ، وبالنسبة إلى أحدهما مجملاً، وتعدّد الوضع قد يحصل بتعدد الواضعين وعدم اطلاع أحدهم على الآخر، وقد يحصل باتحاده وعدم تذكره حين الوضع الثاني للوضع الأوَّل، وربما قيل بحصوله أيضاً بأن يكون متذكراً للوضع الأوّل إلا أنّه لم يلاحظ المناسبة بينه وبين الثاني، وعلى ذلك فيشكل الفرق بينه وبين المرتجل، إلا أن يقال باشتراط الاشتهار في المعنى الثاني في الارتجال وهو الحق، وبذلك يظهر أن جعل الفاضل القمي المرتجل في المشترك كصاحب القسطاس ليس في محله، فافهم جيداً.
اللفظ إمّا أن يكون دلالته على المعنى بتوسط وضعه ،له فيكون الدلالة مطابقة، كالإنسان الموضوع لمجموع الحيوان الناطق، أو يكون دلالته عليه بتوسط دخوله في المعنى الموضوع له ذلك اللفظ فيكون الدلالة عليه تضمّناً كدلالة لفظ الإنسان على الحيوان وحده، أو على الناطق وحده، أو يكون دلالته عليه بتوسط كونه لازماً في الذهن للمعنى الموضوع له اللفظ، فيكون الدّلالة عليه التزاماً كدلالة لفظ الإنسان على قابل العلم وصنعة الكتابة، ، وتسمّى الأولى - أعني الدلالة على تمام الموضوع له في اصطلاح البيانيين - وضعية، وكلّ من الآخريين عقلية، لكون دلالة اللفظ عليهما بعلاقة عقلية بينهما وبين الموضوع له وهو استلزام فهم الموضوع له المركب لفهم جزئه، وفهم الموضوع له الملزوم لفهم لازمه استلزاماً عقلياً .
وأما المنطقيون فيسمون الثلاثة وضعيّة من جهة أن للوضع مدخلاً فيها، ويخصون العقلية بالعقليّة الصرفة المقابل للوضعيّة والطبعية كدلالة الدّخان على النّار، واللفظ المسموع من وراء الجدار على وجود اللافظ، ولا مشاحة في ذلك(1)
وإذا عرفت ذلك فنقول : اللفظ الدال بالمطابقة إمّا مفرد وإما مركب لأنه إن لم يقصد بجزئه الدلالة على جزء معناه فمفرد والا ،فمركب فالمفرد على أقسام أربعة :
الأول : ما لا جزء له أصلاً ك- (ن) و (ع) إذا جعل علماً .
الثاني : ما لا ما لا جزء لمعناه ، كلفظ الله لذات الباري سبحانه .
الثالث : ما لا دلالة لجزئه على جزء معناه كمحمّد علي وحسن علي ونحوهما من الأعلام المركبة بالتركيب المزجي.
الرابع: ما يكون لجزئه دلالة على جزء معناه لكن دلالة غير مقصودة، كالحيوان الناطق إذا جعل علماً للشخص الإنساني.
والمركب قسم واحد، وهو ما يدلّ جزؤه على جزء معناه دلالة مقصودة، سواء كان التركيب تقييد كيا كغلام زيد والحيوان النّاطق، أم لا كخمسة عشرة، تاماً أي يصح السكوت عليه كضرب زيد وزيد قائم أو غير تام كما مرّ، والمراد بالجزء هنا أي في تعريف المركب الأعم من المحقق والمقدر، ليدخل مثل قم حال كونه أمراً فإنّ له جزء مقدراً وهو أنت، كما أنّ المراد به ما لا يخرج بالاتصال عن الاستقلال ليخرج منه نحو مسلمان ومسلمون وليضرب، وسائر الأفعال المضارعة، فإن جزء لفظ كل واحد منها يدلّ على جزء معناه، إذ الألف تدلّ على التثنية والواو على الجمعية، وحروف المضارعة على معنى في المضارع ومثلها لام التعريف وتنوين التنكير وتاء التأنيث ونحوها مما يدلّ على معنى فيما دخل عليه أو لحق به، إلا أنها كلّها مع المدخولات عليها والملحقات بها صارتا بشدة الامتزاج بمنزلة كلمة واحدة وخرجتا عن التركيب إلى الإفراد وعوملت معهما في الحركات الإعرابية معاملة اللفظ المفرد .
نعم يبقى الاشكال في الفعل الماضي حيث إنه بمادته يدلّ على الحدث، وبهيئته على حصول ذلك الحدث في الزّمن الماضي، والهيئة جزء اللفظ، إذ هو عبارة عن عدد الحروف مع مجموع الحركات والسكنات الموضوعة وضعاً معيناً والحركات ممّا يتلفظ به ولا يمكن أن يُدعى هنا أن الهيئة الطارئة صارت كجزء كلمة حسبما قلنا في الكلمة المتقدّمة، فلا بدّ من
1) لأنه مجرد إصطلاح في التسمية .
دخوله في المركب مع أنّهم يجعلونه من المفرد، اللهم إلا أن يقال: المراد بالجزأين في تعريف المركب ما يكون أحدهما معقباً للآخر، وفي الماضي الجزءان مسموعان معاً .
اللفظ المفرد إن كان نفس تصور مفهومه مانعاً من وقوع الشركة يسمّى ذلك اللفظ جزئياً، تسمية للدال باسم المدلول كزيد العلم، وإن لم يكن نفس تصور مفهومه وقوع الشركة يسمّى كلياً، سواء امتنع وقوع الشركة فيه لا لنفسه بل لدليل خارج كواجب الوجود، أم لم يمتنع كالإنسان الذي يشترك فيه زيد وعمرو وخالد وسواء تعدّدت أفراده في الخارج كالإنسان، أم لا كالشمس .
وقد يطلق الجزئي على الأخص المندرج تحت الأعم، وإن كان أعم في نفسه، وهو أعم من الجزئي بالمعنى الأول، ويخص ذلك باسم الإضافي، كالأول بالحقيقي.
ثم الكلي إن تساوى صدقه على أفراده كالإنسان يسمّى متواطئاً، لتواطىء أفراده وتوافقه فيه، وإن تفاوت صدقه على أفراده بأن يكون بعضها أولى به من البعض الآخر كالوجود بالنسبة إلى الجوهر والعرض، فإن الجوهر أولى به من العرض أو يكون بعضها أقدم في ثبوته له من الآخر، كالوجود بالنّسبة إلى العلة والمعلول أو يكون ذلك في بعضها أشدّ البعض الآخر، كالبياض بالنّسبة إلى الثّلج والعاج. ففي جميع ذلك يسمّى اللفظ مشككاً، من جهة أن أفراده مشتركة في أصل معناه ومختلفة بالأولوية وغيرها؛ يوجب تشكيك الناظر إليه، حيث إنّه إن نظر إلى جهة الاشتراك يظنّ أنّه متواطئ لتوافق أفراده، وإن نظر إلى جهة الاختلاف يخيله أنّه مشترك لفظي، لأنه لفظ واحد موضوع لمعان مختلفة وهو معنى المشترك.
قال الفاضل القمّي (رحمه الله ) في قوانين الأصول(1) : هذا التقسيم أي تقسيم اللفظ إلى الكلية والجزئية والتواطئ والتشكيك واضح وأما الفعل والحرف فلا يتصفان بالكلية والجزئية في الاصطلاح. ولعل السر فيه أن نظرهم في التقسيم إلى المفاهيم المستقلة التي يمكن تصوّرها بنفسها والمعنى الحرفي غير مستقل بالمفهومية، بل هو أمر نسبي رابطي وآلة الملاحظة حال الغير في الموارد المشخّصة المعيّنة، ولا يتصوّر انفكاكها أبداً تلك عن الموارد فهي تابعة لمواردها وكذلك الفعل بالنسبة إلى الوضع النسبي، فإنّ له وضعين فبالنّسبة إلى الحدث كالاسم وبالنّسبة إلى نسبته إلى فاعل ما كالحرف.
1) قوانين الأصول : 10 .
أقول: يعني أن نظرهم لما كان في مقام التقسيم إلى المفاهيم المستقلة المختصة بالاسم، لم يحكموا بجريان هذه الأقسام في الحرف والفعل بالنسبة إلى معناه النسبي، فالمانع لهم من وصف الحرف والفعل بالكلية والجزئية مجرّد كون المقسم عندهم هي المفاهيم المستقلة، ولما لم يكن الفعل والحرف مستقلين بالمفهومية، لم يحكموا باتصافهما بهما، رعاية لما بنوا عليه من ملاحظة الاستقلال في المقسم فكأنهم جعلوه اصطلاحاً خاصاً بينهم، ومع قطع النظر عن هذا الاصطلاح فلا بعد في القول باتصاف الحرف بالجزئية للخصوصية الملحوظة في معناه، كما أن الفعل يتصف بها باعتبار النسبة إلى فاعل مخصوص ؛ فلنا في المقام ثلاث دعاوي :
الأولى: أن الحرف والفعل لا يستقلان بالمفهومية الثانية : أنهما نظرا إلى عدم استقلالهما لا يتصفان بالكلية والجزئية الثالثة أنهما مع قطع النظر عن . ذلك يجوز اتصافهما بهما وتحقيق المرام يحتاج إلى بسط الكلام فيها .
فأقول : أمّا الدّعوى الأولى وهو عدم استقلال الحرف والفعل فيظهر توضيحه في الحرف بما حققه المحقق الشريف في حواشي شرح التلخيص، حيث قال : اعلم أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مبصراته وأنت إذا نظرت للمرآة وشاهدت صورة فيها فلك هناك حالتان :إحداها أن تكون متوجهاً إلى تلك الصورة مشاهداً إياها قصداً جاعلاً للمرآة حينئذ آلة لمشاهدتها. ولا شك أن المرآة وإن كانت مُبْصَرَة في هذه الحالة لكنها ليست بحيث يقتدر بابصارها على هذا الوجه أن يحكم عليها ويلتفت إلى أحوالها .
«والثانية» أن تتوجه إلى المرآة نفسها، وتلاحظها قصداً فتكون صالحة لأن يحكم عليها، وتكون الصورة حينئذٍ مشاهدة تبعاً غير ملحوظة قصداً وغير ملتفت إليها .
فظهر أن من المبصرات ما يكون تارة مبصراً بالذات وأخرى آلة لإبصار الغير، فقس على ذلك المعاني المدركة بالبصيرة أعني القوى الباطنة واستوضح ذلك من وقولك : قام ،زيد وقولك نسبة القيام إلى زيد، إذ لا شك أنك تدرك فيهما نسبة القيام إلى زيد إلا أنها في الأول مدركة من حيث إنها حالة بين زيد والقيام وآلة لتعرف حالهما، فكأنها مرآة تشاهدهما مرتبطاً أحدهما بالآخر، ولذلك لا يمكنك أن تحكم عليها أو بها ما دامت مدركة على هذا الوجه وفي الثاني : مدركة بالقصد ملحوظة في ذاتها بحيث يمكنك أن تحكم عليها أو بها . فهي على الوجه الأول معنى غير مستقل بالمفهومية، وعلى الثاني معنى مستقل. وكما يحتاج إلى التعبير عن المعاني المحلوظة بالذات المستقلة بالمفهومية، كذلك يحتاج إلى التعبير عن المعاني المحلوظة بالغير التي لا يستقل بالمفهومية .
إذا تمهد هذا فاعلم أنّ الابتداء مثلاً معنى هو حالة لغيره ومتعلق به، فإذا لاحظه العقل
قصداً وبالذات كان معنى مستقلاً معه ملحوظاً في ذاته صالحاً لأن يحكم عليه وبه، ويلزمه إدراك متعلقه اجمالاً وتبعاً، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء، ولك بعد ملاحظته على هذا الوجه أن تقيده بمتعلق مخصوص، فتقول مثلاً : ابتداء السير البصرة، ولا يخرجه الاستقلال وصلاحية الحكم عليه ،وبه وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السي- والبصرة، وجعله آلة لتعرف حالهما كان معنى غير مستقل بنفسه، لا يصلح أن يكون محكوماً عليه ولا محكوماً ،به وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظة : من، وهذا معنى ما قيل : إنّ الحرف وضع باعتبار معنى عام وهو نوع من النسبة كالا بتداء مثلاً لكلّ ابتداء معين بخصوصه، والنسبة لا تتعين إلا بالمنسوب إليه، فما لم يذكر متعلق الحرف لا يتحصل فرد من يتحصل فرد من ذلك النوع الذي هو مدلول الحرف، لا في العقل، ولا في الخارج، وإنّما يتحصل بمتعلقه فيتعقّل بتعقّله
ثم قال : :قال وهو أيضاً محصول ما ذكره ابن الحاجب في «إيضاح المفضل»، حيث قال: الضمير في ما دلّ على معنى في نفسه يرجع إلى معنى أي ما دلّ على معنى باعتباره في نفسه وبالنظر إليه في نفسه لا باعتبار أمر خارج عنها، ولذلك قيل : الحرف ما دلّ على معنى في غيره، أي حاصل في غيره باعتبار متعلقه لا باعتباره في نفسه، فقد اتضح أن ذكر متعلّق الحرف، إنّما وجب لتحصيل معناه في الذهن، إذ لا يمكن إدراكه إلا بإدراك متعلّقه، إذ هو الملاحظته، فعدم استقلال الحرف بالمفهومية لقصور ونقصان في معناه، وأما الفعل فيدلّ على شيئين أحدهما مستقل بالمفهومية وهو الحدث. والثاني : غير مستقل وهو النسبة الحكمية الملحوظة فيه من حيث إنها حالة بين طرفيها وآلة لتعرّف حالهما مرتبطاً أحدهما بالآخر، ولما كانت هذه النسبة التي هي جزء مدلول الفعل لا يتحصل إلا بالفاعل وجب ذكره كما وجب ذكر متعلّق الحرف، فكما أن لفظة «من» موضوعة بالوضع العام لكلّ ابتداء معين بخصوصه، فكذلك لفظة ضرب موضوعة بالوضع العام لكل نسبة للحدث الذي دلت عليه إلى فاعلها بخصوصها. لكن الفرق بينهما أنّ الحرف لما لم يدلّ إلا على معنى غير مستقل بالمفهومية لم يقع محكوماً عليه ولا به والفعل لما اعتبر فيه الحدث وضم إليه غيره أعني النسبة إلى الفاعل، وجب ذكر الفاعل، ووجب أن يكون مسنداً باعتبار الحدث، لعدم إمكان جعل الحدث مسنداً إليه لأنه خلاف ،وضعه وأمّا مجموع معناه المركب من الحدث والنسبة المخصوصة، فهو أيضاً غير مستقل بالمفهومية، فلا يصلح لأن يقع محكوماً به، فضلاً عن أن يقع محكوماً عليه .
هذا كله على ما ذهب إليه بعض المحققين من أنّه موضوع للنسبة إلى فاعل معين .
وأما على المذهب الحق الموافق للتحقيق من كونه موضوعاً للنسبة إلى فاعل ما ، فمعناه المطابقي أيضاً مستقل، إذ هذا الفاعل مفهوم من الفعل فالنسبة موقوفة على جزء الفعل، وذكر الفاعل المخصوص لخصوصية في الاستعمال، ولا دخل له في الموضوع له
وعلى القول الأوّل يلزم وجود الدّلالة التضمنية بدون المطابقة وهو خلاف ما اتفقوا عليه، بيان الملازمة : أنّ لفظ ضرب فهم منه الحدث والزمان مع أنه لم يفهم المعنى المطابقي، إذ من جملته النّسبة إلى الفاعل المعين، فقد ظهر بما ذكرنا : أن الفعل بالنسبة إلى الحدث مستقل بنفسه وبالنّسبة إلى نسبته إلى فاعل ما غير مستقل كالحرف، وبالنسبة إلى المجموع المركب من الحدث والفاعل والنّسبة والزمان أيضاً مستقل.
وأمّا الدعّوى الثانية، فلا غبار عليها بعد المعرفة بما تقدّم، لأن اتصاف شيء بشيء فرع تصوّر الموصوف في حدّ ذاته مع قطع النظر عن الخارج حتى يحكم عليه بوصفه فبعد ما كانت المعاني الحرفية غير مستقلة بالمفهومية كعدم استقلالها في التصوّر والتعبير لأجل المرآتية ،والآلية، فلا يمكن انصافها بشيء من الكلية والجزئية ولا الحكم بهما عليها، إذ الحكم على الشيء أو به يستلزم تحصيل نسبة تامة بينه وبين غيره وذلك فرع كون الطرفين متحصلين ومقصودين باللحاظ، وكذلك الكلام في الفعل فإنّه وإن كان بالنسبة إلى الحدث مستقلاً قابلاً للاتصاف بالكلية والجزئية، إلا أنّه بالنسبة إلى النّسبة إلى فاعل ما كالحرف حسبما عرفت
وأمّا الدعوى الثالثة فنقول : إنّ عدم اتصاف الحرف بالكلية والجزئية بنفسها باعتبار عدم الاستقلال لا ينافي اتصافها تبعاً لمواردها ويتضح ذلك بما ذكره صاحب الفوائد الضيائية حيث قال: والحاصل أن لفظ الابتداء موضوع لمعنى كليّ، ولفظة من موضوعة لكلّ واحد من جزئياته المخصوصة المتعلقة من حيث إنها حالات لمتعلقاتها وآلات لتعرّف أحوالها اه .
لا يقال: فعلى ذلك يلزم أن يكون معناها جزئياً دائماً، وأن لا يوصف بالكلية أصلاً .
لأنا نقول وضعها للجزئيات المخصوصة، والمعاني المتعينة بالمتعلقات لا ينافي الاتصاف بها، لأن الجزئي أعم من الحقيقي والاضافي، فإنّ الاستعلاء المتعين بذكر المتعلق في قولنا كن على السطح قد استعمل فيه لفظة على، مع أنّه صادق على أفراد كثيرة .
والحاصل أن لفظة (على) جعلت مرآتاً لملاحظة حال الكون الكلي بالنسبة إلى السطح، وهو تابع له في الكلية وإن كان ذلك جزئياً إضافياً بالنسبة إلى مطلق الاستعلاء، وكذلك الفعل يصح اتصافها بالجزئية باعتبار نسبته إلى فاعل مخصوص، كما صح اتصافه بهما بالنسبة إلى الحدث، فافهم جيّداً.
اللفظ المركب التام - أعني الذي يصح السكوت عليه - لا بد من اشتماله على نسبة تامة بين الطرفين قائمة بنفس المتكلم، فهذه النسبة إن كان لها خارج في أحد الأزمنة يسمّى
الكلام المشتمل عليها خبراً، كقام زيد وزيد قائم وسيقوم زيد وإلا فإنشاء كالأمر والنهي والالتماس والسؤال والتمني والترجي والاستفهام والقسم والنداء والتعجب، ومثلها الجملات الاخبارية المرادة بها الإنشاء، إما بالنّقل كأفعال المدح والذم مثل نعِم زيد ويئس زيد وَصِيَغ العقود من بعت واشتريت وأنكحت وزوّجت ونحوها، أم لا، كقوله تعالى : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ » [آل عمران: 97] الآية «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ ، كاملين »[البقرة: 233] وما يضاهي ذلك.
وبالجملة النّسبة الخبرية لها وجود في اللفظ ، ووجود في الذهن، ووجود في الخارج، والنّسبة الانشائية لها وجود في الأولين فقط، دون الثالث.
ثمّ الخبر إن كان نسبته اللفظية مطابقة لنسبته الخارجية بأن تكونا ثبوتيتين أو سلبيتين، يسمّى الخبر صدقاً، باعتبار مطابقته للواقع، وحقاً باعتبار مطابقة الواقع .له وإن لم تكن نسبته اللفظية مطابقة لنسبته الخارجيّة بأن يكون إحدهما ثبوتيه والأخرى سلبية، يسمى يسمى الخب- كذباً باعتبار مخالفته للواقع، وباطلاً باعتبار مخالفة الواقع ،له، فالصدق والحق كالكذب والباطل متحدان بالذات، متغايران بالاعتبار.
ثمّ قصد المخبر بخبر إفادة المخاطب إما الحكم أعني وقوع النّسبة أو لا وقوعها، أو كونه أي المخبر عالماً ،به فالأوّل كقولك : زيد قائم لمن لا يعرف قيامه، والثاني كقولك: زيد قائم لمن يعرف قيامه ويسمّى الأوّل فائدة الخبر والثاني لازمها، وقد ينزل المخاطب العالم بهما منزلة الجاهل فيلقى إليه الخبر، وإن كان عالماً بالفائدتين لعدم جريه على موجب علمه، فإن من لايعمل بعلمه هو والجاهل ،سواء، كما تقولللعالم التارك للصلاة الصلاة واجبة، وهذا المعنى - أعني تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل لأغراض الخطابية - كثير في كلام أمير المؤمنين (علیه السلام) مثل قوله (علیه السلام)في الخطبة (كط ) (1). في توبيخ أهل العراق بتقاعدهم عن قتال أهل الشام:
(القَوْمُ رجال أمْثالُكُمْ). وفي الخطبة (سج) (2).
(فاستعدوا للموت فقد أظلكم).
إلى غير ذلك ممّا يعرفه المتتبع المحيط بأقطار كلامه (علیه السلام) هذا .
وإذا كان قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب، فينبغي أن يقتصر في إخباره على قدر الحاجة، فإن كان المخاطب خالي الذهن عن الحكم والتردّد فيه، استغنى عن مؤكدات الحكم، وإن كان متردّداً فيه طالباً له حسن تقويته بمؤكد، وإن كان منكراً، وجب توكيده بحسب الانكار وأسباب التوكيد هي: إنّ واللام واسمية الجملة وتكريرها، ونون التأكيد، وحروف الصلة، وأمّا الشرطية وحرف التنبيه والقسم .
ويسمّى الضرب الأوّل - أعني إتيان الكلام في صورة خلوّ ذهن المخاطب خالياً المؤكدات - ابتدائياً مثل قوله الله الله في الخطبة :
«وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةَ لِلأَنَامِ» .
والضرب الثاني طلبياً مثل قوله (علیه السلام) في الخطبة(ع) (1). :
«أما والله ما أَتَيْتُكُمْ إختياراً وَلكِنْ جِئْتُ إليْكُمْ سَوْقاً»
والضرب الثالث انكارياً مثل قوله لها في الكلام (م) : (2)
«وَإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرِ بِرُ أَوْ فَاجِرٍ» .
ويشتدّ التوكيد بشدّة الانكار كما قال الله تعالى حكاية عن رسل عيسى (علیه السلام) إذ كذّبوا في المرة الأولى :
«إنَّا إِلَيْكُم تُرْسَلُونَ» [يس: 14) وفي المرة الثانية : رنَا يَعْلَمُ إِلا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) [يس: 16]
ويسمى إخراج الكلام على هذه الوجوه المذكورة، وهي الخلق عن التأكيد في الضرب الأوّل، والتقوية بمؤكد استحساناً في الثاني، ووجوب التوكيد بحسب الإنكار في الثالث إخراجاً على مقتضى الظاهر.
وكثيراً ما يخرج الكلام على خلافه، فيجعل غير المنكر كالمنكر إذا لاح عليه شيء من إمارات الإنكار ، مثل قوله الله في الخطبة (كح) (3). :
«أَمَا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوِدَاعِ ، وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطلاعِ» .
فإنّهم لم يكونوا منكرين لإدبار الدنيا وإقبال الآخرة، لكنّهم باشتغالهم بالدنيا، وغفلتهم عن الآخرة كأنّهم كانوا منكرين فنزلهم منزلة المنكر بظهور إمارة الإنكار منهم، وأتى بالكلام مؤكداً إلى آخر الخطبة، ونحو ذلك كثير في الخطب المسوقة للتنفير عن الدنيا، والترغيب إلى الآخرة، وستعرف في شرح قوله (علیه السلام) .
«فَإِنَّهُ وَاللهِ الْجِدَّ لاَ اللَّعَبُ وَالْحَقُّ لَا الْكِذَبُ وَمَا هُوَ إِلا المَوْتُ».
في الخطبة (قلب) (1)أنّ فيه عشرة أنواع من التوكيد وهو من خصائص كلامه . ويجعل المنكر كغير المنكر إذا كان له من الدلائل والشواهد ما إن تأمله ارتدع عن انكاره مثل قوله تعالى: لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2].
فإنّ نفي الرّيب في القرآن ليس بمعنى أنه لا يرتاب فيه أحد، بل بمعنى أنه لا ينبغي أن يرتاب فيه، لأنّه من وضوح الدّلالة وسطوع البرهان ليس الدّلالة وسطوع ،البرهان ليس محلاً لوقوع الارتياب، فكأنه قیل: هو مما لا ينبغي أن يرتاب في من عند الله، وهذا حكم صحيح لكن ينكره كثير من الأشقياء، فينبغي أن يؤكد لكن ترك تأكيده، لأنهم جعلوا كغير المنكر، لما معهم من الدلائل المزيلة لهذا الإنكار لو تأملوها، وهو أنه كلام معجز أتى به من دل على نبوّته بالمعجزات الباهرة ومثله من كلام أمير المؤمنين الله الله قوله في الخطبة (ب) (2):
«وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقٌّ الوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالوِرثه» .
فإنّ ترك التأكيد مع كثرة وجود المنكرين لاختصاص الولاية والوصاية والوراثة بآل محمد( عليهم السّلام) تنزيلاً لهم منزلة غير المنكر على نحو ما ذكرناه في الآية.
في الحقيقة والمجاز والاشتراك وفيه فصول.
فی الحقيقة وفيه مسائل، في اشتقاق لفظ الحقيقة فنقول: هو في الأصل فعيل من حق الشيء يحق إذا ثبت أو حققت الشيء أي أثبته، فعلى الأول الفعيل بمعنى الفاعل كالعليم والرّحيم، وعلى الثاني فبمعنى المفعول كالجريح والقتيل، فنقل إلى الكلمة الثابتة أو المثبتة في مكانها الأصلي، والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الإسمية، كما صرح به العلامة الحلي (رحمه الله) في نهاية الأصول»، والتفتازاني في شرح التلخيص، وقال بعض شراحه : معنى كونها للنقل أنّ اللفظ إذا صار بنفسه اسماً لغلبة الاستعمال بعد ما كان وصفاً، كان اسميته فرعاً لوصفيته، فيشبه المؤنث لكونه فرعاً للمذكر، فتجعل التاء علامة للفرعية كما جعلت علامة لها في رجل علامة، لكثرة العلم بناء على أن كثرة الشيء فرع تحقق أصله.
اعلم أنّ الحقيقة قد يوصف بها المفرد فيقال له : الحقيقة اللغوية، وقد : يوصف بها الجملة، فيقال لها الحقيقة العقلية، وحدّ إحديهما غير حدّ الأخرى، وأنا أبدأ بحدّ الحقيقة في المفرد فأقول : قال الشيخ عبد القاهر كلّ كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره فهي حقيقة كالأسد للبهيمة، و«من» لابتداء الغاية في الأمكنة، وكلّ كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول فهي مجاز، كقولك للشجاع أسد وللنعمة يد وفيه أنّه يلزم على ما ذكره خروج الحقائق العرفية والشرعية التي ثبت الوضع فيها بالنقل من الحقيقة ودخولها في المجاز، لأنها إنما وضعت للمعاني الثانوية بملاحظة المناسبة بينها وبين المعاني الأول، فيفسد حد الحقيقة عكساً، وحدّ المجاز طرداً، فإنّ المراد بالحقيقة المحدودة في المقام أعم من اللغوية بالمعنى الخاص أعني المقابل للعرفي والشرعي.
فالأولى أن يقال: إن الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له من حيث هو كذلك، فالكلمة بمنزلة الجنس، وخرج بوصف الاستعمال: الكلمة التي لم تستعمل بعد،
فإنّها لا تسمّى حقيقة كما لا تسمّى مجازاً حسبما تعرفه تفصيلاً فيما سيأتي، وبقولنا فيما وضعت له ما استعملت في غير ما وضعت له سواء كان استعمالها فيه على وجه صحيح لوجود العلاقة المصححة كالمجازات، أم لا، كما لو كان غلطاً مثل أن تقول: خذ هذا الفرس مشيراً إلى الكتاب بين يديك، فإن لفظ الفرس هنا مستعمل في غير ما وضع له وليس بحقيقة ولا مجاز، وخرج بقيد الحيثية مثل لفظ الصلاة إذا استعمله المتشرع في الدعاء، فإنّه وإن كان يصدق عليه أنّه لفظ استعمل فيما وضع له ولو بالنسبة إلى لغة العرب، إلا أنّ استعماله فيه ليس من حيث إنّه موضوع له، بل من حيث وجود العلاقة والمناسبة بينه وبين المعنى الشّرعي، ومثله ما لو استعمله اللغوي في الأركان المخصوصة. وهكذا لفظ الدابة إذا استعمله اللغوي في ذات القوائم وأهل العرف فيما يدبّ في الأرض، فإنّ هذه كلها مجازات. وبدلّ بعضهم قيد الحيثية بقوله : في اصطلاح به التخاطب الحصول الاحتراز عن المجازات المذكورة به أيضاً.
وفيه : إنه وإن كان يخرج به المجازات المذكورة، إلا أنه لا يطرد لصدقه على اللفظ المشترك في اصطلاح واحد المستعمل في أحد معانيه باعتبار معناه الآخر مجازاً لوجود العلاقة بينهما ، كالأمر على القول باشتراكه لغة بين الوجوب والندب، فإنّه إذا استعمل في الوجوب مجازاً باعتبار مناسبته للندب في كون كلّ منهما مشتملاً على الرّجحان يصدق عليه أنّه لفظ استعمل فيما وضع له في اصطلاح به التخاطب مع أنّه ليس من أفراد المحدود فالأولى ما قلناه وإن كان يستشكل فيه أيضاً بعدم انعكاسه لخروج الحقائق المركبة الموضوعة بالأوضاع النوعية مثل المعرف باللام والتثنية والجمع ونحوها عنه، ولذلك عرفه بعضهم بأنّه اللفظ المستعمل في ما وضع له اه- إلا أنه يذبّ عنه بما قدمناه في البحث الثاني المقدمة أنّها لشدّة الامتزاج خرجت من التركيب إلى الافراد ومنزلة منزلة الكلمة
الواحدة فافهم وتدبّر هذا كله في الحقيقة اللغوية.
في الحقيقة العقلية، وعرفها الشيخ عبد القاهر بأنها كل جملة وضعتها على أنّ الحكم المقاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع موقعه مثل خلق الله الخلق، وأنشأ العالم، وربما يورد عليه بعدم انعكاسه لخروج مثل قول الدّهري : أنبت الربيع البقل، وقول الجاهل : شفى الطبيب المريض، منه، لأن الحكم لههنا ليس على ما هو عليه في العقل، وأجيب بأن قوله واقع ،موقعه تفسير لما سبقه، ولا شك أن الحكم في هذين القولين واقع موقعه في زعم القائل
والأحسن ما عرفها به في (التلخيص)، حيث قال : هي اسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر، قال التفتازاني : المراد بمعنى الفعل : المصدر، واسم الفاعل ،
والمفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل والظرف والمراد بما هو له : الشيء الذي يكون ذلك الفعل أو معناه له كالفاعل في المبني للفاعل والمفعول في المبني للمفعول مثل ضرب زيد عمراً، وضرب ،عمرو، فإن الضاربية لزيد والمضروبيّة لعمرو. وقوله : عند المتكلم، لادخال ما طابق الاعتقاد دون الواقع. وقوله : في الظاهر، لادخال ما خالف الاعتقاد، سواء طابق الواقع أم لا ، إذ المراد به إسناد الفعل أو معناه إلى ما يكون هو له عند المتكلم فيما يفهم من ظاهر كلامه بأن لا ينصب قرينة على أن ذلك خلاف معتقده.
فدخل في التعريف ما طابق الواقع والاعتقاد كقول المؤمن : أنبت الله البقل، وما طابق الاعتقاد فقط، كقول الدّهري: أنبت الرّبيع البقل، وما خالف الاعتقاد دون الواقع، كقول الدّهري لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها منه أنبت الله البقل، وما خالف الاعتقاد والواقع جميعاً، كقولك جاء زيد وأنت خاصة تعلم أنّه لم يجيء دون المخاطب، إذ لو علم المخاطب أيضاً عدم مجيئه لما تعيّن كونه حقيقة، لجواز أن يكون المتكلم قد جعل علم المخاطب بعدم مجيئه قرينة على عدم إرادته ظاهره فلا يكون الإسناد إلى ما هو له عند
المتكلم في الظاهر.
اعلم أنّ معرفة المعاني الحقيقية والتفرقة بينها وبين المعاني المجازية إنّما يحصل بالرجوع إلى أهل اللغة وذلك يكون على وجوه : (أحدها) أن يقول أهل اللغة هذا اللفظ حقيقة في هذا المعنى ومجاز في ذلك. (الثاني): أن يقول إنّ اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني وإن استعماله في الفلاني خلاف وضعه :(الثالث) أن يقول هذا المعنى متبادر هذا اللفظ أو سلبه عنه غير صحيح، وذلك المعنى غير متبادر أو سلبه صحيح، أو نحو ذلك من طرق التعبير والافهام .
ثم إنّ اللغوي الذي يُرجع إليه لتشخيص الأوضاع إن كان واحداً فهو، وإلا فإن اتحد قولهما فلا إشكال فيه أيضاً. ولو اختلفا فإن كان مع أحدهما مرجّح فهو المتبع، كما لو وقع الاختلاف بين (الصحاح) و(القاموس)، فأخذ الأول متعيّن لأنه من أهل اللسان، وإن لم يكن مع أحدهما مرجّح فإن كان بين قوليهما تباين كما لو قال أحدهما : العين موضوع للذهب وقال الآخر انه موضوع للفضّة فيحمل حينئذ على الاشتراك اللفظي، وكذلك لو كان بين القولين عموم من ،وجه كما لو قال أحدهما : الغناء هو الصوت المطرب وقال الآخر هو الصوت المشتمل على الترجيع ، ولو كان بينهما عموم مطلق كأن يقول أحدهم: الصعيد هو جه الأرض، وقال الآخر : التراب الخالص، فاللازم حينئذ الأخذ بقول مدعي الإطلاق خلاف ما ثبت في الأصول من الأخذ بالمقيّد، لأنّ التعارض بينهما تعارض، أدري ولا أدري، والأوّل مقدّم، وهذا كله بعد البناء على حجيّة قول أهل اللغة، والظاهر أنّه لا غبار عليه مع كون اللغوي من أهل الخبرة، بل لا خلاف يظهر وقد ادعي عليه الاجماع في عبائر
جماعة من أصحابنا الأصوليين، وتردّد بعض مشايخنا قدس الله أرواحهم فيه مع كون بنائه في فقهه عليه ليس في محله .
إذا تميّز المعنى الحقيقي من المعنى المجازي واستعمل اللفظ في كلام خالياً عن القرينة الدالة على إرادة أحد المعنيين فلا بد من حمله على المعنى الحقيقي، وهو معنى قول الأصوليين: الأصل في الاستعمال الحقيقة، والدليل على ذلك وجوه الأول : الاجماع كما ذكره جماعة من الأصوليين منهم العلامة الحلي في (النهاية) والسيد الصدر في شرح الوافية، والفاضل القمي (رحمه الله) معبراً بنفي الخلاف .
الثاني : استمرار طريقة أهل اللسان في محاوراتهم على ذلك .
الثالث: أن المعنى الحقيقي هو الظاهر من اللفظ عند الإطلاق، وراجح بالنسبة إلى غیره، فيتعين إرادته خصوصاً في كلام الحكيم، لأن إطلاق ماله ظاهر وإرادة خلافه من دون نصب قرينة مستلزم للاغراء بالجهل والتكليف بما لا يطاق، وهو قبيح، وأيضاً لو لم يرد ظاهره لزم انتفاء الفائدة في إرسال الرسل وإنزال الكتب، لأنّ الفائدة العظمى حصول النظام بتبليغ الأحكام الموقوفة على المخاطبة والأفهام.
الرّابع: أن اللفظ إذا تجرّد عن القرينة كما هو المفروض فإما أن يحمل على حقيقته، أو على مجازه، أو عليهما معاً، أو لا على شيء منهما، والرابع مستلزم لتعطيل اللفظ وإلحاقه بالألفاظ المهملة، والثالث مستلزم لكون اللفظ حقيقة في مجموع الحقيقة والمجاز، أو مشتركاً بينهما وهو باطل والثاني غير ممكن، إذ من شرط المجاز وجود القرينة والمفروض انتفاؤها، فتعيّن الأول، وهو المطلوب.
الخامس: أنّه لو لم يحمل على الحقيقة لوجب التوقف أو الحمل على المجاز، وكلاهما ،باطل، أما الأول فلأن التوقف إنّما يجب لإجمال اللفظ وتردّد أهل العرف في تعيين المراد منه، والحكم بأن جميع الألفاظ مجملة متردّدة بين حقائقها ومجازاتها دائماً مما يكذبه الوجدان ، وأمّا الثاني فلانه يقتضي كون المجاز أصلاً، وفساده ظاهر، إذ من الممتنع أن يعين الواضع لفظاً لمعنى ثم يكون استعماله فيما لم يوضع له أصلاً في تلك اللغة .
فقد تلخص مما ذكرنا أنه لا خلاف ولا إشكال في حمل اللفظ على معناه الحقيقي عندالشك في كونه هو المراد، وليكن هذا الأصل على ذلك منك تنتفع به في تضاعيف الشرح، وتعرف توهمات الشارحين المعتزلي والبحراني في غير واحد من المقامات، حيث صرف كلام الإمام (علیه السلام) عن ظاهره في موارد كثيرة من غير دليل وأولاء عن رأيهما وانحرفا عن وضح السبيل .
في المجاز وفيه مسائل.
المجاز في الأصل مفعل من الجواز والعبور اللذين هما من صفات الأجسام التي يصح عليها الانتقال من حيز إلى حيّز واطلاقه على المجاز اللفظي للمشابهة، فإنّه جاز وتعدّى عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، فكأنّه جاز موضعه ،وتعدّاه قال الشيخ عبد القاهر في محكي كلامه عن أسرار البلاغة : إنّه مفعل من جاز المكان يجوزه إذا تعداه ، نقل إلى الكلمة الجائزة أي المتعدّية مكانها الأصلي، أو الكلمة المجوّز بها على معنى أنهم جازوا بها مكانها الأصلي (انتهى)(1).
والظاهر أنه يريدانه مصدر إمّا بمعنى الفاعل، أو بمعنى المفعول، هذا ويجوز جعله اسم مكان بمعنى محل الجواز سمّي به الكلمة المخصوصة لكونها بمنزلة محلّ انتقال الذهن وعبوره من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي فتأمل.
المجاز في الاصطلاح على ما يفهم بالقياس إلى الحقيقة هي الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له من حيث هو كذلك لعلاقة، فخرج بقيد الاستعمال ما لم يستعمل، فإنّه لا يسمى مجازاً، كما لا يسمّى حقيقة وبقولنا في غير ما وضع له الحقيقة، وبقيد الحيثية مثل لفظ الصلاة إذا استعملها المتشرع في الأركان المخصوصة، فإنه وإن كان يصدق عليه أنه لفظ استعمل في غير ما وضع له لغة إلا أن استعماله ليس من هذه الحيثية، بل من حيث وضعه لها عندهم، وخرج بالقيد الأخير الغلط، فإنّ استعماله ليس من أجل حصول العلاقة، وربما أمكن الاستغناء بذلك عن قيد الحيثية لإخراج مثل لفظ الصلاة، لأن استعماله للوضع لا لوجود العلاقة، ولذلك أسقطه بعضهم عن الحد.
المجاز إن كان الموصوف به اللفظ المفرد يسمّى بالمجاز اللغوي، وحده ما قدمناه وإن كان الموصوف به الجملة يسمّى بالمجاز العقلي واتصاف الجملة به إنّما هو باعتبار الاسناد والحكم الذي فيها، ولذلك يسمّى أيضاً مجازاً حكميّاً، وإسناداً مجازياً، فعند التحقيق اتصاف الإسناد والحكم بالحقيقة والمجاز بالذات من دون واسطة، واتصاف الجملة بهما ،بالواسطة، أي لاشتمالها على الحكم، وبذلك الإعتبار اختلف الأنظار في تعريفه، أي تعريف المجاز العقلي، كاختلافهم في تعريف الحقيقة العقلية حسبما عرفت سابقاً .
فعرّفه الشيخ عبد القاهر بأنّه كلّ جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التأويل، مثاله قوله تعالى:
1) راجع مختصر المعاني : 218 .
«وتُؤْتِ أُكْلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَيْهَا» [إبراهيم: 25] وقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الأعراف: 27]
وقال في التلخيص) : هو إسناده أي الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأوّل، أي بنصب قرينة صارفة للإسناد عن أن يكون إلى ما هو له لفظية كانت أو معنوية، كاستحالة قيام المسند بالمذكور عقلاً، إذ من البين أن الأرض لا تتصف باخراج الأثقال، لأنّ الإخراج فعل القادر المختار، فالمسند إليه في الحقيقة هو الله سبحانه وإنّما أسند إلى الأرض لكونه محلاً له، والحاكم بذلك هو العقل.
قال عبد القاهر : فإذا قلنا مثلاً خطّ أحسن ممّا وشاه الرّبيع وصنعه، كنا قد ادعينا في ظاهر اللفظ، أنّ للرّبيع فعلاً ، وأنّه شاركَ الحي القادر في صحة الفعل منه، وذلك تجوّز من حيث المعقول لا من حيث اللغة وقال إن التأليف اسناد فعل إلى اسم أو اسم إلى اسم،
وذلك شيء يحصل بقصد المتكلم لا بواضع اللغة والذي يعود إلى واضعها أنه ضرب لإثبات الضرب لغير معين لا لإثبات الخروج مثلاً ، وأنّه لإثباته في زمان ماض، لا لإثباته في زمان ،مستقبل فأما تعيين من يثبت له فذاك أمر يتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين بالأمور المعبرين عن ودائع الصدور، الكاشفين عن المقاصد والدعاوي، صادقة كانت تلك الدعاوي أو كاذبة .
إذا عرفت ذلك فنقول : أنه أي المجاز العقلي والتجوّز في الإسناد في كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) كثير كما في الكتاب العزيز .
فمن الكتاب قوله تعالى :
«و عِيشَة رَاضِيَة » [الزلزلة : 2] وقوله : «يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا » [المزمل : 17] وقوله : «يوماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شيبا»[الطارق : 5] وقوله : «جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ » [الكهف: 77] وقوله: «وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَتْهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا » [النساء : 35] وقوله : «فَما ريحت تجرَتُهُمْ » [الأنفال : 2] .
إلى غير ذلك، فإنّ الإسناد في كلّ ذلك إلى غير ما هو له في الحقيقة، ألا ترى أن راضية مبنيّة للفاعل، ولكن أسندت إلى المفعول، فإنّ العيشة مرضية لا راضية، والنّزع فعل الله سبحانه نسب إلى إبليس اللعين باعتبار كونه سبباً للأكل من الشجرة السبب للتزع، ونسبة الجعل إلى اليوم مع كونه من فعل الله سبحانه من باب النّسبة إلى الزمان، وإسناد الإرادة إلى الجدار تشبيهاً له بالفاعل المريد وإسناد الزيادة إلى الآيات مع أنه من فعل الحق تعالى باعتبار أنها سبب لها،، ونسبة الربح إلى التجارة باعتبار أنها محلّ له، والأصل فما ربحوا في تجارتهم .
ومن كلام أمير المؤمنين (علیه السلام) في الخطبة (ج) (1): «وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْتَتُهُ» وفي الكلام (يز) : «تَصْرَحُ مِنْ جَوْرِ قَضَآئِهِ الدّماءُ، وَتَعُجَّ مِنْهُ الْمَواريث»
وفي الكلام (يط) : «لَقَدْ أَسْرَكَ الْكُفْرُ مَرَّةَ وَالإِسْلامُ أُخْرى فَما فَداكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَلاَ حَسَبُكَ »
وفي الخطبة (لب): «إنّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودِ وَزَمَنِ كَنُودِه وفي الخطبة (فب) : أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنايا دُونَ الآمَالِ وَشَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَحَزُمُ الآجَالِ»
وفيها أيضاً : «وأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَه، وَأَسْهَرَ النَّهَجُدُ غِرَارَ نَوْمِهِ، وَأَظْمَأُ الرَّجاءُ هَواجِرَ يَوْمِهِ، وَأَظْلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ».
إلى غير ذلك ممّا يطلع عليه المتتبع الخبير، وبالتأمل فيما قدمنا تعرف وجوه التجوز فيما ذكر هذا، وينبغي أن يعلم أن المجاز العقلي كما يجري في النسبة الإسنادية، كذلك يجري في غيرها من النّسبة الإضافية والإيقاعية، قال الله سبحانه :
«وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا » [سبا : 33] ومَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ [البقرة: 16] «ووَلَا تُطِيعُوا أمر المُرِفِينَ » [الشعراء: 151].
ونحو أجريت النّهر ونومت الليل، ونحوها .
اختلفوا في أنّ المجازات هل يلزم فيها نقل الآحاد أم الاعتبار بوجود العلاقة، وبعبارة أخرى هل اللازم في المجاز نقل خصوصياته من العرب، أم يكفي حصول العلم أو الظن من استقراء كلامهم برخصتهم لملاحظة نوع العلاقة في استعمال اللفظ فيما يناسب المعنى الحقيقي فيقاس عليه كما ورد من المجازات الحادثة ولا يحتاج إلى النقل.
ذهب جماعة منهم : الفخر الرازي والاسفرايني على ما حكي عنهما إلى الأول.
وذهب الأكثرون ومنهم: العلامة الحلي (قدس سره) في (التهذيب) و(النهاية)، والعميدي والتفتازاني والمرتضى في محكي ،الذريعة، والشيخ البهائي وتلميذه الشارح الجواد والحاجبي والعضدي والفاضل القمي (رحمه الله) إلى الثاني.
قال التفتازاني: العلاقة يجب أن تكون مما اعتبرت العرب نوعها، ولا يشترط النقل عنهم في كلّ جزئي من الجزئيات، لأن أئمة الأدب كانوا يتوقفون في الإطلاق المجازي على أن ينقل من العرب نوع العلاقة، ولم يتوقفوا على أن يسمع آحادها وجزئياتها، مثلاً يجب أن
1) هي الخطبة الثالثة .
يثبت أن العرب يطلقون اسم السبب على المسبب، ولا يجب أن يسمع اطلاق الغيث على النبات، وهذا معنى قولهم المجاز موضوع بالوضع التوعي(1). وذهب جمع إلى أن المدار على المناسبة بين المعنيين بحيث لا يستهجن عرفاً استعماله فيه .
وحاصله أنّه كلما وجد المناسبة يصح الاستعمال وإن لم يكن شيء من العلائق المعهودة، وإلا فلا ولو كانت هناك علاقة موجودة منها فالمتبع هي الحلاوة العرضية فحيثما حصلت يجوز الاستعمال، وهذا هو المختار الموافق للتحقيق.
واستدلّ القائلون بالأول بوجوه :
الأول: أنّ ما لم ينقل من المجاز خارج عن اللغة لأن اللغة منحصرة في الحقائق، والمجازات اللغوية، وغير المنقول ليس من الأوّل قطعاً، ولا من الثاني لأن المجاز اللغوي ما كان المتجوز فيه صاحب اللغة وأهلها كما أن المجاز الشرعي ما كان ما كان المتجوز فيه أهل الشرع، والعرفي أهل العرف وإذا لم يكن النقل شرطاً فلم يكن المتجوز صاحب اللغة، فلا يكون عربياً، وهو باطل قطعاً، لاشتمال القرآن على المجازات مع أنه عربي ،مبين وقد قال الله تعالى :
«إِنَّا أَنزَلْتَهُ قُرَّانًا عَرَبِيًّا» [يوسف : 2] .
وفيه أوّلاً : منع كون ما لم ينقل غير عربي، لأنّ نص العرب نضاً كلياً على جواز اطلاق اسم الحقيقة على كلّ ما يكون بينها وبينه علاقة معتبرة كاف في العربية، وثانياً : سلمنا ولكن غاية ما ذكر لزوم النقل في مجازات القرآن، لا مطلق المجازات. وثالثاً: لا نسلم كون القران بسبب الاشتمال على غير العربي غير عربي، لأن المراد كونه عربي النظم والأسلوب. ورابعاً أن هذا مسلم لو كان مرجع الضمير في« إنا أنزلناه» هو القرآن، لم لا يكون المراد البعض المعهود كالسورة التي هذه الآية فيها بتأويلها بالمنزل، أو المذكور.
الثاني : أنه لو جاز التجوز بلا نقل لكان اختراعاً، أو قياساً، وذلك لأنّ المفروض أن أهل اللغة لم يصرحوا به فهو إثبات ما لم يثبت منهم، فإن كان بجامع مشترك بينه وبين صرّح به مستلزم للحكم، فهو القياس وإلا فهو إثبات ما لم يثبت من العرب لا هو ولا ما يسلتزمه، وهو الاختراع، وكلاهما باطل كما صرحوا به في مقامه والجواب: أنا لا نسلم انه إذا لم يكن بجامع يستلزمه أن يكون اختراعاً، وإنما يكون اختراعاً لو لم تكن العلاقة المعتبرة عندهم ،موجودة، وأما إذا علمنا بالاستقراء تجويزهم وترخيصهم في الاستعمال بملاحظة
1) راجع حاشية ردّ المختار لابن عابدين: 18/3
العلاقة، فيجوز لنا الاستعمال في كل مورد وجد العلاقة بإذاً الإذن الإجمالي كالإذن التفصيلي، وهو في معنى الوضع وليس من الاختراع في شيء.
الثالث : أنه لو لم يكن النقل شرطاً للتجوز وكان وجود العلاقة كافياً فيه لجاز التجوز في كل صورة وجدت العلاقة بين المعنيين والتّالي ،باطل، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة، أما بطلان التالي فلان العلاقة موجودة بين النخلة والجبل، وبينها وبين الحائط، وهي المشابهة في الارتفاع، وكذلك بين الشبكة والصيد، وهي المجاورة، وهكذا بين الأب والابن، لكون وجود الأول سبباً للثاني مع عدم تجويزهم للتجوز في شيء من ذلك وأجيب عنه بأن العلاقة كافية في الصحة ومقتضية لها، وعدم الجواز في الأمثلة المذكورة إنّما هو لمنع أهل اللغة، وهو لا يقدح في اقتضاء المقتضي .
قال العلامة (رحمه الله) في (النهاية) لا يقال : التعارض بين المقتضي للجواز وهو وجود العلاقة وبين المقتضي للمنع وهو منعهم، لأنا نقول : جاز أن يكون المتقضي للجواز مشروطاً بعدم ظهور المنع ، ومع الظهور ينتفي المقتضي، وردّ بأن مرجعه إلى تسليم المقتضي وإبداء المانع مع أنّه لم يقم دليل عليه، إذ لم يصل إلينا نص من أهل اللغة يفيد المنع، وهو كافٍ في الحكم بعدمه، عملاً بمقتضى الأصل، غاية الأمر أنّهم لم يتجوزوا بها وهو لا يفيد ان ذلك مستند إلى المانع، بل لعله مستند إلى عدم نقل الآحاد كما يراه الخصم.
فالصّواب في الجواب أن يقال: إن العلاقة المصححة للتجوز ليست مطلق العلاقة، بل العلاقة التي اعتبرت العرب نوعها فالحق أن المقتضي في المقام غير معلوم .
وتوضيحه أنّ المقتضي للتجوز ليس مطلق المشابهة والمجاورة والسببية بل نوع خاص منها يقبلها الذوق السّليم والطبع المستقيم، وهو ما كان مأنوساً في نظر العرف، وهو انما يكون إذا كان بين المعنيين ارتباط خاص وعلاقة مخصوصة، كما يشعر به قولهم : إنّ المجاز ما ينتقل فيه عن الملزوم إلى اللازم وهذا المعنى مفقود بين النخلة والحائط والجبل، لانتفاء التناسب في القطر وإن وجد المشابهة في الارتفاع وأما الشبكة والصيد فالمجاورة إتفاقية ليست معهودة في نظر العرف، بل المعهود في نظرهم تنافر الصّيد من الشباك، وأما الأب والابن فأقرب العلاقات بينهما وآنسها عرفاً هو التربية والعطوفة والرياسة والمرؤسية، لا السّسة كما هو ظاهر.
واستدلّ القائلون بالثاني أيضاً بوجوه :
أحدها: أنه لو كان النقل شرطاً لوجب أن يكون أهل اللسان من أئمة الأدب وغيره متوقفين في محاوراتهم واستعمالاتهم حتى يثبت لهم النقل من الواضع، والتالي باطل فكذلك
المقدّم، ووجه الملازمة واضح، والدليل على بطلان التالي هو الاستقراء، فإنه يظهر من تتبع كلامهم نظماً ونثراً أنّهم يحدثون مجازات في محاوراتهم من دون تخطئة، بل كلما كان أبدع كان أوقع، ويعدّونه في محلّ من القبول ويزيدون في تحسينه ويثنون على صاحبه كما هو غير خفي .
الثاني : أنه لو كان محتاجاً إلى النقل لحصل الاستغناء عن النظر إلى العلاقة، ولما افتقر في التجوز إليها، واللازم باطل. بيان الملازمة: أن النقل دون العلاقة حينئذ مستقل بتصحيحه، والعلاقة بدون النقل غير مصحح على زعم الخصم، فاستوى في الحالين وجود العلاقة
وعدمها، فلا يحتاج إلى النظر إليها، وأما بطلان التالي فلإطباق أهل العربية على افتقاره إليه .
الثالث: أنه لو كان النّقل شرطاً لما وجد التجوّز من دون نقل ضرورة امتناع وجود المشروط بدون شرطه أنه موجود واقع ألا ترى إلى استعمال لفظ الصلاة والزكاة والحج في المعاني المحدثة الشرعيّة التي هي مجازات لغوية ومن المعلوم أن أهل اللغة لم يستعملوها فيها مطلقاً لا حقيقة ولا مجازاً لعدم تعقلهم لها ومعرفتهم بها، فكيف يتصوّر النقل منهم فيما لا معرفة لهم .به.
أقول: هذه الأدلة إنّما هي نافعة في رد القائلين باشتراط النقل إلا أنها غير ناهضة لإثبات ما هو الظاهر من كلام أكثر القائلين بهذا القول المستدلين بهذه الأدلة من كون المدار في صحة التجوز على العلاقات المعهودة حسبما تطلع عليه بعيد ذلك .
وأما القول الثالث : فهو الحق الصواب في هذا الباب وفاقاً لجمع من أولي الألباب ويمكن تنزيل كلمات القائلين بالقول الثاني. أعني القول بثبوت الوضع النوعي للمجازات على ذلك، حيث إنّهم قالوا بأن المجاز ما ينتقل فيه من الملزوم إلى اللازم وذكروا أن اللفظ المراد به لازم ما وضع له إن قامت قرينة على عدم إرادته ،فمجاز، وإلا فكناية، فإنّ الظاهر أن مرادهم باللزوم هنا ليس اللزوم المصطلح ، أعني عدم الانفكاك ذهناً أو خارجاً، ولا من كون المعنى المجازي لازماً للمعنى الحقيقي هو استحالة انفكاكه عنه، ضرورة أنه لا ضرورة أنه لا يجري إلا في قليل من المجازات، بل مقصودهم كما صرح به غير واحد منهم ويستفاد من أمثلتهم أيضاً: الاتصال والربط التام بين المعنيين بحيث ينتقل الذهن من المعنى الحقيقي، ولو بمعاونة القرائن إلى المعنى المجازي، وبعبارة أخرى هو أن يكون بين المعنيين علقة شديدة أو جبت كونهما في نظر العقل كالمتحدين بالذات فهذا كله مفيد لكون المدار في صحة التجوز على حصول العلقة والربط مطلقاً، ولو لم تكن من العلاقات المعهودة.
لكنه قد تكرّر القول من الفاضل القمي (رحمه الله) في القوانين كغيره بعدم جواز التّعدي من أنواع المجازات المشتملة على العلائق المعتبرة المعهودة إلى غيرها لعدم ثبوت الرخصة فيه.
وقال العلامة التفتازاني : وأنواع العلائق كثيرة ترتقي ما ذكروه إلى خمسة وعشرين (1).، وظاهرهما كما ترى كون المدار على تلك العلائق المحصورة.
وكيف كان فإن أمكن ارجاع كلام القائلين به إلى ما ذكرنا وإلا فهي دعوى لا تفي بإثباتها بينة، لأنّ الدليل في المقام منحصر في الاستقراء، وغاية ما تحصل لنا منه أنهم استعملوا الألفاظ في غير معانيها لمناسبة وارتباط بينهما يقبله الطبع من غير مدخلية لخصوص العلائق والعلاقات المذكورة إنما تعتبر إذا تضمّنت تلك المناسبة .
ونزيدك توضيحاً ونقول: إنّه لو كان المدار في صحة التّجوز وعدمها على وجود العلائق المعهودة وعدمه لجاز المجاز كلما وجد شيء منها ، ولم يجز لو لم يوجد مع نرى غالباً عدم جوازه مع وجودها ونرى جوازه مع العدم ألا ترى أنهم عدوا من جملة العلائق تسمية الكلّ باسم جزئه وتسمية الجزء باسم كله مع أنه لا إطراد في شيء منهما.
ولما رأى بعضهم ذلك ضيق المجال وضاق به الخناق إلى الإطلاق فاشترط في الأوّل أن يكون للكلّ تركب حقيقي خارجي وكان الجزء ممّا له قوام في تحقق الكل كالرقبة في الإنسان والعين في الرؤية، ومنع من جواز استعمال سائر الأجزاء في المركبات الحقيقية، وجميع الأجزاء في المركبات الاعتبارية، واشترط في الثاني أن يكون بين الجزء والكل تركب حقيقي، كالأصابع في الأنامل في قوله تعالى: «َجْعَلُونَ أَصَبْعَهُمْ فِي مَاذَانِهِم » [الحج : 10] .
واليد في الأصابع إلى نصف الكف في آية السرقة وإلى المرفق في آية الوضوء، وإلى الزند في آية ،التيمم ومنع من التعدي إلى غير المركبات الحقيقية.
مع أنه يتجه على شرطه الأوّل وجود المجاز في الجزء والكلّ الذي ليس فيه هذا الشرط أيضاً، فإنا نرى اطلاقهم لليد على الإنسان مع أنه لا ينتفي الإنسان بانتفائها قال سبحانه :
« وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » [البقرة : 19] «وذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ » [المسد: 1]« وتَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ»[البقرة: 195] .
أي خسرت نفسه كما عن مقاتل، وفي الحديث المشهور :
«عَلَى الْيَدِ ما أَخَذَتْ حَتَّى تُؤدّي (2). وقال الشاعر : )
خَليلي أَمْلَكُ مِنّي بِالَّذي كَسَبَتْ*** يَدي وَمالي فيما يَقْتَني طَمَعُ
وعلى شرطه الثاني إنا نرى كثيراً عدم تجويزهم للاطلاق مع وجود هذا الشرط، فهل تجد أحداً يقول قطعت إنساناً إذا قطع يده ؟ أو قلعت انساناً إذا قلع عينه ونحو ذلك، وأوضح من ذلك أنهم جعلوا من جملة العلائق علاقة المحل والحال كما في جري النّهر وسال ،الميزاب وعلاقة المجاورة كما في «وَسْتَلِ الْقَرْيَةَ» [يوسف: 82] مع أنه لا تأتي لك أن تقول : جمعت النهر والميزاب بإرادة مائهما، أو ضربت القرية أو ضحكت القرية بإرادة أهلها للاستهجان العرفي، وهذا كله دليل على صحة التجوز كلما وجد العلاقات المعهودة. ويدلّ على صحتها مع عدمها تجويزهم للتّجوز بأسباب مجهولة العناوين كما في مجازات الحروف التي منها ما تطرق إلى أدوات الاستفهام كالاستبطاء في قولهم كم دعوتك والتعجب في مثل : «مَا ليَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ» والتنبيه على الضلال في نحو: «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ».
وقد صرّح العلامة التفتازاني عند الكلام على هذه المعاني: بأن تحقيق كيفية هذا المجاز وبيان أنّه من أي نوع من أنواعه ممّا لم يحم أنواعه، ممّا لم يحم أحد حوله، فا أحد حوله، فاستبان لك مما حققنا كلّه أنّ المدار في المجاز ليس على العلاقات المعهودة وجوداً ولا عدماً، بل على الارتباط والعلاقة التي يحلوها الطبع، ويقبلها الذوق السليم والفهم المستقيم.
يظهر لك بالتأمل فيما حققناه في المسألة السالفة أنّ العلائق المسوّعة للتجوز لا تنحصر في عد، ولا تنتهي إلى حد، لأنه بعدما كان المدار في المجاز على المناسبة والاستحسان ،عرفاً، فوجوه التناسب غير مضبوطة، وجهات الحسن غير محصورة كما هو ظاهر، ولعلّ ذلك هو السر في عدم مبالغة الأكثرين في حصر أنواع العلاقات وضبطها، إلا أنّ جمعاً منهم حام حول الضبط، وذكر عدة منها وادعى حصرها فيها بالاستقراء، وتريهم مع دعواهم هذه أنّهم في تعيين أصل النّوع مختلفون، وفي العدد المعدود أيضاً غير متفقين
،حيث قلله بعضهم وكثره آخرون، وغاية ما قيل أنها خمسة وعشرون .
قال شارح (المفتاح) في المحكي عن كلامه : إعلم أن العلماء قد حصروا العلاقة المعتبرة في المجاز بناء على الاستقراء في خمسة وعشرين نوعاً :
الأوّل: اطلاق اسم السبب على المسبب كقوله (علیه السلام) «بلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسّلام» (1). أي صلوا، فإنّ العرب لما رأت بعض الأشياء يتصل بالبل استعاروا البلّ بمعنى الوصول.
1) راجع البحار (7571، 111 ، وروي بلفظ : «صلوا» .
الثاني : بالعكس كقوله : بالعطية ،من، لأن من أعطى فقد من .
الثالث: اطلاق اسم الجزء على الكل كقوله تعالى :
«كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ» [القصص: 38] أي ذاته
الرابع: عکسه كقوله تعالى: « يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِي مَاذَانِهِم »[الأنعام: 163] .
الخامس: إطلاق اسم الملزوم على اللازم كقوله تعالى :
«أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنَا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ »[البقرة 19 ] .
سمّيت الدّلالة كلاماً لأنّها من لوازمه.
السادس: عكسه قال الشاعر:
قَوْمَ إذا حارَبُوا شَدُّوا إِزارَهُمُ*** دُونَ النِّساءِ وَلَوْ طَالَتْ بِآمِلِهَا
أُريد بشدّ الإزار الاعتزال عن النّساء، لأنّ شدّ الإزار من لوازم الاعتزال.
السابع :اطلاق أحد المتشابهين على الآخر، كإطلاق الإنسان على الصورة المنقوشة لتشابههما في الشكل .
الثامن: اطلاق المطلق على المقيد كقول الشاعر :
وَيَالَيْتَ كُلَّ اثْنَيْنِ بَيْنَهُمَا هَوًى*** مِنَ النَّاسِ قَبْلَ الْيَوْمِ يَلْتَقِيانِ
بمعنى يوم القيامة.
التاسع: : عكسه كقوله شريح أصبحت ونصف الخلق عليَّ غضبان، يريد أن الناس محکوم به ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان لا أنّ نصف النّاس على السوية كذلك.
العاشر : اطلاق اسم الخاص على العام كقوله تعالى :
«وَحَسُنَ أُولَيكَ رَفِيقًا » [يوسف: 82] .
الحادي عشر: عكسه كقوله تعالى حكاية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
« وأنا أول المسلمين»[فاطر: 40] فلم يرد الكل لأنَّ الأنبياء كانوا مسلمين قبله.
الثاني عشر: حذف المضاف سواء أقيم المضاف إليه مقامه كقوله تعالى: «وَسْتَلِ القَرْيَةَ » [الشورى: 11] أي أهلها، أولا كقول أبي داود
أَكُلُّ امْرَءٍ تَخبینَ امْرَءٌ*** وَنُوراً تُوقَدُ بِاللَّيْلِ ناراً
وسمّيت هذا مجازاً بالنقصان ونحو قوله تعالى: «ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ» [النساء : 69] مجاز بالزيادة.
الثالث عشر : عكسه كقول الشاعر :
أَنَا ابْنُ جلا وطلاعِ اثنایا*** متى أضعُ العِمَامَةَ تَعْرِفُوني
أي أنا ابن رجل جلا.
الرّابع عشر : تسمية الشيء باسم ماله تعلق المجاورة، كتسميتهم قضاء الحاجة الذي هو المكان المطمئن من الأرض بالغائط
الخامس عشر : تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه. قال الله تعالى حكاية عن صاحب يوسف :
« إني أرني أَعْصِرُ خَمْرًا » [يوسف: 36].
السادس عشر : تسمية الشيء باسم ما كان كقولنا للإنسان بعد فراغه من الضرب أنّه ضارب .
السابع عشر : اطلاق اسم المحل على الحال قال(علیه السلام) : (لا يفضض الله فاك)، أي أسنانك إذ الفم محلّ الأسنان، وقول ابن الحاجب وللمجاورة يشمل هذا وما بعده والرابع عشر أيضاً.
الثامن عشر : عكسه قال الله تعالى : « وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ » [آل عمران : 107] .
أي في الجنة، لأنها محل الرحمة.
التاسع عشر : اطلاق اسم آلة الشيء عليه كقوله تعالى حكاية عن إبراهيم(علیه السلام): «وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ » [الشعراء: 84] .
أي ذكراً حسناً، أطلق اللسان وأراد به الذكر واللسان آلته.
العشرون : إطلاق اسم الشيء على بدله يقال : فلان أكل الدم أي الدية.
الحادي والعشرون النكرة تذكر للعموم كقوله تعالى : «عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ » [التكوير : 14].
أي كل نفس، ومنه دَع أمرء ونفسه أي كل أمرء.
«الثاني والعشرون: اطلاق اسم أحد الضدين على الآخر، كقوله تعالى : .« وَجَزَاؤُا سَنَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا» [الشورى: 4] .
الثالث والعشرون : إطلاق المعرف باللام وإرادة واحدة كقوله تعالى : «وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا »[البقرة: 3].
أي باباً من أبوابها نقلاً عن أئمة التفسير .
الرابع والعشرون: الحذف، كقوله : «و يبین الله لَكُمْ أَن تَضِلُّوا» [النساء : 176].
الخامس والعشرون: الزيادة، كقوله : «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ» [الشورى: 11] .
وهذه الأنواع معلومة بالاستقراء، ولا يخفى عليك تداخل بعضها .
أقول : ولا يخفى عليك أيضاً المناقشة في كثير من أمثلتها إلا أنّ المناقشة في المثال ليست من دأب المحصلين .
اختلفوا في سبك المجاز عن المجاز، وهو أن يستعمل اللفظ في معنى مجازي لعلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، ثم يستعمل في معنى آخر لعلاقة بينه وبين المجاز الأوّل، ولم أظفر بعد بمن أفرد هذه المسألة استقلالاً بالبحث، ولم أجد عنوانها مستقلاً في كلام من تقدّم، وإنّما يوجد الإشارة إليها في كلامهم، ويذكرونها استطراداً إذا مست حاجتهم إليها من دون أن يكشفوا عن وجهها النّقات ويرفعوا عنها الحجاب والحق فيها هو الجواز وفاقاً الجمع من الأصحاب منهم الأصحاب منهم العلامة الحلي في (النهاية)، والعميدي في المنية)، والفاضل القمي (رحمه الله) في القوانين في تعريف الفقه وذهب قوم إلى المنع منهم صاحب (الفصول) وصاحب (المصابيح).
قال الأَوّل : إعلم أن العلاقة المعروفة إنما تعتبر إذا كانت بين المعنى المجازي وبين المعنى الموضوع له فلا تعتبر إذا كانت بينه وبين معنى مجازي آخر إلا إذا كانت بحيث توجب العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، فتعتبر من هذه الحيثية، ولهذا تراهم يمنعون سبك المجاز من المجاز، والدليل عليه عدم مساعدة الطبع، أو الرخصة على الاعتداد بمثل تلك العلاقة لبعدها عن الاعتبار.
وأمّا صاحب (المصابيح) فإنّه كتب إلى الفاضل القمي (رحمه الله) في جملة إعتراضاته التيأوردتها في حاشية القوانين مشروحة : أنّ في القوانين جوزتم سبك المجاز من المجاز المجاز مع ان المجاز لا يتجوّز منه اجماعاً تحصيلاً ونقلاً من العلامة في بحث النسخ منا النهاية، وقد صرّح بذلك جماعة في بحث مفاسده ومحاسنه .
فكتب إليه الفاضل القمي (قدس سره) : لا يحضرني (النهاية) ولا غيره من كلمات من نسبتم هذا الكلام إليه والذي يحضرني في الجواب عمّا ذكرت إنّي لا أجد مانعاً منه وناهيك في ذلك ما يوجد في كلام الملك العلام الذي هو في منتهى البلاغة مثل قوله تعالى :
«وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرةٌ * إِلَى رَبِّهَا ناظرة » [القيامة : 22 - 23] . ﴾
إذ الظاهر ان كلمة الرّب مجاز عن رحمته ،وثوابه ورحمته وثوابه مجاز عن آثار رحمته من الجنة والحور والقصور والثمار والأنهار ، ولو لم نقل بذلك فلا بد من إرتكاب المجاز في كلمة الناظرة أيضاً، وكذلك قوله تعالى :
«يقول الإنسنُ يَوْمَيذٍ أَيْنَ الْمَفرُ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيد السفر» [القيامة : 10 - 12] .
فإنّ الظاهر أنّ كلمة الرّب مجاز عن حكمه ومشيئته، والحكم والمشيئة تصيران مستقراً للإنسان بسبب مقتضياتهما .
وأما ما تمسكت به من قول العلماء فلا يحضرني كلامهم لأفهم مرامهم، ولو فرض صحة النقل فلا حجّة فيه، ولعلّهم أرادوا شيئاً آخر، فهل يمكنهم إنكار أن يقول أحد رأيت أنه رأى رأسه فقط حين الرمي .
أسداً يرمي يرمي مع وأورد عليه صاحب (المصابيح) (رحمه الله) بقوله : ولا يخفى عليك أن ما ذكره من تجويز المجاز عن المجاز مستشهداً بالآيات وعدم المنع من أرباب اللغة في الكتب والمحاورات مردود من جهات.
أما أولاً: فلأن حمل تلك الآيات على سبك المجاز عن المجاز تكلف لا حاجة إليه أصلاً، بل المجاز الظاهر منها غيره كما هو ظاهر
وأما ثانياً : فلأن ما ذكره من عدم كون قول العلماء حجّة لو فرض صحة النقل مردود بأن الكلام في المقام في الأمر اللغوي، والمدار فيه على التوقيف من صاحب (اللغة)، فإذا صرّح أهل اللغة بشيء يكون قولهم حجّة بلا إشكال، لحصول الظن منه، والمدار فيه على
الظن والظهور، لاسيما إذا كان مشهوراً كما فيما نحن فيه .
وأما ثالثاً : فلان المجاز الذي ذكره في قولهم: رأيت أسداً يرمي، حيث رأى رأسه فقط، فإنما هو من باب المجاز في الإستاد لا المجاز في الكلمة، وكلامنا في الثاني لا الأوّل، انتهى كلامه .
وأنت خبير بما فيه أما :أولاً : فلان دعواه الإجماع المحصل في المقام أوّلاً مع إدعائه الشهرة في آخر كلامه كما ترى. وأما ثانياً : فلان نسبة دعوى الإجماع إلى العلامة في (النهاية) سهو فاحش ، بل الموجود في (النهاية) هو أنّ العلامة بعدما ذكر الخلاف في أنّ لفظ النسخ هل هو حقيقة في خصوص الإزالة كما في قولهم : نسخت الشمس الظل، أي إزالته، أو حقيقة في النقل والتحويل، كما في قولهم نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه إلى كتاب آخر، ومنه تناسخ القرون وتناسخ المواريث، يراد تحويلها ونقلها من وارث إلى آخر، واختار الأوّل تبعاً لأبي الحسين البصري.
قال (رحمه الله ) في جملة أدلته الثاني إطلاق إسم النّسخ على النّقل في قولهم : نسخت الكتاب مجاز لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة وإذا كان اسم النسخ مجازاً في النقل كان حقيقة في الإزالة، لعدم استعماله فيما سواهما قال وهو حجّة أبي الحسين، ثم تنظر فيه، وقال بعده واعترض أيضاً بأن اطلاق اسم النسخ في الكتاب إن كان حقيقة بطل كلامكم، وإن كان مجازاً امتنع أن يكون التحول مستعاراً من الإزالة، لأنه غير مزال، ولا يشبه الإزالة، فلا بد من استعارته من ،آخر وليس إلاّ النّقل فكان مستعاراً منه ووجه استعارته منه أن تحصل مثل ما للمنسوخ في المنقول إليه يجري مجرى نقله ،وتحويله، فكان منه بسبب من أسباب التجوز، وإذا كان مستعاراً من النقل كان اسم النسخ حقيقة في النقل، لأنّ المجاز لا يتجوّز من غيره بإجماع أهل اللغة هذا كلامه ومفاده كما ترى أن دعوى الاجماع من قائل ،مجهول، ومجرد ذكر العلامة (رحمه الله ) له وسكوته لا يدلّ على رضاه به وثبوت حقيقته عنده كيف وقد قال (رحمه الله) في باب الحقيقة والمجاز : إنّ الحقيقة مأخوذة من الحق وهو الثابت، ثم نقل إلى العقد المطابق، لأنّه أولى بالوجود من العقد الغير المطابق، ونقل إلى القول المطابق، ثم نقل الى إستعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، فإنّ إستعماله فيه تحقيق لهذا الوضع، فهو مجاز في المرتبة الثالثة من الوضع هذا بحسب اللغة وإن كان حقيقة بحسب ،العرف انتهى .
وهو ظاهر بل نصّ في أن استعمال لفظ الحقيقة عنده في المعنى المصطلح من باب سبك المجاز، ومثله العميدي في المنية). ومع ذلك فكيف ينسب دعوى الاجماع إليه، وعلى فرض التنزّل والتسليم لصحة النّقل نمنع حجيّة الاجماع لعدم دليل على إعتباره بالخصوص في باب اللغات، وإنّما حجيّته منوطة على تمامية دليل الانسداد الذي عنونه علماء
الأصول المفيد لحجيّة مطلق الظنون التي من جملة أفرادها ذلك، لحصول الظن منه بقول اللغوي، لكنّه يتم حجة على ما يقول بحجيّة الظنون المطلقة بشرط أن لا يقوم الظن على خلافه، وأما مع قيامه على خلافه كما اتفق للفاضل القمي (رحمه الله) حيث ظن بالجواز عن وجه الآيات السابقة وإن كانت غير خالية عن المناقشة، فلا ينهض الاجماع المنقول دليلاً عليه، لأنه أمر إجتهادي لا دليل تعبدي .
وبالجملة فالإجماع المدعى مع كونه فاسداً في أصله، حيث لم يثبت نقله في كلام عالم يعتد به لا ينهض دليلاً على مثل الفاضل القمي (رحمه الله) مع ظنه بخلافه فضلاً عن غيره ممن لا يرى الاجماع المنقول حجة أصلاً، فافهم جيداً.
وأما ثانياً فلأن قوله بأنّ المجاز في قولهم: رأيت أسداً يرمي، من باب المجاز العقلي لا اللغوي ممّا فساده غني عن البيان لأنّ الأسد استعارة للرّجل الشجاع، وأريد به رأسه بعلاقة الجزء والكلّ فيكون من باب سبك المجاز، وإسناد الرؤية إليه ليس إلى غير ملابسه حتى يكون مجازاً في الإسناد على ما مرّ تحقيقه في المسألة الثالثة، نعم في إسناد الرّمي إلى ضمير الأسد المراد به الرأس التجوّز عقلي إلا أنّه مشكل بل غير صحيح لان الرمي لا يتصوّر من الرّأس، فلو بدّل الرأس باليد كان سليماً من العيب والإشكال، فتأمل فإنه دقيق.
وأمّا ثالثاً : فلأنه قد صرّح جماعة من اللغويين بتجويز هذا المجاز، منهم الفيروزآبادي في البصائر» على ما حكى عنه في الأوقيانوس)، والزمخشري في أساس البلاغة» في مادة النطح حيث روي عنهما ما محصله أن النطح هو تقابل الكبش ذي القرن مع مثله للمضاربة،
يقال : نطحه الكبش إذا أصابه بقرنه والتطيح يقال : للكبش المستقبل مثله للمضاربة والتناطح، ثم أطلق مجازاً على الصيد المظاهر على الصياد المواجه له بعلاقة المشابهة، فكأنه يستقبل الصياد لينطحه بقرنه وهو مشوم عند الصيادين، ثم إستعمل في الزجل المشوم بعنوان الاستعارة فيكون مجازاً بمرتبتين
ومنهم شارح (القاموس) في مادة الرسالة، فإنّه بعد ما ذكر أن الرسالة هو السفارة قال : ويطلق بالتوسع على المكتوب المحمول للسفير ثم يطلق مجازاً على الكتاب الصغير فهو مجاز بمرتبتين. ومنهم شارح (القاموس) أيضاً في لفظ الركوع حيث ذكر أنّه موضوع لمطلق الانحناء، ثم استعمل مجازاً في عرف الشرع في الركن المخصوص، وربما يطلق بعلاقة الجزئية والكليّة على نفس الصلاة، إلى غير ذلك ممّا يشتمل عليه كلمات القوم، وأكثرها احتواء لذلك أسرار البلاغة للزمخشري فراجع إليها تعرف صدق ما قلناه، فإنّ ذكر علماء اللغة له وإرسالهم له إرسال المسلمات وحكاية أحدهم عن الآخر من دون قدح واعتراض بأن
المجاز لا يتجوّز يدلّ على صخة التجوّز وثبوت ذلك عندهم، وإن كان يمكن المناقشة في بعض الامثله بارجاع المجاز فيه إلى نفس الحقيقة دون المجاز الأول وإبداء العلاقة والمناسبة بينها وبين المجاز الثاني من دون حاجة إلى توسيط المجاز الأوّل .
وأوضح من الكلّ كلام الخرّيت الماهر البارع أو المظفّر المطرّزي في شرح مقامات الحريري في شرح لفظ المقامة ما نصّ عبارته المقامة هي المفعلة من من المقام يقال : مقام ومقامة كمكان ومكانة ومنزل ومنزلة، وهما في الأصل إسمان لموضع القيام إلا أنّهم اتسعوا فيها فاستعملوها إستعمال المكان والمجلس قال الله تعالى : «و خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيَّا» [مريم : 73] .
وقال ابن علی :
وكالمسك ترب مقاماتهم*** وتربُ قبورهم أطيبُ
ثم كثر حتّى سمّوا الجالسين في المقامة مقامة كما سمّوهم مجلساً قال زهير :
وفيهم مقامات حسان وجوههم.
وقال مهلهل
بنت أن النار بعدك أوقدت*** واستب بعدك يا كليب المجلس
إلى أن قيل لما يقام فيها من خطبة أو عظة أو ما أشبهها مقامة كما يقال له : المجلس يقال : مقامات الخطباء ومجالس القصاص، وهذا من باب إيقاعهم الشيء على ما يتصل به ويتكثر ملابسته إياه، أو يكون منه تسبب ومن ذلك تسميتهم السّحاب سماء، قال الله تعالى : «وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ طهورا » [الفرقان: 48] .
ثم كثر حتى قيل للمطر : سماء، قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم***رعیناه وان کانوا غضاباً
وقالوا: ما زلنا نطا السماء حتى أتيناكم .
ومنه الحياء في قول الرّاعي :
فقلت لرَب النّاب خذها ثنية*** وناب عليها مثل نابك في الحيا
وذلك أنّ الحياء إسم للمطر لأنه يحيي البلاد والعباد ، ثمّ سمّوا النبات حيّاً لأنه يكون بالمطر، ثم اتسعوا فسمّوا الشحم والسمن حيّاً، لأنهما يكونان من النبات، وهو الذي أراده الراعي في قوله : وهذا باب واسع المجال طويل الأذيال انتهى كلامه.
ومثله أبو البقاء قال عند بيان معنى الحقيقة والمجاز ما عبارته ولفظة الحقيقة مجاز في معناها فإنّها فعيلة مأخوذة من الحق والحق بحسب اللغة الثّابت لأنه نقيض الباطل المعدوم والفعيل المشتق من الحق إن كان بمعنى الفاعل كان معناه الثابت، وإن كان بمعنى المفعول كان معناه المثبت، نقل من الأمر الذي له ثبات إلى العقد المطابق للواقع، لأنه أولى بالوجود من العقد الغير المطابق، ثم نقل من العقد إلى القول المطابق لهذه العلة بعينها، ثم نقل إلى المعنى المصطلح وهو اللفظ المستعمل فيما وضع له في إصطلاح التخاطب، التّاء الداخلة على الفعيل المشتق من الحق لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإس- الصرفة قال : وكذا المجاز مجاز في معناه فإنه مفعل من الجواز بمعنى العبور، وهو حقيقة في الأجسام، واللفظ عرض يمتنع عليه الإنتقال من محل إلى آخر، وبناء مفعل مشترك بين المصدر والمكان، لكونه حقيقة فيهما، ثم نقل من المصدر أو المكان إلى الفاعل الذي هو الجائز، ثم من الفاعل إلى المعنى المصطلح، وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له يناسب المعنى المصطلح بحسب التخاطب انتهى، فافهم واغتنم .
إعلم أن المجاز بالذات لا يدخل إلا على أسماء الأجناس، ونعني بها ما وضع لمفهوم غير مشخص ولا يتعلق معناه بغيره سواء كان إسم عين كأسد ،ورجل، أو إسم معنى كقتل وقيام وقعود، وأما غيرها فلا يتصف بالمجاز بالذات.
أمّا الأعلام الشخصية، فلأنّ المجاز مشروط بالعلاقة بين الأصل والفرع، وليست موجودة في الأعلام ولذلك قالوا في باب الاستعارة: إنّها لا تكون علماً من حيث إنها تقتضي إدخال المشبه في جنس المشبه به بجعل أفراده قسمين متعارفاً وغير متعارف ولا لأنه يمكن ذلك في العلم يقتضي التشخص ومنع الاشتراك المنافي للجنسيّة المعتبرة . الإستعارة، نعم لو تضمّن العلم نوع جنسيّة تأويلاً بسبب اشتهاره في وصفالأوصاف، يجوز حينئذ إستعارته، كحاتم المتضمّن للإنصاف بالجود، فإنّه يجوز أن يشبه شخص بحاتم في جوده ويتأوّل في حاتم فيجعل كأنه موضوع للجواد المطلق، سواء كان ذلك الفرد المعروف أو غيره فيكون اطلاقه على الفرد المتعارف حقيقة، وعلى غيره ،استعارة كما تقول : رأيت اليوم حاتماً .
وأما الأسماء المشتقة من الفاعل والمفعول والصفة المشبهة والزمان والمكان والآلة فإنّما یدخل فيها المجاز باعتبار المشتق منها ، وكذلك الأفعال، ومن هنا قالوا : إنّ الاستعارة في الأفعال وسائر المشتقات تبعية، كما في قولهم نطقت الحال بكذا ، فإنه استعير النطق أولاً للدلالة بعلاقة المشابهة في إيضاح المعنى وإيصاله إلى الذهن، أو تجوّز به عنها بعلاقة
اللزوم، إذ الدلالة لازمة للنطق فيكون مجازاً مرسلاً ، ثم اشتق منه نطقت بمعنى دلت، فيكون الاستعارة والمجازية في المصدر أصليّة وفي الفعل ،تبعيّة وإن كان لا تجوز في الفعل بالذات، لبقاء النّسبة على حالها وقرينة المجاز هو الفاعل، إذ الحال ليس من شأنها النطق بل الدلالة ويجري ما ذكرناه كله في قولنا : الحال ناطقة بكذا وهكذا سائر المشتقات .
وأمّا الحروف فلما لم تكن معانيها مستقلة بالمفهومية لم يدخلها الحقيقة والمجاز بالذات، لأنّهما من أوصاف المعاني المستقلة وعوارضها، وإنّما تدخلان فيها باعتبار متعلقاتها، والمراد بمتعلقاتها ما للحروف تعلق بها باعتبار معانيها
قال صاحب (المفتاح) : المراد بمتعلقات معاني الحروف ما يعبر بها عنها عند تفسير معانيها، مثل قولنا : «من»، معناها ابتداء الغاية و«في»، ومعناها الظرفية و«كي»، معناها الغرض، فهذه ليست معاني الحروف، وإلا لما كانت حروفاً بل أسماء، لأن الاسمية ،والحرفية، إنّما هي باعتبار المعنى، وإنّما هي متعلقات لمعانيها أي إذا أفادت هذه الحروف معاني رجعت تلك المعاني إلى هذه بنوع استلزام، فالمقصود أنّ الحروف تتصف بالحقيقية والمجازية باعتبار متعلقات معانيها تبعاً إياها فقولنا : زيد في الدار حقيقة، وقولنا : زيد في ،نعمة ،مجاز، وكذلك : ضربته للتأديب حقيقة، وقوله تعالى : «النقطه فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوا وَحَزَنَا» [القصص: 8] .
التَقَطَهُ وَالى مجاز، حيث شبه ترتب كونه عدوّ أو حزناً على الالتقاط بترتب العلة الغائية للالتقاط عليه ثم استعمل في المشتبه اللام الموضوعة للدلالة على ترتب العلة الغائية الذي هو المشبه به فجرت الاستعارة أولاً في العلية والغرضيّة، وبتبعيتها في اللام كما مرّ في نطقت الحال، فاللام إستعارة لما يشبه العلية .
إعلم أنك بعدما احطت خبراً بما قدمناه في تعريف الحقيقة والمجاز تعرف جواز الواسطة بينهما نظراً إلى أنهما لما كانا أمرين وجوديين غير مجتمعين في محل واحد من جهة واحدة ولم يكونا متضايفين يكون التقابل بينهما تقابل التضاد ومقتضاه جواز خلوّ المحل عن الضدين كما لا يخفى فعلى هذا يجوز عدم اتصاف اللفظ بشيء من الحقيقة والمجاز بلا إشكال، وقد اشتهر التمثيل لذلك في كلام الأصوليين باللفظ قبل أن يكون مستعملاً في الموضوع له وغيره فإنه لا يكون حقيقة ولا مجازاً لظهور اعتبار الاستعمال في حديهما .
قال بعض المحققين: إن المراد من ذلك أنّ اللفظ حين الوضع قبل أن يكون مستعملاً ليس بحقيقة ولا مجاز، لا أنّ المستعمل حال عدم الاستعمال خارج عنهما بل هو حينئذ
حقيقة ومجاز حقيقة بالنسبة إلى ما وضع له واستعمل فيه مجاز بالنسبة إلى ما استعمل فيه ولم يوضع له ألست تقول في الأسد إنه حقيقة في الحيوان المفترس مجاز في الرّجل الشجاع وهكذا في كل لفظ لفظ، فعلى هذا فما من حقيقة ولا مجاز إلا وقد كان قبل الاستعمال واسطة انتهى .
وربما عد منها الألفاظ التي يقصد بها أنفسها ولا معانيها الموضوعة لها، كما يقال : ضرب فعل ماض ومن حرف جرّ وأين حرف استفهام، فإنّها ليست بحقيقة ولا مجاز، لانتفاء الوضع والتأويل فيها، بل إنما أطلق اللفظ ليحضر في ذهن السامع ثم يحكم عليه بشيء من لوازمه.
قال السيد المحقق الكاظمي في شرح (الوافية) فهو بهذا الاستعمال لا يتصف باسمية ولا فعليّة ولا إفراد ولا تركيب ولا حقيقة ولا مجاز لأخذ المعنى في ذلك كله، اه. وربما يعدّ منها الأعلام الشخصية كما عده العلامية الحلي (قدس سره) في (النهاية)، والمحقق الكاظمي والأمدي وربّما حكى عن الرّازي والبيضاوي وغيرهما، واستدلوا عليه بأنّ الحقيقة إنّما يكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له أوّلاً والمجاز في غير ما وضع له أولاً، وذلك يستدعي كون الإسم الحقيقي والمجازي موضوعاً في وضع اللغة لشيء قبل هذا الاستعمال، وأسماء الأعلام ليست كذلك فإن مستعملها لم يستعملها فيما وضعها أهل اللغة له أولاً، ولا في غيره، لأنّها ليس لها وضع سابق، مضافاً إلى أن مستعملها لم يلاحظ في مسمياتها علاقتها لمسمياتها اللغوية، فلا تتصف بشيء من الحقيقية والمجازية.
أقول : والانصاف أن ذلك لا يخلو عن إشكال، لأن مقتضى حصرهم الأقسام الحقيقة في الثلاثة المشهورة - أعني اللغوية والشرعيّة والعرفية - وإن كان يفيد خروجها عنها کخروجها عن المجاز .
أما الشرعية فواضح. وأما اللغوية : فلان واضعها واضع اللغة ومعلوم أنّ الأعلام ليست كذلك، إذ لكلّ منها واضع مخصوص، على أن الحقيقة اللغوية إنّما وضعها واضع لتأليف محاورات أهل اللغة، ولا يختص بأناس دون أناس وهذه ليست كذلك، مع أنها لا تختص بلغة دون لغة ولا تزال تتجدد.
وأمّا العرفية العامة فلأنّها بالاشتهار والتعيّن والإعلام بالتشخيص والتعيين والعرفية ليس لها واضع معين بخلاف الإعلام.
وأما العرفية الخاصة فلتصريحهم بأن الوضع فيها من قوم أو فريق يشتركون في فنّ أو صنعة، والأعلام ليست كذلك، لكون الوضع فيها من واحد غالباً مضافاً إلى أن العرفية الخاصة
إنما تكون حقيقة لو كان المستعمل لها من أهل ذلك ،الاصطلاح، فإن الفعل مثلاً إذا استعمله غير النحاة فيما يقابل الاسم والحرف يكون مجازاً، لكونه مستعملاً في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، بخلاف الأعلام فإنّها لا تختص باصطلاح دون اصطلاح، ولكنها مع كله لا يبعد القول بكونها حقيقة لصدق حده عليها، فلا بد أن تجعل قسماً رابعاً وتسمّى بالحقيقة العلمية .
ولذلك أورد العميدي في شرح التهذيب على القائلين بالخروج بأن أكثر الأعلام منقولة عن معان وضعها لها أهل اللغة وما مثل به وهو زيد وعمرو موضوعان لغة فإنّ زيداً مصدر زاد وعمراً مصدر ،عمر وكونها مستعملة لا فيما وضعها له أهل اللغة ولا في غيره محال لاستحالة ثبوت واسطة بين هذين القسمين .
قال : والحق إنّ الأعلام بعد استعمالها حقائق بالنظر إلى وضعها الجديد، وأما بالنظر إلى اللغة فليس حقائق ولا مجازات وإن كانت منقولات عن معان وضعها لها أهل اللغة لأن واضعها أعلاماً لم يستعملها في معانيها اللغوية، ولم يلاحظ في مسمياتها علاقتها بالمسميات اللغوية، وقبل استعمالها ليست حقائق ولا مجازات فيما هي أعلام عليه مطلقاً انتهى.
مع أنه يمكن ادخالها في العرفية الخاصة، إذ الظاهر أنه لا يعتبر فيها صدور الوضع عن قوم أو طائفة كما توهمه بعضهم، بل يكفي صدوره من بعض ولو واحداً، كيف والحقيقة الشرعية على القول بثبوتها ليست إلا من العرفية الخاصة مع أنّ واضعها ليس إلا الشارع. وأمّا القول بأنّ العرفية الخاصة إنّما تكون حقيقة إذا كان المستعمل من أهل الاصطلاح فممنوع، بل الظاهر أنّه إذا استعمله في كلام أهل ذلك الاصطلاح غيرهم ممن تابعهم في ملاحظة ذلك الوضع كان حقيقة كما هو الشأن في جميع الحقائق من غير فرق هذا كله في الأعلام الشخصيّة، وأمّا الأعلام المغلبة في العرف العام كالبيت والنجم أو في العرف الخاص كالكتاب لكتاب سيبويه فمن العرفية العامة والخاصة بلا ريب كما أن الأعلام الجنسية كأسامة وثعالة لا كلام في أنّها من الحقائق اللغوية.
في تعريفه، وقد عرف بوجوه أسدّها ما في (النهاية) قال: هو اللفظ المتناول لعدّة معانٍ من حيث هي كذلك بطريق الحقيقة على السواء، فبالقيد الأول خرجت الألفاظ المتباينة،
وبالثاني العلم، وبالثالث المتواطئ وبالرّابع ما تناوله للبعض حقيقة وللبعض مجازاً، وبالخامس المنقول، انتهى كلامه رفع مقامه.
أقول : والظاهر أنه لا حاجة في إخراج المتواطئ إلى قيد الحيثية، لكفاية القيد الثاني مؤنته، إذ المتواطئ إنّما وضع لمعنى واحد كلي متناول لأفراد عديدة مندرجة تحته، وليس له معان متعددة حتى يدخل في هذا القيد ويخرج بالقيد الثالث، اللهم إلا أن يراد بالمعاني المتعددة تلك الأفراد العديدة ويكون المقصود حينئذ أن المتواطئ لفظ متناول الأفراد متعددة لكن تناوله لها ليس من حيث إنّها متعددة بل من حيث اندراجها تحت مفهومه العام، وهو مع ما فيه من التكلف كما ترى موجب لانتقاض الحدّ بالتثنية والجمع كرجلين ورجال، فلا بد على ذلك أن يضم إليه ما يدلّ على كون التناول على سبيل البدل، وبعد اللتيا واللتي فالأولى أن يعرف بأنّه : اللفظ الواحد الموضوع لمعان متعددة من غير ملاحظة النّسبة في الوضع الثاني مع الوضع الأول ولا اشتهار فيه مع الأوّل ولا اشتهار فيه مع هجر الأول فيخرج بالقيد الأول الألفاظ المتباينة، وبالقيد الثاني العلم والمتواطئ فإن معناهما واحد وإن كان للثاني أفراد عديدة، واللفظ الذي حقيقة في معنى ومجاز في آخر كلفظ الأسد، وبالقيد الثالث المنقول وبالرّابع، المرتجل ويمكن الاستغناء بالرابع عن الثالث لأن المعنى الأوّل فيه أيضاً مهجور كما أنّ الثاني مشهور فافهم جيداً.
اختلفوا في إمكان الاشتراك وعدمه والحق هو الإمكان لأنه واقع فيكون ممكناً، أمّا الكبرى فظاهر، وأمّا الصغرى فلما سنبينة في المسألة الآتية، وأيضاً لا امتناع في أن يضع قوم لفظاً لمعنى ثم يضعه آخرون لآخر، ويشيع الوضعان فيحصل الاشتراك، هذا فيما لو تعدد الواضعون وأمّا في صورة الاتحاد فربّما يكون غرض المخاطب - بالكسر - إعلام المخاطب ما في ضميره على سبيل الاجمال كما يتعلق غرضه بالاعلام على سبيل التفصيل فاقتضت الحكمة وضع المشترك طلباً لفائدة العلم الاجمالي كما اقتضت وضع المنفرد طلباً
لفائدة العلم التفصيلي .
واحتج القائلون بالامتناع بأنه مع ذكر القرينة يكون تطويلاً بلا طائل، وإلا كان مخلاً بالتفاهم المقصود من وضع الألفاظ توضيحه : انّ القصد بالوضع إعلام ما في الضمير وهو إنما يحصل لو كان اللفظ الواحد له معنى واحد ومع تعدد المعاني لا يفهم المخاطب فيختل
الفائدة .
و فيه انا لا نسلم اختلال التفاهم والعراء عن الفائدة مع الخلو عن القرينة، لما مرّ من أنّه ربما يكون الغرض من إلقاء الكلام هو الإعلام على سبيل الاجمال دون التفصيل، فلا ينتفي
الفائدة في إطلاقه رأساً، ولا نسلم استلزام القرينة التطويل بلا طائل، إذ ربما يتعلق للمتكلم غرض بذلك، كأن تكون القرينة معلومة عند من يطلب المتكلم إفهامه بالخطاب مجهولة عند غيره من السامعين الذين لا يريد إفهامهم وهو واضح .
فقد ثبت منه ضعف القول بالامتناع وأضعف منه ما حكي عن شرذمة من القول بالوجوب، مستدلاً بما وهنه أبين ممّا مرّ، نعم قد يقال بالوجوب بمعنى كون الاشتراك مقتضي الحكمة لقضائها بوجود المجملات في اللغة نظراً إلى مسيس الحاجة إليها في بعض
الأحوال، ولما فيه من فوائد أخر لفظية أو معنوية ولا بأس به.
اختلف المجوّزون للاشتراك في وقوعه والحق هو الوقوع لنا أنّ القرء موضوع للطهر والحيض، واللون الأبيض والأسود معاً على البدل من غير ترجيح، ويدل عليه أن المخاطب إذا سمعه يبقى متردّداً ولم يسبق ذهنه إلى أحدهما، ولا إليهما فكان مشتركاً إذ لو كان حقيقة
في أحدهما مجازاً في الآخر أو متواطئاً لم يكن له تردّد.
احتج المانع بما تقدّم من اختلال الفهم وما يدعي كونه من هذا القبيل فهو إما متواطء أو حقيقة ومجاز كالعين فإنّه وضع أوّلاً للجارحة المخصوصة، ثم اطلق مجازاً على الدّينار بعلاقة الصفاء والعزة ثم على الشمس بعلاقة الصفاء، ثم على الماء بتلك العلاقة وهكذا . وجوابه يعلم ممّا مر مضافاً إلى التعسّف والتكليف في تأويل الواقع بغيره، لعدم الداعي إليه، وعدم وجود العلاقة المعتبرة في أكثر الموارد وعلى تقدير وجودها كما في المثال المذكور على تقدير تسليمها فهو مستلزم لسبك المجاز عن المجاز، وقد علمت فيما سبق إنكار الأكثر له، والظاهر أن القائل بجوازه لا أراهم يجوّزونه بهذا المقدار، لأن القول بجواز سبك سبعين مجازاً ممّا يشمئز منه الطباع، وغاية ما ثبت من الأدلة في مقامه هو جواز سبك المجاز عن المجاز، وأمّا سبك المجاز عن المجاز عن المجاز وهكذا فلم يدل عليه دليل ومع عدمه فيحكم بالعدم بمقتضى توقيفية اللغات واحتياجها إلى الإذن والترخيص من صاحب اللغة
بعد ما قلناه بثبوت الاشتراك في اللغة هل هو ثابت في القرآن؟ الحق ذلك لقوله سبحانه : «وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُو، ووَالَّيْلِ » إِذَا عَسْعَسَ [التكوير : 17].
أي أقبل وأدبر وخالف فيه شاذ مستدلاً بمثل ما مرّ من أن المقصود منه إن كان هو الإفهام فإما أن يكون مع القرينة المتعينة للمراد أم لا، والأوّل تطويل بلا فائدة لأنه يكفي أداء المقصود والتعبير عنه بمنفرد والثاني تكليف بما لا يطاق إذ طلب فهم معنى من لفظ يدلّ عليه وعلى غيره بالسوية تكليف بالمحال، وإن كان المقصود منه عدم الافهام كان عبثاً قبيحاً على الحكيم المتعال
والجواب: باختيار الشق الأول ومنع لزوم التطويل بلا فائدة، فإن ذكر الشيء مجملاً ثم مبيناً يكون أوقع في النفس كما تقرّر في (البلاغة)، ثم باختيار الشق الثاني ومنع لزوم التكليف بما لا يطاق، لأنّه إنّما يلزم لو كان مكلفاً بالمعرفة التفصيلية لا مطلقاً، كما في أسماء الأجناس، هذا فيما لو كان المشترك الغير المبين متعلقاً بغير الأحكام، وإذا كان متعلقاً بها فيفيد استعداد المكلف للامتثال إذا بين يطيع بالعزم على الامتثال وبعضي بالعزم على خلافه كذا ،قيل ولكنَّه مبني على المحازاة بالعزم مثوبة وعقوبة وفي بعض الأخبار دلالة عليه إلا أنه بعد محل كلام ويأتي تحقيقه في شرح الخطبة الشقشقية .
اختلف الأصوليون في جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد وبعبارة أخرى : اختلفوا في أنه هل يجوز إرادة أكثر من معنى من معاني المشترك في إطلاق واحد بأن يقال : رأيت عيناً ويراد عين جارية وعين باكية، أو يقال القرءُ من صفات النساء ويراد أنّ الطهر والحيض من صفاتهنّ فذهب قوم إلى الجواز منهم العلامة الحلي (قدس سره) والشارح البحراني وصاحب المعالم وسلطان العلماء وحكي عن البيضاوي والعبري وصاحب جمع الجوامع ونسبه العلامة في (النهاية) إلى الشافعي والقاضي أبي بكر والجبائي والقاضي عبد الجبار والسيد المرتضى، وقال آخرون : بالعدم بمعنى أنه لا يجوز مطلقاً أي مفرداً وتثنية وجمعاً لا نفياً ولا إثباتاً ولا حقيقة ولا مجازاً. وهو الحق وإليه ذهب المحققون منهم الفاضل القمي وصاحب الفصول وشريف العلماء والسّيد إبراهيم القزويني وشيخنا السيد السند السيد حسين قدس الله رمسه وحكي عن أبي هاشم والكرخي وأبي حنيفة والغزالي وأبي الحسين وأبي عبد الله البصرتين وفخر الدين الرّازي .
ثم اختلف المجوّزون على أقوال أحدها أنه بطريق الحقيقة وهو مقتضى إطلاق الأكثر، و(ثانيها) أنّه بطريق المجاز وهو اختيار العلامة في التهذيب) والشارح البحراني، وثالثها كونه مجازاً في المفرد وحقيقة في التثنية والجمع وهو مختار صاحب (المعالم)،يظهر من العلامة في (النهاية) جنوحه إليه حيث فرق بين المفرد والجمع مع جريان دليله الذي استدل به للجمع في التثنية حسبما تعرفه بعد ذلك ان شاء الله .
وأما التفصيل بين النّفي والإثبات بالجواز في الأول والمنع في الثاني فهو المحكي في (النهاية) وغيره عن بعض الأصوليين.
لنا على عدم جوازه في المفرد مطلقاً حقيقة أن الحقيقة حسبما عرفت سابقاً عبارة عن استعمال اللفظ فيما وضع له أي فيما عيّن وخصص اللفظ بإزائه، فإذا وضع لفظ لمعنيين مثلاً فمقتضى كلّ وضع أن لا يستعمل إلا في المعنى الذي وضع اللفظ بإزائه فإذا أُطلق اللّفظ وأريد أحدهما صح الاستعمال على ما هو قضيّة أحد الوضعين وإن أطلق وأريد به كلاهما لم يصح، لأنّ قضيّة كلّ من الوضعين أن لا يراد منه المعنى الآخر، وبعبارة أخرى الاستعمال إنما هو تابع للوضع، والواضع إنّما وضع اللفظ لمعنى ثم وضعه هو أو غيره لمعنى آخر فاستعماله فيهما كليهما خلاف وضعه .
وربّما يستدل أيضاً بأن عدم الوجدان دليل على عدم الوجود فيما كان مظنة له، فإنّ الاستعمال فيهما لو كان جائزاً لوجد في نظم أو نثر أو كتاب أو سنة أو خطاب أو محاورة، ولا أقل من مثال ،واحد فحيث لم يوجد بعد الاستقراء التام حصل منه الظن القوي بعدم الجواز، وهو حجّة في مباحث الألفاظ .
لا يقال : هذا كله مسلم في الإثبات وأمّا النفي فلا لظهور أن النكرة المنفية مفيدة للعموم فتشمل المعنيين فصاعداً .
لأنا نقول : إنّ النّفي متوجه إلى الإثبات فإن أريد من المثبت معنى واحد يفيد النفي عموم نفي إفراد ذلك المعنى الواحد وإن أريد معنى متعدد يفيد عموم نفي إفراد المتعدد، وإذا ثبت أن المشترك معناه أحد المعاني لا المعنيان لم يكن أثر النفي راجعاً إلا إليه.
وبعبارة أخرى العموم الذي يفيده النّفي غير العموم المتنازع فيه إذ ما يفيده هو عموم جميع مصاديق مسمّى ،واحد والمتنازع فيه هو جميع المسميات وبينهما بون بعيد.
ولنا على عدم جوازه في المفرد مجازاً انتفاء العلاقة المعتبرة المصححة للتجوّز ويتضح ذلك بإبطال ما زعموه من العلاقة حسبما سنشير إليه إن شاء الله ولنا على عدم جوازه في التثنية والجمع حقيقة أن المتبادر المنساق إلى الأذهان من التثنية والجمع مثلاً هو فردان أو أفراد من ماهية واحدة فإذا سمعنا قول القائل رجلان أو عالمان مثلاً تبادر إلى أذهاتنا فردان من ماهيّة المفرد المذكر العاقل المتصف بالرجولية أو العلم، وأما كون الفردين من ماهيّتين باعتبار اتفاقهما في مجرّد الاسم فغير متبادر بل المتبادر ،غيره، وقد مرّ أن التبادر علامة الحقيقة وتبادر الغير علامة المجاز فعلى هذا يكون قولنا : عينان حقيقة في فردين من ماهية واحدة .
لا يقال: إن التبادر في المثال المذكور من جهة كون الوضع فيه واحداً .
لأنا نقول : نفرض الكلام فيما تعدّد فيه الوضع مثل مسلمين، فإنّ لفظ مسلم له وضعان علمي ووصفي ومع ذلك فالمتبادر عند إطلاق لفظ مسلمين فردان من الماهية الواحدة، أي الشخصان المتصفان بالإسلام، لا المسمّيان ،بمسلم وبذلك ظهر فساد ما توهمه صاحب
، (المعالم) من أن الظاهر اعتبار الاتفاق في اللفظ دون المعنى في المفردات، مضافاً إلى أن الأمر في المقام دائر بين المجاز والاشتراك اللفظي لأن التثنية حقيقة في المتفقين في المعنى اتفاقاً، وليس قدر جامع بينه وبين المتفقين في اللفظ يكون مناط الاستعمال، فلا بد إما من القول بكونها مشتركة بينهما بالاشتراك اللفظي، وإما من القول بكونها مجازاً في الثاني وحقيقة في الأوّل فقط، والمجاز خير من الاشتراك على ما برهن في (الأصول)، وبما ذكرنا يظهر الكلام في الجمع حرفاً بحرف .
ولنا على عدم جوازه فيهما مجازاً ما نبه به بعض الأفاضل من أن ذلك إما بالتصرف في مدلول المادة أعني المفرد وقد ظهر فساده فيما قدمنا أو بالتصرف في الأداة باستعمالها مجازاً في إفادة التعدّد في لفظ المفرد فيزاد بحسب كلّ معنى أو في إفادته بالنسبة إلى ما أريد من المادة وما لم يرد منها ، وكلاهما مما لا يساعد الطبع والاستعمال على جوازه، فإن معاني الحروف إنّما تعتور(1). على المعنى الذي أريد من مدخولها دون لفظه أو معنى آخر لم يرد من ،مدخولها ، ألا ترى انّ اللام مثلاً في قولك العين للإشارة إلى ما أريد من لفظ العين كالباصرة، ولا يصح أن يراد بها الإشارة إلى اللفظ أو إلى معنى آخر لم يقصد في الاستعمال كالجارية، وكذلك التنوين في قولك: عين وعلى هذا القياس بقية اللواحق.
وأمّا حجج سائر الأقوال وفسادها فتظهر بإيراد ما أورده الشارح البحراني واتباعه بما يلوح عليه من وجوه النظر . فأقول : قال الشارح بعدما ذكر الخلاف في المسألة :
حجّة المجوّزين من :وجهين أحدهما أن الصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ثم إن الله تعالى أراد بهذه كلي معنييها في قوله: «إِنَّ اللهَ وَمَلَيكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيُّ» [الأحزاب: 56]
الثاني : قوله تعالى:«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجَبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّواتُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ » [الحج: 18] .
والسجود هنا مشترك بين الخشوع لأنه هو المتصوّر من الملائكة وبين وضع الجبهة
1) تعتور تدل.
على الأرض في حق الناس، وبين شهادة الحال بالحاجة إلى الصانع، لأنه هو المتصوّر من الجمادات، ثم إنّ الله تعالى أراد كل معانيه في هذه الآية .
حجّة المانعين أن المجموع غير كل واحد واحد، فالواضع إذا وضع لفظاً لمعنيين على الانفراد فإما أن يضعه مع ذلك لمجموعهما أو لا يضعه فإن لم يضعه له كان استعماله فيه استعمالاً للفظ في غير ما وضع له وإنّه غير جائز، وإن وضعه له فإذا استعمله فيه فإما أن يستعمله فيه لإفادته بانفراده فيكون ذلك استعمالاً للفظ في أحد مفهوماته لا في كلها، وإن استعمله لإفادته مع إفادة الأفراد فهو محال، لأن استعماله لإفادة المجموع يستلزم عدم الاكتفاء بكلّ واحد من الأفراد واستعماله لإفادة الإفراد يستلزم الاكتفاء بكلّ واحد من الافراد والاكتفاء بكل واحد من الأفراد مع عدم الاكتفاء بكلّ واحد منها مما لا يجتمعان .
ثم قال الشارح : أقول : إن محل النزاع في هذا البحث غير ملخص، فإنه إن أريد أنه يجوز استعماله في مدلولاته على الجمع مطابقة فليس بحق لما يلزم المستعمل له كذلك من التناقض في القصد إلى المجموع وإلى الأفراد، وإن أريد أنه يجوز استعماله فيها على الجمع لإفادتها كيف اتفق فذلك جائز، إذ يصح استعماله في المجموع مطابقة مع دلالتها على الأفراد تضمنا، وقول المانع إنه إذا لم يكن الواضع وضع اللفظ للمجموع كما وضعه للأفراد امتنع فيه إن أراد به حقيقة فهو حق، وإن أراد أنه يمتنع استعماله فيه مجازاً فهذا مما لا يقتضيه حجته .
وأمّا حجج المجوّزين فضعيفة أما الأولى فلان ضمير الجمع في قوله يصلون، بمنزلة الضمائر المتعددة المقتضية للأفعال المتعددة التي يراد بكلّ واحد منها معنى غير ما يراد بالآخر ،والتقدير إن الله يصلي وملائكته تصلي.
