ghaemiyeh.com
جميع حقوق الطبع مسجله و محفوظه للناشر
الكتاب : فى ظلال نهج البلاغة (ج 4)
المؤلف : العلامه محمد جواد مغنية (رَحمهُ اللّه)
الناشر: دار الكتاب الاسلامي
الطبعه : الاولى 1425هـ. ق / 2005م
المطبعه :مطبعة ستار
عدد النسخ : (2000) نسخه
محرّر الرقمي: محمّد رادمرد
في ظِلال
نهج البلاغة
محاولة لفهم جديد
شرحُ
العلامة الشیخ محمد جواد مغنية
الجزء الرابع
وثق أصولة وحقّقه وعلق عليه
سامي الغريري
مؤسّسة
دار الكتاب الاسلامي
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جميع حقوق الطبع مسجله و محفوظه للناشر
الكتاب : فى ظلال نهج البلاغة (ج 4)
المؤلف : العلامه محمد جواد مغنية (رَحمهُ اللّه)
الناشر: دار الكتاب الاسلامي
الطبعه : الاولى 1425هـ. ق / 2005م
المطبعه :مطبعة ستار
عدد النسخ : (2000) نسخه
الترقيم الدولى للمجموعة: 6 - 100 - 465 - 964
ISBN: 964 - 465 - 100 - 6
104 - 465 - 964-
الترقيم الدولي (ج 4): 9 - 104 - 465 - 964
ISBN: 964 - 465 - 104 - 9
الْخُطْبَةُ - 182 -...15
لَمْ يُولَدْ... فِقْرَة 1 - 3:...15
كَانَ وَلَمْ يَكُن مَعَهُ شَيء فِقْرَة 4 - 5:...20
ليسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا فِقْرَة 6 :...27
الدِّين تُسْلِيَة، وَرَفَاهِيَة:...29
إِخْوَانِ الْإِمَام... فِقْرَة 7:...31
لَا يَمُوْت عَلَى الْحَقِّ إِلَّا الْمُجَاهِدُون:...34
الْخُطْبَةُ - 183 -...43
الله وَالْقُرْآن... فِقْرَة 1 - 2:...43
بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ فِقْرَة 4 - 7:...49
أعلى الأصوات في نهج البلاغة:...52
الْإِنْسَانِ ابنُ الدُّنْيَا:...57
هَل نَهْج الْبَلاغَة مَنْحُول؟...59
الْخُطْبَةُ - 184 -...61
الأثْرَمُ :...61
الْخُطْبَةُ - 185 -...63
الله وَمُحَمد... فِقْرَة 1 - 2:...63
مَذْهَب دیکارت :...65
مَن تَفَكَرَ أَبْصَر... فِقْرَة 3 - 4:...69
لاَ بِنَاءً مِنْ غَيْرِ بَانٍ فِقْرَة 5 - 7:...72
الْخُطْبَةُ - 186 -...77
فِي صفاته تَعَالَى... فِقْرَة 1 - 4:...77
أَنْشَأَ الدُّنْيَا وَفَنَاؤُهَا... فِقْرَة 5-8 :... 88
الْخُطْبَةُ - 187 -...97
حكم الصِّغَار:...97
الْخُطْبَةُ - 188 -...103
كَيْفَ بِالْمَوْت واعظاً :...103
الْخُطْبَةُ - 189 -...107
فِي الإِيمَانِ وَالْهَجْرَةِ:...107
الْإِيمَان:...108
الهجرة:...115
سَبَب الهِجْرَة:...115
أَمْرُ أهْل الْبَيْت:...117
الْخُطْبَةُ - 190 -...119
ظُلْمَة القَبْر... فِقْرَة 1 - 3:...119
بَادِرُوا الآجال بِالأَعْمَال... فِقْرَة 4 - 6:...123
الْخُطْبَةُ - 191 -...127
لا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى.... فِقْرَة 1 - 3:...127
التَّقْوَى:...130
دَارُ حَرَبٍ وَ سَلَبٍ فِقْرَة 4 - 5 :...133
الْخُطْبَةُ - 192 -...137
مَا بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ وصَدَاقَة فِقْرَة 1 - 2:...137
الْمَلَائِكَة، وَالْأَنَانِيَة:...141
الفَرْق بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَإِبْلِيس:...142
فِي كُلِّ أُمَّةٍ جُنُودُ لإبْلِيسَ... فِقْرَة 3 - 5:...145
لا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ... فِقْرَة 6-8 :...150
مُوسَى وَفِرْعَوْنَ فِقْرَة :9 - 11:...159
لا حق ولا إِنْسَانِيَة إِلَّا عِنْدَ الْأَغْنِيَاء!...161
بَيْت الله الْحَرَام... فِقْرَة 12 - 14:...164
الْعِبَادَةُ رِيَاضَةٌ نَفْسِيَّةٌ فِقْرَة :15 - 17 :...175
الإسلام والتسامح:...180
الْأَذَى فِي سَبِيلِ الْحَقِّ... فِقْرَة 18 - 20:...180
النِّعْمَة بِرَسُولِ الله... فِقْرَة :21 - 23:...185
إِسْرَائِيل:...187
غَاندِي وَعُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ:...191
الإِسْلامِ أَمْنُ وَأمَان... فِقْرَة 24 - 25:...194
النَّبِي وَعَلي فِقْرَة 26 - 27:...200
الْإِمَام عَليّ:...201
النَّبِيِّ وَالشَّجَرَة... فِقْرَة 28 - 31 :...244
الْخَوَارِقِ وَالمُعْجِزَات:...246
الْخُطْبَةُ - 193 -...251
هَمّام وَصِّفَاتِ الْمُتَّقِين... فِقْرَة 1 - 4:...251
قُوَّةً فِي دِينِ فِقْرَة 5-8 :...257
الْخُطْبَةُ - 194 -...265
الْمُنَافِقُونَ... فِقْرَة 1 - 3:...265
النِّفَاقُ:...268
الْخُطْبَةُ - 195 -...273
بَاب الله مَفْتُوحُ لِلجَمِيع... فِقْرَة 1 - 3:...273
الْخُطْبَةُ - 196 -...281
بَادِرُوا الْفَوْت:...281
الْخُطْبَةُ - 197 -...285
مواساة عَليَّ لِلنَّبي:...285
الْخُطْبَةُ - 198 -...299
التَّقْوَى دَوَاءٌ فِقْرَة 1 - 3 :...299
الإسلام.... فِقْرَة 4-6:...304
مَنْ هُو الْمُشَرِع؟...306
الْقُرْآن.. فِقْرَة 7 - 8 :...312
الْخُطْبَةُ - 199 -...317
الصَّلاة والزَّكَاة... فِقْرَة 1 - 4:...317
الزكاة:...322
الأَمَانَة:...324
الْخُطْبَةُ - 200 -... 327
مُعَاوِيَةَ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ:...327
الْخُطْبَةُ - 201 -...331
يَجْمَعُ النَّاسَ الرّضَا وَالسُّخْطُ:...331
لَا تَخْشَ لَوْمَةُ لَأَئِمٍ :...332
الْخُطْبَةُ - 202 -...337
عِنْدَ دَفْن بَضْعَة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):...337
فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ):...338
الْخُطْبَةُ - 203 -...349
الدُّنْيَا وَالْآخِرَة:...349
الْخُطْبَةُ - 204 -...353
تَجَهَّزُوا لِلرَّحِيلِ :...353
الْخُطْبَةُ - 205 -... 355
مَع طَلْحَة وَالزُّبَيْر... فِقْرَة 1 - 2:...355
الْخُطْبَةُ - 206 -...367
لا تَكُونُوا سَبَّابِينَ:...367
الْخُطْبَةُ - 207 -...371
نَسْلُ رَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):...371
الْخُطْبَةُ - 208 -...375
كُنتُ أميراً فَأَصْبَحْتُ مَأْمُوراً...375
الْخُطْبَةُ - 209 -...379
الْعَلَاءُ وَأَخُوه عَاصِمَ:...379
لا سَلْبِيَة فِي الإِسْلام :...380
الْخُطْبَةُ - 210 -...385
الْأَحَادِيث:...385
كَلامٌ ذُو وَجْهِين.. فِقْرَة 5:...390
الْخُطْبَةُ - 211 -...397
حوْلَ الكَوْنُ فِقْرَة 1 - 4:...397
الْخُطْبَةُ - 212 -...401
المَقَالَة الْعَادِلة:...401
الْخُطْبَةُ - 213 -...405
تَعْظيم الله تَعَالَى :...405
الْخُطْبَةُ - 214 -...409
إِنَّ لِلْخَيْرِ أَهْلًا... فِقْرَة 1 - 3 :...409
الْخُطْبَةُ - 215 -...415
لله الْحُجَّة:...415
لا إِيمَان بِلا خَوْف مِن الله:...416
الْخُطْبَةُ - 216 -...419
الرَّاعِيَ وَالرَّعِيَّة 1 - 2:...419
الثَّوَاب تَفَضُّل لا استحقاق :...421
النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ الجُهْدِ... 3 - 4....424
كَرَاهِيَة الْإِطْرَاء.. 5 - 7:...427
الْخُطْبَةُ - 217 -...435
الْخُطْبَةُ - 218 -...437
فَظَائِعِ أَصْحَاب الْجَمَل:...437
الْخُطْبَةُ - 219 -...439
قَتْلَى قُرَيْشُ:...439
الْخُطْبَةُ - 220 -...441
صَاحِبُ التَّقْوَى:...441
الْخُطْبَةُ - 221 -...443
التَّكَاثُرُ... فِقْرَة 1 - 2:...443
أَنْقَطَعَتْ الْأَسْبَابِ... فِقْرَة 3 - 5:...448
لِلْمَوْتِ غَمَرَات... فِقْرَة 6- 7:...452
الْخُطْبَةُ - 222 -...457
ذِكْر الله سُبْحَانَهُ.... فِقْرَة 1 - 2:...457
حَاسِبٍ نَفْسك...فِقْرَة 3:...461
الْخُطْبَةُ - 223 -...465
مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. فِقْرَة 1 - 2:...465
الله يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِل:...467
أُسْلُوب أَهْلِ الْبَيْت: فِي التَّربِيَة:...470
رُبَّ نَاصِحٍ مُتَّهم... فِقْرَة 3 - 4:...470
الْخُطْبَةُ - 224 -...475
الإِمَام وَأَخُوه عَقِيل...فِقْرَة 1 - 2:...479
الإمام وَالْوَافِدُون عَلَى مُعَاوِيَةَ:...479
الْخُطْبَةُ - 225 -...483
أَعُوذ بالله مِن الفَقْر:...483
الْخُطْبَةُ - 226 -...487
الدُّنْيَا:...487
الْخُطْبَةُ - 227 -...493
الأنس بالحبيب:...493
الْخُطْبَةُ - 228 -...497
للَّهِ فُلَانٍ:...497
الْخُطْبَةُ - 229 -... 501
حَوْلَ بَيْعَة الْإِمَامِ :...501
الْخُطْبَةُ - 230 -...503
الْعَمَلُ يُرْفَعُ... فِقْرَة 1:...503
ما تَدْرِي نَفْسٌ مَتى وأين تَمُؤت؟...506
بِالْجَدِّ وَالاجْتِهَادِ... فِقْرَة 2:...508
الْخُطْبَةُ - 231 -...513
الرَّسُول:...513
الْخُطْبَةُ - 232 -...515
حَوْلَ الْمَال :...515
الْخُطْبَةُ - 233 -...519
حول اللِّسَان :...519
الْخُطْبَةُ - 234 -...525
الطويل والقصير:...525
الْإِنْسَانِ وَالْعُلُوم:...528
الْخُطْبَةُ - 235 -... 529
تَأْبِين الرَّسُول الأعظم:...529
الْخُطْبَةُ - 236 -...533
حَوْلَ الهِجْرَة:...533
الْخُطْبَةُ - 237 -...535
حَوْلَ الْعَمَل والبطالة:...536
الْخُطْبَةُ - 238 -...539
الْخُطْبَةُ - 239 -...545
أَهْل الْبَيْت:...545
الْخُطْبَةُ - 240 -...549
مَا يُرِيدُ عُثْمَانَ إِلَّا أَنْ أَكُون جَمَلًا:...549
الْخُطْبَةُ - 241 -...557
حَوْلَ الْجِهَاد:...557
نِعْمَة النَّوْم:...559
فَهْرَس الْمُوضُوعَات...5
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ، وَعَوَاقِبُ الْأَمْرِ. نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمٍ إِحْسَانِهِ، وَنَيِّرِ بُرْهَانِهِ، وَ نَوَامِي فَضْلِهِ وَ أَمْتِنَانِهِ، حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً، وَلِشُكْرِهِ أَدَاءَ، وَإِلَىٰ ثَوَابِهِ مُقَرِّباً، وَ لِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً. وَنَسْتَعِينُ بِهِ أَسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ، مُؤمِّلٍ لِنَفْعِهِ، وَاثقٍ بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ، مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ. وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً، وَ أَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً، وَخَنَعَ لَهُ مُذْعِناً، وَأَخْلَصَ لَهُ مُوَحّداً، وَعَظَّمَهُ مُمَجَّداً، وَلاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً (1).
لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزَّ مُشَارَكاً، وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتُ، وَلا زَمَانٌ، وَلَمْ يَتَعَاوَرُهُ زِيَادَةٌ وَلا نُقْصَانُ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتَقَنِ، وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ، فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلا عَمَدٍ، قَائِمَاتٍ بِلا سَنَدٍ. دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ، غَيْرَ مُتَلَكئَاتٍ، وَ لَا مُبْطِئَاتٍ، وَلَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ، وَ لا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ، وَلا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ، وَالْعَمَلِ
الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ (2). جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ، لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا أَدْلِهمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَلا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأُلُو نُورِ الْقَمَرِ. فَسُبْحَانَ مَنْ لا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ، وَ لَا لَيْلٍ سَاجٍ، فِي بِقَاعِ الْأَرَضِينَ الْمُتَطَاطِئَاتِ، وَ لَا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ، وَ مَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَ مَا تَلاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ، وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ، وَأَنْهِطَالُ السَّمَاءِ! وَ يَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ، وَ مَقَرَّهَا، وَ مَسحَبَ الذَّرَّةِ، وَمَجَرَّهَا، وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا، وَمَا تَحْمِلُ الْأُنْثَى فِي بَطْنِهَا (3).
اللُّغَة:
النَّوَامِي : الزَّوَائِد. والاِمْتِنَانِ : الْإِنْعَامِ. والطَّوْلِ : الْفَضْلِ. وَخَنَعَ : خَضَعَ.
ومُوَطَّدَاتٍ : مُثبتات في مدارها. ومُتَلَكئَاتٍ مُبطئَات كما فسرها الإِمَام بالعطف عَلَيْهَا. والطَّوَاعِيَةِ : الطَّاعَة. لاو أَعْلام : العلامات. والفِجَاج : الطرق بَيْنَ الجبال. الإدْلهِمَامُ : الظَّلمة الشَّدِيدة والسُّجُفِ السُّتر. الجلابيب : الثّيَاب.
والْحَنَادِسِ : اللَّيالي المظلمة. والدَّاجي : المظلم. السَّاجِي السَّاكن. اليَفَاع : كلّ ما أرتفع من الْأَرْضِ، وغُلام يافع : ناهز البُلُوغ. والشفع : الجبال. والجلجلة، صَوْت الرَّعْد. وتَلاشَتْ : أَضْمحَلّت. والمَسْحَبَ، وَالْمَجَرَّ : مَكان السحب، والجرّ.
الإعراب:
الَّذِي صِفَة الله، وإِلَيْهِ خَبَر مُقَدَّم، ومَصَائِرُ الْخَلْقِ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، والجملة صلة
المَوْصُول، ولِشُكْرِهِ أدَاءً أي ويَكُون الحَمْدُ أدَاءً لِشُكْرِه، ومُثلهُ ما بَعدهُ، ومُؤَمِّل صِفَة لراج، ومثلهُ ما بَعده، ومُوقِناً،حال، وكَذَلِكَ مَا بَعده من المَنصُوبَات ومُوَطَّدَاتٍ، وقَائِمَاتٍ، وطَائِعَاتٍ أَحْوَال، وادْلهِمَامُ فَاعِل يَمْنَعْ، وضَوْءَ مَفْعُول، والمَصْدَر من أَنْ تَرُدَّ مَفْعُول اسْتَطَاعَتْ.
الْمَعْنَى:
(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ، وَعَوَاقِبُ الْأَمْرِ... إلى مَزِيدِهِ مُوجِباً). أسْبَغَ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَاده نِعَماً لا يُحيط بها الإحصاء، وأعادهُم إِلَيْهِ ليَجْزِي الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى، وَالَّذِينَ أَسَاءُ وأَ بِمَا عَمِلُوا، ومن حَسَّانَات العبد عِند الله شُكر المنعم، وحمده عَلى فَضلِهِ، وإحْسَانه، مع العِلم بأنّ شُكر المنعم دين يجب الوفاء بهِ بحكم العقل، ويُشير إلى ذَلِكَ قَوْل الإِمَام : «قَضَاءً، وأَدَاءَ» ولكن تَقَدست أسماؤه، يُثِيب عَلَيْهِ كأَنه نَدبُ، وإحسان، وكَذَلِكَ التَّوْبَة من الذَّنبِ حَتم، وإلزام، ومَع هَذَا يُثِيب عَلَيْهَا سُبْحَانَهُ كَأَنَّهَا إحْسَان لا إلزام. والسّر أَنه تَعَالَى حَلِيمٌ كَرِيمٌ. وتَجدُر الإِشَارَة إلى أنّ مَن عرف النِّعْمَة بِقَلبه فقد شكرها، ولكن الشكر الكَامِل لا يَكُون إِلّا بالفِعْل، والتَّصْحِية : (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (1).
(وَ نَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجِ لِفَضْلِهِ، مُؤمِّلٍ لِنَفْعِهِ، وَايْقٍ بِدَفْعِه، مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ، مُذْعِنِ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ... إلخ) يُرِيد الإمام بقوله : مُؤَمِّل، ووَاثِقٍ، ومُؤْمِن وتَائِبِ، وراغب، ومُجْتَهِد، وما إلى ذلِكَ من الأوصاف، ويُريد بها أنّ الاسْتِعَانَةِ بالله حقاً هِى أنْ لا تخاف مع الله شَيْئَاً، ولا أحداً، وأنْ تُطِيعَه بإخلاص
1) آلِ عِمْرَانَ: 92.
قوْلاً، عَمْلاً، ونَرجع إِلَيْهِ وحدَه في كلِّ شَيء فهو المَصْدَر، والغَايَةِ، ومَا عَداه طَرِيق، ووَسِيلة : (أَنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (1). ومَعْنَى هَذَا أَنَّ مَن قال له في صلاته : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (2)فَهُو كَاذب فِي دَعوَاهُ إِذَا خَنَع لَعَبْدٍ مِثله متوسلاً بهِ فِي حَاجَة لَهُ، مُؤمِناً بأنّه السَّبِيل الوحيد لقضائها، ونَجَاحِها.)(لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزّ مُشَارَكاً، وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً... إلخ لَوْ كَان الله أب لكان مخلوقاً، لا خَالِقاً، ومُمكناً، لا واجباً، وكان أبوه مُفضلاً عَلَيْهِ، وشَرِيكاً لهُ في العَظمَةِ، والجلال، وأيضاً لو كان الله ولدٌ لَكَانَتْ لهُ صَاحِبَة، وكان شأنه شأن الآباء يُشِيخ، ويهرم، ثم يموت، ويورّث الأَولاد. والأحفاد !.. وتجدر الإِشَارَة إلى أنّ اليونان يعبدُون جَمَاعَة من الآلهة، تُحبّ، وتعشق، وتُعالج، وتنكح، وتلد العديد من الآلهة غير الشَّرعِيين... وأيضاً كَانَتْ تكذب، وتخدع، وتحسد، وتحقد، وتصطاد، وتُحارب، وتَركب عربات التّرفِيهِ، والنزهة... ومع هَذَا فَهِيَ تَخلق، وتُرزق، وترسل الصَّوَاعِقِ فتُصِيب بها من تشاء.)(وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتُ، وَلا زَمَانٌ وإلا كان حادثاً يَفْتَقِر وجُوده إِلى عِلَّة فَاعِلة، وقيل: «الْوَقْت جزء من الزَّمَانُ، والزَّمَانُ أَعْم مِنْهُ». ومَع هَذَا يَجُوز أنْ يَكُون المراد بهما واحداً، والعطف للتَفْسِير (وَ لَمْ يَتَعَاوَرُهُ زِيَادَةٌ وَ لا نُقْصَانٌ) وإلّا كان مُتغِيراً ومحلاً للحوادث (بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ، وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَم)بخلق الكون، ونظامه المحكم الثابت (فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلا عَمَدٍ). خَلق الكواكب، وأودع فيها قَوَانِين تَفعل فعلها، تُؤثر أثرها،)
ومِنْهَا قَانون الجاذبية فيها، وفي جميع الأَجْسَام (قَائِمَاتٍ بِلا سَنَدٍ، عَطف تَفْسِير، و تَقَدَّم مثله (1).)(دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ، غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ، وَلا مُبْطِئَاتٍ. خَلق سُبْحَانَهُ أجرام السَّماء على وضع خاص حجماً، وهيئةً، ووضعها في أماكنها على وفق الحكمة، والهندسة الكَوْنيّة، ولتُؤَدِّى الغرض المنشود كما أراد الله سُبْحَانَهُ، وكنى الإِمَام عَن تَمَاسِك الكُوَاكِب، ومَا يَترتب عَلَيْهَا من الآثار المنشودة، كنّى عَن ذَلِكَ بالطائعات المذعنَات تبعاً للآية : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (2).)(وَ لَوْلا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ لَو لَم تَكُن السموات في قُدرتِهِ، وقبضته لكَانَتْ خَارجة عن أَمْرِه، ومَلكاً لغيره (وَلا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ) لأنّ الله سُبْحَانَهُ لا يُسكن عِبَاده فِي غَيْرُ مُلْكِه، وفِيهِ إيماء إلى أنْ عَلَى بَعْض الكواكب حياة، وخلائق (وَ لا مَصْعَداً للكلم الطَّيِّبِ، وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ) يَدل هَذَا أنَّ الله خَلَقاً يُسجلون أَقْوَال الْعِباد، وأفعالهم، ويصعدون بها إلى السَّماء، قَال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِاظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (3). ومن أنكر ذلك فقد أنْكَر مَا يُجهل.)(جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ. بَعْضٍ الكواكب لا يصل نُورها إلى الْأَرْضِ، لأَنها تبعد عن الْأَرْضِ مِئات الملايين من)
السنين الضّوئية، وسُرْعَة الضوء (186/000 ميل في الثَّانِيَة، وبَعْض الكواكب يَصل نُورها إِلَى الْأَرْضِ دُونَ أَنْ تَرَاهَا الْعَيْنِ الْجَرَدة، ونَوْع مِنْهَا يَصل نُوره إلى الْأَرْضِ، وتَراه الْعَيْن، ويقول عُلَماء الفلك : إن عدد النّجوم التي تراها مِن مُوضع واحدٍ من الْأَرْضِ - يبلغ مَا بَيْنَ (2500 و 3000) نجم، أما التي تراها المناظير الحديثة فَيزِيد عددها ألف مليون، والمناظير الحَدِيثة ترى عَلى بُعد (500) مِليون سَنَة ضوئية، ورُبَّمَا تَطورت إلى ألف ميلون أو أَكْثَر (1).)وفي النَّهَار يطغى نور الشمس على ضوء النجوم فتُخفِيه، وتُضيء النّجوم بأوضح رؤية في لَيْلَة لِيلاًء مع صَفَاء الجو، وإذَنْ فاللَّيْل المظلم لا يمنع ضوء النّجوم، والْقَمَر بل على العكس يُزِيده تَلالُواً، وإلى هَذَا أشار الإِمَام بِقَوْله : (لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا أَدْلِهمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم... إلخ أمّا قَوْله : «أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْخَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ». فَيُشِير إلى الآية : (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (2). (فَسُبْحَانَ مَنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ، وَلا لَيْلٍ سَاجٍ، فِي بِقَاعِ الْأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ... إلخ). تَقَدَّم هَذَا مَرَّات، ولا غرض من الإعادة، ومن مَسْحَبَ الذَّرَّةِ، ومَسْقَطَ الْقَطْرَة إلا التأكيد بأنّ الله قد أحاط بكل شيء عِلماً كي يستشعر الْإِنْسَانِ الْخَوْف من رَبِّه.)### كَانَ وَلَمْ يَكُن مَعَهُ شَيء.. فِقْرَة 4 - 5:وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيُّ أَوْ عَرْشٌ، أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ، أَوْ جَانٌّ أَوْ
إنس. لا يُدْرَكُ بِوَهُم، وَلَا يُقَدَّرُ بِفَهُم، وَلَا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ، وَلا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ، وَلا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ، وَلا يُحَدُّ بِأَيْنٍ، وَلا يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ، وَلَا يُخْلَقُ بِعِلَاجٍ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَلا يُقَاسُ بِالنَّاسِ. الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وَ أَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً، بِلا جَوَارِحَ وَلا أَدَوَاتٍ، وَلا نُطْقِ وَ لا لَهَوَاتٍ، بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَجُنُودَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ، مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ : فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ، ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَالْأَدَوَاتِ، وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ. فَلَا إِلَهَ إلا هُوَ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ، وَأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ (4.)أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاضَ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ، فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا، لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ (عَلَيهِ السَّلَامُ، الَّذِي سُخَّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ. فَلَمَّا اَسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَ اسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ، وَ أَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةٌ، وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةٌ، وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً !)أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ : أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ : أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسُ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ، وَأَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ، وَهَزَمُوا بِالْأُلُوفِ، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ، وَ مَدَّنُوا الْمَدَائِنَ (5 !)اللُّغة:كُرْسِيّه تَعَالَى : عِلمه، والمراد به هنا الشيء المعلوم لهُ، وعَرْشه : مُلْكِه، وتدبيره.
والنّوَالَ : الْعَطَاء، والأَزْوَاج : الأَمْثال. والجوارح : الأَعْضَاء ولَهَوَاتٍ: جَمع لهاة، وَهِي لحمه في أقصى سقف الفم. وحُجُرَاتِ: جَمع حُجرَة أي غُرفة. ومُرْجَحِنينَ : جمع مُرْجَحِن أي مَائل، أو خَاضع. مُتَوَلِّهةٌ مِن الوَله، وهو الوجد، والحزن، والخَيرَة، والخَوْف. والرِّيَاشَ : اللباس الفاخر. وأَسْبَعَ : أَتَمّ. وطُعْمَتَهُ : مأكله.الْإِعْرَابِ:لفظ «أَيْنَ» يُسأل به عن المكان، فإن أردتَ مَكاناً خاصاً بَنَيتَهُ عَلَى الْفَتْح، وإِنْ أردت أي مكان أعربت. والَّذِي كَلَّمَ صِفَة للهِ، أو خَبَر لمبتدأ محذوف أي هُوَ الَّذِي كَلَّمَ، ومُرْجَحِنِّينَ حَال، وكذا مُتَوَلّهةً، وعُقُولهُمْ فَاعِل مُتَوَهُةً، والمَصْدَر من أَنْ يَحدُّوا مَنصوب بنزع الخافض أي حارت عُقُولهُمْ في حَدِّهِ تَعَالَى، أو خافت من ذَلِكَ، ذَوُو نائب فَاعِل ليُدْرَك.الْمَعْنَى:(وَالْحَمْدُ للهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيُّ أَوْ عَرْشُ، أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضُ، أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ. لا شَيء في الأزل إلا الله، لأنّ كلّ ما عداه فيض منه، ومُتأخر عنهُ بمَا فِي ذَلِكَ عَرْشَه أَي مُلْكِه، وكُرسيّه أي الأَشْيَاء المعلومة له، كما قلنا في فِقْرَة اللُّغَة، وليس من الضّرُوري أنْ يَكُون المعلوم، والمملوك الله سُبْحَانَهُ موجُوداً في الأَزَل بوجوده، لأنّه عِلَّة لمشيئتة التي تعلقت بوجود الشّيء في حينه المتأخر عن الذات لا المقارن لَهَا (لَا يُدْرَكُ بِوَهْمٍ، وَلَا يُقَدَّرُ بِفَهُم). الوَهم تصور، وكَذَلِكَ الفَهْم، والفرق)
بَيْنهما أنّ الوهم تصور بلا ضابط، وقياس والفهم تصور بمقاييس، وضوابط، وتَقَدَّم أَكْثَر من مرة إن الذات القدسية لا تُدرك بكنهها بل بأفعالها، وآثارها، وإِنَّهَا فوق التصور وهماً كان أم فهماً، وهذا مَعْنَى قَوْل الإِمَام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كلّما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مثلكُم مَردُود إِلَيْكُمْ» (1).)(وَلا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ لأنّ ذاته بما هِي تُحيط بكلّ شيء وقدرة، وتَقَدَّم مِثله (2).)(وَلا يَنْقُصُهُ نَائِلُ. إنه يُعطى بِلا حساب، وخَزَائنه عَلَى مَا هِي لا فرق أَنْفَقَ أو لم يُنفق لِأَنَّهَا تُستمد مِن قُوَّةٍ لا حد لها ولا نهاية، والخزائن التي تنقص بالإِنْفَاق تمتلىء بالكسب، والجمع من هنا وهناك (وَلا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ، وَلا يُحَدُّ بِأَيْن، وَلا يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ، وَلا يُخْلَقُ بِعِلَاجِ، وَلا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسَ، وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ). إِنَّه تَعَالَى قُوَّة عُليا فوق الطَّبِيعَة، عَالِمة قادرة، لا يقع عَلَيْهَا حسّ، ولا تدخل في دائرة المشاهدة، لأَنَّهَا ليست بمادة كي تُنظر، وتُلمس، وتفتقر إلى حَيّز، ومكانٍ، وإذا عَجزت الْعُقُول عَن إدراكها فكَيْفَ تُدركها الحواس، وتُقاس بالنّاس !. إِنَّهَا تَخلق بِكَلِمة «كُن» لا بآلة، ومزاولة، وتُدبر بقوانين تودعها في الكائنات لا بجوارح وأدوات.)(الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً، بِلا جَوَارِحَ وَلا
1) انظر، بحار الأَنْوَار : 293/66 ح 23، توحيد الشيخ الصدوق : 59 شرح أصول الكافي : 23/1، حق الْيَقِين : 47/1، حلية الأولياء : 374/10 الشفا بتعريف حقوق المصطفق للقاضي عياض : 245/1، تَارِيخ دمشق : 60/66، ولكن ينسبه إلى الشبلي نقلاً عن الرِّسالة القشيرية للقشيري: 301، ولكن عند المراجعة لم أعثر عَلى هَذَا الْقَوْل فِي الرِّسَالَة.
2) أنظر، شرح الخُطْبَة : (178). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
أَدَوَاتٍ... إلخ أي خَلق الكلام في الشَّجَرَة فَسَمعَه مُوسَى، كما في الآية: ﴿فَلَمْاً أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَطِي الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَامُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (1)فمِنَ الشَّجَرَةِ مُتَعَلِّقَ بِنُودِيَ، فَالشَّجَرَةِ بالنِّسبَة إِلى مُوسَى كالاِسْطوانة بالنسبة إلينا مع الفرق البعيد، لأنّ الَّذي نَسْمَعه من الاِسْطوانة خارج مِن فَمٍّ، ومُسجل بآلة، والكَلام الَّذي سَمعهُ مُوسَى حَلَّ فِي الشَّجَرَةِ بمُجَرد الإِرَادَة القُدسِية (بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جِبْرِيلَ، وَ مِيكَائِيلَ، وَجُنُودَ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ... إِلَى أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ). لا تُحاول الحال بوصف الله تحديد ذاته... وإن أبيت إلّا الفُضُول والتمحل فنحنُ نُهُون عَلَيْكَ، ونَكتفي مِنك أن تصف جِبْرِيل، أو غَيْره من المَلائِكَة الَّذِين عجزوا عن وصفه تَعَالى، وهُم أقرب إلَيْهِ مِنكَ، وأعلم، وإذا عجزت عَن وصف المخلوق فأنتَ عَن وصفِ الْخَالِقِ أَعْجز.)(فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ، ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَالْأَدَوَاتِ، وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ الغَرض واحد مِن أثْنَيْن: إمّا أنْ تَكُون له أعضاء، وهيئة من الهيئات فَتحدَه بها، وإمّا أنْ يَكُون له أجل يَنتهي بنهايته فتعرفه به، والله سُبْحَانَهُ لا حَدٌ، ولا نهاية، ولا شكل، وهيئة (فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ)، أي أنّ العِلم والْعَمَل بدين الله، وحلاله، وحرامه هدى ونور لا تضر معه أية صِفَة يراها النّاس نقضاً، وظلاماً كالْفَقْر، وقله الرّجال، والأَنْصَارِ (وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ). المُرَاد بِظُلْمَتِهِ تَعالى حِجَاب الجهل، والمَعْصِيَة بَيْنَ الله، وعبده، والمعنى أن الجهل بدين)
1) الْقَصَصِ : 30.
الله، أو العِلم به بلا عمل ضَلال، وظُلم لا يُجدي معه أي وصف يَراه النّاس نُوراً وكمالاً كالجاه، والمال، ومن أجل هَذَا قَال الْإِمَام : «الْغِنَى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى الله» (1.)(أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ أعْطَانَا الله نِعَماً لا يبلغها الإحصاء، مِنْهَا اللباس الفاخر، والطَّعام، والشّراب، فَعلينا أنْ نُعطيه من أنفُسنا ما أحبّ، وإن كرهت (فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً. أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا، لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)). جَمع لسُلَيْمانَ بْنَ دَاوُدَ الْمُلْكِ والنُّبوَّة، وسخر له الرّيح، والطَّير، والإنس والجنّ، فَنُوا لَهُ مَا أَراد هَياكل، وتماثيل، وجِفَان كالجَوَابِي، وقدُورٍ رَاسِيات... وما انقضت أَيَّامه حَتَّى لُفٌ بِخرْقَة ودُفنَ فِي حُفرة، ذَهب سُلطانه مع الريح التي كَان يَمَنطِيها فِي غَدُوهِ، وروَاحه.)(أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ : أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ ؟. قَالَ أَصْحَاب التَّوَارِيخ : «إنّ الْعَمَالِقَة يُنسبون إلى عِمْلاق أبن ارم بن سام بن نُوح (2)، وإنّه كان لهُم)
1) انظر، نهج البلاغة : الحكمة (452).
2) وقيل : هُم من الْعَرَب العاربة. بنو الْعَمالِقَة، وكانوا بِبَابل فغلبتهم عَلَيْها الفرس، فانتقلوا إلى تهامة بالحجاز، ثم تفرقوا في الحجاز، والبحرين، وعمّان، والجزيرة، والسّام. قال الطَّبَرِي : كانوا غرباً، ولسانهم عربي، وكَانَ منهم ملوك العراق، والجزيرة، وجبابرة الشّام (الكنعانيون) وقراعنة مصر، وتَكَرَّر في التوراة ذكر قتالهم لليهود. قال :پوست (العمّاليق شعب قوي ذكرا أوّلاً في قِصَّة كَدر لعومر (سفر التكوين : 7/14) ولا يُعرف أصلهم، وعدّهم بلعام أوّل الشعوب، أنظر، تفسير الطَّبَرِيّ : 338/6، الاختصاص للشيخ المفيد : 265، بحار الأنوار: 57/11، فتح الباري: 278/6، الفائق في غريب الحديث للزمخشري : 401/2، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 93/10 0 الأعلام للزركلي : 88/5 تأريخ ابن خلدون : 27/2، التيجان لابن هشام : 46، صبح الأعشى : 313/1 قاموس الكتاب : 112/2 من كتابه أبو الهول ، معجم قبائل الْعَرَب عُمَرَ رضا كحالة : 853/2، قلب الجزيرة لفؤاد حمزة : 216، البداية والنهاية : 175/1.
سُلطان في اليمن، والحجاز، وما تاخم ذَلِكَ من أقاليم، وقد أخنَى عَلَيْهِمْ الَّذِي أخْنَى عَلَى هِتلر، ومُوسوليني. قَال المَسعُودِي : «بَغُوا فِي الْأَرْضِ فَسلط الله عَلَيْهِمْ ملوك الأرض» (1. وأيضاً سلط الله عَلى هَؤُلاء الملوك من أفناهم، وكَذَلِكَ يُسلط سُبْحَانَهُ على خُلَفَاء هِتلر، ومُوسوليني، وعَلى كلّ بَاغية، وطَاغية (فَهَلْ يَنظُرُونَ إلَّا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ) (2).)(أيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسُ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ، وَأَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ... إلخ. قيل : الرَّسُ أسم بئر، وإنّ أَصْحَابِهِ إِذَا جَاءَهم نَبِي القُوه فيها. فأرسل الله عَلَيْهِمْ ريحاً عاصفة مُلتهبة سلقت أبدانهم، وإِنَّ الْأَرْضِ قَذفتهم بمواد كَبِرِيتِية مُتقدَة فَذَابت أجسامهم، ودَمرت مَدَائِنهم (3).)
1) أنظر، تاريخ الطَّبَرِي : 140/1 طَبْعَة الاِسْتِقَامَة.
2) فَاطِرِ : 43.
3) أنهم كانوا قوماً يعبدون شجرة صنوبر يُقال لها : شاه درخت وكَانَ یافث بن نوح غرسها على شفير عين يُقَال لها روشاب كَانَتْ نبعت لنوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد الطوفان، وإنّما سموا أَصْحَاب الرّس، لأ. لأنهم رسوا نَبِيَّهم في الْأَرْض، وذَلِكَ بعد سليمان بن داود (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكان لهم أثنتا عشرة قرية على شاطىء نهر يُقال له «الرس» من بلاد المشرق، وبهم سمّي ذَلِكَ النّهر. وقيل : هم الَّذِين يبتدعون الْكَذِب، ويوقعونه في أفواه الرجال. وقيل: هم من رشي بين القَوْم وأفسد. وقيل: هي اللواتي باللواتي - أي المساحقات وهن الرسيات. وذكر أبن الجوزي في زاد المعاد: 156، خمسة أقْوَال :)أحدهما : أنهم قَوْم كانوا يعبدون شجرة فبعث الله تَعَالَى إِلَيْهِمْ نَبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فحفروا له بئراً وألقوه فيها فهلكوا. (وهذا قول الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).)والثاني : أنّهم قَوْم كَانَ هم نَي يُقَال له حَنْظَلَة بن صفوان فقتلوا نَبِيَّهم فأهلكهم الله. هذا قَوْل سعيد بن المسيب.)والثالث : أنهم كانوا أَهْل بئر ينزلون عَلَيْهَا، وكَانَتْ لهم مواش، وكانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إِلَيْهمْ شُعيباً فتمادوا في طغيانهم. يقول فانهارت البئر فخسف بهم وبمنازلهم. هذا قول وهب ابن منبه.)والرابع : أنهم الَّذِين قتلوا حَبيباً النّجار قتلوه في بئر لهم، وهو الذي : (قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ يس : 20. (وهذا قول السدي).)والخامس : أنّهم قَوْم قتلوا نَبِيَّهم، وأكلوه، وأوّل من عمل السحر نساؤهم. (هذا قول أبن السائب. أنظر، تفسير القرطبي : 100/2 و : 19/15، تفسير ابن كثير : 331/3، الدر المنثور : 71/5، فتح القدير : 78/4 تأريخ دمشق : 12/1، البداية والنهاية : 262/1، قصص الأنبياء لابن كثير : 376/1. سُبل الهدى والرشاد : 348/1، مجمع البحرين : 175/2 و : 75/4، بحار الأنوار: 153/14. فتح الباري 377/8، شرح أصول الكافي : 294/6، معاني الأخبار للشيخ الصدوق: 48، ثواب الأعمال للصدوق : 268، علل الشرائع للشيخ الصدوق : 431/1.
### لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا... فِقْرَة 6:وَ مِنْهَا : قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا، وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا، مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا، وَ التَّفَرُّخِ لَهَا، فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا. فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلامُ، وَضَرَبَ بِعَسِيبٍ ذَنَبِهِ، وَأَلْصَقَ الْأَرْضَ بجرَانِهِ. بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ.أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَتَقْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَتِ الْأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا، وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا لِلهِ أَنتُمْ ! أَ تَتَوَكَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ (6 ؟)اللُّغَة:الجنة - بضم الجيم - الوقاية. والعَسِيب، عظم الذَّنَب. والجِرَانِ من البَعِير : مُقَدَّم
عُنقه، يُقَال : ألق البَعِير جِرَانِه، أي بَرك. فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا لَم تَجْتَمَعُوا.الإعراب:بِجرَانِهِ البَاءِ زَائِدَة، وجِرَانِهِ مَفْعُول أَلْصَقَ، وبَقِيَّةٌ خَبَر لَمُبْتَدَاً مَحذُوف أي هو ويجوز أَنْ تَكُون خَبَراً ثانياً هُوَ مُغْتَرِبُ، واللهِ أَنْتُم اللام للتَّعجب.الْمَعْنَى: (قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا). يُرِيد الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الوصف المُؤْمِن العَارِف، ولا يُريد إمَاماً غَائباً، أو ولياً،حاضراً، والمراد بالحِكْمَةِ هُنا مَخافة الله، كما جَاء فِي الحَدِيث «رَأْس الحكمة مخافة الله» (1). أمّا جُنَّة الْحِكْمَة فَقد فسرها الْإِمَام بقَوْله : (وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا، مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا). أي عمل بموجبها، وذَلِكَ بأنْ يُخلص الخَائِف الله، ويَتكل عَلَيْهِ وحدَه، ويُفوض الأمْرِ إِلَيْهِ كلّه، ويَعمل بكلِّ ما أمر به، وينتهي عن كلّ ما نُهي عنهُ (وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا) أي بأحكامها، ومواردها (وَ التَّفَرُّغ لَهَا) الاِنْصراف عن الفُضُول، والخواص فيما لا طَائِل تَحتَه.
(فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَ حَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا. «الحِكْمَة ضَالَّة الْمُؤْمِن يأخذها أين وجدها» (2)، ومن أَقْوَال الْإِمَام : «خُذِ الْحِكْمَة أَنَّى كَانَتْ فَإِنَّ)
1) أنظر، مُسْنَد الشّهاب : 1 / 100 ح 115، تفسير ابن كثير: 323/1 نوادر الأصول في أحاديث الرَّسول : 84/3، شعب الإيمان : 470/1 743، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 270/2 ح 3258، فيض القدير : 574/3، كشف الخفاء : 372/1 وص: 507 ح 1350.
2) أنظر، سنن الترمذي : 51/5 ح 2687، سنن ابن ماجه: 1395/2 ح 4169، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 240/7 ح 35681 مُسْنَد الشهاب : 65/1 ح 52 الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 152/2 ح 2770، فیض القدير : 545/2، لسان الميزان : 135/4، تهذيب التهذيب : 131/1 ح 270، التدوين في أخبار قزوين : ح 95/4 تاريخ بغداد: 251/8 صفوة الصفوة : 38/1، المدخل إلى السنن الكبرى: 447/1 - 844، تَفْسِير ابن كثير : 279/3.
الحِكْمَة تَكُونُ فِي صَدْرِ الْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ - أي تتحرك - فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ الْمُؤْمِنِ»(1. (فَهُوَ مُغْتَرِبْ إِذَا أَغْتَرَبَ الْإِسْلامُ). إِذَا كَان الْإِسْلَام غَرِيباً بَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين فالْمُؤْمِن أيضاً يَكون غَرِيباً بَيْنَهُم، كما هو الشأن في عصرنا حَيْث يُسخر أكثر أبنائه من المحافظين على دين الآباء والأجداد.)(وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنْبِهِ، وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ أي أنّ الْمُسْلِم المُخلص يَكُون بَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين كالبَعِير الَّذِي أَلصَقَ نَحرهُ فِي الْأَرْضِ، وضَرَبَهَا بِذَنَبِه، وَلا يَسْتَطِيع فِي شَيء سوى ذَلِكَ (بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ). الضَّمِيرِ فِي حُجّتِهِ وأنْبِيَائِهِ اللَّه تَعَالَى، والمَعْنَى أنّ ذاكَ المُسْلِم المغترب هُو بَقِية الَّذِين يَحتَج بِهِمْ سُبْحَانَهُ عَلَى خَلقِهِ، وامتداد لأَنْبِيَاء الله، وَرُسُلِهِ.)### الدِّين تَسْلِيَة، وَرَفَاهِيَة:(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ... إلخ. رعَظَ الْإِمَام أَصْحَابه بموَاعِظ الله، وأَنْبِيَائه بأسلوب العليم الحكيم، ووَعظهم، وبالغ فِي النَّصِيحَة لا لِمَنْفَعة شَخْصِية، ولا حُبّاً بالكلام، أو إظهاراً للمَقْدَرة، أو لأن الوعظ مُجرد وَظِيفَة كَخُطْبَة الجُمُعَة فِي المَسْجِد، أو خُطْبَة الأحد في الكنيسة، بل)
1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (79).
لشعُورِه بأنّه مَسْئُول عَنهُم أمَام رَبِّه، وضَمِيره... ومَع هَذَا صَمُوا الآذان، ونَفَضُوا الْأَيْدِى، وهُم عَلى يَقِين مِن نُصح الوَاعِظ، وثِقَة بعلمه، ودِينِهِ.ولا عَجَب ! فقد وَعظ نَوْع قَومَه فَقَالُوا لَهُ : (قَالُوا لَئن إِن لَّمْ تَنتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (1)، وأيضاً وَعَظَ إِبْرَاهِيمَ قومه : (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوا الهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) (2)وحاول بَنُو إِسْرَائِيلَ صَلب السَّيِّد المسيح، (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبّه لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أَخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتَّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَا بَل رفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (3)، وحاولت قُرَيْش قتل مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)والَّذِين قتلهُم قَوْمَهُم مِن الأَنْبِيَاءِ لا يعلم عِدتهم إلا الله... والذَّنب الوَحِيد هو الوعظ، والإِرْشَاد.وأمن النَّصارى بعيسَى، وقَالُوا : دينهم هو دين الإِنْسَانِية، والمَحَبَّة، ثم ظهرت هَذِه الحَبَّة من قَبْلُ فِي جَرَائِم مَحَاكِمِ التَّفتيش، وفي المذابح الصَّليبية، وظهرت من بَعد في هِيرُوشِما، وكوريا، وأفريقيا، والهِند الصينية. واليَهُود آمنوا مُوسَى وَإِنَّهُ بُعث لمحاربة الْبَغْى فِي شَخص فِرْعَوْنَ الَّذِي كَان يَستعبد رِجَالهم ونساءهم، ويُذبح أطفالهم... وتمثل إيمان اليهود برِسَالَة مُوسَى في فظائع إِسْرَائِيلَ بفلسطين... وأيضاً آمن المُسْلِمُون بِمُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وإنه الخاتم لما سبق، والفاتح لما أستقبل، وإنّ الإِسْلام هو دين القُوَّة، والحياة، ودين العلم والحضارة والتعاون)
على الْبِرِّ، والخَيْرِ، وظهر كلّ ذَلِكَ جَليّاً في تناحر المُسْلِمِينَ، وجَهلهم، وانحطاطهم وذُلهم، وهوانهم... حَتَّى عَلى الأذل الأحقر.والسِّر أنّ الدِّين شَيء، ومُمارسته شَيء آخر، إنه مُجرد فكرة، ونَظرِية عند المنتسبين إِلَيْهِ، أو شعَائِر، وكلمات جُوفاء لا تعني شَيْئَاً، أو عادة، وتقليد، أو تَسلية وتَرفيه، أو مَا شِئت من التَّعبير عَلى أنْ تَدع كلمة التّجاوب، والتَّفاعل بَيْنَ الدِّين والمنتسبين إِلَيْهِ... حَتَّى الَّذِين يعلو صُراخهم من أجل الدِّين، ويَتباكُون عَلَيْهِ، وتشهد أفْعَالهم، أو عَلى أَكْثَرهم، أو الكَثِير بأنهم بَلا دِين.### إِخْوَانِ الْإِمَام... فِقْرَة 7:أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلًا، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً، وَأَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الْأَخْيَارُ، وَ بَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى، بِكَثِيرٍ مِنَ الْآخِرَةِ لَا يَفْنَى. مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ - وَهُمْ بِصِفِّينَ - أَلا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً ؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ وَ يَشْرَبُونَ الرَّنْقَ ! قَدْ - وَ اللَّهِ - لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ.أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ وَ أَيْنَ ابْنُ التَّيْهَانِ ؟ وَ أَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ؟ وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى وَ الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ !قَالَ : ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ، فَأَطَالَ الْبُكَاءَ، ثُمَّ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ:)أَوْهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ
ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ :الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ أَلَا وَ إِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا، فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى الله فَلْيَخْرُجُ (7!)اللغة:أَزْمَعَ : عَزَمَ. والرَّنْقَ : الكَدَر.الْإِعْرَابِ:قَلِيلاً صِفَة لفعُول مَحذُوف أي بَاعُوا مَتَاعَاً قَلِيلاً، مَا ضَرَّ «مَا» أستفهام للإِنْكَار، وتحلها الرَّفع بالاِبْتِدَاء، وإِخْوَانَنَا مَفْعُول ضَرَّ، الْمُصْدَر مِن أنْ لا يَكُونُوا فَاعِل، وأَوْهِ أَسم فِعل بِمَعْنَى أَتُوجَع.الْمَعْنَى:(قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلًا، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً. أَدْبَرَ الضَّلال الجَاهِلِيَّةِ، وأَقْبَلَ الهُدَى النُّور في عهد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولما حَكَم مُعَاوِيَةَ الشّام، وصار لهُ رِجَال وأتباع أَدْبَرَ الهُدَى والرشاد، وأقبل الضَّلال، والفَسَاد.)قال أبن أبي الحديد : روى أبو عبد الله البصري في كتابه «نقض السفيانية» عَلى الجاحظ أخباراً كَثِيرة تدل على أنّ مُعَاوِيَةَ في دينه، وروى أحمد بن أبي طاهر في كتاب «أخبار الملوك»: إِنَّ مُعَاوِيَةَ سَمع المؤذن يقول : «أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ، فقال : لله أبوك يا أبن عبد الله ! القَد كُنتَ عَالِي الْهِمَّة، وما
رَضِيت لنفسك إلا أنْ يُقرن أسمك باسم رَبِّ العالمين» (1. قَاسَ مُعَاوِيَةَ نَفسٍ رَسُول الرَّحْمَةِ عَلَى نَفْسِهِ فخاطبه بمَا يَهتز لهُ العَرش.)(وَ أَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الْأَخْيَارُ، وَ بَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى، بِكَثِيرٍ مِنَ الْآخِرَةِ لا يَفْنَى يُشِير بهذا إلى إِخْوَان لهُ في الدِّين، وأنهم ذهبوا إِلَى رَبِّهِم راضين مرضين، وكنّى عن أنقضاء أجلهم بالعزم عَلى الرَّحِيل إلى الله، لأنّهم آثرُوا الآجِلَةِ على العاجلة، والْبَاقِيَة عَلى الفَانِية، وبعد قليل يَذكر أسماء بعضهم (إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ - وَ هُمْ بِصِفِّينَ - أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً ؟ إلى... بَعْدَ خَوْفِهِمْ). اسْتُشْهِدَ بَعْض إِخْوَانِ الْإِمَام بِصفّين في سَبيل الله فقال : هَنِيئاً لهُم، لقد أسْترَاحوا من المأزق الحرج الذي أعانيه من تفرق الكلمة، وشتَاب الرأي... إنهم الآن في جوار رَبِّهم يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ (2):)جاورتُ أعْدَائِي وجَاوَرَ رَبّهُ*** شتان بين جوارِهِ وجواري
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة : 101/10، بحار الأنوار: 202/33، كتاب صفين : 2014، طعبة الحديث بمِصْر. وَقَالَ لِلْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَة : بَعد أن ذكر ملك أبي بكر، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وأَنهم هَلكوا فهلك ذكرهم : وإنّ أخَا هَاشم يُصرخ بهِ في كلِّ يَومٍ خَمس مرات : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولَ اللهِ، فأي عَمَلٍ يَبْقَی مع هذا؟ لا أم لك... لا، والله إلا دفناً دَفناً أنظر الموفقيات للزبير بن بكار : 577، مروج الذهب : 454/3، شرح نهج، الْبَلاغة : 120/5، ولما سمه المأمون بالخبر أمر بلعنه كما جاء في الطَّبَرِيّ: 284/10، ومروج الذهب: 411/4.
2) هَذَا الْبَيْت مأخوذ من مرتبة عَلي بن محمد بن عهد التهامي، أبو الحسن، شاعر مشهور من أَهْل تهامة. زار الشام، والْعِرَاق، وولي خِطَابة الرملة، ثُم رحل إلى مصر، متخفياً، فعلمت به حكومة مِصْر، فأعتقل 2. وَحُبس في دار البنود، ثُمَّ قُتل سِراً في سجنه سَنَة 416 هـ، قال أبن خلكان له مرئية في ولده، وكَانَ قَد مات صغيراً، وَهِي في غاية الحسن. أنظر، وفيات الأعيان: 378/3 تحت رقم «471» الأعلام للزركلي : 327/4، سير أعلام النبلاء : 382/17 و : 400/19، البداية والنهاية : 25/12، تاج العروس : 215/8.
### لَا يَمُوْت عَلَى الْحَقِّ إِلَّا الْمُجَاهِدُون:(أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ الْقَويم؟ (وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ ؟) أي قَاتَلُوا من أجل الحق، وقُتلوا في سبيله، مهما شككت فإنّي لا أشك أبَداً في أن مَا مِن أحدٍ يموت، ويمضى على الحق إلا إذا جَاهد الطَّغاة، أو كَان عَلى نِيَّة جهادهم... ولَيْسَ مِن الضَّرُورِي أنْ يُجاهد بالسَّيْف، فجهاد كُلِّ بِحسبه، فالتشهير بالظالم، وإذاعة أهدافه، وأسوائه جهاد، وكَذَلِكَ الوقوف بجانب الجَاهِدِين، والتَّحَمُس بأنهم على حَقٌّ، ومِن الجهاد أيضاً الأعراض عَمّن طَغَى، وبَغى، والكف عن تأييده، وانتخابه لمنصب من المناصب. قال الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «من مَاتَ وَلَمْ يَعْزُ، وَلَمْ يُحدث نَفْسَه بِعْزُوِ مَاتَ مِيتَة جَاهْلِية» (1)وَهَذَا الحَدِيث يَحملُ فِي ثَنَايَاهُ الدَّلِيل عَلَى صحته، يُعززه قَوْله عَزَّ مَن قَائل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) (2).)وكَلِمَة «إِما» حَصَرَت الإيمان بهذه الأَرْكَان، ومِنْهَا الجهاد بالنَّفْسِ، والمال، فهو تماماً كالإيمان باللهِ، وَرَسُوله. ولا بُدّ من الإِشَارَة إلى أنّ الكدح فِي سَبِيلِ الْأَهْل والعيان، والدفاع عن المال الحلال، وبذل الجهد في طَلب العِلم، وكَبح النَّفس عن الحرام، كلّ أُولَئِكَ جهاد في سبيل الله، وأفضل أنواع الجهاد كَلِمَة عَدلٍ عِند إمَام جائر»(3، أما الْحَج فقد كان جِهَاد كلّ ضَعِيف في عصر الجَمَل، والدُّواب لا في
1) انظر، مُنْتَهى المطلب للعلامة الحيلي: 898/2، السنن الكبرى للبيهقي : 48/9، شرح صَحِيح مُسلم للنووي : 56/13. كشف الخفاء : 280/2 ح 2622، تفسير ابن كثير : 259/1.
2) الْحُجُرَاتِ : 15.
3) أنظر : كنز العمال: 64/3 ح 5511 و 5512 و 5514، الجامع الصغير : 81/1، الخصال: 65.، التهذيب : 6 / 178، غُرر الحكم: 8957، مُشنَد :أحمد : 19/30، سُنن ابن ماجه : 1329/2 ح 4011، سنن أبي داود: 235/2 ح 4344، سُنن الترمذي : 318/3 ح 2265، سنن النسائي : 161/7، المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم 506/4 مجمع الزوائد : 272/7، فتح الباري : 44/13، تُحفة الأحوذي : 328/6، المُصَنَّف لابن أبي : شيبة : 47/11 ح 2070، السنن الكبرى: 435/4 ح 7834 مُسْنَد أبي يعلى: 353/2 المُعْجَم الأوسط : 52/7، المعجم الكبير : 282/8.)
عصر الطيارة، والسيارة.(أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ بن يَاسر، أَسْلَمَ هُو، وأبوه، وأُمّه، وكان المُشْرِكُون يَخرجُونهم إِلى مَسِيل مَاءٍ فِيهِ الحصى، ويُسمى الأبطح، فإذَا حُمِيت الرَّمضَاء عَذبُوهم بحرِّه ومَر النَّبِيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذات يَوْمٍ، وهُم يُعذَّبون. فقال صَبراً آل ياسر : فإنّ موعِدكُم الجنَّة، فمَات يَاسر في العذاب، وهو أوّل شَهيد في الإِسْلام، وطَعن أبو جهل أُمّ عَمَّار فِي المكان الحسّاس، وقيل رَكَله برجلهِ حَتَّى ماتت، وَهِي أوّل شَهيدة في الإسلام، أمّا عَمَّار فعذَّبُوه بالتَّعْرِيق في الماء تارةً، وبوضع صَخرة عَلى صَدره أخرى... ولكن الله أرجأ قتله إلى يَوْمٍ صِفِّين، يُميز بقتلهِ الْفِئَة الْبَاغِيَةُ عن الْفِئَة المُؤمِنَةِ الْعَادِلة (1).)(وَ أَيْنَ أَبْنُ التّيّهَانِ ؟ وأسمه مالك، وهُو صَحابي جليل (2)، وله العديد من)
1) أنظر، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 432/3 4 ح 5646 و 5666 مجمع الزوائد : 293/9، المعجم الأوسط : 141/2 ح 1508، المعجم الْكَبِير : 769/24، شعب الإيمان : 239/2 ح 1631. تهذيب الكمال ح 21/216، تاريخ بغداد : 150/1 رقم (6) و : 314/3 و : 343/11 الاستيعاب : 1589/4 ح الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 249/3 و : 136/4، الإصابة : 266/4 رقم «5034 و 5708» و: 639/6 رقم «9214» و : 712/7 رقم «11336». تهذيب الأسماء : 352/2 و 446، علل الدار قطني : 35/3 ح 272، السيرة النَّبَوِيَّة : 162/2.
2) أبو الهَيْثَم مَالِك بن التَّيِهَانِ بن عَتيك بن عَمْرُو بن عبد الأعلم الأَنْصَارِي الأَوسِي، كَانَ أَوّل مَن بَايَعَ رَسُول الله لَيْلَة العقبة وحضر الحروب مع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشهد صفين مع الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقتل فيها. (أنظر الدَّرجات الرفيعة في طَبقات الشافعية : 320 بَدْرِيّ، وأنظر ترجمته في أسد الغابة : 274/4 و : 318/5، أَنْسَابِ الأَشْرَاف : 319/2، الإصابة : 4 / 212، الإستيعاب بهامش الإصابة : 200/4.
السَّوَابِق والمناقب، مِنْهَا : أنه أوّل من بَايَعَ رَسُول الله من الْأَنْصَارِ لَيْلَة العقبة، وقَبل الهِجْرَة (1. ومِنْهَا : أَنه كَانَ أحد النقباء الذين اختارهم الأَنْصَارِ لَيْلَة العقبة.)
1) كَان النَّبِيِّ يَعرض نفسه على القبائل، وفي أحد المواسم ألتقي بستة من الخزرج ولما كلمهم أسلموا، فجاء وه في العام التالي ومعهم مثلهم، وبَايَعَ الإثنا عشر النَّبِيِّ عِند العقبة، وتُسمى هذه بَيْعَة العقبة الصغرى، وعادوا في العام الَّذِي يَليه مع آخرين، وبلغ الجميع سبعين، وبايعوا النَّبِيِّ عِند العقبة أيضاً عَلَى السَّمع، والطَّاعَة في اليسر والعسر، وتُسمى هذه بَيْعَة العقبة الْكُبْرَى مِنْهُ ((قدّس سِرُّه)).)والْبَيْعَة لغةً: صفق اليَد عَلَى اليَد وَهِي علامة على وجوب البيع، وأَصْبَحت في الإِسْلام علامة مُعاهدة المبايع للمبايع لهُ أنْ يبذل لهُ الطَّاعَة في ما تقرر بَيْنَها، ويُقَال : بايعه عَلَيْهِ مُبايعة : عَاهده عَلَيْهِ. وقد ورد في الْقُرْآن الكَرِيم قَوْله : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (الْفَتْحِ: 10).)إن أوّل بَيْعَة فِي الْإِسْلَام هِي بَيْعَة العقبة الأولى، أخبر عنها عبادة بن الصامت وَقَالَ: وافى موسم الحج من الأنصار أثنا عشر رَجُلاً مِمَّنْ أسلم منهم في المدينة، وَقَالَ عبادة : بايعنا رَسُول اللَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ النِّسَاء وذَلِكَ قبل أنْ يُفترض علينا الحزب، على أن لا تشرك بالله شَيْئاً، ولا نسرق، ولا نزنى ولا تقتل أولادنا ولا تأتي بهتان نفتريه من بَيْنَ أَيْدِينَا وأرجُلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنَّة، وإنْ غَشيتم من ذَلِكَ شَيْئاً فأخذتم بحده في الدُّنْيَا فَهُوَ كفارة له، وإن سترتم عَلَيْهِ إلى يوم الْقِيَامَة فأمركُم إِلى الله عزّ وجل، إن شاء عذب، وإنْ شَاء غَفر. (أنظر سيرة ابن هشام: 40/2 - 42).)أما أبن الأثير في : 67/2 ذكر في الهامش تعليقاً على سيرة ابن هشام بأنهم سبعة وسابعهم عُقبة بن عامر. ومنهم أسعد بن زرارة بن عدس أبو أمامة، وعوف بن الحرث بن رفاعة وهو أبن عفراء، كلاهما من بني النجار، ورافع بن مالك بن عجلان وعامر بن عبد حارثة بن ثعلبة بن غنم، وكلاهما من بني زريق، وقطبه بن عامر بن حديدة بن سواد من بني سلمة، وعُقبة بن عامر بن نائي من بني غنم، وجابر أبن عبدالله بن رياب من بني عُبَيْدَة.وشهدها من الأوس أبو الهيثم بن التيهان - مالك - حليف بني عبد الأشهل، وعويم بن ساعدة حليف لهم فأنصرفوا عَنْه، وبعث الله الله معهم مُصْعَب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار، وأمَرَه أن يقرئهم الْقُرْآن، وهو أوّل من تَسمّى بالمقرئ. (أنظر صحيح البخاري : 4 - 70/6 ط دار إحياء التراث العربي بيروت. أنظر سيرة ابن هشام : 49/2، المناقب لابن شهر آشوب: 181/1، البحار : 8/19، الكامل لابن الأثير :098/2.
ومِنْهَا : أَنه شَهِد بَدْراً وغيرها مع رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ (1). اسْتُشْهِدَ بصِفِّين مع الإمام (2).)(وَ أَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ؟ هو خُزَمة بن ثابت الأَنْصَاري من الأوس، «شهد خُزَيْة بَدْراً وما بعدها من المشاهد، وكان مع عَليّ حَرْب الْجَمَل، وصِفِّين، فلما قتل عَمَّار :قَال : سمعتُ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول تقتل عَمَّاراً الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، ثُمَّ سَلّ سَيْفه فقاتل حَتَّى قُتل» (3). وجَعَل رَسُول الله شهادته بشهادتين وقَد غَلب عَلَيْهِ هذا الاسم، وقِيل في سبب ذلِكَ : إنّ أعرابياً بَاع فرساً لرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثُمَّ نَدم، وأنْكَر البيع، وَقَالَ للرَّسُول : أين شاهدك عَلى البيع ؟ فشهد خُزَيْمَة بأنّ الْأَعْرَابِي بَاع فرسه)
1) أنظر تأريخ الطَّبَرِيّ : 28/6، مروج الذهب : 2/ 434، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 433/1. الكامل : 162/3، البداية والنهاية : 275/7، و : 1/ 474 الطبعة الأولى، و : 191/5 تحقيق أبو الفضل، الغدير للأميني : 362/2. وقيل إنّ عدد البدريين الذين قتلوا مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصفّين 100. كما ورد في وقعة صفين لا النصر بن مزاحم : 238 الطبعة الثَّانِيَة بمصر. ولكن في الطبعة الثانية تحقيق عبد السلام هَارُون / المؤسسة العَرَبية الحديثة / منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم وردت العبارة في: 238 بعد أن أورد كلام مالك الأشتر (رضیَ اللّهُ عنهُ) هكذا وأعلموا أنكم عَلى الحَقِّ، وأنّ الْقَوْم عَلى البَاطِل يُقاتلون مع مُعَاوِيَة. وأَنْتُمْ مع البَدْرِيِين قَرِيب من منةِ بَدْرِي ومن سوى ذَلِكَ من أَصْحَاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَكثر ما مَعَكُمْ رايات قد كَانَتْ مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، و مع مُعَاوِيَة رايات قد كَانَتْ مع المشركين على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)... وانظر شرح النهج لإبن أبي الحَدِيد : 484/1 ط مصر قديم، و : 191/5 ط مصر بتحقيق محمد أبو الفضل.
2) قُتل بصِفِّين سَنَة (37 هـ). أنظر أسد الغابة : 274/4، و : 318/5، 1 أَنْسَاب الأشراف: 319/2. الإصابة : 212/4 الاِسْتِيعاب بهامش الإصابة : 200/4.
3) تَقَدَّم أستخراج الحَدِيث.
للنّبي. فَقَالَ لهُ النَّبي أكُنتَ حاضراً عِند البيع يا خُزَيْمَة ؟ فقال : لا يَا رَسُول الله، ولكن هل أصدقك بما جئت به عن الله، ولا أصدقك عَلَى هَذَا الْأَعْرَابِي الخَبِيث ؟. فقال لهُ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : شهادتك شهادة رَجُلِين (1).
1) أنظر، صَحِيح البُخَاري : 1033/3 ح 2952 و: 1795/4 ح 4506، المستدرك عَلَى الصَّحِيحِين : 21/2 ح 2187 مجمع الزوائد : 182/7 و: 320/9، سُنن البَيْهَقِي الْكُبْرَى : 41/2 ح 2203 و : 66/7 ح 13182 و : 145، سنن النسائي : 301/7 ح 4647، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 538/4 ح 22933، شرح معاني الآثار : 43/3، مُعتصر المختصر : 26/2، مُسند أحمد: 188/5 ح 21683 و 21933 و 21935، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 359/2 ح 3604، فتح الباري: 24/6 ح 2652، صفوة الصفوة : 703/1، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى: 379/4، الإصابة : 278/2 2253، تهذيب الأسماء: 147 تُحفَة الطَّالب: 290/1، المحلى لابن حزم الظَّاهِري: 348/8، نيل الأوطار للشوكاني : 5 / 271.)ولَسْنَا بصدد بيان ردّ المؤرّخ الْكَبِير أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبَرِي في تأريخه: 3 حوادث سَنَة (37 هـ وما بعدها، وما تبعه المؤرخون من بعده بأنه بدل وغير اسم الصَّحَابي الجليل الذي شهد بَدْراً وما بعدها، وسبب تسميته بذي الشهادتين لأنه شهد للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَلى يهودي في دين قضاء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال : كيف تشهد، ولم تحضره، ولم تعلمه ؟ قال : يَا رَسُول الله نَحْنُ نصدّقك على الوحي من السماء فكيف لا تصدقك على أنك قضيته ؟ فأنفذ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شهادته وسماه «ذا الشَّهادتين» لأنه صيّر شهادته شهادة رَجُلِين. كما ذكر ذَلِكَ أَهْل السِّير والتاريخ كالإصابة : الرّقم 2247، وجنى الجنتين : 160، وغَيْر ذَلِكَ بدله الطَّبَرِي فِي تَارِيخه إِلَى رَجُل آخر اسمه خَزَيْمَة بن ثابت الأوسي شهد بَدْراً، أو أحداً وهو غَيْر خُزَيْهُ الَّذِي قُتل في صِفِّين مع الإِمَام عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بل قال : أنه مات زمن عُثمان، وهذه من مختلفات سيف وهو يُحرّف، ويُصحف، ويقلب، ويختلق أمةً أُمّةً من الصَّحَابَة، والتابعين، ورواة الحديث، وقادة الفتوح، والشُّعَرَاء، وعدداً كبيراً من أماكن، وكتباً سياسية. وأراجيز كما فعل في أسطورة القعقاع التي أشرنا إلَيْهَا سابقاً، وعبدالله بن سبأ وسماك بن خرشة الذي زعمه غير أبي دُجانة، وبرة بن يَجنس الخزاعي مُرادفاً لاسم الصَّحَابِي وبر بن يحنس الكلبي وغيرهم، ومن أراد المزيد فليراجع كتاب العلّامة السَّيّد مرتضى العسكري في كتابيه : عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى: 1 و 2، وخمسون ومنة صحابي مختلق : 1 و 2.)وخُزَيْمَة هَذَا هو الَّذِي قَاتل مع عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ يوم الحمل، والذي أنكره الطَّبَرِيّ أيضاً، وقاتل مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم صِفِّين لأنّ قِصَّة استشهاده مع عَلي منقصه لبني أُمَيَّة لأنه من مشاهير أَصْحَاب رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن مفاخر الأوس. وهو من رواة حَدِيث عَمَّار «تَقْتُلُه الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ». أنظر الطَّبَقَات لابن سعد : 359/3، أَنْسَاب الأشراف: 170/1، الاِسْتِيعاب : 157/1، مُسند أحمد : 214/5، تاريخ الطَّبَرِي : 316/3. الموضح للخطيب : 1/ 277. وأنظر أيضاً الرَّوَايَات التي خلقها الطَّبَرِيّ : 3095/1 - 3096، والخطيب في الموضح: 275/12، وأبن عساكر بترجمة خُزَيْمة بسنده عن سَيْف من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق : 275 هـ رقم 337 ورقة 302 و 303. وقارن أيضاً مع ما رواه اليعقوبي في تأريخه : 178/2، ومروج الذهب: 366/2، والْفُتُوح لابن أَعْثَمْ: 289/22. وفي تاريخ الإسلام للذهبي: 171/2 شهد مع عَليّ يوم الجُمَل 130 بَدْرِيَّاً ومنهم خُزَيّة ((رَحمهُ اللّه)) ووَقْعَة صِفِّين : 92 وذكر منهم خُزَيْمَة (رَحمهُ اللّه) وقارن بين خُزَيْمَة الحَقِيقِي وخُزَيْمَة المختلق في الإصابة : 425/1 رقم الترجمة : 2251 و 2252، وانظر شرح النهج لابن أبي الحديد تحقيق أبو الفضل : 1/ 109، وأبن الأثير في الكامل : 84/3 وابن كثير في تأريخه : 233/7، وابن خلدون في تاريخه : 407/22 وأنظر كَذَلِكَ أَصْحَاب الْعُيُون والاقلام المأجورة مجلة الأزهر : 32/ العدد 1150/10 و: 33 / العدد 760/6، ومجلة «راهنمائي كتاب» الْفَارِشِيَّة طبع طهران السَّنَة الرابعة العدد: 696/7، والعدد 800/8، والعدد : 894/9.)وقد رئته أبنته ضبيعة بنت خُزيمة بن ثابت ذي الشهادتين :عين جودِي عَلَى خُزَيْمَة بالدم*** عِ قَتِيلِ الْأَحْزَاب يومَ الفُراتِقتلوا ذا الشهادتين عُتُواً أدْرَك الله منهم بالتّراتِقتلوه في فتيةٍ غَيْر عُزل يُسْرِعُون الركوب للدعَوَاتِإلى آخر الأبيات أنظرها في وَقْعَة صِفِّين : 365 و 366، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 0280/2 أسد الغابة : 3 / 124 و 282، الإصابة : 2/ 280، و : 4 / 213، مروج الذهب: 284/2ط الأندلس. الإستيعاب بهامش الإصابة : 268/2 و 395، و : 201/4، تأريخ الطَّبَرِيّ : 27/5، أسد الغابة : 303/1.
(وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَىٰ الْفَجَرَةِ. كَان مَع الْإِمَام فِي صِفِّين (2800) من الصَّحَابَةِ، مِنهم (87) من البَدْرِيين و (900) مِمَّنْ شَهِد بَيْعَة الرّضوان التى أشارت إلَيْهَا الآية : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ)
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثْابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (1)، وكان الصَّحَابَة قَد تعَاهَدُوا عَلَى الْمَوْت مع الإمام، وقُتل منهم غَير قليل، وأرسلت رُؤوسهم مع البريد إلى الأشرار، والفُجار (2)(أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَةَ). يَتأوَّه الإِمَام ويتوجع عَلَى الصَّفَوَّة من الصَّحَابَة الأخيار الذين عملوا بكتاب الله، واستنوا بسُنَّة رَسُول الله، واسْتُشْهِدَوا بصِفِّين في سَبِيل الله.)(وَ وَثقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ وأفتَدُوه بأرواحهم مُغتبطين مَسرُورِين، لأنهم رأوا في قائدهم أمير المُؤْمِنِينَ عِلم رَسُول الله، وأمانته، وهدية، وسيرته. قال أحمد عباس صالح: «كَان عَليّ واسع الشَّعبية، لأنه أمتداد لرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإِنْ كَان مُعَاوِيَةَ أستطاع أنْ يَختار من بَيْنَ أَنْصَار عَلى مَن لديه قابلية الخِيانَة بحكم الوَضع)
1) الْفَتْحِ : 18.
2) صِفِّين : مَا بَيْنَ أعالي الْعِرَاقِ، وبلاد الشام، تلك البلدة التي خلّدها التاريخ، وتلك الحرب التي استنفدت من الدم المهراق مئة يوم وعشرة يوم وعشرة أَيَّام، بلغت فيها الوقائع تسعين وَقْعَةً. كَانَتْ حَرباً ضَروساً، أو شكت أنْ تُفني المُسْلِمِينَ، وتذهب بمجدهم، وتمحو آثارهم فما كاد المسلمون ينزلون عن خيلهم بعد وَقْعَة الجَمَل سَنَة 36 هـ، حَتَّى أعتلُوْها مَرَّةً أخرى في حزب صفّين لخمس مضين من شوال يوم الأربعاء من تلك السَّنَة، وكَانَ الباعث عَلَيْها كالباعث على حزب الجَمَل وهو حُبّ الدُّنْيَا، والعداوة للرَّسُول، وأهل بَيْته (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ولو كَانَتْ هَذِهِ الْحَرْب في نصرة الإِسْلام لجرت على الإِسْلاَم خَيْراً كَثيراً بقدر ما جرت عَلَيْهِ من الضرر أو أكثر. (أنظر، أعيان الشيعة : 465/1، معجم البلدان (صفين)، وَقْعَة صِفِّين لنصر بن مزاحم تحقيق وشرح عبد السلام محمّد هَارُون الطبعة الثانية منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النَّجفي المؤسّسة الغربية الحديثة : 131، والفهرست لابن النديم : 137 و 144. وأنظر أبن خلكان 506/1، الطَّبَرِيّ في تأريخه : 235/5، و : 2/6 - 40، المعارف : 36، الاشتقاق : 152، وشرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 1/ 287، وغيرهم كثير.
الطَّبق، والمَصْلحة الطَّبقية» (1.)(الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ ! أَلَا وَ إِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا. روي أنّ هَذِه الخُطْبَة آخر خُطب الإِمَام، وإنه كان قد صمم عَلى العُودَة إِلى صِفِّين الحَرْب مُعَاوِيَةَ مَهما كَلفهُ الْأَمْر، فحثّ أَصْحَابه عَلى الجهاد، وأخبرهم بِعَزمه، وَقَالَ لهُم : (فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللهِ فَلْيَخْرُج) فاستجاب له من أستجاب، ولكن شَاء الله سُبْحَانَهُ أَنْ يُرِيحَهُ من هموم النّاس، وشِقَاقهم، ونفَاقِهم، فأختارهُ إِلَيْهِ قَبل أنْ يَستأنف الحزب.)
1) أنظر، كتابه «اليمين واليسار في الإسلام»: 165.
## الخطبة - 183 -### الله وَالْقُرْآن فِقْرَة 1 - 2:الْحَمْدُ للهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ. خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَأَسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَ سَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا، وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا، وَحَلالِهَا وَ حَرَامِهَا، وَ مَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ، وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَ نَارٍ، وَكَرَامَةٍ وَ هَوَانٍ أَحْمَدُهُ إِلَىٰ نَفْسِهِ كَمَا أَسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً، وَلِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلا، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتاباً (1.)فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ، وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ. حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ. أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ، وَاَرْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ، وَأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ، وَ قَبَضَ نَبِيَّهُ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامُ الْهُدَى بِهِ. فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَمَ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ، وَ لَمْ يَتْرُكُ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلَّا وَجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً. وَ آيَةً مُحْكَمَةً، تَزْجُرُ عَنْهُ، أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ، فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ، وَ سَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ)
وَاحِدٌ (2. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَلَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. وَإِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ، وَ تَتَكَلَّمُونَ بِرَجع قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ. قَدْ كَفَاكُمْ مَنُونَةَ دُنْيَاكُمْ، وَ حَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ، وَافْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ.)وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى، وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ، وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ. فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ، وَ نَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ، وَ تَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ، إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ، وَإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ، قَدْ وَكَلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً، لا يُسْقِطُونَ حَقَّاً، وَلا يُثْبِتُونَ بَاطِلاً (3.)اللُّغة :مَنْصَبَة : مَن النَّصَب، وهُو التَّعب. وَهَجَمَ عَلَيْهِ : أَنْتهى إِلَيْهِ بَغْتَةً، ومُعْتَبَرٍ : مَن الاعتبار بمعنى الاتعاظ، والتَّصَرُّفِ : الانتقال مِن حَالٍ إلى حال. والمَصَحَ من الصحة ضدّ السُّقم، والمرض. وأَسْتَحْمَدَ : طَلَب الحَمْد.الْإعْرَاب:الْمَصْدَر مِن ((أنْ» المضمرة بعد اللام في لِيَكْشِفُوا مُتَعَلِّق بَبَعَثَ، وكَذَلِكَ لِيُحَذِّرُوهُمْ، وَلِيَضْرِبُوا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ، وَلِيَهْجُمُوا.. إلخ. وآمِرٌ زَاجِرٌ، وَصَامِتٌ نَاطِقُ كلّها أَخْبَار عَن الْقُرْآن.الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ الْمَعْرُوفِ بآيَاتِه لا بِذَاتِه (مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ) الْبَصَرِ، وإِلَّا كَان مَحسُوسَاً)
(وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ. أَبَداً لا جُهد، وإرْهَاق، بل ولا جُولة فكرٍ، لا شيء إلا الإِرَادَة وحدَها (خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ) ولا تَفْسِير لهذه الْقُدْرَة إِلَّا بِمَا شَاء كَان، ومَا لَمْ يَشأَ لَمْ يَكُن، كما هو شأن الكمال المطلق (وَ اسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ) قَهَر بِسُلطانه كلّ عَزِيز، وعَنيد (وَ سَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ) أي لا يَثْلِمُهُ الْعَطَاء... وإلا فلا عُظماء بالنسبة إِلَيْهِ تَعَالى، ولا رُوْسَاء (وَ هُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ رُسُلَهُ، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا). خَلَقَ الْعِبَاد، وأَسْكَنهُم فِي مُلْكِهِ، وأرسل إِلَيْهِمْ معلمين، ومُرشدِين يَأْمُرُونهم إلى الصَّالحات وفعل الخيرات.)(وَ لِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحُهَا وَ أَسْقَامِهَا، وَحَلالِهَا وَ حَرَامِهَا. المراد بالهجوم هُنا الْبَيَان بأسلوب تقشعر منه الجلود، وتَلِين لهُ الْقُلُوب، وذَلِكَ بأنْ يَكشف الأَنْبِيَاء للنّاس عن حَقِيقَة الدُّنْيَا، وأطوارها، وعاقبة مَن رَكَن إِلَيْهَا، وأنْ يَضربُوا لهُم الأَمْثَالِ من حياة الأُمم المَاضِية، والقرون الخالية، ويُبينُوا لَهُم أنْ الله سُبْحَانَهُ يَختبرهُم بِحَلاله وحرامه، وأيضاً يُبينُوا لهُم (وَ مَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ، وَالْعُصَاةِ مِنْ جَنَّةٍ وَ نَارٍ، وَكَرَامَةٍ وَ هَوَانٍ). كُلُّ أَمْرِى بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ، إِنْ خَيْراً فَخَيْر، وإِنْ شَرّاً فَشَرّ (أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا أَسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ). الْإِمَامِ يَحمد الله حَمَداً يَكُون بِهِ عِند الله مَرضِياً، ومَحمُوداً، لأنّه عَلى وفق ما أحبّ سُبْحَانَهُ، وأراد.)(وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً. الْمُرَاد بِالْقَدَرِ هُنا إيجاد الشَّيء عَلَى وَضع خاص كَمّاً وكَيْفَاً، والمَعْنَى أنّ ما من شيء كَبُرُ أَمْ صَغُر يصدر عن اللهِ عَبَثاً، أو سَهْوَاً، بل عَن علم، وإِرَادَة، وعَلى مُقتضى الحكمة، والمصلحة : ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغْ أَمْرِهِي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ)
لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (1)(وَ لِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلًا) لا يَتَقَدَّم عَلَيْهِ، ولا يَتأخر عنهُ (مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئخِرُونَ) (2). (وَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً)، أي أنّ كلَّ أَجَلٍ إِلى أَنْتَهَاء. (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (3). ومِن أقْوَال الإِمَام : «إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْناً لَا يَعْدُوهُ، وَسَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ. فَمهْلًا، لَا تَعُدْ لمِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ» (4). فَقَد جَعَل لغَايَة الوَقْت وقتاً. (فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ). يَأمُر بِالخَيْرِ والصَّلاح، ويزجر عن الشّرِّ والفَسَاد (وصَامِت نَاطِقٌ). يَكُون التَّعبير باللفظ، والكتابة، والإِشَارَة، وبالرسم، والرَّقص، والموسيقي، والنَّحت، وبالآثار، والأفعال، وَهِى أسبَق من اللفظ، واللفظ أشبَق من الكتابة، فالطفل يَتكَلَّمُ قَبل أَنْ يَكتُب، والْقُرْآن صَامَت حَيْثُ لا صَوْت لَهُ يَقرع الأَسْماع، وهو نَاطق، لأنّ لُغته هِي نَفس اللغة الملفوظة، وقَد دُونت عَلى نِظام وأُصول يعرفها كلّ قَارىء تماماً كما لو سَمَعَهَا بِأُذنيه (حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ). يَحتج سُبْحَانَهُ بالْقُرْآن عَلَى عِبَاده، لأنه يحمل في ثَنايَاه البُرهان على أنّ كلّ مَا فِيهِ حَقَّ، وصدق.
(أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ). الضَّمِير المستتر في أَخَذَ الله تَعَالَى، وضَمِير «عَلَيْهِ» للخلق، وضَمِير ميثاقه لِلْقُرْآن، والمَعْنَى أنّ الله سُبْحَانَهُ أَخَذَ عَلَى عِبَادِهِ بواسطة نَبيَّة الكَرِيم أَنْ يَعْمَلُوا بِالْقُرْآن (وَارْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ). أَرْوَاحَ الْعِبَادِ كلَّها فِي
قَبضَة الله رَهِينَة عَلى الوفاء بحقهِ تَعَالى، وطاعته فمن أدى هَذَا الحَقِّ كَاملاً سَلِم ونَجَا مِن غَصب الله وعَذَابه، ومِن قَصَّرَ، وأهْمَل فهُو مِن الهَالِكِين (أَتَمَّ نُورَهُ، وَ أَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ). أَتَمَّ، وَأَكْمَلَ عَطف تَفْسِير، وكَذَلِكَ نُورَهُ، ودِينَهُ، والمَعْنَى أَن فِي الْقُرْآن الكريم تبيَّان كلّ شيء يصلح البشرية، ويحل مشكلاتها.
(وَ قَبَضَ نَبِيَّه - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وَقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِهِ). بُعِثَ مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِلى البَشَرِية جمعاء بالهُدَى ودين الحق، وبعد أن أنهى مُهمته هَذِهِ عَلَى وَجهها اختاره الله إلى جِوَارِهِ، وَرِضْوَانه (فَعَظّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ) كَالْإِيمَان بِعَدلِه وَرَحمته، وتنزيهه عن الشرك، والظُّلم، وإِنه عَلَى كُلَّ شَيء قَدِير، وغَني، وخَبِير... إلى مَا جَاءَ في كتابه تَعَالَى مِن صُفَات الكمال، والجلال (فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ، وَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلا وَجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً، وَ آيَةً مُحْكَمَةً، تَزْجُرُ عَنْهُ، أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ). بَيْنَ، جَلَت حِكْمَتَه، في كتابهِ وعَلَى لِسَان نَبِيَّه جَميع مَا يُحبِّ، ومَا يَكْرَه، ونَهَى عَن هَذَا، وأمر بذاك (فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ). الْمُرَاد بِمَا بَقِي مَا لاَ نَصَّ فِيهِ، وحُكمه لا يَتغير، فهو حَلال يَرضى الله يفعله إنْ لَمْ يَكُن فيهِ ضَرر، وفساد بجهة من الجهات، وإلا فهو مُحَرّم يَسخط الله عَلى فَاعِله، ويُغضب.
(وَ أَعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) مَا كَان حَرَاماً فِي عَهد رَسُول الله فهو حَرَام الآن، وإلى آخر يَوْم، وكَذَلِكَ الحَلال، وتَقَدَّم مِثله (1)(وَ إِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ، وَ تَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ).
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة (176). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
الأحْكَام واحدة، وأدلتها واحدة، وعَلى الخلف أنْ يَسِير فتوى، ودَليلاً على سيرة، السَّلف الصالح من الْعُلَماء. وإنْ قَال قائل : ولماذا كلَّ هَذَا الضّغط علينا مِن السلف، والدّوران فِي فَلكهم ؟ قُلنا في جوابه : الضغط هنا للدِّين، والحَقِّ، لا للسّلف، والدوران إنّما هُو فِي فَلكه لا في فلكهم، وإنْ أنْحَرفُوا فِي الدِّين، والحَقِّ مِلنَا عَنْهُم، وقد روى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن جدهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إنّ مَا خَالف كِتَاب الله فهو زُخرُف... وإنّه لا قول بلا عمل، ولا عمل بلآنِيَّة، ولا نِيَّة إلا بإصَابَة الكِتَاب، والسُّنَّة» (1).
(قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ) أي مَهَد لَكُم الطَّرِيق إِلى الرِّزْق، ودَلَكُم عَلَيْهِ بالحثّ عَلَى الْعَمَل بشتى الأساليب، مِنْهَا قَوْله : (فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ) (2)، ومِنْهَا قَوْله : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ) (3). (وَ حَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ، وَأَفْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ). أَنْعَم سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَاده، وأرَاد مِنْهُم يَسْتَشعِر نِعْمهِ، وعَطَاءه بِقُلُوبِهِمْ، ويَشكرُوه عَلَيْهَا بأَلْسِنَتهم ويَخضعوا بالرّكُوعِ والسجود بَيْنَ يَدِيه، وأنْ يَطِيعُوه في كلّ ما يَفعلون ويتركُون، والغرض الأَوَّل والأخير من ذَلِكَ كلّه هو التربية، والتَّنشئة على الخضوع لله وحده، ولا لأحدٍ من النّاس، والاعتصام بهِ تَعَالى لا بِغَيره، وأخذ الحق من كتاب الله وسُنَّة نَبيَّه.
(وَ نَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ، وَ تَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ، إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَه... إلخ). لا أحد يَملك مع الله شَيْئَاً حَتَّى نَفْسَه، فهو وحدَه تَعَالى المالك القاهر لكلّ شَيء، والعَالِم بكلِّ شَيء... ونَحْنُ نَعلم ذلِك بلا ريب، وأيضاً نعلم أنَّ الله شَرِعَاً نافذاً، وإِنه تَعَالَى يُحاسب، ويُعاقِب، ومَع هَذَا نَفْتَحِم حماه، ونتجاوز حدوده، وصدق الله العظيم : (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (1).
(وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (2)مِنَ الْفِتَنِ، وَ نُوراً مِنَ الظُّلَمِ، وَ يُخَلَّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَ يُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَارٍ أَصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ، ظِلُّهَا عَرْشُهُ، وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ، وَزُوّارُهَا مَلَائِكَتُهُ، وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ، فَبَادِرُوا الْمَعَادَ، وَسَابِقُوا الآجَالَ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ، وَ يَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ. وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْيَةِ. فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَنُو سَبِيلٍ، عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالْإِرْتِحَالِ، وَ مِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ (4). وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَأَرْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا.
أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَ الْعَفْرَةِ تُدْمِيهِ، وَ الرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَ قَرِينَ شَيْطَانٍ ! أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً
إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ (5)!
أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ، الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَام الْأَعْنَاقِ، وَ نَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ. فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ ! وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ، وَ فِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضَّيقِ. فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا أَشْهِرُوا عُيُونَكُمْ، وَأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ، وَاسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ، وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا، فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : (إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (1)وَ قَالَ تَعَالَى : (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (2). فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلّ، وَلَمْ يَسْتَقْرِضُكُمْ مِنْ قُلّ، اسْتَنْصَرَكُمْ : (وَلَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وَاسْتَقْرَضَكُمْ : (وَلَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (3). فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللَّهِ فِي دَارِهِ، رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ، وَأَزَارَهُمْ مَلَائِكَتَهُ، وَأَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً، وَصَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَنَصَباً : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم (4).)
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَ اللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ، وَ هُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (7 !)اللُّغَة:الْيَفَنُ - بفتح الياء، والفاء - المُسِنَّ الَّذِي بَلغ مِن عُمره أقْصَاه. ولهَزَ : خَالَط والْقَتِيرُ : الشَّيب. غَلِقَ الرَّهنُ : عَجَزَ الرَّاهن عَن أَفْتكاكه في الأجل المَضْرُوب. والحَسِيسَ : الصَّوْت الخفي. والنَّصَب : التَّعَب، واللَّعِبُ أشده، وتُطلق عَلَيْهِ كَلِمَة الإعياء.الْإِعْرَاب:جَزَعاً مَفْعُول من أَجْلِهِ لتَوَثَّبَت وَالله الله نُصب عَلَى التَّحْدِّير أي أُحَذِّرُكُم أو خَافُوا الله، وعَمَلاً فِي قَوْله أَحْسَنُ عَمَلاً تمييز، وتَكُونُوا مَحْرُوم لأنه جواب بَادِرُوا، أَبَداً نُصب عَلى الظُّرفية، والمَصْدَر مِن أَنْ تَلْقَی مَجرُور بمن محذُوفة أي صَان أجْسَامهُم مِن لقاء التَّعَب، والإِعْيَاء.الْمَعْنَى:(مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ. مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسِ عَن الْهَوَى، ويبتعد تلقائياً عَن المزالِقِ، والمهَالِك، ومِنْهَا الْفِتَنِ، وأَسْبَابها (وَ نُوراً مِنَ الظُّلَمِ) الهَوَى يَكْسِف نُور الدين، والْعَقْل، والورع يكبح الهوَى، ويردعه عن تجاوز الحدود، وعندئذٍ ينتفع المتورع، والمتقي بنُور عَقْله، وإيمانه (وَ يُخَلَّدُهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ، ظِلُّهَا عَرْشُهُ.)
وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ، وَزُوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ، وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ. الْمُرَاد مِن «ظِلُّهَا عَرْشُهُ» حَيَاة الأمان، والإستقرار، ومِن نُورُهَا بَهْجَتُهُ الفَرح، والمسرة، والمعنى: إن من يتق الله يأمن في الدُّنْيَا من شَرِّ الْفِتَنِ، ولهُ فِي الْآخِرَة مَا تَشتهى الأنْفُس، وتَلذ الْأَعْيُن في صُحبة الأَنْبِيَاء، والصَّالحين، والملائكة المقربين.)(فَبَادِرُوا الْمَعَادَ، وَسَابِقُوا الْآجَالَ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الأمَلُ، وَ يَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ، وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ. الأَيَّام تمر كالريح، وتأخذ مَعَهَا أَعْمَاركُم وأعَزّ الأَشْيَاء عَلَيْكُم، فلا تضيعُوا مِنْهَا ثَانِيَة باللّهو، والأباطيل، وبَادِرُوا اللحضات بِالتَّوْبَة، والْعَمَل الصَّالح، فإنَّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً (فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَنْتُمْ الآن فِي فُسحَة مِن الْعُمُرِ يُمكنكم أنْ تَعملوا ليَوْمِ الفَزَعِ الْأَكْبَرَ، وإِنْ لَم تُبَادِرُوا الْفُرْصَةِ ذَهَبت كما ذَهَب أَمس مِن الْعُمُر، ونَدمتُم حَيْث لا ينفع الندم، وأصَابَكُم مَا أَصَابَ الَّذِي قَال - من قَبل - لما جَاءه المؤت: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلَّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) (1). (وَ أَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ، عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالْإِرْتِحَالِ، وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ). ومثله تَمامَاً مَا جَاء في النهج : «أَيُّهَا النَّاسُ إِنّما الدُّنْيَا دَارُ بَجَازِ وَالْآخِرَة دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا مِنْ عَمَرَكُمْ لِمَقَرِّكُمْ» (2).)### أعلى الأصوات فِي نَهْجِ الْبَلاغَة:(وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَأَرْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ
قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا. لا تَكَاد تَمرَ خُطْبَة مِن خُطْبِ النَّهج إلّا وَتَقَرَأ فيها واحداً من ثلاثة، أو أثْنَيْن، أو هي مُجتمعة :)ذكر الله سُبْحَانَهُ بالحَمْد وتعظيمه بأسمائه الحسنى، وصفات الكمال.وذكر رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، والثناء عَلَيْهِ بالمقام المحمود عِند الله، وبما أسدَاه لِلْإِنْسَانِية مِن نُورٍ وهداية.)والثالث الحَدِيث عن الدُّنْيَا وغُرُورهَا، والموت وسكرته، والقبر ووحشته، والحشر وأهواله، والحِسَاب ونقاشه، والعَذاب وشِدَّتِه... فأي مَوْضُوع يَتحدث عنه ينتقل منهُ - فِي الْغَالِبِ - إلى التَّحذير، والتخويف من الدُّنْيا والآخرة معاً.شَرَحتُ أوّل خُطْبَة تضمنت هَذَا المَوْضُوع شَرَحتُ وفَسَرتُ بمَا تَهيأ لي من صياغة، وتركيب، وجَاءَت الثانية، وفيها نفس الموضوع بأسلوب آخر، فشرحتها بأسلوب آخر، ثُمَّ الثَّالِثَة والرابعة... إلى عشرات، فوقفتُ حَائِراً : هَل أكرر ما سبق، كما فعل غَيْرِي من الشارحين، أو أُحيل عَلى مَا تَقَدَّم، أو أَشرَح بأسلوب عاشر، أو حَادِي عَشر ؟ ومن أين؟ «فأفْنِيتُ علاتي، فكيف أَقُول ؟» (1.)
1) هَذَا عَجز بَيْت من الشعر ذكر قصته ابن عساكر في تاريخ دمشق : 66/62، عَن منجُوف بن حبر، قال : مررت بدار الزُّبَيْرِ، فَإِذَا مَوْلَى هُم يُكنى أبا ريحانة، وكان يخضب بالحناء، والكتم، فلمتُ عَلَيْهِ. وجَلستُ إِلَيْهِ، فرّت بهِ جَارِيَة عَلَى ظهرها قربة، فقام إِلَيْهَا الشَّيخ وَقَالَ: وأخذ القربة من على ظهرها، ووضعها عَلَى ظَهره، ثُمَّ رَفعت عقيرتها وَهِي تَقول :)فُؤادِي أسير لا يُفك، ومُهجتي*** تقضى وأحْزَانِي عَلَيْكَ تطولولي مُقلة قرحي لطول أشتياقها*** إليك فأجفان عَلَيْكَ همومفَديتك ! أعدائي كثير لشقوتي *** عَلَيْكَ وأشياعِي لديك قليلوكُنتُ إِذَا مَا جِنتُ، جِنت لِعِلَّة ***فأفنيت علاتي، فكيف أقول ؟قال : فطَرَب الشيخ فوقع إِلى الأَرْض، وأنشقت القربة. فقالت : يا أبا ريحانة ! مَا هَذَا جَزائي مِنك. فقال لها : مَا دَخَل الضَّرر إلا عَليَّ. ثُمّ دَخل السوق فَنَزَع قميصه،فَبَاعه، وأشترى لها قربَهُ ثُمّ ملأها. فَلَقِيه زيد بن الحسن العلوي، فقال : أبَا ريحانة أحسبك ممَّنْ قَال الله عزّ وجلّ: (فَمَا رَبِحَت تَجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ الْبَقَرَةِ : 16، قَال: يَاسيدي أرجوا أنْ أكُون مِمَّنْ قَال الله عزّ وجلّ : (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) الزُّمَر : 17 - 18، وقيل : غَيْر ذَلِكَ كما جاء في الأعلام للزركلي : 183/8.
وقد أُكرر مع التلخيص، أو أُحيل، أو أتكلف، وأتعسف.إن في كتاب الله العديد من المَوْضُوعات، ومِنْهَا الدُّنْيَا وزخرفها، والجَنَّة ونَعِيمُهَا، والنَّار وجحِيمها، وكَذَلِكَ نهج الإمام، كما أشرتُ في المُقدِّمة، ولكن التخويف من عَذَاب الله هو أعلى الأصوات في خُطب النهج، وأَكْثَرَها قَسوَةً وحماساً، ومَا التّخويف والتَّحذير من الدُّنْيَا إلا وسيلة لاتقاء عَذَاب الله... إنّ صَوْت النهج وهو يتحدث عَن هَذَا يَهْزُك من الأعْمَاق، وتحس معه كأنك فِي قَلب الجحيم، والسّر أنّ الإمام يُشارك النّاس كلُّ النّاس في آلامهم، ويشفق عَلَيْهِمْ من نار الله، وهو أعلم بها، وبحقيقتها حَتَّى كأنه يُقاسيها، ويُعانيها، وهُو فِي الحَياة الدُّنْيَا.بهَذا وَحده نجد التَّفْسِير الصَّحِيح لكلمات الإمام اللاهبة، وهو يتحدث عن غَضب الله، وعذابه.. إنّه يَشفق عَلى هَذَا الجسم الضَّعِيف، والجلد الرَّقِيق، تُدْمِيهِ الْعَثْرَةِ، وتُؤْلُهُ الشَّوْكَةِ، وتُخْرِقُهُ حرَارَة الشَّمس فَكَيْفَ يَكُون حَالَه إِذَا أُقدت النَّارِ من فَوقِهِ ومن تحته ؟. يُسخرها مالك الموكل بها، ويَرْجُرها بِغَضبه فَتَرَمِي بِشَرر كالقصر كأنه جمالهُ صُفْر... وهُو إِلى هَذَا ضَجِيع أحجار من الكبريت، وقَرِينَ لشَيَاطِين الجِنِّ وَالْإِنْس... نَار وأحْجَار، وشَيَاطِين... إلى مَا يَفُوق التّصور. ولِماذا كلّ ذَلِكَ؟.
الجواب:إنّه قليل، ويَسِيرُ، ويَنْبَغِي أَنْ يُضاعف أضعافاً كَثِيرة من أفْسَد عَلى النَّاس حياتهم، ونهب أقواتهم، وألقى بقنابله عَلى الآمنين، ولوَّث الجو ودَمَ الْإِنْسَان، والحَيَوَان بقنابله النّووية وتفجيرها... وحَتَّى الزرع، والأشجار والصخور والأحجار تأثرت بهذه السموم، وأختَل التوازن الطَّبِيعِي بَيْنَ الكَائنَات فِي كَثِيرٍ مِن المناطق، وَقَالَ أَهْل الاختصاص : سَتَعُم الكارثة العالم بكامله، إِنْ تَكَرَّرت هَذِهِ الجريمة، واستمرت.(أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ.. إلخ. خَصّ الإِمَامِ الشَّيخ الفَانِي بالسُّؤال عَن حَالِهِ حِين تُحاصره النار من كل جانب تُشوِي لَحمَه، وتُحرق عَظمَه، خَصه بهَذا السُّؤال لقِيام الحجة عَلَيْهِ من نَفْسَه، وتَرَاكُم عِلله، وأَوْجَاعَه (فَالله اللهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ ! وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ، وَ فِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الصِّيقِ. فَأَسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ... إِلَى وَلا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا). إذا كَانَتْ عَاقِبة التّسويف والإهمال هى النَّارِ فَعَلى كلّ عاقل أن يسعى في تحريره، وفِكاك رقبته من العَذَاب بعفة بطنه، وفَرْجَه عن الحَرَام، وبالسّعِي والجهاد في سبيل الصالح العام، ومن يُجاهد من أجل الحق والعدالة يأخذ من الله والنّاس مِمَّا يُعطى.)(قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : (إِنْ تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (1)أي إنْ جاهدتُم يَداً وَاحدة، وصَبرتُم صَبر الأحْرَار يَنصُرْكُمُ الله عَلَى عَدُوّه وَعَدُوّكُم،)
1) مُحَمَّدٍ : 7.
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ فِي جِهَادِهِ،وقتاله، أما إذا تَنَازَعْتُمْ، ونَكَصْتُمْ عَن الجهاد فإنّ الله يُخذلكُم، ويُذْهِب رِيحُكُمْ... أيضاً إنْ عَمْلِتُمْ في الحقل، أو المصنع، أو المتجر، أو المكتب يَرْزُقُكُم مِن فَضْلِهِ، وهَكَذَا كلّ مَن سَار عَلى سَبِيل انتهت بهِ إِلى غَايتها، وحين سَار المُسْلِمُون عَلى طَرِيقِ الشَّهادَة كَتب الله هُم السَّعَادة، ولما سَارُوا عَلَى طَرِيق الجبن، والشتات كتب عَلَيْهِمْ الذُّل، والإنحطاط.وَقَالَ سُبْحَانَهُ : (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصَطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (1). لا غِنى إِلَّا مِن الله، وبالله، فهو سُبْحَانَهُ مَصْدَر الجود والفيض، يُعطى مَن سَأله، ومَن لَمْ يَسأَله تَفَضَّلاً منهُ كَرَماً، ولكن يشترط عَلى مَن أعطاه أنْ يُنفق مِن مَالَ الله عَلى المُعْوَزِين مِن عِيَال الله لمُجرد الْاِمْتِحَان، والاختبار تماماً كما وَهَب الإِنْسَانِ الْقُدْرَة، والحُرِّيَّة لتظهر الأفْعَال الّتي بها يستحق الثواب والعقاب: (فَأَمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرَى)(2).)(فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللهِ فِي دَارِهِ، رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ... إلخ. هَذَا تَفْسِير، وتأكيد لما تَقَدَّم فِي نَفْس الخُطْبَة، وهُو قَوْله : (مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مخفْرَجاً) (3).... وَيُخَلَّدُهُ فِيهَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ... فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ إِلخ).)
وخلاصته : لَنْ تَنالوا الفوز بجوار الله، وَرُسله، وزيارة مَلَائِكَتَهُ، وسلامة الرُّوح، والبدن من العذاب، والأتعاب إلا بالسير على الطريق الشوي، والعَمَل الشَّرِيف، وكَف الأذى عن الناس، الوقوف عِند حدود الله، وَحَرَامه.### الْإِنْسَانِ ابنُ الدُّنْيَا:وَتَسْأَل : إِنَّكَ أشَرتَ قَبل لحظة إلى أن أعلى صَوْت فِي نَهْجِ الْبَلاغة هُو التَّحْذِّير مِن الدُّنْيَا، ولا شَكٍّ فِي ذَلِكَ، ولكن الإِنْسَان ابن الْأَرْضِ، وجُزء من الطَّبِيعَة، وَهِي تفرض عَلَيْهِ أشْيَاءها، وأغْرَاضها، ولا مَفَرّ إلا أنْ يَتأثر بها، ويَسمَع لها ويطيع.. حَتَّى النَّبَات، والحَيَوَان، والجماد تتأثر بالطَّبِيعَة مَعَهَا، وتأخذ مِنْهَا اللون، والحجم، والحركة، والسّكُون، أي كائن يَسْتَطِيع الخروج من عالمه، وواقعه مهما كَانَتْ طاقته، وقدرته، والإمام أعرف الناس بهذه الحقيقة، وقد أشار إِلَيْهَا فِي كَثِير من أَقْوَاله، ومِن ذَلِكَ قَوْله : «النَّاسُ أَبْنَاءُ الدنیا لَا يُلَامُ الرَّجُلَ عَلَى حبِّ أُمِّهِ» (1. وإذَنْ فبأي شيء تجمع بَيْنَ قَوْله هَذَا وقَوْله : «أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، حُقَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بِالْآمَالِ، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ. لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا، وَلاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا. غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ، أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ» (2)... «أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ، بِتَقْوَى اللهِ، وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ، وَمَحَلَّهُ تَنْغِيصٍ، سَاكِنُهَا ظَاعِنُ، وَقَاطِنُهَا بَائِنٌ، تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبقُ، وَمِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى)
بُطُونِ الأَمْوَاجِ، تَحْفِرُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا، وَتَحْمِلُهُ عَلَىٰ أَهْوَالِهَا، فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَك، وَمَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَك !» (1؟. وأمثال هَذَا فِي كلام الإمام طويل وكَثِير.)الجَوَاب:أوّلاً : إنّ قَوْله : «لا يُلَامُ» لَيْسَ مَعناهُ لا يُكلّف، وإنما هُو مُجرد بَيان لِسَببِ الحب.ثَانِياً : أَجَلْ، لا مَفَرّ من مطالب الحياة إلا بالموت... وعَلَى الْإِنْسَان أَنْ يَسعى لها سَعِيها، ومَن قصر، وأهمَل فهُو مَسْئُول عَن تَقصِيره، وتمقُوت عِند الله، والنّاس، وقد أشتهر عن الْإِمَام قَوْله : «أَعْمل لدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعيش أبَداً - أي مع الأجيال «إِلى يَوْم يُبعثون - وأعْمل لآخرتك كأنك تموت غداً» (2. ومَن آيات الله سُبْحَانَهُ : (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا) (3). وَقَالَ الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «لَيْسَ خَيركُم مِن تَرَك الحياة، وطبيعتها لغيره» (4). ولا يختلف اثنان من عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ فِي وجُوب السعى للرّزق وسد الحاجة... والحَرَام هُو الكسب غَيْر المشروع، والعيش عَلى)
1) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (196).
2) أنظر، تحرير الأحكام للعلامة الحلي : 249/2، تَفْسِير القُرطبي : 35/4، مَن لا يحضره الْفَقِيه : 94/3 ح 356 معاني الأخبار للنَّحاس : 305/6، وَسَائِل الشّيعة : 76/17 ح 2، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 16/2، کنز العمّال: 581/5، تنبيه الخواطر : 234/2.
3) الْقَصَصِ : 77.
4) أنظر، كَشف الخفاء للعجلوني: 2/ 220 ح 2139، ذكر أخبار إصبهان : 197/2، الفردوس بمأثور الخطاب : 409/3 ح 5249، علل أبن أبي حاتم : 124/2 ح 1867، حلية الأولياء : 278/1.
حِساب الآخرين، وبهذا يَتَبَيَّن معنا أن الدُّنْيَا التي ذَمَهَا الْإِمَامِ وحَذَر مِنْهَا فِي الدُّنْيَا الحرام، هي الرُّوح العُدْوَانِية. وقد أوضحنا ذَلِكَ فيما سبق أكثر من مرة.### هَل نَهْجِ الْبَلاغَة مَنْحُول؟ختم أبن أبي الحديد شرحه لهذه الخطبة بكلامٍ طويل، ومِن المفيد أنْ نُلخصه بما يلى :قَال قَوم أعْمَت العَصَبِيَّة أَعْيُنُهُمْ : أنْ كَثِيراً من نهج البلاغة مَنْحُول، بعضه يُعزى إلى فُصحاء الشّيعَة، وَبَعضه الآخر إلى الشَّرِيف الرَّضِي، ومَن تَأمَل النَّهج وَجَده كلّه مَاءً وَاحِداً، ونَفْساً،واحدة، وأسلوباً واحداً، كالقُرْآن الكريم، أوله كأوسَطه، وأوْسَطه كآخره، وكلّ سُورَة مِنْهُ، وكلّ آية مُماثلة لِغَيْرها في المأخذ، والمذهب، والفَن، ونهج الْبَلاغَة كَذَلِكَ، ولَو كَان بَعضَهُ مَنْحُولاً، وبَعْضَه صَحِيحاً لَم يَكُن كَذَلِكَ... ولو فتحنا هَذَا البَاب لَم نَثق بقولٍ مَنقُول عَن رَسُول الله، أو عَن أبي بكر وعُمَرَ، ولا عَن أحدٍ من الأمة، ولِوَجب الشك في جميع الكتب، والدَّوَاوِين، والخطب، والرَّسَائل (1.)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 69/1 وما بعدها و : 546/2 طَبْعة الحلبي، و : 127/10 وما بعدها، وقد أفرد العلامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء كتاباً في (66) صفحة حَوْلَ الكتاب ودفع الشبهات عنه بعد نقلها وأنظر شَرح مُحَمّد عَبْدَه وكَذَلِكَ الأستاذ حسين بستانه أستاذ الأدب العربي في الثانوية المركزية (سابقاً) تحت عنوان «أدب الإمام علي ونهج البلاغة» وتعرض للأَوْقام الحائمة حَوْلَ النَّهج. ونُشر في العدد الرابع من أعداد السَّنة الخامسة من مجلة الإِعْتِدَال النجفية، وكَذَلِكَ نَشر العلامة هيبة الدين الشهرستاني تأليفاً حَوْلَ أعتبار ما في النهج ومحله من الرفعة تحت عنوان (ما هو نهج البلاغة) طبع صيدا. «بتصرف» عن الغدير للعلامة الأميني : 200/4.
## الخطبة - 184 -### الأَثْرَمُ:اسْكُتْ قَبَحَكَ اللهُ يَا أَثْرَمُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلًا شَخْصُكَ، خَفِيّاً صَوْتُكَ، حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ.اللُّغَة:الأَثْرَمُ : مَن كُسرت سنه من أصلها. وضَئِيلاً : حَقِيراً صَاغِراً. ونَعَرَ : صَاح وصَوَّتَ وَنَجَم : ظهر وطلع.الْإِعْرَاب :شَخْصُكَ فَاعِل «ضَئِيلا» وصَوْتُكَ فَاعِل «خَفِيّاً».الْمَعْنَى:كان البرج بن مسهر شاعراً خارجياً (1، وفي ذات يَوْمٍ سَمعه الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقول :)
1) هو البرج بن مسهر بن الجلاس بن وهب بن قيس بن عُبَيْد بن طريف بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جُنْدَب بن خارجه بن سعد بن قطرة بن طي بن داود بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب أبن قحطان، شاعر مشهور من شعراء الخوارج، نائي بشعارهم بحيث يسمعه أمير المؤمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فزجره. أنظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 130/10، الأغلام للزركلي : 48/2، بُلُوغ الأرب للآلوسي : 299/3، الحماسة للتبريزي : 186/1 و 85/2.
«لأحُكْمَ الألله، فقال لهُ : (اسْكُتْ فَبَحَكَ اللهُ يَا أَثْرَمُ. أتخذ أَصْحَاب الْجَمَل، وصِفِّين قميص عُثمَانَ لِبَغيهم، أمّا الخَوَارِج فأتخذُوا قَوْل : «لا حُكْمَ إلا لله» شِعاراً لِمرُوقهم، وفِي الخُطْبَة (40) أَوْضَح الإمام أنّ لله التَّشْرِيع، وأَنَّ عَلى الأمير التَّنفيذ، وشرحنا ذَلِكَ مُفصلاً. ولا جواب هذا السَّفِيه إِلا لعنة الله، واللاعنين.)(فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلًا شَخْصُكَ... إلخ. إنّ للحَقِّ أهلاً لا يشغلهم عنهُ شَاغل، وللبَاطِل أهلاً يهتف بِهِمْ فَيستَجِيبُون، ومَا ظهر لهذا السَّفِيه الأَثْرَم أي أثر للحقِّ في قول، أو فعل... حتى إذا ارتفع صَوْت الْبَاطِل لبّى وظهر على المسرح... وهكذا لا تظهر أسماء الرُّعَاع، والصَّعاليك إلّا حِين يَختَل النّظام وتسود الْفِتَن، والمظالم، وينتشر الْقَتْل، والسَّلب.)
## الخطبة - 185 -### الله وَمُحَمّد فِقْرَة 1 - 2 :الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَلا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ، وَلا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، الدَّالّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ، وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ، وَ أَرْتَفَعَ عَنْ ظُلْمٍ عِبَادِهِ، وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ، وَ عَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ، مُسْتَشْهِدُ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَ بِمَا أَضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ. وَاحِدٌ لا بِعَدَدٍ، وَ دَائِمٌ لا بِأَمَدٍ، وَ قَائِمٌ لا بِعَمَدٍ. تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَةٍ (1، وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَانِي لا بِمُحَاضَرَةٍ. لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا، وَبِهَا أمْتَنَعَ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا حَاكَمَهَا. لَيْسَ بِذِي كِبَرِ أَمْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً، وَلا بِذِي عِظَمِ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَمَتْهُ تَجْسِيداً، بَلْ كَبُرَ شَأْناً، وَعَظُمَ سُلْطَاناً.)وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ، وَ أَمِينُهُ الرَّضِيُّ، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ، وَ ظُهُورِ الْفَلَجِ، وَإِيضَاحِ الْمَنْهَجِ، فَبَلَّغَ الرَّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا، وَ حَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالَّا عَلَيْهَا، وَأَقَامَ أَعْلامَ الاِهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ الصِّيَاءِ، وَجَعَلَ أَمْرَاسَ)
الْإِسْلامِ مَتِينَةً، وَعُرَى الْإِيمَانِ وَثِيقَةً (2.)اللغة:الميعاد : وقت الْوَعْد، أو مَوْضِعه. والمراد هنا الغَايَة. والمَرَائِي : المرئيات والمنظورات. والْفَلَج : الظفر. والمنهج : الطَّرِيق الواضح. وصَادِعاً : مُبلّغاً. والْمحَجَّةِ : جادة الطَّرِيق أي وَسَطه. وأَمْرَاسَ : حِبَال. وعُرْوَة الشَّيء : مَقْبضه.الْإِعْرَاب:عَلَى أَنْ لا شَبَة «أَنْ» مخففة، وأسمها ضمير الشأن أي أنّه لا شَبَه، ومُسْتَشْهِد خَبَراً لمبتدأ محذوف أي هُو مُسْتَشْهِدُ، وشَأْنا تمييز، ومِثلهُ «سُلْطَاناً».الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ أي الحواس (وَ لَا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ، وَهِي الأماكن (وَ لا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ) أي الْعُيُون، وعَطفها عَلى الشواهد من باب عَطف الخاص على العام مثل : (مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال) (1). (وَ لا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ) جمع ساتر، والسِّر أن الشَّوَاهِدُ، والمَشَاهِدُ، والسَّوَاتِرُ - من لوازم المرئيات، والمسموعات، والرُّوَائِح، والمذاقات والملموسات، والله مُنَزَّه عَن ذَلِكَ كلّه.)
1) الْبَقَرَةِ: 98.
(الدَّالٌ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ، وَ بِأَشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ. الحادث لا يحمل في طبيعته السبب الكَافِي لوجُوده وإلا كان واجب الوجود، وهو خلاف الفَرض، وإذَنْ فَلا بُد لوجوده مِن سَببٍ خَارج عَن ذاته، كما هُو الشّأن في كلِّ حادث، وإذا لَمْ يَكُن السبب الموجب مَوجُوداً بنفسه احتاج إلى غَيْره... ولا مَفَرّ من الانتهاء إِلى سَببٍ ضَرُوري الوجُود يَكُون سَبب الْأَسْبَاب وإلا بَقِي كُلّ شَيء طي الكتمان. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ (1). (وَ بِأَشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ). كل مخلوقات يجمعها قاسم مشترك، وهُو أَنَّهَا لَمْ تَكُن مِن قَبل، ثُمَّ حَدثت وكَانَتْ، ويَسْتَحِيل أنْ يَكُون مُبدعها مِن نَوْعها وشكلها، وإلّا لَزَم أَنْ يَكُون الشّيء عِلَّةَ لِنفسه. وتَقَدَّمَت هَذِه الجملة بحروفها في الخُطْبَة (152).)(الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ لأنه لا يُخلف الميعاد الحكم الْعَقْل بِقُبح الكَذِب والخلف (وَ ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ) لحكم الْعَفْل بقيح الظُّلْم وَ عَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ). أمضى حُكمه عَلى جَميع خَلقه بالْعَدْل إيجاداً وتكليفاً، وتُواباً وعِقاباً (مُسْتَشْهِدُ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ) كَقَوْله : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْل وَالنَّهَارِ لأياتٍ لِأُولِي الألْبَاب) (2). وأشرنا إلى وجه الاستدلال في شَرح قَوْله : «الدَّالٌ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ».)### مَذْهَب دِیکارت:(وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَ بِمَا أَضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى
دَوَامِهِ. مَا مِن كَائن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - غَيْرُ الله - إلا وفيه جهة نقص، فالجماد تنقصه الحياة، والنّبات يَنْقُصُهُ الشُّعُور، والحَيَوَان يَنْقُصُهُ الْعَقْل، والْإِنْسَان يُفنى، ويَزُول... بالإضافة إلى أنّ كلّ مُمكن يَفْتَقِر إلى سَببٍ مُوجب لتكوينه، ووجوده، وبقائه، واستمراره، ويَسْتَحِيل أنْ يَكُون السبب الأَوَّل للإيجاد، والاستمرار ناقصاً من الجهات، بل لا بد أنْ يَكُون كاملاً من كل وجه، وأنْ يَكُون كماله ذاتياً لا مُكتسباً، وإلا كان السبب من نوع المسبب، ومَن البداهة أن الشّيء لا يَكُون عِلَّة وسبباً لنفسه .)ويُومىء هَذَا إِلَى مَذْهَبِ الفَيْلَفُوس الفَرنسِي دِيكَارت» الذي أستنتج من إدراكه لنفسه أنه ناقص ومَحدُود، ومَعْنَى هَذَا - عِند دِيكارت - أنّ في ذهنه فكرةً سابقة عَن الكَامِل المطلق القائم بذاته، ولَوْلا هَذه الفكرة لإستحال عَلَيْهِ أَنْ يَنصُور الناقص، لأنّ الْأَشْيَاء تَتميز بأضدادها، والفكرة عن الكَامِل لَمْ تُحدث جُزافاً، وبلا سبب، والإِنْسَان لَمْ يُوجدها في ذهنه، وإذن فالذي أوجدها هو الكَامِل بذاته من كلّ وجه، أي الأزلي الأبدي العليم بكلِّ شيء القادر على كلّ شيء. (وَاحِدٌ لا بِعَدَدٍ. الْوَحْدَةِ أَقْسَام.)مِنْهَا : الوحدة بالجنس، والنَّوْع.ومِنْهَا : الوحْدَة بِالزَّمَان، والله مُنَزَّه عن ذَلِكَ كلّه، فهو واحد بوجوده ذاتاً في الأزل والأبد، وواحد في كماله المطلق من كلِّ وَجه، وليس كمثلِهِ شَيء، أما صفاته فَهِيَ بكاملها موجودة بوجود واحد (وَ دَائِمُ لا بِأَمَدٍ. لا أمد ولا نهاية لوجوده، ومن هنا يصح التَّعبير عنه باللامتناهي (وَ قَائِمٌ لا بِعَمَدٍ) أي لا سَبب لوجُوده خارج عن ذاته.)
(تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لا بِمُشَاعَرَةٍ. الْمُرَاد بِالمُشَاعَرَة هنا الإدراك المباشر، والمَعْنَى أن الْعَقْل يُدرك وجود الله بآثاره وتوسط مبدأ العِلية - مثلاً - إِذَا رَأَيْت إِنْسَاناً يَكتب فإنّ عَقلك بوجود الكاتب مُعتمداً في حُكمهِ هَذَا عَلى رُؤية الْبَصَر وَحدَها بلا توسط مُبدأ العِلّية، أو غَيْره، وتسمى هَذِهِ الْمَعْرِفَة بَدِيهية، ووجدانية، وتجريبية. وهَذِه المَعْرِفَة لا يُمكن تَصُورَها في حقه تَعَالَى.)أما إذَا رَأَيْت كتابة ولَمْ تَرَ الكَاتِب فإنّ عِقلك يَحكُم وبجوده الكاتب مُعتمداً عَلَى رؤيَة الْبَصَر للكتابة، وعَلى مَبدأ العِلّية معاً، وليس على رؤية الْبَصَر وحدَها كما لو رَأَيْت الكاتب بالذات، ومثلهُ حُكم العقل بوجوده تَعَالَى، تَرى العين الخلق، والآثار فِيحكُم الْعَقْلُ بوجود الخالق، والمؤثر استناداً إلى مبدأ العِلية. ومِن أنْكَر وجود الله لا يغترف بهذا المبدأ، ويزعم أن تتابع الحوادث لا يدل على أن السابق عِلَّة للأحق... وجوابنا أنّ الْعُلَماء كانوا وما زالوا يلاحظون الحوادث ويَستنتجون من تكرار وجود اللاحق مع السَّابق والترابط بينهما في الوجود يَستنتجون من ذَلِكَ قواعد كُلِية ينتقلون من العِلم بِها إِلَى مَعرفة مَا كَانُوا يَجهلون، ولَوْلاً مَبدأ العلية لكان هذا الإستنتاج جَهلاً، وضِلالاً.(وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَانِي لَا بِمُحَاضَرَةٍ. الْمُرَاد بالمرائي، والأَشْيَاء المرئية، وبالمحاضرة الحضور، والحلول، والمغنى أن ما تراه من الكائنات يُدل على وجود الله، ولكن وجوده تَعَالى غَيْر مُتحد مع وجود الكائنات، كما يقول أَصْحَاب وَحْدَة الوجود، بل مُستقل عَنْهَا، وأسمى مِنْهَا، وأرفع (وَ لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بها). إنّ الله سُبْحَانَهُ لا يتجلى للعقول بذاته، بل بآثاره، فضَمِير «لهَا» يَعُود للأوْهَام - أي العُقُول - يَعُود لها لفظاً ومَعْنَى أمّا ضَمِير «بِهَا» فإِنَّه يَعُود للآثار مَعْنَى)
وللأَوْهَام لفظاً لوجود العلاقة بَيْنَ الأثر، والمؤثر.(وَبِهَا أَمْتَنَعَ مِنْهَا. إِنَّ الْعُقُول نَفسهَا هِي التي حكمت، وجزمت بأنّ ذاته تَعَالَى لا تتجلى للعقول، وإن الذي يتجلى هو الآثار (وَإِلَيْهَا حَاكَمَهَا). وإِنْ زَعَم ذو عقل سَقِيم بأنّ ذاته، تباركت أسماؤه، تتجلى للعقول - حاكمه إِلى ذِي عَقل سَلِيمٍ (لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ أَمْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً، وَ لا بِذِي عِظَمِ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَمَتْهُ تَجْسِيداً، بَلْ كَبُرَ شَأْناً، وَعَظُمَ سُلْطَاناً). الله سُبْحَانَهُ كَبِيرٍ وعَظِيمٍ شَأناً وجَلالاً، وسُلْطَاناً وكمالاً، لاَ طُولاً وعرضاً، وعُمقاً وشَكلاً.)(وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ، وَ أَمِينُهُ الرَّضِيُّ، (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، اختاره الله لنفسه، وارتضاه أَمِيناً عَلَى وَجِيهِ (أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ) أي أنّ الْعَقْل يلزم بكل مَا جَاء بِهِ مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأنه لخير الإِنسَانِ جَمَعَاء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (1). وَقَالَ الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إِنَّمَا بُعثتُ لأتِمت مَكَارِمِ الْأَخْلاقِ» (2). (وَ ظُهُورِالْفَلَجِ) أرسل الله مُحَمّداً لإعلاء كلمة الحق (وَ إِيضَاحِ الْمَنْهَحِ) وهو الطَّرِيق القويم السَّلِيم (فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا). مُوْدِياً لهَا عَلَى أكمل وجه (وَ حَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالَّا عَلَيْهَا) شَهد التَّاريخ أنّ المُسْلِمِينَ نَجحُوا في علوم شتى، وإنّ الحضارة الحَدِيثة ثَمرة من ثمار علوم المُسْلِمِينَ، والْفَضْل الأَوَّل مُحمّد ورِسَالَة مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). (وَأَقَامَ أَعْلَامَ)
1) الْأَنْبِيَاء : 107.
2) أنظر، بداية المجتهد : 321/2، السنن الكبرى: 192/10، تُحْفَة الأَحْوَذي : 470/5، نظم درر السمطين : 42، كنز العمال : 420/11 4 ح 31969، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 209/5، كشف الخفاء: 211/1 ج 638، مَكَارم الأخلاق للطبرسي : 08 مَكَارِم الأخلاق لابْن أبي الدُّنْيا : 6، مُسند الشهاب 192/2 ح 1164. تكملة حاشية رد المحتار : 234/1.
الاِهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ الضّياءِ عَطف تَفْسِير عَلى «وَحَمَلَ عَلَى المَحَجَّةِ دالَّا عَلَيْهَا». (وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلامِ مَتِينَةً، وَعُرَى الْإِيمَانِ وَثِيقَةً). أَقَامَ مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دِينِهِ عَلَى أمتَن الأُصول، وأقوى الأرْكَان، وإذا تخلف الْمُسْلِمُون كأَكْثَر مَا يَكُون التَّخلف فإنّ العِيب فِيهِمْ، وَلَيْسَ فِي دِينهم.)### مَن تَفكَرَ أَبْصَر... فِقْرَة 3 - 4:وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَ جَسِيم النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وَلَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ، وَ الْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ! أَلا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ ! انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَة فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةٍ هَيْئَتِهَا، لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرَّهَا. تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ، بِوفْقِهَا لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ، وَلا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ، وَ لَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ، وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ (3 ! وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا، فِي عُلُوهَا وَ سُفْلِهَا، وَ مَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنهَا وَ أذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً ! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكَهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرُ، وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ. وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلالَةُ إِلا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وَ غَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيّ. وَمَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ، وَ الثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ الأَسَوَاءٌ (4).)
اللُّغَة:الْبَصَائِرُ مَدخُولة : طَراً عَلَيْهَا خَلل. والْبَشَرَ : جمع بَشَرَه، وَهِي ظاهر الجلد. الصَّدَر - بفتح الدال - الرُّجُوع بعد الورود والوفق - بكسر الواو - ما يُوافق ويُلائم. والصَّفَا : الأملس. والجَامِسِ : الحَامِد. والشَّرَاسِيفِ : جمع شُرِّ سُوف - بضم الشّين - طرف الضلع اللين المشرف على البطن.الْإِعْرَاب :كَيْفَ دَبَت «كَيْفَ» في موضع الحَال، ومَكْفُولُ بِالرَّفع خَبَر لمبتدأ محذوف أي هي، وبالنَّصب حال وعَجَباً مَفْعُول مِن أجله لَقَضَيْتَ َوتَعَباً مَفْعُول بهِ لِلقِيتَ وسَوَاءٌ خَبَر الجليل وما بعده.الْمَعْنَى:(وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وَ جَسِيمِ النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. إذا حركت عقلك نحو الكون العجيب، ونَظَرْت مَا فِيهِ مِن إحكام، وتدبير - فإنّك، لا مَحَالَةَ، تفهم وتُدرك من قدرة اللْخَالِقِ مَا يَدلُكَ عَلَى عَظَمَتِهِ، ويملأ نَفْسَك هَيْبَةً، ورهبَةً من سطوته، وحسابه، وجزَائِه (وَلَكِنِ الْقُلو عَلِيلَةٌ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ) لا تَرى إِلَّا لَذَّة عاجلة، ونَشوَة عَابِرة.)(أَلا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ... إلخ. مَا ر مِن شَيء فِي الكَوْن كَبُر أَمْ صَغُر إلا وهُو آية على وجود الله، وعَظَمَتِهِ، وإِنه وَاحد لا شَرِيكَ لهُ فِي خَلقِهِ وصفاته، وقد ضَرب الإِمَام مَثلاً عَلَى عَظَمَتِهِ تَعَالَى بِأَصْغَر)
مخلوق يدب عَلَى الْأَرْضِ، وهو النَّمَلَةِ الّتي تُوجد فِي غُرفتي وغُرفتك، وفِي رُؤُوس الجبال، والحديقة، والصَّحراء،وغيرها، وتذهب إلى رزقها المكفول لها بالسَّعي، وتَهْتَدِي إِلى مكانه الذي أودعه الله فيهِ تَمَاماً كَمَا يَهْتَدِي الْإِنْسَان إلى محل طعامه وشرابه، تَهْتَدِي النَّمَلَةِ إِلى رِزقها بتصرها وبَصِيرتها، أو بِغَريزتها أو بالإلهام، كما نقول نَحْنُ. كلّ ذلك بهداية بَصِير قَدِير.)ومن جُملة ما قرأتُ أنّ فِي بَعْض الفصول يكثر طعام الأسْمَاك في جانب خاص من المحيط الأطلسي، وإن الأسماك فِي هَذَا الموسم تأتيه من كل جانب، وتقطع مئات الأميال، وإنّ الفيران تُلقي بنفسها في البحر طلباً لهذا الرِّزْق !. وفِي كِتَاب «الظَّاهِرة القُرْآنية» لمالك بن نبي: إن النَّمل الأمْرِيكِي يُغادر مساكنه قبل اندلاع الحريق فيها بلَيْلَة، وإنّ فِي جنوب قَسْطَنْطِيئَة نَوْع من الحيوانات القارضة تبرح أمكنتها قبل الكوارث الطبيعية، فهل هَذَا مِن بَاب الصدفة، أو إنّ حِكْمَة الله سُبْحَانَهُ أعْطَت هذه المخلوقات وغَيْرُها مَا أعْطت لِلْإِنْسَانِ ؟ (وَمَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ - أي الْكَبِير والصَّغِير - وَ التَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ الأَسَوَاءٌ فِي القَوَانِين الثابتة الراسخة التي تشمل، وتعم جميع الخلائق على تباينها، وأختلافها حجماً وطبيعة وشكلاً، وهل مِن تَفْسِير لهذه الوحْدَة إلا بإرَادَة حَكِيمَة واحدة، وقُدرة وَاحدة، وإنّ خَالِقِ المَلَةِ هُو خَالِقِ النَّخْلَة، كما قَالَ الْإِمَام ؟)وكَتَب أَهْل الاختصاص كَثِيراً عَن النَّمَل وتدبيرها، وادّخارها، وتعاونها، ونظامها المحكم في الإقتصاد، والاجتماع، وكلّها تبعث الدهشة، وتدل بوضُوع عَلَى إِرَادَة حَكِيم قَدِير، وأعْجَب مَا فِي النَّمل على الإطلاق ما حكاه سُبْحَانَهُ عَن نَملَةِ سُلَيْمان في قَوْله تَعَالَى : (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ
وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (1)ومَكَان العجب أن تشفق هَذِهِ الدَّرَّة عَلَى قومها مِن بَأس الجنود الذين جاسوا خلال الدِّيَار... وأنْ لا يَشعر إِنْسَان عَاقل بآلام قَوْمه، وأنْ يَبيعهم بثمن بخس لعَدُوّه وعَدُوّهم يمتص دِماءهم ويسلب،أقواتهم، ويُهلك الحرث والنسل !.)وفي بداية الخمسِينَات مِن هَذَا القرن أضْطَر الاستعمار بضغط من حركات تَحرر أَنْ يَخرج بِجُنُودِهِ مِن مُستعمراته، ولَكِنَّهُ بَحث عن نَوْعَ جَدِيد من الاستعمار يكُون أَكْثَر أمناً، وأَقَلّ كُلفة، وأهتدى إلى الخونة من أبناء البلاد، فأقام منهم قواعد لسيطرته، واستغلاله... وشهد هَؤُلاء المارقُون عَلَى أَنْفُسِهِمْ - بهذه الصفقة الغادرة - أنهم أَصْغَر من النَّملَةِ، وأحْقَر.### لاَ بِنَاءُ مِنْ غَيْرِ بَانِ.. فِقْرَة 5 - 7 :وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ وَالْهَوَاءُ، وَ الرِّيَاحُ وَ الْمَاءُ، فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَ النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ، وَ اخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَ تَفَجُرِ هَذِهِ الْبِحَارِ، وَكَثَرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ، وَطُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ، وَالْأَنْسُن الْمُخْتَلِفَاتِ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ، وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ ! زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعُ، وَلا لِإِخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا أَدَّعَوْا، وَلا تَحْقِيقِ لِمَا أَوْعَوْا، وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ، أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ (5 !)وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ، وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ
1) النَّمل: 18.
قَمْرَاوَيْنِ، وَجَعَلَ لَهَا السَّمْحَ الْخَفِيُّ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيُّ، وَجَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ، وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ، وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ. يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ، وَ لا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا، وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا، وَ تَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا. وَخَلْقُهَا كُلُّهُ لا يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَةً (6.)فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي (يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا (1)، وَ يُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهَا، وَ يُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ سِلْماً وَ ضَعْفاً، وَ يُعْطِي لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً ! فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأمْرِهِ، أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَالنَّفَسِ، وَأَرْسَى قَوَائمَهَا عَلَى النَّدَى وَالْيَبْسِ، وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا، وَأَحْصَى أَجْنَاسَهَا. فَهَذَا غُرَابٌ وَهَذَا عُقَابٌ. وَهَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامُ. دَعَاكُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ، وَكَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ. وَأَنْشَأَ (السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ (2)فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا، وَعَدَّدَ قِسَمَهَا. فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا، وَأَخْرَجَ بَعْدَ جُدُوبِهَا (7). اللغة:
الْقِلَالِ : جمع القُلَة - بضم القاف - الجبل وأَعَلَىٰ كُلِّ شَيء. وأَوْعَوْا : مِن الوَعِي وهو الحفظ، والتَّدَبُر، وقَمرَاوَيْنِ : مُضِيئِين. والسَّوِيَّ : الكَامِل لا عَيب فيهِ. والمِنْجَل : آلَة مِن حَدِيد يُحصد بها الزَّرع، والمُرَاد بمِنْجَلَيْنِ هُنا رجلا الجَرَادَة لاعوجاجهما كالمنْجَل. والنَّزَوَات : الوثبات. والدِّيم : جمع الدِّيمة، وَهِي مَطر يَدُوم في سكون بلا رعد وبرق. والجُدُوب، والجذيب، والمجدَابُ : المَاحِلُ، والجدب،
والَحلُ، وَالْفَقْر بِمَعْنَى.
الإِعْرَاب :
كَذَلِكَ خَبَر مُقَدَم، والسَّماء مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، والْقِلَالِ عَطف بَيان مِن هَذِهِ، والْوَيْلُ مُبْتَدَأَ، وما بعده خَبَر، يَكُونُ : تامة، وبِنَاءً فَاعِل، ومِنْ غَيْرِ بَانٍ صِفة لِبَنَاء، وطَوْعاً في موضع الحال أي طَائِعاً، ومثلهُ سِلْماً أي مُسَالِماً، ورَهْبَةً مَفْعُول مِن أجْلِهِ.
الْمَعْنَى:
(وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ وَالْهَوَاءُ، وَالرِّيَاحُ وَ الْمَاءُ... إلخ). كلّ ذِي بَصر، وبَصِيرة إذا نَظَر إلى أية ظَاهرة مِن ظواهر الكَوْن خَشع، وآمن بعظمة المبدع، والمصور، إمّا إيماناً إيمان العجائز لا يُفلسف، ولا يسأل إلا قلبه الَّذِي يَشع بالنُّورِ، ويُسخر من الفَيْلَفُوس والمتفلسف في هذا الباب... وألف طُوبَى لمن يملك هَذَا الْقَلْب، وإما إيماناً قائماً عَلى أنّ الْعَقْل لا يُمكن أنْ يَتصُور هَذَا الكَون العجيب وسمائه، وقانونه ونظامه، دُونَ أَنْ يَكُون وَرَاءه حِي قَيُوم خَلق فسوى، وقَدّر فهدى.. إنّ المادة صماء عَمْيَاء لا روح فيها ولا شعُور، ولا أغراض لها ولا غايات، ويَسْتَحِيل أَنْ تَتحرك مِن غَيْر مُحرك، فكَيْفَ يُنسب إلَيْهَا الخلق والإِبْدَاع، والتَّنظيم والتَّدبير ؟
(زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ، وَلا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعُ... إلخ). عَلَى المزابل والقَذَارَات، وإِنَّهَا هِي خَلقت الإِنْسَان في أحسن تقويم، وجَعَلت له الشمع والْبَصَر، والفُؤاد، وكلّ الطاقات التي صعدت ِبهِ إِلَى الْقَمَرِ، وفَعل بها المُعْجِزَات !. ولا أَدري هَل أعتمد هَؤُلَاءِ الزَّاعمُون عَلى التَّجْرِبَة والمشاهدة، أو على حقائق
الْعَقْل ونظرياته ؟. ورَدّ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بقَوْله : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ) (1). ومَا مِن أحد أدعى أنه خُلق مِن غَيْرُ شَيء، أو قال : أنا خَلقتُ نَفسِي والكَوْن، لا فَرقَ بَيْنَ مَن زَعَمَ أَنَّه كالنَّبَات، وبَيْنَ من قَال : أنه خُلق مِن غَيْر إِرَادَة قادرة ومديرة، وإنه هو خَلق نَفْسَه والكون بما فيه.
(وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ... إلخ). ضَرب الْإِمَام مَثلاً عَلَى عَظمة الله سُبْحَانَهُ بِأَصْغَر مخلوق مِن دُنْيَا الحَيَوَانات، أو الحشرات التي تَدب عَلَى الْأَرْضِ، وَهِي النَّمَلَةِ، ثُمَّ ضَرب مثلاً بأَصْغَر مخلوق مِن دُنْيَا مَا يَطِير، وهو الجَرَادَة التي تُحير الألباب بِسَمْعها، وبطرها، وفمها، ونَابِيها، ورجليها، وإلهامها، وكَيْفَ يَخافها الزَّارِعُون عَلى زَرعهم، وحقولهم مع أنّ حَجمها لا يبلغ الاِصْبع الصَّغِيرة الدَّقِيقة... ولَو خَرجنا مِن دُنْيَا مَا يَدُب عَلَى الْأَرْضِ، ومَا يَطِير في الهواء - إِلى دُنْيا مَا يَسبح في الماء، وما فيه من عجائب، ومنهُ إِلى دُنْيَا النَّبَات والحشائش، وحَجْمها، وأوراقها، وورُودها، وريحها، وطَعمها، ومِنْهَا إِلَى غَيْرها مما لا يبلغه الإحصاء - لو فلعنا ذلِكَ لإمتد الحَدِيث عَنْهَا سَنوات دُونَ أَنْ نَبلغ الْغَايَة ونَصل إلى النهاية : (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (2).
فَمَن الَّذِي خَلق فسوّى وقدر فهدى ؟ المادَّة العَمْيَاء، أو الصدفة الهوجاء، أو النشوء والارتقاء. وإنْ قُلتَ : الأَسْبَاب الطَّبِيعِية، قُلنا : إنّ الله أودَع هذه الأَسْبَاب
في الطبيعة، وتَقَدَّم ذَلِكَ مُفصلاً.
(فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) (1)). الْمُرَاد بالسّجُودِ، وتعفير الخدود هنا الخضُوع، وبالطوع، والكُره، والسّلم، والخَوْف أنقياد الأَشْيَاء كلّها لأمر الله في شتى الأَحْوَال لا فِي حَالٍ دُونَ حَال، وقَوْله : أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ، والأَجْنَاس أي بكلِّ شَيْءٍ عِلماً، وقَوْله : وَ أَرْسَى قَوَائِمهَا، وَقَدَّرَ أَقْوَاتَهَا، وَأَنْشَأَ السَّحَابَ، وَعَدَّدَ قِسَمَهَا - كناية عن قدرته تَعَالَى وعِلمه، وحكمته، أما ذكر الغُرَابُ وَالعُقَاب - طائر من الكواسر - والحمام وَالنَّعَام - فإِنَّه لمجرد التمثيل، والاستشهاد عَلَى الْقُدْرَة، والحِكمة الإلهية، والْقَصْد الأَوَّل، والأخير هو أنْ نَعلم ونؤمن بأنّه لا إله إلا الله العزيز الحكيم، والقَدِير العليم.
وقُلنا فيما سبق وتُكرر أن مُجرد العلم والإيمان باللهِ لا يُجدِي شَيْئًا إِلَّا مَعَ الْعَمَل الصَّالح، قال الإمام الصَّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الإيمان عمل كلّه، والْقَوْل بَعْض ذَلِكَ الْعَمَل، بِفَرض من الله بَين في كتابه، واضح نُوره، ثابتة حُجّته، يشهد له بهِ الكِتاب... ولا يَثبت لِلْإِنْسَان إِيمَان إِلَّا ِبالْعَمَل» (2).
مَا وَحدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَ لا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَلَهُ، وَ لا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، وَلا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ تَوَهَّمَهُ كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ، وَكُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ. فَاعِلٌ لا بِاضْطِرَابِ آلَةٍ، مُقَدِّرٌ لا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ، غَنِيٌّ لَا بِاسْتِفَادَةٍ، لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ، وَلا تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ، سَبَقَ الْأَرْقَاتَ كَوْنُهُ، وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ، وَالابْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ، وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ. ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَ الْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ، وَ الْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَ الْحَرُورَ بِالصَّرَدِ (1) مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا، مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا، مُقَرِّبُ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا، مُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا لاَ يُشْمَلُ بِحَدٍ، وَلا يُحْسَبُ بِعَدٍّ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا، وَ تُشِيرُ الْآلَاتُ إِلَىٰ نَظَائِرِهَا مَنَعَتْهَا «مُنْذُ» الْقِدْمَةَ، وَحَمَتْهَا «قَدْ» الْأَزَلِيَّةَ، وَجَنَّبَتْهَا «لَوْلا» التَّكْمِلَةَ بِهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَبِهَا أَمْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ، وَلا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَ الْحَرَكَةُ، وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَ يَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ !
إذا لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ، وَلَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ، وَلَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ، وَالألْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ. وَإِذا لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِيلًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ، وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ الاِمْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤْتُرَ فِيهِ مَا يُؤثر فِي غَيْرِهِ (2). الَّذِي لا يَحُولُ وَلا يَزُولُ، وَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُقُولُ. لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً. جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ، وَطَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ. لا تَنَالُهُ الأوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، وَلا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُ فَتُحِسَّهُ، وَ لا تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ. وَ لا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، وَ لا يَتَبَدَّلُ فِي الْأَحْوَالِ. وَلا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، وَلا يُغَيِّرُهُ الصِّيَاءُ وَ الظَّلامُ، وَلا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَلا بِالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ، وَلا بِعَرَضٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَلا بِالْغَيْرِيَّةِ وَالْأَبْعَاضِ. وَلا يُقَالُ : لَهُ حَلٌّ وَلا نِهَايَةٌ، وَلا أَنْقِطَاعٌ وَلا غَايَةٌ، وَ لا أَنَّ الأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ وَلا تُهْوِيَهُ، أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ (3). لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالِجِ، وَلا عَنْهَا بِخَارِج. يُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ، وَ يَسْمَعُ لَا بِخُرُوقٍ وَأَدَوَاتٍ. يَقُولُ وَلا يَلْفِظُ، وَ يَحْفَظُ وَ لا يَتَحَفَظُ، وَيُرِيدُ وَلا يُضْمِرُ. يُحِبُّ وَيَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقّةٍ، وَيُبْغِضُ وَ يَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ. يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ : (كُنْ فَيَكُونُ)، لا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ، وَلا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثْلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً، وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَها ثَانِياً.
لا يُقَالُ : كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ، وَلا يَكُونُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ فَضْلٌ، وَلا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلُ، فَيَسْتَوِي الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ، وَيَتَكَافَاَ الْمُبْتَدَعُ وَ الْبَدِيعُ (4).
اللُّغَة:
صَمَدَهُ : قَصَدَه. تَوَهَّمَهُ : تَمَثَّلَهُ. وتَرْفِدُهُ : تَعِينَهُ الْمَشَاعِرَ الحَوَاس، وتَشْعِيرَها جَعَلها تشعر وتَنفَعل. الحُرُور - بضم الحاء - الريح الحارة. والصَّرَدِ : البرد. والمُتعَادِيَات : المُتَضَادَات. المُتَدَانِيَاتِ المُتماثلات. ولهَوَاتٍ : جَمع لهاة، وَهِي لَحَمَة فِي سَقف الْفَم.
الإعْرَاب:
فَاعِلٌ خَبَر لمبتدأ محذوف أي هُو فَاعِلٌ، ومثله مُؤلِّفُ، وأَنْ لا مَشْعَرَ أي أنه لا مَشْعَر، و«مُنْذُ» لإبتداء الزَّمَان، و«قَدُ» للتقريب، و«لَوْلاً» لامتناع شَيء عِند وجُود غَيْره، وكلّ كَلِمَة مِن هَذِه الثلاث فَاعِل للفعل الذي قبله على الحكاية ودَلِيلًا مَنصُوب بنزع الخافض أي لَتَحَوَّلَ إِلى دَلِيل.
الْمَعْنَى:
كلّ ما ذكره الإِمَام هنا من صفات الله سُبْحَانَهُ، تَقَدَّم مِرَاراً بالحرف، أو بالمعنى ولذا نُوجز في الشَّرح ما أمكن (مَا وَحْدَهُ مَنْ كَيْفَهُ). إذَا قُلتَ : كَيْفَ فُلان ؟ فإنَّكَ لا تَسْأَل عَن ذَاته، بل عمّا يعرض لها من الأحوال كالعُسر واليسر، والصحة والسقم، ومَعْنَى هَذَا أنّ الذَّات المَسْئُول عَنْهَا تحل للأحداث وإِنَّهَا تَتغير وتتبدل مِن حَالٍ إلى حال... والله سُبْحَانَهُ وَاحد وكامل من كلِّ وَجه يَسْتَجِيل في حقه التغيير والتحويل، لأنه فوق الأشياء، وخَالِقِ الأحوال والأحداث، قال الرَّسُول
الكَرِيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «الكَيْفَ مخلوق، والله لا يُوصف بخلقه» (1)، وَقَالَ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَن نَظر إِلى الله كَيْفَ هُو فقَد هَلك» (2).
(وَ لا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَلَهُ). كلّ صُورة ترسمها فِي خَيَالِك فَهِيَ صُورة لجسم يُرى، ويُحس وإلّا أستحال الرسم والتشخيص، وهل يُوجد ظلّ وشبح لغَير المادَّة ؟. والله سُبْحَانَهُ مُنَزَّه عن ذَلِكَ. قَال الملا صدرا : «إنْ كَان مَا تَصُورته لذات الله مُطابقاً للواقع يلزم أنْ يَكُون الله جسماً محدوداً، وهو مُحال، وإنْ لَمْ يُطابق فهو كَذب، وسُراب» (3)(وَ لا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ). لأنه لا شبيه له، ولا ضِدَّ (وَلا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ تَوَهَّمَهُ). كلّ الإِشَارَات بشتى أنواعها لا تَكُون إلا للمحسوسات، والله فُوقها، ومُنَزَّهُ عَنْهَا، وفي كلمات أهل البيت : «إنّ أوهام الْعُقُول أَدَقِ مِن أبْصَارِ الْعُيُون، وأَوْهَامِ الْعُقُول لا تُدرِك الله فَكَيْفَ بأَبْصَارِ الْعُيُون» (4)؟.
(كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوع). الْمُرَاد بِالْمَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ المَعْلُوم بذاته، وحَقِيقَتَه لا بأفعاله، وآثاره، و من البداهة أن معرفة الشّيء بكنهه، وحَقِيقَته تتوقف عَلَى
1) أنظر، توحيد الشيخ الصدوق: 398، شرح أصول الكافي : 159/3. بصائر الدرجات: 521 ح 1، الكافي : 94/12 ح 9 الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي : 176/1 ح 13، بحار الأنوار: 332/3، ح 36، قصص الأنبياء للراوندي : 282، مجمع البحرين: 90/4.
