ghaemiyeh.com
جميع حقوق الطبع مسجله و محفوظه للناشر
الكتاب : فى ظلال نهج البلاغة (ج 3)
المؤلف :العلامه محمد جواد مغنية (رَحمهُ اللّه)
الناشر :دار الكتاب الاسلامي
الطبعه : الاولى 1425هـ. ق / 2005م
المطبعه : مطبعة ستار
عدد النسخ : (2000) نسخه
الترقيم الدولي للمجموعة : 6 - 100 - 465 - 964
ISBN: 964 - 465 - 100 - 6
الترقيم الدولي (ج 3): 0 - 103 - 465 - 964
ISBN: 964 - 465 - 103 - 0
في ظلال
نهج البلاغة
محاولة لفهمٍ جديدٍ
شرح
العلّامة الشّيخ محمّد جواد مغنية
الجزء الثالث
وثق اصول وحقّقه وعلّق عليه
سامي الغريري
مؤسّسة دار الكتاب الاسلامي
محرر الرقمي: هادي الميرزائي
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جميع حقوق الطبع مسجله و محفوظه للناشر
الكتاب : فى ظلال نهج البلاغة (ج 3)
المؤلف :العلامه محمد جواد مغنية (رَحمهُ اللّه)
الناشر :دار الكتاب الاسلامي
الطبعه : الاولى 1425هـ. ق / 2005م
المطبعه : مطبعة ستار
عدد النسخ : (2000) نسخه
الترقيم الدولي للمجموعة : 6 - 100 - 465 - 964
ISBN: 964 - 465 - 100 - 6
الترقيم الدولي (ج 3): 0 - 103 - 465 - 964
ISBN: 964 - 465 - 103 - 0
الْخُطْبَةُ - 122 - ...15
قَاتَلُوا الآباء والأَبْنَاء.. فِقْرَة 1 - 2: ...15
لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ عُشَّاق الكَرَاسِي: ...16
الْخُطْبَةُ - 123 - ...27
أكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ: ...27
الْخُطْبَةُ - 124 - ...31
الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ.. فِقْرَة 1 - 2: ...31
السلاح بَيْنَ القَدِيمِ وَالجَدِيد ...32
لا دَوَاء لِلعِنَاد إلّا الطَّعْن والضَّرْب.. فِقْرَة 3: ...35
الْخُطْبَةُ - 125 - ...37
لَا بُدَّ لِلْقُرْآنِ مِن تَرْجُمَانٍ فِقْرَة 1 - 2: ...37
أُفٍ لَكُمْ!.. فِقْرَة :3 : ...41
الْخُطْبَةُ - 126 - ...45
لَا أَطْلُبِ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ: ...45
الإسلام وَالْمَال: ...46
الْخُطْبَةُ - 127 - ...53
مُحِبُّ مُفْرِطُ، وَمُبْغِضُ قَال... فِقْرَة 1 - 2: ...53
الجماهير : ...61
الْحَكَمَانِ فِقْرَة 3: ...62
الْخُطْبَةُ - 28 - ...71
لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ فِقْرَة 1-2 : ...71
ثَوْرَةُ الزِّنْج: ...77
الْخُطْبَةُ - 129 - ...87
الْأَغْنِيَاء والفُقَرَاء... فِقْرَة 1 - 2: ...87
الله لا يُخْدَعُ... فِقْرَة 3: ...91
الْخُطْبَةُ - 130 - ...95
الغَضَبُ الله: ...95
أَبُو ذَرٌ: ...96
الْخُطْبَةُ - 131 -...107
مَتَى يَأْمَنِ الْمَظْلُوم: ...107
شُرُوط الْوَالِي: ...114
الْخُطْبَةُ - 132 - ...117
عَاقِبَةُ المُتْرَفِين... فِقْرَة 1 - 2: ...117
فَلْسَفَة الأمل: ...119
الْخُطْبَةُ - 133 - ...123
الله، وَمُحَمّد، وَالْقُرْآن فِقْرَة 1 - 2: ...123
الْخُطْبَةُ - 134 - ...131
إِعْزَازُ الْحَوْزَة: ...131
الْخُطْبَةُ - 135 - ...135
أَبْعَدَ اللهُ نَوَاك: ...135
الْخُطْبَةُ - 136 - ...141
بَيْعَةُ الْإِمَامِ : ...141
بَيْعَة أبي بَكْر فَلتة: ...142
الْخُطْبَةُ - 137 - ...147
يطلُبُونَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ... فِقْرَة 1 - 2: ...147
الْخُطْبَةُ - 138 - ...155
الْهَوَى وَالْهُدَى... فِقْرَة 1 - 2: ...155
الدولة الإنْسَانِية: ...158
الْخُطْبَةُ - 139 - ...165
الشُّورَى: ...165
الْخُطْبَةُ - 140 - ...173
يَعِيْبُ مَا فِيهِ مِثْلَهُ.. فِقْرَة 1 - 2: ...173
لِلمِنْبَرِ - حَوْلَ التَّعبِير بالذُّنبِ: ...176
الْخُطْبَةُ - 141 - ...179
أَرْبَعُ أَصَابِعَ : ...179
الْخُطْبَةُ - 142 - ...183
صَانِعُ الْمَعْرُوفِ: ...183
الْخُطْبَةُ - 143 - ...187
التمحيص بالْبَلاء... فِقْرَة 1 - 2: ...187
أَللَّهُمَّ فَأَسْقِنَا غَيْثَكَ... فِقْرَة 3 - 4: ...191
الْخُطْبَةُ - 144 - ...195
حُجَّة الله عَلَى خَلْقِهِ... فِقْرَة 1 - 2: ...195
لِلمِنْبَرِ - حَوْل أَهْل الْبَيْت: ...198
أَيْنَ الْعُقُولُ أيْنَ الْقُلُوبُ فِقْرَة 3 - 4: ...203
الْخُطْبَةُ - 145 - ...205
مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقُ: ...205
الْخُطْبَةُ - 146 -...209
الْعَرَب كَثِيرُونَ بالإسلام فِقْرَة 1 - 2: ...209
لا نَصَرَ إِلَّا بِالإِخْلاصِ وَالَّتِمَاسُكِ: ...210
لا تُقَاتِلُ بالكَثْرَةِ فِقْرَة 3: ...213
الْخُطْبَةُ - 147 - ...215
نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ.. فِقْرَة 1 - 3: ...215
جارَ اللهِ آمِنُ... فِقْرَة 4 - 5: ...220
الْخُطْبَةُ - 148 - ...229
لِكُلِّ صَلَّةٍ عِلَّةٌ: ...229
الْخُطْبَةُ - 149 -...241
الإِنْسَان فِي مَهَبِّ الرِّيح: ...241
الْخُطْبَةُ - 150 -... 249
لا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ... فِقْرَة 1 - 2: ...249
حَوْلَ السُّرْعَة: ... 251
حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ فِقْرَة 3 - 4: ... 253
الْخُطْبَةُ - 151 - ...271
يَتَكَالُبُونَ عَلَى جِيفَةٍ فِقْرَة 1 - 2: ...275
لا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمُ الحَرام.... فِقْرَة 3 - 5 : ...281
الْخُطْبَةُ - 152 - ...281
صفات الله تَعَالَى... فِقْرَة 1 - 2: ...285
الْأَئِمَّة قُوَّامُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ... فِقْرَة 3 - 4: ...288
لِلمِنْبَرِ - الإسلام سلامة، وكَرَامِة: ...288
الْخُطْبَةُ - 153 - ...293
الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ...1 - 3: ...293
سَيِّئَاتُ لاَ تَنْفَعُ مَعهَا الْحَسَنَات... فِقْرَة 4: ...298
5 - (أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِي فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ). ذُو الوَجْهِينَ يُثنِي فِي ...301
الْمَرْأَة زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا: ...302
الْخُطْبَةُ - 154 - ...303
الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِقْرَة 1 - 2: ...303
طَابَ سَقْيُهُ، طَابَ غَرْسُهُ... فِقْرَة :3: ...309
الْخُطْبَةُ - 155 - ...313
لمْ تَبْلُغُهُ الْعُقُول... فِقْرَة 1: ...313
الْخَفَافِيش... فِقْرَة 2 - 4: ...315
الأدِلَّة عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى: ...316
الْخُطْبَةُ - 156 - ...323
الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ... فِقْرَة 1 - 3: ...323
لا إِيمَانَ بِلا عَمَلٍ: ...328
أَينَ الْفِتْنَة وَالرِّدة.. فِقْرَة 4 - 5: ...333
الْخُطْبَةُ - 157 - ...339
الفَاجِرُ ذَلِيل... فِقْرَة 1 - 3: ...339
نَفْسَكَ تَشْهَد عَلَيْكَ... فِقْرَة 4 - 5: ...345
الضمير: ...347
الْخُطْبَةُ - 158 - ...351
سَيَنْتَقِمُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمَ فِقْرَة 1 - 2:...351
مِنْ إعْجَاز الْقُرْآن : ...353
الْخُطْبَةُ - 159 - 357
أَحْسَنْتُ جَوَارَكُمْ: ...357
الْخُطْبَةُ - 160 - ...359
عَظَمَتُهُ تَعَالَى فِقْرَة 1 - 3: ...359
مَعْنَى الْحَمْدُ الدَّائِم: ...361
يَدَّعِي أَنَّهُ يَرْجُو الله... فِقْرَة 4 - 5: ...363
فَلْسَفَة الخَوْفِ والرَّجَاء: ...364
مُحَمّدٌ، وَمُوسَى، وَعِيسَى فِقْرَة 6 - 9 : ...369
الدُّنْيَا وَمُحَمد... فِقْرَة 10 - 13: ...373
مِدْرَعَة الْإِمَامِ تَنصُ عَلَيْهِ: ...378
الْخُطْبَةُ - 161 - ...381
رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. فِقْرَة 1: ... 381
كُلِّ مَنْ أَسْتسلَم لِلحَقِّ فَهُو مُسْلِمٌ: ...381
أَغْلُب نَفْسَكَ فِقْرَة 2 - 3 : ...383
الْخُطْبَةُ - 162 - ...384
حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللهِ.. فِقْرَة 1 - 2: ...389
سَلْمَانِ الْفَارِسي والنقابات: ...389
الْخُطْبَةُ - 163 - ...393
لا يُقَالُ لَهُ: «مَتَى»؟... فِقْرَة 1 - 2: ...395
ابن تَيْمِيَّة، والإسْرَائِيليات: ...398
أَيُّهَا المَخْلُوقُ السَّوِي فِقْرَة 3 - 4 : ...399
الكون، والنّظام: ...403
الْخُطْبَةُ - 164 - ...409
شَرَّ النَّاسِ إِمَامٌ جَائِرٌ... فِقْرَة 1 - 3: ...409
الْخُطْبَةُ - 165 - ...417
الخَلْق العَجِيب... فِقْرَة 1 - 2: ...417
كُلِّ مَا فِي الكَوْنَ عَجِيب: ...419
جَنَاحَ الطَّاوُسُ وَذَنَبَهُ... فِقْرَة 3: ...422
الطَّاوُوسُ، وَالجِنْسُ... فِقْرَة 4: ....424
كُلِّ الْأَلْوَان فِي الطَّاوُوس... فِقْرَة 5 - 10: ...426
الْجَنَّة... فِقْرَة :11-12 : ...432
الْخُطْبَةُ - 166 -437
أعْقِلُوا عَنِ اللهِ فِقْرَة 1 - 2: ...437
يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلُكُمْ فِقْرَة 3: ...441
الحائط الواطىء: ...442
الْخُطْبَةُ - 167 -...445
حُرْمَة الْمُسْلِم : ...445
كَرَامَةِ الإِنْسَان: ...448
الْخُطْبَةُ - 168 - ...451
أُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ: ...451
الْخُطْبَةُ - 169 - ...455
سُلْطَانِ الإِسْلام: ...455
الْخُطْبَةُ - 170 - ...459
الرَّائِدُ لا يكذب أهْلِه: ...459
الْخُطْبَةُ – 171 -...461
دُعَاء: ...461
الْخُطْبَةُ - 172 - ...467
الْإِمَام وَقُرَيْش... فِقْرَة :1: ...467
أَصْحَاب الْجَمَل... فِقْرَة 2: ...470
الْخُطْبَةُ - 173 -...481
أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ... فِقْرَة 1 - 2 : ...481
مَنْ هُو الْخَلِيفَة؟ ...482
الدُّنْيَا... فِقْرَة 3 - 4: ...488
الْخُطْبَةُ - 174 - ...491
تَهْدِيد الْإِمَام بِالْحَرْبِ: ...491
طَلْحَة، وَعُثَمان: ...495
الْخُطْبَةُ - 175 -...499
أَيُّهَا الْغَافِلُون : ...499
الْخُطْبَةُ - 176 -...505
النَّارَ وَالشَّهَوَاتِ... فِقْرَة 1 - 2 : ...507
القُرْآن وَفَن الإعلان: ...507
الْقُرْآن... فِقْرَة 3 - 4: ...510
اللّسَان وَالاسْتِقَامَة... فِقْرَة 5-6: ...516
بين العقل واللِّسَان: ...520
الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ الله.. فِقْرَة 7-8 : ...522
التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم بَيْنَ الإِسْلام والمَسيحية: ...523
الظُّلْمَ ثَلاثَةُ... فِقْرَة : ...529
لا إسلام مع ظلم: ...530
الوحدة الوطنية: ...534
الْخُطْبَةُ - 177 -...537
مَهْزَلَة الحَكَمَيْن: ...537
الْخُطْبَةُ - 178 -...539
الله، وَمُحَمّد.... فِقْرَة 1: ...539
الدُّنْيَا... فِقْرَة 2: ...541
الْخُطْبَةُ - 179 - ...547
مِنْ صِّفَاته تَعَالَى: ...547
الْخُطْبَةُ - 180 - ...551
أمَا دِينُ يَجْمَعُكُمْ فِقْرَة 1-2: ...551
الْخُطْبَةُ - 181 - ...559
بُعْداً لَهُمْ: ...559
الخِرِّيت بن راشد: ...560
فَهْرَس الْمُوضُوعات... 5
أَكُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ؟ فَقَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ، وَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ : فَأَمْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ، فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً، وَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً، حَتَّى أُكَلِّمَ كُلَّاً مِنْكُمْ بِكَلامِهِ. وَ نَادَى النَّاسَ، فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلامِ، وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي، وَأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ، فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا. ثُمَّ كَلَّمَهُمْ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، مِنْ جُمْلَتِهِ أَنْ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):
أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً، وَغِيلَةً، وَمَكْراً، وَخَدِيعَةً : إخْوَانُنَا، وَ أَهْلُ دَعْوَتِنَا، أَسْتَقَالُونَا وَ اسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَالرَّأْيُّ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، وَ التَّنْفِيسُ عَنْهُمْ ؟ فَقُلْتُ لَكُمْ : هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانُ، وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ، وَأَوَّلُهُ رَحْمَةً، وَ آخِرُهُ نَدَامَةٌ. فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ، وَ الْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ، وَ عَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ، وَ لَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقِ نَعَقَ : إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ، وَإِنْ تُرِكَ ذَلَّ، وَ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ، وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا (1). وَ اللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا، وَ لا حَمَّلَنِي اللهُ ذَنْبَهَا. وَ وَاللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُ الَّذِي يُتَّبَعُ، وَإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي، مَا
فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ : فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَ إِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الآباءِ، وَ الْأَبْنَاءِ، وَالْإِخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ، فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَشِدَّةٍ إِلا إِيمَاناً، وَ مُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ، وَ تَسْلِيماً لِلْأَمْرِ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحِ. وَلَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا تُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالاِعْوِجَاجِ، وَ الشَّبْهَةِ، وَ التَّأْوِيلِ. فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَكُمُ اللهُ بِهَا شَعَثَنَا، وَ نَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا، وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا (2).
اللُّغة:
التَّنْفِيسُ : التَّفْرِيجُ. ونَعَقَ : صَوَّت. والمَضَضِ : الأَلَم. ولَمُ الشَّعَثَ : جَمع الشمل. وَنَتَدَانَى : نَتَقَارَب.
الْإِعْرَاب :
حِيلَةً مَفْعُول من أَجله لرفعهم، وما بَعْدَها عَطف عَلَيْهَا، والمعنى حِين رفعوا المُصَاحِف حِيلَةً، وَغِيلَةً، وَمَكْراً، وَخَدِيعَةً، وإِخْوَانُنَا خَبَر لمبتدأ محذوف أي هُم إخْوَانَنَا، والجملة من المبتدأ والخَبَر مَفْعُول تقولوا، واللام في «لَيْن» للإبتداء، وجواب القسم ما وَجَبَتْ، وإيماناً تمييز.
(أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً، وَغِيلَةً، وَ مَكْراً، وَخَدِيعَةً : إِخْوَانُنَا، وَ أَهْلُ دَعْوَتِنَا، أَسْتَقَالُونَا وَ اسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَالرَّأْيُّ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، وَ
التَّنْفِيسُ عَنْهُمْ ؟) كلّ من أحبّ السُّلطة، وتمسك بِكُرسي الحُكْم فإنَّه يَحتال ويغتال، ويغدر، ويمكر، ولو واجه موقفاً يفرض عَلَيْهِ أَنْ يُضحي بالمنصف لمصلحة الوطن، أو يُضحى بالوطن لمصلحة الكرسي لآثر هذه على تلك... ومُعظم زُعماء العالم مِن هَذَا النَّوْع، وسَيّدهُم مُعَاوِيَة، وإِذَنْ فَلا يَدع أنْ ينشر على المنبر، حِيلَةً، ومَكْراً، قميص عُثمانَ، وأَصَابِع زَوجته نائلة، وأَنْ يَرفع المَصَاحِف في صِفِّين غِيلَةً، وَخَدِيعَةً، وأنْ يَدس السم في العسل لِلْإِمَامِ الحَسَن، والأَشْتَر، وعبد الرحمان بن خالد بن الوليد، ثُمَّ يَقُول : إن الله جنوداً من عَسل.
وَتَقول : أَجل، من يَتمسك بالكُرسِي يُضحي من أجلها بالملايين، ولكن ما الدَّلِيل أَنْ مُعَاوِيَة كَذَلِكَ ؟
الجواب:
الأدلّة كثيرة، ومِنْهَا على سبيل المثال :
1 - حارب مُعَاوِيَة عَلِيَّاً تحت رَايَة قميص عُثمَانَ، والمطالبة بدمه، وألْقِصَاص من قتلته، ولما حكم وسيطر لم يُفكر في ذلِكَ، ولم يَلتفت إِلَيْهِ إطلاقاً حَتَّى كَأَنْ عُثمانَ لم يُقتل... قَالَ الْعَقَّاد : «مُعَاوِيَة أَنْكَرَ عَلَى على بيعته لأنه لم يُسلّمه قَتَلَة عُثمانَ، وآل الأمْر كُلَّه بَعد حين إلى مُعَاوِيَة يُصنع بهؤلاء ما يشاء... ولَكِنَّهُ كَان يَلقَی الرَّجُل مِنْهُم فلا يزيد على قَوْله : ألستَ من قَتَلَة عُثمَانَ ؟ ثُم يُصرفه في أمان، وقد يسكت عن سؤاله، ويُصرفه مُزوداً بالعطاء» (1).
1) أنظر كتابه الموسوم بـ (مُعَاوِيَةَ أبن أبي سُفْيَانَ) : 92 طبع بمطابع مؤسسة دار الهلال.
وَقَالَ الأستاذ عبد الكريم الخطيب: «إنّ عَائِشَةَ أبنة عُثمَانَ طَلبت من مُعَاوِيَة أَنْ يقتص من قاتلي أبيها، فَقَالَ لها : لأن تكوني أبنة عَمَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَير مِن أنْ تكوني إِمَرْأَة مِن عَرض الناس» (1).. ومَعْنَى هَذَا أَنَّ المطالبة بدَمٍ عُثمَانَ ذَرِيعَة لأَنْ يَكُون مُعَاوِيَة «أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ» وقَد كَان وصار، وإذَنْ لماذا المطالبة بدَم عُثمَانَ ؟ وهكذا نَقضَ مُعَاوِيَة بَعد الخِلافَة مَا كَان قد أبرَمَه وحَارب من أجله قبل الْخِلافَة... ولا يَأْس مَا دَامت الْغَايَة تُبرر الواسطة... لقد سبق مُعَاوِيَةُ بمئات السنين «ميكيافيللي» الَّذي قَالَ : كلّ الوَسَائِل صحيحة، وخَيرة ما دامت تُؤَدِّي إِلى بلوغ المطلوب، وتحقيق الغاية الفردية بصرف النظر عن الدين، والمبادىء، والقوانين.
2 - كَتب مُعَاوِيَة إِلَى الْإِمَام أنْ يُبَايِعَه، ويُسلّم لهُ الأمْر شَرِيطَة أَنْ تَكون الشَّام ومِصْر طُعمة له، فأبى عَلَيْهِ ذَلِكَ... (2)أَراد مُعَاوِيَة أَنْ يُمثل دور ابن العَاصِ عَلَى أنْ يَكُون عَليّ بن أبي طالب مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَانَ... ولا أخفق أنضم إلى شاكلته، وتلاحم التوأمان... قَالَ الْعَقَّاد : «قَالَ عَمْرُو بن العاص لمعاوِيَة : أترى أننا خالفنا عَليَّاً لفضل منا علينا ؟ لا والله. إنْ هِي إلّا الدُّنْيَا نَتكَالبُ عَلَيْهَا، وأيم الله لتقطعن لي قطعة من دُنْيَاكَ وإلا نابذتك... وعلى هذه الخطة المكشوفة بدأت المُعَامَلَة بَيْن الرَّجُلِين» (3). وَقَالَ «فلهوزن»: (إِن تَحالف عَمْرُو ومُعَاوِيَة أَشبه مَا يَكُون بِالتَّحَالف
1) أنظر، علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة، وخَاتَم الخلافة للأستاذ عبد الكريم الخطيب : 364 وما بعدها طَبْعة،، سَنَة 1967م.
2) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد الْمُعْتَزِلي : 250/1 الطبعة القديمة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
3) أنظر، كتابه الموسوم بـ (مُعَاوِيَةَ أبن أبي سُفْيَانَ) : 34 طُبع بمطابع مؤسسة دار الهلال.
بَيْنَ الصَّبيَة الأَشْقِياء) (1).
3 - قَالَ ابن الأثير : «قَالَ سعد بن أبي وقاص لمعاوِيَة : السَّلام عَلَيْكَ أيها الملك. فسأله مُعَاوِيَة : لماذا لا تقول : يَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ سَعد : والله أنّي أُحبّ أنْ وَلِيتَها بما وَليتها» (2). أى أن سعداً لا يطلب الخلافة بالْغَدْر والمكركما فعل مُعَاوِيَة. هذه هي سياسة مُعَاوِيَة : أنتهاب الفرص، واستغلال الظروف.. ولتطبق الدُّنْيَا على أَهْلها.
(فَقُلْتُ لَكُمْ : هَذَا أَمْرُ ظَاهِرُهُ إِيمَانُ، وَ بَاطِنُهُ عُدْوَانٌ، وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَ آخِرُهُ نَدَامَةٌ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ، وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ) إن تأريخ الشُّهداء هو تأريخ العقيدة بالذات. وهي وحدها أَساس الجهاد وفلسفته، ومِن أَجل هَذَا ما حاول النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قط أنْ يَحمل أحداً على الجهاد إلا بوازع الدين الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ كَان الْإِمَام : وبهذا الوازع أنحاز إِلَيْهِ من أنحار في صِفِّين، ومُعَاوِيَة يَعْرِف هَذِه الحقيقة، ولذا رفع المُصَاحِف حِيلَةٌ، وغِيلَةٌ، ومَكْرَاً، وخُدَاعَاً، وأَعلَن الإِمَام ذَلِكَ لأَصْحَابه، وَقَالَ لهم : لا تُصدقُوا مُعَاوِيَة... إِنَّهُ يَغْدِرُ، وَيَفْجُرُ، وَيَنْعَقِ بالْكَذِب والضَّلال، فإذا أجبتموه أضلكُم عن الهُدَى وسواء السَّبِيل (3)
أطبق المؤرّخون وأَهْل السِّير على أن الجيش الإسلامي العلوي قد أقترب من الفتح ولاح لهم النصر.
والظفر وتوجّه الخطر إلى مُعَاوِيَةً، وأصحابه، وهَذَا مَا بينه الإِمَام عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فِي خُطْبَتَه التي ذكرها صاحب وَقْعَة صِفِّين : 476 وفيها : أيها الناس قد بلغ بِكُم الأمر وبعَدُوِّكم ما قد رَأَيْتُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُم إِلا آخر نَفْس، وإنَّ الأُمور إذا أقبلت أعتبر آخرها بأولها، وقد صَبر لَكُم الْقَوْم عَلى غَيْرِ دِينِ حَتَّى بَلَغْنَا، وَأَنَا غَادٍ عليهم بِالغَداة أحاكمهم إلى الله عزّ وجلّ.
ولَمْ يُستطع مُعَاوِيَةَ المقاومة إلا عن طريق الخدعة والمكر، فاستعان بِعَمْرُو بن العاص - كما أشرنا سابقاً - قأمر مُعَاوِيَةَ أصحابه في جوف اللَّيْل أَنْ يَربطوا المُصَاحِف عَلَى رُؤُوس الرّماح، وأَصْبَحَ الصَّباح وإذا بأهل العراق يُشاهدون خمسمئة مصحف عَلَى رُؤُوس الرماح، وأَهْل الشام يُنَادُونَ... ويَتعطفون أَهْل العراق ويطلبون منهم ترك الحزب وقَالُوا: هَذَا كتاب الله عزّ وجلّ بيننا وبَيْنَكُمْ. وفِي هَذَا قَالَ النَّجاشي:
فَأَصْبَحَ أَهْل الشَّامِ قَد رَفعُوا القَنا ***عليها كتاب الله خير قُرانِ
ونَادُوا عَلِيَّاً: يَابْن عَمّ مُحمّد*** أمَا تَتقی أنْ يُهلك الثّقلانِ
أنظر، كتاب الخيل لأبي عُبَيْدَة : 162 وبَعْض أبيات هذه القصيدة، ورواها ابن الشَّجري في حماسته : 33. وأنظرها في وَقعَة صِفّين : 524 - 526، وأقبل عدي بن حا 526، وأقبل عدي بن حاتم فَقَالَ : يَا أَمِير المُؤْمِنِينَ إنْ كَان أهل، البَاطِل لا يَقُومُون بِأهل الحق فإِنَّه لم يُصَب عُصبةٌ مِنّا إلا وقد أصيب مثلُهَا مِنهُم، وكَان مَقرُوح
وَقَالَ الأَشْتَر : يا أمير الْمُؤْمِنِينَ إِنْ مُعَاوِيَةَ لا خَلَف لهُ من رجاله، ولَك بحمد الله الخلف، ولو كَان له مثلُ رِجَالك لَمْ يَكُن له مثل صبرك ولا بَصَرك، فأقرع الحديد بالحديد، واستعن بالله الحميد...
ثُمَّ قَالَ عَمْرُو بن الحمق يا أمير الْمُؤْمِنِينَ إنَّا والله ما أجبناك ولا نصرناك عَصبِيةً عَلَى البَاطِل ولا أجَبْنا إلا الله عزّ وجلّ ولا طلبنا إلا الحق...
لكن الأشعث بن قَيْس قَالَ : يا أمير الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا لَك اليوم على ما كُنَّا عَلَيْهِ أمس، وليس آخر أمرنا كأوله، ومَا مِنَ الْقَوْمِ أحدٌ أحْنَى عَلَى أَهْل العراق ولا أؤتَر لأهل الشام منِّي، فأجِب الْقَوْم... فقال عَليّ : إنّ هَذَا أمرٌ يُنتظر فيه... وكَانَ الأَشْعَث وهو المُسوَّد من كندة فإنَّه لَم يَرض بالسُّكُوت بل هو من أعظم الناس قولاً في الركون إلى الموادعة، وأمّا كَبش العراق وهو الأَشْتَر فَلم يَكُن يرى إلا الحزب ولكنّه بَعد كلْ الَّذي ذكرناها من أنّه يُريد فواق ناقة أو عدو الفرس فإِنَّه سكت عَلَى مَضَضَ، وأمّا سَعِيد بن قَيْس، فتارةً هكذا وتارة هكذا.
أما على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أَحِبُّ حَتَّى نَهِكَتُكُمُ الْحَرْبُ، وَقَدْ، وَاللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ، وَتَرَكَتْ، وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً، وَكُنتُ أَمْسِ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِياً، وَقَدْ أَحْيَيْتُمُ الْبَقَاءَ، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَهْلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ.
ثُمَّ قَعد، وتَكَلَّم رؤساء القبائل... من ربيعة كردوس بن هانئ البكري فَقَالَ : أَيُّها النّاس إنا والله ما تَولّينَا مُعَاوِيَةَ منذ تبرَّأنا مِنْهُ، ولا تبرَّأنا مِن عَلي منذ توليناه. وإن قتلانا لَشُّهداء، وإن أحياءنا لأبرار، وإن عَلِيّاً لَعلَى بَيِّنَة من رَبِّه، ما أحدث إلا الإنصاف وكلّ مُحقِّ مُنصف، فمن سَلَّم لَهُ نَجا، ومَنْ خَالَلَه هَلك... ثم قام شقيق بن ثور البكري فَقَالَ : أيها الناس إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله فردّوه علينا فقَاتَلْناهُم عَلَيْهِ - إلى أنْ قَالَ : - وقد أكَلتَنَا هَذه الحزب ولا نرى البقاء إلا في الموادعة...
ثُمَّ قَام حُرَيْث بن جابر البكري فقال : أيها النّاس إنّ عَلِيَّاً لو كان خَلْقاً من هَذَا الأمر لكان المفزع إليه. فكيف وهو قائده وسائقه، وإنه والله ما قبل من الْقَوْم اليوم إلا ما دَعاهُم إليه أمس، ولو ردّه عَليهم كُنتم له أعنت ولا يُلحد في هَذَا الأمر إلا رَاجِعُ عَلَى عَقبيه أو مُستدرج بغرُورٍ، فَمَا بينَنَا وَبَيْنَ مِن طَغَى علينا إلا السيف...
ثُمَّ قَام خالد بن المعمّر فقال: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا والله ما أخترنَا هَذا المقام أنْ يَكُون أحد هو أَوْلَى بِهِ منا، غير أنا جعلناهُ ذُخْراً... فإنا لا نرى البقاء إلا فيا دعاك إليهِ الْقَوْم....
ثُمّ إنّ الحصين الربعي وهو أصغر الْقَوْمِ سِنّاً قام فقال: أيها الناس، إِنَّمَا بُنِي هَذَا الدِّينِ عَلَى التَّسلِيم فَلا تُوفّروه بالقياس ولا تهدموه بالشفقة - إلى أنْ قَالَ : - وإن لنَا دَاعياً قد حمدنا وِردَه وصَدرَه، وهو المصدق عَلَى مَا قَالَ : المَأْمُون عَلى مَا فَعل. فإنْ قَالَ : لا، قلنا لا، وإنْ قَالَ نَعم، قلنا : نعم... وبلغ مُعَاوِيَةَ ذَلِكَ فبعث إلى مَصْقَلَة بن هُبَيْرَة فقال : يَا مَصْقَلَة مَا لقيتُ مِن أحدٍ مالقيتُ من ربيعة... فبعث مَصْقَلَة إِلى الربعيين شعراً... وَقَالَ النَّجاشي شعراً... وَقَالَ خَالد بن المعمّر شعراً... وَقَالَ الصَّلتان شعراً... وَقَالَ حُرَيْت شعراً... وَقَالَ رفاعة بن شداد كلاماً وشعراً...
والسؤال الذي يطرح نَفْسَه هو مَن هو المظلُوم في وَقْعَة صِفِّين ومَا سَبْقها وما بعدها ؟
والجواب يوضحه قول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما ورد في عيون أخبار الرضا : 236/1 الباب 27 - 63 عن الحسين بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قَالَ : قَالَ : رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يَا عَلي، أنتَ المظلومُ مِن بَعدي، فوَيلٌ لِمَن ظلمك وأعتدى عَلَيْكَ، وطُوبى لِمَنْ تَبعك ولم يختر عَلَيْكَ يَا عَلي، أنت المقاتل بعدي، فويلٌ لِمَنْ قَاتَلكَ، وطُوبي لمن قاتل معك.
لم يُحدّثنا التاريخ عَن مظلوم غُصب حَقَّه كالإِمَام عَليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهَذَا مَا ورد في تَفْسِير الدر المنثور للسيوطي: 29/2. نعم، لقد صبر وتحمل كل المظالم والمشاق لأجل بقاء الإسلام والْقُرْآن والحفاظ على وحدة الأمة من التشتت والتمزق. وهَا هُو يَقُول : فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقٌّ مُسْتَأثراً عَلَيَّ مُنْذُ قبَضَ الله نَبِيَّهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَتَّىٰ يَوْمِ النَّاسِ هَذَا وَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً : لقد ظُلمتُ عَدَد الحَجَرُ، والمدر. ولسنا بصدد بيان كلّ الأحاديث الواردة بهذا الخصوص بل تُحيل القارئ الكَرِيمِ إِلى المصادر التالية :
سفينة البحار : 108/2 مَادَّة «ظلم»، الشّافي في الإمامة للسيّد المرتضى: 223/3، و : 114/4، التَّاريخ الْكَبِير : 1 /ق 2 / 174 طَبعَة حيدر آباد الخرايج والجرائح للراوندي: 180/1 نشر مؤسسة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، المستدرك : 142/3 البحار : 21/2 و 60، و : 45/28 و 76، و : 199/40، و: 265/100، شرح النهج لابن أبي الحديد : 300/13، وشرح النهج للفيض : 83 خُطبة 26، وشرح النَّهج للعلامة الخولي: 458/1 و 569، و : 373/3، العقد الفريد : 259/4 كتاب سليم بن قيس : 25 و 96 و 97، الْإِمَامَة والسَّيَّاسَة : 13/1، تفسير العياشي : 307/2 مرآة الْعُقُول : 321/5، الكَامِل في التاريخ : 219/2، تأريخ الطَّبَرِي: 294/3.
أما بخصوص مَعْرَكة صِفِّين فانظر شرح النهج لابن أبي الحديد : 206/2 و 209 و 210 وما بعدها ولذَا قَالَ الشَّارح المُعْتَزِلي: عن أبي جعفر : ثُمّ قام الطفيل بن أدهم جيال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقام أبو شُرَيْح الجذامي جيال الميمنة، وقام ورقاء بن المعمّر جيال الميسرة، ثُمّ نادوا : يا معشر الْعَرَب : الله الله في النِّساء، والبنات، والأبناء من الروم، والأتراك، وأهل فارس غداً إذا فنبتم.... فأختلف أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرأي فَطَائِفَة تقول الْقِتَالَ وأُخرى تقول المحاكمة إلى الكتاب... لكن الأشتَر كَان يَقُول : أَصبَرُوا فقَد حَمي الوطيس... وقد خالف الأشعت في جيش علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين الظفر، والفتح... وأستغلّ مُعَاوِيَةَ الْفُرْصَةِ وَقَالَ: أربطوا المَصَاحِف على أطراف القنا.. والْإِمَام عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُطلع جَيْشَه عَلى حِيلَة مُعَاوِيَةَ وعَمْرُو لكن أصحاب الجباه السود يتقدّمهم مسعر بن فَدَكي... ومعهُم زُهاء عشرين ألفاً مُقنّعين بالحديد... وقَالُوا : أبعث إلى الأَشْتَر لِيَأْتِينك... وقد أشرف الأشْتَر عَلى عَسكر مُعَاوِيَةَ ليدخله... فأرسل إليه الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يرجع.
ثم أنظر إلى خطبته (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي يُبيّن فيها مظلوميته وتثاقل أصحابه كما وردت في شرح النهج للفيض : 85 الخطبة 27 و 107 الخطبة 35، و : 275 الخطبة،96، وأنظر وَقعَة صِفِّين : 480 - 494. تاريخ الطَّبَرِي : 27/6، وشرح النَّهج لابْن أبي الْحَدِيد: 186/1 - 188، الْإِصَابَة : 8849 فيها تراج، : تراجم بعض المعترضين، والمعارف : 41 - 42، وخزانة الأدب : 462/3 وفيها بعض الأشعار، وكَذَلِك الأصمعيات : 43 - 45، والفتوح لابْنِ أَعْثَمُ : 186/2 - 188 وما بعدها، الكامل لابن الأثير : 316/3، وتأريخ الطَّبَرِي : 35/4 وما بعدها طَبْعَة أُخرى، الأَخْبَار الطوال: 189.
... ولَكِنَّهُمْ1) أنظر، تأريخ الدول العربيَّة : 96.
2) أنظر، الكَامِل في التاريخ: 3/ 205 طَبْعَة 1356 هـ. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، ومثل ذلِكَ قَالَ له سعد بن مالك كما ذكر اليعقوبي في تأريخه 217/2 مروج الذهب : 317/2، علل الشرائع : 220/1، العقد الفريد : 131/3 تاريخ البديع : ورق 216 مخطوط. أمالي الشيخ الطوسي : 174/1.
3) وَقْفَةٌ مَع رَفع المُصَاحِف :
أعرضوا عن دَعْوَة الْحَقِّ، واستجابوا للخداع والضَّلال، ولما كشفت الدَّعْوَة الخادعة عن أسرارها قامت قيامة الخوارج، وقَالُوا لِلْإِمَامِ : أَخطأت.. فذكرهُم بتحذيره، ولكن أبوا إلا هكذا كما هو شأن المارق المعاند.
(وَ اللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا، وَلا حَمَّلَنِي اللهُ ذَنْبَهَا. وَ وَاللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا لَلْمُحِقُ الَّذِي يُتَّبَعُ، وَ إِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي، مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ). الضَّمِيرِ فِي أبَيْتُهَا يَعود إلى الْحُكُومَة، والمعنى لَيْسَت الحكومة واجبة ولا بِمُحرَمة، ومن قبلها يجوز له العدول عَنْهَا، وإِذَنْ فِلِلْإِمَامِ أنْ يقبلها وأن يرفضها، بل له أن يقبلها ثُمّ يردها، وبالعكس حسبما يقتضيه واقع الحال، ولا خِلاف بَيْنَ الْمُذَاهِب أن تصرف الوَلِي مَنوط بالمَصْلَحَةِ وجُوداً وعدماً.. وقد روى السُّنَّة عن النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه أحل المتعة، ثم حرمها، بل قَالَ الشَّافعي : لا أعلم شَيْئاً أَحله الله ثم حرمه، ثم أخله، ثم حَرمه إلّا المتعة... نقل هَذَا عَنْه ابن قُدَامَة (1)
وهنا حقيقة يجهلها الكثيرون فقد أتفق الشيعة والسُّنَّة على أن نكاح المتعة كَانَ حَلالاً بحكم الرَّسُول، وأن الْمُسْلِمِينَ تَمتعوا في عَهْدِه، ولَكِنَّهُمْ أختلفوا في ثبوت النسخ.
فَقَالَ السُّنَّة : إنّ المتعة نسخت وحُرمت بعد أنْ كَانَتْ حَلالاً.
أنظر، التَّفْسِير الكبير للفخر الرازي: 49/10، أَحْكام الْقُرْآن للجصاص: 178/2، روح المعاني للآلوسي : 70/2، شرح النووي على صحیح مُسلم : 179/9، صحیح مُسلم : 131/4، تَفْسِير الطَّبَرِيّ : 123/5، الخلاف : 340/4. الكافي : 372/4، من لا يحضره الفقيه : 230/2، التهذيب : 328/5، جامع المقاصد: 7/13، وما بعدها.
وَقَالَ الشّيعة : لم يثبت النسخ، كَانَتْ حَلالاً ولم تزل كَذَلِكَ إِلى يَوْم الْقِيَامَة. ويما أستدل به الشيعة الآية : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِى مِنْهُنَّ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)، وما رواه مسلم في صحيحه «أستمتع الأصحاب في عهد رسول الله، وأبي بكر، وعُمَرَ».
أنظر، صَحِيح مُسْلِم : 1023/2، الْإِصَابَة : 63/2، الموطأ : 542/2، سُنن النسائي : 67/6، كنز العمال : 520/16.
وزواج المتعة زواج إلى أجل معين، وهو عند الشيعة كالزواج الدائم لا يتم إلا بعقد صحيح دال على قصد الزواج صراحة، وكلّ مقاربة تحصل بين رجل وإمرأة من دُونَ عقد، فلا تكون متعة حَتَّى مع التراضي، والرَّغْبَة، ومتى ثم العقد كَانَ لازماً يجب الوفاء به.
ولا بد في عقد المتعة من ذكر المهر، وهو كمهر الزَّوْجَة الدائمة، لا يتقدر بقلة، أو كثرة، ويسقط نصفه بهية الأجل، أو أنقضائه قبل الدخول، كما يسقط نصف مهر الزَّوْجَة الدائمة بالطَّلَاقِ قبل الدخول.
وعلى المتمتَّع بها أن تعتد بعد انقضاء الأجل كالمطلقة، سوى أنّ المُطلَّقة تعتد بثلاثة أشهر، أو ثلاث حيضات، وهي تعتد بحيضتين، أو خمسة وأربعين يوماً، أما عدة الوفاة فأرْبَعَة أشهر، وعشرة أيام كالزَّوْجَة الدّائة، سواء حصل الدّخول، أو لم يحصل.
ووَلَد المتعة وَلَد شرعي له جميع ما للأولاد الشرعيين من غَير أستثناء لحق من الحقوق الشَّرْعِيَّة. والأخلاقية.
ولا بد في المنعة من أجل معين، يذكر في متن العقد، ولا ترث الزَّوْجَة المتمتع بها من تركة الزوج، ولا تجب لها النفقة على الزوج، والزَّوْجَة الداعمة لها الميراث والنّفقة، ولكن للمتمتَّع بها أن تشترط على الزوج ضمن العقد النفقة والميراث، وإذا تم هَذَا الشرط كَانَتْ الزَّوْجَة من المتعة كالزَّوْجَة الدائمة.
أنظر من لا يحضره الفقيه : 297/3، الكافي : 465/5، الوَسَائِل : 442/14. الاستبصار : 0150/3 التذكرة : 646/2.
.1) أنظر المغني : 645/6 الطبعة الثالثة. (مِنْهُ).
وإِذَا صَحٌ هَذَا فِي المُنْعَة صَحَ في غَيْرُها بطريق أَوْلَى، وفي سائر الأَحْوَال فإنّ الإمام أمير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الحق، وعلى النَّاس أَنْ يَسْمَعُوا، ويَطِيعُوا الحَدِيث: «عَليّ مع الحق، والحَقِّ مَع عَليّ». ومن الذين رووه الترمذي في صحيحه، والحَاكِم
في مُستدكه «بَاب فَضَائِل الإمام» (1).
(فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الْآبَاءِ، وَالْأَبْنَاءِ، وَالْإِخْوَانِ، وَالْقَرَابَاتِ، فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَ شِدَّةٍ إِلا إِيمَاناً، وَ مُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ، وَ تَسْلِيماً لِلْأَمْرِ، وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحِ). إِذَا كَانَ صَاحِب العَقِيدَة يُضحِي بنَفْسِه من أجلها فبالأحرى أن يُضحي بولده، ووالده للذَّب عَنْهَا.. هَذَا، إلى أنّ الإسلام أمر بجهاد الظَّالِم قَريباً كَانَ أم غريباً، إِنَّ النِّسَاحُ، والغفران جَائِز في كل شَيء إلا في خلال الله، وحرامه (2).
(وَ لَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الْإِسْلامِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَ الاِعْوِجَاجِ، وَ الشُّبْهَةِ، وَ التَّأْوِيلِ) أتفقت المذاهب الإسلامية قولاً واحداً على أَنه إذا اقتتلت طَائِفَتَان من المُسْلِمِين فَعَلَى الَّذِينَ لَيْسَوا طَرفاً في النزاع أنْ يُصلحوا بَيْنَهما، فإنْ أصرَت الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ على موقفها وَجَبَ رَدعها بِالْقُوَّة عَمَلاً بقَوْله تَعَالَى : (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَتهُمَا عَلَى
1) أنظر، جامع التّرمِذي: 213/2، صحيح الترمذي : 297/5 ح 129/12، المستدرك: 19/3 و 124، التَّفْسِير الكبير للفخر الرازي: 205/1، فيض القدير : 256/6، مجمع الزوائد: 235/7 و : 134/9، تاریخ بغداد : 321/14، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 78/1، شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي : 60/2، ربيع الأبرار للزمخشري : 828/1، فرائد السمطين : 1/ 177 ح 138، المناقب لابن المغازلي: 117 و 244، العقد الفريد : 108/3، الطبعة الثالثة، تأريخ ابن عساكر ترجمة الإمام علي: 119/3 ح 1162 و : 449/42، كنز العمال: 603/11 - 32912، أَنْسَاب الأشراف: 281/2 الطبعة الأولى. فضل آل البيت للمَقْرِيزِي: 60. جواهر المطالب في مناقب الإمام علي لابن الدِّمَشْقِي : 343/1، الملل والنحل : 103/1، دلائل الصِّدْق للشيخ محمد رضا المظفر : 253/1، طَبْعَة القاهرة 1396 هـ.
2) أنظر، شرح الخُطْبَةُ : 477/1 الخطبة (56) من هَذَا الكتاب (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (1). ثم أختلف عُلَماء المذاهب في أنّ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ التي أصرّت على الْبَغْى، ووَجَبَ قتالها للردع : هَل تَخرج ذَلِكَ عن دِينِ الْإِسْلام ؟. والصَّحِيحَة إِنَّ مَن أَصَرٌ عَلَى البَاطِل لشبهة دَخَلْت عَلَيْهِ فَهُوَ مُسْلِم، له ما لِلمُسْلِمِين، وعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ إِلَّا إِذَا نَصب العِداء لأهْل الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لأنّه فِي ذَلِكَ يُعاند الْقُرْآن فى قَوْله الصَّرِيح : قُل لا أَسْئلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ (2)والأحَادِيثِ الكَثِيرَة المتواترة. ولأنّ الحدود تُدرأ بالشبهات عبر الإِمَام عَن الَّذِين دَخَلْت عَلَيْهِمُ الشُّبهة من أَهْل الشَّام، عَبّر عَنهم بقَوْله : «إِخْوَانَنَا فِي الإِسْلامِ». وأشار إلى الشبب الموجب لهذه الأخوة بكلامة «وَالاِعْوِجَاج، وَالشُّبْهَةِ، وَالتَّأْوِيلِ». أما الَّذِين يُنْكِرون الحَقِّ عِناداً وبلا شُبهة فلا ريب في كُفرهم، وخروجهم عن دين الإِسْلام. (فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَكُمُ اللهُ بِهَا شَعَثَنَا، وَ نَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا، رَغِبْنَا فِيهَا، وَ أَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا) أي الْإِمَام يَكف عن قتال من يأمل بهِ الخَيْرِ، ويَرجُو فِيهِ الصَّلاح، والْمُرَاد بِقَوْله : (وَ نَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ) إِنَّ الْبَاقِيَة مِن إِسْلَامِ الَّذِينَ حَارِبُونَا هِي كَلِمَة لا إله إلا الله مُحَمّد رَسُول الله، ونَحْنُ نَتَقَارب إِلَيْهِمْ بهَذه الكَلِمَة فيها لا فِيهِمْ، وتُمسك عن غيرها من أفعالهم بِشَرط أن يتركوا البغي، والْعُدْوَان، وإلّا أرتفعت عنهم الحصانة، وإن نطقوا بالشهادتين.)
## الخطبة - 123 -### أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ:وَ أَيُّ أَمْرِي مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَ رَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلًا فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضّلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذْبُّ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبُ حَثِيثُ لا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، وَلا يُعْجِزُه الْهَارِبُ. إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ! وَ الَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ، لَألْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ ! وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُونَ كَثِيشَ الصِّبَابِ : لَا تَأْخُذُونَ حَقَّاً، وَلا تَمْنَعُونَ ضَيْماً. قَدْ خُلِّيتُمْ وَالطَّرِيقَ، فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِم، وَالْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّم.اللُّغة:جأش قَلْبَهُ : أَضْطرب. ورَبَاطَةَ الجَأش : شِدَّتِهِ، وقُوَّتِه، والنَّجْدَة : الشَّجَاعَة.وكَشِيشَ الضَّبَابِ : من أحتكاك بَعْضهَا بِبَعْض لا مِن فَها، وتَلَوِّمِ فِي الْأَمْر تمكَّث فيه.
الإِعْرَاب :أَيُّ أَمْرِي «أَيُّ» شَرطية، وفيها مَعْنَى العمُوم، ومحلها الرفع بالاِبْتِدَاء، وَفَلْيَذُبَّ جواب أَيُّ، والجُملة خبرها، وقيل : الخَبَر فعل الشرط لا جوابه، والْقَتْلُ خَبَر «إِنَّ» والطَّرِيقَ مَفْعُول معه.الْمَعْنى:(وَ أَيُّ أَمْرِي مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رَبَاطَةَ جَاشٍ عِنْدَ اللَّقَاءِ، وَ رَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلًا فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ الَّتِي فُضْلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبُ عَنْ نَفْسِهِ. كُونوا في الحَرْب كَنفْسٍ وَاحِدَة وجسم واحد يُعاضد بَعْضكُمْ بَعضاً، عَنْه تماماً كما يَذَّب المرء بيده عن عَينِيه، فإنْ كَان أحدكم أقوى، وأشجع من أخيه. ورآه في حَاجَة إلى تجدته فليْسَرع إِلَيْهِ، ويقف إلى جنبه يَدفع الْعَدُوِّ عَنْهُ، وَيقصد ذَلِكَ وَجه الله حَيثُ أغناه عن معُونة معين (فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ) فِي الْحَاجَةِ إِلَىٰ العُون (إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، وَلا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ) وما دام الأمر كَذَلِكَ فَلِمَاذَا الْخَوْف، والهَرب من الجهاد ؟.)(إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ. إِنَّ الشَّرِيف الحُر لا يَسْتَطِيع العيش في مجتمع يُستعبد فِيهِ ويُستغل هو أو أَخُوه الإِنْسَان، ويبحث جَاهِداً عن طريق الحُرِّيَّة، والخلاص من العبودية، فإنْ أعيّته الحيل آثر الموت على الحياة، وأقدم عَلَيْهِ عن طيب خاطر، ولكن كَيْفَ، وفي أيّة صُورة يموت ؟ هَل ينتحر كما فعل كثير في الهند الصِّينية، وغَيْرها احتجاجاً على الظُّلم، والعُدْوَان، أو يَشهر السلاح عَلَى المعتدين، ويُجاهدهم حَتَّى الموت ؟ لَيْسَ مِن شَكٍّ أنَّ المنتحر يفر من سَيْ إِلى أَسوأ.)
من رقِ الحَيَاة إلى قتل الحياة. أما الجاهد الذي يُقتل في ساحة الوغى ضِد أَعْدَاء الحق والحريَّة فإنَّه يموت شهيداً، ويفر من الرذيلة إلى الفضيلة، من الرّق إلى الدفاع عن الحُرِّيَّة، والْعَدْل.(وَ الَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ، لَأَلْفُ ضَرْبَةِ بِالسَّيْفِ جهاداً في سَبِيل الله وتحرير الْمُسْتَضْعَفِين تَلبِيةً لِندَاء الضَّمِير ولأمر الله تَعَالَى في قَوْله : (وَمَا لَكُمْ لا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَأجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (1)أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالَّتِي هِي الجهاد، والْقِتال في سبيل الله، والمُسْتَضْعَفِين. وهَذَا يَدل بوضوح عَلَى أَنَّ أَي إِنْسَان يؤثر السلم والدعة على جهاد الطغاة العُتاة فَهُوَ مُجرم، وآثم يَحيا في غَضب الله، ومَعْصِيَة، ويموت مُدبراً عَنْه، ومُعانداً له. وفي الحَدِيث: «إنّ رَجُلاً سأل النَّبِيِّ : هَل مِن عملٍ يَعدل الجهاد ؟ فَقَالَ له : لا أجد هَذَا الْعَمَل» (2).)(وَكَأَنَّى أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُونَ كَشِيشَ الضَّبَابِ : جَمع ضَبٌ، وَهُو حَيُوان يَشبه الحرْذَوْنُ (3): وذَنْبَه كَثير العقد، والمعنى إنكم ستحاربُون قَوماً لا تثبتون لهم، : وتَفرُون من سيوفهم حَتَّى أَنْ بَعْضكُمْ يَحتك بِبَعْض من الهلع حين الفِرَار، والهزيمة،)
1) النِّسَاء : 75.
2) أنظر، تُحْفَة الأَحْوَذي: 204/5، السنن الكبرى: 13/3 ح 4336، سنن النسائي : 19/6 ح 3128. مُسْنَد أبي شيبة : 221/4، مُسْنَد أحمد: 344/2 ح 8521، شعب الإيمان : 405/3 ح 3894، الإسمان لابن منده : 399/1 ح 241، فتح الباري: 460/2، نيل الأوطار: 385/3.
3) الحَرْذَوْنُ : دُوَيْيَّةٌ، ويُقَال : هِي ذكر الضَّب. أنظر، لِسَانِ الْعَرَب : 111/13، الصحاح : 55/1.
ويَكُون لكم أو لإحتكاككم غَمِغَمة كأصوات الضَّبَابِ المجتمعة.. وغرض الإمام من هَذَا هو التَّقريع بالجبن، والتخاذل، والحثّ على الثبات، والتَّعاون (قَدْ خُلِّيتُمْ وَ الطَّرِيقَ، فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ، وَ الْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوْمِ هَذِهِ هِي طَرِيقِ النَّجَاءَ أَمَامكم، ولا أحد يصدكُم عَنْهَا، وهى التضحية، والجهاد، فإما أنْ تَقدمُوا فَتسلموا، وأما أن تَحجمُوا فتهلكوا.)
## الخطبة - 124 -### الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ... فِقْرَة 1 - 2:فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ، وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ، وَ عَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَ الْتَرُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلْأُسِنَّةِ، وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأَشِ، وَ أَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وَ أَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ، وَ رَايَتَكُمْ فَلا تُمِيلُوهَا وَلا تُخِلُوهَا، وَلا تَجْعَلُوهَا إِلا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَالْمَائِعِينَ الذَّمَارَ مِنْكُمْ، فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يَحْفُونَ بِرَايَاتِهِمْ، وَ يَكْتَنِفُونَهَا : حِفَافَيْهَا، وَوَرَاءَهَا، وَأَمَامَها، لا يَتَأَخَرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا، وَلا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا، أَجْزَأَ امْرُو قِرْنَهُ، وَ آسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، وَ لَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَىٰ أَخِيهِ فَيَجْتَمِعَ (1 عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَ قِرْنُ أَخِيهِ، وَ أَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ، لَا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الْآخِرَةِ، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللهِ، وَالذُّلَّ اللَّازِمَ، وَ الْعَارَ الْبَاقِيَ. وَ إِنَّ الْفَارَ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ، وَلَا مَحْجُورٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ. مَنِ الرَّائِحُ إِلَى اللَّهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ ؟ الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ ! وَ اللَّهِ لَأنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ (2). !)
اللُّغة:الدَّارِعَ : لاَبِسُ الدرع. والحَاسِرَ : مَن كَان بِلا دِرْع، وأَنْبَا : أَرْتَد. والهام: جمع الهَامَة، وَهِي الرَّأْس. والْتَوَوا : أَمِيلُوا. وأَمْوَرُ : أَشد حَركة للأسِنَّة. والجأشِ الْخَوْف، وأضطراب الْقَلْب. الدِّمَارَ - بكسر الذال كلّ مَا يَلزَمُك حفظه، والذود عَنْه. والمراد بالحقائق هنا الوقائع والشَّدَائِد. وَيَكْتَنِفُونَهَا : يَصُونُونَها، ويُحِيطُونَها. والحفاف - بكسر الحاء - الجانب، وحِفَافَيْهَا : مُثنى أي جَانْبِيهَا. وَاللَهَامِيمُ: الأجوَاد. والمَوْجِدَةَ - بكسر الجيم - الغضب. والْعَوَالِي : الرَّمَاح. وتُبْلَى : تُمتَحَن. والْأَخْبَارُ : الْحَقَائِقِ.الْإِعْرَاب :حفافيها منصوب بنزع الخافض، ووَرَاءَها، وَأَمَامَها عَطف عَلى حِفَيفَيْهَا أي يُحِيطُونَها من كل جانب، فَيُسْلِمُوهَا نُصب بأنْ مُضمرة، وكَذَلِكَ فَيُفْرِدُوهَاوَأَجْزَأَ فعل ماضٍ، والرَّائِحُ مُبْتَدَاً، وكَالظَّمْآنِ خَبَر.### السلاح بَيْنَ القَدِيمِ وَالجَدِيد:(فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ، وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ، وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَ الْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلْأَسِنَّةِ، وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأَشِ، وَ أَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ. هَذِهِ تَعَالِيم حَرْبِية كَانَ لهَا شأنٌ، ووزنُ يَوْم كَانَ السّلاح دِرْعَاً، وسَيْفاً، ورُمْحاً، وسَهْمَاً ومُلخص هَذِه التعاليم أنْ يتقدم عند الْقِتَال لاَبِسُ الدِّرِعَ عَلَى غَيْره، والضَّارِب)
بالسَّيْف يَعض على أضراسه عِند الضَّرب، والطَّاعن بالريح يَلْتَوِي مَعه حِين الطَّعْن، ولا ينظر هَذَا وذاك هنا وهناك، ولا يرفع المقاتل صَوْته لأن الصياح للجبّان. وتَقَدَّم مثله (1. ولا صلة هذه التعاليم بأسْلِحَة هَذَا العَصر... ويا ليت العِلم تخطئ الأسْلِحَة بل يا ليتها تقَهقرت إلى العصر الحجري... تَقَدَّم العِلم في كُلِّ تجال، ولكن تقدمه فى ميدان الأَسْلِحَة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، أَنَّهَا لا تتطور، بل تطفر من قتل الواحد برصَاصَة من مُسدس، أو بندقية إلى قتل الملايين وتدمير الحضارات بضَربَة وَاحِدَة في لحظة وَاحِدَة، وتَزدَاد، وتَتَراكم في كُلِّ آن بصورة تفوق التّصور... حَتَّى أَصْبَحَ العالم كُلّه يَعِيش فوق بحر من الأَلْغَامِ لَا يَدرِي متى يَتفجر فِيهِ، أما ميزانية التسلح فيَقُول العارفون : إن نصفها يسد حاجات المعوزين في شرق الأرض، وغَرْبِهَا.)وقرأت مقالاً للدكتور سعاد جلال جَاء فِيهِ : «إِنّ ثَلاثَةَ أَرْبَاعَ مِيزَانِية العالم، وأكثر تُنفق على صنع النّعوش، وإعداد الأكفان للبشرِية الّتي أَصْبَحَ مَصيرها في مصانع القنابل الذّرِية، وصارت - أي البشرية - تسمع كَلِمَة الفناء المدمر الشامل كُلما أصغت إلى الحَدِيث الهامس في باطن كلّ قُنبلة، أو صَاروخ» (2.)(وَ رَايَتَكُمْ فَلَا تُمِيلُوهَا وَلا تُخِلُّوهَا، وَلا تَجْعَلُوهَا إِلا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ، وَ الْمَانِعِينَ الذَّمَارَ مِنْكُمْ، فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يَحُقُونَ بِرَايَاتِهِمْ، وَيَكْتَنِفُونَهَا: حِفَافَيْهَا، وَوَرَاءَهَا، وَ أَمَامَهَا، لا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا، وَلا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا يَجب أن تكون الرَّايَة مع الشجاع)
المقدام، وأن يحف بها الأبطال البواسل، لأَنَّهَا النظام الَّذي يَجمَع المحاربين، وعَلَيْهَا تدور رحى المعركة (أَجْزَأَ أَمْرُو قِرْنَهُ أَجْزَأَ كَف، والقِرْن - بكسر القاف - الخصم الَّذي يُبرز للمُجاهد، والمعنى عَلى المجاهد أنْ يَصمد لخصمه، ولا يدعه يفلت مِنْهُ (وَ آسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ) إنْ أستطاع المجاهد أنْ يُعين من يَحتاج إلى المعُونة من إِخْوَانِهِ فَعَلَيْهِ أنْ يُؤازره ويَذُود عَنْه.)(وَ لَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَ قِرْنُ أَخِيهِ. عَلَى الْجاهِد أَنْ يَثبت للعَدُوّ الَّذي يُبارزه ولا يفرّ منه أتكالاً عَلى مَن ثبت وصبر، لأنّ هَذَا الفِرار يُؤدي إلى أنْ يَنضم خَصم الَّذي فَرّ إِلى خَصم الَّذي ثبت، فيَجْتَمِع على المجاهد الثابت الصَّابر خصمان، ومَعْنَى هَذَا في واقعه أن الفار قد ناصر الْعَدُوِّ، وأَمدَه بالْقُوَّة من حيث يُريد أو لا يُريد (وَ أَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ، لَا تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الآخِرَةِ). أَنْفِرُون من الجهَادِ خَوْف الْقَتْل ؟ وهَل من الموت والجَزَاء مَفَرٌّ ؟.. أنّكم تَفرُون من مَوْتِ العِزَّ، والكَرَامَة إلى ميتة الذل والهوان، ومن مرضاة الله إلى غضبه.)(وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ سَادة أجوَاد (وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ) فِي الجَاه والأَنْسَاب - ولو على زعمهم - وَالسَّنَامُ حِدبَة في ظهر البعير، يُقَال : فُلان سِنَام قومه أي كَبِيرهم (إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللهِ) أي غَضبه تَعَالَى وسَخطه (وَ الذُّلَّ اللَّازِمَ) للعَار مَا دَام حَيّاً (وَ الْعَارَ الْبَاقِي) في الولد، والذُريَّة (وَ إِنَّ الْفَارَ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ، وَلا مَحْجُورٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ) وَأوضح من هَذَا قَوْله تَعَالَى: (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً) (1).)
1) الأَحْزَابِ : 16.
(مَنِ الرَّائِحُ إِلَى اللهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ ؟ إِذَا كَان من الْجَاهِدِينَ الأبْرَارِ (الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي!) أي الرِّماح، وفي الحديث : «الجَنَّةَ تَحتَ ظِلال السُّيُوف» (1). وفي الْقُرْآن (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (2). أبَداً لا ثَمن للجنّة إلا الفداء، والصَّبر على البلاء (الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ). الجهاد هو المحك الَّذِي يُميّز الخبيث من الطَّيِّب، والكذوب من الصَّدوق (وَ اللهِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ). إِنَّ شَوْقَ الْإِمَامِ الى لِقَاء الله سُبْحَانَهُ تَمَاماً على قدر عِلمه به، وطاعته له، وأسهل الطرق، وأقربها إلى هَذَا اللّقاء هو جهاد أَعْدَاء الله، ولقاؤهم في ميدان الْقِتَال، وإذَنْ فَلا بدع أنْ يكون الْإِمَامِ أَشْوَق إِلَى لِقَاء أَعْدَاء الله بالسَّيْف منهُم إِلىٰ أَهْلِهِم، وديَارِهم.)### لا دَوَاء لِلعِناد إلّا الطَّعْن والضَّرْب.. فِقْرَة 3 :أَللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَأَفْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ، وَشَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ، وَأَبْسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ. إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ. دُونَ طَعْنِ دِرَادٍ : يَخْرُجُ مِنْهُمُ النَّسِيمُ، وَضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ، وَيُطِيحُ الْعِظَامَ، وَ يُنْدِرُ السَّوَاعِدَ وَ الْأَقْدَامَ، وَ حَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ، وَيُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْحَلَائِبُ، وَحَتَّى يُجَرَّ بِبِلَادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ، وَ حَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ، وَبِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ، وَ مَسَارِحِهِمْ (3.)
اللُّغَة:أَبْسِلُهُمْ: أَسْلَمهُم لِلهَلَكَة. وطَعْنٍ دِرَاكٍ : مُتتابع والهام : الرُّؤوس. ويُنْدِرُ : يُسْقِط. والْمُنَاسِرُ : قِطع في الجيش. وحَلَائِب وحَلبَات : جمع حَلبَة أَي خَيل تَجْتَمِع للسباق. والخميس : الجيش. وتَدْعَقَ : تَطَأ. وَقَالَ الشَّرِيف الرَّضِي : نَوَاحِرِ رضِهِمْ : مُتقابلاتِها، يُقَال منازل بَنِي فُلان تَتناحر أي تتقابل (1. والأعْنَان : النواحى والأطراف. وسَرب الماء : جَرى، وسَربَت الماشية : توجهت للرَّعِي. والمُسَارِح : كلّ مكان يُسْرَح فيهِ.)الْإِعْرَابدِرَاكٍ صِفة لِطَعْنٍ، ويُرْمَوْا نُصب بأنْ مُضمرة بعد حَتَّى، وجُملة يَتْلُوهُ حَال من الْخَمِيس.الْمَعْنى:يدعو الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ بهذا عَلَى جَيش الضَّلال إنْ عَاندوا، وأصروا عَلَى الْبَغْيِ، يَدعو عَلَيْهِمْ بالتَّفرِيق، والهلاك، ثُمّ قَالَ : أنهم لا يرتدعُون، ولا يفهمون إلّا بلغة الْقُوَّة، فَلقتُوهم هَذَا الدَّرس يحشد الجيوش تِلُو الجيوش، وبالطَّعْنِ المُتتابع، والضَّرْب المتواصل، ولا تأخذكُم بِهِمْ رَأفة، وإنْ أنهزموا فأتبعوهم بخيُولِكُم حَتَّى تَطأوا أرضهم، ودِيارهم.)
1) أنظر. بحار الأنوار : 456/33، النهاية في غريب الحديث : 27/5، لِسَان الْعَرَب : 197/5.
## الخطبة - 125 -### لَا بُدَّ لِلْقُرْآنِ مِن تَرْجُمَانِ... فِقْرَة 1 - 2:إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ، وَإِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ. هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطُّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَتَيْنِ، لا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ، وَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ. وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ. وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّي عَنْ كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ : ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (1)فَرَدُّهُ إِلَى اللهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، وَ رَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ، فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ (1). وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلاهُمْ بِهَا. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلًا فِي التَّحْكِيمِ ؟ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ، وَ يَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَا تُؤْخَذَ بِأَكْطَامِهَا، فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ، وَ تَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ - وَ إِنْ نَقَصَهُ، وَ)
1) النِّسَاء : 59.
كَرَثَهُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَ إِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةٌ، وَزَادَهُ (2.)اللُّغة:الدَّفَّة : الجنب من كلّ شيء. ودَفَتَا المصحف : جَانِبَاه، ويُقَال لهما جلد المصحف، أو جلد الكِتاب. وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد وَكَان النّاس يعملونَهُما قَدِيماً من خَسْبٍ، ويعملونها الآن من جلد (1. والمتولي : اسم فَاعِل أي المُعْرِض والأَکْظَامِ : جمع كَظَمَ، وهو مَخْرَجُ النَّفَس. وكَرَثَهُ : أَشتد عَلَيْهِ الغَمُّ.)الإعراب:القُرْآن عطف بيان من «هَذَا» وبَيْنَ مُتَعَلَّقَ بَسْطُورٌ، والمَصْدَر من أَنْ يُصْلِحَ فَاعِل لفعل محذوف أي لعل الله أنْ يُحقق الصُّلِح.الْمَعْنى:(إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا الْقُرْآنَ. هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطُّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّأْتَيْنِ، لا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ. وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ. أنْكَر الخَوَارِج عَلى الإِمَام قَبُول التَّحْكِيم، فقال : نَحنُ حَكّمنَا الْقُرْآن في بيان الحَقِّ وإعلانه، ومَا حَكَمْنَا الرِّجَال كَمصدر لِلحَقِّ... وكَيْفَ يَأخذ الإمام الحق الرِّجَال، وهو القائل: «إنّ الحَقِّ لا يُعْرَف بِالرِّجَال... إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الحَقِّ فَتَعْرِفَ)
1) أنظر. شرح النهج : 103/8.
مَنْ أَتَاهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ» (1. إِنَّ الْقُرْآن مَصْدَر العِلْمِ بِالحَقِّ، مَا فِي ذَلِكَ رَيبٌ، ولَكِنَّهُ حرُوف جَامِدَة وَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ أَي عَالم قَدِير بمعَانِيه ومقاصده. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (2). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (3). ولو كَانَتْ مَعَانِي الْقُرْآن بكاملها واضحة بَيْنَة لما وقع الإِخْتِلاف في تفْسِير آية من آياته مع أنّ هَذَا الإِخْتِلاف قد حدث بَيْنَ الصَّحَابَة أنفسهم، وفي عَهد النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالذات، فلا بُدّ مِن عَالم عادل يفصل بَيْنَ المختلفين.)(وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى.... أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ، فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ. وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلاهُمْ بِهَا). دَعا مُعَاوِيَة، وأَهْل الشام إلى تحكيم القُرْآن، وتذرعُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِن تَناَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (4). ولِلإِمَامِ أَنْ يَرفض هَذَا النَّحْكِيم بالنظر إلى علمه بالمكر والخديعة، ولهُ أنْ يَستجيب فَعسى، ولَعَلَّ أنَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا، وتَقَدَّمَت)
الْإِشَارَةِ إِلَى ذَلِكَ (1، وبهذه النِّيَّة قبل الإِمَامِ التَّحْكِيم بَعد أن أخذ العهد أَنْ يَحكموا بالعدل، ولا يتجاوزُوا حدود القُرْآن، ومَعْنَى هَذَا أنّ الإمام قد أستجاب لِلْقُرْآن في حكمه، لا لمعاوِيَة وجماعته، قَالَ الْإِمَام في رِسَالَة بَعث بِهَا إِلَى مُعَاوِيَة : «قَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ، وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا، وَلَكِنَّا أَجَبْنَا الْقُرْآنَ فِي حُكْمه» (2). و من البدَاهَة أنّ الْقُرْآن يَشهد بالوِلَايَة لأهل الحق، والْعَدْل، ويَنفيها عَن المُبطلين، والظَّالِمِينَ، قَالَ تَعَالَى : (لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ) (3)والْوِلَايَة مِن أظهر المصادِيقِ لِعَهْدِهِ تَعَالَى. وَهِي مُحرَمة على مُعَاوِيَة لأنه من الْفِئَةُ الظَّالمة الْبَاغِيَةُ التي قتلت عمار بن ياسر (4).)(وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ: لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلَّا فِي التَّحْكِيمِ ؟ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ، وَيَتَتَبَّتَ الْعَالِمُ. جَاء في كتاب الإتفاق عَلَى التَّحْكِيم هَذِهِ الجُملة وأَجل الْقَضَاء إِلى انسلاخ رمضان، وإنْ أحبّا أنْ يؤخّرا ذَلِكَ أخراه، وأن مكان قضيّتهما مكاناً عَدلاً بَيْنَ أَهْل الكوفة وأهل الشام (5). فأعترض جَمَاعَة عَلى الأجل. فأجابهم الإِمَام بأنّ القصد من الأجل أن يسأل الجَاهِل، ويبحث ليظهر له الحق مِن)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : الْخُطْبَةُ (121)، مِن هَذَا الكتاب. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، تَهْجِ الْبَلاغة : رقم الكتاب (48).
3) الْبَقَرَة : 124.
4) تَقَدَّم إستخراج ذَلِكَ.
5) أنظر، شَرح النهج لابن أبي الحديد : 234/2، 191/2 بإختلاف يسير في اللّفظ. يُنَايِيع المَوَدَّة :19/2، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 152/1، وَقْعَة صَفّين : 504 - 506 فزاد فِيهِ شَيْئَاً على ما ذكره أصحاب السير والتاريخ فراجع، وأنظر، تاريخ الطَّبَرِيّ : 38/4 - 39، الكامل في التاريخ : 321/3، مروج الذهب 404/2، أعيان الشيعة : 514/1، الأخبار الطوال : 194 - 195، الْفُتُوح لابْن أَعثَمْ: 201/2.
المبطل، وأن يزداد العالم يقيناً، وثباتاً على علمه... هَذَا، إلى أنّ هناك بارقة أمل فِي رجوع البَاغي عَن بَغِيهِ مُدَّة الهَدْنَة.. وإِنْ ضَعُف الأَمَل.(وَلا تُؤْخَذَ بِأَکْظَامِهَا الهاء تعود إلى الأمة، والمعنى أنّ مِن فَوائد الهدْنَة أن تتنفس الأُمَّة، وترتاح بَعْض الشَّيء من الْقِتَال، وأنْ يُفكر من أساء في أَمْرِه عسى أنْ يَعود إلى رُشده (فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ، وَ تَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ) أي لو أنّ الإمام رفض الهدنة، وتعجل في الأمر لكان مَعْنَى هَذَا أنه قطع الطَّرِيق عَلى من أخطأ، وأسَاء، وضَرب حوله حصاراً محكماً، ولم يُعالجه بالحكمة، ويترك له فرصة يدرأ فيها السَّيِّئَة بِالْحَسَنَة (إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ - وَإِنْ نَقَصَهُ، وَكَرَثَهُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً، وَزَادَهُ) إِنَّ حَبيب الله هو الَّذِي يُتبع الحَقِّ، وإِنْ خَسر دنياه، وتراكمت عَلَيْهِ الْمَصَائِب، والكوارث، ولا يتبع الْبَاطِل وإِنْ زَاد في ماله وجاهه، ومثله قول الإمام : «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وَأَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلُ عَنْ عَمَلِكَ، وَأَنْ تَتَّقِي اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ» (1).)### أُفٍّ لَكُمْ... فِقْرَة 3:فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ! وَ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ ! أَسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَىٰ قَوْمٍ حَيَارَىٰ عَنِ الْحَقِّ لَا يُبْصِرُونَهُ، وَ مُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ، جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ، نُكْبٍ عَنِ الطَّرِيقِ. مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا، وَلَا زَوَافِرِ عِزّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا. لَبِئْسَ حُشَاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ !
1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (458).
أُفٍّ لَكُمْ ! لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً، يَوْماً أُنَادِيكُمْ، وَ يَوْماً أُنَاجِيكُمْ، فَلَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النَّدَاءِ، وَ لا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ (3.)اللُّغَة:يُنَاهُ بِكُمْ: يُسار بِكُم إِلى الهَلاكَ، وَمُوزَعِينَ : جمع مُوزع - بسكون الواو - م--ن أوْزَع به أي أغرى بهِ. والزَّوَافِرِ: الْأَنْصَار. وحُشَّاشُ بضم الحاء، وتشديد السين الأولى - جَمع حَاش من حَسَّ النَّار إذا أوقدها. والبَرْح : الشِّدَّةِ والأَذَى والشَّر. والنَّجَاء : المُناجاة.الْإِعْرَاب :حَيَارَى، وَجَفَاةٍ، ونُكُبٍ صِفَاتٌ لِقَوْمٍ، وبِوَثِيقَة البَاءِ زَائِدَةَ، وَوَثِيقَةٍ صِفَة الخَبر محذوف أي مَا أَنْتُمْ عُرْوَة وَثِيقَةٍ، وفي بَعْض النسخ الرَّاء من زَوَافِرِ مَفتوحة، والصَّحيح كسرها لأَنّ زَوَافِرِ مُضافة إلى عِزّ، وَأُفٍّ اسم فعل بِمَعْنَى أَتضَجر، ويَوْماً الأَوَّل مُتَعَلِّق بأَنادِيكُمْ، والثاني بأناجيكُمْ.الْمَعْنى:(فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ ! وَ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ ؟ لِمَاذَا تَعمُون عَن الحَقِّ ؟ وما الذي أعْمَاكُم عنه ؟ أنكُم تَسِيرُون فِي طَرِيق التهلكَة مِن حَيْثُ لَا تَشْعُرُونَ (أَسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَىٰ قَوْمٍ حَيَارَىٰ عَنِ الْحَقِّ لَا يُبْصِرُونَهُ، وَ مُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ، جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ، نُكْبِ عَنِ الطَّرِيقِ). مَالَكُم ولوَسَاوس الشَّيْطَان، وألاعيبه ؟.)
أجْمعُوا أَمْركُم وقاتلوا أَعْدَاء الله، وأَعْدَاءكُم، فَلقد استحوذ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَان. وأعْمَاهُم عن الحَقِّ، وأغراهُم بالجَوْر، والْبَاطِل، ويَسْتَحِيل أن يعدلوا عنه بعد أنْ هَجْرُوا الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وأَتْبَعُوا الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا لَسْتُم بركن يُعتمد عَلَيْهِ، ولا بِعُرْوَة يَتمسك بها.. وتَقَدَّمَ قَول الْإِمَام : «أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا» (1).)(وَ لا زَوَافِرِ عِزّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا، وَلستُم من أَهْل النَّجدة وأَنْصَار الحَقِّ (لبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ) لا تُعْنُون فِي الْحَرْب شَيْئَاً (أُفٍّ لَكُمْ) ولجُنُكُم وتَخاذُلكُم (لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً) الشَّدَائِد (يَوْماً أَنادِيكُمْ وَيَوْماً أُنَاجِيكُمْ). هَذَا مثل قَوْله : «وَأَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَدَعَوْتُكُمْ سِرّاً، وَجَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا» (2). (فَلا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ) لا تَسْتَجِيبُونَ لِمَن يَسْتَغِيثْ بِكُم (وَلَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ) ولا تكتمون لأحدٍ سِرّاً.)
## الخطبة - 126 -### لَا أَطْلُب النَّصْرَ بِالْجَوْرِ:أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلّيتُ عَلَيْهِ وَ الله لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَ مَا أَمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ! لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ ؟ أَلَا وَ إِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرُ، وَإِسْرَافُ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ، وَ يُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ. وَلَمْ يَضَعِ أَمْرُو مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَ لا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ. فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَأَحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ، وَأَلْأَمْ خَدِينٍ.اللُّغة:الطُّورُ : الْقَدَر والحد، يُقَال : تجاوزه طوره أي تعدى :حَدَّه : ولا أَطُورُ بِهِ : لا أَقرب منه. وَسَمَرَ النَّاسِ : تَحدثُوا لَيلاً، ومِن مَعَانِي السَّمِير مَدَى الدَّهْرِ.وَأَمَّ : قَصَد أَو تَبع. والخدين : الصَّدِيق، وأيضاً الخليل صَدِيق، ولكن لهُ زِيَادَةُ اخْتَصَاص.
الإِعْرَاب:الْمَصْدَر مِن أَنْ أَطْلب مجرور بالباء المحذوفة أي أَتَأْمُرُونِّي بِطَلَب النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ... ووَمَا سَمَرَ «مَا» مَصْدَرِيَة ظَرفية، وأَمَّ فعل ماض، وإلّا أداة استفتاح.الْمَعْنيقَالَ ابن قُتَيْبَة : «قَالَ رِجَالٌ مِن أَصْحَاب عَليّ: أَعط هَؤُلَاء هَذِهِ الْأَمْوَال، وفَضّل الأَشْرَاف مِن الْعَرَب، وقُرَيْشٍ عَلى الموالي مِمَّنْ يُتخوف خلافة، وفراقه... وهَذَا مَا يَصنعَه مُعَاوِيَة فإن النَّاس هَمهُم الدُّنْيَا، وفيها يكدحُون... أعْطِ الأَشراف، فإذا أستقام لَك مَا تُريد عدتَ إلى أحسن مَا كُنتَ عَلَيْهِ مِن القسم.. فَقَالَ لهُم: أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالجَوْرِ.. إلخ» (1.)### الإِسْلَام وَالْمَال:(أ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ وَاللهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَ مَا أَمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجْماً وهَل الْغَايَة تُبرر الواسطة على حساب الدِّين والضَّمِير ؟ وهل أنا أنْتهَازِي يَنتَهب الفُرص، ويستغل الظُّرُوف؟ وبماذا أعتذر إلى الله ؟ وبأي وجه أقابله ؟ أَتُريدُون أنْ أملك أَيَّاماً، ثُمَّ أُخلد فِي عَذَابِ الحَرِيقِ ؟.)(لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ المال للّه، والنَّاس)
1) أنظر، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 153 طبعة عام 1957م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). و : 132/1. أمالي الشيخ الطوسي : 194، تحف الْعُقُول : 185، الغارات : 827/2، أمالي الشيخ المفيد: 175.
عِياله، والْإِمَام خَلِيفَة فِي عِياله، ومَسْئُول عن كلّ واحدٍ مِنْهُم أمام الله كَبِيراً كَان أم صَغِيراً، أَسْوَد أَم أَبْيَض، وإذَنْ فكلّ ما نَأخذ من مالٍ هُو مُلك لله ربّ العِيال... من أين جاء أمير الْمُؤْمِنِينَ بهَذا ؟ هَل أخذه من ماو، وغيفارا، أَم قَرأ في كتاب رأس المال، أم هو مُجرد مُشاركة وجدانية، وعاطفة إِنْسَانِية ؟ أَبَداً لا عَاطفة، وشهوة لِعَلي، ولا عقل، وفِطْرَة إلا الإسلام.. والإِسْلام خَير بكُلّ مَا فِيهِ ؛ ولإنّه خَير فَهُوَ يُصدّق برسالات مَن سَبقه مِن الأَنْبِيَاء، ويُبارك من الأَدْيَان، والتَّقاليد، والأنظمة والشرائع - كلّ ما فيها مِن خَير يُصلح شأناً من شُؤون الحياة، ويُشبع حَاجَة من حاجات النَّاس، سواء أكانَتْ تلك الأنظمة، والتقاليد قديمة أَم جَدِيدَة، شَرقِية أم غربية... ولا تهم الإسم، والشكل ولا الطقوس، والمراسيم ما دام الجوهر محفوظاً ومصُوناً.إن قيم الإِسْلام لا يُنكرها عالم على وجه الأرض إِلَّا إِذَا كَانَ فِي قَلبه مرض، لأنّ الإِنْسَانِية لا يستقيم بدونها، وَهِي كَافِية وَافِية لسّد حَاجَاتِها المادية والرُّوحِية، والمُسْلِمُون في غِنى بدينهم، وشَرِيعتهم عن استيراد الشرائع، والمبادىء.... ولكن لَيْسَ مَعْنَى هَذَا أنَّ الخَيْرُ بشَتّى صوره، وأنواعه وقف على دين من الأَدْيَان. أو عَلى قَوْم دُونَ قَوْم، فإن كثيراً من الأنظمة فيها جهة خَيرٌ، وجهة شَرِّ، والإِسلام يلتقي مَعَهَا في هَذه، ويفترق عَنْهَا في تلك، وأيضاً قد يلتق غَيْرُ المُسْلِم مع الإسلام في بَعْض الجهات من حيث لا يُشعر، ويُريد... قَالَ الشَّيخ مُحمّد عَبْدَه : «قد تجد في أوروبا «المُسْلِمِين» بغير إسلام، وفي البلاد الإسلامية «إسلاماً» بغير مُسْلِمِين» (1.)
1) انظر: محاضرات للشيخ محمد عَبْدَه : 127، فقه السُّنَّة للسيد سابق : 217/2 وما بعدها.
وَقَالَ الفَيْلَفُوس، والشاعر الشَّهير مُحمّد إقبال: «إنَّ الإِسْلام يتفق مع السّيُوعِية في أنه ضِدّ الرَّأسمالية، والإقطاع، والملوك، والقياصرة..... ولكن هذه المبادىء موجودة في الْقُرْآن، ولا حَاجَة لِلمُسْلِمِين أن يلتمسوها في كتاب آخر... أنا لا أعتقد أنّ الرُّوس بطبيعتهم شعب غَيْر مُتدين، بل على العكس، وموقفهم من الدِّين حالة طارئة، ولا يُمكن أنْ يَدُوم نظام، ويقوم على الإلحاد... أمّا لينين فإنَّه حِين أنتقل إلى عالم الآخِرَةِ أنكشف الغطاء عن عقله، وآمن بالله، وأعتذر إِلَيْهِ بأنه قد عمي عَنْه تَعَالَى لأنه عاش في عالم يستغل الضَّعِيف، ويَستعبد الشّعُوب، وترفع فيهِ البنوك عَلى المعابد» (1. ونَسي إقْبال أنَّ الإِيمَان فِي الْآخِرَةِ لَا يَجدِي شَيْاً.)وبعد، فإن الدين، والوَطن، والمال كلّ أولَئِكَ الله وحده، ولا شيء لقيصر : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (2).)وَإِذَا كَان المال الله، والنَّاسِ عَبيد له، وعِيال عَلَيْهِ فَأَلْمَالَ - إِذَنْ - بَيْنَهُمْ بالسوية إِلَّا مالاً أكْتَسَبَه من اكتسبه بكد اليمين وعرق الجبين، أو ورثه هَذَا العامل لأهله وأَوْلاَده.. حَتَّى المال الَّذي يَكتسبه عَليّ بكَد يمينه وعَرقِ جَبِينَه - يُقسمه بَيْنَ النَّاسِ بالسَّوِية : «لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا المالُ مَالُ اللهِ» (3.)قَدِم عَلى الإِمَام أخُوه عَقِيل، فقال له : مرحباً بك وأهلاً، ما أقدمك يا أخي ؟قَالَ : تَأخرَ الْعَطَاء عَنا، وغَلا السعر ببلدنا، وَرَكبنًا دَين عَظِيم فجئتُ لتَصلني.
فَقَالَ الْإِمَام : والله ! مَا تَرى لِي شَيْئًا إِلَّا عَطَائِي، فَإِذَا خَرج فَهُوَ لَكَ.فقال عقيل : أشخوص من الحجاز إِلَيْك من أجل عطائك ! وماذا يبلغ من عطاؤك ؟ وماذا يدفع من حاجتي ؟.فَقَال الْإِمَام الورع (رضیَ اللّهُ عنهُ: هل تعلم لي مَالاً غَيْره ؟ أم تُرِيد أَنْ يُحرقنِي اللهُ فِي نَارِ جهَنَّمَ في صلتك بأَمْوَالِ المُسْلِمِين» (1).)وحين أنتقل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ إلى خالقه ما وجدَ فِي بَيْتِه، ولا فِي بَيْت المال بَيْضَاء، ولا صَفْرَاء (2)
وأنظر روضة الكافي : 165 ح :176: كَانَ (عَلَيهِ السَّلَامُ يَستقي ويحتطب، وكَانَتْ فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ) تَطحن وتعجن، وتخبز، وترقع...)أما ما قاله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في زهد على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما جاء في أسد الغابة : 43/4، وكشف الغمة باب المناقب: 218/1، ومناقب الخوارزمي: 116 ح 126 ط مؤسسة النَّشر الإسلامي بقم، وكفاية الطالب: 191 عن عَمَّار بن ياسر قال : سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا علي إن الله عزّوجلّ قد زيّنك بزِينَة لَم يَتزيّن الْعِبَادِ بزِينَة أحبّ إِلَيْهِ مِنْهَا الزَّهد في الدُّنْيَا... وقريب من هَذَا في فرائد السمطين : 136/1 ح 100. ومثله أيضاً في شرح النهج للعلامة الخوئي: 408/2، وكفاية الطالب : 66.)وأنظر تبهج الصباغة في شرح نهج البلاغة للعلامة مُحمّد تقى التستري: 103/1 الطبعة الثانية طهران تحقيق أحمد پاکتچی زاهد الزهاد، فقد طلق (عَلَيهِ السَّلَامُ الدُّنْيَا ثلاثاً وَقَالَ لها «غُرِّي غَيْرِي لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لَا رَجْعَةً فِيهَا فَعَيْشُك قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وَأَمَلُكِ حَفِيرُ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ. وَبُعْدِ السَّفْرِ، وَعَظِيمٍ الْمَوْرِدِ» وهذه وردت في نهج البلاغة : 16/4 حكمة 77 من حَدِيث ضرار قالها عند مُعَاوِيَةَ، ولذا قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): مَا لِعَلِي وَ لِنَعِيمٍ يَفْنَى وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ، وَقُبْحِ الزَّلَلِ، وَبِهِ نَسْتَعِينُ : 21/2 ضمن خُطْبَة 222 وَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَوْ لَا حُضُورُ الحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَماءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ، وَ لَا سَغَبٍ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا، وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ، قَالُوا: وَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْإِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنظُرُ فِيهِ. كما ورد في نهج البلاغة : 1/ 37 خُطْبَة 3 المَعْرُوفَة بالشَّقْشِقِيَّة.)وأنظر وَسَائِل الشّيعة : 66/1، وتجمع البيان : 88/9 روايات كثيرة عن أَهْل بَيْتِ الْعِصْمَة (عَلَيهِم السَّلَامُ في زهده (عَلَيهِ السَّلَامُ) منها ما رواه عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: والله إنْ كَانَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليَأْكُل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد... ولقد ولّي خمس سنين ما وضع آجرة على أجرة... ولا أورث بَيْضَاءُ، ولا حمراء... وإنْ كَانَ ليطعم النّاس خبز البر واللحم، وينصرف إلى منزله ويأكل خبز الشعير، والزيت والخل... وقريب من هَذَا في الروضة : 144 173، والغارات : 81/1 وأنظر قول عُمَرَ بن العزيز في تذكرة الخواص : 150: قَالَ عُمَرَ بن عبد العزيز : ما علمنا أحداً كَانَ في هَذِهِ الْأُمَّة أزهد من علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وأنظر تأريخ دمشق ترجمة الإمام علي: 202/2 ح 1254، ومناقب الخوارزمي : 117 : 117 ح 117.)وَقَالَ الْعَقَّاد في عبقرية الإِمَام : 29... فلم يعرف أحد من الخلفاء أزهد مِنْهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ في لذة دُنيا أو دولة، كَانَ وهو أَمِير المُؤْمِنِينَ يَأكُل الشعير وتطحنه أمْرَ أنه بيديها، وكان يختم على الجراب الَّذِي فِيهِ دقيق الشعير فيَقُول : لا أحب أن يدخل بطني ما لا أعلم... وَقَالَ سُفْيَانَ : إنّ عَلِيَّاً لَم يَين أجرة على آجرة... قد أبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفة إيثاراً للخصاص الّتي يسكنها الفقراء، ورُبَّمَا بَاعَ سَيْفه ليشتري بثمنه الْكِسَاء، والطعام.) وأنظر زهده أيضاً في فرائد السمطين : 352/1 ح 278 وقصَّة سويد بن غفلة معه (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقريب من لفظ الفرائد في البحار : 138/41، والغارات : 1/ 80، والمناقب لابن شهر آشوب: 98/2، وكشف الغمّة : 218/1، وتذكرة الخواص: 107 و 110 عندما دخل عَلَيْهِ سويد بن غفلة قَالَ: دَخَلْت على (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوماً وليس في داره سوى حصير رتْ وهو جالس عَلَيْهِ، فقلت : يا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنتَ ملك المُسْلِمِينَ، والحَاكِم عَلَيْهِمْ، وعلى بَيْت المال، وتأتيك الوفود وليس في بيتك سوى هذا الحصير شيء ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا سويد. إن اللبيب لا يتأنث في دار النقلة، وأمامنا دار المقامة قد نقلنا إلَيْهَا متاعنا. ونَحْنُ منقلبون إِلَيْهَا عن قريب، قَالَ : فأبكاني والله كلامه.
وأنظر قِصَّة الأحنف بن قيس عند مُعَاوِيَةً وقول الأحنف له في وصف الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ كما وردت في تذكرة الخواص : 106، ونهج السعادة في مُسْتَدرَك نهج الْبَلاغَة : 48/2. وقصته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عُقبة بن علقمة كما جاء في الغارات: 84/1, أسد الغابة : 23/4. وقصته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع رجل من ثقيف كما في التذكرة : 107. وكشف الغمة : 1/ 233، وسفينة البحار : 458/2 في قِصَّة الكبد المشوي. وقِصَّة الفالوذج في الغارات : 162/1 و 88 و 97 وغَيْر هَذا كثير.)وأنظر المصادر التي تبحث عن زهده (عَلَيهِ السَّلَامُ مثل المناقب: 97/2، وشرح النهج للفيض : 956 الكتاب 45 وقصار الجمل : 284/1 و 285 وجامع السعادات : 52/2. وأنظر أنساب الأشراف: 130/2 و 140 وما بعدها تحقيق المحمودي الطبعة الأولى مؤسسة الأعلمى بيروت، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 28/3 ط بيروت، تأريخ ابن عساكر : ح 1242، ومُسند أحمد بن حنبل ح 7 و 16 و 24، المغني: 141/20، وأنظر نهج البلاغة تحقيق (صُبحي الصالح) : 283 خُطْبَة رقم 191، والمناقب للخوارزمي : 66، وكشف اليقين : 85 وما بعدها، وكشف الغمة : 163/1 و 70، ونهج الحق وكشف الصدق لابن المطهر الحلّي، ودلائل الصِّدْق للشيخ المظفّر : 536/2 و 538، المعيار والموازنة : 238 و 239 و 241، وكشف المراد : 412. والمناقب لابن شهر آشوب : 364/1 ط النجف، و : 52/2ط النجف أيضاً، و : 94/2 ط إيران، وتحف 52/2ط العُقُول تحقيق الغفاري : 180 وما بعدها.
... هذا هو الإِسْلام في جوهره «إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَثْمَةِ الْعَدْلِ أَنْ)1) أنظر، الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة لابن قتيبة : 101/1، نظرات في الكتب الخالدة للدكتور حامد حنفي: 147. مجلة رِسَالَة الإِسْلام العدد (14) تنظيم الصَّدَقَة في الإسلام الحامد حنفي داود.
2) لَسْنَا بصدد بيان الزُّهد لغةً، وأصطلاحاً، ومَوْضُوعَاً، بل نُشير إشارة عابرة إِلى زُهد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخير كَلام نفتتح به هذه الإشاره هو كلام أبن أبي الحَدِيد الْمُعْتَزِلي في شرحه للنهج : 26/1 تحقيق محمد أبو الفضل، قَالَ : وأمّا الزُّهْد في الدُّنْيَا فَهُوَ سَيّد الزهاد، وبدل الإبدال، وإِلَيْهِ تُشدُّ الرحال، وعِنده تُنْقَضُ الأخلاس، ما شَبعَ من طعامٍ قط، وكان أخشنَ النَّاس مأكلاً، وملبساً... ومثل هَذَا ورد في حلية الأَوْلِيَاء : 81/1.)ولا خلاف في أنّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ أزهد الأمة بعد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو الَّذِي بَين مراتب الزُّهْد وأعلى درجاته حَيْث قَالَ: «إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التَّجَارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ» (أنظر) شرح النَّهج للفيض : 1182 الحكمة 229، والبحار (14/41). وعن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): ليس الزُّهْد في الدُّنْيَا لَبس الخشن، وأكل الخشب ولكن الرُّهْد فى : الدُّنْيا قصر الأمل. (أنظر قصار الجمل : 1/ 184 و 284، الغرر والدرر : 63/2 ح 1844 وقريب مِنْهُ في أصول الكافي : 71/5 و 70).)أسْتُشهد (عَلَيهِ السَّلَامُ ولم يضع لبنة على لبنة، ولا تنعم بشيءٍ من لذات الدُّنْيَا، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ وَيَلْبَسُ الخَشِنَ وَيَأْكُلُ الْجَنشِبَ، ويعمل في أرضه فيستنبط مِنْهَا الْعُيُون، ثمّ يوقفها في سبيل الله، ويُصرف ما يصل إِلَيْهِ من مالٍ على الْفُقَرَاء، والمَسَاكِين وفي سَبِيل الله.)قَالَ المسعودي في تأريخه : 433/2 : لم يلبس (عَلَيهِ السَّلَامُ في أيَّامه ثوباً جديداً، ولا أَفَتَى ضَيْعَةً ولا رَيعاً إلا شَيْئَاً كَانَ له بينبع ممّا تصدق به، وحبسه.)وأنظر مروج الذهب أيضاً : 344/2: دخل عَلَيْهِ رجل من أصحابه فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحت يا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ : أَصْبَحتُ ضعيفاً مُذنباً، أكل رزقي وأنتظر أجلي، قال : وما تقول في الدُّنْيَا؟ قَالَ : ومَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ، وَفي حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنِ أَفْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَأَتَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتُهُ. وأنظر الوَسَائِل : 83/11، وتذكرة الخواص: 105: كَانَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَكنس بَيْت المال كلّ يوم جمعة، ثمَّ ينضحه بالماء، ثم يُصلّي فِيهِ ركعتين، ثم يَقُول : تشهدان لي يَوْم الْقِيَامَة.
يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلا يَتَبَيَّعَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ» (1كَمَا قَالَ الْإِمَامِ.)وفي الحَدِيث عَن النَّبِيِّ أَنه قَالَ: «مَا أُحب أنْ يَكُون لِي مِثْل أَحد ذَهَباً أنفقه في سبيل الله، أموْت وأَتْرُك مِنْهُ قِيراطين» (2. من أين جاء بهذا رَسُول الله ؟ وهل ينطق، ويفعل إلا بوحى من الله ؟)
1) أنظر، نهج البلاغة : مِن كَلام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِالْبَصْرَةِ تَحتَ رَقم (209).
2) حَقَّاً ما ترك ديناراً. ولا درهماً ولا عبداً، ولا وليدةً، بل تَرَك دِرعَه مَرهُونةٌ عِند يَهُودِي عَلَى ثَلاثِين صَاعَاً مِن شَعِير. أنظر، مجمع الزوائد : 120/3، كنز العمال : 356/6 ح 16038، مُشنَد أحمد: 1 / 300،السن الْكُبْرَى : 7/4، تَركَة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الحماد بن زيد البغدادي : 76، البداية والنهاية : 305/5.
## الخطْبَةُ - 127 -### مُحِبّ مُفْرِطُ، وَمُبْغِضٌ قَال... فِقْرَة 1 - 2:فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ، وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بِضَلَالِي، وَ تَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَ تُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي! سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ، وَ السُّقْمِ، وَ تَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وَ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ، وَ قَطَعَ السَّارِقَ، وَ جَلَدَ الزَّانِي غَيْرَ الْمُحْصَنِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ، وَ نَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ، فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقَامَ حَقَّ الله فِيهِمْ، وَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلامِ، وَ لَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ (1). ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَ مَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ، وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ وَ سَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ : مُحِبُّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَ مُبْغِضُ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَ خَيْرُ النَّاسِ فِي حَالَا التَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ، وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةُ !)فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذَّنْبِ. أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى
هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، وَ لَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ (2.)اللغة:المحْصَنَ - بفتح الصَّاد - المتزوج. والفيء : الْغَنِيمَة. وَضَرَبَ بِهِ التِّيهَه : سَلَكَ بِهِ فِي مسالك الضّياع، والهلاك. والنّمَطُ الأَوْسَطُ : المذهَب، أو النَّوْعِ الْأَوْسَطُ والشِّعَارِ : العَلامَة عَلَى شَيْء خاص.الإعراب:ضَمِيرِ التَّثنية في نَكَحَا يعود إلى الشارِقَ، والزَّانِي، ومُحِبُّ، وَمُبْغِضٌ بَدل مُفصل من مُجمل، والمُبدل منهُ صِنْفَانِ. وحالاً تمييز.الْمَعْنى:المَعْرُوف عن مَذْهَبِ الخَوَارِج أنهم يُكفّرون أَهْل الكبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ، ولكنْ عبارة المواقف للإيجي تدل أنهم لا يُفرقون بَيْنَ الذُّنُوب الكبيرة والصَّغِيرة، وهَذَا نصها: «قالت الخوارج : كلّ مَعْصِيَة كُفْر» (1وكَلِمَة «كلّ» تُفيد العمُوم، واستخراج الأفراد، والشيخ أبو زُهرة على هَذَا الرَّأي في كتاب الْمُذَاهِب الإِسْلاميَّة، بل ألزم الخَوَارِج بإشكال لا مفرّ لهم منه، وهو أن تكفيرهم لِلْإِمَامِ بسبب التَّحْكِيم مَعناه أنّ كلّ من يُخالفهم الرّأي فَهُوَ كَافر يجب قتله، وإنْ أجتهد فأخطأ ! وهَذِهِ عِبارة الشيخ)
1) أنظر المواقف : 380/4، وما بعدها كشف القناع للبهوتي : 270/1، الملل والنحل للشهرستاني: 1/، 48، الحور الْعَيْن : 177، البدء والتاريخ : 142/5 المُعْتَزِلَة وأصولهم الخمسة، وموقف أهل السُّنَّة مِنْهُم : 14 – 21.
في كتاب المذاهب الإسلامية : «يرى الخَوَارِج تَكفير أَهْلِ الذُّنُوب، ولَم يُفرقوا بَيْنَ ذَنْبٍ وذَنّب، بل أعتبرُوا الخَطَأ في الرأي ذنباً إِذَا أدى إلى مُخالفة وجه الصواب في نظرهم، ولذا كَفْرُ وا عَلِيَّاً بالتَّحْكِيم مع أنه لم يقدم عَلَيْهِ مُختاراً... فلجاجهم في تكفيرة دليل على أنهم يرون الخطأ في الإجتهاد يُخرج عَن الدِّين» (1، وبناءً على قولهِم هَذَا يَجب حصر الإسلام بالخَوَارِج وحدهم، وباقي النَّاس كلهم ضَالّون وملحدون، بل بناءً على هَذَا الْقَوْل يَجب تخطئة النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فِي قَوْله المتواتر : «إِذَا حَكَمَ الحَاكِم فأجتهد فأَصَابَ فله أجران، وَإِذَا حَكَمَ فأجتهد فأخطأ فله أجرٌ» (2).)(فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ، وَضَلَلْتُ. والخِطَاب للخوَارِج الَّذِين كَفَرُوا الإمام بسبب التَّحْكِيم، وقَوْله : «أَخْطَأْتُ، وَضَلَلْتُ» بِزَعم الْخَوَارِج يُؤيد ما نَسبه إِلَيْهِمُ الشَّيخ أبو زُهرة من أنهم يُكفرون من خالفهم في الرأي والاجتهاد. وفي شرح أبن أبي الْحَدِيد «أنهم يعتبرون دار الإِسْلاَم دَار كُفر لا يجوز الكفّ عن أحدٍ من أَهْلِها... وإنّ قوماً منهُم كَانوا يقتلون الأطفال حَتَّى البهائم» (3).)وقد أحتج الإِمَام عَلَيْهِمْ بِما يَلي :(فَلِمَ تُضَلَّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بِضَلَالِي). لنفترض أنّي أخطأتُ كَمَا تَزعَمُون فأي ذَنبٍ للأبرياء حَتَّى قطعتم عَلَيْهِمُ الطَّرِيق، وقتلتمُوهم ظُلماً، وعُدْوَاناً :)
1) أنظر، كتاب المذاهب الإسلامية : 241، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، كشف القناع للبهوتي : 270/1، الأنساب للسمعاني : 215، اللباب : 174/3.
2) أنظر، كتاب الأم للشافعي : 216/6، المجموع: 149/20، فتح الوهاب: 362/2، الرَّسَالَة : 494. مختصر المزني : 299، المحلي: 70/1 سُبل السلام : 117/4، الطرائف : 192.
3) أنظر، شرح النهج : 136/4 و: 113/8.
(سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ، وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبُ والله سُبْحَانَهُ يَقُول : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (1).)فكَيْفَ تُكفّرون بأسم الإِسْلام من نص الْقُرْآن عَلى براءته ؟ثُمّ لنفترض أنّي عَصِيتُ كَمَا تَزعَمُون فإنّ الْمَعْصِيَة لا تستدعي الْكُفْر، والخروج عن دين الإسلام، والدليل على ذَلِكَ أنّ رَسُول الله كَان يُعامل مُرتكب الْكَبِيرة مُعَامَلَة المُسْلِم، ويجري عَلَيْهِ جَميع أَحْكام الإِسْلام... ثم ذكر الإِمَام أَرْبَعَة أَمثلة تشهد على أنّ الذَّنب وإنْ كبُر لا يخرج المُسْلِمِ بهِ من دِينِه إِلَى الْكُفْرِ والإلحاد.(وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ الزَّانِي الْمُحْصَنَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَرَثَهُ أَهْلَهُ) أنفقَ الْمُسْلِمُون عَلى أنّ المتزوج الَّذي يَملك فَرجاً يَغدو عَلَيْهِ ويَرُوح مَتى شَاءَ ثُمَّ زَنَا - يُقام عَلَيْهِ الرَّجم، ولَكِنَّهُ لا يَخرج ذَلِكَ عن الإسلام وقد صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيِّ، وَوَرَّثْه مِن قَرِيبه المسلم، وهدي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)هو الحُجّة، والدَّلِيل. وكُلنا يعلم أنَّ الزِّنَا من الكبائر.)2 - (وَ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَ وَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ. وأيضاً ثبت عَن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه حكم يقتل من قتل مُؤمِناً مُتعمداً، وقَسّم ميراثه بَيْنَ أقربائه الْمُسْلِمِينَ الْقَتْل من أكبر الكبائر، ولو كان مُستوجباً للكفر لما وَرّث المُسْلِم شَيْئَاً من تركة القاتل، لأنّ المُسْلِم لا يرث الْكَافِر عِند المذاهب الْأَرْبَعَة، ولا عِند الخَوَارِج - كما يظهر من رَدّ الْإِمَام، ونقضة عَلَيْهِمْ - وإنْ كَان المُسْلِم يَرث من الْكَافِرِ «عِند سَعيد بن المسيب، ومسروق، وعبد الله بن معقل، والشّعبي، والنَّخَعِيّ، ومُعمر، وروي ذَلِكَ عن عُمَرَ)
1) الأنعام : 164.
ومعاذ» (1.3 و 4 - (وَ قَطَعَ السَّارِقَ، وَ جَلَدَ الزَّانِي غَيْرَ الْمُحْصَنِ، ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ، وَ نَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ. وأيضاً ثبت أن رسول الله قَطَعَ يَد السَّارِق، وجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ المتزوج بالشُّرُوط المذكورة في كتب الفقه، ثُم أجرى عَلَيْهِمَا حُكم الإسلام من المناكحة، والميرات، ومشاركة المُسْلِمِين في المخراج، والغَنِيمة، والصَّلاة على الجنازة، والدَّفن في مقابر المُسْلِمِين، ومَعْنَى هَذَا أَنَّ الذَّنب يُوجب الفُسق دُونَ الْكُفْرِ (فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِذُنُوبِهِمْ) وَهِي الزِّنَا، وقتل العمد، والسَّرقة فِي غَيْر سَنَة المجاعة (وَأَقَامَ حَقَ اللهِ فِيهِمْ)، وهُو حَدّ الْقَتْل على القاتل عمداً، والرَّجم عَلى الزَّانِي المَحْصَنِ، والجلد عَلَى غَيْرَ الْمُحْصَنِ، والقَطعَ عَلَى السَّارِقِ (وَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَ لَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ) بل أَبقاهُم عَلَى دِينِ الإِسلام، وأعطاهُم كُلّ ما لِلمُسْلِمِين مِن حَقَّ (ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ، وَ مَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ) يُشير إلى أنّ الْخَوَارِج من الَّذِين يصدق عَلَيْهِمْ قَوْله)
1) أنظر، المغني لابن قدامة : 6 / 166، كتاب الفرائض. (مِنْهُ). الباب: 324/3. أسهل المدارك : 288/3، الأم : 73/4، المبسوط للسرخسي : 30/30، الروضة البهية: 31/8، الموطأ : 868/2. الشرائع : 14/4، الخلاف : 28/4، بداية المجتهد: 354/2، أسهل المدارك : 288/3، المجموع: 61/16. الوجيز : 26/12، مغني المحتاج : 25/3، السِّراج الوهاج،329، الشرح الكبير : 219/7، حاشية ردّ : المحتار: 767/6، نيل الأوطار : 195/6، الفتاوى الهندية : 454/6/6. البحر الزخار : 367/6.)وأنظر ترجمة هَؤُلاء في أعيان الشّيعة : 249/7، والخلاصة : 1/79، ورجال الطوسي : 1/90، ورجال الكشي: 332/1، ورجال أبي داود: 695/1، وتنقيح المقال : 30/2. وطبقات ابن سعد : 119/5، والمعارف: 248، وتذكرة الحفاظ : 51/1، وسير أعلام النبلاء : 88/217/4، وتاريخ الإِسْلام : 4/4، وتهذيب التهذيب : 74/4، والبداية والنهاية : 99/9، وطبقات الحفاظ : 17، والنجوم الزاهرة : 228/1، شَذرات الذهب : 102/1.
تَعَالَى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَنُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (1).)(وَ سَيَهْلِكُ فِي صِنْفَانِ : مُحِبُّ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَ مُبْغِضُ مُفْرِطُ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَ خَيْرُ النَّاسِ فِىَّ حَالاً النَّمَطُ الأَوسَط فَالْزَمُوهُ. المُفْرِط بتخفيف الرَّاء هو المسرِف الذي يتجاوز الحد، ويُقَال له : المغالي، والمُفرّط بتشديد الرَّاء هو المقصر المهمل، فإن أظهر العداوة والبغضاء فهو نَاصى، والنّمَطُ الأَوْسَطُ بَيْنَهما لا مُسرف، ولا مُقصر، لَيْسَ بِغَالٍ، ولا بِقَالٍ، وفي الاِسْتِيعَاب ما نصه بالحرف: «روت طَائِفَة من الصَّحَابَة أَنّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لِعَليّ: «يَا عَلِيُّ، لَا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقُ» (2)... ويهلك فيك رجلان : مُحِبٌ مُفرِط،
1) الْمجَادِلَة : 19.
2) أَنظر، سُنن التَّرمِذي : 601/5، ح 3819، و : 116/8 كتاب الإيمان باب المناقب ن بَاب المناقب ح 3736 بإختلاف ح يسير في اللفظ، خصائص النسائي : 83 ح 95 و 96، وفرائد السمطين : 133/1 ح 95، تأريخ دمشق لابن عساكر : 2 / 190 ح 674 و 192 ح 679 و 202 ح 693 و 203 ح 694، صَحِيح مُسلم : 86/1 ح 131،كنز الفوائد : 83/8 و 84، بشارة المُصْطَفَى : 64 و 76 و 148. كفاية الطالب : 68 و 20 ط الغري، فتح الباري : 57/7، البحار : 255/39 - 28 - 30، مُسْنَد أبي يعلى الموصلي : 347/1، مُشنَد أحمد: 95/1 و 292/64، سنن ابن ماجه : 42/1 ح 114، سنن النسائي : 117/8، تأريخ بغداد: 255/2، و : 426/14 الاستيعاب : 37/2، مناقب ابن شهر آشوب : 206/3.)وأنظر. إرشاد المفيد : 37 الفصل 3 من الباب 2 رقم 1، شرح النهج للفيض : 1099 الحكمة 42، وفي صبحي الصّالح : 477 من الحكمة 45 قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : يا علي لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق، وفي شرح النهج، لابن أبي الحديد : 173/18، و : 4 /82، وكشف الغمة : 526/1، المناقب لابن المغازلي: 90 ح 225 و 232، المناقب لأحمد بن حنبل : 536/2 حيل : 2/ 536 948، الصَّوَاعِقِ الْمحْرِقَة : 122 و 73 ط الميمنية و : 120 ط المحمدية، ذخائر العقبى: 91، الفضائل لأحمد: 619/2 ح 1059، حلية الأولياء : 4 / 185، مشكاة المصابيح : 3/ 1722 ح 6091 ينابيع المودة : 149/1 وما بعدها 392/20 و 180 ط أسوة و : 47 و 48، و 213 و 282 ط اسلامبول و 52 و 53 و 252 و 327 ط الحيدرية، نور الأبصار : 72ط العُثمانية. و : 71 ط السعيدية، تذكرة الخواص،28، مطالب السؤول: 48/1، نظم درر السمطين: 102، تأريخ الخلفاء: 170.)وأنظر. إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار : 154ط السعيدية و : 140 ط العُثمَانِية، أَنْسَابِ الْأَشْرَاف: 97/2 ح 20، مصابيح السُّنّة : 275/2، الرياض النضرة : 2 / 284، كنوز الحقائق : 192 ط، 284/2 بولاق و : 203 ط أخرى، جامع الأصول لابن الأثير : 473/9 ح 6488، مشكاة المصابيح : 242/3 كنز العمال: 15 / 105 ح 300 الطبعة الثانية، الغدير : 182/3، إحقاق الحق : 1907، الشَّذرات الذهبية لابن طولون : 56، أسنى المطالب للجزري: 54، نزل الأبرار 55، مسند الحميري : 31 ح 58 ط المدينة المنورة، المُصَنَّف لابْن أبي شيبة : 57/2، أسد الغابة : 602/3 ط بيروت، معجم الشيوخ: 237 رواه محمد بن أحمد بن جميع الصيداوي.
وكَذَاب مُفتر (1... وتفرق فِيكَ أُمتي كما أفترقت بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي عِيسَى» (2): يُشير (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى النَّصارى الَّذِين ألهوا عِيسَى، وإِلى اليَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا : هو ابن زِنَا.)ونقل السَّيِّد مُحسن الأمين، عن مُسْنَد أحمد، وصَحِيح التّرمِذي، واستيعاب أبن عبد البَر، ومُسْتَدرَك الْحَاكِم، نقل : أنّ بُغض على كَان العلامة عند الصَّحَابَة
1) أنظر، مُسْنَد أحمد: 160/1 مجمع الزوائد: 132/9، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب : 227/1 كنز العمال: 326/11، تَفْسِير فرات : 405، تفسير نور الثقلين: 358/1، كنز الدقائق : 137/2، مناقب أمير المُؤْمِنِينَ الكوفي: 283/2، العُمدة لابن البطريق : 212 شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي 405/2، عوالى التالى : 87/4.
2) أنظر، الاِسْتِيعَاب لابن عبد البر المالكي: 36/3، طبعة سنة 1939 م (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)وأنظر. المناقب لابن المغازلي : 237 الرقم (285، الكافي : 57/8 ح 18. كنز العمال: 125/13،العمدة : 213، المسترشد في الإِمَامَة : 636، بشارة الْمُصْطَفَ : 246. الأخبار: 405/2، مُسْتَدرك الحاكم: 123/2، فرائد السمطين : 35/1 ح 133 نهج البلاغة : حكمة «117»، المعيار والموازنة : 32 شرح البلاغة للمعتزلي : 4/5، تفسير فرات الكوفي : 405، شواهد التنزيل: 233/2، تهذيب شرح نهج الكمال : 485/20، العدد القوية : 248، أمالي الصدوق : 156، كشف الْيَقِين : 430، روضة الواعظين: 112، كتاب سليم بن قَيْس تحقيق الْأَنْصَارِي : 412.
للمنافق في دينه، وتمييزه عن المؤمن الصادقر(1... وثبت بطَرِيق القطع أن مُعَاوِيَة كَانَ يَسب عَلِيَّاً، ويَدعو إلى سَبّه (2.
1) أنظر، أعيان الشيعة : 154/3، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، وقد تَقَدَّمَت تخريجاته بالإضافة إلى ذَلِكَ أنظر، سُنن الترمذي: 298/5 باب 83 ح 3800 جامع الترمذي: 299/2، صَحِيح الترمذي : 593/5 ح 3717 فضائل الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولكن بلفظ : كنا لنعرف المُنافِقِين نَحْنُ مَعَاشِرِ الأَنصار ببغضهم علي بن أبي طالب الصَّوَاعِقِ الْمحرِقَة : 122، مُسند أحمد: 2/ 639 ح 1086، مجمع الزوائد : 132/9، المناقب: 332 ح 353 ذَخَائِرِ الْعُقْبى : 91.)وفى مُسْنَد :أحمد : 579/2 ح 979 عن أبي سعيد الخدري ولكن بلفظ «منافقي» بدل «منافقينا»، أنظر ينابيع المودة : 1/ 150 و 151، و : 2/ 180 و 461 و 277 ط أسوة. شرح النهج لابن أبي الحديد: 83/4، شرح النهج للعلامة الخوئي : 84/21، والحديث بلفظه في فرائد السمطين : 365/1 ح 294 و 295 باختلاف يسير وح 293.ولَسْنَا بصدد ردّ ابن تيمية في منهاج السُّنّة : 179/2 وإيراده على هذا الحديث وإنكاره بعدم مَعْرِفَة سنده بل تُحيل القارئ الكريم إلى الغدير : 181/3 - 188 مع العلم أنّ الحديث روي عن ابن عُمَرَ، وأبي ذر الغفاري، وجابر الأنصاري، وأبي سعيد محمد بن الهيثم وأبي الدرداء وقد ذكر ذَلِكَ صاحب الرياض 21/2، وحلية الأولياء : 295/6، والإستيعاب : 46/3، أسنى المطالب : 8، والتذكرة : 17.
2) أنظر، مُسْنَد أحمد: 188/1، 2 / 594 ح 1011 و : 323/6، المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 121/1، و : 138/3 مجمع الزوائد : 130/9، نظم درر السمطين : 106، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 187/1 ح 152 سُنن أبي داود: 402/2 كتاب السُّنَّة : 606، 1433، كفاية الطالب : 82 و 83، المحاسن : 260/1. الغارات : 843/2، مناقب أمير المؤمنين للكوفي : 547/2، شرح الأخبار : 155/1 ح 101، الثاقب في المناقب: 271، مناقب آل أبي طالب : 104/2، المعجم الْكَبِير : 82/3 - 94 طبعة بغداد. كشف الْيَقِين : 232، أَنْسَاب الأشراف: 11/3 الطبعة الأولى، فرائد السمطين : 302/1 و 303 ح 241 مروج الذهب : 4352، بحار الأنوار : 311/39، الغدير للأميني : 2/ 219، الصَّوَاعِقِ الخرقة : 74 ط الميمنية و : 121 المحمدية بتفاوت، ذَخَائِرِ الْعُقبى : 66، المناقب للخوارزمي : 137 ح 154 و: 394 و 395، خصائص النسائي : 24، كنز العمال: 401/6، ومشكاة المصابيح : 565 و 1722/3 ح 6092 ط أخرى، وتأريخ الخلفاء : 67، والرّياض النضرة : 166/2 بألفاظ متقاربة.)وأنظر تهذيب الكمال : 327/4 تأريخ ابن معين الدوري : 326/2. الْعِلل لأحمد : 176/3 ح 4781. التَّارِيخ الكبير للبخاري : 319/8 ح 3163، التَّاريخ الصَّغير للبخاري: 238/1، كذلك بناء المقالة الفاطمية : 95، الثقات لابن حبّان 537/5، تاریخ بغداد : 463/7، تاریخ دمشق : 194/11، سير أعلام النبلاء : 105/12، نور الأَبْصَار : 99 فَضَائِل الخمسة من الصحاح الستة : 223/2، أمالي الشيخ الصدوق : 105/1 60 و 52 و 53 المجلس الحادي عشر ح 2، مُنتخَب كنز العمال بهامش مُسند أحمد : 30/5. يُنابيع المودة : 152/1، و: 102/2 و 274 و 277 ط أسوة، الجامع الصغير : 608/2 ح 8736. مَوَدَّة القُربى : 15. كشف الغمة : 32.
الجماهير:(وَ الْزَمُوا السَّوَادَ الأَعْظَمَ أي الجماعة بدليل قَوْله بلا فاصل: (فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ) أي مَعَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) (1)أي مَع حُبِّه، والمراد بالجماعة الكثرة المعبر عَنْهَا الآن بالجماهير، كأَهْل الزراعة، والصِّنَاعَة، والتِّجَارَة التي لا غنى عَنْهَا حِيَاة الناس، وأَهْل الْفِكْر، والْقَلَم، وكَانَتْ طَبقة «الْأَشْرَاف» تُعبر من قبل عن هَؤُلاء بالهمل - بفتح الهاء - أي الإِبل المتروكة مع الْعِلْم، والْيَقِين بأن مَا مِن أُمّة تَأمل في النهوض إِلَّا بِكَد الجماهير، وجهودهم. فَهُم الَّذِين صنعوا التَّاريخ والحضارة، وما زالت بصماتهم إِلَى الْيَوْم، وإلى آخر يَوْم على الأهرام، وسَدّ الصّين، وقناة السويس، وألوف القِلاع، والصّرُوح... وبِهَذَا نَجد التَّفْسِير الصحيح لقول الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَن سَرَّه بَحبُوحَة الجَنَّة فَليَزَم الجماعة» (2)... ومَن خَرَج قيد شبر عَن الجَمَاعَة فَقد خَلع ربقة الإِسْلَام عَن)
1) الإِنْسَان : 8.
2) أنظر، كنز العمال: 207/1 ح 1033، الفائق في غريب الحديث : 73/1 شرح نهج البلاغة لابن أبي التحديد : 123/8، مُسند الشهاب: 250/1 ح 450. المعجم الأوسط : 193/7، منتخب مُسند عبد بن حميد : 37، المصنف لعبد الرزاق الصنعاني : 341/11، تجمع الزوائد : 255/5، سنن الترمذي: 315/3. مُسْنَد أحمد: 26/1، كتاب المسند للشافعي : 244.
عُنقه» (1... «وَمَن فَارقَ الْجَمَاعَة مَات مِيتَة جاهلية» (2)أي مُجرماً، سفّاحاً.)(فَإِنَّ الشَّاذَ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ أي يُقِيم العقبات، ويبني السدود فِي طَرِيق الجماهير العاملة، وتقدمها إلى الأمام فهو من إخْوَان الشَّيَاطِين، والشّذاذ الملاعين (أَلا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَأَقْتُلُوهُ) لأنّه عَدُوّ الحَيَاة، والإِنْسَانِية (وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ) أي ولو كُنتُ «أَنَا» ذَاكَ الْعَدُوّ الذي يُضايق الجَماهير بأساليبه، وأَطماعه.)### الْحَكَمَان.... فِقْرَة 3 :فَإِنَّمَا حُكّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَيُمِينًا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ، وَإحْيَاؤُهُ الاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَإِمَاتَتُهُ الاِفْتِرَاقُ عَنْهُ. فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا أتَّبَعُونَا، فَلَمْ آتِ - لا أَبَا لَكُمْ - بُجْراً، وَلا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ، وَلا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ، إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأي مَلَئكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ، فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَ الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ. وَ قَدْ سَبَقَ أَسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ، وَ الصَّمْدِ لِلْحَقِّ - سُوءَ رَأْيِهِمَا،
1) أنظر. المجموع: 190/19، المبسوط للسرخسي : 263/7، روضة الطالبين : 27/7، مغني المحتاج: 124/4، حَوَاشِي السّرواني : 65/9 كشف القناع : 206/6 إعانة الطالبين : 178/4، نيل الأوطار: 357/7. المحاسن : 94/12. الكافي : 405 ح 4.