وأما الثانية : فلأن العطوف المتعددة تستدعي تعدد الأفعال فتقدير قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، أي ويسجد مَنْ في الأرض، وكذا الباقي والمراد بكلّ منها المعنى الذي تقتضيه القرينة، ثم لو سلمنا أنها استعملت في كلّ مفهوماتها لكنّه يكون مجازاً وإلا لزم التناقض كما هو مذكور في حجّة المانعين، انتهى كلام الشارح .أقول : ويتوجه عليه وجوه من الكلام وضروب من الملام. أحدها: أن استدلال المجوزين على الجواز بقوله: «إِنَّ اللهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ» الآية فيه : أنا لا نسلم أن الصلاة هنا مستعملة في المعنيين بل المراد بها معنى عام شامل للمعنيين من باب عموم الاشتراك وهو الاعتناء بإظهار الشرف والتعظيم كما فسرها به الطبرسي والبيضاوي وغيرهما، فيكون معنى الآية : إن الله وملائكته يعتنون بإظهار شرف النبي الله ، وتعظيمه، فلا داعي إلى حمل الصلاة على المعنيين مضافاً إلى إمكان أن يقال : بحذف الفعل بقرينة المذكور، والتقدير إن الله يصلي وملائكته يصلون على حد قوله :
نحن بما عندنا وأنتَ بما*** عندك راض والرأي مختلفوأمّا استدلالهم بقوله : إنّ الله يسجد، ففيه أن المراد بالسجود هنا هو المعنى الأخير الذي ذكروه أعني شهادة الحال بالافتقار إلى الصانع وهو معنى عام شامل لجميع الموجودات، فليس من باب الاستعمال في المعنيين أو المعاني .فإن قلت لو كان المراد به ذلك لا يكون وجه للتخصيص بكثير من الناس، لظهور أن جميع الناس وكلهم محتاجون إلى صانعهم كسائر المخلوقات .قلنا وإن كان جميع الناس مفتقرين إلى الصانع بالافتقار الذاتي، خاضعين له بالخضوع التكويني إلا أن بعضهم لما كابروا بالظاهر وتمردوا وتكبروا لا جرم لم يعبأ بهم وخص غيرهم بالذكر لمزيتهم وشرفهم وخضوعهم ظاهراً وباطناً، وإظهارهم الحاجة والافتقار والذلّ بظاهرهم، مضافاً إلى باطنهم وإن اندرجوا مع غيرهم في عموم «وَمَن فِي الْأَرْضِ» الثاني: أن استدلال المانعين على المنع بما أورده الشارح، فيه انا نختار الشق الأخير أعني استعماله لإفادة المجموع مع إفادة ،الإفراد وقولهم : إنّ ذلك محال ممنوع ، لأن محصل ما ذكروه في وجه الاستحالة أنّ إرادة المجموع مع إرادة الأفراد مستلزم للتناقض، من حيث إن إرادة المجموع تقتضي عدم الاكتفاء بفرد من أفراده، وإرادة الأفراد تقتضي الاكتفاء بفرد من أفراده بها، وإرادة كلّ واحد من الأفراد مع عدم إرادة المجموع متناقضة، ويتوجه عليه أن محلّ النّزاع في هذا المبحث هو استعمال اللفظ في نفس المجموع لا المجموع من حيث المجموع، وعلى ذلك فالتناقض ممنوع ، لأنّ إرادة المجموع مستلزم لإرادة كل فرد فكيف يكون إرادة كل فرد متناقضة لإرادة المجموع، وكذلك إرادة كل واحد من الأفراد تقتضي الاكتفاء به لو لم يكن غيره مراداً أيضاً، وأما مع إرادته فلا .الثالث: أن ما حققه الشارح في تلخيص محلّ النزاع وتحريره بقوله : وأقول إنّ محل النزاع - إلى قوله - فهذا مما لا يقتضيه حجته، فيه أنه غفلة عن محل النزاع، لأن نزاعهم في هذه المسألة كما صرح به غير واحد من الأصوليين في استعمال اللفظ في هذا المعنى وهذا المعنى، لا في مجموع المعنيين من حيث هو مجموع، والفرق بينهما ،ظاهر ، لأن المتكلم في الأوّل يقصد كل واحد واحد قصداً أوّلاً وبالذات وفي الثاني إنّما يقصد بالذات والقصد الأوّل المجموع من حيث هو مجموع، وقصده كل واحد إنما هو بالعرض والقصد الثاني، وعلى ذلك يكون دلالة اللفظ على كل واحد واحد من المعاني بالمطابقة لا بالتضمّن نعم لو كان استعماله في المجموع من حيث هو مجموع لكان لما ذكره وجه لأنه يكون حينئذ كلامهم في اندراج أحد المعنيين في المجموع نظير اندراج الواحد في العشرة، إلا أنك قد عرفت تنصيص جماعة من الأصوليين على خروج الاستعمال المذكور من محلّ الكلام، وهو الموافق
للتحقيق، ضرورة كون الاستعمال المذكور على تقدير صحته مجازاً قطعاً كما ذهب إليهأن الشارح، مع من أرباب الأقوال من يقول بيكون استعمال المشترك في أكثر من معنى حقيقة ، ومحل النزاع لا بد أن يتوارد عليه الأقوال.فإن قلت: سلمنا خروج الاستعمال على النهج المذكور أعني المجموع من حيث المجموع عن معقد الكلام، ولكن نريد أن تبين لنا مقتضى التحقيق في جواز هذا الاستعمال وعدمه.قلت : الحق فيه هو الجواز ولكن مجازاً في الجملة، وقد حكي عن الباغنوي دعواه الاتفاق على ذلك، أعني الجواز بالمجاز، ومنعه الفاضل القمي مطلقاً لانتفاء الوضع والعلاقة المصححة، ومنهم من منعه أيضاً مدعياً عليه الوفاق وهو سهو بين، وقال صاحب (الفصول: لا نزاع في جوازه في الجملة فمع ثبوت الوضع يكون حقيقة انتفائه يتبع العلاقة فيجوز ،مجازاً، كلفظ الشمس المشترك بين الجرم والنور إذا استعمل في المجموع حقيقة أو مجازاً .)أقول: وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه وحيث إنّ الوضع لم يثبت فالجواز إنما يكون مجازاً، وعليه فالمدار على العلاقة فقد توجد في بعض (الموارد علاقة وحلاوة تفي بتجويز ذلك الاستعمال، كما في لفظ البيع، فإنّه موضوع في اللغة لكلّ واحد البيع، فإنّه موضوع في اللغة لكلّ واحد من النقل والانتقال. قال في (القاموس) : باعه يبيعه بيعاً ومبيعاً والقياس مباعاً إذا باعه وإذا اشتراه ضد انتهى. وقد)استعمل في قوله تعالى : «وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيعَ » [البقرة : 277]. في الإيجاب والقبول معاً وعليه فيجوز استعمال القرء في مجموع الطهر والحيض، والعين في مجموع الذهب والفضة لعدم الاستهجان العرفي وحصول الربط بينهما في نظرهم، بخلاف اطلاق العين على مجموع الجاسوس وكفّة الميزان أو الرّكبة ،والينبوع لعدم الربط ،
عرفاً بين الكلّ وكل واحد من المعنيين وهو واضح .
الرابع: : أن ما أورده الشارح على استدلال المجوّزين بأن ضمير الجمع في قوله : يصلون بمنزلة الضمائر المتعددة، فيه أنه مبني على كون الجمع حقيقة في الآحاد المتفقة في اللفظ لا المعنى أيضاً، وقد عرفت فساده وأن المتبادر من الجمع والتثنية هو الإفراد أو الفردان من ماهية واحدة، مضافاً إلى أن أداة التثنية والجمع إنما تفيد التعدد فيما لحقت به أعني المفرد فإذا لم يكن المراد من المفرد إلا ماهية واحدة فلا تفيد الأداة إلا تعدد أفراد تلك الماهية ، وقد وقع مثل هذا التوهم للعلامة الحلي (قدس سره) في (النهاية) حيث قال : جوز بعض المانعين من إرادة المعنيين من المشترك المفرد إرادة ذلك في الجمع، أما في جانب الإثبات فكقوله : اعتدي بالأقراء، ومنعه فخر الدين الرازي، لأن معناه اعتدي بقرء ،وقرء، وإذا لم يصح أن يفاد بلفظ القرء كلا
المدلولين لم يصح ذلك أيضاً في الجمع الذي لا يفيد إلا عين فائدة الأفراد وليس بجيد. أما أوّلاً فلأن الجمع تعديد الإفراد وكما جاز أن يراد به الكل مع الإفراد بأن يراد بالأوّل الطهر وبالثاني الحيض فكذا الجمع .
وأما ثانياً فلأن الجمع لا يستدعي اتحاد أفراده في المعنى بل في اللفظ، فإنّك لو رأيت عين الذهب وعين الشمس وعين الرّكبة وعين الماء صح أن تقول رأيت عيوناً، وكذا يجمعون الأعلام المفيدة للأشخاص المختلفة انتهى كلامه رفع مقامه. وقد ظهر لك فساده، وأمّا الأعلام الشخصية فلا نسلم أن جمعها وتثنيتها باعتبار الاتفاق في اللفظ فقط، وإنّما هو باعتبار قصد التنكير في المفردات بتأويلها بالمسمّى كما صرّح به غير واحد من علماء الأدبية، فقولهم: زیدان وزيدون يريدون به المسمين بهذا الاسم.
الخامس: أنّ ما ذكره في الاعتراض على الحجّة الثانية للمجوّزين بقوله : ثم لو سلمنا أنها استعملت في كلّ مفهوماتها لكنّه يكون مجازاً وإلا لزم التناقض فيه أولاً منع التناقض حسبما عرفت سابقاً. وثانياً : منع صحة ذلك المجاز لانتفاء العلاقة المصحّحة.
فإن قيل : إذا كان اللفظ موضوعاً لكلّ من المعنيين على الانفراد يكون استعماله فيهما معاً من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للكلّ في الجزء حسبما صرّح به صاحب (المعالم) حيث قال في مقام الاستدلال على جواز الاستعمال في المفرد مجازاً ما لفظه ولنا على كونه مجازاً في المفرد تبادر الوحدة منه عند إطلاق اللفظ فيفتقر في إرادة الجميع منه إلى الغاء قيد الوحدة فيصير اللفظ مستعملاً في خلاف موضوعه لكن وجود العلاقة المصححة للتجوّز أعني علاقة الكلّ والجزء يجوّزه وقال أيضاً في آخر كلامه : المراد أنّ اللفظ لما كان حقيقة في كلّ من المعنيين لكن مع قيد الوحدة كان استعماله في الجميع مقتضياً لإلغاء اعتبار قيد الوحدة كما ذكرناه في اختصاص اللفظ ببعض الموضوع له أعني ما سوى قيد الوحدة، فيكون من باب إطلاق اللفظ الموضوع للكل وإرادة الجزء .
قلت كون اللفظ موضوعاً للمعنى منفرداً بأن يكون قيد الوحدة والانفراد جزء للموضوع له ممنوع، لأنّ المتبادر من اللفظ عند سماعه ليس إلا ذات المعنى لا هي مع الوحدة كما توقمه صاحب (المعالم)، مضافاً إلى أنا نرى العارفين باللسان المتصدين لترجمة الألفاظ لا يذكرون عند ترجمة اللفظ العربي باللغة العجمية ونحوها إلا ما يفيد ذات المعنى في تلك اللغة من دون ذكر ما يفيد الوحدة، فلو كانت جزء الموضوع له لزم الاتيان بما يفيده، وليس فليس فافهم.
وبعد التنزل والمماشاة نقول : إنّ المعتبر في علاقة الكلّ والجزء حسبما صرّح به
الفاضل القمي أن يكون بين أجزاء الكلّ تركب حقيقي فحينئذٍ يجوز استعمال لفظ الكل في الجزء كاستعمال الأصابع في الأنامل في قوله تعالى: «يَجْعَلُونَ أَصَبْعَهُمْ فِي عَاذَانِهِم » [البقرة : 19] واليد في الأصابع إلى نصف الكفّ في قوله :« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا » [المائدة: 38] وإلى الزند في قوله: «فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ » [النساء : 43] .
ونحو ذلك، وأما إذا كان بين أجزائه تركب اعتباري كما فيما نحن فيه فلا يجوز الاستعمال لثبوت الرخصة والإذن في الصنف الأول من نوع هذه العلاقة وعدم ثبوتهما في صنف الثاني منه منه، هذا كله مضافاً إلى أن غاية ما ثبت من الاستقراء هو أنهم يستعملون اللّفظ مع وجود العلاقة والقرينة في معنى مجازي واحد ولم يثبت استعمالهم له في أكثر من واحد، فإذا شككنا في الجواز فالأصل العدم لتوقيفية اللغات وتوظيفيّتها، ومجرّد عدم العلم بالمنع لا يكفي في التجوز ، بل لا بد من العلم أو الظن بالرخصة هذا .
وإنّما أطنبت الكلام في هذه المسألة مع كونها من المسائل المعروفة المعنونة في الكتب الأصولية تنبيهاً على خطأ الشارح البحراني حيث إنه (رحمه الله) عنون هذه المسألة مقدمات شرحه، وبعد اختياره جواز الاستعمال هنا جرى في الشرح في غير مقام واحد على مقتضى ذلك الأصل الفاسد الذي أسسه وشرح كثيراً من كلام الإمام (علیه السام) على ما بنى عليه هناك، وارشدك من خطاياه على موضع واحد وهو ما ذكره في شرح قوله(علیه السلام) : كل شيء خاضع له، وهو مفتتح الخطبة المائة والثامنة وسنورد كلامه ثمّة وننتبه على هفوته إن شاء الله
في ذكر نبذ من فنون البلاغة ممّا هو كثير الدوران في كلام الإمام (علیه السلام) ، وهو التشبيه والاستعارة والكناية وفيه فصول ثلاثة
في التشبيه قال المطرزي هو ركن من أركان البلاغة لإخراجه الخفي إلى الجلي وإدنائه البعيد من القريب، وهو توطئة لمن يسلك سبيل الاستعارة والتمثيل، لأنه كالأصل لهما وهما كالفرع ،له وقال المبرد لو قال قائل : هو أكثر كلام العرب لم يبعد، ولهم في
تعريفه عبارات أظهرها ما عرّفه بها صاحب (التلخيص) وجماعة من أنّه الدّلالة على مشاركة أمر لأمر آخر في معنى. ويعتمد البحث فيه على أركان أربعة :
في طرفيه أعني المشبه والمشبه به، وهما إما محسوسان وإما معقولان أو المشبه
عقلي والمشبه به حسّي، أو بالعكس، أما الأول : فكقول أمير المؤمنين (علیه السلام) في المخ يج (13) كأني بمسجدكم هذا كجؤجؤ سفينة»، وقوله (علیه السلام) في المخ لز (27): فطرت بعنانها واستبددت برهانها كالجبل لا تحركه القواصف والمراد بالمحسوس ما كان مدركاً بإحدى الحواس الخمس أعني حسّ البصر والسمع والشم والذوق واللّمس» .
وأما الثاني : فكقوله (علیه السلام) في المخ ص ز (97) : حتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده فإنّ المتشابهين هيهنا هو انتقامهم من بني أمية وانتقام العبد من ،مولاه، والانتقام معنى إضافيّ معقول، ووجه الشبه ذلتهم وذلة العبد .
وأما الثالث : فكقوله (رضی الله الله عنها) في المخ كج (23) : فإن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر، فإنّ نزول سائر الأمورات معقول، ونزول المطر محسوس، وقوله(رضی الله عنه) في المخ مب (23) فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء، فإن البقية من الدنيا معقولة والبقية في الإناء محسوسة.
وأما الرابع : فكقول الشاعر :
كان ابيضاض البدر من بعد غيمه*** نجاة من البأساء بعد وقوع
ومنع بعضهم من جواز هذا القسم نظراً إلى أنّ العلوم العقليّة مستفادة من الحواس ومنتهية إليها فكان المحسوس أصلاً لذلك المعقول فتشبيهه به يوجب جعل الأصل فرعاً والفرع أصلاً وهو غير جائز، ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس في الظهور والمسك في الطيب فقال الشمس كالحجّة أي في الظهور والمسك كخلق فلان أي في الطيب كان سخيفاً من القول. وردّ بأنّ الحواس وإن كانت طرقاً للعلم إلا أنّها ليست كل الطرق له، سلمنا ولكن نقول : الممنوع انما هو جعل الفرع أصلاً من جهة ما هو فرع لذلك الأصل لا مطلقاً، لجواز جعله أصلاً والأصل فرعاً في التشبيه والملاحظات الذهنية قال العلامة التفتازاني والوجه في تشبيه المحسوس بالمعقول أن يقدر المعقول محسوساً ويجعلكالأصل لذلك المحسوس على طريق المبالغة. فرع لما كان من المشبه والمشبه به ما لم يكن داخلاً في المحسوسات أي المدركات بالحواس الظاهرة ولا في المعقولات أي المدركات بالقوة العاقلة مثل الخياليات والوهميات والوجدانيات ألجأهم تقليل الأقسام إلى ارتكاب التجوز والتوسعة في المحسوس والمعقول لإدخال ما كانت خارجة، فقالوا : المراد بالحسي المدرك هو أو مادته بإحدى الحواس الخمس فيعم الخيالي وهو المعدوم الذي فرض مجتمعاً من أمور كل واحد منها مدرك بالحس كتشبيه محمّر الشقيق بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد فإن الأعلام الياقوتية المنشورة على
الرّماح الزبر جديّة غير مدركة بالحس، لعدم وجودها، والحس إنما يدرك ما هو موجود في المادة حاضر عند المدرك على هيئة مخصوصة ولكن المادة التي تركب ذلك المركب منها كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد كل منها محسوس بحس البصر، وقالوا أيضاً المراد بالعقلي ما لا يكون مدركاً هو ولا مادته بإحدى الحواس الخمس المذكورة، فيدخل فيه الوهمي وهو ما لا يدرك بها ولكنه لو أدرك لكان مدركاً بها، كتشبيه السّهام المسنونة الزرق بأنياب الأغوال، فإن أنياب الأغوال مما لا يدركه الحسّ ، لعدم تحققها إلا أنها لو أدركت لم تدرك إلا بحس البصر، وعليه قوله تعالى : « طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَنطِين» [الصافات: 65] .
ويدخل فيه أيضاً الوجداني كالشبع والجوع والغضب والسرور واللذة والألم الحسين. ثمّ التشبيه باعتبار طرفيه ينقسم إلى أقسام أربعة:
أحدها: تشبيه المفرد بالمفرد وهو على أربعة أقسام الأول: تشبيههما وهما غير ،مقيدين مثل تشبيه الخد بالورد ومثل التشبيه الواقع في قوله (رضی الله عنه) في المخ عز (77) : المنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر الثاني تشبيه المفرد بالمفرد وهما مقيّدان كقولهم لمن يفعل ما لا يفيد هو كالراقم على الماء، فإن المشبه هو الفاعل المقيد بأن لا يحصل من فعله منفعة والمشبه به هو الراقم المقيد بكون رقمه على الماء، لأنّ الشبه هو التسوية بين الفعل وعدمه وهو موقوف على اعتبار هذين القيدين، ومثله قوله (رضی الله عنه) في المخ يط (19) : فإنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الذي لا يستفيق من جهله، هذا والتقييد قد يكون بالوصف، وقد يكون بالإضافة وقد يكون بالمفعول، وقد يكون بالحال وقد يكون بغير ذلك كما هو غير خفي على المتتبع الثالث : تشبيه المفرد الغير المقيد بالمفرد المقيد، كقوله : والشمس كالمرآة في كف الأشل .
فإن المشبه وهو الشمس غير مقيد والمشبه به وهو المرآة مقيد بكونه في كف الأشل، ومثله قوله (رضی الله عنه) في المخ (و6) : والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم حتى يصل إليها طالبها.
الرابع: عكسه كتشبيه المرآة في كف الأشل بالشمس.
ثانيها : تشبيه المفرد بالمركب كتشبيه الشقيق بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد ومثل التشبيه في قوله (رضی الله عنه) في المخ ع (70) : يا أهل العراق فإنّما أنتم كالمرأة الحامل حملت فلما أتمّت املصت ومات قيمها وطال تأيمها وورثها أبعدها .
ثالثها : تشبيه المركب بالمفرد كقول أبي تمام :
ياصاحبي تقضيا نظريكما*** تريا وجوه الأرض كيف تصوّر
تریا نهاراً مشمساً قد شابه*** زهر الربا فكانما هو مقمر
شبّه النّهار المشمس الذي اختلط به أزهار الربوات فنقصت باخضرارها من ضوء الشّمس حتى صارت تضرب إلى السواد بالليل ،المقمر فالمشبه مركب والمشبه به مفرد.
رابعها : تشبيه المركب بالمركب كقوله (رضی الله عنه) في المخ (1). : «والناس مجتمعين حولي كربيضة الغنم»، والرّبيضة الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها لا يريد به تشبیه اجتماعهم على الانفراد بل الهيئة الخاصة الحاصلة من الاجتماع حوله وازدحامهم عليه بالهيئة الحاصلة للغنم المجتمعة مع راعيها في مرابضها . قال العلامة التفتازاني والفرق بين المركب والمفرد المقيّد أحوج شيء إلى التأمل، فالمشبه به في قوله : هو كالرّاقم على الماء، إنّما هو الرّاقم بشرط أن يكون رقمه على الماء، وفي تشبيه الشقيق هو المجموع المركب من الأمور المتعددة بل الهيئة الحاصلة منها انتهى(2).
ومحصّله أنّ ما كان شرطاً كان خارجاً، وما ليس بشرط ليس بخارج.
ثمّ تشبيه المركب بالمركب قد يكون بحيث يحسن تشبيه كلّ جزء من إجزاء أحد طرفيه، بما يقابله من الطرف الآخر كقوله :
وكان أجرام النجوم طوالعا***ً درر نشرن على ساط أزرق
فإنّك لو قلت كان النّجوم درر وكأنّ السّماء بساط أزرق كان تشبيهاً مقبولاً حسناً، ولكن أين هو من المقصود من التشبيه وهو الهيئة التي تملأ القلوب سروراً وعجباً من طلوع النّجوم مؤتلفة متفرقة صغارها وكبارها في أديم السماء وهي زرقاء زرقتها الصافية، ونظيره قوله (رضی الله عنه) في المخ فه (85) : فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب، وقد لا يكون بهذه الحيثية مثل قوله :
کانّما المريخ والمشتری*** قدامه في شامخ الرفعة
منصرف بالليل عن دعوة*** قد اسرجت ت قدامة شمعة
فإنّه لو قيل : المريخ كمنصرف من الدعوة لم يكن شيئاً .
وينقسم أيضاً باعتبار تعدد الطرفين وعدمه إلى أقسام أربعة أخرى أحدها: أن يتعدد طرفه الأوّل أعني المشبه، ويسمّى تشبيه التسوية كقول الشاعر :
صدغ الحبيب وحالي كلاهما كالليالي*** وثغره في صفاء وادمعي كالليالي
ثانيها : أن يتعدّد طرفه الثاني أعني المشبه به ويسمّى تشبيه الجمع كقول الصاحب :
اتننی بالأمس ابیاته*** تعلل روحی بروح الجنان
کیرد الشباب ویرد الشّراب*** وظل الأمان ونبل الأمانی
وعهد اضبی ونیم الصباء***وصفو الذنان و رجع القیان
ثالثها: ان یتعدد الطرفان کلاهما و هو علی قسمین: احدهما: ان یؤتی بالمشبهات اوّلاً بطریق العطف او غیره ثم باالمبّه به، ویسمی بالملفوف مثل قول امرء القیس:
كان قلوب الطير رطباً ويابساً*** لدى وكرها العتاب والحشف البالي
ثانيهما: أن يؤتي بمشبه ومشبه به ثم آخر وآخر ويسمّى المفروق كقول الشاعر:
الخدّ ورد الصدغ غالیه***والرّیق خمر والتغرمن برد
في وجه التشبيه وهو المعنى الذي قصد اشتراك الطرفين فيه بمعنى أن يكون لذلك المعنى مزيد اختصاص بهما وقصد بيان اشتراكهما فيه سواء كان ذلك الاشتراك تحقيقاً بأن يكون ذلك المعنى المشترك ثابتاً فيهما على التحقيق كالشجاعة في قولك زيد كالأسد، وسوء الخلق في قوله (رضی الله عنه) في المخ صب (92) : ( لتجدن بني أُمية لكم أرباب سوء بعدي كالناب : الضروس والنّاب الناقة المسنّة، والضّروس سيئة الخلق، أو تخييلاً بأن لايوجد ذلك المعنى في أحد الطرفين أو كليهما إلا على سبيل التخييل والتأويل مثل قوله له في المخ ق (101): فتن) كقطع الليل المظلم فإن ما به التشبيه وهو الظلمة غير موجود في المشبّه إلا تخييلاً ، وذلك لأن الفتنة لجعلها الواقع فيها والمبتلي بها كمن يمشي في الظلمة لا يهتدي الطريق ولا يأمن من أن ينال مكروهاً خيّل إنّها شيء لها ظلام كقطع الليل فصحّ التشبيه وعكسه قول الشاعر:
أما ترى البرد قد وافت عساکره*** وعسكر الحرّ كيف انصاع منطلقاً
فانهض بنار إلى فحم كأنهما*** في العين ظلم وانصاف قد اتّفقا
فإنّه لما كان العدل والانصاف من شؤون الحق الذي يوصف بالنور ويقال إنّه منير واضح فيستعار لهما صفة الأجسام المنيرة، وكان الظلم خلاف ذلك، ويستعار له صفة الأجسام المسودة المظلمة خيلهما شيئين لهما إنارة ،وإظلام، فشبه النار والفحم بهما مجتمعين، فوجه الشبه غير موجود في المشبه به إلا تخييلاً، ومثله قول آخر:
وأرض كأخلاق الكرام قطعتها*** وقد كحل الليل السماك فأبصرا
حيث تخيّل أخلاق الكرام شيئاً له سعة وجعله أصلاً فيها فشبه الأرض الواسعة بها.
إذا عرفت ذلك فأقول : إن وجه الشبه ينقسم إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة وينقسم التشبيه أيضاً باعتبار ذلك الاختلاف في وجه الشبه.
أنّ وجه الشبه إمّا غير خارج عن حقيقة الطرفين بأن يكون تمام ماهيتهما النوعيّة أو جنساً لهما أو فصلاً، مثل أن يقال هذا القميص مثل ذلك في كونهما كرباساً أو ثوباً أو من الكتان، وإما خارج قائم بهما، وعلى الثاني فإما أن يكون صفة حقيقية أي هيئة متقررّة في الذات متمكّنة فيها، أو إضافية، والأوّل إما كيفية جسمانية مختصة بالأجسام مدركة بالحسن، أو نفسانية مختصة بذوات الأنفس مدركة بالعقل، والأوّل إمّا محسوسة أولاً أو ثانياً، فالأول: إما محسوسة بحسّ البصر كالحمرة في تشبيه الخدّ بالورد والضوء في تشبيه الوجه بالنهار والسواد في تشبيه الصدغ بالليل، أو بحسّ السمع كتشبيه الأغاني الحسنة بالأوتار وألحان بعض الطيور، وتشبيه الصوت المنكر بصوت الحمار، أو بحس الذوق كتشبيه بعض الفواكه الحلوة بالسكر والعسل والمرّة بالعلقم والحنظل، أو بحس الشم كتشبيه بعض الرياحين بالمسك والعنبر في الطيب، وبعض ذوات الروائح المنتنة بالميتة والخنفساء في التتن، أو بحس اللمس كتشبيه الجسم اللين الناعم بالخز، والخشن بالمسح والثاني : وهو المحسوسة ثانياً فهي الأشكال والمقادير والحركات والأشكال إما مستقيمة أو مستديرة، مثال التشبيه في الاستقامة تشبيه الرجل المعتدل القامة بالزمح، ومثال التشبيه في الاستدارة تشبيه المستدير بالكرة تارة وبالحلقة أخرى.
أقول: هكذا قسم البحراني الأشكال إلى المستقيمة والمستديرة ولم يزد عليهما، والحق أن التشبيه في الشكل قد يكون بغير ذلك مثل ما في قوله (رضی الله عنه) في المخ قكح (128): «والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة لظهور أن شكل جناح النّسر وخرطوم الفيلة خارج عن الاستقامة والاستدارة هذا، ومثال التشبيه في المقادير تشبيه عظيم الجثة بالجمل والفيل، وقد اجتمع التشبيه في الشكل والمقدار
في قوله (رضی الله عنه) في المخ قكح (128): كأن وجوههم المجان المطرقة ومثال التشبيه في الحركة تشبيه السّريع بالسهم، ومنه تشبيه الدنيا بالظل في قوله (رضی الله عنه) في المخ سب (62): فإنّها عند ذوي العقول كفيء الظل بينا تراه سابعاً حتى قلص وزائداً حتى نقص . وأما الاشتراك في الكيفية النفسانية المدركة بالعقل فكالاشتراك في الغرائز والأخلاق كالعلم والحلم والذكاء والفطنة والكرم والشجاعة ونحوها، وأما الاشتراك في الصفة الإضافية وهي ما لا تكون متقرّرة في الذات بل تكون معنى الذات بل تكون معنى متعلقاً بشيئين فكقولهم: هذه الحجّة كالشمس، أي في إزالة الحجاب، فإنّ الإزالة ليست هيئة متقرّرة في ذات الحجّة أو الشمس ولا في ذات الحجاب.
أن وجه الشبه إما أن يكون مذكوراً في الكلام وإما أن لا يكون مذكوراً وعلى الأول : فإما أن يكون مذكوراً بنفسه أو بما يستلزمه أي ما يكون وجه الشبه لازماً له تابعاً في الجملة، فمثال المذكور بنفسه كقوله :
وثغرة في صفاء وادعمی کاللثالی
وقوله :
يا شبيه البدر حسناً وضياء ومنالا*** وشبيه الغصن ليناً وقواماً واعتدالاً
أنت مثل الورد لوناً ونسيماً وملالاً*** زارنا حتّى إذا ما سرنا بالقرب زالا
ومثال المذكور ما يسلتزمه كقولهم للكلام الفصيح هو كالعسل في الحلاوة أو الماء في السلاسة أو النّسيم في الرقة، فإنّ وجه الشبه فيه هو لازمها أعني ميل الطبع، ويسمّى التشبيه بهذا الاعتبار أي باعتبار ذكر وجه شبهه بنفسه أو بما يستتبعه : مفصلاً، وعلى الثاني وهو ما لا يكون وجه الشبه مذكوراً يسمّى مجملاً ، وعليه فإما أن يكون ظاهراً يفهمه كل أحد، وإما أن يكون خفيّاً، فالأوّل نحو زيد كالأسد، والثاني نحوهم كالحلقة المفرغة لا يدري أين این طرفاها أي هم متناسبون في الشرف كما أنّها متناسبة الأجزاء، ونحو قوله(رضی الله عنه) في المخ عب (72) : أنّ له امرة كلعقة الكلب أنفه .
ثم المجمل إما أن لا يذكر فيه وصف أحد الطرفين، أعني الوصف الذي فيه ايماء إلى وجه الشبه كما مرّ في مثل زيد كالأسد وفي مثل قوله : له امرة كلعقة الكلب أنفه، أو يذكر فيه وصف المشبه به وحده كما مرّ أيضاً في مثل هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها ونحوه قوله (رضی الله عنه) في المخ لز (37) : واستبددت برهانها كالجبل لا تحركه القواصف ولا تزيله العواصف وقوله الآتي في باب الكتب : فإنّما مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل
سمها فإنّ في قوله : ليّن مسها اه ايماء إلى وجه الشبه وهو حسن الظاهر مع قبح الباطن أو يذكر فيه وصفهما كما في قول الشاعر :
صدقت عنه ولم تصدف مواهبه ***عني وعاوده ظنّي فلم یخب
كالغيث إن جئته وافاك ريّقه*** وان ترحلت عنه لخ في الطلب
وصف المشبه أعني الممدوح بأنّ عطاياه فايضة عليه أعرض أو لم يعرض، وكذا وصف المشبه به أعني الغيث بأنه يصيبك جئته أو ترحلت عنه، والوصفان مشعران بوجه الشبه وهو الإفاضة حالتي الطلب وعدمه وحالتي الإقبال والإعراض، ونحوه قوله(رضی الله عنه) في المخ لا (31) : لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً قرنه يركب الصعب ويقول هو الذلول» فإنّ عقص القرن وهو اعوجاجه من صفات الثور المشبه به وركوب الصعب مع القول إنّه الدّلول من وصف المشبّه، وفيهما إشارة إلى وجه الشبه وهو الكبر والنخوة والاعجاب بالنّفس
وجه الشبّه إما أن يكون منتزعاً من متعدد أي هيئة تركيبية منتزعة من أمور مجتمعة، أو لا يكون كذلك، وعلى الأول فيسمى التشبيه المشتمل عليه تمثيلاً كما في قوله :
كان مثار النقع فوق رؤوسنا*** وَأَسيافنا ليل تهاوی کواکبه
فإنّ وجه وجه الشبه هی الهيئة الحاصلة من هوي أجرام مشرقة متناسبة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شيء مظلم، فوجه الشبه مركب كما ترى وقوله :
الشمس كالمرآة فی کف الأشل
وعلى الثاني يسمى غير تمثيل .
الهيئة المعتبرة في التشبيه بماله وجود في الأعيان إما أن توجد كثيراً لكثرة تكرّر المشبه به على الحس كقولهم : هو في السواد كالفحم وفي البياض كالثلج، ويسمّى التشبيه المتضمّن لها قريباً مبتذلاً، لظهور وجهه في بادىء النظر وإما أن توجد قليلاً ويسمّى التشبيه المشتمل عليها بعيداً غريباً، لعدم ظهور وجهه إلا بعد فكر وتدقيق ،نظر، وكلما كان الشيء عن الوقوع أبعد كان أغرب فكان التشبيه حينئذ ألذ وأعجب، ولذلك إذا قايست بين قول أبي نواس :
كانّ صغرى وكبري من فواقعها*** حصباء دُرّ على أرض من الذهب
وبين قول ذي الرّمة :
كحلاء في برج صفراء في دعج*** كأنها فضة قدمتها ذهب
عرفت أنّ الأوّل أغرب من الثاني ،وأعذب لأنّ الدرّ المنثور على أرض من الذهب أقل وقوعاً ووجوداً، بخلاف الثاني، فإنّ النّاس كثيراً ما يرون في الصياغات فضة قد موّهت بذهب .
وجه التشبيه اما واحد أو متعدد أو مركب بأن يكون هيئة اجتماعيّة أو منتزعة من أمور متعددة، وقد ظهر لك مثاله فيما مرّ، وأما الأول فهو إما واحد حسّي كتشبيه الخد بالورد في الحمرة ونحو ذلك من المحسوسات وإما واحد عقلي كتشبيه العلم بالنور في الهداية، وأما الثاني وهو ما كان متعدداً فإما أن يكون كله حسياً كاللون والطعم والرائحة في تشبيه فاكهة بأخرى، وإما أن يكون عقليّاً كحدّة النظر وكمال الحذر وإخفاء السّفاد في تشبيه طائر بالغراب، وقد يكون بعضه حسياً وبعضه عقليّاً كحسن الطلعة ونباهة الشّأن في تشبيه إنسان بالشمس .
الأول: التشبيه بالوجه العقلي أعم من التشبيه بالوجه الحسي، لأن الوجه الحسي لا يكون طرفاه إلا حسنين كتشبيه الخذ ،بالورد لامتناع أن يدرك بالحسّ من غير الحسي شيء بخلاف العقلي فيجوز أن يكون طرفاه حسيين أو عقليين أو أحدهما حسّياً والآخر عقلياً، لجواز أن يدرك بالعقل من الحسي شيء إذ لا امتناع في قيام المعقول بالمحسوس، بل كلّ محسوس فلها أوصاف بعضها حتي وبعضها عقلي وقد ظهر لك أمثلتها آنفاً .
الثاني : قد : قد ينتزع وجه الشبه من التضاد الذي بين الضدين ثم ينزل التضاد منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكم واستهزاء، كما يقال للجبان : ما أشبهه بالأسد وللبخيل هو حاتم، فإنّ الحاصل في المشبه هو ضدّ الجرئة والجود اللذين في المشبه به أعني الجبن والبخل لكن نزّلا منزلة الجرئة والجود بواسطة التمليح أو التهكم لاشتراكتهما في الضدية، ومن هذا الباب قوله(رضی الله عنه) في المخ ب (2): يومهم سهود وكحلهم دموع». وفي المخ صو (96): أشهود كغياب وعبيد كأرباب .
الثالث : من حق وجه الشبه أن يكون شاملاً للطرفين كما إذا جعل وجه الشبه في قولهم : النحو في الكلام كالملح في الطعام الاصلاح والإفساد أي كما أن الطعام لا يصلح إلا بالملح وبدونه يفسد فكذلك الكلام لا يصلح إلا باستعمال القواعد النحوية، وأما ما زعمه
بعضهم من أنّه كون القليل مصلحاً والكثير مفسداً، ففيه أن النحو لا يحتمل القلة والكثرة بخلاف الملح.
في أداة التشبيه وهي ما يتوصل به إلى وصف المشبه بمشاركته للمشبه به في الوجه وهي : الكاف وكأنّ ومثل وشبه ونظير وما يقتطع منها مما يدلّ على المماثلة والمشابهة والمناظرة وما يؤدي معناها من المساواة والمحاكاة ،والمضاهاة، والأصل في الكاف ونحوها مما يدخل على المفرد كلفظ نحو ومثل وشبه لا نحو كأن وتشابه وتماثل ممّا يدخل على الجملة أن يليه المشبه به إما لفظاً كقولك زيد كالأسد أو مثل الأسد وقوله تعالى: « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا» [البقرة: 17].
فإنّ المشبه به مثل المستوقد أي حاله وصفته وقصته العجيبة الشأن، ومنه قوله له في الكتاب الذي كتبه إلى سلمان على ما رواه السيد في باب الكتب: «فإنّما مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمّها ، فإنّه من التشبيه البليغ، وقد حذف الكاف مبالغة، أي كمثل الحية وإما تقديراً كقوله تعالى :
«و او كَصَ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبْعَهُمْ فِي مَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ يُحِيطُ بِالكَفِرِينَ » [البقرة : 19].
أي كمثل ذوي صيب، فحذف ذوي لدلالة قوله يجعلون أصابعهم في آذانهم عليه لأنّ هذه الضمائر لا بد لها من مرجع، وحذف مثل لقيام القرينة أعني عطفه على قوله كمثل الذي استوقد ناراً فالمثل المشبه به قد ولي ،الكاف لأن المقدّر في حكم الملفوظ، ومنه قوله الله في المخ صح (98): (فإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلاً، أي كمثل المسافرين في السالكين سبيلاً ، لظهور أن المقصود تشبيه حال أهل الدنيا وقصتهم بحال المسافرين، لا نفس المسافرين، فقد حذف المشبه به بقرينة المشبه كما لا يخفى هذا .
وقد يلي الكاف ونحوها غير المشبه به وذلك إذا وليها مفرد لا يتأتي التشبيه به، وذلك إذا كان المشبه به مركباً كقوله (رضی الله عنه) في المخ في (110): لا تعدو أي الدنيا إذا تناهت إلى أمنية أهل الرّغبة فيها والرّضا بها أن تكون كما قال الله تعالى :
«و كَمَاء أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخَتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذَرُوهُ الرِّيحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا » [الكهف: 45] .
أقول : ولا يكاد ينقضي عجبي من فصاحة الإمام (رضی الله عنه) وبلاغته في هذا الكلام،
فسبحان الله ما أفصحه وأبلغه حيث أورد تشبيهين للدنيا أحدهما من كلامه وهو قوله : كما قال الله والثاني : من كلام وهو قوله : «كماء أنزلناه »، وكلاهما من باب التشبيه الذي ذكرناه، إلاّ أنّ الأوّل من قبيل ما ولي المشبه به الكاف تقديراً، والثاني من قبيل ما لم يقع المشبه به بعد الكاف لا لفظاً ولا تقديراً لظهور أن ليس المراد تشبيه حال الدنيا بقول الله تعالى على ما هو ظاهر التشبيه الأوّل، ولا بالماء على ما هو ظاهر التشبيه الثاني بل المراد أن الدنيا لا تتجاوز إذا بلغت إلى غاية ما يريده الرّاغبون فيها والرّاضون بها عن كون حالها مثل المثل الذي مثله الله تعالى لها بقوله : «كماء أنزلناه » ، والمراد بهذا المثل تشبيه حالها في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات الحاصل من الماء، يكون شديد الخضرة ثم يبس فتطيره الرّياح كأن لم يكن، ولعلنا نشير إلى تفصيل ذلك في مقامه إن شاء الله .
ولا يذهب عليك أن ما ذكرناه من كون التشبيهين كليهما مثالاً لما نحن فيه إنّما هو إذا جعلنا كلمة ما في قوله الا (رضی الله عنه) كما قال الله مصدرية كما هو الظاهر، وأما إن جعلناها موصولة كناية عن المثل أي لا تعدو عن كونها مثل المثل الذي قاله الله تعالى «كماء أنزلناه» اه ، فيكون حينئذ من القسم الأوّل أعني ما ولي الكاف المشبه به لفظاً فافهم جيداً هذا . وقد اجتمع القسمان الأولان في قوله (رضی الله عنه) في المخ في (110) أيضاً في المخ في (110) أيضاً في وصف حال أهل الدنيا وانتقالهم منها إلى الآخرة فجاؤها كما فارقوها حفاة عراة قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة والدار الباقية، كما قال سبحانه : «كما بدأنا أوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ » [الأنبياء : 104] .
فإن التشبيه في قوله : كما قال سبحانه من قبيل القسم الثاني أعني ما ولي الكاف المشبه به تقديراً على ما هو الأظهر من كون ما مصدرية، وفي قوله(رضی الله عنه) : كما فارقوها وقوله تعالى «كما بدأنا » من قبيل القسم الأوّل أما الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فكذلك لأنّ المراد أن إعادتنا مثل إبدائنا أوّل خلق .
فإن قلت : ما الدليل على كون التشبيه في كما ) اه على تقدير جعل ما مصدرية في الموضعين من قبيل القسم الثاني لا القسم الثالث
قلت : لأنهم قد صرّحوا بأن حرف التشبيه إذا أمكن أن يقع بعدها مفرد يتمحل لتقديره فهو من قبيل ما ولي المشبه به الكاف، قال صاحب (التلخيص) في محكي كلامه من (الإيضاح) : إنّ قوله تعالى :«ياتها الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مريمَ لِلْحَوَارِيعِنَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ »[ال- [الصف: 14 ]
ليس من قبيل ما لا يلي المشبه به الكاف، لأنّ التقدير ككون الحواريين أنصار الله وقت قول عيسى من أنصاري إلى الله على أنّ ما مصدريّة والزّمان مقدر كقولهم: آتيك خفوق النّجم أي زمان خفوقه، فالمشبه به وهو كون الحواريين أنصار الله مقدر يلي الكاف، كمثل ذوي صيب لدلالة ما أقيم مقامه عليه، إذ لا يخفى أن ليس المراد تشبيه كون المؤمنين أنصاراً بقول عيسى للحواريين من أنصاري إلى الله انتهى فتأمّل جيّداً.
الأوّل قد يذكر فعل ينبيء عن التشبيه في القرب والبعد والقوة والضعف، فإن أردت تقوية التشبيه وتقريبه قلت : علمت زيداً أسداً، وإن أردت ضعفه وتبعيده قلت ظننت أو حسبت زيداً أسداً قال صاحب (المفتاح) : فإنّ علمت وما في معناه لما كان لتحقيق النسبة يدلّ على أن نسبة الأسد إلى زيد محققة، فيكون النسبة قريباً، بخلاف الظن فإنه يدل على الرّجحان الغير الجازم فيدل على ضعف التشبيه، فلذلك استعمل العلم وما في معناه فيما قرب التشبيه فيه واستعمل الظن وما في معناه فيما بعد فيه التشبيه انتهى .
أقول : وممّا قرب فيه التشبيه وقصد تقويته قوله (رضی الله عنه) في المخ قز (107): ما لي أراكم أشباحاً بلا ،أرواح وأرواحاً بلا أشباح ونسّاكاً بلا ،صلاح وتجاراً بلا أرباح وايقاظاً ،نوما وشهوداً ،غيّباً، وناظرة عمياً، وسامعة صمّاً، وناطقة بكماً».
الثاني : ينقسم التشبيه باعتبار ذكر أداته إلى المؤكد والمرسل أما المؤكد فهو ما حذفت أداته فقد يجعل حينئذ المشبه به خبراً عن المشبه كما تقول زيد أسد ومنهم من يسميه استعارة كما ستطلع عليه إن شاء الله ، ومنه قوله(رضی الله عنه) في المخ قيز (117) : (وإنّما أنا قطب الرحى تدور عليّ وأنا بمكاني»، وقد يكون في حكم الخبر كخبر باب كان وإن والمفعول الثاني لباب علمت والحال ،والصفة، وقد يكون مفعولاً كقوله تعالى : «وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ» [النحل: 88] .
أي مثل مرّ السحاب، وقوله في المخ و (6) : ( لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي (1) البعيد البعيدة وقوله الله الله في المخ لط (39) : فجر جرتم جرجرة الجمل الأسر وتثاقلتم تثاقل النضو (2)الأدبر وقد يكون المشبه به مضافاً إلى المشتبه مثل قولهم لجين الماء، أي
ماء كاللجين وقوله(رضی الله عنه) المخ ص (90):« وناط بها زينتها من خفيات دراريها ومصابيح كواكبها»، أي علق سبحانه بالسماء ما يزينها من الكواكب الدرية الخفية، ومن كواكبها التي كالمصابيح، وأما المرسل فهو بخلافه أي ما ذكر أداته فصار مرسلاً من التأكيد المستفاد من حذف الأداة المشعر ظاهراً بأن المشبه هو المشبه به .
في الغرض من التشبيه وهو ما يقصده المتكلم من إيراد التشبيه، وهو إما عائد إلى المشبه وهو الأغلب أو عائد إلى المشبه به، أما الأوّل فعلى وجوه :
أحدها بيان إمكان أي إمكان أنّ المشبه أمر ممكن الوجود، وذلك في كلّ أمر غريب لا يكون بيناً يمكن أن يخالف فيه ويدعي امتناعه فيؤتي بالتشبيه لبيان أنه ممكن كقوله :
وكم أب قد علا بابن ذرى حسب*** كما علت برسول الله عدنان
وقول الآخر:
فإن تفق الأنام وأنت منهم*** فإن المسك بعض دم الغزال
فإنّه أراد أن يقول : إن الممدوح فاق الأنام بحيث لم يبق بينه وبينهم مشابهة بل صار أصلاً بنفسه، ولما كان هذا في الظاهر كالممتنع لبعد أن يتناهى إنسان في الفضائل النفسانية إلى أن يخرج من آحاد نوعه احتج لدعواه بأنّ المسك وإن كان بعض دم الغزال في أصله إلاّ أنه خرج عن صفة الدّم، وحقيقته لا يعدّ دماً لما فيه من الأوصاف الشريفة الأوصاف الشريفة فشبهه بالمسك تشبيهاً ضمنياً لرفع البعد والغرابة وإثبات الأمكان، وهذا الوجه يستلزم كون المشبه به مسلم الحكم فيكون أعرف به لا محالة.
وثانيها بيان وجوده كما إذا شبه معقول في الذهن بأحد أفراده في الخارج دلالة على وجوده كما تقول : الإنسان كزيد ويسمّى مثلاً، وهذا كسابقه في استلزامه كون المشبه به مسلماً وأعرف أيضاً .
وثالثها : بيان حاله وإظهار أنه على أي وصف من الأوصاف، كما في تشبيه ثوب بالثلج في البياض ومنه التشبيه الواقع في قوله له في المخ (1) : «يَألِهُونَ إِلَيْهِ وَلُوهَ الحَمامِ وَيَرِدُونَهُ وُرُودَ الْأَنْعَامِ»
وهذا أيضاً يقتضي كون المشبه به أعرف بوجه الشبه .
ورابعها بیان مقدار حال المشبه في القوة والضعف والصغر والكبر والزيادة والنقصان كما في تشبيه شيء أسود بخافية الغراب، قال الشاعر:
مداد مثل خافية الغراب*** واقلام كمرهفة الحراب
وتشبيه الشيء العظيم بالجبل أو الجمل كما قال(رضی الله عنه) في المخ ص (90) في وصف الملائكة:
«مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الغَمام الثلج، وَفي عِظَم الجِبالِ الشُّمَّخ، وَفي قُتْرَةِ الظَّلام الأَبْهَم، ومِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أقدامُهُمْ تُحُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى فَهِيَ گرايات بيض قَدْ نَفَذَتْ في مَخارِقِ الهواء.»
وهذا الوجه يقتضي كون المشبه به أخص بوجه الشبه من المشبه مساوياً له في المقدار حقيقة أو ادّعاء .
وخامسها : تقرير حال المشبه في نفس السامع وتقوية شأنه كما إذا شبهت من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء، وكقوله (رضی الله عنه) في باب الحكم:
«الدَّاعِي بِلا عَمَلٍ كَالرَامِي بِلا وَتَرِ».
فإنك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة وتقوية شأنه ما لا تجده في غيره، لأن القك بالحسيات أتم منه بالعقليات لتأخر كثير من العلوم العقلية عن الحسية وتقدّم الحسيات عليها، فإذا ذكرت المعنى العقلي ثم عقبته بالتمثيل الحسي فقد نقلت النفس من الغريب إلى القريب، ومنه التشبيه الواقع في قوله له في المخ ج (3) :
«لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي تُحانَةٍ وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلّي مِنْهَا مَحَلَّ القُطْبِ مِنَ الرَّحى».
وهذا يستلزم كون وجه الشبه في المشبه به أتم وهو به أشهر
وسادسها إظهار تزيينه إما للترغيب فيه كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبي أو بالمسك وعليه قول الشاعر :
ربّ سوداء وهي بيضاء معني*** يحسد المسك عندها الكافور
مثل حب العيون يحسبه الناس*** سواداً وانّما هو نور
وقول الآخر:
يقولون ليلى سودة حبشية*** ولولا سواد المسك ما كان غالياً
وتشبيه النغر باللؤلؤ المنضد في قوله :
كانّما یبیم عن لؤلؤ*** منضد أو برد أو اقاح
وإمّا لغير الترغيب ومن أبدع هذا النوع قوله(رضی الله عنه) في المخ قد (101): في وصف الطاوس :
تَخَالُ قَصَبَهُ مَدارِيَ مِنْ فِضَّةٍ وَما أُنْبِتَتْ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيب واراتِهِ وَشُمُوسِهِ خالِصَ الْعِقْيانِ وَفَلِذَ الزَّبَرْجَدِ فَإِن شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الأَرْضُ قُلْتَ جَنِيٌّ جُنِي مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبيع، وَإِنْ ضاهَيْتَهُ بِالْمَلاَبِسِ فَهُوَ كَمُوَشي الحُلَلِ أَوْ مُونِقِ عَصَبِ الْيَمَنِ، وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوص ذاتِ أَلْوانِ قَد نُطِقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلِّلِ.
وسابعها إظهار التشويه والتقبيح للتنفير عنه كما في تشبيه وجه مجدور بسلجة قد نقرتها الديكّة، ومنه قول الحريري في ذم الدينار : تبّاله من خاذق مماذف***أصفر ذي وجهين كالمنافق
وقوله (رضی الله عنه) في كتاب كتبه إلى سلمان الفارسي : «فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ لَيْن مَسُّها قاتِلٌ سَمُها ».
ومنه تشبيه الدنيا بالعجوز الشمطاء الهمّاء الشوهاء على ما ورد في غير واحدة من الرّوايات .
وثامنها الاستطراف أي عدّ المشبه طريقاً بديعاً، وذلك بأن يكون المشبه به أمراً غريباً نادراً لحضور في الذهن مطلقاً فيكتسي المشبه غرابة منه فيستطرق كما في تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من الذهب لإبرازه في صورة الممتنع عادة قال الشاعر :
انظر إلى الفحم فيه الجمر متقد*** كانه مسك موجه الذهب
أو يكون نادر الحضور عند ذكر المشبه كما في قول ابن المعتر في وصف البنفسج :
ولا زور دية تزهو بزرقتها*** بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنّها فوق قامات ضعفن بها*** أوائل النار في أطراف كبريت
فإنّ صورة اتصال النّار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة حضور بحر من المسك موجه الذهب وإنّما النادر حضورها عند حضور البنفسج، فإذا أحضر مع صحّته التشبيه استطرف لمشاهدة عناق بين صورتين لا يتعانقان في الخيال أبداً، مضافاً إلى بعد التماثل وغرابته بين أوراق رطبة طرية خضرة نضرة وجسم ذابل يابس واستولى عليه لهب نار .
وأما الثاني: أعني عود الغرض في التشبيه إلى المشبه به فعلى وجهين أحدهما : إيهام أن المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه قصداً للمبالغة كما في التشبيه المقلوب الذي يشبه فيه الزائد بالناقص قصداً إلى إعلاء شأن ذلك الناقص ادّعاء لكونه بالغاً إلى حيث صار أصلاً للشيء الكامل الزائد في ذلك الوصف كقوله :
وَبَدَا الصباح كأن غرنه*** كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح
ألا ترى أنه جعل وجه الخليفة أعرف وأتم وأوهم أنه أكمل في النور والضياء من الصّباح حتى شبه الصباح به.
وثانيهما: بيان الاهتمام بالمشبه به كتشبيه الجائع وجهاً مثل البدر في الإشراق والاستدارة بالرّغيف، فإنّ تشبيهه به دون البدر لاهتمامه بشأن الرغيف بمقتضى جوعه لا بقصد أن الرّغيف أتم في الحسن والاستدارة من ذلك الوجه، وبعبارة أخرى : ليس النظر فيه إلى الاستدارة والحسن، بل استلذاذ النفس بالرّغيف أوجب التشبيه
الغرض من التشبيه إن كان إلحاق الناقص بالزائد في وجه الشبه سواء كان النقصان حقيقياً كما في زيد كالأسد، أو ادّعائياً كما في تشبيه غرّة الصباح بوجه الخليفة، فاللازم حينئذ التشبيه وجعل الناقص مشبّهاً والزائد مشبها به وإن كان مجرد الجمع بين المتشابهين في مطلق الهيئة أو الصورة أو الشكل ونحوها من غير نظر إلى زيادة أحدهما ونقصان الآخر سواء وجدت الزيادة والنقصان أو لم يوجد أصلاً فالأحسن حينئذ ترك التشبيه والإتيان بالتشابه احترازاً من ترجيح أحد المتشابهين على الآخر قال الشاعر:
تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي ***فمن مثل ما في الكاس عيني تسكب
فوالله ما أدري أبا الخمر أسبلت*** جفوني أم من عبرتي كنت أشربُ
وقال آخر :
رَقّ الزجاج وَرَقَت الخمر*** فتشابها وتشاکل الأمر
فكأنما خمر ولاقدح*** وکانّما قدح و لاخمر
ويجوز حينئذ التشبيه أيضاً بأن تجعل أحد الطرفين أيهما شئت مشتبهاً والآخر مشبهاً به، فتقول : غرّة الفرس كالصبح والصّبح كغرة الفرس إذا أردت إظهار منير في مظلم أكثر منه ووجه الخليفة كالصباح والصباح كوجه الخليفة، وهذا القسم هو التشبيه الذي يصح فيه العكس وتبديل أحد الطرفين بالآخر، بخلاف القسم الأوّل الذي كان الغرض فيه إلحاق الناقص بالرّائد .
في تقسيم التشبيه بحسب القوة والضعف في المبالغة باعتبار ذكر الأركان وحذف بعضها، قال صاحب (التلخيص) وشارحه ما محصله إن أركان التشبيه أربعة أي المشبّه
والمشبه به ووجه الشبه وأداة التشبيه فالمشبه به مذکور قطعاً والمشبّه إما مذكور أو محذوف، وعلى التقديرين فوجه الشبه إما مذكور أو محذوف، وعلى التقادير الأربعة فالأداة إما مذكورة أو محذوفة فالأقسام ثمانية.
الأَوّل : أن يذكر المشبه مع ذكر الوجه والأداة مثل زيد كالأسد في الشّجاعة .
الثاني : أن يذكر المشبه أيضاً مع حذفهما نحو زيد أسد
الثالث : أن يذكر أيضاً مع ذكر الوجه وحذف الأداة نحو زيد أسد في الشجاعة. الرابع: ذكره أيضاً مع العكس نحو زيد كالأسد.
الخامس : حذف الجميع نحو أسد في مقام الأخبار عن زيد.
السادس: حذف المشبه مع ذكر الوجه والأداة نحو كالأسد كالأسد في الشجاعة . السابع: حذفه أيضاً مع الأداة فقط نحو أسد في الشجاعة في الأخبار عن زيد.
الثامن : حذفه أيضاً مع الوجه فقط نحو كالأسد.
إذا عرفت ذلك فنقول : إن أقوى هذه الأقسام وأعلاها من حيث المبالغة القسم الثاني ،والخامس ويتلوهما في القوة القسم الثالث والرابع والسابع والثامن والاثنان الباقيان وهما الأول والسادس لا قوة فيهما ، قال العلامة التفتازاني فالمرتبتان الأوليان متساويتان في القوة، والأخريان متساويتان في عدم القوة، والأربعة الباقية متوسطة بينهما، وذلك لأن القوّة إمّا بعموم وجه الشبه في الظاهر أو بإجراء المشبه به على المشبه بأنه هو هو نظراً إلى الظاهر، فما اشتمل عليهما كالأولين فهو في غاية القوّة، وما خلا عنهما كالأخيرين فلا قوة ،له وما اشتمل على أحدهما فقط فهو متوسط في القوة والضعف، ثم لا يبعد أن يفرق بين الأربعة المتوسطة بأن حذف الأداة أقوى من حذف وجه وجه الشبه لجعل المشبه عين المشبه به من حيث الظاهر.
اختلف أرباب البلاغة في التّشبيه المحذوف الوجه والأداة سواء ذكر المشبه وجعل المشبه به خبراً عنه نحو زيد أسد، أو في حكم الخبر نحو إنَّ زيداً أسد وكان زيد أسداً أو علمته أسداً ونحو ذلك، أو حذف القرينة دالة عليه نحو صم بكم عمي، فالمحققون على أنه تشبيه بليغ ولا بأس بذكر كلامهم حتّى يتضح المرام، فأقول : قال الشارح البحراني : الفرق بين الاستعارة والتشبيه أن التشبيه حكم إضافي يستدعي مضافين وليس الاستعارة كذلك، فإنك إذا قلت رأيت أسداً ولم تذكر شيئاً آخر حتى تشبهه بالأسد فلم يكن ذلك تشبيهاً بل
أعطى المعنى لفظاً له لأجل المشابهة بينه وبين معناه الأصلي وما هو لأجل شيء آخر لا يكون نفس ذلك، وقال المطرّزي : الاستعارة أن تريد تشبيه الشيء بالشيء فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه مع طرح ذكره من البين لفظاً وتقديراً .
وقال صاحب (المفتاح) في محكي كلامه إذا كان المشبه مذكوراً أو مقدراً فهو تشبيه لا استعارة وقال صاحب (التلخيص) بعدما عرف التشبيه بأنّه الدلالة على مشاركة أمر لأمر آخر في معنى : فدخل فيه نحو قولنا زيد أسد ونحو قوله تعالى: «صمُّ بكمُ عمىُ» [البقرة: [171 ].
وقال العلامة التفتازاني في إبداء الفرق بين نحو لقيني أسد يرمي، ولقيت في الحمام أسداً ، وبين نحو زيد أسد أو أسد في مقام الأخبار عن زيد حيث يعد الأول استعارة والثاني تشبيهاً ما لفظه وتحقيق ذلك أنه إذا أجرى في الكلام لفظة ذات قرينة دالة على تشبيه شيء بمعناها فهو على وجهين أحدهما أن لا يكون المشبه مذكوراً ولا مقدراً كقولك لقيت في الحمام أسداً أي رجلاً شجاعاً، ولا خلاف في أن هذا استعارة لا تشبيه .
والثاني: أن يكون المشبه مذكوراً أو مقدراً وحينئذ فاسم المشبه به إن كان خبراً عن المشبه أو في حكم الخبر كخبر باب كان وإنّ والمفعول الثاني لباب علمت والحال والصفة فالأصح أنه يسمّى تشبيهاً لا ،استعارة، لأن اسم المشبه به إذا وقع في هذه المواقع كان الكلام مصوغاً لإثبات معناه لما أجرى عليه أو نفيه عنه، فإذا قلت: زيد أسد فصوغ الكلام في الظاهر لإثبات معنى الأسد لزيد وهو ممتنع على الحقيقة فيحمل على أنه لإثبات شبيه من الأسد له، فيكون الإتيان بالأسد للتشبيه فيكون خليقاً بأن يسمّى تشبيهاً، لأن المشبه به إنّما جيء لإفادة التشبيه بخلاف نحو لقيت أسداً فإنّ الإتيان بالمشبه به ليس لإثبات معناه لشيء، بل صوغ الكلام لإثبات الفعل واقعاً على الأسد، فلا يكون لإثبات التشبيه فيكون قصد التشبيه مكنوناً في الضمير لا يعرف إلا بعد نظر وتأمل، وإذا افترقت الصورتان هذا الافتراق ناسب أن يفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة بأن تسمّي احديهما تشبيهاً والأخرى ،استعارة، قال: هذا خلاصة كلام الشيخ في أسرار البلاغة وعليه جميع المحققين قال : ومن الناس من ذهب إلى أنّ الثاني أيضاً أعني زيد أسد - استعارة لإجرائه على المشبه مع حذف كلمة التشبيه والخلاف لفظي راجع إلى تفسير التشبيه والاستعارة المصطلحين انتهى .
وقال الزمخشري في تفسير قوله سبحانه : «وصمُ بكمٌ عمىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ » [البقرة: 171].
فإن قلت: هل يسمّى ما في الآية استعارة؟ قلت : مختلف فيه والمحققون على تسميته تشبيهاً بليغاً لا ،استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلوا عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام كقول زهير :
لدي أسد شاكي السلاح مقذف*** له لبد أطفارة لم تقلّم
ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنّهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحاً قال أبو تمام
ويصعد حتّى يظن الجهول*** بأن له حاجة فيالمآء
ولبعضهم لا تحسبوا أن في سرباله رجلاً*** ففيه غيث وليث مسبل مشبل
وليس لقائل أن يقول : طوى ذكرهم عن الجملة لحذف المبتدأ فانسلق بذلك إلى تسميته استعارة، لأنه في حكم المنطوق به نظيره قول من يخاطب الحجاج :
أسد عليّ وفي الحروب نعامة*** فتخاء تنفر من صفير الصافر
انتهى (1).
وعلله السكاكي على ما نقل عنه بأنّ من شرط الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر وتناسي التشبيه وزيد أسد لا يمكن كونه حقيقة فلا يجوز كونه استعارة، وتابعه صاحب (الإيضاح ) وأورد عليهما صاحب عروس الأفراح بأن ما قالاء ممنوع وليس من شرط الاستعارة صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة في الظاهر، بل لو عكس ذلك وقيل لا بدّ من عدم صلاحيته لكان أقرب لأن الاستعارة مجاز لا بد له من قرينة، فإن لم تكن قرينة امتنع صرفه إلى الاستعارة وصرفناه إلى حقيقته، وإنّما نصرفه إلى الاستعارة بقرينة إما لفظية أو معنويّة نحو زيد أسد، فالأخبار به عن زيد قرينة صارفة عن إرادة حقيقته قال : والذي تختاره أن نحو زيد أسد قسمان تارة يقصد به التشبيه فيكون أداة التشبيه مقدّرة، وتارة يقصد به الاستعارة فلا تكون مقدّرة، ويكون الأسد مستعملاً في حقيقته وذكر زيد والأخبار عنه بما لا يصلح له حقيقة قرينة صارفة إلى الاستعارة دالة عليها، فإن قامت قرينة على حذف الأداة صرنا إليه وإن لم تقم فنحن بين إضمار واستعارة والاستعارة أولى فيصار إليها، انتهى.
وممن صرّح بهذا الفرق عبد اللطيف البغدادي في قوانين البلاغة.
أقول: ولا يخفى أن ما أورده على صاحبي (المفتاح) و(الإيضاح) غير وارد، لأن
1) شرح النهج للمعتزلي : 108/6 .
مرادهما أنّ شرط الاستعارة هو إمكان الحمل على الحقيقة مع قطع النظر عن القرائن اللفظية والمعنوية كما مرّ التصريح به في كلام الزمخشري لا مع ،وجودها، ولما لم يوجد هذا الشرط في نحو زيد أسد لعدم إمكان حمل الأسد فيه على معناه الحقيقي بوجود القرينة التي هي وجود زيد وكون الأسد مخبراً به عنه وعدم إمكان قطع النظر عن هذه القرينة والغض عنها لكونها ركناً أعظم في الكلام وسقوط الكلام بدونها عن الكلامية لا جرم تعين المصير إلى حذف الأداة، وأما سائر القرائن مثل يرمي في نحو رأيت أسداً يرمي، وفي الحمام في نحو رأيت أسداً في الحمام ونحوها لما كانت من الفضلات والتوابع أمكن الغض عنها والإسقاط لها، ويمكن معه الحمل على الحقيقة فيحصل شرط الاستعارة فافهم جيداً هذا.
وفصّل الشيخ عبد القاهر في محكي أسرار البلاغة في هذا الباب - أعني التشبيه المحذوف - الأداة تفصيلاً غير خالٍ من الحُسن ومحصله أنه إن حسن دخول أدوات التشبيه لا يحسن إطلاق اسم الاستعارة عليه وذلك بأن يكون اسم المشبه به معرفة نحو زيد الأسد وهو شمس النهار، فإنه يحسن زيد كالأسد وهو كشمس النهار، لأنّ دخول ج- الأدوات يرجح جانب التشبيه وإن حسن دخول بعضها دون بعض سهل الخطب في إطلاق اسم الاستعارة، لأن دخول بعضها يورث نقصاً في عده شبيهاً، وذلك بأن يكون نكرة غير موصوفة كقولك : زيد أسد فإنه لا يحسن أن يقال: كأسد يقال : كأسد ويحسن أن يقال: كان زيداً أسد أو وجدته أسداً، وإن لم يحسن دخول شيء من الأداة إلا بتغيير صورة الكلام كان إطلاق اسم الاستعارة أقرب لغموض تقدير أداة التشبيه فيه، وذلك بأن يكون نكرة موصوفة بصفة لا تلائم المشبه به نحو فلان بدر يسكن الأرض وشمس لا تغيب فإنّه لا يحسن دخول الكاف إلا بتغيير الصورة نحو هو كالبدر ، إلا أنه يسكن الأرض وكالشمس إلا أنه لا تغيب، وعلى هذا القياس، وقد يكون في الصفات والصلات التي تجيء في هذا القبيل ما يحيل تقدير أداة التشبيه فيه فيقرب من إطلاق اسم الاستعارة أكثر إطلاق وزيادة قرب كقوله :
أَسد دم الأسد سد الهزبر خضابه*** موت فريس الموت منه يرعد
فإنّه لا سبيل إلى أن يقال: المعنى أنه كالأسد وكالموت لما في ذلك من التناقض لأنّ تشبيهه بجنس السّبع المعروف دليل على أنه دونه أو مثله، وجعل دم الهزبر الذي هو أقوى الجنس خضاب يده دليل على أنه فوقه وكذا الموت، انتهى .
أقول: وأنت بعدما أحطت خبراً بما أوردنا عرفت أنّه ليس للخلاف في هذا الباب عمدة طائل يعتد به فلك الخيار في إطلاق اسم التشبيه أو الاستعارة فيما جاز فيه دخول الأداة وإن كان التفصيل الأخير الذي حكيناه عن عبد القاهر أحسن وألطف هذا .
وبقي الكلام في التشبيه المحذوف المشبه والأداة مثل رأيت أسداً في الشجاعة،
والظاهر أنه لا خلاف في أنّه تشبيه لا استعارة لأنّ قولنا في الشجاعة يقتضي تقدير المشبه أي رأيت رجلاً مثل الأسد في شجاعته، ولا يصح أن لا يقدر المشبه ويصار إلى الاستعارة إذ لا يصح وقوع اسم المشبه مفعولاً ، فإنّه لو قيل : رأيت رجلاً في الشجاعة لكان لغواً من الكلام.
وهي من معظم فنون البلاغة وقد أطلق فيها البيانيون أعنة الأقلام حتى أفردها بعضهم بالتأليف، وليس الغرض هنا استقصاء الكلام فيها وإنّما المقصود تقريبها إلى الأفهام بتعريف يزيل الإبهام والإشارة إلى أقسامها إجمالاً مع إثبات شيء مما وقع من محاسنها في كلام أمير المؤمنين (علیه السلام) وفي غيره نظماً ونثراً قالوا: زوّج المجاز بالتشبيه فتولّد بينهما الاستعارة لأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة كأسد في قولنا : رأيت أسداً يرمي، فإنّه استعمل في الرّجل الشجاع المشبّه بالحيوان المفترس الذي هو المعنى الحقيقي لذلك اللفظ، وكثيراً ما يستعمل الاستعارة في المعنى المصدري أعني فعل المتكلم الذي هو استعمال اسم المشتبه به في المشبّه ، فالمتكلم مستعير واللفظ مستعار والمعنى المشبه به مستعار منه والمعنى المشبه مستعار له ويسمّى وجه الشبه هنا جامعاً .
إذا عرفت ذلك فأقول : إن الاستعارة تنقسم إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة .
أنها باعتبار المستعار له والمستعار منه والجامع ستّة أقسام.
أحدها: أن يكون الطرفان حسيّين ويكون الجامع أيضاً حسياً مثل قوله سبحانه : «فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجَلا جَسَدًا» [ طه : 88] . ﴾
فإنّ المستعار منه ولد البقرة والمستعار له الحيوان الذي خلقه الله من حلي القبط والجامع الشكل والصورة والجميع حسّي ، ومثله قوله الله في المخ (1):
«فَأَجْرَى فِيها سِراجاً مُسْتَطِيراً».
فإنّ المستعار منه المصباح والمستعار له الشمس والجامع الضّياء.
وثانيها : أن يكونا حستين ويكون الجامع عقلياً كقوله تعالى : «وَمَايَةٌ لَهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ» [يس: 37) .
فإنّ المستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشّاة ونحوها والمستعار له كشف الضوء عن
مكان الليل وهما حسيان والجامع ما يعقل من ترتب أمر على آخر وحصوله عقيب حصوله كترتب ظهور اللحم على الكشط وظهور الظلمة على كشف الضوء والترتب أمر عقلي، ونحو قوله الله في المخ سو :(66) «اختجوا بالشَّجَرَةِ وَأَضاعُوا الثَّمَرَةَ».
استعار لفظ الثّمرة لنفسه الشريف باعتبار مزید اختصاص له(رضی الله عنه) بالنبي (صلی الله علیه وآله وسلم) كاختصاص الثّمر بالشجر والاختصاص معنى معقول.
وثالثها: أن يكونا حستين ويكون الجامع بعضه حسيّاً وبعضه عقليّاً كقولك رأيت شمساً وأنت تريد إنساناً في حسن الطلعة وعلق الشأن فحسن الطلعة حسي وعلوّ الشأن عقليّ.
ورابعها: أن يكون الطرفان عقلتين والجامع أيضاً عقلياً مثل قوله تعالى : «ومن بعنَا مِن مَرقَدِنَا هَذَا » [يس: 52] .
فإنّ المستعار منه الرّقاد أي النّوم والمستعار له الموت والجامع بينهما عدم ظهور الفعل
والجميع عقلي.
وخامسها : أن يكون المستعار منه حسيّاً والمستعار له عقليّاً ولا بد أن يكون الجامع أيضاً عقلياً كقوله تعالى :
«فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ » [ الحجر : 94] .
فإن المستعار منه صدع الزجاجة وهو كسرها وهو حسّي، والمستعار له تبليغ الرّسالة وهو عقليّ والجامع لهما وهو التأثير أيضاً عقلي، وكقول أمير المؤمنين الله في المخ ج (3) : «يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ» استعار السّيل للعلوم الفائضة منه لله على المواد القابلة، والجامع أن الأوّل فيه حياة الأجسام والثانية فيها حياة الأرواح والحياة معنى معقول، وكقوله (رضی الله عنه)في هذا المختار أيضاً :
«وَطَفِقْتُ أَرْنَاي بَيْنَ أَنْ أُصُولَ بيدِ جَذَاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ»
فقد استعار اليد الجذاء لعدم الناصر والجامع عدم التمكن من التصرف والصولة بهما وكذلك استعار لفظ الطخية وهو الظلمة لاقتباس الأمور بجامع أن الظلمة كما لا يهتدي فيها للمطلوب كذلك لا يهتدي حين التباس الأمور واختلاطها إلى نهج الحق.
وسادسها: عكس السابق والجامع أيضاً عقلي كقوله سبحانه : «إنَّا لَمَّا طَعَا الْمَاهُ حَمَلْتَكُم في المارية» [الحاقة : 11].
فإنّ المستعار له كثرة الماء وهو حسّي والمستعار منه التكبر والجامع الاستعلاء المفرط وهما عقليّان، ونظيره قول أمير المؤمنين(عليه السلام) في المخ في المخ ص (90)في وصف دحو صف دحو الأرض على الماء :
«وَسَكَتَتِ الأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَارِهِ وَرَدَّتْ مِنْ نَحْوَةِ بَادِهِ وَاعْتِلَاتِهِ وَشُمُوحْ أَنْفِهِ وَسُمُو غُلَوائِهِ».
فقد استعار نخوة بأد الماء وشموخ أنفه لكثرة تلاطمه وتراكم أمواجه والمستعار منه الافتخار والتكبر والترفّع وهو عقلي والجامع الاستعلاء المفرط أيضاً .
أن اللفظ المستعار إن كان اسم جنس كأسد وقيام وقعود ونحوها سمّيت الاستعارة أصلية، وإلا فتبعية كالفعل وسائر المشتقات والحرف وقد تقدّم تحقيق ذلك في المسألة السابعة من مسائل المجاز فتذكر، إلا أنه ينبغي أن يعلم أن التشبيه إن قدر لمعنى المصدر في المشتقات ولمتعلّق معنى الحروف فحينئذ يتحقق الاستعارة التبعية وإن قدر فيما أسند إليه الفعل وفي مدخول الحرف فيكون حينئذ استعارة مكنية، مثلاً إذا قلت: نطقت الحال بكذا فإن قدّرت تشبيه دلالة الحال بنطق الناطق فهي استعارة تبعية وإن قدرت تشبيه الحال بالإنسان المتكلم وجعلت نطقت قرينة فالاستعارة مكنية، وإثبات النطق تخييل كالأظفار في أظفار المنية وهكذا في قوله تعالى: « لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوا وَحَزَنَا» [القصص: 8] .
إن قدّر التشبيه في متعلق معنى الحرف كالعلية والعرضية فالاستعارة ،تبعية وإن قدر في المجرور بأن اضمر تشبيه العداوة بالعلة الغائية ودلّ عليه بذكر ما يخص المشبه به - وهو لام التعليل - فالاستعارة مكنيّة، إذ لم يذكر من أركان التشبيه سوى المشبه ودلّ على التشبيه بذكر ما يخص المشبه به وهو معنى الاستعارة المكنية، حسبما تعرفه إن شاء الله .
أنّ طرفيها أعني المستعار منه والمستعار له إن أمكن اجتماعهما تسمّى ،وفاقية، ،وفاقية لما بين الطرفين من الوفاق مثل قوله تعالى : «او مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ » [الأنعام: 122] .
أي ضالاً فهديناه فقد استعير الأحياء من معناه الحقيقي وهو جعل الشيء حياً للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب والأحياء والهداية ممّا يمكن اجتماعها في شيء، ونحو قوله الله في المخ قلج (133):
«وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الأَعْمَى لا يُبْصِرُ مِمّا وَراتَها شَيْئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفَذُهَا بَصَرُهُ وَيَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاتَها، فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شاخص، والأَعْمَى إِلَيْهَا شاخِصٌ وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوْدٌ، وَالأَعْمَى لَها مُتَزَوِّدُ».
فقد استعار لفظ البصير للعاقل، والأعمى للجاهل، واجتماع البصر والعقل كالعمي والجهل ممكن والجامع واضح وإن لم يمكن اجتماعهما تسمّى عناديّة لتعاند الطرفين وذلك كاستعارة الموجود للمعدوم، إذا فقد الموجود وبقيت آثاره الجميلة التي تحيي ذكره وتديم في النّاس اسمه، وكاستعارة المعدوم للموجود لعدم غنائه وانتفاء منفعته، ومنه استعارة اسم الميت للحي الجاهل كما في قوله (رضی الله عنه) في المخ فو (86) : «فَذَلِكَ مَيْتُ الأَحْيَاءِ».
فإن الموت والحياة ممّا لا يمكن اجتماعهما في شيء هذا .
ومن العنادية التهكمية والتمليحية، وهما ما استعمل في ضدّه أو نقيضه تنزيلاً للتضاد والتناقض منزلة التناسب بواسطة تهكم أو تمليح على ما مرّ في باب التشبيه نحو قوله تعالى : «فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»[آل عمران: 21] أي أنذرهم.
استعيرت البشارة التي هي الأخبار بما يسرّ للإنذار الذي هو ضدّه بإدخاله في جنسها على سبيل التهكم، وكذلك قوله : رأيت أسداً وأنت تريد جبانا على سبيل التمليح والظرافة والاستهزاء.
أنّ الجامع بين طرفيها إما داخل في مفهومهما مثل قول النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) . «خَيْرُ النّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكَ بِعَنانِ فَرَسِهِ كُلَّما سَمِعَ هَيْعَةً طَار إِلَيْهَا، أَوْ رَجُلٌ في شَعَفةٍ في غَنِيمَةٍ وَيَعْبُدُ اللَّهَ حَتى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ».
فقد استعار الطيران للعدو والجامع بينهما وهو قطع المسافة بسر عة داخل في مفهومهما وإن كان في الطيران أقوى منه في العدو، وإمّا غير داخل كما في استعارة الأسد للرّجل الشجاع .
أنّها باعتبار الجامع إما عامية وهي المبتذلة لظهور الجامع فيها نحو رأيت أسداً يرمي، أو خاصيّة وهي الغريبة التي لا يظفر بها إلا من ارتفع عن طبقة العامة، والاستعارات الواردة في التنزيل وفي كلام أمير المؤمنين(علیه السلام) كلها أو جلها من هذا القبيل، ثم الغرابة قد تكون في نفس الشبه بأن يكون تشبيهاً فيه نوع غرابة، كقول يزيد بن مسلمة في وصف الفرس
بأنّه مؤدب، وأنه إذا نزل عنه وألقي عنانه في قربوس سرجه وقف مكانه إلى أن يعود إليه .
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ***علك الشّكيم إلى انصراف الزائر
شبّه هيئة وقوع العنان في موقعه من قربوس السرج بهيئة وقوع القوب في موقعه من ركبتي المحتبي، فاستعار الاحتباء وهو أن يجمع الرّجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره لوقوع العنان في موقعه فجاءت الاستعارة غريبة لغرابة الشبه، وقد تحصل الغرابة بتصرف في الاستعارة العامية كما في قوله :
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا*** وسالت بأعناق المطي الأباطح
استعار سيلان السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل سيراً حثيثاً في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة والشبه فيها ظاهر عامي لكنّه قد تصرف فيه بما أفاد اللطف والغرابة إذ أسند الفعل أعني سالت إلى الأباطح دون المطي وأعناقها، حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل، وأدخل الأعناق في السير لأن السرعة والبطؤ في الإبل يظهران غالباً في الأعناق ويتبين أمرهما في الهوادي وسائر الأجزاء ليستند إليها في الحركة ويتبعها في الثقل والخفة.
أنّها إمّا مطلقة أو مرشحة أو مجرّدة.
فالمطلقة ما لم تقترن بصفة ولا تفريع يلائم المستعار منه أو المستعار له نحو عندي أسد والمراد بالصفة الصفة المعنوية لا النّعت النحوي الذي هو أحد التوابع .
والمرشحة ما قرن بما يلائم المستعار منه كقوله تعالى :
«أُولَبِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا ريحت تجرَتُهُمْ » [البقرة: 16] .
استعير الاشتراء للاستبدال، ثمّ فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة ومثل قوله الله في المخ ج (3) : يَنْحَدِرُ عَنّي السَّيْلُ فقد استعار السيل للعلم وقرنه بما يلائم المستعار منه أعني الانحدار، وقوله(رضی الله عنه) في المخ هـ (5):
«أَفْلَحَ مَن نَهَضَ بِجَنَاحٍ» .
استعير الجناح للأعوان والأنصار، وقرن بما يلائم المستعار منه وهو النهوض .
والمجرّدة ما قرن بما يلائم المستعار، كقوله (رضی الله عنه) في المخ ب (2): في وصف النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) :
«أرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ وَالْعَلَمِ الْمَأْلُور»ِ .
فقد استعار العلم وهو الجبل ونحوه يستدل به على الطريق ويهتدي به إليه للدين باعتبار الاهتداء به إلى حظائر القدس، وقرنه بما يلائم المستعار له حيث وصفه بالمأثور أي المنقول قرناً بعد قرن أو المختار المقدّم على سائر الأديان، وقد يجتمع التجريد والترشيح، كقوله زهیر :
لدي أسد شاكي السلاح مقذف*** له البد أظفاره لم تقلم
فقوله : شاكي السلاح تجريد لأنه ملائم للمستعار له أعني الرجل الشجاع، وقوله :
مقذف إلى آخر البيت ترشيح لأنه ملائم للمستعار منه أعني الأسد الحقيقي هذا.
والترشيح أبلغ من الإطلاق والتجريد ومن جمع التجريد والترشيح، لاشتماله على تحقيق المبالغة في التشبيه لأن في الاستعارة مبالغة في التشبيه فترشيحها وتزيينها بما يلائم المستعار منه تحقيق لذلك وتقوية له، ومبنى الاستعارة على تناسي التشبيه وادعاء أن المستعار عين المستعار منه لا شيء مشبه به حتى إنّه يبني على علوّ القدر ما يبني على علوّ المكان، كقول أبي تمام:
ويصعد حتّى يظن الجهول*** بأن له حاجة في السماء
فإنّه استعار الصعود لعلوّ ،القدر، ثم بنى عليه ما يبني على علوّ المكان والارتقاء إلى السماء من ظن الجهول أن له حاجة في السّماء، فلولا أن قصده أن يتناسى التشبيه ويصر على إنكاره فجعله صاعداً في السماء من حيث المسافة المكانية لما كان لهذا الكلام ،وجه ومن هذا الباب قوله :
قامت تظللني ومن عجب***شمس تظلّلني من الشّمس
فلولا أنّه أنسى نفسه أنّ هيهنا استعارة لما كان لهذا التعجب معنى.
الجامع في الاستعارة إن كان أمراً واحداً كما في قولك: رأيت أسداً فهي استعارة في المفرد، وإن كان منتزعاً من أمور متعددة يتقيد بعضها ببعض فهي استعارة تمثيلية، كما يقال للمتردّد في أمر إنّي أراك تقدّم رجُلاً وتؤخر أخرى، فإنّه شبه صورة تردّده بصورة تردّد من قام ليذهب في أمر فتارة يريد الذهاب فيقدّم رجلاً وتارة لا يريد فيؤخر أخرى، فاستعمل الكلام الدّال على هذه الصورة في تلك الصورة، والجامع وهو الإقدام تارة والإحجام أخرى منتزع من عدة أمور ومثله قوله (رضی الله عنه) في المخ سه (65) :
«فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنْ فِي كِسْرِهِ قَدْ قَدَّمَ ِللْوَثَبَةِ يَداً وَأَخَرَ لِلنُّكُوص رجلاً«.
شتبه(رضی الله عنه) هيئة تردّد معاوية أو عمرو بن العاص في الإقدام في القتال لطمع الخلافة أو طمع مصر، والإحجام أخرى بما فيهما من الجبن والفشل بهيئة تردّد من يريد أمراً فيثب تارة وينكص أخرى.
إذ تحقق معنى الاستعارة حسّاً أو عقلاً سمّيت تحقيقية، لتحقق معناها في الحسّ أو العقل .
فالأول كقوله : لدي أسد شاكي السلاح مقذف فإن الأسد استعارة للرّجل الشجاع وهو أمر متحقق حسّاً، وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ (1):
«فَأَجْرَى فِيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً».
استعار السراج للشمس وهي حسية أيضاً.
والثاني كقوله تعالى: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا [النساء» : 174 ] .
فإنّ النور مستعار للبيان الواضح وهو أمر متحقق عقلاً، وكقوله أيضاً:
«اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ » [الفاتحة: 6] .
أي الدين الحق وهو ملة الإسلام وهذا أمر عقلي أيضاً، ومثله قوله له في المخ ب (2):
«أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ، وَالعَلَم الْمَأْثُورِ، وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ، وَالنُّورِ السَاطِعِ، وَالضّياءِ اللامع، وَالأمْرِ الضادع».
فقد استعار العلم للدين والنور والضياء لعلم النبوّة، والصادع من صدع الزجاجة وهو كسرها للفصل بين الحق والباطل وجميعها أمور محققة عقلاً .
وقد يضمر التشبيه في النفس فلا يصرّح بشيء من أركان التشبيه سوى المشبه، ويدلّ على ذلك التشبيه المضمر في النفس بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به من غير أن يكون هناك أمر متحقق حسّاً أو عقلاً فيسمى ذلك التشبيه المضمر استعارة بالكناية، ويسمّى ذلك الأمر المختص بالمشبه به للمشبه استعارة تخييلية، لأنه يخيل أنه من جنس المشبه به، ثم ذلك الأمر المختص بالمشبه به على قسمين:
أحدهما ما لا يكمل وجه التشبيه في المشبه به بدونه والثاني: ما يكون قوام وجه الشبه في المشبه به .
فالأوّل كقول أبي ذويب الهذلي :
وَإِذ المنيّة أنشبت أظفارها*** الفيت كل تميمة لا تنفعُ
شبّه المنيّة في نفسه بالسّبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة من غير تفرقه بين نفاع وضرار ولا رقة المرحوم ولا بقيا على ذي فضيلة، فأثبت لها الأظفار التي لا يكمل ذلك الاغتيال في السّبع بدونها تحقيقاً للمبالغة في التشبيه، فتشبيه المنية بالسبع استعارة بالكناية، وإثبات الاظفار للمنيّة استعارة تخييلية، ومثله قوله (رضی الله عنه) في المخ فد (83) :
«فكَانَ قَدْ عَلَقِتْكُمْ مَخالِبُ الْمَنِيَّةِ». وفي المخ رب (202). وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلاَحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَائِبَةٌ، وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِها وَقَدْ نَشِبَتْ فيكُمْ». والثاني کقوله:
فلئن نطقت بشكر برك مفصحاً*** فلسان حالي بالشكاية أنطق
شبه الحال بإنسان متكلم في الدّلالة على المقصود وهذا هو الاستعارة بالكناية أثبت للحال اللسان الذي به قوام الدّلالة في الإنسان المتكلم وهذا هو الاستعارة التخييلية ومثله قوله (رضی الله عنه) في المخ قب (82) :«ختى إِذَا أَيْسَ ،نافِرُها وَاطْمَتَنَّ ،ناكِرُها قَمَصَتْ بِأرْجُلِهَا وَفَنَصَتْ بأَحْبُلِها، وَأَقْصَدَتْ بأسهمها»
فإنّه شبه الدنيا تارة بالدّابة القامصة الممتنعة من الركوب فأثبت لها الأرجل التي بها تحقق القمص والامتناع، وشبهها أخرى بالقناص الصياد فأثبت لها الأحبل التي لا يمكن الصيد إلا بها وشبهها ثالثة بالرّامي فأضاف إليها السّهم الذي به قوام الرمي وتحققه .
أنّ ما ذكرناه في تفسير الاستعارة بالكناية والتخييلية إنّما هو على مذهب صاحب (الإيضاح)، وقد خالف في ذلك صاحب
(المفتاح) وغيره ولا بأس بالإشارة الإجمالية إلى ذلك وإن كانت كتب البيان كافلة به.
فأقول : لا خلاف بين أرباب البلاغة وقد اتفقت كلمتهم على أنه إذا شبه أمر بآخر من غير تصريح بشيء من أركان التشبيه سوى المشبه ودلّ على التشبيه بذكر ما يخص بالمشبه به كان هناك استعارة بالكناية، لكن اضطرب أقوالهم، فذهب السلف ومنهم الشيخ عبد القاهر والزمخشري إلى أنّ الاستعارة بالكناية هو المشبه به المتروك المرموز إليه بذكر لوازمه وقد
استعير للمشبه في النفس.
قال العلامة التفتازاني ومعناها المأخوذ من كلام السّلف هو أن لا يصرّح بذكر المستعار، بل يذكر رديفه ولازمه الدال عليه فالمقصود بقولنا : أظفار المنيّة استعارة السّبع للمنيّة كاستعارة الأسد للرّجل الشجاع ، إلا أنا لم نصرح بذكر المستعار أعني السبع بل اقتصرنا على ذكر لازمه لينتقل منه إلى المقصود كما هو شأن الكناية، فالمستعار هو لفظ
السبع الغير المصرح به والمستعار منه هو الحيوان المفترس والمستعار له هو المنية (1).
وقال الشّارح البحراني وأما الاستعارة بالكناية فهو أن يذكر بعض لوازم المستعار للتنبيه عليه دون التصريح بذكره كقول أبي ذويب :
وإِذِ الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَها»، فكأنه حاول استعارة السبع للمنية، لكنه لم يصرح بها بل ذكر بعض لوازمها تنبيهاً بها على المقصود هذا.
بادعاء أنوذهب السكاكي إلى أنّها أي الاستعارة بالكناية هو لفظ المشبه المستعمل في المشبه به بادّعاء انّه عینه، فعلى هذا المستعار في بيت الهذلي هو لفظ المنية والمستعار منه الموت والمستعار له هو السبع، فقد دار يد بالمنية السبع بادعاء السبعية لها بقرينة إضافة الأظفار التي هي من خواص السبع إليها .
وذهب الخطيب صاحب (الإيضاح) إلى أنّها التشبيه المضمر في النفس فوجه تسميتها بالاستعارة على هذا القول غير ظاهر وأمّا الكناية فلأنه لم يصرّح بالمشبه به، بل إنّما دُلّ عليه بذكر خواصه ولوازمه، وقد يقال : إنما سمّي استعارة بناء على أنه شبه الاستعارة في وهي ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، وأما على القولين الأولين فجهة التّسمية واضحة هذا .
وتحقيق الحق من هذه الأقوال مع ما يتفرّع عليها من الفروع والثّمرات مما لا يساعده المجال، وإنّما ينبغي أن يعلم أنّ الاستعارة المكنى عنها والاستعارة التخييلية متلازمان في الكلام على مذهب صاحب (الإيضاح ) لا يتحقق أحدهما بدون الآخر، لأن التخييلية لا بدّ أن تكون قرينة للمكنيّة والمكنية لا بد أن تكون قرينتها التخييلية .
وقد حكى في «شرح التلخيص» عن السكاكي أنه صرح بأن عدم انفكاك المكنى عنها عن التخييلية هو مذهب السلف
وأمّا الزمخشري فالمستفاد من كلامه عدم استلزام المكنّية للتخييلية وجواز كون قرينتها استعارة تحقيقية تبعية، قال في تفسير قوله تعالى :
1) البرهان للزركشي : 438، ومختصر المعاني: 240 .
«و الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ » [البقرة: 27].
النقض الفسخ وفك التركيب فإن قلت من أين ساغ النقض في إبطال العهد؟ قلت : من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة :
يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها فنخشى أن الله إن أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك (1).
وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكنوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه فينبهوا بتلك الرّمزة على مكانه، ونحوه قولك : شجاع يفترس أقرانه وعالم يغترف منه النّاس، ولم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر انتهى.
فقد دلّ كلامه على أنّ قرينة الاستعارة المكنيّة في عهد الله هي الاستعارة التحقيقية أعني استعارة النقض لإبطال العهد.
وأمّا السكاكي فقد قال التفتازاني في «شرح التلخيص» أنه لا تلازم عنده بينهما أصلاً، بل توجد التخييلية بدونها ولهذا مثل لها بنحو أظفار المنية الشبيهة بالسبع، ولسان الحال الشبيهة بالمتكلم، وزمام الحكم الشبيهة بالناقة، فصرح بالتشبيه لتكون الاستعارة في الأظفار فقط من غير استعارة بالكناية، وتوجد هي أي الاستعارة بالكناية بدون التخييلية كما صرح به المجاز العقلي حيث قال: إن قرينة المكنى عنها إما أمر مقدّر وهمي كالأظفار في أظفار المنية، ونطقت في نطقت الحال، أو أمر محقق كالإنبات في قولك أنبت الربيع البقل، والهزم في هزم الأمير الجند .
المستفاد من كلام صاحب (الإيضاح) أنّ لفظ الأظفار والمنية في قوله : أنشبت المنية أظفارها، حقيقة مستعملة في المعنى الموضوع له وليس في الكلام مجاز لغوي، وإنما المجاز إثبات شيء لشيء ليس هو له، وهذا عقلي كاتبات الإنبات للربيع، وعلى هذا فلا يجوز عد الاستعارة بالكناية والتخييلية في عداد أقسام الاستعارة بقول مطلق إلا استطراداً، لأنّ الاستعارة حسبما تقدم تعريفها مجاز علاقتها المشابهة، ويستفاد من الشيخ عبد القاهر أيضاً كون الاستعارة التخيلية في معناها الحقيقي حيث قال في قول لبيد :
1) غريب الحديث (91/1 ، وتفسير جوامع الجامع : 89/1 .
وغداة ريح قد کشفت وقرّة*** إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
لا خلاف في أنّ لفظ اليد استعارة مع أنّه لم ينقل عن شيء إلى شيء، إذ ليس المعنى على أنّه شبه شيئاً باليد وإنّما المعنى على أنه أراد أن يثبت للشّمال يداً .
وأما صاحب (المفتاح) فمذهبه أن المكنية والتخييلية كليهما من المجاز اللغوي لأنه على ما حكى عنه في (التلخيص) وشرحه قد قسم المجاز اللغوي إلى الاستعارة وغيرها، وقسمها إلى المصرّح بها والمكنّى عنها وعنى بالمصرّح بها أن يكون الطرف المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه به وجعل منها تحقيقيّة وتخييلية، وفسّر التحقيقية بأن يكون المشبه المتروك محققاً حسّاً أو عقلاً، والتخييلية بما لا تحقق لمعناه حسّاً ولا عقلاً، بل هو صورة وهمية محضة كلفظ الأظفار في قول الهذلي، فإنّه لما شبّه المنيّة بالسبع في الاغتيال أخذ الوهم في تصويرها بصورته واختراع لوازمه لها واخترع لها مثل صورة الأظفار المحققة،
، ثم أطلق عليه لفظ الأظفار فيكون استعارة مصرحة، لأنه قد أطلق اسم المشبه به وهو الأظفار المحققة على المشبه وهو صورة وهمية شبيهة بصورة الأظفار المحققة، والقرينة إضافتها إلى المنية، وعنى بالمكنّى عنها أن يكون الطرف المذكور هو المشبّه على أنّ المراد بالمنيّة السبع بادعاء السبعية لها بقرينة إضافة الأظفار إليها، فقد ذكر المشبه أعني المنيّة وأُريد به المشبه به وهو السبع، فقد ظهر بذلك أنّهما عنده مجازان لغويان وإن رده صاحب (الإيضاح) بما لا مهّم بنا إلى نقله
إذا اجتمع لازمان في الكلام للمشبه به فأيهما كان أقوى اختصاصاً وتعلقاً به فإثباته تخييل، وأيهما كان دونه فإثباته ترشيح فعلى هذا ففي قوله :
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها يكون إثبات الأظفار للمنيّة تخييلاً لكونها أقوى اختصاصاً وتعلقاً بالسبع، وإثبات الإنشاب ترشيحاً لأنه دونها، وينبغي أن يعلم أن الترشيح لا يختص بالاستعارة بالكناية، بل قد يكون ترشيحاً للاستعارة المحققة كما في قوله تعالى:
«أُوْلَيْكَ الَّذِينَ اسْتَرَوُا الضَّلَلَة بِالْهُدَى فَمَا ريحت تحرتُهُمْ» [البقرة: 16] .
على ما قدمنا في التقسيم السادس للاستعارة.
وقد يكون ترشيحاً للمجاز العقلي وهو ذكر ما يلائم ما هو له كالإنشاب لإثبات الأظفار للمنيّة في : أنشبت المنية أظفارها على مذهب صاحب (الإيضاح ) .
وقد يكون ترشيحاً للمجاز اللغوي وهو ذكر ما يلائم المعنى الحقيقي كما في قوله صلى الله عليه وآله :
«أَسْرَعُكُنْ لُحُوقاً بي أطْوَلُكُن يَدا»(1).
فإن أطولكنّ ترشيح للمجاز أعني اليد المستعملة في النعمة .
وقد يكون ترشيحاً للتشبيه وهو ذكر ملائم للمشبه به مثل أظفار المنية الشبيهة بالسبع أهلكت فلاناً.
وقد يكون ترشيحاً للتورية وهو ذكر ما يلائم المورى به وستعرف تفصيله إن شاء الله في بحث الثورية.
وقد يكون ترشيحاً للطباق وهو أن تأتي بلفظ يؤهل غيره لإبداع المطابقة بينه وبينه كقول أبي الطيب :
وخفُوقُ قلبي لو رأيت لهيبه*** يا جنتي لرأيت فيه جهنما
فقوله : يا جنّتي رشحت لفظة جهنّم للمطابقة.
قيل : وقد يكون ترشيحاً للاستخدام، كقول أبي العلا في صفة الدّرع :
تلك ماذية وما لذباب الصيف*** والسّيف عندها من نصیب
فإن ذكر السّيف رشح الذباب لاستخدامه بمعنى طرف السيف، لولاه لانحصر في معنى الطائر المعروف.
أقول وفيه نظر لأنه ليس من الإستخدام في شيء، لعدم صدق تعريف الإستخدام عليه حسبما تعرفه في بحث الإستخدام، إذ لم يرد بالذباب إلا الطائر المعروف وليس هنا ضمير يعود إليه باعتبار معناه الآخر أعني طرف السيف فإن قلت : قد عطف السيف على الصيف فأريد الدّباب بالنسبة إلى المعطوف عليه أحد المعنيين وبالنسبة إلى المعطوف من المعنى الآخر، قلت هذا توهم فاسد لاستلزامه استعمال اللفظ المشترك في معنيبه وهو غير جائز على مذهب المحققين حسبما قدمناه فيما سبق، فاللازم عطف السّيف على الذباب فافهم جيّداً.
في الكناية وفيها بحثان .
1) كنز العمال: 342/6 والطبقات الكبرى : 108/8 .
في حقيقتها، فاعلم أنّها في اللغة مصدر كنيت بكذا عن كذا وكنوت إذا تركت التصريح به وفي الاصطلاح تطلق تارة على فعل المتكلم أعني ذكر الملزوم وإرادة اللازم مع جواز وأخرى على نفس اللفظ المراد به لازم معناه كذلك، كقولك: فلان
إرادة الملزوم معه، طويل النجاد، المراد به طول القامة الذي هو لازمه مع جواز أن يراد حقيقة طول النّجاد أيضاً وهذه هي الكناية في المفرد.
وأمّا في المركب فهو أن يقصد إثبات معنى من المعاني لشيء فيترك التصريح بإثباته له ويثبت لمتعلقه كقوله :
إنّ المروة والسّماحة والندى*** في قبة ضربت على ابن الحشرج
أراد إثبات اختصاص الممدوح بهذه فترك التصريح بأن يقول : إنه مختص بها أو نحوه إلى الكناية بأن جعلها في قبة ضربت عليه ونحوه قولهم : المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه ومثاله في جانب النفي قول من يصف الخمر:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها*** لومسها حجر مسته سرآء
حيث كنّى عن نفي الحزن عنها بنفيه عن ساحتها وفضاها، وقول الآخر يصف امرأة بالعقة :
تبيت بمنجاة من اللوم بيتها*** إذا ما بيوت بالملامة حلت
فتوصل إلى نفي اللوم عنها بنفيها عن بيتها، وينبغي أن يعلم أنّ المراد بالملازمة في باب الكناية ليس استحالة الانفكاك أي الملازمة العقلية، وإنّما التعلق والارتباط في الجملة وإلا لانتقض بكثير مما جعلوه منها .
ثم الكناية إن لم يكن الانتقال منها إلى المطلوب بواسطة، فقريبة كقولك كناية عن طول القامة طويل النّجاد، وإن كان بواسطة فبعيدة كقولهم كناية عن المضياف كثير الرماد، فإنّه ينتقل من كثرة الرّماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدر ومنها إلى كثرة الطبايخ، ومنها إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضيفان، ومنها إلى المقصود وهو المضياف، وبحسب الوسائط وكثرتها تختلف الدلالة على المقصود وضوحاً وخفاءٌ، والموصوف فيها قد يكون مذكوراً كما مرّ، وقد يكون محذوفاً كما يقال في التعريض بمن يؤذي المسلمين:
«المُسْلِمُ مَنْ سِلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (1).
1) السرائر : 618/3 ، وأمالي الطوسي : 271 .
فإنّه كناية عن نفي صفة الإسلام عن الموذي، وهو غير مذكور في الكلام.
قال بعض الأفاضل: ولا يعدل من التصريح إلى الكناية إلا بسبب، ولها أسباب.
أحدها: قصد المدح كأكثر الأمثلة المتقدمة.
الثاني : قصد الذم كقولهم كناية عن الأبله عريض القفا، فإن عرض القفا وعظم الرأّس ممّا يستدلّ به على بلاهة الرّجل .
الثالث : ترك اللفظ إلى ما هو أجمل منه كقوله تعالى : «إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتَسْعُونَ نَعْجَةً وَلَى نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ » [ ص: 23] .
فكنّى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك الآنّ ترك التصريح بذكر النساء أجمل ولذا لم يذكر في القرآن امرأة باسمها إلا مريم عليها السلام .
قال السهيلي: وإنّما ذكرت باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة، وهي أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملاء ولا يبتذلون أسمائهن، بل يكتفون عن الزوجة بالعرس والعيال ونحو ذلك، فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهنّ ولم يصونوا أسمائهن عن الذكر، فلما قالت النصارى في مريم ما قالوا صرّح الله سبحانه باسمها ولم يكن تأكيداً للعبودية التي هي صفة لها، وتأكيداً لأن عيسى (علیه السلام) لا أب له والا نسب إليه .
الرّابع: : أن يكون التصريح ممّا يستهجن ذكره كما كنّى الله تعالى عن الجماع بالملامسة والمباشرة والافضاء والسرّ والدخول والغشيان وكنّى عن طلبه بالمراودة في قوله : «وَرَوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا » [يوسف: 23] .
وكنى عنه أو عن المعانقة باللباس في قوله :« وهُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ » [البقرة: 187] .
وكنى عن البول ونحوه بالغائط في قوله : « أو جاء أحد منكم مِّنَ الْغَابط» [النساء : 43] .
وأصله المكان المطمئن من الأرض، وكنّى عن قضاء الحاجة بأكل الطعام في قوله في مريم وابنها :
«لو كانا يأكلَانِ الطَّعَامُ) [المائدة»: 75] .
وكنّى عن الاستاه بالأدبار في قوله:
« يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ» [الأنفال : 50] .
الخامس : قصد المبالغة كقوله تعالى : «وَلَنَا سُقِطَ فِى أيديهم » [الأعراف: 149] .
كناية عن اشتداد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأنّ من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها لأنّ فاه قد وقع فيها .
السادس : قصد الاختصار كالكناية عن ألفاظ متعدّدة بلفظ فعل نحو : «لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة» (79] «فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا » [البقرة: 24] .
إلى غير ذلك من الأسباب التي لا يضبطها الحصر انتهى (1).
أقول ما ذكره من الأسباب لا بأس به إلا أن أكثر ما مثل به من قبيل الاستعارة أو التشبيه البليغ أو المجاز المرسل، وليس من باب الكناية كما هو غير خفي على الناقد البصير.
في الفرق بينها وبين المجاز والتعريض، أما الأوّل فقد قال البيانيون: إن الكناية عبارة أن تذكر لفظة وأريد بها لازم معناها مع جواز إرادة أصل معناها معه، والمجاز أن تطلق لفظة وأريد بها معناها الموضوع له، فالفرق بينهما من جهة جواز إرادة المعنى الأصلي في الكناية وعدم جوازها في المجاز، وذلك لأن المجاز مستلزم لقرينة مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي بخلاف الكناية، فلوجود القرينة المانعة في المجاز امتنعت إرادة المعني الحقيقي، ولعدمها في الكناية جاز إرادته .
وأما الثاني فقد فرق بينهما بوجوه: الأوّل ما عن صاحب صاحب (الكشاف) (الكشاف) وهو أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع ،له والتعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه : جئت لأسلّم عليك فكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدلّ على المقصود، ويسمّى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده .
الثاني : ما عن ابن الأثير في المثل السائر وهو أن الكناية ما دلّ على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما، وتكون في المفرد والمركب، والتعريض هو .
1) البرهان للزركشي: 309/2 .
اللفظ الدّال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي، بل من جهة التلويح والإشارة، فيختص باللفظ المركب، كقول من يتوقع صلة والله إني محتاج، فإنّه تعريض بالطلب مع لم يوضع له حقيقة ولا مجازاً، وإنّما فهم منه المعنى من عرض اللفظ أي جانبه قال بعض الأفاضل في شرح قوله : فيختص باللفظ المركب لأنّ الدلالة على المعنى المعرض به لما لم يكن من جهة الوضع الحقيقي والمجازي تعين أن يكون بالسياق، فيظهر من ذلك الاختصاص.
الثالث : ما قاله السكاكي حيث قال: الكناية تتفاوت إلى تعريض وتلويح ورمز وإيماء وإشارة والمناسب للعرضيّة التّعريض، ولغيرها إن كثرت الوسائط التلويح، وإن قلت مع خفاء الرمز وبلا خفاء الإيماء ،والإشارة، يعني أنّ المطلوب بالكناية إن كان العرضية أي إثبات صفة الموصوف غير مذكور في الكلام أو نفيها عنه كقولك تعريضاً لمن يؤذي المسلمين: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده فإنّه كتابة عن نفي صفة الإسلام عن المؤذي وهو غير مذكور في الكلام وكقولك في عُرض من يعتقد حلّ الخمر وأنت تريد تكفيره: أنا لا أعتقد حلّ الخمر وهو كناية عن إثبات صفة الكفر له باعتقاده حلّ الخمر وهو غير مذكور أيضاً فالمناسب حينئذٍ أن يطلق عليها اسم التعريض والمناسب لغير العُرضيّة مع كثرة الوسائط بين اللازم والملزوم كما في كثير الرّماد وجبان الكلب التلويح لأن التلويح أن تشير إلى غيرك قلة الوسائط وخفائها في اللزوم كعريض القفا وعريض الوسادة الزمز، لأنّ الرّمز
من بُعد، ومع أن تشير إلى قريب منك بالخفية لأنه الإشارة بالشفة والحاجب، ومع قلتها ووضحها كما في قوله :
أَوَ مَا رَأَيت المجد ألقى رحله ***فی آل طلحة ثم لم يتحوّل
الإيماء والإشارة. :
الرابع : ما ظهر لي من تتبع كلامهم وهو أظهر الوجوه أن النسبة بينهما هو العموم من وجه، فمادة الاجتماع كقولك لمن يؤذي المسلمين المسلم من سلم المسلمون آه، ومادة الافتراق من جانب الكناية كقولك : زيد كثير الرّماد أو طويل النجاد، أو قلت: المؤمن هو غير المؤذي وأردت نفي الإيمان عن المؤذي مطلقاً من غير قصد تعريض بمؤذ معين، فهذه كلها كنايات من دون تعريض ومادة الافتراق من جانب التعريض هو أن التعريض قد يكون بالمجاز كما نبه عليه السكاكي حيث قال والتعريض قد يكون مجازاً كقولك : آذيتني فستعرف، وأنت المخاطب دونه أي دون المخاطب وإن أردتهما أي جميعاً كان كناية : لأنك تريد إنساناً إنساناً مع المخاص أردت ما للفظ المعنى الأصلي وغيره معاً، والمجاز ينافي إرادة المعنى الأصلي.
قال العلامة التفتازاني وتحقيق ذلك أن قولك : آذيتني فستعرف كلام دال على تهديد
المخاطب بسبب الإيذاء، فإن استعملته وأردت به تهديد المخاطب وغيره من المؤذين كان كتابة، وإن أردت تهديد غير المخاطب بسبب الإيذاء لعلاقة اشتراكه للمخاطب في الإيذاء إمّا تحقيقاً وإمّا فرضاً وتقديراً مع قرينة دالة على عدم إرادة المخاطب كان مجازاً هذا ولكثرة فوائد التعريض ومزيد دورانه في كلام الإمام (رضی الله عنه) نفرده بالبحث في المطلب الثالث في ضمن المحسنات البديعية إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق.
في ذكر بعض أقسام البديع للتنبيه على ما لكلامه(رضی الله عنه) من القدر الرفيع، فأردت أن أعطيك محك النقد وأرمي إليك زمام حلّ العقد حتى تعرف أن كلامه (رضی الله عنه) مضافاً إلى أنه منبت غصون الفصاحة، ومنبع عيون البلاغة، متضمّن لأنواع البديع كأنوار الربيع، وتظهر لك علوّ الجوهر والاعتبار بما تذكره من العيار وتسهل لك العبور بسفينة المعرفة إلى ساحل بحر محسنات كلامه إذا خضت في غمار عمانه وغصت على لآلئه وجمانه واذكر لكلّ قسم منها مثالاً نثراً ونظماً من كلام الفصحاء والبلغاء البارعين مشفوعاً بمثال من كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه).
فأقول : إن البديع علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال ووضوح الدلالة، وأقسام الوجوه المحسنة كثيرة، بعضها معنوية راجعة إلى تحسين المعنى بالأصالة وإن كان فيها مالاً يخلو من تحسين اللفظ، وبعضها لفظية كذلك.
قال أهل البيان ومشايخ البلاغة : ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيما يورده من كلامه في ثلاثة مواضع.
أحدها : الابتداء، فاللازم له أن يفتح كلامه بأعذب الألفاظ وأجزلها وأرقها وأسلسها وأحسنها نظماً وسبكاً وأصحها مبنى وأوضحها معنى وأخلاها من الحشو والركاكة والتعقيد والتقديم والتأخير الملبس، وذلك لأن مفتتح الكلام أول ما يقرع السمع ويصافح الذهن فإن كان حسناً جامعاً لما ذكرناه من الشروط أقبل السامع على الكلام، فوعى جميعه، وإلا مجه السمع وزجه القلب وإن كان الباقي في غاية الحسن قالوا: وقد أتت جميع فواتح سور القرآن على أحسن الوجوه من البلاغة وأكملها كالتحميدات وحروف الهجاء والنداء مثل : «ريأَيُّهَا النَّاسُ ويَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا » [البقرة: 178] .
فإن مثل هذا الابتداء يوقظ السامع للإصغاء إليه .