2) أنظر، الكَافِي: 93/1 ح 5، المَحَاسِن للبرقي : 237/1 ح 208، وَسَائِل الشّيعة : 195/16 ح 5، الفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي: 250/1، بخار الْأَنْوَار : 364/3 ح 24.
3) أنظر، الحكمة المتعالية (الأسفار) لصدر الدين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الشيرازي المَعْرُوف بـ (مُلا صدرا)، أو صدر المتألهين : 223/6.
4) أنظر، الكافي : 99/19 ح 10 و 11، أمالي الشيخ الصدوق : 495 توحيد الشيخ الصدوق: 112 ح 11 و 12، الْإِحْتِجَاج للطبرسي : 238/2، بخار الْأَنْوَار : 29/4، مُسْنَد الإمام الرضا: 17/1 ح 10، مجمع البحرين للطريحي : 305/1.
مَعرفَة العناصر التي تَكُوّن مِنْهَا، ومَعْنَى هَذَا أن المعروف بالذات، والْكُنه مُركب، والمركب مُفتقر إلى أجزائه وإلى من يُؤلف بَيْنَهَما أيضاً، فيَكُون والحال هَذِهِ، مُمكن الوجود (وَكُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ). إِذَا كَانَ الشَّيء لا يحمل فِي طَبِيعَته سَبب وجوده فهو مُفتقر إلى عِلَّة لأصل وجُوده وحدوثه، ولبقائه، واستمراره (فَاعِلٌ لا بِأَضْطِرَابِ آلَةٍ) بزل بِكَلِمة «كُن».. هَذَا، إلى أنه خَالِق الآلات، والخَالِق لا يُوصف بِخَلقه (مُقَدِّرُ لا بِجَوْلٍ فِكْرَةٍ). هَذَا مِن بَاب السَّالِبة بإنتفاء المَوْضُوع، كما يَقُول أَهْل المنطق، حيث لا فكر من الأساس كى يتأمل، ويُفكر في النظريات، والتطبيقات (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (1).
(غَنِيٌّ لا بِاسْتِفَادَةٍ) بَل بذاته، كما هو الشأن في واجب الوجود (لا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ) لأنّ الزَّمَان يَزُول، ويتغير، والصَّاحِب مُعتبر بصَاحِبه (وَ (لا تَرْفِدُهُ الأَدَوَاتُ) لأنه غَنِيٌّ بالذات، وخَالِق الأدوات، والخالق يوصف بخلقه (سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ). لأنه قبل كل شَيء بِالأَزَليَّة، ومِنْهُ كُلّ شَيء بالافتقار، والعِلْيَة (وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ، وَالاِبْتِدَاءَ أَزَلُهُ). الله هو الأَوَّل بالوجوب والقدم، وإِذَنْ فهو مُنَزَّه عَن العَدم من قَبلُ ومِن بَعدُ (بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لا مَشْعَرَ لَهُ). خَالق الانفعال لا يَنْفَعل، لأنَّ الخَالِق لا يُوصف بخَلقِهِ (وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ). كلّ من لهُ ضِدّ يُنازِعَه، ويُزاحمه فهو مخلوق ناقص يَفْتَقِر إلى خالق كامل لا يُضَادّه، ويُزاحمه شيء وإلا كَان مَخلُوقاً (وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ). وأيضاً من كلّ له مساو، ونظير في شَيء فهو لا يمتاز عَن شَرِيكه في ذلِكَ
1) الأحزاب : 38.
الشَّيء، ومَعْنَى هَذَا أنهما يَستمدان هَذَا التّشابه بهِ مَصْدَر وَاحد لا شَبِيه لهُ وقَرِين : وبِكَلِمَة ثَانِيَة : إنّ الَّذي خَلق الأشباه والأضداد لا شبه له، ولا ضِدَّ الخَالِق لا يُوصف بخلقه.
(صَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَ الْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ، وَ الْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَ الْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤلّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا) هَذه أمثلة للمتضادات، والمتشابهات، وإِنه تَعَالى قَد جمع وألف بَيْنَ الأضداد، وفَرّق وباعد بَيْنَ الأشباه، ذاك الاتصال، وَهَذَا الانفصال، وهُما يَدُلان عَلى قُدرته، وعَظَمَته، وإنّه فوق الأضداد، والأشباه، وإِنْ قَال قَائِل : إنّ حركة المادة هي التي فُصِّلَتْ الشَّبِيه عَن مِثله، وجمعت الضّدّ إِلى ضِدَّه قُلنا في جوابه : إن الله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي خَلق المادَّة، وأودع فيها الحركة التي تُوصل وتفصل: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (1). (لا يُشْمَلُ بِحَدٍ) أي لا يَكشف عَن ذَاتِهِ، وحَقِيقَته تَعَالَى أي تعريف بَالِغاً مَا بَلغ من التَّطوِيل، والتَّفصِيل، لأن من وط الحَدّ التّعريف أنْ يَكُون مساوياً للمَحدُود والمُعَرَف، وذاته تَعَالى لا أوّل لهَا ولا آخر، فكَيْفَ تُحد وتُعرف بالحدود والمباين ؟.
(وَ لا يُحْسَبُ بِعَدٍ) أنّ الله وَاحد لا بِقِسْمَةٍ وكَثرَةٍ، بل بِعَدم المثيل، والنَّظِير (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (2). (وَ إِنَّمَا تَحُدُّ الأدَوَاتُ أَنْفُسَهَا، وَ تُشِيرُ الآلاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا) الْأَدَوَات، والآلآت شَيء واحد، والمُرَاد بأَنْفُسَهَا أَجْنَاسُهَا وأَنْوَاعُها، والمَعْنَى أَنَّ الحَوَاس تَكُون طَرِيقاً لمعرفة الشَّيء المَحسُوس، أمّا غَيْرُ الحَسُوس فَلا طَرِيق للعِلم بوجوده إلا العقل بسبب الآثار ومبدأ العِليَّة (منَعَتُهَا
«مُنْذُ» الْقِدْمَةَ، وَحَمَتْهَا «قَدْ» الْأَزَلِيَّةَ، وَ جَنَّبَتْهَا «لَوْلاً» التَّكْمِلَةَ !) هَاء الثَّانِيثِ فِي الأفعال للأدوات والآلات، أو لجميع المخلوقات بقرينة السياق، والمَعْنَى أنّ كلّ حادث يُقَال في حقه : وجد مُنذ كَذا، وقد كَان بَعد أنْ لَم يَكُن، ولَوْلاً الحدوث ما ساغ وجود ««مُنْذُ، وقد» كما أن وجودهما يمنع من القِدَم، والأَزَلِيَّة، وأيضاً وجُود «لَوْلا» يَمنع من الكمال، والتمام. وبالتَّالِي فَلا تَجرِي فِي حَقِّهِ تَعَالَى كَلِمَة «مُنْذُ، وقَدُ، ولَوْلاً بِالْمَعْنَى الَّذِي أشرنا إِلَيْهِ.
(بهَا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُول) أي بالأدوات والحواس، أو الخلق والآثار تدرك الْعُقُول وجود الله بضَمِيمَة مَبدأ العِلْيَة (وَ بِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ) ضَمِيرِ «بِهَا» يَعُود إلى الْعُقُول التي حكمت، وجزمت بأنه تَعَالى لا يُدرك بالحس، وسبق الكلام عن ذَلِكَ فِي العَدِيد من الخطب، ومِنْهَا قَوْل الْإِمَام : «تَتَلَقَّاهُ الْأَنْهَانُ لَا بمُشَاعَرَةٍ» وقَوْله : «وَبِهَا أَمْتَنَعَ مِنْهَا» (1).
(وَ لا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَ الْحَرَكَةُ). لا يتصف سُبْحَانَهُ بالسّكُونِ والحَرَكَةِ لأمور:
1 - (وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ). إنّه تَعَالَى خَالق الحَرَكَة والسكون، والخالق لا يتصف بخلقه بحكم البَدِيمة.. وقَوْله : يَعُودُ... وَيَحدُتُ... عطف تَفْسِير عَلَى قَوْله : يَجْرِي عَلَيْهِ.
2 - (وَإِذا لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ لَو جَرىٰ تَعَالَى عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَةُ لكَانَتْ ذَاته) متغيرة سَاكِنَة تارةً، وطُوراً متحركة، ولا تَارَات وأطوَاراً الله سُبْحَانَهُ.
1) أنظر، الخُطْبَة : (185). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
3 - (وَلَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ) أي أتصف بالحَرَكَة والسُّكُون حَقِيقَته تَعَالَى مُركَبَة مِنْهُما والمركب مُفتقر لأجزائه، ولفَاعِلِ يُؤلف بَيْنَهُمْ، والله غني بالذات وغَيْرِه مُفتقر إِلَيْهِ.
4 - (وَلأَمْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ) الله قَدِيم أَزَلاً، دَائِم أَبَداً، والمركب حادث وجُوداً، وإلى أجلٍ.
5 - (وَ لَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ). المتحرك ينتقل من وضع حاضر إلى مُسْتَقْبَل، والحَاضِر يَصِير ماضياً، والماضي يُذبر فيكُون وَرَاء، والمُسْتَقْبَل يَقتَحم فيكون أمَامَاً، والله مُنَزَّه عن الإقبال والإدبار، والتَّغير مِن حَالٍ إِلَى حَال، وعَن الجهات، والأَوْقَات.
6 - (وَلألْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ). السُّكُون نَقص لأنه مَوْتُ وعدم، والحَرَكَة التماس للكمال، والله كامل بالذات، وكماله مُطلق من كل وجه (وَ إِذا لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ، وَ لَتَحَوَّلَ دَلِيلًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ) أي أنّ السُّكُون والحركة هُما مِن العلامات الدالة على وجود الصَّانع، والمؤثر حَركةً وسكوناً، ولَو أتصف بهما خَالِقها ومُوجُودهما لاِنْعَكس الأمر، وصار المؤثر أثراً، والخَالِق مخلوقاً، والمَدْلُول عَلَيْهِ بالآثار دَلِيلاً (وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ الاِمْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يُؤْثُرَ فِيهِ مَا يُؤذِّرُ فِي غَيْرِهِ). الله أجل وأرفع من أنْ يُؤْتُرَ فِيهِ، ويفعل بِهِ غَيْرَه مَا فَعل هُو بِغَيْره، كَيْفَ ؟ وهَل يَخلق الفِعْل فَاعِله، والبَنَّاء من بَنَاه ؟.
(الَّذِي لا يَحُولُ وَلا يَزُولُ، وَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُقُولُ). إِنَّه تَعَالَى مُنَزَّهُ عَن قَبُول التَّغيرات أَبَداً لا يحدث فيهِ شَيء كان معدوماً، ولا يعدم منهُ شَيء كَان موجُوداً... إنّه يُحيِي الأموات، ويُميت الأحياء، وهو حَيّ دَائم لا يَيُموت (لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، وَلَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً). لَو جَاز أنْ يَكُون سُبْحَانَهُ وَالِداً لجاز
أيضاً أنْ يَكُون وَلَداً، وإِنْ قَال قائل : إنّ آدَمَ وَالِد لغَيره، ولَيْسَ وَلَداً لأحد _ قُلنا في جوابه : إِنّ آدَمَ تَولد من الأَرْض بقدرة الله، وإن لم يتولد بالتناسُل المعروف... هَذَا، إلى أنّ آدَمَ مَحدُود بِدَايَةً ونَهَايَةً. تَعَالَى الله عَن ذَلِكَ عِلوّاً كَبِيراً. تَقَدَّمَ مِثله مَع الشَّرح مفصلاً (1). (جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ، وَ طَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ)، لأنه غَنِي بذاته عَن كُلّ شَيْء.
(لا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ... إلى فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ). ذات الله لا تُدرك بحس ولا يعقل، ويُدرك وجوده تَعَالى بمنطق الحس والعقل معاً : فالأول يرى الخلق والآثار، والثاني يحكم بوجود المؤثر مُستند لمبدأ العلية، وذاته جَلَّ وعَلا هِي قُوَّة عُليا وَرَاء الطَّبِيعَة، ولَيْسَت مِن جِنْسها فِي شَيء، إِنَّهَا دَائِة سَرمَدِية لا بدَايَة لها ولا نهاية لا يحويها أو يحملها شيء، بل هي فوق الأشياء ولو حملها أو حواها شَيء لمالت بحركاته بِمنَةً ويَسرَةً، وعلواً وانخفاضاً، وأيضاً هي قُوَّة عَالِمة وحَكِيمَة، وقادرة عادلة، تفعل وتُشرّع، وتُثِيب وتُعاقِب، وتسمع الشكوى، وتكشفها إِنْ شَاءت.
(لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالِجٍ، وَ لَا عَنْهَا بِخَارِج). إِنَّهُ تَعَالَى مَعَ الْأَشْيَاء، وغَيْر بَعِيد عَنْهَا، لأنه خالقها، ومُدبرها، وعَالِم بأحوالها، ولأنها تفتقر إلى رحمته وعنايته، ولَو تخلى عَنْهَا لحظة لَم تَكُن شَيْئَاً مَذْكُوراً، وهُو سُبْحَانَهُ بَعِيد عَن الْأَشْيَاء بذاته الغَنِية عن كلِّ شَيء، وصفاته التي لَيْسَ كَمِثْلِها شَيْءٌ (يُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ).
غَيرُ الله يَتَكَلَّم بِلِسَان، أمّا هُو جلَّ وعزَّ، فيخلق الكلام في لِسَانِ مَن أرتضى
1) أنظر، شرح الخطْبَة : (182). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
من رَسُول، أو مَا شَاء من خَلقه، فالكلام بالنِّسبَة إِلَيْهِ تَعَالى كالرِّزْق من الصفات الإضافية لا الذَّاتِية. قَال الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : كَلام الله حادث عِند جَميع الفرق مَا خلا جماعة من الحنابلة» (1)فإِنَّهُم قَالُوا: «كلام الله صِفَة له، وكلّ مَا صِفَة له قديم» (2).
(وَ يَسْمَعُ لا بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ) لأَنه لَيْسَ بِجسم، ومَعْنَى سَمعَه تَعَالَى عِلمه بالمسموعات : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (3). (يَقُولُ وَلَا يَلْفِظُ)، بل يخلق الكلام، كما أشرنا (وَ يَحْفَظُ) أي يُراقب، ويُدبر (وَ لا يَتَحَفَظُ) لا يحتاط ويحترس، لأن الحراسة، والتَّحفظ مَصْدَرهُما الخَوْف.. ولا أمن وسلام إلا بالله و من الله، وقَد وَصَفَ سُبْحَانَهُ نَفْسه بـ(السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ) (4). (وَ يُرِيدُ وَلا يُضْمِرُ). ولماذا الإضمار، والإسرار ما دام يقول للشَّيء كُن فَيكُون (يُحِبُّ وَ يَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقّةٍ، وَيُبْغِضُ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ). ومن البداهة أنّ حُبّة تَعَالَى ورِضَاء هو إِنْعَامِهِ، ورحمته، وإِن بُغضه، وغَضبه هُو عذابه، ونقمته، أما الرقة، والمشقة فمن صفات الممكن الحادث، لا من صفات الواجب القَدِيم.)(يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، لا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ، وَلا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ... إلخ. يُشير بهذا إلى الآية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن)
فَيَكُونُ (1). (وَإِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثْلَهُ، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً... إلخ). أشرنا إلى أنه تعالى يخلق الكلام كما يخلق سائر الأَشْيَاء، ولو كان كلامه صِفَةٌ ذَاتِيةٌ لهُ لكَان قَدِيماً مِثله، ويلزم من ذلِكَ تَعدد الآلهة (لا يُقَالُ : كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَتَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ... إلخ). فِي كَانَ ضَمِير مُستتر يَعُود إِلَيْهِ تَعَالَى، لا إلى كلامه، والعنى أنّ الله هو الأَوَّل بالقِدَم والأَزَليَّة، الآخر بالأبدية، والسَّرمدية، ولَو كَان له أوّل لكان هُو والمخلوق سَواء، لا يمتاز عنهُ بفَضِيلة، ولا عَلَيْهِ مِن فَضل، تُكرر الْقَوْل : إِنَّ الْخَالِقِ لا يُوصف بخلقه. وتَسْأَل : كَيْفَ لا يُوصف الخالق بخلقه مع العلم بأن الله يوصف بالوجود، وكَذَلِكَ جميع الكائنات، وأيضاً يوصف بالحياة، وبها يوصف كلِّ ذِي رُوح. ويُوصف سُبْحَانَهُ بالعِلم، وكَثِيراً غَيْره ؟
الجَوَاب:
إن صفاته تَعَالَى تُخالِف صفات المحدثات من وجوه :
أولها : إنّ صفاته أصل، صفاتها،فَرع، ورشحة من فيضه.
ثانيها : إن صفاته ضرُورية الثبوت، ومُمتنعة الزوال، صفاتها مُمكنة تحدث. وتَزُول.
ثَالثَها : إنّ جميع صفاته تعالى موجودة بوجود واحد، صفاتها يتعدد وجودها، وكثرتها. رابعها إن صفاته لا حد لها، ولا نهاية، صفاتها تَتَناهى وتقف عند حد لا
1) سُورَةُ يس: 82.
تتجاوزه، وبكلمة إن صفات غَيْره عَدم بالنسبة إلى صفاته تَعَالَى، ولا جامع بَيْنَ الاثنين إلا أداة التَّعبير عن الأصل وفروعه.
خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ. وَأَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ، وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ، وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ، وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْاوَدِ وَالاِعْوِجَاجِ، وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافْتِ وَالاِنْفِرَاجِ أَرْسَى أَوْتَادَهَا، وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا، وَ أَسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا، فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَلا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ، وَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَ عِزَّتِهِ. لا يُعْجِرُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَلا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ، وَ لا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ، وَذَلَّتْ مُسْتَكِينَةٌ لِعَظَمَتِه، لا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ، وَلا كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِتَهُ، وَلا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ. هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا (5).
وَ لَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا. وَكَيْفَ وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا، وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا، وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا، وَ مُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَأَكْيَاسِهَا، عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَائِهَا، وَلا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا، وَلَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمٍ ذَلِكَ وَتَاهَتْ، وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ، وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً، عَارِفَةً بِأَنَّهَا
مَقْهُورَةٌ، مُقِرَّةُ بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا، مُذْعِنَةٌ بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا ! (6)!
وَ إِنَّ الله، سُبْحَانَهُ، يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لا شَيْءَ مَعَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا، بِلا وَقْتٍ وَلا مَكَانٍ، وَلا حِينٍ وَلا زَمَانٍ. عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآجَالُ وَالْأَوْقَاتُ، وَ زَالَتِ السِّنُونَ وَ السَّاعَاتُ، فَلا شَيْءَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ. بِلا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ أَبْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وَبِغَيْرِ أَمْتِنَاعِ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا، وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا. لَمْ يَتَكَاءَدُهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَلَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَبَرَأَهُ، وَ لَمْ يُكَوِّنَهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ، وَ لا لِلِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ، وَلا لِلاخْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُنَاوِرٍ، وَلا لِلازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ، وَ لَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ، وَلَا لِوَحْشَةِ كَانَتْ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا (7).
ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لَا لِسَامٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَ تَدْبِيرِهَا، وَلَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ، وَلَا لِنقَلِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ لا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَ أَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلا لِإِنْصِرَافٍ مِنْ حَالٍ وَحْشَةِ إِلَى حَالِ أَسْتِئْنَاسِ، وَ لا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمَّى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَ الْتِمَاسِ، وَ لا مِنْ فَقْرِ وَ حَاجَةٍ إِلَى غِنى وَكَثْرَةٍ، وَلا مِنْ ذُلّ وَضَعَةٍ إِلَى عِزّ وَ قُدْرَةٍ (8).
اللُّغة:
الْأَوَّدِ : الاِعْوِجَاجِ. وتَهَافُتِ : تَسَاقُط. وَأَنْفَرَج : أَنْفَتَح، وأَسْدَادَ : جَمع سَدّ.
وخَدَّ شَقْ. والمَرَاح - بفتح الميم - موضع الرَّوَاح، وبضمها : مأوى الإبل والبقر، والْغَنم والماعز، وهو المراد هنا. وسَائِمهَا : رَاعِيها. ومُتَبَلِّدَةِ : غَبِيَّة. وأَكْيَاس : جمع كيِّس - بتشديد الياء - وهو الْعَاقِل الحاذق. وخَاسِئَةً : ذَلِيلَة. وحَسِيرَةً كَلِيلَة. وتَكادٌ وتَتَكَاءَدْ الْأَمْرِ : شَقَّ عَلَيْهِ. وآدَه يَؤُدُهُ : ثَقُل، ويثقل. وبَرَأَهُ : خَلَقَه. مُثَاوِرٍ : مِن ثَاوَرَه أَي وَاثبِه وهَاجمه.
الْإِعْرَابِ:
تَمتَنِعَ مَنصُوب بأنْ مُضمرة بعد الفاء، ويَصِير بأنْ مُضرة بعد حَتَّى، وكَمَفْقُودِهَا مَعْنَى مِثل خَبَراً ليَصِير، وبِأَعْجَبَ البَاءِ زَائِدَة، وأَعْجَبَ خَبَرَ لَيْسَ، وَمَا قَدَرَتْ جوَاب لَوْ، والسَّبِيل مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، وكَيْفَ خَبَر مُقَدَّم، وخَاسِئَةً حَال، مثلها حَسِيرَةً وعَارِفَةً، ووَحْدَهُ حَال، وجُملة لا شَيء معهُ بَدل مِن وَحْدَه، حَيْث أجاز ابن هشام وغَيْره أَنْ تُبدل الجملة من المفرد.
الْمَعْنَى:
(خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ). المقال هو الشَّبيه والنَّظير، وكان الله ولَم يَكُن مَعهُ شَيء، ومن أرادته وحدها نبع الكون بمادته وصورته، وإِذَا لَم يَكُن في الوجود مِن شَيْءٍ غَيْرُ الله فمن أينَ تَأْتِي العدوى والمُحَاكَاة ؟ (وَ أَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ، وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ... إِلى وَالاِنْفِرَاجِ). خَلق الله الكَوْن، وجعل لهُ قَوَانِين دَائمَة ثابتة تعمل علمها وتُؤثر أثرها، ومِنْهَا قَانُون الجاذبية الذي اكتشفه إسحق نيوتن، وبهذا القَانُون
تثبت الْأَرْضِ فِي فَلكها مِن غَيْر دَعَائِم، وقوائم، وبهِ تَدُور حَوْلَ نَفْسها وحَوْلَ الشَّمس، ولو انحرفت عن مكانها المقرر وأشرعت أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لتطَايَرَت أجزاؤها في الهواء، ولو أبطأت في حركتها عن المعدل هَلك النّاس مِن حرِّ أو بَرد، كما قَال أَهْل الاختصاص، وتَقَدَّم مثله (1).
(أَرْسَى أَوْتَادَهَا)، قَالَ سُبْحَانَهُ : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (2). (وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا) جَمع سَد وهُو الحاجز والحَد بَيْنَ شيئين.. وغَيْر بَعِيد أنْ يَكُون هَذَا إشارة إلى الحدود والعَلامَات بَيْنَ القَارَات (وَ اسْتَفَاضَ عُيُونَهَا، وَخَدَّ أَوْدِيَتَهَا). فَجّر الْأَرْضِ عيُوناً، فَسَلك الماء في الجداول والقنوات، وتَقَدَّم مِثله (3). (فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَلا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ). خَلق كلّ شيء تاماً في عالمه، لا خَلل فِيهِ ولا فتُور : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (4)(هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ). كُلّ شَيْء فِي قَبْضَتَه (وَ هُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ). أحَاطَ عِلماً بظاهرها، وباطنها (وَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَ عِزَّتِهِ). لا يُدَانِيهِ شَيء كمالاً وجَلالاً، لأنّه خَالق كلّ شيء.
(لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبَهُ، وَلا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ... إِلَى وَ ضَرِّهِ). هُوَ الْقَوِيّ ذاتاً، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّة إلا بهِ ومِنْهُ، وكلّ شَيء خاضع لهُ، فَكَيْفَ يَفُوته ويمتنع عنهُ مَا طَلب، أو يطلب المعونة من معين ؟. (وَلاً
كُفْءَ لَهُ فَيُكَافِتَهُ، وَلا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ). لَو كَان في الوجود إلهان، وعَجز كلٌ مِنْهُما عَنِ الْقَضَاءِ عَلَى صَاحبه - ولو بحسب الإمكان - لانتفت صِفَة الألوهية عَنهُما مَعاً، لمكان الْعَجْز، وإنْ قَدر كلّ مِنْهُما عَلى الآخر تناحرا، وأنتهى الأمر، وكان وجودهما سَبياً لعدمهُما، عَلَى حَدٌ مَا قَالَ صَاحب «الأسفار» (1). (هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا). يُوجدَها ثُم يُفنِيها، ولا يَبْقَى إِلّا وَجهَه الكَرِيم. ومن البداهة إنّ الإِفْنَاء أيسر من الإيجاد والهدم أهون من البناء... ويُصلح، هَذَا رَداً عَلى من قال : إنّ المَادَّة أزْلِية لا بِدَايَة لها ولا نهاية (2).
(وَكَيْفَ وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا، وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا... إلَى إِنْشَائِهَا). كَيْفَ يَنكر الدَّهرِيُون والماديون فناء الكون، وهُم يَعْلَمُون أنّه لو اجتمعت الكائنات الحيّة بشتى أنواعها، من يُعقل مِنْهَا، ومَا لا يعقل، وحاولت جاهدة أن تُوجد بَعُوضَة على تفاهتها - لعَجَزَت خَاسِئَةً، مُعتَرِفَةً بِعَجزها، وإِذَنْ فإحْدَاثِ الشَّيء وإيجاده أصعب من إفْنَائه وأَعْدَامه، قَالَ تَعَالَى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعْفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (3). (مُذْعِنَةٌ بالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا) أي عن إفناء جنس البعوض من
الوجود، أو إفْنَاء بَعُوضَة أمْتَنَعت بالهرب، وأختفت عن الْأَعْيُنِ. وتجدر الإِشَارَة إلى أنّ الْقُرْآن الكَرِيم أَخْبَر مُنذ ألف وأربعمئة سَنَة بأنّ النّاس لا يَستَطِيعُون خَلق ذُبَابة، وقد عَجز الْعُلَمَاء عَن ذَلِكَ، وَهَذَا إِخْبَار بالْغَيْب، فكَيْفَ أُتيح لمُحَمّد العِلم بهِ إذَا لَم يَكُن وحيّاً من الله ؟.
(وَ إِنَّ اللهَ، سُبْحَانَهُ، يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لا شَيْءَ مَعَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا). كان الله ولَم يَكُن معه شيء، ويَبْقَى بَعد فنَاء كلّ شيء (بِلا وَقْتٍ وَلَا مَكَانٍ، وَ لَا حِينٍ وَلَا زَمَانٍ... إلخ). المكان جسم، أو وَضعُ خاص للجسم، والزَّمَانِ الْمَعْرُوف بالسنين والشهور والأَيَّام والسَّاعات والتواني هو عبارة عن دَورَانِ الْأَرْضِ حَوْلَ نَفْسها وحَوْلَ الشَّمس، وبعد فَنَاء كلّ شيء لا أرْض ولا شَمس، ولا أجسام وأحداث فمن يأتي والمكان، والفوق، والتّحت، واليمين، والشّمال والماضي، والحَاضِير ؟ (فَلا شَيْءَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ) مِنْهُ تَبتدىء، وإِلَيْهِ تَنْتَهِي (بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ أَبْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وَ بِغَيْرِ أَمْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا... إلخ). هَذَا رَدَّ عَلَى مَن قَال: «إنّ الْأَشْيَاء وجِدَت أوّل ما وجدت من مَادَّة لطيفة كَانَتْ تملأ الكون، وأسماها بعضهم بالأثير، وآخر بالسَّدِيم، وثالث بِحسب الغاز (1). (وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا)، تَماماً كالإِنْسَان أتى إلى الحَيَاةِ الدُّنْيَا مُرغماً، وخَرجَ مِنْهَا مُكرهاً.
(لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَ لَمْ يَؤُدُهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَبَرَأَهُ). الكَوْن بكامله وجناح البَعُوضه بمنزلة عند الله يخلق هَذَا وذَاكَ بِكلمة «كُن» فمن
1) أنظر، الْقُرْآن وإعجازه العلمي لمحمّد إِسْمَاعِيلَ إبراهيم : 59 شرح أصول الكافي : 113/4 و 521.
أين يَأتي التّعب، واللغب، والكلفة، والمشقة ؟
(وَ لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ، وَلَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ). لأنّه غَني بذاته عمّن سواه، ومَا خلاه مُفتقر إِلَيْهِ أفتقار الممكن للوَاجب، والمخلوق للخالق (وَلا لِلاسْتِعَانَة بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ) لأنّه لا يد له، والند هو المثيل، والمُكاثر المفاخر بكثرة المال والرِّجَال (وَ لا لِلِاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ) لأنه لا ضِدَّ لهُ، والضّد هو الخصم والمخالف، والمثاوِر المُهَاجِم والمُوَائِب (وَ لا لِلازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ) لأنّ مُلْكِهِ تَعَالَى تَام ولا مُوجِب إِلى الزِّيَادَة، وهُو أمْرَه للشَّيء كُن فَيَكُون، أو لأنّه تَعَالَى مالك الملك، وكلّ ما يُقَال له «مُلْك» فهو لهُ وحدَه، وعَلَيْهِ يَسْتَحِيل تصور الزِّيَادَة فِي مُلْكِهِ (وَ لَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ) لأنّه لا شَرِيكَ لهُ، والمراد هنا النَّصِيب والملك (وَ لا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا). المستوحش يطلب الجليس، والأنيس لحاجتِهِ إِلَيْهِ، والله غَنى بذاته عَن كُلّ شَيء. وتَقَدَّم مِثله (1).
(ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا، لا لِسَامٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَ تَدْبِيرِهَا... إلخ). ضَمِيرِ التَّأنيث فِي تَكْوِينِهَا، وفي الكَلِمَات السابقة، يَعُود إلى الدُّنْيَا. لَقَد خَلَق سُبْحَانَهُ الدُّنْيَا بقدرته، وأتقن كل شَيءٍ بِحكمته، ودَبَرَهُ بِلُطفه، لا لحاجة منهُ إِلَيْهِ، بل إظهاراً لعَظَمَتِهِ، وكماله، أو كَذَلِكَ ولأشياء أخر هُو بها أدرى وأعْلَم، ثُم يَفنى الدُّنْيَا لَا لِسَامٍ ومَلَلٍ، بل لأنّ الهدف المقصود من وجودها قد حصل وتحقق، ثُمَّ يُعِيد الخلق من جَدِيد ليجزِي الَّذِين أحسنوا بالحسنى، والَّذِينَ أَسَاء وا بما عَمِلُوا.
وتَسْأَل : لقد أطال الإِمَام فِي نَفي صفات المخلوق عَنهُ تَعَالَى، كَالإِيجَاش
1) أنظر، شرح الخُطْبَة : (1) و 109). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
والاِسْتِينَاس، والتَّعب والراحة، والفقر والجهل... الخ، مع أن الأمر واضح لا يَحتاج إلى تطويل وتفصيل، ويَكفِي الْقَوْل : الخَالِق لا يُوصف بخلقه... والعَقْل لا يدرك إلّا المحدود والمخلوق.
الجَوَاب:
لا يحق لأحد أنْ يُفسر أي قول أو فعل بمعزل عن أوضاع القائل والفَاعِل، وعَن الظُّرُوف الَّتِي كَانَتْ تُحيط بهِ، وتَدفَعه إلى الْقَوْل والفِعْل. ومن الجائز أن بَعْض مَن خَاطبهم الإِمَام بكلامه هَذَا كَان يُوسوس هُم الشَّيْطَانِ بهذه الخطرَات، فَدَعَت الْحَاجَة إلى التكرار والتأكيد، والتَّنزيه عما تناله الأوْهَام. وَوَرّد أنّ رَجُلاً قَال للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): مِن النَّاسِ مَن يَقُول : إنّ الله جسم، ومِنهُم مَن يَقول : إنّه صُورَة» (1).
1) أنظر، الكافي : 104/1 ح 1 و 6، شرح أصول الكافي : 230/3. أمالي الصدوق: 352 ج 2، توحيد الصدوق : 104 ح 20، بحار الأنوار: 291/3 ح 10، الطرائف لابن طاووس الحسني : 309.
أَلا بِأَبِي وَ أُمِّي، هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَ فِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ، أَلا فَتَوَقَعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ، وَ أَنْقِطَاعِ يُصَلِكُمْ، وَسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ. ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ. ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي. ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَ النَّعِيمِ، وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ أَضْطِرَارٍ، وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجِ، ذَاكَ إِذَا عَضَكُمُ الْبَلاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ، مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ، وَ أَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ !
أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَنْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ، وَلا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَائِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ. وَلا تَقْتَحِمُوا مَا أَسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَار الْفِتْنَةِ، وَأَمِيطُوا عَنْ سَنَنهَا، وَ خَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا : فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ.
إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ، يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا. فَأَسْمَعُوا أَيُّهَا
النَّاسُ وَعُوا، وَأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا.
اللُّغَة:
العِدَّة - بكسر الْعَيْن - الجماعة، وبضمها الاستعداد. والصِّغَار : لا دين لهم ولا شَأن. والْقَتَبُ : مَا يُوضع عَلى ظهر الجَمَل كَالسَّرج. والغَارِبَ : مَا بَيْنَ العُنق والسَّنام. والأَزِمَّةَ : جمع زِمَام، وهو المقود الغب - بكسر الغين - الْعَاقِبَة. وفَوْرِ النَّارِ : لهَبِهَا. وَأمِيطُوا : تَنَحُوا. وعَنْ سَنَنهَا : عَن طَرِيقَها : وَلَجَهَا : دَخَلَهَا.
الإِعْرَاب :
بِأَبِي مُتَعَلِّق بمحذوف أي أَهْدِي بِأَبِي وأُمِّي، وهُمْ مُبْتَدَاً أوّل، وأَسْماَؤُهُمْ مُبْتَدَاً ثان، و معرفة مجهولة خَبَر الثاني، والجملة خَبَرَ الْأَوَّل، وأَشتَبه من قَال : بِأَبِي خَبَر مقدم وهُمْ مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، لأنّ «هُمْ» وما بعدها كلام مُستأنف، كَأَنّ سَائلاً قَال: مَن هُمْ الَّذِين تَفدِيهُم ؟ فأجاب «هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَفِي الْأَرْضِ مجْهُولَةٌ.. إلخ». وما أطول «مَا» مُبْتَدَأَ بِمَعْنَى شَيء، وأطول فعل ماضٍ للتعجب وفَاعِله مُستتر، وَهَذَا مَفْعُول والعَنَاء عَطف بيان مِن هَذَا، والجملة خَبَر، وفيها معنى التعجب.
الْمَعْنَى:
(ألا بِأَبِي وَ أُمِّي، هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَ فِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ). يُشِير بهذا إلى زمرة من أَهْل الله يَأْتُون من بعده، لهُم دَرجَات عِند ربهم
وَمَعْفَرَة، أمّا عِند النّاس فَهُم مِن المنسيين لا لشيء إلا لأنهم يَتَّقُون الله، وبأمْرَه يَعملون (إِلَّا فَتَوَقَعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ، وَ انْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ، وَسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ). وأَنْتُم الآن في ظلّ حَاكُم يَسُوسِكُم بالحَقِّ، والعَدْل، ويحمل همومكُم، وآلامكُم، ويُؤْثَركُم عَلَى نَفْسِهِ، وذَوِيه، وسوف يَتَوَلَّى أمرَكُم من بَعده ظَلُوم غَشُوم، لا يرى إلا همومه ونَفْسه، وإلا إذلالكم واستعبادكُم.
(ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ... إلخ). تَنْسَد أبواب الرِّزْق، ومسالكه إلا على الخونة، والقراصنة، ولا يجد الحر الأمين إِلَّا للعيش : ويكُون ضَربه بالسيوف وطَعنه بالرِّماح أهوَن عَلَيْهِ وأيسر من الحصول عَلى لُقمة الحلال (ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى - اسم مَفْعُول - أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي - اسم فَاعِل -)، أي يَأتي زَمَان يكون اللْمُؤْمِن المخلص الَّذي يَأخذ الصَّدَقَة أفضل عند الله من معطيها... وأطال الشَّارحُونَ (1)فِي تَأْوِيل هَذَا الكلام وتُوجيهه بما يتفق مَع مَا هُو المَعْرُوف مِن «أنّ اليد العليا خَيْرٌ مِن اليَد السُّفْلَى» (2). ولَكِنَّهُم لَمْ يَأتوا بشَيء - كما نظن - والَّذِي نَرَاه أنّ كُلَّ مَن يجد العَمَل السَّائع ولا يَعمَل، ويعيش عَالة عَلى غَيْره فهو من الَّذِين لا شأن لهم عند الله، والنّاس، والنَّملَة الكَادِحة خَيْرٌ منه. أما مَن يَأنف من الأخذ، ويأبى بطبعه أنْ يَكُون كَلاً عَلَى غَيْره. وفي الوقت نَفْسَه
1) انظر، شرح نهج الْبَلاغَة لعَبْدَه : 126/2، شرح نهج البلاغة للبحراني : 182/4، منهاج البراعة: 141/11، مُنتخَب الأثر : 314 ج 3، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 95/13.
2) أنظر، سنن أبي داود: 372/1 ح 1648، الكافي : 11/4ح 4، سُنن الترمذي : 95/2 ح 675 وسائل الشيعة : 378/2 ح (12283) 4، صَحِيح البخاري: 117/2، المجازات النبوية : 35 ح 17، الموطأ : 998/2 ح 8 من لا يحضره الفقيه : 37674 ح 5763، المجموع : 245/6، مُسند أحمد : 4/2، صحيح مسلم : 94/3. سُبل السلام : 241/2 و : 223/3 ح 8.
يتورع عن الحرام بشتى أنواعه، ويبحث عن الحلال والعيش بكدّ اليمين، ولكن لا يَجد السَّبِيل إِلَيْهِ، فيضطر مُكرهاً لأخذ الصَّدقَات لا مُختاراً - أما هَذَا الشَّرِيف المتعفف فهو أعظم أجراً عِند الله مِمَّنْ يَتصدق، لأنَّ الظَّرُوفِ أَرْعَمتَهُ عَلَى تَقَبَّلَ الذُّل والعيش على أوساخ النّاس، فِيعُوضه الله سُبْحَانَهُ عَن ذَلِكَ بالأجر العَظِيم.
(ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَالنَّعِيمِ). يُرِيد بهَذا المترفين ورجال المال، وحُكام الجور وأذنابهم بدَلِيل كَلِمَة «النِّعْمَةِ وَالنَّعِيم».
وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ أَضْطِرَارٍ، وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجِ). قَد يَجُوزِ الْكَذِب مَع التُّورِيَة لدفع الضَّرر... حَتَّى اليمين الكاذبة تُسوغ وتحل لنجاة نَفْس مُحترمة من الهلاك، وخلاصها من طَاغية شَرِيطة أنْ يَنحصر سَبِيل نجاته بهذه اليمين... أمّا الْكَذِب تَملقاً ورِيَاءً لا لشيء إلا للربح وجَلب المَنْفَعَة فهو من أكْبَرَ الكَبَائِرِ (ذَاكَ إِذَا عَضَكُمُ الْبَلاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ). قِيلَ : أَنّ هَذِهِ الجُمَلة لا صلة بما قَبْلَهَا، وإنّ الشَّرِيف الرَّضِي أقتطعها من كلام آخر، وحَشَرها هنا، كما هي عادته... ولَيْس هَذَا ببعيد، وعَلى أية حال فالمعنى مِنْهَا أنْ شِيعَة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سُوف يُلاقون بعده الشَّدَائِد، ولا يعرفُون وجه الخلاص، وقد حدث ذَلِكَ بالفِعْل.
(مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ، وَ أَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ !). يُشِير بالعَنَاء إِلَى فَسَادِ الْأَوْضَاع من بَعده، وإِنَّهَا تَنتقل مِن سَيء إِلى أَسوَاْ (أَيُّهَا النَّاسُ، أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ، وَلا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَائِكُمْ). الْمُرَاد بالأَزِمَّة هنا الآراء الفاسدة، والضَّمِير في ظهورها يَعُود الأزمة، ومِنْ أَيْدِيكُمْ مُتَعَلِّق بأَلْقُوا، والمَعْنَى أنّ الآراء الفاسدة تحمل الكَثِير مِن الذُّنوب والخطايا، وتترك أسوأ الأثر فَيَجب تركها وعدم العَمَل بها، ثم أَمر أَصْحَابه بوَحْدَة الصفوف، وطاعة السُّلْطَان،
ويَعنِي بِهِ نَفْسَه (فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ) أي إذا أتبعتُم الآراء الفاسدة، وتَفَرقتُم عَن إمَامكُم - ظهر عَلَيْكُم عَدُوّكُم، وَكَانَتْ الْعَاقِبَة لهُ عَلَيْكُم (وَلا تَفْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَ أَمِيطُوا عَنْ سَنَنهَا، وَ خَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا... إلخ). أَبْتَعدُّوا عَن الخلافات، والمشاحنات، فإنها تكوي بنارها الأخيار، ولا يستفيد منها إلا الإنتهازيون الأشرار.
(إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاج فِي الظُّلْمَةِ، يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا... إلخ). المراد بالظُّلْمَةِ الفَسَاد والضَّلال، وبالسِّرَاج الهُدَى والصَّلاح، والإِمَام عَلَم الهُدَى، والحَقِّ، مَنار الخير والْعَدْل، من أستَر شَد به فهو المهتدِي، ومَن ضَلَّ عَن سَبِيله فهو من الخاسرين.
أُوصِيكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، بِتَقْوَى اللَّهِ وَكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَيْكُمْ، وَنَعْمَانِهِ عَلَيْكُمْ، وَ بَلائِهِ لَدَيْكُمْ. فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ، وَ تَدَار كَكُمْ بِرَحْمَةٍ! أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ، وَتَعَرَّضْتُمْ لِأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ !
وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ. وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وَ طَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ! فَكَفَى وَاعِظَاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وَكَأَنَّ الْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً. أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِئُونَ، وَأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ، وَ اَشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا، وَأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ أَنْتَقَلُوا. لا عَنْ قَبِيحِ يَسْتَطِيعُونَ أَنْتِقَالاً، وَلا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ اَزْدِيَاداً. أنسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ، وَ وَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ. فَسَابِقُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا، وَالَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا، وَ دُعِيتُمْ إِلَيْهَا. وَ أَسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَ الْمُجَانَيَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ. مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ، وَأَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَ
أَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ !
اللُّغَة:
البَلاءُ : الإختبار بالخَيْرِ والشَّرِّ، قَال تَعَالَى: وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ (1). والمراد به هنا الْبَلاءُ بالخير. وأَعْوَرْتُم:ْ أظْهَرْتُمْ عورَاتِكُمْ في عِيُوبكُم. وأَوْحَشُوا المكان : هَجَرُوه. وأَوْطَنُوه : سَكَنُوه وأتَخَذُوه وَطَناً.)الْإِعْرَاب :كُمْ خَبرِية، وتمييزها محذوف أي كَمْ مَرّة، ومحلها الرفع بالابْتِدَاء، والجملة خَصَّكُمْ خَبَر، وَطَمَعُكُمْ عَطف غَفْلَتُكُمْ، وَكَفَى فِعل مَاضٍ، ووَاعِظَا تَمييز، ومَوْتَى فَاعِل، والبَاء زَائِدَة، وغَيْرَ رَاكِينَ حَالَ من فَاعِل حَمِلُوا، ومثلَهُ غَيْرَ نَازِلِينَ، وَمِنَ الْيَوْمٍ مُتَعَلِّق بقَرِيبٌ.الْمَعْنَى:(أُوصِيكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، بِتَقْوَى اللَّهِ وَكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَأتِهِ إِلَيْكُمْ... إِلَى فَأَمْهَلَكُمْ !. أطِيعُوا الله وأحمدُوه، لأنّه أَحسَن وأكرم، لقد عَصِيتمُوه في الخفاء فَسَتَر وأمْهَل رَحْمَةً منه وتفضّلاً، فَتَدَارَكُوا ذُنُوبَكُم بِالتَّوْبَةِ، كَمَا تَدَارَكَكُم هُو بالرَّحْمة (وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ) لأنّ مَن ذَكَرَه وارتقبه سارع إلى قبل فوات الأوان (وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وَطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ !). لا مَفَرّ)
1) الأَعْرَافِ : 168.
من المؤت، وأيضاً لا تعجيل أو تأجيل لأمده، فَكَيْفَ تَعْفَلُون عنه، ولا تُعدون لهُ عُدته ؟.(فَكَفَىٰ وَاعِظَاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ إِنَّ مَصِيركُم هُو مَصِير مَن رأيتُم مِن الأموات، والْعَاقِل مَن أتعظ بغيره قَبل أنْ يُوعظ بِهِ (حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ). أُرْكِبُوا الأَعْوَاد، ولَمْ يَركبوها مُختارِين، وأُنْزِلُوا فِي الْقُبُور، ولَم يُنزِلُوا مُرِيدِين (فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وَكَأَنَّ الْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً... إلى فَصَرَعَتْهُمْ). انْصَرَفُوا إلى الدُّنْيَا بكل ما لديهم من طاقة، فَبنُوا وشيَّدُوا، وزَرَعُوا وأتقَنُوا، أما الآخِرَة فكأَنَّها لَم تَكُن، وسُرِعَان مَا أَنتَقَلُوا مِن تِلكَ العامرة إلى هَذِه الخراب اليَبَاب خَالدين فيها لا يملكُون كَشف الضُّر عَنهُم، ولا تحويلاً.)(فَسَابِقُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا. أعْمَلُو الِلآخِرَة فأَنَّهَا خَيْرٌ وأبق (وَ الَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا). رَعْبُوا في الجنَّة، ولكن بِلا عمل، وطَلَبُوا الْمَغْفِرَة، ولكن بلا تُوبَةَ (وَ أَسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ... إلخ). وتمام النعم بدوامها، ولا تدوم إلا بالشكر، والصَّبر عَلى طَاعة الله، والبعد عن المَعْصِيَة.. والجزاء آتٍ لا مَحَالَةَ، وكلّ آتٍ قريب، وإِنْ طَالَ الزَّمن، لأنّ السَّاعة جُزء من اليَوْم، واليَوْم جُزء من الشَّهْرِ، والشَّهْرِ جُزء من السُّنَةِ، وَهِي جُزء من السِّنِين. قَال الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : «أبتدأ الإِمَام بالصَّغِير الذي ينتهي سَرِيعاً، وأنتهاؤه يَستُوجب أنتهاء الْكَبِير، وهكذا حَتَّى يَكُون أنتهاء الْأَكْبَرَ لازماً... وهو كلام بالغ الْغَايَة فِي المَوْعِظَة» (1).)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة لعَبْدَه : 130/2، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 19/12.
## الخطبة - 189 -### فِي الإِيمَانِ وَالْهَجْرَةِ:فَمِنَ الْإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ، وَ مِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ، (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (1). فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّىٰ يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ.)وَ الهِجْرَةُ قَائِمَةُ عَلَى حَدَّهَا الْأَوَّلِ، مَا كَانَ اللَّهِ فِى أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرٌ الْإِمَّةِ وَ مُعْلِنِهَا. لَا يَقَعُ أَسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلا بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ. فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ وَلا يَقَعُ اسْمُ الْإِسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَ وَعَاهَا قَلْبُهُ.إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبُ مُسْتَصْعَبٌ، لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا عَبْدُ مُؤْمِنٌ أَمْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَ لا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلَامُ رَزِينَةٌ.أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَانَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ
1) مأخُوذ مِن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ) الْمُرْسَلَاتِ : 22.
الْأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا، وَتَذْهَبُ بِأَحْلَامٍ قَوْمِهَا.اللُّغة :عَوَارِيَّ : جَمع عَارِيَة. فَقِفُوهُ : أَوْقِفُوا الحكم عَلَيْهِ. وأَسْتَسِرّ الأمر إذا كَتَمَهُ. والأمَّة - بكسر الهمزة - الحالة. والْمُرَاد بِاللأحْلامِ هُنا الْعُقُول. وشغَرَ بِرِجْلِه : رفعها. والخطام - بكسر الخاء - مقود البعير، والخطم : الأَنْف ومَا يَلِيه.الإِعْرَاب:مِنَ الإِيمَانِ خَبَر مُقَدَّم، ومَا يَكُونُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، ومُسْتَقِرّاً صِفَة مُؤكدة لـ«ثَابِتاً» وحَاجَةٌ أسم كان، ومِنْ مُسْتَسِرٌ «مِنْ» بيانية، ويجوز أنْ تَكُون زَائِدَة لوقوعها بعد النَّفي، ومُسْتَسِرٌ وَمُعْلِنِ بَدل مُفصل من مُجمل، والمبدل منه أَهْل الْأَرْضِ.الْإِيمَان:يَطلق الْقُرْآن كَلِمَة الْإِيمَان عَلَى مُجرد التَّصْدِيق بأي شَيء، قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عن أخوة يُوسُفَ : (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (1)أي مصدق لنا، وأيضاً يَطلقها الْقُرْآن عَلى مَن نَطق بِكَلمتي الشَّهادَة، كما في الآية : ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) (2). وأوضح مَن هَذِه الآية قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى)
إلَيْكُمُ الصَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا (1).)قال المفسرون : نَزَلَت هَذِهِ الآيَة فِي بَعْض الصَّحَابَةِ الَّذِينَ قَتِلُوا رَجُلاً نَطَق بِكَلِمة الإِسْلاَم ظَنّاً مِنهُم أنه قالها لينجو من القتل (2... ولكن الغرض الأول من إطلاق كَلِمَة الْإِيمَان عَلى هَذَا وأمثاله هُو مُجرد الْبَيَانِ بِأَنْ أَحْكَام الإيمان تجري عَلَيْهِ، كصِيَانَة دَمَه، وتَزويجه، وتُورِيثه.)أما الإيمان حقاً وواقعاً فلا بُدّ فيه من الْعَمَل، كما في الآية : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ
1) النِّسَاء: 94.
2) اختلف أَصْحَابِ التَّفْسِير فِيمَن نَزَلَت هَذِه الآية الكريمة، ومَن هُو القاتل ومَن هو المقتول، فيُقال : إِنَّهَا نَزَلت في أسامة بن زيد حين بعثه رَسُول الله الا الله، إلى أرْض غَطفان، ولَمْ يَكُن بالمؤمر على الشَّرِيَّة، فَبلغ غطفان خَبّرهم فهربوا، وتخلف رَجُل من غطفان يُقال له مرداس بن نهيك، فلما رآهم خافهم، وألجأ غنمه إِلَىٰ كَهف في الجبل، ثُمّ أستقبلهم فسلم عَلَيْهِمْ وشهد بشهادة الحق، فحمل عَلَيْهِ أُسامة قطعَنَه وأَخَذَ ماله، فنزل جبريل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، خَبَره، فلما قدموا عَلَى النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، جعل صاحب السَّرِيَّة يُثني على أسامه وَرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مُعرض حَتَّى إِذَا فَرغ الرَّجُلِ، قَال لَهُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (يَا أُسامة ! قَالَ الرَّجُل لا إله إلا الله فقتله كيف لك بلا إله إلا الله فقال : يَارَسُول الله، إنما قالها تعوذاً منا قالها بلسانه، ولَمْ يَكُن لها حقيقة في قلبه، فقال له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أفلا شَقَقت عَن قَلبه، فَنَظَرْت مَا فِيهِ، فَقَالَ : إِنما قَلبه بضعة مِن جَسَده، فقَال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إنما أُمرت أن أقاتل النَّاسِ حَتَّى يَقُولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها حرمت علي دماؤهم وأَمْوَالَهُم وحسابهم إلى الله). وقيل : غَيْر ذَلِكَ وأسم الرَّجُل الذي قتل هو عامر بن الأضبط الأشجعي وقيل : الَّذي قتله محلم بن جثامة. أنظر، تفسير الفخر الرازي: 3/11، مُسْتَدرك الوَسَائِل : 79/16، الكشاف للزمخشري: 551/1، تفسير القمي: 148/1، تفسير ابن كَثِير : 851/1. التبيان : 296/3. الأَحْكَام ليحيى بن الحُسَيْن : 288/2. دَعَائِم الإسلام : 97/2 ح 97/2ح 303، صحيح البخاري : 182/5 صَحِيح الترمذي : 307/4 ح 5021، سنن أبي داود : 244/2 ح 3974، السن الْكُبْرَى: 115/9. مَجْمَع الزوائد : 8/7. فتح الباري : 194/8، أسباب نزول الآيات للواحدي : 115، المصنف لابن أبي شيبة : 15 577/6 ح 9، الإصابة : 60/6، أسد الغابة : 208/4، تاريخ دمشق : 334/27 و 172/60. الدر المنثور: 200/2، تفسير القرطبي : 338/5، زاد المسير لابن الجوزي: 174/2.
الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا (1).)وَقَالَ الْإِمَامِ الصَّادِق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «الْإِيمَان عَمل كلّه» (2).)ومن تَتَبَّعَ كُتب التاريخ وعلم الكلام - يَجد أنّ كَلمَة مُؤمن مَرّت بأطوار عَدِيدة.. كَانَتْ تُطلق في صدر الإِسْلاَم عَلى كلّ مُسْلِم، وبصورة خاصة فِي قِبَال المنَافِق، ولا يرى الخوارج (3فرقاً بَيْنَ الإِسْلام، والإِيمَان حَيْث قَالُوا : من أرتكب
1) الأَنفَالِ : 4.
2) أنظر، الكافي : 38/22 7 دَعَائِمِ الإِسْلام: 4/1، شرح أصول الكافي : 101/8، وسائل الشّيعة : 124/11، مُسْتَدرَك الوَسَائِل : 149/11، بحار الأنوار : 23/69 ح 6.
3) الْخَوَارِج قَوْم خَرجوا عَلَى الْإِمَام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وَقْعَة صِفِّين. لكن رغم ذلِكَ أختلف المؤرخون في تعيين خروجهم، فيرى بَعْض : أن ذَلِكَ كَان عند قَبُول الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر التحكيم.)أنظر، تلبيس إبليس : 96.وذَهب فريق آخر أنّ خروجهم كَانَ بعد التحكيم.أنظر، بَيَان الأديان: 48 تلبيس إبليس : 90، الفصل لابن حزم 157/4. الملل والنحل: 21/1، شرح الْعَقِيدَة الطحاوية : 472، البداية والنهاية : 189/7، الدليل لأهْل الْعَقْل للورجلاني : 15.ويرى فريق ثالث : أن بداية خروجهم قد برز أَيَّام الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عندما مر على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذُو الثّدية -وهو يُقسم الغنائم ببذر - فَقَالَ :له : أعدل يا محمد ! فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : خيت.. وخَسِرت...)التبصير في الدين: 29 صحيح البخاري: 52/8، صَحِيح مُسلم : 110/3.ولَسْنَا بصدد دراسة الخوارج ولكن ما يهمنا هو رأي الفرق التي غالت في هذه الحركة، وخرجت عن نطاق دائرة الإِسْلام. والشهرستاني يقول : إن الخوارج أنقسمُوا إلى ثمان فرق وهم:1 - المحكمة الأولى: وهم الذين خرجوا على على أمير المؤمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ، حين أجرى أمر المحكمين.)2 - الأزارقة : وهم أتباع نافع بن الأزرق.3 - النِجدات : وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي.4 - المجاردة: وهم أصْحَاب عبد الكريم بن عجرد.5 - الإياضية : وهم أتباع عبد الله بن إباض.6 - الصفرية : وهم أَصْحَاب زياد بن الأصفر.7 - الثعالبة: وهم أَصْحَاب ثعلبة بن عامر.8 - البيهسية : أتباع أبي بيهس الهيصم بن جابر.أنظر، كتاب الفتوح لابن اعثم الكوفي : 248/2، الملل والنحل : 1/ 115، اعتقادات فرق المُسْلِمِينَ :49، الفرق بين الفرق : 74، المواقف : 424 التبصير في الدين : 45.وتجمع هذه الفرق كلمة الكفر، والمحروق من الدين، على كل من لم يسر بسيرتهم، وحكموا على الأمراء بهذا الحكم ماعدا الخليفة الأوّل، والثاني، لأنهم كانوا يتولونها.أمّا عُثمَانَ فقبلوه، وتولوه لمدة ست سنين من خِلافته، ثم كفروه، وتبروا مِنْهُ.أما علي (عَلَيهِ السَّلَامُ، فتولوه أيضاً زمن خلافته إلى أن قبل التحكيم، ثم تبروْا مِنْهُ، وكفّروه على الرغم من أنّهم كانوا في البداية أنصاره، لكن بمجرد أختلافهم معه - نتيجة الغلق - أنقلبوا إلى أعدائه، بل أعدى أعدائه، وهذا هو الذي نُسميه بـ (الغلو في المواقف).)
ذنباً صَغِيراً كَان أَمْ كَبِيراً فهو كافر، لا يُعد مُسلماً ولا مؤمناً، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَة (1:
1) كَانَتْ بدَاية ظهور حركة الإعتزال جواباً على سؤال فَرض نفسه في مُرتكبي الكبائر : فقالت الخوارج : كلّهم كفّار ؛ وقالت المرجنة هم مُؤْمِنُون، لأنهم لا يرون ضرراً في أية مَعْصِيَة مع الإيمان «الذي هو في الْقَلب فقط» وقد لخص الشهرستاني هذا بقوله :)«... دخل واحد على الحسن البصري فَقَالَ : يا إمام الدّين لقد ظهرت في زماننا جماعة، يكفرون أَصْحَاب الكبائر والْكَبِيرة عندهم كفر، يخرج به عن الملة، وهم وعيديّة الخَوَارِجِ ؛ وجَمَاعَة يُرجئون أَصْحَاب الكبائر. والكبائر عندهم لا تضر مع الإيمان. بل الْعَمَل - على مَذْهَبهم - ليس رُكناً من الإِيمَانِ ولا يَضُرّ مع الإيمان مَعْصِيَّة، كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهم مُرجئة الأُمَّة، فكيف تحكم لنا في ذلِكَ اعتقاداً»؟فتفكر الحَسَن في ذَلِكَ، وقبل أن يُجيب قال واصل بن عطاء:«أنا لا أقول صاحب الْكَبِيرة مُؤمن مُطلق، ولا كافر مطلق. بل هو في منزلة بين المنزلتين. ثُمّ قام وأعتزل إلى إسطوانة من إسطوانات المسجد. يُقرر ما أجاب به على جَمَاعَة من أَصْحَابِ الحَسَن».فَقَالَ الْحَسَن: «أعتزل عنا واصل» فسمي هو وأَصْحَابه مُعتزلة. ثم أضاف واصل إلى قَوْله بالمنزلة بين المنزليين مبادى، أُخرى.أنظر، الملل والنحل : 48/1، الحور العين : 177، البدء والتاريخ : 142/5 المُعْتَزِلَة وأصولهم الْخَمْسَة وموقف أَهْلِ السُّنَّة منهم : 14-21.
مرتكب الْكَبِيرة لَيْس بمؤمن، وإِنْ كَان مسلماً مُخلداً فِي النّار !.ولفقهاء الشّيعة الإِمَامِيَّة بالخصوص أصطلاح في المُؤْمِن الذي يُعطي الزَّكَاة، وتصح الصَّلاة خلفه جَمَاعَة حَيْث أشترطوا أنْ يَكُون موالياً لأَهْل الْبَيْت.وَقَالَ الأَشَاعِرَة (1: الإيمان هُو مُجرد التصديق بما جاء بِهِ مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وليس العَمَل بشرط، وَقَالَ الكرامية (2): بل هو مُجرد النُّطق بكَلِمَتى الشهادة، وليس التصديق
1) هو أَصْحَاب أبي الحسن علي بن إِسْمَاعِيلَ الأشْعَرِي، المنتسب إلى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهِي جَمَاعَة الصّفاتِية، الَّذِين يُثبتون الله تَعَالَى الصِّفَات الأَزَليَّة، كالعِلم، والقَدْرة، والحياة وغيرها. أنظر الملل والنحل للشهرستاني : 58/1 - 94.
2) هُم من أتباع أبي عبد الله مُحمّد بن كَرام بن عرّاف بن خُزامة بن براء السجستاني. النيسابوري المتوفى عام (225 هـ)، وهم من أَهْل السُّنَّة، والجماعة.)والسجستاني كَانَ مُجاوراً في مَكَّة. ثُم رحل عَنْهَا إلى نيشابور، ثم انتقل إلى بيت المقدس وسكنها ومات بها. يروي عن مالك بن سليمان الهروي. روى عَنْهُ مُحمّد بن إِسْمَاعِيلَ بن إِسْحَاقَ، وحكى عَنْه من الزُّهْد والتقشف أشياء. وفي المذاهِبُ أشياء من التشبيه والتجسيم، وذكر في كتاب له سماه (عذاب القبر في وصف الرّب عزَّ وجلَّ، أنه أحدي الذات، أحدي الجوهر، فشارك في وصفه إياه بأنه جسم. وشارك اليهود، والهشامية، والجواليقية، من مشبهة الروافض في وصفه إياه بأنه جسم. وناقض أصْحَابه في امتناعهم عن وصفهم إياه أنه جوهر مع إطلاقهم وصفه بأنه جسم، إطلاق الجسم أفحش من إطلاق الجوهر. وذكر في هذا الكتاب أنه معبود في مكان مخصوص، وأنه تماس لعرشه من فوقه، وعندما ظفر به بن عبد الله سجنه، ثُمّ أطلق سراحه، ورحل إلى الشام ثم ظفر به محمد بن الطاهر، ولكن أطلق الطّاهر بن عبد سراحه، بعد أن سجنه.)وعبد الله السجستاني من الجسمة، وزّعم أن الله جسماً، وأعضاء، وله حركة، يقوم بها ويَقْعُد، وهو من المغالين في صفات الله، غلوّاً فَاحشاً.ووصف معبوده بأنه جوهر، وَقَالَ : إِنّ الله تَعَالَى مُماس لعرشه، وإن العرش مكان له ووصفه بالنقل. وقد فسر الآية : (إِذَا السَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ الْإِنقِطَارِ : 1. أَنَّهَا أنْفطرت من يُقَل الرَّحمن عَلَيْهَا.)وهذا أبن تيمية مُجدد التجسيم قال عنه ابن بطوطه : «وكَانَ بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشّام، يَتَكلَّم في الفنون إلّا أنّ في عقله شَيْئاً، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة. وهو يعظ الناس على منبر الجامع، ويذكرهم فكان من جملة كلامه أنْ قَال: إن الله ينزل إلى سماء الدُّنْيَا كنزُولي هَذَا، ونَزَل رُبعة من ربع المنبر، فعارضه فقيه مالكي يُعرف بأبن الزهراء، وأنكَر مَا تَكَلَّم بهِ. فقامت الْعَامَّة إِلى هَذَا الْفَقِيه وضربوه بِالْأَيْدِي، والنّعال ضرباً كثيراً، حَتَّى سقطت عمامته!».أنظر، رحلة أبن بطوطة : 90، وراجع أحاديث الدول، زاد المعاد لابن القيم الجوزية : 566/3، نهاية الإرب للنويري : 292/7/2، الترغيب والترهيب للمُنْذِرِي : 1 / 434، الدرر الكامنة : 71/2 و 72، لسان الميزان : 309/6، ونقلها أبن عراق في تذكرته كما عَنْه في مجالس المُؤْمِنِينَ : 573 - 574.ويثبت أَصْحَاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كلّ لَيْلَة إلى السماء الدُّنْيَا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف بل يُثبتون ما أثبته رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وينتهون فِيهِ إِلَيْهِ، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهر، ويوكلون علمه إلى الله.)موسوعة الأديان في العالم / الفرق الإِسْلاميَّة : 111 صَحِيح البُخَاري: 47/1، صحیح مُسلم : 2 / 175. مُسند أحمد: 1/ 120، الترغيب والترهيب للمنذري : 2 / 489.وروت عَائِشَة قالت: «يَنزل الله تَعَالى في النصف من شعبان إلى السماء الدُّنْيَا ليلاً إلى آخر النهار من القد، فيعتق من النار بعدد شعر معزّ بني بني كلب..».موسوعة الأذيَان في العالم / الفرق الإسلامية : 111، سنن ابن ماجه : 1 / 444، مُسند أحمد: 1/ 120، تهذيب التهذيب لابن حجر: 272/3، لسان الميزان : 4 67 و 252، تهذيب الكمال للحافظ 67/4 المزي : 308/9.وروت أيضاً: «إِذَا مَضى شَطر اللَّيْل، أو تلناه ينزل الله إلى السماء الدُّنْيَا».وقال أبن تيمية في تفسيره..... ولهذا صار للناس فيما ذكر الله في الْقُرْآن من الإستواء والجيء ونحو ذَلِكَ سِتة أَقْوَالَ : طَائِفَة يقولون تجري على ظاهرها...... تفسير أبن تيمية : 386/6.وَقَالَ في رِسَالَته التدمرية : «إنّ الله سبحانه وتعالى موصوف بالإثبات والنّفى...». الرَّسَالَة التدمرية : 39.وقد مَال الذهبي إلى التجسيم، والجسمة، وذَلِكَ ما نقله الشبكي طبقات الشافعية للشبكي: 2 / 13.إِذَنْ الظَّاهِرية الآن : هم أبناء مَذهَب التجسيم، وقد أورد ذَلِكَ السَّمعاني في الأنساب، وأبن حزم الظَّاهِري في الفصل : «إنّ جهنم لا تمتلى حَتَّى يَضَع - الله - فيها قدمه...». أنساب الأشراف: 99/4، الفصل : 167/1.
بشَرط فضلاً عَن الْعَمَل (1.)أما الإيمان الَّذِي عَنَاه الإِمَام فِي هَذِهِ الْخُطْبَة فهو ما كَان طَريقاً، وسَبباً لرضوان الله وجنّاته... وليس مِن شَكٍّ أنّ الفوز بجنة الخلد لا يَكُون إِلا بِالْعَمَل الصَّالح، قَال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (2).)وَقَالَ : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَم اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (3). ثُمّ قَسّم الإِمَام هَذَا الإِيمَان إِلى قِسمين : مِنْهُ الأَصِيل الرَّاسخ حَتَّى الأخير النَّفس الأخير، ومِنْهُ العَارية المتزلزل الَّذي يُفارق صاحبه قبل الموت.)ومن أجل هَذَا أوصى الإمام بقَوْله :(فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ
1) أنظر المواقف للإيجي: 254/8. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). أمالي السَّيّد المرتضى : 14/1، طرائف المقال : 227/2، الملل والتحل: 76/1 و 177، الإنتصار : 25، أوائل المقالات: 44 رسائل المرتضى: 155/1 و : 91/2، شرح أصول الكافي : 67/10، فيض القدير : 482/3، السير الكبير للشيباني : 156/1، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 227/7، شرح مُسْنَد أبي حنيفة للقاري : 330، المنخول للغزالي : 134، الشفا بتعريف حقوق المصطفى : 5/2، الفصول المهمة في أحوال الأئمه : 440/1، تفسير الميزان: 262/18.
2) مَرْيَمَ : 63.
3) آلِ عِمْرَانَ : 142.
الْبَرَاءَةِ. إِنْ رَأيتُم مُنْكَراً مِن أي إِنْسَان فَلا تَعجلوا في الحكم عَلَيْهِ بما ظهر لكُم مِنْهُ. وتَقُولُوا : أَللَّهُمَّ إنَّا نَبرأ إِلَيْكَ مِن هَذَا المجرم الأثيم، بل عَلَيْكُم بالصبر، والتريث حَتَّى يُدركه الموت.. فرُبَّمَا كَفِّر عن سَيِّئَاتِه بِالْتَّوْبَةِ، ومحاها بالْحَسَنَات.)الهِجْرَة:(وَ الْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الْأَوَّلِ. كَانَتْ الهِجْرَة وَاجبة فِي عَهدِ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وما زالت على حكمها اليَوْم وإلى آخر يَوْم.. وإنْ صَحَ حَدِيث «لا هِجْرَةُ بَعدَ الْفَتْح» (1)فهو مَحمُول عَلَى الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ الْمُكَرَّمَة إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَة (مَا كَانَ للَّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الْإِمَّةِ وَ مُعْلِنِهَا). اللَّهُ غَنِي عَن العَالَمين، وعَن مَعْصِيَّة مَن عصاه، وطَاعة من أطاعه سَوَاء أعلَن طَاعته فِي دَارِ الْإِسْلام، أَمْ أسرها خَوْفاً وتَقِية في بلاد الكفر.)### سَبَب الهجرة:(لا يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلا بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ. وفِي بَعْض طَبعَات النهج سقطت «إلا» ولا يستقيم الكلام إلا بها. المراد بالحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ مَن يَحتج)
1) انظر. الكافي : 433/5 ح 5 مُسْنَد أحمد: 355/1 و : 22/2، جامع المقاصد : 374/3، سنن الدارمي : 239/2، وَسَائِل الشَّيعة : 77/11 ج 7، صحيح البخاري : 200/3، المبسوط للطوسي : 4/2، صحيح مُسْلِم : 28/6، من لا يحضره الفقيه : 227/3 ح 1070 مجمع الزوائد : 250/5، السرائر : 014/2 المجموع: 263/12، بدائع الصنائع: 158/1 تكملة حاشية رد المحتار: 361/1، المغني لابن قدامة، 513/1 كشف الخفاء : 574/1.
الله بِهِ غَداً على المقصرين في الدِّين أصولاً، وفروعاً مَعصُوماً كَان أَمْ عَالِماً تَقِياً، أمّا سَبب الهِجْرَة فهو واحد مِن اثْنَيْن :الْأَوَّل: أنْ يَكُونَ الْمُسْلِم عَارفاً بأَحْكَام دِينِهِ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيع ممارستها، والقيام بها، لأنّه يُقيم في بلد كافر، ولا حُرِّيَّة فيه للأديان، وقد أمرز النَّي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَة من أَصْحَاب بالهِجْرَة الأُولَى إلى الحبشة فِرَاراً من الاضطهاد، وخَوْفاً أَنْ يَرتد بَعْض الْمُسْلِمِين عَن دِينهم بسبب الضغط، والتَّعذيب، وتُطلق عَلى هَؤُلاء كَلِمَة الْمُسْتَضْعَفِين، وأيضاً أمر النَّبي آخرين من الصَّحَابَةِ بِالهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَدِينَة المنورة، فهاجرُوا، ولحق هُو بَعد ذلِكَ توقعاً لحياة أفضل لِلْإِسْلام، والمُسْلِمِينَ. السَّبب الثَّاني : أنْ يكُون جاهلاً بالدِّين وأحكامه، ولا يجد مِن يُرشده فِي الْبَلَد الَّذي يُقيم فيهِ، فَيجب عَلَيْهِ، والحال هَذِه، أنْ يُهَاجر لطلب المَعْرِفَة بما هو مُكلف بهِ من أوصل الدِّين وفروعه، إِنْ أستطاع إِلى ذَلِكَ سَبِيلاً.)وعَلَيْهِ فمن عرف العَالِمَ يُدِين الله، وأخذه عَنْهُ مُباشرة أو بالواسطة، وأستطاع أنْ يُمارسه، ويقوم بأحكامه كاملة - فلا تجب الهِجْرَة عَلَيْهِ، بل له أجر من هَاجر في سَبِيل الدِّين، وإنْ كَان مِيقماً، وَهَذَا هُو المراد من قَوْل الْإِمَام : (فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ أي عَرف الحجة، وَهِي العالم بدين الله، والمَعْنَى من عرف هذا العالم، وتعلم منهُ و عَمَل فله أجر المهاجر، وإنْ كَان في بَيْتِه (وَ لَا يَقَعُ اسْمُ الْإِسْتِضْعَافِ عَلَى بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أذْنُهُ وَوَعَاهَا قَلْبُهُ). عَطف بيان، وتَفْسِير عَلى من عَرف وأقرّ.)بقِي قِسم ثالث، وهُو أنّ العالم بالدِّين وأحْكَامه يجب عَلَيْهِ كفاية أنْ يُهاجر للإرشاد والتَّعليم إلى الأماكن الإِسْلاميَّة التي لا يُوجد فيها،مُرشد، ويَأتي الكلام
عن ذلِكَ مُفصلاً إنْ شَاء الله عِند قُول الْإِمَام : «مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا» (1.)### أَمْرُ أهْل الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ)(إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبُ مُسْتَصْعَبٌ. لَيْسَ لأَهْل الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أَمْرِ إِلَّا أَمْرِ الإِسْلام، ولا هدف إلا إعْلاء كلمته، وإحْيَاء آثاره ومَعَالِمه... إنّه نَزَلَ فِي بَيْتِهم، وعَلى قَلب جدهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهم له بكلّ ما يملكون، وهو مَعهُم نصاً، ورُوحاً، ومن أجله ضَحُوا بكلّ شيء، وتَحملوا مَا يُطاق وما لا يُطاق، وبهذا يتضح تَفْسِير قُول الْإِمَام : (لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدُ مُؤْمِنْ أَمْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ) أي أنّ المُسْلِم حقاً وواقعاً هو من يَغضب الله، ويُجاهد في سَبِيله، ويَستهين بالمُصِيبَات من أجل الحفاظ على دينه، وقَوْله : «الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ، وَالْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ، وَالْجِهَادِ. وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَع شُعَب عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُبِ : فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الجنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ ؛ وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْحَرَّمَاتِ : وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ ؛ وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ» (2). وفِي بَعْض الروايات أنه لما اشتد الْبَلاء عَلَى الْمُسْتَضْعَفِين مِن الصَّحَابَةِ شَكَوْا إِلَى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: «إنّ مَن كَان قَبلكُم نُشرُوا بالمناشير فصَبرُوا، وصُلبُوا عَلَى الخشب، مَوْتَ في طاعة خَيْر مِن حياة فِي مَعْصِيَّة، ولَمْ يَرتَدُوا عَن دينهم» (3).)
1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (478).
2) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (31).
3) أنظر، مجمع الزوائد : 228/5، الدر المنثور : 301/2، المعجم الصغير : 265/1، المعجم الكبير : 10/20 ح 172، مُسْنَد الشَّاميين : 380/1 ح 658، دستور معالم الحكم 114، كنز العمال: 216/1 ح 1080 تفسير الميزان : 83/6، تفسير القرطبي : 324/13، سُبل الهدى والرشاد : 137/10، حِلية الأَوْلِيَاء: 5 / 166.
هَذَا هُو المراد بالأمر الصَّعْبُ المُسْتَصْعَب، أمّا قُول من قَال: «الْمُرَاد بهِ الإشراقات والمغيبات، والمعجونات بما فوق السموات»، ونحو ذلِكَ فهُو جُرأة على الْغَيْبِ الَّذي لا يثبت إلا بنص مقطوع به متناً وسنداً (وَ لَا يَعِي حَدِيثَنَا إلا صُدُورُ أَمِينَةٌ، وَأَحْلَامٌ رَزِينَةٌ. لأنّ حَدِيث أَهْل البَيْت هُو قَوْل الله، وسُنَّة رَسُوله، ولا تَعِيها إلا أذن واعية، وقلوب صَاغِية. قَال الْإِمَامِ الصَّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَن خَالِف كِتَاب الله وسُنَّة مُحَمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقَد كَفر» (1). وَقَالَ حَفيده الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّا عن الله، وعَن رَسُوله نُحدث... إن لكلامنا حَقِيقَة، وإنّ عَلَيْهِ لنُوراً، فما لا حَقِيقَة له، ولا نُور عَلَيْهِ فذَاكَ قُول الشَّيْطَان» (2).)(أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَانَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ. المراد بطرق السَّماء العلوم الإلهية، وبطرق الأَرْضِ العلوم الزَّمنية كالصِّنَاعَة والزِّرَاعَة، وتَقَدَّم مثله مع الشَّرح مفصلاً (3). (قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا، وَ تَذْهَبُ بِأَحْلَامٍ قَوْمِهَا) أي سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، وقَبل أَنْ تبتلوا بعضلات الْفِتَن، وأوبَائها. وتَقَدَّم مِثله مع الشرح (4).)
1) أنظر الكافي : 70/11 ح 6 شرح أصول الكافي : 346/2 وَسَائِل الشّيعة : 16/18.
2) أنظر، رِجَال الكشي : 195 ح 401، أختيار معرفة الرجال: 490/2. بحار الأنوار: 2/ 250 - 62 و: 96 / 264، الحدائق الناضرة: 10/1.
3) أنظر، شرح الخُطْبَة : (93). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
4) أنظر، شرح الخطبة : (93)، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 190 -### ظُلْمَة القَبْر... فِقْرَة 1 - 3 :أَحْمَدُهُ شُكراً لإنْعَامِهِ، وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ، عَزِيزَ الْجُنْدِ، عَظِيمَ الْمَجْدِ.وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَنْ دِينِهِ، لا يَثْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَ الْتِمَاس لإطفاء نُورِهِ (1.)فَأَعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّ لَهَا حَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ. وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَ امْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَ أَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ : فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ، وَكَفَى بِذَلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَ مُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ! وَ قَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ، وَ شِدَّةِ الْإِبْلَاسِ، وَ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ، وَ رَوْعَاتِ الْفَزَعِ، وَ اخْتِلَافِ الْأَضْلاعِ، وَ اسْتِكَاكِ الْأَسْمَاعِ، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَخِيفَة الوَعْدِ، وَغَم الضَّرِيحِ، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ (2.)فالله اللهَ عِبَادَ اللَّهِ ! فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ، وَ أَنْتُمْ وَ السَّاعَةُ فِي قَرَنٍ. وَ كَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَىٰ صِرَاطِهَا. وَكَأَنَّهَا
قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا، وَأَنَاخَتْ بِكَلَاكِلِهَا، وَ انْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا، وَأَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى، أَوْ شَهْرٍ أَنْقَضَى، وَ صَارَ جَدِيدُهَا رَثّا، وَسَمِينُهَا غَثّاً. فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ الْمَقَامِ، وَ أُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ، وَ نَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا، عَالٍ لَجَبْهَا، سَاطِع لَهَبْهَا، مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا، مُتَأْجَّجِ سَعِيرُهَا، بَعِيدٍ خُمُودُهَا، ذَاكٍ وُقُودُهَا، مَخُوفٍ وَعِيدُهَا، عَمٍ قَرَارُهَا، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا (3.)اللُّغة:المَعْقِل : الملجأ. وذِرْوَة كلِّ شَيء : أعْلاه. ومُبَادِرة المؤت: الاستعداد له. والغَمَرَاتِ الشَّدَائِد. والْأَرْمَاسِ : الْقُبُور. والإِبْلَاسِ - بكسر الهمزة - الحزن واليأس، والإنكسار والمطلع : موضع الإطلاع. وَالرَّوْعَاتِ : الأَفْزَاع، والإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صِفته كَليلٍ أَليَل. واخْتِلَافِ الْأَضْلاعِ : تداخلها.وَاسْتِكَاكِ الأَسْماع : صَمّمها، وألْغَم : الغطاء. والصَّفيحَ : الحَجَر، والسَّنَن - بفتح السِّين - الطَّرِيق. والقَرْن : الاقتران. والأَشْرَاطِ والأَفْرَاطِ : العلامات والدَّلائِل. والكَلَاكِلِ : الصّدور. والكَلب - بفتح اللام - الأكل بلا شبع. واللجَبُ : الصِّيَاحالْإِعْرَاب:شُكراً مَفْعُول مُطلق لأحمدُهُ، مثل قُمتُ وقُوفاً، وعَزِيزَ الْجُنْدِ حَال، ومثلهُ عَظِيمَ الْجَهْدِ، وأيضاً جِهَاداً في موضع الحال أي مُجاهداً، وقيل بُلُوعَ خَبَر مُقَدَّم، ومَا تَعْلَمُونَ مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، فالله نُصب على التَّحذير، وكَلَبُهَا فَاعِل شَدِيدٍ، ومثله ما بعده.
الْمَعْنَى:(أَحْمَدُهُ شُكْراً لإِنْعَامِهِ. ومَن شَكَرَ اللهُ شَكَرَهُ الله : (وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) (1). أي يُثِيب الشاكر، ويَزِيده مِن فَضلِهِ : (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (2). وكلّ شُكر يُسمى جَزَاءً، ووفاءً (وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى وَطَائِفِ حُقُوقِهِ) وَهِي السَّمع، والطَّاعَة والإخلاص، وأيضاً طَلب العُون مِنْهُ عَلَى طَاعته وأداء حُقُوقِهِ، حَقٌّ لَهُ، لأنه (عَزِيزَ الْجُنْدِ) لا مثيل لجُنْدِهِ قُوَّةً، ومَنْعَةً (عَظِيمَ الْمَجْدِ) الواحد الأحد في مُلْكِه وسُلْطَانِه. (وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ... إلخ). فِي الْقِصَاص والعقوبات حياة وردع عَن الجرائم، كما قَال الْقُرْآن الكريم، وأثبتت التَّجَارِب الطّويلة، ولكن التَّقْوَى حَارس وشُرطي مِن الداخل لا يغفل ويَغِيب، ولا يُحابِي ويَرتشي، والعقُوبَات شُرطي مِن الخارج يغفل ويغيب، ويُحابِي وَيَرتشِي، (وَ بَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَ أَمْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ... إلخ). بلا مَوْت تُختم الحَيَاة. ومن قصّر، وأهمل فهو من الْقَوْمِ الخَاسِرِين (وَكَفَى بِذَلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَ مُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ !). وزَاجِرَاً عَن الجرائم والإعتداءات (وَ قَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ، وَشِدَّةِ الْإِبْلَاسِ... إلخ). وَهِي الْقِيَامَة، والدُّنْيَا طَرِيق إِلَيْهَا ووسيلة، والمَعْنَى أَنْتُمْ مَا تَعْلَمُونَ عِلم اليقين بأن مصيركُم إلى اللحد، والطَّم وكسر الأضلاع، وصمم الأسماع، ومن ذلِكَ إلى ما هو أشد، ومَع هَذَا لا تُبَالُون وتتورعون.
(فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةً بِكُمْ عَلَى سَنَنِ)، عَلَى طَرِيق مَن قَد مَضَى قَبلَكُم من الهلاك والدَّمار (وَأَنْتُمْ وَ السَّاعَةُ فِي قَرْنٍ) أي مَقرُونَان، لأنها آتية لا ريب فيها، والآتي بحكم الحاضير، لِعُلاقة الْأَوَّل (وَكَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا) بِعَلامَاتِها... ومَن مَات فقد قامت قيامته (1). (وَ أَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا) عَطف تَفْسِير (وَ أَنَاخَتْ بِكَلَا كِلِهَا) كنَايَة عَن الأهوال، والأثقال، وتَقَدَّم مثله مع الشَّرح (2). (وَ أَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا) : (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) (3). (وَ صَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً، وَ سَمِينهَا غَثّا). يُبلَى الجَدِيد، ويُهزل السَّمِين (فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ الْمَقَامِ) وأي مَوقِف أَشَد هولاً من الوقوف بَيْنَ يَدِي الله للعرض والحِساب، ومِنْهُ إلى العقاب والعذاب ؟. (أُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ). كلّ شيء يَوْمِ الْقِيَامَة عَظِيمٍ وغَرِيب عَن الْعُقُول، والأَوْهَام يبعث الدهشة والحيرة، والفَزَع والهلع.
(وَ نَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا). إشارة إلى قَوْله تَعَالَى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (4). (عَالٍ لَجَبُهَا) : (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيئًا وَهِيَ تَفُورُ) (5)(عَمٍ قَرَارُهَا) أي أرْضَها، وَهِي مَستُورة ومُغطاة بالنَّاس والحجارة)
1) أنظر، شرح أصول الكافي : 204/4، حاشية السندي على النسائي : 226/8.، عوالي اللتالي: 145/1. كنز العمال : 54/15 ح 42123 و 42748، بحار الأنوار : 7/58، فيض القدير : 4/5، كشف الخفاء : 166/12 ح 500 و : 279/2 ح 2618، تَفْسِير القرطبي : 188/19.
2) أنظر، شرح الخُطْبَة : (109). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
3) الْقَمَر : 7.
4) سورة ق : 30.
5) الملك : 8.
واللهيب والدُّخَان (مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا سودَاء لِبَلاء تُرهِب وتُرعِب. وتَقَدَّم مثله (1).)### بَادِرُوا الآجال بِالأَعْمَال... فِقْرَة 4 - 6:(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا (2). قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَ انْقَطَعَ الْعِتَابُ، وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَ اَطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ، وَ رَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ. الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً، وَأَعْيُتُهُمْ بَاكِيَةً، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُعاً وَ اسْتِغْفَارًا، وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلًا، تَوَحُشاً وَ انْقِطَاعاً، فَجَعَلَ اللهُ لَهُم الْجَنَّةَ مَآباً، وَ الْجَزَاءَ ثَوَاباً، (وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) (3)فِي مُلْكِ دَائِم، وَنَعِيمٍ قَائِم (4).)فَأَرْعَوْا عِبَادَ اللهِ مَا برعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَ بِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ. وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَ مَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ. وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ، فَلا رَجْعَةً تَنَالُونَ، وَلا عَثْرَةً تُقَالُونَ. أَسْتَعْمَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ، وَعَفَا عَنَّا وَ عَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ (5.)الْزَمُوا الْأَرْضَ، وَأَصْبِرُوا عَلَى الْبَلاءِ. وَ لَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَ سُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَلا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللهُ لَكُمْ. فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ عَلَىٰ مَعْرِفَةِ حَقٌّ رَبِّهِ، وَ حَقٌّ رَسُولِهِ، وَ أَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَاسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهِ، وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ
لِسَيْفِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَأَجَلا (6.)اللُّغَة:زُمَر : جمع زُمْرَة أي الجماعة. والمثوَى : المنزل.الْإِعْرَاب:زُمَراً حَال من الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَالَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالهُمْ بَدل من وَاوِ الجَمَاعَة فِي وَ رَضُوا، وتَخَشُّعاً وَاسْتِغْفَارًا نُصب عَلَى الْمَصْدَريَة أي يخشعُون ويَستَغفِرُون، أو في موضع الحَال أي خَاشِعِين ومُستغفرين، ومثلهُ تَوَحُشاً وَأَنْقِطَاعاً، ومَا بِرَعِيَّتِهِ «مَا» مَوْصُول مَفعُولاً لاِرْعَوْا، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ أي كَأَنَّهُ قَدْ نَزَلَ، ورَجْعَةً مَفْعُول مُقَدَّم لتَنَالُونَ، ومثله مَا بَعدَه، وشَهيداً حَال.الْمَعْنَى:﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا (1). ذَلِكَ جَزَاء الحسنين (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا زَاكِيَةُ). والْعَمَل الصَّالح والزَّاكِي هو الذي يَحلّ مُشْكِلَة مِن مشكلات الحياة، ويَسِير بها إلى الأمام (وَ أَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً) لا عَلى المال والجاه، بَل خَوْفاً من الله، وألماً من الجَوْرِ وفساد الأوضاع (وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً) لا لتَدْبِيرِ الدَّسَائِس والمؤامرات، بل للتفكير في خلاص أَنْفُسِهِمْ مِن غَضب الله)
1) الزَّمَرِ : 73.
وعذابه، وخلاص المعذبِين فِي الْأَرْضِ بأَيْدِي الطَّغَاة والمُستغلين. (وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلًا، تَوَحُشاً وَ انْقِطَاعاً عن المفاسد والمظالم (وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَ أَهْلَهَا). وفِيهِ تقديم وتأخير، والأصل وكانوا هُم أَهْلِ الجنَّة وأحَقَّ بها، لأنهم عملوا لهَا عَمَلها (فِي مُلْكٍ دَائِمٍ، وَ نَعِيمٍ قَائِمٍ) ومثلهُ فِي الْخُطْبَة : «لا يَنْقَطِعُ ونَعِيمُهَا - أي الجنَّة - وَلا يَطْعَنُ مُقِيمُهَا، وَلا يَهْرَمُ خَالِدُهَا، وَلا يَيْأَسُ سَاكِنها» (1).)(فَأَرْعَوْا عِبَادَ اللهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَ بِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ. دَعُوا المُشاحنات، والمعارك الكلامية، والْبَحْث فيما لا يُجدي نفعاً، وفَكرُوا فِي ضَعفكُم وتَخلفكُم، والأخْطَار التى تهمتكُم وأحاطت بكُم، وأبنُوا حياتكُم عَلى العِلم والْعَمَل المنتج، لتكُونُوا شَيْئاً مَذكُوراً مع الأُمّم المُتقدِمَة، لا مِن البلدان «النَّامِية».. هَذَا الوصف الَّذي سَتَرَ بِهِ الغَرب عواركُم وشَنَارَكُم (وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ). استَعدُوا اللمَوْت حيث لا إقالة ولا رَجْعَة، وأتركُوا وَرَاءَكُم مِن الْأَعْمَالِ مَا تُذكرُون به عند الله، والنَّاس.)(أَلْزَمُوا الْأَرْضَ، وَ أَصْبِرُوا عَلَى الْبَلاءِ. وَلَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَ سُيُوفِكُمْ... إلخ. الْمُرَاد بِلزُومِ الْأَرْضِ السُّكُون والإغضاء، ويهوى الأَلْسُنِ هَفوات اللِّسَان، كالْكَذِب والغيبة، وكان فِي أَصْحَاب الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المُؤْمِن المخلص كالأَشْتَر، وحجر بن عَدِي، وفِيهِمْ الخَائِن المُنافِقِ كَالأَشْعَتَ بن قَيْس وغَيْرِه مِن عُملاء مُعَاوِيَةَ... ورُبَّما أَصطَدَم فِي حِينٍ من الأحْيَان بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ الْمُنَافِقِين، وكَاشفُوهم بمَا يَضمرُون ويَعْلَمُون، فخاف الإِمَام أَنْ تَنشأ الخلافات بَيْنَ جُنده)
1) أنظر، شرح الخُطْبَة : (85). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
والفُرْقَة التي لا إجتماع مَعَهَا ولا رَجَاء فِي خَيْرٍ، فأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ مِن أَصْحَابه بالسُّكُون والصَّبر عَلَى الْمُنَافِقِينَ (وَ لا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللهُ لَكُمْ إِنَّه تَعَالَى مَا أَمَرَكُم بحساب مَن خَانَ ونَافَق، فَلا تَتكلفُوه وتَتَعرضُوا له.)(فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقٌّ رَبِّهِ، وَحَقٌّ رَسُولِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً... إلخ. الخطاب للمُخْلَصِين مَن أَصْحَابه، والمَعْنَى عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، وأي إنْسَان يَمُوْتَ عَلى الإِيمَانِ باللَّهِ وطَاعَته، والولاية لرَّسُول الله، وَأَهْل بَيْتِهِ، وعَلى نِيَّة الجهاد في سَبيل الله، والحق فَهُوَ مع الشُّهَدَاءِ، وَالصِّدِّيقِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً.)
## الخطبة - 191 -### لا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى.... فِقْرَة 1 - 3:الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ حَمْدُهُ، وَ الْغَالِبِ جُنْدُهُ، وَ الْمُتَعَالِي جَدُّهُ. أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التَّؤامِ، وَ آلَأيْه الْعِظَامِ الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَنَا، وَعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَ عَلِمَ مَا يَمْضِي وَ مَا مَضَى مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ، وَ مُنْشِتِهِمْ بِحُكْمِهِ، بِلا أَقْتِدَاءٍ وَلا تَعْلِيمِ، وَلا احْتِذَاءِ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِيمٍ، وَلَا إِصَابَةِ خَطَةٍ، وَلَا حَضْرَةِ مَلَإٍ.وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَبْتَعَتَهُ وَ النَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، وَ يَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ، قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ، وَاسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ (1.)عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا حَقٌّ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَةُ عَلَى اللَّهِ حَقَّكُمْ، وَ أَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ، وَ تَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ : فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَ الْجُنَّةُ، وَفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ. مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابِحُ، وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظُ. لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَ الْغَابِرِينَ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى فَمَا أَقَلَّ مَنْ
قَبِلَهَا، وَ حَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا أُولَئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً، وَ هُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ : ﴿وَ قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (1) (1). فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وَأَلِظّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفَاً، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً. أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، وَأَقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَ أَرْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ، وَ بَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ، وَ أَعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا. أَلا فَصُونُوهَا وَ تَصَوَّنُوا بِهَا، وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاها، وَإِلَى الْآخِرَةِ وُلاهاً. وَلا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا وَلا تَشِيمُوا بَارِقَهَا، وَ لا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا، وَلا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا وَلا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلا تُفْتَنُوا بِأَعْلاقِهَا (3).)اللُّغَة:تؤام وتُؤام : جمع تَوْأَم، وهُو المَوْلُودِ مَع غَيْره في حَملٍ وَاحد. وَآلاء : النّعَم. وبِحُكْمِهِ : بِحكمته، ويَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ: يَمضُون فِي شِدّة. والحسين - بفتح الحاء - الهلاك. والرَّيْنِ - بفتح الراء - الحِجَاب والدنس. والْغَابِرِينَ : الْبَاقِين، ويُستَعمَل فِيمَا مَضَى، فيَكُون من الأضداد. وأَسْدَى : أَعْطى. وأَهْطِعُوا أَسْرَعُوا، أي لا يَفُوتكُم شَيء من سماع الحكمة والموْعِظَة التي تستوجب التَّقْوَىٰ. وَأَلِظّوا عَلَيْهَا : أَصْبِرُوا عَلَى ثِقلها. وَأرْحَضُوا : أَغْسِلُوا وَلا تَشِيمُوا : لا تَنْظُرُوا. والبَارِقَ : السَّحَاب، والبَارِقَة : السَّحابة. والأَعْلاقِ : جمع العلق، والعلقة - بكسر العين - هي القطعة.
1) سَبَا : 13.
الْإِعْرَاب :المَصْدَر مِن أَنْ تَسْتَعِينُوا يَجرُور بالباء المحذوفة، والمجرور معطوف عَلَى مَا قَبلِهِ أي وأُوصِيكُمْ بالاسْتِعَانَة... إلخ. ومَا أَقَلَّ من أَفعَالَ التَّعجُب، و «ما» بِمَعْنَى شَيء ومحلها الرفع بالاِبْتِدَاء، وأَقَلَّ فِعل مَاضٍ، وفَاعِلها مُستتر، والجُملة خَبَر، ومَنْ قَبِلَهَا مَفْعُول به، وحَقَّ مَفْعُول مُطلق.الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ حَمْدُهُ. كلّ الخلائق تُسبح بِحَمْدِ اللهِ بِلسان المقال، أو بِلسان الحال. وكَتَب بَعْض الشَّارِحِين فِي تَفْسِير الْحَمْدُ الْفَاشِي 15 صفحة، نقلها من هنا وهناك، ولا أدري من كتب ؟ وخلاصتها ما أشرنَا إِلَيْهِ، وَكَانَتْ أوقات القُدامى تتسع للشَّرُوح والتَّعليقات وملحقاتها، وللنقاش الفارغ (وَ الْغَالِبِ جُنْدُهُ) إِن حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ بالحَجّة والبرهان فى الحياة الدُّنيا، وبالقُوَّة والسُّلْطَان في الدار الآخِرَة.)(وَ الْمُتَعَالِي جَدُّهُ أي كماله وجلاله (أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التَّؤامِ، وَ آلَأئهِ الْعِظَامِ) بكثرتها وتتابعها، والرُزْق والصّحة من النّعَم. مَا فِي ذَلِكَ رَيب، ولكن النِّعْمَة العُظمى عِند الإِمَام هِي الهِدَايَة، والْقُدْرَة عَلَى الخَيْرِ وصَالح الْأَعْمَالَ (الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا، وَ عَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَ عَلِمَ مَا يَمْضِي وَ مَا مَضَى). يقضي بعدل، ويرحم بِعِلم، ويغفر بحلم حَتَّى كأَنه لَم يُعصَ (مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ، وَ مُنْشِيْهِمْ بِحُكْمِهِ... إلخ). خلق الكون بعلمه وحكمته أختراعاً لا مُحاكاة لأحدٍ، أو مَشورَته أو حضُوره... كان الله ولم يكن معه شيء.)
(وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَبْتَعَتَهُ وَ النَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ، وَ اق يَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ... إلخ. رحمة للعالمين، فأنْقَذَهُم من الجهالة والضَّلالة، وقادهُم إِلى النُّورِ واهِدَايَة.. وتَقَدَّم مثلهُ مِرَاراً (1).)### التَّقْوَى:(عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ. لا مَعْنَى لِتَقْوَى اللَّه إِلَّا طَاعَتِهِ، كما يُومى، قَوْل الْإِمَام : (فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ). وَهِي فَرض وَحَتم على العبد، وهُو تَعَالَى يُثِيب عَلَيْهَا سَواء أكان سببها والباعث عَلَيْهَا الرَّهبة من عَذَابه، أَمْ الرَّعْبَة فِي ثوابه، أَمْ شُكراً لإِنْعَامِهِ وتَعظِيماً لكماله، وإنْ كَانَتْ الطَّاعَة بهذا الباعث أفضل وأكمل. وبهذه المناسبة نُشير إلى قَوْلِ الْإِمَام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «والله مَا شِيعتنا إِلَّا من أتقى الله» (2). وَقَالَ حَفيده الإمام الرّضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ من أوليائنا من هُو فِي قَريَّة فِيها عَشرة آلاف رَجُل فِيهِمْ مَن - خلق الله - هو أورع منه» (3).)(وَ الْمُوجبَةُ عَلَى اللهِ حَقَّكُمْ. الطَّاعَة حَق الله عَلى عَبده، والثَّوَابِ عَلَيْهَا حَق للعبد عَلى رَبِّه، والفَرق أنْ طَاعة العبد لله فَرض بحكم الْعَقْل، أمّا الثَّوَاب عَلى الطَّاعَة مِنْهُ تَعَالَى فَقَد فَرضها هُو عَلى نَفْسَه : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (4).)
1) أنظر. الخطْبَة السَّابقة : (190)، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر الكافي : 74/2 ح 3 السرائر : 636/3، وَسَائِل الشّيعة : 195/11 ح 17، أمالي الصدوق : 725،تَفْسِير أبي حمزة الثمالي: 94، تُحف العقول: 295، شرح الأَخْبار : 501/3 ح 1439، صفات الشيعة للصدوق : 11، أمالي الطوسي : 375، عوائد الأيام: 77.
3) أنظر، الكافي : 79/2 ح 15، وَسائل الشيعة : 246/15 ح 14، بحار الأنوار: 303/67 ح 14.
4) الأَنْعَام : 54.
كتبها عَلَى نَفْسَه لأنّ سُنّته الإفضال، وعادته الإِحْسَانِ، وسَبِيله الْعَفُو، كما قَال الْإِمَام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ: «فَسُبْحَانَكَ! مَا أَبْيَنَ كَرَمَكَ فِي مُعَامَلَة مَنْ أَطَاعَكَ، أَوْ عَصَاكَ ؟ تَشْكُرُ للْمُطِبْع مَا أَنْتَ تَوَلَّيْتَهُ لَهُ، وَتُمْلِي لِلْعَاصِي فِيما تَمْلِكُ مُعَاجَلَتَهُ فِيْهِ، أَعْطَيْتَ كُلاً مِنْهُمَا مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ، وَتَفَضَّلْتَ عَلَى كُلِّ مِنْهُمَا بِمَا يَقْصُرُ عَمَلُهُ عَنْهُ» (1).)(وَ أَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللهِ. إِنْ كُنتَ تُريد طاعة الله حقاً فأطلب العُون عَلَيْهَا مِنْهُ تَعَالَى، وقُل صَادِقاً : ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) (2)فإنّ هَذَا الطَّلب من الطَّاعَة أيضاً (وَ تَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللهِ) أي عَلى العَافِية والخلاص من عذَاب الله حَيْث لا سَبِيل إلى النَّجَاءَ مِنْه إلا بالطَّاعَة (فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَ الْجُنَّةُ، وَ فِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ). المراد باليَوْمِ الدُّنيا، وبالغَد الآخِرَة، والجُنَّةُ - بضم الجيم - الوقاية، وعطفها على الجزز للتفسير، والمعنى أن لِلتَّقْوَى أثرها البَالِغ دُنيَاً وآخِرَة، أمّا فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّهَا تبتعد بصَاحِبها عَن الشَّر، والأَذَى، والْفِتَن، والجَرَائِم. ومن البداهة أنّ هَذَا المُتقي أعظم الناس راحةً واستقراراً، ولَهُ فِي الْآخِرَةِ مَسَاكِن طَيِّبَة، وأجر كريم.)(مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ. وهو الاِسْتِقَامَة، والعِلم، والْعَمَل النَّافع للأفْرَاد والجماعة (وَ سَالِكُهَا رَابِحُ). وأي شَيء أَكْثَر ربحاً للمرء من أثرِ نَبِيل يَنْتَفع بهِ النَّاس ؟ (وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ) مَن يَتقي الله فَقَد جَعَل تَقوَاه وَدِيعَة عِند الله، وهُو سُبْحَانَهُ يَحفظها لهُ، ويُكافِئَهُ عَلَيْهَا بِأَحسَن مِنْهَا (لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَ الْغَابِرِينَ... إلخ). مَا مِن أحدٍ إلا وهُو يَسْتَطِيعِ أَنْ يَنقِ اللَّه سَوَاء أَكَان مِن القرُون)
الخالية، أمْ الْحَاضِرة أم الآتية.. أَللَّهُمَّ إلَّا إذا كَان وَحشاً كَاسِراً... وأيضاً ما من أحدٍ إلا وهُو فِي حَاجَة إِلى التَّقْوَى يَوْمِ الْقِيَامَة، لأَنَّهَا السَّبِيل الوحيد للنَّجاة. وفي الحَدِيث : «كَقُ الْأَذَى عن النَّاسِ صَدَقة» (1.)(أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى أي أنّ الْإِنْسَان في أشد الحاجة إلى التَّقْوَى فِي يَوْم الْقِيَامَة. وقَوْله : «أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى» إشارة إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) (2). (وَأَخَذَ مَا أَعْطَى). الله يُحْيِي وَيُمِيت (وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى) لتُسألُنَّ يَوْمَئِذٍ عن النَّعِيمِ (فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا) لأنّ الكِرَام قَلِيل (فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا... إلخ). أَسْتَجِيبُو الدَعْوَة التَّقْوَى، وأَعْمَلُوا بِهَا، وأجْعلُوها نِعم الخلف لما سَلَف مِن الذُّنُوب (وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً) مَن أَسْلَفَ المَعْصِيَة وخالف التَّقْوَى فليستدرك الآن، ويعمل بموجبها وعَلى وفقها قبل الفوات.)(أَيْقِضُوا بِهَا نَوْمَكُمْ. للغَفَلَة عَثَرَات، والتَّقْوَى درع حَصِين من الغَفلات والعثرات (وَأَقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ). أشغلوا يَوْمَكُمْ بالطَّاعَات لا بِالمحَرَّمَاتِ (وَ أَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ). أجْعَلُوا قُلُوبَكُمْ تَحس، وتشعر بالتَّقْوَى، فإِنَّهَا رَبيع الْقُلُوب (وَ اَرْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَ دَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ، وَ بَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ). التَّقْوَى للنَّفْس طَهُور، ولأدْوَائها دَواء، ولموتها عِدة وقُوَّة (وَ اعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلَا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا). نَبَذَ غَيْرِكُمْ التَّقْوَى فَأَخَذَهُ الله بالعذاب، فَأَعْتَبِرُوا بِهِ، ولا تَكُونُوا عِبرَة لِمَن سَمِع وأطاع.)(أَلا فَصُونُوهَا وَ تَصَوَّنُوا بِهَا. لا تُدَنسُوا التَّقْوَى بالتَّأويلات، وأَتْخَذُوا مِنْهَا)
حِرْزًاً رَادِعاً عن الْمحَرَّمَات (وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاها بَعد أنْ حَث عَلَى التَّقْوَىٰ وَبَيَّن محاسنها، حَذَر من الدُّنيا ومساوئها، والمعنَى : نَزَّهوا أَنْفُسَكُم بحلال الله عن حرامه (وَ إِلَى الْآخِرَةِ وُلَّاهاً) أي أعْمَلُوا لهَا عَمَلاً (وَ لا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى). إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ. فلا يَكُن الكَرِيم عِندَه حَقِيراً عِنْدَكُم (وَ لَا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا)، لَمالٍ أو سُلْطَانٍ، فإنّ الْفَقْر والْغِنَى بَعد العرض عَلَى الله (وَلَا تَشِيمُوا بَارِقَهَا) لا تَنْظُرُوا إِلى زِينَةَ الدُّنْيَا وزُخرُفها، وأزهدُوا فِي حَرَامها وحُطَامها (وَلا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا، وَلا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَلا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلا تُفْتَنُوا بِأعْلاقِهَا). إِلى مَن يُوسوس ويُزين لكُم القبائح والسَّيِّئَات، ويُضفِي عَلَيْهَا أَثواب النعم، والخيرات.)### دَارُ حَرَبٍ وَ سَلَبٍ... فِقْرَة 4 - 5:فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ، وَنُطْقَهَا كَاذِبُ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ، وَأَعْلاقَهَا مَسْلُوبَةٌ. ألاق هِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ، وَالْجَامِعَةُ الْحَرُونُ، وَالْمَائِنَةُ الْخَئُونُ، وَالْجَحُودُ الْكَنُودُ، وَ الْعَنُودُ الصَّدُودُ، وَ الْحَيُودُ الْمَيُودُ. حَالُهَا انْتِقَالُ، وَ وَطأتُهَا زِلْزَالٌ، وَعِزُّهَا ذُلُّ، وَ جِدُّهَا هَزْلٌ، وَعُلُوهَا سُفْلٌ. دَارُ حَرَبٍ وَ سَلَبٍ، وَ نَهْبٍ وَ عَطَبٍ. أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَ سِيَاق، وَ لَحَاق وَ فِرَاق. قَدْ تَحيَّرت مَذَاهِبُهَا، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا، وَخَابَتْ مَطَالِبُهَا (4، فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ، وَ لَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ، وَأَعْيَتْهُمُ الْمَحَاوِلُ : فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ، وَ لَحْمٍ مَجْزُورٍ، وَشِلْوِ مَذْبُوحٍ، وَ دَمٍ مَسْفُوحٍ، وَعَاضٍ عَلَىٰ يَدَيْهِ، وَ صَافِقٍ بِكَفِّيْهِ، وَ مُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ، وَ زَارٍ عَلَى رَأيهِ، وَ رَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ، وَ قَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ.)
وَ أَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) (1). هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ! قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وَ ذَهَبَ مَا ذَهَبَ، وَمَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا، (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَ مَا كَانُوا مُنظَرِينَ) (2)(5).
اللُّغَة:خَالِبٌ : خَادِعُ ومَحْرُوبَةٌ، وَسْلُوبَةٌ بِمَعْنَى وَاحد. والمُتَصَدِّيَةُ : المُتَعْرِضَةُ. والْعَنُونُ : مِن عَنَّ الشَّيء إِذَا ظَهَر. وفَرَسُ جَامِع وجموح : يركب رأْسه لا يُثنيه شَيء. والحَرُونُ : المُمتنعة عن السير. والمائِنَةُ : الكَاذِبَة. والخَئُونُ : مُبَالَغة في الخيانة. والجَحُودُ والكَنُودُ بمعنى واحد. والْعَنُودُ : مُبالغة في العِناد، والصَّدُودُ: مبالغة في الصد والهجر. والحيودُ: من حاد ومَال عَن الطَّرِيق. والميود: من ماد إذا تَحَرَك وأضْطَرَب. وحَرَبٍ - بفتح الرَّاء - السَّلب. وَالْحَاوِلُ : جَمع مَحَالَةَ : وَهِي الْقُدْرَةِ عَلَى التّصرف. ومَعْقُورٍ : مَجْرُوحٍ، ويَجْزُورٍ : مَنْحُور أو مَسْلُوخ. والسلو: ولد الناقة والعُضْو، ومَسْفُوح : مَسْفُوك. والْغِيلَةُ : الشَّر. والبال : الْقَلْب والخاطر.الْإِعْرَاب:دَارُ حَربٍ خَبَر لمُبْتَدَاً يَحذُوف أي هِي دَارٍ، فَمِنْ نَاجٍ مُتَعَلَّق بِحذُوف خَبَراً لمبتدأ محذُوف أي هُم بَيْنَ نَاجِ مَعْقُورٍ... إلخ. وَّلَاتَ حِينَ «لا» تعمل عمل لَيْسَ تَرفع الاسم، وتنصب الْخَبَر، والتّاء زَائِدَة مِثل تَاء رُبَّةَ، وَقَالَ ابن هشام : «وعملها
واجب، ولهُ شَرطان: كُون معموليها اسمي زمان، وحذف أحدهما، والغَالب كُونه المرفوع - أي الاسم - نحو وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ أي لَاتَ الحين حِين مَنَاص أو لَيْسَ الحين حِينَ مَنَاص» فالحين الأول أسمها، والحين الثَّانِي خَبَرها، وهَيْهَاتَ أسم فعل بمعنى بَعد.الْمَعْنَى:(فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ. ذَكَرْنَا مَعَانِي المفردات فِي فِقْرَة اللُّغَة، ولا شَيء وَرَاءَهَا غَيْرِ ذَمّ الدُّنْيَا، وَهِي فِي نَظَر الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَارثة ومَأساة، ولا حَدٌ ونهاية لما فيها مِن سُوء وشَرٌ، والطَّامع فيها خاسر إلَّا مَا كَان مِنْهَا وَسِيلة للخَيْرِ والْعَمَل النافع، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ مرات ومرات، ونعود الآن إلى هَذَا المَوْضُوع بأسلوب آخر، ونتساءل بوحي من كَلامِ الْإِمَام فِي هَذِهِ الخَطْبَة :)هَل مِن حَال واحدة من حالات الدُّنْيَا يُمكن الرّكُون إِلَيْهَا والاعتماد عَلَيْهَا ؟ وما هي هذه الحال ؟ هل هي الشَّبَاب، أو الصَّحة ؟ ولا أَحد أَكْثَر قَلقَاً واهتزازاً من شَبَاب هَذَا العصر... وهَل يُنجِي الشَّبابُ من الموت، والصَّحة والسُّقُم ؟ وإذا تَجاوزنَا الشَّبَابِ والصَّحة إلى المال والتّراء، والنفوذ والسُّلْطَان فهَل يَدُوم شَيء من ذَلِكَ، أو يَسلَّم من الآفات والمفاجآت ؟ وقد رأينا وقرأنا ألواناً من الحادثات حلّت بأهل الجاه والمال، ورأيناهُم مَعَهَا يَتمنون لو كَانوا نَسيَاً مَنسِياً.. وبالأمس القَرِيب أنْتَحر هتلر... ومَنْ الَّذِي لَم يفقد عَزِيزاً، أو يَقع فِي أَزْمَة خَانقة ؟.والآن هَل فَهِمت حَقِيقَة الدُّنْيَا ؟ وهَل تُعِيد النَّظر فِي مُوقفَك مِنْهَا، وتَرَاها - كما رَآها الْإِمَام - وسيلة، والهدف هو الْعَمَل لِبنَاء مُجتمع صالح، كما أراده الله، وَرَسُوله
الَّذي قَال : «لا تُؤْمِنُوا... حَتَّى تَحَابُوا... أفشُوا السَّلام بَيْنَكُمْ» ولا حُبّ وسلام ما وجدَ عَلى ظهرها شائبة للظلم والْعُدْوَان» (1.)(أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَ سِيَاقٍ كِنَايَة عَن حالة النزع، والاحتضار حَيْتَ تَلتَوِي إحدى سَاقِي الْحَتَضِر عَلى الأخرى مِن شدّة الهَوْل. قَال سُبْحَانَهُ : ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيذٍ الْمَسَاقُ) (2). (وَ لَحَاقٍ وَ فِرَاقٍ) هُم السَّابِقُون، ونَحنُ اللأحقُون (قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا، وَخَابَتْ مَطَالِبُها... إلخ) أي تَخَيَّرُ النَّاسِ فِيها (وَ مُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ). المِرْفَق هُو الموصل بَيْنَ السَّاعد والعَضُد، والمَعْنَى وَاضع خَدِّيْهِ فِي كَفيه، ومَرْفَقِيه عَلَى رُكبتيه، والمراد أنّه حَزين كَئِيب (وَمَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا). مَضَت لشأنها وفي طريقها لا تَلوِي عَلى شَيء، ولا تكترث مَن كَان يَعبُدها ويَحرَصَ عَلَيْهَا.)
## الخطبة - 192 -### مَا بَيْنَ اللهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةً وصَدَاقَة... فِقْرَة 1 - 2:الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْكِبْرِيَاءَ، وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَ جَعَلَهُمَا حِمِيَّ وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَأَصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ. وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ. ثُمَّ اَخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ هُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ، وَ مَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ : ﴿إِنِّى خَالِقُ بَشَرًا مِّن طِينِ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ و وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ و سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائلكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ) (1)
ص: 71 - 74.
أَعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَ تَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ. فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَ سَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّة، وَنَازَعَ الله رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَ أَدَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ.أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَرَهُ اللهُ بِتَكَبْرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَ
1) سُورَة
أَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ سَعِيراً (1 ؟!)وَ لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَ يَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ، لَفَعَلَ. وَ لَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةٌ، وَ لَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى الْمَلائِكَةِ، وَ لَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْبِيراً بِالْإِخْتِبَارِ لَهُمْ، وَ نَفْياً لِلِاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ.فَأَعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَ جَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلافِ سَنَةٍ، لا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْل مَعْصِيَتِهِ ؟ كَلا، مَا كَانَ الله سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً. إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ. وَ مَا بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ فِي إِبَاحَةِ حِمَيَّ حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ (2.)اللغة :الحَرَم - يفتح الحاء والرَّاء - مَا يَحميه الإِنْسَان، ويُدافع عنه. والحَمِيَّةُ : الأَنفَة. والجَبْرِيَّةِ : العلو والعَظَمَة. والرُّوَاء : حُسن المنظر. والعَرْفُ - بفتح الْعَيْن - الرَّائِحَة. والهَوَادَة : الرُّخصَة واللين.الْإِعْرَاب:سَاجِدِينَ حَالَ مِن فَاعِل فَقَعُواْ، وتمييزاً مَفْعُول من أجلِه لِيَبْتَلِي، فَمَنْ ذَا مُبْتَدَاً وخَبَرَ، وبَعْدَ مُتَعَلِّق بِيَسْلَمُ، وعَلَى اللهِ «عَلَى» بِمَعْنَى مِن، قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذَا
أَكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (1). وكَلأَ حَرف ردع وزَجر.)الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْكِبْرِيَاءَ... إلخ. المتكبر هو الَّذِي يَرَى غَيْره حَقِيراً بالإضافة إِلَيْهِ، فإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الرُّؤيَة صَادِقَة، ومَن الْقَوِيّ فِي كُلّ شَيء، والكَامِل مِن كُلِّ وَجه - كَان التَّكَبُرُ مَدحاً لازماً، وإِنْ كَانَتْ الرُّؤيَة مِن ضَعِيفٍ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ومِن الله - كَانَتْ الرُّؤيَة كَاذِبَة، والتَّكَبُر قبيحاً ومَدْمُوماً، ومِن البداهة أنّ الله سُبْحَانَهُ هُو وحده الكَامِل مِن كلّ جهة، والقَاهِر فوق عِبَاده وإنّ كلّ شَيء سَواه في قبضته، وفِيض من رحمتهِ، وعَلَيْهِ تَكُون كِبْرِيَاؤه وتَكَبُرَه تَعَالى حقاً ومدحاً، وكلّ مُتَكَبَر غَيْره فهو مُفترٍ كَذَاب، ولذا جَاء فِي الحَدِيث القُدسِي : «الْكِبْرِيَاء رِدَائِي، والعَظَمَة إِزَارِي فَمَن نَازعنِي فِيهِمَا قَصَمَتَه» (2). وَقَالَ سُبْحَانَهُ : (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبّرينَ) (3).)(ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لِيَمِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ. ذَلِكَ إشارة إلى الْكِبْرِيَاء أو المُنازَعَة فِيهَا، والمُرَاد بالاختبار هُنا مُجرد التمييز)
1) سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ : 2.
2) انظر، صَحِيح ابن حبّان : 35/2 ح 328، المستدرك على الصَّحِيحِين : 129/1 ح 203، موارد الظمآن : 42/1 ح 49، سنن أبي داود : 59/4 ح 4090، سُنن ابن ماجه : 1397/2 ح 4174، المعجم الأوسط : 103/9 ح 9253، مسند أحمد: 248/2 ح 7376، شعب الإيمان : 281/6 ح 8158، فيض القدير : 484/4، ميزان الإِعْتِدَال في نقد الرِّجَال : 91/5، كشف الخفاء : 133/2 ح 1899، عِلل الدار قطني : 289/8 ح 1577.
3) الزمر : 60.
والإظْهَار، لأنّ الله يعلم السر وأخفى، والمَعْنَى أنّه تَعَالَى أَراد أَنْ يَظهر لِمَلَائِكَتَه وغيرهم من عَصَى وتكبر عَلى أمْرَه، ويُميّزه عمّن أطاع وتَوَاضع، فأمْرَ المَلائِكَة أنْ يَسْجِدُوا لآدَمَ الَّذي خَلقه من تُرَاب، يُداس بالأَقْدَام، ولا شَيء أهون مِنْه، فَأَسْتجابوا لأمره طَائِعِين، بل ومُعْتَبطين أيضاً بحلاوة الطَّاعَة، ولذتها، ورَفَض إِبْلِيسَ بصَلافة، وأحتج على الأمر وأعتبره إهانة لهُ، ومَسَاً بكرامته تماماً كما يفعل بَعْض أَرْبَاب المناصب الَّذِين يَقُولون : «لا نَسْمَح، ولا نَرْضَى بهَذا» إذَا سَمَعُوا كَلِمَة حق، ونَصِيحَة.رَفَضَ إِبْلِيسَ وتَفَلْسَفَ، وأظهر ما كان يُبطن من التَّرفع، والتَّكَبُرُ، وَقَالَ الله بِشموخ أَلِمِثْلِي يُقَال هَذَا ؟ وكَيْفَ أَسْجُد لمن هو دوني ؟ أنا خَيْرٌ مِنْهُ، هُو من تُرَاب، والتُّرَاب أرْض وظلام، وأنا مِن نَار، والنَّار تعلو وتشرق !... وكلّ مِن يَرَى نَفْسَه شَيْئاً ما هُو بشيء عند الله، قَالَ سُبْحَانَهُ : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ (1). وَقَالَ الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أَللَّهُمَّ إِلَيْك أشكُو ضَعفي وقلة حيلتي» (2).)وبعد، فَلا رَذيلة أثقل، وأسْمَج مِن التَّكَبر، وبالخصوص إِذَا كَان سَبّبه التَّعَصُّب للأصل، والعِرق (ألا تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَرَهُ اللهُ بِتَكَبُرِهِ... إلخ. الضَّمِير لإبليس.. أسْتَعظَم نَفْسَه، واسْتَصغَر غَيْره، فَصَغَرَهُ اللهُ وحَقَّرَهُ... وكلّ مَن يَأنف من المُسَاوَاة مع مخلوق، ويَستَأثر عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَق فَهُو أحقر كائن... إن الخلق كلهم عباد الله،)
والْكِبْرِيَاء والعَظَمَة الله وَحدَه. وتَقَدَّم الكلام عَن قِصَّة إِبْلِيسَ مع آدَمَ (1.)### الْمَلَائِكَةُ، وَالْأَثَانِيَة:(وَ لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ... إلخ. لماذا خَلَقَ الله آدَمَ من مَادَّة لا وزن لها ولا ثَمن، ولَمْ يَخْلقَه من أعزّ الأَشْيَاء وأثمنها ؟ وأجَابَ الإِمَام بِأنّ الْمَلَائِكَة يُشاركُونَ الْإِنْسَان فِي حُبِّ الذَّات، والأنانية، وإِنْ كَانَتْ طَبعتهم، وظرُوفهُم غَيْر طَبِيعَة الْإِنْسَان وظروفه... فالإِنْسَان يُحابِي نَفْسَه، ويُعطِيهَا فَضَائِل لَيْست فيها، وقد يَملكه الغُرُور بصفة كالعِلم، فَيَأنف بسببها من المُسَاوَاة مع الآخرين، والتَّواضع لمن هو دونه علماً ومكانة.. وما إلى ذَلِكَ من لوازم حُبّ الذَّات وآثارها، ولا بد من وجود هذه الأنانِيَة فِي الْمَلائِكَة، وبِهَا يكون لهُم الاِخْتِيار والحُرِّيَّة وإلا بَطَل تكليفهم، ولَمْ يَكُن هُم مِن فَضل في أي شَيء، وكَانُوا تماماً كالمرَة عَلَى الشَّجَرَة، والريشة فِي مَهَب الريح... وبِكَلِمة أنّ الأنانية في المَلائِكَة كَغَرِيزة الجنس فِي الْإِنْسَان حَيْث يَسْتَطِيعِ كَبْحَهَا، وَالصَّبِر عَلَيْهَا.)وبَعدَ أنْ خَلَق سُبْحَانَهُ حُبّ الذَّات في المَلائِكَة بالمعنى الذي أشرنَا إِلَيْهِ، وأعْطَاهُم الحُرِّيَّة الكَامِلة - أراد أنْ يُظهر كُلاً مِنهُم عَلى حَقِيقَته بالفِعْل الذي يَستَحِق بهِ المَدح أو الدم، فخَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ، وأمَرَهُم بالسجود لهُ (تَمييزاً بِالْإِخْتِبَارِ لَهُمْ، وَ نَفْياً لِلاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وَ إِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ فمن سَمع وأطَاع فهو من المقربين، ومن أعرض ونأى فهو مَطرُود مِن رَحمتِهِ تَعَالَى كَإِبْلِيسَ، ولو أنَّ الله)
1) انظر، شرح الخُطْبَة : (1) فِقْرَة «آدَمَ وَإِبْلِيسَ»، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
خَلَقَ آدَمَ «مِنْ نُورٍ يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَ يَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ، وَطِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ، لَفَعَلَ» ثُمَّ أَمَرَهُم بالسجود فامْتَثَلُوا وَسَجَدُوا - لَو كَان الأمْر كَذَلِكَ لَم يَكُن للمَلَائِكَة مِن فَضل، لأنه لا يتعارض مع الأنانِيَة وحُبِّ الذَّات. ويَأتِي فِي هَذه الخُطْبَة إن الله سُبْحَانَهُ أَخْتَبَر عِبَاده بأحجار لا تُبصر، ولا تسمع، وإنَّه هَذه الْغَايَةِ جَعَلها بأوْعَر بقاع الْأَرْضِ### الفَرْق بَيْنَ الشَّيْطَان وَإِبْلِيس:(فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ... إلخ. فِي الْقُرْآن الكَرِيم كَلمَات يَسْتَوِيَ فِي مَعْرِفَتها العالم والجَاهِل مثل الأعين والآذان، وكَلمات يعرفها أَهْلِ اللُّغَة مثل كَلِمَة الطَّلْحُ (1)- الموز - وكَلِمَة شَطأ الزَّرعُ أي مَا يَتَفَرَع عَنْه من أَغْصَان وَثَمر، وفِيهِ كَلمات يجب الرُّجُوع في فهمها والمُرَاد مِنْهَا إِلَى الْقُرْآن نَفْسَه، أو إلى النَّص من المَعصُوم، ومِن هَذَا النَّوْعِ كَلمتا إِبْلِيسَ والشَّيْطَانَ حَيْث لا نعرف كَائِناً يُقَال له : إِبْلِيسَ أو شِيْطَان.)وقد رأينا الذكر الحكيم يطلق كَلِمَة الشَّيْطَان عَلى الشَّيْطَانِ الإِنْسِي، والشَّيْطَان الجنّى، وعَلَى الوَسَوَسَة والخَوَاطِر السُّوداء. قَالَ تَعَالَى: (شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا (2). وَقَالَ تَعَالَى فِمَا يَعُود إلىالوسوسة ونَحوَها : (إِذَا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (3).)
وأوضحُ مِن هَذِه الآيَة قَوْله تَعَالَى حِكَايَة لقول يُوسُفَ : (مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (1). ومَا نَزَعَ بَيْن يُوسُفَ وبَيْنِ إِخْوَتِهِ إِلَّا عَدَاوة الْحَسَد.) أمَّا إِبْلِيس فهُو كَائِن حِسي يُدرك، ويُعقل، ويفعل، ويترك بإرادته واخْتِيَاره، ولذا خَاطَبَه سُبْحَانَهُ، وَقَالَ لَهُ: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (2)، وطَرَدَهُ وَلَعَنَهُ، وأحتج هو بأضله، وهَدَد وتُوعد بِكَيدِه وضَلالته، وَقَد أَجَابَه، جَلْت كَلِمَته : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (3). وإِذَنْ فَتَأْوِيل كَلِمَة إِبْلِيسَ بِغَير الحِسي - جَهلٌ، وتَضليل، أمّا كَلِمَة الشَّيْطَان فَيصح تأويلها بما يُوسوس، ويُزِين حِسيّاً كَان أو مَعنُوياً.
(إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَ جَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّةَ الْأَفِ سَنَةٍ... إلى سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. هَذَا شاهد آخَر عَلى أنْ إِبْلِيسَ كَائن حِسي لا معنوي وإنه عبد الله دَهرَاً طَوِيلاً، ثُمَّ أَرتَد ونَكص عَلى عَقِبِيهِ حَيْتَ تَمَرَد عَلَىٰ أَمْرِهِ تَعَالَىٰ فكان من الخاسرين، أما التحديد بستة آلاف أو دُونَها أو أَكْثَر مِنْهَا كما في بَعْض الرِّوَايَات فهُو كِنَايَة عن طُول أمد الْعِبَادَة، وإِنَّهَا لَم تُجدِه نَفْعاً مَع مَعْصِيَة لحظة، كما قَال الْإِمَام : (فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ) ؟ أي مَعْصِيَّة إِبْلِيسَ والطَّرد من رحمة الله، وإحباط الْعِبَادَة التي امتدت أمَداً غَيْر قَصِير، ومهما كان الْمُرَاد بِتَحدِيد أمَد عِبَادَة إِبْلِيسَ فَنَحن غَيْر مَسْئُولين عَن مَعرِفَتِهِ يَوْم الْقِيَامَة، ولا يمت إلى حياتِنَا بِسببٍ قَرِيب، أو بَعِيد.)
(كَلا مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً بِفَتح اللام، والمراد به هنا إبْلِيسَ، والمَعْنَى إِنَّ الله طَرَد إِبْلِيسَ مِن رَحْمَتَه المَعْصِيَة واحدة، فَكَيْفَ يَرجُو رَحمته تَعَالى مَن عَصاه فِي كَثِيرٍ مِن الذُّنُوب ؟. كَلا : (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (1). (إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ). لَيْسَ اللَّهِ صَدَاقَة وعلاقة مع أحَد مِن خَلْقه، فكلّ عِبَاده عِندَه سَوَاء يَتعامل مَعَهُم عَلى أساس الْعَمَل : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بظلام لِلْعَبِيدِ) (2)سَوَاء أَكَانُوا مِن أهْلِ الْأَرْضِ أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاء.)وَتَسْأَل : كَيْفَ عَدّ الإِمَام إِبْلِيسَ مِن المَلائِكَة مع أن الآية تَقُول : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (3)؟.)الجواب:إنّ الإِمَام عَدٌ إِبْلِيسَ مِن المَلائِكَة تبعاً لهذه الآية حَيْتَ أَعْتَبَرَت إِبْلِيسَ مِن المَلائِكَة، ثُمَّ أخْرجَته مِن بَيْنَهُمْ بَعد أنْ فَسَقَ، وتَمرَد... وهُو مِن الجنّ مَا فِي ذَلِكَ ريبٌ، لنَّص الآية، ولكن الله سُبْحَانَهُ أجرى عَلَيْهِ حُكم المُلائِكَة، وأمَرَهُ بِالسّجُودِ كما أَمَرَهُم، لأنه كان يُشاركَهُم فِي الْعِبَادَةِ وَيَزِيد، ولما كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ أُخْرِجَ مِن بَيْنَهُمْ وطُرِد، وعَلَيْهِ فَكَان مِن الْمَلائِكَة حُكماً، وهو من الحِنٌ مَوْضُوعَاً نُجيب بهَذا لمجرد التوجيه... والله أعْلَم بِغَيْبِهِ.
### فِي كُلِّ أُمَّةٍ جُنُودٌ لإبْلِيسَ... فِقْرَة 3 - 5:فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ، وَ أَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوْقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ، وَ أَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ، وَ رَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، فَقَالَ : (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيَّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (1)، قَذفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ، وَ رَجْماً بِطَنٍ غَيْرِ مُصِيبٍ، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ، وَ فُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى إِذَا أَنْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِيّ إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ، أَسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ، وَأَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ، وَأَوْطَنُّوكُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ، طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ، وَحَرِّاً فِي حُلُوقِكُمْ، وَ دَقَا لِمَنَاخِرِكُمْ، وَقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ، وَسَوْقاً وَدَقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ (3). فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً، وَ أَوْرَىٰ فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً، مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ، وَ عَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ. فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ، وَلَهُ جِدَّكُمْ، فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَوَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَ أَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَ قَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ، يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَ يَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ. لَا تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ، وَلا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ، فِي حَوْمَةِ ذُلّ، وَ حَلْقَةٍ ضِيقٍ، وَعَرْصَةٍ مَوْتٍ، وَ جَوْلَةٍ بَلاءِ، فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ وَ أَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ، وَنَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ (4). وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ،)
1) الحجر : 39.
وَإِلْقَاءَ التَّعَزّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَ خَلْعَ التَّكَبُرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَأَتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَ جُنُودِهِ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً، و رَجِلًا وَ فُرْسَاناً، وَ لَا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ، وَ قَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَ نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (5.)اللغة:الرَّجْل - بفتح الراء وسكون الجيم - جمع رَاجِل أي يَمشي عَلى رِجْلِيه.وفَوَّقَ السَّهْمَ : وَضَعَه في الوَتَرَ. أَغْرَقَ الْأَمْر : بالَغ فيه، ونَزْعَ بِالسَّهم : رَمَى بهِ وبِالدَلُو : جَذَبَهَا. والمجمُوع مِن الرِّجَال : الْعَنُودُ والطَّمَاعِيَّةُ : الطَّمَع.ونَجَمَت : طَهَرَت وَدَلَفَ : مَشى. ووَرَطَاتِ : جَمع وَرطَة - بفتح الواو - وَهِي الأمر الشّاق. وخَزَائِم : جمع خَزام أو خَزيمة، وَهِي حَلَقَة يُشد فِيهَا الزِّمَام. وَأَوْرَى الزَّند : أَخَرَج نَاره. ومُنَاصِبِينَ : مُجَاهِرين بالعَدَاوة. ومُتَالُّبِينَ : مُجْتَمِعِين ومُحْتَشدِين. وأَجْلَبَ : صَاح. والمَسْلَحَة : الْقَوْمِ المُسْلِحُون أو المكان الذي يُرابطون فيه.الْإِعْرَاب:الْمَصْدَر مِن أَنْ يُعْدِيَكُمُ المَنصُوب بِنَزع الخافض أي أخذَروا مِن عَدوّاه لَكُم، وقَدْفاً نُصب عَلى المَصْدَريَة أي يَقْذف قذفاً أو في موضع الحَال أي قَاذْفاً، ومِئله رَجْماً وطَعْناً وَمَا بَعدَه، وفِي حَوْمَةِ مُتَعَلِّق بمحذوف حالاً من كَاف الخطاب في
يَقْتَنِصُونَكُمْ.الْمَعْنَى:(فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ... بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ. الْمُرَاد بِعَدُوّ الله إبْلِيسَ، وبِنِدَائِهِ، وبِخَيْلِهِ، وَرَجِلِهِ وسَهْمه - المغريات والشهوات، وإنّه بها يصطاد ويُضلل أبْنَاء آدَمَ عَدُوّه اللدود، وروي عَن إِبْلِيسَ إِنَّهُ قَالَ: «مَهمَا تُورع أبن آدم، وأحتاط لدينه فإنّي مُوقعه، لا مَحَالَةَ بِجَرِيمَة مِن ثَلاث : أنْ يَأخذ المال مِن غَيْر حِلٍّ، أو يَمنَعه مِن غَيْر حَقٍّ، أو يُنفقَة فِي غَيْر وجه (1)... فالدرهم والدِّينار هُما المحك الوحيد أخذاً وَعَطَاء، والحد الفاصل بَيْنَ الإخلاص، والخيانة، وبها يمتحن المُؤْمِن لا بصلاته وصِيَامه، ولا يتواضعه، أو بأية فَضيلة من الفضائل.)(وَ رَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، فَقَالَ : (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (2). الشَّيْطَان لا يَعتدِي عَلى أَحدٍ، إِنَّه يُزين ويُحسّن، ويُغرِي ويكذب في الموَاعِيد، وخيَارِ الْإِنْسَان بيده، تَنَازِل عَنهُ لِلشَّيْطَانِ، وأَسلَم لَهُ الْقِيَاد - فَعل بهِ مَا يَشَاء، ورَمَاه مِن قَرِيبٍ حَيْثُ يَجْرِي مِنْهُ تجرى الدَّم (3)... وَقَالَ بَعْض)
1) أنظر التخويف من النَّار لابن رجب الحنبلي : 204/1.
2) الحجر : 39.
3) أنظر، مُسْنَد أحمد : 156/3 ح 1264، سنن أبي داود : 333/2 ح 2470، صَحِيح البُخَاري: 717/2 ح 1933، تَفْسِير الطَّبَرِيّ : 239/1، صَحِيح مُسلم : 1712/4 ح 2174، تفسير ابن كثير : 225/1، سنن الترمذي : 475/3 ح1172، سُنن الدارمي : 411/2 ح 2781، صحیح ابن حبان : 428/8 ح 3671 تفسير القرطبي : 301/1.
العارفين : إنَّ الشَّيْطَان مُهذب، ويقرع الباب، ويتوارى خَلفه، فإِنْ فَتَحتَ لهُ دَخل وإلا تَركَك وَمَضَى فِي سَبيله.(قَذْفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ، وَ رَجْماً بِظَنٌ مُصِيبٍ. وفي النُّسَخ «غَيْرِ مُصِيبٍ» بزِيَادَة «غَيْرِ» وهُو خطأ بدليل قول الإمام بلا فاصل : «صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ» وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسَ ظَنُّهُ) (1)أي أَصَابَ فِي ظَنَّهُ بِهِمْ، ولَمْ يُخطىء. وإِذَنْ فَكَلِمَة «غَيْرِ» حَشو، والمَعْنَى إِنَّ إِبْلِيسَ قَال : لَأُغْوِيَنَّ بَنِي آدَمَ، ولَمْ يَكُن عِند قَوْله هَذَا آدَمِي عَلى وجه الأَرْضِ، وإنّما قَال ذَلِكَ ظَنّاً وَرَجَمَاً بِالْغَيْب... ومَع هَذَا صَدَق فِي ظَنّه، لأنّ النّاس كلّهُم مِن حَزبِه إِلَّا قَلِيلاً.)(صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ... إلخ. الهَاءِ فِي صَدَّقَهُ لإِبْلِيس، وفِي «بِهِ» لَظَنّه فِي قَوْله : «وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» والمَعْنَى لَقَد صَدَق ظَنِّ إِبْلِيسَ عَلى أهْل المَعْصِيَة والكِبْرِيَاء والجَاهِلِيَّةِ، وتَسَرَب إلى نفُوسِهِم مِن طَرِيق تَعَصَّبهم لِأَصْلِهم، وسَفَهَهم وحُبّهُم للتعاظم والشُّهرَة الزَّائفة (حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِعَةُ مِنْكُمْ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ... إلخ). المراد بالجامحة النفوس التي لَمْ يَقرَعَ الشَّيْطَان بَابها بَعدُ، ولَكِنَّهُ عَلى تمام الإستعداد لأنْ تُفتح لهُ، وتَنْقَادَ إِلَيْهِ، والمَعْنَى أن نُفُوسَكُمْ طَاهِرَة فِي الطَّاهِر، وخَبِيثَة في الباطن، ولما حَرَكَهَا الشَّيْطَان ظَهَرت عَلَى حَقِيقَتها، وتبين للجميع أنكُم مِن جُندِ الشَّيْطَان، وأَنْصَارِه.)(اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ... إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ. وَاو الجَمَاعَة فِي أَقْحَمُوكُمْ وَمَا بَعدَه من الأَفْعَال هي)
1) سبأ : 20.
لجنود إبْلِيسَ، والمَعْنَى اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُم الشَّيْطَان، وأحتَل نُفُوسَكُمْ بِجُنُود فأَوْرَدها موارد الذُّل، والهلكة في الدُّنْيَا، وساقها في الآخِرَة إِلَى النَّارِ وَغَضِبَ الجُبَارِ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ جُرْحاً... إلخ.. وفِي بَعْض النسخ «حَرْجَاً» وهو خطأ، والضَّمِير المستتر في أَصْبَحَ يَعُود لِلشَّيْطَانِ والمَعْنَى أن وساوس الشَّيْطَان والآعِيبَه أَشَد ضَرَراً عَلَيْكُم دنيًا ودِيناً من إِخْوَانكُم فِي الْإِنْسَانِيَة الَّذِين تُجَاهِرُونَهُم بِالعَدَاءِ وتَتَألُبُونَ عَلَى حَرِبهِم ومُنَابَدَتهم.(فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ، وَ لَهُ جِدَّكُمْ. الضَّمِيرِ فِي «عَلَيْهِ، وَلَهُ» لِلشَّيْطَانِ، والمراد بالحد الغَضَب والحدّة، وبالجد - بكسر الجيم - الجهد والطاقة، والمَعْنَى حَارِبُوا الشَّيْطَان بكلّ مَا تَمَلَكُون من طاقةٍ، وحَوْلٍ، وقُوَّةٍ (فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَ وَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ، وَ دَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَ أَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ... إلخ). المُرَاد بالأضل، والنَّسَب هنا آدَمَ، والمغنى أنّ إِبْلِيسَ أَزْدَرى أَبَاكُم آدَمَ ورَمَاكُم بِبَال الهَوَى، وَدَاسَكُم بأقدام الشَّهوات، وضَرَبَكُم بِسِيُوف المغريَات حَتَّى أذلَكُم، وأَوْقَعَكُم فِي الْبَلاءِ والسُّدَّة، لم يبق لكُم مِن بَاقِيةَ، وَهَذَا تكرار وتوكيد لما تَقَدَّم مِن قَوْله : «وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ... إلخ).)(فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ... وَنَزَغَاتِهِ. المُسْلِم الحق هو الإِنْسَان المتفتح الَّذي يُحبّ ويَسَع النَّاسِ جَمِيعَاً، أما الَّذِي يَتعَصَّب لِعِرقٍ، أو لُونٍ، أو فِئَةٍ - فما هُو بِمُسْلِم، بل هو من أتْبَاعَ الشَّيْطَان، وعَلى سُنَّة الجَاهِلِيَّةِ، وأهْلها، وسَيتَكَلمُ الإِمَام عَن العَصَبِيَّة مُطولاً فِي هَذِه الخُطْبَة، فإلى هناك (وَ أَعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ، وَ إِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ... إلى وَجُنُودِهِ). دَعوا التَّرفع، والتَّكَبُر، فإنَّه يَهُم عَلى صَاحِبه بالصَّغَارِ، وتُواضَعُوا)
للحق، وأنْقَادُواله، واسْمَعُوا مِنْهُ، فإنَّه الدرع الواقي مِن إِبْلِيسَ، وَجُنُودِهِ.(فَإِنَّ لَهُ - أي لإِبْلِيس - مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً. وَمَا كَان إِبْلِيسَ فِي يَوْمٍ من الأَيَّام أقوى سُلطاناً، وأعزّ نَفَراً مِنْهُ فِي هَذَا العصر، فجُنُوده في الغرب يَصْنَعُون ويخترعُون أسْلِحَة الخراب، والدَّمَار، أما الشرق فَقَد أَصْبَحَ وَكرَاً للخُوَنَة وعُملاء الغَرب... وعَلى دَوِي القنابل، وأغنيات العُملاء، وبُكاء المنكوبين، وأنينُ الجَائِعِين - يَرقُص الشَّيْطَان ويَطرب، وبخاصة بعد أن تعهد زُعماء الاِشْتَرَاكِية أنْ لاَ يصطدمُوا مَع زُعماء الإمبريالية !... لقد كان أختلافهما رحمة ومَنَاعَة للضَّعِيف، فصار أنفاقهما طَعَنَة، ونقمة.)(وَلا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى أَبْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِيه... إلخ. قيل : هَذَا إِشارة إلى مَا حَدَث بَيْنَ قَابيل وهابيل، وإنّ نَارِ الغَضَب وعداوة الحَسَد في قلب الْأَوَّل طَغَتا عَلَى القُربى وصِلَة الدَّم، والسَّبب غِوَايَة الشَّيْطَان وفِتْنَته (الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ آقَامَ الْقَائِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). قَتَل قَابِيل أخاه هَابِيل، ثُمَّ نَدِمَ تَمَاماً كَمَا نَدِمْتَ أُمَّهُ حوَاء مِن قَبل، وبَاءِ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ أَخِيهِ، وَكَان مِن أَصْحَابِ الجَحِيمِ. ذَلِكَ جَزَاء مِن أقتص أثر الشَّيْطَان وتَرسّم خُطاه.)### لا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ... فِقْرَة 6 - 8:أَلا وَقَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي الْبَغْيِ، وَ أَفْسَدْتُمْ فِي الْأَرْضِ، مُصَارَحَةٌ لِلَّهِ بِالْمُنَاصَبَةِ، وَ مُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحَارَيَةِ. فَالله اللهَ فِي كِبْرِ الْحَمِيَّةِ، وَ فَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُ مَلَاقِعُ الشَّنَئَانِ، وَمَنَافِعُ الشَّيْطَانِ الَّتِي خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، وَالْقُرُونَ الْخَالِيَةَ، حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ، وَ مَهَاوِي ضَلَالَتِهِ، ذُلُلًا عَنْ سِيَاقِهِ، سُلُساً فِي قِيَادِهِ.
أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِيهِ، وَ تَتَابَعَتِ الْقُرُونُ عَلَيْهِ، وَكِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ (1.)أَلا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا اللهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةٌ لِقَضَائِهِ، وَ مُغَالَبَةً لِآلائِهِ. فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ اعْتِرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً، وَلا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً. وَلَا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفُوكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَطْتُمْ بِصِحتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقَّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَ هُمْ أَسَاسُ الْفُسُوقِ، وَ أَخْلَاسُ الْعُقُوقِ. اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلالٍ، وَ جُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَ تَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، اَسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ، وَ دُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفْثَاً فِي أَسْمَاعِكُمْ. فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ، وَ مَوْطِئَ قَدَمِهِ، وَ مَأْخَذَ يَدِهِ (7.)فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَصَوْلاتِهِ، وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثلَاتِهِ، وَ أَتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ، وَ مَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، وَ أَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكِبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ. فَلَوْ رَخَّصَ اللَّهُ فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ، وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَ رَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ. وَ خَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بِالْمَخْمَصَة. وَ أَبْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ، وَ أَمْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ، وَ مَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ. فَلا تَعْتَبِرُوا الرّضَى وَالسُّخْطَ بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالْإِخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَ الْإِفْتِدَارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى : (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِى مِن مَّالٍ وَبَنِينَ
نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ (1)فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَاتِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ (8).)اللُّغة:أَمْعَنْتُمْ : أَبْعَدتُمْ وَبالغُتُم، والمُصَارَحَة : المجَاهَرَة، أو المظاهرة. والمُناصَبَة : العداوة والمقاومة. والملاقح: من اللقاح أي عَلُوق الأُنْثَى من الذكر وأَعْنَقُوا غَابُوا. وحَنَادِس : جمع حِنْدِس، وهو الظَّلام الشَّدِيد. وسِيَاقِهِ : مِن سَاق الماشِيَة. والهَجِينَةَ : القبيحة، والاِعْتِزَاء : الانتساب، والانتماء. وأَحْلَاسُ : جَمع حِلْس كلّ مَا يُوضع على ظهر الدَّابَة تحت الشرج. والْعُقُوقِ : العِصْيَان. ومَثَاوِي : مَنَازِل. وخُدُودَهُمْ: حُفَرَهُم، وفي بَعْض النسخ بالحاء، وهو خطأ. والمخمَصَة : الجوع. والَجْهَدَةِ : المَشَقَّة.الْإِعْرَابِ:مُصَارَحَةً مَفْعُول من أجلهِ لأَفْسَدْتُمْ أي أَفَسَدْتُمْ عَدَاوَةً ومُقَاومَةً لله، أو في موضع الحال أي ناصبين العداء الله، وذللا حال مِن وَاو وأَعْنَقُوا، ومثله سلساً، وأَمْراً مَفْعُول لِفعل محذُوف أى أعْتَمدُوا أَمْراً، ومُكَابَرَةً مَفْعُول مِن أجْلِهِ لجَاحَدُوا ومثله أَسْتِرَاقاً، ويجوز أَنْ يَكُون فِي مَوضع الحال أي مُسْتَرِقاً، وجَهْلاً مَفْعُول مِن أجلهِ لِتَعْتَبِرُوا.
1) الْمُؤْمِنُونَ : 55 - 56.
الْمَعْنَى:(أَلا وَ قَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي البَغْيِ، وَ أَقْسَدْتُمْ فِي الْأَرْضِ، مُصَارَحَةً لله بِالْمُنَاصَيَة... إلخ. كلّ بَغْى وفَسَاد فِي الْأَرْضِ هُو حَرْب عَلَى الله ومُقاومة لهُ بالذات، وكلّ غَضَبٍ وحَرْب عَلى الظُّلم، والضَّلال هو انتصار الله سُبْحَانَهُ... فالارتباط بَيْنَ الْعَمَل لوجه الله والْعَمَل لِخِدْمَة الْإِنْسَانَ - وَثِيقٌ وَمَتِين، ويَسْتَحِيل أنْ يَفتَرِق أحدهما عن الآخر... وأية جدوى من الإيمان بالله وحبّه إذَا لَمْ يَكُن دافعاً عَلى عَمَل يُرضِيه، وعَاصِمَاً من الإنحراف عَن سَبِيله وَوَحِيّاً مِن خُلق مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الَّذي بُعث لِيُتَمِم مكارم الأخلاق (1)؟)(فَالله الله فِي كِبْرِ الْحَمِيَّةِ، وَ فَخْرِ الْجَاهِلِيَّة. أَبَداً... لا حدود لطموح الْإِنْسَان وَرَعْبَاته، وقد صور الفَيْلَفُوس «بَرَتراند راسل» هَذَا الطُّمُوح بقَوْله : «كلّ إِنْسَان يُود أنْ يَكُون إلهاً، وقَلِيلُون هُم الَّذِين يَرُون ذَلِكَ مُستَحِيلاً وصَعب المنال» (2). هَذَا صَحِيح، ولكن الذين يتمنون التاليه ولا ينالوه - يَشْبعُون رغبتهم من التعاظم، أو الفخر بأعاظم الأموات، أو المناصب، أو الإعلان عنهُم فِي الصُّحف وغَيْر ذَلِكَ مِن الوَسَائِل والدِّعَايَات المُزِيفَة (فَإِنَّهُ مَلَاقِعُ الشَّنَئَانِ). إِنَّ الفَخَر وَالْكِبْرِ يَان عَن الْحُمْق والصِّغَار، ويحدثان رَدّة فعل عَلى صَاحِبَهُما حَيْث يكرهه النّاس،)
1) مَأْخُوذ مِن قَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إنّما بُعثتُ لأمم مَكَارِم الأخلاق» أنظر، بداية المُجتهد : 321/2، السنن الكبرى: /192/10، تُحفة الأحوذي : 470/5، نظم درر السمطين : 42، كنز العمال: 420/11 ح 31969، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 209/5، كشف الخفاء : 211/1 ح 638، مكارم الأخلاق للطبرسي : 8 مَكَارِم الأخلاق لابن أبي الدُّنْيَا : 6، مُسند الشهاب: 1922 ح 1164، تكملة حاشية رد المحتار: 234/1.