2) أنظر، منتهى المطلب للعلامة الحلي: 983/2، سُبل السلام : 261/3 ج 5، نيل الأوطار: 356/7 ح 3181، سنن البيهقي: 157/8، تيسير الوصول : 39/2، صحیح مُسلم: 21/6.
وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا.اللُّغَة:البجر - بضم الباء وسكون الجيم - الشَّرِ والدَّاهِية والختل : الخِدَاع.والملأ : الجماعة، وقيل : هُم «الْأَشْرَاف» الَّذِين يملأون الْعَيْن أَبْهَة، والصَّدر هَيْبَة. والصَّمْد - بسكون الميم - القصد.الإعراب:الْحَكَمَانِ نَائب فَاعِل لحكم، ولِيُحْيِيَا نُصب بأنْ مُضمرة بعد اللام، وآتِ مُضارع تجزُوم بِلَمْ، وبُجْراً مَفْعُول لآتِ، ولا أَبَا لَكُمْ «لاَ» نَافِية للجنس وأب أسمها وَلَكُمْ خَبَر، والجملة مُعترضة، واسْتِثْنَاؤُنَا فَاعِل سَبق، وسُوءَ رَأْيهما مَفْعُول.الْمَعْنى:(فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ. إنّ الإمام قاتل مُعَاوِيَة، وحزبه عَلَى الْقُرْآن كما قاتل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَبَا سُفْيَانَ مِن قَبل عَلَى تَنزِيله، ويشهد ذَلِكَ حَدِيث «خاصف النعل» الذي رواه النسائي في الخصائص، وأبو نعيم في «الحلية»، والحاكم في «المُسْتَدرَك»، وهو أنّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ رَجُلاً مِنكُم يُقاتل النَّاسِ عَلى تأويل الْقُرْآن كما قاتلتُ عَلى تَنزِيله» (1)، ولما سُئل عَن هَذَا)
1) كَانَ المشركون إذا أبصروا عَلِيَّاً في الحزب عهد بعضهم إلى بعض. وهو الذي ركز الراية في أصل الحصن يَوْم الْأَحْزَاب، وهو الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في غَزْوَة الحُدَيْبِيَّة في حَدِيث طويل... لتنتهين يا معشر قريش، أو ليبعن الله عَلَيْكُم رَجُلاً امتحن الله قلبه بالإيمان يضرب رقابكُم على الدين. فَقَالَ بعضهم : مَن هو يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : خاصف النعل في الحجرة، فتبَادَرُوا إِلَيْهَا ليعرفوا مَن هو، فَإِذَا هو أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ). (سنن الترمذي : 634/5 ح 3715، الفضائل لأحمد: 571/2 ح 966 و 1105، مُسْنَد أحمد: 3/ 33 ح 11307 و 11790، المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم: 2/ 149 ح 2614 و 132/3 1 : ح 4621 و : 332/4 ح 7819).)وهو الذي قَالَ فِيهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : إنّ بَيْنَكُمْ من يُقاتل على التأويل، كما قاتلت على التنزيل. (جمع الفوائد: 324/1، مَجْمَع الزوائد : 5/ 189 و : 133/9، خصائص النسائي: 40 و 166). ولذا قال الإمام الشَّافعي: أخذ المُسْلِمُون السِّيرَة في قتال المشركين من رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وأخذوا السيرة في قتال البغاة من علي (عَلَيهِ السَّلَامُ). (شرح النهج لابن أبي الحديد : 231/9 نقلاً عن كتاب الأم للشافعي : 4 / 233 بَاب الخلاف في قتال أهل البغي).)وأنظر، الإصابة : 290/4 ح 5090 موارد الظمآن : 544/1 ح 2207، صحيح ابن حبان : 1 / 1385 ح 6937، معجم المحدثين : 126/1، العلل المتناهية : 242/1 المتناهية: 242/12 ح 386 السُّنن الْكَبْرَى: 5 / 127 ح 8457، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 367/6 ح 32081 و 32082، شرح معاني الآثار : 359/4، معتصر المختصر : 220/1، المعجم الأوسط : 158/4 ح 3862، مُسند البزار: 118/3 ح 905 مُسْنَد أبي يعلى : 341/2 ح 1086 تاريخ بغداد : 134/1 و: 433/8 رقم (4540.
المقاتل ؟ قَالَ : هُو خاصف النّعل، وكان عَلى يَخصف نعل رَسُول الله حِين نَطق بهَذا الحديث... وعلى هَذَا الأَسَاس، أساس العَمَل بالْقُرْآن رَضِي الْإِمَام بالحَكَمين، أو سكت عنهما بَعد أنْ أشترط عَلَيْهِمَا الْعَمَل بكتاب الله، لا بالهوَى، والرّأي. وتَقَدَّم ذَلِكَ (1. (وَ إِحْيَاؤُهُ الاِجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَ إِمَاتَتُهُ الاِفْتِرَاقُ عَنْهُ). إِنْ أجتمعت كَلِمَة)
1) أنظر، ذلكَ مُفصلاً في شرح المخطْبَةُ : 125 من هَذَا الكتاب. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)وخلاصة التحكيم :قَالَ أبو موسى: «أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأُمَّة فلم ترَ أصلح لأمرها ولا ألم لشعتها من أمر قد جمع رأيي. ورأي عَمْرُو عَلَيْهِ، وهو أنْ نَخلع عَلِيَّاً ومُعَاوِيَة، وتستقبل هذه الأُمَّة هَذَا الأمر بأنفسها فيولُوا مِنْهُم مَنْ أحبّوا واختاروا، وإنّي قَد خَلعتُ عَلِيَّاً، ومُعَاوِيَة فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلاً لذلك. ثم تنحى.أنظر. تأريخ الطبري : 52/4 مع اختلاف يسير في اللفظ من حيث التقديم والتأخير بِبَعْض الكلمات والزِّيَادَة. وانظر أيضاً الفتوح: 211/2 بإضافة : وإني قد خلعت عَلِيَّاً من الخلافة كما خلعت خاتمي هَذَا من أصبعي، والسَّلام. وانظر شرح النهج لابن أبي الحديد : 256/2 تحقيق محمد أبو الفضل، وانظر وَقْعَة صفين : 546 وفيه : ثم تنحى فقعد.وأقبل عَمْرُو بن العاص فقام مقامه فحمد الله وأثنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّها النَّاس، إن أبا موسى قد خلع صاحبه عَلِيَّاً وقد قَالَ ما سمعتم، وأنا أيضاً قد أخلع صاحبه عَليَّاً وأثبت صَاحِي مُعَاوِيَة عَلَى الْخِلَافَة فَإِنَّه وليّ عُثمانَ بن عَفَّان، والطَّالب بدمه، وأحق الناس بمقامه ثُمَّ تنحى.تأريخ الطبري : 52/4، الفتوح لابن أَعْثَمْ: الفتوح لابن أَعْثَمْ: 211/2، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 256/2 وَقعَة صِفِّين : 546. ولا نريد التعليق على كلام ورأى أبن كثير في البداية : 284/7 في التحكيم حَيْت قَالَ : فأقر - يعني أبن العاص - مُعَاوِيَةَ لما رأى ذَلِكَ من الملحة والاجتهاد يخطئ ويصيب.... وأبن العاص خاف على الأمة أن تنام ليلة واحدة بدون إمام؟ لأن من مات في هَذه اللَّيْلَة فستكون ميتته ميتة جاهلية، فلهذا أسرع بتنصيب إمام الزمان مُعَاوِيَةَ... ولو لم يفعل ذلك لوصل الأمر إلى مفسدة طويلة... ولكن نطرح عَلَيْهِ سؤالاً لِماذا لم يقل ذَلِكَ ابن كثير عندما يتطرّق إلى الإمامة والوَصِيَّة والخلافة بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وكَيْفَ يترك رسول الإِنْسَانِية الأمة بدون إمام ؟)فَقَالَ أبو موسى : مالك لا وفقك الله غَدَرت، وفجرت ؟؟ وإنما مثلك كمثل الكلب إنْ تَحمل عَلَيْهِ يَلهث، أو تتركه يلهث.تأريخ الطبري: 4 / 52 وانظر الفتوح لابن أَعْثَم: 211/2 بلفظ : عَلَيْكَ غضب الله فوالله ما أنتَ إلا كما قَالَ تَعَالَى: فمثله كمثل الكلب... الآية : 176 من سُورَة الْأَعْرَافِ، الأخبار الطوال : 201. شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 256/2 تحقيق محمد أبو الفضل.فَقَالَ عَمْرُو لأبي موسى: أنْتَ إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً.تاريخ الطبري : 52/4 أما أبن أعثم لم يذكر الآية : 5 من سُورَة الْجُمُعَةِ التي قالها عَمْرُو بن العاص بل قَالَ : وتشامتوا جميعاً، وضجّ الناس وقَالُوا : هَذه خديعة ونَحْنُ لا نرضى بِهَذَا، ودخل عُمْرُو من ساعته إلى رحله وكتب إِلى مُعَاوِيَةَ بِهَذِه الأبيات:أتتك الخلافة في حذرها*** هنيناً مريئاً تقرّ العُيُونَاتزف إليك زفاف العروس*** بأهون من طعنك الدار عيناإلى آخرها ثم قَالَ : وشتم، وشمتَ أَهْل الشام بأهل الْعِرَاق.وفي مروج الذهب: 442/2 وفِيهِ : قَالَ أبو موسى : كذب عَمْرُو لم نستخلف مُعَاوِيَةَ، ولكنا خلعنا مُعَاوِيَةً وعَليَّاً معاً، وَقَالَ عَمْرُو : بل كذب عبد الله بن قَيْس قد خلع عَلِيَّاً ولم أخلع مُعَاوِيَةَ.... فَقَالَ أبو موسى: مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت أنا مثلك (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا فَقَالَ له عَمْرُو : بل إِيَّاكَ يلعن الله، كذبت وغدرت إنما مثلك مثل (الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ* وَهَذَا يعني أنّ الآيتين قالها غير ما ورد في الطبري.)وأضاف صاحب المروج والكامل : 168/3 والبداية : 248/7 وأبن أبي الحديد في شرح النهج : 451/1 والطبري : 40/6 ط أخرى وكز أبا موسى فألقاه الجنبه وانطلق عَمْرُو إِلَى مُعَاوِيَةَ وسلّم عَلَيْهِ بالخلافة. وانظر شرح النهج لابن أبي الحديد : 256/2 تحقيق محمد أبو الفضل، وانظر الْعَقِيدَة أيضاً في: 257/2 باختلاف يسير في اللفظ، ووَقعَة صِفِّين : 547. وانظر عبقرية الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ للعقاد : 85 حَيْت قَالَ : كلب وحمار فيما حكم به على نفسيهما غاضبين وهما يقضيان على العالم بأسره ليرضى بما قضياه. وانتهت المأساة بهذه المهزلة، أو انتهت المهزلة بهذة المأساة.)وَقَالَ سعد لأبي موسى ما أضعفك يا أبا موسى عن عَمْرُو، ومكائده ؟!فَقَالَ أبو موسى: ما أصنع ؟! وافقني على أمرٍ، ثُم غدرفَقَالَ ابن عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ: لا ذنب لك يا أبا موسى إنما الذَّنب لمن قدمك. وأقامك في هَذَا المقام.)وَقَالَ عبد الرحمان بن أبي بَكْر : «لو مَات هَذَا الْأشْعَرِي قَبل هَذَا اليوم كان خيراً له».انظر الكامل لابن الأثير: 311/3، مروج 1311/23، مروج 411/22 الذهب : 2 / 411، شرح النهج لابن أبي الحديد: 0246/2وحمل شريح بن هانى على عَمْرُو فقنعه بالسُّوط، وحمل أبن عَمْرُو على شريح فضربه بالسوط، وحجز النَّاسِ بَيْنهم.انظر تأريخ الطبري : 52/4 مع اختلاف يسير في اللفظ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 256/2 تحقيق محمد أبو الفضل، وَقْعَة صِفِّين : 546، الكامل لابن الأثير : 330/3، مروج الذهب : 0410/2 : ينابيع المودة : 25/2.انظر تأريخ الطبري: 52/4 مع اختلاف يسير في اللفظ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 256/2 تحقيق محمد أبو الفضل، وقعَة صِفِّين : 546، الكَامِل لابن الأثير : 330/3، مروج الذهب : 410/2، يُنابيع المودة : 25/2.فكان شُرَيْحٍ يَقُول بعد ذَلِكَ : ما ندمت على شيءٍ نَدامتي أن لا أكون ضربت عمراً بالسَّيْف عوضاً عن الشوط.انظر تأريخ الطبري : 52/4 مع اختلاف يسير في اللفظ، انظر شرح النهج لابن أبي الحديد : 256/2 مع إضافة : أتى الدَّهْرِ بِما أتى به... وقريب من هَذَا فِي وَقْعَة صِفِّين : 546 : يُنَابِيع المَوَدَّة: 25/2.والتمس النّاس أبا موسى فوجدوه قد ركب راحلته ولحق إلى مكة.وانظر شرح النهج لابن أبي الحديد: 256/2 وكَانَ أبن عباس يَقُول : قبح الله أبا موسى، لقد حذرته وهديته إلى الرأي فما عَقَل، وانظر الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 157/1، وَقْعَة صِفِّين : 546، تأريخ الطبري: 40/6 ط أخرى، الكَامِل في التَّاريخ : 231/3، مروج الذهب : 411/2، ينابيع المودة: 26/2.وكَانَ أبو موسى يَقُول : حَذرني ابن عبّاس غدر عَمْرُو، ولكني أطمأننت إِلَيْهِ لما يظهر لي، وظننت أن هَذَا الغَادر لا يؤثر شَيْئَاً على مصالح المُسْلِمِينَ ونصيحة الأُمة.وانظر شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 256/2 مع اختلاف يسير في اللفظ، ووقعة صفين : 546.وأنصرف عَمْرُو بن العاص وأهل الشام إلى مُعَاوِيَةً، وسلّموا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ.انظر تأريخ الطبري: 52/4، و : 40/6 ط أخرى. وَقْعَة صِفِّين : 546 و 550 الكَامِل لابن الأثير : 331/3 مروج الذهب: 411/2.فقيل : إنّ مُعَاوِيَةَ قام في النّاس فَقَالَ : أما بعد فمن كَانَ مُتكلّماً في هذا الأمر بعد ذَلِكَ فليطلع لنا فرنه. تاريخ الطبري: 42/4.قال ابن عُمَرَ فأطلقت حبوتي فأردت أن أقول له : يتكلّم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام ثم خشيت أن أقول كلمة يتفرّق بها جَمَاعَة، ويسفك فيها دم فقلت : ما وعد الله في الحساب أحبّ من ذَلِكَ. تاريخ الطبري: 42/4 باختلاف يسير في اللفظ فلما انصرفت إلى منزلي جاءني حبيب بن مَسْلَمَة فَقَالَ : ما منعك أنْ تَتَكَلَّم حين سمعت هَذَا الرّجل يَقُول ؟ قُلت: أردت ذَلِكَ، ثُمّ خَشيت أن أقول كلمة يتفرّق بها جماعة، ويسفك بها دماء.فَقَالَ حبيب: فقد وفقت و عصمتتأريخ الطبري: 42/4.وخرج شريح بن هاني مع أبن عباس إلى عليه وأخبراء الخبر.انظر تأريخ الطبري: 52/4 لكن دون ذكر وأخبراه الخبر».فقام في الكوفة فخطبهم فَقَالَ: «الْحَمْدُ للهِ وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْقَادِحِ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله لا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْجَرْبِ تُورِتُ الحَسْرَةً، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ. وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَتَخَلْتُ لَكُمْ تَخَرُونَ رَأْيِي لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرًا فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الجُفَاةِ، وَالْمَنَّا بِذِينَ الْعُصَاةِ، حَتَّى أَرْتَابَ النَّاصِحُ بِنَصْحِهِ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ، فَكُنْتُ أَنا وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هوَازِنَ :أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَج اللوى ***فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلا ضُحَى الْغَدِأنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (35، تأريخ الطبري : 57/4 مع إختلاف يسير في اللفظ، وأنظر شرح النهج لابن أبي الحديد : 259/2 تحقيق محمد أبو الفضل ولَكِنَّهُ بدل أن يذكر «يَوْم الْاثْنَيْن» ذكر «يَوْم کذا». وأنظر مروج الذهب: 412/2 وشرح النهج للفيض : 107 وفيها «أحق هوازن» و «أمرتكم» بدل «أمرتهم» و «منعرج» بدل «منعرج» وأخو هوازن صاحب الشعر هو دريد بن الصمة والأبيات مذكورة في ديوان الحماسة بشرح المرزوقي: 813/2. وأنظر أيضاً شرح التبريزي للحماسة : 304/2 وفِيهِ «أمَرْتُهُم» وأنظر الفتوح لابْن أَعْثمْ: 213/2.
الحَكَمين على الْعَمَل بِالْقُرْآن فقد أَحْتِيَا الْقُرْآن والأُمَّة، وإِنْ اجْتَمَعَا مَعَاً على إهماله، والإِعْرَاض عَنْه كَان ذَلِكَ إِمَاتَة لها، ولهُ، ونَفس الشيء إنْ أخْتَلَفَا لأنّ إختلاف الحكمين يُؤدي حتماً إلى إخْتِلاف الأُمَّة، وفَشَلهَا، وذِهَاب رِيحَهَا.(فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ، وَ إِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا أَتَّبَعُونَا. فَلَمْ آتِ - لا أَبَا لَكُمْ -
بُجْراً، وَلا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ، وَلا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ. إنّ عمل الحَكَمَان بِالْقُرْآن حَقاً وواقعاً التزامنَا بِهِ، ومَضَيْنَا عَلَيْهِ، سَواء أكانَ لنَا أَم علينا. وَهَذَا مثل مَا جَاء في الآية: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ) (1). وعَلى أيَة حَالٍ فإنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كما أشار - مَا تَرَك بقَبُول هَذَا التَّحْكِيم حقاً، ولا فعل باطلاً، ولا سلك سَبِيل الخداع، والتَّدلَيْسَ.)(إِنَّمَا أَجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَيْكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلَا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ، فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ. وَقَدْ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ، وَ الصَّمْدِ لِلْحَقِّ - سُوءَ رَأيهِمَا، وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا أَنْتُمْ رَضِيتُمْ بِالحَكَيْن، وأَبَيْتُمْ إِلَّا الْأَشْعَرِي، أَمَّا أَيَا فَرَفضتَه وأَرَدتُ ابن عباس، وحين أَبَيْتُمْ عَلَيَّ سَكَتُ مُكْرِها، ولكنِّي أَشْتَرَطتُ وَأَخْذتُ الْعَهْدَ عَلى الحَكَمين أنْ لاَ يَنْحرفًا عَن كِتَاب الله، وإلا فَلا حُكم هُما عَلَى أحدٍ من المُسْلِمِين، لأن من انتهك حُرمَة الْقُرْآن يَكُون الحُكْم عَلَيْهِ، لَا لَهُ، وقَد أَمَاتَ الحَكَمَان كِتَاب الله، وارْتَكَبًا جنّايَة لا كفارة لها، ولا غُفْرَان، ولم يعملاً على أطفاء الْفِتْنَة - كما هو الغرض - بل زَادَا مِن لَهيبُها... وإذَنْ فَلا سَبِيل إِلَّا المُضِي فِي جِهَادَ أَهْل الْبَغْى حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْرِ الله.)
1) سَبَاً: 24.
## الخُطْبَةُ - 128 -### لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ... فِقْرَة 1 - 2:يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ وَ قَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ، وَلا لَجَبٌ، وَلا قَعْقَعَةُ لُجُمٍ، وَلَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ. يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ.ثُمَّ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ: وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةُ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ، وَ خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ، مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ، أَنَا كَابُ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَ نَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا (1).)كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً (كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُ الْمُطَرَّقَةُ (1)، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ، وَ)
1) أنظر، البداية والنهاية : 250/6، سُبل الهدى والرشاد : 79/10، ينابيع المَوَدَّة : 206/1، النهاية في غريب الحديث : 122/3، أسد الغابة : 634/5، تهذيب الكمال : 364/28 ح 6127، كتاب الفتن لابن حماد: 414، الجامع الصغير : 654/1 ح 4253، كنز العمال: 205/14 ح 38404، الدر المنثور : 54/6 الكَامِل لابن الأثير : 130/2، علل الدار قطني : 183/9 ح 1704، مسند الشاميين : 267/4 ح 3235 صَحِيح ابن حبان : 144/15، المعجم الأوسط : 19/1 و 317/8، المجموع: 88/20، صحيح مسلم : 184/8 سنن أبي داود : 315/2 ح 4304، السنن الكبرى : 176/9، الديباج على مسلم : 232/6 ح 62 و 63. تجمع الزوائد : 311/9، سنن ابن ماجه: 1354/2 ح 4072 مُسْنَد أحمد: 4/1، صحيح البخاري: 233/3 مُسْنَد أبي داود: 161 المُصنَّف لابن أبي شيبة : 375/11 ح 20782.
الديباج، وَ يَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ، وَ يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورٍ !فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ ! فَضَحِكَ (عَلَيهِ السَّلَامُ، وَ قَالَ لِلرَّجُلِ، وَكَانَ كَلْبِيّاً :)يَا أَخَاكَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ، وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَ مَا عَدَّدَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ :(إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ و عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَ مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَ مَا تَدْرِي نَفْسُم بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ (1)، فَيَعْلَمُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ، أَوْ أُنثَىٰ، وَ قَبِيحِ، أَوْ جَمِيلٍ، وَ سَخِيّ، أَوْ بَخِيلٍ، وَ شَقِيّ، أَوْ سَعِيدٍ، وَ مَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَبَاً، أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً. فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ، وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي، وَ تَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي (2).)اللُّغة:اللَّجَبُ : الصِّيَاح. والقَعْقَعَةُ : الصَّوْت. وحَمْحَمَةُ الفَرَس : صَوْته إِذا طَلب العلف، أو رأى الَّذي يَأنس بهِ. والسكك : الطُّرق. والمجانُّ - بفتح الميم - جمع مِجن - بكسرها - وهو التّرس. ومُطَرَّقَةُ : وضَع بَعْضها فوق بَعْض حَتَّى صَارت طَبقتين،
1) لُقْمَانَ : 34.
أو أَكْثَر. والسَّرَقَ : الحَرِير، والدِّيباج : سداه، ولحمته حَرِير.ويَعْتَقِبُونَ : يَحْتَسِبُون. وعِتَاقَ الْخَيْلَ : كَرائمها. واسْتِحْرَارُ الْقَتْلَ : اشْتَدَادَه.وتَضْطَمَّ : تَنضُمْ والجَوَانِحِ : الأضلاع مِمَّا يَلِي الصَّدر، والمراد به هنا القلب.الْإِعْرَاب :وَيْلٌ مُبْتَدَاً، ومعناه العَذَاب، ويجوز نَصبه على أضمار الفِعْل أي أَنزل الله وَيلاً، وَقَوْمَاً بدل من مَفْعُول أَرَاهُمْ، وجُملة كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ صِفة لِقُوْم، وَمَا سِوَى ذَلِكَ «مَا» زَائِدَة لأن الكلام يَستَقِيم بدونها.الْمَعْنى:(يَا أَحْنَفُ، كَأَنِّي بِهِ، وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ. هو الأحنف بن قَيْس كَبِير بني تميم، وكان في عصر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولَكِنَّهُ لَم يَكُن من الصَّحَابَة، لأن الصَّحَابِي فِي الاِصْطلاح هو الذي رأى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). ويروى أَنْ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أرسل بَنِي تميم يَدعُوهم إِلى الإِسْلام، فلم يَسْتَجِيبُوا، فَقَال هُم الأحْنَف : إنّه يَدعُوكُم إِلى مَكَارِمِ الْأخْلاق فأجِيبُوه فأسْلَمُوا وأَسْلّم الأحْنَف. وكان من سَادَة التّابعين لرجاحة عقله، وحُسن سيرته، ومن أَشد المناصرين لِلْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بعث يَوْم الجَمَل إلى الْإِمَام برِسَالَة : «إنْ شِئتَ أتيتك في مِنتِي مُقاتل من أَهْل بَيتِي، وَإِنْ شِئتَ كَففت عَنكَ أرْبَعَة آلآف سَيْف» (1).)
1) أنظر، تأريخ الطبري : 58/4 وفيه ما يلي: فشخص معه منهم ألف وخمسمئة رجل فأستقلهم عبد الله بن عبّاس فقام في النّاس فحمد الله وأثنى عَلَيْهِ ثم قَالَ : أما بعد يا أَهْل الْبَصْرَة فَإِنَّه جاءني أمر أَمِير المُؤْمِنِينَ يأمرني بإشخاصكم فأمرتكم بالنفير إِلَيْه مع الأحنف بن قيس. ولم يشخص معه منكم إلا ألف وخمسمئة وأنتم ستون ألفاً سوى أبنائكم، وعبدانكم، ومواليكم، ألا أنفروا مع جَارِيَة بن قدامة السعدي ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلاً فإنّي موقع بكل من وجدته متخلفاً عن مكتبه عاصياً لإمامه، وقد أمرت أبا أسود الدولي يحشركم فلا يَكُم رَجُل جعل السَّبِيل على نفسه إلا نفسه. فخرج جَارِيَة، وخرج أبو الأسود فحشر الناس فأجتمع إلى جَارِيَة ألف وسبعمنه، ثم أقبل حَتَّى وافاه على بِالنُّخَيْلَة فلم يزل بِالنُّخَيْلَة حَتَّى وافاه هَذَان الجيْشَان من البَصْرَة ثلاثة آلاف ومائتا رجل... وأنظر الإمامة وَالسَّيَاسَة : 1 / 165، الْأَخْبَار الطوال: 208، ومروج الذهب : 449/2.
فأجابه الإِمَام : بل كَفَّ عني أَرْبَعَة آلاف سَيْف، وكف ذَلِكَ نَصراً، وحارب معهُ في صِفِّين ونَصح، قَالَ أبن قُتَيْبَة : «قَالَ الأحْنَفَ لِلإِمَام : والله لوددنا أن أمواتنا رجعوا إلينا فاستعنا بهم على عَدُوّنا، ولَيْسَ لكَ من كَانَ معك، ولنا من قومنا عدد ولا تلقى بِهِمْ عَدُوّاً أعدى من مُعَاوِيَة» (1. وحين أختلف النّاس في التَّحْكِيم قَالَ الأختف لِلإِمَامِ من جملة مَا قَالَ: «إِنَّكَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْحَقِّ، وأحقنا بالتوفيق، ولا أرى إلا الْقِتَال» (2).
1) أنظر الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 86 طَبْعَة سَنة 1957م. (مِنْهُ).
2) هو أبو بحر الضَّحَّاك، وقيل : صخر بن قَيْس بن مُعَاوِيَةَ بن حصين أو حصن بن عباد بن مرة بن عبيد. المعروف بالأحنف التميمي السعدي أمه إمرأة من باهلة سمّي بالأحنف لحنف كَانَ في رجله، فإِنَّه كَانَ يَطأ على ظهرها، أسلم في عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يره، وكَانَ سيّد قَوْمه موصوفاً بالعقل، والدهاء. والعِلم، والحلم. شهد بَعْض الفتوح في زمن عُمَرَ وعُثمانَ. وأعتزل الجمل، وشهد صفين مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولما بَايَعَ مُعَاوِيَةٌ ليزيد تَكلَّم الناس في مدحه. فَقَالَ له مُعَاوِيَةٌ : ما بالك لا تقول يا أبا بحر ؟ فَقَالَ : أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت. وخرج مع مُصْعَب بن الزبير إلى الكوفة ومات بها سَنَة (67 هـ) على الأشهر عن ثمانين سنة ودفن عند قبر زياد بالقوبة - موضع بظاهر الكوفة - وقيل : ولد الأحنف مُلتصق الأليتين، حَتَّى شُقَ ما بَيْنَهما، وكَانَ الأحنف أعور.)أنظر، ترجمته في الإستيعاب : 56/1 الترجمة رقم 160، أسد الغابة : 55/1، وفيات الأعيان: 186/1 - 192 الترجمة رقم 282، المعارف لابن قتيبة تحقيق ثروة عكاشة : 423.ومن الجدير ذكره أنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ بعث إلى الأحنف بن قيس عندما وصل جند المرأة إلى حفر أبي موسى الأشعري - وهو مياه عذبة على جادة البَصْرَة إِلى مَكَّة حفره أبو موسى الأَشْعَرِي. بينه وبَيْنَ الْبَصْرَة خمس ليال كما ذكر صاحب معجم البلدان - فَقَالَ له : إن هَؤُلَاءِ الْقَوْم قدموا علينا ومعهم زَوْجَة رسول الله، والنّاس إِلَيْهَا سراع كما ترى. فَقَالَ الأحنف : إنّهم جاؤوك للطلب بدم عُثمانَ، وهم الذين البوا على عُثمان النّاس وسفكوا دمه أراهم والله لا يزايلونا حَتَّى يلقوا العداوة بيننا، ويسفكوا دماءنا، وأظنّهم والله سيركبون منك خاصة مالا قبل لك به إن لم تتأهب لهم بالنهوض إليهم في مَن معك من أَهْل الْبَصْرَة، فإنَّك اليوم الْوَالِي عَلَيْهِمْ، وأنتَ فِيهِمْ مُطاع، فسر إِلَيْهم بالناس وبادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة، فيكون الناس لهم أطوع منهم لك.)وَقَالَ ابن أَعْثَمْ في الفتوح: 460/1 : إنّهم - طَلْحَة والزُّبَيْرِ وعَائِشَة - بعثوا إلى الأحنف بن قيس فدعوه، وقَالُوا : إننا نريد منك أن تنصرنا على دَم عُثمان بن عفان، فإنَّه قتل مظلوماً، قَالَ : فالتفت الأحنف إِلَى عَائِشَة وَقَالَ : يا أمّ الْمُؤْمِنِينَ أنشدك الله أما قلت لي ذَلِكَ اليوم إن قتل عُثمَان فن أبايع ؟ قلت : علي بن أبي طالب ؟ فقالت عَائِشَة : قد كَانَ ذَلِكَ يا أحنف، ولكن هاهنا أمور نَحْنُ بها أعلم منك، فَقَالَ الأحنف: لا والله لا أقاتل علي بن أبي طالب أبداً، وهو أخو رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، و أبن عمه، وزوج أبنته، وأبو سبطيه، وقد بايعه المُهَاجِرُون، والأَنْصَار. قَالَ : ثم وتب الأحنف حَتَّى صار إلى ديار قَوْمه من بني تميم، ثم نادى فِيهِمْ فَأَجتمع إِلَيْهِ أَرْبَعَة الآف رجل فسار بِهِمْ حَتَّى نزل بهم على فرسخين من الْبَصْرَةِ.)وروى البَيْهَقِي في المَحَاسِن والمَسَاوِى ءِ : 35/1 عن الحسن البصري أن الأحنف بن قَيْس قَالَ لَعَائِشَة يَوْم الجَمَل : يا أمّ الْمُؤْمِنِينَ هل عهد إِلَيْك رسول الله هَذَا المسير ؟ قالت : اللَّهُمَّ لَا، قَالَ : فهل وجدته في شيء من كتاب الله جل ذكره ؟ قالت: ما نقرأ إلا ما نقرأون قَالَ: فهل رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أستعان بشيء من نسائه إذَا كَانَ في قلة، والمشركون في كثرة ؟ قالت : أَللَّهُمَّ لا قَالَ الأحنف: فإذا ما هو ذنبنا ؟ وفي رواية أخرى أنه قَالَ لها : يا أمّ الْمُؤْمِنِينَ إنّي سائلك ومغلظ لك في المسألة فلا تجدي علي فقالت له: قل تسمع. قَالَ : أعِنْدَكَ عهد من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خروجك هَذَا ؟ فقالت : لا... أعِنْدَكَ عهد مِنْهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إنك معصومة من الخطأ ؟ قالت : لا... إلى أن أحرجها فقالت : إلى الله أشكو عقوق أبنائي. (أنظر الغدير : 99/8) وشرح)النهج لابن أبي الحديد: 500/2 قريب مِنْهُ.)وهنالك موقف آخر للأحنف بن قيس يذكره أبن أَعْثَمْ في الفتوح: 465/1، قال : وأقبل الأحنف بن قَيْس في جَمَاعَة مِن قَوْمه إلى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ : يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إن أَهْل الْبَصْرَة يَقُولُون بأنك إن ظفرت بهِمْ غداً قتلت رجالهم وسبيت ذريتهم ونساءهم، فَقَالَ له علي : ليس مثلي من يخاف هَذَا مِنْهُ، لأنّ هَذَا ما لا يحل إلا ممنْ تَوَلَّى وكَفر، وأَهْل الْبَصْرَة قَوْم مسلمون وسترى كيف يكون أمري وأمرهم، ولكن هل أنتَ معي فأعلم، فَقَالَ الأحنف: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ! أختر مني واحدة من أثنين، إما أن أكون معك مع مئتي رجل من قومي، وإما أن أردّ معك أَرْبَعَة الآف سَيْف فَقَالَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابل ردّهم عنِّي، فَقَالَ الأحنف: أفعل ذَلِكَ يا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، ثم أنصرف. (وأنظر تأريخ الطبري : 510/3 - 513 مع إختلاف يسير في اللفظ).)وموقف الأحنف هَذَا يذكرنا بموقف ومواقف أخرى لكن تذكر مِنْهَا موقف لاهيان بن صيفي: روي أنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ ذهب إلى لاهيان بن صيفي، وكان له صحبة. فقام الإمام على باب حجرته وَقَالَ له : كَيْفَ أَنتَ يا أبا مُسْلِم ؟ قَالَ : بخير، فَقَالَ الْإِمَام : ألا تخرج معي إلى هؤلاء الْقَوْم فتعينني ؟ قَالَ : إِنّ خليلي عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام وابن عمّك. عهد إليَّ إِذَا كَانَتْ فتنة بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنْ أتخذ سَيْفاً من خشب، فهذا سَيْفِي فَإِنْ شئت خرجت به معك. فَقَالَ الإِمَام : لا حَاجَة لنا فيك ولا في سيفك. ورجع من باب الحجرة ولم يدخل. (رواه أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجه ونعيم بن حماد، وأورده ابن حجر في الإصابة، وأبن كثير في البداية، والفتح الرباني : 138/23، وجامع الترمذي: 490/4).)لم يكن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ بحاجة إلى هؤلاء ولَكِنَّهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قام بهَذَا الْعَمَل من باب أن المقام مقام حجّة والإختيار مفتوح دون أن يوجه أي أتهام لأحد. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو : ما السبب الذي دعا هؤلاء إلى الإعتزال ؟ هل هي فتوى أبو بكرة (تقيع بن الحارث) كما تطرقنا إِلَيْها سابقاً وأشرنا إلى مصادرها ؟ أم هنالك شيء آخر ؟ أم أنه عهد معهود من قبل الله تعالى ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُقاتل النَّاكِثِينَ، وَالْمَارِقِينَ، والْقَاسِطِينَ ؟ أم أنَّهَا الْفِتْنَةِ التي تَكَلَّم عَنْهَا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ حسين ينقل أبن أبي الحديد في شرح النهج : 667/1، و : 277/3، وكنز العمال: 183/16، و : 606/11، والْبَيَان والتبيين للجاحظ : 112/2، وتأريخ اليعقوبي: 152/2، وصحيح مُسلم : 11/18، وصحيح البُخَارِيّ: 12/1، وفتح الباري : 56/13، والجامع : 528/4، والمستدرك: 119/3، والكَامِل في التاريخ : 122/3 و 231، والطبري في تأريخه: 198/5، وغيرهم كثير من الأحَادِيث في هَذا المقام ولكننا نكتفي بذكر حَدِيث واحد.)روي عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال له : إن الله قد كتب عَلَيْكَ جهاد المفتونين كما كتب على جهاد المُشْرِكِين، فَقَالَ علي : يا رسول الله، ما هذه الْفِتْنَة التي كتب عليَّ فيها الجهاد ؟ قَالَ : قَوْم يشهدون أنْ لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، وهم مخالفون للسُّنّة، فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد ؟ قَالَ : على الإحداث في الدين ومخالفة الأمر، فقلت : يا رسول الله، إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يجعلها لي بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ : فمن يُقاتل التَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ، والمارقين... (رواه وكيع في كنز العمال: 183/19، وابن أبي الحديد في شرح النهج : 377/3، المناقب للخوارزمي: 125، تاریخ ابن عساکر 200/3 ط بيروت سير أعلام النبلاء للذهبي : 231/3.)و من هذا وذاك جاءت فكرة الاعتزال التي بشر بها أبو بكرة عندما قَالَ : يا أحنف أرجع فإنّي سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إذا تواجه المُسْلِمُون بِسَيْفِيهما فالقاتل والمقتول في النار... ولذا نرى الأستاذ سعيد حوى يعقب على هَذَا الحديث في كتابه الأساس في السُّنة : 1711/4 فيَقُول : إنَّ الْقِتال مع علي بن أبي طالب كَانَ حقاً وصواباً، ولكن أبو بكرة حمل حديثاً ورد في غير الحالة التي قاتل فيها علي، على حالة قتال علي للباغين. وهو فهم من أبي بكرة. ولَكِنَّهُ فهم في غير محلة...)كَذَلكَ التبس العنوان على الحارث بن حوط الليثي عندما دخل على أمير الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ : يا أمير الْمُؤْمِنِينَ ما أرى طَلْحَة، والزبير، وعَائِشَة. أضحوا إلا على الحق. ولكن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ أجاب بقَوْله : يا حارث إنَّكَ نَظَرْت تحتك ولم تنظر فوقك، إن الحق والباطل لا يُعرفان بالنّاس، ولكن أعرف الحق بأتباع من أتبعه، والْبَاطِل باجتناب من أجتنبه. (أنظر تأريخ اليعقوبي : 152/2. والبيان والتبيين : 112/2).)وعلّق الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال على هَذَا الْقَوْل فَقَالَ : الْعَاقِل من يقتدي بسيد العقلاء علي كرم الله وجهه حَيْت قَالَ : لا يُعرف الحَقِّ بالرّجال، أعرف الحق تعرف أهله.
### ثَوْرَةُ الزِّنْج:(كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ. قَالَ الشَّارِحُون : يُشير الْإِمَامِ بهَذا إِلَى صَاحِب الزِّنْج الذي ظهر في الْبَصْرَةِ (255هـ)، ومُلخص الحكاية أنه ظهر في هَذِهِ السَّنَة رَجُل أسمه علي بن مُحمّد (1)، ودَعا العبيد إلى التمرد على ساداتهم، فأنضموا إِلَيْهِ
1) )زعم أنه علي بن مُحَمَّد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولكن ذكر صاحب الأعلام : 324/4، وأبن خلدون : 18/4، فقالا : هو علي بن مُحَمَّد الورزنيني العلوي، الملقب بصاحب الزّنج، من كبار أصحاب الْفِتَن في العصر العباسي، وفتنته معروفة بفتنة الزّنج، لانّ أكثر أنصاره منهم، ولد ونشأ في ورزنين، إحدى قرى الري، وظهر في أَيَّام المهتدي بالله العباسي سَنَة (255هـ.)كَانَ يرى رأي الأزارقة والتف حوله سودان أهْل الْبَصْرَة، ورعاعها، وبلغ عدد جيشه ثماعنة ألف مقاتل، وقد عجز عن قتاله الخلفاء، حتى ظفر به الموفق بالله فقتله سَنَة (270ها، وبعث برأسه إلى بغداد. قَالَ المرزباني : تروى له أشعار كثيرة في البسالة، والفتك كَانَ يَقُولها وينحلها غَيْره.)وفي نسبه العلوي طعن وخلاف. أنه من عبد القيس، وأنه علي بن مُحَمَّد بن عبدالرحيم، وأُمه سدية من أسد بن خُزَيْمة جدها مُحمَّد بن حكيم الأسدي، من أهل الكوفة، أحد الخارجين مع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ على هشام بن عبد الملك ، ولما قتل زيد (رضیَ اللّهُ عنهُ)، هرب ولحق بالري وسكن القرية التي يُقال لها،ورزنين وكَانَ مولد أبوه في طالقان، ثم قدم الْعِرَاق واشترى جَارِيَة سدية فأولدها محمداً أباه.)أنظر ، مروج الذهب : 194/4، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 130/8، معجم الشُّعَرَاء للمرزباني : 29 تاريخ الطبري: 174/11 تاريخ دمشق : 220/52، سير أعلام النبلاء : 143/15. البداية والنهاية : 41/11، الكامل في التاريخ : 205/7.
بالمئات، ثم بالألوف، وكان يعدهم، ويُمنيهم، ويقول لهم : أريد أن أحرركم من الرّق، وأرفع من شأنكم، وأملككُم السّادة الذين كانوا يملكونكُم مع أَمْوَالهم، وضياعهم، فتسارعُوا إِلَيْهِ من كلّ حَدَبٍ، وصُوبٍ حَتَّى ألف مِنْهُم جَيشاً عَظيماً، وكَانَ إِذَا ظفر بالسادة المترفين يأمر عَبِيدهم أن يجلدوا كل واحد منهم (500 جلدة، وكَانَ يأسر العربيات، ويبيع الوَاحِدَة منهن بدرهمين أو ثلاثة، ويُعطي العديد منهن للزنجي للخدمة، الزنجيات كما تخدم الوصَائِف (1).)وكلّ ما أخبر بهِ الْإِمَام من الخَرَابِ والتَّدمير في ثورة صاحب الزِّنْج ذكره
1) أنظر، بحوث في التاريخ العباسي، للدكتور فاروق عُمَرَ : 125 الطبعة الأولى بيروت 1977م. العصر العباسي الأول لعبد العزيز الدوري : 205 طَبْعَة بغداد سنة 1944 م، العالم الإسلامي في العصر العباسي الثاني لأَحْمَد إِبْرَاهِيم : 351.
الطَّبِرِي في تأريخه (1)، والمَسعُودِي في مروج الذهب» (2)، وأطال الحديث عن ذَلِكَ أبن أبي الحديد في «شرح النهج» (3)، ويما ذكره المَسعُودِي : أن صاحب الزنج كَانَ يَقتل الكَبِير والصغير، والذكر، والأُثنى، ويحرق، ويُخرب، وأتى فِي وَقْعَة وَاحِدَة ِبالْبَصْرَةِ على ثلاثمئة ألف قتيل من النّاس، والَّذِين سلموا من الْقَتْل كانوا يَخرجُون باللَّيْل، فيأخذون الكلاب، والفيران، والسَّنَانِير، ويأكلونَها حَتَّى أفنوها، وكانوا إذا حضرت الوفاة أحدهم قطعوه، وأكلوا لحمه قبل أن تخرج الروح من جسده، وقيل : إن إمَرْأَة كَانَتْ في حال النزع، والاختصار، وعندها تنتظر مؤتها لتأكلها، ولكن الجياع أبتدرُوها قبل أن تموت، وقطعوها، وأكلوها، وما أبقوا لأُختها إلّا الرَّأْس، فبكت، وتظلمت... ثُمّ قَالَ المَسعُودِي ومثلُ هَذا كثير، وأعظم (4).)وعَظم أمر صاحب الزّنْج حَتَّى أوشك أنْ يَأْتِي على الدَّوْلَة العباسية، فحشد الجيوش الحزبه أبو أحمد الملقب بالموفق أخو الخليفة العباسي، فقتله، بعد حَرْبٍ طويلةٍ، ودامية، في شهر صفر سنة (270هـ، وكَانَتْ أَيَّامه (14) سَنَة، و (4) أشهر، وستة أَيَّام، وتكلَّم الناس عنه، وأكثروا، ووضعوا فِيهِ العَدِيد من المؤلفات في العصر العباسي وبَعْدَه، وقرأتُ عَنْه كَثِيراً في الكُتب الحَدِيثَة، والقَدِيمة، وفي)
الصحف، ويرى بعض الباحثين أنّ الرّج في البلاد العَرَبِيَّة تماماً كثورة العبيد في إيطاليا سنة (73 قبل الميلاد بقيادة «سبارتاكوس» الَّذِي جَمع حوله الآلاف من العبيد، وحارب بهِمُ السَّادة المترفين للتحرير من عسفهم، وطغيانهم، ثم أنتهت حياته بالقتل مع (40) ألفاً من العبيد تماماً كما أنتهت حياة صاحب الزّنج (1).)والثّورة تحت وطأة الظَّلم غَرِيزَة في الأسود والأبيض، في الطفل الصغير الشيخ الكَبِير، وأيضاً في الحَيَوَان... ولن تموت هَذِهِ الغَرِيزَة إلا بمؤت صاحبها... أجل، وقد تهدأ قليلاً، وتختفي تحت الرّماد إلى حِينٍ... ثم تنفجر فجأةً، وبلا سابق إنذار... وكلّ حَيّ يُعبر عَنْه بأسلوبه، وبما يملك من طاقات، هَذَا يَحتج بالْبُكَاءِ، والصياح، وذاك بالشباب والشتائم، وآخر بالوتوب، والْقِتَال، وقَد يُعبر عن ثورته بالانتحار... وأنْبَل التّورات على الإطلاق مَا كَانَ مِنْهَا في سَبِيل الْحَقِّ وَالْحُرِّيَّة.غريبة الغرائب أنّ الوِلايات المتحدة التي ألغت نظام الرّق بقيادة الإِنْسَاني إبراهام لنكولن - تصظهد الزنوج الآن، وفي بلدها، وتُذيقهم ألواناً من قسوة التفرقة العُنْصُرِية، وتوحشها... إنّ الزنوج في الوِلَايَات المتحدة يُؤَلِّيفُون عَشرة بالمئة من المواطنين، ومع هَذَا لا يَضم مجلس الشيوخ زُنجياً واحداً، وأما مجلس النواب فيضم (3 زنوج من أصل (435) (2).)(كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً قَالَ الشَّارِحُون، والمعلقون : هَذِهِ إِشَارَة إِلَى التَّنار، وما فعله جنكيز خان، وخلفاؤه في البلاد الإسلامية من التَّدمير والتقتيل... والأوصاف)
التي ذكرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ تنطبق على ما نَعتهم بِهِ المُؤرخون.)قَالَ ابْن أبي الحديد وكان مُعاصراً للتّتار : «تغلبوا على الممالك، والأقطار وكانوا من أصبر الناس على القتال، لا يعرفُون الفِرار، ويعملون ما يَحتاجُون إِلَيْهِ من السلاح بأَيْدِيهم، وخَيلهم لا تحتاج إلى الشَّعِير، بل تأكل الثَّبَات، والعروق، أما التتار أنفسهم فيأكلون الميتة، والكلاب، والخنازير، وهُم أصبر الناس على الجوع والعطش، والشّقاء... وكانوا يقتلون الناس بمئات الألوف، ويحرقون المدن بما فيها بعد سلبها ونهبها، وكانوا يُؤْمِنُون النّاس عَلى أرواحهم، وأَمْوَالهم حَتَّى إِذا استسلموا لهُم أعْمَلُوا فِيهِمْ السَّيْف» (1.)وأطال ابن أبي الحديد الحديث عن ضراوتهم، وفظائعهم، ونُشير من هذه الفظائع إلى حادثة وَاحِدَة عَسى أن تكون دَرساً نافعاً لنا نَحنُ الْمُسْلِمِين، قَالَ في شَرح هَذِه الخُطْبَةُ : دوّخ التتار بلاد العجم إلا إصفهان، فإِنَّهُم لَم يَبلغوا مِنْهَا غَرضاً حَتَّى أختلف أَهْلها سنة (633هـ وهم طَائِفتان : حنفية، وشَافِعِية، وبَيْنَهُمْ حُرُوب، وعصبية، فخرج قوم من الشَّافِعِية إلى التتار، وقَالُوا لهُم : نَحْنُ نُسلّم الْبَلَد إِلَيْكُمْ على شرط أن تقتلوا الحَنَفِيَّة، وتعفوا عن الشَّافِعِية. وبعد أن تم الاتفاق على هَذَا الشرط حاصر التنار إصفهان، وفي ساعة الحصار بالذات نشبت الحزب بَيْنَ الشَّافِعِية، والحَنَفِيَّة، وقتل الكثير من الفئتين، وفتح الشافعية أبواب المدينة، وسلّموها للتّتار، ولكن هَؤُلاء لَم يَفوا بالعهد للشَّافِعِية، فَبدأوا أوّلاً بالشَّافِعِية وقتلوهم قتلاً ذريعاً، ثم قتلوا الحَنَفِيَّة، ثم سائر النَّاسِ، وَسَبُوا النِّسَاء، وشقوا)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 221/8.
بطون الحبالى، ونَهْبُوا الأَمْوَال، وصَادرُوا الأَغْنِيَاء، ثم أضرموا النار في إصفهان حتى صارت تِلالاً من الرَّماد (1.)هذه هي بالذات سياسة كلّ غاصب، وطامع قديماً وحديثاً : مكر، وخُداع، ثم غدر، وإبادة لمن سالم، ومَن قاوم، إنْ أُتيحت له الفُرْصَة، إبادة الجميع بقتل الأجْسَام، أو قتل الشَّخْصِيَّة، والحُرِّيَّة، وتقع المَسْئُولية بكاملها على من خان، وتآمر، وعلى من سكت عن الخونة، والمتآمرين، ولا فرق بين الفئتين... فهل يتعظ بهذه الحادثة، وغيرها كَثِير - الَّذِين باعوا دِينهم لِلشَّيْطَانِ طَمعاً بِحُطام، أو منصبٍ، أو تَعَصُّبَاً ضِدّ مُنافسٍ، ومُزاحِمٍ فِي شَيء من ذَلِكَ (1؟)(لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ، وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ. أَي مِن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بَشَرٌ بطبيعته، أبوهُ آدَمَ، وآدَمَ من تُراب، ولو كان النّي عالماً بِالْغَيْب لذاته، وبذاته لوَجَبَ أنْ يكون قادراً كَذَلِكَ... عفوك رَبِّي وغُفرانك وحدك لا شريك لك، وأستمع مَعِي أَيُّها القَارِى إِلى عَبد الله، وَرَسُوله في قَوْله : (قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا)(2 لَسْنَا بصدد دراسة ثَوْرَة الزّنج، ولكن نحيل القارىء الكريم إلى بعض مصادر ثورتهم.)أنظر، شرح نهج البلاغة لحمد عَبْدَه : 196/1 و : 9/2، لسان الميزان : 325/6، البداية والنهاية : 24/11، شذرات الذهب: 155/2. تأريخ ابن خلدون: 281/2 و 325/4، كمال الدين وتمام النعمة 246، وَسَائِل الشيعة : 140/17، مُسْتَدرَك الوَسَائِل : 410/16، دَلائِل الإمامة : 425. الفصول العشرة للشيخ المفيد : 99، أمالي الشيخ المفيد : 245، الثاقب في المناقب : 608، الخرائج والجرائح : 1104/3. مناقب آل أبي طالب : 529/3، شرح مئة كلمة لابن ميثم البحراني : 239، التنبيه والإشراف : 319 تاریخ بغداد: 125/2 و : 424/3 و 2384/5، الكامل لابن الأثير : 205/7، البداية والنهاية : 41/11 سير أعلام النبلاء : 129/13 و : 143/15، تاريخ دمشق : 220/52 و : 401/60، المجدي في أنساب الطالبين : 28.
1) أنظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 237/8.
وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (1)... (وسُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا) (2). ومع هَذَا يَروي الرُّواة «أنّ مُحَمداً يعلم مَا فِي السَّماوات، وما كان فيهما ويَكُون إِلى يَوْمِ يُبعثون».. وقد ثبت عن رَسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ أَيُّ نَقَل عنهُ يُخالف كِتاب الله فَهُوَ من الشَّيْطَان، وعلى رغم كلّ حَقٌّ، وواقع يُؤْمِن بَعْض الشيوخ بالقُرْآن وبهذا الحديث، وبأن النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعلم الغَيْب، يُؤْمِن بهذا التناقض، ولا يُشعر بوطأته، وقسوته... وَإِذَا كَانَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يعلم الْغَيْبِ فبالأولى تلميذة وخليفتة.)(وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ يُشير إلى الأُمور الخَمْسَة التي جاءت في آخر سُورَة : (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ) (3). والإِنْسَان العارف.. يتنبأ بنزول المطر، وقد يصدق تنبؤه، ولكن بعد اطلاعه، ومَعْرِفَتِه بعلامات المطر، ودلائله، أما نزُول المَطَرَ الصِّناعِي فَهُوَ تَحويل السَّحَابَة التي تحمل الماء إلى مَطرٍ، لا جاد المطر، وتكوينه، وفَرقُ بَعِيد بَيْنَ إيجاد الشَّيء مُباشرة، أو عن طَرِيق أَسْبَابه، وبَيْنَ تَحويله من صُورةٍ إِلى صُورة أخرى.)وأيضاً قد يعلم الإِنْسَان العارف بواسطة الأشعة ما في الرحم من ذكرٍ، أو أُنثى. ولكن الأشعة تعكس الجنين الموجود بالفعل، أما الصِّفَات التي سوف يَكون عَلَيْهَا فى المُسْتَقْبَل، وبعد خروجه من بطن أمه كالطُّول، والقُصر، والسواد، والبياض
والبخل، والكرم، والجبن، والشَّجَاعَة، والشَّقاء، والسَّعَادَة، أمّا هَذَا وَمَا إِلَيْهَا فعلمها عند الذي لا إله إلا هو.(وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَنِيهِ). عِلم الْغَيْب كلّه لعَالِم الْغَيْب والشَّهادة، ولَكِنَّهُ تَعَالَى يَطلع من أرتضى، وأجتبي من عِبَادِهِ عَلى شَيء من هَذَا الغَيْب بواسطة وَاحِدَة، كَعلم النَّبِيِّ عن جِبْرِيلَ عن الله، أو أَكْثَر كعلم الإمام عن النَّبِيِّ عن جِبْرِيلَ عن الله : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ، مَن يَشَآءُ) (1)... (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِيَ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) (2)(وَ تَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي) أي يَعِيه قَلبي، وجاء في تفسير الرازي والمراغى عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَعِيَةُ) (3)أَنْ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لِعلي: «إنّي دعوت الله أنْ يَجعلها أُذنك يَا عَليّ. قَالَ الْإِمَام : فا سمعت شَيْئًا بَعد هَذَا فنسيته، ومَا كان لي أن أنسى» (4).
1) آلِ عِمْرَانَ : 179.
2) الجنّ: 27.
3) الحاقة : 12.
4) أنظر، تَفْسِير الكشاف للزمخشري : 600/4 طقم منشورات البلاغة ولكن بدون لفظ «ففعل» وقول علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلفظ فما نسيت شَيْئاً بعدما كان لي أن أنسى. تَفْسِير الطَّبَرِيّ : 12 و 35/29 و 55 و 123 ط دار الكتب العلمية بيروت روى بسنده عن مكحول يَقُول : قرأ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (وَتَعِيهَا أُذُنٌ وَعِيَّةً)، ثُمَّ التفت إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ : سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ، قَالَ علي : فما سمعت شَيْئاً من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فنسيته، وكَذَلِكَ رواه الطَّبَرِيّ عن بريدة ولكن بلفظ آخر : يا علي إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحق على الله أنْ تَعي: قَالَ : فنزلت الآية، ورواه في : 36 عن بريدة أيضاً بإختلاف يسير، وأنظر، بحار الأنوار: 736/8 ط الكمباني ب 33، وفي ط الحديثة ج 32، وزين الفتى للعاصمي : 605 مخطوط، المناقب للمغازلي : 318 ح 263، فرائد السمطين: 198/1 155 و 156 باب 40.)وأنظر، مجمع الزوائد : 131/1، و : 114/9، وكنز العمال : 157/15 الطبعة الثانية. و : 398/6 و 408 عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ عن بريدة ما يقرب من ذَلِكَ، خصائص الوحي المبين: 98 الطبعة الأولى، حلية الأَوْلِيَاء : 62/1 و 67 بسنده عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإضافة قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «فانتَ أذن واعية لعلمي» الدر المنثور: 260/6 عن مكحول في ذيل تفسير الآية، أسْبَاب النزول للواحدي 329 نور الأَبْصَار : 70 وذكر فيه الحديث الذي نقله أبن الصباغ المالكي: 578/1، تحقيق سامي الغريري: «ما سمعت من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كلاماً إلا وعيته، وحفظته ولم أنسَه»، المناقب للخوارزمي : 282 ح 276 و 277، تفسیر فرات : 501 ح 659، أصول الكافي : 423/1 ح 57، غَايَة المرام : 367 بَاب 70 ح 1 و 2 و 8، شرح المواقف : 616 ط القسطنطنية 1239، المواقف : 276/3.)أنظر، بصائر الدرجات : 3/ 135 باب 10 ح.3 ينابيع المودة : 360/1 وما بعدها، مجمَعَ الْبَيَان 9 و 10 ص 345 ط دار إحياء التراث العربي بيروت تفسير ابن كثير : 413/4، فتح القدير : 0282/5 تَفْسِير غرائب الْقُرْآن بهامش جامع الْبَيَان : 31/29 الغدير : 394/3، تفسير الثعلبي : 302. مخطوط الاستيعاب بهامش الإصابة : 38/3، قواعد المرام : 183، كشف الغمة : 119/1 و 322، أنساب راف: 12/22، تاریخ دمشق: ح 923، شواهد التنزيل : 361/2 وح،923، شواهد التنزيل: 361/2 وح 1007 - 1029، تاريخ بغداد: 431/11، تفسير البرهان : 376/4 الطبعة الأولى، فتح الملك العلي: 49 ما نزل من القُرْآن في علي : ب 108/2 الذريعة : 92/7، سمط النجوم للعاصمي : 504/2 ج 137، المناقب للصنعاني : 1 / ح 90 و 121 الورق 35 و : 2 / ورق 43.
## الخطبة - 129 -### الْأَغْنِيَاء والفُقَرَاء... فِقْرَة 1 - 2:عِبَادَ اللهِ، إِنَّكُمْ - وَ مَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا - أَثْوِيَاءُ مُؤجَلُونَ، وَ مَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ : أَجَلٌ مَنْقُوصُ، وَ عَمَلٌ مَحْفُوظٌ. فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ، وَرُبَّ كَادِحِ خَاسِرٌ. وَ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَن لا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلَّا إِدْبَاراً، وَلا الشَّرُّ فِيه إِلا إِقْبَالاً، وَلا الشَّيْطَانُ فِي هَلاكِ النَّاسِ إِلا طَمَعاً. فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وَ عَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَ أَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ (1. أضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ الأُفَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلًا أَتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْع الْمَوَاعِظِ وَقْراً! أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ، وَصُلَحَاؤُكُمْ! وَأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ، وَسُمَحَاؤُكُمْ وَ أَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ، وَالْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبهِمْ! أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَة الْمُنَغِّصَة (2).)اللُّغة:أَثْوِيَاءُ: ضيوف، والمفرد ثوي. ومُقْتَضَوْنَ: مُطالَبُون، يُقَال : اقتضاهُ بِدِين أي
طالبه به، وأفعل ما يقتضيه كرمك أي يُطالبكَ به. والدَّائِبِ : المداوم. والكادح :السَّاعِي يَجهد. وَأَمْكَنَتْ: سَهْلْت وَالوَقْر : الثّقل في الأذن.الْإِعْرَاب :أَجَلٌ خَبَر لمبتدأ محذوف أي أَجَلَكُم أَجَلٌ مَنْقُوصٌ، ومثله عَمَلٌ مَحفُوظٌ، وَرُبَّ حرف جرٍّ، وتدخل على النكرة، ولا يتعلق تجرُورها بشيء لأَنَّهَا بِحُكم الزائدة، وَإِذَا دَخَلْت «مَا» عَلَيْها كفتها عن الْعَمَل، وحينئذ تدخل على الفِعْل والمَعْرِفَة مثل رُبَّما قام زيد، ورُبَّمَا زَيد قائم، ومُضَيَّعَ خَبَر لمبتدأ محذوف أي هو مُضَيَّع، والجملة صفة دائب، وإِدْبَاراً تمييز. والهاء في عُدَّتُهُ، ومَكِيدَتُهُ لِلشَّيْطَانِ، وحَيْثُ ظَرف مَبني على الصّم، ومحله النَّصب بأَضْرِبْ.الْمَعْنى:(إِنَّكُمْ - وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا - أَثْوِيَاءُ مُؤجَلُونَ. كُلّ مَا فِي الدُّنْيَا إلى زوال إلا ما ينفع النَّاس، فإن أجره باقٍ مَا بَقِي الدَّهْر : ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (1). (وَ مَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ) أي مَسْئُولون، ومُطالبون بالإلتزام، والعَمَل بشَرِيعَة الْعَدْل، والرَّحْمة التى تقول : (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (2)(أَجَلُ مَنْقُوص) تنتقص الْأَعْمَار بتعاقب اللَّيْل، والنَّهار (وَ عَمَلٌ مَحْفُوظٌ) (مَع الجزاء، إِنْ خَيْراً فخير وإنْ شَرّاً فشّر (فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ، وَرُبَّ)
كَادِحَ خَاسِرٌ. لَيْسَت الْعِبْرَة بالكثرة، ولا بالمواظبة، وإنّما بالتَّقْوَى، بالْعَقِيدَة الصَّحِيحة، والْعَمَل الصَّالح، والنَّافع، «فَكم من صَائمٍ لَيْسَ لهُ من صِيامه إلَّا الجُوعِ والظمأ، وكَم من قائم لَيْسَ لهُ من قيامه إلا الشهر، والعناء» (1)... «لَيْسَ الخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ، وَوَلَدُكَ، وَلَكِنَّ الخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَأَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَاهِيَ لنَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ : فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللهَ، وَإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِرَجُلَيْنِ : رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ، وَرَجُلٍ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ - كما قَالَ الْإِمَام (2).)(وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنِ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلا إِدْبَاراً، وَلَا الشَّرُّ فِيهِ إِلا إِقْبَالاً، وَلا الشَّيْطَانُ فِي هَلَاكِ النَّاسِ إِلا طَمَعاً. فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وَ عَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَ مْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ كلّ زَمَانٍ، أو مكانٍ يَنتشر فِيهِ الفَسَاد، ويُخذل فيه المَظْلُوم، ويركن إلى الظَّالِمِ فَهُوَ زَمَانِ الشَّيْطَان، ومكانه، ولَيْسَ الله فِيهِ نَصِيب، وعن أبن عبّاس: «أنّه تَلا هذه الآية : (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) (3)قَالَ : إِذا كَان هَذا هو حال من لم يصدر عنه)
1) أنظر، مُشنَد :أحمد : 441/2 سُنن الدارمي : 301/2 سن ابن ماجه : 539/1 ح 1690، مُسْنَد أبن المبارك : 44 السُّنن الْكُبْرَى: 239/2 ح 3249 و 3333، کنز العمال: 473/3 ح 7490، الجامع الصغير : 8/2 ح 4404 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 344/18، مسند الشهاب: 309/2 ح 1424، كشف الخفاء : 425/1 ح 1365، فيض القدير : 612/3.
2) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (94)، عُيُون الحكم والمواعظ : 411، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 25/18، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 167/8 7، دستور معالم الحكم : 140، نظم درر السمطين : 157 ع كنز العمال: 208/16 ح 44233، جواهر المطالب لابن الدمشق: 304/1، سبل الهدى والرشاد: 299/11، مُسْتَدرَك الوَسَائِل : 121/12 ح 9.
3) هود: 113.
إلا مجرد ركُون، ولَم يَشترك في قَولٍ، أو فعلٍ فَالوَيل كل الويل من أطرى، وشارك (1!. إنّ المَسْئُولية تُلاحق الإِنْسَان، وتُطارده منذ رُشده، وإدراكه، فيسأل عَن عَدم الْعَمَل كما يُسأل عن الْعَمَل، ويُسأل عن السُّكُوت كما يُسأل عن الكلام... وإذن فالشَّر يزداد، وينتشر بفاعله، وبالسكوت عنه.)(أضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ الأفَقِيراً يُكَابَدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلًا أَتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْع الْمَوَاعِظِ وَقْراً. كأن سائلاً يَسأل، ويَقُول : بأي شيء أزداد الشّر، وأنتشر وأَصْبَحَ النّاس فَرِيسة لِلشَّيْطَانِ ؟.)فأجاب الإمام بأن الشر أزداد وأنتشر بانتشار الفقر... أنه يُعرض المؤمن للْفِتْنَةِ في دينه، ويقوده إلى كل سوء. ومن حكم الإمَام : «إِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ» (2. وقرأتُ قِصَّة تَقول : إنَّ رَجُلاً صِينِياً أَنهَكَهُ الجُوع. والمرض، وكَانَ يَعول زَوْجَةٌ، وأطفالاً، ولا يملك مِن حُطام الدُّنْيَا شَيْئَاً، ولما تَراكمت عَلَيْهِ الدِّيُون، وضايقه أربابها أجر زوجته لإقطاعي بدريهمات بعد أن أيقن بهلاك الجميع... فهل يَبْقَی مَعَ الْفَقْر ضَمير، وأخلاق ؟ وَقَالَ كُونفوشيوس : لا يَدخُل الشَّيْطَان بَيتاً فِيهِ قَمح. وتَقَدَّم الكلام عن ذَلِكَ (3).)والخلاصة : أن نمط الحياة له أبلغ الأثر في الأفْكَارِ، والأقوال والأفعال، ومن
الَّذي يَصغي لصَوْت الضَّمِير، وأطفاله من حوله يصرخون من الجوع ؟ وحِين دَعا سُبْحَانَهُ الْعِبَادِ إِلى طَاعته، ذكرهم بنعمه عَلَيْهِمْ تَمَاماً كَمَا نَبههم إِلى خَلَقَ السَّمَاوَات والْأرْض. قَالَ عَزَّ من قائل: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (1)... (وَوَجَدَكَ عَابِلا فَأَغْنَى) (2)...)(وَ أَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ ؟. الوَرَع في المكاسب أن تأكل من عمل يدك، وتعيش عَلى حِساب جهودك لا عَلى حِساب الآخرين، وفي رواية: «أَفضَل النَّاسِ مَن يُعمل بيده، ويَأْكُل مِن كَشبه». وفى ثَانِيَة: «أَفضَل الْعِبَادَة طَلب الحَلال» (وَ الْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ) جَمع مَذْهَب، يَطلع على الْعَقِيدَة، والطَّرِيقة ويصحح إِرَادَة الْمَعْنَبِين مَعاً مِن الكلام، والنزاهة فِي الْعَقِيدَة صحتها، وصوابها، وفي الطَّريقة الاِسْتِقَامَة على الحَقِّ، والْعَدْل (أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ الْمُنَفِّصَةِ) إِلى رَوْحٍ، وَرَيْحَانٍ، وَجَنَّةً نَعِيمٍ.)### اللهُ لا يُخْدَعُ... فِقْرَة 3:وَ هَلْ خُلِقْتُمْ إِلا فِي حُتَالَةٍ لا تَلْتَقِي إِلا بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ، اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ، وَ ذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ ! فـ(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (3)! (ظَهَرَ الْفَسَادُ) (4)، فَلاً منكِرٌ مُغَيِّرُ، وَلا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ،)
وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ؟ هَيْهَاتَ لا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ الأ إلأ بِطَاعَتِهِ. لَعَنَ اللهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ به (3 !)اللغة:حُثَالَة الدهن : رَدِيئة، وحُثَالَة النَّاسِ : أَرَاذْلهُم.الْإِعْرَاب:اسْتِصْغَاراً مَفْعُول مِن أَجله لِتَلْتَقِي، وَهَيْهَاتَ أسم فعل بِمَعْنَى بَعُد.الْمَعْنى:(وَ هَلْ خُلِقْتُمْ إِلا فِي حُثَالَةٍ ؟ لَقَد وَجدتُم فِي زَمَانٍ لاَ خَيْر فِي أَهْله، اللآزم لِلحَقِّ مِنْهُم ذَلِيل، وغَرِيب، والعامل بالْبَاطِل عَزِيز، وقَرِيب (لا تَلْتَقِي إِلا بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ، اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ، وَ ذَهَابَاً عَنْ ذِكْرِهِمْ) يُنزه المَرْء الْكَرِيمِ لِسَانه عن النُّطق باسمهم أحتقاراً لأهدافهم، وأفعالهم... أنهم يُفسدون، ويَبغُون، وأَنْتُمْ غَيْر مبالين، لا تُجابهونهم بقول، ولا تقومون ضدهم بأي عمل (أ فَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ، وَ تَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ؟ هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلا بِطَاعَتِهِ) فِي نَعِيمٍ لاَ عَين رأت ولا أذن سمعت، ولا خَطر على قلب بشر (1)، وهو سُبْحَانَهُ القائل : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا)
1) أنظر، صحيح البُخَاري : 86/4، صَحِيح مُسْلِم : 121/1، مُسند أحمد : 370/2، سنن ابن ماجه: 1447/2، سنن الدارمي : 332/2، الغارات : 855/2، وسائل الشّيعة : 478/10 10، تهذيب الأحكام : 22/6 ثواب الأعمال : 56، نيل الأوطار : 155/2، المعلى: 12/1.
يَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (1)أي الصَّابِرِين عَلَى أَلم الجهاد. وَوَطَأته.)هَيْهَاتَ! لا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلا بِطَاعَتِهِ وثَمِنْهَا محدود لا مُساومة فيه، ولا شَفَاعَة : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ) (2)(لَعَنَ اللهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ). هَذِه اللعنة لا تختص مِن أَمر وَلَم يَأتمر، ونَهى دُونَ أنْ يَنتهى، بَل تَعم، وتشمل كلّ واحد لا تنسجم أقواله وأفعاله مع دينه وعقيدته، فمن آمن برِسَالَة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، دُونَ أنْ يَنسجم مَعَهَا فِي سلوكه فَهُوَ مَلْعُون، وإِنْ أحجم، وسكت عن الأمر بِالْمَعْرُوفِ، والنَّهي عن المنكر.)
## الخطبة - 130 -### الغَضَبُ اللهِ :يَا أَبَا ذَرٍ، إِنَّكَ غَضِبْتَ اللَّهِ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ، وَ خِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَأَهْرُبُ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ، فَمَا أَخْرَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ، وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ! وَ سَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً، وَ الْأَكْثَرُ حُسَداً، وَ لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً، ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ، لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً ! لا يُونِسَنَّكَ إِلا الْحَقُّ، وَلا يُوحِشَنَّكَ إِلا الْبَاطِلُ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لأَحَبُّوكَ، وَ لَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأَمَّنُوكَ.اللُّغَة:الرَّتْق : ضِدّ الفتق وهو الإلتئام. وقَرَضْتَ : أَخَذْتَ.الْإِعْرَاب :مَا أَحْوَجَهُمْ ِللتَّعجب، وَ «مَا» نكرة تامة بِمَعْنَى شيء، ومحلها الرفع بالابْتِدَاء،
وأَحْوَج فِعل مَاضٍ، وضَمِير الجمع مَفْعُول، والفاعل مُستتر، والجملة خَبَر، ومثله مَا أَغْنَاكَ، وحُمَّداً تمييز، والمَصْدَر مِن أَنَّ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً.. إلخ فَاعِل لفعل محذوف أي لَوْ ثَبَتَ.### أَبُو ذَرٌ:مَا كَان أَبو ذَرَ (1نَبِيّاً من الأَنْبِيَاء، ولا قَائِداً من قادة الحرب، ولا الرُّؤساء، والأمراء، أو المؤلّفين، والشُّعَرَاء، أو من أَصْحَاب الْأَمْوَال، والأطيَّان... فكلّ ما حازة فِي دُنياه كَانَ كُوراً، و عكازاً... ولَكِنَّهُ كَان جَرِيئاً فِي الحَقِّ، ومُخلصاً لهُ، يَجهر بهِ بِعَزمِ وصلابة، ولا يُسكته عنه خَوْف، أو سَيْف، ولا يُساوم عَلَيْهِ بتَمَن بَالِغاً مَا بلغ.)
1) أبو ذر الغفاري : هو جُندب بن السكن ولقبه بُرير، وقيل : اسمه بُريد بن جنادة، وقيل : أسمه جُندب بن جنادة. وهو من غفار قبيلة من كنانه وهو : غفار بن مُليل بن حمزة بن بكي بن عبد مناة بن کنانه بن خزيمة. قدم على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأسلم ورجع إلى بلاد قومه فأقام فيها، ثم رجع إلى رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولكن عثمانَ سيّره إِلى الرَّبَذَة - بَيْنَ مَكَّة والمدينه فمات بها سنة (32هـ) وليس له عقب، كَانَ رابع أَرْبَعَة سبقوا إلى الْإِسْلام، وكَانَ من المتألهمين في الجَاهِلِيَّة والذين عبدوا الله وتركوا الأصنام ولما أسلم أجهر بإسلامه في الْبَيْت الحرام، فضربه رجال من قُرَيْشٍ حَتَّى ضَرّجوه بدمه وأغمى عَلَيْهِ فتركوه ظناً مِنْهُم أنه قد مات.)وسُيّر إلى الشام بعد وفاة الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ومكث هناك حَتَّى شكاه مُعَاوِيَةَ إِلى عُثمانَ فاستقدمه الخَلِيفَة وعنفه ونفاه إلى الرَّبَذَة وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مدحه، أنظر الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى لابن سعد : 4 ق 161/1، مُسْنَد أحمد: 163/2 و 175 و 223، و 5 / 147 و 155 و 159 و 165 و 166 و 172 و 174 و 351 و 356، و : 442/6، المستدرك : 342/3 صَحِيح البُخَارِيّ : مناقب أبي ذرّ، صَحِيح الترمذي وصحيح مُسلم في بَاب المناقب، سنن ابن ماجه : الباب الأول من المقدمة، مُسْنَد الطَّيَّالسِي : ح 458، وأنظر الطبري، وأبن الأثير في ذكر غَزْوة تبوك، ولاحظ ترجمته في التقريب : 420/2، وجوامع السيرة : (277). روى عنه أصحاب الصحاح 281 حديثاً.
وبكَلِمَةٍ كان صادق الإيمان، وكفَى... وقد يُقَال : أنه نموذج أعلى للإيمان، لا لمجرد نَوْعه، وحَقِيقَته فحسب. ونَحْنُ لا نشك في ذلِكَ، ومع هَذَا نَقول : إنّ الإيمان لا يتجزأ، وإن من أطاع الله في بعض، وعَصاه في بعض فقد أشرك الشَّيْطَانِ فِي طَاعَة الله... ولو أن قلبه عَمُر بالتَّقْوَى، والإيمان لما وجد الشَّيْطَان إِلَيْهِ سَبِيلاً.وسر العظمة في أبي ذرّ يُمكن في أنه ما قصد شَيْئَاً من مواقفه كلّها إِلَّا وَجه الله، ولو أنه قصد سواه في موقفٍ واحد فقط مَا كَان وَجِيهاً عِند الله، والنَّاس، بل كان واحداً مِنْهُم كسائر الآحاد، وبهذا يَتَبَيَّن معناه أن الشمول، والعمُوم فى طَاعة الله هو من قوام الإيمان، وأن مَن يَتَعَدَّى حَداً واحداً من حدود الله فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً مُّبِيناً و (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات (1).)أما أهتمام أبي ذرّ بالناحية الإقتصادية، وثورة على الْأَغْنِيَاء، والمُتْرَفِين فَسببها واضح، ومعلوم عند الجميع، وهو أن عُثمَانَ أنْحَرَف عن سُنَّة الرَّسُول، وخالف شَرِيعَة الْإِسْلام، وأستأثر هُو وذَوُوه بأَمْوَالِ المُسْلِمِين، فأمتلكُوا بها القصُور والمزارع، والرِّيَاش، والخيول، والعبيد، والإماء، ومن حولهم ملايين الجياع والمعدمين (2. وإذنْ فثورة أبي ذرّ على الأَغْنِيَاء كَانَتْ بدافع من حُبِّ الْعَدْل،
1) الْفُرْقَانِ : 70.
2) )أرسل عُثمَانَ إلى بطانة السُّوء من أمثال مُعَاوِيَةٌ، وعبد الله أبن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعُمْرُو بن العاص، وعبدالله بن عُمَرَ، فجمعهم ليشاورهم فلما اجتمعوا عنده قال لهم: «أن لكل أمرى وزراء. ونصحاء، وإنكم وزرائي، ونصحاني، وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ماقد رأيتم، وطلبوا إلي أن أعزل عمالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون، فأجتهدوا رأيكم وأشيروا علي».أنظر، مروج الذهب : 372/2 تأريخ الطبري: 4/5.وهذه إشارة صريحة وواضحة بأنّ الساحة فيها أكثر من تيار يعمل ضده كما قال في العقد الفريد: «ومما نقم الناس على عُثمانَ أنه أوى طريد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الحكم بن أبي العاص... وسير أبا ذر إلى الرَّبَذَة... وسيّر عامر بن عبد قَيْس من الْبَصْرَة إلى الشّام، وطلب مِنْهُ عبد الله خالد بن اسید صلة فأعطاه أربعمئة ألف... وتصدق رسول الله بمهزون موضع سوق بالمدينة على المُسْلِمِينَ فأقطعها الحارث بن الحكم أخا مَرْوَان... وأقطع مَرْوَان فَدَك وهي صدقة لرسول الله، وأفتتح أفريقيا، وأخذ خمسها فوهبه لمروان».)أنظر، العقد الفريد : 77/3 وَقَالَ ابن هشام في السِّيرَة الحلبية : «وسبب هَذِهِ الْفِتْنَةِ أنهم نقموا عَلَيْهِ أموراً مِنْها عزله لأكابر الصَّحَابَةِ مِمَّنْ وَلَاهُ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ومنهم من أوصى عُمَرَ بأَنْ يَبْقَى على ولايته وهو أبو موسى فعزله عُثمانَ وولى ابن خالد عبد الله بن عامر محله، وعزل عَمْرُو بن العاص عن مِصْر ووَلاهَا ابن أبي سرح. وعزل المغيرة عن الْكُوفَةِ، وعزل أبن مسعود عَنْهَا، وأشخصه إلى المدينة، وعزل سعد بن أبي وقاص عن الْكُوفَةِ وولى أخاه لأُمّه الوليد بن عُقْبَة الذي سماء الله تعالى فاسقاً...)ومِنْهَا أنه أدخل عمّه الحكم وكَانَ يُقَال له طريد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ولعينه... وأنه حبس عطاء عبدالله بن مسعود وهجره وحبس عطاء أبي بن كعب، ونفى أبا ذر إلى الرَّبَذَة، وأشخص عبادة بن الصامت من الشّام لما شكاه مُعَاوِيَةَ... وضرب عَمَّار بن ياسر، وكعب بن عُبَيْدَة، ضربه عشرين سوطاً ونفاه إلى بعض الجبال، وَقَالَ لابن عوف إنك منافق... وأنه أحرق الصحف التي فيها الْقُرْآن، وأنه أتم الصَّلاة بمنى... وأنه ترك قتل عُبيد الله وقد قتل الهرمزان...».)أنظر، السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 82/2، طَبْعَة 2 مضر، شرح النهج : 66/1 و 233، مُسْتَدرَك الْحَاكِم : 337/3 :و 345 ابن الأثير : 65/3 و 73، الطبري: 80/5 و 94، مُسْنَد أحمد : 155/5 و 166، و : 457/6. كنز العمال: 170/6، العقد الفريد : 91/3، المارف لابن قتيبة : 84، أبن كثير : 452/7، تأريخ أبي الفداء : 168/1، الإصابة : 619/3، سنن البَيْهَقِي : 61/8 الطَّبَقَات لابن سعد : 8/5 أَنْسَابِ الْأَشْرَاف : 28/5، مرأة الجنان: 851. كلّ هذه المصادر وغيرها نقلت لنا هذه المَسَاوِيءِ العُثمانية بشكل مفصل، فمن أراد، المزيد فليراجع.وعُثمَانَ هو الذي عطل الحدود، وجاء وجود أَهْل الْكُوفَةِ عَلِيَّاً فَشَكُوا إِلَيْهِ ما صنع بِهِمْ عُثمَانَ بعد أن زبرهم، وضرب الشهود أسواطاً، ثم ذهبوا إلى عَائِشَة فأخبروها بما جرى عَلَيْهِمْ فنادت وقالت : إنّ عُثمان أبطل المحدود، وتوعد الشهود.وقد أخرج صاحب الأغاني قول عُثمانَ : «... أمّا يجد مُرَاق أَهْل الْعِرَاق، وفُساقهم ملجأ إلا بيت عَائِشَة؟ فسمعت عَائِشَة فرفعت نعل رسول الله، وقالت : تركتَ سُنّة رسول الله صاحب هذا النعل. فتسامع الناس فجاءوا حَتَّى ملأوا المَسْجِدِ فمن قائل: أحسنت، ومن قائل : ما للنساء ولهذا؟ حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنّعال... وقد واجهه جُندب، وما أدراك ما جُندب، وزيد بن صوحان فقد قَالَ فِيهِ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «مَن سَرّه أن ينظر إلى رَجُل سبقه بعض أعضائه إلى الجنَّة فلينظر إلى زيد أن صوحان».)أنظر، كنز العمال: 685/11، البداية والنهاية : 214/6.وَقَال فيهما (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «جُندب وما جُندب، وزيد الخير وما زيد الخير، أما أحدهما فيضرب ضربة يفرق بَيْنَ الْحَقِّ، والْبَاطِل وأما الآخر فيسبقه عُضو من أعضائه إلى الجنَّة، ثم يتبعه سائر جسده».)أنظر، كنز العمال : 689/11.فجُندب واجه الوليد بشربه لِلْخَمْر وقاد المعارضة ضده.أنظر، تأريخ الطبري: 17/2.وزيد هو القائل لعُثمَانَ: «مِلت قالت أمتك أعتدل تعتدل أُمتك».أنظر الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى: 124/6.وقد سيرهما عُثمَان مع - كُمَيْل بن زياد، وجُندب بن زهير وعَمْرو بن الحمق، وعُروة بن الجعد، وصعصعة بن صوحان، ومالك بن عامر الأَشْتَر - إلى الشام، وكلّ واحد من هؤلاء قَالَ فِيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قولاً جميلاً.)أنظر، ترجمة حَيَاة هَؤُلاء الأبطال في الإِصَابَة : 325/5 و : 2159/1 و 4 / 294 و 236 و 3 / 259، تأريخ الطبري : 90/5.أما بطانة السُّوء العثمانية فَكَانَتْ تُبدي آراء متناقضة عندما طلب منهم عُثمانَ المَشُورَةِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةَ : إن تأمر أُمَرَاء أجنادك فيكفيك كلّ رجل منهم ما قبله وأكفيك أنا أهل الشام.أنظر، مروج الذهب 2 : 372 الطبري 94:5.وأنظر قول عبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص، وعَمْرُو بن العاص في الطبري، والمروج للمسعودي.وتجري الأحداث يوماً بعد يَوْم ضد عُثمانَ عندما كشر عن نواياه السَّيِّئَة وأظهرها في خطبته حين قَالَ: «فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولَكِنَّهُ وطنكم برجله، وضربكم بيده، ومعَكُمْ بلسَانِه..». وَهَذَا إعتراف صريح وخطير من قبل أميركم أمير المؤمِنِينَ - ذي النطاقين، والنورين - كما تسمونه يوصف صاحبكم - الفاروق - لو صدر هَذَا الْقَوْل من عَبَّار، أو سلمان، أو أبي ذر لقلتم ما قلتم، ولأولتم ما أولتم.... ولَكِنَّهُ صَدر من عُثمان، ولم يرو من مصادر أهل الشيعة أو ممن أتهمتموه بالتشيع أو بالزَّيغ، بل نقله الطبري في تأريخه، وصاحب البداية والنهاية.أنظر، تأريخ الطبري: 975، البداية والنهاية : 169/7.ويستمر عُثمانَ في خطبته ... «ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عَلَيْكُمْ فضولاً، وكشرت لكم عن نابي...». ولذا عندما طلب مِنْهُ أَهْل مضر تغيير عبد الله بن أبي سرح قَالَ لهم عُثمانَ : اختاروا رَجُلاً نوليه على مصر فوقع اختيارهم على محمد بن أبي بكر.... إلا أن عثُمان أرسل شخصاً آخر ومعه أمر إلى عبد الله بن أبي سرح يطلب مِنْهُ أنْ يقتل محمد بن أبي بكر و... و.... ويقره على عمله، لكن شاءت الأقدار أن تفضح الخؤون الغادر ويُلقى القبض على هَذَا الشخص الذي أرسله عُثَانَ وبيده الكتاب المختوم بخاتم ذي النورين، إلا أنه تبين إنّه من صنع مَرْوَان بن الحكم. فرجعوا وأخبروا عُثمانَ وطالبوه بتسليم مَرْوَان لهم. لكن ذا النطاقين أبي ذَلِكَ.أنظر، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 34/1 38، الكَامِل لابن الأثير : 3/ مقتل عُثْمانَ.
والصَّلاح، وباعث من دينه، وإيمانه بسنَّة الرَّسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وتَعالِيمَ الإِسْلام، وبقصد الحرص والمحافظة على حقوق الْمُسْتَضْعَفِين، وتقسيم القيء بالسوية على الجميع، لا بدافع من إيمانه بالإشتراكية، وإلغاء الملكية، وقد جَاهرٍ ذَلِكَ عَمَّار بن ياسر كما جاهر أبو ذَرّ، ثم الصَّحَابَةِ، وعامة المُسْلِمِين، ثُمَّ تَراكُم الاِسْتِياء الذي أدى إلى مقتل عُثمانَ، ولكن أبا ذر أوذي في سَبِيل ذلِكَ إِبْدَاءً كَثِيراً حَتَّى نَفَاهِ عُثْمانَ إِلَى الشَّام، ثمّ إلى صحراء الرَّبَذَة، ولو كَان أبو ذر إشتراكياً لثار عَلَى عُمَرَ بن الخَطَّابِ الَّذِي قسم الأَمْوَال بالتفاوت، وميّز بَيْنَ الْفِئَات والأفراد.)كَان أَبو ذَر يَأمر بِالْمَعْرُوفِ، ويَقُول أو صَانِي خَلِيلِي رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقول الْحَقِّ)
ولو كان مُرَّاً، ولا أَخشى في الله لومة لائم، وأعوذ بالله من الجبن...يا معشر الأغْنِيَاء أَجْعَلُوا في أَمْوَالكم حقاً للسائل والمحرُوم... يا معشر الْأَغْنِيَاء وأسوا الْفُقَرَاء، ولا تكنزُوا الذهب والفِضَّة فتمسكم النار... يا معشر الْأَغْنِيَاء قَالَ رَسُول الله : «مَا مَلأ ابن آدَمَ، وعَاءً شَرّاً من بَطنه، حَسِب أبن آدَمَ لقيمات يُقمن صلبه...» (1، وهذه هي دَعْوَة الْقُرْآن بالذَّات : ﴿وَفِي أَمْوَلِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم) (2).. (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (3).)وكان يُخاطب الْفُقَرَاء بقَوْله : «أجمعوا مع صلاتكم، وصُومكُم غَصباً الله إذا عُصي فِي الأرْض، ولا ترضوا الولاة بسخط الله إِنْ أَسخطوا الله، فَجَانِبُوهُم وأَزْرُوا عَلَيْهِمْ، فإنّ الله أكبر، وأعلى (4... وهذه دَعْوَة الْإِسْلام والْقُرْآن قَالَ تَعَالَى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَناً قَلِيلاً) (5).)فَقال لهُ عُثمَانَ : انْتَه عن هَذَا يَا أَبا ذَرّ. قَالَ : أَتهاني عن قراءة كتاب الله ؟ والله لأن أرضي الله بسخطك أحبّ إليَّ من أن أسخطه برضاك، فنفاه عُثمانَ إِلى الشَّام، ولما دخل دمشق ورأى الخَضْرَاء، قصر مُعَاوِيَة الجَدِيد، وقفَ ذَاهِلاً عن كلّ شيء
1) أنظر، سُبل الهدى والرشاد : 102/12، المجازات النَّبَوِيَّة : 443 ح 360، مُسند الشاميين : 136/3 ح 1945 فيض القدير : 319/4. إعانة الطالبين : 280/2، المبسوط للسرخسي: 266/30، السنن الْكُبْرَى: 177/4 6768، المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم : 331/4.
2) الذَّاريات: 19.
3) الْتَوْبَة : 34.
4) أنظر، مُسْتَدرَك الوَسَائِل : 199/12 ح 13875، أمالي المفيد : 163، البحار : 369/22.
5) المائدة : 44.
إلا عن أمر الله، وطاعته، فأستأنف سيرته الأولى، وَقَالَ : هَذه هي الخيانة، أو الإسراف. فَقَالَ له مُعَاوِيَة : ما الذي أغضبك علينا يَا أَبَا ذَرّ ؟ قَالَ إِنَّكَ أَغنيت الأغنياء، وأفقرت الْفُقَرَاء. فحاول مُعَاوِيَة أنْ يَشتري أَبا ذَرٌ بالمال كما حاول عُثمانَ من قبل !.. ولكن ما لأبي ذرّ بُدّ من طَاعَة الله، والْعَمَل بوصية رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فأستمر في ثورته وشعارها العودة إلى سيرة النَّبِيِّ، وسنته، وتَعَالِيم القُرْآن ومبادئة، فأهتزت الأرض من تحت مُعَاوِيَة، وكادت الثَّورة تَأْتِي أُكلها، وتعمل السُّيُوف في مُعَاوِيَة عملها قبل أن تصل إلى عُثمَانَ لَوْلا أَنْ مُعَاوِيَة أسرع وعَمل على أرجَاع أبي ذرّ إِلى عُثمَان.)وطَار صواب عُثمَانَ حِين رأى أَبا ذَرٌ مُنتصباً أمام عينيه، وقَد كَان يَظن أنه قد تخلص منه، وأستراح... فاشتد بهِ الْغَيْظ، وَقَالَ: «لا أنعم الله بِكَ عَيناً. فَقَالَ أبو ذرّ : والله ما نقمت مني إلّا الأَمر بِالْمَعْرُوفِ، والنَّهي عن المنكر. فغضب عُثمانَ، وَقَالَ : أشيروا عليَّ في هَذَا الكذاب !. النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «ما أقلت الغبراء، ولا أَقَلّت أظلّت الخَضْرَاء أصدق لهجة من أبي ذرّ» (1)، وعُثمَانَ يَقُول : هَذَا الكذاب ! فأيهما)
1) أنظر، المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 385/3 ح 5461 و 5467، الطَّبَقَات الكَبْرَى لابن سعد : 4 ق 161/1، مُسْنَد :أحمد : 2 / 163 و 175 و 223، و 5 / 147 و 155 و 159 و 165 و 166 و 172 و 174 و 351 و 356، و : 442/6، صَحِيح البخاري : مناقب أبي ذرّ، صَحِيح التّرمِذي، وصَحِيح مُسْلِمٍ في باب المناقب، سنن ابن ماجه : 1 / 55 ح 156، مُسْنَد الطَّيَّالسي : ح 458، وأنظر الطبري، وأبن الأثير في ذكر غَزْوَة تَبُوك الْفَتْح الرباني: 270/22، کشف الخفاء : 231/2 ح 2173، الجامع الصغير : 5/ 679، كنز العمال : 228/42 و 11/ 667، تذكرة الحفاظ : 18/1، سير أعلام النبلاء : 59/2، الكاشف 24/2 ح 6613، الاستيعاب : 1655/4 و 1896. الإصابة : 129/7، كشف الخفاء : 231/2 ح 2173 تدريب الراوي: 94/1.
الكاذب ؟.ثُمَّ دَعا عُثمَانَ مَرْوَان بن الحكم، وأمره أنْ يخرج بأبِي ذَرِّ إِلَى صَحْرَاءِ الرَّبَذَةَ وَنَهَى الناس أن يصحبوه، أو يُشيعُوه... ولكن الإمام أمير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ، شَيعة هو وولداه الحَسَن، والحُسَيْن، وأخوه عَقِيل، وأبن أخيه عبد الله بن جعفر، وعمار بن ياسر، ولما ودعه الإِمَام قَالَ له : (يَا أَبَا ذَرٍ، إِنَّكَ غَضِبْتَ اللَّهِ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ... إلخ) فَقَالَ أَبو ذَرّ لِلإِمَامِ، والَّذِين معهُ: «بأبي وأُمِّي هَذِه الوجوه إِنِّي إِذا رأيتكُم ذكرت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وما لي بالمدينة شجن، ولا سكن غَيْركم... ومات أبو ذرٌ غَرِيباً بفَلاة من الأرض لا يملك حَتَّى الكَفْن... ولَوْلا بَعْض المارة يُكفنه برداء من ملابسه لدفن من غَيْر كَفْن... وكثير من الصَّحَابَة يملكون الملايين، وفي طليعتهم عبد الرَّحمان بن عوف، وطَلْحَة، والزُّبَيْر أَعْضاء مجلس الشورى الذين رشحهم الخَلِيفَة الثَّانِي لاختيار عُثمَانَ خَلِيفَة على المُسْلِمِينَ (1).
1) في رواية قَالَ: «ذكر عُمَرَ من يستخلف فقيل : أين أنتَ عن عُثمانَ؟ قَالَ : لو فعلت الحمل بني أبي معيط على رقاب الناس. قيل : الزُّبَيْرِ ؟ قَالَ، مؤمن الرّضى كافر الغضب. قيل : طَلْحَة؟ قَالَ : أنفه في السَّماء وأسته الماء. قبل سعد ؟ قَالَ : صاحب مقنب - جماعة من الخيل تجتمع للغارة - قرية له كثير قيل : عبد الرحمان؟ قَالَ : بحسبه أن يجري على أَهْل بَيْتِه».)أنظر، أَنْسَابِ الْأَشْرَاف: 17/5.وفي رواية ابن قتيبة : «... فقَالُوا : قل فينا يا أمير المؤمِنِينَ مقالة نستدل فيها برأيك ونقتدي به، فَقَالَ : والله ما يمنعني أن أستخلفك ياسعد إلا شدتك، وغلظتك مع أنك رجل حزب، وما يمنعني منك يا عبد الرحمان إلا أنك فِرْعَوْنَ هَذِه الأمة، وما يمنعني منك يازبير إلا أنك مؤمن الرضا كافر الغضب، وما يمنعني من طَلْحَة إلا نخوته وكبره لو وليها وضع خاتمه في أصبع أمْرَأته، وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبتك وحبك أنظر، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 28/1.وروي أنّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ لما نظر إِلَيْهِمْ - أصحاب الشُّورى - قَالَ: «قد جاءني كلّ واحد مِنْهُم يهزّ عقيرته يرجو أن يكون خَلِيفَة.... فأما أنت ياطَلْحَة أفلست القائل : إن قبض النّبي لتنكحنّ أزواجه من بعده، فما جعل الله محمداً أحق بينات أعمامنا فأنزل الله فيك :... (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ و مِن بَعْدِهِيَ أَبَدًا.)الأَحْزَابِ : 53، راجع تَفْسِير الخازن : 509/3، شرح النهج لابن أبي الحديد : 62/1. وأما أنتَ يازبير فوالله مالان قَلْبِكَ يوماً ولا لَيْلَة ومازلت جلفاً جافياً مؤمن الرّضا كافر الغضب، يوماً شَيْطَان ويوماً رَحمان، شحيح.وأمّا أَنْتَ يا عُثمانَ لروثة خير منك، ولئن وليتها... ولئن فعلتها لتقتلن، ثلاث مرات.وأما أنتَ يا عبد الرَّحْمَان فإنّك رجل عاجز تُحبّ قومك جميعاً...وأما أنتَ ياسعد فصاحب عصبية، وفتنة...وأنتَ يا علي فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أَهْل الأَرْضِ لرجحهم.. فقام علي موْلِيَاً يخرج فَقَالَ عُمَرَ : والله إنِّي لأعلم مكان الرجل...».أنظر، الكَامِل لابن الأثير : 35/3 الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 24/1، شرح شرح النهج لابن أبي الحديد: 170/3 و 260/12.
والخلاصة : أنّ أبا ذرّ لَم يَكُن يَعمل بأسم الإنتاج، ووَسَائِله، وبأسم الملكية وإلغائها، أو بأي دافع غَيْر الْقُرْآن، والإِسْلام... وإنْ سِيرة أبي ذر لي من أَتَمَن مَا في التّراث الإنساني، والإسلامي، وعلى جميع المُسْلِمِين أَنْ يَدرسُوها، ويَنشرُوها بكلِّ الوَسَائِل، إِنَّهَا دَليل قاطع على أنّ الإِسْلام ثورة على الْفَقْر، والظُّلم، أنّه يرفض الخنُوع، والتَّرَدُّد، ومُهادنة الطَّغَاة المستغلين، لأَنَّهَا تُمكن لفسادهم في الْأَرْضِ، وعُدْوَانهم... ولا أدري لماذا نتجاهل هذه الثّورة الإسلامية، وهي السبيل لمرضاة الله، ثم نهتم بالقشور، والمظاهر ؟قومك، وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عَلَيْهَا، وإنك أحرى الْقَوْم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين والصّراط المُسْتَقِيم».
ونختم هذه الإِشَارَة إِلى أَبي ذَرٌ بكَلِمَة أبنه فيها واحد من النفر الذين حضروا وفاته ودفنه، ونقول معه: «اللَّهُمَّ هَذَا أبو ذر صاحب رسول الله عَبدك، وجَاهد فيك، ولم يُبدل، ولَكِنَّهُ رأى مُنْكَراً فغيّره بلسانه حَتَّى نُفي، وحُرم، ثُمّ مَات وَحيداً غَرِيباً، أَللَّهُمَّ فأنتقم مِمَّنْ حَرَمه، ونَفَاه مِن حَرَم رَسُول الله» (1.)
1) أنظر، روضة الواعظين: 284، وسائل الشيعة : 306/20 ح 943، بحار الأنوار: 400/22 ح 7، الدّرجات الرفيعة : 252 أختيار معرفة الرجال للطوسي الرجال للطوسي : 283/1 ح 118.
## الخُطْبَة - 131 -### مَتَى يَأْمَن المَظْلُوم:أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَ الْقُلُوبُ الْمُتَشَتَّتَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَ أَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ ! هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ أعْوِجَاجَ الْحَقِّ أَللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُن الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ، وَلا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَ لَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَ نُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلادِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَ تُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ. أَللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ، وَسَمِعَ وَ أَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةِ.)وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ، وَالدِّمَاءِ، وَ الْمَغَائِمِ، وَ الْأَحْكَامِ، وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ، وَلا الْجَاهِلُ فَيُضِلُّهُمْ بِجَهْلِهِ، وَلَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ، وَلا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمِ، وَلا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ، وَ يَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ، وَلا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ
اللُّغة:أَظْأَرُكُمْ أَسْتَدَر عَطْفَكُم وَالوَعْوَعَة : الصياح وسَرَارَ الْعَدْلِ : مكانه، ونَهْمَتُهُ : شَهْوَتُهُ. والجافي من الجفاء أي الغلظة، والحَائِفُ : من الحيف، والجور والمقاطع: جَمع مَا يُقطع بهِ الْبَاطِل، ويُفصل بينهُ وبَيْنَ الْحَقِّ.الإِعْرَاب:أَبْدَانُهُمْ فَاعِل للشَّهَادَة وأَظْأَرُ فعل مضارع، وسَرَارَ مَفْعُول لأَطْلَعَ، ويَأْمَنَ نُصب بأنْ مُضمرة بعد الفاء، ونَهْمَتُهُ أسم تَكُون، ودُونَ ظرف مُتَعَلِّق بِيَقِفَ.الْمَعْنى:(أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَ الْقُلُوبُ الْمُتَشَتَّتَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ. أخاطبكُم، ولا جدوى من خطابكُم تَمامَاً كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةً يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (1). ومِثله : «يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ، وَلا رِجَالَ» (2)، و «أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولهُمْ، الْمختَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ» (3)(أَظَأرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ). أَسْتدر عطفكُم عَلَيْهِ، وأرغبكُم فيهِ. بِكُلِّ الوَسَائِل، ولكن ماذا أَصنع ؟ (وَ أَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ) مُدبِرِينَ (نُفُورَ الْمِعْزَىٰ مِنْ
وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ) أي من صَوْته. وأغرب مِن ذَا أَنْ نَلتمس الْبَاطِل تحت شعار الحق، ونُحارب الحَقِّ مُحجّة أنّه بَاطِل.
(هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ). الْمُرَاد بأَطلع هُنا أَبْلُغ، وسَرَارَ الْعَدْلِ مَكانه كما أشرنا في فِقْرَة «اللُّغَة». والمعنى لَستُم بِأَهْلِ لِنُصرَة الْحَقِّ، وَإِنْ يَبْلُغَ بِكُم الْقَائِد المكان الأفضل من الْعَدْلِ (أَوْ أُقِيمَ أعْوِجَاجَ الْحَقِّ) أي مِن أَعْوَجَ عن الحَقِّ، لأن الحَقِّ لا أعْوِ جَاجَ فِيهِ، أو أُحيي بكم الحق بعد إماتته بالإعراض عنه.
(اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا) في حزب الجَمَل، وصِفِّين (مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ، وَلا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ). حَاشا لِعَلي أَنْ يَنحَرف مع الأهواء، وحُبّ المناصب، والأَمْوَال... كلا وألف كلا، إِنَّهَا فِي نظره من النوافل والتّوافه... حَتَّى الدُّنْيَا بكاملها عِنده كعَفْطَةِ عَنْزٍ، أو وَرَقَةٍ فِي فَم جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا إِلَّا أن يُقيم حقاً أو يَدْفَع باطلاً... إنّ الخِلافَة عِند عَلَيَّ، وَسِيلة لا غَايَة، وأَداة لتحقيق ما أشار إِلَيْهِ بِقَوْله
1 – (لنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ). إنّه يقبل الخلافة ليسترِد الإسلام سيرته الأُولَى التى رسمها، وسَار عَلَيْهَا رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
2 - (وَ نُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلادِكَ) والإِصْلَاحَ في نظر الإِمَام هُو أَنْ (يَأْمَنَ الْمَظْلُوم مِنْ عِبَادِكَ) على نَفْسِه، وحُريته، ومَاله، ومكاسبه، ولا يخشى الطَّغاة، والمُستغلين (وَ تُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ). ولا تختص حدود الله سُبْحَانَهُ بِجَلد الزَّانِي، وقطع الشارق، بل تشمل كلّ محظور، وأكبر المحظورات السيطرة على الْعِباد، وإشاعة الفَسَاد، والتَّحْكِيم بالأَمْوَال، والمقدرات، وترويع الآمنين، وأستغلال المعدمين، وتضليل البسطاء بالتمويه، والدعايات الكاذبة، أتهام
الأخرَار زُوراً وبهتاناً.
(أَللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ) إِلَيْكَ، وآمن بِكَ مُخلصاً، ودعا إلى سَبِيلك، وجَاهد فِيكَ (وَ سَمِعَ وَ أَجَابَ) دَعْوَة الْحَقِّ بِها (لَمْ يَسْبِقْنِي إِلا رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - الصَّلاةِ). لا يختلف أثنان من الْمُسْلِمِين أنّ عَلِيَّاً، وخَدِيجَة هُما أَوَّل مَن أَسلم، وآمن برِسَالَة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنْ تلاعب بالألفاظ من لعب الشَّيْطَان بعقله، وبقلبه، وَقَالَ بلسانه : أَوَّل من أسلم من الصبيان عَليّ ! وكم من صَبي هو أرشد، وأَعقل من مئاب الشيوخ، وتَقَدَّم الكلام عن ذَلِكَ (1)
روي الحديث في الكَامِل لابْن عَدِيّ : 11829/5 ط بيروت في حَدِيث طويل عن علي بن أبي رافع قَالَ : أتيت أبا ذر أودعه، فَقَالَ : إنّه ستكون فتنة، ولا أراكم إلا إنكم ستدركونها، عَلَيْكُم بالشيخ علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُول : أَنتَ أوّل من آمن بي... ورواه العلّامة النقيب أبو جعفر الإسكافي البغدادي في رِسَالَة النقض على العُثمانية : 290 دار الكتب مضر. ورواه أيضاً الجويني في فرائد السمطين: 39/1 عن أبي سخيلة قَالَ: قَالَ : رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على أَوَّل من آمن بي.
ورواه أيضاً الهيتمي في مجمع الزوائد : 105/9 عن أبي ذر وسلمان قالا : أخذ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بيد علي فَقَالَ : إنْ هَذَا أَوَّل من آمن بي. وَقَالَ الهيتمي : رواه الطبراني والبزار.
ورواه أبن أبي الحديد في الشرح : 228/13 وأبن حجر العسقلاني في لسان الميزان: 383/3 عن عبدالله بن عباس، ورواه أيضاً الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد الحنفي الموصلي الشهير بحسنويه في در بحر المناقب : 99 مخطوط عن أبي ذرّ، وسلمان، والمقداد في حَدِيث طويل قَالُوا : إننا سمعنا من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَقُول : إنّ عَلِيَّاً مع الحق والحق معه... فإِنَّه أَوَّل من آمن بي.
ورواه أيضاً الترمذي، وأبو حَنِيفَة، والحاكم في المستدرك على الصَّحِيحِين : 136/3 والبَيْهَقِي والطبري في تأريخه: 420/3. وابن هشام وأبن الأثير، وأبن كثير، وأبن عبدالبر، وأبن حجر العسقلاني في صواعقه : 72 والخطيب، وأبن سعد، وأبو نعيم، والزمخشري والسيوطي، والمناوي عن عدة كبيرة من الأصحاب. بل قال ابن حجر المكي : نقل بعضهم الإجماع عَلَيْهِ. (أنظر الإمامة في أهم الكتب الكلامية وعقيدة الشيعة الإمَامِيَّة للسيد علي الحُسَيْنِي الميلاني : 269 منشورات الشَّرِيف الرَّضِي الطبعة الأُولَى قم). ورواه أحمد بن حنبل في مُسْنَده : 373 ط الحجر، و : 84/1ط الحلبي.
Aو في كشف الْيَقِين في فَضَائِل أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن المطهر الحلّي : 24 تحقيق حسين الدرگاهي قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): إن علي بن أبي طالب أَوَّل النّاس إيماناً. ومن كتاب المناقب لأبي المؤيد الخوارزمي : 17 عن سلمان قال: سمعت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول : أولهم إسلاماً (إيماناً) وهو علي بن أبي طالب. وفي كتاب مسند أحمد: 330/1 عن عَمْرُو بن ميمون قَالَ: إِنِّي لجالس إلى أبن عباس إذ أتاه تسعة رهط - إلى أنْ قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): وَكَانَ أَوَّل من أسلم من الناس بعد خديجة.
وفي كتاب المناقب لابن شهر آشوب: 4/2 و 9 قَالَ: استفاضت الرواية أنّ أَوَّل من أسلم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم خَديجة. لكن يستفاد من بَعْض الرّوَايَات أنّ أَوَّل من أسلمت هي خَدِيجَة ثم أسلم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما ورد في أَنْسَابِ الصَّحَابَة عن الطبري وغيره، ويمكن حمل كلام ابن شهر آشوب أنّ أوّل من أسلم من الرّجال على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأَوَّل من أسلم من النِّسَاء خَديجة (رضي الله عَنْها).
وروى شهاب الدين ابن حجر العسقلاني في الإصابة بسنده عن ليلى الغفارية قالت: كنت أغزو مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى، فلما خرج علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الْبَصْرَةِ خرجت معه، فلما رَأَيْت عَائِشَة أتيتها فقلت ها: هل سمعت من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فضيلة في علي ؟ قالت : نعم، دخل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو معي و وعَلَيْهِ جرد قطيفة - إلى أنْ قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : - فإنَّه أَوَّل الناس إسلاماً. (وأنظر تاريخ الطبري: 55/22). وذكر الجويني في فرائد السمطين: 1/ 140 ح 103 عن أبي ذرّ، وسلمان، قالا: أخذ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بيده على (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقَالَ : إِنَّ هَذَا أَوَّل من آمن بي... وفي تفسير ابن الحجام لقَوْله تَعَالَى وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم النِّسَاء : 69 في حَدِيث طويل قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إن الله قد أنزل بَيَان ما سألت فجعلك رفيق، فإنّك أول من أسلم. (أنظر كشف الغمة : 116/1).)وروى أبو زرعة الدمشقي وأبو إسْحَاقَ الثَّعلبي قالا : قَالَ أبو بكر : يا أسفي على ساعة تقدمني فيها علي بن أبي طالب، فلو سبقته لكان لي سابقة الإسلام وعن عُمَر بن الخطاب أيضاً قَالَ: قَالَ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : يا علي أنتَ أَوَّل المُسْلِمِينَ إسلاماً، وأَنْتَ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً.)وذكر حَدِيث عُمَرُ أبن عساكر في تاريخ دمشق ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: 401/331/1، وفي المتابيع للقندوزي: 60 عن ابن عباس قَالَ : أَوَّل من أسلم من الناس بعد خَديجة علي بن أبي طالب. وفي الاستيعاب لابن عبدالبر المالكي بهامش الإصابة : 29/3 عن سَلْمَان قَالَ : أوّلها إسلاماً علي بن أبي طالب.)وفي تأريخ الطبري: 57/55/2 عن أبن إِسْحَاقَ مثله عن زيد بن أرقم قَالَ : أَوَّل من أسلّم مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). وفي تأريخ دمشق : 61/32/1 عن عُروة بن الزبير مثله، و : 68/36/1 عن قتادة عن الحسن البصري وغيره مثله، و : 1 / 104/65 عن أبي مالك بن الحويرث مثله أيضاً، و: 129/80/1 عن عَمْرُو بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثَّقَفي مثله أيضاً، وفي الكامل لابن الأثير : 58/2 مثله أيضاً.)وأنظر الكافي: 454/1، وأمالي الشيخ الصدوق : مجلس 5/37، وتذكرة الخواص : 103، وتأريخ الطبري: 57/22 و 58، والمناقب لابن شهر آشوب : 11/2، ورِسَالَة الإِسكَافِي لِلْحَاكِم النيسابوري : 22، و مروج الذهب للمسعودي: 437/2، والإِرْشَاد للشيخ المفيد : 9 ب 1 فصل 1، العقد الفريد للعلامة الأندلسي المالكي : 3 في قِصَّة احتجاج المأمون على الفقهاء وهي مناظرة، لطيفة في فضل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ وبأنه أَوَّل من آمن بالله وأنظرها في الإحقاق: 184/3 وما بعدها.)وفي شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 257/3 قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لفَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ): زوجتك أقدم الأمة إسلاماً. وأخرج المخطيب في المتفق والسيوطي في جمع الجوامع : 398/6 قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لفَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ) : زوجتك خير أُمّتي أعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً، وأولهم سلماً.)وروى الخطيب في تأريخه : 233/4 عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قَالَ : أنا أول من أسلم مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وروى ابن مزاحم في كتاب صفّين : 100 و 133 أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتب إِلى مُعَاوِيَةَ وَقَالَ : كنا أَهْل الْبَيْت أَوَّل من آمن به وصدق بما جاء به. وذكر ابن أبي الحديد : 101/2 خُطْبَة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مجلس مُعَاوِيَةَ قَالَ فيها : وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أَوَّل النَّاسِ إِيمَاناً ؟ وإنك - يا مُعَاوِيَةَ - وأباك من المؤلفة قلوبهم.)وأنظر رِسَالَة الإِسكَافِي، والمحافظ الكنجي في الكفاية : 48، الغدير : 276/2. صحيح الترمذي : 301/2، النسائي في خصائصه: 2. ابن سعد في طبقاته : 12/3 القسم 1، أسد الغابة : 17/4، كنز العمال : 6 / 400 مُسند أحمد : 4 / 368 و 371، تأريخ ابن جرير الطبري : 57/2 عن محمد بن المنكدر. وربيعة بن أبي عبد الرحمان، وأبي حازم المدني.وأنظر أيضاً المُسْتَدرَك في الصَّحِيحِين: 465/3 عن ابن عباس، و : 136/3 عن سلمان، والخطيب في تأريخه: 18/2، والاستيعاب لابن عبد البر : 457/2 عن عَمْرُو مَوْلَى عفرة، و : 456 عن سَلْمَان، وأبي ذر، والمقداد، وجابر، وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم، وعن أبي رافع، و : 458 عن قتاده عن المسند، وذكره المناوي في كنوز الدقائق، مسند أحمد بن حنبل : 26/5 عن معقل بن يسار.و راجع كنز العمال : 153/6، و : 392/6 و 395 عن عُمَرَ، مجمع الزوائد: 101/9، و : 102 و 114 و 220، عن بريدة وعن مالك بن الحويرث، مُسْنَد الإمام أبي حَنِيفَة : 247 عن حبة، والبغدادي في تأريخه : 233/4، الإصابة : 4 / 118 القسم 1 عن جابر، 183/8 القسم 1 عن ليلى الغفارية. أسد الغابة : 17/4 عن الحارث، و : 250/5، الرياض النضرة: 182/2 عن أنس، الإستيعاب : 458/2، حلية الأولياء : 294/4.وأنظر كَذَلِكَ في الدر المنثور للسيوطي في ذيل تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوجًا ثَلَاثَةَ الْوَاقِعَة : 7، فيض القدير : 135/4، الصَّوَاعِق المحرقة : 72. ذَخَائِرِ الْعُقبى : 58، الرياض النضرة : 158/2، الثعلبي في قصصه : 238 و 257 و 258، السيوطي فى الدر المنثور في ذيل الآية: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَب الْقَرْيَةِ) يس : 13، تأريخ بغداد: 155/14 عن جابر، تهذيب التهذيب : 236/7، نور الأبصار للشبلنجي: 69.)حَدِيث «أَوَّل من آمن بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ»، فأنظر تاريخ الطبري لابن جرير : 75/2 عن إِسْحَاقَ أَوَّل: ذکر آمن برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وصلى معه وصدّقه بما جاء من عند الله علي بن أبي طالب، السيوطي فى الدر المنثور في ذيل تَفْسِير : (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِي وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) النِّسَاء : 35. وساق الحديث الزوائد: 239/6، والسيوطي أيضاً في الدر المنثور في تَفْسِير سُورَة التَّوْبَة في ذيل (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ) الْتَّوْبَة : 19.)وأنظر أيضاً سُنن البيهقي: 206/6 عن الحسن وغيره، مجمع الزوائد : 102/9 نقلاً عن الطبراني. خصائص النسائي : 3 عن عَمْرُو بن عباد بن عبدالله، أسد الغابة : 19/4 عن أبي إِسْحَاقَ، الاستيعاب : 759/2 في ترجمة ليلى الغفارية، الرياض النضرة : 157/2 عن أبي ذرّ، و : 157/2 عن معادة العدوية. كنز العمال: 405/6، ميزان الاعتدال للذهبي: 417/1، الرياض النضرة : 198/2 عن معاذبن جبل.و راجع حلية الأولياء لأبي نعيم : 66/1، الإِصَابَة : 167/7 القسم 1 عن أبي ليلى الغفاري، فيض القدير : 4 / 358 عنأبي ذر وسلمان مطوّلاً. كنز العمال : 156/6 نقلاً عن الطبراني. و : 393/6 عن : 358/4 عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن عبد الله بن عباس قال: سمعت عُمَرَ بن الخَطَّابِ يَقُول : كفّوا عن ذكر عليّ، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 58 و 83 بَاب فَضَائِل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ، مَوَدَّة القربى : 22، کنز العمّال : 32991/6/16.)أنظر، الفِرْدَوْس للديلمي: 93/41/1، شرح نهج البلاغة : 173/9 و 174 الخطبة 154 و 300. المناقب للخوارزمي: 52 / 15 و 23/57 و 27/580، الفضائل الأحمد: 997/589/2 و 998، المُسْتَدرَك : 465/3، المناقب لابن المغازلي: 22/16. فرائد السمطين : 1/ 102/139 و 103، الإصابة لابن حجر : 171/4 و 402 ترجمة 974 و 994.
.1) أنظر، شرح الخُطْبَةُ : (37)، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
### شروط الْوَالِي:(وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ، وَالدِّمَاءِ، وَالْمَغَائِمِ، وَ الأحْكَامِ، وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، تَكُون الوِلَايَة عَلَى الْفُرُوج بإقامة الحدّ عَلَى الزَّانِي، وصِيانَة الأَنْسَاب، وإجْرَاء الزَّواج، وإيْقَاعِ الطَّلَاق على الوجه الشَّرعِي، والْوِلَايَة عَلى الدِّمَاء بحفظ النفوس من الاِعْتدَاء عَلَيْهَا، والقود من المعتدي، والوِلاية على المغانم بحراستها، وتقسيمها على المستحقين، وعَلى الأحكام بحفظها وبثها وحمل النَّاس عَلَيْهَا، ولا تَكُون هذه الوِلايَة إِلَّا مَن تَوافَرت فِيهِ الشُّرُوط التالية :)1 - أَنْ لَا يَكُون بَخِيلاً (فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ. الضَّمِيرِ فِي أَمْوَالِهِمْ لِلرَّعِيَّة. وفِي نَهْمَتُه لِلْوَالِي، والمعنى لو كَانَ الْوَالِي بَخِيلاً لكَان شَرِها على المال، والحياة الدُّنْيَا، يَطلبها من كلّ سَبيل، ويمنع الحَقِّ عن أَهْلِه، وبهذا نجد تَفْسِير الحَدِيث الشَّرِيف: «لا يَجْتَمِع الشُّح، والإِيمَان فِي قَلبِ العَبد أَبَداً» (1).)
1) أنظر، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 155/5 ح 7800، فيض القدير : 125/3، كشف الخفاء : 499/2 ح 3109، مُسْنَد أحمد : 441/2، مُسند أبي داود : 323، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 588/4 ح 178، المعجم الأوسط : 87/6 كنز العمّال: 453/3 ح 7411 و 7413 و 7414، ميزان الاعتدال : 413/2 ح 4287، الخصال للشيخ الصدوق : 76 ح 118.
2 - (وَلا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ، عَن طَرِيق الحق، والصواب، وهَذَا الشَّرط تفرضه البديهة، وتتفق عَلَيْهِ البشرية جمعاً، ومن حكم الْإِمَام : «لَا تَرَى الجَاهِلَ إِلَّا مُفْرِطاً، أَوْ مُفَرّطاً» (1).)3 – (وَلا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ. إِذَا كَان الْوَالِي فَظاً تَجافِي النّاس عَنْه، وهُم في أشد الحاجة إلى عَدله العِلْم بأنّ مُهمته تفرض عَلَيْهِ التَّواضع، ولين الجانب، والصَّبر لذوِي الحَاجَات، والأستماع لشكوى المظلومين.)4 - (وَلا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ أي الجَائِرِ «لِلدُّوَلِ» بضم الدّال، وهو المال المتداول بهِ، والجَوْر في المال أنْ يكتسبه عَلى حِساب الآخرين، ويحبسه عن المُسْتَحِقين (فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ) أي يؤثر المبطل على المحق، والْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيف.)5 - (وَ لَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ إِلى غَيْر أَهلها، والرَّشوة مُحرَمة في كلِّ شَرِيعَة. وفي الحَدِيث : «لعن الله الرّاشي، والمرتشي، والرّائش الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهما» (2)(وَ يَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِع) جمع مقطع، ومَقطع الْحَقِّ مَا يَقطع بِه دَابر)
1) أنظر نهج البلاغة : الحكمة (70).
2) أنظر، المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 115/4 ح 7018، فتح الباري : 221/5 ح 3456، جامع التحصيل : 300/1 ح 891، علل الدار قطني : 274/4 ح،558 كنز العمال : 825/5 ح 14495، تفسير القرطبي : 183/6، صحيح أبن حبّان : 467/11 ح 5076، مجمع الزوائد : 199/4، المصنف لعبد الرزاق : 148/8 ح 14668، فيض القدير : 268/5، سير أعلام النبلاء: 103/4، تهذيب الكمال: 440/12. الطَّبَقات الْكُبْرَى : 135/62. كشف الخفاء : 186/2 ح 2048. تلخيص الحبير : 189/4 ح 2093 خلاصة البدر المنير : 430/22 ح 2862، المحلى: 157/9 ح 1638.
الْبَاطِل، ويُميّزه عن الحق، ولَيْسَ من شكٍّ أنّ الرّشوة تحول دُونَ ذَلِكَ.6 - (وَلا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ أي قول الرَّسُول، وَفِعله، وتقريره (فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ) بِجَعله، وخِيانته. وعَلى الإِجماع فإنّ الْبَخِيل لا يُركن إلَيْهِ، والجَاهِل لا يُسترشد به، والفظ تنفر مِنْهُ الطباع، والجائر يبخس النّاس أشياءهم، والمرتشي مزور مُحتال وَبتَعطِيل الأحكام، والقَوَانِين تسود الفوضى ويختل النظام، ومعنى هَذَا أن من أتصف بشَيء من ذَلِكَ يَصلح للحكم، والْوِلَايَة.)