أقول : وأنت خبير بأن مطلع خطب أمير المؤمنين(رضی الله عنه) ومفتتحها تالي كلام الرب تعالى هذا المعنى، فإنك إذا نظرت إلى فواتح خطبه وكلامه(رضی الله عنه) جملها ومفرداتها رأيت من البلاغة والتفنّن وأنواع الإشارة ما يقصر عن بيانه وصف الواصفين ونعت الناعتين هذا ومن حسن الابتداء في النظم قول امرء القيس :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل*** لسقط اللوى بين الدخول فحومل
قالوا : وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت عذب اللفظ سهل السبك إلا أنّه لم يتأت له ذلك في النصف الثاني، بل أتى فيه بمعان قليلة في ألفاظ غريبة وأحسن من ذلك قول أبي الطيب المتنبي :
فديناك من ربع وان زدتنا كرباً*** فانك كنت الشرق للشمس والغربا
وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا*** فؤاداً لعرفان الرسوم ولالباً
نزلنا من الأكوار نمشي كرامة*** لمن بان عنه ان تلم به ركباً
ثم اعلم أنهم فرعوا على حسن الابتداء براعة الاسهلال وهو أن يكون أوّل الكلام دالاً على ما يناسب حال المتكلم، متضمناً لما سيق الكلام لأجله من غير تصريح بل بألطف إشارة يدركها الذوق السليم والطبع المستقيم.
قال ابن المقفع : ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت ..قافيته.
قال الجاحظ كأنه يقول : فرق بين صدر خطبة النّكاح وخطبة العيد وخطبة الصلح حتى يكون لكلّ فنّ من ذلك صدر يدلّ على عجزه، فإنّه لا خير في كلام لا يدلّ على معناك، ويشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه ،قصدت والغرض الذي إليه نزعت .
قالوا : والعلم الأسنى في ذلك سورة الفاتحة التي هي مطلع القرآن، فإنّها مشتملة على جميع مقاصده، وكذلك أوّل سورة اقرء، فإنّها مشتملة على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من البراعة، لكونها أوّل ما أنزل من القرآن فإنّ فيها الأمر بالقراءة والبدأ فيها باسم الله، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفة فعل وفيها ما يتعلق بالأحكام، وما يتعلق بالأخبار، من قوله: «علم الإنسن ما لم يعلم» [العلق : 5] .
ولهذا قيل : إنّها جديدة أن تسمّى عنوان القرآن، لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارات وجيزة في أوّله، فقد ظهر مما ذكرنا أن براعة الاستهلال في مطلع الكلام هو كونه
دالا علی ما ابنی الكلام عليه من مدح أو هجاء أو تهنئة أو عتاب أو توبيخ وتقريع أو بشارة أو نفي أو غير ذلك ، فلو جمع المطلع بين حسن الابتداء وبراعة الاستهلال كان هو الغاية التي لا يدركها إلا مصلي نهذه الجلبة والحالب من أشطر البلاغة أوفر حلبة، وهو كثير في كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) وأرشدك إلى موضع واحد وهو قوله (رضی الله عنه) في المخ له (25):
يا الحمد الله وإن أتَى الدَّهْرُ بالخطب الْفادِح والحَدثِ الجليل».
فإن هذا المطلع ينبتك طمن عظم ما يتلوه من النبأ وفي هذا المختار أنواع من البديع يكاد أنه يكون ساحراً خشيمة أندلك عليها، وفيه شهادة عظيمة على عظم شأن قائله سلام الله عليه، ومنه في النظم قول أبي تمام يهنّي المعتصم بفتح قلعة عمورية وكان المنجمون زعموا أنها لا تفتح في هذا الوقت :
السيف أصدَقُ إنباء من الكتب*** في خدّه الحدّ بين الجد واللعب
بيضُ الصفائح لا سود الصحائف في ***متونهنّ جلاء الشك والريب
وهو الخروج والانتقال امما افتح به الكلام إلى المقصود على وجه سهل برابطة ملائمة وجهة جامعة يختلس به المقصود اختلاساً رشيقاً بحيث لا يتفطن السامع للإنتقال من المعنى الأول إلا وقدر سخت ألفاظ المعنى الثاني في السمع وقرّ معناه في القلب، وإنّما كان ذلك من المواضع الثلاثة التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها، لأن السامع مترقب للإنتقال إلى المقصود كيف يكون، فإذا كان حسناً متلائم الطرفين حرّك من نشاط السامع وأعان على إصغاء ما بعده وإلا فبالعكس .
وقد ينتقل من مفتتح الكلام إلى المقصود من غير ملائمة ويسمّى ذلك اقتضاباً ، ومنه ما يشبه التخلص في أنه يشوبه شيء من الملائمة، كقولهم بعد الخطب أما بعد، فإنّه اقتصاب من جهة أنه انتقل من حمد الله والثناء على رسوله إلى كلام آخر من غير رعاية ملائمة بينهما، لكنه يشبه التخلص من جهة أنّه لم يؤت بالكلام الآخر فجأة من غير قصد إلى ارتباط وتعلق بما قبله، بل قال أما بعد أي مهما يكن من شيء بعد الحمد فإنّه كان كذا وكذا قصداً إلى ربط هذا الكلام بما سبق عليه.
إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ الأقسام الثلاثة كلّها موجودة في كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه) كثيرة فيه كما هو غير خفي على المتتبع الخبير والناقد البصير، فمن حسن التخلص قوله (رضی الله عنه) في المخ (1) : «أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاء» اهـ.
حيث إنه(رضی الله عنه) بعدما افتتح الكلام بحمد الله وثنائه وذكر جملة من صفات الجلال
والجمال تخلص منه بما ذكرنا، وهو من صفات الفعل إلى كيفية ابتداء خلق المخلوقات المسوق له الكلام فانظر فيه من الحسن ماذا ترى .
ومن الاقتضاب قوله (رضی الله عنه) في المخ ق (100) .
«الأَوَّل قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ، وَالآخَرِ بَعْدَ كُلِّ آخَرِ بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أنْ لا أَوَّلَ لَهُ، وَبِآخَرِيَّتِهِ وَجَبَ أن لا آخَرَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله شَهادَةٌ يُوافِقُ فيها السر الإعْلانَ، وَالْقَلَبُ اللسان، أَيُّها النّاسُ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقي» اه.
فإنّ الإنتقال من أوصاف الكمال والشهادة بتوحيد الملك المتعال إلى قوله : أيها النّاس، انتقال من باب الارتجال.
ومن الاقتضاب الشبيه بالتخلص قوله (رضی الله عنه) في المخ له : (35) .
«أمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ» اه-. هذا .
ومن حسن التخلص في النظم قول مسلم بن الوليد :
يقول صحبي وقد جدّوا على عجل*** والخيل تستنّ بالركبان في اللجم
أَمغربُ الشمس تنوي أن تؤم بنا*** فقلتُ كلاً ولكن مطلع الكرم
قال الصفدي: وهذا في غاية الحسن التي تكبو الفحول دون بلوغها، وتعجز الشّعراء عن الظفر بحصونها والتحلي بموضوعها، ويقابل ذلك قبح التخلص، ومثاله ما حكي أن قيس بن ذريح حين طلق زوجته لبنى فتزوّجت غيره، ثم ندم على طلاقها وكان مشغوفاً بها، فشبّب بها وما زال يشكو لوعة فراقها في أشعاره حتى رحمه ابن أبي عتيق، فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إلى قيس فقال يمدحه ويشكره :
جزى الرَّحمن أحسن ما يجازي*** على الإحسان خيراً من صديق
قد جرّبت إخواني جميعاً*** فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع*** ورأي حدت فيه عن الطریق
وأطفى لوعة كانت بقلبي*** أغصتني حرارتها بريق
فلما سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس يا حبيبي : أمسك عن مدحك هذا فما أحد إلا ظنني قواداً .
ومن الاقتضاب في النظم قول البختري :
ويوماً تثنت للوداع وسلمت***ينين موصول بلحظيهما السّحر
توهّمتها ألوي بأجفاتها الكرى*** كرى النّوم ومالت بأعطافها الخمرُ
لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدى*** إذا بقي الفتح بن خاقان والبحرُ
فهو ثالث المواضع التي يلزم التأنق فيها، وهو عبارة عن أن يكون آخر الكلام الذي يقف عليه الخطيب أو المترسل أو الشاعر مستعذباً حسناً، وأحسنه ما آذن بانتهاء الكلام حتى لا يبقى للنفس تشوّق إلى ما ورائه، وإنّما ينبغي التأنق فيه، لأنه آخر ما يقرع السمع ويرتسم في النّفس، فإن كان مختاراً حسناً تلقاه السمع واستلذه حتى جبر ما وقع فيما سبق من التقصير لو كان كالطعام اللذيذ الذي يتناول بعد الأطعمة التفهة، وإن كان بخلاف ذلك كان على العكس، حتّى ربّما أنسى المحاسن الموردة فيما سبق، وجميع خواتم السور كفواتحها واردة على أحسن الوجوه من البلاغة ،وأكملها، فإنك إذا نظرت إليها وجدتها في غاية الحسن ونهاية الكمال لكونها بين أدعية ووصايا ومواعظ وتحميد ووعد ووعيد، إلى غير ذلك من الخواتم التي لا يبقى للنفوس بعدها تطلع وتشوّق إلى شيء آخر .
أقول وتالي السور الشريفة في حسن الخاتمة الخطب الكريمة لأمير المؤمنين(رضی الله عنه) ومن أحسن براعات الختام خاتمة المخ (1) حيث إنه بعد ذكر وصف الحج ووجوبه ختمه بذكر آية الحج أعني قوله : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّجُ الْبَيْتِ » [آل عمران: 97] الآية .
وكذلك خاتمة المخ له (35) حيث إنّه (رضی الله عنه) بعد توبيخ أصحابه على الخطأ في التحكيم ، وتمردهم عن أمره مع عظم ما ترتب على ذلك من الدواهي ختمه بالتمثيل ببيت أخي هوازن وهو قوله :
أمرتكم أمري بمنعرج اللوى*** فلم تستبينوا النصح الأضحى الغد
وناهيك حسناً مختتم المخ مط (39) المسوق لأوصاف الجمال والجلال حيث ختمه بقوله :
«تَعالَى الله عَمّا يَقُولُ المشبهون به والجاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كبيراً ».
ومختتم المخ سه (65) المسوق لحض أصحابه على الجهاد في صفين، حيث ختمه بقوله: «و اللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرِكُمْ أَعْمالَكُم»
وأحسن ما آذن بالختام خاتمة المخ ص :(90) فانظر ماذا ترى ثمة ومن حسن
الخاتمة في النظم ختام آخر قصيدة من القصائد العلويات للشّارح المعتزلي :
سمعاً أمير المؤمنين قصائداً*** يعنوُلها بشر ويخضع جرول
الدّر من ألفاظ اظها لكنّه*** در له ابن أبي الحديد مفصل
هي دون مدح الله فيك وفوق ما*** مدح الورى وعلاك منها أكمل
ويسمّى المطابقة والتطبيق والتضاد والتكافؤ وهو في اللغة مصدر طابق الفرس في جريه طباقاً ومطابقة إذا وضع رجليه مكان يديه، وفي الاصطلاح هو الجمع بين متضادين أي معنيين متقابلين في الجملة أعم من أن يكون تقابلهما تقابل التضاد، أو تقابل الإيجاب والسّلب، أو تقابل العدم والملكة، أو تقابل التضايف، أو ما يشبه شيئاً من ذلك حسبما تعرفه في الأمثلة .
قالوا : ولا مناسبة بين معنى الطباق لغة ومعناه اصطلاحاً ، لأنّ الجمع بين الضدين ليس موافقة، والموافقة مأخوذة في معناه اللغوي.
وأبدى وجه المناسبة السعد التفتازاني، في شرح (المفتاح) حيث قال في محكي كلامه : وإنّما سمّي هذا النوع مطابقة لأن في ذكر المعنيين المتضادين معاً توفيقاً وإيقاع توافق بين هو في غاية التخالف كذكر الأحياء مع الإماتة والإبكاء مع الضحك ونحو ذلك .
وكيف كان فهو على أقسام لأن الطباق إما بين المعنيين الحقيقيين، أو المجازتين، وإما لفظي أو معنوي، وإما طباق إيجاب أو طباق سلب، وإما طباق جلي أو طباق خفي .
الأوّل: الطباق بين الحقيقيين سواء كانتا اسمين كقوله تعالى : «وتحسبهم أيقاظا وَهُمْ رُقُودٌ » [الكهف: 18] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ (1): «ُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الأَرْضِ وَسَهْلِهَا وَسَبْخِهَا وَعَذْبِها».
ومن النظم قول أبي الحسن التهامي :
طبعت علی کدر وأنت تريدها*** صفواً من وأمن الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها*** متطلب في الماء جذوة نار
أو فعلين كقوله سبحانه:
« وتُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن نَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن نَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ» [آل عمران : 26]
وقول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ يز (17) : «إلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعيشُونَ جُهَالاً وَيَمُوتُونَ ضُلالاً».
ومن النظم قول أبي صخر الهذلي :
أما والذي أبكى وأضحك والذي*** أمات وأحيى والذي أمره الأمر
أو حرفين كقوله تعالى : «لوكلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ » [البقرة : 286] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ يو (16) مخاطباً للأشعث: «ما يُدْرِيكَ ما عَلَيَّ مِمَّا لي».
ومن النظم قول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى*** وأخلص منه لا عليّ ولا ليا
وقد اجتمع طباق الكلم الثلاث في قوله (رضی الله عنه) في المخ نه (55):
«لَكَانَ قَلِيلاً فيما أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ».
الثاني : الطباق بين المجازيين، مثل قوله سبحانه :
«أو مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ ﴾ [الأنعام» : 122] .
أي ضالاً فهديناه، فإنّ الموت والأحياء معنييهما المجازيين متقابلان كتقابل معنييهما الحقيقيين، وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ قلج (133) :
«فَالْبَصِيرُ مِنْهَا ،شاخِصٌ وَالأَعْمَى إِلَيْهَا شاخِصٌ وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ، وَالأَعْمَى لَها مُتَزَوده» .
فإنّ المراد بالأعمى الجاهل، وبالبصير العارف العاقل، وتقابل معنييهما المجازيين كالحقيقين ،واضح ومثاله من النظم قول التهامي :
لقد أحيا المكارم بعد موت*** وشاد بنائها بعد انهدام
فإنّ الأحياء والموت والشيد والانهدام متقابلة معانيها الحقيقية والمجازية، إذ المراد أنه أعطى بعد أن منع النّاس كلهم .
الثالث: الطباق المعنوي وهو مقابلة الشيء يضدّه في المعنى لا في اللفظ كقوله تعالی :
« قَالُوا مَا أَنه إِلا بَنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُم إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا ربّنا يعلم إنّا إليكم لَمُرْسَلُونَ » [يس: 15 - 16].
معناه ربنا يعلم إنا لصادقون، وقوله تعالى أيضاً : «جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاهُ » [البقرة: 22] .
قال أبو علي الفارسي: لما كان البناء رفعاً للمبني قوبل بالفراش الذي هو خلاف البناء، ونظيره قول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ (1):
«مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٌ ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوع» .
فإنّ المهاد لما كان عبارة عمّا يتهيأ للصبي أعني المهد ولا يكون إلا تحته حسن مقابلة السقف به الذي لا يكون إلا في الفوق، نعم إن فسّر المهاد بالفراش كما هو أحد معانيه لغة فهو حينئذ من الطباق اللفظي، ومثاله في النظم قول هدبة بن الحشرم:
فإن تقتلوني في الحديد فإنّني*** قتلت أخاكم مطلقاً لم يقيد
أي إن تقتلوني مقيداً، وهو ضد المطلق فطابق بيهما في المعنى.
الرّابع طباق السلب وهو الجمع بين فعلي مصدر واحد أحدهما مثبت والآخر منفي، أو أحدهما أمر والآخر نهي، فالأوّل كقوله تعالى :
«قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ » [الزمر: 9] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ كز (27) :
«يُغارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغيرُونَ، وَتُغْزُونَ وَلاَ تَغْزُونَ» وفي المخ لد (32) : « تُكَادُونَ وَلاَ تكِيدُونَ».
ومن النظم قول بعضهم :
خلقوا وما خلقوا لمكرمة*** فكأنهم خلقوا وما خُلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يد*** فكأنّهم رزقوا وما رزقوا
والرّابع نحو قوله تعالى: «فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَونَ» [المائدة : 44] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ مب (22) :
«فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُّنْيَاء» .
الخامس: الطباق الخفي وهو الجمع بين معنيين يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق مثل السببية ،واللزوم، نحو قوله سبحانه :
«أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بينهم » [الفتح: 29] .
فإنّ الرّحمة وإن لم تكن مقابلة للشدة لكنّها مسببة عن اللين الذي هو ضدّ الشّدّة، وقوله أيضاً :
«جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ » [القصص : 73] .
فإن ابتغاء الفضل وإن لم يكن مقابلاً للسكون لكنّه يسلتزم الحركة المضادة للسكون، ونظيرهما قول أمير المؤمنين له في المخ ب (2) :
«فَالْهُدَى خائِلٌ، وَالْعَمى شامِلٌ» .
فإنّ العمى ليس مقابل للهدى لكنه سبب للضلال المقابل له ، وقوله (رضی الله عنه) في المخ ق لب (132) : «فَإِنَّهُ وَالله الجدُ لاَ اللّعِبُ . والحَقِّ لاَ الكَذِبُ »
فإنّه لا تقابل بين الحق والكذب إلا أنّ الحق لما كان ملازماً للصَّدق المقابل للكذب والكذب ملازماً للباطل المقابل للحقِّ حسن المقابلة بينهما، ومثاله من النظم قول أبي الطيب:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها*** سرور محبّ أو إساءة مجرم
فإنّ السّرور يتسبب عن الإحسان المقابل للإساءة، فالحق بالطباق، وأمّا المطابقة بين المحبّ والمجرم فمن فساد الطباق، لأن ضدّ المحب هو المبغض لا المجرم، وقول الطغرائي :
وشان صدقك عند الناس كذبهم*** وهل يطابق معوج بمعتدل
لأنّ المعوج إنّما يطابقه المستقيم والمعتدل يقابله المائل لكن الاعتدال لازم للمستقيم المطابق للمعوج، ومن أملح الطباق وأخفاه قوله تعالى : «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيوة » [البقرة : 179] .
وهي أن يؤتَ بلفظين متوافقين معنى أو ألفاظ متوافقة المعاني ثم يؤتَ بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب، والمراد بالتوافق خلاف التقابل ، لا أن يكونا متناسبين ومتماثلين، فإنّ ذلك غير مشروط كما تعرفه في الأمثلة، وجعلها صاحب التلخيص داخلة في الطباق لأنها
جمع بين معنيين متقابلين في الجملة، وفرق بينهما زكي الدين بن أبي الأصبع بوجهين : أحدهما أن الطباق لا يكون إلا بالأضداد والمقابلة تكون بالأضداد وبغيرها، ولكن الأضداد أعلى رتبة وأعظم موقعاً، والثاني أن الطباق لا يكون إلا بين ضدّين فقط، والمقابلة لا تكون إلا بما زاد من الأربعة إلى العشرة .
أقول : محصل الوجه الأوّل أنّ النسبة بينهما عموم مطلق وأنّ المقابلة أعم، ومحصل الوجه الثانى أنّهما ضدّان ويتوجه على الأوّل أنّه إن أراد بقوله : إنّ الطباق لا يكون إلا بالأضداد الأضداد الاصطلاحية فقد علمت في تعريف الطباق أنّه لا يختص بذلك، وإن أريد المتقابلات في الجملة ارتفع الفرق بينهما، وعلى الوجه الثاني أن تخصيص مورد الطباق بالضدّين فقط لا وجه له كما يشعر به كلمات البيانيين تصريحاً وتلويحاً، فقد عد المطرزي في شرح المقامات للحريري من أمثلة التطبيق قوله سبحانه :
«فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبكُوا كَثِيرًا» [التوبة : 82] .
وقول بعض البلغاء من أقعدته نكاية اللثام أقامته إغاثة الكرام، ومن ألبسه اللّيل ثوب ظلماته نزعه النهار بضيائه .
والتحقيق أن يقال: إنّ المتكلم إن أتى بلفظ ثم أتى بما يقابله ضدّاً كان أو غيره فهو مختص بأن يسمى بالطباق، وإن أتى بلفظين أو ألفاظ ثم بمقابلتها على الترتيب فيجوز أن يطلق عليه اسم الطباق، وأن يطلق عليه اسم المقابلة إلا أنّ الثاني أكثر.
إذا عرفت ذلك فأقول : إن المقابلة قد تكون بين اثنين وقد تكون بين أزيد، قال الشيخ صفي الدين : وكلما كثر عددها كانت أبلغ وتضاف إلى العدد الذي وقع عليه المقابلة كمقابلة الاثنين ،بالاثنين والثلاثة بالثلاثة، وهكذا.
فمن مقابلة الاثنين بالاثنين من الكتاب الكريم الآية المتقدّمة، حيث أتى فيها بالضحك والقلة المتوافقين، ثم بالبكاء والكثرة المتقابلين لهما، ومن كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) له قوله في المخ فا (81) في صفة الدّنيا :
«ما أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُها عَناءٌ وَآخِرُهَا فَناء، في حَلالِها حِساب وَفي حَرامِها عِقاب من اسْتَغْنَى فيها فُتِنَ وَمَنِ افْتَقَرَ فيها حَزَنَ، وَمَنْ ساعاها فاتَتْهُ وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتْهُ ، اهـ .
فإنّ التقابل في كل من الفقر من مقابلة الاثنين بالاثنين لكنّها في بعضها بالأضداد وفي بعضها بغيرها، ومن النظم قول الذبياني:
فتى تم فيه ما يسرّ صديقه*** على أن فيه ما يسوء الأعاديا
ومن مقابلة الثلاثة بالثلاثة في النثر قول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ كح (28) : «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَادِعٍ، وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطْلَاعِ»
وفي النظم قول الشاعر :
يقرّ جبان القوم من ابن امّه*** ويحمي شجاع القوم من جاع القوم من لا يناسب
ويرزق معروف الكريم عدوّه *** ويحرم معروف البخيل أقاربه
ومن مقابلة الأربعة بالأربعة نثراً قوله تعالى :
«فلمّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْفى * وَكَذَبَ بِالْحسنی* فَنیسَرُه للیسّری» [الليل : 5 - 10].
والمراد بالاستغناء الاستغناء عمّا عند الله ولذلك حسن تقابله بالاتقاء، وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ ق كط (129):
«لَعَنَ اللهُ الأمرينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ لِلْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ» .
والمقابلة الرابعة بين له وبه وإلا أنّ الأظهر الأقوى أن يجعل ذلك من أمثلة مقابلة الثلاثة بالثلاثة، لأن اللام والباء صلتان لشبه الفعل، فهما من تمامهما، وبه يظهر أن قول المتنّبي :
أزورهم وسواد الليل يشفع لي*** وأنثني وبياض الصبح يغري بي
من مقابلة الأربعة بالأربعة لا من مقابلة الخمسة بالخمسة كما زعمه جمع من البيانّيين لأنّ لي وبي صلتان للفعلين ومتممان لهما .
ومن مقابلة الخمسة بالخمسة نثراً قول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ رب (202) : «فَخُذُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً ، وَلا تُخَلِّفُوا كُلاً فَيَكُونُ عَلَيْكُمْ كَلاً» .
كما في بعض نسخ المتن ومن النّظم قول الثعالبي :
عذيري من الأيام مدت أيام مدت صروفها*** إلى وجه من أهوى يد النسخ والمحو
وأبدت بوجهي طالعات أرى بها*** سهام أبي بي يحيى يسدّدها نحوي
فذاك سواد الخط ينهى عن الهوى*** وهذا بياض الخط يأمر بالصحو
ومقابلة السنّة بالستة ما أنشده الصاحب شرف الدين مستوفي اربل لغيره وهو :
على رأس عبد تاج عز يزينه*** وفي رجل حرّ قيد ذلّ يشينه
قال الصّفدي: هذا أبلغ ما يمكن أن ينظم في هذا المعنى، فإنّ أكثر ما عدّ النّاس في
باب المقابلة قول أبي الطيب، لأنه قابل فيه بين خمسة وهذا قابل فيه بين ستة انتهى.
وقد مرّ أنّ بيت أبي الطيب وهو المتنبي من مقابلة الأربعة بالأربعة، لا الخمسة بالخمسة
زاد صاحب (المفتاح) في تعريف المقابلة قيداً آخر فإنّه بعد ما عرفه بقوله : هي أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضدّيهما قال: وإذا شرط هيهنا أي فيما بين المتوافقين أو أكثر أمر شرط ثمة أي فيما بين الضدّين أو الأضداد ضدّه أي ضدّ ذلك الأمر المشروط كما في قوله : «فلمّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى» [الليل : 5] الآيتين فإنّه لما جعل التّيسير مشتركاً بين الإعطاء فَأَمَّا والانقاء والتصديق جعل ضده وهو التعسير المعبر عنه بقوله : «فسنيسره للعسرى» مشتركاً بين أضدادها وه وهي البخل والاستغناء والتكذيب.
أقول: ونظيره في كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) قوله في المخ هـ (5) :
«فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزَعَ مِنَ الْمَوْتِ» . فإنه لما جعل قولهم بأنّه حريص على الملك مرتباً على قوله وتكلمه، جعل قولهم بأنّه جزع من الموت مرتباً على ضدّه وهو السكوت والتقابل فيه بين القول والسكوت، وبين قوليهما باعتبار المقول فافهم هذا ، ولكن الأكثرين لم يعتبروا ما اعتبره صاحب «المفتاح»، فإنّهم عدوا من المقابلة قول أبي دلامة:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا*** وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
مع أنّه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس المقابل لهما ضدّه، وهو الافتراق.
ويسمّى التناسب والتوفيق والائتلاف والتلفيق أيضاً الأمور المتناسبة المتوازنة، وبعبارة أخرى هو أن يضم إلى الشيء ما يشابهه ويليق به وقال السّكاكي هي عبارة عن الجمع بين المتشابهات.
وكيف كان فقد يكون ذلك الجمع بأمرين كقوله تعالى: «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانِ »[الرحمن: 5] .
فإنّ الشّمس والقمر متناسبان لاشتراكهما في الإضاءة، ومثله قول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ فط (89) :
«وَالشَّمسُ وَالْقَمَرُ دائبانِ في مَرْضاتِهِ».
ومثال من النّظم قول ابن قلاقس يصف الإبل :
خوص كأمثال القسي نواحلاً ***فإذا سما طلب فهن سهام
شبّه الإبل في شكلها ودقة أعضائها بالقوس، ثم شبهها في السبق بالسّهام لمناسبتها بالقسي .
وقد يكون بجمع أمور ثلاثة كقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ فح (88):
«وَالدُّنْيا كاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرارِ مِنْ وَرَتِها وَإِياسِ مِنْ ثَمَرِهَا وَاغْورارٍ مِنْ مَائها» .
حيث ناسب بين الورق والثّمر والماء، ونحوه في النّظم قوله :
كأن الثريا علقت في جبينه*** وفي نحره الشعري وفي خده القمر
وقد يكون بائتلاف أمور أربعة كقوله (رضی الله عنه) في المخ (1):
«ثُمَّ زَيَّنَّها بِزِينَةِ الْكَواكِبِ، وَضِياءِ التَّواقِبِ، وَأَجْرى فيها سِراجاً مُسْتَطِيراً وَقَمَراً منيراً».
وفي المخ فب (82) : « فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَواباً ونَوالاً ، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقاباً ووبالاً، وَكَفَى بِاللَّهِ مُنتقِماً وَنَصِيراً، وَكَفَى بِالْكِتَابِ جَحِيماً وَخَصيماً»
ومثله من النّظم قول أبي الحسن السّلامي :
والتقع ثوب بالسيوف مطرز*** والأرض فرش بالجياد مخمّل
وسطور خيلك إنما ألفاتها*** تنقط بالدماء أو تشكل
ناسب بين الثّوب والتطريز والفرش والتخميل ، وكذلك بين السطور والألفات والنقط والشّكل.
وقد يكون الإئتلاف بأزيد من ذلك كقوله (رضی الله عنه) في المخ فب (82) أيضاً في صفة خلق الإنسان:
«أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ في ظُلُماتِ الأَرْحَامِ نُطْفَةٌ دِهاقاً ، وَعَلَقَةً مِحاقاً، وَجَنِيناً، وَرَاضِعاً، وَوليداً، وَيافِعَاً ، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حافِظاً، وَلِساناً لافِظاً، وَبَصَراً لاحظاً». وفي المخ فط (89) :
«الَّذِي لَمْ يَزَلْ قائِماً دائماً إِذْ لا سَمَاءٌ ذاتُ أَبْرَاجِ، وَلاَ حُجُبُ ذاتُ أَرتاجِ، وَلاَ لَيْلٌ
داج، وَلَا بَحْرٌ ساجٍ، وَلَا جَبَلْ ذُو فِجَاجٍ، وَلَا فَجٌ ذُو اعْوِجَاجِ، وَلَا أَرْضَ ذَاتُ مِهَادٍ، وَلاَ خَلَقَ ذُو اعْتِمَادِ».
ومن محاسن هذا النوع في النظم قول السيد الرّضي جامع النهج (رحمه الله) .
حيرني روض على خدّه*** ويلي من ذاك وويلي علیه
أیّ جنی یقطف من حسنه*** وکلّ ما فیه حبیب الیه
ترجستی عینیه أم وردتی***خدّیه أم ریحانتی عارضیه
فقد قيل فيه: إنّه الشعر الذي أرق أنفاساً من نسيم السحر، وأدق اختلاساً من النّفاث إذا سحر، ومن أعجب هذا النوع أيضاً قول ابن زيلاق في مليح محروس بخادم:
ومن عجب أن يحر سوك بخادم*** وخدّام هذا الحسن من ذاك أكثر
عذارك ريحان وثغرك جوهر ***وخالك ياقوت وخدّك عنبر
فانّه أتى بالتشبيه العجيب وحسن المناسبة العديمة النظير في مراعاته مع حلاوة الانسجام ولطف المعنى، فإنّ ريحان وجوهر وياقوت وعنبر يسمّى الخدّام بها غالباً، وما أحسن قول الزعازي وأبدعه في هذا النوع:
كأن السحاب الغز لما تجمعت*** وقد فرّقت عنا الهموم بجمعها
نياق ووجه الأرض قعب وثلجها*** حليب وكف الزيح حالب ضرعها
ومن محاسنه أيضاً قول بعضهم في آل البيت عليهم السّلام:
أنتم بنو طه ونون وا طه ونون والضحى*** وبنو تبارك والكتاب المحكم
وبنو الأباطح والمشاعر والصفا*** والركن والبيت العتيق وزمزم
ومن أكثر ما أبدع فيه الإئتلاف قول ابن الخشّاب :
ورد الورى سلسال جودك فارتووا*** ووقفت دون الورد وقفة حآئم
ظمآن أطلب خفة من زحمة*** والورد لا يزداد غير تزاحم
قال صاحب «التّبيان»: انظر إلى هذين البيتين، فانّهما كادا يجريان مع الماء في السلاسة أن قائلهما لم يتجانف فيهما عن حكاية الماء وما يناسبه حتى عد فيها ائتلاف عشر انتهى
أي ائتلاف الورد ،والسلسال والارتواء ،والورد والحائم، والظماء، والخفة والزحمة، ثم الورد مرّة أخرى والتزاحم .
وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوّله في المعنى سمّاه الخطيب في (التلخيص)
و(الإيضاح كبعضهم بهذا الاسم وجعله قسماً من مراعاة النظير قال : ومن مراعاة النظير ما يسمّيه بعضهم تشابه الأطراف (1) اه ، وسمّاه الآخرون بتناسب الأطراف ولعلّه أولى لمناسبة هذه التسمية ومطابقته للمسمّى، وهؤلاء جعلوا تشابه الأطراف مرادفاً للتسبيغ الذي نذكره بعد ذلك النوع ولا مشاحة في الاصطلاح، ومثاله من الكتاب الكريم قوله سبحانه :
«لًا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » [الأنعام: 103 ] .
فإنَّ اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالأبصار، والخبير يناسب كونه مدركاً للأشياء، لأنّ مدرك الشيء يكون خبيراً ،به ، و من كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) قوله في المخ قز (107):
«طبيبٌ دَوارٌ بِطِبُه قَدْ أَحْكَمَ مَراهِمَهُ ، وأَحْمَىٰ مَواسِمَهُ، يَضَعُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبِ عُمَيِ، وَآذَانِ صُمْ، وَأَلْسِنَةِ بُكْم ، مُتَتَبَّعْ بِدَوَائِهِ مَواضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ ».
فإن قوله : متتبع بدوائه يناسب قوله دوّار ،بطبّه، وقوله مواضع الغفلة ومواطن الحيرة يناسب قوله من قلوب عمى وآذان صم.
وسمّاه بعضهم تشابه الأطراف وهو في النثر أن يعيد الناثر سجعة القرينة الأولى في أوّل القرينة التي تليها وفي النظم إعادة القافية في أوّل البيت الذي يليها، فيكون الأطراف متشابهة . فمثاله في النثر من الكتاب العزيز قوله سبحانه :
«وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ عَقِلُونَ » [الروم: 6-7] .
حيث أعيد فاصلة الآية الأولى في أوّل الآية الثانية، ووقع في غير الفواصل أيضاً مثل قوله تعالى :
«مَثَلُ نُورِهِ، كَيَشكَرَةٍ فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةُ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّي» [النور: 35] . گیشکر
ومن كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) قوله في المخ عج (73):
1) راجع مختصر المعاني : 268 .
«الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ، وَالسّاحِرُ كَالْكافِرِ، وَالْكَافِرُ في النّارِه .
وفي المخ ق يج (113) :
«أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْواصِلِ الْحَمْدَ بِالنّعَم، وَالنّعَمَ بِالشَّكْرِ»
وقوله الآتي في باب المخ من حكمه في أواخر النهج :
«الظَّفَرُ بِالْحَزْمِ، وَالْحَزْمُ بِإِحَالَةِ الرَّأْيِ، وَالرَّأيُ بِنَحْصينِ الأَسْرَارِه .
وفي هذا الباب أيضاً : «الإِسْلاَمُ هُوَ التَّسْلِيمُ، والتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الإِقْرَارُ ، وَالإِقْرَارُ هُوَ الأداء، وَالأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ» .
وفي النّظم قول أبي نواس :
خزیمة خیر بنی حازم***وحازم خیر بنی دارم
ودارم خیر تمیم رما***مثل تمیم فی بنی آدم
وقال آخر:
تشابهت فيهم أطراف وصفهم*** ووصفهم لم يطقه ناطق بفم
ومن عجيب هذا النوع ما رواه في زهر الربيع، قال : وحكي عن الأصمعي قال : مررت في يوم شديد المطر في بعض الطرقات فرأيت رجلاً وعليه فرو مقلوب والمطر قد غمره، فقلت لأصحابي ألا أضحككم على هذا الأعرابي؟ قالوا: نعم، فقلت له : تدري كيف أنت یا اعرابی؟ قال : لا ، فقلت :
كأنك كعكة في وسط رش*** أصاب الرش رش بعد رش
فقال لي : أتدري كيف أنت؟ قلت : لا ، قال :
كأنّك بعرة في ثقب كبش*** مدلدلة وذاك الكبش يمشي
فضحكت وقلت له : لعلّك تحفظ شيئاً من شعر العرب قال : بل العرب تحفظ من شعري، فقلت له : أنشدني شيئاً من شعرك ، فقال : على أي قافية شئت، فلم أجد أصعب من قافية الواو المجزوم فقال :
قوم یخاقان عهدناهم***سفیهم الله من الشر
فقلت : نو ماذا ؟ فقال :
نوء السماكين وريّاهم*** برق تری ایماضه ضرم
ضوء تلالا في دجى لیلة***مظلمة مغیمة لو
فقلت لو ماذا ؟ فقال :
لومرفيها سائر مدلج*** على هضیم الكشح منطو
فقلت منطو ماذا ؟ فقال :
منطوي الظهر هضيم الحشا*** کالبازينقض من الجوّ
قلت جوّ ماذا ؟ فقال :
جوّ السّما والريح تهوي به***مثل رجال الحیّ یدعو
قلت جوّ ماذا ؟ فقال :
يدعو جميعاً والقنا شرعاً ***کفیت ما لاقوا ویلقوا
قلت جوّ ماذا ؟ فقال :
إن كنت لا تفهم ماقلته*** فإن عندي صنعة البر
فقلت: بو ماذا؟ فقال و قد قبض مقبض سیفه:
البؤ لا يحجب عن أمه*** يا ألف قرنان تقم أو
قال الأصمعي : فسكت فأخذته إلى منزلي فذبحت أربع دجاجات، فلما نضجن جئت بهنّ إليه فقلت له : اقسمهنّ عليّ وعليك وعلى زوجتي ،وولدي، فقال: اقسمهنّ زوجاً أو فرداً؟ فقلت زوجاً، فقال: أنت وولدك وزوجتك ودجاجة أربعة والأربعة زوج فأخذت الدّجاجة ومضيت، فلمّا كان في الليلة الثانية أتيت إليه بثلاث دجاجات وقلت ورد علي ولد ،آخر فاقسمهنّ فرداً فقال : ولدان وأنت وأمّهما ودجاجة خمسة والخمسة فرد، وأنا ودجاجتان ثلاثة والثلاثة ،فرد فأخذت الدّجاجة ومضيت فلما كان في الليلة الثالثة أحضرت إليه دجاجة فقال : الجناحان للجناحين، وناولهما للولدين ثم قال العجز للعجوز والرّأس للرّأس، وأنت رأس يا ،أصمعي والصدر للصدر، فلما كان وقت الانصراف خرجت لأودعه، فقال: ارجع فخذ ما تركته في مكاني، فرجعت فوجدته قد ترك لي دنانير كثيرة، فأخذتها، فقيل لي بعد ذلك: إنّه من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام.
وهو أن تقدّم في الكلام جزء وتؤخر جزء آخر ثم تعكس فتؤخر ما قدمت وتقدّم ما أخّرت ويسمّى التبديل أيضاً وهو على ما يستقرء من أمثلته على وجوه كثيرة .
منها : أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أضيف إليه مثل قولهم: عادات السادات سادات العادات، وأوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وكتب الأحباب أحباب الكتب وشيم الأحرار أحرار الشيم، وكلام الملوك ملوك الكلام، فإنّ العادات أحد طرفي الجملة، والسادات مضاف إليه لذلك الطرف وقد وقع العكس فيما بينهما بأن قدّم أوّلاً العادات على السادات، ثم عكس فقدم السادات على العادات، وهكذا باقي الأمثلة.
ومنها : أن يقع بين متعلقي فعل واحد مثل قول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ قز (107):
«ما لي أراكُمُ أَشباحاً بِلا أَزْوَاحٍ وَأَرْواحاً بِلا أَشْبَاحٍ» .
وفي المخ قيج (113):
«تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً، وَالْمَغْبُوطُ مَرْحُوماً» .
ومنها أن يقع بين متعلقي عاملين في جملتين مثل قوله سبحانه :
«تُولِجُ الَيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الَيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيَّ » [آل عمران 27] .
وقول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ قيج (113):
«فَسُبْحَانَ اللهِ ما أَقْرَبَ الْحَى مِنَ الْمَيِّتِ لِلحَافِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لانْقِطَاعِهِ عنه»
فإنّ الحيّ والميت متعلقان لأقرب وأبعد، وقدّم أولاً الحيّ على الميت وثانياً الميت على الحي .
ومنها : أن يقع بين متعلقي فعلين مع توسط الفعل بين المتعلقين مثل قول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ قنه (155):
«فَبِالإِيْمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الإِيْمَانِ».
ومنها : أن يقع بين لفظين في طرفي الجملتين مثل قوله تعالى :
«ولا هُنَّ حِلٌّ لَمْ وَلَا هُمْ يَحلُّونَ لمن » [الممتحنة : 10] .
قدّم أولاهنّ على هم وثانياً هم على هنّ، وهما لفظان وقع أحدهما في جانب المسند إليه والآخر في جانب المسند، وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ يز (17):
«فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ».
فإنّ أصاب وأخطأ فعلان وقع أحدهما في جانب الشرط والآخر في جانب الجزاء وتعاكسا .
ومنها : أن يقع بين جملتين في طرفي قرينتين مثل قوله (رضی الله عنه) في المخ قفز (187)
«أَوْحَشُوا ما كانُوا يُوطنُونَ، وَأَوْظَنُوا ما كانُوا يُوحِشُونَ».
ومنها : أن يقع بين طرفي الجملة، مثل قولهم : الجنون فنون والفنون جنون، قال التفتازاني :
طويت بأحراز الفنون ونيلها*** ردآء شباب -ابي وال جنون فنون
فلما تعاطيت الفنون وحظها*** تبين لي أن الفنون جنون
و من العكس في النّظم أيضاً قول أبي هلال العسكري في وصف الربيع :
لبس الماء والهواء صفاء*** واكتسى الروض بهجة وبهاء
فتخال السماء بالليل أرضاً*** وترى الأرض في النّهار سماء
وقال آخر :
فلامجد في الدنيا لمن قل ماله*** ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وقال الاضبط :
قد يجع المال غير آكله*** ويأكل المال غير من جمعه
ويقطع النّوب غیر لابسه***ويلبس الثوب غير من قطعه
وهو أن تجيء بكلام يلاقي آخره أوّله لفظاً بوجه من الوجوه نثراً أو نظماً ، أما في النثر فهو على أربعة أقسام، لأنّ اللفظين الواقعين في أوّل الفقرة وآخرها إما أن يكونا مكرّرين أي متفقين لفظاً ومعنى أو يكونا متجانسين أي متشابهين لفظاً لا معنى أو ملحقين بالمتجانسين وهما اللذان يجمعهما الاشتقاق أو شبهه .
فالأول : أن يكونا مكرّرين كقوله سبحانه :
«وَتَخشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَةٌ» [الأحزاب: 37] .
والثاني: أن يكونا متجانسين نحو قولهم: سائل اللثيم يرجع ودمعه سائل .
والثالث : أن يجمعهما الاشتقاق كقوله تعالى :
«اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا» [نوح: 10].
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ قب (82) :
«وأَسْتَهْدِيهِ قَريباً هادِياً»، وفي المخ قفز (187): «وَكَيْفَ غَفَلْتُكُمْ عَمّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وفيه أيضاً : حُمِلُوا إِلى قُبُورِهِمْ غَيْرَ راكِبينَ وَأَنْزِلُوا فيها غَيرَ نازِلِينَ».
والرابع: أن يجمعهما شبه الاشتقاق نحو قوله تعالى :
«قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ » [الشعراء: 168] .
أقول : ويعجبني أن الحق بهذه الأربعة قسماً خامساً، وهو أن يكون أحد اللفظين المكررين قريباً من أوّل الكلام والآخر في الآخر نحو قوله (رضی الله عنه) الآتي في أواخر النهج في باب المخ من حكمه :
«الكَلاَمُ في وَناقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ صِرْتَ في وَثَاقِهِ» .
لعدّهم نظير ذلك في النظم من أمثال النوع حسبما تعرفه .
وأمّا في النظم فعلى أربعة أقسام، وهي أن يقع أحد اللفظين في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأوّل أو حشوه أو عجزه أو صدر المصراع الثاني، وعلى كل من هذه التقادير فاللفظان إما مكرّران أو متجانسان أو ملحقان بهما، فتصير الأقسام اثنى عشر أقسام اثنى عشر حاصلة من ضرب أربعة في ثلاثة وباعتبار أن الملحقين قسمان لأنه إما أن يجمعهما الاشتقاق أو شبهه
الأقسام ستة عشر حاصلة من ضرب أربعة في أربعة .
فالأول : وهو أفضل أقسام النوع وأشهرها أن يقع أحد اللفظين في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأوّل مع تكرّر اللفظين، نحو قوله :
سکران سکر هوی وسكر ندامة*** أنى يفيق فتی به سکران
وقوله :
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه*** وليس إلى داع الندى بسريع
والثاني : أن يقع أحد اللفظين في آخر البيت والثاني حشو المصراع الأول مع تكرّرهما أيضاً كقوله :
تمتع من شمیم عرار نجد*** فما بعد العشیّة من عرار
والثالث: أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في آخر المصراع الأول مع التكزر أيضاً كقوله :
ومن كان بالبيض الكواعب مغرماً*** فما زلت بالبيض القواضب مغرماً
والرّابع : أن يقع أحدهما مع تكرّرهما في آخر البيت والآخر في أوّل المصراع الآخر نحو قول ابن جابر:
صفحوا عن محبّهم وأقالوا*** من عثار الهوى ومنوا بوصل
لست أستوجب الوصال ولكن*** أهل تلك الخيام أكرم أهل
والخامس : أن يقع أحد اللفظين في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول واللفظان متجانسان قال المطرزي وهو أحسن من الأوّل أقول وهو غير معلوم ومثاله قوله :
ذوائب سود کالعناقيد أرسلت*** فمن أجلها منا النفوس ذوائب
والسّادس : أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في حشو المصراع الأول مع تجانسهما كقوله :
لا كان انسان تيمم قاصداً*** صيد المها فاصطاده انسانها
والسّابع : أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في آخر المصراع الأول مع تجانسهما أيضاً كقول الحريري:
فمشغوف بآيات المثاني*** ومفتون برنات المثاني
المثانی الأوّل القرآن، والثاني جمع مثنى وهو من أوتار العود ما كان بعد الأول. والثامن: أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في أول المصراع الآخر مع التجانس أيضاً كقول الأرجاني :
أملتهم ثم تأملتهم*** فلاح لي أن ليس س فيهم فلاح
والتّاسع : أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأوّل وهما مشتقان كقول البختري .
ضرب الجبال بمثلها من عزمه*** غضبان يطعن بالحمام ويضرب
والعاشر : أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في حشو المصراع الأول مع اشتقاقهما أيضاً كقول امرء القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه*** فليس على شيء سواه بخزان
والحادي عشر: أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في آخر المصراع الأول مع الاشتقاق أيضاً كقوله :
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري*** أطنين اجنحة الذباب يضير(1).
والثاني عشر: أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في أوّل المصراع الآخر مع الاشتقاق أيضاً كقول أبي تمام:
ثوى في القرى من كان يحيى به الورى*** ويغمر صرف الدهر ناثله الغمر
وقد كانت البيض القواضب في الوغى*** بواتر فهي الآن الآن من بعده بتر
والثّالث عشر : أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول وبينهما شبه الاشتقاق كقول الحريري:
ولاح يلحي على جري العنان إلى*** ملهی فسحقاً له من لائح لاح
فالأوّل ماضي يلوح والثاني اسم فاعل من لحاه .
والرابع عشر : أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في حشو المصراع الأول وبينهما شبه الاشتقاق أيضاً كقوله :
لعمري لقد كان الثريا مكانه*** تراه فأضحى الآن مثواه في الثرى
والخامس عشر : أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في آخر المصراع الأول وهما شبيهان بالمشتق كقول الحريري:
ومضطلع بتلخيص المعاني*** ومطلع إلى تخليص عاني
والسادس عشر : أن يقع أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الثاني ويجمعهما شبه الاشتقاق أيضاً كقول التهامي:
طيف ألم فزاد في آلامي*** ألماً ولم أعهده ذا إلمام
وهو العود إلى الكلام السابق بنقضه وإبطاله لنكتة وليس المراد أن المتكلم أخطأ ثم
عمد
عاد، لأنّ ذلك يكون غلطاً لا بديع فيه، وإنّما المراد أنه أوهم الخطأ وإن كان قاله عن إشارة إلى تأكد الأخبار بالثاني، لأن الشيء المرجوع إليه يكون تحققه أشدّ ومثاله في النثر قوله الله في المخ ج (2) :
فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأمْرِ نَكَشَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَفَسَقَ آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ
1) راجع مختصر المعاني : 293 .
تَعَالَى يَقُولُ: «تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ». بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْها ، وَلَكِنَّهُ زُخْرِفَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِيْرُجُهَا».
فإنّه (رضی الله عنه) و لما أشار إلى بغي الناكثين والقاسطين ،والمارقين أتبعه بقوله : كأنهم لم يسمعوا الله تعالى، ا ه ، اه، تنبيهاً على أنّ لازم سماع هذه الآية والتدبّر فيها ترك البغي والفساد فب الأرض ، فحيث لم يتركوه جعلوا بمنزلة غير السامع ثم رجع إليه ونقضه لنكتة، وأبطل عدم السماع بقوله : بلى والله لقد سمعوها ووعوها، مؤكداً بالقسم البار والنكتة تأكيد التقريع والتوبيخ وتشديد اللوم والدّم بإظهار أنّ عدم انتفاعهم بالسّماع إنّما هو لشدّة افتتانهم بالدنيا وما فيها واغترارهم بزخارفها فاستحقوا بذلك الخزي العظيم، والعذاب الأليم، ومن النظم قول زهير بن أبي سلمى:
قف بالديار التي لم يعفها القدم*** بلى وغيرها الأرواح والدّيم
فإنّ أوّل الكلام دلّ على أن تطاول الزّمان وتقادم العهد، لم يعف الديار، ثم عاد إليه ونقضه لنكتة وهي إظهار الكآبة والحزن والحيرة والدهش كأنّه لما وقف على الديار تسلطت عليه كآبة أذهلته فأخبر بما لم يتحقق، ثم رجع إليه عقله وأفاق بعض الأفاقة، فتدارك كلامه السابق بقوله : بلى عفاها القدم، وغيرها الأرواح والدّيم.
وهو مأخوذ من رصدته بمعي رقبته كان السامع يرصد ذهنه لعجز الكلام بما دلّ عليه ممّا ،قبله وفي الاصطلاح أن يجعل قبل العجز من الفقرة أو من البيت ما يدلّ على العجز أعني آخر كلمة من البيت أو الفقر، وإنّما يدلّ عليه ويفهم منه إذا عرف الرّوى أي الحرف الذي يبنى عليه أواخر الأبيات أو الفقر مع تكرّره ويقال له : التسهيم أيضاً مأخوذ من البرد المسهم أي المخطط، وهو الذي بدل أحد سهامه على الذي يليه لكون لونه يقتضي أن يليه لون مخصوص بمجاورة اللون الذي قبله أو بعده منه.
وكيف كان فمثاله من النثر قوله سبحانه :
«وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » [العنكبوت: 40] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ ص (90)
وَأَجْريها - أي الكواكب - على إِذْلالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ تُباتِ ثابِتِهَا، وَمَسيرِ سَائِرِها، وَهُبُوطِهَا وَصُعُودِهَا، وَنُحُوسِهَا وَسُعُودِها».
ومن النظم قول البختري :
أحلت دمي من غير جرم وحرّمت*** بلا سبب يوم اللقاء کلامی
فليس الذي حللته بمحلل ***ولبس الذي حرّمته بحرام
وقول ابن هاني الأندلسي:
وإذا حللت فكل واد ممرع*** وإذا ظعنت فكل شعب ما حل
وإذا بعدت فكلّ شيء ناقص*** وإذا قربت فكل شيء كامل
وهو عبارة عن أن يأتي المتكلم في كلامه والشاعر في بيت أو بعضه بما يجري مجرى المثل السائر من نعت أو حكمة أو غير ذلك مما يحسن التمثيل به .
قال الزّمخشري في محكي كلامه من ( الكشاف) : المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النّظير يقال : مِثل ومثل ومثيل كشبه و شبه و شبيه ثم قيل للقول الممثل مضربه بمورده : مثل، ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنّظائر شأن ليس بالخفي في خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المخيّل في صورة المحقق، والمتوهّم في معرض المنيقن والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي، ولأمر ما أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله ولو كلام الأنبياء عليهم السّلام والحكماء، قال الله تعالى :
«وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ ﴾ [العنكوت» : 43] .
ومن سورة الإنجيل سورة الأمثال ولم يضربوا مثلاً، ولا رأوه أهلاً للتيسر، ولا جديراً بالقبول، إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه، ومن ثمّ حوفظ عليه، وحمي عن التغير انتهى (1).
إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ أمثلة هذا النوع نثراً ونظماً كثيرة مطردة. فمن النثر في الكتاب العزيز قوله سبحانه :
«وكل نفس بما كسبت رهينة » [المؤمنون: 53] وقوله تعالى: «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغ» [ المائدة : 100]، «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل» [المدثر: (38)، «كُل حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » [الرحمن : 60] ، «وقُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ » [المائدة: 99]، «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الأَحْسَنُ» [فاطر: 43]، « وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ » [التوبة: 91] إلى غير ذلك
1) راجع تفسير ابن كثير : 56/1 ، والبرهان: 490/1 .
وفي الحديث النبوي(صلی الله علیه وآله وسلم) قوله :
«خَيْرُ الأُمُورِ أَوْساطهَا، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَالشَاهِدُ يَرَى مَا لا يَراهُ الغَائِبُ» (1) ، ونحو ذلك .
وفي كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) قوله في المخ ج (3) :
«فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَدَى، وَفِي الْحَلْقِ شَجى ، وقوله (رضی الله عنه) في المخ يد (12) : «فَأَنْتُم غَرَضِ لِنابِلٍ، وَأَكْلةٌ لآكِلِ، وَفَرِيسَةٌ لِصائِل»، وفي المخ كز (27): وَلكِنَّهُ لاَ رَأْيَ لِمَنْ لاَ يُطاعُ، وفي المخ قلد (131) : وَالَّذِي نَصَرَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَنْتَصِرُونَ، وَمَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَمْتَنِعُونَ، حَيٌّ لاَ يَمُوتُ»، وفي باب المخ من حكمه مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ، وَتَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَحْبُوهُ تَحْتَ لِسانِهِ، وَالْغَالِبُ بِالشَّرُ مَغْلُوبٌ، وَمَوَدَّةُ الآبَاءِ قَرايَةٌ بَيْنَ الأَبْناءِ، وَقِلَّةُ الْعِيالِ أَحَدُ الْيَسارَيْنِ، وَقَيْمَةُ كُلِّ امْرَءٍ ما يُحْسَنُ». وهو فيه كثير جداً.
ومن النّظم قول امرء القيس بن حجر الكندي:
إذا المرء لم يخزن عليه*** لسانه ليس على شیء سواه بخزان
وقول عدّي بن زيد العبادي:
كفى واعظاً بالمرء أيام دهره*** تروح له بالواعظات وتغتدي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه*** فإن القرين بالمقارن مقتدي
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة***على الحرّ من وقع الحسام المهند
وقول لبيد بن ربيعة :
وما المال والأهلون إلا وديعة*** ولا بد يوماً أن تردّ الودائع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه*** يحوز رماداً بعد إذ هو ساطع
لعمرك ما يدري المسافر هل له*** نجاح ولا يدري متى هو راجع
أتجزع مما أحدث الدهر للفتي*** وأتي كريم لم تصبه القوارع
وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين مختلفين فصاعداً في حكم واحد بأن يثبت لهما جهة جامعة يتحدان بها كقوله (رضی الله عنه) في المخ كج (23) :
1) راجع تفسیر فرات 600 ، و أمالي الصدوق : 252 وعوالي اللثالي : 296/1 .
إِنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ حَرْتُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلُ الصَّالِحَ حَرْتُ الآخِرَةِ.
جمع المال والبنين وهما نوعان متباينان في جهة واحدة وهو الحرث. ومن النظم قول السّيد علي صدر الدّين:
إِنْ المكارم والفضائل والندى*** طبع جبلت عليه غير تطبّع
والمجد والشرف المؤمل والعلى*** وقف عليك وليس بالمستودع
وهو ضدّ الجمع أي ايقاع تباين بين أمرين من نوع واحد في المدح أو غيره، فمثاله في النثر قوله (رضی الله عنه) في المخ صو (96):
«صاحِبُكُمْ يُطيعُ اللَّهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وصاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَه ، وقوله(رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه : «غَيرَةُ الْمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغَيرَة الرَّجُلِ إِيْمَانٌ» .
وفي النّظم قول رشيد الوطواط :
ما نوال الغمام وقت ربيع*** کنوال الامیر یوم سخآء
فنوال الأمیر بدرة عین*** ونوال الغمام قطرة ماء
وقول الأديب يعقوب النّيسابوري:
رأيت عبيد الله يضحك معطياً*** ويبكي أخوه الغيث عند عطائه
وكم بين ضحاك يجو يجود بماله*** وآخر بكاء يجود بمآئه
وهو أن يدخل المتكلم شيئين في معنى ثم يفرق بين جهتي الإدخال فمثاله في النثر قوله (رضی الله عنه) في المخ ص ز (97) :
«حَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيانِ يَبْكِيانِ، باكِ يَبكي لدينِهِ وَبَاكِ يَبْكي لدُنْياه» .
وقوله(رضی الله عنه) في المخ فكز (127) : «وسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفانِ مُحِبّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ. جمع بين الصنفين في الهلكة ثم فرّق بين جهتي الهلاك»، ومثله قوله(رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه :
«هَلَكَ فِيَّ رَجُلانِ مُحِبُّ غالٍ، وَمُبْغِضٌ قال» .
وفي النّظم قول الرشيد الوطواط :
فوجهك كالنّار في ضوئها***وقلبی کالنّار فی حرّها
وقول السّيد علي صدر الدّين :
ما بين قلبي وبرق المنحني نسب***كلاهما من سعير الوجد يلتهب
قلبي لما فاته من وصل ساکنه*** والبرق إذ فاته من ثغرة الشّنب
وهو في اللغة التجزية والتفريق وفي الاصطلاح يطلق على معان ثلاثة .
أحدها: أن يذكر متعدّد، وبعبارة أخرى: أن يذكر قسمة ذات جزئين أو أكثر، ثم أضيف ما لكلّ واحد من الأقسام إليه على التعيين، وبهذا القيد يتميز عن اللف والنشر، إذ لا تعيين فيه حسبما تطلع عليه، ومثاله في النثر قوله(رضی الله عنه) في المخ فد (103):
«وَكُلُّ نَفْسٍ مَعَها سَائِقٌ وَشَهِيدٌ سَائِقٌ يَسُوفُهَا إِلى مَحْشَرِهَا، وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بعملها »
ومن النّظم قول المتلمس :
ولا يقيم علي ضیم یراد به ***إلا الأذلان عير حيّ والوند
هذا على الخسف مربوط برمته*** وذا يشج فلا يرثي له احد
ذكر العير والوتد ثمّ أضاف إلى الأوّل الربط مع الخسف، وإلى الثاني الشجّ .
وثانيها : أن تذكر أحوال الشيء مضافاً إلى كلّ من تلك الأحوال ما يليق به ، كقوله(رضی الله عنه)في المخ كج (23) :
« أَلْمَرهُ الْمُسْلِم يَنتَظِرُ مِنَ اللَّهِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِمّا دَاعِيَ الله فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلِ وَمَالٍ وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ»، وقوله (رضی الله عنه) في المخ صح (98) :
«أَوَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُمْسُونَ وَيُصْبِحُونَ عَلَى أَحوالِ شَتّى فَمَيِّتُ يُبْكَي وَآخَر يُعَزَّى، وَصَرِيعٌ مُبْتَلَى، وَعَائِدٌ يَعُودُ، وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ، وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ».
ومن النّظم قوله :
سأطلب حقّي بالقنا ومشايخ*** كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا*** كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا
ذكّر أحوال المشايخ، وأضاف إلى كلّ منها ما يناسبه.
وثالثها: استيفاء أقسام الشيء، وبعبارة أخرى أن يتقصى تفصيل ما ابتدأ به ويستوفي جميع الأقسام الذي يقتضيها ذلك المعنى، فمثاله نثراً من الكتاب العزيز قوله سبحانه :
«يهب لمَن يَشَاءُ إِنَنَا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَنَا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا » [الشورى: 49 - 50] وقوله : «فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ المَيْمَنَةِ وَأَصْحَبُ المَشمَةِ مَا أَصْحَب السَّمَةِ وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ » [الواقعة: 8] . ﴾
ومن كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه) قوله في المخ يو (16):
«شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ أمامه ساع سَريعُ نَجا، وَطَالِبٌ بَطيءٌ رَجا وَمُقَصِّرُ في النَّارِ هَوی»
وهذا التقسيم موافق للتقسيم في الآية الأخيرة، فإنّ السّاع السريع مساوق للسابقين والطالب البطيء مساوق لأصحاب الميمنة، والمقصر الهاوي مساوق لأصحاب المشتمة، ونظماً قول صفي الدين في مدح النبي صلى الله عليه وآله :
أفنى جيوش العدى غزواً فلست ترى*** سوی قتيل ومأسور ومنهزم
وهو عبارة عن جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه كقوله تعالى :
«ثمَّ أَوْرَيْنَا الْكِتَبَ اللَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ، وَمِنهُم مُّقْتَصِدٌ، وَمِنهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ» [فاطر: 32] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ (1):
«ثُمَّ فَتَقَ مَا بَينَ السَّمواتِ العُلى فَمَلاَهُنَّ أَطواراً مِنْ مَلآئِكَتِهِ ، مِنْهُمْ سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لا يَنتَصِبُونَ، وَصافُونَ لا يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لا يَسْأَمُونَ» اه .
ولك أن تجعل ما مثلنا به من كلامه (رضی الله عنه) للتقسيم بالمعنى الأخير مثالاً لهذا النوع أيضاً أعني التقسيم والجمع .
فإن قلت: فعلى هذا لا يبقى فرق بين النوعين .
قلت: كلاً فإنّ استيفاء الأقسام شرط فيما سبق وليس بشرط هنا فافهم جيداً.
وأمّا الفرق بين ذلك وبين التقسيم بالمعنيين الأولين فواضح لا يخفى، ومن النظم قول أبي الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة :
قاد المقانب أقصى شربها نهل*** على الشكيم وأدنى سيرها سرع
لا يعتقي بلداً ***مسراه عن بلد کالموت ليس له ري ولا شبع
حتى أقام على أرباض خرشفة*** تشقى به الرّوم والصلبان والبيع
للسّبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا*** والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
فجمع أوّلا شقاء الرّوم بالممدوح الشامل للسبي والقتل والنهب والإحراق ثم قسم ثانياً وفضله .
وهو عبارة عن أن يجمع المتكلم متعدداً تحت أمر ثم يفرّق ثم يضيف إلى كلّ ما يناسبه، ومثاله في النثر من الكتاب الكريم قوله سبحانه :
« يومَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَنِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ هَمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَقَالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءٌ غَيْرَ يَجذُونَ» [هود : 105 - 108] .
قد جمع الأنفس في عدم التكلم بقوله : لا تكلم نفس ثم فرّق بأن أوقع التباين فينها بان بعضها شقي وبعضها سعيد، ثم قسم وأضاف إلى السعداء ما لهم من بنعيم الجنة، وإلى الأشقياء مالهم من عذاب النّار، ، ومن كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه) قوله في المخ قح (108) في شرح حال الأموات :
«فَجَعَلَهُمْ فَريقَينِ أَنْعَمَ عَلَى هؤُلاءِ، وَانْتَقَمْ مِنْ هَؤُلاءِ، فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ فِي جَوارِهِ، وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ ، إِلى قوله : فَأَما أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ، وَغَلَّ الْأَيْدِي إِلَى الأَعْنَاقِ» .
فقد جمع الأموات في ضمير الجمع في جعلهم، ثم فرّقهم فريقين، أحدهما المنعم عليهم، وثانيهما المنتقم منهم، ثم قسمهم بقوله : فأما أهل الطاعة، فأما أهل المعصية فإن أهل الطاعة يساوق من أنعم عليهم، وأهل المعصية يساوق من انتقم منهم فافهم، وفي النظم قول ابن شرف القيرواني :
لمختلفي الحاجات جمع ببابه***فهذا له فنّ وهذا له فن
فللحامل العليا وللمعدم الغني*** وللمذنب العتبي وللخائف الأمن
وهو الإتيان بفنّين مختلفين من فنون الكلام في بيت واحد فأكثر، مثل النسيب،
والحماسة، والمدح والهجو، والتهنية والتعزية، ولا يختص بالنظم بل يكون في النّثر أيضاً فمنه قوله سبحانه:
« كل من عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ » [الرحمن: 27] .
فإنّه جمع بين الفخر والتّعزية، فعزّى سبحانه جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة، وتمدّح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر لفظات، مع وصف ذاته بعد انفراده بالبقاء بالجلال والإكرام. وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ ب (2) :
«زَرَعُوا الْفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الْغُرُورَ، وَحَصَدُوا التَّبُور، لا يُقاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلاَ يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ يَعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أبداً ».
فإنّ ذيل الكلام مسوق لمدح آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وصدره مسوق لهجو المبغضين لهم .وقدحهم. ومن الافتنان بالهجو والمدح في النظم قول أبي ربيعة في يزيد بن حاتم يفضّله على يزيد بن أسيد وكان في لسانه تمتمة فعرّض بها في هذه الأبيات:
لشتان ما بين اليزيدين في النّدى*** یزید سليم والأعز ابن حاتم
فهم الفتى الأزدي اتلاف ماله*** وهم الفتى القيسي جمع الدّراهم
فلا يحسب سب التمتام أني هجوته*** ولكنّني فضلت أهل المكارم
ومنه بالجمع بين التهنئة والتعزية قول أبي نواس يعزّي الفضل عن الرشيد ويهنيه بالأمين :
تعز أبا العبّاس عن خير هالك*** بأكرم حي كان أو هو كآتن
حوادث أيام تدور صروفها***لهنّ مساو مرّة و محاسن
وفي الحيّ بالميت الذي غيب الثرى*** فلا الملك مغبون ولا الموت غابن
وهو عبارة عن أن يأتي البليغ بحجة على ما يدعيه على طريقة المتكّلمين، وهي أن تكون بعد تسليم المقدّمات مستلزمة للمطلوب.
فمثاله نثراً من الكتاب العزيز قوله تعالى حكاية عن إبراهيم(علیه السلام) «فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الافلين » [الأنعام: 76] .
أي القمر آفل وربّي ليس بآفل، فالقمر ليس بربّي، ومن كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه) ما في .
المخ سو (66) من احتجاجه على أولويته بالخلافة وإبطال دعوى المهاجرين والأنصار حسبما تعرفه إن شاء الله تعالى هناك تفصيلاً، وقوله (رضی الله عنه) في المخ قز (107): «خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيرِ رَوِيَّةٍ إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلا بِذَوِي الضَّمَائِرِ وَلَيْسَ بِذي ضَميرٍ في نَفْسِهِ».
وهذا النوع كثير في خطبة(رضی الله عنه) المسوقة للتوحيد كما هو غير خفي على الخبير ونظماً قول الشيخ صفي الدين في مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :
كم بين من أقسم الله العليّ به*** وبين من جاء باسم الله في القسم
فإنّ مطلوبه تفضيلهرضی الله عنه) على سائر الأنبياء، واحتج على ذلك بقسم الله سبحانه به في قوله :
«لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكَرَاهِم يَعْمَهُونَ » [الحجر: 72] .
ولم يقسم بغيره منهم بل هو أقسموا به سبحانه وشتان بين المنزلتين .
ومثله قول بعضهم في وصف أمير المؤمنين (رضی الله عنه) وتفضيله على أبي بكر وغيره وهو من أبدع ما قيل:
کم بین من شك في خلافته***وبین من قیل انّه الله
وتسمّى بالتبليغ، وسمّاه بعضهم بالإفراط في الصفة، وهو أن تثبت لشيء وصفاً وتدعي بلوغ ذلك الوصف في الشدّة والضعف حداً هو مستبعد جداً ، لكنه ممكن عقلاً وعادة مثل قوله تعالى في الكتاب الكريم :«يوم ترونَهَا تَذْهَل كُل مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُل ذَاتِ حمل حملها» [الحج: 2] .
والمعنى أنّ هول القيامة إذا فاجأ المرضعة وقد ألقمت الصبي ثديها نزعته من فيه، لما يلحقها من الدهشة عن الذي أرضعته وعن الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام .
فالذّهول والوضع المذكور ان مبالغة في وصف يوم القيامة بالشدّة، وهما ممكنان عقلاً وعادة. ومن كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ له (35):
«فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِيَّاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ، وَالْمُنَابِذِينَ الْعُصاةِ، حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ.»
فإنّ ارتياب الناصح بنصحه، وضنّ الزّند بقدحه مبالغة في وصف إبائهم وتمردهم بالشدة، وهما أمران ممكنان عقلاً وعادة. ومن النظم قوله :
وكم لك نعماً لو تصدّى لشكرها*** سان معة الاعتراه كلول
أكلف نفسي أن أقابل عفوها*** بجهدي وهل يجزي الكثير قليل
وهو أنّ تدعي لشيء وصفاً بالغاً حدّ الإمكان عقلاً، والاستحالة عادة كقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ ج (2):
«يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلاَ يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيرُه» .
فإنّ عدم رقي الطير إلى مكان يكون فيه الإنسان ممتنع عادة، ولكنّه ممكن عقلاً بالنظر إلى مقامات الإمام النورانية، ومعجزاته الخارقة للعادة. ومن النظم قول أبي الطيب المتنبي :
روح تردّد في مثل الخلال إذا*** أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحو لا أنني رجل*** لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فدعوى نحول الشخص حتى يصير مثل الخلال ولا يستدل عليه إلا بالكلام أمر ممتنع عادة، إلا أنّه ممكن عقلاً إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيداً لا يرى بخلاف الصوت ومنه قوله :
ونكرم جارنا مادام فینا***ونتبعه الكرامة حيث مالا
أن تدّعي لشيء وصفاً هو ممتنع عقلاً وعادة ومنه يعلم أن المبالغة دون وهو الإغراق، والإغراق دون الغلو، وأحسنه ما دخل عليه ما يقربه إلى الصّحة ككاد ولولا ولو وحرف التشبيه ، كقوله تعالى:
«يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار» [النور: 35] .
فانّ إضائة الزّيت مع عدم مسيس النار مستحيلة عقلاً وعادة، ويدخول يكاد خرج عن الامتناع، لأنها دلت على مقاربة الإضائة لا وقوعها الذي هو المستحيل. وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ قح (108):
«فَكَأَنَّ ما هُوَ كَاتِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَليلٍ لَمْ يَكُنْ ، وَكَأَنَّ ما هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخِرَةِ عَمّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَل».
فإنّ كون ما هو كائن غير موجود أبداً، وكون ما يكون بعد موجوداً أزلاً أي ثابتاً في
الماضي مستحيلان عقلاً وعادة إذ تنافي الوجود والعدم والاستقبال مع الماضي ضروري، إلا أنّه يدخول كان للتقريب والتشبيه ارتفعت الاستحالة، والمقصود الإشارة إلى سرعة زوال الدنيا وفنائها، وسرعة لحوق الآخرة ،وبقائها، وسيأتي له مزيد توضيح في مقامه إن شاء الله، ومن النظم قول نصر السّفاقسي :
أذابه الحبّ حتى لو حب حتى لوتمثله*** بالوهم خلق لأعياهم توهمه
لولا الأنين ولوعات تحرّكة*** لم يدره بعيان من يكلّمه
والبيت الأوّل من الغلوّ والثّاني من الاغراق، وقول أبي العلاء المعرّي:
يكاد قسيه من غیر رمی*** تمكن في قلوبهم النبالا
یکاد سيوفه من غير سل***ّ یجدن الی رقابهم اتسلالا
ومن الغلوّ بغير حرف التقريب قوله :
کم سایح اعدوته فوجدته***عندالکریهة وهم نسر طائر
لم یرم قط بطرفه فی غایه***الاّ وسابقه الهیا الحافر
وسمّاه صاحب (المفتاح) بسوق المعلوم مساق غيره لنكتة ، قال : ولا أحب تسميته بالتجاهل، لوروده في كلام الله تعالى وخصه بعضهم بأن يكون على طريق التشبيه ليوهم أن شدّة الشبه بين المشبه والمشبه به أحدثت التباس أحدهما بالآخر والمشهور الأوّل، والنكتة فيه إما المبالغة في المدح، أو الدّم أو التعظيم أو التحقير أو التوبيخ، أو التقرير، أو التّعريض، أو التأسف أو التعجب، أو غير ذلك
قال العلامة التفتازاني : ونكت التجاهل أكثر من أن يضبطها العالم، فمن أمثلته نثراً للمبالغة في التوبيخ والتنبيه على الضلال قول أمير المؤمنين رضی الله عنه) في المخ فب (82) :
«فَأَنَّى تُؤفَكُونَ، أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ، أَمْ بِمَاذا تَغْتَرُونَ».
وللمبالغة في التقرير قوله(رضی الله عنه) في المخ قب (82) أيضاً :
«أَوَلَسْتُمْ أَبْناءَ الْقَوْم وَالآبَاءَ وَإِخْوَانَهُمْ وَالأقرباء».
وللمبالغة في التعجب قوله (رضی الله عنه) في المخ قز (107) :
« ما لي أراكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَزْوَاحٍ، وَأَرْوَاحاً بِلَا أَشْبَاحٍ»
وللمبالغة في التحقير قوله (رضی الله عنه) في المخ كب (22) :
«يا خَيْبَةَ الدّاعي مَنْ دَعَا وَإِلَى مَا أُجِيبَ»، وقوله (رضی الله عنه) في المخ قلو (136) «أَنْتَ تَكْفِيني فَوَاللَّهِ ما أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ » .
وللمبالغة في التعظيم قوله(رضی الله عنه) في المخ قسد (163):
«فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطْنِ، أَوْ تَبْلُغُهُ فَرائِحُ الْعُقُولِ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أقوالُ الْوَاصِفين».
وللمبالغة في التحسّر قوله (رضی الله عنه) في المخ قفا (181):
«أَيْنَ اخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ، أَيْنَ عَمَّارُ وَأَيْنَ ابْنُ الشَّيْهَانِ، وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَيْنَ نُظَراؤهُمُ» .
إلى غير ذلك مما يجده المتتبع البصير بأقطار كلامه
ومن أمثلته نظماً للمبالغة في المدح قول القاضي الفاضل يمدح الملك العادل :
أهذه سیر في المدح ام سور*** وهذه انجم فی الّسعد ام غرر
وانمل ام بحار والسیوف لها***موج وافر ندها فی لجها درر
وانت فی الارض ام فوق السّماء وفی***یمینک البحرام فی وجهک القمر
وفي التّحقير قوله :
يقولون هذا عندنا ليس ثابتاً*** ومن أنتم حتى تكون لكم عند
وفي لتوبيخ قوله :
أيا شجر الخابور مالك مورقا***ً كأنك لم تجزع على ابن طریف
وفي التقرير قوله :
الستم خیر من رکب العطایا***واندی العالمین بطون راح
وفي النحول قول الثعالبي :
لی فاتن سیّد یعلّمنی***یحنه یکف یعبد الضم
لما رآنی و فی یدی قلم***لم یدر مولای اینا القلم
وسمّاه قوم بالحشو، وهو أن يؤتى في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لنكتة سوى دفع الإيهام، والمراد بالكلام ليس هو السند
إليه والمسند فقط بل مع جميع ما يتعلّق بهما من الفضلات والتوابع، والمراد بالكلامين المتصلين أن يكون الثاني منهما بياناً للأول، أو تأكيداً له، أو بدلاً منه ونحوه، وخرج بقولنا سوى الإيهام الاحتراس وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه، كقول طرقة :
فسقى ديارك غير مفسدها*** حلوب الربيع وديمة تهمى
فقوله: غير مفسدها، احتراس أتى به لدفع كون المطر مفسداً، لأن نزوله قد يكون سبباً الفساد الديار وخرابها .
والنكتة في الاعراض قد يكون التوكيد مثل قوله عليه السلام في المخ قصب (182):
«فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ».
فإن المقصود به توكيد تنزيه الله سبحانه عن صفات النقص والافتقار في الأزل كما الأبد، والإشارة إلى أنّ غرضه من الخلق والإيجاد لم يكن تكميل ذاته بجلب المنفعة أو دفع المضرة كما في سائر الصناع، يصنعون الصنائع لافتقارهم إليها ويريدون منها تحصيل كمال ليس لهم لما في ذواتهم من النقص والحاجة .
وقد تكون التنبيه على عظم الرزيّة مثل قوله عليه السلام في المخ كب (22) :
«فَيَا عَجَباً وَاللهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنْ إِجْتِمَاعِ هؤلاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَفْكُمْ».
وقد تكون التعظيم مثل قوله (رضی الله عنه) في المخ قلح (138):
«ألا وفي غَدٍ وَسَيَأْتي غَدْ بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ يَأْخُذُ الوالي» اه
فإنّ قوله : في غد متعلّق بقوله يأخذ، والجملة بين الظرف والمظروف اعتراض لتعظيم شأن الغد الموعد بمجيئه .
وقد تكون توكيد التوبيخ ، مثل قوله الله الله في المخ كب (22) أيضاً :
«وَلَمْ أَرَكمْ مَعْرِفَةٌ وَاللهِ جَرَّتْ نَدَماً» .
فإنّ جملة القسم في الكلامين فيه اعتراضية اتى بها لما ذكرناها من النكتة.
وقد تكون التنفير، مثل قوله له في المخ كج (23) :
«فَإِنَّ الْمَرْةَ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَعْشَ دَنَاءَةٌ تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَها إذا ذُكِرَتْ وَتُعْزَى بِها لِيَّامُ النَّاسِ كانَ كَالْفَالِجِ الْيَاسِر»ِ .
فإنّ قوله : كان كالفالج خبر إن وإدراج جملة فيخشع في البين من باب الاعتراض وقد يكون التنزيه مثل قوله تعالى :
«وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنتِ سُبْحَنَةٌ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ » [النحل : 57]
فإنّ قوله سبحانه : جملة لكونه بتقدير الفعل وقعت بين المعطوف والمعطوف عليه لقصد تقديسه سبحانه عمّا ينسبونة إليه . ونظيره قوله(رضی الله عنه) في المخ قصا (181):
فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمِراتِ الْقُلُوبِ، وَمَحْجُوباتِ الْغُيُوبِ، إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً .
فجملة : وهو العالم اهـ (1)معترضة بين قال ومقوله وهو قوله: إني خالق، جيء بها لقصد التنزيه حسبما تعرفه إن شاء الله في مقامه ،
ومن الاعتراض في النظم قوله :
أتجزع من دمعي وأنت أسلته*** ومن نار أحشائي ومنك لهيبها
وتزعم أنّ النّفس غيرك علّقت*** وأنت ولا من عليك حبيبها
فإنّ جملة ولا منّ عليك ،اعتراضية والنكتة فيها الاستعطاف، وأن لا يشمئز قلبه منه
ومما جاء بين كلامين متصلين وهو أكثر من جملة قوله(رضی الله عنه) في المخ قلب (120): «أَما وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي حينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ الله فيه
خَيراً ، فَإِن اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ، وَإِن اعْوَججْتُمْ فَوَّمْتُكُمْ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ الْوَثْقَى» .
فإنّ جملة : حين أمرتكم بما أمرتكم به اعتراض بين اسم أن وخبرها جيء بها للتوكيد وجملة فإن استقمتم هديتكم مع الجملتين الشرطيتين بعدها اعتراض بين لو وجوابها أعني لكانت الوثقى والفاء في قوله : فإن استقمتم اعتراضية، على حد قوله :
واعلم فعلم الم ء ينفعه*** أن سوف يأتي كل ما قدرا
وهو عبارة عن تكرير كلمة فأكثر باللفظ والمعنى لنكتة والنكت فيه كثيرة منها التوكيد مثل قوله تعالى :
«كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ » [ التكاثر : 3 - 4] .
1) هذه العلامة ام تعني : إلى آخره يأتي بها المصنف عادة إذا نقل قسماً من القول .
فالتّكرار لتأكيد الرّدع ، ومثل قوله (رضی الله عنه) في المخ قعه (175):
«أَلْعَمَلَ الْعَمَلَ ثُمَّ النَّهايَةَ النَّهايَةَ، وَالإِسْتِقَامَةَ الإِسْتِقَامَةَ ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ »
فإنّ الغرض توكيد الترغيب والتحضيض بهذه الأمور، ومثله قوله (رضی الله عنه) في المخ قفا (181): «الجهاد الجهاد» وفي المخ قفب (182): «فَاللَّهَ الله مَعْشَرَ الْعِبادِ».
فإنّه لتأكيد المراقبة .
ومنها زيادة الاستبعاد كقوله تعالى:
«وهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ » [المؤمنون: 36].
ومنها التنبيه ،والإيقاظ وقد اجتمعت هذه النكتة مع سابقته في قوله في المخ قص (190).
«هَيْهَاتَ قَدْ فَاتَ ما فَاتَ وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ ».
ومنها التحذير كقوله (رضی الله عنه) في المخ قصا (191):
«فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ ساداتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمُ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا» .
ومنها التهويل والإنذار، نحو قوله تعالى:
«الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ » [الحاقة: 1-2]،« الْقارِعَةٌ * مَا الْقَارِعَةُ » [القارعة : 1] .
ومنها تذكر ما قد بَعُدَ بسبب طول الكلام، سواء كان التكرار مجرّداً عن رابط، كما في قوله تعالى:
«ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَ صَبرَُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيم»[النحل: 110] .
أو مع رابط، كقوله سبحانه :
«لَا تحَسَبنََّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّ يحُِبُّونَ أَن يحُمَدُواْ بمِا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تحَسَبَنهَّم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم»[آل عمران: 188] .
ومنها زيادة التوجع والتحسّر كقوله :
فيا قبر معن أنت أول حفرة*** من الأرض خطت للسماحة مضجعاً
ويا قبر معن كيف واریت جوده*** وقد كان منه البر والبحر مترعاً
ومنها التّعظيم كقوله :
«وَأَصْحَبُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَبُ الْيَمِينِ » [الواقعة: 27].
ومنها الإنكار والتوبيخ كتكرار قوله :
«فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ » [ ص: 32].
ومنها الاعتناء والاهتمام بشأن المكرّر وإظهار كماله، مثل قوله (رضی الله عنه) في المخ قنط (159):
«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وتُعْطِي، وعلى ما تُعافي وَتَبْتَلِي حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ ، حَمْداً يَمَلأُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغ ما أَرَدْتَ ، حَمْداً لاَ يُحْجَبُ عَنْكَ وَلا يَقْصُرُ دُونَكَ ، حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَلَا يَفْنَى مَدَدُهُ »
ومنها زيادة المدح مثل قوله (صلی الله علیه وآله وسلم) :
أَلْكَرِيمُ بْنُ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ ***بْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْن إِسْحَقَ ابْن إِبْرَاهِيمَ
ومنها التّلذذ كقوله :
تالله يا ظبيات القاع قلن لنا*** ليلاي متكنّ أم ليلى من البشر
وقوله :
سقى الله نجداً والسّلام على نجد*** ويا حبذا نجد على الناي والبعد
نظرت إلى نجد ويغداد دونه*** لعلي أرى نجداً وهيهات من نجد
فكرّر لفظ نجد خمس مرات لتلذّذه بذكرها .
أقول : هذه النكت للتكرار أكثرها ذكره أرباب البديع في كتبهم، والانصاف أن الفائدة في أغلب ما ذكروه هو التوكيد والنكتة التي أوردوها مستفادة من سايق الكلام، أو قرينة المقام فافهم جيّداً .
وهو عبارة عن حذف شيء من لوازم الكلام اعتماداً على معرفة السامع به، قال السيد الرضي (رحمه الله) : كان شيخنا أبو الفتح يسمّي هذا الجنس شجاعة الفصاحة، لأن الفصيح لا يكاد يستعمله إلا وفصاحته جريئة الجنان غزيرة المواد، مثل قوله تعالى : «حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ»[الرحمن : 13] .
أي الشمس ولم يجر لها ذكر، وقوله : «إنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ »[القدر: 1]] .
أي القرآن وقوله : «إِذَا بَلَغَتِ التّراقی» ِ أي الرّوح، ونحو ذلك، وفي كلام أميرالمؤمنين (رضی الله عنه) في المخ ج (3):
«أَما وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أبي قحافَةً وإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلّي مِنْهَا مَحَلَّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحى» .
فإنّ الضميرين راجعان إلى الخلافة، ولم يسبق لها ذكر في الكلام، وقوله(رضی الله عنه) في المخ ركد (222)
«دَار بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ وَبِالْغَدْرِ مَوْصُوفَةٌ ».
أي الدنيا، فقد حذف المبتدأ للعلم به، ونحو ذلك كثير في كلامه (رضی الله عنه) ، ومن النّظم قول حاتم الطائي :
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى*** إذا حشرجت يوماً فضاق بها الصّدر
يريد النّفس.
أقول هكذا قالوا والانصاف أنّ هذا ليس من الحذف في شيء، في شيء، وإنّما وضع المضمر موضع المظهر في الأمثلة المذكورة تعويلاً على علم السامعين، نعم المثال الثاني الذي أوردناه من كلامه (رضی الله عنه) من أمثلة الباب .
وهو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً به أحد معانيه ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر، أو بضميرين مراداً بأحدهما أحد المعاني وبالآخر المعنى الآخر. فالأوّل كقوله تعالى :
«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن سُلَم مِّن طِينٍ ، ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينِ »[المؤمنين: 12-13].
فقد أراد بالإنسان آدم (علیه السلام) وبالضمير الراجع إليه في جعلناه ولده، وربما فسّر الإنسان بولد آدم أيضاً فلا يكون من باب الاستخدام ومثله في النظم قول جرير :
إذا نزل السماء بأرض قوم*** رعيناه وإن كانوا غضاباً
فإنّه أراد بالسّماء المطر، وبالضمير الراجع إليه في رعيناه النّبات الحاصل منه بعلاقة السببية.
والثاني كقوله تعالى:
«لاتَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُمْ شَكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِى سَبِيل » [النساء: 43]
قال أبو البقاء : استخدم سبحانه بلفظة الصلاة لمعنيين أحدهما إقامة الصلاة بقرينة حتى
تعلموا، والآخر موضع الصلاة بقرينة ولا جنباً إلى آخره انتهى، ولا يخلو عن تأمل والأوضح قول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ كو (26) :
«فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أَهْبَتَها، وَأَعِدُّوا لَها عُدَّتَها، فَقَدْ شُبَّ لظاها، وَعَلا سَناها فإنّ الضمائر الثلاثة الأول راجعة إلى الحرب باعتبار معناها الحقيقي، والضميران الأخيران راجعان إليها باعتبار المجاز ، أي نار الحرب، وقوله (رضی الله عنه) في المخ ص(90):
«وَخَلَقَ الأَجَالَ فَأَطالَها ، وَفَضَرَهَا، وَقَدَّمَها ، وَأَخَرَها».
فإنّ الأجل قد يطلق على مدّة الشَّيء، وقد يطلق على زمان حلول الموت، فضمير أطالها وقصرها راجع إليه باعتبار المعنى الأوّل، والضميران الآخران راجعان إليه باعتبار المعنى الثّاني، ومثله في النظم قوله :
نسقى الفضا والساكنيه وإن هم*** شبّره بين جوانحي وضلوعي
أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى الفضا وهو المجرور في الساكنيه المكان، وبالآخر المنصوب في شبوه النّار، أي أوقدوا بين جوانحي نار الهوى التي تشبه نار الفضاء، وقوله:
وربّ غزالة طلعت بقلبي وهو مرعاها*** نصبت لها شباكاً من نضار ثم صدناها
وقالت لی وقد صرنا الی عین قصدناها*** بذلت العين فاكحلها بطلعتها ومجراها
ففي البيت الأوّل ،استخدام لأن الغزالة قد تطلق على الشمس، وقد تطلق على الصنف المخصوص من الوحش فاراد بالضمير الراجع إليها في طلعت معناها الأول، وبالضمير في مرعاها ولها وصدناها معناها الثاني، وفي البيت الأخير أربعة استخدامات، ومعناه بذلت الذهب فاكحل عينك بطلعة الشمس ومجرى العين من الماء، لأنه وطاء لهذه المعاني في الأبيات المتقدمة وأتى بالبيت الرابع.
قال الصّفدي: وهذا أبلغ ما سمعته في الاستخدام، وما عرفت لغيره هذه العدة في هذا الوزن القصير، وهذا يدلّ على الفكر الصحيح، والتخيل التّام.
وهو أن يأتي المتكلّم في كلامه نثراً أو نظماً ما لا يستقلّ الفهم بمعرفة فحواه دون أن
يفسّر، وبعبارة أخرى : أن يكون في الكلام لبس وخفاء فيؤتى بما يزيله ويفسره، وربما يسمّى بالتبيين. ومثاله في النثر قوله (رضی الله عنه) في المخ مب في (32) :
«إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ إِنْتَتَانِ، إِنْبَاعُ الْهَوى وَطُولُ الأمل، فَأَمَّا إِتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، اما طُولُ الأَمَل فَيُنسي الآخِرَةَ» .
وقوله(رضی الله عنه) في وصف الإسلام في المخ قه (105):
«فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِج، وَأَوْضَحُ الْوَلايج، مُشْرِفُ الْمَنَارِ، مُشْرِقُ الجَوادُ، مُضي الْمَصابيح كَريمُ الْمِضْمَارِ، رفيع الْغَايَةِ، جامِعُ الْحَلْبَةِ مُتَنَافِسُ السَّبْقَةِ، شَريفٌ الْفُرْسَانِ، التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ ، وَالصَّالِحَاتُ مَنارُهُ ، وَالْمَوْتُ غايَتُهُ، وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ، وَالْقِيامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سَبْقَتُهُ». وقوله(رضی الله عنه) في المخ قيج (113): أُوصيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزاد، وَبِهَا الْمَعَادُ، زاد مبلغ، وَمَعَادٌ مُنجح»
وفي النّظم قوله :
ثلاثة تشرق الدنيا بيهجتها*** شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
وقوله :
غيث وليث حين تسأله ***عرفاً وليث لدى الهيجاء ضرغام
وتسمّى بالإيهام والتوجيه والتحبير والتخييل أيضاً قال أبو البقاء والتورية أولى بالتسمية لقربها من مطابقة المسمّى ، لأنها مصدر وريت الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره، فكأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر، وهو أن يذكر لفظ له معنيان أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفيّة، فيقصد المتكلم المعنى البعيد لقرينة خفيّة ويورّي عنه بالقريب فيوهم السامع أوّل وهلة أنه يريد القريب، ولهذا سمّي إيهاماً عند بعض البيانيين، وهذا التعريف أولى ممّا قاله بعضهم من أنّها عبارة عن أن يذكر لفظ له معنيان مثلاً أحدهما قريب والآخر ،غريب، وإذا سمعه الإنسان سبق فهمه إلى القريب ومراد المتكلم تفهم الغريب.
وممّا قاله آخر من أنّها أن يكون للفظ ظاهر وتأويل، فيسبق إلى فهم السامع الظاهر مع أنّ المراد هو التأويل لأنّ أولهما ظاهر فيما كان المعنيان المفروضان حقيقيين للفظ فقط على نحو الاشتراك اللفظي غاية الأمر أن يكون استعماله في أحدهما أكثر وأشهر فيحصل القرب بذلك الاعتبار، كما أنّ ثانيهما يفيد الاختصاص بما كان من قبيل الحقيقة والمجاز لأنّ المتبادر من التأويل هو المجاز.
فالأولى ما عرفناها به لكونه أشمل فعليه قد يكون المعنيان أعني المورى به والمورى عنه كلاهما حقيقيين، وقد يكون أحدهما حقيقة والآخر مجازاً .
وكيف كان فقد قال صاحب الكشاف»: ولا نرى باباً في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى وكلام الأنبياء (1).
إذا عرفت ذلك فأقول : إنها على أقسام ثلاثة.
أحدها: التورية المجرّدة وهي التي لا تجامع شيئاً ممّا يلائم المورى به والمورى عنه ومثلوا لها بقوله تعالى :
« الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى » [طه: 5] .
فإنّه أراد بالاستواء معناه البعيد وهو الاستيلاء، وورّى عنه بالقريب وهو الاستقرار مع عدم اقترانه بشيء يلائم أحد المعنيين، وربّما أشكل فيه بأنه اقترن بما يلائم المعنى القريب وهو العرش، لأنه يلائم الاستقرار، ومثل أيضاً بقوله (رضی الله عنه)
«إِنَّمَا نَحْنُ حَفْنَةٌ مِن حَفَناتِ رَبِّنَا » (2).
فإنّ المعنى القريب للحفنة هو ملء الكف، وأراد المعنى البعيد أي نحن على كثرتنا قليلون عند الله ، أو نحن قليلون بالإضافة إلى ملكه ورحمته ونحوه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قوله في المخ يط (19) للأشعث بن قيس: حائك بن حائك، ومنافق ابن كافر فإنّ المعنى القريب للحائك هو النّاسج للبرد ونحوه، لكنّه ورّى به عن الكذب أي المفتري ومن النظم قول القاضي عياض:
كأنّ كانون أهدى من ملابس*** لشهر تموز أنواعاً من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت*** فما تفرّق بين الجدى والحمل
فقد أراد بالغزالة المعنى البعيد، وورّى عنه بالقريب أعني الرّشاء مع عدم اقترانها بشيء يلائم المورّى به كسواد المقلة والعين وحسن الجيد وسرعة النفور ولا بشيء يلائم المورّى عنه کالاشراق والطلوع ولاقوال.
به كالإشراق والطلوع والأفول.
فإن قيل : لا نسلم كونها من التورية المجرّدة بل هي مرشحة لاقترانها بالجدي والحمل
المناسبان للمعنى القريب الذي ليس بمراد كما صرح به العلامة التفتازاني في المطوّل».
قلت : قد أجيب عنه بأن اللازم في لوازم التورية أن لا يكون لفظاً مشتركاً، والجدي والحمل ليسا كذلك، لأنهما يطلقان على الحيوان المعروف وعلى بعض البروج. والثاني : المرشحة وهي التي تجامع شيئاً يلائم المورى ،به سواء كان ذلك الشيء قبل الثورية أو بعدها فهي :قسمان: أحدهما أن يكون الملائم قبل التورية، كقوله تعالى :
«وَالسَّماء بنيتها بأَتِيدِ بِأَيَّيْدِ» [الذاريات: 47]
فإنه أراد بأيد معناها البعيد أعني القدرة مع اقترانها بما يلائم القريب أعني الجارحة المخصوصة، وهو بنيناها ، وقوله الله في المخ صط (99) :
«أَلْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ، وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ».
فقد أريد النعمة مع اقترانها بما يلائم معناها القريب وهو البسط فتدبّر .
ومن النّظم قول يحيى بن منصور من شعراء الحماسة :
وجدنا أبانا كان حلّ ببلدة*** سوى بين قيس قيس غيلان والفزر
قلمانات عنا العشيرة كلّها*** أنخنا فحالفنا السيوف على الدّهر
فلما اسلمتنا عنديوم كريهة*** ولا نحن أغضينا الجفون على وتر
فإنّ لفظ أغضينا قبل الجفون رشحة للتورية ورجّحه في الظاهر لإرادة إغماض جفون العيون على إغماض السّيوف بمعنى اغمادها، لأنّ السّيف إذا اغمد انطبق الجفنة عليه، لكن دل سياق كلامه على إرادة أنّهم لا يغمدون سيوفهم ولهم وتر عند أحد.
وثانيها : أن يكون الملائم بعد الثورية، كقول الصاحب عطاء الملك في امرأة اسمها شجر :
يا حبذا شجر وطيب نسیمها*** لو أنها تسقى بماء واحد
فقد رشّح الشجر المراد به المرأة الموصوفة بما يلائم المورى به القريب بعده وهو طيب النسيم والسقي بماء واحد.
أقول : وهنا قسم آخر وهو أن يكون الملائم قبل الثورية وبعدها كليهما، كقوله (رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه: من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة فإن اليدين عبارتان عن النعمة مع ظهورهما في الجارحة المخصوصة واقترانهما بما يلائم القريب أعني الإعطاء والقصر والطول واليد القصيرة هي نعمة العبد، واليد الطويلة هي نعمة الرب سبحانه :
الثالث: التورية المبينة وهي التي تجامع شيئاً ملائماً للمعنى البعيد المورى عنه إما قبلها كقوله (رضی الله عنه) في المخ (1) :« فأجرى فيها سراجاً مستطيراً، وقمراً منيراً، فإنه ورى بالسراج عن الشمس وقرنه بما يلائمها أعني أجرى، لأن الجريان أعني الحركة إنما يتصور فيها دون السّراج الحقيقي فتدبر وإما بعدها كقوله :
أما والله لولا خوف سخطك*** لهان علي ما ألقى برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجباً*** ولیس هما سوى قلبي وقرطك
فإنّ الخافقين ظاهران في المشرق والمغرب وأراد بهما قلبه وقرط محبوبته، وهو المعنى البعيد المورى عنه، وقد بيّنه بالنص عليه في المصراع الأخير، وأوضح منه قوله :
أرى ذنب السّرحان في الأفق ساطعاً*** فهل ممكن أن الغزالة تطلع
أراد بذنب السرحان ضوء الفجر وهو المعنى البعيد، وقد بيّنه بذكر لازمه بعده وهو قوله ساطعاً، وكذا أراد بالغزالة الشمس وهو المعنى البعيد، وقد بينه بذكر لازمه بعده وهو تطلع والمعنى القريب في كلا الموضعين الحيوان المعروف .
قد ظهر لك ممّا قدمنا في رسم التورية الفرق بينها وبين الكناية، لأن الكناية هو ذكر الملزوم وإرادة اللازم مع جواز إرادة الملزوم، فإن معنى زيد طويل النّجاد أنّه طويل القامة، فيشترط في الكناية التلازم بين المعنيين ولا يعتبر ذلك في التورية، كما أنّه يعتبر الاشتهار في التورية ولا يعتبر يعتبر ذلك ذلك في في الكناية .
وأمّا الفرق بينها وبين الاستعارة فمن وجوه :
أحدها: أن الاستعارة قسم من أقسام المجاز، فلابد فيها أن يكون المستعار له معنى مجازيّاً للفظ المستعار والمستعار منه معنى حقيقياً له دائماً، وأما التورية فقد يكون المعنيان فيها حقيقيين وقد يكون أحدهما حقيقة والآخر مجازاً، سواء كان الموزى به حقيقة والمورى عنه مجازاً أو بالعكس، وإنّما يتصوّر العكس في المجاز المشهور فيورى بالمعنى المجازي لاشتهاره ويراد الحقيقة بقرينة خفية أو بملاحظة ترجيح الوضع على ما فضل في علم الأصول.
ثانيها : أن علاقة التجوز في الاستعارة لابد وأن يكون هي المشابهة، ولا يشترط ذلك الثورية فيما كان أحد المعنيين فيها حقيقة والآخر مجازاً، بل قد تكون من سائر أنواع العلاقات .
وثالثها: أن اشتهار أحد المعنيين شرط في الثورية دون الاستعارة.
إذا عرفت ذلك فأقول : لو كان لفظ له معنيان أحدهما حقيقة والآخر ،مجاز، وكان كثير الاستعمال ومشهورة في الحقيقة وعلاقة التجوّز بينهما المشابهة، فأُطلق ذلك اللّفظ وأُريد به معناه المجازي فلك أن تجعله من قبيل الاستعارة، ولك أن تجعله من باب التورية وتسمّيه باسم أيهما شئت، وذلك لاجتماع شرائط النوعين فيه مثاله ما قدمناه من كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) من قوله : فأجرى فيها سراجاً مستطيراً»، وقوله (رضی الله عنه) : «حائك ابن حائك، فإنّه يجوز لك أن تقول إن السّراج استعارة للشمس والحائك استعارة للمفتري لو لم يكن تشبيهاً بليغاً، ومثل ذلك قوله :
بدا وجهه من فوق أسمر قده ***وقد لاح من فوق الذوائب في جنح
فقلت عجيب كيف لم يذهب الرّجا*** وقد طلعت شمس النهار على رمح
فإنّه ورّى شمس النهار عن وجه المحبوب والرمح عن قامته، ولك أن تقول إنّهما استعارة لهما .
فقد تلخص مما ذكرنا كله أن المدار في التورية على الاشتهار، وفي الكناية على الملازمة وفي الاستعارة على المشابهة وأنه لا منافاة بين كون اللفظ استعارة وتورية إذا اجتمعت فيه شرائط النوعين، وأما اجتماع الكناية مع التّورية فغير ممكن لأنّ التورية مشروطة بقرينة دالة على أنّ المراد فيها المورّى عنه لا المورّى به، والكناية مشروطة بعدم القرينة على عدم جواز إرادة الملزوم ، وإلا لم يمكن إرادة الملزوم كما لا يمكن إرادة المعنى الحقيقي مع المعنى المجازي فيرتفع بذلك الفرق بين الكناية والمجاز، وهو خلاف ما نص عليه علماء الأصول والبيان فافهم جيّداً.
وسمّاه بعضهم بالإبهام ومحتمل الصّدين وهو عبارة عن أن يقول المتكلم كلاماً محتملاً لمعنيين متضادين كالمديح والهجاء وغيرهما، ولا يأتي بعده بما يميز المراد منه قصداً للابهام وإخفاء للمرام وأحسن أمثلته قول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في معنى قتل عثمان في المخ ل (30) :
«لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنتُ قَاتِلاً ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِرا»ً .
فإنّه محتمل لكونه في عداد القاتلين، ولكونه في عداد الناصرين فقد أبهم المرام لاقتضاء الحال والمقام حسبما تعرفه إن شاء الله في شرح هذا الكلام، ولذلك قال شاعر الشام :
إذا سئل عنه حذا شبهة*** وعمى الجواب على السائلينا
فلیس براض ولاساخط***ولا فی النهاة ولا الآمرینا
ولاهو سآء و لاسرّه***ولابدّ من بعبض ذا ان یکونا
ومن النّظم قول بشار لخّياط أعور :
خاط لى عمرو قبا ليت عينيه سواء*** قلت شعراً ليس يدري أمديح أم هجاء
فإنّه يحتمل قصد التساوي بين عينيه في العمى، وقصد التساوي بينهما في الأبصار، ومنه قوله :
تفرّقت غنمي يوماً فقلت لها*** يا رب سلط عليها الذئب والضبعا
وهو أن يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الأوّل. قال العلامة التفتازاني : ويسمّى هذا توشيعاً لأنّ التوشيع لفت القطن المندوف، وكأنه يجعل التعبير عن المعنى الواحد بالمثنى المفسّر باسمين بمنزلة لف القطن بعد الندف، وهذا النوع كثير في كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) ، مثل قوله في المخ مب (22) :
«إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : الْحِرْصُ وَطُولُ الأَمَلِ» .
وقد أوردنا هذا المثال في أمثلة التفسير أيضاً ولا بأس به، لصدق تعريفه عليه كصدق تعريف التوشيع عليه وقوله في المخ فكر (127):
«وَسَيَهْلِكُ فِي صِنْفَانِ : مُحِبُّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلى غَيرِ الْحَقِّ، وَمُبْغِضٌ مُفَرِّط يُذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلى غَيرِ الْحَقِّ».
وفي باب المخ من حكمه :« لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَيْقَ بِخِصْلَتَيْنِ : الْعَافِيَةِ وَالْغِنَى بَيْنا تَراهُ مُعَافاً إِذْ سَقَمَ، وَبَيْنَا تَرَاهُ غَنِيًّا إِذا افْتَقَرَ».
وفيه أيضاً : «يَهْلِكُ فِي رَجُلانِ : مُحِبُّ مُظرِ، وَبَاهِتٌ مُفْتَرٍ» .
وفيه أيضاً : «يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلانِ : مُحِبُّ عَالٍ، وَمُبْغِضُ قال» .
ومن النّظم قوله :
أمسى وأصبح من تذكاركم قلقاً*** يرثي لي مشفقان الأهل والولد
وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم*** وخانني المسعدان الصبر والجلد
لا غرو للدمع أن يجري غواربه *** وتحته المظلمان القلب والكيد
كأنّما مهجتي شلو بمیعة***ينتابه الضّاريان الذنب والأسد
لم يبق غير خفي الروح في جسدي*** قدى لك الباقيان الروح والجسد
وسمّاه قوم سياقة الأعداد، وهو إيقاع أسماء مفردة على سياق واحد، فإن رُوعي في ذلك ازدواج أو تجنيس أو تطبيق أو مقابلة، أو نحوها فذلك الغاية في الحسن واللطافة مثاله من النثر قولهم : فلان إليه الحل والعقد، والقبول والرّد، والأمر والنهي، والإثبات والنّفي، والإبرام والنقض، والبسط والقبض والهدم ،والبناء والمنع والإعطاء، وقول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ نكح (128):
«فَيَعْلَمُ سُبحَانَهُ ما فِي الأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثى، وَقَبيحِ أَوْ جَمِيلٍ، وَسَخِي أَوْ بَخُيلٍ، وَشَفِي أَوْ سَعِيدٍ».
وفي المخ قفا (181): «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيُّ، أَو عَرْشِ، أَوْ سَمَاءٌ، أَوْ أَرْضَ، أَوْ جَانٌّ، أَوْ إِنْسَ».
وفي المخ قفد (182): «وَمَا الْجَلِيلِ، وَاللَّطِيفُ والثَّقِيلُ، وَالْخَفِيفٌ، والقوي، وَالضَّعِيفٌ، في خَلقِهِ إِلا سَواءٌ، وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ ، وَالْهَوَاءُ ، وَالرِّيَاحُ، وَالْمَاءُ، فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، والنَّباتِ ، وَالشَّجَرِ، وَالْمَاءِ، وَالْحَجَرِ».
ومن النّظم قوله :
الخيل والليل والبيداء تعرفني*** والسّيف والرمح والقرطاس والقلم
وهو يطلق على معنيين أحدهما ما يسمّى بتنسيق الصفات وهو أن يذكر للشيء صفات متتالية، كقوله تعالى :
«هو الله الذي لا إله إلا هوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبَرُ » [الحشر: 23] الآية .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ فى (110) في وصف الدنيا :
«غَرَّارَةٌ، ضَرّارَةٌ، حَائِلَةٌ، زَائِلَةٌ ، نافِدَةٌ، بائِدَةٌ، أَكَالَةٌ، غَوّالَةٌ ».
وفي المخ قيد (111) في الإِستسقاء : «اللَّهُمَّ سَفْياً مِنْكَ مُحْيِيَةٌ، مَرْوِيَةٌ، تَامَّةٌ، عَامَّةً، طيبةٌ ،مُبَارَكَةً هَنِئَةٌ مَريعَةً مَرِيئَةً زَاكِياً ،بتُها ، ثامِراً فَرْعُها، ناضِراً وَرَقُها »
ومثاله في النّظم قوله :
دَانَ ،بعيد ،محبّ، مبغض، بهج*** أعزّ حلو، ممر، لين شرس
وثانيهما: أن يؤتى بكلمات متتاليات معطوفات متلاحمات تلاحماً سليماً مستحسناً بحيث إذا أفردت كل جملة منه قامت بنفسها واستقل معناها بلفظها، مثل قوله تعالى : «وَقِيلَ يَتَأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَسمَاهُ أَهْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيُّ، وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » [هود : 44] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ (1):
«أَوّلُ الدّين مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُّ الصَّفَاتِ عَنْهُ، إلى قوله : فَمَنْ وَصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَتَهُ فَقَدْ ثَنَاهُ، وَمَنْ ثَنَاهُ فَقَدْ جَزَاهُ، وَمَنْ جَزاهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ عَلامَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ» .
ومن النّظم قول أبي الطيب:
سرى النّوم عني في سراي إلى الذي*** صنائعه تسري إلى كلّ نائم
إلى مطلق الأسرى، ومخترم العدى*** ومشكي ذوي الشكوى ورغم المراغم
وعرّف بأنه العدول من مساق الكلام إلى مساق آخر غير مناف للأَوَّل في المعنى بل متمّم له. وأوضح منه ما في (التلخيص) من منه ما في (التلخيص) من أنّه التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاث أي التكلّم والخطاب والغيبة بعد التعبير عنه بآخر منها ، وقيده التفتازاني بأن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر ويكون مقتضى ظاهر سوق الكلام أن يعبر عنه بغير هذا الطريق ونسبه إلى المشهور والجمهور، وظاهره كما ترى أن يكون كلا التعبيرين ثابتين في اللفظ ، وبعبارة أخرى أن يكون المعدول عنه والمعدول إليه كلاهما مذكورين في الكلام، ويظهر من صاحبي (المفتاح) و (الكشاف) عدم اشتراط ذلك، فإن المستفاد منهما أنّ الالتفات إمّا هو ذلك، أو أن يكون مقتضى الظاهر التعبير عنه بطريق من الطرق الثلاث، فعدل إلى الآخر من غير أن يعبر بالطريق الأول فكل التفات عند الجمهور التفات عندهما من دون عكس، فعلى قولهما يكون قول امرء القيس : تطاول ليلك بالاثمد مخاطباً لنفسه من باب الالتفات لأنّ مقتضى الظاهر أن يقول : ليلي بالتكلم فعدل إلى الخطاب وكيف كان فهو على سنّة
أقسام، حاصله من ضرب الطرق الثلاث في الاثنين، لأنّ كلاً من الطرق الثلاث ينقل إلى الآخرين.
أحدها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِ لرَبِّكَ وَانْحَر» [الكوثر : 1 - 2] فإن مقتضى الظاهر أن يقال: أنا ، وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ ح (8) :
«فَإِنْ أُقل يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُتُ يَقُولُوا: جَزَعَ مِنَ الْمَوْتِ، هَيْهَاتَ بَعْدَ اللتّيَّا وَالَّتِي، وَاللَّهِ لابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِنَدْيِ أُمِّه» .
ومقتضى السّوق أن يقول : لأني آنس، ومن النظم قول عبد الله بن طاهر :
وإذا سئلت رشف ريقك قلت لي*** أخشى عقوبة مالك الأملاك
ماذا عليك دفنت قبلك في الثرى*** من أن أكون خليفة المسواك
أيجوز عندك أن يكونا متيّماً*** دنف بحبك دون عود أراك
الثّاني : الالتفات من التكلم إلى الخطاب، مثل قوله تعالى :
«وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »[يس: 22].
فإن مقتضى مساق الكلام أن يقال : أرجع مكان ترجعون ولم أجد لهذا القسم مثالاً في كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه) ، ومن النّظم قوله :
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها*** عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وأذكر أيّام الحمى ثم أنشني*** على كبدي من خشية أن تصدّعا
فليست عشيات الحمى برواجع ***عليك ولكن خل عينيك تدمعا
الثّالث : الالتفات من الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى :
«وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيحَ فَيرُ مَحَابًا فَسَقَتَهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتِ » [فاطر: 9] .
والأصل فساقه، وقول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ ح (8):
«وَاللَّهِ لابْنُ أَبي طَالِبٍ آنسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِنَذِي أُمِّه ، وَلَكِنِّي قَدِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ، لاضْطَرَبْتُمْ؟» ومقتضى الأصل أن يقول : ولكنّه قد اندمج على مكنون علم لو باح به اه- وفي المخ
قكب (122)
« وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبي طالب بِيَدِهِ، لألْفُ ضَرْبَةِ بالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مَيْتَةٍ عَلَى فِراش» .