2) أنظر، كتابه الشطان : 152 تَرجَمَة خَيرِي حماد - الطَّبَعَة الأُولَى - آذار سنة 1962 م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
ويَتباعدُون عَن قُربه (وَ مَنَافِخُ الشَّيْطَانِ، الَّتِي خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، وَالْقُرُونَ الْخَالِيَةَ، حَتَّى أَعْتَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ... إلخ. أي نَفَخَ الشَّيْطَان فِي أُنوف الرُّوْسَاء من رُوحه التي تمردت على أمر الله، وطاعته، وبهذه النفحات أهْلَك الأمم الماضية، ويهلك الأمم الآتية. وغرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنْ يَشجِب رَذِيلَة الْكِبْرِيَاء، ويُبين أَنَّهَا أَصْل البلاء.)(أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ !. حَذَّر الإمام من الذين يَعشقون المناصب، والرِّيَاسة لا لشيء إلا لِلذَّة الحكم، وشَهوَة السُّلْطَان، وأيضاً حدر من الَّذِين يَتعشقون الكراسي كوسيلة تُمكنهم من الوصول إلى غَايَاتِهم ومَآربِهِمْ أمّا مَن يَطلب الحكم لإقامة العدل، وإحقاق الحق، والْقَضَاءِ عَلى السّر والْفَسَاد - أمّا هَذَا فوَاجب الطَّاعَة، والمُوازَرَة. قيل : إِنَّ الشَّيْطَان عَرض عَلَى السَّيِّد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممالك الْأَرْضِ إِذا سجد له فأبى، ولو كَانَتْ لَهُ مَارِب أُخرى لِسَجَد ورَكَع، وتطوع للخيانة والعمالة كَأَكْثَرَ أُمَرَاء عَصره وَهَذَا العصر وحكامه.)(الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَ تَرَفَعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ أي أحْذَرُوا السَّادَات الَّذِين يتنابزون بالألقاب، ويتفاخرون بالمناصب. وفي الحديث الشريف: «يا معشر قُرَيْش ! حَسَب الرَّجُل دِينَه، ومروءته خُلقه، وأصله عَقْلَه» (1). (وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ). مَا زَال الحَدِيث عَن الزُّعماء، والمعنى أنهم يتعاظمُون عَلى النَّاس، لأنّ)
1) انظر، الكافي : 181/8، عُيُون الحكم والمواعظ : 232، الفائق في غريب الحَدِيث لجار الله الزَّمَخْشَري: 245/1، كنز العمال: 789/3 ح 8765، تأريخ دمشق : 358/44، المصنف لابن أبي شيبة: 90/6ح 21، روضة الواعظين: 283، مُسْتَدرك الوَسَائِل : 222/8 ح 4، شرح نهج الْبَلاغة لابْن أبي الحَدِيد : 129/18.
الله هو الَّذي أَلْبَسَهُم قَمِيص العَظَمَة، وحَرَم غَيرَهُم مِنْهُ، كما يَزعَمُون، وهَذِه جُرأة وفِريَة عَلى الله الذي قَال : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَنكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (1)(وَجَاحَدُوا اللهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةٌ لِقَضَائِهِ، وَ مُغَالَبَةً لآلاتِهِ). إنّ الزّعْمَاء يَستَظهرُون بِنِعْمَة الله عَلَى عِبَاد الله، ويُعَاندُون أَمْرَه بالشُّكرِ، والتَّواضع، ويَجْحَدُون آلاءِهِ تَمَرُّداً وعِنَادَاً. (فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، وَ دَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ أَعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ). المراد بالْعَصَبِيَّةِ التَّعَصُّب لغير الحق، وبالْفِتْيَة الفُرْقَة والفَساد، وبالاعتزاء الإنتساب. والقَصْد هُو مُجرَد الذَّم، وإنّ الزُّعَمَاء هُم أصْل الداء والبَلاء (فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً). النِّعْمَة تَستوجب الشكر والتَّواضع. الْكِبَرَ ضِدَّ التَّوَاضع، والكُفْرَان ضِدَّ الشُّكر. والقصد النَّهِي عَن رَذيلة الكُفْرَان والْكِبَرَ (وَ لا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسّاداً). الْمُرَاد بالحُسَاد هنا الأعْدَاء، والمعنى لا تَعْمَلُوا ما يَستُوجِب زَوَال النّعْمَة عَنكُم، وإِلّا يَكُون شَأنكُم مَع نَفْسكُم شَأن الْعَدُةِ الَّذِي يَتمَنى زَوَالَ النِّعْمَة عَن عَدُوّه. وبِكَلِمَة لا تَكُونُوا أَعْدَاء أَنْفسكُم.
(وَلا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ، وَخَلَطْتُمْ بِصِحّتِكُمْ مَرَضَهُمْ... إِلَى الْعُقُوقِ). الدَّعي هُو الَّذِي يَنْتَسب إِلى غَيْر أَبيه، ومثله النَّذل الخسيس حيث يدعي الشرف، والمكانة، والمَعْنَى أَنْتُمْ ودعاء وأبرياء، لأنكم لا تَهْدُون إِلى شَيء سوى العيش في أمانٍ، واستقرارٍ، وبكد اليمين، وعَرَق الجبين، أما الرُّوْسَاء الخبثاء فهُم سَفَلة، ولصوص قَد تَخصصوا بأساليب الخداع، وتَفَننُوا فِي
1) الحُجُرَاتِ : 13.
طرق السَّلب، والاستغلال، وعَلَيْكُم أَنْ تُكَافحُوهُم، ولا تَركنُوا إِلَيْهِمْ، ومَن تَخَالَفَ مَعَهُم عَن وَعَيِ، وعِلمٍ، ومِن أجل الربح، والكسب فهو مُجرِم وخَائِن، ومَن رَكَن إِلَيْهِمْ عَن غَفْلَةٍ وجَهْلِ أَخَذُوا مِنْهُ دِينَه وضَمِيره الصَّافِي النَّقي، وبِره لوطنه وأُمته، وأعطوه الكدر، والمرض، والْبَاطِل... وقد يُعذَر المنعزل، والساكت عن الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ إذَا أيقن بعدم الجدوى من وعظه، وإرْشَادِهِ... وعَلى أية حال فإنّ لكل ظروفه الخاصَّة، شَرِيطة أن لا يُحرّف ويُزيف بالتَّأويل والتضليل.
(أَتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلالٍ، وَ جُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَتَرَاجِمَةٌ يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ... إلخ). إن الزعماء المُنْحَرفِين يفعلون بوَحِي مِن الشَّيْطَان، وينطقون بِعِينَه، وبأذنِهِ يَسمعُون، بل هُم فِي قَبضتِهِ وتَحت قدمهِ. وتَقَدَّم مثله أَكْثَر من مَرّة فِي هَذِهِ الْخُطْبَة بالذات.
(فَأَعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَصَوْلاتِهِ، وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثلَاتِهِ). المراد بالأُمم المُسْتَكْبِرِين الجبابرة مِن سَادَةِ الأُمم كفِرْعَوْنَ مُوسَى وَنَمرُود إِبْرَاهِيمَ، وغَيْرُهُما مِن طُغَاة الأكَاسِرَة والقَيَاصرة، أمّا الكَثرَة فَكَانَتْ تَصنع للكبائر القصور والأهرامات، وتبني الحصون، والسّدُود، وتُحفر الترع والأنهار... وقد أخذ بصواعقه وعواصفه المستكبرين والتابعين لهم من الْمُسْتَضْعَفِين، أخذ أُولَئِكَ بِظُلمهم، وهَؤُلا، بِنُومِهم عَلى الضّيم والظُّلْم... ويقول الْإِمَام ِللمُسْتَضْعَفِين : أتَّعِظُوا عَن سَبق، وكَافِحُوا الْعُدْوَان قَبل أنْ يَنزِل عَلَيْكُم العذاب بَغْتَةً، ويَهُم الظَّالِم، والسَّاكِتْ عَنْهُ.
(وَ أَتَّعِطُوا بِمَتَاوِي خُدُودِهِمْ، وَ مَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ). وفِي بَعْض النسخ حُدُودِهِمْ، وهُو خَطأ، والمَعْنَى اتَّعِظُوا بِالقُبُور التي أَكَلْت الخدود، وأَبْلَت الجُنُوب (وَاسْتَعِيذُوا
بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكِبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ). مَا مِن عَافِلَ إِلَّا وَيَخشَىٰ المخبات، والمفاجآت، ولكن المُتَكَبِّر لا يخشى، بل لا يَتصَوَر إطلاقاً عَاقِبَة التَّالِي والْكِبْرِيَاء تَواضع وتنازل عن شموخه، وإِذَا سَلَّم المُتَكَبِّر مِن طَوَارِقِ الدَّهر فهَل يَسلَّم من سكرات الموت وظُلمة القبر.
(فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ... إلخ). بل نَهَاهُم عَنْهُ، وَقَالَ لخَاتمِهُم وَسَيِّدَهُم: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (1). وفي الحديث : «مَن تَوَاضع رفعهُ الله، ومَن تَكَبَر خَفَضَهُ الله» (2)، وقد أمتَحَن سُبْحَانَهُ أَنْبِيَاءَه بأنواع من المكارِه فَصَبَرُوا، ورَضُوا بما قَضَى وَأحَب. وأُوذِي مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سَبِيل الله أشَدّ الإِبْدَاء، فمَا تَظَلَّم أَو تَبَّرَم، بل تَطلَّع إِلَى خَالِقِهِ، وشكا إِلَيْهِ ضَعفَه وهوانه عَلَى النَّاس... وخاف أنْ يَكُون قَد غَضب الله عَلَيْهِ، أو فَلاَذ بِهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ! إِلَيْك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني عَلَى النّاس... أَللَّهُمَّ ! يَا أرحم الرّاحمين ! أنتَ رَبِّ الْمُسْتَضْعَفِين، وأَنتَ رَبِّي إِلَى مَن تَكْلُني... ؟ إِلى بَعِيدٍ يَتَجَهمني...؟ أو عَدُوٌّ مَلكتهُ أَمْرِي...؟ إِنْ لَمْ يَكُن بِكَ عَليَّ غَضَب، فَلا أبالي ! ولكن عافيتك هي أوسع لي.... إنّي أَعُوذُ بِنُور وجهك، الذي أشرقت بهِ الظُّلمات، وصَلُح عَلَيْهِ أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مِنْ أَنْ يَنزِل بِي غَضَبك، أو
يَحِلَّ عَليَّ سَخَطك... لَكَ الْعُتى حَتَّى تَرضَى... لا حَوْلَ، ولا قُوَّة إلا بك..» (1)
وهو القائل حينما واجه محنتين بل مُصيبتين، الوَاحِدَة تلو الأخرى وهما مَوْت «خَدِيجَة، وعمّه طالب» في سَنَة وَاحِدَة، بل قيل الفاصل الزمني بَيْنَ مَوْت هذا، وهذه عِدة أَيَّام، وهو العام الذي سُمي بعام الحُزن بعد خروج بني هاشم، والمطلب من الشّعب بثمانية وعشرين يوماً ولذا قال صاحب الهمزية، كما جاء في السيرة الحلبية : 346/1.
وَقَضَى عمّه أبو طالب والد ***هرفيه السراء والضراء
ثُم ماتت خَدِيجَة ذَلِكَ العَا***م ونالت من أحمد المناء
وقيل : كَانَتْ وفاة خديجة قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة، وقيل: بعده بثلاثة أيام.
، بِكَ أمّا قُول الْإِمَام عَن الأَنْبِيَاء والأَوْلِيَاء : «فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ». فهُو كِناية عَن شِدّة خضُوعهم وتواضعهم الله جل وعزّ.(فَلا تَعْتَبِرُوا الرّضَى وَالسُّخْطَ بِالْمَالِ وَ الْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ، وَالْإِخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَالْإِقْتِدَارِ). لَو كَان رِضَاهُ تَعَالَى يُعْتَبر بِالْمَالِ لَكَان أَصْحَابِ المَلآيين في «وول ستريت» (wallstreet)، وأرباب الشركات والإِحْتِكارات في أعلى عليين عند الله، وكان المعذبُونَ فِي الْأَرْضِ الَّذِين لا عَمّ لهُم ولا خَال - فِي الدَّرك الأسْفَل مِن النَّار... حاشا لله... ولَكِنَّهُ يَختبر عِبَاده بِالْمَالِ والسُّلْطَان كما يَختبرهُم بِالمَخْمَصَةِ والمجَهَدَة، لتظهر الأفْعَال التي يُستحق بها التَّوَاب والعقاب... هَذَا، إلى أنّ
1) وَرَد هَذَا الحديث لما ماتت خَدِيجَة بَعد أبي طالب كما في تاريخ الطبري: 81/2، تاریخ ابن عساكر: 28/1 lجمع الزوائد : 6 3 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 98/14، كنز العمال: 699/2 ح 5120، تفسير القرطبي : 211/16. تَفْسِير أبن كَثِير : 301/3، تأريخ ابن خلدون : ق 2/ ج 2/ 10، سيرة ابن هشام،281/2، السيرة النَّبَوِيَّة : 150/2، سُبل الهدى والرشاد : 439/2، مُسْتَدرَك الْحَاكِم: 622/2 تاريخ ابن كثير : 122/3، الصفوة لابن الجوزي: 21/1، الفائق للزمخشري : 213/2، تأريخ الخميس: 253/1، فتح الباري : 153/7، شرح شواهد المغني: 136، أسنى المطالب : 11، طلبة الطالب: 54/4، مع زِيَادَة قَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «يَاعم ! ما أسرع ما وجدت فقدك....!». :
الدُّنْيَا دَار زَوَال وَفنَاء، ولا تُعادل عِند الله جُناح بَعُوضَة، وقد جَعَلها للمرُور والتزود من الصَّالِحَات إلى دار الخلد والبَقَاء، فكَيْفَ يَكُون الحَقِيرِ الزَّائِل جَزَاء مِن أَحسَن وتَوَرع؟.
وتَسْأَل : هَل لَنَا أَنْ نَفهم من اختباره تَعَالَى عِبَاده بِالمال، أو الحِرْمَانِ إِنَّهُمَا بقضائه وقدره، وإنّ العبد لا أثر لهُ فِي شَىءٍ مِن ذَلِكَ ؟.
الجَوَاب:
لقد جرت سُنَّة الله فِي خَلَقَهُ أَنَّ مَن عَمِل واجْتَهَد رَزَقه الله، ومَن أَهْمَلَ وتَكَاسَلَ حَرمة الله، وأَن مَن أقتَصَد وَدَبَر عَاش حميداً مَيسُوراً، ومَن بَذْرَ وأَسْرَف قَعَد مَلُومَاً مَحسُوراً مُؤمِناً كَان أَمْ كَافِراً، بَرّاً أَمْ فَاجِراً.. وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً... وإذَنْ فلِلإِنسَان حُرِّيَّتة وَأَثَرَه، والإختبار مِنْهُ تَعَالَى إِنما يَكُون بعد الجد والْعَمَل، فمن أفاد مَالاً مِن عَمَلٍ مَشرُوع، وأنْفَقَه فِي وَجهِهِ فَهُو مِن الطَّائِعِين، وإِنْ أفَادَه مِن حَرَام، وأنْفَقَه فِي غَيْرِ حِلَّ فهُو مِن العُصَاة.. وإِنْ فَشَل فِي عَمَله، وذَهب جهدَه سُدى، ومَع هَذَا صَبَرَ وَقَالَ : مَا فَعل الله بي إِلَّا خَيْراً، فهو مَشكُور ومَأْجُور. وإِنْ سَخَطَ عَلى الله وقضائه، وخرج عَن الحدود يميناً وشمالاً فهُو مِن الَّذِينَ بَآءُ و بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَعَذَابه.
وَ لَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ - (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) - عَلَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ، وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، فَشَرَ طَالَهُ، إِنْ أَسْلَمَ - بَقَاءَ مُلْكِهِ، وَ دَوَامَ عِزّهِ،
فَقَالَ : «أَلا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزّ، وَبَقَاءَ الْمُلْكِ، وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ، وَالذُّلِّ، فَهَلا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةُ مِنْ ذَهَبٍ»؟ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَ جَمْعِهِ، وَ اَحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ (9)، وَ لَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذَّهْبَانِ، وَ مَعَادِنَ الْعِقْيَانِ، وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَ أَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ، وَ وُحُوشَ الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ، وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاءُ، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ، وَ أَضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ، وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أَجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ، وَلا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ، وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلأُ الْقُلُوبَ، وَالْعُيُونَ غِنى، وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ، وَالْأَسْمَاعَ أَذًى (10).
وَلَوْ كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لا تُرَامُ، وَعِزَّةٍ لا تُضَامُ، وَمُلْكِ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَ تُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ، لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الْإِعْتِبَارِ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الْإِسْتِكْبَارِ، وَلآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ، أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ، فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً. وَ لَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْإِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَ الْإِسْتِكَانَةُ لِأمْرِهِ، وَ الْإِسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ، أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً، لا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ. وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَ الْإِخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَالْجَزَاء أَجْزَلَ.
اللُّغة:
أَسَاوِرَةٌ : جمع سُوَار. والذِّهْبَانِ : جَمع ذَهَبْ. والْعِقْيَانِ - بكسر الْعَيْنِ الذَّهَبُ الخالص. والخَصَاصَة : الْفَقْر. وتَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا : تَختلط مِنْ غَيْرِهَا، قَالَ تَعَالَى :
(لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ) (1)أَي لِخَلْطَاً مِنْ حَمِيمٍ.
الإعْرَاب:
هَلا لِلطَّلَب والتّحضيض، وإِعْظَاماً مَفْعُول مِن أجْلِه، لِقَالَ، ولِفَعَلَ جُوَاب لَوْ أَرَادَ اللهُ، وغنى تمييز، ومثله أذى، وأُمُوراً خَبَر يَكُونَ الْإِتّبَاعُ، وخَاصَّةً صِفة الأُمور، وَلَهُ مُتَعَلِّق بخَاصَّةً أي أُمُوراً مُختصة بِهِ أو لَهُ.
(وَ لَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ -(عَلَيهِمَا السَّلَامُ) - عَلَى فِرْعَوْنَ... إِلَى وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ). انْطَلَقَ مُوسَى َوهَارُون إِلى فِرْعَوْنَ بِأَمر الله، ودَخَلا عَلَيْهِ، وهُما يَلبْسَان مَدَارِع الصُّوف، وبِيَدهُما العصي، ودَعَوَاه إلى الله، وشَرَطا له بَقَاءَ مُلْكِهِ وَدَوَامَ عِزّهِ إِنْ أَسلَمَ وأَطَاع.. وسَخِر فِرْعَوْنَ مِمَّنْ يَشْتَرط لهُ هَذَا، وَلاَ جاه له ولا مَال.. فَقَالَ لَهُ مُوسَى : (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ) (2)؟. ولَكنّ الشَّيء المبين، والحَقِّ الْيَقِين عِند فِرْعَوْنَ، وأَمْتَاله هو الذَّهَب والمُلْكِ... ولذا قَال فِرْعَوْنَ: يَا قَوْم أَليَس لِي مُلْكَ مِصْر وهَذِه الأنهار تَجْرِي مِن تَحتِي ؟. ثُمَّ قَالَ مُوسَى : (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (3).
وأَقَرَّ «نيتشَه» هذه الفَلسَفَة، واستَدَل عَلَيْهَا بِقَوْله عَلى لِسَان زَرَادَشت : «إذا
كان هناك إله فَكَيْف أَسْتَطِيع أن لا أكون إلهاً، وهَذا فَليَس ثَمَّ مِن إله»... أَبَداً... لَيْسَ للكون إله، والدليل أن نيتشه أو زَرَادَشت لَيْسَ بإله.. وأيضاً لَيْسَ للفَقِير مِن حَقٌّ، ويَسْتَحِيل أنْ يَكُون الفَقِير مُحقاً، والدليل أنه بلا مال، وجَاه... ولا عجب فهَذا هو المَنْطِق السّائِد عَمليّاً في كلٌّ عَصر، وإن كان باطلاً باتفاق الجَمِيع مِن الوجهة النظرية
(وَ لَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ... إلى الْأَرَضِينَ لَفَعَلَ). لا وَاسطَة بَيْنَ الله وعِباده إلَّا التَّبليغ عَنْهُ عَلَى لِسَانٍ أَنْبِيَائه بهَدَف الإِيمَان بِهِ وَالْعَمَل بِشَرِيعتَه عَن قَناعَة لَا عَن رَغْبَة أو رَهْبَة... وإذا كَان هَذَا هُو الغَرض مِن بِعثة الأَنْبِيَاء فَلا مُوجِب - إِذَنْ - لأنْ يزُودُهم سُبْحَانَهُ بِكنوز الدُّنْيَا، وحدائقها، وطِيُورَها، ووحوشهَا وَ لَوْ فَعَلَ) أي لَوْ زَوَدَ سُبْحَانَهُ الْأَنْبِيَاء بِمتَاع الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (لَسَقَطَ الْبَلاءُ) والاختبار، وَالْاِمْتِحَان، لأنّ النّاس عَبِيد للدُّنْيَا، وَلِمِن فِي يَدَه شَيء مِنْهَا، وعَلَيْهِ يَكُون إيمانهم بِالْأَنْبِيَاء الأغْنِيَاء إِيمَاناً بالمال لا برسالة الله وأنبيائه.
(وَ بَطَلَ الْجَزَاءُ) لأنّه لغير الله (وَ أَضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاء) والأَحَادِيثِ عَن الأَنْبِيَاء، وسِيرَتهُم، وعَظَمَتهُم، وشَرِيعَتَهُم حَيْث يَكُون الحَدِيث عَنْهُم، والحَالِ هَذِهِ، حَدِيثَاً عَن الدُّنْيَا التى يملكُونَهَا، لا حَدِيثًا عَن الله وحلاله، وحَرَامه (وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ) لأَنَّ الْمُرَاد بِالْمُبْتَلِى مَن أظهره التمحيص عَلَى حَقِيقَته، ولَن يَكُون هَذَا إلّا فِي الشَّراءِ، وسَاعَة العُسْرَة (وَ لا أَسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ) لأنّ أهلَ الْإِحْسَانِ يَعطُون، ولا يطمعون في الربح (وَ لا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا) لكلّ كَلِمَة مَعْنَى تَدل عَلَيْهِ، ولكلِّ أسم مُسمى يُنْهَم مِنْهُ، ومَعْنَى الإِيمان باللهِ، وَرُسُله هو
التصديق بِهِ وَبِهِم، ولَو أَسْمِينَا مَن آمَن طَمعاً، أسْمِينَاه مُؤمِنَاً - لوضَعْنَا الكَلِمَة فِي غَيْر مَدْلولها، والاسم فِي غَيْر مُسماه.
(وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ، وَضَعَفَةٌ فِيمَا تَرَىٰ الأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِمْ... إلخ). أَوْلِيَاءَ اللهِ أَهوَن النّاس شَأْنَا عِندَ الطُّغاة وأَهْل الدُّنْيَا، لِفَقرِهم وقِلَة يَدهِم، ولَكِنَّهُم أَغْنِيَاء بِالصِّدْق والأمانة، وبالهُدَايَة والتَّقْوَى، بل هُم أقوَى وأَغْنى مَن خَلَقَ الله ويخلق على الإطلاق، لا تهزمهم الملوك والجَبَابِرَة عَن عزمهم ولا تُثنيهم الشَّهَوَات والأمْوَال عَن دينهم، وضَائِرِهِم (وَ لَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لا تُرَامُ، وَ عِزَّةٍ لا تُضَامُ، وَ مُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ... إلخ). بِمَاذَا تُبر هِن عَلى تَجَرُدك لِلحَقِّ ؟ أبِانْقِيَادك لهُ رَغْبَةً، أو رَهْبَةً، أو بإيمانك بِهِ لوجه الحق، وثباتك عَلَيْهِ حَتَّى ولو دَفَعْت الثّمَن غَالِياً مِن نَفْسَك، وأهلك، ومَالَك ؟. والجَوَاب واضح وبَسِيط، فَمَن آمَن خَوْفاً، أو طَمعاً فهو تَاجِر، ومَن آمَن لوجه الْحَقِّ مَهما تَكُن النّتائج، والعواقب فهو المؤمن حقاً، ووَاقَعَاً، وعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا مَع الأَنْبِيَاء لآمَن مِنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، الحابل بالنابل، والمؤمِن الفَاجِر.
(فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً) لَو أَنَّ الدُّنْيَا مَعَ الْأَنْبِيَاء وَآمَن بِهِم مَن آمَن لكان إيمانه مَشُوبَاً بِحُبِّ الدُّنْيَا، وَهَذَا هُو مَعْنَى الْأَشْتَرَاك، وأيضاً كان عَمَلَه بِأَمْرِ مِن الْأَنْبِيَاءِ مُوزَعَاً بَيْنَ حُبِّ الله وَحُبّ الدُّنْيَا، وَهَذَا هُو المراد بالتقسيم (و لَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْإِتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ، وَ التَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ... إِلَى شَائِبَةٌ). جَرَد سُبْحَانَهُ أَنْبِيَاءه مِن زِينَة الدُّنْيَا لِيكُون الإِيمَان خَالِصاً لوجهه الكَرِيم قَال تَعَالَى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (1). وَقَالَ نَبِيَّه العَظِيم : «إنّما)
1) الْبَيِّنَةِ : 5.
الأَعْمَال بالنيات، وإنّما لكلّ مَا نَوى... مَن كَانَتْ هِجرته إِلَى اللهِ وَرَسوله فهجرته إِلَى اللَّه وَرَسُوله، ومَن كَانَتْ هِجرته إلى دُنْيَا يُصِيبها، أو إمَرْأَة يَنكحها فهجرته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ» (1.)(وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَالْإِخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ الْمثُوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ. ولذَا قِيل: «أُمرنا بالعَمَل لأنّ الأجْر عَلى قَدْرِ المَشقَّة» (2). وعَن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إِنَّ عَظِيم الْبَلاء يُكَافَاً بِهِ عَظِيمِ الْجَزَاء» (3).)والْخُلاصَة : لا شَيء عِندَ الأَنْبِيَاء إلا الله، والحَقِّ، ولا يَعْتَزُونَ إِلَّا بِهِ، ولا يَخَافُون إلَّا مِنْهُ، ومِن أدعى الإِيمَان بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ثُمَّ أَعْتَزَ بِغَيْرِ الله، وخَافَ مِن سَوَاه فهو كَاذِب فِي دَعواه.### بَيْت الله الْحَرَامِ... فِقْرَة 12 - 14:أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، أَخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، بِأَحْجَارٍ لا تَضُرُّ، وَلا تَنْفَعُ، وَلا تُبْصِرُ، وَلَا تَسْمَعُ، فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ :)(الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً. ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلّ نَتَائِقِ)
1) أنظر، مُسْنَد الحميدي: 16/1 ح 28، مُسْنَد الطَّيَّالسي: 9/1 ح 37، المعجم الأوسط : 17/ ح 40. مُسْنَد أبي داود : 262/2 ح 2201، سُنن البيهقي الْكُبْرَى : 41/1 ح 181، صحيح ابن حبان: 113/2 ح 388 تُحْفَة الطَّالب: 370/1. وفي بعض المصادر بلفظ «يتزوجها».
2) انظر، حاشية رد المحتار: 525/2. عيون الحكم والمواعظ : 218 بلفظ (ثَوَاب الْعَمَل عَلى قَدْرِ المَشَّقَّة فِيهِ)، غُرر الحكم: (4690).
3) أنظر، الكافي : 253/2 ح 8 شرح أصول الكافي : 209/9، وسائل الشّيعة : 252/3 (3553) 10 - خاتمة المُسْتَدرَك : 48/1 مُسكن الفؤاد : 114، التمحيص : 23 ح 20.
الدُّنْيَا مَدَراً، وَ أَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً. بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ، وَ رِمَالٍ دَمِيَّةٍ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَ قُريَّ مُنْقَطِعَةٍ، لا يَزْكُو بِهَا خُفٌ، وَلا حَافِرٌ، وَلا ظِلْفٌ (12. ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَ وَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ. تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ، وَ مَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حَتَّى يَهُزُوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلّلًا يُهَلِّلُونَ اللهِ حَوْلَهُ، وَ يَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ. قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمْ، أَبْتِلاءَ عَظِيماً، وَ أَمْتِحَاناً شَدِيداً، وَ اخْتِبَاراً مبيناً، وَ تَمْحِيصاً بليغاً، جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَ وُصْلَةٌ إِلَى جَنَّتِهِ (13). وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ، وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ، جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِي الثّمَارِ، مُلْتَفَّ الْبْنَى، مُتَّصِلَ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ، وَ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَأَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ، وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ، وَ رِيَاضٍ نَاضِرَةٍ، وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلاءِ، وَ لَوْ كَانَ الْإِسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَالْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، وَ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَ نُورِ وَ ضِيَاءٍ، لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّلِّ فِي الصُّدُورِ، وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ، وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ، وَ لَكِنَّ اللهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ، وَ يَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّتَذَلُّل فِي نُفُوسِهِمْ، وَ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتحاً إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذُلُلا لِعَفْوِهِ (12).)اللُّغَة:نَتَائِقِ : جَمع نَتِيقَة أَي الْأَرْضِ المُرتفعة ولو نسبياً. والمَدَر : قطع من الطِّين
اليابس. والقُطر - بفتح القاف - المطر، وبكسرها - ضرب من النُّحاس، وبضمها - كما هنا - الإقليم والنَّاحِيَة. ودَمِثَةٍ : سَهْلة لينة، ووَشِلَةٍ : فَلَيْلَة.ولا يَزْكُو : لا يَنْمُو. والخفّ : لِلجَمَل، والحَافِر : للفَرَس ونحوه والظُّلْف : لِلبَقَر والغنم. والمَثَابَة : مُجتَمَع النّاس، أو أسم لمكان الرُّجُوع، والمُثّوبَة : الثَّوَاب والجَزَاء. والمنتجع - بفتح الجيم - المكان يقصده النَّاس طَلِباً للمَنْفَعَة. والمُرَاد بِالرِّحَالِ هُنا ما يَصْحَبهُ المُسافر. وتَهْوِي : تسرع أو تَحنُّ. الْمُرَاد بِثمارُ الْأَفْئِدَةِ أَمَانِيهَا. ومَهَاوِي : جمع مَهوَى أي الجو. وفِجَاج : الطَّرِيق بَيْنَ جَبَلِين.ويَرْمُلُونَ : يُهْرولُون. والأَشْعَث : المُنتشر الشَّعر والسَّرَابِيلَ : كلّ ما يُلبَس.والشَّعَائِرِ : الدَّلائِل، والْمَشَاعِرَ أَمكنتها. والبرَّة : الحِنْطَة، والسَّمْرَاء أجودها.وأَزْيَافٍ : جمع رِيف أي أَرْضِ فِيها زَرع وخصب. ومُحْدِقَةٍ : من أَحْدَقَت الروضة إذا صارت حَدِيقَة، وعِرَاصٍ : جمع عَرَصَة، وهي السَّاحَة المُغْدِقَة : فِيهَا مَاء. ونَاضِرَةٍ : حَسَنَة وجميلة، والْإِسَاسُ - بكسر الهمزة - جمع أُس وأَسَاس أي أصل البناء والاختلاج : الالتطَام والاختلاط.الْإِعْرَاب:حَجَراً تمييز مَدَراً وقُطْراً، وذللا حال لأنه جمع ذَلِيل، ومثله شُعْثاً وغُبراً، وابْتِلاءٌ نُصب عَلى المَصْدَريَة أى أبْتلوا ابتلاء، ومثله أمتحاناً وَاخْتِبَاراً، ولَكَانَ قَدْ صَغُرَ جَوَاب لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ، لَخَفِّفَ جوَاب لَوْ كَانَ الْإِسَاسُ، وإِخْرَاجاً مَفْعُول مِن أجله لِيَبْتَلِيهِمْ.
الْمَعْنَى:(ألا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، أَخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى الْآخِرِينَ). بَنَى سُبْحَانَهُ الْبَيْت الحرام مِن حَجرٍ، وطين تماماً كالْبُيُوتِ الَّتِي نَسْكنها، وأَلْزَم بِزِيَارته وحَجّه مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً... يَخْضَع ويَتَذَلل، ويُسْتَغِيث ويَسْتَجِير، وَهَذَا الإلزام والوُجُوب كان مِن زَمنٍ سَعِيقٍ يَبتدىء بآدَمَ، وإلى آخر يَوْم، وإِبْرَاهِيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعاد مَا بَدَأه السابقُون (1). وكان البيت الحرام ومَا زَالَ فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، لا مَطَر، أمّا طَريقَه فكان بِجَاراً وجِبَالاً، والْحَجِّ إِلَيْهِ مَتَاعِب ومصَاعِب تُزِيدِ الْمُؤْمِن ثَوَاباً، وتُميزهُ عَمَّن عَصى وتمرد... كانوا يمشون، أو يركبون الدُّوَاب إِلى شاطىء البحر، ثُمَّ يُركبون البَحر إلى الصَّحراء، يَقْطَعُونها على الجمال، ويُعَانُونَ التَّعب والخوف من القتل أو السَّلب، ويُقَاسُون الجوع والعطش، والحر والبرد.)أمّا اليَوْم وَبَعد السِّيَارَة والطَّيَارَة فَالْحَجٌ نُزَهَةٌ وسِيَاحَةٌ، ولا شَيء فِيهِ للثَّوَاب والتمييز والاختبار إلَّا النَّيَّة الخَالِصَة، والتَّلبِيَّة لدَعْوَة الله وَحدَها، والشُّعُور بالتَّوَجِه
1) اقتباساً من الآية الكريمة (35) مِن سُورَة إِبْرَاهِيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ)، أنظر، هامش السيرة الحلبية لزّيني دحلان: 9/1. الوفا بأحوال المصطفی: 36/1، دلائل النُّبُوَّة للإضبهاني : 54/1، فدَعْوَة إِبْرَاهِيم لما بَنَى الكعبة لأهل مَكَّة كَانَتْ: ﴿رَبَّنَا وَأبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الْبَقَرَة : 129. أو الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقُ أَهْلَهُ و مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ و قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُوَ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الْبَقَرَة : 126. قَالَ السّدّيّ عن أشياخه : هو محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعن العرباض بن سارية قَالَ: قَالَ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إِنِّي عِند الله لخاتم النبيين، وإنّ آدَمَ لمنجدل في طيئته، وسأخبركم بأوّل ذلك، زوائد ابن حبان رقم «2093». وصححه الحاكم في المُستدرك: 600/2، مجمع الزوائد : 223/8، ابن سعد في طبقاته : 149/9، أبن حجر في الفتح : 369/7، البُخَارِي في التاريخ : 418/2.
والاِنْقِطَاعِ إِلَيْهِ تَعَالَى عَسَى أَنْ يَتُوب ويَغفِر. ورُوي أنّ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أشار إلى ذَلِكَ بِقَوْله : «أَيُّهَا النَّاس ! ألا أُخبركُم بأشراط الساعة ؟.)فقَام إِلَيْهِ سَلْمَان فَقَال : أخبرنا فِدَاكَ أَبِي، وأُمّى يَا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)فقال: «إنّ من أشراط الساعة ؟ إضَاعَة الصَّلاة، والميل مع الأهواء، وتَعظِيم رَبِّ المال».فقال : ويَكُون ذَلِكَ يا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ؟.)قَالَ: «نَعم والَّذِي نَفْسِي بِيده فَعِند ذَلِكَ يَاسَلْمَان تَكون الزَّكَاة مَغرماً، والفَيء مَعْنَماً، ويُصدَّق الكاذِب، ويُكذب الصَّادِق، ويُؤتمن الخَائِن، ويُخوّن الأمين، ويَنكُر الْحَقِّ تِسْعَة أعشارهم، ويذهب الإسلام فلا يَبْقَی إلا أسمه، ويَذهب الْقُرْآن فَلا يَبْقَی إلا رسمه، وتتحلى الْمَصَاحِف بالذهب، ويخطب على المنابر الصبيان، وتُكون المخاطبة للنّساء، والمشورة للإماء، فعند ذلكَ تُزَخرف المساجد كما تُزَخرف الكنائس، والبيع، وتطوّل المنائِر، وتكثر الصفوف مع قُلوب مُتباغضة، وسنن مُختلفة، وأَهْوَاء جَمة».قَال : ويكُون ذَلِكَ يارَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ؟ قال : «نعم، والَّذِي نَفْسِي بِيده، فَعِند ذَلِكَ يَاسَلْمَان ! يَكُون الْمُؤْمِن فِيهِمْ أذل من شَاتِهِ، يَذُوب قلبهُ فِي جَوفَه كما يَذُوب الملح الماء، مِمَّا يَرى من المنكر، فلا يَسْتَطِيع أنْ يُغيره. فَعِند ذَلِكَ يَا سَلْمَان ! تَكون أُمَرَاء فَسَقة، ووزراء فَجرة، وأُمَنَاء خَوّنة، يُضِيعُون الصلوات، ويتبعون الشَّهوات، فإنْ أدركتمُوهُم فَصلوا صلاتكم لوقتها، فَعِند ذَلِكَ يَا سَلْمَان يَجيء سَبي من المشرق، وسَبي من المغرب، قُلُوبهمْ قُلوب الشَّيَاطِين، لا يَرحمون صَغِيراً، ولا يُوقرُون كَبِيراً، فَعِند ذَلِكَ يَاسَلْمَان! يَحِجَ النَّاسِ إِلى هَذَا الْبَيْتِ الحَرام : تَحجّ)
مِلُوكَهُم كُبراً، وتَنزُهاً، وأغنياؤهُم للتجارة، ومسَاكِينهُم للمُسَألة، وقُراؤهُم رِيَاءً وشُهرة.قال : ويَكُون ذَلِكَ يا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ؟.)قَال: «نعم، والَّذي نَفْسِي بِيده، فَعِند ذَلِكَ يَاسَلمان ! يَفشُو الْكَذِب، ويَظهَر الكَوْكَبُ لهُ الذَّنب، وتُشارك المرأة زوجها في التِّجَارَة، فَعِند ذَلِكَ يَا سَلمان ! يبعث الله ريحاً فيها حيّات صُفر، فتلتقط رُؤساء الْعُلَماء، لما أنهم رأوا المُنكَرِ فَلم يُغِيرُوه.قَال : ويَكُون ذَلِكَ ؟.قَال: «نعم، والَّذي بَعث مُحَمّداً بِالْحَقِّ» (1. والمُرَاد بِالْفُقَرَاء هُنا كلّ مَن يَتَّخِذ الحَج وَسِيلة للربح والاتجار كالمعرفين يَقُودُونَ جَمَاعَة مِن الحجاج بأجر مَعلُوم، أمّا العُلَماء فالمراد بهمْ أَصْحَاب العَمَائِمِ الَّذِين ترسلهم الحكومات بأسم البعثة لا لشيء كما في الحديث.)إن بَيْت الله الحَرَام أَحْجَار لا تَضُر ولا تنفع كما قَال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مِن قَبل، وَقَالَ)
1) هَذَا جُزء من حَدِيثٍ طَويل راجع مجْمَع الزوائد : 233/5، عَلامَات يَوْم الْقِيَامَة للقُرطبي : 44. تَفْسِير علي بن إِبْرَاهِيم القُمي : 302/2 - 307، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 528/7 ح 37731، ثواب الأعمال وعقابها : 301 ح 4، جامع الأَخْبَار : 129، مسند البزار : 80/7 - 2630، البحار : 190/52 ح 21، حلية الأولياء : 358/3، مُنتخب الأثر : 427 ح 6، مُعجم شيوخ أبي بَكْرِ الإسماعيلي : 723/3، الطبراني الصَّغِير : 2/ 39، أمالي الشجري: 257/2، مجمع الزوائد : 326/7 كشف الهيثمي : 237/2 إرشاد الْقُلُوب : 1 / 67، كمال الدين : 525/22 - 528 ح 1، السنن الواردة في الْفِتَن : 524/3 و : 0839/4 الخرائج والجرائح : 1133/3 ح 20، كتاب الزهد لابن أبي عَاصِم : 212/1، سنن الداني : 135، عقد الدرر : 291، ملاحم ابن المنادي : 64، بشارة الإسلام 41 التَّاريخ الْكَبِير : 4/ 330 ح 3013، مُسْتَدرك : النُّورِي : 326/12، المدونة الكبرى : 88/1، نور الثقلين : 781/1، الإيقاظ من الهجعة : 322 ح 31 إثبات الهداة : 522/3 ح 407.
الإِمَام وغَيْرُ الإِمَام مِن بَعد، ولكن هذه الأخبار رمز للإجماع على توحيد الله وعِبادته، وشِعَار لتَقدِيسَه، وتعظيمه : (وَمَن يُعَظِمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (1). ولَيْسَ الإِسْلام بدعاً في ذَلِكَ، فكلّ الأُمّم والطَّوَائِف مِن بَنِي آدَمَ - لهَا رموز وشعَائِرِ مُطهَرَة مُقدَسَة (2).)(ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَتْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ) أَي أَنْ يَجُوا إِلى بَيْت الله الحرام، وقيل : أنه كان خِيمَة يَطُوف حَوْلهَا آدَمَ ثُمَّ بَنَاها ابنَه شِيتْ بِالحجر والطِّين (فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَ غَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ) إِشَارَةِ إِلَىٰ قَوْله تَعَالَى فِي الآية : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) (3). ومُنتجع إشارة إلى المنافع التي ذكرها سُبْحَانَهُ فِي الآية : (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (4). (تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ) إِشَارَة إِلى الآيَةِ : (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ) (5). (مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ) : (وَأَذِن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) (6). (حَتَّى يَهُزُوا مَنَا كِبَهُمْ ذَلُلًا يُهَلِّلُونَ اللَّهِ حَوْلَهُ، وَ يَرْمُلُونَ... إِلَى مَحَاسِنَ خَلْقِهِم). عَلى الحاج قبل كُلّ شَيء أَنْ يَلبَس ثوبي الإحْرَام، وهُما إِزَارَان يلف أَحْدهُما حَوْلَ وسَطَه، والثَّانِي عَلى الظهر، والصدر والكتفين، ولا خيط يشبك أحدهما
بالآخر (1)
أتفقوا على أنه يُستحب لمن يُريد الإحترام أنْ يُنظف جَسَده، ويُقلم أظفاره، ويأخذ من شاربه، وأن يغتسل حَتَّى لَو كَانَتْ إِمَرْأَة في الحيض والنفاس : لأن الغرض النظافة، وأنْ يُوفر شَعر رأسه مِن أوّل ذِي القعدة إذا أراد حج التمتع، وأنْ يُزيل الشعر من جسده وإبطيه، وأنْ يُحرم بعد صلاة الظهر، أو أيّة فريضة غَيْرها. وإنْ أستحب أن يُصلّى للإحْرَام ست ركعات، أو أربعاً، أو ركعتين على الأقل. أمّا الطَّهارة من الحدت فَلَيْسَت شرطاً في صحة الإحْرَام.
أنظر، التذكرة : 222/7 و 223، الخلاف : 286/2، جامع المقاصد : 163/3، الأم : 146/2 السِّراج الوهاج : 156، الكافي: 327/4، الوجيز : 117/10، المنهاج الْقَويم : 415.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّة، والمالكية : إذَا فَقَد الماء سقط الغسل، ولَم يُشرع التيمم بدلاً عَنهُ.
أنظر، مُغني المحتاج : 479/1، المجموع : 214/7، معالم السنن للخطابي : 287/2.
وَقَالَ الحنابلة، والشافعية : بل يتيمم بدلاً عن الغسل.
أنظر، المغني : 234/3، فتح العزيز : 242/7، المجموع: 213/7 الشرح الْكَبِير : 225/3، الأم: 145/2، الوجيز: 1171، بداية المجتهد: 317/1، عُمدة القاري : 156/9.
وأختلف الإِمَامِيَّة فيما بَيْنَهُمْ، فَمَانِع، ويُجيز.
والحق المنع، كما في مُستمسك الْعُرْوَة : إنّ عمُوم بَدلية التُّراب عن الماء، وأنه يكفي عشر سنين، وأنّ التراب أحد الطَّهورين، وأنّ رَبّ الماء والصعيد واحد كافٍ في ثبوت بدلية التراب في المقام ونحوه».
أنظر، الْعُرْوَة الْوُثْقَی : 65/13. جواهر الكلام : 178/18، الكافي : 328/4. التذكرة: 225/7.
ويُلاحظ أن هذه الأدلة التي دلت على بدلية التراب عن الماء ناظرة إلى الماء بقيد التطهير من الحدث لا مُطلق الماء، وإلا وجب أنْ نُعطي التراب جميع أحكام الماء عِند تعذره، حَتَّى فِي إزالة النّجاسة الخبئية إلا ما أخرجه الدليل، ولا قائل بِذَلِكَ، حَتَّى صاحب المستمسك - فيما أظن - وقد صرح في منسكه: «إنّ الغُسْل مُستحب للإحرام من الحائض والنفساء، ومعنى ذَلِكَ أنّ هَذَا الغُسْل لا يرفع حدثاً، ولا يقصد منه إلا النظافة، هَذَا، إلى أننا نعلم أنّ التُّراب يكون بدلاً عن الماء في الطهارة المدنية، ولا يكون بدلاً عنه في الطّهارة المخبئية، كالدم والبول، ونشك: هل يكون بدلاً عنه في هَذَا الغُسل، ولا يسوع التمسك بهذه العموميات لرفع الشك، وإثبات التدلية الشَّرْعِيَّة ؛ لأنه من باب التمسك بالعام في الشُّبهات المصداقية.
أنظر، مناسك الحج للسيد الحكيم : 26 الطبعة الرابعة، كما جاء في الفقه عَلَى الْمَذَاهِبُ الْخَمْسَة للشيخ مُحمّد جواد مُغنيّة. وأردف الشيخ (قدّس سِرُّه) بقَوْله : أرسلت هذه الملاحظة لسماحة السَّيِّد فَعَلق عليها بقوله : «إنّ مشروعية الغُسْل المستحب للطهارة، والطهارة إنما تكون عن الحدث، فالغُسل المستحب مُطهر من مرتبة من الحدث، وبدلية التُّراب عن الماء شاملة لموارد الغُسل المستحب، وشمولها لذَلِكَ لا يَقتضي شمولها للغُسْل عن النّجاسة : لإختلاف السنخية بين الحدث والخبث، والإِخْتِلاف في المحل. فإن مورد الأوّل النفس ونحوها، ومورد الثاني الجسم مع وَحْدَة السّنخِية بين طهارة الغُسْل الواجب والمستحب، ودَليل البدلية عام لِلْأَمْرِين، وبالجملة فالغُسل المستحب مظهر من الحدث بالجملة، ولو من بَعْض مراتبه فيشمله دليل البدلية، والغُسْل من الحائض مُطهر من مرتبة من الحدث، كما أنها إذا اغتسلت من الجنابة طهرت مِنْهَا، وإن بق حدث الحيض. والله هو العالم العَاصِم».
وأتفقوا على أن الرجل المحرم لا يجوز له أن يلبس مخيطاً، ولا تُوباً يزرهُ، ولا قميصاً ولا سراويل، ولا أنْ يُغطي رأسه ووجهه، وَقَالَ الشافعي، وأحمد: يجوز له أنْ يُغطي وجهه، ولا يجوز لَهُ أَنْ يَلبس الخفين إلا إذا لَم يجد نَعلاً، فيلبس خُفين بعد أن يقطع أسفل من الكعبين.
أنظر، التذكرة : 242/7 و 295 و 330، الْفَقِيه : 217/2، بداية المجتهد : 327/1 المجموع: 253/7 المهذب للشيرازي: 215/1، الحاوي الكبير : 110/4 فتح العزيز : 437/7.
وأمّا المرأة فتغطي رأسها، وتكشف وجهها إلا مع خَوْف نظر الرّجال إلَيْهَا بريبة ولا يجوز لَهَا أَنْ تَلبس القفاز أي الكفوف - ولها أن تلبس الحرير والخفين وَقَالَ أبو حَنِيفَة : يجوز لها لبس القفاز.
أنظر، المغني : 311/3، الشرح الكبير : 380/3، التذكرة : 338/7، المبسوط للطوسي: 1 / 320، المجموع: 26/7، فتح العزيز : 454/7، بداية المجتهد: 317/1، المغني : 315/3، البداية والنهاية لابن رشد: 328/1.
قَال الْحَنَفِيَّة : ومن ذَلِكَ لبس إزار ورداء. والإزار هو ما يستتر به من سرته إلى رُكبته، والرداء هو ما يكون على الظهر والصدر والكتفين، وهو مُستحب.
أنظر الفتاوى الهندية : 222/1 الفِقْه على المذاهب الأربعة : 641/1 - 643. المنتق للتاجي:
، وإلى هَذا أشار الإمام بقَوْله : «قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ1) لا خلاف في أن الإحْرَام رُكن من أركان العمرة، وأيضاً هُو رُكن من حَج التمتع، والإفراد والقِران. وأيضاً لا خلاف في أنه أوّل عَمَل يَجب أنْ يُبتدئ بِهِ الناسك، سواء أَكَانَ مُعتمراً بعمرة مفردة، أَمْ حَاجَاً بحج تمتع. أَمْ قِرَان، أَمْ إفراد، ولهُ مُستحبات وواجبات.
ظُهُورِهِمْ... إلخ». أما إعْفَاءِ الشُّعُورِ فهو إشارة إلى أنّ المحرم - بكسر الراء - يترك شَعرَه بِلا قَصّ، وحلق، ونتف، ثُم يُرفع صوته بالتَّلبية والتهليل والتكبير، ثُمّ يَطُوف ويَسعى، ويُصلي ويَستَغفِر.
(ابْتِلاءَ عَظِيماً، وَ أَمْتِحَاناً شَدِيداً، وَ اخْتِبَاراً مُبِيناً، وَ تَمْحِيصاً بَلِيغاً، جَعَلَهُ اللهُ
196/2.
وَقَالَ المالكية : يُندب أن يلبس إزاراً ورداء ونعلين، ولو لبس غير الرداء والإزار يما ليس مخيطاً، ولا مُحيطاً، فلا يَضُرّ، والحيط هو الثّوب الذي يُحيط بالعضو.
أنظر، الموطأ : 325/1، بداية المجتهد : 316/1 و 361، الفقه على المذاهب الأربعة : 641/1.
وَقَالَ الحنابلة : يُسن له قبل إحرامه لبس إزار ورداء، أبيضين، نظيفين جديدين، ونعلين.
أنظر المغني: 277/3، الشرح الكبير : 281/3، المجموع : 266/7، الفقه على المذاهب الأربعة : 642/1.
وَقَالَ الشّافعية: ومن ذَلِكَ أنْ يُلبس إزاراً ورداء أبيضين جديدين، وإلا فمعسولين.
أنظر المجموع: 266/2، مختصر المزني : 66، بداية المجتهد : 316/1 و 361.
وَقَالَ الإِمَامِيَّة : إن الإزار والرداء واجبان، وإنه يُستحب أن يكونا من القطن الأبيض، ويجوز للمُحرم أنْ يُلبس أكثر من ثوبين على شريطة أن لا يكون تخيطاً، كما يجوز له أن يبدل تياب الإحرام، ولكن الأفضل عندهم أن يطوف بالثّوبين اللَّذِين أحرم بهما. واشترطوا في لباس المحرم كلّ ما اشترطوه في لباس المصلّي من الطَّهارة، وعدم كونهِ حَرِيراً للرّجال أو جلداً من غَير مأكول اللحم، بل قَالَ جَمَاعَة : لا يجوز أن يكُون من نوع الجلد إطلاقاً.
أنظر، الْعُرْوَة الْوُثْقَی: 116/13 و 117، التذكرة: 239/7، الفقيه: 214/2، الكافي : 339/4، التهذيب: 70/5 و 71، الْفَقِيه : 215/2 و 218، الكافي : 341/4، التذكرة : 246/7.
و مهما يَكُن، فإنّ الخلاف في لبس الحرم بسيط جداً، ويكفي للتدليل على ذلِكَ أنّ كلّ ما هو مجز عند الإِمَامِيَّة مجز أيضاً عند الأربعة.
أنظر، المجموع : 214/7 و : 121/18، المبسوط : 129/4، المدونة الكبرى: 108/1 تلخيص الحبير : 256/7.
سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ). لماذا نَبَذ السَّرَابِيلَ، وتُشوِيه المَحَاسِن، والهَرْوَلة ذهاباً وإياباً، والطَّواف حَوْلَ الأحْجَار بتذلُل وتَضَرُع ؟... لا تَسل... إِنَّكَ عَبد مأمور... ولمولاك حق التَّمحيص، والاختبار بالأمر، والنَّهي، ومَا عَلَيْكَ إلا أنْ تَطِيع، وعَلى قَدَر طَاعتك يُعرف مقدار حُبّك الله، وجَزَاؤك عِندَه.
(وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَ مَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ... إلخ). الله عَلى كُلِّ شَيء قَدِير، وأيضاً هُو عَلِيمٌ حَكِيمٍ، يَعْلَم أَنه لو أَعْطَى الدُّنْيَا لِأَنْبِيَائِهِ لآمَن النَّاسِ بِدُنْيَاهُم لا بِنُبوّتهم، ورسالتهم.. وأيضاً لَوْ جعل في حَدَائِقٍ وأَنْهَارٍ لكان مقهى وملهى، ومسرحاً ويَلاَجَاً» للشَّيَاطِين لاَ مَهْبَطاً للمَلَائِكَة المقربين، ومَسجِداً لِلعَاكِفِين : (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (1).
وقيل : إن موقع مَكَّة في الخريطه الجُعْرَافِية كمُوقع القلب من الجَسَد، لأَنَّهَا وَسَط بَيْنَ الشمال والجنوب، وإن نِسْبَة بلاد الغرب إِلَيْهَا قُرباً وبُعداً كنسْبَة بِلاد الشَّرق... ومَهمَا يَكُن فإنّ رِحلة المُسْلِم إِلى مَكَّة هي رحلة حُبّ الله ورَسُوله، إنّه يَحنّ ويَهرع إلى مكة، ويُقبل الحجر الأسود، وهُو يَرجو أنْ تَمْس شَفتَاه نَفْس المكان الَّذي قَبْله مُحَمّد، ويَطُوف حَوْلَ الْبَيْت، وهُو يَأمل أنْ تَقع قَدمَاهِ فِي نَفْس المكان الَّذى وَطأه مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
(وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ... إلخ). تَقَدَّم مِثله مَع الشَّرح مفصلاً (2)، وفِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ
الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ (1).)### الْعِبَادَةُ رِيَاضَةٌ نَفْسِيَّةٌ... فِقْرَة 15 - 17:فَالله اللهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَ آجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى، وَمَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ، فَمَا تُكْدِي أَبَداً، وَ لا تُشْوِي أَحَداً، لا عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلا مُقِلًّا فِي طِمْرِهِ. وَ عَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَ مُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ، تَسْكِيناً لأَطْرَافِهِمْ، وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ، وَ تَذْلِيلًا لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلَاء عَنْهُمْ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَ الْبَصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً، وَ لُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلًا، مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ، وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَ الْفَقْر (15.)أنْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ! وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلَاءِ، أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرِ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبُ وَ لا عِلَّةٌ. أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِه، فَقَالَ : أَنَا نَارِيُّ وَ أَنْتَ طِينِيُّ.وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الْأُمَمِ، فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ، فَقَالُوا : وَنَحْنُ أَكْثَرُ
1) الْبَقَرَةِ : 155.
أَمْوَلًا وَأَوْلَادًا وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (1(16). فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُن تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَ مَحَامِدِ الْأَفْعَالِ، وَ مَحَاسِنِ الْأُمُورِ، الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ وَ التَّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ وَ يَعَاسِيبِ القَبَائِلِ، بِالْأَخْلَاقِ الرَّغِيبَةِ، وَ الْأَعْلَامِ الْعَظِيمَةِ، وَ الْأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ، وَ الْآثَارِ الْمَحْمُودَةِ. فَتَعَصَّبُوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَ الْوَفَاءِ بِالدِّمَامِ، وَ الطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالْأَخْذِ بِالْفَضْلِ، وَ الْكَفِّ عَنِ الْبَغْيِ، وَ الْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ وَالْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَالْكَظم لِلْغَيْظِ، وَ اجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَ أَحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثْلَاتِ بِسُوءِ الْأَفْعَالِ، وَ ذَمِيمِ الْأَعْمَالِ. فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ، وَأَحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ (17).)اللُّغَة:التَّسَاوِرُ : التُّوَاثِب والتُقَاتِل. ولا تُكْدِي : لا تَمتُنِعَ عَن الْقِتَالَ وَلا تُشْوِي : لا تُخطىء في ضَرباتها. والطِّمْرِ - بكسر الطَّاء - التوب البَالِي. والخُشُوعُ للقلب لا للبصر، ولَكِنَّهُ هُنا كِناية عن الذُّل والهوان. والخيلاء : الْكِبْرِيَاء، والنَّوَاجِمِ : جَمع النّجم، وهُو مَا بَرَرْ وَظَهَر. والقَدْع والمنع. وتَليطُ : تَلصق. والمراد بالحِوَارِ هنا الأمان والعهد، ومثله الدِّمَامِ والمَثَّلَاتِ : العقوبات.الْإِعْرَابِ:الله نُصب عَلى التَّحْدِّير، لا عَالِماً، وَلا مُقلَّا بَدل مُفصل مِن مُجمل، والمبدل مِنْهُ
1) سُورَةُ سَبَأ: 35.
«أَحَداً»، ومَا حَرَسَ مَا مَصْدَرِيَة» والْمَصْدَر المُنسَبك مُبْتَدَاً، وعَن ذَلِكَ مُتعلق خَبَراً مُقدَماً أي وحَرَاسة الله حاصله لعِبَادَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وتَسْكِيناً مَفْعُول من أجله لمُجَاهَدَةِ أو الحَرَس، وتَوَاضُعاً مَفْعُول من أجله لتَعْفِيرِ، وتَصَاغُراً لالْتِصَاقِ، وتَذَلُّلا لِلْحُوقِ، غَيْرَكُمْ نُصبَ عَلى الإِستثناء مِن أحَدٍ، والمَعْنَى فَمَا وَجَدت أحَداً إِلَّا إِيَّاكُمْ، وأَمْوالاً تمييز، والمَصْدَر مِن أَنْ تَكُون تَجرُور بمن محذُوفة أي مِن كُونُوكُم أَمْثَالهُمْ.الْمَعْنَى:(فَاللَّهَ اللَّهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَ آجِلِ وَخَامَةِ الظَّلْمِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ... إلخ. الْبَغْيِ، والظُّلْم، والجَوْر بمعنى واحد، والْكِبْرِ أنْ تَضع نَفْسَك فوق مَوْضِعها.. وللظلم، والْكِبْرِ أسوأ الآثار دُنْيَاً وآخِرة. وتَقَدَّم الكلام عَن رَذِيلة الظُّلْم (1). وَعَن الْكِبْرِ فِي هَذِه الخُطْبَة، وسُئل الإِمَامِ الصَّادِقِ عَن الإلحاد ؟ فقَال: «إنّ الْكِبْرِ أدناه» (2). ونَسَبَ الْإِمَام رَذِيلَة الظُّلْمِ والكِبْرِ إِلى إِبْلِيسَ، لأنّه أوّل مَن ظَلَم وتَكَبر، وإنّه يُوسوس لِلعَالِم والجَاهِل، وللْغَنِيُّ والفَقِير، فَيَقُول للعالم : أنْتَ بِعلمك فوق النَّاس أجمعين. وللجَاهِل : أَنْتَ بِذَكَائِكَ غَنِي عَن التَّعلم والسّؤال. وللْغَنِيُّ، أنْتَ مَالِك الملك تؤتي الملك مَن تَشَاء. وللْفَقِير : لَيْسَ اللهُ عَلَيْكَ مِن فَضلِ. وبالمناسبة نقل صاحب «الكَافِي» عَن الْإِمَامِ الصَّادِق : إِنَّ الْفُقَرَاء يَتُوجهون غَدَاً إِلَى الجنَّة تلقائياً، وقَبل أنْ يُحَاسَبُوا. فيقول خَازن الحِنَّان : كَيْفَ أقْبَلَكُم قَبل)
الحِسَاب ؟ فَيَقُولُونَ مَا أَعْطَيَتمُونَا شَيْئَاً تُحَاسَبُوننا عَلَيْهِ ؟ فيقول الله : صَدقُوا أفْتَحُوا لهم الأبواب» (1.)(وَ عَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ. الصَّلاة تواضع، والتَّواضع ضِدَّ الْكِبْر، وإِذَنْ فالصَّلاةِ تَصُون المصلي مِن هَذِه الرذيلة... ثُمّ أنَّ الصَّلاةِ عَهد الله عَلَى عَبْدَه أَنْ يَنْتَهِي عَن الفحشاء والمنكر. وإذا كَانَتْ الصَّلاة تُروّض النَّفس والأعْضَاء بِالحَرَكات فإنّ الزَّكَاة تُروّضهَا بِالْمَال وَبَذله، ولا شَيء أثْقَل عَلَيْهَا مِن ذَلِكَ (وَ مُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ). ومَن جَرَب وَجَدَه الْحِهَاد الأَكْبَر، وهل لِلنَّفس مِن جِهَاد وتَروِّيض أَكْثَرَ مِن الصَّبِر عَلَى الجُوع والعطش، وعَن الشَّاي والدُّخَان ؟.)(تَسْكِيناً لأطْرَافِهِمْ هي الأَيْدِي والأَرْجُل، والعُضو المعلوم، والْمُرَاد بِتَسْكِينَها كَفَهَا عَن الحَرَام (وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ، وَتَذْلِيلًا لِنُفُوسِهِمْ... إلخ) كِنَايَة عَن التّواضع والتّذلة ل الله (وَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً... إلخ) كَأَنّ سَائِلاً يَقُول : لماذا كَانَتْ العِبَادَة سَبَباً لِلمَنع عَن المحرمات وذل النفوس والْقُلُوب ؟ فَأَجَاب الإِمَام بِأنّ الصَّلاة رُكُوع وسجود، والصِّيَام جُوع وعطش، وكلّ ذلِكَ يَستُوجِب التذلل والإنكسار... هَذَا، إِلى أَن الزَّكَاة تَسد حَاجَة المُعوَزِين، وتربط رَبِّ الْمَال بِمُجتمعه.)(أنْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ، وَقَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ ! إشارة إِلى الصَّلاةِ والزَّكَاة، وإنها تُطهر النَّفس مِن رَذِيلَة الْكِبْرِ والْفَخَر (وَ لَقَدْ نَظَرْتُ)
1) أنظر، الكافي : 265/2 ح 19.
فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلا عَنْ عِلَّةٍ تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلَاءِ... إلخ يَقُول الْإِمَام لأصْحَابَه مَا رَأَيْت أَحَداً يَتَعصب لشيء إلا وَيُبرَره بِسَببِ حقاً كَان أَمْ بَاطِلاً، وإِنَّ المُبْطِل قَد يَتغَلب بالتمويه عَلَى عَقل سَفِيهِ، أَو جَاهَلٍ، أو يُعرّض أفكاره للبلبلة والإهتزاز - على الأقل - إِلا أَنتُمْ (فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرِ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلا عِلَّةٌ) صَحِيحَة ولا فَاسِدة كَالْعِلَّة التى تذرع بها إبليس حين تَعصَّب عَلَى آدَمَ، وَقَالَ : (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) (1).)(وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الْأُمَمِ، فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ النّعَم... إلخ قال أهل اللُّغَة : ترف الرَّجُل إِذا تَنْعَم، وأترفه المال أَبْطَرَه وأَفْسَده (2)، ولا شَيء أدَل عَلَى فسَادهُم وإفسادهِم مِن أنّهم لا يُفكرون إلا من خلال المال، ولا يَسْتَمعُون إلا للكسب والربح، أما الحق والعقل، والدِّين والعدل فَحَدِيثِ خُرافة، والَّذِي يُملك المال هو السَّيّد الحق : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ) (3). وأنكر مُتْرَفُو قُرَيْش نُبُوَّة مُحَمد صلى الله عليه وسلم لا لشيء إلا لأنه لا يملك كَنزَاً ولا جَنّة يَأْكُل مِنْهَا : (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ، جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُورًا) (4).)
### الْإِسْلَامِ وَالتَّسَامُح:(فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ... إلخ التَّعَصُّب لِلحَقِّ والدُّفَاعِ عَنْهُ فَضِيلة، أمّا التَّعَصُّب للعرق، أو اللون، أو الأفراد والفئات، وما إلى ذَلِكَ فهُو رذيلة. هَذَا مُلخص ما أرَادَهُ الإِمَام، أما الوفاء والنَّجْدَة والبِرِّ والْإِنْصَاف وكَظم الْغَيْظ واجتناب الفساد فَهِيَ مُجرد أمثلة، وقَد شَهِد القَرِيب قبل البَعِيد أنه لا عَصَبية ولا قبلية في الإسلام، وإن أساس الفضل هو التَّقْوَى، وإن خَيْر النَّاسِ أنْفَع النَّاس للنَّاس (1)، كما قَال الرَّسُول الأعظم.)وَقَالَ الفَيْلَفُوس الإنجليزي الشهير «برتراند راسل» : «وَقَد أظهر المُسْلِمُون فِي بدَايَة عَهْدِهِم تسَامُحاً في التعامل مع المَسِيحِيين الَّذِين أخْضعُوهُم، ولا ريبَ فِي أنْ الْفَضْل في سهولة فتوحاتهم واستقرار أمبراطوريتهم يَعُود إلى هَذَا التَّسَامح الذي يَبدُو بَارِزاً إذا ما قورن بالحماسة التَّعسفية والاضْطَهَادِية التي عُرفت بها الكنيسة الكاثوليكية» (2.)(وَ أَحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثْلَاتِ بِسُوءِ الْأَفْعَالِ، وَذَمِيمِ الْأَعْمَالِ... إلخ. تَقَدَّم هَذَا مِرَاراً، ومِن ذَلِكَ قَوْله المتقدم في هَذه الخُطْبَة : «فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ صَوْلاتِهِ.. إلخ».)### الأذى فِي سَبِيلِ الْحَقِّ فِقْرَة 18 - 20:فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ، وَزَاحَتِ
الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَمُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَ انْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ مِنَ الْإِجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَ اللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ، وَالتَّحَاضُ عَلَيْهَا، وَ التَّوَاصِي بِهَا، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ، وَأَوْهَنَ مُنْتَهُمْ، مِنْ تَضَاعُنِ الْقُلُوبِ، وَ تَشَاحُنِ الصُّدُورِ! وَ تَدَابُرِ النُّفُوسِ، وَ تَخَاذْلِ الْأَيْدِي (18، وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيضِ وَ الْبَلاءِ. أَلَمْ يَكُونُوا أثْقَلَ الخَلائِقِ أعباء، وَ أَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلاءَ، وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً. اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَ جَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَ قَهْرِ الْغَلَبَةِ، لَا يَجِدُونَ حِيلَةً فِي أَمْتِنَاعٍ، وَ لا سَبِيلاً إِلَى دِفَاعٍ. حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ، وَ الْإِحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلاءِ فَرَجاً، فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ، وَالْأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكاً حُكّاماً، وَ أَئِمَّةً أَعْلاماً، وَقَدْ بَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ اللهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ الآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ (19).)فَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلاء مُجْتَمِعَةً، وَالأهْوَاءُ مُؤتَلِفَةٌ، وَالقُلُوبُ مُعْتَدِلَةٌ، وَالْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً، وَ السُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً، وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً، وَالْعَزَائِمُ وَاحِدَةً، أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ، وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ ! فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَ تَشَتَّتَتِ الأَلْقَه، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ، وَالْأَفْئِدَةُ، وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ، وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ، وَقَدْ خَلَعَ اللهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ، وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ، وَ بَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ (20.)
اللُّغَة:حَالَيْهِمْ - بفتح اللام - مُثنى حَال أي صِفَة الشَّيء وهِيئَتَه، ويَسْتَوِيَ فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، والْمُرَاد بِالحَالِين هُنا السّعادَة والشَّقَاء. وتَحَاضَ الْقَوْمِ : حَثّ بَعضُهُم بَعضَاً. والفِقْرَة : الخَرَزَة مِن خَرَزَات الظهر. وأَوْهَنَ : أَضْعَفَ.والمنَّة - بضم الميم - القُوَّة. والمَرَارَ شَجَرٌ مُرٌ. والأَمْلَاءُ - بفتح الهمزة - جَمع مَلأ أي الْقَوْمِ الجَمَاعَة والأَرْبَاب : السّادَات. ومُتَحَازِبِينَ : شِيَعَاً وأَحْزَابَاً.الْإِعْرَابِ:شَأنَهُمْ مَفْعُول لَزِمَتِ، وكَيْفَ كَانُوا كَيْفَ خَبَر مُقَدَّم لِكَانُوا، وعِبَراً حَالَ مِن قَصَص.الْمَعْنَى:(فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ، فَأَلْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ... إلخ. المراد بالأمر هنا السبب الموجب للقُوَّة والْعِزَّة، والمَعْنَى إِذا رَجَعَتُم إلى تاريخ الأُمَّم وَجَدتُم أُمّة ضَعِيفَة مُتخَلِفَة، وأُخرى قُوَّة مُتحضرة، فأدرسُوا مَوَاطن الضَّعْف وأسْتقصُوا أسبَاب التَّخَلف في تلك، ومَوَاطن القُوَّة، والتّقدم ومُوجِبَاته في هذه، وأَعْتَبِرُوا بما قَد رَأيتُم مِن خَيْرٍ وشَر، فإن الاعْتِبَار مُنْذِر ناصح، والْعَاقِل من أنْتَفَع بالتذر، وأَعْتَبر بالغَيْر.)وكَرَر الْقُرْآن الكَرِيم هَذِه النَّصِيحَة فِي العَدِيد مِن آياته، من ذَلِكَ قَوْله : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبُ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانُ يَسْمَعُونَ بِهَا (1))
1) الحج : 46.
وأَهْملنَا نَحْنُ هَذِه النَّصِيحَة، وتلقَفَها،الغرب، فأنْشَأ مراكز لدرَاسَة الْقَوْمِيَّة مِن كلّ أمة، ودِينها، وتقاليدها، وأوْضَاعَها، وتُراثها، وفئاتها، وأقتصادها، ومَا تستهلكه من السلع كمّاً وكيفاً، ويدرس الغرب كلّ ذَلِكَ بِهَدف نهب المُقدرات. وتَصدِير رَأس المال واحتكار الأسواق، وشن الحَرْب النَّفْسِية عِندما تدعو الحاجة.هَذَا وشبابنا يتلهون بأفلام الجنس والجريمة، والرؤساء بالمشاحنات والخطابات، أمّا يُصف العمائم والقَلانس، أو أكثر فإِنَّهَا فِي شُغل شاغل بالشَّعوذة والتَّخطيط المنظم للحصول على المال من كلّ طَرِيق حَتَّى من أَعْدَاء الدِّين والإِنْسَانِية.. والمدهش أنه كلما تَكَرَّر العُدْوَان عَلَى الْعَرَبِ، وزادت حدته - عَانُوا مَزِيداً من التّفكك والانقسام، كما حدث بعد حرب 1948 م أو حَرْب 1967 م مَع إِسْرَائِيلَ ! مِئة مِليُون عَربِي يَذلهُم مِليونان ونصف يَهودي !.. فهل حدث مثلُ هَذَا في التاريخ ؟. وإنْ قَال قائل : أَنَّهَا أَمريكا لا إِسْرَائِيلَ، قُلنا فِي جوابه : بَل الخلاف والشقاق. فلقد أذلّت فيتنام أمريكا، وجعلتها تضرب فِي غَمرةٍ، وَتَموج فِي حَيرَةٍ لا تَدرِي أين السَّبِيل ؟.(وَ زَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَ مُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَ انْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ... إِلَى وَ التَّوَاصِي بِهَا. ضَمِيرِ «لَهُ، وَبِهِ، وَعَلَيْهِ» يَعُود لِلأَمْرِ فِي قَوْله : «فَأَلْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ». وضَمِيرِ «عَنْهُمْ، وَعَلَيْهِمْ، ومَعَهُمْ، وَحَبْلَهُمْ» يَعُود لِلأُمَّةِ العزيزة في كيانها ومكانتها، والمَعْنَى عَلَيْكُم أنْ تَأخذُوا درساً نافعاً من تاريخ الأُمم. وتسلكُواكلّ طَرِيق جَعَل مِنْهَا أُمة قوية ترهبها الأعْدَاء، وغنية فِيمَا تَملكَهُ مِن طَاقة وثراء، وَتَبتَعدُوا عَن طَرِيق الضَّعْف والتخلف، ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنَّ وَحْدَة الصفوف)
عامل من عوامل القُوَّة والرُّقي، فالزَمُوا الأَلفَة، واجْتَنِبُوا الفُرْقَة، وحثُوا عَلَيْهَا، تَوَاصُوا بِهَا (وَ اجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ... إلخ. مَالَكُم ولِلضّغِينَة والشَّحناء ؟ أَنَّهَا وَهنَّ لِلقُوَّة، ومُنَافَرة لِلْقُلُوبِ وَسُلَّ لِلأَيْدِي وتحطيم للسِّيُوف.)(وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ وَ الْبَلاءِ. الْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِينَ هُنا الْمُسْتَضعَفُون، وبِالْفَرَاعِنَة الطَّغَاة، والْمُرَاد، بالصَّبرِ عَلَى الْأَذَى فِي مَحَبَّة الله - الإخلاص والثَّبَات عَلَى الْحَقِّ، وَالْمَعْنَى كَان فِمَا مَضَى مَجمُوعة مِن الْجَانِين يَقول بعضهم : أنا الله، أنَا رَبُّكُم الأعلى، وآخر يقول : لستُ إلهاً، ولكنى مَرسُوم مِن قِبل الله، وكلُّ مِن هَذَا وذَاكَ يُطَارد الضُّعفَاء ويُنكل بِهِمْ، وهُم لا يملكُون حوْلاً ولا قوة إلا الهِدَايَة وتَحَاب الْقُلُوب وثباتها على الإخلاص والإيمان، ولما عَلِم الله فِيهِمْ خَيْراً، جَعل لهم فتحاً ومَخرَجاً، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِالكَرَامَةِ والسُّلْطَان، والأمن والاستقرار، وبالعِلم ومعرفة الحقائق، فعَاشُوا حياة مَا كَانُوا يَحِلمُون بِهَا مِن قَبل.)(فَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَةً، وَ الْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً... إلخ. الجُمَل فِي هَذِه الأسطر مُختلفة المبنى مُتحدة المَعْنَى، والْقَصْدِ مِنْهَا التَّأكِيد عَلَى أَنّه لا حياة لقوم إلّا بوَحْدَة الكَلِمَة، وإنه متى تحققت هذه الْوَحْدَة والألفة أتجهت الجهود والْعُقُول كلّها إلى الْعَمَل لحياة أفضل، وإنه لا شَيء وَرَاء الشّتَات إلّا المذلة والهوان، والشَّاهد عَلَى ذَلِكَ العَيَان ووقائع التَّارِيخ.)وبالمناسبة قالت الوِلايات المتحدة بعد الحزب العالمية الثَّانِيَة : إِنَّ فِي الشَّرق الأوسَط فُرَاغاً يَجب أنْ يُملأ، وقالت الصهيونية : إنّ فِلسْطِين يَجب أنْ تَكُون وَطناً قومياً لِليَهُود عَلى الرّغم من أنوف الْعَرَب، وإرادة الشعوب العربية ! وملأت
أَمرِيكا الفُرَاغ بدولة إِسْرَائِيلَ... ولَوْلاً أنقسام الْعَرَب بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ مَا كَان للفراغ، والإستعمار، والصّهيونِيَة عَينٌ، ولا أَثَرُ.وبعد، فَلا قُومِيَّة عَربيّة أو غَيْر عَربيّة إلا بوَحْدَة الكَلِمَة والنّضال، ولا إسلام و مُسْلِمِين، وحَقَّ ومُحقِين إلا بالتعاون التّضَامن، ولا اتفاق وتعاون إلا بحاكِم عَادِل، ونظام لا تَفاضُل فيه. ومُحاباة فِئَة عَلى فِئَة، وأمْتِيَاز فَرد عَلى غَيْره إلا بِالْعَمَل الصَّالِحِ التَّافِع.### النِّعْمَة بِرَسُولِ الله.. فِقْرَة :21 - 23:فَأَعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَ بَنِي إِسْحَاقَ، وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (عَلَيهِم السَّلَامُ، فَمَا أَشَدَّ اَعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ !)تَأمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ، لَيَالِي كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ، وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ، يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الْآفَاقِ، وَ بَحْرِ الْعِرَاقِ، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ الشَّيحِ، وَ مَهَا فِي الرِّيحِ، وَ نَكَدِ الْمَعَاشِ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ، وَ وَبَرٍ، أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً، وَ أَجْدَبَهُمْ قَرَاراً، لا يَأْوُونَ إِلَىٰ جَنَاحٍ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا، وَ لا إِلَى ظِلٍّ أَلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزَّهَا. فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَالْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَ الْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ، فِي بَلَاءِ أَزْلٍ، وَ أَطْبَاقٍ جَهْلٍ ! مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُ ودَةٍ، وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَ أَرْحَام مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ (21.)فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ، وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ ألْفَتَهُمْ : كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا، وَأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا، وَ الْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ.
وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ. قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ، فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَىٰ كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ، وَ تَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكِ ثَابِتٍ. فَهُمْ حُكّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمُلُولُ فِي أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ. يَمْلِكُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، وَيُمْضُونَ الْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ لا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ، وَلا تُقْرَعُ لَهُمْ صفاة (22 !)أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ، بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ. فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَىٰ جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلُّهَا، وَ يَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً، لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَ أَجَلُ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.وَ اَعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَ بَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْزَاباً. مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلامِ الأَ بِاسْمِهِ، وَلا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلا رَسْمَهُ (23.)اللُّغَة:يَحتازُونَهُمْ يَقْبَضُونَهُمْ. والرِّيفِ : أرْض الزرع والخصب. والآفاق : جمع أُفق أي النَّاحِيَةِ. وَبَحْرِ الْعِرَاقِ: دِجْلَةُ والفُرَاتُ والشيح : نَوْع مِن النَّبَات.وعَالَةً : فُقراء. ودَبَرٍ - بفتح الباء - القَرْحَة في ظهر الدَّابَة، وَوَبَرٍ : شعر الجَمَل. الجناح : المَلاذ. والمراد بالأزل هنا الشِّدَّة. وفَكِهِينَ : رَاضِين.وتَرَبَّعَتِ : أَقَامَت وأَطْمَأَنَّتْ، وتُغمَرُ. تُختَبَرُ والقَناة : الرُّمح. والصَّفَاة : الحَجَر والصَّخرة. والثَّلْمَة : الخَلَل. وثلَمْتُمْ : خَرَقْتُم وَكَنَفِهَا: حِصْنِهَا.
الْإِعْرَاب :مَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ «ما» مُبْتَدَأَ، وأَشَدَّ فِعل مَاضٍ، والفَاعِل مستتر، والجُمَلة خَبَر، واعْتِدَالَ مَفْعُول أَشَدَّ، وَعَالَةً حَال، وإِخْوَان مثله أي مُصَاحِبِين. وكَذَلِكَ أَذَلَّ أي أذلاء، ودَاراً تمييز، ومثله قَرَاراً، وفِي بَلاء أَزْلٍ مُتَعَلِّق بمحذوف حالاً من الكثرَة أي كائنة في بلاء.إِسْرَائِيل:(فَأَعْتَبِرُوا بِحَالٍ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَ بَنِي إِسْحَاقَ، وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (عَلَيهِم السَّلَامُ... إلخ). إِسْمَاعِيلَ أبن إِبْرَاهِيمَ الخَلِيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِن هَاجر، وإِسْحَق ابْنِهِ مِن سَارَة، وإِسْرَائِيلَ هو يعقوب بن إسحق أبن إِبْرَاهِيمَ أمَّا سَبب تَسمِيَّة يَعقُوب بإسْرَائِيل فقد أوضحته التُّورَاة : «... وهو أنّ الله دَخل فِي ذَاتَ لَيْلَة عَلَى يَعقُوب، وتصارع معهُ حَتَّى الْفَجْر، فما أستطاع أحدهما أنْ يغلب الآخر، وعندئذٍ مَنَح الله يَعقُوب لقب إِسْرَائِيلَ أعْتَرَفاً بمقدرته، في اللُّغة العبرية يعني «مُصَارع «الله» (1).)ولإِسْرَائِيل هَذَا (12 ولداً، وهُم : شَمعُون، وراؤبين، ولاوي، ويَهُودَا، ويساكر، وزَبُولون، وجاد، وأشِيرُودَان، ونفتالي، وبنيامين، ويُوسُفَ الصِّدِّيق (2). وهَؤُلاء وأوْلاَدهُم وأحْفَادهُم كلّهم مَا عَدا يُوسُفَ مُجرمُون، وقَتَلَة الأَنْبِيَاء بشهادة التّوراة والإنجيل، والْقُرْآن... وبدأ إجرامهم أوّل مَا بَدأ بمحاولةٍ لِقَتل أخيهم)
يُوسُفَ، لأنه طاهر ونبيل، ثُمَّ حاولوا قتل عِيسَى ومُحَمّد، ومَا بَينَ المُحاولتين قتلوا ورَجموا الكثرة الكَائِرَة مِن الْأَنْبِيَاء والمُرْسَلِين (1.)والمدهش أنهم كانوا يقتلون أَنبِيَاء الله تَقَرُبَا إِلَى اللَّه يزعم هو الَّذِي أَمَرهُم بِقتل النَّاس حَتَّى النِّسَاء، والأطفال، وبحرق المدن، والقُرى، وتدميرها ما عدا الذهب والنُّحاس (2.)قال الأستاذ عَليّ الدَّالِي فِي مُقَال: «إنّ اليَهُودِي فِي القرن الْعِشْرِين الذي بَقر الحبالى فِي دِير يَاسِين هُو نَفْسٍ اليَهُودِي الَّذِي كَان قَبل المسيح ينشر عَدُوهُ بِالمَنْشَارِ نصفين مع شعر رَأْسه إلى أسفله، وهُو نَفْس اليَهُودِي الَّذي فَتح بطون الأبْرِيَاء المسيحيين في قبرص أيَّام الرُّومان، وتحزم أمعائهم بقُوَّتِه، ويُثبت تفوقه في الانتقام المروع.ثُمَّ اسْتَشْهَدَ «الدالي» بِنَصٍ نَقله عَن كِتَاب التلمود : «نَحنُ شَعب الله المختار... نَحْنُ البَشر عَلى الصُّورة التي تركزت في مُخيلة الله... وغيرنا لا يُبصر إلا موضع قدميه... وقد شاءت الطَّبِيعَة أنْ نَسُود العالم ونُسِيطر عَلَيْهِ بأسره.... فَيَجب أنْ تَكُون مَطَامعُنَا وَاسعَة، وحَمَاسَتُنَا خَارقَة، وظَمانا للانتقام حَاراً ومُسْتَعِرا» (3.)أما دين مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فيقول : (أيُّهَا النَّاس إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحدٌ، وإن أبَاكُم وَاحد، كُلّكُم)
مِن،آدَمَ، وآدَمَ مِن تُرَاب، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (1)، لَيْسَ لِعَرَبِي عَلَى عَجَمِي فَضل، ولا لأبيض عَلَى أَسْوَد فَضل إِلَّا بِالتَّقْوَىٰ» (2).)إنّ العُنْصُرِية الإجرامية هي دين اليهود ومبدأهُم وشِعَارهُم بِنَص التوراة، والتلمود أي الكِتَابِين عند اليهود... ومَا مِن رَيبِ أَنَّ هَذِهِ الرّوح الصّهيونِيَة تَحمل في طبيعتها الشبب الكَافِي لِلْقَضَاءِ عَلَيْهَا... وبهذا نطق الْقُرْآن والتوراة، ما نصه بالحرف الواحد: «يجعلك الرَّب - الخطاب لشعب إسْرَائِيلَ - مُنهزماً أمام أعدائك، تَخرج عَلَيْهِمْ مِن طَرِيق واحد، وفي سَبع طرق أمَامَهُم، وتَكُون قَلِقَاً في جميع ممالك لأَرْضِ، وتَكُون جِثَتُك طَعَامَاً الجميع طيور السَّماء، ووحوش الْأَرْضِ» (3.)أمّا دُولَة إِسْرَائِيلَ، والاعتراف بِهَا كَأَمرٍ واقع فَهِيَ فِي عِلم الله الذي قال : (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَندِكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةِ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْخِضُوا بِهِ الْحَقُّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عقاب (4).)(فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ، وَ أَقْرَبَ اشْتِبَاءَ الْأَمْثَالِ !. المُرَاد بِالْإِعْتِدَال التّناسُب، وبِالاشْتِبَاه المُشَابَهَة، والمَعْنَى أَن أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ اليَوْم تَشبَه أَحْوَال بَنِي)
1) الحجرات : 13.
2) أنظر، سُنن البيهقي: 118/9، سبل الهدى والرشاد : 242/5، بحار الأنوار : 350/73 ح 13، العقد الفريد : 185/2 تأريخ اليعقوبي : 91/2، نيل الأوطار : 164/5، حلية الأَوْلِيَاء : 100/3، فتح الباري: 527/6، الترغيب والترهيب : 375/3 ح 4494، شعب الإيمان : 289/4 5137، مُسْنَد أحمد: ح 5 / 411 ح 23536، المعجم الأوسط : 86/5 ح 4749.
3) أنظر، في سفر التَّثْنِيَة مِن الإصحاح: (28). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
4) غَافِرٍ : 5.
إِسْرَائِيلَ مِن قَبل مِن حَيْث التّشتت والتَّفرُق، والذُّل ونكد العِيش، وتسلط البعيد وتحكمه في المقدّرات والمصير... وقَوْل الإِمَام : «الأَكَاسِرَةُ، وَالْقَيَاصِرَةُ» يُشِير إِلَى الذين حكموا اليهود وفَعلُوا بِهِمُ الأفاعيل كـ «بختنصر، والفرس، والرُّومان... وَحَذَرَ الْإِمَام أَنْ يُصِيب الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِن قَبله وَعظَ وحَذَرَ رَسُول الله، والْقُرْآن... وما أفاد الوعظ والتَّحْذِّير».(فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ، وَالْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ، وَ الْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ... إِلَى وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ. الكلام مُسْتَأنف، والْمُرَاد بِهِ الْعَرَب، فَالأَحْوَالُ أَحْوَالهُم، والأَيْدِي أَيْدِيهُم وَالْكَثْرَةُ كَثرَتهُم بِدَلِيل قَوْله : «بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ». والْقَصْد المقارنة، والمُشابهة مِن حَيْث الذَّم، والقُبح بَيْنَ جَاهلية، وعُنصرية اليَهُود.)فَأَنْظُرُوا إِلَىٰ مَوَاقِعِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ... إلخ. ضَمِير «عَلَيْهِمْ» يَعُود للغرب، والمُرَاد بِالرَّسُول مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي دَعَا دَعْوَة الْعَدْل، والمُسَاوَاة، فَسَخر مِنْهُ ومِن دَعوَته الطَّوَاغِيت لا لشيء إلا لأنه جَعَل الآلهة إلهاً واحداً.. ولَكِنَّهُ صَمدَ وَأصرَ عَلَى كَلِمَة «لا إله إلا الله مُحَمَّدٌ رَّسُولُ الله» فحَاوَلُوا أَنْ يَثْنُوه بِالْحُسنى، فَعَرضُوا عَلَيْهِ المال والسُّلْطَان، فَسَخر منهم ومَضَى فِي دَعوتَه، فأَضْطَهُدُوه ونَكلوا بِهِ، فَمَا زَاده ذلِكَ إِلّا ثَباتاً، وإيماناً، وعِندئذٍ حاصرُوا، وأحكموا الحصار عَلَيْهِ وعَلى أسرته ثلاث سنوات، فلم يَعبَاً... ولما أَعيَتهُم الحيل تَاَمرُوا عَلَى اغْتِيَاله، فأعْمَى الله أبْصَارَهُم عَنْهُ، وهَاجر مِن بَيْنَهُمْ إِلَى المدينة، فَتَبعُوه بِعِدَّتهم وعَدَدهم، فَأَنْتَصَر عَلَيْهِمْ باذن الله.)وباسمه قَضى المُسْلِمُون عَلَى مَلك كُسرى، وحَرَرُوا المُستعمرات من حُكم
قيصر ووصلوا إلى حدود الهند والصين، وجنوب فرنسا، وبفضله أعطوا شرق الْأَرْضِ وغَرْبِهَا فَيضَاً من العلوم والحضارة.. ثُمَّ انْقَسَمت الخلافة، وتعددت الممالك الإسلامية، ومَع هَذَا بِقي لِلمُسْلِمِين شَأنٌ وكِيَانٌ مُدة أَلف عام أو تَزِيد. ولا أَدرِي هَل يَعُود المُسْلِمُون كما كَانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قوْلاً وعملاً ؟.### غاندِي وَعُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ:أَكتُب هَذِه الكَلِمَات في سبتمبر (أيلول سَنَة 1972 م، والمؤتمر الإِسْلامِي السابع ينعقد في القاهرة... وإذا عطفنَا هَذه «السَّبْعَة» عَلَى أَخْوَاتها في السعودية. وليبيا، والمغرب لرأينَا غُواً مُستَمراً وَسَرِيعاً فِي هَذَا الميدان... لكن - يَا لِلأَسَف - إذا التمسنا الثمرات، والنتائج الْعَمَلِيَّة لهذه التحركات مُجتمعة - لوجدناها تماماً كَضَمِ صِفرٍ إِلى صِفر، لا يَخرُج مِنْهُ أَي شَيءٍ إِيجَابِي يُفيد الْمُسْلِمِينَ.)والنَّتِيجة الْعَمَلِيَة الّتي يَترقبها كلّ عَربي ومُسلِم مِن هَذَا الْمُؤتمر وأمثاله هِي : أَنْ يَرَى بَادِرَة خَيرٍ، وبَارِقة أملِ فِي أنْ أمْنِه وزمَامه فِي يَدِ جَيْشَه وحكومته، لا فِي يَد إِسْرَائِيلَ والصهيونية، وإن مَصِيرة ومُسْتقبله في إِرَادَة شعبه وأُمّته، لا إِرَادَة مُوسكُوا وواشنطن، أو مجلس الأمن والأرْبَعَة الكبار (1... إنَّ الْعَدُو يَستهتر بجيوشنا ودولنا ويُقابلها بازدراء وخُشُونَة... فهَل يُرضى عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ أنْ تستهتر إِسْرَائِيلَ بِهِمْ أَيضاً، وتَسْخَر منهم ومن تجمعاتهم وقراراتهم ؟.)
1) يقصد الشيخ (قدّس سِرُّه) بالأَرْبَعَة : (الإتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة - بريطانيا -، وفرنسا) وَهَذَا يَعني قبل أنضمام الصين الشعبية إلى مجلس الأمن).
إنّ الْأَيْدِي الخَفِيَة حَركت المُؤتمرات التي حملت عنوان التَّعايش بَيْنَ الْأَدْيَان... ونَحْنُ نَبرى وننزه المؤتمر الإِسْلامِي عَن ذَلِكَ، ولكن نتساءل : لماذا لا يصدر عُلَماء المؤتمر نِدَاءً يُحَرِمُونَ فِيهِ البَضائع الأمريكية شَرَاءٌ وأَسْتعمالاً، كما فعل غَاندِي مِن قَبل فِي مُقاطعتهِ السَّلبِيَّة ضِدَّ الإنجليز ؟. وهَل صَاحب «العَنزَة» أَكْثَرَ إخلاصاً لوطنه وأمّته مِن عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ لدينهم، ووَطنهم ؟ وهل يجهل عُلَماء المؤتمر أنّ الوِلايات المتحدة هي أساس الداء، والبَلاء... وإن نداءهم هَذَا لهُ وَزَنَه وأثره، بخاصة إذا بذلُوا وَسعَهُم لِكِي يُوقع النّدَاء أيضاً كلّ عالم في كلّ قطر، وتطوعُوا لِتَنفيذه والْعَمَل بِهِ زُرَفَات ووحدانا ؟.ومِمَّا يُوجع ويُفجع أنّ إِسْرَائِيلَ تُشدد وتَكَرَّر عُدْوَانِها عَلَى سُورِيا ولبنان، وتقتل الأبرياء، والنِّسَاء والأَطْفَالِ فِي نَفْس الوقت الَّذِي يَعقد فِيهِ الْمُؤْتمر السّابق لعُلَماء الْمُسْلِمِينَ بِبَلدة قناة السويس وبالقرب من جيُوشِ الْعَدُوّ المرابط على ضِفَة القناة.هَذَا، وعُلَمَاء الْمُؤتمر فِي شُغلِ شاغل «بِالْبَحْث عَن الجتمع المثالي فِي الْإِسْلام وعَن جَدَل الْقُرْآن، وكَيْفَ يتكوّن المسلم في ظلّ المناهج، وعَن التّأمينات وشهادة الاستثمار، وودائع صندوق الإِدْخار...» (1.)أبِهَذَا يَا أَصْحَابِ الفَضِيلة تَغِيظُونَ إِسْرَائِيلَ ؟ وتَنْتَقِمُون مِن الوِلايات المتحدة. وتَنْقذُوننا مِن الْيَأْس والقنوط، والذُّل الهوان ؟ وهَل هَذَا هُو واجب الْعُلَماء الوَحِيد الآن فقط لا غَير يَا حَمَلَة الْقُرْآن ؟
1) أنظر، مَا جَاء في جريدة الأخبار المصرية بتاريخ 8 - 9 - 1972 م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
وكُنتُ قَد أَرْسَلت بُرقية للمُؤتمر الرابع أو الخامس - والتَّرَدُّد مِن ضَعف الذاكرة - ناشدتُ فِيهَا الرَّئيس والأعْضَاء أَنْ يَتدَارسُوا المقاطعة السَّلبِيَّة للسّلع الأمريكية. ولَكِنَّهُم غَضُوا الأَبْصَارِ، وخَتِمُوا عَلَى الآذان.. أَللَّهُمَّ رُدّ عَلِينَا غُربتنَا، وعَرفنَا مِن يَسمَع، ويُبصر مِن عُلمائنا، ويُزهر ويُثمر من زعمائنا. إنك حميد منان.(أَلَا وَ إِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ، بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ. الْمُرَاد بِحُصن الله الإِسْلامِ الَّذِي أَمر بالأُلفة والتَّعاون على الخير والصَّالح العام، والمراد بأحكام الجَاهِلِيَّة الفُرْقَة وانتهاك الحرمات، والمعنى أن الله قد تفضل عَلَيْكُم بِنُور الإسلام، فأَبَيْتُمْ إِلّا ظُلمات الجَاهِلِيَّة وأَرْجَاسِهَا (فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ... إلخ). أي عَلَى الْمُسْلِمِينَ، والمراد بالعقد بَيْنَهُمُ الْأُلْفَة التي تدعو إلى التعاون المتكامل على أساس الإيمان والْعَقِيدَة، ويقول الْإِمَام : إِنْ هَذَا التَّعَاون هُو (لأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ، وَ أَجَلُ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ) أي جَلِيلٍ، لأنَّ التَّعاون بهذا المفهوم يَكُون لخدمة الجميع لا لصَّالِحِ فِئَة عَلَى حِسَاب فِئَة أخرى. قَالَ سُبْحَانَهُ (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْم وَالْعُدْوَانِ) (1). ومن البداهة أنّ الْبِرِّ للجَمِيع، أما الاختصاص بِفَرد أو بِفِئَة فَإِثْم، وعُدْوَان.)(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، لا أَثَر لِلإِسْلام فِي قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُم إلَّا قَوْل : «لا إله إلا الله مُحَمَّدٌ رَّسُولُ الله». (وَ بَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْرَاباً). يُشير بالمُوالاة إلى قَوْله تَعَالَى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (2)أي أنّهم كَانُوا)
كَذَلِكَ فِي عَهد رَسُول الله وهجرته، ثمّ صَارُوا أَعْدَاء مُتخاصمين (مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الإِسْلامِ الأ بِاسْمِهِ، وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ. إِنَّ الْإِسْلام أبعد الْأَدْيَان عن المظاهر والشكليات... إنه يقين، وَيَقِين المُسْلِم إنما هو في عمله الخالص لوجه الله لا في قَوْله ومظهره، وتَقَدَّم مثله (1).)### الْإِسْلَام أَمْنُ وَأَمَان... فِقْرَة 24 - 25:تَقُولُونَ النَّارَ وَلا الْعَارَ! كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلامَ عَلَى وَجْهِهِ أَنْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، وَنَقْضَاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ، وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ. وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ، ثُمَّ لَا جَبْرَائِيلُ، وَلا مِيكَائِيلُ، وَلا مُهَاجِرُونَ، وَلا أَنْصَارُ يَنْصُرُونَكُمْ إِلا الْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ.وَإِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ، وَأَيَّامِهِ وَوَقَائِعِهِ، فَلا تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلاً بِأَخْذِهِ، وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ، وَ يَأْساً مِنْ بَأْسِهِ. فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَن الْقَرْنَ الْمَاضِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَعَنَ الله السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي، وَالْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي (24 !)أَلا وَقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْإِسْلامِ، وَعَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ، وَأَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ. أَلَا وَقَدْ أَمَرَنِي اللهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَ النَّكْثِ، وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ، وَأَمَّا الْمَارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ، وَأَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ، وَرَجَّةُ صَدْرِهِ، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ. وَ
1) أنظر، شرح الخُطْبَة : (152)، وغيرها. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
لَئِنْ أَذِنَ اللهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلا مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلادِ تَشَذُّراً (25 !)اللُّغَة:كَفَاً وأكتفاً الإناء : أَمَالَه وقَلَبه. والميثاق : العهد. ونَّكْثَ : نَقضَه. والْقَاسِطُونَ : الجَائِرُون عَن الحَقِّ. والْمَارِقَةُ : الَّذِين خَرَجُوا مِن الدِّين. والرَّدْهَة - بفتح الراء - النُّقْرَة يَجتمع فيها مَاء السَّماء. وَصُعِقَ : غُشَيء عَلَيْهِ وَذَهَب عَقْله. وَجْبَ الْقَلْب أضْطَرَب. وَرَجَ الصَّدْرُ : اهْتَزَّ. وأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ : أَنْتَصَر مِنْهُمْ. وَيَتَشَذَرُ : يَتَفَرَّقُ.الْإِعْرَاب:النَّارَ وَالْعَارَ مَنْصُوبَان بِمحذُوف أي نَدخُل النَّار ولا نَتْحمل الْعَار، وانْتِهَاكاً مَفْعُول مِن أجله لتُكْفُئُوا، لا جَبْرَائِيلُ بالفتحة أسم «لا» تشبيهاً بالنَّكرَة مِثل مُعْضِلة ولا أبَا حَسَن لها (1، وجَهْلاً مَفْعُول لأجلِه، وتَشَذّراً مَفْعُول مُطلق.)
1) قَالَ عُمَرَ بن الخطاب: «اللَّهُمَّ لا تُبقنِي لِعُضلةٍ لَيْسَ لَهَا عَليّ» وفي قِصَّة أُخرى: «كَان عُمَرَ يَتعوّذ من مُعْضِلَة لَيْسَ لَهَا أبو حَسن». أنظر، فرائد السمطين : 272/348/10، و 276/350، المناقب لابن شهر آشوب 358/2 و 360 و 361 و 365، والبحار : 223/40 و 226، التهذيب : 94/10، تأريخ : دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 93/3 و 41 / 1071 و 1070 بتحقيق الشيخ المحمودي الاستيعاب عن سعيد نحوه في هامش الإصابة : 39/3، الطرق الحكمية : 46، الرياض النضرة : 195/2 و 196، و : 163/3 و 164 و 165 وذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 79 - 82، مطالب السؤول لابن طَلْحَة الشافعي : 13، والمناقب للخوارزمي الحنفي : 39 و 48 و 60 و 65 و 81، والفخر الرازي في الْأَرْبَعِين : 466. وروى أبن الجوزي في كتاب الأذكياء 18 وفي كتابه أخبار الظراف: 19، تذكرة الخواص : لسبط أبن الجوزي: 87 و 148. كنز العمال: 179/3، و : 241/5 و 451 وح 13584، مصباح الظلام: 56/2 الإِسْتِيعاب : 1102/3، صفوة الصفوة : 121/1، كفاية الطالب : 95 أسد الغابة : 22/4 طبقات آبن سعد: 2 /ق 2 / 102، تهذيب التهذيب : 337/1، الصَّوَاعِقِ المحرِقَة : 76، يَنَابِيع المَوَدَّة: 221، نور الأَبْصَار : 74، أرجح المطالب : 121 و 124، الإصابة : 4 ق 270/1، فيض القدير : 357/4، فَضائل الخمْسَة من الصحاح الستة : 2/ 290 و 309 علي إمام المتقين للشرقاوي : 1/ 100 و 101، أَنْسَاب الأشراف للبلاذري، والبداية والنهاية لابن كثير : 201/6، ومُسْنَد زید: 335 الطبعة الثانية دار الكتب الإسلامية طهران.
الْمَعْنَى:(تَقُولُونَ : النَّارَ وَلا الْعَارَ !. هَذَا تَفْرِيع عَلَى قَوْله : «مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلامِ الأ بِاسْمِهِ» والمَعْنَى أَنَّكُم تَقُولُونَ بِأَفْوَاهَكُم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبَكُمْ... صَحِيح أنَّكُم تَنْطقُون بِكَلِمَة الشَّهادتين، ولَكِنَّكُمْ لاَ تَعْمَلُون بموجبها، وأيضاً تَقُولُونَ النَّارَ وَلا الْعَارَ، ومَع هَذَا لا تَصُونُون حَقّاً، ولا تمنعُون ضَيمَاً (كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلامَ عَلَى وَجْهِهِ أنْتِهَا كاً لِحَرِيمِه... إلخ). هَذَا كِنَايَة عَن مُعَاكَسَتهم لدين الله، وأنهُم تَتَكَبُوا عَن طَرِيقه إلى طَرِيق المتاهة، والضَّلالة. وتَقَدَّم مثله (1).)(الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ لَكُمْ حَرَماً فِي أَرْضِهِ، وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ... إِلَى بَيْنَكُمْ ضَمِير وَضَعَهُ يَعُود إِلى الإِسْلامِ، والمعنى أنّ الله سُبْحَانَهُ شَرَع لَكُم مِن الدِّينِ مَا هُوَ أَمْنُ وخَيْرٌ دُنيَاً وآخِرَة، فإِنْ عَاكَسْتُم وخَالَفْتُم عُشْتُم فِي خَوْف وحَرْبِ مَع أهل الكفر والبغي، ولا تَجدُون وَلِيّاً، ولا نَصِيرَاً إِلَّا مَا شَاء اللَّهِ (وَ إِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْقَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَقَوَارِعِهِ، وَ أَيَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ....إلخ). الْمُرَاد بِالْأَمْثَالِ الآيات والأَحَادِيث عمّا أَصَابَ الطَّغَاة مِن السَّابقين الَّذِين جعلهُم سُبْحَانَهُ عِبرة وعِظَة لِلاحقين، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون، والْمُرَاد بِبَأْسِ اللَّهِ، وَ قَوَارِعِهِ، وَ أَيَّامِهِ، وَ وَقَائِعِهِ وَاحد، وهو العَذَاب،)(1)
1) أنظر. شَرح الخطبة : (103 و 108). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
والانتقام، والمَعْنَى : لماذا تَتَهَاونُون بِأمر الله ونهيه، وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بَطْشَه وانْتَقَامه، وتَهدِيدَه ووَعِيدَه ؟ هَل أَسْتَبطَاتُم ذَلِكَ، وتَقُولُونَ مِثل مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ : ائْتِنَا بَما وَعَدْتنا ؟ إنّه تَعَالَى يُمهل ولا يُهْمِل.ثُمَّ بَين الإمام السَّبب الموجب لغَضب الله ولَعْنَتِه عَلَى مَن أَدْبَرَ وتَوَلَّى، وبَيَّنه بقَوْله : (إِلا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ ومَعْنَى هَذَا أنّ دين الله إيجابي لاَ سَلي، فهو لا يرضى مِنْكَ أَنْ تَترُك المنكر وكَفَی، بَل عَلَيْكَ أيضاً تَنْهى عَنْهُ، وتُجَاهد من أَصّرَّ عَلَيْهِ مَا تَملك مِن طَاقة (فَلَعَنَ اللهُ السُّفَهَاءَ) وهُم الشَّبَابِ مِن أهْل الجَهْل والطَّيش، لَعَنَهُم سُبْحَانَهُ (لرُّكُوبِ الْمَعَاصِي) كالْفُجُور والخَمْرَ والمَيْسِر، وأيضاً لَعَنَ (الْحُلَمَاءَ) أي الشّيوخ المُتَقَدمِين فِي السّن (لِتَرْكِ التَّنَاهِي). لا ينهى بعضهم بعضاً عَن الْفِتَن، والدَّسَائِس، والمؤامرات.)(أَلا وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْإِسْلام. إنّ الإِسْلَام قَيد ولجَامِ يَكْبَح ويَمَنَع عَن الجَرَائِمِ والموبقات تماماً كالْعَقْل يَكْبَح الشَّهَوَات (وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ) وَهِي حَلالَ الله وحَرَامه (وَأَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ) عَطف تَفْسِير «أَلَا وَ قَدْ أَمَرَنِي اللهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْى، وَالنَّكْثِ. وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ... إلخ». يُشير إلى النَّاكِثِينَ أَصْحَابِ الْجَمَل، والْقَاسِطِينَ أَهْل صِفِّين، والْمَارِقِينَ الخَوَارِج (1)، وإنّ الله قَد أَمْرِه بِقتالهم فَسمع وأطاع.)
1) انظر، شرح نهج البلاغة : 47/7، المطالب العالية : 297/4 ح 4462، مناقب الخوارزمي: 110، ط النجف الأشرف الحاكم في المستدرك: 139/2، تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام علي : 168/3 ح 1205. ميزان الإعتدال : 127/1، كنز العمال: 82/6، الروض الأزهر : 389 ط حیدر آباد، شرح المقاصد: 217/2، تاریخ بغداد : 340/8، أرجح المطالب : 602، فرائد السمطين : 150/1 كفاية الطالب: 169، وينابيع المودة : 128، تأريخ الطبري: 156/5. كنز العمال: 157/6. أبن حجر في الْأَرْبَعِين حديثاً : 74 ح 30 و 31 باب،9 مُنتخب الكنز بهامش مُسند أحمد : 435/5 فَضَائِل الخَمْسَة : 52/3، ط بيروت،. شرح النهج :054/6 ط مضر تحقيق محمد أبو الفضل، البداية والنهاية : 218/6، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 212 / 64ح 1213، أسد الغابة : 602/3 ح 6111، دلائل النُّبُوَّة للبيهقي : 6111، دلائل النُّبُوَّة للبيهقي : 435/6 مُسْنَد :أحمد 82/3.
وعَن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «إِنْ عَلِيَّاً يُقاتل النَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ» (1).)(وَ أَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ... إلخ. وهو حرقُوص بن زُهير، وكَان أَسْوَد مُنتَن الريح، ولهُ عَضد ولَيْس لهُ ذِراع، وعَلَى رَأس العَضُد مِثل ثَدي المرأة، ومِن أجل هَذَا لُقب بِذِي الثّديّة والمَخدَج أي الناقص، وبذِي الخويصرَة، وكان من رُؤُوس الخَوَارِج (2). وفِي صَحِيح مُسْلِم كِتَاب «الزَّكَاة»، وأبي داود بَاب قِتَالَ الْخَوَارِج : إنّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَد أشار إلى هَذَا الشَّيْطَان بقَوْله : «يَخرج قَوْم - أي الخَوَارِج - مِن أُمَّتِي يَقرَأون الْقُرْآن لَيْس قَرَاء تكُم إلى قَرَاءَتهم بشيء..... يمرقون في الإِسْلام كما يمرق السَّهم مِن الرّميَة... وإنّ فِيهِمْ رَجُلاً لهُ عَضُد، ولَيْس لهُ ذِارع عَلَى رَأس عَضُده مِثل حِلمة الثّدي (3).)
1) أنظر، الحَدِيث عَنْدَ الحافظ النِّيسَابُورِي في «مُستدرك الصَّحِيحِين»: 139/3 طَبْعَة حَيدر آباد سنة 1324 هـ وأبن الأثير في «أسد الغابة» : 32/4 طبعة سنة 1285 هـ، والمتقي الهِندِي فِي «كنز الْعُمَّال»: 6/ 82 طبعة حيدر آباد سنه 1312 هـ. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، الفتوح لابن أَعْثمْ: 2/ 260 و 261 و 265، الأخبار الطوال : 206، الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 161/1 و 163، وأنظر ترجمته في أسد الغابة : 396/1، والإصابة : 329/1 الترجمة 1661 القسم الأوّل وهو ذو الخويصرة، وكَانَ رَجُلاً أَسْوَد مُنتِن الريح له ثدي كثدي المرأة، إذا مُدت كَانَتْ بطول اليد الأخرى، وَإِذَا تركت أجتمعت وتقلّصَتْ، وصارت كندي المرأة عليها شعرات مثل شوارب الهرّة... انظر شرح النهج لابن أبي الحديد : 276/22 تحقيق محمد أبو الفضل، وكشف اليقين : 165، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي : 224/2 أنظر، نيل الأوطار للشوكاني : 185/7، البداية والنهاية : 362/4.
3) أنظر، صحيح البُخَاري : 21/9، صحیح مُسلم : 741/2.
وروى البخاري: «وإنَّ هَذَا الشَّيْطَان أتى النبي، وهُو يَقْسِم قَسْماً، فقال : يَا رَسُول الله أعدل، فقال له : وَيْلكَ! وَمَنْ يَعْدِل إِذَا لَمْ أَعْدل ؟» (1.)وروى أَهْل التَّارِيخ أنّ الْإِمَام بَعد أن أنتهى مِن قَتل الخَوَارِجِ، قَالَ: «أَطلَبُوا ذَا الثّديَة بَيْنَ الْقَتْلَى، فَبحثُوا عَنهُ فَلم يَجدُوه. فقال الْإِمَام : لقد أخبرني رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بقتله، والله ما كَذَّبَت ولا كذبت (2). وأطلبُوا الرّجُل وإنّه مَع الْقَتْلَى، فَبحثُوا عَنهُ حَتَّى وجدوه في حُفْرَةٍ، فَنُسِب إِلَيْهَا (3). (وَ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْي... إلخ). وهُم)
1) أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 4 / باب علامات النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَام. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد : 266/2 تحقيق مُحمّد أبو الفضل، وفي كتاب النّص والاجتهاد للسيد شرف الدين الموسوي : 103 يقول : في الهامش رقم (2: بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون الياء وكسر الصاد، واسمه حرقوص بن زهير ولكن في الكامل: 190/3 و 343 - 346 يقول: إنّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بينما هو يقيم قشماً جاء رجل من بني تميم يُدعى ذا الخويصرة فَقَالَ : أعدل يَا مُحمّد، فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قَد عدلت فقال لهُ ثَانِيَة : أعدل يَا مُحمّد، فإنّك لم تعدل، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : وَيْلكَ وَمَنْ يَعْدِل إِذَا لَم،أعدل، فقام عُمَرُ بن الخَطَّابِ فَقَالَ : يَا رَسُول الله، أنذن لي أضرب عنقه فَقَالَ : دَعُه، فيستخرج من ضِئضِى - أي من جنس - هذا قَوْم يَمرقون مِن الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر أحدكم إلى نَصْلِهِ فلا يجد شَيْئاً، فينظر إلى نضيه فلا يجد شَيْئاً... وفي تاج العروس: 379/4 أيضاً أسمه حرقوص بن زهير. وأنظر النهاية : 19/2، وأنظر تاريخ الطَّبَرِيّ: 72/5ط أخرى، ومروج الذهب : 415/1، وتذكرة الخواص لابن الجوزي: 100، والمسترشد في الإمامة : 673.
2) أنظر، مُسْنَد أحمد: 139/1، صحیح مُسلم : 116/3، فتح الباري: 264/12، المصنف لعبد الرزاق الصَّنعاني : 358/3 ح 5962، المُصَنَّف للكوفي : 453/7 ح 5 و : 737/8 ح 35، مسند أبي يعلى: 1 / 374 ح 480، نظم دور السمطين : 116، الهُدَايَة الْكُبْرَى : 146، خصائص النسائي: 138، تأريخ بغداد : 159/12، المدونة الْكُبْرَى : 49/2. كفاية الطالب : 177.
3) أنظر، تاريخ الطَّبَرِيّ : 64/4، و : 49/6، الإمامة والسياسة : 169/1، تاريخ الطَّبَرِيّ : 86/5، وأبن الأثير : 406/2، والفتوح لابن أَعْثَمْ: 125/4، أسد الغابة : 1 / 385 وما بعدها، و: 351/2 و 371 و 375، و: 150/3 و 354، و : 4 / 100 و 315، و : 122/5 و 143 و 274، وشرح النهج للعلامة الخوئي: 122/1، وشرح النَّهْج لابن أبي الحديد: 272/2، ومروج الذهب: 416/2، ومُسْتَدرَك الوسائل : 2 / 254، والطَّبَرِيّ : 49/6، كنز العمال : 6/ 71 ح 1179، و : 289/11 و 302، ومجمع الزوائد : 242/6.
مُعَاوِيَةَ وأَصْحَابه، إنْ تَمكن مِنهُم الإِمَام قَضى عَلَيْهِمْ وَعَلَى دَولتهُم، ولا يُبقي إلا مشمراً، وهَارِباً.### النَّبِيِّ وَعَلي فِقْرَة 26 - 27:أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلاكِلِ الْعَرَبِ، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةً وَمُضَرَ، وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصة وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَ أَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَ يَكْنُفْنِي فِي فِرَاشِهِ، وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَكَانَ يَمْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَ مَا وَجَدَ لِي كَذَّبَةً فِي قَوْلٍ، وَلَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، وَ لَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيمَا أَعْظَمَ مَلَكَ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَ مَحَاسِنَ أَخْلاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ (26). وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ أَنْبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاقِهِ عَلَماً، وَ يَأْمُرُنِي بِالْإِقْتِدَاءِ بِهِ. وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ، وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتُ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وَخَدِيجَةَ، وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَ الرِّسَالَةِ، وَأَتُم رِيحَ النُّبُوَّة.)وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الرَّبَّةُ ؟ فَقَالَ: «هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَ تَرَى)
مَا أَرَى إِلا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيِّ، وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ، وَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ خَيْرٍ» (27.)اللُّغَة:الكلاكل : الصَّدُور، والْمُرَاد بِهَا هُنا كُبّار الْعَرَب. ونَوَاجِمَ قُرُونِ : مَا بَرَز مِنْهَا، والمَرَاد بِهَا هُنا سَادَات القبائل. وعَرْفَهُ : رَائِحَته الزَّكِيَة. وخَطْلَةً : الخَطَأ. والْفَصِيل : ولد الناقة. وحِرَاءَ - بكسر الحاء - جَبَل مِن جِبَال مَكَّة المكرَّمَة.الإعراب:بِكَلاكِلِ البَاء زَائِدَة، والفَتحة عَلَى رَبِيعَةَ وَمُضَرَ عَلامَة الجَر، لأَنها مَمنُوعَان مِن الصَّرِف لِلعَلَمِيّة والتَّأنيث، وَقَالَ الشَّيخ عَبْدَه : هُما بَدل مِن قُرُونِ (1. والأظْهَر جَرَهُما بالإضافة.)### الْإِمَام عَلَيّ:(أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلاكِلِ الْعَرَبِ، وَكَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ.. إلخ. مَن دَرَس تَارِيخ الإِسْلام رأى أن الدَّعْوَة الإِسْلامِيَّة مَرَت فِي العَدِيد من المَرَاحِل، والأَسَاسِية مِنْهَا ثَلاث :)المَرْحَلَةُ الْأُولَى : إعلان الدَّعْوَة وَبَتها بلا عُنف، والثَّبَات عَلَيْهَا مَهمَا تَكُن الظُّرُوف والمَصَاعِب، وتَحمُّل العَذَاب، والتنكيل بلا مُحاولة الدفاع والمقاومة، لأنّ
1) انظر، شرح نهج الْبَلاغة : 182/2 مَطبعة الاِسْتِقَامَة مِصْر.
المقاومة مع الْعَجْز انتحار... وقد تحمَّل النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، والصَّحَابَة الكَثِير فِي هَذِهِ المرحلة، واسْتُشْهِدَت مِنْهُم أُمّ عَمَّار، وأبوه ياسر، واسْتَمَرَت هَذِه المرحلة (13) سَنَة فِي مَكَة (1).)ولَكَ أنْ تُسميها بمرحلة المقاومة السَّلبية، وبمثلها أو قَرِيب مِنْهَا حَرر غَاندِي الهند من الاستعمار. ومِن أَقْوَاله : «إذا كنا صادقين فإن القمع لَنْ يُثبط هِمتنا، ولَن يَدفعنا إلى المبادرة الغَاضِبَة بِجَابَهَة الْعُنْف بِالْعُنْف، ذَلِكَ أنّ الْعُنْف انتحار» (2. أي لمن لا يملك القُوَّة الرادعة.)المَرْحَلَةُ الثَّانِيَة : هِي مَرْحَلَة الدفاع، بعد إكتمال العِدّة والعَدَد لردع الْعُدْوَان مَع توطين النَّفس عَلى الفِدَاء والتَّضحِيّة، ومَن هَذه المَرْحَلَة حَرْب بَدْر الْكُبْرَى (3.
1) انظر، شرح الأزهار : 280/1، الكافي: 439/1، رسائل في الْغَيْبَة للشيخ المفيد : 5/3، الرّحلة المدرسية : 227/2، الهدى إلى دين المصطفى: 87/1، الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 102/2. إحقاق الحق : 232، بحار الأنوار: 69/19 / 19، وسائل الشيعة : 27/2.
2) أنظر. غَاندِي والحركة الهندية : 154، ترجمة سلامة مُوسى القبطي المصري، وبالمناسبة فَسَلامة مُوسى مضطرب الاتجاه والتفكير، ودَعَا إلى الفرعونية، وحَجَد الدِّيَانَات فِي شَبَابه.
3) يَزْعَم بَعْض ذَوِي النفوس المريضة أن الرَّسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أكره النّاس عَلى قَبُول الإِسْلام ونشره في السَّيْف. لكن هَذَا الزَّعم يُخالف صَرِيح قُوْلَه تَعَالَى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) الْبَقَرَة : 256. ومن ﴿لَا هَذَا نَفهم أنّ الإِسْلامِ وَجَد طَرِيقه إلى الْقُلُوب عَن طريق الحَجّ مَثلاً، ومُكاتبة الملوك والأمراء في عصره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واحترام الحريات الدينية، والمحافظة على ميزان العدل بَيْنَ الْعَرَب والفرس والرُّوم وغيرهم. وقَد مَكت رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمَكَّة ثلاث عشرة سَنَة يَدعو النَّاس بالحجّة والمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ رَغم مَا أَذَاقِ مِن قُرَيْش هو وأَصْحَابه الأذى والتشريد والحصار والتجويع والتهجير، لكنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ضرب المثل الأعلى في الصبر والتحمّل كما قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) الأَحْقَاف : 35. ولكن لما تفاقم الأمر أذن الله لرَسُوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والمُؤْمِنِين بأن يُقاتلوا في سبيل الله كما في قوله تَعَالَى: (أذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) الحَجّ : 39 - 40، وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ - إلى قوله: - فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) الْبَقَرَة : 190 - 193، وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقْتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ...) النِّسَاء: 75، وقوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)، التَّوْبَة : 36، وغَيْر ذَلِكَ من الآيات كما في سورة الأَنفَالِ : 58 و 15 - 16، والنِّسَاء : 74 و 104، ولَسْنَا بصدد بيان وشرح وشرح ذلك، هذا أولاً.)وثانياً : هُنالك غَزْوَات وسَرَايا لرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ. والغَزْوَة هي ما خرج فيها الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع المقاتلين. والسّرِيه هي مالم يخرج فيها بنفسه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد يعقد اللواء فيها لرجل من أَصْحَابه، وقَد يُطلق على السَّرِيَّة غَزْوَة كَمَا فِي غَزْوة مؤتة وذات السَّلاسل، وقد أختلف المؤرخون في عدد الغَزْوَات كما اختلفوا في عدد السَّرايَا، وكَذَلِكَ أختلفُوا في مَن هي أوّل غَزْوَة وتأريخها وترتيبها، فمثلاً قال الواقدي في مغازيه : 2 / 580 : كَانَتْ أوّل السَّرايا بقيادة حمزة بن عبد المطلب وفي شهر رمضان من السَّنة الأُولَى لِلْهِجْرَةِ. أمّا الطَّبَرِي في تأريخه : 259/4 وأبن هشام في السِّيرة : 243/2 فقالا : إنّ أوّل سَرِيَّة هي العبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب إلى ماء بالحِجَاز. وقيل : إنّ أوّل غَزْوَة كَانَتْ في صَفر من السَّنة الثَّانِيَة.)أمّا غَزْوة بدر الْكُبْرَى فَقَد كَانَتْ في شهر رمضان من السَّنة الثَّانِيَة لِلْهِجْرَة لسبع عَشرَة لَيْلَة خَلت مِنْهُ. والتي تدب الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ نفراً من المُسْلِمِينَ لاعتراض قافلة قُرَيْش القادمة من الشام، ولما علم أبو سفيان بِذلِكَ غير طَرِيقه وتُوجّه إلى البحر وسار بحذائه ثُمَّ انْسَل إلى مكة...)وقد ألتقی الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قُرَيْش عند مَاء بَدْر (قَالَ أبو اليقظان: إنه - بذر - رجل مِن غفار رهط أبي ذَرَ الغفاري. وَقَالَ الشَّعبي : بذر بِئر كَانَتْ لرَجُل يُسمى بَدْراً) وَهِي أول حرب كان فيها الاِمْتِحَان حيث قال تَعَالَى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) (الْأَنْفَال : 5 و 6).)وَكَانَ عَدد المُشْرِكِين يتراوح بين (900 و 1000 كما جاء في تاريخ الطَّبَرِي : 267/4 والسيرة لابن هشام : 354/2، وفيهم العباس بن عبد المطلب وأبو جهل، وقتل من المشركين (70) من رجالاتهم وسَادَاتهم، أمّا المُسْلِمُون فقد أسْتُشْهِدَ مِنهم أَرْبَعَة عَشر. وَهِي الْوَاقِعَة الَّتِي قَال فِيها ضَمضم بن عَمْرُو الغفاري - كما نقل أبن الأثير في الكامل : 116/2 - بَعد أنْ جَدع بَعِيره وحول رحله وشَقِّ قميصة -:اللَّطِيمَةُ اللَّطِيمَة، يَا مَعشر قُرَيْشٍ أَحْوَالكم مع أبي سُفْيَانَ قَد عَرض لهُ مُحمّد وأَصْحَابه، لا أدري إن تدركوها، الغُوثُ الغُوث... فتجهزت قُرَيْش ولم يتخلّف من أشرافها إلا أبو لهب، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة.)أمّا أَصْحَاب رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فقد نص المؤرخون أنّ عددهُم كَان (313) رَجُلاً ولم يَكُن فِيهِمْ إِلَّا فارسين : المقداد بن عَمْرُو الكندِي، والزبير بن العوام، وكَانَتْ مَعهم (70) بَعِيراً وكَانُوا يَتَعاقِبُونَ عَلَى البَعِير بَيْنَ الرَّجُلين والثلاثة والأرْبَعَة، فمثلاً كَان بَيْنَ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعلي، وزيد بن حارثة بعير. وكَانَتْ رَايَة النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما جاء في الكَامِل لابن الأثير : 2/ 116 والسيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : 143/2.)وكان الْمُشْرِكُون قد أصروا عَلَى الْقِتَال لكثرتهم وقلة المُسْلِمِينَ ولذَلِكَ تَحدّتهم قُرَيْش بالبراز واقترحت الأكفاء، وفي وقتها قال أبو جهل: ما هُم إلا أكلة رأس أو بَعننا إِلَيْهِمْ عَبِيدنا لأخذُوهم أخذَاً بِاليد. وَقَالَ عتبة بن ربيعة: أترى لهم كميناً أو مداد؟ قبعثُوا عُمَرَ بن وهب الجُمَحِي وكان فارساً شُجاعاً، فجَال بفرسه حَتَّى طَاف عَلَى عَسكر رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ثم رجع فقَال: مَاهُم كَمِين ولا مداد (تأريخ دمشق: 302/143/1).)وَقَالَ : لا أستعد الفريقان للحرب ويرز من صَفّ المُشْرِكِين عتبة بن ربيعة وأخوه شَيْبَة وأَبْنِهِ الوليد بن عتبة وقَالُوا : يَا مُحمّد، أخرج إلينا أكفاءنا من قَرَيْش، فبرز إِلَيْهِ ثَلاثَة نفر من الأَنصار وانتسبوا هم فقَالُوا: أرجعوا إنّما نُريد الأكفاء من قُرَيْش. ثُمّ نَادوا يَا مُحمّد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فنظر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إلى عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب وكان لهُ يَوْمَئِذٍ سَبعون سَنَة فَقَال : قُم يَا عُبَيْدَة، ونظر إلى حمزة فقال : قُم يَا عمّ، ثُمَّ نَظر إِلى عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : قم يا علي - وكان أَصْغَرَ الْقَوْمِ - فَأَطلَبُوا بِحَقِّكُم الَّذِي جعله الله لكُم، فقد جاءت قُرَيْشٍ بِخيلائها وفخرها، تُرِيد أَنْ تُطفئ نُور الله، ويأبى الله إلا أنْ يتمّ نُوره. ثُمَّ قَالَ : يَا عُبَيْدَة عَلَيْكَ بِعُتبة بن ربيعة، وَقَالَ لحمزة : عَلَيْكَ بِشَيبة، وَقَالَ لِعَليّ : عَلَيْكَ بالوَلِيد، فمروا حَتَّى أنتهوا إلى الْقَوْمِ فَقَالُوا : أكفاء كرام.)فَحمل عُبَيْدَة عَلى عُتْبَة فَضَرَبه على رأسه ضَربة خَلقت هامته، وضَرب عُتْبَة عُبَيْدَة عَلَى سَاقه فأطنّها فسقطا جميعاً وأحتمل عُبَيْدَة حيّاً بعد أن قدت رجله فتات بالصفراء، ورثاه كَعب بن مالك في أبيات قَال فيها كما في الأحكام السُّلْطَانِية للماوردي: 2/ 38 :أيَا عَين جُودِي ولا تَبخَلي*** بدمعك وكفاً ولا سُرِّرِيعُبَيْدَة أَمْسَى ولا نَرتُجِيره لعُرف غدا ولا مُنكروحمل شَيبة على حمزة فتضاربًا بِالسِّيفين حَتَّى أَثْثلها، وحمل أمير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى الوَلِيد فَضَرَبه عَلَى عاتقه فأخرج السَّيْف من إبطه. قال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): لقد أخذ الوليد يمينه بشماله، فضرب بها هامتي، فظننت أنّ السَّماء وقعت عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أعشق حمزة وشَيبة، فقَال المُسْلِمُون : يَا عَلَيَّ، أَمَا تَرَى الكَلْبِ نَهَز عَمّك - أي دَفعه - فَحَمل عَلَيْهِ عَلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ : يَا عَمَ، طَأطئ رأسك، وكان حمزة أطول من شَيبة، فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فطرح نِصفه، ثُمَّ جَاء إِلى عُتْبَة وَبِهِ رَمق فأجهَرْ عَلَيْهِ. (أنظر دائرة المعارف الإسلامية : 1 فصل غَزْوة بدر، البحار : 223/19، الإرشاد للشيخ المفيد : 66 فصل 30 باب 2).)وفي قتل عُتْبَة وشيبة والوليد تقول هند بنت عتبة :أيَا عَين جُودِي بدمع سَرب عَلَى خَير خندف لم ينقلبتداعا لهُ رِهطه غدوة بنو هاشم وبنو المطلبونقل صاحب شواهد التنزيل : 1 / 512 - 545 تحقيق المحمودي عن جابر بن عبدالله قَالَ : لما قتل 512/1 عتبة بن ربيعة يُوم بَدْر نَديته أبنته هند وندبت عمها شيبة، وندبت أخاها الوليد، وهَجت بني هاشم، فلما جاء هجاؤها أراد حَسَّان أنْ يُجيبها، فأرسلت إلَيْهِ عَمرَة أخت عبد الله بن رواحه (رَحمهُ اللّه دَعْنِي حَتَّى أجيبها. فكان هجاؤها :)إنِّي رَأَيْتَ نِساء بعد إصلاح في عَبد شمس فَقَلْبِي غَيْرُ مُرتاحهاجت لها أعين تَترى وتَتَبَّعها من رأس مَحْزُونَةٍ مَا إِنْ لَهَا لاحلما تنادت بنُو فهرٍ عَلى خنقٍ والموت بَيْنَهُمْ يَسعى للأرواحنَادِيت أسداً لأشاد خضارمة إلى الكفاح فما آبوا بِتُفتَاحإلى أن قال: فأجابتها عمرة أخت عبدالله بن رواحة:يا هند صبراً فقد لاقيت مهبلة يوم الأعنة والأرماح في الرَّاحإذ الفوارس من أوس كأنّهم*** سُرج أضاءت عَلَى خَدرٍ والواحتَغدُو بِهِمْ ضَمر كمت مُسوَّمة*** إلى الكفاح عليها كل كفاحإلى أن قالت :والدَّاعِيَان عَلي وأبن عمته ***امست جَلايلهُم مِنْهَا بأتراحيا هِند إِنْ تَصبِرِي فَالْقَتْل عادتنا ***هَذَا أَخُوكَ عَلَى مَدخوة الدّاحولَسْنَا الآن بصدد بيان الأشعار التي قيلت في يوم بدر.تم بارز على (عَلَيهِ السَّلَامُ العاص بن سعيد بن العاص بعد أنْ أحجم عنه من سواه فلم يلبثَه أَنْ قَتله. وبرز حَنْظَلة بن أبي سُفْيَانَ فَقتله، وبَرز إِلَيْهِ طعيمة بن عدى فقتله، وقتل بعده نوفل بن خُوَيْلد. وكان الفتح لرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِسَيْف عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمعونة الله له وتأييده وتوفيقه ونصره، وبهذا قَالَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَقرَيْش بعد أنْ رَمى كفّاً من الحصى في وجوههم : شاهت الْوُجُوه. كما جاء في تفسير الكشاف للزمخشري والفخر الرَّازي في تَفْسِيره لذيل الآية: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) الأَنْفَال : 17. وذكر ذَلِكَ السيوطي في الدر المنثور، وأخرجه الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) الْأَحْزَاب : 25 (أنظر الإرشاد للشيخ المفيد : 61)..)وجاء في صَحِيح البُخَاري كتاب بدء الخلق وفي باب قتال أبي جهل ح 4428 ويشرح الكرماني : 17 / 216 ط بيروت و : 15: 161 روی بسنده عَن عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: أنا أوّل من يَجثُو بَيْنَ يَدِي الرَّحمن للخصومة يوم القيامة. قَالَ : وَقَالَ قَيْس بن عباد : وفِيهِمُ نزلت: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) الْحَج 19. قَال: هُم الذين تَبارَزُوا يُوم بَدْر حَمْزَة وعَلي وعُبَيْدَة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعُتْبَة : والوليد بن عُتْبَة. وروى ذَلِكَ مُسْلِم في صحيحه في كتاب التَّفْسِير للآية الكريمة : 3033/245/8، وإبن ماجه أيضاً في صحيحه في أبواب الجهاد والحاكم في المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : ج 3 في تَفْسِير سُورَة الحج، والبيهقي في سننه : 276/3، ونُور الأَبْصَار للشبلنجي: 78 في ذكر قِصَّة مُبارزة عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُوم بَدْر، : والسيوطي في الدر المنثور، وحلية الأَوْلِيَاء : 145/9.)وروی بسنده عن محمد بن إدريس الشافعي قَالَ : دَخل رجل من بني كنانة على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ فقال له : هل شهدت بَدْراً ؟ قَال: نعم، قال: مثل مَن كنت ؟ قَال : غُلام قمدود، مثل عَطباء الجلمود، قَال : فحدثني مَا رَأَيْت وحضرت قَال: مَا كنا شهوداً إلا كأغياب، وما رأينا ظفراً كَان أوشك مِنْهُ، قَال : فَصِفٌ لي مَا رَأَيْت ؟ قَالَ : رَأَيْت في سُرعان الناس علي بن أبي طالب غُلاماً شاباً لَيثَاً عَبْقَرِياً يُفري الفرى لا يلبث له أحَدٌ إلا قتله، ولا يضرب شَيْئاً إلا هتكه، لم أر من الناس أحداً قط أنفق يحمل حملة ويلتفت التفاتة... وكان لهُ عَيْنَان فِي قَفَاه وكان وتُوبه وثوب وحش... وروى مُبارزة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ يُوم بَدْر كل من صاحب الرّياض النضرة : 225/2، والطَّبَرِي في تأريخه : 197/2 و 269، وكنز العمال : 273/5، شواهد التنزيل : 503/1 و 532 - 545، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى لابن سعد: 17/3 ط بيروت، وفي أمالي المحاملي: 24/2. أسباب النزول للواحدي : 231، المعجم الكبير : 144/1، المناقب لابن المغازلي : 264 ح 311)وقفة وتأمل :رويت معركة بدر بعدة طرق ولَسْنَا بصدد بيانها بل نأخذ تفصيل المخبر من أبن هشام في سيرته : 2 / 253 وصَحِيح مُسْلِم : 1403/3 لنقطع دابر أصْحَاب النفوس المريضة والأقلام المأجورة المشككة في كلّ واقعة وفضيلة الأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ من أمثال : ابن كثير، وأبن تيمية، وأبن خلدون، وأين القيّم الجوزية، ومن تبعهم في ذَلِكَ المنهج المخالف لقوله تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).)والملفت للنظر في هذه الوقفة هو قول المؤرخ والأستاذ صاحب تاريخ الإسلام السياسي والديني. والثقافي والاجتماعِي الدكتور حسن إِبْرَاهِيم حسن والمدير السَّابق لجامعة أسيوط وخريج الجامعات الأوربية والوِلايات المتحدة الأمريكية يقول تحت عنوان «غَزْوَة بَدْر الكَبْرَى»: 107/1 ط 7 دار الأندلس بيروت في الهامش رقم 3: إنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أول من سمى عبد الله بن جحش بأمير المؤْمِنِينَ، وهو أوّل من سُمّي بهذا الإسم... ويسرد القصة كاملة ولكن لم يُشر إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا من بَعِيد ولا من قَرِيب بل ذكر عُذراً واهياً لمن تخلف عن المعركة وهو عُثمان بن عَفَّان كما جَزاء في : 110 بأنه تخلف بأمر الرَّسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع أسامة بن زيد في المدينة لتمريض رقية بنت الرَّسُول وزَوْجَة عُثمانَ الَّتي فاضت روحها والمسلمون في المعركة، وأتى البشير بالنَّصر وهُم يوارونها في التُّراب.. ثُمَّ يَتَكَلَّم عن الأَنفَالِ وتَقسيم الغنائم وكأنّ كتابه جاء لشرح المبررات لأصحاب الأعْذَار وتقسيم الغنائم مع العلم أنه لم يذكر طَلْحَة بن عُبَيْد الله وسعيد بن زيد بن عَمْرُو بن نفيل وأبا لبابة والحارث بن حاطب الأَنْصَارِيَان، وهَؤُلاء كلهم من المتخلفين عن معركة بدر. (أنظر، المعارف: 154).)ولكن لا أقول له إلّا ما ذكره هُو فِي نَفْس الصفحة الشطر الثاني حَيْث يقول : ونَبِي كُلّ فَرِيق مَنهَؤُلاء - الّذين أحاطوا بالرَّسول يَحرسونه خشية أن يغتاله المُشْرِكُون والذين دخلوا في لهوات الحرب - نَصِيب الآخرين وأستحقاقهم في النفل... وأَقْوَال : فإنّك أيها الأستاذ قَد نَسِيت أو تجاهلت أو أنْسَاك الله جهاد وبطولات الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ ولا أريد أن أذكرك بقوله تَعَالَى: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنساهُمْ أَنفُسَهُمْ) بل أورد لَك تك ما قالته المصادر التاريخية فقط دون تعليق حفظاً للألقاب التي تحملها والموجودة على صفحات كتابك.)روى ابن هشام وَقَالَ : وأتاه الخبر عن قُرَيْشٍ ومَسِيرهُم ليمنعُوا عِيرهم، فأستشار الناس وأخبرهُم عن قريش، فقام أبو بكر الصِّدِّيق فقال وأحَسَن، ثُمَّ قَام عُمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد... ثم ذكر ما قاله المقداد وما قالته الأَنْصار، بينا لم يذكر مَا قَاله أبو بَكْرٍ ثُمَّ عُمْرَاثُمّ وفي صحيح مُسْلِم : فتَكَلَّم أبو بكر فأعرض عَنهُ، ثُمَّ تَكَلَّم عُمَرَ فأعرَض عَنْهُ، فقام المقداد... لاحظ أنّ مُسلماً هكذا ذكر أيضاً، ولم يذكر ما تَكَلَّم به أبو بكر، وكلاهما لم يما ذكر الخبر... ولكن نَحْنُ تُنقل تمام الخبر من مغازي الواقدي : 48/1 - 49 ط أكسفورد، وإمتاع الأسماع للمَقْرِيزِي : 74 _ 75. قال الواقدي : قَال عُمَرَ بن الخَطَّابِ : يَا رَسُول الله، إنّها والله قُرَيْس وعزّها والله ما ذَلَّت مُنذ عَزَّتْ، والله ما آمَنَت مُنذ كَفَرَت والله لا تُسلم عزّها أبداً ولتقاتلتك، فأتهب لذلِكَ أَهْبَتَه وأعدَّ لِذَلِكَ عُدَّته. ثم قام المقداد بن عَمْرُو فَقَالَ : يَا رَسُول الله، أمض لأمْرِ الله فَنحن معك، والله لا تَقُولُ لَكَ كَمَا قَالت بنو إسْرَائِيل نَبِيّها (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قاعِدُون الْمَائِدَة : 24، ولكن أذهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعكُما مُقَاتِلُون، والذي بعثك بالحقِّ لو سرت بنا إلى يزك الغياد لسرنا معك... وَقَالَ سعد بن معاذ : والذي بعثك بِالحَقِّ لو استَعرَضت هَذَا البحر فخُضْتَه لخضناه معك. مَا بَقِي منا رَجُل وَصِل من شئت، وأقطع من وخُذ من أَمْوَالنا ما شئت، ومَا أخَذت من أَمْوَالنَا أحَبّ إلينا مما تركت.)هَذَا من جانب أيُّها للدكتور العزيز ومن جانب آخر فقد أثبت أهل السير والتاريخ وأتفق عُلَماء الحديث من الفريقين أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أعطى عَلِيَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) رايته يوم بَدْر، فهَذا الطَّبَرِي فِي تَارِيخه : 138/2 قَال: وكان صاحب راية رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصاحب راية الْأَنْصَارِ سَعد بن عبادة، وَقَالَ صاحب الاستيعاب بهامش الإصابة : 33/3:... وأجمعُوا عَلى أنّ عَلِيَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) صَلَّى القبلتين وهَاجر وشهد بَدْراً والحديبية وسائر المشاهد، وأنه أبلى ببدر وبأحد وبالخندق وبخيبر بلاءً عَظِيماً.)وأما أبن عساكر في تاريخ دمشق : 142/1 ح 200، وفي 145 ح 208، فقال : إِنَّ رَايَة الْمُهَاجِرِينَ كَانَتْ مَع عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ في المواقف كلّها يوم بدر، ويُوم أحد، ويُوم خَيبر، ويُوم الأَحْزَاب، ويُوم فَتح مَكَّة، ولَم نزل معه فى المواقف كلّها.)أمّا تشكيك الطَّبَرِي في : 226/4 من حضُور الْعَبَّاس غَزْوَة بَدر فهو تشكيك في غَيْر تحله ولَسْنَا بصدد مناقشة الطَّبَرِي وأمثاله حَتَّى أنّ ابن قتيبة فى معارفه : 154 أوّل ما ذكر الْعَبَّاس بن عبد المطلب. وكَذَلِكَ في سيرة ابن هشام: 321/22 بل نورد الأحَادِيث التي وردت من قبله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بالنهي عن قتل الْعَبَّاس خَاصَّة، وقتل بني هاشم عامة. وكَذَلِكَ نهى عن قتل أبي البختري بن هشام بن الحارث بن أسد مع ملاحظة أن نهيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَن قتل بَنِي هَاشم عَامَة ونهيه عن قتل عمّه خَاصَّة تأكيد وتَشدِيد ومبالغة لما عنده من العلم بأنهم أخرجُوا كَرْهَاً ولَم يؤذُوا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكَان يَأمل توفيقهم وهدايتهم إلى الله تَعَالَى وَرَسُوله ومَع ذَلِكَ فقد أبى أبن البختري عِندما قَال له المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار أن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نهانا عن قتلك، فقال أبن البختري : أنا وصاحبي - جُنادة بن مليحة من بَني لَيثَ ؟ قَالَ لَهُ: لا والله ما نَحْنُ بتاركي صاحبك وما أمرنا رَسُول الله إلا بك وحدك... فأختار الْقِتَال وقتله المجذر.)ومن أراد الإطلاع على ذَلِكَ فليراجع المصادر مثل الكامل في التاريخ : 89/2، والطَّبَرِي في تأريخه : 282/22، والصَّحِيح من سِيرة النَّبيِّ الأَعْظَم: 172/3، والسِّيرة النَّبَوِيَّة لابن هشام : 281/2، والسيرة الحلبية : 168/2، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 133/14 و 183، والبداية والنهاية : 284/3، ومجمع البيان: 559/4، وغيرها.أمّا أنّ الْعَبَّاس قَد أسر فَلا شك ولا ريب في ذَلِكَ، وقد نص عَلَيْهِ كلَّ من أرّخ وَقعَة بَدْر من أهل السير والأَخْبَار، وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الذي قَال: سمعت تضور عمّي الْعَبَّاس في وثاقه فمنعني التَّوْم، فقاموا إِلَيْهِ فأطلقوه فنَام رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). (أنظر، أبن الأثير في الكَامِل: 89/2، والدرجات الرفيعة 80، ومجمع الْبَيَان : 559/4، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 182/14، وكنز العمال : 272/5 ح 5391، والصَّحِيح من سِيرة النَّبِيِّ الأَعْظَم: 520/3. والبداية والنهاية : 285/3، وصَحِيح مُسلم: 157/6، شواهد التنزيل : 511/1 ح 541، الماوردي : 46/2.)وذكره أيضاً أبن قتيبة في المعارف : 155، قَالَ الْعَبَّاسِ : يَا رَسُول الله إِنَّ هَذَا وَالله أَسرني بعدما أسرني رَجُل أجلح من أحسن النَّاس وجهاً، عَلى فَرس أبْلَق ما أراه فى الْقَوْم، فقَال الْأَنْصَارِي أنا أسرته يا رَسُول الله، فقال : أسكت لقد أيدك الله عز وجل بملك كريم، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: كيف أسرت الْعَبَّاس يَا أَبَا اليُسر، قال : يَا رَسُول الله لقد أعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُل مَا رَأيته قَط هيئته كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لقد أغانك عَلَيْهِ مَلك كَرِيم وَقَالَ للعباس : افدِ نَفْسَك، وأبني أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عُمَرَ، فقال : يَا رَسُول الله إنّي كُنت مُسلماً ولكن القَوْم استكرهوني، فقال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أعلم بأسلامك. فإنْ كَانَ مَا قُلت فإن الله يجزيك. فقدى الْعَبَّاس نَفْسَه بمئة أوقية وفدى كل واحد من بني أخيه وخليفه بأَرْبَعِين أوقية. (أنظر الأحكام السُّلْطَانِية للماوردي:46).)ولذا نجد مُفتي الشَّافِعِية أحمد دحلان صاحب السيرة النَّبَوِيَّة في 504/1 من هامش السيرة الحلبية يُدافع عن الْعَبَّاس ويقول : كَان الْعَبَّاس يَكتُم إسلامه وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يطلعه على أسراره حين كان بمكة. وكان (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أمره بالمكوث في مَكَّة ليكتب له أسرار قُرَيْش.)أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 142/5 ط دار الفكر، و : 134/6 ط مطابع دار الشعب، و : 116/3 ط الخيرية بمصر، و : 5 / 79 ط بمبي. أسباب النزول للسيوطي بهامش تفسير الجلالين : 442 ط بيروت. تفْسِير القُرطبي : 25/12، وتفسير ابن كثير : 212/3.أما الخاص بن سَعيد بن العاص بن أُمَيَّة. وعامر بن عبد الله، ونوفل بن خُوَيلد بن أسد، ومسعود بن أُمَيَّة بن المغيرَةَ، وقيس بن الفاكه، وعبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، والعاص بن منبه بن الحجاج، وحاجب بن السائب ذكرهُم الواقدي في المغازي : 48/1 ط أكسفورد. والبُخَاري في صحيحه : 098/6 صحيح مُسْلِم : 245/8، والطَّبَرِي في، والطَّبَرِي في تأريخه : 197/2 و 269. وكنز العمال : 273/5، والفلكي في الإبانة، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 208/14، والمغازي للواقدي: 143 - 153 ط آخر، والسيرة النَّبَوِيَّة لابن هشام: 436/2. بحار الأنوار : 19/ 291 و 293 و 365. المعارف لابن قتيبة : 156.