## الخطبة - 132 -### عَاقِبَةُ المُتْرَفِين.. فِقْرَة 1 - 2:نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى، وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةٍ، وَ الْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَة، الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُ الصُّدُورُ، وَمَا تَخُونُ الْعُيُونُ. وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ نَجِيبُهُ، وَ بَعِيثُهُ، شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلانَ، وَ الْقَلْبُ اللِّسَانَ.)فَإِنَّهُ وَاللهِ الْجِدُّ لا اللَّعِبُ، وَ الْحَقُّ لَا الْكَذِبُ. وَمَا هُوَ إِلا الْمَوْتُ أَسْمَعَ دَاعِيهِ، وَ أَعْجَلَ حَادِيهِ. فَلا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، وَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ، وَ حَذِرَ الْإِقْلَالَ، وَ أَمِنَ الْعَوَاقِبَ - طُولَ أَمَلٍ، وَ اسْتِبْعَادَ أَجَلٍ - كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ، مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ، حَمْلا عَلَى الْمَنَاكِبِ، وَإِمْسَاكاً بِالْأَنَامِل (1. أَمَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً، وَ يَبْنُونَ مَشيداً، وَ يَجْمَعُونَ كَثِيراً، كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً، وَمَا جَمَعُوا بُوراً، وَ صَارَتْ أَمْوَالَهُمْ لِلْوَارِثِينَ، وَأَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، لا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ، وَلَا مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ! فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرَّزَ مَهَلُهُ، وَ)
فَازَ عَمَلُهُ. فَأَهْتَبِلُوا هَبَلَهَا، وَ أَعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا : فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقَ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازِ. وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ (2.)اللُّغة:أَبْلَى أَعْطى خَيْراً وَابْتَلَى : أَمْتَحَن. وغَجِيبُهُ : من النَّجَابة، والاِخْتِيار. وَبَعِيثُهُ : مَبْعُوثه. والبُوراً : الكساد، والهلاك. وبَرَّزَ - بتشديد الراء - فاق.والمَهَلُ - بفتح الهاء - التقدم في الخير. وأهْتَبِلُوا - بصيغة الأمر - اغْتَنَمُوا. وأَوْفَازٍ : جَمع وَفَز أي العجلة. والزِّيَالَ : الرَّحِيل.الْإِعْرَاب :الْبَاطِنُ خَبر لمبتدأ محذوف أي هو الْبَاطِل، وأَسْمَعَ فعل ماضٍ، وَقَالَ بَعْض الشَّارحِين : يجوز أنْ يَكُون «أَسْمَعَ أسم للتَّفضِيل مثل أَحْسَن، وأَكْمَل !... ويرده أنّ التَّفضِيل لابد له من طرفين، ومَحْمُولاً حَال، وحَمَلًا نُصب على الْمَصْدَر أَي يَحملونها حَمْلاً، ومثلهُ إِمْسَاكاً، وبَعِيداً صفة لمحذوف أي أملاً بَعِيداً، ومثلهُ مَشِيداً وَكَثِيراً أي بنَاء مُشِيداً، ومَالاً كَثِيراً، وبُوراً خَبَر أَصْبَحَ المحذوفة أي أَصْبَحَ الَّذِي جَمعوا بُوراً.الْمَعْنى:(نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَ أَعْطَى، وَعَلَى مَا أَبْلَى وَابْتَلَى. أَعْطَى، وأَبْلَى عَطف تفسير، لأن الإبلاء إحْسَان، وأيضاً أَخَذَ وابْتَلَى عَطف تَفْسِير، لأن الإبتلاء)
امتحان، والحَمْدُ على النِّعْمَة يُعبر عن شكر المنعم، أمّا الحَمْدُ عَلى الابتلاء فَهُوَ دليل الرّضا بقضائه تَعَالَى، والصَّبر عَلى بَلائِهِ (الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّة، وَ الْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ، الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُ الصُّدُورُ، وَ مَا تَخُونُ الْعُيُونُ الْمُرَاد بِالْبَاطِن العالم، يُقَال : بطن الأمر أى علمه، والحاضر الشاهد، وعطف بعض هذه الجمل على بعض عطف من باب عَطف التَّفْسِير، ومعناها مُجتمعة، ومُفترقة أن الله يعلم السر وأخفی.)(وَ أَنَّ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ نَجِيبُهُ، وَ بَعِيثُهُ) أي خيرته من خَلقه، وسَفِيرِه إِلَيْهِمْ (شَهَادَةٌ يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلانَ، وَ الْقَلْبُ اللِّسَانَ). انسجام، والتحام بَيْنَ النِّيَّة، والْقَوْل، والفِعْل في الشَّهادَة بالتَّوْحِيدِ، ورِسَالَة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومَعْنَى الإِنسجام بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُور الثلاثة أنّ النِّيَّة من شُؤون الْقَلْب، والرُّوح، و«الرُّوحانيات» بكاملها لَيْسَت بشَيء إلا إذا تحولت إلى قوى مادية تحس، وتلمس، وأما الكلام فَهُوَ حَرُوف ميتة، وحياته أنْ يَتجسد في الأَعْمَالِ، وإِذَنْ فالنِّيَّة الصَّادقة، والأقوال المخلصة لا تفترق عن الْعَمَل بحال.)### فَلْسَفَة الْأَمَل:(فَإِنَّهُ وَاللهِ الْجِدُّ لا اللَّعِبُ، وَ الْحَقُّ لَا الْكَذِبُ. وَمَا هُوَ إِلا الْمَوْتُ أَسْمَعَ دَاعِيه، وَ أَعْجَلَ حَادِيهِ. الضَّمِير في أنه يعود إلى الإنذار، والتحدير المفهوم من سياق الكلام، والذي حذر الإمام من عدم العَمَل له، واقع لا مَحَالَةَ، وهو الموت، وما بَعْدَه، وأي حي ينجو من الموت حَتَّى يُنكره بصرف النظر عن داعيه، وحَادِيه ؟. ولكنا نأمل أن تمتد بنا الحياة لرغبتنا فيها، ولما تراه من كثرة الأحياء، فتحدث هذه)
الرُّؤيا في نفوسنا الأمل في البقاء أمداً طويلاً... ولَكِنَّهُ أَمرُ خَادعٌ، وكَاذبٌ، ولذا حَذّر مِنْهُ الْإِمَام بقَوْله : (فَلا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ.)وسَوَادُ النَّاس كثرة الأحْيَاء، أي أحْذَر من نَفْسِكَ الّتي تخدعك، وتُمنيك بطول الْعُمُر، وتقول لكَ : أنظر إلى هَؤُلاء الأحياء، وكثرتهم، وأنتَ واحد مِنْهُم، وإلى فُلان كَم عاش، وسوف تَعِيش أكْثَر مِنْهُ.ولا أعرف أحداً تَكَلَّم عن الأمل في العيش، وَفَلْسَفَهُ بِهَذِه الدقة، وهَذَا العُمق - غَيْر الْإِمَام، ولا سرّ إلَّا عِلم الإمام بحقِيقَة الدُّنْيَا، أَنَّهَا مُطيَة الْآخِرَةِ، وأَنَّ أَي عَمل لا يترك أثراً طَيِّبَاً في آخرة الإِنْسَان فَهُوَ هَباء، مع العِلْم بأنّ الأثر الطَّيِّب هو التّجرد عن الأنانية والتضحيات لخير الإِنْسَانِية.(وَ قَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ، وَحَذِرَ الْإِقْلَالَ، وَ أَمِنَ الْعَوَاقِبَ - طُولَ أَمَلٍ، وَ اسْتِبْعَادَ أَجَلٍ - كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطنهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ، مَحْمُولاً عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ، حَمْلا عَلَى الْمَنَاكِبِ، وَ إِمْسَاكاً بِالْأَنَامِلِ، عَجِبَاً من الإِنْسَان يَغتر، ويَأمل في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وهو يرى رأي الْعَيْن مَصِير مَن جمع، وحرص، وأمن العواقب : كَيْفَ حُمل على النَّعش جُثَّة هَامِدَةً، يَنتقل من يَدٍ، إِلى يَد، ومِن كتف إلى آخر، ومَع هَذَا لا يَتعظ، ولا يعتبر ؟ (أ مَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً، وَ يَبْنُونَ مَشِيداً، وَ يَجْمَعُونَ كَثِيراً، كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً، وَ مَا جَمَعُوا بُوراً، وَ صَارَتْ أَمْوَالَهُمْ لِلْوَارِثِينَ، وَ أَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ).)السَّابِقُون بنوا، وأقتنُوا، وتَزوجوا ونَسلوا، وطالت منهم الآمال، ولكن ما استقرت بهم الدّار حَتَّى رَحلوا من القصور إلى الْقُبُورِ، ومن العمار إلى الدمار...
والأَمْوَال التي جمعوها تقاسمها الأقارب، أمّا الأَزْوَاج فمن نصيب الأباعد. وفي بَعْض كلامه : «أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وَأَمَّا الْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَقَدْ قسمت» (1.)(لا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ، وَلا مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ. مَن مَات فَات.. إذ لا عمل بَعد الموت يَزِيد في الحَسَنَات، ولا تُوبة تحمو السَّيِّئَات (فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَىٰ قَلْبَهُ بَرَّزَ مَهَلُهُ) أَشْعَر هنا من الشِّعار لا من الشُّعُور، والمعنى أن من البْسَ قَلبه تُوب التَّقْوَى فَقَد سَبقَ إِلَى الْخَيْرَات، ونَجا من المهلكات (فَأَهْتَبِلُوا هَبَلَهَا).)الهاء في هَبَلَهَا للفرصة المستفادة من سياق الكلام أي بَادِرُوا فِي حَياتِكُم إِلَى صالح الأَعْمال. الأَعْمَالَ، فَهِيَ وحدَها الطَّرِيق إِلى جَنَّةَ النَّعِيم.(فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَام، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ ومثلهُ في بَعْض حِكْمَة : «الدُّنْيَا دَارُ عَمَرٍ لَا دَارُ مَقَرٍ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلانِ : رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا، وَرَجُلٌ أَبْنَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا» (2)... «الْيَوْمَ عَمَلٌ، وَ لَا حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ» (3)(فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازِ) أي استعجال (وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ) المطايَا (لِلزِّيَالِ) للرَّحِيل مِن دَار الفنّاء إلى دار البقاء.)والخلاصة، أنّ الإمام يُزّهد بكلامهِ هَذَا فِي كلّ عمل لا يترك أثراً طيباً في الحياة، ويُرغب فِي الْعَمَل النافع يترك أثراً ينتفع به الجميع، ولا فَرد دُونَ فَرد، أو فِئَة دُونَ فِئَة.
## الخطبة - 133 -### الله، وَمُحَمّد، وَالْقُرْآن... فِقْرَة 1 - 2:وَ انْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا، وَقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ مَقَالِيدَهَا، وَ سَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ، وَقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّيرَانَ الْمُضِيئَةَ، وَآتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الثَّمَارُ الْيَانِعَةُ.وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقُ لَا يَعْيَا لِسَانُهُ، وَ بَيْتٌ لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَ عِزّ لا تُهْزَمُ أَعْوَانُه.أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَ تَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ، فَقَفَّىٰ بِهِ الرُّسُلَ، وَ خَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ، فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ بِهِ.وَإِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى، لا يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً، وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ، وَ يَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا. فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصُ، وَ الْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصُ. وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدُ، وَالْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدُ (1.)وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَ يَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنْهُ، وَ يَمَلُّهُ إِلا الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لا يَجِدُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً. وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّت، وَ
بَصَرُ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ، وَ سَمْعُ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ، وَرِيٌّ لِلظَّمْآنِ، وَفِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلامَةُ كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَ تَنْطِقُونَ بِهِ، وَ تَسْمَعُونَ بِهِ، وَ يَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَ يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلا يَخْتَلِفُ فِي اللهِ، وَلا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللهِ. قَدِ أَصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَ نَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ. وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الْآمَالِ، وَ تَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ. لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ، وَتَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي، وَأَنْفُسِكُمْ (2.)اللُّغَة:أَزِمَّةُ : جمع زِمَام، أي حبل، أو لجام تُقاد به الدابة. ومَقَالِيد : جمع مِقْلَاد، وهو المفتاح. والنَّاضِرَةُ : الجَمِيلَة الحَسَنَة. والْيَانِعَةُ : النَّاضِجَة. وبَيْنَ أَظْهُرِكُمْ أو ظهرِيكُم أو ظُهرَانَيكُم - بفتح النون - أي بَيْنَكُمْ. ويُطلق الشَّاخِص على المسافر، وهو المراد من الشَّاخِص الثَّانِي. والدِّمَن : جَمع دِمَنِة. وَهِي المُزبَلَةُ.الْإِعْرَاب : أُكُلَهَا مَفْعُول،آتَتْ والثمار بدل منه، وفيما لدي من الطبعات جاءت الضّمة على رَاء الثمارُ، وهو خطأ، والصواب الفتحة علامة للنصب، وبَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُتَعَلِّق بمحذوف خَبَراً لكِتَابُ اللهِ، ونَاطِقٌ خَبَر ثَانٍ، أو خَبر لمبتدأ محذوف أي هُو نَاطِقُ، والضَّمِير في «أَنَّهُ لَيْسَ» للشّأن.الْمَعْنى:(وَ أَنْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا، وَقَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ، وَالْأَرَضُونَ
مَقَالِيدَهَا. إنّ حُكْمَه تَعَالَى نَافذ في الكَوْنِين، والنَّشأتين : الدُّنْيَا، والآخِرَةِ، وإِلَيْهِ يَرْجِعُون الأمر كله، فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمينَ (وَ سَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ، وَالآصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ) الْمُرَاد بالسجود هُنا الخضُوع، والانقياد، وبِالْغُدُوِّ وَالْآصَال الصَّباح المَسَاء أي في كل حين، ويُشير الإمام بهذا إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (1).)(وَ قَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضَبَانِهَا النِّيرَانَ الْمُضِيئَةَ. إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَار) (2). (وَ آتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ - أي بقدرته - الثّمَارُ الْيَانِعَةُ) أعْطتنا الأشْجَارِ بِقُدرته تَعَالَى مَا يُؤكل مِنْهَا أي الفَاكِهة الناضجة : فهل من شاکر ذاکر ؟)(وَ كِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقُ لا يَعْيَا لِسَانُهُ، وَ بَيْتٌ لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَ عِزّ لا تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ إِنَّ الْقُرْآن يَدعو إلى حَيَاة أفضل، وهَذِه الدَّعْوَة قَامَة مُنذ نزوله إلى قيام السَّاعة، وَهِي بَيِّنَة واضحة، ومن أستجاب لها، وواصل السير على طريقها فَهُوَ فِي حِصنٍ حَصِين، من الأضْرَار، والأَخْطَار : أما تأخر المُسْلِمِين فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لا عَلَى الْقُرْآن.)(أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. أَرْسَلَ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ إِلَى الْخَلْقَ بَعد أَمد غَيْر قَصِير بينه وبَيْنَ من تقدمه من الْمُرْسَلِين، وتَقَدَّم ذلك بالحرف الواحد (3).)(وَ تَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ حِين أَرسل سُبْحَانَهُ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ كَان النزاع فِي الدِّين قَائِماً بَيْنَ)
عبدة الأصنام، وأَهْل الكِتاب، بَيْنَ الْعَرَب بعضهم مع بَعْض، وكَلِمَة الأَلسُن تُشِير إلى أن هَذَا النّزاع كان مُجرد كلام لا شَيء وَرَاءَه إلَّا الشَّحناء، وإثارة الحُرُوب (فَقَفَّى بهِ الرُّسُلَ أتبعهم بهِ قَالَ تَعَالَى : (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِرُسُلِنَا) (1).)(وَ خَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ تَقَدَّم بَيان السَّبب الموجب لذلك (2). وَقَالَ الشاعر الفَيْلَفُوس مُحمّد إقبال: «لا بُدّ أنْ يكون مُحمّد خاتم الأنبياء، ورِسَالَته آخر الرِّسالات، لأنه جاء ليدعُو إِلى تَحكِيم العقل فيما يعرض للنَّاس من مشكلات، فيه مع ما جَاء به محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الكفاية» (3). (وَ الْعَادِلِينَ بِهِ) أي الجاعلين لهُ عَدِيلاً، ومثيلاً.)(وَ إِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى... إلخ الأَعْمَى قَد يُؤْمِن بالله، والْيَوْم الآخر كأَنه يَراهُما، وإذَنْ فَهُوَ بَصِير بالنِّسبَة إِلَيْهما، وإنْ كَان أعمى بالنِّسبَة إِلى الشَّمس، ومن جحد بالله، والْيَوْم الآخر فَهُوَ أعمى بالقياس إليهما، وإِنْ كَانَتْ عَيْناه كَعَدسَة التَّلسكوب، ومَن كَانَتْ الدُّنْيَا كُلّ هَمه وأهتمامه، ولَم يَفعل شَيْئَاً لآخرته فَهُوَ فى عمىً عَنْهَا سواء آمن بها نظرياً، أم جحدها من الأسَاس (وَالْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُ وَ يَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا). الهاء فى يَنْفُذُهَا الدُّنْيَا، والمعنى أن العالم يمتد نظره إلى ما وَرَاءِ الدُّنْيَا، ويُدرك أنّ هناك كُوناً آخر، ونشأة ثَانِيَة بَعد نَشأتنا هَذِه، والذي لاحظناه، وعرفناه أنَّ أَكْثَرَ الَّذِين لا يهتمون إلا بأنفسهم ومشاكلهم يُنْكِرون)
1) الحديد : 27.
2) أنظر. شرح الخُطْبَةُ : (73 و 87). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
3) أنظر، دراسة قيمة عن إقبال للأستاذ مُحمّد عُودة في جَرِيدَة الجمهورية المصرية بتاريخ 1972/4/27م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). والشاعر هو مُحمّد بن نور مُحمّد الكشميري، من بلاد البنجاب ولد في 24/ ذي الحجة 1289هـ، ومَات سَنَة 1317 هـ. له عدة مؤلفات منها ديوان شعر، وتجديد الفلسفة الإسلامية تُرجم من اللُّغَة الأنجليزية.
البعث، والنَّشر، ويَقُولُون : ما دامت الدُّنْيَا هِي الجَنَّةَ فَعَلِينَا أَنْ تَتمتع بها إلى أقصى المحدود.(فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ أي مُسافر إِلَى الْآخِرَةِ، فَهِيَ هَدفه، ومثلهُ الأعْلى، ولذا يعمل لها عملها (وَ الْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصُ) أي يتطلع إلى الدُّنْيا وحدها، ويعمى عن الْآخِرَةِ (وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ) بِمَا يَترك من أثرٍ طَيب يَنْتَفِع بِهِ النَّاسِ (وَ الْأَعْمَىٰ لَهَا مُتَزَوِّدٌ) ومشغول بنَفْسِه عَمَّن حوله (وَ أَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلا وَ يَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنْهُ، وَ يَمَلُّهُ إِلا الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ فِي الْمَوْتِ رَاحَة). الإِنْسَان يُحبِّ الحَيَاة على عِلاتها، وتَراكُم آلامها، ويَكْرَه الموت حَتَّى الَّذِين استعدوا لهُ يُلاقونه عَلَى كُره، ومن الذي يُحبّ أنْ تُفارق رُوحه بدنه إِلَّا إِذَا كَانَ بِعَمَلِهِ، ويقينه كَعلي بن أبي طالب الَّذي قَالَ حِين اسْتُشْهِدَ : «فُزت وربّ الْكَعْبَة» (1). أمّا غَيْره فيخشى أنْ يَكُون ما بعد الموت أدهى، وأمرٌ. وَقَالَ قَائل يُؤْمِن باللهِ، والْيَوْم الآخر (2):)ولَو إنا إذا متنا تركنا ***لكان الموت راحة كلّ حَيٍّلَوإِنّا ولكنّا إِذَا مِتنا بُعثنا ***ونُسأل بعدهُ عَن كُلِّ شَيءٍ(وَ إِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ. أختلف الشَّارحُون فيما هو المراد من «ذَلِكَ». وفي رأينا أنه حُبّ الدُّنْيَا المفهوم من سياق الكلام، والمغنى أنّ فِي حُبّ الحياة مصلحة)
1) تَقَدَّم أستخراج ذَلِكَ.
2) حُكي هَذَا الشِّعر عن دَلف بن أبي دَلف أنه رأى أبا دلف في المنام كأنه مضطجع في بَيْت يَرتفع مِنْهُ الدُّخان فَقَالَ له : يابنى أخبر أهلنا بما أنا فِيهِ، ثُمّ أنشأ يَقُول. أنظر، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 378/5ح 7367، تاریخ بغداد 419/12، تاریخ دمشق، بتحقيق علي شيري : 150/49، البداية والنهاية، بتحقيق علي شيري : 323/10 وفيات الأعيان : 78/4 الأنساب للسمعاني : 5/5 مُحاسبة النفس لإبراهيم الكفعمي : 40.
وحكمة، وهي البعث على الجد والاجتهاد «وَلَوْلاَ الْأَمَل لَبَطَلَ الْعَمَل» (1. وعن النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَنه قَالَ: «الْأَمَل رَحْمَة، وَلَوْلاَ الْأَمَل مَا أَرضعت والدة ولدها، ولا رس غارس شَجْرَاً» (2). والمذموم هو طول الأمل، لا أَصل الأَمَل، أو الأمل الَّذي يُؤدي إلى أذى النَّاس، والإضرار بمصالحهم، ثم أشار الإمام إلى الحكمة بوجه العمُوم، وَقَالَ : (هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الميّت... إلخ) الْحِكْمَة في حقيقتها هِي العِلْم الصَّحِيح، والتَّدبير الحكم بوضع الشَّيء في مَوْضِعه، ولَيْسَ من شكّ أنّ الَّذِي يُدبر الأمور يعقل، وعِلم لا بُدّ أنْ يَكُون سَليم القلب، والسَّمع، والْبَصَر، وأن يصل إلى غَايته تماما كالظَّمْآن يرتوي من عَذب الماء.)(كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ الْحَقِّ، قَالَ سُبْحَانَهُ : (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (3). (وَ تَنْطِقُونَ بِهِ (يَدكُم بِالْعِلْم، والمَعْرِفَة، والحجج الدامغة المفحمة لكلِّ جاحد، ومُعاند، وَقَالَ الْإِمَام يَصف الإسلام بأنه: «وَبُرْهَاناً لَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لَمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ» (4). (وَ تَسْمَعُونَ بِهِ) يجذبكُم إِلى الاِسْتَماعِ إِلَيْهِ مِن حَيْث لا تَشعرُون لما فيهِ مِن إِعْجَاز فى الحكمة، والبلاغة، وكان المُشرِكُون - عَلَى عَدائهم لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - لا يَسْتَطِيعُون أنْ يَكتمُوا إِعْجَابهم بالْقُرْآن، ويَقُول بعضهم لبعض :)
1) قَرِيب مِنْهُ في فتح الباري لابن حجر: 220/11، كشف الخفاء : 175/2 ح 2166.
2) أنظر، لسان الميزان : 81/5 ح 267. الجامع الصغير : 390/1 ح 2550. كشف الخفاء : 214/1 650، الْعِلّل المتناهية : 814/2 ح 1363، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 709/2/2 ح 2550.
3) الإسراء : 9.
4) أنظر. شرح الخُطْبَة : (106) (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ... وأي إِنْسَان تَقع على أُذنيه عِبَارة الْقُرْآن ولا يعجب، ويذهل، وإنْ كَانَ من الْكَافِرِين !.(وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَ يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ أي يُفسر بَعْضَه بَعْضَاً، لأن مَصْدَره واحد، ومثالُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى) (1)فإنّ المفهوم مِن هَذِه الآية أن النَّفس بالنَّفس حَتَّى ولو كان الْقَتْل خطأ، ولكن الآية في سُورَة النِّسَاء أَخرجت قَتل الخَطَأ من الْقِصَاصِ، وحصرتهُ بقتل العمد ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُقٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاق فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةُ مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (2)(وَ لَا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ). لَيْسَ في كتاب الله آية تُثبت وُجُودِه تَعَالَى، وثَانِيَة تنفيه، لأنَّ الحَقِّ لا يُناقض بَعْضَهُ بَعْضَاً. ولا يتغير، ويَتبدّل (وَلا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَن اللهِ). مَا ضَلَّ مَن تمسك بالقُرْآن، وما خَابَ من التجأ إِلَيْهِ.)(قَدِ أَصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَ نَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ. وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الْآمَالِ، وَ تَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ. لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ، وَتَاهَ بِكُمُ
الْغُرُورُ، وَ اللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي، وَأَنْفُسِكُمْ ظَاهركُم مُشرِق، وباطنكُم مُظلِم تماماً كخَضِرَة الدِّمَن (1!.... لين، وزُهد، وتعاطف في الظَّاهِر، أمّا البَاطِن فغُش، وحقد، وتناحر على الحرام استحوذ عليْكُمْ الشَّيْطَان، فتَادَيْتُمْ في الغي، واستسلمتُم إِلى التَّهْلُكَة)
1) أقتباساً من قَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إِيَّاكُمْ وخَضْراء الدِّمَن» فقيل : يارسول الله ! ومَا خَضْرَاء الدِّمَن ؟ قَالَ: «المَرْأَة الحَسَنَاء في منبت السُّوء». أنظر، مسند الشهاب : 96/2 ح 957، الكافي : 332/5 ح الكافي : 332/5 4 أمثال :الحديث : 121/1 ح 84، التهذيب : 403/7 ح 1608، الجرح والتعديل : 139/4 ح 608 و : 369/5 ح 1729 خلاصة البدر المنير : 179/2 ح 1909، من لا يحضره الفقيه : 248/3 ح 1177، کنز العمال: 253/12 ح 34915 و 300/16 - 44587.
## الخطْبَةُ - 134 -### إِعْزَازُ الْحَوْزَة:وَقَدْ تَوَكَّلَ اللهُ لِأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْرَازِ الْحَوْزَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالَّذِي نَصَرَهُمْ، وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَنْتَصِرُونَ، وَ مَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَمْتَنِعُونَ، حَيُّ لا يَمُوتُ.إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ، فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبُ، لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلادِهِمْ. لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً، وَ أحْفِرْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلاءِ، وَ النَّصِيحَةِ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ، وَ مَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَاللغة:تَوَكَّلَ اللهُ : ضَمِّنَ الله، وحَوْز المملكة : مَا بَيْنَ تخومها، وحَوْز الإِسْلام حدوده ونُواحِيه، وحَوْزَة الْإِمَام مَا فِي تصرفه. وتُنْكَبُ : تُصاب بنكبة ونكسة.وكَائِفَةٌ : عَاصِمَةٌ مَانِعَةٌ وَأَحْفِز : دَفَع، وأرسل، ورِدْءاً: درعاً ومَلجَأ وَمَثَابَةً : مِن ثَابَ، أي رَجَع.
الْإِعْرَاب :حَيٌّ خَبَر لِلَّذِين نَصَرَهُمْ، فَتُنْكَبْ عطف على تَسِرْ، لا تَكُنْ «لا» نافية، وتَكُنْ مَجزُوم بمَتَى، والأصل لا تَكُونَ، وَكَانِفَةٌ أسم تَكُن، وبَعْدَكَ خَبَر مُقَدَّم لِلَيْسَ، فَذَاكَ مَا تُحِبُّ مُبْتَدَأ، وخَبَرَ.الْمَعْنى:جاء في الجزء الثَّانِي من تأريخ ابن الأثير : «إنّ أبا عُبَيْدَة حَاصر بَيْت المقدس سَنَة 15، فطلب أَهْله أنْ يُصالحهم بشرط أنْ يَكُون المتولي لعقد الصلح الخليفة عُمر بن الخاطب. فَكتب أبو عُبَيْدَة بِذَلِكَ إِلى عُمَرَ، فَقَالَ له الْإِمَام عَليّ: أين تخرج بنَفْسِكَ ! ولَكِنَّهُ سَار إلى بيت المقدس، وصالح أهله على الجزية (1.. وذكر أبن الأثير في هذه الحادثة : «أنّ قائلاً قَالَ لعُمَرَ : لو تركت في بيت المال مبلغاً لأمرٍ يحدث. فَقَالَ له عُمَرَ : هَذِهِ كَلِمَة ألقاها الشَّيْطَان على لِسَانك، وقَانِي الله شرها وَهِي فتنة بعدي، بل إنّي أعد لهم ما أعد الله، ورسوله، طاعة الله ورسوله، إنهما عدتنا التي أنتهينا مِنْهَا إلى ما تَرُون، فإذا كان المال دين أحدكم هلكتُم (2)... وصدق عُمَرَ حيثُ هَلك في عهد عُثمَانَ الْمُشْتَرِي، والْبَائِع.)
1) أنظر، الكَامِل في التاريخ : 241/2، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، القِصَّة كاملة في البداية والنهاية : 65/7 تاريخ الطبري : 110/3، أنساب الأشراف: 164، تأريخ خليفة : 105/1، فتوح البلدان للبلاذري : 164/1، تأريخ اليعقوبي : 147/2، الفتوح لابن أَعْثَم 289/1، تاریخ دمشق : 110/2 و : 373/26، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 298/8، كنز العمال: 517/13 ح 37332.
(وَقَدْ تَوَكَّلَ اللهُ لِأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ. الْمُرَاد بِالْحَوْزَةِ مَا حَازه المُسْلِمُون من النواحي، وبالْعَوْرَةِ في الثَّغُورِ الَّذِي يَنفذ مِنْهُ الْعَدُو، والمعنى أنّ الله سُبْحَانَهُ قَد ضَمِّن النصر لأُمّة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من بَعْدَه، وأنْ يصُونهم من العَدُوّ بالتأكيد، والتّسديد، ويستر مَا فِيهِمْ من ضعف عن الْعَدُوِّ حِرصاً عَلَى هَيبتهم في نَفْسِهِ، ضَمِّن سُبْحَانَهُ ذَلِكَ عَلى أنْ يمضوا بعد نَبِيِّهم في دَعْوَة الحَقِّ ويُنشروها في الشرق، والغرب، ويُرابطوا، ويُجاهدوا في سَبِيلها تماماً كما فَعَل النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والصَّحَابَة فِي عَهْدِه.)(وَ الَّذِي نَصَرَهُمْ، وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَنْتَصِرُونَ، وَ مَنَعَهُمْ وَهُمْ قَلِيلٌ لا يَمْتَنِعُونَ، حَيٌّ لا يَمُوتُ. إنّ الله الَّذي جَعل من هَؤُلَاءِ الْعَرَب الَّذِين كانوا قَبل مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَقلاء أذلاء، جَعل مِنْهُم أُمّة مُسلمة لها شأنها، وعظمتها هو حَيٌّ، وقَادرٌ أَنْ يَنصُركُم الآن كما فعل مِن قَبل : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1).)(إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ، فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبُ، لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلادِهِمْ... إلخ الخطَاب لِلْخَلِيفَة عُمَرَ، والكلام واضح، ومُلخصه لا تذهب بِنَفْسِك إِلى الْعَدُوّ، لأنّكَ الرَّأْس، والقَائِد، فإنْ قُتلت، أو هُزمت عَمّت المُصِيبَة جَمِيع المُسْلِمِين، والرّأي أن تبقى في مكانك، وترسل جيشاً مخلصاً، ومُدرباً بقيادة كفؤ تختاره، فإنْ كَانَ النَّصر فَهُوَ المطلوب وإلا بَقي المُسْلِمُون على مكانتهم في حصن حصين بوجودك، ورَأَيْت رَأيك فيما يَنْبَغِي.)
1) آلِ عِمْرَانَ : 123.
## الخطْبَة - 135 -### أَبْعَدَ اللهُ نَوَاكَ:يَا ابْنَ اللَّعِينِ الأبْتَرِ، وَ الشَّجَرَةِ الَّتِي لا أَصْلَ لَهَا، وَلَا فَرْعَ، أَنْتَ تَكْفِينِي ؟ فَوَاللَّهِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ، وَلا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ. اَخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللهُ نَوَاكَ، ثُمَّ ابْلُغْ جَهْدَكَ، فَلَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ !اللُّغة:الأَبْتَرِ : مَن لا عَقب له، أو القصير، أو الخبيث الذي لا خير فيه وأَبْعَدَ الله نَوَاكَ : أَبعد سَفرَك أو دارك. والجهد - بفتح الجيم - الْغَايَة.الإعراب:وَالشَّجَرَةِ عَطف عَلى اللَّعِينِ أي ويا أبْنَ الشَّجَرَة، وَلا فَرْعَ يجوز فتح «فرع» لتركيبه مع «لا» العاملة عمل «أنّ» ويجوز نَصبه عطفاً على تحل أسم «لا» الأُولَى. ويجوز رفعه بالإبتداء، والخبر محذوف أي ولا فَرعَ لها.
الْمَعْنَى:في تعليق الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه مَا نَصَّه : «قَالُوا : كَانَ نِزاعٍ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - أي علي - وبَيْنَ عُثمانَ، فَقَالَ الْمُغِيرَة بن الأخْنَس (1لعُثمَانَ : أَنَا أَكفيكَهُ فَقَالَ عَلَى : يَا أَبْنَ اللَّعِينِ الأَبْتَرِ.... وإنّما قَالَ ذَلِكَ لأنّ أباه الأخْنَس كَان من رُؤُوس الْمُنَافِقِين» (2).)وفي شرح أبن أبي الحَدِيد : «كان الأخْنَس أبو المغيرة من أكابر الْمُنَافِقِين، ذكره أَصْحَاب الْحَدِيث كلّهم في المؤلّفة قلوبهم الَّذِين أَسْلَمُوا يَوْم الْفَتْح بِأَلْسِنَتِهِمْ دُونَ قلوبهم... وكَانَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ قَد قَتَل يَوْم أحد في الحزب أبا الحكم بن الأخْنَس، وهو أخو المغيرة (3)، والحقد الذي في قلبه على الإِمَام مِن هَذِه الجهة. وإنما قَالَ)
1) هو المغيرة بن الأخنس بن شريق بن عَمْرُو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة الثَّقفي حليف بني زهرة قتل يوْم قتل عُثمانَ في الدّار. أنظر، تأريخ هذه الأسرة من عبد الله بن المغيرة وأمثاله في الأنساب : 117/5. الإستيعاب : 155/1، الأصَابَة : 155/6 الرقم (8193)، تأريخ المَدِينَة لإبن شبة النميري: 1224/4، و 1291، البداية والنهاية : 222/7، وَقْعَة صِفِّين : 55، تأريخ دمشق : 356/39، إكمال الكمال : 301/6، تاريخ خَلِيفَة : 126، تأريخ الطَّبَرِيّ : 418/3 ح 4420 و : 122/5، الكَامِل لابن الأثير : 73/3، الْفِتْنَةِ : ووقعة الجمل : 69، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 680/8، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 156/2 و : 86/3 الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 66/3، فتح الباري: 10/13، الجَمَل لضامر بن شدقم المدني : 155.
2) أنظر، شرح نهج البلاغة : 18/2 و 20. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
3) قصد المُصَنَّف : بأصحاب الحديث الذين ذكروا واقعة أحد كصاحب السيرة الحلبية، والسيرة النبوية والطبري في تأريخه والاصفهاني في الأغاني، ومغازي أبن إِسْحَاقَ، والكَامِل في التاريخ لابن الأثير، وغيرهم كثير ممن أرخ لمعركة أحد.)ففي السيرة الحلبية للعلامة الحلبي المالكي بهامشه السيرة النَّبَوِيَّة : 223/2 وفي السيرة النَّبَوِيَّة لابن دحلان الشافعي بهامش السيرة الحلبية : 27/2 : كَانَتْ راية قُرَيْش مع طَلْحَة من أبي طَلْحَة العبدري من بني عبدالدار - وكان يسمى كبش الكتيبة - فيرز ونادي: يا محمد! تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار ونجهزكم بأسيافنا إلى الجنَّة، فمن شاء أن يلحق بجنته فليبرز إليَّ، فلم يجبه أحد، فبرز إِلَيْهِ أمير المؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ فقتله..)أمّا عبد الله بن جميل (جميلة بن زهير قتله الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً بعد أن أخذ راية الكفار من يد عزیز بن عُثمَانَ الَّذي قتله الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما ذكر ذلك صاحب السيرة الحلبية : 27/2، وصاحب السيرة النَّبَوِيَّة : 223/2، والبحار : 20/ 50، وأعيان الشيعة : 387/1.)وأما أبو الحكم أبن الأخنس بن شريق (شريف الثَّقَفِي فقد قتله الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً كما ذكر الشيخ المفيد (رَحمهُ اللّه) في الْإِرْشَاد: 82 فصل 23 من الباب،2 وأبن قتيبة في معارفه 160 تحقيق ثروة عكاشة : وأضاف قائلاً : إنّه حليف بني زهرة.)وأما أبو أُمَيَّة بن أبي حُذَيْفَة بن المغيرة أيضاً قتله الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ كما ذكر ابن الأثير في الكامل : 154/2، وابن قُتَيْبَة : 160 وأبن هشام في سيرته : 134/2.)وأمّا سباغ (سباع بن عبد العزى فقد قتله الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كَذَلِكَ كما ذكر ذلك الواقدي والطبري، أما أبن إِسْحَاقَ فقد ذكر أنّ سباع قتله حمزة، ولكن الصحيح والمتفق عَلَيْهِ قتله الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما يذكر أهل السير والتاريخ.)أنظر، أبن الأثير في الكامل : 161/2، وأعيان الشيعة : 388/1، والإرشاد للشيخ المفيد: 82 والبحار : 55/20، ودائرة المعارف لحسن الأمين : 390/1.أما الغلام الحبشي فاسمه صواب (صواب وكان من أشدّ الناس فقطع أمير المؤمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يده فأخذ اللواء باليسرى فقطعها أمير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً، فأخذ اللواء على صدره وجمع عَلَيْهِ يديه وهما مقطوعتان، فضربه أمير المُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أم رأسه فسقط صريعاً، فأنهزم الْقَوْم. ذكر ذلِكَ الطبري في تأريخه : 131/2، والمناقب لابن شهر آشوب : 187/1 وكشف الْيَقِين في فَضَائِل أمير المؤمِنِينَ لابن المطهر : الحلي : 127، وذكر ذَلِكَ أيضاً الإصفهاني في كتابه الأغاني والمغازي لابن إِسْحَاقَ والقشيري في تَفْسِيره.)وجاء في السيرة الحلبية : 224/2، والمعارف لابن قتيبة : 161 أن هذه الآية نزلت في بني عبد الدار : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَاتٍ عِندَ اللَّهِ الصُّمُ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ الْأَنفَالِ : 22، (وأنظر تنوير المقباس من تفسير أبن عباس 147).
الْإِمَام يَا ابْنَ الْأَبْتَرِ، لأن مَن كَان عَقَبهِ صَالاً خَبِيثاً فهو كَمَن لا عقبه لهُ، بل مَن لا عقب له خير منه»(1.)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 301/8 و 303، (منه (قدّس سِرُّه)).
قتل الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ أخا المغيرة بن الأخْنَس عَلَى الْكُفْر. أما أبو المُغِيرَة فَهُو مِن رُؤُوس الْمُنَافِقِين، وأكابرهم كما أشرنا، وكلّ مُنافق فهو بطبعه عَدُوّ الإيمان، والْمُؤْمِنِينَ، فإِذا عَطفنَا عَلَى نِفَاق الأب كُفر الأخ الذي قتله الإِمَام (1)تراكمت الأحقاد عَلى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فِي قَلب المغيرة... ولكن لا أثر لأحقاد الجَاهِلِيَّةِ إِلَّا عَلَى حاملها.قَالَ الشَّرِيف الرَّضِي، والشَّيخ عَبْدَه : كَان نزاع بَيْنَ عَليّ، وعُثمَانَ. وَقَالَ
1) قَالَ الْإِمَام عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هَذِه قَريسٌ : جَدَعْتُ أنفي وشَفَيْتُ نَفْسي، لقد تَقَدَّمَتُ إِلَيْكُمْ أُحَذِّرُكُمُ عضَ السُّيوف، له وكنتم أحداثاً لا عِلمَ لكم بما ترون، ولَكِنَّهُ الحَينُ - الهلاك - وسوء المضرع، فأعوذ بالله من سوء المصرع.... ثمّ مرَّ على مَعْبَدَ بن المقداد فَقَالَ : رحم الله أبا هَذَا، أما إنه لو كان حيا لكان رأيه أحسَنَ من رأي هَذَا... قَالَ : ومَرَّ بعبد الله بن ربيعة بن درّاج وهو في الْقَتْلَى فَقَالَ: هَذَا البائس ما كَانَ أَخرجَهُ ؟ أَدينُ أخرجَهُ َأمْ نَصر لعُثمَانَ ؟ واللهِ ما كَانَ رأي عُثمَانَ فِيهِ ولا في أبيه بحسنٍ... ثم مرَّ بمعبد بن زهير بن أُمَيَّة فَقَالَ : لو كَانَتْ الْفِتْنَة برأس الثريا لتناولها هَذَا الغُلام... ثمّ َمرَّ بمسلم بن قرظة فَقَالَ : البر أخرجَ هَذَا... ثم مر بعبد الله بن حميد بن زهير فَقَالَ: هَذَا أيضاً مِمَّنْ أوضَعَ في قتالنا، زعم يَطلُبُ الله ذَلِكَ... ومرَّ بعبد الله بن حكيم بن حزام فَقَالَ : هَذَا خالف أباه في الخروج.... ثم مرَّ بعبد الله بن المغيرة بن الأخنس فَقَالَ : أمّا هَذَا فقُتِلَ أبوه يَوْم قُتِلَ عُثمَانَ في الدار. فَخَرجَ مُعْضاً لمقتل أبيه، وهو غُلامٌ حَدَثٌ حُيّنُ لقتله... ثم مرَّ بعبد الله بن أبي عُثمان بن الأخنس بن شريقٍ فَقَالَ : أمَا هَذَا فإنّي أنظر إِلَيْهِ وقد أخذ الْقَوْمَ السُّيُوف هارباً يعدو من الصف فنهنهتُ عنه فلم يَسمعُ مَن نَهْنَهْتُ حتى قتله...)ثم مشى قليلاً فمرَّ بكعب بن سُورٍ فَقَالَ : هَذَا الَّذِي خَرجَ علينا في عُنُقِه المصحَفُ يَزْعُمُ أنّه ناصِرُ أُمِّهِ - يعني عَائِشَة - يدعو النّاس إلى ما فِيهِ - يعنى الْقُرْآن الكريم - وهو لا يَعلَمُ ما فِيهِ ثم أستفتح وخابَ كلُّ جبار عنيد. أما إنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله، أَجلِسُوا كَعْبَ بنَ سُورٍ، فأجلِسَ فَقَالَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ : يا كعب قد وَجدْتُ ما وعدني ربِّي حَقّاً، فَهَلْ وجدت ما وَعَدكَ ربُّكَ حقاً ؟ ثم قَالَ : أضجعوا كعباً.)أنظر، الشيخ المفيد في كتابه الإِرْشَاد : 254/1، وفي كتابه الجمل: 209 - 211 باختلاف يسير. ونقله العلّامة المجلسي في البحار : 437/8 و 442، تأريخ الطبري : 542/3، ابن أَعْثمْ فِي الْفُتُوح: 1 / 495.
أَصْحَاب السَّير، والتاريخ فِي سَبب هَذَا النزاع : أنْ عَلِيَّاً، وغَيْره من الصَّحَابَة نَقمُوا عَلَى عُثمَانَ لأَنه أَبَاح لأقاربه، وأنْصَاره ما ليس بمباح. وَقَالَ الْعَقَّاد في عبقرية الْإِمَام : «إنْ جاءت صيحة،الإصلاح والتغيير عَن طَرِيق الدِّين فَعليّ كَانَ إِمَام العِلم، والقراءة، وأحق مَن يَتَكَلَّم بتفقيه، وتَفْسِير، وإِنْ كَانَتْ الصّيحة من الْفُقَرَاء، أو من تهافت الولاة على المال فعلى يبغض هَذَا التَّهَافُت عن زُهدٍ فِي الْمَال لا عن قِلة الوَسَائِل إِلَيْهِ فما شَكا شَاكٍ قَطّ إِلَّا وعليّ شَرِيكَة فِي شَكْوَاه» (1.)(وَ الشَّجَرَةِ الَّتِي لا أَصْلَ لَهَا، وَلا فَرْعَ. المراد بالأصل هنا ثقيف، لأن المغيرة بن الأخْنَس ثَقفي، أمّا الفَرْع فما بَيْنَ كَافر كأخِي المغيرة، ومُنافق كأبيه... قَالَ ابن أبي الحَدِيد : إنّ ثَقِيفاً في نَسبها طعن (2)، وفي رواية عن رَسُول الله : «أَنّه لَعَن ثَلاثَة بُيُوت : بَنِي أُمَيَّة، وبَني المغيرة، وثقيفاً» (3)، وفِي ثَانِيَة : «لَوْلَا عُرْوَة ابن مسعود للعَنتُ ثَقِيفاً» (4). (مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ) مَن كَان نَاصِره المُغِيرَة أبن الأَخْنَس فهُو ذَليل حَتَّى ولو كَان خَلِيفَة المُسْلِمِينَ (ثُمَّ أبْلُغَ جَهْدَكَ) أفعل مَا بَدَا لَكَ إِلَى غايتك (فَلَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْت)َ، أَي إِنْ أَبْقَيْتَنِي حَيّاً، أو استطعت أَنْ تَفعل بَي مَكرُوها، ولَم تَفعل.)
## الخطبة - 136 -### بَيْعَةُ الْإِمَامِ:لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً، وَ لَيْسَ أَمْرِي وَ أَمْرُكُمْ وَاحِداً. إِنِّي أُرِيدُكُمْ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأُنْفُسِكُمْ.أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَ أَيْمُ اللَّهِ لَأَنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَ لأقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ، حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ كَارِها.اللُّغَة:الفلتة : من فَلتَ الأمر إذا كَان مِن غَيْرِ إحْكام، وتدبير، والخزامة - بكسر الخاء - مِن خَرِّم البَعِير - بتشديد الزّاي - إذا جعل في جانب منخره الخزام أو الخزامة، وَهِي حَلقة يُشد فيها الزمام.الْإِعْرَابِ:إِيَّايَ أصلها لي، ثم اللام فأنتصب الضَّمِير بنزع الخافض. وَايْمُ اللهِ مُبْتَدَاً،
والخَبَر تحذوف حتماً أي قسمي.### بَيْعَة أَبِي بَكْرٍ فَلْتَة:(لَمْ تَكُنْ يَبْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً. ذكرنا أن الصَّحَابَةِ، وغَيْرهم من المُسْلِمِين بايعوا الْإِمَام بَعد تَردُدٍ منه، وامتناع (1)، وَقَالَ في الخُطْبَةِ التَّالِيَة : «قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا» (2). وَقَالَ فِي رِسَالَة من رسائله : «لَم أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي، وَلَمْ أُبَايِعُهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي، وَإِنَّكُما مِمَّنْ أَرَادَنِي، وَبَايَعَني، وَإِنَّ الْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ، وَلَا لِعَرَضٍ حَاضِرٍ» (3)أي لا بالقهر، والغَلبة، ولا في مال.)أمَّا كَلِمَة «فَلْتَةً» فَقَالَ الشَّارحُون : إِنَّهَا تَعرِيض بخلافة أبي بَكْر... وَلَيْسَ هَذَا ببعيد، ومهما يكن فقد مثلت هذه الكَلِمَة دوراً كَبِيراً فِي بَحثِ الإِمَامَة، والخِلافَة عِند المُسْلِمِين، وكتب فيها السُّنَّة، والشِّيعة صفحات طوالاً عراضاً، ومُجمل الحكاية أن المخَلِيفَة الثَّانِي خَطب ذات يَوْمٍ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسِ إِنَّ بَيْعَة أَبِي بَكْر كَانَتْ فَلْتَه وفى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فأقتلوه» (4. وفهم النّاس آنذاك إِنْ هَذَا
1) انظر. شرح المخطبة : 3 و 92. (منه (قدّس سِرُّه)).
2) انظر نهج البلاغة : الخُطْبَة (137).
3) أنظر، نَهْج الْبَلاغة : رِسَالَة رقم (54). من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى طَلْحَة، والزبير (مع عِمْرَانَ بن الحصين الخزاعي).
4) )أنظر، إعتراف عُمر بن الخطاب الذي إعترف بكل شجاعة، وصراحة حين بلغه مقالة بَعْض المُسْلِمِينَ أَنْ لوقات عُمَرَ لبايعنا فلاناً... فَقَالَ: «... إنّما كَانَتْ بَيْعَة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنَّها قد كَانَتْ كَذَلِكَ، وفى الله شرها...».أنظر، صَحِيح البُخَاري : 2503/6 ح 6442، تأريخ الطبري: 235/3، الفتح الرباني: 059/23 كنز العمال : 649/5. شرح النهج لابن أبي الحديد : 123/1، السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 78/6، النهاية لابْن كَثِير : 228/5، الكَامِل في التاريخ : 327/2، الصَّوَاعِقِ المحرقة : 5 و 8، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 67، السيرة الحلبية : 360/3، مُسْنَد أحمد : 55/1 ح 391، الرياض النضرة : 202/2 ح 669 أَنْسَابِ الأَشْرَاف: 15/5، شرح المقاصد : 280/5.وأنظر، صَحِيح ابن حبان : 148/2 و 155 و 157، مجمع الزوائد : 05/6 السنن الكبرى: 272/4 ح 7151 و 7154، المصنف لابن أبي شيبة : 453/6 و : 341/7 ح 37042، المصنف لعبد الرزاق : 445/5 ح 9758، الإِحْتِجَاج: 153/2، الفائق في غريب الحديث للزمخشري : 50/3 تاریخ دمشق : 281/30، مُسند البزار : 302 و 410، فتح الباري : 147/12 التمهيد لابن عبد البر : 154/22، الطرائف للسيد أبن طاووس : 240، الثقات لابن حبان : 153/2، تثبيت الإمامة ليحيى الهادي : 13، الفصل للوصل المدرج : 490/1، السَّقِيفَة وفَدَك للجوهري : 46. المسترشد في الإمامة : 137.وَهَذَا الْقَوْل يكشف لنا أيضاً أنّ الْبَيْعَة كَانَتْ غلطة، أو كَانَتْ فتنة كما رواها أبن الأثير فى الكامل بلفظ «الْفِتْنَة»، ويكشف لنا أيضاً أنّ الَّذي يعود إلى مثلها يُقتل، وأنْ لا بَيْعَة له، وَهَذَا الطعن من عُمَرَ بن الخِطَاب يكفي لإبطال بَيْعَة أبي بكر على رأيكم، وليس على رأي الخصم : لأن الخصم من الأساس لا يعترف إلا بالنص أو أنه - عُمَرَ - أراد أن يقطع الطريق على مَن يُريد أن تصل إِلَيْهِ الخلافة بالطريق الشرعي، ألا وهو الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: لأن القائل: «إنّ الرجل الذي قال لو قد مات عُمَرَ لبايعت فلاناً هو عمار بن ياسر الَّذِي قَالَ : لو قد مات عُمَرَ لبايعت عَلِيَّاً، وَهَذَا الْقَوْل هو الذي أهاج عُمَرَ بن الخَطَّابِ أَنْ خطب بما خَطب».)أنظر،، شرح النهج لابن أبي الحديد : 157/2 نقلاً عن الجاحظ، وفي أَنْسَابِ الأَشراف: 581/1 بلفظ : «إنّ عُمَرَ قَالَ : بلغني أن الزُّبَيْرِ قَالَ لو قد مات عُمَرَ بايعنا عَليَّاً»، وقيل: إنّ القائل هو أبن الزُّبَيْر : «والله لو قد مات عُمَرَ لبايعت عَلِيَّاً فأن بَيْعَة أبي بَكْر إنّما كَانَتْ فلتة وقمت، فغضب عُمَرَ وخطب هذه الخطبة ...» شرح القسطلاني على صَحِيح الْبُخَارِيّ : 352/11.
طعن في خلافة أبي بَكْر، وكان الشُّعبي يُحدث النّاس ويَقُول : «كَانَ فِي صَدر عُمَرَ خَبّ على أبي بَكْر... ولما أنكر عَلَيْهِ بَعْض من سمع هَذَا مِنْهُ قَالَ له الشعبي : كَيْفَ
تصنع بالقلتة التى وفى الله شرها.؟ أَيَقُول عَدُوّ في عَدُوّه : أَكْثَر مِن ذَلِكَ (1؟)وذكر الشيعة في كتبهم مآخذ على بَيْعَة أبِي بَكْر.مِنْهَا قول عُمَرَ: «كَانَتْ فَلْتَة» وأجاب بَعْض الشيوخ القُدامى بأنّ عُمَرَ أراد أن بَيْعَة أَبِي بَكْر كَانَتْ بادرة طَيِّبَة، وفُرصة حسنة لاجتماع كَلِمَة الْمُسْلِمِين أغتنمها أبو بَكْر من مهد له قبل أن تفوت، أما قول عُمَرَ : وقى الله شَرها، فمعناه أنّ الله تَعَالَى دَفع بها شَرِّ الْإِخْتِلاف بَيْنَ الْمُسْلِمِين، والمراد بمن عاد إلى مثلها فاقتلوه - أن مَن تَوَلَّى الخلافة بلا مَشُورَة المُسْلِمِين، ولا عدد كَافٍ مِنْهُم كما فعل أبو بَكْر - فاقتلوه، وليس لهُ أنْ يقيس على بَيْعَة أبي بَكْر لأنّ هَذَا الْبَيْعَة مُبرراً واضحاً وهو جمع كَلِمَة المُسْلِمِين، وصُونهم من الإِخْتِلاف (2. المُسْلِمِ)
1) أنظر شَرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 1 / 124 الطبعة القديمة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). و : 28/2 الطبعة الجديدة، الشافي: 127/4، المسترشد في الإمامة : 246. تلخيص الشافي : 29/3.
2) السؤال الذي يطرح نفسه : هل يوجد بالمدينة العدد الكافي من المنافقين بحيث يصل الأمر بعُمَرَ بن الخَطَّاب أنْ يخشى ويخاف على المُسْلِمِينَ من المَنافِقِين وهو الْمَعْرُوف عِنْدَكُم بشجاعته؟ وكَيْفَ تَقبلون مقولة عُمَرَ بأنّ النّبي لم يمت، وأنه ذهب إلى رَبِّه وهم - أي المنافِقُون - لا يُؤْمِنُون بِنُبُوَّته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أصلاً؟ بالإضافة إلى ذَلِكَ أنّهم يرونه مُسجى وساكن الحركة أمامهم، وفيهم من فيهم من الحكماء، والأطباء، والأحبار، و... و... فلماذا لا ينعكس الأمر ويعتبرون مقولة عُمَرَ بن الخطاب هَذه من الهذيان، والخرافات؟ ثم إنّكم تعتبرون الصَّحَابَة وعُمَرَ من أجلائهم، وكلّهم عدول، والمُنافِقِ بَيْنَهُمْ قَليل مستور...؟)أما قولكم بأنه خاف من تشتت وتفرق المُسْلِمِينَ وأمر الإسلام، فهنا تسأل هل كَانَ عُمَرَ بن الخطاب أحرص من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ على الإِسْلام. والمُسْلِمِينَ بحيث يتركهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بدون راع، وأمير من بعده؟ وهل عُمَرَ بن الخطاب أعلم من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأن المنافقين يترقبون مؤت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتشتت المُسْلِمِينَ، ثُمَّ ليسيطروا هُم على الأمر؟ وَإِذَا كَانَ حقاً ما تقولون فما هو الدليل على ذَلِكَ؟، ولم تذكر كتب التاريخ لنا بأن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حذر من إسْتِيلاء المنافقين بعد موته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بل إنّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَذر من الانقلاب على الأعقاب والارتداد عن الدين كما قَالَ تَعَالَى :... (فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ...) آلِ عِمْرَانَ : 144، وروى ذَلِكَ ابن سعد في طبقاته : 57/2 أبن كثير في تأريخه : 243/5، كنز العمال : 53/4 ح 1092.)أما إذا قلتم بأنّ عُمَر بن الخطاب قد أَصَابَه الذهول، والدهشة فخرج من خال العلم إلى عدمه، ومن التوازن إلى الاضطراب، لشدة الصدمة، والمصيبة من جهة، والمحبة المفرطة التي أختص بها رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في قلب عُمَرَ بن الخطاب. فالسؤال هو : لماذا لم يصبه هَذَا الذهول أثناء سكرات مَوْت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَقَالَ بكل صراحة وشجاعة، وجُرأة إنّه - أي رسول الله - ليهجر ؟ ثُمَّ كَيْفَ يحتمل رجوعه بعد أن رآه قد مات ؟ وَلِمَاذَا يَصِيبه الذهول وهو يعلم أنه لم يمت كما تدعون؟ وهل تجتمع المحبَّة الصادقة، والإيذاء في قلب عُمر بن الخطاب لأخص الناس به ؟.
وَقَالَ الشَّيعة : لو أن عُمَرَ قَالَ : كَانَتْ فَلْتَه وسكت لأمكن الأخذ بتَفْسِير الفَلْتَة بالْفُرْصَة، والبغتة، لكنّ قَوْله بلا فاصل: وقى الله شرها، ومن عاد إلى مثلها فأقتلوه - يأبى هَذَا التّعسف، والتكلف.هَذَا تَخليص سَرِيع للنقاش بَيْنَ السُّنَّة والشيعة حول هَذِه الفَلْتَة (1.)(وَ لَيْسَ أَمْرِي وَ أَمْرُكُمْ وَاحِداً وَذَلِكَ (إِنِّي أُرِيدُكُمْ للَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ)، تَمَاماً كالوالد الرّؤوف يُريد ولده للعلم، والدرس، ويأبى الولد إلّا اللهو، واللعب، وَقَالَ الْعَقَّاد : «فَرق بَيْنَ الملك، والخَلِيفَة، فَلنْ يَكُون الحَاكِم مَلِكاً بأدوات خَلِيفَة، ولا خَلِيفَة بأدوات مُلك، وعَلي أبن أبي طالب خَلِيفَة، ولَيْسَ مَلِكاً، ومن أَصْحَاب المبادىء البارزين في الإصلاح لا من أَصْحَاب المنافع البارزين في دوام المنفعة» (2).)
(أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ بترويضها عَلى قَبُول اللْحَقِّ، وفي رِسَالَة بعثها إِلى بَعْض عُمَّالِه : «أُعِينُونِي بِوَرَعٍ، وَ أَجْتِهَادٍ، وَعِفَةٍ، وَسَدَادٍ. فَوَاللَّهِ مَا كَنَرْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلَا أَدَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمهَا وَفْراً، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي تَوْبِي طِمْراً، وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبراً، وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ، وَلهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى، وَأَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ» (1)(وَايْمُ اللهِ لَأَنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ، حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ، وَ إِنْ كَانَ كَارِها)، وإنْصَافِ المَظْلُوم، وإغَاثَة الملهوف تماماً كصِيحَة الحُرِّيَّة يُطلقها مَن يُؤْمِن بِالعَدَالة، وينبض قلبه بشيء من مَعْنَى الإِنْسَانِية، ولا فرق بَيْنَ الظَّالِم ومن رضي بالظُّلم، وكلاهما وحش كاسر.)
1) أنظر نهج الْبَلاغة : من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم (45).
## الخطبة - 137 -### يَطْلُبُونَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ... فِقْرَة 1 - 2:وَاللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً. وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقَّاً هُمْ تَرَكُوهُ. وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ، فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلَّا قِبَلَهُمْ. وَإِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ، وَلا لُبِسَ عَلَيَّ. وَإِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَأُ، وَالْحُمَّةُ، وَالشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ، وَإِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحُ، وَقَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ، وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ. وَأَيْمُ اللَّهِ لَأفْرِطَنَّ لَهُمْ حَيْضاً أَنَا مَاتِحُهُ، لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِي، وَلَا يَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِي حَسْيِ(1!)فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُودِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلادِهَا، تَقُولُونَ : الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ! قَبَضْتُ كَفَّى فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَادَبْتُمُوهَا. أَللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي، وَظَلَمَانِي، وَ نكثا بَيْعَتِي، وَ أَلَّبَا النَّاسَ عَلَيَّ، فَاحْلُلْ مَا عَقَدًا، وَلا تُحْكُمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا، وَأرهما الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلَا وَ عَمِلَا. وَ لَقَدِ اسْتَثبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ، وَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ، فَغَمَطَا النِّعْمَةَ، وَ رَدًّا الْعَافِيَةَ (2.)
اللُّغة:النصف - بكسر النون - النصاف، يُقَال : أعط النَّاسِ النّصف من نَفْسِكَ أي أنصفهم مِنْهَا. والطَّلِبَةُ - بكسر اللام - التَّبعَة. وقِيلَهُمْ - بكسر القاف - عِندهم، قَالَ الإمام عن أَصْحَاب الْجَمَل في الخُطْبَة : «فَمَا التَّبِعَةُ إِلَّا عِنْدَهُمْ» (1. والحما بلا :همزة أبو الزوج، والمراد به هنا كلّ قَرِيب. وحمة العقرب : سَمّها كما في أبن الحَدِيد (2). والْمُغْدِفَةُ : عَلَيْهَا سِتر وغطاء. والنِّصَاب : الأصل. والشَّغْبِ : إثارة الشَّرِّ. وأُفْرِط الحَوْض : مَلأه، وحَدِيث: «يا أيها النّاس إنّي فَرَطُكُم عَلَى الحَوْض - بفتح الراء على الحَوْض أي ساقيكم» (3). والمَاتِح : والنَّازِعُ وَصْدُرُ عَنْهُ : رَجَعَ وأَنصرَف.)ويَعُبُّونَ : ويَشْرَبُون. والحَسِي : مَاء يُستخرج بالحفر، والحَسْوَة : جُرعة من شراب. والعُوذِ - بضم الْعَيْن - جمع عَائِذَة، وَهِي كلّ أُنثى قَرِيبَة العهد بالولادة. والمُطَافِيلِ : جَمع مَطفِل أي ذات الطفل. واسْتَثبْتهُمَا : طَلبتُ إِلَيْهما الرُّجُوع إلى الْبَيْعَة مِن ثَابِ أي رَجَعَ والْوِقاع : الحَرْب. والغَمَط : الجحود.
1) أنظر نهج البلاغة : الخُطْبَة (22).
2) أنظر، شرح النهج : 34/9.
3) تَقَدَّم أستخراج ذَلِكَ، وأنظر، صحيح ابن حبان : 321/3 ح 1046، صحيح أبن خُزَيْمَة: 6/1 ح 6. موارد الظمآن : 459/1 ح 1858، مصباح الزجاجة : 207/30، سنن البَيْهَقِ الْكَبْرَى : 14/4 ح 6600، سن ابن ماجه : 1016/2 ح 3057، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 305/6 ح 31658، مجمع الزوائد : 85/3 و: 162/9 و 163 و 165، الحاكم في المستدرك : 109/3 و : 84/4 ح 6958، الجامع لمعمر بن راشد: 60/11، المعجم الأوسط : 228/1 ح 749، مسند أحمد : 257/1 ح 2327، مسند الروياني: 138/2 ح 903، أبن كثير في البداية والنهاية : 209/5، تفسير القرطبي : 168/4، مُسْنَد أبي يعلى : 95/3 ح 1525، تفسير الطبري : 128/14، تفسير ابن كثير : 252/3، صَحِيح البُخَارِيّ : 1317/3 ح 3401 و : 26/5 ح 6062، مُسند الحميدي: 342/2 ح 2779، صحیح مُسلم : 1792/4 ح 2289.
الإعْرَاب:فَمَا الطَّلِبَةُ «مَا» نافية، وقِبَلَهُمْ ظَرف بِمَعْنَى عِندَ، ولَلحُكْمُ اللأم للابتداء، ودَخَلْت على خَبَر إن بقصد التوكيد، وأفْرِطَنَّ فعل مُضارع، والْبَيْعَة الْأُولَى مَفْعُول لِفعلٍ تَحذُوف أي نُريد الْبَيْعَة، والثَّانِيَة توكيد للأُولى.الْمَعْنَى:(وَ لِلَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نِصْفاً. وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ. وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ. كَان الزُّبَيْرِ، وطَلْحَة، وعَائِشَةَ وَرَاء مَا حَدث لعُثمانَ وعَلَيْهِمْ تَقع التَّبعة في دمه، ومع هَذَا رَموا بهِ الإِمَام عَلِيَّاً إثماً، وبُهتاناً، ولذا قَالَ: الحُجَّة عَلَيْهِمْ لا عَليَّ. قَالَ المُستشرق الألماني «فُلهوزن»:)«لَمْ يَأل طَلْحَة، والزُّبَيْرِ جُهداً في الكيد لعُثمَانَ... وبعد أنْ بَايعا عَلِيَّاً خَرجا عَليهِ خروج المنافسين، وأتهماهُ بِدَم عُثمَانَ... واشتركت عَائِشَةَ أشتراكاً قوياً فِي التَّوْرَة على عُثمان... ثم انسحبت مِنْهَا، وتسطيع أن تُكيف موقفها بِحسب مَا يَؤول إِلَيْهِ أَمر الْفِتْنَة، وكَانَتْ تَبغض عَلِيَّاً، فلما سمعت ببيعته لم تتردد في تَقْدِيس عُثمانَ، ونَادت إلى الأخذ بالثّأر له من الخَلِيفَة الجَدِيد، وقد ألتف حولها عدد من الهرَّاب» (1.)وَقَالَ الْعَقَادِ : «ثَارِ طَلْحَة، وأَصْحَابِهِ علَى الْإِمَام عَلَيَّ لِيَطْلَبُوه بِدَم عُثْمانَ، وهُم لم يدفعوا عنه في حياة بعض ما دفع عنه علي، وقد كان عُثمانَ كَثِيراً مَا يَقُول : وَيلى من طَلْحَة أَعطيه كذا، وكذا ذهباً، وهُو يَرُوم دَمِي» (2.. وَقَالَ الْعَقاد : «جميع الطَّامِيعن)
في الوِلَايَة، والأَمْوَال، وعلى رأسهم طَلْحَة، والزُّبَيْرِ، حَشدوا جموعهم بالْبَصْرَةِ.. وخرجت عَائِشَةَ مع المطالبين بِدَم عُثمانَ... وكَانَتْ من قَبل تُشكك النّاسِ فِيهِ» (1.)وتَقَدَّم الكلام عن ذَلِكَ مَرَّات (2.)(فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ الا قِبَلَهُمْ. وقتلوا عُثمَانَ، أو حَرضَوا، أو رَضُوا، أو سَكتوا، ثُمّ طَالبُوا عَلِيَّاً بِدَمه فإِنْ كَان الْإِمَام عَليّ فَعل مثلُ مَا فَعلوا - وَفَرض المحال لَيْس مُحال فَعلاَم يَشهرُون عَلَيْهِ السُّيُوف، وهُم فِيهِ شُرَكَاء ؟ وإنْ لم يُشاركهم في شَيء من ذَلِكَ فالحجة عَلَيْهِمْ. وهُم ألزم. وتَقَدَّم مثله (3)(وَ إِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ). يَنكثون الْبَيْعَة والعهد، ويقُومُون عَلى الظلم، ويَسْتَهِينُون بِحَقِّ الله، والنّاس، ومَع هَذَا يُطالبون بالْعَدْل، ويَدْعُون أنّهم دُعاة الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، ولَكِنَّهُمْ لا يَنصِفُونَ النَّاسِ مِن أنفسهم، ولا يحكمون عَلَيْهَا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهُمْ !.)(وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي التي بها الحَقِّ والهِدَايَة، وأفضح الْبَاطِل، والضَّلالة (مَا لَبَسْتُ، وَ لا لُبِسَ عَلَيَّ) مَا دَلستُ على أحدٍ، ولا أستطاع أحد أنْ يُدلس عَليَّ، وتَقَدَّم مثله (4)(وَ إِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَأُ، وَ الْحُمَّةُ). قَالَ الشيخ مُحَمّد عَبْدَه : «كَانَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أخبر عَلِيَّاً أَنه سَتَبغِي عَلَيْهِ فِئَة، فيها بعض أحمائه، واحدى زوجاته، والحمأ كناية عن الزُّبَيْر لأنّه أبن عمّة النَّبِيِّ» (5).)
وبِهَذَا الحَدِيث الَّذي أثبته الشيخ عَبْدَه يكون أَصْحَابِ الْجَمَل من أَهْلِ الْبَغْيِ تماماً كأصحاب صِفِّين (وَ الشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ. أي تُخفِي الحَقِّ، وتَستره، والمُرَاد بالشُّبْهة هنا التدليس، والنِّفَاقِ بِدَم عُثمَان.)(وَ إِنَّ الْأمْرَ لَوَاضِحُ وهو تدليس أَصْحَاب الجَمَل، ونفاقهم، وفي كتاب العبقريات الإِسْلاميَّة : «كَان طَلْحَة يقود بَعْض الثَّائرين على عُثمَانَ إِلَى الدُّور المجاورة ليهبطوا مِنْهَا إلى دار عُثمَانَ) (1). وفي شرح أبن أبي الحَدِيد : «كَان طَلْحَة مُتقنّعاً بِتُوب قد استَتَرَ بِهِ عن أعين النّاس، يَرمِي دَارِ عُثمَانَ بالسِّهام» (2).)وسواء أَصح هَذَا، أَم لَم يَصح فإِنَّه يُومى، إِلَى يَد طَلْحَة الملطخة بدمَاء عُثمانَ (وَ قَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ عن أصلِهِ، وتبين أن قول أصحاب الجَمَل لا أصل له، ولا أساس. وتَقَدَّم مثله (3)(وَ أَنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ) خَرُسِ الْبَاطِلِ، وَكَفَّ عن إثارة الشَّرِّ، والْفِتَن بقتل أَصْحَابِ الجَمَل.)(وَ أَيْمُ اللَّهِ لَأَفْرِطَنَّ لَأَمْلأَنَّ لَهُمْ حَوْضاً الْمُرَاد بِهِ المَنيَّة (أَنَا مَاتِحُهُ) نازع مَائَه ومخرجه، وتَقَدَّم ذَلِكَ بالحرف (4)(لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِي) لا يَرْجِعُونَ إِلَى الإِرْتُواء، بل يَموتُون عِند الحَوْضِ (وَلا يَعُبُونَ) لا يَشرَبُونَ (بَعْدَهُ فِي حَسْي) الماء الزلال)(فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُودِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلادِهَا، تَقُولُونَ : الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ. أَسرَعتُم إِليَّ تُرِيدُونَنِي للمُبَايَعَة أسراع النُّوق التي ولدات حَدِيثاً، إلى أَوْلادها.)
وفي خُطْبَةٍ أخرى: «فَمَا رَاعَنِي إِلا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ» (1. وتَقَدَّم الكلام عن ذلِكَ بنحو من التفصيل (2)(قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَ نَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا). مَا كَان لواحدٍ من الصَّحَابَة، وغَيْرهم هَوى في بَيْعَة الزُّبَيْرِ، وطَلْحَة بعد مقتل عُثمَانَ، لأنهما كما قَالَ الْعَقَّاد، وغَيْره: «كَانَ يشبهان عُثمَانَ في كَثِير مِمَّا أخذه عَلَيْهِ المحتاطُون في الدِّين، وتمرد لهُ الْفُقَرَاءِ المَحَرُمُون، فَلقد خاضا في المال» (3) فأتجهت الأنظار كلّها إلى الإمام، وفي طليعتهم المُهَاجِرُون، والأَنْصَار يَلحُون عَلَيْهِ، وإذَنْ لَم يَكُن لِلإِمَام أي مُنافس، ومَع هَذَا امتنع، وتردد حَتَّى بَقِي النَّاسِ بِلا خَلِيفَة خمسة أَيَّام، وقيل ثمانية، وأيضاً قيل : إِنَّ الَّذِين قتلوا عُثمَانَ هَددوا الْإِمَام بالقتل إنْ أَصرَّ على الرفض. وأشتهر عن «الْأَشْتَرَ» أَنه قَالَ لِلْإِمَامِ : «أبسط يدك نبايعك، أو لتعصرن عَينيك عَلَيْهَا ثَالثة» (4). يُشير إلى ما كَانَ يَوْمِ السَّقِيفَة، وَهِي الأُولَى، وَمَا كَانَ يَوْمِ الشُّورَى، وَهِي، الثَّانِيَة.)(أَللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي، وَ ظَلَمَانِي، وَ نَكَثَا بَيْعَتِي، وَ أَلَّبَا النَّاسَ عَلَيَّ. ضَمِير التّثنية في (إِنَّهمَا، وَأَلَّبَا) الزُّبَيْرِ، وطَلْحَة النَّاكِثِينَ بَيْعَة الْإِمَامِ البَاغِينَ عَلَيْهِ بِإِعْلان الحزب وتأليب النّاسِ عَلَيْهِ (فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا، وَلا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا). دَعا الله سُبْحَانَهُ أنْ لا يُحقق شَيْئَاً مِمَّا يُرِيدَانه من الْفِتْنَة، والْغَدْرِ (وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلَا وَ عَمِلا) لغير وجهك الكريم، ومصلحة المُسْلِمِين (وَلَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ))
طلبت إِلَيْهما الرُّجُوعِ إِلى الحَقِّ لَا إِلى السَّيْف (وَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ. صَبرتُ، وأنتظرتُ طويلاً قبل الحزب، وفاوضتُ حَتَّى يَئستُ (فَغَمَطَا النِّعْمَةَ) جَحدَا الفَضْل، وبدلا مكان الحَسَنَة السَّيِّئَة (وَ رَدَّا الْعَافِيَةَ)، وَهِي اجتماع كَلِمَة المُسْلِمِين، والتَّعاون على صالح جميع، وأبيا إِلَّا الشَّقَاقِ، والْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ)
## الخطبة - 138 -### الْهَوَى وَالْهُدَى فِقْرَة 1 - 2:يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى، إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَ يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّاي.حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذْهَا، مَمْلُوءَةَ أَخْلافُهَا، حُلُواً رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا. أَلا وَ فِي غَدٍ - وَ سَيَأْتِي غَدْ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ - يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِي أَعْمَالِهَا، وَتُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا، وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا، فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ، وَ يُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ، وَ السُّنَّةِ (1.)كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ، وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطَفَ الضَّرُوسِ، وَفَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّءُوسِ قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَ ثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطأتُهُ، بَعِيدَ الْجَوْلَةِ، عَظِيمَ الصَّوْلَةِ. وَاللَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلا قَلِيلٌ، كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، فَلَا تَزَالُونَ كَذَلِكَ، حَتَّى تَئُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلَامِهَا! فَأَلْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ، وَالْآثَارَ الْبَيِّنَةَ، وَالْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ (2.)
اللغة:النَّوَاجِذُ : الأَسْنَان التي عِند الضحك، كما في تجمع البحرين للطّرِيحِي(1ويُومى، إِلَيْهِ قول الإمام «بَادِياً». والأَخْلافُ : جمع الخلف - بكسر الخاء - وهو حَلَمَةُ ضَرْع الناقة. الفلذة - بكسر القاء القطعة من أي شيء كان، وقيل : من الكَبِدِ فقط، وقيل : من الذهب، والفِضَّة، والجمع أَفَلاَذ، وجمع الجَمع أَفَالِيذَ وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ : أَسْرَعَ بِها، وقيل : نحى النَّاس بها، وكُوفَانَ الْكُوفَة. والضَّرُوس: الناقة السَّيِّئَة الخلق. وفَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ : فَقَه. والعَوَازِبُ : الغَائِبَات. والمراد بأَحْلَامِهَا عَقُولها. ويُسَنِّي : يُسَهِّل لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ - بفتح الْعَيْن - لتمْشُوا فِي أثره.)الْإِعْرَابِ:بَادِياً حَالَ مِن الْحَرْب، ونَوَاجِذُهَا فَاعِل «بَادِياً» ومثله ما بَعْدَه، وفِي غَدٍ مُتَعَلِّق يَأْخُذُ الْوَالِي، وسِلْماً مَفْعُول من أجله، ويجوز حَالاً بمعنى مُسْتَسْلِمَةً، وبَعِيدَ الجَوْلَة بالرفع خَبَر مُبتدأ محذوف أي هُو بَعِيدَ، وبالنَّصَب حَال، ومثله عَظيمَ الصَّوْلَةِ، وَالْعَهْدَ عَطف على السُّنَنَ، والَّذِي صِفَة لِلْعَهْد، وعَلَيْهِ خَبَر مُقَدَّم، وباقي مُبْتَدَأ مُؤَخَّر.الْمَعْنَى:(يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى، إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَ يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى
1) أنظر، مجتمع البحرين للطريحي : 270/4. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ. والمراد بالهُدَى هُنَا الْعَقْلَ الَّذِي يَستحسن كلّ شَيء يَعُود بالنفع على الحياة، ويستقبح كلّ مَا يَضُرُّ بها في جهة من الجهات.)وَقَالَ كَثِيرُون : أَنَّ الْإِمَامِ يُشير بقَوْله هَذَا إِلى المَهْدِيّ المُنتَظِرُ الَّذِي وردت فِيهِ أحَادِيث كَثيرة عن طريق السُّنَّة والشيعة، ولَيْسَ مِن شَكٍّ أَنَّ المقصود بِهَذَا الْوَصْف رَبَانِي عَظِيم، لأنه لا يعمل بالرَّأْيِ والقياس، ولا يَرَنِ الْأَشْيَاء بالمكاسب، والْمُنَافِع الخاصة، والمقياس عِنده في كل المجالات هو الْقُرْآن الكَرِيم، والْعَقْل السَّلِيمِ الَّذِي أشرنا،إِلَيْهِ، ولو أنّ النّاس، كل الناس أجمعوا على أمرٍ لا يَعتمد على أحدِ هَذِين فهُو عِندَهُ بِدْعَة، وضلالة.(حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذُهَا. يُخبر الإمام بأنّ حَرْباً تَكُون بَعْدَه لا تدع شَيْئاً إِلَّا تَأْتي عَليهِ، وكنّى عن قسوتها بقيامها عَلَى سَاقٍ. وبالتكشير عن أنيابها كالأشد الغَضُوب، والْعَرَبِ يُكنُون عَن الشَّدَائِد بالقِيام عَلَى سَاقٍ وبالكشف عنه أيضاً قَالَ تَعَالَى مُشيراً إِلَى هَول الْحِسَابِ : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) (1)(مَمْلُوءَةً أَخْلافُهَا، حُلُوا رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا).)حين تعلن الحزب، يُصفق لها أَهْل الجهالة، ويُعلقون عَلَيْهَا آمَالاً خَادِعَة حَتَّى إذا وقعت عمّ الخرابُ، والدَّمار للقريب والبعيد، ولا يَنجُو مِن شَرِّها غَالب، ولا، مغلوب، ولا طَيِّب، وخَبيث : (وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً
1) الْقَلَمِ: 42.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (1)وينطبق هَذَا الْوَصْف عَلَى كُلِّ حَرْبٍ وقعت، أو تقع.)### الدَّوْلَة الإِنْسَانِية:في آثار أَهْلَ الْبَيْت (عَلَيهِم السَّلَامُ روايات كَثِيرة تقول : سَيَأْتِي زَمَان تَعيش فِيهِ البَشرِيَة كلّها فِي شَعبٍ وَاحِد، وتَحتَ رَايَة وَاحِدَة، تُدِير شُؤونَها دَولَة وَاحِدَة تُحقق الْعَدْل، والأمن، والمُسَاوَاة للنَّاس أجمعين، أمّا الرَّغْد، والرَّخاء فَلا يَتخصص بفئة دُونَ فِئَة، ولا يَفرَد دُونَ فَرد، بل يعم الجميع على السواء، ومن أجل هَذَا يَسود الحُبّ والصَّفاء بَيْنَ النَّاس، ويختفي الحَسَد، والتَّنافس، والأحقاد. وتُؤكد الرَّوَايَات أنّ هَذِه الدَّوْلَة، والوحْدَة لَيست حُلماً، أو خيالاً، بل هِي حَقٌّ لا ريب فيه، وإِلَيْهَا ينتهي العالم بأكمله لا محالة. وقد بذل عُلَماء الشيعة جهوداً صَادِقة في تَتَبَّع كلَّ خَبرٍ وأثرٍ عن أَهْل الْبَيْت يَتحدث عَن هَذَا الفِرْدَوْس، ودوّنوه في كتبهم (2).)وأشار الإِمَامِ إِلَى هَذِهِ الدَّوْلَة الإِنْسَانِية بقَوْله : (أَلَا وَ فِي غَدٍ - وَ سَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لا تَعْرِفُونَ - يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِي أَعْمَالِهَا. المُرَاد بِالْوَالِي رَئيس الدَّوْلَة الإِنْسَانِية، وضَمِير غَيْرُها يَعُود إلى الحَرْب، ولا شَيء غَيْر الْحَرْب إلا الأمن، والدعة، أما ضَمِيرِ أَعْمَالِهَا فَيعُود إلى الْعُمَّال على مَعْنَى جَمَاعَتَهُمْ، والْمُرَاد)
1) الأنفال : 25.
2) أنظر، كتاب الشَّجَرَةِ المُباركة للشيخ علي اليزدي، والمجلد الثاني عشر من «بحار الأنوار»، والقسم الثالث من الجزء الرابع من «أعيان الشيعة» للسيد محسن الأمين، وذكرتُ طرفاً من تِلكَ الرَّوَايَات في كتاب «علي والْقُرْآن». وأُعيد طبعه مَرَّات، ثُمَّ طُبع مع كتاب «إِمَامَة علي والعقل» بأسم إِمَامَة عَلي بَيْنَ الْعَقْل والْقُرْآن. (مِنْهُ (رضیَ اللّهُ عنهُ)).
من هذا الكلام بجملته أنّ رَئيس الدَّوْلَة الإِنْسَانِية يُحاسب الموظفين فيها على كلّ كبيرة وصغيرة، ويأخذ المسيء بأَعْمَالِه، ويُعَاقِبِهِ بِمَا يَستحق مِن غَيْرُ هَوادة، وفي كتب السُّنّة، والشيعة عن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : أن القائم بالأَمْرِ يَومَذَاكَ يَملأ الْأَرْضِ عَدْلاً وقِسْطَاً، كما مُلِئَتْ جَوْراً، وظُلماً» (1)(وَ تُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا). كناية عَن أنّ الْأَرْضِ تَجود فِي عَهْدِه بخيراتها الظَّاهِرِ مِنْهَا وَالْبَاطِن، وفي الأَخْبَار أنّ سُلطان الحَاكِم يبلغ المشرق والمغرب، ولا يَبْقَی فِي الْأَرْضِ خَراب إلا ويُعمره، وتظهر له الكنوز، وتُلقي الأَرْضِ أَفْلاذَ أَكَبادِهَا. ولما سُئل رَاوِي هَذَا الخَبَر عن مَعْنَى أَفَالِيذَ أَكَبادِهَا قَالَ : مَا فِيها من المعادن (2).
1) أنظر، الإِرْشَاد : 340/2. ووردت قطعة مِنْهُ في مُسْنَد أحمد: 376/1، وتاريخ بغداد: 388/4، وعقد، : الدرر : الباب 2 ح 42، وكنز العمال : 188/7، و : 14 / 268 ح 38675، وذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 136، وغَايَة المرام : 743 ح 57، و 699 ح 78، و 700 ح 99، ومشكاة المصابيح : 1501/3 ح 5452، وسنن التَّرمذي: 36/2 و : 343/3 ح 2331 و 2332، وسنن أبي داود: 309/30 ح 4282، ومَوَدَّة القربى : ج 30، وفرائد السمطين للجويني : 324/2 ح 574، الجامع الصغير للسيوطي : 438/2 ح 7489، جواهر العقدين : 226/22، وينابيع المودَّة للقندوزي الحنفي : 245/3 و 256 و 298، 385، 390، 391، حلية الأوْلِيَاء لأبي نعيم الأصبهاني : 75/5، مسند أحمد : 376/1 و 377 و 430 و 448، ذخائر الْعُقْبَى للطَّبري : 136، كفاية الأثر : 100 و 158 و 195 و 217، ملاحم أبن طاووس : 136، مناقب ابن 136 شهر :آشوب : 12 / 273، فتن السليلي: على ما في الملاحم لابن طاووس، مشارق البرسي : 164 - 166. إثبات الهداة : 598/12 ح 568 و : 442/2 ح 128 غابة المرام : 57 ح 62، مدينة المعاجز : 368/2، البحار : 319/36 ح 171 و 200 و 221 و 354 ح 225 و : 41 / 318 ح 42، بشارة الإسلام : 57. 31 وأنظر، فَرائدُ فَوائِدِ الفِكَرْ في الإمام المهدي المنتظر(عَلَيهِ السَّلَامُ) تأليف الشيخ مَرْعِيّ بن يُوسُفَ المقدسي الحنبلي من عُلَماء القرن الحادي عشر الهجري، الطبعة الثانية بتحقيقنا.
2) بناءً على ما رُوي «يُخرج المَهْدِيّ في أُمتي يبعثه الله عياناً للناس. تنعم الأُمَّة، وتعيش الماشية، وتخرج الْأَرْضِ نَباتها، ويُعطي المال صحاحاً، أي بالسوية».)أنظر، أبو نعيم في صفة المَهْدِي لوحة : 99، وعلى ما في عقد الدرر، مُسْتَدرَك الصَّحِيحِين : 454/4 و 463 و 465 و 502 و 503 و 557، سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (711»، مُسْنَد أحمد : 37/3 و 52، و : 5 / 5 و 60 و 48 و 69 و 98 و 333 و 317 و 577، الْقَوْل المختصر : 5 ح 10 و ح 15، نور الأَبْصَار : 189، الإذاعة : 125، ملاحم أبن طاووس: 69 و 70 الفصول المهمة : 298 و 444/2، عقد، الدرر : 144 و 169 و 170، بيان الشافعي: 519. الطبراني، الكبير : على ما في بيان الشافعي، مُنتَخَب الأثر : 472 ح 2، كشف الغمة : 263/3، البحار : 83/51 و 97. غاية المرام : 703، فرائد السمطين : 310/2 ح 561 بشكل مختصر مجمع الزوائد : 313/7، ينابيع المَوَدَّة : 563 و 517، و : 283/3 ط أسوة، كفاية الطالب : 505 و 494. وقريب من هَذَا اللفظ في صَحِيح البُخَاري : 36/2، غَايَة المرام: 692 ح 5 طبقات ابن سعد : 4/4، كنز العمّال : 260/7 و 187 و 261، قصص الأَنْبِيَاء : 554، الصَّوَاعِقِ الْمُحرِقَة لِابْن حجر الهيتمي : 98 و 102، كنوز الحقائق : 152.
(وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا. الكلّ سامع له ومُطيع، فَلا ثَائِر، ولا غَاضِب، وفِي بَعْض الرِّوَايَات عن أهْل الْبَيْت : «لا يظلم فى هَذه الدَّوْلَة أحد أحداً، ولا يخاف شَيء من شيء، ولا يُراق محجمة دَم» (1)(فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ) بإحقاق الحَقِّ، وإِزْهَاقِ الْبَاطِل، وفي رواية : «إنْ عَهد القائم بالأمر تختي فِيهِ الْأَشْرَارِ، وتظهر الأَخْبَار» (2)(وَ يُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ، وَ السُّنَّةِ) يَحمل الناس على هدي)
1) أنظر، كتاب الْغَيْبة للنعماني : 284، الإرشاد للشيخ المفيد : 17/2، بحار الأنوار: 358/52 ح 123، سنن الترمذي : 95، عقد الدرر : 63، عرف السيوطي: 81/2 برهان المتقي: 145. ميزان الإعتدال :3 / 498 ح 7302، تهذيب التهذيب : 78/9 ح 116.
2) بناءً على الرواية أَخْرَجَه الحَاكِم في مستدركه، وَقالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأَخْرَجَ نَعيم عن كعْب قَالَ : قَالَ قتادة : «المَهْدِي خير النَّاسَ، أَهْل نُصرته، وبيعته من أَهْل كوفان، واليمن، وأبدال الشَّام، مقدمته جبريل وساقته ميكائيل، محبوب في الخلائق، يطفىء الله به الْفِتْنَة العَمْيَاء، وتأمن الأَرْضِ حَتَّى إن المرأة لتحج في خمس نشوة ما معهن رَجُل، لا تتقي شَيْئاً إلا الله، تعطي الأَرْض زكاتها، والسَّماء بركتها» أنظر، الْفِتَن لنعيم بن حماد، لوحة : 98 و 356/1 ح 1030، عقد الدرر : 151.
الْقُرْآن، وسُنّة الرَّسُول، وكانوا مِن قَبل يَفتَرُون، ويُعتدون.(كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ، وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ (1). لا ندري مَن هو المقصود بهذا.. ولكن أبن أبي الحديد، وغَيْره قَالُوا: هو عبد الملك بن مَرْوَان. وليس هذا بعيد، لأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبر أهل العِرَاقِ أَنّ رَجُلاً سيظهر في الشّام، ويغزو بلادهم، ويصل برايَاته إلى الْكُوفَة، وضواحيها، وقد ظهر عبد الملك بالشّام، وغَزا الْعِرَاقِ بِجَيْشَه، وقتل مُصْعَب بن الزُّبَيْرِ في ضواحى الْكُوفَة، وأيضاً قتل عبد الرحمان بن الأشعت، وكثيراً من المُسْلِمِينَ (2)(فَعَطَفَ عَلَيْهَا) أي مَالَ على الْكُوفَة بعد أنْ فَعل فى ضواحيها (عَطْفَ الضَّرُوسِ) كناية عن ظُلم عبد الملك، وجَوْرَه (وَ فَرَشَ الْأَرْضَ) غَطَّاها (بِالرُّءُوسِ قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ) انفتح فُوه للنَّهَش والافتراس (وَ ثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطَأَتُهُ) أي تمكن فِيها أَمرَه، وأشتد جَوْرَه (بَعِيدَ الْجَوْلَة) بِخَيْلَه، وَرجله (عَظِيمَ الصَّوْلَةِ) فِي حَرْبِهِ، وقتاله.)(وَ لِلَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلا قَلِيلٌ، كَالْكُحْلِ فِي
1) المقصود مِنْهَا مَدِينَة الْكُوفَة فِي الْعِرَاق على ساعد الفرات غرباً 30/000 ن. مركز قضاء الْكُوفَة... أسسها سعد بن أبي وقاص بعد معركة القادسية قُرب الخَيْرَة سَنَة «638م». أتخذها الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقراً له سَنَة «657م» وفيها اسْتُشْهِدَ رضوان الله تَعَالَى عَلَيْهِ سَنَة «661 م» جعلها العَباسِبُون عاصمة لهم سنة «749 م»، وتقلص ظلها بعد تأسيس.بغداد بالقرب منها النجف، ومشهد الإمام علي أبن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنجبت عُلَماء، ومُحدثين، ونحويين كَانَتْ مع البَصْرَة مركزاً للثقافة الإسلامية. والعربيَّة. أنظر، المنجد في اللغة والأعلام : 599.
2) أنظر، شرح نهج البلاغة : 46/9 و : وقيل : عنى زياداً، وقيل : عنى المغيرة بن شُعْبَةَ، وقيل: عنى الحجاج، كما جاء في الشرح أيضاً في : 54/4 و 98 و : 148/7، وقيل : عنى مُعَاوِيَةَ بن أبي سُفْيَانَ، كما في شرح مئة كلمة لابن ميثم البحراني : 245، وبحار الأنوار : 356/41.
الْعَيْنِ. يقتل، ويأسر، ويسجن، ويُشرد، ولا يسلم من جَوْرَه إِلّا القِلة تماماً كذرات الكحل في العَيْنِ (فَلا تَزَالُونَ كَذَلِكَ) مُنكوبين، مُشْرِدِين (حَتَّىٰ تَتُوبَ إِلَىٰ الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَعْلَامِهَا). لا وسيلة لتحريركُم أيها العرب من الظلم، والتنكيل إلا أنْ تَرجَعُوا إِلى رُشدكُم، وعقولكُم، وتجمعوا كلمتكُم وتَعملوا كَرَجُلٍ واحد وبكل الوَسَائِل للإطاحة بحاكم الجؤر، وأعوانه، وتُقيموا دولة ترتضُونها لأنفسكُم (فَأَلْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ) وَهِي سُنَّةَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وشَرِيعَة الْقُرْآن (وَالآثَارَ الْبَيِّنَةَ) الّتي مَضى عَلَيْهَا الصَّالحون من الصَّحَابَة، والَّذِين أتبعُوهم بإحْسَان.)(وَ الْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ أي وألزموا هَذَا الْعَهْدَ البَاقِي من النُّبُوَّةِ، وبقية النُّبُوَّةِ هو الإِمَام عَليّ، فقد روى البُخَارِيّ : «أَنَّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : يَا عَلَيّ أنتَ مِني، وأنا منك» (1). أي أن وجود عَلي أمتداد لوجود النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وأيضاً روى البُخَارِيّ : «أَنّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لِعَليّ: «أما ترضى أَنْ تَكون مَنِي بِمَنْزِلَةٍ هَارُون من مُوسَى» (2)، وهارُون وزير أخيهِ مُوسَى، وشريكه في أَمْرِه بشهادة الآية: ﴿وَاجْعَل)
1) أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 5 مناقب علي بن أبي طالب. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). و : 960/2 ح 2552، و : 1357/3 ح 3497 و : 1551/4 ح 4005 طَبْعَة أخرى. تفسير القرطبي : 215/15، صحيح ابن حبان: 229/11 ح 4873، المستدرك على الصَّحِيحِين : 130/3 الأحاديث المختارة : 392/2 ح 778 مجمع الزوائد: 258/9، سُنن البَيْهَقِي الْكُبْرَى: 5/8 و 6 و : 226/10، مسند البزار : 316/3 ح 744، مُسْنَد أحمد: 155/1 ح 931، شعب الإيمان : 284/4، كشف الحنفاء : 227/1 ح 619، تفسير ابن كثير: 468/3. صحي الترمذي : 635/5 ح 3716.
2) أنظر، صحيح البُخَاري : 5 مناقب علي بن أبي طالب. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). و : 200/2 و 324، وروی بسنده، و : 4 / 208، و : 3470/245/14، و: 4115/217/16 بشرح الكرماني، الصَّوَاعِقِ المُخْرِقَة لابن حجر: 29، صَحِيح مُسْلِم في فَضَائِل عليّ : 324 المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم النيسابوري: 109/3، مُسْنَد أبن ماجه : 1/ 28، مُسْنَد الإمام أحمد : 1/ 175 و 177 و 179 و 182 و 331 و 369، كنز العمال : 152/6 ح 2504، وتلخيص المحافظ الذهبي على المُسْتَدرَك : 133/3، وخصائص النسائي : 17. والإصابة لابن حجر : 4 / 568، ويُنابيع المودَّة للقندوزي : 58/2، وقد تَقَدَّم أستخراج حَدِيث المنزلة في الجزء الأَوَّل.
لِي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي أَشْدُدْ بِهِيَ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِى (1). (وَأَعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي) يُسهل (لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ) أَي لَتَسِيرُوا عَلَى أَثره وتَتَبَّعُوا خُطواته : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ، يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (2).)
## الخطبة - 139 -### الشُّورَى:لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةٍ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَ عَائِدَةِ كَرَمٍ، فَأَسْمَعُوا قَوْلِي، وَ عُوا مَنْطِقِي، عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَ تُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ، وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ.اللغةالعَائِدَةِ : الفَضِيلَة، أو المَعْرُوف. وتُنْتَضَى: تُسل.الإِعْرَاب:المصْدَر مِن أَنْ تَرَوْا أسم عَسَى، وهُو مُغنٍ عن الخبر، لأن الكلام تام ومُفيد بدونه.الْمَعْنَى:اختار عُمر بن الخطاب ستة من الصَّحَابَة : لينتخبوا واحداً مِنْهُم لخلافة
الْمُسْلِمِين من بَعْدَه، وتَكَلَّم النّاس كَثِيراً حول هذا الاختيار، وقد عُرف بأسم الشُّورَى، وأَلّف البعض فيه كتاباً بِهَذَا الاسم. وتَقَدَّم الكلام عَن ذَلِكَ (1. ولا يُخالجنا شكّ في أنّ الدَّافع على هَذِهِ الشّورَى مَعَ الشَّرط الَّذِي ذكره عُمَرَ هُو سياسي محض (2)، أضفى عَلَيْهِ عُمَرَ الصِّبغة الدينية بقَوْله : «إنّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ قُبض وهو رَاضٍ عن هَؤُلَاء» (3)كما أن أختيار أبن عوف لعُثمَانَ كَان بدافع الصهر، والْقَرَابَة، وقد أشار الإمام إلى ذَلِكَ بقَوْله : «وَمَالَ الآخَرُ لِصِهْرهِ» (4)وإلا فبأي شيء تُفسر قول عُمَرَ : «إنْ أختلفوا فكونوا في الجانب الَّذِي فِيهِ عبد الرحمان بن عوف. وَلِماذا)
1) أنظر، شرح الخطْبَة : (3) المَعْرُوفة بالشَّقْشِقِيَّة.
2) الشَّرط: «إذا اجتمع رأي أَرْبَعَة فليتبع الإثنان الأربعة، فإذا اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فأتبعوا رأي عبد الرَّحْمَان بن عوف فأسمعوا وأطيعوا وإن صفق عبد الرحمان بإحدى يَدِيه على الأخرى فأتبعوه». أنظر، العقد الفريد : 74/3 أَنْسَابِ الأَشراف: 15/5. الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 3 / 15: 243، شرح النهج : 185/1.)وروى المتقي في الكنز : «إنّ عُمَرَ قَالَ: إِنْ ضَرب عبد الرحمان بن عوف إحدى يديه على الأخرى فبايعوه». وروى أيضاً أنه قَالَ: «بايعوا لمن بَايَعَ عبد الرحمان بن عوف، فمن أبى فاضربوا عنقه»، أنظر، كنز العمال : 160/3.وروى عن هشام بن سعد أنّ عُمَرَ قَالَ: «إنْ أجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فأتبعوا صنف عبد الرحمان بن عوف وأسمعوا وأطيعوا».أنظر، أَنْسَابِ الْأَشراف: 18/5.
3) أنظر، أنساب الأشراف: 15/5 الطَّبَقات الكبرى: 3 / ق 1: 243، شرح النهج : 158/1 و : 170/3، أَنْسَابِ، شرح النهج لمحمد عبده : 34/1، الإِحْتِجَاج للطبرسي : 268/1، تَفْسِير القُرطبي : 228/14، فيض القدير : 290/4، تفسير ابن كثير : 506/3، تفسير البغوي،225/5، تفسير الخازن: 225/5، تفسير الألوسي: 74/22، تأريخ اليعقوبي : 227/4، الكامل في التاريخ : 65/3، مناقب أهل البيت لحيدر السيرواني : 348.
4) أنظر، شرح الْخُطْبَة : (3) الْمَعْرُوفَة بِالشَّقْشِقِيَّة.
هَذِه الدكتاتورية لابن عوف ؟ وهل من تَفْسِير لها إلا إبعاد عليّ عَن الخلافة، وتَيسِيرها إلى عُثمَانَ عَن طريق مُصاهرته لابن عوف ؟ وهل أبن عوف أفضل من على (1.
1) أنظر فصل : عَليّ وقُريش، ومن كتابنا : الشيعة والحاكِمُون (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)أَلا يظهر من هَذَا كلّه أنّ الرّجل - أي عُمَرَ بن الخطاب - قد جعل أمر الترشيح بيد رَجُل واحد وهو عبد الرحمان بن عوف، وعبد الرَّحْمَان هَذَا يَعْرِف بأنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ يرفض الالتزام بسيرة الشيخين، ولذا أشترط الالتزام حتى يبعد عَنْهَا عَلِيَّاً وذَلِكَ لما بَيْنَها من الإِخْتِلاف من حيثُ السِّيرة حتى في الإستخلاف. ولما بَيْنَ سيرتهما وبَيْنَ سيرة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، طلب عبد الرَّحْمَان في حقيقته تعجيزي لا يُمكن أن يُقبل به إلا اللعوب الَّذي لا يرعى عَهداً ولا يلتزم بتعهد، وذلك مستحيل على مثل على (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لذا قبلها عُثمَانَ ولم يلتزم بها أبداً وهو يعلم أنه لن يلتزم، وكَيْفَ يلتزم بثلاثة أنماط من السيرة مُتباينة، مُختلفة، وليس فيها جامع.)ما هي الميزة، والخصيصة، والمنقية التي تميز بها عبد الرحمان بن عوف حتى يُجعل هو الحكم بين طرفي الْإِخْتِلاف إِذا وقع حتى وإن صفق بإحدى يديه على الأخرى كما ذكرنا سابقاً من المصادر التاريخية.الكَوْن عبد الرَّحْمَان بن عوف زوج أُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأنها أروى بنت كريز، وأروى أُمّ عُثمَانَ فلذلك هو صهره كما يَقُولُون؟أنظر، أَنْسَابِ الأَشْرَاف: 19/5.أم لكونه من أنصار، وحزب أبي بكر في يَوْمِ السَّقِيفَة مع عُمَرَ، وأبي عُبَيْدَة، والمغيرة بن شُعْبَةَ، وسالم مَوْلَى حُذَيْفَة.؟أنظر، الإستيعاب : 385/2، الإصابة : 408/2، أسد الغابة : 313/3.أم لكونه قَالَ يَوْم السَّقِيفَة : «يا مَعْشَرَ الأَنصار إنّكم وإن كنتم على فضل فليس فيكم مثل أبي بكر وعُمر».أنظر، تأريخ اليعقوبي: 103/2.أم لكونه من الرجال الذين دخلوا بَيْت فَاطِمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مع عُمر بن الخطاب، وخالد وثابت بن قيس، وزياد بن لبيد، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت وسلمة بن سالم، وسلمة بن أسلم، واسيد بن حضير ؟)أنظر، تأريخ الطبري: 443/2، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 130/2، الاستيعاب : 83/2، الإصابة : 61/2، هذه المصادر على سبيل المثال لا الحصر.أم أنّ عُمَرَ عَلم بأن عبد الرحمان لا يختلف مع ختنه عُثمَانَ، وأبن عمه سعد ختنه عُثمَانَ، وأبن عمّه سعد كما صرح به أمير المُؤْمِنِينَ عليّ وَقَالَ له : حَبوته حَبو دهرٍ لَيس هَذَا أَوَّل يَوْمٍ تَظاهرتُم فِيهِ علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون...؟أم لكونه صاحب ثروة قدروها بألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومنة فرس كما ترك ذهباً قطع بالفؤوس حتى مُجلت أَيْدِي الرّجال مِنْهُ؟.أنظر، الطَّبَقات الكبرى : 136/3.ثُمَّ لِمَاذَا أَدخل - جعل الحكم - عبد الله بن عُمَرَ أيضاً كما في بَعْض الأَخْبَار وهو القائل كما روي في تاريخ المدينة عن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عُمَرَ بن الخطاب «يأمروني أن أبايع لرجل لم يُحسن أنْ يُطلق أمْرَأَته»؟أنظر، تأريخ الْمَدِينَة : 923/3 و 343، تأريخ السيوطي: 135.
وَقَالَ الأستاذ أحمد عباس صالح : «ليس هناك شَكٍّ في أنّ كلاً من أعضاء مجلس الشُّورَى كَان يَعتقد أنه أقل جدارة بالمنصب مِن عَليّ، ولكن منطق الحوادث، ومركز عليّ في الإسلام، وميل غالبية المُسْلِمِين إِلَيْهِ، كُلَّ هَذَا قَد يَجعلهم يترددُونَ كَثِيراً، أو قَلِيلاً في التَّفكير في مُنافسة على بن أبي طالب في قيادة الْمُسْلِمِينَ» (1.)(لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةٍ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَ عَائِدَةِ كَرَمٍ، قَالَ الْإِمَام هَذَا ومَا بَعْدَه لأَهْل الشُّورَى يُذكرهم فيه بمصلحة الأُمَّة، ويُحذرهُم من أتباع الْهَوَى، والنتائج المترتبة عَلَيْهِ، ويُلوّح لهم بأنه أحق النّاسِ بِالْخِلافَةِ لِسبقه إلى الإسلام، وجهاده في سبيله، بالإضافة إلى سائر فضائله، ومِنْهَا الكَرَم وصِلَة الرَّحِيم (2).
1) أنظر، مجلة «الكاتب» المصرية عدد شباط سنة 1965 م. (مِنْه (قدّس سِرُّه)).
2) نقل الواحدي في تفسير، يرفعه بسنده إلى ابن عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ) قَالَ : كَانَ مع علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَرْبَعَة دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم عَلَانِيَة، فأنزل الله سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) الْبَقَرَة : 274.)وأخرج المحدثون، والمفسّرون، وأصحاب الكتب في أَسْبَاب النزول بأسانيدهم إلى أبن عباس هذا الحديث ولكن بألفاظ فيها تقديم وتأخير ولَكِنَّهُ تُؤَدِّي نفس المعنى، وهو الذي عبر عنه البعض بالإنفاق في السرّ عَنْه، ولذا نزلت فيه الآية المباركة، كما أوردها الواحدي في أَسْبَاب النزول: 50ط الحلبي 64 ط الهندية بمضر. عِلماً بأن بعض المصادر ذكرت «الإنفاق» بدل «التصدق» و«الدرهم» يدل «الدينار» والبعض الآخر ذكرت الحديث بإضافة قول الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) «ما حملك على هَذَا ؟ قَالَ : حملني عَلَيْهَا رجاء أن أستوجب على الله الذي وعدني، فَقَالَ رسول الله : ألا إنْ ذَلِكَ لك. فأنزل الله الآية في ذَلِكَ». ولَسْنَا بصدد بيان فضيلة الإنفاق فى السرّ وإحصاء الأحاديث بكل ألفاظها، فمن شاء فعليه مراجعة المصادر التالية :)الكشاف للزمخشري: 319/1، و : 398/2 ط بيروت، و : 1 / 164 ط مِصْر، ذَخَائِرِ الْعُقْى: 88 تذكرة الخواص : 14، نور الأَبْصَار : 71 ط العُثمانية والسعيدية، كشف اليقين : 92، بحار الأنوار : 63/36، و: 25/41، دلائل الصدق : 199/2، كشف المراد : 411، الخصائص : 196، شواهد التنزيل : 140/1 و ح 155 - 158 وفي الأخير لفظ : كَانَتْ له أَرْبَعَة دنانير فتصدق بدينار... لكن في لفظ أبي بكر : كان عنده أَرْبَعَة دراهم فأنفق باللَّيْل واحداً... وح 159 فيه لفظ أربعة دنانير - أو أربعة دراهم - وح 160 و 161 وَفِيهِمَا : قَالَ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : إن الدرهم الواحد المقلّ أفضل من مئة ألف درهم من الموسر عند الله عزّ وجل. وفي ح 162 و 163:.... تصدّق بَعْضها نهاراً وبَعْضها ليلاً.... المناقب لابن المغازلي : 280 20 325 كفاية الطالب : 232 ط الحيدرية و 108 ط الغري.)تَفْسِير الرازي: 89/7 ط البهية بمصر، تفسير القرطبي : 347/3، تفسير ابن كثير : 326/1، شرح النهج لابن أبي الحديد : 21/1، و : 276/13، مجمع الزوائد : 324/6، الدر المنثور : 363/1، ينابيع المَوَدَّة : 92 و 212 ط اسلامبول و 106 و 250 ط المحيدرية، و : 176/2 و 419 ط أسوة، و : 274/1ط أسوه أيضاً، الصَّوَاعِقِ الْمُحرِقَة : 131 ب 9 الفصل 4 فرائد السمطين: 356/1 ح 282، المناقب للخوارزمي: 281 ح 275 مجمع الفوائد : 80/2، المعجم الكبير : 80/11 ح 11164، تأريخ دمشق : 413/2 ح 911 و 912، أسد الغابة : 25/4، مَعَالم التنزيل للبغوي بهامش تفسير الخازن : 1 / 249، إحقاق الحق: 246/3، الرياض النضرة : 206/2، تفسير القرطبي : 347/3، فتح القدير : 294/1 ط 2 و 265 ط 1 بمصر، نظم درر السمطين : 90، تفسير نور الثقلين : 1/ 290، كشف الغمّة : 235/1، المناقب لابن شهر آشوب : 71/2، سمط النجوم : 473/2، نور المشعل : 40، تفسير فرات : 6 : ح 18 و: 8 24 و 27، أمالي الطوسي : 459/1. زين الفتى للعاصمي : 58.
(عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَ تُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلالَةِ، وَشِيعَةٌ لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ أَنْتُمْ الآن على مفترق طريقين : طَرِيق الإخلاص، والنُّصح لِلإِسْلام، والمُسْلِمِين، وطَرِيق الغُش، والخيانة له، ولهُم، فإذا صرفتم الحق عن أهله، وَقَالَ أَحدكُم لِصِهْرِه، وآخر لحقده، وثالث لطمعه - طَمح إلى الخِلافَة غَيْرِ أَهْلَهَا، وَقَامت الحُرُوبِ بَيْنَ المُسْلِمِين، وأفترقت أمة محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى مذاهب، وشيع، وتصدى بَعْضَكُمْ لِلْإِمَامة، وتبعه الأجلاف، والسَّفلة، وتحدث فتنة يَبْقَى أَثرها مدى الدَّهْر.)وجاء في العقد الفريد : «إنّ مُعَاوِيَة قَالَ : لَمْ يُشتت أمر المُسْلِمِين، ولا فرق أَهْوَاءهم، ولا خَالف بَيْنَهُمْ إِلَّا الشُّورَى الَّتي جَعلها عُمَرَ إِلَى سِنَة نَفَر.. فَلَمْ يَكُن رجل منهم إلا رجاها لنَفْسِه، ورجاها له قَوْمه، وتطلعت إلى ذَلِكَ نَفْسه» (1.)وفي شرح النهج : «أنّ أَهْل الشُّورَىٰ بايعوا عُثمانَ إِلَّا عَلِيَّاً فَإِنَّهُ لَم يُبايع.. وبَقِي في داره، وعنده نفر من أَهْل بَيْنِه، وليس يدخل إِلَيْهِ أَحد مَخَافَة عُثمانَ.. ثُمَّ ذَهَب إِلَيْهِ جَمَاعَة، وقَالُوا له : قُم فبايع عُثمَانَ. قَالَ لَهُم : فإِنْ لَم أَفعل ؟ قَالُوا : نُجاهدك. فمشى إلى عُثمَانَ حَتَّى بَايعة، وهو يَقُول : صَدق الله ورسول» (2. يُشير إلى أنَّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كَان قَد)
1) أنظر، العقد الفريد : 31/5 طبعة سنة 1953م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). و : 203/2 طَبْعَة مِصْر.
2) أنظر، شرح النهج لابن أبي الحديد : 390/2، وما بَعْدَها الطبعة القديمة. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).)وقد عالجنا عدم بيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ في كتابنا الْبَيْعَة وولاية العهد والشورى وآثارها في تنصيب الخليفة دراسة علمية تحليلية لرد الشبهات وكَذَلِكَ في تحقيقنا لكتاب فَرائدُ فَوائِدِ الفِكَرْ في الإمام المهدي المنتظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) تأليف الشيخ مَرْعِيّ بن يُوسُفَ المَقدِسي الحنبلي.
أخبره عن مواقفه هَذَا، وأَمَرَه بأنْ لا يُحرك ساكنا (1.
1) قَالَ عُمَرَ لأبي بَكْرٍ : ألا ترسل إلى هَذَا الرجل المتخلف فيجي فيُبايع ؟ قَالَ أبو بَكْرٍ : يا قنفذ ! أذهب إلى عليّ وقل له : يَقُول لك خَلِيفَة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعال بايع ! فرفع عَلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) صَوْته وَقَالَ: سُبْحَان الله ما أسرع ما كذبتم على رَسُولِ الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : فرجع فأخبره ثم قَالَ عُمَرَ : ألا تبعث إلى هَذَا الرجل...؟ فَقَالَ لقنفذ : أذهب إلى عَليّ فقل له : يَقُول لك أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : تَعَال بايع ا فذهب قنفذ، فَقَالَ : مَاجَاء بِكَ؟ قَالَ : يَقُول لك أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : تَعال فبايع فَرفع عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) صَوْته وَقَالَ : سُبْحَان الله لقد أدعى ما ليس له، فجاء: فأخبره, فقام عُمَرَ: فَقَالَ : انطلقوا إلى هَذَا الرَّجُل حَتَّى نَجي، إِلَيْهِ، فَقضَى إِلَيْهِ جَمَاعَة، فضربوا الباب فلما سمع عَلى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أضوَاتهم لم يَتَكَلَّم... فقالت فَاطِمَة (عَلَيهَا السَّلَامُ): «يا رَسُول الله ما لقينا من أَبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ بَعدك»؟ فلما سمعوا صوتها، بكى كثير ممن كان معه، ثُمّ أنصرفوا، ووثبت عُمَرَ في ناس معه فأخرجوه وأنطلقوا به إِلى أَبِي بَكْرٍ... فَقَالَ أبو بَكْرٍ : بابع، قَالَ : فإن لم أفعل ؟ قَالَ : إِذَنْ والله الَّذِي لا إله إلا هو تُضرب عُنقك! قَالَ عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): فأنا عبد الله وأخو رَسُوله، قَالَ أَبو بَكْرٍ : بايع، قَالَ : فإن لم أفعل، قَالَ : إِذَنْ والله الَّذي لا إله إلا هو تُضرب عنقك، فالتفت علي إلى القبر وَقَالَ : (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاء وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الْأَعْرَاف : 150.)أنظر، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 301 31 منشورات الرَّضِي.فَقَالَ عُمَرَ بن الخطاب : أمّا عبد الله نعم، وأما أخو رَسُول الله فلا! وأبو بَكْرٍ ساكت، فَقَالَ له عُمَرَ ألا تأمر فيه بأمرك ؟... أنظر، شرح النهج : 56/2 و 60 و 6 : 11، الفتوح لابْن أَعْثَمُ: 13/1، تاريخ اليعقوبي : 12/22، أعلام النِّسَاء : 114/4، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 30/1 فرجع يَوْمَئِذٍ ولم يبايع، المغازي للواقدي: 880/2 تاریخ بغداد : 387/6 تاريخ ابن عساكر : 133/1، المسترشد في الإمامة للطبري الإماميّ: 380 تحقيق أحمد المحمودي.
## الخطبة - 140 -### يَعِيْبُ مَا فِيهِ مِثْلَهُ.. فِقْرَة 1 - 2:وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ، وَ الْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ، وَ الْمَعْصِيَةِ، وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ، وَالْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ، فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ، وَ عَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ ! أَمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ! وَكَيْفَ يَذْمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ ! فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ، مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ (1. وَأَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ، وَ عَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ، لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أكبر !)يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ، فَلَعَلَّكَ مُعَذِّبٌ عَلَيْهِ. فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ، وَ لْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلَا لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا أَبْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ (2.)
اللُّغَة:المَصْنُوع : مِن الصَّنِيعة، وَهِي الإِحْسَان، يُقَال: هَذَا صَنِيعِي، أو صَنِيعَتِي أي أنا رَبَّيتَهُ، وخرَّجتَهُ.الْإِعْرَاب:الْمَصْدَر مِن أَنْ يَرْحَمُوا فَاعِل يَنْبَغِي، وهو الغالب «هو» ضمير الفصل، ولا تحل له من الإِعْرَاب، وبِالْعَائِبِ البَاء زَائِدَة، والْعَائِبِ مُبْتَدَأَ، وكَيْفَ خَبَر، وأَما للتّحضيض مثل هلاً، وَكَيْفَ يَذْمُّهُ «كَيْفَ» في محل نَصب على الحال، ومِمَّا هُوَ أَعْظَمُ «من» بَيَان لما في قَوْله : «فِمَا سِوَاهُ». ولِما يَعْلَمُ المَفْعُول مَحذُوف أَي يَعلَمَهُ.الْمَعْنَى:(وَ إِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ، وَ الْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلامَةِ. المُرَاد بِأَهْل الْعِصْمَة الْمُتَّقُون، وبالمَصْنُوع إِلَيْهِمْ الَّذِين وفقهم الله سُبْحَانَهُ إِلَى طَاعة والبعد عن معصيته، وعلى هَذَا يَكُون عَطف المَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ عَلَى أَهْلِ الْعِصْمَة مِن بَابِ عَطف التَّفْسِير، وتقع على المُتَّقِينَ مَسْئُولِيتَان :)1 - (أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ، وَالْمَعْصِيَةِ. ومَعْنَى رَحْمَة العَاصِي والمذنب أَنْ تُحاول ما استطعت هدايته، وأنقاذه من التهلكة بالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة أي بالرّفق واللين، لا بالشِّدَّة، والقسوة، لأنه تحدث ردّة في الفِعْل، وتَنتج نَقِيص المطلوب، قَالَ تَعَالَى : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) (1).)
1) الْمُؤْمِنُون: 96.
وكَثِيراً ما تكون الرحمة، والرفق بالمذنب دفعاً بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ. وفِي الحَدِيث: «الرّفْق يُمن، والخرق شُوْم، مَن أُعطي الرّفْق أُعطي الخَيْر» (1). وفِي بَعْض الأحيان يَكُون الصَّمت أبلغ من الكلام، وإنّي لأرحم الغليظ الفظ في إرشاده ودعوته إلى الله، وهو يحسب أنّه يُقدم للدِّين ذَلِكَ خدمات جلى.
2 - (أَنْ يَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ أي عَلامَة تَمِيزَهُم عن الجَاحِدِينَ أَنْ يَشكرُوا الله على الهِدَايَة، ويرُوها أجلّ النّعم، وأعظمها (وَ الْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ) الضَّمِيرِ فِي «لهُمْ» لِلْمُتَّقِينَ، وفي «عَنْهُمْ» للمذنبين، والمَعْنَى أَن لِلْمُتَّقِينَ وجداناً حَيّاً، وَدِيناً صادقاً يُشغلهم بأنفسهم عَن عيوب النَّاس : ولا يُعيّرون أحداً بِذَنْبِهِ، قَالَ رَسُول الله، وحبيبه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «والله إني لأستغفر الله، وأتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم سَبْعِين مَرَّة» (2). وما أراد بقَوْله هَذَا إلا أنْ يُلقن أُمته درساً فِي التَّواضع، والبعد عن الزّهو، والعجب بالطَّاعة، والْعِبَادَة، ومِن حكم الإِمَام : «أَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ) (3).)ويَسْتَحِيل أنْ يَصغي المذنب إن أعجبته نَفْسَه وزها بعلمه كائناً من كان.
1) أنظر، مجمع الزوائد : 19/8، المعجم الأوسط : 242/4 ح 4087، الزهد لهناد : 654/2 ح 1434، فيض ح القدير : 57/4، التاريخ الكبير : 157/1 ح 468، ميزان الإِعْتِدَال في نقد الرّجال : 228/6 ح 7840. كشف الخفاء : 268/1 ح 706 وص: 523 ح 1396، الكافي: 119/2 ح 4. الزهد الحسين بن سعيد : 29.
2) انظر صحيح ابن حبان : 204/3 ح 924، الأحاديث المختارة : 50/7 ح 2448 و2450 - 2452. موارد الظمآن : 609/1 ح 2457، سُنن الترمذي : 383/5 ح 3259، تجمع الزوائد : 208/10، مصباح الزجاجة : 134/4، السنن الكبرى : 114/6 ح 10266، سنن ابن ماجه : 1254/2 - 3816. مُشنَد أبي يعلى: 310/5 ح 2934، المعجم الأوسط : 186/3 ح 2877.
3) أنظر، نهج البلاغة الحكمة (38).
وبَعد، فإنّ الإِنْسَان مُعرّض للخَطِيئَة. ومِن أجل هَذَا فَتح سُبْحَانَهُ بَاب الْتَّوْبَة، فيصحح، ويستدرك، وَقَالَ النَّبِيِّ الكَرِيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «كلّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء، وخَير الخطائين التوابون» (1).)### لِلمِنْبَر - حَوْلَ التَّعبير بالذنب :(فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ، وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ. إِذَا وَجَبَ على مِن أتقَی أَطاع أنْ لا يُعبر العَاصِي بِذَنْبِهِ، ومَعْصِيَته - فَبِالأَوْلَى أنْ يُعير المجرم من هو على شاكلته. قَالَ الإِمَام : «أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ نَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ» (2). وَقَالَ بَعْض العارفين : «تعييرك أَخاك أكبر إثماً من ذنبه، لأنّ في تعييرك هَذَا تَنزِيهاً لنَفْسِكَ من الْعُيُوب» (3)(أَمَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ، وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ! فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ، مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ) نُذنب، ونُعصي الله في الخفاء، ثمّ نتظاهر بالصَّلاح والتَّقْوَى، فيستر سُبْحَانَهُ، ولا يفضح، بل يُمهل، ويُعطى الْفُرْصَة لنتوب، ونستغفر، ولكن هَذَا السِّتر، والإمهال يُغرينا بالمزيد من الخطايا، فنُوغل فِيها غَيْر مُبالين... وفوق ذلِكَ نُشهر بعيوب الآخرين، وتتلذذ بها : ونتجاهل أن العُيُوب)
1) أنظر، سُبل السَّلام: 4/ 180 ح 10، الدر المنثور : 626/1. سُنن ابن ماجه: 1420/2 المُسْتَدرَك على الصَّحِيحِين : 244/4، مُسند أبي يعلى: 201/5 ح 2922، الجامع الصغير : 278/2 ح 6292، كنز العمال: 215/4 ح 10220، فيض القدير : 22/5 ح 6292، كشف الخفاء : 120/2 ح 1969، تهذيب التهذيب : 334/7 ح 623، سنن الترمذي : 302/2.
2) أنظر، نهج البلاغة: الحكمة : (353).
3) قَرِيب مِنْهُ في كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري: 363/1، مِنْهَاج الفقاهة : 78/2.