ومن النّظم قول شرف الدين التلعفري :
لاتقولوا سال وملّ هوانا***وتسلی عنّا بحبّ سوانا
کیف یسلوکم و یصبر عنکم***من یری سئاتکم احسانا
قسماً بعد بعدکم جفاکم*** لم یقارق لی الجفا اجفاناٌ
الرّابع : الالتفات : الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، مثله قوله تعالى : «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » [الفاتحة: 4 - 5] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ كه (25):
«مَا هِيَ إِلا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا ، إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلا أَنْتِ تَهَبُّ أَعاصِيرُكَ فَقَبَّحَكِ الله»
وفي المخ قح (108) : «وَمَنْ عاش فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَمَنْ ماتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ، لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتَخْبِرَ عَنْكَ، بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ».
ومن النّظم قول أبي العلاء المعري :
هي قالت لما رأت شيب رأسي*** وأرادت كراً وازوراراً
أنا بدر وقد بدا الصبح في رأ ***سك والصبح يطرد الأقمارا
لست بدراً وإنّما أنت شمس*** لا ترى في الدّجى وتبدوا نهاراً
الخامس : الالتفات الخطاب إلى التكلم ولم يقع له مثال في الكتاب العزيز، ولم أجد له مثالاً أيضاً في كلام الإمام (رضی الله عنه) ، ومثاله في النظم قول أبي فراس بن حمدان:
وقوفك بالديار عليك عار*** وقد ردّ الشباب المستعار
أبعد الأربعين محرّمات*** تماد في الصّبایة واخترار
نزعت عن الصّبا إلا بقايا *** يحقرهاعلى الشّیب الوقار
وطال الليل بي ولربّ دهر***نعمت به لیالیه قصا
السّادس : الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، مثل قوله تعالى :
«و حَتَّى إِذَا كُنتُم فِي الْفُلْكِ وَجَرَينَ بهم »[يونس : 22] .
مكان بكم، وقد شدّ مثال هذا القسم أيضاً من كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه)وعسی أن يظهر لنا بعد الغموض ؛ ويصل إلينا بعد الشذوذ .
ومثاله من النّظم قول السّيد الرّضي (رحمه الله) يخاطب الخلفاء العباسية :
ردّوا تراث محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) ردّوا ***ليس القضيب لكم ولا البرد
هل اعرقت فيكم كفاطمة*** أم هل لكم کمحمد جدّ
جل افتخار هم بانّهم***عند الخصام مصاقع لذ
إنّ الخلائف والأولى فخروا ***فهم سنائعنا اذا عدّوا
شرفوا بنا ولجدّنا خلقوا
أقول : وقد وجدت للالتفات قسماً سابعاً وثامناً، وهو العدول من المتكلم وحده إلى المتكلم مع غيره وعكسه، وقد اجتمعا في قوله الله في المخ لز (37) :
« لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ فِي مَهْمَنٌ، وَلاَ لِقَائِلِ فِي مَعْمَةٌ ، أَلدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخَذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتّى أَخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، رَضينا عَنِ اللَّهِ قَضَاتَهُ، وَسَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ، أَتَرانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَاَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ»
هذا ووجه كون الالتفات من المحسنات أن الكلام إذا نقل عن أسلوب إلى أسلوب آخر، كان أحسن تطرية لنشاط السامع ، وأكثر أيقاظاً للإصغاء إليه .
قال صاحب (المفتاح): ليس قرى الأضياف سجيّة العرب، ونحر العشار للصيف دأبهم، أفتراهم يحسنون قرى الأشباح فيخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح فلا يخالفون بين أسلوب وأسلوب وإيراد وإيراد؟ فإنّ الكلام عند الإنسان، لكنى بالمعنى لا بالصورة أشهى غذاء لروحه وأطيب قرى لها انتهى .
وهذه هي الفائدة العامة لهذا النوع، وقد يختص مواقعه بلطائف خاصة، ونكت مخصوصة مناسبة للمقام، كما هو غير خفي على ذوي الأذواق والأفهام.
وهو ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله تعالى
« وَجَزَاؤُا سَيِّئَةِ سَنةٌ مِثْلُهَا» [المائدة: 116 ] .
فإنّ الثانية لكونها حقة لا تكون سيئة، لكن وقوعها في صحبة الأولى أوجب التعبير عنها بالسيئة، وقوله : «تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ » [الشورى: 40] ومثله قوله (رضی الله عنه) في المخ قيب (112):
«واسْتَلُوهُ مِنْ أَداءِ حَفْهِ ما سَئَلَكُمْ».
أي أمركم وفرضه لكم، لأنّ السؤال وظيفة الأدنى من الأعلى ووظيفة الأعلى من الأدنى هو الأمر والإلزام، لكنه عبر بلفظ السؤال، لوقوعه في صحبة الأول وقوله(رضی الله عنه) في المخ فكد (122).
«وأَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ، لا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الآخِرَةِ». فإنّ الآخرة لا سيف فيها وإنما عَبر به للمشاكلة والمراد النار وغضب الجبّار ، ومثاله في النّظم قوله :
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه*** قلت اطبخوالي جبة وقميصاً
أي خيطوا وقد يجيء المصاحب متأخراً عن المستصحب، مثل قول أبي تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلّها*** أني بنيت الجار قبل المنزل
فيناء الجار إنّما جاز لبناء المنزل، وهو متأخر عنه .
وهو ضربان أحدهما : أن يستثنى من صفة ذمّ منفية عن شيء صفة مدح لذلك الشيء بتقدير دخولها فيها، كقوله تعالى :
«وَلَا يَسْمَعُونَ فِيها لقوا وَلَا تَأْتِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا» [الواقعة: 25] .
وقول النابغة الذبياني :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم*** بهنّ فلول من قراع الكتائب
والثاني : أن يثبت لشيء صفة مدح ويعقب بأداة استثناء يليها صفة مدح أخرى له نحو قوله (صلی الله علیه وآله وسلم) :
«أَنَا أَفْصَحُ الْعَرَب بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشِ»(1).
أي غير أنّي من قريش ونظيره قول أمير المؤمنين في باب المخ من حكمه لما بلغه (صلی الله علیه وآله وسلم) قتل محمد بن أبي بكر :
«إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ إِلا أَنَّهُمْ تُقِصُوا بَغِيضاً، وَنُقِصْنَا حَبيباً».
ومن النّظم قول النابغة الجعدي :
فتي كملت أخلاقه غير أنه*** جواد فما يبقى من المال باقياً
1) عوالي اللتالي : 120/4 ، ومسالك الأفهام: 241/7.
وإفادتها للتأكيد والمبالغة من حيث إنّ الأصل في الاستثناء ء هو الاتصال، فذكر أداته قبل ذكر ما يليها يوهم إخراج شيء مما قبلها، فإذا وليها صفة مدح جاء التأكيد لما فيه من المدح على المدح وللاشعار بأنّه لم يجد فيه صفة ذمّ حتى يستثنيها، فاضطر إلى استثناء صفة مدح
وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكمالها فيه أي لكمال هذه الصفة في ذلك الأمر ذي الصفة كأنه بلغ في الاتصاف بها إلى مقام صح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة وهو على أقسام.
أحدها: أن يكون بمن التجريدية الداخلة على المنتزع منه كقولك لي من فلان صديق حميم، يعني أن فلاناً بلغ في الصداقة مبلغاً صح معه أن يستخلص منه صديق آخر مثله في الصداقة، ونحوه قول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ صو (96):
«يَا أَهْلَ الكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَإِثْنَتَيْنِ، صُمٌ ذَوُو أَسْماعِ ، وَبُكُمْ ذَوُو كَلاَمٍ، وَعُمْيٌّ ذَرُو أَبْصارِ ، لا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِندَ اللقاءِ، وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَة عِندَ الْبَلاءِ».
فإنّه قد انتزع واستخلص من أهل الكوفة الصم والبكم والعمي مبالغة في اتصافهم بتلك الأوصاف، ومن النظم قوله :
جزيل النّدى ذو أياد غدت***يحدث عنهن في كل ناد
یلاقبک منه اذا جئته*** كثير الرماد طويل النّجاد
الثاني : أن يكون بالباء التجريدية، نحو قولهم لئن سألت فلاناً لتسألن به بحراً، مبالغة في انصافه بالجود والسماحة، حتى انتزع منه بحراً مثله في الجود. ومن النظم قول الشاعر :
دعوت کلیباً دعوة فكأنما*** دعوت به ابن الطود أو هو أسرع
جرّد من كليب ابن الطود وهو الصدى والحجر إذا تدهده مبالغة في سرعة الإجابة .
الثالث: أن يكون بدخول باء المصاحبة في المنتزع ، كقوله :
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغا*** بمستلثم مثل الفنيق المرحل
المستلئم لابس اللأمة، وهي الدرع والفنيق وزان أمير الفحل المكرّم عند أهله، والمرحل من رحل البعير أرسله عن مكانه أي تعدو بي ومعي من نفسي لابس ،درع لكمال استعدادي للحرب مسرعاً إلى الحرب مثل الفحل المكرّم عند أهله إذا أرسل.
الرّابع : أن يكون بدخول (في) على المنتزع منه ، كقوله تعالى:« هُمْ فِيهَا دَارُ الخُلُد» (1).
وقوله:
افاتت بنو مروان ظلماً دماءنا*** وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
فجّرد منه سبحانه حكماً عدلاً وهو هو .
الخامس : أن يكون بدون وساطة حرف، كقول قتادة بن مسلم :
فلئن بقيت الأرحلن بغزوة ***تحوي الغنائم أو يموت كريم
يعني بالكريم نفسه، فكأنّه انتزع من نفسه كريماً مبالغة في كرمه.
السّادس: أن يكون بطريق الكناية، كقول الأعشى:
يا خير من يركب المطي ولا*** يشرب كأساً بكف من بخلا
أي يشرب الكأس بكت جواد، فقد انتزع من الممدوح جواداً يشرب هو الكأس بكفه على طريق الكناية، لأنه إذا نفى عنه الشرب بكف البخيل، فقد أثبت له الشرب بكف الجواد، ومعلوم أنّه لا يشرب إلا بكفّه، فإذاً هو ذلك الكريم .
وهو أن يدّعي لوصف علّة مناسبة له، باعتبار لطيف غير حقيقي بحيث لا يكون علة له في الواقع، وإلا لما عدّ عن محسنات الكلام لعدم التصرف فيه، كقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ قيب (112):
« دَارُ هانَتْ عَلَى رَبِّهَا ، فَخَلَط حَلالَها بِحَرَامِهَا، وَخَيْرَها بِشَرِّهَا».
ومن النّظم قول أبى هلال :
زعم البنفسج أنّه كعذاره*** حسناً فسلّوا عن قفاه لسانه
وقد مرّ تفسيره في تعريف الاعتراض، وذكرنا هناك أنّه عبارة أن يؤتى في كلام موهم خلاف المقصود، بما يدفع ذلك الوهم، مثل قوله تعالى :
«ولا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: 18]، «وقوله: وَأَضْهُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَامِكَ تخرج بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ شوم [طه: 22] .
1) کتاب سليم بن قيس: 246 .
ومثل قول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ (1):
«كائنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودُ لاَ عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيرُ كُلُّ شَيْءٍ لا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ». وفيه أيضاً : أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءَ، وَابْتَدَتَهُ ابْتِدَاء، مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ أَجالَها، وَلاَ تَجْرِبَةٍ إِسْتَفَادَها ، وَلاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا». وفي المخ قمح (178): «قَرِيبٌ مِنَ الأَشْيَاءِ غَيْرُ مُلامِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرُ مُبَايِنِ، مُتَكَلِّمْ لا بَرَوِيَّةٍ، مُريدٌ بِلا هِمَّةٍ، صَانِعُ لَا بِجَارِحَة».
وهذا النوع كثير في كلامه الله المسوق للتوحيد . ومن النظم قول الفرزدق :
لعن الاله بني كليب أنّهم*** لا يعذرون ولا يفون لجار
فقوله : لا يفون احتراس لئلا يتوهم أن عدم عذرهم من الوفاء، وقد مرّ مثال له من النظم في الاعتراض.
وهو أن يذكر متعدّد ويلف على التفصيل بالنّص على كلّ واحد أو على الإجمال، بأن يؤتى بلفظ يشمل المتعدّد، وهذا هو اللف ثم يذكر ما لكلّ واحد من ذلك المتعدد على عدده، ويرجع إلى ما تقدّم من غير تعيين، ثقة بأن السامع يردّ إلى كل ما يناسبه ويليق به، وهو النشر.
فالأَوَّل - أعني ما يكون اللف على سبيل التفصيل - ضربان، لأن النشر إما على ترتيب اللف، بأن يكون الأوّل من النشر للأوّل من اللف والثاني للثاني، وهكذا، ويسمّى باللف والنشر المرتب، وإما على غير ترتيبه ويسمّى اللف والنشر الغير المرتب، فالضّرب الأوّل كقوله تعالى :
«و وَمِن رَّحْمَهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ» [القصص: 73] .
ذكر الليل والنهار على التفصيل، ثم ذكر ما للّيل وهو السكون فيه، وما للنهار وهو الابتغاء من فضل الله على الترتيب، وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ المخ ص (90): «وَلَوْ ذَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعادِنُ الْجِبَالِ، وَضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلز اللُّجَينِ وَالْعِقْيَانِ، ونُثَارَةِ الدُّرُ وحَصِيدِ الْمَرْجَانِ، مَا أَثَرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ ».
فإنّ فلز اللجين والعقيان، ممّا تنفّست عنه المعادن، ونثارة الدّر وحصيد المرجان ممّا ضحكت عنه الأصداف وفيه أيضاً :
«وَليَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَنيها وفقيرها».
وفي المخ صج (93) : «فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ، وَأَقَرَّهُمْ فِي خَيرٍ مُسْتَقَرٌّ، تَنَاسخَتْهُمْ كَرَائِمُ الأَصْلَابِ، إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ» .
ومن النّظم قول ابن الرومي :
آراؤكم ووجوهکم وسیوفکم*** في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابح ***تجلو الدّجى والأخريات رجوم
وقول صدّر الدين السيد علي :
الصبّح والليل وشمس الضّحى*** والدّهر والدّرّ ولين القضيب
في الفرق والطرة والوجه وال*** ـخدّين والثغر وقد الحبيب
والضّرب الثاني وهو ما كان النشر على غير ترتيب اللف مثل قول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ قصا (191):
«فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقُهُمْ غَنِيَّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لأَنَّهُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ» .
لما ذكر الغنى والأمن على التفصيل علل الغني بعدم منفعة الطاعة، والأمن بعدم مضرة المعصية على عكس الترتيب في المعلولين.
ومن النّظم قول ابن حيوس:
كيف أسلو وأنت حقف وغصن*** وغزال لحظاً وقداً وردفاً
والثاني : وهو ما يكون اللف على سبيل الإجمال، نحو قوله تعالى:
«وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى » [البقرة: (11] .
أي قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النّصارى : لن يدخل الجنة إلا كان نصارى، فلف بين الفريقين أو قوليهما اجمالاً في قالوا لعدم الالتباس، وللعلم بتضليل كلّ فريق صاحبه واعتقاد أنه إنما يدخل الجنة هو لا صاحبه، ومن النظم قول أبي حيان النحوي :
أما إنّه لولا ثلاث أحبها*** تمنيت أني لا أعُد من الأحيا
فمنها رجائي أن أفوز بتوبة*** تكفر لي ذنباً وتنجح لي سعياً
ومنهن صون النفس عن كل جاهل*** لتيم فلا أمشي إلى بابه مشياً
ومنهن أخذي للحديث إذا روي ***نسوا سنّة المختار واتبعوا الرّأيا
أتترك نصاً للرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) وتقتدي*** بشخص لقد بدّلت بالرشد الغيّا
أقول: وقد وجدت في كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) ما جامع بين قسمي هذا النوع أعني ما يكون اللف على سبيل التفصيل والإجمال كليهما، والنشر فيه على ترتيب المفصل، وهو قوله (رضی الله عنه) في المخ صو (96):
«يَا أَهْلَ الكُوفَةِ مُنيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَاثْنَتَيْنِ ، صُمٌّ ذَوُو أَسْماعِ ، وَيُكْمْ ذَوُو كَلاَمِ، وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ ، لاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللقاءِ، وَلاَ إِخْوانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلاءِ».
فإنّه لفّ بین الثلاث والاثنتين وهو لف تفصيلي، وفي كلّ منهما لف على نحو الاجمال، ثم ذكر ما للثلاث وهو الصم والبكم والعمي، ثم ما للاثنتين، وهو قوله : لا أحرار صدق ولا إخوان ثقة وهو من خصائص كلامه(رضی الله عنه) ، ومزاياه المختصة به
وهو أن يضمّن الكلام كلمة أو آية من القرآن لا على أنّه منه، توشيحاً للكلام وتزييناً له وخرج بقولنا : لا على أنّه منه ما لو كان في الكلام تصريح أو إشعار بأنّه من القرآن، كما في قول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ (1):
«فَرَضَ حَجَّةُ وَأَوْجَبَ حَقَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وَفَادَتَهُ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِج الْبَيْتِ » [آل عمران: 97] الآية . وفي المخ ج (3:)
«كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ» [القصص: 83] الآية»
فذلك لا يسمّى اقتباساً في الاصطلاح :
إذا عرفت ذلك فأقول : تضمين الكلمة كما في قوله(رضی الله عنه) في المخ قصح (198): «تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاَةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا»، فإنه مقتبس من قوله تعالى: «حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصلوة الْوُسْطَى» [البقرة : 283] وتضمين الآية، كما في قوله (رضی الله عنه) في المخ سه (65) : «وَأَنْتُم في الأَعْلَوْنَ، وَالله مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ».
وفي المخ ع (70) : «وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» .
وهو كثير في كلامه(رضی الله عنه) ومن الّنظم قول أبي الفضائل أحمد بن يوسف بن يعقوب في قصيدة حسنة اقتبس فيها أكثر سورة مريم (عليها السلام ):
ليت أنسي الأحباب ما دمت حيّاً ***إذ نووا للنّوى مكاناً قصيّاً
وتلوا آیة الدموع فخروا ***خيفة البين سجداً وبكياً
و بذكراهم یسبح دمعی***کلّما الشتقت بکرة و عشیا
وأناجي الإله من فرط حزنی***کمناجاة عبده زکریّا
واختفى نورهم ناديت ربّي*** في ظلام الدّجى نداء خفياً
وهن العظم بالبعاد فهب لي*** رب بالقرب من لدنك ولیا
واستجب في الهوى دعائي فإنّي*** لم أكن بالدعاء منك شقيّاً
قد فرى قلبي الفراق وحقاً ***كان يوم الفراق شيئاً فرياً
ليتني مت قبل هذا فإنّي*** كنت نسياً يوم الهوى منسيّاً
هذا ولا بأس بالتغيير اليسير في اللفظ المقتبس كما صرّح به أرباب البلاغة مثل قوله(رضی الله عنه) في المخ د (3) :
«لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ»، فَإِنّه مقتبس من قوله سبحانه: «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى» [طه: 67] .
وقال بعض المغاربة :
قد كان ما خفت أن يكونا ***إنا الی الله راجعونا
اقتبسه من قوله تعالى :« وإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ الله» [البقرة: 156] .
وهو أن يشار في فحوى الكلام إلى حديث مشهور، أو مثل سائر، أو قصة مشهورة، من غير أن يذكر شيء من ذلك صريحاً، وأحسنه وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى المقصود، فمن التلميح إلى الحديث نثراً قول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ فو (86) :
«أَلَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بالعقل الأكبر، وَأَتْرُكُ فيكُمُ النّقَلَ الأَصْغَرَه » .
فإن فيه ملامحة إلى حديث الثقلين المعروف بين الفريقين، ونظماً قول بعضهم مع الثورية :
یابدر اهلک جاروا***وعلّموک التّجری
وقبّحوا لک وضلنی***وحسنوا لک هجری
فلیعلوا ما آرادو***لأنّهم اهل بدر
ففيه تلميح إلى ما روته العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله لعمر حين سأله قتل
حاطب : «العل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (1)»، ومن التلميح إلى المثل نثراً قوله (رضی الله عنه) في المخ له (35) :
«وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخْرُونَ رَأيي لَوْ كَانَ يُطاعُ لِقَصيرٍ أَمْرٌ » .
وفي المخ صو (96): «فَما أَتَى عَلَيَّ آخِرُ قَوْلِيَ حَتَّى أريكم متَفَرِّقينَ أيادي سبا» .
ويظهر توضيح التلميح فيهما بالرّجوع إلى شرح الكلامين، ونظما قول كعب بن زهير :
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً ***وما مواعيدها إلا الأباطيل
قال المطرزي في (شرح المقامات للحريري: عرقوب رجل من خيبر يهودي كان كذوباً يعدو لا يفي، قال: قال حمزة الأصبهاني : هو رجل من ساكني يترب، يضرب به المثل في الخلف فيقال : أخلف من عرقوب قال: وفي أمثال أبي عبيد في باب الخلف مواعيد ،عرقوب قال: قال ابن الكلبي : هو رجل من العماليق أتاه أخ له يسأله شيئاً، فقال له عرقوب: إذا اطلعت هذه النّخلة فلك طلعها، فلما اطلعت أتاه للعدة فقال : دعها حتى تصير رطباً، فلما أرطبت قال : دعها حتى يصير بلحاً، فلما أبلحت، قال دعها حتى يصير زهواً، فلما أزهت أتاه ، فقال : دعها حتى يصير ،تمراً، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب فجدها ليلاً ولم يعط أخاه منها شيئاً، فصار مثلاً للعرب في الخلف، وفيه قال الأعشى:
وعدت وكان الخلف منك سجيّة ***مواعيد عرقوب أخاه ییترب
وقال المتلمس :
الغدر والآفات شیمته***فافهم فعرقوب له مثل
وقال الرّاجز :
وأكذب من عرقوب يترب لهجة*** وأبين شؤماً في الحوائج من زحل
ومن التّلميح إلى القصة نثراً قوله (رضی الله عنه) في المخ بط (19):
«وَإِنَّ امْرَةِ دَلَّ على قَوْمِهِ السَّيْف وَسَاقَ إِلَيْهِمُ الْحَتْفَ، لَحَرِيٌّ أَنْ يَمُفتَهُ الأَقْرَبُ، وَلاَ يَأْمَنُهُ الأَبْعَدُ»، وقوله (رضی الله عنه) في المخ فيه (115) : «أَيْه أَبا وَذَحَةٍ».
فإنّ الأوّل إشارة إلى قصة للأشعب اللعين مع قومه والثاني إشارة إلى قصة للحجاج الملعون مع الخنفساء، على ما تطلع عليه إن شاء الله في شرح الكلامين، ونظماً قول أبي تمام :
1) کتاب سليم بن قيس: 246 .
فوالله ما أدري أحلام نائم*** ألمّت بنا أم كان في الركب يوشع
أشار إلى قصة يوشع بن نون فتى موسى(رضی الله عنه) ، واستيقافه الشمس، فإنّه روي أنّه قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن يغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحلّ له قتالهم فيه، فسأل من الله سبحانه أن يوقف له الشمس فردّت حتى فرغ من قتالهم .
وهو أن يؤتى بكلام دال على معنى، وإيهام أنّ الغرض منه معنى آخر، قال سبحانه:
« ولا جناح عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ» [البقرة: 235] .
والمراد به إما تنويه جانب الموصوف وإظهار علوّ مقامه ورفعة شأنه كما يقال أمر المجلس السّامي نفذ تعريضاً بأنّ المعبّر عنه أرفع قدراً من أن يسع الذاكر له التصريح باسمه
قال الشاعر:
فعرّض إذا ما شئت بالبان والحمى*** وإياك أن تنسى فتذكر زينباً
سيكفيك من ذاك ذاك المسمّى إشارة ***فدعه مصوناً بالجلال محجّباً
ومن ذلك قوله (عليه السلام) في المخ صط (99) :
«دَليلُها مَكيتُ الْكَلامِ، بَطيء الْقِيَامِ، سَريعُ إِذَا قَامَ» .
فلا يخفى ما في هذا التعبير والكناية من التفخيم والإجلال، ولا نسبة له إلى أن يصرّح بنفسه الشّريف، وإمّا الترغيب في النكاح بالملاطفة كما تقول لامرأة تريد نكاحها ربّ راغب فيك، أو حريص عليك، أو أنك لجميلة صالحة لا تبقين بلا زوج ونحو ذلك، وإمّا الاستعطاف كما يقول المحتاج: جئت لأسلم عليك، وأزورك، وقد يجيء لأعراض أخر، ومن أحسنه وأظهره قوله(رضی الله عنه) في المخ قلا (131):
«وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الوالي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدَّمَاءِ وَالْمَغَائِم وَالأحكام وَإِمَامَةِ الْمُسْلِيمنَ الْبَخِيلَ، فَيَكُونُ في أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ، وَلا الْجَاهِلَ، فَيُضِلُّهُمْ بِجَهْلِهِ، وَلاَ الْحَافِي، فَيَقْطَعُهُمْ بِحَفَائِهِ، وَلا الْحَائِفَ لِلدُّوَلِ، فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْم ، وَلا الْمُرْتَشَى فى الْحُكْمِ، فَيَذْهَبَ بِالْحُقوقِ وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقاطِعِ، وَلَا الْمُعَظَلَ لِلسُّنَّةِ، فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ».
فإن ذلك تعريض على الغاصبين للخلافة، بما فيهم من الأوصاف الذميمة، والأخلاق الرذيلة وفي المخ قلو (136) :
«لَمْ تَكُنْ يَبْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةٌ».
فإنّه تعريض على بيعة أبي بكر وأنها كانت فلتة كما قاله عمرو في المخ ريب (212) : «لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عاهِرٌ، وَلا ضُرِبَ فِيهِ فَاجِره».
فإنّه تعريض على جمع من المنافقين بسوء النسب. ومن النظم قول أبي فراس بن حمدان من قصيدة يمدح بها العلويين ويعرّض بني العبّاس :
ما في ديارهم للخمر معتصر*** ولا بيوتهم للسوء معتصم
ولا تبيت لهم خنثی تنادمهم*** ولا يرى لهم قرد له حشم
أراد بالخنثى عبادة نديم المتوكل، وبالقرد قرداً كان لزبيدة، طالبت الناس بالسّلام عليه وجعلت له حشماً وأتباعاً حتى قتله يزيد بن مزيد الشّيباني .
أجمع العلماء على أنّ التعريض أرجح من التصريح لوجوه أحدها: أن النفس الفاضلة لميلها إلى استنباط المعاني تميل إلى التعريض شعفاً باستخراج معناه بالفكر وثانيها أنّ التعريض لا ينهتك معه سجف الهيبة، ولا يرتفع به ستر ،الحشمة، وثالثها: أن النهي صريحاً يدعو إلى الإغراء بخلاف التعريض، كما يشهد به الوجدان ورابعها : أن التصريح له وجه ،واحد والتعريض له وجوه وطرق عديدة .
وهو ختم الكلام نثراً أو نظماً بما يفيد نكتة يتم المعنى ،بدونها، كقوله تعالى: «وَجَاءَ مِنْ أَقصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَنقَومِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * أَتَّبِعُوا مَن لا يَسْتَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ » [يس: 21 - 22] فإن قوله : وهم مهتدون إنّما يتم المعنى ،بدونه، لأنّ الرّسول مهتد لا محالة، لكنّه إيغال أفاد زيادة حثّ على الاتباع وترغيب في الرّسل، أي لا تخسرون معهم شي- شيئاً في دنياكم وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة، ومن كلام أمير المؤمنين الله قوله في المخ قمو (126) :
«وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مُنْجِرُ وَعْدِهِ، وَنَاصِرُ جُنْدِهِ، فإنّ قوله : والله منجز ،وعده من الإيغال وتعرف النكتة فيه في مقامه إن شاء الله، ومن النظم قولها :
وإنّ صخراً لتأتم الهداة به*** كأنه علم في رأسه نار
فإنّ قولها كأنّه علم واف بالمقصود وهو تشبيه بما هو معروف للهداية، لكنها أتت بقولها : في رأسه ،نار، إيغالاً لزيادة المبالغة
وعرّف بأنّه عبارة عن بيان المعنى بأقل ما يمكن وسبب حسنه، أنّه يدل على التمكّن التّام في الفصاحة، وهو على ضربين:
أحدهما: إيجاز ،قصر، وهو تقليل اللفظ وتكثير المعنى كقوله تعالى :
«فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ م[الحجر: 94] .
من ثلاث كلمات اشتملت على شرائط الرّسالة، وقوله :
«خُذِ الْعَفْوَ، وَأَمْرُ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ» .
جمع فيه مكارم الأخلاق، قال الصادق(علیه السلام) : إن الله أمر نبيه(صلی الله علیه وآله وسلم) في هذه الآية بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها . وقوله سبحانه :
«لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَنكُمْ » [الحديد: 23] .
فقد قال أمير المؤمنين (رضی الله عنه) : جعل الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال سبحانه :«و لكيلا تأسوا » اه، ومن لم يَأْسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه، ورواه السيد (رحمه الله) عنه(رضی الله عنه) في أواخر الكتاب (1). ونظيرها من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في المخ كا (21) :
«فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمامَكُمْ، وَإِنَّ وَرَآتْكُمُ السَّاعَةُ تَحْدُوكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإنَّما يُنتظرُ بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ» .
فانظر إلى وجازة هذا الكلام، وعظم خطر معناه حيث أشير فيه إلى فناء الدنيا وزوالها، وإلى اجتماع الخلائق وحشرها، وكفى بقوله: تخفّفوا عن الزّهد في الدنيا وما فيها، ولذلك قال السيد (رحمه الله) ثمة قوله له : تخفّفوا تلحقوا، فما سمع كلام أقل منه مسموعاً، ولا أكثر محصولاً، وما أبعد غورها من كلمة، وأنقع نطقتها من ،حكمة، ومن أحسن هذا النوع أيضاً قوله (رضی الله عنه) في العلم الإلهي في باب المخ من حكمه وكلامه القصير وقد سئل عن التوحيد والعدل فقال :
«أَلْتَّوْحِيدُ أَنْ لاَ تَتَوَهَّمَهُ، وَالْعَدْلُ أنْ لاَ تَتَّهِمَهُ».
وفي التنفير عن الدّنيا في ذلك الباب أيضاً :
1) وسائل الشيعة : 19/16 ، وشرح النهج للمعتزلي : 188/11 .
إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارِ وَالْمَوْتُ في إِقْبَالِ فَما أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى». وفي القناعة فيه أيضاً:
أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى».
إلى غير ذلك ممّا يأتي إن شاء الله في ذلك الباب، ولا حاجة هنا إلى الإطالة والإطناب ومن النظم قول الفرزدق في مديح علي بن الحسين (عليهما السّلام) .
ما قال لا قط إلا في تشهّده*** لولا التّشهد كانت لاءه نعم
لأنّ هذا الكلام على وجازته دال على اتصافه (رضی الله عنه) بملكة السخاء بجميع أطرافه وحافاته، وأنّه لم يشذ منه (رضی الله عنه) شيء من آثارها ولا يتصوّر لفظ فوق هذا اللفظ، أدلّ على هذا المرام، وأوجز منه وأبعد قعراً وأجل قدراً .
والثّاني : إيجاز الحذف، وله فوائد.
منها مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث لظهور المحذوف كقوله (رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه :
«مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ، مَكْتُومُ الأَجَلِ، مَكْنُونُ الْعِلَلِ، مَحْفُوظُ الْعَمَلِ. حذف المسند إليه لظهوره.
ومنها : التّنبيه على أنّ الزّمان متقاصر عن الاتيان بالمحذوف، وأنّ الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت الأهم، وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء، وهو كثير في كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه)، فمن التحذير قوله (رضی الله عنه) في المخ قعه (175):
«فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ في دِينِ اللَّهِ». ومن الاغراء قوله (رضی الله عنه) فيه أيضاً : « أَلْعَمَلَ الْعَمَلَ، ثُمَّ النّهاية النهاية، أو الإِسْتِقَامَةَ الإِسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّيْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ » .
قال في «منهاج البلغاء»: إنّما يحسن الحذف لقوّة الدّلالة عليه، أو يقصد تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسامة فيحذف ويكتفي بدلالة الحال ويترك النفس تجول في الأشياء المكتفي بالحال عن ذكرها(1). ، وقد اجتمع التحذير والإغراء في قوله(رضی الله عنه) في المخ قلب (132)
«فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمْتِعُ ، وَالْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغافِلُ».
ومنها : التخفيف لكثرة دورانه في الكلام كما في حذف حرف النداء .
1) البرهان للزركشي : 106/3 .
ومنها : إيهام التعظيم ، كصون المسند إليه عن لسانك تعظيماً له وإفخاماً .
ومنها : إيهام صون لسانك عن المحذوف تحقيراً ،وإهانة كقوله (رضی الله عنه) في المخ يط (19) مخاطباً للأشعث بن قيس:
«عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ وَلَعْنَةُ اللآعِنينَ، حَائِكُ ابْنُ حَاتِكَ، وَمُنَافِقُ ابْنُ كافِرِ». فقد حذف المسند إليه ،للإهانة، وقوله (رضی الله عنه) في المخ فح (88) : في
«عَجَبَاً لابْنِ النَّابِغَةِ ، يَزْعَمُ لأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعابَةٌ» .
فقد حذف موصوف ابن لقصد التحقير .
ومنها المحافظة على الوزن والفاصلة، كقوله (رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه معزّيا للأشعب بن قيس:
إِنْ صَبَ بَرْتَ صَبْرَ الأَكَارِمِ*** وإلا سَلَوْتَ سُلُو البَهَائِم
فقد حذف جواب الشرط وجزائه لما ذكرناه إلى غير ذلك من الفوائد التي أوردها أرباب البلاغة في باب حذف المسند إليه وغيره، ومن النّظم قوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا*** تى أضع العمامة تعرفوني
أي أنا ابن رجل جلا الأمور، أي كشفها .
ويقال له التجنيس والمجانسة والتجانس، كلها ألفاظ مشتقة من الجنس يقال جانس يجانس مجانسة وجناساً وجنست تجنيساً، أبديت الجنسية بينهما، وتجانس الشيئان إذا تشابها ودخلا تحت جنس واحد وفي الاصطلاح تشابه الكلمتين في اللفظ أو الخط أي التلفظ أو الكتابة، وله شعب كثيرة نذكر منها ما يكثر دورانه بين أرباب البلاغة، وفي كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه)
ويسمّى الكامل، وهو أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وفي هيئاتها أي حركاتها وسكناتها، وفي أعدادها وفي ترتيبها فإن كانا - أي اللفظان - من نوع واحد كاسمين أو فعلين سمّي مماثلاً ، أو من نوعين كاسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف يسمّى مستوفاً، وحسن هذا النوع الإفادة، مع أن صورتها صورة الإعادة كقوله تعالى :
«وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا يَنُوا غَير سَاعَة» [الروم: 00] .
وقد مثل به غير واحد من البيانيين لهذا القسم وقيل : إنّه ليس في القرآن مثال له غير ذلك، وربّما يمثل أيضاً بقوله :
«يَكَارُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ ، يُقلِبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَار ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَرِ» [النور: 43 - 44] .
لأنّ الأبصار في الآية الأولى جمع البصر الذي هو النظر، وفي الآية الثانية جمع البصر الذي هو العقل، ومثله من كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ فا (81):
«وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ» .
أي من تعقل بها وجعلها آلة لبصيرتها بصرته ومن نظر إليها أعمته وفي المخ قلج (133):
«فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شاخِصٌ ، وَالْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ».
فالشاخص الأوّل الرّاحل، والثاني من شخص بصره إذا فتح عينه نحو الشيء متقابلاً له هذا .
وقال الشّارح المعتزلي في شرح هذا الكلام بعد حكاية التمثيل للجناس التام بالآية الأولى عن أرباب الصناعة ما لفظه وعندي أَنَّ هذا ليس بتجنيس أصلاً، لأنَّ الساعة في الموضعين بمعنى واحد والتجنيس أن يتفق اللفظان ويختلف المعنى، ولا يكون أحدهما حقيقة والآخر مجازاً، بل يكونا ،حقيقتين وأنّ زمان القيامة وإن طال ، لكنّه عند الله في حكم الساعة الواحدة، لأن قدرتها لا يعجزها شيء، ولا يطول عندها زمان، فيكون إطلاق لفظ الساعة على أحد الموضعين حقيقة، وعلى الآخر مجازاً، وذلك يخرج الكلام عن حد التجنيس، كما لو قلت ركبت حماراً ولقيت حماراً، وأردت بالثاني البليد، وأيضاً فَلِمَ لا يجوز أن يكون أراد بقوله : ويوم تقوم الساعة الساعة الأولى خاصة من زمان ،البعث فيكون الساعة مستعملاً في الموضعين حقيقة بمعنى واحد فيخرج عن التجنيس، وعن مشابهة التجنيس بالكلية انتهى(1).
ومحّصل مرامه أن المراد بالساعة في قوله «ويوم تقوم الساعة» إما تمام يوم القيامة، أو الساعة الأولى منها خاصة، أعني الجزء الأوّل من النّهار، فعلى الأوّل يكون إطلاق الساعة عليه من باب الاستعارة والمجاز، لكونه عند الله بمنزلة الساعة الواحدة، وعلى الثّاني فيكون إطلاقها عليها من باب الحقيقة، وعلى التقديرين، فيخرج عن حد الجناس، لأن
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي : 277/8
الجناس مشروط بأمرين أحدهما أن يكون المتجانسان حقيقيين، وثانيهما تغاير معناهما، فعلى التقدير الأوّل ينتفي الشرط الأول، وعلى الثاني ينتفي الثاني، وبانتفاء الشرط ينتفي المشروط .
وفيه أولاً : أن اشتراط حقيقية اللفظين ممنوع، لأنه خلاف ظاهر إطلاق البيانيين بل صريح بعضهم، وقد انفرد به مع عدم دليل عليه، والعجب أنه مع اشتراطه ذلك، مثل للتجنيس بأمثلة كثيرة منها قول أبي تمام:
فأصبحت غرر الإسلام مشرقة ***بالنصر يضحك عن أيامك الغرر
وقال : فالغرة الأولى مستعارة عن غرة الوجه والثانية من غرّة الشيء وهو أكرمه ومثل أيضاً بقول أبي البختري:
إذا العين راحت وهي عين على الهوى*** فليس بسر ما تسر الأضالع
قال: فالعين الثانية الجاسوس، والأولى المبصرة، وأنت خبير بأن هذين المثالين مبطلان لما ادعاه من الشرط، لظهور أن لفظي الغرّة بعد كونهما استعارتين حسبما صرح به أيضاً يكونان مجازين لا حقيقتين، ولفظ العين إذا أطلق على الجاسوس أيضاً مجاز باعتبار لزوم الآلة المبصرة له فيكون استعمال العينين في المعنيين من باب الحقيقة والمجاز فافهم..
وثانياً : بعد التنزل والمماشاة، وتسليم شرطية الحقيقية نمنع كون استعمال الساعة في يوم القيامة من باب المجاز والاستعارة، بل إطلاقها عليه ،حقيقة لكونها مع اللام علماً بالغلبة ومنقولاً، كالنّجم للثريا، والمدينة للطيبة، نعم لو ناقش بعدم اتحاد اللفظين لكون أحدهما باللام والآخر بدونها، لكان له وجه.
وثالثاً : أنّ ما ذكره من اشتراط تغاير المعنيين مسلّم إلا أن ما ذكره من جواز إرادة أوّل من زمان ،البعث وعليه فيتحد المعنيان ويكون إطلاقهما عليهما من باب الحقيقة لأنها بعدما كانت منقولاً حسبما ذكرنا، لا يجوز إرادة أوّل الساعة خاصة منها، لكونه
ممنوع خلاف الظاهر، وإطلاق ما له ظاهر وإرادة خلافه من غير نصب قرينة غير جائز ، ولو أغمضنا عنه وقلنا بجواز إرادته، يكون استعمالها فيه مجازاً لا محالة من باب إطلاق اسم الكلّ على الجزء، كما تقول: رأيت زيداً يوم الجمعة، وقد رأيته في جزء منه، ولا يكون حقيقة كما توهمه، ومن أمثلة هذا النوع نظماً مضافاً إلى ما مر قوله :
أقول لظبي مر بي وهو رائع ***ءأنت أخو ليلى فقال يقال فقلت يقال
فقلت یقال المستقیل من الهوی***اذا مسّه ضرّ فقال یقال
المستقيل من الهوى إذا مش- ضر فقال يقال
وقول الآخر:
مضى عصر الشباب كلمح برق*** وعصرالشّیب بالأكدار شیبا
وما أعددت قبل الموت زادا***ً ليوم يجعل الولدان شيباً
وهو أن يتفق اللفظان في الحروف ،وأعدادها ،وترتيبها، ويختلفا في الهيئة، والاختلاف فيها إما بالحركة، كقوله تعالى :
«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم تُنذِرِينَ، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُذَرِينَ» [الصافات: 72، - الكهف: 73] .
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ سو (66) :
«عَجِزَ الْمُقَوِّمُ وأَعْضَلَ الْمُقَوَّم». وفي المخ قنا (151): «بَينَ قَتِيلِ مَظْلُولٍ، وخائف مُسْتَجِيرٍ، يُخْتَلُونَ بِعْقَدِ الأيمان، وبِغُرُورِ الإِيْمَانِ» .
فإنّ الإيمان الأول بفتح الهمزة جمع اليمين، وهو القسم، والثاني بكسرها مساوق الإسلام وفي المخ قص (190):
«فَإِنَّ التَّقْوى في الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ، وفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ».
ومن النّظم قول أبي العلاء المعري :
لغيري زكاة من جمال فإن يكن*** زكاة جمال فاذكري ابن سبيل
وقوله أيضاً :
والحُسن يظهر في شيئين رونقه*** بیت من الشعر أو بيت من الشّعر
فلفظ الجمال والشعر الأولين ، بكسر الأوّل، والآخرين يفتحهما. وإما بالحركة والسكون، بأن يكون أحد المتجانسين متحرّكاً، والآخر ساكناً، كقوله (رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه
«لاَ تَرَى الْجَاهِلَ إِلا مُفْرِطَاً، أَوْ مُفَرِّطاً».
والأوّل بسكون الفاء، والثاني بفتحها، ولا عبرة بالتشديد في هذا الباب كما صرح به العلامة التفتازاني وغيره، وربما يكون الاختلاف بالحركة والسكون معاً، بأن يكون أحدهما متحركاً، والآخر ساكناً، ويقع الاختلاف في حركة المتحركات منهما أيضاً كقوله(رضی الله عنه) في المخ قص (190)
«فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَها وَحَمَلَها حَقَّ حَمْلِها». وقولهم : رَطْبُ الرُّطَبِ، ضَرْبٌ مِنَ الضَّرَبِ.
ومن النّظم قوله :
ليلي وليلى نفي يومي اختلافهما ***بالطول والطول يا طوبی لو اعتدلا
يجود بالطول ليلي كلّما بخلت*** بالطول ليلى وإن جادت به بخلا
ولك أن تجعل ما قدمنا التمثيل به من قوله (رضی الله عنه) : بعقد الأيمان، وبغرور الإيمان مثالاً لهذا القسم، لأنه نظير لهذا البيت كما هو غير خفي.
وهو أن يتفق اللفظان في الحروف والترتيب والهيئة ويختلفا في أعداد الحروف بأن يكون حرف أحدهما أكثر عدداً من الآخر بحيث لو حذف الزائد ارتفع الاختلاف، وتلك الزيادة إمّا في الأول، أو في الوسط، أو الآخر .
وعلى الأوّل فإما أن تكون في أوّل اللفظ الأول، كقوله (رضی الله عنه) في المخ قلب (132):
«كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً، وَمَا جَمَعُوا بُوراً».
ومن النّظم قول الرّشيد الوطواط :
یا خلي البال قد بلبلت بالبليال بال*** بالنّوى زلزلتني والعقل في الزلزال زال
یا رشيق القد قد قوّست قدي فاستقم*** في الهوى فافرغ وقلبي شاغل الأشغال غال
يا أسيل الخدّ خدّ الدّمع خدّي في النوى*** عبرتي ودق وعيني منك يا ذا الخال خال
أو في أول اللفظ الثاني، مثل قوله تعالى :
«والنَفَتِ السَاقُ بِالسَّاقِ ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَهِذٍ الْمَسَاقُ » [القيامة : 29 - 30] . )
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ نه (55) :
«وأَيْمُ اللهَ لَتَحْتَلِينَّهَا دَماً ، وَلتَبعُنَّها نَدَماً».
ومن النّظم قول جابر الأندلسي:
صاد قلبي وصدّ عنّي صدوداً ***وانثنی یسحب الذّوائب سوداً
فرأيت الصباح في الليل يبدو*** وشهدت الرّش سيد الأسودا
وعلى الثاني فالزيادة أيضاً إما في وسط اللفظ الأول، كقوله(رضی الله عنه) في المخ ص(90):
«أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الذّي لا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَالْجُمُودُ، وَلا يُكْديه الإعْطاءُ والْجُودُ». وفي باب المخ من حكمه :
إِنَّ كَلاَمَ الْحُكَماءِ إِذا كانَ صَواباً كان دَواءٌ، وإذا كان خطاً كانَ دَآءَ»، وإمّا في وسط اللفظ الثاني، كقوله لله في المخ قصا (191).
«فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطويل، وَجُهْدَهُ الْجَهيد» .
وعلى الثالث فيخص باسم المذيل لكون الزيادة الموجودة في الآخر بمنزلة الذيل له، ومثاله من النثر قولهم: فلان سال من أحزانه سالم من ،زمانه حام لعرضه حامل لفرضه . وقول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ قنا (151):
«ومَدَارِ رحاها تَبْدُو في مَدَارِجَ خَفِيَّة».
ومن الّنظم قوله :
فیایومهاک
فيا يومها كم من مناف منافق*** وياليلها كم من مواف موافق
وقد تكون الزّيادة في آخر المذيل ،بحرفين، ويخصه بعضهم باسم المرفّل كقوله :
فيالك من عزم وحزم طواهما ***جديد الرّدى بين الصفا والصفائح
ومنها : أن يتفق اللفظان في أعداد الحروف وترتيبها وهيئتها ويختلفا في أنواعها بأن يكون أحد حروف أحدهما مغايراً لأحد حروف الآخر ، ثم الحرفان المختلفان إن كانا متقاربين في المخرج، أو كلاهما من مخرج واحد سمّي الجناس المضارع، وإلا فيسمى باللاحق.
أمّا المضارع فعلى ثلاثة أقسام، لأنَّ الحرفين المختلفين إما في أوّل المتجانسين، كقوله(رضی الله عنه) في المخ قب (102):
«في قَرَارِ خِبْرَةٍ، ودارِ عِبْرَةٍ» .
فإنّ الخاء والعين كليهما من حروف الحلق، والأولى من وسط الحلق، والثانية من أدناه إلى الفم، وقوله(رضی الله عنه) له في المخ قصب (192):
«وحرصاً في عِلْمٍ، وعِلْماً في حِلْمٍ».
فإنّ العين والحاء مخرجهما وسط الحلق.
وإمّا في وسطهما ، كقوله تعالى :
«وَهُمْ يَنهونَ عَنْهُ وَيَنْقَونَ عَنهُ » [الأنعام: 29] وقوله(رضی الله عنه) في المخ فب (82) :
«عِبادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِداراً ، ومَرْبُوبُونَ اقْتِساراً».
فإنّ الدّال والسين كليهما من طرف اللسان، إلا أنّ الأولى بينه وبين فويق الثّنايا
والثّانية بينه وبين أطراف الثنايا وقوله(رضی الله عنه) في المخ قيد (111):
«اللَّهُمَّ سُقياً مِنْكَ مُحْيَةٌ مُرْوَيَةً ، تامَّةٌ ،عامَّةً طَيِّبَةٌ مُبَارَكَةً، هنيئةً مَرِيثَةٌ مُريعَةً» .
فإنّ الهمزة والعين في الأخيرين كليهما من حرف الحلق، ومن النظم قوله :
وما خلقت عيون العين إمّا*** نظرن سوی بلایا للبرایا
قال قطرب اللام والرّاء من مخرج واحد .
وإما في آخرهما كقوله(رضی الله عنه) في المخ يه (15):
«وَلاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الأَمَلُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ».
فإنّ اللام والدال متقاربا المخرج، وقوله (رضی الله عنه) في المخ قص (190):
«أَلْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ ، والشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ».
ومن النّظم قوله :
سأكسوك من مكنون نظمي وشائعاً ***تناط بجيد الدّهر منها وشائح
فهو أيضاً ثلاثة أقسام مثل السّابق.
أحدها: أن تكون الحرفان المختلفان في أوّل اللفظين كقوله (رضی الله عنه) في المخ سه (65) :
فَعاوِدُوا الكَرَّ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرْ، فَإِنَّهُ عار في الأَعْقاب، ونارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ.
ومن النّظم قول الشيخ صفي الدين الحلي:
أبيت والدمع هام هامل سرب*** والجسم من أضم لحم على وضم
والثاني أن تكونا في وسطهما ، كقوله (رضی الله عنه) في المخ فب (82) :
«فَظَلَّ سادِراً ، وبات ساهِراً». وفي المخ فكو (126):
«وهُوَ دينُ اللَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ» .
ومن النّظم قول البديع الهمداني :
یا غلام الکساس***فالیاس من النّاس مریح
وقول الصّفی الحلی:
بيض دعاهنّ الغبي كواعباً ***ولو استبان الرّشد قال كواكباً
والثالث أن تكونا في آخرهما كقوله (رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه :
«وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شاخصاً إلا في ثَلاثٍ: مَرَمَّةٍ لِمَعاش، أو خَطْوَةٍ في مَعادٍ، أَوْ لَذَّةٍ في غَيْرِ مُحَرَّمٍ»
ومن النّظم قوله :
يكفي الأنام بسیبه وبسيفه ***عند المكارم والمكاره دائماً
هذا ومن النّاس من النّاس من يسمّي هذا النوع من الجناس - أعني ما اختلف بالحرف - جناس التصريف، سواء كان من المخرج أو غيره، ثم اللفظان المتجانسان بأي أنواع التجنيس كان إن يكونا في أواخر الأسجاع، أو الفواصل منضماً أحدهما إلى الآخر، مثل قولهم:
مَنْ قَرَعَ باباً وَلجٌ وَلَجَ ، ومَنْ طَلَبَ شَيْئاً وَجَدَّ وَجَدَ.
ونحو ذلك، مما تقدّم ذكره في تضاعيف أمثلة الأنواع السالفة، يسمّى هذا النوع من الجناس مردّداً، ومزدوجاً، ومكرّراً، ومن أحسن أمثلته في النظم قول البستي :
أبا العبّاس لا تحسب بأنّي***لشییی من حلی الاشعار عار
فلی طبع کلسال معین***زلال من دری الاحجاز جار
اذا ما اکبت الادوار زنداً***قلی زند علی الادوار وار
ويسمّى جناس القلب، وهو أن يتفق اللفظان في الحروف وأنواعها وهيئاتها ويختلفا في الترتيب، وهو ضربان.
أحدهما قلب الكلّ وهو أن يكون الحرف الآخر من اللفظة الأولى أولا من الثانية ، والذي قبله ثانياً ،وهكذا ولم أجد له مثالاً في كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) نعم نعم لا يبعد يبعد أن يجعل منه قوله(رضی الله عنه) في المخ ره (205):
« حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهَجَ بِهِ»، فإن الجهل واللهج مقلوبان إلا أن في جهله ضمير لو كان مانعاً، ومن النّظم قوله :
حسامك فيه للأحباب فتح*** ورمحك منه للأعداء حتف
وثانيهما: قلب البعض، وهو كثير في كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) ، مثل قوله في كتاب كتبه إلى سلمان الفارسي :
«أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّما مَثَلُ الدُّنْيا مَثَلُ الْحَيَّةِ لَيْن مَسُّها، قاتِلُ سَمُّها » .
وقوله(رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه: «أَلْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ».
ومن النّظم قول أبي تمام:
بيض الصفائح لا سود الصحائف في*** متونهنّ جلاء الشّك والزيب
وقول ابن حيّوس:
تلفى بها الروّاد روضاً زاهراً*** وتصادف الوزاد حوضاً مفعماً
هذا وبعضهم عرّف الجناس المقلوب بأنه ما تساوت حروف ركنيه عدداً، وتخالفت ترتيباً، فيعم المتساوي هيئة كما قدمناه في الأمثلة والمتخالف فيها أيضاً كقوله (رضی الله عنه) ، له في المخ قعب (172):
« وَلاَ يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ إِلا أَهْلُ الْبَصَرِ والصَّبْرِ». وفي المخ قصب (192):
« يَمْزَجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ» .
وعلى التّعميم فيكون قوله (رضی الله عنه) : العلم ،مقرون ،اه، مثالاً لكلا القسمين، ومن امثلته على التّعميم في النّظم قوله :
حكاني بهار الروض لمّا الفته*** وكلّ مشوق للبهار مصاحب
فقلت له ما بال لونك شاحباً*** فقال لأني ين أقلب راهب
وقوله :
رقّت شمائل قاتلي فلذلك روحي لا تقرّ*** رد الحبيب جوابه فكأنه في اللحظ در
ويقال له جناس الخط أيضاً، وهو أن تأتي بكلمتين متشابهتين خطاً لا لفظاً، كقوله تعالی:
«وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ مُنعًا» [الكهف: 104].
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ قسا (161):
«فَإِنَّها كَانَتْ أَثَرَةً شَحَتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمِ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ».
وفي المخ قصا (191): «وكانَ قَدْ عَبد اللَّه سِتَّةِ آلافٍ سَنَةٍ». وفيه أيضاً: «فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ، وَلَهُ جِدَّكُمْ » .
وقوله(رضی الله عنه) فيما كتب إلى معاوية : «غَرَّكَ عِزُكَ، فَصارَ قِصارُ، ذلِكَ ذُلُكَ، فَاخْسَ فَاحِشَ فِعْلِكَ فَعَلَّكَ تُهْدَا بِهَذَا»
ومن النّظم قول أبي الطيب المتنبي :
جرى الخلف إلا فيك انك واحد*** وأنّك ليث والملوك ذئاب
وانّك ان قويست صحف قاری*** ذئاباً فلم يخطىء وقال ذباب
هذا، وعرّف بعضهم جناس الخط بأنّه توافق اللفظين في الكتابة، وبعضهم بأنّه ما تماثل ركناه في الحروف وتخالفا في النقط، وعلى ذلك فيكون أعم، لشمولها المتجانسين بالخط واللفظ معاً أيضاً كقوله (رضی الله عنه) في باب المخ من حكمه
«صِحَّةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ».
ونظير ذلك من أفراد الجناس اللاحق، كقوله(رضی الله عنه) في المخ قب (82):
« يُونِقُ مَنْظَرُها ، ويُوبِقُ مَخْبَرُها». وفيه أيضاً : «لا تُقْلِعُ الْمَنِيَّةِ إِخْتِرَاماً، وَلاَ يَرْعَوِي الْباقُونَ إِجْتِرَاماً». وقوله(رضی الله عنه) في المخ قه : (105) وَلاَ ناكِبينَ، وَلاَ ناكِثينَ».
إلى غير ذلك، ومثل قول أبي نواس :
من بحر شعرك أغترف*** وبفضل علمك أعترف
ومثل الحيرة والخبرة والعار والنّار، ونحو ذلك من أمثلة المضارع أمثلة المضارع، كما هو ظاهر ثم إن بعض المتأخرين قد أضافوا إلى أقسام الجناس أقساماً أخر، طوينا عنها كشحاً لندرتها وعدم خلق بعضها من التكلف والركاكة، يكاد أن يخرج من حدّ الفصاحة، فلنعد إلى ذكر باقي أنواع البديع ممّا رمنا إيراده فأقول :
وهو أن تجيء بألفاظ يجمعها أصل واحد في اللغة، كقوله سبحانه
«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيمِ » [الروم: 43] .
فإنّهما مشتقان من قام يقوم، وقوله تعالى :
«يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا وَيُرْيِي الصَّدَقَتِ »[البقرة: 276] .
فإنّهما مشتقان من ربا يربو بمعنى زاد وقوله :
«وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ، ويا أسَفا عَلَى يُوسُفُ » ، « فَأَدْلَى دَلْوَهُ» .
ومن كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه) قوله في المخ قفو (186):
«فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويَدِهِ».
وهذا النوع كثير في كلامه (رضی الله عنه)، ومن النّظم قول ابن حجة :
محمد أحمد المحمود مبعثه*** كل من الحمد تبین اشتقاقهم
وقول الآخر :
ونرتاب بالأيام عند سكونها*** وما ارتاب بالأيام غیر مریب
وما الدّهر في حال السكون يساكن***ولکنّه مستجمع لوثوب
أن يوجد في كلّ من اللفظين جميع ما يوجد في الآخر من الحروف أو أكثرها، لكن لا يرجعان إلى أصل واحد قال المطرّزي في شرح المقامات» : وكلا النوعين - أي الاشتقاق وشبه الاشتقاق - من شعب التجنيس، وإنّما عد الأوّل قسماً على حدة، لزيادة فضيلة له في باب الإبداع، وجعلهما صاحب التلخيص) من لواحق باب الجناس والأكثرون على جعل الأوّل قسماً مستقلاً من أنواع البديع، والثاني من أقسام الجناس، وسموه تجنيس المشابهة والجناس المطلق، وعرّفه بعضهم بأنّه ما اختلف ركناه في الحروف والحركات وجمع بين لفظيهما المشابهة وهو ما يشبه الاشتقاق لعدم رجوعهما إلى أصل واحد .
وكيف كان فمثاله من القرآن قوله سبحانه :
«وجنیّ الْجَنَّتَينِ دَانِ » [الرحمن: 54] وقال« إني لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ » [الشعراء 168] .
فإن قال من القول والقالين من القلى ومن كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) قوله في المخ قص (190) :« وأَهْلُها عَلى سَاقٍ وَسياقٍ».
فإنّ السّاق ما بين الكعب والركبة، وسياق مصدر ساق يسوق، ومن النظم قوله في وصف الرّبيع :
إِنّْ تضحك الأرض من بكاء السماء
إنّ فصل الرّبيع فصل مليح***تضحک الارض من بکاء السّماء
ذهب حیثما ذهبنا ودر***حیث درنا وفضّه فی الفضاء
لبنا ودرّ حيث درنا وفضة في الفضاء
وهو هديرها وترديدها ،صوتها، تشبيهاً به لتكررّه على نمط واحد وهو على ما قيل توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد كالنقفيه في
النّظم، وقد يطلق الأسجاع على نفس الألفاظ المتواطي عليها في أواخر الفقر، وهي التي يقال الفواصل في القرآن والقوافي في الشعر، وكيف كان فهو على أقسام.
الأول السّجع المطرّف، وهو في النثر أن يختلف الفاصلتان في الوزن، مثل قوله تعالى
«ما لكُم لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَفَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا » [نوح: 13 - 14] . )
وقول أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في المخ ز (7) :
«إِتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأمْرِهِمْ مِلاكاً، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكَاً».
ومن النّظم اختلاف القافيتين كقوله :
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل*** وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
الثاني : السجع المرضع وهو أن تكون القرينتان مع اتفاق أعجازهما وزناً وتقفية متفقة الأوزان ، كلا أو كثيراً، وبعبارة أخرى ما في إحدى القرينتين من الألفاظ أو أكثره مثل ما يقابله من الألفاظ في القرينة الأخرى في الوزن والتقفيه. فالأول مثل قوله عليه السلام في المخ ب (2) :
«أَحْمَدُهُ إِسْتِماماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ». وفي المخ فب: (82)
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلاَ بِحَوْلِهِ، ودَنَا بِطَوْلِهِ». والثاني كقول(رضی الله عنه) في المخ فب (82) أيضاً: «مانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَفَضْلٍ، وكاشِفِ كُلَّ عَظيمَةٍ وأَزْل» .
وأمّا الترصيع في النظم، فهو أن يقابل النّاظم كلّ لفظة في صدر البيت، بلفظ مثلها وزنا وتقفية في عجز البيت هكذا عرّفه بعض أرباب البديع، ولعله مبني على التسامح، إذ أواخر الأبيات التي بعد البيت الأوّل من القصيدة لا يلزم فيها المطابقة لما في صدر تلك الأبيات، وإنّما يلزم مطابقتها وزنا وتقفية، لآخر البيت الأول منها .
وكيف كان فقد قال نجم الدين الكرماني في «قلائد العقيان» ولم يبلغ في هذا النوع أحد سوى الإمام رشيد الدين المشتهر بالوطواط، فإنّ له قصائد باللسانين التزم فيها الترصيع من أوّلها إلى آخرها فمنها قوله من قصيدة يمدح بعض أكابر عصرها :
جناب ضياء الذين للبر مرقع*** وباب ضياء الدين للحرّ مربع
وسيرته الزهراء للح حق معلم*** وسدته السّماء للخلق مجم
فجدّد منه للمراشد أرسم*** وشيّد منه للمحامد أربع
وعلياه فيها للخواطر مسرح*** ولقياه فيها للنواظر مرتع
فمنهل من يروي ثناءك مفعم*** ومنزل من ينوي جفاءك بلقع
وصولك للأشرار متو ومتلف*** وطولك للأخيار مرو ومشبع
الثالث : السجع المتوازي، وهو مقابل المرضع، أي ما لا يكون في إحدى القرينتين ولا أكثره مثل ما يقابله من القرينة الأخرى سوى الإعجاز والفواصل، فإنّه لا يشترط فيها الاتفاق في الوزن والتقفية كما في المرضع، وهو على ثلاثة أضرب :
أحدها أن يكون كلّ ما في إحدى القرينتين مخالفاً لمقابله وزنا وتقفية، كقوله(رضی الله عنه) المخ قصر (197):
«جَعَلَهُ رِيًّا لِعَطَشِ الْعُلَماءِ ، وَرَبيعا لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ، وَمَحاجَّ لِطُرُقِ الصَّلَحاءِ».
الثاني: أن يكون المخالفة في الأكثر ، والموافقة في الأقل.
الثالث: أن يكون النصف مخالفاً والنصف الآخر موافقاً، كقوله تعالى :
«وفِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ »[الغاشية : 13 - 14] . )
وقوله (رضی الله عنه) في المخ فب (82) : «غُرُورٌ حائِلٌ ، وضَوْءٌ آفِلٌ، وظلّ زائل، وسناد مائل» .
ثم الاختلاف في الضروب الثلاثة قد يكون في الوزن والتقفية معاً، كما في الأمثلة المتقدّمة، أو في الوزن فقط، كقوله تعالى :
«والمرسلات عرفا * فَالْعَصِفَاتِ عَصْفا » [المرسلات : 1-2] وقوله (رضی الله عنه) في المخ فب (82) أيضاً : «حَتَّى إذا تَصَرَّمَتِ الأمُورُ ، وتَقضَتِ الدُّمُورُ».
أو في التقفية فقط ، كقوله (رضی الله عنه) فيه أيضاً :
«مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاقِهِمْ، وَمُسْتَفْسَحِ خَناقِهِمْ».
قال التفتازاني في «شرح التلخيص» أو لا يكون لكلّ كلمة من إحدى القرينتين مقابل من الأخرى، نحو
«إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر » [الكوثر : 1-2] .
أقول : جعل ذلك من أقسام المتوازي لا يخلو من إشكال، لأنه بعد تصريحه باشتراط اتفاق الفواصل في المتوازي والمرضع في الوزن والتقفية تبعاً لصاحب (التلخيص)، كيف أنّ الفاصلتين مختلفتان وزناً، فإنّ الفاصلة الأولى على وزن يجعل الآية من المتوازي مع فوعل، والثاني على وزن افعل، فالأولى أن يدخل ذلك في المطرف، اللهم إلا أن يقال: إن
الثّانية مع انضمام واو العطف ودرج الهمزة تصير في الوزن شبيهة بالفاصلة الأولى، وهو كما تری
الأول : لم يشترط بعضهم في الرّجع الاتفاق في الفاصلتين في التقفية بل اكتفى بالاتفاق في الوزن فقط، ومنهم المطرّزي في شرح المقامات»، حيث عد عد من أقسام الرّجع قسماً سمّاه المتوازن ومثله الشارح البحراني، وعرّفه الثاني بأن يتفقا في عدد الحرف الأخير، وجعله قسيماً للمطرف، وعرفه بأن يختلفا في العدد، ويتفقا في الحرف الأخير، وعرّفه الأوّل بأن تُراعى في الكلمتين الأخيرتين من القرينتين الوزن، مع اختلاف الحرف الأخير منهما، كقوله تعالى :
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ، وَزَرَابیُّ مَبْثُونَةُ »[الغاشية: 15 - 16] .
فإنّ لفظي مصفوفة ومبثوثة متساويان وزناً لا تقفية، إذ الأوّل على الفاء، والثاني على النّاء، ولا عبرة بتاء التأنيث كما بين في علم القوافي، ومثله قوله (رضی الله عنه) في المخ فب (82):
وداعِيَةِ بالوَيْلِ جَزَعاً، ولادِمَةٍ لِلصَّدْرِ فَلَقاً
ثم إن كان ما في إحدى القرينتين من الألفاظ أو أكثرها، مثل ما يقابله من ألفاظ القرينة الأخرى في الوزن خصّ باسم المماثلة، فالمماثلة في الكلّ كالمثال الذي أوردناه والمماثلة في الأكثر ، كما في قوله تعالى :
«وَانَهُمَا الْكِتَبَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الصافات» :[ 117 - 118] .
الثاني : كلمات الأسجاع مبنيّة على سكون الإعجاز موقوفاً عليها ، لأنّ الغرض من السّجع أن يزاوج بين الفواصل، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف والبناء على السكون، إذ ربّما يختلف حركات الإعجاز وبدون الوقف يسقط التزاوج مثل قولهم ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت فإنّ النّاء من فات مفتوحة ومن ،آت مكسورة منوّنة، فلو حركتا ارتفع التواطؤ، ومثله قوله الا الله في المخ صط (99) :
«دَليلُهَا مَكيثُ الْكَلامِ، بَطيء الْقِيَامِ، سَريعُ إِذَا قامَ» .
فإنّ الميمين الأوليين مكسورتان والثالثة مفتوحة ومع التحريك ارتفع التسجيع، قال المطرّزي: وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج والتشاكل، فيقولون: آتيك بالغدايا والعشايا، وهناني الطعام ومراني، وأخذهم ما قدم وحدث يريدون الغداوة وأمر أني وحدث مع أنّ فيه ارتكاباً لما يخالف اللغة، فما ظنك بهم في ذلك
الثالث : حسن الاسباع أقصرها لقرب فواصل السجعة من سمع السامع، وأيضاً هو ، أوعر مسلكاً ، إذ المعنى إذا صيغ بألفاظ قليلة عسر مواطأة السجع فيه، فيكشف عن طول يد المتكلم في باب البلاغة والإبداع مثل قوله (رضی الله عنه) في المخ يج (13):
«أَخْلاقُكُمْ دِفاقٌ، وَعَهْدُكُمْ شِقاق، ودينكُمْ نِفاق، وماؤكُمْ زُعاق».
الرّابع : قال ابن النفيس، يكفي في حسن السجع ورود القرآن ،به قال ولا يقدح في ذلك خلوه في بعض الآيات، لأن الحسن قد يقتضي المقام الانتقال إلى أحسن منه، وقال :حازم إنّما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلامهم، وإنما لم تجيء على أسلوب واحد لأنه لا يحسن في الكلام جميعاً أن يكون مستمراً على نمط واحد لما فيه من التكلف، ولما في الطبع من الملل، ولأن الافتتان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب ،واحد فلهذا أوردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع، وبعضها غير متماثل.
وعرفوه بأن يقسم الشاعر كلاً من صدر بيته وعجزه ،شطرين، ثم يسجع كلّ شطر منهما، لكنّه يأتي بالصّدر مخالفاً للعجز في التّسجيع، كقوله :
تدبیر معتصم بالله منتقم***لله مرتعب فی الله مرتقب
وقول البوصيري:
كالزّهر في ترف والبدر في شرف*** والبحر في كرم والدهر في همم
أقول : إن أغمضنا عن اختصاصه بالنظم على ما اصطلحوا، فجريانه في النثر أيضاً ،ممكن كقوله الله في المخ قب (82): «وَأَعْظَمُ ما هُنالِكَ بَلِيَّةٌ نُزُلُ الحَميم، وتَصْلِيَةُ الْجَحِيم، وفَوْرَاتُ السَّعيرِ ، وسَوْراتُ الزفير ، لا فَتْرَةٌ مُريحَةٌ، وَلاَ دَعَةٌ مُريحَةٌ ، وَلاَ قُوَّةٌ حاجِزَةٌ، وَلاَ مَوْتَةٌ ناجِزَةٌ» .
وهو أن يأتي المتكلم في أثناء قرائن النثر أو أحد شطري البيت بلفظين مسجعين، بعد مراعاة حدود الأسجاع والقوافي، كقوله تعالى :
«وَجتُكَ مِن سَبَا بِنَا يقين » [النمل: 22] وقوله :«وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَا » [الأنبياء: 90] . وقول أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ قح (108) : «في نارٍ لَهَا كَلَبٌ ولَجَبٌ ، ولَهَبٌ
ساطع، وقصيفٌ هائل». وفي المخ قصا :(191): «والْجَحُودُ الْكَنُودُ، والْعَنُودُ الصَّدُودُ، والْحَيُودُ الْمَيُودُ». وفيه أيضاً : دارُ حَرَبٍ وسَلَبٍ ، ونَهَبٍ وَعَطَبٍ، أَهْلُهَا عَلَى ساقٍ وسِياقٍ، ولحاق وفراق».
ومن النّظم قوله يرثي الصاحب بن عبّاد:
مضى الصاحب الكافي ولم يبق بعده***كريم يروّي الأرض فيض عمامه
فقدناه لما تمّ واعتمّ بالعلی*** كذاك خسوف البدر عند تمامه
ويقال له : الالتزام والتّشديد والتضييق والاعنات وهو أن يؤتى في النثر أو النظم قبل الفاصلة أو حرف الرّوي بحرف أو حرفين، مع عدم كون الاتيان بها أو بهما واجباً في السجع، كقوله تعالى :
«فَأَمَّا التِيمَ فَلَا نَفْهَرْ ، وَأَمَّا السَّابِلَ فَلَا نَنهر» [الضحي: 9 - 10].
فقد جيء بالهاء قبل الفاصلتين مع عدم لزوم الاتيان بها، لتحقق السجع ،بدونها بأن يقال فلا تسخر فلا ،تزجر، وقوله سبحانه أيضاً :
«وفِي سِدْرٍ تَخضُودٍ ، وَطَلْحٍ مَّنضُورٍ » [الواقعة : 28 - 29] .
ومن كلام أمير المؤمنين(رضی الله عنه) في المخ ب (2):
«فَإِنَّهُ أَرْجَعُ ما وُزِنَ، وَأَفْضَلُ ما خُزِنَ».
بلزوم الزّاء المكسورة، وقد كان السّجع يتحقق بدونها بأن يقال بدل خزن ركن ومن النّظم قوله :
سأشكر عمرواً إن تراخت منيتي*** أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغني عن صديقه*** ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانها*** فكانت قذى عينيه حتى تجلّت
فحرف الرّوي هي التاء، وقد جيء قبلها في الأبيات بلام مشدّدة، وهو ليس بلازم في مذهب التسجيع.
وهو عبارة عن أن يحذف المتكلّم من كلامه حرفاً فأكثر من حروف الهجاء، أو يؤلف
كلامه من حروف خالية عن النقط وينظمه من حروف لم يعجمن قط، بشرط حسن الائتلاف عدم التكلّف، وعلي أمير المؤمنين (رضی الله عنه) هو الحائز لقصب السبق في هذا المضمار، والجامع للوامع الفخار وبدائع الافتخار، فقد أتى بالارتجال وعلى الاستعجال خطبته المسماة بالمونقة المتمضّنة لعبارات مهذبة وكلمات مستعذبة وتجنيسات موشحة، ، وتسجيعات مستملحة، وعظات تشفي العليل ونصائح تروي الغليل، يكاد أن يقال: إنه ليس من كلام البشر، أو أنه ليس إلا سحر يؤثر، وأتبعها بخطبة أخرى، خالية عن الإعجام، على أحسن السجام، ولم يوردهما السيد في الكتاب، فأحببت ايرادهما هنا، تشحيذاً لأذهان أولي الألباب ودلالة على أنّه البارع المقدم في كل باب.
فأقول : قد روى المخالف والمؤالف عن هشام بن محمد السائب الكلبي، أنه اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فتذاكروا أي الحروف أدخل في الكلام، فأجمعوا على أنّ الألف أكثر دخولاً ، فخطب علی الائتلاف ، بهذه الخطبة ارتجالاً، وسماها المونقة، وهي:
« حَمِدْتُ مَنْ عَظُمَتْ مِئَتَهُ، وسَبَغَتْ نِعْمَتُهُ، وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ وتَمَّتْ كَلِمَتُهُ، ونَفَذَتْ مَشِيَّتُهُ، وبَلَغَتْ حُجَّتُهُ، وَعَدَلَتْ قَضِيَّتُهُ، حَمِدْتُهُ حَمْدَ مُقِرٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ ، مُتَخضّع لِعُبُودِيَّتِهِ، مُتَنَصْلٍ مِنْ خَطِيئَتِهِ، مُعْتَرِفٍ بِتَوْحِيدِهِ، مُؤمَلٍ مِنْ رَبِّهِ، رَحْمَةٌ تُنْجِيهِ، يَوْمَ يَشْغَلُ كُلَّ عَنْ فَصيلَتِهِ وبَنيه، ونَسْتَعينُهُ، وَنَسْتَرْشِدُهُ، وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنُؤْمِنُ بِهِ، ونَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وشَهِدْتُ لَهُ شُهُودَ مُخْلِص مُوقِنِ، وفَرَّدْتُهُ تَفْرِيدَ مُؤْمِنٍ مُتْقِنِ، وَوَحَدْتُهُ تَوْحِيدَ عَبْدٍ مُذْعِنِ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ في مُلْكِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ في صُنْعِهِ، جَلَّ عَنْ مُشير ووزير ، وتَنَزَّهَ عَنْ مِثْلٍ ونَظِيرٍ، عَلِمَ فَسَتَرَ، وَيَطْنَ فَخَبَرَ، وَمَلَكَ فَقَهَرَ، وَعُصِيَ فَغَفَرَ ، وعُبِدَ فَشَكَرَ ، وحَكَمَ فَعَدَلَ ، وَتَكَرَّمَ وتَفَضَّلَ ، لَنْ يَزُولَ وَلَمْ يَزَلْ خ ل) لَمْ يَزَلْ، وَلَنْ يَزُولَ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، رَبِّ مُتَفَرِّدٌ ،عِزَّتِهِ، مُتَمَلّكَ بِقُوَّتِهِ، مُتَقَدِّسُ بِعُلُوّه، مُتَكَبِّرٌ بِسُمُوهُ، لَيْسَ يُدْرِكُهُ، بَصَرٌ ، وَلَمْ يُحْطِ بِهِ نَظَر، قَوِيٌّ مَنيعٌ بَصِيرٌ سَميعٌ عَليمٌ حَكيمٌ، رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، عَجَزَ في وَصْفِهِ مَنْ يَصِفُهُ، وَضَلَّ فِي نَعْتِهِ مَنْ يُعَرِّفُهُ ، قَرُبَ فَبَعُدَ ، وَبَعُدَ فَقَرُبَ، يُجِيبُ دَعْوَةَ مَنْ يَدْعُوهُ، وَيَرْزُقُ عَبْدَهُ وَيَحْبُوهُ، لظفٍ خَفِيّ، وبَطْشٍ قَوِيٌّ، ورَحْمَةٍ مُوسِعَةٍ، وَعُقُوبَةٍ مُوجِعَةٍ، رَحْمَتُهُ جَنَّةٌ عَرِيضَةٌ مونقَةٌ ، وعُقُوبَتُهُ جَحِيمٌ مُؤصَدَةً مُوبَقَةٌ ، وشَهِدْتُ بِبَعْثِ مُحَمَّدٍ عَبْدِه ، ورَسُولِهِ، وصَفيه ، وحَبيبه، وخليله، بَعَثَهُ في خَيرٍ عَصْرِ ، وفي حين فَتْرَةٍ وكُفْرٍ، رَحْمَةً لِعَبيده ، ومِنَّةٌ لِعَزيدِهِ، خَتَمَ بِهِ نُبُوَّتَهُ، وقوّى بِهِ حُجَّتَهُ، فَوَعَظَ وَنَصَحَ ، وبَلَّغَ وكَدَحَ، رَؤُوفٌ بِكُلِّ مُؤْمِن، وَلِيُّ، سَخِيٌّ ، زَكِيٌّ ، رَضِيٌّ ، عَلَيْهِ رَحْمَةٌ وتَسْلِيمٌ ، وبَرَكَةٌ وتَكْريمٌ مِنْ رَبِّ غَفُورٍ رَحيم، قَريبٍ مُجيب، وَصِيْتُكُمْ مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَني : بِتَقْوى رَبِّكُمْ، وَذَكَّرْتُكُمْ بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِرهْبَةٍ تُسَكُنُ قُلُوبَكُمْ، وَخَشْيَة تُذْرِىءُ دُمُوعَكُمْ ، وتَقَيَّةٍ تُنجيكُمْ، يَوْمَ يُذْهِلُكُمْ ويُبْلِيكُمْ ، يَوْمَ يَفُورُ فِيهِ مَنْ ثَقُلَ وَزْنُ حَسَنَتِهِ، وَخَتَ وَزْنُ سَيِّئَتِهِ، وَلْتَكُنْ مَسْتَلَتْكُمْ مَسْئَلَةَ ذُلّ وخُضُوع ، وشَكْرٍ وخُشُوع، وتَوْبَةٍ ونُزُوعٍ ، ونَدَمٍ
ورُجُوع ، وَلَيَغْتَنِمْ كُلُّ مُغْتَنِم مِنْكُمْ، صِحَتَهُ قَبْلَ سُقْمِهِ، وشَبيبَتَهُ قَبْلَ هِرَمِهِ، وَسِعَتَهُ قَبْلَ فَقْرِهِ، وخَلْوَتَهُ قَبْلَ شُغْلِهِ، وحَضَرَهُ قَبْلَ سَفَرِهِ، قَبْلَ هُوْ يَكْبُرُ ويَهْرُمُ، ويَمْرُضُ ويَسْقُمُ ، ويَمُلُهُ طَبيبه ، ويُعْرِضْ عَنْهُ حبيبُهُ، ويَتَغَيَّرُ عَقْلَهُ، ويَنْقَطِعُ عُمْرُهُ ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ مَوْعُوكٌ، وجسْمُهُ مَنْهُوكٌ، ثُمَّ جَدَّ في نَزْعِ شَديدٍ وحَضَرَهُ كُلُّ قَرِيبٍ وبَعيدٍ، فَشَخِصَ بِبَصَره، وطَمَحَ بِنَظَرِه، ورَشَحَ جَبينُهُ، وسَكَنَ حَنينُهُ، وجُذِبَتْ نَفْسُهُ، وبَكَتْهُ عِرْسُهُ، وحُفِرَ رَمْسُهُ، ويَتِمَ وَلَدُهُ، وتَفَرَّقَ عَنْهُ عَدَدُهُ، وقُسِّمَ جَمَعُهُ، وذَهَبَ بَصَرُهُ وسَمْعُهُ ، وعُمْضَ وَمُدْدَ ، ووُجّه وجُرِّدَ، وغُسل ونُشف، وسُجِيَ وبُسِطَ لَهُ، وهُيءَ ونُشِرَ عَلَيْهِ كَفَتُهُ ؛ وشُدَّ مِنْهُ ذَقَنُهُ، وقُمْصَ وعُمِّمَ، ولُفّ ووُدُعَ وسُلّم، وحُمِلَ فَوْقَ سَرِير، وصُلِّيَ عَلَيْهِ بِتَكْبِيرِ ، ونُقِلَ مِنْ دُورٍ مُؤَخْرَفَةٍ، وقُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ، وحُجُرٍ مُنَضَّدَةٍ، فَجُعِلَ في ضَريحٍ مَلْحُودٍ، وَلَحَدٍ ضَيْقٍ مَرْصُوصٍ بِلِبْنِ مَنْضُودٍ ، مُسَقَّفٍ بِجُلْمُودٍ، وَهِيلَ عَلَيْهِ عفَرُهُ، وَحُيْيَ عَلَيْهِ مَدَرُهُ، فَتَحَقَّقَ حَذَرُهُ ، ونُسِيَ خَبَرُهُ ، وَرَجَعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ونسيبُهُ، وتَبَدَّلَ بِهِ قَريبُهُ وحبيبه، وصفِيَّهُ ونَدِيمُهُ ، فَهُوَ حَشْرُ قَبْرٍ ورَهِينُ قَفْرٍ، يَسْعَى في جِسْمِهِ دُودُ قَبْرِهِ، ويَسيلُ ، صديدُهُ مِنْ مِنْخَرِهِ، وَيُسْحَقُ بَدَنُهُ ولَحْمُهُ ، ويَنْشِفُ دَمُهُ، ويَرُمَ عَظْمُهُ، ويُقيمُ في قَبْرِهِ، حَتَّى يَوْمٍ حَشْرِهِ، فَيُنْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ حِينَ يُنْفَخُ فِي صُورٍ، ويُدْعَى بِحَشْرٍ ونُشُورٍ ، فَثَمَّ بُعْثِرَتْ قُبُورٌ، وحُصلَتْ سَريرَةُ صُدُورٍ ، وَجيءَ بِكُلِّ نَبِيٍّ وصديق، وشَهيد ونطيق، وتَوَلَّى لِفَضلٍ عِنْدَ رَبِّ ،قديرِ بِعَبْدِهِ خَبِيرٍ بَصيرٍ، فَكَمْ مِنْ زَفْرَةٍ تُضنيهِ، وحَسْرَةٍ تُنْضِيهِ ، في مَوْقِف مَهُولٍ عَظيم، ومَشْهَدِ جَليلٍ جَسيم بَينَ يَدَيْ مَلِكِ كَرِيمٍ، بِكُلِّ صغيرَةٍ وكَبِيرَةٍ عَليم، فَحينَئِذٍ يَلْجُمُهُ عَرَقَهُ ، ويَخْفِرُهُ قَلَقُهُ، عَبْرَتُهُ غَيْرُ مَرْحُومَةٍ، وَصَرَخْتُهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ ، وحُجَّتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وقويلَ صحيفتُهُ، وتَبَيَّنَ جَرِيرَتُهُ، ونَطَقَ كُلُّ عُضْوِ مِنْهُ بِسُوءٍ عَمَلِهِ، فَشَهِدَتْ عَيْنُهُ بِنَظَرِهِ، وَيَدُهُ بِبَطْشِهِ، ورجلُهُ بِخَطوه ، وجِلْدُهُ بِمَسِّه ، وفَرْجُهُ بِلَمْسِهِ، وَيُهَدِّدُهُ مُنْكَرُ وَنَكِيرٌ، وَكَشَفَ عَنْهُ بَصِيرٌ، فَسُلْسِلَ جيدُهُ، وَغُلَّتْ يَدُهُ، وسيَقَ بِسَحْبٍ وحِدَّةٍ، فَوَرَدَ جَهَنَّمَ بِكَرْبِ وشِدَّةٍ، فَظَلَّ يُعَذِّبُ فِي جَحيم، ويُسْقَى شَرْبَةٌ مِنْ حَمِيمٍ، تَشْوِي وَجْهَهُ وتَسْلَخُ جِلْدَهُ ، يَضْرِبُهُ زِينَتُهُ بِمَقْمَح مِنْ حَديدِ، وَيَعُودُ جلْدُهُ بَعْدَ نُضْجِهِ بِجِلْدِ جَدِيدٍ، يَسْتَغِيثُ فَتُعْرِضْ عَنْهُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، وَيَسْتَصْرح فَيَلْبَتُ حُقْبَةٌ بِنَدَم، نَعُوذُ بِرَبِّ قَدِيرٍ، مِنْ شَرِّ كُلِّ مَصيرٍ ، ونَسْأَلُةَ عَفْوَ مَنْ رَضِيَ عَنْهُ، ومَغْفِرَةً مَنْ قَبِلَ مِنْهُ، فَهُوَ وَلِيُّ مَسْأَلَتِي ، ومُنْجِحُ طَلَبَتِي، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ تَعْذِيبِ رَبِّهِ ، سَكَنَ فِي جَنَّتِهِ بِقُرْبِهِ. وخُلْدَ فِي قُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ، ومَلِكَ حُور عينٍ وَحَفَدَةً، وطيف عَلَيْهِ بِكُؤُوس، وسَكَنَ حَظِيرَةَ فِرْدَوْسِ، وتَقَلَّبَ في نَعيم، وسُقِيَ مِنْ تَسْنيم، وشَرِبَ مِنْ عِينٍ سَلْسَبِيلٍ، مَمْزُوجَةٍ بِزَنْجَبيلِ. مَحْتُومَةٍ بِمِسْكِ وَعَبيرٍ، مُسْتَديمَ لِلْحُبُورِ، مُسْتَشْعِرٌ لِلسُّرُورِ، يَشْرَبُ مِنْ خُمُورٍ ، في رَوْضِ مُعْدِفِ، لَيْسَ يُصَدَّعُ مِنْ شُرْبِهِ وَلَيْسَ يَنْزِفُ، هَذِهِ مَسْأَلَهُ مَنْ خَشِيَ رَبَّهُ، وحَذَرَ نَفْسَهُ، وتِلْكَ عُقُوبَةً مَنْ جَحِدَ مُنْشِتَهُ، وسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ مَعْصِيَةَ مُبْدِنِهِ، ذَلِكَ قَوْلٌ فَصْلٌ، وحُكْمٌ عَدْلٌ ، خَيرُ قَصَصِ قُصَّ، ووَعظ نُصَّ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَميدٍ، نَزَلَ بِهِ رُوحُ قُدْسٍ مُبِينٍ، عَلَى قَلْبِ نَبِيٍّ مُهْتَدِ مَكِينٍ، صَلَّتْ
عَلَيْهِ رُسُلٌ سَفَرَةٌ، مُكَرَّمُونَ بَرَرَةٌ عُذْتُ بِرَبِّ رَحِيمٍ، مِنْ شَرِّ كُلِّ رَحِيمٍ، فَلْيَتَضَرَّع مُتَضَرْعُكُمْ، وَلْيَبْتَهِلْ مُبْتَهِلُكُمْ، فَنَسْتَغْفِرُ رَبَّ كُلِّ مَرْبُوبٍ لي وَلَكُمْ»(1).
أقول : هذه الخطبة مرويّة بطرق عديدة ورواها العلامة المجلسي (رحمه الله) في المجلد السابع عشر (من البحار) من «مصباح الكفعمي» باختلاف شديد تعرّضنا لموارد الاختلاف في الهامش، وقال في المجلد التاسع منه : وروى الكلبي عن أبي صالح وأبو جعفر بن بابويه باسناده عن الرّضا عن آبائه عليهم السّلام، أنه اجتمعت الصحابة فتذاكروا : أنّ الألف أكثر دخولاً في الكلام، فارتجل (رضی الله عنه) الخطبة الموفقة التي أوّلها : حمدت من عظمت منته و سبغت نعمته إلى آخرها ثم ارتجل إلى خطبة أخرى من غير النقط التي أولها :
«أَلْحَمْدُ لِلَّهِ أَهْلَ الْحَمْدِ وَمَأْوَاهُ، وأَوْكَدَ الْحَمْدِ وأَحْلاهُ، وَأَسْرَعَ الْحَمْدِ وأَسْرَاهُ، وأَظهَرَ الْحَمْدِ وأَسْماهُ، وأَكْرَمَ الْحَمْدِ وأَوْلاَه» .
إلى آخرها وقد أوردتهما في المخزون المكنون انتهى كلامه(2).
أقول : وما ظفرت بعد على تمامها والمرجو من الله سبحانه أن تظهر لنا بعد الغموض وتصل إلينا بعد الشذوذ .
قال السّيد الشارح: عفى الله عن جرائمه : وقد أوردت نيفاً وستين نوعاً من أنواع ،البديع واستخرجت أمثلتها من كلام الإمام (رضی الله عنه)، وقدمت لك هذه المقدّمة، وجعلتها أحق بالتقدمة، وفضلت لك فيها هذه الأجناس، لأونسك بها بعض الايناس، حتى تقف على فائق كلامه ورائقه وسابقه ولاحقه وتتنبه على مواقع النكت فيه ولطائف البدائع وما روعي في ترتيبه ونظمه من الروائع مع اعترافي بأنّي ما أتيت إلا بنبذ من كثير، ويسير من غزير، فإنّ محاسن كلامه (رضی الله عنه)أغزر من قطر المطر، وأكثر من عدد النجم والشجر، ومن أين يتصدّى المتصدّي لجمعها على الإحاطة بأقطارها والخوض كما ينبغي في غمارها، فإنّها متجاوزة عن حدّ الإحصاء، خارجة عن طور الاستقصاء، ولن يطلع على بعضها إلا الفارس في علمي المعاني والبيان المبرز على أقران هذا الميدان، زادنا الله توفيقاً على اتقان هذه الحقائق وجعل لنا قدم صدق في إيفان هذه الدّقائق، ووفقنا للسداد في القول والعمل، ونعوذ به من الهفوة والخطأ والخطل.
قال الشارح ورأيت بعد ذلك كله أن أتبرك بذكر جملة من مكارم أخلاق أمير
المؤمنين، ومحاسن خصال سيّد الوصيين(رضی الله عنه) ، وأورد لمعاً من مناقبه الفاضلة الزاهرة، وأقتدح بزناد مآثره الثاقبة، وأقتبس من قبسات أنواره اللامعة.
مآثر صافحت شهب النجوم علا*** مشيدة قد سمت قدراً على زحل
وسنّة شرعت سبل الهدى وندى*** أقام للطالب الجدوى على السّبل
فأقول وبالله التوفيق.
ولد بمكّة بيت الله الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة، وقد خصه الله بهذه الفضيلة على سائر الأنام، ولم يولد في البيت أحد قبله ولا بعده، وفي ذلك يقول أبوه أبو طالب (رضی الله عنه):
أنت الذي فرض الإله ولاءه*** ونطقت حقاً بالجواب الصائب
أنت الذي رفع الإله محله*** وعلا علاك على الشهاب الثاقب
وولدت في البيت الحرام وخصك ***الباري بكل مكارم ومواهب
جاءت نساء المصطفين جميعهم ***يستبشرون إذ جئتهم بعجائب
روى في (البحار) من (التهذيب) للشيخ أنّه (رضی الله عنه) ولد بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة لثلاث عشر ليلة خلت من رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة وقبض الله قتيلاً بالكوفة ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة وله يومئذٍ ثلاث وستون سنة . ومن مصباح الزائر عن عتاب بن أسيد أنّه قال : ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضی الله عنه) بمكة في بيت الله الحرام يوم الجمعة لثلاث عشر ليلة خلت من رجب وللنبّي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمان وعشرون سنة، قبل النبوة باثنتي عشرة سنة(1).
أقول : وفي هذا المعنى روايات أخر يأتي إن شاء الله في شرح الخطبة المائة والإحدى والثلاثين.
وفيه أيضاً من علل الشرائع ومعاني الأخبار، وأمالي الصدوق، وروضة الواعظين، عن يزيد بن قعنب قال كنت جالساً مع العبّاس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى بإزاء
1) المقنعة للشيخ المفيد: 461 ، والبحار : 5/35 ، وتهذيب الأحكام : 19/6.
بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين(رضی الله عنه) وكانت حاملة به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق، فقالت:
رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنَةٌ بِكَ وبما جاءَ مِنْ عِنْدِكَ مِنْ رُسُلِ وكُتُبِ وَإِنِّي مُصَدِّقَةٌ لِكَلامٍ جَدّي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وأَنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، فَبِحَقِّ الَّذِي بَتَّى البَيْتَ ، وبِحَقِّ الْمُوْلُودِ الَّذِي فيبظني لما يَسُرْتَ عَلَيَّ ولادتي.
قال يزيد بن قعنب : فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، ودخلت فاطمة فيه، وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب، فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عزّ وجلّ، ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين (رضی الله عنه) ، ثم قالت: إني فضلت على من تقدّمني من النّساء، لأنّ آسية بنت مزاحم عبدت الله عزّ وجلّ سرّاً في موضع لا يحبّ أن يعبد الله إلا اضطراراً، وإن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها، حتى أكلت منها رطباً جنيّاً، وإني دخلت بيت الله الحرام، فأكلت من ثمار الجنّة وأوراقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف سمّيه عليّاً، فهو عليّ والله العلي الأعلى يقول : إني شققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقذسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه وويل لمن أبغضه وعصاه (1).
ورواه في كشف الغمة من بشائر المصطفى مرفوعاً إلى يزيد بن قعنب مثله، وزاد في آخره قالت فولدت عليّاً ولرسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثون سنة، وأحبّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حباً شديداً، وقال لها : اجعلي مهده بقرب فراشي، وكان صلى الله عليه وآله بلي أكثر تربيته وكان يطهر عليّاً(رضی الله عنه) في وقت غسله ويوجره اللبن عند شربه، ويحرّك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره ورقبته ويقول هذا أخي، ووليي، وناصري ،وصفيي وذخري وكهفي وصهري، ووصتي وزوج كريمتي وأميني على وصيتي وخليفتي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحمله دائماً ويطوف به جبال مكة وشعابها ، وأوديتها وفجاجها (2)، صلى الله على الحامل والمحمول، قال الأسكافي
نطقت دلائله بفضل صفاته*** بين القبائل وهو طفل يرضع (3).
وقال محمد بن منصور السرخسي :
ولدته منجبة وكان ولادها*** في جوف كعبة أفضل الأكنان
وسقاة ريقته النبي ويا لها ***من شریة تغنی عن الالبان
حتّى تزعزع سيداً سنداً رضي*** أسداً شديد القلب غیر جبان
عبدالاله مع النّبی وانّه***قد کان بعد یعدّ فی الصبیان
فلذاک زوّجه الرسول بتوله***وغدا وصی الانس ثمّ الجان
شهدت له آیات سورة هل اتی***بمناقب جلت عن التّبیان(1).
والمعروف أنّه علي، مشتق من اسم الله الأعلى قال أبو طالب:
سميته بعلي كي يدوم له*** عزّ العلوّ وفخر العز أدومه (3)
وفي (البحار) من (المناقب) لابن شهر آشوب، عن أبي علي بن همام رفعه أنّه لما ولد علي (رضی الله عنه) أخذ أبو طالب (رضی الله عنه) بيد فاطمة وعلي على صدره، وخرج إلى الأبطح ونادى :
يا ربّ يا ذا الغسق الدّجي*** والقمر اللمج المضیء
بين لنا من حكمك المضي*** ماذا ترى في اسم الصّبی
قال : فجاء شيء يدب على الأرض كالسحاب، حتى حصل في صدر أبي طالب فضمّه مع عليّ إلى صدره، فلما أصبح إذا هو بلوح أخضر فيه مكتوب :
خصصتما بالولد الزّکی***والطاهر المنتجب الرّضی
قاسمه من شامخ علیّ***علیّ الشتقّ من العلیّ
قال : فعلقوا اللوح في الكعبة، وما زال هناك حتى أخذه هشام بن عبد الملك فاجتمع أهل البيت أنّه في الزاوية الأيمن من ناحية البيت قال : فالولد الطاهر من النسل الطاهر، ولد في الموضع الطاهر، فأين توجد هذه الكرامة لغيره فأشرف البقاع الحرم، وأشرف الحرم ،المسجد، وأشرف بقاع المسجد الكعبة، ولم يولد فيه مولود سواه، فالمولود فيه يكون في غاية الشرف، وليس المولود في سيّد الأيام يوم الجمعة في الشهر الحرام في البيت الحرام، سوى أمير المؤمنين عليه السلام (4).
وقال الشّارح المعتزلي وكان اسمه الأوّل الذي سمّته به أمه حيدرة باسم أبيها أسد بن هاشم والحيدرة الأسد فغير أبوه اسمه وسمّاء عليّاً، وقيل حيدرة اسم كانت قريش تسمّيه به، والقول الأول أصح، يدل عليه قوله (رضی الله عنه) :
«أَنَا الَّذي سَمَّتني أمي حَبْدَرَةً»(1).
ويستفاد من الرّواية الآتية، أنّ اسمه زيد ولا منافاة لأنّ تعدد الأسماء دليل على كمال المسمّى .
قال أخطب خوارزم:
نسب المطهر بين أنساب الورى*** کالشّمس بين كواكب الأنساب
والشَّمس إن طلعت فما من كوكب*** إلا تغيب في نقاب حجاب
فإنّ آبائه آباء رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمهاته أمهات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وهو مسوط بلحمه ودمه طينته طينته وفطرته ،فطرته ونوره ،نوره كلاهما من شجرة واحدة لها، فروع طوال وثمرة لا تنال نبتت في حرم، وسبقت في كرم خلقهما الله نوراً واحداً قبل أن يخلق عالم وآدم، ثم نقل ذلك النور في ظهور الأخيار من الرجال، وأرحام الخيرات المطهرات المهذبات من النساء من عصر إلى عصر إلى أن قسمه في عبد المطلب بين ابنيه عبد الله وأبي طالب، فجعل من الأوّل سيّد النبيين، ومن الآخر سيد الوصيين، هذا الأوّل، وهذا التّالي، وهذا المنذر وهذا الهادي(2).
، روى في غاية المرام عن الصدوق مسنداً عن الحسن البصري قال صعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(رضی الله عنه) منبر البصرة،
فقال(رضی الله عنه): أيها النّاس انسبوني، فمن عرفني فينسبني وإلا فأنا أنسب نفسي أنا زيد بن عبد مناف بن عامر بن عمرو بن المغيرة بن زيد بن كلاب فقام إليه ابن الكوّا فقال : يا هذا ما نعرف لك نسباً غير عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.
فقال الله ، يا لكع إن أبي سمّاني زيداً باسم جده ،قصيّ، وإن اسم أبي عبد مناف، فغلبت الكنية على الاسم وإنّ اسم عبد المطلب عامر فغلب اللقب على الاسم، واسم عبد
مناف المغيرة، فغلب اللقب على الاسم، وإن اسم قصي زيد قسمته العرب ،مجمعاً، لجمعه إيّاها من البلد الأقصى إلى مكة. فغلب اللقب على الاسم (1)
ذكر الخوارزمي في كتاب المناقب): إنّ أبا طالب ولد طالباً ولا عقب له، وعقيلاً وجعفراً وعليّاً، كلّ واحد أسن من الآخر بعشر سنين وعلي أصغرهم سناً، وأمهم جميعاً عليهم السلام مع اختهم ام هاني فاطمة بنت بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، أوّل هاشمية ولدت لهاشمي (2)(2)
قال الشارح المعتزلي : أسلمت فاطمة بنت أسد بعد عشر من المسلمين، فكانت الحادي عشر، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكرمها ويعظمها، ويدعوها أمي وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة، فقبل وصيّتها، وصلى عليها ونزل في الحدها واضطجع ،معها بعد أن أليسها ،قميصه، فقال له :أصحابه إنا ما رأيناك صنعت يا رسول الله بأحد ما صنعت بها، فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنّما ألبستها قميصي لتكسي من حلل الجنّة، واضطجعت معها ليهون عليها ضغطة القبر (3). هذا .
وأمّا إسلام أبي طالب فهو المتفق عليه بين الشيعة وقد اختلف فيه العامة العمياء، ولعلنا نشبع الكلام في ذلك إن شاء الله في مقام مناسب، ولنقتصر هنا على رواية الاحتجاج، عن الصادق عن آبائه عليهم السّلام، أن أمير المؤمنين(رضی الله عنه) كان ذات يوم جالساً في الرّحبة والناس حوله ،مجتمعون فقام إليه رجل فقال(رضی الله عنه) : يا أمير المؤمنين أنت بالمكان الذي أنزلك الله به وأبوك معلّب بالنار، فقال له : مه له مه فض الله فاك، والذي بعث محمّداً بالحق نبياً، لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله فيهم، أبي معذب بالنار وابنه قسيم الجنّة والنار، ثم قال : والذي بعث محمّداً بالحق نبياً إن نور أبي يوم القيامة يطفي أنوار الخلائق، إلا خمسة :أنوار نور محمد صلى الله عليه وسلم، ونوري ونور الحسن والحسين، ونور تسعة ونور تسعة من ولد ،الحسين، فإن نوره من نورنا الذي خلقه الله تعالى قبل أن يخلق آدم (علیه السلام) بألفي عام(4).
هو أبو الحسن وأبو الحسين وأبو الريحانتين، وأبو السبطين، وأبو تراب.
روى في (البحار) من (مناقب) ابن شهر آشوب من الخركوشي في شرف النّبي صلى الله عليه وآله وشيرويه في (الفردوس)، واللفظ له، بأسانيدهم أنّه ما كان الحسن والحسين عليهما السّلام في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعوانه يا أيه، ويقول الحسن لأبيه : يا أبا الحسين والحسين يقول : يا أبا الحسن، فلما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعواه يا أبانا (1).
وفي «كشف الغمة » عن الخوارزمي قال علي(رضی الله عنه) : كان الحسن يدعوني في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا حسين والحسين يدعوني أبا حسن ولا يريان أباً إلا رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فلما مات دعواني أياهما (2).
وفيه أيضاً أيضاً من کتاب مناقب ابن مردويه عن جابر قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لعلي بن أبي طالب(رضی الله عنه) قبل موته بثلاث : سلام عليك أبا الريحانتين أوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهدر كناك والله خليفتي عليك، قال: فلما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال علي (رضی الله عنه) : هذا أحد ركني الذي قال لي رسول الله ، فلما ماتت فاطمة عليها السّلام قال : هذا الركن الثاني الذي قال لي رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) (3).
وفي «غاية المرام» عن الصدوق بسنده عن عباية بن ربعي قال قلت لعبد الله بن عباس: لم كنّى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) علياً أبا تراب؟ قال : لأنه صاحب الأرض، حجّة الله على أهلها ،بعده وبه بقاؤها ،وإليه سكونها وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : إذا كان يوم القيامة، يوم ورأى الكافر ما أعد الله تبارك وتعالى لشيعة علي (رضی الله عنه) من الثواب والزلفى والكرامة، قال يا ليتني كنت تراباً، أي من شيعة (رضی الله عنه)، وذلك قول الله عزّ وجل:
«وَيَقُولُ الْكَافِرُ لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابا »[النبا: 40](4).
ونعم ما قال الشّاعر :
أنا وج يع من فوق التّراب*** لدى لتراب نعل أبي تراب
امام مدحه ذکری ودأبی***وقلبی نحوه ما عشّت صاب
و وفي (البحار) من مناقب ابن شهر آشوب قال ورأيت في كتاب الردّ على أهل التبديل : أن في مصحف أمير المؤمنين له ، يا ليتني كنت ترابياً، يعني من أصحاب
علی (رضی الله عنه)، قال: وفي كتاب ما نزل في أعداء آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله :
«ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ».
رجل من بني عدّي ويعذّبه على (رضی الله عنه) فيعضّ على يديه ويقول العاضّ، وهو رجل من بني تميم يا ليتني كنت ترابيّاً، أي شيعياً (1).
هو أمير المؤمنين، ويعسوب الدين، وسيّد المسلمين ومبير الشّرك والمشركين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ومولى المؤمنين وذو القرنين ونفس الرّسول، وأخوه وزوج البتول، وسيف الله المسلول وأمير البررة وقاتل الفجرة، والصديق الأكبر، وقسيم الجنّة ،والنّار والمرتضى، وصاحب اللواء، وسيّد العرب، وكشاف الكرب؛ وخاصف النّعل، وشبيه ،هارون والهادي والداعي والفاروق ؛ وباب المدينة ؛ وباب الحكمة، وبيضة البلد والشاهد وهذه الألقاب قد أثبتت له(رضی الله عنه) في الأخبار الصحيحة.
قال الشّارح المعتزلي : وتزعم الشيعة أنّه خوطب في حياة رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم) بأمير المؤمنين ؛ خاطبه بذلك جملة المهاجرين والأنصار، ولم يثبت ذلك في أخبار المحدثين(2).
أقول : وإنكاره له لا وجه له مع قيام الأخبار المتظافرة بل المتواترة معنى عليه، وقد روى في «غاية المرام» في هذا المعنى اثنتين وأربعين حديثاً، من طريق العامة، وثمانية وثلاثين حديثاً، من طريق الخاصة، ولعلنا نورد بعضها في تضاعيف الشرح إن شاء الله ؛ ويستفاد من بعض تلك الأحاديث أنّه من الألقاب المخصوصة به (رضی الله عنه)،لا يجوز أن يلقب به غیره.
وهو ما رواه فيه عن ابن شهر آشوب قال : قال رجل للصادق(علیه السلام) : يا أمير المؤمنين، فقال(رضی الله عنه) مه فإنّه لا يرضى بهذه التسمية أحد إلا ابتلى ببلاء أبي جهل.
قلت : بلاء أبي جهل إنّه كان مختناً، لأنه يبغض النبي كما رواه الشّارح المعتزلي(3).
1) البحار : 60/35 .
2) أخرج القزويني، وهو من حفاظ العامة وكبار المحدثين قوله في حياة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) : أرأيتم لو أن نبي أرأيتم لو أن نبي الله قبض من كان أمير المؤمنين(رضی الله عنه) أنا قال وربما قيل له يا أمير المؤمنين والنبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ينظر إليه وهو يبتسم التدوين في أخبار قزوين: 491/3 زيادات حرف العين - جابر بن سمرة .
3) مناقب آل أبي طالب : 254/2 واليقين لابن طاووس: 26
وفيه أيضاً من «تفسير العياشي » عن محمد بن إسماعيل الرّازي، عن رجل سمّاه، عن أبي عبد الله (رضی الله عنه) ، قال : دخل رجل على أبي عبد الله(رضی الله عنه) ، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقام (رضی الله عنه) على قدميه فقال : مه هذا اسم لا يصلح إلا لأمير المؤمنين (رضی الله عنه) سماه به ولم يستم به أحد غيره فرضي به إلا كان منكوحاً، وإن لم يكن به ابتلی ،به وهو قول الله عزّ وجل:
« إن يدعون مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَنا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَا مَرِيدًا» [النساء : 117].
قلت : فماذا يدعي به قائمكم؟ قال : يقال له السلام عليك يا ابن رسول الله (1).
أقول : وما أبعدها بين الشارح المعتزلي في إنكاره لهذا اللقب وبين ضياء الدين أبي المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في إثباته الألقاب الشّامخة له (رضی الله عنه).
قال في محكي كلامه في «كشف الغمّة » وأنا أقول في ألقابه : هو أمير المؤمنين، ويعسوب المسلمين وغرّة المهاجرين وصفوة الهاشميين، وقاتل الكافرين والناكثين والقاسطين ،والمارقين والكرار غير الفرّار نضال فقار كل ذي ختر بذي الفقار قسيم الجنّة والنار، مقعص الجيش الجزار ، لاطم وجوه اللجين والنضار بيد الاحتقار، أبو تراب، مجدل الأتراب معفرين ممرقين في العفر رجل الكتيبة والكتاب والمحراب والحراب، والطعن والضراب، والخير الحساب بلا حساب مطعم الشعاب بجفان كالجواب راد المعضلات بالجواب الصواب، مضيف النسور والذياب بالتبار الماضي الذباب هازم الأحزاب ؛ وقاصم الأصلاب، قاسم الأسلاب جزاز الرقاب باين القراب مفتوح الباب إلى المحراب عند سد سائر أبواب الأصحاب جديد الرغبات في الطاعات بالي الجلباب، رث الثياب ؛ رقاض الصعاب معسول الخطاب عديم الحجاب والحجاب، ثابت اللب في مدحض الألباب، شقيق الخير ورفيق الطير صاحب القرابة والقربة وكاسر أصنام الكعبة مناوش الحتوف؛ قتال الألوف، مخرّق الصفوف، ضرغام يوم الجمل المردود له الشمس عند الطفل، تراك السلب، ضراب القلل حليف البيض والأسل، شجاع السهل والجبل زوج فاطمة الزهراء سيدة النساء، مذلل الأعداء، معزّ الأولياء أخطب الخطباء، قدوة أهل الكساء، إمام الأئمة الأتقياء؛ الشهيد أبو الشهداء، أشهر أهل البطحاء مضمّخ مردة الحروب بالدماء ؛ صفر اليدين عن الصفراء والحمراء والبيضاء، مشكل أمهات الكفرة ومفلق هامات الفجرة ومقوي أعضاد البررة، وثمرة بيعة الشجرة، وفاقىء عيون السحرة، وداحي أرض الدّماء، ومطلع شهب الأسنة في سماء القترة، المسمّى نفسه يوم الغبرة بحيدرة خوّاض الغمرات، حمّال الألوية والرايات، مميت
1) اليقين: 27 .
البدعة، محیی السنّة، وكاتب جوائز أهل الجنة، ومصرف الأعنة، واللاعب بالأسنة، سادّ انفاق النفاق، شاق جماجم ذوي الشقاق، سيد العرب، موضع العجب، المخصوص بأشرف النسب الهاشمي الأم والأب المفترع أنواع أبكار الخطب نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). یوم المباهلة، وساعده المساعد يوم المصاولة ، وخطيبه المصقع يوم المصاولة وخطيبه المصقع يوم المقاولة، وخليفته في مهاده، وموضع سرّه في إصداره ،وإيراده وملين عرائك أضداده وأبو أولاده، وواسطة قلادة الفتوة، ونقطة دائرة المروّة، وعتقى شرفي الأبوة والبنوة، ووارث علم الرّسالة والنبوة، وسيف الله المسلول، وجواد الخلق المأمول، ليث الغابة، وأقضى الصحابة والحصن الحصين والخليفة الأمين، أعلم من فوق رقعة الغبراء وتحت أديم السماء، المستأنس بالمناجاة في ظلمة الليلة الليلاء راقع مدرعته والدنيا بأسرها قائمة بين يديه حتى استحيى من واقعها، منزه نفسه النفيسة عن الدّنيا الدنية ومصارعها ومثبتها بلجام تقواه عن مطامعها، وفاطمها بتهجدها عن وثير مضاجعها، أخو رسول الله وابن عمه وكشاف كربه ،وغمه ومساهمه في طمّه ورقه بعضه بعض البتول وولده ولد الرسول هو من رسول الله صلى الله عليه وآله دمه دمه ولحمه لحمه وعظمه عظمه وعلمه علمه، وسلمه ،سلمه وحربه حربه وحزبه حزبه وفرعه ،فرعه وتبعه نبعه ونجره نجره؟ وفخره فخره وجده جده، وحده حدّه أنهار الفضائل في الدنيا من بحور فضائله ورياض التوحيد والعدل من بساطين خطبه ورسائله وكبش أهل العراق والشام والحجاز، وشجى حلوق الأبطال عند البراز، وابن عم المصطفى، وشقيق النبي المجتبى، ليث الثّرى غيث الورى، حتف العدى مفتاح الندى قطب رحى الهدى، مصباح الدّجى، جوهر النهي بحر اللهي مسعر الوغا، قطاع الطلي شمس الضحى، أبو القرى في أم القرى، المبشر بأعظم البشرى، مطلق الدنيا، مؤثر الأخرى على الأولى، ربّ الحجي بعيد المدى ممتطي صهوة العلى مستند ،الفتوى مثوى التقى نديد هارون من موسى مولى كل من له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ،مولى كثير الجدوى شديد القوى سالك الطريقة المثلى، المعتصم بالعروة الوثقى، الفتى أخو الفتى الذي أنزل فيه هل أتى أكرم من ارتدى وأشرف من احتذى أفضل من راح واغتدى أشجع من ركب ومشى أهدى من صام ،وصلى مراقب حق الله إن أمر أو نهي الذي ما صبا في الصبى وسيفه عن قرنه ما نبا، ونور هداه ما خباء ومهر أقدامه ما كبا دعاه رسول الله إلى التّوحيد قلبي وجلا ظلم الشرك وجلا وسلك المحجة البيضاء، وأقام الحجّة الزهراء جنيت ثمار النصر من علمه ؛ والتقطت جواهر العلم ،قلمه ونشأت ضراغم المعارك في أجمه وبأس كيون اقدام هممه، واخضرت ربی الأماني من دیم ،کرمه نعم هو أبو الحسن القليل الوسن الذي لم يسجد للوثن هو عصرة المنجود، هو من الذين أحيوا أموات الآمال بحب الجود، وهو من الذين سيماهم في وجوههم من أثر السجود هو محارب الكفرة والفجرة بالتأويل والتنزيل هو الذي مثله مذكور في
التّوراة والإنجيل، هو الذي كان للمؤمنين وليّاً حفياً، وللرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعده وصيّاً، ، هو الذي كان لجنود الحق سنداً، ولأنصار الذين يداً وعضداً ومدداً، ولضعفاء المسلمين مجيراً، ولصناديد الكافرين مبيراً، ولكؤوس العطاء على الفقراء مديراً، حتى أنزل فيه وفي أهل بيته الذين طهرهم الله تطهيراً :
«ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حَبِهِ مِسْكِينَا وَيتِيماً وَأَسِيرًا» [الإنسان : 8] .