وأُحْد (1
1) أحد: أسم جَبل مِن جِبَالِ الْمَدِينَة غَيْر بَعِيد عَنْهَا سُميت باسمه المعركة المشهورة بَيْنَ قُرَيْش وَالْمُسْلِمِينَ. مُحاولة انتقام المشركين من المُسْلِمِينَ ثَأراً لِبَدْر قُتل فِيهَا حَمزة ومُصْعَب بن عمير وعبد الله بن جبير وغيرهم، وقعت في 7 شوّال، وقيل في 15 شوّال يوم السبت سَنَة (3هـ). وخرج رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عصر الجمعة والقِتال يوم السبت، وكان عدد المُشْرِكِين حوالي ثلاثة آلاف فارس وقائدهم أبو سُفْيَانَ وزوجته هند بنت عتبة تدق الدفوف ومَعَهُم مائتا فرس وثلاثة آلاف بَعِير. كما ذكر أبن الأثير في الكامل :149/2. وفي كشف الْيَقِين: 126 يَذكر الْوَاقِعَة في شوّال سَنَة (3هـ). المغازي للواقدي: 199/1.)وعَقَد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةِ أَلوِية على ثلاثة رماح : لواء المُهَاجِرِينَ بيد الْإِمَامِ عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولواء الأوس أسيد بن حضير، ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر، وقيل بيد سعد بن عبادة وأعطى الراية - وَهِي العَلَمُ الأَكْبَر واللواء دونها - لِعَلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما ذكر ذَلِكَ صَاحب أعيان الشيعة : 385/1. وسارت (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من المدينة بعد العصر بألف رَجُل واستخلف على المدينة أبن أم مكتوم. ولما وصل النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى مكان يُسمّى الشَّيخِينِ عَرَضَ عَسكَرَه ويَات هُناك، ثُم سار إلى أن وصل إلى بُستان يُسمّى الشوط - بَيْنَ المدينة وأحد - ومِن هُناك رجع عَبدالله بن أبي بن سلول عبد الله بن أبي بن سلول مع ثلاثمئة مُنافق بعد أن قال : عصاني - يقصد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وأتبع الوِلدَان. (تاريخ الإسلام) لحسن إِبْرَاهِيمَ حَسن: 111/1 نقلاً عن الطَّبَرِي 4 / 226 - 28. ونقل ابن قتيبة في معارفه : 159 انه قال : والله ما نَدرِي عَلامَ نَقتل أنفسنا.)وجَعَل (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أحد خَلف ظهره بيْنَمَا الْمُشْرِكُون أسْتَقبلوا أَحداً ولواؤهم بيد طَلْحَة بن أبي طَلْحَة والَّذِي يُسمّى بكبش الكتيية. كما) ذكر ذَلِكَ الطَّبِرِي في تأريخه : 187/2، والإِرْشَاد للشيخ المفيد : 43، والمناقب لابن شهر آشوب: 191/1، وكشف اليقين في فَضَائِل أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لابْن المطهر الحلّي : 127، والكَامِل في التاريخ لابن الأثير : 2 / 150، ودائرة المعارف الشيعية لحسن الأمين : 1 مَعركة أُحد، والواقدي في المغازي: 48/1 و 208 ط أُخرى ط أكسفورد، وإمتاع الأسماع للمَقْرِيزِي: 74 و 113 و 118).)وصَفَ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه، وجعل الرُّمَاة خلف العسكر عِند فَمّ الشعب الذي في جبل أحد، وكَانُوا خَمسِين رَجُلاً، وأمر عَليهم عبدالله بن جُبير، وقيل عبد الله بن عُمَرَ بن خَرم. (كما ورد في كشف الْيَقِين: 126). وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أثبت على مكانك إنْ كَانَتْ لَنَا أو عَلِينا، فإنا لا نزال غالبِين مَا مَلكتُم مكانكُم، فإن أدخلناهُم مَكَّة فلا تبرحُوا، وإن رأيتموهم قد هَرَمُونا حَتَّى أدخلونَا المَدِينَة فَلا تَبرحُوا، والزمُوا مَرَاكزكُم. (أنظر، الكَامِل في التاريخ : 150/2). وقيل : إنّه قَال لهم : لا تَبرحُوا مِن مكانكُم وإنْ قُتلنا عَن آخرنا. فإنّما نُوتى من موضعكُم هَذَا. (كشف الْيَقِين في فَضَائِل أَمِير المُؤْمِنِينَ: 126). وقيل : إنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لعبد الله بن جبير: أنضح عنا الخيل بالنبل لا يَأتونا من خَلفنا، وأثبتوا مكانكم إن كَانَتْ لَنَا أو كَانَ عَلينا، فإِنَّا إِنما نُوتى مِن هَذَا الشعب شعب أحد. (تاريخ اليعقوبي : 48/2).)قال ابن عباس : لما كان يوم أحد صعد أبو سُفْيَانَ الجبل فقال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: أَللَّهُمَّ إِنه لَيْس لهم أن يعلونَا. (أنظر، الكَامِل في التاريخ : 2/ 160، دائرة المعارف الشّيعية : 257/1 بَاب مَعركة أُحد). ومكث أبو سُفْيَانَ سَاعة وَقَالَ: يُوماً بيوم إنّ الأَيَّام دول وإنّ الحزب سِجَال، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : أَجِيبُوه. فقَالُوا : لا سواء. قتلانا في الجنَّة وقتلاكُم في النَّار، فقال أبو سُفْيَانَ لَنَا عُزّى، ولا عُزّى لكُم. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الله مولانا ولا مَوْلَى لَكُم، فقال أبو سُفْيَانَ أعلُ هُبل فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الله أعلى وأجل. (أنظر، المحاروة في البحار : 23/2، الكَامِل: 2 / 160، الطَّبَقَات الكبرى لابن سعد: 47/2، السيرة الحلبية : 245/2، و: 96/3، الدرجات الرفيعة : 66، فَرَائِد السمطين: 257/1. تأريخ دمشق لابن عساكر : 148/1، المناقب لابن المغازلي : 197، ذَخَائِرِ الْعُقى: 181).)وصف المُشْرِكُون صفوفهم وكَانَتْ لهُم مَيْمَنَة وميسرة، والتقى المسلمون المشركين وأشتغلت الحزب وقامت هند بضرب الدفوف ومَعَهَا المعازف والخمر والقيان لإثارة حماستهم، والتحم الجيشان وصمد بعضهما البعض، وأتبع المسلمون خِطَة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أول الأمر، فكان النصر في جانبهم، فقد حصدوا أَعْدَاءهم بالسيوف حَتَّى كَشفُوهم عَن العسكر، ولذا يَقُول الزبير بن العوام حسب ما نقل في سيرة أبن هشام : 324/2 و 245 : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة مُشمرات هوَارب مَا دُونَ أَخْذَهُنَّ قليل ولا كَثِير.)ولما رأى المسلمون تقهقر المشركين وأهمل الرماة وَصِية الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُم بِالثَّبَات في أماكنهم حَتَّى يُعلن هو أنتهاء الحزب، وأخذُوا يجمعون ما تَركهُ الْعَدُوِّ وَرَاءه من الغَنِيمَة والإِسْلاَب. وقد ذكرهُم أَمِيرهُم مَرَّات ومَرّات وَقَالَ هُم : إِنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمرني أنْ لا أبرح من موضعي. فَقَالُوا : إنّه قَالَ ذَلِكَ وهو يدري أنّ الأمر يبلغ مَا تَرى. (أنظر كشف الْيَقِين :127). ومالوا إلى الغنائم وتَرَكُوه. فحمَل عَلَيْهِ خَالد بن الوليد فقاتله فقتله بعد أنْ فُنيت تباله وطاعن بالرّيح حَتَّى أنكسر، ثُمَّ كَسر جِفن سَيْفَه وجَاء من ظهر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَقَالَ لأصحابه : دونكُم هَذَا الَّذي تُطلبُون. فحملوا عَلَيْهِ حَملة رَجُل وَاحد ضرباً بِالسّيوف وطَعناً بِالرّماح. ورَميّاً بِالنّبال ورضخاً بالحجارة، وجعل أَصْحَاب رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يُقاتلون عَنْهُ حَتَّى قُتل منهم سَبعُونَ رَجُلاً. (أنظر، تأريخ الطَّبَرِي: 131/2 مناقب ابن شهر آشوب : 187/1، و : 122/3 الأحْكَام السُّلْطَانِية للماوردي: 40/2، الأحكام السُّلْطَانِية للفراء : 42/1.)قتل حَمْزَة والتمثيل به :حمزة بن عبد المطلب يُكنى أبا عُمارة، وأبا يعلى، وهو أسد الله وأسد رَسُوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عَمَ النَّبِيِّ قَتلهُ غُلام يُقَال لَهُ وَحشي مَوْلَى مَطعم بن جُبير. وقَد بَعثه مَوْلاً، مع قُرَيْشٍ وَقَالَ له : إن قتلت حمزة بعمّي طُعِيمة بن عَدِيّ فأنتَ عَتِيق، وجعلت هند بنت عتبة لوحشِي جُعلاً على أن يقتل رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو عَلِيَّاً أو حمزة. فقال : أمّا مُحَمّد فَلا حِيلَة فِيهِ، لأنّ أَصْحَابه يَطُوفُونَ بِه. وأما عليّ فإِنَّه إذا قاتل كَان أحدر من الذئب. وأمّا حمزة فأطمَع فِيهِ، لأنه إذَا غَضب لا يُبصر مَا بَيْنَ يَدِيهِ، فَقَتله وحشي، وجاءت هند فأمرَت بِشقّ بَطنِه وقطع كبده والتمثيل به، فَجَدعُوا أنفه وأذنيه. وهي التي اتخذت من آذان الرّجال وآنافهم وأصابع أَيْدِيهِم وأرْجُلهم ومذاكيرهُم قَلائِد ومعاضد وأعطت وحشي معاضدها وقلائدها جَزاء قتله حَمْزَة فَلاكة كَبَدَه فَلم تسفه فلفظته. (أنظر، الكَامِل في التاريخ : 111/2، الدرجات الرفيعة : 66 - 69، السيرة النبوية لابن هشام : 96/3، السيرة الحلبية : 246/2، كشف التقين لابن المطهر الحلّي : 128).)وذكر أَهْل السِّير والأَخْبَار كابن جرير، وأبن الأثير، وابن كثير، وصاحب العقد الفريد وغيرهم ما قد أخرجه أحمد بن حنبل : 2/ 40 عن ابن عُمَرَ أنّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لما رجع من أُحد جعلت نساء قُرَيْسٌ يَبكين عَلى مَن قُتل من أزواجهن. قَال : فقال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ولكن حَمزَة لا يواكى لهُ، قَال : ثُمَّ نَام فأنتبه وهُنّ يبكين، قَال فهنّ اليوم إذا يَبكين يندبن حمزة.)وفي ترجمة حمزة من الاِسْتِيعاب نقلاً عن الواقدي بهامش الإصابة : 275/1 قَالَ: لم تبك أمرأة من 275/1 الْأَنْصَارِ عَلَى سَمِّيت - بعد قَوْل رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لكن حمزة لا بواكي له -. إلى اليوم إلَّا بَدَأْنَ بِالبُكاء عَلَى حمزة. (أنظر للمزيد أسد الغابة، والطَّبَقات الكبرى: 44/2، و : 11/3 و 17 - 19، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى: 183. والسيرة النَّبَوِيَّة لابن هشام : 104/3، شرح النهج لابن أبي الحديد 42/15، الكَامِل في التاريخ: 113/2، الغدير : 165/6، مجمع الزوائد : 120/6، وَسَائِل الشّيعة : 2/ 922 كتاب الطهارة ب 88 من أبواب الدفن ح 3.)كان حمزة (رَحمهُ اللّه تحمل عَلَى الْقَوْم، فإذا رأوه أنهزموا ولَم يثبت له أحد، لكن غدر وحشي وحقد هند هما اللذان مَكنَّا حَربة وحشي فأصابته في أربيته، وأنشغال المسلمون بهزيمتهم في التي مكنت هند من شَق بَطْنَه وقطع كَبده والتمثيل به، ولذا قال الشاعر كما في كشف الغمّة : 258/1.)ولا عار للأشراف إِنْ ظَفرت بها ***كلاب الأعَادِي مِن فَصِيح وأعْجَمِفَحَرْبَة وَحشِي سَقت حَمْزَةَ الرَّدَى ***وحتفُ عَلي من حُسام أبن مَلْجَموحين رآه رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال : لؤلاً أنْ تَحزن صَفِيَّة أو تَكُون سُنّة بَعدِي تَركتهُ حَتَّى يَكُون فِي أَجْوَاف السباع وحواصل الطّير، ولئن أظهرني الله عَلى قُرَيْش لأمثَلَنَّ بِثلاثين رَجُلاً مِنهم. كما ذكر أبن الأثير في الكَامِل : 161/2. وَقَالَ المسلمون: لنمثلن بهم مثلةٌ لَم يُمثلها أحد من الْعَرَب، فَأَنزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) النَّحل : 126.)ولذا ورد في السِّيرة الحلبية عن أبن مسعود: 246/2 قَالَ : مَا رَأينا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بَاكِياً أشدّ من بكاته على حمزة (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووضعه في القبلة، ثم وقف على جنازته وانْتَحَب حَتَّى نَشق - أي شهق - حَتَّى بَلغ بهِ الغش، يَقُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يَا عَمَ رَسُول الله، وأسد الله، وأسد رَسُول الله يَا حَمْزَة فَاعِل الخيرات. يَا حَمْزَة يَا كَاشف الكُربَات يَا حَمْزَة يَا ذَابٌ عن وجه رَسُول الله. وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : جاءني جِبْرِيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخْبَرَنِي بأنّ حمزة مكتوب في أهل السَّمَاوَات السَّبع : حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رَسُوله. وأمرَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الزُّبَيْرِ أنْ يَرجع أُمّه صَفِيَّة أُخت حَمزَة (رَحمهُ اللّه) عَن رُؤيته، فقال لها : يَا أُمه، إِنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَأمرك أن ترجعي، فدَفَعْت في صدره وقالت : لِمَ وقد بلغني أنه مثل يأخي، وذلك في الله قَلِيل فما أَرضَانِي بِمَا كَان في الله مِن ذَلِكَ، لأحْتسبَنَّ ولأصْبرَنَ إنْ شَاء الله تَعَالَى، فجاء الزُّبَيْر فأخبره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِذَلِكَ ؟ فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : خل سبيلها، فجاءت واسترجعت واستغفرت له.)وفي رواية : كفّن حمزة بنمرة كانوا إِذَا مَدوها عَلَى رَأْسه انكشفت رجلاه، وإنْ مَدوها عَلى رِجليه انكشف رأسه، قدوها عَلَى رَأْسه وجعلوا عَلى رجليه الأذخُر وأمْرَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَدُفن. ذكر ذَلِكَ صاحب السيرة الحلبية : 247/2، وأبن الأثير فى الكَامِل: 162/2.)وذكر الواقدي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كَان يَوْمَئِذٍ إِذَا بَكت صَفِيَّة يبكي وإذا تشجت ينشج. قَال : وجَعَلت فَاطِمَة تبكي فلما بكت بكى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)وروی ابن مسعود قَال: مَا رَأينا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ باكياً قط أشدّ من بُكانِه عَلَى حَمزة بن أبي طالب لما قُتل - إلى أنْ قَالَ : ووضعه في القبر ثُم وقف (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على جنازته وانتحب حَتَّى نَشعَ من البكاء. ذكر ذَلِكَ صاحب الاستيعاب بهامش الإصابة : 275/1 الطبعة الأولى، والغدير : 165/6، والإمتاع للمَقْرِيزِي: 154، والكَامِل في التاريخ : 170/2، ومجمع الزوائد : 120/6، والصَّحِيح من سِيرة النَّبي الأعظم: 307/4 و 310، وذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 180، وسِيرة ابن هشام: 105/3، والسيرة الحلبية : 246/2. وشرح النهج : 387/15 و 17.)ولَسْنَا بِصدد بيان جواز أو حُرمة البكاء على الميت ولكن نترك للقارئ الكريم مجال التفكير عِند مراجعة المصادر التالية على سبيل المثال لا الحصر منذ بُكاء آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى ابْنِهِ هَابِيل إلى اليوم لأن البكاء سُنّة طبيعية.)أنظر، العرائس للتعالي : 64 ط بمبي و 130 و 155. الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى لابن سعد: 123/1، و: 60/2 الطبعة الثانية ط بيروت، فرائد السمطين : 152/1 ح 114، و : 34/2 ح 271، والمُصَنَّف لابن أبي شيبة : 6 و 12. كنز العمال: 112/13 الطبعة الثَّانِيَة، و : 146/15، و : 146/15، و : 223/6 الطبعة الأولى تاريخ دمشق : 229/2 ح 367 و 327 ح 831 مجمع الزوائد: 118/9 و 179 و 189 الفضائل لأحمد بن حنبل : ح 231، المُسْتَدرك للحاكم : 139/3، و : 464/4، تأريخ بغداد : 398/12، و: 279/7، المناقب للخوارزمي : 26، ينابيع المودة : 53 و 135.سُنن البيهقي : 70/4، سنن ابن ماجه : 518/2، ذَخَائِرِ الْعُقْبى : 119 و 147 و 148، دلائل النُّبُوَّة للبيهقي في ترجمة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ من تأريخ دمشق : ح 622 و 612 - 614 و 626 - 630، المعجم الكبير للطبراني حياة الإمام الحُسَيْن (عَلَيهِ السَّلَامُ): 122 ح 45 و 48 و 95، كفاية الطالب : 279، أعلام النُّبُوَّة للماوردي: 83 بَاب،12، نظم درر السمطين: 215، البداية والنهاية لابن كثير : 230/6، و : 199/8، الروض النضير : 2/ 89 و 92 و 93، و : 24/3، مروج الذهب: 2/ 298، أسد الغابة : 208/1، معراج 89/1 الوصول للزرندي، حلية الأولياء : 135/3، الرّياض النضرة : 54/2 الطبعة الأُولَى.)وأَسْتُشْهِدَ من المُهَاجِرِينَ يُوم أحد مع حمزة أَسد الله وأسد رَسُوله : عبدالله بن جحش، ومُصْعَب بن عمير، وشماس بن عُثمَانَ بن الشَّرِيد، واسْتُشْهِدَ من الأنصار واحد وستُون رَجُلاً. (أنظر، المعارف لابن قتيبة : 160.)وروى ابن مسعود: أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ صلى على حمزة وبكى وَقَالَ كما أسلفنا سابقاً : يَا حَمْزَة يَا عَمِّي.... يَا حَمْزَة يَا أَسد الله وأسد رَسُوطه يا حمزة يَا فَاعِل الخيرات يَا حَمَزَة يَا كَاشف الكربات یا حمزه يَا دَابّ عن وجه رَسُول الله... قال : وطال بكاؤه، قال : ودَعا بِرَجُل رَجُل حَتَّى صلّى عَلَى سَبعين رَجُلاً سَبْعِين صَلاة وحَمْزَة مَوْضُوع بَيْنَ يَدِيه. ذكر ذَلِكَ صَاحِب ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 181)أمّا الرّواية التي نقلها صاحب الينابيع عن عبدالله بن مسعود فقد جاء فيها: لما قُتل حمزة وقُتل إلى جنبه رَجُل من الأَنْصَار يُقَال له سهيل قَال: فَجيء بحمزة وقد مُثل به. فجاءت صَفِيَّة بنت عبدالمطلب بثوبين لكفنه، فقال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : دون المرأة فردّها، فأتاها الزبير بن العوام - كما ذكرنا سابقاً - فدفعت التوبين وأنصرفت. فأقرع رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بَينَه - حمزة - وبَيْنَ سهيل فأصَاب سهيلاً أكبر النوبين إلى أن قَالَ : - فدعًا بِرَجُلٍ رَجُل حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبعين صَلاة وحمزة على حالته. فقد أخرجها أحمد، والبغوي، وصاحب الصفوة، والمحاملي، وأبن شاذان.)أما مقتل مُصْعَب بن عُمير : فإِنَّه لما علم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أن لواء المُشْرِكِين مع طَلْحَة من بني عبد الدار أخذ اللواء من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودفعه إلى مُصْعَب بن عُمير لأنه أيضاً من بني عبد الدّار وَقَالَ: نَحْنُ أُحقِّ بِالوَفاء منهم ورد ذَلِكَ في الكَامِل في التاريخ : 150/2. وَقَالَ الطَّبَرِيّ : 2199/2، وابن الأثير أيضاً : 155/2 وأعيان 150/2. الشّيعة : 257/1 : قاتل مُصْعَب بن عمير دُونَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و معه لواؤه حَتَّى قُتل، وكان الذي أصابه وقتله أبن قميئة الليثي وهو يظنّ أنّه رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فرجع إلى قُرَيْشٍ فَقَالَ : قَتلتُ مُحمّداً، فَجَعَل النَّاس يَقُولُون قتل محمد، قتل مُحمّد، فَلَمّا قُتل مُصْعَب بن عمير أعطى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الواء علي بن أبي طالب.)وتَفرّق أَكْثَر أَصْحَاب رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و قصده المُشْرِكُون وجعلوا يحملون عَلَيْهِ يُرِيدُون قَتله، وثبت رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَرمي عَن قُوسه حَتَّى تَكسرت وقاتل قتالاً شَدِيداً ورمى بِالنَّبِل حَتَّى قُني نَبله وأنكسرت سية قوسه وأنقطع وتره. (أنظر الكَامِل في التأريخ لابن الأثير : 154/2).)وهنا أنخلعت القُلُوب وأوغلوا في الهروب كما قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلُوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّام بِغَم آل عمران : 153 والرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَدعُوهُم فِيقُول: إِليَّ عِباد الله، إليَّ عِباد الله، أنا رَسُول الله مَن كرَ فَلهُ الجَنَّة. ولذا قال ابن جرير : 203/2 وأبن الأثير في الكامل: 2 / 110: وأنتهت الهزيمة بجَمَاعَة المُسْلِمِينَ وَفِيهِمْ عُثمان بن عَفَّان وغيره إلى الأعوص فأقامُوا بِها ثَلاثاً، ثُمَّ أتُو النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال لهم حين رَآهُم : لقد ذهبتُم فِيها عَرِيضَة. ذكر هَذَا الحديث تاريخ الطَّبَرِي : 203/2. الكَامِل لابن الأثير : 2/ 110، السيرة الحلبية : 227/2، البداية والنهاية : 28/4، السيرة النبوية لابن كثير : 55/3، شرح النهج لابن أبي الحديد : 21/15، الدر المنثور : 2/ 89، تفسير الفخر الرازي: 50/9 للآية المذكورة.)ولسنا بصدد بيان من فر ورجع، وماذا قال وقيل له، كأَنس بن النضر عَمَ أَنس بن مالك حين قال لبعض المُهَاجِرِينَ حِين القُوا مَا بِأَيْدِيهِم : مَا يُحبسكُم قَالُوا قتل النّبيِّ، قَال: مَا تَصنعُون بِالْحَيَاة بعده ؟ مُوتوا عَلَى مَا مَات عَلَيْهِ النّبي. ثم استقبل الْقَوْم فقاتل حَتَّى قتل (رضیَ اللّهُ عنهُ فوجد به سَبعُون ضربة وطعنه ومَا عرفته إلا أُخته مِن حُسن بنانه ؛ وقيل : لقد سمع أنزس بن النضر جَمَاعَة يَقُولُون لما سمعوا أنّ النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قتل : ليت لنَا مَن يَأْتي عبدالله بن أبي بن سلول لتأخذ لنا أماناً من أبي سُفْيَانَ قَبل أن يقتلُونَا، فقال لهم أنس : يَا قَوْمِ إِنْ كَان مُحمَد قَد قُتل فإن رَبِّ مُحمّد لم يُقتل، فقَاتِلُوا على ما قاتل عَلَيْهِ مُحمّد اللَّهُمَّ إنِّي أعتذرُ إِلَيْكَ مِمَّا يقول هَؤُلاء وأبرأ إِلَيْكَ مِمَّا جَاء بِمَ هَؤُلاء. ثم قاتل حَتَّى اسْتُشْهِدَ (رضیَ اللّهُ عنهُ). علماً بأن ابن جرير الطَّبَرِيّ، وأبن الأثير الجزري، وأبن هشام في السيرة الحلبية وغيرهم قد ذكروا أسماء الذين فروا يوم أحد، ونَحْنُ تُحيل القارئ الكَرِيم عَلى المصادر التالية المتيسره لدينا عَلى سَبِيل المثال لا الحصر:)الكَامِل في التأريخ لابن الأثير : 108/2 و 148، السيرة الحلبية : 227/2، تأريخ الطَّبَرِيّ : 203/2 الدر المنثور : 80/2 و 88 و 89 شرح النهج لابن أبي الحديد : 20/15 و 22 و 24 و 25، و : 293/13، و : 276/14، البداية والنهاية لابن كثير : 4/ 28 و 29، السيرة النبوية لابن كثير : 55/3 و 58، السيرة النَّبَوِيَّة لابن هشام 85/4 دلائل الصدق : 358/2 و 359، و : 326/3، لُباب الآداب : 179، مجمع الْبَيَان : 524/2، الإرشاد للشيخ المفيد : 48، البحار : 53/20 و 84 و 24، حياة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لهيكل : 265.)أنظر، تفسير الرازي: 50/9 و 67 كنز العمال : 242/2، و : 268/10 و 269، حياة الصَّحَابَة : 272/1، و : 497/3، المغازي للواقدي: 609/2 و 990، منحة المعبود في تهذيب مُسْنَد الطَّيَّالسي : 99/2. طبقات ابن سعد : 155/3، و : 46/2 و 47 الطبعة الأولى. تأريخ الخميس : 413/1 و 431 ط 99 آخر مُسْتَدرَك الْحَاكِم : 27/3، مجمع الزوائد : 112/6.
الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَة : الهجوم عَلَى الْعَدُوّ، وتطويقه، وأَخذ المُبَادَرَة قَبل أَنْ يَثَبَ، ويُبَاغت بِهجُومهِ وعُدْوَانِهِ... وأيضاً لا بُدّ لهَذَا الهجوم الرَّادِع من إكمال العِدَّةِ العَزْمِ عَلى الفِدَاء والتّضحية، وما بلغت الدَّعْوَة هَذه القُوَّة إلا بعد غَزْوَة الأَحْزَاب وَتَشْتِيتَها حَيثُ هَتَفَ النَّبى، يَقُول : لا إله إلا الله وحده، وصَدَقَ وَعدَه، وَنَصَر عَبدَه، وهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحدَه، ولا شَيء بَعدَه... الآن نَغْزُوهُم ولا يَغزُونَنا (1، وفي هَذَه المَرْحَلَة كَان فَتح مَكَّة.)ورَافَقَ عَليُّ النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، في مَرَاحِله كلّها، وسبق النَّاس إلى الإيمان بدعوته، والتمسك بعروتة، ودافع عَنْهُ وَعَنْهَا بِنَفْسه لا يَرجُوا إلّا رضا الله، ومَوَدَّة الرَّسُول، بل كَان عَليّ يَبث الدَّعْوَة لمحمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل البعثة، ويُحدث الغِلْمَان مِن أترابه عَن خُلق مُحَمَّد وعَظَمَتِهِ. قَال الأستاذ عبد الرَّحْمَانِ الشَّرقَاوِي : «كَان عَلَيَّ، وهُو فِي الثَّامِنَة يُحدث الغلمان في مثل سنه ابن عَمّه، ويَقُول : إنَّ مُحَمَّداً أَلغى فِي بَيْتِهِ كَلِمَة العبيد والجَوَارِيَ، وأَحَلَّ مكَانَهما كَلِمَة فَتَاي، وفَتَاتي، وهُو يَصْبر عَلَى الخَدَم، ما يَقُول)
1) انظر، صَحِيح مُسلم : 2089/4 ج 2724، صحيح البخاري : 1509/4 ح 3888، الفردوس بمأثور الخطاب : 9/5 ح 7283، السنن الكبر الْكَبْرَى : 430/6 ح 11400، تُحفة المحتاج : 160/2، المحدث الفاضل: 488/1، الطَّبَقَات الْكُبْرَى : 122/2، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 335/3، مُسْنَد :أحمد : 1 /406 ح 3856 و 4008 و : 307/22 ح 8053 و 7471 و : 410/3.
لواحدٍ مِنْهُم «أفٍ مَهمَا يُخطى» (1.)وكَان عُتَاة قُرَيْشٍ يَغْرُون الصِّبيَان بِرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فَيَصحب مَعَهُ عَلِيَّاً يُذبهُم عَنْهُ. ومِن جِهَادَه فِي الْمَرْحَلَة الْأُولَى مَبِيتَه عَلَى فِرَاش رَسُول الله لَيْلَة الهِجْرَة. وهنا أدع الحَدِيث لِغَيْرِي المواضع التُّهم.. فَقَد نَشَرت جَرِيدَة الْأَخْبَارِ المِصْرية، كَلِمَة بعنوان «مُشَاهِدَات فِدَائِية في تاريخ الْإِسْلَام» جَاء فِيهَا :)«إِنّ تأريخ الإِسْلام حافل بضرُوبٍ بَاسِلَة مِن أمثلَة الفِدَائِية النَّبِيلَة... وأظهر مِن نَعرف مِن فِدَائِيي العصر النَّبوّي علي بن أبي طالب، ومواقفه الفِدَائِيَة أَكْثَر مِن أنْ تُحصر، لعل أوّلها في تأريخ الدَّعْوَة مَبِيتَه لَيْلَة الهِجْرَة عَلَى فِرَاش أبن عَمّه مُتوَقِعَاً مَا سَيُحِيق بِهِ مِن الموت المباغت إذ أحَاطَ بِهِ الأَعْدَاء مِن كلّ صُوب، فهَانَت عَلَيْهِ نَفْسَه وَرَاء مَا يَنْشُد مِن تَفْدِيَة صَاحِب الدَّعْوَة، ومَكَتَ اللَّيْلِ الطُّوِيل يَنْتَظر ما بَيْنَ لحظة وأُخرى، وقَد بَرَقت الأسُنَّة، ولَمعَت السيوف... إن مُخَاطرات عَليّ الفِدَائِيّة تغلغلت في أعماقه حَتَّى غَدت إحدى وَسَائِل النَّصر في بطولاته، وحَسبُك أنْ تَعْلَم إنه فِي طَلِيعَة المُتقدمين في ميدان المُبَارزَة الحَرْبِيَة، وإنّه بَطل الإِسْلام» (2.)أمّا الكَاتِب الإِسْلامِي المصري الأستاذ عبد الكريم الخطيب فَقَد أستوحى من المبيت مَعْنَى دَقِيقَاً مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ عَالِم وَبَاحِث، قَال :«هَذَا الَّذي كَان مِن عَلي فِي لَيْلَة الهِجْرَة.... لَمْ يَكُن أَمْراً عَارِضَاً، بل هُو عَن حِكْمَة لها آثارها ومُعقباتها فَلنَا أَنْ نَسأل : أَكَانَ لإلباس الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ شَخْصِيَة لِعَلي أكثر مِن جَامِعَة القَرَابَة القريبة بَيْنهما ؟ وهل لنا أن نَسْتَشف مِن ذَلِكَ - أي مِن أنّ)
الرَّسُول أَلبَس شَخْصِيَتَه لِعَليّ أنَّه إِذَا غَاب شخص الرَّسُول كَان عَلي هُو الشَّخْصِيَّة المهيأة لأنّ يَخْلفَه، ويُمثل شَخْصِيتَه، ويَقُوم مقامه ؟..وأَحْسَب أَننَا لَمْ تَتعسف كَثِيراً حِين نظرنا إلى عَليّ، وهُو فِي بُرد الرَّسُول، وفي مَتَوى مَنَامَه الَّذِي أَعْتَادَ أَنْ يَنَامٍ فِيهِ - فَقُلْنَا : هَذَا خَلَف الرَّسُول والقَائِم مقَامَه» (1.)وبِحَقٍّ قَال الأستاذ الخَطِيب : إِنْ شِيعَة عَلَى لا يُقِيمُون شَاهِداً مِن هَذِهِ الْوَاقِعَة يشهد لِعَلى أَنه أَوْلَى بِرَسُول الله عَلَى حِين نَرَاهُم يَتعَلَقُون بكل شَيء يَرفَع عَلِيَّاً إلى تِلكَ المَنْزِلة أي الْخِلافَة.ولي أنْ أُجَيب عَن الشَّيعَةِ : بأنهم لا يَسْتَدلُونَ بِشَيء عَلَى خِلافَة إِمَامهم إلا بأَقْوَال السُّنّة، وعَلى هَذَا جَرت عَادَتهم مُنذُ القَديم تجنباً لمواطن التهم... وما رأوا أَحَداً قَبل الأستاذ الخطيب أسْتَدل بِهَذه ألْوَاقِعَة عَلَى أَوْلِيَة عَلَيَّ بِالْخِلَافَةِ، ولما أَنْطَقه الله بِهِ أَخَذُوهُ عَنْهُ، كما فَعَلت أنا. ثُمَّ قَال الخطيب الكَريم :«إنّ عَلِيَّاً خَدَع قُرَيْشَاً عَبِيتَه عَلى فِرَاسُ رَسُول الله، ومَكَرَ بِهَا عَن مُحَمَّدٍ حَتَّى أُفلِت مِن بَيْنَ أَيْدِيها، وسَلِمَ مِن الْقَتْل، وقَد صَفعَهَا عَلَيَّ بِفَعَلَتِهِ هَذِهِ صَفعَةٌ مُدِّلة مُهينة، فأضْمَرت قُرَيْش لِعَلَى السُّوء، وأَرْهَقَته وتَجَنّت عَلَيْهِ بَعد أنْ دَخَلْت الإِسْلام... إنّ هَذَا الَّذي كَان مِن عَليّ لَيْلَة الهِجْرَة فِي تَحدِيه لقُرَيْش، هَذَا التَّحَدِي السَّافر، وفي أسْتخْفَافَه بِهَا، إن ذَلِكَ لا تَنسَاه قُرَيْشٍ لِعَلي أَبَداً، ولَوْلا أَنَّهَا وَجَدَت في قتل عليّ يَوْمَئِذٍ إثارة فِتْنَةٌ تُزق وحدتها لِشَفَت مَا بِصدرها مِنْهُ، ولَكِنَّها تركته، وأنتظرت الأيَّام لتُسوِي حِسَابها معه... وَلَحِقِّ النَّبيِّ بالرفيق الأعلى.
1) أنظر، كِتَابَه عَليّ بن أبي طالب بَقِيَة النُّبُوَّة، وخَاتَم الْخِلافَة : 105، وما بعدها طبعة سنة 1967م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
وتَرَك عَلِيَّاً وَرَاءه بِالْأَحْدَاث، ويُكَابد الشَّدَائِد حَتَّى يَلحَق بِالرَّسُول... ألا يبدو لنا مِن هَذه الموافقات مَا نَسْتَشف مِنْهُ أنْ لِعَليَّ شَأْنَا فِي رِسَالَة الرَّسُول، ودُورَاً فِي دَعْوَة الإِسْلاَم لَيْسَ لأحَد غَيْره مِن صحَابَة الرَّسُول».وبَعْد، فإنَّ الأستاذ عبد الكريم الخطيب لا يمتُ إِلى الشَّيعَة بِأُمِّ ولا أَبِ، ولا بِتَربِيَّة وبيئة، وإِنما نَطَق بوحي مِن ضَمِيرَه ودراسته مُجرداً عَن كُلِّ غَاية، فالْتَقَی مَع شِيعَة عَلي مِن حَيْث لا يُرِيد... ثُمّ تَنَبَّه للعُوَاقِب، وخاف مِن تُهمَة التَّشيع، وتُورَة المُتَعَصِّبِين من الشيوخ، فأَتقَاهُم بِقَوْله : «وَبَعد فهَذَه خَطرَات لَا نَحسبها عَلَى تِلكَ القَضِيَّة، ولا نأخذ بها فِيهَا». ولكن أسلوبك فِي التَّعبير - أيُّها الأستاذ الكَرِيم - يَنم عَن شعُور قلبك وإيمانه، لا عَن خَطرَات خَيَالك ووساوسه، إِنَّ هَذِه الخطرات والوساوس تتجلى في اعتذارك بِقُولك لا نأخذ بها فيها» إِنَّ هَذَا الأسلوب إنْ دَلَّ عَلى شَيء فَإِنَّه يَدلُّ عَلَى الشَّك والخيرَة والارتباك. وعَلى أية حال فأَنْتَ مَعذُور لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (1).)قَدَمَنَا أَن الدَّعْوَة الْإِسْلامِية مرت بثلاث مراحل أساسية : الأُولَى مُجَرد الإيمان والْإِعْلاَن مَع الثَّبَات والصَّبر عَلَى الْأَذَى. والثَّانِيَة ردع الْعُدْوَان. والثَّالِثة الهجوم الرادع، وأشرنا إلى جهاد الإِمَام فِي الْمَرْحَلَة الْأُولَى. ومن جِهادِهِ فِي المَرْحَلَة الثَّانِيَة بلاؤه يَوْم بَدْر، وبعد أنْ تُحدث عبد الكريم الخطيب عَن هَذَا اليَوْم، قَالَ: «فَأَنْتَ تَرى كَيْفَ كَان أبن أبي طالب سَيْفَاً بَتّارَاً يَضرب أَغَةَ الكُفر مِن قُرَيْش» (2.)
وَقَالَ عَن يَوْمٍ أَحد : «كَانَ لِعَلِيِّ يَوْمٍ أَحد مَا كَان لهُ يَوْمَ بَدْر من الإطاحة برُؤُوس أَئمَة الكُفر مِن قُرَيْش... ومِن قَتلَى عَلي فِي هَذَا اليَوْم طَلْحَة أبن أبي طلحة صاحب رَايَة الْمُشْرِكِينَ فِي تِلكَ الْوَاقِعَة، فغَيْر مَنْكُورٍ إِذَنْ تِلكَ اليَد الضَّارِبَةِ، وَهَذَا السَّيْفَ لِعَلي فِي مَعرَكَةِ الإِسْلام، وأيضاً غَيْر مَنْكُورِ التَّرَاثُ الَّتِي كَانَتْ لِلمُشْرِكِينَ عِند عَليّ، والّتي لَمْ يَخلُ مِنْهَا بَيْت مِن بُيُؤت قُرَيْش» (1.)وَقَالَ عَن وَقْعَة الْأَحْزَاب (2: «قَالَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، حِينَ بَرَزَ عَلَيَّ لِابْن وَد يَوْم)
1) أنظر، كِتَابَه عَليّ بن أبي طالب بَقِيَة النُّبُوَّة، وخَاتَم الخِلافَة : 125، وما بَعدَها طَبعَة سَنَة 1967م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) غَزْوة الخندق وَقَعت في شوَال سَنَة خمسة من الهجرة، وتُسمى بِغَزْوَة الأَحْزَاب، وتَأْتِي بَعد غُزْوَة بَنِي النَّضِير كما جاء في السيرة الحلبية بهامش السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 309/2، أما أبن قُتَيْبَة في معارفه : 161 أنّها وقعت سنة أربع ويُوم بَنِي المُصطَلق، وبني لحيان سَنَة خمس. ولَسْنَا بِصدد بيان سببها تفصيلاً بل نُشير إلى ذَلِكَ إشارة وهي :)لما أجلى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بَنِي النَّضِير مِن المَدِينَة بِسَبب تَقضهم العهد، سَارُوا إِلَى خَيبر. وخَرَجَ جَمَاعَة منهم عبدالله بن سلام بن أبي الحقيق النَّضْرِي، وحيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق (الرَّبيع). وهَوْذَة بن قيس الوالبي، وأبو عُمارَة الوالبي إلى مَكَّة قاصدِين أبا سفيان لعلمهم بشدة عَداوته للنَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتشوّقه إلى إراقة الدماء والْقِتَالَ لما ناله هو وزوجته هند - أُمّ مُعَاوِيَة - مِنْهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يُوم بَدْر، وسَألوه المعُونَه على قتاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لهُم : أنا لكُم حَيْث تُحبّون فأخرجُوا إِلى قُرَيْش وأدْعُوهُم إِلى حَرْبه وأضمَنُوا لهم النُّصرَة حَتَّى تَستَأصِلُوه، فَطَافُوا عَلى وجوه قُرَيْش، ودَعوهم إلى حَرْبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت قُرَيْسٌ : أَيْدِينَا مَع أيدِيكُم ونَحْنُ مَعَكُمْ... فَتَجَهَرْت قُرَيْش بقيادة أبي سفيان وتبعتها بَعْض القبائل، واليهود وخَرَجَت غَطفان وقائدها عُيينةُ بن حصين في بَنِي فزارة والحارث بن عُوف في بَني مُرّة، وبرة بن طريف في بَنِي أَشجَع.)فلما سمع رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ باجتماع الأَحْزَاب أستشار أصْحَابه وأجمع رَأيهِم عَلَى البَقَاءِ فِي المَدِينَةِ وَحَرْب الْقَوْمِ إنْ جَاوُوا إِلَيْهِمْ. وهنا أشار سَلْمَان (رضیَ اللّهُ عنهُ) بحفر الخندق، فأمر رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بحفره وعمل فيهِ بِنَفْسه، وعَمل فيه المُسْلِمُون لمدة أكثر من ستة أيَّام وقطعه رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَرْبَعِين ذِرَاعاً بَيْنَ كلَّ عَشرة، ولذا أختلف المُهَاجِرُون والأَنْصَار في سلمان كل يقول هُو مِنا، فقطع الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نزاع الْقَوْمِ وَقَالَ قوله المشهور : سلمان منّا، سَلْمَان مِن أَهْل الْبَيْت.)وفَرَغَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من حفر الخندق قَبل قدوم قُرَيْش بثلاثة أَيَّام.)وحاصرت قُرَيْسُ المَدِينَة بِضعاً وعشرين لَيْلَة ولَمْ يَكُن بَينَهُم حَرْب إلّا الرَّمي بالنبل، ولما رأى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الوهن والضَّعف في قُلوب أكثر المُسْلِمِين بَعث إلى عُيَيْنة، والحارث يَدعُوهُما إِلَى الصّلح. والرُّجُوع عن حزبه عَلَى أنْ يُعطيهم ثلث ثمار المدينة، وأستشار في ذَلِكَ أَصْحَابه منهم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وغيرهما. ولَسْنَا بصدد بيان قَوْل كلّ منهما. بل نقلنا ذَلِكَ يتصرف من المصادر التالية :)تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي: 1/ 150، السيرة الخلية بهامش السيرة النَّبَوِيَّة : 309/2 كشف الغمّة: 267/1 أعيان الشيعة : 292/1 و 394، تأريخ الطَّبَرِي : 265/2، و : 234/3، و 5 / 29 - 33 الكامل لابن الأثير : 178/30، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية : 262/1 «معركة الخَنْدَق»، السِّيرَة لابن هشام 3 / 184 و 192 و 225 و 320 - 322، مغازي الواقدي : 441/2 و 477، الْإِرْشَاد للشيخ المفيد : 94/1، كشف اليقين في فَضَائِل أمير الْمُؤْمِنين (عَلَيهِ السَّلَامُ: 131، تاريخ اليعقوبي : 2 / 50 - 51. إمتاع الأسماع للمقريزي : 235 و 236، تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل : 523/3، وأنظر، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى لابن سعد : 17/2 و 18.
الْخَنْدَقِ : «الآن بَرَزَ الْإِسْلام كُلّه لِلشِّرك كله (1... وَقَالَ حُذَيْفَة بن اليمان : «لو)
1) فَقد روى المؤرّخون في مُبَارزَة عَلَي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الخندق، وأنها أفضل من أعمال الأُمَة إِلى يوم القِيَامَة بألفاظ مُختلفة تُؤَدِّي إلى نَفْس المَعْنَى. فَقَد روى صاحب المُسْتَدرَك عَن سفيان الثَّورِي أَنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ ذَلِكَ لِعَلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الخندق. ورواه الخطيب البغدادي في تأریخه: 19/13 عن إسحاق بن بشر القُرَشي. وذكره الفخر الرازي في تَفْسِيره الكبير : 31/32، وفي ذيل تَفْسِير سُورَة الْقَدَر وَرد بلفظ : المُبَارزَة عَلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَع عَمْرُو بن عبدودٌ أفضل من عمل أُمَّتِي إِلى يُوم القيامة. وذكر أبن أبي الحَدِيد في شرح النهج أيضاً : 61/19 أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال حين بُرز عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعَمْرُو بن عبدود : برز الإيمان كله إلى الشرك كله. وَقَالَ الإيجي في شرح المواقف : 617 قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الضَربَة عَليّ يوم الخندق أفضل من عِبَادة الثَّقَلِين. وفي السِّيرة الحلبية بهامش السيرة النَّبْوِيَّة : 2/ 320 قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قَتَلُ عَلي العَمْرُو بن عبدود أفضل من عِبَادة الثَّقْلِين.)وَقَالَ الفخر الرَّازي في نهاية الْعُقُول فِي دَرَاية الأصول : 114 أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال : لضَربَة عَلى يوم الخندق أفضل من عبادة الثَّقَلِين. وذكر مثله بحار الأنوار : 216/20 و 258. ومثله تاريخ دمشق ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 / 155، وفرائد السمطين : 1 / 255 ح 197، وهامش تأريخ دمشق : 155، وشواهد التنزيل: 2 / 14 ح 636، والمناقب للخوارزمي: 169 ح 202 و 58 الفصل 9 وأبن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب : 2/ 326 طَبْعة الغري، وكشف الغمّة للإربلي : 255/1، وفى السيرة أيضاً : 349/1. وفي كتاب المواقف : 276/3، وهداية المرتاب : 148، وكنز العمال: 158/6 الطبعة الأُولَى، والغَدير : 206/7 طَبْعَة بيروت وشرح المختار قَالَ أبن أبي الحديد في (230) في باب قصار كَلَام أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ من نهج البلاغة : 513/5 بإضافة.... تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطَاعاتهم كلها، وفي الدر المنثور : 1924/5، والبحار : 1/39.)وها هو (عَلَيهِ السَّلَامُ يقول :... تشدتكُم الله، أفِيكُم أحدٌ يُوم عَبر عَمْرُو بن عبدودُ الخَنْدَقِ وَكَاعَ عَنهُ جَميع النَّاسِ فَقَتَلَه غَيْرِي؟ قَالُوا : أَللَّهُمَّ لا. (أنظر تاريخ بغداد : 19/13، مقتل الحسين للخوارزمي : 45، تلخيص المُسْتَدرَك : 32/3). ويُوم الخندق لما سكت كلّ منهم ولم يُجب طَلب عَمْرُو بن عبدود العامري. وكادت تكون هزيمة نكراء لَوْ لَم ينهض بها علي بن أبي طالب، وبهذا قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : بَرَزَ الْإِيمَان كله إلى الشرك كله.)وبهذا وذَاكَ تُذهب أدراج الرِّياح إيرادات، وإشكالات، وتبريرات أبن تيمية حين قال كما ورد في السيرة الحلبية ومَعَهَا هامش السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 320/2 : إنّها أي ضربة عَليّ يوم الخندق أفضل مِن عِبادة التَّقْلِين - من الأَحَادِيثِ المَوْضُوعَة التي لم ترد في شيء من الكتب التي يُعتمد عليها ولا يسند ضعيف. وكَيف يُكُون قَتل كافر أفضل من عِبَادة الثقلين الإنس والحين ومنهم الأنبياء ؟! ثُمَّ قَال : بل إنّ عَمْرُو بن عَبدودٌ هَذَا لَم يُعرف لهُ ذِكر إلَّا فِي هَذِهِ الغَزْوَة.والجَوَاب نَحْنُ لَسْنَا بصدد هَذَا الكلام ومناقشته بل نُورد ما قاله العلامة بُرهان الدين الحلبي الشافعي في نَفْس كتابه السيرة الحلبية وفي نفس الجزء والصَّفحة : إنّ عَمْرُو بن عبدودٌ هَذَا لَم يُعرف له ذكر إِلَّا فِي هَذِه الغَزْوَة، قول لَيْس له أصل وكَان عَمْرُو بن عبدودٌ قَد قَاتل يُوم بَدْر حَتَّى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد، فَلمَّا كَان يوم الخندق خرج معلماً... وأنه نذر لا يمس رأسه دهناً حَتَّى يقتل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ... وقوله «كَيف يَكُون قَتَلُ كَافِرٍ أفضل من عِبَادة الثقلِين» فِيهِ نَظر لأن قتل هَذَا كَان فِيهِ نُصرة لِلدِّين وخُذلان الْكَافِرِين... وَقَالَ الشَّيخ المظفر في دلائل الصدق : 402/2: لمبارزة عَليّ لعَمْرُو أفضل من... فكان هو السَّبب في بقاء الإيمان واستمراره وهو السَّبب في تمكين المُؤْمِنِينَ مِن عِبَادتهم إلى يوم الدين، لكن هذا ببركة النَّبيِّ الْحَمِيد ودعوته وجهاده في الدِّين.... وأنظر أيضاً المعيار والموازنة : 91 حياة الحَيَوَانِ الْكُبْرَى للدميري: 238/1 طَبْعَة مِصْر عام 1306هـ، المطبعة المشرفية، علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة : 145 طبع يصر عام 1386 هـ، مطبعة السُّنة المحمدية، الإمام علي أسد الله وَرَسُوله : 28، الإمام علي رجل الإسلام المخلد لعبد المجيد لطفي : 75. خاتم النبيين محمد أبو زهره : 938/2.
قسمت فَضِيلَة عَليّ يقتل عَمْرُو يَوْم الْخَنْدَقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعَهُم لوَسَعَتُهُم» (1. وَقَالَ ابن عبّاس فِي قَوْله تَعَالَى: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) (2)بِعَليّ. والحق أن مكَان عَليّ في معَارِك الإِسْلام أكبر من أنْ تُخفى وَرَاء التَّعصُّب في مواقف الخُصُومَة والملاحاة، ولو أنّ بطُولَة عَلى كَانَتْ موضع شَكٍّ لما سار الحَدِيث عَنْهَا مَسِير المثل فكان مما قيل : «لا فَتَى إِلَّا عَلي، ولا سيف إلا ذُو الفقار» (3إنّ علياً أکثر المسلمين)
1) انظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 284/13، شرح إحقاق الحق : 626/20.
2) الْأَحْزَابِ : 25.)أنظر، الْإِرْشَاد للشيخ المفيد : 61، تفسير القرطبي : 1/ 84، مناقب آل أبي طالب : 2/ 324، تَفْسِير الدر المنشور للسيوطي : 192/5. وكان ابن مسعود يقرأ : وَكَفَی اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بِعَليّ، وكان الله قوياً عزيزاً. وفي ميزان الإِعْتِدَال : 17/2 مثله. وفي شواهد التنزيل : 2/ 7 ح 629 - 632 عن ابن عباس عن سفيان الثوري عن زبيد عن مرة عن عبدالله بن مسعود أَنه كَانَ يَقرأ: وَكَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ بِعَلَيَّ بن أبي طالب. ورواه الإصفهاني في كتابه «مَا نَزَل من الْقُرْآن في عَلي» كما في ح 45 من كتاب النُّورِ المشعل : 171 الطبعة الأولى. ورواه البحراني في غاية المرام : 420 باب 169 ورواه أبن عساكر في تاريخ دمشق : 420/2 الطبعة الثانية ح 927، ورواه الحافظ الكنجي في كفاية الطالب: 234 بَاب 62، والطبرسي في 2 مجْمَعَ الْبَيَان : 343/8، وكشف الغمة : 317/2.وأنظر أيضاً تهذيب التهذيب : 34/6، كشف الْيَقِين : 134، شرح النهج لابن أبي الحديد : 13 / 284 عن أبن عباس، إرشاد القُلُوب : 245، تأويل الآيات : 2 / 450 ح 11، بحار الأنوار: 258/20، تفسير القُمي : 183/2، خصائص الوحي : 219، تفسير الميزان : 314/16، المناقب لابن شهر آشوب : 134/3 الدلائل للشيخ المظفر: 2/ 174 طبعة بصيرتي /قم. ينابيع المودة : 94 ط بصيرتي / قم. نُور الْأَبْصَار : 97.
3) الرّواية المشهورة هي أن جبرائيل هو الَّذِي كَان يُنادِي : لا سَيْف إِلَّا ذُو الفقار ولا فَتى إِلَّا عَلَيَّ.)وقيل : إن رضوان (عَلَيهِ السَّلَامُ هو المُنادِي، وهُما مَلَكَان كَرِيمان كما ورد في كنز العمال : 154/3 بَعد أنْ سَاق حديث الإِمَام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم بَيْعَة عُثمَان فقال : أناشدكم الله أن جبرائيل نَزَلَ عَلَى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ : يَا مُحمّد : لاَ سَيْف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فهل تَعْلَمُون هَذَا كَان لِغَيْرِي ؟ وورد في ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 74 أيضاً عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : نادى ملك مِن السَّماءِ يُوم بَدْرٍ يُقَال لَهُ رضوان، أَنْ: لا سَيْف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. وورد في الرّياض النضرة : 2/ 190، والمناقب لابن المغازلي: 197 – 199 ح 234 و 235.)وأنظر أيضاً كشف الْيَقِين في فَضَائِل أَمِير الْمُؤْمِنِينَ : 138، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 28/1 و: 219/7، و : 182/10، و : 251/14، تأريخ الطَّبَرِي: 197/2 و 514، فرائد السمطين: 256/1-258 ح 198 و 199، تاریخ دمشق : 1 / 118 ح 215 و 167، المناقب للخوارزمي : 167 و 213 طبعة الحيدرية ح 200، كفاية الطالب : 277، ابن هشام في السيرة : 52/3 و 106، سنن البيهقي : 277/3، المُسْتَدرَك : 385/2، الرّياض النضرة : 155/3، ميزان الإِعْتِدَال : 312/2 و 317، و : 324/3 طَبْعَة بيروت، الكامل في التاريخ : 107/2، تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي: 26، الكافي: 95/8 ح 90 البحار : 78/20 العمدة لابن البطريق : 381 المغازي للواقدي، مجمع الزوائد : 114/6 و 125، تأريخ الطَّبَرِيّ : 197/2 طَبْعة آخر، ربيع الأبرار : 833/1، معارج النبوة : الرُّكن الرابع : 107 و 1688 طَبْعة لكنهو، إحقاق الحق للتستري : 84/5 و 284، الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني : 192/15، نظم درر السمطين للزرندِي : 121.وجُملة «لاَ سَيْف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي» رويت في غَزْوَات بَدْر، وأحد، وخيبر، ورُويت بلا ذكر شَأن.فأمّا غَزْوَة أُحد فأخرجها الصَّدوق في معاني الأَخْبَار : 119 ح 1، وأماليه : 167 ح 10 مجلس 36. والشيخ المفيد بروايتين في الإِرْشَاد : 46 و 47 عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وأخرجها أيضاً في: 47 عن الإمام محمد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخرجها الكليني في الكافي: 110/8 ح 9، والصَّدوق في عِلل الشرايع : 7/1 ح 3 عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي الْعُيُون : 70/1 ح 9 عن الإمام الكاظم. (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبن هشام في السيرة : 43/3 عن، أبن أبي نجيح، وفي تَفْسِير فُرات الكوفي : 35 عن حُذَيْفَة بن اليمان، وأبن المغازلي في المناقب : 197 ح 234، والمفيد في الإرشاد أيضاً : 47 عن أبن أبي رافع، وأبو علي الطوسي في أماليه : 142/1 عن مُحمّد بن الحَقِّ مُصباح الأَنْوَار : 314، إرشاد الْقُلُوب : 241، ذَخَائِرِ الْعُقبى : 74، البداية والنهاية : 7/ 335، ينابيع المَوَدَّة : 209، كفاية الطالب : 277.
شِدّة عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْش، وإِفْجَاعَاً هُم فِي الأَبْنَاء، والآباء، والأَعْمَام، والأَخْوَال
وهَذِه الاحن عَلى عَليّ، وتِلكَ التَّرَات في نفوس قُرَيْسُ المُشْرِكَة ظلت حَيَّة بَعد أنْ دَخَلْت في الإسلام... وبعد مَوْت النَّبِيِّ تَناولت قُرَيْشٍ بِسِيُوفها شيب بَنِي هَاشم وشبابها، وصبيانها، وشَرَدَت عقائلها، وحرائرها، وكأنما تثأر بهذا لقتلاها في بَدْر وأُحد، وحَسبُنا أن نذكر هنا مصرع الحُسَيْن وآل بِيْتَه فِي كَربَلاء، ومَاتَلا ذَلِكَ من وقائع» (1.)ومِن جِهَادِ الْإِمَام فِي الْمَرْحَلَة الثالثة بلاؤه يَوْم خَيبر، وقتله مَرحباً (2.
1) أنظر، كِتَابَه «عَليّ بن أبي طالب بَقِيَّة النُّبُوَّة»، وخاتم الخلافة : 135، ومَا بَعدَها طَبعَة سَنَة 1967م. (منه (قدّس سِرُّه)).
2) حَدِيث الرَّاية مِن الأحاديث المشهورة والمتواترة بَيْنَ أَهْل الشَّيعة والسنة، هكذا رواه البُخَارِيّ بشرح الكرماني : 3935/8/2، و : 5 / 22 و 23 کتاب بدء الخلق باب مناقب علي بن أبي طالب. و 171 بَاب غَزْوَة خَيبر، و 76 كتاب المغازي، وعُمدة القاري في شرح صَحِيح البُخَاري للعيني : 73/4 و 208 و: 12 /190 ح 2744، و 207 ج 2771، و : 216/16، المناقب طبعة مضر، و 64 كتاب الجهاد والسير باب ما قيل في لواء النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)وروي بألفاظ مُتعدّدة ولكنها ذات معنى واحد تدلّ على الأفضلية المطلقة باعتراف الخليفة الثاني عمر بن الخَطَّابِ، حَيْتَ كَان يَقُول : لَقَد أعطي عَلي ثَلاث خصال لَئِن تَكُون لي خصلة مِنْهَا أحبّ إليَّ من أنْ أُعطى حُمر النِّعَمِ، فَسُئل مَا هِي ؟ قَالَ : تَزويجه أبنته فَاطِمَة، وسكناه في المسجد لا يحل لي فِيهِ مَا يحل له، والرَّايَة يُوم خَيير. رواه ابن حجر في الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 87، والسيوطي في تاريخه : 66، ومُنْتَخَب كنز العمال هامش مُسند أحمد : 39/5، وقوله أيضاً ما أحببت الإمارة إلا يَوْمَئِذٍ حَيْتَ قَالَ: فَتَطاولتُ - فَتَساورتُ لها - رجاء أن أدعى لها... ولَسْنَا بِصدد بيان الأفضلية وما يترتب عليها.ورواه مُسْلِم في : 2404/448/2 و 2405/449، كتاب الفضائل، و 173، کتاب المغازي باب 45 / 132، و : 4 / 1871 و 33/1872، و: 121/7 طَبْعة العامرة بمصر، و : 189/5 و 1440 و 1441 و 1871 طَبْعَة مُحَمّد فؤاد و 1440/3 ط آخر، فعن أبي هريرة أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قال يوم خَيبر لأُعْطِينَ هَذِهِ الرَّايَةِ رَجُلاً يُحِبّ الله وَرَسُوله، ويُحبّه الله وَرَسُوله، يفتح الله عَلَى يَدِيهِ، قَالَ عُمَرَ بن الخَطَّاب مَا أحببتُ الإِمَارة إلّا يَوْمَئِذٍ، قَال : فتطاولتُ - فتساورتُ لها - رجاء أنْ أُدعى لهَا : قَالَ : فدعا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) علي بن أبي طالب فأعطاها إيَّاه (فأعطاه إياها) وَقَالَ : أمش ولا تلتفت حَتَّى يُفتح الله عَلَيْكَ. قال : فسَار عَليّ شَيْئَاً - مَاشِياً - ثُمّ وَقَف ولم يلتفت فَصَرحَ عَليّ : يَا رَسُول اللَّه عَلَى مَاذَا أَقاتل النّاس ؟ قال : قاتلهُم حَتَّى يَشْهدُوا أَنْ لا إله إلا الله، وأن مُحمّداً رَسُول الله، فإذا فعلوا ذَلِكَ فَقَد مُنعُوا مِنكَ دمَاءَهُم وأَمْوَالهُم إلا بحقها وحِسَابُهُم عَلَى اللهِ، فَفَتح الله بيده.)حَدِيث الرَّاية حَدِيث طَوِيل ذُكر في غَزْوَة خَيبر - الحصن - والّتي تَبعُد عَنِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَة فراسخ وكان المُسْلِمُون فيها ألفاً وأربعمئة غَازِياً وكَانَتْ في سَنَة سَبع مِن الهِجْرَة وحَاصَرهُم فِيها رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يضعاً وعَشرِين لَيْلَة، ثم أخذ يفتحها حِصناً حِصناً، فكان أوّل حصن أفتتحهُ «حِصن نَاعِم» وقُتل فِيهِ مُحمّد بن سلمة، ثُمَّ القمُوص حِصن بَني أبي الحقيق، ثُم حصن الصَّعب وهو أكثرها طعاماً وَوذكاً، ثُم حصنهم الوطيح والسلالم، وكانا آخرها أفتتح وهُو الذي خَرجَ مِنْهُ مَرْحَب اليَهُودِي يقول:)قد عَلِمَتْ خَيبر أنّي مَرحب ***شاكي السلاح بَطلُ مُجربأطْعَنُ أحياناً وحيناً أضرب إذَا اللّيُوتُ أقبلت تلهبكان حِمَايَ كالحمى لا يُقربُفَسَأل المبارزة فخرج إِلَيْهِ مُحَمد بن مَسْلَمَة وأخوه الزُّبَيْر، و.... حَتَّى خَرجَ إِلَيْهِ عَلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَتله. (أنظر القِصَّة في إرشاد الشَّيخ المفيد : 111 الفصل 31 من الباب 2، البحار : 1/21 - 31، الكَامِل لابن الأثير : 216/2، وغَيْر ذَلِكَ كَثير. وكان الإمام علي الله هو صاحب الرَّايَة وقَد ثُمَّ الفَتح 216/3 عَلَى يَديَه وقد روى حَدِيث الرَّايَة السبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرة الخواص : 32 عَن مُسْنَد أحمد يسنده عن مُصْعَب بن سعد، وعَن البُخَاري، ومُسْلِم فِي الصَّحِيحِين كما ذكرنا سابقاً، وفي الفضائل لأحمد يسنده عن عطيه عن ابن يُريدة. وورد في السيرة الحلبية بهامش السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 37/3 و 83. وفي السيرة النَّبَوِيَّة بهامش السيرة الحلبية : 198/2 و 201.)وذكر حَدِيث الرَّايَة أيضاً بألفاظ متقاربة وبطرق عَدِيدَة صَحِيح البُخَاري في كتاب الجهاد والسير باب مَا قِيل في لواء النَّبيّ : 64/4 والَّذِي رُوي بسنده عن سلمه بن الأكوع قَالَ : كَان عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ تَخلّف عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خَيبر. وكان بِهِ رَمد، فقال : أنا أتخلف عَن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) !! فَخَرجَ عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلحق بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلما كان مساء الليلة التي فتحها - الحصون، خيبر - في صباحها فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): لأُعْطِينَ الرَّاية - أو قَال: ليَأخُذَنَّ - غداً رَجُل يُحبّ الله وَرَسوله - أو قال : يُحبّه الله ورسوله - يفتح الله عَلَيْهِ، فَإِذَا نَحنُ بعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومَا نَرجُوه، فقَالُوا: هَذَا عَلي فَأعطاه رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَفَتح الله عَليهِ. وفي نَفْس المصدر السابق: 4/ 73 طبعة مضر بسَنده عن سهل بن سعد قال : قَال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم خيبر : لأُعْطِينَ الرَّايَة غَداً رَجُلاً يفتح على يديه يُحِبّ الله ورسوله، ويُحبّه الله ورسوله. فبات النَّاسِ لَيلَتهُم أَيُّهُم يُعطى، فعَدُوا كُلّهم يَرجُوه فَقَال : أين عَليّ؟ فقيل : يُشتكي عينه... إلى آخر الحديث. ورواه أيضاً في كتاب بدء الخلق باب مناقب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 22/5 برواية سهل بن سعد السَّاعدِي وبَاب غَزْوَة خَيبر : 171/5.)وروى الحديث أيضاً مُسْلِم فِي صَحِيحَه : كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَة بَاب فَضَائِل عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ: 1440/3 بأسانيد مُتعدّدة عن عِكْرِمَة بن عَبَّار عن أياس بن سلمة عن أبيه... وساق الحديث وفِيهِ قَال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ):)أنا الذي سمتني أُمّي حيدرة کليث غابات كريه المنظرهأُوفِيهِمُ بالصَّاعِ كِيل السَّندرَهومثله بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه. وفي: 33/1871/1 و 1872 عن أبي هريرة و : 121/7 عن أبي هريرة أيضاً طَبْعَة العامرة، وكذلك برواية سهل، ورواه البيهقي في سننه : 362/262. و : 106/26 و 131 برواية سهل بن سعد الساعدي.ورواه أبو نَعِيم في حُلية الأَوْلِيَاء : 26/1 و 62 برواية سهل بن سعد الساعدي و 66 عن أنس بن مالك، ورواه أحمد بن حنبل في مُسْنَده : 99/1 و 133 و 320 بسنده عن عَمْرُو بن ميمون عن ابن عباس، وكَذَلِكَ في 331، و : 51/4، و : 2 / 384 عن أبي هريرة، و : 322/5 و 333 و 353 بسنده عن بريدة : 8/6، و : 4797/21/7 بسندٍ صَحِيح طَبْعَة دار المعارف بمِصْر و 25 عن ابن عباس طَبْعَة دار المعارف أيضاً.ورواه النسائي في خصائصه : 5 و 6 بِأَختلاف بسيط في اللفظ برواية بريدة و 7 و 43 ح 11 و 55 و 58 برواية عن أبي هريرة طَبْعَة الحيدرية، وكَذَلِك عن سهل بن سعد الساعدي و 61 عن ابن عباس و 15 طبعة بيروت و 8 طَبْعَة التقدم بمصر.ورواه ابن سعد في الطَّبَقات الْكَبْرَى : 2/ 80 ق 1 و 110 برواية أبي هريرة طبعة دار صادر، والاستيعاب لابن عبد البر : 450/2، كنز الْعُمَّال للمتقي الهندي : 283/5 و 284، و : 394/6 و 395 باختلاف بسيط في اللفظ، و : 101/15 ح 291 الطبعة الثانية، الرياض النضرة للمُحبّ الطَّبَرِي 2/ 185 و 187 و 254 الطبعة الثانية و 269 برواية ابن عبّاس و 270 الطبعة الثانية، ومُسْنَد الطَّيَّالسي لأبي داود: 320/10 برواية أبي هريرة، وتأريخ بغداد للخطيب البغدادي : 5/8، صحيح أبن ماجه : 12 بسنده عن عبدالرحمن بن أبي ليلى وبسنده عن أبن شالط عن سعد بن أبي وقاص، و: 1 / 45 ذيل الحديث 121 و 43 ح 117، وتأريخ الطَّبَرِيّ: 300/2 بطريقين برواية بريدة الأَسْلَمِي 45/1 طَبعَة الاستقامة، و: 11/3 طبعة دار المعارف.ورواه الهيتمي في مجمع الزوائد : 150/6 و 151 برواية جابر بن عبدالله الأَنْصَارِي : 124/9 برواية عبدالله بن عبّاس و 222، صحيح التّرمذي: 218/1، مُسْتَدرك الصَّحِيحين: 38/3 برواية جابر الْأَنْصَاري و 123 برواية بُريدة الأَسْلَمِي و 437 وصححه في الطبعة الأُولَى أفست و 125، وفرائد السمطين : 1 / 154 و 253 / 196 عن سهل بن سعد الساعدي و 201/261 عن أبي رافع مَوْلَى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و 260 برواية جابر بن عبد الله الأنصاري و 259 ح. 200 و 2002، وبرواية جابر الأنصاري و 345 ح 268 وح 250 برواية أبن عباس.)ورواه الطبراني في المُعْجَمِ الْكَبِير : 187/6 / 5950 طَبْعَة بَيرُوت قَال : حدثنا الحسين بن إسْحَاق حدثنا الصلت بن مَسْعُود حَدثنا فضيل بن سلمان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يوم خيبر : لأعْطِينَ الرَّاية غداً رَجُلاً يفتح الله عَلى يديه. فقدا النَّاسِ عَلَى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كُلّهم يَرجُون أن يُعطيه الراية، فقال: أين علي؟)وحدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد قَالَ : قَالَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : الدال على الخير، قَالُوا: هو شاكي الْعَيْن يَا رَسُول الله، قال : أرسلوا به. فأتي بهِ فَبصق رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في عينيه ودَعا فَبُرى ثُمَّ رَفع إِلَيْهِ الرَّايَة. فقال : أنفذ ولا تلتفت حَتَّى تَنزل بالْقَوْم فتدعوهم إلى فَنَفَذ عَليّ، ثُم التفت، وَقَالَ : يَارَسُول الله أنقاتلهم حَتَّى يَقُولوا : لا إله إلا الله ؟ قَال : عَلَى رَسلك إذا جئتهم فأدعهم إلى قول لا إله إلا الله، فلأن يسلم رَجلٌ عَلَى يدك خير لك من أن يكون لك حمر النعم.)ومثله في : 2/ 100 من الْمُعْجَمِ الصَّغِير برواية جابر الأنصاري، أسد الغابة لابن الأثير : 098/4 المناقب لابن المغازلي : 176 و 216/181 و 217 و 221 برواية أبي هريرة وح 222 برواية بريدة الأَسْلَمي : 187. وأنظر تأريخ الإسلام للذهبي مُجلّد المغازي: 410، المُصَنَّف لابن أبي شيبة: 12129/63/12 و 12149/71، ذَخَائِر الْعُقبى : 86 و 87، المناقب للخوارزمي : 103 طبعة النَّجف و 207/172 و 238 طَبْعَة الحيدرية و 72 برواية ابن عباس.وأنظر المغازي للواقدي: 654/2، سيرة ابن هشام : 349/3 و 350 تاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: 147/205/1 - 251 وعن ابن عباس، و : 1 أيضاً ح 269 برواية جابر بن عبدالله الأَنْصَاري: 174/1 / 239 و 240 - 243 عن بُريدة الأَسْلَمي، و : 163/1 - 227-231 برواية ح 227-231 سهل بن سعد الساعدي و 157 ح 219 - 227 عن أبي هريرة.)وانظر، سُنن الترمذي: 3724/596/5، عُيُون الأثر : 132/2، أنساب الأشراف للبلاذري : 93/2 برواية أبي هريرة و 106 طَبْعة آخر برواية عبدالله بن عباس ينابيع المودة: 49 برواية بريدة الأسلمي 21 طبعة اسلامبول و 248 طَبْعَة الحيدرية و 34 طَبْعَة اسلامبول برواية ابن عبّاس وكَذَلِك فى 38 طَبعَة الحيدرية، و : 153/1 الطبعة الأولَى طَبْعَة أسوة تحقيق السَّيّد علي جمال أشرف و 161 و 162. و : 33/1 طَبْعة العرفان.وأنظر أيضاً أسنى المطالب للجزري : 62. أسد الغابة : 21/4، البداية والنهاية : 182/4 و : 337/7، العقد الفريد : 194/2، الكَامِل في التاريخ: 149/2، الذهب : 14/3، إحقاق الحق: مروج 400/5 و 410 و 415، فَضَائِل الخمْسَة : 2 / 150 و 161 طَبعة دار الكتب الإسلامية طهران و: 230/1.وأنظر كشف الْيَقِين في فَضَائِل أَمِير المُؤْمِنِينَ عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ : 139، الصّراط المستقيم للعلامة البياضي : 1/2 و 62، كشف الغمّة للإربلي : 230/1، إعلام الورى للطبرسي : 98، الصَّوَاعِقِ المحرقة لابن حجر : 76 طبعة الميمنية و 125 طَبعَة المحمدية، تأريخ الخلفاء للسيوطي : 172 الإصابة لابن حجر : 509/2، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي : 129، مشكاة المصابيح : 6080/1719/3، نزل الأبرار للبدخشاني : 43، و 44.)وأنظر أيضاً تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 24 طَبْعَة الحيدرية و 26 و 29، الاستيعاب بهامش الإحتسابة : 36/3، المسند لأحمد : 353/5 و 355 و 358 الطبعة الأولى، الكَامِل في التاريخ : 149/2. تلخيص المُسْتَدرَك للذهبي : 132/3. كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي: 240 طَبْعَة الحيدرية و 115 طبعة الغري، المناقب لابن شهر آشوب : 293/2.وحَدِيث الرَّاية رُوي عن طريق عِمْرَانَ بن حصين في الروض الأنف للسُّهيلي : 229/2، صبح الأعشى : 174/10 وغيرهم كثير، الشافي لعلم الهدى : 70، تلخيص الشافي للطوسي : 13/3، دلائل النُّبُوَّة لأبي نعيم : 397 طَبْعَة حيدرآبادي، مُسْنَد الطَّيالسي : 26 طَبعَة حيدرآباد، شرح النهج لابن أبي الحديد: 256/1 و 361 الطبعة الأولى، و : 100/3، و : 4 / 72 طَبْعة مصر تحقيق محمد أبو الفضل.وروى أبو كريب، ومُحمّد بن يحيى أَزْدِيّ في أماليهما، ومحمد بن إسحاق، والعمادي في مغازيهما، والنطنزي والبلاذري في تأريخهما والثعلبي، والواحدي في تفسيريهما، وأحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي في مُسْنَديهما، وأحمد والسمعاني وأبو السعادات في فضائلهم والأشنهي في أعتقاده، وأبن بطة في إبانته من سبع عشرة طريقاً. وروى صاحب كنز العمال بهامش أحمد عن عُمر بن الخَطَّابِ حَدِيث الراية في ح 656 تحقيق المحمودي وفي : 44 و 45 الطبعة الأولى، وغيره كثير، وبرواية عبدالله بن عُمَرَ كما في شواهد التنزيل للحافظ الحسكاني : 197/903/2 تحقيق الشيخ المحمودي وسمط النجوم : 461/2، وغيره كثير. وهنالِك أَلفاظ أخرى لحديث الراية ورواة آخرون أعرضنا عن ذكرهم لطول المقام، ولو شاء الْفَرْد لأفرد باباً أو فصلاً أو كتاباً خاصاً لحديث الراية كما فعله بَعْض الأعْلام.
1) كَانَتْ غَزْوَة حُنِين بَعدِ فَتح مَكَة بِخسة عشر يوماً، وكان عَسكر الإسلام أثنى عشر ألفاً، وقيل عشرة آلاف، وفي هَذِه الغَزْوَة أستظهر فيها رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فيها بكثرة الجموع فَخَرَجَ صَائِماً مُتوجهاً إِلَى الْقَوْمِ. فظَنَّ أَكْثَرَهُم أنهم لم يُغلبوا لما شاهدوه من جمعهم وكثرة عدتهم وسلاحهم، فأعجب أبو بَكْر بالكثرَة يَوْمَئِذٍ فقال : لَنْ يغلب اليوم من قلة، وكان الأمر في ذلك بخلاف ما ظنُّوه، فَلمّا التَّقُوا مَعَ الْمُشْرِكِين لَم يَلبتُوا حَتَّى أنهزموا بأجمعم، وَلَم يبق منهم مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا عشرة أنفُس نِسعَة مِن بَنِي هَاهُم خَاصَّة وعاشرهُم أَيمن بن أُمّ أيمن فقتل رضوان الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وثبت التّسعة الهاشميون وعَلى رأسهم أسد الله الغَالب ليث بَنِي غالب عَليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). أنظر، مناقب عَليّ بن أبي طالب لابن المغازلي : 65 ح 93 و 84 ح 120 و 125 و 104 ح 146 و 147، المناقب للخوارزمي الحنفي : 72 و 106 و 111 و 235، تاریخ ابن عساكر: 1 / 74 و 76 و 121 121 - 124 و 126، و : 257/2 773 و 774 و 476 ح 996 و 997، كفاية الطالب للكنجي الشافعي : 187 و 221 طبعة الحيدرية، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 72 و 81 و 185 و 234 و 250 و 284 طَبْعة إسلامبول، فتح الملك العلي : 57 طبعة الحيدرية، إسعاف الراغبين بهامش نور الأَبْصَار: 158 طبعة السعيدية، الصَّوَاعِق المحرقة : 123 طَبْعة الحيدرية.)وأنظر أيضاً مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي : 31 طبعة طهران، ميزان الإِعْتِدَال للذهبي: 1/ 110، و : 3 / 324 طَبْعَة بيروت الجامع الصغير للسيوطي الشافعي: 2 / 140 طَبْعَة مصطفی مُحمّد منتخب كنز الْعُمَّال بهامش مُسنَد أحمد : 5/ 29 و 30 و 33 و 34 إحقاق الحق: 4 / 234، و : 6/6 و 11 و 29 طَبْعَة طهران، فرائد السطمِين : 1/ 157 و 143 ح 119 و 151، المعجم الصغير للطبراني: 2 / 88، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي : 114 مجمع الزوائد: 29 / 121، و: 102/6 و 125، أسد الغابة : 1 / 69، و: 3 / 116 و 5 / 287، فَضَائِل الخَمْسَة : 2 / 100، الرياض النضرة : 2 / 204 و 234، ذَخَائِرِ الْعُقبى : 56 و 68 و 70، السيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي الشافعي: 1 / 380، شرح النهج لابن أبي الحديد : 3 / 261، و : 7 / 219 و 10 / 182 و 14 / 250 و 252، و: 13 / 228 تحقیق مُحمّد أبو الفضل الاستيعاب لابن عبد البر مطبوع بهامش الإصابة: 4 / 170، فرائد السمطين للحمُويني: 1/ 39 و 40 و 156 و 234. 39وأنظر، كذَلِكَ لِسَان الميزان لابن حجر العسقلاني الشافعي: 2 / 414، الْبَيَان والتعريف لابن حمزة الحنفي: 2 / 110، درر تجر المناقب لابن حسنويه الحنفي : 99 مخطوط، الأربعون لأبي الفوارس: 49 110 مخطوط، رِسَالَة النقض على العُثمانية للإسكافي : 290، أرجح المطالب للشيخ عبيد الله الحنفي : 447، مِفْتَاح النّجا للبدخشي : 21 مخطوط. أنتهاء الأفهام : 74. الإصابة : 171/4، كشف اليقين : 84، الإِرْشَاد للشيخ المفيد : 41 41 و 43 و 57، مُسْتَد أحمد بن حنبل : 199/1، و : 82/3.
2) )لقد سار النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في شوال سَنَة ثمان من الهِجْرَة إِلى الطَّائِف فحاصر أهَلهَا بِضعة عشر يوماً، وفِيها خَرَج نافع بن غِيلان بن معتب فِي خَيلٍ من ثَقِيف فَلقِيه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خَيلٍ فالتقوا ببطن وج فَقَتله الإِمَام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنهزم المُشرِكُون، وفي هَذَا المكان نَاجَى الرَّسُول الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحديث النجوى في الطائف الَّذي أخرجه أحمد في مُسْنَده عن جابر بن عبدالله الأنصاري : 300/6، واحتج بهِ الْإِمَام عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَلَى أَهْل الشُّورَى عَن أبي ذر الغفاري، وورد بلفظ صحيح الترمذي كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب : 13 / 173 وغَيْره واللفظ للترمذي عن جَابِرٍ قَالَ : دَعا رَسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَليَّاً يوم الطَّائف فأنتجَاء. 173/13 فقال الناس : لقد طال نجواه مع أبن عمه، فقال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما أنتَجِيته ولكن الله انتجاه. (أنظر. المصدر السابق وتاريخ بغداد للخطيب : 402/7).)وفي رواية : لما كان يُوم الطائف دَعا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عَليا فناجاه طويلاً، فقال بَعْض أَصْحَابه... الحديث. (أنظر أسد الغابة : (27/4).)وفي رواية جُندب بن ناجية أو ناحية بن جُنْدَب : لما كَانَ يُوم غَزْوَة الطَّائف قام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مع على (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَليّاً ثُم مر، فقال له أبو بَكْر : يَا رَسُول الله لقد طالت مُناجاتك عَلِيَّاً مُنذ اليوم، فقال : ما أنا أنتجِيته ولكن الله انتجَاه. (أنظر، كنز العمال: 1122/200/12 الطبعة الثَّانِيَة، الرياض النضرة : 2/ 265، مشكاة المصابيح : 1721/3 ح 1 ح 6088، كفاية الطالب: 327 باب 92، المعجم الكبير للطبراني : 186/2 ح 1756، المناقب للخوارزمي : 138 ح 155، المناقب لابن المغازلي : 124 126 ح 162-166، أمالي الشيخ الطوسي : 342/1. غاية المرام : 527 باب 88 ح 8 بصائر الدرجات: 410 - 411 ح 1 و 5، الاختصاص للشيخ المفيد : 200، شرح النهج لابن أبي الحديد : 173/9 الخُطْبَة 154. ومن تأريخ أبن عساكر عن جابر، ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 310/2 و 311، وتأريخ ابن كثير : 356/7.)وفي شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 78/2 طَبْعَة مِصْر الأولى جَاء في آخر الحَدِيث: دَخَلْت عَائِشَة وهما يتناجيان، فقالت: يَا عَلي لَيْس لي إلا يوم من تسعة أَيَّام، أفما تدعنِي يَا ابن أَبِي طَالب!؟ ولَسْنَا بصدد بيان كلّ مَا جَاء في المناجاة وَذَلِكَ لأنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ كان حريصاً على أَنْ يَتلقَ مِن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخاصة عندما نزلت الآية الكريمة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) الْمجَادَلة : 12 فقَال الطَّبَرِيّ في حَدِيث طويل : فَلم يُناجه أحد إلا علي بن أبي طالب. (تفسير الطَّبَرِي: 14/28 و 15، الدر المنثور : 185/6، أسباب النزول للواحدي: 308، تفسير السيوطي: 185/6، ذَخَائِرِ الْعُقبى : 72 مجمع الزوائد : 36/9، خصائص النسائي : 40، مُسْتَدرك الصَّحِيحِين : 138/3 - 139، الكشاف : 76/4).
والتاريخ.(وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَ أَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْتُفْنِي فِي فِرَاشِهِ... إلخ. إن المعيار الصَّحِيح لِلمُوازنة، والمفاضلة بَيْنَ صحابة رَسُول الله، وغيرهم هي النصح لِلإِسْلام، والجهاد في سبيله، والعِلم والْعَمَل بِهِ وأحكامه، أما السبق إلى الإِسْلَام فَقَد كَان في أوّل البعثة أعْظَم الفضائل، وأهم أنواع الجهاد عَلى الإطلاق حيث لا قُوَّة لِلإِسْلام، ولا جَمَاعَة لِلمُسْلِمِين، وحَيْث يُعاني النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِن السُّفهاء شَرّاً وَعَنتَاً، ولا ذَابٌ وَمُعِين، ومِن أجل هَذَا يُعتبر المُسْلِم آنذاك مِن المؤسسين، أو)
في حكمهم، قَال سُبْحَانَهُ: (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ (1). وَقَالَ: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أَوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (2)أي السابقون عند البعثة، أما بعد الهِجْرَة ووجود العِدة والعَدَد فَلا فَضل لسابق عَلَى لأحقٍ إِلَّا بِمَا أَشرنَا إِلَيْهِ.)وكان لِعَليّ فَضِيلة السبق إلى التصديق بالإسلام، ونَبِيَّهِ يَوْم لا مُسْلِم إِلّا مُحَمّد وَخَدِيجَة وهُو ثالثهما، كما قال بالإضافة إلى الخلال الْفُضْلى، وإلى قرابة قَرِيبَة مِن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ تجعله، مُجتمعه فيهِ - أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ) (3).)(وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتُ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - وَخَدِيجَةَ، وَأَنا ثَالِثُهُمَا). في سيرة ابن هشام عن ابن إسحق : «كَان أوّل ذَكَرٍ أَسْلَم، وصَلَّى عَليّ بن أبي طالب، والثَّاني زيد بن حارثة» (4)
أنظر الخطيب في تأريخه : 233/4، كتاب صفّين : 100 و 133، رِسَالَة الإِسكافي، والحافظ الكنجي في الكفاية : 48، الغَدير : 276/2، صحيح الترمذي: 301/2 النسائي في خصائصه: 2، أبن سعد في طبقاته : 12/3 القسم 1، أسد الغابة : 17/4، كنز العمال : 6 / 400 مُسند أحمد : 368/4 و 371، تأريخ ابن جرير الطَّبَرِيّ : 57/2 عن مُحمد بن المنكدر، وربيعة بن أبي عبد الرحمان، وأبي حازم المدني.وأنظر أيضاً المُسْتَدرَك في الصَّحِيحِين: 465/3 عن ابن عباس، و : 136/3 عن سلمان، والخطيب في تأريخه : 18/2، والاستيعاب لابن عبد البر : 457/2 عن عَمْرُو مَوْلَى عَفرة، و : 456 عن سلمان، وأبي ذر، والمقداد، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم وعن أبي رافع، و : 458 عن قتاده عن المسند، مُسْنَد أحمد بن حنبل : 26/5 عن معقل بن يسار.وراجع كنز العمال: 153/6، و : 392/6 و 395 عن عُمَرَ، مجمع الزوائد: 101/9، و : 102 و 114 و 220، عن بريدة وعن مالك بن الحويرث، مُسْنَد الإمام أبي حَنِيفَة : 247 عن حبّة، والبغدادي في تأريخه : 4 / 233، الإصابة : 118/4 القسم 1 عن جابر، 183/8 القسم 1 عن ليلى الغفارية، أسد الغابة: 17/4 عن الحارث، و : 250/5، الرياض النضرة : 182/2 عن أنس، الإستيعاب : 45/2. حلية الأولياء : 294/4.وأنظر كَذَلِكَ في الدر المنثور للسيوطي في ذيل تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: (وَكُنتُمْ أَزْوَجًا ثَلاَثَة أَلْوَاقِعَة : 7، فيض القدير : 135/4، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 72، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 58، الرّياض النضرة : 158/2، الثعلبي في قصصه : 238 و 257 و 258، السيوطي فى الدر المنثور في ذيل الآية: (وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَاب الْقَرْيَةِ) يَس : 13، تاريخ بغداد: 14 / 155 عن جابر، تهذيب التهذيب : 236/7، نور الأبصار للشَّبلنجي : 69.)أنظر، الفِرْدَوْس للديلمي : 93/41/1، شرح نهج البلاغة : 173/9 و 174 الْخُطْبَة 154 و 300. المناقب للخوارزمي : 52 / 15 و 57 / 13 و 58 / 27، الفضائل الأحمد: 997/589/2 و 1998 المُسْتَدرَك : 465/3، المناقب لابن المغازلي : 22/16، فرائد السمطين : 102/139/1 و 103، الإصابة لابن حجر: 171/4 و 402 ترجمة 974 و 994.
.1) التَّوْبَة : 117.
2) الْوَاقِعَة : 11.
3) الأَحْزَابِ : 6.
4) أنظر، كِتاب «وحي الْقَلَم» لمصطفى صادق الرافعي: 18/2 الطبعة الثانية، وكِتاب «اليمين واليسار في الإِسْلام» لأَحْمَد عباس: 50 طبعة سنة 1972م، وكِتاب «مُحَمّد رَسُول الحَرَّيَّة» لعبد الرَّحْمَنِ الشَّرقاوي : 69 الطبعة الأولى ونَقَل الفيروز آبادي في كِتَاب «فَضَائِلِ الْخَمْسَة من الصحاح الستة» : 1/ المقصد الثاني. الفصل التاسع والعاشر، نقل عَن أكثر من عشرين مصدراً قَدِيماً : «إنّ عَلِيَّاً أوّل مَن أَسْلَم وآمَن، وذكر صاحب الفضائل» رقم الجزء والصَّفحة وزمان الطبع ومكانه. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أنظر، الكَامِل لابن عدي: 11829/5، رسالة النقض على العُثمانية : 290 دار الكتب مصر، فرائد السمطين: 39/1، مجمع الزوائد : 105/9، أبن أبي الحَدِيد في الشرح : 228/13 وأبن حجر العسقلاني في لسان الميزان : 383/3، در بحر المناقب : 99 مخطوط عن أبي ذرّ، والحاكم في المُسْتَدرَك على الصحيحين : 136/3، والطَّبَرِيّ في تأريخه: 420/3، وابن حجر العسقلاني في صواعقه : 72، أحمد بنحنبل في مُسْنَده : 373 ط الحجر، و : 84/1ط الحلبي، كشف اليقين في فَضَائِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ لابن المطهر الحلّي : 24 تحقيق حسين الدرگاهي، المناقب لابن شهر آشوب : 9,4/2. تأريخ الطَّبَرِي : 55/2). فرائد السمطين: 1 / 140 ح 103 عن أبي ذرّ، وفي تفسير ابن الحجام لِقُوْله تَعَالَى ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم) النِّسَاء: 69، كشف الغمة : 116/1.)أنظر، تأريخ دمشق ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ : 401/331/1 ينابيع المودة : 60، الاستيعاب لابن عَلَى عبدالبر المالكي بهامش الإصابة : 29/3، تاريخ الطَّبَرِي : 57/55/2 عن /57/55/2 عن ابن إِسْحَاقَ، تأريخ دمشق : /61/32/1 عن عُرْوَة بن الزبير مثله، و : 68/36/1 عن قتادة عن الحسن البصري وغيره مثله،و : 104/65/1 عن أبي مالك بن الحويرث مثله أيضاً، و : 129/80/1 عن عمرو بن عبد الله بن يعلى بن مرّة الثَّقَفيِّ مثله أيضاً، وفي الكَامِل لابن الأثير : 58/2 مثله أيضاً.) وأنظر الكافي : 454/1، وأمالي الشيخ الصدوق : مجلس 5/37 وتذكرة الخواص: 103، وتأريخ الطَّبَرِي : 57/22 و 58، والمناقب لابن شهر آشوب : 11/2، ورسالة الإسكافِي الْحَاكم النيسابوري: 22. ومروج الذهب للمسعُودي : 437/2، والإرشاد للشيخ المفيد: 9 باب 1 فصل 1، العقد الفريد للعلامة الأندلسي المالكي: 3 في قِصَّة احتجاج المأمون عَلَى الْفُقَهَاءِ وَهِي مُناظرة لطيفة في فضل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبأنه أَوَّل من آمن بالله، وأنظرها في الإحقاق : 184/3 وما بعدها. وفي جمع الجوامع : 398/6 قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لفاطمة : زوجتك خير أمتي أعلمهم علماً، وأفضلَهُم حِلماً، وأولهم سلماً.
(وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ. جاء في «الرّياض النضرة، وفي الدر المنثور فى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) (1): «إِنَّ رَسُول الله ص(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أسألك بما سألك أخي مُوسى أَنْ تَشرح لي صدري، وأنْ تُيسر لي أمري، وأن تحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، وَأَجْعَل لِي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي عَلِيَّاً أَخِي، أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كِي نُسبحك كَثِيرَاً، إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً» (2)
ولما عَلِم النّبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أنّ عَلِيَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعيش بعده وأنّ هَارُون مات فى حياة مُوسى وأنه إنْ أطلق اللفظ غَيْر تقييد بِالإسْتثناء تُوهمت النُّبُوَّة في جملة المنازل المستحقة لهُ قَالَ مُستَننِياً : إلا أنه لا نَبِيِّ يَعدِي.)وثبت له أيضاً بما بيناه من فُرض الطاعة ما ثبت للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، من فرض الطاعة، فليتأمل ذَلِكَ، فَفِيه كفاية.)نُزيد إِلى هَذِهِ الْوُجُوه قول ابن روزبهان في «إبطال الباطل» الذي كتبه رَدّاً على كتاب «نهج الحق». فإِنَّه يَقُول :وأيضاً يُثبت بهِ لأمير المُؤْمِنِينَ فضيلة الأخوة والمؤازرة الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في تبليغ الرَّسَالَة وَغَيْرها من الفضائل وَهِي مُثبتة يقيناً لا شَكٍّ فيه. (دلائل الصدق : 389/2).)ويُشير أبن أبي الحديد إلى فضيلة المؤازرة كما ينقلها المجلسي في بحاره، وكلامه هذا في شرح فِقْرَة من خُطْبَة القاصعة يروي فيها أمير المؤمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ عَن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال : إِنَّكَ تَسمع ما أسمع وتَرى مَا أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير، وإنّك لَعَلى خَير. (راجع شرح النهج لابن أبي الحديد : 255/3 ذو المجلدات الأربعة طَبْعة دار إحياء التراث العربي بيروت، بحار الأنوار: 37/ 270 - 271).)وَقَالَ الشيخ الطوسي تكملة لهذه الوُجُوه :وإذا أخرج الإستثناء منزلة النُّبُوَّة وأخرج الْعُرْف مَنزلة الأخوة - لأن من المعلوم لكلّ من عَرَفَهما (عَلَيهِمَا السَّلَامُ أنه لم يَكُن بَيْنَهما أخوّة نَسب - وَجَب القطع عَلَى ثبوت مَا عَدا هَانِين المنزلتين. وإذا ثبت مَا عَدَاهما - وفي جملته أنه لَو بَق الخلفه ودبّر أمر أمته وقام فيهم مقامه وعلمنا بقاء أمير المُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) -وجبت له الإمامة بعده بلا شُبهة. (تلخيص الشافي : 206/2).)وَقَالَ الشيخ الصدوق في مَعَانِي الأَخْبَار :ومن منازل هَارُون مِن مُوسَى بَعد ذلِكَ أشياء ظَاهرة وأشياء باطنة، فمن الظَّاهِرة أنه كان أفضل أهْل زمانه وأحبّهم إلَيْهِ وأخصهم به وأوثقهم في نفسه، وأنه كان يخلفه عَلى قَوْمه إِذَا غَابِ مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ عَنهُم. وأنه كان بابه في العِلم، وأنّه لو مات مُوسى َوهَارُون حَيٌّ كَان هو خَلِيفته بعد وفاته، فالمخبر يُوجب أن هذه الخصال كلها لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومَا كَان من منازل هَارُون من مُوسى بَاطناً وَجب أنّ الَّذي لَم يَخصه الْعَقْل مِنْهَا كَمَا خَصّ أخوته بالولادة فهو لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإن لم تحط بِهِ عِلماً، لأنّ الخبر يُوجب ذَلِكَ. (مَعَانِي الأَخْبَار : 75).)كما قال العلامة المجلسي مزيداً عَلَى بَيَان هَذِهِ الْوُجُوه :مدلول الخبر ضريح في النّصّ عَلَيْهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ لاسيما وقد أنضمت إلَيْهَا قَرائن آخر، مِنْهَا الحَدِيث المشهور الدَّالَ عَلى أنه يقع في هذه الأمة كلّ ما وقع في بَنِي إِسْرَائِيل حذو النعل بالنعل، ولم يقع في هذه الأمة ما يشبه قِصَّة هَارُون وعِبادة العجل إلا بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من غصب الخلافة وترك نُصرة الوصي، وقد ورد في روايات الفَرِيقِين أنّ أمير المُؤْمِنِين استقبل قبر الرَّسُول صلوات الله عليها عِند ذلِكَ وَقَالَ مَا قَاله هَارُون: (ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي). ومِنْهَا مَا ذكره جَمَاعَة مِن المُخالفين أنّ وصاية موسى وخِلافَنه أنتهت إلى أولاد هَارُون، فمن منازل هَارُون من موسى كون أَوْلاَده خَلِيفَةٌ مُوسَىٰ فَيلزم بمقتضى المَنْزِلَة أن يكون الحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) المسمّيان بأسمي أبني هَارُون باتفاق الخاص والعَامَ خَلِيفتي الرَّسُول. فيلزم خلافة أبيها لعدم الْقَوْل بالفصل. (بحار الأنوار: 288/37).)وَنِعمَ مَا قَالَ الصَّحَابِي الْكَبِير بأوجز بيان كما يرويه الشيخ الصدوق في مَعَانِي الْأَخْبَار :عَن أبي هَارُون العبدي :قَال: سألت جابر بن عبدالله الأَنْصَارِي عَن معنى قَوْل النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أنتَ مني بمنزلة هَارُون مِن موسى إلا أنه لا نبي بعدي» قال : أستخلفه بِذَلِك والله عَلَى أُمِّته في حياته وبعد وفاته، وفرض عليهم طاعته، فمن لم يشهد لهُ بَعد هَذَا الْقَوْل بِالْخِلَافَةِ فهو من الظَّالمين. (مَعَانِي الأَخْبَار: 74).)وَنَحْتُم الكلام بذكر فُوَائِد :الأُولَى : يُذكر السَّيِّد عَليّ بن طاووس في الطرائف : 53 - 54 كتاباً لأبي القاسم التنوخي في حَدِيث المنزلة وروايته عن الصَّحَابة والتابعين. وإن أبن طاووس رَأى نُسخة عَنِيقة مِنْهُ يُصفه في الطرائف. والتنوخي هَذَا (278 - 342 ترجمة الشيخ الأميني في الغدير : 380/3 - 387.)الثَّانِيَة : قَال بَعْض الْمُخَالِفِين : إنّ المراد من الحديث استخلافه (عَلَيهِ السَّلَامُ بالمدينة حين ذَهَابِ الرَّسُولِ إِلَى تبوك فحسب. كما استخلف موسیٰ هَارُون عِند ذهابه إلى الطُّور. قال الشيخ المظفّر في جواب هَذِهِ الشُّبهة :)هو خطأ ظَاهر لأنّ مُجرد وقوع الإستخلاف الخاص من مُوسى لا يدلّ عَلَى اختصاص خلافَة هَارُونَ في ذَلِكَ المورد دُونَ غَيْره، فكذا استخلاف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بل العبرة بعموم الحديث مع اقتضاء شركة هَارُون لموسى في أمره ثبوت الخِلَافَة العَامَّة له فكذَا عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ). ويَدلّ على عدم إِرَادَة ذَلِكَ الإِستخلاف الخاص بخصوصه ورود الحديث في موارد لا دخل لها.به (دلائل الصدق: 391/2 و 392).)أَقُول : يُعدّ مِنْهَا حَدِيث المؤاخاة، وحَدِيث سَدّ الأبواب، وتسميّة الحَسنِين بِشير وشُبِير. وغَزْوَة خيبر، ويوم الدار، وموارد أُخرى ذكر بَعْضها المُصَنَّف في الكتاب وغيره في غَيْره.وَقَالَ الشَّرِيف المرتضى جواباً آخر لهذه الشُّبهة في الشَّافي كما نقل عنه في بحار الأنوار: 285/37 و 287 فراجع إن شئت.الثالثة : قال الفخر الرازي في تَفْسِيره لقوله تَعَالى : (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ... فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِى (طه: 90) مَا مُلخصه : إِنْ هَارُون ما منعته الثَّقِية في مِثل هَذَا الجمع العَظِيم بل صرح بالحق. وإنّ الرافضة يُشبهون عَلِيّاً له بهَارُون مع أنّ عَلِيَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يفعل مِثل مَا فَعله هَارُونَ.)وأورد الشيخ الحر العاملي في الفوائد الطُّوسِية : في جوابه أثني عشر وجهاً، تذكر مُلخص بَعْضَهَا :(أ : إِنْ هَارُون صرّح بمدعاه لأنه كان له ناصر وهو مُوسى فكان واثقاً بأنه يُبين لهم الحق والأمة مَقرون بنُبُوَّته، وعلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن لهُ نَاصِرٌ بَعد مَوْت النبي، والحسنان (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) كانا متهمين عندهُم فِي ذَلِكَ فظهر الفرق.)(ب : إِنْ هَارُون ترك الحزب والجهاد مع عُباد العجل، وَقَالَ : (إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْراءيل) (طه : 94).)وَقَالَ : إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي الْأَعْرَاف : (150. فظهر أنه منعه الخوف مع المبالغة في ذَلِكَ، وعَلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَد قَال لهم نحو ما قاله هَارُون فَلم يُقبل مِنْهُ، فتركهم كما تَرَكهُم هَارُون، مع إنَّه تقاعد عن بيعتهم مدة طويلة.)(ج: إنّه عَلى قُول الرازي : الْعِصْمَة مَنفيّة عن النَّبي والإمام. فترك عَليّ لهذه الكلمة - لو سَلَّم - لا يقدح في إمامته لكونها من الصغائر، وَهَذَا الزامي للرازي بحسب ما يعتقده. (الفوائد الطوسية : 18/14).)الرَّابِعَة : قال العلّامة المجلسِي :إنا لَو سَلَّمنا للخصم جَميع مَا يُناقشنا فيهِ مَع أنا قد أقنَا الدّلائل عَلى خلافها فلا يُناقشنا في أَنه يَدل عَلى أَنه (عَلَيهِ السَّلَامُ كَان أخص النّاس بالرسول وأختهم إِلَيْهِ، ولا يَكُون أحبّهم إلَيْهِ إلا لكونه أفضلهم، فَتَقدِيم غَيْره عَلَيْهِ مِمَّا لايقبله العقل ويعده قبيحاً، وأي عقل يُجوّز كُون صاحب المنزِلَة الهَارُونية مَع ما أنضم إِلَيْهَا من سائر المناقب العظيمة والفضائل الجليلة رعيّةً وتابعاً لمن ليس له إلا المثالب الفَظِيعة والمقابح الشَّنِيعة ؟ ! والحمد لله الذي أوضح الحَقِّ لطالبيه ولم يدع لأحد شُبهة فيه. (بحار الأنوار: 289/37).)المؤاخاة الأولى والثانية :سبق وأن بيّنا معنى الأخوة وأَقْسَامِها ومعانيها، ونُشير هنا إلى المؤاخاة الأولى والثانية كما ذكرها صاحب الروض الأنف : 252/2، والطَّبَرِي في تأريخه.أمّا المؤاخاة الأُولَى : فَكَانَتْ في مَكَّة بين أَصْحَابه من قريش ومواليهم - العبيد المعتقين - فآخى بَيْنَ عَمّه حمزة بن عبد المطلب ومَوْلَاء زَيد بن حارثة، وبَيْنَ عُبَيْدَة بن الحارث بن عبدالمطلب وبِلال مَوْلَى أَبِي بَكْر، وبَيْنَ أبي عُبَيْدَة بن الجراح وسالم مَوْلَى أبي حُذَيْفَة. وقد آخى بَيْنَهُمْ عَلى الحق والمواساة، والهدف مِنْهَا هُو تحطيم الاعتبار الطبقي والقبلي والاقتصادي إلى جانب التَّعَمُّق الإيماني بَيْنَهُمْ.وأمّا المؤاخاة الثَّانِيَة : فَقد كَانَتْ في المَدِينَة بَيْنَ المهاجرين - أحراراً ومؤالي - والأنصار. وهَذِه المؤاخاة هي التي اقتضت المشاركة في الأموال والمواريث إلى أن رُفع هَذَا الحكم بقوله تَعَالَى (وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ (الأَنْفال : 75، الأَحْزَاب : 60) ولَسْنَا بِصدد شرح الأخوة لأننا - كما ذكرنا - سبق وأن فضلنا في ذَلِكَ.)أمَا مَا يَخصَ أَخُوّة عَلَى (عَلَيهِ السَّلَامُ ورَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فهي كما أسلفنا سابقاً فمن أراد فليراجع بالإضافة إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) «زال ينقله من الآباء الأخيار» وثانياً : أنّ فَاطِمَة بنت أسد - أُمِّ الْإِمَام عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد رَبته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حَتَّى قَال فيها «هي أُمّي» كما ذكرنا سابقاً أيضاً، والأب أبوان : أب ولادة، وأب إفادة، ثُمَّ إِنَّه يُطلق حَتَّى على العم أنه أبٌ، ووالد كما في قوله تَعَالَى (إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ الهَكَ وَإِلَهُ ءابَائكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ وَ مُسْلِمُونَ) (الْبَقَرَة : 133) وإسماعيل كَانَ عَمّه وكذلك قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِيهِ ازَرَ) (الْأَنْعَام : 74) وقد أجمع المؤرخون على أنّ أسم أبي إبْرَاهِيم «تاریخ» وكان آزر عمه (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ومِن هَذَا وذَاكَ قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كما ذكر جابر الأنصاري : يَا جَابر أي الإخْوَة أفضل ؟ قال : قلت : البَنُون من الأب والأم فقال: إنا معاشر الأَنْبِيَاء إخوة وأنا أفضلهم ولأحبُّ الإخوة إلي علي بن أبي طالب. (البرهان في تَفْسِير الْقُرْآن: 148/4). ولذا لا يَبْقَى لابن تيمية حُجّة في إنكاره المؤاخاة في منهاج السنة : 2/ 119 ولا لابن حزم في الملل والنحل في ردّ أخوّة عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع أنها من الأَحَادِيت المتواترة كما أسلفنا. (راجع جامع التّرمِذي : 213/2، ومصابيح البغوي : 199/2، والمستدرك : 14/3 والاستيعاب : 460/2، وتيسير الوصول : 271/3، ومشكاة المصابيح هامش المرقاة : 569/5، والرياض النضرة : 167/2).
.)1) سورة طه : 25.
2) أنظر، الرياض النضرة : 163/2 الطبعة الأولى بمطبعة الإتحاد المصري، والدر المنثور للسيوطي عند تفسير الآية. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).) قَالَ أبن البطريق في العُمدة : 137 : ويُمَّنْ شَدّ الله بِهِ أَزْرَه وعضده فشاهده قوله تَعَالَى حَاكِياً عَنْه: (هَارُونَ أَخِي * أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِى). وقوله تَعَالَى: (قَالَ سَنَشُدُّ عَصْدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمّا سُلْطَانَا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِايَتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغاَلِبُونَ) (القصص: 35) فأثبت له ولأخيه ولمن أتبعها الغلبة ولَم تَكُن غَلَبَتِهما بِالقُوَّة والكثرة، وإنما كَانَتْ بِالحجة. وبيانه قوله تعالى: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانَا). وهو الحُجّة... وَقَالَ تَعَالَى شَاهداً لهُ بِالخلافة في قَوْمه : ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ أخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) (الْأَعْرَاف : 142). وإذا كَانَتْ هَذه المنازل حاصلة هَارُون مِن مُوسَى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) وقد جَعَله النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمنزلة هَارُون مِن مُوسَى وَجب أن يثبت له جميع منازل هَارُون مِن مُوسَى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) إِلَّا مَا أَستَثنَاه من النُّبُوَّة لفظاً والأخوة عُرفاً.
وَقَالَ مُسْلِم فِي صَحِيحه : إِنَّ رَسُول الله قَال لِعَلي: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِي بِمنزِلَة هَارُون مِن مُوسى» (1.
1) أنظر، صَحِيح مُسلم : 108/2 طبعة سنة 1348 هـ. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)إِنّ لفظة «مني» في حَدِيث المَنْزِلَة «أَنتَ مِني بِمَنْزِلَةِ هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَيْسَ نِبي بَعدِي» كما ذكر ذَلِكَ البُخَارِيّ في صَحِيحه : 200/2، وصحيح مسلم: 120/7، والترمذي : 171/13، والطَّيَّالسي: 205/28/1 و 209 و 213، وابن ماجه ح 115، وأحمد في مُسْنَده : 170/1 و 173 و 175 و 177 و 179 و 182 و 184 و 185 و 330، و : 32/3 و 3380. و : 369/26 و 438، ومُستدرك الحاكم : 337/2، وطبقات ابن سعد 1/3 و 14 و 15، ومجمع الزوائد : 109/9 وفي لفظ آخر لمسلم «إلا أنه لا نبي بعدِي» فلفظة «مني» توضح المزاد من المغنى، وذَلِكَ أنّ هَارُون لما كَانَ شَرِيكاً مُوسَى فِي النبوة، ووزيره في التبليغ، وكان علي (عَلَيهِ السَّلَامُ من خاتم الأَنْبِيَا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)ء كَذَلِكَ بِاسْتَنَاء النُّبُوَّةَ، فَتَبقَ لِعَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوزارة في التبليغ، وكَذَلِكَ لأولاده: في حمل أعباء التبليغ إلى المكلفين مباشرة، ولذا فهم : مِنْه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو مِنْهُم، يَشتركون في التبليغ ويختلفون في أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يأخذ الأحكام التي يُبلغها من الله عن طريق الوحي، وهُم يَأخذونها عن طريق رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهم مبلغون عَن رَسُول الله إلى الأمة. وقد أعدهم الله ورسوله لحمل أعباء التبليغ، وذَلِكَ بِمَا عَصمهم من الرجس وطهرهم تطهيراً كما ورد في الآية الكريمة.)ولهذا فإنّ الرّسُول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كان مدركاً أن قَوْمه حديثو عهد بالجَاهِلِيَّة، وأنهم طالما عارضوا أحكامه وقراراته عِدة مَرَّات كما حدث في صلح الحديبية وأحد وحنين وأثناء مَرَضَه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي الْكِتاب والدواة وسَرِيَّة أسامة وصلاة الجمعة أثناء إقبال الغير المحملة بالبضاعة. ولذا نجد أن عملية التبليغ التي نقدها النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد جرت أمام عشرات الآلاف من المُسْلِمِين، وأن أستثناء النُّبُوَّة جاء لئلا يتوهم متوهم أنّ الله تَعَالَى قَد جَعل لعلي الشركة في النُّبُوَّة. وإننا نعلم أنّ الْإِمَامَة موقوفة عَلى تَنصِيصِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما أنّ النُّبُوَّة موقوفة على تنصيص الباري عز وجل.)كما أن الأمر بالتبليغ جَاء فِيهِ تَهدِيد (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وإعْلَامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإعْلَام غَيْره مَا هذا الحُكْم من الأهمية بحيث إذا لم يصل الحكم، وحَاشا للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن لا يُبلغ مَا أَمْرَه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. أمّا قَوْله تَعَالَى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) لفظ النّاس اعتباراً بسواد الأفراد الَّذِي فِيهِ الْمُؤْمِن والْمُنَافِق والَّذِي فِي قَلْبَه،مرض فالْعِصْمَة هُنا معنى الحفظ والوقاية من شرِّ هَؤُلاء.)وبالتالي فالمعنى يَكُون : من كنتُ مُتقلّداً لأمره وقَائِماً بهِ فعلي مُتقلّد أمْرَه والقائم بهِ، وَهَذَا صَرِيح في زعامة الأُمّة وإمامتها وولايتها، وثبت لعلي ما ثبت لرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من الوِلَايَة الْعَامَّة والزعامة والتصدّي لشأنٍ من شؤون الغَيْر وَهِي في قبال العداوة وهي التجاوز والتعدي على الغير والتصرف في شؤون الغَير مطلقاً، ويَدلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التَّوْبَة : 71 وقَوْله تَعَالَى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) الْبَقَرَة : 257.)وتَبقَی شَنْشَنة أبن تيمية وأَصْحَابِهِ بأنه دعاء، ودعاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مستجاب، وَهَذَا الدعاء لَيْسَ بِمُستجاب، فالنتيجة أنه لَيْسَ دُعاء من قِبل النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)والجواب أيضاً من أوضح الواضحات؛ لأن الأمة مُجمعة على أن أمير الْمُؤْمِنِين (عَلَيهِ السَّلَامُ بَعد قتل عُثمانَ لَم تحصل له الإمامة بنص من رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتناول تلك الفترة الزمنية والاختصاص بها دُونَ ما تقدّمها من الزمن، بل إنّ الْوِلَايَة كَانَتْ لهُ قبل ذَلِكَ، فولايته عامة كما كَانَتْ وِلايَة النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عامة ويَدلّ عَلى ذَلِكَ كَلِمَة «من» المَوْصُولة، ولذا نجد أبن خلدون يقفز ولم يُشر إِلَيْهَا عَلى الرّغم من أنه ذكر كلّ مَا حَدث في حجة الوداع، ولكن قفزه هَذَا دَليل عَلى نظريته حَوْلَ الْإِمَامَة والتاريخ، فإذا أورد الحَدِيث فإنّ ذَلِكَ يُناقض نظريته حَوْلَ الإِمَامَة التي يرى فيها أمراً دنيوياً يَقُوم على مصالح الناس ولا مدخلية للنّصّ فيها. وأدعى بأنَ الحَدِيث لَم ينقله البُخَارِيّ ومُسْلِم والواقدي ولكن أبن تيمية وأمثاله يعرفُونَ حَقَّ الْمَعْرِفَة أن عدم النقل لا يَدلّ على القدح في الحديث.) أنظر، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 315/5 ح 8299 و 8331، البيان والتعريف : 110/2، فتح الباري : 74/7 و : 65/9، التمهيد لابن عبد البر : 132/22، تُحْفَة الأَحْوَذي : 157/10، شرح النووي على صحيح مُسلم : 174/15، شرح سن ابن ماجه: 12/1 ح 115، الديباج: 387/5 ح 3404. التَّاريخ الكبير : 1/ 75 ح 333 و: 301/7 ح 1284، حلية الأولياء : 345/4 و : 184/7 و : 307/8. السُّنَّة لابْن عَاصِم : 565/2 ح 1188 و 1189 و 1331 و 1335 و 1346 و 1347 و 1351 و 1381 و 1382، السُّنَّة للخلال : 247/2 ح 460 و 602، من حَدِيث خُثيمة : 199/1، أمالي المحاملي: 209/1 ح 194 و 244، تهذيب التهذيب : 209/2 و : 160/5 ح 316 و : 84/6 ح 191 و : 296/7، تهذيب الكمال : 277/5 ح 1041 و 332/7 1508 و : 442/8 : 442/8 ح 1783 و : 345/16 ح 3680 و : 20 / 483 و: 25 / 395 ح 5301 و 5313 و : 32 / 482 ح 7166 و : 263/35، تذكرة الحفاظ 1 / 1 / 10 ح 4 سير أعلام النّبلاء : 142/1 و : 214/12 و 341/13 و : 210/14، معرفة الثقات :183/2 و 457، : 93/2، 2346 الثقات : 93/2، ميزان الإِعْتِدَال : 324/2 ح 2135 و 3/3 ح 2590 و : 5 / 149 ح 5822 و 6015، لِسَان الميزان : 324/2 ح 1327 و : 377/5 1227، صحیح مُسلم : 4 / 1870ح 2404، صحيح البخاري : 1359/3 ح 3503 و 4154، صحيح ابن حبان : 369/15 ح 6926 و 6927، المستدرك على الصَّحِيحِين : 367/2 ح 3294 و 117/3 ح 4575 و 4652 الأَحَادِيث المختارة : 151/3 ح 948 و 1008، سنن الترمذي : 638/5 مجمع الزوائد : 109/9، السنن الكبرى: 107/5 ح 8399 و 8431 و 8434 و 8436 و 0 844 و 8444 و 8445 و 8448 و 8449 و 8511 معجم الشيوخ : 240/1، مُسند أحمد: 170/1 ح 1463 و 1409 و 1505 و 1509 و 1547 و 1650 و 1608 و 3061 و : 3/ 32 ح 11290 و 21467 و: 369/6 ح 27126، مُسْنَد أبي يعلى: 70/1 ح 18 و 188 و 258 و : 57/2 ح 198 و 718 و 755 و 809، مسند سعد : 51/1 ح 19 و 75 و 100 و 101 و 102، مسند الحميدي: 38/1 ح 71، المعجم الصغير : 84/2 ح 8240 و 918، مُسْنَد الطَّيَّالسِي: 28/1 ح 205، الآحاد والمثاني : 172/5، مسند أبي الجعد : 301/1 ح 2040. المعجم الكبير : 146/1 ح 328 و 333 و 334 و : 247/2 ح 2035 و : 17/4 ح 3515 و 4087 و : 5 / 203 ح 5094 و 5095 و: 11 / 74 ح 1108 و 1109 و: 12 / 18 ح 12341 و 12593 و 291/19 ح647 و : 146/24 ح 384 و 387 و 388، طبقات المحدثين بأصبهان :264/4 ح 655، الاستيعاب : 1097/3، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 23/3، الإِصَابَة : 564/4 ح 5692، نزهة الحفاظ : 102/1، كشف الخفاء : 5162 ح 3177 و 3187، سُبل السلام : 44/1، الرياض النضرة : 182/2 ح 658 و 659، فَضَائِل الصَّحَابَة لأحمد بن حنبل : 566/2 ح 954 و 2957 و 1005 و 1020 و 1041 و 1045 و 1079 و 1085 و 1091 و 1093 و 1143، السيرة النبوية لابن هشام : 199/5، سُنن ابن ماجه : 42/1 ح 115 و 121، مُسند البزار : 4/ 38 ح 1200، مُسْنَد الشّاشي: 127/1 وص: 1656 ح 105 و 106 و 134 و 137 و 147، المعجم الأوسط : 139/3 ح 2728 و : 5 / 287 ح 53335 و : 62 / 77 ح 5845 و 5866 و : 311/7 ج 7592 و : 40/8 ح 7894.
### النَّبيّ وَالشَّجَرَةِ.. فِقْرَة 28 - 31 :وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَ لا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ، وَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ، وَأَرَيْتَنَاهُ، عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيُّ، وَ رَسُولٌ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ، كَذَّابٌ. فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «وَ مَا تَسْأَلُونَ» ؟ قَالُوا : تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا، وَ تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإِنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذَلِكَ، أَ تُؤْمِنُونَ وَ تَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ»؟ قَالُوا : نَعَمْ (28)، قَالَ: «فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ، وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيتُونَ إِلَى خَيْرٍ، وَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ، وَ مَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ». ثُمَّ قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَ تَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَأَنْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» (1). فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لأنْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا، وَ جَاءَتْ وَ لَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ، وَقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ، حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مُرَفْرِفَةً، وَأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغَة مُحَمّد عَبْدَه : 160/2، الطرائف لابن طاووس : 415، نهج الإيمان : 0532 الغارات : 692/2 الثقافة الروحية في إنجيل برنابا لَمحمُود عَلي قَراعَة : 263، إعلام الورى للطبرسي: 74/1، بخار الْأَنْوَار : 389/17 ح 59 شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 213/13، الهِدَايَة الْكُبْرَى 57، مناقب آل أبي طالب : 112/1، كشف الغمة : 24/1، ينابيع المودة : 210/1.
رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وَ بِبَعْضِ أَغْصَائِهَا عَلَى مَنْكِبِي، وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (21)، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ - قَالُوا عُلُوّاً وَ اسْتِكْبَاراً - : فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَيَبْقَى نِصْفُهَا، فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالِ، وَأَشَدِّهِ دَوِياً، فَكَادَتْ تَلْتَقُ بِرَسُولٍ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالُوا - كُفْراً وَ عُتُواً - : فَمُرْ هَذَا النّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ، فَأَمَرَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَرَجَعَ، فَقُلْتُ أَنَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ، وَ إِجْلَالاً لِكَلِمَتِكَ (30). فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ : بَلْ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ، وَهَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلا مِثْلُ هَذَا (يَعْنُونَنِي) وَ إِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةٌ لأئِم، سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ، وَكَلَامُهُمْ كَلَامُ الْأَبْرَارِ، عُمَّارُ اللَّيْلِ، وَمَنَارُ النَّهَارِ، مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ، يُحْيُونَ سُنَنَ اللَّهِ، وَ سُنَنَ رَسُولِهِ، لا يَسْتَكْبِرُونَ، وَلا يَعْلُونَ، وَلا يَغُلُّونَ، وَلا يُفْسِدُونَ (31). قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ، وَأَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ !.)اللُّغَة:لَا تَفِيئُونَ : لَا تَرْجِعُون. والْقَلِيبِ : الْبِئْرُ. وقَصْف الرَّعْد : أَشْتَدِ صَوْته، وقَصْف البَعِير : هَدَر فِي الشَّمْشِقَة.الْإِعْرَابِ:مُرَفْرِفَةً مِن الضَّمِير المستتر في وَقَفَتْ، وعُلُوّاً في وَقَفَتْ، وعُلُوّاً مَفْعُول مِن أجله لقَالُوا، ودَوِيَّاً تمييز، وتَصْدِيقاً مِن أجله، وسَاحِرٌ خَبَر لمُبْتَدَأ محذوف أي هو سَاحِرٌ، وعُمَّارُ اللَّيْلِ أي هُم عُمَّارُ اللَّيْلِ.
### الْخَوَارِقِ وَالمُعْجِزَات:هَذَا الحَدِيث عَن الشَّجَرَة وَاضح لاَ يَحتاج إلى تَفْسِير، وقَدِيماً قيل : توضيح الواضحات مِن أشكل المشكلات... ومن المفيد أنْ نُشِير بهذه المناسبة إلى مَن يُنكر الخَوَارِق والمعجزات، إنّما يُنكرها لِسَبب واحد، وهُو أَنَّهَا خَرق لِسُنن الطَّبيعة، وَهَذَا مَا يُرفضه العِلم بمعناه الحديث.أَولاً : إنّ خَرق الْعَادَة لَيْسَ بِعَزِيز. وما أكثر ما روى الرُّوَاة من ذَلِكَ عَلى مَرّ العصور... وفِي هَذهِ السَّنَة 1972م الّتي نَحْنُ فِيها نَشرَت الصُّحف طَرفاً مِن هَذَا البَاب، ومِنْهُ مَا جَاء فِي جَرِيدَة «أَخْبَار اليَوْم» المِصْرية: «إنّ رَجُلاً مَشهُورَاً في أمريكا «برويك» إذَا تَصَوّر جسماً أنعَكَست صُورته في عينيه، وقَد تضايق من كَثرَة تَرَدُد الْعُلَمَاء عَلِيهِ، ويَأتِيه أحدهُم وَمَعه الكاميرا، ويُطلب مِنْهُ أَنْ يَتصور الأهرام، أو بُرج إيفل - مثلاً - ثُمَّ يَجعل عدسة الكاميرا في مواجهة عَينِي «برويك» وبعد أنْ يَأخذ صُورَة الْعَيْنِين يَفْحَصَها ويطبعَها مِرَاراً، فتأخذه الدهشة حين لا يَرى فِي الصُّورَة إِلَّا الشَّيء الذي طلبه... وأحدث تجربة قام بها «برويك» هي أنه طلب إلى ثلاثة من المصورين أنْ يَقفُوا أَمَامه في وقتٍ وَاحد، ثُمَّ نَظَر إلى العَدَسَات الثلاث الواحدة تلو الأخرى، فالتقطت كلّ عَدَسة مِن عَينِيهِ صُورة لبنى الأم الأُمم المتحدة من أربع جهات مُختلفة» (1.)وأيضاً يُوجد الآن في هولندا» رَجُل عَجِيب أسمه «سريوس» يَسْتَطِيع أنْ يُحرك أي شَيء خَفيف الوزن كالْقَلَم بمجرد النظر إِلَيْهِ إذَا شَاء... وتحير الْعُلَماء فِي
1) أنظر تأريخ الجريدة : 22 - 7 - 1972م. (منه (قدّس سِرُّه)).
تفْسِير هَذِه الظَّاهِرة وتلك، وبحثوا، وأطالوا البَحْث الدقيق فِي عَينِي «سريوس» ودماغ «برويك»، ولَكِنَّهُم لَم يَصلوا إلى شَيء... فهل يجب علينا أن نُنكر الشيء الذي رأيناه بِالْعَيْن ولَمَسْنَاه باليد - لا لشيء إلا لأنّ العِلم الحديث عجز عن تَفْسِيره ؟ إنّ العِلم يُفسر الأَشْيَاء الَّتى تَسِير عَلى مبدأ النظام، ولا نظام لِلسّذُوذ. ولذا قيل : الشَّاذ لا يُقاس عَلَيْهِ، وهَذِهِ التي أشرنَا إِلَيْهَا كُلَّها شَادَة، ولَكِنَّها مُمكِنَة الوقوع.ثَانِيَاً : يَجب أن تُفرق بَيْنَ مَرتبة الإمكان وجُوَاز حدوث الشّيء عقلاً، وبَيْنَ وقُوعَه بالفِعْل، ولا تَخْلط بَيْنَهما، فإذا أردنا أنْنتُثبت أو نُنفى حادثة مَا تَعين عَلينَا أَنْ نبدأ أولاً مِن مَرْحَلَة الإِمْكَان والجُوَاز، فإنْ كَانَتْ الحادثة جائزة الوقوع في ذاتها - انتقلنا إلى مرتبة الوقوع، ونَظرنَا : هَل وقعت أم لا، كَالصَّعُود لِلقَمر، أمَّا إِذَا كَانَتْ الحادثة مُمتنعة الوقوع عقلاً وذاتاً - فيجب نفيها بلا توقف وبَحث، لأَنّ مَا أَمْتَنع إمْكَانه أمتنع وقوعه حتماً، ومِثل دخول الجمَل بطوله وعَرضه فِي سَمَّ الخِيَاطُ عَلَى ضِيقه. والمُعْجِزَة بشتى أنواعها مُمكنة الوقوع، فإذا نُقلت إلينَا بِطَرِيق صَحِيحٍ وَجَب التّصدِيق (1.)و بكلام آخر إنْ عَالم الإمكان مُتقدم على عالم الوجود في الخارج بحكم
1) المُعْجِزَة : هى الفِعْل الناقض للقادة يتحدى بهِ الظَّاهِر في زمان التكليف لتصديق مدع في دعواء. وقيل: أَمرُ خَارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة. وقيدها بالأمر لأن المعجزة قد تكون بالمعتاد، وقد تكون منعاً من المعتاد، وقيدها مقرونة بالتحدي، لئلا يتحد الطالب مُعْجِزَة غَيْر حجة لنفيه، وليتميز عن الأرهاص والكرامات، وقيدها مع عدم المعارضة ليتميز عن السحر والشعبذة... إلخ. (بتصرف عَن رَسَائل المرتضى : 283/2).
البديهة.. والعَقْل هو الذي يُفسر لنا أن هَذَا الشيء يُمكن أن يُوجد، أو يَسْتَحِيل وجوده في ذاته... وإذن فمسألة الإمكان نظرية عقلية بحتة، فَإِذَا حَكَم العقل بإمكان وقوع الشيء كَالصَّعُود لِلقَمر والمريخ - بحثنا عَنْهُ فِي عَالم الوجود، ولكن لا يصح بحال أن ننفيه، أو تُثبته إلا بالملاحظة والمشاهدة مباشرة، أو بالرّواية الصَّادقة عمّن شاهد وعاين، ولا ميدان للعقل ونظرياته في عالم الوقوع نفياً. وإثباتاً إلا إذا كَان بَيْنَ الشيء الذي رأيناه بِالْعَقْل وبَيْنَ مَا غَابَت عَنا رُؤيَته - مُلازمة عَقلِية كالملازمة بَيْنَ الأثر والمؤثر والعِلَّة والمعلول.والَّذِي أنْكَر المُعْجِزَات، ونَفَاها مِن عالم الوجود لَم يَعتمد فِي أَنْكَاره هَذَا عَلى الملاحظة والمشاهدة، كما يجب، وإنما أعتمد على العقل ونظرياته، وَهَذَا عَيْن الخطأ والخلط بَيْنَ عَالم الإمْكَانِ الَّذي هُو من شأن الْعَقْل وَوَظيفته، وبَيْنَ عَالم الوقوع الَّذي هُو من شأن الملاحظة والمشاهدة.وعَلَى هَذَا يَكُون الاستدلال بِالْعَقْل عَلى نَفي المُعْجِزَة من الوجود تماماً کالاستدلال بِهِ عَلَى نَفِي القَمح مِن دُكَانَ القَصَاب لا لشيء إلا لأنه يبيع اللحم.وتَسْأَل : إِنَّ الصَّعُود للقمر الذي جعلته مثلاً قد حصل بوَسَائِل طَبِيعِية مَعرُوفة، أمّا المُعْجِزَة فَلَيْسَ لَهَا مِن سَبب مَعلُوم.الجَوَاب:قلنا : إنّ المُعْجِزَة لا بُدّ أنْ تَكُون مُمكنة الوقوع، لا مِن النَّوْعِ المُستَحِيل عقلاً وَهَذَا هُو المهم، أمّا كُون سَبب وجُود غَيْر طَبيعي فَلَيْسَ بِالشّيء المهم، لأنّ خَالق الطَّبِيعَة عِندَه أَسْبَابٌ كَثِيرَة، ومِن الجائز أنْ يَكُون مِن جُملتها دَعْوَة النَّبيِّ أو غَيْرها
مِمَّا نَجهل... وبِكَلِمة : إنّ الْعَقْل حكم بإمكان المُعْجِزَة، وقد ثبت وجودها بِالدَّلِيل فوجب التصديق، والإيمان تماماً كما آمَن الْعُلَماء بأنّ صُورٍ الْأَشْيَاء تَنعَكس فِي عَينِي «برويك» بمجرد تصورَهُ لهَا مَع جَهلهُم بِالسَبَب.
## الخطبة - 193 -### هَمّام وَصَفَات الْمُتَّقِين... فِقْرَة 1 - 4 -أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى - خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لِأَنَّهُ لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ. فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ. فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ : مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَ مَلْبَسُهُمُ الْإِقْتِصَادُ، وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ (1. نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ. وَ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ. عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ. قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ (2). صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً. تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ. أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا. أَمَّا اللَّيْلَ)
فَصَافُونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا. يُحَرِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ. فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ (3. وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْ سَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ، وَأَكُفِّهِمْ وَرُكَبِهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ. وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحْلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ. قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ (4).)اللغة :الإقتصاد : أعْتِدَالَ فِي الإِنْفَاق بلا تقتير أو تَبْذِير. ويُحَزّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ : يَجْلِبُون لهَا الْحُزْن. ويَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ: يُوجدُون الدّواء للداء. والزَّفِيرَ وَالشَّهِيقَ : من صفات الصَّوْت وحَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ : رَاكْعُون. ومُفْتَرِشُونَ لِحِبَاهِهِمْ: ساجدون. والْقِدَاحِ السِّهام. بريها : نحتها.الإعراب:غَنِيّاً حال، ومثله آمِناً، وكَالَّتِي الكاف بمعنى صِفَة لِمَفْعُول مُطلق أي (نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ... إلخ. وشَوْقاً مَفْعُول مِن أجله لتَسْتَقِرَّ، وفَاعِل أَعْقَبَهُمْ ضَمِيرٍ مُستتر يَعُود إلى الأيَّام، وتِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ خَبَر لمُبْتَدَأ محذوف أي تِلكَ أو تِجَارَتهُم مُرْبِحَةٌ، وطَمَعاً مَفْعُول مِن أجله، ومثله شَوْقاً.)
الْمَعْنَى:قَال الشَّرِيفَ الرَّضِي : رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ، يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ (1)كَانَ رَجُلاً عَابِداً، فَقَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، صِفْ لِي المُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ. فَتَثاقَلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عَنْ جَوَابِهِ، ثُمَّ قَالَ : يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللهَ، وَأَحْسِنُ، فَـ(إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُواْ وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (2). فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)- ثُمَّ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى - خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ... إلخ). إنّه تَعَالَى وَاجب الوجود بذاته وصفاته، فهو - إِذَنْ غَنِي عَن كُلَّ شَيء، وَإِلَيْهِ يَفْتَقِر كل شَيء وجُوداً وبقاء. وتَقَدَّم ذَلِكَ مِرَاراً.)(فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ. إنَّ الله تَعَالى لا يُسير عَبْثَاً وجُزَافَاً، بَل عَلى نظامٍ كَاملٍ ومُطرَدٍ، وأيضاً لا يَتعامل مع الناس إِلَّا عَن طَرِيق العمل، ومن أجل هَذَا جُهز الإِنْسَان بأدوات العَمَل كالعقل، والقُدْرَة. والإرادة، وحَدَدَهُ لَهُ عَلَى لِسَان أَنْبِيَائه وَرُسُله، فَمَن سَمع وأطَاعَ ضَمِن سُبْحَانَهُ لهُ الصَّلاح والفلاح دُنْياً وآخرَة، ومن أعرض وآثر البَطَالة فمَا لَهُ عِند الله إِلَّا الْحِرْمَانِ والخذلان : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) (3). وتَقَدَّم الكلام)
1) هو همام بن شُرَيْح بن زيد بن مُرّة بن عَمْرُو بن جابر بن يحيى بن الأصهب بن كعب بن الحارث أبي سعد بن عمرو بن ذَهل بن مُران بن صيفي بن سعد العشيرة، أنظر، البخار : 317/67 و 192/98 و 199 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 547/2 طبعة بضر، و : 133/10 طبعة أخرى، وقبل هو همام من عبادة، وكان من شيعة أمير اللْمُؤْمِنِينَ وأوليائه، وكان عابداً.. إلخ.
2) النَّحْل: 128.
3) هود: 117.
عَن ذَلِكَ (1. (مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ) لا يَقُولُونَ مَالاً يَعْتَقدُون ولا يَفْعَلُون (وَ مَلْبَسُهُم الْإِقْتِصَادُ) يَلْبَسُون ثُوبَاً واحداً، أو ثُوبِين - عَلى الأكثر - بِلا مُضَاهَاة. (وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ) يَمْشُونَ عَلَى فِطْرَتِهِم وطبيعتهم بلا خُيَّلاء وَتَصَنُّع.)(غَضُوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ كِنَايَة عَن عِفَة النَّفس، وصُونها عما يُشين (وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ). لا يُقَدسُون إلّا الحَقِّ، والحكمة، ولا يَهْتَمُون إِلَّا بِالعِلم المنتج، إذ لا دين بِلا عِلم، والعامل بِغَيْرِ عِلم يُفسد أكْثَر مِمَّا يُصلح (نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ). يَرْجُون رَحْمة الله عِند الشِّدَّة، ويَخَافُون بأسه عند النِّعْمَة. قال الإمام الصَّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يَكُون العبد مُؤمِنَاً حَتَّى يَكُون خَائِفاً رَاجِياً، ولا يَكُون خَائِفَاً رَاجِياً، حَتَّى يَكُون عاملاً لما يخاف ويَرجُو» (2).)وَهَذَا شَأن الْعَاقِلِ مُؤمِنَاً كَان أَمْ كَافِراً، لا يَيأس ويَسْتَسلِم مَهَا كَانَتْ المصاعب.وأيضاً يحتاط، ويُحذَر العواقب، وإنْ أَقبَلت الدُّنيا عَلَيْهِ بِكَاملها.(وَ لَوْ لاَ الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ... إلخ. أنهُم فِي قَلْقٍ دَائم، يتنازعهُم عَامِلان : رِجَاء الثَّوَاب، والخَوْف من العقاب، وتَعَادَلت قُوَّة هَذَا مَع فُوَّة ذَلِكَ، وإذا تُوَازَنَت الْقِوى بَيْنَ المُتصَارِعِين كَان)
1) أنظر. شَرح الخطْبَة : (23)، وغيرها. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، الكافي: 71/2 ح 11 تُحف العُقُول : 395، شرح أصول الكافي : 227/8، وَسَائِل الشّيعة : 217/15 (60315). كتاب الزهد الحسين بن سعيد الأهوازي : 22، أمالي المقيد : 195، جامع الأَخْبَار : 259 ح 693، عِدَة الداعي : 137، بحار الأنوار: 392/70 ح 61.
لكل أثره البالغ، ومِن أجْلِ هَذَا لَمْ تَستقر أرواح المتقين، وأَجْسَادِهُم طَرْفَةَ عَيْنٍ، ومَن أين يَأْتِيها الإستقرار، وهي ساحة وميدان هذه الحزب الشعواء ؟ ولَوْلاً الأجل المكتوب لذَهَبت أنْفُسهم ضَحِيَّة الخَوْف والقلق.(عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ. أَبَداً لا تَنْفَكَ المُسبات عَن أَسْبَابها، والنتائج عَن مُقدماتها. فالضَّعِيفَ يَنْهزم أمام الْقَوِيّ، والجَهْل أمام العِلم، والْعَقِيدَة تُحطم الحواجز، والإخلاص يبعث عَلى التّضحية، كَذَلِكَ مَن أيقن بالله وجلاله، وقدرته وكماله فإنَّه يرى كلّ مَن عَدَاهِ وَمَا عَدَاهِ هَبَاءٌ وسَرَاباً، ولذا لا يبحث إلا عن مرضاة الله، ولا يصدر في أعماله إلا عن التَّعظيم لله. والرّغبة في ثوابه، والرهبة من غَضَبه وعذابه.)(فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنقَمُونَ، وَ هُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ. هَذَا تصوير لِيَقِينَهُم الله، وإنهم قد بلغوا الدَّروَة مِنْهُ عَن علم وبَصِيرة لا عَن تَقْلِيدٍ ومُحاكاة. وَقَالَ سُبْحَانَهُ حِكَايَة عن الجاحدين: (فلما رأؤاً بأسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا به، مُشركين) (1). أما صفوة المتقين فقد رأوا بأس الله وعذابه، وهُم في دار الدُّنْيَا، رَأوه بنور العلم والإيمان بلا شبهة وَوَسْوَسَة شَيْطَان، وأشْفَقُوا مِنْهُ وابْتَعَدُوا عَن طَريقه.)(قُلُوبُهُمْ مَحْرُونَةٌ مَخَافَة التَّقْصِير في جنب الله والحق. وكفى المرء نقصاً أن يرى نَفْسَه كَاملاً (وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ). قَالَ رَسُول الله(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «شَرِّ النَّاسِ مَن يَتَّقِ النَّاسِ فُحْشَه» (2)وَقَالَ الْإِمَام : «طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسْبُهُ، وَصَلَحَتْ)
سَرِيرَتُهُ، وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ» (1. «أَسوأ النّاسِ مَن لَمْ يَتَقَ بِأحدٍ لسُوء ظَنّه، ولا يثق لسُوء فِعْله» (2)(وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ) مَن الشهر والْعَمَل فِيما يُرضي الله (وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ) لا يَطلبون مِن الدُّنْيا إِلّا سَد الْحَاجَة (وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ) أَسْتَعْنَت بِجَلال الله عن حرامه.)(صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةَ أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً. تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ. مَا مِن أحَدٍ إِلَّا ويحتاج إِلى شَيء مِن مَتَاعِ الدُّنْيَا، ويسعى إِلَيْهِ جَاهداً... وقَد تَكُون حاجتَه فِي يَدِ ظَالِم لا ينالها صاحبها إلا بكَرَامَتِهِ والتَّلَوّن في دِينِهِ وضَمِيره، أو يقف دونها غَيْر ذَلِكَ مِن الحواجز التي لا يتخطاهَا الْإِنْسَان إلا بالدخول فيما لا يُليق.. ومَن صَبر عَن حاجته، وضَحى بها في سَبيل دينه وكرامته - أبْدَله الله عَنْهَا مَا هو خَير وأبْقَ (أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا) كَان فِي مَقدُورِهم أَنْ يَبْلُغُوا من الدُّنْيَا مَا يُرِيدُون لَو تَنَازَلُوا عَن دينهم، وكرامتهم، ولَكِنَّهُم أبوا إلا مرضاة الله.)(وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا. حاولت الدُّنْيَا أَنْ تَمتَلكَهُم وتَسْتَعبدَهُم بِالمال والجاه، فَحَرَرُوا أَنْفُسهم مِنْهَا بالصَّبر عن الملذات والشَّهوات، وعَاشُوا أحْرَارَاً لا سُلطَان عَلَيْهِمْ إلَّا الله وَحدَه (أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا). التزمُوا طَرِيق الله وَحدَه قِيَاماً، وتَسْبِيحاً وتَهْلِيلاً، وعَمَلاً)
وجِهَاداً... يَتلُون الْقُرْآن لا للتَّغَني والتَّلهي، بل للاهتداء بنُوره، والاعتصام بحبله، والوقوف عند حدودَه. وَهَذَا مُلخص لِمَعْنَى هَذه الجُمَل العَدِيدَة من قَوْله : «وَأَمَّا النَّهَارَ فَحلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَنْقِيَاءُ. قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ القِدَاحِ» وهو توكيد وتوضيح لما تَقَدَّم، وبماذا نفسر ونَشرح كلمات كلّها أو جَلّها للتَّبجيل والتكريم ؟.### قُوَّةً فِي دِينِ... فِقْرَة 5 - 8:يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَ يَقُولُ : لَقَدْ خُولِطُوا ! وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرُ عَظِيمٌ! لا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ. فَهُمْ لأَنْفُسِهِمْ مُتَهِمُونَ، وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّي أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي، أَللَّهُمَّ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَأَجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَأَغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُونَ (5.)فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينِ، وَ حَزْماً فِي لِينٍ، وَ إِيمَاناً فِي يَقِين، وَحِرْصاً فِي عِلْمٍ، وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ، وَ قَصْداً فِي عِنيَّ، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ، وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ، وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ، وَ طَلَبَا فِي حَلالٍ، وَ نَشَاطاً فِي هُدى، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع. يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَلٍ. يُمْسِي وَ هَتُهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ. يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً، حَذِراً لِمَا حُذْرَ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ (6. إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ. قُرَّةٌ عَيْنِهِ فِيمَا لا يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيمَا لا يَبْقَى، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْم، وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ. تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلًا أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولُ، وَالشَّرُّ مِنْهُ)
مَأْمُونٌ. إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ. يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، بَعِيداً فُحْشُهُ، لَيِّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ، مُدْبِراً شَرُّهُ (7. فِي الزَّلازِلِ وَقُورٌ، وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ، وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلا يَنْسَى مَا ذُكْرَ، وَلا يُنَابِرُ بِالْأَلْقَابِ، وَلا يُضَارُّ بِالْجَارِ، وَلا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ، وَلا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، وَلا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ. إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ، بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزَاهَةٌ، وَ ذُنُوهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ. لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَعَظَمَةٍ، وَلا ذُنُوهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ (8).)اللُّغَة:خُولِطُوا : فَسَدَت عُقُولهِمْ مُشْفِقُونَ : خَائِفُون. قَصْداً فِي غِنى: مُعْتَدلُون في سَعْيهِم لطالب المال. وتَحرُّج : تجنب الحرج أي الإِثْم. وحَرِيزاً : حَصِينَاً، ولا يَحِيفُ : لا يظلم. وَلا يُنَابِزُ : لا يُعِيبالإعراب: المَصْدَر من أَنَّكَ... إلخ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، ومِنْ عَلامَةِ خَبَرٍ مُقَدَّم، وحَذِراً الثَّانِيَة تأكيد للأولى، وأَمَلُهُ فَاعِل «قَرِيباً» ومثله مَا بَعدَه.
الْمَعْنَى:(يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ... إلخ. كَبُرَت نُفُوسُهُمْ، وَزَكت قُلُوبُهُمْ عَلى حِسَابٍ أجْسَامِهم، فقد هَزُلت وضَعُفت حَتَّى تكاد تتهالك إعْيَاء، وحَتَّى ظَنّ الرّائي أنّهم مَرْضَى أو مِن أَهْل البَلَه !. كَلا، أَنَّهَا الهِمَة والنفوس العالية :)وإذَا كَانَتْ النّفُوسِ كِبَاراً*** تَعِبَت فِي مُرَادَها الأَجْسَام (1
1) هَذَا الْبَيْت للشاعر أحمد بن الحسين بن عبد الصمد أبو الطَّيِّب الجعني الشاعر المعروف بالمتنبي، وكان أبوه يُعرف بعيدان الشقاء لأنه كان يسقي الماء لأهل الْكُوفَة عَلى بَعِيرٍ له، وكان شيخاً كَبِيراً. وعِيدَانِ هَذَا قَالَ ابن ماكولا والخطيب : هو بكسر العين المهملة، وبعدها ياء مثناة من تحت، وقيل : بفتح العين لا كسرها.)ولد في سنة ست وثلاثمئه في الْكُوفَة، ونشأ ببادية الشّام، فطلب الأدب ففَاق أهل زمانه فيه، ولَزِم سَيْف الدَّوْلَة بن حمدان و امتدحه، وحظي عِنده ثم صار إلى مصر وامتدح الأخْشِيد، ثُم هجاء وهَرب منهُ وورد بغداد فأمتدح بعض أهلها، وقدم الكُوفَة ومدح أبن العميد فوصله من جهته ثلاثون ألف دينار. ثم سَار إلى فارس وأمتدح عضد الدولة بن بابويه فأطلق له أموالاً جزيلة تقارب مائتي ألف درهم، ثُمَّ دَس إلَيْهِ مَن يَسأله أيما أحسن عطايا عضد الدولة بن بابويه أو عطايا سَيْف الدَّولة بن حمدان ؟ فَقَالَ : هَذَا أجزَل وفيها تكلف، وتلك أقل ولكن عن طيب نفس من معطيها، لأَنها عن طبيعة وهَذِه عن تكلف.فذكر ذَلِكَ لعضد الدَّوْلَة فتغيظ عَلَيْهِ ودَس عَلَيْهِ طَائِفَة من الأعْرَاب فوقفوا له في أثناء الطَّرِيق وهو راجع إِلى بَعْدَاد، ويُقَال إنه كان قد هَجى مُقدمهم أبن فاتك الأسدي - وقد كانوا يَقْطَعُونَ الطَّريق - فلهذا أو عز إِلَيْهِمْ عَضد الدولة أنْ يَتعرضوا له فيقتلوه ويأخذوا له ما معه من الأموال، فأنتهوا إِلَيْهِ ستُون راكباً في يوم الأربعاء وقد بَق من شهر رمضان ثلاثة أيام، وقيل: بل قتل يوم الأربعاء الخمس يقين من شهر رمضان وقيل: بل كَانَ ذَلِكَ في شهر شعبان وقد نزل عِند عَين شجرة أنجاص، وقد وضعت سفرته ليتغدى، ومعه ولدَه مُحسن وخمسة عشر غُلاماً له، فلما رآهم قَال: هلموا يا وجُوه الْعَرَب إلى الغداء، فلما لم يُكلموه أحس بالسِّرِّ فنهض إلى سلاحه وخِيله فتواقعُوا سَاعة فقتل أبنِهِ مُحسن، وبَعْض غلمانه وأراد أن ينهزم فقَال لَهُ مَوْلَى له : أين تذهب وأنت القائل :فالخيل والليل والبيداء تعرفني ***والطَّعن والضَّرب والقُرطاس والقلمفقال له: وَيْحَكَ قَتلتني، ثُمَّ كَر راجعاً فطَعنه زَعِيمِ الْقَوْمِ فِي عُنقه فقتله.أنظر، ديوانه : 262/22 و 345/3 البداية والنهاية : 290/11، النجوم الزاهرة : 343/3، الوافي بالوفيات : 336/6، وفيات الأعيان : 123، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 292/3، سبائك الذهب : 26.
(لا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَ لا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ لأنهم خُلقُوا للنّضال والْعَمَل، لا للبطالة والكسل، وفي الوقت نَفْسَه لا يَغَالون فِي قُدارَتهم، ولا يَخدعون أنفسهم بالغُرُور والمباهاة، بل يخافون من الخطأ والتَّقْصِير (إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ) من قول الزور وحَبائِلِ الغُرُور (فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي). لِلْإِنْسَان حَيَاتَان : باطنية وظاهرِية، والظَّاهِر للنّاس، أمّا الباطن فلله ولصاحبه فهو وَحدَه مِن بَيْنَ الخلائق يَسْتَطِيع أنْ يَتَأمل دَخِيلَتة ويعرفها، ولا سَبِيل إِلى مَعرفَةِ الْآخِرِين بها إِلَّا عَن طَرِيقة. قَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَبَّئواْ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةُ) (1). وَقَالَ الفَيْلَفُوس الإنجليزي «راسل» : «إنّ مَعرفَة بَعْض الحقائق عن الْإِنْسَان مُستَحِيلة إلَّا عَن طَرِيقَه... ولما كان هُو أداة الْمَعْرِفَة لِنَفْسَه وَجَب دراسته كَأدَاة لِلمَعرفَة» (2).)(اللَّهُمَّ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ (يَدعُوا الله ويَعُوذ بهِ أَنْ يُدخل العُجب والغُرُور إِلى نَفْسَه من الإطرَاء فَيَكُون مِن الخَاسِرِين (وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ فِي مِن الخير والحَسَنَاتِ (وَ اغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُونَ) مِن الهَفَوَات والسَّيِّئَات.)(فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينِ، وَ حَزْماً فِي لِين... إلى عَنْ طَمَعٍ. إنّ الدَّلِيل القاطع عَلَى التَّقْوَى حقاً وصِدقاً هو الاِسْتِقَامَة، والمَسلَك النَّابع)
عَن الوعي واليقين، والحزم والثَّبَات، والحِلْم والإِعْتِدَال، والتَّواضع والتَّجمل عِند الحاجة، والنَّشاط والإجتهاد في الأَعْمَالَ الصَّالِحِة النافعة مَعَ الْقَنَاعَةِ والكَفِّ عَن الْحَرَّمَات، والتَّعَبد الله وحده، والتوكل عَلَيْهِ دُونَ سَوَاه (يَعْمَلُ - أي الْمُتَقِي - الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ العالم المتورع يتوقع الخطأ فِي أَقْوَاله، ويخشى النقص والخلل، ولذا يحترس ويحتاط جهد المستطاع، والَّذِي يَرَى عَمَله كاملاً مِن كلّ وَجه فهو جاهل مُركب.)(يُمْسِى وَهَمُّهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ. هُو شَاكِر ذَاكِرِ الله تَعَالَى فِي جَمِيع حالاته وأوقاته... وتفلسف بَعْض الشَّارحِين، وأطال فِي الفَرق بَيْنَ الشُّكْر مَسَاءً، والذِّكْر صَبَاحاً معتمداً عَلَى وَهمَه وفَهمَه (يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً، حَذِراً لِمَا حُذْرَ مِنَ الْغَفْلَةِ... إلخ). يتهم نَفْسَه بالخطأ والتَّقْصِير فيخاف، وأيضاً يرجو الصُّوَاب بتوفيق الله وفضله فيطمئن. وهذه هي سمة العلماء المتقين، وَقَالَ قَائل مِنْهُم : إن أصبت فمن الله وعنايته، وإن أخطأت فمني ومِن الشَّيْطَانِ (إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤلَهَا فِيمَا تُحِبُ)ّ لِلمُتَّقِي ميول وأَهْوَاء تُرِيد مِنْهُ، وتَلح عَلَيْهِ، وهو لا يَسْتَطِيع أن يتحرر مِنْهَا، ويقتلعها من الجذور، ولَكِنَّهُ لا يَستَجِيب لها، ولا تُحيد بِهِ عن الطَّرِيقِ الْقَويم.. أَنَّهَا تُنَادِيه وتصرخ بهِ، وهُو يَتَجَاهل ويَعرِض.)(قُرَّةٌ عَيْنِهِ فِيمَا لا يَزُولُ، وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لا يَبْقَى. تُرِيدَه الأَهوَاء للدُّنْيَا، ويَأبى هو إِلَّا الْآخِرَة (يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ) حِلَمَه عَن وَعي وحُكْمة لا عَن ضَعف ومسكنة، وهو تكرار لقَوْله : «عِلْماً فِي حِلْم». (وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ). يَفعل مَا يَقُول، ولا يقذول مَا لا يَفعل (تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلًا زَلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُه... الخ). لا تيأس من روح الله، وإنْ زَلَت بِهِ القَدَم يُومَاً تاب وأناب.)