التي سترها الله علينا هي أکثر وأكبر.(وَ أَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ، وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ، لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبٍ النَّاسِ أَكْبَرُ. لنفترض أن أحدنا ما أقترف كبيرة على الإطلاق، وأنّه قَد أَلمّ بالذَّنب الصَّغير فقط - وأى عبد الله ما ألماً - فإنّ حرصه على أنْ يَحفظ عِيُوب النّاس، ويُذيعها على الملأهو أكبر الكبائر.. إن الإنحراف يُصيب الكلّ إلَّا مَن عَصم رَبِّك. والانحراف الكبير أن تراه في غيرك. ولا تراه في نَفْسِكَ، وَقَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الأَشْرَارِ يَتبعُون مَسَاوِي النَّاسِ، ويتركون محاسنهم، وكما ينبع الذُّبَاب المواضع الفاسدة من الجسد، ويترك الصَّحِيح» (1). ونَفهم مِن هَذَا أَنَّ خَيار النَّاسِ يَنفِرُون بطبعهم من القذارة دُونَ أنْ يتوقعوا منفعة تصيبهم، أو ضرراً يُحيق بهم، وأنهم يَشعرون بالضّيق، والإشمئزاز لمجرد تصور القذارة، والْعُيُوب فضلاً عن أرتكابها أو التَّفوه بها.)(يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبٍ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلَا تَأْمَنْ عَلَىٰ نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ، فَلَعَلَّكَ مُعَذِّبُ عَلَيْهِ. مالك ولعيوب النَّاس ؟ هل عَلَيْكَ حِسابهم ؟ وهل أطلعك سُبْحَانَهُ عَلى عِلمه بالشَّقي مِنْهُم، وبالسَّعِيد حَتَّى حكمت، وجزمت بأنّ هَذَا للجنَّة، وذَاكَ للسَّعِير ؟ أما سمعت خطاب الله لنَبِيِّه الكَرِيم : ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) (2)(مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (3). ومَا يُدرِيكَ أنّ هَذَا)
الَّذي تُعبيه، وتزدريه هُو خَير من ألف صائم، وقائم ؟ قَالَ عَارف بالله : «لا تُعيّر أخَاكَ بِذَنْبِه، فلعل الله سقاه بهذا الذنب دَواء أستخرج به داءً قائلاً، وهو فيك وما تُشعر ؟» (1. (فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبٍ نَفْسِهِ، وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلًا لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ) إِنْ كَان فيكَ شَيء مِن الْعُيُوب فأجتهد للخلاص منه، وإنْ كُنتَ مُبرءاً من كلّ عَيْبٍ فَأَشكُر الله على هَذِهِ النِّعْمَة التي ليس كمثلها.)وكَلِمَة أَخِيرَة : على المرء أن ينسجم مع نَفْسِه، ولا ينفصم عَنْهَا وإلا عاش غريباً عن واقعه، ودنياه... ولعليّ أنا هَذَا الغَرِيب ولا أشعر... وشفِيعِي إِلى الله تَعَالَى إِنِّي أَتهِمُ نَفْسِي، وأَتُوبِ إِلَيْهِ تَعَالَىٰ مِن حُسن ظَنِي بها.
1) قَرِيب مِنْهُ في الهِدَايَة الْكُبْرَى : 54 (مخطوط). مدينة المعاجز للبحراني : 173/6، درر السّمط في خَبَر السبط لابن الآبار : 112 کنز العمال: 838/3 ح 8900، كشف الخفاء : 265/2 ح 2544، تأريخ مدينة دمشق : 177/47.
## الخطْبَة - 141 -### أَرْبَعُ أَصَابِعَ :أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينِ وَ سَدَادَ طَرِيقٍ، فَلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ. أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي، وَتُخْطِيُّ السِّهامُ، وَيُحِيلُ الْكَلَامُ، وَ بَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ، وَ اللهُ سَمِيعٌ، وَ شَهِيدٌ. أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ، وَ الْبَاطِلِ إِلا أَرْبَعُ أَصَابِعَ.(فَسُئِلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا، فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، وَوَضَعَها بَيْنَ أُذُنِهِ، وَعَيْنِهِ ثُمَّ قَالَ) : الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ !)اللُّغة:وَثِيقَةً دِينِ : الْأَمَانَة عَلَى الدِّين. وَسَدَادَ الطَّريق : استقامته، وَيُحِيلُ الْكَلامُ : يكون مُحالاً، لا حقيقة لمعناه، ولا أساس. ويَبُورُ: يَزهق، ويُزول، أَو يُكسد. ويُهمل.
الْإِعْرَابِ:مَنْ عَرَفَ «مَنْ» مُبْتَدَأَ، والخَبَر جُملة فَلا يَسْمَعَنَّ، وأَمَا إِنَّهُ «أَمَا» بمَعْنَى «حقاً» على قول، أو للإستفتاح، والضَّمِير في أنه للشَّأن.الْمَعْنَى:(مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ، وَ سَدَادَ طَرِيقِ، فَلا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ. لا تُسرع إلى تَصدِيقِ الشَّائِعات مدحاً كَانَتْ أَم قَدحاً، فقد يُراد بالثناء مُجرد الدَّعَايَة والزَّواج لغَايَة تجارية تماماً كالإعلان عن البضائع، والسلع، وأيضاً قد يُراد بالذَّم الكيد، والمضارة لأهداف سياسية... وتجدر الإشارة إلى أنّ عدم الرّكُون إِلى الشائعات حسن بذاته سواء أَكَانَتْ الإذاعة، والإشاعة في الَّذِين آمنوا. أم فِي الَّذِين تجهلهم، ولا تعرف عنهم شَيْئَاً، وإنما خَص الْإِمَامِ بالذِّكر مَن تَثق بدِينَه ورُشده لأنّ الأجدر بك أنْ تُدافع عنه بالنَّظر إلى مَا عَهدت مِنْهُ، وأنْ لا تنقض هَذَا العهد إلّا بالقطع، واليقين.)(أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي، وَتُخْطِيُّ السِّهَامُ. وَكَذَلِكَ الظَّن، فَقَد تَنظُر إِلَى رَجُلٍ نظرة الإزدراء، والاحتقار، لأنّ ظاهره يُوحِي ذَلِكَ، وهُو فِي وَاقعة أَهْل للتَّقْدِير. والاحترام، وقد تظن به الصدق والوفاء، ويَخيب بهِ أملُك عِند التَّجْرِبَة، وَالْاِمْتِحَان... وكم من شاعرٍ، وناثر نظم، أو كتب عن مرارته، وخَيبة أمله بأصدقائه، وأقربائه... وأعترف بأنّي وقعت فريسةً لمظاهر خادعة أَكْثَر مِن مَرّة، وكَان عليَّ أنْ أحفظ الدرس من الأولى، ولكني لم أفعل، ولا أَدري هَل هَذَا سذاجة في، وبلاهة، أو طَيِّبة، وسماحة ؟ (وَ يُحِيلُ الْكَلامُ، وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ).)
وأيضاً قَد يَسمع الإِنْسَان كلاماً فيُصَدقهُ، ويُؤْمِن بأنه من الدِّين في الصَّمِيم، وهو في واقعه بدعة، وضلالة، أو يظن أنه علم، ونُور، وهو جَهل، وظلام، وما أَكْثَر الكذب على الدين، والعِلم.(أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ، وَ الْبَاطِلِ إِلا أَرْبَعُ أَصَابِعَ وفَسّر الإِمَام هَذَا بِقَوْله : (الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ، وَ الْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ). ويَدل هَذَا التَّفْسِير بظاهره أنّ كل ما تسمعه فَهُوَ بَاطِل، وكلّ ما تراه فهو حق، ومَا مِن شَكٍّ أنّ الإمام لا يُريد هَذَا الظَّاهِرِ، كَيْفَ وهُو القَائِل : «لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ كَالْمُعَايَنَةِ مَعَ الْإِبْصَارِ فَقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا، وَلَا يَغُشُ الْعَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ» (1). ولا أحد يشكّ أنّ الْقَوْل المَسْمُوع يُحتمل الصِّدْق، والْكَذِب، ومُراد الإمام - كما يدل السياق - أن لا نُرتب الأثر عَلَى مَا نَسمعه من الأقاويل فِي حَقٌّ أي إنْسَان كَان، وبصورة أخص إِذَا كَان عَلَى ثِقَة مِن دينه، لا تُرتب الأثر إلا بعد الرَّؤيَّة، والتَّنبت.)
1) انظر، نهج البلاغة : الحكمة : (281).
## الخطْبَة - 142 -### صَانِع الْمَعْرُوفِ:وَ لَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، مِنَ الْحَقِّ فِيمَا أَتَى الا مَحْمَدَةُ اللَّئَامِ، وَ ثَنَاءُ الْأَشْرَارِ، وَ مَقَالَةُ الْجُهَّالَ، مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ : مَا أَجْوَدَ يَدَهُ ! وَهُوَ عَنْ ذَاتِ اللهِ بِخَيْلٌ.فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنْ مِنْهُ الضَّيَافَةَ، وَلْيَقُكَ بِهِ الْأَسِيرَ، وَ الْعَانِيَ، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ، وَ الْغَارِمَ، وَ لْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ، وَ النَّوَائِبِ، ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ، فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ.اللُّغَة:عَنْ ذَاتِ اللهِ : الْعَمَل الله. والعَانِي : الأَسِيرَ، والعَطف عَلَيْهِ للتَفْسِير.وَالْغَارِمَ : المَديُون، وَالدَّرْكُ : الإصابة.
الْإِعْرَابِ:مَحْمَدَةُ اسم لَيْسَ، ولِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ خَبَر مُقَدَّم، ومَا أَجْوَدَ «مَا» مُبْتَدَأ وأَجْوَدَ فعل ماضٍ، ويَدَهُ مَفْعُول، والفاعل ضمير مستتر، والجملة من الفِعْل الفاعل خَبَر المبتدأ، والجملة من المُبْتَدَأَ، والخَبَر مَفْعُول مَقَالَةُ، وابْتِغَاءَ الثَّوَاب مَفْعُول مِن أَجله لْيَصْبِرُ.الْمَعْنَى:(وَ لَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، مِنَ الْحَقِّ فِيمَا أَتَى الأ مَحْمَدَةُ اللئامِ، وَثَنَاءُ الْأَشْرَارِ، وَ مَقَالَةُ الْجُهَّال، مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ : مَا أَجْوَدَ يَدَهُ. المال وَسِيلَة لسد الحاجات، وحل المشكلات. لا للتّضاهي، والتَّباهِي، والسيطرة والشُّهرة، فأي مَال أَغاث ملهوفاً، أو سَدّ حَاجَة مُحتاج فَهُو خَيرٍ، ومَا عَدَاهُ فَلَيْس بِشَيء، ورُبَّمَا كَان شَرّاً، ووبالاً عَلى صَاحبه كَالَّذِي يُنفق أَمْوَاله عَلَى اللّئَام، والْأَشْرَارِ يَبتغِى ذَلِكَ الشُّهرة، والشمعة، وهُم يَثْنُون عَلَيْهِ، ويَقُولُون : «مَا أَجود يَده دَام مُنعماً عَلَيْهِمْ» فَإِذَا مَنع عنهم نواله، وعطاءه نَعتُوه بأقبح الصفات، وهكذا ينهار كل بناء أُسس بأَيْدِي اللئام، والأَشْرَارِ.)(وَ هُوَ عَنْ ذَاتِ اللهِ بِخَيْلٌ يتلهف عَلى الوجاهة، وإِنْ تَكَ زَائفة، ويبذل الكَثِير من أجلها وفي الوقت نفسه يده عن البذل فِي سَبِيل الْبِرِّ، ومَا يَعُود عَلَيْهِ وعَلَى مجتمعه بالصلاح، ثم ذكر الإمام أمثلة مِن هَذِهِ السَّبِيل)1 - (فَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ إِنْ كَانُوا فِي حَاجَة إلى المال، لأن الأقربين أولَى بِالْمَعْرُوفِ، والجَارِ بِمَنْزِلَةِ الرَّحِم.)
2 - (وَلْيُحْسِنُ مِنْهُ الضَّيَافَةَ. كَانَ المُسافر من قبل في حاجة إليها، لطول الطَّرِيق ووعثاء السَّفر، وندرة المطاعم والفنادق، أما الْيَوْم فالمسافرون في غنى عَن الضّيافات، والحَسَنَات، وعَلى أية فالْعِبْرَة بشد الْحَاجَة.)3 - (وَ لْيَفُكَّ بِهِ الْأَسِيرَ، وَ الْعَانِي، وَلْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ، وَالْغَارِمَ. الْمُرَاد بِالْأَسِيرَ لمسجون، وعطف الْعَانِي عَلَيْهِ للتَفْسِير، كما أشرنا، والغَارِمَ المديون، ومُحصل الكلام بجملته أن يُعين صاحب المال من يحتاج إلى المعونة أيّاً كَانَتْ صِفته.)(وَ لْيَصْبِرْ نَفْسَهُ أي يَحملها على الصَّبر فيما تكره، لأَنَّهَا تَأبى الْعَطَاء إلا في منافعها الخاصة (عَلَى الْحُقُوقِ) وهي الأخماس، والزَّكوات التي أشار إلَيْهَا سُبْحَانَهُ بقَوْله : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ) (1). (وَالنَّوَائِبِ) كالضَّرائب والحوادث، قَالَ الإِمَام : «لِكُلِّ أَمْرِي فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ: الْوَارِثُ وَالحَوَادِثُ» (2)(ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ، فَإِنَّ فَوْراً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا، وَدَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ إِنَّ البَذل لا يَكُون فَضيلةً، ومَحمُوداً عِند الله، وكِرَام النَّاس إلا إذا كان لوجه الله، وطلباً لِثَوابَه، ومَرضَاته.)
## الخطبة - 143 -### التَّمحيص بالْبَلاء... فِقْرَة 1 - 2:أَلا وَ إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ، وَ السَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ، مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ، وَ مَا أَصْبَحَنَا تَجُودَانِ لَكُمْ، بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجعاً لَكُمْ، وَلا زُلْفَةً إِلَيْكُمْ، وَلا لِخَيْرِ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ أُمِرَ تَنَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَنَا، وَأُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا (1.)إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَ إِخْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبُ، وَ يُقلِعَ مُقْلِعُ، وَ يَتَذَكَّرَ مُتَذَكَّرُ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الْإِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ، وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ (إسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ و كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ (1). فَرَحِمَ اللهُ أَمْرَأَ أَسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَ اسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ منيّته (2)!)
1) نوح: 9 – 12.
اللُّغَة:تُقِلُّكُمْ : تَحمِلُكُمْ. وتُظِلُّكُمْ : تَعلُوكُم. والظُّلْفَة : الْقُرْبَة. وَيُقْلِعَ : يَكْفّ. ومِدْرَاراً : غَزَيراً، أو مُتدفقاً.الإعراب:ألا أستفتاح الكلام، تَوَجعاً مَفْعُول مِن أجله لتَجُودَانِ، ومِدْرَاراً خال من السَّمَاء.الْمَعْنَى:هَذِه الخُطْبَة مِن خُطب الاِسْتَسْقَاء، لقَوْله (عَلَيهِ السَّلَامُ «أَللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْنَكَ»، ونَظِيرَها الْخُطْبَة،115، وتَقَدَّم شَرحها مع الإِشَارَة إِلَى كَيْفِيَّة صَلاة الاِسْتَسْقَاء.)(أَلَا وَإِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ تَحْمِلُكُمْ (وَ السَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ) تَعْلُوكُم (مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ) مُسَخَّرَتَان لأمرِهِ تَعَالَى (وَ مَا أَصْبَحَنَا تَجُودَانِ لَكُمْ، بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجعاً لَكُمْ، وَلَا زُلْفَةً إِلَيْكُمْ، وَ لا لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ، وَلَكِنْ أُمِرَنَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَنَا، وَأُقِيمَنَّا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَنَا).)فِي الطَّبِيعَة منافع، وخَيرَات، كما فيها حكمة، وإبداع، ولكن لا قصد لها، ولا هدف، لأنها بلا شعُور، وإدراك... أجل، إنَّها تدل عَلَى القَصد لنظامها المُتناسق والمستقر، والقصد يدل على الهدف، وإذن فقول الإمام: «وَ مَا أَصْبَحَنَا تَجُودَانِ وَلا زُلْفَةٌ إِلَيْكُمْ»... هو مِن بَاب سَلب العدم عَن الوجود الْمَعْرُوف عِند عُلَماء الكلام بتقابل السَّلب، والإِيجاب، وغرض الإمام هُو التَّنبيه إلى أنّ الله سُبْحَانَهُ بَنى هَذَا
الكون، وقدّره تقديراً يتفق كل الإتفاق مع حياة الإِنْسَان، ومطالبها أشبه بالدار تهندسها حسب مصالحك، وحاجتك.(إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ، وَ حَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَ إِخْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ لِيَتُوبَ تَائِبُ، وَيُقلِعَ مُقْلِعٌ، وَ يَتَذَكَّرَ مُتَذَكَّرُ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. إنّه عَزَّ وَجَلٌ لا يَتعامل مع عِبَادِهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا على أساس سلوكهم السَّيىء، أو الحَسَن... كلاً، وإنما يتعامل معهم على أساس التعليم، والإِرْشَاد بالأمر، والنَّهي، ويُسيّر الكون على نظام كامل، ومُطرد، وسنن طبيعية ثابتة تعم أحكامها، وآثارها الصَّالح الصالح، فإذا حدث زِلْزَالَ - مَثلاً - فإنّ الله سُبْحَانَهُ لا يَأمُرَه أَنْ يَترك بيت المُؤْمِن العابد، ويهدم بيت الْكَافِرِ الفاجر فقط، بل إنّ المُؤْمِن الطَّاهر يُعاني أشد المحن، وأقْسَاها أَكْثَر مِن غَيْر الْمُؤْمِن، كما في الحديث الشريف: «البَلاء مُوكل بالمؤمِن... إن أشد الناس بَلاءُ الأَنْبِيَاء، ثُمَّ الَّذِين يلونهم الأمثل فالأمثل» (1). أجل إنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ قَد يُغير تجرى الطَّبيعة في حادث مُعِين، ولحكمة أوجبتها الظُّرُوف، كإظهار المعجزة الخارقة على يَد نَبِي مِن الْأَنْبِيَاء... وهَذَا نَادر جداً مؤقت سُرعان ما يزول إلا مُعْجِزَة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ووَهِي الْقُرْآنِ البَاقِي ببقاء الله سُبْحَانَهُ.)وَتَسْأَل : إِنَّكَ قُلت : إنّ الله سُبْحَانَهُ يَتعامل مع عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا بِالْإِرْشَاد لا بالجزاء، ولا ينفق هَذَا مَع قول الإمام: «إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ
1) انظر، فيض القدير : 359/2، فتح الباري: 111/10 ح 5323، البيان والتعريف : 99/1، المعجم الكبير : 244/24 ح 626، مُسند أحمد : 369/6 ح 27124، مُسند البزار : 349/3 ح 1150، مُسْنَد الشاشي: 130/1 ح 67، السنن الكبرى : 352/4 ح 7482 سُنن الدارمي : 412/2 ح 2783.
بِنَقْصِ، وَ الْثَّمَرَاتِ حَبْسِ الْبَرَكَاتِ... إلخ» لأنه يدل بظاهرهِ أنه تعالى يُعاقب المسيء، ويُؤدبه فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالْحِرْمَانِ، والفاقة.الجَوَاب:أَوَّلاً : الَّذي شاهدناه بالعيان أنّ الدُّنْيَا جَنّة الأَشْرَارِ مَالاً، وسُلطاناً : (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً - أي عَلَى الْكُفْر - لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (1). وكَلامِ الْإِمَام لا يُفسر بغير الواقع.)ثانياً : لَيْسَ المراد بالإبتلاء هنا العقاب والجزاء، لأنّ الْيَوْم عَمل ولا حِساب، إنما المُرَاد بِهِ الْاِمْتِحَان، والاختبار لتظهر الأفْعَال التي بها يَستحق الإِنْسَانِ الثَّوَاب والعقاب.ثَالِثَاً : إنّ قُول الْإِمَام : «إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ» لَيْسَ مَعناه أنه تَعالى لا يَبتلي عِبَادَهُ عَن الْأَعْمَالِ الحَسَنَة... كلاً، فإن البلاء ينزل بمن أساء وأحسن وهو ينطوي على حكمة بالغة، لأنه يُميّز الخبيث من الطَّيِّب، والدخيل من الأصيل... ولَوْلاَ التّضحية، والصَّبر في الجهاد، وعلى الاستشهاد ما عرف النّاس أَهْل المبادىء، والعقائد الَّذِين غيروا وجه العالم، ولا تَقَدَّمت الحياة خُطوة وَاحِدَة إلى الأمام، وأيضاً قد يُحرك البلاء المسيء إلى التَّوْبَة، والإقلاع عن إساءته، وإلى هَذَا يُشير الإِمَام بِقَوْله : «لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُفْلِعَ مُفْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَ يَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ».
1) الزُّخْرُفِ : 33.
(وَ قَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الْإِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ، وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ.... لَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ الإِسْتِغْفَارَ سَبب لرضُوان الله وغفرانه بنص الكتاب والسُّنَّة، أما الرِّزْقَ فَلا بُدَّ لَهُ مِن زَرعٍ، وضَرعٍ، وكَدٍّ، وَعَرَقٍّ : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) (1)... أجل، إن الإِسْتِغْفار والتوكل على الله مِفْتَاحَ التَّوفِيقِ إِلَى الْعَمَلَ الَّذِي يدر الرّزق، كما أن الصدق والإخلاص مِفْتَاح الهِدَايَة إِلَى الصَّراط المُسْتَقِيم... وقَد يَكُون الإِسْتِغْفار سَبباً للمطر في بَعْض الأحيان كصلاة الاستسقاء، ولكن هَذَا شيء، وكون الإِسْتغْفار سَبباً مُطرداً للرزق شَيء آخر.)أما قول نُوح لقومه : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (2)فهو تَذكير لهُم بِنِعْمَة الله عَلَيْكُمْ، وإنّه يَزِيدهُم مِن فَضله إن عبدوا واستغفر واتَمامَا كقَوْله تَعَالَى : ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفِ) (3)(فَرَحِمَ اللهُ أَمْرَأَ أَسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ) واجهها ورحب بها (وَ اسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ) طَلب مِن الله أنْ يَصفح عَنْهَا، ويُقِيله مِنْهَا (وَ بَادَرَ مَنِيَّتَهُ) عَاجلها، وسَبقَ إِلَى صَالح الْأَعْمَالَ قَبل أنْ تَنزل بِهِ.)### أَللَّهُمْ فَأَسْقِنَا غَيْثَكَ... فِقْرَة 3 - 4:أَللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ، وَ الْأَكْنَانِ، وَ بَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ، وَ
الْوِلْدَانِ، رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ، وَ رَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ، وَخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ، وَ نِقْمَتِكَ. أَللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ وَلا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلا تُهْلِكُنَا بِالسِّنِينَ، (وَلا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. أَللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ، حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَايِقُ الْوَعْرَةُ، وَأَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِيَةُ، وَ أَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ، وَ تَلاحَمَتْ عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعِبَةُ. أَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ. وَلا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا، وَلا تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا. أَللَّهُمَّ أنْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَبَرَكَتَكَ، وَرِزْقَكَ، وَ رَحْمَتَكَ، وَ أَسْقِنَا سُقْيَا نَافِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً، تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ، وَ تُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ، نَافِعَةَ الْحَيَا، كَثِيرَة الْمُجْتَنَى، تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ، وَ تَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ، وَتُرْخِصُ الأَسْعَارَ، (إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ).)اللغة :الْأَسْتَارِ، وَالْأَكْنَانِ بِمَعْنَى وَاحد، والمراد بها هنا البيوت. والسِّنِينَ : جَمع سَنَة أي القحط، والجدب. وأَجَاءَتْنَا : أَتَتنَا. والمَقَاحِطُ : جَمع مَقْحَط، وهُو مَكان القحط، أو زَمَانه. وَاجِمِينَ : عَابِسِين كَيئيبين. لا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا : لا تُعَامِلَنَا بِها، أو لا تكلمنا كَمُذنبين. والحيا : المطر، والخصب. والقيعان : جمع قَاع أي الْأَرْضِ. والْبُطْنَانَ: الوديان.الْإِعْرَاب:رَاغِبِينَ حَال من الضَّمِيرِ فِي خَرَجْنَا، ومثله جُملة نَشْكُو، والمَصْدَر مِن أنْ لا
تَرُدَّنَا مَفْعُول ثَانٍ لنَسْأَلُكَ، ووَاجِمِينَ حَال.الْمَعْنَى:لَيْسَ فِي هَذَا المقطع مِن الخُطْبَة إلا الدُّعاء، والإلحاح عَلَى اللَّه سُبْحَانَهُ فِي دَفع الْبَلاء... ومتى أشتد الفَزَع فإلى الله المفزع، وهو وحده سلاح المُتَّقِينَ.(أَللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ. يَدل هَذَا أنَّ الإِمَام صَلّى الاِسْتِسْقَاء فِي الْفَضَاء، وَقَالَ عُلَماء الشَّرِيعة الإسلامية : يُستَحب أنْ تَكُون صَلاة الاِسْتِسْقَاء في الصَّحراء إلا أَهْل مَكَة فإِنَّهُم يَستسقُون في الْمَسْجِدِ الْحَرَام (وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ) (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُونَ) (1). ومِن قول الإمام: «عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَ مَعَهُ الِاسْتِغْفَارُ» (2)(وَ لا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا). هَذَا أسترحام، وأبتهال مع الأمل في إدراك المطلوب، وأما قول مُوسَى (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) (3)فهُو مِن سَورَات غَصبه المقدس الذي حركه إلى تحطيم الألواح بعد أنْ رأى بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتركُون عِبادة العجل (نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ). وعَن الْإِمَامِ الصَّادِق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن الله يعلم حاجتك وما تُرِيد، ولَكِنَّهُ يُحبّ أن تَبتَ إِلَيْهِ الحُوائج (وَ أَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ) وعِنْدَكَ الحَل، والفرج، ومَا مِن أحدٍ يَدعوا الله بهذا القصد إلا فتح الله عَلَيْهِ بَاباً مِن رحمته، ولو فِي الصَّبر، والثبات العظائم.)
(وَ لا تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا. إنّ الله يَستجيب لعبده إذا العبد أستجاب لرَبِّه كما في الآية : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لى وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (1)وعن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «من سره أن تُستجاب لهُ دَعْوَة فَليُطِيب مَكْسَبه» (2)أي يَأْكُل من كد اليمين، وعرق الجبين... ولكن الإمام يسأل الله أنْ يَأخذ الْعِبَاد بهذا المبدأ الْعَادِل، وأن يُعاملهم بفضله، وكَرَمه.)(وَ تُرْخِصُ الْأَسْعَارَ لَيْسَ من شك أن كثرة الإنتاج تستدعي رُخص الأَسْعَارَ... هَذَا، إذا لم يُحوّل الإنتاج إلى الحزب، وأدوتها، أو تحتكره الشركات وأَربَاب المطامع... ومن جملة ما قرأت أن أفريقيا تملك (90٪) مِن مناجم الماس العالمي، و (70٪) من مناجم الذهب، وتنتج ثلثِي مَا يَشتَرِيه العالم مِن زيت النَّخِيل والكاكاو، ومَع هَذَا يُعاني الإفرِيقِيُّون آلام البؤس، وَالْفَقْر، ولا سِرّ إلا الاستعمار والإِحْتِكَار... وأيضاً قرأت أن ثماني دول آسيوية، وَهِي اندونيسيا، وماليزيا، وسيلان، وبُورما، وكَمبوديا، ولأوس، وتايلاند، وفيتنام الجنوبية تُساهم بـ (٪85) من أنتاج المطاط الطَّبِيعِي، ومَع هَذَا تُعد هَذِه الدول من الدول النامية المتأخرة.... وأيضاً السبب الإستعمار، والإحتِكار، وإِنْ دَل هَذَا عَلى شَيء فإِنَّه يدل على أنه لا خَير فِي غَيثٍ، ولا خصبٍ إِلَّا مَع العدالة، والمُسَاوَاة.)
## الْخُطْبَةُ - 144 -### حُجَّة الله عَلَى خَلْقِهِ... فِقْرَة 1 - 2:بَعَثَ اللهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ، لِئَلا تجب الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ. أَلا إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً، لا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ، وَ مَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ، (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (1)، فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً، وَ الْعِقَابُ بواء (1).)أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا، كَذِباً، وَ بَغْياً عَلَيْنَا، أَنْ رَفَعَنَا الله وَوَضَعَهُمْ، وَأَعْطَانَا وَحَرَمَهُمْ، وَأَدْخَلَنَا وَأَخْرَجَهُمْ بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى، وَ يُسْتَجْلَى الْعَمَى. إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ، لا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَلا تَصْلُحُ الْوِلاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ (2)
1) هود 7.
اللُّغَة:كَشَفَ الخَلْقَ كَشْفَةٌ : أَظهَرهُم أظْهَاراً. والبَوَاء : الْقِصَاصِ، يُقَال : دَمَ بَوَاء دَمٍ أَي مساو له.الإعراب:المُصْدر من لا أَنَّهُ جَهِلَ منصوب بنزع الخافض أي لا لأنَّهُ، وكَذِباً حال، وهو مَصْدَر في مكان اسم الفاعل أي كَاذِبِين، ويجوز أنْ يَكُون مَفعولاً مُطلقاً مُبيناً لِلنَّوْع أي زَعَماً كَذِباً، والْمُصْدَر من أَنْ رَفَعَنَا مَفْعُول مِن أجله لـ«بَغْياً».الْمَعْنَى:(بَعَثَ اللهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَ جَعَلَهُمْ حُجَّةٌ لَهُ عَلَى خَلْقِهِ، لِئَلا تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ. الْأَنْبِيَاء سفراء الله إلى خلقه يَهدُونَهُم إِلى حَيَاة أفضل، ولذا وصف سُبْحَانَهُ نَبِيِّه الكَرِيم بقَوْله : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (1). وكلّ مَن يَدعو النَّاسِ إِلى حَيَاة أفضل، ويعمل لهذه الدعوة بصدقٍ، وإخلاص، ويخوض من أجلها الغمرات والشَّدَائِد فهُو رَحمة للنَّاس أجمعين، لأَنَّهَا هِي بالذَّاتِ دَعْوَة الله، ورَسُوله، قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (2). ولا تلتئم الحياة، وتنحسم شرورها من الجذور إلا بالحب، والإخاء، والعدل،
والمساواة، وتعاون الجميع عَلى سَدّ حاجات الجميع، وكل من نادى بهذه الدعوة فهو حُجّة الله عَلى خَلقه : وبخاصة الأَنْبِيَاء المُرْسَلِين، فإنّ حُجة الله بِهِمْ عَلَى النَّاسِ أقوى، وأَبلغ.
(أَلا إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً، لا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ، وَ مَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ... بَوَاءً). إِنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ أَعلم بعِبَادِه من أنفسهم، ولَكِنَّهُ تَعَالَى لا يُعاقب عَلى مَا يَكُون فِي الْقَلْب فقط، بل عَلَى مَا يُبرز إلى الوجود من قول، أو فعل، ويُسمى هَذَا بالرُّكن المادي في اصطلاح الجدد من فقهاء القانون الجنائي، وَقَالَ فقهاء الشَّرِيعة الإسلاميّة : لا ينعقد شَيء ويتم بمجرد النِّيَّة، فمن نوى القتل، أو سَرقة لا يُصبح قاتلاً، أو سارقاً، ومن قصد الوقف، أو الطَّلَاق لا يَصِير واقفاً، أو مُطلقاً، وفي الحديث: «إن لله تعالى تجاوز لأُمتي عما وسوست، أو حدثت به أنفسها مَا لَم تَعمل، أو تتكلَّم» (1)... «إذا تحدث عَبدِي بأنْ يَعمل حَسَنَة فأنا أكتبها لهُ حَسَنَة مَالَم يَفعل، فإذَا عَملها فأنا أكتبها لهُ بِعشرة أمثالها، وإذا تحدث بأنْ يفعل سَيِّئَة فأنا أغفرها مالم يفعلها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» (2).
إن الله سُبْحَانَهُ يَمتحن عِبَادِه بالأمر، والنَّبِي عَلى لِسَان أَنْبِيَائه، وخُلفَائِهم، لتظهر الأفعال التي بها يستحقون الثواب والعقاب.
1) أنظر، سُنن البَيْهَقِ الْكُبْرَى : 349/2 ح 3685 صَحِيح البُخَاري : 2454/6 ح 6281 تَفْسِير القُرطبي:. 211/8، المعجم الأوسط : 74/4 ح 3648، شعب الايمان: 299/1 ح 331. الإيمان لابن منده : 475/1 ح 348 فتح الباري: 552/11، تاریخ بغداد : 434/9.
2) أنظر، مسند أحمد : 315/2 ح 8151، صحیح مُسلم : 117/1 ح 129، تفسير ابن كثير : 340/1 ح الترغيب والترهيب : 27/1 ح 24، فيض القدير : 281/1، المحلى : 18/1 باب (37)، الإيمان لابن منده : ح 492/1 ح 376، جامع العلوم والحكم: 350/1، صحيح ابن حبان : 103/2 ح 379.
(أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم دُونَنَا، كَذِباً، وَ بَغْياً). حَتَّى أَعْدَاء الإِمَام يَعترِفُون برسُوخه في العلم، ولو وجدوا وسيلة للإنكار ما تورعُوا عنه، وحَدِيث : «أنَا مَدِينة الْعِلْم، وعلى بابها» (1)، رواه الشيعة، والسُّنّة، أمّا كَلِمَة «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي» (2)فمَا تَجرأ عَلَى التَّفوه بها أحد قبل الإمام ولا بعد، وقَوْله : «أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا» هو تحدٍ صريح لكل مُدع، وزاعم أنه يُدانِي أَهْل الْبَيْت في العِلم، وقَد كَان الإمام المرجع الأَوَّل بعد الرَّسُول للخُلَفَاء، وغَيْرهم، وفي «أخبار الْقُضَاة» لوكيع - مِن عُلَماء السُّنَّة : «إنّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ قَالَ لرَجُلِ : «أجعل بَينِي وَبَيْنَكَ مَن كُنا أُمرنا إِذَا أَختلفنا فِي شَيء أنْ نُحكّمه يعني عَلِيَّاً» (3). وَقَالَ أيضاً : «إنّ رَسُول الله مَسَحَ عَلى صَدر عَليَّ وَقَالَ:، «أَللَّهُمَّ أهد قلبه، وثبّت لسانه، وأعطه فَهم مَا يُخاصم فِيهِ» (4)
(منْهُ (قدّس سِرُّه)). ومُسْنَد زيد بن علي : 294، دَعَائِمِ الإِسْلام: 529/2 ح 1880، مناقب أمير المُؤْمِنِينَ للكوفي : 1104، تأريخ مدينة دمشق : 490/2، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 58/12. المسترشد في الْإِمَامَة : 352، شرح الأَخْبَار : 301/2 ح 620. الطَّبَقَات الكبرى : 337/2، مسند أحمد : 136/1، شنن ابن ماجه: 774/2 أنساب الأشراف: 101/22، مُسند أبي يعلى: 268/1، تاریخ بغداد: 443/12، الصَّوَاعِقِ الحرقة : 123.
.1) لقد وصل إلينا حديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» متواتراً عَن طريق أهل الشيعة، والسنة كما صرح ذَلِكَ أَكْثَر الفقهاء، والْعُلَماء، وأصْحَاب الْحَدِيث، والسُّنن مع وجود بعض الاختلاف في اللفظ، كما ذكرنا سابقاً. أنظر، صحيح الترمذي: 299/2 ح 3807، سُنن التّرمذي: 5 / باب 301/87، مُسْنَد أحمد: 30/5.
2) أنظر، نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم (189)، تفسير الطبري: 221/13، المستدرك على : لها : الصَّحِيحِين : 383/2 ح 3342 وص : 506 ح،3736 السُّنن الواردة في الفتن : 838/4 ح 428 و : 6 / 1196 ح 664. معتصر المختصر : 302/2، كنز العمال: 165/13 ح 36502 و: 612/14 ح 39709 تاريخ مدينة دمشق : 335/17 و : 397/42، سير أعلام النبلاء: 257/6، تأريخ اليعقوبي : 193/2. كشف الغمة : 114/1 ينابيع المودة : 208/1.
3) أنظر، «أخبار الْقُضاة» لوكيع - مِن عُلَماء السُّنَّة في القرن الثالث الهجري : 1/ 89 طَبْعَة سَنَة 1947م. (منه (قدّس سِرُّه)).
4) أنظر، «أخبار الْقُضَاةَ» لوكيع - مِن عُلَماء السُّنَّة في القرن الثالث الهجري : 1/ 88 طَبْعَة سَنَة 1947م.
(أَنْ رَفَعَنَا اللهُ وَوَضَعَهُمْ). إنّ رِفعة الإِنْسَان، أو ضعته لا تُقاس بالكراسي، والمناصب، ولا بالإنتصارات، أو الهزائم في المعارك، ولا بالعبقرية، أو البلادة، وإنما تُقاس رِفعته مِمَّا يَترك مِن أثرٍ مُفيد ينتفع به أخوه الإِنْسَان، أمّا النُّصوص والأقوال فَهِيَ فَرعٌ لا أصل لأَنَّهَا تَعبير، وحكاية عما هُو كَائِنُ، وواقع... وَهِي حُجّة إِنْ تَك أنعكاساً عَن الواقع، وإلا فهي، وهَمْ، وخيال... ومن تَتَبَّعَ سِيرة أَهْل فَهِيَ الْبَيْت يَجد أن مبادئهم تقرير لحق الإنسان، وتعاليمهم إعلان لهذا الحق، وأعمالهم تضحيات بالنفس، والأهل من أجل الإِنْسَان، وخَيره، وهدايته، قَالَ أَمِير المُؤْمِنِينَ لولده الْإِمَامِ الحَسَن : «فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ، وَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ... وَخُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَتَفَقَدْ فِي الدِّينِ، وَعَوَّدْ نَفْسَكَ النَّصَبرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ»، «وَجَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَلَا تَأْخُذْكَ فِي اللهِ لَوْمَهُ لائم» (1)أبداً.. لا خَيْر في الفصَاحَةِ، والبلاغة، ولا في العلوم، والفَلْسَفَة، ولا في الفنون، والآداب فِي مَذْهَب أَهْل الْبَيْتَ إِلَّا مَا يَستهدف مِنْهَا خَيْرُ الْإِنْسَان، وتقدمه في حياته، ويُحقق أمانيه، وآماله بكلّ الوَسَائِل، وأفضلها جميعاً الكفاح، والجهاد، وخوض الْغَمَرَاتِ والشَّدَائِد... بِهَذَا وَحده رفع الله سُبْحَانَهُ مَكانة أَهْلَ الْبَيْتَ إِلَى أَعلى الدرجات، وأنزهُم مَنازل العِزَّ، والكَرَامَةِ، وأَعطاهم مَا يَرضُون، ويَحِبُّون.
1) أنظر، نهج الْبَلاغة : من وصية لهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لِلْإِمَامِ الحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ) رقم (31).
(إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ، لَا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَ لا تَصْلُحُ الْوِلاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ) لَيْسَ هَذَا مِن عِند الإِمَام، إِنّه مِن عِند الله، ورَسُوله، فلقد روى البخاري في صحيحه : إن رَسُول الله، قَالَ: «لا يَزال هَذَا الأَمر فِي قُرَيْش مَا بَقِي مِنهم أثنان» (1)
وأنظر، سنن أبي داود : 106/4 106/3، ومُسند الطَّيالسي : ح 767 و 1278، ومُسند أحمد: 5 / 86 و 90 و 92 و 101 و 106 و 108. و: 398/1 و 406، وكنز العمال : 26/13، وحلية الأولياء لأبي نعيم الإصبهاني: 333/1، وفتح الباري : 16/ 338، ومُسْتَدرَك الصَّحِيحِين : 617/3، ومُنتخب الكنز : 321/5، وتأريخ ابن كثير : 249/6، وتأريخ الخلفاء : 10، والصَّوَاعِقِ الْخَرِقَة : 28، وصَحِيح مُسلم بشرح النووي : 202/12، وتلخيص المستدرك للذهبي : 501/4، وتجمع الزوائد: 190/5. والجامع الصغير : 75/1، وشواهد التنزيل : 626/455/1، ونهج البلاغة الخُطْبَة 142، وينابيع المودة : 75/1 : 523 بَاب 100، وإحياء علوم الدين: 54/1، والعهد القديم سفر التكوين : 20/17 و 22، كما جاء في المعجم الحديث عبري عربي : 316 و 360، وتأريخ اليعقوبي : 24/1، سنن السجستاني : 4 / 150، كنز العمال: 379/12 و : 6 / 48 ح 14792، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : 192/5، السنن الكبرى: 121/3، مختصر 24، المجموع: 192/19، بدائع 319/20، المحلى : 491/7.
. وروى مُسْلِم في صحيحه : «إنّ الله تعالى أصطفى كِنانة مِن ولد إسمعيل، وأصطفى من كنانة قُرَيْشَاً، وأصطفى من قُرَيْشٍ بَنِي هَائم، وأصطفاني مِن بَني هاشم» (2)وأخرج أحمد في الزهد عن كعب قَالَ: «لم يزل بعد نُوح في الْأَرْضِ أَرْبَعَة عشر يدفع بهم العذاب». وأخرج الخلال في «كرامات الأولياء» عن زاذان قَالَ: «ماخلت الأَرْضِ بعد نُوح من أثني عشر فصاعداً إلا يدفع اللَّهُ بِهِمْ عَن أَهْلِ الْأَرْضِ».
إذَنْ هَذِه الآثار تدل على أن من ذرية إِبْرَاهِيم أناساً على الْفِطْرَة يعبدون الله. وتدل أيضاً على أن أجداد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانوا على الحنيفية دين إبراهيم، ولو كانوا على الكفر فلا يخلو إما أن يكون الذين على الْفِطْرَة، والذين يدفع بهم غيرهم، أو لا يكون أحد كَذَلِكَ. والثاني باطل؛ لأنه خلاف الوارد من هذه الآثار الصحيحة، والأوَّل بَاطِل أَيضاً ؛ لأنه يلزم عَلَيْهِ أنْ يكون غَيْرهم خيراً منهم، إذ لا يكون كافر خيراً من مُسْلِمٍ، وَهَذَا اللازم باطل لمخالفته الحديث المروي في البُخَاري وصحيح مُسْلِم، كتاب الفضائل والتّرمذي كتاب المناقب قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إن الله أصطفى من ولد إبْرَاهِيم إسماعيل، وأصطفی من ولد إسماعيل بني كنانة، و..» فالخيرية، والإصطفاء تُشعر بالإسلام.
أنظر، الترمذي كتاب المناقب : 583/5، مُسند أحمد : 107/4، وأخرج البيهقي في دلائل النُّبُوَّة : 174/1 عن أنس أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «ما أفترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، ما خرجت من بَيْنَ أَبَوَي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدَمَ حَتَّى أنتهيت إلى أبي وأُمّي، فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً».
وعن الزُّبَيْر بن بكار في عُيُون الأثر لابن سيّد النّاس : 24/1، دار المعرِفَة قَالَ : حدثني سُفْيَانَ بسن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» قال أحدكم من أنفسكم لم يصبه شيء من ولادة الجَاهِلِيَّة، قَالَ: وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح...». وروي مرفوعاً من حديث ابن عباس وعَائِشَة أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ : «خرجت من نكاح غير سفاح..». وفي البداية والنّهاية : 255/2، دار الفكر.
وذكر السيوطي في الخصائص : 63/1, طبعة دار الكتب العلمية، بيروت «جميع الروايات المتعلقه ذلك.
وأنظر، الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى : 60/1، طبعة دار الصادر، بيروت. وَقَالَ عبد الباس الحنفي في غَايَة السؤول في سيره الرَّسُول : 25 طبعة دار الكتب، بيروت «إن نسب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشرف وكرم أشرف نسب وأفخره بَيْنَ الأَعراب... وَقَالَ السيوطي في الحاوي للفتاوي: 210/2، طبعة دار الكتب العلمية. بيروت «الأُولَى أن الأحاديث الصحيحة دلت على أن كل أصل من أصول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من آدَمَ إلى أبيه عبد الله فَهُوَ من خير أهل قرنه وأفضلهم... قال وأخرج البُخَاري في صحيحه : 166/4، عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «بعثت من خير قرون بني آدَمَ قرناً فقرناً حَتَّى بعثت من القرن الذي كنت فِيهِ»، والحديث الذي أخرجه البُخَاري في صحيحه بلفظ «خير النّاس قرني. ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» راجع كتاب الشهادات، باب «9»: 258/5)تحت رقم «2651»، سُنن أبي داود: 44/5 تحت رقم «4657»، والترمذي في سننه : 500/5 تحت رقم «2222»، مُسند أحمد: 378/1، و 417 وسنن أبن ماجه: 791/2، وأخرج البيهقي في دَلائِل النُّبُوَّة عن أنس أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «ما أفترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما...» وَقَالَ محب الدين الطبري في ذَخَائِرِ الْعُقْبَى: 10، انتشارات جهان، عن واثلة بن الأسقع قَالَ : قَالَ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «إن الله أصطفى من ولد آدَمَ إِبْرَاهِيم...». أنظر البخاري : 30/5، الإنباه على قبائل الرواة لابن عبد البر : 41 مختصر تاريخ دمشق : 27/2، دلائل النُّبُوَّة للبيهق: 0165/1 السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 201/1، سبل الهدى والرشاد للصالحي: 275/1، سيرة ابن هشام: 110/1، تراث الإِسْلام، أبن كثير في سيرته : 190/1، دار إحياء التراث، وغَيْر ذَلِكَ من الْأَحَادِيث.
. ومَعْنَى هَذَا أَنَّ بَنِي هَاشم هُم صَفُوة قُرَيْش، وإِنَّ1) أنظر، صَحِيح البُخَاري : 9 كتاب الأحكام. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). صَحِيح البُخَارِيّ : 127/8، صَحِيح مُسْلِم : 6 / 3 وفي رواية : لا يزال أمر الناس ماضياً... وفي حديثين منهما «إلى أنني عشر خَلِيفَة...». «حَتَّى يكون عَلَيْكُم أثنا عشر خَلِيفَة...». وفي صَحِيح البُخَاري : 165/4: يكون أثنا عشر أميراً كلّهم من قُرَيْش.
2) انظر، صَحِيح مُسْلِم : 2 / كتاب الفضائل، (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)). و : 1782/1 و 1963/4، تحت رقم «2533». وأخرج البخاري في صحيحه : 166/4، وأحمد في مُسْنَده : 417/2، وكنز العمال : 427/11، وأحمد في الزُّهْد، والحافظ أبو محمد الحسن بن أبي طالب محمد بن الحسن بن على البغدادي. المَعْرُوف بالخلال في «كرامات الأَوْلِيَاء» بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس قَالَ: «ما خلتِ الْأَرْض من بعد نُوح من سبعة يدفع الله بهِم عن أَهْل الأَرْضِ». وأخرج أبن جرير في تفسيره عن شهر بن حَوْشَب قَالَ: لم تبق الْأَرْض إلا وفيها أَربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض، ويخرج بركتها إلا زمن إِبْرَاهِيم فإِنَّه كَانَ وحده.
مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هو صَفُوة الصَّفُوة، وإذا كَانَتْ النُّبُوَّة لصفوة الصفوة فالولاية، إذن، لِلصَّفُوة من بعد الرَّسُول أي للأئمة، مِن نَسله، أما سر الاصطفاء فيكمن في طيب السِّيرَة، والسَّرِيرة : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (1).
(وَ لا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ) لأنّ الله سُبْحَانَهُ طَهِّر أَهْل الْبَيْت ونزّههم عن الخطأ والخطيئة بنص الآية : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (2).
آثَرُوا عَاجِلًا، وَأَخَّرُوا آجِلًا، وَتَرَكُوا صَافِياً، وَ شَرِبُوا آجِنا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ، وَ بَسِئ بِهِ وَ وَافَقَهُ، حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ، وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُزيداً كَالنَّيَّارِ لا يُبَالِي مَا غَرَّقَ، أَوْكَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ (3) !
أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى، وَ الْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى ! أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ اللَّهِ، وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ! أَزْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ، وَ تَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ، وَرُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ، وَ النَّارِ، فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ، وَ أَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَدَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَوَلَّوْا، وَدَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا، وَأَقْبَلُوا (4)!
اللُّغة :
آجن الماء فَهُو آجِن: تَغيّر لونه، وطَعمه. وَبَسِي بِهِ : أَلِفَه، والخَلَائِقُ هُنا : جمع الخليقة، وَهِي الطَّبِيعَة. والتَّيَّارِ : الموج. الهشيم : اليابس المنكسر. وتحطم : تكسر، والحُطَامِ : الفتات.
الْإِعْرَاب :
مُزْبِداً حال من الضَّمِير المستتر بأَقْبَلَ، وكَالتَّيَّارِ الكَافِ مَعْنَى مَثل صِفة لِمَفْعُول مُطلق تحذُوف أي إقبالاً مثل إقبال التّيار، ولا يُبالي مَا غَرق «ما» مَنصُوبة بنزع الخافض أي لا يُبالِي بِمَا غَرق، ومثل لا يَحْفِلُ مَا حَرق.
الْمَعْنَى:
(آثَرُوا عَاجِلًا، وَأَخَرُوا آجِلًا، وَتَرَكُوا صَافِياً، وَ شَرِبُوا آجِناً). يُشير الإِمَام بهَذا إلى أجيال الخلف، وأنهم يُقبلون على الدُّنْيَا، ويُعرضُونَ عَن الْآخِرَةِ، ويَتَهَاونُون بالدين، والْقِيَّم، ويكثر فيهم الفُسق والإلحاد... حَتَّى رِجَال المعابد يتلاعب الكثير منهم بالدِّين، ويتحايلون عَلى النَّاس بأسمه، ويقبضُون الثمن مِن الخارجين عَلَيْهِ، وعلى الإِنْسَانِية... ولا تملك سلاحاً يُكافح هَؤُلَاء غَيْرُ التَّشهير بِهِمْ، وإظهار حقيقتهم، ولكن أية جدوى مِن مَقالٍ فِي جَرِيدة تُقرأ، ثُمّ تُرمى، أو كَلِمَة
تُسمع، ثُمّ تُنسى، ولا سَبِيل لبلوغ الهدف إلّا التَّنظيم، والمثابرة.
(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ، وَ بَسِئ بِهِ وَ وَافَقَهُ... لا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ). الْمُرَاد بِالْفَاسِقِ هُنا فَاسِق الخلف، والمَعْنَى أَنْ هَذَا الْفَاسِقِ أعتاد القبيح، والْمُنْكَر حَتَّى هَرم عَلَيْهِ، وصَار طَبِيعَة لَهُ، يَندفع وَرَاءه مَاضِياً فِي سَبِيله بَلا وعي تماماً كَلُجَة البحر أو النَّار لا تُبالي بمصير مَا يُصادف طريقها (أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُشْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى، وَ الْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى ! أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ ِللَّهِ، وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ) أي لا دين يمنع عَن الْحَرَام خَوْفاً من الله، ولا عَقل يردع عنهُ حَياء مِن النَّاس، لأنّ الْهَوَى غَطى عَلى العُقُول، والقُلُوب (أَزْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ، وَ تَشَاخُوا عَلَى الْحَرَامِ). لا بَأس أنْ تَطلب لَذة الدُّنْيَا مِن طَرِيق المباح، ولكن المحنة عَلَيْكَ، وعلى مُجتمعك أن تطلب الحَرَام، ولا تملك نَفْسَكَ عَنْه، وتُخاصم غَيْرُكَ عَلَيْهِ (وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ، وَ النَّارِ). الْمُرَاد بِعَلم الجنَّة كل ما يَهدي إلى نهج أقوم، وحياة أفضل، وكَلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هُنا يُفسر بعضه بعضاً، فقَوْله : (وَدَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا) تَفْسِير لِصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ، وقَوْله : (و دَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا) تَفْسِير لاقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ.
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُّ فِيهِ الْمَنَايَا، مَعَ كُلِّ جَوْعَةٍ شَرَقُ، وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصُ! إلا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلا يُعَمَّرُ مُعَمَّرُ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ ؛ وَ لا يَحْيَا لَهُ أَثَرُ، إِلا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ ؛ وَلَا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ : وَلَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلَّا وَ تَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ. وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابٍ أَصْلِهِ !
وَ مَا أُحْدِلَتْ بِدْعَةُ الأُتُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ، فَاتَّقُوا البِدَعَ، وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا.
اللُّغَة:
الغَرَض : الْبَغْيَة، والحَاجَة، والهدف الذي يُرمى إِلَيْهِ، وَهَذَا هُو المراد هنا، ونَضِلُ فُلان فُلاناً : غَلبه فى النضال، وأنتَضِل القَوْم، أو تناضلوا: تَباروا في النضال.
وتَرامُوا للسبق. وشَرِق بريقه، أو بالماء غَصَّ. ومِن حكم الْإِمَام : «وَرُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيّهِ» (1). ويَخلَقَ - بسكون الخاء وفتح اللازم - يُبلى.
والمُهْيَعَ : الطَّرِيق الوَاسِع الوَاضح. وعَوَازِمَ الْأُمُورِ : مَا تَقَادم مِنْهَا.
الإعراب:
مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ خَبَر مُقَدَّم، وشَرَقٌ مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، وَمَا بَقَاءُ فَرْع «ما» استفهام، ومعناه النَّفي، ومحلها الرفع بالاِبْتِدَاء، وبَقَاءُ خَبَر وبَعْدَ مُتَعَلِّق يبقَاءُ لأنه بمعنى الفعل أي لا يَبْقَ الأصل بَعْدَ الفَرْع.
الْمَعْنَى:
(إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُّ فِيهِ الْمَنَايَا، مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصُ). كلّ ما يُحيط بالإنسان فيه جهة أيجاب، وجهة سلب، حَتَّى طعامه وشَرَابَه قَد يَذهبان بحياته... ومَن الَّذي يَضمن نَفْسه أَنْ لا يَشرَقَ بِجَرْعَةِ مَاءٍ، أو لا يَغُصّ بلقمة عيش تكون فيها القاضية، وإذَنْ الإِنْسَان عرضة لسهام البلايا والمنايا.
وتَسْأَل : ولِمَ كلّ هَذَا التَّشاؤم عِند الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
الجَوَاب:
هَذَا هُو الواقع سواء أسميته تَشاؤُمَاً أم تفاؤلاً، وأكد الْإِمَام عَلَى إعلانه لمجرد
1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (275).
التحذير من المخبات، والمفاجآت... فَآدَمَ سَجَدَ له المكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، وبعد قليل أُخرج من جَنَّةَ النَّعِيمِ، والْعَاقِل مَن أتعَظ بِغَيْرِهِ، وبخاصة إذا كَان هَذَا الغَيْر أصلاً له، وأَبَاً.
(لا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى). إِنَّك تأنس، وتفرح بسيارتك الجديدة. وتنسى همومك في السياحة، والأشفار الممتعة، ولكن بعد أن تدفع الثمن غالياً، وقيل فِي التَّفْسِير هذه الجملة : إنّ الإِنْسَان لا يَسْتَطيع الجمع فِي آنِ واحد بَيْنَ لَذَتِين، أو أَكْثَر كَالطعام، والشَّرَاب، والجنس، بَل لابد من الإِقْتِصَاد عَلَى وَاحِدَة. ويُلاحظ بأنّ في مقدوره أنْ يجمع بَيْنَ لذة الحكم، والسُّلْطَان، والثّراء، والطَّعام في آن واحد، وبَيْنَ التمتع بمناظر الطبيعة، والألعاب، والإستماع إلى الموسيقى، أو حَدِيث الأصدقاء، وبَيْنَ التَّزلج عَلَى التَّزلج، والنَّظر إلى الأطفال يترَاشقُون بِهِ.
(وَ لا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ). السَّاعَة الفَائِتة تذهب مِن عُمرك، ولا يُمكن إعادتها بِحَالٍ، والتي أنتَ فيها فِي طَرِيقها إلى الزوال. والّتي بَعْدَها في كَفَّ الْقَدَر، فإِنْ سَمح بِها فَهِيَ عَلى سَبِيل مَا قَد مَضى، وفي النهاية ينقضي الْعُمُر مع السَّاعات (وَلا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلا بِنْفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ). الإِنْسَان يَأْكُل مَا قُدر له من الرِّزْقِ عَلَى دُفعات، ولا مكان للوجبة الثَّانِيَة إلا بعد خروج الأولى من بطنه، أو في طريقها إلى الخروج (وَلَا يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ، الأَمَاتَ لَهُ أَثَرٌ). للطفولة بهجتها، ومَرحها، وللشباب نشاطه، ووثباته، وللشيخوخة جلالها، وتجاربها... ولكن لا طفولة مع الشباب، ولا شَباب مع الشَّيخوخة، وما هي إلا مراحل يمر بها الإِنْسَان... والرَّجُل مَسْئُول عن طفله حَتَّى يَأنس مِنْهَا الرُّشد، فإِذا تَخطى هَذَا المَسْئُول الكهولة إلى الشَّيخوخة كَان مَحَلاً لعناية الأَبْنَاء
والأحفاد.
(وَ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدُ إِلا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ). هَذَا العطف تفسير للمعطوف عَلَيْهِ، أو مِن بَاب عَطف العام على الخاص مثل (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى والنَّبِيُّونَ من رَّبِّهِمْ لَانُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (1).
(وَ لا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلَّا وَ تَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ). يَأْتِي الأَبْنَاء فَيذهب الآباء تماماً كالشَّجَرَة تنمو، وتُثمر، ثم تتحول النَّواة مِن ثمرها إلى شَجرةٍ، فإذا أَثْمرَت هَذه ذَبُلت تلك، وأنتهى عُمُرهَا، وهكذا دواليك تستمر الحَيَاة (وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ) وَهُم الآباء (نَحْنُ فُرُوعُهَا، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ) نَحْنُ أَيضَاً ذَاهِبُونَ عَلَىٰ أثر الآباء والأجداد، لأن الفرع لا يزيد على الأصل في الاستعداد للبقاء، ومدته، والغَرض مِن الْبَيَان مَا تَقَدَّم هو التَّنبيه إلى أنّ حَيَاة الإِنْسَان تَذهب مَع الزَّمن، وإنّ عَلَيْهِ أنْ يَحرص كل الحرص على انتهاز فُرص الخير، والْعَمَل الصَّالح قبل الأوان.
(وَ مَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةُ إِلا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ). كل تحليل لا دَلِيل عَلَيْهِ مِن الشَّرع فهو بدعة، وإِذَنْ فَمن ابتدع فَقَد تَرَكَ السُّنَّة أَخذَ بالسُّنَّة فَقد تَرَكَ البِدْعَة (فَاتَّقُوا الْبِدَعَ، وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ) وهو الطَّرِيقِ الَّذي أرشد إِلَيْهِ كِتاب الله، وسُنَّة نَبِيِّه (إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا مَا ثَبَتَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَصح. وأقوى مما ثبت بَعْدَه إِذَا لَم تَدعُ الحَاجَة إِلَيْهِ، وإلا كَان أقراره تماماً كالَّذِي أَقرَّه النَّبِيِّ بالخصوص إذ لا فرق بَيْنَ العام والخاص مِن حيث الحجة، ووجوب الْعَمَل، ولا يختلف عالمان مِن المُسْلِمِين أنّ الشَّرِيعة الإسلاميّة تَقُوم على مصالح الْعِبَاد في المعاش، والمعاد.
1) آلِ عِمْرَانَ : 84.
إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ، وَلا خِذْلانُهُ بِكَثْرَةٍ، وَلَا بِقِلَّةٍ. وَ هُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ، وَ أَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، وَ طَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ، وَ نَحْنُ عَلَىٰ مَوْعُودٍ مِنَ اللهِ، وَ اللهُ مُنْجِرٌ وَعْدَهُ، وَ نَاصِرٌ جُنْدَهُ. وَ مَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ، وَ يَضُمُّهُ : فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَذَهَبَ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَا فِيرِهِ أَبَداً (1). وَ الْعَرَبُ الْيَوْمَ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا، فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلامِ، عَزِيزُونَ بِالْإِجْتِمَاعِ! فَكُنْ قُطْباً، وَ أَسْتَدِرِ الرَّحَا بِالْعَرَبِ، وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ انْقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا، وَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ (2).
اللُّغَة:
النِّظامِ : السلك ينظم فيهِ الخَرَز «يَجْمَعُهُ، وَيَضُمُّهُ» كما قَالَ الْإِمَام. وحَذَافِيرِهِ : نواحيه، وجوانبه أى بأسره، والواحد حِذْفَار. وقُطب القَوْم : سَيّدهُم، وعَلَيْهِ
تَدور أمُورهُم وشَخَصْتَ : خَرَجت والْعَوْرَاتِ : جَمع عَوْرَة أي الخلل فِي تَغُور البلاد.
الْإِعْرَابِ:
حَيْثُ طَلَعَ «حَيْثُ» فِي مَحَل جَرٍ بمِن مَحذُوفة، أي مِن حَيْثُ طَلَعَ، وجُملة يَجْمَعُهُ حال من النظام، وأَبَداً نُصب على الظرف، وهو يُؤكد المستقبل نفياً، أو أثباتاً، ولا دَلالة فيهِ عَلى الدّوام إلى ما لا نهاية، ونَاراً منصوبة بنزع الخافض أي أحرقهم بنار. وبَيْنَ مُتَعَلِّق محذُوف بنَار. بَيْنَ مُتَعَلِّق بمحذوف خَبَراً لمُبْتَدَأَ مَحذُوف أي مِمَّا هُو كَائِن بَيْنَ يَدَيْكَ.
أَستشار عُمَرَ فِي أَمر القادسية (1)، أو نهاوند عَلى اختلاف الرُّواة، فأشار عَلَيْهِ البعض أنْ يَخرج بنَفْسِه، فنهاه الإمام وحذره بقوله : (إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ، وَ لا خِذْلانُهُ بِكَثْرَةٍ، وَلا بِقِلَّةٍ، وَ هُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَ جُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ، وَ أَمَدَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، وَ طَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ). كَتَبَ النَّبِيِّ العَرَبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو لا يملك من الْأَرْضِ مَوطى، قَدميه، ولا من المال أَبْيَض، أو أصفر، ولا مِن السلاح مَا يَرعب بهِ دُويلة صُغرى، كتب إلى كلِّ مِن كُسرى، وقيصر «أسلِمْ تَسلّم» (2)أي أتبعني
1) أنظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 97/9.
2) أنظر. السِّيرَة الحَلَبِية : 277/2، زاد المعاد لابن القيّم : 60/3، السيرة لزيني دحلان بهامش السيرة الحلبية : 65/3 تأريخ الخميس : 34/2، تاريخ اليعقوبي : 66/2 إعجاز القرآن: 112، البداية والنهاية : 269/4، نصب الراية للزيلعي : 420/4، الكامل لابن الأثير : 213/2، كنز العمّال : 274/4، تأريخ أبن خلدون : 2 / 1372 تأريخ تاريخ الطَّبَرِيّ : 654/2، المنتظم: 282/3، الوثائق السياسية : 139، المواهب اللدنية بشرح الزرقاني : 340/3، رسالات نبوية لعبد المنعم خان : 250، نشأة الدولة الإسلامية : 306، جمهرة رسائل الْعَرَب: 35/1، صبح الأعشى : 296/6، دلائل النُّبُوَّة لابن القيم : 292، إعلام السائلين: 9.
وأطعني أَيُّها الملك المتغطرس، ولك الأمان إن فعلت، وأستجبت، وإن أبيت وتوليت حاق الهلاك، والدَّمار بك، وبقومك، ولا يمنعك مني مَا أَنْتَ فيه من جيش، وسلاح، ومال، وسُلطان... وضحك كسرى غاضباً، وأَمر مَن يَأْتِيه بالعربي المتجرىء حَيّاً، أو مَيّناً، أمّا المَلأ مِن قَوْمٍ قَيصر فسخرُوا، وقَالُوا : هَذَا العَربِي مِن قبائل البَادِية ؟.
ولم تمض الأَيَّام حَتَّى تحققت نبوءة رَسُول الرَّحمة، وانتصرت أُمّته عَلى سُلطان الرُّومِ، وفَارس، ودَاس رُعاة الإِبِلِ عَلَى تاج كُسرى بأقدامهم... وعجب العالم هذه الظَّاهِرة الخارقة !... عرب البَادِية، وأهون الخلق شَأناً يُحطمون عروش الأكاسرة، والقياصرة في بضع سنين.... ومَا هَذَا مِن نَظِير فِي تَارِيخ الدّول مِن قَبل ومَن بَعد... وقيل في تَفْسِيره أقاويل (1).
مِنْهَا : أنّ خشُونَة البَادِيَة غلبت ترف الحضارة.
ومِنْهَا : أَنَّ الْمُسْلِم كَان يُلقي بنَفْسِه إلى القتل رَغْبَةً فِي إحْدَى الحُسْنَيَيْنِ : الجَنَّة. أو الْغَنِيمَة، أو هُما مَعاً، ومَا كَانَتْ هَذِهِ الْعَقِيدَة الجيوش الرُّومِ أو الفرس...
أما الإِمَام فَلا يَرى هذا الإنتصار مِن تَفْسِير إلا أنّ الله سُبْحَانَهُ (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
1) أنظر. تأريخ الطَّبَرِيّ : 131/3، بحار الأنوار: 131/18، البداية والنهاية : 77/7، مناقب آل أبي طالب: 95/1، تأريخ ابن خلدون : 429/4.
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (1). وإلى هَذَا أَشار الإمام بقَوْله : (وَ نَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللهِ، وَاللهُ مُنْجِنٌ وَعْدَهُ، وَ نَاصِرٌ جُنْدَهُ).
أَنجَزَ سُبْحَانَهُ وَعَدَه لِلْمُسْلِمِين وفقاً للنظام الطبيعي، وبالوَسَائِل الكفيلة بِالنَّصر التي أشار سُبْحَانَهُ في الآية : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (2). وإِذَنْ فَسَبب النَّصر عادي ومَألوف، لا خُوارق فيه، ومعجزات، وهو الإخلاص، والتعاطف، والمَاسُكَ بَيْنَ الْحَقِين مَعَ العَزمِ عَلَى حَرْب المعتدي بقيادة المناضل النَّاصح، أما كثرة العدد، والسلاح فَلا تُجدي نفعاً بدون الإخلاص، والتماسك.
(وَ مَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ، وَ يَضُمُّهُ : فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَ ذَهَبَ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً). القَائِد هُو الرابطة الَّتِي تَربط بَيْنَ أفراد المواطنين، وتجمع شملهم في كيانٍ وَاحِدٍ، وتحت رَايَة وَاحِدَة، ولا غنى عنهُ بِحَالٍ، وبِخَاصَّة في أوقات الحزب، والأزمات، وأي ضرر يُلحقق بهِ يَهز بِنَاء المجتمع من أساسه (وَ الْعَرَبُ الْيَوْمَ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا) فِي عَدَدِهِم، وعُدتهم بالقياس إلى الفرس، وغَيْرهم (فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلامِ) مَا دَامُوا مُستمسكين بعرُوته مُجاهدين فِي سَبِيله (عَزِيزُونَ بِالْإِجْتِمَاعِ)، فَإِذَا تَفرقَت كلمتهم، وتنافرت قُلوبهم
عاشوا أذلاء صَاغِرِين، وإنْ كانوا أشد الناس غنى، وأَكْثَرَهُم عدداً، فعرف الْيَوْم يملكون طاقة كُبرى من الجنود، والثَّروة الطَّبيعية (1)، ومع هَذَا يَسومهُم عَسفاً، ويطردهُم مِن دِيارِهِم عُنفاً «أَعوَر إِسْرَائِيلَ».
(فَكُنْ قُطْباً، وَ أَسْتَدِرِ الرَّحَا بِالْعَرَبِ، وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا، وَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ) الخِطَاب لِلْخَلِيفَة أي أبق مَكانك، وأبعث الجيش إلى عدوك، وإنْ ذهبت إِلَيْهِ بِنَفْسِكَ أنفرطَ العِقْد، ونُقض العهد الَّذِين في قلوبهم مرض، وانكشفت الثَّغُور لا تَردُ غازياً، ولا تصد طَامعاً (حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ) وَهِي الَّتِي يَخشَى مَعَهَا التَّوْرَة مِن الداخل، والغَزُو من الخارج، ولَيْسَ من شكٍّ أَن تَلا فِي ذَلِكَ بِبقائك (أَهَمَّ إِلَيْكَ) وإلى جميع الْمُسْلِمِينَ (مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ) أي من المُشْكِلَة التي تُعالجها الآن، وَهِي الإِنتصار على الأَعَاجِم.
إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا : هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ، فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ، وَطَمَعِهِمْ فِيكَ. فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرٍ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَ
1) يُدخل إلى الخزائن الاميركية وحدَها مِن بترول الْعَرَب بِلِيون ونصف البليون من الدولارات في كل سنة. (منه (قدّس سِرُّه)).
إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ، وَالْمَعُونَةِ !
الْمَعْنَى:
(إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا: هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ، فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اَسْتَرَحْتُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ، وَطَمَعِهِمْ فِيكَ) أنتَ قَائِدِ العَرَب، والقَائِد بمنزِلَةِ الرَّأْس من الجسد، ولا حياة لجسدِ لا رَأْسَ معه، فإذا رآك الأعْدَاء قال بعضهم لبعض : هَذَا هُو الرَّأْس فأقطعوه، وأستماتوا فِي سَبِيل ذَلِكَ، لأنّه أَقصى ما يَطمحُونَ إِلَيْهِ (فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْسِيرِ مَا يَكْرَهُ) إِنَّكَ تُرِيد غَزُو الْعَدُوِّ قَبل أَنْ يَعْزُوك، وتكره أنْ يُغزى المُسْلِمُون فِي عُقر دارهم خشية الذُّل، والعار... والله سُبْحَانَهُ أَشد مِنكَ كَرْهَاً لِذَلك، وهُو قادر على نُصرة المُسْلِمِين بقيادة من تختار لخوض المعركة، وأنْتَ جَالِس في مكانك.
(وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ تُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا تُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ، وَالْمَعُونَةِ) لاَ تَخشَ من كَثرة الْعَدُوّ، وقلة المُسْلِمِين مَا دَام الله معهم... حَتَّى النَّبِيِّ الكَرِيم مَا كَان له أنْ يَنتصر لؤلاً الإمداد، والعُون من الله سُبْحَانَهُ، فوجه الرِّجَالَ إِلَى الْعَدُوّ، وتوكل على الله، وكَفَى بِربك نَصِيراً. وتَقَدَّم مِثل هذه الخُطْبَة (1).
1) أنظر، شرح الخُطْبَة : (133). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
فَبَعَثَ اللهُ مُحَمَّد ا(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)لله، بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ، بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ، وَ أَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَ لِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ، وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ. فَتَجَلَّىٰ لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ، وَأَحْتَصَدَ مَن أَحْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ (1) !
وَ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ، وَلَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَ لا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ، وَ رَسُولِهِ، وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةُ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَ لا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَ لا فِي الْبِلادِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَ لا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ! فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ، وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ (2): فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ، وَ أَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ، وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لا يُؤْوِيهِمَا مُؤوٍ. فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسَا فِيهِمْ، وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسَا مَعَهُمْ لِأَنَّ الضَّلالَةَ لا تُوَافِقُ الْهُدَى، وَإِن
اجْتَمَعَا. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ، وَ افْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إمَامَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلا أَسْمُهُ، وَلا يَعْرِفُونَ إلا خَطَّهُ، وَزَبْرَهُ. وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَتَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ، وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللهِ فِرْيَةً، وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَة (3).
اللُّغة:
محَقَ : أَهلَك. والمُمَثَّلَاتِ : جَمع المثلة، وَهِى التنكيل، والعُقُوبَة، والأمثُولَة : ما يتمثل بهِ، وأَبْوَرَ : أَكْسَد. وأَنْفَقَ : أَزْوَج. وَزَبْرَهُ - بسكون الباء - كِتَابَته. ومَثَّلُوا : نَكَّلُوا.
الْإِعْرَاب:
لِيُخْرِجَ مُضارع منصوب بأنْ مُضمرة بعد السَّلام، والمَصْدَر المنسبك مُتَعَلّق ببعث، ومثلهُ ما بَعْدَه، وَكَيْفَ مَحَقَ «كَيْفَ» حَال، وضمير أنه للشَّأن، مَا مَثَّلُوا «ما» مَصْدَرِيَة، والمَصْدَر المنسبك مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، وَمِنْ قَبْلُ - بالضّم - خَبَر مُقَدَّم أي وتمثيلهُم كَائن مِنْ قَبْلُ. وعَلَى اللهِ مُتَعَلّق بفِرْيَة، أو بشَيء محذوف حَالاً من فِرْيَة، وجاز أنْ يَكُون صاحب الحال نكرة لأنّه مُتأخر.
الْمَعْنَى:
(فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ). حَطَّم رَسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الأصنام، والزَّعَامَات الجائرة أيضاً، وَدَعا إلى الإيمان بإله واحد، و (بِقُرْآن
قَدْ بَيَّنَهُ، وَأَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ... إلخ) والعالم باللهِ يَدخل في مفهومه العِلم بعدله، ورحمته، وحكمته، أما علم الإنسان بالقُرْآن فعناهُ أنْ يعلم مَا لَهُ، ومَا عَلَيْهِ، فلا يُهل، ويُفرط في شيء من واجباته، أو في حَقٌّ من حقوقه، ومِن هُنا كَانَ الْقُرْآن نهج الحياة السَّلِيم، وصراطها الْمُسْتَقِيم.
وحسب الْقُرْآن عَظمةً أن يتخصص بمعرفته غَيْرِ الْمُسْلِمِين مِن عُلَماء الغَرب، فيكتبوا عن تأريخه، ومَذاهب تَفْسِيره، ويَستلهموا منهُ العِلم بِمَا وَرَاء الطَّبِيعَة وصلة الإِنْسَان باللهِ، ومَعْرِفَته الخير والشر، والجبر، والاختيار، والكثير عن الْأَرْضِ، والسَّماء، وبَعْض أخبار الأمم الماضية، ودياناتهم، وعاداتهم، إلى غَيْر ذَلِكَ. وأعظم صفة لِلْقُرْآن عِند الغربيين تميزه عن كُتب الأَدْيَانِ الأُخرى - أنّه لا يَتعارض مع الْعَقْل، والعِلم، ولا يدعو إلى الجمود، وأن تعاليمه تعكس إِرَادَة الملايين.
(وَ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ، وَلَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَ لا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ، وَ رَسُولِهِ.. مِنَ الْمُنْكَرِ). قَالَ ابن أبي الحديد: «أخبر الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ مِن صِفته كَذَا، وَكَذَا، وقد رأيناه، ورآه من كان قبلنا» (1). وأيضاً رآه كلّ من جاء بعد أبن الْحَدِيد (2)وَسِيرَاه ويَشكُو منهُ كلّ آتٍ حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْرِه... والسِّر أن الإنسان دائماً يطمح إلى الأفضل مِمَّا هو فيهِ حَتَّى إِذَا بَلغه نظر إلى الأعلى، وهكذا إلى خلود الذكر بعد
الموت، إلى ما لا نهاية... ومن هنا قَالَ فِرْعَوْن : (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) (1)، تُواضع مسيلمة في دعوته النُّبُوَّة... وفي هَذَا العصر، وفي كلّ عَصر أَلف فِرْعَوْنَ، وأَلف مسيلمة لو وجد من يُؤْمِن، ويُصدق.
أما كَذب على الله، ورَسُوله فهو من خصائص الأديان التي لا مَصْدر لها، ولا أساس، أو لها مُصدر، وأَسَاس، ولكن دنستها يد البدعة بالتحريف، والتزييف... وفي كتاب «صيد الخاطر» لابن الجوزي: «روي عن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سبع مئة ألف حَدِيث» (2)... وعن أبن عُقدة أنه، قَالَ : «أحفظ لأهْل البَيْت ثلاث مئة ألف حَدِيث» (3)... و عن الدار قطني : «مَا الحَدِيث الصَّحِيح فِي الحَدِيث إِلَّا الشَّعرَة البَيْضَاء في الثور الأسود» (4)، ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ أَخطر الأكَاذِيب هِي الافتراء عَلَى الله ورسوله (فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ، وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ) حَيْث تَلاعبُوا بتأويل آياته، وتَحايلُوا عَلى التزاماته، وأتخذُوا مِن الدِّين مُطِية لبلوغ المآرب، والغَايَات.
(فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ، وَ أَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ) لأنّ النَّاس، أو كَثِير منهُم أَعرضُوا عَن كِتاب الله، وشَرِيعته، وأعتنقُوا مَذاهب إلحادية، وفَلسفَات مَادِية تهدف إلى المكاسب، والأرباح (وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ). أَهْل الحَق مع الْقُرْآن، والْقُرْآن مَعهُم يسيران (فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ) يُؤدي بسَالِكه إلى الأمان من المهَالِك (لأ يُؤوِيهِمَا
1) النَّازِعَاتِ : 24.
2) أنظر. صيد الخاطر: 216/1، طَبْعَة دار الفكر دمشق. وسير أعلام النبلاء : 69/13، تاريخ بغداد : 332/10، من له رواية في مُسْنَد أحمد محمد بن علي بن حمزة : 9.
3) أنظر، تاريخ بغداد: 17/5، سير أعلام النبلاء : 347/15.
4) أنظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 105/9، بالإضافة إلى المصادر السابقة.
مُؤوِ). الْعَدُوِّ يُحَارِب عَدُوّه، ويُنكلّ بِهِ فَكَيْفَ يَقبله، ويُؤْوِيه ؟ (فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ، وَ مَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ). هُما فِي النَّاسِ دَلالة لا أثراً، وفي قيام الحجة، قطع الْمُعْذِرَة، أمّا مِن حَيْث الْعَمَل فلا مكان لهما عِند أَعْدَاء الله، والإِنْسَانِية.
(لأنَّ الضَّلالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى) ولَو توافقا لإنتفی التَّعدد، وكان النَّاسِ أُمّة وَاحِدَة على الهُدَى، أو فِي ضَلالٍ مُبِين (وَ إِنِ اجْتَمَعَا) فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَكَالخَصّمِين يَجْتَمِعَان في مجلس الْقَضَاء (فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ). أتفقُوا عَلَى أَنْ لا يَنفَقُوا (وَ اَفْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ). تَفرقُوا عَلى أنْ لا يجتمعُوا. وبِكَلِمَة أَنَّ الْإِمَام يحث عَلَى الوفاق والالفة، ويُنكر الفُرْقَة، والإِخْتِلاف تماماً كقَوْله تَعَالَى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ (1). وقيل في معناه غَيْر ذَلِكَ، وهو خلاف الظَّاهِر، أما البينات التي جاءت المُسْلِمِين فَهِيَ الْقُرْآن الكريم، وسُنَّة الرَّسُول العظيم، ولذا قَالَ الْإِمَام : (كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ). فِي الْقُرْآن كلّ مَا يَحتاج إِلَيْهِ الْمُسْلِمُون مِن أمور دينهم، والسُّنَّة شَرح له، وبيان، وإِذَنْ، فالْقُرْآن أَصل الأصول، والإمام المُتَّبع، ومَن أخذ برأيه، واجتهاده دُونَ الْقُرْآن فَقَد جَعَل مِن نَفْسِهِ إمَامَاً، والْقُرْآن مؤتماً بهِ، أَراد ذَلِكَ، أَم لَم يَرد.)وَتَسْأَل : وهل يُوجد فِي المُسْلِمِين مَن يَتعمد مُخالفة الْقُرْآن فِي شَيء ؟الجَوَاب:لا فرق من حَيْث المَسْئُولية والمؤاخذة بَيْنَ مَن يُخالف الْقُرْآن عَن قَصدٍ، وبَيْنَ
1) آلِ عِمْرَانَ : 105.
يُخالفه مِن غَيْر قصد إذا كَان هَذَا جَاهِلاً، أو لا يملك من العِلم مَا يَستخرج به الأحكام من الْقُرْآن، أو كان مُقلداً لغير المجتهد الْعَادِل مَعَ التَّفْسِير فِي السُّؤال والبحث.(فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلا أَسْمُهُ ومِن كَلامِ آخر لِلْإِمَامِ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسُمُهُ، وَمِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَسْمُهُ، وَمَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةً مِنَ الْبِنَاءِ، خَرَابٌ مِنَ الهُدَى، سُكَانُهَا، وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الْأَرْضِ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَإِلَيْهِمْ تَأْوِي الخَطِيئَةُ ؛ يَرُدُّونَ مَنْ شَدَّ عَنْهَا فِيهَا، وَيَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا. يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً تَتْرُكُ الحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ، وَقَدْ فَعَلَ، وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللهَ عَشْرَةَ الْغَفْلَةِ» (1)(وَلا يَعْرِفُونَ الأخَطَهُ، وَ زَبْرَهُ) أي كتابته، وتسطيره، وقد يُعلقونه حرزاً في الرقاب، أو يربطونه في السواعد، وما عدا ذلِكَ فَلَيْس بمهم.... أَللَّهُمَّ إلا التلاوة من الإذاعة، وفي المآتم (وَ مِنْ قَبْلُ)، أَنْ يَهمِلُوا الْقُرْآن إلا الاسم، والخط (مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ) نَكَلُوا بهِمْ شَرٌ تَنكِيل (وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ) الضَّمِير للصَّالِحِينَ (عَلَى اللهِ فِرْيَةً، وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ). الصدق عِندهم كَذب، وأفتراء، والحَسَنَة سَيِّئَة، وجريمة... ولا عجب فإنّ «مَن تَكُن نَفْسه بغير جمالٍ لا يَرى في الوجُود شَيْئاً جَمِيلاً».)### جَارَ اللهِ آمِنُ... فِقْرَة 4 - 5 :وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ، وَ تَغَيُّبِ آجَالِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ
1) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (369).
الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ، وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، وَتَحْلُ مَعَهُ الْقَارِعَةُ، وَ النِّقْمَةُ.أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللَّهَ وُفِّقَ، وَ مَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هُدِيَ (لِلَّتِي هِيَ أَقُومُ (1)فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ، وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ، وَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَسَلامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ (4). فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحَ مِنَ الْأَجْرَبِ، وَ الْبَارِيُّ مِنْ ذِي السَّقَمِ. وَ أَعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّىٰ تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ، وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ، وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّىٰ تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ. فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ. هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ، وَ صَامِتُ نَاطِقُ (5).)اللُّغَة :المراد بالمَوْعُودُ هُنا المَوْتِ وَالْقَارِعَةُ : مَا يَقرع القُلُوب بالأهوال. وَالْبَارِي هنا مِن الْبَرَاءَة مِن العِيب، أو المرض بدليل مُقابلته للسّقَم.الْإِعْرَابِ:ضَمِير إِنَّه للشَّأن : ومَا عَظَمَتُهُ «مَا» للاستفهام، ومحلها الرفع بالاِبْتِدَاء، وَعَظَمَتُهُ
1) الإسراء: 9.
خَبَر ل «مَا» أو لمبتدأ محذوف، والجملة من المُبْتَدَأ الثاني المحذوف، وخَبَرَه خَبَر المُبْتَدَأَ الْأَوَّل، والتَّقدِير أي هِي عَظَمَتُهُ.الْمَعْنَى:(وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ، وَ تَغَيُّبِ آجَالِهِمْ. المراد بطول الأمل الثِّقَة بِطُول الأجل، وأمتداد الْعُمُر... ولا شَيء أَخيب، وأَكذب مِن هَذَا الأَمل، وعَلى أي شيء أعتمد صاحبه، وهو يرى المأخوذين عَلى الغُرَّة شَباباً، وأطفالاً سالمين من الأسقام، والآفات ؟. والمراد بتَغَيُّبِ الأَجَل الجَهْل بزمنِ المَوْت مَع الغَفْلَة عنه، وعدم الاحتياط لهُ، ولا شَكٍّ أنّ مَن وَثِق بِمَا لا يَركُن إِلَيْهِ، وغفل عما لا يَغفل عَنْه - فإِنَّه يَسِير في المهَالِك (حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ) أي لا تقبل الْمَعْذِرَةُ فِيهِ بحَالٍ، وهَل للمَوْت آذان تسمع الأعْدَار ؟ (وَتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ) لأنَّ التَّوْبَةِ تُصلح ما أفسد، وتَبنِي مَا هدَم، ومتى تَعذَّر الإصلاح، والبناء لم يبق للتَّوْبَة مِن مَوْضُوع (وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ، وَ النّقْمَةُ).)إِذَا جَاء الْمَوْتِ فَلا تُوْبَة، ولا أُوْبَة، بَل أَهْوَال، وشدَائِد.(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ الله سمع مِنْهُ أَطَاع (وُفِّقَ) إِلى طَرِيق النجاة، وفاز بعلو الدرجات : ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (1). (وَ مَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقُومُ)). كلّ دَلِيل يَحتمل العكس، ولذا رأينا. العالم الأصيل يرتاب برأيه، ويُرحب بالنقد العلمي، بل يتوخاه، ويتمناه، ولا)
1) الأَحْزَابِ : 71.
يَستعمل في كلامه كَلِمَة هَذَا حَقِّ، وغَيْره جَهل، وضلال إلَّا إذا أعتمد عَلَى الدَّلِيل القاطع من كلّ وَجه، كَنصّ الوَجِي الصَّرِيح الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَيْنَ يَدِيه، ولا مِن خلفه، وبهذا تميز الْقُرْآن عَن سَائر الأدِلَّة (فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ أي من استجار بالله، أو من عمل عملاً يُقربه من الله فقد أمن العُواقب، والغُوائِل.)(وَ إِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ. إِنَّ عَظمة الله سُبْحَانَهُ فِي قُلُوب المؤمِنِينَ لا سَبب لها إلَّا مَعْرفتهم بهذه العظمة، ومَن عَرَف عَظَمَته تَعَالى لا يرى في الوجود شَيْئَاً عَظِيماً. ومن خُطْبَة ثَانِيَة لِلْإِمَامِ: «عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ - أي أنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ - فَصَغَرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ. قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَصِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ» (1). (فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ). العَظِيم هو الَّذي يخضع للحق لا من يُعانده، ويتعاظم عَلَيْهِ، قَالَ بَعْض العارفين: «الخفض ثابت للعبد بالإصالة والرفعة تثبتُ لهُ بالعرض». أي أنّ الإِنْسَان بنَفْسِه لَيْسَ بشَيء، وإِنما يُقاس بأعماله، وآثاره الصَّالحة النَّافِعة.)(وَ سَلامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ حَيْتَ يَعْلَمُون أَنه لا حَوْلَ هُم ولا قُوَّة مَع قدرته تَعَالَى إِلَّا الإستسلام : (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (2). (فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ، وَ الْبَارِيُّ مِنْ ذِي السَّقَم). يَنْفِرِ النَّاس من الْحَقِّ لأنّه تَقِيل إِلى الصَّبرِ، وجهاد النفس، ويَجر)
المتاعب لصاحبه، ويَتَّخِذه الأَشْرَارِ عَدُوّاً يُحَارِبُونه بكل سلاح، ولكنَّ الْعَاقِبَة للمُحقِّين، والمتقين، قَالَ الْإِمَام : «إِنَّ الحَقَّ ثَقِيل مَرِيءٌ - أي حَمِيدِ الْعَاقِبَةِ - وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِي» (1أي وَخِيم الْعَاقِبَة. ولَو تَعايَش النَّاسِ بِالْبَاطِل في كل شَيء مَا قَامت الحضارات، ولا تأسست المدن والمجتمعات.)(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ. المراد بالرُّشْد الحَقِّ.)وَتَسْأَل : إنّ ظَاهر هذا الكلام غَيْر مُستقيم، لأنه يربط مَعرفة الرُّشْد بمعرِفَة النَّارِك له... والعكس هو الصَّحِيح، فَكَيْفَ نَعرف فَاعِل الرُّشْد، والتَّارِك لَهُ إِذَا كُنا نَجهَل مَعْنَى الرُّشْد ؟ وهَل يُميّز القَاضِي بَيْنَ الحقِّ، والمبطل، وهو يجهل مَعْنَى الحَقِّ ؟. قَالَ الإِمَام للحارث الهمذاني: «إنّ دين الله لا يُعرَف بِالرِّجَال، فأعرف اللْحَقِّ تَعرف أَهْله» (2.)الجَوَاب:لا يُريد الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ بقَوْله هَذَا أَنْ يُحدد مَعْنَى الرُّشْد، ولا هو بصدد ذَلِكَ، وإنّما يُريد أنْ يُنبه الأَذْهَان إلى أنّ الْمُؤْمِن عَلَيْهِ أنْ يَتبرأ، ويُكافح أَهْل الفَسَاد والضَّلال، وإن على المخلص أنْ يُحَارِب الخائنين، والمعتدين، ولا يجوز أنْ يَعتزل، ويَقُول : مَا لي وللنَّاس ؟ بَل عَلَيْهِ أنْ يُجاهد، وينتصر للحق، وأهله، قَالَ سُبْحَانَهُ لنَبِيِّه الكَرِيم :)
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ (1). وبكلام آخر : إنّ الإِسْلام فِي مَفهوم الْإِمَامِ إيجابي، لا سَلبي، فهو يُحرم الظلم، وفي نفس الوقت يُوجب مُحاربة الظَّالِمِينَ.)(وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ لَنْ تَعملوا بهِ (حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ) وتُقاوموه، وتُشهرُوا بِهِ وتُنفرُوا النَّاس منهُ (وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّىٰ تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ) عَطف تَفْسِير عَلَى مَا قَبله (فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ) أي التمسك بالْقُرْآن (مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ) وأَهْلِ الْقُرْآن هُم أَهْل الْبَيْت بشهادة جدهم الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي، قَالَ : «تركت فيكم الثقلين : كِتاب الله، وعترتي أهل بيتي، لَنْ تَضلوا مَا إِنْ تَمسكتم بهما. ولَنْ يَفترقا حَتَّى يَردا الحوض» (2).
1) التَّوْبَة : 73.
2) )جمع أَسانِيد هَذَا الْحَدِيث المتوَاتِر من طريق السُّنَّة، الشيخ قوام الدين الوشتوي القمي في رِسَالَة خاصة. أسماها (حَدِيث الثَّقَلَيْن، ونشرتها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية.)أنظر، حَدِيث الثَّقَلَيْنِ : (صَحِيح مُسْلِم : 4 / فَضَائِل علي ح36 و 37، وسُنن الترمذي : 5 / باب 32، وسُنن الدارمي : 2 / فَضَائِلِ الْقُرْآن وخصائص النسائي : 50، سنن أبي داود الطيالسي : 1 /28 / 205 و 209 و 213، وابن ماجه: ح 115 (منه (قدّس سِرُّه).)أنظر، ومُسْنَد أحمد : 185/1، و : 259/3، و : 298/6 ط الميمنية بمصر، وطبقات ابن سعد : 135/8 ط أوربا، وصَحِيح البخاري: 137/3، و : 22/4، صحیح مُسلم : فَضَائِل أَهْل البَيْت : 2 / 368 ط ح 3431، عِيسَى الحلبي.أنظر، الدر المنثور للسيوطي : 198/4، و : 198/5، ومشكل الآثار : 233/1، سنن الترمذي : 5 / 327 ح 3205، صحیح الترمذي : 31/5 ح 3258 و 328 ح 3875 و 361 ح 3963 و : 248/13، أسد الغابة لابن الأثير: 12/2، و: 413/3، و : 4 / 26، و : 5 / 66 و 174 و 521 و 589 و : 521/5، وتهذيب التهذيب : 297/2.أنظر، فتح القدير للشوكاني: 279/4، شواهد التنزيل: 2/ 39 ح 659 و 706 و 707 ح 710 و 713 و 714 و 717 و 720 و 722 و 724 و 725 و 726 و 729 و 731 و 737 و 738 و 740 722 و 747 و 748 و 750 و 755 و 757 - 761 و 764 و 765 و 768، المُسْتَدرَك لِلْحَاكِم : 147/3، / 198، كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي : 54 و 373 و 374 ط الحيدرية، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي : 133 و 238 و 133،239، الرياض النضرة المحب الدين الطبري الشافعي: 248/2 الطبعة الثانية، مطالب السؤول لابن طَلْحَة الشافعي: 19/1 ط النجف، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى لحبّ الدين الطبري الشافعي : 23، تفسير ابن كثير : 483/3، تجمع الزوائد : 91/7، تأريخ الخلفاء للسيوطي : 169، ينابيع المَوَدَّة للقندوزي الحنفي : 193 و 230 ط اسلامبول، 107 و 108 و 194 و 228 - 230 و 244 و 281 و 294ط اسلامبول، مشكاة المصابيح للعمري : 254/3 تاريخ ابن عساكر الشافعي : 21/1 ح 3 وص 184 و 249 و 271 - 273، تفسير الفخر الرازي: 2/ 700.أنظر كنز العمال بهامش مُشنَد :أحمد : 53/5، مصابيح السنة للبغوي الشافعي: 2/ 278 ط محمد عليّ صبيح، المعجم الصغير للطبراني : 65/1، معالم التنزيل للبغوي الشافعي مطبوع بهامش تغيير الخازن: 213/5، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة لابن حجر : 119 و 141 - 143 و 227 ط المحمدية، تفسير الخازن : 5 / 213، مرآة الجنان لليافعي: 109/1، التاريخ الكبير للبخاري : 1 / ق 2 /69 رقم 1719 و 2174 ط سنة 1382هـ، أَسْبَاب النزول للواحدي : 203، الإتحاف للشبراوي الشافعي : 5، الاستيعاب لابن عبد البرّ بهامش الإصابة : 3/ 37 ط السعادة، تفسير الطبري: 6/22، تجمع الزوائد للهيثمي الشافعي : 9 / 168، تفسير ابن كثير : 483/3 و 484. فتح البيان لصديق حسن خان: 365/7 ط القاهرة. أَنْسَابِ الأَشْرَاف للبلاذري : 2 / 104 ح 38.أنظر فرائد السمطين للحمويني الشافعي : 316/1 ح 250 12 ح 2، و : 22/ 9 ح 356 و 362 و 364، إسعاف الراغبين للصبّان بهامش نور الأَبْصَار : 104 و 105 و 106 ط السعيدية.
(فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ أي حَياتَه، بقرينة قَوْله : (وَ مَوْتُ الْجَهْلِ). وبالعِلم يَفترق الجنس البَشَرِي عَن سَائِر المخلوقات : ولَوْلاً العِلم لكَانَتْ النَّملة بغرائزها أَكْثَر إثارة للدهشة مِن الإِنْسَان (هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ) الْمُرَاد بالحكم هنا كلّ مَا تَرَكُوه مِن آثار فِي الشَّرِيعة، وغيرها، وحُكْمُهُمْ فِي بَابِ الْقَضَاء غَيضٌ مِن)
فَيض (وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ إنّهم لا يَصمْتُون - إنْ صَمْتُوا - جَهلاً، وعَجْراً عَن الكلام كلاً، بل لأنهم يعرفون متى يتكلمون، ومتى يَسكتُون (وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ). والمراد بالظَّاهِرِ هُنا الْعَمَل، والسِّيرَة (لا يُخَالِفُونَ الدِّينَ) وَيَحتَالُونَ عَلَيْهِ لمآرب أُخرى (وَ لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) لأنهم مُنَزَّهُون عَن التَّعَصُّب، والأَخْطَاء (فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ) بدلالته الواضحة على مكانتهم، وعلو منزلتهم عند الله تَعَالَى (صَامِت) لاَ صَوْت لهُ، ومَع هَذَا فهو (نَاطِقٌ) فِي العَدِيد مِن آياته بوجوب الرُّجُوع إِلى أَهْل الذِّكر، والعِلم. وتَقَدَّم الكلام عَن أَهْلَ الْبَيْتَ (عَلَيهِم السَّلَامُ) عِدَّةَ مَرَّات.)
## الخطبة - 148 -### لكُلِّ صَلة علة:كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الأَمْرَ لَهُ، وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ، لا يَمُتَّانِ إِلَى الله بِحَبْلٍ، وَ لَا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَةٍ لِصَاحِبِهِ، وَ عَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ وَ اللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا، وَ لَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا. قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ ! فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَ قُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ. وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ، وَلِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ، وَاللَّهِ لا أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ، يَسْمَعُ النَّاعِيَ، وَ يَحْضُرُ الْبَاكِي، ثُمَّ لَا يَعْتَبِرُ !اللُّغَة:يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ : يَعْكِف، أو يتلهف عَليهِ. لا يمتَّان: لا يتقربان والمراد بالضَبِّ هنا الحقد. والمُحْتَسِبُونَ: الَّذِين يفعلون، أو يتركُون لوجه الله، والضَّلَّةِ : الضَّلالة. واللَّدْمِ : الضَّرِب عَلَى الصَّدر، أو الوجه.
الْإِعْرَابِ:عَمَّا قَلِيل «مَا زَائِدَة» أي عَن قَلِيل.كَانَتْ رِئاسة المُسْلِمِين الدِّينِيَّة، والزَّمَنِيَّة في عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مرتبطة بشخصه مُباشرة... وأختلف الصَّحَابَة على الرئاسة في اللحظة التي أنتقل فيها النَّبِيِّ إلى الرفيق الأعلى، وقبل أن يبرد جسده الشَّرِيف، ويُدرج في كفنه الطَّاهر، فِي هَذِه اللَّحظة برزت مُشْكِلَة الخِلافَة : لمن تَكُون بَعد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ قَالَ الْأَنْصَارِ : نَحْنُ أَوْلَى بالنَّبِيِّ، فقد آوينا، ونَصرنا، وخضنا المعارك مِن أجله، وأجل الإِسْلاَم وَقَالَ المُهَاجِرُون القُرَشِيُّون : نَحْنُ من شجرة النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسبقنا إلى الإِسْلام، والهِجْرَة، فالخلافة لنَا مِن دُونَ النَّاس... ولا أدرى : هَل يرتبط حَدِيث «أَلْخِلافَة فِي قُرَيْش» بهذه الدعوى ؟.)وعلى كل فقد أشتد الصراح بَيْنَ الصَّحَابَة عَلَى الْخِلافَةِ، ولكنْ مَا فَكَّر واحد من الَّذِين طَمحُوا إِلَيْهَا أَنْ يَشهر السَّيْف مِن أَجلها مُحقاً، أم مُبطلاً، ولا حدثته نَفْسه ذَلِكَ خَوْفاً من الْفِتْنَة، وآثارها السَّيِّئَة عَلى الإِسْلام، والمُسْلِمِين. وذكرنا فيها سَبَقَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلْإِمَامِ : آمدد يَدكَ حَتَّى أُبا يعك، والله لأملأنّها عَلَيْهِمْ خَيلاً ورَجلاً (1، وإنّ الإِمَام زَجرة، وَقالَ لهُ : طَالما غَششت الإِسْلام، وأَهله. وأيضاً سبق قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) «وَ وَاللهِ لَأسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ الأعَلَيَّ خَاصَّةً، التماساً لأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيهَا تَنَا فَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ،)
1) تَقَدَّم إستخراج ذَلِكَ، وأنظر، الفِتْنَةِ الْكَبْرَى - 2 - عَليّ وبَنُوه للدكتور طه حسين : 17، طبعة سَنَة 1964 م. تاريخ اليعقوبي: 150/2، شرح النهج : 7/6، تاريخ الطبري : 449/3، والسَّقِيفَة لأبي بَكْر الجوهري برواية شرح النهج لابن أبي الحديد : 130/2.
وَزِبْرِجِهِ» (1هَذِهِ يَد عُظمى أسدَاهَا الْإِمَام لِلإِسْلام لا يُنكرها إِلَّا جَاهل أو عدو لِدِين الله وَنَبِيّه.)كَانَ الصَّحَابَةِ بَعد النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يَتنافسون على الرئاسة، ثُمَّ يَنفَقُون عَلَى أَحدهم في جُوٍ غَيْرُ ودِي، بل ومُشبع بالجفاء، ولكنْ مِن غَيْرِ حَرْبٍ، وقِتَال حِرصاً عَلى مصلحة الإسلام، ووحدة المُسْلِمِين حَتَّى ثَار أَصْحَابِ الجَمَل طَلباً للرئاسة لا لِدَمِ عُثمَانَ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَرْب أَوَّل لِقَاء بالسُّيوف بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِن أَجل الْخِلَافَة، ومِن ذلِكَ الحين فتح بَاب الْفِتَن للطَّامعين، وأنحصر الطَّرِيق إِلى الخِلافَةِ بالسَّيْف، أو الوراثة... لَوْلا الجُمَل مَا كَانَتْ صِفِّين، وعلى الأقل مُهد أَصْحَاب الْجَمَل الطَّرِيق أَمَام مُعَاوِيَة، وجرأوه عَلى أنْ يَشهر السَّيْف في وجه أَلفِين وثمنمئة من الصَّحَابَة كلّهم كَانُوا مَع الإِمَام فِي صِفِّين، وفي طليعتهم عمار بن ياسر، وأبو أيوب الأَنْصَارى.)و فِي الخُطْبَة التي نَحْنُ بصددها أشار الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى الزُّبَيْرِ، وطَلْحَة، بقَوْله : (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الأَمْرَ لَهُ، وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ). المراد بالأمر هنا الحُكْم والسُّلْطَان، وكان كلّ من طَلْحَة، والزبير يرى نَفْسهُ أَجل، وأعظم من الآخر.)يطلب الرئاسة ليفرض سُلطانه على صاحبه، وغَيْره من النَّاس : أمّا هَذَا النّمط مِن التَّعايش السلمي بَيْنَ الاثنين، وأجتماع كلمتهُما عَلَى حَرْبِ الْإِمَامِ فَقد فَرضه عَلائِهِمْ فَرضاً النَّكث بِبَيِّعَة الإمام التي أجمع عَلَيْهَا الصَّحَابَة، والمُسْلِمُون من دونهما، عَلى أنّ الخلاف ظهر بين الاثنين، وهُما مُجتمعان لحزب الإِمَام، قَالَ ابن أبي
1) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (74).
الحَدِيد: «ذكر أرباب السِّير أنْ طَلْحَة طَلب من عَائِشَةَ أَنْ يُسلّم النَّاسِ عَلَيْهِ بالأَمْرة، وطلب الزُّبَيْرِ أنْ يكُون ذَلِكَ لهُ دُونَ طَلْحَة، وأَصلحت هِي بَيْنَ الاثْنَيْن، وأمرت.النَّاس أَنْ يُسلموا بالأمْرة عَلائِهِم مَعاً». وأيضاً أختلفا فِي تَوَلّي الْقِتَال، فطلبه كلّ مِنْهَا، ثُمَّ نَكل عَنْه، وأختلفا أيضاً في إِمَامَة الصَّلاة، فنحتها عَائِشَةَ، وأمرت أن يُصلي بالنّاس مُحَمّد، وعبد الله بن الزبير، هَذَا يُوماً، وهَذَا يُوماً» (1.)وَقَالَ ابن الأثير في تأريخه : إِنْ عَائِشَةَ أمرت أنْ يُصلي بالناس أبن أختها عبد الله ابن الزبير، وأيضاً قَالَ أبن الأثير : «لما خرجت عَائِشَةَ لقتال علي تبعتها أمهات عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يبكين عَلى الإِسْلام، فلم يَر يَوْم أَكْثَر بَاكِياً، وبَاكِية من ذَلِكَ الْيَوْم، حَتَّى سمي يَوْمَ النَّحِيب (2، وأقبل جَارِيَة بن قُدَامَة السَّعدي، وَقَالَ لها : «يا أُم المُؤْمِنِينَ
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحَدِيد: 110/9.
2) روى يَوْمِ النَّحِيب الطبري في حوادث سَنَة (36 هـ) : 314/10. وابن كثير : 230/7 عن سَيْف بن عُمَرَ التميمي عن ابن الشهيد عن أبن أبي مليكة قَالَ : خَرج الزُّبَيْرِ وطَلْحَة ففصلا، ثم خرجت عَائِشَة، فتبعها أمهات المُؤْمِنِينَ إلى ذات عرق - حدّ بَيْنَ نجد وتهامة - فلم ير يَوْم كَانَ أَكثر باكياً على الإسلام أو باكِياً لهُ من ذَلِكَ اليوم، كَانَ يُسمّى«يَوْم النَّحِيب» وأمرت عبد الرحمان بن عتاب - أبن أسيد بن أبي العيص بن أُمَيَّةَ بن عبد شمس قُتل يَوْم الْجَمَل في جيش أُم المُؤْمِنِينَ عَائِشَة - فكان يصلي بالناس، وكَانَ عدلاً بينهم...)ولسنا بصدد بَيَان هَذا اليوم، وبيان حال ووثاقة سيف بن عُمَرَ، ومختلقاته، لكن نكتفي بما نقله العلّامة العسكري في كتابه عبدالله بن سَبَا : 1 / 264 ط 5 مط دار الزهراء بيروت ما ملخصه : إنّ خَبَر مُشايعة أمهات الْمُؤْمِنِينَ لامَ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة إلى ذات عرق لم تجد هذا الخبر أثراً غَيْر مَا روي من حَدِيث أُم سلمة أو كتابها إلى عَائِشَة لما همت بالخروج : يا عائشه إنك سدّة بَيْنَ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وبَيْنَ أُمته، حجابك مضروب على حرمته، وقد جمع الْقُرْآن ذيلك فلا تَندحيه، وسكن الله عُقيراك فلا تصحربيها، الله من وَرَاء هذه الأمة، قد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد فيك عهد بل قد نَهاك عن الفرطة في البلاد، ما كنت قائلة لو أنّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد عارضك بأطراف الفلوات ناصة قلوصك قعوداً من منهل إلى منهل ؟ إن بعين الله مثواك، وعلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعرضين، ولو أمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألي محمّداً هاتكة حجاباً جعله الله علي، فأجعليه سترك، وقاعة البيت قبرك حتى تلقيه وهو عنك راض.)وذكر هذه المكاتبة والمراسلة بَيْنَهما ابن طيفور في بلاغات النِّسَاء: 8، والزَّمَخْشَري في الفائق : 290/1، وبأختلاف يسير في الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة لابن قتيبة : 76/1 تحقيق علي شري منشورات الشريف الرَّضِي، وأبن أَعْثَمْ فِي الْفُتُوحَ : 456/1 الطبعة الأولى دار الكتب العلمية بيروت. وأضاف صاحب العقد الفريد : 69/3، و : 317/4 ط دار الكتاب العربي : ولو أنّي حدثتك بحديث سمعته من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لَنَهْشتِني نهش الحيَّة الرّقشاء المطرقة والسلام. فقالت : عَائِشَة : يا أُمّ سلمة، ما أقبلني لوعظك. وأعرفني بنصحك ليس الأمر كما تقولين، ولنعم المطلع مطلعاً أصلحت فِيهِ بَيْنَ فئتين متناجزتين.)وفي المحاسِن والمَسَاوِىء للبيهقي : 481/1 ط مكتبة نهضة مصر: أنّ أُمّ سلمة حلفت أن لا تُكلّم عَائِشَة من أجل مسيرها إلى حزب علي... فلم تكلّمها حَتَّى ماتت. (أنظر المعيار والموازنة للإسكافي المُعْتَزِلي: 27 - 29، الغدير : 83/9 و 319، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 79/2 وتذكرة الخواص : 65. وكتبت أُمّ سلمة إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مكة كتاباً جاء فيه : أما بعد، فإنّ طَلْحَة والزُّبَيْرِ وأشياع الضلالة يريدون أن يخرجوا بعَائِشَة ومعهم عبدالله بن عامر، يذكرون أن عُثمَانَ قُتل مظلوماً والله كافيهم بحوله وقُوَّتِه، ولَوْلاً مانهانا الله عن الخروج وأنتَ لم ترض به لم أدع الخروج إليك، والنصرة لك، ولكني باعثة إِلَيْكَ بأبني وهو عدل نفسي عُمَرَ بن أبي سلمة يشهد مشاهدك فاستوص به يا أمير المُؤْمِنِينَ خيراً، فلما قدم عُمَرَ على على أكرمه، ولم يزل معه حَتَّى شهد مشاهده كلّها. (أنظر المعيار والموازنة: 30 تذكرة الخواص: 65، تأريخ الطبري: 5 / 167، الكَامِل في التاريخ: 113/3).
والله لقتل عُثمَانَ أَهون من خروجك من بيتكِ عَلى هَذَا الْجَمَل المَلعُون» (1). وَقَالَ هَا رجل من أَخوالها بَنِي لَيث يُقَال لَهُ عُبَيْدِ بن أَبِي سَلَمَة : «والله إِنْ أَوَّل مَا أَمَالَ حَرف عُثمَانَ لأنتِ، ولقد كنتِ تَقُولين : أقتلوا نعثلاً فقد كفر» (2).
1) أنظر، البداية والنهاية : 259/7، روضة الواعظين: 135 تأريخ ابن خلدون : ق2 / ج 2/ 156، تاريخ الطبري : 60/1 و : 176/5، تذكرة الخواص : 67، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 88/1، الكَامِل في التاريخ : 90/3.
2) أنظر تأريخ الفتوح لابْن أَعْثَمْ: 225/2، النهاية لابن الأثير : 80/5، شرح النهج للمعتزلي : 77/4 تاريخ الطَّبَرِي : 12/3، خطب نهج البلاغة لعَبْدَه : 3/3، تاج العروس: 141/8، لسان العرب: 193/14، الكَامِل في التاريخ : 206/3. تذكرة الخواص: 61، الإمامة وَالسَّيَّاسَة : 49/1. ولكن بلفظ (فَجر)، السَّيرَة الحَلبية : 286/3، ترجمة الإمام الحَسَن لابن عساكر : 197 ابن عساکر : 197 ح 325 المحصول للرازي 343/4، شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبو ريه : 170.
(لا يَمُتَّانِ إِلَى اللَّهِ بِحَبْلٍ، وَ لَا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ وعطف الجملة الأُولَى عَلَى الثَّانِيَة من بَاب عَطف التَّفْسِير، والمعنى لم يخرج طَلْحَة، والزُّبَيْر لوجه الله، بل طَلباً للدُّنْيَا (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبِّ لِصَاحِبِهِ) أي حاقد عَلَيْهِ للتَّنافس على الجد والسُّلْطَان (وَ عَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ). الهَاءِ فِي قِنَاعُهُ وَ«بِهِ» يَعُود إِلَى كُلَّ وَاحد مِنْهُمَا، والمَعْنَى أنّ كُلاً من طَلْحَة، والزُّبَيْر سَيفضح الآخر بفعله من حيث يُريد، أو لا يُريد. وقد حدث هذا بالفعل، لأنّ الزبير ترك القِتال نادماً (1)، وبقي طَلْحَة في سَاحة الْقِتَال يُنَادِي ويَقُول : «عباد الله الصَّبر الصَّبر، فإِن بَعد الصبر النَّصر،)
1) وردت أقْوَال كَثِيرة في قتل ابن جرموز المجَاشِعيّ للزبير بن العوام بن خُوَيلد بن أسد بن عبدالعزى بن كلاب القُرشي الأسدي، والذي أسلم بمكة وعمره 7 أو 12 سنوات. وكَانَ مِمَّنْ خالف عُثْمانَ، ولما قتل عُثمَانَ بادر إلى بَيْعَة علي ثم خرج إلى الْبَصْرَةِ مُطالباً بدم عُثمانَ. ولما تقابل الجيشان طلبه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذكره بأقوال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مثل «ستقاتل عَلِيَّاً وأنتَ ظالم له» وقد أشرنا إلَيْها قبلاً، وإلى المحاورة التي دارت بَيْنَها، ولَسْنَا بصدد بيان كلّ الأقوال بل نذكر بعض المصادر التي تحت أَيْدِينَا.)أنظر، الْفُتُوح: 475/1، تأريخ الطَّبَرِيّ : 511/3 و : 540/3 حوادث سنة 36 هـ و 199/5، و : 540/3 ط أخرى، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 93/1، البداية والنهاية : 277/7، المسعودي في مروج الذهب : 362/2 الأغاني : 126/16، شرح النهج لابن أبي الحديد : 78/1، تأريخ ابن أَعْثَم: 281/1 ط حیدرآباد تهذیب ابن عساکر : 364/5. أسد الغابة : 199/2، ابن الأثير في تاريخه: 94/3، العقد الفريد : 322/4، المستدرك : 366/3 كنز العمال : 82/6 ح 1283 و 1290 و 1318 - 1320، الذهبي في النبلاء : 38/1 تأريخ اليعقوبي : 158/2، الإصابة: 527/1 الترجمة (2789، مُسْنَد احمد : 165.
والأجر - كما في شرح ابن أبي الحَدِيد - ومَعْنَى هَذَا أنّ كلاً مِنْهُمَا كَان يَزري بصاحبه : هَذَا بِمَا فَعل، وَذَاكَ بِمَا تَرَك (1.)(وَ اللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا، وَلَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَىٰ هَذَا. لو أنّ الرِّئَاسة انحصرت بواحد من الاثنين بلا تعيين لقامت الحَرْب بَيْنَهما، ولَم تقعد، وصمم كلّ مِنْهُمَا عَلى قَتل صاحبه لا يرده عَنْه شَىءٍ (قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) وَهِي النَّاكِثُون، وأتباعهم (فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ ؟) الرَّاغبون في مرضاة الله يُجاهدون هَذِهِ الْفِئَةُ النَّاكثة للعهد (فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ). الضَّمِيرِ فِي «لهُمُ» للمحتسبين أي مَن أَراد ثَواب الله فهَذا طَرِيقه، وهُو جِهاد البغاة، والخَبَرَ إشارة إلى قول النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للإِمَامِ : «تُقاتل بعدي النَّاكِثِينَ، والْقَاسِطِينَ، والْمَارِقِينَ» (2)(وَلِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ) يَتعلل لها الضّلال، يُبرر ضَلاله، وإفساده، وقَد تَعلل أَصْحَاب الْجَمَل وصِفِّين بِدَمِ عُثمَانَ... وسبق قول الْإِمَام : «وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقًّاهُمْ تَرَكُوهُ. وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ» (3)(وَلِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ)، ولكن أَصْحَاب الْجَمَل نَكثوا بلا شُبهة لأنّ حَق الإِمَام لا يقبل الشك، ومع التسليم - جدلاً - بأنهم أشتبهوا فإنّ الدِّمَاء تُحقن بالشبهات، وقد أباح أَصْحَاب الْجَمَل دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، وأَثَارُوا الْفِتَن إلى قيام يَوْم الدين.)
1) أنظر : شرح النهج لابن أبي الحديد : 431/2، الفتوح لابن أَعْثَمْ: 484/1، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 97/1. الطَّبَرِيّ في تأريخه : 519/3 534 الاستيعاب : 207، الإصابة : 2 / 222 المُسْتَدرَك : 371/3، التهذيب لابن عساكر: 84/7، وأسد الغابة : 60/3، والذهبي في النبلاء : 82/1.
2) تَقَدَّم استخراج ذلِك.
3) أنظر، نهج الْبَلاغَة : الخُطْبَةُ (137). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
(وَ اللهِ لا أُكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ، يَسْمَعُ النَّاعِيَ، وَ يَحْضُرُ الْبَاكِي، ثُمَّ لَا يَعْتَبِرُ جَاء في التَّأريخ لابن الأثير : «إنّ عَائِشَةَ، والزُّبَيْرِ، وطَلْحَة قَدمُوا إِلَى الْبَصْرَةِ خَارِجِين على عليّ، وقاتلوا عامله عَلَيْهَا، وهو عُثمان بن حُنَيْف (1)، وأَكْثَرُوا الْقَتْل في أَصْحَابِهِ، ومنهم حكيم بن جبلة العبدي، وأسروا عُثمَانَ، واستشاروا عَائِشَةَ فِي فقالت : أقتلوه. فناشدتها إمرأة، وقالت: الله فِي دَم عُثمَانَ، وصُحبته لرّسُول الله «فَأمرت بحسبه، فقال مُجَاشِع بن مسعود: أضربُوه، وأنتفوا لحيته، وأشفار عِينِيه. فضربُوه أَرْبَعِين،سوطاً، وتتفوا لحيته، وحَاجِيبه، وأشفَار عِينِيه، وحبسوه على مرأى مِن أُمّ المُؤْمِنِينَ» (2).)ولما أخبر الْإِمَام ذَلِكَ قَالَ: «وَاللهِ لا أَكُونُ كَمُسْتَمِع اللَّوْمِ، يَسْمَعُ النَّاعِي، وَ يَحْضُرُ الْبَاكِي، ثُمَّ لَا يَعْتَبِرُ». كَيْفَ أَسكت عَن أَصْحَابَ الجَمَل، وقَد مثلوا، ونكلوا بعاملي، وقتلوا العديد من المُسْلِمِين ظُلماً، وعُدْوَاناً، ولَو سَكتُ، ووهنتُ لكنتُ كَمَن يَسمع صَوْت النَّاعِي ينعى المقتولين ظُلماً، ويرى الْبُكَاء واللطم عَلَيْهِمْ، ثُمّ لا يُحرك سَاكِناً !. وأي عُذرِ لِي عِند الله أنْ تَجَاهلتُ، وأهمَلتُ.وَقَالَ أَهْل السِّير : حاول الإمام جهدهُ أنْ يتجنب قتال أَهْل الجَمَل، ولَكِنَّهُمْ
1) عُثمان بن حُنَيْف بن واهب بن الحكيم الأنصاري الأويسي أبو عَمْرُو، وأبو عبدالله، شهد أحداً وما بعدها. (أنظر أسد الغابة : 371/3، وتأريخ الطَّبَرِي : 465/3).
2) أنظر، الكَامِل في التاريخ لابن الأثير : 205/3، وتأريخ ابن أَعْثَمْ: 176، أسد الغابة : 2 /38، وشرح نهج البلاغة : 481/2 ط بيروت أفست، وأنساب الأشراف للبلاذري : 228/2، ومروج الذهب للمسعودي : 358/2 كتاب الجمل للشيخ المفيد ط الحيدرية، تأريخ الطبري: 178/5، كتاب أحاديث عَائِشَة أُمّ المُؤْمِنِينَ للعسكري: 121/1 - 200 ط الحيدرية في طهران و 172 - 270 ط 5 مطبعة صدر نشر دار التَّوْحِيد.
أصرُّوا، وعِندئذ رفع مصحفاً بيده، وَقَالَ : مَن يَأخذ هَذَا المُصحف فَيدعُوهم إِلَيْهِ، ولهُ الجَنَّة، فقام غُلام شاب اسمه مُسْلِم وَقَالَ : أنا، فنظر إِلَيْهِ الْإِمَام وَقَالَ: يَا فتى إنْ أَخذته فإنّ يَدك اليمنى تُقطع، فتأخذهُ بِيدَك اليسرى فتقطع، ثم تُضرب بالسَّيْف حَتَّى تُقتل. فقال لا صبر لي عَلى ذلِكَ. فنادى الإِمَام ثَانِيَة فقام المذكور، وأعاد الإِمَام عَلَيْهِ الْقَوْل فِيرجع الغُلام حَتَّى تَكَرَّر ذَلِكَ مَرَّات، قَالَ الغُلام : أنا آخذه عَلَى الَّذِي ذكرت، وهُو قَليل في الله.فأخذ الْقُرْآن بِيمينه، ونَادَى الْقَوْم، فَقطعوا يده اليمنى، فتناول الْقُرْآنِ بِاليُسرى ونَاداهم، فقطعُوها، فأنها لوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوف حَتَّى قُتل (1.