وهو عليّ العليّ والوصي الولي الهاشمي المكي المدني، الأبطحي الطالبي، ، الرّضي، المرضي، المنافي القوي، الجري اللوذعي الأريحي، المولوي، الصفي الوفي؛ الذي بصره الله حقائق اليقين ورتق به فتوق الدّين، الذي صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وصدق وبخاتمه في الركوع تصدّق واعتصب بالسماحة والحماسة وتطوق، ودقق في علومه ومعارفه ،وحقق، وذكرنا بقتل الوليد بدراً، وبقتل عمرو الخندق ومزق من أبناء الحروب ما مزّق وغرق في لجة سيفه من أسود الهياج من غرّق، وحرق بشهاب صارمه من شياطين العراك من حرق حتى استوسق الإسلام واتسق هو أطول بني هاشم باعاً، وأمضاهم زماعاً وأرحبهم ذراعاً، وأكثرهم أشياعاً، وأخلصهم أتباعاً، وأشهرهم ،قراعاً، وأحدهم سناناً، وأعربهم لساناً، وأقواهم جناناً، هو حيدر وما أدراك ما حيدر، هو الكوكب الأزهر، والصارم المذكر، صاحب براءة وغدير خم وراية خيبر، وكمي أحد وحنين والخندق وبدر الأكبر، هو ساقي ورّاد الكوثر يوم الحشر، أبو السبطين ومصلّي القبلتين، وأنسب من في الاخشبين وأعلم من في الحرمين .
وأنشد الخوارزمي :
هذا المكارم لاقعبان من لبن***شيباً بماء فعادا بعد ابوالا
وأنشد كاشف الغمّة :
أسامياً لم تزده معرفة***وانّما لذّة ذکرناها (1). .
وأنا أنشد:
مکارم لجّت في علوّ كانّما*** تحاول ثأراً عند بعض الكواكب
محاسن من مجد متى يقرنوا بها*** محاسن أقوام تعد كالمعایب
وأقول : لعمري إنّ هذه الألقاب لحريّ أن تكتب بالنّور، على صفحات خدود الحور، وبالتّير المذاب على أطباق السماء والكرسي والعرش والحجاب؛ وأن تثبت في
1) مناقب الخوارزمي ،42، وكشف الغمة: 70/1.
اللوح وأمّ الكتاب ؛ لا أن تكتب بالحبر والقلم ؛ على القرطاس والرّق والكتاب ؛ ومع ذلك أقول :
أذا ما الكرامات اعتلى قدر ربّها*** وحلّ بها أعلی ذری عرفاته
فإنّ عليّاً ذا المناقب والنّهي ***كراماته العليا أقلّ صفاته
كاشف الغمّة عن الخوارزمي عن أبي إسحاق قال : لقد رأيت عليّاً (رضی الله عنه) أبيض الرّأس واللّحية؛ ضخم البطن ربعة من الرّجال (1). ؛ وعن ابن مندة أنّه كان شديد الأدمة ثقيل العينين عظيمهما ؛ وأبطن وهو إلى القصر أقرب .(2).
وعن محمد بن حبيب البغدادي آدم اللون حسن الوجه ضخم الكراديس.
وعن بعض المحدثين كان ربعة من الرّجال ادعج العينين حسن الوجه، كانه القمر ليلة البدر حسناً، ضخم البطن، عريض المنكبين ، شئن الكفين، أعيد، كأن عنقه أُبريق فضة، أصلع كث اللحية، منكبيه مشاش كمشاش السبع الضاري لا يبين عضده من ساعده، وقد أدمجت ادماجاً، إن أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه، فلم يستطع أن يتنفّس شديد الساعد واليد، إذا مشى إلى الحرب هرول، ثبت ،الجنان قوي شجاع منصور على من لاقاه(3).
قال كاشف الغمّة: واشتهر (رضی الله عنه) بالأنزع البطين، أما في الصورة فيقال : رجل أنزع بين النّزع ، وهو الذي انحسر الشعر عن جانبي جبهته، وموضعه النزعة، وهما النزعتان، والبطين الكبير البطن وأما في المعنى فإن نفسه نزعت يقال : نزع إلى أهله ينزع نزاعاً : اشتاق، ونزع عن الأمور نزوعاً انتهى عنها ، أي نزع نفسه عن ارتكاب الشهوات فاجتنبها ، ونزعت إلى اجتناب السيئات فسد عليه ،مذهبها ونزعت إلى اكتساب الطاعات فأدركها حين طلبها، ونزعت إلى استصحاب الحسنات فارتدى بها ،وتجلببها وامتلاء علما فلقب بالبطين فأظهر بعضاً، وأبطن بعضاً حسبما اقتضاه علمه الذي عرف به الحق اليقين.
فأمّا ما ظهر من علومه فأشهر من الصباح، وأسير في الآفاق من سرى الرياح، وأما ما بطن فقد قال : بل اندمجت على مكنون علم لوبحت ،به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة. وقد نظم بعض الشّعراء هذا المعنى:
من كان قد عرفته مدية دهره*** مرت له أخلاف سمّ منقع
فليعتصم بعرى الدّعاء ويبتهل*** بإمامه الهادي البطين الأنزع
نزعت عن الآثام طراً نفسه*** ورعاً فمن كالأنزع المتوزع
وحوى العلوم عن النبي وراثة ***فهو البطين بكل علم مودع
وهو الوسيلة في النّجاة إذا الورى*** رجفت قلوبهم لهول المجمع(1).
وينبغي أن نقتصر في هذا المقام على ما ذكرنا من شرفه وجماله ونشير إن شاء الله إلى علمه وزهده وسخاوته وشجاعته وفصاحته وبعض أوصاف كماله في مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية إجمالاً، وفي تضاعيف الشرح تفصيلاً وإن كان القلم يستحلي ذكر المناقب، ويريد أن يجري سعياً على الرّأس، ويجول في حلبة القرطاس، لكن ينبغي أن يردّ من نخوة بأده واعتلائه وشموخ أنفه وسموّ غلوائه، ويكعم على كظة جريته، ويهمد بعد نزقاته، ويلبّد بعد زيفان وثباته، فإنّ طلبه حصر ما لا يتناهى معدود من ضعف رأيه، ومن أين يحصر مناقب الإمام عليه أفضل الصلاة والسّلام، وقد قال سيد الأنام (صلی الله علیه وآله وسلم).
« لَوْ أَنَّ الرِّياض أَقْلاَمُ، وَالْبَحْرَ مِدادٌ وَالْجِنَّ حُسَابٌ، وَالإنْسَ كُتاب ما أَحْصَرًا فَضائِلَ عَليّ بن أبي طالب عليه السلام »(2).
وكيف يمكن عد مفاخره وبيته بيت الشرف ،والفخار وإليه تنتهي الفضائل يحدثها الأواخر عن الأوائل، وهو آية الله العظمى وبابه الذي منه ،يؤتى، ونور الله الذي من استضاء به اهتدى وعروته التي من استمسك بها نجا فما زاح عن الحق ولا اعتدى والحجّة على العباد والمحجّة المسلوكة ليوم المعاد، وإذا كانت الإطالة لا تبلغ وصف ،كماله والإطناب لا يحيط بنعت فضله وإفضاله، فالأولى أن يكتفى على ما ذكرناه من شرقه وجلاله .
مؤلف النّهج وجملة من مآثره فنقول : هو أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق (عليهما السّلام)، هكذا في شرحي المعتزلي والبحراني وغيرهما .
وفي مجالس المؤمنين، ولؤلؤة البحرين، ومشتركات الرّجال للمقدّس الأمين الكاظمي (رحمه الله) الحسين بن موسى بن إبراهيم بإسقاط محمد بن موسى من البين والله العالم .
قال الشّارح المعتزلي: مولده سنة تسع وخمسين وثلاثمائة كان أبوه النقيب أبو أحمد جليل القدر عظيم المنزلة في دولة بني العباس، ودولة بني بويه ولقب بالطاهر ذي المناقب وخاطبه بهاء الدَّولة أبو نصر بن يويه بالطاهر الأوحد، وولى نقابة الطالبيين خمس دفعات ومات وهو يتقلدها وسنه سبع وتسعون سنة .
وفي مجالس المؤمنين عن مؤلف تاريخ مصر والقاهرة قال: كان الشريف أبو أحمد سيّداً عظيماً مطاعاً، وكان هيبته أشدّ هيبة، ومنزلته عند بهاء الدولة أرفع المنازل ولقبه بالطاهر الأوحدي ذوي المناقب، وكان فيه كل الخصال الحسنة، إلا أنّه كان رافضيّاً هو وأولاده على مذهب القوم(1).
أقول : وفي الحقيقة هذا الاستثناء من قبيل تعقيب المدح بما يشعر الدم، ورفضه رضي الله عنه أعظم أوصاف كماله .
قال الشّارح المعتزلي وأم الرضي فاطمة بنت الحسين بن الحسن الناصر الأصم صاحب الديلم، وهو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام شيخ الطالبيين وعالمهم وزاهدهم، وأديبهم وشاعرهم ملك بلاد الديلم والجبل ويلقب بالناصر للحق وجرت له حروب عظيمة مع السامانية، وتوفّي بطبرستان سنة أربع وثلاثمائة، وسنه تسع وسبعون سنة.
وفي (لؤلؤة البحرين) من كتاب الدرجات الرفيعة قال : أبو الحسن أخو الشريف ،المرتضى كان يلقب بالرضى ذي الحسين لقبه بذلك بهاء الدولة وكان يخاطبه بالشريف الأجل، مولده سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ببغداد وكان فاضلاً عالماً شاعراً، مبرزاً، ذكره الثعالبي في اليتيمة»، فقال: ابتداء يقول الشعر بعد أن جاوز العشر سنين، وهو اليوم أبدع أبناء الزمان وأنجب سادات العراق، يتحلّى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف بأدب ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر ، ثم هو أشعر الطالبيين، من مضى منهم ومن غير؛ على كثرة شعرائهم المقلقين ولو قلت : إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق ؛ وكان أبوه يتولى نقابة الطالبيين والحكم فيهم أجمعين؛ والنظر في المظالم والحج والناس ثم ردّت هذه الأعمال كلها إليه في سنة ثمانين وثلاثمائة وأبوه حيّ (2).
وله في التصّانيف كتاب المتشابه في القرآن كتاب حقائق) التنزيل كتاب تفسير القرآن) كتاب المجازات الآثار النبوية كتاب تعليق خلاف الفقهاء كتاب تعليقة الإيضاح» لأبي علي كتاب خصائص كتاب نهج البلاغة كتاب تلخيص البيان في مجازات القرآن كتاب الزيادات في شعر أبي تمام كتاب سيرة والده الطاهر» كتاب انتخاب شعر ابن الحجاج كتاب مختار شعر أبي إسحاق الضابي كتاب ما دار بينه وبين أبي إسحاق ثلاثة مجلدات کتاب دیوان شعره يدخل في أربعة مجلدات، قال أبو الحسن العمري: رأيت تفسيره للقرآن، فرأيته أحسن التفاسير، يكون في كبر تفسير أبي جعفر الطوسي أو أكبر، وكانت له هيبة وجلالة، وفيه ورع وعصمة وفيه مراعاة الأهل والعشيرة، وهو أول طالبي جعل عليه السواد، عالي الهمة، شريف النّفس لم يقبل من أحد ،صلة، ولا جائزة، حتى أنه رد صلات أبيه، وناهيك بذلك شرف ،نفس وشدّة ظلف(1).
قال الشارح المعتزلي: حفظ القرآن بعد أن جاوز ثلاثين في مدة يسيرة، وعرف من الفقه والفرائض طرفاً قوياً، وكان عالماً ،أديباً، وشاعراً مفلقاً : فصيح النظم ضخم قادراً على القريض متصرفاً في فنونه إن قصد الرّقة في النسيب أتى بالعجب العجاب، وإن أراد الفخامة وجزالة الألفاظ في المدح وغيره أتى فيه بما لا يشق فيه غباره، وإن قصد في المراثي جاء سابقاً والشعراء منقطع أنفاسها على أثره، وكان مع هذا مترسلاً ذا كتابة قوية وكان عفيفاً، شريف النفس عالي الهمة، مستلزماً بالدين وقوانينه.
قال صاحب (اللؤلؤة) ذكر أبو الفتوح ابن جنّي في بعض (مجامعه) قال: احضر الرّضي إلى السيرافي النحوي وهو طفل جداً لم يبلغ عمره عشر سنين فلقنه النحو، وقعد معه يوماً في الحلقة فذاكره بشيء من الإعراب على عادة التعليم فقال : إذا قلنا رأيت عمر فما علامة نصب عمر؟ فقال له الرّضي رضي الله عنه : بغض علي(رضی الله عنه) فتعجب السّيرافي والحاضرون من حدّة نظره (2).
وحكى أبو الحسن العامري قال: دخلت على الشريف المرتضى (رضی الله عنه) فأراني بيتين قد علمها وهما :
سری طیف سعدى طارقاً فاستفزني*** هوينا وص بالفلاة رقود
بسي فقلت لعيني عاود النوم واهجعي*** لعل خيالا طارقاً سيعود
فخرجت من عنده ودخلت على أخيه الرضى (رحمه الله) فعرضت عليه البيتين فقال بديها :
رددت جواباً والدموع بوادر*** وقد آن للشل المشت ورود
فهيهات من لقيا حبيب تعرضت*** لنا دون لقياه مهامه بید
فعدت إلى المرتضى بالخبر، فقال يعزّ على أخي قتله الذكاء، فما كان إلا يسيراً حتّى مضى الرّضي لسبيله رضي الله عنه وأرضاه(1).
قال الشّارح المعتزلي : ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة حتّى أنّه ردّ صلات أبيه وناهيك بذلك شرف نفس وظلف، فأما بنو بويه فإنّهم اجتهدوا على قبول صلاتهم؛ فلم يقبل، وكان يرضى بالإكرام وصيانة الجانب واعزاز الأتباع، والأصحاب، وكان الطائع أكثر ميلاً إليه من القادر، وكان هو أشدّ حبّاً، وأكثر ولاء للطائع منه للقادر، وهو القائل في قصيدته التي مدحه بها :
عطفاً أمير المؤمنين فإنّنا ***في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت*** أبداً كلانا في العلاء معرق
إلا الخلافة شرفتك فإنّي*** أنا عاطل منها وأنت مطوق
وفي رجال أبي علي عن «تاريخ اتحاف الورى بأخبار أم القرى»، في حوادث سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، قال فيها: حج الشريفان المرتضى والرّضي، فاعتقلهما في أثناء الطريق ابن الجراح الطائي ؛ فأعطياه تسعة آلاف دينار من أموالهما (2).
وقال الشّارح المعتزلي : وقرأت بخط محمّد بن إدريس الحلّي الفقيه الإمامي ؛ قال : حكى أبو حامد أحمد بن محمد الاسفرائيني الفقيه الشافعي ؛ قال : كنت يوماً عند فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة، وابنه سلطان الدولة، فدخل إليه الرّضي أبو الحسن فأعظمه وأجلّه، ورفع من منزلته وخلى ما كان بيده من القصص والرقاع وأقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف، ثم دخل بعد ذلك أخوه المرتضى أبو القاسم (رحمه الله) ، فلم يعظمه ذلك التعظيم، ولا أكرمه ذلك الإكرام، وتشاغل عنه برقاع يقرئها، وتوقيعات يوقع بها فجلس قليلاً وسأله أمراً فقضاه ثم انصرف .
قال أبو حامد فتقدمت إليه وقلت له: أصلح الله الوزير هذا المرتضى هو الفقيه المتكلم، صاحب الفنون، وهو الأمثل والأفضل منهما، وإنّما أبو الحسن شاعر، قال: فقال لي: إذا انصرف النّاس وخلى المجالس أجيبك عن هذه المسألة، قال : وكنت مجمعاً على
الانصراف فجاء أمر لم يكن في الحساب، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوّض النّاس واحداً واحداً فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه دعا بالطعام، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر غلمانه، ولم يبق عنده غيري قال لخادم له هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام وأمرتك أن تجعلها في السفط الفلاني، فأحضرهما، فقال: هذا كتاب الرّضي اتصل بي أنّه قد ولد له ولد فانفذت إليه ألف دينار وقلت هذه للقابلة : فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم وذوي مودّتهم مثل هذا في مثل هذه الحال، فردّها وكتب إليّ هذا الكتاب، فاقرءه ، قال : فقرأته وهو اعتذار عن الردّ في جملة: اننا أهل بيت لا تطلع على أحوالنا قابلة ،غريبة، وإنّما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا ، ولسن ممّن يأخذن ،أجرة، ولا يقبلن صلة قال فهذا هذا وأمّا المرتضى، فإنّنا كنا وزّعنا وقسطنا على الأملاك ببادروبا تقسيطاً نصرفه في حفر فوّهة النّهر المعروف بنهر عيسى ،فأصاب ملكاً للشّريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهماً، ثمنها دينار واحد قد كتب إلي منذ أيّام هذا الكتاب فاقرءه، فقرأته، وهو من أكثر من مائة سطر، يتضمن من الخضوع والخشوع والاستمالة والهزّ والطلب والسؤال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة ما يطول شرحه قال فخر الملك فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل؟
: هذا العالم المتكلّم الفقيه الأوحد ونفسه هذه النّفس، أم ذلك الذي لم يشتهر إلا بالشعر خاصة، ونفسه تلك النفس، فقلت : وفق الله سيّدنا الوزير، فما زال موفّقاً والله ما وضع سيّدنا الوزير الأمر إلا في موضعه ولا أحلّه إلا في محله، وقمت وانصرفت (1).
وقال الشارح المعتزلي : حدّثني فخار بن معد العلوي الموسوي، قال: رأى المفيد أبو عبد الله محمد النّعمان الفقيه الأمامي في منامه كأن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) دخلت إليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السّلام صغيرين فسلمتهما إليه، وقالت له: علمهما الفقه، فانتبه متعجباً من ذلك، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرّؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحوله جواريها وبين يديها ابناها محمّد الرّضي وعلي المرتضى صغيرين فقام إليها، وسلم عليها ، فقالت: أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه، فبكى أبو عبد الله، وقص عليها المنام، وتولى تعليمهما، وأنعم الله عليهما وفتح لهما أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا، وهو باق ما بقي الدّهر (2).
وكانت وفاة الرّضي على ما في (اللؤلؤة) بكرة يوم الأحد، لست خلون من المحرم، سنة ست وأربعمائة وفي شرح المعتزلي أربع وأربعمائة، وحضر الوزير فخر الملك و وجميع الأعيان والأشراف والقضاة جنازته والصلاة، ودفن في داره بمسجد الأنباريين بالكرخ ومضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد مولانا الكاظم (رضی الله عنه)، لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ، ودفنه وصلى عليه فخر الملك أبو غالب ومضى بنفسه آخر النّهار إلى أخيه المرتضى إلى المشهد الشريف الكاظمي، فألزمه بالعود إلى داره، ثم نقل الرضي رضي الله عنه إلى مشهد الحسين(رضی الله عنه) بكربلاء فدفن عند أبيه.
وفي مجالس المؤمنين : ففوض المناصب التي كانت له من النقابة وامارة الحاج وغير ذلك بعده إلى أخيه المرتضى قال ورثاه أخوه المرتضى وأبو العلاء المعري وكثير من أفاضل الشعراء .
أقول : ومما رثاه به أخوه المرتضى: الأبيات المشهورة التي من جملتها :
ياللرّجال لفجعة جذمت يدي*** ووددت لو ذهبت علي برأسي
ما زلت أحذر وردها حتى أنت*** فحسوتها في بعض ما أنا حاسي
ومطلتها زمناً فلمّا صمّمت*** لم يثنها مطلي وطول مكاسي
الله عمرك مرك من من قصير طاهر*** الرب طال بالأدناس(1).
ورثاه أيضاً تلميذه مهيار بن مردويه الكاتب بقصيدة لم يسمع في باب المراثي أبلغ منها أولها :
من جب غارب هاشم وسنامها*** ولوى لوياً واستزل مقامها
وغزا قريشاً بالبطاح فلقها*** بيد (عجلاخ) وقوّض عزّها وخيامها
واناخ في مضر بكلكل حتفه*** يستام فاحتملت له ما سامها
من حل مكة فاستياح حريمها*** والبيت يشهد واستحل حرامها
ومضى بيشرب مزعجاً ما شاء من*** تلك القبور الطاهرات عظامها
يبكي النبي ويستهيج لفاطم*** بالطف في أبنائها أيامها
الذين ممنوع الحمى من رأسه*** والدار عالية البناء من رامها
أتنا كرت أيدي الرّجال سيوفها*** فاستسلمت أم أنكرت اسلامها
1) المصدر السابق.
أم غال ذا الحسبين حامي ذودها*** قدر اراح على العدوّ سهامها (1).
وما أحسن قوله منها :
بكر النّعي من الرّضي بمالك*** غاياتها متعود إقدامها
كلح الصباح بموته عن ليلة*** نقضت على وجه الصباح ظلامها
صدع الحمام صفاة آل محمّد*** صدع الرداء به وحل نظامها
بالفارس العلوي شق غبارها*** والناطق العربي شق كلامها
سلب العشيرة يومه مصباحها*** مصلاحها عمّالها علامها
برهان حجتها التي ي بهرت به*** أعد آنها وتقدّمت اعمامها
من حلّ مكة فاستباح حريمها*** والبيت يشهد واستحلّ حرامها
ومنها :
ابكيك للدنيا التي طلقتها*** وقد اصطفتك شبابها وغرامها
ورميت غاربها بفضلك حبلها*** زهداً وقد القت إليك زمامها (2).
قال السيد علي الصدر الدّين :
وشقّت هذه المرثية على جماعة ممّن يحسد الرضي رضي الله عنه على الفضل في حياته أن يرثي بمثلها بعد وفاته فرثاه بقصيدة أخرى ومطلعها في براعة الاستهلال كالأولى وهو :
أقريش لا لفم م أراك ولايد*** فتواكلي غاض الندى وخلال النديّ
وما زلت متعجباً بقوله منها :
بكر النّعي فقال أودى (3)خيرها*** ان كان يصدق فالرّضي هو الرّدي(4)
ومرثية أبي العلاء المعرّي تنيف على ستين بيتاً، وتخلّص في أواخرها إلى مديح أجداد الرّضي وشرف بيتهم، ووصفهم بالجود والسّخاء، ويعجبني ايرادها هنا بإسقاط ما تلخص به قال :
أودى فليت الحادثات كفاف*** مال المسيف سيف وعنبر المستاف
الطاهر الاباء والأبنالاباء و*** الآراب والأثواب والألاف
رغت الرعود وتلك هذة واجب*** جبل هوی من آل عبد مناف
بخلت فلما كان ليلة فقده***سمح الغمام بدمعة الززاف
ويقال إنّ البحر غاض وانّها***ستعود سیقاً لجّه الرّجاف
ویحقّ فر رزء الحسین تغیّر***الحرسین بله الدّر والأصداف
ذهب الذي غدت الذوابل بعده*** رعش المتون كليلة الأطراف
وتعطفت لعب الصّلال من الآسی***فالزّج عند للهدم الرّعاف
نيقنت نت أبطالها ممارات*** إلا تقوّمها بغمز ثقاف
شغل الفوارس بثها وسيوفها*** تحت القوائم جمّة الترجاف
ولو أنّهم نكبوا الغمود لها لهم*** كمد الظبي وتقلل الأسياف
طار التواعب يوم فادنوا عياً*** فنذبنه لموافق ومناف
أسف أسف بها واثقل نهضها*** بالحزن وهي على التراب هواف
ونعیبهاکنحيبها وحدادها*** أبداً سواد قوادم و خوافی
لا خاب سعيك من خفاف أسحم***مسحیم الاسدی او کخفاف
من شاعر للبین قال قصیدة***یرثی الشّریف علی رویّ القاف
جون کنبت الجون یصرخ دائباً***ویمیس فی برد الحزین الضّاف
عقرت رکائبک ابن دابة عدیاً***ای امرء نطق وای قواف
بنیت علی الایطاء سالمة من الأ***قواء والأکفاء والأصراف
حسدته ملیه البزاة ومن لها***لما نعاء لها بلیس غداف
والطیر اعزبة علیه بأسرها***فتخ الشّراء وساکنات الصاف
هلا استعاض من السریر جواده***وثاب کلّ قرارة ونیاف
هیهات صادف للمنایا عسکراً***لاینثی بالکرّ والایجاف
هلا دفنتم سیفه فی قبره***معه فذالک له خلیل واف
ان زاره المونی کساهم فی البلی***اکفان ابلج مکرم الأضیاف
والله ان یخلع علیهم حلة***یبعث الیه بمثلها اضعاف
نبذت مفاتیح الجنان وانّما***رضوان بین یدیه للأتحاف
یالابی الدّرع الذی هو تحتها***بحر تلقع فی غدیر صاف
بيضاء زرق السّمر واردة لها*** وود الصوادي الورق زرق نطاف
والنّبل يسقط فوقها ونصالها*** کالريش فهو على رجاها طاف
يزهى إذا حرباؤها صلي الوغا ***حرباء كل هجيرة مهياف
فلذاك تبصره كبر عاده ***يوفي على جذل بكل قذاف
الرّكب أثرك آجمون ون لزادهم***واللهج صادفة عن الأخلاف
الآن ألقى المجد اخمص رجله*** لم ييقتنع جزعاً بمشية حاف
تکبیرتان حيال قبرك للفتى***محسوبتان بعمرة وطواف
لو تقدر الخیل التی زاینتها***انتخت بأیدیها علی الآعراف
فارقت دهرک ساخطا افعاله***وهو الجدیر بفلة الانصاف
ولقيت ربك فاستردّ لك الهدى*** مانالت الایام بالاتلاف
وسقاك أمواه الياة مخلداً ***وکساک شرخ شبابک الافواف
ابقیت فینا کوکبین سناهما***فی الصّبح والظلماء لیس بخاف
متأنّقین وفی المکارم ارتقا***متألقین بسودد وعفاف
قدرین فی الارداء بل مطرین فی الا***جداء بل قمرین فی الأسداف
رزقا العلاء فاهل نجد كلما*** نطقا الفصاحة مثل أهل رياف
ساوى الرّضي المرتضى وتقاسما*** خطط العلى بتناصف وتصاف
حلفا ندی سبقا وصلى الأطهر ال***ـمرضی فیالثلاثة احلاف
أنتم ذو والنسب القصير فطولكم ***باد على الكبراء والأشراف
والرّاح ان قيل ابنة الغب اكتفت*** باب من الأسماء والأوصاف
ما زاغ بيتكم الشريف وإنما*** مازاغ بالوجه ادرکه خفي زحاف
والشمس دائمة البقاء وان تنل***بالشكو فهي سريعة الأخطاف
ويخال موسى جذكم لجلاله*** في النفس صاحب سورة الأعراف
الموقدي نار القرى الآصال والا*** شجار بالاه-ض-ام والاشعاف
يا مالكي سرح القريض اتتكما*** مني حمولة مسنتين عجاف
لا تعرف الورق اللجين وان تسل*** تخبر عن القلام والخذراف
وأنا الذي أهدي أقل بهارة*** حسناً لأحسن روضة منياف
أوضعت في طرق التشرف سامياً ***بكما ولم أسلك طريق العاف
ولنختم الدّيباجة بالتقريضات التي قيلت في مدح نهج البلاغة وشرحنا «منهاج البراعة»
فأقول:
كتب أبو يوسف يعقوب بن أحمد في آخر نسخة من كتاب «نهج البلاغة» :
نهج البلاغة نهج مهيع جدد*** لمن يريد علوّاً ماله أمد
يا عادلاً عنه تبغي بالهوى رشداً ***أعدل إليه ففيه الخير والرشد
والله والله ان التاركيه عموا ***عن شافيات عظات كلها سدد
كأنّها العقد منظوماً جواهرها*** صلّى على ناظميها ربنا الصّمد
ما حالهم دونها ان كنت تنصفني*** إلا العنود والا البغي والحسد
واقتدى به ابنه الحسن حين افتتح من نسخته فقال :
هج البلاغة درج ضمنه درر*** نهج البلاغة روض جاده درر
نهج البلاغة وشي حاكه صبغ ***من دون موشية الديباج والحبر
أوجونة ملئت عطراً إذا فتحت*** خيشومنا فغمت ريح لها ذفر
صدقتكم سادتي والصدق من خلقي*** وأنّه خصلة ما عابها بئر
صلّى الإله على بحر غواربه*** رمت به نحونا ما لألأ القمر
فاقتدى بهما الأديب عبد الرحمن حين وقع له الفراغ فقال :
نهج البلاغة نهج الزخر والسّند ***وفيه للمؤمنين الخير والرشد
عين الحيوة لمن اضحى تأملها*** يا حبذا معشر في مائها وردوا
ما إن رأت مثلها عين ولا سمعت*** أذن ولا كتبت في العالمين يد
شربت روحي حياة عند كتبتها*** وكان للروح من آثارها مدد
فاقتدی بهم غيرهم لما فرغ من نسخه وتحريره فقال :
نهج البلاغة هذا سيد الكتب*** تاج الرسائل والأحكام والخطب
كم فيه من حكمة غراء بالغة***ومن علوم الهیّ ومن أدب
ومن دواء لدی دآء و عافیة***لذی بلاء ومن روح لذی کالسّحب
وصیّ خیر عبادالله کلهم***مختار ربّ البرایا سیّد العرب
علیّ المرتضی من فی مودته***یرجی النّجاة لیوم الحشر والرّعب
فمن يواليه من صدق الجنان ففي*** الجنان طنّب فوق السبع والشهب
ومن يعاديه في نار الجحيم هوى*** وعاش ما عاش في ويل وفي خرب
قد امتزجت بقلبي حبه فجرى*** في النفس مجرى دمي في اللحم والعصب
صلى عليه إله الخلق خالقنا*** ربّ الورى وعلى ابنائه النّجب
وزاده في جنان الخلد منزلة*** ورتبة وعلى يعلو على الرتب
صلى الإله على من كان منطقه*** روحاً تزايد منه الروح والجسد
واقتدى بهم قطب الدين تاج الإسلام محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري وقال :
نهج البلاغة لاغة نهج كل کل مسدد*** نهج المرام لكل قوم أمجد
یامن یبیت وهمه درك العلى*** فاسلكه تحظ بما تروم وتقصد
وینبوع مجموع العلوم رمی به*** نحو الأنام ليقتفيه المهتدي
فیه لطلاب النّهاية مقنع ***فليلزمنه الناظر المسترشد
صلی الإله على منظمه الذي*** فاق الورى بكماله والمحتد
واحتذى بهم غيرهم وسلك مسلكهم فقال :
نهج البلاغة منهج البلغاء*** وملاذ ذي وذي أعياء
فيها معان في قوالب أحكمت*** لهداية كالنّجم في الظلماء
وتضمّن الكلمات في ايجازها ***بذواتها بجوامع ع العلياء
صلى الإله على النبي محمّد*** وعلى علي ذي على واخآء
وللسيد الإمام عز الدين سيد الأئمة المرتضى بن السيد الإمام العلامة ضياء الدين علم الهدى قدس الله روحهما :
نهج البلاغة نهجة لذوي البلاغة واضح*** وكلامه لكلام ارباب الفصاحة فاضح
العلم فيه زاخر والفضل فيه راجح*** وغوامض التوحيد فيه جميعها لك لايح
ووعيده مع وعده للنّاس طراً ناصح*** تحظى به هذي البرية صالح أو طالح
لا كالعريب وما لها فالمال غاد رايح*** هيهات لا يعلو على مرقی ذراه مادح
إن الرّضي الموسوي لمائه هو مايح*** لاقت به وبجمعه عدد القطاء مدائح
وقال آخر وهو أحسن ما قيل في مدحه وأحلى :
نهج البلاغة نهج العلم والعمل*** فاسلکه یا صاح تبلغ غاية الأمل
كم فيه من حكم بالحقّ محكمة ***تحيي القلوب ومن حكم ومن مثل
ألفاظه درر أغنت بحليتها*** أهل الفضائل عن حلى وعن حلل
ومن معانيه أنوار الهدى سطعت*** فانجاب عنها ظلام الزيغ والزلل
وكيف لا وهو نهج طاب منهجه*** هدى إليه أمير المؤمنين عليّ
ولعلي بن أبي سعد الطبيب أسعده الله في الدارين:
نهج البلاغة مشرع الفصحاء*** ومعشش البلغاء والعلماء
درج عقود عقول أرباب التقى*** في درجه من غير استثناء
في طيّه كل العلوم كأنّه*** الجفر المشار إليه في الأنباء
من كان يسلك نهجه متشمّراً ***أمن العشار وفاز بالعلياء
غرر من العلم الإلهي انجلت*** منظومة فيه ضياء ذكاء
ویقرح منها عبقة نبویّه***لاغرو قداً من ادیم سناء
روض من الحکم الانبقة جاده***جود من الانوار لا الانوآء
انوار علم خلیفة الله الذی***هو عصمة الاموات والاحیاء
وجذیلها و غدیقها مترجبّاً***ومحککاً جدّاً بغیر مرآء
مشکاة نور الله خازن علمه***مختاره من سره البطحآء
وهوم ابن نجدته و علیه تهدّلت***اغصانه من جملة الامرآء
ووصی خیر الانبیاء اختاره***رغمالتیم ارذل الاعداء
صلی الاله علیهما ما ینطوی***یرد الظللام ینشر کف ضیآء
وعلی سلاته الرّضی محمد***قصب السّباق حوی من الفصحاء
وقال آخر :
نهج البلاغة يهدي السالكين إلى*** مواطن الحقّ من قول ومن عمل
فاسلكه تهدي إلى دار السّلام غداً***وتحظ فيها بما ترجوه من أمل
وقال آخر :
كتاب كأن الله رضع لفظه*** بجوهر آیات الكتاب المنزل
حوى حكماً كالدر تنطق صادقاً*** فلا فرق إلا أنّه غير منزل
ولعبد الباقي افندي البغدادي :
ألا ان هذا النهج نهج بلاغة*** لمنتهج العرفان مسلکه جليّ
على قمم من آل صخر ترفعت*** كجلمود صخر حطه السّيل من عليّ
وقال الفاضل الأديب النواب المستطاب عبد الحسين ميرزا أعزه الله في مدح الشرح :
أبا طالباً منهاج رشد وحكمة ***يروم اقتناء الذخر من رحمة الباري
ويا تائهاً ظمآن في قفر حيرة*** يريد ارتواء العقل بالمنهل الجاري
عليك بمنهاج البراعة انّه*** لمنهاج فضل للهدى ثم تذكار
غدا شارحاً نهج البلاغة حاذياً ***حذاه عليا قدره فوق أقدار
أتدري وما نهج البلاغة انه*** کلام امام قاسم الخلد والنّار
عليّ أمير المؤمنين فكم حوى*** له خطبة غرّاء كالكوكب الشاري
وقد شرحت هذا الكتاب جماعة*** ولم يرفعوا عن وجهه حجب استار
فقيض مولانا عليّ لشرحه*** مجلي حاز السبق في كلّ مضمار
محدث أهل البيت ثم فقيههم ***ملاذ محبيهم و مخزن اسرار
أمام تقي هاشمي مهذب*** الله يسمّى حبيب من نجل أخيار
فشمّر ذيل الجدّ في ذلك المنى*** لم يأل جهداً بالعشيّ وأبكار
فكم من علوم فيه منها وديعة*** ومن حكم حكم للمهتدين وأنوار
وقد جمعت فيها المحاسن كلها*** ويعرف صدق القول خرّيت اخبار
ولا غرو أن فاق التصانيف فضله*** ضرورة أهل البيت اعلم بالدّار
ولمّا رأى هذا الكتاب مليكنا ***مظفّردین الله سلطان قاجار
أراد عموم النّف منه واصدرت*** أوامره العليا بطبع واکثار
أدام إله العال ن بقائه*** ولا زال منصوراً بنصر من الباريویقضی من افضاله کل اوتاری
وینجینی من کرب موت وبرزخ***ومن تبعات قد کسبت و اوزار
وصحّحه عبد الحسين مقابلا*** لدى صاحب التصنيف حفظاً من الطاري
وعسی ینظر الموالی علیّ بعیده***ویقضی من افضاله کل اوتاری
وینجینی من کرب موت و برزخ***ومن تبعات قد کسبت و اوزاز
تتم ما أردنا إيراده في ديباجة الشرح بفضل الله سبحانه وإحسانه، ويتلوه شرح ديباجة النهج بتأييده تعالى وحسن توفيقه إنّه الموفق والمعين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين الغر الميامين، لا سيما ذخري وسيدي ورجائي في دنياي وآخرتي، أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وسلم تسليماً كثيراً كثيراً .
بسم الله الرحمن الرحيم
«أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحَاً لِذِكْرِهِ، وأَنْطَقَ الْخَلائِقَ كُلَّها بِحَمْدِهِ وشُكْرِهِ، وجَعَلَهُ سَبِيلاً لِلْمَزِيدِ مِنْ إِحْسَانِهِ وبِره، ووسيلاً إِلَى خَلاَصِ الْعَبْدِ مِنْ مَسْكَنَتِهِ وضُرِّه، وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وجَلالِهِ ، طَلَبَا لِلزَّلْفَى لَدَيْهِ، وشَوْقاً إِلَى وَصَالِهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْهَا شَمِي النَّسَبِ والْعَدْنَانِيِّ الأُمِّ والآبِ، سَيّدِ الأُمَم، وباسِطِ الْكَرَم ، وصِفْوَةِ الْجَليل، وسُلالَةِ الْخَلِيلِ، مُحَمَّدٍ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ، وَحَبيبِ اللَّهِ الصَّفِيِّ الْمَرْضِيِّ، وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ نَفَوْا عَنِ الدِّينِ انْتِحَالَ الْمُبْطِلينَ ، وحَلُّوا بِبَنانِ بَيانِهِمْ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ، بَعْدَمَا هَدَرَتْ شَقاشِقُ الْجَهَالَةِ والشَّقاقِ، وَانتَشَرَتْ آثَارُ الضَّلالَةِ في الآفَاقِ، حَتَّى انْهَارَتْ بِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ دَعائِمُ الْجَهْلِ ودَحَضَتْ قَوائِمُهُ ، وَانْدَرَسَتْ آثَارُهُ ، وَتَنكَّرَتْ مَعالِمُهُ، وَانْطَمَسَتْ أَعْلامُ النَّصْبِ وخَبَتْ نيرانُهُ، وقَوِيَ أَساسُ الإِيْمَانِ وشُيّد ،بُنْيانُهُ، وَاسْتَقرَّ أَرْكَاتُهُ وأَلقَى جِرانَهُ، سِيَّما أخط الْخُطباءِ، وقُدْوَةِ الْبُلَغَاءِ، ومُنْيَةِ الْفُصَحاءِ، عَلِيَّ الْعَلِيِّ الأمين، والْوَصِيِّ الْوَلِيِّ الْمَكِينِ، جَزاهُ اللهُ عَنّا خَيرَ جَزاءِ الْعالَمينَ بِما سَهَّلَ لَنَا نَهَجَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَأَبَانَ مَنْهَجَ الْعِرْفَانِ والْيَقِينِ، وأَبْلَحَ لَنا سِراجَ الْمَذْهَبِ ، بِكَلاَمِهِ الْجامِعِ لِلْعُجَابِ والْعَجَبِ، حَتَّى صَارَ بَلاغَةُ لِسانِهِ لِلسُّرَى نُوراً وَهَاجاً ، وبَديعُ بَيانِهِ لِلْهُدَى شَرِيعَةً ومِنْهَاجاً، وفضلُ خِطَابِهِ لِلْعُلَى مِرْقاةً ومِعْرَاجاً، وفَضْلُ كَتابِهِ لِلْبَلاغَةِ أَنْشَاجاً، ونَسِيجاً وَحْدَهُ ولِلْفَصَاحَةِ نَسّاجاً، صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ما دامَتْ سماة ذات أبراج، وحُجُبْ ذاتُ أَرْتَاجِ ، ولَيْل داعٍ ، وبَخرّ ساج) .
وبعد: فهذا هو المجلد الأوّل من مجلدات «منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة» إملاء راجي عفو ربِّه الغني حبيب الله بن محمد بن هاشم الهاشمي العلوي الموسوي وفقه الله لإنجاح الأمل، ولإصلاح القول والعمل، وعصمه من الفساد في الاعتقاد، ومن الزيغ والضلال في المبدء والمعاد، ولنشرع في شرح ديباجة النهج، ونقرّره في ضمن فصول، فأقول وبالله التوفيق.
قال السيد (رحمه الله) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ ثَمَناً لِنَعْمائِهِ، ومَعَاذاً مِنْ بَلآئِهِ، وَوَسيلاً إلى جِنانِهِ، وَسَبَباً لِزِيادَةِ إِحْسانِهِ، وَالصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِهِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وإمامِ الأَئِمَّةِ، وسِراج الأُمَّةِ الْمُنتَجَبِ مِنْ طَيئَةِ الْكَرَمِ، وَسُلَالَةِ الْمَجْدِ الأَقْدَمِ
ومَغْرَسِ الْفِخَارِ الْمُعْرِقِ ، وفَرْعِ الْعَلَاءِ الْمُثْمِرِ الْمُورِقِ، وَعَلى أَهْلِ بَيْتِهِ مَصابيح الظُّلَم، وعِصَمِ الأُمَمِ، وَمَنَارِ الدّينِ الْواضِحَةِ، ومَثاقِيلِ الْفَضْلِ الرَّاجِحَةِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ صَلاَةً تَكُونُ إزاءٌ لِفَضْلِهِمْ، ومُكَافاةٌ لِعَمَلِهِمْ، وكفاء لطيب فَرْعِهِمْ وأَصْلِهِمْ، ما أنارَ فَجْرٌ ساطع وخوى نجم طالع
(النّعماء) بالفتح ممدودة وزان فعلاء مفردة مثل النعمة بالكسر ، والجمع أنعم ونعم ونعمات بفتح العين وكسرها مع كسر الأوّل (والوسيل) جمع الوسيلة، وهو ما يتقرب به إلى الشيء (والسّلالة) بالضم ما انسلّ من الشيء، أي انتزع منه واستخرج برفق، قال سبحانه: «ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَنَ مِن سُلَلَهِ مِن طِين» [المؤمنون: 12] .
ويطلق أيضاً على الولد كالسليل (والفخار) قال الشارح المعتزلي : قال لي إمام من أئمة اللغة في زماننا هو بكسر الفاء، قال هذا مما يغلطه الخاصة فيفتحونها، وهو غير جائز، مصدر فاخر، وفاعل يجيء مصدره على فعال بالكسر لا غير نحو قاتلت قتالاً، ونازلت لأَنه نزالاً، وخاصمت خصاماً، وكافحت كفاحاً، وصارعت صراعاً، وعندي أنه لا يبعد أن تكون الكلمة مفتوحة، ويكون مصدر فخر لا مصدر ،فاخر، فقد جاء مصدر الثلاثي إذا كان عينه) أو «لامه» حرف حلق على فعال بالفتح، نحو سمح سماجاً، وذهب ذهاباً اللهم إلا أن ينقل ذلك عن شيخ أو كتاب موثوق به صريحاً فتزول الشبهة انتهى .
أقول : المستفاد من الفيومي والفيروز آبادي أنّ الفخار بالفتح إسم من فخر، وبالكسر مصدر فاخر، قال في (المصباح) : فخرت فخراً من باب نفع، وافتخرت مثله، والاسم الفخار بالفتح، وهو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب وغير ذلك، إمّا في المتكلم أو آبائه، وفاخرني مفاخرة ففخرته غلبته(1). ، وفي (القاموس) الفخر ويحرك والفخار والفخارة يفتحهما، والفخيري كجليقي ويمدّ التمدّح بالخصال كالافتخار إلى أن قال وفاخره مفاخرة وفخاراً عارضه بالفخر، ففخره کنصره غلبه انتهى (2).
وبذلك يظهر جواز كون لفظ الفخار في كلامه قدّس سرّه بالفتح والكسر كليهما، وإن كان الموجود فيما رأيناه من النسخ هو الثاني (وأعرق) الرّجل إذا صار عريقاً، وهو الذي له عرق في الكرم، وأصل (وأعرق) الشجر إذا اشتدت عروقه في الأرض، ويجمع العرق على
عروق وأعرق وعراق والمنار)، قال الشارح المعتزلي : الإعلام، واحدها منارة بفتح الميم، وفيه أن جمع منارة مناور ومنائر بقلب الواو همزة ولم يصرّح أحد من اللغويين بكون المنار جمعاً لها أيضاً قال الفيومي : والمنارة التي يوضع عليها السّراج بالفتح مفعلة من الإستنارة والقياس الكسر لأنها آلة والمنارة التي يؤذن عليها أيضاً والجمع المناور بالواو ، ولا تُهمز لأنها أصلية كما لا تُهمزة الياء في معايش لأصالتها ، وبعضهم يهمز فيقول : مناثر تشبيهاً للأصلي بالزائد كما قيل : مصائب والأصل مصاوب، وقال في (القاموس) والمنارة والأصل منورة : موضع النور كالمنار والمسرجة والمأذنة، والجمع مناور ومنائر، ومن هَمَزَ فقد شبّه الأصلي بالزائد والمستفاد منه أنّ المنار إسم مفرد أيضاً مرادف للمنارة إلا أن السيد (رحمه الله) أتى بصفته مؤنثة، وهو يقوّي جمعيته، (والمثاقيل) جمع المثقال وهو ميزان الشيء من مثله ، قال الشارح البحراني : وهو ما يوزن به الذهب والفضة، ويكون حذاً لها، ثم كثر استعماله حتى عدّي إلى الموزون أيضاً فيقال : مثقال مسك ونحوه، ثم عدّى إلى الأمور المعقولة والمقادير منها، فقيل : مثقال فضل(1).
أقول : ومنه قوله سبحانه: «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شرا يره » [الزلزلة : 7] .
(والإزاء) الحذاء ( والمكافاة) كالكفاء: الجزاء ، يقال : كافئه مكافئة وكفاء جازاه، وفلانا ماثله، قال تعالى :
«وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ » [الصمد : 4] .
أي مماثلاً ، (وخوى) النجم بالتخفيف سقط، وبالتشديد مال للمغيب.
تفصيل علماء الأدبيّة والتفسير وإشباعهم الكلام في إعراب البسملة كفانا مؤنته هنا ، والتعرّض للأهم أولى.
فأقول : إضافة الحمد إلى الله في قوله : (أما بعد حمد الله) من إضافة المصدر إلى مفعوله والتقدير أما بعد حمدي الله سبحانه (ونبي الرحمة) عطف بيان لرسوله، ولذلك أعرب بإعرابه، ويجوز كونه بدلاً منه، ونحو منه، ونحوه قوله : مصابيح الظلم، وإضافة مثاقيل إلى الفضل معنويّة بمعنى اللام ، قال البحراني، أو بمعنى من أي مثاقيل من الفضل متبوعة ترجح على غيرها،
أقول : والأوّل أظهر بل أقوى.
1) راجع بحار الأنوار: 359/65 .
إعلم أن السيد (رحمه الله) افتتح كتابه باسم الله سبحانه إقتداء بكتاب الله الكريم ، واتباعاً على سنة النّبي الحليم فقال : (بسم الله الرّحمن الرّحيم) وينبغي الافتتاح به عند كل أمر صغير أو عظيم.
فعن الكافي عن الصادق (رضی الله عنه)، قال: «لا تدعها ولو كان بعده شعر(1).
وعن التّوحيد عنه (رضی الله عنه) من تركها من شيعته امتحنه الله ،بمكروه، لينبهه على الشكر والثناء، ويمحق عنه وصمة تقصيره عند تركه(2).
وفي تفسير الإمام(رضی الله عنه)، قال الصادق(رضی الله عنه): ولربما ترك في افتتاح أمر بعض شيعتنا : بسم الله الرّحمن الرّحيم، فامتحنه الله بمكروه لينبهه على شكر الله والثناء عليه، ويمحو عنه وصمة تقصيره عند تركه قوله : بسم الله»
قال : وقد دخل عبد الله بن يحيى على أمير المؤمنين(رضی الله عنه) وبين يديه كرسي، فأمره بالجلوس عليه فجلس عليه فمال به حتى سقط على رأسه، فأوضح عن عظم رأسه، فسال الدّم فأمر أمير المؤمنين(رضی الله عنه) بماء فغسل عنه ذلك الدم ، ثم قال له « ادن منّي» ، فدنا منه، فوضع يده على موضحته وقد كان يجد ألمها ما لا صبر له ومسح يده عليها، وتفل فيها حتى اندمل وصار كأنه لم يصبه شيء قط، ثم قال أمير المؤمنين (رضی الله عنه): «يا عبد الله الحمد الله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم لتسلم لهم طاعتهم ويستحقوا عليها ثوابها، فقال عبد الله : يا أمير المؤمنين إنا لا نجازي بذنوبنا إلا في الدنيا، قال: «نعم، أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وآله : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، إنّ الله يظهر شيعتنا من ذنوبهم في الدنيا بما يبتليهم من المحن وبما يغفره لهم فان الله تعالى يقول :« وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْنُوا عَن كَثِير» [الشورى: 30] .
حتّى إذا ورد القيامة توفّرت عليهم طاعاتهم وعباداتهم، فقال عبد الله بن يحيى يا أمير المؤمنين قد أفدتني وعلمتني، فإن رأيت أن تعرفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجلس حتى لا أعود إلى مثله قال تركك حين جلست أن تقول بسم الله الرّحمن الرّحيم، فجعل الله ذلك بسهوك عمّا ندبت إليه تمحيصاً بما أصابك، أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حدثني عن الله عزّ وجلّ أنّه قال كل أمر ذي بال لم يذكر اسم الله فيه فهو
أبتر»، فقلت بلى بأبي وأمي لا أتركها ،بعدها، قال (رضی الله عنه) : إذا تحظى بذلك وتسعد»، ثم قال عبد الله : يا أمير المؤمنين ما تفسير بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال(رضی الله عنه) : إن العبد إذا أراد أن يقرأ أو يعمل عملاً، ويقول : بسم الله أي بهذا الاسم أعمل هذا العمل، فكل عمل يعمله بتدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فإنّه يبارك» (1).
وفيه أيضاً عن الباقر، عن علي بن الحسين عليهم السّلام، قال: حدثني أبي عن أخيه، عن أمير المؤمنين (رضی الله عنه) أن رجلاً قام إليه فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن بسم الله الرّحمن الرّحيم ما معناه؟ فقال ما معناه؟ فقال (رضی الله عنه) : «إنّ قولك الله أعظم الأسما لأسماء من أسماء الله تعالى وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يسمّى به غير الله، ولم يتسم به مخلوق»، فقال الرّجل فما تفسير قول الله ؟ فقال له : هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق، وعند انقطاع الرّجاء من جميع من دونه وتقطع الأسباب من كلّ من سواه، وذلك إنّ كل مترئس في هذه الدنيا، ومتعظم فيها، وإن عظم غناؤه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه إليه، فإنّهم يحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم، وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع إلى الله عند ضرورته ،وفاقته، حتى إذا كفى همه عاد إلى شركه أما تسمع الله عز وجل يقول :
«وقُلْ أَرَهَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَنكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَونَ مَا تُشْرِكُونَ » [الأنعام: 40] .
فقال الله لعباده: أيّها الفقراء إلى رحمتي إنّي قد ألزمتكم الحاجة إلي في كل حال وذلة العبودية في كل وقت فإلي فافزعوا في كلّ أمر تأخذون به وترجون تمامه وبلوغ غايته، فإنّي إن أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم وإن أردت أن أمنعكم لم يقدر غيري على إعطائكم، فتقولوا عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير : بسم الله الرّحمن الرّحيم أي أستعين على هذا الأمر بالله الذي لا تحق العبادة لغيره المغيث إذا استغيث والمجيب إذا دعي الرّحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا، والرّحيم بنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا، خفّف الله علينا الدّين، وجعله سهلاً خفيفاً، وهو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): من حزنه أمر تعاطاه فقال : الله الرّحمن الرّحيم، وهو مخلص الله عزّ وجلّ، ويقبل بقلبه إليه، لم ينفك من أحد الشّيئين : إما بلوغ حاجته الدنياوية، وإما ما يعدله عنده، ويدخر لديه، وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين »(2).
ثم أردف البدأة بالتسمية بالبدأة بالتحميد للندب إليه في أخبار كثيرة، والأمر بالبدأة به في خصوص النبوي المعروف بين الفريقين فقال: (أما بعد حمد الله) أي تعظيمه وثنائه سبحانه، وتحقيق الكلام في بيان معنى الحمد والفرق بينه وبين المدح والشكر، يأتي إن شاء الله في شرح الفصل الأوّل من الخطبة الأولى، ولكونه من أفضل الطاعات، وأحسن العبادات، وأكمل القربات ترتبت عليه ثمرات عديدة، أشار إليها بقوله : (الذي جعل الحمد ثمناً لنعمائه، فالإتيان بالموصول وما بعده من الجملات المتعاطفة، للتنبيه والإيماء إلى تعظيم الحمد وتفخيمه وشرفه وقوله : ثمناً لنعمائه استعارة لطيفة .
قال الشارح البحراني : ووجه المشابهة أن الثمن لمّا كان مستلزماً لرضاء البائع به عوضاً عن ،مبيعه وكان الحمد مستلزماً لرضاء الحق سبحانه في مقابلة ،نعمه لا جرم أشبه الثّمن، فاستعير لفظه له .
أقول والأظهر أن يقال: إن العبد بالحمد يتأهل لإفاضة النعمة من الله سبحانه إليه، وقبولها منه، كما أنّ المشتري بإعطاء الثمن يستحق أخذ المثمن من البائع، وهذا هو الجامع بينهما لا ما توهم، لأن وجه الشبه في الاستعارة لا بد وأن يكون من أظهر خواص المشبه به، وما ذكرته هو الأظهر كما لا يخفى.
وأمّا كونه موجباً لإستحقاق النّعمة، فلدلالة الكتاب العزيز عليه، مضافاً إلى غير واحد من الأخبار .
منها ما في (العيون)، عن محمد بن القاسم المفسّر قال: حدثنا يوسف بن محمد زياد وعلي بن محمد بن سيار عن أبويهما عن الحسن بن علي، عن أبيه علي بن محمد أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن موسى الرّضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): قال الله عزّ وجلّ: «قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال الله الرّحمن الرّحيم، قال الله جلّ جلاله بدأ عبدي باسمي وحق عليّ أن أتمم له ،أموره وأبارك في أحواله فإذا قال الحمد لله ربّ العالمين قال الله جلّ جلاله حمدني عبدي، وعلم أن النعم التي له من عندي وأنّ البلايا التي دفعت عنه فيطولي أشهدكم أنّي أضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت بلايا الدنيا (1). الحديث .
فقد علم بذلك أن الحمد سبب لإفاضة النّعماء كما علم أن به يندفع البلاء، حسبما
1) عيون أخبار الرضا : 269/2 ح59 .
أشار إليه السّيد بقوله : (ومعاذا من بلائه ) مضافاً إلى أن النّعمة والنّقمة والمنحة والمحنة متضادّتان، كما أنّ الشكر والكفران كذلك، فإذا كان الكفران موجباً للعذاب والبلاء والمحن، بمقتضى قوله سبحانه: «وَلَين كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ » [إبراهيم: 7] .
يكون الشكر والثناء ملاذاً من المحن والبلاء، وهو واضح لا يخفى.
والوجه الآخر وهو الطف من سابقيه، هو أن العبد إذا قال الحمد لله يشمله دعاء المصلین، والدّعاء جنّة من البلاء، وترس للمؤمن من الأعداء.
أمّا أنّه يشمله دعاء المصلين فلما رواه في (الكافي) عن محمّد بن یحیی، عن احمد بن محمد، عن أبي سعيد القماط عن المفضل قال : قلت لأبي عبد الله (رضی الله عنه) : جعلت فداك علمني دعاء جامعاً، فقال(رضی الله عنه) لي : «أحمد الله، فإنّه لا يبقى أحد يصلي إلا دعا لك، يقول : سمع الله لمن حمده»(1).
وأمّا أنّ الدّعاء يردّ البلاء، فلما رواه في الكافي) أيضاً عن محمد بن يحيى، عن بن محمد بن عيسى عن ابن محبوب، عن أبي ،ولاد قال : قال أبو الحسن موسى(رضی الله عنه) : عليكم بالدّعاء، فإن الدّعاء الله والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدر وقضي الله وسئل صرف البلاء صرفة .(2) .
وفیه عن عدّه من اصحابنا، عن احمد بن محمد بن خالد، عن فضالة بن ایوب عن السّکونی عن ابی عبدالله (رضی الله عنه) قال: قال رسول الله(رضی الله عنه): الدّعا سلاح المؤمن، وعمود الدّین، نور السّماوات والارض» (3).
وبهذا الإسناد قال : قال أمير المؤمنين (رضی الله عنه) : «الدعاء مفاتيح النجاح، ومقاليد الفلاح، وخير الدعاء ما صدر عن صدر نقيّ، وقلب تقي وفي المناجاة سبب النّجاة؛ وبالإخلاص يكون الخلاص، فإذا اشتدّ الفزع فإلى الله المفزع» (4).
وظهور هذه الروايات وما ضاهاها وإن كان في عودة ثمرة الدّعاء إلى نفس الداعي، إلا أنّه ليس بحيث يوجب تقييد إطلاقها، ويصرف المطلقات عن الإطلاق، ومقادها : أن الدعاء له خواص ،وثمرات عائدة إلى المدعو له، سواءً كان نفس الدّاعي أو أخاه المؤمن بل دعاء
المرء لأخيه المؤمن بظهر الغيب أوشك دعوة، وأسرع إجابة كما نطقت به أخبار أهل البيت (عليهم السلام )هذا .
وعطف قوله : (ووسيلاً إلى جنانه على سابقه من قبيل عطف الخاص على العام لمزيد الاهتمام على حد قوله تعالى: «يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج » [البقرة: 189].
وذلك ، لأنّ الحمد إذا كان ثمناً للنّعمة يكون ألبتة وسيلة إلى الجنة، لأنّها من أعظم النّعماء، وأشرف الآلاء، يقصر دونها كل نعمة ويبخس عندها كل عطية على أنه من أفضل العبادات، وأحب الأعمال إلى الله سبحانه كما أفصح عنه رواية الكافي بإسناده عن مروان قال: قلت لأبي عبد الله(رضی الله عنه) : أي الأعمال أحب إلى الله عزّ وجلّ؟ فقال: «أن تحمده، وكون العبادة وسيلة إلى الجنّة ظاهرة وأما كونها سبباً لزيادة إحسانه فبنص الآية الشريفة أعني قوله سبحانه» .
«لئن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » [إبراهيم: 7] .
ثم أردف الحمد الله تعالى بالصّلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، رعاية للآداب الشرعيّة، وجرياً على الرسومات الدينية المستمرة عليها، عادة المتشرعة في باب الخطابة، فقال: (والصلاة على رسوله) تحقيق الكلام في معنى الصلاة وكيفيتها وفضلها وسائر ما فيها يأتي إن شاء الله تعالى في شرح الخطبة الحادية والسبعين، كما أن تحقيق معنى الرّسول، والفرق بينه وبين النبي يأتي إن شاء الله تعالى في شرح الفصل الخامس عشر من فصول الخطبة الأولى، ووصفه صلّى الله عليه وآله بأوصاف سبعة .
الأوّل : أنّه ( نبي الرحمة) أي نبي هو رحمة الله سبحانه على خلقه، ومنة منه تعالى عليهم، كما قال عزّ من قائل:
«وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلعالَمِينَ » [الأنبياء : 107].
قال في «مجمع البيان» : أي نعمة عليهم وقال : قال ابن عباس رحمة للبر والفاجر ؛ والمؤمن والكافر؛ فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة ورحمة للكافر بأن عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والمسخ .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبرئيل لما نزلت هذه الآية: «هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك»، لما أثنى الله علي بقوله :
«ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكين » [التكوير : 20].
أقول : والوجه الآخر في كونه رحمة أنّ الله سبحانه رفع العذاب عن الأمة بوجوده فيهم كما قال تعالى :
«وما كان الله ليعذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (1).
والوجه الثالث : أنه سبب وجود ،العالم، وواسطة جميع ما فيه من النّعم ظاهرها وباطنها، صغيرها وكبيرها أصولها وفروعها، دنيوية كانت أو أخروية على ما يأتي تحقيقاً وتفصيلاً إن شاء الله في شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة الثانية، فهو الله والطيبون(رضی الله عنهم) من أولاده عليهم السلام أولياء النّعمة، ومبادي الرّحمة وأسباب الخيرات النازلة، ووسائط
الفيوضات الواصلة (2)
عن سليمان بن عساكر بن عساكر في حديث قدسي : القد خلقتُ الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي
ولولاك ما خلقت الدنيا - لوامع انوار الكوكب الدري: 15/1 .
وعن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في حديث: انا وانت من شجرة واحدة ولولانا لم يخلق الله الجنة ولا النار ولا الأنبياء ولا الملائكة . بحار الأنوار: 349/26 ح 23 ، والهداية الكبرى: 101 .
لولاکم ما استدارت الاکبر***ولا استنارت شمس ولاقمر
ولا تدلی عصن ولا ثمر***ولاتندی ورق ولاخضر
ولا سری بارق ولا***مطر
والثاني : أنّه إمام) الأئمة أي يأتم به الأئمة ويتبعونه، ويؤمون أفعاله ويقصدونها،
والمراد بالأئمة: إما كل من يقتدي به ويتبع من الرّؤساء المتبعين، أو خصوص الأنبياء لكونهم أحق الخلق بالإمامة والرياسة أو خصوص المتصفين منهم بالإمامة الاصطلاحية مع الأئمة الإثنى عشر عليهم السّلام وعلى كل تقدير، فهو صلى الله عليه وآله إمام الكلّ ووليه ومقتداه، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم شمس فلك الرّسالة والولاية، والأئمة من ذريته بمنزلة الأهلة، وقد أخذ ميثاقه على جميع الأنبياء، بل على جميع خلقه حسبما تعرفه تحقيقاً وتفصيلاً في شرح الفصل الرابع عشر والفصل السادس عشر من الخطبة الأولى.
وأقول هنا : روى في «البحار» من «أمالي الشيخ » وابنه عن أحمد بن هوزة عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه قال: سألت جعفر بن عليهما السّلام، لم سمّيت الجمعة جمعة ؟ قال : لأنّ الله جمع فيها خلقه لولاية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته (1).
ومن تفسير العياشي عن أبي عبد الله الحلبي، عن أبي عبد الله(رضی الله عنه) ، قال : قال أمير المؤمنين(رضی الله عنه)
«ما كان إبراهيمُ يَهُودِيَا وَلا نَصْرانِياً. لا يهودياً يصلي إلى المغرب، ولا نصرانياً يصلّي إلى المشرق .
وَلكِنْ كانَ حَنيفاً مُسْلِماً على دين محمد صلى الله عليه وآله (2).
(و) الثالث : أنه (سراج) الأمة) كما قال تعالى :
«يَأَيُّهَاالنَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا منيرا » [الأحزاب: 47] .
استعارة لفظ السراج له صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أنه تهتدي به الأمة في ظلمة الضلال والجهل كما يُهتدى بالسّراج في ظلمة الليل .
(و) الرّابع: أنّه «المنتخب من طينة الكرم» أي المختار من أصل العز والشرف، وجبلة الكرامة وخلقته.
(و) الخامس : أنه المنتجب من (سلالةالمجد الأقدم) قال الشارح البحراني : وإضافة السلالة إلى المجد، إما على تقدير المضاف أي سلالة أهل المجد وإما أن يكون قد إستعار لفظ المجد لأصله صلى الله عليه وآله وسلم، فكأنّه خيّل أنّ الأصل كله مجد، فأعطاه لفظة المجد، وأضاف إليه بعد الإستعارة.
أقول : وعلى الثاني فيكون لفظ المجد استعارة بالكناية تشبيهاً له بالشخص الإنساني الذي له سلالة ونسل، وإثبات السلالة تخييل، ثمّ وصف المجد بالأقدم لأنّه أفضل من المجد الحادث.
(و) السادس : أنه (مغرس الفخار المعرق) لما كان صلى الله عليه وآله وسلم محلاً
لفنون الفخار ومبدءاً لغصون الإفتخار شبه ثباتها فيه وظهورها منه بثبات الأشجار المغروسة في محالها ومغارسها ونموّها فيها ، فاستعير لفظ الغرس للقبات والجامع هو الإستحكام، ثم قيل إنّه مغرس بعنوان الاستعارة التبعية، ووصف الفخار بالمعرق للتنبيه على كمال الإستحكام وشدته .
(و) السّابع : أنه (صلی الله علیه وآله وسلم) (فرع العلاء المثمر المورق) لما كان فرع الشجرة عبارة عن
ا غصنها إستعارة لرسول الله ، باعتبار تفرّعه عن دوحة الرّسالة وتشعبه عن شجرة النبوة، بعنوان الإستعارة الأصلية، ورشحها بذكر المثمر والمورق لأنّ الفرع الخالي من الثمر والورق عديم النّفع، خال عن الحسن والطراوة، فالمراد بالعلاء على ما ذكرنا : هو الرّسالة والنّبوة، ويحتمل أن يراد آبائه الموصوفون بالشرف والعلو حتى صاروا كأنهم نفس العلاء والعلوّ ، من باب زيد عدل .
وأمّا احتمال الشّارح البحراني تقدير المضاف أي فرع أهل العلاء نحو ما تقدم في سلالة ،المجد ،فسخيف، إذ يلزم حينئذ أن نخرج الكلام إلى شيء مغسول وكلام عامي ،مرذول، لا مساغ له عند من هو صحيح الذوق والمعرفة ؛ ولذلك ذهب الشيخ عبد القاهر في قول الخنساء:
لا تسأم الدهر منه كل ماذكرت*** فإنّما هي إقبال وإدبار
إلى أنَّ إسناد الإقبال والإدبار إلى المسند إليه من باب المجاز العقلي وليسا من المجاز اللغوي والمجاز الحذف، حيث قال في محكي كلامه من دلائل الإعجاز : لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما ، حتى يكون المجاز في الكلمة، وإنّما المجاز في أن جعلتها لكثرة ما تقبل ،وتدبر كأنّها تجسّمت من الإقبال والإدبار، وليس أيضاً على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ،مقامه وإن كانوا يذكرونه منه، إذ لو قلنا : أريد إنّما ذات إقبال وإدبار، أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيء مغسول وكلام عامي مرذول لا مساغ له عند من هو صحيح الذوق والمعرفة نسّابة للمعاني، انتهى .
وبذلك علم أيضاً سخافة ذلك الاحتمال فيما تقدّم أعني سلالة المجد الأقدم هذا وقد وقع نظير ذلك التشبيه والاستعارة التي في كلام السيد (رحمه الله) في قوله تعالى :
«كَشَجَرَة طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء » [إبراهيم: 24] الآية .
ويأتي تفصيلها إن شاء الله في شرح الخطبة الثالثة والتسعين .
ثم لمّا كانت الصلاة على الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم بدون تعقيبها بالصّلاة على
الآل من الظلم والجفاء، مضافاً إلى أنّها بتراء كما تدلّ عليه رواية (الكافي)، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (رضی الله عنه) قال : سمع أبي رجلاً متعلقاً بالبيت وهو يقول: اللهم صلّ على ،محمد، فقال أبي(رضی الله عنه) يا عبد الله لا تبترها لا تظلمنا ،حقنا قل اللهم صل على محمّد و أهل بيته لا أردفها بها فقال : (وعلى أهل بيته) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وهم أهل الكساء، أعني عليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ويدخل من بعدهم من الأئمة التسعة بإجماع الفرقة المحقة (1).
روى في «كشف الغمّة» عن أم سلمة قالت إنّ النّبي صلى الله عليه وآله بينا هو جالساً، إذ أنته فاطمة عليها السّلام ببرمة فيها عصيدة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
أين علي وابناه؟ قالت في البيت قال : ادعيهم لي فأقبل علي والحسن والحسين عليهم السّلام، فلما بصر بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم تناول كساء كان على المنامة خيبرياً فجلل به نفسه وعليّاً والحسن والحسين وفاطمة عليهم السّلام، ثمّ قال: اللهم إنّ هؤلاء أهل بيتي وأحب الخلق إليّ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فأنزل الله تعالى «إنما يريد الله ليذهب » [الأحزاب: (33] الآية قال كاشف الغمة وفي رواية أخرى قالت فقلت يا رسول الله ألستُ من أهل بيتك؟ قال إنك على خير أو إلى خير (2).
هذا وقد وصف أهل البيت عليهم السلام بأوصاف أربعة:
الأول: أنهم مصابيح الظلم إستعارة المصباح لهم باعتبار اهتداء الخلق بهم من ظلمات الجهل، كما يُهتدى بالمصباح في ظلمة الليل ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في شرح الفصل الأوّل من فصول الخطبة الرابعة .
(و) الثاني : أنهم (عصم الأمم) أي عاصمون لهم بسبب هدايتهم إياهم عن التورط في المهالك، فمن فارقهم فهالك .
(و) الثالث: أنّهم (منار الذين الواضحة إذ من أنوارهم يقتبس أحكام الدين، وبآثارهم
1) الصلاة البتراء أخرج الشعراني حديث الصلاة البتراء عن رسول الله صلى الله عليه وآله بلفظ : لا تصلوا علي الصلاة البتراء ، قالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال : تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون بل قولوا اللهم صلّ على محمد وآل محمد فقيل من أهلك يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله : علي وفاطمة والحسن والحسين . كشف الغمة للشعراني: 219/1 فصل في الأمر بالصلاة على النبي ط مصر 1327 المطبعة
2) راجع كشف الغمة: 47/1، وفضل آل البيت للمقريزي : 30، وقد فصلنا ذلك في كتاب طهارة آل محمد (صلی الله علیه وآله وسلم).
يسلك نهج الحق المبين وبهداهم يهتدي إلى منهاج شرع سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم .
(و) الرّابع: أنّهم (مثاقيل الفضل الرّاجحة) إن كانت المثاقيل بمعنى الموازين أي آلة الوزن، فالمراد أنّهم موازين لفضل الخلق ومعيار ومدار له بمعنى أن بهم يعرف فضل ذي الفضل ويرجح على غيره وبمحبتهم وولايتهم سعد من سعد ويبغضهم وعداوتهم هلك من هلك، قال تعالى :
«وقُل هل نُلَيْنَكُم قل هل تليكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلَا الَّذِينَ ضَلَّ سَعيهم في الحيوة الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنهم يُحْسِنُونَ مُنْعَا أَولَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِتَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَابِهِ، فَحَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ فَهُمْ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ وَزْنًا » [الكهف: 105] .
روى في (الصافي) من (العيون) عن الرّضا(رضی الله عنه) ، فيما كتبه للمأمون : ويجب البرائة من أهل الاستبشار، ومن أبي موسى الأشعري، ومن أهل ولايته، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم، بولاية أمير المؤمنين (رضی الله عنه) ، ولقائه، بأن لقوا الله بغير إمامته، فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ، فهم كلاب أهل النار .
وقال سبحانه: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أَشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ» [إبراهيم: 18] .
روى في ( البحار) من تفسير عليّ بن إبراهيم أنّه قال: من لم يقرُّ بولاية أمير المؤمنين(رضی الله عنه) بطل عمله مثل الرّماد الذي تجيء الرّيح فتحمله .
وفي (البحار) أيضاً من كتاب أعلام الدين للدّيلمي من كتاب الحسين بن سعيد بإسناده عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السّلام عن رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لأمير المؤمنين (رضی الله عنه) : بشر شيعتك ومحبّيك بخصال عشر أولها طيب ،مولدهم وثانيها حسن إيمانهم . وثالثها: حبّ الله لهم . والرّابعة : الفسحة في قبورهم والخامسة نورهم يسعى بين أيديهم، والسادسة : نزع الفقر من بين أعينهم وغنى قلوبهم والسابعة المقت من الله لأعدائهم، والثامنة : الأمن من البرص والجذام، والتاسعة: انحطاط الذنوب والسيئات عنهم والعاشرة هم معي في الجنّة وأنا معهم فطوبى لهم وحسن مآب» (1).
وإن كان المراد بالمثاقيل : نفس الموزون على التوسع كما احتمله الشارح البحراني، فيكون محصل المعنى أنّهم عليهم السلام أولو الفضل ،الراجح، وأفضل من برأ الله وخلقه،
1) بحار الأنوار : 162/27 .
ولا ريب فيه، وقد دلت عليه الأخبار المتواترة، والفرق بينه وبين الوجه السابق أنّ الفضل ولاريس فيما سبق صفة لشيعتهم عليهم السّلام لأجل محبّتهم وولايتهم، وهنا صفة لهم بأنفسهم عليهم السلام (صلى الله عليهم أجمعين) تأكيد لما سبق وتمهيد لبيان أن إستحقاقهم للصلاة باعتبار أمور ثلاثة : أحدها فضائلهم النفسانية، كالعلوم والملكات الخلقية الفاضلة، وإليه أشار بقوله : صلاة تكون إزاء لفضلهم) .
وثانيها : أعمالهم الظاهرية من العبادات والطاعات وإليه أشار بقوله: (ومكافأة لعملهم أي مجازاة له .
وثالثها: طيب أصولهم الزكية المطهرة، وتفرّعهم عنها مع فروعهم الطيبة المتفرعة منهم، وإليه أشار بقوله : وكفاء لطيب فرعهم وأصلهم هذا، ويجوز أن يكون الأولان إشارة إلى جهة الإستحقاق والأخير إشارة إلى كمال الصّلاة، أي صلاة زاكية طيبة مماثلة لطيب أصلهم وفرعهم ، وهذا هو الأظهر (ما أنار فجر ساطع وخوى نجم طالع) أي دائمة بدوامها مستمرة إلى مدى الدهر.
اما پس از سپاس و حمد خدایی که گردانید حمد را بهای نعمت خود و پناه از بلیت خود و وسیلههای رسانیدن به سوی بهشتها و سبب زیادتی احسان و صلوات و درود بر رسول و پیغمبر او که نبی رحمت است و مقتدای همه پیشوایان و چراغ امتان و هدایت کننده ایشان که برگزیده شده از طینت و خمیره کرامت و از نطفه مجد و بزرگی قدیم و محل کاشته شدن مفاخرتی است که ثابت و ریشه دار است و شاخه رفعت و بلندی است که میوه آور و برگ دار است و صلوات بر اهل بیت او که چراغهای تاریکیها و نگه دارندگان امتها هستند و علامت های آشکارای دین اند و معیارهای افزون فضل اند تحیت و درود خدای تعالی بر همه ایشان باد چنان تحیّتی که باشد مقابل فضل و مزیت ایشان و مجازات طاعت و عبادت ایشان و مساوی پاکیزگی فرع و اصل ،ایشان مادامی که روشن است صبح بلند شونده و غروب کننده است کوکب طلوع نماینده .
«فَإِنِّي كُنْتُ في عُنْفُوانِ السِّنِّ، وَغَضَاضَةِ الْغُصْنِ، ِإبْتَدَأَتُ بِتَأْليفِ كِتاب في خصائص الأَئِمَّة عَلَيْهِمُ السَّلامُ ، يَشْتَمِلُ عَلَى مَحَاسِنِ أَخْبَارِهِمْ، وَجَوَاهِرٍ كَلامِهِمْ، حَدَانِي عَلَيْهِ غَرَضٌ ذَكَرْتُهُ في صَدْرِ الْكِتابِ، وَجَعَلْتُهُ أَمامَ الْكَلامِ، وَفَرَغْتُ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتي تَخُصُّ أمير الْمُؤْمِنِينِ عَلِباً (رضی الله عنه) وَعَاقَتْ عَنْ إِتْمام بَقِيَّةِ الكِتابِ مُحاجِزاتُ الزَّمانِ، وَمُماطلاتُ الأيام، وَكُنتُ قَدْ بَوَّبْتُ ما خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ أبواباً، وفَصَّلْتُهُ فُصولاً فَجَاءَ فِي آخِرِها فَصْلٌ يَتَضَمَّنُ مَحاسِنَ ما نُقِلَ عَنْهُ(رضی الله عنه) مِنَ الْكَلاَمِ الْقَصِيرِ ، في الْمَواعِظِ وَالْحِكَم وَالأَمْثَالِ وَالآدَابِ، دُونَ الخطب الطويلةِ، وَالْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ، فَاسْتَحْسَنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَصْدِقَاءِ وَالإِخْوَانِ، مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ، مُعْجَبِينَ بِبَدائِعِه ، وَمُتَعَجِّبينَ مِنْ ،نواصِعِهِ، وسَأَلُونِي عِنْدَ ذَلِكَ : أَنْ أَبْدَأَ بِتَأْلِيفِ كِتابِ يَحْتَوِي عَلَى مُخْتَارٍ كَلاَم مَوْلانَا أَميرِ الْمُؤْمِنينَ (رضی الله عنه) في جميع فُنُونِهِ، وَمُتَشَعِبَاتِ غُصُونِهِ؛ مِنْ خُطَبٍ وَكُتُبِ وَمَوَاعِظَ وَأَدَبِ وآداب خ ل عِلْماً أَنَّ ذلِكَ يَتَضَمَّنُ مِنْ عَجَائِبِ الْبَلاغَةِ، وَغَرَائِبِ الْفَصَاحَةِ، وَجَوَاهِرِ العَرَبِيَّةِ، وثَوَافِب الكَلِم الدينية والدُّنْبَوِيَّةِ، ما لا يُوجَدُ مُجْتَمِعاً في كَلاَمٍ، وَلاَ مَجْمُوعُ الأَطْرَافِ في كِتَابٍ، إِذْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (رضی الله عنه) مَشْرَعَ الْفَصَاحَةِ وَمَوْرِدَها ، وَمَنْشَأَ الْبَلاغَةِ وَمَوْلِدَها ، وَمِنْهُ الله ظَهَرَ مَكْنُونُها ، وَعَنْهُ أُخِذَتْ قوانينها ، وَعَلى أَمْيْلَتِهِ، حَذَا كُلُّ قائِلٍ خَطيبٍ، وَبِكَلامِهِ اسْتَعانَ كُلُّ وَاعِظ بَليغ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ سَبَقَ وَقَصَّرُوا ، وَتَقَدَّمَ وَتَأَخَّرُوا ، لأَنّ كَلامَهُ (رضی الله عنه) الْكَلَامُ الَّذِي عَلَيْهِ مَسْحَةٌ مِنَ الكَلام الإلهي، وفيه عَبَقَةٌ مِنَ الْكَلام النّبوي، فَأَجَبْتُهُمْ إِلَى الإِبْتِدَاءِ بِذلِكَ، عالِماً بما فيهِ مِنْ عَظيم التَّفْعِ، وَمَنْشُورِ الذِّكْرِ ، وَمَدْخُورِ الأَجْرِ، وَاعْتَمَدْتُ بِهِ أَنْ أُبَيْنَ بِهِ مِنْ عَظيم قَدْرِ أَميرِ الْمُؤْمِنينَ (رضی الله عنه) في هذِهِ الْفَضِيلَةِ، مُضافَةً إِلَى الْمَحَاسِنِ الدَّثِرَةِ وَالْفَضَائِلِ الْجَمَّةِ، وَأَنَّهُ لَه انْفَرَدَ بِبُلُوغ غايَتِهَا مِنْ جَميعِ السَّلَفِ الأَوَّلِينَ الَّذينَ إِنَّما يُؤْثَرُ عَنْهُمْ مِنْهَا الْقَلِيلُ النَّادِرُ، وَالشّاةُ الشّارِدُ ، وَأَمَّا كَلامُهُ (رضی الله عنه) فَهُوَ الْبَحْرُ الَّذِي لا يُساجَلُ والْجَمُ الَّذِي لا يُحافَلُ»، وَأَرَدْتُ أَنْ يَسُوعَ لِيَ التَّمَثْلُ في الإِفْتِخار بهِ (رضی الله عنه) بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ .
أولئك آبائي فجئني بمثلهم***اذا جمعتنا یا جریر الجامع
عنفوان) الشيء بضم العين والفاء : أوّله أو أوّل بهجته، قال المطرّزي وهو فنعلان من العفو وهو الصفو، أو فعلوان من حروف العنف، لأنّ أوّل الشباب حالة خرق وجرى على غير رفق ويحتمل أن يكون من باب الإبدال ويكون أصله إنفوان ويدلّ على هذا قولهم اعتنقت الشيء بمعنى أيتنفته إذا استقبلته انتهى (ومعجبين) ومعتجبين إسمان للفاعلين : الأوّل من باب الأفعال، والثاني من التفعّل .
قال الشارح المعتزلي : فمعجبين من أعجب فلان بنفسه وبرأيه فهو معجب بهما، والإسم العجب بالضم ولا يكون ذلك إلا في المستحسن ومتعجبين من قولك تعجبت من كذا ؛ والإسم العجب، وقد يكون في الشّيء يستحسن ويستقبح ويتهوّل منه ويستغرب، ومراده ههنا التهول والإستغراب ومن ذلك قول أبي تمام:
أبدت أساً إذ رأتني مجلس القصب*** وآل ما كان من عجب إلى عجب
يريد أنها كانت معجبة إلى أيام الشبيبة، لحسنه، فلمّا شاب انقلب ذلك العجب عجباً إمّا استقباحاً، أو تهوّلاً منه ،واستغراباً وفي بعض الروايات معجبين بالتشديد أي أنهم يعجبون غيرهم انتهى .
وقال الفيروز آبادي العجب بالضمّ الزّهو والكبر وإنكار ما يرد عليك كالعجب محرَّكة، وجمعها أعجاب والإسم العجيبة والاعجوبة بالضم وتعجب منه واستعجبت منه كعجبت وعجبته تعجيباً وأعجبه حمله على العجب (والثواقب) جمع الثاقب، قال تعالى :
«النجم الثاقب» (1).
وهو الذي يثقب بضيائه الظلام وفي بعض النسخ بدلها يواقيت جمع ياقوت من الجواهر المعروفة، وأجوده الأحمر الزماني (والمشرع) كالمشرعة مورد الشاربة وهكذا (المورد) والموردة، أي ما أتاه الماء والمسحة) بفتح الأوّل، وسكون الثاني، وتخفيف الثالث يقال : عليه مسحة من جمال أو هزال أي شيء منه (وعبق) به الطيب عبقاً كفرح: لزق ،به ورجل عبق وامرأة عبقة إذا تطيبا بأدنى طيب لم يذهب منهما أياماً، والعبقة محرّكة وضر السمن في النّحى (ولا يساجل) في بعض النسخ بالجيم من ساجله أي باراه وفاخره من السجل، وهو الدلو العظيمة مملؤة وملاء الدّلو، وفي بعض النسخ بالحاء من الساحل وهو ريف البحر وشاطئه (والجم) الكثير من كل شيء ومن الماء معظمه كجمته (ولا
1) القاموس المحيط : 36/1 .
يحافل) قال الشّارح المعتزلي: أي لا يفاخر بالكثرة، أصهل من الحفل وهو الإمتلاء، والمحافلة المفاخرة بالامتلاء، ضرع حافل أي ممتلىء كثير لبنه (وساغ) الشراب سوغا سهل مدخله قال الشاعر:
فساغ لي الشّراب وكنت قبلا*** أكاد أغصّ بالماء الفرات
قوله : فإنّي جواب أمّا بعد لقيامه مقامهما على ما فصل في كتب الأدب، ومعجبين ومتعجبين منصوبان على الحال (وعلماً) منصوب على المفعول له أو على أنه حال بمعنى الفاعل أي عالمين والعامل فيه سألوني ، ومن)) في قوله من عظيم قدر إما زائدة أو للتبعيض، وفي بعض النسخ بدلها عن وقوله وأنه انفرد عطف على عظيم.
المعنى
إعلم أن مقصود السّيد (قدس سره) بهذا الفصل إقتصاص حاله في تأليف هذا الكتاب والإشارة إلى الأسباب الحاملة له على ذلك قال :(رحمه الله) : (فإني كنت في عنفوان السن)، أي أوّلها وحين بهجتها ونضارتها وغضاضة الغصن ) أي طراوته وغضارته ابتدأت بتأليف كتاب في خصائص الأئمة عليهم السّلام أي ما تختص بهم من المناقب والمكارم والكمالات التي لا توجد في غيرهم يشتمل على محاسن اخبارهم وجواهر كلامهم حداني)، أي بعثني وحتني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب وجعلته أمام الكلام، وفرغته من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليّاً(رضی الله عنه) و (عاقت) أي منعت عن اتمام بقية الكتاب محاجزات الزمان أي ممانعاته، كأنّ الزّمان يمنعه عن الإتمام وهو يمنعه من منعه له، فالممانعة ،له فالممانعة من الطرفين. والمدافعة بين الاثنين ومماطلات الأيام أصل المطل : التسويف بالعدة، فاستعار لفظ المماطلات لشواغل الدّهر، ومشاغله بعنوان الإستعارة ،التبعية والجامع إيجاب كل منهما لتأخير العمل، فكأن الزمان لاغتراره ،بطوله يعده ويمنّيه ويسوّفه بإنجاز العمل وكأنه لطول أمله، يعد الزمان بإتمام العمل وإيقاعه فيه ويشتغل بشغل آخر، وكنت قد بقيت ما خرج من ذلك) الكتاب (أبواباً وفضلته فصولا فجاء في آخرها أي آخر تلك الفصول: (فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه الا الله من الكلام القصير في المواعظ التي تلين القلب بذكر الوعد ،والوعيد والثّواب والعقاب : (والحكم) أي العلوم التي ترفع الإنسان عن فعل القبيح (والأمثال السائرة، وقد مر تفصيلها في ديباجة الشرح في ضمن المحاسن البديعية عند التعرّض لإرسال المثل، فتذكر (والآداب) أي محاسن الأخلاق (دون الخطب الطويلة والكتب المبسوطة، فاستحسن جماعة من الأصدقاء والإخوان ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره) أي
الفصل الآخر (معجبين ببدائعه أي مظهرين للعجب أو حاملين لغيرهم على العجب بما فيه الألفاظ والمعاني البديعة العجيبة ومتعجبين من نواصعه) أي مطالبه ومقاصده الخالصة من الكدر (وسألوني عند استحسانهم ذلك أبدء بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين (رضی الله عنه) أي ماله مزيد إبداع في باب البلاغة والخطابة، وإلا فكل كلامه (رضی الله عنه) أكثر من أن يُؤَلَفُ في كتاب أو يُرتِّبُ في باب.
وقد قال قطب الدين الراوندي: سمعت بعض العلماء بالحجاز يقول: إني بمصر مجموعاً من كلام علي(رضی الله عنه) في نيف وعشرين مجلداً (في جميع فنونه )أي أنواعه وأساليبه المختلفة ومتشعبات غصونه أي فروعه وأغصانه المتفرّقة من خطب وكتب ومواعظ وأدب) وإنّما سألوني ذلك (علماً) منهم (إنّ ذلك) المؤلف ( يتضمن من عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة وجواهر (العربية) أي الألفاظ العربية التي في العزّة والنفاسة كالجواهر (وثواقب)(1). الكلم الدينية والدنيوية) أي الكلمات التي في الضوء واللمعان كالنجوم الثاقبة، أو في الشرافة والبهاء بمنزلة اليواقيت (ما) لا يوجد مجتمعاً في كلام، ولا مجموع الأطراف في كتاب إذ كان أمير المؤمنين (رضی الله عنه) مشرع الفصاحة وموردها شبه الفصاحة بماء صاف زلال يروي الغليل، لأنّ فيها ترويح الأرواح واستلذاذ النفوس، كما أنّ بالماء حياة الأبدان، وري ،العطشان فهي إستعارة بالكناية، وذكر المشرع والمورد تخييل، وجعله (رضی الله عنه) ومورداً لها، لاستفادتها وأخذها منه (رضی الله عنه) ، كما يستقي الماء من الشريعة.
مشرعاً
قال الشّارح البحراني ولو قال مصدرها وموردها لكان أبلغ ، إذ المشرع والمورد مترادفان أو قريبان من الترادف .
قلت النّظر هنا إلى جهة الورود لا الصدور كما يؤمي إليه قوله : (ومنشأ البلاغة ومولدها جعل البلاغة ولداً لهم(رضی الله عنه) وجعله أمّا لها لظهورها منه(رضی الله عنه) (ومنه(رضی الله عنه) ظهر مكنونها) ومخزونها (وعنه أخذت قوانينها أي ضوابطها وقواعدها (وعلى أمثلته حذا واقتفى كل قائل خطيب وبكلامه (إستعان واستمدّ كلّ واعظ بليغ) ومع كل (ذلك) الإحتذاء والاقتفاء والإستعانة والاتباع فقد سبق) (رضی الله عنه) في ميدان سباق الفصاحة (وقضروا وتقدم في مضمار البلاغة وتأخروا) وأعجز صاغة الخطابة بحسن الصياغة فلم يبلغ المقتفون أثره ( ولم يدركوا شاوه، ولم يشقوا غباره (لأن كلامه(رضی الله عنه) ) فيه من بديع النظم وحسن الأسلوب، ما يشنف الآذان ويهجم على القلوب من دون إستيذان فيبهر العقول بما يقول، ويسحر النفوس بالبيان المأنوس، وهو( الكلام الذي عليه مسحة) وجمال (من الكلام الإلهي وفيه
1) في نسخة يواقيت .
عبقة) ورائحة (من الكلام النبوي) بل هو درّ من ذلك العقد، وجدول در من ذلك العقد، وجدول من ذلك النهر، ونهر من
هذا البحر، ولذلك فاض وفاق على كلام غيره وجمع بين محاسن الألفاظ ومزايا المعاني .
فإن نظرت إلى ألفاظه وجدت فيها من الرواء والمهابة والعظمة والفخامة والمتانة والجزالة والحلاوة والطلاقة والرّقة والسلاسة ما قضيت منها العجب، بل لازلت معجباً بها أشدّ الإعجاب، مشعوفاً بلطائف لم يخرق على مثلها للسمع حجاب، وعرفت أنها لم تصدر إلا عن ذي عارضة قوية، وقريحة ملكوتية.
وإن نظرت إلى جانب المعنى عرفت عظم قدره وبعد ،غوره وشرف جوهره، وإحتوائه لأنواع العلوم، وإبانته عن السر المكتوم، وحكايته عن خبيات الموجودات، وروايته عن خفيات المصنوعات وتوضيحه ما أشكل وتفصيله ما أجمل ؛ وتفسيره ما أعضل.
فمن أين لغيره (رضی الله عنه) هذه المادة التي عبرت هذه الألفاظ عنها.
ومن أين يعرف أهل الجاهلية الجهلاء؟ ، والعرب العرباء الذي هم سند البلاغة وعليهم إستنادها هذه المطالب الغامضة، ليسفروا عن خمارها أو يغوصوا في غمارها، ومنتهى فصاحة أهل الجاهلية أنهم يصفون بعيراً أو فرساً أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات ، ونحو ذلك .
وأمّا غيرهم من الإسلاميين كبديع الزمان وعلامة همدان وأبي محمد الحريري وابن نباتة وسحبان الوائلي، ومن حذا حذوهم مع شدة ذكائهم، وغاية براعتهم وانتقادهم واشتهارهم في حسن الصياغة ترى كلامهم متضمناً لأباطيل اللغو، وأضاليل اللهو، ومشتملاً على الجد والهزل والرّقيق والجزل مفرغاً في قالب الصياغة على نهج حيث ألجأهم رعاية الإسجاع ،والجناس ولحاظ التطبيق والترصيع والمقابلة ونحوها إلى أن جعلوا المعاني تبعاً للألفاظ مع أنّ البليغ لا بد وأن يجعل اللفظ قالباً للمعنى، فإنّ اللباس يقطع على قدر القامة، وعلى حد السيف يؤخذ الغمد فإن المعاني إذا أرسلت على سجيتها لم تكتس إلا ما تليق بها، ولا تتلبس إلا ما يزينها، ومن تكلف لإبداع المحاسن، أطلق على نفسه لسان العتب مع ما تحمله من التعب وأفضى به طلب الإحسان إلى أشنع القبح، وأوقعه الولوع بالثناء عليه في ورطة القدح.
فقد ظهر من هذا كلّه أنَّ كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، ولا يقاس به كلام أحد في النظم مع عظم الفحوى، فهو(رضی الله عنه)الفارس المجلى في ،میدانه والناطق الذي تقرّ الشّقاشق عند بيانه والبحر الذي يقذف بجواهره، ويحكم على القلوب باتباع نواهيه وأوامره ويدلّ على الخيرات بترغيباته وينهى عن المنكرات بروادعه
وترهيباته، فحقيق بكلامه (رضی الله عنه)أن يجعل أمام الكلام كما أنه(رضی الله عنه) (عليه السلام ) إمام الأنام. قال السيد (رحمه الله) : (فأجبتهم إلى الإبتداء بذلك، عالماً بما فيه من عظيم النفع للطالبين (ومنشور الذكر ) أي الذكر الجميل ولسان الصدق لي في الدنيا ومدخور الأجر) أي الأجر الجزيل والثواب المدخور في الآخرة واعتمدت) أي قصدت به أن أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين (رضی الله عنه) في هذه الفضيلة) أي فضيلة البلاغة حال كونها (مضافة إلى المحاسن الدثرة) الكثيرة والفضائل الجمة) المعظمة .
(و) أبين (أنه(رضی الله عنه) انفرد ببلوغ غايتها أي غاية هذه الفضيلة من جميع السلف الأولين الذين انّما يؤثر أي ينقل ويروى عنهم منها القليل النادر والشاذ الشارد) إستعارة لفظ الشاذ والشّارد الذين هما من صفات الحيوان للكلمات البليغة المأثورة عن السلف بقلتها وندرتها الموجبة لانفرادها من أمثالها، وخروجها عن نظامها، فإن الشاذ هو الحيوان المنفرد الذي لا أمثاله، والشارد من البعير النافر الخارج عن نظام الإيل. وأما كلامه (رضی الله عنه) فهو البحر يصحب الذي لا يساجل أي لا يغالب ولا يفاخر عليه في الإمتلاء والكثرة، أو أنه البحر الذي ليس له ساحل (والجم الذي لا يحافل) أي الكثير الذي لا يعارض ولا يباري وأردت أن يسوغ لي) أي يجوز أو إستعارة تبعية حيث استعير لفظ السوغ الذي هو من أوصاف الشّرب، للتمثل، وهو من إستعارة المحسوس للمعقول، والجامع أن في المستعار منه لذة للشاربين وفي المستعار له التذاذ للمتمثل في التمثل في الافتخار به صلى الله عليه وإله بقول الفرزدق).
أولئك آبائي فجئني بمثلهم*** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أقول وأنا أيضاً أتمثل بذلك وأفتخر به صلى الله عليه وآله كالسيد (رحمه الله) لكوننا فرع أصل واحد، وغصن دوحةٍ واحدة وانتهاء نسبي ونسب السيد (ره) إلى العبد الصالح موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم أفضل الصلاة والسلام، والثناء والإكرام.
ومن لم يكن علوياً حين تنسبه*** فماله في قديم الذهر مفتخر
والفرزدق اسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك حنظلة
بن بن مالك بن زید بن مناة بن تميم، مقدّم شعراء العصر أبو فراس التميمي البصري، والبيت من قصيدة يهجو بها جريراً، ويرد عليه قصيدة له على هذا الرّوي منها :
ومنا الذي اختير الرّجال سماحة*** وجوداً إذا الرياح الزعازع
ومنا الذي أعطى الرسول عطية*** اساري تمیم والعیون دوامع
ومنا الذي يعطي المنين ويشتري*** العوالي ويعلو فضله من يدافع
ومنّا الذي احيي الوئيد وغالب*** وعمرو ومنا حاجب والأقارع
ومنا الذي قاد الجياد على الوحا*** لنجران حتى صبحته النزائع
ومنا غداة الرّوع فرسان غارة*** إذا متعت بعد الزجاج الأشاجع
ومنّا خطيب لا يعاب وحامل*** أعز إذا التفت عليه المجامع
أولئك آبائي، البيت ثم قال :
أعتلي ما حملتنيه دارم*** واصرع أقراني الذين أصارع
تنخ عن البطحاء ان قديمها*** لنا و الجبال الراسيات القوارع
أخذنا بآفاق السماء عليكم***لناقمرها والنّجوم الطوالع
إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة*** أشارت كليب بالأكف الأصابع
قواعجباً حتّى كليب يسبني*** كأنَّ أباها نهشل أو مجأشع
اتعدل أحساباً لثاماً أدقة*** بأحسابنا إنّا إلى الله راجع
قال الأعلم: وصف قومه بالجود والتكرّم عند اشتداد الزمان وهبوب الرياح، وأراد بذلك زمن الشتاء ووقت الجدب والعرب تمدح بالقرى في الشتاء لأنه وقت الجدب، ومنا الذي أعطى الرّسول» أراد به أقرع بن حابس أعطاه رسول الله (صلى الله عليه آله وسلم) أساري تميم يوم حنين كما في شرح المعتزلي) و(العوالي) جمع العالية ويوصف بها القناة والناقة، واسم أرض وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة إلى ما وراء مكة.
قال في (القاموس) : وقرى بظاهر المدينة وهي (العوالي)، ومنا الذي أحيى الوئيد(1). أراد به جده ،صعصعة صحابي رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ، قال ابن أبي الدنيا : لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دنيا من صعصعة، وهو الذي أحيي ألف مؤدّةٍ، وحمل على ألف فرس وهو الذي افتخر به الفرزدق و(الوحاء) العجلة (والنزائع) النجائب التي تجلب إلى بلاد غيرها ومنتجها جمع نزيعة وعنى بذلك البيت غزاة الأقرع بن حابس بني تغلب بنجران، وقوله: «إذا متعت ا ه قال الشارح المعتزلي: أي إذا مدّت الأصابع بعد الزجاج إتماماً لها، لأنها رماح قصيرة(2). وفي مجمع البحرين: الزجاج بالكسر جمع زج بالضم الحديدة التي في أسفل الرمح، وحامل) أي حامل للدّيات وقوله : (أولئك آبائي) استشهد به علماء المعاني
على استعمال اسم الإشارة للتعريض بغباوة السامع بحيث أنّه لا يفهم إلا المحسوس المشار إليه وقوله : فجئني بمثلهم أمر تعجيز (ودارم) قبيلة الفرزدق وأراد (بالبطحاء) مكة زادها الله شرفاً والراسيات الثابتات و(الفوارع) الطوال وآفاق السماء» نواحيها (وقمراها) الشمس والقمر، وقيل النبي( صلى الله عليه وآله وسلم) وإبراهيم الخليل والنّجوم الطوالع الأئمة عليهما السّلام، وكليب رهط جرير، وهو مجرور على حذف الجار وإبقاء عمله، أي إلى كليب و (نهشل) و(مجاشع) رهط الفرزدق، وهما إبنا دارم و(أدقة) جمع دقيق ضدّ الجليل.
پس به درستی که بودم من در اول شباب و جوانی و تازگی و طراوت شاخه نهال ارغوانی ابتدا کرده بودم به جمع کردن کتابی در مختصات کمالات ائمه انام ( عليهم السلام که مشتمل بود آن کتاب بر اخبار مستحسنه و کلام های جواهر آسای ایشان برانگیخته نمود مرا به تألیف آن کتاب غرضی که ذکر نموده بودم آن غرض را در اول آن کتاب و گردانیده بودم آن را در اول آن کتاب و گردانیده بودم آن را در پیش آن کلام و فارغ شده بودم در آن کتاب از کمالات و خصایص نفسانیه حضرت امیرالمؤمنین (علیه السلام) ، ولی مانع گردیده بود مرا از اتمام بقیه آن کتاب مانعات روزگار و مشاغل ایام و بودم من که مرتب کرده بودم آن چه که خارج شده بود از آن کتاب و انجام یافته بود به بابهای متعدده و تفصیل داده آن را به فصول عدیده پس آمد در آخر آن فصول فصلی که متضمّن بود محاسن آن که نقل شده بود از امیرالمؤمنین (علیه السلام) از کلام کوتاه و ،مختصر در موعظه ها و حکمتها و مثلها و ادب،ها نه خطبههای دراز و نامههای مبسوطه، پس نیکو شمردند جماعتی از دوستان و برادران آن چیزی را که مشتمل آن فصلی که گذشته شد ذکر آن در حالتی که خوشحال سازنده بودند غیر خود را به عجایب آن و تعجب کننده بودند خودشان از مطالب صافیه آن و خواهش کردند در این حال آن که ابتدا کنم به تصنیف و ترتیب کتابی که مشتمل باشد بر سخنان پسندیده امیرالمؤمنین(علیه السلام) در جمیع نوعها و اسلوبهای آن و در جمیع شاخههای متفرقه آن از خطبهها و کتابها و نصیحتها و ادبها به جهت معرفت ایشان به این که آن کتاب که خواهش میکردند متضمن خواهد بود از عجیبهای بلاغت و غریبهای فصاحت و از جواهر مسائل عربیه و روشنهای كلمات دينيه و دنيويه آن مقداری را که یافت نمیشود فراهم شده در هیچ کلام و شده اطراف آن در هیچ کتاب زیرا که ،کتاب زیرا که بود امیرمؤمنان (عليه صلوات الله ) الملك المنّان شریعه فصاحت و محل ورود آن و منشأ بلاغت و مکان ولادت آن و از آن بزرگوار ظاهر شد پوشیده شده آن و از جانب آن جناب اخذ شد قواعد آن و
بر مثلهای آن تبعیت نمود هر گوینده خطبه خواننده و با کلام او استعانت نمود هر واعظ صاحب بلاغت و با وجود ،این پس به تحقیق پیشی گرفت او و تقصیر کردند ایشان و تقدم یافت او و پس افتادند ،ایشان زیرا که کلام آن امام (علیه السلام) کلامی است که او اثر جمالی است از علم پروردگار و در او است عطری از کلام نبی ،مختار پس اجابت کردم کلام ایشان را و متوجه شدم به ابتدا کردن به این کتاب در حالتی که عالم بودم به آن چه که در این کتاب است از منفعت بزرگ و ذکر جميل مشهور و اجر ذخیره شده و قصد کردم به آن کتاب که بیان و اظهار نمایم از بزرگی قدر و منزلت امیرالمؤمنین(علیه السلام) در این فضیلت بلاغت و فصاحت در حالتی که علاوه بود این فضیلت به محاسن كثيره و فضایل وافره و اظهار نمایم از این که آن حضرت منفرد شده است به رسیدن منتهای این فضیلت از همه گذشتگان در سابق ،ازمان همچنان کسانی که منقول نمیشود از ایشان از آن فضیلت مگر اندکی که نادر باشد و مگر شادی که رمنده و تنها است.
اما كلام كلام معجز نظام آن حضرت پس از آن دریایی است بی پایان که به آن فخر فروشی نمیشود و معظمی است که قابل معارضه و مبارات نیست و اراده کردم که گوارا باشد به جهت من مثل زدن در افتخار نمودن به سبب رسیدن سلسله نسب من به آن امام عالی مقام (علیه السلام) با قول فرزدق شاعر که گفته در مقام مفاخرت به جرير شاعر اولئك آبائی (اه یعنی ایشان است پدران من پس بیاور برای من مثل و مانند ایشان را زمانی که جمع کند ما را ای جریر مجمعها و محفل ها.
«وَرَأَيْتُ كَلامَهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَدُورُ عَلَى أَقطاب ثَلاثَةٍ، أَوَّلُهَا الْخَطَبُ وَالأوامر، وثانيها الكُتُبُ وَالرَّسَائِلُ ، وثَالِتُهَا الْحِكَمُ وَالمَواعِظُ، فَأَجْمَعَتُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الإِبْتِدَاءِ بِاخْتِيَارِ محاسِنِ الْخُطب، ثُمَّ مَحاسِنِ الْكُتُبِ، ثُمَّ مَحَاسِنِ الْحِكَم وَالأدب، مُفْرِداً لِكُلِّ صِنفٍ مِنْ ذَلِكَ باباً، ومُفَضْلاً فِيهِ أَوْرَاقاً ، لِتَكُونَ مُقَدِّمَةً لاسْتِدْرَاكَ ما عَسَاهُ يَشُدُّ عَني عاجلاً، ويقع إليَّ آجلاً، وَإِذَا جَاءَ شَيْءٌ مِنْ كَلامِهِ(رضی الله عنه) الْحَارج في أَثْناءِ حِوارٍ أَوْ جَوابِ سُؤَالٍ أَوْ غَرَضِ آخَرَ مِنَ الأَغْرَاضِ في غَيْرِ الأَنْحاءِ الَّتي ذَكَرْتُها ، وفَرَّرْتُ الْقاعِدَةَ عَلَيْهَا ، نَسَبْتُهَا إِلى أَلْبَقِ الأَبْوَابِ بِهِ، وَأَشَدّها مُلاَمَحَةٌ لِغَرَضِهِ، وَرُبَّمَا جاءَ فيما أَخْتَارُهُ مِنْ ذَلِكَ فُصُولٌ غَير مُتَّسِقَةٍ، وَمَحاسِنُ كَلِم غَيْرُ مُنتَظِمَةٍ، لأنّي أُورِدُ النُّكَت واللُّمَعَ، وَلا أَقْصُدُ التَّتالِي وَالنَّسَقَ، وَمِنْ عَجائِبِهِ عَلَيْهِ السَّلام الَّتِي انْفَرَدَ بِها وَأَمِنَ الْمُشارَكَةَ فيها ، أَنَّ كَلامَهُ الْوارِةَ في الزُّهْدِ وَالْمَواعِظِ، وَالتَّذْكِيرِ وَالزَّواجِرِ، إِذَا تَأمَّله الْمُتَأَمِّلُ ، وفَكَرَ فِيهِ الْمُتَفَكَّرُ، وَخَلَعَ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ كَلاَمُ مِثْلِهِ (رضی الله عنه) مِمَّنْ عَظُمَ قَدْرُهُ ، ونَفَذَ أَمْرُهُ ، وأَحاطَ بِالرِّقَابِ مُلْكُهُ لَمْ يَعْتَرِضُهُ الشَّكُ في أَنَّهُ كَلَامُ مَنْ لاَحَظَّ لَهُ فِي غَيرِ الزَّهادَةِ، وَلاَ شُغْلَ لَهُ بِغَيرِ الْعِبَادَةِ، قَدْ فَبَعَ في كَسْرِ بَيْتٍ، أَوِ انْقَطَعَ إِلَى سَفْح جَبَلٍ ، لا يَسْمَعُ إِلا حِسَّهُ، ولا يَرَى إِلا نَفْسَهُ، وَلاَ يَكادُ يُوقِنُ بِأَنَّهُ كَلامُ مَنْ يَنْغَمِسُ فِي الْحَرْبِ مُصْلِيَّاً سَيْفَهُ، فَيَقُطُّ الرّقابَ، ويُجَدِّلُ الأَبْطَالَ، ويَعُودُ بِهِ يَنطِفُ دَماً ، ويَقْطُرُ مُهَجاً ، وهُوَ مَعَ تِلْكَ الْحَالِ زاهِدُ الزُّهادِ، وبَدَلُ الأَبْدالِ ، وهَذِهِ مِنْ فَضَائِلِهِ الْعَجِيبَةِ، وخَصائصِهِ اللَّطِيفَةِ الَّتي جَمَعَ بِها بَينَ الأَصْدَادِ، وأَلَّفَ بَينَ الأشتاتِ، وكَثيراً ما أُذاكِرُ الإِخْوَانَ بها ، وَاسْتَخْرِجُ عُجْبَهُمْ مِنْهَا ، وهِيَ مَوْضِعُ لِلْعِبْرَةِ بِها ، وَالْفِكْرَةِ ،فيها ، ورُبَّمَا جاءَ في أَثْناءِ هَذَا الإِخْتِيارِ ، اللَّفْظُ المُرَدَّدُ وَالْمَعْنَى الْمُكَرَّرُ ، وَالْعُذْرُ في ذَلِكَ : أَنَّ رِواياتِ كَلامِهِ(رضی الله عن) ، تَخْتَلِفُ إِخْتِلافاً شديداً، فَرُبَّمَا اتَّفَقَ الْكَلامُ الْمُختَارُ في روايةٍ فَنُقِلَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ وَجِدَ بَعْدَ ذلِكَ في رِوَايَةٍ أُخْرَىٰ مَوضُوعاً غَيرَ وَضْعِهِ الأَوَّلِ ، إِمَّا بِزِيادَةٍ مُخْتَارَةٍ، أَوْ بِلَفْظِ أَحْسَنَ عِبارَةِ، فَتَقْنَضِي الْحالُ أَنْ يُعاد، إسْتِظْهَاراً لِلإِخْتِيارِ ، وغَيرَةٌ عَلَى عَقائِلِ الْكَلام، ورُبَّمَا بَعْدَ الْعَهْدُ أَيْضَاً بِمَا اختير أَوَّلاً ، فَأَعُيدَ بَعْضُهُ، سَهْواً ونِسْياناً ، لاَ قَصْداً وَاعْتِمَاداً ، وَمَا (1) ادَّعي مَعَ ذَلِكَ أَنِّي أُحِيطُ بِأَقْطَارِ جَمِيعِ كَلَامِهِ(رضی الله عنه) حَتَّى لا يَشُدَّ عَنّي مِنْهُ شاد، وَلاَ يَنْدَّ ناد، بَلْ لا أَبْعِدُ أَنْ يَكُونَ الْقَاصِرُ عَنّي فَوْقَ الْواقِعِ إِلَيَّ، وَالْحَاصِلُ فِي رِبْفَتِي دُونَ الْخَارِج مِنْ يَدَيَّ وَمَا عَلَيَّ إِلا بَذْلُ الْجُهْدِ، وَبَلَاغُ الْوُسْعِ، وَعَلَى
1) في نسخة : لا .