يَكبَح شهوته، ويكظم غيظه... خاشع قانع يَأْكُل لِيَعيش، ولا يَعِيش ليَأْكُل.(الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ لأَنه إِنْسَان يَعِيش عَلى حِسَابٍ نَفْسَه وأتعابه، ووحش الغاب هُوَ الَّذي يَعتدِي ويَفتَرَس (إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ). لا يخوض مع الخائضين، ولا يتأثر بجار السُّوء وبيئة الفَسَاد. إنّه عَلى صلاحه، ولو أمتلأت الدُّنْيَا فساداً. (وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ) وإِنْ عَاشَر أقوَامَاً ميَامِين أَنْسَجم معهُم، وطَاب نَفْسَاً وعَمَلاً (يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ) أى يَدفَعَه بِالحُسنى، والكَلِمَة الطَّيِّبَة، فإنْ عَاد إلى صوابه وإلا جَاهَدَه بكلِّ ما يملك، لأنّ السُّكُوت عَن المُعتدِي أَغرَاء له، وتشجيع عَلَى الظُّلْم، والعداوان.)(وَ يَصِلُّ مَنْ قَطَعَهُ إِنْ كَان المقاطِع إِنْسَاناً شاكراً لاَ وَحشاً كَاسِراً (بَعِيداً فُحْشُهُ) عَفِيف اللسان (غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ... إلخ). تكرار لقوله : «الخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ». (لا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ). إذا رضي لا يَدخُل فِي بَاطِل، وإِذَا غَضِب لا يُخرج عَن الحَقِّ (يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ). لا يَبخَس النَّاسِ أَشْيَاءهُم ولا يَعتمد التهويش والمغالطة، لأنه صادق مَع نَفْسَه وغَيْره (لا يُضِيعُ مَا أَسْتُحْفِظَ). هَذَا الوصف يختص بأهل العلم بالله وشريعته، لأنه تعالى أنتَمَنَهُم عَلَيْهَا، وأَمَرَهُم بِتَبليغها بِلا تَحريف ولا تزييف، قَال عَزَّ من قَائِل : (اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابٍ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بايَتِى ثَمَنًا قَلِيلاً) (1).)(وَ لا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ. لا يَصِف أَحَداً بِلَقَبٍ يَكرهه (وَلا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ))
1) المائدة : 44.
لأن الشماتة تنم عن اللُّوْم والصِّغَار... ومَن يَحذَر العواقب لا يَشمت. وبِحِكْمَة قِيل: «لاَ تُظهِر الشّماتَة بِأَخِيكَ، فَيُعَافِيهِ الله ويَبْتَلِيك» (1. (وَ لا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ... إلخ. ألزَم نَفْسَه أَنْ يَقُوم بما عَلَيْهِ مِن وَاجب، وَيَتسَاهل بمَا لَهُ مِن حَقٌّ خاص، وأنْ يُنَاصر الحقين، ويُجَاهد المبطلين، وأنْ لا يَحزن لفوَات كَلِمَة تَبرزَه، وتُومىء إلى مكانته، وأنْ لا يُسيء إلى مَخلُوقٍ، ولا ينكل إلَّا عَلَى نَفْسَه بَعد الله، وأنْ يَتأدب بآداب الشرع، والدِّين بلا تحجر وتَزَمُت، ولا رِيَاء ونفاق.)قَال الشَّرِيف الرَّضِي : فمَا أَتَمَّ الْإِمَام كَلامَه حَتَّى صَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا. عَلَيْهِ رَحمة الله ورِضْوَانه. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَهَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا ؟)فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ: وَيْحَكَ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ، وَسَتِيأُ لَا يَتَجَاوَزُهُ، فَهْلاً، لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ !)إِنَّ الْإِنْسَان ابن الأَرْضِ، وبهَا يَشْبَه، وإذا قارنا بَيْنَ هَذَا القَائِل وقَسوَته، وبَيْنَ همام وَرَحمته - ظهر أن التفاوت بينهما تماماً كالتفاوت بَيْنَ الْبَلَد الطَّيِّبِ الَّذِي يَخرج نباته بإذن رَبِّه، والْبَلَد الخَبِيث الَّذي لا يخرج أَبَداً، أو يخرج نَكداً.وَقَالَ قَائِل : إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ يصف فِي هَذِه الخُطْبَة قُومَاً في الخيال لا في عالم الوجود، أو هُو يصف نَفْسَه، أو أُمنيته كما يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانِ، لا كما هُو كَائِن)
1) أنظر، تكملة حاشية رَدّ المحتار: 560/1، أمالي الشيخ المفيد : 269، العجم الكبير : 54/22، مسند أنظر الشَّامِيين : 215/1 ح 384 و 305/4 ح 3379، نزهة الناظر : 37 ح 113، مسند الشهاب : 77/2ح 916 و 917، كشف الخفاء : 265/2 ح 2544، نصب الراية : 67/3، تَفْسِير القُرطبي: 291/7.)
بِالفِعْل... إنّ لِلْإِنْسَان جسماً، وعواطف ورغبات، فَكِيف يَنفَصل عَنْهَا ؟ وهل ينفصل الشَّيء وطبيعته ؟الجَوَاب:أَوَّلاً: إنّ هَذِهِ الْخُطْبَة دَعْوَة ودعاية إِلى التَّقْوَى وحُسن السلوك، ويُومىء إلى ذَلِكَ أتباع الكلام أسلوباً يكثر فيه التكرار والترديد، ومِن شَرط الأَمْرِ بِالشّيء والدَّعْوَة إِلَيْهِ أَنْ يَكُون مُمكناً لا يَسْتَعْصِي عَلَى قُدرَة المكلف وإرَادَته، وأنْ يَكُون فيه جهة خَيرٍ وصلاح، ومَا مِن صِفَة ذكرها الإمام إلا وفِيهَا خَير كَثِير، وتَتَناولها إِرَادَة المكلف وقدرته، وإِذَنْ تصح الدَّعْوَة إِلى التَّحلي بهذه الصِّفَات ويجوز العقاب على المخالفة والمعصية.ثَانِيَاً : إِنَّ الْغَايَة مِن الدَّعْوَة إِلَى سَبِيل الله، والاِسْتِقَامَة أَنْ يَكبَح الإِنْسَان أَهْوَاءه وميوله، وإِنْ يَحكمها ولا تتحكم به ولولاها لكان رُوحاً بلا جسد، وملاكاً من السَّماء لا أبن الأَرْضِ، وكان التَّكليف بِالنِّسبَة إِلَيْهِ لَغواً وعَبَثاً، لأنّه بلا مَعْنَى ومَوْضُوع.. أجل، إن المشكلة هي مُشكلة البيئة والعيش في مجتمع الضَّلال والْفَسَاد، والعبقري هو الذي يصمد أمام التقاليد، ولَيْسَ كلّ النّاس أَبَا ذَرّ...، ومن هنا كان عِقَاب المذنب في بيئة التَّقی والصَّلاح أَشد مِنْهُ فِي بِيئَةِ الضَّلال، وثواب المُتقِي فِي هَذِه أعْظَم مِنْهُ فِي تِلكَ حَيْتَ يَكُون : «فَالْتَمسك بِدِينَه كَالْقَابض عَلَى الجمر» (1. والْإِمَام يَدعُو إِلى الاِسْتِقَامَة، والثَّبَات عَلَيْها مَهمَا كَانَتْ الظُّرُوف.)
1) أنظر، أمالي الطوسي : 485 ح 1060، سنن الترمذي : 359/3 ح 2361، مشكاة المصابيح: 459 مُسْنَد أحمد : 390/2، تُحْفَة الأَحْوَذي: 338/8، مجمع الزوائد : 281/7، عون المعبود : 333/11. تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : 107، الجامع الصغير : 664/2 ح 9172، کنز العمال : 221/14 ح 38477، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 488/4، كشف الخفاء : 395/2 ح 3244، تَفْسِير القرطبي : 172/4. الكَامِل لابْن عَدِيّ : 55/5 تاريخ بغداد : 407/12 تاریخ دمشق : 210/352، ميزان الاعتدال: 203/3، ح 6135 تَهذيب التهذيب : 404/7 ح 767، کتاب الفتن لنعيم بن حماد : 245 ينابيع المودة : 105/2 ح 296.
## الخطبة - 194 -### الْمُنَافِقُونَ... فِقْرَة 1 - 3:نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً، وَبِحَبْلِهِ أَعْتِصَاماً، وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ كُلَّ غَمْرَةٍ، وَ تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ. وَقَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الأدْنَوْنَ، وَ تَأَلَّبَ عَلَيْهِ الأَقْصَوْنَ، وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا، وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا، حَتَّى أَنزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا، مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ، وَأَسْحَقِ الْمَزَارِ (1.)أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللَّهِ، بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمُ الضَّالُونَ الْمُضِلُّونَ، وَالزَّالُونَ الْمُزِلُّونَ، يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً، وَ يَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً، وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ
عِمَادٍ، وَ يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ. قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ، وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ. يَمْشُونَ الْخَفَاءَ، وَ يَدِبُّونَ الضَّرَاءَ. وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ، وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَمُؤكِّدُو الْبَلاءِ، وَ مُقْنِطُو الرَّجَاءِ لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ، وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ، وَلِكُلِّ شَجْوِ دُمُوع (2. يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ، وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ : إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا، وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا، وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا. قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقِّ بَاطِلًا، وَلِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا، وَ لِكُلِّ حَقٍ قَاتِلًا، وَلِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً، وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً. يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، وَ يُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، وَ يَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ. قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ، وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ، فَهُمْ لمَةُ الشَّيْطَانِ، وَحُمَةٌ النِّيرَانِ : (أُوْلَئكَ حِزْبُ الشَّيْطاَنِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (1)(3).)اللغة :الغَمْرَة : الشِّدَّة. وتَلَوَّنَ : تَنَكَّرَ. َوأَبْعَدِ، وَأَسْحَقِ وأَقصى بِمَعْنَى وَاحد. ويَفْتَنُّونَ : يتفتَنُون وَيَسْلكُون أَسَالِيب مُتَنُوعَة. ويَعْمِدُونَكُمْ بِالأَكَاذِيب لدفع التُّهمَة عَنْهُم. ودَوِيَّةٌ : مِن الدَّاءُ، وهو المَرَضِ. وَصِفَاحُهُمْ : وجُوهُهُم. والدَّاءُ الْعَيَاءُ : أَعْيِى الأطباء. وألحقوا : أَلحوا. والأَعْلاقِ : جمع عِلق، وهو الشيء النفيس. وأَضْلَعُوا المُضِيقَ : جَعَلُوهُ ضَيقَاً. واللُّمَةُ - بفتح الميم مع التخفيف - الجماعة. وَحمَةٌ بِالتَّخفيف - إبْرَة العَقْرَب.
1) المجادلة: 19.
الْإِعْرَابِ:عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ «مَا» اسم مَوْصُول بِمَعْنَى الَّذي، والهاء في «لَهُ» يَعُود إلى «ما». وتَمَاماً مَفْعُول نَسْأَلُهُ أي نَسْأَلُهُ التمام والاعتصام، والخَفَاءَ مَنصُوب بِنَزَعَ الخَافِض أي في الخفاء، ومثله الضَّرَاءَ، ويجوز أنْ يَكُون نَائِباً عَن المَفْعُول المطلق أي يَمْشُونَ المَشِي الخفي، ويَدِبُّونَ الدَّبِيب المضر.الْمَعْنَى:(نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَة... إلخ. المُؤْمِن يَعْلَم حَقَّ العِلم أنّ التّوفيق إلى الخير بشتى أنواعه هو من الله، ولذا يَحْمَدَهُ ويَقُول : وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)(1). ولَيْسَ مِن شَكٍّ أن مَن يَسْتَنصح الله ويُخلص لهُ يَشْمله تَعَالَى بِتُوفِيقه وعنايته (وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً، تَمَاماً، وَبِحَبْلِهِ أعْتِصَاماً). مِثْتِهِ تَعَالَى نِعْمَتِه، وحَبْلِهِ دِينَه وَشَرِيعته.... وهو سُبْحَانَهُ المَسْئُول أنْ يمن عَلِينَا بِالسَّلامة في الدِّين، والبَصِيرَة.)(وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ كُلَّ غَمْرَةٍ، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ. كَانَتْ أُسرَة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل البعثة قوية وَغَنِيَة، ولما أَرسله الله رحمة لهم وللعالمين ثارت عَلَيْهِ ثَائِرتَهُم، ولَقِي مِنهُم ومِن غَيْرُهُم أشَدّ الإيذاء، وقَالُوا عَنْهُ مِن جُملة ما قَالُوا: «سَاحِرٌ، وشَاعِرٌ، وأَبْتَر، ومَجْنُونٌ! وهَل مِن شَيء أدل على جُنُونَه - بزَعْمهم - مِن رَفضَه لما عَرضُوه عَلَيْهِ من المال)
1) هود : 88.
والسُّلْطَان ؟... وكان أشَدَّهُم عَلَيْهِ أبو جهل، وأبو سُفْيَانَ وأبو لهب.وكَان يَصْبر ويستهين بِكُلِّ شَيء في سَبِيل دعوته ورِسَالَته... أخرجه أَهْل الطَّائِف طَردَاً مِن بَلدهُم، وسَلَّطُوا عَلَيْهِ سُفهاء هُم يَرمُونه بالحجَارَة حَتَّى سَال الدَّم مِن قَدمِيه. فقال : «أَللَّهُمَّ اهدِ قُومِي، فإِنّهم لا يَعْلَمُون» (1.)### النِّفَاقُ:لِلذَّنب أنواع و دَرَجَاتِ، فَمِنْهُ مَا يَكُون مع الله تَعَالَى، ومِنْهُ مع الذَّنب نَفْسَه، ومِنْهُ مَع النَّاس، ومِنْهُ مَا يَجمع هَذِه الجرائم الثلاث كالنفاق. ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ الاِحْتِيال عَلى الله غَيْر مُمكن، لأنه يعلم السر وأخف، ولكن الاحتيال عَلَى عِباد الله ذَنّب لا يُغتفر... وأيضاً لا يتصوّر النِّفَاقِ مِمَّنْ يَعِيش فِي عُزلة عَن النَّاس لأنه لم يلتق ويحتك بوَاحدٍ مِنْهُم - كما هُو الفَرض - ومَعْنَى هَذَا أنّ النّفَاق دَاء أجتماعي، وجِدَ مَع المجتمعات التي تَضُم الْقَوِيّ والضَّعِيف، والخاضع والمسيطر، وإنّه يتطور مَعَهَا جَنْبَاً إلى جنب فِي جَميع المراحل، وإنَّه يتعقد أَكْثَر فَأَكْثَرَ كُلما زادت حياة الجَمَاعَة نمواً فِي التعقيد.وبهذا نجد التَّفْسِير الصَّحِيح لشيوع النّفاق، وتناقمه فِي هَذَا العَصر «المتقدم» عَلَى كلّ صَعِيد !... يَغْزُون البلاد الآمنة باسم حماية الأقليات، ويُقِيمُون القواعد
1) أنظر. الشفا بتعريف حقوق المصطفی: 105/1، فتح الباري: 250/12، تأويل مختلف الحديث : 150. تَفْسِير مجمع البيان: 386/2، تفسير ابن كثير : 575/2، الدر المنثور : 298/2، تفسير التعالي : 0104/2 فتح القدير : 61/22، تاریخ دمشق : 247/62، تاريخ الطَّبَرِيّ: 182/1، عصمة الأَنْبِيَاء للفخر الرازي: 78 عُيُون الأثر لإبن سيّد النّاس : 421/2.
العسكرية للعُدْوَان بعنوان المحافظة على المُسْلِم، ويُلقون أُلوف الأطنان من القنابل على المنشآت، والنِّسَاء، والرِّجَال، والأطفال بزعمِ الْقَضَاءِ عَلَى الْعُنْفِ وَالْعُدْوَانِ وينهبون الأقوَات والقدرات بأسم التِّجَارَة والتَّعاون، ويَنْتَشرُون للتجسس في شرق الْأَرْضِ وغَرْبِهَا تحت راية التَّبشير في الدِّين، وينشئون المكاتب لتدبير المؤامرات وتحطيم إِرَادَة الشِّعُوب بعنوان نوَادِي الثّقافة، ومَكاتِب الْأَنْبَاء، ويجتمع العُملاء والخونة تحت راية الجمعيات الخيرية والمجالس والمذهبية والحفلات الدينية !... أمّا التَّجَارِب النَّوَوِية والأسْلِحَة الكيمياوية التي تُهدد العالم بكارثة شاملة، أما هذه فالقصد تطوير العلوم لخير الإِنْسَان، ومصلحة الحضارة... إلى غَيْر ذَلِكَ مِن الجرائم التي تُرتكب بأسم العلم، والدين، والإِنْسَانِية.ومِن هُنا شاع القلق والتشاؤم فِي هَذَا العَصر بَيْنَ جَميع الْفِئَات وأهتزت الْقِيَّم والمبادىء، وضاعت الثَّقَة فِي كُلّ شَيء حَتَّى فِي رِجَال الدين، والمنظمات الخيرية فضلاً عن السياسيين، وعَن الصَّحافة صَاحِبة الجلالة الملعُونة عَلى حَدَّ مَا قَال بَعْض الصحفيين، وساد الإيمان بأنّ ما مِن أحدٍ إلا ويَعمَل لمصَالِحِهِ ومطَامِعه، وإنّ المصلح مُخادع، والمخلص مُدلس.ومِن غَرِيب الصدف أنّي بعدما كتبت هذه الأسطر قرأت فِي مَجَلة «الحوادث البيروتية» مَا نَصه بِالحَرف : «فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ كَانُونَ الثَّانِي وحُزيران ألقت الطَّائرَات الأمريكية على الأوس، وكمبوديا، وفيتنام الشّمالية والجنوبية ما زِنتَه (112 طَن، ومَع هَذَا أَعْلَنت الْوِلَايَات المتحدة أَنَّهَا لَيْست فِي حَالَة حَرْب مَع أية دولة مِن هَذِهِ الدُّول» (1).)
1) انظر، تأريخ المجلة : 22 - 9 - 1972 م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
وبَعْد، فهَل نُطَالب بِالدَّلِيل إذَا قُلنا : إنّ النِّفَاقِ مِن أُمَهَاتِ الرِّذَائِلِ الإِجْتِمَاعِية التي لا تُحدّ، ولا تُعدّ، وإنّه مَزيج من الخيانة والغَدْر، والْكَذِب والمكر، والضَّلال والفَسَاد، والظُّلْمِ والإِسْتِبْدَاد، وإنَّه أَفْسَد المَدِينَةِ الحَدِيثة ؟ وَقَالَ بَعْضَ الْعُلَمَاء :قُل لِلَّذِي قَالَ: «لَيْس بَعد الكُفر ذنب» (1: ماذا أَبقيت للنّفَاق ؟. أَلَيْس سُبْحَانَهُ هُو القائل : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) (2)؟. وهَل وَرَاءِ الأَسفَل وَرَاء ؟. ونُجيب بأنّ النّفاق زِيَادَة فِي الكُفر، أو كُفر وزِيَادَة.)وبَعْد هَذِه الإِشَارَة نَعُود إلى شرح الْكَلِمَات، ونُوجز ما أمكن، لأَنها واضحة بخَاصَّة بَعد أنْ مَهدنَا بَا تَقَدَّم (فَإِنَّهُمُ الضَّالُونَ الْمُضِلُّونَ تماماً كوباء الكوليرا. فَاسِد ومفسِد (وَ الزَّالُونَ الْمُزِلُّونَ) عَطف تَفْسِير (يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً) لَهُم أَلف وجه ولِسَان (وَ يَفْتَتُونَ افْتِنَاناً) يَتَفَننُّونَ فِي أساليب المكر والخداع (وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ) إِذَا أَسَأتُم بِهِمْ الظَّن حَاوَلُوا أَقنَاعَكُم بِشتى الأساليب أنهم عَلى خَير (و يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ) (يَضْعُون ضدَكُم خُطط الْفِتَن، والشَّقَاقِ.)(قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ إشارة إلى قَوْله تَعَالَى : (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) (3). (وَ صِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ) 0إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبْكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبُ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (4). (يَمْشُونَ الْخَفَاءَ، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ) كَجِرْثُومَة السَّرطان
تُفسد اللحم، والدَّم دُونَ أَنْ تَظهر بنفسهَا (وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءِ الْعَيَاءُ) وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُوا عَلَيْكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ (1). (حَسَدَةُ الرَّخَاءِ) يَحْسدُون كلَّ ذِي نِعْمَة، وَيَسْخَطُون على الله، لأنه أَنْعَم بها عَلَيْهِ (وَ مُؤكِّدُو الْبَلاءِ) إذا رأوا ضَعِيفاً مُبتَلَى اَز دَرُوه، وسَخَرُوا مِنْهُ، بَل وأعتَدَوا عَلَيْهِ سَفهَاً ولُؤْمَاً (وَ مُقْنِطُو الرَّجَاءِ) إِذَا نَزَلَت بِإِنْسَانِ نَازِلَة حَمَلُوهُ عَلَى الْيَأْس والقُنوط مِن رَحمة الله.)(لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ يُغررُون بِالسُّذَج البسطاء، ويُوقعونهم في الهَلَكَات (و إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ). يَسْتَمِيلُونَ الْقُلُوبِ بِالمَلقِ، والتَّوَاضِعِ الكَاذِب (وَلِكُلِّ شَجْرٍ دُمُوعُ). الشَّجو : الْحُزْن والمَعْنَى يَسْكَبُونَ دُمُوع التماسيح أمام الحزين المُصاب لمآرب شخصية (يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ، وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ). يَطرِي بَعْضُهُم بَعضَاً يقصد المقايضة والمبادلة فِي النِّفَاق (إنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا) إنْ طَلبوا حَاجَة أَلحوا وبالغُوا (وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا) إِنْ سَخِطُوا أَشَاعُوا وأذَاعُوا بِالْحَقِّ وبِالْبَاطِل. (وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا) فِي الجَوْرِ، والْفَسَادِ والضَّلال.)(قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍ بَاطِلًا، وَلِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا، وَلِكُلِّ حَقٍ قَاتِلًا، وَلِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً، وَلِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً. يُمثلون جميع الأدوار في مسرح النِّفَاق الْكَبِير، ويُجيدون التمثيل في صُنع المقالب والاحتيال، وإثارة الشبهات حَوْلَ الطَّيّبين. وإِيْقَاظُ الْفِتَنِ، وفَسَاد كلّ مَشرُوع فِيهِ خَير وصلاح (يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، وَ يُنْفِقُوا بِهِ أَعْلاقَهُمْ). يَتَوَسَلُون إلى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وزينتها بإظهار الزُّهْد فيها، والْيَأْس مِنْهَا، والرَّعْبَة فِي الْآخِرَة وحدَها كَذِبَاً ورِيَاء (يَقُولُونَ)
1) آلِ عِمْرَانَ: 119.
فَيُشَبِّهُونَ أي أن أقوَاهُم تُثير الشكوك والشبهات حَوْلَ الحقائق والنّوايا الطَّيِّبَة (وَ يَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ). يُلْبِسُون الْحَقِّ بالباطل، وهُم يَعْلَمُون.)(قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ قَرّبوا البَعِيد، وبَعدُوا القريب (وَ أَضْلَعُوا الْمَضِيقَ). إِذَا وَقَع إنْسَان فِي مُشْكِلَةٍ، وضَاقَ عَلَيْهِ المخرج لا يُساعدونه عَلَى الْخلاص، بل يُزِيدُونَه يقاً عَلَى ضِيق، وتَعقِيدَاً عَلَى تَعقِيد (فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ) حِزْبَه وجنُودَه (وَ حُمَةُ النِّيرَانِ) حَطَب جَهَنم يَصْلُونها فَبِئس المصير.)
## الخطبة - 195 -### بَاب الله مَفْتُوحٌ لِلجَمِيع...فِقْرَة 1 - 3 :الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ، وَ جَلَالِ كِبْرِيَائِهِ، مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُقُولِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ، وَرَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ.وَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَإِيقَانٍ، وَإِخْلاصِ وَإِذْعَانِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ وَ أَعْلامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ، وَ مَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةُ، فَصَدَعَ بِالْحَقِّ، وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ، وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ، وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ، (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ (1).)وَ أَعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ، أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبثَاً، وَ لَمْ يُرْسِلُكُمْ هَمَلاً، عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وَأَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ، فَأَسْتَفْتِحُوهُ، وَ أَسْتَنْجِحُوهُ، وَأَطْلُبُوا إِلَيْهِ وَ أَسْتَمْنِحُوهُ، فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ، وَلا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ، وَ إِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانِ. وَ فِي كُلِّ حِينٍ وَ أَوَانٍ، وَمَعَ كُلِّ إِنْسِ وَ جَانٍ، لَا يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ، وَلا يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ، وَ لا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ، وَلا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ، وَلا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ، وَلا يُلْهِيه صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ، وَلَا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ، وَلا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ، وَلا
تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابِ، وَ لا يُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ، وَلا يَقْطَعُهُ الظُهُورُ عَنِ الْبُطُونِ، قَرُبَ فَنَأَى، وَ عَلَا فَدَنَا، وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ، وَ بَطَنَ فَعَلَنَ، وَ دَانَ وَ لَمْ يُدَنْ. لَمْ يَذْرَأ الْخَلْقَ بِاَحْتِيَالٍ، وَلا أَسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلَالٍ (2.)أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللَّهِ، بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَ الْقِوَامُ فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا، وَ أَعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا، تَؤُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ الدَّعَةِ، وَ أَوْطَانِ السَّعَةِ، وَمَعَاقِلِ الْحِرْزِ، وَمَنَازِلِ الْعِزَّ، فِي (يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (1)، وَ تُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ، وَتُعَطِّلُ فِيه صُرُومُ الْعِشَارِ. وَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَرْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ، وَ تَبْكَمُ كُلٌّ لَهْجَةٍ، وَ تَذِلُّ الشُّمُ الشَّوَامِخُ، وَ الصُّمُّ الرَّوَاسِخُ، فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً، وَمَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً، فَلا شَفِيعٌ يَشْفَعُ، وَلا حَمِيمٌ يَنْفَعُ، وَلَا مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ (3).)اللُّغة :مُقَلَ الْعُيُون : جمع مُقْلَةٌ، وَهِي شَحْمَة الْعَيْن، والمُرَاد بِالمقل هنا البصائر لا الأَبْصَار. والهَمْهَمَة، صَوْت يُسمع ولا يُفهم مِنْهُ شَيء والْمُرَاد بِهَماهِم النُّفُوسِ هُنا الْأَفْكَار. وطَامِسَةٌ : دَارِسَة. وصَدَعَ الشَّيء : شَقَّهُ، وصَدَعَ بِالْحَقِّ : تَكَلَّم بهِ جَهَارَاً. وهَمَلاً : سَدَى. أَسْتَفْتِحُوهُ : أَطْلبُوا مِنْهُ النَّصر، والْفَتْح. واسْتَنْجِحُوهُ: سَألُوه النَّجَاحِ والصَّلاح. واسْتَمْنِحُوهُ : أَدْعُوه أنْ يَمنَحكُم من فَضْلَه. وَلا يَسْتَنْفِدُهُ لاَ تَنْفُد خزَائِنَه. لا يَثْلِمُهُ : لا يَنْقُصُهُ لا يَلْوِيهِ : لا يميلَهُ لا تُولِههُ : لا تُذْهِلَهُ لا يُحِنُّهُ : لا يَسْتِرَه. لا يَقْطَعُهُ : لا يَفْصِلَهُ. ولَمْ يَذْرَأَ لَم يَخلق. وَكَلَّ : تَعَب. والزِّمَامُ : المقود.
1) إِبْرَاهِيمَ : 42.
والْقِوَامُ - بفتح القاف - الإِعْتِدَال، وبكسرها العماد والنظام، وبضمها الداء. والدَّعَةِ - بِتَشدِيد الدَّال مَع الفتح - السَّكينة والرَّاحَة وَسِعَة العيش. وصُرُومُ : قطع من الإِبل. والْعِشَارِ : نَوْع من النوق. والشُّمُ : جَمع أَشَمّ والشَّوَامخُ : جَمع شَامخ، والمَعْنَى واحد أي عَالٍ ورَفِيع. والصُّمُّ : جمع أَصَّمّ أي الصلب، ومثله الصَّلْدُ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَس وسَمْلَقاً : مُسْتَوِيَاً.الْإِعْرَابِ:مَا حَيَّرٌ «ما» اسم مَوْصُول مَفعُولاً لأَظهَرَ، وَأَعْلامُ الواو للحال، وعَبْثاً مَفْعُول لأجْلِه، أو في موضع الحال أي عَابِقاً.الْمَعْنَى:لا جديد في هذه الخطبة، فهي تكرار لما تَقَدَّم مَضمُونَاً ومُحتوى، وسَبَق الكَثِير مِنْهَا بِالنَّص الحرفي، ولذا نُوجز في الشرح، وتُحيل اللاحق على السابق مَعَ الإِشَارَة إلى رقم الخطبة (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ، وَ جَلَالِ كِبْرِيَائِهِ... إلخ. كلّ مَا فِي الكَوْن فِيهِ قُدرَة، وإبْدَاعِ وَحِكمة تدل على الحكيم المبدع، وآمَن العَدِيد من الفلاسفة والعلماء بوجود هَذَا الحكيم إيمانهم بأنفسهم، ولكن عجزت عُقُولهِمْ عَن إدراك ذاته تعالى وحقيقته، لأنَّ العَقْل مَحدود، والمحدود لا يُدرِك مِن لَا حَدِّلهُ. هَذَا الواقع فن رضي وأقر فقد نجا وفاز، ومَن أبى قُلْنَا لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ)
وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (1). وَتَقَدَّم مَرَّات (2).)(وَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَإِيقَانٍ، وَإِخْلاصِ وَإِذْعَانٍ. لا يَتَطَرق إِلَيْهِ الشَّك، وتَقَدَّم مثله (3). (وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ وَ أَعْلامُ الْهُدَى دَارِسَةُ... إلخ). أَرسَل سُبْحَانَهُ قَبْلَ مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) العَدِيد مِن الرُّسُول : الرَّسُول بَعد الرَّسُول، ومَعَه شَرِيعَة الله وتَعَاليمه : وبمِرُور الزمن صَارت نَسْيَاً مَنْسِياً، فَبَعث الله مُحَمداً لإحيائها، وبما يجعل رِسَالَته آخر الرسالات، ونُبُوَّته خَاتِمَة النُّبوّات، فأدى مُحَمّد أمانة الله كما أراد وَسَدّ بها كلّ فُرَاغ.)(أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَثًا، وَلَمْ يُرْسِلُكُمْ هَمَلاً. الحكيم لا يَعْبَث، والْقَوِي الْعَادِل لا يُحَابِي، وإِذَنْ فَالتكليف عام، والمسئولية تشمل الجميع. وتَقَدَّم مثله (4). (عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ) فَمَن شَكرَها فهو عِند الله من المحسنين، ومَن كَفَر بِهَا فَهُو مِن الخاسرين (فَاسْتَفْتِحُوهُ، وَ اسْتَنْجِحُوهُ، وَ أَطْلُبُوا إِلَيْهِ وَ أَسْتَمْنِحُوهُ). أَطِيعُوه والتَجِئُوا إِلَيْهِ تَعَالَى، وأَسْأَلُوه وَحدَه فيزيدكُم مِن فَضله. وروي أن كَرِيماً قضى حاجةً لسائل، وبعد أيَّامٍ جَاء إِلَيْهِ، وَقَالَ : أنا الَّذي قَضَيتَ حَاجَتَهُ يَوْمٍ كَذَا. فقال اله : مَرحَباً لمن توسل إلينَا بِنَا».)(فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ، وَلا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ... إلخ. بَاب اللَّه مَفْتُوح لدَاعِيه، وحِجَابه مَرفُوع لراجيه، والطَّرِيق إِلَيْهِ سَهل يَسِير : الإخلاص فِي الدُّعَاء،)
والصَّدْق في الرَّجَاء. وأُقسم أنّي طرقته. قتلتُ أَكْثَر مِمَّا أَمَّلتُ (وَإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ يعْلَمَه وعِنَايته. وتَقَدَّمَ مَرَاتِ (1). (وَ فِي كُلِّ حِينٍ وَ أَوَانٍ) لأَنَّهُ سَرْمَدِي دَائِم (وَ مَعَ كُلِّ إِنْسِ وَ جَانٍّ) هُو مَعَكُمْ أَيَنَما كُنتُم بِعِلمِهِ وعِنَايَتِهِ، وَعَلَيْهِ فَهُو عَطف تَفْسِير عَلَىٰ مَا قبله (لا يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ) لا تَنقُص خزَائِنه بِالنّوَال (وَ لا يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ) عَطف تَفْسِير (وَلَا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ). لَو أَعْطَى السَّائِلِين أضعاف مَا سَأَلُوا مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي مُلْكِه وكَرَمَه، وتَقَدَّم ذَلِكَ (2).)(وَلا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ. لا حَدَّ ولا نهاية الجوده، وإذَنْ فمن يستوعبه. ويَسْتَقصِيه ؟ (وَ لا يَلْوِيهِ شَخْصُ عَنْ شَخْصٍ، وَلا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ). لا يُذْهِله ويُصرِفه شَيء عَن شَيء، لأنه مُحيط بكلِّ شَيء. وتَقَدَّم مثله (3). (وَلا تَحْجُزُهُ هِبَةً عَنْ سَلْبٍ). أرتبك الشَّارحُونَ فِي تَفْسِير هَذِه الجملة، والَّذِي نَفهمه أنه تَعَالَى قَد يُعطِي نِعْمَة الدُّنْيَا لِمَن يَكْرَه، ويمنعها عمّن يُحبّ، فلا الكراهة تمنعها، ولا الحبّ يُوجبها ما دامت الحكمة هى الموجب والمقياس، وأستوحينا هَذَا المَعْنَى مِن الجملة التّالية بلا فاصل وَهِي (وَ لا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ) أي قَد يَرحَم من غَضَب عَلَيْهِ، ويَعفِيه فِي الدُّنْيَا من البلوى، وفي الوقت نَفْسَه يَبْتَلِي مَن رَضي عَنْهُ بأشد النّوَائِب عَلَى حَسَب الحكمة.)(وَلا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابِ. الله كَرِيم مَا فِي ذَلِكَ رَيب، فَإِذَا مَنعِ الْعَطَاء عَن عبد من عبيده فلا يَنْتَفي عَنْهُ وَصف الكرم، لأن المنع كان لِسَبب موجب، وأيضاً الله)
رَحِيم، وإِذا عَاقب فلا يَنْتَفِي عَنْهُ وَصف الرَّحمة، لأن العقاب كان لِسَببٍ مُوجِب (وَ لا يُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ، وَلا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ. لا يُجِنُّهُ أي لا يَسْترَه، والمعنى هو البَاطِن بذاته، الظَّاهِر بآثاره (قَرُبَ) من كلّ شيء بِعلمِه وعنايته (فَنَأَى) عَن كُلّ شَيء بذاته وصفاته. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وسَبَقَ شَرِح ذَلِكَ (1). وجَاء فِي خُطْبَةٍ: «عَلَا بِحَوْلِهِ»، أي بِسُلطَانه وبقُوَّتِه «وَدَنَا بِطَوْلِهِ» (2)، أي بِفَضلِهِ وإحْسَانه (وَ دَانَ وَ لَمْ يُدَنْ). (لا يُسْئلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) (3).)(لَمْ يَذْرَأ الْخَلْقَ بِاَحْتِيَالٍ. الْمُرَاد بِالاحْتِيَال هُنا المهارة، ودقة النظر، ومِن ذَلِكَ قَوْلهُم : فَلاَن حَسن الحيلة. والله يقول للشَّيء كُن فَيَكُونُ (وَ لَا أَسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلَالٍ). ضَمِير «بِهِمْ» إلى الْخَلْقِ، والكَلَال التّعب، والله يُعِين ولا يُعان، والتَّعب للعاجز. وتَقَدَّم فِي خُطْبَة أُخرى (4). (فَإِنَّهَا الزَّمَامُ وَالْقِوَامُ). تَقُودِ التَّقْوَىٰ إِلَى كُلَّ خَيْرٍ، وَهِي العماد الذي يرتكز عَلَيْهِ نظام الحياة (فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا، وَ أَعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا... إلخ). مَن أَخذ بِالتَّقْوَى فَقَد فَاز دُنْياً وآخِرَة. وتَقَدَّم الكلام عَن ذَلِكَ بِالتَّفصيل (5). (فِي (يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (6)، وَ تُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ... إلخ). يُشِير إلى يَوْمِ الْقِيَامَة وأهواله. وتَقَدَّم ذَلِكَ في خُطْبَة أُخرى (7)(فَلا شَفِيعٌ يَشْفَعُ، وَ)
1) أنظر، الْخُطْبَة : (49)، والخُطْبَة (64)، والخُطْبَة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، الْخُطْبَة : (83). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
3) الأنبياء: 23.
4) أنظر، الخُطْبَة : (186). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
5) أنظر، الخُطْبَة : (191). فِقْرَة «التَّقْوَى». (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
6) إِبْرَاهِيمَ : 42.
7) أنظر. الخُطْبَة : (109). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
لا حَمِيمٌ يَنْفَعُ، وَلا مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ. ولا شَيء يُجدِي يَوْم الدِّينِ إِلَّا التَّقْوَى، «لَا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى، وَكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ» (1)؟. كما قَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ).)وبَعْد، فإنّ الإِيمَان بِالله يَدخُل فِي مَفهومه الإِيمَان بِعَدله، ولا يَستَقِيم مَعَ الْعَدْل الإلهي أنْ يَسْتَوِي الْبِرِّ والفَاجِرُ، ويُفلت المسيء من العقاب، ويُحْرَم المحسِّنُ من الثَّوَاب (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ (2).)
## الخطبة - 196 -### بَادِرُوا الْفَوْت:بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَمْ قَائِمٌ، وَ لا مَنَارٌ سَاطِعٌ، وَلا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ.أوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ، بِتَقْوَى اللهِ، وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوص، وَ مَحَلَّهُ تَنْغِيصٍ، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ، وَ قَاطِنُهَا بَائِنُ، تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ، وَمِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى بُطُونِ الأَمْوَاجِ، تَحْفِزُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا، وَ تَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا، فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَك، وَ مَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَك !عِبَادَ الله، الآنَ فَاَعْلَمُوا، وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ، وَالْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحُ، وَ الْمَجَالُ عَرِيضٌ، قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ، وَ حُلُولِ الْمَوْتِ، فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ، وَلا تَنْتَظِرُوا قُدومَهُ.اللُّغَة:دَارُ شُخُوص : فِرَاق وانتقال. والتَّنْغِيص : التَّكْدِير. وظَاعِنٌ : رَاحِلٌ. وقَاطِنٌ :
مُقِيمٌ. وَبَائِنٌ : مُفَارِقٌ. وتَمِيدُ : تَضْطَرِب. ولُجَجِ : جمع مُجه أي مُعْظَم الماء. والْوَبِقُ : الهَالِك. ولَدْنَةٌ : لِيْنَةٌ. والمُرَاد بِالإرْهَاقِ هُنا اقتراب الأوان.الْإِعْرَاب :فَا غَرِقَ «مَا» اسم مَوْصُول مُبْتَدَاً، وجُملة فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَك خَبَر، وَقَبْلَ إِرْهَاقِ مُتعلّق باعْلَمُوا.الْمَعْنَى:(بَعَثَهُ حِينَ لا عَلَمٌ قَائِمٌ، وَ لا مَنَارٌ سَاطِعٌ، وَ لا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ. الضَّمِيرِ فِي بَعَثَهُ لرَّسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، و عَلَم - بفتح اللام - والمراد مِنْهُ ومِن المنار واحد، والمنهج الطَّريق. وكلّ دَعْوَة لِلصَّلاح والإصْلاح هِي نَتِيجة لوجود الفَسَاد، فالدَّعْوَة إِلى التَّوحِيد نتيجة لوجود الشك، ودَعْوَة إِلى العِلم نتيجة لانتشار الجَهْل. وبَعَث سُبْحَانَهُ محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث ساد الضَّلال، والجَاهِلِيَّة ولا آمر وزاجرٍ.)(وَ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ، وَ مَحَلَّةٌ تَنْغِيصٍ، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ، وَ قَاطِنُهَا بَائِنٌ. لِعُمر الإِنْسَان فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا نهاية، والْآخِرَة هِي دَار الخلود، ومن حصر طموحه في ملذات الدُّنْيَا وَكَفَى فَقَد آثر الزَّائِل عَلَى الدَّانِم. ولدَة سَاعَة عَلَى سعادة الأبد... هَذَا، إلى أنّ مَا مِن سرُور في الدُّنْيَا إلا وهُو مَشُوب بِحُزْن وكَدْر (تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ... إلخ). كلّ بَنِي آدَمَ للرَّزَايَا والخُطُوب، لا يَسلَم مِنْهَا واحد، ومن تخطاه الكَدْرِ فِي يُومه فَلْن يَفلَت مِنْهُ غده تماماً كقوم فِي سَفِينَة أَصَابَها إعصار فأختل توازنها، وذَهَب تَماسكها، تناثر)
مَا فِيها ومَن فِيها... وإذا أسعف القدر، ونجا واحد إلى البَرِّ بطريق أو آخر، فأمامه مَا يُلحقه بالرِّفَاق.(الآنَ فَاَعْلَمُوا... إلخ. وفي بَعْض النُّسَخ فأَعْمَلُوا، وهو أَنسَب بِالسِّياق (وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ، وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحُ). بادرُوا العَمَل وأَنْتُمْ في سلامة مِن عَقْلِكُم، وصِحَة مِن أجْسَامكُم (وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ... إلخ). الْفُرْصَة مُؤاتية، والتسويف يُفوّت المقصود، والْعَاقِل يَأخذ بالحزم، ويَنْتَهز الفرص، والأمل فيما بعد مَع الْقُدْرَة الآن - تقصير وحمق (فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ). أَعْمَلُوا كَأَنَّكُم ترون الموت مُجسماً أمَام أَعْيُنَكُم، وإنه لا يُمهلكُم إِلَّا بِمقدار مَا تَعْمَلُون وتَتَزُودُونَ لَآخِر تكُم (وَلَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ) لأنّه يَأْتِيكُم عَلَى غَفْلَة.)
## الخطبة - 197 -### مُؤَاسَاة عَليُّ لِلنَّبِيِّ :وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ، وَلا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ. وَ لَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ، وَ تَتَأَخَّرُ فِيهَا الْأَقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا.)وَ لَقَدْ قُبضَ رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي. وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي. وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وَ الْمَلَائِكَةُ أَعْوَانِي، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِيَةُ : مَلَأُ يَهْبِطُ، وَ مَلَأٌ يَعْرُجُ، وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ. فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَ مَيِّتاً ؟ فَأَنْفُذُوا. عَلَى بَصَائِرِكُمْ، وَلْتَصْدُقَ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ. فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ، وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَ أَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ !)اللُّغة:الْمُسْتَحْفَظُونَ: مُستَودِعُو الأَمَانَة. ووَاسَيْتُهُ وَآسَيْتَهُ بِمَعْنَى وَاحد أي عَاوَنتَهُ
والنَّجْدَة : الشَّجَاعَة. وأَفْنِيَةُ : جمع فِناء - بكسر الفاء - مَا اتَسَع أمام الدار أي سَاحته. والهَيْئَمَة : الصَّوْت الخَفِي المَزَلَّة : مُوضع الزَّلل.الإعراب:نَجْدَةً نُصب عَلَى الْمَصْدَريَة أي نَجْدَةً، فَمَنْ ذَا «مَنْ أَسْتفهام فِيهِ مَعْنَى الإِنْكَار ومحلها الرفع بِالابْتِدَاء، وذَا مُبْتَدَأَ ثَانٍ وأَحَقُّ خَبرَه، والجملة خبر الأَوَّل، ويَجُوز أنْ تَكُون «مَنْ ذَا» كَلِمَة واحدة بِمَعْنَى أي إنسان، وتَكُون كَلِمَة أَحَقُّ خَبَراً لَمَنْ ذَا، وحيّاً حَالَ مِن الضَّمِيرِ فِي «بة».الْمَعْنَى:(وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ). هُم عُلَماء الصَّحَابَة الَّذِين أَمَرَهُم الله تَعَالَى أنْ يَحفَظُوا شَرِيعَتَه، ويُبلغُوهَا لِلتَّابِعِين كما سَمعُوها مِن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بلا تحريف، وتزييف. ويَسْتَشهد الإِمَام بهَؤُلاء الحَفَظَة على أنه كان أطوع لرَّسُول الله مِن بَنَانَه، وإنَّه مَا رَدٌ ولا تردد فِي شَيْء مِنْ أَمْرِه حَتَّى كأَنها نَفْسٌ وَاحدة. وَلَيْسَ الْإِمَام بحاجة إلى الشهادة والشَّاهِد بَعد أنْ شَهِد الْحَاكِم نَفْسَه، وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لِعَلى بَصَرَاحَة : «أَنْتَ مِنى، وأنَا مِنْكَ» (1).
1) نقل هَذَا الحديث صاحب كِتَاب الفضائل الخمْسَة مِن الصّحاح الستة، نَقَله عَن صَحِيح البخاري بَاب الصلح طَبعَة مِصْر سَنة 1320 هـ وعن صحيح الترمذي: 229/2 طَبعَة بولاق سَنَة 1292 هـ، وعن مُسْنَد أحمد : 108/1 طبعة مِصْر سَنَة 1313هـ. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أنظر كتاب الآل لابن خالويه : ورق 116 مخطوط، تفسير القُرطبي : 215/15، صحيح ابن حبان : 229/11 ح 4873، المستدرك على الصَّحِيحِين : 130/3 ح 4614، الأَحَادِيث المختارة: 392/2ح 778، مجمع الزوائد : 258/9، سُنن البيهقي الْكُبْرَى : 5/8 و 6 و : 226/10، مسند البزار : 2/ 316 ح 744 مُسْنَد أحمد: 115/1 ح 931، شعب الايمان : 284/4، كشف الخفاء : 237/1 ح 619، البحار : 267/39، وزاد فيه : وقد جعلك الله أهلاً لذلك. فأنتَ مِني وأنا منك ولا نبي بَعدِي نور الأَبْصَار : 72 الحديث بلفظه وبعينه، و : 74ط القاهرة بمصر، فَضَائِلِ الخَمْسَة من الصحاح الستة : 211/2، أرجح المطالب : 514 طَبْعَة لاهور.
(وَ لَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ... إلخ. «إنّ عَلِيَّاً لما قَتِل أَصْحَاب الْأَلْوِيَة يَوْم أَحد قَال جِبْرِيل : يَا رَسُول الله : «إِنَّ هَذِهِ لَهِي المواساة. فقال النّبيّ : إِنْ عَلِيَّاً مِنّي وأنَا مِنْهُ فَقَال جِبْرِيل : وأنا مِنكُما يَا رَسُول الله» (1). وتَقَدَّم الكلام في هَذَا المَوْضُوع بالتفصيل (2).)
1) أنظر في كِتاب الرياض النضرة عَن الإمام أحمد، والطَّبَرِي، والمتق: 172/2، الطبعة الأولى بمطبعة الإتحاد المصري. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أنظر، الرياض النضرة : 186/2 ح 661، فَضَائِلِ الصَّحَابَة لأحمد بن حنبل : 605/2 ح 1030، المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 119/3 ح 4579، موارد الظمآن 543/1 ح 2203، سن الترمذي: 5 / 632 ح 3712 مجمع الزوائد : 128/9، المعجم الكبير : 162/6 ح 6085، مُسْنَد أحمد: 437/4 مُسْنَد الطَّيَّالسي: 111/1 ح 829، فيض القدير : 357/4، الإصابة : 569/4، نور الأبصار للشبلنجي : 79 أسد الغابة لابن الأثير : 20/4 روى بسنده عن سعيد بن المسيب، الرياض النضرة: 172/2 المرقاة لعلي بن سلطان : 568/5 عن أبي رافع... وساق الحديث - إلى أنْ قَالَ: - قَالَ جِبْرِيل: يَا رسول الله : إنّ هَذه هي المواساة... فَقَالَ جِبْرِيل: وأنا منكما يا رسول الله. كشف الْيَقِين في فَضَائِل أمير المُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ لابن المطهر الحلّي : 131.)أنظر، الْإِرْشَاد للشيخ المفيد : 91/1، وكشف الغمة للإربلي: 196/1، السيرة النبوية لابن هشام: 159/3، السيرة بهامش السيرة النبوية : 323/2:...ولسنا بصدد بَيَان كَلِمَة «مني» وما تحمل في طياتها من معانٍ كَثِيرة، ولكن تنقل بتصرف ما قاله أبن البطريق في العمدة : 206، والعلّامة البياضي في الصراط المُسْتَقِيم : 57/2، والشيخ المظفّر في دلائل الصدق : 422/2، والسَّيّد مُرتضى العسكري في معالم المدرستين: 1 / 164، وكشف الغمّة: 96/1، والمراجعات: 244.فأبن البطريق يقول: «مِنّي» من جنبي في التبليغ، والأداء، ووجوب فَرض الطاعة، فصار أستحقاق الإمامة له كاستحقاق النُّبُوَّة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وكَلِمَة «مني» لا تحتمل التأويل بقرينة أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال بَعدَها «وأنا مِنْهُ». وَقَالَ البياضي : وكَلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دليل ظاهر على أنه أحق بمقامه، إذ تخصيصه بهذا الْقَوْل دُونَ غَيْره من أُمّته دَليل فضيلته الموجب لاستحقاق رتبته.)أما الشيخ المظفّر فيقول : دَلالة الجميع عَلَى إِمَامَة عَلي ظَاهرة لأنّ جَعل كل من النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعضاً من الآخر ذليل على أتحادهما بالمزايا والفَضْل والإمامة.)أمّا السَّيِّد العسكري فيقول : إنّ لفظ «منّي» في أحَادِيثِ الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وخاصة «أنْتَ مني بمنزلة هارون من مُوسى» يُوضح المراد من أن هارون لما كان شَرِيكَ مُوسى في النُّبُوَّة ووزِيرَه فِي التَّبليغ، وكَانَ عَلي من خاتم الأنبياء بمنزلة هارون من موسى باستثناء النُّبُوَّة فيَبقَ لعَليّ الوزارة في التبليغ.
2) أنظر، في شرح الخُطْبَة : (192) فِقْرَة : النَّبِيِّ وَعَلَي (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
(وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي). ونُقِلَ «إِنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبضَ، وَرَأسَه فِي حِجْر عَلي» (1)
وفي رواية قالت عَائِشَة : مَات رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في بيتي ويُومي، وبَيْنَ سَحري ونحري، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر، ومعه سواك رطب فنظر إِلَيْهِ، فظننت أنّ له فِيهِ حَاجَة، قالت: فأخذته فمضغته، ونفضته، وطيبته، ثُمّ دَفعته إلَيْهِ فأستن كأحسن ما رأيته مُستناً قط، ثم ذهب يرفعه إلي فقط من يده فأخذت أدعو الله عزّ وجلّ بدعاء كَانَ بدعو به جبريل (عَلَيهِ السَّلَامُ). وكَانَ هو يدعو به إِذا مرض، فلم يدع به في مَرَضَه ذَلِكَ، فرفع بصره إلى السماء وَقَالَ: الرّفيق الأعلى يعني... وفاضت نَفْسَه. راجع مُسْنَد :أحمد : 48/6 و 121 و 200 و 274، صَحِيح البُخَارِيّ : 45/4 و 141/5، السنن الكبرى : 74/7، مجمع الزوائد: 36/9، الدر المنثور : 32/5. وَهَذَا لَيْس بغريب عَنْهَا.)ومن هنا يَتَبَيَّن لنا بطلان دعوى أبن خلدون وغَيْره بأنّ رَسُول الله مات ورَأْسه في حجرها «عَائِشَة»، تأريخ ابن خلدون : 466/2، بالإضافة إلى أنّها قالت - أي عَائِشَة - «مَا عَلَمنا بدفن رَسُول الله حَتَّى سَمعنا صوت المساحي من جوف اللَّيْل لَيْلَة الأربعاء»، ابن هشام : 344/4 تأريخ الطَّبَرِي: 453/2، ابن كثير : 270/5، أسد الغابة : 34/1، وقيل لَيْلَة الثلاثاء، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 78/2، تاريخ الخميس: 11/1، تاريخ الذهبي : 327/1، ولكن الصحيح هو الأول، مسند أحمد : 62/6 بلفظ في آخر ليلة الأربعاء وسمع بنو غُنيم صريف المساحي أيضاً وهم في بيوتهم وها هي أُم سلمة تقول: «والذي أحلف بهِ إِنْ كَانَ علي لأقرب الناس عهداً برَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ... ثم قالت : فأَكبَ عَلَيْهِ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وجَعل يشَاره ويُناجِيه ثُمَّ قُبِض رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من يومه ذلك، فكان على أقرب الناس عهداً به»، مُسْتَدرك الحاكم : 138/3.)وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: إن كعب الأخبار سأل عُمَرَ بن الخَطَّابِ : ما كَانَ آخر مَا تَكَلَّم بهِ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ عُمَرَ بن الخَطَّابِ : سَل عَلِيَّاً، فسأله كَعب، فقال عَلَي : أسندت رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِلَى صدري فوضَع رَأْسه عَلَى مَنكبي فقال : الصَّلاة، الصَّلاة، قال كعب الأخبار، كَذَلِكَ آخر عهد الأَنْبِيَاء، وبه أمروا، وعَلَيْهِ يُبعثون.)قَال كَعب : فمن غسله يا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ عُمَرَ بن الخَطَّابِ : سَل عَلِيَّاً، فسأله فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : «كنتُ أنا أُغسله». الطَّبَقَات الْكَبْرَى لابن سعد : 262/2، وقيل لابن عباس أرَأَيْت رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تُوفى ورأسه في أحدٍ ؟ قَال نَعم تُوفي وأنه لمسند إلى صدر عَلي، فقيل له : إنّ عُرْوَة يُحدث النَّاسِ عَن عَائِشَة إِنَّهَا قالت: تُوفي بين سحري ونحري فأنكر أبن عباس ذَلِكَ، قائلاً للسائل : أتعقل ؟ فوالله لنُوفِي رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنه لمسند إلى صدر عَلَيَّ، وهو الَّذِي غَسْله. وأخرج أحمد وأبو يعلى الموصى من حَدِيث أُم سلمة بإسناد رجاله ثقات أنها سمعت رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يُنادِي عَلِيَّاً في مَرضِ مَوْته، فلما وصل إِلَيْهِ أَكبَّ عَلى النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَجعل رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَسَّاره ويُناجيه، ثُمّ قُبِضَ من يُومه ذَلِكَ، وكَان أقرب النّاس بهِ عهداً»، مجمع الزوائد : 112/9، الطبراني في الكبير : 273/4، مُسنَد أحمد : 300/6. الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى: 263/2، وقد روى مَوْت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو في صدر عَلي كَثِير من أهل السُّنَّة، فلاحظ المصادر تأريخ دمشق ترجمة علي أن أبي طالب : 14/3 ح 1027 و 1028 مجمع الزوائد : 36/9 و 122، شرح النهج للمعتزلي : 571/2، ولمُحمّد عَبْدَه : 3/ 389 تاريخ المدينة للسمهودي : 23/1، کنز العمال: 179/7.)وأمّا عن طريق أَهْل البَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ فَهُوَ أكثر من أنْ يُحصى، ولَسْنَا بصدد مناقشة السَّيِّدة عَائِشَة، ومن أراد المزيد فعليه مُراجعة كتاب السَّيِّد العلامة مُرتضى العسكري في أحَادِيث عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ كتاب المراجعات للسّيد عبد الحسين شرف الدين (قدّس سِرُّه).
.)1) أنظر، الفضائل الخمْسَة من الصحاح السنة، الطَّبَقات الْكَبْرَى : 2 ق 51/2، طبعة ليدن سنّة 1322 هـ. مجمع الزوائد : 2931، طَبْعَة سَنَة 1352 هـ، النَّاشر مكتبة المقدسي. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).) أنظر، العلل المتناهية : 221/1، الطَّبقات الكبرى: 263/2، ميزان الإعتدال : 174/4، سير أعلام النبلاء : 24/8، مُسند أحمد : 356/1 ح 3355، مُعتصر المختصر : 76/1، شرح معاني الآثار : 405/1، شنن ابن ماجه : 391/1 و 519، الأحاديث المختارة : 496/9 ح 483 وص: 498 ح 484، شرح الْأَخْبَار: 147/1 ح 85، مناقب آل 85 مناقب آل أبي طالب : 203/1، مناقب الخوارزمي : 68 ح 41 عن أبن 72 مردويه، الرياض النضرة : 180/2، ذَخَايْر الْعُقبى : 72. كفاية الطالب : 133، تأريخ مدينة دمشق : 393/42 ينابيع المودة : 163/2، جواهر المطالب في مناقب علي: 175/1، صحيح البخاري : 186/3، ح 2590 وح 4190، كتاب الوصايا، باب 1، صحيح مُسلم : 75/5. باب 5، ح 636 من كتاب الوَصِيَّة، سُنن النسائي : 241/6 كتاب الوَصِيَّة، السنن الْكُبْرَى : 99/1. البداية والنهاية : 271/5.
(وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي. الْمُرَاد بِنَفْسه دَمه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)والنَّفْس فِي اللُّغة تُطلق عَلَى الدَّم، يُقَال : دَفق نَفْسَه أَي دَمه. وَقَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : «روي أنّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فِي مَرَضَه دَماً يَسِيراً، فَتَلقَ قِيأه - دَمَه - أمير الْمُؤْمِنِينَ فِي يَدَه، ومَسَح بهِ وَجْهه» (1). (وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وَ الْمَلائِكَةُ أَعْرَانِي) روى ذَلِكَ كَثِير مِن أَهْل السِّير، والتَّارِيخ (2).
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغَة : 172/2 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 183/10.
2) أنظر الإمام أبن حنبل في مُسْنَده، وأبو نَعِيم في حليته، وأبن سعد في طبقاته، الفضائل الخمسة من الصحاح الستة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)غَسَلَهُ الْعَبَّاسِ والإِمَام عَليّ، والفضل بن الْعَبَّاس، وصالح مَوْلاً.أنظر،. سيرة النبي وأَيَّامه : 525/2 السيرة النبوية لمحمّد بن محمد أبو شهبة : 598/2.وفي رواية أسامه ب أسامه بن زيد. بن زيد، وقتم بن الْعَبَّاس. وناداهم أوس ناشدتك الله إلا ما أعطيتَنِي حَظَاً مِن رَسُولِ الله فأحضره، ولم يُباشر شَيْئَاً من أمره، وأسنده علي (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى صَدّره، وعَليهِ قَميصُهُ، وَكَانَ الْعَبَّاس، والْفَضْل، وقُثم يقلبونَهُ مَع عَليّ، وأسامة، وصالح يَصُبّان الماء. أنظر الاِسْتِيعاب : 161/2، الإصابة : 150/2، أسد الغابة : 1/3، سيرة النبي وأَيَّامه: 2/ 526 و 527 عُيُون الأثر : 2/ 433 البيهقي في الدلائل : 253/21، مغازي الواقدي: 1120/3 تلخيص الخبير : 116/5، مُسْنَد أحمد: 260/1، البداية والنهاية : 281/5 السيرة النبوية لابن هشام: 518/4، شبل، الهدى والرشاد : 324/13.)وقِيلَ : كَانَ الْعَبَّاس بالبَابِ ولَم ير منه ما يُرى من الأموات، وغُسل بالماء، والسّدر، وأدرج في ثلاثة أثواب، ثوبين أبيضين، وخبرة، وقيل: لم يُعيّنوا مدفنه فقال أبو بكر سمعته يقول : مَا يُقبر نبي إلا حيث يموت فحفروا تحت فراشه ونزل معه القبر عَليّ، والْعَبَّاس والْفَضْل، وشقران. كما جاء في سيرة النبي لابن هشام 1076/4، سُنن ابن ماجه: 521/1، عون المعبود: 22/6 مُسْنَد ابن راهويه : 7393 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 39/13، الجامع الصغير : 505/2 ح 7977، کنز العمال: 229/7 ح 18745، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 593/5، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 292/2، أسد الغابة : 34/1 سُبل الهدى والرشاد : 334/12، وفيها لفظ : «مَا قُبض نَبِيّ إِلَّا دُفن حَيْث يُقبض». كما جاء في سيرة النبي وأَيَّامه : 526/2 و 527، عُيُون الأثر : 432/2.وقيل : أسامه، وعبدالرحمن بن عوف، وأوس بن خولى، أنظر، الإستيعاب : 48/1، الإصابة : 95/1. أسد الغابة : 170/1.وقيل : عَقِيل بن أبي طالب وقثم، وألقی المغيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ خَاتَمهُ ثُم نزل فأخذه، وكان أخر النَّاسِ عهداً. أنظر، البحر الرائق: 339/2، المبسوط للسرخسي : 74/2، تذكرة الفقهاء: 103/2، المجموع : 30/5، المغني : 415/2، المهذب الشيرازي: 145/1.وقيل : إنّ عَلِيَّاً أعطاه الخاتم، ولم يُمكنه من النزول. أنظر، سيرة النَّبي وأيَّامه : 525/2 السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 598/2.والصحيحُ أنّ عَلِيَّاً حلّ عند رأسه وقتل،وَجْهَهُ، وَقَالَ السّلام: «عَلَيْكَ بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي يَا حَبِيب الله طبّت حياً، وميّناً، ولقد أنقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة، والأنباء، وأخبار السّماء خصصت حتى صرت مُسلِياً عَن غَيْرك، وعممت حَتَّى صَار النَّاسُ فِيك سواء، والله إنَّ الجزع ليقبح إِلَّا عَلَيْكَ. وإنّ الصّبرَ ليحسنُ إِلا عَنك ولَوْلا أمرُك بالصبر، ونهيك عن الجزع لأنفدنا عَلَيْكَ ماء الجنون، ولكان الداء مخامراً. والحمد مُخالفاً، ولكنه ما لا يستطاع ردّه، ولا يملك دفعه فأذكرنا عند ربك، وأحطنا من بالك، والسلام عَلَيْكَ، رَحمة الله وبركاته»، وَقَالَ عند خروجه:ما غاضَ دَمعِي عِند نازلة*** إلا جعلتك للبكا سبيافإذا ذكرتك سامحتك به ***مني الجفون فغَاضَ وأنسكباأنظر، سيرة النّبي وأيَّامه 525/2، السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 598/2، نهج البلاغة : 228/2، مع إختلاف : يسير، نهج السعادة : 38/1، الأمالي للشيخ المفيد : 103، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 24/13 نهج البلاغة لمحمّد عَبْدَه : 255/2، مناقب آل أبي طالب : 207/1، تأريخ مدينة دمشق لابن عساکر : 283/54، دستور معالم الحكم لابن سلامة : 199.
(وَ الْمَلائِكَةُ أَعْوَانِي، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِيَةُ : مَلَأُ يَهْبِطُ، وَمَلَأ يَعْرُجُ. قَال أبن أبي الحديد : «أما حَدِيث الهَيْنَمَةٌ وسماع الصَّوْتِ فَقَد رواه خَلقُ كَثِير مِن المحدثين» (1). وَقَالَ الغزالي: «إنّ الملائِكَة بأجمعها دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بَعد مُوتَهُ وصلت عَلَيْهِ» (2).)(فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَ مَيِّتاً ؟. نَشَأ الإمام في حجر النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكفاه الكَثِير مِن أُموره قبل البعثة، وبعد نزول الوحي كان أوّل مَن آمن بِمُحمَد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وصَلَّى مَعَه من الذكور، وأوّل من فداه بنفسه (3)، وضَرَب بَيْنَ يَدِيه بالسَّيْف، وهُو فِي مُقتَبل الْعُمُر، وقتل أبْطَال الشّرك، والضَّلال، وفَرج هموم النَّبيِّ، ووَاسَاه بِنَفْسَه في كلّ مَوْطِن، وكان له شرف خِدمَته، وتمريضه ومُلازمته عِند الاختصار، ثُمَّ شَرف غُسْلَه وتَجهيزه، وغَيْرِه مِن الصَّحَابَة فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعدة يَتصَارعُونَ عَلَى الْخِلَافَة)
1) أنظر، شرح النهج : 183/10.
2) أنظر، إحياء علوم الدين. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، إحياء علوم الدين : 254/1 تاريخ الطَّبَرِي: 435/2 و : 192/3، الكَامِل في التاريخ : 320/2، الكافي: 451/1 ح 38، المناقب لابن شهر آشوب : 239/1، ربيع الأبرار: 4 / 197 المُعجم الْكَبِير : 64/3 ح 2676، حلية الأولياء : 78/4 الدُّعاء للطبراني : 366/1، مجمع الزوائد : 24/9.
3) أنظر، شَرح الخُطْبَة : (192). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
وسُلطان محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ (1)... وكان الإمام يعلمه، وأخلاقه أمتداد لشخصية النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
1) سبق وأنْ أشرنَا إلى أنّ الشيخين تَرَكا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مسجى كما هو، وأغلقوا الباب دونه وأسرعوا إلى السَّقِيفَة، وكَانَتْ الأَنْصَار قد سبقتهم إليها للمذاكرة في الإمارة والخِلَافَة، وتبعهُم جَمَاعَة من المُهَاجِرِين، ولَمْ يُبقَ حَوْلَ رَسُول الله إلا أقاربه الذين غسلوه وكَفَنُوه ودَفْنُوه.... ولذَا قَال عُمَرَ بن الخطاب: «كَان من خبرنا حين توفى الله نَبيه، أن الأنصار اجتمعُوا في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا على، والزُّبَيْرِ، ومن معهما، فقلتُ لأبي بَكْر : إنطلق بنا إلى إخواننا الأنضار. فأنطلقنا حَتَّى أتيناهُم، فإذا رجل مُزمل فقَالُوا: هَذَا سعد بن عبادة،يُوعك، فلما جلسنا قَلِيلاً، تشهد خَطيبهم فأثنى على الله، ثُمَّ قَال : أما بعد. فَنحن أنصار الله وكتيبة الإِسْلام وأَنْتُمْ مَعشر المهاجرين رهط... فأردتُ أنْ أتَكلَّم، فقال أبو بكر : على رسلك. فَتَكَلَّم هو والله ما ترك من كَلِمَة أعجبتني في تَزويري إلا قال في بديهته مثلها... وقد رضيت لكُم أَحد هَذِينَ الرَّجُلِين فبَايِعُوا أَنهُما شِئْتُم، فأَخَذ بيدِي، وبيد أبي عُبَيْدَة أبن الجراح... فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير... فكثر اللغط، وأرتفعت الأصوات حَتَّى تخوفتُ من الإِخْتِلاف فقلتُ: أبسط يدك يا أبا بكر. فَبسط يده فبايعته وبايعه المُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايعه الأَنْصَار...».)أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 120/4، كتاب الحدود باب رجم الحُبلى من الزنا، الطَّبَقات الكبرى: 263/2، كنز العمال: 56/4 و 60، العقد الفريد : 61/3.وفي رواية الطبري أيضاً قريب من هَذَا اللفظ : «أجتمعت الأَنْصَار... وتركوا جنازة الرَّسُول يُغسله أهْله، فقَالُوا: تُولي هَذَا الأمر بَعد مُحمد سعد بن عبادة، وأخرجُوا سَعداً إِلَيْهِمْ وهُو مَريض، ثم إنهم ترادوا الكلام بَيْنَهُمْ، فقَالُوا فإنْ أبَت مُهاجرة قُرَيْش فقَالُوا... فقالت طَائِفَة منهم : فإنّا نقول أذاً مِنّا أمير ومِنكُم أمير. فقال سعد بن عبادة، هذا أوّل الوهن... فقام الحباب بعد أنْ خَطب أبو بكر، قال : يا معشر الأنصار أملكُوا عَلَيْكُم أمركُم... فَقَالَ عُمَرَ بن الخطاب هيهات لا يجتمع أثنان في قرن... والله لا ترضى الْعَرَب أنْ يُؤمرُوكُم ونَبِّيها من غَيْركم... مَن ذَا يُنازعنا سُلطان مُحمّد وإمارته، ونَحْنُ أَولياؤه وعشيرته إلا مدل يباطل، أو متجانف لإثم أو متورط في هَلكة. فقام الحباب، وكزر كلامه السابق... فَقَالَ عُمَرَ أبن الخَطَّاب : إِذَنْ يقتلك الله. قَال : بل إِيَّاك يقتل... فأقبل النّاس يُبايِعُون أبا بكر... فقال أُناس من أَصْحَاب سعد بن عبادة : أتقوا سعداً لا تطؤوه... فقال عُمَرَ: أقتلوه قتله الله... ثُمَّ قَام عَلَى رَأسه فقال : لقد قسمت أن أطأك حَتَّى تَندر عُضوك، فأخذ قَيْس بن سعد بلحبة عُمر بن الخطاب فقال : والله لو خصصت مِنْهُ شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة... فَقَالَ أبو بَكْر : مهلاً يَاعُمَرَ الرَّفْق هَا هُنا أَبْلَعَ... فأعرض عنهُ عُمَرَ... وَقَالَ الجوهري : «إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُحتجزاً يُهرول بَيْنَ يدِي أبي بَكْر، ويقول : ألا إِنَّ النّاس قد بايعوا أبا بكر...» وأندحر سعد ومُرشحوه، وبَقِي عَلي وجماعته.أنظر، تأريخ الطبري : 201/2 و 256 حوادث سنة 11هـ، و : 3/ 208. أبن الأثير : 125/3، تأريخ الخلفاء لابْن قُتَيْبَة : 5/18 تأريخ اليعقوبي : 103/2. سيرة ابن هشام : 336/4 شرح النهج : 3/2 و : 1/ 133، العقد الفريد : 258/2.وبعد كلّ هَذَا نُلفت أنظار أَصْحَاب الضّمائر الحية، والأقلام الحرّة، والمنصفة، ونَرجُوهم أنْ يحذروا مِن بَعْض الأقلام : لأَنَّهَا مَأجورة لاتُريد الحق، بل تُريد الْفِتْنَة.
وبهذا الاِمْتدَاد الحمّدِي، وهَذِه الرّوح النَّبَوِيَّة «حافظ على حيوية الحماسة الأصلية في نفوس شطر مِن الْمُؤْمِنِينَ» عَلَى حَدَ مَا قَال الفَيْلَفُوس الإنجليزي الشهير «برتراند راسل» : «ألا تنطق هذه الخلال، والكَثِير مِن أمثالها بأنّ الإِمَام أَوْلَى النَّاسِ بِحُبِّ النَّبِيِّ حَيّاً، وبخلافته ومَيِّتاً ؟» (1.)(فَأَنْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ يُخاطب الْإِمَام بِهَذَا أَصْحَابِهِ ويَقُول لهم : أمضُوا إِلَى قِتال عدوكم، فأَنْتُمْ عَلَى بَصِيرة مِن أَمْرَكُمم، ومَا عَلَيْكُم إلا الصدق في النِّيَّة، والثَّبَات عَلَى عَزمِ الْجِهَاد (فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ) إِنَّ الْجِهَادَ مَعَ الْإِمَام كالجهاد مع رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإنّ الجهاد مع النَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ، والمارقين كالجهاد مَع أبي سُفْيَانَ فِي بَدْر، وأحد، والأَحْزَاب، قال المُسْتَشرق الألماني «فلهوزن»: (إنّ رِجَالاً أقْتَحمُوا المَوْت مِن أجل عَلى هُم أقوى دَلِيل عَلى أنّه الحَقِّ، ونذكر مِنهُم عَبد الله بن بديل(2)، وهاشم بن عُتْبَة (3)، وخصوصاً عَمَّار يَاسر الصَّحَابِي المُسن الَّذِي قَال)
1) أنظر، كتابه السُّطان: 65، تَرجَمَة خَيري حماد - الطَّبعَة الأُولَى - آذار سنة 1962م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) هو عبد الله بن بديل أبن الورقاء الخزاعي، أسْلَم مَع أبيه يوم الفتح، أو قبله، وكَانَا سِيدِي خَزَاعة، وعَيبَة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وشهد عبد الله حنيناً، والطائف، وتبوك، وكَان رَفِيعِ الْقَدَر، والطَّائف، وتبوك، وكان رفيع الْقَدَر، ورَفِيعَ الشَّأن أرسله النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع أخويه عبد الرحمن ومُحمّد إلى اليمن ليفقهوا أهلها ويُعلموهم الدين وكان عبد الله من أصفياء أمير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن خلص أَصْحَابه شهد معه الجَمَل وصفين وأيلى فيها بلاءً حَسناً إلى أنْ اسْتُشْهِدَ بِصفّين. روى نَصر عن عُمَرَ بن سعد عن عبد الرحمن بن كعب قَال لما قتل عبد الله بن بُدَيْل يُوم صفّين مَريهِ الأسود بن طهمان الخزاعي، وهو بآخر رمق فقال له : عَزّ عَليّ والله مصرعك أما والله لو شهدتك لأسيتك ولدافعت عنك ولو رأيت الذي أشعرك لأحببت أن لا أزايله ولا يُزايلني حَتَّى أقتله أو يلحقني بك، ثُمَّ نَزِلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : رحمك الله يا عبد الله إنْ كَانَ جَارك ليأمن بواقيك، وإنْ كُنت لمن الذاكرين الله كَثِيراً. أوصنى رحمك الله قال : أوصيك بتقوى الله، وأن تناصح أمير المؤْمِنِينَ وتُقاتل معهُ حَتَّى يظهر الحق، أو تلحق بالله، وأبلغ أمير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَنّي السّلام، وقُل له قاتل على المعركة حَتَّى تجعلها خَلف ظهرك فإنَّه من أَصْبَحَ والمعركة خَلف ظهره كَانَ الغَالب، ثُمّ لم يلبث أنْ مَات. وأقبل أبو الأسود إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخبره، فَقَالَ : رحمه الله جاهد معنا عدوّنا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة.)أنظر، معجم رجال الحديث : 126/11 رقم (6732، الطَّبَقَات الْكُبْرَى : 294/4، تَارِيخ خَلِيفَة بن خياط : 146، التَّاريخ الكبير للبخاري : 275/1، الأَخْبَار الطوال للدينوري: 171، النّقات لابن حبان : 1391/12، الجرح والتعديل للرازي : 14/5.
3) هُو هَاشم بن عُتْبَة بن أبي وقاص الزهري، الملقب بالمرْقَالَ وَكَانَ مَعَ عَلَيَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُومٍ صِفِّين، ومن أَسْجَع النّاس، وكان أعوّر، وهو القائل:)أَعْوَرُ يُبْغِي أَهْلَه مَحلاً ***قَد عَالج الْحَيَاةِ حَتَّى مَلَالا بُدّ أنْ يَغُلّ أو يُغَلاوقيل هكذا ترتيب الأثبات كما ورد في مروج الذهب : 22/2، والطَّبَرِي : 22/6.قَد أَكْثروا لومي وما أقلا ***إنِّي شَرَيْتُ النَّفْسَ لَن أعتلاأَعْوَرُ يُبغِي نَفْسَه محلاً ***لا بد أنْ يَغُلُّ أو بُغَلّاقد عالج الحَيَاةِ حَتَّى مَلًا أشدُّهُم بِذِي الكعوب شَلَّاوفي الطَّبَرِيّ : 24/6: يَتْلهم بذِي الكُعوبِ تَلا.فَقَتل من الْقَوْم تسعة نَفَر أو عَشرة وحمل عَلَيْهِ الحارث بن المنذر التنوخي فَطَعَنه فَسَقط (رَحمهُ اللّه، وقد زناه الإِمَام عَلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال كما ذكر نَصر بن مزاحم في وَقْعَة صِفِّين : 356.)جَزَى الله خيراً عُصبةً أسْلِمِيةصِبَاحَ الْوُجُوهِ صَرَّعوا حَوْلَ هَاشمولكن ما أنْ سَقط هاشم (رَحمهُ اللّه فأخذ رايته ابنه عبد الله بن هاشم وخَطب خطبةٌ عَظِيمَة وَقَالَ فيها : إن هَاشماً كَان عَبداً من عباد الله الذين قدّر أرزاقهم وكتب آثارهُم وأحصنى أعمالهم وقضى آجَالهُم، فدعاه رَبِّه الذي لا يُعصى فأجابه... ولهاشم المرقال مواقف كثيرة ذكرها أين نَصر في وَقْعَة صِفِّين : 92 و 154 و 193 و 205 و 208 و 214 و 258 و 326 و 328 و 335 و 340 و 346 و 348 و 353 و 359 و 384 و 401 405 و 426 و 428 و 431 و 455. وأنظر ترجمته فى أسد الغابة : 49/5، والمُسْتَدرك : 396/3، وتأريخ الطَّبَرِيّ : 44/5، الإصابة : 593/3، الإستيعاب بهامش الأصَابَة : 616/3، وتأريخ الخطيب البغدادي: 196/1.
النَّبى فِيهِ : «سَتَقْتُلُه الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (1. وَقَالَ ابن الجوزي: (لا يختلف الْعُلَماء أنّ عَلِيَّاً)
1) انظر، كِتابه «تأريخ الدول العربية»: 76 طبعة سنة 1958 م. وأنظر، شرح الْخُطْبَة : (173) فِقْرَة : من هو الخليفة ؟. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : كتاب الصَّلاة، بَاب التَّعاون في بناء المساجد و : 1/ 122، صحیح مُسلم : 2235/4، صحيح الترمذي : 669/5، مُسند أحمد: 161/2 و 164، و : 197/4، و : 289/6، مسند أبي داود الطيالسي : 10/3. حلية الأَوْلِيَاء : 112/4، تاریخ بغداد: 186/13، و : 315/5، و : 7 / 414، 112/4، طبقات ابن سعد : 177/3، الطرائف لابن طاووس: 103/1، الطَّبَقَات لابن سعد : 359/3، أَنْسَاب ال الأشراف: 170/1، الاِسْتِيعاب : 1/ 157، مُسند أحمد : 214/5، تأريخ الطَّبَرِي : 316/3. الموضح للخطيب : 1/ 277.وأنظر، ترجمة عمار بن ياسر في مروج الذهب : 21/2 و 22، أنساب الأشراف: 48/5 - 88 و : 2 / 314 وما بعدها تحقيق المحمودي طبعة الأعلمي بيروت مُسْنَد أحمد: 99/1 و 133 و 135 و 130 و 137 و 404. و : 2 / 161 و 164 و 206، و : 5/3، و : 22 و 28 و 90، و : 76/4 و 89 و 90 و 197 : و 198 و 319، و : 214/5، و 306، و : 289/6، و 300 و 311 و 315 و 450، وصَحِيح البخاري : 198 الجهاد ب 17، سُنن ابن ماجه ب 11 من المقدّمة، وسُنن الترمذي: ب 33 من كتاب المناقب، ومُسْنَد الطَّيَّالسي : 117 و 603 : 117 و 603 و 643 و 649 و 1156 و 1598 و 2168 و 2202، والاستيعاب : 469/2 حرف الْعَيْن الْإِصَابَة : 5/2 خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 132 طَبعة الحيدرية، حلية الأَوْلِيَاء : 172/4 و 361، و: 197/7 و 198، ومجمع الزوائد : 240/7 و 242، و 244 و 295/9، تأريخ الطَّبَرِي : 39/5 : وأنظر ترجمته أيضاً في أسد الغابة : 2 / 114 و 143 و 217، و : 46/4، الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة لابن قُتَيْبَة : 1/ 117، تأريخ اليعقوبي : 2 / 164 طَبْعَة الغري، وقعَة صِفِّين: 341 و 343، العقد الفريد : 341/4 و 343، المناقب للخوارزمي : 57 و 123 و 124 و 159 و 160، الكَامِل في التاريخ: 310/3 و 311، الاستيعاب بهامش الإصابة : 436/2 طَبْعَة السعادة فرائد السمطين: 114/1 و 120 و 287، المعجم الصغير للطبراني : 187/1.وراجع أيضاً شرح النهج لابن أبي الح النهج لابن أبي الحَدِيد : 10/8 و 17 و 19 و 24، و : 177/15 طَبْعَة مصر تحقیق مُحَمَّد أبو الفضل : 274/2 الطبعة الأولى مصر، سيرة ابن هشام : 102/2، نور الأَبْصَار : 17 و 89 طَبْعَة السعيدية بمضر كفاية الطالب : 172 - 175 طبعة الحيدرية، و 71 و 73 طَبَعَة الغري، تذكرة الخواص : 93 و 94، ينابيع المودة : 128 و 129 طَبْعَة اسلامبول، و : 151 و 152 طبعة الحيدرية. و: 128/1 و 129 طَبْعَة العرفان، وأَحْكَام الْقُرْآن لابن عربي : 1705/4 الطبعة الثانية تحقيق البجاوي. وكَانَ عَمَّار مع على فِي حَرْب الجُمَل، وصِفِّين، وقتل بصفين مساء الخميس 9 صفر سنة (37 هـ وله من العُمر 3 سنة.
لَم يُقاتل أحَداً إِلَّا والحَقِّ مَعَه لقُول النَّبِيِّ: «أَللَّهُمَّ أَدِرْ مَعَه الحَقِّ كيفها دَار» (1).وبعد، فقد شرحتُ كَلمات هَذِهِ الخُطْبَة بما جاء في كتب النّقات مِن أَهْل السُّنّة، لأن العِلم يَستمد قُوَّتِه - فِي مَوْضُوعنا - مِن فَلسَفَة الَّذِي يُخاطبه، لا مِن عَقِيدَة المتكلم وكفى. وأنا أكتب لكلِّ رَاغب أيّاً كَان دِينه ومَذْهَبه. وقد شرح صاحب «مِنْهَاج البَرَاعة في شرح نهج البلاغة» - هَذِهِ الخُطْبَة بِسْتِين صَفحَة مَلأها
1) أنظر، صيد الخاطر: 385، طبعة دار الفكر دمشق. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أنظر، مَجْمَع الزوائد : 235/7 تأريخ بغداد : 320/14 ح 7642، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 78/1، فرائد، السمطين : 1/ 177، المناقب لابن المغازلي : 117 و 244، والمستدرك: 19/3 و 124، التَّفْسِير الكبير الأخبار المغربي: 525/2، سنن الترمذي : باب مناقب علي، ح 3714، جامع للرازي: 201/1. شرح التّرمِذي : 213/2، کنز العمال: 157/6. الصَّوَاعِقِ المحرقة : 124 ينابيع المودة : 90، المطالب العالية : 66/4، المحصول للرازي : 134/6، وفي بَعْض المصادر بلفظ : «رحم الله عَلِيّاً أبر الحق معه حيث دار». أنظر أيضاً، المعجم الأوسط: 95/6 5906، تُحفة الأحوذي: 149/10، فيض القدير : 19/4، تهذيب الكمال : 402/10 ح 2256، الرياض النضرة : 243/1 ح 87.
برُوايات من البحار، والصَّافي، وزهر الربيع، والكافي، ولا أدرِي هَل يَجد قَارِئاً لهَا ؟ والقارىء الشيعي لا يحتاج هذا الإسراف، ولا يهتم إلَّا بِفَهم المعنى المُرَاد، وغَيْر الشيعى لا يُقنع إلَّا بِمنْطقِهِ، وفَلسَفتَهِ.
## الخطبة - 198 -### التَّقْوَى دَوَاءٌ... فِقْرَة 1 - 3:يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ، وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ، وَاخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ، وَ تَلاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللهِ، وَ سَفِيرُ وَحْيِهِ، وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ.أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَبْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ، وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ (1. فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءٌ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ، وَ شِفَاءٌ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ، وَ صَلاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ، وَجِلَاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وَ أَمْنُ فَزَعِ جَاشِكُمْ، وَ ضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ، فَأَجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ، وَ دَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ، وَ لَطِيفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُمْ، وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ، وَ مَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ، وَ شَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ، وَ جُنَّةً لِيَوْمٍ فَزَعِكُمْ، وَ مَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ، وَسَكَنَا لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ، وَنَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ (2). فَإِنَّ طَاعَةَ الله حِرْزُ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَيْفَةٍ، وَمَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ، وَأُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ، فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَىٰ)
عَرَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوّهَا، وَأَحْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا، وَانْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا، وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا، وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا، وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا، وَتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا، وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا.فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ، وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ، وَ أَمْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ فَعَبدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ، وَأَخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقٌّ طَاعَتِهِ (3.)اللُّغة:العَجِيجَ : رَفع الصَّوْت. والنِّينَانِ : جمع نُون أي الحوت. والْغَامِرَاتِ : المياه تغمر الأَشْيَاء وتُغطيها. والتَّجِيبُ : المُختار. وَالسَّفِيرُ : الرَّسُول يُمثل مَن أَرْسَله والمَفْزَع الملجأ. وجَأْش قَلْبَه : أَضْطَرَب مِن حُزنٍ، أو خَوْفٍ. والشِّعَار : الثوب الداخلي يُلصق بالبدن. والدِّثار فوق الشِّعَار. والدِّرَك : اللحاق والإدراك. والجُنَّة - بِضَم الجيم - الوقاية. وَالأَوَارِ : حرَارَة النَّارِ عَزَبَتْ : غَابَت. والْإِنْصَابِ : الْإِتْعَاب. وتحدَّبَتْ : عَطَفت. ونَضَب الماء : غَار. والرذاذ والإِرْذَاذَ : مَطَر خَفِيف.الإعراب:وإِلَيْهِ خَبَر مُقدَم لِيَكُونُ مَعَادُكُمْ، وَبِهِ نَجَاحُ أَي وَيَكُون بِهِ نَجَاحُ، ومثله مَا بَعدَه، وَدَخِيلا ومَا بَعدَه من المَنصُوبَات عَطف عَلى «شِعَارَاً» وَأَوَارِ عَطف عَلَى مَتَالِف، وعَبْدُوا فِعل أَمْر.
الْمَعْنَى:تَكَلَّمَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ فِي هَذِهِ الْخُطْبَة عَن التَّقْوَى، والنَّبيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والإِسْلام، والْقُرْآن، وهَذِه المَوْضُوعَات - كما ترى - مُتمَاثِلة مُتشابكة، فالحَدِيث عَن واحدٍ مِنْهَا حَدِيث عن الجميع بخاصة الْقُرْآن، والإِسْلام.. هَذَا، إِلى أَنَّ الْإِمَام تَكَلَّم عَن ذَلِكَ بِأُسلُوب خطابي لغرض الإقناع بإعداد النّفُوس، وإثارتها، وتشويقها. ومن شُرُوط الأُسلوب الخطابى الفصاحة، والتوكيد والتَّرديد، وضَرب الأَمْثَالَ مَع الحماسة وحُسن الأداء، والإيقاع، وكلّ مَا لَهُ صِلَة بالوصول إلى الغرض المطلوب، وهو تحريك الجماهير التى لا تعرف التَّعقُل، والتَّبصر. ومن البداهة أن مجال التَّفْسِير والتَّعليل هو القضايا العقلية، والفلسفية لا الخطابات الحماسية، ومن أجل هَذَا نكتفي من الكلام بما يشبه التَّعليق، كما فعل أبن أبي الحَدِيد عَلى خلاف عادته في شرح سائر الخطب.)(يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ، وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ. هَذَا تَعظِيم وتمجيد اللهِ تَعَالَى، لأنّ كلّ من آمن بالله يعلم بأنه خَبير عليم... وقد يكون الغرض النّهى عَن الخيانة فِي السِّر، لأنَّ الله يَعلَم مَا يُسرُون وما يُعلنون (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللهِ، وَسَفِيرُ وَحْيِهِ، وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ). أَمِينَ الله عَلَى وَحْيِهِ، وصَفِيَّهِ مِن خَلْقِهِ وقائد الخير، ومِفْتَاح البَرَكَة (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ) هُو سُبْحَانَهُ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدَه وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ إِلَيْهِ وَحدَه تُرفَع الْحَاجَات، وعِندَه نِيل الطَّلبَات (وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ) هُو المقصود بالرَّعْبَة دُونَ سواه (وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ). أَقْصِدُوا الله فِيهَا أَهْمَكُم (وَ إِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ) الجأوا إلَيْهِ، وَلَذُوا بِهِ (فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ) تَشفِيهَا مِن الآثام كالحقد.)
واللُّؤْم، والنِّفَاق.(وَ بَصَرُ عَسَى أَفْئِدَتِكُمْ. ويَتَفقِ هَذَا بِظَاهِرِهِ مَع قُول الصُّوفِية : إِن تَحرير النَّفس من قيود الجسم ومطالبه - طَرِيق لِلمَعرِفة.. ولكن مُراد الإمام أنّ الهَوَى يُعمي ويُصم عَن الْحَقِّ والواقع (وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ). لأنّ التَّقْوَى تُلزِم بِتعَالِيم الإِسْلام أيَّاً كَان نَوْعهَا، والإِسْلام ينهى عَن التَّحْمَة لِأَنَّهَا رَأس كلّ دَاء، ويَأمر بالحِمْيَّة لأنّها أصل كلّ دَوَاء (وَ صَلاحٌ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وَطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ ؛ وَ جِلَاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ) عَطف تَفْسِير عَلَى دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ (وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ). التَّقْوَىٰ أَمَانٌ مِن غَضَبِ اللهِ وَعَذَابه.)(وَ ضِيَاءٌ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ. التي ينظر إِلى نَفْسِهِ بِعِينَ الصِّدْق، والواقع لا بِعِين الغُرُور والجهل المركب، ويَلُوم نَفْسَه قَبل أنْ يَلُوم الآخرين، ويرى مِنْهُم أَحسَن الصفات، ومِن نَفْسَه أَصْغَر السَّيِّئَات، ويعترف بأخطائه، ويُحاول تَفَادِيها، ويَنسى ويَغْفر، ولا يهرب من الواقع بالمكر والخداع (فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ، وَ دَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ، وَ لَطِيفاً بَيْنَ أَضْلاعِكُمْ) الدِّثَارِ ظَاهر، والمُرَاد بِالشُّعَار، والدَّخيل، واللطيف بَيْنَ الأَضلاع - الخفي المستور، والمَعْنَى اجْعَلُوا طَاعَة الله في السَّرَائِر لاً في المظاهر، وفِي الْأَفْعَال لا فِي الأَقوال.)(وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ. أَصْدرُوا فِي أَفْعَالَكُم عَن طَاعَة الله ومَرِضَاته لا عَن المصالح، والمطالب الشَّخْصِيَة (وَ مَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ). طَاعَة الله هي المَنْهَل العَذب يَوْمِ الْقِيَامَة أَي تُؤَدِّي إِلَيْهِ (وَ شَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ). أَبَداً لا شفَاعَة عِند الله إلا التَّقْوَى، والطَّاعَة (1). (وَ جُنَّةً لِيَوْمٍ فَزَعِكُمْ) طَاعَة الله وقاية من عَذَابه يَوْم)
1) يقصد له، لا شفاعة لأحدٍ إلا بأذيه، وإلا إذَا كَانَ يَوْم الْقَضَاء، وأشتد الكرب، وهَال الأمر، وعظم الموقف، وتمنى الخلائق أن لو أنصرفوا من شدة هَذَا الهول، وجَلال الْقِيَامَة، وزلزلة الساعة، وفرع النّاس إِلى الأَنْبِيَاء والرُّسل، وأحالوهم بدورهم عَلى نَبِي الرَّحْمة، وشفيع الأمة، ومُغيث الخلائق، تجلت الرَّافة. وتدفقت الشَّفقة، وتحركت العواطف للأخذ بيد المتوسلين، وإنقاذ المستشفيين، والاستجابة للمستغيثين ولا عجب فإِنَّهُ كَعبة الْفَضْل، وقبلة الرَّجاء، وغاية الأمم، وتحط الآمال، فالتوجه، والاستغاثة والاستشفاع به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبغَيْره من الأَنْبِيَاء، والأَوْلِيَاء، والصَّالحين ليس له عِند المُسْلِمِينَ، وَفِي قُلُوبِهِمْ غَيْر ذَلِكَ المَعنى المشار إِلَيْهِ : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) الزُّمَرِ : 44، إنه لم يعطها لما عبد من دونه، ولا لمن عبد وكَانَ راضياً، فالقصر في هذه الآية إضافي، المراد منهُ نَفي شفاعة الأوثان في عابديها، ونَني شفاعة جميع المعبودِين في عابديهم.)فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري (قدّس سِرُّه قَالَ: «أنا سيد ولد آدَمَ يَوْم الْقِيَامَة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نَبي يَوْمَئِذٍ، آدَمَ فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أَوَّل شافع. وأَوَّل مشفع ولا فخر»، وروى البزار والطبراني عن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «أَسْفَع لأمتي حَتَّى يُنادي ربي تبارك تعالى فيقول : قد رضيت يامحمد ؟ فيقول : إي رَبِّي رَضيت». انظر صحيح مسلم : 134/1 مطبعة محمد علي صبيح وأولاده طَبْعَة مضر، والمُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِينَ الْإِمَام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري. وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي : 66/1 طَبعة دار المعرفة / بيروت لتجد الكثير عن بحث الشفاعة، وقد تَقَدَّم بيانها.
الْقِيَامَة (وَ مَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ. العَبد الصَّالح يَستَضيء فِي قَبره بنُور عَمَله (وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ) الْمُرَاد بِالسَكَن هُنا مَا تَطْمَئن بِهِ النَّفس، وتَأنَس بِهِ، قَال تَعَالَى: (وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) (1)كَذَلِكَ طَاعَة الله تُؤنس الميّت فِي لَحْدِه.)(وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ. نَفْسَاً - بفتح الفاء - وهو التيسير والتسهيل، والمعنى أن طَاعة الله سُبْحَانَهُ تُسهل وتُمهد للنّجاة والأمان (فَإِنَّ طَاعَةَ اللهِ حِرْزُ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ، وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ، وَأُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ). مِن المُهَالِك (فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَىٰ)
1) الروم: 21.
عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوّهَا... إلخ. النّقْمَة، ونَزَلت عَلَيْهِ الرَّحْمَة (فَاتَّقُوا الله الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ، وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ... إلخ). هَدَاكُم سَبِيل الرَّشَاد، وسَخَرَ لَكُم مَا فِي السّموات ومَا فِي الْأَرْضِ، وَأَسْبَعْ عَلَيْكُم نِعَمِهِ ظَاهرةً، وبَاطنةً (فَعَبدُوا أنْفُسَكُمْ). عَبد الطَّريق : مَهَّدَه، ويَسَّرَه للسِّير، وعبد النَّفس : ذللها وجَعَلَها سِلسِة الْقِيَاد (لِعِبَادَتِهِ) المخلص يعبد الله بلا تأفف وتَبرُم عَلَى عَكس الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاة قاموا كُسَالَى.)وبعد، فإنّ الْإِنْسَان يَسْتَوِيَ مَعَ الْحَيَوَان فِي غَرِيزة الجنس والطَّعام، والشّرَاب، ويفترق عَنْه من وجوه، وأظهرهَا أَنَّ فِي الإِنْسَان الاستعداد التام وقابلية العَمَل لِيُومه وغده، ولا أثر لِذلِكَ فِي الْحَيَوَان، ولا شَيء عنده إلّا السَّاعة التي هو فيها، وإِذَنْ فمن الضَّرُورِي أنْ نَستغل هذه القابلية، ونعمل للعَاجِلَة، والآجِلَةِ مَعاً، ولا نهتم بالأُولَى فَحسب، فإنّ حَلاوة العَاجِلَة تذهب مع الريح، وتَسْتَحِيل إِلى أَسى وَمَرَارة إِلَّا مَن أتقى وأصلح.### الإِسْلام... فِقْرَة 4 - 6 :ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلاَمِ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ، وَأَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ، وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ. أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِه، وَأَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ، وَ خَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ، وَ هَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلالَةِ بِرُكْنِهِ. وَسَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ، وَ أَتْأَقَ الْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ (4. ثُمَّ جَعَلَهُ لا أَنْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ، وَلا فَكَّ لِحَلْقَتِهِ، وَ لا أَنْهدَامَ لِأَسَاسِهِ، وَلا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ، وَ لا أَنْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ، وَلا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ، وَلا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ، وَلا جَذَّ لِفُرُوعِهِ، وَلا ضَنْكَ)
لِطُرُقِهِ، وَلا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ، وَ لا سَوَادَ لِوَضَحِهِ، وَلا عِوَجَ لِإِنْتِصَابِهِ، وَلا عَصَلَ فِي عُودِهِ، وَلا وَعَثَ لِفَجِّهِ، وَ لا أَنْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ، وَلَا مَرَارَةَ لِحَلَاوَتِهِ. فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا، وَ ثَبَّتَ لَهَا أَسَاسَهَا، وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا، وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا، وَ مَنَارٌ أَقْتَدَى بِهَا سُفَارُهَا، وَأَغْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا، وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ. بِهَا وُرَّادُهَا (5 جَعَلَ اللهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ، وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ، وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ، رَفِيعُ الْبُنْيَانِ، مُنِيرُ الْبُرْهَانِ، مُضِيءُ النِّيرَانِ، عَزِيزُ السُّلْطَانِ، مُشْرِفُ الْمَنَارِ، مُعْوذُ الْمَثَارِ، فَشَرِّفُوهُ، وَ أَتَّبِعُوهُ، وَأَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ. وَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ.)ثُمَّ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الْإِنْقِطَاعُ، وَأَقْبَلَ مِنَ الآخِرَةِ الْإِطْلَاعُ، وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ، وَقَامَتْ بِأهْلِهَا عَلَى سَاقٍ، وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ، وَ أَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ، فِي أَنْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا، وَ أَقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَتَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَنْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا، وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا، وَعَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا، وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا، وَقِصَرٍ مِنْ طُولِهَا.)جَعَلَهُ اللهُ بَلاغاً لِرِسَالَتِهِ، وَكَرَامَةً لِأُمَّتِهِ، وَ رَبيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ، وَرِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ، وَشَرَفاً لِأَنْصَارِهِ (6.)اللُّغَة :أصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ : شَرَعَه عَلَى عِلْمَه، وأَصْفَاهُ خِيَرَةً خَلْقِهِ : آثَرَه بِهِ. ومُحَادِّيهِ : مُخالفِيهِ. وَأَتْأَقَ الحَياضَ : مَلأها. وَبِمَوَاتِحِهِ : بدَلاتِه، ومَتَح بها : سَقَى بها، وَلا أنْفِصَامَ : لا أنْكِسَار. والعَفَاءَ : ذهاب الأثر. والجذَّ: القطع، والوُعُوثَةُ : الصُّعُوبَة.
وَالوَضح : البَيَاض. والعَصَلَ : الاِعْوِجَاج. والفجَّ : الطَّرِيق الواسع بَيْنَ الجَبَلِين. وأَسَاخَ هَذَا فِي هَذَا : أَدْخَلهِ فِيهِ. وأَسْنَاخَهَا : أَصُولها. ومُعْوذُ الْمَثَارِ : تَعْجَزِ الْعُقُول عن الإحاطة بأسراره.الإعراب:المَفْعُول الثَّانِي لجَعَلَهُ مَحذُوف أي ثُمَّ جَعَلَهُ قُوياً لا أنْفِصَامَ... إلخ.### مَنْ هُو الْمُشْرِع؟(ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامِ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَأَصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ. يَفْتَرَق الإِسْلام عَن سَائِرِ الأديان بأنّ سُلطة التشريع الله وحده، وأنّ خَالق الطَّبِيعَة هو واضع الشريعة، وأنّ النَّبِي لَيْسَ لهُ مِنْهَا إلَّا التَّبليغ.. وفي كتب أصول الفقه للسُّنَّة بَحث خاص فِي أَنّ النَّبِيِّ هَل له أنْ يَجْتَهد ويحكم بما يَرى ؟. فأجاز ذَلِكَ جَمَاعَة، وَمَنعهُ آخرُون. وَقَالَ الشَّيعَة بِكَلِمَة وَاحدة: «إنّ النَّبيِّ لا يجتهد إطلاقاً، ولا ينطق بِحُكم من الأحكام إلَّا عَن الوَحى بدليل ما رواه السُّنَّة والنِّيعَة أنّ المُسْلِمِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي كَثِير مِن الأَحْيَان عَن بَعْض أُمُورهُم، فِيقُول : مَا عِنْدِي بهَذا علم من الله، ثُم ينزل القُرْآن بالحكم، فينبئهم النَّبيِّ بِهِ. وَكَان يَقول، ويُكرر : (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (1).)ونَعْطف عَلَى ذَلِكَ أنّ الْقَوْل بجواز الإجتهاد عَلى النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - يفتح لأعداء)
1) يُونُسَ : 15.
الإسلام الطَّعن والشَّك فيه، وإن بَعضَه مِن ظَن الرَّسُول وأَسْتِحْسَانه !. وعَلَيْهِ يُفلت الزَّمَام، ويهبط الإِسْلام مِن السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ !. كَلا، إِنَّ الْإِسْلامِ وَاحد لا يتجزأ، إِنَّه رِسَالَة السَّمَاء مِن ألفِهِ إِلى يَائِهِ، ولا شَائِبَة فِيهِ لِلْأَرْضِ، وأَهْلِ الْأَرْضِ : (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (1).)والإِسْلام حِينَ يُجرد البشرية كلّها مِن حَقَّ التَّشريع يُجرد فِي الوَقت نَفْسَه كل إِنْسَان مِن حَقٌّ السِّيطرَة والاستعلاء عَلَى غَيْره، وَيَصنع الجَمِيعِ عَلَى مُستوى واحد أمام الله، ولا يُبْقي لأحدٍ فَضلاً وأمتيازاً عَلى آخر إلا بما يُقدِم من عمل صالح. وبالتالي يُبْطِل مَزَاعم الَّذِين يَرُون لأَنْفُسِهِم حقوقاً مُقَدَسَة. ومِن بَحث عَن أسباب الآلام التي عانتها وتُعَانيها الآن الإِنْسَانِية، وجدها أو وَجدَ أَكْثَرَها يَعُود إلى القَوَانِين التي شرَّعهَا الْإِنْسَان كَفَرد، أو لِمَصْلَحة تجمُوعَة مِن الأفراد يرتبط بِهِمْ المشرع بِسببٍ مِن الْأَسْبَاب.أمّا الديانة المسيحية فإِنَّهَا رَبَطت الدِّين بأصوله، وفروعه، ودَعَائِمه، وأحكامه، رَبَطَتْهُ بِإِرَادَة الكَنِيسَة ورِجَالها الَّذِين خَاطَبَهُم إِنْجِيل مَتى، وَقَالَ لهُم : «كلّ ما تَربطُونَه فِي الْأَرْضِ يَكُون مَربُوطاً فِي السَّماء، وكل ما تَحلُّونَه عَلَى الْأَرْضِ يَكُون تَحلُولاً في السَّماء» (2. فَالكَنِيسَة هى تُحلّل وتُحرّم، ثُمَّ تَنسخ مَتى تَشَاء مَا حَلَّلَت وحَرَّمت !. ومِن هُنا جَاء تجريد السيد المسيح مِن طَبِيعَة النَّاسُوت، والغُفران والحِرْمَان، وبيع أذرع فِي السَّمَاءِ والجَنَّةَ، وتحريم زواج الاِكْلِيرُوس، ولكن الكنيسة الإنجليزية التي حرمت الزَّوَاج عَلى رِجَال الدين أبَاحَت اللواط.)
كما أن بابا رومَا بَرَأ اليَهود مِن دَم السَّيِّد المسيح، وضَرب بعرض الجدار النَّص الذي جاء في إنجيل متى.... إلى الكثير الكثير... وكله حق من عند الله !. ولا أَدرِي كَيْفَ يُنْسَب «دِين» إلى الله، وهُو مِن أوهام النَّاس ؟.وكَان من نتيجة هذه السُّلطة ثورة الملوك والأقوياء فِي أُورُوبًا عَلى الكَنِيسَة لِتَدخلهَا فِي شُؤونهم، وأنفصال السِّيَّاسَة عَن الدِّين، ولكن الثورة انتقلت من الْحَاكِمِين إلى داخل الإكليروس أنفسهم، فمنذ بضع سَنوَات ثَار جَمَاعَة مِنْهُم فِي هولندا على سُلطة البابا. ومن مطالبهم الرئيسية السَّماح بالزواج لرجال الدِّين، وقَامت ثُورَة مُماثلة في فرنسا وإيطاليا وألمانيا. ويَسْتَحِيل أنْ يَحدَث هَذَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لإنْفَاق مذاهبهم عَلى أَنّ التَّشريع الله وحده : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (1).)(أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ... إلخ. وذَلِكَ بإظهاره عَلَى الدِّين كله أمداً غَيْر قَصِير، ثُم بصموده مِئات السنين وانتشاره شرقاً وغَربَاً عَلى رَغم تظاهر الْأَدْيَانَ عَلَيْهِ، ومُحاربة أهلها له بكلِّ سلاح... والآن، وفي القرن الْعِشْرِين تَقُوم المساجد في ألمانيا وفرنسا وانجلترا، وأمريكا، ويرتفع صَوْت المؤذن من على المآذن بِالشَّهَادَة الله بالوحدانية، ويُحَمّد بِالرِّسَالَة. ويبلغ عدد المُسْلِمِينَ اليَوْم أَكْثَر مِن (700) مليون.)وَقَرَأْت فِي جَرِيدَة «أَخْبَار اليَوْم»، مَا نَصه بالحرف: «إن الْإِسْلَام نَتِيجَة لَيَمِيرَه بِالقُوَّة الرُّوحِية صَمدَ للأحداث بعد انهيار الدَّوْلَة العَرَبِية فِي بَعْدَاد عام 1256م.
1) المائدة : 44.
وَأَرْغَم الفاتحين من المغول، والتّتار الَّذِين قَضُوا عَلَى الدَّوْلَة الإِسْلامِية، أَرْغَمهُم الإسلام على اعتناقه، مما أدى إلى تجدد الدَّوْلَة الإِسْلامِية بعد انتقال الحكم فيها مِن الْعَرَب إلى الأتراك العُثمانيين، وإلى اتساع الرُّقْعَة الجُفَرَافِية لِلْإِسْلَام عَلَى أَيْدِي الأتراك، ولا شك في أن هَذِه القُوَّة الرُّوحِية هي التي مكنت الإِسْلام من الصمود أمام السِّيطَرَة الغَربية في السنوات الأخيرة» (1.)(وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ أي من هدايته، وعَمَله (وَ أَتْأَقَ الْحِيَاض بِمَوَاتِحِهِ). هَذَا العِلم الغَزِير فِي الإِسْلام هُو مِن الله، ومِن فَهْمَه فَقَد فُهِم عَنْهُ تَعَالَى (ثُمَّ جَعَلَهُ لا أَنْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ... إلخ). الإِسْلَام قَوِّي وَمَتِين بأصوله ومبادئه.)ومَهمَا تَأخر الْمُسْلِمُون اليَوْم فإنّ العِيب فِيهِمْ لا فِي الإِسْلام تماماً كالذي يَأمر بِالْمَعْرُوفِ ولا يجد مَن يَسمَع، ودين السَّيِّد المسيح دين الحب والسَّلام، وأَكْثَر أتْبَاعه وحُوش كَاسرة يَمتصُون دِمَاء الشَّعب بِلُؤْم وَقَسْوّة.قال «راسل» : «لا ريب في أنّ الدِّيَانَة التي جاء بها مُحَمّد كَانَتْ عُنصرَاً أَسَاسِياً فِي النَّجَاحِ الَّذي حققته بلاده وحقَّقَهُ قُومَه... وقد أظهر المُسْلِمُون مُنذ بداية عَهْدِهِم تَسَامحاً في التعامل مع المسيحيين الَّذِينَ أَخْضَعُوهم، ولا ريب أنّ الْفَضْلَ فِي سهولة فتُوحَاتِهم وأستقرار أمبراطوريتهم يعود إلى هَذَا التَّسَامحُ الَّذي يَبدُو بَارزاً إذا ما قورن بالحماسة التَّعَسُفِية والاِضْطَهَادِية التي عُرفت بها الكنيسة الكاثوليكية» (2.)
(وَ لا أَنْقِلاعَ لِشَجَرَتِهِ، وَ لا أَنْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ، وَ لا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ... إلخ. يُومىء إلى أنّ الإِسْلام يصلح لكلِّ عَصر، فَلا يَتعارض مع الْعَقْل، والعِلْم، ولا يَدعُوا إِلى الجمود، ولا يَضُرّ بأحدٍ، ولا يَنسَبب في التَّخلف، بل أنّ الصِّيحَة لَنَهضَة المُسْلِمِينَ وأنْقَاذهِم مِن الضَّعْف، والتَّخلُف كَانَتْ ومَا زَالت مقرُونَهُ بِالدَّعْوَة إِلَى الْحِرْصِ عَلَى الْإِسْلام، والْعَمَل بِهِ، وإنّ أَخوَفَ مَا يَخَافَهُ أَعْدَاء الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرجِعُوا إِلَى كِتَاب رَبَّهم وسُنَّة نَبِيَّهم، ومن هنا كان تُحدِيهم الرَّهِيب لِلإِسْلام وشَرِيعَته وأهدافه... ولا أدري متى يتحرك الْمُسْلِمُون، ويَبعَث هَذَا التَّحدِي السَّافر رُوح اليقظة والنّهضة ؟.)(وَ لَا وُعُوثَة لِسُهُولَتِهِ. الْإِسْلَام رَحمَتَهُ لِلعالمين، قَال الرَّسُول الكَرِيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «بعثتُ بالحَنَفِيَّة السَّهلة السَّمحَة» (1). وَقَالَ تَعَالَى : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (2). (وَلا سَوَادَ لِوَضَحِهِ) خَالِص مِن كُلِّ شَائِبَة تَعُوقِ الْحَيَاةِ عَنِ التَّقَدُم والانطلاق (وَ لا عِوَجَ لِإِنْتِصَابِهِ، وَلا عَصَلَ فِي عُودِهِ، وَلَا وَعَثَ لِفَجِّهِ، وَلا أَنْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ إلخ). لا يَنقُضَه طَعن، ولا تَثنيه شُبهة ويَهْزَه أفتَرَاء، لأنّه الحق المبين والصَّرَاط القويم (فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا)، وَثِيق الأَرْكَان، ورَفِيع البنيان، كما يَأْتي بَعد قَلِيل (وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا) أي كَثُرَت علوم الإِسْلام وفوَائِده (وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا)، وَاضح الدَّلالة لا عَمُوضٍ فِيهِ تَعقِيد (وَمَنَارٌ)
اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا أي المُسَافِرُونَ الْمُرَاد بِهِمُ الْعُلَماء، وإنَّ الإِسْلَام يَهْدِيهِم لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ لِيَهْدُوا بِدُورِهم غَيْرهم (وَ أَعْلامُ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا) أي طُرقها. والأعلام تدل عَلَيْهَا، وإذا سار المُسَافِرُون على هذه الطرق انتهت بهم إلى مقاصدهم.)(وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وَرَّادُهَا مِن نَهَل من مَعِين الإِسْلام فلا يَظمأ (جَعَلَ اللهُ فِيه مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ) ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (1)(وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ) يَعلو الإِسْلام، ولا يُعلَى عَلَيْهِ (وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ) مَن عَمِلَ بِالْإِسْلَام بَلَغ من الطَّاعة لله أقصاها (فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ). عَطف تَفْسِير عَلَى أَسَاحَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا، وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا (مُنِيرُ الْبُرْهَانِ، مُضِي النِّيرَانِ) عَطف تَفْسِير عَلَى مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا (عَزِيزُ السُّلْطَانِ) عَطف تَفْسِير عَلَى لا أَنْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ، وَلا زَوَالَ لِدَعَائِمهِ، (مُعْوِذُ الْمَثَارِ) لا يُدرك غُبَارَه ولا يُلحق مضمارَه (فَشَرِّفُوهُ) عظَمُوه وأحيُوه بِالْعَمَل، لا بِالمظَاهِرِ (وَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ) لا تُنَاجِرُوا بِالدِّين، وتَأكُلُوا بِهِ كَمَا تَأْكُل الفَاجِرَة بلحْمِها (2).)(ثُمَّ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَقِّ حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الْإِنْقِطَاعُ). المُرَاد بِالدِّين هُنا دُنيا أَهْل ذَاكَ الزَّمَانِ الَّذي بُعِثَ فِيهِ مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحياتهم، والمُرَاد بالإنْقِطَاع نهايتهم وهلاكهم بسبب الفَسَاد، والضَّلال (وَأَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الْإِطْلَاعُ). المراد بالآخِرَةِ نهاية أَهْل ذاك الزمان المظلم، بل وبإقبال الإطلاع قُرْب هَذه)
النّهاية. وتَقَدَّم مثله (1.)(وَأَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ. رِسَالَة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حَلَقَة مِن سَلسَلة الرسالات السّابقة الّتى أَشْرَقت الدُّنْيَا بِهَا كَرِسَالَة إِبْرَاهِيمَ، وعِيسَى وغَيْرهما من الأَنْبِيَاء، ثُمّ أَظْلَمَتْ الدُّنْيَا مِن بَعْدهم بُرْهَةٌ مِن الزمن حَتَّى وِلد الهُدَى والنُّورِ بِمولد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (وقَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ). كنَايَة عَن عَصر الجَاهِلِيَّةِ الجَهْلاًء، وجَرَائِمه وآثَامِهِ (وَ أَزِفَ مِنْهَا قِيَادُ، فِي انْقِطَاعِ مِنْ مُدَّتِهَا). أوشكت الجَاهِلِيَّةِ المجرمة أن تقود أهلها إلى الهلاك (وَ أَقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَبَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَنْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا.... إلى مِنْ طُولِهَا). وتَقَدَّم مثله مرّات (2).)وبالإيجاز أنّ العالم قبل رِسَالَة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كان في ضَلَالٍ مُّبِينٍ، فَجَاءَتْ رِسَالَته إبدنا بالتحول الخطير في حياة الأُمَّة العربية، وحياة العالم كله مِن أقصاه إلى أقصاه.)### الْقُرْآن... فِقْرَة 7-8 :ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ، وَسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ، وَبَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وَ مِنْهَاجاً لا يُضِلُّ نَهْجُهُ، وَشُعَاعاً لا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ، وَفُرْقَاناً لا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ، وَتِبْيَاناً لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَ شِفَاءٌ لا تُخْشَى أَسْقَامُهُ، وَعِزّاً لا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ، و حقاً لا تُخْذَلُ أعْوَاتُهُ. فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ، وَ يَنَابِيحُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ، وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ، وَ أَثَافِيُّ الْإِسْلامِ وَ بُنْيَانُهُ، وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ. وَبَحْرٌ لا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ، وَ عُيُونٌ لا يُنْصِبُهَا الْمَاتِحُونَ، وَ مَنَاهِلُ لا يَغِيضُهَا
الْوَارِدُونَ، وَ مَنَازِلُ لا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ (7. وَأَعْلَامُ لَا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ، وَ آكَامٌ لا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ. جَعَلَهُ اللهُ رِياً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ، وَرَبيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ، وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ، وَ دَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ، وَ نُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ، وَحَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، وَ مَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ، وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَهُدىً لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ، وَعُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ، وَ بُرْهَانَا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ، وَ حَامِلاً لِمَنْ حَمَلَهُ، وَ مَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ، وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَجُنَّةً لِمَنِ اسْتَلَأمَ، وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى، وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوَى، وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى (8).)اللُّغَة:لا يَخْبُو لا يخمد المنهاج : الطَّرِيق. نهج الأمر : أَوْضَحَه، والثوب : أَخْلَقَه وَالطَّريق سَلَكَهُ. وَبُحْبُوحَة الدَّارِ : وَسَطهَا وَسِعَتها. وَالْأثتَافِيُّ: يُوضَع عَلَيْهَا القِدِر. وَغِيطَانُهُ : أراضٍ مُطْمَئِنَة. لا يَنْزِفُ : لَا يَنْضَبُ الْمَاتِحُونَ : مُسْتَخرجُو الماء. وَآكَامٌ : أراضٍ مُرْتَفِعَة. والْفَلَج : الظَّفَر. وتَوَسَّمَ : تَفَرَّسَ.الْإِعْرَابِ:نُوراً حال مِن الْكِتَاب أي مُنِيراً، وجُملة لا تُطْفَأُ صِفَة لِلنُّورِ.الْمَعْنَى:قَبلَ أَنْ نَبدَأ بِشَرح هَذِه الخُطْبَة قلنا : إنّ الإمام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّم فِيها عَن التَّقْوَى)
والنَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ والإسلام، والقُرْآن، وإنّ هَذِه المَوْضُوعَات الأربعة مُتماثلة مُتشابكة، وبالخصوص الإِسْلام، والْقُرْآن، فإنّهُما شَيء واحد.)ولذا وصف الإمام القُرْآن بِنَفْس الصِّفَات التي وَصَف بِهَا الإِسْلام، وعَلى سَبِيل التمثيل أنْ قَوْله عَن الْقُرْآن : (نُوراً لا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ مِثل قَوْله السَّابق عَن الإِسْلام : «لا أنْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ» وقَوْله هُنا : (وَ بَحْراً لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ) كقَوْله هُناك : «يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا» أي عُيُون دَعَائِمِ الْإِسْلام. وقَوْله : (لا يُنْصِبُهَا الْمَاتِحُونَ) نَظِير «أَتْأَقَ الحِياضَ بمَوَاتِحِهِ». إلى قَوْله هُنا : (لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ) وهُنَاكَ : «وَسَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ». وهَكَذَا، بالإضافة إلى أنّ التّعبير هنا أوضَحَ مِنْهُ هُناك، وإنّ الكلام عَن الْقُرْآن تَقَدَّم (1). وإِذَنْ فمَا الْغَايَة مِن الشَّرح والإعادة ؟)وبَعْد، فإنّ وَصف الله لِكتَابَه يُعْنِي عَن كُلّ وَصف : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (2)أما الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآن عَلى قَلْبَه فوصَفَه بقَوْله : «مَن قَرَأ الْقُرْآن - أو مَن حَفَظَ الْقُرْآن - فَقَد أَسْتَدرَج النُّبُوَّة بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرُ أنّه لا يُوحى إِلَيْهِ» (3). أي قَرَأ وفَهَم وَعَمَل حَيْث أَنْزَلَه النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَنْزِلَة الْأَنْبِيَاء بِلاَ وَحي. وَنَقَل حُسين هيكل، أقوالاً عَن المُسْتَشرقين المسيحيين في صِدق الْقُرْآن، مِنْهَا مَا قَاله «وليم مُوِير» في كتابه حَيَاة مُحَمّد مَا نَصه بالحرف: «إنّ كلّ مَا فِي الْقُرْآن
صُورَة صادقة كاملة لما أُوحِي بِهِ إِلى مُحَمّد، وَنَسْتَطِيعِ أَنْ تُؤكد استناداً إلى أقوى الأدلة أنّ كلّ آيَة مِن الْقُرْآن دَقِيقَة فِي ضَبْطها تماماً كما تلاها مُحمّد» (1). وحتى الآن مَا عَرفت البَشَرِية كِتَابَاً مِن نَوْعِ الْقُرْآن والْقَوْل الفَصل قَوْله تَعَالَى: فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (2).)
## الخطبة - 199 -### الصَّلاة وَالزَّكَاة... فِقْرَة 1 - 4:تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَ اسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وَتَقَرَّبُوا بِهَا، فَإِنَّهَا (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (1). أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا : (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (2). وَإِنَّهَا لَتَحْتُ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ، وَتُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ، وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ (1). وَقَدْ عَرَفَ حَتَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ، وَلَا قُرَّةُ عَيْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَلَا مَالٍ. يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تَجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوَةِ) (3). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - نَصِباً بالصَّلاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : (وَ أمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ)
وَ أَصْطَبِرْ عَلَيْهَا (1)، فَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَ يَصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ (2).)ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً، وَ مِنَ النَّارِ حِجَارَاً وَ وِقَايَةً. فَلَا يُتْبِعَنْهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ، وَلا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ، فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا، يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا، فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ، مَغْبُونُ الْأَجْرِ، ضَالُ الْعَمَلِ، طَوِيلُ النَّدَمِ (3.)ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ، وَالْأَرَضِينَ الْمَدْحُوَةِ، وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ المَنْصُوبَةِ، فَلا أَطْوَلَ وَلا أَعْرَضَ، وَلَا أَعْلَىٰ وَلَا أَعْظَمَ مِنْهَا. وَ لَوِ امْتَنَعَ شَيْءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزّ لأمْتَنَعْنَ، وَ لَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَعَقَلْنَ مَا جَهلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ، (إِنَّهُ و كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (2).)إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ. لَطَّفَ بِهِ خُبْراً، وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ، وَ جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وَضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ، وَخَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ (4.)اللُّغة:حَتَّ الْوَرَقِ عَن الشَّجر : أَسْقَطَهُ، وحَتَّ الشَّيء عَن التّوب : حَكَّهُ وَأَزَالَهُ. والرِّبَقِ : حَبْلٌ فِيهِ عُرى. والحَمَّةِ - بفتح الحاء وتشتدِيد الميم - عينٌ مَعدنِيَّة يُسْتَشفى بِهَا. ونَصِباً : تَعِباً. مُقْتَرِفُونَ: مُكْتَشبُون. وخُبْراً : عِلْمَاً.
الإعراب:فَمَا عَسَى «مَا» للإستفهام، والمعنى أي شيء... إلخ. وأَشْتَبَه مَن قَال هِي نَافِية، وعَسَى تامة، لا تَحتاج إِلى خَبَر، وفَاعِل يَبْقَى ضَمِير مُستتر يَعُود إلى «مَا» وطَيِّبَ النَّفْسِ حَال، ومثله غَيْر طَيِّبَ النَّفْسِ، وأدَاء الْأَمَانَةَ نُصب عَلَى الْمَصْدَريَة أي أدوا الأَمَانَةَ، خَبَراً تمييز، مثله. «عِلْماً».تَكَلَّم الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ فِي هَذِهِ الخُطْبَة عَن الصَّلاةِ، والزَّكَاةِ، والأَمَانَةِ، وفِي خُطْبَة أُخرى تَكَلَّمَنَا عَن الصَّلاةِ، والزَّكَاةِ تَبعاً لإشارة الإِمَامِ إِلَيْهَا فِي هَاتِينَ الْخُطْبَتِينَ (1).)والآن نتناول مِنْهُما بَعْض الجهات التي لم تتعرض لها فيما سبق، مِن ذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام بِقَوْله :(وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ، وَتُطْلِقُهَا إطلاق الرِّبَقِ... إِلَى فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ. يَدلُ هَذَا الكلام بظاهره عَلَى أَنَّ الصَّلاةَ حَسَنَة لا تضر مَعَهَا سَيِّئَة، وإن الله يَغْفَر سَيِّئَات المُصلّي مهما تضاعفت، وتنوعت.!. ولَيْسَ مِن شكٍّ أنّ هَذَا الظَّاهِر يَصْطدم مع حُكم الْعَقْل، والبديهة، ومَع قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (2). فما هُو وَجْه الجمع ؟)الجواب:لا أَحَد يَجرأ عَلَى الزَّعم، والإِدْعَاء أنه مُنَزَّهُ عَن التَّقْصِير والخطأ إلا جاهل مغرُور حَاشَا الأَنْبِيَاء... والخَطِيئَة أنواع، ولكلِّ نَوْع دَرجَات:
فهُنَاكَ حَقٌّ الله، وحَقِّ النَّاس، وهناك الكَبِيرَة، والصَّغِيرة. وبَعْض الخطَايَا تَقبل المَغْفِرَة والتَّسامح، ويختصر فيها عَلَى اللُّومِ، والعتاب، أو التوبيخ. وبَعْضهَا يُوجب العقاب الخفيف. والثالثة العقاب الوسط. ورابعة العذَابِ الْأَكْبَرَ. وَتَقَدَّمَت الإِشَارَة إلى الذَّنب الكبير وَالصَّغير (1. وأَفْحَش الخطايا على الإطلاق الشرك بالله، والإعتداء على حُرِّيَاتِ النَّاس بكُم الأفواه، وتعذيب الْأَزْوَاح، والْأَجْسَام، ونهب الثّروَات الْأَرْضِ والمقدرات... ومَا إِلى ذَلِكَ مِن الجرائم التي يرتكبها الأَقْوِيَاء ضِدَّ الضُّعفاء الذين لا قَدَرلهُم، ولا حِيلَة ووَسِيلَة. وَهَذَا النَّوْع مِن الذُّنُوب لا يُغْفَر إطلاقاً، وإِنْ صَلَّى المذنب الظَّالِم وصام، وحَحَ إِلى بَيْت الله الحرام.)ومَا عَدا هَذَا النَّوْع مِن الذُّنُوب يقبل الغُفران، شَرِيطة أنْ لا يَكُون فِيهِ شَائِبَة اَعْتدَاء عَلى الآخرين، وإنْ كَانَتْ مِثقَال ذَرّة. ومن الأمثلة التي تقبل التّسامحُ والْمَغْفِرَة سَقطات النِّسَان مَع عَدَم الإضرار بالآخرين، وأكل الخبائث أو شربها بلا ضَرُورة، وصناعة التماثيل، والنظرة الآثمة، والعَصَبِيَّةِ إِذَا لَمْ يَتَرتب عَلَيْهَا فَسَاد، بل وحلق اللحية، والإسراف فِي الْأَمْوَالِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيم.وغَيْر بَعِيد أنْ يَكُون الْمُرَاد بِالذُّنُوب التي تحتها الصَّلاة، وتُطهر المصلي مِنْهَا هَذَا النَّوْع بالخصوص... ومن الجائز أيضاً أنْ يَكُون القَصْد مِن حَتَّ الذُّنُوب أنّ الصَّلاة بِطَبيعتها تحثّ المصلي عَلى التَّوْبَة التي تُطهره مِن الذُّنُوب. ويُوميء إِلَى ذَلِكَ ويُؤيدَه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ (2)أي تَنْهى المُصَلي)
عَنْهُما مُجرد الدَّعْوَة والإِرْشَاد، ولا تَدْفَعه عَنْهُما قَسرَاً، أو تَخلُق فِي نَفْسَه النّفُور مِنْهُمَا قَهْراً... لأن هَذَا لَمْ يَحدُث بِشَهَادَة العيان. ولَيْسَ مِن شَكٍّ أَنْ إِهْمَالَ التَّوْبَة مِن المنكرات، فيشملهُ نَهَى الصَّلاة عَن الْمُنْكَر.(وَقَدْ عَرَفَ حَتَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاع.... إلخ. الذين وَجَدُوا حلاوة الإيمان بالله، وبُرد اليقين، وجلال القُرب مِنْهُ، وعَقْلوا أَسْرَار الصَّلاة، وأهدافها، وإن الله سُبْحَانَهُ يَكتُب لهُم مِن ثَوَابِها عَلَى قَدَر مُحافَظَتهم عَلَيْهَا، واهتمامهمم بِهَا، وإِذَنْ فَلا عَجَب إِذَا أَعْطُوهَا عَن طِيبٍ نَفْسٍ كل همهم، وأهتمامهم، وجَعَلوها شُغلهم الشاغل حَتَّى عَنِ الْوَلَدِ والمال.)ونَحنُ نَعرف الكثير مِن عَظَمَةِ الصَّلاة عند الله، وأَنَّهَا عَمُود الدِّين وقُربان كل تقي... وأيضاً تتحدث عن فضلها ونكتبه، ونُذِيعه، ولكن صلاتنا - ويالسوء الْعَمَل - أشبه بحركة آلية، أو تلقائيه... أَبَداً لا شيء فيها من الحضور والخشوع نَحنُ نُصلّي والله بقصد القُربة الله... ولكن بماذا تفكر أثناء الصَّلاة ؟... بالتافهات وزِينَة الحَيَاة... قَالَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «أنّ خَير أعمالكم الصَّلاة» (1). وتَقُول نَفْسنًا الأمارة : لا، إنّ خَير أَعْمَالَكُم الشُّهرة، والشمعة، والجمع للوارث التارك للصَّلاة ! أَللَّهُمَّ هِدَايتك، وغُفرانك.)
1) أنظر، صحيح ابن حبان : 311/3 ح 1037، المُسْتَدرَك عَلى الصَّحِيحين : 221/1 ح 448، موارد الظمآن : 69/18 ح 164، سُنن الدارمي : 1 / 174 ح 655 مجمع الزوائد : 241/1، مصباح الزجاجة : 41/1. سنن البيهقي الْكَبْرَى : 457/1 ح 1988 مُسْنَد أحمد : 282/5 ح 22486، المعجم الأوسط 166/7 ح 7019، سنن ابن ماجه : 1/1 277. الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 176/3 فتح الباري: 4/ 108، تفسير ابن كثير : 240/3.
وَنَحْتُم هَذِه الإِشَارَة بهذه الفَضِيلة الرَّائعَة مِن فَضَائِل الصَّلاة، ومنافعها، وأوّل من كَشَف عَنْهَا فِيمَا نَعْلم - الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ، وهي : إن الأمم الماضية نَسُوا أَنْبِيَاءهُم بمرور الزمن وطول العهد، فألزم سُبْحَانَهُ أُمَّةٌ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالصَّلَوَات الخمس لفُوائد، مِنْهَا أَنْ يَكُون المُسْلِم مَع نَبِيَّه مدى حياته، فيُذكره ليل نهار فَرضاً ونَدباً، ولا ينساه أبداً مهما أمتد الزَّمن، وأنْ يقرن أسمه بأسم الله في الأذان والإقامة، وفي التّشهد، والتسليم، وأيضاً في الرّكُوع والسجود عَلى وَجْهِ الاِسْتَحبَاب. ومَن تَرَكَ الصَّلاة فقد ترك الله، ومُحَمّداً رَسُول الله الَّذي قَال : «بين الرجل والكُفر ترك الصَّلاة... الصَّلاة هي العهد بيننا وَبَيْنَكُمْ، فَمن تركها فَقَد كَفَر» (1).)(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - نَصِباً بِالصَّلاةِ) أي يُتعَب بِهَا نَفْسَه، ويُجهدها في عبادة لله حَتَّى تورّمت قدماه، وأصفر لونه، وحَتَّى عاتبه سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْله : (طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰ) (2)أي لِتَشْق عَلَى نَفْسَك، وتُحملها المشقة والعَنَاء.)### الزكاة :(ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلام... إلخ. أي يتقرب بها إلى الله سُبْحَانَهُ... حَثّ الإِسْلَام عَلَى الزَّكَاةِ كَمَا حَثّ عَلَى الصَّلاةِ، لأنّه يَحرُص كلّ الحِرْصِ عَلى الأُخْوَة والتعاون بَيْنَ النّاس، وأقام هَذَا التَّعاون عَلى أسس قوية)
وثابتة، مِنْهَا أن من أهمها العَمَل لِصَّالح الأغلبية العظمى التي تتكون من الفُقَرَاء والمُسْتَضْعَفِين، وتقديمه على صالح الأفراد، والمُسَاوَاة بَيْنَ الجَمِيع في الحقوق والواجبات. ومن البداهة أنّ الزَّكَاة ضَربٌ مِن التَّعاون وأساس له، ولذا أطلق عَلَيْهَا في عصرنا أسم العدل الاجتماعي، أو العدالة الإجتماعية. وكَثِير مِن الْفُقَهَاء يَتجاوزون النّسبة المئوية المحدّدة فِي الزَّكَاةِ، ويُوجبون فِي أَمْوَالَ الْأَغْنِيَاء كلّ ما يَحتاجه الْفُقَرَاء. وقد أشتهر الْقَوْل عَن ابن حزم : «إنّ لِلسُّلطان أنْ يَجبُرُ الْأَغْنِيَاء عَلى أَنْ يَقومُوا بِحَاجَةِ الْفُقَرَاء إِنْ لَم تقم الزَّكَاة بهم، فإذَا رَفَض الأُغْنِيَاء أَجْبَرهُم السُّلْطَان وحاربَهُم، وإذا رفض السُّلْطَان ذَلِكَ حَارِبُهُم الفُقَرَاء أَنْفُسهم، وكانوا أَصْحَاب حق، وكان السُّلْطَان، والأَغْنِيَاء الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (1. ومَعْنَى هَذَا إِنَّ لِلْفُقَرَاء حق الثورة عَلَى الْأَغْنِيَاء، وأَخذ مَا يَحتَاجُونَ إِلَيْهِ مِن أَمْوَالِهِم بِالقَهرِ، والغُلبَة، وبلا ضَمان وعوض أيضاً، ولَيْسَ هَذَا ببعيد عن روح الإسلام الذي قال: «مَا أَمن بالله مَن بَات شبْعَاناً وأخوه جائع... لَيْس المُؤْمِن الَّذي يَبِيت شَبْعَان وجَاره جائع إِلَى جنبه... مَا آمَن بِي مَن بَات وأخوه طَاوِ» (2). وَقَالَ : ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلٍ)
1) أنظر، المحلى لابن حزم: 256/1، الفقه على المذاهب الأربعة : 622/1، المجموع : 96/6، حُلية العُلَماء : 153/3، المغني : 522/2 و : 315/7.
2) أنظر. المعجم الكبير : 259/1 ح 751 وسائل الشّيعة : 327/24 ح (30674) 3 - الترغيب والترهيب : 243/3 ح 3874 الْمحَاسِن للبرقي : 98 ح 62 لسان الميزان : 38/2 ح 129، الجواهر، السَّنية للحر العاملي : 151، البداية والنهاية : 374/8، تكملة حاشية رد المختار : 607/2، الْقَوْل المسدد: ، 21/1، كنز العمال: 57/9 ح 24929 تاريخ دمشق : 216/28 0 النّهاية في غريب الحديث : 146/3. الْقَوْل المسدد في مسند أحمد: 21.
اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلدَانِ (1). وتَكَلَّمَنَا عَن الزَّكَاة سابقاً (2).)### الْأَمَانَة:(ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّة... إلخ. تُطلق الأَمَانَة عَلى الوَدِيعَة كالمال، والمصاغ، والصَّك، ونحو ذلِكَ مِمَّا يَترك المرء عِند غَيْره، ويَسْأَله المحافظة عَلَيْهِ، وهَذِهِ الْأَمَانَة يَجب الوفاء بِهَا لِلمُؤْمِن والْكَافِر، والْبِرِّ والفاجر، ولا تحل خيانتها عقلاً وعُرفاً وشَرعاً (3)، قَال الْإِمَام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فوَ الَّذي بَعَث مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيَاً، لَو أَن قَاتل أبِي الحُسَيْن أئتَمَنَنِي عَلَى السَّيْف الَّذِي قَتَله بِهِ لأدِيتَه إِلَيْهِ» (4). وأيضاً الْأَمَانَة عَلى الوفاء بمعناه العام الَّذي يَشمل الوفاء للدين، والوطن، والأهل والأصدقاء، والمبدأ والإِنْسَانِية جمعاء. والوَفَاءِ خُلقٌ كَرِيم عِند أَهْل السَّماء، والْأَرْضِ، والخيانة لُوْم وغدر.)وأستشهاد الإمام بالآية يُومىء إلى أنه يُرِيد مِن الأَمَانَة المَعْنَى العام، وهو الوَفَاء، لأنّ الْمُرَاد مِن الأَمَانَة فِيها دَين الله، والمَسْئُولية عَنْهُ. وإِذَنْ فَمن الأفضل أن نُشِير إِلى مَعْنَى الآية، ومتى عرفناه أتضح مُراد الإمام، أو أزداد وضوحاً. قال
1) الْنِّسَاء : 75.
2) أنظر. شرح الخُطْبَة : (110 و 192). (مِنْه (قدّس سِرُّه)).
3) أنظر، المسالك : 347/1 المجموع : 334/15، الغنية : 603، المغني : 239/6، الروضة البهية : 179/3.
4) أنظر، أمالي الشيخ الصدوق : 319 ح 6. وَسَائِل الشّيعة : 19 ح 76 ح 13، بحار الأنوار : 72 ح 319 ح 3 مَعَانى الأخبار للصدوق : 108، روضة الواعظين : 373.
تَعَالَى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (1). وخُلاصَة المعنى أنّ الله سُبْحَانَهُ مَنَح الإِنْسَان الْقُدْرَة، والْعَقْل، والإرادة، ومِيّزه بِذَلِكَ عَن جَمِيعِ الكائنات الّتى نَعرفها، وأهله بهذه النِّعْمَة لتحمُّل المَسْئُولِيَة عَن دِينِ اللهِ الَّذِي بَيْنَهُ عَلَى لِسَان أَنْبِيَائه.)وعَلَيْهِ فَمَعْنَى حَمَل الإِنْسَانِ للأمانة أنّ فِيهِ كلَّ الشُّرُوط، والصِّفَات التي تُؤهله للخطاب بالدِّين، والتَّكليف بالحلال والحرام، وأستحقاق العقاب إن قصر وأَهمَل، لأنّ الله سُبْحَانَهُ لَم يَترك لهُ مِن عُذرٍ يَتَعَلَّلُ بِهِ، وَمَعْنَى رَفض السَّمَوَات، والْأَرْضِ، والجبال لِلأمانة أو لِلدّين، معناه أَنَّهَا تَفقد هَذِهِ الشُّرُوط والمؤهلات، وهي الْقُدْرَة، والعقل، والإرادة، وبالتالي فلا يصح تكليفها بحال، وقَدِيماً، قيل : «إذَا أَخَذ مَا أوْهَب أسْقَط مَا أَوْجَب» (2. ومن أَقْوَال الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّا لَا نَمْلِكُ مَعَ الله شَيْئاً، وَلَا لِكُ إِلَّا مَا مَلَكَنَا، فَمتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا، وَمَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا» (3). وبِكَلِمَة أَبْلَغ، وأجمع : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءاتَاهَا) (4).)(لَطَّفَ بِهِ خُبْراً. الضَّمِيرِ فِي «بِهِ» يَعُود إلى «مَا» فِي قَوْله : (لا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ). ويُشير الإِمَام بقَوْله : «لَطَّفَ بِهِ خُبْرا»ً إلى الآية : (لا تُدْرِكُهُ)
الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (1). والخَبِيرُ، والْعَلِيمِ بِمَعْنَى واحد، واللَّطِيفُ هو العالم بدقائق الأمور وغوامضهَا (وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً) عطف تَفْسِير (وَضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ) أي أنّ ذات الصدور تشهد عَلَى العُصَاةَ تَمَاماً كَمَا تَشهد عَلَيْهِمْ أَعضَاؤهُم (وَ خَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ) كلّ سرِّ عِندَه عَلانِيَة، وكلّ غَيبٍ عِندَه شهادة.)
1) الأَنْعَامِ: 103.
## الخطبة - 200 -### مُعَاوِيَةَ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ:وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِيَة بِأَدْهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَ يَفْجُرُ. وَلَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ، وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ. ﴿وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1).)وَاللهِ مَا أَسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ، وَلَا أُسْتَغْمَنُ بِالشَّدِيدَةِ.اللُّغَة:غُدَرَةٍ، وَفُجَرَةٌ، وكُفَرَةٌ - بضم الحرف الأَوَّل وفَتح الثَّاني - لِلمُبَالغة أي غَدَرَو، وَفَجَرُو، وكَفَرَو. ومَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَة : لا تجوز الْمَكِيدَةِ عَلى كَمَا تَجُورٌ عَلَى
1) أنظر، مواهب الجليل : 538/4، نيل الأوطار: 179/8 الطرائف لابن طاووس : 207، صحیح مُسلم : 131/5 صحيح البخاري : 72/4، سُنن البيهقي: 159/8، مُسند أحمد: 411/1. سنن الدارمي 248/2، سنن الترمذي : 71/3 ح 27، سنن ابن ماجه: 959/2 2872 و 2873، مجمع الزوائد: 5 / 330 المبسوط للسرخسي: 5/10 و: 169/23.
الْغَافِلِين. وَلا أُسْتَغْمَزُ لِلشَّدِيدَة : لا أَضْعَفُ لِلخُطُوبِ، وإِنْ اشْتَدَت.الْإِعْرَاب :بِأَدْهَى خَبَر، والبَاءِ زَائِدَة، ومِنِّي مُتَعَلِّق بِأَدْهَى.الْمَعْنَى:(وَ اللهِ مَا مُعَاوِيَة بِأَدْهَى مِنِّى، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ. وَلَوْلا كَرَاهِيَةٌ الْغَدْرِ... إلخ. مَا كَان لِمُعَاوِيَةَ (1)مِن هَدَف إلا المجد، والسُّلْطَان، وكلّ الوَسَائِل حق)
1) مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ صخر بن حَزب بن أُمَيَّة بن عبد شمس، وأُمّه هند بنت عتبة بن ربيعة، تزوّجت هند أولاً الفاكه بن الْمُغِيرَةَ المخَزُومِي فقتل عنها بالغميصاء - كما جاء في نسب قُرَيْش : 300 - موضع قرب مكة، ثم تزوجت حفص بن المغيرة فمات عَنْهَا، ثم تزوّجت أبا سُفْيَانَ وكَانَتْ في زمن الفاكه مُتهمة بالزنا كما يذكر صاحب العقد الفريد : 86/6 - 87، والأغاني : 53/9، وكَانَتْ مِمَّنْ تُذكر فِي مَكَة بفجورٍ، وعهر كما ذكر أبن أبي الحديد في شرح النهج : 236/1 تحقيق مُحمَّد أبو الْفَضْل.)ومُعَاوِيَة هذا أسلم بعد الفَتح وَقَالَ فِيهِ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : لا أشبع الله بطنه. كما ذكره صاحب أنساب الأشراف: 532/2. وصَحِيح مُسلم : 27/8، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 365/1 ومُسْنَد الطيالسي : ح 2746، وأبن كثير : 119/8، وَقَالَ فِيهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): في قصة زواج المهاجرة التي استشارت النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عندما خطبها : أما مُعَاوِيَة فصعلوك. كما جاء في صَحِيح مُسلم : 195/4، مُسْنَد الطَّيَّالسي: 1645/228، وسنن ابن ماجه ح 1869. وَقَالَ فِيهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عندما نظر إلى أبي سُفْيَانَ وهو راكب، ومُعَاوِيَة وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق : اللهم العن القائد والسائق والراكب ذكر ذَلِكَ الطَّبَرِيّ في تأريخه: 357/11، وسبط بن الجوزي في التذكرة : 115، ووَقعَة صِفِّين : 247، والزبير بن بكار في المفاخرات برواية أبن أبي الحَدِيد عَنْه في شرح النهج : 103/2.)ولَسْنَا بصدد بيان كلّ ما قاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فيه وفي أسرته، بل نكتفي برواية الطَّبَرِيّ من حوادث سنة (51 هـ) والكَامِل لابن الأثير : 202 - 209 وأبن عساكر : 379/2 والشيخ محمود أبو ريه : 184 - 185 ما نقلو عن الحسن البصري إنه كان يقول : أربع خصال كُنّ فِي مُعَاوِبَة ولو لم يَكُنْ فِيهِ منهنّ إلّا وَاحِدَة لكَانَتْ موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حَتَّى أبترها أمرها بغير مَشُورَة وفيهم بقايا وذوو الفضيلة، واستخلافه أبنه بعده سكيراً، خميراً، يلبس الحرير، ويضرب الطنابير، وأدعياؤه زياداً وقد قَالَ رسول الله : الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجراً وأَصْحَابه ويل له من حجر وأَصْحَابِه، ويل له من أراد المزيد فليراجع الطَّبَرِيّ : 202/4، والنبلاء: 237/1، ومُسند أحمد: أَصْحَابِه. ومن مجر 421/4، ووَقعَة صِفِّين لنصر بن مزاحم : 246، والمعجم الكبير للطبراني : 427/1، والعقد الفريد : 345/4، والطَّبَرِيّ : 357/11، والإِسْتيعاب : 412، وأسد الغابة : 106/3، وتهذيب أبن عساكر: 206/7، والْإِصَابَة : 260/2، والطَّبَقات الكبرى : 222/4، وصفوة الصفوة : 238/1، وسيرة أبن هشام: 179/4.
وَعَدل عِنده ما دامت تُؤَدِّي بِنجاح إلى بُلُوغ هَذَا الهدف، ولا غَايَة لِعَليَّ إِلَّا الدِّين. وإحقاق الحق، وفي سَبِيله تَجِب التَّصْحِيَة بِكُلِّ عَزيز وَثَمين. هَذَا هُو الفرق بَيْنَ الاثنين، أما نَجَاحٍ مُعَاوِيَةَ فَيَعُود إِلى شَيء وَاحد، وهو أنَّ الظُّرُوف فِي المجتمع الفاسد تُعَاكس الحق، وتُوَّاتِي الْمُبْطِل بخَاصَّة إذا كَان بَارعَاً فِي الْكَذِب، والاِحْتِيَال. ولقد بَرَع مُعَاوِيَةَ وَنَجح في الغَدْرِ، والمَكْرِ، وصَفَت لَهُ الأَيَّام في بيئة الضَّلال، واسْتُشْهِدَ الإِمَام غَدْراً واغْتِيَالاً.. ولكنّ التَّاريخ أَنْصَفَ، وَكَشَفَ كُلاً عَلَى حَقِيقته، فكل الأجيال تصف مُعَاوِيَةَ بِالمؤارَبَة والانتهازية، وتَعْتَرف للإمام بالإخلاص، والتَّصْحِيَّة، والصَّلاَبَة فِي الْحَقِّ مَهمَا تَكُن النِّسَائِرِ.وَتَقَدَّم مضمون هذه الخُطْبَة ومُحتوَاهَا (1، وشَرَحْنَاه بِضَرب مِن التَّفْصِيل، واستشهدنَا هُناك بما قاله الإِمَام هنا (2).)
وتجدر الإِشَارَة إلى أن أبن أبِي الحَدِيد الْمُعْتَزِلي كَتَب فِي شَرح هَذِه الخطْبَة حوالي عشرين صَفْحَة بِالقَطع الْكَبِير، فمن أراد التوسع فليرجع إِلَيْهِ، وإِلى كِتَاب «النَّصائح الكَافِيَة، لَمَن يَتَوَلَّى مُعَاوِيَةَ» تأليف أبن عَقِيل (1.)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 211/10 و «النَّصائح الكَافِيَة، لَن يَتَوَلَّى مُعَاوِيَةَ» لمُحَمد بن عَقِيل : 100 وما بعدها وشرح نهج الْبَلاغَة يُحَمّد عَبْدَه : 180/2. تُحف الْعُقُول : 99، بحار الأنوار: 197/33، المعيار والموازنة : 166، ينابيع المودة : 454/1، الإمامة والسياسة : 220/1، بالإضافة إلى المصادر التي تتحدث عن مُعَاوِيَة.
## الخطبة - 201 -### يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ :أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ.أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرّضَى وَ السُّخْطُ. وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُوهُ بِالرِّضَى، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (1)، فَمَا كَانَ إِلا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ. أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ، وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التّيه !
اللُّغَة:
الخُوَار : الصَّوْتِ، قَالَ سُبْحَانَهُ : عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ، خُوَارٌ(2).
والسِّكَةِ : حَدِيدَة المِحْرَاث.
الْإِعْرَابِ:
كَانَ نَاقصة، وأسمها محذُوف، وتشبك أَنْ ومَا بَعدها بمصدَر خَبَراً لِكَانَ. والتقدير. فَمَا كَانَ عَذَابَهُم إلا خُوَارَ أَرْضهُم.
(أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ). كلّ مَا يَجلب النَّفع، ويَدفَع الضُّر عَن الْفَرْد والجماعة في حدود حلال الله، وحرامه فهو خَيرٍ وصَلاَ وكلّ ما يَضُرٌ بِالنَّاس بجهة من الجهات فهو شَرٌّ وَضَلال، ومَن آمن وأَقْتَنع بِطَرِيقٍ أو بآخر أنَّ هَذَا خَيرٌ وصَلاح، وذَاكَ شرٌّ وفَسَاد - فَعَليه أَنْ يَتصرف بوَحِي مِن إيمانه وقناعته، ولا يُقيم وزناً لأقوال النَّاس، وآرائهم، فإِنَّهُم لا يُصدرُون عَن عَقلِ وَعِلمٍ، ولا عَن دِينِ، وضَمِيرٍ... ويندفعُون بِمحض الرغبة، والعاطفة الهوجاء، والتَّقاليد المورُوثَة، بخاصة فِي هَذَا العَصر الَّذي أفْسَدَته المَدنِيَّة الحَدِيثَة، وأَجْهِزَت الدّعَايَات الكاذبة عَلى كلّ مَا يُسمى هُدى، وإِنْسَانِية.
قَالَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أَسْتَفت قَلْبَك... الْبِرِّ مَا أَطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْس، وأطمأن إِلَيْهِ الْقَلْب، والإِثْم مَا حَاكَ فِي الْقَلْب، وتَردد في الصدر، وإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسِ وأَفْتَؤك» (1).
1) أنظر، سنن الدارمي : 320/2 ح 2533، مُعتصر المختصر : 208/2، مسند أحمد: 4 / 228 ح 18035، مُسْنَد الحارث (زوائد الهيثمي) : 201/1 ح 60، مُسْنَد أبي يعلى: 162/3 على 162/3 ح 1587، جامع العلوم والحكم : 249/1، الورع لابن حنبل : 196/1، الترغيب والترهيب : 351/2 ح 2683، نوادر الأصول : 19771 في أحاديث الرَّسُول : 239/18، حلية الأولياء : 24/2.
وَقَالَ الْإِمَام : «لَا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةٌ، وَلَا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً» (1). وتَقَدَّم قَوْله لأبي ذرّ : «لا يُونِسَنَّكَ إِلا الحَقُّ وَلا يُوحِشَنَّكَ إِلا الْبَاطِلُ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لأَحَبُّوكَ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لأَمَّنُوكَ» (2).