1) حضر مع عائِشَة المنجاب بن راشد في الرَّبَاب وهم :تيم وعدي وثور، وعكل، بنو عبد مناف ابن - أدين - طانجة بن إلياس بن مضر، وضبة بن أدبن طانجة، وحضر أيضاً أبو الجرباء وهو من بني عُثمان بن مالك بن عَمْرُو بن تميم فَقَالَ : یا لعَمْرُو إ لا تعتزلوا هَذَا الأمر، وتولّوا كيسه، فكان أبو الجرباء على بني عَمْرُو بن تميم، والمنجاب بن راشد على بني ضبة...)وَقَالَ هلال بن وكيع : لا تعتزلوا هَذَا الأمر، ونادى بالحَنْظَلَة تولّوا كَيسه، فكان هلال على حَنْظَلَة. وطاوعت سعد الأحنف، وأعتزلوا إلى وادي السباع.وذكر الطبري أيضاً أنه كَانَ على هوازن، وعلى بني سليم، والأعجاز مُجاشع بن مسعود السلمي، وعلى عامر زفر بن الحارث، وعلى غطفان أعصر بن النعمان الباهلي، وعلى بكر بن وائل مالك بن مسمع وأعتزلت عبد القيس إلى عليّ إلّا رجل فإنَّه أقام، ومن بكر بن وائل قيَّام وأعتزل مِنْهُم مثل من بقي مِنْهُم عَلَيْهِمْ سنان، وكَانَتْ الأزد على ثلاثة رؤساء : صبرة بن شيمان، ومسعود وزياد بن عَمْرُو، والشواذب عَلَيْهِمْ عليهم رجلان على مضر الخريت بن راشد، وعلى قضاعة والتوابع الرعبي الجرمي وهو لقب، وعلى سائر اليمن ذو الآجرة الحميري.وأنظر أيضاً أبن أَعْثَمْ في الفتوح : 465/1 وذكر أيضاً أبا الجرباء بأنه من أصحاب الزبير بن العوام - وَهِي كُنيته. في بني عُمَرَ بن تيم. وهلال بن وكيع في بني حنظلة، وصبرة بن سبحان على الأزد، ومجاشيع بن مسعود السلمي على سليم، وزفر بن الحارث في بني عامر، وغطفان ومالك بن مشبع على بكر والحارث بن راشد على بني ناجية - بنو ناجية : نسبة إلى أُمّهم ناجيه زَوْجَة سامة بن لؤي بن غالب القُرشيّ، وخرج سامة إلى ناحية البحرين مغاضباً لأخيه كعب بن لؤي في مخاصمة كَانَتْ بَيْنَهُمْ فنهش ساقه أفعى فقتله. وقيل غَيْر ذَلِكَ، أي أنهم ليسوا من قُرَيْشٍ وَقَالَ أبن حزم في الجمهرة : 162 : قَالَ فِيهِمْ بَعْض شُعراء قريش :وسَامة منّا فأمّا بنُوه ***فأمرهم عِنْدَنَا مُظلمأنظر الأغاني : 203/10، شرح النهج لابن أبي الحديد : 112/9 تحقيق محمد أبو الفضل.وعلى الْيَمَن ذَوِي الْأَحْمَر الحميري. فنزلت مضر إلى مضر، وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ربيعة إِلى رَبِيعَة، واليمن إلى اليمن، وكل قبيلة نزلت إلى أُختها.وكَانَ أصحاب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ عشرين ألفاً تأريخ الطبري: 517/3، أما أبن أَعْثمْ في الفتوح: 463/1 فيَقُول : تسعة عشر ألف رجل من فارس، وراجل وسار علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)من ذي قار يريد البَصْرَة في جميع أصحابة والنّاس يتلاحقون به من كلّ أوب.)وأصحاب طَلْحَة والزُّبَيْرِ وعَائِشَة ثلاثين ألفاً، فأرسل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ عشية اليوم الثالث من نزولهم عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير بالسلام، وأرسل طَلْحَة، والزبير إلى عليّ بالسّلام، وتردّدت الرُّسل بَيْنَهُمْ في الصَّلح فتداعوا إِلَيْهِ، وشاع ذَلِكَ في الفئتين فسر الناس ذَلِكَ، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها من الفرح، والسُّرُور. ولما أشرفوا عَلَيْهِ من الصلح وبات الذين أثاروا أمر عُثمَانَ بأسوأ لَيْلَة لما رأوه، ونظروه من تراسل القَوْم، وتصافيهم، فباتوا يتشاورون ليلتهم فأجمع رأيهم على إنشاب الحزب مع الْفَجْرِ.)قَالَ : فلما كَانَ غلس الصبح ثاروا إلى أصحاب طَلْحَة، والرُّيَّير، مضرهم إلى مضرهم، وربيعتهم إلى ربيعتهم، ووضعوا فيهم السلاح، فثارت كل قبيلة إلى أختها، وقام الحَرْب بَيْنَهُمْ، وثبت الْقِتَالِ، ولم يَدر النّاس كَيْفَ الأمر، ولا كَيْفَ كَانَ. سبق وأن أشرنا إلى ذَلِكَ ! ودور مَرْوَان في نشوب ودور مَرْوَان فى نشوب الْقِتَال ولا تريد تکراره هنا، لكن الكلام من تاريخ الطبري: 517/3 - 518.فقام في المَيْمَنَة أصحاب طَلْحَة عبد الرَّحمان بن الحارث، وفي الميسرة عبد الرحمان بن عتاب. وعبد الرحمان بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص القرشي الأموي أُمّه جويرية بنت أبي جهل، وكان آسم سَيْفه «ولول» وقطعت يده وفيها خاتمه قَالُوا : فخطفها نسر ذَلِكَ اليوم وطرحها بالمدينة، أو اليمامة فعرفت يده بخاتمة. (أنظر الطبري: 210/5، أسد الغابة : 308/30، نسب قريش : 193.)وفي الْقَلْب طَلْحَة، والزُّبَيْرِ فَقَالُوا لأصحابهم : كَيْفَ كَانَ هَذَا الأمر؟قَالُوا: لا ندري إلا وقد طوقونا في غلس الصبح واضعين فينا السُّيُوف.وَهَذَا يدلّ على أنّ طَلْحَة، والزبير هما يعبئان الجيش.في أبن أَعْثَمْ في الفتوح: 463/1 قَالَ :.... فَكَانَتْ الخيل كلّها إِلى طَلْحَة، ورجالة إلى عبد الله بن الزُّبَيْرِ، وعلى خيل المَيْمَنَة مَرْوَان بن الحكم، وعلى رجالتها عبد الرحمان بن عتاب بن أسيد، وعلى خيل الميسرة هلال بن وكيع الدارمي، وعلى رجّالتها حاتم بن بكير الباهلي، وعلى الجناح عُمَرَ بن طَلْحَة، وعلى رجالتها عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى خيل الكمين جُندب بن يزيد الجاشعي، وعلى رجالتها مُجاشع بن مسعود السلمي. فَقَالَ طَلْحَة، والرُّبَير : إنّ عَلِيَّاً لم يطعنا حَتَّى يسفك الدماء.وَهَذَا يدلّ على أنّ طَلْحَة، والزُّبَيْر هما يعبّئان الجيش.وصاح رجل من بني ضبة : وطنوا أنفسكم على الصبر... وأنشأ أبياتاً مطلعها :أَلا قُولا لطَلْحَة، والزُّبَيْر ***وقُولاً للذين هُم النُّصارفَقَالَ له الزُّبَيْر : بئس ما قلت يا أخا بَني ضبة...وبلغ ذلك علي بن أبي طالب (رضیَ اللّهُ عنهُ فَقَالَ : إنّ الْقَوْم قد تعبوا الحزبكم، فماذا عِنْدَكُم من الرأي ؟ فَقَالَ له رفاعة بن شداد البجلي: يا أمير الْمُؤْمِنِينَ تَعبية لتعبية... وأنشأ أبياتاً مطلعها :)أنتك الأمور يسعد السعود وسرت إلى الْفِئَةُ النَّاكِنةقَالَ : ودنا علي في أصحابه من الْبَصْرَةِ، فَقَالَ طَلْحَة بن عبيد الله لأصحابة: أعلموا أيها الناس أن عَليَّاً وأصحابه قد أضرّ بهم السفر وتعب الطريق، فهل لكم أن نأتيهم اللَّيْلَة فنضع فيهِمُ السَّيْف؟ فَقَالَ مروان بن الحكم : والله لقد استبطأت هذه منك أبا محمّد وليس الرأي إلا ما رَأَيْتَ، قَالَ : فضحك الزُّبَيْرِ من ذَلِكَ، ثمّ قَالَ : أَمن عَليَّ تُصاب الْفُرْصَة وهو من قد عرفتم ؟ أما علمتم أنه رجل ما لقيه أحد قط إلا ثكلته أُمّه ؟ فسكت طَلْحَة، ولم يرد إلى الزُّبَيْرِ شَيْئاً.قَالَ : ثُمّ وثب رجل من أصحاب الزبير يكنى أبا الجرباء فَقَالَ للزبير : أبا عبدالله أما الرأي عِنْدِي إِلا أن تبيتوا هَذَا الرّجل، فإنّ الرّأي في الحزب من التَّجدة، فَقَالَ له الزبير : يا أبا الجرباء إننا لنعرف من الحزب ما لم يعرفه كثير من الناس... نقلنا ذَلِكَ من أبن أَعْثَمْ في الفتوح: 463/1 - 466 بتصرّف.ونَحْنُ نسأل بدورنا الطبري، وأبن الأثير، وأبن حزم، وأبن تيمية وغيرهم: أو لم يَكفِ هَذَا بأن الْقَوْم قد صمموا على الحزب مهما بذل الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ من نصائح، ورسائل، ووفود ؟! ولو أردنا أستعراض كلّ الرّسائل، والخطب والمساجلات بينه، وبَيْنَ طَلْحَة، والزبير، وعَائِشَة وكَيْفِيَّة أعتزال الزبير الحزب، وخير الفتى الَّذي حمل المصحف إلى أصحاب الجَمَل يَدعُوهم إِلَيْهِ لأصبحت كتاباً منفرداً، وقول الفتى: يا هَؤُلاء : هَذَا كتاب الله عزّوجلّ بيننا وبَيْنَكُمْ قَالَ: فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها، فأخذ المصحف بشماله فقطعها، فأحتضن المصحف بصدره، فضرب على صدره حَتَّى قتل (رَحمهُ اللّه)، فَنَظَرْت إِلَيْهِ أُمّه وقد قتل، فأنشأت أبياتاً :)يَا رَبِّ إِنْ مُسلماً أَتاهم بمحكم التنزيل إِذْ دَعَاهُموقام ابن عم له يرثيه بقَوْله :تناوله شقي منهم بضربةٍ ***ابان بها يُمناه حَتَّى تَصُوبأنظر الأبيات الأُولَى، والثَّانِيَة في تاريخ الطَّبَرِي : 206/5 و 216، و: 522/3 بأختلاف يسير. و مروج الذهب: 9/2 و 13.
## الخطبة - 149 -### الإِنْسَان فِي مَهَبِّ الرِّيح:أَيُّهَا النَّاسُ، كُلُّ امْرِي لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ الْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ. وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ كَمْ أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ. هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونُ ! أَمَّا وَصِيَّتِي : فَاللَّهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَ مُحَمَّداً، فَلا تُضَيَّعُوا سُنَّتَهُ. أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ، وَخَلَاكُمْ ذَمُّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا. حُمِّلَ كُلُّ أَمْرِي مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ، وَ خُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ، رَبُّ رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ، وَ إِمَامٌ عَلِيمٌ. أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَ أَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ ! غَفَرَ اللهُ لِي وَ لَكُمْ (1!)إِنْ تَثْبُتِ الْوَطاةُ فِي هَذِهِ الْمَزَيَّةِ فَذَاكَ، وَ إِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ، وَ مَهَابِّ رِيَاحٍ، وَ تَحْتَ ظِلٍّ غَمَامٍ، أَضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَقَّقُهَا، وَ عَفَا فِي الْأَرْضِ مَخَطُّهَا. وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً، وَ سَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُنَّةً خَلَاءً سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَادٍ، وَ صَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ لِيَعِظُكُمْ هُدُوِّي، وَخُفُوتُ إِطْرَاقِي، وَسُكُونُ أَطْرَافِي، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ، وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ. وَدَاعِي لَكُمْ
وَدَاعُ أَمْرِي مُرْصِدٍ لِلتَّلاقِي غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي، وَ يُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي، وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي، وَ قِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي (2.)اللُّغة:مُوَافَاتُهُ : أَتيانه إِلَيْكَ. وأَطْرَدْتُ الأَيَّامَ : تَتَبعتها يُومَاً ويُومَاً، ومَا شَذّ عَنِي مِنْهَا يَوْم واحد، والقرينة عَلَى إِرَادَة هَذَا الْمَعْنَى قَوْله «أَبْحَتُهَا». وَخَلَاكُمْ ذَمُّ : بَرَئْتُم مِنهُ. وتَشْرُدُوا : تَنْفِرُوا. والْمُزَيَّةِ : الزَّلق، والسقوط. وتَدْحَضِ الْقَدَمُ : يَبلغها الزَّلق، ولَم تثبت له. والأَفْيَاءِ: جَمع فيء. وَمَهَابّ رِيَاح : المكان الذي تَهَبٌ فِيهِ. ومُتَلَفّقها : ما تجمع مِنْهَا منظماً بعضه إلى بعض. المراد بالمخَطُّ هُنا الأثر لأنّه فَاعِل لـ «عَفَا» والأطْرَاف : الرَّأْس، واليَدان، والرّجلان. وسَتُعْقَبُونَ : سَتَجِدُون عَقِيبٍ فَقَدِي، أو بعد فَقَدِي. ومُرْصِدٍ : مُنتظرالْإِعْرَابِ:هَيْهَاتَ أسم فعل بِمَعْنَى بَعُد، وعِلْمٌ خَبَر مُبْتَدَأ محذوف أي ذلِكَ عِلْمٌ، فَالله مَفْعُول لفعل محذوف أي أحْذَر الله، أو أطيعوا الله، ومُحَمَّداً معطوف على الله، وشَيْئَاً مَفْعُول مُطلق أي شَيْئَاً من الشِّرك من أي نَوْع كَانَ، و«الْعَمُودَيْنِ» عطف بيان، أو بدل من هَذَيْنِ، وحَمَلَ كُلُّ أَمْرِي لَمُبْتَدَاً، ومجهُودَهُ خَبَر، وَرَبُّ خَبَرَ لَمُبْتَدَأ محذوف أي رَبُّ رَحِيمٌ، ومثلهُ دِينُ قَوِيمٌ أي دينكُم دِينُ قَوِيمٌ، وَإِمَامكم إِمَامٌ عَلِيمٌ، فَذَاكَ مُبْتَدَأ والخَبَرَ مَحذُوف أي فَذَاكَ مَا تُرِيدُون، وجُثّةً مَفْعُول سَتُعْقَبُونَ.
الْمَعْنَى:(أَيُّهَا النَّاسُ، كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ. الْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ. وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ. أَبَداً لا مهرب من المؤت، فهو مُلاقِينا مشرقِين، أو مغرّبِينَ، مُسافرين، أو مُقِيمِين (كَمْ أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ، فَأَبَى اللَّهُ إِلا إِخْفَاءَهُ). هَذَا إشارة إلى أن الإمام يموت شهيداً.)والمعنى أن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أخبره، وبَشِّره بالشهادة، وإِنه سَأل النَّبِيِّ : مَتى يَكُون ذَلِكَ ؟ فمَا أَنبأه به، لأنّ الله سُبْحَانَهُ قضى، وقدّر أنْ لا تَدري نفس بأي مكان، أو زَمَان تَموت، ولكنّ الإِمَام كَان ينتظر الشَّهادة فارغ الصَّبر، يُودع يُوماً بلا جدوى، ويستقبل آخر عَسى، ولعل (هَيْهَاتَ! عِلْمٌ مَخْزُونٌ) أي كَيْفَ أَعرف وقتٌ مَنِيتِي، وقَد حَجَبَ الله سُبْحَانَهُ هَذَا العِلمِ عَن عِبَادِهِ ؟.)قَالَ الإِمَام هَذَا وَمَا بَعْدَه حِين ضَربه اللعين ابن ملجم، وكلامه هنا واضح الدَّلالة على أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ ما كان يعلم بالتفصيل أوان مقتله، وشهادته، ولَكِنَّهُ كَان عَلى علم بأن الشهادة آتيه لا ريب فيها لقول الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) له : «إن أشقى الآخرين من يَضربك هَهنا - مُشيراً إلى رأْسه - فيخضب هذه» أي لجينة الشريفة (1).
1) هَذَا الْحَدِيث ورد بألفاظ متعدّدة. وبطرق أيضاً متعدّدة عن أبي فضاله، وغيره كما جاء في البداية والنهاية : 218/6، و : 358/7، مجمع الزوائد : 137/9، والحاكم في المستدرك وصحيحه: 113/3 و 143. الفتح الرباني : 23 / 163، وكنز العمال: 297/11، وذَخَائِرِ الْعُقْبَى: 115، والصَّوَاعِقِ المَحْرقَة: 121 ب 9 فصل 2. وفي المناقب لابن شهر آشوب : 111/3، والمناقب لابن المغازلي : 8 ح 5 و : 80 ح 400، يَنابيع المَوَدَّة : 396/2 ط أسوة، تأريخ دمشق : 278/3 ح 1364 و 1365، فرائد السمطين :1 / 390 / 327 مُسند أحمد : 263/4، ابن كثير في تأريخه : 247/3، الطبري في تأريخه: 261/2.)السيرة لابن هشام : 236/2، عمدة القاري للعيني : 630/7، طبقات ابن سعد : 509، عُيُون الأثر لابن سيد الناس : 226/1، الإنتاع للمَقْرِيزِي : 55 السيرة الحلبية : 142/2، تأريخ الخميس : 2 / 364.
(أَمَّا وَصِيَّتِي : فَالله لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَا تُضَيَّعُوا سُنَّتَهُ. أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ، وَخَلَاكُمْ ذَمُّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا). أَصل الأصول لِلْإِسْلاَم شَيْئان : الإِخلاص الله وحده في الأقوال والأفعال، والالتزام بما جاء به مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في السلوك لا بمجرد النِّية، والقَوْل، والمظهر، والشَّعائر التي لا تحل أيّة مُشْكِلَة من مشكلات الإِنْسَان، وحياته، أما قَوْله : «مَا لَمْ تَشْرُدُوا» فَعَنَاهِ مَا لَم تَنحرفُوا عَن خَط الإِخْلاص لله، والْعَمَل بِسُّنة رَسُول الله، وفي هَذَا المَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ) (1)أي وأستمر على إيمانه، وعَمل بموجب تُوبته.)(حُمِّلَ كُلُّ أَمْرِي مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ. إن تكليف الْإِنْسَانَ يَكُون بِحسب طاقته ومُؤهلاته، فمَسْئُولية القَائِد أخطر، وأثقل مِن مَسْئُولية التَّابِع، وواجب العالم غير واجب الجَاهِل، وحِساب الأغنياء شَدِيدٌ، وعَسِير على العكس من حساب الْفُقَرَاء : (رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (2). وهُناكَ نَوْعٍ ثَالِث غَيْر الأتباع، والقادة، وهُم الأحرار الَّذِين يرفضون الْبَغْى، والفَسَاد، ويُجاهدون المفسدين الطُّغاة (وَ خُفِّفَ عَن الْجَهَلَةِ). الجَهْل عَن قصور وعدم استعداد عُذر شَرعِي، وعَقلِي، لأنّ القاصر أشبه بالحَيَوَان، أمّا الجَهْل عَن إهمال، وتقصير فَليس بعذر، فالمقصر تماماً كالمتعمد، لأنه استطاع العِلم، ولَم يَتعلم وفِي الحَدِيث:)
يقال للجاهل غَداً : هَلاً تعلمت ؟ (1.)(رَبُّ رَحِيمُ أي رأى النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِمَرْأَة تَضمُ رَضِيعها فِي حَنان، وتُلقمه ثَدِيها فِي غبطة، فقال لأصحابه : «أترُون هَذِهِ طَارحة طفلها فِي النَّارِ ؟ قَالُوا : لا والله. فقال : إن الله أرحم بِعِبَادِهِ مِن هَذه بولدها» (2)(وَ دِينُ قَوِيمٌ) يَهْدِي لِلَّتِي هِي أقوم.» فيحل الطّبيات، ويُحرم الخبائث، ويُريد بالنَّاس اليُسر، ولا يُكلف نفساً إلا وسعها (وَ إِمَامٌ عَلِيمٌ) بِكتاب الله، وسُنّة نَبِيِّه، وبكلّ ما يُصلحكم، ويُفسدكم... (وأراد به نَفْسه أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ) أُدافع عنكم، وأدبر شُؤونَكُم بكفاءة، وإخلاص (وَ أَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةً لَكُمْ) مُلقی على فراشي لا أستطيع حراكاً كما ترون.)(إِنْ تَثْبُتِ الْوَطَّأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ. إن سلمتُ، وعُوفِيت مِن ضَربة أبن ملْجَم فَذَاك الَّذِي تَبغُون (وَ إِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ) أي كَان أَجلي بهذه الضَّربة (فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ، وَ مَهَابِّ رِيَاحٍ، وَ تَحْتَ ظِلٍّ غَمَامٍ، أَضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا، وَ عَفَا فِي الْأَرْضِ مَخَطُّهَا)، أي أنَّ الْعُمُرِ يُفى كالظل، ويذهب كالريح، ويندرس كالأثر (وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ، وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ لِيَعِظُكُمْ هُدُوّي، وَخُفُوتُ إِطْرَاقِي، وَ سُكُونُ أَطْرَافِي، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِي، وَ الْقَوْلِ الْمَسْمُوع). الأجْسَام تحيا مَا دَام فيها الرُّوح، فإذا خرجت مِنْهَا صَارت جُنَّة هَامِدة بلا حراك، وإحْسَاس، ونُطق..)
ولكن حالها ينطق بأبلغ العِظَات. قَالَ أَحد رجال الإِسْكَنْدَر حِين نَظر إِلى جُثَّته : لقد حَركنا بسكُونه» (1، ومن لا يتعظ بغيره فهو من الجاهلين الهالكين.)(وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ أَمْرِي مُرْصِدِ لِلتَّلاقِي مَع الله من أجل الحِسَاب والجزاء، وفي كتاب «إحياء العلوم» للغزالي: «إنّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ظَهر أنينه حين النزع، وارتفع حَنِينه، وتغير لونه، وعرق جبينه، وأضطربت في الانقباض، والانبساط شماله، ويمينه» (2)(غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَ يُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي، وَ تَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُو مَكَانِي، وَقِيَام غَيْرِي مَقَامِي) تَعرفُون فضلي بعد أنْ يَخلو مَقامِي مِن بَيْنَكُمْ. وتُجربُون غَيْري «وبضدها تتبين الأشياء» (3). وما ظهر أَعْدَاء الإمام، وحساده على حقيقتهم إلا بعد أنْ أختاره الله إلى جواره، ومَا عَرف أَصْحَابِه مكانته، وعَظَمَته إلا بعد أن حكمهم الفجار، والأشرار.)قَالَ الإمام الحَسَن (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أتيتُ أَبِي فِي اللَّيْلَة التي ضُرب في صبيحتها، فقال : أَرقت اللَّيْلَة، ثُمَّ مَلَكَتْنِي عَيْنِي، وَأَنَا جَالِسٌ، فَسَنَحَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فَقُلْتُ : يَا)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد : 104/1 و: 123/9.
2) أبو حامد محمد الغزالي الطوسي (450 - 505هـ) مولده ووفاته في الطابران - قصبة طوس بخراسان رحل إلى نيسابور، ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فيضر، وعاد إلى بلدته. نسبته الى صناعة الغزل، أو إلى غزالة من قرى طوس. له كتب كثيرة منها : إحياء علوم الدين راجع: 154/3، تهافت الفلاسفة، المنقذ من الضلال..... أنظر ترجمته في كتاب رجال الفكر والدَّعْوَة في الإسلام: 206، الكويت سنة 1969، المنتظم لابن الجوزي: 169/9 ط دائرة المعارف حیدرآباد.
3) أنظر، مواهب الجليل : 478/3، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 208/4 ح 4869 فتح الباري: 70/1، نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 124/9، البرهان للزركشي: 49/1، سُبل الهدى والرشاد : 443/1.
رَسُولَ اللهِ، مَا ذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأَوَدِ، وَ اللَّدَدِ ؟ - أي العُوج، والخُصُومَة ؟ (1فَقَالَ: «أَدْعُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ : أَبْدَلَنِي اللهُ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَأَبْدَلهُمْ بِي شَرّاً هُمْ مِنِّي» (2).)
1) رُوي ذَلِكَ بطرق عديدة، فمثلاً عن عمار الدهني عن أبي صالح الحنفي قَالَ : سمعت عَليّاً لا يقول : رَأَيْت النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في منامي، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ ما لقيتُ من أُمِّته من الأود، واللّدَد - العُوج والخُصُومَة الشَّدِيدة - وبكيتُ، فقال : لاتَبكِ يا عَليّ والتفِتْ، فالتفتُ فإذا رَجُلان مُصَفّدان، وإِذَا جَلامِيد تُرْضَح بها رُؤوسهما. أنظر النهاية : 244/4، الإرشاد : 15/9، المناقب للخوارزمي : 378 و 402، مناقب ابن شهر آشوب : 3 / 311، كشف الغمة : 433/1 ط الحديثة قريب من هَذَا اللفظ، وتذكرة الخواص : 100، إعلام الورئ: 311/3، 155، بحار الأنوار : 225/42، شرح النهج لابن أبي الحديد : 128/1، شرح النهج للفيض: 156 خُطْبَة (96)، تأريخ دمشق ترجمة الإمام عليّ : 295/3، الإستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة : 61/3.
2) أنظر. نهج البلاغة : الخطبة (70).
## الخطبة - 150 -### لا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ... فِقْرَة 1 - 2:وَأَخَذُوا يَمِيناً، وَ شِمَالاً ظَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ. فَلا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ، وَلا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ. فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ. وَ مَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ ! يَا قَوْمِ، هَذَا إِيَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَ دُنُو مِنْ طَلْعَةٍ مَا لَا تَعْرِفُونَ (1. أَلَا وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ، وَ يَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً، وَ يُعْتِقَ فِيهَا رقاً، وَ يَصْدَعَ شَعْباً، وَ يَشْعَبَ صَدْعاً فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لَا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ. ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ. تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَ يُرْمَى بِالتَفْسِير فِي مَسَامِعِهِمْ، وَيُعْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوح (2) !)اللُّغة:ظعناً : سَيْراً، ومُرْصَدٌ : مَحفُوظ لا يفوت شيء منه. والتَّبَاشِيرِ : أَوائل كلِّ شَيء. وإِيَّانُ الشَّيء : وَقتهُ، ودنُوّه. والرِّبقة : الْعُرْوَة فِي الحَبل. والرّبق : الحبل فيه عدة
عُرى. وَيَصْدَعَ شَعْباً : يُفرق ما اجتمع من الْبَاطِل. وَيَشْعَبَ صَدْعاً : يَجمع مَا تَفرق من الحَقِّ. ويُشْحَذَنَّ: مِن شَحَذَ السِّكِين إذا حددها. والْقَينِ : الحَدَاد. والنَّصْلَ : حديدة السَّيْف، والريح، والسَّهم، والسكين، ورُبَّما سُميّ السَّيْف نَصلاً، وَيُغْبَقُونَ. والغبوق - بفتح الغين - مَا يُشرب في العَشِي. والصَّبُوح - بفتح الصاد - ما يُشرب، أو يُؤكل في الصَّباح.الْإِعْرَاب :يَمِيناً، وَشِمَالاً نُصب على الظرف أي أَخَذُوا فِي جهة اليمين، وجهة الشمال، وظَعْناً وَتَرْكاً مَصْدَر فِي مُوضع الحال أي طاعنين، وتاركين، فَكَم خَبَرية للتَّكثِير، ومحلها الرفع بالاِبْتِدَاء» و «ما» الباء بمعنى شَيء، أو أمر، وجُملة إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ خَبَر كَمْ». وفِي سُتْرَةٍ مُتَعَلِّق بمحذوف حَالاً مِن فَاعِل يَشْعَبَ أي فاعلاً ذَلِكَ فِي سُتْرَة.الْمَعْنَى:(وَأَخَذُوا يَمِيناً، وَشِمَالاً ظَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ. يُشِير الْإِمَام بهذا إلى فِئَةٍ، أو فُرقة ضَلت عَن سَبِيل الهُدَى، وانحرفت إلى طريق الضلال وهو الإفراط بتجاوز الحد إلى جانب الزِّيَادَة كالغلو المسمّى في لغة العصر باليمين المتطرف، أو التفريط بالتّجاوز إلى جانب النقصان، ويُقَال له : اليسار المتطرف (فَلأ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنُ مُرْصَدٌ) لماذا التَّسرع، والاستعجال إِلى أَمرٍ هُو آت لا محالة ؟)
وفِي خَطْبَة ثَانِيَة : «لَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلُهُ اللهُ لَكُمْ» (1، خَيْراً كَان أَم شَرّاً (وَ لَا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ) فَكُلّ آتٍ قَرِيب.)### حَوْلَ السُّرْعَة :(فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ. بالصَّبر، والرَّوِيَّة يَبلغ الإِنْسَان مَا يُرِيد، ويضع الأَشْيَاء فِي مَوْضِعها الصَّحِيح... وكُم مِن سُرْعَة جلبت منيَّة، كسائق العَرَبَة : يُسرع ليُوفر بعض الوقت فيهلك، ويُهلك... والإعتدال حسن فِي كُلّ شَيء حَتَّى فِي الصَّلاة، وذكر المؤت، فإنّ الإكثار مِنْهُمَا قَد يُفسد الحياة، والغلو في الْحَقَائِقِ يُجيلها إلى أباطيل، وقَدِيماً قيل : إذا تجاوز الشيء عن حده أنعكس إلى ضده، وَقَالَ سيّد النَّبِيِّين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «أما والله إنّي لأخشاكم الله»، وأتقاكم له، ولكن أصوم وأفطر، وأُصلّي، وأرقد، وأَتزوج النِّسَاء، ومَن رَغِب عَن سُنتِي فَلَيْسَ منِي» (2).)وَقَالَ الفَيْلَفُوس الصينى «لين يُوثانج»: «إنّ خِيرة الحارِبِينَ لا يَظْهرُون غَضبهم الجامح، وإن أعظم الفاتحين انتصاراً يكتسبون الإنتصارات دُونَ أنْ يَخُوضُوا المعارك، كما أن أفضل النَّاس أستخداماً للآخرين يتظاهرون بأنهم دُونهم، فهَذا
1) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (190).
2) أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 1949/5 ح 4776، تَفْسِير القُرطبي : 261/6، صحيح ابن حبان : 20/2 ح 317، سنن البَيْهَقِ الْكُبْرَى : 77/7 ح 13226، شعب الإيمان : 381/4 ح 5477، أعتقاد أهل السُّنَّة : 97/1 ح 138، الترغيب والترهيب : 30/3 ح 2953. فتح الباري : 541/10 ح 5751، سُبل السلام : 110/3.
هو السُّلْطَان الذي يتحقق دُونَ نِزاع» (1.)(وَ مَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ. وكلّما قَرُب الغَد بَعد الَّذِي قَبله، بل يَصِير عدماً بلا تأريخ إلا مع الأثر الطَّيِّب، وقَد يَبْقَى هَذَا التَّارِيخ، والأثر يبقَاء الله، كَيُوم مولد مُحَمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الَّذي جَاء ايذاناً بالتحول الخطير الكَبِير فِي حَيَاة العالم كله، وصَدق فيه قول الشاعر (2):)ولِدَ الهُدَى فالكائِنَات ضِيَاء*** وفَمُ الزَّمان تبسم وثناءُ(يَا قَوْمِ، هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَدُنْةٍ مِنْ طَلْعَةٍ مَا لا تَعْرِفُونَ. يُشير بهَذا إلى ما يحدث بَعْدَه مِن الْفِتَن تمهيداً لقَوْله : (أَلَا وَ إِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ، وَ يَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ). ستقع فِتَن كَثِيرة، ومتنوعة بعد الإِمَام فِي كلّ زَمَان، وفِي الشّرق، والغرب، ومِنْهَا مَا يحدث في عصر الأَئِمَّة الأطهار مِن آل الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأي منهم أدرك شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَإِنَّه يُعالجه بِمَا تَستدعيه الحكمة، ويَهْدي إِلَيْهِ الْعَقْل السليم، ودين الله القويم كما يفعل الْأَنْبِيَاء، والأَوْصِيَاء.)(لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً يدفع الشبهات، ويحل المشكلات (وَيُعْتِقَ فِيهَا رِقّاً) من الجهل والضلال، أي يَهْتَدِي الكَثِير بنُوره إلى نهج السَّبِيل (وَ يَصْدَعَ شَعْباً) يفصل الأخيار الطَّيِّبِين عَن المُزيفين الَّذِين يتظاهرون بالخير، والصَّلاح كذباً، ورِياءً (و يَشْعَبَ صَدْعاً) يَجمع الْمُؤْمِنِينَ الطَّيِّبِين، ويُوحد كَلمتهم تحت لوائه بَعد أنْ كَانوا مُوزعين مُشتتين (فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ) أي أنّ)
الإِمَام يَفعل ذلِكَ لوجه الله بلا طنطنات، ودعايات حُبّاً بِالسُّمعة، والشُّهرة وطَمعاً فِي الثَّناء، والمديح.(ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ. تُجْلَى بِالتَنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَی، بِالتَفْسِير فِي مَسَامِعِهِمْ، وَ يُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ يَتخرج مِن مَدرسة إمَام ذَلِكَ العَصر عُلَماء بحلال الله، وحرامه، وبكتابه، وسُنَّة نَبِيِّه، ويتركون لِلإِسلام، والمُسْلِمِين أحسن الآثار، وأنفعها لِلْإِنْسَانِ، وحَيَاةِ الإِنْسَان، ويصدق هَذَا الْوَصْف الَّذي ذكره على تلاميذ حفيده الإِمَام جَعفر الصَّادِقِ، فَقد بلغ عددهم ما يربو عَلى أَرْبَعَة آلاف وألّف العديد مِنْهُم أربعمئة كتاب فيا أملاه من العلوم وأجوبة المسائل، وتُسمى هذه الكتب بالأصول، لِأَنَّهَا الحِجْر الأساسي لتأليف الشّيعة في الْعَقِيدَة، والفِقْه،والحيث، الأخلاق، وغيرها (1).)### حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ... فِقْرَة 3 - 4:وَطَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ، وَيَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ حَتَّى إِذَا أَخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ. وَ أَسْتَرَاحَ قَوْمُ إِلَى الْفِتَنِ، وَ أَشَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ، لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ، وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ، حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاءِ، حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ، وَدَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَأَعِظِهِمْ (3، حَتَّى إِذَا قَبَضَ الله رَسُولَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ، وَ غَالَتْهُمُ السُّبُلُ، وَاتَّكَلُوا عَلَى الْوَلائِجِ، وَ وَصَلُّوا غَيْرَ الرَّحِمِ، وَ هَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ، وَ نَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَبِّ)
1) أنظر، إعلام الورى بأعلام الهدى : 200/2، مَعالِم الْعُلَماء لابن شهر آشوب : 3 الوجيزة للشيخ البهاء: 183، الذريعة 125/2، وَسَائِل الشّيعة : 208/30، المعتبر للمحقق : 5.
أَسَاسِهِ، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَ أَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ. قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ، وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ، عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ : مِنْ مُنْقَطِعِ إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنِ، أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِن (4.)اللُّغَة:الْغِيرَ - بكسر الغين - أحداث الدَّهْر، ونُوائِبه، وأَخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ : قَرُب، وأُوشك أنْ ينتهي. وَأَشَالُوا : مِن شَالت الناقة ذَنْبَهَا إِذَا رَفعته. ولَقَحت الحَرْب أي هَاجت والولائج : جمع الوَلِيجَة، وَهِي بطانة الرَّجُل، وخاصته، وتُطلق على نيته، ودخيلته. والْمُرَاد بِالغَمْرَة هُنا - بفتح الغين - الشِّدَّة، ومَارُوا : أضطربُوا.الْإِعْرَاب :مَعَادِنُ خَبَر لمبتدأ محذوف أي هُم مَعَادِنُ، وعَلَى سُنَّة آلِ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّق بمحذوف حالاً من وَاو الجَمَاعَة فِي ذَهَلُوا أي سائرين عَلَى سُنَّةٍ آلِ فِرْعَوْنَ، مِنْ مُنْقَطِع بدل مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.الْمَعْنَى:(وَ طَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ، وَيَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ. الضَّمِيرِ فِي «بِهِمْ» يَعُود إلى غَيْر مَذكورين في الكلام، وَقَالَ الشّيخ مُحَمّد عَبْدَه : (يَعود إلى أَهْل الجَاهِلِيَّة) (1).. ولا تهمنا معرفة المقصودِين بالذات، إذ لا جدوى من هذه المَعْرِفَة)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 36/2.
والمهم أن نعرف مكان العِظَة والعبرة لكي نتعظ، وتعتبر، ومثل هَذَا كَثِير فِي كِتاب الله : (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (1)... (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُواْ الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) (2)... (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ) (3). ومَعْنَى قُول الإِمَام : ولا تَكُونُوا كَالَّذِين غَصب الله عَلَيْهِمْ، وَلم يُؤاخذهُم بِمَا كَسَبُوا، ويُعاجِلهُم بالنقمة، والعُقُوبَة عَلَى مَا أَفسدُوا، وأَثَارُوا من الْفِتَن، لتكون الحجّة عَلَيْهِمْ أقوى وأبلغ حَيْث يَنادُونَ فِي الغَى ويُبدلون نِعْمَة الله كُفْراً. قَالَ سُبْحَانَهُ : (أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) (4).)(حَتَّى إِذَا أَخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ. أَوْسَك أَنْ يَنتهي أمد الإمْهَال، والإملاء (وَ اسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ). تمادى فِي الْفَسَاد، وسكت عَنهُم قَوْم آخرُون دُونَ أنْ يُحركُوا سَاكِناً (وَ أَشَالُوا عَنْ لَقَاحٍ حَرْبِهِمْ) أي أن هَؤُلاء الْقَوْمِ هَادَنُوا أُولَئِكَ الْمُفْسِدِينِ الَّذِينَ طَالِ بهم الأمد، ولم يَشنُوا الحزب عَلَيْهِمْ حُبّاً بالدعة، والسَّلامة، وتهاوناً بواجب النهي عَنِ الْمُنكَر.)(لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللهِ بِالصَّبْرِ. لا يستقيم هذا الكلام إلا بتقدير جُملة محذوفة، ويكون السّياق هَكذا : بَعد أنْ سَكَت قَوْم عن الَّذِينَ أَفَسدُوا نهض جَمَاعَة مِن المؤْمِنِينَ لجهاد المفسدين، وصَبَرُوا عَلَى جِهَادهم، ولَم يَنَّ الْمُؤْمِنُونَ الْجَاهِدُونَ عَلَى الله بالصبر، والجهاد (وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ) بل رأوه واجباً)
عَلَيْهِمْ، وأمانة فِي عُنقهم.(حَتَّىٰ إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلاءِ أي أن البلاء بأَهْل الْبَغْي. والْفِتَن أستمر أمده حَتَّى قضى الله، وقدّر نهايته، وعندئذٍ حَمل الْمُؤْمِنُون (بَصَائِرَهُمْ عَلَىٰ أَسْيَافِهِمْ). المراد بالبصائر، والْعَقِيدَة، والمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَعلنوا عَقِيدتهم. ودافعُوا عَنْهَا، وناصروا بأسلحتهم، وأستَماتُوا دُونها (وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ) بطاعتهم لهُ، وجهادهم في سَبِيله (بِأَمْرِ وَأَعِظِهِمْ) أي مُرشدهُم، وهُو الَّذي قادهُم فِي هَذَا الجهاد المقدس.)(حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ). يُشِير بهَذا إِلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) (1).)وفي صَحِيح البُخَارِيّ، كتاب الْفِتَن : «إنّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُول يَوْم الْقِيَامَة أي أصحابي... فيقول له : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (2).. وفي حَدِيث ثَانٍ من أحاديث البُخَارِيّ : إِنَّكَ لا تَدري مَا بَدلوا بعدك... فأقول : سُحقاً، سُحقاً لمن بَدل بَعدِي» (3). وليس من شكّ أنّ المراد بهذا التّبديل الإعراض عن سنّة الرَّسول)
1) آلِ عِمْرَانَ: 144.
2) أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 83/9. صَحِيح مُسلم : 1796/4، مُسْنَد :أحمد : 140/3 و 297/6، شنن ابن ماجه : 1439/2، مصابيح السُّنَّة : 537/3.
3) الْصَّحَابَة لغةٌ : الصاحب. وجمعه: صحب، وأصحاب، وصحاب، وصحابة والصاحب : المعاثِير والملازم أو المجالس أو المشايع ولا يُقَال إلا لمن كثرت،ملازمته، وإنّ المصاحبة تقتضي طول لبثه. طول لبثه. (أنظر، لسان الْعَرَب، ومفردات الراغب، وتاج اللغة للجوهري، وتاج العروس للزبيدي، والمعجم الوسيط، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، ومختارات الصحاح للرازي).)أمّا في الْقُرْآن الكريم فقد جاء ذكر أصحاب، وصاحبة، وصاحبهما، وأصحابهم، وصاحبته، و تصاحبني.وكلّ واحدةٍ من هذه الألفاظ وغيرها تدل على معنى لأنّ الصحبة تكون بَيْنَ اثْنَيْن أو طرفين. ولابد أن تضاف إلى اسم كما في قَوْله تَعَالَى: (يَا صَاحِبَي السّجْنِ و (أَصْحَابُ مُوسَى) وَغَيْرِ ذَلِكَ. (أنظر. سُورَة الْكَهْفِ : 37، لُقمان : 15، النِّسَاء : 36، التَّوْبَةِ : 40، الْقَمَر : 29، النّجم : 2، سَبَا : 41، يُوسُفَ : 39 و 41، الذاريات: 59. وأنظر. التفاسير هذه الآيات كتفسير ابن كثير : 92/3 و 444 و 494/1، و 2 / 358 و 265/4).)أما تعريف الصَّحَابِي عند أهل السُّنة : فَهُوَ من لي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مؤمناً به، ومات على الإسلام (الإصابة لابن حجر: 10/1). ولَسْنَا بصدد مناقشة التعريف.)ثم ذكر ابن حجر في ضابط يستفاد من معرفته صحبة جمع كثير، فَقَالَ: إِنّهم كانوا في الفتوح لا يؤمرون إلّا الصَّحَابَة. (وإنه لم يبقَ بمكة ولا الطائف أحد في سَنَة عشر إلا أسلم وشهد مع النّبي حجّة الوداع وإنه لم يبق في الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا دخل في الإسلام وما مات النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأحد مِنْهُم يظهر الكفر. (الإصابة: 13/1 - 16).)وَهَذَا التعريف هو المختار عند أكثر المحققين، إلا من شدّ مِنْهُم ووضع شُرُوطاً أَرْبَعَة من صحبته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه قد غزا معه، أو اسْتَشْهدَ بَيْنَ يديه. (أنظر، الاسْتِيعاب لابن عبد البرّ، أسد الغابة، الإصابة، تقريب التهذيب.)ويرى أَهْلِ السُّنّة : أنْ الصَّحَابَة كلّهم عدول، إذ ثبت أن الجميع من أهل الجنَّة، وأنه لا يدخل أحد منهم النّار. (الإصابة : 9/1 و 10.)أما مدرسة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ فترى أن لفظ «الصَّحَابِي» ليس مُصطلحاً شرعياً، وإنما شأنه شأن سائر مفردات اللغة العربية، والصحبة تشمل كل من صحب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو رأه أو سمع مِنْهُ، فهي تشمل : المُؤْمِن والمنافق، والْعَادِل والْفَاسِق، والبر والفاجر، ولذا يقُول السَّيِّد مرتضى الرّضوي : الشيعة يوالون أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذين أبلوا البلاء الحسن في نصرة الدين، وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم. (آراء عُلَماء المُسْلِمِينَ للسيد مرتضى الرّضوي : 87). حَيْث قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئك هُمُ الصَّادِقُونَ) الحجرات: 15. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التَّوْبَةِ : 119.)لم يكن موقف الشيعة من هَؤُلاء غامضاً ولا متزلزلاً، ولذا قال أحد رواد التقريب : لا أقول إن الآخرين من الصَّحَابَة - وهم الأكثر الذين لم يتسموا بسمة الولاء لأهل البيت - قد خالفوا النّبي ولم يأخذوا بإرشاده، كلاً ومعاذ الله أنْ يُظنَّ فِيهِمْ ذَلِكَ ! وهم خيرة من على وجه الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، ولكن لعل تلك الكلمات لم يسمعها كلّهم، ومن سمع بعضها لم يلتفت إلى المقصود منها، وصحابة النبي الكرام أسمى من أن تُحلّق إلى أوج مقامهم بغاث الأوهام (أصل الشيعة وأصولها للشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء : 84.)ويضيف (رَحمهُ اللّه بعد أن يذكر بما وقع بحق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لا يذهبنّ عنك أنه ليس مَعْنَى هَذَا أنا نريد أن تنكر ما لأولئك الخلفاء الحَسَنَات، وبَعْض الخدمات لِلْإِسْلام التي لا يجحدها إلا مكابر، ولَسْنَا بحمد الله من المكابرين، ولا سبّابين ولا شتامين، بل ممَّنْ يشكر الحَسَنَة ويُغضي عن السَّيِّئَة، ونقول : تلك أُمة قد خلت لها ما كسبت وعَلَيْها ما اكتسبت وحسابهم على الله، فإن عفا فيفضله، وإن)أمّا السَّيِّد الشهيد الصدر المرجع الشيعي الشهير والذي عاش مُجاهداً وداعياً إلى الإصلاح ومخاطباً في بياناته التَّارِيخية أبناء الأمة الإسلامية بقوله : «يا أبناء عليّ. ويا أبناء عُمَرَ...» والذي أعدمته الزُّمَرة الْحَاكِمة في بغداد عام 1980م فقد قَالَ : إنّ الصَّحَابَة بوصفهم الطليعة المُؤْمِنة والمستنيرة كانوا أَفْضَل وأصلح بذرةٍ لنشوء أُمّة رسالية، حَتَّى أنّ تأريخ الإنسان لم يشهد جيلاً عقائدياً أروع وأنبل وأطهر من الجيل الذي أنشأه الرَّسُول القائد. (بحث حَوْلَ الْوِلَايَة : 48/11 - المجموعة الكامله لمؤلّفاته (قدّس سِرُّه التي جمعت في 15 مجلداً ومن أشهرها وأكثرها إنتشاراً «اقتصادنا» و «فلسفتنا» و «البنك اللاربوي»).)إنّ الصحبة ليست بمجردها تليس صاحبها لباس العدالة والصَّحَابَة واقعاً ليسوا بدرجة واحدة، وإنما تختلف منازلهم، وطبقات صدقهم، فمنهم الأقوياء، ومنهم الضعفاء، ومِنْهُم المُنَافِقُون والرامون فراش رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بالإفك ! ومنهم من حاول إغتياله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)! وأخبر عنهم. وهم الذين قَالَ فِيهِمْ الْقُرْآن الكريم ! مخاطباً لهم بعد أن أرتدوا وأشركوا وأنقلبوا على أعقابهم : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عِمْرَانَ: 144. وهم الذين قَالَ فِيهِمْ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : يا ربِّ، أصحابي أصحابي ! فيُقال له : إنك تدري ما أحدثوا بعدك. (صحيح البخاري :9 83، صَحِيح مُسْلِم : 1796/4 حَدِيث الحوض، مُسْنَد :أحمد : 140/3). وفي حديث آخر :قَالَ : فأقول : سحقاً سحقاً. (سنن ابن ماجه: 2/ 1439، مسند أحمد: 297/6، مصابيح السنة : 537/3) إِلَى غَيْر ذَلِكَ من الْأَحَادِيث.)ومِنْهُم مَن تشتاق إِلَيْهِ الجُنَّة، وقد أثنى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ والرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في أحاديثه، وأنهم المقصودُونَ في التّناء: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَا : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانا سيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثْرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئهُ و فَازَرَهُ و فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِى يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمَا) الفتح : 29.)هؤلاء قاموا بمعالم الرَّسَالَة، وبذلوا النصيحة، وهذّبوا الطرق، وأذل الله بهم الكفر والشرك، وصارت بهم كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السُّفْلَى فصلوات الله عَلَيْهِمْ وعلى أرواحهم الطاهرة بعد ما كانوا في الحياة أولياء، وبعد الممات أحياء.والخلاصة : أنّ الشيعة يَقُولُون بعدالة المتصف بالعدالة من الصَّحَابَة فقط، ولذا تراهم يردّدُونَ الأدعية الواردة عن الأئمة الأطهار بحق الصَّحَابَة كدعاء الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ حَيْث يَقُول : لقد رَأَيْت أصحاب محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يُصبحون شُعثاً غُبراً. وقد باتُوا سُجداً وقياماً. يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بَيْنَ أعينهم رُكَبَ المعرّى من طولِ سُجودِهم، إِذَا ذُكِرَ الله هَمَلَتْ أعينهم حَتَّى تَبلَّ جُيوبهم، ومادُوا كما يميدُ الشَّجرُ يَوْم الريح العاصف، خَوْفاً من العقاب ورجاءً للثواب. (نهج البلاغة تحقيق الدكتور صبحي الصالح : 143).)ويَقُول (عَلَيهِ السَّلَامُ: أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومَضَوا على الحق ؟ أين عمار؟ وأين أبن التيهان (أبو الهيثم مالك بن التيهان) ؟ وأين ذو الشهادتين (خزيمة بن ثابت الأنصاري) ؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم... الذين تَلُوا الْقُرْآن فأحكموه ؟ وتدبّروا الفرضَ فأقاموه أخبوا السنة وأما تُوا البِدْعَة، ودعوا إلى الجهاد فأجابواء ووثقوا بالقائد فاتبعوه. (المصدر السابق : 264).)ومن أدعية الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ والتي يتعبد بها الشيعة : «اللَّهُمَّ وَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ خاصَّةُ الَّذِينَ أَحْسَنُوا الصَّحَابَةَ، وَالَّذِينَ أَبْلَوْا الْبَلاءَ الحَسَنَ في نَصْرِهِ، وَكَانُفُوهُ وَأَسْرَعُوا إِلَى وِفَادَتِهِ وَسَابَقُوا إِلَى دَعْوَتِهِ وَاسْتَجَابُوا لَهُ حَيْثُ أَسْمعَهُمْ حَجَّةَ رِسَالَاتِهِ. وَفَارَقُوا الأَزْوَاجَ وَالأوْلادَ فِي إظْهَارِ كَلِمَتِهِ.)وَقَاتَلُوا الآباء والأبناء في تَثْبِيتِ نَبُوَّتِهِ، وَانْتَصَرُوا بِهِ وَمَنْ كَانُوا مُنْطَوِينَ عَلَى مَحَبَّتِهِ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ فِي مَوَدَّتِهِ، وَالَّذِينَ هَجَرَتْهُمُ العَشَائِرُ إِذْ تَعَلَّقُوا بِعُرْوَتِهِ، وَانْتَفَتْ مِنْهُمُ الْقَرَابَاتُ إِذْ سَكَنُوا فِي ظَلَّ قَرَابَتِهِ. فَلَا تَنْسَ لهُمُ اللَّهُمَّ مَا تَرَكُوا لَكَ وَفِيكَ، وَأَرْضِهِمْ مِنْ رِضْوَانِكَ وَبِمَا حَاشُوا الْخَلْقَ عَلَيْكَ، وَكَانُوا مَعَ رَسُولِكَ دُعَاةً لَكَ إِلَيْكَ، وَأَشكُرْهُمْ عَلَى هَجْرِهِمْ فِيْكَ دِيَارَ قَوْمِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ سَعَةِ الْمَعَاشِ إِلَى ضِيقِهِ، وَمَنْ كَثَّرْتَ فِي إِعْزَازِ دِيْنِكَ مِنْ مَظْلُومِهِمْ. أللَّهُمَّ وَأوْصِلْ إِلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِيْنَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ خَيْرَ جَزَائِكَ الَّذِينَ قَصَدُوا سَمْتَهُمْ، وَتَحَرَّوْا وِجْهَتَهُمْ، وَمَضَوْا عَلى شاكِلَتِهِمْ، لَمْ يَثْنِهِمْ رَيْبٌ فِي بَصِيرَتِهِمْ، وَلَمْ يَخْتَلِجْهُمْ شَكٍّ فِي قَفْوِ آثَارِهِمْ وَالإِنْتَامِ بِهِدَايَةِ مَنَارِهِمْ، مُكَانِفِينَ وَمُوَازِرِيْنَ لَهُمْ يَدِينُونَ بِدِيْنِهِمْ، وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيهِمْ، يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتَّهِمُونَهُمْ فِيمَا أَدُّوْا إِلَيْهِمْ. (الصحيفة السجادية : الدعاء الرابع.)وهاهو جواب ابن عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ لمعاوية بن أبي سُفْيَانَ عندما سأله عن الصَّحَابَةِ، قَالَ : يَا مُعَاوِيَةَ إِنَّ الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص نبيه محمّداً بصحابةٍ آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كلّ حالٍ، وصفهم الله في كتابه العزيز (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَلَهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا). (مروج الذهب للمسعودي : 65/3 و 425).)إذَنْ، فأتهام الشيعة بسب الصَّحَابَة وتكفيرهم جميعاً هو أتهام باطل لا يمت إلى التشيع بسبب (أنظر، الشيعة فى الميزان للعلّامة مُحمّد جواد مُغنية : 15.)وكَانَ معظم الشيعة يتوزعون عن شتم أحدٍ من الصَّحَابَة والتابعين (أنظر، هوية التشيع للدكتور الشيخ أحمد الوائلي : 38. وهاهو الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول في خطبته : إني أكره لكم أن تكونوا ستابين. (نهج البلاغة تحقيق صُبحي الصّالح : 323) عند ما سمع بغض جنده يسبّون أَهْل الشَّامِ أَيَّام حزبهم في صفين.
ووصِيتَه، لا مُجرد الشَّك، أو الارتداد مع العلم بأنّ الصَّحَابَةِ بِكاملهِم بقُوا عَلَى الشهادتين بعد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)(وَ غَالَتْهُمُ السُّبُلُ الْمُرَاد بِغَالَتهُم أَهْلَكتهم، والمَعْنَى سَلكوا طرق الضلال فقادتهم إلى المهَالِك (وَ اتَّكَلُوا عَلَى الْوَلائج) أعتمدو السلطانهم، وجَاههم في الدُّنْيَا عَلَى تَرويج بطانة السُّوء، وإخْوَان الرخاء الانتهازيين (وَ وَصَلُّوا غَيْرَ الرَّحِمِ، وَ)
هَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ. الْمُرَاد بِالرَّحِمِ والسَّبَبَ هُنا أَهْلَ الْبَيْت بقرينة قَوْله : (الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ) والأمر بهذه المَوَدَّة هو الله سُبْحَانَهُ فِي قَوْله عزّ من قائل : (قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (1). وقال ابن أبي الحدید:)
1) الشورى : 23.)أقول : أختلفت الأقوال وتضاربت الآراء في تأويل مَعْنَى القُربة في هذه الآية الكريمة. وعند مراجعتنا للمصادر التاريخية، والحديثية، والتفسيرية نرى أن الآراء قد أجمعت بأن المراد من القُرية هم أهل الكساء المطهرون عليّ، وفَاطِمَة، والحسنان. كما جاء في تفسير الكشاف للزمخشري: 219/4 - 220 طَبْعَة منشورات البلاغة،قم، وفتح القدير للشوكاني : 534/4. وأورد حديثاً في سبب النزول أخرجه أبن جرير، وأبن أبي حاتم وأبن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت (قُل لَّا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قَالُوا: يا رسول الله مَن هَؤُلاء الذين أمرنا الله بمودتهم ؟ قَالَ: عليّ، وفَاطِمَة، وولدها. وفي رواية أُخرى و«وولدهم». وقيل : قَالَ: عليّ، وفَاطِمَة، والحَسَن، والحُسَيْن.)ورواه الطبراني المعجم الكَبِير (ترجمة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): 125/1 تحت الرقم 2641، و : 139/3 الطبعة الأولى وكَذَلِكَ في ترجمة عبد الله بن عباس : 152/3.)وقد أجمع الجمهور على ذلِكَ ماعدا ابن كثير في تفسيره: 112/4 فقد أسقط ذكر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ لأنه نقل الحديث عن ابن أبي حاتم ولكن عند المراجعة تبين أنّ أبن أبي حاتم لم يسقط الاسم بل نبت اسم علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسيره للآية ناقلاً الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.)ولَسْنَا بصدد مناقشة ذلِكَ ولا مناقشة وجوب المَوَدَّة التي تستلزم وجوب الطَّاعَة، وجوب مَوَدَّة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ كوجوب مَوَدَّة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهذه الآية وبآية المباهلة على سبيل المثال لا الحصر أو أنّ الآية منسوخة أم لا ؟ أم أنَّهَا نزلت بمكة أم بالمدينة ؟ فمن شاء التثبت فليراجع المصادر والأحاديث التي تشير إلَيْهَا، وَهِي :)فرائد السمطين للجويني: 20/1، و : 359/13/2، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : 130/2ح 2/ 822 - 828 و 830 - 834 و 838، غاية المرام : 306 وقد ذكر شواهد كثيرة بهذا الخصوص، تفسير فرات الكوفي : 145 وقد ذكر شواهد كثيرة، فَضائل الخمْسَة : 1 / 250 و 259 و 262 عن الصَّوَاعِقِ وعن كنز الْعُمّال : 208/1 وَهِي شواهد كثيرة، خصائص الو المبين: 54 الطبعة الأولى و 58 الطبعة الثانية.وأنظر أيضاً حلية الأَوْلِيَاء : 201/3 عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قَالَ : لما نزلت (قُل لا : أَسْئلُكُمْ قَالُوا: يا رسول الله أي قرابتك (هَؤُلاء) الذين أفترض الله علينا مودتهم ؟ قَالَ : عليّ، وفَاطِمَة، وولدهم يقولها ثلاث مَرَّات، ومثله في كتابه المناقب: 29 ح 62 و 69 أو في حَدِيث 824 من الشواهد. لِلْحَاكِم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): علي، وفَاطِمَة، وولدها. يردّدها الطَّبَرِي في كتابه الوِلاية كما رواه عَنْه القاضي النعمان المضري ح 73.)مجمع الزوائد : 103/7 و 146/9 و 168، كفاية الطالب للحافظ الكنجي : 90 و 91 و 93 و 313 و 317 طَبْعَة الحيدرية وفي هامشه عن الكشاف : 339/2، ذَخَائِرِ الْعُقْبى : 25، نور الأبصار: 101، الصَّوَاعِقِ الخرقة : 101 و 135 و 136 طبعة الميمنية بمصر، وص 168 و 225 طَبْعَة المحمدية، القَوْل الفصل لابن طاهر الحداد: 474/1 و 480 و 482 طَبْعَة جاوا، ردّاً على من قَالَ إِنَّ هَذِه الآية منسوخة وإِنَّهَا نزلت بمكة.وأنظر أيضاً تَفْسِير جامع البيان للطبري : 144/11 طبعة دار الكتب العلمية بيروت تفسير النيسابوري بهامش جامع البيان : 35/24 الْقَوْل الرابع عن سعيد بن جبير وساق الحديث، شرح المواهب للزرقاني : 3/7 و 21، إسعاف الراغبين للصبّان في هامش نور الأَبْصَار : 105، الشرف المؤبّد لآل مُحمّد للنبهاني : 146 طَبْعَة : 146 طَبْعة الحلبي.ورواه السَّيِّد عبد الله بن حمزة في كتاب الشافي: 72/1 و 90 و 158، الفَضائل لأحمد : 187 ح 263، ورواه الثعلبي في تفسير الآية من تفسير الكشف والبيان : 328/4، ورواه البحراني في غاية المرام : 306 ح 4 المناقب لابن المغازلى : 1307 ح 352، ورواه الطبرسي بحذف السند : 29/9، المواهب اللدنية للعسقلاني الشافعي : 3/7 طَبْعَة الأزهرية بمصر، الكاف الشّاف لابن حجر العسقلاني : 145 طَبْعَة مصر. الإكليل للسيوطي : 190 طَبْعَة مِصْر، مفتاح النّجا للبدخشي : 12 (مخطوط.)وراجع كَذَلِكَ نظم درر السمطين للزرندي: 147 - 148 عن أبي الطفيل، وجعفر بن حبّان :قَالَ: خطب الحسن بن علي (رضیَ اللّهُ عنهُ بعد وفاة أبيه قال: أيها النّاس أنا أبن البشير، وأنا أبن النذير... إلى آخر الخطبة والتي ذكرها الشيخ الطوسي في أماليه : 2 / 174 وما بعدها، والكليني في الكافي : 310/8، وعنه غاية المرام: 330 باب 2/32 صَحِيح البُخَارِيّ : 37/6 الفضائل لأحمد: 1141/669/2، نهج، الحق: 175، حق الْيَقِين للسيد شبر : 270/1، الخصائص لابن البطريق : 88، كشف المراد : 418، البحر : المحيط لابن حبّان : 156/7 طَبْعَة مِصْر، رشفة الصادي لأبي بَكْر العلوي الحضرمي الشافعي: 22 طَبْعَة القاهرة.)ولاحظ الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 169 عبقات الأنوار : 1/ 285، الأنوار المحمدية للنبهاني : 434، إحقاق الحق للتستري: 2/3 - 22، و : 92/9 - 101 طبعة طهران، تفسير النسفي : 105/4، حلية الأولياء : 201/3، الغدير للشيخ الأميتي : 306/2، الدر المنثور للسيوطي : 7/6، فتح الْبَيَان في مقاصد الْقُرْآن لصدِّيق حَسن خان: 372/8.وراجع أيضاً تفسير البيضاوي: 123/4. تفسير القرطبي : 22/16، تفسير الفخر الرازي : 166/27 طبعة عبد الرحمان مُحمّد ورواه ابن مردويه كما رواه عنه السيوطي في : 24/15 من كتاب جمع الجوامع : 194/2، رواه الدولابي في الذرية الطاهرة : 118/22، مقاتل الطالبيين : 57، ترجمة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ، ورواه البلاذري من كتابه أنساب الأشراف: 79/2 و 361/754، مطالب السؤول لابن طَلْحَة الشافعي : 8 طَبْعَة طهران و 21/1 طبقة النجف، مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي: 1/1 و 57.)وأنظر أيضاً تفسير الطَّبَرِيّ : 25/25 طبعة مصطف الحلبي بمضر وص 14 و 15 طَبْعة الميمنية بمصر، الإتحاف للشبراوي الشافعي : 5 و 13، إحياء الميت للسيوطي الشافعي بهامش الإتحاف : 110 تَفْسِير الكشاف للزمخشري : 402/3، و : 220/4 طبعة بيروت. وإِلَيْكَ بَعْض أَلفاظ الأَحَادِيث التي نقلها المؤرخون على سبيل المثال لا الحصر. فقد روى الشيخ الطوسي في تفسيره بإسناده عن عبدالله بن عبّاس، قَالَ : إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ حين قدم المدينة وأستحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بَيْنَهَا : تأتي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الله فنقول له : إن تَعرُك أُمور فهذه أَمْوَالَنا تحكم فيها غَيْر حرج ولا محظور عَلَيْكَ، فأتوه في ذَلِكَ فنزلت (قُل لَّا أَسْئلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فقرأها عَلَيْهِمْ وَقَالَ : تودون قرابتي من بعدي فخرجوا من عنده مسلّمين لقوله.)فَقَالَ الْمُنَافِقُون: إنّ هَذَا لشيء أفتراه في مجلسه، أراد ذلِكَ أن يذللنا لقرابته من بعده فنزلت (أمّ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا. فأرسل إِلَيْهِمْ فتلاها عَلَيْهِمْ فيكوا وأشتدّ عَلَيْهِمْ فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِى). فأرسل في أثرهم فبشرهم وَقَالَ : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُوا) وهم الذين سلموا لقَوْله. ثمّ قَالَ سُبْحَانَهُ (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَّزِدْ لَهُ و فِيهَا حُسْنًا) أي من فعل طاعة نزد له في تلك الطَّاعة حُسناً بأن يوجب له التَّوَاب (مجمع الْبَيَان : 29/9).)وروى الزَّمَخْشَري في تَفْسِيره : وقيل : أنت الأنصار رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بمال جمعوه وقَالُوا: يا رسول الله خذ فالله هدانا بك، وأنتَ أبن أختنا، وتعروك نوائب وحقوق ومالك سعة فاستعن بهذا على ما ينوبك. فنزلت الآية (قُل لا أَسْئلُكُمْ...) وردّه - أي المال -. (الكشاف : 468/3).)وَقَالَ علي بن إِبْرَاهِيم : حدثني أبي عن أبن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن مُحمّد بن مُسْلِمٍ، قَالَ: سمعت أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ يَقُول في قول الله (قُل لا أَسْئلُكُمْ...) يعنى في أهْل بَيْتِه. قَالَ : جاءت الأَنْصَار إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقَالُوا : إنا قد آوينا ونصرنا فخذ طَائِفَة من أموالنا فاستعن بها على ما نابك، فأنزل الله (قُل لا أَسْئلُكُم...) يعني في أَهْل بَيْتِه.)قَالَ : فانصرفوا من عنده وبعضهم يَقُول : عرضنا عَلَيْهِ أَمْوَالَنَا، فَقَالَ : قاتلوا عن أهل بيتي من بعدي. وقالت طَائِفَة : ما قَالَ هَذَا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وجحدوه وقَالُوا كما حكى الله (أمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا...) فَقَالَ الله : (فَإِن يَشَ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ...) قَالَ : لو افتريت () يعني يبطله (وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ...) يعني بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبالأمة والقائم من آل مُحمّد (إِنَّهُ و عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ثمّ قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ....) إلى أنْ قَالَ: جاءت الأنصار إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقَالُوا : إنا قد نصرنا وفعلنا فخذ من أَمْوَالنا ما شئت فأنزل الله (قُل لا أَسْلُكُمْ...) (تفسير القمي : 275/2).)ومثل ذَلِكَ في الكشاف للزمخشري : 467/3، وأنظر تفسير الآيات 24 - 27 من سورة الشورى و 21 من سُورَة الرَّعْد.وقد أورد بعض النواصب، والحاقدين، والمأجورين: أنّ الاستثناء في الآية منقطع والمعنى يكون : لا أسألكم على تبليغ الرِّسَالَة أجراً، لكن المودة في القربى حاصلة بيني وبَيْنَكُمْ، ولذا أسعى وأجتهد في هدايتكم وتبليغ الرِّسَالَة إِلَيْكُمْ.وَقَالَ البعض الآخر : الاستثناء متصل ولذا يكون المعنى : لا أسألكم عَلَيْهِ أجراً من الأجور إلا مودتكم في قرابتي، وَهَذَا شامل الجميع قرابات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ولو خصص بأهل البيت لا يدل على خلافة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بل يدل على وجوب مودته. - أنظر، تفسير الكشاف للزمخشري : 466/3، الإحقاق : 19/3 وغيرهما.)والجواب باختصار شَدِيد لأننا لَسْنَا بصدد المناقشة بل الفرض هو التحقيق وبيان بعض الملابسات :1 - أنّ الاستثناء المنقطع مجاز واقع على خلاف الأصل، ولا يحمل على المنقطع إلا لتعذر المتصل، وقد صرّح ذلك العضدي حَيْث قَالَ: وأعلم أنّ الحق إن المتصل أظهر فلا يكون مشتركاً ولا للمشترك، بل حَقِيقَة فِيهِ ومجاز في المنقطع ولذلك لا يحمله عُلَماء الأمصار على المنفصل إلا عند تعذر المتصل، حَتَّى عدلوا للحمل على المتصل عن الظَّاهِر، وخالفوه، ومن ثمّ قَالُوا في قَوْله له عِنْدِي مئة درهم إلا ثوباً، وله على إبل إلا شاة، معناه إلا قيمة ثوب أو قيمة شاة، فيرتكبون الإضمار وهو خلاف الظاهر ليصير متصلاً، ولو كَانَ في المنقطع ظاهراً لم يرتكبوا مخالفة ظاهر حذراً عَنْه، أنتهى كلامه.2 - ودفع الإيراد الثاني : أن كون ظاهر الآية على هَذَا المعنى شاملاً لجميع قربات النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فسلم لكن الحديث الصحيح الذي يبلغ حد التواتر خصصها بعلي، وفاطمة، وأبنيها (عَلَيهِم السَّلَامُ) كما ذكرنا سابقاً.)3 - أنه لا يدل على خلافة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ فهذا عناد وجهل، أو تجاهل أن مودتهم واجبة حَيْت جعل الله تعالى أجر الرِّسَالَة بما يستحق به الثَّوَاب الدائم مَوَدَّة ذوي القربى، وإنما تجب ذَلِكَ مع عصمتهم، إذ مع وقوع الخطأ مِنْهُم يجب ترك مودتهم لقَوْله تَعَالَى (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الْمجَادِلَة : 22. وغير علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس بمعصوم بالاتفاق، فتعين أن يكون هو الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). (أنظر، تفسير الميزان : 43/18 - 48، والإحقاق : 21/3).
«إذَا أُطلقت كَلِمَة الرَّحِمِ كَانَ الْمُرَاد مِنْهَا رَّحِمِ الرَّسُول تَمَاماً كَمَا تَقُولُ أَهْلَ الْبَيْت. فإنّ المفهوم عند المُسْلِمِين أَهْل بَيْت الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ (1). أما السبب في كلام الإمام فَهُوَ إشارة إلى قول النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «خَلّفت فيكم الثقلين، كتاب الله، وعِتْرَتِي أَهْل بَيتِي، حبلان ممدودان من السَّماء إلى الأَرْض لا يفترقان حَتَّى يردا على الحوض» (2). والسَّبَبَ فِي اللُّغة الحَبل» (3).)(وَ نَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَضٌ أَسَاسِهِ، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمُرَاد بِالْبِنَاءَ هُنا ما بَينَّه الله في كتابه الكريم من حقوق أَهْل البَيْت وصفاتهم في آية التطهير (4)، وآية)
المَوَدَّة (1، وغيرهما، وجَاء عَلَى لِسَان الرَّسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حَدِيث الثقلين، وغَيْره، والمَعْنَى أنَّ الَّذِين ارتدوا على أعقابِهِمْ بَعد النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خالفوا نصوص الْكِتَاب، والسُّنَّة عَلى حَقَّ أَهْل البَيْت، وأغتصبُوا هَذَا الحَقِّ... ولا بدع إذا فعلوا ذَلِكَ فهُم (مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَ أَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ. قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ، وَ ذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ، عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ : مِنْ مُنْقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ، أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنِ) والموغِلُون في كلَّ فِتنة، والتَّائِهُون بِلا قَائِد، والمنتَشُونَ مِن سكرة الجَهْل، والغُرُور، والسَّائِرُون عَلى سُنَّة فِرْعَوْنَ وآله من الاستهتار، والإفساد (2)
وَقَالَ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «من أبغضنا أهل البيت - فَهُوَ منافق» الفضائل لأحمد: 661/2 ح 1126، الدر المنثور: 349/7، المناقب لابن شهر آشوب : 205/3.)وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «من أبغض عِتْرَتي فَهُوَ ملعون ومنافق خاسر».)أنظر، جامع الأخبار: 214 ح 527.وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «من أبغضنا - أهل البيت - حشره الله يَوْم الْقِيَامَة يهودياً...».)أنظر، المعجم الأوسط : 4/ 212 ح 4002، أمالي الصدوق : 273 ح 27، روضة الواعظين: 297 ورُوي مثله عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ، والسَّيّدة عَائِشَة، وأُمّ سلمة، وعبد الله بن عباس، وأبي ذر الغفاري، وأنس بن مالك...)راجع المصادر التالية على سبيل المثال لا الحصر : صَحِيح مُسلم : 61/1، سُنن ابن ماجه بَاب 11 من مقدمته، سُنن النسائي: 271/2 تاريخ بغداد : 255/2 و : 417/8 و : 16 / 426، تأريخ الإسلام الذهبي : 1982، تاريخ ابن كثير: 354/7، الاِسْتِيعاب : 460/2، كنز العمال: 158/6 ط الأُولَى و : 140/7 و : 91/15، أيضاً الطبعه الأُولَى.
.1) ﴿قُل لا أَسْئلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَي) السُّورَى : 23.
2) ونورد بعض الملاحظات بشكل إجمالي بقدر ما يهم بحثنا وهو - التَّبديل - وبالله التوفيق :)1. إنّ دعوى الإجماع التي وردت في بَعْض الشهادات بأنّ الصَّحَابَة كلّهم عدول، يكذبها قول جَمَاعَة من كبار الْعُلَماء : قال ابن الحاجب : «الأكثر على عدالة الصَّحَابَة، وقيل : كغيرهم، وقيل : إلى حين الْفِتَن فلا يقبل الداخلون؛ لأنّ الْفَاسِقِ غَيْر مُعين، وقالت المُعْتَزِلَة : عدول إلا من قاتل عَلِيَّاً...».أنظر المختصر : 67/2.وكذا في جمع الجوامع، وشرحه حَيْث قَالَ : «والأكثر على عدالة الصَّحَابَة لا يبحث عَنْهَا في رواية، ولا شهادة...». وصرح جَمَاعَة مِنْهُم التفتازاني في شرح المقاصد، ومنهم شارح البرهان، وأبن العماد الحنبلي. والشوكاني في إرشاد الفحول. ومن المتأخرين أبو ريّه في شيخ المضيرة «أبو هريرة»، والشيخ محمد عَبْدَه أضواء على السُّنة المحمدية، والسَّيّد محمّد بن عَقِيل العلوي في النصائح الكافية، والسَّيّد محمّد رشيد رضا، والشيخ المقبلي، والشيخ مصطفى الرافعي في إعجاز الْقُرْآن، وآخرون. صرح هَؤُلاء جميعاً : «بأنّ الصَّحَابَة غَيْر معصومين وفيهم العدول، وغير العدول».أنظر، النصائح الكافية لمن يَتَوَلَّى مُعَاوِيَةٌ : 160، شرح المقاصد : 310/5، الإصابة : 19/1، إرشاد الفحول : 216، ط القاهرة، شيخ المضيرة : 101، أضواء على السنّة المحمدية : 355، المنار: 310/4، إعْجَاز الْقُرْآن : 226/2.2. كَيْفَ يجب تعظيم الصَّحَابَة كلّهم، والكف عن القدح بهم، ومنهم المُنَافِق، والْفَاسِقِ، والباغي، والزانى، وشارب الْخَمْرَ، وقاتل النّفس المحترمة...أنظر، قِصَّة المُغِيرَة بْنَ شُعْبَةَ وخلاصتها أنه - المغيرة - زَنَا بأم جميل بنت عَمْرُو، وَهِي إِمَرْأَة مِن قَيْس، وشهد عَلَيْهِ ذَلِكَ : أبوبكرة، ونافع أبن الحارث، وشبل بن معبد. ولما جاء الرابع وهو زياد بن سُميَّة، أو زياد بن أبيه ليشهد أفهمه عُمَرَ بن الخطاب رغبته في أنْ يُدلي بشهادته بحيث لا تكون صريحة في الموضوع حتى لا يلحق المغيرة خزي بإقامة الحد عَلَيْهِ، ثم سأله عما رآه قائلاً: أرايته يدخله، ويخرجه كالميل في المكحلة ؟ فَقَالَ : لا. فَقَالَ عُمَرَ : الله أكبر، قم يامغيرة إِلَيْهِمْ فأضربهم... فقام يقيم الحد على الشهود الثلاثة.أنظر، وفيات الأعيان : 368/6 ابن كثير : 81/7، الطّيري : 207/4، يتصرف.وقد ذمهم القُرْآن الكريم في مواطن كثيرة أشرنا إليها سابقاً.مِنْهَا سُورَة بَرَاءَة... وسُورَة التَّوْيَةِ : 101 (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ.)وفِيهِمْ مَن أخبر الله عنهم بالإفك سُورَة النُّورِ : 11 - 17، ومنهم من حاول اغتيال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عند رجوعه من غَزْوَة تَبُوكَ مُسْنَد :أحمد 390/5 - 453، صحیح مُسلم : 132/8 مجمع الزوائد: 110/1 و 6 195، مغازي الواقدي : 1042/3، إمتاع الأسماع : 477، الدر المنثور : 258/3، والآية : «وهموا بما لم ينالوا» التَّوْبَة : 74. أو حجة الوداع.)أنظر، المصادر التي تتعلق بحجة الوداع - واقعة غدير خم - التي أشرنا إِلَيْهَا سابقاً.3. كَيْفَ يجب تعظيمهم جميعاً وفيهم من أرتد كما صرح به القرآن الكريم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ... المائده : 54.)وجاء في السيرة : «أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد أسلم وهاجر إلى المدينة وكتب الوحي للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وأرتد في النّهاية مشركاً». أنظر، الاستيعاب : 918/1، الإصابة : 109/4، المعارف : 131 و 141.)4. وبمثل هَذَا جاءت السُّنَّة النَّبَوِيَّة مُبينة ومفصلة، فقد روى البخاري عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «ما من نبي إلا كَانَتْ له بطانتان بطانة تأمره بِالمَعْرُوفِ، وبطانة تأمره بالشر».)أنظر، مسند أحمد : 289/2، باب بطانة الإمام وأهل مشورته من كتاب الأَحْكام، ونحوه في مُسْنَد أحمد، وروى البُخَاري أيضاً : «أنهم ارتدوا جميعاً على أدبارهم القَهْقَرَى، وأنّهم إلى النّار ولا يخلص منهم إلا مثل هُمل النّعم»، فكَيْفَ نعظم هَؤُلاء أيها المؤرخون الكرام؟أنظر، دلائل الصدق للشيخ محمد حسن المظفر م3 المطلب : 4/5، نقلاً عن البُخَاري. وأنظر، شرح النهج لابن أبي الحديد 4 454.5. كَيْفَ نعظم ونقدس، ونأخذ بروايات من قَالَ فِيهِ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أبرأ إِلَيْكَ مِمَّا صنع خالد» مرتين، ولو كان ما فعله خالد صواباً لما تبرأ الرَّسُول مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ خالد قد خالفه في حياته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فتبرأ مِنْهُ، فكَيْفَ نقتدي به بعد مماته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، رواه البُخَاري في المغازي بَاب بعثة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، الخالد بن الوليد إلى جُذيمة، ورواه في كتاب الأحكام إذا قضى الحَاكِم بجور أو خلاف أهْل العِلْمِ فَهُوَ رَدّ، وفي الصحيح : 71/3، والطبري في تأريخه: 122/3، والكَامِل في التاريخ لابن الأثير : 123/2.)الأجدر بنا أن نتبرأ من كل عمل يصدر من هَذَا الرّجل طبقاً لقَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةُ الْأَحْزَابِ : 21.)6. كَيْفَ نعظم ونقتدي بمن أسلم وفي نفس اليوم أمرَهُ الخَلِيفَة الثَّانِي ووَلَاهُ علَى الْمُسْلِمِينَ، وهو لَم يصلّ ركعة واحدة، فقد روى صاحب الأغاني: «أسلم أمرؤ القيس على يد عُمَرَ ووَلَاهُ قبل أن يُصلي الله ركعة واحدة». أنظر، الأغاني : 158/14، ط ساسي، جمهرة أنساب الْعَرَب : 284.ومثله علقمة بن علائة الكلبي أسلم على عهد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وأدرك صحبته، ثم أرتد على عهد أبي بكر، فبعث أبو بَكْر إِلَيْهِ خالداً ففر مِنْهُ. قَالُوا: ثم رجع فأسلم.)أنظر، المصدر السابق: 50/15، وفي الجمهرة : 284، وفي الإصابة: «... شرب الْخَمْرَ على عهد عُمَرَ فحده، فأرتد ولحق بالرُّوم... ثم رجع وأسلم....» والقِصَّة طويلة. وبالتالي وَلَاهُ الْخَلِيفَة عُمَرَ بن الخَطَّابِ حوران - كورة من أعمال دمشق -.أنطر. القِصَّة كاملة في المَصْدَرين السابقين، والإصابة : 496/2 و 498 ترجمته.7. كَيْفَ نعظم ونقتدي ونهتدي بمن قَالَ فِيهِمْ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «... فأقول سُخقا سُحقاً»؟.)أنظر، سنن ابن ماجه: 1439/2 ح 4306 باب الحوض مُسْنَد أحمد: 297/6، مصابيح السُّنَّة : 537/3 ح 4315.وفي حديث الحوض المشهور : «فأقول: يارب، أصحابي، فيُقَال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»؟.أنظر، صحيح البُخَارِيّ : 83/9 ح 3 - الْفِتَن صَحِيح مُسْلِم : 1796/4 ح 2297، مُسْنَد أحمد 140/3، 281، الموطأ : 462/2 ح 32.8. كَيْفَ نعظم، ونقدس، ونقتدي ونهتدي بمن شرب الخمر من الصَّحَابَة الذين أدعى بَعْض مِنْهُم أنهم من كتاب الوحي ؟ فقد جاء في مسند أحمد: «عن عبد الله بن بريدة الأسلمي قَالَ : دَخَلْت أنا وأبي على مُعَاوِيَةَ بن أبي سُفْيَانَ فأجلسنا على الفرش, ثم أتينا بالطعام فأكلنا، ثم أُتينا بالشّراب فشرب مُعَاوِيَةَ، ثمّناول أبي قَالَ ما شربته منذ حرمه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ... .)أنظر، مُسْنَد أحمد : 347/5 .9. كَيْفَ نهتدي، وتقتدي بمن لا يَسْتَطيع أن يمتثل لقول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ولو مرة واحدة في عمره، حتى ولو فى أبسط الأَشْيَاء، كتغيير أسمه مثلاً؟ فقد ورد أن سعيد أبن المسيب حدث أن جده حزن، قدم على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ : ما أسمك ؟ قَالَ أسمي حزن، قَالَ : بل أنتَ،سهل، قَالَ : ما أنا بمغير أسماً سمانيه أبي. وفي رواية : قلت : لا أغير أسما سمانيه أبي، قال أبن المسيب : فما زالت فينا المحزونة.... رواه البخاري على نحو ورقتين من آخر كتاب الأدب في باب أسم حزن أفبعد هذه العجرفة توجد عجرفة؟)10. كَيْفَ،تعظم، ونقتدي بمن كَانَ منافقاً لا يعلمه إلا الله؟ وقد أخبر نبيه بأنّ عَلِيَّاً لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، كما روى ذَلِكَ أبو سعيد الخدري قَالَ: «إنا كنا لنعرف المُنافِقِين نَحْنُ مَعْشَرَ الأَنْصَار ببغضهم علي بن أبي طالب». أنظر، سُنن الترمذي : 635/5 ح 3717، حلية أبي ح 3717، حلية أبي نعيم : 284/6، تأريخ دمشق (ترجمة الإمام علي) : 22/2 ح 718، تأريخ الخلفاء : 202، المعجم الأوسط : 264/4 ح 4151، ومثله في مناقب الخوارزمي عن طريق آخر : 332/1 ح 353، والفضائل لأحمد بن حنبل : 639/2 ح 1086، وتذكرة الخواص: 28 : وعيون أخبار الرّضا : 67/2 ح 305، وكفاية الأثر : 102، والعمدة : 216 ح 334، المناقب لابن شهر آشوب 307/30، قرب الأسناد : 26 ح 86.
## الخطبة - 151 -### يَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ... فِقْرَة 1 - 2:وَأَحْمَدُ اللهَ وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ، وَ مَزَاجِرِهِ، وَالاِعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ، وَمَخَاتِلِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَ نَجِيبُهُ، وَ صَفْوَتُهُ. لا يُؤَازَى فَضْلُهُ، وَ لا يُجْبَرُ فَقْدُهُ. أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلادُ بَعْدَ الضَّلالَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَ الْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْجَفْرَةِ الْجَافِيَةِ، وَ النَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ، يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ، وَ يَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ (1 !)ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ، وَ اَحْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ، وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْرَةِ، وَ أَعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَ ظُهُورِ كَمِينهَا، وَ انْتِصَابِ تُطْبِهَا، وَ مَدَارِ رَحَاهَا. تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيّة. وَ تَقُولُ إِلَى فَطَاعَةٍ جَلِيَّةٍ. شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلَامِ، وَ آثَارُهَا كَآثَارِ السّلَامِ، يَتَوَارَثُها الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ! أَوَّلُهُمْ قَائِدُ لِآخِرِهِمْ، وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ، يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّة، وَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ، وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَالْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ، وَيَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ اللَّقَاءِ (2.)
اللُّغَة:مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ : ما يُدْخِر بها ويُطْرَد. وَمَزَاجِرِهِ : مَا يُرْجَر بها، ويُبعد.ومَخَاتِلِهِ : خَدَائِعِهِ. الفَتْرَةُ : الهُدْنَة، والفاصل بَيْنَ شَيئين. والمُرَاد بالكَفْرَةِ هُنا الكفر. والبَوَائِقَ الشُّرُور، والنوائب. والقَتَامِ : الغُبار. والْعِشْوَةِ: رُكُوب الأَمْر على غَيْر هُدىً. والمَدَارِجَ : المَسَالِك. والسلام - بكسر السين، وتشديدها - جمع سلمة - بكسر السين مع التَّخفيف - الحجارة. ومُريحة : مُنْتِنَة. ويَتَزَايَلُونَ يَتَفَارِقُون.الْإِعْرَاب: مَعَاشِرَ الْعَرَبِ مُنادى عَلى حَذف حرف النداء أي يَا مَعَاشِرَ الْعَرَب، ومَدَارِجَ مَجرُور بالفتحة لأنه على وزن مَفاعل، وخَفِيَّةٍ صِفَة المَدَارِج.الْمَعْنَى:(وَ أَحْمَدُ اللهَ وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ، وَ مَزَاجِرِهِ، وَالاِعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ، وَ مَخَاتِلِهِ. الشَّيْطَان يَصد بَنِي آدَمَ عَن السَّبِيل، ويُزين لهم كل قبيح... ويَتضَرع الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لخالقه أنْ يَعصمه من نَزعَات الشَّيْطَان، ويَقطع أثره عنه، ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ الله سُبْحَانَهُ إِذَا عَلِمٍ مِن عَبده صدق النِّيَّة يَشمله بعنايته، ويَهْدِيه إلى سبيله ومَرضَاته : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلُّوا وُهُم مُّعْرِضُونَ) (1). (لأ يُؤَازَىٰ فَضْلُهُ) أى فَضْل رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كَيْفَ وهو)
1) الْأَنفَالِ : 23.
الَّذي أَخرج النَّاس من الظُّلمات إلى النُّورِ (وَ لَا يُجْبَرُ فَقْدُهُ لأَنه رَحمهُ مُهدَاة للعالم كله، وقد حدد رِسَالَته بقَوْله : «إنّما بُعثتُ لأتمم مَكَارِم الأخلاق» (1). وَقَالَ: «إنّ مثل ما بعثني الله بهِ مِن الهُدَى والعِلم كمثل غيثٍ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَة طَيِّبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكَان مِنْهَا أَجادِب أمسكت الماء فَنفع الله بها النَّاس، فَشَربُوا، وسقُوا، وزَرَعُوا» (2).)(أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلادُ بَعْدَ الصَّلالَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَ الْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ... إلخ مَا كَان عند الْعَرَب إلّا الجهل، والخزي والعار حَتَّى جَاء مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالإِسْلام، والْقُرْآن، فصَارُوا شَيْئاً مَذكُوراً، وَقَالَ سُبْحَانَهُ : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَاب وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين) (3).)والضَّلالِ المُبِين جامع لَمَسَاوِيءِ الْعُيُوب، أمّا الحِكْمَة فَيدخل في مفهومها كل خير وصلاح (وَ النَّاسُ قَبْلَ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ) يَبِيحُونَ الْمحَرَّمَاتِ (وَ يَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ) يَحتقرونه، ولا يهتدون بهدِيه (يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ) مِن غِيابِ)
1) أنظر، بداية المجتهد : 321/2، السنن الْكَبْرَى: 192/10، تُحْفَة الأَحْوَذي : 470/5. نظم درر السمطين : 42، كنز العمال: 420/11 ح 31969، فيض القدير شرح الجامع الصَّغير : 209/5. كشف الخفاء: 11/1 ح 638. مكارم الأخلاق للطبرسي : 8 مَكَارِم الأخلاق لابن أبي الدُّنْيَا : 6 مُسند الشهاب: 192/2 ح 1164، تكملة حاشية رد المحتار: 234/1.
2) أنظر مُسْنَد أحمد : 399/4، المجموع للنووي: 18/1 شرح صَحِيح مُسْلِم : 46/15، السنن الكبرى: 427/3 ح 5843، مُسْنَد أبي يعلى: 296/13 ح 7311، صحيح ابن حبان: 177/1، رياض الصالحين : 137 ح 162 و : 548 ح 1378، الأحكام لابن حزم: 124/1.
3) الجمعة : 2.
الرُّسل، والمرشدين (وَ يَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ أي الْكُفْر، والضَّلال... وما زالت رِسَالَة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائمة إلى الْيَوْم، وإلى آخر يَوْم تَدعُوا المحَبَّة، والإخاء، والْعَدْل والمُسَاوَاة، وتُبارك كلَّ مَا فِيهِ صَلاح للناس بجهة من الجهات.)(ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ.)كلّ النّاس يَتعرضون للبَلايَا والمحن، ولا عَافِية مِن غَيْر بَلاء، وأشد المحن أنْ يفرح المرء بما لديه من جَاءٍ، أو مالٍ، ويذهل عن مصيره، وعاقبته، وقد حذر الْإِمَام مِن عقبى الغفلة بقَوْله : (وَ أَحْذَرُوا بَوَائِقَ النّقْمَةِ. إِذَا كُنت مُعافى فأحْذَر المرض، وإذا كنتَ غَنِياً فلا تَنس غُوائِل الدَّهْرِ، وإذا كُنتَ قوياً فَترقب الضَّعْف، وكلّ شيء إلى زوال (وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ) أحجمُوا عَن الشُّبهات، ولا تقدمُوا على شيء إلا بعد الروية، والنظر في العواقب، فأَكْثَرَ النَّاسِ نَدماً مَن بَادر مِن غَيْر تثبت (وَ أَعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَ ظُهُورِ كَمِينِهَا، وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَ مَدَارٍ رَحَاهَا) إذا ظهرت الْفِتْنَة، واستفحل أمرها فَقفُوا مِنْهَا موقف الحكيم. وعالجوها بعد الْبَحْث، والدرس، والتَّخطيط السليم.)(تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَ تَئُولُ إِلَى فَطَاعَةٍ جَلِيَّةٍ. لَا تَظهر الْفِتْنَةِ على حَقِيقَتها في البداية، بل تتقنع بِنُوبِ الصَّلاح، والإصلاح، ثُمَّ تَتكَشف مع الأَيَّام عَن أفدح الأضْرَار، وأخْطرها (شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلام) بكسر الشّين، والمراد به الوثُوب والطَّفْرَة أى قَد ترى الْفِتْنَة هادئة، ولكن سُرعان ما تنشط، وتَتَب كَمَا يَقفز، ويُطفر الغُلام المعافى (وَ آثَارُهَا كَآثَارِ السَّلَامِ) بكسر السِّين، وَهِي الحِجَارَة، والمَعْنَى أَنّ الْفِتْنَة تترك آثراً سَيِّئَاً في المجتمع تماماً كما تفعل الأحجار التي تُرجم بها الأبدان. (يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ! أَوَّلُهُمْ قَائِدُ لِآخِرِهِمْ، وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدِ بِأَوَّلِهِمْ). الْفِتْنَةِ عَلَى)
أنواع: مِنْهَا أن يظهر المفسد مظهر المصلح، ويليس الجَاهِل ثُوب العالم، وأشد أنواعها ضرراً أن يغتصب مركز الْقِيَادَة جَاهل أو مُستهتر، ثُمَّ يَعهد بِهِ مِن بَعْدَه إِلى قريب من الأولاد، أو الْأَرْحَامِ، ويسير السابق على سُنَّةَ اللاحق (يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ، وَ يَتَكَالبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ. يَتَنَاحَرُون حَتَّى على اضْطِهَاد الْمُسْتَضْعَفِين، وأشتغلالهم، وعلى التضليل، والدعايات الكاذبة كتَنَافُس الشركات، ودولها على الاستغلال، والْإِحْتِكَار (وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَ الْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ.. إِلَى عِنْدَ اللَّقَاءِ). يُشِير بهذا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَة، وإِنَّ فِيهِ ينكشف الغِطَاء، ويتبرأ المغتر مِمَّنْ غَرر به، ويلعن المخدوع مَن خَدعه، قَالَ تَعَالَى : (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا) (1).)### لا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ الْحَرَامِ.... فِقْرَة 3 - 5:ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، وَ الْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ، فَتَزِيعُ قُلُوبٌ بَعْدَ أَسْتِقَامَةِ، وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ، وَ تَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا، وَ تَلْتَبِسُ الآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَ مَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ، يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ (23 ! قَدِ أَضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَ عَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ. تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ، وَ تَدقُ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا، وَ تَرُضُهُمْ بِكَلْكَلِهَا! يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَ يَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ، تَرِدُ بِمُرٌ الْقَضَاءِ، وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ، وَ تَظْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ، وَتَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ، يَهْرُبُ مِنْهَا)
1) الْعَنكَبوتِ : 25.
الأكْيَاسُ، وَيُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ. مِرْعَادُ مِبْرَاقُ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ ! تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلَام! بَرِيئُهَا سَقِيمٌ، وَ ظَاعَنْهَا مُقِيم (4 ! بَيْنَ قَتِيل مَطْلُولٍ، وَ خَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ، يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الْأَيْمَانِ، وَبِغُرُورِ الْإِيمَانِ، فَلا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ، وَ أَعْلَامَ الْبِدَعِ، وَ الْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، وَأَقْدَمُوا عَلَى اللهِ مَظْلُومِينَ، وَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ، وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ، وَ مَهَابِطَ العُدْوَانِ، وَلَا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لَعَقَ الْحَرَامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ، وَسَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ الطَّاعَةِ (5).)اللُّغة:الرَّجُوفِ مُبالغة في الرَّجف. والْقَاصِمَةِ : المهلكة، وقَاصِم الجبارين مُهلكهم. والزَّحُوفِ : مُبالغة في الزَّاحف والكَدْمُ : العَضَّ، والكَدُومَ : العَضُوض. والْعَانَةِ : القطيع مِن حُمر الوحش. وتَغِيضُ : تَغُور. والمِسْحَل : آلة النَّحت، أو النَّشر والكَلْكَل : الصَّدر. والْوُحْدَانُ : جمع الواحد، والوَحدَاني والوحيد : المنفرد بنفسه والوحدانية : التَّوْحِيد. ودَمُ عَبيط : خَالِص طَرِي وقَتِيلٍ مَطلُولٍ : مهدور الدَّم. والْأَنْصَابَ، والأعْلامَ بِمَعْنَى وَاحد، لأنّ النّصب هو العلم المَنصُوب. واللّعَقَ - بضم اللام - مَا يُؤخذ فِي المَلعقة، أو في الإِصْبَع.الْإِعْرَاب :مِرْعَادٌ خَبَرَ مُبْتَدَأَ مَحذُوف أي هِي مِرْعَادٌ، وَبَيْنَ فَتِيلٍ مُتَعَلِّق بِحذُوف خَبَراً لمبتدأ محذوف أي النَّاسِ كَانُنُون بَيْنَ قَتِيلٍ، ومَطْلُولٍ صفة لقَتِيلٍ، وَخَائِفٍ عطف
على قتيل لا على مَطْلُولٍ. ومَظْلُومِينَ حَال من واو أَقْدَمُوا، ومثله «ظَالِمِينَ».الْمَعْنَى:أشرنا في المقطع السَّابِقِ مِن هَذِهِ الخُطْبَة أَنَّ الْفِتْنَة على أنواع، وأكثرها ضَرراً أنْ يَعهد الحَاكِم بالرئاسة إلى أولاده، ويجعلها وراثة فِيا بَيْنَهُمْ يَتَنَافَسُون عَلَيْهَا، وقول الإِمَام هُنا : (ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ هو عَطف على قَوْله : «يَتَوَارَتُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ» أي ثُمَّ تَظهر فِتْنَة تقضي على سُلطان العائلات المالكة، وبَعد ذلِكَ تميل على النَّاس، والشعوب، بالقتل، والسَّلب، والتنكيل، والتشريد كَفِتْنَة التَّتارِ الَّذِين فعلوا بالمُسْلِمِين، ودِيارهم الأفاعيل، وقول الْإِمَام : «الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ، وَالْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ» ينطق عَلى فَظائع التَّتار كلّ الإنطباق.)(فَتَزِيغُ قُلُوبُ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلامَةٍ أي أنّ المُسْلِمِين فِي هَذِه الْفِتْنَة لا يعملون بوحي من دينهم كتُوحِيد الكَلِمَة، والجهاد صَفاً واحداً فِي حَرْبِ عدو الله وعَدُوّهم، ولا يحس أحدهم بآلام أخيه، بل يتركه وشَأنه حَتَّى كأنّه لا صلة بَيْنَها من دين، وإِنْسَانِية (وَ تَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا). إِذَا حَدث أمر هام أختلفت حوله أهوَاؤهُم، وعَلت ضوضاؤهُم (وَ تَلْتَبِسُ الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا) أي عِند ظهورها، والمعنى أن آراءهم تكثر، وتتعد، فيختلط السَّلِيم مِنْهَا بالسَّقِيم (مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ) أي من تَصادم مع تلك الْفِتْنَةِ، وقَف مُنفرداً فِي طَرِيقهَا أَهْلَكَتهُ (وَمَنْ سَعَى فِيهَا) أي في أطفائها، وتسكينها حطمته.)(يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ الفِتْنَة تطحنهم جميعاً، ومع هذا يَتَطاحنُون يَتصَارعُون فِيما بَيْنَهُمْ تَعَامَاً كشأن عَرَب الْيَوْم مَع فِتْنَة إِسْرَائِيلَ (قَدِ)
أَضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ اختل النّظام، وسادت الفوضى (وَ عَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ). خَفِي الصُّواب للأهواء المختلفة، والآراء المتباينة (تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ) إمّا لسكوت الحكيم يَائِساً، أو خَائِفاً، وإما لعمنى الْقُلُوب عَنْهَا وصَمم الأَسْماع (وَ تَنْطِقُ فِيهَا الظُّلَمَةُ) لأنّهم أَصْحَابِ الزَّمَان، والسُّلْطَان (وَ تَدقُ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا). تَفعل الطَّغَاة بأَهْل البَادِية ما يفعل المنشار في الخشب (وَ تَرُضُهُمْ بِكَلْكَلِهَا) تُنِيخ الْفِتْنَة عَلَيْهِمْ بِصدرها، وتطأهم بسنابكها (يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ). لا ينجو واحد من شرها أيّاً كَان (تَرِدُ بِمُرٌ الْقَضَاءِ) تَأْتِي بالخراب والدمار، وأطلق الإِمَام كَلِمَة الْقَضَاء عَلَى الهَلاكَ لمُجرد التعبير عن الحدوث، والوقوع بصرف النظر عن قضاء الله، وقدره (وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ) كِناية عَن شِدَة الحرب، وسفك الدماء ظُلماً وعُدْوَاناً.)(وَ تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ بتجاوز حدوده، وتجاهل أَحْكامه (وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ) أى أنّ أَربَاب الْفِتْنَة ينقضون عهد الله، ويقطعُون ما أمر أنْ يُوصل (يَهْرُبُ مِنْهَا الأكْيَاسُ) وهُم العُقلاء، وضَمِير «مِنْهَا» (وَ يُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ) الَّذِين يَعِيتُون فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين (مِرْعَادَةٌ مِبْرَاقَةٌ) تَرعد الْفِتْنَة، وتبرق (كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ) كِناية عَن الشِّدَّة، والمَشَّقَّة (تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ) وتكثر الآثام (وَ يُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلام) من أَثَارَ هَذِهِ الْفِتْنَة، أو ساندهَا فَقد فارق الإِسْلام، بل وخرج عَلَيْهِ أَيضاً (بَرِيئُهَا) قد يرى البعض أنّه بَري مِن هَذِهِ الْفِتْنَة، وهُو في واقعة مَسْئُول عَنْهَا لأمر أو لآخر (وَطَاعَنْهَا مُقِيمٌ) حَتَّى الَّذي يَعتَزم البعد عَنْهَا يُصِيبه رُدَادَ مِن تِيارها.)(بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ، وَ خَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ. هَذَا وَمَا بَعْدَه لا صلة لهُ بِمَا قَبله، ويدل على ذَلِكَ قول الشَّرِيفَ الرَّضِي «مِنْهَا» وعَلى أية حال فإنّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف حال)
المنكوبينَ، وأنهم بَيْنَ قَتِيل ظُلماً لا يُقاد من قاتله، وبَيْنَ خَائِفٍ يَنشد الأمان ولا يجده (يَخْتِلُونَ - أَي يُخْدَعُون - بِعَقْدِ الْأَيْمَانِ، وَبِغُرُورِ الْإِيمَانِ. الطَّعَاة يَخدعون النَّاس بالمواعِيد الكَاذِبَة، ويُغررُون بِهِمْ بِمَا يُظهرُونه من الْإِيمَانِ، والتَّدِين (فَلا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ، وَ أَعْلَامَ الْبِدَعِ) لا تَخُوضُوا فِي الْفِتَن مَتَبُوعِين، ولا تابعين، وأعتصموا بدِينكُم، وعقُولكُم مِنْهَا ومِن أَهلها (وَأَلْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ) وهُو الَّذِي يُوحد كَلمتهُم، وتَسْتَقِيم بِهِ أُمُورهُم، ويُحقِّق لهم مَا يَبتَغُون من العِيش في أمَانٍ.)(وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ أي والْزَمُوا كِتَاب الله، وسُنَّة نَبِيَّه، ولا تَعصُوهما في شَيء، فإنّهما الرُّكن، والأساس لطاعة الله، ورِضْوَانه (وَ أَقْدَمُوا عَلَى اللهِ مَظْلُومِينَ، وَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ) أي لا تَظْلِمُوا أَحداً... وإلا فإنّ على المظلوم أنْ يُكافح ويُناضل عَن حقِّهِ، ومَن سَكت عن ظالمه فقَد أَعانه عَلَى الظُّلم، ومَن رَضِي بالظلم فهو شَرِيك للظَّالِم، ولَو خَاف الظَّالِمِ مِن ثورة المظلُوم لتّحَامَاه (وَاتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ) لا تَتَبَّعُوا مَسالِكه فإِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبِين (وَ مَهَابِطَ العُدْوَانِ) أي مكانه، ومحل هبوطه (وَ لا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ َلعَقَ الْحَرَام... إلى وَ سَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ الطَّاعَةِ) وَأوضح تَفْسِير هذه الجملة، ومَا بَعْدَها قول الْإِمَام فِي الخُطْبَة : «إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ، وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَر مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ. فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ، وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ. قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ، وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ فَلَا يَكُونَنَّ الْمَضمُونُ لَكُمْ طَلَبَهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ) (1).)
1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (114).
## الخطبة - 152 -### صفات الله تَعَالَى... فِقْرَة 1 - 2:الْحَمْدُ للهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وَ بِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وَ بِأَشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ. لَا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ، وَ لا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، لإفْتِرَاقِ الصَّائِعِ وَ الْمَصْنُوع، وَالْحَادٌ وَ الْمَحْدُودِ، وَ الرَّبِّ وَ الْمَرْبُوبِ، الْأَحَدِ بِلا تَأْوِيلِ عَدَدٍ، وَ الْخَالِقِ لا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ، وَ السَّمِيعِ لا بِأَدَاةٍ، وَ الْبَصِيرِ لا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ، وَ الشَّاهِدِ لا بِمُمَاسَّةٍ، وَ الْبَائِنِ لا بِتَرَاخِي مَسَافَة (1، وَ الظَّاهِرِ لا بِرُؤْيَةٍ، وَالْبَاطِنِ لا بِلَطَافَةِ. بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا، وَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَبَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ، وَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ. مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَ مَنْ قَالَ : كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَ مَنْ قَالَ: «أَيْنَ» فَقَدْ حَيَّرَهُ. عَالِمٌ إِذْلا مَعْلُومٌ، وَرَبُّ إِذْ لا مَرْبُوبٌ، وَ قَادِرٌ إِذْ لا مَقْدُورٌ (2).)اللُّغة:لا تَسْتَلِمُهُ : لا تَلمِسَهُ. والْمَشَاعِرُ : الحَوَاس الّتي يَشعر، ويدرك بِسببها.
وَالنَّصَب : التَّعَبُ، وَالْبَائِنِ : البَعِيد. والحَيّز - بتشديد الياء - الجهة، والمكان.الْإِعْرَابِ:أَنْ لا شَبَة ((أَنْ» مخففة، وأسمها ضَمِير محذوف أى أنّه، والمَصْدَر المنسبك مُتَعَلِّق بالدَّالّ أي والدَّالٌ بِاَشْتِبَاهِهِمْ عَلَى عَدم الشَّبَه لَهُ، وأحَدٌ صِفَة لِلرَّبِّ، وكَيْفَ خَبَر لمبتدأ محذوف أي كَيْفَ هُو، وكَذَا أَيْنَ، وعَالِمٌ أي الله عَالِمٌ.الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ الدَّالٌ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ. كلّ شيء في الكَوْن يَسِير طبقاً لنظام لا يجيد عنهُ، ويعمل لغَايَة تَترتب عَلَيْهِ، والْغَايَة تدل على القصد، والقصد يَدل على التدبير، ولا بُدّ أنْ يَكُون المدبر هو المبدأ الأَوَّل، وعِلَّة الْعِلَل ضَرُورة الإِنْتَهَاء إلى بلة أُولَى وإلا بَقِي كُلّ شَيء طى الكِتمان، وأنتفى الوجود من الأساس، وللتوضيح أذكر هذا المثال : لو لم ينته تأريخ الكهرباء إلى المخترع الأَوَّل الَّذِي أكتشفها لبقيت في عالم القدم، وهكذا كل حادث لا يحمل في ذاته السبب الكافي لوجوده.)(وَ بِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ. يتألف الكَوْن من عناصر، أكتشف مِنْهَا عُلَماء الطبيعة مِئة وعُنصرين، وكلّ مَادَّة عرفها الإِنْسَان لا تخلوا مِن عُنصر، أو أَكْثَرَ من هَذِه العناصر، وأيضاً أكتشف العُلَماء أنّ جميع هذه العناصر فِي طَرِيقها إِلى الزّوال، ومَعْنَى هَذَا طَبيعتها تقبل العدم، والوجود، وكلّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لا بُدّ لوجوده من سَبب خَارج عَن ذَاته، ولو وجد بغير هَذَا السَّبب لكان واجب الوجود، وهو خلاف الفَرض.)
(وَ بِأَشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لا شَبَهَ لَهُ. لَو سَأل سائل، وَقَالَ : مَا الدَّلِيل عَلى أنّ الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لقلتُ : أَنه تَعَالى واجب الوجود، وغيره ممكن، ورشحة من قدرته وعَظَمَته. أما الإِمَام فأجاب بأسلوب آخر، وتوضيحه : إن أشياء الطبيعة متباينة من حركةٍ، وسكون، وحرارة، وبرودة، ونور، وظلمة... إلى غير ذلك، ولكلّ واحد مِنْهَا وظيفة خَاصَّة، وغَايَة مُعِينَة، ولابد أنْ يَكُون وَرَاء هَذَا التَّبايُن قوة مُخالفة في طبيعتها، وصفاتها لكلّ مَا فِي الطَّبِيعَة، وهَذِهِ الْقُوَّة هي التي أحدثت هَذَا التَّبايُن، وإِلّا كَانَتْ أشياء الطَّبِيعَة كلّها عَلى نَسقٍ وَاحد لا فَرقَ بَيْنَ مَادَّةً وَمَادَّة، وكَانَ الجماد كالنَّبات، والثبات كالحَيَوَان، والحَيَوَان كالإِنْسَان مَا دَام الكلّ طبيعياً.... وأيضاً لو كَانَتْ تِلك الْقُوَّة مُماثلة للطَّبيعة لصّح فيها مَا صَح على الْأَشْيَاء الطَّبيعة، واستحال وجُود الفرق بَيْنَ الكائنات وهو خلاف المشاهد، والمَحسُوس.)(لا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ. تَسْتَلِمُه مِن الإِسْتلام، والمراد به هنا،اللمس، والمَس. ومشاعر الإنسان حواسه التي يُدرك بها، ماديةً كَانَتْ كالْعَيْن، واليد، أم معنويةً كالْعَقْل، والله سُبْحَانَهُ لَيْسَ بِجسم كي يُرى بالعين، أما الْعَقْل فُيدرَك وجُوده وعَظَمَته بخلقه، وآثاره لا بكُنهه، وحقيقته (وَ لا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ). والستر والحِجَاب الملموس مِن صِفَات المادَّة، وهُو تَعَالَى مُنَزَّهُ عَنْهَا، وَالْجَهْلِ حِجَاب مَا فِي ذَلِكَ رَيب، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بجسم.)(الإِفْتِرَاقِ الصَّانع وَالْمَصْنُوع، وَالْحَادٌ وَ الْمَحْدُودِ، وَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ. وكأن سَائِلاً يَقُول : لماذا نستدل بالخلق على الخالق، وبالحدوث على الدوام، وبتشابه الكَائِنات عَلَى نَفِي الشَّبِيه، والنَّظِير للمكون ؟ فأجاب الْإِمَامِ بِأَنَّ البَانِي غَيْرِ البَنَّاء. والْعِلَّة غَيْر المعلول، لأنّ الشيء الواحد لا يكون مُؤثِراً، ومُتأثراً مِن جهةٍ وَاحِدَة)
بحكم البديهة.(الْأَحَدِ بِلا تَأْوِيلِ عَدَدٍ أي لا يُشكل مَع غَيْره جَمعاً، أو تثنية، لأَنه تَعَالَى لا ثَانِي لَهُ (وَ الْخَالِقِ لَا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ) لأن الحركة، والإعياء من لوازم الجسم والله سُبْحَانَهُ مُنَزَّهُ عَنْهُ، وإرادته وحدها هي التي تُوجد الأَشْيَاء (وَ السَّمِيعِ لا بِأَدَاةٍ) لأنّه عالم بالذَّاتِ (وَالْبَصِيرِ لا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ) أيضاً لأنّ عَلَمه عَينُ ذَاته.)قَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : «الْمُرَاد بِتَفْرِيق : تَفْرِيق الأجْفَان، وفَتح بَعْضهَا عَن بعض» (1. يُريد أن الإنسان إذا أطبق جفنه الأعلى على الأسفل فلا يرى، وإنْ فَرقهما رأى، ولَيْس الله سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ. وهَذَا الْمَعْنَى غيرُ بَعِيدٍ عن دلالة كَلِمَة التفريق.)(وَ الشَّاهِدِ لا بِمُمَاسَّة. المراد بالشَّاهِدِ الْحَاضِر، وبالمماسة الجسم، والله مع كل شَيء يعلمه، وقُدرته لا بالمس، أو الحلول، أو الوجود الشاملة لكلِّ موجود (وَ الْبَائِنِ لا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ). قد أنفصل عَن خَلقه بالذَّات، والصفات، لا بالمكان، والجهة، ولكن فِي الصَّوفِيين مَن يَزعم أنه أتحد بالله عن طريق الرياضة !.. (وَالظَّاهِرِ لا بِرُؤيَةٍ) الذَّات بل بظهور الخلق، والآثار (وَ الْبَاطِنِ لا بِلَطَافَةٍ) بَحِيث بلغ من الرّقة حداً لا يُرى بالعين المجردة، ولا بالمكبّر، ولا يحجب غيره من الرُّؤية كأمواج الرَّاديو التي تحمل الصَّوْت... كلاً، إنّ ذاتهُ القُدسِية فوق التّصُور، والأوْهَام فضلاً عن المراصد، والمكبّرَات (بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا، وَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَ بَانَتِ الْأَشْيَاء مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ، وَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ). هَذَا عَطف تَفْسِير عَلَى)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة : 40/2.
قَوْله : «لإِفْتِرَاقِ الصَّائِعِ وَالْمَصْنُوع». ويتلخص مَعناهُ بأَنه فُوق كل شَيء، وفي قبضته كلِّ شَيء.(مَنْ وَصَفَهُ بشيء من صِفَات الخَلُوقِين (فَقَدْ حَدَّهُ) أي جَعَل لهُ حدّاً يَنتري إِلَيْهِ، ولا يتجاوزه (وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ) أي أحصاه، وأحاط به، وهُو سُبْحَانَهُ يُحيط بكلِّ شَيء، ولا يُحيط بهِ شَيء (وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ).)من زَعَم أنّ الأوهام تُحيط عِلماً بذات الله فقد جعله مَحْدُوداً، ولكلِّ محدود بداية ونهاية، والله سُبْحَانَهُ هُوَ الْأَوَّل بلا أوّل كَان قبله، والآخر بلا آخر يكُون بَعْدَه (وَ مَنْ قَالَ: «كَيْفَ» فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ أي أعطاه صِفَات المخلوقِين، لأنْ كَيْفَ يُسأل بها عن الأَحْوَال كالطُّول والعرض، والقيام، والقعُود (وَ مَنْ قَالَ: «أَيْنَ» فَقَدْ حَيَّزَهُ) أي جَعل له مكاناً وجهةً، لأنّ أَيْنَ يُسأل بها عن ذَلِكَ، ولَو كَانَ الله جهة، ومكان لافتقر إلَيْهِ، وهو الْغَني عن كلِّ شَيء، ولا غنى لشيء عنهُ (عَالِمٌ إِذْ لا مَعْلُومٌ). يعلم الأَشْيَاء قَبل وجودها ومتى تُوجد، وعِلمه ذَلِكَ هُو هو من قبل، ومن بعدُ (وَ رَبُّ إِذْ لا مَرْبُوبٌ) هُو رَبِّ كلِّ شَيء قبل وجود الأَشْيَاء، لأنه هو الموجد لها في مكانها وزَمَانها (وَ قَادِرٌ إِذْ لا مَقْدُورٌ) لأنّ قدرته ذاتِية تُوجد الأَشْيَاء مِن لا شَيء متى يَشاء. وتكلمنا عن صفاته تَعَالى سابقاً (1).)### الْأَئِمَّة قُوَّامُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ... فِقْرَة 3 - 4:قَدْ طَلَعَ طَالِعُ، وَ لَمَعَ لَامِعٌ، وَلاحَ لأئِحُ، وَاعْتَدَلَ مَائِلٌ، وَاسْتَبْدَلَ اللهُ بِقَوْمٍ
1) أنظر، شرح المخطْبَة : (1) نَفيُ الصَّفات. (منه (قدّس سِرُّه)).
قَوْماً، وَ بِيَوْمٍ يَوْماً، وَ انْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ. وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ الله عَلَى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ عَرَفَهُمْ، وَعَرَفُوهُ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ الأُ مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ (3. إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالإسْلامِ، وَ أَسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسْمُ سَلامَةٍ، وَجِمَاعُ كَرَامَةٍ، أَصْطَفَى اللهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ، وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ، مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ، وَبَاطِنِ حُكْم. لا تَفْنَىٰ غَرَائِبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ، وَ مَصَابِيحُ الظُّلَم، لا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلا بِمَفَاتِيحِهِ، وَلا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلا بِمَصَابِيحِهِ. قَدْ أَحْمَىٰ حِمَاهُ، وَ أَرْعَى مَرْعَاهُ فِيهِ شِفَاءُ الْمُسْتَشْفِي، وَ كِفَايَةُ الْمُكْتَفِي (4).)اللُّغَة:غير الدَّهْر - بكسر الغين أحداثه. والمجدِبِ المَطَرَ : الَّذي أنقطع عنه المطر فَيَيُست أرْضَه. وَالعُرَفَاء : جمع عَرِيف، وهو القائم بأمر الْقَوْم. والمرابيعُ : الأَمْطَار أَوَّل الرَّبيع، وقيل : هو جمع المرباع، أي الأَرْضِ الَّذِي يَظهر نَبَاتِها فِي أَوَّل الرَّبيع.الْإِعْرَابِ:الْمَطَرَ مَفْعُول لانْتِظَارَ، وذَلِكَ فَاعِل لفعل تحذُوف أى وفعل ذلك، أو مُبْتَدَاً، والْمَصْدَر المنسبك من «لأَنَّهُ.. إلخ» مُتَعَلِّق بمحذوف خَبَراً لهُ.الْمَعْنَى:قَالَ الشَّارِحُون : إِنَّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ خَطَب بهذا الكلام بَعد مقتل عُثمَان (1)... ولَيْس)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة مُحَمّد عَبْدَه: 40/2، شرح نهج البلاغة لابْن أَبي الحَدِيد : 152/9.
هَذَا ببعيد عن ظاهر السياق (قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ، وَ لَمَعَ لأمعٌ، وَلاحَ لأئِح، وَأَعْتَدَلَ مَائِلُ، وَ اسْتَبْدَلَ اللهُ بِقَوْمٍ قَوْماً، وَ بِيَوْمٍ يَوْماً. حدث الانقلاب بمقتل عُثمانَ، وظهرت بوادر وبشائر بتغير الأَوْضَاع، والأَحْوَالَ بَعد أن ولى سُلطان مَرْوَان بن الحكم مُستشار الخليفة، والمَصْدَر الأَعْظَم فِي ذَاكَ الزَّمَانِ (وَ انْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ) أي أنتظرَ الْمُسْلِمُون تَبدل الْأَوْضَاع، والأحوال، لأنّ أزمة الثقة بالخَلِيفَة كَانَتْ عَامة لا خَاصَّة، ثم تحولت الأزمة إلى نقمة، وكَانَ مِن أَمرها ما أشرنَا إِلَيْهِ أَكْثَر مِن مَرّة، وقد حذر الإمام الخَلِيفَة الثَّالِث مِن سُوء الْعَاقِبَةِ، وَقَالَ: «أنشدك الله أنْ تَكُون إمام هذه الأُمَّة المَقْتُول، فإِنَّه كان يُقَال : يُقتل فِي هَذِهِ الْأُمَّة إمَام يَجرُ عَلَيْهَا الْقَتْل، والْقِتَالَ إِلى يَوْم الْقِيَامَة» (1).)(وَ إِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وخُلَفَاؤه فِي أَرْضَه، ورَحْمة مُهداة منهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ، وهُم (عُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ) أي القَائِمون على تدبير شؤونهم، ومصالحهم على أساس الرَّحمة، والمُسَاوَاة، لأنهم رحمة مُهداة منهُ تَعَالَى إلى عِبَادِه، ومن أجل هَذَا وصَل حَبلَهُ تَعَالَى بحبلهم، وأفترض طاعتهم على جميع النَّاسِ شَرِيطة أنْ يَهْدُوا النَّاس بأمر الله، ووحيه، ويفعلوا الخيرات، ويُقِيمُوا الصَّلاة، ويُؤْتُوا الزَّكَاة ويَعبدوا الله حقاً، وصدقاً، ويعملوا له وحده لا للجاءِ، والمَالِ، وكمّا جَاء في الآيَة «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْل الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإيتاء)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغَةِ لمُحَمّد عَبْدَه : 69/2، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 262/9، بحار الأَنْوَار : 489/31، تأريخ الطَّبَرِي : 376/3، الأنساب للسَّمعاني : 60/5 الكَامِل في التاريخ : 63/3، : تاریخ ابن كثير : 168/7، البداية والنهاية : 188/7، كتاب الجمل للشيخ المفيد : 100، جواهر المطالب في مناقب علي بن أبي طالب لابن الدِّمَشْقِي : 180/2، العقد الفريد : 92/3.
الزُكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (1.)(وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ عَرَفَهُمْ وأطاع أمرهُم، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسِ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتاَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (2). (وَعَرَفُوهُ) أي كانوا معه بِهدَايتهم، وإرشادهم، أو شَهدُوا لَهُ عِند الله بالإيمان والإسْتِقَامَة (وَ لا يَدْخُلُ النَّارَ إِلا مَنْ أَنْكَرَهُمْ، وَأَنْكَرُوهُ) هَذَا كِنَايَة عَن الْجَاهِلِ بِالحَقِّ، وأَهْله، أو العالم به، وبِهِمْ، ولَكِنَّهُ خَالف، وعاند.)### لِلمِنْبَرِ - الْإِسْلام سلامة، وكَرَامِة:(إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالْإِسْلامِ، وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ. الخِطَاب مُوجَه مِن الإِمَام لأصحابه، ويصلح لكلِّ مُسْلِم، لأن الغرض منهُ التَّذكير بفضل الإِسْلام، والحَثّ على التمسك بعروته، وإِنه نِعْمَةٌ كُبرى من الله سُبْحَانَهُ على كُلِّ مِن أهتدى بهديه (وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلَامَةٍ، وَجِمَاعُ كَرَامَةٍ). وحَدُّ الإِسْلَام بِهَاتِين الكلمتين هو الحد السَّلِيم، والتَّعرِيف المتسقيم على كِتاب الله، وسُنَّة نَبِيَّه، لأَنه مِن مَصْدَر الإِسْلام ومعدنه، مِن نَفس الباب الذي أمرنا الله أنْ نَدخل منه إلى مَدِينَة عِلمه، وعِلم رَسُوله... كَلمتان فقط هو الإِسْلام : سَلامَة، وكَرَامَة، وما عَداهُما بِدْعَة، وضَلالة.)ويَدخل في مفهوم السَّلامَة العَيش بلا مشكلات أي تخاصم، وتصادم، وبل مع التَّعاون، والتراحم، وبلا فوضى، وفساد، بل مع الصَّلاح، والنّظام، وبلا عَصبية وتفرقة، بل مع العدالة، والمساواة. ولا غُش، ورياء، وخيانة، وأَهْوَاء... ولا أيّة
مُشْكِلَة تكدر صفو الحياة.أمّا الكَرَامَة فكَلِمَة جامعة تصدق على كلِّ خَير، على مبدأ المُسَاوَاة بَيْنَ النَّاسِ : «فلا فضل لأبيض على أَسْوَد، إلا بالتَّقْوَى» (1، وعَلَى أَن لِلْإِنْسَانِ حُرِيته، وما يختاره لِنَفْسِه غَنِياً كان أم،فَقِيراً، وصِيَّانة هَذه الحُرِّيَّة، وحصانتها من أعتداء الآخرين، لأنّ الإِنْسَان بما هو إنْسَان مِن أي دِينِ كَان - فِي حَرمٍ مُحرم إِلَّا أَنْ يَنتهك هُو حُرمة نَفْسه بالخروج عَلى القَانُون والنظام، وعندئذٍ يَكُون السُّلْطَان عَلَيْهِ لِلحَقِّ، والْعَدْل... وأيضاً تصدق الْكَرَامَة عَلى الكسب بكد اليمين، وعَرَق الجبين، والثَّبات عَلى الحَقِّ، والجهر به، والصَّبر دفع ثمنه، وتَصدق الْكَرَامَة عَلَى الإِنسجام بَيْنَ الأقوال والأفعال، والوحْدَة بَيْنَ السِّلوك، والعَقِيدَة... إلى غَيْرُ ذَلِكَ مِن أنواع الفَضِيلة، والْقِيَّم الأصِيلة التي تخصها الإِمَام بجماع الكَرَامَة.)ومن الحماقة أنْ يَرَى الإِنْسَانَ الْكَرَامَة لِنَفْسِهِ يُطالب بها، ثُمَّ لَا يَلتزم بِمَا عَلَيْهِ مِن واجب، ويستخف بِكَرَامَة الآخرين، ولا يردعه عن الظلم الاِعْتِدَاء إِلَّا الْقُوَّة، ومن أجل هَذَا أَمرَ سُبْحَانَهُ أنْ تُخاطبه بلغة الْقُوَّة: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمْنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (2).)ولا نعرف عصراً أُهدرت فيه سلامة الإنسان، وكرامه كالقرن الْعِشْرِين... فأي عصر من العصور بلغت فيهِ النَّفقات العسكرية، والأسلحة
السِّرِيَّة، والعلنية لكلِّ دول الأرض - نصف أنتاج العالم كله ؟... وهل القصد من ذلِكَ الحرص على سلامة البشرية، وكرامتها، أو الترويع، والتَّهديد بإفنَائِها، وإبادتها إذا هي لم تخضع، وتستسلم لحور الطغاة المستبدين، واستغلال الشركات والمستعمرين ؟.(أَصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ أي أنه تَعالى أختار الإِسْلَام طَرِيقاً إِلَى مَرضَاته (وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ) وَهِى الأدلّة عَلى حَلال الله، وحرامه، وأشار إِلَيْهَا الْإِمَام بقَوْله : (مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ، نَطق بِهِ الْكِتَاب، والسُّنَّة (وَبَاطِنِ حُكْمٍ) دَل عَلَيْهَا الْعَقْل الَّذِي يَنتقل بنا من معلوم محسوس إلى واقعة تترتب عَلَيْهِ حتماً، ولا تنفك عنه (لا تَفْنَى غَرَائِبُهُ، وَ لا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ). وضَمِيرِ الغَائِب لِلْقُرْآن بدليل مَا جَاء فِي الْخُطْبَة : «وَإِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلا تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ» (1). لا فَنَاء، ولا أنقضاء لعظمة الْقُرْآن لأن شريعته بمبادئها تصلح لكلِّ زَمَانٍ، ومكان، ومن هَذَا كَان مُحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خاتم الرسل، والأَنْبِيَاء، والإِسْلَام خاتم الرِّسَالَاتِ السَّماوِية.)(فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ أي أنّ الأُمَّة التي تَسِير في ضُوء الْقُرْآن، وتعاليمه تحيا حَيَاة طَيِّبَة وكَرِيمَة، والشَّاهِد أنه رفع الْعَرَب مِن الحَضِيض إلى ساسة ممالك، وأرباب عرُوش ولما أهملوه أهل نجمهم، وذهب ريحهم (وَ مَصَابِيحُ الظُّلَم) تَهْدي إِلى سُواء السَّبِيل (لا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلا بِمَفَاتِيحِهِ) لا تستقيم الحياة إِلَّا بِتعَالِيمِ الْقُرْآن (وَلا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلا بِمَصَابِيحِهِ) لاَ حَلّ لمشكلات الحَيَاةَ إِلَّا بِمَا أَرْشد إِلَيْهِ الْقُرْآن من الجهاد والْعَمَل فِي كُلِّ تَجَالٍ مِن مجالات الخير، والأخذ بأَيْدِي الَّذِين يجعلون)
1) أنظر نهج البلاغة، الخطبة (18).