اللهِ سُبْحَانَهُ نَهْجُ السَّبيل، ورشادُ الدَّليل، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَرَأَيْتُ مِنْ بَعْدُ تَسْمِيَةِ هَذَا الْكِتَابِ بِنَهْجِ الْبَلاغَةِ، إِذْ كانَ يَفْتَحُ لِلنّاظِرِ فِيهِ أبوابها ، ويُقَرِّبُ عَلَيْهِ طِلابَها، وفيهِ حاجَةُ الْعالِمِ وَالْمُتَعَلَّم، وبُغْيَةُ الْبَليغ وَالزّاهِدِ ويَمْضِي فِي أَثْنائِهِ مِنْ عَجيبٍ الْكَلام في الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ، وتَنْزيهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ شِبْهِ الْخَلْقِ، ما هُوَ بِلاَلُ كلِّ غُلَّةٍ، وشِفَاءُ كُلِّ عِلَّةٍ، وجِلاَءُ كُلِّ شُبْهَةٍ، ومِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَسْتَمِدُّ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ ، وَأَتَنَجَّزُ التَّسْدِيدَ وَالْمَعُونَةَ ، وأَسْتَعِيذُهُ مِنْ خَطاءِ الْجَنانِ، قَبْلَ خَطإِ اللَّسَانِ، وَمِنْ زَلَّةِ الْكَلِمِ، قَبْلَ زَلَّةِ الْقَدَمِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ».
(قطب) الرّحى الحديدة التي تدور عليه، ويطلق توسعاً على كل أصل ينتهي إليه ويرجع، ومنه قطب القوم لسيّدهم لكونه يدور عليه أمورهم ((والخطب جمع خطبة كغرف وغرفة مأخوذة من الخطاب، وهو الكلام بين متكلّم وسامع.
قال الفيومي: وهي فعلة بمعنى مفعولة نحو نسخة بمعنى منسوخة، وغرفة من ماء بمعنى مغروفة، (والرسالة) أعم من الكتاب لأنها تكون بالقول، وقد تطلق على الكتاب الصغير فتكون أخص (والوعظ) التخويف والتذكير بأيام الله ، وأمر الآخرة وعذاب النار ونحوها، والحوار) بالكسر مصدر حاورته أي خاطبته والانحاء كنحو وزان عتلّ جمع نحو، وهو الطريق والجهة (ولمحت) الى الشيء لمحاً من باب نفع نظرت إليه باختلاس ومنه الملامحة. وقال الشارح البحراني والملامحة المشابهة من قولهم في فلان ملامح من أبيه أي مشابه وأصله من لمح البصر، وهو النظر الخفيف السريع الزوال وذلك أن الملمح مفعل وهو موضع اللمح والمشابه محل اللمح، فلذلك اشتقت منها الملامحة، وروى ملاحمة وهي الملائمة وروى ملائمة أيضاً (والاتساق) : الانتظام ومنه المتسقة، وأصلها المنتسقة فأدغمت النّون في التاء (والمحاسن) جمع حسن على غير القياس كالمقابح، (واللمع) مثل لماع ككتاب جمع لمعة بالضم مثل برمة وبرام وبرم وهي القطعة من النّبت تاخذ في اليبس وصار لها بياض، وأصله بياض، وأصله من اللمعان (وقبع) القنفذ من باب منع أدخل رأسه في جلده، وقبع الرّجل في قميصه دخل وتخلف عن أصحابه، وكلّ من انزوى في جحر أو مكان ضيق فقد قبع وكسر البيت جانبه والشبقة الشقة ظ» السفلى من الخباء أو ما تكسر وتثنى على رض منها (وأصلت) سيفه جرّده من غمده فهو مصلت (وجدله) فانجدل وتجدل، صرعه
على الجدالة، وهي كسحابة الأرض (ونطف) الماء من باب نصر وضرب نطفاً ونطافاً بفتحهما ونطاقة بالكسر ، سال (والمهج) جمع المهجة دم القلب( واستخرج عجبهم) يروى بضم العين وفتحها مع فتح الجيم، وقد مضى تفسيره في شرح الفصل السابق (والظهير)
النّاظر والمعين (الإستظهار ) للشيء الإستعانة بغيره لحفظه وعلى الشيء الإستعانة بغيره للدفع، وبالشيء الإستعانة به والعقايل) جمع عقيلة كسفينة: الكريمة المخدّرة، وسيد القوم، وكريمة الإبل والدّر ومن كلّ شيء أكرمه، (وند) البعير نداً من باب ضرب ونداداً بالكسر ونديداً: نفر وذهب على وجهه شارداً ، فهو ناذ ( والبلاغ) فيما رأيته من النسخ بفتح الباء، والظاهر أنّه من تصحيف النساخ، والصحيح انه بالكسر وزان جدال مصدر بالغ في الأمر مبالغة وبلاغاً، إذا اجتهد ولم يقصر، وأما البلاغ بالفتح فهو بمعنى الكفاية والإيصال، ولا مناسبة له بالمقام، نعم في مجمع البحرين البلاغ الانتهاء إلى أقصى الحقيقة، كالبلاغة، وعليه فيستقيم المعنى من غير تكلف ( ونهج) الطريق ينهج من باب منع : وضح
، واستبان ونهجته أوضحته يستعمل لازماً ومتعدياً والنهج أيضاً الطريق الواضح، ومنه نهج «البلاغة علماً للكتاب ((والطلاب) وزان كتاب ما تطلبه من غيرك، وهو مصدر في الأصل تقول طالبته مطالبة وطلاباً من باب قاتل ( والبغية) بالضم والكسر : الطلب يقال : بغيته بغاء وبغية وبغية طلبته كابتغيته ويطلق أيضاً على ما ابتغى كالبغية والبغية (وبللته) بالماء بلا من باب قتل فابتل هو والبلة بالكسر ،منه ويجمع البل على ،بلال كسهم وسهام والاسم البلل، بفتحتين وقيل البلال ما يبل به الحلق من ماء ولبن .
وقال الفيروز آبادي بلال ككتاب الماء ويثلث وكلّ ما يبل به الحلق (والغلة) بالضم كالغلل والغليل العطش أو شدته وحرارة الجوف، واستنجز) حاجته وتنجزها طلب قضائها ممّن وعده إيّاها (وزلّ) في منطقه أو فعله يزلّ من باب ضرب زلة : أخطأ (والكلم) جمع الكلمة مثل كلمات صرّح به الفيومي والفيروز آبادي .
(مفرداً ) حال مقدرة من فاعل أجمعت والجاز في قوله (رحمه الله) (في غير الانحاء متعلق بقوله (جاء) وجملة : نسبتها جواب (إذا ) (ومن) في قوله (رحمه الله) ممّن لبيان الجنس وجملة: لم يعترضه، جواب (إذا) و(حسّه) بالنصب مفعول يسمع، وفاعله ضمير مستتر عائد إلى (من) الموصولة، كالضمير في حسّه ، وكذلك سائر الضمائر المتقدّمة المسترة والبارزة والضمير في قوله ويعود ،به راجع إلى السّيف وجملة: ينطف منصوبة المحلّ على الحال من ضمير به، والعامل يعود (ودما ومهجا) منصوبان على التميز ، أو على المفعول به، لأن ينطف ويقطر يستعملان متعديين أيضاً، والثاني أوفق وجملة: وهو مع تلك الحال أيضاً حالية من فاغل ينغمس وقوله : وكثيراً ما أذاكر نصب على الظرفية، لأنه من صفة الإحسان وما لتأكيد معنى الكثرة، والعامل ما يليه أي حيناً كثيراً، ويحتمل النصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي أذاكر ذكراً كثيراً وقوله من بعد من ظروف الغايات مبني على الضم كما في قوله تعالى :
«لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعد » [الروم: 4] .
أي رأيت من بعد الفراغ، فحذف المضاف إليه وبناؤه للشبه الإفتقاري أو التضمّني وعلى الضمّ جبراً عن المضاف إليه المحذوف.
إعلم أنّ غرضه بهذا الفصل التنبيه على أمور ينبغي التنبيه عليها مع الإشارة إلى عظم قدر كلام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) ومزيد خصائصه وعجائبه مع الإشارة إلى إسم هذا الكتاب ووجه تسميته بما سمّاه فقال: ورأيت كلامه (رضی الله عنه) يدور على أقطاب ثلاثة تشبيه الأمور الثلاثة بالقطب لأنّ أجزاء كلامه (رضی الله عنه) وأقسامه تنتهي إلى تلك الأمور وتدور عليها، فهي مدار لهذه الأجزاء، ومرجع لتلك الأقسام، كما أن القطب مدار الرّحى، وإليه تنتهي حركتها .
(أولها الخطب والأوامر ) تطلق الخطبة غالباً على الكلام المنتظم المتضمّن لمحاسن البلاغة والمتكلف فيه بحفظ الأوزان والفواصل، والأوامر هي الأحكام والتكاليف المتعلقة بأفعال المكلفين، المتضمّنة لما فيه صلاحهم في الدين أو الدنيا، كالأمور المدنية وما فيه تدبير الحروب .
(وثانيها الكتب والرسائل) : أمّا الكتب فمعلومة، وأمّا الرّسائل فالمراد بها هنا الكتب الصغيرة، أو الكلام الصادر منه (رضی الله عنه) في مقام بعث السفراء والرّسل، أو ما كانت جواباً لهم.
( وثالثها الحكم والمواعظ) : ربّما يفسّر الحكمة بالعلم الذي يرفع الإنسان عن فعل القبيح مستعارة من حكمة اللجام وهي ما أحاط بحنك الدّابة يمنعها من الخروج، وقد تفسّر يفهم المعاني لمنعها من الجهل وبه فسر قوله تعالى
«وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا » [البقرة: 269].
والموعظة هي الوصية بالتقوى والحثّ على الطاعات والتحذير عن المعاصي والإغترار بالدنيا ، وزخارفها ؛ ونحو ذلك هذا .
ولا يخفى عليك أنّ الأقطاب الثلاثة ربّما يتداخل بعضها بعضاً، وقد يتفرد بعضها عن بعض، وعقد السيد (رحمه الله) على كلّ منها باباً لحسن النظم وبديع الترتيب كما نبه عليه بقوله (فأجمعت) أي عزمت مستمداً (بتوفيق الله) ، وتأييده على الابتداء باختيار محاسن الخطب أي بمختار محاسنها (ثم) اختيار (محاسن الكتب ثم اختيار (محاسن الحكم والأدب مفرداً) أي مريداً الافراد لكل صنف من ذلك المختار (بابا) مستقلاً (ومفضلاً فيه) أي في ذلك الباب
(أوراقاً) بياضاً لتكون هذه الأوراق المفضلة مقدّمة الإستدراك ما عساه يشذ) ويندر (عني عاجلاً) أي حين التأليف (ويقع إلي آجلاً أي بعد التأليف .
والمقصود بهذا الكلام كما يستفاد من آخر الكتاب أيضاً أن السيد (رحمه الله) حين أراد جمع كلماته المختارة سلام الله على قائلها وعقد عليها ثلاثة أبواب ترك في ذيل كل باب أوراقاً بياضاً زائدة في نسخة الأصل، ليستدرك في تلك الأوراق ما لم تصل إليه يده من كلامه عاجلاً، ويثبته فيها لو أمكن له الظفر والوصول إليه في الآجل ويلحق ما يجده بما يناسبه الأبواب، ويضيفه إليه وإذا) جاء شيء من كلامه (رضی الله عنه) الخارج عنه في أثناء حوار) أي محاورة أو جواب سؤال أو غرض آخر من الأغراض مثل ما صدر عنه في مقام الإحتجاج، أو الوصيّة أو مدائح النبي أو آله عليه وعليهم السّلام في غير الانحاء أي الوجوه والمقاصد التي ذكرتها وقررت القاعدة عليها وهي ما ذكرها وقررها من الأقطاب الثلاثة (نسبته) أي أضفته إلى أليق الأبواب (به) أي بذلك الشيء (وأشدّها ملامحة) أي مشابهة ومناسبة لغرضه) كما أدخل جملة من عهوده إلى عماله ووصاياه لأهله وأصحابه في باب المختار من الكتب، وأدخل بعض ما صدر عنه (رضی الله عنه) في مقام الإحتجاج، وفي مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم السّلام في باب المختار من الخطب ونحو ذلك مما يطلع عليه المحيط بأقطار كلامه (رضی الله عنه)، ثم اعتذر عن التقطيع والإلتقاط وحذف بعض الكلمات فيما يرويه من الخطب وغيرها حتى ترى كثيراً منها كعقد إنقصم نظامه بقوله: (وربما جاء فيما اختاره من ذلك فصول غير متسقة أي خارجة عن النظم والنسق ومحاسن كلم غير منتظمة أي خالية عن الارتباط، وأن يتلو بعضها بعضاً لأني أورد النكت واللمع . قال الشارح البحراني: النكتة : النكتة هي الأثر في الشّيء به يتميز بعض أجزائه عن بعض، ويوجب له الإفتقار، والتفات الذهن إليه كالنقطة في الجسم والأثر فيه الموجب للإختصاص بالنظر، ومنه رطبة منكتة؛ إذا بدا أرطابها، ثمّ عدّى إلى الكلام والأمور المعقولة التي يختص بعضها بالدقة الموجبة لمزيد العناية والفكر فيها فسمّي ذلك البعض نكتة، قال: واللمعة هي البقعة من الكلاء، وأصله من اللمعان وهو الإضائة والبريق، لأنّ البقعة من الإضائة والبريق، لأنّ البقعة من الأرض ذات الكلاء كأنها تضيء لخضرتها ونضارتها دون سائر البقاع وعدّى إلى محاسن الكلام وبليغه، لإستنارة الأذهان به ولتمييزه عن سائر الكلام، فكأنّه في نفسه ذو ضياء ونور .
وبالجملة فمراده أني أورد من أجزاء كلامه ماله مزيد إبداع وبراعة في باب البلاغة (ولا أقصد التعالي والنسق والنظم والترتيب.
ثم أشار إلى بعض الخصال العجيبة الأمير المؤمنين (رضی الله عنه) التي جمع بها بين الحالتين المتضادتين فقال : ( ومن عجائبه (رضی الله عنه) التي انفرد بها وأمن المشاركة فيها أي لم يشاركه فيها
أحد، ولم تتناولها يد أنّ) كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر) أي الوعد والوعيد والبشارة والإنذار إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المتفكر وأمعن فيه النظر وبلغ غوره وخلع من قلبه أنه كلام مثله أي قدّر أنّه ليس بكلامه، وأغمض النظر عن أنّه كلا كلام مثله ممن عظم ،قدره، ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه وهو سلطان البلاد وخليفة العباد (لم يعترضه الشك ولا يعتريه الرّيب (في أنه كلام مخلص معرض عن غيره تعالى بقلبه ومن لا حظ له في غير الزهادة ولا شغل له بغير العبادة قد قبع وانزوى في كسر (بيت والتزم زاوية الخمول أو انقطع إلى سفح الجبل) أي أسفله كما هو شعار الزهاد المعرضين عن الدنيا (لا يسمع) ذلك الزاهد المنقطع (إلا) حسّه) أي حس نفسه ولا يرى إلا نفسه لإنقطاعه عمّن سواه ولا) يكاد يوقن بأنه كلام من يتغمس في الحرب إستعارة بالكناية، حيث شبه الحرب باعتبار غمارها واختلاط المتحاربين فيها بالماء الجمّ المتراكم الأمواج، فأثبت لها الإنغماس وهو الخوض في الماء تخييلاً وأردفه بقوله : (مصلتا سيفه) أي مجرّداً له غمده ترشيحاً فيقط الرّقاب) أي يقطعها عرضاً، وقد روي أنّ ضربات أمير المؤمنين له كانت أبكاراً، إن ضرب عرضاً قط وإن ضرب طولاً قط ويجدل (الأبطال والشجعان؛ أي يلقيهم على الجدالة الأرض ويعود به أي بسيفه حال كونه (ينظف) ويسيل دماً ويقطر مهجاً) قال الشارح البحراني : إن قسّرنا المهجة بالدّم كانت نسبة القطر إليها حقيقة وإن فسرناها بالروح كانت مجازاً تشبيهاً للروح بالمايعات الخارجة من الانسان كالدم ونحوه (وهو الله تلك (الحال من القتل والإستيصال وعلى ذلك الشأن من الشّجاعة وإراقة الدماء (زاهد الزّهاد، وبدل الأبدال).
أما شجاعته وبأسه ومصادمته الأقران، فغنيّ عن البيان قال «كاشف الغمة»: ومراسه وثبات جاشه حيث تزلزل الأقدام، وشدة صبره حيث تطير فراخ الهام، وسطوته وقلوب الشجعان واجفة، واستقراره وأقدام الأبطال راجفة، ونجدته عند انخلاع القلوب من الصدور، يسالته ورحى الحرب تدور والدّماء تفور، ونجوم الأسنّة تطلع وتغور، وكشفه الكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد فرّ من فرّ من أصحابه، وبذله روحه العزيزة رجاء ما اعتد الله ثوابه، فهي أمر قد اشتهر وحال قد بان وظهر يعرفه من بقي ومن غبر، وتضمنته الأخبار ،والسير فاستوى في العلم به البعيد والقريب واتفق على الإقرار به البغيض والحبيب، وصدق به عند ذكره الأجنبي والنسيب مفرق جموع الكفار، حاصد خضرائهم بذي الفقار، مخرجهم من ديارهم إلى المفاوز ،والقفار مضيف الطير والسباع يوم الملحمة والقراع سيف الله الماضي، ونائبه المتقاضي، قد شهدت بدر بمقامه وكانت حنين من بعض أيامه، وسل أحداً عن فعل قناته وحسامه ويوم خيبر إذ فتح الله على يديه، والخندق، إذْخر لخندق، إذْخَر عمرو لفمه
ويديه (1).
وهذه جمل لها تفصيل وبيان ومقامات رضي بها الرّحمن ومواطن هدت الشرك وزلزلته، وحملته على حكم الصغار وأنزلته ومواقف كان فيها جبرئيل يساعده، وميكائيل يوازره ،ويعاضده والله يمده بعناياته والرّسول يتبعه بصالح دعواته .
وأما زهده (رضی الله عنه) فقد تظاهرت الروايات أنّه لم يكن نوع من أنواع الزهد والعبادة والورع، إلا وحظه منه وافر الأقسام ونصيبه منه ،تام بل زايد على التمام وما اجتمع الأصحاب على خير إلا كانت له رتبة الإمام، ولا ارتقوا قبة مجد إلا وله ذروة الغارب وقلة السنام ، وهو الذي عرف الدّنيا ،بعينها وتبرّجت له فلم يحفل بزينتها لشينها وتحقق زوالها، فعاف ،وصالها وتبين إنتقالها، فصرم حبالها واستبان قبح ،عواقبها وكدر مشاربها، فألقى حبلها على غاربها وتركها لطالبها وتيقن بؤسها وضررها، فطلقها ثلاثاً وهجرها .
وأمّا أنّه (رضی الله عنه)بدل الأبدال فلآنّ الأبدال الأئمة عليهم السلام كما في بعض أخبارنا ، أو قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر، وفي «القاموس» قوم يقيم الله الأرض وهم سبعون أربعون بالشام وثلاثون بغيرها، لا يموت احدهم الاّ قام مقامه من سائر الناس (2).
وكونه (رضی الله عنه) قدوة الصالحين، وكون قوام الأرض بوجوده ووجود الطيبين من أولاده غني عن البيئة والبرهان، لأنّه إمام الأئمة وسيد الأمة بعد خاتم النبوة ولو تبقى الأرض بغير إمام لساخت بأهلها، وماجت كما تظاهرت به الروايات .
فقد ظهرت بما ذكرنا أنه (رضی الله عنه) جامع بين منقبتي الزهد والشجاعة (وهذه) المنقبة (من) مناقبه الجميلة و(فضائله العجيبة، وخصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد، وألف بين الأَشتات أي بين حالات متفرقات مختلفات متباعدات وكثيراً ما أذكر الاخوان بها، وأستخرج عجبهم منها لإستحسانها أو إستغرابها (وهي موضع للعبرة والفكرة فيها لأنّ الغالب على أهل الشجاعة والجرأة أن يكونوا ذوي قلوب قاسية وفتك وتمرد وجبرية، والغالب على أهل الزهد رفض الدنيا وهجران ،ملاذها، والاشتغال بمواعظ النّاس وتخويفهم المعاد وتذكيرهم الموت أن يكونوا ذوي رقّة ولين وضعف قلب وحوز طبع، وهاتان حالتان متضادتان لم تجتمعا إلا فيه (رضی الله عنه) ، وكذلك الغالب على ذوي الشجاعة وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح بعيدي العفو، لأنّ أكبادهم واغرة، وقلوبهم ملتهبة، والقوة
الغضبيّة عندهم شديدة، وفعله يوم الجمل، وصفحه وحلمه ومغالبته هوى النفس فيها، وفي غيرها مشهور مأثور ومن هنا قيل في مدحه سلام الله عليه وآله .
جمعت في صفاتك الأضداد***فلهذا عزّت لک الانداد
زاهد حاکم حلیم شجاع***فاتک ناسک فقیر جواد
ظهرت منک للوری مکرمات***فاقرّت بفضلک الحسّاد
لو رأی مثلک النبی لآخاء***ویُحصی صفاتک النّقاد
ثمّ اعتذر عن بعض ما اتفق في الكتاب من الروايات المكرّرة بقوله: (وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار وتضاعيفه اللفظ المردّد والمعنى المكزر) حسبما تطلع عليه إن شاء الله في مقامه بإشارة من السيد أو تنبيه منا والعذر في ذلك التكرار أن روايات كلامه (رضی الله عنه) تختلف اختلافاً شديداً) قال الشارح البحراني : سبب الاختلاف يحتمل وجهين.
أحدهما: أنّه(رضی الله عنه) ربما تكلّم بالمعنى الواحد مرّتين أو أكثر بألفاظ مختلفة، كما هو
شأن البلغاء، وأهل الفصاحة فينقله السامعون باللفظ الأول والثاني، فتختلف الرواية.
الثاني : أنّ النّاس في الصدر الأوّل كانوا يتلقفون الكلام من أفواه الخطباء، ويحفظونها على الولاء فربما لا يتمكن السامع من حفظ كلّ اللفظ ومراعات ترتيبه، فيقع بسبب ذلك، اختلاف في الترتيب أو نقصان في الزواية وربّما راعى بعضهم حفظ المعنى من دون ضبط الألفاظ، فأورد في اللفظ زيادة ونقصاناً فربما) اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه، ثم وجد بعد ذلك) الوجه المنقول ( في رواية أخرى موضوعاً غير وضعه الأول ومغايرتهما (إمّا بزيادة مختارة أو بلفظ أحسن (عبارة) من المروي أوّلاً فتقتضي الحال أن يعاد استظهاراً) واستعانة به للاختيار وغيرة على عقائل (كلامه وكرائمه وضنّة على محاسنه من أن يخلو منها الكتاب، وربّما بعد العهد أيضاً بما اختير أولاً فأعيد بعضه سهواً ونسياناً لا قصداً واعتماداً) أي عمداً (ولا أدعي مع ذلك كله إني أحيط بأقطار جميع كلامه(رضی الله عنه) وأطرافه (حتى لا يشدّ) ويشرد (عني منه (شاذ) شارد (ولا يند ناد ومنفرد بل لا أبعد أن يكون القاصر عني) من كلامه فوق) الواقع إليّ، والحاصل في ربقتي) شبه الكلام الحاصل في يده بالبهيمة التي يشدّ رأسها بالرّيقة، وهو عروة الحبل على طريق الإستعارة بالكناية، وإثبات الرّبقة تخييل والمقصود إنّي لا أبعد أن يكون ما وصل إليه يدي (دون) الخارج من يدي وما علي إلا بذل الجهد) والاجتهاد ( وبلاغ الوسع ) والطاقة (وعلى الله سبحانه نهج السبيل وإستبانته ورشاد الدليل وإستقامته إذ المقدور للعبد هو الجد والجهد وإكمال السعي وعلى الله سبحانه من باب اللطف هدايته إلى الصراط المستقيم والنهج القويم إن شاء الله تعالى).
ثمّ أشار إلى إسم ذلك الكتاب، ووجه تسميته بقوله : ورأيت من بعد الختام والتمام تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة، إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها أي أبوب البلاغة (ويقرب عليها طلابها وبه يهتدي إلى لطائفها ويتمكن من الوصول إلى مزاياها ومحاسنها، كما أنّ بسلوك النهج، وهو الطريق الواضح، يهتدي إلى المطلوب، وينال المقصود.
ولهذا الوجه أيضاً سمّينا شرحنا هذا بمنهاج البراعة»، إذ به يحصل للناظر فيه التفوّق والغلبة على الأشباح والأمثال في العلم والفضل والكمال، وبه يحاز قصب السبق في مضمار الفخار كما أن بالمنهاج وواضح السبيل، يدرك منتهى الغرض وينال غاية الآمال (وفيه حاجة العالم والمتعلم وبغية البليغ والزاهد أي ما يبتغيانه ويطلبانه من فنون البلاغة وشؤون الزّهد (ويمضي في أثنائه) أي تضاعيف هذا الكتاب من الكلام في العدل والتوحيد وقد سئل أمير المؤمنين (رضی الله عنه) عنهما ، فقال : «التوحيد أن لا تتوهّمه والعدل أن لا تتهمه»، ورواه عنه (رضی الله عنه) : السيّد في أواخر النهج، وعلى ذلك فيكون عطف قوله : ( وتنزيه الله تعالى عن شبه الخلق على ما سبق للتفسير والتوكيد لأنّ كلّ ما توهمته فهو مخلوق لك مصنوع مثلك، والله سبحانه خالق الأرض والسماء أجلّ وأعلى من أن يشبه بخلقه أو يماثله خلقه، وفي خطب أمير المؤمنين (رضی الله عنه)، لتحقيق هذا المرام (ما) هو بلال كل غلة وشفاء كل علة أي ما يروي عطش كلّ غليل، ويشفي داء كلّ عليل ( وجلاء كل شبهة أي ما يجلي ويكشف ظلام الشبه أو يذهب رين الشكوك والشبهات عن القلوب، كما يُجلي السيف ويصقل، ومنه قوله (رضی الله عنه): تحدثوا ، فإنّ الحديث جلاء للقلوب»، إنّ القلوب لتزين كما يزيّن السيف جلائه (ومن الله (سبحانه) تقديم الظرف لقصد الحصر أستمد التوفيق لكلّ خير (والعصمة) من كل شر (وأتنجز التسديد والمعونة) أي لطلب الإصلاح في القول والعمل والإعانة للبلوغ إلى غاية الأمل (وأستعيذه) أي التجأ إليه سبحانه من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان) لأن خطأ الجنان أعظم وحسرة هفوته أدوم، لأن القلب رئيس الأعضاء، وسلطان الجوارح، ويفساده يفسد الجميع، ومن جملة خطاياه الكفر الموجب للعذاب الدائم، والخزي العظيم (ومن زلة الكلم قبل زلة القدم لأنّ زلة القدم ربّما يمكن النهوض والقيام منها ويسهل علاج عثرتها ، وأمّا زلة اللسان فربّما لا تستقال وقد يخرج منه كلمة تبلغ مشارق الأرض ومغاربها، فيسفك بها الدم الحرام، ويؤخذ بها المال الحرام وينهتك بها الفرج الحرام، ولنعم ما قيل في هذا المعنى :
يصاب الفتى من عشرة بلسانه*** وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته في القول تذهب رأسه*** وعشرته في الرّجل تذهب عن مهل
(وهو حسبي) أي كافي ومحسبي لا كافي غيره (ونعم الوكيل) .
«وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا»[الطلاق: 3]. .
و ديدم من كلام آن قدوه انام (رضی الله عنه) را که دایر بود بر سه قطب اوّل آن ها خطبه ها بود و امرها د و امرها دویم آنها کتابها بود و رساله ها سیم آنها حکمت ها بود و موعظه،ها قصد کردم به توفیق خدای تعالی بر این که ابتدا کنم به مختار و پسندیده خطبههای حسنه بعد از آن به کتابهای ،مستحسنه پس از آن حکمتهای زیبا در حالتی که منفرد ساخته بودم از برای هر صنفی از این مذکورات بابی را از ،ابواب در حالتی زیاد گرداننده بودم در هر باب ورقهای چند سفید تا باشد آن ورقها از برای استدراك چیزی که شاید رمیده باشد از من در حال تألیف و رسیده باشد به دست من بعد از تألیف و اگر بیاید چیزی از کلام آن حضرت که خارج بوده از او در اثناء محاوره و مخاطبه یا در مقام جواب و سؤال یا در غرض آخر از اغراض در غیر وجوه و مقاصدی که ذکر کردم آنها را و برقرار کردم قاعده ای را بر آن نسبت دادم آن امر خارج را به لایق ترین بابها به آن و محکم ترین آن بابها از حیثیت مشابهت و مناسبت به غرض آن چنان ، که شاعر گفته :
سخن ها را به دستور خردمند*** به وجهی خوب باید داد پیوند
و بسا میآید در ضمن آن چه که اختیار کردم آن را از این مذکورات فصل های بی انتظام و کلامهای نیکوی بی مناسبت به جهت این که من می آورم نکته های لطیفه و کلمات پسندیده درخشنده و مقصود من ترتیب و انتظام نیست.
و از جمله عجایب و غرایب خصال آن حضرت است که منفرد شده به آن ایمن شده از شراکت دیگران در آن این است که کلام او که وارد شده در زهد و موعظه ها و در مقام تذکیر آخرت و منع از منکرات اگر تأمل نماید آن را تأمل کنندهای و تفکر کند در آن فکر نماینده ای و برکند از قلب خود این را که این کلام كلام مثل او ،است از کسی که عظیم القدر و نافذ الامر است و محیط است سلطنت او به جمیع ،مردمان عارض نشود او را شك و شبهه در این که این کلام
از کلام کسی است که هیچ حظی نیست او را در غیر زهادت و ترك دنيا و هیچ شغلی نیست مر او را به جز عبادت خدا در حالتی که سر فرو برده و منزوی شده در کنار خانه یا از مردم بریده و کناره جویی نموده در دامن کوهی در حالتی که نمیشنود مگر حس و حرکت خود را و نمیبیند مگر شخص خود را و نزديك نیست یقین نماید آن متأمّل به این که این کلام کلام کسی است که فرورفته در دریای ،قتال در حالتی که کشنده باشد شمشیر خود را از غلاف پس بزند گردن های کفار را و بیندازد شجاعان را بر زمین و برمی گردد با آن شمشیر در حالتی که سیلان میکند کند از خون و روان میسازد روحها را و حال آن که آن امام با این حالت زاهدترین زهاد است و شریف ترین ابدال و اوتاد.
و این فضیلت از جمله فضایل عجیبه و خصایص لطیفه آن بزرگوار است که جمع نموده به آن میان اضداد و متباينات را و پیوند داده میان متفرقات و مختلفات را .
و اکثر اوقات مذاکره میکنم با برادران دینی به این فضیلت و استخراج می کنم تعجب ایشان را از این منقبت و این فضیلت و منقبت محل این است که انسان عبرت برد از او با آن و تفکر نماید در آن و یسا آمده در اثناء این کلا اثناء این کلام مختار لفظی که مردد است و معنی مکرر است و عذر در این تردید و تکرار این است که روایت های کلام آن حضرت مختلف میشود اختلاف ،زیاد پس بسا اتفاق افتاده کلامی که اختیار شده در روایتی پس نقل شده به همان طریق بی کم و زیاد یافت
پس شده بعد از آن در روایت علی حده در حالتی که وضع شده بود به غیر وضع اولی به زیادی برگزیده شده بود یا به لفظی که نیکوتر بود از حيث عبارت پس اقتضا نمود حال این که اعاده کرده شود دوباره از جهت تأیید مختار و از جهت غیرت و حمیت بر گرامیترین و شریفهای آن کلام و بسا بوده که بعید شده و طول یافته بود عهد نیز به آن مختار ،اولی پس به جهت طول عهد اعاده شده بعض آن کلام از روی سهو و نسیان نه از روی قصد و عمد.
و ادعا نمیکنم با همه این آن که من احاطه کرده ام به اطراف همه کلام آن حضرت تا به اندازه ای که تنها نمانده باشد از من تنها مانده ای از کلام آن حضرت و نرمیده باشد از من هیچ رمنده ای از سخن،او، بلکه بعید نمی شمارم
این که باشد کلامی که نرسیده به جانب من و قاصرات از من زیاده از آن شود که واقع شده به سوی من و باشد کلامی که حاصل شده در ریسمان تصرف من کم از کلامی که خارج شده از دو دست من .
و نیست بر من مگر بذل جهد و سعی و عدم تقصیر و کوتاهی در وسع و طاقت و بر خدای تعالی است آشکار ساختن راه و مستقیم نمودن دليل ان شاءالله تعالى
و رأى من علاقه گرفت که بعد از تألیف و تمام نمودن به نام نهادن این کتاب مستطاب به نهج البلاغه ، از جهت این که میگشاید برای نظر کننده او درهای بلاغت و نزدیك میگرداند بر او طلب کردن اسباب فصاحت را و در او است حاجت عالم و متعلم و مطلوب صاحب بلاغت و زهد و میگذرد در اثناء این کتاب از کلامی که وارد است در توحید و عدالت و مبرا نمودن خداوند تعالی از مشابهت مخلوقات آن نحو کلامی که سیراب کننده هر تشنگی است شفادهنده و ناخوشی و زایل کننده هر شک و شبهه و از خداوند عالم استمداد میکنم توفیق و عصمت را و طلب مینمایم اصلاح و اعانت را و پناه نمایم اصلاح و اعانت را و پناه میطلبم از او از خطای دل قبل از خطای زبان و از لغزش سخنان پیش از لغزش قدمان و خدای تعالی است کفایت کننده من در جميع کارها و نيکو وکیل است در حاجتها .
تم شرح الديباجة بحمدالله و حسن توفيقه و يتلوه الكلام إن شاء الله في شرح خطاب أمير المؤمنين(رضی الله عنه) والله المستعان وعليه التكلان.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمن الرحیم
هم القوم من أصفيهم الودَّ مخلصاً*** تمسّك في أخراه بالسبب الأقوى
هم القوم فاقوا العالمين مآثراً*** محاسنها تجلی وآياتها تروی
بهم عرف الناس الهدى فهديهم*** يضل الذي يقلى ويهدى الذي يهوى
موالاتهم فرض وحبّهم هدى*** و وطاعتهم قربى وودّهم تقوی
وبعد : فيقول الشارح المحتاج إلى غفران ربّه الكريم الرّحيم: قال الشريف الرضي ذو الحسين أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوحة جنّته :
(باب المختار من خطب أمير المؤمنين (رضی الله عنه) ،وأوامره، ويدخل في ذلك الباب المختار من کلامه الجاري مجرى الخطب في المقامات المحصورة) أي المجالس المعينة المعدودة والمواقف المذكورة) أي الكثيرة الدوران على الأفواه والألسنة والخطوب الواردة) أي الملاحم العظيمة والأمور المعظمة الحادثة.
ويذكر فيها صفة الحّج ،ووجوبه وهي من جلائل خطبه ومشاهيرها، وقد رواها المحدث العلامة المجلسي طاب ثراه في كتاب البحار» إلى قوله إلى يوم الوقت المعلوم آخر الفصل الحادي عشر من كتاب عيون الحكمة والمواعظ لمحمّد بن علي الواسطي مرسلة كما في الكتاب، وشرحها في ضمن فصول :
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلَا يُحْصَى نَعْمَاتَهُ الْعادُّونَ وَلا يُؤدّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ».
(الحمد) والمدح والشكر متقاربة المعاني ومشتركة في الدلالة على الثّناء الجميل وربما يحكم باتحاد الأوّلين وكونهما أخوين ؛ قال في «الكشاف»: الحمد والمدح أخوان الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها، تقول: حمدت الرّجل على إنعامه وحمدته وهو على حسنه وشجاعته انتهى .
ونسبه الشّارح المعتزلي إلى أكثر الأدباء والمتكلمين، ومثل لهما بقوله : حمدت زيداً على إنعامه ومدحته على إنعامه وحمدته على شجاعته ومدحته على شجاعته، ثم قال فهما سواء يدخلان فيما كان من فعل الإنسان وفيما ليس من فعله كما ذكرناه من المثالين هذا ولكنّ المعروف أخصية الحمد من المدح بوجوه :
أحدها: أن الحمد هو الثناء على ذي علم وحياة لكماله والمدح هو الثناء على الشيء لكماله، سواء كان ذا علم وحياة أم لا، ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن، أو ياقوتة كذلك، فإنّه قد يمدحها ويستحيل أن يحمدها.
الثاني: أن الحمد لا يكون إلا بعد الإحسان والمدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده .
الثالث: أن الحمد هو الثّناء على الجميل الاختياري تقول : حمدته على كرمه، ولا تقول : على حسنه والمدح يعم الاختياري وغيره.
وأما الشكر فربما يُعرف بأنّه تعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الشاكر، فيكون أخص من الحمد من وجه وأعم منه بوجه آخر .
أمّا الأَوّل : فلأنّ الشكر لا يكون إلا على النّعمة الواصلة إلى الشاكر، والحمد يكون على النعمة وغيرها وعلى النّعمة العائدة إلى الحامد ،وغيرها وعلى النّعمة العائدة إلى الحامد وغيرها.
وأمّا الثاني : فلأنَّ الحمد لا يكون إلا باللسان والشكر يكون باللسان، والشكر يكون باللّسان والجوارح والقلب، قال الشاعر:
أفادتكم النعماء منّي ثلاثة*** يدي ولساني والضمير المحجبا
أقول: هكذا فرق جماعة بينهما منهم الزمخشري والتفتازاني والبيضاوي وغيرهم، إلا أن تخصيص مورد الحمد باللسان يشكل بقوله سبحانه :
« وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِعَبْدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » [الإسراء : 44] .
اللهم إلا أن يراد باللسان الأعم من لسان الحال ولسان المقال بعنوان عموم المجاز فإنه سبحانه حيث بسط بساط الوجود على أفراد الممكنات وآحاد الموجودات، ووضع عليه موائد كرمه وألطافه التي لا تتناهى فكلّ ذرّة من ذرات الوجود لسان حال ناطق بحمده، ونظيره إرادة الخضوع التكويني والإفتقار الذاتي من السجود الظاهر في وضع الجبهة في قوله تعالى :
« ألم ترَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُم مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجَبَالُ والشجرُ وَالدَّوَابُ ﴾ [الحج : 18] .
فإن قلت: سلّمنا هذا كله ولكنّك ما تصنع بقوله : ولكن لا تفقهون تسبيحهم،فإنّ التسبيح والحمد بلسان الحال مفقوه معلوم .
قلنا : الخطاب للمشركين وهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض قالوا : الله ، إلا أنّهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم فكأنهم لم ينظروا ولم يقروا، لأن نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه، فإذن لم يفقهوا التسبيح ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق هذا، ومثل هذا الإشكال والجواب يجري في قوله سبحانه :
«وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ » [الرعد: 13] .
ولا حاجة إلى تكلف التأويل بأنه يسبّح سامع الرّعد من العباد، الراجين للمطر حامدين له كما تحمله في (الكشاف)، ويأتي إن شاء الله تحقيق ذلك في شرح المختار» المائة والتسعين بما لا مزيد عليه .
( والله) إسم جامد علم للذات المستجمع لصفات الكمال، واختار جموده جماعة المفسرين وغيرهم محتجين بحجج مذكورة في محالها .
وذهب الكوفيون إلى أنّ الأولين قالوا : باشتقاقه من إله على وزن ،فعال فأدخلت عليه الألف واللام للتعظيم، فصار الإله، فحذفت الهمزة إستثقالاً لكثرة جريانها على الألسنة، فاجتمع لامان فأدغمت الأولى، والآخرين قالوا بأن أصله (لاه)، فأدخلت عليه الألف واللام، فقيل الله ، وأمّا لفظة (الا لاه) ، فقال الزمخشري وتبعه الشارح المعتزلي وغيره: إنه من أسماء الأجناس اسم يقع على كلّ معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق كالنّجم للتّريا والكتاب لكتاب سيبويه والبيت لبيت الله والسنة لعام القحط.
وذهب جماعة إلى اشتقاقها واختلفوا في أصلها على أقوال شتّى : فقيل إنّها مأخوذة من أله إلاهة والوهة ،والوهية من باب منع إذا عبد عبادة، فالإله بمعنى مألوه، ككتاب بمعنى مكتوب، وبساط بمعنى مبسوط، وإنكار الشارح المعتزلي له لا وجه له مع تصريح جماعة من اللغويين والمفسرين ،به ولكونها بهذا المعنى صح تعلق الظرف بها في قوله :
«وَهُوَ الَّذِى فِي السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ » [الزخرف: 84] .
وقيل : إنّها مأخوذة من أله إذا تحيّر لتحير العقول في معرفة ذاته.
وقيل : إنّها مأخوذة من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه لأن القلوب تطمئن بذكره سبحانه، والأرواح تسكن إلى معرفته أو من ألهت إلى فلان أي فزعت إليه، لأن العائذ يفزع إليه وهو يجيره . وقيل : إنّها من لاء مصدر لاه يليه ليها ولاها إذا احتجب وارتفع، لأنه تعالى محجوب عن إدراك الأبصار، ومرتفع على كلّ شيء، وقيل أقوال أخر يطول ذكرها (1).
فإن قيل : ما معنى الإشتقاق الذي ذكرته ؟
قلت: الإشتقاق على ما ذكره الزمخشري وغيره هو أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنى واحد وهذا موجود بينها وبين الأصول المذكورة ( والبلوغ) هو الوصول أو المشارفة يقال :
1) انظر مفردات الراغب : 21 ، ومجمع البحرين: 531/2 ، ومختار الصحاح : 20.
بلغ المكان بلوغاً من باب نصر إذا وصل إليه أو شارف عليه والثاني أكمل وأبلغ بالنسبة إلى المقام (والمدحة) قال الشارح المعتزلي: هي هيئة المدح، كالركبة هيئة الركوب، والجلسة هيئة الجلوس، وفي (القاموس) : مدحه كمنعه مدحاً ،ومدحة أحسن الثناء عليه (والمجتهد) من اجتهد في الأمر إذا بذل وسعه وطاقته في طلبه ليبلغ مجهوده ويصل إلى نهايته .
الحمد مرفوع بالإبتداء وخبره الله ، وأصله النّصب وبه قرأ بعضهم في الكتاب العزيز بإضمار فعله على أنّه من المصادر السادة مساد الأفعال مثل شكراً وكفراً، والعدول من النّصب إلى الرفع للدّلالة على الثبات والإستقرار، ومثله قوله تعالى :
«قالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ » [هود : 69] .
حيث رفع الثاني للدلالة على أن إبراهيم (رضی الله عنه) حياهم بتحية أحسن من تحيّتهم، لأن الرقع دال على معنى ثبات السّلام لهم دون تجدده وحدوثه وحرف التعريف الدّاخل عليه للجنس، لأنه المتبادر إلى الفهم الشائع في الإستعمال، لا سيما في المصادر؛ وعند خفاء قرائن الإستغراق، أو لأنّ المصادر الخالية عن اللواحق والدواخل لا تدل إلا على الماهية لا بشرط شيء، ، كما ادعى الشكاكي جماع أهل العربية عليه في محكي كلامه، وحرف التعريف لا تفيد إلا التعيين والإشارة، فيكون معناها الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو .
قال في (الكشاف) (1). : التعريف فيه نحو التعريف في أرسلها العراك، وهو تعريف الجنس إلى أن قال: فالاستغراق الذي يتوهّمه كثير من النّاس وهم، وقيل: إنّها للإستغراق، وربما يرجح على الأول بما فيه من إفادتها رجوع جميع المحامد إليه سبحانه بخلاف الأول .
وفيه : أن كونها للجنس لا ينافي ذلك، وذلك لأنّ اللام في قوله الله إما للملك كما في قولنا : المال لزيد، أو للإختصاص كما في قولنا : الحصير للمسجد، وعلى التقديرين فتفيد رجوع المحامد إليه سبحانه، لأن معناه أنّ ماهيّة الحمد حق الله وملك له ومختص به، وذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهية لغير الله فثبت على هذا القول أيضاً أنّ قوله الحمد (رضی الله عنه): الحمد لله ينفي حصول الحمد لغير الله .
فإن قيل : أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه، والأستاذ من التلميذ؟
قلنا : كلّ من أنعم على غيره فالأنعام في الحقيقة من الله سبحانه، لأنه تعالى لولا خلق
1) راجع لسان العرب: 133/3
تلك الدّاعية في قلب المنعم لما أقدم على ذلك الأنعام، ولولا أنّه خلق تلك النعمة وسلط ذلك المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الإنتفاع لما حصل الإنتفاع بتلك النعمة، فثبت أن المنعم في الحقيقة هو الله سبحانه قال تعالى :
« ومَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ » [النحل : 53] .
(والألف واللام) في القائلون للاستغراق، لعدم خلاف ظاهر بين أصحابنا في إفادة الجمع المعرف للعموم، وهو المتبادر منه أيضاً ويدلّ عليه أيضاً جواز الإستثناء مطرداً، ومنهيظهر فساد ما توهّمه القطب الراوندي على ما حكاه عنه الشارح المعتزلي من كونها فيه للجنس كما في الحمد، مضافاً إلى لزوم إرادة الاستغراق والعموم في خصوص المقام وإن لم نقل به في سائر المقامات، لعدم تمامية المعنى إلا به، لأنّ المبالغة بل الحق المحض عجز جميع القائلين عن حمده، ومعلوم أن الجنس لا يفيد ذلك .
(الحمد لله) أي الثناء الحسن حق ومخصوص للذات المستجمع للصفات الجمالية والجلالية.
وعن تفسير الإمام (رضی الله عنه) عن أمير المؤمنين (رضی الله عنه) : «الله هو الذي يتأله إليه كل مخلوق عند الحوائج والشدائد إذا انقطع الرّجاء من كلّ من دونه، وتقطع الأسباب من جميع من سواده (1).
وعنه(رضی الله عنه) أيضاً : الله أعظم اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، لا ينبغي أن يتسم به غیره (2).
وفي التّوحيد عنه (رضی الله عنه) أيضاً : «الله معناه المعبود الذي يأله فيه الخلق ويوله إليه، والمستور عن درك الأبصار ، المحجوب عن الأوهام والخطرات».
وفيه عن الباقر(رضی الله عنه) معناه المعبود الذي أله الخلق عن درك مائيته، والإحاطة بكيفيته، ويقول العرب : أله الرّجل إذا تحيّر في الشيء فلم يحط به علماً، ووله إذا فزع إلى شيء ممّا يحذره ويخافه، فالإله هو المستور عن حواس الخلق الذي لا يبلغ مدحته القائلون) أي لا يشارف على مدحه أحد من آحاد القائلين، فكيف يصلون إليه وهو إشارة إلى
العجز عن القيام بحمده سبحانه كما هو أهله ومستحقه، ومن ثم قال(رضی الله عنه) :
«لا أَحْصِي ثَناءَ عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (1).
فإن قلت: روى في (الكافي) عن الصادق له الله ما أنعم الله على عبده بنعمته صغرت أو كبرت فقال : الحمد لله ؛ إلا أذى شكرها، فكيف التوفيق بينه وبين النبوي والخطبة؟
قلت: يمكن الجمع بينهما بأنّ المراد بها إظهار العجز عن الحمد والثناء اللائق بحضرته سبحانه كما أشرنا إليه والمراد بأداء الشكر فيه أداؤه اللائق بحال العبد الموجب لسقوط تكليف الشكر عنه والمحصل لرضائه سبحانه وتعالى عنه بهذا المقدار بكرمه العميم ولطفه الجسيم .
ويشير إليه ما رواه الصادق عن أبيه عليهما السّلام قال: «فقد أبي بغلة له، فقال: لأن ردّها الله تعالى لأحمدنّه بمحامد يرضاها»، فما لبث أن أتي بها بسرجها ولجامها فلما استوى عليها وضمّ إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء، فقال: «الحمد الله»، ولم يزد، ثمّ قال: وما تركت وما أبقيت شيئاً جعلت كلّ أنواع المحامد الله عزّ وجلّ ما من حمد إلا هو داخل فيما
قلت» انتهى (2).
قيل : وإنما اختار الله الله القائلين على المادحين، لكونه أبلغ من حيث إنّ القائل أعمّ من المادح، وعدم بلوغ الأعم بمدحته مستلزم لعدم بلوغ الأخص.
أقول : والأولى أن يقال : إنّ السّر في العدول عنه إليه هو أن الغرض من الجملة الوصفية الإشارة إلى عدم إمكان القيام على مدحته حسبما عرفت سابقاً، فإذا لم يمكن القيام عليه لم يوجد هناك من قام به المدح، فلا يوجد له مادح في الحقيقة، والتعبير بالمادحين هذا الغرض، كما أنّ التعبير بالقائلين يؤكده لأنّ فيه إشعاراً بأنّ من صدر عنه مدح فهو قول يليق بقائله ؛ وليس بمدح حقيقي يليق به تعالى كما لا يخفى، ويأتي إن شاء الله تمام التحقيق في عدم إمكان مدحه ووصفه سبحانه في شرح الخطبة المائة والسابعة والسبعين (ولا يحصى نعمائه العادّون إذ النّعم غير محصورة والفيوضات غير متناهية، فلا يحيط بها عد، ولا يضبطها حد.
قال سبحانه: «وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا » [إبراهيم: 34].
قال البيضاوي : لا تحصروها ولا تطيقوا عدّ أنواعها فضلاً من أفرادها فإنّها غير
متناهية، ثمّ قال : وفيه دليل على أنّ المفرد يفيد الإستغراق بالإضافة.
أقول : أمّا إفادة المفرد المضاف للعموم في الآية فمما لا غبار عليه لقيام القرينة وأمّا دلالته عليه مطلقاً فمحلّ منع كما برهن في (الأصول)، (ولا يؤدي حقه المجتهدون) أي حقه اللازم على العباد وإن بذلوا وسعهم وطاقتهم، واجتهدوا في أدائه ،وقضائه والمراد بالحق اللازم هو القيام على شكر النعماء، وحمد الآلاء، فأشار الله الله إلى أنّه لا يمكن القيام بوظائف حمده، لأن الحمد من جملة نعمه فيستحق عليه حمداً وشكراً، فلا ينقضي ما يستحقه من المحامد، لعدم تناهي نعمه، فالأولى حينئذ الإعتراف بالعجز والقصور.
كما اعترف به داود النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) فيما روي عنه حيث قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة أخرى توجب علي الشكر لك، فأوحى الله إليه، إذا عرفت أن النّعم مني رضيت منك بذلك شكراً» (1).
ومثله موسى (علیه السلام) روى في (الكافي) عن أبي عبد الله عليه السلام قال : أوحى الله عزّ وجل إلى موسى: يا موسى اشكرني حق شكري، فقال: يا ربّ كيف أشكرك حق شكرك؟ وليس من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به عليّ :قال يا موسى الآن شكرتني حين علمت أن ذلك منّي»(2).
ومن طريق العامة في مناجاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنت يا ربّ أسبغت عليّ النّعم السوابغ فشكرتك عليها، فكيف لي بشكر شكرك» ؟ فقال الله تعالى: «تعلمت العلم الذي لا يفوته علم، فحسبك أن تعلم أن ذلك من عندي ، وفي هذا المعنى قال محمود الوراق :
شکر الإله نعمة موجبة لشكره*** وكيف شكري برّه وشكره من بره
وقال آخر :
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ***عليّ بها في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله*** وإن طالت الأيام واتصل العمر
وفي (الكافي) عن السجاد(رضی الله عنه) ، أنه إذا قرأ قوله تعالى :
« وَإِن تَعدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا » [إبراهيم: 34] .
يقول : سبحان من لم يجعل في أحدٍ من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها،
كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا يدرك ، فشكر الله تعالى معرفة
العارفين بالتقصير عن معرفة شكره، فجعل معرفتهم بالتقصير شكراً؛ كما علّم العالمين أنّهم لا يدركونه (1)، فجعله الله إيماناً، علماً فجعله الله إيماناً، علماً منه أنه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك، فإن شئیاً من خلقه لا يبلغ مدى عبادته وكيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له ولا كيف؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً(2).
یعنی ستایش مرخداوند معبود به حق واجب الوجودی را است که نمی رسد به ثنای او یا به هیئت ثنای او جمع گویندگان و شمار نمیتوانند نمایند نعمتهای او شمارندگان و به جا نمیتوانند آورد حق نعمت او را سعی و کوشش کنندگان و لنعم ما قيل :
حق شکر تو نداند هیچکس*** حیرت آمد حاصل دانا و بس
آن بزرگی گفت با حق در نهان*** کای پدیدآرنده هر دوجهان
ای منزّه از زن و فرزند و جفت*** کی توانم شکر نعمتهات گفت
بيك حضرت دادش از ایزد پیام*** گفتش از تو این بود شکر مدام
چون در این ره اینقدر بشناختی*** شکر نعمتهای ما پرداختی
«الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَم وَلا يَنالُهُ غَوْصُ الْفِطْنِ الَّذي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌ مَحْدُودٌ وَلا نَعْتُ مَوْجُودٌ وَلاَ وَقت مَعْدُودٌ وَلا أَجَلٌ مَعْدُودٌ».
(البعد) ضدّ القرب (والهمم) جمع الهمّة وهو العزم والجزم الثابت الذي لا يعتريه فتور (والنيل) الإصابة (والغوص) النزول تحت الماء لإستخراج ما فيه، ومنه قيل : غاص في المعاني إذا بلغ أقصاها حتى استخرج ما بعد منها والفطن) الفطنة وهي الجودة والحذاقة والوقت) مقدار حركة الفلك والأجل) هو الوقت المضروب للشيء الذي يحلّ ،فيه ومنه أجل الإنسان للوقت المقدر فيه موته وأجل الدين للوقت الذي يحل فيه قضاؤه.
(الذي) موصول إسمي وهو مع صلته في محل الجرّ صفة الله ، والجملة بعده صلة له، ولا محلّ لها من الإعراب، وإضافة البعد إلى الهمم لفظية بمعنى اللام كإضافة الغوص إلى الفطن، وليست من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف على ما قاله بعضهم لأنّ هذه الإضافة بعد الإغماض عن الإشكال في أصلها والبناء على مذهب الكوفيين من صحتها، لا يمكن جريانها في المقام، إذ المطابقة بين الصفة والموصوف في الإفراد ونقيضيه لازمة، وهي في المقام منتفية ، اللهم إلا أن يوجّه بأنّ الصفة هنا مصدر، ويستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع ولا بأس به.
الذي لا يدركه بعد الهمم أي لا يدركه همم أصحاب النظر وأوهام أرباب الفكر وإن علت ،وبعدت والمراد ببعدها تعلقها بالأمور المعظمة والمبادىء العالية ولا يناله غوص الفطن أي لا يصيب كنه ذاته غوص أرباب الفطن في بحار معرفته وكنه حقيقته.
قال الصدر الشيرازي: وإسناد الغوص إلى الفطن على سبيل الإستعارة إذ الحقيقة إسناده إلى الحيوان بالنّسبة وهو مستلزم لتشبيه العلوم العقلية بالماء ووجه الإستعارة ههنا أنّ صفات الجلال ونعوت الكمال في عدم تناهيها والوصول إلى حقائقها وأغوارها، تشبه البحر الخضم الذي لا يصل السابح له إلى الساحل، ولا ينتهي الغائص فيه إلى قرار، وكان السابح لذلك البحر، والخائض في تياره هي الفطن الثاقبة، لا كانت الفطنة شبيهة بالغائص في البحر، فأسند الغوص إليها، وفي معناه الغوص في الفكر، ويقرب منه إسناد
الإدراك إلى بعد الهمم، إذ كان الإدراك حقيقة في لحوق جسم لجسم آخر
ثمّ وجه الحسن في إضافة بعد الهمم وغوص الفطن، وقد مرّ أنّه من باب إضافة الصفة يلفظ المصدر إلى الموصوف دون أن يقول كما هو الأصل : الهمم البعيدة، والفطن الغائصة، أنّ المقصود لما كان هو المبالغة في عدم إصابة وصفه تعالى بالفطنة من حيث هي ذات ،بعد كانت تلك الحيثية مقصودة بالقصد الأول، والبلاغة تقتضی تقدیم الأهم والمقصود الأوّل على ما ليس بأهم على ما هو المقرر عند أهل البيان، ويشهد له الأذواق السليمة.
إذا عرفت ذلك فنقول: هاتان الفقرتان إشارتان إلى عدم إمكان إدراك ذاته، والوصول إلى حقيقته وهو ممّا لا ريب فيه .
وبرهانه ما رواه في (الكافي) عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه، عن هشام بن الحكم، قال: الأشياء لا تدرك إلا بأمرين بالحواس والقلب، والحواس إدراكها على ثلاثة معان : إدراك بالمداخلة، وإدراك بالمماسة، وإدراك بلا مداخلة ولا مماسة.
فإما الإدراك الذي بالمداخلة فالأصوات والمشام والطعوم.
وأمّا الإدراك بالمماسة فمعرفة الأشكال من التربيع والتثليث، ومعرفة اللين والخشن والحر والبرد.
وأما الإدراك بلا مماسة ولا مداخلة فالبصر، فإنّه يدرك الأشياء بلا مماسة ولا مداخلة في حيز غيره لا في حيّزه، وإدراك البصر له سبيل وسبب فسبيله الهواء، وسببه الضّياء، فإذا كان السبيل متصلاً بينه وبين المرئي والسبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان والأشخاص، فإذا حمل البصر على ما لا سبيل له فيه رجع راجعاً فحكى ما ورائه، كالناظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة، فإذا لم يكن له سبيل رجع راجعاً ويحكي ما ورائه، وكذلك الناظر إلى الماء الصافي يرجع راجعاً فيحكي ما ورائه، إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره، فأما القلب فإنّما سلطانه على الهواء، فهو يدرك جميع ما في الهواء ويتوهّمه، فإذا حمل القلب على ما ليس في الهواء موجوداً، جوداً رجع راجعاً فحكى ما في الهواء راجعاً فحكى ما في الهواء، فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على ما ليس موجوداً في الهواء من أمر التوحيد، فإنّه إن فعل ذلك لم يتوهم إلا ما في الهواء ،موجود كما قلنا في أمر البصر تعالى الله أن يشبهه خلقه انتهى.(1).
توضیحه : أنّ المدارك على كثرتها منحصرة في أمرين، لأن العوالم على كثرتها
1) الكافي: 99/1 - 100 ح 12 .
منحصرة في عالمين أحدهما عالم الدنيا والشهادة والثاني عالم الغيب والآخرة، فالمدرك لما في عالم الشهادة هو إحدى الحواس الخمس، والمدرك لما في عالم الغيب هو القلب والمراد بالقلب مجمع المشاعر الباطنة، أعني الخيال والوهم والعقل .
أمّا مدركات الحواس فلا تتجاوز عن المحسوسات وهي منحصرة في الجسم والجسمانيات، والله سبحانه منزه عن ذلك .
وأما مدركات القلوب فإنّما هي منحصرة لما في الهواء، والمراد بالهواء هو الفضاء ما بين السّماء والأرض، ولعل المراد به هنا عالم الإمكان طولاً وعرضاً، وتسميته بالهواء من باب تسمية الكل باسم الجزء .
وإنّما قلنا إن المراد به ذلك، لأن إدراك القلب غير مقصور على مدركات الحواس، ولا مشروط بشرائط إدراك الحواس فيدرك جميع ما في الهواء بوساطة ولا بوساطة بالتوهم فإذا حمل القلب على إدراك ما ليس بموجود في الهواء يعود راجعاً، فيخترع صورة من عنده، فيحكي لما ليس بموجود في العين بما يخترع في وهمه وهكذا عادته في المواضع المظلمة والمخاوف فلا بد للعاقل أن لا يحمل قلبه على إدراك ما ليس بموجود كحمله على الموجود ولا يحمل على ما ليس بمحسوس لأن لا يقع في غلط الوهم، وكذا من طلب إدراك الحق من طرق الحواس وقع في الزّيغ والضلال فإنّه سبحانه أجل وأعظم من أن يطلب وينال من سبيل الحس والخيال، ولذلك قال الباقر(رضی الله عنه) : «كلما ميّزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مصنوع مثلكم مردود إليكم (1).
فقد تلخص ممّا ذكرنا كله أن كل سابح في بحار جلاله غريق، وكلّ مدّع للوصول إليه فبأنوار كبريائه ،حريق سبحانه وتعالى شأنه علواً كبيراً الذي ليس لصفته حد محدود الظاهر أنّ المراد بصفته الصفات الذاتية وهي العلم والحياة والقدرة والاختيار وأمثالها، والمراد بالحدّ الغاية والنّهاية يقال هذا حدّ الأرض أي غايتها ومنتهاها، والمحدود من حدّ الشيء عن الشيء إذا عينه، فالمعنى أنه ليس لصفاته غاية معينة، ونهاية مميزة.
ويشهد به ما رواه في (الكافي) بإسناده عن الكابلي قال : كتبت إلى أبي الحسن (رضی الله عنه) في دعاء الحمد الله منتهى علمه فكتب إليّ : لا تقولن منتهى ،علمه فليس لعلمه منتهى ، ولكن قل منتهى رضاه» (2).
هذا ويحتمل أن يكون المراد بالحد الحدّ المنطقي، وهو ما يعرف به الشيء فيكون المعنى أنه ليس لذاته حد يعرف به قياساً على الأشياء المحدودة، وذلك لأنه ليس بمركب وكل محدود مركب.
وفي (الكافي) عن أبي حمزة قال قال لي علي بن الحسين عليهما السّلام يا أبا حمزة إنّ الله لا يوصف بمحدودية، عظم ربّنا عن الصفة وكيف يوصف بمحدودية من لا يحد (1).
أقول: يعني من ليس له حد لتنزّهه عن الأجزاء والنهايات والحدّ مستلزم للتجزية والتكثر المنافي للوجوب الذاتي، وعدم الإفتقار ويمكن أن يكون وصف الحد بالمحدود من باب المبالغة والتأكيد من قبيل شعر شاعراً، وحجراً محجوراً، ونسياً منسيّاً، ونحو ذلك، أو المفعول بمعنى الفاعل كما في قوله تعالى: «حِجَابًا مَّسْتُورًا » [الإسراء: 45] أي ساتراً «كَانَ وعْدُمُ مَانيا» [مريم: 61] أي آتياً .
(ولا نعت (موجود أي رسم موجود يرسم به قياساً على الأشياء المرسومة بلوازمها وأوصافها، وإلا يلزم كون الذات محلاً للأعراض والأوصاف وهو منزّه عن ذلك .
ويدل عليه ما رواه في (الكافي) عن الفضيل بن يسار قال : إن الله لا يوصف، وكيف يوصف وقد قال في كتابه :
«وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَتَّى قَدْرِهِ » [الأنعام: 91] .
فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك(2).
وفي رواية أبي حمزة عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال : قال : لو اجتمع أهل السماء والأرض أن يصفوا الله بعظمته لم يقدروا (3).
قال بعض المحققين: لأنّ الذات الأحدية والهوية القيومية، ممّا لا ماهية ،له ولا جزء لذاته، فلا حد له ولا صورة تساويه فلا حكاية عنه، ولأن وجوده الذي هو عين ذاته غير متناه الشّدة في التورية فلا يكتنهه لاحظ ولا يستقر لإدراكه ناظر ولا وقت معدود ولا أجل ممدود لأنه أزلي أبدي واجب الوجود لا يختص وجوده بوقت دون وقت وبأجل دون
أجل، بل هو خالق الوقت والأجل لا ابتداء لوجوده، ولا انتهاء لبقائه.
ولذلك نهي في الأخبار الكثيرة عن السؤال عنه سبحانه (بمتى)، كما في (الكافي) عن أبي عبد الله (رضی الله عنه) ، قال : جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين الله فقال يا أمير المؤمنين(رضی الله عنه) : متى كان ربّك؟ فقال له : ثكلتك أمك ومتى لم يكن حتى يقال متى كان كان ربّنا قبل القبل بلا قبل وبعد البعد بلا ،بعد ولا غاية ولا منتهى لغاية انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كلّ غاية فقال : يا أمير المؤمنين أفنبي أنت؟ فقال: ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم )(1).
قال بعض شرّاح الحديث : (متّى) عبارة عن نسبة المتغيرات إلى الزمان، وهذا يسلتزم أن يكون الموجود في شطر من الزمان غير موجود فيه سابقاً ولا لاحقاً فإذا قيل لشيء (متى) كان فمعناه السؤال عن خصوصية الوقت الذي اتفق وجوده فيه، دون سائر الأوقات، كما إذا قيل : أين كان؟ فمعناه السؤال عن خصوصية مكانه الذي وجد فيه دون سائر الأمكنة.
وبالجملة الزمان لكونه مقدار الحركة علة تغيّر الأشياء الزمانية ولا علة لتغيره لأنه بنفسه متغير غير قارّ الذات، ولما لم يكن وجوده سبحانه زمانيّاً، لأنّه غير متغيّر أصلاً ولا بمتحرّك، ولا علاقة له بمتحرّك، لا يكون واقعاً في الزمان فلا يصح السؤال عنه (بمتى) ولذلك نبه على فساد السؤال عنه بمتى بقوله : ومتى لم يكن حتى يقال متى كان؟ فإن من خاصيّة المنسوب إلى الزمان أنّه ما لم ينقطع نسبته عن بعض أجزاء الزمان، لم ينسب إلى بعض آخر فالموجود في هذا اليوم غير الموجود في الغد، ولا في الأمس، ولكن الباري جل جلاله لكونه محيطاً بجميع الموجودات إحاطة قيومية، فنسبته إلى الثابت والمتغير والمجرّد والمكان نسبة واحدة ولم يزل ولا يزال من غير أن يتصوّر في حقه تغيّر، وتجدّد بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في صفته ولا في إضافته ونسبته، فصح القول بأنّه لا يخلو منه زمان .
وقوله (رضی الله عنه): قبل القبل بلا قبل أي هو قبل كلّ من يفرض له القبلية، ومثله بعد البعد بلا بعد ولا غاية أي ولا نهاية لوجوده في جهة القبلية والبعدية، لكونه أزليّاً أبديّاً، ولا منتهى لغاية أي ليس نهاية لامتداد إذ ليس له كميّة مقتضية لاتصافه بالأطراف والنّهايات وإقترانه بالإمتداد والغايات إنقطعت الغايات عنده فهو منتهى كل غاية، لأنه منتهى غرض الخلائق ومفزعهم في المهمات والمقاصد، فهو منتهى سير السائرين، وغاية شوق المسافرين ونهاية قصد الطالبين .
1) الكافي : 90/1 ح 5 ، وتوحيد الصدوق : 174 .
یعنی همچنان خداوندی که نمیتواند درك كند كنه ذات شریف او را بلندی همتهای صاحبان فکر و نظر اگرچه تعمّق نمایند و امعان نظر بکنند و نمیتواند برسد بر حقیقت او غوطه خوردن حذاقتها و فهمها در دریای معرفت ذات او اگر چه سعی و کوشش ورزند.
به عقل نازی حکیم تاکی*** به فکرت این ره نمی شود طی
به کنه ذاتش خرد برد پی*** اگر رسد خس به قعر دریا
و آن خدایی که نیست اوصاف جمالیه و صفات کمالیه او را غایت و نهایتی معين که از آن جا تجاوز ،ننماید یا این که نیست صفات ذاتیه او را معرفی که به کنه او را تعریف و تحدید نماید و نه معرفی که به عوارض و اوصاف شرح ماهیت آن را دارد و نیست اوصاف او را وقتی شمرده شده و نه مدتی کشیده گردیده.
«فَطَرَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، ونَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، ووَتَدَ بِالصُّحُورِ مَيَدانَ أَرْضِهِ».
(فطر) الله الخلق فطراً من باب نصر خلقهم والإسم الفطرة، كالخلقة لفظاً ومعنى و (النشر) البسط ، يقال : نشر المتاع ينشره نشراً إذا بسط ومنه ريح نشور ورياح نشر (والرّياح) جمع الرّيح والباء فيها منقلبة عن الواو لانكسار ما قبلها ، وجمع القلة أرواح بالواو إذا لم يوجد فيه ما يوجب الإعلال، وربّما يفرق بين الرّيح والرّياح بأنّ الثانية من أسباب الرّحمة وآثارها والأولى ليست كذلك وقد روي عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه كان يقول إذا هبت ريح: اللهم اجعلها رياحاً، ولا تجعلها ريحاً (1). . ويشهد به الاستقراء أيضاً قال سبحانه :
« أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتِ وَأَرْسَلْنَا الرِّيحَ لَواقِعَ » [الروم: 46 ، الحجر: 22] وقال: «وَأَنَا عَادٌ فَأَمْلِكُوا بِرِيج صَرْصَرٍ عَاتِيَة [الحاقة : 6] وريحُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ » [الأحقاف : 24].
إلى غير هذه من الآيات و(وتد) كوعد يَتِدُ وتداً وتدة يقال : وتد الوتد إذا ثبته وقد يستعمل لازماً يقال : وتد الوتد إذا ثبت و (ميدان) بفتح الميم والياء مصدر يقال: ماد الشيء يميد ميداً من باب ضرب وميداناً ، مثل تزعان إذا تحرّك .
الجملات الثلاث لا محل لها من الأعراب وإضافة ميدان إلى الأرض بمعنى اللاّم، وقيل : إنّها من قبيل إضافة الصفة إلى الموصول بتأويل أرضه المائدة والأوَّل أولى.
قوله : (فطر الخلائق) أي خلقهم (بقدرته) وهذه اللفظة مأخوذة من الكتاب العزيز قال سبحانه:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ« [فاطر: 1] وفي سورة إبراهيم :« أَفِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» [إبراهيم: 10] وفي الأنعام: «قُلْ أَغَيْرَ اللَّه أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» [فاطر: 1].
أي خالقهما، وفي بعض التفاسير أي مبتدئهما ومبتدعهما، إستشهاداً بما عن ابن عباس
1) البحار 4/57 - 17 ، تفسیر مجمع البيان: 453/1 .
قال : ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى اختصم إليّ اعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا ،فطرتها أي ابتدأتها انتهى.
وقيل : إن فاطر من الفطر بمعنى الثّق، كما في قوله سبحانه :
«وإِذَا السَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ » [الإنفطار : 1] أي انشقت .
أقول: ويشهد به ما في حديث الخلقة في بيان الأشباح لآدم (علیه السلام) : وهذه فاطمة، وأنا فاطر السماوات والأرض، فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي وفاطم أوليائي عمّا يعرهم ويشينهم فشققت لها اسماً من اسمي وسيأتي الحديث بتمامه عند شرح خلقة آدم في التنبيه الثاني من تنبيهات الفصل العاشر هذا .
وفي قوله (رضی الله عنه) : بقدرته إشارة إلى أن خلق الأشياء بنفسه القدرة التي هي عين ذاته، لا بشيء آخر، وأما سائر الصناع والفواعل فليسوا كذلك، فإن صنعهم وفعلهم بشيء غير ذواتهم كآلة أو ملكة نفسانية أو مادة أو معاون مثلاً إذا أنشأ إنسان كتاباً فإنه يحتاج إلى آلة كاليد والقلم، وإلى ملكة الكتابة، وإلى مادة كالمداد والقرطاس وإلى معاون يتخذ له الآلة الخارجة ويصلح مادة الكتابة، وأمّا صنعه سبحانه، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، وإنّما هو بنفس ذاته الواجب، ونفس قدرته الكاملة .
والقدرة في الأصل القوة وعند المتكلمين هي الصفة التي يتمكن معها الحي من الفعل وتركه ،بالإرادة وأمّا عند الحكماء عبارة عن كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، وقدرته تعالى قيل: هو كون ذاته بذاته في الأزل بحيث يصح منه خلق الأشياء فيما لا يزال على وفق علمه بها، وهي عين ،ذاته وقيل هي علمه بالنظام الأكمل من حيث إنّه يصح صدور الفعل عنه وقيل : هي عبارة عن نفي العجز عنه، وقيل وقيل : هي فيض فيض الأشياء عنه بمشيئته التي لا تزيد على ذاته، وهي العناية الأزلية، وسيأتي تحقيق الكلام فيها وفي غيرها الصفات الثبوتية، عند شرح قوله (رضی الله عنه) : وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، فانتظر.
و(نشر الرياح برحمته أي بسطها وفرقها على الأطراف والأكناف برحمته الواسعة، ونعمته السابغة لما فيها من المصالح والمنافع التي لا تعد ولا تحصى منها ما أشير إليه في الآية الشّريفة، قال سبحانه في سورة الأعراف :
«وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيح بشرا بين يَدَى رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْتَهُ لِبَلَدٍ. ميْتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخَرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ» [الأعراف: 57] .
أي يرسل الرياح ويطلقها منتشرة في الأرض على قراءة نشراً بالنون، أو مبشرة بالغيث على قراءة عاصم بالباء بين يدي رحمته وهو المطر، حتى إذا حملت سحاباً ثقالاً بالماء،
سقنا السحاب إلى بلد ميّت خال من الماء والكلاء، فأنزلنا به أي بالسحاب الماء، فأخرجنا بالماء من كلّ الثَّمرات وإلى هذا المضمون أيضاً أشير في سورة الفرقان والنّمل والرّوم.
وبالجملة فالرّياح من أعظم النعماء، وأسبغ الآلاء لما فيها من إنبات النبات والأزهار، وإلقاح الأشجار وإيناع الثمار ؛ ورفع كثافات الهواء، وتطيب الماء والكلاء، إلى غير ذلك من الثّمرات التي لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى هذا ، وبقي الكلام في مهب الرياح وأقسامها .
فنقول : روى الصدوق في العلل بإسناده عن العرزمي قال: كنت مع أبي عبد الله(رضی الله عنه) جالساً في الحجر تحت الميزاب ورجل يخاصم رجلاً وأحدهما يقول لصاحبه والله ما تدري من أين تهب الريح ، فلما أكثر عليه قال له أبو عبد الله (رضی الله عنه): هل تدري أنت من أين تهب الريح؟ قال: لا ولكنّي أسمع الناس يقولون، فقلت لأبي عبد الله (رضی الله عنه) من أين تهب الريح؟ فقال : إنّ الرّيح مسجونة تحت هذا الركن الشامي فإذا أراد الله عزّ وجل أن يرسل منها شيئاً أخرجه إما جنوباً ،فجنوب وإمّا شمالاً ،فشمال وإما صباً فصبا وإما دبوراً فدبور، ثم قال: وآية ذلك أنك ترى هذا الركن متحرّكاً أبداً في الصيف والشتاء والليل والنهار» (1).
قال المحدث العلامة المجلسي : ولعل المراد بحركة الركن حركة الثّوب المعلق عليه.
وفي (الفقيه) و(الكافي) عن أبي بصير، قال سألت أبا جعفر(رضی الله عنه) عن الرياح الأربع : الشمال والجنوب والصبا ،والدبور وقلت له إنّ النّاس يقولون إن الشمال من الجنّة، والجنوب من النّار، فقال : إن الله جنوداً من رياح يعذب بها من يشاء ممّن عصاه، فلكل ريح منها ملك موكل بها، فإذا أراد الله عزّ ذكره أن يعذب قوماً بنوع من العذاب، أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الرّيح التي يريد أن يعذبهم بها، قال : فيأمرها الملك فتهيج كما يهيج الأسد المغضب، وقال ولكلّ ريح منهنّ اسم أما تسمع قوله عزّ وجل:
«كَذَّبَت عاد فكيف كان عذابِي وَنُذُرٍ ، إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَرٍ» [الذاريات: 41] وقال : «الرِّيحَ الْعَقِيمُ» [الأحقاف: 24] وقال «ريحُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ » [القمر: 18 - 19 ].
وقال: «فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَت » [البقرة: 266] .
وما ذكر من الرّياح التي يعذب الله بها من عصاه، وقال( رضی الله عنه) والله عزّ ذكره رياح رحمة لواقح ، وغير ذلك ينشرها بين يدي رحمته منها ما يهيج السّحاب للمطر، ومنها رياح تحبس
1) علل الشرائع : 448/2
السّحاب بین لسماء والأرض، ورياح تعصر السّحاب فتمطر بإذن الله، ومنها رياح تفرّق السحاب، ومنها رياح ممّا عدّ الله في الكتاب» .
فأما الرياح الأربع الشمال والجنوب، والصبا، والدبور، فإنّما فإنّما هي أسماء الملائكة الموكلين بها، فإذا أراد الله أن يهب شمالاً ، أمر الملك الذي اسمه الشمال، فيهبط على البيت الحرام، فقام على الرّكن الشامي فيضرب بجناحيه، فتفرّقت ریح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر .
وإذا أراد الله أن يبعث جنوباً أمر الملك الذي اسمه الجنوب، فيهبط على البيت الحرام، فقام على الركن الشامي ويضرب بجناحيه فتفرّقت ريح الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله .
وإذا أراد الله أن يبعث الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام، فقام على الرّكن الشامي فضرب بجناحيه، فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله عزّ وجلّ في البرّ والبحر.
وإذا أراد الله أن يبعث دبوراً ، أمر الملك الذي اسمه الدبور فهبط على البيت فقام على الرّكن الشّامي فضرب بجناحيه، فتفرقت ريح الدبور حيث يريد حیث یرید الله من البّر والبحر.
ثم قال أبو جعفر(رضی الله عنه) : أما تسمع لقوله : ریح الشّمال، وریح الجنوب، و ریح الدّبور، وریح الصّبا،إنّما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها(1).
أقول : يعني إضافة بمعنى اللام لا إضافة بيانية، هذا .
وعن الشهيد في الذكرى : أنّ الجنوب محلّها ما بين مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الاعتدالين والصبا محلّها ما بين الشمس إلى الجدي والشمال محلها من الجدي إلى مغرب الشمس في الاعتدالين والدبور من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل انتهى(2).
لا يقال: إن المستفاد من الرواية السابقة، كون مهب جميع الرّياح جهة القبلة، وهو مناف لما ذكره الشهيد .
لأنّا نقول : إن ظاهره وإن كان ذلك إلا أنه يمكن تأويلها بأنّ الملك لعظمه وعظم جناحه يمكن أن يحرك رأس جناحه بأي موضع أراد ويرسلها إلى أي جهة أمر بالإرسال.
إليها، وإنّما أمر بالقيام على الكعبة لشرافتها وقيل : ضرب الجناح علامة أمر الملك الرّيح للهبوب، وإنّما احتجنا إلى التأويل، لأنّ كون جميع الرّياح من طرف القبلة خلاف ما يشهد به الوجدان ووتد) بالصخور ميدان أرضه) يعني ثبت بالجبال حركة أرضه واضطرابها، فهي كالوتد لها مانعة عن اضطرابها قال سبحانه في سورة النحل :
«وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ» [النحل: 15] .
أي كراهة أن تميد ومثلها في سورة لقمان وفي الأنبيا
«وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ » [الأنبياء : 31] . 31]
والرواسي جمع الراسية أي الجبال العالية الثابتة، وفي سورة النبأ :
«الم تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا * وَالجَبَالَ أَوْتَادًا » [النبأ : 6 - 7] .
روى عن ابن عبّاس أنّ الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفاً السفينة، فأرساها الله بالجبال(1).
وعن الخصال عن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السّلام ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق البحار فخرت وزخرت وقالت: أي شيء يغلبني ؟ فخلق الله الفلك، فأدارها به وذللها ، ثم إنّ الأرض فخرت وقالت : أي شيء يغلبني؟ فخلق الله الجبال فأثبتها في ظهرها أوتاداً من أن تميد بما عليها، فذلت الأرض واستقرت (2).، ويأتي فيه طائفة الأخبار في شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة هذا، من فيشر والإشكال بعد في كيفية كون الجبال سبباً لسكون الأرض، وقد ذكروا فيها وجوهاً :
منها : ما ذكره الفخر الرّازي في التفسير الكبير، وهو أن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء، فإنّها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وقعت الأجرام التقيلة فيها، استقرت على وجه الماء، فكذلك لما خلق الله الأرض على وجه الماء اضطربت، ومَادَتْ، فخلق الله عليها هذه الجبال ووتدها بها فاستقرّت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال.
ثم قال : لقائل أن يقول : هذا يشكل من وجوه الأوّل أنّ هذا المعلّل إمّا أن يقول بأن حركات الأجسام بطباعها، أو يقول ليست بطباعها بل هي واقعة بإيجاد الفاعل المختار فعلى التقدير الأوّل نقول لا شك إنّ الأرض أثقل من الماء والأثقل يغوص في الماء
ولا يبقى طافياً عليه فامتنع أن يقال: إنّها كانت تميد وتضطرب، بخلاف السفينة، فإنّها متخذة من الخشب، وفي داخل الخشب تجويفات غير مملؤة فلذلك تميد وتضطرب على وجه الماء، فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق.
وأما على التقدير الثاني وهو أن يقال : ليس للأرض والماء طبائع يوجب الثّقل والرّسوب والأرض إنّما تنزل لأنّ الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك، وإنما صار الماء محيطاً بالأرض، لمجرّد إجراء العادة، وليس ههنا طبيعة للأرض ولا للماء توجب حالة ،مخصوصة، فنقول : على هذا التقدير علة سكون الأرض هي أنّ الله يخلق فيها السكون، وعلّة كونها مائدة مضطربة هو أنّ الله يخلق فيها الحركة فيفسد القول بأنّ الله خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة، فثبت أنّ التعليل مشكل على كلا التقديرين انتهى.
ثم ذكر سائر الإشكالات الواردة على المعلّل تركنا التعرّض لها مخافة الإطناب.
أقول : ويمكن الجواب عن الإشكال بأن يقال: إنّا نختار أنّ الأرض بطبيعتها طالبة للمركز، لكن إذا كانت خفيفة كان الماء يحركها بأمواجه حركة قسريّة، ويزيلها عن مكانها الطبيعي بسهولة، فكانت تميد وتضطرب بأهلها وتغوص قطعة منها ، وتخرج قطعة منها، ولما أرساها الله بالجبال وأثقلها قاومت الماء وأمواجه يثقلها ، فكانت كالأوتاد ومثبتة لها .
ومنها ما ذكره أيضاً واختاره حيث قال: والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال : إنّه ثبت بالدلائل اليقينية أنّ الأرض كرة وأنّ هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجری خشونات و تضريسات تحصل على وجه هذه الكرة، إذا ثبت هذا فنقول لو فرضنا أنّ هذه الخشونات كانت معدومة بل كانت الأرض كرة حقيقية خالية عن هذه الخشونات والتضريسات، لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأنّ الجرم البسيط المستدير وإن لم يجب كونه متحركاً بالاستدارة عقلاً ، إلا أنه بأدنى سبب، يتحرك على هذا الوجه، أما إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال، وكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة، فكل واحد من هذه الجبال إنّما يتوجه بطبعه إلى مركز العالم وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة، يكون جارياً مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من لإستدارة فكان تخليق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها من الحركة المستديرة، وكانت مانعة للأرض عن الميد والميل والاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض عن الحركة المستديرة فهذا ما وصل إليه خاطري في هذا الباب والله أعلم (1). انتهى.
1) بحار الأنوار: 104/57 .
واعترض عليه بأن كلامه لا يخلو عن تشويش واضطراب والذي يظهر من أوائل أنه جعل المناط في استقرار الأرض الخشونات والتضريسات من حيث إنّها خشونات وتضريسات، وذلك إما لممانعة الأجزاء المائية الملاصقة لتلك التضريسات، لاسلتزام حركة الأرض زوالها عن مواضعها وحينئذ يكون علة السكون هي الجبال الموجودة فيالماء، لا ما خلقت في الربع المكشوف من الأرض وهو خلاف الظاهر من قوله تعالى :
«وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوقِهَا» [الصافات : 10] .
والقول : بأنّ ما في الماء أيضاً من فوقها فلعل المراد تلك الجبال لا يخلو عن بعد مع أنّها ربّما كانت معاونة لحركة الأرض، كما إذا تحركت كثرة الماء بتموّجها أو تموّج أبعاضها المقارنة لتلك الخشونات وإنّما تمانعها عن الحركة أحياناً عند حركة بعضها، وأمّا لممانعة الأجزاء الهوائية المقاربة للجبال الكائنة على الربع الظاهر، فكانت الأوتاد مثبتة لها في الهواء، مانعة عن تحريك الماء بتموجه إيّاها كما تمانع الجبال المخلوقة في الماء عن تحريك الرّياح إيَّاها ، وحينئذ يكون وجود الجبال في كل منهما معاوناً لحركة الأرض في بعض الصور، معاوقاً عنها في بعضها ولا مدخل حينئذ لثقل الجبال وتركبها في سكون الأرض واستقرارها .
ومنها ما اختاره العلامة المجلسي في (البحار)، وهو أن يكون مدخلية الجبال لعدم اضطراب الأرض بسبب اشتباكها واتصال بعضها ببعض في أعماق الأرض بحيث تمنعها عن تفتت أجزائها وتفرّقها، فهي بمنزلة الأوتاد المغروزة المثبتة في الأبواب المركبة عن قطع الخشب الكثيرة، بحيث تصير سبباً لإلصاق بعضها ببعض وعدم تفرقها، وهذا معلوم ظاهر لمن حفر الآبار في الأرض، فإنّها تنتهي عند المبالغة في حفرها إلى الأحجار الصلبة، وأنت ترى أكثر قطع الأرض واقعة بين جبال محيطة بها، فكأنّها مع ما يتصل بها من القطعة الحجرية المتصلة بها من تحت تلك القطعات كالظرف لها تمنعها عن التفتت والتفرّق
، والاضطراب عند عروض الأسباب الداعية إلى ذلك، إلى غير ذلك من الوجوه التي ذكروها، والله العالم بحقائق الأمور.
یعنی آفرید و پیدا کرد یا این که شق کرد نور وجود مخلوقات را از ظلمت عدم به قدرت کامله خودش و نشر و پراکنده نمود بادها را به رحمت شامله خود و ثابت و محکم گردانید حرکت و اضطراب زمین را با سنگ ها و کوه ها .
«أول الدِّين مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلاَصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُّ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصَّفَةِ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَاهُ، وَمَنْ ثَنَاهُ فَقَدْ جَزَاهُ، وَمَنْ جَزَاهُ فَقَدْ جَهِلَهُ».
(الأوّل) ذهب جمهور البصريين إلى أنه على وزن أفعل مهموز الوسط، فقلبت الهمزة الثانية واواً ثم أدغمت وعن الجوهري : أنه يدلّ عليه قولهم هذا أوّل منك ، والجمع الأوائل والأوالي على القلب، وذهب الكوفيون وطائفة من البصريين إلى أن أصله ووئل على وزن فوعل قلبت الواو الأولى همزة.
إذا علمت ذلك فمعنى الأوّل في اللغة ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، كما يقول هذا أول ما اكتسبته، فقد يكسب بعده شيئاً، وقد لا يكسب واستدلّ الزجاج عليه بقوله تعالى حكاية عن الكفار المنكرين للبعث .
«إن هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى» [الدخان: 35] .
فعبر بالأولى وليس لهم غيرها (والدين) الطاعة والانقياد والعبادة والإسلام، قال سبحانه :
«إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَم » [آل عمران : 19] .
وتقول : دنت ديناً أي أسلمت ودان الرّجل اذا أطاع، قال الطريحي : الدين وضع إلهي لأُولي الألباب يتناول الأصول والفروع والمعرفة) العلم وقيل : هي إدراك البسائط والجزئيات والعلم إدراك المركبات والكليات ومن ثم يقال عرفت الله ولا يقال: علمته، وقيل هي عبارة عن الإدراك التصوري والعلم عبارة عن الإدراك التصديقي، وقيل: هي إدراك الشيء ثانياً بعد توسط نسيانه فلذلك يسمّى الحق سبحانه فی بالعالم، دون العارف، قيل : وهذا أشهر الأقوال في تعريف المعرفة .
أقول : وعلى هذا فاستعمال المعرفة في المقام نظراً إلى سبق إدراك ذاته سبحانه عالم الذرة، أو عند أخذ الميثاق من العقول المجردة، فافهم، والتوحيد) جعل الشيء واحداً أي الحكم بوحدانيته، وقد يطلق على التفريق بين شيئين بعد الاتصال، وعلى الإتيان بالفعل الواحد منفرداً، وفي الاصطلاح) : إثبات ذات الله بوحدانيته ووحدانيته بمعنى أنه لا ثاني له
في الوجود، وبمعنى أنّه لا كثرة فيه مطلقاً لا في عين الذات، لانتفاء التركيب والأجزاء، ولا في مرتبة الذات لانتفاء زيادة الوجود ولا بعد مرتبة الذات لانتفاء زيادة الصفات، وقد يقصدبها معنی أنه لم يفته شيء من كماله بل كلّ ما ينبغي له فهو له بالذات والفعل (والإخلاص) مصدر من أخلص الشيء إذا جعله خالصاً ممّا يشوبه يقال : خلص الماء إذا صفا من الكدر وكلّ شيء صفا عن شوبه وخلص يسمّى خالصاً، قال تعالى :
« مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنا خَالِصًا » [النحل : 66] .
أي لا شوب فيه من الفرث والدّم والإخلاص في الطاعة ترك الريا، والإخلاص في الدين ترك الشرك (وقرن) بين الحجّ والعمرة من باب قتل وفي لغة من باب ضرب جمع بينهما في الإحرام و (ثنيت) الشيء بالتثقيل : جعلته اثنين و (جزأت الشيء تجزأة قسمته، وجعلته أجزاء.
لفظ الأوّل له استعمالان: أحدهما أن يكون إسماً مجرداً عن الوصفية فيكون منصرفاً، ومنه قولهم ما له أوّل ولا آخر قال أبو حيان في الإرتشاف في محفوظي إنّ هذا يؤنث بالتاء ويصرف أيضاً فيقال أوّله وآخرة، والثاني أن يكون صفة، أي أفعل تفضيل بمعنى الأسبق فيعطي حكم غيره من صيغ أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، وذكر من التفضيلية بعده يقال : هذا أوّل من هذين ولقيته عاماً أوَّل بنصب أوّل ممنوع الصرف على أنّه صفة للمنصوب واللام في قوله : كمال توحيده الإخلاص له زائدة للتقوية مفيدة للتوكيد، كما في قوله :
«فمَّالٌ لِمَا يُرِيدُ » [البروج: 16]« مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ » [البقرة: (91] «نَزَاعَةُ لِلشَّوَى » [المعارج : 116]
ونحو ضربي لزيد حسن، وهي أن أقسام (اللام) الجارة التي تفتح مع الضمير دائماً إلا المتكلّم، فتكون مكسورة معه، ومكسورة مع الظاهر إلا المستغاث فتكون مفتوحة، نحو يا لزيد فرقاً بينها وبين (لام) المستغاث لأجله، لأنها مكسورة (ومن) في قوله : فمن وصف الله وما يتلوه من كلم المجازات إسم شرط مرفوع المحل على الابتداء وخبره الجزاء، لتمامية الفائدة
به وقيل : الشرط لتحمله ضمير المبتدأ، وقيل: هما معاً.
إعلم أنّ هذه الفقرة من الخطبة مع وجازتها متضمّنة لأكثر العلوم الإلهية ببرامينها
السّاطعة، ولذلك تحير في إدراك معناها أولو الأفهام، وعجزت عن الوصول إلى مغزاها العقول والأوهام، ولا بأس بالإشارة إلى نبذ من كنوز أسرارها، والنموذج من رموز أنوارها ثم نتبعها بما ذكره بعض الأعلام، في تفسير المقام.
فنقول : قوله (رضی الله عنه)( أول الذين معرفته) يعني ابتداء الطاعة والعبادة معرفة الله سبحانه، إذ الطاعة والعبادة أي كون العبد عبداً فرع معرفة المطاع والمعبود فما لم يُعرف لا يمكن إطاعته ولذلك أنّ أمير المؤمنين (رضی الله عنه) بعد ما سأل عنه حبر بقوله : هل رأيت ربّك حين عبدته؟ أجاب بقوله : ويلك ما أعبد ربّاً لم أره ، قال : وكيف رأيته؟ قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، رواه في (الكافي) بإسناده عن أبي عبد الله (رضی الله عنه) ، ورواه السيد قد (رحمه) أيضاً في المتن باختلاف، وهو المختار المائة والثامن والسبعون (1).
ثمّ إنّ معرفته سبحانه قد تكون ناقصة وقد تكون تامة أمّا الناقصة فهي إدراك أنّ للعالم صانعاً مدبّراً وأمّا التّامة فقد أشار إليها بقوله : وكمال معرفته التصديق به أي الإذعان بوجوده ،ووجوبه، لأنّ التصور للشّيء إذا اشتدّ يصير إذعاناً وحكماً بوجوده، إذ من ضرورة كونه صانع العالم وإلهه أن يكون موجوداً في نفسه فإن لم يكن موجوداً في نفسه، استحال أن يصدر عنه أثر موجود فهذا الحكم اثر ،موجود، فهذا الحكم اللاحق هو كمال معرفته وتصوّره.
ثمّ إنّ التصديق به قد يكون ناقصاً وقد يكون تاماً، أما الناقص فهو التصديق به مع تجويز الشريك له، وأمّا التّام فقد أشار إليه بقوله : وكمال التصديق (به (توحيده أي الحكم بوحدانيته، وأنّه لا شريك له في ذاته، لأن طبيعة واجب الوجود لو فرض اشتراكها بين اثنين لزم أن يكون لكلّ واحد منهما من مميز وراء ما به الإشتراك فيلزم التركيب في ذاتيهما ، وكلّ مركب ،ممكن وبعبارة أخرى، لو فرضنا موجودين واجبي الوجود لكانا مشتركين في وجوب الوجود، ومتغايرين بأمر من الأمور، وإلا لم يكونا اثنين وما به الإمتياز إمّا أن يكون تمام الحقيقة، أو لا يكون تمام الحقيقة بل جزؤها، لا سبيل إلى الأول، لأنّ الإمتياز لو كان بتمام الحقيقة لكان وجوب الوجود المشترك بينهما خارجاً عن حقيقة كلّ واحد منهما، وهو محال، لأنا بينا أن وجوب الوجود نفس حقيقة الواجب لذاته، ولا سبيل إلى الثّاني، لأنّ كل واحد منهما يكون مركباً ممّا به الإشتراك ومما به الإمتياز وكلّ مركب يحتاج إلى غيره أي إلى جزئه، فيكون ممكناً لذاته، هذا خلف.
ثمّ إنّ التوحيد قد يكون ناقصاً وقد يكون تاماً، أما الناقص فهو الحكم بوحدانيته مع
1) الكافي: 18 / 98 6 ، ونور البراهين للجزائري: 277/1
عدم الإخلاص ،له وأمّ التّام فهو ما أشار إليه بقوله (وكمال توحيده الإخلاص له) أي جعله خالصا عن النقائص أي سلب النّقائص عنه ككونه جسماً أو عرضاً أو نحوهما ممّا هو من صفات النّقص هذا
وقيل : إن المراد بالإخلاص إخلاص العمل ،له وعلى هذا (فاللام) للتّعليل قال سبحانه :
«وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » [البينة : 5] .
قال الشارح البحراني وصدر الدين الشيرازي في شرح الكافي في قوله : وكمال توحيده الإخلاص له فيه إشارة إلى أنّ التوحيد المطلق للعارف إنما يتم بالإخلاص له، وهو الزّهد الحقيقي الذي هو تنحية كل ما سوى الحق الأوّل عن سنن الإيثار
وبيان ذلك أنه ثبت في علم السلوك أنّ العارف ما دام يلتفت مع ملاحظة جلال الله وعظمته إلى شيء سواه، فهو بعد واقف دون مقام الوصول، جاعل مع الله غيراً، حتى أن أهل الإخلاص ليعدون ذلك شركا خفياً، كما قال بعضهم:
من كان في قلبه مثقال خردلة*** سوى جلالك فاعلم أنه مرض
وأنّهم ليعتبرون في تحقق الإخلاص أن يغيب العارف عن نفسه حال ملاحظته لجلال الله، وإن لحظها فمن حيث هي لاحظة لا من حيث هي مزيّنة بزينة الحق، فإذن التوحيد المطلق أن لا يعتبر معه غيره مطلقاً انتهى ولكن الأظهر ما قلناه .
ثمّ إنّ الإخلاص له قد يكون ناقصاً وقد يكون تاماً، أما الناقص فهو جعله خالصاً صفات النقصان مع إثبات صفات الكمال، وأما التام فهو ما أشار إليه بقوله: (وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه أي الصفات التي وجودها غير وجود الذات، والافذاته بذاته مصداق لجميع النعوت الكمالية، والأوصاف الإلهية، من دون قيام أمر زائد بذاته تعالى فرض أنّه صفة كمالية له، فعلمه وإرادته وقدرته وحياته وسمعه وبصره كلها موجودة بوجود ذاته الأحدية، مع أن مفهوماتها متغايرة، ومعانيها متخالفة، فإنّ كمال الحقيقة الوجودية في جامعيتها للمعاني الكثيرة الكمالية مع وحدة الوجود هذا .
وقد تحصّل ممّا ذكره (رضی الله عنه) إنَّ مراتب العرفان خمسة .
الأولى: مرتبة التصوّر وهي إدراك أنّ للعالم مؤثراً، وهذه المرتبة هي التي نفوس الخلائق مجبولة إليها باقتضاء فطرتها التي فطر النّاس عليها، وكلّ مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يُهوِّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه .
الثانية : مرتبة التصديق والإذعان بوجوده ووجوبه بالبراهين الساطعة، والأدلة القاطعة، قال سبحانه:
« أفِي اللَّهِ شَكٍّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ » [إبراهيم: 10] .
الثالثة مرتبة التوحيد والتفريد عن الشركاء .
«قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» (الإخلاص :1] «قُلْ إِنَّما أنا بشر مشكو يوحى إلى أنما الهكم إله أَنَّمَا وَاحِدٌ » [فصلت: 6] .
الرابعة : مرتبة الإخلاص أي جعله خالصاً عن النقائص «اللهُ الصَّمَدُ » [الإخلاص: 1] أي المتعالي عن الكون والفساد «ولَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولد » [الإخلاص : 3] أو جعل 3] العمل خالصاً له »فمن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا »[الكهف: 110]
الخامسة مرتبة نفي الصفات وهي غاية العرفان ومنتهى قوة الإنسان .
وقد ظهر مما ذكره (رضی الله عنه) أيضاً أنّ كلّ واحدة من المراتب الأربعة الأولى مبدء لما بعدها، وكلّ مرتبة من المراتب الأربعة الأخيرة كمال لما قبلها وهذه المراتب الخمسة في ، التمثيل كقشر الجوز، وقشر ،قشره ولبه ، ولبّ لبّه ، والذهن المستخرج منه .
فالمرتبة الأولى : كالقشرة العليا من الجوز الأخير فيها ،ألبتة إن أكلت فهو من المذاق بعيد عن المساغ ولكنها تحفظ القشرة الصلبة السفلى.
والمرتبة الثانية : مثل القشرة الثانية، فإنّها ظاهرة النفع بيّنة الجدوى، تصون اللب عن الفساد وتربيه إلى وقت الحصاد، لكنّها نازلة ،القدر، زهيدة النفع بالنظر إلى اللب .
والمرتبة الثالثة : كالغطاء المحيط باللب المأكول بتبعية اللبّ.
والمرتبة الرابعة : كاللّب
والمرتبة الخامسة : كالدهن المستخرج من اللب الصافي من المشوبات، والخالص عن الكدورات الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار هذا .
ولبعض العرفاء في تفسير كلامه (رضی الله عنه) تقرير آخر لا بأس بتحريره، قال: الدين الإنقياد والطاعة، والمراد من أوّلية المعرفة للانقياد إما توقفه عليها ، أو كونه إبتداء لها، لأنّ المراد المعرفة إما التصور، وإما عقد القلب عليه وهو ما يحصل بالموعظة الحسنة، وأمّا التصديق الذي هو كمال المعرفة فهو إنّما يحصل بالحكمة والبرهان ولعل المراد من التصديق به هو مرتبة علم اليقين ومن كمال التصديق به توحيده هو مرتبة عين اليقين ومن كمال
توحيده الإخلاص له هو مرتبة حق اليقين وهو الذي يحصل عند الفناء، ومن كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه الفناء عن الفناء، وهذه المراتب مترتبة في الحصول للسّالك التارك، وتكون كلّ مرتبة لاحقة غاية للسّابقة عليها، ولذا عبر (رضی الله عنه) عن كل مرتبة لاحقة بالكمال بالنسبة إلى السّابقة وأيضاً كل مرتبة لاحقة أخص من السابقة عليها ، والسابقة أعم منها، ووجود العام إنّما يكون بالخاص فيكون كمالاً له وقوله(رضی الله عنه) : (وكمال توحيده الإخلاص له) أي سلب التقايص بإثبات الكمالات المقابلة لها كسلب الجهل عنه بإثبات العلم، وسلب العجز عنه بإثبات القدرة له ،وهكذا وإنّما كان هذا كمال التوحيد، لأنه يدلّ على أن وحدته تعالى ليست وحدة ناقصة هي ما سوى الوحدة الحقة الحقيقة من أقسام ،الوحدة، بل وحدته وحدة حقة هي حق الوحدة، ولما كان الإخلاص له مستلزماً لإثبات الصفات له قال(رضی الله عنه) : وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، أي جعل الكمالات الحاصلة الثابتة له بسلب النقائص عنه عين ذاته الأحدية، فيكون ذاته كل الكمالات على وجه أعلى وأشرف، فهو الكلّ في وحدته ويحتمل أن يكون المراد من نفي الصفات عنه، أن وصف الواصفين له غير لائق بجانبه مسلوب عنه، كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم :
عجز الواصفون عن صفتک***اعتصام الوری بمغفرتک
تب علینا فاننا بشر***ماعرفناک حق معرفتک
فيكون غاية غايات المعرفة العجز عنها، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك هذا ، وقوله(رضی الله عنه) : الشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة المراد بالشهادة هنا شهادة الحال وهي الدلالة فإن حال الصفة يشهد بحاجتها إلى الموصوف وعدم قيامها بدونه وحال الموصوف يشهد بالإستغناء عن الصفة في أصل الوجود والقيام بالذات بدونها، وافتقاره إليها في كماله الذي لا يكمل إلا بها، فلا يكون أحدهما عين الآخر.
ثم إن هذه الفقرة إشارة إلى برهان نفي الصفات العارضة التي فرضت قديمة كما يقوله الأشاعرة، وذلك لأن الصفة إذا كانت عارضة كانت مغايرة للموصوف لا محالة حسبما عرفت، وكلّ متغايرين في الوجود لا بد أن يكون كل واحد منهما متميزاً عن صاحبه بشيء، ومشاركاً له بشيء آخر، لاشتراكهما في الوجود ومحال أن يكون جهة الاشتراك عين جهة الامتياز، وإلا لكان الواحد بما هو واحد كثيراً ، بل الوحدة بعينها كثيرة، هذا محال، فإذن لا بد أن يكون كلّ منهما مركباً من جزء به الاشتراك وجزء به الامتياز فيلزم التركيب في ذات الواجب، وقد ثبت أنه بسيط الحقيقة، وإلى ذلك أشار (رضی الله عنه) بقوله : (فمن وصف الله سبحانه
فقد قرنه) أي من وصفه تعالى بصفة زائدة فقد قرنه بغيره في الوجود (ومن قرنه فقد ثناء) أي من قرنه بغيره فقد جعل له ثانياً في الوجود، لأنه قد أثبت قديمين (ومن ثناه فقد جزاه) لأن من فرضه ثاني اثنين فقد جعله مركباً ذا جزئين بأحدهما يشاركه في الوجود، وبالآخر يباينه
وأما ما ذكره الشارح المعتزلي في تعليل التجزئة بقوله : لأنه إذا أطلق لفظ الله على والعلم القديم، فقد جعل مسمّى هذا اللفظ وفائدته متجزئة، كإطلاق لفظ الأسود على الذات التي حلّها السّواد، فليس بشيء، لأن الكلام في مرتبة الذات من حيث هي لا من حيث إطلاق لفظة عليها، كما هو ظاهر ومن جزاه فقد جهله لأنّه اعتقد خلاف ما هو الواقع.
الأول: في تحقيق صفاته سبحانه على ما حققها بعض العارفين، فنقول : إن الصفات على ثلاثة أقسام منها سلبيّة محضة كالقدوسية والفردية، ومنها إضافية محضة كالمبدئية والرّازقية، ومنها حقيقية سواء كانت ذات إضافة كالعالمية والقادرية أولاً، كالحياة والبقاء، ولا شك أنّ السّلوب والإضافات زائدة على الذات وزيادتها لا توجب إنفعالاً ولا تكثراً لأن اعتبارها بعد إعتبار المسلوب بها عنها، والمضاف إليها، لكن يجب أن يعلم أن السلوب عنه تعالى كلّها راجعة إلى سلب الإمكان، فإنّه يندرج فيه سلب الجوهرية، وسلب الجسمية، وسلب المكان والحيز والشريك والنقص والعجز والآفة وغير ذلك.
والإضافات في حقه تعالى كلها راجعة إلى الموجديّة التي تصحح جميع الإضافات كالخالقية والرازقية والكرم والجود والرحمة والغفران، ولو لم يكن له إضافة واحدة اتحدت فيها جميع الإضافات اللائقة به لأدّى تخالف حيثياتها إلى اختلاف حيثيات في الذات الأحديّة، وأمّا الصفات الحقيقية فكلها غير زائدة على ذاته وليس معنى عدم زيادتها مجرد نفي أضدادها عنه تعالى حتى يكون علمه تعالى عبارة عن نفي الجهل، وقدرته عبارة عن نفي العجز وعلى هذا القياس في السمع والبصر وغيرهما ليلزم التعطيل، ولا أيضاً معنى كونه عالماً وقادراً أن يترتب على مجرد ذاته ما يترتب على الذات مع الصفة، بأن ينوب ذاته مناب تلك الصفات ليلزم أن لا يكون إطلاق العلم والقدرة وغيرهما عليه تعالى على سبيل الحقيقة، فيكون عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً بالمجاز فيصح سلبها عنه، لأنه علامة المجاز ولازمه.
فإن قلت : فما معنى قوله (رضی الله عنه) : وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه؟
قلنا : معناه حسبما أشرنا إليه كونها صفات عارضة موجودة بوجود ،زائد كالعالم والقادر في المخلوقات فإن العلم فينا صفة زائدة على ذاتنا وكذلك القدرة كيفية نفسانية، وكذا سائر الصفات والمراد أنّ هذه المفهومات ليست صفات له تعالى، بل صفاته ذاته وذاته ،صفاته، لا أن هناك شيئاً هو الذات، وشيئاً آخر هو الضفة، ليلزم التركيب فيه تعالى عنه علوّاً كبيراً، فذاته وجود وعلم وقدرة وإرادة وحياة وسمع وبصر وهو أيضاً موجود عالم قادر حي مريد سميع بصير .
فإن قلت الموجود ما قام به الوجود والعالم ما قام به العلم، وكذا سائر المشتقات
قلنا : ليس كذلك، بل ذلك متعارف عند أهل اللغة لما رأوا أنّ أكثر ما يطلق عليه المشتق لا بد فيه من صفة زائدة على الذات كالأبيض والكاتب والضاحك وغيرها، فحكموا على الإطلاق أنّ المشتق ما قام به المبدء والتحقيق والاستقراء يوجبان خلافه، فإنّا لو فرضنا بياضاً قائماً بنفسه لقلنا : إنّه مفرّق للبصر وإنّه أبيض، فكذا الحال فيما سواه من العالم والقادر، فالعالم ما ثبت له العلم سواء كان بثبوت عينه أو بثبوت غيره.
في الإشارة إلى جملة من الأخبار الواردة في بعض مراتب العرفان وهي كثيرة جداً ونحن نذكر شطراً منها تيمناً وتبرّكاً.
فنقول : روى الصدوق في التوحيد بإسناده عن زيد بن وهب عن أبي ذرّ (رحمه الله) قال : خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يمشي وحده ليس معه إنسان فظننت أنّه يكره أن یمشی معه أحد، قال :(رحمه الله) فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني، فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : من هذا؟ فقلت أبو ذرّ جعلني الله فداك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا أبا ذر تعال فمشيت معه ،ساعة فقال: إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلاّ من أعطاه الله خيراً فنفخ منه بيمينه وشماله وبين يديه وورائه، وعمل فيه خيراً».
قال : فمشيت ساعة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إجلس» ههنا وأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي : اجلس حتى أرجع إليك قال وانطلق في الحرّة حتّى لم أره وتوارى عني وأطال اللبث، ثم إنّي سمعته (رضی الله عنه) وهو مقبل يقول : وإن زنى وإن سرق قال : فلما جاء لم أصبر حتى قلت له : قلت له يا نبي الله جعلني الله فداك من تكلّمه في جانب الحرّة؟ فإنّي ما سمعت أحداً يردّ عليك شيئاً ، فقال له : «ذاك جبرئيل عرض لي في جانب الحرّة، فقال : ابشر امّتك أنّه من مات لا يشرك بالله عزّ وجلّ شيئاً دخل الجنّة ، قال قلت يا جبرئيل وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر قال نعم وإن شرب الخمر.
(1). قال الصدوق (رحمه الله) بعد ذكر الحديث : يعني بذلك أنّه يوفّق للتوبة حتى يدخل الجنة وفيه أيضاً عن الأسود بن هلال، عن معاذ بن الجبل قال: كنت رفقت النّبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فقال يا معاذ : هل تدري ما حق الله على العباد»؟ يقولها ثلاثاً، قلت: الله ورسوله أعلم فقال رسول الله : حق الله عزّ وجلّ على العباد أن لا يشركوا به شيئاً، ثم قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : أن لا يعذبهم أو قال: أن لا يدخلهم النار» (2). وفيه أيضاً عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «والذي بعثني بالحق نبيًّا، لا يعذب الله بالنّار موحداً أبداً، وأن أهل التوحيد ليشفّعون فيشفعون، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنّه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى بقوم سائت أعمالهم في دار الدنيا إلى النّار، فيقولون يا ربّنا كيف تدخلنا النار؟ وقد كنا نوحدك في دار الدنيا وكيف تحرق بالنار ألسنتا؟ وقد نطقت بتوحيدك في دار الدنيا، وكيف تحرق قلوبنا ؟ وقد عقدت على أن لا إله إلا الله، أم كيف تحرق وجوهنا ؟ وقد عفّرناها لك في التّراب أم كيف تحرق أيدينا؟ وقد رفعناها بالدعاء إليك، فيقول الله عزّ وجلّ : عبادي سائت أعمالكم في دار الدنيا فجزاكم نار جهنّم ، فيقولون : يا ربنا عفوك أعظم أم خطيئتنا؟ فيقول الله عزّ وجلّ : بل عفوي، فيقولون رحمتك أوسع أم ذنوبنا ؟ فيقول الله عزّ وجل : بل ،رحمتي فيقولون إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا؟ فيقول الله عزّ وجلّ : بل إقراركم بتوحيدي أعظم فيقولون: يا ربّنا فليسعنا عفوك ورحمتك التي وسعت كل شيء، فيقول الله جل جلاله ملائكتي وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إلي من المقرين بتوحيدي وأن لا إله غيري وحق عليّ أن لا أصلي بالنار أهل توحيدي، أدخلوا عبادي الجنّة »(3).