وكُلْنا يَعْلَم أنّ الَّذِين صَنعُوا التَّارِيخ، وتَقَدَّمَت الحَيَاةِ بِجهودهم كانوا حَمَقَی، ومجانين عِند قومهم، لأنهم تَرَدُوا عَلى مقاييسهم، ورَفضُوا التنازل عمّا يُؤْمِنُون به وَيَعتقدون، وسَارُوا وَحدَهُم عَلى طَرِيق الهُدَى بوحِي مِن عُقُولِهِمْ، وصفاء قُلُوبِهِمْ، وكان من الطَّبِيعِي أن يصطدَمُوا بِالكَثِير مِن العقبات، ويَعَانُوا النكبات، ولَكِنَّهُم ثَبِتُوا وضحوا فكَانُوا مِن الهُدَاة الخالدين، ولو خَافُوا من قُوَّة الدَّوْلَة ومنطق الجَمَاعَة لِخَسِرُوا أَنْفُسهم، ومَا تَرَكُوا خَيْراً لإِنْسَان.
(أَجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ). المراد بالمائِدَة الدُّنْيَا، وقد يَشبَع الإِنْسَان مِنْهَا، ولكن إلى أمد ينتهي بزواله إلى اللحد حيث لا طعام، ولا شَرَاب، ولا شيء إلا الْعَمَل (إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرّضَى وَالسُّخْطُ). قَسّم الشَّيُوعُيُون النّاس عَلى أَساس اقتصادِي، وبعضهم عَلى أساس عُنصري، أو جُغرَافِي، وآخرُون عَلى أساس ثقافي. أما الْقُرْآن فإِنَّه يُقسم النّاس عَلى أساس التَّقْوَى، والْعَمَل الصَّالح، وإلى هَذَا يَرجع كَلام الإمام حَيْت جَعل النّاس فَرِيقين : فَرِيقاً في الجنَّة، وفَرِيقاً فِي السَّعِير، والفَرِيق الأوَّل هم العاملون بالخير، ومن رضي
عَنْهُ وَعَنْهُم ومن هنا كان للنَّوَايَا الطَّيِّبَة وزنها وثوابها عِند الله، والفَرِيقِ الثَّانِي هُم الساخطُون عَلى الخير وأهله... فقد جمع الرّضا بَيْنَ أُولَئِكَ فِي جَنَّة الخُلد، وجمع السخط بَيْنَ هَؤُلَاءِ فِي عَذَابِ الْحَرِيق.
وعَن النَّبي، وأَهْل بيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «العامل بِالظُّلْمِ، والْعَيْن لَهُ، والرّاضِي بِهِ شُرَكَاء ثلاثتهم (1)... إنما يجمع الناس الرّضا والشخط، فَمَن رَضِي أَمْرَاً فَقَد دَخَل فِيهِ، ومَن سَخَطه فَقَد خَرَج مِنْهُ (2)... مَن غَاب عن أمرٍ فَرَضِي بِهِ كَان كَمَن شَهِدَهُ، وأتَاهُ (3)... ولَو أَنّ رَجُلاً قُتل في المشرق فَرَضِي بِقَتله رَجُلٌ في المغرب لكان الرّاضِي شَرِيك القاتل» (4).
أَبَداً لا يحق لأحدٍ أنْ يُدعِي الإِسلام الحق، أو أنه إنْسَان طيِّب، وهُو يُقيم مع الظَّالِمِ عَلاقات سياسية، أو اقتصادية، أو ثقافية.. حَتَّى ولو مَلأ الدُّنْيَا بِسَبّه وَلَعنّه، لأن أية علاقة مع الظَّالِمِ هِي عُونُ لهُ وحياة... ومن أجل هَذَا أَسمح لنفسِي أنْ أُسمى الاتفاق الجديد بَيْنَ الإشتراكية والإمبريالية، أسميه بالإنتهازية العلنية... ولا تبعد كَثِيراً تَسمِيَتِي هَذِهِ عَن تَسْمِية الأَشْتَراكيين والإمبرياليين لإنْفَاقِيتهم «بالتِّجَارِيَة».
1) أنظر، الكافي : 333/2 ح 16، وَسَائِل الشّيعة : 177/17 ح 2، الخصال للشيخ الصدوق : 107 ح 72، تحف الْعُقُول : 216. عُيُون الحكم والمواعظ : 214. كشف الغمة : 140/3.
2) أنظر، المحَاسِن : 262/1 ح 323، وَسَائِل الشّيعة : 140/16 ح 9، البحار : 262/68 ح 5.
3) أنظر، مجمع الزوائد : 290/7، مُسند أبي يعلى : 150/12 ح 6785، كنز العمال: 83/3 ح 5602 مُنْتَهى المطلب : 996/2، عُيُون أخبار الرضا: 81/1، وَسَائِل الشَّيعة : 138/16 ح 2، تُحف العُقُول: 456 مُسْنَد الإمام الرضا: 54/1 ح 12.
4) أنظر عُيُون أخبار الرضا: 273/1، تفسير الصافي: 177/2، مُسْنَد الإمام الرضا: 147/1 وَسَائِل الشّيعة : 139/16 ح 4. علل الشرائع للشيخ الصدوق : 229/1.
(وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُوهُ بِالرِّضَى). ثَمُودَ قَبِيلَة مِن الْعَرَب، سُميت باسم جَدْهَا ثَمُود بن عامر، وكَانَتْ مساكنهم الحجر بَيْنَ الحِجاز والشّام (1)، فأرسل الله صَالِحاً لهَدَايَتهم، وهو أَشْرَفهُم نَسَباً، وَأَوْسَعهُم حِلماً، فَطلبُوا مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَهُم بِآيَة تُصدّق رِسَالَته، فَقَال لهم : هَذِه نَاقَة الله لا مثيل لها في تأريخ النُّوقِ، فَرَمَاهَا شَقِي بِسَهم فَخَرّت عَلَى الْأَرْضِ، وما أنكر هذه الجريمة مُنكر مِن ثَمود، فَأَخَذَهُم الله بَغْتَةً، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (2)
وأنظر، قِصَّة صالح في فتح الباري: 225/2. الفصول في الأصول للجصاص : 20/3، البداية والنهاية : 150/1، قصص الأنبياء لابن كثير : 145/1، بحار الأنوار: 370/11، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 262/10، تَفْسِير مَجْمَعِ الْبَيَان : 293/4 تفسير القرطبي : 92/9 و 127/13، البرهان : للزركشي: 135/1.
.(فَمَا كَانَ إِلا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ).
خَارَتْ الْأَرْضِ لأنتْ وارْتَخَتْ بِحيث يَغُور فِيهَا مَا عَلى ظهرها مِن الأَثْقَال كما تَغُور حَدِيدَة المحراث الحَامِية فِي الْأَرْضِ اللَّينَة. والمَعْنَى أَنَّ الْأَرْضِ ابْتَلَعت ثمود، لأن بعضهم فعل المنكر، والبعض الآخر رَضِي بِهِ، وسَكَت عَنْهُ (مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ) أي نَالَ مَا يَبْتَغِيهِ (وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ !) حَيْرَةٌ وضَلَالَةٌ : (وَ كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُشرفٌ مُرْتَابٌ) (3).
السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي، وَ عَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَ السَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ! قَلَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي، إِلا أَنَّ فِي التّأسي لِي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ، وَ فَادِحِ مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزٍ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَ فَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي نَفْسُكَ، (فَإِنَّا للهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَ أُخِذَتِ الرَّهِينَةُ أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ، وَ سَتُنَبِّئُكَ أَبْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا، فَأَحْفِهَا السُّوَّالَ، وَ أَسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ، هَذَا وَ لَمْ يَطْلِ الْعَهْدُ، وَ لَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ، وَ السَّلامُ عَلَيْكُمَا سَلامَ مُوَدِّعٍ، لا قَالٍ وَلَا سَئْمٍ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ، وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءٍ ظَنّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ.
اللُّغة:
رَقَ : ضَعُفَّ. وتَجَلّد فُلان : تكلّف الجلد والصَّبر. والتَّأسي : التَّعزِيَة. ومَلْحُودَة :
مَشْقُوقَه ومَحْفُورَة وَمُسَهَّدٌ : قَلِيلِ النَّوْم، فَأَحْفِهَا السُّؤالَ : أَسْتَقص في مُسَألتها.
الإعراب:
فِي التَّأَسّي خَبَر أَن مُقدماً عَلَى أسمها وهُو مُوضع تَعَزّ، والحَالَ مَنصُوب بنزع الخافض أي أسْتَخْبِرْهَا عَن الْحَالِ، وَهَذَا فَاعِل لفعل مَحذُوف أي حدث هَذَا، وعَنْ مَلَالَةٍ مُتَعَلِّق بفعل محذوف أي فَلا أَنْصَرِف عَنْ مَلَالَةٍ.
أبوّهَا خَاتم الأنبياء، وسيّد الكَوْنِين، وأمّها خَدِيجَةَ بِنت خُوَيْلد أَوّل إِنْسَانٍ آمَن وَصَدق بِرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وشاركه في حياته، ومِنْهَا ذُرِّيَتَه، وزُوج فَاطِمَة عَليّ أخو رَسُول الله أوّل مَن آمَن بِهِ وَصلَّى، وفداه بِنَفْسَه مِن الذكور، ولكن أولادها مِنْهُ يُنسبون إلى عَليَّ لُغَةً، وإِلى النَّبِيِّ شَرعَاً لقَوْله : «لِكلّ نَبِيِّ عُصْبَةٍ يَنتَمُونَ إِليهِ إِلَّا وِلد فَاطِمَة فأنا أبوّهُم، وأنا عُصْبَتُهم» (1).
1) أنظر، المُعْجَمِ الْكَبِير : 433/22، مُسْنَد أبي يعلى: 109/12 ح 6741، سُبل السلام لابن حجر: 99/4، مجمع الزوائد: 172/9، تاریخ بغداد: 288/11، مُسْتَدرَك الصَّحِيين : 164/3، الجامع الصغير : 91/2 كنز العمال: 98/12 ح 34168 وص: 116 ح 34266، فيض القدير شرح الجامع الصَّغير : 22/5 كشف الخفاء : 120/2 تأريخ مدينة دمشق : 313/36، تهذيب الكمال : 483/19، ينابيع المودة : 98/2 وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن الله جعل ذُرِّيَّة كلّ نَبي في صُلبه، وجعل ذُرِّيتي في صُلب عَليّ. (الجامع الصغير : 1/ 262 ح 1717، كنز العمال: 600/11 ح 32892). وَقَالَ : كلّ بَني أُنثى ينتمون إلى عصبتهم إلا ولد فَاطِمَة فأنا وليهم، وأنا،عصبتهم، وأنا أبوهُم. (الجامع الصَّغِير : 278/2. كنز العمال: 116/12)، فرائد السمطين : 324/1. وَقَالَ: (إِنّ الله جَعل ذُرِّيَّة كلّ نَبي في صلبه، وَجَعل ذُرِّيَّتي في صلب عَليّ. (الجَامِعِ الصَّغير : 1 / 262 ح 1717، كنز العمال : 11 / 600 ح 32892). وَقَالَ: (كلّ بَنِي أُنثى يَنتَمُون إِلى عصبتهُم إِلَّا وِلد فاطمة فأنا وليهم، وأنا عصبتهم وأنا أبوهُم (الجامع الصغير : 2/ 278، کنز العمال : 116/12 ح 34168 و 32892، عن تأريخ ابن عساكر، بشارة المُصْطَفى: 40، مناقب آل أبي طالب : 3/ 157، 32892.
ولدَت فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بمكة يَوْم الْجُمُعَةِ (20) جمادى الآخر بَعد النُّبُوَّة بِخَمس سنين (1)
وجاء في أمالي الشيخ الصدوق : 353، ودلائل الإمامة لابن جرير الطَّبَرِي : 10 طبع النجف، ورُوضة الواعظين : 124، ومدينة المعاجز : 135، ومصباح المتهجد : 554، والمصباح للكفعمي : 270، والإقبال: 623، ومزار البحار،29، وتقويم الحسنين، وإعلام الوري: 90 أن ولادتها في الْعِشْرِين من جُمادَى الآخرة.
وجاء في أصول الكافي بهامش مرأة الْعُقُول : 381/1 (وص 459 طَبْعة أُخرى)، والمناقب لابن شهر آشوب : 112/22 (و : 357/3 طَبْعة آخر النجف) ودلائل الإمامة : 10 وإعلام الورئ: 90 وروضة الواعظين 124 وكشف الغمة : 135 طبعة الحجر أنّ ولادتها بعد النُّبُوَّة بخمس سنين.
وفي مصباح المتهجد : 554، وتقويم المحسنين : بعد المبعث بسنتين. وفي المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم : بعد المبعث بسنة.
وجاء في روضة الواعظين: 124، والمناقب لابن شهر آشوب 112/2 (و : 357/3 طَبْعَة آخر) أنها ولدت بعد الإسراء بثلاث سنين، وأنظر، البحار : 2/43 و 4 نقلاً عن أمالي الشيخ الصدوق : 372.
وعُيُون أخبار الرّضا : 93/1 ح 2، والعِلل : 4/183 و 5، وتَفْسِير علي بن إِبْرَاهِيم : 341 ح 6، وروضة 93/1 الواعظين: 9/2، وعُيُون المعجزات : ح 11، وإقبال الأعمال : 623 ح 12 و 13، والمصباح للكفعمي 14/512 ح 16 عن دلائل الإمامة : 9.
وفي مقاتل الطالبيين : 59 :قَالَ : وكَانَ مولد فَاطِمَة(عَلَيهَا السَّلَامُ) قبل النُّبُوَّة وقُرَيْش حينئذٍ تبني الكعبة، وكَانَ تزويج علي بن أبي طالب إيَّاها في صفر بعد مقدم رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المدينة، وبنى بها بعد رجوعه من غَزْوَة بَدْر، ولها يَوْمَئِذٍ ثمان عشرة سَنَة. وأنظر، الإصابة : 157/8، وطبقات ابن سعد: 11/8. وفي ينابيع المَوَدَّة : 57/2 نقلاً عن الأصَابَة : 377/4 قَالَ : وكَانَتْ ولادَة فَاطِمَة بَعد البعثة وهي أَصْغَر بناته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأحبّهن إليه.
وفي العدد القَوِيَّة مخطوط ورق 45: ولدت بعد خمس سنين من ظهور الرّسَالَة ونزول الوحي.
، و «إنما سميت ابْنَتِي فَاطِمَة ؛ لأن الله تعالى فَطْمَها وذُرِّيَّتِها عَن النَّارِ يُوم1) أنظر، مطالب السؤول في مناقب آل الرَّسُول: 210، وكَذَلِكَ زُبدة المقال في فضائل الآل: (مخطوط ورق، 96 في النسخة تحت رقم 303). وقد اختلفت المصادر التاريخية في ولادتها ووفاتها وفي عُمُرهَا الشَّرِيف. وفى المناقب لابن شهر آشوب : 357/3 عن جابر بن عبد الله قَالَ : ولدت فَاطِمَة بمكة بعد النُّبُوَّة بخمس سنين وبعد الإسراء بثلاث سنين في الْعِشْرِين من جُمادَى الآخِرَة وأقامت مع أبيها بمكة ثماني سنين. ثم هاجرت معه إلى المَدِينَة فزوجها مِن عَلي بَعد مقدمها المدينة بسنتين أول يوم من ذِي الحجة، وروي أنه كَان يُوم السادس، ودخل بها الثلاثاء لست خلون من ذي الحجة بعد بدر. وَهَذَا هو الصحيح لأنّ مُعظم روَايَات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تُؤيد ذلك.
الْقِيَامَة» (1).
و «كَانَتْ أَشْبَه النَّاسِ سَمتَاً، ودَلاً، وَهَديَاً، وقِيَاماً بأبِيهَا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (2).
1) أنظر، كِتَاب (ذَخَائِرِ الْعَفْى» (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). ووردت أحَادِيث عديدة في تسميتها بفَاطِمة الزهراء كما روي عن الإمام الرضا عن آبائه : كما في عُيُون أخبار الرضا : 46/2 قال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إنِّي سُمِّيت أَبْنَتِي فَاطِمَة : لأنّ الله عزّ وجلّ فَطَمها وفَطَم من أحبّها من النار. كما وردت روايات في علة تسميتها بالزهراء مِنْهَا : مَا روي عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله (عَلَيهِ السَّلَامُ) عَن فَاطِمَة لِمَ سُمِّيت بالزهراء؟ فقال : لأَنَّهَا كَانَتْ إِذا قامت في محرابها زهر نُورها لأهل السماء كما يزهر نُور الكواكب لأَهْل الأَرْض. أنظر. مَعَانِي الأَخْبَار: 64، علل الشرائع : 181/1، المحجّة البيضاء : 4 / 212 الطبعة الثَّانِيَةِ، فَضَائِلِ الْخَمْسَة من الصحاح السنة : 155/3، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 26. كنز العمال: 219/6. بحار الأنوار: 61/43، كشف الغمّة : 21/2، مناقب أميرِ الْمُؤْمِنِينَ، مُحمد بن سليمان الكوفي : 188/2، كنز العمال: 12/ 109، مُسْنَد زيد بن علي 2 459، مناقب أهل البيت: 79، في رحاب النبي وآله : 74، المواهب اللدنية كما في شرح الزرقاني : 203/3، فيض القدير شرح الجامع الصغير: 217/1 و 575/30، سُبل الهدى والرشاد : 52/11، ينابيع المودة : 121/2، جواهر العقدين: 195/2، الصَّوَاعِقِ المحرقة : 153، تاريخ بغداد : 328/12، بشارة المصطفی: 209، فضل آل البيت للمقريزي : 98.
2) أنظر، صَحِيح الترمذي، عَن عَائِشَة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). وأنظر. المُعْجَم الكبير : 397/22 ح 985. المقتني في سرد الكني : 162 ح 6946، سير أعلام النبلاء: 119/2، طبقات المحدثين : 30/1 ح 172، الكاشف : 514/2 ح 7049، تهذيب الكمال : 247/35 ح 7899، التعديل والجرح : 1295/3 ح 1728، الأصَابَة : 83/8 ح 11583.
و «تُوفيت بِالْمَدِينَة (3) جُمَادَى الْآخِرَة سَنَة (11 هـ) وعُمُرهَا الشَّرِيف (18) سَنَةَ، وَعَاشَت بَعد أبيها (95) يُومَاً (1)
وفي البحار : 213/43 و 189 و 171، وكشف الغمة : 503/1، وفي دلائل الإمامة : 46 أنها (عَلَيهَا السَّلَامُ) قبضت لعشر بَقين من جُمادَى الآخِرَة، ولكن في : 45 من الدلائل وفى : 170 من البحار قَالَ قُبضت فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في جُمادَى الْآخِرَة يوم الثلاثاء لثلاث خلون مِنْهُ.
أمّا في مصباح الطوسي : 554 و 566، ومصباح الكفعمي : 511، والبحار : 43 / 215 ح 46 و 47 فإنّ وفاتها 3 في اليوم الحادي والْعِشْرِين من رجب....
أمّا في المناقب لابن شهر آشوب : 132/3، والبحار : 43/ 180 فإنّها تُوفيت (عَلَيهَا السَّلَامُ) ليلة الأحد لقلات لَيْلَة عَشرة لَيْلَة خَلت من شهر ربيع الآخر... .
والملاحظ هنا هو أنه لا يمكن التطبيق بَيْنَ أَكثر تواريخ الولادة والوفاة ومُدة عُمرها الشَّرِيف، ولا بَيْنَ تواريخ الوفاة وبَيْنَ مَا مرَّ في الخبر الصحيح أنها (عَلَيهَا السَّلَامُ) عاشت بعد أبيها خمسة وسبعين يوماً، إذ لو كَانَ وفاة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في القامن والعشرين من صفر كَان عَلى هَذَا وفاتها في أواسط جُمادَى الأُولَى ولو كان في ثاني عشر ربيع الأول كما يرويه أهل السنّة كَانَ وفاتها في أواخر جُمادَى الأولى، وما رواه أبو الفرج في المقاتل 31 و : 60 طَبْعَة أخرى، والبحار : 43 / 215 عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كُون مكنها بعده ثلاثة أشهر يُمكن تطبيقه على ما هو المشهور من كون وفاتها (عَلَيهَا السَّلَامُ) في ثالث جُمادَى الآخِرَة.
أنظر الطَّبَقَات لابن سعد : 18/8، الملل والنحل للشهرستاني : 57/1، لسان الميزان للعسقلاني 293/1، فرائد السمطين : 36/2، المناقب لابن شهر آشوب : 358/3 شرح نهج البلاغة لابن أب، :الحديد 193/14، کتاب سليم بن قيس : 83 - 85 إثبات الوصيَّة للمسعُودي : 23 - 24، سفينة البحار للقمي : 597/2، تفسير العياشي: 307/2 بتفاوت يسير.
وفي كتاب الدرية الطاهرة لأبي بشر محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري الْمَعْرُوفِ بِالدُّولابي المتوفى سنة (310هـ) : 216. وقد أخرج عَنْه كَثيراً الحبّ الطَّبَرِيّ في الذَّخَائِر، والرّياض النضرة، وكشف الغمّة : 363/1، والمناقب لابن شهر آشوب : 137/3 و 357، والبحار : 182/43 و 188 : قَالت عائشة:
«عاشت فَاطِمَة بَعد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ستة أشهر.
وقد سبق وأن أوضحنا اختلاف الآراء فقَالُوا : إنها بقيت بعد أبيها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خمسة وسبعين يوماً، وهو المختار والمشهور بَيْنَ المؤرخين و به جاءت الرواية عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)- كما في الكافي : 459/1، ومَعَالِمِ الزَّلفی، للبحراني: 133، ومرآة العُقُول : 313/5، وكفاية الأثر : 64، الخرائج (المخطوط): 270.
وقيل إنها بقيت أَرْبَعِين يوماً كما ذكر المسعودي في مروج الذهب : 403/1، كشف الْيَقِين : 189، روضة الواعظين: 130، كتاب سليم : 203، كشف الغمة : 149 وذكر ابن قتيبة في المعارف: 142 ماتت بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمئة يوم، وفي مصباح الأَنْوَار ستُون يوماً، وأما أبن حجر في الإِصَابَة ترجمة فَاطِمَة فقد ذكر ستة أشهر. وذكر في حَدِيث الأربعة أشهر والثمانية أشهر.
وفي البحار أيضاً : 52/10 ذكر خمسة وتسعون يوماً وكذلك في الإصابة لابن حجر عن الدولابي في كتابه الذرية الطّاهرة.
وفي تاريخ الطَّبَرِي : إنّ فَاطِمَة دُفنت ليلاً، ولم يحضرها إلا الْعَبَّاس، وعليّ، والمقداد، والزُّبَيْر ونقله عَنْه ابن شهر آشوب، وفي مزار الشيخ المفيد: إنّها دُفنت في بَيْتِها، فلما زاد بنو أُمَيَّة في المسجد صارت في المسجد، وفي مسند أحمد : 461/6 مثله، وأنظر أمالي الشيخ الصدوق : 523، والبحار : 37/209/43، و: 210/ 39 و 40، و: 21/193، و: 41/212، الخصال : 2 / 50/360، رِجَال الكشي : 13/6، الكافي : 1 / 458 / 3، أمالي الشيخ المفيد : 7/281، عُيُون المعجزات : 55، مرآة العُقُول : 382/1، الاحتجاج : 54. الإصابة : 4 / 478.
.1) أختلف في وفاة الصِّدِّيقة عَلى أَقْوَال. فأبن طلحة الشافعي صاحب مطالب السؤول : 220، والشبلنجي صاحب نور الأبصار : 42، والمناقب للخوارزمي: 83/1، والإصابة لابن حجر : 380/4 يقولون: إنّ تأريخ شهادة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) لَيْلة الثلاثاء لثلاث خَلون من شهر رمضان المعظم سنة إحدى عشرة من الهِجْرَة.
وفِي «حُلِية الأَوْلِيَاء» لأبي نَعِيم أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لها : «يَا بُنَيَّة أمَا تَرضين إنك سَيّدة نِسَاءَ العالمين ؟ قَالت : يَا أَبَتِ فأينَ مَرْيَمَ بِنت عِمْرَانَ؟ قَالَ : تِلكَ سيّدة نِسَآءَ عَالمها، وأَنْتِ سَيّدة نِسَاءَ عَالمكِ، أما والله زوجتكِ سَيّداً في الدُّنْيَا والْآخِرَة» (1)
وروي هَذَا الحديث بطرق مختلفة عن عَائِشَة وغيرها، وكذلك بألفاظ فيها شي من الإِخْتِلاف. والزِّيَادَة ولكن كلّها لاتؤثر على المطلوب، أنظر، صَحِيح البُخَاري في كتاب بدء الخلق باب علامات النُّبُوَّة في الإسلام : 210/4، و : 25/5 عن عَائِشَة ولكن بلفظ : 210/4 :25/5 عن عَائِشَة ولكن بلفظ.... سيّدة نِسَاء أَهْل الجَنَّة، أو نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ؟... وفي مُسْنَد أحمد قال : سيّدة نِسَاء هذه الأمة أو نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ... ورواه أبن سعد بلفظ : سيّدة نِسَاء هَذه الأمة أو نِسَاء العالمين... وفي أسد الغابة : 522/5 بلفظ سيّدة نِسَاء العالمين... والنسائي في الخصائص : 34 بلفظ سيّدة نِسَاء هذه الأمة أو نِسَاء المُؤْمِنِينَ... والبخاري في كتاب الاستئذان بزِيَادَة... فاتقي الله، وأصبري، فإنّي يعم السلف أنا لَكِ... وفي صَحِيح مُسْلِم زاد أيضاً : إِنَّكِ أوّل أهلى لحوقاً بي... و في مُسْنَد الطَّيَّالسي : 6 أحاديث النِّسَاءِ...
وأنظر، مشكل الآثار : 48/1 - 50. وفي مُسْتَدرَكَ الصَّحِيحِين : 156/3، و : 272/4 روى ذَلِكَ في، بَاب مَرْضَه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي توفي فيه بلفظ : سيدة نساء العالمين وسيدة نساء هذه الأمة وسيّدة نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ... قال : هَذَا إسناد صَحِيح. ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 43، كنز العمال: 111/7، و : 107/12، صحيح الترمذي: 319/2، مشكاة المصابيح : 3/ 1745 / 6184 مجمع الفوائد: 233/2، سنن الترمذي: 5 / 3964/261، كنوز الحقائق : 52، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 191 باب 11 فصل 3 ينابيع المودة : 55/2 طَبْعَة أسوة، أمالي الشيخ الصدوق : 99.
وأنظر، أمّالي الشيخ الطوسي: 191/1، والبحار : 172/43 و 156، قصص الأنبياء للراوندي: 172/43 مخطوط ورق 304 المناقب لابن شهر آشوب : 136/3، أسد الغابة : 522/5، التاج الجامع للأصول : 371/3، نور الأبصار : 45. جواهر البحار للنبهاني: 360/1، مقتل الحسين للخوارزمي: 54/1 مصابيح السُّنّة : 167/2، تأريخ الإسلام للذهبي: 94/2 إحقاق الحق : 27/10.
.1) أنظر، حُليّة الأَوْلِيَاء : 40/2 و 29 و 42 مُسند أحمد : 282/6، و : 5 / 391 3 / 6324 و 82، صحيح مُسْلِم : 14/7، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 47/2، الإستيعاب : 1894/4، سنن ابن ماجه : 518/1، تاریخ ابن كثير : 226/5، الإصابة لابن حجر : 378/4، كشف الغمة : 79/2، صحيح مُسْلِم يشرح النووي : 7/16، المناقب لابن المغازلي : 408/362 و 409، بحار الأنوار : 40/37، مشكلات العلوم للمَوْلَى محمد مهدي النّراقي: 211، مُسْتَدرَك سَفِينَة البحار للشيخ علي النمازي : 251/8، كشف الْيَقِين : 352.
وقَرَأْتُ فِي جَرِيدَة «الْأَخْبَار»، كَلِمَة للأُستاذ مُحسن مُحمّد، تَحدّث فِيها عَن كِتَابِ جَدِيدٍ فِي أَهْلِ الْبَيْت بَلغ أَكْثَر مِن (600) صَفحَة لمُؤلفِهِ تُوفيق أبو عَلَم وكيل وزارة العدل بمصر. وَقَالَ الكاتب فِيما قَال، وهُو يُعرض نماذج من هذا الكتاب الجديد :
«هَؤُلَاءِ هُم أَهْل الْبَيْت : فَاطِمَة الزَّهرَاء، وزوّجها عَليّ، وأولادهما الحَسَن والحُسَيْن وأَحفَادهُما. وَلَقَد زُرت مَكَّة، والمَدِينَة، ووقفت بكربلاء، وعَبَرت الطَّرِيق إلى النجف والكوفة، وتمثلت لي في لحظة مواقفهم.. وبطولاتهم.. استشهادهم»(1).
«والسَّيِّدة فَاطِمَة أَصْغَر بنَات الرَّسُول، وأحبّهُن إِلَيْهِ، وأُمَّهَا خَدِيجَة التي ردت السَّكِينَة، والأمن لرَّسُول الله، وَتَعَلمت مِنْهَا فَاطِمَة أَعظم الدروس، فَكَانَتْ تُضمد جراح أبيها في غَزْوَة أُحد، وتَقُوم وحدها بعمل الْبَيْتِ لَا يُعِينَها أَحد، عاشت عَلَى الكفاف لا تكذب ولا تشكو، وتُردد دائماً قول أَبيها : «طُوبَى لِمَن هدي لِلإِسْلام وكَان عِيشَه كفَافاً وَقَنع به» (2). أعرضت عن طيب الدُّنْيَا، وأستوى عِندها الْغِنَى وَالْفَقْر، والرّاحة والعَنّاء، والموت والحياة... وعَلَّمت ولدها الْحَسَن دُعَاء يُردده : «الحَمْد الله الذي لا ينسى من ذكره، ولا يخيب مَن دَعاه، ولا يُقطع رجاء مَن رَجَاه» (3).
وإِذَنْ يَحقِّ ِللإِمَام أَنْ تَذهَب نَفْسَه أَسَى عَلَى بَضْعَة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَيَندبهَا بِهَذه الكَلِمَة النائحة: (السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي، وَ عَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَ السَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ !).
1) أنظر، جَرِيدَة «الأخبار» المصرية بتاريخ : 21 - 5 - 1970 م. (منه (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، المعجم الكبير : 305/18، مُسند الشهاب : 361/1 ح 615 و 616، رياض الصالحين للنووي: 279 ح 513، تُحْفَة الأَحْوَذي : 13/7، صحيح ابن حبان : 480/2، موارد الظمآن : 631/1، الجامع الصغير : 138/22 ح 5309، العهود المحمدية : 708، كشف الخفاء : 49/2ح 1681، فيض القدير شرح الجامع الصغير: 364/4 ح 5296.
3) أنظر، الكافي : 175/2 تأريخ دمشق، ترجمة حياة الإمام الحسن : 10 ح 7.
روى البخاري : «إِنَّ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دَعا فَاطِمَة فِي شَكْوَاه الَّذي قُبِضَ فِيهِ فَبَكت، ولما أسرَّ إِلَيْهَا بِشيء ضَحِكت، فَسَألتها عَائِشَة عَن بُكَائِهَا ثُمَّ ضحكَهَا ؟ فَقَالَت : سَارَّنِي إنه يُقبض في مَرَضَه هَذَا فَبكيت، ثُمَّ سَارَّني أني أوّل أَهْلِ بَيْتَه أَتْبَعَه فَضحكت» (1)
أنظر، مسند أحمد: 282/6، صَحِيح البُخَاري: 183/4 و : 101، سُنن أبي داود: 448/2، السنن 183/4 الْكُبْرَى : 96/5 و: 129/10، نظم درر السمطين : 179، مُسند أبي يعلى : 112/12، مُسْتَد أبن راهوية : 8/5، المصنف لابن أبي شيبة : 353/8، فتح الباري: 104/8 فَضَائِل الصَّحَابَةِ الأَحمد بن حنبل : 077 صَحِيح ابن حبان : 582/14، مسند أبي داود : 272.
.(قَلَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَ رَقَ عَنْهَا تَجَلُّدِي). قَوْله : «صَفِيَّتِكَ» يُشير إلى مكانتها عِند الله، ورَسُوله، قال الخطيب: «قَالَ رَسُول الله : عَلَى حَبِيب الله، والحسن والحسين صفوة الله، وفَاطِمَة أُمّة الله، على باغضهم لعنة الله» (2).
(إلا أَنَّ فِي التَّأْسِي لِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ، وَ فَادِحِ مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزٍّ... إلخ). المصاب يفقد السَّيِّدة بِضْعَة النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَظيم، وألِيم عَلى قَلْبِ الْإِمَام، ولَكِنَّهُ جَلل إذا قيس بِفَقد رَسُول الله، وقد صَبر الإِمَام عَلى هَذَا فِبالأُولَىٰ أَنْ يَصبر عَلَى ذَاكَ. ومِن أَقْوَاله : «إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْزُورٌ» (3). (فَلَقَدْ وَسَدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ) كَأَنَّ الْإِمَامِ يَقول بهذا لرَّسُول الله : إنّه مَعهُ فِي عَقْله، ورُوحَه، وَجِسمَه بَعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى
1) أنظر، صَحِيحه باب علامات النُّبُوَّة في الإِسْلام. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، تاريخ بغداد : 259/1 طبعة 1349هـ، بمصر (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). وأنظر، لسان الميزان : 194/4 ح 515 و : 20/5 234، أمالي الطوسي : 355 ح 77 میزان الاعتدال : 217/2، الطرائف لابن طاووس: 64 ح 65 الصّراط المُسْتَقِيم : 248/1، الجواهر السَّنية : 260، مناقب الخوارزمي: 214، كشف الغمة : 94/1 و 526، مقتل الإمام الحسين : 108/1، بحار الأنوار : 303/43.
3) أنظر، نهج البلاغة : الْحِكْمَة (291). عَزَّى فيها الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ لَهُ.
تماماً كما كَان مَعهُ في حياته (وَ فَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي نَفْسُكَ). تَقَدَّم ذَلِكَ (1).
(فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ !). المراد بالْوَدِيعَة، والرَّهِينَة السَّيِّدة أمّ الحَسْنين، وكَانَتْ عِند الإِمَام عوضاً عَن رؤيَة رَسُول الله كما تَكُون الرَّهِينَة عوضَاً عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي أُخذت عَلَيْهِ عَلَى حَدٌ مَا قَالَ أَبْن أَبِي الْحَدِيد (أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدُ) دَائِم (وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ) كنّايَة عَن شدة الآلام والأتراح التي تمنع من النَّوْمِ (2).
(وَ سَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا، فَأَحْفِهَا السُّؤال... إلخ). يُشِير بهذا إلى قِصَّة فَدَك، ولِفَدَك في التَّارِيخ الإِسْلامِي أدوار، وأَخْبَار، وتتلخص بأن فَدَكاً قَرِيَة في الحجاز، وكَانَتْ ملكاً لليهود فصالحُوا رَسُول الله عَلَيْهَا، ولما انتقلت إِلَيْهِ وَهَبها لا بنَتَه فَاطِمَة. وعَن كِتَاب «الدر المنثور» للسيوطي عِند تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (3)إِنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دَعَا فَاطِمَة، وأعطاها فَدَكاً... ولما قبض النَّبِيِّ انْتَزَعها أبو بَكْر من فَاطِمَة (4)، ولَم يَردها عُمَرَ فِي عَهْدِه لبضعة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و لما جَاء عُثمَانَ وَهَبها لَمَرْوَان بن الحَكَم، وحِين تَوَلَّى عُمَرَ بن عَبد العزيز ردها إلى أولاد فَاطِمَة، وبَعدَه أَنْتَزعَهَا مِنْهُم يَزِيد بن عَبد الملك. ثُمّ رَدها السفاح العباسي إلى الفاطميين، ثُمَّ أَخَذها مِنْهُم المَنصُور الدَّوَانِيقِي وأَرْجعهَا إِلَيْهِمْ)
المأمون، وانْتَزَعَها مِنْهُم المتوكل، وأنتهى عَهد الفاطميين بِفَدَك (1.)(سَلامَ مُوَدِّعٍ لأقَالٍ، ولا مُبْغِضِ (وَلَا سَئمٍ) لَا مَلُولٍ وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءٍ ظَةٍ بمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ (إنْ أخترت المقام عِند قبرك يَا رَسُول الله فأُقيم عِنده وأنا صابر وراضٍ بِقَضَاءِ الله طَلباً لثواب الصابرين، لا جازع، ولامتبرم وقريب مِن هَذَا قوْل الرَّسُول الأَعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عند مَوْت ولده إِبْرَاهِيم : «تدمعُ الْعَيْن، ويحزنُ الْقَلْبِ فلا نقول ما يُسخط الرّب ؛ ولَوْلاً أَنَّهُ قول صادق، ووعد جامع، وسَبِيل نَأْتِيه، وأنّ آخرنا سيُتبعُ أوّلنا ؛ لوجدنا عَلَيْكَ أشدّ من وجدنا بِكَ، وإِنا عَلَيْكَ يا إِبْرَاهِيم لمحزونون» (2). وروي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، بكى عند مَوْت صاحبه عُثمَانَ بن مَظْعُون (3).)
1) أنظر، الكَامِل في التاريخ : 19175 ميزان الإِعْتِدَال : 135/3، بشارة المصطفى: 353. فَتح القدير : 224/3، إعلام الورى بأعلام الهدى : 209/1، كشف الغمة : 105/2، العدد القوِيَّة: 195، جُواهر المطالب في مناقب الإِمَام عَليّ لابن الدِّمَشْقِي : 156/1، ينابيع المودة : 138/1.
2) أنظر، صَحِيح البُخَاري : 2/ 4 و 85، كنز العمال : ح 40479، السنن الكبرى للبيهقي : 69/4، الذكرى : 70 دَعَائِمِ الإِسْلام : 224/1، بدائع الصنائع: 310/1، المغني : 411/2، المحلى : 146/5، مسند أحمد: 194/3، صَحِيح، 1943، صحیح مُسلم: 76/7 سُنن ابن ماجه : 507/1، سنن أبي داود : 64/2. مُسند أبي يعلى: 43/6، المصنف : 267/3. الإحكام للإمام يحيى الهادي: 150، الكافي : 262/3، ذَخَائِر الْعُقْبَى: 224/1.
3) هو أبو السائب عُثمَانَ بن مَظْعُون بن حَبيب الجُمَحِيّ القُرشيّ، كَان من حُكماء الْعَرَب فِي الجَاهِلِيَّة، وكان يُحرم الخمر، أسلم بعد ثلاثة عشر رَجُلاً، صَحِب النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، هاجر إلى الحبشة مرتين. وأراد التَّبتل والسياحة في الأَرْضِ زُهداً بِالْحَيَاة فمنعه رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فأتخذ بيتاً للعبادة، وشهد بَدْراً مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وتوفي بعدها في السَّنَة الثَّانِيَة، وقيل في السَّنة الثالثة من الهجرة، وهو أول من مات من المهاجرين وأول من دفن بالبقيع. أنظر، أسد الغابة : 385/3، الإصابة في تمييز الصَّحَابَة : 464/2 رقم «5453»، العبر : 4/1. تَفْسِير الثَّعلي : 414/2، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 397/3. الكَامِل في التاريخ: 226/5، تأريخ دمشق : 289/50 و 92/54، ميزان الإعْتِدَال : 354/2، صفوة الصفوة : 178/1، حُلية الأَوْلِيَاء : 102/1، 92/54 تأريخ الخميس : 411/1، سير أعلام النبلاء : 159/1 و : 481/5 و : 131/11.
وَقَالَ كَاتب إنجليزى: «نَجد كَثِيراً مِن القَصَصِ تَدل عَلى دَمَانَة مُحَمّد، وحساسيته. فَقَد بَكَى عَلى ابن عمه جعفر، وأيضاً بكى حين رأى أبنة زيد بن حارثة تبكي عَلَى أَبِيهَا الَّذي قُتل مع جعفر (1، وفِي ذَاتَ يَوْمٍ رأى طفلاً حَزيناً، فسأله عَن السَّبب فأجاب الطفل بأنّ بُلبُله قدمات. فَبَذل مُحمّد كلّ جُهده لتعزيته»(2).)
1) أنظر. سير أعلام النبلاء: 230/1 تاريخ دمشق: 371/19 الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 47/3، الدرجات الرفيعة : 439، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 695/3 ح 4183، الإخوان لابن أبي الدنيا: 152، مسكن الفؤاد : 96، بحار الأنوار : 236/16، مكارم الأخلاق للطبرسي: 22، مُسْتَدرك الوَسَائِل : 464/2.
2) أنظر كتاب توماس ووكر آرند (تعاليم الإسلام) aiker Thomas Arnold _1
## الخطبة - 203 -### الدُّنْيَا وَالآخِرَة:أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازِ، وَ الْآخِرَة دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرّكُمْ لِمَقَرَّكُمْ، وَلا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ : مَا تَرَكَ ؟ وَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ : مَا قَدَّمَ ؟ اللهِ آبَاؤُكُمْ ! فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً، وَلا تُخْلِفُوا كُلَّا فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ.اللُّغَة:المجاز : الممر. والقرار البقاء.الْإِعْرَاب:للهِ آبَاؤُكُمْ «للهِ» خَبَر مُقَدَّم، وآبَاؤُكُمْ مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، واللام الجارة تُفيد التَّعجب ويَكُنْ عَلى الجزم بجواب الأمر، فَيَكُونَ عَلَى النَّصب بِأَنْ مُضرة بعد الفاء.
الْمَعْنَى:(إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازِ هِي طَرِيق، والْغَايَة الْقِيَامَة (وَالْآخِرَة دَارُ قَرَارٍ) وخُلُود، لا مَوْت فيها، ولا أنْتقَال مِنْهَا (فَخُذُوا مِنْ مَمَرَّكُمْ) أي أَعْمَلُوا فِي دُنْيَاكُمْ (لِمَقَرَّكُمْ). سُئِل النّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَن أفضل الأعمال، فقال : «بَذلُ السَّلام لِلعَالِم» (1). وَقَالَ الإِمَام : «بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ» (2). ومِن فضل الله وَرَحمته أَنه جَعَل مُجَرد حُبّ الخير للنّاس، وَكَف الأذى عَنْهُم وَسِيلَة لِمِرضَاتِهِ، وثوابه، قال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأبِي ذَرٌ : «كُفَّ أذَاكَ عن النّاس، فإِنَّه صدقة تتصدّق بها عَلَى نَفْسَكَ» (3). (وَلاً تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ). إِذَا عَمْلِتُم خَيْراً فِي السِّر فلا تَنْطقُوا وتَعْلَنُوه أَمَام النَّاس، فإنّ الله يَعْلَمه مِنْكُم، ويُثِيَبكُم عَلَيْهِ. وقيل : مَعْنَاه لا تَتَجَاهِرُوا بِالمَعْصِيَة !. وهُو بَعِيد عَن دَلالة اللفظ.)(وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ. أي مِن حَرَامها : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (4). (فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ). خُلقَ الْإِنْسَان لِلبَقَاء، والخلود في الآخِرَة، أما الدُّنْيَا فَهِيَ لمُجرد الاختبار والتمييز بَيْنَ مَن يَسْتَحق النَّعِيمِ، ومَن يَسْتَحق الجَحِيم فِي دَارِ الْحِسَابِ والجَزَاء (إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ : مَا تَرَكَ ؟) مِن حُطَامِ الدُّنْيَا... وَهَذَا شَيء طبيعي، لأنّهم)
أبْنَاء الدُّنْيَا، وَهِي هَمهُم وشُغْلَهُم (وَ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ : مَا قَدَّمَ ؟ وَهَذَا طَبيعي أيضاً. ولأنهُم مِن أَهْل الْآخِرَة، ولا يمتون إِلى الدُّنْيَا بِسَبب.)(للهِ آبَاؤُكُمْ !. الآباء غَيْر مَقْصُودِين على الإطلاق، والْقَصْد مُجَرد التَّعَجُب مِن انصرَاف المُخَاطَبِين عَن الْآجِلَةِ الْبَاقِيَة إِلى العَاجِلَة الفَانِيَة (فَقَدِّمُوا بَعْضاً) مِن عَمل الخَيْرِ (يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً) أي دَيْنَا تَسْتُوفُونَه يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. وَفِيهِ إِيمَاء إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) (1). (وَ لا تُخْلِفُوا كُلًّا) لا تتركُوا اللوَارِث كلّ أَمْوَالَكُم دُونَ أنْ تُنفِقُوا مِنْهَا شَيْئَاً فِي سَبِيل الله (فَيَكُون) فَرْضاً عَلَيْكُمْ) إِنْ أَنْفَقتُم كَان الدين لكُم، وإنْ أَمْسَكَتُم كَانَ الدِّينِ عَلَيْكُم، تُحَاسَبُون عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، ولا تَسْتَطِيعُون الوَفَاء.)
1) الْبَقَرَةِ : 245.
## الخطبة - 204 -### تَجَهَّزُوا لِلرَّحِيلِ :تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ! فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَأَتِلُوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَ انْقَلِبُوا بِصَالِحٍ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً، وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةٌ مَهُولَةً، لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا، وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا. وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ، وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ، وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُنْطِعَاتُ الأُمور. وَمُعْضِلَاتُ الْمَحْذُورٍ. فَقَطَّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا، وَاسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى.اللغة:الْعُرْجَةَ - بضم العين - الإقامة. وأنْقَلِبُوا : أَنْصَرِفُوا. وكَؤُود شاقة. ودَانِيَةٌ : جَادَة. والمَخَالِب : الأظفار. ونَشِبَتْ : عَلِقَتْ. ومُفْظِعَاتُ، وَمُعْضلاتُ : الخطوب والشَّدَائِد. وعَلَائِقَ : جمع عَلاقة أي التَّعلق والارتباط : وأَسْتَظْهِرُوا اسْتَعِينُوا.الْإِعْرَاب:نَحْوَكُمْ نُصب عَلى الظُّرْفِيَّة، لأنّ النَّحو هُنا معنى الجهة، وَيَجُوز النَّصب بِنَزع
الخافض أي إِلى نَحْوَكُمْ.الْمَعْنَى:هَذَه الخُطْبَة فِي مَعْنَى التي قبلها بلا فاصل: التَّزْهِيد فِي الدُّنْيَا، والتَّرغِيب فِي عَمل الآخِرَة، وتَكَرَّر ذَلِكَ بِالعَشرات، ولذا نمر بهذه الخطبة مُسْرِعِين (فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ. الأصوات مِلء الأَسْماع بِأنَّ الرَّحِيل مِن هَذِه الحياة إلى الآخِرَة - وشيك، فأسْتَعدُوا لهَا (وَأَقِلُوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا) لاَ تَحبسُوا أَعْمَالَكُم عَلى الدُّنْيَا وَحدَها، وَتَنسُوا نَصِيبَكُم مِن الْآخِرَةِ (وَ أَنْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ). الْمُرَاد بِحَضْرَتِكُمُ الْقُدْرَة، والاِسْتَطَاعَة، والمَعْنَى مَا دُمتُم قادرين الآن عَلى العَمَل فَتَزُودُوا بَالْأَعْمَالَ الصَّالحات ليَوْمِ فَاقَتِكُم.)(فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً، وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً، لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا. وَهِي الْمَوْتَ وَسَكرَاته، والقَبْرِ وَوَحْشَته، والْقِيَامَة وأهوالها : ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا) (1).)(وَ اَعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِيَّة نَحْوَكُمْ دَانِيَةُ، وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ... إلخ. لاَ نَجاة من الموت، إنه لَكُم بالمرصاد، وكأن أظفاره قَد عَلقَت بِأجْسَامكُم وقُلُوبَكُمْ (فَقَطَّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا، وَ اسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى) أزيلوا حُبّها مِن قُلُوبَكُمْ، وأنظرُوا إِلَيْهَا كوسيلة لأكفاية (وَ أَسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى) أسْتَعِينُوا عَلى عَذَاب الله بتقواه، فَلا مَهرَب مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ.)
1) مريم: 71.
## الخطبة - 205 -### مَع طَلْحَة وَالزُّبَيْر فِقْرَة 1 - 2:لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً، وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِيراً. أَلَا تُخْبِرَانِي، أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ ؟ أَمْ أَيُّ قَسْم اسْتَأْتَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ ؟ أَمْ أَيُّ حَقٌّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ. أَمْ جَهِلْتُهُ، أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ !وَ اللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ، وَلَا فِي الْوِلَايَةِ إِرْبَةٌ، وَلَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا، وَ حَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْحُكُم بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَ مَا اسْتَنَّ النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فَأقْتَدَيْتُهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَىٰ رَأيِكُمَا، وَلَا رَأْيِ غَيْرِكُمَا، وَ لَا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ، فَأَسْتَشِيرَ كُمَا وَإِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا، وَلَا عَنْ غَيْرِ كُمَا (1). وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي، وَ لَا وَلِيتُهُ هَوَى مِنِّي، بَلْ وَجَدْتُ أَنا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ، وَ أَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمَا، وَ اللَّهِ، عِنْدِي وَ لَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى. أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَالْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ.)
ثُمَّ قَالَ رَحِمَ اللهُ رَجُلًا رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ، وَكَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ (2.)اللُّغَة:إِرْبَةٌ : حَاجَةٌ وغَايَةٌ. وأَفْضَتْ : صَارَت. والأُسْوَة : القُدْوَة، ومُرَاد الإمام أتباع سُنَّة النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وَيَجوز أَنْ يُرِيد التَّسْوِيَة فِي قِسْمَة الأَمْوَال. والعُنى : الرُّجُوعِ عَن الإِسَاءَة وطَلَب الرِّضَا مِمَّنْ أَسَأْتَ إِلَيْهِ.)الْإِعْرَاب:أَيُّ شَيْءٍ مُبْتَدَاً، وجُملَة دَفَعْتُكُمَا خَبَر، وَلَكُمَا فِيهِ حَقٌّ مُبْتَدَاً وخَبَر، والجملة صِفَة شَيء، وفِي بَعْض النُّسَحْ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ، وعَلَيْهِ فَإِنْ فِي «كان» ضَمِيراً مُستتراً اسماً لِكَان، وجُملَة لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ خَبَر، والجُملة مِن كَان وأسمها، وخَبَرَها صِفَة شَيء، وأنَا تَأكيد، وهَوى مَفْعُول من أجله لِوَلِيتُهُ.الْمَعْنَى:(لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً، وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِيراً. الخِطَاب لطَلْحَة، والزُّبَيْرِ، والمراد باليسير الَّذِي غَضبًا مِن أجله المَصْلَحَة المخاصَّة، وبالكَثِير الَّذي تَجَاهلاه مصلحة الإسلام والْمُسْلِمِينَ، والمَعْنَى أنّ طَلْحَة والزُّبَيْرِ أثارا،الْفِتَن وَسَفْكَا الدِّمَاء، وأضَاعَا هَيْبَة الإِسْلاَم، وقُوَّة المُسْلِمِين، كلّ ذَلِكَ لأنّ الإِمَام لَمْ يَعط الْبَصْرَة لِطَلْحَة، والْكُوفَة لِلزُّبَيْرِ، وسَاوى بينهما وبين المُسْلِمِينَ في الحقوق.)
وفِيمَا سَبق أشرنَا أَنّ الصَّحَابَة كانوا يَخْتَلَفُون فِيمَا بَيْنَهُم، ولكن ما مِن وَاحد منهم حَدَّث نَفْسَه أَنْ يَخرُج عَلى الجَمَاعَة وَيَشهر السَّيْف حرصاً على مصلحة الإِسْلام... فَقَد كان الْإِمَام وحزّبَه يَرُون أنه أحق النّاسِ بِالخِلافَةِ. وعَارِضُوا مِن سَبَقه مِن الخفاء، ولكن بهدوء، وبالحجة لا بالسَّيْف خَوْفاً من الْفِتْنَة وعواقبها، قَال سُبْحَانَهُ : (وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةُ (1).)وفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن رَسُول الله : «لاَ تَردُّوا بَعدِي كِفارَاً يَضْرِب بَعْضُكُم رِقَابِ بَعْض (2... مَن خَرَج مِن السُّلْطَان مَات ميتة جاهلية» (3). ولكنْ أَصْحَاب الجمَل، وصِفِّين يُرِيدُون الحكم، والإِسْتِثْثَار وَلو عَلَى دِين الجَاهِلِيَّة.)(أ لَا تُخْبِرَانِي، أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ... إلخ؟ أَيُّ حَقٍ اسْتَهَنتُ بِهِ خاصاً كَان أَم عَاماً ؟ صَحِيح إنِّي مَلكت دُونَكُما وقَسّمتُ، ولكن هل اسْتَأْثَرْتُ بشيء أو أثَرْتُ أحداً مِن أهْلِي دُونَ النَّاسِ ؟ أَلَا تَرَيَان إِنِّي أُقدر نَفْسِي أهلى بضَعَفَة الرَّعِيَّة، أو تَرَيَانِي جَاهِلاً بدين الله، أو حرَّفتَه أَسْتَجَابَة للأهواء والأَغْرَاض ؟)وقد أجاب التَّاريخ عَن هَذِهِ التَّساؤلات.قال الكاتب المصري أحمد عباس صالح: «إنّ طَلْحَة والزُّبَيْرِ لَمْ يُظهرَا حَقِيقَة
1) الأنفال : 25.
2) انظر، صَحِيح البُخَارِي كِتَاب الْفِتَن. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). وفي صَحِيح البخاري طبعة أخرى : 2594/6 ح 6668 و: 91/8، مجمع الزوائد: 283/6، المعجم الأوسط : 269/4 ح 4166، تغليق التعليق : 245/5 مُسْتَدرَك سَفِينة البحار : 175/6.
3) أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 2588/6 ح 6645 و: 87/8، : و: 87/8 تلخيص الخبير : 43/4 ح 1732، فتح الباري: 6/13 ح 6645، رياض الصالحين للنووي : 339 ح 669.
مَقْصَدهُما مِن خَلع الْبَيْعَة لِعَلِيٍّ، فَهُما خَلَعَاهَا الأَمْرِين :الأَوَّل: لِطْمَعَهُما فِي الْخِلافَةِ.وَالثَّانِي : لإبْقَاءِ الْأَوْضَاع الاجتماعِيَة القَائمَة» (1أي فِي عَهد عُثْمانَ.)وَقَالَ: «ثَارِ طَلْحَة وَالزُّبَيْرِ بِعَلِيّ لِطَمَعَهما فِي الْخِلافَةِ، وإِنَّهُما يَكرهان أيضاً ما يَتصُورَان أنّه مُغَالاة في تطبيق المبادىء الإسلامية» (2.)(وَ اللَّهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةُ... إلخ. أرَد المُسْلِمُون عَلِيَّا بَعد مقتل عُثمانَ، وَقَصَدُوه بِالْبَيْعَةِ فَتُوقَفَ، وَقَالَ: «أَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً» (3).)وظلت الخلافة شاغرة (5 أَيَّام، وقيل : (8) أَيَّام. وبعد إلحاح وإصرار لمُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ، ومَن حَضَر مِن غَيْرهم - أستجاب الإِمَام. وتَقَدَّم الكلام عَن ذَلِكَ مُفصلاً (4). (فَلَمَّا أَنْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَمَا وَضَعَ لَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ... إلخ). كَان الْإِمَام هو الصَّرَاط القويم للعِلم بِكتاب الله، وسُنّة نَبِيَّه بِشَهادَة العديد مِن الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّة، مِن ذَلِكَ :)1 - «أنا مَدِينَهِ الْعِلم، وعَلى بَابها» (5.
1) انظر، كتابه «اليمين واليسار في الإسلام»: 118، طَبعَة سَنَة (1972م).
2) أنظر، كتابه «اليمين واليسار في الإسلام»: 117، طبعة سنة (1972م).
3) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (92).
4) أنظر، شرح الخُطْبَة : (92). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
5) روى هَذَا الحَدِيث الحَاكِم في مُستدرك الصَّحِيحِين : 126/3 طبعة حيدر آباد سنة 1324 هـ. في تاريخ بغداد : 127/3 طبقة مصر سنة 1349 هـ، وابن حجر في تهذيب التهذيب : 230/6 طَبعَة حَيدر آباد سنة 1325هـ. والمحافظ في الرياض النضرة الطَّبعة الأولى بمصر. وغَيْر ذَلِكَ مِن الكُتب (أنظر : 2/ فَضَائِلِ الْخَمْسَة مِن الصِّحاح الستة). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)وأنظر، أبن عساكر في تأريخ دمشق / ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: 467/3، والمناقب لابن المغازلي : 81. : صَحِيح الترمذي: 2/ 299 ح 3807، سنن الترمذي : 5 / باب 301/87، الطبراني في المعجم الكبير : 10/3، و: 11061/55/11، الْحَاكِم في المناقب: 226، مُسْتَدرك الصحيحين : 126/3 و 127 و 129، أسنى المطالب للجزري: 70 و 71، تأريخ بغداد: 204/11 و 48 و 49 و : 377/2 و : 248/4، :و 172/7، لسان الميزان لابن حجر : 197/1 تحت رقم 620، الصَّوَاعِق المحرقة : 73 و 120 و 9/122 : طَبْعَة المَحَمَّدية، تهذيب التهذيب : 320/6، و : 427/7، تذكرة الحفاظ : 28/4 طبعة حيدرآباد، نزل الأبرار: 73 كتاب الفِرْدَوْس لأبي شجاع الديلمي : 76/1/ 109، مَوَدَّة القُربى : 24، مصابيح السُّنّة للبغوي : 22 27، الجامع الصغير للسيوطي : 1 / 374 ح 2705 و 2704 طَبْعَة مصطفى مُحمَّد، مُنتخب 2/ كنز العمال بهامش مُسْنَد أحمد: 30/5، وكنز العمال : 152/6 و 156 و 32979/614/11، و 600 / 32889، و : 136462/147/13 و 36463، و : 15 / 129 / 378 الطبعة الثَّانِيَة، الْفَتْحِ الْكَبِير للنبهاني: 1/ 2722 و 276، البداية والنهاية لابن كثير : 358/7، كنوز الحقائق للمناوي : 43 و 46 طَبْعَة بولاق و 37 طَبْعَة أخرى، مجمَع الزوائد للهيثمي : 114/9.)تلخيص الشّافي : 21/3 دلائل الصدق للشيخ المظفر : 332/2 و 439 و 441 و 520، السراط، الْمُسْتَقِيم للعلّامة البياضي : 19/2، حلية الأولياء : 64/1 و 63، عبقات الأنوار: ج 5 و 10 خاص بحديث مَدِينة العِلم طَبْعَة الهند. فرائد السمطين : 98/1، شواهد التنزيل للحافظ الحسكاني: 459/334/1 و 118/81 و 119/82 و 120 و 121 طَبعَة أُخرى، الرياض النضرة : 193/2 و 255 الطبعة الثانية، أسمى المناقب: 76، أمالي الشيخ الصدوق : المجلس السادس والخمسون ح 8 والمجلس الحادي والسنون ح 11 البحار : 40/ 200 و 201، المناقب لابن شهر آشوب : 36/2. الغدير : 61/6 - 85، و : 198/7 و 199.و راجع فَضَائِلِ الْخَمْسَة : 248/2 و 250، جامع الأصول : 6489/473/9، شرح النهج لابن أبي الحديد : 236/2 طَبْعَة بيروت، و : 219/7 طبعة مصر بتحقيق مُحمَّد أبو الفضل اللآلي المصنوعة : 171/1، تأريخ جرجان : 24، إحقاق الحق 470/5 و 483، ميزان الاعتدال للذهبي : 415/1 و 436 تحت رقم 429، و : 215/2، و : 182/3، و : 99/4، أسد الغابة : 4 / 22، تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي / ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ : 983/459/2 و 464 و 476 حديث 984 و 986 و 997.)نظم درر السمطين للزرندي الحنفى : 113 المناقب لابن المغازلي : 80 و 212 حديث 120 - 126 و 126/158 طَبْعة آخر و 128/86، الإستيعاب بهامش الإضابَة : 38/3، فيض القدير للشوكاني: 46/3 كفاية الطالب للكنجي الشافعي : 220 طَيْعَة الحيدرية و 99 طَبعَة الغري /58.وراجع أيضاً فتح الملك العلي بصحة حَدِيث بَاب مدينة العِلْم علي الأحمد بن مُحَمَّد الصِّدِّيق المغربي طبع سنة 1304 هـ بالمطبعة الإسلامية بمصر 3 - 5 و 14 - 16، و 22 - 24 و 28 و 29 و 40 - 44 و 54 و 55 طَبَعَة الحيدرية ينابيع المودة للحافظ القندوزي : 65 و 71 و 72 و 81 و 179 و 183 و 220. و 221 و 234 و 254 و 282 و 400 و 407 طَبْعَة إسلامبول و 211 و 217 و 278 و 303 و 338 ط الحيدرية، و : 3/ 122 و 198 و 204، و : 2 / 292، و : 1/ 137 و 218 و 220 و 222 تحقيق السيد علي جمال أشرف الحُسَيْنِي، مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي: 43/1، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 47 و 48 إسعاف الراغبين للصبّان بهامش نور الأبصار: 140 و 174، تأريخ الخلفاء للسيوطي: 170 و 107 طَبْعَة آخر.
2 - «عليّ مَع الْقُرْآن، والْقُرْآن مَع عَليّ»(1.)
1) )(1 رواه أبن حجر في صواعقه المحرقَة : 75 طبعه مضر سَنَة 1312 هـ، والحاكم في المُشتَدرَك : 3 / 124. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). أنظر، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 19/3 و 124، مُسنَد الرضا: 208، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 124 طَبعَة المحمدية بمصر، ينابيع المودة : 124/1 و 96/3 234، مناقب أمير الْمُؤْمِنين محمد بن سعيد الكوفي : 616/2، أمالي الشيخ الطوسي : 460، الإحتجاج : 177، كشف الغمة : 148/1، كفاية الطالب: 253 تاريخ ابن عساكر : 120/2، الْمُعْجَمِ الْصَّغير : 255/1، المعجم الأوسط : 135/5. مجمع الزوائد: 235/7 و : 134/9، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 173، أسعاف الرَّاغبين بهامش نور الأبصار: 73، المعيار والموازنة : 46، الجامع الصغير : 177/2، ح 5594. كنز العمال: 603/11 ح 32912، سبل الهدى والرشاد : 297/11، صَحِيح الترمذي: 1297/5 ح 3798 و 126/12، وجامع الترمذي: 0213/2 التَّفْسِير الْكَبِير للفخر الرازي: 205/1، فيض القدير : 356/6، تاريخ بغداد: 321/14. الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 78/1، شرح الأَخْبَار للقاضي النعمان المغربي : 60/2، ربيع الأبرار للزمخشري: 0828/1 فرائد السمطين : 1/ 177 ح 138، المناقب لابن المغازلي : 117 و 244، العقد الفريد : 108/3 الطبعة الثَّالثة، تأريخ ابن عساكر ترجمة الإمام عليّ: 119/3 ح 1162 و : 449/42، أَنْسَابِ الأَشْرَاف : 281/2 الطبعة الأولى، فضل آل البيت للمَقْرِيزي : 60، جواهر المطالب في مناقب الإِمَام عَليّ لابن الدِّمَشْقِي : 343/1، الملل والنحل : 103/1.
3 - جاء في تاريخ بغداد : أنه قيل : يَا رَسُول الله عَمّن نكتب العِلم (بعدك ؟. فقال: «عَن عَليٍّ، وسَلْمان» (1).وقد شاع، وأشتهر أنَّ الصَّحَابَة كانوا بعد النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يَرجِعُون إِلى الإِمَام فِي مُهات الشَّرِيعة. وعَلَى سَبِيل المثال أنّ أبَا بَكْر سُئل عَن حُكم المأبون، فَرَجع فِيهِ إِلى الصَّحَابَة، وما وجد الجواب إلَّا عِند الإمام، فَعَمل بِهِ (2). وأشتَهر عن الخليفة الثَّانِي قَوْله : «لَوْلاً عَليَّ هَلَك عُمَرَ... أعوذ بالله أنْ أعِيش فِي قَوْمٍ لَيْسَ فِيهِمْ أبو الْحَسَن» (3)
كنز العمال : 179/3، و : 241/5 و 451 وح 13584، مصباح الظلام : 56/2، المسترشد في إمامة أمير المؤمنين للحافظ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِي الإمامي: 654 تحقيق أحمد المحمودي. وفي كتاب أحمد بن حنبل - فَضَائِلِ الصَّحَابَة - عن سعيد بن المسيب قَالَ في : 674/2، تهذيب التهذيب : 1/ 337، الصَّوَاعِقِ المحرقة : 76، ينابيع المودة : 221، نور الأبصار : 74، أرجح المطالب : 121 و 124، الإصابة : 4 ق 1 / 270، فيض القدير : 357/4، فَضَائِلِ الْخَمْسَة من الصحاح الستة : 290/2 و 309، علي إمام المتقين للشرقاوي: 1/ 100 و 101، أنساب الأشراف للبلاذري، والمفيد في الإِرْشَاد : 9. وابن البطريق في العمدة : 4/2، والمَعْرِفَة والتاريخ : 462/1، والبداية والنهاية لابن كثير : 201/6، ومُسْتَد زيد : 335 الطبعة الثَّانِيَة دار الكتب الإسلامية طهران.
، وجاء في موطأ مالك: «إنّ عُثمَانَ أَخَذ بقُول عَليّ في طَلاق المَرِيض،1) أنظر، تأريخ بغداد : 4 /158، فَضَائِلِ الْخَمْسَة : الجزء الثاني. (مُنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أنظر، كفاية الطالب : 103 و ص 225 طَبْعَة أخرى بَاب 59، تاريخ جرجان : 64، لسان الميزان: 173/1 ح 552، ميزان الإِعْتِدَال في نقد الرّجال : 234/1 ح 377، الكَامِل لابن عَدِي : 195/1 ح 36.
2) نَقَل هَذَا صَاحب «فَضَائِلِ الْخَمْسَةِ» عَن كَنز العمال: 99/3. (مِنْهُ(قدّس سِرُّه)).
3) تَقَدَّم إستخراج ذَلِكَ مفصلاً، وأنظر، فرائد السمطين : 272/348/1 و 276/350، فتح الباري في شرح البُخَارِيّ : 343/12 و 105/17، تأويل مختلف الحديث: 162/1 فيض القدير : 357/4/4، تهذيب الكَمَال : 485/20، صفوة الصفوة : 314/1، الاستيعاب : 1103/3، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 339/2 الإصابة : 568/4، المدخل إلى السنن الكبرى : 130/1 ح 78.) المناقب لابن شهر آشوب : 358/2 و 360 و 361 و 365، والبخار : 223/40 و 226 تهذیب التهذيب : 296/7 و 94/10 تاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 93/3 و 1071/41 و 1070 بتحقيق الشيخ المحمودي الرياض النضرة : 2/ 195 و 196، و : 163/3 و 164 و 165 وذَخَائِرِ الْعُقبى : 79 - 82 مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي : 13، والمناقب للخوارزمي الحنفي: 39 و 48 و 60 و 65 و 81، والفخر الرازي في الْأَرْبَعِين : 466، وروى أبن الجوزي في كتاب الأذكياء: 18. وفي كتابه أخبار الطراف: 19 تذكرة الخواص: 87 و 148.
وفي أقل مدة الحمل (1... حَتَّى مُعَاوِيَةٌ كَان يَسأل الإِمَام عَن أَحْكَام الشريعة.)فَفِي الإِسْتِيعاب : «إنّ مُعَاوِيَةَ لَمَا بَلَغَه قتل الْإِمَام.قَالَ : ذَهَب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب.فقال له أخوه عُتْبَة : لا يَسمع مِنْكَ هَذَا أَهْل الشام.فقَالَ لَهُ : دَعنِي عَنْكَ» (2.)وإذَا كَان الإمام هُو الْمَرْجِعِ الْأَوَّل فِي العِلم بعد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ... حَتَّى لمُعَاوِيَةَ - فَهل يَحتاج إِلى مَشُورَة طَلْحَة، والزُّبَيْرِ ؟.)
1) أنظر، موطأ مالك : كتاب الحدود 176. و : 572/2 باب طلاق المريض ح 1183، وما بعده.
2) أنظر، الإستيعاب لابن عبد البر : 463/2 و : 1108/3 طبعة أخرى، الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة : 40/3، الشرف المؤبد : 95، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 79 الفتوحات الإِسْلامية : 453/2. فتح الملك العلي للغماري : 44 و 74 طبعة أخرى، تأريخ ابن عساكر : 583/42، المناقب للخوارزمي : 391 فصل 36 ح 408، فرائد السمطين : 372/1 ح 303 و 304، نظم درر السمطين : 134، البحار: 172/33 ح 451. الجوهرة في نسب الإِمَام عَليّ وآله : 74، العدد القوِيَّة : 250 ح 61، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي لابن الدِّمَشْقِي : 297/1.
وَقَد أَشتَهَر عَنْهُ قَوْله : «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي» (1). وَمَا تَجْراً عَلَى مثلَهَا أَحد مِن الصَّحَابَة، ولؤلاً إجماع الكلمة عَلى عِلمه لسكت عَنْهَا تَجنُباً للريب والتهمة.
(وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي... إلخ). ساوئ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي الْعَطَاء بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، ومثله فَعل أبو بَكْرٍ مِن بَعده، وخالفهما عُمَرَ، وعُثمَان (2)، ولما انتهت الخلافة إلى الإِمَام عَادِ سِيرَة رَسُول الله ص(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فعَارض طَلْحَة، والزُّبَيْرِ، وأَصْحَاب المراكز الممتازة، عارضو الا من وِجْهَة اقْتِصَادِيَة وكفی،
1) أنظر، نهج البلاغة من كتابه له (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم (189)، تفسير الطَّبَرِي : 221/13، المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 383/2 ح 3342 :وص: 506 ح 3736، السنن الواردة في الفتن : 838/4 ح 428 و: 6 / 1196 ح 664، الصَّوَاعِقِ الْمحرِقَة : 76، ذَخَائِرِ الْعُقْبى : 83، مُعتصر المختصر : 302/2، كنز العمال: 165/13 ح 36502 و: 612/14 ح 39709 تأريخ مدينة دمشق : 335/17 و : 397/42. سیر أعلام النبلاء: 257/6، الطَّبَقَات الكبرى : 338/2، حلية الأولياء : 67/1، كشف الغمة : 114/1، المناقب للخوارزمي : 91 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 286/2، شرح الْأَخْبَار: 91/1 و : 293/3، الخلفاء الراشون : 637، تهذيب الكمال 79/5، سير أعلام النبلاء : 257/6، تاريخ بغداد : 193/2، تَفْسِير فُرات الكوفي : 68، عُيُون الحكم والمواعظ : 285، المعيار والموازنة : 83، الرياض النَّضرة : 198/2 تاريخ اليعقوبي: 193/2، كشف الغمة : 114/1، يُنابيع المودة : 208/1.
2) انظر، المجموع : 383/19 و 385، المبسوط للسرخسي : 132/27، البحر الرائق : 200/5، حاشية ردّ المحتار : 403/4، الْمُغْنِي لابْن قُدَامَة : 309/7، نيل الأوطار: 235/8، تهذيب الأحكام: 146/6 الغارات : 77/1، أخبار عُمَرَ بن الخطاب للطنطاوي: 122، فتوح البلدان للبلاذري : 435، الفخري للطقطقی : 60، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 233/3، الخراج لأبي يوسف: 51، الكامل لابن الأثير : 247/2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 214/12 تأريخ الطَّبَرِي : 614/3، الأحكام السُّلْطَانِية : 177، الأموال لأبي عُبَيْدَة : 226، فتح الباري: 6/12، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 580/8 14، شرح مَعَاني الآثار: 309/3، فيض القدير : 618/1، تفسير القرطبي : 239/14، الفصول في الأصول للجصاص: 309/3 و 54/4، الأحكام لابن حزم: 798/6، أصول السرخسي: 316/1، المستصفى للغزالي : 287. الأحكام للآمدي : 287/2 و : 41/4، أسد الغابة : 71/4، الإصابة : 202/1.
بَل كَرْهَاً لمبدأ المُسَاوَاة، لأنّ التقسيم معناه أنّ عَلِيَّاً يُنفذ سُنّة النَّبيِّ فِي تَسَاوِي البَشر في جميع الحقوق، فلا فضل لعربي، ولا لقُرشي، ولا لصحابِي إِلَّا بِالتَّقْوَى (1، وإلّا يَوْم الْقِيَامَة حَيْث الحِسَاب، والجَزَاء، لا في الدُّنْيَا... وَهَذَا هُو الهدم والتّهديد لنفوذ طَلْحَة، والزُّبَيْر وغيرهما من «الشَّامخين» وكان عُمَرَ قَد خوّفهم، وحذرهم من وِلايَة عَليّ بقَوْله : «إنْ وَلِيها الأَجْلَح ليحكُمَنكُم عَلى المحجة البَيْضَاء، والصَّراط الْمُسْتَقِيم» (2). وَقَالَ الأستاذ أحمد عباس صالح «كَان عَلي يُطلب مِن كلّ مُسلِم أنْ يَكُون عَلى طُرَاز رَسُول الله، أو عَلى طُرَازه هُو حَتَّى يَتحقق الإِسْلام في صورته المثلى» (3).)(فَلَيْسَ لَكُمَا، وَ اللَّهِ، عِنْدِي وَ لَا لِغَيْرِ كُمَا فِي هَذَا عُتْبَى. هَذَا إِشَارَة إِلَى الْعَدْل والمُسَاوَاة، والعتبى الرّضا، والمَعْنَى إِنَّ الْإِمَام عَلَى بَصِيرَة مِن دِينِهِ يَمْضِي فِيهِ، ويَصر عَلَيْهِ، ولا يُسخط الله برضا النَّاس مهما كَانَتْ الظُّرُوف والنَّتَائج (رَحِمَ اللهُ رَجُلًا رَأَى حَقَّاً فَأَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ، وَكَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ). لا خَير فيمَن لا يقاوم الفَسَاد، والجور، ولا يُناصر الحق والعدل. قَالَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَن)
1) أنظر، تأريخ اليعقوبي : 91/2 نيل الأوطار : 164/5، حلية الأولياء : 100/3، فتح الباري : 527/6، الترغيب والترهيب : 375/3 ح 4494، شعب الإيمان : 289/4 ح 5137 مُسْنَد أحمد: 411/5ح 23536، المعجم الأوسط : 86/5 ح 4749، سُنن البيهقي: 118/9، سُبل الهدى والرشاد : 242/5، بحار الأنوار: 350/73 ح 13، العقد الفريد : 185/2.
2) أنظر، أَنْسَابِ الْأَشْرَاف: 18/5، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 259/12، الفتح المبين : 180/2 الاِسْتِيعاب : 1154/3، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 342/3.
3) أنظر، كتابه «اليمين واليسار في الإسلام»: 120، طَبعَة سَنَة (1972م).
رأى مُنْكَراً فَلِيُغَيّرة بيده، فإِنْ لَم يستطع فبقَلْبَه، وذَلِكَ أَضْعَف الإيمان»(1.)وتَسْأَل : إِنْ تَقدِيم اليَد عَلى النِّسَان يتنافى مع ما هُو مَعرُوف شرعاً، وعَقلاً. وعُرفاً مِن تَقدِيم اللّسَان عَلى اليَد حَيْث يجب أوّلاً النَّهي عَن المُنكَر، فإنْ لَمْ يُجدِ فالحزب ؟الجَوَاب:فَرقُ بَيْنَ تَغيير المنكر، وبَيْنَ النَّهي عَنْهُ، فإنّ النَّهي فِي الغَالب يَكُون قَبل الوقوع. فهُو أشبه بالوقاية، أما تغيير المُنكَر فَيكُون بعد وقوعه، ومَوْضُوع الحَدِيث الشَّرِيفَ تَغيير مَا وَقع بِالفِعْل مِن الْمُنكَر، لا النَّهي عن أَرْتكابه قبل الوقوع.
1) أنظر، صحيح ابن حبان : 540/1 ح 306، سُنن البَيْهَقِي الْكَبْرَى : 265/7 ح 14325، سنن أبي داود: 296/1 ح 1140، سُنن الترمذي : 469/4 ح 2172، سنن النسائي : 111/8 ح 5008 و 5009، سنن أبن ماجه : 406/1 ح 1275 مسند أحمد : 20/3 ح 11166 و 11510، مُسْنَد أبي يعلى: 414/2 ح 1203، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 544/3 ح 5698، التمهيد لابن عبد البر : 258/10، شرح السيوطي: 5008. نيل الأوطار: 374/3. 111/8.
## الخطبة - 206 -### لا تَكُونُوا سَبَّابِينَ:إنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ، وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ : أَللَّهُمَّ أَخْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ، حَتَّىٰ يَعْرِفَ اَلْحَقِّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ.اللغة:ذَاتَ الشَّيء نَفْسَه، وذَاتَ الصَّدور بواطنها، وذَاتَ الشِّمال جهتها، وذات البين الحال، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَاد هنا أي أصلح حَالَنا وحَالَهُمْ، ويَرْعَوِيَ عَن الشّيء : يَنْصَرِف عَنْهُ ويُرجَع، ولَهجَ بِهِ : وَلع بِهَ.الإعراب:سَبِّكُمْ مِن أضافة الْمَصْدَر إِلى فَاعِل، وإِيَّاهُمْ مَفْعُول سَبِّكُمْ، وذَاتَ مَفْعُول بِهِ
لأَصْلِحْ، لأَنَّهَا بِمَعْنَى الحَال كما أشرنا، وبَيْنِنَا مَجرُور بِالإضافة، ويَعْرِفَ مَنصُوب بِأَنَّ مُضمَرَة بَعْد حَتَّىالْمَعْنَى:قَال الشَّرِيف الرَّضِي: سَمِع الإمام قوماً مِن أَصْحَابه يَسْبُّونَ أهْل الشام أَيَّام حزبهم بصِفِّين فقال : (إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ. قَالَ أَكْثَرَ الْعُلَماء : لا يُحل لأحدٍ أنْ يُذكر آخر بِجَرِيمَة أَقْتَر فَها إلا إذا أَعْلنها الجرم، وجَاهر بِها غَيْرُ مُكترث بما قِيل ويُقَال (1). وعَن الْإِمَام جَعْفَر الصَّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذَا جَاهر الْفَاسِقِ بِفُسْقه فَلا حُرمة له ولا غيبة» (2). أما الشب واللعن فهو مُحرم بالذات، ومِن أكْبَر الكبائر بخَاصَّة عَلَى الطَّيِّبِين الأخْيَار... ولا يحل على أحدٍ بحال إلا بالإذن والترخيص من صاحب الدين والشَّرع، وقَد أَذن بِذَلِكَ فِي موارد، مِنْهَا :)1 - اللَّعْنَةُ عَلَى إِبْلِيسَ، قَالَ تَعَالَى : (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (3).)2 - كلّ مَن يَكتُم اللْحَقِّ، أو يُحرفه عَن قَصدِ، قَالَ سُبْحَانَهُ : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
1) انظر كتابنا : «الْغِيْبَة هَدم لا بِنَاء» طَبعَة سَنَة 1981م.
2) أنظر، السَّرائِر لإبن إدريس : 644/3، أمالي الشيخ الصدوق : 93 ح 8، وَسَائِل الشّيعة : 289/12 ح 4 وفي لفظ : «ليس للفاسق غيبة». كما في كنز العمال: 595/3 ح 8071، المعجم الكبير : 418/19، الجامع الصغير : 461/22 ح 7650، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 481/5، الكامل لعبد الله بن عدي : 174/2.
3) الحجر : 35.
وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعنُونَ (1).)3 - كلّ مُنافق دَجَال، قَال عزّ من قائل: (لئن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا (2).)4 - المُفْسِدُون، قَال عَظُمت كَلِمَته : (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (3). وبِخَاصة إِذا كَان الفَسَاد بِالظُّلْم حَيْتَ خَصٌ سُبْحَانَهُ الظَّالمين صَرَاحة : ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (4).)ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ أهل صِفِّين ظَلَمُوا وأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، وقد نَعتهُم النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بالْفِئَة الْبَاغِيَةُ، ولذا جاز قِتَالهُم، فَيَجُوز سَبَّهُم بِطَرِيق أَوْلَى. وعَلَى هَذَا فَنَهي الإِمَام هُنا مَحمُول عَلى أنّ التّرك أَوْلَى، وإنّ غَيْرِ السَّب أفضل وأجدى، وهو ما أشار إِلَيْهِ بقَوْله : (وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ). وَهَذَا الَّذي ذكره الإِمَام بَالِغ الأهمية والأثر وهُو مِن أَحدَث أساليب الحزب في العصر الحديث، ويُسمى بالحزب الدّعَائِية، وهي أقناع الرّأي العام بِأَنَّ الخصم هُو البَاغِي والمتعدِي، وإنّه لا يُقيم وزناً لِلقَوَانِين الدُّولية، ولا لِلقيم الإِنْسَانِية... وقد ضَرب المُسْتَعمرُون والصَّهاينة الرّقم القِياسِي فِي الدُّعَايَات الكاذبة، وتلاعبُوا بالألفاظ، والعُقُول، والحقائق... إنهم يَعْتَقدُون وَيَقُولون : نَحْنُ المعتدى عَلَيْهِمْ،)
ويقتلون بالجملة ويقُولُونَ : نَحْنُ أَنْصَارِ السّلم، والْعَدْل.وقَد أَثْبَتَت التَّجَارِب أنْ أيَّة قَضِيَّة مهما كَانَتْ حقاً وَعَدلاً فإِنَّهَا تَحتَاج إلى الدّعاية والدُّعَاة، لأنَّ التَّأثِيرِ النَّفسي مِن قِوى التنفيذ للحق، وإِبْطَال الْبَاطِل، وَهَذَا ما أراد الإِمَام بقَوْله : (وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ أمّا قَوْله : (كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ) فإِنَّه يُشير إلى وجوب الأخذ بالعدل والإنصاف حَتَّى مَع أعدى الأعداء، وإنه لا يحل الافتراء عَلَيْهِ بما هُو بَريء مِنْهُ عَملاً بقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا تَعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (1).)(أَللَّهُمَّ أَحْقِنُ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ. المُؤمِن المخلص يكظم غيظه، ولا يَشفِيه بِالاِنْتقَام مِن عَدُوّه، والتنكيل به، ويُسأل الله سُبْحَانَهُ أَنْ يصلح الحال، ويُزِيل مَا فِي نَفْس الْعَدُوِّ مِن أوهام وأَضْغَان، وأنْ يَهْدِيهِ سَبِيل الخير والرَّشَاد. كما قال الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «اللَّهُمَّ اهْدِ قَومِي فَإِنَّهُم لا يَعْلَمُون» (2). وأيضاً هَذَا الدُّعَاء مِن الدّعَايَة الحَكِيمَة الْعَادِلَة ضِدَّ الْعَدُوّ الخصم.)
1) المائدة : 8.
2) أنظر، تفسير ابن كثير : 569/3، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 223/1 ح 855 و : 422/3 ح 5326، فتح الباري: 12 / 282 ح 6530 الأحاديث المختارة : 14/10، تأويل مختلف الحديث : 159/1، سنن ابن ماجه : 291/1 ح 4027، مناقب آل أبي طالب : 166/1، الشفا بتعريف حقوق المصطفی: 105/1، الدر المنثور : 298/22. تفسير الثعالبي : 104/2، فتح القدير : 61/2، تأريخ ابن عساكر : 247/62، تأريخ الطَّبَرِي: 182/1، عصمة الأنْبِيَاء للفخر الرازي: 78 عُيُون الأثر لإبن سيد الناس: 421/2، سبل الهدى والرشاد : 481/1.
## الخطبة - 207 -### نَسْلُ رَسُولِ اللهِ :أَمْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ لَا يَهُدَّنِي، فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ - يَعْنِي الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ - عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)اللُّغَة:أمْلِكُوا عَنِّي : خُذُوا عَنِّي. وأَنْفَسُ بِهَذَيْنِ : أَبْخَل بِهِمَا.الإعراب:لا يَهُدَّنِي - بِفَتح الدَّالَ - عَلَى نَصب المضارع، لأن الأصل لِئَلا يَهُدَّني.الْمَعْنَى:قَال الشَّرِيف الرَّضِي : فِي بَعْض أَيَّامٍ صِفِّين رأى الإِمَام وَلدَه الحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ : يُسرع إلى الحَرْب فَقَالَ لأصحابه : (أَمْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ لَا يَهُدَّنِي). الحَسَن والحُسَيْن)
هُما أبنَا رَسُول الله شَرعاً وعُرِفاً، لقَوْله تَعَالَى: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) (1)ومَا دَعَا النَّبِيِّ(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَحَداً مِن الأَبْنَاء غَيْر الحسن والحسين، ومِن النِّسَاء غَيْر فَاطِمَة، وما كان من الأنفُس إلا هو والإمام باتفاق المُفسرِين (2)
أنظر، فتح القدير للشوكاني : 316/1 الطبعة الأولى و 347 الطبعة الثانِيَة طَبعَة مصطفى الحلبي بمضر، تفسير ابن كثير : 370/1 و 371 و 376، و : 52/2 طَبْعَة بيروت. تفسير الكشاف للزمخشري: 1 / 268 طَبْعَة قم و 370 طَبْعة بيروت، تفسير الطَّبَرِيّ : 297/3 - 299 طبعة دار الكتب العلمية بيروت وص 192 و 330 و 301 طبعة الميمنية بمضر، و : 6/22، خُلَفَاء الرَّسُول للعلامة البحراني : 107. تاريخ ابن كثير : 53/5 و 54 طَبْعَة السعادة سَنَة 1351، إمتاع الأسماع للمَقْرِيزِي : 502.وراجع أيضاً الرياض النضرة للطبري الشافعي : 248/2 الطبعة الثَّانِيَة، الإتحاف في نسب الْأَشْرَاف للشبراوي الشافعي: 5 مَعالم التنزيل للبغوي بهامش تفسير الخازن : 302/1، مطالب السؤول لابن طَلْحَة الشافعي: 18/1 طَبْعَة النجف، صَحِيح مُسْلِم : 360/2 بشرح النووي، و : 120/7 طَبْعَة مُحَمَّد علي صبيح و : 4/ 1871 طَبْعَة مصر تحقيق مُحَمَّد فؤاد. و : 176/15 طَبْعَة مِصْر، خصائص الوحي المبين : 68 الفصل، صحيح الترمذي : 3085/293/4. و : 5 / 638 / 3724 و 3808/301 في باب فَضَائِل أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين، مُسْنَد أحمد : 1 / 185 طَبْعَة الميمنية، و : 1608/97/3 طَبعة دار المعارف. تفسير القرطبي: 104/4، أَحْكَام الْقُرْآن لابن عربي : 275/1 الطبعة الثَّانِيَة طَبْعة الحلبي و 175 طَبْعَة السعادة، صَحِيح مُسْلِم : بَاب فَضَائِل علي بن أبي طالب : 360/2 طَبْعَة عِيسَى الحلبي، و : 61/1883/4، الأَرْبَعِين المنتقاة : باب 38 كفاية الطالب : 641 بَاب 32 و 8554 و 142 طبعة الحيدرية.ولاحظ أيضاً لباب النقول في أَسْبَاب النزول : 75 الطبعة الثانية، شواهد التنزيل : 120/1 و 129 ح 198 و 170 - 173 و 175 تفسير الفخر الرازي: 85/8 و 86 طَبعة البهية بمصر و : 699/2 طَبْعَة دار الطباعة العامرة بضر، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 12142/68/12، ذَخَائِرِ الْعُقبى : 25، تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي الحنفي : 17 طَبْعَة النجف الدر المنثور للسيوطي: 38/2 و 39، تفسير البيضاوي: 2/ 22 طَبْعَة بيروت فرائد السمطين: 307/378/1، و : 23/2 / 365 و 250 / 484 – 486.
. وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «لِكلّ نَبِيّ عُصبَةٍ يَنتَمُونَ إِليهِ إِلَّا وِلد فَاطِمَة فأنا)1) آلِ عِمْرَانَ: 61.
2) تَقَدَّم أستخراج ذَلِكَ، وأنظر، دلائل النُّبُوَّة لأبي نعيم : 297/1، فرائد السمطين للحمويني: أوائل التمط الثَّاني ح 371، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي: 212/3 طَبْعَة البهية بمصر. السِّيرَة النَّبَوِيَّة لزين دحلان بهامش السيرة الحَلَبِية : 5/3 أَحْكَام الْقُرْآن للجصاص: 295/2 - 296 طَبْعَة عبد الرَّحْمَانِ مُحَمَّد بعضر و 295 الطبعة الثانية تحقيق الفمحاوي، التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي : 1/ 109، فتح الْبَيَان في مقاصد القرآن : 72/2، زاد المسير لابن الجوزي: 399/1، جامع الأصول لابن الأثير : 470/9، تفسير الحبري: 50. 5. المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم : 150/3، تأريخ دمشق لابن عساكر : 255/1 الطبعة الثانية، تَفْسِير الجلالين للسيوطي: 33/1 طَبْعَة مِصْر و 77 طَبْعَة دار الكتاب العربي بيروت.
أبوّهُم، وأنا عُصْبَتُهم»... و تَقَدَّم الكلام عَن ذَلِكَ (1.)وَتَسْأَل : إِن الإِمَامِ الحَسَن ولد في شهر رمضان المبارك سنة ثلاث من الْهِجْرَة (2، وَوَقْعَة صِفِّين كَانَتْ سَنَة (36) فَيَكُون عُمُره الشَّرِيف (33) فَكَيف)
1) أنظر في شرح الخُطْبَة : «202» فِقْرَة، فَاطِمَة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر الإِرْشَاد للشيخ المفيد: 5/2 تحقيق مُؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) و : 205 طبعة قديم البحار : 26/250/43، 2 / 26، و : 134/44 / 1.. و : 3، 31/161/4404/136/44، الكافي: 461/1، المناقب لابن شهر آشوب : 191/2 لكن فيهِ زِيَادَة : وقيل سَنَة أثنيين. وفي التهذيب : 39/6 لكن بلفظ : أثنتين الهجرة، ومثل ذلك روى الدولابي في الذرية الطاهرة والشَّهيد في الدّرُوس: 152. وكشف الغمة : 514/1 و 583، ومثل ذَلِكَ - أي ثلاث من الهجرة - روى الجنابذي، وأبن الخشاب.)وأنظر دلائل الإِمَامَة : 60، وكذا في تحفة الظرفاء، وكتاب الذَّخيرة وكتاب الجنى في النَّ الجتبئ النَّسب. وتذكرة الخواص : 201، العدد الْقَوِيَّة (مخطوط : 4، البحار: 191/98، تهذيب تأريخ دمشق لابن عساكر: 199/4. مطالب السؤول : 64. عُيُون المعجزات،59 المصباح للكفعمي : 225، الإصابة: 328/1. الاستيعاب : 368/1، المقاتل : 59، تأريخ الخلفاء : 73، دائرة المعارف للبستاني: 38/7 ذكر هَؤُلاء أن ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَانَتْ في السَّنة الثالثة من الهِجْرَة في النّصف من شهر رمضان، وقيل: إنّ ولادته كَانَتْ في السَّنة الثَّانِيَة كما وردت في بعض المصادر.)ولكن جاء فى شذرات الذهب : 10/1 أن ولادته كَانَتْ في الخامس من شهر شعبان وهُو أشتباه ظاهر إذ لم ينص أحد المؤرخين عَلى ذَلِكَ، ولعله أشتبه بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ، فإن ولادته كَانَتْ في الخامس من شهر شعبان، وقيل في الثالث. وورد اشتباه آخر من قبل الأستاذ محمد فريد وجدي في دائرة المعارف 443/3 حَيْث أدعى أن ولادة الإمام الحسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَانَتْ قَبل الهِجْرَة بست سنين... وهذا مخالف لإجماع المؤرخين حَيْث إنه قبل الهِجْرَة لَمْ يَكُن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) متزوجاً ببضعة المختار (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فكيف يكون ذَلِكَ؟!)وقد عَلّق صاحب مرآة الْعُقُول : 390 عَلَى الرَّأْيِين الأول والثاني أي أنه ولد سنة ثلاث من الهجرة وقيل سَنَة أثنتين من الهِجْرَة بأنه لا منافاة في ذلكَ بنَاءً عَلى أنّ مبدأ التاريخ عِند البعض في شهر ربيع الأول لأنّ الهِجْرَة كَانَتْ فِيهِ وبناء الصَّحَابَة عَلَيْهِ إِلى سَنة ستين ولذا تَكُون ولادة الحَسَن سَنّة أثنتين من الهجرة، أما إذا كان مبدأ التاريخ شهر رمضان السَّابق عَلى شهر ربيع الأوّل الَّذي وقعت فيه الهجرة لأنه أوّل السَّنة الشَّرْعِيَّة فتكون ولادة الحسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ سَنَة ثلاث من الهِجْرَة... وَهَذَا الجمع رافع للتعارض بَيْنَ الْقَوْلين... (بتصرف).
أَطلق الإِمَام عَلَيْهِ كَلِمَة غُلام ؟.الجواب:جاء في قواميس اللُّغَةِ إِنْ كَلِمَة غُلامٍ لِلكَبِير والصَّغِيرِ، وإِنَّ الْعَرَبِ يَطلقُونَهَا عَلَى الذَّكر ساعة ولادته، ويَقُولُون : رُزق فُلان غُلاماً، وعَلى مَن طَرَّ شَارِبُه، وعَلَى الكهل (1.)
1) أنظر الغريب لابن قُتَيْبَة : 383/1، الغريب للخطابي : 207/1 الفائق : 266/1، النهاية في غريب الحديث: 354/1، لِسَانِ الْعَرَب لابن منظور : 124/2 و : 106/3.
## الخطبة - 208 -### كُنْتُ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ مَأْمُوراًأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ، حَتَّى نَهكَتْكُمُ الْحَرْبُ، وَقَدْ،وَاللهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَ تَرَكَتْ، وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ.لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً، وَكُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً، وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ، وَ لَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ !الْمَعْنَى:جاء فِي كِتَاب «الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَةِ» مَا نَصَه بالحرف : «لما عَظم الأمر - أي في صِفِّين - وأسْتَحَر الْقِتَالَ قَال لِلْإِمَام رَأس مِن أهْل الْعِرَاق: إنّ هَذَه الحَرْب قد أَكلتنا، وأَذْهبت الرّجال، والرأي الموادعة، وَقَالَ بَعضهم : لا، بل تُقَاتِلهُم اليَوْم عَلى مَا قَاتلنَاهُم عَليهِ بالأمس، وكَانَتْ الجماعة قد رَضِيت المُوَادعة، وجَنَحَت إِلى الصُّلح، والمسالمة، فقام عَلي خَطِيباً، فقال : (أيُّهَا النَّاسُ.... وذكر ابن قتيبة هذه)
الخطبة كما هِي فِي نَهْجِ الْبَلاغَةِ بِلا تَقْلِيم أو تَطْعِيم (1.(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ... إلخ. كُنْتُم صَفَاً واحداً عَلَى حَرْب أَهْل الشَّام، كما أَحْبَبت، وأَردت وَمَضِيتُم فِي قِتَالهُم عَلى هُدىً، وبَصِيرَة مُختَارِين لا مُكرهين، ولما أشتَدَت نَار الحزب، وهنتُم، وتخاذلتُم، وَتَفَرَقت كَلِمَتكُم... أبهَذا تَكِيدُون عَدُوّ الله وعَدُوكم ؟ (وَقَدْ، وَاللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَتَرَكَتْ). أجل، لقد أسْتُشْهِدَ مِنْكُم فِي هَذِهِ الْحَرْب من اسْتُشْهِدَ كأيّة حَرْب مِن الحُرُوب، ولكن بَقِي مِنْكُم مَا فِيه الكفاية وزِيَادَة، فأمضُوا فِي الجهاد قُدمَاً حَتَّى النَّصر، وما هُو مِنْكُم بِبَعِيد (وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ) أي نالت الحَرْب مِنْهُ أَكْثَر مِمَّا نَالَت مِنْكُم.)(لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً تَسْمَعُون لِي وَتَطِيعُون قَبل حَرْب صِفِّين (فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ - أي بعد الْحَرْب - مَأْمُوراً، وَكُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً). كان الإمام يَنْصَح أَصْحَابه، ويُرشدهم سواء السَّبِيل، ويَدَع الخيار لهُم فِيمَا يَرُون، وقَد نَهَاهُم عَن قَبُول التّحكيم، وبَيْن لهُم أنّ رَفع المَصَاحِفَ حِيلَةً، وَغِيلَةً، فأصرُوا عَلى الضَّلال، وسَكَت هُو دفعاً للضّرر الأشد بالضَّرر الأخف. وسبق الكلام عَن ذَلِكَ مرارا (2).)(وَقَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ وَمَا أَحَبَّ الحَيَا قَوْمِ إِلَّا ذَلُّوا (وَ لَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ!) لأنّ الْجِهَادِ فَرِيضَة كَالصَّلاةِ وعَلَى الْإِنْسَان أَنْ يُوْدِيها علء إِرَادَته. بالإضافة إلى أنّ الْقِتَال بلا إيمان، وقناعة لا يُحقق الغرض المطلوب، ورُبَّما أدى إلى)
عكسه. وهَذِه هِي سِيرَة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في جَميع حُرُوبَه، يُنَادِي مُنَادِيه بِالحَرْب، من استجاب لها فقد أَسْتجَاب الله، وَرَسُوله، ومَن تَخَلفِ عَنْهَا وأَعرَض فحِسَابَه على رَبِّه : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) (1).)
1) الأَنفَالِ : 64.
## الخطبة - 209 -### الْعَلَاءُ وَأَخُوه عَاصِمَ:مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كُنْتَ أَخْرَجَ ؟ وَ بَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةِ : تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ، وَ تَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا، فَإِذا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةِ.فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بْنَ زِيَادٍ، قَالَ : وَمَا لَهُ ؟ قَالَ : لَبِسَ الْعَبَاءَةَ وَ تَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا. قَالَ : عَلَيَّ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ :يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ! لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ ! أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا ! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ !قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةٍ مَلْبَسِكَ وَجُشُويَةِ مَأْكَلِكَ !قَالَ : وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَىٰ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ !اللُّغَة:تُطْلِعُ : تُظْهِرُ، أو تُؤَدِّي، ومَطَالِعَهَا : مَوَاضِعَهَا، ويُقَدِّرُ : يُقِيسُ، أو يُشبه. ويَتَبَيَّغ :
يهیج به.الْإِعْرَاب :مَا للإستفهام مُبْتَدَاً، وكُنْتَ زَائِدَة، وجُملة تَصْنَعُ خَبَرَ المُبْتَدَأ، وَوَيْحَكَ كَلِمَة تَرَحم، ونُصبت بفعل محذُوف أي أَلزَمَك الله وَيْحَاً أي رحمة، وتُستعمل للتوجع والتَّعجب، وكَأَنْتَ الكاف بِمَعْنَى مِثل خَبرَاً لِلَيْسَ أي لَسْتُ مِثلك.### لا سَلْبِيَة في الإسلام :قَال الشَّرِيف الرَّضِي : كَان الْإِمَام بِالْبَصْرَة، فَدَخل عَلَى الْعَلاء بن زياد الحارثي يعُوده، وهُو مِن أَصْحَابه، فلما رأى سِعَة دَاره، قال : (مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، وَ أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ ؟. الْإِنْسَانِ يُحبّ الْحَيَاة، والمال بطبعه، والإسلام لا ينهى عَن الثَّرَاء المَشرُوع، ولا يَكْرَه الرفاهية، والطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزْقِ : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (1)شَرِيطَة أَنْ يَكُون هَذَا الثَّرَاء عُونَاً عَلَى الحَقِّ، ووسيلة لمرضاة الله، وثوابه، لا لِلطَّغيان، والمُضَاهَاة، والمُبَاهَاة. قَال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَن طَلِب الدُّنْيَا مُكَاثِراً مُفَاخِراً لَقِي الله، وهُو عَلَيْهِ غَضْبَان، ومَن طَلبها استعفافَاً وصِيَانةً لِنَفسه جَاء يَوْمٍ الْقِيَامَة، ووَجْهَه كالْقَمَر لَيْلَة البَدْر» (2). وَقَالَ رَجُل لِلإِمَام جَعْفَر الصَّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن)
لتحب الدُّنْيا. فقال لي : تصنع بها ماذا ؟ قَلتُ : أَتَزوّج مِنْهَا، وأحج، وأُنفق على عِيَالي وانيل إِخْوَاني وأتصدق. قال الإمام : لَيْسَ هَذَا مِن الدُّنْيَا، هَذَا مِن الآخِرَة» (1.)وأيضاً يَأمر الإسلام بالعِلم، والعمل، ومُمارسة الحياة بحلوها ومرها، ومُشاركة المجتَمَع فِي سَرَائِهِ وضَرَائِهِ والتَّعاون مِن أجل حياة أفضل، وإقامة العلاقات عَلى هَذَا الأَسَاس، ومُقاومة الفَسَاد، والمنكر، قَال تَعَالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (2). والسَّعِى حَرَكَة لا جمود، ونضال لا أعتزال من أجل الْعِبَادَة، بل تعاون مِن أجل الصَّالح العام، ومُساهمة في تحمل المسئولية. قَال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «الْمُؤْمِن لِلْمُؤْمِن كَالبنيان يشد بَعْضَه بعضاً» (3). وَقَالَ: «الدِّين)
1) أنظر، ذَلِكَ في شرح الخُطْبَة : (99). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). والسرائر لإبن إدريس : 564/3، الكافي : 72/5 : (مِنْهُ. تهذيب الأحكام: 327/6 ح 903، أمالي الطُّوسي : 662، وَسَائِل الشَّيعة : 34/17 ح 3، بحار الأنوار: 106/70 ح 104، مُستند الشّيعة : 15/14.
2) النَّجْمِ : 39.
3) أنظر، صحيح مسلم : 1999/4 ح 2585. الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 182/4 ح 6563، صحيح البخاري: 182/1 ح 467 و : 863/2 2314 و : 2242/5 ح 5680، صحيح ابن حبان : 467/1 ح 231، سُنن الترمذي : 325/4 ح 1928 مجمع الزوائد : 87/8 و 188، سُنن البَيْهَقِي الْكُبْرَى : 94/6 ح 11291، سُنن النسائي : 79/5 2560، السنن الكبرى: 41/2 ح 2341، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 89/7 ح 34413، مُسند البزار : 160/8ح 3182، مُسند أحمد: 404/4 ح 19640، مُسند الحميدي: 340/2 ح 772، مُسْنَد الطَّيَّالسي: 68/1 ح 503 مُسند أبي يعلى: 279/13 ح 7295 و 7321 مسند الشهاب : 112/1 ح 133 و 134، مُسْنَد عبد بن حميد : 196/1 ح 556 تَفْسِير أبن كَثِير: 370/2.
النَّصِيحَة... لله وَرَسُوله وَلعَامَة الْمُسْلِمِينَ» (1... «ومَن لا يهتم بأمر المُسْلِمِين فَلَيْسَ مِنهُم» (2).)بهذه التعاليم وغَيْرها كَانَ لِلمُسْلِمِين تأريخ وحضارة.قَالَ الْعَلَاءُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ. قَالَ : وَمَا لَهُ ؟ قَالَ : لَبِسَ الْعَبَاءَةَ، وَتَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا. قَالَ : عَلَيَّ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ الْإِمَام : (يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ ! بَضَم الْعَيْن تَصغِير عَدُوّ (لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ !) أزَلَكَ الشَّيْطَان، وَجَعَلك هَائِماً لا تَهْتَدِي إِلى رُشدٍ (أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ ! أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ... إلخ). كَيْفَ تَقْعد عَن السَّعي، والْعَمَل، وأَنْتَ مَسْئُول أمام الله عَن أُسرَتك ومُجتمعك ؟ وهل مَنْحَكَ سُبْحَانَهُ الْقُدْرَة، والعقل، وأوْدَع فِيكَ ما أودع من الطاقات لمُجرد أنْ تَلْبَس الْعَبَاءَةَ وتُقِيم الصَّلاة ؟ وهل تَسْتَقِيم الأُمور، وتمتلىء البطون، وتَسكُن النفوس بهذا الجمود، وهذه السَّلبية ؟ وهَل تَدفَع منكراً، وتَنْشر مَعرُوفاً بهَذا الخمول والانزواء ؟)قَالَ عَاصِم : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ، وَجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ !
1) أنظر، مسند أحمد: 351/1 ح 3281، مُسند أبي يعلى: 259/4 ح 2372، معتصر المختصر : 288/2 المعجم الأوسط : 42/2 ح 1184، السُّننِ الْكُبْرَى : 432/4 ح 7820 و 7821، مُسْنَد الشَّافعي : 233/1، مسند أبي داود : 286/4 ح 4943 مجمع الزوائد : 87/1 سُنن الدارمي : 402/2 ح 2754، سُنن الترمذي : 324/4 ح 1926، صحيح ابن حبان : 435/10 ح 4574، صَحِيح البُخَارِيّ : 30/1 ح ح 56، صحيح مسلم : 74/1 ح 55.
2) أنظر، المُعْجَم الأوسط : 270/7 ح 7473، مجمع الزوائد : 87/1 و : 248/10، المعجم الصغير : 121/2 ح 907، جامع العلوم والحكم: 77/1، الترغيب والترهيب : 362/2 ح 2733، تكملة الإكتمال : 495/1 ح 864 كشف الخفاء : 368/2 ح 2617.
قَالَ الْإِمَام : (وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ... إلخ. عَلَى القَائِدِ أَعْبَاء قَاسِية وجَسِيمَة، وأوّلها إقَامَة الْعَدْل، والمُسَاوَاة بَيْنَ النَّاسِ فِي السّرَاء والضّراء عَلَى أَنْ يَبدأ بِنَفْسه وأهله... وإن وُجد فَقِير واحد فِي رَعِيتَه عَمل لدفع المَضَرَة عَنْهُ، وَإِنْ عَجَز شاركَه في مكاره العيش لئلا يزداد ألماً على ألم، أو يَعِيبه ويُعِيره ببلواه عائب ومُعِير مَا دامت هذه هي حال الخليفة ودُنْيَاه.)وإِذَنْ فَخُشُونَةِ الْإِمَام فِي عِيشَه جُزء من جهَاده وعمله من أجل الْفُقَرَاء والمُسْتَضْعَفِين، وفَضِيلَة مِن فضائل القادة والحَاكِمِين، أمّا خُشُونَةِ عَاصِم وأمثال عَاصِم فَجمُود و انهزام.وتجدر الإِشَارَة إلى أنّ صَاحب «مِنْهَاج البَرَاعَة فِي شَرح نَهْجِ الْبَلاغة» كَتَب حَوْلَ هَذِه الخطْبَة (365 صَفحَة بقياس كتابِي هَذَا !. وكان الأجدر أنْ يَفردها في كتاب مُستقل عَن الصُّوفِيَة (1).)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة مُحَمَّد عَبْدَه : 188/2، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد 34/11، تحت عنوان (ذكر بعض مقامات العارفين والزهاد)، المعيار والموازنة : 243. الإمام جعفر الصادق لعبد الحليم الجندي: 349.
## الخطبة - 210 -### الْأَحَادِيثِ:إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَبَاطِلًا، وَصِدْقاً وَكَذِباً، وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً، وَ عَاماً وَ خَاصَّاً، وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِها، وَحِفْظاً وَ وَهْماً. وَلَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْدِهِ، حَتَّى قَامَ خَطِيباً، فَقَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّاً مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (1). و إِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ :)رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرُ لِلْإِيمَانِ، مُتَصَنِّعُ بِالْإِسْلَامِ، لَا يَتَأْثَمُ، وَلَا يَتَحَرَّجُ، يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقُ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَ لَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا : صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - رَآهُ، وَ سَمِعَ مِنْهُ، وَ لَقِفَ عَنْهُ، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، وَ قَدْ أَخْبَرَكَ اللهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ، فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ، وَالدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورو الْبُهْتَانِ، فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ، وَجَعَلُوهُمْ حُكّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ، فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ (2).)وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَوَهِمَ فِيهِ، وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ
كَذِباً، فَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَ يَرْوِيهِ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَيَقُولُ : أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ (3)!)وَ رَجُلٌ ثَالِتٌ، سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَحَفِظَ الْمَنْسُوخ، وَ لَمْ يَحْفَظ النَّاسِخَ، فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخ لَرَفَضُوهُ.)وَ آخَرُ رَابِعُ، لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللهِ، وَلَا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضُ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وَ لَمْ يَهِمْ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ، وَ حَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ، وَ عَرَفَ الْخَاصَّ وَ الْعَامَّ، وَ الْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَه (4).)اللُّغة:لا يتأثمُ، وَلَا يَتَحَرَّجُ : لَا يَتَجَنَّب الإثم والحَرَج. وَلَقِفَ : تَناول بسُرْعَة وَلَمْ يَهِمْ :من الوهم لا إِلَيْهِمْ أي الجنون. وَالمحْكَمَ : الواضح. المُتَشَابِة : المُشكل.الْإِعْرَاب :خطيباً حال، ومثله مُتَعَمِّداً، ورَجُلٌ وَمَا بَعْدَه مِن الرِّجَالَ إِلى الرَّابِع بَدل مُفصل من مُجمل، والمبدل مِنْهُ أَرْبَعَة، ومُبْغِضُ صِفَة لرابع، وخَوْفاً مَفْعُول مِن أجله للفعل المنفي، وهو لَمْ يَكْذِبْ.
الْمَعْنَى:(إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلًا، وَصِدْقاً وَكَذِباً. أتفق السُّنَّة والشيعة أن أَحَادِيثَهُم المَروِيَة عَن الرَّسُول الله - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - فِيهَا الضَّعِيف والصَّحِيح، ومِن هُنا وَضعُوا عشرات الكتب في علم الرِّجَال، وهُو يبحث عَن حال كلّ واحد من رواة الحَدِيث عَلَى حِدَة، وإِنه هَل هُو ثِقَة فِي النَّقل، أو غَيْر ثِقَة ؟ وأيضاً وَضعُوا كُتباً في علم الدّرَايَة، ويُبحث هَذَا العِلم عن صفة الحديث من حيث المتن، والسّند. والتَّوَاتر وَعَدمه، والإرسال وغيره.... إلى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُو مَذكور فِي كُتب الدّرَايَة.)(وَنَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً، وَعَاماً وَخَاصَّاً، وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِها ذَكرنَا تَحدِيد مَعَانِي هَذِه الكَلِمَات في شرح الخُطْبَة الْأُولَى (1). (وَحِفْظاً وَ وَهْماً). والمُرَاد بِالحفظ ضَبط الحَدِيث كما هُو عَن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و عدم الخَطَأَ فِيهِ والذهول، والوَهُم ضِدّه «مَنْ وَعَدم كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (2). لا ريب فِي هَذَا الحديث بإتفاق المُذَاهِبُ. وكَان النّفَاق، والْكَذِب عَلَى اللهِ، ومَلائِكَتِهِ، وَرُسُله، وعَلى النَّاس، بل وَعَلَىٰ نَفْس الكاذِب، كان قبل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبعده... وإلى آخر يَوْم.)وَقَالَ قَائِل : «إن الإِنْسَان هُو الحَيَوَانِ الَّذِي يَسْتَطِيع أنْ يَكذِب».
1) انظر، شرح الخُطْبَة الأُولَى: 1/ 120 وما بعدها. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، صَحِيح مُسْلِم : 10/1 ح 3، صَحِيح البخاري : 1/ 434 ح 1229، المستدرك عَلَى الصَّحِيحِين : 1 / 149 ح 258، الأحاديث المختارة : 287/3 ح 1088، موارد الظمآن: 547/1 ح 2214، سنن الترمذي: 5/ 35 ح 2659، سنن الدارمي: 87/1 ح 2659، سنن الدارمي : 87/12 ح 231 سُنن ابن ماجه: 13/1 ح 30، مسند أبي، حَنِيفَة : 125/1، مُسْنَد البزار : 100/4 مُسْنَد الشَّاشي: 96/1 ح 33، المعجم الأوسط : 89/4 ح 3686، مُسْنَد أحمد: 78/1 ح 584، مُسْتَد أبي يعلى: 74/1 73، تفسير القرطبي : 185/4، صحيح ابن حبان : 214/1 ح 31.
ثم قسم الإمام رواة الحَدِيث إِلى أَرْبَعَة أَقْسَام :1 - (رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظهِرُ لِلْإِيمَانِ، مُتَصَنِّعُ بِالْإِسْلَامِ، لَا يَتَأثّمُ، وَلَا يَتَحَرَّجُ... إلخ. والمُتَصَنِّع هو الَّذي يُظهر مِن نَفْسَه مَا لَيْسَ فِيهِ، وكان االْمُنَافِقُونَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرَسُوله، ويَسْتخفون بِكُفرهم هَذَا، ويَقولُون بألسنتهم : لا إله إلا الله مُحَمّد رَسُول الله، وَلِيعَصُمُوا دِمَاءهم وأَمْوَالِهِم، وقَد أَنزَلَ اللهُ فِيهِمْ سُورَة خَاصَّة فِي كتابه العزيز، واستَمَرُ وا بَعد النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَلى النِّفَاق، وكان المُسْلِمُون يُعاملونهم كسَائِرِ الصَّحَابَة الْمُؤْمِنِينَ جَهلاً بِدَخِيلتهم، ويُرجعُون إِلَيْهِمْ فِي الكَثِير مِن دينهم، ومِن أرتاب بوَاحد مِنْهُم يَسكُت ولا يَجرأ عَلَى الطَّعن فِيهِ، لأَنه يَتْحصن بصحبة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبقيت هذه الحصانة الجميع الصَّحَابَة عِند السُّنَّة إلى يومنا هَذَا (1). قَال الغزالي : «والَّذي عَليهِ السَّلف وجماهير الخلف أنّ عَدَالتهُم مَعْلُومَة بتعديل الله عزّ وجلّ إيَّاهُم وثنائه عليهم في كتابه وهُو مُعتقدنَا فِيهِمْ، إلا أن يثبت)
1) تعريف الصَّحَابِي عِند أهل السُّنّة : فهو مَن لَقِي النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مُؤمِناً بِهِ، ومَات عَلَى الإِسْلام.)أنظر الإصابة لابن حجر: 10/1. ولَسْنَا بصدد مناقشة التعريف هنا، بل ناقشناه سابقاً.ثم ذكر ابن حجر في ضابط يستفاد من مَعْرِفَته صُحبة جمعٍ كَثِير، فَقَالَ : إِنهم كانوا فِي الْفُتُوحَ لا يُؤمرون إلّا الصَّحَايَة. (وإنّه لم يبقَ بمكة، ولا الطَّائف أحد في سَنّة إلا أسلم وشهد مع النّبيِّ حَجّة الوداع. وإنه لم يبق في الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إلا دخل فِي الْإِسْلَام. ومَا مَات النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأحد منهم يظهر الكفر. (الإصابة : 13/1 - 16).)وهذا التعريف هو الختار عند أكثر المحققين، إلا من شدّ مِنْهُم ووضع شُرُوطاً أَرْبَعَة : من طَالت صُحبته، أو حفظت روايته، أو ضُبط أنه قد غزا معه، مَعه، أو أَسْتُشْهِدَ بَيْنَ يَدِيه. (أنظر الاِسْتِيعاب لابن عبد البرّ، أسد الغابة، الأَصَابَة، تَقريب التهذيب.)ويرى أهل السُّنّة : أنّ الصَّحَابَة كلهم عدول، إذ ثبت أنّ الجميع من أهل الجنَّة، وأنه لا يدخل أحمد منهم النّار. (الإصابة : 9/1 و 10.
بطرِيقٍ قَاطع أرْتكَاب واحد لفسق مَع عِلمه بِهِ، وذَلِكَ مِمَّا لَم يَثبت ! فَلَا حَاجَةٍ إِلَىٰ التَّعديل...» (1، وتَكَرَّرت هذه الجملة في العديد مِن كُتب أصول الفقه للسُّنَّة.)(فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَيْمَّةِ الضَّلَالَةِ، وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالنُّورِ وَالْبُهْتَانِ. كَان الْمُنَافِقُونَ ومَا زَالوا يُكِيفُون الدِّين وأحكامه وفقاً لأهواء الأقوياء والحَاكِمِين، ويَقْبضُون التمن وَظِيفَة فِي الدَّوْلَة، أو دَراهم معدودات.)2- (وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَوَهِمَ فِيهِ، وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً... إلخ. قَال عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ : يَشتَرط في رَاوِي الحَدِيث مِن جُملة ما يُشترط أنْ يَكُون مِن الَّذِين يُحسنُون ضَبط مَا يَسمعُون، ويُؤدُّونَه عَلَى وَجْهه، ولا ثِقَة بقوّل مَن لا يُحسن الضَّبط، وإنْ لَمْ يَكُن فَاسقَاً (2).)3 - (وَ رَجُلٌ ثَالِتٌ، سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ... إلخ). كَان رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يُبلّغ بعض الأحكام، فيسمَعَه مَن كَان حاضراً، وقد يَكُون الحَاضِر الشامع صادقاً واعياً لما سمع، ولكن الرَّسُول قَد يُنهى عما كَان قَد أَمَرَ بِهِ مِن قَبل، لأنّ المُصْلَحَة التي أوجبت الْعَمَل قَد أنتهت وذهبت بِذهَاب)
1) أنظر، المُسْتَصفَی : 130 و 356، وبما أن عدالة الصَّحَابَة مِن المواضيع الحسَاسَة التي شغلت جانباً من أبحاث علم الحديث، والرِّجَال، والدراية، وسبق مُناقشة ذَلِكَ، ولكن أنظر، الجوهر النّقي : 0421/1 أضوَاء عَلَى السُّنَّة المحَمدِية : 339 الطبعة الخامسة دار المعارف بمضر، وشيخ المضيرة أبو هريرة: 288 الطبعة الثالثة، وكلا الكتابين للمؤلف محمود أبو ريه تُحْفَة الأَحْوَذي: 495/1، عون المعبود: 132/2، الكفاية في علم الرّواية للخطيب البغدادي: 63، نصب الراية للزيلعي : 374/1، فتح الباري : 02/3 الأحكام للآمدي : 90/2 معرفة الثقات للعجلي: 94/1. الإصابة : 22/1 و 131 و 162، نظرات في الكتب الخالدة للدكتور حامد حفني داود : 113.
2) أنظر، مقباس الهِدَايَة : 89/3، الدّراية : 84، تدريب الراوي : 239، علوم الحديث : 132.
وقتها، فَيسمَع النهي من حضر غَيْرُ الَّذي سمع الأمر، فينقُل عَن النَّبيِّ النَّهى من سمعه، وينقل الأمر من سمعه أيضاً، والإحاطة بجميع أحَادِيث الرَّسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أمرُ عَسِير.)4 - (وَ آخَرُ رَابِعٌ، لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللهِ، وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ الله... إلخ. هَذَا الرَّابِع عَالِم قَدِير كما هُو رَاوِ ثِقَة و خَبير، ويُمييز بين الموارد الحقيقة والجاز، وبَيْنَ الحَدِيث الواضح الذي لا يتجاوز تأويله بحال، والمشكل الَّذي يُمكن تأويله بما يتفق مع العقل ومقاصد الشَّرِيعة، ويُعرف العمُومات والمطلقات، وما يُعارض المَعْنَى الظَّاهِر من المخصصات والمطلقات، ويجمع بَيْنَها بما يقتضيه الفن والصَّنَاعَة، وأيضاً يُعْرِف زَمن الناسخ وزمن المنسُوخ، ولا يخلط بَيْنَ المُتقدم والمتأخر، ويضع كلّ شَيْء فِي مَوْضِعه ولا يجوز الأخذ والعَمَل بروَايَة الأَوَّل والثَّانِي إطلاقاً، وأمّا الثَّالث فَيُؤخذ بروَايَتة نظرياً إذا كَان صَادِقاً ضابطاً، ولا يجوز الأخذ بهَا عَملياً إِلَّا بَعد التَّبع والْبَحْث عما يُعارض الرّوَايَة مِن الأدلة والقَرَائِن، فإِنْ لَم نَجد المُعَارِض عَلَمنَا ِبهَا كَمَا هِى، وإلا قَارنَا بَيْنَها وبَيْنَ المعارض، وعَلمْنَا مَا تَستَدعِية الأصول والقواعد، والرابع كَالثَّالث، ولا أثر للعلم وكثرته في صحة الحديث وبقوته.)### كَلامٌ ذُو وَجْهين... فِقْرَة 5:وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ : فَكَلَامٌ خَاصٌ، وَكَلَام عَامٌ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ، سُبْحَانَهُ بِهِ، وَلَا مَا عَنَى رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ، وَمَا قُصِدَ بِهِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَيْسَ)
كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَ يَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّىٰ إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ وَ الطَّارِيُّ، فَيَسْأَلُهُ * حَتَّى يَسْمَعُوا، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ، فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلَافِهِمْ، وَعِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ (5).)الْإِعْرَاب:قَدْ كَانَ يَكُونُ «كَانَ زَائِدَةَ، وَيَكُونُ» تامة، والْكَلَامُ فَاعِلهَا، ومِنْ الرَّسُولِ مُتَعَلِّق بِمحذُوف حَالاً من الكلام، ويجوز أنْ تَكُون ناقصة، والْكَلَامُ أسمها، ومِنْ الرَّسُولِ خَبَرها، ولَهُ وَجْهَانِ مُبْتَدَاً و خَبَر، والجملة صِفَة الكَلَام، وحَتَّى إِنْ كَانُوا «إنْ» مخففة مُهملة، واللام بعدها للفرق بَيْنَها وبَيْنَ إنْ النَّافِية.الْمَعْنَى:(وَ قَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ... إلخ). رُبَّمَا يَكُون بَل كَثِيراً مَا يَكُون لِلجسم الطَّبِيعِي جِهَتَان تَختلف إحدَاهُما عَن الأُخرى أشد الإخْتِلاف حَتَّى لو أخذتُ لكلِّ جِهَة صورَة عَلى حِدَة، ثُمَّ عَرَضَتهُما عَلَى أَي إِنْسَان لتَوَهَم إنّهُما صورَتَان لكَائِنِين مختلفين، ومَا هُما في الواقع إلا لكَائِن وَاحد من جهتين، ومن الكلام ما هو قطعِي الدَّلالة مِثل لا إله إلا الله... وَقَضى رَبُّكَ أنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه. ولَيْسَ هَذا التَّوْع إلا وجه واحد. ومِن الْكَلَام مَا هُو ظَني الدلالة، وَهَذَا النوع يُمكن أنْ يَكُون لَهُ وَجْهَانِ أو أكثر، كقَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى)
الْكَعْبَيْن (1)فَقَد عَطَف السُّنَّةُ الْأَرْجُلَ عَلَى الْوُجُوه فأوجَبُوا غَسلها (2)، وَعَطَفَها الشّيعَة عَلى الرُّءُوس فَأوجبُوا مَسْحَهَا (3). وَلِكُل دَلِيله، وَعرضنَا الدَّلِيلين في كتاب فِقْه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).)
1) الْمَائِدَة : 6.
2) أنظر، بدائع الصنائع: 6/1، أحكام الْقُرْآن للطبري: 41/3، أحْكام الْقُرْآن لابْن العَرَبِي : 72/2، غَرائب الْقُرْآن ورغائب الفُرقان : 53/6، عُمدة القارىء : 238/2، فتح القدير : 8/1، المجموع: 419/1، حاشية الصاوي على الجلالين : 254/1، نيل الأوطار : 168/1، النهر الماد: 438/3، لُباب التأويل في مَعَاني التنزيل : 16/2، تفسير القرطبي : 91/6، التَّفْسِير الكبير : 161/11، المغني: 150/1، فتح الباري: 234/1. المحلى : 57/2.
3) أنظر، فقه الرّضا 79 الإنتصار: 106 الناصريات: 121، رسائل المرتضى : 172/3، غُنيّة النزوع : 56 الرسائل التسع للمُحقق الحلي : 84، مُنْتَهى المطلب : 40/1، مدارك الأحكام: 216/1، المسائل، الفقهية للسيد شرف الدين : 76، مُستمسك الْعُرْوَةِ الْوُثْقَی : 374/2، الثمر الداني الآبي الأزهري : 55، کنز الفوائد : 65، أجوبة مسائل جار الله : 127 مجمع الْبَيَان : 164/3، مسالك الأَفْهَام : 43/1. بالإضافة إلى جميع التفاسير.
4) )والْمُرَاد بِغَسل الوجه إسالة الماء عَلَيْهِ. وهو واجب مرّة واحدة وحده طولاً من قصاص الشعر إِلى مُنْتَهى الذّقن.أنظر، تذكرة الفقهاء : 149/1 - 150، الكافي : 27/3، الْفَقِيه : 28/1، التهذيب : 54/1.وَقَالَ الشَّافعية : يجب غسل مَا تَحت الذقن أيضاً. أنظر الأم : 40/1، مختصر المزني : 5، المجموع 375/1، فتح العزيز : 341/1 الفقه عَلَى الْمَذَاهِبُ الأَربعة : 63/1.وحَدّه عرضاً عِند الإِمَامِيَّة، والمالكية : مَا دَارت عَلَيْهِ الإِبهام، والوسطى.أنظر. التذكرة : 149/1، الْفَقِيه : 28/1، التهذيب : 54/1، الخلاف : 75/1، الاستبصار : 67/1. : مقدمات ابن رشد : 50/1 تفسير القرطبي : 83/6 الشرح الصَّغِير : 41/1، المنتقی: 35/1.وعند المذاهب الأخرى، من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن أنظر الأم : 25/1، مختصر المزني : 2، السَّرَاج الوهاج : 15، المغني: 126/1، بداية المجتهد : 11/1، المبسوط للسرخسي: 6/1، اللباب : 6/1، نيل الأوطار : 188/11، الشرح الكبير : 145/1.وَذَهب الْإِمَامِيَّة : إلى وجوب الابْتِدَاء في غسل الوجه من الأعلى، وعدم جواز النّکس.أنظر، التذكرة : 156/1. رياض المسائل : 117/1، القواعد والفوائد: 77/18، المدارك: 187/1، الذكرى : 79.وَقَالَ الْأَرْبَعة : الواجب غسل الوجه كيف أتفق، والبداءة من الأعلى أَوْلَى. أنظر، الفتاوى الهندية : 1 / 9، الفقه على المذاهب الأربعة : 72/1 - 75، المجموع: 380/1.وأجمع المُسْلِمُون على أن غسل اليدين مع المرفقين مرّة واحدة واجب. أنظر، تذكرة الفقهاء : 157/1، رياض المسائل : 126/1، الْفَقِيه : 30/1، التهذيب : 360/1، الوَسَائِل : 479/1.وذَهب الإِمَامِيَّة إلى وجوب البداءة بالمرفقين، وأبطلوا النكس. كما أوجبوا تقديم اليمنى على اليسرى. أنظر التذكرة : 158/18، الكافي : 28/3، التهذيب : 57/1، الْفَقِيه : 24/1، رياض المسائل: 126/1. أنظر التذكرة : 158/1، الخلاف : 79/1، التهذيب : 58/1، الكافي : 26/3، الْفَقِيه : 25/1.وقالت بقية المَذَاهِبُ : الواجب غسلهما كيف أتفق، وتقديم اليمنى، والابْتِداء من الأصابع إلى المرفق أفضل. أنظر الناصريات : 118، المجموع: 383/1، الأم : 26/1، كفاية الأخيار : 16/1، فتح العزيز : 240/1 السراج الوهاج : 18، المغني: 120/1 الشرح الكبير : 149/1، شرح فتح القدير : 31/1، الشرح الصغير : 48/1.قَال الحنابلة : يجب مسح جميع الرأس والأذنين، والغسل عندهم يجزي عن المسح بشرط إمرار اليد على الرّأس، أنظر، المغني: 111/1 و 112، عُمدة القارىء : 235/2، المجموع: 399/1، الإنصاف: 161/1، بداية المجتهد : 12/1 مختصر المزني : 2 الشرح الكبير : 166/1، نيل الأوطار : 192/1. فتح العزيز : 354/1.وَقَالَ المالكية : يجب مسح جَمِيع الرّأس دُونَ الأذنين. أنظر المغني: 399/1. الشرح الْكَبِير : 166/1 وقد روى مالك ثلاث روايات إحداها الجميع، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، وهو محكي عن المزني : 2، بداية المجتهد : 12/1، المبسوط للسرخسي : 63/1.وَقَالَ الْحَنَفِيَّة : يجب مسح رُبع الرّأس، ويكني إدخال الرأس في الماء أو صبه عَلَيْهِ، أنظر، المبسوط للسرخسي: 63/1، المجموع : 399/1، الْهِدَايَة : 12/1، أَحْكَام الْقُرْآن : 343/2 اللباب : 6/1.وَقَالَ الشافعية : يجب مسح بَعْض الرّأس، ولو قل، ويكفي الغسل أو الرّش عن المسح أنظر الأم : 41/1، المهذب للشيرازي: 26/1، مُغني المحتاج : 59/1، المجموع: 26/1، شرح العناية : 15/1.وَقَالَ الإِمَامِيَّة : يجب مسح جزء من مُقَدَّم الرّأس، ويكفي أقل ما يصدق عَلَيْهِ أسم المسح، ولا يجوز الغسل ولا الرّش، كما أوجبوا أن يكون بنداوة الوُضُوء، فلو أستأنف مَاءً جديداً، ومسح به بطل وضوؤه.أنظر، التذكرة : 163/1 - 167، المبسوط للطوسي: 31/1، التهذيب: 12/1، الاشتبصار : 60/1. الإنتصار : 191أمّا المُذَاهِبُ الأربعة فقد أوجبت المسح بماء جديد. أنظر المغني: 147/1، تذكرة العلامة الحلي: 165/1، الأم : 26/1، الشرح الْكَبِير : 169/1، فتح العزيز : 355/1.وَقَالَ الأرْبَعَة : يجب غسلهما مع الكعبين مرّة واحدة. أنظر المغني: 150/1، الشرح الكبير : 147/1، تفْسِير القرطبي : 92/6، المبسوط للسرخسي: 8/1 عمدة القاريء : 236/2، أَحْكَام الْقُرْآن : 345/2، بدائع الصنائع: 5/1، مُغني المحتاج: 53/1، الأم: 27/1، الوجيز : 417/1.وَقَالَ الإِمَامِيَّة : يجب مسحهما بندَاوة الوُضُوء من رُؤوس الأصابع إلى الكعبين، وهُما قبتا القدمين. ويجوز تقديم اليُسرى على اليمنى عند الجميع، ولكنها خلاف الاحتياط عند ميع، ولكنها خلاف الاحتياط عند الإِمَامِيَّة. أنظر، المبسوط للطُّوسي: 22/1، الخلاف،89/1، تذكرة الْفُقَهَاء: 168/1، تهذيب الاحكام: 63/1 الْعُرْوَة الْوُثْقَی: 366/2، الخلاف : 92/1 - 93، جامع المقاصد : 220/1.والخلاف في مسح الرجلين، أو غسلها ناشيء عن فهم الآية : (يَا أْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ حَيْتَ قُرِى يخفض الأرجل ونصبها، فمن قال بالمسح عطف الأرجل خال جَرها على لفظ الرُّؤوس، وحَالَ نَصبها على الحل : لأنّ كلّ مجرور لفظاً منصوب محلاً. ومن ذهب إلى الغَسل قَالَ : إن لفظ الأرجل خفضت بمجاورتها للرُّؤوس، ونُصبت عطفاً على الأيدي، أنظر، التَّفْسِير الكبير : 161/11، تَفْسِير الطَّبَرِيّ : 82/6، الدر المنثور : 262/2، أَحْكام الْقُرْآن لابن عربي : 575/2، بداية المجتهد : 14/1، فتح الباري: 266/1، مقدمات ابن رشد : 53/1.
وفي كلام الله وَرَسُوله الكَثِير مِن هَذَا النَّوْع (فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ. ويَسْمَع الكلامَ مِن المَعصُوم، ولا يَفْطَن لمراده، لأنّ لهُ،وَجْهِين، فِيفُسره بغَيْرِ الوَجه المراد، وكان عَلَيْهِ أَنْ يَتَهم نَفْسه، ويسأل النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عما أراد من)
قَوْله، ولَكن (وَ لَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَ يَسْتَفْهِمُهُ) هَيْبَة لِعَظَمَتِهِ، أو حِرصَاً عَلَى رَاحته (حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ وَ الطَّارِيُّ، فَيَسْأَلُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) حَتَّى يَسْمَعُوا). أنهم يشعرون بالحاجة إلى تعلم العلم من النَّبيِّ، ولَكِنَّهُم يَكفّون بَعْض الأحْيَان عَن سؤاله لما أَشرنَا، وَيَتَمنُون أَنْ يَأْتِي مَن يَفْتَح لهم البَاب.)على العكس مِن الْإِمَام فَإِنَّه كَمَا قَال : (وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَ حَفِظْتُهُ. قَال الطَّبري: «إِنَّ رَسُول الله، قَالَ : يَا عَلَى إِنَّ الله أمرني أَنْ أُدنِيك ولا أَقصيك، وأنْ أُعلمكَ وأَنْ تَعِي، وَحَق عَلَى اللَّهُ أَنْ تَعِي» (1). فَنَزَلَت هَذِهِ الْآيَة : ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَعِيَةٌ) (2).)
1) أنظر، تَفْسِير الطَّبَرِيّ : 35/29 طبعة بولاق بمصر سنة 1323 هـ. (مِنه (قدّس سِرُّه)).)وتَفْسِير القُرطبي : 264/18، تفسير ابن كثير : 414/4، مجمع الزوائد: 131/1، مُسْنَد البزار : 211/6 ح 2252 و: 325/9 ح 3878 کشف الغمة : 322/1، الكشف والبيان : 202، كنز العمال: 36426 و : 31/15 341 الطبعة الثانية، شواهد التنزيل : 366/2 ح 1012، مناقب الإِمَام عَلي لمُحَمّد بن سلمان الصنعاني : 35/1 ح 90 و : 43/2 ح 121، تأريخ ابن عساكر : 422/2 ح 931، الطبعة الثانية، و : 361/42 و : 217/48، جمع الجوامع : 308/2، أَنْسَابِ الْأَشْرَاف: 121/2 82، المناقب لابن المغازلي: 265 ح 312، ترجمة أمير المؤمنين لأبي نعيم : (مخطوط ورق 22 / ب، تفسِير التعلبي (مخطوط) : 201/4 ب، أسباب النزول للواحدي : 329، كفاية الطالب : 109. الفتح الملك العلي : 49، فتح القدير: 282/5، حلية الأولياء : 68/1، نور الأبصار : 70، تفسير الجلالين : 792، لباب النقول : 201، سبل الهدى والرشاد : 289/11، سير أعلام النبلاء : 231/14.
2) الحاقة : 12.
## الخطبة - 211 -### حَوْلَ الكَوْنُ... فِقْرَة 1 - 4:وَكَانَ مِن أَقْتِدَارٍ جَبَرُوتِهِ، وَ بَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ، يَبَساً جَامِداً، ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً، فَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ أَرْتِتَاقِهَا، فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ، وَ قَامَتْ عَلَىٰ حَدِّهِ. وَ أَرْسَىٰ أَرْضاً يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ الْمُثْعَجِرُ، وَالْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ، قَدْ ذَلَّ لِأَمْرِهِ، وَأَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ، وَوَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ، وَ جَبَلَ جَلَامِيدَهَا، وَ نُشُوزَ مُتُونِهَا وَأَطْوَادِهَا، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا، وَ أَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا، فَمَضَتْ رُءُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ، وَرَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ، فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا، وَ أَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَ مَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا، فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا، وَأَطَالَ أَنْشَازَهَا، وَجَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً، وَأَرَزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً، فَسَكَنَتْ عَلَىٰ حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا، أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا، فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا، وَ أَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُويَةِ أَكْنَافِهَا، فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مهَاداً، وَ بَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً ! فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيّ رَاكِدٍ لَا يجرِي، وَ قائِم لا يَسْرِي، تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ، وَ تَمْخُضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن
يَخْشَىٰ (1).)اللغة :الزَّاخِرِ : الملآن. والْتَقَاصُف : تزاحم الأمواج يقصف بَعْضهَا بَعْضاً. البيس : البَابِس. وَفَطَرَ : خَلَقَ. والأطباق : الطَّبَقات، والرّيق : ضِدّ الفتق. والمُثعَنْجِرُ : الماء الكَثِير. والْقَمْقَامُ : البَحر. وَجَبَلَ : خَلَقَ. والجَلَامِيد: الصّخور. والنُّشُوز الارتفاع. وَأَنْهَدَ : رَفَعَ وأَسَاحَ : أَدْخَلَ والأَنْصَاب : جمع نُصُب، وهُو المنتصب. وأَشْهَقَ : جَعَلَهَا شَاهِقَة، وقِلَالَ : جمع قُلّة، وقِلّة الجَبَل أَعْلاه. وأَرْزَهَا : ثَبَتهَا. وتَمِيدَ : تَضْطَرِب. وأَكْنَافِهَا : جوانبها، أو أقْطَارِها. والمهاد : الفُرُش. وتُكَرْكِرُهُ : تُحَرِكَه وتُرَددَه. والذَّوَارِفُ : مِن ذَرَف الدَّمع إذَا سَالَ.الْإِعْرَاب:المَصْدَر من أَنْ جَعَلَ أسم مُؤَخَّر لِكَانَ، وَمِنِ اقْتِدَارِ خَبَر مُقدم، وأَوْتَاداً حَال مِن هَا، أَرّزَهَا.الْمَعْنَى:أَشار الإِمَام فِي هَذِهِ الْخُطْبَة إِلى خَلَقَ الكَوْن، وتَقَدَّمَت هَذِهِ الْإِشَارَة مِنْهُ أَكْثَرَ مِن مَرّة، والغَرَض مُجرد التنبيه إلى قدرة الله وعَظَمَتِهِ، كما هو دأب الْقُرْآن الكريم..
1) النَّازِعَاتِ : 26.
وَلَستُ مِن عُلَماء الفلك، والطَّبِيعَة كَي أَشْرَح وأَجْرِي المعادلات كما يَفْعَل المتخصصون، وإِذَا ذَكَرتُ شَيْئاً مِن ذَلِكَ فإنما التقطه من أقوالهم، وأَنقُلَه عَنْهُم للقارىء. وَفَعلت ذلِكَ في شَرح الخطبة الأُولَى وغيرها. ولذا أخْتَصرُ هُنا ما أَمْكَن.(وَكَانَ مِن أَقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ، وَبَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ. الجَبَرُوتِ الْقُدْرَة والسلطة، والبديع المبتدع والمخترع، ولَطَائِفِ الصَّنْعَة جَودَتها ودِقتَهَا الَّتِي تَدلَ عَلَى قُدرَة صَانعها، وعَظَمَتِهِ (أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ... إلخ). يُشير بهذا إلى أن الكون خُلق من الماء. وتَقَدَّم الكلام عن ذَلِكَ (1). (يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ الْمُفْعَنْجِرُ) أي وهو أَخْضَر فِي رُؤيَة الْعَيْن (وَ الْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ) سَخَّرَ سُبْحَانَهُ الْبَحْر لمنفعة النّاس وغيرهم من الخلق.)(وَ وَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ الكَوْن بِكُلِّ مَا فِيهِ مِن بحار وظواهر حيَّة وجامدة يسير عَلى مبدأ النظام الَّذي أَوْدَعه الله فِيهِ، وقد مرّت أُلوف السنين أو مَلايينها، والكَوْن عَلى نظامه هَذَا، وتمر أيضاً ملايين أُخرى، وهُو عَلَى مَا كَان مِن ضبط ودقة وثبات، ومن هنا أستطاع الْعُلَماء أنْ يَسْتَخرجُوا مِن ظواهر الطَّبِيعَة قَوَانِين راسخة ثابتة إذ لا قانون بلا نظام ثابت (وَ جَبَلَ جَلامِيدَهَا... إلخ). خَلق سُبْحَانَهُ الصخور والجبال، وجَعَل أُصُولها راسخة، وأَعالِيهَا شامخة لتَكُون أَوْتَاداً لِلأَرْض تَمنْعَهَا مِن الإنهيار والإضطراب (2).)(فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً، وَ بَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّقٍ رَاكِدٍ لَا
يَجْرِي... إلخ. قال أحمد زكي في كتاب «مع الله فِي السَّماء» مَا يَتَلَخص بِأنّ فِي الْأَرْضِ صَخرَاً، يَغمر أَكْثَرَه طَبَقة من ماء، وفُوق الصخر والماء طبقة من هوَاء، وَنَحْنُ بَنِي الْإِنْسَان، والحَيَوَان، والنَّبات نعيش في أعماق هَذِهِ الْأَشْيَاء الثلاثة، فين الهَوَاء نَستَمد أنْفَاسنا، ويبني النَّبَات جِسْمَه، ونَحْنُ نَأكل النَّبَاتِ والحَيَوَان الذي يَأْكُل النَّبَات، ومِن كِلِيهما نَبنِي أَجْسَامنا..... نَحْنُ مُقِيَدُون بِالْأَرْضِ، ولصالح الْإِنْسَان كَان هَذَا القيد، إِنَّ الْإِنْسَان لَو ذَهَب فِي الْأَرْضِ سَفَلاً لِطَمَره الصَّخر، أو ذَهَب فِي البَحْر نزولاً أعْرَقَه الماء، أو صَعَد في الهواء عِلوا تَعَذَر عَلَيْهِ التَّنَفُس. فَعَن حِكْمَة إِذَنْ كَان رَبط الإِنْسَان بهَذه الأَرْضِ : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى) (1). الله، وَسَطوته.)وبعد، فَلا شَيء لَدَيَّ أَقُوله هنا إلا أن أكرر مَعَ الْقُرْآنِ الكَرِيم، ونهج البلاغة : إنّ هَذَا النظام الدَّقِيقِ الَّذي يَجرِي عَلَيْهِ الكَوْن مِن مَجَرّاته إِلى الذَّرَّة، ومُند وجُوده إِلى نهايته، والَّذي يَعلّم الإِنْسَانِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعلم، إنّ هَذَا النّظام العَلِيمِ الحَكِيم يَنطق بصراحة، ويقول بوضوح لكلِّ ذِي قَلب وسمع: (سَبِّح - معي اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ, غُثَاءً أَحْوَى (2).)
## الخطبة - 212 -### المَقَالَة الْعَادِلَة:أَللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَاثِرَةِ، وَالْمُصْلِحَةَ غَيْرَ الْمُفْسِدَةِ، فِي الدِّينِ وَ الدُّنْيَا، فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ وَالْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْرَازِ دِينِكَ فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ يَا أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةً، وَنَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَنتَهُ أَرْضَكَ وَ سَمَاوَاتِكَ، ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ الْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ، وَالْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ.اللُّغة:أَيُّمَا «مَا» زَائِدَة، وأَيُّ مُبْتَدَأ، وَجُملة سَمِعَ صِفَة لِعَبد، وَأَبَى عَطف عَلَى سَمَعَ، وَجُملة فَإِنَّا خَبَر أَيُّ، وبَعْدُ ظرف بِمَعْنَى الآن، وهُو مبني على الظَّم، والمُغْنِي خَبَر أَنْتَ.الْمَعْنَى:(أَللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ.... إلخ. وَهَذِه)
المقالة هِي الدَّعْوَة إِلى الحَرَّب، والضَّرب لا إِلى وَلِيمَةٍ، ولكلِّ أَهْل، دَعْوَة إِلى تَحظِيم الشَّرِّ والفَسَاد، واقتلاعه من الجذور... ولكن من يَسمَع، وهَل يُدَاوى الداء بِالدَّاءِ، وتَستَخرج الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ عَلَى حَد مَا قَالَ الإِمَام عَليّ (1.)وقضى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ على الشرك، والخرافات، والتقاليد الفاسدة، وحطم زعَامَات الْبَغْيِ، والضَّلال، ولكن بمعونة الحوَارِبِينَ الَّذِين وصَفَهُم سُبْحَانَهُ بِقَوْله : (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (2)... أَبَداً لاَ عُلاقة لهم إلا مع الله، ولا يُحبون ويُبغضُون إلّا فِيهِ ومِن أجله... لا يَحملون ضِغْنَاً عَلَى مُؤمِن، ولا يَشهرُون فِي وَجْهِهِ سَيْفَاً. ودَعا الْإِمَام دَعْوَة النَّبِيِّ إلى تحطيم قيادات الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وهُو فِي مُستوى الدَّعْوَة والنهوض بِأَعِبَائِها، ولكن المُسْلِمِينَ فِي عَهْدِهِ كَانوا يَتَنَاحَرُون عَلى السُّطان، ويقتل بَعْضهم بعضاً من أجله، ومَا نَجحت دَعْوَة فِي التَّارِيخ البشري كله إلَّا إذا اتفقت كلمَة الْأَنْصَارِ، وأحاطوها بِقُلُوبِهِمْ ودَافِعُوا عَنْهَا بِدمائهم، وكان أَصْحَاب الْإِمَام كما خاطبهم في قَوْله : «يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا! كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبِ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخر» (3).)(فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ يَا أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةً. ضَمِيرِ عَلَيْهِ يَعُود إِلَى مَن نكص عَن دَعْوَة الْإِمَام وَقَالَ الشيخ مُحَمّد عَبْدَه : «أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ هُو النَّبِيِّ، أو)
الْقُرْآن» (1، والحَقِّ إنّه الله تَعَالَى القَوْله : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (2).)(ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ الْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ. إِنْ شِئت أنْ تنصرنَا فَعلت، وإنْ نَكص من نَكص لأنك القائل : (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةَ بِإِذْنِ اللَّهِ) (3). (وَالآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ) تُعَاقِبَه عَلى التّخلف عَن نُصرة الحق.)
## الخطبة - 213 -### تَعْظيم الله تَعَالَى:الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيِّ عَنْ شَيْهِ الْمَخْلُوقِينَ، الْغَالِبِ لِمَقَالِ الْوَاصِفِينَ. الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ لِلنَّاظِرِينَ، وَ الْبَاطِنِ بِجَلَالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ الْمُتَوَهِّمِينَ. الْعَالِمِ بِلَا اكْتِسَابِ وَ لَا أَزْدِيَادٍ، وَ لَا عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ، الْمُقَدِّرِ لِجَمِيعِ الْأُمُورِ بِلَا رَوِيَّةٍ وَ لَا ضَمِيرٍ، الَّذِي لَا تَغْشَاهُ الظُّلَمُ، وَلَا يَسْتَضِيءُ بِالْأَنْوَارِ، وَلَا يَرْهَقُهُ لَيْلٌ، وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارٌ لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالْإِبْصَارِ، وَلَا عِلْمُهُ بِالْإِخْبَارِ.أَرْسَلَهُ بِالضَّيَاءِ، وَ قَدَّمَهُ فِي الاِصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ، وَ سَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ. وَذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ، وَ سَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةَ، حَتَّى سَرَّحَ الضَّلَالَ، عَنْ يَمِينٍ وَ شِمَالٍ.الإعراب:لا يَرْهَقُهُ لَيْلٌ : لا يَدْرُكُهُ. والرَّتَقَ : ضَد الفتق وَسَاوَرَ بِهِ : غَلَبَهُ بِهِ. والحُزُونَةَ : المخشُونَة. وسَرَّحَ : أَبْعَد.