الحياة أَكْثَر رَاحةً، وجمالاً، وخصباً.(قَدْ أَحْمَىٰ حِمَاهُ أي أنّه تَعالى حَرم كلّ مَا يَعُوق مَسِيرة التَّقدُم (وَ أَرْعَى مَرْعَاهُ) وأَبَاحَ كُلِّ مَا يَطمح إِلَيْهِ الإِنْسَان من الدعة، والأمان (فِيهِ شِفَاءُ الْمُسْتَشْفِي) من أراد الشِّفاء من الجهل، والضَّلال فَعليه بالْقُرْآن (وَكِفَايَةُ الْمُكْتَفِي) فِيهِ غِنى لمن يقنعه الحَقِّ، ويَرضِيه العَدْل ومِن أَقْوَال الإِمَام : «أعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَ لا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنى فَأَسْتَخْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ» (1).)
1) أَنظر، نهج البلاغة، الخطبة (176).
## الخطبة - 153 -### الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ...1 - 3:وَهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ، وَ يَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ، بِلا سَبِيلٍ قَاصِدٍ، وَ لا إِمَامٍ قَائِدٍ. حَتَّىٰ إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ، وَ أَسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمْ أَسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً، وَ اسْتَدْبَرُوا مُقْبِلًا، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ، وَلا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ (1.)إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ، وَ نَفْسِي، هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، فَلْيَنْتَقِعِ أَمْرُو بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَ انْتَفَعَ بِالْعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي، وَ الضَّلالَ فِي الْمَغَاوِي، وَ لا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقِّ، أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقِ، أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ (2.)فَأَفِق أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ، وَ أَسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِكَ، وَأَخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَ أَنْعِم الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا لا بُدَّ مِنْهُ، وَلا مَحِيصَ عَنْهُ، وَخَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، وَ دَعْهُ وَ مَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ، وَضَعْ فَخْرَكَ، وَ أخطُطُ كِبْرَكَ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ،)
وَ مَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً، فَأَمْهَدْ لِقَدَمِكَ، وَ قَدِّمْ لِيَوْمِكَ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ ! وَ الْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ ! ﴿وَ لَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (1)(3).)اللُّغة:جَلَابِيبِ : جمع جِلباب، وهو الثّوب، والسِّتر. وَالوَطَر : الحَاجَة. والجد - بفتح الجيم - أبو الأب، أو الأم، وبكسرها الاجتهاد، وبضمها الحظّ، والجدد - بفتح الجيم والدَّال - الأرض المستوية، ويُطلق على الطَّريق الواضح. وَأَنْعِمِ الفِكْرَ فِي كَذا : حَقَّقَ النَّظر فِيهِ، وبالغ فِي ذَلِكَ.الْإِعْرَاب :وَنَفْسِي مَفْعُول لأحَذِّرُكُمْ، وَكَما الكاف بِمَعْنَى مثل صِفة مَفْعُول مُطلق مَحذُوف، و «مَا» مَصْدَرِيَة، وفي الكلام تقديم، وتأخير أي: تُدان أَنْتَ إدانة مثل الإِدَانَة التي فَعلتها بغيرك، والحَذَرَ نُصب على المَصْدَر أي أحْذَر، ومثله الحِدَّ أي جِد، وأجتَهِد.الْمَعْنَى:(وَهُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ، وَيَعْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ، بِلا سَبِيل قَاصِدٍ، وَ لا إِمَامٍ قَائِدٍ. ضَمِير «هُوَ» يعود إلى كلّ ضَالٍ، والسَّبِيلِ الْقَاصِد طَرِيق)
1) فاطر: 14.
الأمان التي تَنْتَهِي بصاحبها إِلى مَا يُرِيده لنَفْسِه من الخَيْرِ، والمَعْنَى مَن غَفَل عَن سَبيل الهُدَى وسَلك سَبِيل الضلال كما قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (1).)(حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ أي كَشَفَ اللَّه للعُصَاة عَن جَزَاءِ أَعْمَالهِم (وَ أَسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمْ). كَانُوا يَلهُون، ويلعبون غافلين عن الموت الَّذي لا يَغفل عنهم حَتَّى إِذَا رَأوا دَلائِله، وعلاماته أنتبهوا مِن سُباتِهم، وتملكهم الذعر (وَ اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً) أي رَأوا أهوالاً كَانُوا عَنْهَا غَافِلِين مُدِيرِين (وَ اسْتَدْبَرُوا مُقْبِلًا) فارقوا الْأَمْوَال، والْأَوْلاد (فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ، وَلا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ). نالوا الكَثِير مِن الدُّنْيَا، وزينتها، وتمتعُوا بِنَعِيمها، وحَلاوتِها. وحين جاءت سَاعَة الْحَقِّ مَا أغنى عَنهم مَا كَانُوا يَكسبون، وبهِ يَتمتعُون، بل كان عَلَيْهِمْ وبَالاً، وعذَاباً.)(إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ، وَ نَفْسِي، هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ أي الغَفْلَة عَن العُواقِب، وأَشْرَك نَفْسه معهم في التَّحذير ليُحرك شعورهم، ويُؤثر كلامه في قُلُوبِهِم، ومن قَبلِه قَالَ الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للمُشركين : (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ الله وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (2). (فَلْيَنْتَفِعِ أَمْرُو بِنَفْسِهِ) أي بِعَقْله، والْعَقْل آلة التّفكير، والنظر فيما يراه الْعَاقِل، ويسمعه، ثم يختار النافع، والصَّالِح، وإلى هَذَا أشارت الآية : (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئك الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله)
وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ (1)و عَلَى هَذَا الأَسَاس حدد الإِمَام مَفهوم الْعَاقِلِ البَصِير بقَوْله : (فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ) سَمَع، ورأى يعقلٍ، وَرِوِّيَّة لا بالهوى، والغَرضِ (وَ انْتَقَعَ بِالْعِبَرِ) أي وعَمِل بكلِّ خَير يَسمعهُ، ويَرَاه.)(ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي، وَ الضَّلالَ فِي الْمَغَاوِي الجدّد الطَّرِيق، الصَّرْعَةَ الهلكة، والْمُهَاوِي المهَالِك، والمُغَاوِي الأَشْيَاء الّتى تَغوِي وتُضلل، والمعنى أن الذي يُدرك الأشياء على حقيقتها، ويَنْتَفع بالعبر، والعِظات، يَهْتَدِي إِلى طَرِيق النَّجاة لا مَحَالَةَ، ويُسلكه وهو على ثقة من أنّ الْعَاقِبَة لهُ لا عَليهِ (وَ لا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقِّ، أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقِ، أَوْ تَخَوّفٍ مِنْ صِدْقٍ) الْغُوَاةَ هُم الَّذِين لا يَرعُوون عَن الغَي، وهو خلاف الرُّشد، والتَّعسف فِي الحَقِّ الاحتيال عَليهِ كَالذِين يُحللون ما حرم الله بالحيل الشَّرْعِيَّة. والتَّحريف في النُّطق الْكَذِب والافتراء، والتَّخوف مِن الصِّدْقِ السُّكُوتُ عن الحق خَوْفاً من غَضب المبطلين، وسطوتهم... وهَذِه الرَّذَائِل بَاب للمطَاعِن، والمآخذ وبالأخص من الغُوَاة الَّذِين يَتَّخِذُون مِن التَّشهير مُبرراً لعيوبهم.)(وَ أَخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ قَالَ بَعْض الشَّارحِين: «أي لا تَكُن عَجَلَتِكَ كَثِيرَة» (2). وهَذَا قَرِيب مِن دَلالة اللفظ، ولَكِنَّهُ بَعِيد عَن الحكمة، والْأَوْلَى أَنْ يُفسر بَلا تعجل من أمرٍ حَتَّى تَعلم حقيقته، وعواقبه (وَ أَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ -(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - مِمَّا لا بُدَّ مِنْهُ، وَلا مَحِيصَ عَنْهُ). عَلَى الْمُسْلِم أَنْ يَعْرِف أُصول)
الإِسْلام، وأَحْكَام الْعِبَادَة ومَا يُمارسه من الأفعال، والمعاملات، والسَّبِيل إِلى هَذِه الْمَعْرِفَة كِتاب الله، وسُنَّة نَبِيَّه يرجع العالم المُجْتَهِد إِلَيْهما مُباشرة، والجَاهِل بتوسط المجتهد، وقيل فِي مَعناه : فكر فيما قاله الرَّسُول عَن المَوْت الذي لا بُدّ منه !.... ولا حكمة فِي ذَلِكَ بالإضافة إلى أنه خلاف الظَّاهِرِ (وَ خَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، وَ دَعْهُ وَ مَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ. دَع سُواك من المتمردين، وأَدٌ مَا عَلَيْكَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (1).)(وَضَعْ فَخَرَكَ. «مَا لِابْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ، أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، وَلَا يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلَا يَدْفَعُ حَتْفَهُ» (2)، كما قَالَ الْإِمَام (وَ أَحْطُطْ كِبْرَكَ). التَّكَبُرَ يَنم عَلَى صَاحِبَهُ بالجهل، والصغار، ولذا نرى الصَّغير مُتكبراً، والكَبِير مُتواضعاً، وفي بعض الرّوَايَات : يُحشر المُتَكَبِّرون على هيئة الذر يطأهم النَّاس بأقدامهم جزاءً، وفاقاً على تَعالِيهِم (3). (وَ أَذْكُرْ قَبْرَكَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ). إنّك سائر إلى القبر لا تَحَالَةَ، ومنهُ إلى الوقوف بَيْنَ يَدي الله، فتزود هذا، وذَاكَ بالتَّقْوَى، وصَالِحِ الْأَعْمَال.)(وَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَ مَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً. هَذِهِ)
1) المائدة : 105.
2) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (45).
3) أنظر، كشف الخفاء : 533/2 ح 3236، تأريخ بغداد : 294/12 رقم (6740)، حلية الأولياء : 370/5،تحفة الأحوذي : 162/7، الترغيب والترهيب : 355/3 ح 4418. الأدب المفرد: 196/1 شعب الإيمان : 288/6 ح 8185، تفسير القرطبي : 274/15، سنن الترمذي : 655/4 ح 2492. مجمع الزوائد : 334/10، مُسْنَد أحمد : 179/2 ح 6677، مُسْتَنَد الحميدي: 272/2 ح 598، التخويف من النار : 90/1.
الأَمْثال يحفظها العالم، والجَاهِل، والصَّغير، والكَبِير، لأَنَّهَا مِن وحي العيان والْقُرْآن، قَالَ تَعَالَى : (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (1). وَقَالَ : (وَجَزَؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (2). وَإِذَا قَالَ قائل : لقد رأينا الكَثِير مِن المخادعين أصابوا النجاح، والأَرْبَاح ؟ قُلنا فِي جوابه : الكسب بالْكَذِب، والغُش لَيْسَ نَجاحاً بل عُدْوَاناً، وجريمة... ولو مثل هَذَا المُخادع أَمامِ الْعَادِل لجرده مِن كُلِّ شَيء، وحُكم عَلَيْهِ بأشد العقوبات. فأينَ النَّجاح ؟)(فَأَمْهَدْ لِقَدَمِكَ. أعمل لمصيرك، وعاقبتك (فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ) من الغفلة، والتَّقْصِير (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) بِمَسَاوِيءِ الدُّنْيَا، ومحاسنها، ومن تَتَبَّع كلام الإمام في نهج البلاغة، وغَيْره يَرى أنّ مَا مِن أحدٍ عَلى الإطلاق تحدث عن الدُّنْيَا كما تُحدث عَنْهَا الْإِمَام، تَكَلَّم عَنْهَا كَثِيراً، وَرَسَم لها صورة شاملة، وافية من شَتَّى الجهات مع التحليل، والتَّفْسِير، والتَّوجيه.)### سَيِّئَاتٌ لا تَنْفَعُ مَعهَا الْحَسَنَاتِ... فِقْرَة 4:إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ، وَيُعَاقِبُ، وَلَهَا يَرْضَى، وَ يَسْخَطُ، أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْداً - وَ إِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَ أَخْلَصَ فِعْلَهُ - أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا، لاقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا : أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا أَفْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ، أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلَاكِ نَفْسٍ، أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرِ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ، أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِي فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ.
اَعْقِلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ.إنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا، وَإِنَّ السَّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ الْفَسَادُ فِيهَا، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُون.َ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ. إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ.اللُّغة:عَزَائِمِ اللهِ : أحكامه الثابتة بضرورة الدِّين. والخَصْلَة - بفتح الخاء - الصفة. ويَعُرَّ : يُعِيب. ويَسْتَنْجِحَ : يَطْلُب النَّجَاحِ. ومُسْتَكِينُونَ : خَاضِعُون.الْإِعْرَابِ:المَصْدَر من أَنَّهُ لا يَنْفَعُ عَبْداً - وَ إِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَأَخْلَصَ فِعْلَهُ - أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا.... إلخ. اسم إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللهِ أي أَنَّ عَدَم نُفَعُ عَبْد.... إلخ، والمَصْدَر من أَنْ يَخْرُجَ فَاعِل لا يَنْفَعُ، ولأقِياً حال من الضَّمِير المستتر بِيَخْرُج، وغَيْره مَفْعُول يَعُرَّ، وفاعله ضمير مستتر يَعُود إلى «عَبْدَاً».الْمَعْنَى:(إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، الَّتِي عَلَيْهَا يُثيبُ، وَيُعَاقِبُ، وَلَهَا يَرْضَى، وَ يَسْخَطُ. يَشتمل القُرْآن عَلى دِلالات قطعية، وظنية، والدَّلالة القطعية تُثبت الحُكْم بِنَصٍ لا يحتمل الخلاف، ولا يقبل التخصيص، والتَّأْوِيل بحال، مثل : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (1)والدَّلالة الظَّنية تُثبت الحكم بظاهر يحتمل)
1) الإسراء : 23.
الخلاف، ويقبل التَّخصيص، والتَّأويل، مثل : (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ (1). فالمس بِظَاهرهِ يَشمل الوقاع (2)، وغَيْره، وفِي الوَقت نَفْسه يَجوز تَخصيصه بالوقاع وحده كما في الآية الكَرِيمَة.)ولَيْسَ مِن شَكٍ أَنّ من أَطاع الله في أي حكم من أحكامه تَعَالَى فَقَد فَاز، ومن عَصاه فقد خاب سواء أوْجَبَ هَذَا الحُكْم بِنَص لا يحتمل الخلاف، أم بِظَاهر يحتمله مَع عَدم قيام الدَّلِيل عَلى إِرَادَة الشَّيء المحتمل، وأيضاً لَيْسَ مِن شَكٍ فِي أَنّ العبد إذا أطاع الله في شَيء وعصاه في شيء - كان لكل حِسابه، وجزاؤه، ولكن قول الْإِمَام : «لا يَنْفَعُ عَبْداً - وَ إِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ، وَ أَخْلَصَ فِعْلَهُ»... يَدل بظاهره عَلَى أَنْ هُناك ذنُوباً لا تُجدِي مَعَهَا أية حسنة من الحَسَنَات، وإِن سَيِّئَات تِلك الذُّنُوب تَمحُو، وتتغلب عَلَى حَسَنَات أي فِعلٍ من أَفعال الخير، وأشار الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ إِلى خَمَسَةٍ مِنْهَا :)1 - (أَنْ يُشْرِكَ بِاللهِ فِيمَا أَفْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ أي أنْ يُراني بصُومه، وصلاته، وحجّه، وزكاته، لأنه تَعَالَى شَرع العِبَادَة لتكون خالصة لوجهه الكريم، ومن تقرب بها إلى غيره فقد صَرفها عن الغرض المقصود مِنْهَا، وفي الوقت نفسه جعل الله شَرِيكاً، ونَظِيراً يَرجُوه، ويخافه مِن حَيْثُ لا يَشعر، ولذا وصَف الرَّسول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الرّياء بالشِّرك الخفي (3)، والله سُبْحَانَهُ لا يَغفر أَنْ يُشرك به، ولا يقبل)
1) الْبَقَرَة : 236.
2) الوقاعُ : مُواقعَةُ الرَّجُل أَمْرَأَتُهُ إِذَا باضعها وخالَطَها. وواقع المرأة وَوَقَع عَلَيْهَا: جَامَعَها. أنظر، لِسَان العرب : 405/8.
3) أنظر، كتاب الزهد لحسين بن سعيد الأهوازي : 177/65، الكافي : 293/2 ج 3، بتقديم وتأخير، فقه الرضا: 387، وَسَائِل الشّيعة : 70/1 ح 4، علل الشرائع : 560 ح 4، المحاسن : 122/1، مُنية المريد : 317، إحياء علوم الدين : 42/1، بحار الأنوار : 281/19 ح 3.
مِمَّنْ يَرجُو سواه : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَجِدُ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحدًا (1).)2 - (أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلَاكِ نَفْسٍ. فَسّر الشَّارحُون الهلاك هنا بقتل النفس. وإزهاقها (2)، واستدل البعض مِنْهُم بِقَوْله تَعَالى : (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَة، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (3).)ولَيْس هَذَا ببعيد عَن ظَاهر اللفظ، ولكن الأولَى تَفْسِير الهلاك بما يشمل التعدي عَلى حَيَاةِ الإِنْسَان مباشرة، وبالواسطة كسلب الأقوَات، وما فيه قوام الحَيَاة، ومنذُ القَدِيم أشتهر عَلى كُلّ لِسَان : قطع الْأَرْزَاقِ كَقطع الأعْنَاقِ.3 - (أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ. يَفعل المُنْكَر، ويقذف بِهِ غَيْره : ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْم بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (4).)4 - (أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ يُحلل ما حرم الله، ويُحرم مَا حَلَل طَلباً للدُّنْيا... وهَذَا هُو المستأكل بدينه، وقطاع الطَّرِيق خَيرٌ منه.)5 - (أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِي فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ. ذُو الوَجْهِين يُثني فِي المشهد، وينهش في المغيب، وهَذَا مُنافق، ومُغتاب في آنٍ واحدٍ، وذُو اللَّسَانِين ينقل كلام كلِّ من المتعادِين إلى الآخر، وهَذَا مُفسد، ومُفتن، والنَّمام دونَه شَرّاً وقبحاً، لأنه ينقل من جانبٍ واحدٍ، أما الَّذي يُخاطب كُلَّ إِنْسَانِ بِمَا يَسْتَهِي فَهُو ذُو)
أَلسُن، لا لِسَانَيْنِ، والكلّ شَر عَلى أنفسهم، ومُجتمعهم. وفِي الحَدِيث : «مَن كَان لهُ وجْهَان فِي الدُّنْيَا كَان لَهُ لِسَانَانِ من نَارٍ فِي الْآخِرَة (1». (أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، أَوْ يَمْشِي فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ). إِنَّ الأَشْيَاء تُلحق بنظائرها فِي الحُكْم شَرِيطَة أَنْ تَكُون الْعِلَّة، وَاحِدَة بحكم النَّص، أو بَدِيهَة العقل التى لا يختلف في حكمها اثنان.)### الْمَرْأة زينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:(وَإِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ الْفَسَادُ فِيهَا. كَان المجتمع يُحرم على المرأة أنْ تُساهم مع الرَّجُل فِي الكَثِير مِن شُؤون الحياة التَّحريمات، ويُسمح لها بما يتلاءم مع طبعها كالزِّينَة، وجَرّ الذُّيُول، ولكن في بيتها وسَاحة منزلها.... ومضت الأيَّام، وتغير الزَّمَان، وقَنصت المرأة «حقوقها» من الرَّجُل.... وتطورت الزِّينَة مَع الزَّمن حَتَّى صَارت علماً، فخُبراء لأزياء الملابس وكِعوب الأحذية، وآخرون لصَّف الشعور، ورجال للتدليك، والماكياج وتمرينات من أجل الرشاقة، ونحافة الخصور !.... وهكذا ظهرت المرأة - في عصر النُّورِ، والحُرّيَّة - على طبيعتها من الإهتمام بزينَة الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وتجاوزت من أجلها كلّ حَدٍّ، وإلى هَذَا التَّجاوز أشار الإِمَام بكَلِمَة الْفَسَاد... أَمَّا قَوْله : (إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ. إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ) فَلا يَصدُق عَلَى نِسَاءَ هَذَا العصر، لأنهن لا يخضعن، ولا يخفن من كَبِيرٍ، وخَطِيرٍ.)
1) أنظر، سنن أبي داود : 268/4 ح 4873، فتح الباري: 475/10، فيض القدير : 209/6، سنن الدارمي : 05/2 ح 2764، مَجْمَع الزوائد : 96/8، مصنف أبي شيبة : 223/5 ح 25463، المعجم الكبير : 238/9.
## الخطبة - 154 -### الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِقْرَة 1 - 2:وَ نَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ، وَ يَعْرِفُ غَوْرَهُ، وَ نَجْدَهُ. دَاعٍ دَعَا، وَ رَاعٍ رَعَى، فَأَسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي، وَاتَّبِعُوا الرَّاعِيَ.قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ، وَ أَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ، وَأَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ، وَ نَطَقَ الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ، نَحْنُ الشِّعَارُ وَالْأَصْحَابُ، وَالْخَزَنَةُ وَالْأَبْوَابُ، وَلا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً (1.)فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وَ هُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا، وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا. فَلْيَصْدُقُ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ، وَليَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ، وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ. فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ، الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ، يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ : أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ ! فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ، وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَىٰ غَيْرِ طَرِيقٍ. فَلَا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الأَبُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ. وَ الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ : أَسَائِرُ هُوَ أَمْ راجع (2!)
اللُّغَة:الْغَوْرَ : القَعْرِ مِن كُلِّ شيء، والْمُرَاد بِهِ هُنا الْبَاطِن. والنَّجْدَ : مَا أَشرف، وارتفع من الأَرض. والمراد بهِ هُنا الظَّاهِرِ. وَأَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ - بفتح الرَّاء - أمسكُوا، وأمتنعُوا. والشِّعَارُ : مَا يُلبس على شعر البدن، والْمُرَاد بهِ هُنا بِطَانَة الرَّسُول الصَّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ. وَكَرَائِمُ الْقُرْآنِ آيَاته الكَرِيمَة. وكُنُوزُ الرَّحْمَنِ : خَزَنَة عِلمه. والرَّائِدُ : مَن يَتَقَدَّم الْقَوْم يَرتاد هم المكان المناسب.)الْإِعْرَابِ:ناظرُ مُبْتَدَاً، وجملة يُبْصِرُ خَبَر، ودَاعِ مُبْتَدَأ محذوف الخبر أي هُنا دَاعٍ، أو فَاعِل لفعل محذُوف أي جاءكم دَاع، فَلْيَصْدُقُ اللأم لِلأَمْرِ، والنَّاظِرُ مُبْتَدَاً، والْعَامِلُ صِفَة له، وجملة يَكُونُ خَبَرَ المُبْتَدَاً، والمَصْدَر من أَنْ يَعْلَمَ خَبَر يَكُونُ، والسَّائِرِ خَبَر مُقَدَّم، وهُو مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر.الْمَعْنَى:(وَ نَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ. نَاظِرُ الْقَلْب مَا يُبصر بهِ تَمَاماً كَإِنْسَانِ الْعَيْن أي النُّقطة السُّودَاء مِنْهَا، والمَعْنَى لَيْسَ الْعَاقِل مَن حفظ الحَقَائِقِ عَن ظهر قلب، وأجَادَ في بيانها، وتفاصيلها، وإنما الْعَاقِل من أستفاد من التَّجَارِب، وأنتفع بكلِّ مَا يُرى ويسمع، ويَعْرِف إِلى أين ينتهي بهِ الطَّرِيق الَّذِي يَسلكه، وبكَلِمَة : أنه يملك الْقُدْرَة على التميز، والْعَمَل بِمَا يَعلم (وَ يَعْرِفُ غَوْرَهُ، وَنَجْدَهُ). يَعْرِف السَّرَائِر، والبواطن، ولا تخدعه المظاهر، والكواذب.)
(دَاعٍ دَعَا، وَ رَاعٍ رَعَى، فَأَسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي، وَ اتَّبِعُوا الرَّاعِيَ. الْمُرَاد بِالدَّاعِي كتاب الله، وسُنَّة نَبِيِّه، وبالرَّاعِي مَن يَحرس الدِّين، ويرعاه... وإذا قامت دعوت الْحَقِّ بقيادة الرَّاعِي المخلص وَجَبَ أتباعه، والإسْرَاع إِلَيْهِ تَلْبِيةً لِندَاء الْحَقِّ... ولا سبب لتخلف المجتمع - أي مُجتمع - عَن رَكب الحَيَاةِ إِلَّا وَاحِداً مِن أثْنَيْن : قياده ضَالة مُضللة، أو التمرد على الْقِيَادَة الصَّالِحِة المخلصة.)(قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ، وَأَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ. يُشِير بهَذَا إِلى قوم أتبعوا خُطوات الشَّيْطَان فأنْسَاهُم ذكر الله، وصدهم عن السَّبِيل (وَ أَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ). أحْجَمُوا عن الكلام، وصَبَرُوا عَلى العُزلة خَوْفاً من شرار الخلق بعد أن سَ-ادت الْفِتْنَة، وعَمَّ الْفَسَاد (وَ نَطَقَ الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ) وفَعلوا مَا يَشتهون في دولة التضليل، والخيانة.)(نَحْنُ الشِّعَارُ أي أنّ أَهْل الْبَيْت أَخص النَّاسِ بِالنَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأَوْلاهُم بِهِ، ونَحْنُ (الْأَصْحَابُ) السَّابِقُون إلى تصديقه، والجاهدُونَ فِي سَبِيل رِسَالَته (وَ الْخَزَنَةُ) لِعلُومه (وَ الْأَبْوَابُ) إلى معرفة دِينَه، وحَلالِهِ، وحَرَامه (وَلا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً) الْمُرَاد بِالْبُيُوتِ هُنا مَا جَاء بِهِ الرَّسُول الصَّادق (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبالأبْوَابِ أهْل بَيْتِه، وهذا كلام مَأخوذ مِن حَدِيث «أَنَا مَدِينَة الْعِلْم، وعَلي بابها» (1)، وحَدِيث ثَقَلَيْنِ» (2)، وحَدِيثِ «الْحَقِّ مَع عَلَى» (3))
1) لقد وصل إلينا حَدِيث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» متواتراً عن طريق أهل الشيعة، والسُّنة كما صرح ذَلِكَ أَكْثَر الْفُقَهَاء، والْعُلَماء، وأصْحَاب الحديث، والسُّنن مع وجود بعض الاختلاف في اللفظ، كما ذكرنا سابقاً. أنظر، صحيح الترمذي: 299/2 ح 3807، سنن الترمذي : 5 / باب 301/87، مسند أحمد: 30/5.
2) تقدم أستخراجه.
3) لقد وصل إلينا حَدِيث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» مُتواتراً عن طريق أهل الشيعة، والسُّنّة كما صرح بِذَلِكَ أكثر الْفُقَهَا، والعلماء، وأَصْحَاب الْحَدِيث، والسُّنن مع وجود بعض الإِخْتِلاف في اللفظ، كما ذكرنا سابقاً. أنظر، صَحِيح الترمذي: 299/2 ع 3807 سُنن التّرمِذي : 5 / بَاب 301/87، مُسْنَد أحمد : 30/5.
ومن شك في شيء من ذلك فليرجع إلى كتب الحَدِيث وَمَا قَالَه النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْل بيته، وبالإخلاص فِي حَق الْإِمَام عَليّ، ثُمَّ يَحكُم بوحي من فهمه وضَمِيره.)قَالَ أبن أبي الحديد، وهو يشرح هذه الجملة : «أذكر هنا من مناقب الإمام أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أخباراً غَيْرُ الَّتي يَحتج بها الإِمَامِيَّة كخبر الغَدِير، والمنزلة، وقِصَّة بَرَاءَة، والمناجاة، وقِصَّة خيبر، وخَبَرَ الدَّار بمكة في ابتداء الدَّعْوَة، ونحو ذَلِكَ، بل أذكر الأخبار التي رواها في فضل الإِمَام عَليّ أنّة الحَدِيث التي لم يحصل مِنْهَا أَقل القليل لغيره، وأنا أذكر من ذَلِكَ شَيْئاً يَسِيراً مِمَّا رَواه عُلَماء الحَدِيث الَّذِين لا يُتهمُون فِي عَليّ، وجُلهم قائلون بتفضيل غَيْره عَلَيْهِ، فروايتهم فضائله تُوجب سكون القلب ما لا يُوجبه روايَة غَيرهم» (1.)ثم ذكر (24 حَدِيثاً فِي ذَلِكَ نَكتفِي مِنْهَا بِحدِيثٍ واحد، لأنه يعكس السبب الموجب لكلِّ مُؤامرة دُبرت ضِدّ الإمام كما يعكس مكانته، وعَظَمَته، روى ابن أبي الحَدِيد عَن مُسْنَد الْإِمَام أحمد ابن حنبل: «إِنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دَعا عَلِيَّاً فِي غَزْوَة الطَّائِف، وأطال نجواه كَره قَوْم من الصَّحَابَة ذَلِكَ، وَقَالَ قائل مِنْهُم : لقد أطال الْيَوْم نجوى أبن عمه، ولما بلغه ذَلِكَ جَمع مِنْهُم قوماً، وَقَالَ : إن قائلاً قَالَ : أطال نجوى)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 166/9.
ابن عمّه، أما إنّي ما إنتجيته، ولكن الله إنتجاه» (1.)ثم قَالَ أبن أبي الحَدِيد : «إنما ذكرنا هَذِه الأَخْبَار هَهنا، لأنَّ كَثِيراً من المنحرفين
1) أنظر، حَدِيث النّجوى في الطَّائف أخرجه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله الأَنْصَارِي : 300/6، مُسْنَد أبي يعلى : 118/4 2163، وأحتج به الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أهل السُّورَى عن أبي ذر الغفاري. وورد بلفظ صحيح الترمذي وغير، واللفظ للترمذي عن جابر قَالَ: دعا رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَلِيّاً يَوْمِ الطَّائف فأنتجاه، فَقَالَ النّاس : لقد طال نجواه مع أبن عمه، فَقَالَ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما أنتجيته ولكن الله أنتجاه. (سنن الترمذي : كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب : و : 300/5 ح 3805 و: 173/13، و تاريخ بغداد للخطيب : 402/7.)وفي رواية : لما كَانَ يَوْمِ الطَّائف دعا رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عليَّاً فناجاه طويلاً، فَقَالَ بَعْض أصحابه الحديث. (أنظر أسد الغابة : 27/4).)وفي رواية جندب بن ناجية أو ناحية بن جُندب : لما كَانَ يَوْم غَزْوَة الطَّائف قام النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَليّاً ثُمَّ مَرّ، فَقَالَ له أبو بَكْر : يا رسول الله لقد طالت مناجاتك عَليَّاً منذ اليوم، فَقَالَ : ما أنا أنتجيته ولكن الله أنتجاه (أنظر كنز العمّال : 12 / 1122/200 الطبعة الثانية، الرّياض النضرة : 265/2، مشكاة. :المصابيح : 32 / 1721 ح 6088. كفاية الطالب : 327 باب 92، المعجم الكبير للطبراني : 186/2 ح 1756، المناقب للخوارزمي : 138 ح 155، المناقب لابن المغازلي: 136124 ح 162-166 أمالي الشَّيخ الطُّوسي : 342/1، غاية المرام : 527 باب 88 ح 8 بصائر الدرجات : 410 - 411 ح 1 و 5. الاختصاص للشيخ المفيد : 200، شرح النهج لابن أبي الحديد : 173/9 المخطبة 154. ومن تأريخ ابن عساكر عن جابر / ترجمة الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2/ 310 و 311، وتأريخ ابن كثير: 356/7.)وفي شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 78/2 طَبْعَة مِصْر الأولى جاء في آخر الحَدِيث: دَخَلْت عَائِشَة وهما يتناجيان فقالت : يا علي ليس لي إلا يَوْم من تسعة أيَّام، أنها تدعني يا ابن أبي طالب !؟ ولَسْنَا بصدد بيان كلّ ما جاء في المناجاة، وذَلِكَ لأنّ الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ حَريصاً على أن يتلقى من رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخاصة عندما نزلت الآية الكريمة : (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَاكُمْ صَدَقَةٌ) الْمجَادِلَة : 12 فَقَالَ الطَّبَرِي في حَدِيث طويل : فلم يُناجه أحد إلا علي بن أبي طالب. (تغيير الطَّبَرِي : 14/28 و 15، الدر المنثور : 185/6 أسباب النزول للواحدي : 308، تفسير السيوطي: 185/6، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 72 مجمع الزوائد: 36/9، خصائص النساني : 40، مُسْتَدرَك الصَّحِيحِين : 138/3 - 139، الكشاف: 76/4).
عن الْإِمَام إِذَا مَروا على كلامه في نهج البلاغة، وغَيْره المتضمن التحدث بِنِعْمَة الله من اختصاصه برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وتمييزه إيَّاه عن غيره - يَنسبونه إلى النيه، والزَّهو والفخر، ولقد سبقهم إلى ذَلِكَ قَوْم من الصَّحَابَة» (1).)(فِيهِمْ. الضَّمِيرِ لأَهْل الْبَيْت (كَرَائِمُ الْقُرْآنِ) أي نزلت آياته الكَرِيمَة بِفضلهم وعظمتهم (وَ هُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ) خَزَنَه عِلمه (إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا) لأنهم لا يَنطِقُون عَن الهَوَى (إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا، وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا). قَالَ الشيخ مُحَمّد عَبْدَه : يهاب النّاس سكوتهم، فلا يجرأ أحد على الكلام عمّا سَكتُوا عَنهُ (فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ). عَلَى الهَادِي والرَّاعِيَ أَنْ يَنصح، ويخلص، وتَقَدَّم (2). (وَ ليَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ) أي يعملها (فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ) أي خُلقٍ من أجلها، كما قال الإمام في مكان آخر: «أَلا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ» (3)، ولا يَستَقِيمَ الْمَعْنَى إِلَّا إِذَا فَسَرنَا «قَدِمَ» بِخَلْقٍ (وَ إِلَيْهَا يَنْقَلِبُ). لاَ شَكٍّ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ.)(فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ، يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ : أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ ! فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ، وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ. للعاقل علامات، وأهمها أنه لا يقدم على أي شيء إلا بعد دراسته وتدبره على أساس سَلِيمٍ، فإنْ كَان خَيراً لا شَرٌ فِيهِ، أو خَيره أَكْثَرَ من شَرَه - أقدم عَلَيْهِ، إِنْ كَان شَرِّاً كله، أو شَرَه أَكْثَرَ من خَيره أحجم عنه. والأَسَاس السَّليم ما يراه العقلاء، والأكفاء سَلِيماً (فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ) كَان العِلم ومَا زَال مِقْيَاسَاً لكلِّ خُطوة من)
خطوات البشرية إلى الإمام في كلِّ ميدان من ميادين الحياة، وكان الجهل، ومَا زَال خطراً أعظم من أي خطر على البشرية، وحياتها.وكفى شاهداً على ذلِكَ أنْ نُلاحظ العصر الَّذي نَعِيش فِيهِ، ونُقارن بَيْنَ الدُّول والشعوب المتقدمة و«النَّامِية» أى الْفَقِيرَة المُتخلفة، ونبحث عن السبب الموجب للتَّخلف، والتَّقدم... فبالعِلم تَقَدَّمَت الشّعُوب، وعاشت في غنى غَيْرها، وحمت نفسها، وحافظت على كرامتها، بل وسيطرت على غيرها، وكلّما طال بها أمد العلم ازدهرت، وازدادت قُوَّةً، وتقدماً... على النَّقِيض من الشّعُوب الجَاهِلة، فإِنَّهَا تَعِيش فِي الْفَقْر، والمذلة، والهوان، وكلّما طال بها الزَّمَن عَلَى جَهلها ازدادت ضعفاً وتَخلُفاً (فَلْيَنْظُرْ نَاظِرُ : أَسَائِرٌ (فِي طَرِيق العِلم الَّذي يُوصله إلى أهدافه (أَمْ رَاجِعٌ) إلى الوَرَاءِ، ومُتردٍ في الحضيض ؟. ومتى نَظَر الإنسان إلى ما هو فيه، ورأى نَفْسه تَسِير القَهْقَرَى بحث عن طَرِيقِ السَّلامة، وإلا فمصيره الهلاك، والدَّمار.)### طَابَ سَقْيُهُ، طَابَ غَرْسُهُ... فِقْرَة 3:وَأَعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ. وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ، وَ يُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ، وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ» (1).)وَ أَعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً. وَكُلُّ نَبَاتٍ لا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ، وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا طَابَ سَقْيُهُ، طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَفيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَ أَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ (3.)
1) أنظر، عوالي اللئالي: 277/1، بحار الأنوار : 601/29، شرح نهج البلاغة لابن أبي المديد : 178/9.
اللُّغَة:أَمَرَّتْ : صَارَت مُرّة.الْمَعْنَى:(أَنَّ لِكُلٍّ ظَاهِرِ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبثَ بَاطِنُهُ أي أن أفعال الإِنْسَان هِي انعكاس عَن دَخِيلته، ومن حكم الإمام : «مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ أَحْسَنَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» (1). أنّ عِلم الإِنْسَان لا يكشف عن شيء من نَفْسِيته، وأخلاقه، لأنّ العِلم يُقرر حَقِيقَة واقعة منفصلة عن ذَلِكَ الإِنْسَان، أجل إنّه يكشف عن مدى أطلاعه، ومَعْرِفَتِه بِالحَقَائِقِ، والطَّرِيق الوحيد لمعرفة باطن الإِنْسَان، ودَخِيلته هُو سَلكه، وتصرفه، لأنه من أملاء الذات، وميولها وأرادتها، فالْعَمَل لمنفعة النّاس، وصالحهم يكشف عن طيب الذات وصفائها، والْعَمَل على مضرتهم، وإثارة الفتنة، والخلاف فيما بَيْنَهُمْ يَدل على خبثها ولؤمها، لأنّ العلاقة بَيْنَ الذات، والسلوك هى عِلاقة الأثر بالمؤثر، والدال بالمدلول، وقد يكون للظروف التي تحيط بك ضَرب من التأثير، ولكن هناك أشخاصاً يَسيتُون إِلَيْك، لا لشيء حُبّاً بالإساءة... وإذا كَان الإِنْسَان ابن الأَرْضِ فإنّ مِنْهَا الطَّيِّب، والخَبِيث : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) (2).)
(وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ -(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ، وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ، وَ يُبْغِضُ بَدَنَهُ (1)). بَعد أن ذكر الإِمَام أنّ الظاهر يكشف عن الباطن عَقب على ذلك بأن الطَّيِّب قَد يُسيء كما قَالَ الشَّاعر (2):)مَن ذَا الَّذِي تُرضى سجَايَاه كلها*** كَف، المَرْء نيلاً أن تعد معايبهوإلا كان مَعصُوماً، وإنَّ الخَبِيث قد يُحسن، والله سُبْحَانَهُ يُحِبُّ كُلَّ عَمَل فِيهِ خَير وصلاح للنَّاس، حَتَّى ولو صدر مِن الْكَافِرِ الَّذي يَكْرَه منهُ الْكُفْر، وهو سُبْحَانَهُ يَكْرَه مَضرة النّاس، وإنْ كَانَتْ وإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُؤْمِن بالله، والْيَوْمِ الآخر.(وَ أَعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً. وَكُلُّ نَبَاتٍ لا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ، وَ الْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا طَابَ سَقْيُهُ، طَابَ غَرْسُهُ وَ حَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَ مَا خَبُثَ سَقْبُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَ أَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ إِنْ عِلاقة الأعمال بالنيات أشبه بعلاقة الزرع بالماء من حيث الحَيَاة والنمو، ومن حيث الطَّعم، والمذاق، فالشَّجَرَة التي تُسق بِماءٍ عَذَبٍ فُرات يلذ ثَمرها ويُطيب، والتي تُسقى بِمَاءٍ آجن يفسد تمرها، ويخبث... وكَذَلِكَ الْأَعْمَال، قوامها النّيّة بها،تُوزن، وتُقاس : (وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (3). وفِي الحَدِيث : «فمن كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن)
كَانَتْ هجرته إلى دُنْيا يُصيبها، أو إمرأة ينكحها فهجرته إلى مَا هَاجر إِلَيْهِ» (1.)
1) أنظر، سُنن الترمذي : 179/4 ح 1647، السنن الصغرى: 18/1 ح 1، سنن البَيْهَقِ الْكَبْرَى: 41/1 ح 181، سُنن الدار قطني : 50/1 ح 1، سُنن أبي داود : 262/2 ح 4227، سنن ابن ماجه: 1413/2 ح 4227، العجم الأوسط : 17/1 ح 40، مسند أحمد: 25/1 ح 168، مُسْنَد الحميدي: 16/1 ح صَحِيح مسلم : 1515/3 ح 1907، المنتقی لابن الجارود : 27/1 2 - 3/1ح 64، البخاري: 3/1 ح 1، صَحِيح ابن حزيمة : 73 ح 142، صحيح ابن حبان : 113/2 ح 388، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 118/1 ح 401 تُحفة الطالب : 371/1.
## الخطبة - 155 -### لِمْ تَبْلُغُهُ الْعُقُول... فِقْرَة 1:الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاعَاً إِلَى بُلُوغ غَايَة مَلَكُوتِهِ !هُوَ اللهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، أَحَقُّ وَ أَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ، لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً، وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَلًا. خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ، وَلا مَشُورَةٍ مُشِيرٍ، وَلا مَعُونَة مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافِعُ، وَ أَنْقَادَ وَ لَمْ يُنَازِع (1.)اللُّغَة:انْحَسَرَتِ : أَنْقطعَت، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (1)أي مُنقطعاً عن النَّفقة مَسَاعَاً : طَرِيقاً. والملكوت : الْعِزَّة، والسُّلْطَان، والملكة العظيمة.)
1) الإسراء : 29.
الْإِعْرَابِ:أَحَقُّ بَدلُ من الْحَقِّ.الْمَعْنَى:(لْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، وَ رَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ تُعرف الأجْسَام، وتُدرك بأوصافها، وأوضاعها التي تُحس كاللون، والحجم، والله سُبْحَانَهُ ليس بجسم... وغير الأجسام تُدرك بشيء مُساوٍ لَهَا فِي الكُنْه، أو الصِّفَات، والله سُبْحَانَهُ لا يُساويه شَيء، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ، ولا صِفَاته (فَلَمْ تَجِدْ - الْعُقُول - مَسَاعَاً إِلَى بُلُوغ غَايَة مَلَكُوتِهِ) حَيْث لا بدَايَة، ولا نهاية لعزته، وجلاله، وهو القادر فوق عِبَادِه.)(هُوَ اللهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، أَحَقُّ وَ أَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ لِأَنَّهَا لا تَرَى كلّ شَيء، وقد تُبصر الشَّيء على غَيْر حَقِيقَته، ومَا مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ، والسَّماء إلا يدل على عَظَمَته، ويُسبّح بحمده... حَتَّى الجاحد الملحد تُهزّه عظمة الكَوْن، وتُبهرهُ قَوَانِين الطَّبِيعَة (لَمْ تَبْلُغُهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً، وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الأوْهَامُ بِتَقْدِيرِ فَيَكُونَ مُمَثَّلًا) تُدرك الْعُقُول الْأَشْيَاء التي لها حدود تَنْتَهِي إِلَيْهَا، وتقف عندها، ولا حد لذات الله، وصفاته، وهو مبدأ الوجود لكلِّ شَيء سواه، وإِلَيْهِ يَنتهي كلّ موجود، ولو أدركتهُ الْعُقُول لكَان مَحْدُوداً كَغيره من الموجودات في بدايتها ونهايتها.)(وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَلًا. الْأَوْهَامُ : جَمع وَهُم، وهو الظَّن، وأقصى مَا يَبلغ إِلَيْهِ الظَّن أنْ يُصوره تَعَالَى، ويُقدره بشيء محدود، ومُتناءٍ كسَائِر)
الْأَشْيَاء، ومَعْنَى هَذَا أنَّ الظَّن لو أدرك ذاته تَعَالى لكَان لهُ شَبِيه، ومَثِيل : والله سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيل سابق حَيْث كَان،سُبْحَانَهُ ولم يكن معه شيء (وَ لا مَشُورَةٍ مُشِيرٍ) لأنه في غنى عن كل شيء، ولا غنى لشيء عنْه، ونفس الشيء يُقَال في تَفْسِير (وَ لا مَعُونَةِ مُعِينٍ) كَيْفَ، ومنه كلّ قُوَّة، ومعونة ؟ (فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ). خَلق كلّ شيء على أتم وجه، وأكمله بكَلِمَة «كُنْ». (وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ) مَا مِن شيء في السَّمَاوَات، والأَرْضِ إِلَّا وهو مُسخر لإرادته (فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافِعْ، وَ أَنْقَادَ وَ لَمْ يُنَازِع). عَطف تَفْسِير. وبأي شَيء تدفع من لهُ جنود السَّماوات، والأَرْض ؟.)### الْخَفَافِيش... فِقْرَة 2 - 4:وَ مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وَ عَجَائِبِ خِلْقَتِهِ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَ يَبْسُطُهَا الظَّلامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيةٍ، وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا، وَ تَتَّصِلُ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا، وَرَدَعَهَا بِتَلَألُؤ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا، وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنْهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَج أئتِلاقِهَا (2. فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى حِدَاقِهَا، وَ جَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا، فَلا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ، وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِي فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ، فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا، وَ بَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا، وَ دَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الصِّبَابِ فِي وِجَارِهَا، أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا، وَ تَبَلَغَتْ بِمَا أكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَم لَيَالِيهَا (3). فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَ مَعَاشِاً،)
وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَرَاراً وَ جَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةٌ مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ، كَأَنَّهَا شَطَايَا الْآذَانِ، غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ، وَلا قَصَب، إِلا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيْنَةً أَعْلاماً لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقًا فَيَنْشَقًا، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلَا تَطِيرُ وَ وَلَدُهَا لاصِقٌ بِهَا لاجِيُّ إِلَيْهَا، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ، وَ يَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ، لا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ، وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ، وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ، وَ مَصَالِحَ نَفْسِهِ فَسُبْحَانَ الْبَارِي لِكُلِّ شَيْءٍ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ (4 !)اللغة:الخفافيش : جمع خُفّاش، وهو الوطواط طائر صغير يطير ليلاً لا نهاراً.ويَقْبِضُهَا : يَمسكها عن الطيران. ويَبْسُطُهَا : يَطْلُقها. وعَشِيَتْ أَعْيُنُهَا : ضَعُفَت عَن الرُّؤيَّة. وسُبْحَاتِ الإِشْرَاقِ : أَمَاكِنَه. وَأَكَنَّهَا : سَتَرَها. والبُلج : الإِشْرَاق.والإِئْتِلاقِ اللَّمَعَان، ومُسْدَلَةٌ : مُرْسَلَة، وإِسْدَافُ اللَّيْل : أَظْلَم. والدُجُنَّة : الظُّلمة. والوِجَارِ: الجُحْر. ومَآقِيهَا : أَطْرَافِ عِيُونها. والشَّطَايَا : القَطع.والأَعْلام : جمع عَلم، وهو الرَّسم، والرَّقم.الإعراب:مِنْ لَطَائِفِ خَبَر مُقَدَّم أَرَانَا مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، وَكَيْفَ في موضع الحَال، وَجَاعِلَةُ عَطف عَلَى مُسْدَلَةٌ، وغَيْر غَيْرَ ذَوَاتِ حَالَ من الهَاءِ فِي «كَأَنَّهَا».### الأدلّة عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى:إن كَثِيراً مِن الفلاسفة يَرْجِعُون الأدِلَّة عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى إِلَى خَمسة :
الاستدلال بمفهوم الواجب، والممكن، والعِلَّة الفاعلة، والحركة، والكَمال المطلق، والتدبير.وَقَالَ آخرون، ومِنْهُم الفارابي، وأبن سينا (1، والملا صدرا، قَالُوا : إن الأدلة عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى تَرجع إلى دَلِيلِين :)الأَوَّل : النَّظر في نفس الوجود بِما هُو مِن دُونَ أعتبار للكون، وما فيه من حركة و تغير، وصُنع، ونظام... إن النظر في الوجود وحدَه يُؤدي حتماً ومباشرةً إلى الإعتراف بوجود الله، وإلى هَذَا أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ فِي مُناجاته : «يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بذَاتِهِ» (2). وَقَالَ ولده الإمام سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) «مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحتَاجِ إِلَى دَلِيل يَدلُّ الله» عَلَيْكَ، وَمَتى بَعُدَتَ حَتَّى تَكُون الآثار هي التي تُوصل إِلَيْكَ» (3). وبهَذَا فَسّر العارفون باللهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (4).)ويرجع هَذَا الدَّلِيل إلى مفهوم الواجب، والممكن، وبيانه أنّ الفكرة لا تكون صَحِيحة إلا إذا استندت إلى الأوليات، والبديهيات مُباشرة، أو أنتهت إلَيْهَا
1) أبو علي بن سينا (384 - 427 هـ) ولد في أقشنة قرب بخارى وتوفي في هَمَدان، عُرف بالشّيخ الرَّئيس، وكَانَ عالماً لامعاً وعملاقاً كبيراً حيث ضرب في كلِّ فن بسهم في نبوغه، ففي مضمار الفلسفة فيلسوف مُبدع بلغت الفلسفة المشائية على يده القمة، وفي مضمار الطب طبيب حاذق وماهر، ألف كتاب «القانون» الَّذي لم يزل يُدرس في الجامعات العلمية عبر قرون، كما وإنّه عُرف أستاذاً لامعاً في الرياضيات والهيئة. أنظر، تأريخ حكماء الإسلام للبيهقي، وتأريخ الحكماء للشهرستاني، وتأريخ فلاسفة الإسلام : 52، الخالدون : 101.
2) أنظر، توحيد الشيخ الصدوق : 35 أمالي المفيد : 254 حاشية زاد المعاد للمجلسي : 67.
3) أنظر، بحار الأنوار : 142/64. صحيفة الحسين للفيومي : 214، شرح أصول الكافي : 88/2.
4) فُصِّلَتْ : 53.
بواسطة، أو أَكْثَر، وأَوَّل البديهيات أنّ النَّقِيضين لا يَجْتَمِعَان فِي وَقتٍ مَعاً، فالشَّيء الواحد لا يَكُون حقاً، وباطلاً، وموجُوداً، ومعدوماً في وقتٍ واحد، ومن جهة واحدة.ووجه الملازمة : لقد شاهدنا بالعِيان أشياء تفتقر في وجودها إلى غيرها، ولا تَحمل في طبيعتها سبب وجودها، وإذا فلا بد من وجود عِلَّةٍ أُولَى تَحمل فِي طَبيعتها السَّبب الموجب لوجودها، ولا تحتاج إلى غيرها، ومن أنْكَر هَذِه العِلَّة التي لا عِلَّة لها فقد أنكر وجود الأشياء التي يراها بالعيان، ومَعْنَى هَذَا فِي واقعه أنه آمن بإجتماع النَّقِيضين، وَقَالَ : أنّ الشَّيء الواحد موجُودٌ، ومعدوم فِي آنٍ واحد مِن حِيث يُرِيد أو لا يُريد، وبكلام آخر أنه في حال عدم وجود عِلَّهَ غَيْر مَعلُولة لشيء يَنتَفِي الوجود من الأَسَاس بشَتّى صوره وأشكاله تماماً كما لو نَفِينا وجُود مُخترع الكهرباء، والسيارة... فإن معناه أنه لا كهرباء، ولا سيارة، أو أنهما وجدَا مِن غَيْر قصد، وفَاعِل، وهو خلاف الواقع.وَمَرَّة ثَانِيَة نُشير إلى أنّ هَذَا الدَّلِيل يَجب أنْ يُفهم في نطاق الوجود بِما هو وجود، وأنه يشهد بوجود الله بصرف النظر عن الخَلقِ، والآثار، ونظام الكون وجلاله (1.)الدَّلِيلِ الثَّانِي عَلَى وُجُودِه تَعَالَى : يَرجع إلى ضَرُورة العِلَّة الفاعلة بأسلوب آخر، وهو الإستدلال بالخلق، والآثار عَلى وُجُودِه تَعَالَى، فتنتقل من المعلول إلى
1) أنظر، الموسوعة الفلسفية للدكتور عبد الرحمن بدوي فلسفتنا للشَّهيد والمفكر الإسْلامِي الْكَبِير، والمرجع الديني المظلُوم السَّيّد محمّد باقر الصدر، مَعَالِم الفلسفة الإسلامية للشيخ محمد جواد مُغنية، الإيدولوجية المقارنة للشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، بداية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي، الله يتجلى في عصر العلم لـ «جون كلوفر مونسما».
الْعِلَّة، من فَاعِل إِلى الفِعْل على العكس من الدليل السَّابق الَّذِي يَنقلنا من الْعِلَّةَ إِلى المعلول، ومن فَاعل إلى الفِعْل، قال ابن سينا : «إنْ أعتبرت عالم الخلق فأنتَ صاعد، وإن أعتبرت عالم الوجود المحض فأنتَ نَازل» (1. أي مِن الْعِلَّةَ العُليا إلى : المعلول الأدنى، أمّا الصَّعُود فمن المعلول الأدنى إلى الْعِلَّةَ العُليا، ويُسمى هَذَا الدَّلِيل بالدَّلِيل الكَوْنِي (2).)وقد أشار سُبْحَانَهُ إِلى هَذَا الدَّلِيل بقَوْله : (سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (3). نَرَى أنْقَاض مَدِينة مُندرسة، فنقول : كَانَتْ آهلة بالأُمم الماضية، والأجيال الخالية.. وهكذا نستدل ببدائع الكَوْن عَلى وجود المبدع، وبنظامه على وجود المنظم، وإلا فمن الذي أوجد الكَوْن وما فيه من خصائص ؟ هل أوجد نَفْسه بنَفْسِه، أو أوجدته الطَّبيعة الصماء، أو الصدفة ؟ ولماذا لا نترك نَحْنُ أُمورنا للصدفة مَا دَام هَذَا الكون العجيب ؟ وإذَنْ فَلا بُد من وجود قُوَّة عُليا مُغايرة لكلِّ مَا فِي الكَوْن هِي التي خلقت ونظمت. وقد استدل الإمام لإثبات هَذِهِ الْقُوَّة بأضعف المخلوقات، وَهِي الخَفَافِيش، فقال : (وَ مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وَ عَجَائِبِ خِلْقَتِهِ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ) لِلخُفّاش عَينُ تُبصر، وتَرَى كَغيره من الطُّيُورِ
1) أنظر، القانون : 267/1، وأَوَّل الإشارات.
2) أنظر، الرسائل التسع للمحقق الحلي : 167، البحر الرائق: 497/3، العناوين الفقهية : 339/2. الموسوعة الفلسفية للدكتور عبد الرحمن بدوي، فلسفتنا للشهيد محمد باقر الصدر معالم الفلسفة الإسلامية للشيخ محمد جواد مُغنية، بداية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي، الله يتجلى في عصر العلم ا «جون كلوفر مونسما».
3) فُصِّلَتْ : 53.
والحيوانات، ولكن عين الخفَّاش لا تُؤَدِّى وظيفتها إلَّا عِند غياب الشَّمس، وإذا حاولنا البحث عن التعليل، والحكمة لهذا فَلا نصل إلى شيء، لأنّ حكمته تعالى لا تَعرف الحدود.. حَتَّى يَتعرف صراحة بأنّ ذلِكَ من غوامض حكمه، عزّ جل... ولو قرأنا، أو سَمعنا أن طائراً لا يُبصر إلا بعد ذهاب النَّهار - لقلنا أسطورة، وخُرافة لَوْلاً الحس، والعيان... وإنْ دَلَ هَذَا الفَرق بَيْنَ الخُفَّاش، وغَيْره عَلى شيء فإنَّه يدل على أنّ وَرَاءهُ قُوَّة باعدت بَيْنَ المتقاربينَ، وقَاربَت بَيْنَ المُتباعدين وإلَّا فَلا يَسع الْعَقْل أنْ يُفرق بَيْنَ عَيْن وعَين : وَفِي الْأَرْضِ قِطَعْ مُتَجَاوِرَاتْ وَجَنَّاتُ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعُ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكْلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (1).)(وَ جَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ... إلخ كلّ الطَّيور تَطِير بجنَاحِين مِن رِيش إلا الخفاش فإِنَّه يطير بجناحين من لحم مَرن «كَالكُوتشوك» فما هو السر ؟ ولماذا لا تكون الأجنحة كلّها مَن نَوْع واحد لحماً، أو رِيشاً، أو هُما معاً ؟ وهل القصد مُجرد إظهار الْقُدْرَةِ الدَّالِة على وُجُودِه تَعَالَى وعَظَمَته ؟.. والله أعلم... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً (تَطِيرُ وَ وَلَدُهَا لأَصِقٌ بِهَا لاجِيٌّ إِلَيْهَا، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ، وَ يَرْتَفِعُ إِذَا أَرْ تَفَعَتْ... إلخ) في كتاب الحَيَوَان للجاحظ : «إِنَّها تحبل، وتلد، وتحيض، وترضع... ويبلغ من ضمن أُنثى الخفافيش بولدها ومن خَوْفِها عَلَيْهِ أَنَّهَا تَحمله تحت جناحها، ورُبَّما قَبضت عَلَيْهِ بفمها، ورُبَّمَا أرضعته، وهي تطير» (2). وفي كتاب أضواء على الأَرْضِ، والْفَضَاء : «يُوجد فِي)
القارة الجنوبية نوع من الطُّيُورِ يُسمى «الانجوين» تضع الْأُنْثَى بَيضها في أشهر الشتاء حيث تتلبد اثتّلوج في الأَرْض، تضعه في جيب جلدي في رجلها، وتبقی الصِّغار فِيهِ حَتَّى تَقوى، وتشتد» (1. وفي خَلقه تَعَالَى عَجائب لا تُدركها الْعُقُول. (فَسُبْحَانَ الْبَارِي لِكُلِّ شَيْءٍ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ). أَظهر لطَائِف صنعه، وعجائب حكمته من غَيْر مِثال سبق، كَيْفَ وهو الأَوَّل، والأَزْل ؟ خَلق كلّ شيء، ولَم يَكن مَذكُوراً.)
1) أنظر، كِتاب أضواء على الأرْض والسماء : 251، أخذ بالواسطة.
## الخطبة - 156 -### الأمر بالْمَعْرُوفِ... فِقْرَة 1 - 3 :فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلْيَفْعَلْ فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَ مَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ.وَأَمَّا فُلَانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُّ النِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ، وَ لَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ. وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللهِ تَعَالَى (1.)سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ، أَنْوَرُ السِّرَاجِ فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَ بِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ، وَبِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ، وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ، وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَ بِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الْآخِرَةُ، وَ بِالْقِيَامَةِ تُرْلَفُ الْجَنَّةُ، (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (1). وَإِنَّ الْخَلْقَ لَا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ، مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا)
1) الشُّعَرَاء : 91.
إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى (2.)قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الْأَجْدَاثِ، وَصَارُوا إِلَى مَصَابِرِ الْغَايَاتِ لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا لا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا، وَلَا يُنْقَلُونَ عَنْهَا.وَ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَ إِنَّهُمَا لَا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ. وَ عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، (فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ وَ النُّورُ الْمُبِينُ (1)، وَ الشَّفَاءُ النَّافِعُ، وَ الرَّيُّ النَّاقِعُ، وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ، لَا يَعْوَجُ فَيْقَامَ، وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ، ﴿ وَلا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدّ) (2)، وَ وُلُوجُ السَّمْعِ، (مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَ مَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ) (3)(3).)اللُّغَة:يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَن كَذا : يُمسكها عنه، وعلى كذا : يَحسبها عَلَيْهِ دُونَ سِواه.وَالضّغْنِ : الحقد. والمزجَلِ : الْقَدَر. الْقَيْنِ : الحداد. ولأَبْلَجُ : المُشرق المضيء المنهاج : الطَّرِيق الواضح وتُزلَفُ : تُقَرب. ولِلْغَاوِينَ : للضَّالِين.ولاً مَقْصَرَ - بسكون القاف - لا مَفَرَّ، قيل : لا مُسْتَقَرٌّ. ومُرْقِلِينَ : مُسْرِعِين. والأَجْدَاثِ : الْقُبُور. ونَقعُ الماء العطش : سكنة، وقَطَّعه لا يَزِيعُ : لا يميل فَيُسْتَعْتَبَ : يُطلب الرّضا، يُقَال : اسْتَعتبتُه فأعتَبنِي أَي أَسْتَرضِيتُه فأَرْضَانِي.الْإِعْرَابِ:المَصْدَر من أَنْ يَعْتَقِلَ مَفْعُول اسْتَطَاعَ، ولَمْ تَفْعَلْ جُواب لَوْ دُعِيَتْ، وَهَا بَعْدُ
حُرْمَتُهَا «لها» خَبَر مُقَدَّم، وحُرْمَتهَا مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، وبَعْدُ مُتَعَلِّق بِمَا تَعْلَقِ الخَبَر، والأصل بَعْدُ ذَلِكَ، وسَبِيلٌ خَبَر لَمُبْتَدَأَ مَحذُوف دَلّ عَليهِ سِياق الكلام أي الإيمان سَبِيلٌ أَبْلَجُ، وعَلَيْكُمْ بكتاب الله «عَلَيْكُمْ» أسم فعل أي أستمسكوا بكتاب الله.الْمَعْنَى:(فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلْيَفْعَلْ. يُدل السياق عَلَى أَنَّ الْإِمَام كَان يتحدث عما سَيكُون مِن الْفِتَن، ثُمَّ أوصى من يُدركها أنْ يكف ويحرز عن الخطأ، والخَطِيئَة ما أمكن (فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ، وَ إِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَ مَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ). عَلَى المُرشد أنْ يَهدي قومه سَبِيل النَّجاة : وعَلَيْهِمْ أَنْ يَسمعُوا له، ويطيعوا، ومن قصر في مهمته أخذ بجُرمه، وجَرِيرته هَادياً كان أم مقصوداً بالهدية، وفِي الغَالِب يَكُون التَّقْصِير من الثَّاني، لأنّ الحق صعب، وثَقِيل، وقد ضمن الْإِمَام حُسن الْعَاقِبَةُ لِمَن سَمع منهُ وأَطَاع.)(وَأَمَّا فُلَانَةٌ فَأَدْرَكَهَا رَأَيُّ النِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ. الْمُرَاد بفُلَانَة عَائِشَةَ، وَالضّغْن الحقد... وتَكلَّم النَّاس قَدِيماً، وحَدِيثاً عمّا كَانَتْ تَكنه عَائِشَةَ لِعليٌّ من الكراهية، تكلموا، وأطالوا الكلام، وذكر ابن أبي الحَدِيد الكَثِير من أَشبَاب هَذَا الضّغْن نقلها - وهو يشرح هذه الخُطْبَة - عَن الشيخ أبي يعقوب يُوسُفَ اللَّمعاني، ولَم يَكن هَذَا الشَّيخ يتشيع عَلى حَدٌ ما قاله أبن أبي الحَدِيد (1).)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغَة : 192/9، وما بعدها. والشيخ اللمعاني هو شيخ أبن أبي الحديد، ولمزيد الإطلاع راجع بحار الأنوار : 236/22.
وأهم هَذِه الأَسْبَاب، أو من أهمها أنّ نَسل رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ مِن عَلَيَّ، وفَاطِمَة لا من عَائِشَةَ، وإِنَّهَا كَانَتْ تَأمل أن تكون الخلافة بعد مقتل عُثمَانَ لِابْن عمّها طَلْحَة لا لعلي، وأن النَّبِيِّ قَالَ في أبنته فَاطِمَة : إِنَّهَا سَيّدة نِسَآءَ العالمين، وعَدِيلة مَرْيَمَ، ولَم يقل ذَلِكَ فِي عَائِشَةَ، بل قَالَ لنسائه: «أيتكُنَّ صَاحِبَة الجَمَل الأدبب (1)، يُقتل حولها خلق كثير، وإنّ النَّبِيِّ سَد بَاب أبيها إلى المَسْجِدِ، وفَتح بَاب عليّ، وبَعث أباها ببَرَاءَة إلى مَكَّة، ثُمَّ عَزله بعلي (2).)
1) فقد روى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس كما أخرجه أبن كثير في تأريخه : 212/6، والسيوطي في خصائصه: 137/2 قَالَ : قَالَ رسول الله، ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأديب، تسير حَتَّى تنبحها كلاب الحوأب، ويُقتل عن يسارها وعن يمينها خلق كثير... ثم تنجو بعدما كادت ؟ فضحكت عَائِشَة فَقَالَ لها : أنظري يا حميراء أن لا تكوني أنتَ تقاتلين عَلِيّاً وأنتِ له ظالمة.... وعلّق أبن عبد البر على الحديث في الاستيعاب عندما تُرجم لعَائِشَة قائلاً: وَهَذَا الحديث من أعلام نُبُوَّته. وعصام أبن قدامة أحد رواة الحديث - ثقة وسائر الأسناد أشهر من أنْ يَحتاج لذكره.
2) تَقَدَّمَت تخريجات هَذِهِ الأَحَادِيث.)لكن بعد هَذَا كلّه يَبْقَ سؤال يطرح نفسه: لماذا رجعت إلى بيتها وفي نفسها ألف حسرةٍ، وندامة وصدرها يغلي على علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ كالمرجل كما قَالَ هُو (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خُطْبَتِهِ فِي الْبَصْرَةِ بعد حَرْب الجُمَل كما ذكر ذلك أبن أبي الحديد في شرح النهج : 63/1 - وَ أَمَّا فَلَانَهُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُّ النِّسَاءِ، وَضِغْنُ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ.... وبقيت منطوية على غيظها علية مُدَّة خلافته القصيرة حَتَّى إِذَا جَاء نعيه سجدت لله شكراً، وأظهرت السُّرُور كما ذكر أبو الفرج الإصفهاني في مقاتل الطالبيين : 43، ولكن في الطبعه الأولى في إيران مطبعة أمير منشورات الشريف الرَّضِي شرح وتحقيق السَّيّد أحمد صقر ذكر في : 55 قَالَ : لما أنْ جاء عَائِشَة قتل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) سجدت... دُونَ ذكر «لله شُكراً» وهي التي تمثلت بقول الشاعر:)فألقتْ عصاها واستقر بها النوى*** كما قرَّ عَيناً بالإياب المسافرثُمَّ قَالت : مَن قَتله ؟ فقيل : رَجُل من مُراد فقالت :فإنْ يَكُ نَائِياً فلقد نعاه ***غلامٌ لَيْسَ في فيه الترابفقالت زينب أبنة أُم سلمة - ربيبة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ العلي تقولين هَذَا ؟ فقالت : إِنِّي أنسى. فَإِذَا نسيت فذكروني. (أنظر، طبقات ابن سعد : 27/3، ابن الأثير : 171/3، والطبري : 87/6، تهذيب الكمال : 249، ميزان الإعتدال: 301/2، أسد الغابة : 468/5، كتاب الجمل للشيخ المفيد : 84).
أما قول الْإِمَام : «فَأَدْرَكَهَا رَأْيُّ النِّسَاءِ» فَهُوَ يُومىء إلى قول النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: في حَدِيث طَويل : «يَا مَعْشَرَ النِّسَاء : مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ، وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ قُلْنَ لَهُ : وَمَا نُقْصَانُ دِينَنَا، وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرأَة مِثْلَ نِصفِ شَهَادَةُ الرَّجُل ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ : فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ، وَلَمْ تَصُمْ ؟ قُلْنَ : بَلَى. قَالَ : فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينَهَا» (1). (وَ لَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ) أي أن الباعث على خروجها لحزب الإِمَام كَان شخصياً لا دينياً... وهل يَشك عارف فِي أنْ طَلْحَةَ لو تَولّى الْخِلافَة بَعد مقتل عُثمَانَ لقرت في بَيْتِها ؟. هَذَا، إِذَا لَم تَخرج لِحَرْب من طَالب بدَم عُثمانَ... وَقَالَ أَكثر من واحد : إِنَّهَا نَدمت، وتابعت (وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى) لأَنَّهَا زَوْجَة الرَّسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولأجل عين ألف تُكرم (وَ الْحِسَابُ عَلَى اللهِ تَعَالَى) وفِي صَفحات التاريخ عَشرات الأمثلة من هَذَا النَّوْع، والْعِصْمَة لأهلها. بَعْض النَّاسِ يُناقش، ويُجادل في تُوبة عَائِشَةَ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وهَذَا لَغو، وعبث، لأنّ الاعتراف بالتَّوْبَة يُشكل الاعتراف بالذَّنب.)
1) تَقَدَّم أستخراجه، أنظر، صحيح البخاري: 145/1 ح 299، باب 6 ترك الحائض الصوم، طبعة دار، الفكر - بيروت - بأشراف مُحَمَّد بنيس (مِنهُ)، وفتح الباري: 406/1، تحفة الطالب : 360/1. مُسْتَدرَك الوَسَائِل : 256/14، بحار الأنوار: 306/101، إرواء الغليل محمد ناصر الألباني: 204/1. صَحِيح مُسْلِم : 61/1، سُبل الهدى والرشاد : 320/8.
### لا إِيمَانَ بِلا عَمَلٍ:(سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ، أَنْوَرُ السِّرَاجِ. الإيمان بالله، وكُتبه، ورُسله حَقَّ، ونُور، ما فِي ذَلِكَ رَيب، ولكنْ إِذَا كَان هو الطاقة الدافعة إلى الْعَمَل بموجبه وإلا كَانَ سُراباً وضُباباً بحكم الْعَقْل، والنقل، وأشار الإمام إلى دَلِيل الْعَقْل بقَوْله : (فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَ بِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ). ولا يُمكن التسليم بهذا الاستدلال إلا على أساس الملازمة الحتمية بَيْنَ وجُود الإِيمَان ووجود العَمَل بموجبه بحيث يَكُون أحدهما عِلَّة للآخر، أو يَكُونان معلومِين لِعِلَّة ثالثة، وعندها ينقلنا العِلم بوجود أحدهما إلى العِلم بوجود الآخر.)أمّا النَّقل الدال على أنه لا إيمان بَلا عَمَلٍ فَكَثِير، وصَرِيح، ومنه قَوْله تَعَالَى : (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (1). ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (2). وهَذَا الحَصر يُؤكد أنّ لإيمان الجرد عَن الْعَمَل لا ثواب عَلَيْهِ، وإِذَنْ فهُو هواء، وهبَاء، وتُواترَ عَن النَّبِيِّ، وأَهْل بَيْتِه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن المزء مرهون بعمله، وإنّ عَمَله يُدفن، ويُحشر معه، وإنه لا يُسأل إلَّا عَنْه... حَتَّى ذَهَب بَعْض الْعُلَمَاء إلى أنّ الله سُبْحَانَهُ سَيخلق غَداً أَعْمَالَ الإِنْسَان في صورة مُجسمة تُحس، وتُلمس، واستدل بقَوْله تَعَالَى: (يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (3). وقَوْله : (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ :)
عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا (1). وقَوْله : (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (2). ونَحنُ لا نَشك في أنّ المراد بالْعَمَل هنا جزاؤه لا نَفْسه، وأيضاً لا نَشكّ أنّ مَا فِي الجَنَّةِ من ثمارٍ، وأنهار، وقصور، ورياش، وحور، وولدان، ومَا فِي جَهَنَّمَ من حَرِيقٍ، ولهيب، وصَدِيد وقطران، وزَقَوْم، وأشجان، لا نشك أَبَداً أَنّ كلّ أولاء حَصِيد، وثمار للأعمال. أجل ثبت أن للنوايا الخيرة جزاءً كَرِيماً عِند الله. ولعَل السَّبب أَنَّهَا من الخلق الحسن.)(وَ بِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ. الْمُرَاد بعُمْرَان العِلْم عمُوم مَنفعته، وخلودها، وعَلَيْهِ يكون المعنى أن من آمن بالله حقاً، وصدقاً يستعمل العِلم في البنّاء، والتَّعمِير الَّذي ينفع النَّاسِ جِيلاً بعد جيل، ولا يستعمله في الهدم، والفَسَاد، وأختراع الأسلحة الجهنمية (وَ بِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ). العالم الأصيل هو الذي يُحس، ويُشعر بأنه يسير بخطى واسعة، وسريعة إلى حُفرته، وإن وُجُوده في هذه الحياة إن هو إلا آثار أقدام على رمال، وإنه لا بقاء لشيء إلا لما يتركه الإِنْسَان لمجتمعه من نفع. وعون... ومن وَدّع شبابه كما ودعته أنَا فَقد أختبر المؤت، وعَاناه، ولكن الإِنْسَان يَنسَى حَتَّى الْأَشْيَاء التي جربها بنَفْسِه.)(وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا لأنّ «مَن مَات فَقَد قَامت قيامته» (3)(وَ بِالدُّنْيَا تُحْرَزُ)
الآخِرَةُ لأنّ تلك مُطِية هذه، والْعَمَل الصَّالح وسيلة لسعادة الغد، وتَقَدَّم مع الشرح المفصل في الخُطْبَة 29 (وَ بِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ). لا سعادة للإنسان، ولا شَقاء في هذه الحياة، لأَنها أحلام، وظلال، فإِذا مَاتَ أنتبه، وأنكشف الغطاء، وإنه يحيا إلى الأبد إما في نعيم، وهناء، وإما فِي جَحيم، وشقاء (وَ إِنَّ الْخَلْقَ لا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ، مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى) لا مَفَرّ مِن الحِسَاب، والجَزَاء، فإِنَّهُ الْغَايَة، والمصير، وإِلَيْهِ نُسرع، ونَسير، شَعرنا ذَلِكَ أَم لَمْ تُشعر، والعَافِية لمن نفع، وأحسن.)(قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرَّ الْأَجْدَاثِ. خَرجُوا، أو ذَهبوا مِن الْقُبُورِ (وَصَارُوا إِلَى مَصَايِرِ الْغَايَاتِ) وَهِي الْقِيَامَة. ومن خُطْبَةٍ لِلإِمَامِ : «أَعِدُّوا لَهُ - للمَوْت - قَبْلَ نُزُولِهِ فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ» (1)(لِكُلٍّ دَارٍ) من الجنَّةِ، والنَّارِ اللَّتِين تَقَدَّم ذكرهما في قَوْله : «وَبِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ، وَبُرِزَتِ الْجَحِيمِ لِلْغَاوِينَ» (أَهْلُهَا لا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا، وَلا يُنْقَلُونَ عَنْهَا). مِن سبق إلى الجنَّةِ فإلى الأبد، ملك دائم، ونَعِيم قائم، ومَن أُدخل النَّارِ فَهِيَ مَثواه ولا مُنقذ إِلَّا مَا شَاء الله.)(وَ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. الأمر بِالْمَعْرُوفِ هداية ورحمة، ونَصيحة ومَحَبَّة، ولذا كان مِن خَلق الله، وأَنْبِيَائه، وأوليائه. ولا شَكٍّ أنّ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ جَائز حَتَّى ولو أدى إلى الْقَتْل بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِءَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٌّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (2). حَيْتَ دَلت الآيَة عَلَى أَنّ من)
قتل من أجل الأمر بِالْمَعْرُوفِ فهُو عَلى سَبِيل النَّبِيِّين. ولكن هل يجب الأمر بِالْمَعْرُوفِ مُطلقاً حَتَّى مَع الضَّرر، أو ينتني الوجوب مع هَذَا الْخَوْف ؟ قَالَ أَكْثَرَ الْفُقَهَاء : لا يجب مع الخوف عَلَى النَّفس، أو المال، والأهل، وَقَالَ آخرون : يجب عَلى كُلِّ حَالٍ وبلا شرط (1.)وفي رأينا أنّ حكم الأمر بِالْمَعْرُوفِ يَختلف باختلاف الموارد، فإنْ كَان الأمر بِالْمَعْرُوفِ من أجل سلامة الدين، أو الوطن على وجه العمُوم - وَجَبَ بلا قيد، لأنه في مثل هذه الحال يكون من الجهاد الواجب وإلا فلا يجب مَع خَوْف الضَّرر كالنَّهي عن أَكل المينة، وشُرب المتنجس، أما قول الْإِمَام : (وَإِنَّهُمَا لا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ فهو تَعرِيض بمن يُشايع الطَّغاة، ويُسكن عن حكام الجَوْر رَغْبَةً في نَفعة، أو خَوْفاً من مضرّة، وفي الحديث: «أفضل الجهاد كَلِمَة حَقٌّ عند إمام جائر» (2).)(وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ. كلَّ كِتَاب يُنسب إِلى الله فهو رواية فلآن عن نَبِيٍّ مِن الْأَنْبِيَاء تَمامَا كَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَنَا إِلَّا الْقُرْآن فَهُو مِن عِندِ اللَّهُ مِن أَلْفِهِ إِلَىٰ يَائِهِ، وإِعْجَازه شَاهِد حَقٌّ، وعدلٍ، وقد أشار الإمام فيما يلي إِلَى بَعض أوصاف الْقُرْآن :)
1) أنظر، مُنْتَهى المطلب : 993/2، حاشية ردّ المحتار: 729/6، جواهر الكلام 373/21، مستمسك الْعُرْوَة الْوُثْقَی : 76/142، فقه الصَّادق للسيد محمد صادق الروحاني : 250/13.
2) أنظر، المستدرك على الصَّحِيحِين: 551/4 ح 8543 تَفْسِير تجمع البيان: 263/2، سنن أبي داود : 124/4 ح 3444، التهذيب : 178/6، الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب: 358/1 خ 1448، سنن ابن ماجه: 1329/2 ح 4011، مسند الحميدي: 331/2 ح 752 مُسند أبي يعلى: 353/2، شعب الإيمان 52/7: ح 9424، الخصال : 65، مُسند الشهاب : 247/2 ح 1286 سنن الترمذي : 47174 ح 2174، مُسْنَد ح أحمد : 19/3 ح 11159.
1 - (إِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ لا يَهْلكَ مَن تمسك بِهِ.)2 - (وَ النُّورُ الْمُبِينُ تَستنير بهِ الْقُلُوب، والعُقُول.)3 - (وَ الشِّفَاءُ النَّافع من داء الجهالة، والضَّلالة.)4 - (وَ الرّيُّ النَّاقِعُ لغلة المتشكك، والمُتحِير.)5 - (وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، وَ النَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ عطف تَفْسِير عَلى الحَبل المتين.)6 - (لا يَعْوَجُ فَيُقَامَ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : (أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا) (1).)7 - (وَلا يَزِيعُ فَيُسْتَعْتَبَ لا يميل عَن الْحَقِّ كِي يُطلب منهُ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ.)8 - (وَلا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّةٌ، وَوُلُوجُ السَّمْعِ بل كُلما تَكَرَّرت آياته وقعت موقع السحر فِي الْقُلُوب، وعَلى الآذان. وهَذَا مِن خصائص الْقُرْآن التى لا يُشاركه فيها أي تركيب، وكلام.)9 - (مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ لأنه لا ينطق عن هَوى، وجَهل.)10 - (وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ لأَنه صِراط الله المُسْتَقِيم لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ.)وبالمناسبة أن أهل السير والتاريخ قَالُوا : كَان أبو جهل، وأبو سُفْيَانَ، والأخنس ابن شريك ألد أعداء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ومع هذا كانوا يتسللون فِي اللَّيْل فرادى إلى جدار بالقرب من بيت النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ليستمعُوا إِلَيْهِ وهو يَتلو الْقُرْآن. وكَان كلّ منهم يظن أنه وحده يأتي، ويستمع... وفي لَيْلَة حدثت المفاجأة، والتقى)
1) الْكَهْفِ : 1.
الثلاثة وجهاً لوجه، وتم القبض بالجرم المشهود، وتبادلوا الإتهام... ثُم أتفقوا عَلَى الكتمان، وإنْ لا يَعُود وا مَرَّة ثَانِيَة، لأن سماع القُرْآن يُؤدي بهم إلى الإيمان به، وبمحمد، وهَذَا مَا يَأبُونَه، ويُقاومونه (1.)### أينَ الْفِتْنَة وَالرِّدَّة فِقْرَة 4 - 5 :إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ (الْمَ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَ رَسُولُ اللَّهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللهُ تَعَالَى بِهَا ؟ فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي» فَقُلْتُ : يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ أَسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: «أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ»؟ فَقَالَ لِي : «إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً» ؟ (4) فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَ الشُّكْرِ. وَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَ يَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ، وَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ، وَ الْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ، وَ الرِّبَا بِالْبَيْعِ» قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ ؟ أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ ؟ فَقَالَ : «بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ» (5).)
اللُّغَة:حِيزَتْ عَنِّي : أُمِيلَت عَنِّي : قَالَ تَعَالَى : (أَوْ مُتَحَيّذًا إِلَى فِئَةٍ (1). أي مَائِلاً إِلَيْهَا.)الْإِعْرَاب :حَسِبَ تَحتاج إلى مَفْعُولين، والمَصْدَر مِن أَن يُتْرَكُواْ سَاد مَسدهُما، والْمَصْدَر من أَن يَقُولُواْ بَدل من مَصْدَر أَن يُتْرَكُوا. وجُملة عَلِمْتُ خَبَر أنّه. وكَيْفَ في موضع الحال.الْمَعْنَى:قَالَ الشَّرِيف الرَّضِي : قَالَ رَجُل لأمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ : أخبرنا عن الْفِتْنَة، وهل سألت رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ :إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ : (المَ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)). ومَعْنَى الآية أن مَن يَدعي الإِسلام ويحمل هويته فهو مُسْلِم بالإسم إلا إذا أهتم بأمور النَّاس، وشاركهم في السَّراء والضَّراء... ويدل عَلَى إِرَادَة هَذَا الْمَعْنَى قول النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «مَن لَم يَهتم بأمور الْمُسْلِمِين فَلَيْسَ منهم (2)... الدِّين النّصحية... قَالُوا : مِن يَا رَسُول الله ؟. قَالَ : لله ولرسوله، ولأُمّة المُسْلِمِين، وعامتهم» (3). ولَيْسَ مِن شَكٍ أَنَّ سُنةَ الرَّسُول شَرح)
1) الأنفال : 16.
2) وَسَائِل الشّيعة : 336/16 ح (21700) 1، تأريخ مدينة دمشق : 207/21، الإمام جعفر الصادق لعبد الحليم الجندي: 323.
3) أنظر، صَحِيح البُخَاري : 30/1 56، صحيح ابن حبان : 435/10 ح 4574، سنن الترمذي: 324/4 ح 1926. سُنن الدارمي: 402/2 ح 2754 مُسند أحمد : 351/1 ح 3281، مُسْنَد الشافعي : 233/1، تفسير القرطبي : 227/8، صحیح مُسلم : 74/1 ح 55.
وبيان لكتاب الله. والمراد بالمُسْلِمِين هنا النَّاس عَلى وجه العمُوم، وإِنما خَص النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِين بالذكر لأنهم المخاطبون بالحَدِيث، ولأن الإِسْلَام كَانَ آنذاك هو الغَالب في المجتمعات.)(عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَ رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللهُ تَعَالَى بِهَا ؟). وقد استوحى الْإِمَام عِلمه ذَلِكَ مِن إخبار الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأنّ الدُّنْيَا من بَعْدَه سَتُقبل عَلى أُمه، ويَعْرقُون في زينتها إلى الآذان، ومن جملة ما قاله النَّبِي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، في ذَلِكَ مَا نقله الإمام عنه في هذه الخطبة بالذات، وهو قَوْله : «يَا عَلِيُّ، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ» (1). ولَيْسَ مِن شَكٍّ أَنَّ الإِنْسَان كلما أسرف في الماديات أزداد بُعداً عن الرّوحِيات : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ ليَطْغَى) (2)(فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللهُ تَعَالَى بِهَا ؟ فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي») أي أنّ الله سُبْحَانَهُ يَفتح عَلَيْهِمْ أبواب المال والسُّطان، فيتمتعُون، ويتلهون عن ذكر الله، وطَاعته، قَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (3). وَقَالَ الإِمَام فِي تَفْسِير هَذِه الآية : إن الله يختبرهُم بالأموال والأولاد لتظهر الأفعال التي يُستحق بها الثَّوَاب والعقاب.)
(فَقُلْتُ : يَا رَسُولُ اللهِ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ أَسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي : «أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ» ؟. كَانَ الْإِمَام يَتمنى الشَّهَادَة فِي سَبِيل الله، ويَبتهلُ إِلَيْهِ تَعَالَى أنْ يُعجلها لهُ، فَبشره بها النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولما طال أمدها طالب الرَّسُول بالْوَعْد. فَقَالَ له : وعدتُك الشَّهَادَة، ولم أحدد الوقت ولا بُدّ أنْ تُضرب عَلى هَذِهِ فَتخضب هَذِه (1)(فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذا) ؟ ؟ فأجابه الإِمَام بِقَوْله : (لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى، وَ الشُّكْرِ). إنّ حُبّ الحَيَاة وكرَاهِية المؤت طَبِيعَة وغَرِيزَة في الإِنْسَان، والحَيَوَان. ومن أجل هذا فكّر بَعْض الحمق أنْ يَخترع دواء يُميت به الموت، ويلغيه من الوجود... كما دفع حُبّ الحياة بآخرين إلى إنكار وجود الموت من الأَسَاس، ومن هؤلاء أبيقور... وصدق من قال (2):)إِنَّ بَعْض الحُبّ يُعمي ويُصم*** وكَذَلِكَ البُغض أدهى، وأطمحَتَّى عن الأَشْيَاء التي يُدركها الأَعْمَى، والأصم، إِنْ صَحٌ هَذَا التَّعبير.والحياة عِند الإِمَام وسيلة لا غَايَة، والغَايَة العُظمى الّتي تُقصر الأَنْهَام عن
1) تَقَدَّم إستخراج ذلك، وأنظر، البداية والنهاية : 218/6 و 358/7، تجمع الزوائد : 137/9، والحاكم في المُسْتَدرَك : 113/3 و 143، الفتح الرباني : 163/23. وكنز العُمَّال: 297/11، والصَّوَاعِقِ الحُرِقَة : 121 ب 9 فصل 2 تاریخ دمشق : 278/3 تاریخ دمشق : 278 ح 1364 و 1365، فرائد 1364 و 1365، فرائد السمطين : 327/390/1، المناقب للخوارزمي: 380 ح 400 مُسند أحمد: 263/4 ابن كثير في تأريخه : 247/3، الطبري في تأريخه : 261/2، السيرة لابن هشام : 236/2، عمدة القاري للعيني: 630/7، طبقات ابن سعد : 509 عُيُون الأثر : 226/1، الإمتاع للمقريزي : 55 السيرة الحلبية : 142/2. تأريخ الخميس : 2 / 364.
2) أنظر، تفسير القرطبي : 206/19.
إدراك قيمتها، وتُبذل الحياة من أجلها هي مرضاة الله فقط لا غير، ومن فَازيها فله أن يفرح، ويبتهج، وعَلَيْهِ أَنْ يَشكرها، ويحمد الله عَلَيْهَا («يَا عَلِيُّ، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ فَتُنسيهم ذكر الله، وجميع القيم، والمؤت، ولا يَرُون جَمالاً، وكمالاً، ولا ذُوقاً، وعاطفةً، ولا أي شيء إلا الأرْبَاح والمكاسب (وَ يَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ) ذَلِكَ بأنّهم لا دين لهم، والمال هُو مَعبودهم الوحيد، ولكن الشَّيْطَان جَعلهم يتصورون، ويتخيلون أنهم أَصْحَاب دِينِ، ثُمّ وَسوس لهم وزيّن أنْ يَمنُّوا عَلى الله بنفس الشَّيء الذي عَصُوه فيه !... نعوذ بالله من الغفلة، والغُواية.)(وَ يَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وهنا موضع الغرابة.... يَطِيعُونَ الشَّيْطَان، ويَعصُون الرَّحمَن ومَع هَذَا يَطلبون منه الأجر، والثَّوَاب... ولكن لا عجب فإنّ كَلِمَة الغُرُورُ تدل بطبعها، وبجميع مشتقاتها عَلَى التَّناقض فِي الْفِكْر، والقَوْل، والفِعْل (وَ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ): (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (1). (وَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِيَةِ، وَ الْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ). الخَمْرَ في أصطلاح الشرع، وأَهْله هو المسكر، سواء أصدق عَلَيْهِ أسم الخَمْرَ، أم أي أسم من الأسماء. قَالَ الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لَمْ يُحرم الله الخمر لإسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كَانَ عَاقِبته عَاقِبَة الخَمْرَ فَهُو حَرام» (2).)(وَ السُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ. والمراد بالسُّحْتِ المال الحرام، ومنه الرّشوة، وتسميتها)
بِالهَدِيَّةِ لا يُغير شَيْئَاً من حَقِيقَتها (وَ الرِّبَا بِالْبَيْعِ. والأمثلة كَثِيرة عَلى هَذَا الإحتيال، ومِنْهَا أنْ يبيع المرابي سلعة لآخر بمئة وعشرين إلى أجل معلوم، ثُمّ يشتريها منه بمئة يدفعها له حالاً، ومُعجلاً، ولا غرض لأحدهما إلّا الرّبا !. ولَيْسَ من شك أنّ النّية هي القوام والأساس، وبصحتها يصح البيع، ويُفسد بفسادها، والله سُبْحَانَهُ لَيْسَ بطفل يحتال عَلَيْهِ : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) (1).)(أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ ؟ فَقَالَ : بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ. والفرق بَيْنَ الْفِتْنَة والارتداد هو عين الفرق بَيْنَ الفُسق، والْكُفْر. فكلّ من قَالَ : لا إله إلا الله مُحمّد رَسُول الله يجري عَلَيْهِ حُكم الإِسْلام من المواريث، والمناكحات، وجميع المعاملات حَتَّى ولو كَانَ فَاسقاً، أو منافقاً في واقعةٍ إلا أن يُعلن إنكاره لما ثبت بضرورة الدِّين كوجوب الصوم، والصَّلاة، وتحريم الزنا، وقتل النفس. وتكلمنا عن ذلِكَ مُفصلاً فِي كِتاب «فَلْسَفَة التَّوْحِيد والْوِلَايَة» بعنوان : أُصول الدِّين.)
1) النِّسَاء : 142. ومن أراد التوسع في هَذا فليرجع إلى الجزء الثالث من «أعلام الموقعين» لابن القيم الجوزية. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 157 -### الفَاجِرُ ذَلِيل... فِقْرَة 1 - 3الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ، وَ سَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، وَ دَلِيلًا عَلَى آلأئه، وَعَظَمَتِهِعِبَادَ اللهِ، إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ، لَا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَ لا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ. آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ. مُتَشَابِهَةٌ أُمُورُهُ، مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلامُهُ. فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ : فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَ اَرْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ، وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ، فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَ النَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ (1.)اَعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزِ، وَ الْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ، لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَلا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ. أَلَا وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا، وَبِالْيَقِينِ تدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى.عِبَادَ اللهِ، الله الله فِي أَعَزّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ، وَ أَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ : فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ، وَ أَنَارَ طُرُقَهُ. فَشِقْوَةٌ لأَزِمَةٌ، أَوْ سَعَادَةُ دَائِمَةً فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ
لأَيَّامِ الْبَقَاءِ. قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَحُثثتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ، لا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ (2. أَلَا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ ؛ وَ مَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلِ يُسْلَبُهُ، وَ تَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ، وَحِسَابُهُ !)عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكَ، وَلا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبُ. عِبَادَ اللهِ، أَحْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، وَ يَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ، وَ تَشِيب فيه الأطفال (3.)اللُّغَة:سَرْمَداً: دَائِماً. والْمُرَاد بِشَوْلِهِ هُنا النُّوقِ. وَ اَرْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ : وقَعَ فِيها. وَلا يُحْرِزُ : لا يُحْفَظ. والحُمَةُ - بتخفيف الميم - السُّم، وتُطلق عَلى أبرة العَقْرَب لعلاقة المجاورة. والتَّبِعَةُ : آثار العَمَل.الإعراب:مَا فِيهِ «مَا» فَاعِل يَبْقَ و «فِيهِ» مُتَعَلّق بمحذوف صلة «ما»، وسرمداً ظرف أو معنى الظرف وهو منصوب بيبْقَی أي لا يَبْقَ في كلِّ وَقتٍ، ومُتَشَابِهَةٌ خَبَر مُقَدَّم وأُمُورُهُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، ويجوز أَنْ تَكُون «مُتَشَابِهَةٌ خَبَر ثَانٍ لأَنَّ، وأُمُورُهُ فَاعِل لمُتَشَابِهَة، ويَكُون الكلام هَكذا أنَّ الدَّهْر مُتَشَابِهَةُ أُمُورُهُ، وَكَلِمَة الله الأُولَى نُصب على التَّحذير، والثَّانِيَة تأكيد، وَشِقْوَةٌ خَبَر لمبتدأ محذوف أي فَصِيركُم شِقَاء أو سَعَادَةٌ، ويَوْماً مَفْعُول به لاِحْذَرُوا أو منصوب بنزع الخافض أَي أَحْذَرُوا مِن يَوْمٍ ولا يجوز أَنْ يَكُون مَفعولاً فيه، لأن الخوف الآن منه لا فيه.
الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ. الحَمْدُ هو الثَّناء، والشكر، والْوَصْف بالجميل بدافع التَّعظيم، والتبجيل، وقد افتتح الله بحمدهِ العَدِيد من سُور الذكر الحكيم، كالْفَاتِحَةِ، وَالْأَنْعَام، وسَبإ، وفَاطِرٍ (وَ سَببَا لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ) أَي مِن أجر الآخِرَةِ، وثوابها (وَ دَلِيلًا عَلَى آلَأئِهِ، وَعَظَمَتِهِ) كقولنا : الحَمْدُ لله المنعم المفضل، أو الحَمْدُ لله العلي العظيم، فالحَمْدُ الْأَوَّل عَلَى النِّعْمَةَ، والثَّانِي من أجل العظمة، فإنّ الْوَصْف يُشعر بالعَلِية عَلَى حَدّمَا قَالَ عُلَماء أصول الفِقْه... والحَمْدُ لله في السراء والضراء.)(عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْبِهِ بِالْمَاضِينَ، لَا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّىٰ مِنْهُ، وَ لا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ. اللاحق كالسَّابِق يُلبِي دَعْوَة الْمَوْت الذي لا مفرَّ منهُ لكَبِيرٍ، أو صَغِيرٍ، ولا لِنَّبِيِّ، أو شَقِي، ومن مات لن يعود، والبَاقِي إِلى حِين (آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ. مُتَشَابِهَةً أُمُورُهُ) في الأَيَّام الخالية أهلك ملوكاً وأستخلف آخرين، وهو الآن على شيمته، وإلى آخر يَوْم. وَهَذَا دَليل قاطع على أنّ مُراد الْإِمَام بالدَّهْر رَبِّ الدَّهْر... وما كَلِمَة الدَّهْرِ إِلَّا تَعبير عن مرور الزمن وعدد الأَيَّام التي لا تَحسّ، ولا تُحسّ، وإذا صَحٌ حَدِيث «لا تَسبُوا الدَّهْر فإنّ الدَّهْر هو الله» (1)فالمراد أنّ قول النَّاسِ : فَعل الدَّهْر، وترك الدهر، أو فعلت الدُّنْيَا، وتركت - هُو عَلَى حَذف المُضاف إِلَيْهِ أي رَبِّ الدَّهْر وإلا فإنّ كَلِمَة الدَّهْرَ لا تُستعمل في ذاته تَعَالَى، ولا في صفاته.)
1) أنظر، صَحِيح مُسْلِم : 1763/4 ح 2246، صحيح البخاريى : 2286/5 ح 5827، السنن الكبرى: 457/6 ح 011487 الفِرْدَوْس بمأثور الخطاب : 10/5 ح 7286. ميزان الاعتدال : 234/3 ح 3290. التمهيد لابن عبد البر : 151/18 لسان الميزان : 46/3ح 178.
والغريب أنّ عَبد الرَّحْمن بن الجوزي قَالَ فِي كِتاب «صِيد الخاطر»: «إنّ الَّذِين يَسبُون الدَّهْر كَكُفَّارٌ «بل هُم شَرٌ من الكفَّار، لا أصلح الله لهم شأناً، ولا هَداهُم لرشاد»(1. ونَسِي هَذَا الشَّيخ أنّ الحدود تُدرأ بالشُّبهات (2)... ولماذا لا أصلحهم الله، ولا هداهُم ؟ ألأنهم أشد عَلَى الرَّحْمَن عِتياً من الَّذِين سَأل نَبِي الرَّحْمَة لهم الصَّلاح، والهداية ؟.)(مُتَظَاهِرَةُ أَعْلامُهُ أي أنّ الدَّلائل عَلى تغير الدُّنْيَا بِأَهْلها من حَالٍ إلى حال كَثِيرة، ومُتَضَافِرَة يَعضد بَعْضهَا بَعضاً (فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ). تَسُوقَكُم الْقِيَامَة إِلَيْهَا تَمامَاً كَمَا يَسُوق النُّوق زاجرها، وتَقَدَّم مِثله (3). (فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَ أَرْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ، وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ، وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ). مَالَكَ وللنَّاس، والقيل والقال ؟ أتشتغل بغيرك، وتلهو عن نَفْسِكَ ؟ أرفق بها، وتلطف، وَرَاقَبهَا، وحَاسَبها وإلا استحوذت عَلَيْكَ الشَّهوات، والأهواء، وأرْدَتكَ في المهَالِك. ومن أَقْوَال الإِمَام : «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، وَطُوبَى لَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ، وَأَكَلَ قُوتَهُ، وَ اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ» (4)، ونَصيحتي لمن يُريد النّجاح أن لا يكترث بنقد، ولا يحصر همه)
وأهتمامه بتتبع العيوب، وأعرف واحداً فقط من هَذَا النَّوْعِ، فَإِنْ لَمْ يَجِد عَيباً بِإِنْسَان أفتراه.. وما عرفه إنْسَان، ووثق به، وأمن له... أصلحه الله، وهداه، وإيانا.(فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ. إِنَّهَا مَصِير من شعر بواجبه أمام رَبِّه، وضَمِيره، وأمام المجتمع الَّذي يَعِيش فيه، وبادر لأدَاء هَذَا الواجب عَلى الوجه الأكمل (وَ النَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ) اللآمُبَالِين في حَقٌّ الله، والنَّاس، والتَّفْرِيط فِي الْحَقِّ، ونهاية الخَائِن إلى الهَاوِية لا محالة.)(اعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّ التَّقْوَىٰ دَارُ حِصْنٍ عَزِيزِ، وَ الْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ، لا يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَلَا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ. للصَّادق المخلص هَيْبَة، ومكانة عند الله، والنَّاس، ومكانته هذه حصنٌ حَصِين من تهم المفترين، ونيل الجرمين، أمّا الخَائِن الكَذُوب فحِصنهُ أوهن مِن بَيْت الْعَنكَبُوتِ (وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا) لا سَبِيل إلى الوقاية من سُوء الْعَاقِبَة إِلّا باتباع الهُدَى، والحَقِّ : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (1). (وَ بِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى). إِذَا عَلِمَ الإِنْسَان خَاف من الغفلات، والهفوات، ومن خاف أعد العدة، وعمل جاهداً حَتَّى يَبلغ غَايته.)(عِبَادَ اللهِ، الله اللهَ فِي أَعَزّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ قَالَ قَائل : إِن أَعَزّ هنا لِلتَّفضِيل، وإن للإنسن أنفساً عديدة : أمارة، ولوّامة، وعاقلة، وغضبية، وشهوانية (2)!.... وهذا التقسيم مُجرد خيال لأن تعدد الصفات، والحالات لا)
تستدعي تعدد الموصوف - وعلى الأقل - هُو بَعِيد عَن إفهام المخاطبين، والصواب إنّ المراد بكلام الإمام هُنا عَين المراد بقَوْله تَعَالَى : (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (1). (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ، وَ أَنَارَ طُرُقَهُ) في كتابه، وسُنَّة نَبِيِّه (فَشِقْوَةٌ لأَزِمَةُ) للمجرمين في الْآخِرَةِ (أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ !) لِلْمُتَّقِينَ (فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ. قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَ حُثثتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبِ وُقُوفٍ، لَا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ). نَحْنُ ضِيوف فِي هَذِه الدَّار، وفي غَدٍ إِلى نَعِيمٍ، أو جَحِيمٍ، والسَّعِيد من وفق إِلى عَمل يُنجيه مِن عَذاب الحريق.)(فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ وَ مَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ، وَ تَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ، وَ حِسَابُهُ خُلق الإِنْسَان لِيعمَل فِي دُنْيَاه الفَانِية لآخرته الْبَاقِيَة، فإِنْ أَصَابَ مَالاً من حِلَّ، وأنفقه في حلٌّ فقد تحرر من التبعات، وأمن من العثرات، وإنْ أَخذهُ من حرَامٍ، أو أنفقه فِي حَرَامٍ فَهُوَ عَلَيْهِ نَارٌ، وجَحِيمِ، وَإِنْ أدخر، وكَنز مَا يَزِيد عَن حَاجَتِه فللوارث لذته، وعَلى الموروث أثمه، وتبعته.)(لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكَ، وَلا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبُ. يُجاهد الإِنْسَان، ويُناضل ليجلب الخير إلى نَفْسِه، ويُدافع، ويُكافح ليتقي من الشَّرِّ، والله سُبْحَانَهُ معهُ في ذَلِكَ، وهو أرحم به من الأُمّ بوليدها، ولذا منحه الْعَقْل، والْقُدْرَة، وأوضح له سَبِيل الخَيْر، والشَّر، فكَيْفَ يَرغب في هَذَا، ويترك ذَاكَ ؟ أَللَّهُمَّ إلّا إذا)
1) الْبَقَرَة : 24.
كَانَ عَدُوٌّ نَفْسه، أو أسَاء الظَّن بخالقه (وَ احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، وَيَكْتُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ، وَ تَشِيبُ فِيهِ الْأَطْفَالُ، ومن أنْكَر هَذَا الْيَوْم، وكان منهُ عَلَى شَكٍّ فهل يَشك في أنّ الْحَقِّ أَحَق أَنْ يُتبع، وإنَّ المحَبَّة، والمُسَاوَاة خير من الحقد، والمعاداة، وإنّ الإخلاص، والاِسْتِقَامَة أفضل من الانحراف، والخيانة ؟.. إنّ الاِسْتِقَامَة هِي طَرِيق السَّعادة، والنَّجاة عند الله، وإنّ الخيانة هي السَّبِيل إلى الزلزال، والأهوال عندهُ تَعَالَى، وإِذَنْ فالشَّك فى وجود الجنَّة، والنَّار شَكٍّ فى وجُود الاسْتِقَامَة والخيانة، وفي وجود الخير والشر.)### نَفْسَكَ تَشْهَد عَلَيْكَ... فِقْرَة 4 - 5 :اَعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ، وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ، وَ عَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ، لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ، وَلَا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ، وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ (4.)يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ، وَ يَجِيءُ الْغَدُ لاحقاً بِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ أَمْرِي مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ، وَ مَخَطَّ حُفْرَتِهِ، فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ، وَ مُفْرَدِ غُرْبَةٍ ! وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ، وَ السَّاعَةَ قَدْ غَشِيتْكُمْ، وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الْأَبَاطِيلُ، وَأَضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ، وَ اسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ، وَ صَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا، فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ، وَانْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ(5.)اللُّغَة:رَصَداً : جَمع رَاصد، وهو الرَّقِيب. وَلَيْلٍ دَاجِ شَدِيد الظلام ورِتَاجِ البَاب :
أَغلقه إغلاقاً محكماً.الإعراب:دَاجِ صِفة مُؤكدة لِلَيْلٍ، ومِنَ الْيَوْمِ مُتَعَلِّق بقَرِيب، ولاحقاً حَال من الْغَدِ، ويَا لَهُ «يَا» التَّنْبِيِّه، وقيل : للنداء، والمنادى تحذُوف أي يَا قَوْم، واللام للتَّعجب، وبَيْتِ تمييز تجرور مِنْ المُبيَّنَة مَع يَجرُورها للمُراد بالضَّمِيرِ الجرور باللام.الْمَعْنَى:(أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَ عُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ... إلخ لا عِصْمَة لِلْإِنْسَان، ولذا نقول : كلّ فكرَة يَجَوْر عَلَيْهَا الخطأ، والصَّواب، وكلّ قول يحتمل الصِّدْق والْكَذِب، ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ مِن أخطأ بلا قصد، وتقصير فَلا سَبِيل عَلَيْهِ، وإما السَّبِيل عَلى مِن قَصَر، وتهاون، أو تعمد الذَّنب، والخَطِيئَة، وأَكْثَرَ النَّاس جُرماً، وعِقاباً مَن أَصَرٌ عَلى الذَّنب، ورفض التَّوْبَةِ، وأَشد منهُ عِقاباً مَن خَادع النَّاس، وأرتدى ثوب الصَّالحين، ولَيْسَ مِنهُم.)وقد يصيب الزَّائغ المخادع بَعْض ما يُريد، ولَكِنَّهُ لَن يَسلم من العقاب فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ، أَمَّا فِي هَذِهِ فلأنّ الله لا تَحْفَ عَلَيْهِ خَافِية سواء أحدثت فِي لَيلٍ، أَم من وَرَاء حِجاب... بالإضافة إلى ما أشار إِلَيْهِ الإِمَام، وصرحت به الآية الكريمة (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (1). أمّا حِسَابه في)
1) النُّورِ : 24.
الدُّنْيَا فعلى النَّاس، وضَميره هو بالذات، فإنّ النَّاس قَد يَخدعُون بَعْض الوقت، ولَكِنَّهُمْ لَنْ يُخدعوا طول الوقت، وحين تتكشف لديهم الحَقَائِقِ يَكُون رَدّ الفِعْل قاسياً، وقَوياً. أمّا حِساب الضَّمِيرِ فَيَكُون بالتَّأنيب، والتوبيخ.### الضمير:وَتَسْأَل : إِنْ كَلِمَة الضَّمِيرِ تَدُور كَثِيراً عَلى السُّنَة النَّاس، ويقذفونها في مُحاوراتهم قَذف المسلّمات حَتَّى كأَنَّها أوضح من البديهيات مع أَنَّهَا غَامضة، أو لَيْسَت بهذه المكانة من الوضوح، فما هو تحديد الضَّمِير، والمراد منه ؟.الجَوَاب:الضَّمِير شعُور من الداخل تواق لكلِّ خَير يَبتسم له، ويُستريح، وعزوف عن كلّ شرّ يعيش له، ويَنفر مِنْهُ.الضَّمِير إحساس من الأعماق يسألك، ويُحاسبك حين تهدأ منك الأعصاب، ويثوب إِلَيْكَ الرُّشد، وتغيب عنكَ كلّ نَزوة، وكل فكرة تقلقك، وتزعجك.. يَأْتِيك هَذَا الضَّمِير في خلواتك، وأنتَ تَستلقي عَلى الفِرَاش فِي عَتمة اللَّيْل، أو تجلس وحيداً على شاطيء بحرٍ، أو مجرى نهرٍ، أو بَيْنَ الْأَعْشَاب، وتحت الأشجار.يَأْتِيك لكِي يُسألك، ويُحاسبك عَن سُوء ما قلت أو فعلت بالأمس أو مُنذ سنوات، ويَقُول : مَا جَرى لَكَ حَتَّى كَان مِنكَ مَا كَانَ ؟ هل كَانَتْ مَجنوناً، أو ماذا ؟وهناك سؤال يطرح نفسه، وهُو من أين جاء هَذَا الضَّمِير ؟ وما هو المَصْدَر
لرؤيته ؟ هَل هَذِه الرُّؤية ذاتية تماماً كَتَمْيِيرُ الْعَيْن بَيْنَ الْأَلْوَان، أو هي إنعكاس عن التَّربية، أو الدِّين، أو تقاليد المجتمع، ومقاييسه ؟. وبكَلِمَة وَاحِدَة هَل الضَّمِير حاسة فطرية، أم مكتسبة ؟.الجواب:إنّ الضَّمِيرِ عَلَى نَوْعَين : فَطري، ومُكتسب، فما كلّ شعور بالتأنيب هو فطري على الإطلاق، ولا هو مكتسب على الإطلاق، ومن البداهة أنّ الضَّمِيرِ لا يُؤنب على أي فعل إلّا إذا أعتقد فاعله بتحريمه، وعندئذ ننظر إلى مَصْدَر هَذَا الاعتقاد، فإِن كَانَ وليد التَّربية، أو الدِّين، أو المجتمع فَهُوَ مُكتسب لا مَحَالَةَ، وإِنْ لم يَستند إلى شيء من ذلك بشكل من الأشكال فَهُوَ فِطري، وذاتي بحكم البديهة - مثلاً - إذا أكل الهندوكي من لحم الْبَقَرَة، ثُمَّ أَنْبَهُ ضَمِيره عَلى أَكله فهَذا الضَّمِير أنعكاس عن الدين، والمجتمع، وكَذَلِكَ الْمُسْلِم إذا أكل لحم الخنزير، أو الميتة، وإِذَا أَساء واحد من النَّاس عن قصدٍ، وعَمَدٍ لَمَن أحسن إلَيْهِ لا لشيء إلا لأنه أحسن إِلَيْهِ، ثم ندم وأحس بالذنب الخطئِية فهَذا المؤنب المؤدب هو الضَّمِير الفطري، لأنّه من الداخل لا من الخارج، أما تحريم الدين، والمجتمع لهذه الإساءة فلا مَصْدَر لَهُ، إِلَّا الضَّمِير المشترك بَيْنَ جَميع النَّاس أي أن تحريم الدين، والمجتمع هذه الإساءة هو فرع، وتبع لحكم الْفِطْرَة، والضَّمِير.وإِلى هَذِهِ الْفِطْرَة، أو الضَّمِيرِ أَشَارَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بِقَوْله : «الْبِرِّ مَا أَطْمأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفس، وأطمأن إِلَيْهِ الْقَلْب، والإِثْمِ مَا حَاكَّ فِي النَّفس، وتردد فِي الصَّدر، وإِنْ أَفْنَاكَ النَّاسِ)
وأَفْتَوْك» (1وعَلى هَذَا الأَسَاس كان سُقراط (2)يُحاول، ويجادل الناس، وهو يَطوف في الشوارع والأسواق.)هَذَا، إلى أن أكثر الزَّامات الدين، والمجتمع تتخذ منطلقها من الضَّمِيرِ الفِطري، و أي إلزام لا يستند إلى الْفِطْرَة مُباشرةً، أو ينتهى إِلَيْهَا فما هو بشيء... لو نَفينا هَذَا الوازع الذَّاتي عن الإِنْسَان لجردناه من إنسَانِيته، وكان هو والحَيَوَان سواء في القياس، وكَانَ قولنا : هَذه الْفِكْرة خطأ، وتلك صواب، وهَذَا خَيرٌ، وذَاكَ شَرٌ - لغُواً، وهراء.(يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ، وَ يَجِيءُ الْغَدُ لاحقاً بِهِ... إلخ الأَيَّام تُسرع حَتَّى كأنه لا فَرق بَيْنَ السَّابق مِنْهَا، واللاحق، ولا بَيْنَ الطويل، والقَصِير، ولا معنى لسُرْعَة الأَيَّام إلا فناء الْعُمُر، وذهابه، وإننا في هذه الحَيَاة ضيوف مُؤقِتُون... وعَلَى هَذَا جرت سُنته تَعَالى في الأَوَّلِين، والآخرين، وإذا كُنَّا ضِيوف هَذِهِ الدَّار بشهادة العيان فهل هناك حياة ثانية تنتقل إِلَيْهَا بَعد الموت، أو أن مَن مَات فَات ؟ وأجبنا عن هَذَا السُّؤال بأساليب شَتَّى فِيما تَقَدَّم، ويتلخص بَعْضها بأن مَن لا يُؤْمِن بالله، وعدله فلا يَحقّ لهُ أنْ يَطلب الدَّلِيل عَلى ثبوت الْيَوْم الآخر، وله كل الحق أنْ يُطلب الدليل على وجود الله، أما مَن يُؤْمِن بالله وعدله فيتحتم عَلَيْهِ أيضاً أن يُؤْمِن بالْيَوْم)
1) أنظر المجموع 150/9، وَسَائِل الشّيعة : 166/27 ح (33502) 3 - سنن الدارمي : 246/2، الخرائج والجرائح : 106/1، مجمع الزوائد : 175/1، مُسند أحمد 228/4، مُسْنَد أبي يعلى : 161/3 ح 1586،الأذكار النووية : 408 ح 1249، البداية والنهاية : 202/6.
2) سُقراط : هو فيلسوف يُوناني، ولد في أثنا، عُرِفَ بأنه كَانَ أستاذاً ذائع الصِّيت بالفَلْسَفَة، والحكمة ولقب بـ«سُقراط الحكيم».
الآخر، والتَّفكيك مُحال، لأنّ الإيمان بالعدل الإلهي لا يستقيم إلا مع الإيمان بأنّ مَصِير الفاجر غَيْر مَصِير الْبِرِّ، وإن المسيء لا يُفلت من العقاب، وإن المحسن لا يُحرم من الثَّوَاب، وإِذَا لَم يتحقق شَيء مِن هَذَا فِي دَارِ الدُّنْيَا فَلا بُدّ إِذَنْ مِن دَارٍ ثَانِيَة ينتصف فيها للمظلوم من الظَّالِم، ويُحاسب كلّ عَلى عَمله، إِنْ خَيراً فَخِير، وإِنْ شَرّاً فَسّر.وحثّ الإِمَام عَلَى الْعَمَل هَذَا الْيَوْم، وحذر من عذابه، وذكر بوحشة القبر، وغُربته، وهول الحِسَاب، وأمر بالاتعاظ، والانتفاع بالنُّذُر، ومِنْهَا كتاب الله، وسُنّة نَبِيَّه، والوعاظ، والمبلغُون، والموت، والنَّكبات... وإذا كَان فِي كُلّ شَيء آيَة تدل على وحدانية الله، فإنّ كلّ مَا فِي الدُّنْيَا نَذِيرٌ، ودَلِيل عَلى زوال الدُّنْيَا، وفنائها. وسَبق هذا المعنى مَرَّاتٍ ومَرّات.
## الخطبة - 158 -### سَيَنْتَقِمُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمَ فِقْرَة 1 - 2:أَرْلَهُ عَلَى حِينٍ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولٍ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَأَنْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَم، فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ النُّورِ الْمُقْتَدَىٰ بِهِ. ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَ لَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ : أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَ دَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ (1.)فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ، وَلا وَبَرٍ إِلا وَ أَدْخَلَهُ الظُّلَمَةُ تَرْحَةً، وَأَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَبْقَى لَهُمْ فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ، وَلا فِي الْأَرْضِ نَاصِرُ. أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ، وَسَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأْكَلًا بِمَأْكَلٍ، وَ مَشْرَباً بِمَشْرَبٍ، مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ الصَّبِرِ وَ الْمَقِرِ، وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ، وَ دِثَارِ السَّيْفِ. وَإِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ، وَ زَوَامِلُ الآثَامِ، فَأُقْسِمُ، ثُمَّ أُقْسِمُ، لَتَنْخَمِنْهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ، ثُمَّ لَا تَذُوقُهَا، وَلا تَطْعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً ما كَرَّ الْجَدِيدَانِ (3 !)
اللُّغة:الفَتْرَة : الهدنة، والفاصل بَيْنَ شيئين. والنقض: الهدم والإبْرَام : الإِحْكام.والمدر : الطِّين. والوَبَر للإبل كالصُّوف لِلغَنم، والمدر للحَضْرِيّ، والوَبَر للبَدَوِي.والمقر - بكسر القاف - الصَّبِرِ، أو السَّم. والدِّثار : اللباس. والزَّوَامِلُ : جَمع الزَّامِلة، وَهِي الناقة، أو الجَمَل يُحمل عَلَيْهِ المتاع. وتنخّم : أَخرج النُّخَامَةُ مِن أنفه أو صدره. والجَدِيدَانِ والأَجْدَان : اللَّيْل، والنَّهار، ولا يُفردَان، فَلا تَقول : الجَدِيد أو الأجد للواحد منهما.الْإِعْرَاب:أَدْخَلَهُ، الأصل أَدْخَل فيهِ، ثُم حذفت «في» للتَّخفيف فأتصل الضَّمِير بالفعل، وتَرْحَةً مَفْعُول أَدْخَلَهُ، ونقْمَةً مَفْعُول أَوْ لَجُوا، وعِنْدَ ذَلِكَ مُتَعَلِّق بِلا يَبْقَى، ومَأْكَلاً وَمَشْرَباً أي يَأكلُون مَأكَلاً، ويُشربون مَشْرَباً.الْمَعْنَى:(أَرْلَهُ عَلَىٰ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ. تَقَدَّمَ بالنَّص الحَرفِي (1)(وَ أَنْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ، فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ. ذَلِكَ الْقُرْآنُ) جَاء كلّ من مُوسَى، وعِيسَى بشرِيعة إلهية، وعمل بها)
1) انظر، شرح المخطْبَة : (89). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
أَهْل الْكِتَاب حِيناً من الدَّهْر، ثمّ نقضُوها من الأساس، فَبعث الله مُحَمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ بالْقُرْآن مُصدقاً لما بَيْنَ يَدِيه من تُوراة مُوسَى، وإنجيل عِيسَى (فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَ لَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ). ارْجِعُوا إلى القُرْآن، وتدبروا معانيه، وأسراره، ومراميه... ولكن مَعْرِفَته على وجهه، وحقيقته لا تَكُون إِلا بتوسط مِن عنده علم الْكِتَاب، وهو الإِمَام لها وَقَالَ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخر : مَا نَزلت آيَة مِن الْقُرْآن عَلَى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إلا وأملاها عَليَّ، فَكتبتُها بِخُطى، وعَلّمني تأويلها، وتَفْسِيرها (1).)### مِنْ إِعْجَارُ الْقُرْآن :(إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي. أخبر الْقُرْآن عَن أشياء كثيرة قبل وقوعها، وحدوثها، ولَم يَكُن هُناك قَرِينة تُشير إِلَيْهَا مِن قَرِيبٍ، أو بَعِيد، ومَع هَذَا وقعت كما أخبر وتنبأ الْقُرْآن، فحدث انقلاب في عقيدة الكَثِير من المُشْرِكِين، وخَسرَ المُبطلون، وازدَاد المُؤْمِنُون إِيمَانَاً، ولَيْسَ من شكٍّ لو أن شَيْئَاً من تلك التنبؤات لَم يتحقق لارتَدَ مَن كَان قَد أسلم، وبالتالي لَم يَكُن لِلإِسْلام عين، ولا أثر... ولكن الله سُبْحَانَهُ شَاء أَنْ تظل مُعْجِزَة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِلى آخر يَوْمٍ.)ومِن تِلكَ التَّنبؤات، أو المعجزات وَعدَه تَعَالى بنصر المُسْلِمِين على المُشْرِكِين في وَقْعَة بَدْر : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ (2)... (سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ)
الدُّبْرَ (1). ومِنْهَا الْوَعْد بدخول مَكَّة الْمُكَرَّمَة : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ) (2). وغَيْر ذَلِكَ كَثِير مِمَّا يَعلم تأويله الرَّاسخُون فِي العِلم.)(وَ الْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي. وأيضاً تَحدث الْقُرْآنِ بِلِسَانِ مُحمّد الأُمّي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، عن الأمم الماضية، والقرون الخالية فِي زَمن لا يَعْرِف أَحدٌ عَنْهَا شَيْئَاً، ولا مَصْدَر للعلم بها إلا الوَحِي، وهَذَا دَلِيلٌ ثَانٍ عَلى الإِعْجَاز السّماوِي، والَّذِين أنكرُوا إِعْجَاز الْقُرْآن مِن حَيْث الفصاحة، والبَلاغة تَها ووا أمام إخباره بالْغَيْب، وأمام شَرِيعته وتَعالمه التي خاطبت القُلُوب، والعُقُول، ونَاجت الضَّمائر، والأَرْوَاح.. ومَن أراد أنْ يَحتج بإعْجَاز الْقُرْآن فَعليه أن ينطلق أوّلاً من مُحتواه، مِن شَرِيعته، وتَعاليمه الإِنْسَانِية، وإخباره بِالْغَيْب، ثُمَّ يَدعم المحتوى بالشكل، والأسلوب.)(وَ دَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ. الْمُرَاد بِالدَّاءِ الجَهْلِ، والضَّلال، وبالنظم إِعْطَاء كلّ فَرد حياة أفضل، وأحسن، وبالدواء الشَّافِي مَا جَاء فِي الْقُرْآن من أصول الْعَقِيدَة، ومبادىء الشَّرِيعة، وقيم الأخلاق.)(فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ، وَلا وَبَرٍ إِلا وَ أَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً، وَ أَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً، فَيَوْمَئِذٍ لا يَبْقَى لَهُمْ فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ، وَلا فِي الْأَرْضِ نَاصِرٌ. يُشِير بهذا إلى دولة الأمويين، وطغيانها، وإفسادها في الأَرْضِ. قَالَ البُخَارِيّ : قَالَ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «هلكة أُمتي عَلى يَد أُغْيلمَة مِن قُرَيْش» (3). وفسر أَهْل الحَدِيث «الأغيلمة».)