ينبغي أن يعلم أن مجرد الإعتقاد بالتوحيد ونفي الشرك والإعتراف بالوحدانية لا يكفي في ترتب الثواب ودفع العقاب، بل لا بدّ مع ذلك من الإعتقاد بالولاية، والأخبار الواردة في أبواب التوحيد والمعرفة وإن كانت مطلقة إلا أنّها يقيدها مضافة إلى إجماع أصحابنا «قد» أخبار آخرى مفيدة لكون الولاية شرطاً في التوحيد ككونها شرطاً في صحة الفروع وقبولها، وبدونها لا ينتفع بشيء منها، وهذه الأخبار كثيرة جداً بالغة حدّ الإستفاضة بل التّواتر .
منها ما رواه في جامع الأخبار بإسناده عن محمد بن عمارة عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن آبائه الصادقين(رضی الله عنهما) ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )«إنّ الله تبارك وتعالى جعل لأخي عليّ بن أبي طالب (رضی الله عنه) فضائل لا يحصي فمن ذكر فضيلة من فضائله مقراً بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، ولو أتى القيامة بذنوب الثقلين ومن كتب فضيلة من فضائل علي بن أبي طالب (رضی الله عنه) ، لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة ،رسم، ومن استمع فضيلة غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع ومن نظر إلى كتابة في فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : النّظر إلى عليّ بن أبي طالب الله عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل إيمان عبد إلا بولايته، والبرائة من أعدائه (1).
وفي «الكافي» بإسناده عن أبي حمزة قال: قال لي أبو جعفر (رضی الله عنه) «إنما يعبد يعبد الله من يعرف الله فأما من لا يعرف الله فإنّما يعبده هكذا ضلالاً ، قلت جعلت فداك : فما معرفة؟ الله قال : تصديق الله عزّ وجل وتصديق رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ، وموالاة علي والايتمام به وبالأئمة (رضی الله عنه) ، والبرائة إلى الله عزّ وجل من عدوّهم، هكذا يعرف الله»(2).
وفي «الوسائل» و «مجمع البيان» عن أبي حمزة الثّمالي قال : قال لنا علي بن الحسين عليهما السّلام: «أتي البقاع أفضل؟ فقلنا : الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال: أفضل البقاع لنا ما بين الركن والمقام، ولو أنّ رجلاً عمر ما عمر نوح (علیه السلام) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يصوم النّهار ويقوم الليل في ذلك المكان، ثم لقى الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً »(3).
وفي «الوسائل» أيضاً بإسناده عن المعلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله(رضی الله عنه) : «يا معلّى لو أنّ عبداً عبد الله مائة عام ما بين الركن والمقام يصوم النهار ويقوم الليل حتى يسقط حاجباه على عينيه، ويلتقي تراقيه ،هرماً جاهلاً بحقنا لم يكن له ثواب » (4).
وفيه أيضاً عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السّلام قال: نزل جبرئيل على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، فقال : يا محمد العلي يقرئك السلام، ويقول خلقت السماوات السبع وما فيهن وخلقت الأرضين السبع ومن عليهن، وما خلقت موضعاً أعظم من الركن والمقام، ولو أنّ
عبداً دعاني منذ خلقت السماوات والأرض، ثم لقيني جاحداً لولاية عليّ لأكببته في سفره(1).
وروى عليّ بن إبراهيم القمي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر(رضی الله عنه) ، في حديث، قال : ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضى الرّحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، ما لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله ،بدلالته ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان (2).
وبالجملة : فقد تحصل من هذه الأخبار وغيرها من الأخبار الكثيرة : أن معرفة الإمام والطاعة له شرط في صحة الفروع والأصول، كما ظهر أن اللازم أخذ الأحكام الشرعية والمسائل الدّينيّة عنهم ، لأنهم الباب الذي أمر الله أن يؤتى منه، حيث قال:« وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا» [البقرة: 189] .
روى في (الصافي) عن أمير المؤمنين (رضی الله عنه) أنه قال : نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى أبوابها، نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منه، فمن تابعنا وأقرّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها، ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا، فقد أتى البيوت من ظهورها، إنّ الله لو شاء عرّف نفسه حتى يعرفونه ويأتونه من بابه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الذي يؤتى منه، قال: فمن عدل عن ولايتنا وفضل علينا غيرنا، فقد أتى البيوت من ظهورها وأنهم عن الصراط لناكبون (3).
وفي ((الكافي) بإسناده عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر(رضی الله عنه) يقول: «كل من دان الله عزّ وجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو متحيّر، والله شانيء لأعماله ، ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها، فهجمت ذاهبة أو جائية يومها فلما جنّها الليل بصرت بقطيع غنم مع غير راعيها فحنت إليها، واغترت بها، فباتت معها في مريضها، فلمّا أن ساق الرّاعي ،قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها فهجمت متحيّرة تطلب راعيها، وقطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها فحنت إليها واغترب بها، فصاح بها الراعي الحقي براعيك وقطيعك فأنت تائهة متحيرة عن راعيك وقطيعك، فهجمت ذعرة
متحيرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها، أو يردّها، فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك والله يا محمد من أصبح من هذه الأمة ولا إمام له من الله عزّ وجلّ ظاهر ،عادل أصبح ضالاً تائهاً وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمّد ؛ أنّ أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله عزّ وجلّ، قد ضلوا وأضلوا فأعمالهم التي يعملونها»:
«كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ البعيد» (إبراهيم: 18 ](1).
إلى غير ذلك من الأخبار البالغة حد الإستفاضة، بل هي متواترة معنى، وسيأتي كثير منها في تضاعيف الكتاب والله الهادي إلى الصواب.
یعنی ابتدا اطاعت و انقیاد شناختن خداوند عالم است و کمال و تمامی شناختن حضرت او تصدیق و اعتقاد به وجود او است و کمال تصدیق به او حکم به وحدانیت و یکتا دانستن و منزه و میرا نمودن او است از شريك و كمال يكتا دانستن او خالص نمودن او است از صفات نقصان یا خالص نمودن عمل است برای او و کمال خالص نمودن نفی صفات زایده بر ذات است از او و آن را عین ذات دانستن است به جهت آن که هر صفت شهادت و دلالت دارد بر آن که غیر موصوف است و هر موصوف شاهد و دلیل است بر این که آن غیر صفت پس بنابراین هر که وصف کرد خداوند را با صفتی که زاید بر ذات است، پس به تحقیق قرین کرد ذات را با صفت و هر که قرین پیدا کرد او را پس به تحقیق حکم به دوئیت نمود و هر که ابداء دوئیت ،نمود پس به تحقیق که مجزی ساخت او را و هر که ابداء تجزیه ،کرد پس به تحقیق جاهل شد به ذات شریف او از جهت این که اعتقاد خلاف واقع را نمود؛ تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً .
1) الكافي : 183/1 - 375 ، ومحاسن البرقي: 92/1 .
«وَمَنْ أَشارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَمَنْ قالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّتَهُ وَمَنْ قالَ عَلى (مَ) فَقَدْ أَخْلى مِنْهُ» .
(ضمنه) مأخوذ من ضمنته الشيء أي جعلته محتوياً عليه فتضمّنه أي فاشتمل عليه واحتوى و (أخلى) مشتق من خلا المنزل من أهله يخلو خلوّاً وخلاء، فهو خال وأخليته جعلته خالياً ووجدته كذلك .
أصل فيم وعلى (م) فيما وعلى (ما)، حرفان دخلا على ماء الإستفهامية والأولى للظرفية، والثانية للإستعلاء، وحذف ألف (ما) لاتصالها بهما تخفيفاً في الإستفهام، وهذه قاعدة كلية
قال ابن هشام ويجب حذف ألف ماء الاستفهامية إذا جرّت وبقاء الفتحة دليلاً عليها نحو فيم وإلى (م)، وعلى (م)، قال:
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم*** فحتى م حتّى م العناء المطوّل
وربّما تبعت الفتحة الألف في الحذف وهو مخصوص بالشعر كقوله :
يا أبا الأسود لم خلفتني لهموم طارقات
ثم قال : وذكروا أنّ علّة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر، ولهذا حذفت في :نحو :
«فيمَ أَنتَ مِن ذِكرنَهَا » [النازعات: 46] «وفَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ » [الأنفال: 68]« لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ » [النحل : 35] «وثبت في لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ » [البقرة: 4] «يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ » [الصف : 3]« وَمَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَى» [ص: 75].
قوله(رضی الله عنه) (ومن أشار إليه) أي من أشار إليه بإشارة عقليّة أو حسيّة (فقد حدّه) أي جعله محدوداً بحد خاص لأنّ المشار إليه لا بد أن يكون في جهة مخصوصة، وكلّ ما هو في جهة فهو محدود وله حد وحدود أي أقطار وأطراف ينتهي إليها ومن حده فقد عدّه أي من
جعله محدوداً متناهياً فقد عدّه في الأشياء المحدثة، وذلك لأنّ حقيقة ذاته حقيقة الوجود الصرف الذي شدّة قوته لا تنتهي إلى حدّ ونهاية، بل هو فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى، أما كونه غير متناه فلأنّ مقدوراته غير متناهية هذا .
ويحتمل أن يكون المراد بقوله : قد عده كونه ذا عدد، وذلك لأن كون وجود الشيء محدوداً متناهياً يستلزم التركيب من أصل الوجود ومن شيء آخر يقتضي تناهيه إلى هذا الحد المعين، إذ نفس كون الشيء وجوداً أو موجوداً لا يقتضي هذا التناهي، وإلا لم يوجد غيره، فهناك أمران فيكون المحدود ذا عدد هذا .
ويأتي إن شاء الله توضيح هذه الفقرة وتحقيقها بنحو آخر في« شرح الخطبة »المائة والثانية والخمسين.
ثم لا يخفى أنّ المراد بالإشارة في كلامه (رضی الله عنه) : الإشارة الحضورية الحسية التي لا يجوز في حقه سبحانه وتعالى وأما الإشارة الغيبية فتجوز في حقه، وقد وقعت في كتاب العزيز، قال سبحانه: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ » [الإخلاص : 1] وتحقيق ذلك ما حققه الباقر (رضی الله عنه) في حديث التوحيد من أنّ كلمة هو اسم مكنّي مشارٌ بِهِ إلى غايب فالهاء تنبيه، والواو وإشارة إلى الغائب عن الحواس، كما أنّ هذا إشارة إلى الشاهد وذلك أن الكفار نبهوا عن آلهتهم بما يشارُ به إلى الشاهد المدرك، فقالوا: هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار، فأشر أنت يا محمد إلى إلهك الذي تدعو إليه حتى نراه وندركه لأنا له فيه فأنزل الله تبارك وتعالى : قل هو إشارة إلى كونه تعالى عن ذلك بل هو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير الله معناه المعبود الذي إله الخلق عن إدراك ذاته والإحاطة بكنهه، أحد معناه الفرد المتفرد الذي لا نظير له (1)..
وههنا ،لطيفة وهي أنّ قوله : قل هو الله أحد ثلاثة ،ألفاظ كل منها إشارة إلى مقام من مقامات السالكين :
المقام الأول: مقام المقرّبين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله، وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيّات الأشياء وحقائقها، من حيث هي هي، فلا جرم ما رأوا موجوداً في الحقيقة سوى الله لانحصار وجوب الوجود فيه، وكون ما عداه ممكناً فيكون هو إشارة إليه سبحانه، ولم يفتقر في تلك الإشارة إلى مميز ، لأن الحاجة إلى المميّز إنّما يحصل إذا كان هناك ،موجودان، وقد عرفت أنهم ما شاهدوا بعقولهم إلا الواحد فقط، فكفى لفظ لفظة هو في حصول العرفان التام .
1) التوحيد : 90
المقام الثاني : مقام أصحاب اليمين الذي أدون من المقام الأوّل، وذلك أنّهم شاهدوا الحق موجوداً، وشاهدوا الخلق موجوداً، فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة هو كافية، فاحتاجوا إلى اقتران لفظة الله بلفظة (هو) حتى يحصل التميز .
المقام الثالث : مقام أصحاب الشمال الذي هو أحسن المقامات، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد فقرن لفظ (أحد) بما تقدّم ردّاً على هؤلاء، وإبطالاً لمقالتهم فقيل قل هو الله أحد ومن قال قيم فقد ضمنه، ومن قال على (م) فقد أخلى منه) هاتان القضيّتان في تقدير شرطيتين متصلتين يراد بهما تنزيه الحق سبحانه عن مثل هذين الاستفهامين في حقه. وتأديب الخلق أن لا يستفهموا عنه ،كذلك وبيان المراد منهما باستثناء نقيض تاليهما، وحذف الإستثناء ههنا الذي هو كبرى القياس على ما هو المعتاد في القياس المضمر .
وتقدير المتصلة الأولى : أنه لو صح السؤال عنه (بفيم)، لكان له محلّ يتضمنه ويصدق عليه أنّه فيه صدق العرض في المحلّ، أو الجسم في المكان، لكنّه يمتنع كونه في محل ونحوه فيمتنع السؤال عنه (بفيم) ؛ بيان الملازمة أنّ في (لما) كان مفيداً للظرفية والمحل، فالإستفهام (بفيم)، يقتضي صحة كونه في محلّ أو مكان إذ لا يصح الاستفهام عن المحلّ لشيء إلا إذا صح كونه حالاً ،فيه وأما بطلان التالي فلأنه لو صح كونه في المحلّ لكان إما أن يجب كونه فيه، فيلزم أن يكون محتاجاً إلى ذلك المحل والمحتاج إلى الغير ممكن بالذات، وإن لم يجب حلوله جاز أن يستغني عنه، والغنى في وجوده عن المحلّ يستحيل أن يعرض له ما يحوجه إلى المحلّ، فإن الكون في المحل يستلزم الافتقار إليه، وإذا استحال أن يكون في محلّ إمتنع السؤال عنه (بفيم).
وتقدير المتصلة الثانية : أنه لو صح السؤال عنه بعلى (م) لجاز خلوّ بعض الجهات والأماكن عنه، لكنّه لا يجوز خلوّ مكان عنه، فامتنع الاستفهام بعلى (م) بيان الملازمة أنّ لفظة على لمّا كانت مفيدة للعلوّ ،والفوقية، فالاستفهام بعلى (م) ، عن شيء لا يصح إلا إذا صح كونه عالياً على شيء، وذلك يستلزم أمرين: أحدهما بالواسطة، والآخر بلا واسطة فالذي بالواسطة هو إخلاء سائر الجهات والأماكن عنه، وهو ما ذكره (رضی الله عنه) ، والذي بلا واسطة هو إثبات الجهة المعيّنة أعني جهة ،فوق، إذ اختصاصه بجهة معيّنة مستلزم نفي كونه في سائر الجهات.
وإنّما جعل(رضی الله عنه) لازم هذه المتصلة كونه قد أخلى منه، منه ليلزم من بطلان اللازم وهو الإخلاء منه بطلان ملزومه أعني اختصاصه بالجهة ليلزم منه بطلان المقدم، وهو صحة السؤال عنه بعلى .(م). وأما بطلان التالي فلقوله تعالى :
«وهو اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ » [الأنعام: 3] وقوله: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كنتم»[طه: 5] .
لا يقال مثبت الجهة لا يجهل هذه الآيات بل له أن يقول: بعدم التنافي بين الإختصاص وبين مفاد تلك الآيات، إذا المقصود من كونه في السّماء وفي الأرض، كونه عالماً بما فيهما، وكذلك المراد بالمعية، والمراد من كونه في جهة فوق، كونه فيها بذاته، فلا دلالة فيها على بطلان التالي.
قلنا : إنما جعل (رضی الله عنه) قوله : فقد أخلى منه لازماً في هذه القضية، لأن نفي هذا اللازم بهذه الآيات ظاهر، وذلك لأن مثبت الجهة إنّما اعتمد في إثبات دعويها على ظواهر الآيات المفيدة له من أمثال قوله تعالى :
«الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [الحديد: 4] .
فكانت معارضة مقتضاها بظواهر هذه الآيات أنفع في الخطابة، وأوقع في قلوب العامة من البراهين العقلية على نفي الجهة، فلو ارتكب الخصم المثبت للجهة للتأويل فيها بإحاطة ، العلم لارتكبناه فيما تمسك به من الآيات وقلنا إنّ المراد بالاستواء هو الاستيلاء بالقدرة حسبما سيأتي تحقيقه
فإن قيل : إنما خص جهة العلوّ بإنكار اعتقادها .
قلنا : لأنّ كلّ معتقد الله جهة يخصصه بها لما توهّم أنّه أشرف الجهات، لأنها التي نطق بها الكتاب الكريم، فكانت شبهة المجسمة في إثباتها ،أقوى وكيف كان، فقد تحصل ممّا ذكرنا أنّه لا يصح السؤال عنه (بفيم)، وعلى ،(م)، كما لا يجوز إعتقاد كونه في شيء، أو على شيء.
ويشهد به أيضاً ما رواه في (الكافي) بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (رضی الله عنه) قال : من زعم أنّ الله من شيء أو في شيء أو على شيء فقد كفر، قلت فسّر لي قال : أعني بالحواية من الشيء له أو بإمساك له أو من شيء سبقه ، قال : وفي رواية أخرى من زعم أنّ من شيء فقد جعله محدثاً، ومن زعم أنّه في شيء فقد جعله محصوراً، ومن زعم أنه على ء فقد جعله محمولاً(1).
قال بعض شراح «الكافي» في شرح هذا الحديث : يعني أن إطلاق شيء من هذه الألفاظ في تحقيق الكلام في قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى بالمعنى الذي هو متعارف
1) كافي: 128/1 والتوحيد : 317.
أهل اللغة عليه تعالى مستلزم لاعتقاد التجسيم في حقه تعالى وذلك الاعتقاد كفر، فمن زعم أنّ أحد هذه المعاني صادق في حقه تعالى فقد كفر .
ثم فسر (رضی الله عنه) الألفاظ على ترتيب اللف فقوله: أعني بالحواية من الشيء، تفسير لمعنى في شيء، لأن كل ما هو في شيء فيحويه ذلك الشيء : وقوله : أو بإمساك له، تفسير لمعنى على شيء، لأن كل ما هو على شيء فذلك الشيء ممسك له وقوله أو من شيء سبقه تفسير لمعنى من شيء، لأنّ ما كان من شيء فذلك الشيء مبدؤه وسابق عليه، ولذلك قال في الرّواية الأخيرة من زعم أن الله من شيء فقد جعله محدثا، لأن معنى المحدث هو الموجود بسبب شيء سابق عليه بالوجود، وقال (رضی الله عنه) : ومن زعم أنه في شيء فقد جعله محصوراً»، أي محويّاً، فيلزمه الحواية من ذلك الشيء، وقال (رضی الله عنه) : ومن زعم أنه على شيء فقد جعله محمولاً»، فإذن له حامل يملكه هذا .
وقد تحقق من ذلك كلّه أنّ الله سبحانه لا يكون محصوراً في شيء، ولا يخلو عنه شيء، ء، فلا يكون في أرض ولا في سماء، ولا يخلو عنه أرض ولا سماء، كما ورد في الحديث : لو دليتم بحبل على الأرض السفلى لهبط على الله (1). ، ولهذا قال (رضی الله عنه) : ومن قال: (فيم)، فقد ضمنه ومن قال على (م)، فقد أخلى منه، تصديقاً لقوله تعالى : «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد: 4] وقوله مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ﴾ [المجادلة: 7] .
وقوله: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» [ق: 16]. )
وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه فوق كلّ شيء وتحت كل شيء، قد ملأ كلّ شيء عظمته، فلم يخل منه أرض ولا سماء ولا برّ ولا بحر ولا هواء» (2).
وفي (الكافي) بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (رضی الله عنه) ، قال : مكتوب في التّوراة التي لم تغير أن موسى(رضی الله عنه) سأل ربه فقال : يا رب أقريب أنت منّي فأناجيك أم بعيد فأناديك فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : يا موسى أنا جليس من ذكرني الحديث (3).
فإن قلت : سلمنا هذا كله ولكن ما تقول في قوله تعالى :
«الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [الزمر : 75] .
فإن الظاهر من الإستواء هو الاستقرار والجلوس عليه .
قلنا : هذه الآية هي التي تعلقت بها المشبهة في أنّ معبودهم جالس على العرش، وبعد ما قامت البراهين العقلية والحجج النقلية على نفي المكان عنه حسبما عرفته وتعرف إن شاء الله أيضاً تفصيلاً في شرح الخطبة المائة والسابعة والسبعين، ثبت تجرده عن جميع الأحياز ،والأمكنة، وإذا ثبت تجرّده عنها ثبت أن نسبته إلى الكلّ نسبة واحدة فلا بدّ من إرتكاب التأويل في الآية الشريفة.
وقد ذكروا فيه وجوهاً وأقوالاً كثيرة، أقربها ما ذكره القفال من علماء المعتزلة وهو أنّ المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه .
وتقريره أنّه لما خاطب الله عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم، فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم وأمر النّاس بزيارته كما يزورون بيوت ملوكهم، وذكر في الحجر الأسود أنّه يمين الله في أرضه، ثم جعله موضع تقبيلهم كما يقبل النّاس أيدي ملوكهم وكذلك ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً فقال :
«الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [الحاقة: 17] ثم قال :« وتَرَى الْمَلَيْكَةَ حَافِينَ مِنْ حَول » العرش ﴾ [طه: 5] وقال: «وَعَمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوقَهُمْ يَومَيذٍ تَمنيةٌ » [غافر : 7] وقال: « الَّذِينَ يَحمِلُونَ الْعَرْش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ » [طه: 5] .
في تحقيق الكلام في قوله تعالى: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى » [طه: 5] .
ثم أثبت لنفسه كرسيّاً، فقال: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ » [البقرة: 255] إذا عرفت هذا فنقول: إنّ كلّ ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه من العرش والكرسي العرش والكرسي فقد ورد مثله بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر، ولما توقفنا ههنا على أن المقصود تصوير عظمة الله ، وكبريائه مع القطع، بأنّه منزّه عن أن يكون في الكعبة، فكذا الكلام في العرش والكرسي انتهى كلامه على ما حكى عنه، وتبعه على ذلك التأويل جماعة من العامة، منهم الزمخشري والرازي والنيسابوري والبيضاوي، على ما حكى عنهم .
ولكنك خبير بأنّ الآية من المتشابهات وما يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، وحملها على ما ذكره القفال تفسير بالرّأي وتأويل بالباطل، لأنّ حمل الآيات القرآنية على مجرّد التخييل والتمثيل من غير حقيقة دينيَّة وأصل إيماني يوجب قرع باب السفسطة والتعطيل، وسدّ باب الإهتداء والتحصيل، وفتح باب التأويل في المعاد الجسماني من عذاب
القبر والبعث والميزان والحساب والكتاب والصراط والجنان والنيران.
بل الحق المعتمد تفويض تأويل أمثال هذه إلى أهل بيت العصمة الذين هم ينابيع العلم والحكمة، فقد ذكروا (رضی الله عنه) فيه وجوهاً مثل ما رواه في (الكافي) بإسناده عن أبي عبد الله (رضی الله عنه)، أنه سئل عن قول الله عزّ وجلّ :
«الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [طه: 5] .
فقال : استوى على كلّ شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء" وفيه أيضاً عنه (رضی الله عنه) بعد ما سئل عنه فقال : استوى من كلّ شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء، وفي ثالث (رضی الله عنه) أيضاً أنّه قال بعد السؤال عنه : استوى في كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب، استوى في كلّ شيء (1).»، إلى غير ذلك من الأخبار .
وتوضيح ما ذكره(رضی الله عنه) على وجه يتضح به المرام من الآية الشريفة أيضاً يستدعي بسطاً في الكلام، فنقول: إنّ الاستواء على ما ذكره المحدث المجلسي «قده» أنَّ الاستواء يطلق على معان الأول الإستقرار والتمكن على الشيء الثاني قصد الشيء والإقبال عليه الثالث الاستيلاء على الشيء، قال الشاعر :
قد استوى رجل على العراق ***بغیر سیف و دم مهراق
الرابع: الإعتدال، يقال: سويت الشيء فاستوى الخامس، المساواة في النسبة.
أمّا المعنى الأوّل فقد علمت استحالته على الله سبحانه وأما الثاني: فمن المفسرين من حمل الآية عليه أي أقبل على خلقه وقصد إلى ذلك وقدروا أنّه سئل أبو العباس بن يحيى عن هذه الآية فقال : الإستواء الإقبال على الشّيء ونحو هذا قال الفراء أحمد بن يح- والزجاج في قوله :
«وثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [فصلت» : 11].
والأكثرون منهم حملوها على الثالث أي استولى عليه وملكه ودبره ويحتمل أن يراد به المعنى الرابع بأن يكون كناية عن نفي النقص عنه تعالى من جميع الوجوه، فيكون على العرش حالاً، وأما المعنى الخامس فهو الظاهر من الأخبار التي أسلفناها.
ثمّ إعلم أن العرش قد يطلق على الجسم العظيم المحيط بسائر الجسمانيات، وقد يطلق على جميع المخلوقات، وقد يطلق على العلم أيضاً كما نطقت به الأخبار الكثيرة .
1) الكافي: 128/1 ح 8.
فإذا عرفت ذلك، فنقول: إنّه يصح أن يفسّر العرش بمجموع الأشياء وضمن الاستواء معنى الإستيلاء ونحوه مما يتعدى ،بعلى أي استوت نسبته إلى كلّ شيء حال كونه مستولياً عليه، أو يفسّر بالعلم، ويكون متعلق الاستواء مقدّراً، أي تساوت نسبته من كلّ شيء حال كونه متمكناً على عرش العلم فيكون إشارة إلى بيان نسبته تعالى وأنها بالعلم والإحاطة أو يفسّر بعرش العظمة والجلال والقدرة كما فسّر بها في تحقيق الكلام في قوله تعالى: و الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [البقرة : 280] بها في بعض الأخبار أي استوى من كلّ شيء مع كونه في غاية العظمة ومتمكناً على عرش التقدس والجلال والحاصل أن علو قدره ليس مانعاً من دنوه بالحفظ والتربية والإحاطة وكذا العكس، وعلى التقادير فقوله: استوى خبر، وقوله على العرش حال(1)
العرش في اللغة سرير الملك وكونهم على يمين العرش كناية عن كرامتهم وعلى منزلتهم ورفعة شأنهم من بين المخلوقات لأن من عظمت منزلته تبوأ عظمت منزلته تبوأ عن يمين الملك وفي عرف المتشرعة يطلق على ثلاثة أمور:
أحدها الملك.
وثانيها الجسم المحيط بسائر الأجسام وهو الفلك التاسع.
وثالثها العلم المحيط بجميع الأشياء وكل ذلك على سبيل الأشياء وكلُّ ذلك على سبيل التشبيه بسرير الملك، ويمكن إرادة كل واحد منها هنا أما الأول فلان الملك وهو عبارة عن جميع الكائنات له يمين وشمال ويمينه أي جانب أقواه وأشرفه هو يلى المبدء الأول في ترتيب الايجاد وتقدمه، فكل ما هو أقرب منه جل شأنه في الايجاد فهو أيمن بالقياس إلى ما بعده لكونه أقوى وأشرف .
وأما الثاني فلأن ذلك الجسم المحيط إذا سمي بالعرش كان له يمين وشمال كما كان لسرير الملك، ثم الكاين على يمينه من أهل الكرامة والمنزلة كالكاين عن يمين سرير الملك. وأما الثالث فلمثل ما ذكرناه في الثاني أو في الأول باعتبار المعلومات لأن العلم المتعلق باليمين يمين
بالنسبة إلى العلم المتعلق بما بعده، وإن كان علمه بالأشياء بسيطاً والتكثر إنما هو في المعلومات. ولا يبعد أن يقال : يجوز أيضاً إطلاق العرش على عالمين: أحدهما عالم الجسمانيات كلها ويسمى بالعرش الجسماني، وثانيهما عالم المجردات كلها ويسمى بالعرش العقلاني والعرش الروحاني.
يجوز أن
يراد بالعرش هنا العرش الروحاني وبيمينه أشرف جانبيه وهو ما يقرب من الحق في سلسلة الإيجاد وأن يقال يجوز أيضاً أن يراد بالعرش القلب الانساني لأنه عرش الرحمن، ويمينه الجانب المائل إلى الحق وشماله الجانب البعيد عنه، لأنه قابل لسلوك الطريقين : طريق الحق وطريق الباطل هذا وقيل : المراد بالعرش هنا الجوهر المجرد الانساني المسمى بالعقل وبالعرش العقلاني وهو بازاء الفلك التاسع المسمى بالعرش الجسماني وكل منهما في جانب مقابل لجانب آخر، والمراد بيمينه مطلق جانبه وسمي يميناً للتشريف والتعظيم. وقيل : العرش جوهر متوسط بين العالم العاقل الثابت وبين العالم المتغير المتجدد نفوساً كانت المتغيرات أو أجساماً والله سبحانه أوجد الثابتات بنفس ذاته بلا واسطة وأوجد المتغيرات بواسطة العرش والثابت هو اليمين في سلسلة الإيجاد لأنه أقرب منه تعالى .
.1) معنى العرش
هذا غاية ما وصل إليه نظري الفاتر في تحقيق المرام وجملة ما نقدته من كلمات الأعلام في توضيح المقام ، والله العالم بحقائق كلامه .
یعنی: و هر کسی که اشاره کرد به سوی او با اشاره عقلیه یا با اشاره حسّیه پس به تحقیق که محدود نمود او را به حدی معین و هر که او را محدود ،کرد پس به تحقیق او را در شمار آورد و معدود نمود او را در عداد مخلوقین و هرکس گفت خداوند در کدام محل یا در کدام مکان است پس به تحقیق متضمن گردانید او را در ضمن محل و مکان و هر که گفت که او برچیست پس به تحقیق خالی گردانید بعض امکنه را از آن و حال آن که نسبت حضرت او سبحانه به جمیع امکنه و همه اشیاء برابر است و هیچ مکان از او خالی و هیچ شیء از او غایب نیست و لنعم ما قيل:
در عالم اگر فلك اگر ماه و خور است*** از باده هستی تو پیمانه خور است
فارغ ز جهانی و جهان غیر تو نیست*** بیرون ز مکانی و مکان از تو پر است
«كائن لا عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لا عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لا بِمُقارَنَة، وغَيرُ كُلِّ شَيْءٍ لا بِمُزايَلَةٍ، فاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكاتِ وَالآلَةِ، بَصِيرٌ إِذ لا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحّدٌ إِذْ لا سَكَنَ يَسْتانِسُ به، وَلا يَسْتَوْحِ لِفَقْدِه».
(کائن) اسم فاعل من كان قال الفيومي : كان زيد قائماً أي وقع منه قيام وانقطع وتستعمل تامة فتكتفي بمرفوع، نحو كان الأمر، أي حدث ووقع، قال تعالى:
« وإن كان ذُو عُسْرَة » [طه: 5] .
أي وإن حصل، وقد تأتي بمعنى صار وزائدة كقوله تعالى :
«مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا» [مريم: 29] «وركَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا » [الشورى: 25] .
أي من هو في المهد والله عليم حكيم، انتهى
وقال الصدر الشيرازي في شرح الكافي»: إعلم أنّ كلمة كان تستعمل في اللغة على ثلاثة أوجه:
أحدها بصيغتها دالة على الوجود والزمان، ويسمّى في عرف النحاة (كان) التامة،
كقول الشاعر :
إذا كان الشّتاء فادفؤني
أي إذا وجد وحدث.
الثاني : ما يدلّ على النسبة والزمان، فيحتاج في الدلالة على الوجود إلى خبر يتم به،وهي الناقصة واستعمالها أكثر، وهي أداة عند المنطقيين وإن كانت على قالب الكلمة والفعل لأن معناها غير مستقل في الانفهام، كقوله تعالى :
«كَانَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَاحِدَة» [الفتح: 19] وقوله : «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًا » [البقرة : 213] .
الثالث: أن يكون زائدة خالية عن الدلالة على وجود و زمان كقوله
على كان المسوّمة العراب***ای علی المسومة
إذا عرفت هذا فنقول : إن كلمة كائن مأخوذة من (كان) التّامة، أي موجود لا عن حدث والحدث) من حدث الشيء حدوثاً كقعد تجدّد وجوده، فهو حادث وحديث، ومنه يقال حدث به عيب إذا تجدّد، وكان معدوماً قبل ذلك (والمزايلة) من زايله زيالاً إذا فارقه
والسّكن) بالفتحتين من سكنت إلى الشيء وهو ما يسكن إليه من أهل ومال ونحوهما هو سكن له واستأنست) به وتأنست به إذا سكن القلب ولم ينفر، والأنيس الذي يستأنس به (واستوحش) الرّجل إذا وجد الوحشة .
كلمة (لا) في جميع الفقرات للنّفي، ففي الخمس الأولى بمعنى ليس وفي قوله : إذ لا منظور إذ لا سكن لنفي الجنس وكلمة (عن) في الفقرتين بمعنى من على حد قوله سبحانه :
« وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ » [البقرة: 140] .
ويجوز كونها في الفقرة الثانية بمعنى بعد كما في قوله تعالى :
«عَمَّا قَلِيلِ لَيُصْبِحُنَّ نَدِمِينَ » [المؤمنون: 40] .
وإذ في قوله : إذ لا منظور ظرف زمان كما في قوله :
«فقد نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا » [يونس : 4] .
وفي قوله : إذ لا سكن كذلك على ما نبه عليه الشارح المعتزلي، ولكنّ الأظهر كونها تعليلية على حد قوله :
«وَلَن يَنفَعَكُمُ اليَوْمَ إذ ظَلَمْتُمْ » [التوبة : 40] .
لاحتياج جعلها ظرفاً إلى تكلّف كما لا يخفى ولا يستوحش لفقده جملة إستئنافية كما ذكره القطب الراوندي، وإيراد الشارح المعتزلي عليه بأنّه كيف يكون مستأنفاً والهاء في فقده ترجع إلى المذكور، فاسد جداً .
أمّا :(أولاً) فلآن وجود الضمير لا ينافي الاستيناف كما لا ينافيه وجود الواو، وهذا بعينه مثل قوله تعالى :
« يُعِيدُرُ » [العنكبوت: 19] بعد قوله : «أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِي اللَّهُ الْخَلْقَ» [الزخرف: 39] فإنّهم ذكروا أنه جملة مستأنفة نظراً إلى أن إعادة الخلق لم يقع بعد، فيقرروا برؤيتها . وأما ثانياً : فلأنه لو لم يكن كلاماً مستأنفاً لا بد وأن يجعل معطوفاً، إما على جملة الصفة أعني قوله : يستأنس، أو على الموصوف مع صفته وكلاهما غير ممكن كما هو واضح، فقد تحقق كون الجملة إستئنافية، اللهم إلا أن يقال إنّه عطف على جملة الصفة، ولا زائدة، كما في قوله تعالى:
«مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ » [ص: 75].
واحتمل العلامة المجلسي كونها حالاً، والأوّل أظهر .
قد عرفت معاني كلمة (كان) ، والأنسب بل المتعين في المقام هو أن يجعل المبدأ في قوله : (كائن) هو التّامّة، ولكن لمّا كان المفهوم منه حسبما عرفت الوجود المقارن للزّمان الذي قد انقضى وكان ذاته سبحانه منزّهة عن الزمان، استحال أن يقصد وصفه بالكون الدال على الزمان المستلزم للتجدد والحدثان، وإذا استحال ذلك لم يكن له دلالة إلا على الوجود المجرّد عن القيدين فلذلك قيده (رضی الله عنه) بقوله : (لا عن حدث) تنبيهاً على أن وجوده سبحانه ليس وجوداً حدوثياً، وأنه سبحانه كائن بلا كينونية وقوله : (موجود لا عن عدم) إشارة إلى وجوده سبحانه ليس على حدّ وجودات سائر الأشياء ناشياً من العدم ومسبوقاً به، والفرق بين الفقرتين بعد اتحادهما في الدّلالة على نفي الوجود التجددي : هو أن الأولى نافية للحدوث الزماني، والثانية نافية للحدوث الذاتي، وهي أبلغ في الدلالة على وجوب الوجود من الأولى كما لا يخفى ومساقهما مساق قوله (رضی الله عنه) في الخطبة المائة والخامسة والثمانين: سبق الأوقات كونه والعدم وجوده، فليلاحظ ثمّة مع كل شيء لا بمقارنة هذه الفقرة كسابقتيها وتاليتها مركبة من قضيّتين إحداهما إيجابية والأخرى سلبية.
أمّا الأولى فهي أنّ الله سبحانه مع كلّ شيء عالم بهم، شاهد عليهم، مصاحب معهم، غیر غائب عنهم، كما قال :
« وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ » [الحديد: 4] وقال:«مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ » [ق: 16] .
وأما الثانية: فهي ما أشار إليه بقوله لا بمقارنة تنبيهاً على أن معيته سبحانه للأشياء ليست بعنوان التقارن المتبادر إلى الأذهان القاصرة، والأوهام الناقصة كما توهمه كثير من النّاس، حيث إنّهم لم يعرفوا من المعيّة والحضور إلا معية حال بمحل، أو محل بحال، أو أو حضور عند جسم في مكان، ولذلك استبعدوا كونه مع كل شيء وحضوره في كلّ مكان، زعماً منهم أن كونه مع شيء أو في مكان مستلزم لكونه فاقداً لمعيّة سائر الأشياء، وخلق سائر الأمكنة عنه، ولم يدروا أن ما توهّموه إنّما هو من لوازم معيّة الأجسام مع أمثالها، وخصائص حضور الجسمانيات عند أشباهها، وأما الله العظيم القيوم القوة الشديدة الغير المتناهية، فنسبه جميع الامکنة والمكانيات وأضعاف أضعافها إلى ذاته، كنسبة القطرة إلى بحر لا يتناهى، وكذلك نسبة جميع الأمكنة الأزمنة إلى تسرمد بقائه كنسية الآن الواحد إلى زمان لا ينقطع، فلا يشغله شأن عن شأن ولا عالم عن عالم.
وبرهان ذلك: أنّه سبحانه فاعل الخلق ومبدئهم وموجدهم وغايتهم وتمامهم فكيف يكون غائباً عنهم؟ والشيء مع نفسه بالإمكان بين أن يكون وبين أن لا يكون ومع موجده بالوجوب والضرورة فكيف يصح الشيء أن ينفك يغيب عنه موجده وخالقه الذي هو به ،موجود ولا ينفك ولا يغيب عنه نفسه التي هو بها فقط، فبهذا البرهان ظهر أنه سبحانه خلقه شاهد عليهم أقرب إليهم من ذواتهم كما قال:
«وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد» [المجادلة: 7] .
الذي هو جزء من البدن، فإذا كان كذلك فيرى أشخاصهم، ويسمع كلامهم ويعلم أسرارهم.
كما نبّه عليه الإمام (رضی الله عنه) في جواب ابن أبي العوجاء على ما رواه في (الكافي) بإسناده عن عيسى بن يونس قال: قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد (رضی الله عنه)في بعض ما كان :يحاوره ذكرت الله فأحلت على غائب، فقال أبو عبد الله(رضی الله عنه) : ويلك كيف يكون غائباً هو مع خلقه شاهد وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم، ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم ، فقال ابن أبي العوجاء أهو في كل مكان؟ أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض؟ وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟ فقال أبو عبد الله (رضی الله عنه) : إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به ،مکان وخلا منه مكان فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه فأما الله العظيم الشأن الملك الديان، فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان (1).
ورواه الصّدوق أيضاً في (الفقيه) في باب الحج .
(وغير) كلّ شيء لا بمزايلة) يعني أنه سبحانه مغاير لجميع الأشياء مغايرة ذاتية من عدم النسبة بين الرب والمربوب والصانع والمصنوع، والحاد والمحدود، إذ ذاته لا تماثل به ذات شيء من الموجودات وصفاته لا تشابه صفات شيء من الممكنات، ومن ذلك تحقق أن غيريته ليست على جهة المزايلة كالمتغايرين من الأجسام على وجه التعاند أو التضاد اللذين وجود أحدهما في محلّ أو مكان مستلزم لزوال الآخر عنه، لأنه سبحانه لا يضاده شيء ولا يعاند، شيء، كيف؟ وهو خالق الأضداد، فلو كان معانداً لشيء أو مضادّاً له، للزم احتياجه إلى المحل أو المكان المنافي لوجوب الوجود فظهر أنّ تغايره سبحانه للأشياء وتميزه عنها إنما هو بنفس ذاته المقدّسة التي في غاية الكمال والتمام، وكون ما سواه في
1) الكافي: 126/1 ح 3 ، ومن لا يحضره الفقيه: 250/2 .
نهاية الإفتقار والنقصان، ويأتي مزيد تحقيق لذلك إن شاء الله تعالى في (شرح الكلام ) الثامن والمائتين فاعل للأشياء وصانع لهم بنفس قدرته الكاملة وإرادته التامة الجامعة (لا) فاعل بمعنى الحركات والآلة لأنه لا يحتاج في خلقه وفعله إلى حركة ذهنية أو بدنية كما يفتقر غيره إليها في أفعاله وصنايعه لأن الحركة من عوارض الجسم والجسمانيات والله سبحانه منزه عن ذلك، كما أنّه غير محتاج إلى آلة . أمّا إجمالاً فلان إفتقاره إلى الآله من صفات الممكن.
وأمّا تفصيلاً، فلأنه لو صدر عنه شيء من الآثار بآلة فإما أن تكون تلك الآلة من فعله أم لا .
وعلى الأول : فهي إما بتوسط آلة أخرى أو بدونها فإن كانت بدونها، فقد صدر أنه فاعل بالذات لا بآلة، وإن كانت بتوسط آلة أخرى فالكلام فيها كالكلام في الأولى ويلزم التّسلسل .
وعلى الثاني : يلزم أن يكون الباري جلّ شأنه مفتقراً في تحقق فاعليته وقدرته إلى الغير
والمفتقر إلى الغير ممكن بالذات هذا خلف (بصير إذ لا منظور إليه من خلقه) يعني أنه سبحانه كان بصيراً في الأزل ولا ،مبصر، كما أنه كان سميعاً ولا مسموع.
واختلف العلماء في أنّ السمع والبصر هل هو عين العلم بالمسموعات والمبصرات، أو صفة أخرى فذهب المحققون على ما عزى إليهم إلى الأوّل وذهب طائفة إلى الثاني إستدلالاً بذكرهما مع العلم في كثير من الآيات والروايات ويتجسم الإستدلال في إثباتهما بعد إثبات العلم بجميع المعلومات .
ويضعف بأن ذكر الخاص مع العام شائع وتكلف الإستدلال في إثباتهما تنبيهاً على تحقق هذا العلم المخصوص له سبحانه أعني العلم بالمسموع والمبصر من حيث إنّه مسموع ومبصر، حتى أنهما حاضران عنده على هذه الحيثية المشاهدة الذاتية بلا آلة كما أنهما حاضران عندك بالمشاهدة العينية وتوسط الآلة. فإثبات السمع والبصر من حيث إنّهما علم داخل تحت إثبات العلم مطلقاً ومن حيث الخصوصية المذكورة محتاج إلى دليل مستقل.
وممّا ذكرنا ظهر ما في كلام بعض الأعلام حيث أورد بقوله : فإن قلت: لم يكن شيء من المبصرات والمسموعات في الأزل فلم يكن الله سميعاً وبصيراً في الأزل، إذ لا يعقل سماع المسموعات الحادثة وإبصار المبصرات الحادثة في الأزل وأجاب بقوله : قلنا: إنّه سميع وبصير في الأزل بمعنى أنه كان على وجه إذا وجد المسموع والمبصر لأدركهما عند
وجودهما انتهى كلامه .
وتوضيح ما أجاب به ما حكاه الشارح المعتزلي عن أبي هاشم وأصحابه، حيث قال:
إنّهم يطلقون عليه فى الأزل أنّه سميع بصير وليس هناك مسموع و وليس هناك مسموع ولا مبصر، ومعنى ذلك كونه بحال يصح منه إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت وذلك يرجع إلى كونه حيّاً لا آفة به، ولا يطلقون عليه أنّه سامع مبصر في الأزل، لأن السامع هو المدرك بالفعل لا بالقوة، وكذلك المبصر .
وأنت بعد الخبرة بما ذكرناه تعرف فساد جميع ما ذكروا من السؤال والجواب وما حكيناه عن أبي هاشم وأصحابه .
أمّا السّؤال: فلأن السمع والبصر حسبما عرفت عبارة عن العلم والعلم بالشيء غير متوقف على وجوده، وقد يتحقق ذلك في أفراد البشر ، فكيف الباري الذي لا يخفى عليه شيء وأما الجواب : فلآن فيه اعترافاً بورود السؤال، وأنه تعالى لا يدرك المسموع والمبصر قبل وجودهما، وإشعاراً بأن فيه جل شأنه استعداداً لحصول العلم والإدراك كما ينبه عليه ما حكيناه عن أبي هاشم من أنّ القول بذلك ضروري البطلان حيث إنّ الصفات الذاتية الكمالية كلّها فعليّة في حقه سبحانه، وليست شأنية كما برهن في محلّه .
فقد تحقق مما ذكرنا كله أنه سبحانه مدرك للمسموعات والمبصرات في الأزل، كإدراكه لها في الأبد من غير تفاوت بينهما أصلاً.
ويشهد به ما رواه في (الكافي) بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(رضی الله عنه) يقول : لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم والسّمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته ولا مبصر والقدرة ذاتها ولا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور
الحديث (1).
وسيأتي مزيد تحقيق لهذا الحديث في الفصل الآتي عند شرح قوله (رضی الله عنه) : عالماً بها قبل ابتدائها، فانتظر (متوحد) في ملكه وملكوته وسلطانه (إذ لا سكن له أي لا يمكن أن يكون له سكن يستأنس) به (ولا) أنيس ( يستوحش لفقده بل توحد بالتحميد وتمجد بالتمجيد وعلا عن اتِّخاذ الأبناء، وتطهر وتقدّس عن ملامسة النّساء عزّ وجلّ، عن مجاورة الشركاء.
وإنّما امتنع في حقه السكن والأنيس والاستئناس والاستيحاش.
أما إجمالاً فلأن الأنس والوحشة من توابع المزاج ولو أحق الحيوان، الذي يأخذ
1) الكافي: 1/ 107 ، والتوحيد للصدوق : 1139 17/12
لنفسه من جنسه أو من غير جنسه أنيساً يستأنس بصحبته، ويستوحش بفقدانه، والله سبحانه منزّه عن ذلك .
وأمّا تفصيلاً فلأنه سبحانه جامع الكمالات والخيرات بلا فقد شيء عنه، لأَنّه كلّ وجود ومبدأ(1). كلّ موجود، فلذلك علا عن اتّخاذ الأبناء، وتقدس عن مباشرة ،النّساء، وجلّ أخذ الشركاء، لأنّ الحاجة إلى الأولاد والنساء والشركاء وأمثالها سببها قصور الوجود؛ وقلّة الابتهاج بمجرّد الذات وكثرة التوحش عن الإنفراد بالوجود المشوب بالإعدام والنقائص، فيجبر القصور ويزول التّوحش بوجود الأمثال والأشباه، إستئناساً بها، وتخلصاً عن وحشة الفراق بسببها وأما الذات الإلهية الجامعة لجميع الخيرات والسعادات والابتهاجات، فكلّ الموجودات به مبتهجة مسرورة وإليه ،مفتقرة ومنه مستفيضة، بل هو في الحقيقة أَنَسُ كل مستوحش ،غریب و به سرور كل محزون كثيب.
وبعبارة أخرى أوضح وألطف أن الإستيحاش والتوحش الحاصل للإنسان ونحوه عن التفرّد عن الأمثال والأشباه لنقص جوهره وقصور وجوده من الكمال، وخلو ذاته عن الفضيلة التامة، وإستصحابه للإعدام والظلمات، فيستوحش من ذاته الخالية عن نور الفضيلة والكمال، ويستأنس بغيره من الأشباه والأمثال وأما الباري سبحانه فالأشياء الصادرة عنه، وجوداتها رشحات لبحر وجوده ولمعات لشمس حقيقته، والبحر لا يستزيد بالرشحة والنداوة، والشمس لا تستنير بلمعاتها وذراتها فكيف يستأنس ذاته المقدسة بما يفيض عنها .
هذا كلّه مضافاً إلى أن حصول الإستبناس وزوال الإستيحاش إنما يكون بوجود الأشباه ، وهو تعالى لا يشبه شيئاً مذكوراً، سواء كان موجوداً في العين أم لا، فإنّ المذكور قد لا يكون موجوداً، وهو أعم من الموجود، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص كما هو ظاهر .
1) في نسخة ومنشأ.
یعنی ثابت است نه از روی حدوث و تجدد و موجود است نه از کتمان عدم با همه چیز است نه به عنوان مقارنه و غیر هر چیز است نه به عنوان مفارقت ولنعم ماقيل:
ای باهمه در کمال نزدیکی دور*** حسنت به نقاب لن ترانی مستور
نور تو چو آفتاب خاکم به دهن*** در پرده اختفاست از فرط ظهور
و فاعل است نه به معنی حرکات و توسط آلات بینا است در وقتی که هیچ منظور اليه نبوده او را از مخلوقات متفرد و یگانه است به جهت آن که مونسی ندارد که با آن انس بگیرد و مونسی نیست او را که به جهت فقدان آن مستوحش
شده باشد.
مبرّا ذات پاکش از انیسی***معرًا و منزّه از جلیسی
«أَنْشَأَ الْخَلْقَ انْشَاء وَابْتَدَنَهُ ابْتِداءَ بِلا رَوِيَّةٍ أَجالَها وَلا تَجْرِبَةِ إِسْتَفادَها وَلا حَرَكَةٍ أَحْدَثَها وَلا هَمامَةٍ نَفْس اضْطَرَبَ فيها، أجالَ الأَشياء لأوقاتِها وَلاثَم بَينَ مُخْتَلفاتِهَا وَعَرَّزَ فَرابِؤُها وَأَلْزَمَها أَشباحها عالماً بها قبل إبتدائها مُحيطاً بِحُدُودِهَا وَإِنْتِهائِها عارِفاً بِقَرائِنِها وَأَحْنائِها» .
(الانشاء والابتداء) لغة بمعنى واحد قال سبحانه :
«هو الذِي أَنشَأَكُرُ» [الملك: 23] .
أي ابتدأكم وخلقكم وكلّ من ابتدأ شيئاً فقد أنشأه، قال الفيومي: نشأ الشيء نشاء مهموز من باب نفع حدث وتجدّد و أنشأته أحدثته هذا .
وقد يفرّق بينهما حيث اجتمعا صوناً للكلام عن التكرار تارة بأنّ الإنشاء هو الإيجاد لا مادة، والإبتداء هو الإيجاد لا لعلّة، ففي الأول : إشارة إلى نفي العلة المادية، وفي الثاني: إشارة إلى نفي العلة الغائية في فعله سبحانه وأخرى بأن الإنشاء هو الإيجاد الذي لم يسبق غير الموجد إلى إيجاد مثله والإبتداء هو الإيجاد الذي لم يوجد الموجد قبله مثله . وثالثه بأن الإنشاء هو الإيجاد من غير مثال سابق والابتداء هو الإيجاد من غير صور الهامية قائضة على الموجد ( والزوية الفكر والتدبر، قال في (المصباح): وهي كلمة جرت على ألسنتهم بغير همز ،تخفيفاً، وهي من روات في الأمر بالهمز إذا نظرت فيه (والإجالة) من الجولان يقال : أجاله وأجال به إذا أداره، كما يقال: جال يجول جولاً وجولاناً إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب، وفي بعض النسخ أحالها بالمهملة، وهو من الإحالة بمعنى النقل والصرف (والتجربة) على وزن التكملة والتبصرة، بمعنى الإختيار يقال جربه تجريباً وتجربة أي اختبره مرّة بعد أخرى (والحركة) محركة اسم من التحريك بمعنى الإنتقال، وهو خلاف السكون وهي عند المتكلمين حصول الجسم في مكان بعد حصوله في مكان آخر يعني أنّها عبارة عن مجموع الحصولين وعند الحكماء هي الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج (والهمامة) بهذه الهيئة لم أجدها في كتب اللغة إلا المجمع، قال: والهمامة التردّد، والموجود في كتب اللغة همام قال في (الأوقيانوس) : لا همام بحرف النّفي على وزن قطام اسم فعل بمعنى لا أهم يقال لا همام أي لا أهم ولا أفعله
قال بعض شراح «الكافي» عند شرح قول الإمام(رضی الله عنه): مريد لا بهمامة: أي مريد للأشياء
لا بهمامة النّفس وهي اهتمامها بالأمور وترديد عزمها مع الهم والغم بسبب فوتها مأخوذ من، الهمهمة وهي ترديد الصوت الخفي وهو سبحانه منزّه عنها .
وينحوه فسّره الشارح البحراني في شرح الخطبة هذه، وقريب منه عبارة الراوندي على ما حكي عنه قال : يقال ما له في الأمر همَّة ولا همامة أي لا يهتم به، والهمامة التردّد كالعزم انتهى .
وقال «الشّارح المعتزلي»: قوله (رضی الله عنه) : ولا همامة «نفس» (اه)(1). فيه ردّ على المجوس والثنوية القائلين بالهمامة، ولهم فيها خبط طويل يذكره أصحاب المقالات، وقال أيضاً: ولهم في الهمامة كلام مشهور، وهي لفظة اصطلحوا عليها واللغة العربية ما عرفنا فيها إستعمال الهمامة بمعنى الهمّة إلى أن :قال ولكنها لفظة إصطلاحية مشهورة عند أهلها انتهى.
(وأجال) إن كان بالجيم المعجمة فمن الجولان وإن كان بالحاء كما في بعض النسخ فمن الإحالة بمعنى التحويل والصرف أو بمعنى الإيثاب يقال: حال في ظهر دابته إذا وثب واستوى، وأحاله غيره أو ثبه.
قال «لشّارح المعتزلي» كأنه سبحانه لما أقر الأشياء في أحيانها وأوقاتها، صار كمن أحال غيره على فرسه هذا(2). ، ولا يخلو إرادته عن بعد فافهم.
وفي بعض النسخ أجّل بالجيم أي وقت وفي بعضها أحلّ بالحاء من الحلول يقال : أحلّه المكان وبالمكان إذا جعله يحلّ به ولائم) ملائمة إذا أصلح والغريزة) الطبيعة المجبولة يقال : هو حسن الغريزة أي الطبيعة ( والأشباح) جمع الشبح بمعنى الشخص (والإحاطة) بالشيء الإستدارة به من جوانبه يقال : أحاط القوم بالبلد إذا أحد قوا به واستداروا بجوانبه ثم استعمل تارة في شمول الحفظ وتارة في شمول العلم، وتارة في إستيلاء القدرة وشمولها ( والقرائن) جمع القرينة، والمراد بهاهنا النفس الناطقة كالقرونة
قال في ( الأوقيانوس) : يقول : أسمحت قرينه وقرينته وقرونه وقرونته أي ذلت نفسه ومنه يعلم ما في كلام(الشّارح المعتزلي) حيث جعلها جمع قرونة من الضعف والفساد (والإحناء) جمع حنو بمعنى الجانب كما حنو بمعنى الجانب كما في المجمع، وفي الأوقيانوس) أنه يقال: على العضو المعوج، كالحاجب ونحوه، وعلى كل شيء معوج من الشجر وغيره، ولم يذكر مجيئه
بمعنى الجانب، وإرادة كلّ من المعنيين صحيحة في المقام ولا بأس بهما.
كلمة (لا) في قوله (رضی الله عنه) (بلا روية) نافية معترضة بين الخافض والمخفوض، على حدّ قولهم جئت بلا زاد وغضب من لا شيء، واختلف علماء الأدبية في أنهاهل هي اسم أو حرف؟
فذهب الكوفيون إلى أنها اسم والجار داخل عليها نفسها، وجرّ ما بعدها بها نفسها لكونها بمعنى غير.
وغيرهم إلى أنّها حرف ويسمونها زائدة والظاهر أنهم أرادوا بالزيادة الزيادة من حيث اللفظ من أجل إعتراضها بين شيئين متطالبين، وإلا فلا المعنى بإسقاطها، لأنّ يصح حذف (لا) في الأمثلة المذكورة يوجب فوات المعنى المقوصد من الكلام أعني النّفي وذلك مثل تسميتهم (لاء) المقترنة بالعاطف في نحو ما جاءني زيد ولا عمرو زائدة إسقاطها يوجب إختلال المعنى، لأنك إذا قلت ما جاءني زيد وعمرو احتمل نفي إجتماعهما في المجيء، كما إحتمل نفي مجيء كلّ منهما على كل حال وإذا قلت ما جائني زيد ولا عمرو كان نصاً في الثاني .
وممّا ذكرنا ظهر حكم لا في الجملات المتعاطفة من قوله(رضی الله عنه) : ولا تجربة إستفادها، ولا حركة أحدثها (اه) ، واللام في قوله (رضی الله عنه) الأوقاتها على رواية أجال بالجيم بمعنى إلى، كما في قوله تعالى:« أَوْحَى لَهَا» [الزلزلة ..] وكذلك على روايته بالحاء وجعله بمعنى التحويل والصرف، وعلى جعله بمعنى الإيثاب فبمعنى على كما في قوله تعالى: «وَنَلَهُ الجبين » [الصافات : 103] . أي عليه وأمّا على رواية أجّل بالجيم فللتعليل، وبالحاء فبمعنى في، على حد قوله سبحانه :
«وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيمَةِ » [الأنبياء : 47] .
والضميران في قوله (رضی الله عنه) وألزمها أشباحها راجعان إلى الغرايز ويحتمل رجوعهما إلى الأشياء وانتصاب عالماً ومحيطاً، وعارفاً على الحالية من الفاعل، والعامل فيها : ألزم إعمالاً للأقرب على ما على ما هو مذهب البصريين.
إعلم أنّه (رضی الله عنه) لما ذكر في الفصل السابق جملة من نعوت الجلال والجمال، عقبه بهذا
الفصل، ونبه فيه على كيفية خلقه تعالى للأشياء، وعلى جملة من صفات فعله وكماله، فقال: أنشأ الخلق إنشاء) أي خلقهم خلقاً من غير مادة أو من غير سبق موجد غيره سبحانه إلى إيجاد مثله، أو بلا مثال سابق وابتدئهم إبتداء أي أوجدهم إيجاد إلا لعلة غائيّة، كالاستئناس بهم والوحشة لفقدهم، أو من غير أن يوجد سبحانه مثلهم، أو من دون إفاضة صورة الهاميّة عليه سبحانه .
ففي هاتين الفقرتين إشارة إلى نفي المشابهة بين صنعه سبحانه وصنع البشر، وذلك لأن الصنائع البشريّة إنّما تحصل بعد أن ترسم في الخيال صورة المصنوع وتلك الصورة تارة تحصل عن مثال خارجي يشاهده الصانع ويحذو حذوه، وأخرى تحصل بمحض الإلهام والاختراع فإنّه كثيراً ما يفاض على أذهان الأذكياء صور الأشكال لم يسبقهم إلى تصوّرها غيرهم، فيتصوّرونها ويبرزونها في الخارج، وكيفية صنعه تعالى للعالم منزّهة عن الوقوع بأحد الوجهين.
أما الأول : فلانه سبحانه قبل القبل بلا قبل وكان ولم يكن معه شيء، فلا تكون مصنوعاته مسبوقة بأمثلة من صانع ،آخر عمل هو تعالى بمثل صنع ذلك الصانع.
وأما الثاني : فلان الفاعل على وفق ما ألهم به وإن كان مبتدءاً في العرف ومخترعاً عندهم، لكنّه مفتقر إلى الملهم ،والمفيض والإفتقار محال عليه سبحانه، بل هو غني في فعله وصنعه عن غيره، كما أنه مقدّس عن مشابهة خلقه في إيجاده وخلقه، حيث إنه خلقهم (بلا روية أجالها ولا فكر أداره أو صرفه إليهم ولا) (تجربة معينة له على خلق هذه الأجسام (إستفادها) أي إكتسبها لنفسه من قبل، بمعنى أن يكون خالقاً من قبل أجساماً مجرّباً له مرّة بعد أخرى، فحصلت له تلك التجربة ويأتي إن شاء الله تحقيق هاتين الفقرتين في شرح الفصل الثالث من خطبة الأشباح .
( ولا حركة أحدثها) كما أنّا نحتاج في أفعالنا الإختيارية بعد التصور والشوق والإرادة إلى إحداث حركة في العضلات، ليقع الفعل في الخارج وهو سبحانه تعالى شأنه عن ذلک، لكون الحركة من خواص الجسم، وهو تعالى منزّه عن الجسميّة ولو أحقها ولا) همامة نفس اضطراب فيها أي تردّد نفس موجب للإضطراب له تعالى كالتردّد والإضطراب الحاصلين لنا عند إقدامنا على فعل من أفعالنا .
وأما على ما ذهب إليه («الشّارح المعتزلي» من كون الهمامة من الإصطلاحات المخصوصة للمجوس ،والثنوية ففهم معناها موقوف على نقل ما حكاه عنهم .
قال حكى زرقان في« كتاب المقالات» وأبو عيسى الوزاق والحسن بن موسى
وذكره شيخنا أبو القاسم البلخي في «كتابه المقالات» أيضاً عن الثنوية : أن النور الأعظم اضطربت عزائمه وإرادته في غزو الظلمة والإغارة عليها فخرجت من إرادته قطعة الهمامة المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها، فاقتطعتها الظلمة من النور الأعظم وحالت بينها وبينه وخرجت همامة الظلمة غازية للنور الأعظم فاقتطعها النور الأعظم عن الظلمة، ومزجها بأجزائه وامتزجت همامة النور بأجزاء الظلمة أيضاً، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان وتتدانيان وهما ممتزجتان بأجزاء هذا وهذا حتى ابتنى منهما هذا العالم المحسوس، انتهى(1)
أقول : التنوية أثبتوا أصلين قديمين مدبّرين يقسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمّون أحدهما النور، والثاني الظلمة، وبالفارسية يزدان وأهر من، ولهم تفصيل مذهب موكول إلى محله والمجوس قسم منهم إلا أنهم قالوا بحدوث الظلمة، ولهم قاعدتان عمدتان.
إحداهما : بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، وذكروا في ذلك وجوهاً كثيرة يطول الكلام بذكرها ولا بأس بالإشارة إلى واحد منها، وهو أن (يزدان) فكر في نفسه أنه لو كان لي منازع كيف يكون؟ وهذه الفكرة كانت رديّة غير مناسبة بطبيعة النّور، فحدثت الظلمة من هذه الفكرة، وسمّي (أهرمن) وكان مطبوعاً على الشر والضرر والفساد.
والقاعدة الثانية: في سبب خلاص النور من الظلمة ولهم فيها أيضاً وجوه كثيرة منها : أنه وقعت المحاربة بين عسكر النور وعسكر الظلمة مدّة كثيرة من ألوف سنة، ثم يظفر عاقبة الأمر (يزدان) وجنوده، وعند الظفر وإهلاك جنود (أهرمن) أجمعين يكون القيامة، فيرتفع هؤلاء إلى عالم النور والسماء، وينحط هؤلاء إلى دار الظلمة والجحيم ومنها : أن الملائكة توسطوا بعد المحاربة إلى أنّ العالم السفلي لجنود (أهرمن)، والعالم العلوي خالصاً لجنود (يزدان)، إلى غير ذلك من الأباطيل والخرافات التي ذكروها في سبب الامتزاج والخلاص، خذ لهم الله أجمعين ولعنهم إلى يوم الدين.
(أجال الأشياء لأوقاتها ) أي أدارها ونقلها إليها على وفق ما اقتضاه القضاء اللازم، والقدر الحتم.
هذا على رواية : أجال بالجيم أو بالحاء وجعله من الإحالة بمعنى التحويل والنقل، وعلى المعنى الآخر فالمعنى أنّه أوثب الأشياء وسواه على أوقاتها بحسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
1) شرح نهج البلاغة : 83/1
وأمّا على رواية: أجل، بالجيم فالمعنى أنه وقتها لأوقاتها لا تتقدم عليها ولا تتأخّر عنها قال سبحانه :
« إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ » [يونس : 49] .
وعلى روايته بالحاء فمعناه أنّه أحلها في أوقاتها، وعلى أي تقدير كان فالمقصود أنه سبحانه جعل لكلّ شيء وقتاً معيناً، وزماناً ،مخصوصاً بحسب اقتضاء النظام الأكمل، والنظم الأصلح، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه .
(ولائم بين مختلفاتها) كما أصلح بين العقل الذي هو من عالم الأمر والغيب وبين البدن الذي هو من عالم الخلق والشهادة، مع عدم إحتياجه في نفسه وفعله إليه أصلاً، وكتوفيقه بين العناصر مع إختلافها وتباينها، وكجمعه بين النار والثّلج في بعض الملائكة مع التضاد بينهما وتعاندهما وغرز (غرائزها أي جعل غرائز الأشياء غريزة لها، كما يقال، سبحان من ضوء الأضواء، والمقصود به أنّ طبيعة كلّ من الأشياء مجبولة عليه، مطبوعة فيه، كالفطانة للإنسان والبلادة للحمار مثلاً (وألزمها أشباحها) أي جعل غريزة كلّ شيء وسجيّته لازمة على شبحه وشخصه غير منفكة عنه كالشجاعة لبعض الأشخاص، والجبن للآخر، والسّخاء لشخص، والبخل لغيره وكالحرارة للعسل والبرودة للكافور، إلى غير من الطبائع اللأزمة على الأشخاص الغير المنفكة عنها، فإن الشجاع لا يكون جباناً، ولا الجبان ،شجاعاً ولا البخيل سخيّاً، ولا بالعكس.
هذا كله على تقدير رجوع الضميرين إلى غرائزها وأما على تقدير رجوعهما إلى الأشياء كما يقتضيه سياق سوابقهما، فالمعنى أنه تعالى ألزم الأشياء على الأشخاص يعني: أنّ الأشياء بعد ما كان في علمه وقضائه سبحانه على نحو العموم والكلية، جعلها لازمة على التشخصات الجزئية، وأوجدها في العين في ضمن تلك التشخصات، ضرورة أن ما لم يتشخص لم يوجد ، وإليه أشير في قوله عزّ وجلّ «وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَايْتُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ » [الحجر: 21] هذا وفي بعض النسخ أشباحها أي أصولها عالماً بها قبل ابتدائها كما أنّه عالم بها بعد الابتداء والإيجاد من غير تفاوت بين الحالتين (محيطاً بحدودها وانتهائها أي بأطرافها ونهاياتها. قال سبحانه في حم السجدة :
«أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِفَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ محيط » [فصلت : 54].
وفسره بعضهم بشمول الحفظ، قال الرّاغب أي حافظ له من جميع جهاته، وبعضهم بشمول العلم ، فقال : أي عالم به ظاهراً وباطناً جملة وتفصيلاً، وقيل، بل المراد به إحاطته علماً وقدرة معاً .
وأما قوله تعالى :
«أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلما» [الطلاق: 12] . الله
فالتميز بالعلم ،معيّن قيل والإحاطة بالشّيء علماً هو أن يعلم وجوده، وجنسه ، وقدره، وكيفيته، وغرضه المقصود به ،وبإيجاده وما يكون هو منه، وليس ذلك إلا الله (عارفاً بقرائتها وأحنائها) أي نفوسها وجوانبها أو نفوسها وأعضائها والمعرفة هنا مجاز عن العلم لما قد مرّ فيما سبق من الفرق بينهما وأنّه لا يجوز إطلاقها في الله سبحانه، فإذا وقع في كلام الإمام الله لا بد من أن يراد بها معناها المجازي، فيكون عارفاً بمعنى عالماً، وعلاقة التجوز واضحة.
وهو أنّ قوله : عالماً بها قبل ابتدائها يفيد علمه بجميع الأشياء، كلياتها وجزئياتها، وفيه ردّ على من نفاه رأساً فَضَلَّ ضلالاً بعيداً، وعلى من نفى علمه بالجزئيات، وخسر خسراناً مبيناً، ويفيد أيضاً علمه بالموجودات قبل إيجادها وتكوينها، والشاهد على ذلك مضافاً إلى كلامه له الآيات والأخبار المتواترة، والبراهين العقلية.
وتوضيح المقام وتفصيله يتم برسم أمور .
في بيان الأدلة النقلية فمن الكتاب آيات كثيرة لا تحصى ولنكتف منها بثلاث آيات قال سبحانه في سورة البقرة:
«لو وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » [البقرة : 29] وفي سورة النساء : «إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا » [الإنسان : 30] وفيها أيضاً : «وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا » [النساء : 65] .
ومن السنة أخبار كثيرة بالغة حد التواتر .
فمنها ما في التّوحيد بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(رضی الله عنه) ، قال : سمعته يقول : كان الله ولا شيء غيره ولم يزل عالماً بما كوّنه، فعلمه به قبل کونه کعلمه به بعد ما كونه .
ومنها : ما رواه فيه أيضاً عن أيوب بن نوح أنه كتب إلى أبي الحسن(رضی الله عنه) يسأله عن الله أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكونها أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها، فعلم ما خلق عندما خلق وما كوّن عندما كوّن؟ فوقع(رضی الله عنه) بخطه : «لم يزل الله
عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء )(1).
ومنها : ما رواه أيضاً عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (رضی الله عنه) قال . قلت له : أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس كان في علم الله؟ قال: فقال: بلى قبل أن يخلق السماوات والأرض (2).
ومنها ما رواه عن منصور أيضاً، قال سألته : يعني أبا عبد الله (رضی الله عنه) ، هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله عزّ وجلّ؟ قال الله: الا بل كان في علمه قبل أن ينشيء السماوات والأرض (3).
ومنها ما رواه عن حماد بن عيسى قال سألت أبا عبد الله (رضی الله عنه) ، فقلت: لم يزل الله : يعلم؟ قال: أنّى يكون يعلم ولا معلوم؟ قال : قلت : فلم يزل يسمع ؟ قال : أنّى يكون ذلك ولا مسموع»؟ قال قلت : فلم يزل يبصر ؟ قال : أنّى يكون ذلك ولا مبصر ؟ قال ثم قال : لم يزل الله عليماً سميعاً بصيراً ذات علامة سميعة بصير ة (4).
أقول : لعل ردعه (رضی الله عنه) للرّاوي من جهة أنه علم من للرّاوي من جهة أنّه علم من حاله أنه اعتقدان علمه وبصره سبحانه، مثل العلم والسمع والبصر الموجود في غيره سبحانه بأن تكون أوصافاً زائدة على الذات ومستلزمة للمتعلّقات من حيث كونها أموراً نسبية غير قائمة إلا بمتعلقاتها، ويشهد بذلك آخر الرّواية، ورواية الحسين بن خالد الآتية وغيرها .
ومنها ما رواه عن الحسين بن بشار، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السّلام قال: سألته أيعلم الله الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون أو لا يعلم إلا ما يكون؟ فقال : إنّ الله تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء»، قال عز وجل: «إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [الجاثية : 29] وقال لأهل النار : «وَلَوْ رُدُّوا لَمَادُوا لِمَا بُرُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ » [الأنعام: 28] .
فقد علم الله عزّ وجلّ بأنّهم لوردهم لعادوا لما نهوا عنه، وقال للملائكة لما قالت :« اَ تَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ» [البقرة: 30].
فلم يزل الله عزّ وجلّ علمه سابقاً للأشياء، قديماً قبل أن يخلقها، فتبارك ربّنا وتعالى علوّاً كبيراً، خلق الأشياء وعلمه سابق لها كما شاء كذلك لم يزل ربنا عليماً سميعاً بصيرا .(1).
ومنها ما رواه أيضاً عن عبد عبد الله بن مسكان قال سألت أبا عبد الله له عن تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان أو علمه عندما خلقه وبعدما خلقه؟ فقال : تعالى الله بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تکوینه کعلمه به بعد كونه، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان.(2).
ومنها ما رواه عن الحسين بن خالد قال سمعت الرّضا علي بن موسى(رضی الله عنه) يقول : لم يزل الله تبارك وتعالى عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً، فقلت له: يابن رسول الله إنّ قوماً يقولون : إنّه عزّ وجلّ لم يزل عالماً ،بعلم وقادراً بقدرة وحياً بحياة، وقديماً بقدم وسميعاً بسمع وبصيراً ببصر، فقال ،ببصر، فقال له : من قال ذلك ودان به فقد اتخذ الله آلهة
م- أخرى، وليس من ولايتنا على شيء، ثم قال : لم يزل الله عزّ وجلّ عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً لذاته تعالى عمّا يقول يشركون ويقولون المشبهون علوّاً كبيراً .(3).
ومنها ما في (الكافي) عن أمير المؤمنين الله الله في بعض خطبه قال: أحاط بالأشياء علماً قبل كونها فلم يزدد بكونها علماً، علمه بها قبل أن يكونها، كعلمه بها بعد تكوينها .(4).
ومنها ما فيه أيضاً كما في التوحيد عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(رضی الله عنه) يقول : لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته ولا ،مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور، قال: قلت: فلم يزل الله متكلماً ؟ قال : إنّ الكلام صفة محدثة، وليست بأزليّة، كان والله ولا يتكلم»(5)، إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا الباب ممّا يقف عليها المتتبع المجدّ .
بیان
قال الفاضل المازندراني في شرح الكافي» في شرح الحديث الأخير(رضی الله عنه): قوله : وقع
العلم منه على المعلوم (اه) ، يعني وقع العلم على ما كان معلوماً في الأزل، وانطبق عليه، لا على أمر يغايره ولو في الجملة والمقصود أن علمه قبل الإيجاد هو بعينه علمه بعد الإيجاد والمعلوم قبله هو المعلوم بعينه ،بعده من غير تفاوت وتغيّر في العلم أصلاً، وليس هناك تفاوت إلا تحقق المعلوم في وقت وعدم تحققه ،قبله وليس المراد بوقوع العلم على المعلوم تعلّقه به تعلقاً لم يكن قبل الإيجاد، لأنّ علمه متعلق به قبل الإيجاد وبعده، وهذا الذي ذكره (رضی الله عنه) هو المذهب الصحيح الذي ذهب إليه الفرقة الناجية الإمامية وأكثر المخالفين. (1).
قال قطب المحققين في (درة التاج) ذهب جمهور مشايخ أهل السنة والمعتزلة إلى أنّ العلم بأن الشيء سيوجد نفس العلم بذلك الشيء إذا وجد، لأن من علم علماً قطعياً بأن زيداً يدخل البلد غداً عند طلوع الشمس مثلاً، يعلم بذلك العلم بعينه عند طلوع الشمس أنه دخل البلد، ولو احتاج أحدنا إلى تعلق علم آخر به فإنّما احتاج إليه بطريان الغفلة عن العلم الأول والغفلة على الباري ممتنعة انتهى كلام الفاضل المذكور طاب ثراه.
وأوضح منه ما ذكره المحدث العلامة المجلسي (قدس سره) في مرآة العقول عند شرح الفقرة المذكورة حيث قال: قوله : وقع العلم منه على المعلوم أي وقع على ما كان معلوماً في الأزل وانطبق عليه وتحقق مصداقه، وليس المقصود تعلّقه به تعلقا لم يكن قبل الإيجاد إذ المراد بوقوع العلم على المعلوم العلم به على أنه حاضر موجود كان قد تعلّق العلم به قبل ذلك على وجه الغيبة وأنه سيوجد، والتغير يرجع إلى المعلوم لا إلى العلم(2).
وتحقيق المقام أنّ علمه تعالى بأن شيئاً وجد هو عين العلم الذي كان له تعالى بأنّه سيوجد، فإن العلم بالقضية إنّما يتغير بتغيرها، وهو بتغير موضوعها أو محمولها والمعلوم ههنا هي القضية القائلة بأن زيداً موجود في الوقت الفلاني، ولا يخفى أن زيداً لا يتغير معناه بحضوره وغيبته، نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصة بالموجود حين وجوده، ولا يمكن في غيره، وتفاوت الإشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية، ونفس تفاوت الإشارة راجع إلى تغيّر المعلوم لا العلم (3)
أنه قد تحقّق من الأخبار السّالفة علمه تعالى بجميع الأشياء كلياتها وجزئياتها وهذا مما اتفق عليه جمهور العقلاء، وأقام عليه المتكلمون والحكماء البراهين الساطعة، والأدلة القاطعة، كما أنّهم أقاموا الدليل على علمه سبحانه بذاته، وقد خالف في ذلك جماعة ممّن لا يعبأ بخلافهم، ولا بأس بالإشارة إلى بعض البراهين العقلية التي أسسوها في المقام اقتفاء بالإعلام، وتوضيحاً لكلام الإمام (رضی الله عنه).
فأقول : قال في «التجريد» والأحكام والتجرد وإستناد كلّ شيء إليه، دلائل العلم والأخير، عام انتهى .
توضيحه أنّ كونه سبحانه فاعلاً للأشياء المحكمة، ومجرّداً في ذاته عن المادة، وكون جميع الأشياء مستنداً إلى ذاته المقدّسة، أدلة على كون الباري سبحانه عالماً، إلا أن الأوّل مفيد لعلمه بما سواه، والثاني لعلمه بذاته، والثالث لعلمه بذاته وبما سواه.
أمّا الأوّل : فتفصيله أنه سبحانه فاعل فعلاً محكماً متقناً، وكل من كان كذلك فهو ،عالم أمّا الكبرى فضروريّة، وينبه عليه أنّ من رأى خطوطاً مليحة وألفاظاً فصيحة، مشتملة على نكات دقيقة، وأسرار خفية علم علماً قاطعاً بأن موجدها عالم، وأمّا الصغرى فلما ثبت وتحقق من أنّه خالق للأفلاك والعناصر والأعراض والجواهر والأنهار والأشجار والأزهار والأثمار والحيوان والإنسان على أحسن نظام وأتقن انتظام، بما لا يقدر على ضبطه الدّفاتر والأقلام وتحيّر فيه العقول والأفهام، وكفى بذلك شهيداً صنعة الإنسان، حيث. « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْتَهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُرَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا وَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلقِينَ » المؤمنون: 14] .
وأمّا الدليل الثاني: فتحقيقه يستدعي رسم مقدمات الأولى: أن واجب الوجود مجرد غاية التجرّد إذ المراد بغاية التجرد كون الشّيء قائماً بذاته غير متعلّق الهوية والوجود بمادة أو ،موضوع وواجب الوجود كذلك.
الثانية : أنّ كلما هو قائم بذاته غير متعلّق الهوية بشيء آخر، فهو موجود لذاته، حاضر عند ذاته غير غائبة ولا منفكة ذاته عن ذاته.
الثالثة : أنّ العلم هو حضور المعلوم بعينه أو بصورته عند المجرّد الموجود بالفعل القائم ،بذاته وانكشافه لديه وثبوته بين يديه وهذا أيضاً ظاهر وإذا لاحظت هذه المقدمات ظهر لك أن واجب الوجود لكونه مجرّداً غاية التجرد ولكونه قائماً بذاته وموجوداً لذاته، وحاضراً عند
ذاته، غير غائب عن ذاته، ومنكشفاً لذاته غير محجوب عنها، فهو عالم لذاته بذاته، لا بأمر آخر غير ذاته، فذاته عقل وعاقل ومعقول والإختلاف إعتباري من جهة التعبير .
وأمّا الدليل الثالث: فتقريره أن وجود جميع الموجودات مستند إلى ذاته وهو ليس مستنداً إلى شيء من الأشياء، فهو تعالى لكونه غير متعلق بشيء من الأشياء، قائم بذاته، وذاته حاضرة عند ذاته، وجميع الأشياء لكونه معلولة له تعالى موجودة له حاضر عنده، غير غائبة، لوجوب كون العلة موجودة مع المعلول، فإن حصول المعلول للعلّة أشد من حصول الصورة لنا، كما صرّح به المحقق الطوسي في شرح الإشارات، فقد تحقق بما ذكرناه علمه بذاته وبما سواه.
ولنعم ما قال المحقق الشيرازي في (الأسفار ) : كيف يسوغ عند ذي فطرة عقلية أن يكون واهب كمال ما ومفيضه قاصراً عن ذلك الكمال فيكون المستوهب أشرف من الواهب والمستفيد أكرم من المفيد وحيث ثبت إستناد جميع الممكنات إلى ذات تعالى التي هي وجوب صرف وفعليّة محضة ومن جملة ما يستند إليه هي الذوات العالمة، والصور العلمية، والمفيض لكلّ شيء أو في بكلّ كمال لئلا يقصر معطي الكمال عنه، فكان الواجب عالماً، وعلمه غير زائد على ذاته .
في كيفية علمه سبحانه بالأشياء قبل تكوينها وإيجادها، وهذا المقام مما زلت فيه أقدام العلماء، وتحيّرت فيه أفهام الحكماء، ولنهاية غموضه وصعوبته إختلفوا فيه على أقوال شتّى وغاية أشكاله ودقته تفرقوا فيه أيدي سبا وأيادي سبا .
فمنهم من نفاه رأسًا كالإشراقيين تبعاً لمعلمهم أفلاطون على ما حكى عنهم حيث ذهبوا إلى أنّ علمه بالأشياء مع الأشياء، وأن إضافة علمه هي بعينها إضافة فاعليته، وأن معلومية الشيء ليس إلا حضور ذاته الموجودة عند العالم، وقبل الوجود لا حضور، فلا علم.
ومنهم من ذهب إلى إثباته وأنّ علمه بالأشياء متقدم عليها، وهم المشّاؤون تبعاً المعلمهم أرسطاطاليس قالوا : إن عالميته بالأشياء بتقرّر صورها العقلية، وارتسام رسومها الإدراكية في ذاته تعالى واعتذروا عن ذلك بأنّ تلك الصورة وإن كانت إعراضاً قائماً بذاته : إلاّ أنّها ليست بصفاته وذاته لا ينفعل عنها ولا يستكمل بها، لأنها بعد الذات وهي من قبيل اللوازم المتأخرة والآثار، لا من قبيل الصفات والأحوال، وأيضاً لا تخل كثرتها بوحدة الذات، لأنّها كثرة على ترتيب السببية والمسببية، وكترتيب الواحد والاثنين والثلاثة وما بعدها فلا تنثلم بها وحدة ،الذات كما لا تنثلم وحدة الواحد بكونه مبدءاً للأعداد الغير
المتناهية إذ الترتيب يجمع الكثرة في وحدة.
توضيحه ما ذكره الصدر الشيرازي في شرح الهداية، حيث قال: واعلم أن المصنف اختار في علم الواجب بالأشياء الكلية والجزئية، مذهب الحكماء القائلين بارتسام صور الموجودات في ذاته تعالى كالكسيمائيس الملطي وأرسطاطاليس، وهو الظاهر من كلام الشيخين أبي نصر وأبي علي وتلميذه ،بهمنيار، وبالجملة جمهور أتباع المعلم الأوّل من
المشائين.
وتقريره على ما يستفاد من كتبهم هو أنّ الصورة العقلية قد تؤخذ عن الصورة الموجودة كما يستفاد من السّماء بالرّصد والحسن صورتها المعقولة، وقد لا تستفاد الصورة المعقولة من الموجود، بل ربما يكون الأمر بالعكس من ذلك كصورة بيت أبدعها البناء أوّلاً في ذهنه، ثم تصير تلك الصورة المعقولة علة محركة لأعضائه إلى أن يوجدها في الخارج، فليست تلك الصورة وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت.
ولمّا كانت نسبة جميع الأشياء الممكنة إلى الله تعالى نسبة المصنوع إلى النفس الصانعة لو كانت تامّة الفاعلية، فقياس عقل واجب الوجود للأشياء هو قياس أفكارنا للعلوم التي نستنبطها ثم نوجدها في الخارج، من حيث إن المعقول منها سبب للموجود.
والفرق بين الأمرين أنّنا لكوننا ناقصين في الفاعلية نحتاج في أفعالنا الإختيارية إلى انبعاث ،شوق واستخدام قوّة محرّكة واستعمال آلة تحريكيّة من العضلات والرباطات وغيرها، ثم إلى انقياد مادة لقبول تلك الصورة، والأوّل تعالى لكونه تام الفاعلية لا يحتاج في فاعليته إلى أمر خارج عن ذاته بل إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فإنه يعقل ذاته وما يوجب ذاته ويعلم من ذاته كيفية الخيرية في الكلِّ فيتبع صور الموجودات الخارجة الصور المعقولة عنده على نحو النظام المعقول عنده وعلى حذائه، فالعالم الكنائي بازاء العالم الربوبي، والعالم الربوبي عظيم جداً .
وأيضاً لو كان الباري يعقل الأشياء من الأشياء، لكانت وجوداتها متقدّمة على عاقليته لها، فلا يكون واجب الوجود، وقد سبق أنه واجب الوجود من جميع الوجوه، ويكون في ذاته وقوامه أن يقبل ماهيات الأشياء، وكان فيه عدمها باعتبار ذاته، فيكون في ذاته جهة إمكانية، ولكان لغيره مدخل في تتميم ذاته وهو محال ؛ فيجب أن يكون من ذاته ما هو الأكمل، لا من غيره، فقد بقي أن يكون علمه بالممكنات حاصلاً له تعالى قبل وجودها، لا من وجودها هذا حاصل كلام المشائين في علم الله بما سواه، انتهى كلامه. أقول : هذا القول لمّا كان فاسداً جداً شنع عليه المتأخرون ومنهم المحقق الطوسي في
«شرح الإشارات» ، حيث قال في محكي كلامه : لا شك في أنّ القول بتقرير لوازم الأوّل في ذاته تعالى، قول بكون الشيء الواحد فاعلاً وقابلاً، وقول بكون الأوّل موصوفاً بصفات غير إضافية ولا سببية، وقول بكون محلاً لمعلولاته الممكنة المتكثرة، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً (اه) .
الفساد،
وقيل في المقام أقوال أخرى يرتقي إلى ستة ولكنّها كلها غير خالية عن والنقض والإيراد، ومن أراد الإطلاع عليها فليراجع إلى كتاب المبدأ والمعاد، والسفر الإلهي الأسفار للصدر الشيرازي، وبإضافة ما اختاره هناك إليها ترتقي الأقوال إلى سبعة، هذا .
من والذي ينبغي أن يصار إليه هو أن يقال : لما ثبت كون الواجب عالماً بذاته، لزم كونه عالماً الموجودات، فإنّ ذاته علة موجبة لجميع ما عداه ومبدأ لفيضان كلّ إدراك بجميع حسيّاً كان أو عقلياً، ومنشأ لكل ظهور ذهنياً كان أو عينيّاً، إما بدون واسطة، أو بواسطة هي منه، والعلم التام بالعلة الموجبة و يستلزم العلم التام بمعلولها ، لأنّ المعلول من لوازم ذات العلة التامة، فيلزم من تعقلها بكنهه، أو بالوجه الذي ينشأ منه المعلول تعقله، فلزم كونه عالماً بجميع المعلومات، وأما معرفة كنه هذا الحضور والعلم فلا سبيل لنا إليه كما لا سبيل لنا إلى إدراك ذاته .
ولنعم ما قاله المدقق السّابق في كتاب المبدأ حيث قال وأما كيفية علمه بالأشياء بحيث لا يلزم منه الإتحاد، ولا كونه فاعلاً وقابلاً، ولا كثرة في ذاته بوجه غير ذلك، تعالى عنه علوّاً كبيراً، فاعلم أنّها من أغمض المسائل الحكمية قل من يهتدي إليه سبيلاً، ولم يزل قدمه فيها، حتى الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا مع براعته وذكائه الذي لم يعدل به ذكاء، والشيخ الإلهي صاحب الإشراق مع صفاء ذهنه وكثرة ارتياضه بالحكمة ومرتبة كشفه وغيرهما من الفائقين في العلم وإذا كان هذا حال أمثالهم فكيف من دونهم من أسراء عالم الحواس، مع غش الطبيعة ومخالطتها .
ولعمري إن إصابة مثل هذا الأمر الجليل على الوجه الذي يوافق الأصول الحكمية ويطابق القواعد الدينية، متبرءاً عن المناقشات ومنزّهاً عن المؤاخذات، في أعلى طبقات القوى الفكرية البشرية، وهو بالحقيقة تمام الحكمة الحقة الإلهية، انتهى .
أقول: والصعوبة ذلك لم يأتوا عليهم السلام في الجواب عن هذه المسألة في الأحاديث السالفة وغيرها مع كثرتها، إلا بكلام مجمل من غير تفصيل، لما رأوا قصور الأفهام والمدارك عن دركها تفصيلاً، فسبحان من تعجز عن إدراك ذاته الأفهام وتتحيّر في بلوغ صفاته عقول الأنام .
ایجاد کرد مخلوقات را ایجاد ،کردنی بدون ماده یا بدون سبق مثال از غیر او یا از خود او و بیافرید آنها را آفریدنی نه به جهت علت و غرضی از قبیل استیناس و رفع استیحاش در حالتی که آن آفریدن بی فکری بود که جولان داده باشد آن را یا مصروف بدارد آن فکر را به مخلوقات و بدون تجربه که فایده گرفته باشد از آن و بدون حرکت ذهنیه و بدنیه که احداث نموده باشد آن را و بی تردد نفسی که مضطرب بوده باشد در آن گردانید اشیاء را از برای وقت های آنها و اصلاح کرد در میان مختلفات آنها و مطبوع نمود طبایع اشیاء را در اشیاء و لازم غير منفك گردانید آن طبایع را به اشخاص خود عالم بود به اشیاء پیش از آفریدن آنها و احاطه کننده بود به اطراف آنها و نهایات آنها و دانا دانا بود به نفوس آنها و جوانب آنها.
V
«ثمَّ ثم أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتَقَ الأَجواء، وشَقَّ الأَرْجاءِ ، وسَكَائِكَ الْهَواءِ، فَأَجْرَى فيها ماء مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ، مُتَراكِماً زَخَارُهُ، حَمَلَهُ عَلَى مَثْنِ الرّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ الْفَاصِفَةِ، فَأَمَرَها بِرَدُهِ، وَسَلَّطَها عَلَى شَدْهِ، وقَرَنَها إِلى حَدّه، الْهَواءُ مِنْ تَحْتِها فَتيق، وَالْمَاءُ مِنْ فَوْقِها دَقيق، ثُمَّ أَنشَأَ سُبْحَانَهُ ريحاً أَعْقَمَ مَهَبَّها ، وأَدامَ ،مربها، وأعْصَفَ مجزيها ، وأَبْعَدَ مَنشَأَها، أمرا بِتَصْفِيقِ الْمَاءِ الزِّخَارِ ، وإِثَارَةِ مَوْجِ الْبِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقاءِ، وَعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَها بِالْفَضَاءِ، تَرُدُّ أَوْلَهُ عَلَى آخِرِهِ، وَسَاحِبَهُ عَلَى مَائِرِه حَتَّى عَبْ عُبابُهُ، وَرَمَى بِالزِّبَدِ رُكَامُهُ، فَرَفَعَهُ في هَواءِ مُنْفَتِقِ، وَجَوْ مُنْفَهِقِ، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً، وعُلياهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وسَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلَا دِسَارٍ يَنتَظِمُهَا، ثُم زَيْنَها بِزِينَةِ الْكَواكِبِ، وضياء الثواقب، وأخرى فيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وقَمَرَاً منيراً، في فَلَكِ دَائِرٍ ، وسَقْفٍ سَائِرِ ، ورَقيمٍ ماثِرِه» .
(الفتق) الشّق والفصل والأجواء) جمع جوّ وهو ما بين السماء والأرض، وقيل الفضاء الواسع (والارجاء) جمع رجا بالقصر وهي الناحية (والسكائك) جمع سكاكة مثل ذوابة ،وذوائب، وهي الهواء الملاقي عنان السماء كالشكاك تقول: لا أفعل ذلك ولو نزوت في السكاكة، قيل : وفي لسان الحكمة عبارة عن الطبقة السابعة من الهواء، وربما فسرت بالهواء المطلق، ويحتاج حينئذ إلى التأويل لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه .
واصل (اللطم) الضرب على الوجه بباطن الرّاحة، وتلاطم الأمواج: ضرب بعضها بعضاً كأنه يلطمه (والتيار) الموج وقيل : شدَّة الجريان وهو فيعال أصله تيوار، فاجتمعت الواو والياء فأدغم بعد القلب، وبعضهم جعله من تير فهو فعال، والرمل (المتراكم) الذي بعضه فوق بعض ( والزخار) مبالغة في الزاخر يوصف به البحر يقال : بحر زاخر أي طام ممتلى (والمتن) الظهر (والعاصفة) الشديدة الهبوب وريح (زعزع) وزعزعان وزعزاع إذا كانت تزعزع الأشياء وتحركها بشدّة.
(والقاصفة) من القصف، يقال: قصف الرّعد وغيره قصيفاً، إذا اشتد صوته (وسلطته) على الشيء تسليطاً مكنته، فتسلط أي تحكم وتمكن (والدقيق) المندفق (أعقم مهبها) أي جعل هيوبها عقيماً، والريح العقيم خلاف اللاقح وهي التي لا تثير سحاباً، ولا تلقح شجراً (والمهب) مصدر بمعنى الهبوب أو إسم مكان و أدام) (مربها أي جعل ملازمتها دائمة، وهو
الأرباب يقال : أربّ بالمكان إذا لزم وأقام به و أعصف مجريها) أي جريانها، أو أسند إلى المحل توسعاً .
(والتصفيق) من صفقه إذا قلبه أو بمعنى الضرب الذي له ،صوت، أو من صفق الشّراب إذا حوله ممزوجاً من إناء إلى آخر ليصفو و (الإثارة) من الثوران وهو الهيجان و(المخض) التحريك ، يقال) مخضت اللبن إذا حركته لاستخراج ما فيه من الزبد و(السقاء) مثل كساء ما يوضع فيه الماء واللبن ونحوهما من جلد الغنم ونحوه ليخرج زبده، وهو قريب من القربة والبحر (الساجي) الساكن .
و (مار) الشّيء موراً من باب قال تحرّك بسرعة و (المآثر) المتحرّك و(عب) الماء ارتفع و (عباب) كغراب معظم الماء وكثرته وطغيانه (والزكام) بالضم المتراكم) و(الجوّ المنفهق) المفتوح الواسع و المكفوف) الممنوع من السقوط والسيلان و (سقف) البيت عرشه و(السمك) البناء، قال سبحانه: رفع سمكها، أي بناءها .
و(العمد) بفتحتين جمع عماد وهو ما يسند به (ودعم) الشيء دعماً من باب علم إذا مال فأقامه، ومنه الدّعامة بالكسر وما يستند به الحائط إذا مال يمنعه من السقوط و (الدسار)
، ككتاب المسمار والحبل الذي يشدّ به الأخشاب ويرتب والثواقب) جمع الثاقب، قال سبحانه النجم الثاقب، وسيأتي تفسيرها واختلاف الأقوال فيها .
و(المستطير) المنتشر يقال : استطار الفجر إذا انتشر ضوؤه و(قمراً منيراً) من أنار الشيء إذا أضاء، وقيل: إن النّور أقوى من الضياء، لقوله سبحانه :
«هو الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» [النور: 35] .
وربّما يفرق بأنّ النور الذاتي يسمّى ضياء، وما بالعرض يسمّى نوراً أخذاً من قوله سبحانه : «هو الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٌ وَالْقَمَرَ نُورًا » [يونس : 5] .
(والرقيم المائر) هو اللوح المتحرك، كنى به عن الفلك لأنه مسطح كاللوح، وفي «المجمع»: والرّقيم من أسماء الفلك، سمّي به لرقمه بالكواكب، كالثوب المنقوش.
الأصل في كلمة (ثمّ) العاطفة أن تكون مفيدة للتشريك والترتيب والمهلة، ولا يمكن كون ثم في قوله(رضی الله عنه) :« ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء»، على وفق ذلك الأصل، من حيث استلزامها حينئذ خلق الفضاء والسّماوات بعد خلق كلّ شيء مع التراخي، كما هو ظاهر فلا
بدّ إما من جعلها بمعنى الواو، على حد قوله سبحانه :
« وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى » [طه: 82] .
أو من المصير إلى ما ذهب إليه الفرّاء وبعض النحويين من تخلّف المهلة والترتيب عنها أحياناً، مستدلاً بقول :العرف أعجبني ما صنعت ،اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب حيث إنه لا تراخي بين المعطوف والمعطوف عليه كما لا ترتيب بينهما، وبقوله تعالى : «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا » [المؤمنون: 14] .
وقوله سبحانه: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَنَ مِن سُلَالَم مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْتَهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينِ ثُمَّ خَلَقنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا مَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ» [المؤمنون: 12]
حيث لا ترتيب في الآية الأولى، ولا تراخي في الثّانية .
وأجاب الشارح المعتزلي بأن قوله : ( ثم) هو تعقيب وتراخ لا في مخلوقات الباري سبحانه بل في كلامه (رضی الله عنه) ، كأنه يقول : ثم أقول الآن بعد قولي المتقدم : إنّه تعالى أنشأ فتق الأجواء، انتهى.(1).
وأنت خبير بما فيه ضرورة أنّه لا تراخي بين الإخبارين والأولى أن يعتذر بذلك عن إشكال إفادتها الترتيب بأن يقول : إنّ ثم في كلامه لترتيب الأخبار، لا لترتيب الحكم، كما اعتذر به جماعة عن الآية الأولى واستدلوا عليه بالمثال السابق وقالوا : إن معناه ثم أخبرك بأن ما صنعت أمس أعجب.
وإضافة الفتق والشق والسكائك إلى تالياتها من قبيل الإضافة بمعنى اللام، ويحتمل كون إضافة الأولين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الأجواء الفاتقة بین السماء والأرض، والأرجاء الفاصلة بينهما، وهو الأقرب معنى، لكن الأوّل أنسب بالقواعد الأدبية، كما هو ظاهر.
وقوله(رضی الله عنه) : متلاطماً ومتراكما» ، صفتان لماء، كما أنّ جملة حمله كذلك أو أنّها استئنافية بيانية وإلى في قوله قرنها إلى حدّه، بمعنى (اللام) كما في قولهم والأمر إليك. وقوله : في فلك دائر»، بدل من قوله الله فيها ، أو حال عن المنصوبين أو ظرف لغو متعلق بقوله منبراً .
1) شرح النهج : 84/1 .
لما أشار(رضی الله عنه) إلى كيفية إيجاده سبحانه الخلق في الفصل السابق إجمالاً، أشار إلى كيفية الخلقة تفصيلاً، فقال (رضی الله عنه)
«ثم انشأ سبحانه فتق الأجواء، وشق الأرجاء، وسكائك الهواء هذه الجملات الثلاث متّحدة المفاد وجمع الأجزاء والأرجاء والسكائك باعتبار تعدد طبقات الهواء، وقيل: إنّ المراد بالأجواء : هو الفضاء الظاهر على أطراف الأرض، وبالأرجاء: الفضاء المتصل بأطراف الأرض الذي أدنى من الأوّل، وبالسكائك الفضاء المرتفع عن الأرض، وكيف كان ففيها دلالة على كون الفضاء ،مخلوقاً، وأمراً موجوداً، لأنّ المخلوق لا يكون عدماً محضاً.
قال الشّارح المعتزلي: وذلك ليس ببعيد، فقد ذهب إليه قوم من أهل النظر، وجعلوه جسماً لطيفاً خارجاً عن مشابهة هذه الأجسام، ومنهم من جعله مجرداً هذا.
وقال العلّامة المجلسي في البحار) : المراد بفتق الأجواء إيجاد الأجسام في الأمكنة الخالية بناء على وجود المكان بمعنى البعد وجواز الخلاء، أو المراد بالجوّ البعد الموهوم، أو أحد العناصر، بناء على تقدّم خلق الهواء، وقوله الله (رضی الله عنه) : وشق الأرجاء كالتفسير لفتق الأجواء، أو المراد بالأرجاء الأفضية والأمكنة، وبالأجواء عنصر الهواء، وقوله الله وسكائك الهواء بالنّصب كما في كثير من النسخ، معطوف على فتق الأجواء، أي أنشأ سبحانه سكائك الهواء، والجرّ كما في بعض النسخ أظهر عطفاً على الأجواء، أي أنشأ فتق سكائك الهواء، انتهى كلامه رفع مقامه (1).
وفي «شرح ابن ميثم»: فإن قلت: إنّ الأجواء والأرجاء والسكائك أمور عدمية، فكيف يصح نسبتها إلى الإنشاء عن القدرة؟ قلت: إن هذه الأشياء عبارة عن الخلاء والأحياز والخلاف في أنّ الخلاء والحيّز والمكان هل هي أمور وجودية أو عدمية مشهورة؟ فإن كانت وجودية كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة ويكون معنى فتقها وشقها شق العدم عنها، وإن كانت عدمية كان معنى فتقها وشقها ونسبتها إلى القدرة تقديرها، وجعلها أحيازاً للماء، ومقراً، لأنه لما كان تمييزها عن مطلق الهواء والخلاء بإيجاد الله فيها الماء، صار تعينها بسبب قدرته فتصح نسبتها إلى إنشائه، فكأنه سبحانه شقها وفتقها بحصول الجسم فيها وهذا قريب مما ذكره المجلسى أوّلاً (2). .
والحاصل أنه سبحانه أنشأ أحيازاً وأمكنة خالية (فأجرى فيها ماء متلاطماً (تياره )أي موجه ولجته (متراكماً زخاره أي طمومه وامتلائه؛ ولما خلق سبحانه الماء (حمله على متن الزيح العاصفة) الشديدة العصف والهبوب (والزعزع القاصفة) الشديدة الصوت، فاستقلّ الماء عليها وثبت وصارت مكاناً له، والمراد بهذه الريح إما المتحرك من الهواء، الذي ذكره (رضی الله عنه) أولاً على ما هو المشهور، أو غيره، كما يستفاد من رواية الإحتجاج عن هشام بن الحكم عن الصادق (رضی الله عنه) في جواب الزنديق، قال (رضی الله عنه) :« والرّيح على الهواء، والهواء تمسكه القدرة» (1). .
وعلى هذا فيمكن أن تكون الريح مقدّمة في الخلقة على الهواء، أو متأخرة عنه، أو مقارنة له .
ثم لمّا كان الماء المحمول على الرّيح جارياً في الهواء على مقتضى طبعه (أمرها) سبحانه برده، وسلطها على شدة وقرنها إلى حده أي أمر الرّيح أن تحفظ الماء وتردّه، بالمنع عن الجري الذي سبقت الإشارة إليه في قوله (رضی الله عنه): فأجرى فيها ماء (اه)، فكان قبل الرّد قد خلى وطبعه، ثم أمر الريح بردّه، وقوّاها على ضبطه كالشيء المشدود، وجعلها مقرونة لحدّه أي محيطة بنهايته، وعن الكيدري قوله فأمرها، مجاز، لأن الحكيم لا يأمر الجماد .
وفي (البحار) ولعلّ المراد بالأمر هنا، الأمر التكويني، كما في قوله :« كن فيكون» ، وقوله «كونوا قردة» .
ثم أشار (رضی الله عنه) إلى كمال قدرته سبحانه بقوله: (الهواء من تحتها فتيق أي مفتوح منبسط من تحت الريح الحاملة للماء (والماء من فوقها دقيق) أي مصبوب مندفق
قال المجلسي (2). : والغرض أنه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب الريح الحاملة له، كما ضبط الرّيح بالهواء المنبسط، وهو موضع العجب (ثم أنشأ سبحانه فوق ذلك الماء (ريحا) أخرى (أعقم مهبها أي جعل هبوبها عقيماً، وفي كثير من النسخ اعتقم مهبها ، بالتاء، فاللازم حينئذ رفع مهبها للزوم الفعل فالمعنى حينئذ صار مهبها عقيماً لا يلقح من العقيم الذي لا يولد له ولد، أو صار مهبها ضيقاً، لأنّ الاعتقام هو أن تحفر البئر، فإذا قربت من الماء احتفرت بئراً صغيراً بقدر ما تجد طعم الماء، فإن كان عذباً حضرت بقيتها ، فاستعير هنا من حيث ضيق المهب كما يحتفر البئر الصغير .
وأما ما قيل من أن معنى اعتقم مهتها جعل مهبها عقيماً، ففاسد، لأنه إنما يصح لو كان اعتقم متعدّياً وأدام (مربها أي ملازمتها لتحريك الماء، وعن بعض النسخ مدبها بالدال، أي حركتها. وأعصف مجريها أي جريانها أو أسند إلى المحل مجازاً، من قبيل سال الميزاب (وأبعد منشأها أي جعل مبدئها بعيداً لا يعرف ثم سلطها على ذلك الماء.
(فأمرها بتصفيق الماء (الزخار) أي تحويله وقليه وضرب بعضه ببعض بشدة (وإثارة موج البحار وتهييجه (فمخضتة) مثل (مخض السقاء) الذي يمخض فيه اللبن ليخرج ما فيه من الزبد والتشبيه للإشارة إلى شدّة التحريك وعصفت به أي بهذا الماء العظيم مثل (عصفها بالفضاء) أي عصفاً شديداً، لأن العصف بالفضاء يكون أشدّ من حيث عدم المانع (ترد أوله على آخره وساجيه على مائره أي ساكنه على متحركه حتى عب عبابه أي ارتفع معظمه (ورمى بالزبد (کامه أي متراكمه وما اجتمع منه بعضه فوق بعض .
فرفعه في هواء منفتق) أي رفع الله ذلك الزبد في هواء مفتوق مفتوح (وجق منفهق) أي متسع ومنفتح (فسوّى منه سبع سموات) أي خلقهنّ من الزّبد وعدلهن مصونة من العوج والتهافت والسبع لا ينافي التسع التي أثبتوها أصحاب الإرصاد، إذ الثامن والتاسع مسمّيان في لسان الشرع بالعرش والكرسي، وسيأتي تحقيق الكلام فيها جعل سفلاهن موجاً مكفوفاً) أي موجاً ممنوعاً من السيلان إما بإمساكه بقدرته أو بأن خلق حوله وتحته جسماً جامداً يمنعه عن السيلان والانتشار أو بأن أجمدها بعدما كانت سيّالة .
وكون السماء السفلى موجاً إما بعنوان الحقيقة، حسبما اختاره ،قوم، مستدلاً بمشاهدة حركة الكواكب المتحيّرة، وكونها مرتعدة مضطربة في مرأى العين .
قالوا : في محكى كلامهم في شرح المعتزلي إن المتحيّرة متحركة في أفلاكها ونحن نشاهدها بالحسّ البصري وبيننا وبينها أجرام الأفلاك الشفافة ونشاهدها مرتعدة حسب ارتعاد الجسم السائر في الماء، وما ذاك لنا إلا لأن سماء الدنيا ماء متموّج، فارتعاد الكواكب المشاهدة حسّاً إنّما هو بحسب إرتعاد أجزاء الفلك الأدنى.
ثم قالوا : فأما الكواكب الثابتة فإنّما لم نشاهدها كذلك، لأنّها ليست بمتحركة، والقمر وإن كان في الدنيا، إلا أنّ فلك تدويره من جنس الأجرام الفوقانية، وليس بماء متموّج كالفلك الممثل التحتاني وكذلك القول في الشّمس.
أقول : وما ذكروه في الشمس والقمر غير خال عن الإشكال والفساد، كما هو واضح، فافهم.
وأما بعنوان التشبيه وهو الظهر، قال الكيدري: شبه السّماء الدنيا بالموج لصفائها
وارتفاعها أو أراد أنها كانت في الأوّل موجاً ثم عقدها وقال الشارح البحراني واستعار لفظ الموج للسماء، لما بينهما من المشابهة في العلوّ ،والإرتفاع، وما يتوهم من اللون، ويأتي فيه وجه آخر من العلامة المجلسي طاب ثراه (وعلياهنَّ سقفا محفوظاً) عن النقض والهدم والسقوط والخرق إلا بأمره.
قال الحبراني: أي من الشياطين ثم نقل عن ابن عبّاس كيفية حجب الشياطين عن السّماوات وأنّهم كانوا يدخلونها ويتخبرون أخبارها إلى زمن عيسى(علیه السلام) ، فلما ولد منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) منعوا من جميعها، إلى آخر ما روي.
وقال المحدث العلامة المجلسي طاب ثراه بعد أن حكى عن أكثر الشارحين كون الحفظ بالنسبة إلى الشّياطين ما لفظه وهو لا يناسب العليا، بل السفلي، فيناسب أن يكون المراد بقوله تعالى :
«وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا تَحْفُوظًا » [الأنبياء: 32] السَّماء العليا انتهى (1).
أقول : وأنت خبير بما فيه لأن محفوظيّة السفلى إنّما هو بعد ولادة النّبي( صلى الله عليه وآله وسلم) كما دلّ عليه رواية ابن عبّاس وتظافرت به أخبار أهل البيت (عليهم السلام ) وأمّا السّماء العليا فلما لم يختص محفوظيّتها بوقت دون ،وقت بل كانت الشياطين ممنوعين منها قبل ولادته(رضی الله عنه) أيضاً حسبما يستفاد من الأخبار، فهي أولى وأنسب بأن تتصف بالحفظ.
وبما ذكرنا ظهر ما في كلام البحراني السابق أيضاً، حيث إن سوق كلامه يفيد أن ذكره الرواية ابن عبّاس للإستشهاد به على مدعاه من كون الحفظ في كلامه (رضی الله عنه) بالنسبة إلى الشياطين، مع أنها غير وافية به إذ حاصل الرواية أنّ حفظ السّماوات إنّما حصل بعد الولادة، وهذا مما لا نفع فيه، وإنما المثمر إقامة الدليل على تخصيصه(رضی الله عنه) العليا بخصوصها بالحفظ كما عرفت، فافهم جيداً هذا.
وقال المجلسي : يخطر بالبال وجه آخر وهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السفلى من كلّ من السماوات مواجة متحرّكة واقعاً أو في النظر، والجهة العليا منها سقفاً محفوظاً تستقر عليه الملائكة، ولا يمكن الشّياطين خرقها، فيكون ضمير زينها وسائر الضّمائر راجعة إلى المجموع فيناسب الآية المتقدمة وقوله سبحانه :
«وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطانِ مارِدٍ » [الصافات: 7] .
1) البحار : 186/54.