الإِعْرَاب:عَنْ شَبَهِ مُتَعَلِّق بِالْعَلِيُّ، ولِمقَالِ اللام زَائِدَة لمُجرد التوكيد، ومَقَال مَفْعُول الْغَالِبِ.الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ الْعَلِيُّ أي العَالِي بذَاتِهِ، وصفاته (عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ) لأَنَّ المَخْلُوق حادث ومُمكن ومحدود بدايةً ونهايةٌ، والله وَاجِب أَزلي أَبَدِي (الْغَالِبِ لِمَقَالِ الْوَاصِفِينَ) لا ترقى الأفهام إلى الإحاطة بذاته وصفاته، لأنّ لِلْأَنْهَام حَداً تَنْتَهِي عِنده، والمحدود لا يَدرُك المطلق الذي لا أوّل لأوّله، ولا آخر لآخره، وإنما يدرك وجُودَه مِن خِلال آثاره.)(الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ لِلنَّاظِرِينَ. الْأَفْهَام لا تدرك ذات الله سُبْحَانَهُ كما أَشرنَا، وَلَكِنَّها تُدرك إنه قادر حكيم من خلال عَظَمَة الكَوْن، ونظامه المحكم الَّذِي يَسِير عَلَيْهِ مُنذ القديم وإلى أنْ يَشَاء الله، وأيضاً تدرك الأَنْهَام إنّ الله رَحْمَن رَحِيم وجوَاد كَرِيم من خلال النِّعَمِ الّتي نَتَقَلبُ فِيهَا، ونَعِيشُ عَلَيْهَا (وَ الْبَاطِنِ بِجَلَالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ الْمُتَوَهِّمِينَ) كمَا عَجَزت الأَلسُن عَن وَصف الذات عَجَزت الأفكار أيضاً عَن أَدْرَاكها والإحاطة بها، وحسب هَذه أنْ تَسْتَشعر قُدرة الله، ورحمته، وحكمته، وحسب تلك أنْ تُسبح بحمده ومجده.)(الْعَالِمِ بِلَا أَكْتِسَابِ وَلَا أَزْدِيَادٍ، وَلَا عِلْمٍ مُسْتَفَادِ الْمُقَدِّرِ لِجَمِيعِ الْأُمُورِ... إلخ. بلا دراسة نهاراً، ومُطالعة ليلاً، وبلا رُوىَ فَلاَن عَن فُلان.)وتَسْأَل : إنّ الْإِمَام يُطِيل ويُكرر فِي هَذَا المَوْضُوع، كقَوْله فِي هَذِهِ الْخُطْبَة : «بِلَا رَوِيَّةٍ وَ لَا ضَمِيرٍ... وَ لَا بِالْإِبْصَارِ، وَ لَا بِالْإِخْبَارِ»، وقَوْله : «لا بِأَدَاةٍ» (1، وقَوْلَه)
1) أنظر، نهج الْبَلاغة : الخطبة (152). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
«لا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ». إلى أمثال ذَلِكَ مَع أنّ الأمر في غاية الوضوح، ويَكفِي الْقَوْل : إنّه تَعَالَى عَالِم بذاته، أو بلا أكتساب ؟ (1)الجَوَاب :كان الناس في عهد الإِمَام جَدِيدِي عَهد بالإسلام، وكان البعض مِنْهُم يَقيس صفات الخَالِقِ بصفات المخلوق... حَتَّى اليَوْم يوجد هَذَا النَّوْع. وروي عَن بَعْضٍ الأعراب أنه نادى الله بقوله : «يَا عريض الجَفْنَةِ، يَا أبا المكارم، يَا أَبْيَض الوجه» (2. فدعت الحاجة إلى التكرار والتوكيد.)(أَرْسَلَهُ بِالضّياءِ، وَ قَدَّمَهُ فِي الاِصْطِفَاءِ، فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ، وَ سَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ. أصْطَفى الله مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لحمل الأَمَانَة، وأَدَاءِ الرِّسَالَةِ، فَقَام بِها عَلَىٰ أَكمَل وَجْه، جَمع شمل المتفرقين، وقَضَى عَلَى الشِّرك والمُشْرِكِين، ورَفَع رَايَة الأَمْن والْعَدْل، وحرر النَّاسِ مِن العبُودِية والجَهْلِ، وَجَعَلَهُم «النّاس كُلّهم أحرار، كُلّهم سوَاء تَمَاماً كأسنَان المشط»(3).)
1) أنظر نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة (186). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 191/6.
3) أنظر الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب: 298/2، طبعة بيروت، و : 300/4 ح 6882 و 6883، میزان الإِعْتِدَال في نقد الرّجال: 307/30. تُحف الْعُقُول : 368، لسان الميزان : 42/2 ح 153 و : 98/3، صفوة الصفوة : 204/1، عِلل أبن أبي حاتم : 111/2 ح 1829 نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 39 ح 120، کنز العمال : 9 / 38 ح 24822، تفسير الثعالبي : 422/3 الشفا بتعريف حقوق المصطفی: 78/1، سبل الهدى والرشاد،95/2، كشف الخفاء : 4333/2 ح 2847، شبل السّلام: 128/3.
## الخطبة - 214 -### إِنَّ لِلْخَيْرِ أَهْلًا... فِقْرَة 1 - 3 :وَأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ، وَ حَكَمْ فَصَلَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَسَيِّدُ عِبَادِهِ، كُلَّمَا نَسَخَ اللهُ الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا، لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ، وَلَا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ.أَلَا وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلًا، وَلِلْحَقِّ دَعَائِمَ، وَلِلطَّاعَةِ عِصَماً. وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ يَقُولُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَيُثَبِّتُ الْأَفْئِدَةَ فِيهِ كِفَاءُ لِمُكْتَفٍ، وَشِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ (1.)وَاعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللهِ الْمُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ، يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَيُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ. يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ، وَيَتَلَا قَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ، وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ، وَ يَصْدُرُونَ بِرِيَّةِ، لَا تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ وَ لَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ. عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ أَخْلَاقَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ، وَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ، فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَدْرِ يُنْتَقَى، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَىٰ قَدْ مَيَّرَهُ التَّخْلِيصُ، وَهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ (2.)فَلْيَقْبَلِ أَمْرُؤُ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا، وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا، وَليَنْظُرِ أَمْرُو فِي
قَصِيرِ أَيَّامِهِ، وَ قَلِيلٍ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً، فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ، وَ مَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ. فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَ تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ، وَ أَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ، وَ طَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ، وَبَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ، وَ تُقْطَعَ أَسْبَابُهُ، وَ اسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ، وَ أَمَاطَ الْحَوْبَةَ، فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَ هُدِيَ نَهْجَ السَّبِيلِ (3.)اللُّغَة:نَسَخَ الخَلْقَ : نَقَلَهُم بِالتّناسُل مِن فَرِيقٍ إِلى فَرِيقين، أو كما قال ابن أبي الحَدِيد: قَسّم الأب الواحد إلى ابنين. والعَاهِر : الزَّانِي، ومثله الفاجر. والعصم - بكسر الْعَيْن وفَتح الصَّاد - جمع عِصمَة، وهى الحضانة، والوقاية من الذنوب. والكفاء: الكِفَايَة. والمراد بِالْوِلَايَة هنا الأخوة الصادقة. والرِّيَّة - بكسر الراء - من زوال العطش، والقَارِعَة : المصيبة، والْقِيَامَة، وَطُوبَى : الهناء والخير والحَوْبَةُ : الإِثْم.الْإِعْرَابِ:أَنَّهُ عَدْلُ الضَّمِيرِ لِلْقَضَاءِ والْقَدَر، وكُلَّمَا نُصْب عَلى الظَّرْفِيَة، لأنّ «مَا» مَصْدَرِيَة ظَرفِيّة، والمَصْدَر المنسبك مَجرُور بإضافة كلّ أي في كلّ زمان نَسَخ أو ينْسَخَ الله الخَلْقَ فَرْقَتَيْنِ... إلخ، وعَوْناً أسم إِنَّ، وعِلْمَهُ مَفْعُول الْمُسْتَحْفَظِينَ، ونَهْجَ السَّبِيلِ مَنْصُوب بِنَزع الخافض أي إِلى نَهْجَ السَّبِيلِالْمَعْنَى:(وَ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ. مَا مِن شَيْءٍ إِلَّا وَرَاءه قَضَاء، وتدبير، وَهَذَا هُو الدَّلِيل :)
(إِنْ هُوَ - أي الْقُرْآن - إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (1). وكلّ قَضَاءِ الله عَدْلٌ، ثُمَّ أَكَد الإِمَام ذَلِكَ بِصِيغَة الفِعْل الماضى وَقَالَ: «عَدَلَ» لاَ شَائِبة في قضائه للظلم (وَ حَكَمٌ فَصَلَ) بَيْنَ الحَق والْبَاطِل.)(وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَ سَيِّدُ عِبَادِهِ جَاء فِي كِتَاب «الصَّوَاعِقِ المحرقة» وغَيْره : «إنّ النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال مُشيراً إلى عَليّ: هَذَا سَيّد الْعَرَب. فقالت لَهُ عَائِشَة : أَلستَ أَنْت سَيّد الْعَرَب ؟ قَال : أنا سَيّد - ولد آدَمَ - العالمين، وهو - علي - سَيّد الْعَرَب» (2). كُلَّمَا نَسَخَ اللَّهُ الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا). إِذَا تَشَعَبِ النَّاسِ إِلى فِرق وقبائل قَبل مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان هُو فِي خِيرها وأفضلها أُماً وأَبَاً، وقد جاء في الصحاح، ومِنْهَا صَحِيح مُسلم، إنّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال : «إنّ الله أصطفى كِنانة من ولد إِسْمَاعِيلَ، وأصْطَفَی قُرَيْشاً مِن كنانة، وأصْطفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هَاشم، وأَصْطَفَانِي)
1) التَّكْوِيرِ: 27 – 29.
2) أنظر : الصَّوَاعِقِ المحْرِقَة لابن حجر العسقلاني، (منه (قدّس سِرُّه)). و 122 تأريخ دمشق : 261/2، كنز العمال: 6 / 157 و: 6 / 400، طَبْعَة أُخرى، و : 618/11 ح 33006، فَضَائِلِ الصَّحَابَة لأحمد بن حنبل : 394/12 ح 599، الرياض النضرة : 31/2 ح 444. كشف الخفاء : 561/1 ح 1513 و : 93/2 ح،1779، المصَنَّف لابْن أبي شيبة : 351/6 ح 31919، المعجم الأوسط : 127/2، المعجم الأوسط : 127/2 ح 1468، مُسْنَد الحارث : 871/2 ح 933، المعجم الكبير : 88/3 ح 2749، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 43/1 ح 1104 فيض القدير : 46/3، حُلية الأَوْلِيَاء : 13/1 و 38/5 ميزان الإِعْتِدَال في نقد الرّجَال : 430/6 : 8551، لسان الميزان : 39/6 ح 155 تاريخ بغداد : 89/11 رقم «5776»، العلل المتناهية : 216/1 ح، 341 المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 133/3 ح 4625 و 4626 و 4627، مجمع الزوائد: 116 و 131. المناقب لابن المغازلي : 213، مجمع الزوائد: 116/9 الصَّوَاعِقِ الْمحرقة لابن حجر : 73 طبعة أخرى. 116/9، الرّياض النضرة : 177/2 طبعة أخرى.
مِن بَنِي هَاشم» (1. (لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ، وَ لَا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ. هُو خَير أَهْل الأَرْضِ طُرّاً حَسَباً ونَسَباً انتقل من أضلاب طاهرة إلى أرْحَامِ مُطهرة. هَذِه هي عقيدة الشيعة الإِمَامِيَّة فِي جَمِيعِ الأَنْبِيَاء دُونَ أَسْتَثنَاء (2).)(أَلَا وَ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلًا وهُم مُوجُودُونَ فِي كلّ عَصر وَجِيل، ومن عَلَامَة أَحدهم أنه يُحب الخير لكلِّ النّاس، ولا يَضمر شراً لمخلوق، ولا يَعِيش عَلَى حساب الآخرين، بَل مِن كَد اليمين وعرق الجبين (وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ) وهُم العُلَماء الَّذِين يُبينُون حكم الله للنَّاس، ولا يشترون بِهِ ثمَناً قَلِيلاً (وَ لِلطَّاعَةِ عِصَماً) من أراد الإدمان على طاعة الله في كلِّ شَيء، ولا يَعصِيه فِي شَيء فَالطَّرِيق إِلى ذَلِكَ سَهل يَسِير، وهو كتاب الله، قَالَ سُبْحَانَهُ : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (3).)
1) أنظر، صحیح مُسلِم كِتَاب «الفضائل» بَاب : فضل نَسَب النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). (منه (قدّس سِرُّه)). و : 1782/1 و : 4 / 1963 ح 253، وأخرج البُخَاري في صحيحه : 166/4، وأحمد في مُسْنَده: 417/2 و: 107/4، وكنز العمال: 427/11، الترمذي كتاب المناقب: 583/5، وأخرج البيهقي في دَلائِل النُّبُوَّة : 174/1، عُيون الأثر لابن سيد الناس : 24/1. دار المعرفة.)والسيوطي في الخصائص : 63/1، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 60/1، طَبْعَة دار الصادر، بيروت، غاية السؤول في سيره الرَّسُول 25 طبعة دار الكتب، الحاوي للفتاوي: 210/2 : طَبْعة دار الكتب العلمية، سُنن أبي داود : 44/5 ح 4657، والترمذي في سننه 500/5 ح 2222، وسُنن ابن ماجه : 791/2، ذَخَائِرِ الْعُقْبى: 10. انتشارات جهان، مختصر تاريخ دمشق : 27/2، دَلائِل النُّبُوَّة للبيهقي : 165/1، سُبل الهدى والرشاد للصّالحي: 275/1، سيرة ابن هشام: 110/1، تراث الْإِسْلام، أبن كَثِير في سيرته : 190/1، دار إحياء التراث، وغَيْر ذَلِكَ من الأَحَادِيث.
2) أنظر، الشرح في الخطْبَة : (94).
3) الْبَقَرَة : 187.
(وَ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. لكلِّ عَمَل جَزَاء غَداً عِند الله، وأيضاً لكلّ عَمل أَثره في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَن فَتح قَلبَه لِلشَّيْطَانِ فِي الذَّنبِ الصَّغِير أتخذه مقراً لهُ ومَوْطِناً مَا دَام حَيّاً، ومَن أقبَل عَلَى الله فِي طَاعة ولَو مُقدار ذَرَّةٍ كَان الله في عونَه إِلى غَيْرها، ودَفَع بِهِ إِلى مَا هُو خَير وأبقی : ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (1). (يَقُولُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ) أي أنّ مَا جَاء عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاء هو (عُون لِلعَبد عَلى طَاعة الله (وَ يُثَبِّتُ الْأَفْئِدَةَ). إنّه تَعَالَى يُنَبِّتُ الَّذِينَ أمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بما وَعَدَهُمْ مِن فَضْلِهِ وإِحْسَانِهِ. (وَ أَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ). الْمُرَاد بِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ هُنا دِينَه، وبِالْمُسْتَحْفَظين الْعُلَمَاء بِالدِّين، لأن مَن عَلِمَ بِدِين الله كَان الدِّينِ وَدِيعَة اللَّهُ عِنده يَجب عَلَيْهِ أَنْ يَحفظها وَيَحرص عَلَيْهَا (يَصُونُونَ مَصُونَهُ) أَي يَصُونُونَ دِين الله مِن التَّحريف والتزييف (وَ يُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ) يَنْشرُونَ الدِّين بَيْنَ النَّاسِ (يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ، وَيَتَلَا قَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ، وَيَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ.... إلخ). تأخوا في الله. وتَعَاونُوا عَلَى الصَّالحات، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ عَلَى تَحمل المشاق مِن أجله (لَا تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ) لأنهم عَلَى بَصِيرة مِن دِينِهِم (وَ لَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ) لأَنَّهَا تَنُم عَن الصِّغَار، وتَقُود إلى النَّار.
(عَلَىٰ ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ أَخْلَاقَهُمْ) هُم أَبْنَاء الْإِنْسَان ظَاهِراً وَوَاقِعَاً، وخَلَقَاً وَشِيمَاً بكلِّ مَا فِي الْإِنْسَانِية من فضائل، وغَيْرهم حيوان في شكل إِنْسَان (فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ) أي عَلَى عَقد الأخلاق الرَّضِيةَ وَبِهِ يَتَبَادَلُونَ الْإِخْلاص
1) مُحَمَّدٍ : 17.
والثّقة، والْبِرِّ والرَّحْمة (فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَدْرِ يُنْتَقَى، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَ يُلْقَى، قَدْ مَيَّزَهُ التَخْلِيصُ، وَ هَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ). التَّمحِيصُ وَالتَّخْلِيصُ : الغَرْبَلَةُ، والتمييز بَيْنَ الجَدِيد والرَّدِيء، والمعنى أن الأخيار يمتازون عَن سَائِرِ النَّاس كما يمتاز الْبَذْر الصَّالح للزرع عَن الْبَذْرِ الفاسد الذي لا يصلح إلّا لِلطَّرح مع القمامة.
(فَلْيَقْبَلِ اَمْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَ)ا. يَأخُذ نَصِيحتي مجاناً ومِن غَيْر ثَمَن إِلَّا أَنْ يَقْبلها ويعمل بها، وَسَيرى أَنَّهَا تَعُود عَلَيْهِ بكُلِّ خَير (وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ خُلُولِهَا... إلخ). وَليَتَأهَب وَيَسْتَعدِ لِلمَوْت قَبل أنْ يَأْتِيهِ بَغْتَةً (فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ، وَ مَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ) أي يَعْمَل لآخِرَته فإِنَّهُ يَتَحَول وَيَنْقَلب إِلَيْهَا عَمّا قَرِيب (فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَ تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ... إلخ). يَسْتَمِع الْقَوْلَ فَيَتبع أَحْسَنه أيّاً كان قَائِله، لأنّ: «الحكمة ضَالَّهُ الْمُؤْمِنِ ! فَخُذِ الحِكْمَة وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ» (1)، كما قال الإمام.
(وَ بَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ) دونكُم بِالْعَجز أو الموت، وأبواب الهُدَى هي أَبْوَابُهُ تَعَالَى، والله لا يغلقها أَبَداً، ولا يصد أحداً عَنْهَا. ولكن العبد يَعْرض ويَنْصَرف، أو يَرْغَب بعد فوات الأوان (وَ أَمَاطَ الْحَوْبَةَ)، يَنْدَم عَلَىٰ مَا فَرَط وَقَصّر، وَيَتضَرع إلى الله أَنْ يَغْفِر وَيَرحم (فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَهُدِيَ نَهْجَ السَّبِيلِ). الأدلة قَائِمَة عَلى سَبِيل الرُّشد والهِدَايَة، ومَن نَكَبَ عَنْهَا قَامت عَلَيْهِ الحُجّة، وحقت عَلَيْهِ كَلِمَة العَذَاب.
1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (80).
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُصْبحْ بِي مَيِّتاً، وَ لَا سَقِيماً، وَ لَا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بِسُوءٍ، وَ لَا مَأْخُوذاً بِأَسْوَإِ عَمَلِي، وَ لَا مَقْطُوعاً دَابِرِي، وَ لَا مُرْتَدَّاً عَنْ دِينِي، وَ لَا مُنْكِراً لِرَبِّي، وَ لَا مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي، وَ لَا مُلْتَبِساً عَقْلِي، وَ لَا مُعَذِّباً بِعَذَابِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِي، أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَلَا حُجَّةَ لِي. وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَنِي، وَ لَا أُتَّقِيَ إِلَّا مَا وَقَيْتَنِي. أَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ، أو أضِلَّ فِي هُدَاكَ، أَوْ أَضَامَ فِي سُلْطَانِكَ، أَوْ أُضْطَهَدَ وَ الْأَمْرُ لَكَ أَجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي، وَ أَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي. أَللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ، أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ، أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ.
اللُّغَة:
عُرُوقِ : أَعْضَائِي ودَابِرِي : نَسْلِي، ومُلْتَبِساً: مُخْتَلِطاً. والتَّتَايَعَ - بِاليَاء -
التهافت فِي الشَّر، واللُّجَاجة، وفِي بَعْض النُّسَحْ تَتَابَعَ بِالبَاء لا بِاليَاء.
الْإِعْرَاب :
يُصْبحْ تَامَة، وَمَيِّناً حَال مِن يَاء المتكلّم، والمَصْدَر مِن أَنْ أَفْتَقِرَ، وأَنْ نَذْهَبَ مَجَرُورٍ مِنْ مَحْذُوفَة.
الْمَعْنَى:
(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُصْبِحْ بِي مَيّتاً، وَ لَا سَقِيماً). يَحْمد الإِمَامِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) خَالِقه تَعَالَى عَلَى نِعَمِه التي لا تُحصى، ومِنْهَا إنَّه أَصْبَحَ سَلِيماً معافى في بَدنَه وصحته، ومن أَقْوَاله : نعمتان مجهولتان : الصحة والأمان (1)(وَ لَا مَضْرُوباً عَلَىٰ عُرُوقِي بِسُوءٍ) أي سليم الأَعْضَاء.
(وَ لَا مَأْخُوذاً بِأَسْوَ إِ عَمَلِي). حَقَرَ الْإِمَامِ الدُّنْيَا وصَغرها، وقومها كما قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ» (2)، أو «إِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ» (3)، ونَعَتها بالأفعى وبكل سوء ورذيلة، ولذا قطع مَعَهَا
العلاقات والصلات، ومَع هَذَا يَتهم نَفْسَه بِسُوء الْعَمَل، ويحمد الله الَّذِي لَم يَأخذه مِن مأمِنْه !... ولَيْسَ هَذَا مُجَرد تواضع، ولا هُو دَرس وتعليم للآخرين - كما يُقال - كَلا، إنّه صدق فِي الإِيمان ورسُوخ فِي الْيَقِين، ومِن بداهة الحَقَائِقِ إِنَّ الْخَوْف مِن الله يُقاس بِمَعْرِفَته والفهم عَنْهِ. وَكَذَلِكَ الرَّجَاء.
وَمَهمَا شَكَكت فإنّي لا أشك إطلاقاً إن من أكبر الكبائر أنْ يَمتلىء قَلب المَرْء رُعباً مِن المخلوق ولا يخاف الْخَالِقِ فِي شَيء، وإنّ مَن كَان هَذَا شَأنَه يُعامل في الآخِرَة مُعَامَلَة الْكَافِرِ المُلحِد إِلا أَنْ يَشَاء الله. وأنا أعرف مَن يَعترف بلسانه الله بالوحدانية ولمُحَمّد بِالرِّسالة، ولكن لا أثر في تصرفاته لِلخَوْف مِن الله فِي كَثِيرٍ، أو قَليل.. أَنَّهَا تَصدر عَن مَصْلَحَته، ولا شَيء وَرَاءها، فكيف أُصدق إنّه من الله في شيء ؟ حَتَّى ولو طَلب العُون مِنْهُ لقَضَاءِ مَصْلَحة من مصالح دُنْيَاه... أَبَداً لا دليل عَلى الإِيمان الصَّادق إلّا الخَوْف مِن الله عَملياً لا نظرياً فقط.
(أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَلَا حُجَّةَ لِي). فَرق بَعِيد بَيْنَ الطَّاغِية والْإِمَامِ الْعَادِل، فالأَوَّل يُرِيد السيطرة كغَايَة، والتَّحكم بِدمَاء النّاس ومُقدراتهم، ويعمل جاهداً لتثبيت السُّلْطَان ودَوَامَه في يده وفِي نَسله، أو فيمن يَشَاء مِن بَعده، والوَسِيلة الوحيدة التى تضمن لهُ هَذِه السيطرة ودوّامها - كما يُفكر ويعتقد - أنْ يَملأ الْقُلُوب رُعباً وهَلعَاً من بطشه وهيبته، ومن أجل هَذَا يَعتبر القُوَّة هي النظام الحكيم لسيادته ورئاسته.
أمّا الْإِمَامِ الْعَادِل فإِنَّه ينظر إلى الحكم على أنه تحمل تبعات ومَسْئُولِيَات بِتَأْمِين الدّعَة والأمن لِلرَّعِيَّة، وإقامة العدل والمساواة بَيْنَ الجَمِيع، وإِنه لَو وُجد مظلوم واحد في رَعِيتُه فهو المَسْئُول الأَوَّل عَن ظُلامته. ومن أجل هَذَا الشعور
بِالمَسْئُولية، وإنَّه أَجِير مُؤتمن - يرى أنه قَد ظَلم نَفْسَه بِالتَّصْدِي لِلحُكم وقَبُول السُّلْطَان، ولذا ترك بوذا الملكِ، وَولى هارباً... ولو أَحْجَم الْإِمَامِ عَن الْخِلَافَة فِي مِثل الظُّرُوف التي كَان عَلَيْهَا الْمُسْلِمُون آنذاك، والأحداث التي قُتل فيها عُثمانَ - مَا أخضر لِلْإِسْلام عُود، ولكن الإِمَام تَحمّل المَسْئُولية على ضخامتها، وَظَلَم نَفْسَه، لا لشيء إلا لأنه عَبْد مَمْلُوك - كما قال - لله والإِسْلام وصالح المُسْلِمِينَ.
(أَللَّهُمَّ أَجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي... إلخ). أرَاد بِالكَرَائِم عَقْلَه وَسَمْعَه وَبَصرَه، وكلّ شَيْء فِيهِ يُعِينه على التصرف والحركة، والْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتوسل إلى الله أنْ يُبْقِيه سالماً من الآفات، ويُقْبضَه إِلَيْهِ قَبل أنْ يُرد إلى أرذَلِ الْعُمُر، فَيَعِيش قَعِيداً لا يقوى عَلَى شَيء، فَيَضْجَرَ مِنْهُ القَرِيب، ويَنْفُر البعيد... والإِمَام أَخذ هَذَا الدُّعَاء مِن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَد سُمع مِنْهُ أَكْثَر مِن مَرَة (أَوْ أَنْ تُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ. أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ). أي نَعُوذ بِالله أَنْ تَنْحَرف بِنا الْأَهوَاء عَن الهُدَى إِلى الضَّلال.
وَبَعد، فإنّ الدُّعَاء ضَرب مِن الْعِبَادَةِ، مَا فِي ذَلِكَ رَيب، فقد حَثّ عَلَيْهِ الله. وَرَسُوله والأَئِمَّة الأطهار، ولكن أفضل الدُّعَاء تَرك الذُّنُوب.
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ، وَ لَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ. وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَ لَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً اللَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَ لِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِن الْمَزِيدِ أَهْلُهُ (1).
ثُمَّ جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَ يُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ، وَ أَعْظَمُ مَا أَفْتَرَضَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّة، وَحَقُّ الرَّعِيَّة عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللهُ - سُبْحَانَهُ - لِكُلّ عَلَى كُلّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ، وَ عِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلاةِ، وَلَا تَصْلُحُ الوَلَاةُ إِلَّا
بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّة (2).
اللغة :
التَّوَاصُفِ : تَفَاعُل يَكُون بَيْنَ اثْنَيْن أو أَكْثَرَ، وذَلِكَ بِأَنْ أَصفُ لَكَ شَيْئَاً، ثُم تَصفَه أَنْتَ لي بما تَرى. والتَّناصُفِ : إن أنصفك مِن نَفْسي، وتَنْصفنِي مِن نَفْسك.
الْإِعْرَابِ:
تَفَضُّلًا مَعْفُول مِن أجله الجَعَلَ، ومِنَ الْمَزِيدِ مُتَعَلِّق بـ «تَوَسُّعاً» وفَرِيضَةٌ بِالرَّفع خبر لمبتدأ محذوف أي هِي فَرِيضَةٌ.
الْمَعْنَى:
(أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ) أي بصفَتِي مُمثلاً للسُّلطة، لا بصفَتِي الشَّخْصِيَّة، أو بأيّة صِفَة أُخرى... وقد أتى على الناس حين من الدّهر لَم يَعرفُوا فِيهِ حاكماً ولا محكوماً، ولا شَيْئَاً من الحقوق الْعَامَّة، وبعد أنْ انتقل الْإِنْسَان من حياة العُزلة والانفراد إلى حياة الجماعة، وخَضع الفَرْد لشعُورهَا آمن بضَرورة الخضُوع للرئيس والْحَاكِم وتعظيمه وتقديسه دُونَ أي مُقابل... وهَكَذَا خَضَع أَهْل الصِّين للأباطرة أبناء السَّماء، وأَهْل مِصْر للفراعنة أَبْنَاء الشَّمس.... إلخ. وبمرور الزَّمن عرفت الجماعات الحقوق العَامَّة والمتبادلة بين الْحَاكِم والمحكوم، وأَصْبَحَ لَهَا مُؤلفات وعُلَماء وكليات، وأشار الإِمَام في بداية هَذِهِ الْخُطْبَة إلى أنّ الله سُبْحَانَهُ شَرع أحْكَاماً حَدد فيها حَقِّ الرَّاعِيَ عَلَى الرَّعِيَّة،
وحقها عَلَيْهِ (1). ثم قَالَ :
(فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَ أَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ). الحَقِّ مَيدان واسع للوصف والْقَوْل، والنَّاس يَصُولون فِيهِ ويَجُولون خطَابَةً وكتَابَةً وَمُحاضرات، ولَكِنَّهُم يَضِيقُون بِهِ صَدراً إِذَا جَاء دور التطبيق والْعَمَل (لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ، وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ). هَذِهِ قِسمَة عادلة متوازنة : لَكَ مِثل الذي عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ مِثل الَّذي لَكَ، وإن كُنت لا ترى حقاً عَلَيْكَ لغَيْرِك فَعَلَيْكَ أنْ لا تَرى حقاً لَكَ عَلَيْهِ، وقَدِيماً قِيلَ: «أَنْ تُحب لهُ مَا تُحب لنفسك، وأنْ تَكرَه لَهُ مَا تَكره لِنَفْسك (2)... هَذَا هُو مبدأ الْعَدْل، والإِنْصَاف، وقانون الطَّبِيعَة أيضاً، ولا أحد فَوْق الطَّبِيعَة إلا خالق الطبيعة... ومن هنا تفجر الصراع الرَّهِيب بَيْنَ الأَقْوِيَاء الَّذين يَنكِرُون التّوازن الْعَادِل، ويَصرُون عَلَى الاِمْتِياز الظَّالِمِ، وبَيْنَ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ يَرفضُون الاِسْتِبْدَاد والْعُدْوَان عَلى حقوقهم، وحُريَاتهم، أمّا تَحدِيد الْحَقِّ فَهُو وَلِيد الرّوابط بَيْنَ النَّاس، ويختلف بحسبها.
(وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ). لاَ حَقَّ مُتبادل بَيْنَ الْخَالِقِ والخلوق، والواجب والممكن، وهَل يُقاس النقص بالكمال، والضَّعْف بالاقتدار ؟.
1) أنظر، نهج الْبَلاغة : الخُطْبَة : (34). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، كتاب المؤمن : 40، الكافي : 169/2، المحاسن : 595/2، الْفَقِيه : 625/2، الخصال: 350، أمالي الصدوق : 401، مُنية المريد: 190، الجامع للشرائع : 632، الدعوات: 226، رسائل الشهيد الثاني : 327 تُحف الْعُقُول : 74 وَسَائِل الشّيعة : 205/12 ح 7.
إنّ الأمر كله لله، وعلينا أن نسمع ونطيع، وهُو يُثيبنا على الشكر والطَّاعَة لا لشيء إلا لأنّه تَعَالَى كَتب عَلى نَفْسَه الرَّحْمة، كما قال في الآية: قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (1)وكرر هَذَا الْقَوْل فِي الآية : (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِئَايَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَب رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (2)، وإِذَنْ فَلا ثمرة وَرَاء النّزاع في إنّ ثوَاب المطيع الله تَعَالَى هَل هُو لزوم واستحقاق لمبدأ العدالة الإلهية، كما قَال الْمُعْتَزِلَة، أو هُو كَرم وتفضل، كما قال الأَشاعِرَة، والطَّاعَة مِن العبد مُجرد وفاء لأنعم لله ؟ لا جدوى من هذا النزاع مَا دَام سُبْحَانَهُ قَد كُتب عَلى نَفْسَه أَنه لا جَزاء للإحسان إلّا الإِحْسَان.)«وقَوْلُ الْإِمَام : (وَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ. يُومىء إلى أنّ الثَّوَاب حَتمٌ بِإِرَادَةَ الله لا بجَعَل جَاعِل سَوَاه، وعَلى هَذَا يُحمل قَوْله تَعَالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) (3)أَي الَّتِي كَتَبهَا هُو عَلَىٰ نَفْسَه.)(ثُمَّ جَعَلَ - سُبْحَانَهُ - مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً أفْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ... إلخ. لله عَلَى عِبَاده حُقُوق هِي لَهُ وحده لا صلة لها بغَيْره عَلى الإطلاق، مِنْهَا الْإِيمَان بِهِ وبِكُتبه، ومَلَائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، والتَّعبُد لهُ دُونَ غَيْره : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ)
أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (1).)ومِنْهَا حُقُوق للنَّاس، ولكن لا عَلى سبيل الانفراد والاستقلال، بل عَلى سَبِيل التكافؤ والتّضامن بَيْنَ النَّاسِ بَعْضُهُم مَع بَعْض بِحِيث يَكُون أحد الواجبين بالنسبة للآخر كالجزء المتمم له، أي يَجْبَان مَعاً ويسقطان معاً، ومِن هَذَا النَّوْعِ التَّعاون عَلَى الْبِرِّ والصَّالح العام الَّذي يَتجاوز مُساعدات الفَرْد بِسَد الحاجة مِن حَاجَاتِه الخاصة، فإِنَّ هَذَا عَظِيمٍ عِند الله، مَا فِي ذَلِكَ رَيب، ولَكِنَّهُ عون مِن جانب واحد، والتَّعاون مُشاركة بَيْنَ اثْنَيْن أو أكثر. وأيضاً مِن هَذَا النَّوْعِ الحُقُوقِ الرّوحِية التي أشار سُبْحَانَهُ إِلَيْهَا بقَوْله : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (2).)وأيضاً مِن هَذَا النَّوْعِ قَوْل الْإِمَام : (حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّة وهو الولاء للسُّلطة المَشرُوعة في شخص الْوَالِي الْعَادِل لا الولاء لشخصه بِالذَّات، لأنّه وَكِيل لا أَصِيل (وَ حَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي) وهُو تَأمِين حَاجَاتِ الرَّعِيَّة وتحقيق أهدافها، وهَذِه الحقوق الإِنْسَانِية المُتكَافِئة المتبادلة بَيْنَ الرَّاعِيَ وَالرَّعِيَّةَ هِي (فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - لِكُلِّ عَلَى كُلِّ !) ولأنه هو أصلها ومَصْدَرهَا صَحَ الْقَوْل فِيهَا : أَنَّهَا حُقُوق الله وحُقُوق النَّاسِ فِي آن واحد.)(فَجَعَلَهَا نِظَاماً لأُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ أي بِهَذَا التّضامن، والتَّرَابط بَيْنَ الْحَاكِم والمحكوم تستقيم الأمور، ويعيش الجميع إخْوَاناً مُتحَابِين، ومِن أجل هَذَا جَعَله سُبْحَانَهُ دستور الحكم وأساسه، والانحراف عَنْهُ فَسَاد وضَلالَ يَؤول بِالْمجتَمَع إِلَى الهلاك والوبال.)
(فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحٍ الْوِلَاةِ. أَبَداً لاَ تَصْلُح الأَوْضَاع، وَيَتُم الإستقرار إلَّا إِذَا كَان الْوَالِي كَفُواً لِلقِيَام بأعباء الحكم: ومُخلصاً يُساوي نَفْسَه وأهْلَه بأضْعَف ضَعِيف مِن رَعِيَتَه (وَ لَا تَصْلُحُ الْوِلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّة) وهذه الاِسْتِقَامَة مَعنَاها الولاء للسُّلطَة الْقَوِيَّة الْعَادِلَة، والتَّعاون مَعَهَا عَلَى أَسَاسِ مَصلحة الجميع وتأمين حقوقهم.)### النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ الجُهْدِ... 3 – 4:فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَ أَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وَ قَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَ اَعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَ يَيْسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ. وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، أَخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَ كثرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَ تُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ، وَ كَثرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمٍ حَقٍ عُطِّلَ، وَلَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ، وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ، وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ (3. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ - وَ إِنِ أَشْتَدَّ عَلَى رِضًا اللهِ حِرْصُهُ، وَ طَالَ فِي الْعَمَلِ أَجْتِهَادُهُ - بِبَالِغِ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ. وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغ جُهْدِهِمْ، وَ التَّعَاوُنُ عَلَىٰ إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ. وَ لَيْسَ أَمْرُزُ - وَ إِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَ تَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ - بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللهُ مِنْ حَقِّهِ. وَ لَا أَمْرُو - وَإِنْ صَغَرَتْهُ النُّفُوسُ، وَ أَقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ - بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ (4).)
اللُّغة:مَنَاهِجُ الدِّينِ : طُرقه الواضحة. وَمَعَالِم : جمع مَعْلَم أي مَا يُستَدَل بِهِ عَلَى الطَّرِيق. وأَذْلالِ بِفتح الهمزة - جمع ذل - بكسر الذال - أي التعبيد، وأَذْلالِ السُّنن كثرة الْعَمَل بها أو الْعَمَل بِها عَلى وجهها وحقيقتها. والْإِدْغَالُ فِي الأَمر : أَنْ يَدْخُل فِيهِ مَا يُفسده. وَأَفْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ: اَحْتَقَرَتْهُ.الْإِعْرَاب:فَصَلَحَ بِذَلِكَ جَوابِ إِذَا أَدَّتْ، فَهُنَالِكَ إشارة إلى الزَّمَانِ البَعِيد، ومحله النَّصب عَلَى الطَّرفِيّة أي فِي ذَلِكَ الزَّمَان، وبِبَالِغِ اسم لَيْسَ والبَاءِ زَائِدَةَ، ومثله بِفَوْقِ.الْمَعْنَى:(فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَ أَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ. مَهمَا اجْتَهَدت الْقِيَادَة وأَخْلَصَت في عملها ومقاصدها فإِنَّهَا لَا تَأْتِي بِخَيرٍ إِلَّا بِمعُونة الجماعة، تلك تُخطط، وهذه تُنفذ، ومتى تم التعاون بَيْنَ الطَّرفِين تحققت الأهداف (وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ) أي أستقام النَّاسِ عَلَى الطَّرِيقِ الْقَوِيم (وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ) ومَعْنَى اعْتَدَاهَا الْعَمَل بِموجبهَا (وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ) جَمع سُنَّة، وَهِي قَوْل المعصوم أو فِعْله أو تقريره (1)، والمَعْنَى إِذَا أَدى كلِّ مِنَ الرَّاعِيَ والرَّعِيَّة مَا عَلَيْهِ سَارت سُنَّة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي مَجْرَاها الطَّبِيعِي بِلا تَحريف وتزييف من أرباب)
1) أنظر، فرائد الأصول للشيخ مرتضى الأَنْصَاري: 365 كفاية الأصول للآخوند الخراساني : 8، أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر : 57/2.
الأَهوَاء والأَغْرَاض.(فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى صِيَانَة الحَقِّ المُتبادل بَيْنَ الرَّاعِيَ والرَّعِيَّة، ومِن البَدَاهة أنّ صَلاح الزَّمَان بِصَلَاح أَهله (وَطمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ) أي ثَبَتَت واستَمَرت، لأَنَّهَا تَقوم عَلَى الْحَقِّ، والْعَدْلِ (وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اَخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ... إلخ). إنْ تَجاوز الرَّاعِيَ حقه المقرر أنتَهى إِلى الاِسْتِبْدَاد، وإِنْ تَجاوزت الرَّعِيَّة الحُدُود عَمّت الفوضى، وأنشقَت الصفوف، وأميتت السُّنَّة، وكَثُرت البدع، ولا زاجر عَن مُنكر وآمر بِمَعرُوف (فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ، وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ) تبعاً للأوضاع القَائِمة والبيئة التي يعيشون فِيهَا (وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ). الْمُرَاد بِالتَّبِعَات المَسْئُوليات أو العِقاب، ولا شَكٍّ في وجُود الترابط بَيْنَ الجَرَائِمِ والعِقَاب كماً وكيفاً.)(فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ. أشار الإِمَام أولاً إلى أنّ المجتمع لا تَستَقِيم، ولا تَصْلح فِيهِ الْأَوْضَاع إلَّا إذا أدى كلّ من الرَّاعِيَ والرَّعِيَّة مَا عَلَيْهِ، فإنْ قَصر أحدهما أو كلاهما ظهر الجور، وسادت البدع، وتعطلت الأحكام، ثم أشار الإِمَام إِلى الطَّرِيق السَّلِيم لعلاج الأوضاع الفاسدة، وهُو التّناصُح والتَّعَاوُن بَيْنَ العُقلاء وأولي الشَّأن، وذَلِكَ بِأَنْ يَبحثوا عن السبب والْمَصْدَر، فإِنْ كَان التَّقْصِير مِن الْحَاكِم نَصحُوه وقَومُوه، فإِنْ أَستقام وإِلّا عَزَلوه، وإِنْ كَان مِن بَعْض الرَّعِيَّة وفِئَاتِها تَعَاوَنُوا مَعَ الْحَاكِم عَلَى إِصْلاحها، فإِنْ فَاءَت وإلا قَاتِلُوهَا حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ.)(فَلَيْسَ أَحَدٌ - وَ إِنِ أَشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللهِ حِرْصُهُ... إلخ. أَبَداً مَا مِن أَحَدٍ بَالِغاً ما بَلغ مِن العِلم والْعَمَل إِلا وهُو فِي حَاجَة إلى النَّصِيحة والتَّعاون، لأنّه إِنْسَان غَيْر)
مَعصُوم، وَهَذَا الإِنْسَان لاَ يَعْرِف أخطاءه وَعيُوب نَفْسَه لِأَنَّهَا تَخدعَه عَن حقيقتها... وغيره أعرف مِنْهُ بِهَا، وإذَنْ فَعليه أنْ يَتعاون مَعَهُ لِمَعْرِفَتها... ومن الَّذي لا يُحابِي نَفْسَه، وينحاز إِلَيْهَا، ويُحاول بشتى الوَسَائِل أَنْ يُبرهن عَن صُفَاتِها وصوابها ؟ ولا عِلاج لهذا الداء إلا أنْ نَعرف رأي الآخرِينَ فِينَا الَّذِينَ يَنصُفُون ولا يُبنون أقوَالِهِم عَلى الهَوَى والجَهْل.(وَلَيْسَ أَمْرُو - وَ إِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُ... إلخ. لنفترض - حَقِيقَةٌ لا جدلاً - إن إنسَاناً يَحتاط لدينه، ويحترس من الأخْطَاء جهد طاقته فهل يجوز لنا أن نفترض أيضاً حَقِيقَةٌ لا جدلاً - إنّه لا يخطى، فِي قَوْلٍ أو فعل مع العِلم بأنّه غَيْر مَعصوم ؟. وإِذَنْ هُو دَائِماً فِي حَاجَة إلى العُون والمساعدة (وَ لَا أَمْرُؤٌ - وَ إِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَ اقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ - بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ... إلخ). وأيضاً مَا مِن أَحَدٍ - وإِنْ اَزدَرَتُه الأَعْيُن - إلّا وَفِيهِ جهة إيجابية يَنْتَفع بها الآخرُون مَع العِلم بأنّ فِيهِ كَثِيراً من الجهات السلبية، وإنّه في أَمَس الحَاجَة إِلى النَّصِيحَة والمساعدة مِن أجلها.)والخلاصة أن الإِنْسَان، أي إنْسَان، لا يَسْتَطِيع أنْ يَصنع نَفْسَه بِنَفْسَه، وإنّه بحَاجَة إِلى مَعونَة الآخرين مِن أبْنَاء نَوْعَه حَتَّى ولو كانوا دونَه بمراتب، والسِّر أنّ طَبِيعَة النَّاسِ وَاحدة تعلو على كل الفوارق، وتضم تحت لوائها كُلِّ مَن يَمشي عَلَى رِجلين، والشيء الواحد لا ينفصل عَن نَفْسَه، وإنْ تلونَت فُرُوعَه، وتَنَوْعَت فِي شكلها ولونها.### كَرَاهِيَة الإِطْرَاء.. 5 - 7 :إِنَّ مِنْ حَقٌّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ، أَنْ
يَصْغُرَ عِنْدَهُ - لِعِظَمِ ذَلِكَ - كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ الله عَلَيْهِ، وَلَطْفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَزْدَادَ حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً، وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالَاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَ يُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الْإِطْرَاءَ، وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَ لَسْتُ - بِحَمْدِ اللَّهِ – كَذَلِكَ (5. وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطًا للهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَرُبَّمَا أَسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلَاءِ، فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءِ، لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَ فَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَ لَا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَ لَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقِّ قِيلَ لِي، وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامِ لِنَفْسِي (6). فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكْفُوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقِّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيءَ، وَ لَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِي اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى (7).)اللُّغَة:السخف : ضعف الْعَقْل. والْمُرَاد مِن التَّقِيَّةِ هُنا الخروج مِن المَسْئُولية الملقاة عَلَى عاتقه، والقِيَام بما يجب. والْبَادِرَةِ : الحِدَة. والمُصَانَعَة : المُدَارَاة.
الْإِعْرَاب:مِنْ حَقٌّ مُتَعَلّق بِحذُوف خَبَراً مُقَدمَاً ! «إِنَّ» والْمَصْدَر مِن أَنْ يَصْغُرَ أسمها، وَلَنْ اللام للتأكيد، ومَنْ خَبَر إِنَّ أَحَقَّ، والمَصْدَر مِنْ أَنْ يُظَنَّ اسم إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ، وأَنْ يَكُونَ جَالَ «يَكُونَ» زَائِدَة، والْمَصْدَر من أَنِّي أُحِبُّ فَاعِل جَالَ، وانْحِطَاطاً مَفْعُول مِن أجلهِ لَتَرَكْتُهُ، فَإِنَّهُ الضَّمِير للشَّأن، والمَصْدَر مِن أَنْ يُقَالَ بَدل أَسْتَمالَ مِنْ الْحَقِّ، والمَصْدَر مِن أَنْ يُعْرَضَ بَدل أشمَال مِن الْعَدْل.الْمَعْنَى:قال الشَّرِيف الرَّضِي : فَأَجَابِ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ رَجُل مِن أَصْحَابه بكلام طويل يُكثر فِيهِ التّناء عَلَيْهِ، ويَذكر سَمعَه وطَاعته. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): (إِنَّ مِنْ حَقٌّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ... إلخ). نَحْنُ نَقَرَأَ وَنَسمَع مَبهُورِين عَن الْعُقُول الالكترونيّة، وصعُود الإِنْسَان عَلى القَمَرْ، وغَيْر ذَلِكَ مِن ابتكار العلم... أمّا الَّذي تمكنت فِي نَفْسَه عَظَمَة الخَالِقِ وجَلاله فإِنَّه لا يَرَى ذَلِكَ ولا الْعَقْل الذى هُو مَصْدَر العِلم والابتكار ولا الكَوْن بمَا فِيهِ - لا يرى كلّ أولاً، شَيْئاً مَذْكُوراً إِلى جانب ذَرّة مِن عَظَمَة الله وَجَلاله، بل يزداد إيماناً بِاللهِ وَفَهماً لعَظَمَتِهِ، لأنه هو المبدأ الأَوَّل لكلِّ شَيء. وتَقَدَّمَ قَوْل الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف المُؤْمِنِينَ: «عَظُمَ الخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ» (1). والْإِمَام سَيِّد العَارِفِينَ بِاللَّهِ وكماله وَجَلاله، وأَعْلَمُ الْعُلَمَاء بِأَنّ مَعْرِفَته هَذِهِ هِي مِن أَعْظَم نِعَمَ اللهُ عَلَيْهِ، وإِنه أَحَق النَّاسِ أَنْ)
1) أنظر، نهج الْبَلاغة : الْخُطْبَة (193)، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
يَشكرَه عَلَيْهَا، ومِن شُكره وتُوَاضعه الله أنْ يَرى كلّ ما سواه حَتَّى نَفْسَه لَيْس بشيء، وإِذَنْ كَيْفَ يَسمح ويسمع للمديح والإطراء.(وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ أي أن مَن صَغْر وحقر كُلُّ مَا سِوَاى الله هو الذي (عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَ لَطَّفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ) والْإِمَام يَشعر مِن الْأَعْمَاق بِعَظِيم نِعم الله عَلَيْهِ، وَلَطَيفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، وذَلِكَ بأنّ أوّل مَن آمَن بِرَسُول الله مِن الذكور، وجاهد بَيْنَ يَدِيه، وفداه بِنَفْسَه، وأَخذ العِلم عَنْه حَتَّى قَال واثِقَاً : «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي» (1)، وما دامت نِعم الله عَلَيْهِ كَثِيرَة وَعَظِيمَة فَحُقُوقه عَلَيْهِ كَذَلِكَ (فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَزْدَادَ حَقٌّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً). وقَدِيماً، قِيلَ: «وَكَمَا تَرَانِي يَا جميل أراك» تقول هَذَا، ونَحْنُ نَعلم بأن أحداً لا يبلغ من شكره تَعَالى بَعْض مَا تَستَوجِبه نِعْمَة واحدة، فكيف بما لا يبلغها العد والإحصاء!.)(وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالَاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِح النَّاسِ، أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ... إلخ. العُقلاء يَسْخَرُون مِن الحَاكِم الذي هُو مَظَنَة الْكِبْرِ، والفَخَر، ويَرُونَه سَخِيفَاً وحَقِيراً فِي نَفْسَه وَوَاقِعه، قَال رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «آفَة الحَسَب الافتخار (2)... حَسَب المرء دِينَه، وَمُرُوءَ تَه خُلقه» (3)والحَسَب فِي اللُّغة كلّ مَا)
1) تَقَدَّم استخراج ذَلِكَ.
2) أنظر، الشرائر لابن إدريس : 617/3، الكافي : 328/2 ح 2، من لا يحضره الْفَقِيه : 357/4، وَسَائِل الشّيعة : 42/16 ح 3، مكارم الأخلاق للطبرسي : 436.
3) أنظر النّهاية في غريب الحديث : 367/1، الكَافِي : 79/8 ح 34، كشف الخفاء : 109/2، سُنن الدار : 79/8 قطني : 210/3، أمالي الطوسي : 147 ح 54، كنز العمال : 265/16 ح 44379، كتاب العقل وفضله لابن أبي الدُّنْيا : 33 الأشعثيات: 150، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 164/6 ح 5، السنن الكبرى: 10 / 195.
يُعدّ مِن المفاخر فِي مَفهوم الْعَامَّة (1. (وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنَّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الْإِطْرَاءَ). كَيْفَ تَظنُّون بِي حُبّ الثناء، وأنا أكرهه، وأَكرَه مَن يُحبّه، ومَن يَظنّ أنّي أُحِبّه، وأحمد الله عَلى هَذِه الكَرَاهِيَة (وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً للهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ) الْإِمَام يَكْرَه المديح، ولو أفترض أنْ حَدَثتهُ بِهِ نَفْسَه لَزَجَرَها تَأدباً مَع الله وَرَسُوله، فإِنهما أَحق مِنْهُ بِذَلِكَ وَأَوْلَى.)(وَ رُبَّمَا أَسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلَاءِ أي بَعْدَ أَنْ أَجْهَدُوا أَنْفسهمْ فِي الْعَمَل وأَحسنُوا فِيهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُحَرم عَلَيْهِمْ مَا دَامُوا بَعِيدِينَ عَنِ الرِّيَاءِ، فَمَا مِن أَحَدٍ إِلَّا وهُو يُحِبّ أَنْ يَظهر لهُ الخَيْر أَمَام النَّاس إلا صَفوَة الصَّفوة كالإمام الذي قال لأَصْحَابه : (فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاء)ٍ لِخَيرٍ عَملته، وجُهدٍ بَذَلته، لأنّي مَا عَملت واجتهدت للثناء والإِطْرَاء بل (لإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا... إلخ). أي إِنما فَعَلت الَّذِي فَعلت لأُحَرَر نَفْسِي مِن المَسْئُولِيَة التي تحملتها بولايَتِي عَلَيْكُم وأَصْبَحَ عَليَّ بموجبها حُقُوق وفَرَائِض الله ولَكُم، وأَعمل جاهداً للوفاء بها، وما زلت مقصراً في هذا الميدان... وإذَنْ فَعَلام المديح !... وهكذا العظيم يستقل من نَفْسَه كلّ خَير يفعله، وكل نوال يبذله مهما غَزَر، وَكَثُرَ.)(فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ الَّذِين يُعَانُون من سرطان العظمة والْكِبْرِيَاء. قَال الفَيْلَفُوس الصيني «لين يوتَانج»: «كُلّما زاد عدد الدجالين)
1) انظر، لِسَان الْعَرَب : 310/1، النهاية في غريب الحديث : 381/1، مختار الصحاح : 57/1.
والمنافقين أزداد المصفقين والهاتفين» (1. (وَ لَا تَتَحَفَظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ) وَهُم الأَقْوِيَاء الَّذِينَ إِذَا خوطبُوا بِغَيْر مَا يَشتَهُون مِن التَّفخِيم ثاروا وهددوا، والمَعْنَى : خَاطِبُونِي بما يُخاطب بِهِ بَعْضكُم بَعْضاً، فإنّي واحد مِنكُم... هَذَا الإِسْلام بروحه وجُوهَره يُحطم التمييز بَيْنَ النّاسِ مَها كَانَتْ الأَنْسَابِ والمناصب. «دخل عَلَى النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَعرابي غَرِيب، فأر تَجَفَ مِن هِيبَته. فقال له : هون عَلَيْكَ، فإنّي أبن أمرأة كَانَتْ تَأكل القَدِيد بمكة» (2).)(وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ أي بِالنِّفَاقِ والرِّيَاء، بل بصراحة وعَلَى سَجِيَتكُم (وَلَا تَظُنُّوا بِي أَسْتِثْقَالًا فِي حَقِّ قِيلَ لِي، وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي). أَنَا للَّهِ وَلِلْحَقِّ ومَع الحَقِّ، وَقَد مَلَك عليَّ عَقْلِي، وقَلبي، واختلط حُبّه بِلَحمِي ودَمِي فَكِيفَ أتبَرم بِهِ، وأَنْفر مِنْهُ ؟ (فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَل بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ). هَذَا مِن الواضحات التي لا يختلف فِيهَا عَالَمان، ولا جَاهِلان، ويُسميه عُلَماء الأصول بمفهوم الموافقة، وهو إعطاء حكم المنطوق بِهِ للمسكوت عَنْهُ بِطَرِيق أَوْلَى، ومِن أَمثلتة (فَلَاتَقُل لَّهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (3). فالمنطوق بِهِ التَّأفِيف، وَحُكْمَه التَّحْرِيم، فَيَثبت الحكم للضرب)
1) انظر كتاب كَيْفَ يَحيا الإنسان للفيلسوف الصيني «لين يُوتانج» : 68 طَبْعَة سَنَة 1967م.
2) أنظر، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 506/2 ح 3733 و : 50/3 ح 4366، مجمع الزوائد : 20/9، مصباح الزجاجة : 19/4 و 20، سنن ابن ماجه : 1101/2 ح 3312، المعجم الأوسط : 64/2 ح 1260، الزهد لهناد : 413/22 ح 802 نوادر الأصول في أحاديث الرسول : 104/2، الفِرْدَوْس بمأثور، الخطاب : 324/4 ح 6943، تهذيب الكَمَال : 44/3، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 23/1، علل الدار قطني : 194/6ح 1063.
3) الإسراء : 23.
بِطرِيق أَوْلَى، لأنّ عِلَّة التَّحْرِيم الإساءة للوَالدِّين، وَهِي فِي الضَّرب أَشد وأقوى، وأوضح مِثال أو دَرس على الخضوع لِكَلمَة الحَقِّ هَذِهِ الرَّائِعَةِ : قَالَ أَعْرَابِي لِرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «يَا مُحَمّد هَذَا الْمالِ مَال الله، أو مال أبيك ؟. فَشَهر صحَابِي عَلَيْهِ سَيْفَه. فقَال لهُ نَبِي الرَّحْمة : دَعْهُ، إِنَّ لِصَاحِب الحَقِّ مَقَالاً» (1).)(فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيءَ، وَ لَا آمَنْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي... إلخ. أَبَداً لا تَرى عَظِيماً، ولَن تَرَاه إلا وهُو مُتَهِمْ لِنَفْسه حَتَّى ولو كَان نَبِيا، فَقَد شَهِد شَاهَد مِن أهلها بِبَرَاءة يُوسُفَ، ومَع هَذَا قَال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (2)حَتَّى الْإِيمَان بِالله يَحتاج إِلى عَونِه وتوفيقه: (إنَّ هَذِهِى تَذْكِرَةً فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (3)أي إلّا أنْ يوفّق ويُعِين (فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبِّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ... إلخ). والعبد لا يملك شَيْئاً مَع سيده (وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى، وَ أَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى). الله هدانا بعنايته إلى الإِسْلَام وَأَخْرَجَنَا مِن الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِی مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (4).)
## الخطبة - 217 -أَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَأَكْفَتُوا إِنَائِي، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقَّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي، وَقَالُوا : أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ، فَأَصْبِرْ مَغْمُوماً، أَوْ مُتْ مُتَأسفاً. فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ، وَ لَا ذَابٌ، وَ لَا مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي، فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى، وَ جَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا، وَ صَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ الشِّفَارِ.اللُّغةأَسْتَعْدِيكَ : أَسْتَعِينَكَ. أَكْفَتُوا إِنَائِي : قَلْبُوه. والرَّافِدُ : المَعِينُ. والذَّابُ : المُدافع. وضَنَنْتُ : بَخَلْتُ. وأَغْضَيْتُ : صَبَرْتُ. والْقَذَى : مَا يَقعَ فِي الْعَيْن أو فِي الشَّرابِ مِن تبْنَة ونحوها. الشَّجَا مَا أَعتَرَض في الحلق مِن عَظم ونحوه. والشَّفَارِ : جَمع شَفْرَة أي حد السَّيْف ونحوه.
الْإِعْرَاب :حقاً مَنصُوب ينزع الخافض أي مُنَازَعَتِي فِي حَقٌّ، ومَغْمُوماً حال، ومثله متأسِّفاً.الْمَعْنَى:قَالَ الشَّرِيفَ الرَّضِي : «مَضَى هَذَا الكلام في أثناء خُطْبَة مُتقدمة إلّا أنّي ذكرته هنا لإختلاف الرُّوَايتين». والخُطْبَة المتقدِمة الّتي أشار إِلَيْهَا الشَّرِيف (1.)وبلإيجاز قامت قُرَيْش عَلى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وحاول عُتَاتها جاهدين أنْ يطمسُوا رِسَالَته، وقَالُوا عَنهُ : إِنه مَجْنُونٌ، وكَاهِنٌ، وَشَاعِرٌ، وطَالب مُلكِ... وأبى اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون... وبَعْد أن انتقل النَّبِيِّ إِلَى الرَّفِيق الأعلى أقتصُوا مِنْهُ بِشخص أهْلَ بَيْتِه. قال الكاتب المصري الأستاذ عبد الكريم الخطيب : «إنّ عَلِيَّاً كَان أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ شِدَة عَلَى مُشركى قُرَيْش، وأَكْثَرَهُم تَنكِيلاً وإفجَاعَاً في الأبناء، والآباء، والأعمام، والأخْوَال - إلى - أن قال - : وسَنَرى آثار ذلِكَ وشواهده حين تقف قُرَيْشٍ فِي وَجْه بَنِي هَاشم، وحِين تَذُودهُم عَن الْخِلافَة، ثُمَّ تَنَالهُم بِسيُوفهَا، فَتَقتُل شيبها، وشبابها، وصبيانها، وتُشرد بِعَقائِلها، وحرائرها، وكَأَنما تَثأر بهذا لقتلاها فِي بَدْر وأُحد» (2). وأشرنَا إِلى ذَلِكَ سابقاً (3).)
1) أنظر، الخُطْبَة : رقم (26)، والخطبة رقم (172) وأيضاً تظلّم الإمام من قُرَيْش في الخُطْبَة رقم (منه (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، كِتَابَه «عَليّ بن أبي طالب بَقِيَة النُّبُوَّة»، وخَاتَم الْخِلافَة : 146، ومَا بَعدَها طَبعَة سَنَة 1967م. (منه (قدّس سِرُّه)).
3) أنظر. شرح الخطبة : (192). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 218 -### فَظَائِعِ أَصْحَابِ الْجَمَل:فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي وَ خُزَّانِ بَيْتِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي فِي يَدَيَّ، وَ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ، كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَ عَلَى يَبْعَتِي، فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ، وَأَفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ، وَوَثَبُوا عَلَى شِيعَتِي، فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ غَدْراً، وَ طَائِفَةٌ عَضُّوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ، فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اللهَ صَادِقِينَ.الْمَعْنَى: عَضُّوا عَلَى السِّيُوف كنّايَة عَن الصَّبر، والثبات في الحَرْب. دَخل عَسكَر الجَمَل الْبَصْرَة، وأمّن قادة الجَمَل، وعَسْكَره أَهْلها عَلى أَنْفُسِهِم وأَمْوَالِهِم... وسُرعان ما غَدرُوا، وَقَتلوا، ونَهَبُوا، ونَكّلوا، ومثّلوا، ووَقَف هُم جَمَاعَة مِن أصْحَاب الْإِمَام وشِيعَته، وقَاتِلُوهُم حَتَّى اسْتُشْهِدُوا، وَإِلَيْهِمْ أشار الإِمَام بقَوْله : (وَطَائِفَةٌ عَضُّوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ، فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اللهَ صَادِقِينَ وتَقَدَّم الكلام عَن ذَلِكَ (1).)
1) انظر، شرح الخُطْبَة : (172). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
وَقَالَ المُستشرق الألماني «قُلْهُوزن»: «كَانَتْ لِعَلي مكانة أكبر مِن مَكَانَة طَلْحَة. والزُّبَيْر، وحين حوصر عُثمَانَ كَان الْإِمَام يُصلّي بالنَّاس، وكَان فِي نَظر كَافة أَهْل الْمَدِينَة خصُوصاً الأَنْصَار هو الخَلِيفَة الطَّبيعي لِعُثمانَ، وَقَد تَلقَی الْبَيْعَة العَامَّة في المسجد... وأنْقَلب عَلَيْهِ طَلْحَة، والزُّبَيْرِ انقلاباً مُخزِياً، لأنّه بِتَلقِيه البَيْعَة نَال دونَهُما نَجَاحاً قَانُونِياً... وكَانَا فِي حياة عُثمَانَ لَم يَألوا جهداً في الكيد له، وكان يبدو أنْ ذَلِكَ مِن أجل عَليّ، فَقَد قَدمَاه عَلَى نَفْسِيهُما، ولَكِنَّهُما الآن خَرجا عَلَيْهِ خَرُوج المُنافِسِين، وأتَهمَاه بأنّه هُو الَّذي دَبر مقتل عُثمَانَ» (1.)
1) أنظر كِتابه «تأريخ الدول العربية» ترجمة أبو ريدة : 51 طبعة سنة 1958م، وأنظر، شرح الخطْبَة : (173) فِقْرَة : مَن هو الخَلِيفَة ؟. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 219 -### قَتْلَى قُرَيْشُ:لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْمَكَانِ غَرِيباً ! أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْش قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ! أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَفْلَتَتْنِي أَعْيَانُ بَنِي جُمَعَ، لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَىٰ أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ فَوُقِصُوا دُونَهُ.اللُّغَة:الوَتْرِ : الثّأر، والمراد بِهِ هُنا القِصَاص الشَّرعِي. وأَتْلَعُوا : رَفَعُوا أو مَدُوا. فَوْقِصُوا : انْدَقت أَعْنَاقَهُم أو كُسْرَت.الْإِعْرَابِ:أَفْلَتَتْني، الأَصل أَفْلَت مِني، ولما حذفت «مِن» تَخفِيفَاً أَتَصَلت اليَاء بِالفِعْل.الْمَعْنَى:قَال الشَّرِيف الرَّضِي : لما مَرَّ الْإِمَام بطَلْحَة وعبد الرَّحمَانِ بن عَتاب بن أسيد
وهُما قَتِيلان يَوْم الْجَمَل قَال : (لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْمَكَانِ غَرِيباً !... إلخ. وَأَبُو مُحَمَّد هُو طَلْحَة بن عُبَيْد الله، وكان من الصَّحَابَة المعرُوفِين، ولَكِنَّهُ أوّل من حارب الصَّحَابَة، وشهر عَلَيْهِمْ السَّيْف هُو، والزُّبَيْرِ، وأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَان طَلْحَة مِن بَنِي تَيْم أبن مُرّة، ويَنتسب هو وَالزُّبَيْرِ بِالأُمّ إِلى عَبد مُنَاف، كما قَال مِيْتَم البحراني، والذي قتل طَلْحَة مَرْوَان بن الحكم، وكانا معاً من أَصْحَاب الْجَمَل يُقَاتِلان الإمام (1).)أمّا عَبد الرَّحمان بن عتاب فلم يَكُن صحابياً بَل تابعياً مِن بَني عبد مناف، وحارب الإِمَام فِي عَسكر الجَمَل، وقُتل، وبَنُو جَمع يَنْتَسِبُونَ إِلى لؤي بن غَالِب، وكان مِنْهُم جَمَاعَة مَع الجَمَل، فَقُتل بَعْضُهُم، وهَرَب آخرون. والْإِمَام يَكْرَه الْقَتْل والْقَتْلى مِن قُرَيْش، وغَيْر قُرَيْش، وإنما خَصهُم بالذكر، لأنّهم أسرَة النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وأُسرته، ويتمنى لو كانوا أَنْصَاراً لِلإِسْلام لا أَعْدَاء لَهُ، يُقْتَلُونَ عَلَىٰ تَنزِيلَ الْقُرْآنِ تارةٌ، وعَلى تَأْوِيلَهُ أُخرى. ومُرَادِ الْإِمَام بِقَوْله : (أَدْرَكْتُ وَتْرِي) أَنه أَقتَرْص برحذكم الْقُرْآن من قتل أَصْحَابِ الْجَمَل مِن شِيعَتِهِ، ورَعِيتِهِ ظُلماً وعُدْوَاناً.)
1) أنظر، شَرح نهج البلاغة للبحراني : الخُطْبَةُ (219). وقد تَقَدَّم أستخراج ذَلِكَ مُفصلاً.
## الخطبة - 220 -### صَاحِبُ التَّقْوَى:قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَ جَلِيلُهُ، وَ لَطُفَ غَلِيظُهُ، وَ بَرَقَ لَهُ لَامِعُ كَثِيرُ الْبَرْقِ، فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ، وَ سَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ، وَ تَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلَامَةِ، وَ دَارِ الْإِقَامَةِ، وَ ثَبَتَتْ رِجْلَاهُ بِطُمَأْنِينَة بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ وَ الرَّاحَةِ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ، وَأَرْضَى رَبَّهُ.الْمَعْنَى:يَطلب الْإِمَام أَنْ يَكُون كلّ مُسلِم صورة مُثلى لِلْإِسْلاَم عَلى طراز هَذَا الْمُسْلِم الَّذِي وَصَفه بقَوْله : (قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ بِمَعرِفَة الله، وَدِينَه، وشَرِيعته (وَ أَمَاتَ نَفْسَهُ) بِكَبْحَهَا عَن الشَّهَوَاتِ، وَالْمحَرَّمَات (حَتَّى دَقَ جَلِيلُهُ) نَحَل جِسْمَه، لأنه يَأْكُل ليعيش، ولا يَعِيش لِيَأْكُل (وَ لَطُفَ غَلِيظُهُ) لا غَلاظة ولا فظَاظَة فِي أَخْلافه.)(وَ بَرَقَ لَهُ لَامِعُ كَثِيرُ الْبَرْقِ... إلخ. أطال الشارحون الكلام حَوْلَ هَذه)
الجملة (1، وَفَسرُوها بِأَقْوَالَ الصُّوفِية فِي مُجَاهدة النَّفس وترويضها !. والَّذِي نَفْهَمه نَحْنُ أَنْ الَّذِي يَجمع بَيْنَ العِلم، والتَّقْوَى تتكشف له مسالك الهُدَى إِلَى الْحَقِّ وَالْعَدْل، وتظهر أَمَامه بوضوح بلا شُبهات ولا عثرات، وَقَد صرح الْقُرْآن بِهَذا فِي أَكْثَر مِن آيَة : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (2). (إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (3)، والعكس بالعكس : (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (4). (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (5).)(وَ تَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلَامَةِ... إلخ. قَال الشَّارحُون المراد أبواب الرِّيَاضَة وتطويع النَّفس الأمارة، والانتقال من مقام إلى مَقَام حَسبما حَدَده الصُّوفية.... والصَّحِيح - عَلى فَهمنا - إنّ كلّ الأبواب التي يدخل مِنْهَا هَذا العالم أبواب الهُدَى والحِكْمَة والسَّلامة... أبداً لاَ سَفَه، ولا جَهل، ولا ضلال في أي شيء مِن أفعاله وتصرفاته، هَذَا هُوَ الْمُرَاد مِن أبواب المُتقِی، وَقَد أَنْتَهَت بِهِ إِلَى قَرَار مَكِين وأمين (6).)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة مُحَمَّد عَبْدَه : 204/2، شرح منة كَلِمة لابن مِيثَم البحراني : 222، شرح نهج البلاغة : 127/11.
2) محمد : 17.
3) الْكَهْفِ : 13.
4) الْبَقَرَة : 10.
5) الصَّفِّ : 5.
6) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة مُحَمَّد عَبْدَه : 207/2، شرح مئة كَلِمة لابن ميثم البحراني : 225، شرح نهج البلاغة : 137/11.
## الخطبة - 221 -### التَّكَاثُرُ... فِقْرَة 1 - 2:(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (1).)يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وَ خَطَراً مَا أَفْضَعَهُ لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ، وَ تَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ! أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَىٰ يَتَكَاثَرُونَ! يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ. وَلَأنْ يَكُونُوا عِبَراً، أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً، وَلَأنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ، أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ ! لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةٍ جَهَالَةٍ، وَ لَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ، وَ الرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ، لَقَالَتْ : ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ضُلَّالًا، وَ ذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا، تَطَنُّونَ فِي هَامِهِمْ، وَ تَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا، وَ تَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا، وَإِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ بَوَادٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ (1.)
1) التَّكَاثُرِ : 1 - 2.
أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ، وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ، الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ، وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ، مُلُوكاً وَ سُوَقاً. سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَحَ سَبِيلًا سُلْطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ، وَضِمَاراً لا يُوجَدُونَ، لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الأَهْوَالِ، وَلَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُرُ الْأَحْوَالِ، وَ لَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ، وَ لَا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ. غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ، وَ شُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ، وَ إِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا، وَ آلَافاً فَأَفْتَرَقُوا وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ، وَ لَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ سُقُوا كأساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً، وَبِالسَّمْع صَمَماً، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً، فَكَأَنَّهُمْ فِي أَرْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ (2.)اللُّغة:المَرَام : المراد. وَالزَّوْر - بفتح الرّاي - للزَّائِر مفرداً أو جمعاً أو مُثنى.ومَا أَفْظَعَهُ : مَا أَشْنَعَه. واسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ : وَجَدُوا الدِّيَارِ خَالِية مِنْهُمْ. ومُدَّكِرٍ : مِن الإِدكار بِمَعْنَى الاِعْتِبَار. وَتَنَاوَشُوهُمْ وَتَنَاوَلُوهُمْ. ويَتَكَاثُرُونَ : يَتَغَالِبُون فِي كَثرة المال الرِّجَال. خَوَتْ : سَقَطتْ أو خَلَتْ وأَحْجَى : أَقْرَب لِلصَّوَاب الْعَشْوَةِ: ضعف الْبَصَر. والغَمْرَة : الخَيْرَة. قَال تَعَالَى : (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (1)أي في حيرة. وهَامِهِمْ: رُؤُوسِهِمْ أو أَعْلاها. ولَفَظُوا : تَرَكُوا. وَفُرَّاطُ وَفَارِطُون : جمع فَارِط، وهُو الَّذِي يَتَقَدَّمَ الْقَوْمِ إِلَىٰ)
1) الْمُؤْمِنُونَ : 63.
الماء أو الكَلاً. ومَنَاهِلُ : جَمع مَنْهَل أي مورد وحَلَبَاتُ : جَمع حَلَبَة - بفتح الحاء - الدفعة مِن الخَيْل. والْبَرْزَحَ : مَا بَيْنَ الدُّنْيَا والآخِرَة، والحاجز بَيْنَ شَيئين كالقبر وَنَحوه. وفَجَوَاتِ : جَمع فَجْوَة كَالشَق ونحوه. والضّار - بكسر الضَّاد - غَيبة بلا رَجْعَة، ويَأْذَنُونَ : يَسْتَمِعُون. ورَعْدٌ قَاصِفِ : شَدِيد الصَّوْت. والأَفِ : جمع أَلِيف. وأَرْتِجَالِ الصَّفَةِ : الوَصْف عَلَى البَدِيهَة. والسُّبَات - بضم السين - النَّوْم.الْإِعْرَاب :يَا لَهُ مَرَاماً «يَا» للنّدَاء، وقِيل لمُجرَد التنبيه، وَمَرَماً تمييز، وهُو بَيان للضَّمِير في «لَهُ» واللام للتَّعَجُب، ومَا أَبْعَده «مَا» مُبْتَدَأَ، وأَبْعَده فِعل مَاضٍ، والهَاء مَفْعُول، والجملة خَبَر، وأَيَّ مُدَّكِرٍ حَال مِن ضَمِير «مِنْهُمْ» أي كاملين فِي الاعْتِبَار، مثل : مَرَرتُ بِزِيدٍ أَيَّ رَجُل، أيّ كاملاً، ولأَنْ يَكُونُوا اللام للابْتِدَاء، والمَصْدَر مِن أَنْ يَكُونُوا مُبْتَدَاً، والخَبَرَ أَحق أي كُونِهِم عِبراً أَحق مِن كُونِهِم مُفْتَخَراً، ضُلَّالا حال وَمِثله جُهَّالاً.الْمَعْنَى:قال الشَّرِيف الرَّضِي تَلا الْإِمَام قَوْله تَعَالَى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (1). وَقَال: (يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ !). أَتَرِيدُون أَنْ تُثبِتُوا الفَضَائِل والمكَارِم لأنفسكم بكثرة الأَمْوَال والرِّجَال حَيْث يقول بَعْضكُم لِبَعض : رهطِي أَكْثَرَ أَموالاً.)
1) التَّكَاثُرِ : 1 - 2.
وَأَعَزُّ نَفَراً ؟... هَيهَات، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ... إنّ الْغِنَى وَالْفَقْر، والعِزّ والذُّل بَعْض العرض عَلَى الله (وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ ! يُشير بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى : (حَتَّى و زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)، والمَعْنَى عَجَباً مِن غَفْلَتكُم !. أَنْتُمْ فِي الطَّرِيق إِلى زِيَارَة المُقَابِرِ، ومَع هَذَا تَتَلهُون بِالتُرهَات، وتُباهون بعظام الأموات (وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ !) إِنَّ الَّذِي تَنْتَهُون إِلَيْهِ شَيء فَظِيع وخَطِير، وهو الموت، والقبر، والحِساب والجزاء.)مَالَكُم أفلا تُبْصِرُون ؟(لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ. تمادى الأحياء في الافتخار والاعتزاز بالموتى مِن الأجداد والآباء... وحين زار الخلف المكاثر الأجداث ما وجد فيها أحداً مِن السَّلف الدَّابر (أَيَّ مُدَّكِرٍ) إِنْ هَذِهِ مَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (وَ تَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ !) أي ذَكَرُوا المَاضِينَ بِالعِز والمجد، وَبَيْنَ الفَرِيقين أَبْعَد مَا بَيْن الخَافِقِينَ (أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ ! أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلَكَى يَتَكَاثُرُونَ !... إلخ). أَتَفْخَرُونَ بِالْأَجْسَامِ الفَانِيَة. والْعِظَامِ البَالِيَة ؟ (وَ لَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً، أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً). جَدِير بِالْعَقْل أنْ يَتعظ بِالموتى لا أَنْ يَفْخَر بهم (وَ لَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ، أَحْجَىٰ مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ !). وأيضاً جَدِير بِهِ أنْ يُذل وَيَخشع لا أنْ يَتَعَالَى وَيَشْمَخ.)(لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ. نَظَرُوا إِلَى الْمَوْتَى بِعِيُون غَيْر سَلِيمَة، فخَاضُوا مِن ذِكرِهِم فِي بَحْرٍ مِن الجهَالَة (وَ لَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ... إلى أَعْقَابِهِمْ جُهَّالا). لو أن الأحياء سألوا المقابر عَن أجدادهم وآبائهم - لأجابتهم بلسان الحال : أنهم في الضَّلالة والهَاوِيَة، وأَنْتُمْ فِي الجهالة والغوَايَة، ولاحقون بهم إلى أسفل سافلين (تَطَئونَ فِي هَامِهِمْ). قَال أبن)
أَبي الحَدِيد : أَخذ هَذَا الْمَعْنَى أَبُو الْعَلاء المعري فَقَالَ (1:)خَفف الوطء مَا أَظن أديم الأَرْ ***ضِ إِلَّا مِن هَذِهِ الأجْسَادِ(وَ تَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ. تَسْتَحِيل أَجْسَادِهِمْ إِلَى تُرَابٍ، فَتَغْرِسُون فيها الأشْجَارِ وَنَحوها (وَ تَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا) تَتَقْلِبُون فِي الَّذِي تَرَكُوا مِن حُطام الدُّنْيَا ومَتَاعها (وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا) أي فِيمَا تَرَكُوا، تقول : خَرِبت الدِّيار إذَا بَاد أهلُهَا، لأنهم بهِم تَحيَا وتُثمر (وَ إِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَالٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ). بَكَت الأَيَّام أو الديار على الآباء وَنَاحت، وعما قريب تبكى عَلَيْكُمْ وَتَنُوح (أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ) الْمُرَاد بِالسَلَفَ مَن مَضَى وبِالْغَايَة الموت، والمَعْنَى هُم السابقون إلى المقابر، وأَنْتُمْ اللاحقون.)(وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ، الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزّ، وَ حَلَبَاتُ الْفَخْرِ. مَضَى مَن كَان قَبْلَكُم مِن الأجيال مُلُوكَاً وَمَملُوكِين، وكان لهُم فِي العِزّ دَعَائِم، وفِي الفَخر سباق، وأَنْتُمْ عَلَى آثَارِهِم تَهْرعُون، فلماذا تَعْمَهُون ؟ وَقَالَ الْإِمَام مُخاطباً أَهْل الْقُبُور: «يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطُ سَابِقٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاحق» (2). (سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَحَ) الْقُبُور (سَبِيلًا سُلْطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ، وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ... إلخ). فما أَبْقَت لهم جلداً ولا لَحْماً، وَلا دَمَاً، ولاَ عَظماً... أَبَداً لا شيء في القبر على الإطلاق إلا الظُّلمات والآفات.. وأنْباء القَبْر عِند الإِمَام كَثِيرة وَكَثِيرة، ولا يمل من تكرارها، وَقَد مَرَّت هذه)
الصفات (1.)وَقَالَ مِيْثَم البحراني ما معناه : إنّ قَوْل الإِمَام : «فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً... لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ، وَ لَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكَّرُ الْأَحْوَالِ» إِنْ هَذَا يُشعر بأنه لا حِسَاب، ولا عَذَاب في القَبْر. وأجَاب البَحْرَانِي : بِأنّ مُرَاد الْإِمَام إِنَّ المَوْلَى جَمَاد بالنسبة إلى الحَيَاةِ الدُّنْيَا، أما بالنسبة إلى الآخِرَةِ فَإِنَّهُم يَحسُون ويُشعرُونَ (2.)وبَعْد، فإنّ غَرض الإِمَام مِن كلامه عَن الْقُبُور وأهلها هو التَّنبيه إلى أنّ الْعَاقِل إِذَا تَأمل وَتَدبر بداية الإِنْسَان ونهايته - يَنْتَهي لا مَحَالَةَ إلى الإيمان بأنّه مَغْلُوب لقُوَّة قَاهِرة تتصرف فِيهِ كَيْفَ تَشَاء، ولا لما تُرِيد، وإنه لا نَجَاءَ مِن غَضبها إِلَّا بِالسَّمع والطَّاعَة لأمرها ونهيها.### أَنْقَطَعَتْ الْأَسْبَاب فِقْرَة 3 - 5 :جِيرَانُ لَا يَتَأَنَّسُونَ، وَ أَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ. بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَا التَّعَارُفِ، وَأَنْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْإِخَاءِ، فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَ هُمْ جَمِيعُ، وَ بِجَانِبِ الْهَجْرِ وَ هُمْ أَخلَّاءُ، لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً، وَلَا لِنَهَارٍ مَسَاءً.أيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً، شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارٍ دَارِهِمْ أَفْطَعَ مِمَّا خَافُوا، وَ رَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا، فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ، فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ. فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا.
وَ لَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ، وَ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ (3. لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ، وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ، وَ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ، فَقَالُوا : كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ، وَخَوَتِ الْأَجْسَامُ النّوَاعِمُ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى، وَ تَكَاءَ دَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ، وَ تَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ، فَأَنْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا، وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً، وَ لَا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً ! فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ، وَ قَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ، وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ، وَ تَقَطَّعَتِ الْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا (4)، وَهَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا، وَعَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلَّى سَمَّجَهَا، وَ سَهَّلَ طرُقَ لا آفَةِ إِلَيْهَا، مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ، وَ أَقْذَاءَ عُيُونٍ، لَهُمْ فِي كُلِّ فَطَاعَةٍ صِفَةٌ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ، وَغَمْرَةٌ لَا تَنْجَلِي (5).)اللُّغَة:العرا: جمع عُرْوَة أي مَقْبض الكُوز وَنَحوه. والجَدِيدَانِ : اللَّيْلِ والنَّهار.والسَّرْمَد : الدَّائِم لا أوّل لَهُ ولا آخر. والمَبَاءَة : مَكَان النزول والاستقرار.والْعِبَرِ : الأَحْوَال الّتي تَتَّعِظُ بِهَا. وكَلَحَتِ الْوُجُوهُ : عَبَسَت وَكَشَّرت. وَخَوَتِ الأَجْسَامُ : تَهَدَّمَت، وَمِثلها تَهَكَّمَتْ. والهُوَامّ : الحَشَرَات. وعَاثَ : أَفْسَد. وسَمَّجَهَا : قَبَّحها وشَوَّهها، وأَقْذَاءَ الْعُيُون : مَا يَقَع فِيها فَيُؤذيها.الْإِعْرَابِ:جِيرَانُ خَبَرَ لمُبْتَدَأَ مَحذُوف أي هُم جِيرَانٌ، وَلَئِنْ الوَاوِ لِلقَسَم، واللام للتوطِئَة
وجواب القَسَم لَقَدْ رَجَعَتْ، هُو سَاد مَسَد َجوَاب إِنَّ الشَّرطِية، فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ «لَوْ» حرف امتناع كما يقول المعربون، أو حرف شرط، ومَثَّلْتَهُمْ فِعله، ولَرَأَيْتَ جوابه، ومُسْتَسْلِمَاتٍ حَال مِن الضَّمِيرِ فِي «إِلَيْهَا».الْمَعْنَى:(جيرَانُ لَا يَتَأَنَّسُونَ، وَ أَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ... إلخ. لا علاقات ولا مواصلات بَيْنَ أهْل الْقُبُور تماماً كما هُو الشَّأن بَيْنَ الأحياء والأموات (فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ) فِي أَعْمَاق قَبْرٍ مُظلم ومُوحِش (وَ هُمْ جَمِيعٌ) قُبُورَاً لا أَرْوَاحَاً (أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً). أيُّ هُنا بِمَعْنَى أَحد، والْجَدِيدَان هُما اللَّيْلِ والنَّهَارِ حَيْتَ يَتَجَددّان ويتعاقبان باستمرار، وضَمِير «فِيهِ» يَعُود إلى «أيُّ» والمُمَعْنَى إِنَّ المُميّت لاَ يَعْرِف لِيلاً ولاً نهاراً سوَاء أَفَارق الحياة في ذا أَم ذَاكَ، لأنّ حاله واحدة دائمة لا تحول ولا تزول مِن حيث القتام والظُّلام.)(شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا... إلخ. كانوا، وهُم أَحيَاء. يَخَافُون مِن وَحْشَة القبر، ولدى العيّان رَأوا من الفظَاعَة فوق مَا تَصَورُوا (فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ... إلخ). وهُما جَنَّةَ الْمُتَّقِين، وجَحِيمِ الغَاوِين، والمَعْنَى أنّ المتقين وجدوا عِند رَبّهم أفضل مِمَّا وَعدهُم بِه مِن الثَّوَاب، وكَذَلِكَ الْغَاوُونَ وَجدُوا مِن العَذَاب فوق مَا كَانوا يَتصورُون (فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا - أي بمبالغ الْخَوْف والرجاء - لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَ مَا عَايَنُوا). كُلَّ فَرِيق مِن الْمُتَّقِينَ الَّذِين رجوا الثَّوَاب، والْغَاوُونَ الَّذِين خافوا العَذَاب - يَعجز عن وصف ما هُو فِيهِ لو أَسْعَفَه النُّطق.)
(وَ لَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ، وَ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ... إلى وَلَا مِنْ ضِيقٍ مُتَسَعاً !. تَكَاءَ دَنَا : شَقَّ عَلِينا وَصَعُب، وتَنَكَّرَتْ : تَغَيرَت، والمَعْنَى أَنَّ الْمَوْتى لا يُعبرون عَن أَخْوَاهِم وأَخْتبَارَاتِهِم بِلِسَان المقال، ولَكِنَّهُم نَطقُوا بِلِسَان الحال، وسمعناهُم نَحْنُ بآذَانُ الْعُقُولِ يَتَحدَثُون ويَقُولُون : الْوُجُوهُ مِنا قد تشوهت، والْأَجْسَامِ قَد تَهَدَّمت والأَرْوَاح فِي شِدَةٍ وَضِيقٍ، ووَحْدَة ووَحْشَة، وقد طَالَ عَلِينَا الْأَمَد، وانْقَطع مِنا الأَمَل.... وَبِكَلِمَة أجمع، وأبلغ قالها الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «مَا رَأيتُ مَنظَراً إِلَّا والقَبْر أَفْظَع مِنْهُ» (1).)وَهَل مِن صَدمَةٍ أَفْضَع وَأَعْنَف مِن الدَّسَ فِي التُّرَابِ حَيْث لا عِدّة ولا قُوَّة ؟.(فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ... إِلَى وَ أَقْدَاءَ عُيُونٍ. لَوْ اسْتَطَعت أن تتصور الموتى على حقيقتهم، أو تكشف لَكَ العَطَاء عَنْهَا - لَرَأَيْتَ عَجَبَاً، فالأَسْماعِ لِلحَشَرات، والأَبْصَار للتّراب، والأَلْسُنُ لِلبَلى، والْقُلُوب جمود، وهمُودٌ، وَمَا مِن عُضو فِيهِمْ إِلَّا َوأَفْسَدَته الآفات... وأي شَيء أَكْثَر للقلب شَجى، وللعين قَذى مِن ذَلِكَ ؟.)وَبَعد، فإنّ مَا ذَكَرَه الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ مِن أَحْوَال الموْتَى لَيْسَ بِالشَّيء الجديد، فإنّ الروح مَتى خَرجَت من الجسم صار جيفة مُخِيفَة، سَوَاء أَكَانَ الجِسم لإِنْسَان، أَم لحَيَوَان، أمَا شَقَاء الروح أو هَناؤها فَيَرتبط بِالأعْمَالَ لَا بِالْأَبْدَانِ (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ) (2).)
### لِلْمَوْتِ غَمَرَات... فِقْرَة 6- 7:فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ، وَ أَنِيقِ لَوْنٍ، كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ، وَ رَبِيبَ شَرَفٍ ! يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ، وَ يَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ.وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ! فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلٍّ عَيْشٍ غَفُولٍ، إِذْ وَطِيَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَ نَقَضَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ، وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ، فَخَالَطَهُ بَثٌّ لَا يَعْرِفُهُ، وَ نَجِيُّ هَمَ مَا كَانَ يَجِدُهُ، وَ تَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ، آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَتِهِ، فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارٌ بِالْقَارِّ، وَ تَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ، فَلَمْ يُطْفِى بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً، وَ لَا حَرَّكَ بِحَارٍ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً، وَ لَا أَعْتَدَلَ بِمُمَازِج لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ، حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ، وَ تَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ (6، وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ، وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ : فَقَائِلُ يَقُولُ : هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٌ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ، وَ مُصَبِّرُ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ، يُذَكِّرْهُمْ أُسَى الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَىٰ جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الْأَحِبَّةِ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضُ مِنْ غُصَصِهِ، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ، وَ يَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ. فَكَمْ مِنْ مُهِمْ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ، وَ دُعَاءِ مُؤلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ، مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ، أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ! وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا (7).)اللُّغَة:يَتَعَلَّلُ : يَظْهَرَ الْعِلَّة، أو يشغل نَفْسَه بِالأَباطيل، وَهَذَا هُو المراد هنا.
وَيَفْزَعُ: يَلجَأُ، والسَّلْوَةِ : مَا يُسَلِيكَ وَيُنْسِيكَ عَمّا يُرْعِجَكَ. وضَنّاً : بُخْلاً.وغَضَارَةِ العَيْش : سِعَته. وعَيْشِ غَفُولٍ : يُوجِب الغَفْلَة والطَّغيان. والحَسَك : نَبَات شَائِك. والحُتُوفُ : الموت الطَّبيعي أو المهلكات. والكثب : القُرْب. والبَثّ : النَّشر والحال وأشد الحزن، وهو المراد هنا. والنَّجِيُّ : المناجى.وفَتَرَاتُ مِن الضَّعْف والفُتُور لاَ مِن الْفَتْرَةِ مَعْنَى الهدنة. والْقَارُ : البَارِد.ومُعَلِّلُهُ : مَن يُسَلِيه أو يُطَبِبَه. ومُمَرِّضُهُ : مَن يَخْدِمَه فِي مَرَضه. وَتَعَايَا أَهْلُهُ: ظهَرُوا العَي عِند السُّؤال. والأَسَى : مَا يَتَأسَى بِهِ. والغَمَرَات : الشَّدَائِد والأهوال.الإعراب:كُمْ خَبرِية، ومحلها النَّصب مفعولاً لأَكَلَت، ومِنْ عَزِيزِ تمييز «كَمْ» والتَّقدِير كَمْ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ أَكَلَتِ الْأَرْضُ، وضَنّاً مَفْعُول مِن أجله ليَفْزَع، وإِذْ فُجَائِية لوقوعها بَعد بَيْنَا، وآنَسَ حَال مِن ضَمِير «فِيهِ» وَمَا بِمَعْنَى شَيء، وَكَانَ زَائِدَة، وبصحتِهِ مُتعلّق بمحذوف خَبَرَاً لمُبْتَدَأَ مَحذُوف أي آنَسَ شَيْء هُو بِصِحَّتِهِ مِثل مَرَرت بِرَجُلٍ هُو شَيْء مِن الْأَشْيَاء.الْمَعْنَى:(فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ، وَ أَنِيقِ لَوْنٍ، كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ.. إلخ. من أَجْسَادِنَا نَحْنُ الآدميين كباراً وصغاراً حَتَّى مَن تَقَلب فِي النَّعِيم، وعاش عَلَى الطَّيِّبَات طوته الأَرْضِ فِي بَطْنَها، وما زالت ضامرة تطلب المزيد تماماً كَجَهَم (يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ... إلخ). الضَّمِيرِ المُستَتر فِي يَتَعَلَّلُ يَعُود إلى)
المُترَف الَّذي كَان إِذَا نَزَلَت بِهِ نَازِلَة أَنْصَرَف عَنْهَا إِلَى العُود والكأس، وعَبَث الحياة ولهوَها (فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ إِلَيْهِ... إِلَى بِصِحْتِهِ. أعْتَاله الدَّهر بغوائله، وهو آمن نشوان من سكرات الفراغ والجدة فَتَحطم، وَذَهبت قواه مع الرّيح دُونَ إشعار وسابق إنذار :)وَقَد يَسْلَمِ الْإِنْسَانِ مِن حَيْث يَتَقي ***ويُؤتى الْفَتى مِن أمْنِه وهُو غَافِلُ(فَفَزِعَ إِلَىٰ مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ... إِلى بُرُودَةً. كَان الأطباء القدامى يَقِيسُون صحة الجسم بتوازن اليبُوسَة مَع الرّطُوبَة، والحَرَارَة مَع البُرُودَة، فإذَا اخْتَل التوازن وزاد أحد العنصرين المتقابلين عَلى الآخر أعتَل الجسم... وكان العلاج في نَظَرهم هو العَمَل لإعادة التوازن والتَّعديل، فإذا ارتفعت الحَرَارة أطفأوا حدَّتها بالبارد، وإذا طَغَت البُرُودَة قَهرُوهَا بِالحار، ولكن تطبيب ذَاكَ المَرِيض المترف الغافل بهذا العلاج - جاء على العكس... فالبارد يرفع من حرارته، والحَار يَزِيد في بُرُودَته ! وهَل لدَاء الْمَوْتِ طِب أو علاج ؟.)(وَ لَا أَعْتَدَلَ بِمُمَازِجِ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ. كُلما بَذَلت الجهود والعناية في اتقان الدواء وتركيبه، وعُولج بِهِ هَذَا المَرِيضِ المُتَرَف لكِي يَعتدل مزاجه - تراكمت أسقامه، واحتدمت الأمه، تماماً كمن يلق في النار مَا يَزِيدها اشتعالاً (حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ) يَأسَاً مِن شَفَائه (وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ) عَنْهُ وعَن أوجَاعَه (وَ تَعَايَا أَهْلُهُ بصِفَةِ دَائِهِ). وحَارُوا فِي جواب السَّائِلِين عَن عَلِيلهم ماذا يقولون ؟ (وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ). واو الجماعة يعود إلى أَهْل المريض، وشَجِيَّ خَبَر أي خَبَر مُؤلم عَن ذِي حُزن وألم، وهُو المريض والمَعْنَى إِنَّ أَهْل المَرِيض تَنَاجوا فِي شأنه، وحاولوا جَهَدَهُم أنْ يُخفُوا عَنْهُ مَا يَنشَاوِرُون فِيهِ مِن أَمْرِه حِرصَاً مِنهُم عَلَى)
راحته.(فَقَائِلُ يَقُولُ : هُوَ لِمَا بِهِ أي مَأيُوس مِنْهُ، أو مَجهول المصير (وَ مُمَنٌ لَهُمْ) أي جَعَلَهُم يَتَمنُون ويَأمَلون (إِيَابَ عَافِيَتِهِ) ورجُوع صِحتَه إِلى سَابِقِ عَهْدِها (وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ) ويَقُول، إنْ هُو إلّا كَأَجدَاده وآبائه، وكُلنا عَلَى الأَثَرِ (فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَىٰ جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا... إِلَى لِسَانِهِ). إنه ذاهب إِلَى غَيْرُ رَجْعَة، ولَكِنَّهُ قَبل الوداع الأخير فُوجِي، بِغُصة وحَشرجة في أنفاسه، قَبضت لِسَانه، وأَطَارت صوابه (فَكَمْ مِنْ مُهِمْ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدّهِ) يَسأَله السَّائِل، وهُو فِي حَالِه تِلكَ، عَن أشيَاء تَهمَه وَتَهم الوارث، فيفهم السُّؤال وَيَعْرِف الجَوَاب، ولَكِنَّهُ يَعجز عَن النُّطق بِهِ.)(وَ دُعَاءٍ مُؤلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَ عَنْهُ. المُرَاد بِالدُّعَاء النّدَاء أي أن بَعْض أحبَائِهِ يُنَادِيه بأسمه، فَيَسمَع النّدَاء ومَع هَذَا يَتجاهل عَجْزَاً عَن الجَوَاب (مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَلِّمُهُ) كوَالِده الحَنُون (أَوْ صَغِيرِ كَانَ يَرْحَمُهُ !) كَطفلهِ وفَلَذة كَبَده (وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا). وَسَكرَات يَعجز الوَصف عن استيعابها أو أن الوصف يُحيط بحقيقة الموت وأهواله كما لو كان يعلم الإمام وبلاغته، ولكن العُقُول لا تهضم، ولا تصدق، لأنه فوق ما تدرك وتتصور.)وبعد، فإنَّ الْإِنْسَان يمتلك مِن الطَّاقَات ما أرتَفَعَت بِهِ إِلَى الْقَمَرُ كَخُطوة أُولَى إِلَى غَيْره من الكواكب... ومع هَذَا يَعجز العُلماء مُجْتَمِعِين أنْ يَردُوا الرّوح إلى مكانها بَعد أنْ تَنطَلق مِنْهُ، أو يمنعُوها من الإنطلاق، ويجبسُوها حَيثُ هِي.. وَقَد تَحدى سُبْحَانَهُ بِذَلِك كلّ جاحد ومُعاند حَيثُ قَال في كتابه العَزِيزِ : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ
الحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَهذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (1)بأنه لا بارىء ولا خالق... تأمل فِي هَذَا التَّحدِي بِلا جَهل وعناد... فإنَّه حُجّة دامغة كما هُو مَوْعِظَة بَالِغَة.)
1) الْوَاقِعَة : 83 – 87.
## الخطبة - 222 -### ذِكْر الله سُبْحَانَهُ... فِقْرَة 1 - 2:(يُسَبِّحُ لَهُ و فِيهَا بِالْغُدُوِ وَالْأَصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تَجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله (1).)إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاءَ لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ، وَ مَا بَرِحَ اللَّهِ - عَزَّتْ آلَاؤُهُ - فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَ فِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ، عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فأسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ وَالْأَفْئِدَةِ، يُذَكِّرُونَ بِأيَّامِ اللهِ وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ، مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ، وَبَشِّرُوهُ بِالنَّجَاةِ، وَ مَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَ شِمَالًا ذَمُّوا إِلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَكَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَ أدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ (1. وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلًا أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلًا، فَلَمْ تَشْغَلُهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ،)
1) النُّورِ : 36 – 37.
وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ، فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَحَ فِي طُول الْإِقَامَةِ فِيهِ، وَ حَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ، وَ يَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ (2.)اللُّغَة:الْوَقْرَةِ : ثَقل السَّمع. والْعَشْوَةِ : ضَعف الْبَصَر. والْبُرْهَةِ : المدة الطويلة.والْفَتَرَاتِ : جمع الْفَتْرَة أي الهدنة. والْقَصْدَ : الْإِعْتِدَال. والْبَرْزَحَ : الحَاجِرَ مَا بَيْنَ الموت والبعث.الْإِعْرَاب:مَا بَرِحَ مِن أخوات كان ترفع الإسم وتنصب الخبر، ولله أسمها، وعِبَادٌ خَبَرها، ومُصَابِيحَ بَدل مِن كَذَلِكَ، وبَدَلًا حَال من الهاء في أَخَذُوهُ، والأَيَّام مَفْعُول بِهِ لِيَقْطَعُونَ، لِأَنَّهَا مِثل قَطَعْتُ الخَيط.الْمَعْنَى:ثلا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ قَوْله تَعَالَى: (يُسَبِّحْ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُقِ وَالْأَصَالِ رِجَالٌ لا تُلهيهِمْ تَجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) (1). وَقَالَ : (إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاءً)
1) النُّورِ : 36 – 37.
لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ، وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ. قِيل الْمُرَاد بِالذِّكْر هنا الْقُرْآن، لقَوْله تَعَالَى مُشيراً إِلَيْهِ :(وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) (1). وَهَذَا بَعِيد عَن سِياق الكلام الظَّاهِر في كلّ ذِكْر يَكُون جَلاءَ لِلْقُلُوبِ، وَيقظة للأسْماع والأبصار... وَلَيْسَ مِن شَكٍّ أن أفضل الذِّكْر النضال في سَبِيل الحَقِّ، وجِهَاد المعتَدِين عَلَيْهِ، ولَيْسَ هَذَا رَاجِحاً فحسب، بَل هُو فَرض لا يُغنِي عَنْه صُوم، ولا صَلاة، ولا حَجّ، وزَكَاة. (وَ مَا بَرِحَ الله - عَزَّتْ آلَاؤُهُ - فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَ فِي أَزْمَانِ... إلى الْأَفْئِدَةِ). قَوْله : «عَزَّتْ آلَاؤُهُ» أي عَظُمت وكَرُمت نِعَمه، وقَوْله : «فِي أَزْمَانِ الْفَتَرَات» أي الْأَزْمِنة الخالية من وجود الأَنْبِيَاء، والمَعْنَى أَنَّ الْأَرْضِ قَد تَخَلُوا مِن رَسُولٍ، ونَبِيِّ حِينَا مِن الدَّهر، ولَكِنَّها لا تخلوا إطلاقاً من العارفين بالله العاملين بِخَير، وهُم الَّذِين رأوا بحواسهم اليَقِيظة، وأدركوا بعقُولِهِمُ النِّيرَة أَنّ هَذَا الكَوْن هو مِن صنع الله سُبْحَانَهُ، واستوحوا مِنْهُ حِكْمَتَه وعَظَمَتِهِ، فَخَافُوه وأتَقَوا بطشَه وَغَضبه. وأسند الإمام هَذَا الإدراك المصيب إلى الله، لأَنه مُستوحى من الكَوْن، وهُو مِن خَلق الله وآثاره، وإِلَيْهِ وَحدَه تَنْتَهِي سلسلة الأَسْبَاب مَهما تعددت وتنوعت.. حَتَّى الصُّورة التي يَستوحيها الشاعِر، والرَّسَام من أشياء الطَّبِيعَة وجمالها هي وحي مِن اللَّه بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي أَشرنا إِلَيْهِ.
(يُذكِّرُونَ بِأَيَّامِ اللهِ، وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ). أَي بِعَذَابِهِ الَّذِي صَبَّه عَلَى مَن طغى في البلاد فأَكْثَر فِيها الفَسَاد، والمَعْنَى أَنَّ العَارِفِين يُذَكَّرُونَ
1) الأَنْبِيَاء : 50.
وَيَهْدُون الخَلقِ إِلى طَرِيق الحق، والذكرى تنفع الضَّمائر الحية تماماً كما تنفع عَلامَات ريق السليم في الصَّحارى والقِفَار (مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ... إلخ). مَن سَلك طَرِيق الهِدَايَة شَجَعُوه وأثنُوا عَلَيْهِ، وَبَشرُوه برضوان الله وثوابه، ومَن أنحرَف يَمنَة وَيَسرَة ذَمُوه، وأَنذَرُوا بِعَذَابِ يُخزيه ويُردِيه (وَكَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ... إلخ). أمة يَهْدُون إِلى الحَقِّ، وبِهِ يَعملون، والمُرَاد بِالظُّلمات والشُّبهات الشّرك وعِبادة الأصنام ونحوها مِن التَّقاليد التي سادت في عصر المُتَّقِين القلائل.
(وَ إِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلًا) وهُم الَّذِين وَصَفهم الْإِمَام بِيَقَظَة الحواس والأَفْئِدَة، وبالأدلة فِي الْفَلَوَاتِ (أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلًا، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْهُ... إلخ). أَدرَكُوا أنّ الدُّنْيَا إِلى زَوَال، وأنّ الْآخِرَةِ خَير لمِن قَدّمت يَدَاه مِن الخَيْرِ، فَسَعُوا لهُ سَعيه، لا تُلْهِيهِمْ عَنْهُ تَجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ، أو قِيلِ وَقَالَ (يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ) لا يقتلون الوقت باللغو والأباطيل، لأنّ الأيَّام تأخذ مِن الإِنْسَان أَثَمن ما يملك، فَعَليه أنْ يَأْخذ مِنْهَا أَعْلى الأثمان وأعلاها، قَال الْإِمَام : «أَلَا حُرِّ يَدَعُ هَذِهِ الثَّمَاةَ لِأَهْلِهَا. إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ تَمَنْ إِلَّا الجَنَّةِ، فَلا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا» (1). وَقَالَ: «وَلَبِئْسَ المُتجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللهِ عِوَضاً» (2).
(وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ... إِلَى وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ). يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، ويَأْمرُونَ بِهِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَتَنَاهُونَ عَنْهُ، كما هُو شَأن المُؤْمِنِينَ حقاً لا شَأن مَن يُناجر بِالدِّين (فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَهُمْ
فِيهَا، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ... إلخ). هُم فِي الدُّنْيَا بأجْسَامِهم، وفِي الآخِرَة بأَزْوَاجِهِمْ وَأَهْدَافِهِم نَظرُوا إِلى هَذِهِ عَلَى أَنَّهَا دَار البقاء والخلود، فَأسَسُوا لَهَا وَبَنُوا، ونَظُرُوا إِلى تِلك نظرة المسافر العابر، فَتَرَكُوها لِمَن شَاءَها وأرادها لا يُنَافِسُونه فِي شَيْء مِن حطامها (فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَحَ فِي طُولِ الْإِقَامَةِ فِيهِ... إِلَى عِدَاتِهَا). الْبَرْزَحَ عَالم مَا بَيْنَ الْمَوْت ويَوْم الْقِيَامَة، والمَعْنَى أنّ العارفين بالله يَنظُرُون بِعَين اليقين والإيمان إلى عالم الْبَرْزَخ، فَيَرُون كلَّ مَا وَعَدَ اللهِ بِهِ مِن ثوَابِ الأَخْيَار، وعَذَاب الأشرار، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً ؟.
(فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا). أَخْبَرُوهُم بِمَا يحدث لهُم بَعد الموت لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون (حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ) يَتَحدث العَارِفُون بِالله عَن عَالم الْبَرْزَخٌ كَأَنَّهُم فِيهِ بِجَمِيع حواسِهم، وشُعُورهم بصراً، وَسَمعَاً، وَعَقلاً، وقلباً، أما أَهْلَ الدُّنْيَا فَهُم مع الآخِرَةِ بِالسَّمع لا بِالعَيَّان ولا بشَيء من الشّعُور والاِتْعَاظ... وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد : كَأَنَّ الْإِمَام يَشرَح هُنا مَا قَاله في مَكَانٍ آخر: «لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءِ مَا ازْدَدتُ يَقِيناً» (1).
فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَةِ، وَ مَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ، وَقَدْ نَشَرُوا
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 180/11، شرح منة كلمة للبحراني : 52 إرشاد القُلُوب للدِّيلمي : 37، جواهر المطالب في مناقب عَليّ بن أبي طالب لابن الدِّمَشْقِي : 150/2 نهج الإيمان لابن جبر: 269. حاشية السندي عَلى النِّسائي : 96/8، ينابيع المودة : 203/1، المناقب للخوارزمي : 375 ح 395 عُيُون الحكم والمواعظ : 415، عين العبرة لأحمد آل طاووس: 22، شرح كلمات أمير المُؤْمِنِين لعبد الوهاب : 3. مطلوب كلّ طَالب لرشيد الوطواط: 3، الطرائف 512 كشف الغمة: 170/18، المناقب لابن شهر آشوب : 38/2.
دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ، وَ فَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا، وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ، فَضَعُفُوا الاسْتِقَلَالِ بِهَا، فَنَشَجُوا نَشِيجاً، وَ تَجَاوَبُوا نَحِيباً، يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَام نَدَمٍ وَ أَعْتِرَافٍ، لَرَأَيْتَ أَعْلَامَ هُدىً، وَ مَصَابِيحَ دُجى، قَدْ حَقَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَ تَنَزَّلَّتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَ فُتِحَتْ لَهُمْ َأبْوَابُ السَّمَاءِ، وَ أُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ، فِي مَقْعَدِ اطَّلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ. يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ. رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ، وَ أُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ، جَرَحَ طُولُ الأَسَى قُلُوبَهُمْ، وَ طُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اللهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ، يَسْأَلُونَ مَنْ لَا تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ، وَ لَا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ.
فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ (3).
اللغة:
مَقَاوِمُ : جَمع مَقَام. ويَتَنَسَّمُونَ : يَتَنَفَّسُون أو يَشمُّون. والْمُنَادِحُ : المَنْدُوحَة أي السعة والفُسْحَة.
الْإِعْرَاب:
نَحِيباً مَفْعُول مُطلق لتَجَاوَبُوا مِن غَيْر لَفْظَه، ولَرَأَيْتَ جوَاب لَوْ مَثَّلْتَهُمْ، رَهَائِنُ خَبَر مُبْتَدَأَ مَحَذُوف أي هُم رَهَائِنُ، ولِكُلِّ بَابِ خَبَر مُقَدَّم، ويَدٌ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر.
الْمَعْنَى:
(فَلَوْ مَثَّلتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَةِ، وَ مَجَالِسِهِمُ... إلى أَعْلَامَ هُدى).
لأَهْلِ الله تَجَالس وخَلَوَات يُحَاسِبُون فِيها أَنْفُسُهُم : هَل تَرَكتْ واجباً، أو أرْتَكب مُحَرَماً.؟. ويَشْهَدُون عَلَيْهَا بِالكَسَل والتَّقْصِير في جنب الله والحَقِّ، وَيُعَنفُونَها بِكُلِّ جارح ومُؤلم... ومَا أَخَذت الْمِسْكِينة مِن الدُّنْيَا شَيْئَاً، ولكن مَطَاع الأتقياء إلى الفوز برِضْوَانه تَعَالَى لَيْسَ لَهَا حَد مَحدُود، ومِن أجل هَذَا يَستَجِيرُون بِكَرم الله أَنْ يَرحَم وَيُغفر، ولا شَكٍّ أنّ هَذَا الطَّمُوح والحِسَابِ الدَّقِيق مَصْدَره الخَوْف مِن سَوَاد الوَجْه عِند الله، ولا مَصْدَر لهَذَا إِلَّا العِلم بالله وعَظَمَتِهِ
ولعلمهم بالله وخوفهم مِنْهُ (قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ). هَذَا كنَايَة عَن عَظِيم منزلتهم عند الله ومَلائِكَتِه ورُسُله وخالص المُؤْمِنِينَ (تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ... إلخ). الْمُرَاد بِالسَّكِينَة هُنا الإِطْمِئَنَان، والرَّحمة، والْكَرَامَة، والنِّعْمَة وبِكَلِمَة واحدة : السَّعَادة كما هِي عِند الله، والمَعْنَى أَن مَن يَعِيش ويحيا في الإيمان بالله وحده، ويلتزم بهذا الإيمان فِي جَميع أَقْوَاله، وأَفعاله كهَؤُلاء العارفين، أن مَن كَان كَذَلِكَ لا بُدَّ أنْ يَنتهى إلى السَّكِيئَةِ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَسْرَنَا إِلَيْهِ (فَرَضِيَ) الله (سَعْيَهُمْ) لأنه خَالِص لوجهه الكريم (يَتَنَشَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ) عَن تَقصِيرهم فِيمَا كَانُوا يَطمحُونَ إِلَيْهِ مِن طَاعة الله ومرضاته.
(رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ) أي يشعرون بالحَاجَة إلى رَحْمَة الله تَعَالَى مهما عملو واجتهدوا (وَ أُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ) لا يرون لهم حولاً ولا قُوَّة إلا بالله وحده (جَرَحَ طُولُ الأسَى قُلُوبَهُمْ... إلخ). يحزنون ويبكون خَوْفاً من الحساب والجزاء (لكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اللهِ مِنْهُمْ يَدُ قَارِعَةٌ). يقرعون كل باب، ويسلكون كل سَبِيل يوصلهم إلى الله سُبْحَانَهُ (يَسْأَلُونَ مَنْ لَا تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ... إلخ). يَسْأَلُونَ مَن عِندَهُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ والسَّمَوَات، ونيل المطالب والحاجات، ويُسْتَغنى بِهِ، ولا
يُسْتَغنى عَنْهُ، وتَقَدَّم مثله (1).
(فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ). مَا لَكَ وَلعِيُوب النَّاسِ وأَخْطَائهم ؟. وهَل أَنْتَ فِي عِصمَة مِن الخطأ والخَطِيئَة، أو أَنْتَ وَكِيل عَلى غَيْرِك وَحَسِيب ؟ والله سُبْحَانَهُ يَقول لسّيّد الكَوْنِين : وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (2). عَلَيْكَ أنْ تُرَاقب وتُحاسب نَفْسَكَ بِنَفْسك، لتَقِف بَيْنَ يَدِي الله طَاهِرَة مِن دَنَس الذنوب والآثام، وأنْ تَكُون لها قَائِداً لاَ مَقوداً، وَمُدربّاً لاَ مُستَعبَداً، ولا تتغافل عَنْهَا أَدنى تَغَافُل... وإلا جَمْحَت بِكَ مِن حَيْتْ لاَ تشعر. وَتَقَدَّم مثله (3).)
## الخطبة - 223 -### مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. فِقْرَة 1 - 2 :(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (1).)أَدْحَضُ مَسْئُولٍ حُجَّةً، وَ أَقْطَعُ مُغْتَرٍ مَعْذِرَةً، لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ.يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، مَا جَرَّاكَ عَلَى ذَنْبِكَ، وَ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ، وَ مَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ ؟ أَمَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةً ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ ؟ فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ، أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلم يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ ! فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ، وَ جَلَّدَكَ عَلَىٰ مُصَابِكَ، وَ عَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَ هِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ! وَكَيْفَ لَا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ، وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ! فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ، ! وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ (1. وَكُنْ للَّهِ مُطِيعاً، وَ بِذِكْرِهِ آئِساً. وَ تَمَثَّلْ فِي حَالٍ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ، يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ، وَيَتَعَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ، وَأَنْتَ مُتَوَل)
1) الإنفطار : 6.
عَنْهُ إِلَىٰ غَيْرِهِ، فَتَعَالَىٰ مِنْ قَوِيٌّ مَا أَكْرَمَهُ! وَ تَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَاكَ عَلَىٰ مَعْصِيَتِهِ ! وَ أَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ، وَ فِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبُ. فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ، وَلَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ، بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنِ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ، أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ. فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ ! وَ أَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ، مُتَوَازِيَيْنِ فِي الْقُدْرَةِ، لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمِ عَلَىٰ نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ، وَ مَسَاوِي الْأَعْمَالِ (3.)اللُّغة:أَدْحَضُ : أَشَدُ دَحْضَاً أَي بطلاناً. وأَقْطَعُ : أَشَدُ قَطَعَاً أَي بُعداً وإِبَانَةً.وأَبْرَحَ : أَعْجَب أو أَشَد. وآنَّسَكَ : ضِد أوْحَشَك. والبُلُول : الشَّفَاء مِن المَرَضِ. والضَّاحِيّ : مَن أَصَابَته الشَّمس. ويُمِضُّ : يُؤلم ويُوجع. وجَلَّدَكَ : صَبَّرَك أي جَعَلك صَابِراً. وتَوَرَّطْتَ : وَقَعتَ فِيما لا خلاص لَكَ مِنْهُ الكَرَى : التَّعَاسِ، وَلَيْسَ النَّوْم كما ظَنّ بَعْض المعلقين. والكنف : الظِّل والجانب.الْإِعْرَابِ:أَدْحَضُ خَبَر لمبتدأ محذوف أي الإِنسان أو هو أَدْحَضَ، وحُجَّةً تمييز، ومثلها مَعْذِرَةً، وجَهَالَةٌ. ومَا جَرَّاكَ «مَا» للإستفهام مع الإِنْكَار، ومحلها الرَّفع بِالابْتِدَاء، وجُملة ما بعدها خَبَر، فَلَرُبَّمَا اللام زَائِدَة، و «مَا» كافة، ورَحْمَةٌ مَفْعُول مِن أجله لِتَبْكِي، وكَيْفَ حَال أي عَلى أي حال لا يُوقِظك خَوْف، ومَطْرَفَ نُصب عَلَى الظُّرفية، لأن الأصل قَدَر مَطْرَفَ.
### الله يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِل:تلا الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ قَوْله تَعَالَى : (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (1). وَقَالَ: (أَدْحَضُّ مَسْنُولٍ حُجَّةً، وَ أَقْطَعُ مُغْتَرٍ مَعْذِرَةً، لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةٌ بِنَفْسِهِ) أَبَداً لا حُجَّةَ ولاَ عُذر لَكَ أَيُّها المتجرى عَلَى مَعْصِيَة الله، ومَا أَنْتَ إِلّا جَاهِل مَغرُور... وَقَال قَائِل : إِنَّ الَّذي أَغْرَاء بِالْمَعْصِيَة قَوْله سُبْحَانَهُ : (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)، حَيْثَ أَلهْمَه (الجَوَاب وَعلَّمَه أَنْ يَقول غَداً إِذَا سُئل عَن ذَنَبَه : غَرَّنِي حِلمُك وكَرَمُك !. وَهَذَا خَطأ، لأنّ الله سُبْحَانَهُ لاَ يَنْهَى عَن المَعْصِيَة، ثُمَّ يُغري بها.
أمّا الإِمَام فإِنَّه يُفسر الكرم في الآية بِالحِلْم والإِمهال، وإِنه تَعَالَى يُمهل ولا يُهْمِل أي لا يُعجل العُقُوبَة، وإلّا مَا تَرَك عَلى ظهرها مِن دَابَة... إنّه يُحمد للعَاصِي، وَيُنعم عَلَيْهِ، وعَسَى أَنْ يَؤوب إِلى رُشده، وَيَرجع عَن غَيِّهِ، وَعَلَيْهِ يَكُون مَعْنَى الآيَة : لا تغتر أيُّها الإِنْسَان يحلم الله وسكوته عَنْكَ، فإنّ هَذَا تَأنيب لَكَ وَأختبار.
وأَجِلُّ مَا قَرَأت فِي هَذَا البَابِ مُنَاجَاة للإِمَام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قَالَ فِيها من جُملة مَا قَال :
«سُبْحَانَكَ مَا أَعْجَبَ مَا أَشْهَدُ بِهِ عَلَى نَفْسِي، وَأُعَدِدُهُ مِنْ مَكْتُوْمِ أَمْرِي، وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ أَنَاتُكَ عَنِّي، وَإبْطاؤُكَ عَنْ مُعَاجَلَتِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ كَرَمِي عَلَيْكَ، بَلْ تَأْنِياً مِنْكَ لِي، وَتَفَضُّلاً مِنْكَ عَلَى؛ لأنْ أَرْتَدِعَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ المُسْخِطَةِ. وَأُقْلِعَ عَنْ سَيِّئَاتِي الْمُخْلِقَةِ، وَلِأَنَّ عَفْوَكَ عَنّي أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ عُقُوبَتِي» (2).
(يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ، وَ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ، وَ مَا أَنسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ ؟). الْإِمَام يَشعر بآلام النَّاس، وَيَتوَجع لهَا وَهُم، حَتَّى عذَابهم في الآخِرَة يشفق عَلَيْهِمْ مِنْهُ، بَل تُوجعه لهم من أجل هَذا أشد وأعظم، لأنّه أقسى و آلم... ومن أجل هَذَا خَاطب مَن يَستهين بِمَعْصِيّة الله، خَاطبه بلسان الشَّفيق النَّاصح، ونَهَاه بأسلوب السُّؤال والإستفهام : كَيْفَ أَعْرَض عَن خَالقه، وَصَرف وَجْهَه عَن دَعْوَتِهِ، وَطَلَب النّوال مِن غَيْره.؟. ومَا الَّذي جَرَأه عَلَى هَذَا الضَّلال والاستسلام للتّهلكة ؟
(أَمَّا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ، أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةُ ؟ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ ؟). إِلَى مَتى هَذَا الْتمَادِي فِي الغَي ؟ إِلَّا تُفِيق مِن نَشوتَكَ ؟ (أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمْ مِنْ غَيْرِك ؟... إِلى وَهِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ !). عَجَباً مِنك !. تَرى غَرِيقاً فَتَسْعَفه، أو مُتَالِماً مِن لَفحَة الهَجِير فَتَظلله، ثُمَّ لاَ تَقِي نَفْسَكَ مِن عَذَابِ الْحَرِيقِ، وأَنْت تملك الْقُدْرَة عَلى خَلاصها وسلامتها ؟ مَا شَأنك ؟ هَل رَان عَلى بَصَرك وَبَصِيرتك، أَم أَنْت فِي غَنى عن نَفْسَك ؟ ولو كُنت عَلى شَيء مِن الوعي لبكيت عَلَيْهَا دَماً (وَكَيْفَ لَا يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ) ومَن الَّذي يَعصمك مِن الله إنْ أَرَاد بكَ سُوءاً ؟ وهل أخذت مِنْهُ عَهْدَاً وأَمَاناً ؟ : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيْتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (1). (وَقَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ !). أي تَصدِيت لِغَضب الله وَعَذَابه، فأدْفَعه عَنْكَ إِنْ كُنت ذَا قُوَّة وَطُول.
(فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ). الْمُرَاد بِالْفَتْرَةِ هُنا الفُتُور وَعَدَم العَزم
1) الْأَعْرَافِ : 4.
والنَّشاط بِقَرِينة قَوْله «بِعَزِيمَةٍ» والمَعْنَى كُنْ يَقظاً وَنَشِيطاً، ولا تَكسَل فِي طَاعة الله، وَتَستُوحش مِن ذِكرَه (وَ تَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ). أَنْتَ تَعرض عَن الله لاَهِياً بِلذَاتك وشهواتك، وهُو يُقبل عَلَيْكَ بِفَضله وإحْسَانه... تصور حالك ووَضعَكَ هَذَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسَكَ عَسَى أَنْ تَكُف وَتَهْتَدِي (يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ) أَي إِلَى التَّوْبَة وَطَلب الْعَفُو، لأنّ عَفوَه تَعَالَى عَن ذَنَتِك أحب إلَيْهِ مِن عذَابَك : (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) (1).
(وَ يَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ، وَ أَنْتَ مُتَوَلَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ). أَهَذَا جَزَاء مَن غَمَرَك بالإحسان : تأكل رِزْقَهُ، وَتَعبد غَيْره ؟. فَأين الوَفَاء والحَيَاء ؟ (فَتَعَالَى - الله - مِنْ مَا أَكْرَمَهُ !). نُقصّر في طَاعته عمداً، ونَنَتهك حرماته قصداً، ومَع هَذَا يَحْلم ولا يُعَاجل... رَبَّنا إِنَّا كُنَّا ظَالمين (وَ تَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَاكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ! وَ أنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ، وَ فِي سَعَةٍ فَضْلِهِ مُتَقَلبٌ... إلى أوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ) الخطَاب لِلْإِنْسَان، وَتَوَاضَعْتَ: مِن الضَّعَة والحقارة، والمَعْنَى مَن أنت أيُّها الجَاهِل الوَضِيع حَتَّى تَجرَاً عَلَى الله، وتُخالفه فِي أَمْرِه وَنَهيَّه ؟ فَكَم مِن نِعمَة أَسدّاها إليك، وَخِزي سَتَرَه عَلَيْكَ، وَمَكَرُوه دَفَعه عَنك، كلّ هَذَا، وأَنْتَ مُتمَادٍ فِي الغَى والضَّلال (فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ !) وَطَلبت مِنْهُ الرّضوان والأمان، فإنَّه يُعطيك ما أملت وَيَزِيدك مِن فَضله... إنّه واسع رَحِيم.
(لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ) هِي الإِساءَة لِلمُحسن (كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي الْقُوَّةِ... إلخ). قُوَّة وَقُدرَة، (لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ، وَ مَسَاوِي الْأَعْمَالِ)
1) النِّسَاء : 147.
لأنّكَ أَسَأت لَن أَحْسَن إِلَيْكَ، فكيف والذي أَحْسَنَ إِلَيْكَ خَالقك، وَخَالق الكائنات ؟. وقيل : أنّ الْقُدْرَة أشد وأعظم مِن القُوَّة، ولذا جَاء فِي الْقُرْآنِ الكَرِيم : (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (1). ولَيْسَ فِيهِ عَلى كلّ شَيء قوي. وفِيهِ : (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (2).
وَبَعد، فهَذا هو أسْلُوب أَهْل الْبَيَّت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في التّربِيَة والتَّعليم، ومُكافحة الضَّلال والفَسَاد... إنهم يَخْلَقُون الشَّعُور بِالمَسْئُولِيَة فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ لِيَكُونَ لَهُ رَداع مِن الداخل لاَ مِن الخارج فقط، وكُلنا يَعْلَم أنّ المَسْئُولية هي التي تدفعنا إلى العِلم والْعَمَل، وبِنَاء الحضَارَة لصالح الجماعة، والتَّعاون عَلَى الْخَيْر ودفع الشَّر، وصِيَانة الحقوق واحترامها، ومِن أَقْوَال الْإِمَام : «مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ» (3)أي مِن الفوضى ومُجاوزة الحدود. وقد أختلف الْعُلَماء والفلاسفة في تعريف الإِنْسَان وَتَحدِيد هَوِيتَه، وفِي رَأينا أَنَّهُ الْحَيَوَان الوَحِيد الذي يَشعر بالمَسْئُولية، أو الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَشعر بها.
وَ حَقّاً أَقُولُ : مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، وَلَكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ،
و آذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ. وَ لَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِكَ، وَ النَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ، أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ، أَوْ تَغُرَّكَ. وَ لَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ، وَ صَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ. وَ لَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ، وَ الرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ، وَبَلَاغِ مَوْعِظَتِكَ، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْكَ، وَالشَّحِيحِ بِكَ ! وَ لَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً، وَ مَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلَّا ! وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ (3).
إِذَا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ، وَ حَقَّتْ بِجَلَائِلِهَا الْقِيَامَةُ، وَ لَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ، وَ بِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ، وَ بِكُلِّ مُطَاعِ أَهْلُ طَاعَتِهِ، فَلَمْ يُجْزَ فِي عَدْلِهِ وَ قِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرِ فِي الْهَوَاءِ، وَ لَا هَمْسُ قَدَمٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ، وَلَا وَعَلَائِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ !
فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ، وَ تَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ، وَ خُذْ مَا يَبْقَىٰ لَكَ مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ، وَ تَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ، وَ شِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ، وَ أَرْحَلْ مَطَايَا التَّشْمِيرِ (4).
اللُّغة:
آذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ : أَعْلَمَتُكَ عَلَى عَدلٍ. وتَعَرَّفْتَهَا : طَلبت مَعْرفَتهَا. ويُوَطِّنها : وَيَتَّخِدْهَا وَطَناً. والرَّاجِفَةُ : النَّفخَة التى تموت مِنْهَا الخلائق. وحَقَّتْ : وَقَعت.
جَلَائِلِهَا : عَطَائِهَا. ومَنْسَكٍ : موضع النُّسك أي الْعِبَادَةَ والْعَلَائِقِ : جمع الْعَلَاقَة. وتَحَرَّ : أبحث، وأطلب ما هُو أخرى بِكَ، وَشِم : من شام البرق إذَا نَظَر إِلَيْهِ. وَارْحَلْ المَطَايَا : إِذَا شَدَّ عَلى ظهرها للرَّحِيل. والتَّشْمِير : الجلد.
الإعراب:
حقاً صِفَة لِمَفْعُول مُطلق محذُوف أي أَقُول قولاً حَقَّاً، وَالْعِظَاتِ بِالرَّفع فَاعِل كَاشَفَتْكَ، وبالنَّصب عَلى حَذف المخافض أى بالعِظَاتِ، والفَاعِل ضَمِير مُستَتر يَعُود إلى الدُّنْيَا، ولَرُبَّ اللام للتوكيد، ومَحَلَّا مَفْعُول ثَانٍ لِيُوَطِّنها، لأنّ الفِعْل مُتَضَمِن مَعْنَى يَتَّخِذها، وقيل مَحَلَّا تمييز ومثلها دَاراً وكَم خَبرِية، وَمَحلها الرَّفع بِالابْتِدَاء، ودَاحِضَةُ خَبَر، ويَوْمَ ذَاكَ مُتَعَلِّق بدَاحِضَة.
الْمَعْنَى:
(مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، وَلَكِنْ بِهَا أَغْتَرَرْتَ، وَ لَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ). لأنّ كلّ مَا فِيها عظات وعبر، ولا يعمى عَنْهَا إلَّا أعمى، ولا يغتر بها إِلَّا صَالَ عَنِ الهُدَى (آذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ) أي أعْلَمتك بحقيقتها صِدقاً وعدلاً، وَهَذَا مِن الأَسَالِيب القُرْآنية، قَال تَعَالَى: فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ ءَذنَتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ (1)أي أَدَّيْت مَا عَلي بِأَمَانَة، وَمَا تَرَكت لَكُم مِن عُذْرٍ (وَ لَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِكَ... إِلَى أَوْ تَغُرَّكَ). كلّ مَا أَصَابَكَ وَيُصِيبك مِن مَرضِ وَفَقر. وَنَكبَات فَقَد أَنْبَأَتُكَ بِهِ سَلَفَاً بَمَا رَأَيْت وَسَمِعت مِمَّا حَدث لِغَيْرُكَ مِن العِبر، ولكنك لم تعتبر، وَأَخَذتك العِزَّة بِالإِثْمِ، وَظَننتُ إِنَّكَ قَوّي لا يُضام.)(وَ لَرُبَّ نَاصِحِ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ. الْمُرَاد بِالنَّاصح هنا ما يحدث في الحَيَاةِ الدُّنْيَا)
1) الأنبياء : 109.
مِن عِبر وَعِظات، وضَمِير لها يعود للدُّنْيَا، واللام في «لها» للإختصاص مِثل هَذَا الشعر لفُلان، والمراد بالتُّهمة الإعراض عَن النَّصِيحة، والمَعْنَى أنّ الدُّنْيَا تَنصح وأَنْتَ لا تسمع. ومِن أَقْوَال الْإِمَام : «الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ، وَالِاعْتِبَارُ مُنْذِرُ نَاصِحٌ، وَكَفَی أَدَبَاً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ» (1، أي ما يحدث لِغَيْرِك هُو خَير مُرشد لَكَ (وَ صَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ) عَطف تَفْسِير، لأنَّ المَعْنَى لا تُصدّق مَن صَدِّقَكَ (وَ لَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ... إِلَى وَ الشَّحِيحِ بِكَ !). لَو دَرَسَت أَحْوَالِ المَاضِين بإمعان، واتعظت بما أَصَابهم - لوجدت الدُّنْيَا أَشْفَقَ عَلَيْكَ مِن أُمِّكَ وَأَبِيكَ بمَا أَلقَت عَلَيْكَ مِن درُوسِ نَافِعَة لَو كُنتَ مِنَ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ.)(وَ لَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً أي نعم الدَّار غَيْرِها، وَهِي الْآخِرَة، أما الدُّنْيَا فَبِئست الدَّار هِي (وَ مَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلَّا !) عَطف تَفْسِير (وَ إِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ) أي العَامِلُون للآخرة لا للدُّنْيَا فَقط (إِذَا رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ، وَحَقَّتْ بِجَلَائِلِهَا الْقِيَامَةُ، وَ لَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ... إِلى إِلَّا بِحَقِّهِ). قَوْله : «فَلَمْ يُجْزَ» جوَاب إِذَا رَجَفَتِ، والْمُرَاد بِخَرقَ الْبَصَرِ وَهَمَس القَدم أَنّ مَا مِن شَيء لَهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلّا وَيَجري عَلَيْهِ الْحِسَاب والجزاء عِند الله حَتَّى وَلَو كَان طَرفَة عَين أو وطء قدم، والمَعْنَى إِذَا قَامت الْقِيَامَة بِأهوالها، وَلَحِق كلّ عابد بِمعبوده، وكلّ تابع بِمتبوعه - فَلا يَسُوعَ إِلّا الحَقِّ، ولا يجري إِلَّا الْعَدْل : ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)(2). (فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ) كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : (فَيَوْمَذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) (1). لأنهم ظَلَمُوا وَأَفْسَدُوا بَعد قِيَام الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْبَيَان والنهي عن الْفَسَاد والإفساد (وَعَلَائِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ !). العُدْر هُنا بِمَعْنَى الحُجَّة، وأنْقطَاعِ العَلاقَة بَيْنَهُ وَبَينَ أَفعال الغَاوِين مَعناه إِبْطَال عُذرهم وَدَحضه، وعَلَيْهِ يَكُون العطف للبيان والتَّفْسِير.
(فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ، وَ تَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ). عَلَيْكَ أنْ تَنسَجم في أقوالك وأَنْعَالك مع الصدق، والْعَدْل، لِتَكُون الحُجَّة فيما عَلَيْكَ تَقول وَتَفعل (وَ خُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ) البَاقِي الدَّارِ الْآخِرَة، والفَانِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَخُذ من هَذِه مَا يَنْفَعك في تلك. وَمِثله فِي الخُطْبَة : «فَخُذُوا مِنْ مَمَرّكُمْ لِقَرِّكُمْ» (2). (وَ تَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ) هَيَى، لَهُ الْأَسْبَاب بصالح الْأَعْمَال (وَ شِمْ بَرْقَ النَّجَاةِ). أستَضيء بِنُور الْهِدَايَة لِتَبلُغ دار السَّلام (وَ أَرْحَلْ مَطَايَا التَّشْمِيرِ). تَزَوَد للرَّحِيل بالإخلاص الله، والنُّصح لعباده.
وَمَرَّة ثَانِيَة نَقول : إن غرض الإِمَام مِن هَذِهِ الخُطْبَة وَأَمَثَالها - أَنْ يَكُون لِلْإِنْسَان مِن نَفْسَه عَلَى نَفْسَه حَسِيبٍ، وَرَقِيب فيما يفعل، أو يدع، لأنّ هَذَا الرَّقِيب أو هَذَا الشُّعُور بِالمَسْئُولية هُو شُعلة مُباركة تَهْدِي لِلَّتِي هِي أَسْلَم وأَقوم.
وَ اللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً، أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفًّداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا، وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا ؟!
وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَ قَدْ أَمْلَقَ حَتَّىٰ أَسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غبرَ الْأَلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُودَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِم، وَ عَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلْمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْكَ التَّوَاكِلُ، يَا عَقِيلُ أَتَئنُ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَ تَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ أَتَئنُ مِنَ الْأَذَى وَ لَا أَئِنَّ مِنْ لَظَىً (1) ؟! وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وِعَائِهَا، وَ مَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ
قَيْئِهَا، فَقُلْتُ : أَصِلَةٌ، أَمْ زَكَاةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ ؟ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ! فَقَالَ : لَا ذَا وَ لا ذَاكَ، وَلَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ. فَقُلْتُ : هَبِلَتْكَ الْهَبُولُ!: أَعَنْ دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي ؟ أمُخْتَبِطَ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ، أَمْ تَهْجُرُ ؟ وَ اللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ الله فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ، وَ إِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا. مَا لِعَلِي وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى، وَ لَذَّةٍ لَا تَبْقَى ! نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ، وَ قُبْحِ الزَّلَلِ. وَ بِهِ نَسْتَعِينُ (2).
اللُّغَة:
السَّعْدَانِ : نَبَتٌ لَهُ شُوك، ومُسَهَّداً : سَاهِرَاً أَرِقَاً. ومُصَفّداً : مُقَيَّداً.
وقُفُولها : رجُوعَها أو فَنَاؤُهَا. وأَمْلَقَ : افْتَقَر. واسْتمَاحَنِي : طَلَب مِني مُنْحَة وشُعْثَ الشُّعُورِ : شُعُورهم مُتَلبدَة بِالأَوساخ. وبِالْعِظْلِم : صِبغَة النيل. والْقِيَاد : حَبْل يُقَاد بِهِ. والدَّنْف : المرض والميسم - بكسر الميم وسكون الياء وفتح السين - المكواة. وثَكِلَتْكَ : فَقَدَتْكَ. والثَّوَاكِلُ والثَّاكِلات : النِّسَاء. وشَنِئْتُهَا : كَرِهْتُهَا. والصِّلَة العَطِيَّة أو الرّشْوَة. وهَبِلَتْكَ : ثَكِلَتْكَ والهَبُولُ : الثَّاكِلَة. ومُختبِط : تتصرف بِغَيْر هُدى. وتَهْجُرُ : تَهْدُو. وجُلْبَ الشَّعِيرَة : قِشْرَتها. وتَقْضَمُهَا : تَكْسرها بأسنانها.
الْإِعْرَاب:
المَصْدَر مِن أنْ أبِيتَ مُبْتَدَاً، وأَحَبُّ خَبَر، وظَالِماً حَال، وَمِثله شُعْثَ الشُّعُورِ، لأنّ رَأَيْتُ هُنا بَصَرِية لا تتعدى إلى مَفْعُولين، وَكَذا غُيْرَ الْأَلْوَانِ ومُؤكّداً، وَمُرَدّداً
ومُفَارِقاً، وصِلَةٌ خَبَر لِمُبْتَدَأ محذوف أي أَهَذِهِ صِلَةٌ، وَمَا لِعَلِيٍّ ؟ مُبْتَدَأَ وخَبَرَ.
الْمَعْنَى:
(وَ اللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً، أَوْ أُجَرَّ فِي الأَغْلَالِ مُصَفًّداً... إلخ). كلّ إِنْسَان إِذا خَيْرٌ بَيْنَ التَّقَلب على الأشواك والجرّ في الحبال والْأَغْلَالِ، وَبَيْنَ عَذَابِ الحَريق - يختار الحال الأُولَى لِأَنَّهَا أَهْوَنِ الشَّرِين، سواء أَكَان المُخَيَّر عَلِيَّاً أَم مُعَاوِيَةَ... والفرق أنْ عَلِيَّاً لَو خُيْر بَيْنَ المَبِيت عَلَى الْأَشْوَاكَ مَع الجر بالأغلال والأَصْفَاد، وَبَيْنَ أَنْ يَملك الكَوْن بِأَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، ورِجَالِهِ وَنِسَائِهِ عَلى أنْ يَظلم نَملَة فِي قِشْرَة شَعِيرَة - لِفَضَّل عَذَابِ الدُّنْيَا وَمرّها عَلى ظُلم النملة فما دُونها ومَا ذَاكَ إِلَّا لِعِلمه بالله، وإيمانه بِالْعَدْل، وزهده فِي الدُّنْيَا، وخُوفه مِن عَاقِبة الظُّلْم.
أمّا مُعَاوِيَةَ فَحُبّ الدُّنْيَا وَالسِّيطَرَة جُزء مِن طَبيعته، وكِيَانه، والنَّاسِ كُلّهُم قَطِيع لعَظَمَتِهِ، ولِسُلطَانِه، ولا شَيء لمن يعترض ويُقاوم إلّا السَّيْف أو السُّم في العَسَل، أمّا حَدِيث الآجِلَةِ فَخَرَافَة، أو لا يَهُم مَا دَامت العَاجِلَة تَاجِ وَعَرش... وبكلمة أنّ مُعَاوِيَةَ لا يرى في الوجود إلّا مُعَاوِيَةَ وابْنِهِ يَزِيد، ومَن رأى غَيْر هَذِين فَلَهُ الْمَوْت، وحكاية «إنْ مَاتَ هَذَا فَهَذَا، ومَن أَبي فَهَذَا»، أَشْهَر من تُذكر، والْإِشَارَة الْأُولَى إِلى مُعَاوِيَةَ، والثَّانِيَة إِلى يَزِيد، والأخِيرَة إِلَى السَّيْف (1).
1) قد أتضح ذَلِكَ عِندما أرسل إلَيْهِمْ في أَخذ الْبَيْعَة لِيَزِيد وَلِياً للعهد قام يَزِيد بن المقنع فَلَخص الموقف الأموي مِن الخِلَافَة بِعبارة وَجِيزه ولكنّها بليغه قَالَ: «أَمِيرِ الْمُؤْمِنِين هَذَا، وأشار إلى مُعَاوِيَةَ... فإن هلك فهَذا، وأشار إلى يزيد... فمن أبى فهذا، وأشار إلى سَيْفه!.... فقال لهُ مُعَاوِيَةَ : «إجلس فإِنَّكَ سَيِّد الخطباء». أنظر، العقد الفريد : 112/5، طبعة سَنَة 1953 م، دار الكتب العلمية بيروت. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). و : 302/2 - 304 الكَامِل لابن الأثير : 214/3 - 216 و 511. الإمامة والسَّيَّاسَة تحقيق الشيري: 193/1، الْبَيَان والتبيين : 300/1.
وقَد يَكُون مُعَاوِيَةَ مُهذَباً مع الآخرين، بَل وَسَخِياً، ولكنْ عَلَى شَرطه، وهُو أن تنفق أعْمَالهُم مَع أهدافه، أو لا تتصادم مَعَهَا - عَلى الأقل - قَال الْعَقاد : «كلّ دهَاء يُذكر المُعَاوِيَةَ فإنّما يُذكر إِلى جانبهِ رَفدُ أو عَطَاء ووِلايَة يَستَفِيد مِنْهَا يَنصره، ولا يَنْخَدع عَنْهَا فِي مُبَادلة النفع بَيْنَهُ وَبَيْنَه، ولا جرم كان الْعَطَاء عماد هَذَا الدَّهاء، وكان نقش الخاتم الَّذِي تَخَتَمَ بِهِ بَعدُ ولايتَه : «لكلِّ عَمل ثوَاب» (1). وَتَقَدَّم الكلام عن سِيَاسَته (2).
(وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَ قَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي... إِلَى وَ لَا أَئنُّ مِنْ لَظَىً). قِصَّة الإِمَام مَع أَخِيهِ عَقِيل يعرفها القاصي والداني، وقد حكاها الإمام هنا بوضوح، والمفردات التي تحتاج إلى تَفْسِير ذكرناها فِي فِقْرَة : اللُّغَة. وإِذَنْ فَلا داعى للتَّطوِيل بِلا طَائِل، وأَكْثَرَ الَّذِينَ كَتَبُوا عن الإِمَامِ أو الكَثِير مِنْهُم أَسْتُشْهِدُوا عَلَى صلابته في الحَقِّ بِمُوقِفه مَع عَقِيل، وآخر من ذكر هَذَا الموقف وأَشَادَ بِهِ مِن المؤلفين الكاتب المصري الأستاذ عبد الكريم الخطيب - فِيما نَعلم - :قَال :
«فِي مُوقِف عَلَيَّ مِن أَخِيهِ عَقِيل مَا يُعْنِي عَن كُلَّ مَثل يُورَد، وعَن كُلَّ قَوْل يُقَال، فَعَقِيل هُو شَقِيق عَليّ الأكبر... وبَيْنَهما أخوّة صَادِقة خَالِصة، لا تَشوبَهَا كَدَر، أو
جَفوَّة، وبتلك الأخوّة وبحقهَا جَاء عَقِيل إلى أخيه يَسأَله بَعْض المال الَّذِي أَقْتَضَته الْحَيَاة مِنْهُ، وَقَصُرَت يَده عَنْهُ... فقَالَ لَهُ : مَرحباً بِكَ وَأهلاً. مَا أَقدَمَك علينا ؟. قَال رَكبنًا دَين عظيم، فَجِئتُ لِتَصلني. فقال لهُ عَليّ : والله مَا لِي مِمَّا تَرى شَيْئًا إِلَّا عطَائِي، فإذَا خَرَج فهو لَكَ. فقال عَقِيل : أترى شخُوصِي إِلَيْكَ مِن أجل عطائك ؟ (1).
فَقَال الْإِمَامِ : أَتُرِيد أَنْ يَحرقنِي بَنَارٍ جَهَم فِي صِلتك بِأَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ ؟..
ثُمَّ أشار الخطيب إلى قِصَّة الحَدِيدة... فقال عَقِيل : والله لأخرُجَن إِلَى رَجُل هُو أوصَل لي مِنك... يُرِيد مُعَاوِيَةَ. فقال لهُ الْإِمَام : رَاشِدَاً مَهدِيَاً» (2).
«وَلما قَدِم عَقِيل عَلَى مُعَاوِيَةَ وَصَله بثلاثمئة ألف درهم... وَقَالَ لهُ : أنا أَحسن أَم أخُوكَ ؟ قَال عَقِيل : أَنْتَ خَيْرٌ لِي فِي دُنياي، وأخي خَيرٌ لي في ديني... هَذِهِ بَعْض أَمثلة لموقف عَلى مِن رِجَالِهِ وأَنْصَاره... وقد تحوّل كَثِير مِنْهُم إلى جبهة مُعَاوِيَةَ بفعل هَذِه السَّيَّاسَة» (3).
كَان الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَعْلَم أَن أَصْحَابه مِن أهْلِ الدُّنْيَا لَنْ يَسْتَطِيعوا مَعَه صَبراً، وإنهم
1) انظر، كِتَابَه «عَليّ بن أبي طالب بَقِيَة النُّبُوَّة، وخاتم الخلافة : 439، وما بعدها طبعة سنة 1967م. (منه (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، الإمامة والسَّيَّاسَة : 75/1 نظرات في الكتب الخالدة للدكتور حامد حنفي داود: 146، مجلة 75/1، الإسلام العدد : (14) السَّنَة (13)، تنظيم الصَّدَقَة في الإسلام، للدكتور حامد.
3) أنظر، العقد الفريد : 90/4 طبعة بيروت، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي لابن الدِّمَشْقِي: 229/2.
تَارَكُوه إِلى مُعَاوِيَةَ... ولعَل هَذَا مِن جُملَة الْأَسْبَاب التي دَعَت الإِمَام أَنْ يُحقر الدُّنْيَا ويُطنب في بيَان مَسَاوِيهَا، وَيُحذر الرَّاغبين فيها مِن سُوء المتقلب وكآبته... ومهما كَان فإنّ الإِمَام لَمْ يَستَكره أحداً على البقاء مَعَه، أو يُرضِيه ويُحابِيه عَلَى حساب دينه وحساب المُسْلِمِينَ... وكان يتوجه إلى العُقُول، والقُلُوب، ويُخاطبها بمنطق الدين والضَّمِير، ويُبالغ في الوعظ والنَّصحِيحة، ويُنذر ويُحذر من عذاب الله وغَضَبه، كما رأينا في خُطَبِه، ثُمَّ يَدع النّاس ومَا يَختَارُونه لأَنْفُسهم، وهذه هي طَرِيقة الرَّسُول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والْقُرْآن الكريم : (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٌ) (1).
وعَلى هَذَا الطَّرِيق سَار الْإِمَام مَع أَهْلِهِ، وَجَيْشَه، وأَنْصَارِه، لا يُمارس ضغطاً، ولا يَرشِي ضَمِيراً، ولا يتنازل عَن حَقٌّ أيَّاً كَانَتْ الظُّرُوف والنتائج... قِيلَ لَهُ : إِنّ جَمَاعَة مِن أَصْحَابه، أو رَعِيته لَحَقُوا بِمُعَاوِيَةَ، فَمَا زَاد عَلَى قَوْله : «وَاللَّهِ لَمْ يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ، وَلَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ» (2). هَذَا هو الإِمَام لاَ يَبتَغِي مِن دُنْيَاه شَيْئَاً ولا يُقيم علاقة مَع قَرِيبٍ أو بَعِيد إلَّا عَلَى أَسَاس العدل والحق... ولو أنّ أَهْل الْأَرْضِ كَانوا فِي جانب، والحَقِّ فِي جانب، لكان وحده مع الحَقِّ غَيْر خَائف ولا مُستُوحش، وبِهَذَا سَطّر الإِمَام صَفحات جَلَيْلَة في تاريخ الإِسْلام والمُسْلِمِين، وصَدَق مَن قَال : «لَو لَم يَسرُ عَلي سِيرته المثالية أَكَانَتْ تَبقَ تِلك الجذوة مُشتعلة وكامنة في النفوس ؟ إن عَليَّاً لَعِب دَوره الجَلِيل كَأعظم ما يلعب الإِنْسَانِ الفَائِقِ دَوره فِي التَّارِيخ».
(وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ) وهُو الأَشْعَثَ مِن قَيْس رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ فِي أَصْحَاب
الإِمَامِ تَمَاماً كَعبد الله بن أُبِيِّ بِن سَلَّوْل فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ) مِن الحلوى (فِي وِعَائِهَا) وضعت في وعاء مُغطى، كما هو المعتاد (وَ مَعْجُونَةٍ شَنئتُهَا) المَعْجُونَة هِي الملفوفة، وشَتْتُهَا كَرِهْتَها (كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقٍ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا). هَذَا بَيَانِ لشِدّة الكَرَاهِيَة والنُّفْرَة مِن حَلوى الأَشْعَث، وأَنَّهَا تَمَاماً كَالتُم النَّاقع في جوف الأفعى.
(فَقُلْتُ : أَصِلَةٌ) ورِشْوَة تَتوصل بها إلى غاية دَنِيئَة وَخَبِيثَة مِن غَايَاتِكَ (أَمْ زَكَاةً) مَفرُوضَة عَلَيْكَ (أَمْ صَدَقَةٌ ؟ فَذَلِكَ مُحَرَّمُ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ !). الرّشْوَة يَحرُم عَطَاؤها وأَخَذُوها إطلاقاً عَلى أَهْل الْبَيْت وغَيْرهم، والزَّكَاة حَرَام عَلَى كُلَّ هَاشِمِي إلَّا إِذَا كَانَتْ مِن هَاشمي مثله، والْمُرَاد بِالصَّدَقَة هُنا مَا كَان نَدباً لا فرضاً بِدَلِيل مُقارنتها مع الزَّكَاة المفروضة. وللفقهاء في هَذِه الصَّدَقَة قَوْلان : الأَوَّل : أَنَّهَا تَحل لكلّ هَا شمِي سَوَاء أَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْت أَم مِن غَيْرِهم. القَوْل الثَّانِي : أَنَّهَا تَحرُم عَلَى أهْل الْبَيْت فَقَط، وهُم : (مُحَمَّد، وَعَليّ، وَفَاطِمَة، والحَسَن، والحُسَيْن (عَلَيهِم السَّلَامُ)). أمّا غَيْرهم من الهاشميين فَلا تَحرم عَلَيْهِمْ صَدَقَة النَّدب. والظَّاهِرِ قَوْل الإمام هُنا يُعزز هَذَا الرّأي ويُؤيده. وعَلى أية حال فَلا جدوى مِن النّقاش فِي هَذَا المَوْضُوع، لأنّ أهْل البَيْت الآنْ عِند الرَّفِيق الأعلى (1).