بالأمويين، وفي شرح أبن أبي الحديد لهذه الخُطْبَة : «الأَخْبَار الشائعة المستفيضة فِي كُتب الحَدِيث أَنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أخبر عن دولة بني أُمَيَّة وذَمهم (1)... و في كُتب التَّفْسِير أنّ الْفِتْنَة، والشَّجَرَة المَلعُونة فِي الآية : (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) (2)هُم بَنُو أُمَيَّة. ثم أطال في نقل الأحَادِيث عن النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) التي تُعزز هَذَا التَّفْسِير (3). (أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَ أَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ). الخِطَاب لمن رضي بدولة أُمَيَّة، وأَصْفَيْتُمْ خَصَصْتُ، وأَوْرَدْتُمُ أَنْزَلَتُمُ، المراد بالأمر الخلاقة، وبأَهْلِهِ أَهْ-ل الْبَيْت الَّذِينَ أَذْهَبَ عَنهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرَهُمْ تَطْهِيراً (وَ سَيَنْتَقِمُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأْكَلًا بِمَأْكَلٍ، وَ مَشْرَباً بِمَشْرَبٍ، مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَ مَشَارِبِ الصَّبِرِ وَ الْمَقِرِ.... إلخ) سَتَدُور الدَّائِرَة عَلَى الْأُمُويين، ويذهب مُلكهم إلى غَيْرِ رَجعة، وَيُسْقَوْنَ كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا سُمّاً زُعَافاً، وتَقَدَّم الكلام عن ذَلِكَ (4).
1) أنظر شرح النهج : 219/9 وما بعدها.
2) الإسراء : 60.
3) أنظر، شرح النهج : 220/9 و 173/15 و 265 و 292، أسد الغابة : 14/3، الفتوح لابْن أَعْثَمْ: 223/1، جواهر المطالب لابن الدِّمَشْقِ : 190/2، النزاع والتخاصم : 52 و 54، الخصائص الكبرى : 118/2، الدر المنثور : 191/4، السيرة الحلبية : 337/1، تفسير الشوكاني : 231/3، معجم أبي يعلى: 45/1 فتح الباري: 399/8 تفسِير الطَّبَرِيّ : 77/15، زاد المسير لابن الجوزي: 40/5. تأريخ الطَّبَرِيّ : 621/5 كشف الغمة : 45/2، الهدَايَة الْكُبْرَى : 76 ح 25، مناقب آل أبي طالب: 109/2 ح تذكرة الخواص : 114.
4) أنظر، شرح المخطبَة : (93). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَأَحَطتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ، وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلُّ، وَحَلَقِ الضَّيْمِ، شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ، وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ، وَ شَهِدَهُ الْبَدَنُ، مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ.
اللُّغَة:
الجهد - بضم الجيم - الطاقة. والرِّبَقِ : جمع رِبْقَةٌ، وَهِي حَبِل فِيهِ عُرَى. وحَلَقِ : جمع حَلْقَه - بسكون اللام - وكلّ شيء أستدار فَهُوَ حَلْقَة. وأطرَق : سَكت ولَم يَتَكَلَّم.
الإعراب:
وَلَقَدْ الواو للقسم أي والله لَقَدْ، وشُكراً مَفْعُول من أَجله لما تَقَدَّم من الأفعال.
الْمَعْنَى:
(وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ حِوَارَكُمْ). الخِطَاب لأهْلِ الْكُوفَة، ومن حسن الجوار أن لا تحسد الجار، ولا تُذيع عنهُ مَا تَراه من عَيبٍ، وأنْ تَكُف عن إزعاجه، وتصبر عليه ما أَمكن (وَ أَحَطتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ) حَميتُكُم، ودافعتُ عنكُم (وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ، وَ حَلَقِ الضَّيْمِ). كَان الْوَالِي من قَبل يَسُومهم الخسف، فحكمهم الإمام بالْحَقِّ، والْعَدْل (شُكراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ) وهُو بَعْض أعمالهم الصَّالِحَة (وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ، وَ شَهِدَهُ الْبَدَنُ، مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ). شهده البدن عطف تَفْسِير عَلَى ما أراه الْبَصَر أي الحس، والعيان، والمعنى أنه تجاهل الكَثِير مِمَّا عَانَاه منهُم وقاساه.
وَقَالَ أبن أبي الحَدِيد : «إنْ قلت : كَيْفَ جَاز لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْض الطَّرف عن المنكر ؟. قلت : يجوز لهُ ذَلِكَ إِذَا عَلِم أو غَلب على ظنه أنهم لا يرتدعُون» (1).
وتبعهُ فِي هَذَا الجَوَاب من جَاء بَعْدَه من الشَّارحِين !. والذي نَفهمه نحنُ أنّ الإِمَام تجاهل عن حقّه الخاص لا عن غَيْره من المُنكَر، ويدل عَلَى إِرَادَة هَذَا الْمَعْنَى قول الإِمَام : «لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةً، التماساً لأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ، وَزِبْرِجِهِ» (2).
أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ، وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَ رَحْمَةُ، يَقْضِي بِعِلْمٍ، وَيَعْفُو بِحِلْمٍ.
أَللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَ تُعْطِي، وَ عَلَىٰ مَا تُعَافِي وَ تَبْتَلِي، حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ، وَ أَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ.
حَمْداً يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ. حَمْداً لا يُحْجَبُ عَنْكَ، وَلَا يُقْصَرُ دُونَكَ. حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، وَلا يَفْنَى مَدَدُهُ (1). فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ، إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ (حَيَّ قَيُّومُ لا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ، وَ لا نَوْمٌ) (1). لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرُ، وَ لَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ. أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ، وَ أَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ، وَأَخَذْتَ (بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) (2). وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَ نَصِفُهُ مِنْ عَظِيمٍ سُلْطَائِكَ، وَ مَا
1) أقتباساً من الآية الكَرِ من الآية الكريمة : (اللَّهُ لَا إِلَة إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ و مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ وَ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ى إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ وحِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) الْبَقَرَةِ : 255.
2) الرَّحْمَن : 41.
تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَ انْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَ حَالَتْ سُتُورُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا، وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ (2). فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأتَ خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً، وَ عَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَ سَمْعُهُ وَالِها، وَفِكْرُهُ حائراً (3).
اللُّغَة:
ذَرَأَ : خَلَقَ. حَسِيراً : مُتعباً يضعف عن الرَّؤية. مَبْهُوراً : مَغلوباً. ووَالهِاً : بلا شعُور. حَائِراً : حَيْرَان فِي أَمْرِهِ.
الْإِعْرَابِ:
حمْداً نصب عَلى أَنه مَفْعُول مُطلق للْحَمْد المتقدم، وَكَيْفَ حَال، وحَسِيراً حال، ومثلهُ ما بَعْدَه.
الْمَعْنَى:
(أَمْرُهُ قَضَاءُ وَ حِكْمَةٌ). الْمُرَاد بأمْرِه تَعَالَى إرادته التشريعية، والتَّكوينية، والأُولَى أَمْرَه تَعَالَى ونهيه، والثَّانِيَة قَوْله للشّيء : كُن فَيَكُونُ (1)، ومَعْنَى قَضَاءً التشريع إبرامه، ووجوب طاعته، وتنفيذه بلا أعتراض، أو تعديل، والمراد
1) أنظر على سبيل المثال : الكافي: 151/1 ح 4، أجود التقريرات للسيد الخوئي: 92/1، تفسير الميزان: 313/16، فضل آل الْبَيْت للمَقْرِيزي: 89
(بحكمتهِ سُبْحَانَهُ أنّ العبث يَسْتَحِيل في حقهِ : (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) (1). (وَ رِضَاهُ أَمَانٌ وَ رَحْمَةٌ). وأقرب السُّبل إلى الله رِضْوَانه رَحْمَتَه، والأمان من غضبه، وعذابه - الْعَمَل الصَّالح العام، قَالَ سُبْحَانَهُ : (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (2)... أَبَداً ليست البطولات ولا الإنتصارات ولا العبقريات - بشيء عند الله إلَّا إذا ترك الإِنْسَان شَيْئًا جَدِيداً، ومُفيداً لأخِيهِ الإِنْسَان (يَقْضِي بِعِلْمٍ) أي الشَّيء الذي يقضي به هو حق، وخَير، لأنه يعلم حقيقتهما، ومواردهما (وَ يَعْفُو بِحِلْمٍ) ولا يخشى من العواقب إذا أدب، وعذّب.
(أَللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَ تُعْطِي، وَ عَلَى مَا تُعَافِي وَ تَبْتَلِي.... إلخ) والتّسبيح، والتَّحميد، والتّهليل - شُكر، وعِبادة بلا شَكٍّ، ولكن هناك شُكراً أفضل، وأرْوَع، وهو دَم حُرِّ زَكي يُراق من أجل الدِّين، والوَطن، وعَرَقٌ طَاهر نَقِي يُصب من أجل العيال، والأطفال، وقول صرِيحٌ وجَرِيء تُكافح بهِ الطَّغاة المعتدين، وتُناصر الهداة المجاهدين، وهَذَا المَعْنَى هو الذي أراده الإِمَام وعَنَاه يقَوْله : (حَمْداً لا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، وَلا يَفْنَى مَدَدُهُ). إنَّ الحَمْد بالأقوال يذهب مع الريح، والَّذي لا ينقطع عدده، ولا يفنى أمده هو الأثر النَّبيل الصَّالح، والعَمَل النَّافع : وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ (3).)
(فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ. نَحنُ لا نملك من أدوات المَعْرِفَة إِلَّا الحَوَاس الظَّاهِرة والْعَقْل، والحَوَاس تدرك الأَشْيَاء المادية كالملمُوسات، والمرئيات، والمسموعات والروائح، والمذاقات... تعالى الله عن ذلِكَ علواً كبيراً... أما العقل فإنَّه يدرك المحدود، والمتناهي، ولا حَدّ، ونهاية لذات الله، وعَظَمَته (نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ).)الله حَيٌّ، لأَنه مَصْدَر الحياة، وإنّه قادر، وعَالِم، ومُرِيد، والله قَائِم بذاته مُقيم الغيره، لأنه واجب الوجود، لا يَفْتَقِر إلى شيء، ويَفْتَفِر إِلَيْهِ كلّ شيء (ولا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمُ (1)لأنّ النَّوْم من صفات الأجْسَام، والله مُنَزَّه عَنْهَا... هَذَا، إلى أنّ النَّوْم ضَرب من المؤت (لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَ لَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرُ) لأنّ الْبَصَرِ يَدرك الطبيعة، والله فوقها، وخالقها.)(أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ، وَ أَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ. يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (2)، وبِمَا يَفْعَلُونَ عَلِيمٍ (وَ أَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي، وَالْأَقْدَامِ). لا فَوْت. الكلِّ فِي قبضته (وَ مَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَ نَصِفُهُ مِنْ عَظِيمٍ سُلْطَانِكَ... إلخ). نَحنُ نَعلم بوجوده تَعَالى، وإِنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لأن الآثار هي التي أرشدتنا إلى ذَلِكَ، أما العلم بالذات، وبجميع ما لها من أوصاف - فلا سَبِيل إِلَيْهِ، لأَنّ مَا مِن شيء نُحاول الإنطلاق منه إلى العِلم بهذه العظمة إِلَّا وَهِي فَوْقه، وإِذَنْ كَيْفَ السَّبِيل ؟ وأين هو؟)وللتقريب، والتوضيح نَضرب هَذَا المثال : من ضوء الشمس نَعلم أَنَّهَا موجودة، أما العلم بحقيقة الشَّمس، وعناصرها فيحتاج إلى وسيلة أُخرى غَيْر
الضّوء، فإن وجدناها فذاك وإلّا أنسد باب العِلم... وهذه آثاره تدل عَلى وُجُودِه تَعَالى، فأين الدَّلائِل عَلى كُنْهَ ذاته، ومدى عَظَمَته ؟.(فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ..إلخ الْعَقْل يُدرك القَوَانِينِ الْعَامَّة التي تربط بَيْنَ الأحداث المتكرّرة المتشابهة، ويُفهم أنّ هناك صلة وثيقة فيما بَيْنَهَا - مثلاً - إذا رأى العالم التفاحة تسقط من الشَّجَرَة، ورأى غَيرها من الأجْسَام يهوي من عُلو إلى الْأَرْض، أدرك بعقله أنّ وَرَاء هَذِه الأحداث المتشابهة قُوَّة تَربط بَيْنَهَا، وَهِي قَانون الجاذبية، ولكن العقل لا يُدرك حَقِيقَة الْقُدْرَة الأُولى التي أوجدت هَذِهِ الأحْدَاثِ، ولا متى وجد الكَوْن الَّذي تقع فيهِ هَذِه الأحداث ؟ أو كَيْفَ وجد ؟ وقد أجهد الْعُلَماء أفكارهم في الْبَحْث عن ذَلِكَ، وكلّ ما قالوه مُجرد حدس، وتَخْمِين، ومن أجل هَذَا لَم يَتفقوا عَلى الكَلِمَة الأخيرة، وتكلمنا عن ذَلِكَ مُفصلاً (1).)### يَدَّعِي أَنَّهُ يَرْجُو الله.. فِقْرَة 4 - 5:يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو الله، كَذَبَ وَ الْعَظِيمِ ! مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ. وَكُلُّ رَجَاءٍ - إِلا رَجَاءَ اللهِ تَعَالَى - فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ، وَكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّق، إِلا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ. يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ (4 : فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ ؟ أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً ؟ أَوْ تَكُونَ لا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً ؟ وَكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا يُعْطِي رَبَّهُ.)
1) انظر، مُفصلاً شرح الخُطْبَة : (1) فِقْرَة «حَوْلَ الكَوْن». (منهُ (قدّس سِرُّه)).
فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً، وَوَعْداً. وَكَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِى عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَأَنْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا (5.)اللُّغَة:مَدْخُولٌ : مَغْشُوش، أو مَشْكُوك. ومُحَقَّق : ثابت. مَعْلُولٌ : غَيْر سَلِيم. ونَقْداً: حالاً ومُعجلاً. الضّار : الوَعْد مع التَّسويف.الْإِعْرَاب :مَا بَالُهُ مُبْتَدَاً، وخَبَر، والمَصْدَر من أَنْ تَكُونَ مَجرُور بمن مَحذُوفة، وكَذَلِكَ خَبَر لمبتدأ محذوف أي والشَّأن، أو الأمْر كَذَلِكَ، وإِنْ هُوَ أي وإِنْ خَافَ هُوَ.### فَلْسَفَة الْخَوْفِ وَالرَّجَاء:الرَّجَاء رَغْبَة، والخوف رَهْبَة، وهُما المحرك الأساسي لإِرَادَة الإِنْسَان، فما من شيء يفعله، أو يتركه بإرادته، واخْتِياره إلا بدافع مِن هَذِين، وهَذِهِ نَتِيجة طبيعية، لأنّ الإِنْسَان بغريزته يُرِيد العيش والتمتع بالحياة جهد طاقته... وقد يعلم الإِنْسَان عَاقِبَة الفعل، أو التَّرك، فيعمل بموجب عِلمه بلا كلام، وفَلسفات، وَإِذَا جهل الْعَاقِبَة فَعليه أن يحفظ التوازن بين الخوف، والرَّجَاء، ولا يدع أحدهما يتغلب على الآخر، لأن الخوف بلا أمل، أو بأمل ضَعِيف - هَلع ويَأْس، والْيَأْس مَوْت، كما أنّ الْأَمَل بلا خَوْف تهور، ورعُونة، والتّهور انتحار، وقَدِيماً قيل : لا
حياة مع الْيَأْس، ولا يأس مع الحياة.وفي الْقُرْآن الكريم : ﴿وَلَا تَأْيْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيْئسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (1).... (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الخَاسِرُونَ) (2).)وفِي بَعْض الرِّوَايَات: «خَفِ الله خِيفَة لَو جِئتَهُ بِبر الثقلين لعَذبك، وأرج الله رجاء لو جئته بذنُوب الثقلين لرَّحمك» (3. وأسلوب هذه الرواية من أبلغ أساليب التخويف والتَّحذير من مَعْصِيَتِه تَعَالى وإلا فإن الله سُبْحَانَهُ قَد كَتب عَلى نَفْسِه الرَّحْمة بالمتقين، وأمنهُم بِقَوْله : ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (4). أجل، إنّ دَأب المُتَّقِين أن يُعادلوا بَيْنَ الْخَوْف، والرَّجَاء حَتَّى ولو جاء وابير الثقلين، وَقَالَ في وصفهم عالم شاعر :)تَعادَل الخَوْف فِيهِمْ والرَّجَاء فَلم*** يفرط بهم طمع يوماً ولا وَجلوالغَرضِ الأَوَّل، والأخير مِن هَذَا التَّوازن، والتَّعادل هو وجود المحرك والباعث على الجد، والعمل لجلب المنفعة، ودفع المضرة... ولا ريب في هَذَا من الوجهة النَّظرِية ورسم الخطوط العريضة، ولكن صحة النَّظَرِية فِي نَفْسِه الا تكفل النَّتيجة، وكَثِيراً ما تصطدم بالملابسات، والظروف عِند التطبيق بخَاصَّة إذا كَان وَضع الإِنْسَان أبعد ما يكون عن الإتزان، والإِعْتِدَال... وعلى أية حال فإذَا جَاز لواحدٍ
من النَّاس أنْ يَبأس عَلى حِساب نَفْسه، فلا يجوز له أطلاقاً أنْ ييأس عَلى حِساب شعبه، ووطنه، من ثبط، وخَوْف من مكافحة الخونة، والمعتدين فَهُوَ خَائن أَثِيمٍ أيّاً كَانَتْ ظروفه، وأوضاعه.الْمَعْنَى: (يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ، كَذَبَ وَ الْعَظِيمِ ! مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَاعُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ). وخَير تَفْسِير لهذه الجملة ما روي عن الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد سُئل عن قوم يَعملون بالمعاصي، ويَقُولون : نرجو... فَقَالَ : «كَذبوا، إنّ من رَجا شَيْئاً طَلبه، ومَن خَاف من شيء هَرب منه» (1)(وَكُلّ رَجَاءٍ - إلا رَجَاءَ اللَّهِ تَعَالَى - فَإِنَّهُ مَدْخُولُ). في الكلام تقديم وتأخير، وأَصله : كُلُّ رَجَاءٍ فإِنَّه مَدْخُول الأ رَجَاءَ اللهِ تَعَالَى، ومعناه : إنّ أي عبدٍ رَجا عَبداً مثلهُ فرجاؤه هَذَا ليس بشيء، أو شيء لا خير فيه، لأنّ الله وحده هو تحل الأمل، والرَّجَاء (وَكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّق، إلا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ). أيضاً في الكلام تَقدِيم، وتَأخِير والأصل : كُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقَ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ إِلا خَوْفَ اللَّهِ، ومعناه : إِنَّ مَن خَافَ غَيْرِ الله فخَوفه موجود بالبديهة، ولكن هذا الخوف مُجرد وهم، وفِي غَيْر مَحله لأنّ غَيْر الله أحقر من أنْ يُخاف منه، والَّذى يجب الخوف منه حقاً هو الله وحده : ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ
1) أنظر، فقه الرضا لعلي بن بابويه : 382، الكافي : 68/2 ح،5، تُحف العُقُول : 213، وَسَائِل الشّيعة : 216/15 (20312) 2 - بحار الأنوار: 357/67، حُسن الظَّن لابن أبي الدُّنْيا : 98 ح 92 وص: 114 ح 132، كنز العمال : 708/3 ح 8526، تهذيب الكمال : 216/28.
لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا (1).)(يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ، وَ يَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ. يَرْجُو الله ويطلب منه الجَنَّة التي جاء في وصفها : «مَا لاَ عَينٌ رَأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (2). يطلب من الله هَذَا النَّعِيم الثمين، ولا يعمل له، أو يعمل القليل !. ومن حكم الإِمَام : «الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ» (3). والغَرِيب أنّ العبد إذا رَجا مثله، وطلب منه القليل الحقير جد، وأجتهد، وبالغ في الْعَمَل لهُ، وعَلَى النَّقِيض إذَا طَلب من الله.. وهكذا يَشتري الزَّهِيد بأغلى الْأَثْمان ويبتغي شراء الثمين بالزَّهِيد التَّافه. فأين الانسجام ؟. وإِنْ دَل هَذَا عَلَى شيء فإِنَّه يُدل عَلَى ضَعف الإيمان، وعدم الثّقة بالله.)(فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ ؟. مَا بَالُ اللهِ أي ما بَالُ حَقٌّ اللهِ، والْمَرَاد بِمَا يُصنع به - بالبناء للمجهول - الشّيء المصنوع، وهو معروف الله وإحْسَانه، والمَعْنَى لماذا تَتهاونُون بِحَقِّ الله سُبْحَانَهُ، وتَقصُرُون عن شُكر مَا صَنعه لكُم من المَعْرُوف، والإِحْسَان ؟. هَذَا مَا عِنْدَنَا فِي تَفْسِير هَذِه الجملة الغامضة، وقد تجاوز عن توضيحها بعض الشَّارحِين، وفسرها آخر بما زادها تعقيداً وغموضاً.)(أ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً ؟. لماذا لا تعمل الله إذَا رَجُوته، وتعمل)
1) الْفَتْح : 11.
2) أنظر، صَحِيح البُخَاري : 86/4، صَحِيح مُسلم : 121/1، مُسْنَد أحمد: 370/2، سنن ابن ماجه: 1447/2، سنن الدارمي : 332/2، الغَارَات: 855/2، وَسَائِل الشّيعة : 478/10 ح 10. تهذيب الأحكام: 22/6، ثواب الأعمال : 56، نَيل الأوطار : 155/2، المحلى: 12/1.
3) أنظر نهج البلاغة : الحِكْمَةَ (337).
كَثِيراً لغيره إذا رَجُوت منهُ القَلِيل ؟ هل مَعْنَى هَذَا فِي مَفهومك أن من كَانَ مثلك في حقارته لا يَنْبَغِي أَنْ يَسأل من الله شَيْئَاً، لأنه تَعَالى لا يُفِيض الْخَيْرُ إِلَّا عَلَى مَن هو أجلّ وأعظم، فإنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى هَذَا فَأَنْتَ مُخطىء في ظُنك، لأنّ رَحمة الله وسعت كلّ شيء، وما أغلق بابه دُونَ الرَّاغب أيّاً كان، ومَا عَلَى الرَّاجِي إلا أن يقف ويقرع. ولقد جربتُ، والله، ففتح لي بابه الكَرِيم عَلى مصرَاعِيه. أحمدهُ تَعَالَى ولا أحمد أحداً غَيْره (أَوْ تَكُونَ لا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً ؟. أَنْتَ لا تَرجُو الله بدافع الجد لأنك لا تراه أهلاً للرَّجاء، وإذَنْ فقد أسأت الظَّن بالله. وهذا هو الكفر بالذات.)(وَكَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً، وَ وَعْداً أي أنه يخاف عَبداً مثلهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَخاف الله. والحق أن أَكْثَرَ النَّاسِ يُحبون العاجلة، ويَذرُون الآخِرَةِ، ويَخافُون العقاب المؤجل أكثر بكثير من العقاب المؤجل، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة) (1). يُومىء إلى ذَلِكَ... أَللَّهُمَّ إِلَّا مَن آمَن بِاللَّهِ كَأَنَّهُ يَرَاهِ. وَعَلَى أية حال فإنّ الذي عناه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأراده أنّ حُبّ الدُّنْيَا، والإندفاع وَرَاء الشَّهوات لا يَجْتَمِع بحَالٍ مع الخَوْف من الله حقاً، وصِدقاً.)ومن أجل هَذَا قَالَ بلا فاصل : (وَكَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَأَنْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَ صَارَ عَبْداً لَهَا شَيْئان متلازمان كالظِّل لصاحبه : مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ أختارها عَلَى طَاعَة الْخَالِقِ لا محَالَةَ، ومَنْ عَظُم الخَالِقِ في نَفْسِه أختار طاعته عَلَى الدُّنْيَا ومَا فِيها.)
1) الْبَقَرَة : 179.
وإِلى هَذَا أشار الْإِمَام فِي بَعْض حِكمه : «إِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ عُدْوَان مُتَفَاوِتَانِ، وَسَبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ ؛ فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلَّاهَا أَبْغَضَ الْآخِرَةَ وَعَادَاهَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعْدَ مِنَ الْآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ !» (1. وأشرنا فيما تَقَدَّم أنّ الدُّنْيَا المَذْمُومَة هِي دُنْيَا الْحَرَام لا مُطلق الدُّنْيَا (2).)### مُحَمَّدٌ، وَمُوسَى وَعِيسَى... فِقْرَة 6 - 9:. لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ -كَافٍ لَكَ فِي الْأَسْوَةِ، وَ دَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمّ الدُّنْيَا، وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا، وَ مَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا، وَفُلِمَ عَنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا (6).)وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ يَقُولُ : (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (3). وَاللهِ، مَا سَأَلَهُ إلا خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَىٰ مِنْ شَفِيفٍ صِفَاقِ بَطْنِهِ، لِهرَالِهِ، وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهِ (7).)وَ إِنْ شِئْتَ ثَلَمْتُ بِدَاوُدَ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وَ قَارِيُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ، وَ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ : أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا، وَ يَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمِنْهَا (8).)وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - (عَلَيهِ السَّلَامُ - فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَ يَلْبَسُ)
الْخَشِنَ، وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلَالُهُ فِي الشَّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ، وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ، وَ رَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِم، وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلا طَمَعُ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ (9 !)اللّغة :الأُسْوَة : القُدْوَة. والأكتاف : الجوانب. وَزُوِيَ : أَنْقَبض. والزُّخْرُفِ : الزِّينَة وزُخْرُفَ الْقَوْل باطله. والبَقْل : النَّبات ينبت فِي بَزرهِ لا في جذوره.والشفيف : الرَّقِيق. وصِفَاقِ البَطْنِ : الجلد الأسفل إذَا أَنشق كَان منه الفتق.وَتَشَذَّبِ لَحْمِهِ : تَفرق، وتشقق. والْمَزَامِيرِ : جَمع المزمار، أي آلة التَّزْمِير.والخوص : وَرق النخل. وأَسّفَّ الخوص : نَسَجه، وسفَائِفه : مَنسُوجَاته.والجَشِبَ : الغَلِيظ. والإِدَامُ : مَا يُؤكل مع الخبز. والمراد بالظَّلالِ هنا المأوى.الإعراب:في رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - أي في سيرة رَسُول الله، وكَافٍ اسم كَانَ، وَدَلِيلٌ عَطفٌ عَلَيْهِ، وَصَاحِبِ الْمَزَامِيرِ صِفَة لِدَاوُدَ.)الْمَعْنَى:(وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - كَافٍ لَكَ فِي الْأَسْوَةِ، وَ دَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمّ الدُّنْيَا) الغرض الْأَوَّل مِن حَث الْإِمَام عَلَى الزُّهْد، وضَرب الْأَمْثَالَ من حَيَاةِ الزَّاهدِين هُو)
أنْ يُبين حقيقة الدُّنْيَا، وإِنَّهَا تُطلب بالجد والتَّعاون كوسيلة لتأمين الحياة، وتوافر أسبابها للجميع، وإنّ عِبادة المال من دُونَ الله، والحَقِّ تُؤَدِّي حتماً إلى سيطرة الشر والفَسَاد، وإشاعة الأحقاد، والأضْغَان. وأشار إلى سِيرة أَرْبَعَة مِن النَّبِيِّين مَع الدُّنْيَا كَدليل عَلى عيوبها، ومخازيها، ومَسَاوِيهَا، وبالأصح عَلَى عَيُوبٍ مَن تَهالك عَلَى الدُّنْيَا، وزينتها، وشَهَوَاتِهَا، وأَوَّل الْأَرْبَعَة مُحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ. (إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَ وُطَّنَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا، وَفُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا، وَ زُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا) مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هُو الَّذِي قَبض يَدَه عَن دُنْيَا وأَطْرَافهَا، وفَطم نَفْسه عَن رضاعها، فقد كَانَتْ أَمْوَال الجزيرة العَرَبِيَّة في قبضته، وطوع أرادته، وكان يَأْتِيهِ مِنْهَا بمئات الألوف، فيُؤثر بها النَّاس عَلَى نَفْسِه، ويَعِيش كما تَعِيش الأسر الْفَقِيرَة... وبعد قليل يعود الإمام فِي هَذِه الخُطْبَة مَرَّة ثَانِيَة إلى سيرة الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ونعود معهُ إِلَى الشَّرح والتَّفصيل.)(وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ -.... إلخ) خَرج مُوسَى مِن مِصْر خَائِفاً يترقب أنْ تَلحق به جلاوزة فِرْعَوْنَ، وسَار ثمانية أيَّامٍ فِي صَحراء مُمتدة الأطراف بلا زادٍ، وراحلة، وكان يَأْكُل مِن نَبات الأَرْض، فأنهكهُ التَّعَبُ، والجُوعِ حَتَّى دَقّ عظمه، ورق جلده، وتشقق لحمه، وكان الناظر إِلَيْهِ يَرى خُضرة النَّبات في جوفه من شدّة ضعفه، وهزالة، ولما بلغ إلى هذه الحال سأل رَبِّهِ رَغِيفاً يَدفع بهِ خَطر الموت جوعاً (1)... والْعِبْرَة، أو الشاهد في سؤاله هَذَا أَنَّ الدُّنْيَا تُطلب لسد الحاجة)
1) أنظر، قِصَّة خروج مُوسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زاد المسير لابن الجوزي: 94/6، إكمال الدين وإتمام النعمة : 150، بخار الأَنْوَار : 41/13، مجمع الزوائد : 59/7، السنن الكبرى للنسائي : 399/6، تفسير الميزان : 28/16، تفسير جامع البيان: 65/20، تَفْسِير القُرطبي : 266/13، تأريخ مدينة دمشق : 33/61، البداية والنهاية : 280/1.
من المأكل والملبس، والمسكن، ولا تُطلب لتكديس الثَّروات، والتّضاهي، والتَّباهِي، ولو خَلقها الله هذه الْغَايَة لما زواهَا عن رُسله، وأَنْبِيَائه. (وَ إِنْ شِئْتَ تَلَفْتُ بِدَاوُدَ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ... إلخ) تقول التُّوراة الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا : إنّ دَاوُدَ أرتكب خطايا يندى لها الجبين خَجلاً، أمَّا الْقُرْآن الكَرِيم فَقد أوصى مُحَمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنْ يَكُون أَوَّاباً، وصابراً عَلى أَعْدَاء اللَّه كَدَاوُدَ : (أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ وَ أَوَّابٌ) (1). وفي كُتب الحَدِيث : إِنّ دَاوُد كَان كثير البكاء خَوْفاً من الله، وإنَّه كَانَ يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يَأْكُل إلا من كسب يَده... هَذَا، وهو مَلك وقَد دَام مُلكه أَرْبَعِين عاماً... ومحل الشاهد في سِيرته أنّ الدُّنْيَا كَانَتْ فِي قَبضته، ولَكِنَّهُ أبى أنْ يَأْكُل إلا من كَدّ اليمين، وعَرَق الجبين، لأنّ الله سُبْحَانَهُ لا يَقُول للعبد غَداً مِن أين لك هَذَا إِلّا إذا أخذه بلاكَدِّ وجهد (2).
(وَ إِنْ شِنْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - (عَلَيهِ السَّلَامُ - فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ... إلخ) قَالَ الْعَقاد في حَيَاة المسيح : «إنّ أسلوبه هو أسلوب الآداب، والمثل العليا، ولَيْس بأسلوب النصوص والقَوَانِين، وأسلوب الإِنْسَانِيةِ يُرجع الْأَمْرِ فِيهَا إِلَى الضَّمِيرِ ولا يرجع إِلى القَاضِي» (3). وَقَالَ غَيْر الْعَقاد : «إنّ النَّاسِ فِي عَصر المسيح أسرفوا)
في الماديات فدعت الضَّرورة إلى مُرشد يغرق في الرُّوحِيات» (1. ولَيْس من شكّ أنّ السَّيِّد المسيح جاء بأسمى الْقِيَّم الإِنْسَانِية، وعاش بنَفْسِه هَذِه القيم ليكون لعصره وغير عصره نموذجاً يُحتذى، وحُجّة على الَّذِينَ يَتنافسون عَلى الثّراء. والسيطرة..... وما أبعد المسافة بَيْنَ حَيَاة المسيح وتعاليمه، وبين المسيحيين الْيَوْم !.. لقد كان الْحَجَرَ وسَادَتَه، والخَشِنَ لِباسَهُ، والجُوعَ إِدَامُهُ، والْقَمَرِ سِرَاجُهُ، والْفَضَاء مَسْكَنَهُ، ووَ خَادِمُهُ يَدَاهُ، ودَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، كما قَالَ الْإِمَام... ومَع هَذَا يَدعِي الَّذِين لا يُؤْمِنُون إلا بالربح، والإِحْتِكَار، ويَسْلُكُون كلّ طَرِيق لكي يُحولوا العالم كله إلى شركة مساهمة يملك أسهمها أَصْحَاب الملايين، يَدعِي هَؤُلاء أنّهم عَلَى دِين المسيح، وسِيرته، وسُنَّته.)### الدُّنْيَا وَمُحَمّد... فِقْرَة 10 - 13:فَتَأَسَ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى. وَ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأْسِي بِنَبِيِّهِ، وَ الْمُقْتَصُّ لِأَثَرِه. قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً، وَ لَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً. أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً، وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَصَغَرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ. وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا الأُحُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَ تَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ وَرَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقَا اللَّهِ، وَ مُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ (10). وَ لَقَدْ كَانَ -(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَ يَرْفَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ،)
1) أنظر، فيض القدير شرح الجامع الصَّغير للمناوي : 412/6 تفسير الميزان 242/5، فتح القد. للشوكاني : 24/2.
وَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَ يَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ: «يَا فُلَانَةٌ - لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ - غَيِّبِيهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَ زَخَارِفَهَا». فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلَا يَتَّخِذُ مِنْهَا رِيَاشاً، وَلا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَلا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَ أَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَ أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ (11.)وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِي الدُّنْيَا، وَ عُيُوبِهَا : إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ، وَ زُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمٍ زُلْفَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ فَإِنْ قَالَ : أَهَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ - وَاللهِ الْعَظِيمِ - بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ، وَإِنْ قَالَ : أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ. فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ، وَ اقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَإِلا فَلا يَأْمَن الْهَلَكَةَ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّداً - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - عَلَماً لِلسَّاعَةِ، وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، وَ مُنْذِراً بِالْعُقُويَةِ، خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، وَ وَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً. لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ. حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَ أَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ، فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَ قَائِداً نَطَأَ عَقِبَهُ! وَ اللَّهِ لَقَدْ رَقَعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا. وَ لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ : أَلا تَنْبِدُهَا عَنْكَ ؟ فَقُلْتُ : أَغْرُبُ عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى (12) !)اللُّغَة:العزاء : الصَّبِرِ، وَمَعْنَى تَعزُّ بَعَزَاء الله : أمتثل أَمْرَه بالصَّبر. وقَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً : لَم
يَملأ مِنْهَا فَمه. على العكس من الخضم، كَمَا قَالَ الْإِمَام عن الْأُمُويِين: «يَخْضَمُونَ مَالَ اللهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبيع» (1، ومنه البحر الخضم. وأَخْمَصُهُمْ : أَكْثَرَهُم ضمُوراً. وَيَخْصِفُ النَّعْلَ : يَخْرزها. والرِّيَاش : اللِّباس الفاخر. وأَشْخَصَهَا : أَبَعْدَها. ومَعَ خَاصَّتِهِ : مَعَ مَنزلته الخاصة عِند الله وعَظِيمٍ زُلْفَتِهِ. وخميصاً : ضَامِراً، نَطَأُ عَقِبَهُ : نَقْتَفِي أَثَرَه. والسُّرَى : السير ليلاً. والمَدْرَعَة : جُبَّة مَشْقُوقة مِن الْأَمَامِ تُصنع من الصوف (2).)الْإِعْرَاب :بطناً تمييز، شِقَاقاً، وخميصاً حال، سَلِيماً، ومَا أَعْظَمَ «ما» مُبْتَدَاً، وأَعْظَمَ فِعل مَاضٍ وفيهِ ضَمِير مُستتر يَعُود عَلَى «ما» ومِنَّةَ الله مَفْعُول.وسلفاً،حال، ومثله قائداً.الْمَعْنَى:و في العديد من الخطب المتقدمة تكلَّم الإمام عن رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ كَمُنقذ للإِنْسَانِية من التّخلف في كلِّ ميدان، وأنه حققَّ الْغَايَة مِن رِسَالَةِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بقَوْله : (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِن ءَايَاتِ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَات إلى النُّورِ) (3). وقَوْله : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) (1).
وفي المخطْبَة التي نَحْنُ بصددها تَكَلَّم الإمام عن حَيَاة النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) العَادِية، وتصرفاته مع نفسه، وفي بَيْتِهِ كقَوْله : (قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً)، أي ما أَصَابَ مِنْهَا إلا بقدر الحاجة والضَّرُورة، وقَوْله : (وَ يَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَ يَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، وَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ... إلخ) ومَا هَذَا التَّحقير للدُّنْيَا، والزُّهْد فيها إلا تواضع الله نَابعٌ من ذات النَّبِيِّ، وشخصيته، وطبعه، وطابعه بلا تصادم مِيُول، وزُواجر، وتغلب الْعَقْل على المشاعر.
وتَسْأَل : إِذَا كَان زُهد النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الدُّنْيَا نَابعاً من ذاتهِ فكَيْفَ يَأمر الإمام بالتَّأْسِي والاقتداء ؟ وهل نفوس النَّاسِ كَنفُوسِ الْأَنْبِيَاء فِي طُهرهَا، وصفَائِهَا ؟ وَمَن الَّذي يقدر، ويَسْتَطِيع أنْ يُغير ذاته، وطبعه ؟.
الجواب:
مُراد الإمام بالتّأسِي هنا أنْ لا نتهالك، ونتكالب عَلى الدُّنْيَا، ونُثِير من أجلهما الحُرُوب، ونفتح أبواب الفَسَاد، والجلاد... هَذَا، إِلَى أَنَّ الإِنْسَان يَسْتَطِيعِ الصَّبر عَلَى جِهاد نَفْسه، وكَبحهَا إِذَا مَالت إِلى مَا يَضُر بدينه، أو دنياه.
(وَ عَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَ حَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَصَغَرَ شَيْئاً فَصَغَرَهُ) استجاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لأمر الله، وأطاعه بفطرته، وسجيته بلا تكلف، وتناقل (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إلا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ... إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) كَيْفَ تَدعِي
1) الفتح : 28.
الإيمان بالله ورسوله، وأنت تكره ما يُحبان، وتُحب مَا يَكرهان ؟ أَليس هَذَا صدُوداً، وعناداً لله ورسوله الله ؟ (وَ لَقَدْ كَانَ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، وَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَ يَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ... الخ) وأيضاً في كُتب السِّيرَة : «أنّه كَان في طعامه لا يرد موجوداً، ولا يتكلف مَفْقُوداً، وأنه كان يَشد على بطنهِ حَجراً من المجاعة (1)، وكان قدحه من خشب غليظ يشرب فيه، ويَسقي أَصْحَابِه مُبتدئاً بالّذي عَلى يمينه كائناً مَن كَان عَلى يساره، وكان يُحبّ النّظافة، وحُسن المظهر» (2). (وَ لا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً)، بل يُعامل الدُّنْيَا كَما هِي فِي وَاقعها من أَنَّهَا دَارٍ عَمَرٌ لا دَارٍ مَقَرٌّ.
(فَلْيَنْظُرْ نَاظِرُ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ! فَإِنْ قَالَ : أَهَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ - وَاللهِ الْعَظِيمِ - بِالْإِفْكِ الْعَظِيم... إلى الْهَلَكَةَ). أنّ مكانة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عِند الله سُبْحَانَهُ لا تُقاس بها أية مكانة، فقد أصطفاه ليكون خاتم النَّبِيِّين، وأثنى عَلَيْهِ بِمَا يُيْنِ بِهِ على سواه، فَقَالَ : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (3). وأقْسَمَ بحياته، ولم يُقْسِم بحياة غَيْره كما في الآية : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (4)ومَع هَذَا كَان يَمر عَلَيْهِ الشهر لا يجد ما يخبزه (5)، ولو كَانَتْ الدُّنْيَا جَزاءً، وثواباً من الله لأكرم بها مُحَمّداً
1) أنظر، مجمع الزوائد : 307/8، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 377/7 ح 36811، شرح معاني الآثار : 16/2، المعجم الأوسط : 267/3، مُسْنَد أحمد: 44/3 ح 11419، الزهد لهناد : 394/2 ح 765، فتح الباري : 58/62، صفوة الصفوة : 199/1، المعجم الكبير : 106/25.
2) أنظر، سُبل الهدى والرشاد : 181/7، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 405/6 ح 3978.
3) القلم : 4.
4) الحجر : 72.
5) أنظر، المبسوط للطوسي : 196/2، المبسوط للسرخسي : 21 / 64. تذكرة الفقهاء : 2 / 11، تلخيص الحبير : 10 / 2، المهذب : 43/2، السنن الكبرى : 36/6، شرح الأزهار : 395/3.
حبيبه وصفوته، ولكان الأَنْبِيَاء أحرص النَّاس عَلى الدُّنْيَا... ومن أجل هوانها عَلَيْهِ تَعَالَى أَبَعْدَها عَنهم، وأبعدهُم عَنْهَا.
(فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ مُحَمَّداً - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - عَلَماً لِلسَّاعَةِ، وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِراً بِالْعُقُوبَة). قَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : «أي أن بعثة مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دَلِيل عَلى قُرب الساعة حيثُ لا نَبِي بَعْدَه» (1)!. وهَذَا بَعيد عن الواقع، وعن دلالة الكلام، لأنّه لا يُشير من قَرِيبٍ، أو بَعِيدٍ إلى ختم النُّبُوَّة، والأَنْبِيَاء. والأقرب أن المراد بالعَلَم - بفتح العين - العلامة، وبالسَّاعَةِ الْقِيَامَة، واللام الداخلة عَلَيْها للتَّعليل، والمَعْنَى أَنَّ الله سُبْحَانَهُ أرسل مُحمّداً لكي يُبلغ النَّاس بأنَّ السَّاعَةَ أَتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا، وأن الجنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ، والنَّار لِلْغَاوِين.
(وَ اللَّهِ لَقَدْ رَقَعْتُ مِدْرَ عَتِي هَذِهِ حَتَّى أَسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَافِعِهَا. وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ : أَ لا تَنْبِذُهَا عَنْكَ ؟ فَقُلْتُ : أَغْرُبْ عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى) استدل الشُّعَية عَلَى خِلافة الإمام بالنَّص كِتاباً وسُنَّة، وذُهلوا عَن المَدْرَعَة، وَهِي ومَا إِلَيْهَا أصرح، وأوضح من جميع النصوص، لأنَّ النَّص فَرحٌ لا أصل، وأنعكاس عما هو واقع، وكائن بكلّ مَا فِيهِ، والمَدْرَعَة شَيء مَحسُوس، ومَلمُوس تنطق بالحَقِّ عن صاحبه، وتشهد بصدقه فيما قَالَ: «أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى، وَأَكْبَادٌ حَرَّى، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ) (2):
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ ***وَحَوْلَكَ أَكْبَادُ تحِنُّ إِلَى الْقِدِّ
أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أكُونَ أُسْوَةٌ هُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ!.» (1).
وهل يُرِيد الْمُؤْمِنُون أَمِيراً يَلهُو عَنهم بنَفْسِه وذويه، ولا يُشاركهم في مكاره الدَّهْرِ ؟. وهَل يكون أميراً حقاً، وصدقاً من لا يرى إلّا همومه، ومشاكله ؟. ومن أراد هَذَا الأمير، ورضي بإمرته عَلى المُسْلِمِين - فهل هو عند الله من المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِين ؟.. و من درس تاريخ المُسْلِمِين بعد رسُول الله بتأمل، وإمعانٍ يَرى أنّ قلوب الجماهير كَانَتْ مَع عليّ، لأنه الناطق بلسانهم، والمعبر عن آمالهم، والثَّائِرِ من أجلهم في كلّ كَلِمَة من كلماته، وكلّ خُطوة من خطواته. هَذَا هو المنطق المعقول الَّذِي يفرضه مقتضى الحَال، ويدل عَلَيْهِ قُرص عَليّ، ومِدْرَعَته، وهُما ذَنْبَه الوَحِيد عِند من أبغضَهُ، وثَار عَلَيْهِ.
وبعد، فإنّ نَظرِية الإمام، أو عقيدته في الخَلِيفَة، والحَاكِم يُحددها قَوْله لعاصم بن زياد : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلاً يَتَبَيَّعَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ» (2). مُشاركته فعلاً لا قولاً فقط للمُعْوزِينَ فِي مَكَاره الْعَيْشِ... وهذه هي أُمْنِيَّة عِباد الله، وعِياله، وَاللَّهُ رَءُوفُ بِالْعِبَادِ (3).)
## الخطبة - 161 -### رَسُول الله... فِقْرَة :ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِي، وَ الْبُرْهَانِ الْجَلِي، وَ الْمِنْهَاجِ الْبَادِي، وَ الْكِتَابِ الْهَادِي. أَسْرَتُهُ خَيْرٌ أُسْرَةٍ، وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ، أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ. مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَ هِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، عَلا بِهَا ذِكْرُهُ، وَ امْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ، أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ، وَ مَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ، وَ دَعْوَةٍ مُتَلافِيَةٍ، أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ، وَ قَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ، وَبَيَّنَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ، فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دَيْناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ وَ تَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وَ تَعْظُمْ كَبْوَتُهُ، وَيَكُنْ مَآبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ، وَ الْعَذَابِ الْوَبِيل.وَ أَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ تَوَكُلَ الْإِنَابَةِ إِلَيْهِ. وَ أَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤدِّيَةَ إِلَى جَنَّتِهِ، الْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلٌ رَغْبَتِهِ (1.)اللغةالْبَادِي : الظَّاهِر. وتَهَدَّلَت أَغْصَان الشَّجَرَة : تَدلَت ثِمَارُهَا وسَهْل قطافُها.
وطيبة : المدينة المنورة، ومن أسمائها يثرب. وتَلَافِي الشَّيء : تَدارَ كه. والْمُفْصُولَةً الوَاضِحَة. وكبا الجواد : عثر.الْمَعْنَى:(ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِي، وَ الْبُرْهَانِ الْجَلِي، وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي... إلخ ساد الجَهْل والظَّلم، والفوضى، والْكُفْر قبل محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فبعثه الله بالعِلم، والْعَدْل لِيُخرج النَّاس من الظُّلمات إلى النُّورِ، وأيده بالبينات، والدَّلائِل عَلى صَدقِهِ، وأمانته (أَسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ) لأنّ مِنْهَا إِسْمَاعِيلَ، وهَاشماً، وعبد المطلب (وَ شَجَرَتُهُ خَيْرٌ شَجَرَةٍ) وَهِي أَهْل بَيْتِه، بدليل قَوْله : (أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ) كِناية عن العلم، والهداية، والخلق، والاِسْتِقَامَة (مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ) الْمُكَرَّمَة، يَوْمِ الاثْنَيْن 12 ربيع الأول أو 17 مِنْهُ، عام الفيل الموافق 29 آب أُغسطس سنة 580 ميلادية - كما قيل (1)(وَ هِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ)، وَهِى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَة، وكان أسمها يثرب، فسماها رَسُول الله طَيْبَة، وسماها يَزِيد بن مُعَاوِيَة «خَبِيثَة» (2)عِنَاداً لِنَبِي الرَّحْمَةِ، والإِنْسَانِية (علا بِهَا ذِكْرُهُ - أي ذِكْرُ النَّبِيِّ - وَ أَمْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ) فُتحت له أبواباً جَدِيدة لانتشار دعوته، فأسلَم أَهْلها، ومِنْهَا امْتَدَّ الإِسْلَام إِلَى سَائِرِ الأَقْطَار شرقاً وغرباً.)
1) أنظر، المقنعة للشيخ المفيد : 456، كنز العمال: 225/7، الدر المنثور : 63/1، سنن الترمذي : 249/5، مُسْنَد أحمد: 215/4، مجمع الزوائد : 196/1، و: 257/8، شرح الأزهار : 120/1، الاختصاص للشيخ المفيد : 131، مُنْتَهى المطلب للحلي : 887/2، سير المطلب للحلي: 887/2، سير أعلام النبلاء : 20/1، سيرة ابن هشام: 171/1 شرح الأَخْبَار للقاضي النعمان : 233/2، مصباح المتهجد : 791.
2) أنظر الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة لابن قتيبة : 239/1، تحقيق : الشَّيري، و : 184/1 تحقيق : الزيني.
(أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ، وَ مَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ، وَهِي الْقُرْآن، وحُجَتِهِ إِعْجَازه شكلاً، ومحتوى، وَيَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (وَ دَعْوَةٍ مُتَلَافِيَةٍ) لِمَا أَصَابَ الْإِنْسَانِيَة مِن الْفَسَادِ والتخلف : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبيثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (1). (أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ) وَهِي أحْكَام التُّوراة والإنجيل التي حرّفها الكهنة، والملوك من أهل الْكِتَاب، وكان الأمبراطور المسيحي بمثل الحبر الأعظم، ويحكم بأسم الله (وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ) كَالوَّثَنِية والرُّهْبَانِية، وكَانَتْ الوَّثنية آنذاك عِبادة الأحجار، والأَخْشَاب، أما وَثَنِية القرن الْعِشْرِين فَعِبَادة الأموال، والإِحْتِكار التي تسببت في الحروب، والمذابح، الخراب، والدِّمَار... وألفُ تَحية عَلى عِبادة الأحْجَار، والأَبْقَار (وَبَيَّنَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ) الواضحة الّتي نَسخ بها الكثير من الأحكام السابقة.)### كُلَّ مَنْ أَسْتسلَم لِلحَقِّ فَهُو مُسْلِمٌ :(فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دَيْنَا تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ، وَ يَكُنْ مَآبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ، وَ الْعَذَابِ الْوَبِيلِ أَبَداً لَن يقبل الله إلا الْإِسْلاَم كما نطقت الآية : (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (2). ولماذا لا يقبل الله، ولن إلا هَذَا الدِّين ؟)الجَوَاب : لأنّ الإِسْلام يُؤْمِن بقيمة الإِنْسَان، وكَرَامته ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي
ءَادَمَ (1)ويُحرره من الرّق، والعبودية لغير الله، والحق (لا إله إلا الله) (2)ومن- الْجَهْلِ والخرافة (إِنَّ شَرَّ الدَّوَاتٍ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) (3)، ومِن التَّعَصُّب والأهواء (أَفَرَءَيْتَ مَن اتَّخَذَ إِلَهَهُ) (4).)وبكَلِمَة : إنّ الإِسْلام هو الاستسلام لِلحَقِّ، فكلّ مَن أعتقد أو قَالَ، أو فعل بالحقِّ فهو مُسْلِم، أو يلتقي مع الإِسْلام فيما أعتقده، أو فعله سواء سُمي مُسلماً أم غَيْر مُسْلِم، وهَذَا الْمَعْنَى هو الذي أشار إِلَيْهِ الْإِمَام، وعَناه الله سُبْحَانَهُ بِقَوْله : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5). ومَن عَرَف الْمُرَاد من هَذِه الآية الكريمة عَلى التَّحقيق يُؤْمِن بهما، ويستسلم مهما كَانَتْ مِلَّته ونَحلْتُه.)### أَغْلّب نَفْسَكَ.. فِقْرَة 2 - 3 :أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللَّهِ، بِتَقْوَى اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ، فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً، وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً. رَهَّبَ فَأَبْلَغَ، وَرَغَبَ فَأَسْبَغَ، وَ وَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا، وَ انْقِطَاعَهَا، وَزَوَالَهَا، وَ انْتِقَالَهَا. فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا. أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، وَ أَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ! فَغُضُّوا عَنْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ - غُمُومَهَا، وَأَشْغَالَهَا، لِمَا قَدْ أَيْقَنْتُمْ
بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا، وَ تَصَرُّفِ حَالاتِهَا. فَأَحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ، وَ الْمُجِدِّ الْكَادِحِ (2. وَ أَعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ : قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ، وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ، وَ أَسْمَاعُهُمْ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ، وَعِزُّهُمْ، وَأَنْقَطَعَ سُرُورُهُمْ، وَنَعِيمُهُمْ، فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلادِ فَقْدَهَا، وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا، لَا يَتَفَاخَرُونَ، وَ لا يَتَنَاسَلُونَ، وَلَا يَتَزَاوَرُونَ، وَلا يَتَحَاوَرُونَ. فَأَحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ، حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ، الْمَائِعِ لِشَهْوَتِهِ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ، وَ السَّبِيلَ قَصْدٌ (3).)اللغة:أَسْبَعَ : أَتَم، وأحاط. والنَّاصِحِ : النَّقِي مِن الغُش، يُقال : ناصح الجيب أي نَقِي الْقَلْب لا غُش فِيهِ. وتَزَايَلَتْ : تَفَرَقت. والأَوْصَالُ : المفاصِل. الجَدَد : المُستَوِي السلوك والقَصْد : الْقَويم.الإِعْرَاب:الضَّمِير المستتر فِي رَهَّبَ، وَرَغَبَ الله سُبْحَانَهُ، وأَقْرَبُ دَارٍ خَبَر مُبْتَدَأَ مَحذُوف أي الدُّنْيَا أَقْرَبُ دَارٍ، وقَبْلَكُمْ مُتَعَلِّق بِمَصَارِعِ.الْمَعْنَى:(أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللَّهِ، بِتَقْوَى اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ، فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً، وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً، أَمَرَ الإمام بتقوى الله لأنّ فيها النَّجَاةِ مِن غَضَبِهِ، وعَذَابه (وَرَهَّبَ فَأَبْلَغَ) خَوّف سُبْحَانَهُ)
من مَعْصِيَتِه فَأَبْلَغَ فِي التَّخويف (وَ رَغَّبَ فِي طَاعته (فَأَسْبَغَ) أَتَمَ التَّرغيب بِمَا لا مَزيد عَلَيْهِ (وَ وَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا، وَأَنْقِطَاعَهَا، وَزَوَالَهَا، وَ انْتِقَالَهَا) من ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : (مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) (1)وقَوْله : ﴿وَمَا الْحَيَرَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُور) (2). (فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا) من الْمحَرَّمَاتِ (لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا) قَد تَذهَب إِلَىٰ الله سُبْحَانَهُ بِحَسَنةٍ، أو أكثر، وقد تأتي أيضاً بِسَيِّئَة وَاحِدَة تَحيط بكلِّ حَسَنَاتك (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (3).)(أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، وَ أَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللهِ ! لما فِيهِ من الشَّهوات، والمغريات (فَغُضُّوا عَنْكُمْ - عِبَادَ اللَّهِ - غُمُومَهَا، وَأَشْغَالَهَا). لماذا الْغَمّ، والهمّ من أجل الدُّنْيَا، والشغل الشاغل بها عن غَيْرها، وأَنْتُمْ عَلَى يَقِين مِن فِراقِها، وتَقَلُّب أحوالها ! وهذا هو المراد من قَوْله : (لِمَا قَدْ أَيْقَنَّتُمْ... إلخ) (فَأَحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ، وَ الْمُجِدِّ الْكَادِحِ) يخاف المُشفق عَلى عَزِيزِ لَهُ مِمَّنْ يَعْشه، ويُغرر به، وأيضاً يخشى الكادح أن يخيب كَدحه فيحترس، ويحتاط جهد طاقته : وإِذَنْ فلماذا لا تَحذَرُون أَنْتُمْ من الدُّنْيَا، وتقلبها ؟ راقبوا أنفسكم ما استطعتُم، وأحْذَرُوا من الغُوائل كما يحذر المشفق، والكَادِح.)(وَ أَعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ... إلخ أَعْتَبِرُوا بِالَّذِين أسْتَبدلوا بالقصور الْقُبُورِ، وبالوطن غُربة، وبالأَهْل وَحشة، وبالْبَصَر عَمَى،)
وبالعزّ هَوَاناً، وتَقَدَّم مثله (1. (فَأَحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ، حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ، الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ) أخذَر هواك، والجمهُ بعقلك، وخُذ أنتَ بزمامه وإلا أَخذ هو بزمامك، وقادك إلى كلّ سُوء (فَإِنَّ الْأمْرَ وَاضِحُ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ، وَ السَّبِيلَ قَصْدٌ) هَذِه حقيقة لا شُبهة فيها، فوقَائِعها حسيَّة نَشهدها بالعيان وطَرِيق النَّجاة أمامنا، ومَا عَلينا إِلَّا أَنْ نَخْتَارٍ.)
1) انظر، شرح الخطبة : (111)، وغيرها. (منه (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 162 -### حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللهِ.. فِقْرَة 1 - 2:يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ، إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ، تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ، وَ لَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ، وَحَقُّ الْمَسْأَلُةِ، وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَأَعْلَمْ : أَمَّا الاِسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ وَ نَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَ الْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - نَوْطاً، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَالْحَكَمُ اللَّهُ، وَ الْمَعْوَدُ إِلَيْهِ الْقِيَامَةُ.)وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ (1*** وَلَكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ)وَهَلُمَّ الْخَطْبَ فِي أَبْنِ أَبِي سُفْيَانَ : فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ، وَلَا غَرْوَ وَ اللهِ، فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ، وَيُكْثِرُ الْأَوَدَ ! حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ، وَ سَدَّ فَوَارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ، وَجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً، فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَ عَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى، أَحْمِلُهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ، وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (1)(2).)
1) فاطر: 8.
اللُّغَة:الوَضِين : ما يُشد به الرّحل على البعير، والشرج للفرس. والسَّدَد : مَا كَان سَدِيداً ورَشِيداً. وَأَشَدُّ نَوْطاً : أقوى عِلاقة. والأَثَرَة - بفتح الثَّاء والرَّاء - حُبّ النَّفس المفرط، أو الأغتصاب لِحَقِّ الغَير. وسَخَا عَن الشَّيء : تَرَكهُ وَالْمَعْودُ إِلَيْهِ : المصير وَهَلُمَّ هُنا بمعنى هَات أي هات ذكر الخطب، وهو الأمر المكروه العظيم الأليم. والأَوَدَ - بفتح الواو - الإعوجاج، وَجَدَحُوا: خَلطوا. والشّرب - بكسر الشِّين - النَّصِيب من الماء. ومَحْضِهِ : خَالِصَه.الْإِعْرَاب:لَقَلِقُ أي قلق، ونَسَباً تمييز، ومثله نَوْطاً، وَهَلُمَّ أسم فعل مَعْنَى هَات، وَغَرْوَ أسم لا، وخبرها محذوف أي فِي ذَلِكَ، فَيَا لَهُ «يَا» حرف نداء، و «لَهُ» اللام للتَّعجب وخَطْباً تمييز مُبِين الضَّمِير «لَهُ».الْمَعْنَى:قَالَ لِلإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ بَعْض أَصْحَابِهِ، وَكَان أَسدِياً : كَيْفَ دَفعكُم قُومكُم عَن هَذَا المقام - يُشير إلى الخلافَةِ - وأَنْتُمْ بِهِ أَحَق ؟ فقال الْإِمَام : (يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ، إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ، تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ). ومِن البداهة أنّ قول الأسدِي نَابع عَن إيمانه بأنّ الخلافة حق لِلْإِمَامِ، وجواب الْإِمَام يُومى إلى أنّ الأسدِي تَعجل السؤال، لأنه هام، ويحتاج جوابه إلى الشرح والتفصيل، ولا يتسع المقام لذلِك، ولو أنَّ السَّائِل أرجأ سؤاله للمقام المناسب لكان أَوْلَى، ولذا قَالَ الْإِمَام إِنَّكَ تَرسل الكَلام دُونَ أَنْ)
تلاحظ المقام.ثم أرفق بهِ، وتلطف، بجواب سَرِيع حسبما يقتضيه الحال، وَقَالَ له : (وَ لَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ. الذِّمَامَة : الحَقِّ، والحُرمة، والصِّهْرِ : قَرَابَة بسبب الزواج، وكَانَتْ زينب بنت جحش زَوْجَة رَسُول الله - أسدية، وأمّها أُميمة بنت عبد المطلب عمة النَّبِيِّ، والإِمَام (1)(وَحَقُّ الْمَسْأَلُةِ، وَ قَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَأَعْلَمْ) وعلى العالم أن يُعلّم، يُجيب عمّا يُسأل كما قَالَ الْإِمَام في مقام آخر: «مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْل العِلْم أَنْ يُعَلِّمُوا» (2).)(أَمَّا الاِسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ وَ نَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً... إلخ أَهْل الْبَيْت أَحَق بالنّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأَوْلَى مَا دَامَ فِيهِمْ عَالم يسير عَلى هَدِي الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسُنَّته، ولكن هَذَا الحَق كَغيره من الحقوق يصطدم بالميول، والأهواء - مثلاً - العالم كله يُدِين المستعمرين، ويشجب الْحَرْب العُدْوَانِية من الوجهة النظرية، ولكن النَّظرية لا تردع المعتدين، وتصطدم عِند التطبيق، والتَّجْرِبَة بالكثير من العقبات، ومن أهمها الإفراط في حُبِّ النَّفس الَّذي أشار إِلَيْهِ الْإِمَام بِكَلِمَة «أَثَرَةً». (وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ) وهُم أَهْل الْبَيْت، فقد تركوا الخِلافَة لِلَّذِين حرصوا، وتنافسوا عَلَيْهَا، تَركو ا لأن الكثير من الأقوياء يهتمون بمصالحهم أكثر من أهتمامهم بالإِسْلام)
1) زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مُرَّة بن كثير بن غنم بن دُودان بن أسد بن خُزَيْهُ، وَهِي بنت عمة النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أمها : أميمة بنت عبد المطلب، وهي أَوَّل من مات من أزواجه بعد وفاته، وَهِي أَوَّل من حمل في نَعش، وكَانَتْ خَليفةٌ، وكَانَتْ عند زيد بن حارثة، وفيها نزلت : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) الْأَحْزَابِ : 37.)(أنظر السِّيرَة : 294/4، المعارف : 132.
2) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (478).
ومصالحة (وَ الْحَكَمُ اللهُ (هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (1).)(وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ (2). النَّهْبِ الْغَنِيمَة، وصِيحَ الصِّياح الغَارة، والحَجَرَاتِ النَّواحِي، ومُراد الْإِمَام مِن الاستشهاد إِنَّ أَمْرِ الَّذِينَ سَبَقُوهِ إِلَى الْخِلَافَة يَهُون إِذَا قِيس بِخَطْبٍ أَبْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ورُوِي عَن الْإِمَامِ أَنه قَالَ فِي حُرقَةٍ وَأَلَمٍ: قَالُوا عَليّ وفُلان، وفُلان حَتَّى قِيلَ : عَليّ ومُعَاوِيَة!..)(فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ. ضَحك الْإِمَام حِين أحتجت قُرَيْشٍ عَلى الْأَنْصَارِ بِشَجَرَة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَقَالَ: «أَحْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ» (3).)وبكى حين فُوجىء بأن مَن قَاد الحُرُوب عَلى الإِسْلام هو، وأبوه - يَطمح إلى خِلافَة نَبِيِّ الإِسْلام، وَمَنْصبه.(وَلا غَرْوَ ما عشت أراكَ الدَّهْر عَجباً من تقلباته، ومُفاجآته (فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ). لقَد تَجاوز العجب عَن حَدِهِ حَتَّى أَنقلب إِلى ضِده، «يَئِسَتُ مِن)
1) السَّجْدَةِ : 25.
2) البيت لأمرىء القَيْس، قاله عندما كان جاراً لخالد بن سدوس، فأغار عَلَيْهِ بنو جُدِيلة فذهبوا بأهلِهِ فشكا لمجيره خالد، فقال له : أعطني رواحلك الحق بها القَوْم فأرد إيلك وأهلك، فأعطاه، وأدرك خالد الْقَوْم، فَقَالَ لهم ردوا ما أخذتم من جاري، فقَالُوا : ما هو لك بجارٍ، فَقَالَ : والله إنه جاري، وهذه رواحله. فقَالُوا رواحله؟ فَقَالَ : نعم. فرجعوا إِلَيْهِ وأنزلوه عنهن، وذهبوا بهن أنظر، ديوانه : 174، النهاية : 342/1، فتح القدير : 73/1 و : 35/2، لِسَان الْعَرَب : 523/2، شرح نهج الْبَلاغة مُحَمّد عَبْدَه: 65/2، مجمع الأمثال : 267/3/1.
3) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة (67).
الْغِنَى حَتَّى كأنّي أغْنَى النّاس... وعَجِبْتُ حَتَّى كدت أنْ لا أَعْجَبَاً» (1. (حَاوَلَ الْقَوْمُ وهُم أَصْحَاب الْجَمَل، وصِفِّين الَّذِين طلبوا الخلافة، وتستلحوا بقميص عُثمانَ لِيزهَقوا الحق، ويحيوا البَاطِل (وَجَدَحُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً).)أعْلنُوا عَلى الحزب لا لشيء إلا بقصد الضغط، والشغب وإثارة الفتنة، ليشك، ويرتاب في إمرتي، وخلافتي السُّذَّج، وأهل الجهالة، والبَسُوا هَذَا القصد الخبيث قميص عُثمانَ، فكان تمامًا كَالسُّم يُدس في العسل، وكالماء يختلط بالأقذار، والأوباء.(فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَ عَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى، أَحْمِلُهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ، وَإِنْ تَكُن الْأُخْرَى نَحنُ الآن في صراع الْبَغْي، وأَهله، وسنواصل الجهاد بلا هوادة، فإنْ تكُن لنا الغَلبَة عَلى البَاغِين فمَا لهُم عِنْدَنَا إِلّا الحَقِّ، والْعَمَل بكتاب الله، وسُنَّة نَبِيِّه، وإلا فحسابهم على الله، وقد خاب من أفترى، ولا جدوى من الحَسَرَات والآهات.)### سَلْمَانِ الْفَارِشي وَالنَّقابات:وبعد، فلا يختلف اثنان من المسلمين في عظمة الإمام علماً، وإخلاصاً، وجهاداً، ومن عَاب سياسته قَالَ : أنه يتشدد فِي الْحَقِّ، ولا يُهادن الْبَاطِل... وهذا ما لا يتحمله النُّجَّار، والأغنياء، وأهل الأنساب، والوجاهة، لأنه يَضُر بمصالحهم، والدليل عَلى ذلِكَ كَمَا قَالَ النَّاقد لسياسة الْإِمَام - أنّ سَلْمَانِ الْفَارِسي
1) هَذَا الْقَوْل يُنسب إلى أبن هاني الأندلسي المغربي، ولكن على شكل شعرٍ :)قد سرت في الميدان يَوْم طَرادهم ***فعَجِبْتُ حَتَّى كدت لا أتعجبأنظر الديون: 44، وفيه هكذا : حَتَّى كدت أنْ لا أَعجبا.
كَان عاملاً لعُمَرَ عَلى المدائن، فكون نقابات للعُمّال، وأرْبَاب الصَّنَاعَة ترعى مصالحهم، فغضب التَّجَّار، والْأَغْنِيَاء، وشكوه إلى عُمَرَ وعَلى الفُور عَزله، ولَم يوله منصباً رسمياً بعد ذلك(1.)وعَلّق أحمد عباس صالح عَلَى هَذِهِ الْوَاقِعَة في كِتاب اليمين، واليَسار في الإِسلام، عَلق بقَوْله : «مِن المؤكد أنّ هَذَا العَزل أثار جدلاً عنيفاً بَيْنَ الْمُسْلِمِين... ومن الغريب إننا سنجد ولايَة سَلْمَان، وعَزله قَلَيْلَة الورُود فِي كُتب المؤرخين، ولَن نجدها إلا في مُتفرقات قَلَيْلَة، وكأنّ هذا التجاهل قَد حَدث عَن عَمدٍ وتَدبِير» (2.)ونَحنُ لا نَشك في أن الغرض الأَوَّل من هَذَا التجاهل أَنْ لا تَقوم هَذِهِ النَّقَابَات بَيْنَ الْمُسْلِمِين!. وفي التراث الإِسْلَامِي الكَثِير مِن هَذه الانتفاضات، ولكن أغلقوا دونها النوافذ حرصاً على مصالح التجار، ومكاسب الأَشْرَاف، والسُّراة، وكُلنا يعلم أنّ التّراث الإِسْلامِي دُوّن عَصر مُتأخر، وفي ظل السُّلْطَان الجائر، وأن السلطة الحَاكِمَة كَانَتْ تَفرض عَلى كلّ عَالم أنْ يُكيف الْإِسْلام طبقاً لأهوائها، وكَانَ الكثير من الْعُلَماء بارعين كلّ البراعة في التَّحريف، والتزييف، بل كان بعضهم يتحمس له، ويُبالغ فيه.
1) تَقَدَّمَت ترجمة سلمان، أبو عبد الله، إصبهاني، أو رامهرمزي والذي كَانَ مُعَمّراً صحب يغض أوصياء عِيسَى بن مَرْيَمَ، وأسترق وبيع بالمدينة من إمرأة من اليهود فكاتبها، وأعتق نفسه، شهد الخندق وما بعدها، وولي المدائن لعُمَرَ، ومات في أخريات خِلافته، أو في أوائل خلافة عُثمَانَ أَنظر، الاِسْتِيعَاب : 53/2 - 59، الْإِضَابَة : 60/2، الطَّبَرِيّ : 443/2، ابن هشام : 335/4، مسند أحمد: 55/1 الرِّياض النضرة : 167/1، تأريخ الخميس : 188/1، أبن الأثير : 126/2، ابن كثير : 245/5، تأريخ اليعقوبي : 10/22، أسد الغابة : 222/3.
2) أنظر، كتاب سلمان الْفَارِسُي «مَاسِينِيُون» ترجمة عبد الرَّحْمَان بَدَوِيّ (منهُ (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 163 -### لا يُقَالُ لَهُ: «مَتَى»؟.. فِقْرَة 1 - 2:الْحَمْدُ للهِ خَالِقِ الْعِبَادِ، وَ سَاطِحِ الْمِهَادِ، وَ مُسِيلِ الْوِهَادِ، وَ مُخْصِبِ النِّجَادِ. لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، وَلَا لِأَزَلِيَّتِهِ أَنْقِضَاءُ. هُوَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَزَلْ، وَ الْبَاقِي بِلا أَجَلٍ خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، وَ وَحْدَتْهُ الشِّفَاهُ. حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةٌ لَهُ مِنْ شَبَههَا. لا تُقَدِّرُهُ الأوْهَامُ بِالْحُدُودِ، وَ الْحَرَكَاتِ، وَ لا بِالْجَوَارِح، وَالْأَدَوَاتِ (1. لا يُقَالُ لَهُ: «مَتَى» ؟ وَلا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ «بحَتَّى». الظَّاهِرُ لا يُقَالُ: «مِمَّ»؟ وَالْبَاطِنُ لا يُقَالُ: «فِيمَ»؟ لا شَبَحٌ فَيُتَقَصَّيْ، وَلَا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى. لَمْ يَقْرُبُ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقِ، وَ لَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ، وَلاكُرُورُ لَفْظَةٍ، وَ لا أَزْدِلَافُ رَبَّوَةٍ، وَلَا أَنْبِسَاطُ خُطْوَةٍ، فِي لَيْلٍ دَاجٍ، وَلَا غَسَقٍ سَاجِ، يَتَقَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ، وَ تَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الْأُفُولِ، وَ الْكُرُورِ، وَ تَقَلُّبِ الأَزْمِنَةِ، وَ الدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ، وَ إِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ، قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ، وَمُدَّةِ، وَكُلِّ إِحْصَاءٍ، وَ عِدَّةٍ، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الأَقْدَارِ، وَنِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ، وَتَأَثْلِ الْمَسَاكِنِ، وَ تَمَكَّنِ الْأَمَاكِنِ، فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وَ إِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ (2).)
اللُّغة:سَاطِحِ : بَاسِط. والْمُهَادِ الفِرَاش، والْمُرَاد بِهِ هُنا الْأَرْضِ. وَالمُسِيلِ : موضع السيل. والْوِهَادِ - بكسر الواو - جمع وَهدَة بفتحها، وهي الأَرْض المنخفضة. والمخصب : خَالِق الخصب. والنَّجَادِ - بكسر النون - جمع نجد بفتحها، وهو ما أرتفع من الأَرْضِ. وإِبانَةً لَهُ: مُغايرة لهُ وجَوَارِحِ الإِنْسَان أَعْضَاؤه وشخص عِينِيه : فتحهما دُونَ أنْ يُحركها. وكُرُورُ لَفْظَةٍ : كَررها. وفي الْأُفُولِ، وَالْكُرُورِ : فَرّاً، وكَرّاً. والاِزْدِلافُ : الاِقْترَاب. دَاج : مُظلم. والغَسق : الدَّلِيل. وسَاح : سَاكِن. ويَنْحَلُهُ يَنسُبُه. والْأَقْدَارِ : الأبعاد طُولاً، وعرضاً، وعُمقاً. وتَأْثُّل : وتأصَّل، والمراد هنا أقام، أو سكن، أو رَسخ.الْإِعْرَابِ:إِبانَةً مَفْعُول من أَجله. وقَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ مُتَعَلِّق بمحذوف خَبَراً لمُبْتَدَاً محذُوف أي هو كائن قَبْلَ... الخ.الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ للهِ خَالِقِ الْعِبَادِ، وَسَاطِحِ الْمِهَادِ، وَ مُسِيلِ الْوِهَادِ، وَ مُخْصِبِ النِّجَادِ. لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءُ، وَ لَا لِأَزَلِيَّتِهِ أَنْقِضَاءُ، هُوَ الْأَوَّلُ وَ لَمْ يَزَلْ، وَ الْبَاقِي بِلا أَجَلٍ. هو وحده، جَلت عَظَمَته، واجب الوجود، ومُبدأ كلّ كَائن، ومن وَجَبَ وُجُودِه بالذَّات فَهُوَ موجود أزلاً، وأَبَداً لا بداية له، ولا نهاية، ولو سَبقه العدم لم يكن أوّلياً، ولو أنتهى وُجُودِه لَم يكُن أبدياً، ودَائماً، وبالتّالي لا يَكُون واجب الوجود،)
وهو خلاف الواقع (حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا. جَعل للمخلوقات بدايةٌ، ونهايةً، وحجماً، ولوناً، وطُولاً، وعَرضاً، وطَعْمَاً، ورائحةً، وحرارةً، وبرُودةً، وحركةً، وسكوناً، وما إلى ذلك من صفات الحادث، وحالاته ؛ وهَذَا دَلِيل قاطع عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاء مُباينة لخالقها، لأنّ الصَّانِع غَيْرِ الْمَصْنُوع، وَالْحَادُّ غَيْر الْحُدُودِ كما قال الإمام (1).)(لا تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ، وَالْحَرَكَاتِ، وَلا بِالْجَوَارِحِ، وَالْأَدَوَاتِ. كلّ مَا تَنخِيله في وَهمك، وتَتصُوره في ذهنك مثالاً لله تعالى فهو مَردُود عَلَيْكَ، لأنّ الله سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وتَقَدَّم مثله (2). (لا يُقَالُ لَهُ : «مَتَى»؟ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ «بِحَتَّى») أَنه تَعَالَى لَيس زَمَانياً كِي يُسأل عَنْه تَمَتَى، أو يحدد بِحَتّى... أنه الأَوَّل بلا أبتداء، والآخر بلا أنتهاء (الظَّاهِرُ) بخلقه، وآثاره (لا يُقَالُ: «مِمَّ»؟) لأن من للإبتداء المسبوق بالعدم (وَ الْبَاطِنُ) في ذاته، وحَقِيقَته (لا يُقَالُ: «فِيمَ»؟) لأنّ فِي الظّرف الزَّمَان، والمكان، والله سُبْحَانَهُ مُنَزَّه عنهما. يُومىء إلى الرَّد عَلَى مِن قَال بوحدة الوجود، وإنّه تعالى علواً كبيراً يستقر في جميع الكائنات، ويتحد مَعَهَا اتحاداً كُلّياً بحيث لا يُمكن التمييز بينه، وَبَيْنَهَا.)(شَبَحٌ فَيُتَقَصَّى. الشَّبح يُمكن النظر إِلَيْهِ، والتَّقضي تَتَبَّع الأَخْبَار، والحالات بالنظر ونحوه قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِى قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِى عَن جُنُبٍ) (3). وهَذَا محال في حقه تَعَالَى (وَ لا مَحْجُوبُ) بِحِجَاب مَادِي (فَيُحْوَى) لا تحويه أَرْض، ولا)
سَماء لأنه لَيْسَ بِجسم، وَقَالَ الْإِمَام فِي مَقام ثَانٍ : «لَا يَحْوِيهِ مَكَانُ، وَلَا يَصِفُهُ لِسَانٌ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ، وَلَا نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلَا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلَا دَبِيبُ النَّملِ عَلَى الصَّفَا وَلَا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظُّلْمَاءِ...» (1«لَا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَائِرُ لاِفْتِرَاقِ الصَّائِعِ وَالْمَصْنُوعِ، وَالحَادٌ وَالمحْدُودِ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوب» (2)(لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ) لأنّ الاِلْتِصَاقِ مَن لوازم الأَجْسَام، والله مُنَزَّه عَنْهَا، وإنما يقرب من الأَشْيَاء بتدبيره لها، وعنايته بها (وَ لَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ) فِي المكان، بل في الذات والصفات.)(وَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شيء أي مكان، أو زَمَان كَان ويَكُون (يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ). تَفِيؤ الْقَمَر : غيابه، وطلوعه هلالاً، وبَدْراً، وضَمِيرِ عَلَيْهِ، يَعُود إلى الغَسق أي اللَّيْل، والْمَعْنَى أَنَّ الْقَمَرَ يَأْتِي عَلى ظَلام اللَّيْلِ فِينسَخه تَمَاماً كَمَا يَأْتِي الشَّمس عَلى الظِّل فتَزِيلهُ (وَ تَعْقُبُهُ الشَّمْسُ) أي تَأْتِي بَعد الْقَمَر (وَ تَقَلُّبِ الْأَزْمِنَةِ، وَالدُّهُورٍ... إلخ) تتقلب الأيَّام، ويتعاقب اللَّيْل، والنَّهار بحركة الْأَرْضِ، ودورانها، وَقَالَ أَهْل الاختصاص : كَان يَوْم الْأَرْض أربع ساعات، فصار أرْبَعاً وعشرين (قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ، وَمُدَّةٍ). كَان الله، ولَمْ يَكُن شَيء.)### ابن تَيْمِيَّة، والإسْرَائِيليات:(تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ... إلخ لَيْسَ للّه يَد، أو فَم،)
ولا مسكن، أو ملبس، ولا شَيء يتصف، أو يُمكن أنْ يَتصف بِهِ غَيْرُه مِمَّا يَحس. وخالف أبن تَيْمِيَّة ذَلِكَ، وَقَالَ مَا نَصه بالحرف: «إِنَّ الله يَنزِلَ إِلى سماء الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَة حين يبقى ثلث اللَّيْلِ الأخير، يَقُول : مَن يَدعُونِي أَسْتَجب له.. وإنّه يفرح بتوبة العبد كما يفرح أحدكم براحلته... وإنّه يضحك إِلى رَجُلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنَّة... وإنّه يضع رجله فِي جَهَنَّمَ فَيَنزَوِي بَعْضهَا إِلَى بَعْض» (1.)وإذَنْ فالله عند أبن تَيْمِيَّة جسم لهُ فَم يضحك، ورجل يَضعها في جَهَنَّم، وفُوق ذَلِكَ كلّه يَنتقل من سماء إلى سماء !.. ولا أدري هل أخذ ابن تَيْمِيَّةَ هَذَا الْقَوْل من الإِسْرَائِيليات ؟ كَيْفَ ؟ وقد حذر مِنْهَا، ومن بدع الأحبار، والرهبان. وبالمناسبة فقد جاء : «في سفر رُؤيا يُوحنا اللاهوتي الإصحاح الْأَوَّل: إِنَّ الله مُتسربل بثوبَيْنَ إلى الرجلين، متمنطق عِند ثدييه بمنطقة من ذهب، رأْسه أَبْيَض كالثَّلج، عيناه كلهيب النَّار، ورجلاه شبه النُّحاس المحمي في أتُون، وصَوْته كخرِير المياه، في يَده اليمنى سَبعة كواكب، وفِي فَمه سَيْف ذو حَدِين، وجهَه كالشمس» (2.)وأي فَرق بَيْنَ هَذَا الرَّب، وبَيْنَ الَّذِي تَحدث عنه أبن تَيْمِيَّة ؟ لكلّ مِنْهُمَا رِجل، أو رجلان، ومَن كَانَتْ لهُ رِجل فَلهُ يَدٌ، وفَم، وسَيْفٌ، ومَنْطقةٌ، وسِربال.### أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ... فِقْرَة 3 - 4:لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ، وَ لَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ
حَدَّهُ، وَصَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ. لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ أَمْتِنَاعُ، وَلَا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ أَنْتِفَاعٌ. عِلْمُهُ بِالأمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ، وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى (3)أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ، وَ الْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ، وَمُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ. بُدِئْتَ (مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (1)وَ وُضِعْتَ (فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ) (2)، وَ أَجَلٍ مَقْسُومٍ، تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لَا تُحِيرُ دُعَاءً، وَ لَا تَسْمَعُ نِدَاءً، ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا، وَ لَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا، فَمَنْ هَدَاكَ لِإِجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ، وَ عَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ، وَ إِرَادَتِكَ، هَيْهَاتَ، إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ، وَالْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَرُ، وَ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ (4) !)اللُّغَة:الأَزَلِيّ : القَدِيم لا بَدْء له. والأَبَدِيّ : الدَّائِم لا نهاية له والسَّر مدِي : لا أَوَّل لهُ. ولا آخر. والسَّوِيُّ : مُستَوِي الخلقة. والْمَرْعِيُّ : من الرِّعَايَةِ، والعناية.وتمورُ : تَتحرك. لا تُحِيرُ دُعَاءً : لا تُحِيبٍ دَعْوَة من دعاك.الإعراب:جَنِيناً حَال من الضَّمِيرِ فِي تَمُورٍ، وَهَيْهَاتَ أسم فِعل بِمَعْنَى بَعُد.
الْمَعْنَى:(لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ، وَلَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ، وَصَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ. قَال قائل : وجد الكون بأرْضهِ، وسمائه من مادة لطيفة كَانَتْ تملأ الفضاء، وأُطلق عَلَيْها أسم الأثير، أو الغاز، أو الشديم أصطلاحاً ... ولا أدري هل أراد هَذَا القائل أنْ يُحرك لسانه، وقلمه لأن الحركة خير من السكون، وإنْ كَانَتْ بلا جدوى... وإلا فالسُّؤال مَا زَال قائماً : من أي شيء وجد الأثير، أو الغَار ؟ ومن الذي أوجده ؟)ويتخلص مُراد الإمام بأنّ الله سُبْحَانَهُ لَم يخلق الْأَشْيَاء من شيء كان مُنذ الْأَزْل ويدوم إلى الأبد، كلاً، بل أوجد الأشياء أوّلاً من لا شَيء، ثُمّ صَنع مِنْهَا مَا صَنع فأَنْقَنَ صُبُعَه، وتدبيره : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (1). ومن تأمل هَذَا الاِنْقَان وأَمْعَن النَّظر فِي سِرّه آمن بالله، وعَظَمَته تِلقَائِياً من حَيْثُ لا يَشعر (لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ أَمْتِنَاعٌ) بل كلّ شيء في قبضته (وَ لا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ أَنْتِفَاعُ). لا تضره مَعْصِيَّة من عَصاه، ولا تَنْفَعه طاعة من أطاعه (عِلْمُهُ بالأَمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ، وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى). المراد بالأحياء، والأموات والأَرْضِينَ السَّمَاوَات - مُجرد العمُوم، والسّمُول، والمَعْنَى أنّ الله سُبْحَانَهُ قد أحاط بكلِّ شيء عِلماً، وإنّ عِلمه بالأَشْيَاء قبل وجودها هو علمه بها عند وجودها، وبَعْدَه، لأنه يعلم بذاته لا بتوسط شَيء زائداً عن الذات.)
1) النمل : 88.
(أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ، وَ الْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ، وَ مُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ الخطاب لِلإِنْسَان، والظُّلمات، والمضاعفات إشارة إلى ما جاء في الآية الكَرِيمة : (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (1)بَعضها فوق بَعْضٍ، وَهِي ظُلمة البطن، والرَّحِم، والمَشِيمَة، والمراد بالسَّوِي أنه تام جسماً، ورُوحاً، ومُتقن واقعاً وشكلاً : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (2). ﴿وَصَوَّرَكُمْ) (3). والمُرَاد بالْمَرْعِيّ أَنَّ الإِنْسَانِ مُنذ نشأته، وتكوينه فِي بَطن أُمِّه إلى آخر لحظة، يخضع لعناية الله، وتدبيره ولو بطَرِيق غَيْرُ مُباشر. (بُدِئْتَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ... إلخ) قَالَ سُبْحَانَهُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ (4). (فَمَنْ هَدَاكَ - في ساعة ولادتك - لإجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ ؟). مَا أَنْ يَسقط الجنين من بطن أمه حَتَّى يَلتمس الثَّدي، ولا تنشق البيضة عن الفرخ حَتَّى يَلتمس الحَبّ بِمنقاره، وما رأى أحداً من قَبل حَتَّى يُحاكيه !... إِنَّهَا غَرِيزَة مَا فِي ذَلِكَ شَكٍّ، ولكن من الذي أودعها فيه ؟.)
(فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (1).)### الكَوْن، وَالنّظام:وَمَن نَظرَ، وتأمل هَذَا الكَوْن يَجد أنه مُسخر للقَانُون، والنّظام فِي جَمِيع أوضاعه وأطواره، فكلّ كُوكب يَبعُد عن الآخر بمقدارٍ، ويَسير بحساب، وكَذَلِكَ الضّوء، والحرارة والبرودة.... لكلِّ شيء حَد لا يعدوه، ولو تجاوزه لاختل نظام الكَوْن، وكَانَ مَصِيره الخراب، والدَّمار : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)، وَقَالَ أَكْثَر الفلاسفة بوحدة الكَوْن عَلى تباين أشيائه، ومُحتوياته، وإِنه شَخص كَثِير الأعضاء والأجزاء، وأسماء بعضهم بالإِنْسَان الْكَبِير، وأسمى الإِنْسَان بالكون الصَّغير، ومرادهم بوحدة الكون وحدة القَوَانِين التي تربط بَيْنَ كواكبه، وأَرْكَانه. هَذَا ما يَعُود إلى الكون بوجه عام، أما أشياؤه، وأحداثه فإنّ مِنْهَا -كما شاهدنا بالعيان - ما يقوم بوظيفة خَاصَّة، ويهدف إلى غَرضِ مُعين، وتبدو هذه الحقيقة واضحة في أعضاء الإِنْسَان والحَيَوَان، ومَن قَرأْ شَيْئَاً من عِلم وظائف الأعضاء رأى عجباً !.. وما أنا من أَهْل هَذَا الفن فِي شَيء، ولكني قَرَأْتُ بَعْض مَا قَالَه أَهْل الاختصاص، فشعرتُ بأنّه لا شيء في هَذَا الكَوْن إِلا وهُو مُدهش، وعَجِيب تماماً كالكَوْن فِي عَظَمَته، وما وجدت تَفْسِيراً لذلك إلا بقوَّة عُليا تُقدّر، وتُدبر من وَرَاء الطَّبيعة، وقد أتهمتُ نَفسي في البداية، وقلتُ : رُبَّمَا كَان شعُورِي هَذَا أَنعكاساً عن عقيدتي، وإيمانِي حَتَّى قَرَأْتُ كِتاب: الإِنْسَان... ذَلِكَ المجهول، لِلطَّبِيب الفرنسي
الشهير «الکسیس كَارِيل». وقد حصل هَذَا العالم - بالإضافة إلى إجازة الطَّبَ عَلَى إجازة في العلوم، وجائزة نوبل، ودَرّس في الولايات المتحدة أكثر من (20) عاماً. وطبع كتابه عدة مَرَّات، وتُرجم إلى كَثِيرٍ من اللغات.
وجَاء فِيهِ : «أنّ كلّ عُضو من أعضاء الجسم يُكيف نَفْسه مع سائر الأعضاء وَهِي أيضاً تُكيف نَفْسِها معه... وما من أحدٍ يُنْكِر وجُود الْغَايَة من هَذِهِ الأعضاء حَتَّى كأن لكلِّ عُضو معرفة يعمل في ضوئها.... فالجسم بِمَا فِيهِ يُدرك، ويَعْرِف القريب والبعيد من أعماله، والحاضر والمستقبل... وحينا يقترب الجنين من الاكتمال يُمهد، ويُعبّد لهُ طَرِيق المرور، والخروج من بَطنِ أُمِّه، وذَلِكَ بِأَنْ تُصبح أنسجة الفرج مَرنة، ناعمة تمتد بسهولة، ويتسع الفرج بِحَجم الجنين». ثُمّ قَال : «ولا يُمكن تَفْسِير هَذِه الحقائق الأولية بآرائنا الميكانيكية - أي بِالْعِلَل المادية - أو الحيوية الساذجة أي بقوله من قَالَ: «إنّ الحياة تأخذ جراها بطبيعتها، وتُكيف نَفْسَها بِنَفْسِها، وبدون سبب خارج عَنْهَا. وعَلّق الفَيْلَفُوس الصِّينِي «لِين يُوتَانج» فِي كِتابه «كَيْفَ يَحيا الإِنْسَان» عَلّق عَلَى ذَلِكَ بقَوْله : «لقَد قَبل كَارِيل النَّظرِية الغيبية في الحَيَاة بالرَّغم من سعة أفقه، ونَحْنُ نَتفق معهُ عَلى أنْ هُناك أشياء غَيْر قابلة للتّفْسِير» (1).
وإِذَا لَم تقبل التَّفْسِير بالمادة فإِنَّهَا التَّفْسِير بِمَا وَرَاء المادَّة، وفي مقال مُطول عَن آينشتين جَاء فِيهِ : قَالَ أينشتين : «إنَّ التَّجَارِب لا يُمكن أن تصنع عِلماً حَقِيقِياً بدُون تَدخُل الرُّوح» (2). وَقَالَ الفَيْلَفُوس راسل : «أنا أعتقد أن ثمة حقائق لا
يوصل إِلَيْهَا إلَّا بالتَّأمل الْبَاطِنِي، بل أذهب إلى أبعد من ذلِكَ، وأقول: «إنّ عِلم الفيزياء لا بُدّ لهُ من هَذِهِ الْحَقَائِقِ الّتي لا يوصل إِلَيْهَا إِلَّا التَّأمل الْبَاطِنِي» (1).
وبعد أنْ أتفق الكلّ عَلى أَنّ الكَوْن بما فيهِ مُسخر لسلطان النظام، والْقَدَر فِي طبعه، وحجمه، ووضعه، وحركته - أختلفُوا في مَصْدَر هَذَا النظام: أي شيء هو ؟ و نُلخص الأقوال في ذَلِكَ بِمَا يَلِي :
1 - لا مَصْدَر إلّا الصدفة العشوائية !...
والجَوَاب : لا مَصْدَر هَذا القَوْل إِلَّا الْعَجْز، والتهرب من حكم العقل، والواقع، وفِي كِتاب «مُلقَی السَّبِيل» لإسماعيل مُظهر أن داروين قَال : «كَلِمَة الصَّدفة خطأ مَحض يُدل عَلى الاعتراف بالجهل، والقصور عن معرفة السبب». ذَلِكَ أنّ الصدفة لا تطرد كنظرية مُحددة ذات نتائج علمية، أو فلسفية، أو دينية تُناط بظاهرة من الظواهر، أو حادثة من الحوادث.
2 - لا سبب إلا المادة، فهي وحدها، وبما تملك من طاقة، واستعداد ذاتي تُرتب، وتُنظم !... وقد دَحض الْعُلَمَاء هَذَا الْقَوْل دَحضاً قاطعاً بِمَا يَتلخص أن النظام يَحتاج إلى قصد والمادة بما هي لا إِرَادَة لها، ولا شعُور، وإِلَّا كَانَتْ عَلَى نَسَقٍ واحد، لا فرق بَيْنَ مَادَّة، ومَادَّة في الصِّفَات، والخصائص، وهو خلاف الواقع... وأيضاً إذَا كَانَتْ المَادَّة في غِنى بذاتها عن الغير تكون، والحال هذه، واجبة الوجود أزلية، أبدية، لا تجري عَلَيْهَا، حَركة، ولا حرارة، أو برودة، ولا،تركيب ونُقصان، ومتاعب، وآلام... وأيضاً كَيْفَ أنشأت المادة لنفسها عقلاً.
1) أنظر، كِتابه «الفَلْسَفَة بنظرة علمية» الفصل السادس. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
وسمعاً، وبصراً، وَهِي بِطَبيعتها صَاء عَمْياء ؟ بل كَيْفَ أنتقلت بأنتظام من وضعِ إِلَى وَضع لتُؤَدِّي غَايَة مَعقولة ؟ وإِذَا كَانَ في المَادَّة طاقة تُولّد الحياة، والنّظام تلقائياً فمن الَّذي أودَع فيها هَذِه الطاقة ؟ وعَلى حَدٌ مَا قَال شُوقِي : «الطَّبِيعَة مَنْ طَبَعها ؟».
وإنْ قَال قائل : وإهكُم من ألهه ؟ وواجب الوجود من أوجبه ؟ قلنا في جوابه : إنّ الَّذي نُؤلهه، ونعبده لا تراه عين، ولا تلمسه يد كما هو شأن المادة الّتي تَقضُم بالأنْيَاب وتدخل المعدة، وتخرج مِنْهَا، وتُلبس على الأجْسَام وتُداس بالأقدام... إنّ إلهنا قُوَّة عُليا فوق المادة، ومُنَزَّهُ عَنْهَا، قُوَّة فعّالة، ومُؤثرة، وحَكِيمة مدبرة، وعادلة تسمع الشكوى، وتُعنى بالآلام، وتُحاسب، وتُعاقب، وعليمة بكلِّ جَليلٍ، وحَقِيرٍ، وقاهرة يخضع لها كل شيء، ولا تخضع لشيء... إِنَّهَا الكَمال المطلق في ذاتها، وصفاتها... وإذن فأينَ القاسم المشترك، والْقَدَر الجامع ؟ وما هو المبرر للشبه، والقياس ؟.
3 - الإعتراف بوجود قُوَّة سَرمدية عَالِمة قادرة ليس كمثلها شيء في الجلال والكمال، وإِنَّهَا تُدبر الكون بما فيه، وأسمها الله الأحد الْفَرْد الصَّمد، ولكن هَذَا الإله العظيم غَيْر مُنفصل عن الطَّبِيعَة ولا مُستقل عنها، بل يتحد مَعَهَا، ومع جميع أشيائها أتحاداً كلياً يشبه أتحاد الرُّوح مع الجسم بحيث لا يُمكن التمييز بَينَه، وبَيْنَ الطبيعة... وبكَلِمَة، أنَّ الله موجود بلا ريب، ولكن في نفس الطبيعة، وليس وَرَاءها كما يَقُول المشاءون، والمُؤْمِنُون... وَهَذَا الدِّين، أو هَذِه الفَلْسَفَة تُعرف بوحدة الوجود (1).
1) أنظر منتق الأصول : 19/3 و 87 وما بعدها، تقريرات بحث الروحاني للحكيم، أفاضة الوجود في وحدة الوجود لأبي المواهب أحمد بن علي بن أحمد الشناوي المصري المعروف بالحنائي، إيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود للشيخ عبد الغني النابلسي، وغيرهما.
والجَوَاب عن هَذِه الوحْدَة : إِنَّهَا مُجرد حدس، وتَحْمِين، وإِنَّهَا تَخلط بَيْنَ الْعِلَّة والمعلول، والفِعْل وفاعله، وتجعل الكون إلهاً خَالقاً، والإله كُوناً مخلوقاً.
4 - وإذا بطلت الأقوال الثلاثة تحتم الأخذ بالقَوْل الرَّابع، وهو أن وَرَاء الكَوْن خالقاً حكيماً يُدبر، ويُنظم، ولا شيء يشبهه من الكائنات، ولا هو يشبهها في شي..... وتَقَدَّم ذَلِكَ مَرَّات، ومَرَّات.
ومن جملة ما قرأتُ في الصُّحف الْيَوْميّة كَلِمَة بعنوان «أجمَل مَا فِي الْحَيَاة» وَهِي تُمثل الإيمان الصَّادق مع سلامة المنطق، وبداهته، فأحتفظت بها - عَلَى عَادَتِي - في ملف خاص بقصاصات الجزائِد. ومن المفيد أنْ أختم شرحي لهذه الخطبة بأجمل مَا جَاء في تلك الكَلِمَة، قال كاتبها، أحسن الله إِلَيْهِ، وأَرْضَاه : «إنّ أجمل ما في الحياة هو المجهول، وأجمل ما في المجهول مُحاولة مَعْرِفَته، وأجمل من هذه المحاولة الْعَجْز عَن مَعرفة التفاصيل مع الرُّجُوعِ التَّالِي إِلى الإِيمان بالْقُوَّة العُظمى المسيطرة عَلى الكَوْن، ومن مَلك هَذَا الإِيمَان فَلا يَهاب أحداً غَيْر الله».
إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَ وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لا تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ. وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - كَمَا صَحِبْنَا. وَ مَا أَبْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَلا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَ أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى أَبِي رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا، وَ قَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالا (1). فَالله اللهَ فِي نَفْسِكَ ! فَإِنَّكَ - وَ اللَّهِ - مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمَى، وَلَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ، وَإِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ، وَإِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ. فَأَعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ، هُدِي وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةٌ مَعْلُومَةً، وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً. وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ، لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلَامٌ. وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُودَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً. وَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - يَقُولُ : «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ، وَ لَيْسَ مَعَهُ نَصِيرُ، وَلا عَاذِرٌ، فَيُلْقَىٰ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا
تَدُورُ الرَّحَا، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا» (1)(2). وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلا تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ : يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامُ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ، وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُ الْفِتَنَ فِيهَا، فَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً، وَ يَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً. فَلا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَاالِ السِّنِّ، وَ تَقَنِّي الْعُمُرِ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه)ُ : «كَلَّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُوجُلُونِي، حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ» (2)فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَ مَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ» (3).
اللُّغَة:
اسْتَسْفَرُونِي : جعلوني سفيراً، ووسيطاً، والوَشِيجَةُ : الاشتباك، وعروق الشَّجَرَة.
والسِّيِّقَةُ : الدَّابة تُساق، وقد فسرها الإِمَام بقَوْله : «يَسُوقُكَ» مَرْوَانَ. والمَرَج : الإضطراب، والالتباس، والفَسَاد. الجَلَالِ السِّنِّ : علوه، وطُوله.
الإِعْرَاب:
مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ «مَا» الْأُولَىٰ نَافِية، والثَّانِيَة أستفهام مُبْتَدَاً، وكَمَا رَأَيْنَا الكاف بِمَعْنَى مثل مَفْعُول لرَأَيْتَ، و«مَا» مَصْدَرِيَة، بِأَوْلَى البَاءِ زَائِدَة، وأَوْلَى خَبَرَ ابْنُ،
ووَشِيجَةً تمييز، والله الله نُصب عَلى تحذير أى أُحَذِّرُكَ الله، أو أخش الله، وَمَا غَابَ «ما» اسم مَوْصُول مُبْتَدَأَ أَوَّل، فَأَجَلُهُ مُبْتَدَاً ثانٍ، ووُصُولُ خَبَرَه، والجملة من المبتدأ الثاني وخَبَرَه خَبَرَ المُبْتَدَأَ الأَوَّل.
الْمَعْنَى:
(إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَ قَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ !) كَانَتْ خِلافَة عُثمَانَ أَنْقلاباً جَرئياً عَلَى مَا عَرفه المُسْلِمُون من سَنَّة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسيرة الشّيخِين، فالأموال، والأمْصَار كلّها لأُميّة، ومَن شايعها وتابعها، ولأبي ذرّ (1)
وسيّر إلى الشام بعد وفاة الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومكث هناك حَتَّى شكاه مُعَاوِيَةَ إِلَى عُثمانَ فاستقدمه الخليفة، وعنّفه ونفاه إِلى الرَّبَذَة، وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في مدحه.. أنظر العليقات الكبرى لابن سعد : 4 ق 161/1، مُسْنَد :أحمد: 163/2 و 175 و 223، و 5 / 147 و 155 و 159 و 165 و 166 و 172 و 174 و 351 و 356، و : 442/6، المستدرك : 342/3. صحيح البخاري : مناقب ذر، صحيح الترمذي وصحيح مُسْلِم في باب المناقب، سنن ابن ماجه : الباب الأول من المقدّمة، مُسْنَد الطَّيالسي : ح 458، وأبن الأثير في ذكر غَزْوة تبوك، ولاحظ ترجمته في التقريب : 420/2، وجوامع السيرة : 277) روى عَنْه أصحاب الصحاح 281 حديثاً.
، وأمثاله الآمْرِين بِالْمَعْرُوفِ النَّاهِين عن الْمُنكَر - الجوع، والتَّشْرِيد، ومنهم الصَّحَابِي عبد الله بن مسعود خازن بَيْت المال، طَرده عُثمَانَ، وشَتَمَهُ، وضَربهُ1) أبو ذر الغفاري: تقدمة ترجمته، وعُثمانَ سيّره إلى الرَّبَذَة - بَيْنَ مَكَّة والمدينه فمات بها سنة (32هـ) وليس له عقب كَانَ رابع أَرْبَعَة سبقوا إلى الإِسْلام، وكان من المتألهين في الجَاهِلِيَّة والذين عبدوا الله، وتركوا الأصنام. ولما أسلم أجهر بإسلامه في البيت الحرام، فضربه رجال من قُرَيْشٍ حَتَّى ضَرِّجوه بدمه وأعمى عَلَيْهِ فتركوه ظناً منهم أنه قد مات.
حَتَّى كَسر ضلعاً من أضلاعه (1)، ومنهم عَمَّار بن ياسر ابن أَوَّل شَهِيد (2)، وأَوَّل شهيدة في الإسلام، ضَربه عُثمانَ حَتَّى غُشي عَلَيْهِ، ودَاس بطنه بقدمه حَتَّى أَصَابَه يفتق، ومَع هَذَا يَقُول عُثمانَ عن الخِلافَةِ «لا أنزَع قَميصاً البَسنِيه الله عزّ وجلٌ...» (3)، وكان الْإِمَام ينصحه، وينهاه... وتَقَدَّم الكلام عن ذَلِكَ (4). والخُطْبَة
1) عبد الله بن مسعود من هذيل، وكَانَ من حُلفاء بني زُهرة ويكنى أبا عبدالرّحمن و، وكَانَ إسلامه قبل إسلام عُمر بن الخطاب بزمان، وشهد مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بَدْراً، وبَيْعة الرضوان، وكَانَ على قضاء الْكُوفَة، وبَيْت مالها، لعُمَر وصدراً من خلافة عُثمانَ ثم صار إلى المدينة فتوفي فيها سُنّة (32هـ) وله من الْعُمُر بضع وستين سَنَة ودُفن بالبقيع. أنظر، المعارف لابن قتيبة : 249، أسد الغابة : 3 / 384. سيرة ابن هشام: 314/1 السِّيرَة النَّبَوِيَّة : 82/2، ط 2،مصر، شرح النهج : 66/1 و 233، مُسْتَدرَك الحاكم : 337/3 و 345، أبن الأثير: 65/3 و 73، تأريخ الطبري: 5 / 80 و 94، مُسند أحمد : 155/5 و 166، و : 6 / 457، كنز العمال : 29/6 و 170، العقد الفريد : 91/3، ابن كثير : 452/7 تأريخ أبي الفداء : 168/1، الإصابة:، 619/3، سُنن البيهقي : 61/8، الطَّبَقَات لابن سعد: 75 أنساب الأشراف: 28/5 مرآة الجنان :85/1، كلّ هَذه المصادر وغيرها نقلت لنا هذه المَسَاوِيءِ العُثمانية بشكل مفصل.
2) عمار بن ياسر العنسي الشهيد بصفين «37 هـ»، روى حديثه كثير من أهل السير، والتاريخ، وهو الَّذِي قَالَ فِيهِ : «إنّ عماراً أجاره الله من الشَّيْطَان على لِسَان نَبِيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)». وَقَالَ فِيهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ابن سُميَّة ما عُرض عَلَيْهِ أمران قط إلا إختار الأرشد مِنْهُما». وَقَالَ فِيهِ أيضاً : «من عادى عماراً عاداه الله ومن أبغض عَمَّاراً أبغضه الله» قَالَ فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «ستقتلك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ وأنتَ على الحق، فمن لم ينصرك يَوْمَئِذٍ فليس مني». كنز العمال: 135/11، باب مسح الغبار عن النّاس في السَّبِيل، الفتح الرباني : 331/22. باب التعاون في بناء المساجد مجمع الزوائد : 134/9 صَحِيح البُخَاري: 305/2 «مناقب عمار»، مجمع الزوائد : 293/9 وَقَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيه أيضاً : «إذَا أختلف النّاس كَانَ أبن سُميَّة مع الحق». أنظر، كنز العمّال : 721/11، کتاب وَقْعَة صفين: 186، شرح النهج لابن أبي الحديد : 273/2 وأسنى المطالب 4.
3) أنظر، تأريخ الطبري: 271/4 و 372 و 375، الكَامِل لابن الأثير : 169/3، ط بيروت، شرح النهج : 150/2.
4) أنظر، شرح الْخُطْبَة «الشَّقيقيَّة، وغيرها». (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
التي نحن بصددها واضحة، ولذا نُوجز في الشرح إلَّا إذا اقتضى الكَلامِ إِلى التَّنْبِيِّه إلى مَا تُحسن إِلَيْهِ الْإِشَارَة.
(مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ... إلخ) أي مِمَّا يَجب عَلَى الرَّاعِيَ نحو الرَّعِيَّة، وقد يُعذر الجَاهِل بحكم من الأحكام إذَا كَانَ خَفِياً غامضاً وأنْسَد بَاب العِلم به، أمّا البَدِيهيات التي يشترك فِي مَعْرِفَتها العالم، والجَاهِل فلا سَبيل إلى الاعتذار بجهلها.
ومن الَّذي يجهل أنّ الظُّلم مُحرم، وقَبيح، وأنّ عَلَى الحَاكِم أنْ يُرعى مصالح النَّاس، ويرفع المظالم عن كواهلهم ؟. فكَيْفَ إِذَا سَامهم الخسف، وأرهقهم الفوادح ؟.
هَذَا إلى أنّ لعُثمانَ مع رَسُول الله صحبة، وقرابة، وهو زوج أبنته رقية (1)، أمّا الْقَرَابَة فإِن نَسبه يلتقي مَع نَسب النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في عبد مناف، فمحمد هو ابن عبدالله أبن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (2)، وعُثمَان هو أبن عفان بن أبي العاص أبن
1) أن رقية وزينب كانتا أبنتي هالة أُخت خَدِيجَة. وقد نسبت بَعْض كتب السيرة رُقية وزينب إِلى خَدِيجَة بزعمهم أنها ولدتهما من زواجها السابق عن زواجها برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وسبق وأن أشرنا إلى ذَلِكَ بأن أَوْلاده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من خَدِيجَة : القاسم، وعبد الله وهما الملقبان بالطَّيِّب، والطاهر، وزينب وَهِي أكبر بناته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ رُقية، ثُمّ أُمّ كلثوم، ثُمَّ فَاطِمَة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وَهِي أصغر بناته. وأما إبْرَاهِيم فأمة مارية القبطية... أنظر الإِصَابَة : 283/4 - 284 وغيره.
2) هو محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ابن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزَيْمة بن مدركة بن إلياس بن مضر أبن نزار بن معد بن عدنان أنظر، البداية والنهاية لابن كثير : 255/2، تأريخ الطبري: 272/2، الروض الأنف للسهيلي: 8/1 السيرة لابن هشام : 151/1، تأريخ اليعقوبي: 6/2، جمهرة العرب : 44/1 و 11.
أُمَيَّة أبن عبد شمس بن عبد مناف (1). ومن البداهة أن القَرِيب من قربته الأخلاق. قَالَ تَعَالَى: فَلَا أَنْسَاب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ (2)وَقَالَ الْإِمَام : «إنّ وَلِيَّ مُحَمَّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مَنْ أَطَاعَ اللهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ. وَإِنَّ عَدُوٌّ مُحَمَّد مَنْ عَصَى اللَّهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ» (3).)(فَأَعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ، هُدِيَ وَ هَدَى أي هدي إلى أنْ يعيش للنّاس لا لنَفْسِه، وذَوِيه، وهَدَى النّاس إلى سَبِيل العِلم، والمحبَّة، والإخاء (فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً) وَهِي سُنَّة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعُثمانَ يَعلم أنَّ الله سُبْحَانَهُ فَتح عَلَى نبيه الكريم بلاد الحجاز، واليمن، وجزيرة العرب بكاملها، وإنّ غنائمها، وجزيتها، وصدقاتها قد جلبت إِلَيْهِ، وما أستأثر بشيء مِنْهَا هو، ولا أحد من أَهْل بَيْتِه (وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً) لا يعرفها النّاس عن النَّبي، ولا عَن إِمَام عَادِل (وَ إِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ) وأظهرها على الإطلاق أستباحة القهر، والقمع، والضَّرب، والنَّفي، والْإِسْتِثْثَار بالأَمْوَال. ومن قارن بَيْنَ الوَضع في عهد عُثمَانَ، وما قَبل عُثمانَ يَجد الفرق بَيْنَهُما تَمَاماً كالفَرق بَيْنَ الدَّوْلَة المحمدية، والدَّوْلَة القِيصرية.)
1) هو عثمان هو أبن عَفَّان بن أبي العاص أبن أُمَيَّة أبن عبد شمس بن عبد مناف. أنظر، تاريخ الطَّبَرِي : 4/ 242. الاِسْتِيعَاب : 1044/3. الطَّبَقَات الْكَبْرَى : 77/3، تاريخ خَلِيفَة : 177، أسد الغابة : 1376/3 الإصابة : 462/2، المعارف: 82 تذكرة الحفاظ : 8/1 مسار الشيعة للشيخ المفيد: 21، بحار الأنوار: 494/31، الأختصاص : 130، الاِسْتِيعاب بهامش الإصابة : 99/3، مُسْتَدرَك الْحَاكِم : 96/3، مَجْمَع الزوائد : 99/9، الآحاد والمثاني للضحاك : 125/1، المعجم الْكَبِير للطبراني: 77/1 ح 101، تأريخ مدينة دمشق: 319/25 و 518/39، أَنْسَابِ الأَشراف: 205، كلّ هذه المصادر تتحدث عن ولادة عُثمَان. : وبيعته، ومدة ولايته، ويَوْم قتله.
2) الْمُؤْمِنُون : 101.
3) أنظر، نهج البلاغة : 21/4 الحكمة (96).
(وَ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً يَتَّخِذ هو، وسُفَهَاؤُه، وَفُجَارُه، مَالَ اللهِ دُولاً، وَعِبَادَهُ خَوَلاً، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً، وَالْفَاسِقِينَ حِزْبَاً» (1). كما قَالَ الْإِمَام فِي مقام آخر : (وَإِنِّي أَنْشُدُكَ الله أَلا تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ). وفِي هَذِهِ إِيمَاء إِلَى أَنَّ الْإِمَامِ سَمع من النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّ المقتول هو عُثمَانَ وعَن الطَّبَرِي : «أنّ عَلِيَّا كَان يُكلم عُثمانَ، وينصحه، ويُغلظ عَلَيْهِ في المنطق من أجل مَرْوَان، وذَوِيه، وكَان هَؤُلاء يوغرُون صَدر عُثمَانَ عَلَى الإِمَام، ويَقُولون له : أنظر كَيْفَ يَستقبلك، فما ظنك بما غاب عنك منهُ» (2).)وكَانَ مُعَاوِيَة أيضاً يسوق عُثمَانَ كَيْفَ يَشاء. كَتب عَليّ الدالي مقالاً مطولاً بعنوان «فَتى الفتيان» جَاء فِيهِ : «كَانَ مُعَاوِيَة يَفرض رأيه عَلَى عُثمَانَ... قَالَ المؤرخون : كَان الحَاكِمِ الْحَقِيقِي فِي عَهد عُثمَانَ... وكان يُرِيد أَنْ يَجعل الخلافة كسروية إرثاً لأولاده، ومن خلال أطماعه خرجت فكرة الْقَضَاء عَلَى آلِ الْبَيْت من الذكور في عهد ولده يَزِيد» (3.)وَقَالَ أحمد عباس صالح الأديب المصري: «أَسْتنَام عُثمان، وتصدر السلطة في كلِّ أنحاء الأُمَّة الإِسْلامِيّة قَوْم من الأمويين، ومن الَّذِين كانوا أَكْثَرَ النَّاسِ عَداء لِلإِسلام، وأشدهُم ضَراوة قبل أنْ ينتصر الإِسْلام... فعبد الله بن سعد بن أبي سرح مشكوك في إسلامه، وكان يسخر من النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ومَع هَذَا وَلاهُ عُثمان)
مِصْر (1، والوليد بن عُقْبَة بن أبي مُعَيْط مَشكُوك في إسلامه (2)، ووَلَاهُ عُثمَان الْكُوفَةِ» (3.)
1) عبدالله بن سعد بن أبي سرح الذي أسلم وهاجر إلى المدينة.... ثم أرتد مشركاً، وصار إلى قريش بمكة.. وقد أهدر رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دمه، وأمر بقتله ولو وجد مُتعلِّقاً بأستار الكعبة... ولَكِنَّهُ فرّ إِلى عُثمَانَ أخيه من الرضاعة فغيبه عنده مدة، ثُم وَلَّاهُ في زمن خِلافته مِصْر. أنظر، الاستيعاب : 367/2 برقم: 4711، الإصابة : 309/2، البداية والنهاية : 152/7، أبن الأثير : 43/3، تاريخ الطبري : 49/5.
2) هو الوليد بن عُقبة الذي ظهر منه شُرب الخمرَ، وهو الذي نزلت فِيهِ :(إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...) الْحُجُرَاتِ : 6.ونزلت فِيهِ : (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ). السَّجْدَة : 18، فالْمُؤْمِن على بن أبي طالب، والْفَاسِق هو الوليد بن عُقْبَةَ، وهَذَا ما عَلَيْهِ المفسرون أنظر، الدر المنثور : 177/5، البداية والنهاية : 173/7.)وكَانَ يُصلي حَال إمارته وهو سكران حَتَّى تَكَلَّم فيها، وألتفت إلى من خَلفه وَقَالَ : أزيدكم في الصَّلاةِ؟ فقَالُوا: لا قد قضينا صلاتنا. أنظر الجرح والتعديل : 12/9، معجم رجال الحدیث: 19/ 197، تهذيب الكمال : 16/31.وقد وصفه المهدي العباسي في مجلسه بقوله : «خلافة الله عِنده أجل من أن يجعلها في زنديق ؟ أنظر، تأريخ ابن الأثير : 7/10.
3) أنظر، كتابه «اليمين واليسار في الإِسْلام»: 154.
## الخطبة - 165 -### الخَلْق العَجيب... فِقْرَة 1 - 2:ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَ مَوَاتٍ، وَ سَاكِنٍ وَ ذِي حَرَكَاتٍ، وَ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ، وَ عَظِيمٍ قُدْرَتِهِ، مَا أَنْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةٌ بِهِ، وَ مَسَلَّمَةً لَهُ، وَ نَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَ مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا، وَرَوَاسِيَ أَعْلَامِهَا، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَ هَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ، وَ مُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ، وَ الْفَضَاءِ الْمُنْفَرِج (1. كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ، وَ رَكْبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِيَةٍ، وَ مَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً، وَ جَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً. وَ نَسَقَهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الْأَصَابِيعُ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ، وَ دَقِيقِ صَنْعَتِهِ، فَمِنْهَا مَغْمُوسُ فِي قَالَبٍ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ، وَ مِنْهَا مَغْمُوسُ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوقَ بِخِلَافٍ مَا صُبِغَ بِهِ (2).)اللُّغَة:نَعَقَ الْغُرَابِ : صَاح، ونَعِبَ : أَنْذَرَ بِالبين. وذَرَأَ : خَلَقَ. وأَخَادِيدَ: جمع أُخدُود،
أي شَقّ مُستطيل في الأَرْض. وفِجَاج - بكسر الفاء - جمع فج، وهو الطَّرِيق الواسع الواضح بَيْنَ جَبلين. ورَوَاسِيَ أَعْلامِهَا : الرَّوَاسِي الثَّوَاب، والأعلام الجبال، والهاء تعود إلى الأرض. والحقاقِ - بكسر الحاء - جمع حُق بضمها أي مُجتمع المفصلين والعَبَالَةِ: الضَّخَامة : سُرْعَة الحَركة. ودَفِيف الطَّائِر : مرورة فوق الأرْض، أو تحريك جناحيه. والأَصَابِيغ : الألوان. والمَغْمُوس الأَوَّل : ذُو اللون الواحد. والمَغْمُوس الثَّانِي : ذُو اللُّونِين.الإعراب: خَلْقاً مَفْعُول مُطلق لابْتَدَعَهُمْ، مثل قمت وقوفاً، مَا أَنْقَادَتْ «مَا» مَفْعُول بهِ لأَقامَ، ومُعْتَرِفَةً حَال من الْعُقُولِ والمَصْدَر من أَنْ يَسْمُوَ مَجرُور بمن محذوفة وخُفُوفاً في موضع الحال من الضَّمِير المستتر بِيَسْمُو أي يَسْمُو مُسرِعاً.الْمَعْنَى:(ابْتَدَعَهُمْ - أي الكَائِنَات - خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَ مَوَاتٍ، وَ سَاكِن وَ ذِي حَرَكَاتٍ، وَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ... إلخ الغَرضِ الأَوَّل مِن هذه الخطبة هو الاستدلال عَلى وُجُودِه تَعَالى ووجوب الإيمان به. ومن البداهة أنّ الشَّرط الأَوَّل، والأَسَاسِي في الاستدلال أنْ تَكُون مادته واضحة، ومعصومة عن الخَطَأ، ومتى تعرضت لإحتمال الخطأ تكون تحلاً للسّكِ، والرَّيب، ومن هنا أشتهر على ألسنة القُدامى : إِذا طَراً الاحتمال بطل الإستدلال.... أَللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَان الإحتمال موهوناً لا تعبأ به العقلاء، كالّذي مُمتنع عن الأكل، والشُّرب خَوْفاً من غَصّة تُمِيتَهُ، أو شَرقَة تُهْلِكَهُ.)
والمادَّة التي اعتمدها الإمام هُنا كدليل على وجود الله هي الكائنات، واختلافها طبيعةً، وشكلا... فهذا جامد لا حَيَاة فيه، وذَاكَ نَامٍ لا حِس له، وآخر يحس ويدرك، وأيضاً (فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ (1)... هَذَا، إلى اختلاف فِي الْأَلْوَانِ، واللغات، وتنافر في الطباع، والصفات... إلى ما لا نهاية... أمّا وَجه الدَّلالة فِي هَذَا التّبَايُن، والتَّنافُر عَلَى وُجُودِه تَعَالَى فهو أنّ المادة بما هي وبلا توسط سَبب خَارج عَنْهَا - لا يُمكن أن تستقل بإحداث شيء، كما نرى بالحس، والوجدان، وتَقَدَّم التفصيل (2).)### كُلِّ مَا فِي الكَوْن عَجِيب:(وَ مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا... إلخ) كلّ شيء في الكَوْن عَجيب، ومُدهش يُجير العُقُول، ويُبهرها تماماً كالكون بأرضه، وسمائه... وأشار الإمام هنا إِلَى الطُّيُورِ، وأَنَّ بَعْضَهَا يَسكن شَقاً، حفرة من الأَرض، وبَعْضهَا فِي أعالي الجبال، والأَشْجَار، وأنّ مِنْهَا الضَّخم الذي يَعجز عن السمو في الهواء، ومِنْهَا الذي يعلو آلاف الأمتار.)وألف عالم من عُلَماء الطُّيُور ذائع الصيت العديد من الكُتب في الطُّيُور، وهو «روبرت» لمن» ومِنْهَا كِتاب كلّ شيء عن الطيور، ترجمة الدكتور مصطفى بدران، وفيه : «يَظن أنّ في الدُّنْيَا بأكملها حوالي مئة بليون طائراً... وأكبر الطيور حجماً النعامة، ويبلغ علوها قرابة مترين ونصف المتر، ووزنها (150 كيلو غراماً..)