وقد يمرّ بالخاطر وجه آخر، وهو أنه (رضی الله عنه) شبّه السّماء الدنيا بالموج المكفوف، لكون الحركة الخاصة للقمر أسرع من جميع الكواكب، فكأنه دائماً في الموج، ومع ذلك لا تسقط، ووصف العليا بالمحفوظيّة لأنه أبطأها بالحركة الخاصة، فكأنها محفوظة ثابتة، وعلى الطريقة السابقة يمكن أن يكون المراد بالسفلى من كل منها خوارج مراكزها وتداويرها، وبالعليا منها ،ممثلاتها فالأولى مواجة لسرعة حركتها، والثواني محفوظة لبطنها، لكن هذان الوجهان بعيدان عن لسان أهل الشرع ومقاصد أهله انتهى كلامه رفع مقامه .
(وسمكا مرفوعاً) أي سقفاً أو بناء مرفوعاً ويجيء بمعنى الرفع قال الشّاعر :
إن الذي سمك السماء بنی لنا
أي رفعه وهو غير مناسب للمقام والأنسب ما قلناه وهو أحد معانيه كما في «القاموس ،وغيره والضميران المنصوبان في قوله (رضی الله عنه) : (بغير عمد يدعمها، ولا دسار ينتظمها راجعان إلى العليا بملاحظة القرب، أو إلى السفلى بقرينة الضمير الآتي في قوله: ثم زينها الرّاجع إليها لما سيأتي، أو إلى السماوات، وهو الأظهر ليكون أوفق بقوله سبحانه :
«الله الذى رفع السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا » [الرعد: 2] .
واختلف المفسرون في أنّه هل هناك عمد غير مرئي أولاً وعمد أصلاً؟ فعن ابن عبّاس والحسن وقتادة والجبائي وأبي مسلم الثاني، أن المراد رفعها بغير عمد وأنتم ترونها كذلك، قال ابن عبّاس: يعني ليس من دونها دعامة يدعمها، ولا فوقها علاقة تمسكها، قال الطبرسي وهو الأصح، وعن مجاهد وعزيّ إلى ابن عبّاس أيضاً الأوّل، وأن ترونها من نعت العمد بغير عمد مرئية.
أقول: ويشهد به ما عن القمي والعياشي عن الرّضا(رضی الله عنه)، قال : فلم عمد ولكن لا ترونها (1).
قال الفخر الرّازي: إنّ العماد ما يعتمد عليه، وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنّما بقيت واقفة في الجوّ العالي بقدرة الله فحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله فصح أن يقال: رفع السماوات بغير عمد ترونها، أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي إمساكه وحفظه وتدبيره وإبقائه إياها في الجوّ العالي وأنتم لا ترون ذلك التدبير ولا تعرفون كيفية ذلك الإمساك انتهى ثم زيّنها بزينة الكواكب) أي السماء السفلى ليكون أوفق بقوله سبحانه :
«إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِرِينَةٍ الكوكب » [الصافات : 6] . ﴾
1) البحار 79/57، ونور البراهين : 95/2 :
ويحتمل رجوعه إلى السماوات كما هو الأظهر، وتزيين البعض تزيين الجميع.
قال في «الكشاف» في تفسير الآية: الدنيا القربى منكم، والزينة مصدر كالنّسبة أو اسم لما يزان به الشّيء كالليقة لما تلاق به الدّواة، ويحتملها قوله بزينة الكواكب، فإن أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل أَبِأنْ زانتها الكواكب وأصله بزينة الكواكب، أو على إضافته إلى المفعول، أي بأن زان الله الكواكب وحسّنها، لأنها إنّما زينت السماء بحسنها في أنفسها، وأصله بزينة الكواكب وإن أردت الإسم فللإضافة وجهان أن تقع الكواكب بياناً للزينة، لأنّ الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها ممّا يزان ،به وأن يراد به ما زینت به الكواكب انتهى.
وكون الكواكب زينة إما لضوئها كما عن ابن عبّاس أو للأشكال المختلفة الحاصلة کشکل الثّريا وبنات النعش والجوزاء وغير ذلك، أو لاختلاف أوضاعها بحركتها، أو لرؤية الناس إياها مضيئة في الليلة الظلماء، ويوضحه قوله تعالى : بمصابيح، في الموضع الآخر، وإما محال الكواكب فستطلع عليها إن شاء الله ( وضياء الثواقب) المراد بها إما الكواكب فيكون كالتفسير لزينة الكواكب والكواكب ثواقب أي مضيئة كأنّها تثقب الظلمة بضوئها، أو الشهب التي ترمي بها الشياطين قال سبحانه : النجم الثّاقب .
قيل : وصف بكونه ثاقباً لوجوه أحدها أنه يثقب الظلام بضوء ينفذ فيه .
وثانيها : أنه يطلع من المشرق نافذاً في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء .
وثالثها: أنه الذي يرمي به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه ويحرقه .
ورابعها قال الفرّاء : هو النجم المرتفع على النجوم والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعاً : فقد ثقب.
أقول : وهنا وجه خامس وهو أن وصفه به لكونه مضيئاً كأنه يثقب الأفلاك بضوئه .
ويشهد به ما عن الخصال عن الصادق (رضی الله عنه) ، أنّه قال لرجل من أهل اليمن: ما زحل عندكم في النّجوم؟ فقال اليماني نجم ،نحس فقال(رضی الله عنه) : لا تقولن هذا، فإنّه نجم أمير المؤمنين (رضی الله عنه) ، وهو نجم الأوصياء، وهو النجم الثاقب الذي قال الله في كتابه، فقال له اليماني فما يعني بالثاقب؟ قال(رضی الله عنه) : لأن مطلعه في السماء السابعة، وأنه ثقب بضوئه حتى أضاء في السماء الدنيا، فمن ثم سمّاه الله النجم الثاقب .
(فأجرى) وفي بعض النسخ ، وأجرى بالواو فيها سراجاً مستطيراً) أي منتشر الضوء (وقمراً منيراً) والمراد بالسراج الشمس فإنّها سراج لمحفل العالم، قال سبحانه في سورة الفرقان:
«تبارك الذي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وقمرا منيرا» [الفرقان: 61] وفي سورة نوح:
«أَلَمْ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا» [نوح: 16] .
وتشبيه الشمس بالسراج من حيث إنّها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السّراج عمّا حوله .
قيل : كان الليل عبارة عن ظلم الأرض، وكانت الشمس سبباً لزواله، فكان شبيهاً بالسّراج في ارتفاع الظلمة به والضمير في قوله فيها راجع إلى السماوات كما هو الأظهر، أو إلى السفلى كما عزاه المجلسي طاب ثراه إلى الأكثر، ويحتاج حينئذ إلى نوع تأويل بالنسبة إلى جريان الشمس بناء على كونها في السماء الرابعة .
في فلك دائر) قال العلامة المجلسي (قدس سره) : الظرف إما بدل عن فيها، فيفيد حركة السفلى أو العليا أو الجميع على تقادير إرجاع الضمير بالحركة اليومية أو الخاصة أو الأعم، وإما في موضع حال عن المنصوبين فيمكن أن يكون المراد بالفلك الدائر: الأفلاك الجزئية وسقف سائر ورقيم ماتر) قال العلامة المجلسي : هاتان الفقرتان أيضاً تدلان على حركة السّماء لكن لا تنافي حركة الكواكب بنفسها أيضاً، هذا.
الأول: أنه لم يستفد من كلامه (رضی الله عنه) أن الصادر الأول ماذا ؟ وقد اختلف فيه كلام العلماء كالأخبار. فالحكماء يقولون : أوّل المخلوقات العقل الأول، ثمّ العقل الأوّل خلق العقل الثاني والفلك الأوّل وهكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر فهو خلق الفلك التاسع وهيولى العناصر، وجماعة منهم يقولون بأن تلك العقول وسائط لإيجاده تعالى ولا مؤثر في الوجود إلا الله، وكلّ ذلك مخالف للآيات والأخبار .
وأما غيرهم فقيل : أولها الماء، ويدل عليه رواية الروضة الآتية عن أبيه جعفر(رضی الله عنه) في جواب الشامي، ونقل عن تاليس الملطي وهو من مشاهير الحكماء أنه بعد أن وحد الصانع الأوّل للعالم ونزهه قال : لكنّه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والمعلومات كلها وسمّاه المبدع الأوّل، ثم نقل عنه إنّ ذلك العنصر هو الماء، قال : ومنه أنواع الجواهر كلها السماء والأرض وما بينهما، وهو علة كل مبدع وعلّة كل مركب من العنصر الجسماني، من فذكر أنّ من جمود الماء تكوّنت الأرض، ومن انحلاله تكوّن الهواء، ومن صفوته تكوّنت النّار، ومن الدخان الأبخرة وتكوّنت السماء، قال البحراني: وقيل إنّه أخذ ذلك من التوراة انتهى
وقيل : أوّل المخلوقات(1)
1 - أول ما خلق العقل
كشف الخفاء : 1 / 263 823 ، وعوالم العلوم والمعارف : 40 ح 302 ، وبحار الأنوار: 1 / 96.109 الى ،99 وشرف العقل للغزالي : 53 ، والكافي : 1 / 21 ، و 10 . (2)2 - أول ما خلق الله آل محمد أو أرواحهم.
تأتي المصادر في طي الأحاديث وراجع ينابيع المودة: 2 / 582 ، وعيون اخبار الرضا: 1/ 205 باب 26 2/ 22 وكمال الدين: 1/ 250 باب 23 . (3)3 - أول ما خلق الله محمداً ، أو نور محمد، أو عقله، أو روحه
تأتي المصادر مع الأحاديث ويراجع شرح دعاء الجوشن : 548 ، وعوالم العلوم : 40 وعوالم العلوم : 40 ح 1 و جامع الاسرار : ح 563 . 619 . 705 ، والأنوار النعمانية : 1 / 13 ، ورسالة المشاعر : 317 ، وينابيع المودة : 1 / 10 ، ونظم ونظم المتناثر : 185 ح 194 ، واسرار الشريعة 6 . (4)4 - أول ما خلق الله العرش
تاريخ ابن كثير : 1 / 40 ، وكنز العمال : 2 / 236 ح 15119 ، وعيون الاخبار : 1 / 110 باب 11 ح 33 ، وجامع الاسرار : 557 .(5)ه - أول ما خلق الله القلم
تاريخ ابن كثير : 1 / 40 39 ، وكنز العمال: 1 / 126 ح 7 ح 316 و 267 ح 693 . 597 ، والشريعة للآجري : 73 ح 168 و 150 ح316 و267 ح693.(6)6 - أول ما خلق الله الماء
تاريخ ابن كثير : 1 / 40 ، وعيون اخبار الرضا: 1 / 110 ح 33 باب 11 ، وبحار الأنوار: 24 / 375 ، المواهب اللدنية : 1/ 37 . 38 المقصد الأول. (7)7 - أول ما خلق الله الملائكة.
عيون اخبار الرضا 1 / 110 باب 11 ح 33 .(8)8 - أول ما خلق الله النور والظلمة
بحار الأنوار : 24 / 375 ح 103 ، وتاريخ ابن كثير : 1/ 39 القول في ابتداء الخلق، وعيون أخبار الرضا:1 / 189 باب 24 ح 1 ، وعوالم العلوم: 40 ح 4 ، والأنوار النعمانية : 1 / 155 و13.(9)
9 - أول ما خلق الله العلم
بحار الأنوار: 24 / 375 ح103.(10)10 - أول ما خلق الله الحجب.
بحار الأنوار: 36 / 343 باب نصوص الرسول على الأئمة ح 209 . (11)11 - أول ما خلق الله جوهرة
تفسير صدر المتألهين 6 / 81 ، وأسرار الشريعة: 131 . 236 ، والأنوار النعمانية : 1 / 155.(12)12 - أول ما خلق الله الروح
شرح الكافي: 1 / 216 ، وتفسير صدر المتألهين 4 / 134 ، واسرار الشريعة : 124 ، وجامع الاسرار144 . 380 ،757 والأنوار النعمانية : 1 / 13. (13)الهواء، وروي عن عليّ بن إبراهيم في تفسيره، قال
13 - أول ما خلق الله الهواء(1).
14 - أول ما خلق الله القدر (2).
يشاهد في عدن ضياء مشعشعاً*** يزيد على الأنوار في الضوء والهدى
فقال إلهي ما الضياء الذي أرى*** جنود السما تعشو اليه تردداً
فقال نبي خير من وطى الثرى*** وأفضل من في الخير راح أو اعتدى
تخيرته من قبل خلقك سيدا*** وألبسته قبل النبيين سؤددا (3).
سكن الفؤاد فعش هنيئا یا جسد*** هذا النعيم هو المقيم الى الابد
روح الوجود حياة من هو واجد*** لولاه ماتم الوجود لمن وجد
عيسى وآدم والصدور جميعهم*** اعين هو نورها لما ورد
لو ابصر الشيطان طلعة نوره*** في وجه آدم كان أول من سجد
أو لو رأى النمرود نور جماله ***عبدالجليل مع الخليل ولا عند
لكن جمال الله جل فلایری*** الا بتخصيص من الله الصمد(4).
طاطا كل الانبیاء لطاها***ذلك عِزّ عَزَّ أن يضاهی
تقبلت تربیة آدم الصفی*** بیمنه اکرم به من خلف
وسجدة الاملاک لا لغرتة*** بل نور ياسين بدا في غرته
بع تجی نوح من الطوفان***بمرسلات اللطف والاحسان (5).
والصحيح ان أول ما خلق الله محمداً قال بيته الاطهار.
والدليل الروايات المستفيضة والاقوال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ):
يا عمر بن الخطاب اتدري من أنا ؟! أنا الذي خلق الله أول كل شيء نوري فسجد له فبقي في سجوده سبعمائة عام، فاول كل شيء سجد له نوري ولا فخر. يا عمر اندري من انا ؟ أنا الذي خلق الله العرش من نوري والكرسي من نوري واللوح والقلم من نوري، والشمس والقمر من نوري، ونور الابصار من نوري والعقل الذي في رؤوس الخلائق من نوري ونور المعرفة في قلوب المؤمنين من نوري ولا فخر(6).
وفي حديث مستفيض : كنت أول الأنبياء [الناس] في الخلق وآخرهم في البعث (7). وحديث: كنت أو
1) بحار الأنوار: 24 / 175 والأنوار النعمانية : 1 / 155 و 13.
2) الأنوار النعمانية : 1 / 13 .
3) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: 1 / 36 تشريف الله للنبي من المقصد الأول.
4) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : 1 / 44 .
5) الأنوار القدسية : 20.
6) شرح الشمائل المحمدية : 1 / 49 ولوامع انوار الكوكب الدري : 1 / 13.
7) كنز العمال: 11 / 452 ح 32126 ، والجامع الصغير : 2 / 162 ، والطبقات الكبرى: 1 / 119 ، والفردوس بمأثور الخطاب 3/ 282 ح 4850 ، والوفا باحوال المصطفى : 361، وينابيع المودة: 1 / : 220 و 18 ، والخصائص الكبرى 1 / 3 الباب الأول.
جعلت نبياً وآدم بين الروح والجسده (1)
،379 والفردوس بمأثور الخطاب 3 / 284 4854 ، والاجوبة الغزالية 127، والشريعة 416، ، والمعجم الكبير للطبراني : 18 / 252 و 20 / 353 ، والوفا : 29 ح11، والشفا:1/171 باب 3، والطبقات : 1 / 118 و 7 / 42 ، والاستيعاب : 3 / 518 .
. وحديث: اني عبد الله وخاتم النبيين وآدم لمنجدل في طينته (2)الايمان: 2 / 134.
. وقال أمير المؤمنين علي(علیه السلام) : كنت وليا وآدم بين الماء والطين (3). وقال(علیه السلام) : انا الأول انا الاخره (4). . وقال(علیه السلام) : أول ما خلق الله نوري(5). وقال(علیه السلام) : أول ما خلق الله نوري ثم عصره فخلق منه أرواح الأنبياء، ثم عصره عصرة أخرى فخلق منه الشمس والقمر وسائر النجوم (6). وقال أمير المؤمنين(علیه السلام) : جل مقام آل محمد عن وصف الواصفين ونعت الناعتين واني يقاس بهم احد من العالمين وكيف وهم النور الأول ...(7).وأخرج سبط ابن الجوزي بسنده الى أمير المؤمنين(علیه السلام) انه قال بعد حمد الله الما اراد الله ان ينشيء المخلوقات ويبدع الموجودات أقام الخلائق في صورة قبل دحو الأرض ورفع السموات، ثم أفاض نوراً من نور عزه فلمع قبساً من ضيائه وسطع .
ثم اجتمع في تلك الصورة وفيها هيئة نبينا(صلی الله علیه وآله وسلم) فقال له تعالى : انت المختار وعندك مستودع الأنوار وأنت المصطفى المنتخب الرضاء المنتجب ،المرتضى من أجلك أضع البطحاء وارفع السماء وأجري الماء واجعل الثواب والعقاب والجنة والنار وانصب أهل بيتك علماً للهداية، وأودع اسرارهم من سري بحيث لا يشكل عليهم دقيق ولا يغيب عنهم خفي، واجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدري والمطلعين على اسرار خزائني .
ثم اخذ الحق سبحانه عليهم الشهادة بالربوبية والإقرار بالوحدانية وان الإمامة فيهم والنور معهم، ثم ان الله اخفى الخليفة في غيبه وغيبها في مكنون علمه وتصب العوالم ومرج الماء وأثار الزيد وأهاج الدخان فطفا عرشه على الماء، ثم انشأ الملائكة من انوار ابتدعها وانواع اخترعها، ثم خلق الله الأرض وما فيها .
ثم قرن بتوحيده نبوة نبيه محمد وصفيه فشهدت السموات والأرض والملائكة والعرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم وما في الأرض له بالنبوة، فلما خلق آدم أبان للملائكة فضله وأراهم ما خصه به من سابق
1) مجمع الزوائد : 1/ 109 ح 13845 وما بعده باب قدم ،نبوته ومسند احمد: 4 / 66.127 و 5 / 59 . 409/8 13845
2) تاريخ الذهبي : 1 / 42 ، وكنز العمال: 11 / 418 ح 41960 ، والمعجم الكبير : 18 / 252 ، وشعب
3) جامع الاسرار : 382 . 460 763 . 927 ، والانسان الكامل 77 ، والمراقبات : 259
4) جامع الاسرار : 205 ح 394
5) نظم المتناثر : 185 ح 194 ، واخبار الدول: 4، ورسالة المشاعر : 317 ، وينابيع المودة: 1 / 10 الباب الأول، وبحار الأنوار 150 / 24 و 25 / 2 و 1 / 97 ، وغوالى اللآلي للاحساني: 4 / 99 ح وشرح دعاء الجوشن : 548 ، وعوالم العلوم: 40 ح 1.
6) مشارق انوار اليقين : 217 .
7) مشارق انوار اليقين : 116
العلم، فجعله محراباً وقبلة لهم فسجدوا له وعرفوا حقه .
ثم بين لآدم حقيقة ذلك النور ومكنون ذلك السر، فلما حانت ايامه أودعه شيئاً، ولم يزل ينتقل من الأصلاب الناظرة الى الارحام الطاهرة الى أن وصل الى عبد المطلب ثم الى عبد الله، ثم الى نبيه (صلی الله علیه وآله وسلم) فدعا الناس ظاهراً وباطناً وندبهم سراً وعلانية واستدعى الفهوم الى القيام بحقوق ذلك السر اللطيف وندب العقول الى الإجابة لذلك المعنى المودع في الذر قبل النسل، فمن وافقه قبس من لمحات ذلك النور واهتدى الى السر وانتهى الى العهد المودع في باطن الأمر وغامض العلم، ومن غمرته الغفله وشغلته المحنة استحق البعد ثم لم يزل ذلك النور ينتقل فينا ويتشعشع في غرايزنا، فنحن انوار السموات والأرض وسفن النجاة، وفينا مكنون العلم وإلينا مصير الأمور ويمهدينا تقطع الحجج، فهو خاتم الائمة ومنقذ الأمة ومنتهى النور وغامض ،السر، فليهن من استمسك بعروتنا وحشر على محبتنا»(1).
أقول : اخرجه الصفوري مختصراً (2). وعن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): «ما خلق الله خلقاً أفضل مني... ولا أكرم مني ... والفضل بعدي لک یا علی وللائمة من بعدك... يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء، ولا الجنة ولا النار ، ولا السماء ولا الأرض، وكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم الى التوحيد ومعرفة ربنا عز وجل وتسبيحه وتقديسه وتهليله لان أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتمجيده، ثم خلق الملائكة، فلما شهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمورنا، فسبحنا لتعلم الملائكة أنا خلق مخلوقين، وأنه منزه عن صفاتنا فسبحت الملائكة لتسبيحنا» (3)
النجف و 485 ط . اسلامبول وعيون اخبار الرضا 1 / 205 باب 26 ح 22
. وعنه (صلی الله علیه وآله وسلم) : ان الله خلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين قبل ان يخلق آدم(علیه السلام) حين لا سماء مبنية ولا أرض مدحية، ولا ظلمة ولانور ولا شمس ولا قمر ولا جنة ولا ناره فقال العباس : كيف كان بدء خلقكم يا رسول الله ؟
فقال: يا عم لما أراد الله ان يخلقنا تكلم بكلمة خلق منها نوراً، ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحاً، ثم مزج النور بالروح، فخلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين، فكنا نسبحه حين لا تسبيح، ونقدسه حين لا تقديس فلما اراد الله تعالى ان ينشيء خلقه فتق نوري فخلق منه العرش فالعرش من نوري ونوري من نور ،الله ونوري أفضل من العرش.
ثم فتق نور أخي علي فخلق منه الملائكة، فالملائكة من نور علي ونور علي من نور الله وعلي أفضل من الملائكة . ثم فتق نور ابنتي فخلق منه السموات والأرض، فالسموات والأرض من نور ابنتي فاطمة، ونور ابنتي فاطمة من نور الله وابنتي فاطمة أفضل من السموات والأرض.
ثم فتق نور ولدي الحسن فخلق منه الشمس والقمر فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن ونور الحسن من نور الله والحسن أفضل من الشمس والقمر.
ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة والحور العين فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين ونور ولدي الحسين من نور الله وولدي الحسين أفضل من الجنة والحور العين(4).
الى ان قال: فتكلم الله بكلمة فخلق منها روحاً ... ثم نوراً فأزهرت المشارق والمغارب فهي فاطمة (1).
وعن الإمام علي(علیه السلام) : ألا إني عبد الله وأخو رسوله وصديقه الأول قد صدقته وآدم بين الروح والجسد ثم إني صديقه الأول في امتكم حقاً، فنحن الأولون ونحن الآخرون »(2).
وعن أبي جعفر(علیه السلام) قال: يا جابر كان الله ولا شيء غيره لا معلوم ولا مجهول فأول ما ابتدأ من خلقه أن خلق محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم) وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا اظلةً خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر.(3).
وعن جابر قال : قلت لرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : نور نبيك يا جابر، فخلقه الله، ثم خلق منه كل خيره» (4).
أقول: هذا ما رواه المجلسي في بحاره مختصراً، ورواه القسطلاني مفصلاً عن عبد الرزاق مع تفاوت عما يأتى في «الينابيع»(5). ورواه النبهاني عنه في «الأنوار المحمدية» (6).
ووجدت الحديث بطوله في كتاب ينابيع المودة» ينقله عن كتابي ابكار) (الافكار لابن الصلاح، و (شرحالكبريت الاحمر) للشيخ عبد القادر عن الشيخ علاء الدولة السمناني والحديث هو :
قال جابر الانصاري: سألت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) عن أول شيء خلقه الله تعالى.
قال(صلی الله علیه وآله وسلم): «هو نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق فيه كل خير وخلق بعده كل شيء، وحين خلقه اقامه في مقامه في مقام القرب اثني عشر الف سنة، ثم جعله أربعة أقسام، فخلق العرش من قسم والكرسي من قسم وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم .
وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثنى عشر الف سنة، ثم جعله اربعة اقسام فخلق القلم من قسم واللوح من قسم والجنة من قسم واقام الرابع في مقام الخوف اثنى عشر الف سنة، ثم جعله اربعة اجزاء فخلق الملائكة من جزء والشمس من جزء والقمر والكواكب من جزء ؛ واقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثنى عشر الف سنة، ثم جعله اربعة اجزاء، فخلق العقل من جزء والعلم والحلم من جزء والعصمة والتوفيق من جزء واقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثني عشر الف سنة .
ثم نظر الله اليه فترشح ذلك النور عرقاً قطرت منه مائة الف وعشرون الفا واربعة آلاف قطرة من النور، فخلق الله سبحانه من كل قطرة روح نبي ،ورسول ثم تنفست أرواح الأنبياء، فخلق الله من أنفاسهم أرواح الأولياء والشهداء والسعداء والمطيعين الى يوم القيامة.
فالعرش والكرم سي وحملة العرش وخزنة الكرسي من نوري . والقلم والكروبيون والروحانيون من الملائكة والجنة وما فيها من النعيم من نوري . وملائكة السموات السبع والشمس والقمر والكواكب من نوري . والعقل والعلم والحلم والعصمة والتوفيق من نوري وأرواح الأنبياء والرسل من نوري، وأرواح الأولياء
1) الأنوار النعمانية : 1 / 18017 مع تفاوت عما في بحار الأنوار ليس بيسير رواه عن ابن مسعود.
2) بحار الأنوار: 15 / 15 ح 19.
3) بحار الأنوار : 15 / 23 ح
4) بحار الأنوار: 15 / 24 ،ح43.
5) المواهب اللدنية : 1 / 36 . المقصد الأول في تشريف الله له ( عليه السلام) سبق نبوته في سابق ازليته.
6) الأنوار المحمدية : 13
والشهداء والسعداء والصالحين من نتائج نوري (1).
وعن الإمام الصادق(علیه السلام) : «إن الله كان اذ لا كان فخلق الكان والمكان وخلق نور الأنوار الذي نورت منه الأنوار، واجرى فيه من نوره الذي نوّرت منه الأنوار، وهو النور الذي خلق منه محمداً وعلياً، فلم يزالا نورين أولين اذ لا شيء كون قبلهما » (2). وعن أمير المؤمنين(علیه السلام) قال : كان الله ولا شيء معه فأول ما خلق نور حبيبه محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء» (3).
وروي عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه أصل المخلوقات كلها وابو الروحانية، وآدم ابو الجسمانيات (4).
واخرج الإمام احمد في الفضائل: كنت انا وعلي نوراً بين يدي الله قبل ان يخلق آدم بأربعة عشر الف عام(5).
وقال سالم شهدت علي بن الحسين(علیه السلام) يقول : انا أول ما خلق الله وآخر من يهلكها»(6).
أقول : ذكر المجلسي في بحاره) والجزائري في الأنوار وغيرهما عدة روايات أخرى في انهم أول الخلق اقتصرنا على ما يكفي لاقناع الناصبي فضلاً عن عن غيره (7).
قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): انا من الله والكل مني» (8).
قال الحافظ البرسي: والى هذا المعنى أشار بقوله(صلی الله علیه وآله وسلم) : أول ما خلق الله نوري ثم فتق منه نور علي، فلم نزل نتردد في النور حتى وصلنا الى حجب العظمة في ثمانين الف سنة، ثم خلق الخلايق من نورنا فنحن صنايع الله والخلق من بعد صنايع لنا، أي مصنوعين لأجلنا».
وقال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : أول ما خلق الله نوري ابتدعه من نوره واشتقه من جلال عظمته فاقبل يطوف بالقدرة حتى وصل الى جلال العظمة في ثمانين الف سنة، ثم سجد لله تعظيماً فتفتق منه نور علي، فكان نوري محيطاً بالعظمة، ونور علي محيطاً بالقدرة ثم خلق العرش واللوح والشمس والقمر والنجوم، وضوء النهار، وضوء الابصار والعقل والمعرفة، وأبصار العباد، وأسماعهم وقلوبهم من نوري، ونوري مشتق من ،نوره فنحن الأولون ونحن الآخرون ونحن السابقون ونحن الشافعون، ونحن كلمة الله ونحن خاصة الله ونحن أحباء الله ونحن وجه الله ونحن أمناء الله ونحن خزنة وحي الله وسدنة غيب الله، ونحن معدن التنزيل وعندنا معنى التأويل، وفي أبياتنا هبط جبرائيل ونحن مختلف أمر الله، ونحن منتهى غيب الله، ونحن محال قدس الله ونحن مصابيح الحكمة ومفاتيح الرحمة وينابيع النعمة، ونحن شرف الامة وسادة الأئمة، ونحن الولاة والهداة والدعاة والسقاة والحماة وحينا طريق النجاة وعين الحياة ونحن السبيل
1) ينابيع المودة : 1 / 15 . 16 ط . النجف و 14 ط . اسلامبول الباب الثاني في شرف اباء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)
2) بحار الأنوار: 15 / 24 ح 46.
3) بحار الأنوار 15 / 27 . 28 ح 48 .
4) الروض الفائق : 170 مجلس 43 ، واليواقيت والجواهر : 2/ 18 مبحث ،32 وينابيع المودة: 1 / 10 .
5) فضائل الصحابة : 2 / 663 ح 1130
6) دلائل الامامة : 85 ترجمة علي بن الحسين وامامته.
7) بحار الأنوار: 15/ 2 الی 50 2 الى 48 باب بدء خلق النبي من كتاب تاريخ نبينا صلى الله عليه وآله)، وارشاد القلوب: 12 / 404 - 405 و 415 . 416 - 421 ، والأنوار النعمانية : 14 - 15 - 17 - 18 - 22-
8) مشارق انوار اليقين : 29.
والسلسبيل والمنهج القويم والصراط المستقيم من آمن بنا آمن بالله ومن رد علينا رد على الله، ومن شك فينا شك في الله، ومن عرفنا عرف الله، ومن تولى عنا تولى عن الله، ومن تبعنا أطاع الله .
ونحن الوسيلة الى الله والوصلة الى رضوان الله ولنا العصمة والخلافة والهداية وفينا النبوة والامامة والولاية، ونحن معدن الحكمة وباب الرحمة ونحن كلمة التقوى والمثل الاعلى والحجة العظمى والعروة الوثقى، التي من تمسك بها نجاه » (1).
وعن محمد بن سنان عن ابن عباس قال : كنا عند رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) فأقبل علي ابن أبي طالب(علیه السلام) فقال له النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)«مر حباً بمَن خلقه الله قبل ابيه آدم بأربعين ألف سنة » .
قال : فقلنا يا رسول الله أكان الابن قبل الاب ؟
فقال : نعم ان الله خلقني وعلياً من نور واحد قبل خلق آدم بهذه المدة، ثم قسمه نصفين، ثم خلق الاشياء من نوري ونور علي ثم جعلنا عن يمين العرش فسيحنا فسبحت الملائكة وهللنا فهللوا وكبرنا فكبر فكل من سبح الله وكبره فان ذلك من تعليمي وتعليم علي» (2).
ومن ذلك ما رواه محمد بن علي بن بابويه مرفوعاً الى عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أمير المؤمنين (عليهم السلام ) انه قال: ان الله خلق نور محمد قبل خلق المخلوقات كلها بأربعمائة ألف سنة وأربعة وعشرين ألف سنة، خلق منه اثني عشر حجاباً (3).
قال الحافظ والمراد بالحجب الأئمة، فهم الكلمة التي تكلم الله بها ، ثم ابدى منها سائر الكلم، والنعمة التي أفاضها وأفاض منها سائر النعم والأمة التي أخرجها وأخرج منها سائر الأمم، ولسانه المعبر عنه ويده المبسوطة بالفضل والكرم وقوامه على عباده بالحكم والحكم.(4).
وعن أبي حمزة الشمالي قال : دخلت حبابة الوالبية على أبي جعفر(علیه السلام) فقالت: أخبرني اي شيء كنتم في الاظلة ؟ قال(علیه السلام) : كنا نوراً بين يدي الله قبل خلقه الخلق، فلما خلق الخلق سبحنا فسبحوا، وهللنا فهللوا وكبرنا فكبروا» (5).
وقال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) كما أخرجه الخوارزمي واحمد بسند صحيح خلق الله تعالى روحي وروح علي بن أبي طالب قبل ان يخلق آدم بألفي ألف عام (6).
وعن سلمان الفارسي: قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره ودعاني فأطعته، وخلق من نوري نور علي(علیه السلام) فدعاه الى طاعته فأطاعه وخلق من نوري ونور علي فاطمة (عليها السلام) فدعاها فأطاعته، عته، وخلق مني ومن علي وفاطمة الحسن والحسين فدعاهما فأطاعاه، فسمانا الله بخمسة اسماء من اسمائه قالله المحمود وانا محمد والله العلي وهذا علي والله فاطر وهذه فاطمة والله الاحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين، ثم خلق منا ومن نور الحسين(علیه السلام) تسعة ائمة فدعاهم فأطاعوا قبل ان يخلق الله سماءً مبنية أو ارضاً مدحية أو هواء أو ماء أو ملكاً أو بشراً، وكنا يعلمه انواراً نسبحه ونسمع ونطيع ) (7).
المجلسي (قدس سره)، والظاهر أنّه أخذه من خبر، ولكنّه لا تكافؤ الأخبار الكثيرة المسندة، ومع صحته يمكن الجمع بحمل أوّلية الماء على التقدم الإضافي بالنسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التي يدركها جميع الخلق، فإذا الهواء ليس منها ، ولذا أنكر وجوده جماعة (1).
وقيل : أول المخلوقات النّار، وفي بعض الأخبار أنّ أول ما خلق الله النور (2). كما في (العيون) و(العلل) في خبر الشّامي عن الرّضا الشامي عن الرضا(رضی الله عنه) أنه سأل رجل من أهل الشام أمير المؤمنين (رضی الله عنه) عن مسائل، فكان فيما سأله أن سأله عن أوّل ما خلق الله قال(رضی الله عنه) : خلق النور» ، الحديث.
وفي بعضها نور النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وفي بعضها نوره مع أنوار الأئمة عليهم السّلام كما في رواية جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أوّل ما خلق الله نوري، ففتق منه نور علي(رضی الله عنه)ثم خلق العرش واللوح والشمس وضوء النهار ونور الأبصار والعقل والمعرفة الخبر (3).
وفي بعض الأخبار العاميّة أوّل ما خلق الله ،روحي وفي بعضها أيضاً أوّل ما خلق الله العقل وفي بعضها أوّل ما خلق الله القلم(4).
أقول : ويمكن الجمع بينها بأن تكون أوّلية الماء بالنسبة إلى العناصر والأفلاك، وأوّلية القلم بالنّسبة إلى جنسه من الملائكة، وبأولية نور النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وروحه الأولية الحقيقية، بل يمكن أن يقال : إن المراد بالعقل والنور والقلم في تلك الأخبار هو نوره سلام الله عليه .
قال بعض العارفين في شرح الحديث الأول من أصول الكافي) وهو ما رواه من أبي جعفر(رضی الله عنه): قال : لمّا خلق الله العقل استنطقه ثم قال له أقبل فأقبل ثم قال له : أدبر فأدبر الحديث ما لفظه .
إعلموا أيها الإخوان السالكون إلى الله يقدم العرفان أن هذا العقل أوّل المخلوقات وأقرب المجعولات إلى الحق الأول وأعظمها وأتمها وثاني الموجودات في الموجودية، وإن كان الأول تعالى لا ثاني له في حقيقته، لأن وحدته ليست عددية من جنس الوحدان، وهو المراد فيما ورد في الأحاديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله في رواية: أوّل ما خلق
الله العقل وفي رواية أوّل ما خلق الله ،نوري، وفي رواية أوّل ما خلق الله روحي، وفي رواية أوّل ما خلق الله القلم، وفي رواية أوّل ما خلق الله ملك كروبي، وهذه كلها أوصاف ونعوت لشيء واحد باعتبارات مختلفة، فبحسب كل صفة يسمّى باسم آخر، فقد كثرت الأسماء والمسمّى واحد ذاتاً ووجوداً، إلى أن قال : وهذا الموجود حقيقته حقيقة الروح الأعظم المشار إليه بقوله تعالى :
«قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي » [الإسراء : 85] وقوله تعالى: «لَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْ»[الأعراف :54]
وإنّما سمّي بالقلم لأنّه واسطة الحق في تصوير العلوم والحقائق على الألواح النفسانية
القضائية ،والقدرية، ولكونه وجوداً خالصاً عن ظلمة التجسّم والتحجب، وعن ظلمات النقائص والإعدام يسمّى نوراً ، إذ النّور هو الوجود، والظلمة هي العدم، وهو ظاهر لذاته مظهر لغيره. ولكونه أصل حياة النفوس العلوية والسفلية يسمّى روحاً وهو الحقيقة المحمدية عند أعاظم الصوفية ،ومحققيهم، لكونه كمال وجوده الذي منه يبتدأ وإليه يعود، انتهى كلامه ملخصاً.
فقد تحقّق مما ذكره، وما ذكرناه أنّ الصادر الأول هو نور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد استفاض به الأخبار عن النبي وأهل البيت (عليهم السّلام).
فمنها ما في (البحار) عن (الكافي) بإسناده عن محمد بن سنان قال كنت عند أبي جعفر الثاني (رضی الله عنه)، فأجريت إختلاف الشيعة فقال : يا محمد إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء وأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى، ثم قال يا محمد : هذه الديانة التي من تقدّمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد (1).
ومنها ما في البحار) أيضاً عن مصباح الأنوار»: بإسناده عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنّ الله خلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق آدم، حين لا سماء مبنيّة ولا أرض مدحيّة ولا ظلمة ولا نور ولا شمس ولا قمر ولا جنّة ولا
1) الكافي: 441/1 ح 5، وحلية الأبرار: 18/1.
نار فقال العبّاس : فكيف كان بدو خلقكم يا رسول الله ؟ فقال يا عمّ: لما أراد الله خلقنا تكلّم بكلمة خلق منها نوراً ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها ،روحاً، ثم خلط النور بالروح فخلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فكنا نسبحه حين لا تسبيح، ونقدّسه حين لا تقديس»
« فلما أراد الله أن ينشأ خلقه فتق نوري فخلق منه العرش، فالعرش من نوري، ونوري من نور الله ونوري أفضل من نور العرش» .
«ثم فتق نور أخي عليّ فخلق منه الملائكة، فالملائكة من نور علي، ونور علي من نور الله، وعليّ أفضل من الملائكة »
«ثم فتق نور ابنتي فاطمة فخلق منه السماوات والأرض، فالسماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة ونور ابنتي فاطمة من نور الله، وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والأرض».
ثم فتق نور ولدي الحسن، وخلق منه الشمس والقمر، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن ونور الحسن من نور الله والحسن أفضل من الشمس والقمر».
«ثم فتق نور ولدي الحسين، فخلق منه الجنّة والحور العين فالجنّة والحور العين من نور ولدي الحسين ونور ولدي الحسين من نور الله وولدي الحسين أفضل من الجنّة والحور العين» (1).
ومنها ما فيه أيضاً عن أبي الحسن البكري أستاذ الشهيد الثاني طاب ثراه في كتاب «الأنوار» عن أمير المؤمنين (رضی الله عنه) أنّه قال : كان الله ولا شيء معه، فأوّل ما خلق الله نور محمد له قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسّماوات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحوّاء بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام» .
فلمّا خلق الله نور نبينا محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) يبقي ألف عام بين يدي الله عز وجل واقفاً يسبح ويحمده والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول : يا عبدي أنت المراد والمريد وأنت خيرتي من خلقي وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت الأفلاك، من أحبك أحببته، ومن أبغضك أبغضته فتلألأ نوره وارتفع شعاعه فخلق الله منه اثني عشر حجاباً .
أولها حجاب القدرة، ثم حجاب العظمة، ثم حجاب العزة، ثم حجاب الهيبة، ثم حجاب ،الجبروت ثم حجاب الرّحمة ، ثم حجاب النبوة، ثم حجاب الكبرياء ثم حجاب المنزلة، ثم حجاب الرّفعة، ثم حجاب السعادة، ثم حجاب الشّفاعة (2).
ثم إنّ الله أمر نور رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدخل في حجاب القدرة؛ فدخل وهو يقول: سبحان العليّ الأعلى، وبقي ذلك اثنا عشر ألف عام.
ثم أمره أن يدخل في حجاب العظمة، فدخل وهو يقول سبحان عالم السر وأخفى أحد عشر ألف عام.
ثم دخل في حجاب العزّة وهو يقول: «سبحان الملك المنّان عشرة آلاف عام».
ثم دخل في حجاب الهيبة وهو يقول:« سبحان من هو غني لا يفتقر تسعة آلاف عام».
ثم دخل في حجاب الجبروت وهو يقول:« سبحان الكريم الأكرم ثمانية آلاف عام».
ثم دخل في حجاب الرحمة وهو يقول: «سبحان ربّ العرش العظيم سبعة آلاف عام».
ثم دخل في حجاب النبوّة وهو يقول: «سبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون ستة آلاف عام».
ثم دخل في حجاب الكبرياء وهو يقول: سبحان العظيم الأعظم خمسة آلاف عام.
ثم دخل في حجاب المنزلة وهو يقول : «ثسبحان العليم الكريم أربعة آلاف عام» .
ثم دخل في حجاب الرّفعة وهو يقول: سبحان ذي الملك والملكوت ثلاثة آلاف
ثم دخل في حجاب السعادة وهو يقول: «سبحان من يزيل الأشياء ولا يزال ألفي عام».
ثم دخل في حجاب الشّفاعة وهو يقول: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ألف عام» (1).
قال الإمام علي بن أبي طالب(رضی الله عنه) ثم إنّ الله خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم عشرين بحراً من نور في كل بحر علوم لا يعلمها إلا الله، ثم قال لنور محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) : انزل في بحر العزّ، ثم في بحر الخشوع، ثم في بحر التواضع، ثم في بحر الرّضا، ثم في بحر الوفاء، ثم في بحر الحلم، ثم في بحر التقى، ثم في بحر الخشية، ثم في بحر الإنابة، ثم في بحر العمل، ثم في بحر المزيد ثم في بحر الهدى، ثم في بحر الصيام ثم في بحر الحياء، حتّى تقلب في عشرين بحراً».
1) البحار (28/15 ، و 199/54 ح 145 .
فلمّا خرج من تلك الأبحر قال الله: يا حبيبي ويا سيد رسلي ويا أوّل مخلوقاتي ويا آخر رسلي أنت الشفيع يوم المحشر»، فخرَّ النّور ساجداً، فقطرت منه قطرات كان عددها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف قطرة، فخلق الله من كل قطرة من نوره نبياً من الأنبياء.
فلمّا تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كما تطوف الحجاج حول بيت الله الحرام، وهم يسبحون الله ويحمدونه ويقولون : سبحان من هو عالم لا يجهل سبحان من هو حليم لا يعجل سبحان من هو غني لا يفتقر.
فناداهم الله تعرفون من أنا؟ فسبق نور محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) قبل الأنوار، ونادى أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ربّ الأرباب وملك الملوك، فإذا بالنداء من قبل الله الحق أنت صفتي وأنت حبيبي وخير خلقي أُمتك خير أمة أخرجت للنّاس .
ثم خلق من نور محمد جوهرة وقسمها قسمين، فنظر إلى القسم الأول بعين الهيبة فصار ماءً عذباً، ونظر إلى القسم الثاني بعين الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء، فخلق الكرسي من نور العرش، وخلق من نور الكرسي اللوح، وخلق من نور اللّوح القلم، وقال له اكتب توحيدي فبقي القلم ألف عام سكران من كلام الله ، فلما أفاق قال : اكتب قال : يا رب وما أكتب؟ قال: أكتب لا إله إلا الله محمّد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) فلمّا رسول الله فلما سمع القلم إسم محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) خرَّ ساجداً وقال : سبحان الواحد القهار سبحان العظيم الأعظم، ثم رفع رأسه من السّج السجود وكتب لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، ثم قال: يا ربّ ومن محمد الذي قرنت اسمه باسمك وذكره بذكره؟ قال الله تعالى يا قلم فلولاء ما خلقتك ولا خلقت خلقي إلا لأجله فهو بشير ونذير وسراج منير وشفيع وحبيب، فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) و قال القلم : السّلام عليك يا رسول الله فقال الله تعالى : وعليك السّلام منّي ورحمة الله وبركاته، فلأجل هذا صار السّلام سنّة والرّد فريضة.
ثم قال الله تعالى : أكتب قضائي وقدري وما أنا خالقه إلى يوم القيامة، ثم خلق الله ملائكة يصلّون على محمّد وآل محمد ويستغفرون لأمته إلى يوم القيامة، ثم خلق الله من نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجنّة وزيّنها بأربعة أشياء : التعظيم، والجلالة، والسخاء، والأمانة، وجعلها لأوليائه وأهل طاعته.
ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت فخلق من دخانها السماوات ومن زبدها الأرضين، فلما خلق الله تعالى الأرض صارت تموج بأهلها كالسفينة فخلق الله الجبال فأرساها بها .
ثم خلق ملكاً من أعظم ما يكون في القوّة، فدخل تحت الأرض، ثم لم يكن لقدمي
الملك قرار فخلق الله تعالى صخرة عظيمة وجعلها تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخّرة ،قرار فخلق لها ثوراً عظيماً لم يقدر أحد أن ينظر إليه لعظم خلقته وبريق عيونه، حتى لو وضعت البحار كلّها في إحدى منخريه ما كانت إلا كخردلة ملقاة في أرض فلاة، فدخل الثور تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه واسم ذلك الثور (الهوتا)، ثم لم يكن لذلك الثور قرار، فخلق الله حوتا عظيماً واسم ذلك الحوت (بهموت)، فدخل الحوت تحت قدمي الثور فاستقرّ الثّور على ظهر الحوت.
فالأرض كلّها على ظهر الملك والملك على الصخرة، والصخرة على الثور، والثّور على الحوت والحوت على الماء، والماء على الهواء والهواء على الظلمة، ثم انقطع علم الخلائق عمّا تحت الظلمة .
ثم خلق الله تعالى العرش من ضيائين أحدهما الفضل، والثاني العدل، ثم أمر الضيائين فانتفسا بنفسين، فخلق منهما أربعة أشياء : العقل والحلم والعلم، والسّخاء.
ثم خلق من العقل الخوف وخلق من العلم الرّضا ومن الحلم المودّة، ومن السّخاء المحبّة، ثم عجن هذه الأشياء في طينة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) ، ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنين من أمة محمد ، ثم خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة من نور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فلمّا تكاملت الأنوار سكن نور محمّد تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى الجنّة فبقي سبعين ألف عام ثم انتقل إلى سدرة المنتهى فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى السماء السابعة، ثم إلى السماء السادسة، ثم إلى السماء الخامسة، ثم إلى السماء ،الرابعة، ثم إلى السماء ،الثالثة ثم إلى السماء ،الثانية ثم إلى السماء الدنيا، فبقي نوره في السماء الدنيا إلى أن أراد الله أن يخلق آدم ، الحديث (1).
أقول : دلالة هذا الحديث على كون نور النبي أول المخلوقات ظاهرة، وأما الفقرات الباقية فأكثرها من قبيل المتشابهات واللازم ردّ علم ذلك إلى الأئمة (عليهم السّلام) .
ومنها ما رواه أيضاً من رياض الجنان بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر(رضی الله عنه) قال: قال لي يا :جابر كان الله ولا شيء غيره ولا معلوم ولا مجهول، فأوّل ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظلّة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس
1) بطوله في البحار : 26/15 - 31 - 48 ، والحديث له تتمة في البحار.
ولا ،قمر يفصل نورنا من نور ربّنا كشعاع الشمس من الشمس نسبح الله ونقدّسه ونحمده ونعبده حق عبادته ».
ثم بدأ الله بخلق المكان، لخلقه وكتب على المكان لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ،ووصيه به أيدته ونصرته، ثم خلق الله العرش، فكتب على سرادقات العرش مثل ذلك، ثم خلق الله السماوات فكتب على أطرافها مثل ذلك، ثم خلق الله الجنّة والنار فكتب عليهما مثل ذلك .
ثم خلق الملائكة وأسكنهم السّماء، ثم خلق الهواء فكتب عليه مثل ذلك ثم خلق الجن وأسكنهم الهواء، ثم خلق الأرض فكتب على أطرافها مثل ذلك، فبذلك يا جابر قامت السماوات بغير عمد وثبتت الأرض».
ثم خلق الله آدم من أديم الأرض .... إلى أن قال (رضی الله عنه): «فنحن أوّل خلق الله وأوّل خلق عبد الله ،وسبّحه ونحن سبب الخلق وسبب تسبيحهم وعبادتهم من وعبادتهم من الملائكة والآدميين» (1).
ومنها ما فيه عنه أيضاً عن جابر بن عبد الله قال : قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أول شيء ، خلق الله ما هو؟ فقال" نور نبيك يا جابر خلقه الله ، ثم خلق منه كل خير»، الحديث (2). .
إلى غير ذلك من الأخبار ممّا يطلع عليها المتتبع المجد ويأتي بعضها في تضاعيف الكتاب عند شرح بعض الخطب المناسبة لذلك، والله الموفق.
أنّه لم يذكر(رضی الله عنه) كيفية خلقة الأرض ولم يعلم أن خلقها هل هو قبل السماء أو بعدها، ولعلّ عدم ذكره (رضی الله عنه) نظراً إلى أن مقصوده(رضی الله عنه) إظهار عظمته سبحانه وبیان رشحات قدرته وكماله.
ولما كان أمر عالم الأمر والملكوت أظهر في الدّلالة على ذلك المقصود وأوفى بالنسبة إلى عالم العناصر والناسوت، خصصها بالذكر لذلك وإن كان في عالم العنصر والشهادة أيضاً في نفسه من شواهد الربوبية وأدلة القدرة ما لا يحيط بها حدّ ولا يضبطها عد بل في جزئي من جزئيات ذلك العالم من الأسرار الإلهية ما يعجز عنه إدراك القوى البشرية قال سبحانه :
«إن في خَلْقِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ الناس وما أنزل الله مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» [البقرة: 164] .
ويأتي الإشارة إلى بعض آيات القدرة وآثار التدبير في الحكمة في عالم العناصر من الأرض وغيرها في شرح خطبة الأشباح، وهي الخطبة التسعون .
وكيف كان فيشهد بما ذكرنا من عظم ملكوت السماوات وكونها من أعظم الآيات أنّ الأرض والبحار والجبال وكلّ جسم من عالم الشهادة بالإضافة إلى السماوات كقطرة في بحسب الكمية والمساحة فقط، بل بحسب الكيفية أيضاً، أعني شرافة الوجود وقوة الفعلية كما بحسب الكمية على النّسبة المذكورة.
ولذلك ذكر الإمام (رضی الله عنه) أمر السماوات في كثير من كلماته الآتية، وعظم الله أمرها وأمر النجوم في الآيات القرآنية، فكم من آية ذكرها الله فيها بل قيل ما من سورة من الطوال وأكثر القصار إلا ويشتمل على تفخيمها في مواضع وكم من قسم أقسم الله بها في القرآن كقوله :
«وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَنَكَ مَا الطَّارِقُ إِنَّهُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ » [الطارق : 1 - 3].
وقوله : «وَالشَّمْسِ وَضُمَهَا وَالْقَمَرِ إِذَا ثَلَيْهَا » [الشمس : 1 - 2] وقوله: «فَلا أُقْسِمُ بِالنَّس الجَوَارِ الكنيس » [ التكوير : 15 - 16] وقوله «فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ أَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ» [الواقعة: 75 - 76] .
فكيف ظنك بما أقسم الله به وأحال الأرزاق إليها، فقال: « وفي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ » [الذاريات : 22] .
وأثنى على المتفكرين فيه فقال :
«وبتفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» [آل عمران : 191] .
وأمر بالنظر إليه والتفكر فيه في كثير من الآيات، وذم المعرضين عنه ، فقال : «وجعلنا السَّمَاءَ سَقْنَا تَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ ايْهَا مُعْرِضُونَ » [الأنبياء : 32].
فأي نسبة لجميع البحار والأرض والهواء إلى السماء، وهذه متغيرات على القرب وهي صلاب شداد محفوظات إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ولذلك سمّاها الله تعالى محفوظاً، وقال :
« وجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا تَحْفُوظًا » [الأن- ياء 32] وقال: «وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنٍ رَّجِيم » [الحجر: 17] وقال أيضاً: «وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا » [النبأ: 12] وقال : «أَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء » [النازعات : 27] .
ثم إنّ الله زيّنها بمصابيح:
«وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَاةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ » [الملك: 5] «وبالقمر: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ» [القمر: 1] وبالشمس «وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا» وبالعرش «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » [النمل: 26] ، وبالكرسي «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ » [البقرة : 255] وباللّوح «فِي لَوْ تَحْفُوظ » وبالقلم« نَ والقلم» وبالقضاء «فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ» وبالقدر «قَدَّرَهُ مَنَازِلَ» وبالوحي والأمر «وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا» [فصلت: 12] وبالحكمة حيث ذكر أنّ خلقها مشتمل على غايات صحيحة وأغراض عظيمة :
« وما خلقنا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بينهما بطلا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا » [نوح: 16].
وجعلها أيضاً مصعد الأعمال ومهبط الأنوار، وقبلة الدّعاء، ومحل الضياء والسناء، وجعل ألوانها أحسن الألوان وهو المستنير، وأشكالها أحسن الأشكال وهو المستدي ونجومها رجوماً للشياطين وعلامات يهتدي في ظلمات البر والبحر .
«وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ » [النحل : 16] .
وقيّض للشّمس ،طلوعها، فسهّل معه التقلب بقضاء الأوطار في الأقطار، وغروباً يصلح معه الهدوّ والقرار فى الأكناف لتحصيل الرّاحة وانبعاث القوّة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء.
وأيضاً لولا طلوع الشمس لا نجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة، فأورثت جمود الحرارة ،الغريزية، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى تحترق كلّ من عليها من إنسان وحيوان، فهي بمنزلة سراج واحد يوضع لأهل كل بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرتفع عنهم ليستقروا ويستريحوا فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض.
وأما ارتفاع الشمس وانحطاطها، فقد جعله الله سباً لإقامة الفصول الأربعة.
وأمّا القمر فهو تلو الشَّمس وخليفتها، وبه يعلم عدد السنين والحساب، ويضبط المواقيت الشّرعيّة، ومنه يحصل النّماء والرّواء، وقد جعل الله في طلوعه وغروبه مصلحة، وكذا في تشكلاته المختلفة سائر أحواله من الإستقامة والسرعة والبطوء كما فصل في محله .
وكيف كان فالمقصود الأصلي في المقام بيان كيفية خلقة الأرض، وأنّها ممّ خلقت
وأنّ إيجادها هل هو قبل السماء أو بعدها .
أما الأول : فالمستفاد من الأخبار أن أصلها زبد الماء الذي خلقه الله في الهواء، وهو الزّبد الذي أشار إليه الإمام(رضی الله عنه) بقوله : فرمى بالزبد ،ركامه والأخبار في هذا المعنى كثيرة قريبة من التواتر ويأتي جملة منها في ذيل المقام.
ويشهد به أيضاً ما عن تفسير الإمام(رضی الله عنه) قال : قال أمير المؤمنين (رضی الله عنه): قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله عزّ وجلّ : «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشام» [البقرة: 22] .
«إنّ الله عزّ وجلّ لمّا خلق الماء فجعل عرشه عليه قبل أن يخلق السّماوات والأرض وذلك قول الله عزّ وجلّ :
«وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ »[هود : 7] .
يعني وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض، فارسل (الله) الرّياح على الماء فبخر(1). الماء من ،أمواجه، فارتفع عنه الدّخان وعلا فوق الزبد، فخلق من دخانه السماوات السبع، فخلق من زبده الأرضين السبع، فبسط الأرض على الماء وجعل الماء على الصفاء والصفاء على الحوت والحوت على الثور، والثور على الصخرة التي ذكرها لقمان لابنه فقال:
«يبنى إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بها الله» [لقمان: 16].
والصخرة على القرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله .
فلما خلق الله الأرض دحاها من تحت الكعبة، ثم بسطها على الماء، فأحاطت بكلّ شيء .
ففخرت الأرض، وقالت: أحطت بكلّ شيء فمن يغلبني؟ وكان في كلّ أذن من آذان الحوت سلسلة من ذهب مقرونة الطرف بالعرش، فأمر الله الحوت فتحركت، فتكفأت الأرض بأهلها كما تكفى السفينة على الماء قد اشتدت أمواجه، ولم تستطع الأرض الامتناع .
ففخرت الحوت وقالت : غلبت الأرض التي أحاطت بكلّ شيء فمن يغلبني؟ فخلق الله عزّ وجلّ الجبال، فأرساها وثقل الأرض بها، فلم تستطع الحوت أن تتحرك.
1) في نسخة : فتبخر، وفي البحار فتفجر.
ففخرت الجبال وقالت غلبت الحوت التي غلبت الأرض فمن يغلبني؟ فخلق الله عزّ وجلّ ،الحديد، فقطعت به الجبال ولم يكن عندها دفاع ولا امتناع.
ففخر الحديد وقال : غلبت الجبال التي غلبت الحوت فمن يغلبني؟ فخلق الله عزّ وجلّ النار فألانت الحديد وفرّقت أجزائه ولم يكن عند الحديد دفاع ولا امتناع.
ففخرت النّار وقالت : غلبت الحديد الذي غلبت الجبال فمن يغلبني؟ فخلق الله عزّ وجلّ الماء فأطفأ النّار ولم يكن عندها دفاع ولا امتناع.
ففخر الماء وقال : غلبت النار التي غلبت الحديد فمن يغلبني؟ فخلق الله عزّ وجلّ الرّيح، وغلبت الماء، فأيبست الماء .
ففخرت الرّيح وقالت: غلبت الماء الذي غلب النّار فمن يغلبني؟ فخلق الله عزّ وجلّ الإنسان، فصرف الرّيح عن مجاريها بالبنيان.
ففخر الإنسان وقال : غلبت الربح التي غلبت الماء فمن يغلبني؟ فخلق الله عزّ وجلّ ملك الموت فأمات الإنسان.
ففخر ملك الموت وقال : غلبت الإنسان الذي غلب الرّيح فمن يغلبني ؟ فقال الله عزّ وجلّ أنا القهار الغلاب الوهاب أغلبك وأغلب كل شيء فذلك قوله :
«وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ » [هود : 123] .
فإن قيل : المذكور في هذه الرواية وكذا الرّوايات الآتية من خلق الأرض من الزبد ينافي ظاهراً رواية الكافي» التي رواها عن محمد بن مسلم قال: قال لي أبو جعفر (رضی الله عنه) كان كلّ شيء ماء، وكان عرشه على الماء، فأمر الله عزّ وجلّ الماء فاضطرم ناراً، ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله السّماوات من ذلك الدّخان وخلق الأرض رض من الرّماد ، ثم اختصم الماء والنّار والرّيح فقال الماء: أنا جند الله الأكبر، وقال الريح : أنا جند جند الله الأكبر، وقالت النار أنا جند الله الأكبر، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى الرّيح أنت جندي الأكبر. فإنّ المذكور في هذه الرواية خلقة الأرض من الرّماد (1).
قلت : يمكن الجمع بينها بما قاله المجلسي وهو أن يكون الرّماد أحد أجزاء الأرض مزج بالزيد، ووقي الزبد بذلك المزج وتصلب، أو يكون المراد بالأرض المخلوق من الرماد بقيّة الأرض التي حصلت بعد التحو، والله العالم.
1) بطوله في البحار : 7389/54 ، وتفسير الإمام العسكري : 144 .
وأما الثاني : فالأشهر الأظهر هو أن خلق الأرض قبل السماء، وقيل بالعكس ولا يعبأ به مع دلالة ظواهر الآيات وقيام الأخبار المستفيضة على خلافه.
أما الآيات فقد قال تعالى في سورة البقرة:
«وهُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة : 29] وفي سورة فصلت : قُلْ أَنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءَ لِلسَّابِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهيَ دُخَانُ فَقَالَ لَهَا وَالْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتيْنا طائعِينَ فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتِ» [فصلت : 9 - 12] الآية .
قال الزمخشري في تفسيره) : قوله : ثم استوى إلى السماء والمعنى دعاء داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من صارف يصرفه عن ذلك وهي دخان قیل كان عرشه قبل خلق السماوات والأرض على الماء، فأخرج من الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء وعلا عليه فأيبس الماء فجعله أرضاً واحدة ثم فتقها وجعلها أرضين، ثم خلق السماء
من الدّخان المرتفع، انتهى .
وروى في مجمع البيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «إن الله خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق الشجر والماء والعمران والخراب يوم الأربعاء، فتلك أربعة أيام، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة وآدم» هذا (1).
وأما قوله تعالى في سورة النازعات :
«وأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَهَا رَفَعَ سَمَكَهَا فَسَوَّنَهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَتهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحنها » النازعات: 27 - 30]
فلا يدل على خلقة الأرض بعد السّماء كما توهمه بعض الملاحدة وأورد عليها بأنها منافية للآيات السابقة، إذ المستفاد منها كون دحو الأرض بعد خلق السماء، وهو لا ينافي تقدّم خلق أصل الأرض على السماء .
قال الطبرسي قال ابن عباس: إنّ الله تعالى دحى الأرض بعد السماء، وإن كانت الأرض خلقت قبل السّماء، وكانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها(2)
وربّما أجيب بأن كلمة بعد ليست للتأخر الزماني، وإنّما هو على جهة تعداد النّعم والأذكار لها، كما يقول القائل : أليس قد أعطيتك وفعلت بك كذا وكذا، وبعد ذلك وددتك، وربما يكون بعض ما تقدّم في اللفظ متأخراً بحسب الزمان لأنّه لم يكن الغرض الأخبار عن الأوقات والأمكنة، بل المراد ذكر النّعم والتنبيه عليها، وربما اقتضت الحال إيراد الكلام على هذا الوجه .
وأما الأخبار فهي كثيرة منها ما في (البحار) عن (الكافي) بإسناده عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر(رضی الله عنه) ؛ قال : إنّ الله عزّ وجلَّ خلق الجنّة قبل أن يخلق النار، وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية، وخلق الرّحمة قبل الغضب، وخلق الخير قبل الشر وخلق الأرض قبل السّماء، وخلق الحياة قبل الموت، وخلق الشمس قبل القمر، وخلق النور قبل أن يخلق الظلمة»
قال المجلسي (قدس سره) بعد ذكر الحديث : لعلّ المراد بخلق الطاعة تقديرها، بل الظاهر في الأكثر ذلك الخلق بمعنى التقدير وهو شائع المراد بخلق الشّر خلق ما يترتب عليه الشر ظاهراً، وإن كان خيره غالباً ووجوده صلاحاً(1).
ومنها ما فيه أيضاً كالصافي عن علي بن إبراهيم القمي عن الصادق(رضی الله عنه) فی جواب الأبرش حيث سأله عن قول الله عزّ وجلَّ:
« أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا » [الأنبياء : 30] .
وقال : أخبرني فما كان رتقهما وما كان فتقهما ؟ فأجاب(رضی الله عنه) بقوله : هو كما وصف نفسه كان عرشه على الماء، والماء على الهواء، والهواء لا يحدّ، ولم يكن يومئذ خلق غيرهما، والماء يومئذ عذب فرات، فلما أراد الله أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجاً ، ثم أزيد فصار زبداً واحداً، فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلاً من زبد ثم دحى الأرض من تحته فقال الله تبارك وتعالى :
«إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَاركا » [آل عمران: 96].
ثم مكث الرّب تبارك وتعالى ما شاء، فلمّا أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزيدتها، فخرج من ذلك الموج والزّبد من وسطه دخان ساطع من غير نار فخلق الله منه السماء، وجعل فيها البروج والنجوم ومنازل الشَّمس والقمر وأجراها في الفلك وكانت السماء خضراء على لون الماء الأخضر، وكانت الأرض غبراء على لون الماء
1) البحار 99/54.
العذب، وكانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب وهو النّبت ولم تمطر السماء عليها فتنبت، ففتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنّبات، وذلك قوله : أولم ير الذين كفروا الآية، ونسب الشارح البحراني هذه الرّواية إلى الباقر (رضی الله عنه) ، ولعله اطلع على سند آخر عنه (رضی الله عنه) لم نقف عليه (1).
ومنها : رواية الرّوضة الآتية.
أنّ المستفاد من كلامه(رضی الله عنه) أنّ السّماء مخلوقة من الزّبد حيث قال ورمى بالزّبد ،کامه فسوى منه سبع سماوات (ا ه) لكن المستفاد سماوات، لكن المستفاد من آية السّجدة السالفة ومن تفسير الإمام عن أمير المؤمنين عن النبي صلوات الله عليهم في قوله: الذي جعل لكم الأرض فراشاً إلى آخر ما مرّ سابقاً، ومن رواية (الكافي) عن محمد بن مسلم التي أسلفناها أيضاً، ومن سائر الرّوايات الواردة في باب الخلقة: أنّ السّماء مخلوقة من الدّخان.
وجمع بينهما الشارح البحراني بقوله : فنقول : وجه الجمع بين كلامه (رضی الله عنه) وبين لفظ القرآن الكريم ما ذكر الباقر ((رضی الله عنه) ، وهو قوله فخرج من ذلك الموج والزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار فخلق منه السماء، ولا شك أن القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدّخان حقيقته، لأن ذلك إنّما يكون عن النّار، واتفق المفسّرون إلى أنّ هذا الدّخان لم يكن عن ،نار بل عن تنفّس الماء وتبخيره بسبب تموّجه، فهو إذن استعارة للبخار الصاعد من وإذا كان كذلك فنقول : إن كلامه(رضی الله عنه) مطابق للفظ القرآن، وذلك أنّ الزّبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته، إلا أنه ما دامت الكثافة غالبة عليه وهو باق على وجه الماء لم ينفصل، فإنّه يخص باسم الزبد، وما لطف وغلبت عليه الأجزاء الهوائية فانفصل خص باسم البخار، وإذا كان الزّبد بخاراً والبخار هو المراد في القرآن الكريم كان مقصده ومقصد القرآن الكريم واحداً، فكان البخار المنفصل هو الذي تكوّنت عنه السماوات، والذي لم ينفصل هو الذي تكوّنت عنه الأرض .
وأمّا وجه المشابهة بين الدخان والبخار الذي صحت لأجله إستعارة لفظه فهو أمران: أحدهما حسّي وهو الصورة المشاهدة من الدّخان والبخار حتى لا يكاد يفرّق بينهما في الحسن البصري والثاني معنوي وهو كوّن البخار أجراء مائية خالطت الهواء بسبب لطاقتها عن حرارة ،الحركة كما أنّ الدّخان كذلك ولكن عن حرارة النار فإنّ الدّخان أيضاً أجزاء
1) تفسير القمي : 69/2 ، وتفسير الصافي : 338/3 .
مائية انفصلت من جرم المحترق بسبب لطافتها عن حرّ النّار، فكان الاختلاف بينهما ليس إلا بالسبب، فلذلك صح إستعارة اسم أحدهما للآخر انتهى كلامه (قدس سره)(1).
أقول : هذا التوجيه وجيه جداً إلا أنّه ينافيه ما رواه الكليني في روضة الكافي» بإسناده عن محمد بن عطية، قال: جاء رجل إلى أبي جعفر (رضی الله عنه) من أهل الشام من علمائهم، فقال: يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت عليّ أن أجد أحداً يفسرها، وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كل صنف منهم شيئاً غير الذي قال الصنف الآخر، فقال له أبو جعفر (رضی الله عنه) : ما ذاك؟ قال : فإنّي أسألك عن أوّل ما خلق الله من خلقه فإنّ بعض من سألته قال القدر، وقال بعضهم : القلم وقال بعضهم : الرّوح ، فقال أبو جعفر (رضی الله عنه) : «ما قالوا شيئاً أخبرك أنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره، وكان عزيزاً ولا أحد كان قبل عزّه» ، وذلك قوله :
«سبحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ » [الصافات: 180] .
وكان الخالق قبل المخلوق، ولو كان أوّل ما خلق في خلقه الشيء من الشّيء إذا لم يكن انقطاع أبداً، ولم يزل الله إذا ومعه شيء ليس هو يتقدّمه ولكنه كان إذ لا شيء غيره وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه، فجعل نسب كلّ شيء إلى الماء ولم يجعل للماء نسباً يضاف إلى شيء، وخلق الرّيح من الماء ثم سلط الرّيح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زيد على قدر ما شاء أن يثور فخلق ذلك الزبد أرضاً بيضاء نقية ليس فيها صدع (2). ولا ثقت (3). ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة، ثم طواها فوضعها فوق الماء، ثم خلق النّار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدّخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا ثقب، وذلك قوله :
«السماء بنهَا ، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُهَا» [النازعات : 30] .
قال (رضی الله عنه): ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب، ثم طواها فوضعها فوق الماء ثم نسب الخليقتين(4). فرفع السماء قبل الأرض، فذلك قوله عزّ ذكره :
«وَالأَرْضَ بعد ذلك تحتها » [الأنبياء: 30].
يقول : بسطها قال: فقال له السّامي : يا أبا جعفر قول الله عزّ وجلّ :
«أولم ير الذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا » .
فقال أبو جعفر(رضی الله عنه) : فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقاً ملتزقتان ملتصقتان ففتقت إحداهما عن الأخرى، فقال: نعم، فقال أبو جعفر(رضی الله عنه) استغفر ربك، فإنّ قول الله عزّ وجلّ كانتا رتقا يقول كانت السماء رتقاً لا تنزل المطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت الحبّ، فلما خلق الله تبارك وتعالى الخلق وبثّ فيها من كل دابة، فتق السماء بالمطر والأرض بنبات الحبّ، فقال الشامي: أشهد أنك من ولد الأنبياء، وأن علمك علمهم عليهم السلام (1).
فإن المستفاد من الرّواية هذه أنّ الدخان متكون من النار، وهو المستفاد أيضاً من رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (رضی الله عنه) التي سبقت، حيث قال فيها : فأمر الله عزّ وجلّ الماء فاضطرم ناراً، ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق السماوات من ذلك الدخان، إلى آخر ما مرّ، فدعوى الشارح إتفاق المفسرين على عدم كون ذلك الدخان من نار مع قيام الأخبار على خلافه مما لا يلتفت إليها .
فإن قلت : فما تقول في رواية القمي المتقدمة عن الصادق(رضی الله عنه) ؟ حيث قال فيها : فخرج من ذلك الموج والزّبد دخان ساطع من وسطه من غير نار .
قلت: لا بدّ من تأويلها إما بأن يكون المراد بالنار غير النار المتعارفة المسبوقة إلى الأذهان، أو بوجه آخر من وجوه التأويل حتى تلائم الروايتين، وإلا فلا بد من طرحها ، لأنّ الروايتين مضافاً إلى كونهما أكثر عدداً معتضدتان بالإعتبار العقلي وظواهر آية السّجدة والأخبار، فلا تكافؤهما الرواية المذكورة، هذا.
والمقام بعد ذلك محتاج إلى التأمل لتوجيه الجمع بين كلامه (رضی الله عنه) الدال على خلق السماء من الزبد، وبين الآية والأخبار الأخرى، ويمكن التوجيه بإرجاع الضمير في قوله (رضی الله عنه) فسوى منه راجعاً إلى الماء، لأنّ النّار التي ثار منها الدّخان لما كانت مخلوقة من الماء حسبما دلت عليه الرّوايتان حسن استناد تسوية السماوات إليه فكان من قبيل إستناد إلى علته البعيدة، كما أسندت في غيره إلى الدّخان إستناداً إلى العلة القريبة، فتأمّل جيداً.
1) التوحيد للصدوق : 67 .
أنّ المستفاد من قوله(رضی الله عنه) : فسوّى منه سبع سماوات كون السماوات سبعاً، وهو ممّا لا ريب فيه ولا خلاف ويطابقه قوله تعالى في سورة البقرة :
«فَسَوَّنَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتِ » [البقرة : 29] وفي سورة السجدة «فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتِ» [فصلت: 12] وفي سورة النبأ : «وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا » [النبأ: 12] .
وإنما خالف بعض من لا يعبأ به في الأرض وأنكر كونها سبعاً، وهو شاذ ضعيف لا يلتفت إليه بعد دلالة ظاهر الآية على خلافه، قال سبحانه في سورة الطلاق:
«اللهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ » [الطلاق: 12] .
وتأويلها بالأقاليم السبعة لا حاجة إليه، قال الطبرسي في تفسير الآية أي وفي الأرض خلق مثلهن في العدد لا في الكيفية، لأنّ كيفية السّماء مخالفة لكيفية الأرض، وليس في القرآن آية تدلّ على أنّ الأرضين سبع مثل السماوات إلا هذه الآية، ولا خلاف في السماوات وأنّها سماء فوق سماء، وأما الأرضون فقال قوم: إنّها أرضين طباقاً بعضها سبع فوق بعض كالسّماوات، لأنّها لو كانت مصمتة لكانت أرضاً واحدة وفي كل أرض خلق خلقهم الله كما شاء، وروى أبو صالح عن ابن عبّاس: أنّها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض يفرق بينهنّ البحار، ويظل جميعهنّ السّماء، والله أعلم بصحة ما استأثر بعلمه وخفي على خلقته انتهى هذا.
وروي في الأخبار المستفتية أن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ومن بين السماء إلى السماء كذلك، ومن هنا إلى السماء الدنيا مثلها، وهذه الأخبار صريحة في بطلان قول الحكماء بنفي الخلاء وذهابهم إلى أنّ الأفلاك ليس بينهما فرجة بل مقعر كل فلك فلك مماس لمحدّب الفلك الآخر، لأنه إذا كان بين كل منهما مسيرة خمسمائة عام فكيف يتصوّر الملاصقة والمماسة؟ فلا يلتفت إلى براهينهم العقلية التي أقاموها على ذلك.
وقد مرّ في رواية الروضة قول أبي جعفر (رضی الله عنه) للسّامي : استغفر ربك، فإنه لما كان معتقداً بمثل ما قاله الحكماء بالأخذ عن كتبهم أمره بالإستغفار، فيدل على تحريم هذا الاعتقاد وأمثاله فأبطل الملاصقة والالتزاق بينهما
أن قوله(رضی الله عنه) : «ثُمَّ زَيَّنَها بزينة الْكَواكِب».
قد بينا سابقاً أنّ الضمير فيه محتمل الرّجوع إلى السفلى والرّجوع إلى السماوات باعتبار
أن تزيين البعض تزيين الجميع، واللازم في المقام تحقيق محل الكواكب وتعيينه .
فأقول : الذي ذهب إليه أصحاب الهيئة بل ادّعى اتفاقهم عليه هو أن الثوابت كلها في الفلك الثّامن، وأمّا السّيارات فالمشهور أن القمر في الفلك الذي هو أقرب الينا ، ثم عطارد ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل وفوقها فلك الثوابت المسمّى بلسان الشرع بالكرسي، ثم فلك الأطلس الذي هو غير مكوكب ويسمّى في لسان الشرع بالعرش، واختار هذا المذهب في المقام الشّارح البحراني .
وذهب طائفة ومنهم السيد الجرائري والشارح المعتزلي إلى أنّها في السّماء الدنيا، ومال إليه شيخنا البهائي على ما عزي إليه، ويظهر من كلام الفخر الرازي ميله إليه أيضاً، وهو الأظهر.
لنا ظاهر قوله سبحانه في سورة الصّافات:
«إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنَا بِرِينَة الكَوكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ » [الصافات : 6 - 7] وفي سورة فصلت: «وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ » [فصلت: 12] وفي سورة الملك : «وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَاةَ الدُّنْيا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْتَها رُجُومًا لِلشَّطِين» [الملك: 5] .
وأمّا الأولون فقد استدلوا على مذهبهم في الثوابت وأنّها في الفلك الثّامن بما حكاه عنهم الرّازي في التفسير، قال عند الكلام على تفسير الآية الثالثة : واعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أنّ هذه الثوابت مركوزة في الفلك الثّامن الذي هو فوق اكبر ،السيارات واحتجوا عليه بأنّ بعض هذه الثوابت في الفلك الثامن فيجب أن تكون كلها هناك، وإنّما قلنا: إن بعضها في الفلك الثّامن، وذلك لأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات، فوجب أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة، وإنما قلنا : إن هذه الثوابت لمّا كانت في الفلك الثامن وجب أن تكون كلها هناك، لأنها بأسرها متحركة حركة واحدة بطيئة في كل مائة سنة درجة واحدة فلا بد وأن تكون مركوزة في كرة واحدة، وعلى مذهبهم في السيارات بأن زحل ينكسف بالمشتري فيكون ،فوقه والمشتري ينكسف بالمريخ فهو فوقه، وأما كون الشمس تحتها فلان لها اختلاف منظر دون العلوية، وأما الزهرة وعطارد جرم بكونهما تحت الشمس أو فوقها، إذ لا يكسفها غير القمر ولا يدرك كسفها لشيء من الكواكب لاحتراقها عند مقارنتها ولا يعرف لهما اختلاف منظر أيضاً لأنهما لا يبعدان عن الشمس كثيراً ولا يصلان إلى نصف النهار، والآلة التي يعرف بها اختلاف المنظر إنّما تنصب في سطح دائرة نصف النهار فحكموا بكونهما تحت الشمس استحساناً، لتكون متوسطة بين الستة بمنزلة شمسة القلادة.
وروي عن الشيخ ومن تقدّمه أنّه رأى الزهرة كشامة على وجه الشمس وبعضهم ادعى أنّه رآها وعطارد کشامتين عليها، وسمّيتا سفليّين لذلك كما يسمّى ما فوق الشمس علوية والزهرة منها فوق عطارد لانكسافها ،به والقمر تحت الكل لانكساف الكلّ به.
أقول : أما دليلهم في الثوابت فمضافاً إلى مخالفته لظواهر الآيات ضعيف في نفسه قال الرّازي في تفسير الآية الأولى بعد ذكر مذهب الحكماء إنا قد بيّنا في علم الهيئة أن الفلاسفة لم يتم لهم دليل في بيان أنّ هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن، ولعلنا شرحنا هذا الكلام في تفسير قوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح، وقال عند تفسيره بعد ذكر مذهبهم ودليلهم الذي حكيناه عنه آنفاً : واعلم أنّ هذا الإستدلال ،ضعيف، فإنّه لا يلزم من كون بعض الثوابت فوق السيارات كون كلّها هناك، لأنّه لا يبعد وجود كرة تحت كرة القمر وتكون في البطئ مساوية لكرة الثوابت، وتكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين مركوزة في هذه الكرة السفلية، إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون هذه المصابيح مركوزة في السماء الدنيا، فثبت أنّ مذهب الفلاسفة في هذا الباب ،ضعيف انتهى (1).
وأنت بعدما عرفت ضعف دليلهم فيما ذهبوا إليه مع عدم قيام برهان عقلي أو نقلي آخر عليه، تعرف أنّه لا وجه لتأويل الآيات الشريفة على ما يطابق مذهبهم، كما أوّلها الشارح البحراني حيث إنّه بعد اختياره مذهب الحكماء وذكره الأشكال فيه بتنافيه لظاهر الآية، أجاب بأنه لا تنافي بين ظاهر الآية وبين ما ذكرناه، وذلك أنّ السّماء الدنيا لما كانت لا تحجب ضوء الكواكب، وكانت أوهام الخلق حاكمة عند النظر إلى السماء ومشاهدة الكواكب بكونها مزينة بها، لا جرم صح قوله تعالى : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب، لأن الزينة بها إنّما هي بالنسبة إلى أوهام الخلق للسّماء الدنيا، انتهى كلامه.
والحاصل أنّ ظواهر الأدلة حجة لو لم يقم دليل على خلافه، ومع عدمه فالظاهر حجّة، ولا وجه لرفع اليد عنه، ولذلك قال الشارح المعتزلي : والواجب التصديق بما في ظاهر لفظ الكتاب العزيز .(2).
وأما دليلهم في السيارات فقد عرفت أنه غير واف بتمام مدعاهم لما ذكرنا من أنّ الترتيب الذي ادعوه في عطارد والزهرة وكونهما سفليين بالنسبة إلى الشمس وما فوقها مستند إلى مجرد الإستحسان، إلا أنّه لا بأس به، لعدم قيام دليل على خلافهم هنا، وإن هو إلا
كسائر أدلتهم المستندة إلى الحدس والرياضة في أبواب النّجوم والهيئة، لكن السيد الجزائري ادعى قيام الأخبار على خلاف ما ادعوه من الترتيب، ولكنّا بعد لم نظفر على تلك الأخبار الدالة على الخلاف صريحاً، بل قد مضى في شرح قوله : وضياء التواقب، عن الصادق(رضی الله عنه) ما يفيد كون زحل في السماء السابعة نعم في بعضها تلويح إلى ذلك، ولعله يأتي شطر منها في مقامها المناسب .
فإن قيل : على تقدير كون كلّ من السيارات في كل من السّماوات يكون كل واحد منها مزينة بكوكبها المركوز فيها، فما وجه التخصيص للزينة بالسماء الدنيا في الآية؟
قلت : لما كان الموجود على هذا التقدير في كل واحد منها واحد من الكواكب، وهو نادر في جنب سائر الكواكب الكثيرة الثّابتة في السماء الدنيا التي لا يعلم عددها إلا الله ،سبحانه لا جرم حسن تخصيصها بالذكر.
ويمكن الجواب بنحو آخر أولى، وهو أن المقصود في الآيات بيان كون الكواكب زينة وسبباً للحفظ من الشياطين معاً، والحفظ لمّا كان بهذه الكواكب الثابتة في هذه السماء، حسن التخصيص، والقول بتأتي الحفظ بالسيارات أيضاً ممّا يأتي عنه العقول المستقيمة، إذ مع وجود هذه الكواكب على قربها وكثرتها في هذه السّماء وحصول حفظها بها لا يحكم العقل السليم بأن ينقض كوكب من الفلك السابع مثلاً مع بعده ووحدته فيوجب الحفظ كما هو ظاهر.
فإن قيل : المستفاد ممّا ذكرت أنّ الشهب التي جعلت رجوماً للشياطين هي تلك الكواكب المزيّنة بها السماء، وهذا مشكل جداً لأنّ هذه الشهب تبطل ،وتضمحل، فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء، ومعلوم أنّ هذا المعنى لم يوجد البتة فإنّ أعداد كواكب السماء باقية على حالة واحدة من غير تغير البتة، وأيضاً جعلها رجوماً مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء، والجمع بين هذين المقصودين كالجمع بين المتنافيين.
قلنا : ليس معنى رجم الشياطين بالكواكب هو أنّهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمي الشياطين بها، وتلك الشعل هي الشهب، وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار، والنار باقية بحالها .
والعجب أنّ الشارح البحراني أجاب عن الإشكال المذكور باختيار أن الشهب غير تلك الثوابت الباقية، ثم قال فأما قوله : وزينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين، فنقول : كلّ مضيء حصل في الجو العالي أو في السماء فهو مصباح لأهل الأرض، إلا أنّ
تلك المصابيح منها باقية على طول الزمان وهو الثوابت ومنها متغيرة وهي هذه الشهب التي يحدثها الله ويجعلها رجوماً للشياطين، ويصدق عليها أنّها زينة للسماء أيضاً بالنسبة إلى أوهامنا، انتهى. وبمثل هذا أجاب الفخر الرازي أيضاً عند تفسير الآية الأولى.
ولكنّك خبير بمنافاته لظواهر الآيات خصوصاً الآية الثالثة، حيث إن الضمير في قوله: وجعلناها ،رجوماً راجع إلى المصابيح، والظاهر من المصابيح هي الكواكب بشهادة الآيتين الأوليين، ولا داعي إلى التأويل ورفع اليد عن الظاهر مع اندفاع الإشكال بما ذكرناه هذا ما أدى إليه الفهم القاصر في المقام، وتكلمنا على ما يقتضيه عقولنا القاصرة، والله العالم بحقائق ملكوت سمائه .
في الإشارة إلى بعض ما يتعلّق بالنيرين أعني الشمس والقمر اللتين أشار(رضی الله عنه) إليهما بقوله : (فأجرى فيها سراجاً مستطيراً، وقمراً منيراً، فإنّ لهما أحوالاً كثيرة من حيث القطر والحركة، وسرعتها وبطؤها، والخسوف والكسوف العارضين لهما، والكلف الحاصل في وجه القمر، وزيادة نور الشمس عليه، والحرارة الموجودة لها دون القمر إلى غير هذه من الحالات التي بحث عنها علماء الهيئة بحسب ما وصل إليها أوهامهم القاصرة، ومقصودنا في المقام بيان بعض الأحوال الطارئة عليهما حسب ما يستفاد من الآيات والأخبار المأثورة عن أهل العصمة والطهارة سلام الله عليهم .
فنقول : إنّهما من أجل كونهما من أعظم الآيات ولعظم ما يترتب عليهما من الثّمرات من إصلاح الأثمار والنباتات ومدخليتهما في ضبط السنين والحساب والأوقات وغير ذلك من المنافع الحاصلة منهما للعنصريات كرّر الله سبحانه ذكرهما في كثير من السور والآيات، وببالي أنه ينيف على عشرين قال سبحانه في سورة البقرة :«يستلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُ)» [البقرة: 189] .
إشارة إلى بعض منافع القمر الحاصلة فيه من حيث الزيادة والنقصان والطلوع والأقول، وهو أن الحكمة في ذلك أن يعرف النّاس معالم أمورهم، وأوقات عباداتهم الموظفة في حقهم، وقال في سورة يونس:
«هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر فُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عدد السنين و الحساب ما خلق الله ذلك إلا بِالْحَقِّ يُفصل الانتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » [يونس : 5] .
أي قّدر مسير كلّ واحد منهما منازل والضّمير راجع إلى خصوص القمر، وتخصيصه
بالذّكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علله بقوله : لتعلموا عدد السّنين والحساب، أي حساب الأوقات من الأشهر والساعات في التصرفات والمعاملات.
قيل : إنّ الحساب يبني على أربع مراتب الساعات والأيام والشهور، والسنون، فالعدد للسنين، والحساب لما دون وهي الشهور، والأيام والساعات، وبعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلا التكرار، كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب الآحاد والعشرات، والمئات، والألوف، وليس بعدها إلا التكرار ومعنى قوله :
«ما خلق الله ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ» [يونس : 5] .
إلا متلّبساً بالحق مراعياً فيه مقتضى الحكمة البالغة .
«يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » [يونس : 5] .
فإنّهم المنتفعون بذلك، وقريب منه قوله في سورة الإسراء :
«وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَايَنَيْنِ فَمَحَونَا وَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةٌ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السّنينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَضَلْنَهُ تَفْصِيلًا » [الإسراء : 12] .
أي جعلنا الليل والنهار دلالتين يدلان على القادر الحكيم، فمحونا آية اللّيل أي الآية التي هي الليل وجعلناها مظلمة، والإضافة بيانية وجعلنا آية النّهار مبصرة، أي مضيئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر، لتبتغوا فضلاً من ربكم أي لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم وتتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم .
وقيل: إن المراد بالآيتين الشمس والقمر، وتقدير الكلام وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، والمراد بمحو آية الليل التي هي القمر نقص نورها شيئاً فشيئاً إلى المحاق أو المراد بمحوها كونها مظلمة في نفسها مطموسة النور بما جعل فيها من السّواد.
أقول: وهذا هو الأظهر ويدل عليه الأخبار المستفيضة.
فمنها ما في (البحار) عن (العيون) في خبر يزيد بن سلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما بال الشمس والقمر لا يستويان في الضوء والنور؟ قال: «لما خلقهما الله أطاعاه ولم يعصيا شيئاً، فأمر الله عزّ وجلّ جبرئيل أن يمحو ضوء القمر فمحاه، فأثر المحو في القمر خطوطاً سوداً، ولو أنّ القمر ترك على حاله بمنزلة الشَّمس لم يمح ، لما عرف الليل من النّهار ولا النّهار من الليل ولا علم الصائم كم يصوم، ولا عرف الناس عدد السنين وذلك قول الله عزّ وجلّ وجعلنا الليل والنهار) الآية، قال: صدقت یا محمد فأخبرني لم سمّي الليل ليلا؟ قال : لأنه يلائل الرّجال من النّساء، جعله الله عزّ وجلّ ألفة ولباساً، وذلك
قول الله عزّ وجل : «وَجَعَلْنَا الَّيْلَ بِاسًا ، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشَا» [النبأ: 10] قال: صدقت يا محمد وروى في الصافي» عن «العلل مثله إلى قوله وذلك قول الله وجعلنا الليل (اه)(1).
ومنها ما فيه أيضاً عن كتاب النّجوم لابن طاووس نقلاً من كتاب ابن أبي جمهور بإسناده أنّ أمير المؤمنين(رضی الله عنه) لما صعد المنبر وقال سلوني قبل أن تفقدوني قال : فقام إليه رجل فسأله عن السواد الذي في وجه القمر، فقال(رضی الله عنه) : «أعمى سأل عن عمياء أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النّهار مبصرة والسواد الذي تراه في القمر أنّ الله عزّ وجل خلق من نور عرشه ،شمسین، فأمر جبرئيل، فأمر جناحه الذي سبق من علم الله جلت عظمته لما أراد أن يكون من اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، وعدد الساعات والأيام والشهور، والسنين والدهور والإرتحال والنزول، والإقبال والإدبار، والحج والعمرة ومحلّ الدين وأجر الأجير، وعدد أيام الحبل والمطلقة، والمتوفى عنها زوجها، وما أشبه ذلك». قال المجلسي (قدس سره) بعد نقل الحديث بيان أي على الذي سبق في علم الله أن يكون قمراً والظاهر أنّه كان هكذا على أحدهما للذي سبق (2).، انتهى .
ومنها ما رواه أيضاً عن العياشي عن أبي بصير عن الصادق (رضی الله عنه) في قوله تعالى : فمحونا آية الليل قال : هو السّواد الذي في جوف القمر إلى غير ذلك مما يقف عليها المتتبع هذا(3).
وبما ذكرنا عرفت سبب السواد في القمر وأنّه من فعل جبرئيل وأمر الله سبحانه، وليس
سببه ما توهمه الفلاسفة وأرباب الهيئة واختلفوا فيه على أقوال تبلغ إلى سبعة :
الأول : أنه خيال لا حقيقة ،له وردّ بأنه لو كان كذلك لاختلف فيه الناظرون لاستحالة موافقة الكلّ على خيال واحد .
الثاني: أنه شبه ما ينطبع فيه من السفليّات من الجبال والبحار وغيرها، وردّ بأنه يلزم حينئذ أن يختلف القمر في قربه وبعده وانحرافه عمّا ينطبع فيه .
الثالث: أنّه السّواد الكائن في الوجه الآخر، وردّ بأنه يجب على ذلك أن لا يرى هذا متفرقاً.
الرابع : أن سببه التّأذي من كرة النّار، لقرب ما بينهما، وردّه الشّيخ الرئيس بأن هذا لا
يلائم الأصول الحكميّة، فإنّ الأجسام الفلكية لا تنفعل عن الأجسام العنصرية، وأيضاً أنّ الفلك غير قابل للتسخن عندهم.
الخامس : أن جزء منه لا يقبل النور كما يقبله غيره، وردّ بأنّه يلزم على هذا عدم إطراد القول ببساطة الفلكيات وفي هذا هدم لقواعدهم المبنية على بساطتها .
السادس : أنّ وجه القمر مصوّرة بصورة وجه الإنسان فله عينان وحاجبان وأنف وقم، ورد بأنه يلزم أن يبطل فعل الطبيعة عندهم، وذلك لأنّ لكلّ عضو طلب نفع ودفع ضرر، فإنّ الفم لدخول الغذاء، والأنف للاستشمام والحاجبين لدفع العرق عن العينين، وليس القمر ، قابلاً لشيء من ذلك، فيلزم التعطيل الدائم فيما زعمتم أنه على أحسن النظام وأبلغه .
السابع أنّ هذا السواد هو أجسام سماوية مختلفة معه في تدويره غير قابلة للإنارة بالتساوي حافظة لوضعها معه دائماً. هذه أقوالهم التي حكيت عنهم في المقام، وقد عرفت فساد الجميع في أنفسها، مضافاً إلى قيام الأخبار على خلافها، وظهر لك أنّ السبب فيه أمر القادر المختار المسخر تحت قدرته : الشمس والقمر والليل والنهار هذا .
وأما ما رواه في (الصافي) عن الصادق (رضی الله عنه): لما خلق الله القمر كتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين (1)، وهو السواد الذي ترونه في القمر، فلا ينافي الأخبار السالفة لجواز أن يكون المحو الواقع في الأحاديث السابقة بهذه الكتابة الواقعة في هذا الحديث، وتمام هذا الحديث ما رواه الطبرسي في الاحتجاج والمحدث الجزائري (رحمه الله) في الأنوار» عن قاسم بن معاوية قال: قلت لأبي عبد الله(رضی الله عنه) : هؤلاء يروون حديثاً في معراجهم أنّه لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى على العرش لا إله إلا الله، محمّد رسول الله ، أبو بكر الصديق فقال: سبحان الله غيّروا كلّ شيء حتى هذا ؟ قلت: نعم .
قال : « إنّ الله عزّ وجلّ لما خلق العرش كتب عليه : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، عليّ أمير المؤمنين، ولما خلق الماء كتب في مجراه : لا إله إلا الله محمد رسول الله، عليّ أمير المؤمنين ولما خلق الله عزّ وجلّ الكرسي كتب على قوائمه : لا إله إلا الله محمد رسول الله عليّ أمير المؤمنين ولما خلق الله عزّ وجلّ اللوح كتب فيه : لا إله إلا الله، محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين ولما خلق الله إسرافيل كتب على جبهته : لا إله إلا الله محمّد رسول الله علي أمير المؤمنين ولما خلق الله السماوات كتب في أكتافها : لا إله إلا الله محمّد رسول الله علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله الأرضين كتب في أطباقها :
1) الإحتجاج : 231/1 ، ومدينة المعاجز : 377/2.
لا إله إلا الله محمّد رسول الله عليّ أمير المؤمنين، ولما خلق الله عزّ وجلّ الشمس كتب الله عزّ وجلّ عليها : لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عزّ وجلّ القمر كتب عليه : لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين، وهو السواد الذي ترونه في القمر، فإذا قال أحدكم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فليقل علي أمير المؤمنين(1).
فإن قيل : إنّ الكتابة المكتوبة على وجه القمر الموجبة للكلف والسواد فيه على ما دلت عليه الرّواية مكتوبة بعينها على الشمس أيضاً، فلم لم توجب السّواد فيها؟ حيث إنه لو كان فيها سواد الشاهدناه؟
قلت : أجاب عنه الجزائري بأنّ عدم المشاهدة لشدّة النور وزيادة الضياء المانع عنها .
ولكنّك خبير بما فيه لما قد عرفت في الأخبار السالفة أنّ نوريهما كانا على حدّ
قلّة سواء، وكان سبب نور القمر هو المحو الحاصل بالكتابة، فلم تكن الشمس في الأصل أشد نوراً حتى لا يظهر فيها أثر الكتابة، والأولى أن يجاب بأن المقصود لما كان تمايز الليل والنّهار، ومعرفة السنين والحساب كانت الكتابة على وجه القمر بخط جلي لحصول ذلك الغرض بخلاف الشمس والعلم عند الله ، هذا وقد تحقق مما ذكرنا سبب اختلاف نوري الشمس والقمر، بما لا مزيد عليه .
وأما سبب اختلافهما في الحرارة، فهو ما بينه الإمام(رضی الله عنه) رواية (الكافي) بإسناده عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (رضی الله عنه) : جعلت فداك لأي شيء صارت الشمس أشدّ حرارة من القمر؟ فقال: إنّ الله خلق الشَّمس من نور النار ومن صفو الماء طبقاً من هذا هذا حتى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباساً من نار فمن ثمّ صارت أشدّ حرارة
من القمر»، قلت جعلت فداك والقمر قال: إنّ الله تعالى ذكره خلق القمر من ضوء نور النّار وصفو الماء طبقاً من هذا وطبقاً من هذا حتى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباساً من نار فمن ثم صار القمر أبرد من الشمس (2). ورواه في (البحار) عن (العلل) (3). والخصال أيضاً.
وقال بعد ذكر الحديث توضيح قوله: حتّى إذا كانت سبعة أطباق يحتمل أن يكون المعنى أنّ الطبقة السابعة فيها من نار فتكون حرارتها لجهتين، لكون طبقات النار أكثر بواحدة، وكون الطبقة العليا من النّار، ويحتمل أن يكون لباس النّار طبقة ثامنة، فتكون
الحرارة للجهة الثانية فقط، وكذا في القمر يحتمل الوجهين ثم إنّه يحتمل أن يكون خلقهما من النار والماء الحقيقتين من صفوهما وألطفهما وأن يكون المراد جوهرين لطيفين مشابهين لهما في الكيفية، ولم يثبت امتناع كون العنصريات في الفلكيات وقد دلّ الشّرع على وقوعه في مواضع شتّى، هذا .
وبقي الكلام في حركتي الشمس والقمر .
فأقول: لم نظفر في الأخبار بما يفيد التعيين، نعم في بعضها ما يدل على سرعة الحركة، مثل ما روى عن سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرّوح الأمين من زوال الشمس وجوابه بقوله : لا ، نعم، فقال (صلی الله علیه وآله وسلم) : «كيف تقول : لا ، نعم» ، فقال «من حيث قلت : لا ، إلى قلت نعم سارت الشمس مسيرة خمسمائة عام»(1). وما رواه المجلسي (قدس سره) عن قصص الرواندي بإسناده عن الصدوق، بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(رضی الله عنه) قال : إن موسى (رضی الله عنه) سأل ربه أن يعلمه زوال الشمس فوكل الله بها ملكاً فقال يا موسى قد زالت الشمس، فقال موسى متى ؟ فقال : حين أخبرتك، وقد سارت خمسمائة عام.(2).
وعن «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي الصباح الكناني، عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قال أمير المؤمنين (رضی الله عنه): إنّ للشمس ثلاثمائة وستين برجاً، كل برج منها جزيرة من جزائر العرب فتنزل كل يوم على برج منها ، فإذا غابت انتهت إلى حدّ بطنان العرش، فلم تزل ساجدة إلى الغد، ثم ترد إلى موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها، وإن وجهها لأهل السماء، وقفاها لأهل الأرض، ولو كان وجهها لأهل الأرض لاحترقت الأرض ومن عليها من شدّة حرّها (3). ، ومعنى سجودها : ما قال سبحانه وتعالى : »
«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ والجبال وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ » [الحج: 18] .
قال المجلسي (رحمه الله) بعد رواية الحديث : توضيح - ثلاثمائة وستين برجاً - لعل المراد بالبرج الدرجات التي تنتقل إليها بحركتها الخاصة، أو المدارات التي تنتقل إلى واحد منها كلّ يوم، فيكون هذا العدد مبنياً على ما هو الشائع بين الناس من تقدير السنة به، وإن لم يكن مطابقاً لشيء من حركتي الشمس والقمر - مثل جزيرة من جزائر العرب - أي نسبتها إلى الفلك مثل نسبة جزيرة من الجزائر إلى الأرض، أو الغرض التشبيه في أصل العظمة لا خصوص
المقدار والمقصود بيان سرعة حركتها وإن كانت بطيئة بالنسبة إلى الحركة اليومية، قال الفيروز آبادي: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات وما بين عدن ابين إلى أطراف الشّام طولاً ومن جدة إلى ريف العراق عرضاً - فإذا غابت - أي بالحركة اليومية - إلى حد بطنان العرش - أي وسطه ولعل المراد وصولها إلى دائرة نصف النّهار من تحت الأرض، فإنّها بحذاء أوساط العرش بالنسبة إلى أكثر المعمورة، إذ ورد في الأخبار أنّ العرش محاذ للكعبة - فلم تزل ساجدة - أي مطيعة خاضعة منقادة جارية بأمره تعالى حتى تردّ إلى مطلعها - والمراد بمطلعها ما قدّر أن تطلع منه في هذا اليوم، أو ما طلعت فيه في السنة السابقة في مثله وقوله - ومعنى سجودها - يحتمل أن يكون من تتمة الخبر لبيان أنه ليس المراد بالسجود ما هو المصطلح ، ولعل الأظهر أنه من كلام الكليني أو غيره انتهى .
هذا في حركة الشَّمس.
وأمّا القمر فهو أسرع حركة من الشمس، كما قال سبحانه:
«لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَمَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ » [يس: 40] .
أي في سرعة سيره، لأنّ الشمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً.
وفي «الصحيفة السجادية » على صاحبها أفضل الصلاة والتحيّة في دعائه إذا نظر إلى الهلال :
«أَيُّهَا الخَلْقُ المُطِيعُ الدّائِبُ السَرِيعُ الْمُتَرَدُد في مَنازِلِ التَّقْدِيرِ الْمَتصَرْفُ في فَلَكِ التّدبير»
قال بعض شرّاح «الصحيفة» : وصفه (رضی الله عنه) القمر بالسّرعة إشارة إلى سرعة حركته العرضيّة التي تكون بتوسط فلك تدويره، فإنّه أسرع عن سائر الكواكب بهذا الاعتبار أما الثوابت فظاهر، لكون حركتها من أبطأ الحركات حتى أن القدماء لم يدركوها ، فقيل : إنّها تتم الدّورة في ثلاثين ألف سنة ، وقيل : في ستة وثلاثين ألف سنة، وأما السيارات فلأنّ زحل يتم الدورة في ثلاثين سنة، والمشتري في اثنتي عشرة سنة، والمريخ في سنة وعشرة أشهر ونصف شهر، وكلاً من الشمس والزهرة وعطارد في قريب سنة، وأما القمر فيتم الدورة في نحو من ثمانية وعشرين يوماً، فكان أسرعها حركة .
وأمّا حركته الذاتية وإن قال بها جم غفير من أساطين الحكماء، حيث أثبتوا لجميع الكواكب حركة ذاتية وتدور بها على أنفسها فهي على تقدير ثبوتها غير محسوسة ولا معرفة
فحمل وصف القمر بالسرعة على هذه الحركة بعيد نعم لا يبعد حمله على حركته المحسوسة على أنّها ذاتية له، كما ذهب إليه بعضهم من جواز كون بعض حركات السيارات في أفلاكها من قبيل حركة السابح في الماء، ويؤيده ظاهر قوله تعالى :
«وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » [الأنبياء : 33] انتهى .
وأورد صاحب) شرح الإرشادات على القول بالحركة الذاتية، بأنّ هذه تقتضي أن يكون المحو المرئي في وجه القمر شيئاً غير ثابت في جرمه وإلا لتبدل وضعه.
هذا مجمل كلام فيما يتعلق بالأجسام العلوية وعالم الملكوت، وقد تكلمنا فيه بحسب ما ساعدنا الوقت والمجال، وأما تفصيل حالاتها على ما تعرضوا له بحسب الوسع والطاقة البشرية فليطلب من مظانه ومواقعه والعلم عند الله والنبي وأوصيائه الكرام عليهم السلام .
یعنی پس از آن انشاء کرد خداوند سبحانه و تعالی گشادن فضاها شکافتن طرفها و گشادگیهای هوا را پس جاری نمود در آن گشادگیها آبی که تلاطم داشت و زننده یکدیگر بود موجهای او و تراکم داشت و بالای همدیگر بود انبوهی ،او بار نمود آن آب را بر پشت بادی که تند بود وزیدن او و سخت جنباننده که شدید بود صدای ،او پس امر نمود آن باد را به برگردانیدن آن آب به طرف بالا و مسلط گردانید آن را به محکم بستن آن آب و مقرون و نزديك نمود آن باد را به نهایت و حد آن آب که فاصله نبود میان آن ها، هوا از زیر آن گشاده شده و آب از بالای آن ریخته گردیده، پس بعد از این بیافرید حق سبحانه و تعالی بادی که عقیم نمود وزیدن او را یا این که عقیم بود وزیدن او یا این که تنگ بود جای وزیدن او و دایم نمود ملازمت آن باد را به حرکت دادن آب و شدید و محکم نمود جریان آن را و دور نمود منشأ آن را به حیثیتی که هیچ کس را اطلاع نیست بر این که از کجا
مهب و ناشی میشود پس مأمور نمود آن را بر تحویل و برهم زدن آب انبوه و برهم خورده و حرکت دادن و برانگیختن موج دریاها پس حرکت داد و بجنبانید آن باد آن آب را مثل جنبانیدن خيك دوغ به جهت گرفتن روغن و سخت روان شد آن آب مثل روان شدن آن در جاهای خالی در حالتی که برمی گردانید اول به آن آب را به آخر آن و ساکن آن را به متحرك ،آن حتی این که بلند شد معظم آن و انداخت کف را تراکم آن، پس بلند نمود آن کف را در هوای مفتوح و فضای ،واسع پس خلق کرد و مستقیم نمود از آن کف با از آن آب هفت آسمان را در حالتی که گردانید زیرین آن آسمانها را مثل موج در صفا یا از خود موج که ممنوع بود از سیلان و گردانید بالاتر آنها را سقفی که محفوظ بود از سقوط و انهدام و بنایی که بلند بود و مرتفع بی ستونی که نگاه بدارد آن را و بدون مسمار و ریسمانی که منتظم و ملتئم نماید آن را پس از آن زینت بخشید آن آسمانها را با زینت ستارههای درخشنده و با روشنی کوکب ها یا
شهاب های جهنده که به نور خود هوا را سوراخ کننده اند و روان گردانید در آن آسمانها چراغی که منتشر بود روشنی او به اطراف عالم که عبارت است از آفتاب و جاری نمود ماهی را که نور دهنده بود و تابان در فلک گردنده و سقف سیر کننده و لوح حرکت کننده و جنبده.
مقدمة الناشر ...5
حياة المؤلف ...8
ميلاده ...8
أساتيذه ...8
تأليفاته...8
وفاته...10
أما المقدمة...18
البحث الأول...18
البحث الثاني...19
البحث الثالث...21
البحث الرابع ...24
الفصل الأول...28
الفصل الثاني...32
المسألة الخامسة ...39
المسألة السادسة...42
المسألة السابعة...47
خاتمة لمباحث الحقيقة والمجاز...48
الفصل الثالث ...50
المسألة الأولى...50
المسألة الثانية ...51
المسألة الثالثة...52
المسألة الرابعة ...52
المسألة الخامسة ...53
المطلب الثاني ...60
الفصل الأول...60
الركن الأول...60
تقسیم آخر...64
الركن الثاني...64
التقسيم الأول...65
التقسيم الثاني...66
التقسيم الثالث...67
التقسيم الرابع...67
التقسيم الخامس...68
تنبيهات...68
الركن الثالث...69
تنبیهان...71
الركن الرابع ...72
تنبيه...75
خاتمة ...75
تنبيه وتحقيق...76
الفصل الثاني في الاستعارة...80
التقسيم الأول...80
التقسم الثاني...82
التقسيم الثالث...82
التقسيم الرابع ...83
التقسيم الخامس...83
التقسيم السادس...84
التقسيم السابع...85
التقسيم الثامن ...86
تنبيهات الأول ...87
التنبيه الثاني...89
التنبيه الثالث...90
الفصل الثالث...91
البحث الأول...92
البحث الثاني...94
المطلب الثالث...96
فمنها حسن الابتداء والتخلص والانتهاء...96
وثانيها التخلص...98
وأما الانتهاء...100
ومنها الطباق...101
ومنها المقابلة...104
تنبیه...107
ومنها مراعاة النظير...107
ومنها تشابه الأطراف...110
ومنها التسبيغ ...110
ومنها العكس...112
ومنها رد العجز على الصدر...114
ومنها الرجوع ...117
ومنها الارصاد...118
ومنها إرسال المثل...119
ومنها الجمع...120
ومنها التفريق...121
ومنها الجمع مع التفريق...121
ومنها التقسيم ...122
ومنها الجمع مع التقسيم...123
ومنها الجمع مع التفريق والتقسيم...124
ومنها الافتنان...124
ومنها المذهب الكلامي ...125
ومنها المبالغة...126
ومنها الاغراق...127
ومنها الغلو ...127
ومنها تجاهل العارف...128
ومنها الاعتراض...129
ومنها التكرار ...131
ومنها شجاعة الفصاحة...133
ومنها الاستخدام...134
ومنها التفسير...135
ومنها التورية...136
تنسه ...139
ومنها التوجيه...140
ومنها التوشيع...141
ومنها التعديد...142
ومنها حسن النسق...142
ومنها الالتفات...143
ومنها المشاكلة...146
ومنها تأكيد المدح بما يشبه الذم ...147
ومنها التجريد...148
ومنها حسن التعليل...149
ومنها الاحتراس...149
ومنها اللف والنشر ...150
ومنها الاقتباس...152
ومنها التلميح ...153
ومنها التعريض...155
تنبيه...156
ومنها الإيغال...156
ومنها الإيجاز...157
ومنها الجناس...159
فمنها الجناس التام...159
ومنها الجناس المحرف...162
ومنها الجناس الناقص...163
وأما الجناس اللاحق...165
ومنها الجناس المقلوب...166
ومنها الجناس المصحف...167
ومنها الاشتقاق...169
ومنها شبه الاشتقاق...169
ومنها السجع ...169
تنبيهات...172
ومنها التشطير...173
ومنها تضمين المزدوج...173
ومنها لزوم ما لا يلزم...174
ومنها الحذف...174
شعر ...178
نور في ميلاده عليه السلام ...178
نور في اسمه السامي...180
نور في نسبه الشريف...181
نور في كناه الرقيعة الجميلة...182
نور في القابه الشامخة... 184
نور في شكله وصفته...188
قال السيد الشارح...189
فصل في ذكر نسب الرضي (رحمه الله)...189
الفصل الأول...203
اللغة...204
الإعراب...205
المعنى...206
الترجمة...216
الفصل الثاني...217
(شعر) ...217
اللغة...218
الإعراب...219
المعنى...219
الترجمة...225
الفصل الثالث...227
اللغة ...228
الإعراب...229
المعنى...230
أقول...232
الترجمة...236
خطبة الشّارح...
شعر ...239
فمن خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم عليه السلام وهي الخطبة الأولى من المختار في باب الخطب...241
الفصل الأول...241
اللغة... 241
الإعراب...244
المعنى...245
الترجمة...248
الفصل الثاني ...249
اللغة ...249
الإعراب...249
المعنى...249
الترجمة...254
الفصل الثالث...255
اللغة...255
الإعراب...255
المعنى...255
الترجمة...261
الفصل الرابع...262
اللغة...262
الإعراب ...263
المعنى...263
تذنيبات...268
الثاني...269
الثالث...270
الترجمة ...
الفصل الخامس...274
اللغة ...274
الإعراب...274
المعنى...274
الترجمة...282
الفصل السادس...283
اللغة...283
الإعراب...284
المعنى...285
الترجمة...290
الفصل السابع ...291
اللغة...291
الإعراب...293
المعنى...293
تنبيه وتحقيق...297
الأول...297
بیان...299
الثاني...301
الثالث...302
الترجمة...305
الفصل الثامن...306
اللغة...306
الإعراب...307
المعنى...309
وينبغي تذييل المقام بأمور مهمة ...315
الثاني...329
الثالث...336
الرابع...339
الخامس...339
السادس...343
الترجمة...351