(فَقَالَ : لَا ذَا وَ لَا ذَاكَ، وَ لَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ) وَهِي حَلال الجَمِيعِ النَّاسِ (فَقُلْتُ : هَبِلَتْكَ
1) أنظر، شرائع الإسلام : 124/1، الأم للشافعي: 81/2، مُنْتَهى المطلب : 515/1، إرشاد الساري: 7 / 176 التهذيب : 58/4 ح 156، المغني لابن قدامة : 520/2، مسالك الأَنْهَام: 424/1، شرح ح الأَزْهَار : 519/1، الإشتبصار : 35/2 ح 107 المحلى : 107/6، مُسند أحمد : 8/6، الكافي : 59/4 ح 5، شرح الأخبار : 485/22، السنن الكبرى : 32/7.
الْهَبُولُ !) ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ (أَعَنْ دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي ؟) فِيهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّ الْأَشْعَثْ كَان قَد طَلِب مِن الْإِمَام أمراً لا يحل له، وإنّه حاول أنْ يَستَمِيله بِحَلَوَاهِ، فَزَجَرَه الْإِمَام وَوَبخَه بِقَوْله : (أمُخْتَبِطٌ أَنْتَ). تَخَبَطَ خَبْطَ عَشوَاء أي تَصَرف عَلى غَيْر بَصِيرة (أَمْ ذُو جِنَّةِ) بِكَ مَسُّ مِن الجنون (أَمْ تَهْجُرُ ؟) تقول بِلا خُبرَة، وتَهرف بما لا تَعرف.
(وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا). يَرْهَدَ الْإِمَام فِي الكَوْن يجميع أقاليمَه طَلباً لما هو أَكْثَر وَأعظَم، وَرَغبة في تَوَابَ الله وَرِضْوَانَه، وَيَدل عَلَى ذلك بوضوح قَوْله : (عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ) لأنّ الكَوْن بمَا فِيهِ مَع غَضب الله ما هُو بِشيء، والمَبِيت عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ وَالجَرّ بِالْأَغْلَال مَع مَرضَاته تَعَالَى هُو كلِّ شَيء.
أَلَيْس هَذَا عَينِ الطَّمُوحِ والرَّعْبَة فِيما هُو أجَل وأَعظَم مِن الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ ؟. وهَل تُقدر مَرضَاة الله بشيء ؟... أَبَداً لا وَزن لشيء عِند الإمام، ولا يَصدَع رَأْسه في التفكير بشيء إلا برضا الله، فهو وحده المثل الأعلى، والغرض الأسمى، وفيه وحده وهَنَاؤُه وَسَعادته... وما أبعد مَا بَيْنَ فَلسَفة الإِمَام هَذِه، والفَلسفَة البراجماتية الأمريكية التي تقول : لا حق ولا خير ولا جمال في الوجود، ولا مُجتمع ومُجتمعات، وإِنْسَان وإِنْسَانِيات... أَبَداً لا شَيء عَلى الإطلاق إِلَّا مَا يُحَقق لَكَ النَّفع والنجاح بزِيَادَة الدَّخل في هذه الحياة.
أَللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلَا تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالْإِقْتَارِ فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ، وَ أَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ، وَ ابْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَأُفْتَتَنَ بِذَمّ مَنْ مَنَعَنِي، وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ. «إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
اللُّغَة:
من : أحفظ وأستر. والْيَسَارِ : الغِنَى، وبِالْإِقْتَارِ: الْفَقْر. وَأَسْتَرْزِقَ : أَطلب الْرِّزْقِ. وأُفْتَنَ: أُبْتَلَى.
الْإِعْرَاب:
أَسْتَرْزِقَ مَنصُوب بِأَنَّ مُضمرة بعد الفاء، ونُصب الفِعْل الَّذِي بَعدَه لِلعَطف عَلَيْهِ وَوَلِيُّ خَبَر أَنْتَ، وَمِنْ وَرَاءِ مُتَعَلِّق بِهِ.
الْمَعْنَى:
(أَللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَ لَا تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالْإِقْتَارِ). صِيَانَة الوَجه حِفظه مِن التَّعرض للسُّؤال، وقَدِيماً، قيل : السُّؤال ذُل ولو أين الطَّرِيق. وبذل الجاه السقوط عن الاعْتِبَار والاحترام. وَلَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ الْفَقْر سَبَبٌ للمزيد مِن هَذَا السقوط والإنهيار. وفي الحديث: «الْفَقْر الموت الأحمر» (1). وَقَالَ الْإِمَام : «الْبُخْلُ عَارٌ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالْمُقِلُ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ» (2). «الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنَّ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ» (3). «الْفَقْرُ الْمَوْتُ الْأَكْبَرُ» (4). «الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ، مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ، دَاعِيَةٌ لِلْمَفْتِ» (5). وَقَالَ الْإِمَام جَعفر الصادق : مَا أفتَقَر أَحد قَط إلَّا أَصَابَه ثَلاث خصال : رِقَة فِي دِينه، وضَعف في عقله، وذِهَابِ فِي مروءته» (6). ولذا كان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، يُكرر الْقَوْل فِي دُعائِه : «اللَّهُمَّ ارزق مُحَمَّداً وَآل مُحمَّد الكفاف، والْعَفَاف» (7).
وإنّما كَان الْفَقْر رِقَة وَمنقَصَة في الدِّين لأنّ النّفس إذا احتاجت تعرضت لما لا يجوز، ودَخَلْت مداخل الشَّر والسُّوء، وإذا أحرزت قُوتَها سَكَنت وأطْهَانَّتْ. ومِن
1) أنظر، الكافي : 266/2 ح 2 مَعَانِي الأَخْبَار للشيخ الصدوق : 259، شرح نهج البلاغة لابن أبي الْحَدِيد: 273/6، كَنز العمال: 618/6 ح 17112.
2) أنظر نهج البلاغة : الحِكْمَة (3).
3) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (56).
4) أنظر. نهج البلاغة : الحكمة (163).
5) أنظر، نهج الْبَلاغة : الحِكْمَة (319).
6) لَمْ أَعْثَر عَلَيْهِ.
7) أنظر، الكافي : 140/2 - 2 - 3، كنز العمال: 483/6 ح 16647، تأريخ دمشق: 116/4.
هنا كان السَّعِي للرّزق دِيناً، والتدبير عَقْلاً. وتَقَدَّم الكلام عَن أدوَاء الْفَقْر وَأثَرَه في المجتمع (1).
(فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ، وَ أَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ... إلخ). الإِمَام لا يَسْتَرْزِق، ولا يَسْتَعْطِف مَخْلُوقَاً على الإطلاق، ومهما كَانَتْ الظُّرُوف وتَكُون، ولا يَمدح مَن لا يَسْتَحِق المدح، وإنْ أعطاه الدُّنْيَا بِكاملها، ولا يَذم مَن هُو أَهْل للمدح. وإنْ أسَاء لشخصه... ولَكِنَّهُ أراد التَّعرِيض مَن يَمدَح عَلى أَسَاس المَنْفَعَة، والمَصْلَحَة الخاصة.
والجدير بالإِشَارَة أَنّ هَذَا الدُّعَاء وَرَد بالحرف الواحد فِي الصَّحِيفَة السَّجَادِيَة للإمام زين العابدين حفيد الإمام أمير المُؤْمِنِينَ، وهُو قطعة مِن الدُّعَاءِ المَعرُوف بمكارم الأخلاق (2).
وبَعْد، فإنّ الإِسْلام يرى الْفَقْر مَوْتاً، وكُفراً، وبُؤرة لِكُلِّ رَذيلة وَجَرِيمة، ولدًا أَعْلَن الثُّورَة عَلَيْهِ وَعَلَى الْإِحْتِكَار، وَعَلى كُلّ نظام أو عَمِل يُؤدي إلى الإِسْتغلال والْإفْقَار.
دَارُ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ. لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلَا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا.
أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَتَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةُ، الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالْأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ، وَ إِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا، وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا.
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّكُمْ وَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ، مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً، وَ أَعْمَرَ دِيَاراً، وَ أَبْعَدَ آثاراً، أصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً، وَ رِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً، وَ أَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَ دِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً. فَأَسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمَشَيَّدَةِ، وَ الَّنمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ الصُّخُورَ وَالْأَحْجَارَ الْمُسَنَدَةَ، وَ الْقُبُورَ اللَّاطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ الَّتِي قَدْ بُنِي عَلَى الْخَرَابِ فِنَاؤُهَا، وَ شُيّد بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا، فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَ سَاكِنُهَا مُغْتَرِبُ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَ هْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِينَ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ، وَ لَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ. عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ، وَ دُنُو الدَّارِ. وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَ الثَّرَى !
وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ، وَ أَوْ تَهَنَكُمْ ذَلِكَ الْمَضْجَعُ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ، وَ بُعْثِرَتِ الْقُبُورُ : هُنَالِكَ تَبْلُواْكُلُ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَؤلَلمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (1).)اللُّغَة:تَارَاتٌ : جَمع تَارَة، وَهِي الحين والمرَّة والنَّمَارِقِ : الوسائد يَستَند إِلَيْهَا، وتُعَلَق النّمَرَقَة عَلَى البِسَاطِ واللَّاطِئَةَ : اللَّاصِقَة، والمُلْحَدَةَ: جُعلوا فِي الْقُبُور لِحُوداً. وفِنَاؤُهَا - بِكَسر الفاء - سَاحتها. والكَلْكُلِ : صَدر البَعِير. والجَنَادِلُ : الصُّخور.الْإِعْرَاب:دَارٌ لِمبتدأ محذوف أي هِي دَارٌ، وأَحْوَالٌ أي هِي أَحْوَالٌ لا وعَلَى سَبِيلِ خَبَر أَنَّكُمْ، وأَعْماراً تمييز، وَمِثله دِيَاراً، وَآثَاراً، ومُوحِشِينَ صِفَة أَهْلِ مَحَلَّةٍ، وَكَأَنْ مُخَفّفة، وأسمها مَحذُوف أي كَأَنْكُم، وكَيْفَ بِكُمْ «كَيْفَ» خَبَر مُقَدَّم، والبَاء زَائِدَة و «كُمْ» مُبْتَدَاً لأَنَّهَا قَائِمَة مَقام أَنْتُمْ، وأَشتَبَه بَعْض الشَّارِحِينَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ المُبْتَدَاً مَحذُوف.الْمَعْنَى:(دَارُ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَ بِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ... إلخ. كلّ مَا فِي هَذِه الخطبة هو)
1) يُونُسَ : 30.
تكرار وإعادة لما جاء في الخُطب السَّابقة مِن ذَمِ الدُّنْيَا وبيان كوارثها ومآسيها... ولا نهاية لكلام الإِمَام عَن الدُّنْيَا مَا دَام حُبّها والتَّعلق بها عِلَّة العِلل للوِيلات، والمُشكلات... وأيضاً لا ينتهى حُبِّ النَّاس للدُّنْيَا وَتَمسكهم بعرُوتها إلا مَن شَذَّ أيّاً كان النَّاهي، والزَّاجر. فَقَد نَهَى الْقُرْآن الكريم عَن الغُشِ، والنِّفَاق، والْفِتْنَة، والبَغْيِ، وَأمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالإتحاد، والاعتصام باللهِ جَميعاً، وَقَالَ الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «لا تَردُّوا بَعدِي كِفارَاً يُضرِب بَعْضكُم رِقَاب بَعْض» (1)، ومَع هَذَا يغش المُسلِمُون بَعْضهم بعضاً، وَقَد ضَرَب بَعْضُهُم رِقَاب بَعْض بالأمس البَعِيد والقريب، والآنْ تَقُوم الحزب، والمذابح بَيْنهم في باكستان، والأردن (2)، واليمن.. ولكنْ هَذَا لا يمنع مِن النَّهْي عَن الْفَساد في الأَرْضِ، لَقِيَامِ الحُجَّةَ مِن جِهَةٌ، وَعَسَى أنْ يَفِي البَاغِي إِلى رُشده مِن جهة، وإِنْ ضَعُف الأمل.)هَذَا فِيما يَعُود إلى تكرار الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهي عن المنكر، أما فيما يَعُود إليَّ شَخصِياً كشارح ومُفسر فَلا جَدِيد لَدَيَّ أشرح بِهِ هَذِهِ الْخُطْبَة بَعد الَّذِي قُلته فيها سَبق أَللَّهُمَّ إلا أنْ أُلخص مَا جَاء فِي بَعْضَ الشَّرُوح بما يلي :ذكر الإِمَام فِي هَذِه الخطبة العديد مِن مَسَاوِيءِ الدُّنْيَا :أَوّهَا : إنّ الْبَلاء يَحِفُّ بِهَا مِن كلّ جانب.وثانيها : إِنَّهَا مَعرُوفة بالغَدْر.
وثَالثها : إِنَّ أَحْوَالها مُتَقَلبَة.وَرَابعهَا : إِنَّ أَهْلَهَا يَمُوتُون.وَخامسها : إِنَّهَا تَتَّغِير مِن حَالٍ لآخر.وَسَادسها : إِنَّ عَيشها مَدْمُوم.وَسَابعها : إِنّه لا أَمَان فِيها.وَثَامِنْهَا : إِنَّ أَهْلَهَا هَدف لِلبَلايَا الرَّزَايَا... إلى غَيْر ذَلِكَ. ويُمكن تلخيص هَذَا التَّلخيص بِكَلِمَة واحدة : (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (1).)(فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ، وَ يُعْتِرَتِ الْقُبُورُ... إلخ. قَال أَهْل العِلم بالله وعدالته : إِنَّ لِلْإِنْسَان قيامتين : صُغرى، وكُبرى، والأُولَى عَالم البَرْزَخِ، ويبتدىء بالموت، وينتهي بالبعث، وفي هَذَا العالم نَوع من الثواب والعقاب، ولكنْ لاَ عَلَى سَبِيل التُّوفية الكاملة والحكم النهائي المُبَرَم، أما الْقِيَامَة الْكُبْرَى فتبتدى، حيث تنتهي الْقِيَامَة الصُّغرى أي في البعث الَّذِي يَرد الله فِيهِ الْأَرْوَاحَ إِلَى الْأَجْسَادِ، وَيَبعَثها إلى جَنَّةٍ أو إلى نَارٍ، وَهَذَا البعث أو المعاد هُو دَار القرار، وفيها يَتُم الحِسَاب وتُوفِية الثَّوَاب، أو العقاب، وَيَنتَهى كلّ شَيْء.. قَالَ سُبْحَانَهُ : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (2)أي أَنَّكُم فِي الْبَرْزَخ، وَغُرفَة الانتظار تُعَامَلون بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا، ولكنْ كَعَرَبُون أو بشارة.. أما التُّوفيةالكاملة، والجزاء التّام فيَوْم الْقِيَامَة.)
وَقَد حَتَّ الْإِمَام فِي هَذِهِ الخَطْبَة عَلَى الْعَمَل والاستعداد للقيامة الْكُبْرَى التي : (تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (1). وَتَسَاءل الْإِمَام : ماذا تَصْنَعُون آنذاك إذا كُنْتُم عُزلاً مِن كُلِّ سلاح... أَنْتُمُ الآنْ عَلى مُفتَرَق الطُّرق، وَعَلَيْكُم أَنْ تَختَارُوا لأَنْفُسكم السَّلامة والنَّجَاةَ. وَتَقَدَّم قَوْله : «أَعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرِ، وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ... وَاتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحِلْيَتُها حَدِيدٌ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ» (2). وَنَختم هَذِه الكَلِمَة بقول الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إنّ الرَّجُل. لَيَعمَل عَمل أَهْل الجَنَّة فيما يبدو للنَّاس، وهُو مِن أَهْل النَّار، وإنّ الرَّجُل لَيَعمَل عمل أَهْل النَّار فِيَا يَبدو للنَّاس، وهُو مِن أَهْل الجَنَّة» (3).)
1) الْبَقَرَةِ : 281.
2) انظر، شرح نهج الْبَلاغة : الخطبة (120). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
3) أنظر، صَحِيح البُخَاري: 1061/3 ح 2742 و : 1539/4 ح 3966 و: 2436/6، صَحِيح مُسلم : 106/11 ح 112 و : 2042/4، مجمع الزوائد : 116/6، مُسْنَد الشَّاشي : 142/2 ح 682، مُسْنَد الروياني : 195/2 ح 1026 و 1052، مُسْنَد الطَّيَّالسي: 38/1 ح 298، مسند أبي يعلى: 539/13 مُسْنَد عبد بن حميد: 1 / 168 ح 457 و 459 و 1500. المعجم الكبير : 143/6 ح 5784، الإيمان لابن منده: 663/2 ح 644 و 645 و 646، السُّنَّة لابْن عَاصم : 77/1 ح 175 الترغيب والترهيب: 207/3، تَفْسِير القُرطبي : 132/18.
## الخطبة - 227 -### الأنس بالحَبِيب:أَللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الآنسِينَ لِأَوْلِيَائِكَ، وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَ تَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ. فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ. إنْ أوْ حَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ. وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ لَجَئُوا إِلَى الاسْتِجَارَةِ بِكَ، عِلْماً بِأَنَّ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ بِيَدِكَ، وَ مَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ.أَللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي، أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَنِي، فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي، وَخُذْ بِقَلْبِي إِلَى مَرَاشِدِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ، وَ لَا بِبِدْعٍ مِنْ كِفَايَاتِكَ.أَللَّهُمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ.اللُّغة:آنَسُ : أَشد آنْسَاً. وَتَلَهُف عَلَيْهِ : حُزْن وَتَحَسُر، وَبِهِ اسْتَغَاثَ، وإِلَيْهِ أَشْتَاقِ. وفَهِهْتُ : عَبِيْتُ وَعَجِزْتُ عَن الْبَيَان.فِي ظِلالِ نَهْج البلاغة
الْإِعْرَابِ:عِلْماً مَفْعُول من أَجله لِلجَئُوا، والمصدر المُنسَبكَ مِن أَنَّ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ بِيَدِكَ ... إلخ. مَجرُور بالباء، وَمُتَعَلِّق بـ «عِلْمَا» وَبِنُكْرٍ خَبَر لَيْس، والبَاءِ زَائِدَة.الْمَعْنَى:(أَللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ الْآنِسِينَ لِأَوْلِيَائِكَ. إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَرتَاحُونَ وَيَأْنَسُون بِطَاعَتَه تَعَالَى وَمُنَاجَاته، وهُو أيضاً يَزِيدَهُم أُنْسَاً بِذَلِكَ : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (1). (وَ أَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَة لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ). وَأيضاً يُغنِي وَيُكفِي مَن تُوكل عَلَيْهِ، لأنه خَير مَن كَفَى وَأَعْنى. (تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَ تَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَايْرِهِمْ، فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ)، هُو سُبْحَانَهُ أَعْلَم بهِمْ مِن أَنفُسهم، ولما رآهم أَصْفياء أَتْقِيَاء شَمَلَهُم بِبِره وإحْسَانه (وَ قُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ). وإذَا التَّهَفَت القُلُوب وأَخْلَصت أُذعِنَت الجوارح، وَخَلُصت الأَعْمَال مِن الشّوَائب، لأنّ الْقُلُوب هي الْمَصْدَر والمَنبع، ومِن هُنا أَسْنَد سُبْحَانَهُ طَاعته، وَتَعظِيم شعائره إلى تقوى الْقُلُوب حَيْتَ قَالَ : عَزَّ مَن قَائِل : ﴿وَمَن يُعَظِمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب) (2).)(إنْ أَوْحَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ. وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ... إلى قَضَائِكَ. إِنَّهُم يَعْلَمُون وَيُؤْمِنُون بِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ فِي الكَوْن مِن الذَّرَّة الصَّغِيرة إلى المجَرَات الكَبِيرَة - تسير على أساس وقَانُون، وإن المسببات تُناط بأسبابها.)
والنتائج بِمُقدماتها، ولَكِنَّهُم إِلى جانب هَذَا العِلم، والإيمان المادي يُؤْمِنُون بِأنّ الله هو المبدأ لكلّ شَيء، وإِلَيْهِ يَنتَهي كلَّ شَيء، وإِنه خَلَقَ الكَوْن وَأودَعَ فِيهِ الطَّاقَات والأَسْبَاب... ولذا يُلتَجِئُون إِلَيْهِ، وَبِهِ يَتَوسِلُون في المهمات وَعِند الملمات (اللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي، أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي... إلخ. أَنْتَ أَعْلَم مِني بِحَالي، وَقَد عَجَزت عَن بيَان حَاجَتِي إِلَيْكَ، فَأَخْتَر لِي مَا فِيهِ خَيرٍ وَصَلاح لدُّنْيَاي وآخرتي (فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ) كَيْفَ وَأَنْتَ خَير مَرجُو، وَأَكرَم مَدعُو ؟ (وَ لَا بِبِدْعٍ مِنْ كِفَايَاتِكَ) بَعد أن تتابع برك، وأتصل خَيرك، وَعَظُم فَضلك.)(أَللَّهُمَّ أَحْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ. إِذَا كَانَ الْإِمَام يَسأل الله الْعَفُو، ولا يُطيق الْعَدْل فَكَيف بغَيْره ؟ ومَا مِن شَكٍّ أنَّ الله غَنى عَن العالمين يعفو وَيَرحم إلا الوحش الكاسر الذي يظلم عِباد الله، وَيَقْسُو عَلَيْهِمْ بِلا رَحمة، وفي الحَدِيث : «مَن لا يَرحم لا يُرحم» (1). وقيل للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْحَسَن البَصرِي يَقول : لَيْسَ العَجب مِمَّنْ هَلَك كَيْفَ هَلك، وإنما العجب مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجا. فقَال الْإِمَام : أما أنا فَأَقُول : لَيْسَ العَجب مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجا، وَإِنَّا العَجبِ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلك مع رحمة الله التي وسعت كل شَيء» (2).)
1) أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 75/7، صَحِيح مُسلم: 77/7 مُسند أحمد : 228/2، ذَخَائِرِ الْعُقْبی: 126، المجموع: 639/4، المحلى : 263/6، سُنن أبي داود : 522/2، الأدب المفرد : 32، مُسْنَد أبي يعلى: 297/10، المُصَنَّف للصَّنعاني : 553/3، فتح الباري : 360/10.
2) أنظر، أمّالي المرتضى: 113/1، بحار الأنوار : 153/75 ح 17. إعلام الورى بأعلام الْهُدَى : 489/1 شَرح مِنَة كَلمة للبحراني : 183، شرح الصَّحِيفة السَّجادِيَة لمُحَمَّد جواد مُغنِيَة : 177، بتحقيقنا.
## الخطبة - 228 -### للهِ فُلَانٍ:للهِ بَلَاءُ فُلَانِ، فَلَقَدْ قَوْمَ الْأَوَدَ، وَ دَاوَى الْعَمَدَ، وَأَقَامَ السُّنَّةَ، وَخَلَفَ الْفِتْنَةَ ! ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ، قَلِيلَ الْعَيْبِ، أَصَابَ خَيْرَهَا، وَ سَبَقَ شَرَّهَا. أَدَّى إِلَى اللَّهِ طَاعَتَهُ، وَ أَتَّقَاهُ بِحَقِّهِ. رَحَلَ وَ تَرَكَهُمْ فِي طُرُقٍ مُتَشَعْبَةٍ، لَا يَهْتَدِي بِهَا الضَّالُ، وَلَا يَسْتَيْقِنُ الْمُهْتَدِي.اللُّغة:الأود : الاِعْوِجَاج : والْعَمَدَ - يفتح العين والميم - المرض. وَخَلَّفَ الْفِتْنَةَ : مَات قبل حدوثها. وَاتَّقَاهُ بِحَقِّهِ : أدى الحَقِّ الصَّاحِبه وقَايَة لمطالبته. وَتَرَكَهُمْ فِي طُرْقٍ مُتَشَعْبَةٍ : مُخْتَلفِين. وَلَا يَسْتَيْقِنُ الْمُهْتَدِي : يَجْهَل مَصِيرَه لكثرَة الْإِخْتِلاف.الإِعْرَاب :للهِ خَبَر مُقدم، وبَلاءُ أو بلاد مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، والْقَصْد المدح.
الْمَعْنَى:(للهِ بَلَاءُ فُلَانٍ، فَلَقَدْ قَوَّمَ الْأَوَدَ، وَ دَاوَى الْعَمَدَ.... إلخ. قيل : المُرَاد بِفُلان أبي بَكْر. وقيل : عُمَرَ، وهُو الأشهر، وأيّاً كان فإنَّ النَّاس كانوا سُعَدَاء مَعَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومَا سَدٌ فراغه أبو بَكْر ولا عُمَرَ، ولكن عَهْدهُما كَان أَفضَل مِن عَهد عُثمَانَ الَّذِي فَتَح عَلَى أُمَّةٍ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بَاب «الْقَتْل والْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». فَلَا فِتْنَةٌ فِي عَهد الشَّيخِين، ولا خلافة مُورُوثة، ولاكسرُوية وقِيصَرِية، ولا طَاغِية يَتَّخِذ مَالَ الله دُولاً، وعِبَاده خُولاً.)وأي مُسلِم يُفضل عَهد الأمويين والْعَبَّاسِيين وأَمْثَالهُم عَلَى عَهْدِ الشَّيخِينِ ؟ فَلَقد استطاعا بِسِيرتهما في الخلافة أنْ يَحظِيا عبر التاريخ بِالرّضا مِن أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ، ولا يختلف اثنان في أنّ الإِمَام كَان يرى أنّه الأَوْلَى والأحَق مِنْهُمَا بِالْخِلافَةِ، وأيضاً لا اختلاف في أنه كَان يَرَاهُما أَفضل مِن عُثمانَ، وَقَد صَارحه بِذَلِكَ حِين قَالَ لَهُ: «وَ مَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا ابْنَ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ» (1. وَإِذَنْ فَأَيَة غَرَابَة فِي قول الْإِمَام : «لهِ فَلَانٍ» : وَكَتَب ابن أبي الحَدِيد حَوْلَ هَذِهِ الْخُطْبَة (87) صَفْحَة بالقياس الْكَبِير.... واختصر شارح آخر مُكتَفِياً بِأَرْبَعِينَ صَفْحَة (2).)
1) أنظر، نَهْج الْبَلاغة : الْخُطْبَة (164). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، شرح نهج البلاغة : 3/12. ومما يجدر ذكره، يُشير بَعْض الشَّارحِين إلى أن هذا الْقَوْل هو صيحة لبنت خنتمه بقولها «وأعُمَرَاه فقد قوم الأود. وداوى العمد، وخَلفَ الْفِتْنَة... فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : صدقت بنت حَنتمه»، وعَن أوفى بن حَكِيم قَالَ : (لما كان اليوم الَّذي هَلك فِيهِ عُمَرَ قلت : والله لآتين باب علي بن أبي طالب ! فأتيت بَاب عَلي فإذَا النَّاس يرقبونه فما لبث أن خَرج علينا فأطم ثُمَّ رَفع، فَقَال : لله دَر باكية عُمَرَ قالت : واعُمَراه، قوم الأود، وأبد العمد واعُمَرَاه ! مات نقي الثّوب قبل العيب، واعُمَرَاه ! ذَهب بالسُّة وأبقی الْفِتْنَة، قَاتلها الله مَا ذَرَب !) أنظر، كنز العمّال: 700/12 ح 36085، وقد جاء في النهاية : 56/2 (ذَرَب بالتحريك : هو الدَّاء الذي يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها فَلا تمسكه، ومنه حديث الْأَعْشَى : أنه أَنشد النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أبياتاً في زوجته مِنْهَا قَوله :)*إلَيْك أَشْكُو ذَربَة من الذَّرب *وهُناكَنى عَن فَسَادها وخيانتها بالذربة، وأصله من ذَرَب المعدة وفسادها. أنظر، تأريخ دمشق: 457/44، ولكن يلفظ : (ما قالت ولكنها قولت وكذلك في تاريخ المدينة لابن شبه النميري: 941/3. بلفظ أبنة أبي خُثيمة، وقولته، وفي الرّياض النضرة : 103/2، بلفظ لله در باكية عُمَرَ، وفي البداية والنهاية : 7 / 158 بلفظ : (ما قالت ولكن قولت) وفي الطَّبَرِي : 218/4 طبعة دار المعارف، و: 285/3 طبعة أُخرى (بنت أبي حشمة).
وَبَعد، فإنّ المهم فِي مَنْطقِي وَمَنطق أمثَالِي، لَيْس لأحد أنْ يَحكُم مَع وجُود الإمام... والأهم في منطق عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ أنْ يَرضى النَّاسِ عَن الْحَاكِم، ولا يَشكو مِنْهُ فَقِير أو ضَعِيف، وَقَد أَعْلَن ذَلِكَ بِقَوْله : «وَ وَاللَّهِ لَأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ المُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ الأَ عَلَيَّ خَاصَّةً، التماساً لأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيما تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ، وَزِبْرجِهِ» (1).)
1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (74).
## الخطبة - 229 -### حَوْل بَيْعَة الْإِمَام:وَ بَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَ مَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا، ثُمَّ تَدَا كَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَ الْإِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِيءَ الضَّعِيفُ، وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ أَبْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَ هَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَ تَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ.اللُّغَة:تَدَاكَكْتُمْ : تَزَاحَمتُم. والهيم: العِطَاش. وَهَدَجَ : مَشَى مَشيَاً ضَعِيفاً لِكِبَرَ سِنْه. وتَحَامَلَ : تَكَلَّف عَلى مَشَقَة وإعِيَاء. والْعَلِيلُ : المَرِيض. وَحَسَرَتْ : كَشَفَت عَن وَجْههَا. والْكِعَابُ والكَاعب : الجَارِيَة النَّاهِد، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَكَوَاعِبٌ أَتْرَابًا (1).)
1) النبأ : 33.
الْإِعْرَاب:فَاعِل بَلَغَ مَحذُوف، ومِنْ سُرُورِ بيان لهُ أي بَلَغَ الحَال مِنْ سُرُورٍ... إلخ،والْمَصْدَر من أنِ أبْتَهَجَ مَجرُور بِمَحذُوف أي إِلى أَبْتهاج الصَّغِيرُ.الْمَعْنَى:(وَ بَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا، وَ مَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا... إلخ. قَال الشَّرِيف الرَّضِي : تَقَدَّم مثله بألفاظ مُختلفة... يُشير إلى مَا جَاء فِي خُطبة الشقشقية، والخطبة (92) وغَيْرُهُما. وفِي شَرح هاتين الخطبتين عرضت بِالتَّفصِيل ما أشار إِلَيْهِ الإِمَام هنا، ولا جَدِيد لَديّ أعْطفه عَلى مَا سَبَق سوى أنِّي قَرَأت اليَوْم كَلِمَة مُطولة بعنوان «شرح فِي خِلافَة الْمُسْلِمِينَ» بِقَلم الأستاذ سامي محمود، وهو قَوْله :)«عِندما تَوَلَّى عُثمَانَ أسرف عَلى النَّاسِ وَعَلَى أَهْلِه مِن بَنِي أُمَيَّةِ الَّذِينَ طَعُوا فِي البلاد وأكثروا فِيهَا الْفَسَاد، فانتشر التَّذَمر، وشَاعَت الْفِتْنَة، وقُتل عُثمَانَ، أما عَليّ هُو وأَبْنَاؤه أَحْفَاد رَسُول الله، فكَان طَرِيقهُم مَعرُوفاً واضحاً مُستَقِيماً لَمْ يَتَرَدَدُوا فِيهِ، وَلَم يُفكرُوا لَحْظَة واحدة في دُنْيَا يَصِيبونها، أو أمرأة يَتَزوجُونها، وإِنَّما كَانَتْ هجرتهم إلى الله وَرَسُوله.. أمّا مُعَاوِيَةَ فَقَد تَكالب على الملكِ، وَجَعَله فِي ذُرِّيته مِن بَعدَه، وَخَالف أَحْكَاماً كَثِيرة مِن تَعَالِيم الإِسْلام، وَلم يُبَالِ مُعَاوِيَةَ وَبَنُوه مِن بَعدَه يقتل حفيد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، واستباحَة مَكَّة والكَعْبَة، وإحلال المدينة لجنودهم ثَلاثَةِ أَيَّام» (1).
1) أنظر، جريدة «أَخْبَار اليَوْم» المصرية تاريخ : 21 - 10 - 1972 م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أنظر الفتوح لابن أَعْثَمْ: 353/3 و 354 و 355 و 356 و 357، تأريخ الطبري: 179/6 و 180، الإصابة : 169/4، تهذيب التهذيب : 174/6، المقتل للخوارزمي: 17/1، البيان والتبيين : 107/2، الكَامِل لابْن الأثير : 4/4.
## الخطبة - 230 -### الْعَمَلُ يُرْفَعُ...فِقْرَة 1:فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ، وَ ذَخِيرَةُ مَعَادٍ، وَعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ، وَ نَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ، وَيَنْجُو الْهَارِبُ، وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ.فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادِئَةٌ، وَ الأَقْلَامُ جَارِيَةٌ. وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً، أَوْ مَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً. فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَاتِكُمْ، وَ مُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ. زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبِ، وَ قِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَ وَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ. قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ، وَتَكَنَّفَتُكُمْ غَوَائِلُهُ، وَ أَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ، وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ، وَ تَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ، وَقَلَّتْ عَنْكُمْ تَبْوَتُهُ. فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ، وَ احْتِدَامُ عِلَلِهِ، وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ، وَ غَوَاشِي سَكَرَاتِهِ، وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ، وَ دُجُوّ أَطْبَاقِهِ، وَجُشُوبَةُ مَذَاقِهِ. فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ، وَفَرَّقَ نَدِيَّكُمْ، وَعَفَى آثَارَكُمْ، وَعَطَّلَ دِيَارَكُمْ، وَبَعَثَ وُرَّاثَكُمْ، يَقْتَسِمُونَ تُرَاثَكُمْ، بَيْنَ حَمِيمٍ خَاصٍّ لَمْ يَنْفَعْ، وَقَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ، وَ آخَرَ شَامِتٍ لَمْ يَجْزَعْ (1.)
اللُّغَة:المراد بالملكة هنا الرّق بِقَرِينَة قَوْله : «عتق». ونَاكِساً : رَاجِعَاً إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُر لا إدراك ولا حراك تماماً كالطفل في المهد. وحَابِساً : مَانِعَاً عَن الْعَمَل.وخَالِساً : خَاطِفَاً. وطِيَّاتِكُمْ : مَنَازِل سَفَركُم، وقيل : نِيَاتكُم وَمَقاصِدكُم.والقِرْن - بكسر القاف - الكُفؤ، والواتِر : الجاني، والموتُور من وقعت عَلَيْهِ الجنّايَة. وتَكَنَّفَتْكُمْ : أَحَاطَتكُم. وغَوَائِلُهُ : مصَائِبَه. ومَعَابِلُهُ : جَمع مَعْبَلة أي حَدِيدَة السهم والرّمح. وعَدْوَتُهُ : عُدْوَانه. وظُلَلِهِ : سَحَائِبِه وغُيُومه. والاِحْتِدَامُ : الإشتداد. والحَنادِسُ : الظُّلمات، وغَمَرَاتِهِ : شَدَائِده. والغَوَاشِي: الطَّامَات الغامرات. الإِزْهَاق : الهَلاك. والإِرْهَاق : حمل مَا لاَ يُطاق. والدُّجُو : الظُّلام.والجُشُوبَةُ : الغِلظة. والنَّجِيَّ : مَن تُنَاجِيه. والنَّدِيَّ : المَكَان يَجتَمَع فِيهِ الْقَوْم.الْإِعْرَاب :فَكَأَنْ مُخَففة، وأَصلها فَكَأَنه، وبَغْتَةً مَصْدَر في موضع الحال أي مُبَاغتَاً.وآخَرَ لَا يَنْصَرف، ولذا جُر بالفتحة.الْمَعْنَى:(فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ وهو الصُّوَاب فِي الْقَوْل والْعَمَل (وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ) حَيْث الحساب والجزاء (وَ عِتْقُ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ) تَحرير مِن رِقّ الشَّهوات و (بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ)، وَيَفُوز بثواب الله ومرضاته (وَ يَنْجُو الْهَارِبُ) مِن العَذَاب والعقاب (وَ تُنَالُ الرَّغَائِبُ) عَطف تفسِير عَلى ينجح الطالب. وَتَقَدَّم الكلام عَن التَّقْوَى مَرَّات،)
وَتَحدثنا عَنْهَا بشيء من التفصيل (1.)(وَ الْعَمَلُ يُرْفَعُ إِلى الله سُبْحَانَهُ، فَيَقْبَلَه ويُثِيب عَلَيْهِ : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (2). (التَّوْبَةُ تَنْفَعُ) لأنّ التَّائِبِ مِن الذَّنب كَمَن لا ذَنَبَ لَهُ. وَتَقَدَّم الكلام عَن التَّوْبَة (3).)(وَ الدُّعَاءُ يُسْمَعُ مَا دُمتُم أَحْيَاء فَتَستَطِيعُونَ أَنْ تَتضَرعُوا اللَّه وَتَسألوه الرَّحْمة (وَ الْحَالُ هَادِئَةٌ) أي أَنْتُمْ فِي حَالٍ تُمكنكُم مِن العَمَل لآخر تكُم (وَ الْأَقْلَامُ جَارِيَةُ) تَكتُب لَكُم ثوَاب مَا تَعْملون من الصَّالحات.)(وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً... إلخ. استَبقُوا الخَيْرَات قَبل أن تهرمُوا وتُردوا إلى أَرذَلِ الْعُمُر، أو يمنعكُم المرض مِن الحَرَكَة أو يخطفكُم الموت بَغْتَةً، وَيَحُول بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَا تَقْصُدُون وَقَال فيلسوف : إنّ الْإِنْسَانِ يُدفَن أجَزَاء نَفْسَه باستمرار منذ ولادته إلى يَوْمه الأخير، لأنّ كلّ يَوْم يَمر فَهُو فِي عَالم الأموات ومَعْنَى هَذَا أنَّ الإِنْسَان يَشرَع بالموت مجرد مَا يُوْلَد، وإِنَّ الْفَتْرَةِ الَّتِي يَحْيَاهَا إِنَّمَا هِي المدة التي تستغرق عمليَّة الوَفَاة. وَقَال آخر : إن وجود الإِنْسَان كَآثار أقدام فوق الرّمَال. وَسُئل حَكِيم عَن أخيه ؟ فقال : مَات. قيل له : ومَا سَبب مَوْته ؟)فقال حَيَاته. أي إنّ الإِنْسَان لا يموت لأنَّه يَمرَض أو يَهْرَم، بل لأنه حَيْ.فَسُبْحَانَ الحَيِّ الَّذِي لا يموت.(وَ قَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ. الهاء فِي نَبْوَتُه تَعُود إلى الموت. ونَبَا السَّيْف : لم يَقْطَع،)
والمعنى إنّ دَلَائِل المَوْت إِذَا ظَهَرت عَلَى الْإِنْسَان فإِنَّهَا لا تخطىء إلا قليلاً ولكن سُرعان ما يُصحح الموت خطأه، وبكلمة الإِمَام : «فَإِنَّ الْمَوْتَ غَالِب غَيْرُ مَغْلُوبٍ، وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ» أي أنّ الْمَوْتِ يَقْتل دُونَ أَنْ يُطَالب بِدِيةٍ أو قَصَاص.(فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ، وَ احْتِدَامُ عِلَيهِ... إلخ. إنّ سَيْف المؤت مُصلت فوق رِقَابِكُم يُهددكُم بِهِ في كل لحظة (فَكَأَنْ قَدْ أَتَاكُمْ بَغْتَةً فَأَسْكَتَ نَجِيَّكُمْ... إلخ). وَجَعَلَكُم جُثَثاً هَا مِدَة بَارِدَة لا تصلح إلا للدفن والطَّمْر، وبعده تخلو الدِّيَارِ، وَتُقسم الأموال.. وقَائِل يقول : رَحمه الله، وآخر يقول : أَبعده الله !. هَذِه هِي لُعبَة المَوْت مَع الإِنْسَان. وطُوبى لمن أعد لهُ عِدَته.)وَبَعد، فإنّ كلّ واحد منا يتنارعه أمران : لَذَة الحياة الدُّنْيَا وَرُوعتها، وهول الموت وَمَا بَعدَه مِن ظُلمات وآفات. ومَن يحرص على سعادته في الحال والإِسْتقبال فَعليه أنْ يُدخل فكرة الموت في حياته كيلا يطغى ويتجاوز الحدود، وأيضاً يُدخل فكرَة الْحَيَاة بعد موْتَه كي يستعد لها ويُقبل عَلَيْهَا آمناً مطمئناً. ولذا قال الإمام «فَعَلَيْكُمْ بِالْجَدِّ وَالاجْتِهَادِ، وَالتَّأَهبِ وَالاسْتِعْدَادِ». إلى آخر المقطع الآتي :### مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَتى وأين تَمُوْت؟ولمناسبة الحديث عن الموت أُشير إلى أمر لا يُحسن السكوت عَلَيْهِ بحَالٍ، وهو أنّ الصهيونية تعمل جاهدة عَلَى التَّشكيك بِالْقِيَّمُ الْإِنْسَانِية، وبكلّ دَعْوَة تَقُوم عَلَى الصدق، والْعَدْل، وتُنكر الزور والْبَغْيِ، وَتُساوِي بَيْنَ النَّاسِ فِي الحُقُوق والواجبات.ذَلِكَ بِأنّ لليهود - بوجه العمُوم - عقيدة عُنصرية أنّهم شعب الله المختار، وإن
غَيْرهم مِن النّاس مُسَخر لخدمتهم ومصالحهم، وإن لليهودي كلّ الحق أن يمتلك أي إِنْسَان في الشرق والغرب، وَيَفْعَل بِهِ مَا يَشَاء تَمَاماً كَمَا يَتَلَك الْحَيَوَان... وعَلَى هَذَا نَصَت التّوراة بوضوح وصراحة في سفر التثنية الإصحاح السابع، وسفر العدد الإصحاح (31.)أمّا كِتَاب التَّلمُود فَيَقول: «نَحْنُ شَعب الله المُختار إِلى نَوْعَين مِن الْحَيَوَان : نَوْع أَعْجَمَ كَالدَّوَاب، والأَنْعَام، والطَّير، ونَوْع الحَيَوَانِ الْإِنْسَانِي، وهُم سَائر مِن أهْل الشرق والغرب».ولما كان الْقُرْآن، والإنجيل حَرْبَاً عَلَى هَذِه الوَحشِية الكاسرة، وعَلى كلّ عُنصرية قَرَر اليَهُود قتل عِيسَى وَمُحَمَّد... ولا عَجَزُوا عَن اغتيال رَسُول الله بِالسُّم، والْقَضَاءِ عَلَى رِسَالَته دَسُوا الأَحَادِيث المكذوبة عَلَى لِسَانه، ثُمَّ طَبعوا ألوف النسخ مِن الْقُرْآن بَعد أن حرفوا الكَثِير مِن آياته، وأشتَرُوا بَعْض المُزيفين من أرْبَاب العمائم للتّشويه والتضليل بأسم الدين.وَحِين ظهر أَمْرَهُم وأفتضح مكرَهُم سلكوا سَبِيلاً آخر أدهى وَأحْكَم، أكتَشَفتَهُ، وهُو : «أن اليهود - بحكم مَا هُم مِن سَيطَرَة وَنُفُودْ عَلَى أَجهزة الإعلام - نَشَروا في الصُّحف الغربية أن الكلاب في جزيرة «باربادوس» إذا قاربت الوفاة تذهب إلى مَقبَرَة خَاصَّة لتموت فيها... حَتَّى كلاب الجزر الأخرى المجاورة تسبح المحيط وتتجه إلى هذه المقبرة دُونَ مَعرفة سابقة بها، وتموت هناك كما أَحَبت وأَرادت.وأيضاً إنَّ القِطَط في جزيرة «أُوزيل» حين تشعر يدنو الْأَجَل تُسرع إلى مقبرة مُعِينة لتموت فيها بهدوء، وإنّ القِطَط في هَذه المقبرة تتعايش مع فيرانها بأمن
وَسَلام، لأنّ القِطَط في شغلِ بِالتَّفكير في الموت وأهواله عَن الفِئران !» (1.)تَنشُرِ الصَّهيونية هذه الأباطيل والأضاليل في صُحف غَربية، وبِلُغَة أجنبية أبعاداً للشُّبهة، وإحْكاماً للخطة، ثم تصل هذه الصحف بِطَرِيقِ أو بآخر إلى الكاتبين وَمُحرِري الصُّحف في مصر وغَيْر مِصْر، وَيَتلقفها بعضهُم وَيُترجمها وينشرهَا عَن قصد أو غَيْر قصد، وَهَذَا مَا تُرِيده الصّهيُونِيَة وتَهدف إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُصدق جاهل أو ذاهل فيشكك فيما نَطَق بِهِ الْقُرْآن وأكدَه بقَوْله : ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ؟ بأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (2).)وَنَسأل : لماذا اختصت بهذه المَنْقَبة والفضيلة كلاب (بارباديس، وقِطَط أوزيل دُونَ غَيْرها مِن القِطط والكلاب، ودُونَ العالم كلّه مُنذ وُجد إلى اليَوْم ؟. وَقَالَ أَهْل الاختصاص والعارفون بطبائع الحيوانات : أَنَّهَا لا تَخَافِ الْمَوْت إطلاقاً لأنها لا تشعر به، وإنَّ الإِنْسَان هو الحَيَوَان الوحيد الذي يَعْرِف أنه سيموت، أما غَيْره مِن الحَيَوَانات فإِنَّه يَشعر بذاته كموجُود وَكَفَى.)وبَعد، فَهَل نَحْنُ فِي حَاجَة إِلى الحَدِيث عَن قِطَط أوزيل، وكلاب باربادوس، أو الحَدِيث عَن توحيد الكلمة وإعداد العدة لتحرير أرضنا المحتلة.### بالْجَدِّ وَالاجْتِهَادِ... فِقْرَة :فَعَلَيْكُمْ بِالْجَدِّ وَ الِاجْتِهَادِ، وَ التَّأَهبِ وَالاسْتِعْدَادِ، وَ التَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ. وَلَا
تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، الَّذِينَ أَحْتَلَبُوا دِرَّتَهَا، وَ أَصَابُوا غِرَّتَهَا، وَ أَفْنَوْا عِدَّتَهَا، وَأَخْلَقُوا جِدَّتَهَا. وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَانَا، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثَاً. لَا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلَا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ، وَ لَا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ. فَأَحْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ، لَا يَدُومُ رَخَاؤُهَا، وَ لَا يَنْقَضِي عَنَاؤُهَا، وَلَا يَرْكُدُ بَلاؤُهَا.كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْل الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ، تَقَلَّبُ أَبْدَانِهِمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْآخِرَة، وَ يَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَلِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَ هُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ (2.)اللُّغة:الدرَّة - بكسر الدَّال - اللَّبَن. والغِرَّة - بكسر الغين - الغَفْلَة. والأَجْدَاثِ : الْقُبُور. وظَهْرَانِيهم : وَسَطَهُم.الْإِعْرَابِ:عَلَيْكُمْ بِالْجَدٌ «عَلَيْكُمْ» اسم فعل أي الزَمُوا. وَفِيهَا خَبَر كَانُوا، وَكَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا الكَافِ بمَعْنَى مُماثلين حَالاً مِن الواو في «كَانُوا» أي كَانُوا موجُودِين فِي الدُّنْيَا مُماثلين لَيْسُوا مِن الدُّنْيَا، وإعظاماً تمييز.
الْمَعْنَى:(فَعَلَيْكُمْ بِالْجَدِّ وَ الِاجْتِهَادِ، وَ التَّأهبِ وَ الِاسْتِعْدَادِ... إلخ. بَعد أن أشار إلى المَوْت قَال : أعَدُوا لَهُ عِدَته (وَ لَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ... إلخ). كَيْفَ تَركنُون إِلَيْهَا، وَقَد رَأيتُم مَكْرَهَا وَغَدْرَهَا بِالسَّابِقِين واللاحقين (وَ أَصَابُوا غِرَّتَهَا) ذَهَلَت الدُّنْيَا عَنْهُم، أو هَادَنتهُم بَعْض الوَقت أَنْتَهبُوا فِيهِ الملذات وأَشبَعُوا الشَّهَوَات (وَ أَفْنَوْا عِدَّتَهَا) أي متَاعَهَا مِن طعَامٍ، وَشَراب، وجنس، والْمُرَاد بِالإفْنَاء مُجرد الاستعمال والانتفاع (وَ أَخْلَقُوا جِدَّتَهَا) كَثَوب جدِيد، أو سيارة من طراز حَدِيث وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً، وَأَمْوَالُهُمْ ميراثاً). تَرَكوا مَا جَمعُوا للوَارِث، وَذَهَبُوا إِلَى الْقُبُور لا يحملون معهم إلّا السَّيِّئَات والمهلكات.)(مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ تُعْطِي الخَسِيس، وَتَمنَع الشَّرِيف، وَكَثِيراً مَا يَكُون الْغِنَى سَبَباً لِلفْسَاد فِي الْأَرْضِ، فَعَن السَّيِّد المسيح : لِيَحذَر مَن يَستَبطىء الله فِي الرِّزْقِ أَنْ يَعْضَب عَلَيْهِ فَيَفتَح الدُّنْيَا عَلَيْهِ (مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ) قَد تُعطي صحةً، أو مالاً، أو جَاهاً، ولكنْ سُرعان مَا تَنزَعَه وَلو بِالْمَوْتِ (وَ لَا يَرْكُدُ بَلَاؤُهَا) أي لا يُهَادن، وإِنْ جَانب مِنْهَا اعْذُوذَب فأَحْلُولىٰ أَمرَّ مِنْهَا جَانَب فَأُوبَى كَمَا قَال الْإِمَام وَتَقَدَّم ذَمَ الدُّنْيَا مَرَّات، وَمَن أَبْلَغ الخطب فِي هَذَا المَوْضُوع، الخطْبَة (111).)(كَانُوا - أي الزَّاهِدُون والمتَّقُون - قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا... إلخ هُم فِي الدُّنْيَا يَأكلُون، وَيَعمَلون، ويَلتَذُون، ولَكِنَّهُم أَدركوا بصفاء عُقُولِهِمْ أَنّ أَحَق اللذات بالطلب مَا كَان خَيْراً وأَبق، فَأنْفَقُوا الْعُمُر فِي اللَّذَة الْبَاقِيَة بقاء الأبد، وبهذا أفْتَرقُوا عَن غَيْرِهِم مِن أَبْنَاء الدُّنْيَا، وكَانُوا مَعَهُم بِالأَبدَان، وفِي الآخِرَةِ بِالأعْمال)
والْأَرْوَاح.(وَ يَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَذِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَ هُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً... إلخ. المراد بيُعَظَّمُونَ يَسْتَعظِّمُون، وضَمِير «هُمْ» يَعُود إلى أهْل الْآخِرَة، والمَعْنَى أنّ المهم عِند أهل الدُّنْيَا هُو الجسم وملذاته، أما الْعَقْل والقَلْب فَحَدِيث خرّافَة، ولدًا يَرَوْنَ مَوْت الجسم أو حرمانه من اللَّذَات أمراً فَظِيعاً، أما أهل الآخِرَةِ فَعَلى النَّقِيض يَرَوْنَ مَوْت الْعَقْل والْقَلْب بِالجَهْل والضَّلالة هو الغَرِيب الفظيع، أمَّا مَوْت الشَّهَوَات أو كَبْحَهَا فَلَيْسَ بِغَرِيب ولا بِفَظِيع.)
## الخطبة - 231 -### الرَّسُول:فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَ بَلَغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، فَلَمَّ اللهُ بِهِ الصَّدْعَ، وَرَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ، وَ أَلْفَ بِهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ، وَ الضَّفَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ.اللُّغة:فصَدَعَ بِالْحَقِّ : تَكَلَّم بِهِ جَهَارَاً. والصَّدْعَ الشَّق. والرَّتَقَ - بفتح الراء - ضِد الفتق - بفتح القاء.. والْوَاغِرَةِ : المُتَوَقِدَة، مِن أوْغَر صَدرَه غَيظاً، وَمِثلها الْقَادِحَةِ. وَالضَّغَائِنِ : الأَحْقَاد.الْمَعْنَى:قَال الشَّرِيف الرَّضِي : خَطَبَهَا بِذِي قَار، وهُو مُتوجه إلى البَصْرَة، وذكرها الواقدِي فِي كِتَاب «الجُمَل». وذُو قَار موضع قَرِيبٍ مِن الْبَصْرَة، (فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ
بِهِ، وَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ. الضَّمِيرِ لِرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأمتَد تَبْلِيغَه الرِّسَالَة الإلهية مَدى (23) سَنَةَ، وَهِي مُدة نبُوَّنَة حَيْثُ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحى، وهُو فِي الْأَرْبَعِين مِن عُمره الشَّرِيف، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وهو في سن الثالثة والستين، مِنْهَا (13) سَنَة بِمَكَّة، وفِيهَا نَزَل (82) سُورَة مِن الْقُرْآن، ومِنْهَا (10) سَنوَات بِالمَدِينَة، وَفِيهَا نَزَل بَاقِي الْقُرْآن الكَرِيم (1).)(فَلَمَّ اللهُ بِهِ الصَّدْعَ. ألف الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بين القُلُوب القاسية المتنافرة. وَهَدَاها إلى الحق والخير بالمَوْعِظَة الحَسَنَة وَالسَّيَّاسَة الحكيمة، والشَّرِيعَة السهلة السَّمحَة. وحُسن المَوْعِظَة أنْ تَكُون بِالرِّفْق واللين، وحِكْمَة السَّيَّاسَة أَنْ تُخَاطب الْعَقْل والضَّمِير، أمّا سَماحة الشَّرِيعة الإسلامية وسهولة العَقِيدَة فَنَدع الكلام عَنْهَا للفَرَنسِي الشَّهِير (غُوستاف لوبون) الَّذي قَال في كتابه «حضَارَة الْعَرَب» لِلإِسْلام وَحدَه كلّ الفخار في أنه أوّل دين أدخل التوحيد الخالص إلى العالم وسهولة الإِسْلاَمِ العَظِيمَة تَشتَق مِن التوحيد الخالص، وَهَذَا هُو السّر فِي قُوَّة الإِسْلام» (2). وَتَقَدَّم الكلام حَوْلَ الرَّسُول ورِسَالَته مَرّات(3).)
1) أنظر، شرح صحیح مُسلم : 21/15، شرح أصول الكافي: 478/11، مُسْنَد أحمد: 236/1 و: 249 و: 370، الخلاف للشَّيخ الطوسي: 248/2، من لا يحضره الفقيه : 274/1، صَحِيح البخاري : 238/4 و 253، تفسير ابن كثير : 337/4، صحيح مُسلم: 87/7، مُسْتَدرَك الحاكم: 2/3، السنن الْكَبْرَى : 207/6 و 20، کنز العمال : 224/7 ح 18730، شرح الأَخْبَار : 261/1، مناقب 18728 و 18730، شرح آل أبي طالب : 91/3، الهِدَايَة الْكُبْرَى : 38، بحار الأنوار: 503/22 و : 256/35، عون المعبود: 246/13، فتح الباري: 33/9.
2) أنظر، حضارة الْعَرَب نقله إلى اللغة العربية عادل زعيتر، طبع مصر سنة 1367هـ /1948م.
3) أنظر، شرح النَّهج : الخُطْبَة (1 و 105 و 185)، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 232 -### حَوْلَ الْمَال :إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَ لَا لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظْهِمْ، وَ إِلَّا فَجَنَاةٌ أَيْدِيهِمْ لَا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ.الفيء فِي اللُّغة الرَّجُوع، وَعِند الفقهاء الخراج.اللُّغَة:الْإِعْرَاب:وَجَلْبُ عَطف عَلَى الْفَيء، وجَنَاةٌ مُبْتَدَأ، وجُملَة لَا تَكُونُ خَبَر.الْمَعْنَى:قَال الشَّرِيف الرَّضِي : كَلَم الْإِمَام بهَذا عَبد الله بن زَمعَة، وهُو مِن شِيعته (1،)
1) عبدالله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبدالعزى بن قصي. أُمه قريبة بنت أبي أُمَيَّة بن المغيرة بن عَمْرُو بن مخزوم. أنظر، رجال الطوسي : 23 مجمع الزوائد : 13/10. تَهذيب التهذيب : 192/5، تهذيب الكمال : 115/23.
وذَلِكَ إِنّه قَدِم عَلَيْهِ فِي خِلافته يطلب مِنْهُ مَالاً، فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ: (إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ). كَان في سالف الأَزمَان لِلْمُسْلِمِينَ دَولَة وسُلطان استولت بالحسنى حِيناً، وبالسَّيْف أحياناً عَلى كَثِير مِن البلدان يَوْم كَان لِلإِسْلام سيوف ورجال... ثمّ قدّر لأُمّة الإِسْلام ما قدر لغيرها من الأمم المتحضِرَة: شَبَاب، ثم كهولة، ثُمَّ شِيخُوخَة فَهَرم. وبِكَلِمَة : ابْتَلَعَت الحضارة الإسلامية من كان قبلها فابتلعهَا مَا جَاء بَعدها من الحضارات.)والمال الَّذي أَشَار إِلَيْهِ الْإِمَامِ هُنا هُو مَالَ الغَنِيمَة الَّذِي حَازَه المُسْلِمُون بِالحِهَاد. وأَوجَفُوا عَلَيْهِ بِخَيلٍ ورِكَاب (1. وقَوْله : (وَ جَلْبُ أَشْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي
1) أَفرد الإِمَامِيَّة، بَاباً خاصاً للخُمس في كتب الفقه ذكروه بعد بَاب الزَّكَاة، والأصل فِيهِ الآية : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ و وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ). الأَنفَالِ : 41. أنظر، الْعُرْوَة الْوُثْقَی : 374/11. التذكرة : 409/5، الخلاف : 116/2، السرائر : 485/1، المنتهى: 545.)ولم يُخصصوا الغَنِيمَة بما يحصل في أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِن أمْوَالِ غَيْرهم بأيجاف الخيل والركاب، بَل عَمَمُوهَا إلى سبعة أصناف، تذكرها فيما يلي مع ما أطلعنَا عَلَيْهِ مِن آراء المذاهب الأخرى في كلّ صنف :1 - الغَنَائِمِ المَأخوذة مِن دَار الحزب، فإنّ فيها الخمس بإتفاق الجميع. أنظر، المبسوط للسرخسي 211/2. شرح فتح القدير : 537/1، مسالك الافهام : 457/1، التذكرة : 409/5.2 - المعدن، وهو كلّ مَا خَرج مِن الْأَرْضِ، وكان مِن غَير جنسها مِمَّا لَهُ قِيمَة، كَالذَّهب والفضة. والرصاص، والنحاس، والزئبق، والنّفظ، والكبريت، وما إلى ذَلِكَ. أنظر، الخلاف: 116/2، التذكرة : 409/5 المغني: 616/2، فتح العَزِيز : 88/6.قَالَ الْإِمَامِيَّة : يجب إخراج المخمس (20 بالمئة من المعدن إذا بَلَغ ثمنه نصاب الذهب، وهو عشرون ديناراً، أو نصاب الفضة، وهو مئتا درهم ولا خُمس فيما دُونَ ذَلِكَ. أنظر، الْعُرْوَة الْوُثْقَی : 389/11، تبصرة المتعلمين: 50، التذكرة : 410/5، الخلاف : 117/2.)وَقَالَ الْحَنَفِيَّة : لا يُعتبر النّصاب في المعدن، بل يجب الخمس في قَلِيله وكثيره، أنظر، المبسوط للسرخسي: 211/2، المجموع : 90/6، حلية العلماء : 112/3.وَقَالَ المالكية، والشافعية والحنابلة : إذَا كَان المعدن دُونَ النّصاب، فلا شيء فِيهِ، وإِذَا بَلَغ النصاب ففيه الزَّكَاة رُبع العُشر أي أثنان ونصف بالمئة. المجموع : 90/6، المدونة الْكُبْرَى : 287/1، بداية المجتهد : 258/1، حلية العلماء : 112/3. الأم: 43/2، مُختصر المزني : 53، كفاية الأخيار : 117/1، مُغني المحتاج : 394/1، المغني : 619/2، و : 636/4 و 5 : 112، الشرح الكبير : 187/5، بدائع الصنائع: 67/2، و : 97/7.الركاز وهو المال المدفون تحت الأرض، وقد باد أهله، ولم يُعرف لهُم مِن أثر، كالآثار التي تُنقب عَنْهَا اللجان المختصة لهذه الغاية.قَال الأَرْبَعَة : يجب الخمس في الركاز، ولا يُعتبر فيه النصاب، فقليله وَكَثِيره سَوَاء في وجوب الخُمُس. أنظر، المبسوط للسرخسي : 211/2، المدونة الكبرى: 291/1، المغني: 612/2، المجموع: 102/6.وَقَالَ الإِمَامِيَّة : الركاز كَالمعدن في وجوب الخمس وأعتبار النصاب. أنظر، الروضة البهية : 70/2، التذكرة : 414/5، الخلاف : 121/2، المبسوط للطوسي: 236/1، المعتبر : 292.4 - قَال الْإِمَامِيَّة : مَا يخرج مِن البَحْرِ بِالغُوص كاللؤلؤ والمرجان فِيهِ الْخُمُسِ إِذَا بَلغت قيمته ديناراً فصاعداً بعد إخراج التكاليف أنظر، العُرْوَة الْوُثْقَی: 404/11، التذكرة : 419/5، السرائر : 113، المبسوط للطُّوسي : 237/1.ولا شَيْء فِيهِ عِند المُذَاهِبُ الْأَرْبَعَة بالغاً مَا بَلَغ. أنظر، المبسوط للسرخسي : 212/2، الأم: 42/2، المدونة الْكُبْرَى : 292/1، المغني : 619/2.5 - قَال الْإِمَامِيَّة : يجب الخمس في كلّ ما يفضل عن مؤونة سنة الإِنْسَانِ وعِيَّاله مهما كَانَتْ مهنته. ومن أي نحو حصلت فائدته، سواء أكانَتْ من التِّجَارَة، أو الصَّنَاعَة، أو الزَّرَاعَة، أو الوظيفة، أو الْعَمَل اليومى، أو من الأملاك، أو من الهيبة وغيرها، ولو زاد عن مؤونة سنته قرش واحد، أو ما يُعادله، فعليه أن يخرج خمسه. أنظر، الروضة البهية : 76/2 - 77. الكافي في الْفَقِيه : 170، المعتبر : 293، التهذيب : 133/4.6 - قال الإِمَامِيَّة : إذا أصاب الإِنسَان مَالاً من الحرام. ثُمّ اختلط بالمال الحلال، ولم يعلم قدر الحرام، : ولا من هو صاحبه، فعليه أن يخرج من خُمس ماله كله في سَبِيل الله، فإذَا فَعَل حَلَّ لَهُ البَاقِي، سَوَاء أَكَان الحرام أقل من الخمس أو أكثر. أما إذا علم الحزام يعينه فعليه أن يرده بالذات. وإِذَا جَهل عين الحرام، وعلم مقداره ومبلغه فعليه إخراج المبلغ غَيْر مَنقُوص، ولو أستغرق جميع المال. وإِذَا عَلم الأشخاص الذين أختلس منهم، ولم يعلم مبلغ حقهم ومقداره فعليه أن يُرضيهم بطريق المصالحة والمسامحة وبكلمة : أنّ إخراج خُمس جَميع المال إنّما يُجدي مع الجهل بمقدار المال الحرام، وبصاحبه، أنظر، الروضة البهية : 67/2، التهذيب : 124/4 و 138، التذكرة : 422/5، الحدائق الناضرة : 353/12.7 - قَال الْإِمَامِيَّة : إذا أشترى الذَّمِّي أَرْضَاً مِن مُسلمٍ، وَجَب عَلى الذِّمِّي بالذات أن يخرج خمسها. أنظر، الْعُرْوَة الْوُثْقَی: 422/6. التذكرة : 422/5. التهذيب : 123/3، الْفَقِيه : 22/2، رياض المسائل: 236/5. كتب المذاهب الأربعة، مثل: المبسوط للشرخسي : 6/3، المغني : 590/2. الشرح الكبير : 579/2.
حَرْبِهِمْ وَاضح وَصَرِيح فِي ذَلِكَ.. والمُسْلِمُون الآن في طور الهَرَم، يَأخُذ مِنْهُم الأَقْوِيَاء والطَّامعُون كل شَيء، وهُم لَا يَأخذُون شَيْئَاً... وإذا فَالحَدِيث عَن مَال الغَنِيمَة تَمَاماً كَالحَدِيث عَن حكم العبيد والإماء لا جدوى مِنْهُ. ومَن أَراد مَعرفَة التُّرَاثِ لَمَعَالِمِ الْأَثَرِية فَليَرجع إلى كُتب الفِقْه للمذاهب الإِسْلامِية.)أما سِيَاسَة الإِمَام في المال - بوجه العمُوم - فَهِيَ أَشهر مِن أنْ تُذكر، ومَع هَذَا تحدثنا عَنْهَا مِرَاراً، مِنْهَا فِي شَرح الخُطْبَة (224، والخطبة التي قال فِيهَا الْإِمَام : «لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ، وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ» (1)؟.)
1) انظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (126).
## الخطبة - 233 -### حَوْل اللَّسَان:ألَا وَإِنَّ اللَّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا أَمْتَنَعَ، وَلَا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ، وَإِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَام، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ.وَ أَعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانِ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَ اللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، وَاللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ. أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْإِدْهَانِ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ، وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقُ، وَقَارِتُهُمْ مُمَاذِقٌ، لَا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلَا يَقُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ.اللغة :البَضْعَة : القِطْعَة. وتَنَشَّبَتْ عُرُوقُ الشَّيء : عَلِقَت وَتَمكَنت. وتَهَدَّلَتْ : تَدَلَّت والعَارِم : الشَّرس المُعَاكِس. وَلَبَن مَذْق : مَمزُوج بالماء، وفُلان مُمَاذِق أو مذق : لا يَخلص في وُدُّه.
الْإِعْرَاب :مِنَ الْإِنْسَانِ مُتَعَلَّقَ بِمَحذُوف صِفَة لِبَضْعَةٌ، اللأم في لأُمَرَاء للتَّأكيد، وبِأَصْطلاح النُّحاة للابتداء، وعَنِ الصِّدْقِ مُتَعَلِّق بِكَلِيلٌ.الْمَعْنَى:قَالُوا : هَذَا الكَلام جزء مِن خُطْبَةٍ طَوِيلة، قالها الإِمَام لِمنَاسَبَة، وَهِي أنّه أَمَر ابن أخته أُم هَانِي جَعْدَة بن هُبَيْرَةِ الْمَخْزُومِي القُرَشِيِّ (1، أَمَرَه أَنْ يَخْطُب بِالنَّاسِ، ولما صَعد المنبر أرتج عَلَيْهِ، فَصَعد أمير الْمُؤْمِنِينَ المَنْبَر، وَقَالَ : (أَلَا وَإِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الإنْسَان، فَلَا، فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ). للتَّعبير صُور عَدِيدة، مِنْهَا التّصوير والتمثيل، والخط، والْإِشَارَة، والحركة، وأهمها وأوسعهَا جَمِيعاً الصُّورة الكلامية، لأَنَّهَا تُعبر نَثراً، وشِعراً عَن الله وصفاته، وعَن الكَوْن وعَجَائِبه، وعَن الْإِنْسَان وحقيقته، وعمّا كَان وَيَكُون... بالإضافة إلى أنَّهَا الوَصل بَيْنَ أفراد المجتمع، ولذا امتَن سُبْحَانَهُ عَلَى الْإِنْسَان بِمُوهِبَة الْبَيَان حَيْث قَال، عزَّ مَن قَائِل : (خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (2).)وهذه الصُّورة الكلامية أرْكَان لا بُدّ من توافرهَا :
1) كَان فَقِيها، فارساً، شجاعاً، ذَا لِسَان، وعارضة قوية. وهو الذي قال لهُ عُتْبَة بن أبي سفيان: إنّما هَذِه السُّدَّة في الحزب مِن قِبل خَالك ! فقال لهُ جَعْدَة بن هُبَيْرَة : لَو كَان لَك خَال مثل خالي لنّسيت أباك. وهو الَّذِي وَلَاهُ خَاله عَليّ بن أبي طالب عَلى خراسان. أنظر، وَقعَة صِفِّين : 463، الْفُتُوح لابْن أَعْثَمْ: 178/3 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 98/8، المُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين : 190/3، الاختصاص للشيخ المفيد: 70، مواقف الشيعة : 138/1.
2) الرَّحْمَنِ : 3 - 4.
الأَوَّل : النِّسَان.الثَّانِي : مَعرفَة اللُّغَة.والثالث : حضُور المَعَانِي فِي الذهن، لأنَّ الإِنْسَان يَسْتَطِيعِ التَّفكير بلا تعبير، ولا يَسْتَطِيع التَّعبِير بِلا تَفْكِير... أللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَان مَجْنُوناً.الرَّابع : عَدَم المانع والصَّارف عَن الكلام، فإن لَم تَحْضَرَ الْمَعَانِي فِي ذِهَنَ الْإِنْسَان، أو حَضَرت ولَم يَرغب في الكلام، أو رَغَب ولكنْ وُجد المانع، إنّ كلّ شيء مِن ذَلِكَ سَكَن اللَّسَان وجمُّد، وإلى هَذَا أَشار الإِمَام بقَوْله : (فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا أَمْتَنَعَ أي أنّ اللّسان أو الإِنْسَان يَعجز أو يَمتنع عَلَيْهِ الكَلام إذَا غَابَت عَنْهُ الْمَعَانِي، أو حَضَرت ولا مُقتض لبيانها، أو وُجد المُقتضي مُقارناً لوجود المانع، وإذَنْ فَلَيْسَ مِن الضَّرُوري أنْ يَكُون الصَّمت عجزاً عَن الكلام، بَل قَد يَكُون لأمرٍ عَارض وخارج عَن الذات... وفِي هَذَا إيماء إلى الاِعْتذَار عما أَصَابَ جَعْدَة مِن الحصر.)(وَلَا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ. إذا حضرت المعاني، ووُجد المقتَضِي بِلا مانع اتَّسَعَ المجال أمام اللِّسَان، وتَحرَك بِسُرْعَة، وأنطلق بِسُهولة، حَيْتَ تَترَاكُم الْمَعَانِي وتتدافع للخروج والانطلاق في صورة كلامية (وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ). وجَعْدَة أبن أُخْتَنا، وفِيهِ مَن شمائِلنا، ورُوي أنّ جَعْدَة أَبدى شَجَاعَة وثَبَاتاً فِي حَرْب صِفِّين، فقال لهُ قَائل : هَذِه الشَّجَاعَة مِن خَالك، فقال لهُ جَعْدَة : لو كَان خَالك كَخَالِي لِنّسيت أباك» (1). وتَقَدَّم الكلام حَوْلَ النَّاس (2).)
(وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ والشاهد الحسي عَلى ذلِكَ السُّنَّة النَّبَوِيَّة، ونهج البلاغة، والصَّحِيفَة السَّجَادِية وغيرها.)قيل لرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «مَا رَأينا أفصح منك.)فقال : ومَا يَمَنَعَنِي مِن ذَلِكَ، وبِلسَانِي نَزَلَ الْقُرْآن ؟» (1.)وَقَالَ: «أَنَا أَفْصَح مَن نَطقَ بِالضَّاد (2.... وأُوتِيت جوامع الكَلِم، وَقَد أختصر لي الكلام أختصاراً» (3). أي المعَانِي فِي كَلمات قصار يحتاج شرحها إلى مجلدات.)(وَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانِ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ. لا يختص هَذَا بِزَمَان دُونَ زَمَانٍ، ذَلِكَ : «إِنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ» (4)، كما قَال الْإِمَامِ، وَقَالَ غَاندِي : «إِنْ طَرِيق اللْحَقِيقَة ضَيق مثلما هُو مُستَقِيم» (5). (وَ اللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ) أي قاصر وَضَعِيف، لأن الكذب والنفاق هو السَّائِد)
1) أنظر، الْبَيَان والتَّعريف : 184/1، فيض القدير : 324/2 ح 1779، الاختصاص للشيخ المفيد : 187، بحار الأنوار: 158/17.
2) أنظر، شرح أصول الكافي : 332/9، نور البراهين: 120/1، تذكرة المَوْضُوعات للفتني : 87، كشف الخفاء : 2001، وقيل : الحديث لا أصل له، كما جاء في البداية والنهاية : 277/2، تفسیر ابن کثیر : 32/1، تفسير المنار : 100/1، الأسرار المرفوعة : 246، سبل الهدى والرشاد : 103/2.
3) أنظر، مُسْنَد أحمد : 250/2، صحيح مسلم : 5/1 ح 5 - 8، كنز العمال: 440/11 ح 32068 مَجْمَع الزوائد : 173/1، المبسوط للسَّرخسي: 61/16. فتح الباري: 438/13، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 431/7 ح 97 كشف الخفاء: 15/1 ح 8 و 263 ح 819، الأحاديث المختارة : 24/1، إرواء الغليل : ح 36/6. تفسير القرطبي : 295/12، تفسير أبن كَثِير: 484/2، البرهان للزركشي : 221/3، الدر المنثور،3/4 الحصول للرّازي: 357/1، البداية والنهاية : 328/1، شبل الهُدَى والرشاد : 98/2 الاحكام للآمدي : 9/4.
4) أنظر، نهج الْبَلاغة : الحكمة (376).
5) أنظر، غاندي والحركة الهندية : 162، ترجمة سلامة مُوسى القبطي المصري.
والمسيطر (وَ اللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ، وهَل يَكُون المحق عَزِيزاً فِي بِيئَةَ الْبَاطِلِ والفَسَاد (أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ.... إلخ). الضَّمِيرِ فِي أَهْلُه يَعُود إلى الزَّمَانِ الَّذي يُعَانِي الْفَقِير فِيهِ مِن أستغلال الْغَنِيِّ، والمحكوم مِن جَوْر الحَاكِم. والضَّعِيف مِن طَمَع الْقَوِيّ.)(مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْإِدْهَانِ وهُو الرِّيَاء والمراوغة (فَتَاهُمْ عَارِمٌ) شَرس مُعَاكس، وجَاهِل تَسْتَخفَه صُور الانحلال «والتَّقاليع» تحوكها الصهيونية لتُسيطر عَلى عَقْله كما تُريد أنْ تُسيطر (وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ) لا يردعه عقل ولا دين (وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ) الدِّين عِندَه صكوك بَيع وشَرَاء (وَ قَارِنُهُمْ مُمَاذِقٌ) وكَم قَارىء لِلْقُرْآن، والْقُرْآن يَلْعَنه (1)، لِكَذِبه ورِيَائه.)(وَ لَا يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ. إِنَّ الله سُبْحَانَهُ جَعَل لِلْفُقَرَاء حقاً معلوماً وَمَحدُوداً فِي أَمْوَالَ الْأَغْنِيَاء، وأعتبرهُم فِيهِ شُركاء، ولا فرق أَبَداً فِي نَظَرِ الْإِسْلَام بَيْنَ أَنْ يَمسك الْغَنِيّ هَذَا الحَقِّ عَن الْفَقِير، وبَيْنَ أَنْ يَسلبه ثوبه أو قوته وقوت عِياله... هَذَا، إِذَا كَان الْغَنِيّ قد اكتسب أَمْوَاله مِن حلٌّ، أما إذا اكتسبها مِن حَرَام فَعليه أنْ يَرد كلّ مَال حَرَام إلى أهله إنْ عَرَفَهُمْ بِالذات، وإِنْ تَعذَر عَلَيْهِ ذَلِكَ كَان المال الحرام بكامله، لِلْفُقَرَاء، وفي سَبِيل الله، ومِن المصالح الْعَامَّة، ولا شَيء مِنْهُ لَمَن هو في يده.)
1) أنظر، مُسْتَدرَكَ الوَسَائِل : 250/4 ح 7/4621- مجمع البحرين : 478/3.
## الخطبة - 234 -### الطويل والقصير:إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِى طِينِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَحَ أَرْضِ وَعَذْبِهَا، وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا، فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ، وَ عَلَىٰ قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ. فَتَامُ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ، وَ مَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ، وَزَايِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ، وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ، وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ، وَ تَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبٌ، وَطَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ.اللُّغَة:طِينِهِمْ : جمع طِيئَة. والفلقة - بكسر الفاء - القِطعة، وسَبَحْ : أَرْضِ ذَاتَ نَزِّ وَمِلح. وَالْحَزْنِ : ضِد السهل. والرُّوَاءِ - بضم الراء - حَسَن المَنظَر. وَمَادُ الْقَامَةِ : طَوِيلَها. وَقَرِيبُ الْقَعْرِ : قَصِيرَها وَالضَّرِيبَةِ : الطَّبِيعَة والسَّجِيَة، يُقَال: هَذِهِ ضَرِيبَتَهُ الَّتي ضُرب عَلَيْهَا أي طبيعته التي طُبع عَلَيْهَا. والجَلِيبَة : التَّصنع أي يَسْتَجِلب لِنَفْسه مَا لَيْسَ فِيها. واللُّبُ : العقل. والجَنَانِ - بفتح الجيم - الْقَلْب.
الْإِعْرَابِ:الْمَصْدَر مِن أَنَّهُمْ كَانُوا خَبَر ذَلِكَ، أي ذَلِكَ كُونهم، ويَجُوز جَره بِبَاء مَحذُوفة، والمجرُور خَبَر، ومِنْ سَبَحَ مُتَعَلِّق بِمحذُوف صِفَة لِفِلْقَة.الْمَعْنَى:حَضَر جَمَاعَة في مجلس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ فأنتهى بهِمُ الحَدِيث إِلَى اخْتِلافِ النَّاس في طَبَائِعهم، وغَرَائِزهم (1). فَقَال : (إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِيُّ طِينِهِمْ... إلخ). وَهَذَا الكلام يَدلُ بِظَاهره عَلى أَن النَّاسِ يَتفاوتُون نَقْصَاً وَكَمَالاً فِي عُقُولِهِمْ، وَغَرَائِزهم على حسب الطَّينَة التي خُلقوا مِنْهَا خُبثَاً وطِيِّبةً... وأيضاً على حسب الشكل والصُّورة قُبحاً وجَمَالاً، وطُولاً وقصراً، فالطَّويل قصير في طموحه، والقَصِير طَوِيل فِي هِمتَه، ناقص في إدراكه، والقبيح زَارٍ في عمله. ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ الإمام لا يُقرر هذا كقاعدة تعم وتطرد عَلى كلّ قَصِيرٍ وطَوِيلٍ، وكلّ قَبيح وجَمِيلٍ فِي شَكله وهيبته، لأنّ الواقع عَلى خِلاف ذَلِكَ، بل ذكره عَلى سَبِيل الأعَم الأغلَب، وإنّه تَرَك عَلَى سَجِيتَه لتَرَتُب عَلَيْهِ الأثر المذكور، ولكن التربية والبيئة والإيحاءات تُهَذِب الكَثِير مِن مَشَاعِره وغَرَائِزه تماماً كالحَيَوَان الأليف يتكيف بِالرِّيَاضة والتدريب.)وعَلى أية حال فما أنا من أهل هَذَا الفن في شيء، ولذا رجعت إلى كَثِيرٍ من المصادر التي تبحث عَن الْإِنْسَان، وأصله، وطبيعته... حَتَّى مَا يَزعم مِنْهَا أننا أَحفاد الْفَرْد... وَبَحَثْتُ ونَقَبتُ لِعَلِّي أَرْتَضى شَيْئاً أَشرح بِهِ كَلمات هذه الخطبة، أو
1) رَوَى ذَلِكَ ذِعْلَبُ الْيَمَامِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَيْبَة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْيَةً، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَمِيرٍ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ اخْتِلَافُ النَّاسِ.
أَجد مَا يُناسبهَا، فَرأيتُ أَكْثَر الآراء أو الكَثِير مِنْهَا مُجرد خَيَالات لا تَقُوم عَلَى أساس، وأحتمالات لا تركنُ إلَيْهَا النَّفس ويقتنع بها العقل... أجل، قرأتُ فِي بَعْض المصادر الشهيرة ما يتفق مع بَعْض كَلمات الإِمَام فِي هَذِهِ الْخُطْبَة.وأعني بِبَعْض المصادر كِتَاب «الْإِنْسَان ذَلِكَ المجهول» الَّذي بَلغ ذروة الشُّهرَ والانتشار، وتُرجم إلى العديد من اللغات، وطبعت مِنْهُ مَلايين النُّسخ، ومُؤلفه العالم الفرنسي الدكتور «ألكسيس كاريل» الحاصل على إجازة الطب، وإجازة العلوم. قد ترجم الكتاب إلى العربية شفيق أسعد فريد. جَاء مَا نَصه بالحرف.«إنّ طَبَائع الإِنْسَان خَاضعة لشكله، وطَرِيقَته فِي شَدْ قَامَته، وَشَكل وَجْهَه» (1.)وَيَتفق هَذَا مَع قول الْإِمَام : (فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ... قَبِيحُ الْمَنْظَرِ... إلخ. يَتَفقَ هَذَا مَع قول الإِمَام فِي إِنَاطَة الطَّبِيعَة بِالشَّكل وخُضُوعها له. وأيضاً جاء في نفس الصَّفحة : «العبَاقِرَة لَيْسُوا طِوَالاً، فقَد كَان نَابِليُون قَصِيراً». هَذَا عَين قول الْإِمَام : (وَ مَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّة... وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ) أي الغَور والاختبار. وفِي الصَّفحَة (80) من الكتاب المذكور : «إنّ طُوال القَامَة أَكْثَرَ استعداداً للإصابة بالجنون المطبق في حين أنّ قِصَار القَامَة أَكْثَر استعداداً للجنون الأدواى».)وإذا أثبت العِلم ما قاله الْإِمَام فيما يَعُود إلى الشكل وأَثَره في السلوك - من الجَائِز أنْ يُثبت فِي يَوْم مِن الأَيَّام - ولو بعد ملايين السنين - أنَّ أَفرَادِ الْإِنْسَانِ يَختَلَفُونَ عَلَى حساب طِينِهِمْ وأَرْضِهم تماماً كما قال الإمام. ومَا يُدرينا أنْ بَعْض الْعُلَماء فِي هَذَا
1) أنظر، الكتاب المذكور أعلاه : 79، طبعة سنة 1961م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
العصر قد أَدرَك وقَرَر ذَلِكَ، ولم يصل إلينا قَوْله بَعدُ. مَها يَكُن فإنّ كلّ مَا فِي الْإِنْسَان يَنْطقِ وَيُسبح بِحَمد خَالِقه، وخالق الأكوان : (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (1).)(وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ. إنّ الَّذي يَعرفه النَّاسِ بِطَبِيعَةٍ خَاصَّة يتصنع ويتكلف بِغَيْرُ مَا تَعرفه مِن طَبعه، وَيَظهر ذلِكَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَنكر مِنْهُ (وَ تَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّب) مَن ضُرب قَلْبَه يَتَشَتت عقله في أجوَاء لا تمت إلى حياته بِسَبب (وَ طَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ) وذُو الحِدَة فِي ذَكَائِهِ، أَو غَضَبِهِ يَنْطَلق لِسَانه بِسُرْعَة البَرق.)### الإِنْسَان وَالْعُلُوم :وبعد، فإنّ الْإِنْسَان يُبحث عَنهُ في عِلم التَّارِيخ لما يَترُك من آثار، وفِي عِلم الطَّبِيعَة لأنه كائن طَبيعي، وفي عِلم الحَيَوَان لأنّه من صنوفه، وعلم الاجتماع بأعتباره عُضْواً مِن المجتمع، وعِلم النَّفس لما فِيهِ مِن غَرائز وَمَلكات، وَعِلم الأخلاق بِالنَّظر إلى سلوكه بعقل وإرَادَة، وعِلم الطَّب، وعلم وظائف الأعضاء كائناً حيّاً وعُضوياً، وَعِلم الْفِقه بِالنَّظر إلى مَا يَحلّ لهُ وَيَحرم عَلَيْهِ مِن الْأَفْعَال والتروك، وعِلم الفَلسفَة لإدراكه، ونظرياته وكُونه أداة لمعرفة نَفْسَه بِنَفْسه، وغَيْرُ ذلِكَ. وَيَكفِي الْقَوْل : إنّ الإِنْسَان هو مصدر لِلعُلوم حَدّ ولا عَدٌ.
1) التَّغَابُنِ : 3.
## الخطبة - 235 -### تَأبِين الرَّسُول الأعظم:بأبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَ أَخْبَارِ السَّمَاءِ، خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءٌ. وَ لَوْ لَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ، لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّئُونِ، وَ لَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلًا، وَالْكَمَدُ مُخالِفاً، وَقَلَّا لَكَ وَلَكِنَّهُ مَا لا يُمْلَكُ رَدُّهُ، وَ لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! أَذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَ أَجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ !اللغة:الشُّئُونِ : عرُوقِ الدَّمع. والمُماطِل : الميسوف. والمحَالِف : الملازم.الْإِعْرَابِ:أَنتَ مُبْتَدَاً، وبِأَبِي مُتَعَلِّق بِمحذُوف خَبَراً، وَأُمِّي عَطف عَلَى أَبِي، وَالْمَصْدَر مِن
أَنَّكَ أَمَرْتَ مُبْتَدَاً أَي لَوْلاً ثبوت أَمْرَك.الْمَعْنَى:قَال الشَّرِيف الرَّضِي : إِنَّ الْإِمَام قَال: وَهُوَ يَلِي غُسْلَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وَتَجْهِيزَهُ : (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ !). كلّ النَّاسِ يَحْزَنُون وَيَتَأْلُونَ لِفَقد عَزِيز أو قَرِيب، وَيَسكبون الدموع أَيَّاماً، ثُمَّ يَنتَهِي كلَّ شَيء كَأَنْ لَم يَكُن إِلَّا إِذَا كَانَ لِلفَقِيد صِلَة وثقی بِالثّاكل، أو كَان عَظيم الخطر فِي نَفْسه، فَحُزن الولد عَلى الوالد - مثلاً - يَكُون عَلى قَدَر عَطفه عَلَيْهِ، وَبِرَه بِهِ، وَفَائدته مِنْهُ، فإذا كان لهذا الوالد البَارِ شَأن وَخَطر تَضَاعف الْحُزْن وتَرَاكم.)وَكَان الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أباً لِعَليّ، ولزوجته، وأَبْنَائه، وفِي الوَقت نَفْسه كَان أَخَا لَهُ بِالْمُؤاخاة... وأيضاً كَان أستاذه طوال (30) عاماً حَتَّى النُّبُوَّة آتت أُكلها في نَفْس الإِمَام عِلماً وخُلقاً، ومِن هُنا كَان لِعَلي خصائص لَمْ تَكُن لأحدٍ سواه، وإذا عطفنا عَلَى ذَلِكَ خَطر الرَّسُول، وإِنه سَيّد الأَوَّلين والآخرين - أدركنا إلى أي مدى بَلَغ الشَّجن والأسى فِي نَفْس الْإِمَام لِفَقد سيّد الكَائِنَات.)(لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّة وَالْإِنْبَاءِ وَ أَخْبَارِ السَّمَاءِ. يُشير إلى أنّ النُّبُوَّة ختمت برَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإنه لا خَبَر بَعدَه مِن السَّماء، لأنّ الله سُبْحَانَهُ قَد بَين كلّ ما أراد أنْ يقَوْله، بيّنه كاملاً وواضحاً عَلى لِسَان مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإلى هَذَا أَشَار خاتم النَّبِيين بقَوْله : «إنما مثلي فِي الْأَنْبِيَاء كَمَثلِ رَجُل بَنى دَاراً، فأكملها وحَسَنهَا إِلَّا موضع لَبِنَة، فكَان مَن دَخل فِيها وَنَظر إِلَيْهَا قَالَ: «مَا)
أَحْسَنَها إِلَّا موضع هَذِه اللَّبِنَة، فأنا موضع اللَّبِنَة، ختم فِي الْأَنْبِيَاء» (1.)(خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ. الخطاب لرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ الشَّيخ مُحَمَّد عَبْدَه : «النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خَص أقاربه، وأَهْل بَيْتَه حَتَّى كَان فِيهِ الْغَنى والسّلوَة لهُم عَن جَميع مَن سواه، وهو برسالته عام لِلخَلق، فالنَّاسِ بِالنِّسبَة إِلى دِينه سوَاء» (2).)(وَ لَوْ لَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وَ نَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ، لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّئُونِ أَنْتَ يَا رَسُول الله أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وقُلت عِند مِوْت ولدك إِبْرَاهِيمَ : «تدمعُ الْعَيْن، ويحزنُ القلب فلا نقول ما يُسخط الرّب ؛ ولَوْلاَ أنّهُ قول صادق، ووعد جامع، وسَبِيل نَأْتِيه، وأنّ آخرنا سيُتبعُ أوّلنا ؛ لوجدنا عَلَيْكَ أشدّ من وجدنا بِكَ، وإِنا عَلَيْكَ يا إِبْرَاهِيم لَمحزُونُون» (3). ونَحنُ عَلَى سُنتَك يَا رَسُول الله وَطُوع إرادتك، وقَد رُؤي النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَكْثَر مِن مَرَّة يَبكي لميت، ولحَزِين بَائس، وخَوْفاً مِن الله، وعَلَى أُمَتَه، وعِند سماع الْقُرْآن.)
1) أنظر، مُسْنَد أحمد : 256/2 ح 7479 و : 136/5 ح 21281 و 21282، سُنن البَيْهَقِي الْكَبْرَى : 5/9 ح 17497، مُسند الحميدي: 448/2 ح 1037، مُسْنَد الشَّامِيين : 90/1 ح 130، مُسْنَد الطَّيَّالسِي : 1 / 247 ح 1785، مُسْنَد عبد بن حمید : 90/1 ح 172، أمثال الحديث : 10/10، شعب الإيمان : 178/2 ح 1485، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 128/4 ح 6397، الْأَحَادِيث المختارة : 392/3 ح 128/4 1190، تفسير ابن كثير : 492/3.
2) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة : 228/2.
3) أنظر، صَحِيح البخاري : 2/ 4 و 85، كنز الْعُمَّال: ح40479، السنن الكبرى للبيهقي : 69/4. الذكرى : 70، دَعَائِم الإِسْلام: 224/1. بدائع الصنائع: 310/1، المغني: 411/2، المحلى : 146/5، مسند أحمد : 1943، صحیح مُسلم : 76/7، سنن ابن ماجه : 507/10، سنن أبي داود : 64/2 مُسند أبي يعلى: 43/6، المُصَنَّف : 367/3، الإحكام للإمام يحيى الهادي: 150، الكافي : 262/3. ذَخَائِرِ الْعُقبى 224/1.
(وَ لَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلًا أي لا تبرح الكَآبَة مِن الْقَلْبِ بِجَال تَمَاماً كَالمَدِين المماطل، إنّه يُسوِّف ويُؤجل، ولا يَفِي مَا عَلَيْهِ و (وَ الْكَمَدُ مُحَالِفاً) عَطف تَفْسِير و (وَ قَلَّا لَكَ !) قَلّ فِعل ماض والأَلف ضَمِيرِ التَّثنية، يعود إلى مُمَاطِلَة الدَّاء وَمُخالفة الكمد، والمَعْنَى أنّ هَذِين قَلِيلان لِفَقدك يَا رَسُول الله (وَ لَكِنَّهُ مَا لَا يُمْلَكُ رَدُّهُ، وَلَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ !... إلخ). ضَمِيرِ الغَائِب لِلمَوْت، ويُمْلَكُ مَبني للمجهول، والمعنى أن الموت حتم، والجزع لا يُرجع ما فات، وإذَنْ فَالصَّبر أَوْلَى وأجدى. ومِن حِكم الْإِمَام : «إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَازُورُ» (1).)
1) أنظر نهج البلالة : الحكمة (291) عَزَّى فيها الأَشْعَثَ بن قيس عن ابن له.
## الخطبة - 236 -### حَوْلَ الهَجْرَة:فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللَّهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - فَأَطَأُ ذِكْرَهُ، حَتَّى أَنْتَهَيْتُ إِلَى الْعَرَجِ.)الْمَعْنَى:(فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللَّهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - فَأَطَأُ ذِكْرَهُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْعَرَجِ) بِفَتح العين والراء، وهُو مَوضع بَيْنَ مَكَّة والمدينة (1). قيل : إِنْ هَذَا مِن كلامٍ ذَكر فِيهِ الإِمَام خُرُوجه مِن مَكَة إِلى المَدِينَة لاحقاً بِالنَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد أنْ بَأت عَلى فِراشه، وسلَّم وَدَائِعه إِلى أَهْله كما أَمَرَه رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَقَالَ الشَّرِيف الرَّضِي : «فَأَطَأُ ذِكْرَهُ» مِن الكَلامِ الَّذِي رُمِي بِه إِلى غَايتي الإيجاز والفصاحة، أراد أنِّي كُنت أُعْطَى خَبَره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من بدء خُرُوحِي إِلَى أَنْ أَنْتَهِيتَ إِلَى الْعَرَجِ.)وَتَقَدَّم الكلام عن الهِجْرَة، وقِصَّة المَبيت على الفراش فِي شَرح الخُطْبَة (191)
1) أنظر، النّهاية في غريب الحديث : 257/2، لِسان العرب : 196/1.
فِقْرَة «الْإِمَام عَليّ»، وفي شرح الخُطْبَة (231 أشرنَا إِلى مُدة النُّبُوَّة، وكَم قَضى مِنْهَا النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي مَكَّة والمَدِينَة، وإلى عُمره الشَّرِيف. ونَعطف عَلَى مَا أَسلفنَا قَول المُستَشرق الفَرَنسِي «جان بورا» في كتابه «مُحَمّد نَابِليُون السَّماء» ترجمة مُحَمّد صالح البِنْدَاق طَبعَة سَنَة 1947م.)قَال حَوْلَ الهِجْرَة : «حين وَصَل النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة أراد كلّ واحد من الزعماء أنْ يَرْدَاد منزلةً بضيافته... والنَّبيِّ ذُو الخلق الكَبِير ترك القِيَاد للناقة كي يساوي بين الجميع، وما زالت تقطع طرقات المَدِينَة حَتَّى أَنَاخت أَمَام دَارٍ أَبِي أَيوب الْأَنْصَارى». وَقَال أيضاً : «أَفَلَت النَّبى مِن مُؤامرة قُرَيْسُ الفَتَاكة، وترك عَلى فراشه نَهَباً لسيوف المؤامرة البطل المضحِيّ والمؤمِن الشَّاب ابن عمّه وَرَبِيبَه عَلي أبن أبي طالب» (1).)
1) أنظر، كتابه «مُحَمّد نَابِليُون السَّماء» : 46، ترجمة مُحمّد صالح طبعة سنة 1947م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 237 -### إشارة:فَاعْمَلُوا وَ أَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ، وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ، وَالْمُدْبِرُ يُدْعَى، وَالْمُسِيءُ يُرْجَى، قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ الْعَمَلُ، وَيَنْقَطِعَ الْمَهَلُ، وَيَنْقَضِيَ الْأَجَلُ، وَيُسَدَّ بَابُ التَّوْيَةِ، وَتَصْعَدَ الْمَلَائِكَةُ.فَأَخَذَ أَمْرُؤْ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَ أَخَذَ مِنْ حَيّ لِمَيِّتٍ، وَ مِنْ فَانٍ لِبَاقٍ، وَ مِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ. أَمْرُؤٌ خَافَ اللَّهَ وَ هُوَ مُعَمَّرٌ إِلَى أَجَلِهِ، وَ مَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ. أَمْرُو ألْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا، وَزَمَّهَا بِزِمَامِهَا، فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَقَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَىٰ طاعة الله.اللُّغة:فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ - بفتح الفاء - أي في سعته وفُسحته. والمهَل : من الإِمْهَال.ومُعَمَّرُ إِلَى أَجَلِهِ : عَاش إِلَى أَجَلِهِ. وَزَمَّهَا بِزِمَامِهَا : قادهَا بِقِيَادها.الْإِعْرَاب :فَاعْمَلُوا الفاء لترتيب الكلام عَلَيْهَا، وَأَنتُم الواو للحال، فَأَخَذَ أَمْرُو فِي صِيغَة الماضي، وأَمْرُؤٌ خَافَ بَدَل مِن أمْرُى فِي قَوْله : «فَأَخَذَ أَمْرُو» وَيَجُوز أَنْ يَكُون
خَبَراً لِمُبْتَدَأَ مَحذُوف أي النَّاجِي اَمْرُؤٌ خَافَ، وَمِثله أمْرُؤٌ أَلجَمَ نَفْسَه.### حَوْلَ الْعَمَل والبطالة:(فَاعْمَلُوا وَ أَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ. لِلْإِنْسَان أَعضَاء وَمَلَكَاتِ، وَفِيهِ قِوى وَطَاقات : مَادِية كَالسَّمع، والْبَصَر، واليدين والرجلين، ورُوحِيةٌ كَالإدراك، والحُبّ والكَرَاهِيَة، وَهِي بِمجموعها تُشكل مصنعاً هائلاً يَعمل وَيَنتج، وَقَد يُبدع، ويبتكر بمجرد أن يوطن النفس على الجد والكفاح، ومن أهمل، وآثر الرَّاحة والبطالة عَلى العَمَل فهو تماماً كَمن أقفَل مَصنعاً ينتج الخير وينفع صاحبه، والنَّاس... هَذَا إلى أن البطالبة سرطان يقتل الرّوح والجسم، ويُسلب الإِنْسَان إنْسَانِيته، وَيَجعل الحَيَوَان خَيْراً مِنْهُ وأفضل، لأنه يعمل وينتج. حَتَّى الحجر قد يُنتفع به، أما البطال قوته خَير من حياته، وَعَدمه خَير مِن وجُوده.)ويَقُول الْإِمَام : بادرُوا الْعَمَل النَّافِعِ الصَّالح ما دمتم مُزودين بأدوات الْقُدْرَة وآلأتها، وأغْتَنمُوا الْفُرْصَة قبل الأوان، وأعْتَبِرُوا مِن أضاعها، وعمّا قَرِيبٍ يَجري الْقَدَرُ عَلَيْهَا وَعَلَيْكُم، وَيَذهب كلّ شيء، فَتَنحَسرُونَ وَتَندمُون حَيْثُ لَا تُجدي الحسرات والآهات (وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ تُسطّر ما فعلتُم بتلك الثّروة والطاقة التي أَنْعَم الله بِها عَلَيْكُم هَل أَسَأْتُم استعمالها، أو وضعتم كلّ شيء مِنْهَا فِي مَوْضِعه وَحَقَّقَتُم الهدف الَّذِي وُجد مِن أجله.)(وَ التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ. فمن أخطأ وأعترف بِخَطِيئته، وَطَلب مِن الله يَقْبَل مِنْهُ وَيَصفح عَنْه، لأنه صَدَق مع الله والنَّاس ومَع نَفْسَه أيضاً، ورفض الْكَذِب،)
والخداع، وفي الحديث : «التَّائِب مِن الذَّنب كَمِن لا ذنب لَهُ» (1. (وَ الْمُدْبِرُ) عَن الْحَقِّ (يُدْعَى) إِلَيْهِ بِالحِكْمَة والمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة (وَ الْمُسِيءُ يُرْجَى) مِنْهُ أَنْ يَقلَع عَن إساءته (قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ الْعَمَل... الخ). هذه الجملة وما بعدها تَفْسِير وبَيَان لَقَوْله فِي أوّل الخُطْبَة : «فَأَعْمَلُوا وَأَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ» وَتَقَدَّم الشَّرح.)(فَأَخَذَ أَمْرُو مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجد ويجتهد ويصبر مِن أَجل مَصِيرة، ومُسْتَقْبَله، وحُرِيته، وكرامته. وَتَقَدَّم قول الإمام، وهو يصف المُتَّقِين : «صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتُهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً» (2)(وَ أَخَذَ مِنْ حَيْ لِمَيِّتٍ، وَ مِنْ فَانٍ لِبَاقٍ... إلخ). كلّ إِنْسَان يَعْرِف أنّه سيموت، لا مَحَالَةَ، ولكنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِف عَلَى أي شَيء يَمُوْت ؟ وماذا يترك بعد مَوْته لِنَفْسَه، وأمتَه، وَوَطنه، ولَيْس لأبْنَائِهِ ووارثه، وكفى ؟ وَقَد يَعِيش واحد مِن النَّاس نكرة لا أحد يعبأ به، أو يعرف عَنْهُ شَيْئَاً، ولَكِنَّهُ يَجعل من موته تأريخاً، ومجداً له، ولوطنه كما لَو مَات مَوتَاً شجاعاً يَصنع الْإِنْتصَار عَلى الطَّغاة المعتدين، وَقَد يَموت أغنى الْأَغْنِيَاء، وأَقْوى الرُّوْسَاء، وَيَختَفي أَثَره بِسُرْعَة تماماً كموت الحشرات والحيوانات.)وَيَقول الإِمَام لِكُلِّ حَي : «إنَّك ستموت على أية حال، وفي مقدورك أنْ تَجْعَل مِن مَوتك حياة لَكَ وللآخرين، فَلا تحرم نَفْسَك وغيرك من حياة لا ذُل فيها وهوان، ولا خَوْف وآلام (اَمْرُؤٌ خَافَ اللَّهَ وَهُوَ مُعَمَّرُ إِلَى أَجَلِهِ، وَ مَنْظُورُ إِلَى عَمَلِهِ... إلخ. فسيطر على أهوائه، وَتَغلب على أَطماعه، وَحَررها مِن كُلّ شَائِبة، وَبَذلها أو بذل مِنْهَا فِيما أفترض عَلَيْهِ لرَبِّهِ، وَوَطنه، ومُجتمعه.)
## الخطبة - 238 -جُفَاةٌ طَعَامُ، وَ عَبِيدٌ أَقْزَامٌ، جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، وَ تُلقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ، مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُؤدَّبَ، وَيُعَلَّمَ وَيُدَرَّبَ، وَيُوَلَّى عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ، لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَا مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّوُا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ.أَلَا وَإِنَّ الْقَوْمَ أَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تُحِبُّونَ، وَإِنَّكُمْ أَخْتَرْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ. وَإِنَّمَا عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بِالْأَمْسِ يَقُولُ : «إِنَّهَا فِتْنَةٌ، فَقَطْعُوا أَوْتَارَكُمْ وَشِيمُوا سُيُوفَكُمْ». فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِ. وَ إِنْ كَانَ كَاذِبَاً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التُّهَمَةُ، فَأَدْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَخُذُوا مَهَلَ الْأَيَّامِ، وَحُوطُوا قَوَاصِيَ الْإِسْلَامِ. أَلَا تَرَوْنَ إِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى، وَإِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى.اللُّغة:جُفَاةٌ غِلاظ في العِشرَة طَغَامٌ : أَوْغَاد في الدناءة والحقارة. وأَقْزَامٌ : أَرَاذِل في اللُّوْم والخسّاسة. والأوب : النَّاحِية. الشَّوْب : الخلط، وتَبَوَّوُا الدَّارَ : سَكنوها،
والْإِيمَانَ : ثَبَتُوا عَلَيْهِ. شِيمُوا : أَغْمَدُوا. والقَوَاصِيَ : الأطراف. والمراد بصَّفَاتكُم هُنا قوّتكُم.الْإِعْرَاب:جفَاةٌ لمُبْتَدَاً مَحذُوف أي هُم جُفَاةٌ، والمَصْدَر مِن أَنْ يُفَقَّهَ فَاعِل يَنْبَغِي، أَي يَنْبَغِي تَفْقِيهه وتأديبه.الْمَعْنَى:(جُفَاةٌ طَغَامٌ، وَ عَبِيدٌ أَقْزَامٌ، جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، وَ تُلقّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ المقصود بالذَّم جيش مُعَاوِيَةَ، فَقَد كَانوا أوبَاشَاً رُعَاعاً تَجَمعُوا خليطاً مِن هَهُنا وهنا، مَا فِيهِمْ مَن لهُ بِالدِّين،علم، ولا بالجهاد سابقة، ولا مِن الخُلقِ نَصِيب (مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَيُؤدَّبَ) يَحتاج الواحد مِنْهُم إِلى مَن يُعلمه الضَّرورات مِن أَحْكام الدين، وآداب الْإِسْلَام (وَ يُوَلَّى عَلَيْهِ) يُحجَر عَلَيْهِ لِسَفِهِهِ (وَيُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ) يُمنَع مِن التّصرف فِي أَمْوَاله، يُقام عَلَيْهِ قَيِّم يُدَبر شُؤونَه (وَ لَا مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّوُا الدَّارَ) أي مَدِينَة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التي كَانَتْ آنذاك عاصمة الإِسْلَام وَعَلُومَه (وَ الْإِيمَانَ) أي ما عَمَّر قَلْبَه بِالْإِيمان، ولا تمسك بِعرُوته... هكذا كَان جيش مُعَاوِيَةَ، ولَو كَان عَلَىٰ شَيء مِن الدِّين والوَعِي لَا حَارَب الصَّحَابَة الأبرار... أما الإِمَام فَقَد كَان في جيشة أَلفَان وثمانون مِن المُهَاجِرِينَ، والْأَنْصَار، مِنْهُم ثَمانُون بَدْرِيَّاً (1).)
1) أنظر، أعيان الشيعة : الجزء 3 عن المسعودي. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). وأنظر تاريخ الطَّبَرِيّ : 28/6، مروج الذهب : 2/ 434 شرح النهج لابن أبي الحديد: 433/1 الكَامِل : 162/3 البداية والنهاية : 275/7، و : 474/1 الطبعة الأولى، و : 191/5 تحقيق أبو الفضل، وقعَة صِفِّين لنصر بن مزاحم : 238 الطبعة الثانية بمصر.
(أَلَا وَإِنَّ الْقَوْمَ أَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تُحِبُّونَ. المُرَاد بِالْقَوْمِ هُنا جيش مُعَاوِيَةَ، والتكرار للتوكيد، والذين اختاروا للتحكيم هو أبن العاص، والشَّيء الَّذِي يُحبون هُو الإنتصار عَلَى أَهْل الْعِرَاقِ، وَقَد حَقَّقَ لَهُم عَمْرُو مَا يَبْتَغُونَ بكره وألاعيبه وَخُدَاعه للأشعري المغفل (وَإِنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ) الخطاب لأهْل الْعِرَاقِ، والْمُرَاد بِالْقَوْم هُنا عَامَة النَّاسِ، والشَّيء الذي يَكْرَهُونه خُذلانهم وأنْكسارهم الذي حدث بِالفِعْل.)(وَ إِنَّمَا عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ وهُو أبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ (بِالْأَمْسِ) أي فِي وَقْعَة الْجَمَل، وكان أبو مُوسى آنذاك وَالِياً عَلَى الْكُوفَة، وَقَد نهى أهلها عَن المَسِير إِلى الحَرْب مَع الإِمَام، وَقَالَ مِن جُملة مَا قَال : (إِنَّهَا فِتْنَةٌ، فَقَطَّعُوا أَوْتَارَكُمْ وَشِيمُوا سُيُوفَكُمْ) أي لا تَطلقُوا فِي هَذِهِ الْحَرْب سَهمَاً، ولا تَشْهَرُوا سَيْفَاً (1).)(فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِ. وَ إِنْ كَانَ كَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتُهُ التُّهَمَةُ. كَيْفَ تَختَارُونَ الْأَشْعَرِيِّ للتحكيم، وَقَد أَقَامَ الدَّلِيلِ مِن نَفْسه عَلَى نَفْسه أنّه لا يصلح لِشَيء، ولا يُوثق بِهِ فِي شَيء، فبِالْأَمْسِ القَرِيب نَهَى عَن السّير مع الإِمَام، ثُمَّ سَار مَعه مُختاراً وعَن طيب نَفْس، وأَظهر الحب والإخلاص للإمام وجيش الإمام، ولذا أصر أهْل الْعِرَاقِ عَلى إخْتِيَاره.... فإن كان مُؤمِناً بِما نَهى عَنْهُ مِن قَبل فَقَد خَالف إيمانه وَيَقِينه عَن إِرَادَة وَقَصد، وإنْ كَان كَاذِباً فيما نَهى عَنْهُ،)
1) انظر، شَرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 312/13.
وَعَالِماً بأنّه ينهى عَن الْمَعْرُوف لا عَن المُنْكَر فهو مُجرم فاسق... وفي الحالين لا يجوز الوثوق بِهِ والرَّكُون إِلَيْهِ.وَقَالَ ابن عَبد البَر فِي «الاِسْتِيعَاب»، وهُو يُترجم لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِي مَا نَصَه بِالحَرف: «رُوي فِيهِ كَلام كَرِهت ذكره، والله يُغْفر له» (1. وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد الْمُعْتَزِلي فِي شَرح هَذِهِ الْخُطْبَة : «روى أبو مُوسَى الْأَشْعَرِي عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَنه قَال : «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حَكْمَان ضَالآن، وسَيَكُون فِي أُمتِي حَكْمَان ضَالان، وضَالُّ مَن أتبعهما» (2). فَقِيل له : أَحْذَر أَنْ تَكُون أَحدهما. فقال : كلا. فَلَمّا بُلي بِهِ، قِيلَ فِيهِ : الْبَلاء موكل بالمنطق.)(فَأَدْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ... إلخ. قَال الكَاتِب الإِسْلامِي المصري عبد الكريم الخطيب: «كَان الإِمَام قَد أعد أبن عبّاس لِيَلقی عَمْرُو بن العاص : ولكنْ أصْحَاب الْإِمَام أختلفوا عَلَيْهِ، وَكَانَ الْأَشْعَثِ بن قَيْس رأس الجماعة التي نازعت في أختيار أبن عباس، والأَشْعَث هة و الذي مهد)
1) أبو موسى عبد الله بن قيس بن سُليم بن حصار بن حرب الأشْعَرِي. روى عَن النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ). وابن عباس، وعمار وغيرهم، ولد في زبيد (اليمن) وقَدم مَكَّة فأسلم، وهاجر إلى الحبشة، وأستعمله رَسُول الله عَلى زُبيد، وعدن والأهواز، وأَصْبَحَ واليأ عَلَى الْكُوفَة، وكان مولده (21) قبل الهِجْرَة، وله في الصّحيحين (355 حديثاً). أنظر، الاستيعاب بهامش الإصابة : 363/2، الإِصَابَة : 118/4، أسد الغابة : 254/3 و 308/5، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 79/4. صفوة الصفوة: 225/1.
2) أنظر، شرح نهج البلاغة : 316/13، كنز العمال : 794/5 ح 14407، سبل الهدى والرشاد: 0150/10 النَّصائح الكافية لمن يتَوَلَّى معاوية : 141. وذكر المُعْتَزِلي في شرحه أنه لم تثبت توبته ما ثبتت تَوبَة غَيْره وإن كان الشيخ أبو علي قد ذكر في آخر كتاب الحكمين إنه جاء إلى أمير المُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي مَرض الْحَسَن بن عليّ فقال له أجئتنا عائداً، أم شامتاً، فقال: بل عائداً، وَحَدث بحدِيث في فضل العيادة. فقال أبن مثويه، وهَذِه إمارة ضَعِيفة في توبته.
للتحكيم، وأكرَه هُو وقَوْمه عَلِيًّا على قبوله... ولا شَكٍّ أَنَّ الصِّلة كَانَتْ قَد تَوثَقَت بَيْنَ مُعَاوِيَةَ والأَشْعَث» (1. وَهَذَا الَّذِي سَجله الخطيب يَتَفقِ تَمَاماً مَع مَا نَقلناه عَن طه حسين: «من أنّ الْأَشْعَث، وأبن العاص قد دبرا رَفع المَصَاحِف، واخْتَارا الحكمين سلفاً» (2).)ثُمَّ قَال عَبد الكَرِيم: «كَان أبن العاص صاحب مصلحة مُحققة في أي خَير يُصِيبَه مُعَاوِيَةَ مِن التَّحكيم لأنّ الصَّك بملك مِصْر في يَدَه... وَلَيْس لابْن عَبَّاس شَيء إِنْ خَلصت الخِلافَة لِعَليٍّ، وهل لأحد مع عَلي مَطمَع ؟. إنّ كلّ الَّذِين يَعْمَلُون مَع عَليّ يَعْمَلُون الله لا لَهُ، فَلَيْس لهُم عِنده يَد يَرجُون المثُوبَةَ عَلَيْهَا إِلَّا مِن الله. فَمَاذَا يَخشى الْقَوْمِ مِن ابن عبّاس إذَنْ ؟ أنهم لا يَخشُون إلا أنْ يَدفع أبن العَاصِ عَن كَيدِ مُدبر لا يَفطن إِلَيْهِ إِلّا رَجُل أُوتِي مِثل مَا أُوتي ابن عبّاس مِن أَلمَعُية وَذَكاء» (3.)(وَ خُذُوا مَهَلَ الْأَيَّامِ. لَقَد بَذَلتُ لَكُم النُّصح فأقبلوه قَبل أنْ تَفُوت الفُرْصَة، وَتَقُولُوا : يَا لِيتَنا سَمْعنَا وَأَطعنا... وبِالفِعْل نَدَمُوا عَلَىٰ مَا فَرّطُوا حَيْث لا ينفع النَّدَم (وَ حُوطُوا قَوَاصِيَ الْإِسْلَامِ) أحفظوا أَطْرَاف المملكة الإسلامية ونواحيها من غَارَات أَعْدَاء الْإِسْلَام (أَلَا تَرَوْنَ إِلَى بِلَادِكُمْ تُغْرَىٰ) ؟ وَلَا بُدّ مِن الْإِشَارَةِ أَنَّ الغَزُو كان مِن مُعَاوِيَةَ، وَزَبَانِيته بعد التَّحكيم لا قبله، وعَلَيْهِ فَهَذا الفصل مُلحق بهذه)
1) أنظر، كتابه «علي بن أبي طالب بَقِيَة النُّبُوَّة»، وخاتم الخلافة : 497، ومَا بَعدَها طَبعَة سَنَة 1967م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، الْفِتْنَةِ الْكُبْرَى - 2 - عَلي وبنوه للدكتور، طه حسين : 152. وأنظر، شرح الخُطْبَة : (19) (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
3) أنظر، كِتابه «علي بن أبي طالب بَقِيَة النُّبُوَّة»، وخاتم الخلافة : 498. وما بعدها طبعة سنة 1967م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
الْخُطْبَة، وَلَيْسَ مِنْهَا. والْمَعْرُوفِ عَن الشَّرِيفَ الرَّضِي أَنه كَان يَختَار مِن خُطَب الإِمَام فصولاً، وَيَجْمَعَها فِي كَلامٍ واحد (وَ إِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى الْمُرَاد بصَّفَاتِهم هنا قُوَّتِهم، لأن أصل الصَّفَاة الحَجْر الصَّلد، والمعنى أنّ الْعَدُوّ أتخَذَ قُوّتَكُم مَرمى لِسَهامه، وَغَرضَاً لهجومه.)
## الخطبة - 239 -### أهْل الْبَيْت:هُمْ عَيْشُ الْعِلْم، وَ مَوْتُ الْجَهْلِ. يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ. لَا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَهُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ، وَ وَلَائِجُ الاِعْتِصَامِ. بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ، وَأَنْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ، وَ أَنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ، عَقَلُوا الدِّينَ عَقَلَ وِعَايَةٍ وَ رِعَايَةٍ، لَا عَقْلَ سَمَاع وَ رِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ.اللُّغَة:عَيْشُ الْعِلْمِ : حِيَاته.. وَوَلَائِجُ : جمع وَلِيجَة، وَهِي الموضع الذي يُعتَصَم بِهِ. وعَادَ إِلَى نِصَابِهِ : إِلَى أَصْلَه وَمُسْتَقَرَه. الْمُرَاد بِأنْقَطَاع اللّسَان هُنا أنْقَطَاع الحُجَّة. وعَقْلَ الوِعَايَة : حِفْظ فِي فَهم. وَعَقْلَ الرَّعَايَة، دعم الدِّين ودفع الشبهات عَنْهُ بمنطق الْعَقْل والبَدِيهَة.
الْإِعْرَابِ:عَقْلَ وِعَايَةٍ مَفْعُول مُطلق، لأن المَعْنَى أَدركوا إدراك وِعَايَةٍ، لَا عَقْلَ سَماع «لاَ» حرف عطف مِثل : هَذَا زَيد لاَ عَمْرُو.الْمَعْنَى:(هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ. يُخْبِرُكُمْ عِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ... وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. ضَمِير «هُمْ» لأهْل الْبَيْت وَتَقَدَّم الثَّنَاء عَلَيْهِمْ فِي العَدِيد من الخُطَب، والصفات التي ذكرها الإِمَام هُنا هي تكرار لما جاء في آخر الخُطْبَة (147) (1). (وَ هُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ) أي قُوَّتِه وسَلاحَه، وَحُجَتَه ولسانه، فولاؤهم والإخلاص لهم وَلاء، وإخلاص لِلإِسْلام بالذات، ومِن هُنا قَال الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَن صَلَّى صَلاة لَم يُصلَّ فِيها عَليَّ، ولا عَلَى أَهْلِ بَيْتِي لَم تُقبَل مِنْهُ» (2).)وإِذَا عَطفنَا هَذَا الحَدِيث عَلى حَدِيث «الصَّلاة عَمُود الدِّين» (3. كَانَتْ النَّتِيجة أنّ الصَّلاة عَلى أهْل الْبَيْت عَمُود الدِّين. «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وآل مُحمَّد)
1) أنظر، شرح النَّهج الْخُطْبَة (147) : 460/2. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، سُنن الدار قطني : 136 مطبعة الأَنْصَارِي بِدلهي عاصمة الهند. الفضائل الْخَمْسَة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). و : 335 ح 6. نيل الأوطار : 322/2، مُسْتَدرَك الوَسَائِل : 15/5 ح 5256، سنن البيهق: 379/2، عِلل الدَّار قطني : 197/6، سُبل الهدى والرشاد : 10/11، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى: 19، الصَّوَاعِقِ المُحْرِقَة : 146، حقوق آل البيت : 42.
3) أنظر، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 199/2 ح 2987 فيض القدير : 248/4. علل أبي حاتم : 156/2 ح 1962، كشف الخفاء : 40/2 ح 1621، تلخيص الخبير : 173/1 ح 242، تعظيم قدر الصَّلاةِ : 219/1 ح 194، جامع العلوم والحكم : 45/1.
وسلم» (1
وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : معرفة آل مُحمّدٍ بَرَاءَة مِن النَّار، وحُبّ آلِ مُحَمّدٍ جواز عَلى الصَّراط، والوِلاية لآل مُحمّد أمَان مِن العذَاب. (ينابيع المَوَدَّة : 21/1 في المقدّمة نقلاً عَن ذَخِيرة المال طَبْعَة 7 قم).
وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لا تصلوا عَلَى الصَّلاة البتراء، قَالُوا: َومَا الصَّلاةِ البَترَاء يَا رَسُول الله ؟ قَال: تَقُولون : أَللَّهُمَّ صلِّ عَلَى مُحَمّدٍ وتَسْكُتُونَ، بَل قُولوا: أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمّدٍ وعَلى آل مُحمد. (الصَّوَاعِقِ المحرِقَة لابن حجر : 131، فَتح القدير للشُّوكاني : 4 / 280 نَقَله عَن صَحِيح مُسْلِم، تفسير الخازن : 259/5).
.وفِي «الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة» لابن حجر وغَيْرِها أَنّ الشَّافِعِي قَال (2):
يا أهلَ بَيْت رسولِ اللهِ حُبُّكم ***فَرْضٌ مِنَ اللهِ فِي الْقُرْآن أَنْزَلَهُ
كَفَاكُمُ من عَظِيمِ الْقَدَرِ أَنَّكُمُ*** مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُم لا صلاةَ لَهُ
(وَ وَلَائِجُ الاِعْتِصَامِ) لِمَن أَرَادَ مَعرفَةِ الإِسْلَام عَلَى حَقِيقَتِه أُصُولاً وَفرُوعاً (بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ) أي إذا تولوا الشُّؤون الْعَامَّة يُصَان لكلِّ ذِي حق حقه
1) إنّ التَّصلية والتّسلِيم عَلى الآل ثابتة في كِتَاب الله وقول رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقول الأصْحَاب الكرام. قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الْأَحْزَابِ : 56، فَقَالُوا : يَا رَسُول الله كَيْفَ نُصلّي عَلَيْكَ ؟ فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «قُولُوا أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلى آل محمد كما : صَلَّيت عَلى إِبْرَاهِيم وعلى آل إِبْرَاهِيم. وبارك عَلى مُحَمّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمّدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى إِبْرَاهِيم وعلى آل إِبْرَاهِيم». (صَحِيح البُخَاري : 217/6 و 291). وَقد ذكر الفخر الرازي في تَفْسِيره : 391/7 أنّ أَهْل الْبَيْت ساووا النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي خَمسة أشياء : في الصَّلاةِ عَليهِ وعَلِيهم في التّشهد، وفي السَّلام، وفي الطَّهارة، وفي تحريم الصَّدَقَة، وفي الْمحَبَّة.
2) القائل هو الإِمَام الشَّافِعِي، أنظر، ديوان الشّافعِي : 150، وفِيهِ (يَكفِيكُم) مكان (كفاكُم)، الصَّوَاعِقِ المحرقة : 146 الطبعة المحمدية، نُور الأَبْصَار : 105، إسعاف الراغبين : 118 شرح المواقف للزرقاني : 7/7 إعانة الطالبين : 200/1، شرح الأخبار : 489/2 الشرف المؤبد للنبهاني : 99. ينابيع المودة : 434/2. الإتحاف يُحبّ الأشراف: 203 بِتَحقيقنا، نظم درر السمطين : 18، شرح المواهب للزرقاني : 7/7 شرح الشفا للخفاجي : 453/3، تذكرة الخواص : 327. سُبل الهدى والرشاد : 11/11، طُرُز الوَفَاء فِي فَضَائِل آل المصطفی : 156، بتحقيقنا.
ويجوز أنْ يَكُون المراد بالحَقِّ هُنا الدين، وأن أهل البَيْت يَأخذونه من منبعه ومصدره لا من الشيوخ وَالرُّواة. وَهَذَا المَعْنَى أَقرَب إِلى السَّيَاق، وأَنْسَب يقول الْإِمَام : (عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ) فَهَمُوه وعَمَلُوا بِهِ وأَرشدُوا إِلَيْهِ كما هو عِند الله (فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ)، تَمَاماً كَعَمَائِم الفاشلين المرتزقة في عصرنا... كَذِب وتَزوير وتكوير بلا تفكير.
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلًا نَاضِحاً بِالْغَرْبِ : أَقْبِلْ وَ أَدْبِرُ ! بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ، ثُمَّ هُوَ آلَآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ! وَاللَّهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً.
اللُّغَة:
النَّاضِح : البَعِير يُحمل عَلَيْهِ لِسَقِی الزَّرع. الْغَرْب : الدَّلو العَظِيمَة.
الإغراب:
المُصْدَر مِن أَنْ يَجْعَلَنِي مَفْعُول يُرِيد، وأَنْ أَخْرُجَ «أَنْ» مُفسَرَة بِمعنى أي، وَمِثلها أَنْ أَقدم.
الْمَعْنَى:
قَال الشَّرِيف الرَّضِي : قَال الْإِمَام هَذَا لِابْن عَبَّاسٍ، وَقَد جَاءَ بِرِسَالَة مِن عُثمانَ،
وَهُو مَحْصُور يَسأَله فِيهَا الخروج إلى ماله بينبع ليقل هَتَفَ النَّاسِ بِاسمِه لِلْخِلافَة بَعد أنْ سَأله مِثل ذَلِكَ مِن قَبل. وَقَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : «كَانَ النَّاسِ يَهتفون بأسم أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْخِلافَة، وَيُنَادُونَ بِهِ، وعُثمَانَ مَحصُورٍ، فَأَرسَل إِلَيْهِ يَأَمْرِه أَنْ يَخرُج إلى ينبع، وكان فيها رُزق لإمير الْمُؤْمِنِينَ، فَخَرج ثم استدعاه لبنصُره،فَحَضر، ثُمَّ عاود الأمر بالخروج مَرَّة ثَانِيَة» (1). فقال الْإِمَام : (مَا يُرِيدُ عُثْمَانَ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلًا نَاضِحاً بِالْغَرْبِ).
ينبع - بفتح الياء وسكون النون وضم الباء - هِي أَرْضِ مِن خراج الْمَدِينَة (2).
قَالُوا : إنّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قسم الأَنفَالِ، فَكَانَتْ هَذِهِ مِن نَصِيب الْإِمَامِ، فأحتَفَر بها عَينَاً فَخَرَج مَاء يَنْبُع كَعُنق البَعِير، فَسماها الإِمَام يَنْبُع، ثُمَّ أوْقَفهَا عَلَى الْفُقَرَاء والمساكين.
وَتَلخيص الحكاية أن الثورة اشتعلت عَلى عُثمَانَ فِي كلّ نَفس بَعد أنْ كَان مِنْهُ مَا كَان تَلاقت جموع الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَة، وتراكمت حَتَّى سُدت الطرق والمسالك، وَهِي تُطالب بِعَزل عُثمانَ أو بِرَأْسه، ودافع الإِمَام عَنْهُ بِلسانه، وَيَده، وسَوطه، وكان يُرسل الماء في القُرَب إِلى عُثمَانَ وَأهله، وطَلْحَة يَمنَع وصُوله إِلَيْهِمْ... وكَان الثوار يهتفون باسم الإِمَام لِلْخِلافَة، وَعُثمَانَ يَسمَع وَيَعْضَب، وَيُرسل إلى الإمام أنْ يَخرج مِن المَدِينَة فَيستَجِيب ولكن التّورَة تَزدَاد غَضَباً ولَهَباً، فيرسل عُثمانَ إِلى
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 233/2، العقد الفريد: 274/2 الأنساب للبلاذُري : 18/5، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد : 297/13، وشرح نهج الْبَلاغة لابن مِيثم البحراني : 323/4.
2) عَين مَاء لآل علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي موضع بَيْنَ مَكَّة والمَدِينَة، أنظر، لسان العرب : 345/8 و 346 الفائق : 401/3، النهاية في غريب الحديث : 151/1.
الإمام أنْ أَقْدِم ودافع، فَيَأْتِي ويُحاول جهده أن يُفرق الحشد بالشوط تارة. وبالتقريع أُخرى حَتَّى يَخشَى أَنْ يَكُون آثماً فِي ذَلِكَ، كَمَا قَال لأنّه رُبَّمَا ضَرب بسُوطه من الجموع المحتشدة من لا يستحق الضُّرب، وأَهَان من لا يستحق الإهانة... وأخيراً جَرى المقدَّر الذي يعرفه القريب والبعيد. وأَشرنَا إِلَيْهِ فِيما سبق (1)
لَسنَا بِصدد بيان ودراسة أسباب الثّورَة عَلَى عُثمَانَ بن عَفَّان بَل نُشِير إِلَى مَا يُتعلق بِمَوْضُوعنا وهو كيف أنقض أصحابها عَلَى صَاحبهم الَّذِي بَايِعُوه؟
قتل بعد أن أشتد الطعن عَلَيْهِ بِسبب مُخالفاته التي لا تُحصى، ولكن تذكر طَرفاً مِنْهَا التَّعَرُف على مخلفات الفلتة فِي بَيعة أبي بَكْر، وعُمَرَ، كما أعترفا هُما بذلك، وَكَذَلِكَ عَلَىٰ عَقَابِيلِ الشُّورَىٰ... والبَابِ الَّذِي فتحه عُثمَانَ لِبَني أُمَيَّة... ثُمَّ كَيف أنقَضُوا عَلَيْهِ وَبَتَرُوه بعد أنْ تَبرءوا مُنْهُ : لأنّ الْمَنافِق لا يُؤْمِن شَره...
ودَولَة عُثمَانَ ظَهر فيها النّفَاقِ وَبَلغ أوج عظمته إنْ كَانَتْ لَه عَظمة - إن صح التعبير - لأن العظمة الله وحده سبحانه وتعالى.
مَنع كتابة الحَدِيث لَيْس من دراستنا هذه، ولكن تذكرها أستطراداً، لأنّ عُثمان هو أيضاً منع كتابة الحديث، وأوّل خُطوة بدأ بها قوله: «لا يحل لأحد يروي حَدِيثاً لم يُسمع بِهِ فِي عَهْد أَبِي بَكْر ولا فِي عَهد عُمَرَ بن الخطاب». أنظر، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 336/2 كنز العمال: 295/10. أنظر، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى: 336/2، كنز العمال : 295/10.
إذَنْ هُو لا يختلف عَن صاحبيه، بل زاد عليهم واتسعت الطَّبَقَة الارستقراطية العُثمانِيَة وزادت قائمة النبلاء. ومن هنا ظهرت الحركات المضادة التي تئن تحت العباءة الأموية، ولذَا نَرَى عُثمَانَ يَقف ويقول : «أيّها النَّاس إن أبا بكر، وعُمَرَ كَانا يتأولان هَذا المال ظلف أنفسهما وذَوِي أَرْحَامهما، وإنِّي تَأولت فِيهِ صِلة رحمي». أنظر، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 64/3، كنز العمال : 627/5.
ويقول.... لو أن يبدي مفاتيح الجنَّة لاعطيتُها بَنِي أُمَيَّة حَتَّى يَدخلوا». أنظر، الفتح الرباني: 332/22. وَتَرك عُثمَانَ نَفْسه يوم قتله، ثلاثين ألف ألف درهم وخمسمئة ألف درهم، وخمسون ومئة ألف دينار وترك ألف بَعِير. أنظر، الطبقات الكبرى : 76/3.
كما أنْ عُثمانَ سَار عَلَى سِيرة عُمَرَ بن الخطاب في إختيار الأمراء. فقد عَين أبا زُبيد النَّصراني، وإيَاس بن جيح - من أصْحَاب مُسيلمة الكذاب - وطلحة بن خُوَيلد - الذي أدعى النُّبُوَّة - فسار عُثْمانَ عَلَى مَنهج صاحبه فَعِين الوليد بن عُقْبَة حَتَّى ظَهر مِنْهُ شُرب الخمر وهو الَّذي نَزَلت فِيهِ : (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ..) الْحُجُرَاتِ : 6، ونَزلت فِيهِ : (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ). السَّجْدَةِ: 18 فَالمُؤمِن عَلي بن أبي طالب والْفَاسِق هو الوليد بن عُقْبَة، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ المفسرون أنظر، الدر المنثور : 177/5.
وكَانَ يُصلي حال إمارته وهُو سكران حَتَّى تَكَلَّم فيها وألتفت إلى مَن خَلفه وَقَالَ : أَزِيدَكُم فِي الصَّلاة؟ فقَالُوا: لا قد قضينا صلاتنا. أنظر، الجرح والتعديل : 12/9، معجم رجال الحدیث: 197/19، تهذیب الكمال : 16/31.
وأستعمل سعد بن العاص عَلَى الْكُوفَة وظهر مِنهُ أشياء مُنكرة حَتَّى قَالَ: «إنما السواد بُستان القُرَيْش تأخذ مِنْهُ مَا شَاءت وتترك مِنْهُ مَا شَاءت» أنظر، تأريخ الطبري: 88/5، أبن الأثير في الكامل : 67/3. حَتَّى إِنَّه لم يعزله بأختيارة بعد أن أبلغ بأفعاله، بل زده أميراً عَلَى الْكُوفَة وأمره بِالتَّضِييقِ عَلَى أَهْلُها، فلما جاء ليدخل الْكُوفَة خَرج أَهْلها عَلَيْهِ بِالسّلاح فَتَلقُوه فردوه وكتبوا إلى عُثمَانَ : «لا حَاجَة لَنَا فِي سَعِيدك ولا وليدك». أنظر، الطبري : 94/5، الكَامِل في التاريخ : 73/3، الاستيعاب : 621/2..
وَجَعل عبد الله بن أبي السرح أخا عُثمانَ من الرضاعة والياً على مصر بعد أَنْ عَزِل عَمْرُو بن العاص عنها - وعبد الله كان كاتباً للوحي كما يَدعُون، ثم أرتد مشركاً وأمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقتله ولَو وُجد مُتَعَلِّقاً بأستار الكعبة لكن عبد الله أختى عِند عُثمانَ إلى أن جاء دوره وأمره أنْ يَغزو بلاد أفريقيا فإنْ فَتحها فَلَهُ خُمس الخمس مِن الغَنِيمَة، فَسَار إليها في عشرة آلاف فأفتتحها، وقتل خَلقاً كَثِيراً من أهلها، أنظر، البداية والنّهاية : 152/7 ابن الأثير : 43/3، الطبري : 49/5.
وسير أبا ذر إِلى الرَّبَذَة... وسيّر عامر بن عبد قَيْس من الْبَصْرَة إلى الشام. وطَلب مِنْهُ عبدالله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاء أربعمئة ألف... وأفتتح أفريقيا وأخذ خُمسها فوهبه لمروان». أنظر، العقد الفريد : 77/3.
وَقَالَ ابن هشام في السِّيرَة الحلبية : «وسَبب هَذِهِ الْفِتْنَةِ أنّهم تقمُوا عَلَيْهِ أُموراً مِنْهَا عَزله لأكابر الصَّحَابَة مِمَّنْ وَلَاهُ رَسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومنهم مَن أوصى عُمَرَ بِأنْ يبقَی عَلى ولايته وهو أبو مُوسَى فعزله عُثمان وولى أبن خالد عبدالله بن عامر محله وغزل عَمْرُو بن العاص عن مصر وَوَلَاهَا ابن أبي سَرح وعَزل الْمُغِيرَةَ عَن الْكُوفَة، وعَزَل أبن مسعود عَنْهَا وأَشخَصه إلى المدينة، وعزل سعد بن أبي وقاص عن الْكُوفَة وولى أخاه لأُمّه الوليد بن عُقْبَة الذي سماه الله تعالى فاسفاً... وَمِنْهَا أنه أدخل عَمِّه الحكم وكان يُقَال لَهُ طَرِيد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَلَعِينه... وأنه حبس عَطاء عبدالله ابن مسعود وهجره، وحبس عطاء أبي بن كَعب، ونَفى أبَا ذَرَ إِلَى الرَّبَذَة، وأشخص عبادة بن الصامت من الشام لما شكاه معاوية... وضرب عمار بن ياسر، وكعب بن عُبَيْدَة ضَربه عشرين سوطاً ونَفَاه إِلى بَعْض الجبال، وقال لابن عوف إنك مُنافق.... وأنه أحرق الصحف التي فيها الْقُرْآن، وأنه أتم الصَّلاة بمنى... وأنه ترك قتل عُبَيْد الله وقد قتل الهرمزان...» أنظر السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 82/2، طَبْعَة 2 مضر، شرح النهج : 66/1 و 233. مُسْتَدرك الحاكم : 337/3 و 345 ابن الأثير : 65/3 و 73، الطبري: 80/5 و 94، مُسند أحمد : 155/5 و 166. و 6: 457، كنز العمال: 170/6، العقد الفريد : 91/3، المارف لابن قتيبة : 84، ابن كثير : 452/7، تأريخ أبي الفداء : 168/1، الإصابة : 619/3، سنن البيهقي: 61/8، الطَّبَقَات لابن سعد : 8/5. أَنْسَابِ الأَشراف : 285، مرآة الجنان : 85/10، كل هذه المصادر وغيرها نقلت لنا هذه المساوئ العُثمَانِية بشكل مفصل. فمن أراد المزيد فليراجع.
وَقَد أخرج صاحب الأغاني قول عُثمَانَ «.... أما يجد مُراق أهل العراق وفُساقهم ملجأ إلا بَيْت عَائِشَة ؟ فَسَمعت عَائِشَة فَرفَعت نَعل رَسُول الله وقالت : تركت سُنّة رَسُول الله صَاحب هَذَا النّعل، فتسامع النّاس فجاءوا حَتَّى مَلأوا المسجد فمن قَائِل : أَحسنتِ، ومَن قَائِل : مَا لِلنِّسَاء ولهذا؟ حَتَّى تخاصبوا وتصاربوا بالنعال... وقد واجهه جُندب وما أدراك ما جندب، وزيد بن صوحان. فزيد هو القائل لعُثمانَ : «ملت» فقالت أمتك أعتدل تعتدل أُمتك». أنظر، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 124/6.
وتَجري الأحداث يوماً بعد يوم ضد عُثمانَ عندما كثر عَن نواياه السَّيِّئَة وأظهرها في خُطْبَته حين قَال: «فَقَد والله عِبتُم عَلَيَّ بمَا أَقررتُم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطنكم برجله وضَربكُم بيده وقَعَكُمْ بلسانه.... أنظر، تأريخ الطبري: 97/5، البداية والنهاية : 169/7، الإمامة والسياسة : 3834/1. الكَامِل لإبن الأثير : 3 مقتل عُثمَان. ولذا عِندما طُلب من عُثمَان أن يَستقيل من منصب الخِلافَة قَال: «لا أنزع قيصاً أَلبسنيه الله عزّ وجل...»، أنظر، تأريخ الطبري : 371/4 و 372 و 375، الكامل لابن الأثير : 169/3، بيروت، شرح النهج : 150/2.
وَقَال أيضاً : «... أما أن أتبرأ من خِلافَةِ الله، فَالْقَتل أحبُّ إليَّ من ذَلِكَ». تأريخ الطبري : 377/4 ابن الأثير : 17/2، شرح النهج : 150/2.
ومِن هَذَا وغَيْره من الأَسْبَاب هي التي جعلت الثوار يقتحمون باب الجاهد وَيرَدُونه قتيلاً بعد أنْ استنجد بمُعَاوِيَةَ حَلِيفه وصاحب بطانته، ولكنّه تَبَاطاً عَنْه كما يذكر الطبري، تاريخ الطبري : 115/5.
وأمّا السَّيِّدة عَائِشَة فإنّها أوّل من كَفرته وقالت: «أقتلوا نعثلاً فقد كفر»، أنظر، تاريخ الفتوح لابن أَعْثَمْ: 155 النّهاية لإبن الأثير : 80/5. شرح النهج : 77/4.
أمَّا طَلْحَة بن عُبَيْدِ الله فكان يوم قتل عُثمَانَ مُقنعاً بثوب أستتر به عَن أعين الناس، وكان يرمي دار عُثمَانَ بالسّهام كما ذكر شرح النهج لابن أبي الحديد، ولطَلْحَة قِصَّة مشهورة مع عُثمَانَ عندما أشرف من الخَوْخَة على الثّوار. أنظر، شرح النهج لابن أبي الحديد : 404/2 الفتح الرباني: 112/22، تأريخ الطبري: 122/5.
وأمّا عَمْرُو بن العاص المستشار السياسي السابق له فقد ناداه يوم القَتْل من ناحية المسجد : أتق الله يَا عُثمَانَ فإنك قد ركبت نَهابِيراً وركبناها معك فتب إلى الله نتب. فناداه عُثمَانَ : وإنك هناك يا ابن النابغة قملت جُبتك مُنذ تركتك من الْعَمَل... فناداه الناس... يا عُثمانَ تُب إلى الله وأظهر التوبة يكف الناس عنك. أنظر، تأريخ الطبري: 5 / 108، 111.
وأمَّا مَرْوَان بن الحكم فقد كَانَتْ مُهمته تصعيد الموقف وهُو الْعُنْف من قبل القوار ضد المجاهد عُثمان بكتابته الكتب المزورة والمختومة بختم ذي النورين في قتل مُحمّد بن أبي بكر وأصحابه من أَهْلِ مِصْر، حَتَّى نائلة زوّج عُثمَانَ حَذرته من مَرْوَان وقالت لعُثمَانَ : «إنّك إنْ أطعت مَرْوَان قَتَلك». ومَرْوَان هو القائل للنَّاس : شاهت الوجوه إلا مَن أُريد..» أنظر، البداية والنهاية : 173/7، الطبري : 112/5.
لم يكن عُثمَانَ يتحمل حَتَّى النقد البسيط، فحين سخر أبو ذر الغفاري عِندما تَساءل عُثْمانَ: أَترُون بَأساً أن نأخذ مالاً من بَيْت المسلمين فننفقه فيما يقوينا من أمرنا ونُعطيكموه؟ قَال لهُ عُثمَانَ : «مَا أَكْثَر أَذَاكَ لي؟ غيب وجهك عني فقد آذيتنا». فخرج أبو ذَرّ إلى الشّام، فَكتب مُعَاوِية إلى عُثمانَ أَنْ أَبَا ذَرٌ تَجتمع إليه الجموع، ولا أمن أن يُفسدهم عَلَيْكَ. فكتب إليه عُثمانَ ليحمله عَلى بَعير عَلَيْهِ قَنب يابس ويُرسله إلى المدينة، وقد تسلخت بواطن أفْخَاذه». وقد قيل له : «آتقِ الله يَا عُثمان، فإنّك قد ركبت أموراً وركبناها معك، فَتَب إلى الله نَتب معك...». أنظر، مروج الذهب : 344/2.
.1) أسباب الثَّورَة عَلَى عُثمَانَ بن عَفَّانٍ:
وفي كتاب «عبقرية الإسلام» للعقاد فَصل البَيْعَة : «كَانَتْ حَيرَة عَلي بَيْنَ التقريب والإبعاد أشد مِن حَيرته بَيْنَ الخَلِيفَة والثَّوَار، فكان يُؤمر تَارَة بِمبَارحة الْمَدِينَة ليكف النَّاس عَن الهتاف بأسمه، وَيُستدعى إِلَيْهَا تَارَة لِيَردع النَّاسِ عَن مهاجمة الخليفة.
وَ اللهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ وَ مُوَرِّثُكُمْ أَمْرَهُ، وَ مُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَحْدُودٍ، لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ، فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ، وَاطْرُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ، لَا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَ وَلِيمَةٌ. مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ، وَأَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ !
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِهِ مَصَابِيحَ الدُّجَى وَالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
اللغة
مُسْتَأْدِيكُمْ : يَطلب مِنْكُم الْأَدَاء. وأَمْرَهُ: أَرْضَه وَسُلطَانَه. والمضمار : السباق والمجال، والمُرَاد بِهِ هُنا المدة والفُسحة... لِتَتَنَازَعُوا : لِتَنَافَسُوا فِي الخَيْرَات.
والعُقد - بضم العين - جمع العُقَدَة والمآزر : جمع المئزر، وشُدُّوا العُقَدَد هنا كناية عن الجد. وفُضُولَ الخَوَاصِرِ : مَا يُتدلى من الثّوب واللبَاس عَلَى القَدَمِين.
والْعَزِيمَة : مِن الْعَزْمِ والصَّبر، والثَّبَات وَالوَلِيمَة : لِمد «الصحون» وأمتلاء
البطون.
والظُّلَمَ - يفتح اللأم - جمع ظُلمة، والتَّذَاكِيرِ : جمع التَّذكِرَة، وَهِي التي تُذكرك بالشيء.
الْإِعْرَاب :
شُكْرَهُ مَفْعُول مُسْتَأْدِيكُمْ، وأَمْرَهُ مَفْعُول مُوَرِّثُكُمْ، والمَصْدَر مِن لِتَتَنَازَعُوا مُتعلّق بمُمهِلُكُمْ، ومَا أَنْقَضَ «مَا» بِمَعْنَى شَيء مُبْتَدَاً وأَنْقَضَ فِعل مَاضٍ، والفَاعِل مُستَتر يعود إلى ما، والجُملَة خَبَر.
الْمَعْنَى:
(وَ اللهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ). يُطلب سُبْحَانَهُ مِنْكُم أَنْ تَشكروه، والمراد بالشكر الطَّاعَة، وأفضل الطَّاعَات على الإطلاق الجهاد، والتَّعَاون لِرَدعَ الطَّغَاةَ عَنِ الْبَغْيِ (وَ مُوَرِّثُكُمْ أَمْرَهُ) بِالْأَمْر هُنا أَرْض الله وَسُلطَانه، والمَعْنَى لَيْس لَكُم - بمَشِيئة الله وإرادته - شيء مِن الدُّنْيا والآخِرَة إلا بالعَمَل والكفاح، ومن البداهة أنّ القُوَّة شَرط أَسَاسِي لكلِّ جِهَاد ونضال... وأيضاً من البداهة أنّه لا قُوَّة إلَّا بِتُوحِيد الصفوف والتّضامن فيما بَيْنَهَا، وهَل قَام لِلإسْلام، والمُسْلِمِينَ دولة وكيان إلا بِالْوَحْدَةِ والتَّوحِيد ؟. وهَل ذَهَبت الأندلس مِن قَبل، وفِلَسْطِين مِن بَعد إِلَّا مِن تَفرِيق الكَلِمَة وتصديع الصفوف ؟.
(وَ مُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَحْدُودٍ) أو تَمدُود كما فِي بَعْض النسخ، والمعنى لا تَيَأْسُوا وتَسدُوا كل النوافذ وتقولوا فات الأوان... كلاً فإنّ الطَّرِيق أَمَامَكُم، والأمَد يَتَسع
لِحَل مَا تَعَانُون مِن مُشكلات، ولا ينقصكُم شَيء إلا الإخلاص وصدق النِّيَّة والعزم على التّضحيات (فَشُدُّوا عُقَدَ الْمَآزِرِ، وَ أطْرُوا فُضُولَ الْخَوَاصِرِ) هَذَا هُو حَجَر الزَّاوِية : لا نصر بِلا جِهَاد وَصَبر على آثاره المَرِيرَة، وخسائره القَاسِية (لا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَ وَلِيمَةٌ). هَيْمَات أَنْ تَجمع بَيْنَ الْكَرَامَة وحُبِّ الحَيَاة ! أَبَداً لا حياة لقَوْمٍ لَا يَستَقبلُون المؤت فِي سَبِيل حريتهم بِثَغرِ باسم، كما قَالَ السَّيِّدِ الْأَفْغَانِي.
(مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ، وَ أَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ !). قَالَ الشَّارِحُون في تَفْسِيره : قَد يَعزَمَ الْإِنْسَان، وهُو فِي سَاعَة مِن سَاعَاتِ النَّهَارِ أَنْ يَعمَل فِي اللَّيْلِ كيت وكيت... حَتَّى إِذَا جَاء اللَّيْلِ آثرَ النَّوْم، وتَبَخَرَ الْعَزم... وهكذا هِمَمُ النَّهَار يَمْحُوها اللَّيْلِ، وقَالُوا : إِنْ غَرض الْإِمَام أنْ يَبْقَی الْإِنْسَانِ عَلَى عَزمِه، ولا يخلد للرَّاحَة والكَسَل (1).
وظاهر الكلام يتحمل هَذَا المَعْنَى، ولكنْ خَير مِنْهُ أَنَّ الْإِنْسَانِ فِي حياته يواجه الكَثِير مِن المتاعِب والمصائب التي لا صبر لهُ عَلَيْهَا، فَيَنْتَهِي بِهِ الْعَجْرَ إِلَى العَزمِ عَلَى الخلاص مِنْهَا بِالهَرَب والفِرَار، أو أرتكاب رذيلة كانتحار وَنَحوه.... فإذَا نَام وَأَخذ قسطاً من الرَّاحَة هَدَات نَفْسَه، وَخَفَت أَثْقَاله، وَعَدل عَزْمَه ومَا مَضى مِن أفكاره. قَال الفَيْلَفُوس الفرنسى «فولتير»: «إنَّ السَّماء أرادت أنْ تُعوض عما بُلينا بِهِ مِن مِحن الحياة، فَمنَحتنَا الأَمَل من جهة، والنَّوْم مِن جِهَةٍ ثَانِيَة».
1) أنظر، هَذِهِ الفِقْرَة في شرح نهج البلاغة لمُحَمّد عَبْدَه : 234/2 و : 102/4، وشَرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد 11: 142 و: 20 / 89.
وَقَالَ الكاتب الانجليزي الشَّهِير : «هـ. ج ويلز»: «إنّ النَّوْمِ نِعْمَة لَا تُقَدَّر».
وفِي بَدْرٍ خَافَ الصَّحَابَة مِن كثرة المُشْرِكِين، فَعَالَجَ سُبْحَانَهُ خُوفهم بِالنَّوْمِ ومَا استيقظوا إلا وأَنفسهم تغمرهَا السَّكِينَة : (إِذْ يُغَشِيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ (1)أي أنّه تَعَالى أَلقِی النَّوْم عَلَيْهِمْ لِيَحل الأمن في نفوسهم مكان الْخَوْف (2).
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِهِ مَصَابِيحِ الدُّجَى وَالْعُرْوَةِ الْوُثْقَی، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا كَثِيراً.