وأصغر الطُّيُور الطَّنان، طُوله خمسة سنتيمترات، يطير بسرعة فائقة، فيضرب بجناحية من خمسين إِلى مِئتِي ضَربة في الثَّانِيَة، وتبلغ سُرْعَة طيرانه فِي السَّاعة (80 أو (90) كيلومتراً... ويَسْتَطِيع الطيران جانباً، والقَهْقَرَى، وتصويباً وتَصعِيداً، وأيضاً يُمكنه الوقوف طَويلاً في الهواء.)وبَعْض أنواع الطَّيور تزيد خُطوته عَلى ستة أمتار، ويَمْشِي عَلَى رِجليه (80 كيلومتراً في الشاعة، ويُقَال لهُ التَّدرج... ومن... ومن الطيور مَا يَسْتَطِيع الارتفاع إلى ستة آلاف متر كاللقالق، والكَرَارِي، ومِنْهَا يَغوص في الماء إلى عُمق (18) متراً وأسمه أطيش، ومِنْهَا يَمضي مُعظم أوقاته في الترحال عَلَى المحِيطَين: الهَادِي، والأطلنطي، ومِنْهَا يَعُوم في الماء، وهو أبن يَوْم، أو يُومين كالبَط، ومِنْهَا لريشه أَكْثَر من عشرة أَلْوَان، ومناقير بَعْض الطُّيُور أزهى من قُوسِ قزح» (1)... إلى مَا
1) مما يجدر ذكره المراد بقوس قزح ما رواه السُّدِّي عن أشياخه : (أنّ عَلِيَّاً (رضیَ اللّهُ عنهُ) نظر يَوْمَاً إلى السماء، فرأى، قوس قزح فقَالُوا : ما هَذَا ؟ فَقَالَ : ما تقولون أَنْتُمْ ؟ فَقَالُوا : نَقُول : إنَّهُ قُوسَ قُزح، فَقَالَ : لا تقولوا هكذا ولكن قُولوا قوس الله، وأمانٌ من الغرق).)أنظر، تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي: 94. كنز العمال: 13 / 161 ح 36492، الدر المنثور لجلال الدين السيوطي: 140/3 و 330، الخصال للشيخ الصدوق: 441، الإِحْتجاج للطبرسي: 0387/1 الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي : 320 البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي: 8 / 334.قَالَ سبط بن الجوزي: (وإنما سمي قوس قزح؛ لأنه أَوَّل ما رؤي في الجَاهِلِيَّة على الجبل المُسمَّى بِقُزَح بالمزدلفة. أنظر، تذكرة الخواص : 94، بالإضافة إلى المصادر السابقة.)وفي خبر لأبي الطفل : (أنّ عَلِيَّاً (رضیَ اللّهُ عنهُ خطبَ النّاسَ وَقَالَ: (سَلُوني)، وإن أبن الكوا قام فسأله أسئلة مِنْهَا : أخبرنا عن قوسِ قزح فَقَالَ علي (رضیَ اللّهُ عنهُ): (ثكلتك أمك لا تقل قوس قزح، قُزح: هو الشَّيْطَان وَلَكِنَّهُ قوس الله تعالى هي علامة كَانَتْ بين نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبين ربه عزّ وجلّ، وَهِي أمانٌ لأَهْل الْأَرْضِ من الغرق).)أنظر، الإحتجاج للطبرسي: 387/1، المعيار والموازنة لأبي جعفر الإسكافي : 299، الأذكار النووية : 368 نظم درر السمطين: 126، فيض القدير شرح الجامع الصَّغير للمناوي : 329/2، كشف الخفاء. للعجلوني : 358/22، تاریخ بغداد : 453/8، تأريخ دمشق : 27 / 100، البداية والنهاية : 334/8 كشف القناع للبهوتي : 87/2.
لا يبلغه الإحصاء (1.)وأغرب مَا فِي طِيُور من غَرائز غَرِيزَة هِي الخَوْف، والحذر، فَهِيَ تقدّر لكلِّ لحظة من اللحظات، وتُراقب، وتُقلب عيونها في كل جهة : أثناء الأكل، وحين الطّيران استعداداً للهرب من خَطر مُفاجيء، وتلتقط حبّة، أو حبتين بسُرْعَة، ثُمَّ تطير فجأة، وبحالة عصبية إلى شجرةٍ، أو حائط، أو أشبه، ثم تعود إلى الحب. فالشَّجَرَة، وهكذا دواليك، وهي أيضاً تُحلق في السَّمَاءِ حِين الطِّيرَان، ثُمَّ تَبهط إلى الْأَرْضِ فُجأة خَوْفاً من بَاشقٍ، أو صَقرٍ.. وهنا يكمن سر الحكاية المَعْرُوفَة من أنّ عُصْفُوراً قَالَ لِابْنِهِ، وهُو يُعلمه، ويُوصِيه : يَا بُنِي إِذَا رَأَيْت ابن آدَمَ يَنحني نَحو الْأَرْض فَأَحْذَر منه... إنّه يُريد أَنْ يَتناول حَجَرَاً يرميك به.فقال الابن لأبيه : ورُبَّما كان الْحَجَرَ في كُمّه. فقال له الأب : أذهب حيث شئت فلا خَوْف عَلَيْكَ.فَمَن الَّذِي بَاين بَيْنَ الطُّيُورِ عَرَضاً وطُولاً، وصُورة وشكلاً، وبطأ وسُرْعَة ؟ هل البيئة والإقليم مع العلم بأنّ هَذَا التَّبايُن، والتَّلَوُّن ثابت بَيْنَ أبناء الوطن الواحد، وتأكل من طعام واحد، وتُسقى من ماءٍ واحد ؟ وأيضاً من الذي أودع فيها غَرِيزَة الحَذَر ؟ هَل الصِّدقة العشواء، أو المادة العمياء ؟. فسُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى.
1) أنظر، البداية والنهاية : 221/11، معجم البلدان للحموي : 52/2 و 426 و 531.
### جَنَاحَ الطَّاوُسُ وَذَنَبَهُ... فِقْرَة 3:وَ مِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقَا الطَّاوُسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ، وَ نَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ، وَ ذَنبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَ سَمَا بِهِ مُطِلًّا عَلَىٰ رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِي عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ. يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ، وَ يَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ (3.)اللُّغَة:نَضَدَ : رَتِّب، ونَظَّم. وأَشْرَجَ : جَمع ولاءم. وقَصَبَهُ : عِظَامه، وقَصَبَهُ الإِصْبع : أنملتها، وقَصَبَهُ المَريء : تجرى الطَّعام، وقَصَبَهُ الأَنْف : عَظمه، وقَصَبَهُ الرِّئَة يَجرى النَّفس، والقِلْعُ : شُرَاع السَّفِينَة. والمراد بالدَّارِي، والنُّوتِي الملاح وعَنَجَهُ : عَطفة. ويميسُ : يَتبَخْتَر، وزَيَفَانِه حَرَكَانِه.الإِعْرَاب:مِنْ أَعْجَبِهَا خَبَر مُقَدَّم، والطَّاوُسُ مُبْتَدَأَ مُؤَخَّر، وخَلْقاً تمييز، ومُطِلًّا حَال.الْمَعْنَى:قُلت في شرح الخُطْبَة (109: الله تَعَالَى يُؤَلِّف، وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُخرِج، وهَا هُو الآن يعرض، ويُخرج رواية خَلق الطَّاوُس بأبْدَع صُورة، وأروعها، والغرض بيان قدرته تَعَالى، وعَظَمَته في خلقه... ولا عجب إِذَا أَبْدَع الإِمَام فِي الغَرض والإخراج، فإن من الراسخين في العِلم باللهِ وعَظَمَته، وأكثر الخلق تأملاً في الكَوْن، فهماً لأسراره، ومن جاء وصفه لأي كائن تجسيداً لحقيقة الطَّاوُس، وواقعه تماماً)
كما خَلقه الله، وأوجده... وبهذه المناسبة أُشير إلى ما ذكر الفَيْلَفُوس الانجليزي العالمي «برتراند راسل» قَال، وهو يَتَكَلَّم عن سبب انتصار المُسْلِمِين : «لقد حافظ عَليّ صهر النَّبِيِّ على حيوية الحماسة الأصيلة في نفوس شَطر من المُؤْمِنِينَ» (1أي الَّذِين يُسيطر عَلَيْهِمْ سُلطان العَقِيدَة. ويدفعهم إلى التضحية بأنفسهم من أجلها.)(وَ مِنْ أَعْجَبِهَا - أي المخلوقات - خَلْقاً الطَّاوُسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَم تَعْدِيلٍ، وَ نَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ كلَّ مَخلُوق يمتاز بصفة تخصه دُونَ غَيْره من الكائنات، فالإنسان يمتاز بالعقل، والعِلم، والأسد بقُوَّة العضلات، والكلب بحاسة الشَّم، والوفاء، والحمار، والثور بالصبر، والنسر بحدة الصَّبر، والعندليب برقة الصَّوْت، وعذوبته، وامتاز الطاووس وبالشكل الجميل، والذيل الطويل.)(بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ. جمع عِظام الأجنحة، وعروقها، ورتبها، ونظمها، ولاءَم فيما بينها بدقةٍ، وإحكامٍ فَائقٍ يَسْتَطيع معه أن يتصرف حسب مصلحته، وكما يشاء متى يشاء. وفي كتاب «كلّ شيء عن الطُّيُور»: «أَنْ أَجْنِحَتِهَا تُؤَدِّي وظائف كَثِيرة ومُذهلة، وإلى جانب الطّيران... ولَوْلاً مَا فِيها من عضلات لِتَعَذَر ذَلِكَ... وثمّة وجه شبه بَيْنَ جناح الطير، ومروحة الطائرة... ولا شكّ أنّ دراسة طيران الطُّيُور قد أسهمت في أختراع الطَّائرة» (2).)(وَ ذَنْبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ وجَرَه عَلَى الْأَرْض كالغانيات قبل عصر «المنيجوب». قَال مُؤلِّف كتاب «كلّ شَيء عن الطُّيُور»: «يُساعد الذيل الطَّائر على الطيران. والتوقف، والدوران، فهو للطائر كالدفة للطائرة، والزَّعْنَفَة الذَّنبِية)
للسَّمَكة... وبَعْض الطَّيور تَتكى عَلى ذِيُولها» (1.)(إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ. كلَّ ذكرٍ من أي نَوْعِ كَان يَتضَاهى، ويتباهى أمام أنثاه، وبالخصوص حين يهتف بهِ نداء الجنس، ويَقُول عُلَماء الطُّيُور: «أنّ الَّذي يُغني من الطُّيُور هو الذكر، أما الأناث فتكاد لا تُغني على الإطلاق، ومن جملة الأَسْبَاب أن يُغري الأُثنى بغنائه... وكلّ طَائر يَطوي، وينشر ذيله متى شَاء تماماً كما يفعل الإِنْسَان بأنامله سوى أن ذيل الطَّاوُوس أجمل الديول، وأطولها، وأعرضها بحيث يَسْتَطِيع أنْ يجعل منه مظلة عَلَى رَأْسه (كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِي عَنَجَهُ نُوتِيَهُ... إلخ) القِلْعُ َشرَاع السَّفينة، والدَّارِي الملاح الَّذي يَتَوَلَّى الشّرَاع، ويُقَال: «مَا فِي الدَّار دَارِي» أي أحد، ومثله النُّوتِي، وإنما كرره الإمام بكَلِمَة مُرادفة لمُجرد الخطابة، وَقَالَ بَعْض الشَّارحِين : المراد بالدَّارِي هُنا جَالب العطر من دَارِين (2)!.. وهو بعيد عن سياق الكلام، وعَنّجَهُ عَطفَه (يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ) يَعجب بها (وَ يَمِيسُ) مُتبختر (بِزَيَفَانِهِ) بمايله، وحَرَكاتِه. هذه نظرة سريعة إلى دقائق هَذَا الكائن العجيب، وإلى النظرات الْبَاقِيَة.)### الطَّاوُوسُ، وَالجِنْسُ... فِقْرَة 4:يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ، وَ يَؤُرُّ بِمَلَاقِحِهِ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ لِلضّرَابِ. أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ، لَا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ. وَ لَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ
أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ، وَ أَنَّ أنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبِيضُ لا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ، لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ (4 !)اللغة :يُفْضِي، وَيَؤُرُّ : كناية عن الجنسِ. ومَلاقِحِهِ : مِن التلقيح بالمني، وقيل : والمراد بهِ الأعْضاء التناسلية، والقصد واحد. والغَلِمَةِ : الشَّبَق، والصِّرَاب : الجماع. وتَسْفَحُهَا وتَرْسلها. وضَفّة النَّهر : جانبه. وضَفّة البحر : سَاحله. وتَطْعَمُ : تَذُوق. الْمُنْبَجِسِ : النَّابع.الْمَعْنَى:(يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ، وَ يَؤُرّ بِمَلاقِحِهِ أَنَّ الْفُحُولِ الْمُعْتَلِمَةِ لِلضَّرَابِ قِيل : الطَّاوُوس لا يَعْرِف الجنس إطلاقاً، ومن البداهة أن تكوين البيضة لا يحتاج إلى الفحل، ومنيه، وإنْ كَان ولا بُدّ من التلقيح فإِنَّهُ يَتمُ بَيْنَ الطَّاوُوس، والطَّاوُوسة بأسلوب آخر، وهو أن تدمع عين الذكر فتقف الدمعة في طرف جفنه، وعِندئذٍ تتناولها الأُنثى بمنقارها، وتشربها... وأيضاً الْغُرَابِ لا يَعْرِف الجنس - كما زُعم - ويتم اللقاح بالزَّق أي بوضع منقار كلّ من الذكر، والأُنْثَى بمنقار الآخر، بهذا تنتقل نقطة من الماء الَّذي في قانصة الذكر إلى جوف الأنثى (1)، وأشار الإمام إلى هَذَا)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة لمُحَمّد عَبْدَه: 72/2، بحار الأنوار : 36/62، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 270/9، البرهان للزركشي: 303/2، مجمع البحرين: 378/2.
التّطاعمُ المَرَعُوم بقَوْله : (مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ.)وقَد نَفَى هَذَا الزَّعم صراحة بالنسبة إلى الطَّاوُوس، وَقَالَ : إِنّه يُؤدي عمل الجنس تماماً الدِّيَك، والشاهد هو الحس، والعيان الذي أحال عَلَيْهِ الْإِمَام ِبقَوْله : (أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ، لأكَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ أي لا أُحِيلُكَ عَلَى مَا تَسمع بل عَلَى مَا يُمكنك أنْ تَرَاه رأي الْعَيْن، ثم لو سلمنا - جدلاً - بأن اللقاح عِند الطَّاوُوس بالدَّمعة لا بالفحل، والجنس كما هو الشّأن عِندِ الْغُرَابِ عَلَى مَا قِيل - لكان أوضح في الدَّلَالَة عَلَى قُدرة الله، وعَظَمَته.)وفي شرح أبن أبي الحديد: أن أمير المؤمِنِينَ وصف الطَّاوُوس، وهو في الْكُوفَةِ، وقَد رَاه هناك : «حَيْث كَانَتْ الْكُوفَة يَوْمَئِذٍ تُجبى إِلَيْهَا ثَمرات كلّ شيء، وتَأْتِي إِلَيْهَا هَدَايا الملوك من الآفاق» (1.)### كُلَّ الْأَنْوَان فِي الطَّاوُوس... فِقْرَة 5 - 10:تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ، وَ مَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبٍ دَارَاتِهِ، وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ، وَفِلَدَ الزَّبَرْجَدِ. فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، قُلْتَ : جَنيَّ جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ. وَ إِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ، أَوْ كَمُونِق عَصْبِ الْيَمَنِ. وَ إِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَنُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ، قَدْ نُطقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ (5 يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِح الْمُخْتَالِ، وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَيْهِ، فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً، لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ، وَ أَصَابِيغِ وِشَاحِهِ، فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا، مُعْوِلَا بِصَوْتٍ)
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 270/9.
يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ، وَ يَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُعِهِ، لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشُ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلاسِيَّةِ، وَقَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنُّبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةُ (6، وَ لَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاهُ مُوَشَّاةٌ، وَمَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ، وَ مَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ، أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةٌ ذَاتَ صِقَالٍ، وَكَأَنَّهُ مُتَلَفِّعُ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ، إِلا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ، وَ شِدَّةِ بَرِيقِهِ، أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ، وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطُّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأَقْحُوَانِ، أَبْيَضُ يَقَقٌ، فَهُوَ بِبيَاضِهِ فِي سَوَادٍ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ. وَقَلَّ صِبْعٌ إِلا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ، وَ عَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ، وَبَرِيقِهِ، وَ بَصِيصِ دِيبَاجِهِ، وَ رَوْنَقِهِ، فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ، لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ، وَلا شُمُوسُ قَيْظٍ. وَقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِه (7)، وَ يَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى، وَيَنْبُتُ، تِبَاعاً، فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ، ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ، لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ، وَ لا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ! وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً، وَ تَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً، وَ أَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً. فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ، أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ (8) !)وَ أَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ، وَ الْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ ! فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلَّاهُ لِلْعُيُونِ، فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً، وَمُؤلَّفَاً مُلَوَّناً، وَ أَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ، وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ (9 !)وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الدَّرَّةِ، وَ الْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ، وَ الْفِيَلَةِ! وَ وَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ، إلا وَجَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ، وَالْفَنَاءَ غَايَتَهُ (10.)
اللُّغة:قيل : المراد بقَصَبَهُ هُنا عِظَامٍ أَجْنِحَته، وقيل : بل عَمُود الرِّيش، وهو الأرجح، والمَدَارِيَ : جمع مَدَارِي، وهو كالمشط يُسرح بهِ الشَّعر. والْعِقْيَانِ : الذَّهب الخَالِصَ. وَفِلَذَ - بكسر الفاء - جمع فِلَدَة أي القطعة. والزَّبَرْجَدِ : حَجَر كَرِيم. وجُنِيَ : جَمَعَ، أو قَطَف. والوُشِيِّ : النَّقش. والأناقة : الحسن والعضب - بسكون الصَّاد - نوع من الثّياب. والفصوص : الحجارة الكَرِيمة. ونُطِّقَتْ : من النطاق. واللُّجَيْنِ : الفِضَّة. والسِّرْبَال : كلِّ لِباس - الوِشَاح : ضَرب مِن اللُّبَاسِ يُوضع على العَاتِقِ. وزَقَا : صاح. ومُعولاً : رَفع صَوْته بَالْبُكَاء. وحُمْسٌ : جَمع أَحْمُشّ أَي دَقِيق. والخِلاسِيَّةِ : نَوْع من الدَّجَاج. ونَجَمَتْ : نَبْتَت. الظَّنْبُوبِ : عَظُم حَرف السّاق، والصِّيصِيَة : شوكة في رجل الديك. والقُنْزُعَة : خصلة من الشعر تُترك في وسط الرَّأْس. والمَغْرِزُ مكان الغَرز. والْوَسِمَةِ : نَبَات يُخضب بهِ. ومُتَلَفِّعٌ : مُتَلحِّف. والمِعْجَر : ضَرب من الثّيَاب. والأَسْحَمَ الأَسْوَد. والمراد بمائِهِ هُنا رونَقَه، ونضارته. يَقَقٌ : شَدِيد البياض. يَأْتِلِقُ : يَلْمَع. البصيص : اللمعان. ويَنْحَسِرُ : يَنْكَشَف. وتَثْرَى : عَلى مهل. ويَنْحَتُّ : يَسْقُط، وعَسْجَدِيَّةً : ذَهَبِيَّة. والهَمَجَةِ : الذبَابَة. وَوَأَى : وَعَد.الْإِعْرَاب:خَالِصَ مَفْعُول تَانْ لتَخَالُ، وضَاحِكاً حال مُؤكدة مِن الضَّمِيرِ فِي يُقَهْقِه، ومثلهُ مُعْوِلاً، ومِرْآةً مَفْعُول مُلْبَسَةٍ، وأَبْيَضُ صِفَة للخَطَّ، ومَحْدُوداً حال من الهَاء في أَدْرَكَتْهُ.
الْمَعْنَى:(تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ. يَنْبُت رِيش الطيور - عَلَى وَجه العموم - من حُفرة صَغِيرة تحت الجلد، تترك على سطحه أثراً كالنُّقطة البَيْضَاء، وتَبدو الريشة أَوَّل مَا تَبدُو رُعْبَاً كأي نَبَات ثُمَّ تَنمُو شَيْئاً فَشَيْئَاً حَتَّى تكتمل على الشكل المَعْرُوف أي شَعرَات عَلى قَلَم محوَرِي، وهُو الَّذي أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَامِ بِكَلِمَة القَصَب. والمراد بالمَدَارِيَ أَنَّ الشَّعرَات الّتي عَلَى الْقَلَم مُنَسَقَة كَأَسْنَانٍ مُشط من فِضَّةٍ (وَ مَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ، وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ، وَ فِلَذَ الزَّبَرْجَدِ)، أَي أَنْ عَلى الرِّيشس رسماً لهُ هَالات تماماً كهَالات الْقَمَر، ومُستدِيرٌ كالشَّمس، وفِيهِ خُطُوط صَفْرَاء كالذَّهب، وأُخرى خَضْرَاء كالزَّبَرْجَدِ.)(فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، قُلْتَ : جَنيَّ جُنِي مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ.)المراد بالجني مَا قُطف ثمرة من ساعته. وزَهْر الرَّبيع مُختلف الأنواع، والألوان، ويُقَال يُوجد في الفلبين وحدَها عشرة الآلاف نوع من الزهر، ولو جمعت الأزاهير بشَتّى أنواعها، وأَلْوَانها في مزهرية وَاحِدَة، ونُسقت تَنسِيقاً فَنِياً - لكَانَتْ شَبِيهة بالطَّاوُوس، أو الطَّاوُوس شبيهاً بها (وَ إِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ. أَوْ كَمُونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ. الْحُلَل جمع حُلّة، وهو الثّوب، وَوَشِيَّه نقشه، وزُخرفته، والعَصْبِ نَوع من الثّياب، والمونق مِنْهَا ما يُعْجِبُكَ، ويسُرِكَ (وَ إِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ، قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ).)المحلي مِن تَحلّت به المرأة إذا لَبِست حُليّاً من الذهب، والفِضَّة، والقُصُوص أحْجَارٍ كَرِيمَة كاللُّؤلؤ، والماس، ونُطْقَتْ بِاللُّجَيْنِ جَعلت الفِضَّة لما نطاقاً مُزيناً بالجواهر
(يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ، وَ يَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَيْهِ... إِلَى وِشَاحِهِ. يَزْهُو الطَّاوُوس، ويُفاخر بجماله، ويُقَهْقِهُ مُعجِباً بسِر بَالِهِ، وكأنه بهذا وذَاكَ يَشكر الله سُبْحَانَهُ، ويتحدث بأنْعُمهِ، ولكن مَا بَال ذياك الوزير، أو المدير، أو صاحب الجاء، والمال، ما باله يَسْمَخ بأنفه، وينظر إلى النَّاسِ مِن فُوق ؟. هل أَضْفَت عَلَيْهِ الوظيفة، أو النُّورة جَمَالاً كجمال الطَّاوُوس، أو جعلته من العباقرة الخالدين ؟ (فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا... إِلَى خَفِيَّةٌ). قَهْقِهُ الطَّاوُوس مُعجباً بِجَمَالِه، لما نظر إلى ساقه الرّفيع، وعُرقُوبه، وشوكته شكى، وبكى، وهكذا كل شَيء فِيهِ جِهةِ سلب، وجهة إيجاب.)(وَ لَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنَزُعَةٌ خَضْرَاءٌ مُوَشَّاةٌ. وَمَخْرَجُ عَنْقِهِ كَالْإِبْرِيقِ... إِلَى يَأْتَلِقُ كلّ أشياء الطَّاوُوس جَمِيلَةٌ، ورَائعَةٌ إِلَّا السَّاق، والصِّيصِيَّة، فالتَّاجِ عَلَى رَأسَه يُضاهي كلّ تيجان الملوك، فهو - إلى جانب جَمَاله - مِنْحَة مِنْهُ تَعَالَى تَمامَاً كالشمع، والْبَصَر، وفِي الطَّاوُوس شَيء مِن مكان العُنقَ إِلَى الْبَطْنِ يَشبه حَرِيرة تلمع كالمرآة المصقولة، ومَلحفة سوداء، ولكن الرَّائِي لكثرة رُونَقِ المَلحَفَة ونضارتها يظنها خَضْرَاء مُزجت بالسُّواد، وفي الطَّاوُوس أيضاً خَطّ عِند أُذُنِهِ دقيق، وناصع البياض، وإلى جنبه سؤاد زَادَهُ جَمَالاً، وتألقاً.)(وَ قَلَّ صِبْعٌ إِلا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطِ، وَ عَلاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ... إِلى قَيْظٍ. مَا مِن لون فِي الدُّنْيَا إِلَّا وللطَّاوُوس مِنْهُ نَصِيب، وفَاقه جَمَالاً، ورُونقاً، فهو كالأَزَاهِيرِ المتفرقة المتنوعة إلا أنّ الْأَزَاهِيرِ تحيا بالماء، والشَّمس، ورِيش الطَّاوُوس فِي غِنى عن ذَلِكَ (وَ قَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ، وَ يَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ، فَيَسْقُطُ تَثْرَى... - إلى - عَسْجَدِيَّةً). قَد يقف نمو الريش، ويموت لانسداد الشرايين، أو لأي سبب من)
الْأَسْبَاب، فيتهلهل، ويَسقُط، ثم ينبت له ريش جَدِيد مَكَانَ الْأَوَّل، كما يُلقي أحدنا ثوبه البالي، ويلبس جَدِيداً، والفرق أنّ جَدِيد الطَّائر يَأْتِي كقَدِيمه تماماً كمّاً، وكيفاً بلا تقليم، وتطعيم، وفي كتاب «كلّ شيء عَن الطُّيُور : «قد يبلغ عدد ريش الطَّائر ثلاثة، أو أَرْبَعَة آلاف... وقد تكون الريشة الجديدة على درجة بسيطة من الإِخْتِلاف عن السَّابقة لها في المكان عينه، بسبب نمو الطَّائر، أو تغيير الرِّيش في الربيع تارةً، وفي الخريف أُخرى» (1.)(فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ، أَوْ تَبْلُغُهُ فَرَائِحُ الْعُقُولِ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ كَائن صَغِير تحملهُ بيدك، تعجز العُقُول أن تُدرك السِّر لأقل جزء من أجزائه كقَلَم الرِّيشَة.... إنّه لا يبلغ في الوزن شَيْئاً، ولذا جعلت الرّيشة بمجموعها مثلاً فى الخفة، ومَع هَذِه تَرى قَلَم الريشة كالفولاذ في صلابته!... قال صاحب كِتاب «كلّ شَيء عن الطُّيُور»: «عِندما تَشق قَلَم الرِّيشَة تَجدهُ مُمتلئاً بشبكة من الألياف الشَّدِيدة الصَّلابة، ولا يفصل بَيْنَها سوى الهواء، وقد تكون هذه الشبكة في تركيبها، وتنسيقها أدق الأنظمة التي تُوجب القُوَّة، والصَّلابة مع أَنَّهَا أَخْف شَيء وَزناً فِي العَالَم» (2).)مِن أين جاء هَذَا التَّنسيق الحكم بَيْنَ الألياف في قَلَم الرِّيشَة حَتَّى جَعله بهذه الْقُوَّة والصَّلابة على خُفته ؟ هل من الصدفة الهوجاء، أو الطَّبِيعَة الصَّماء ؟ (فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلَّاهُ لِلْعُيُونِ، فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً.. إلخ وأعْجزها عن كشف السر لأحْقَر مَخلُوق من خلقه تَعَالَى، (وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ)
قَوَائِمَ الذَّرَّةِ، وَالْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ، وَ الْفِيَلَةِ... إلخ كلّ شيء في الكَوْن مُتقن، ومُحكم من سَاق النملة الصَّغيرة إلى القِيل، ومِنْهُ إِلَى المجَرّات، إِلَى الكَوْن العجيب (وَأَى عَلَى نَفْسِهِ ألا يَضْطَرِبَ شَبَحُ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ، إِلا وَجَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ، وَالْفَنَاءَ غَايَتَهُ) كَتب سُبْحَانَهُ عَلَيْهَا أنّ كلّ حَيٌّ إِلى زَوال خَطِيراً كان أم حقيراً، وهو وحده الحَيِّ القَيُّوم.)ونقل أبن أبي الحَدِيد عن الحكماء على حد وصفه : «أن الطَّاوُوس يَعِيش (25 عاماً، ولا يتجاوزها، ويبيض في السَّنة الثالثة من عمره، وفيها يتم ريشه وألوانها، ويبيض في السَّنة (12) بَيضَة في (3) أَيَّام، ويحضنها (30) يَوْمَاً» (1).)### الْجَنَّة... فِقْرَة 11 - 12:فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَرَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا، وَ لَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَ لَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اَصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُتبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُوِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا، وَ أَفْنَانِهَا، وَطُلُوعِ تِلْكَ الثَّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُجْنَىٰ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَىٰ مُنْيَةٍ مُجْتَنِيهَا (11، وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ، وَ الْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ. قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُوا دَارَ الْقَرَارِ، وَ أَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ. فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ، لَرَهِقَتْ نَفْسُكَ)
1) أنظر، شرح نهج الْبَلاغة : 278/9.
شَوْقاً إِلَيْهَا، وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا. جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَىٰ مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ (12.)اللُّغَة:الْمُرَاد بِبَصَرِ الْقَلب التَّفكر، والتَّأمل. وعَزَفَتْ: كَرَهَت، وَزَهَدَت. والزَّخَارِفِ : جمع زُخْرُف، وهو الذَّهب، وكلّ مموه. وتَصَافَقَت الأَشْجَار : تضاربت أوْرَاقُهما كأَنَّهَا تَصْفق، وكُثبَانِ : جَمع كَثِيب أي التَّل. وكَبَائِسِ : جَمع كبَاسَة أي العِذق، وهو من النَّخل كالعنقود. وعَسَالِيج : جمع عُسْلُوج أي ما لأن من قضبان الشَّجر. وَطُلُوع : جمع طَلع، وهو أَوَّل مَا يَخرج من النَّخلة في أكمامها. والمُصَفّقَة : المُصْفَاة. ومثلها المروقة : المعجبة.الإعْرَاب :ببَصَرِك البَاء زَائِدَة، وبَصَرِك مَفْعُول رَمِيت، وقَوْمٌ خَبَر لمبتدأ محذوف أي هُم قَوْمٌ، وشُوقَاً مَفْعُول من أجلهِ لَزَهِقَتْ، وبِرَحْمنِهِ مُتَعَلّق جَعَلَنَا.الْمَعْنَى:خَلق سُبْحَانَهُ الجَنَّة ثواباً لمن استجاب له وأطاع، وتُوابُ الكَرِيم عَلى قدر طاقته، ولا حد لقدرته تعالى، وإذَنْ فَنَعِيم الجنَّة لا حد له إلا ما كان مِنْهُ مَادِياً كالطَّعام والشراب، أمّا التَّنعم برضوان الله، ورَحمتِه، وجُواره فإِنَّه فُوق التَّصُور، والأوهام، وقد وصف سُبْحَانَهُ في كِتابه العزيز جانباً من نَعِيمِ الجَنَّة المادي في العَدِيد
من الآيات، وجمع بَيْنَه وبَيْنَ النَّعِيم الأدبي في الآية : (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ (1). وقُول الإِمَام هنا عن الجنَّةَ شَرح، وبيان لبعض آي الذكر الحكيم. قال :)(فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا، وَ لَذَّاتِهَا، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا... إلخ فِي الدُّنْيَا مُتع وملذات وترف، وسُلطان، ومناهج، ومناظر، وحلاوة، وسعادة... ولكن أين هَذِه مُجتمعة إِلى جانب نظرة فِي شَجرة ضربت عروقها فِي تِلال من مِسكٍ عَلَى ضِفَة نَهْرٍ من عَسل، أمّا الوَرُود، والأنهار، والأشجار فينسجم كلّ ما فيها مع القَلب والْعَيْن، أمّا الثمار فعلى أنواع نكهة، ولُونَاً (تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلَّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَة مُجْتَنِيها)، بل، وفوق ما تمنى، وأراد. وفي الحديث: «مَا لاَ عَيْنٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطر عَلَى قَلبِ بَشَر» (2).)(وَ يُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ، وَ الْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ. قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ إشارة إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (3). وقَوْله : (وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَن لَّمْ يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِّنْ)
خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ (1). (وَ أَمِنُوا نُقلَةَ الْأَسْفَارِ) ولا تَناهُمُ الأَسْقام، أو تعرض لهم الأَخْطَار، وتَقَدَّم مثله (2). (فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ... إلخ). لو عرفت نَعِيمِ الجَنَّة كما هُو لذهَبت نَفْسَكَ شُوقاً إِلَيْهَا، فأول شيء يستقبلك فيها التحية والترحاب من الله، ويَقُول لك: «أنتَ فِي دَارِي، وجُوارِي، أسأل، ولا تستح، وأطلب، ولا تحتشم، فلا أقبض عَنكَ شَيْئًا»، وقُول الْإِمَام : (مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا) مَعنَاه لتَعَجلت المؤت، رَغْبَةٌ في لقاء الله. ونعيمه. وبعد، فإنّ نَعِيم الجنَّة لا يشبهه شَيء مِن نَعِيمِ الدُّنْيَا إِلَّا في الإسم... ولو لم يَكُن في الجنَّة إلا الحياة بلا خَوْف، وقلق لكفى، وهل في الكون كله أروع، وأعظم من الحياة بلا خَوْف !! جَعَلَنَا اللهُ تَعَالَى مِنْ العاملين عملها. إنه أرحم الراحمين مُحَمَّدٍ وآله الطاهرين، سلام الله عَلَيْهِمْ أجمعين.
لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ، وَ لْيَرْ أَفَ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ، وَلا تَكُونُوا كَجْفَاةِ
الْجَاهِلِيَّةِ : لَا فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ، وَلَا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ، كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً، وَيُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً (1).
افْتَرَقُوا بَعْدَ الْفَتِهِمْ، وَ تَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ. فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ. عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ، كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ ! يُؤلِّفُ اللهُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ، ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ، حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ، وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ، وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصّ طَوْدٍ، وَ لا حِدَابُ أَرْضِ. يُدَعْذِعُهُمُ اللهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ، ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَايِيعَ فِي الْأَرْضِ، يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ، وَ يُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ. وَ أَيْمُ اللَّهِ، لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ، وَالتَّمْكِينِ، كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ (2).
اللُّغَة:
قَيْضِ بَيْ : كَسَرَها، وفي كُتب اللُّغَة : قَيْضِ البِيَضَّة قشرها الأعلى (1). وأَداحِي : جمع أَدْحِيةٍ، وَهِي المكان الذي تبيض فِيهِ النَّعَامَة. وقُزَعُ : قِطع متفرقة من السَّحَابِ الرُّكَامِ : التراكم. ويُذَعْذِعُهُمُ : يُفَرْقُهُم.
الْإِعْرَاب :
كَجُفَاةِ الكَافِ بِمَعْنَى مثل خَبَر لا تَكُونُوا كَقَيْضِ بَيْضِ بَدل من كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّة، ورُكَاماً في موضع الحال مِن ضَمِير الجمع في يجمعهُم أي مُتراكمين، ويَنَايِيع مَنصُوب بنزع الخافض أي فِي يَنَابِيع.
الْمَعْنَى:
(لِيَتَأْس صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ) فِي الرّويَّة، والورع، والحرص على الإسلام، وتعاليمه، ومَا عَدا ذَلِكَ فَلا حرج على الأَبْنَاء، لأنّ عصرهُم عَصر الإنقلابات في العلوم والقيم، والعادات، وعَن الْإِمَام : «لا تَفسرُوا أَوْلادكم على آدَابِكُم، فإِنَّهُم تَخلُوقُون لزَمَان غَيْرِ زَمَانكم» (2)، وَقَالَ الْإِمَامِ الصَّادق : «خَير لباس كلّ زَمَان لباس أهله» (3). (وَ لْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ). أَزْفِقُوا بأبنَائِكُم، وَرَبُّوهُم تربية تُساعدهم على التّوافق، والتَّكيف مع الحَاجَاتِ الضَّرُورِية لحياتهم فِي عَصر التَّغِيرَات المفاجئة، والتَّطورات السَّرِيعة (وَ لا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ). كَان أَهْل
الْجَاهِلِيَّة يَتعايشون بالْقُوَّةِ، والفوضى، فلا عِلم، ولا شَرِيعة، ولا أَخْلاقِ حَتَّى جَاء الإِسْلام فأقام العلاقات بَيْنَ النَّاسِ عَلى أساس الأخوة، والْعَدْل، والسَّلام، ومن انحرف عن هَذَا الْأَسَاس فقد سَار عَلَى سُنَّة الأَوَّلِين الَّذِينَ (لا فِي الدِّينِ يَتَفَقَهُونَ، وَ لا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ).
(كَفَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً، وَيُخْرِجُ حِصَانُهَا شَرّاً). إِنَّ وجُود الجَاهِلِ السَّفيه سُوءُ وشر، وقتله وزر وإثم، أمّا الأَوَّل فوَاضح، وأمّا الثَّانِي فلأنّ القتل مُحرم إلا أنْ يَكُون حَداً، أو قصاصاً، وكَثِير من الْأَشْرَارِ يَرتكبون كلّ قَبيح إلّا الأَسْبَاب الموجبة للقتل، وإذَنْ يَكُون قَتلهُم مُحرماً، ووجودهم شراً... أما وَجه الشَّبه بَيْنَ كَسر البيض، وبَيْنَ الشَّرِير الذي يَضُرٌ وجُوده، ويحرم قتله - فيمكن تقريره، وتُوضيحه بأنّ الْعَاقِل إذا رأى بَيضاً في مكان مَا فَلَن يَتعرض لهُ إطلاقاً، لا يكسر، ولا يحضان للفقس، لأن الكسر بلا مبرر كقتل السَّفِيه الجَاهِل بلا سبب موجب، أما الحضان للفقس فرُبَّمَا يَكُون البيض لأفعى، فينتج الحضان شراً كوجود الجَاهِلِ السَّفِيه.
(افْتَرَقُوا بَعْدَ الْفَتِهِمْ، وَ تَشَتَتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ). يُشِير بهذا إِلى حَالَ الْمُسْلِمِين، وإنّهم كَانُوا عَلى قُولٍ واحد في عهد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ افْتَرَقُوا بَعْدَه شِيعاً، وأَحْزَاباً، وما تمسك بالثَّقْلِين : كِتَاب الله، وعِتْرَة النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - كما أوصى أُمته - إِلَّا قَلِيلٌ، وقَد أشار الإِمَام إِلى هَذَا القَلِيل بقَوْله : (فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ) فالمراد بِالغُصْنِ الثَّقلان، وبالميل معه التمسك بهما (عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لبني أُمَيَّةَ) يُخبر الإمام بهَذا أنّ المُسْلِمِين بَعد تفرقهم سَيَجْتَمَعُون يَداً، وَاحِدَة لِلْقَضَاءِ عَلَى سُلطة أُمَيَّة الطَّاغِية الْبَاغِيَةُ (كَمَا تَجْتَمِعُ فَزَعُ الْخَرِيفِ) ! أي يَجْتَمِع
المُسْلِمُون ضِد الأُمُوبِين كاجتماع قطع السَّحَاب المتفرقة في فصل الخريف يتَرَاكَم بَعْضَهَا فُوق بَعْض. وإلى هَذَا التَّرَاكُم أشار الإِمَام بِقَوْله : (رُكَاماً كَرُ كَامِ السَّحَابِ).
(ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ) بَعد أنْ عَلِمٍ سُبْحَانَهُ صدق النّيّة من المُسْلِمِين عَلى حَزب الضّلال، والثُّورَة عَلى الظُّلم، مَهّد لهم السَّبِيل وفَتح عَلَيْهِمْ أبواب النَّصر، فانْطَلَقُوا مِن مكان ثورتهم كَسَيل الْعَرِمِ الَّذِي سَلطه سُبْحَانَهُ عَلَى جَنتِي سَباً، وقد أشار، عَظُمت كلمته، إِلى هَذَا السَّيلِ بِقَوْله : لَقَدْ كَانَ لِسَبَةٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ، بَلْدَةً طَيِّبَةً وَرَبُّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ (1).)(حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ ضَمِيرِ عَلَيْهِ السَّيْل، والمراد بالقَارَة هُنا الجبل الصَّغِير، وقَد غَمره السَّيْل (وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ) أي التَّل، أيضاً أخذَه السَّيْل (وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ) مضى السَّيْل فِي جَريهِ، وتدفقه لا تمنعه عَظمة الحِبَال، وأنضمامها وتلاصقها (وَلا حِدَابُ أَرْضٍ) وَهِي الرَّوَالِي (يُذَعْذِعُهُمُ اللهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ، ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ). ضَمِير الجمع فِي يُذَعْذِعُهُمُ يَعُود للأُمويين، والمَعْنَى أن الله سُبْحَانَهُ يُشتتهُم فِي أَطْرَاف الأَرْض يُحاولون الهرب والاختفاء من النَّاس، ولكن الله سُبْحَانَهُ يُظهرهم للعيان كما يظهر المياه من ينابيعها، فيَتَخَطَّفَهُمُ النَّاسُ، ويأخذونهم بالدماء التي سَفْكُوها، والأَمْوَال الّتي نَهْبُوها.)(وَ يُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ. يُهلك الله الأُمويين، ويَسْتَخلف العبّاسِيين (وَ أَيْمُ)
1) سَبإ: 16.
اللهِ، لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُو، وَ التَّمْكِينِ، كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ يَذُوب مُلك أُمَيَّة تَمَاماً كَمَا تَذُوب الشَّحْمَة عَلَى النَّار... وهذه نهاية كُلَّ طَاعْ، وَبَاغِ : (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (1).)### يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ... فِقْرَة 3:أَيُّهَا النَّاسُ، لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ، وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ، لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ. لَكِنَّكُمْ تهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَلَعَمْرِي، لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنَى، وَوَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ، سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ. وَكُفِيتُمْ مَئُونَةَ الاِعْتِسَافِ، وَ نَبَذْتُمُ الثَّقَلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ.الْمَعْنَى:(لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ - أي ضَلَلْتُم - مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ أَرْتَدُوا عَن دِين مُوسَىٰ وحَرِّفُوا التَّوراة، وجَعَلُوا شَعبهم المختار إلهاً لكلِّ الشّعُوب، وأتَخَذُوا مِن تِلمُودهم حاكماً حَتَّى على الله الذى يطلب الرضا والبركة من الحاخامات، كما جاء في التلمة ود المقدس (وَلَعَمْرِي، لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنَى، وَوَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ) سَتَزْدَادُونَ عَلَى مَدَى الْأَيَّامِ ذُلاً)
1) الْفَتْح : 6.
وضلالاً، لأنكُم تَخذلُون الحق، وأَهْله، وتُناصِرُونَ الْبَاطِل، وشِيَاطِينه (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ إِلى الحَقِّ، والْعَدْل، والإِمَام يَعنِي نَفْسه (سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ). ولَيْسَ مِن شَكٍّ أنّ الإمام أمتداد لرَّسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في كلِّ شيء ما عَدا النُّبُوَّة، ونزول الوَحِي (وَكُفِيتُمْ مَئُونَةَ الاِعْتِسَافِ) أي الضّلال، والضياع (وَتَبَذْتُمُ الثَّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ) وهو أرتكاب المحَرَّمات، والوقوع في الشبهات.)### الحَائِط الواطىء:ولمناسبة هذه الخطبة نتساءل : لماذا نَحنُ كَالحَائِط الوَاطِي يُقفز عَلَيْهِ حَتَّى الأقزام ؟. هَزَائم مُتوَالِية، وحدود مفتوحة لكلِّ طامع، وقتل، ومُشردُونَ... إلى شَتَّى أَلوان الخشف، والتخلف... أَلَسْنَا عَباقرة الكلام ؟ ومن الذي يُجيد، ويُحسن الصُّراخ، والعُوِيل أَكْثَر مِمَّا تُجيده، ونُحسنه ؟.أجل، نَحْنُ الْعَرَب عَباقرة في الصياح، والمناح، ولكن هذه العبقرية لا تطير طائرة، ولا تصنع باخرة، ولا تُسكت مدفعاً.وَقَالَ قائِل : نَحْنُ نَسْتصرخ الضَّمِير العالمي، وتُعلن عَلَيْهِ ظُلامتنا لكِي يَتأكد أننا عَلَى حَقٍ، وعدونا عَلَى بَاطِل.نُجيب أوّلاً : ثُمَّ مَاذا ؟ وهل تفهم قوى الشَّر إلا بلغة الْقُوَّة ؟ ثَانِياً : لا نَدرِي أي ضَمِير يعني هَذَا القائل ؟ هَل أَراد ضَمِيرِ العَالم الرَّأسمالي، أو العَالم الأَشْتَراكي، أو العالم الثَّالث «النَّامِي» ؟ والأَوَّل مِنْهُ الدَّاء، والْبَلاء، والثَّانِي يَخشى من حَرْبٍ ثَالثة تأتي عَلى مَتاعِبه، ومكاسبه التى حقَّقها بعد الحزب الثَّانِيَة، ومن أجلها تبنى
المفاوضات لا المواجهات، والتعايش السلمي الذي وجدت فيه الرأسمالية الطَّاغية مُناخاً خصباً الْحُرِّيَّة النَّهب والسَّلب، وأثارت الحرب الباردة بل والساخنة، ولكن في نطاق الشعوب المُسْتَضْعَفَة، وأجرَت عَلَيْهَا فَلْسَفَة هِتلر، ونيتشه... أَللَّهُمَّ إلّا أنْ يَأْتي الفرج من التطور العالمي الذي يسير «بعقارب السَّاعة» إلى الأمام... ونسأله تَعَالَى أنْ يُعجل فَرجه، ويُسهل مخرجه.وَقَالَ آخر : يجب إيجاد دولة إسلامية تشخص إِلَيْهَا الْأَبْصَارِ، فَهِيَ وحدَها تَحل المشكلات، وبِها تندفق الخيرات !... وهذا القائل يتحدث عَن الأَحْلام، والْقِيَّم في إطارها التّصورِي، أما عناصر التطبيق، والعَمَل فَمَا هِي بِالشّيء المهم عِند جنابه.وبعد، فلا سبيل لقُوَّة الإسلام، والمُسْلِمِين إِلَّا أَنْ يَنطلقوا من النُّقطة التي انطلق مِنْهَا. وأبتدأ بِها رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ... فقد بدأ الإسلام ضَعِيفاً، وغَرِيباً تُحيط بهِ الأعْدَاء من كل جانب، وقبل أن يُحرك النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سَاكِناً أَحَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وأَلف بَيْنَ قُلُوبهم، وجعلهم يَداً وَاحِدَة يَتعاونون عَلى نُصرة الحق، والعَدْل، وبعد هَذَا دفع بهم إلى المعركة، ومُواجهة العدو، فكان من أمر الإِسْلام، وأمرهم ما كان، فإذا أراد المُسْلِمُون أنْ لا يطمع فيهم من ليس مثلهم، ولا يقوى من قويَّ عَلَيْهِمْ فَليتأسوا بنَبِيّهم، ويبدأوا بتوحيد الصفوف كما بدأ، وبعد هَذَا تَكُون لهم دولة إسلامية تشخص إِلَيْهَا الْأَبْصَار كما كان لرسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإِلَّا لَبَسُوا الذُّل جِلبَاباً إلى أنْ يَشاء الله. وأشار الإِمَام إِلى ذَلِكَ بِقَوْله : «وَاللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ، أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزُ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ» (1).)
1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَة.(169). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
## الخطبة - 167 -### حُرْمَة الْمُسْلِم :إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ، فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا. وَأصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا.الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ، أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تُؤدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ. إِنَّ اللهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ، وَ أَحَلَّ حَلالاً غَيْرَ مَدْخُولٍ، وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا، وَشَدَّ بِالْإِخْلاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا، «فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ» (1. إِلا بِالْحَقِّ، وَلَا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلا بِمَا يَجِبُ.)بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَ هُوَ الْمَوْتُ، فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ
1) أنظر، صَحِيح البخاري: 13/1 ح 10 مجمع الزوائد: 268/3، المعجم الأوسط : 5674 ح 3598 و 3745 و 4231، مُسند أحمد: 212/2 ح 6982 و 6983 و : 22/6 ح 24013، مسند الشاميين: ح 400 الزهد لهناد : 443/2 ح 1667، المعجم الكبير : 293/3 ح 3444 و 3462 و : 175/19 ح 400، كشف الخفاء : 274/2 ح 2304، الإيمان لابن منده : 452/1 ح 315 التمهيد : 547 ح 244/9، التاريخ الكبير : 334/3 ح 1132، فيض القدير : 270/6.
السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ. تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ.اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ، وَالْبَهَائِمِ، أَطِيعُوا اللهَ وَ لَا تَعْصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ.اللُّغَة:أصْدِفُوا : أَعْرِضُوا. والسَّمْت الجهة. وَغَيْرَ مَدْخُولٍ : لا ضَرَر فيه، أو فَسَاد يُوجب تَحْرِيمه، والنَّهِي عَنْهُ، وَشَدَّ : رَبَط، وأوْثَق. ومَعَاقِدِ : جَمع مَعْقَد، وهو مُوضع العقد المبرم. والْبِقَاع : جمع بقعة أيّ القِطَعَة مِن الأَرْضِ.الْإِعْرَابِ:الْفَرَائِضَ الأُولَى مَفْعُول لِفعل محذُوف أي أدوا الْفَرَائِضَ، والثَّانِيَة تُوكيد، وغَيْرَ مَجْهُولٍ صِفة «حَرَاماً» وأَمَامَكُمْ ظرف زَمَان مُتَعَلِّق بمحذوف خَبَراً لأن أي مَضُوا قَبْلَكُم.الْمَعْنَى:(إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ مَنح سُبْحَانَهُ الإِنْسَان الْعَقْل، والْقُدْرَة والإِرَادَة، وأَنزَل شَرِيعة تُهدِي إِلى حَلَالَه، وحَرَامِه بَيَنَّهَا عَلَى لِسَان نَبِيِّه كِتاباً، وسُنّة، ولم يدع عُذراً لمعتذر (فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا إِلَى حَيَاة لا صعاب فيها، ولا مشكلات، لأنّ كلّ ما فيه صلاح للنَّاس فهو خَيْر عِند الله، وكلّ مَا فِيهِ فَسَاد، وضَرر فهُو شَرْ عِنده تَعَالَى (وَأصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا) أى تَسْتَقِيمُوا عَلَى الطَّريقة المثلى.)
وتجدر الإِشَارَة إلى أنْ الْقُرْآن الكَرِيم يَهدف أوّلاً وقبل كلِّ شَيء إلى غرس الإِيمَان فِي الْقُلُوب ونموه، لأنه الدَّافع، والحرك إلى فعل الخير، وترك الشَّرَ، ومِن أجل التعليم وتربية النفوس عَلَى الْإِيمَانِ الْأَمْرِ الزَّاجِر - أَكْثَرَ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه من ضَرب الأَمْثَالَ: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (1).)(الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ، أَدُّوهَا إِلَى اللهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وتَشمل كلَّ مَا وَجَبَ، ولا تختص بالعبادات إلا في إصطلاح الْفُقَهَاء قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْكَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (2)... هَذَا إِلَى أَنَّ الْعِبَادَة لا، تُؤَدِّي بِأحدٍ إلى الْجَنَّةِ إِذَا لَمْ يَنته مَعَهَا عَن الفحشاء والمنكر، وأقصى ما هنالك أنّه لا يُحاسب عَلَيْهَا إنْ جَاء بها على الوجه الأكمل.)(إِنَّ اللهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ أي بيّن لا شُبهة فيهِ، فَيجب تركه، أما المشتبه فيُترك من باب التَّقْوَى، لأن الوقوع فيما يُرِيب يجر إلى الوقوع فيما يُعيب. قال الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «دَع مَا يُرِيبكَ إِلى مَا لا يُرِيبك» (3)أي دَع مَا يُلقِي الشَّك والقلق فِي نَفْسَكَ إِلى مَا يُوجب راحتها، وأطمئنانها (وَأَحَلَّ حَلالاً غَيْرَ مَدْخُولٍ) أي لا ضَرر في فعله، ولا في تركه. وفيه إيماء إلى أنّ الفِعْل لا يجب، أو يحرم، لأنّ سُلطة)
عُليا أرادت ذَلِكَ، وإنّ عَلينا أنْ نَسمع لها، ونُطِيع عَلى كُلِّ حَالَ حَتَّى ولو كان ضَرراً محضاً... كلاً، بل نَحْنُ نُطِيع السُّلطة العليا التي لدينا بالدَّلِيل القاطع أنَّها لا تأمر إلا بالطَّيِّبات، ولا تنهى إلّا عن الخبائث : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1). ومن هنا أجمع الْفُقَهَاء عَلى أَنه حِيمًا تَكُون المَصْلَحَة فَثَم شَرع الله.)### كَرَامَةِ الإِنْسَانِ:(وَ فَضَّلَ - الله - حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا، وَ شَدَّ بِالْإِخْلاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا. الْمُرَاد بِالْإِخْلاصِ، والتَّوْحِيدِ «الْإِسْلام»... ولكلِّ إِنْسَان حقُوق تجب مراعاتها عَلى كُلِّ النَّاس أيّاً كان دينه، ومَذْهَبه، ورأيه، كحقه في الحياة، وحماية مصالحه، وإنصافه، واعتباره بَرِيئاً حَتَّى تَثبت إدانته... ولأَهْل كلِّ مِلة ودين حقوق على بعضهم البعض يُحددها دينهم وشَرِيعتهم. ومن الحقوق التي فرضها الإِسْلَام عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُدافع جهد طاقته عن أي بلدٍ يَعتدِي عَلَيْهِ عَدُوّ الدِّين، والإِنْسَانِية إِذَا عَجْزِ هَذَا الْبَلَد عَن صَد الْعَدُو، ورَدعَه، ومِنْهَا أنّ للمُسلِم المعسر حقاً معلوماً في أَمْوَالَ الْمُسْلِم الموسر... إلى غَيْر ذَلِكَ من الحقوق الواجبة، والمندوبة.)(«فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ (2). هَذَا حَدِيث عَن رَسُول)
الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ. والمراد بالمُسْلِمِين هناكلّ النَّاس، وإِنما خَصّ المُسْلِمِين بالذكر لأنَّ الحَدِيث صدر في بيئةٍ إِسْلامِيّة، ويدل عَلَى إِرَادَة العمُوم قَوْله تَعَالَى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي عَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (1).. هَذَا، إلى جانب الأحَادِيثِ الكَثِيرة الآمْرَةِ بِكَفَ والأَذَى عَنِ النَّاسِ إطلاقاً، وإنّ مُجرد الكف صَدَقة يُثاب عَلَيْهَا بالرّغم أنّ عَدم كَفَّ الأَذَى سَلبٌ، وعَدَمٌ، ومن أَقْوَالَ الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «إن شرِّ النَّاسِ مَنزلة عند الله يَوْم الْقِيَامَة من يخاف النَّاسِ مِن شرّه» (2). وَقَالَ الْإِمَام في هَذِهِ الْخُطْبَة نَفْسَها : (اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلادِهِ). وكل الخلق عِبَادِهِ.)(وَلا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ ولا غَيْر الْمُسْلِم، كما أشرنا (إلا بِمَا يَجِبُ) لأنّ الإِنْسَان، أي إِنْسَان، في حمى مُحرم حَتَّى يَنتهك هُو حُرمة نَفْسه، وينتزعها بيده، ذَلِكَ بأَنْ يَعتدِي عَلى غَيْره، وعِندئذٍ ترتفع عنه الحصانة، ويقتص مِنْهُ القَانُون بقدر جنايته رَدْعاً للعُدْوَان، ودفاعاً عن حقوق الإِنْسَانِ : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةً يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (3).)(بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَهُوَ الْمَوْتُ. ضَمِير هو يعود إلى أمر الْعَامَّة والخاصة، والمَعْنَى بَادِرُوا إِلَى الْعَمَل الصَّالح قبل أنْ يَأْخذكُم الْمَوْت الذي لا يدع)
أحداً مِنكُم نَبِيَّاً كَان أم شَقِياً. وَقَالَ الشَّيخ مُحَمّد عَبْدَه : «أي عاجلوا أَمر اللْعَامَّة بالإصلاح... وفي تقديم الإمام أمر الْعَامَّة عَلى أمر الخاصَّة دَلِيل عَلى أَن الأَوَّل أهم، ولا يَتم الثَّاني إلا به، وهَذَا مَا تضافرت عَلَيْهِ الأدلة الشَّرْعِيَّة» (1. وقُول الشَّيخ صَحِيح فِي نَفْسِه، ولَكِنَّهُ بَعِيد عن سياق الكلام وظاهره، لأنّ الإمام فسّر مُراده صراحة من أمر الْعَامَّة، والخَاصَّة، وَقَالَ: «وَهُوَ الْمَوْتُ». وعَلَيْهِ يكون تَفْسِير الشيخ إجتهاداً فِي قِبال النَّص.)(فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ سَبقُوكُم إِلَى الْمَوْتِ وَ إِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ) الْقِيَامَة تَسُوقكُم إِلى الحِسَاب، والجَزَاء (تَخَفَّفُوا) من الذُّنُوب (تَلْحَقُوا) الأبرار في عِليين، وتَقَدَّم مثلهُ مَرَّات، وبالنَّص الحَرفِي (اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلادِهِ... إلخ) وكل البلاد بلاد الله، وكلّ النّاس عيال الله، وكلّ البهائم من خَلق الله، وحقها فَرض من الله، ونَحنُ مَسْئُولُون عَنْهَا، وعن آلامها أمام الله، فكَيْفَ بآلام الْعِبَاد والبلاد ؟.)إن الله سُبْحَانَهُ خَلق الحَيَوَان لمنفعة الإنسان، لا لكي يظلمه في طعامه، وشَرَابه، أو يَحمّله فوق طاقته، فكَيْفَ بالذين يُمارسون أعنف المعارك بأحدث الأسلحة المدمرة ضِد الشعوب المُسْتَضْعَفَة ؟. بل أنشأوا عِلماً خاصاً لنهب الْعِبَاد والبلاد، عِلماً لهُ خُطوطه، وقواعده، وأسلحته، وأسَاطِيله، وليس هَذَا العِلم آسم يدل عليه، ولكن له دولةٌ، ورجالاً، ورجاله أَصْحَاب الشركات الإحْتِكارية، وكلّ دولة تُساندهم هي دولة هَذَا العِلم الجَاهِل القاتل.
1) أنظر، شرح نهج البلاغة : 80/2.
## الخطبة - 168### أَمْسِكُ الأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ:يَا إِخْوَتَاهُ! إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَ لَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَ الْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدٌ شَوْكَتِهِمْ، يَمْلِكُونَنَا وَلَا تَمْلِكُهُمْ! وَهَا هُمْ هَؤُلاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ،وَالْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ، وَهُمْ خِلالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا، وَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ إِنَّ هَذَا الْأمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ، وَ إِنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةٌ - إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ - إِذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُورِ : فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ تَرَىٰ مَا لا تَرَوْنَ، وَ فِرْقَةٌ لَا تَرَى هَذَا وَ لا ذَاكَ، فَأَصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ، وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وَ تُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً، فَأَهْدَءُوا عَنِّي، وَ أَنْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي، وَلا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً، وَ تُسْقِط مُنَّةً، وَتُورِثُ وَهْنا وَ ذِلَّةً، وَ سَأُمْسِكُ الأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ. وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدِّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ.اللغة:المجلِبُونَ الْمُؤلِبُون، أو المجتَمَعُون. وشَوْكَتِهِمْ قُوَّتِهم وبأسهم وخِلالَكُمْ: فِيهَا
بَيْنَكُمْ. يَسُومُونَكُمْ: يُكلِّفُونَكُم. ومُسْمَحَةٌ : سَهلَة، ومُنقادة. والمنّةً - بضم الميم - الْقُدْرَة والمُرَاد بِالْكَى هُنا الْقَتْل.الإعراب:يَا إِخْوَتَاهُ «يَا» حرف نداء، والألف بدل عن ياء الإضافة، والأصل يَا إِخْوَتِي، والهاء للسَّكت، وكَيْفَ خَبَر مُقَدَّم، وقُوَّة مُبْتَدَاً مُؤَخَّر، والباء زَائِدَة، ولي مُتعلّق بمحذوف حالاً من الْقُوَّةِ، وَهَا هُمْ «هَا» للتنبيه، وَهُمْ خِلالَكُمْ «هُمْ» مُبْتَدَاً وخلالَكُمْ مُتعلّق بمحذوف خَبَراً، وجُملة يَسُومُونَكُمْ حَالَ، وَقَالَ بَعْض الشَّارِحِين : يَسُومُونَكُمْ خَبَر، وخِلالَكُمْ حَال، وهو اشتباه، ومُسْمَحَةً حَال من الحقوق، وَمَا اسْتَمْسَكَ «مَا» مَصْدَرِيَة ظَرفِيّة.الْمَعْنَى:قَالَ لِلْإِمَامِ بَعْض أَصْحَابِهِ : هَلاً عاقبت قوماً مِمَّنْ أَجْلَبُوا عَلَىٰ عُثْمانَ؟ فَأَجَابٍ بهذه الخطبة، وهي واضحة لا تحتاج إلى طولِ شَرح، وتتلخص بأنّ الَّذِين ثاروا عَلى عُثمَانَ لَيسُوا عِشرِين، وإنما هُم ألوف تَجمعوا من هنا وهناك... هَذَا، إلى جانب الوضع الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مع أَصْحَاب الْجَمَل، وصِفِّين، وقُوَّة الثَّائِرِين عَلى عُثمانَ، فأصبرُوا حَتَّى تَهدأ الثَّائِرة، وتقسيم الأُمور، وعندئذٍ نَنظر فِي أَمرِ من ثَار وأشترك في الْفِتْنَة.قال أحمد عباس صالح المصري: «تكاتف أَهْل الْكُوفَة، وأَهل مصر، ومن المؤكد أنّ كَثِيرِين من أَهْل المَدِينَة تكاتبُوا والمصريين، فجاءت الوفود من مضر،
والْكُوفَةِ، والْبَصْرَةِ» (1. ويدل هَذَا على الكثرَة الكَثِيرة الثَّائِرَة عَلى عُثمَانَ.)وقال عبد الكريم الخطيب المضري : «روى ابن سعد في طبقاته، والطبري في تأريخه : إنّ المصريين الَّذِينَ حَاصِرُ وا عُثمانَ كَانوا ستمئة»(2. وَقَالَ أيضاً: «كَان مَع الأَشْتَر أَلفَ رَجُل من الْكُوفَةِ... وتضاعفت هذه الأعداد إلى تلك الجموع التي أُجْلِب بها الثَّائرون من قبل في دفعات متتابعة، وتلاقت هَذِه الجموع عِند بَيْتَ عُثمَانَ حَتَّى سَدت الطرق، والمسَالِك» (3).)وإِذَا عَطفنا عَلى هَذِه الألوف أَصْحَاب الْجَمَل، وصِفِّين، وغَيْرهم كَان عَلى الإمام أنْ يُجارب في آن واحد الجمل، وصِفِّين، وأَهْل مصر، والْكُوفَةِ، وَالْأَعْرَاب، والعبيد... وهل هَذَا سَائغ في شرع، أو عقل ؟ وهل هو تكليف بمقدور ؟ والمنطق الصَّحِيح السَّلِيم مَا ذكره ابن أبي الحَدِيد في شرحه حَيْتَ قَال : «ثار مُعَاوِيَة، وأَهْل الشَّامِ عَلَى الْإِمَام مُطالبين بَدَم عُثمَانَ، ونَقَضَ طَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ الْبَيْعَة، ونَها أَمْوَالِ الْمُسْلِمِين فِي الْبَصْرَةِ، وقَتلا الصَّالحين من أَهْلها، ومَع هَذَا يَطْلُبُون من الإِمَام أَنْ يَقتص لعُثمَانَ، وكَان عَلَى مُعَاوِيَة، والزُّبَيْرِ، وطَلْحَةَ، ووَرَثَة عُثمَانَ أنْ يَدخلوا أوّلاً في طَاعَةِ الإِمَام، ثم يُحاكمُوا إِلَيْهِ المُتهمين بِدَم عُثمانَ، فإن حَكَم بِالحَقِّ أستديمت إمامته، وإِنْ حَكَم بالجُوْر تَعِين خَلعه، وهَذَا مَا طَلبه الإِمَام
1) أنظر، كتابه «اليمين واليَسَار في الإسلام»: 161. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) أنظر، كتابه «عَليّ بن أبي طالب» : 216، وما بَعْدَها. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، تأريخ الطَّبَرِيّ : 111/5، أَنْسَاب البلاذي : 64/5، أبن الأثير : 68/3، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 163/1 ابن كثير : 172/7، الفتوح لابن أَعْثمْ 396/2 تاريخ أبن خلدون : ق 1 ج 2 : 146، و : 186/5.
3) أنظر، كتابه «عَليّ بن أبي طالب»: 237، وما بَعْدَها. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
من مُعَاوِيَة حِيث قَالَ لَهُ : «فَأَدْخُلْ فِيَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ» (1.)ولو كان مُعَاوِيَة يُطالب حقاً بِدَم عُثمانَ، وبحكم الكِتاب، والسُّنَّة لاقتص من قاتليه بعدما تمَّ لَهُ الْأَمْر، ولَكِنَّهُ سَالمهم، وقَرّب إِلَيْهِ البَعض مِنْهُم، وأغْدَق عَلَيْهِمْ الأَمْوَال، كما قَال المؤرخون أمّا طَلْحَةَ والرُّبَير فقَد حَرّضا عَلَى عُثمَانَ، ثُمَّ طَالبا بِدَمه، كما هُو شأن الإنتهازيين مِن قَدِيمِ الزَّمَان. وتَقَدَّم الكلام عَنهما، وعَن مُعَاوِيَة مفصلاً، ومطولاً.
1) أنظر نهج البلاغة من كتاب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مُعَاوِيَة رقم (64).
## الخطبة - 169 -### سُلْطَان الإِسْلام:إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابِ نَاطِقٍ، وَأَمْرٍ قَائِمٍ، لَا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلا هَالِكٌ. وَإِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ إِلا مَا حَفِظَ اللهُ مِنْهَا. وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللهِ عِصْمَةٌ لِأَمْرِكُمْ، فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ، وَلا مُسْتَكْرَه بِهَا، وَاللهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلام، ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ الْأمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ. إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي، وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ : فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَىٰ فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ أَنْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللهُ عَلَيْهِ، فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا. وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَسِيرَةِ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - وَ الْقِيَامُ بِحَقِّهِ، وَ النَّعْشُ لِسُنَّتِه.)اللُّغة:المراد بالقائم هنا الْمُسْتَقِيم، وبهَالِك من لا يرتدعُ عن سَبِيل التهلكة، الْمُبْتَدَعَاتِ المُشَبَّهَاتِ: السَّيِّئَات البست ثوب الحَسَنَات. ويَأْرِزَ : يَرجع، وتَمالَئُوا : أَجْتَمَعُوا
وتَعَاوَنُوا. وفَيَالَةِ الرَّأي ضَعفَه والنَّعْشُ الرَّفع.الْإِعْرَابِ:غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ حَال من طَاعَتَكُمْ، ويَأْرِزَ مُضارع مَنصُوب بأنْ مُضمرة بعد حَتَّى، وَمَا لَمْ أَخَفْ «ما» مَصْدَرِيَّة ظَرفية، وحَسَداً مَفْعُول من أجله لطَلَبُوا.الْمَعْنَى:(إِنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابِ نَاطِقٍ، وَ أَمْرٍ قَائِم، لا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلا هَالِكُ يُشير بهذا إلى أنّه لا سَبِيل لنّجاح المُسْلِمِين، وتقدمهم إلَّا التمسك، والْعَمَل بِكتاب الله وسُنَّة نَبِيَّه، والتَّارِيخ يشهد بأنّ المُسْلِمِين كَانُوا خَيْر أُمَّة أخرجت للنَّاسِ حِين كَان الإِسْلاَم مَادَّة للتَّعليم في مدارسهم، ومَصْدَراً للأحْكام في محاكمهم وأساساً للعلاقات والمعاملات مع الغير، ومع بعضهم البعض.)(وَ إِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ إِلا مَا حَفِظَ اللَّهُ مِنْهَا. إِنَّ هَذَا البِدَع التي أُلبست ثوب الأجتهاد في الدِّين هي السَّبب الموجب لانقسام المُسْلِمِين وتخلفهم، والله سُبْحَانَهُ سيعاب غَداً بِمَا يَستحقون (الا مَا حَفِظَ اللهُ مِنْهَا) (أي وُقِي شرّ البدع بالتَّوْبَة، والإنابة (وَ إِنَّ فِي سُلْطَانِ اللهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ). إنّ التمسك بشرِيعة الله هو الأَسَاس لكيان المُسْلِمِين، وسُلطانهم، وهيبتهم (فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ، وَلا مُسْتَكْرَه بِهَا). أَطِيعُوا الله عَن طيب خاطر، وبلا رياء تستحقون عَلَيْهِ اللُّوم والعَذَاب.)(وَاللهِ لَتَفْعَلُنَّ، أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً.)
ربط الإِمَام بَيْنَ الطَّاعَة الخَالِصة الله، وبَيْنَ سُلطان الإسلام بحيث لا سُلطان إطلاقاً إلا بهذه الطَّاعَة، وأكد ذلِكَ بالقسم مع العِلم بأنّ سُلطان الإِسْلام ثبت من بعد الإِمَام للأُمويين، ثم للعباسيين، ولمن بَعْدَهم، أستمر مئات السنين بِلا طَاعة الله من الحَاكِمِين، ولا المحكومين. فمَا هُو الجَوَاب عَن ذَلِكَ ؟وأجاب الشارحون بأجوبة أنهاها البعض مِنْهُم إلى خمسة، ولا شيء مِنْها تَركُن إِلَيْهِ النَّفس، أو يدل عَلَيْهِ سِياق الكلام، وظاهره. والَّذِي نَراه فِي الجَوَاب أَنّ مُراد الإمام بالطَّاعَة هنا تسليم الخِلافَة لأهل البيت، وبِسُلطان الإِسْلام تطبيق أحْكامه وتنفيذها على الوجه الأكمل، وأضاف الإِمَام سُلطان الإسلام إلى المُسْلِمِين بالنَّظر إلى أنّ الإِسْلام للجميع لا لفئة دُونَ فِئَة، أو فَرد دُون فَرد، وعَلَيْهِ يَكُون المعنى أنّ سُلطان الإِسْلام هو الآن لِلْمُسْلِمِين جَمِيعاً، وسيظل ما دام الإِمَام هُو الخَلِيفَة، فإذا ذهب إِلى رَبِّه وانتقلت الخِلافَة لأهل الْبَيْت أستمر سُلطان الْإِسْلاَمِ لِلْمُسْلِمِين، وإلا تداولته الأبالسة فيما بَيْنَهُمْ، ولَن يَعُود إلى مَن يَجعل سلطانه للجَمِيعِ عَلى السّوَاء.(إِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ تَمَالَتُوا عَلَى سَخْطَةٍ إِمَارَتِي... إلى الْمُسْلِمِينَ. هَؤُلَاءِ إِشَارَة إِلَى الَّذِين قلبوا الأُمُور لِلْإِمَام يَبتغُونَ الْفِتْنَة كطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، ومُعَاوِيَة، والْإِمَام - بكلامه هَذَا - يُحدد موقفه مِنْهُم بأنّه يتجاهلهم، ولا يتعرض لهم بسوء، شَرِيطة أنْ لا يُلحق الغبن بالجماعة، والحقوق الْعَامَّة، أما إذا مَضُوا عَلَى الغَى، وضعف الرَّأى فإِنَّه لَن يَسكت عنهم بحال، وفِي هَذَا المَعْنَى قَوْله : «وَوَاللهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورٌ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةً» (1).)
1) أنظر، نهج البلاغة : الخُطْبَةُ (74).
(وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللهُ عَلَيْهِ... إلخ ثاروا عَلَى الْإِمَام لغل الحسد على منصب الخلافة التي أرجعها الله إِلَى أَهْلهَا (فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا). حاولُوا انتزاع الخلافة من الإمام، وإرجاعها إِلى غَيْره، كما كانوا يَفعلُون مِن قَبل وَ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَسِيرَةِ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وَ الْقِيَامُ بِحَقِّهِ، وَ النَّعْشُ لِسُنَّتِهِ) الضَّمِيرِ فِي حَقِّهِ، وسُنَّتِهِ يَعُود إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) -، والمراد بالنَّعْش رفع الشأن، وإغلاء الكَلِمَة، والمعنى أن لله، ولِلْمُسْلِمِين عَليّ حقاً أنا قائم بهِ، وهو الْعَمَلُ بِكتاب الله، وسُنَّة نَبِيِّه، وإعْلَاء كَلِمَة الرَّسُول، ورِسَالَته.)وبعد، فما لأحدٍ من الصَّحَابَة شيء من الاحترام، والقداسة خَلِيفَة كَان، أم غَيْر خليفة، ورحماً كان للنَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، أم غير رحم إلَّا بِالتَّقْوَى، وَالْعَمَل بِسُنَّة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الفِها إلى يَائها، ومُرَادنا بِسُنَّة الرَّسُول الأَعْظَمِ مَا أَتى بهِ على جهة الوجوب، ومن أَمْسَكَ عَن غَيْرُه مِمَّا فَعله النَّبِيِّ - وَسِعَته السُّنَّة، ولا تَجُوز نسْبَتَهُ إِلَى البِدْعَة، أمّا قَوْله : «مَن رَغِب عَن سُنتِي فَلَيْسَ مني» (1)فالمقصود مِنْهُ السُّنَّة الواجبة دُونَ المُستَحبَة، نَقُول هَذَا مَع العلم بأن بَعْض الرِّوَايَات أُطلقت كَلِمَة السُّنَّة على المستحب، وكَذَلِكَ أَكْثَرَ الْفُقَهَاء، أو الكَثِير مِنْهُم يَقُولون : هَذَا سُنَّة، وهُم يُرِيدُون النَّدب... ولكن قَوْله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «فَلَيْسَ مِنِي» دَلِيل عَلى إِرَادَة الوجوب من السُّنّة فقط.)
1) أنظر، صَحِيح البخاري : 1949/5 ح 4776، تفسير القرطبي : 261/6، صحيح ابن حبان : 20/2 ح 317، سُنن البَيْهَقِ الْكُبْرَى : 77/7 ح 13226، شعب الإيمان : 381/4 ح 5477، أعتقاد أهل السُّنَّة : 77/7 138، الترغيب والترهيب : 30/3 ح 2953، فتح الباري : 541/10 ح 5751، سبل السّلام: 3 / 110.
## الخطبة - 170 -### الرَّائِدُ لا يَكْذِب أَهْلِهِ:أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَ أَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلَإ، وَ الْمَاءِ، فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ، وَالْمَجَادِبِ، مَا كُنْتَ صَائِعاً ؟ قَالَ : كُنْتُ تَارِكَهُمْ، وَمُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلَا، وَ الْمَاءِ، فَقَالَ - (عَلَيهِ السَّلَامُ - : فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ : فَوَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ، فَبَايَعْتُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ).)وَ الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبِ الْجَرْمِيِّ.اللغة:الرَّائِدُ : رَسُول الْقَوْمِ يَنظر هُم مَكَانَاً للنزول. والْكَلَا : الرَّبيع. المَعَاطِشِ : مُوَاضع العَطَش. وَالْجَادِبِ : مُواضع الجَدْب، والحل.الْإِعْرَاب:المصدر مِن أَنَّ الَّذِينَ فَاعِل لفعل تحذُوف أي لو ثبت كُون الَّذِينَ.. إلخ، ورَائِداً
حال، ومَا كُنْتَ «ما» للإستفهام مُبْتَدَأ، وجملة مَا بَعْدَها خَبَرَ والمَجمُوع جواب لو.الْمَعْنَى:قَال الشَّرِيفَ الرَّضِي : إنّ قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَرْسَلُوا رَجُلاً إِلَى الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ: لِيَعْلَمَ لَهُمْ مِنْهُ حَقِيقَة حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ الجَمَلِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ مِنْ نُفُوسِهِمْ، فَبَيَّنَ لَهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : بَايِعْ، فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ، وَلَا أُحْدِثُ حَدَثاً حَتَّىٰ أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ.)فقال لهُ الْإِمَام : (أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ... إلخ أرْسَلُوك لِتَبحَث عَن مكان الأمن، والخصب، وتَر شدهُم إِلَيْهِ، وقد بحثت، وأهتديت، وأَرْشَدتهُم إِلى مَا يَبتَغُون، فلو خَالِفُوكَ وذَهَبُوا إِلَى مَكَانِ الجذب، والخَوْف، فهل تذهب معهم، أو إلى مكَانِ الخصب، والأمن الذي شاهدته بنَفْسَكَ ؟ فقال الرَّجُل : بل أتْرُكهُم وأذهب إلى مَا رَأيتُ، وشاهدتُ. فقال له الإِمَام : إِذا امْدُدْ يَدَكَ وبَايَعَ فَأَسْتجَاب، وَقَالَ : فَوَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ. وهَكذا كلّ من طَلب الحَقِّ لوجه الحَقِّ، يُؤْمِن بسهولة وتلقائياً إذا قام البُرهان، أما صاحب الميول، والأهواء فِيقَع في التِّيه، والضَّلال مُدَّة حياته.)
## الخطبة - 171 -### دُعَاء :أَللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَ الْجَوِّ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغيضاً لِلَّيْلِ وَ النَّهَارِ، وَمَجْرى لِلشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ، وَجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سبْطاً مِنْ مَلَائِكَتِكَ، لَا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ، وَ رَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً للأنام، وَمَدْرَجاً لِلْهَوَام، وَالْأَنْعَامِ، وَ مَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَمَا لا يُرَى، وَرَد الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً، وَ لِلْخَلْقِ أَعْتِمَاداً، إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ، وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ، وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَأَرْزُقْنَا الشَّهَادَةَ، وَ أَعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ.أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذَّمَارِ، وَ الْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ الْعَارُ وَرَاءَكُمْ، وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ !اللغة:الجوّ : الْفَضَاء بَيْنَ جُرمِين، أو أَكْثَر. والمغيض : مُجتمع الشجر في الماء.
والهَوَامَ : الحَشَرات، والأَفَاعِي. والدِّمَارِ : مَا تَلزم حمايته، والدفاع عنه. وَالْغَائِرُ : مَن يُغار عَلَى نِسَائه. والْحِفَاظِ : الوَفَاء، ورعاية الذِّمم.الْمَعْنَى:(أَللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ أي رَبِّ السَّمَاوَاتِ، وَهِي سَقْف بِالنَّظر إلى العِلُو وفِي رُؤيَة الْبَصَر لا في الواقع، تماماً كما نَرَى الشَّمْس تَدُور مِن المَشرِق إِلَى المَغرِب، والأَرْض ساكنة مُستريحة مَع أَنَّهَا تَدُور بنا، والَّذِي نَرَاهِ فُوقها كَان قَبل سَاعَات تحت أقدامنا، والَّذِي عَلى يَميننا كَان قَبل قَلِيل عَلى يَسارنا (1). (وَ الْجَوِّ الْمَكْفُوفِ، الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْل وَالنَّهَارِ). بَيْنَ الشَّمْس، والْأَرْضِ فَضَاء وهَذَا الْفَضَاء يُسمى جوّاً، أما اللَّيْل، والنَّهَارِ فَهما وصفان، أو أثران لدوران الأَرْضِ فِي مُحورها مرَّة وَاحِدَة في الْيَوْم الواحد، وبهذا يتعاقب عَلى أَطْرَافِهَا النُّور الَّذى نُسميه نَهَاراً، والظَّلام الَّذي نُسمِية ليلاً، وإذَنْ فَاللَّيْل، والنَّهَار تابعان لا مُستقلان، يحدث الْأَوَّل في الجوّ لطَّرف الأَرْض غَير المقابل للشَّمْس، ويحدث الثاني في الجو المحاذِي لطَّرفها المقابل للشَّمْس.)وبهذا يَتَبَيَّن معنا أنْ اللَّيْل، والنَّهَار موجُودَان فِي الْأَرْضِ فِي آنٍ واحد، لكن كُلاً مِنْهَا في طَرفٍ مِنْهمَا، وكلّ النَّاس يَعرفون أنّ لِيْل الشرق نهار في الغرب، وبالعكس، وقد عبّر الإِمَام عَن يَجْمَعَ اللَّيْل، والنَّهَار في زَمَان واحد، عبّر عنه بالمغيض من باب الإستعارة من المكان إلى الزَّمَان (2. أَمَّا كَلِمَة مَكفُوف فَإِنَّهَا تُشِير)
إلى أنّ الكواكب الموجودة فِي الْفَضَاء مَكفُوفة، وتمنُوعَة عَن الفوضى والسقوط، وإنّه تَعَالى قد أمسكها بتوسط الجاذبية (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (1).)(وَمَجْرى لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ. الشَّمْس تَدُور حَوْلَ نَفْسها، والْأَرْض تَدُور حَوْلَ الشَّمْسِ الْقَمَر يَدُور حَوْلَ نَفْسه وحَوْلَ الْأَرْضِ، وَالجَوّ هُو السَّبِيل الَّذي يُمهد لدوران الشَّمْس، والْقَمَر، والْأَرْضِ، وغيرها من الكواكب، والأَجْرَام، ولولاه لتعذرت الحركة بشتّى أنواعها، أما الكواكب السَّيَارة فينْها عَطارد والزهرة، والمريخ، والمُشتَرِي، وزُحل وغيرها، وتُسمى هذه بالمجموعة الشَّمْسِية.)وبعد، فإنّ المدبر الأَعْظَم سُبْحَانَهُ خَلق الكَوْن، وأودَع فيهِ القَوَانِين تَفعل فعلها، وتحدث أثرها المطلوب بدقةٍ، وعناية، وفي كلّ آنٍ، ولحظة، وإِذَا كَان هَذَا مِن غَيْر قصدٍ، وهَدفٍ لَم يبق أي فرق بَيْنَ الفوضى والنظام، وبَيْنَ مَا تَجمعه الرِّياح من تلول الرِّمَال فِي الصَّحراء، وبَيْنَ المدن، والعواصم.(وَ جَعَلْتَ سُكّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلَائِكَتِكَ، لا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ... إلخ وهُم عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وبِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ هَذَا نُؤمن به، ولا خبرة لنا بحقيقة الملائِكَة، وحياتهم، ولا نَقُول عَن جهل، أما تَفْسِير الْكَلِمَات التي جاءت في وصفهم فَتَقَدَّم(2). (وَ رَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً للأنام... إلخ) نَحْنُ، والحَيَوَانات، والطُّيُور، والحشرات، وما نعرف ولا تعرف من المخلوقات)
الْأَرْضِية، الكلّ من تُربة هَذِهِ الْأَرْضِ تُسيطر على حركاتهم، وسكناتهم، ثُمّ تطويهم في جوفها إلى أنْ يُبدل الله الأَرْضِ (وَ رَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً... إلخ للجِبَال منافع، مِنْهَا أنّ الإِنْسَان بها يعتصم من السيول، والغارات، وإِنَّهَا تُفجر الْعُيُون كما سيق فِي الْخُطْبَة (91)، وأهم منافعها إطلاقاً أنّ الْأَرْضِ لَوْلاَ الجبال لزادت جاذبية الشَّمْس لَهَا، وتناثرت بِمَا فِيها فِي الْفَضَاء أشلاء، وهَبَاء (وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِى أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (1).)(إنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ... إلخ مَهْد الإِمَام أولاً بالتَّضرع إلى الله،سُبْحَانَهُ، وأثنى عليهِ، سَأله مُخلصاً أَنْ يُجَنْبَه الْبَغْى، ويُسدده لإقامة الحق، ونُصرة الْعَدْلِ إِنْ كَتب لهُ الغَلبة عَلى أعْدَائه، وإنْ كَان قد قضى لهم بنصر دونه فَليمُنَّ عليه بالشَّهادة في طَاعته، والْعِصْمَة عن مَعْصِيَته، وهَذَا الإبتهال، والسُّؤال يُوحى بما يلي :)1 - شعُور الْإِمَام بِجلال الله، وعَظَمَته، وثقته بعدله ورحمته، وخَوْفه من غصبه، وعذابه.2 - أعراض الإمام عن الدُّنْيَا وزُهده في الحكم، والسُّلْطَان، بل والتَّفُوق على الأعْدَاء، وتفويض أمْرَه إِلى الله في كلِّ شيء، ولا يطلب مِنْهُ شَيْئَاً حَتَّى النَّصر عَلَى الأعْدَاء إِلّا شَيْئَاً واحداً، وهو الرّضا، وبالخصوص ساعة المَوْت، ولأنّ الشَّهادة أفضل الطَّاعات على الإطلاق، ولذا طلب من رَبِّهِ أَنْ يَجعلها خاتمة حِيَاته.
1) النَّخل : 15.
3 - إِنْ كَانَ الله سُبْحَانَهُ قَد كَتب لهُ النَّصر عَلَى أَعْدَائِه فَلْيَكُنْ مَعَ النَّصر التوفيق لإقامة الحق، والْعَدْل، والانتصاف للمظلُوم... و هَذَا هُو الفرق بَيْنَ عَليّ، وبَيْنَ النَّاس، كلّ شَيْء عِنده وسيلة لطاعة الله، ومرضاته : الجاه، المال، السُّلْطَان، النَّصر عَلى الأَعْدَاء الْحَيَاة، أمّا النّاس فكلّ شيء عِندهُم حَتَّى الدِّين - إلى التّفاخر، والتّكاثر، والتّشفى، والانتقام. وجملة القَوْل أنه لا فرق أَبَداً عِند الإِمَام بَيْنَ أَنْ يَنتصر، أو ينهزم في هَذِهِ الْحَيَاة، ومَثَله الأعلى مرضاة الله، ومن أجلِ هَذَا لا يقبل عَليّ بن أبي طالب النَّصر عَلى أعْدَائه إلّا بشرط التوفيق لإحقاق الحق، وإبطال الْبَاطِل.(أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذَّمَارِ، وَ الْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ.... إلخ هَذَا حَثّ مِنْهُ لأصحابه على الجد في الجهاد وإن جزاءهم عند الله الفوز والنجاح دُنِياً وآخرة إن استجابوا طَائِعِين، وإلا عاشوا في الحياة الدُّنْيَا أذلاء صَاغِرِين، وهُم في الآخِرَةِ عَذَابٌ أَلِيم.)
## الخطبة - 172 -### الْإِمَام وَقُرَيْش... فِقْرَة 1:الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً، وَلا أَرْضُ أَرْضاً.وَ قَدْ قَالَ قَائِلُ : إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ، فَقُلْتُ : بَلْ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ لَأَخْرَصُ وَأَبْعَدُ، وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ، وَإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقَّا لِي وَأَنْتُمْ تَعُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، وَ تَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ. فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلَا الْحَاضِرِينَ هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ !أَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ مَنْ أَعَانَهُمْ ! فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَصَغَرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي. ثُمَّ قَالُوا : أَلا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ (1.)اللُّغة:لا تُوَارِي : لا تَعْجب. قَرَّعْتُهُ: مِن القَرع بالعَصا. هَبَّ هَاج، وثار. بُهِتَ : أَخذ بغتة.
الْإِعْرَابِ:لَحَرِيصٌ خَبَر إِنَّكَ، وعَلَى هَذَا الْأَمْرِ مُتَعَلقَ بهِ، وَالْمَصْدَر من أَنْ تَأْخُذَهُ أسم إِنَّ وَفِي الْحَقِّ «في» معناها السَّببية أي لكَ أخذَ هَذَا الأَمر بسبب الحَقِّ.الْمَعْنَى:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً، وَلا أَرْضُ أَرْضاً... إلخ لو تراكمت الكواكب بكلامها الواحد مِنْهَا فُوق الآخر لكان عِلمَه تَعَالى بالأدنى الحجوب تماماً كعِلمه بالأعلى المكشوف، والقصد أنّ الله سُبْحَانَهُ مُحيط بكلّ شيء.)ولا يحجب عِلمه شيء. (وَ قَدْ قَالَ قَائِلُ : إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ... إِلَى مَا يُجِيبُنِي يه !. نقل ابن مِيثَم وهو يشرح هَذَا المقطع من الخُطْبَة - عِبارة ابن أبي الحَدِيد بالحرف، واستوعبت أكثر من صفحة دُونَ أنْ يُشير إلى المَصْدَر، كما هو شأن الأَوَّلين، أو أكثرهم !.. وروى ابن أبي الحديد : «إنّ الَّذي قَالَ لِلْإِمَام : «إِنَّكَ لَحَرِيصٌ عَلَى الخِلافَة هو سعد بن أبي وقاص، وإنْ هَذَا الكلام جَرى مِنْهُ يَوْم الشُّورَى، وقيل : بل الَّذِي قَال هَذَا لِلإِمَامِ هُو أبو عُبَيْدَة ابن الجراح، وإِنه خَاطب بهِ عَلِيَّاً يَوْمِ السَّقِيفَة (1)... وأيّاً كان القائل فقد أجابه الإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لَا يُعَابُ المَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقٍّهِ إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ» (2)، كما فعل أَصْحَاب هَذَا القَائل فأُفحم، وأهتزت أعصابه لا يدري ما يَقُول.)
ويَدلنا هَذَا الحوار أنَّ الصَّحَابَة كانوا يختلفُون، ويَتَنَاقضُون فِي الرَّأي، ولكن اختلافهم كان يقف عِند حَدّ النقاش والحوار، وقرع الحجة بالحجة، ولا يتجاوزه إِلى سَفك الدِّمَاء، والاحتكام إلى السَّيْف حَتَّى كَان من طَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، ومُعَاوِيَة مَا كَان حَيْث حولوا سَيْف الإِسْلام، وبأسَه من أعدائه إلى أوليائه، وفتحوا باب الحَرْب بَيْنَ أَهْل القِبلة.(أَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ مَنْ أَعَانَهُمْ ! فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا... إلى هُوَ لِي. تَألبت قُرَيْش عَلى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتفننت في أذاه، والتنكيل بمن صدق، وآمن به. فأستمت النَّبِيِّ - والعياذ بالله - مجنُوناً، وكاهناً، وطالب مُلك، وتُمْ شَرَدَته من مَوْطِنه، ثُمَّ جَمعت لحزبه في بَدْرٍ، وأحدٍ، والأَحْزَابِ، وأخيراً اسْتَسلم طُغاتها للقُوَّة، ومَا أَسْلَمُوا، بل نافقُوا، وأرجفُوا، وبعد أن انتقل النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إلى الرفيق الأعلى، وسَنحت الْفُرْصَة لقُرَيْش مَثلّت نَفْس الدَّور مع حبيبه، ووصيه، أجمعت عَلى مُنازعته في الخلافة، وتناقلتها من يَدٍ إِلى يَدٍ، ولما عادت إلى عَليٍّ أَعلَن عليهِ الحَرْب مَن أعلن من قُرَيْش، ونافق مِنْهَا مَن نَافق تماماً كما فعلت مع سيد الكَوْنِين من قبل.)(ثُمَّ قَالُوا : - أي قُرَيْش - أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ.ويصدق هَذَا عَلى أَصْحَاب الْجَمَل الَّذِين خَرجُوا يَجرّون زَوَّجَةِ الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كما تأتي الإِشَارَة بلا فاصل، يصدق عَلَيْهِمْ لأنهم بايعوا الإمام، ثُمَّ نَكثوا البَيْعَة. فحُجّتهم بأنّ بيعتهم له تُشكل أعترافاً مِنْهُم بأن الخلافة حق من حقوقه، لا يَنْبَغِي لأحدٍ أنْ يُنازعه فيها، وثورتهم عَلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ تُشكل أعترافاً بأنّ الإمام لا حق لهُ في الخلافة، وإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتنازل عَنْهَا!... وهَذَا هُو التهافت، والتَّناقُضِ بِعِينَه.)
### أَصْحَاب الْجَمَل... فِقْرَة 2:فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ- كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَبِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا، فِي جَيْشِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَ قَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَ سَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهِ، فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا، وَ خُزَانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً، وَ طَائِفَةً غَدْراً. فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ، بِلا جُرْمٍ جَرَّهُ، لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ، إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا، وَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَ لا بِيَدٍ. دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِى دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِم (2) !)اللُّغَة:الْمُرَاد بِحُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ، وحَبِيسَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ زَوْجَته. والأَصل فِي مَعْنَى الصَّبر الحَبْس، والْقَتْل صَبْراً : الْقَتْل بَعد الحبس. والْغَدْر : الخيانة. والْعُدَّةِ - بضم الْعَيْن - الاستعداد، وبكسرها العدد، والجماعة.)الْإِعْرَاب:طَائِعاً حال من الضَّمِيرِ فِي سَمح، وغَيْرَ مُكْرَةٍ صِفَةٌ مُؤكدْ لِطَائِع، وصَبْراً، وغَدْراً مَفْعُول مُطلق لِقَتَلُوا مُبِيناً للنَّوْع مثل جلستُ القُرفصاء، ورَجُلاً مَفْعُول يُصِيبُوا، ومُعتمدين حال من واو يُصِيبُوا. ودَعْ مَا أَنَّهُمْ «مَا» زَائِدَة.
الْمَعْنَى:(فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تُجَرُّ الأمَةُ... إلَى الْبَصْرَةِ). أخرج طَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ من خدرها، وأَرْكَبَاها الجَمَل لِيُؤدي مُهمة قيص عُثمَانَ الَّذِي نَشره مُعَاوِيَة فِي بَلاد الشام لِكَسب الأصوات، وعَلى الأصح لِكَسب السُّيُوف، والرَّمَاحِ ضِدٌ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّل بِدْعَة فِي الإسلام، وتليها الشَّهادة بأنّ الكِلاب النابحة عَلى الجَمَل لَيْست كِلاب حَوْأب (1).)
1) ذكر قِصَّة الجَمَل، وكلاب الحوأب، الطبري في تأريخه : 475/3 باختلاف بسيط في اللفظ، وخلاصتها :أعطى يعلى بن منية عَائِشَة جملاً أسمه عسكر أشتراه لها بمنتي دينار، وقيل: بل كانَ الجَمَل لرجل من عرينة، قَالَ العريني: بينما أنا أسير على جمل لي إذ عرض لي والبة بن الحباب قَالَ : أتبيع جملك ؟ قلت : نعم، قال : بكم ؟ قلت: بألف درهم، قَالَ : أمجنون أنتَ ؟ قلت : ولم وأنا والله ما طلبت عَلَيْهِ أحداً إلا أدركته ولا طلبني أحد إلا فته، قَالُوا : لا تعلم لمن نريده.)وأتفقت المصادر التَّارِيخية على أنّ اسم جَمل أمّ المُؤْمِنِينَ يسمّى «عسكراً» وكان عظيم الخلق شَدِيداً، فلما رأته أعجبها، وأنشأ الجمال يحدّثها بقُوَّتِه، وشِدَّتِهِ، ويَقُول في أثناء كَلامه «عسكر» فلما سمعت هذه اللفظة أسترجعت، وقالت ردّوه لا حَاجَة لي فيه، وذكرت حين سُئلت أنّ رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ذكر لها هَذَا الإسم، ونهاها عن ركوبه وأمرت أن يُطلب لها غيره، فلم يوجد لها ما يشبهه فغيّر لها بجلالٍ غَيْر جَلاله، وقيل لها قد أصبنا لك أعظم مِنْهُ خلقاً، وأشدّ مِنْهُ،قوّة، وأتيت به فرضيت : (أنظر شرح النهج لابن أبي :الحديد: 224/6، وبحار الأنوار: 138/32).)وأضاف أبن أبي الحَدِيد في: 227/6 أنْ عَائِشَة ركبت يَوْم الحزب الجمل المسمّى عسكراً في هودج قد ألبس الرّفوف، ثم ألبس جلود النمر، ثم ألبس فوق ذَلِكَ دروع الحديد ومثل ذَلِكَ جاء في تاريخ ابن أَعْثَمْ: 176. وزاد الطَّبَرِيّ تأريخه : 212/5 وأبن الأثير : 97/3 أنّ ضَبَّة، والأزد أطافت بعَائِشَة يَوْم الجمَل وَإِذَا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمَل يفتونه يكسرونه بأصَابِعِهِمْ - ويسمونه ويَقُولُونَ : بعر جمل أمنا ريحه ريح الميسك..مع إضافة : لو تعلم لمن تريده - أي الجَمَل - لأحسنت بيعنا. قال : قلت : ولمين تُريده ؟ قال لأمك.قلت : لقد تركت أُمّي في بَيْتِها قاعدة ما تُريد براحاً، قال : إنما أريده لأمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة، قلت : فَهُوَ لك فخذه... وزادتي أربعمئة أو ستمئة درهم.وأضاف الطَّبَرِيّ أيضاً : فَقَالَ لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق ؟ قال : قلت : نعم أنا من أدرك النّاس، قَالَ فسر معنا، فسرت معهم فلا أمر على وادٍ ولا مَاء إلا سألوني عَنْه حَتَّى طرقنا مَاء الْحُوْاب قنبحتنا كِلابها قَالُوا : أي مَاء هَذَا؟ قلت: مَاء الْحُوْابِ. قَالَ : فصرخت عَائِشَة بأعلى صوتها ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ثم قالت أنا والله صاحبة الحوأب طُروقاً رُدّوني - تقول ذَلِكَ ثلاثاً - فأناخت وأناخوا حولها وهم على ذَلِكَ وَهِي تأبى حَتَّى كَانَتْ الساعة التي أناخوا فيها من الغد. قال فجاءها أبن الزُّبَيْرِ فَقَالَ : النّجا النّجا فقد أدرككم والله علي بن أبي طالب. قَالَ : فأرتحلوا وشتموني فانصرفت..وذكر أبن أَعْثَم في الفتوح : 1 / 460 بعد أن ذكر الْوَاقِعَة أنْ عَائِشَة قد تَقَدَّمَت فيمن مَعَهَا مِن النَّاسِ، حَتَّى إِذا بلغت إلى ماء الجواب وذَلِكَ في وقت الشحر نبحت الكلاب، فسمعت عَائِشَة رَجُلاً من أَهْل عسكرها يسأل ويَقُول : أي ما هَذَا ؟ فقيل له : هَذَا مَاء الْحُوْاب، فقالت عائشة: ردّوني، فقيل لها ولم ذَلِكَ ؟ فقالت : لأني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وهو يَقُول كأني بإمرأة من نسائي تنبح عَلَيْها كلاب الجواب، فاتقي الله أن تكوني أنتِ يا خيراء. قَالَ: ونزل الْقَوْم هنالك، فما أَصْبَحُوا إِذًا عبد الله بن الزبير قد أتى بخمسين رجلاً يشهدون عندها أنّ هَذَا الماء ليس بماء الحوأب وأنهم قد جاوزوا مَاء الْحُواب بليل، قَالَ : فَكَانَتْ هَذه الشهادة أَوَّل شهادة زور شهد بها في الإسلام.)وَقَالَ أبو مخنف : ولما انتهت عَائِشَة في مسيرها إلى الحواب - وهو ماء لبني عامر بن صعصعة - نبحتها الكلاب حَتَّى نفرت صعاب إبلها، فَقَالَ قائل من أصحابها ألا ترون ما أَكْثَر كلاب الحوأب وما أشدّ نباحها ؟ فأمسكت عَائِشَة زمام بعيرها، وقالت : وإِنَّها لكلاب الحوأب، ردّوني ردّوني، فإنّي سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُول : كَيْفَ بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحواب... فَقَالَ لها قائل: مهلاً يرحمك الله، فقد جُزنا ماء الحوأب، فقالت: فهل من شاهد ؟ فلفّقوا لها خمسين أعرابياً، فجعلوا لهم جعلاً فحلفوا لها أن هَذا ليس بماء الحوأب، فسارت عَائِشَة لوجهها. (انظر شرح النهج لابن أبي الحديد : 225/6، مروج الذهب: 366/2. البحار : 139/32، أعيان الشيعة : 451/1 تأريخ الطبري: 178/5، وط أوروبا : 3127/1).)وقد روى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس كما أخرجه ابن كثير في تأريخه: 212/6 والسيوطي في خصائصه: 137/2 :قَالَ: قَالَ رسول الله، ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجَمَل الأديب، تسير حَتَّى تنبحها كلاب الحواب ويُقتل عن يسارها وعن يمينها خلق كثير... ثم تنجو بعد ما كادت ؟ فضحكت عَائِشَة فَقَالَ لها : أنظري يا حميراء أنْ لا تكوني أنت تقاتلين عَليَّاً وأنتِ له ظالمة.... وعلّق أبن عبد البر على الحديث في الاستيعاب عندما ترجم لعَائِشَة قائلاً : وَهَذَا الحديث من أعلام نُبُوَّته وعصام - ابن قدامة - أحد رواة الحديث - ثقة وسائر الأسناد أشهر من أنْ يَحتاج لذكره.وروى البيهقي عن أم سلمة قالت : ذكر النّبي خروج بعض أمهات المؤْمِنِينَ فضحكت عَائِشَة فَقَالَ لها : أنظري يا حميراء أن لا تكوني أنتَ، ثم التفت إلى عليّ وَقَالَ : يا علي إن وليت من أمرها شَيْئاً وأرفق بها. أخرجه ابن كثير في : 112/6، والسيوطي في خصائصه: 136/2، والخوارزمي في المناقب تحت عنوان قتال أَهْل الجَمَل، والمُسْتَدرَك : 119/3، والإصابة : 62، والعقد الفريد لابن عبد ربّه : 108/3، والسيرة المحلبية : 320/3.وفى مُسْنَد أحمد : 97/6 أنّ الرُّبَيْر قَالَ عند ذَلِكَ : ترجعين عسى الله عزّ وجل أن يصلح بك بين النّاس. قَالَ ابن كثير : 230/7 وَهَذَا أسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي المستدرك: 120/3: قَالَ الزُّبَيْر : لا تقدمي ويراك النّاس... الحديث. وفي الطبري: 485/3 عن الزهري : فأرادت الرُّجُوع فأتاها عبدالله بن الزبير... وفي البداية والنهاية لابن كثير : 230/7 أنّ الزُّبَيْرِ قَالَ لها : إنّ الَّذي أخبرك أن هَذَا ماء الْحُواب قد كذب. وروى ذَلِكَ أبو الفداء في تاريخه: 173.أما المسعودي في مروج الذهب : 7/22 فقد ذكر أن أبن الزُّبَيْرِ قَالَ : بالله ما هَذَا الْحُواب ولقد غلط في ما أخبرك به، وكَانَ طَلْحَةَ في ساقة الناس فلحقها، فأقسم أن ذَلِكَ ليس بالحواب... وفي تاريخ اليعقوبي : 157/2 والكنز : 83/6 أنْ عَائِشَة قالت ردّونى ردّوني... فأتاها الْقَوْم بأَرْيَمِين رجلاً فأقسموا بالله أنه ليس بماء الحواب.ومن أراد المزيد فليراجع أبن الأثير في مَادَّة (الحوأب من كتابه النهاية، والزَّمَخْشَري في الفائق. والحموي في معجم البلدان وأبن الطقطقي في الفخري: 78ط المصرية، والزبيدي : 195/1 و 244، ومُسْنَد أحمد: 52/6،و 97، وأبن أَعْثمْ في : 168، والسَّمعَاني في ترجمة الحوأبي في الأنساب، والسيرة الحلبية : 320/3، ومُنتخب الكنز : 444/5.)وَقْفَةُ قَصِيرَة مَع الطَّبَرِيّ :بعد كلّ هَذَا وذَاكَ لا ندري مِمَّنْ جاء المؤرخ الْكَبِير الطَّبَرِي في تأريخه: 495/2 - 497 أو في: 1901/1 ط أوروبا من حوادث السنة الحادية عشرة للهجرة وفي «ذكر ردّة هوازن وسليم وعامر» أنّ أم زمل سلمى بنت مالك بن حُذَيْفَة بن بدر الفزارية أم قرفة الصغرى ابنة عم عيينة بن حصن - كما جاء الْإِصَابَة : 315/4 - قيل : هي حفيدة أم قرفة وقيل : كَانَتْ تُشبَّهُ بالعز (بأُمِّها أم قرفة الْكُبْرَى - التي قتلها زيد بن حارثة لما سبئ بني فزارة، وكَانَتْ سلمى سبيت فأعتقتها عَائِشَة ودخل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهي عندها فَقَالَ : إن إحداكن تستنبح كلاب الحوأب، قَالُوا : وكَانَ يُعلَّق في بَيْت أُم قرفة خمسون سَيْفاً لخمسين رجلاً كلّهم لها محرم ما أدري أهَذِه ؟ أُمّ أُمّه قرفة الْكُبْرَى» أنتهى كلام صاحب الإِصَابَة.)وأورد السَّيّد العلّامة مرتضى العسكري في كتابه خمسون ومئة صحابي مختلق : 234/2 ط صدر، خبران :أحدهما في طبقات ابن سعد وعلّق عَلَيْهِ اليعقوبي. وروى أبن هشام، والطبري أيضاً، والمقريزي وخلاصته أَصَابَ سلمة بن عَمْرُو بن الأكوع بنت أم قرفة في تلك الغزوة - غَزْوَة زيد بن حارثة إلى الشّام - فوهبها لرسول الله فأهداها النّبي لخاله حزن بن أبي وهب، فولدت له عبدالرحمن بن حزن.أما الخبر الثاني فقد أورده الطبري في ذكر ردة هوازن وسليم وعامر وهو الخبر الذي ذكر فيه أنّ أُمّ زمل سلمى بنت مالك هي صاحبة الجَمَل حين قَالَ : وعندها جمل أم قرفة فنزلوا إِلَيْهَا فَدمَّرتهم، وأمرتهم بالحزب، وصعدت سائرة منهم، وصوبت تدعوهم إلى حزب خالد... وساق الحديث إلى أنْ قَالَ: ففعلت ذلِكَ سلمي حين أرتدت فسيّرت في ما بين ظفر، والحوأب لتجمع إِلَيْهَا كل فلّ، ومضيق عَلَيْهِ من تلك الأحياء. فلما بلغ ذَلِكَ خالداً سار إلَيْهَا، واقتتل الفريقان... وهي واقفة على جمل أُمِّها... فأجتمع على الْجَمَل فوارس فعقروه، وقتلوها، وقتل حَوْلَ جملها مئة رجل... وأورد الحموي هذه الرواية أيضاً في كتابه معجم البلدان، وأبن البلدان، وأبن حجر في الإصابة ولَكِنَّهما لم يسندوها إلى راويها كما يقول العلامة العسكري في كتابه عبد الله بن سبأ : 1/ 214 ط 5 دار الزهراء بيروت.ثم يضيف العلامة العسكري : أنّ قِصَّة أُم قرفة كَانَتْ في سَرِيَّة زيد إلى بني فزارة في السنة السادسة من الهِجْرَةِ. فقتل المقاتلة، وسنى النِّسَاء والذَّرّية، وكَانَ الحُذَيْفَة بن بدر ثلاثة عشر ولداً قتلوا وأبنة أسمها جَارِيَة سبيت فأهداها النبي إلى خاله....أنظر المصادر التالية : أبن هشام في السِّيرة 291/4، طبقات ابن سعد : 90/2 ط بيروت، تأريخ اليعقوبي : 44/2 ط بيروت تأريخ الطبري: 83/3 وط أوربا : 1558/1، والمحبر لمحمد بن حبيب 490، وعُيُون الأثر : 111/22 والإمتاع : 269، وجمهرة أَنْسَابِ الْعَرَب : 245. وأما أبن حجر فإنّ ماأورده في : 325/4 من ترجمة سلمى أمّ زمل فأنها مستخرجة من أحاديث سَيْف...ونكتفي بنقل كلام العلّامة العسكري حين قال في : 214/1 من كتابه عبد الله بن سبأ الطبعة الخامسة : ولا أدري من أين جاء سَيْف بسلمى أُمّ زمل إلى عَائِشَة وكَيْفَ أخرجها إلى ظفر، والْحُوْابِ. وَكَانَ قَوْم حُذَيْفَة بوادي القرى بين الشام، والمدينة، والحوأب على طريق الْبَصْرَة... إنّما وضع سَيْف هذه الأسطورة دفاعاً عن أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة في ما ذكر المؤرخون من نباح كلاب الحوأب على جملها عند ذهابها لحزب الْبَصْرَة..ويضيف العلّامة في كتابه خمسون ومنه صحابي مختلق : 2/ 239 ط 6 فيَقُول : وبأختراع أسطورة جمل أُم قرفة، وركوب أُم زمل أياه أيَّام ارتدادها، ونباح كلاب الحوأب عَلَيْهَا، وأراد أن يطمس به خبر نباح كلاب الحواب على جمل أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة من مَعَالِمِ النُّبُوَّة ولم ينجح.أيّها القارئ العزيز، أعلم أن الطَّبَرِيّ أثبت - في تاريخه المَعْرُوف بتاريخ الأمم والملوك : 475/3 منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت والذي راجعه وصححه وضبطه نخبة من العلماء الاجلاء وقابلوها على النسخة المطبوعة بمطبعة «بريل» بمدينة ليدن في سنة 1879 م - أنّ عَائِشَة نبحتها كلاب الحُؤاب... قَالَ : فصرخت عَائِشَة بأعلى صوتها ثم ضربت بعيرها فأناخته ثم قالت: أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طُروقاً ردّوني، تقول ذَلِكَ ثلاثاً... وقد أشرنا إلى ذَلِكَ آنفاً فراجع، وحكم ضميرك في هَذَا التناقض.وأنظر مُستدرك الصَّحِيحِين: 119/3 و 120 روی الحدیث بسنده عن أُمّ سلمة قالت : ذكر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ خروج بَعْض أُمهات المُؤْمِنِينَ فضحكت عَائِشَة فَقَالَ : أنظري يا حميراء أن لا تكوني أنت... الحديث، وكنز العمال: 84/6 عن طاووس... وسنده صحيح وتجمع الزوائد: 234/7، و : 289/8 : و : 9 / 112، وفتح الباري: 165/16. الاستيعاب لابن عبد البر : 2/ 185، مُسند أحمد: 393/6 بسنده عن أبي رافع أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنه سيكون بَيْنَكَ وبين عَائِشَة أمر، فَقَالَ : أنا يالله ؟ قَالَ : نعم، قَالَ : أنا ؟ قَالَ : نعم، قَالَ : فأنا أشقاهم يا رسول الله، قَالَ : لا، ولكن إذَا كَانَ ذَلِكَ فأرددها إلى مأمِنْهَا، وذكر ذَلِكَ المتق الهندي في الكنز : 410/6، ومجمع الزوائد : 234/7. وروى البُخَاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، والترمذي في صحيحه باب الفتن والنسائي في ج 2 باب النهي عن استعمال النِّسَاء في الحكم. والخلاصة : أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يحذر عَائِشَة من أن تنبحها كلاب الحواب.)وقد نقل أهل السير والأَخْبَار ذَلِكَ بألفاظ متعدّدة فمن شاء فليراجع المصادر السابقة بالإضافة إلى العقد الفريد: 330/4 الطبعة الثانية، و : 283/2 الطبعة الثانية، و : 2 / 283 ط آخر، والنهاية لابن الأثير : 456/10، و : 2 / 96، كفاية الطالب : 171 ط الحيدرية و الاط الغري، إسعاف الراغبين بهامش نور الأَبْصَار : 64 ط العُثمانية و 65ط السعيدية، الإستيعاب بهامش الإصابة : 361/4، تاج العروس: 244/1، الغدير : 188/3.ونلفت أنتباه القارئ الكريم أن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ذات مرة قام خطيباً على منبره وأشار نحو مسكن عَائِشَة قائلاً: هاهنا الْفِتْنَة، هاهنا الْفِتْنَة، هاهنا الْفِتْنَة : حَيْث يطلع قرن الشَّيْطَان.)أنظر صَحِيح البُخَاري كتاب الجهاد والسير باب ما جاء في بُيُوت أزواج النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ و: 125/2 ط دار الفكر افست على طبعه استانبول، و : 100/4 ط مطابع الشعب وط محمد علي صبيح و 2 / 189 ط دار إحياء الكتب، و : 2 / 127 ط المعاهد بالقاهرة، و : 2 / 132 ط الشرقية، و : 4 / 65 : ط الفجالة. و : 2 / 177 ط الميمنية بمصر، و : 4 / 4 ط بمبي.)ويوجد في صحيح مُسْلِم كتاب الْفِتَن من الشرق : 560/2 و 503 ط أخرى، وطعِيسَى الحلبي بمصر ولفظ الحديث خرج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من بَيْت عَائِشَة فَقَالَ : رأس الكفر من هاهنا من حيث يطلع قرن الشَّيْطَان وكَذَلِكَ في : 181/8 ط شركة الإعلانات، وط المكتبة التِّجَارِيَة، و : 31/18 بشرح النووي ط المطبعة المصرية.
(فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا). ضَمِيرِ التَّثنية الزُّبَيْرِ، وطَلْحَةَ اللَّذِين تَجْرءا عَلَى إِخْرَاجِ عَائِشَةَ من خدرها وأظهراها للملأ، وأبقى كلّ مِنْهُما زوجته في الخدر !. ووصف الإِمَام عَائِشَةَ بالحبيس القَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (1)، أو لِأَنَّهَا مَحْبُوسة عن الرّجال بعد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).)(فِي جَيْشِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلا وَ قَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَ سَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ.. إلى غَدْراً. كلّ أَصْحَاب الْجَمَل كَان قَد بَايَعَ الإِمَام، أو رضِي بِبَيْعَتِةِ، القائد مِنْهُم)
1) الْأَحْزَابِ : 33.
والمقود، ثُمَّ نَكثُوا، وأعْلَنُوا عَلَيْهِ الحَرْب، وأَسروا عامله عَلَى البَصْرَة عُثمان بن حُنَيْف، ونَكْلُوا به، ومَثْلُوا، وقَتْلُوا من المُسْلِمِين خَلْقاً كَثِيراً عَلَى حَدٌ مَا قَال ابن أبي الحَدِيد قَتْلُوا بعضهم صَبراً، وبعضهم غَدْراً، والأَوَّل القتل بعد الحبس، أو الأسر، والثَّانِي الْقَتْل خِيانة للدِّين، والضَّمِير (1.)(فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ، بِلاجُرْمٍ جَرَّهُ، لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ. يُقْسِم الإِمَام بأنّ جَيْشِ الجَمَل بأكمله يستحق الْقَتْل لو قُتُلُوا عن قصدٍ رَجُلاً وَاحِداً، وعَلل ذلِكَ بِقَوْله : (إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا، وَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانِ وَ لا بِيَدِ). وتَساءَل الشَّارحُون، وغَيْرهم حَوْلَ هَذَا التَّعليل وقَالُوا : هَل يَجُوز قتل مَن لَم يُنْكِر الْمُنْكَر مَع تَمكّنه من الاِنْكَار (2).)وأجاب البعض : بأنه يجوز شرعاً قتل الساكت عن إنكار المنكر مع القُدْرَة عليه.وَقَالَ آخر : مُراد الإمام أنّ من أعتقد جواز الْقَتْل بِغَيرِ الحَقِّ فقد أنْكَر ضَرورة دينية. ومن البداهة أنّ هَذَا مُرتد، والمرتد مُباح الدَّم... وفي كلّ من الجَوَابَيْن نَظر، لأنّه مَا مِن عَاقل يُحبذ، ويُحلل القتل بلا جريمة، وأيضاً الْفُقَهَاء لا يستحلون دَم الساكت عن المنكر، وإنْ أسْتطاع الإنكار... والأُولَى في الجواب أنْ يُقَال: أن الإمام يتحدث عن الَّذِين شَقُوا عَصَا الطَّاعَة بخروجهم عَلى إمَام الزَّمَان ظُلماً. وعدواناً، وقطعوا الطَّرِيق للإفساد في الأرض، فإذا قتل بَعْض هَؤُلاء مُسلماً
بَرِيئاً، ورضي بعضهم الآخر، ولم يدفع مع قدرته عَلَى الدَّفع، فقَد حَلّ قَتل بلا استثناء.وإِنْ قَال قائل : مَن خَرج عَلَى إِمَام زَمَانه يَحلّ قتله على كل حال، أفْسَد في الْأَرْضِ، أم لَم يُفسد. قُلنا في جوابه : كلاً، لأن مفهوم الخروج عَلَى إمَامِ الزَّمَان لا يتحقق شرعاً، ولا عُرفاً إلا بالإفساد، أما مُجرد عدم السمع، والطَّاعَة فهو ذنب، ولَكِنَّهُ لَيْس بخرُوج، ولا تَجري عَلَيْهِ أَحْكَامه.(دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ إِنْ أَصْحَاب الْجَمَل لَم يَكتفوا بقتل وَاحِدٍ، بل قَتَلُوا مَا يُضاهي عددهم، أو يَزِيد. وتَقَدَّم الكلام عن أَصْحَاب الجمل أَصْحَاب الْجَمَل مَرَّات، وفِي شَرح خُطبٍ كَثِيرة. ومَن أراد التَّفصيل من الوجهة التاريخية فعليه بشرح أبن أبي الحَدِيد، فقد أطنب هنا، وأطال (1).
1) أنظر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 310/9، وما بعدها تحت عنوان: «ذكر يَوْم الْجَمَل مَسِير عَائِشَة إِلَى الْقِنَال». وذكر الطَّبَرِيّ في تأريخه: 543/3 عن مُحمّد، وطَلْحَةَ قَالا : كَان قتلى الحمَل حَوْلَ الْجَمَل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب عليّ، ونصفهم من أصحاب عَائِشَةَ، من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمئة، ومن مضر ألفان وخمسمئة من قيس، وخمسمته من تميم، وألف من بني ضبة، وخمسمئة من بكر بن وائل، وقيل : قتل من أهْل الْبَصْرَة، في المعركة الأولى خمسة آلاف، وقُتل من أَهْل الْبَصْرَة في المعركة الثَّانِيَة خمسة آلاف فذلك عشرة آلاف قتيل من أَهْل الْبَصْرَة، ومن أَهْل الْكُوفَة خمسة آلاف. قالا : وقُتل من بني عَدِي يَوْمَئِذٍ سبعون شيخاً كلّهم قد قرأ الْقُرْآن سوى الشباب ومن لم يقرأ الْقُرْآن، وقالت عَائِشَةَ : مازلتُ أرجو النصر حَتَّى خفيت أصوات بنى عَدِيّ.)وَقَالَ ابن أَعْثَمْ في تاريخه : قُتل من جيش على ألف وسبعمئة ومن أصحاب الجمل تسعة الآف. وَقَالَ ابن عبد ربّه في العقد الفريد : 2/ 280 ط القديم: قُتل يَوْم الْجُمَل من جيش عَائِشَةَ عشرون ألفاً ومن أصحاب علي خمسمئة وفي تاريخ اليعقوبي قتل في ذَلِكَ نيف وثلاثون ألفاً، وورد في كشف اليقين : 156 أنه قتل من جند الجَمَل 16 ألفاً و 690 وكانوا 30 ألفاً، وقتل من أصحاب علي 1070 وقيل: 1900 وكانوا 20 ألفاً. انظر شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 215/6 الْإِرْشَاد: 131، وتذكرة الخواص : (66. وأنظر الطَّبَرِي : 225/5، والعقد الفريد : 226/4 ط لجنة التأليف، أبن أَعْثَم، واليعقوبي عند ذكرهما 225/5 الْجَمَل من تأريخها، أنساب الأشراف للبلاذري: 228/2، أسد الغابة لابن الأثير : 38/2 و 114 و 178، و 46/4 و 100، و : 5 / 143 و 146 و 286، شرح النهج لابْن أبي الحَدِيد : 481/2 ط بيروت أفست. و: مروج الذهب للمسعودي : 358/2 - 360، الإصابة لابن حجر : 248/1 و 501، و : 2 / 395، تأريخ : 395/2 الإسلام للذهبي : 149/2 الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى لابن سعد : 221/6.)وقد قُتل من أصحاب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ يَوْم الْجَمَل : زيد بن صوحان العبدي الذي شهد له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالجنّة كما جاء في أنساب الأشراف: 244/2 وأسد الغابة : 233/2، ومروج الذهب : 369/2.)واسْتَشْهِدَ أيضاً سيحان بن صوحان العبدي، وهند بن أبي هالة ربيب الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ أُمِّه خَدِيجَة وقيل : إن عدد الصَّحَابَة الذين شهدوا الجُمَل مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المدينة 4000 ومن الأنصار 800، ومن له أَهْل بَدْر 130، ومن أَهْلِ بَيْعَة الرّضوان 700. (أنظر، المصادر السَّابقة).)
## الخطبة - 173 -### أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ... فِقْرَة 1 - 2:أَمِينُ وَحْيِهِ، وَخَاتَمُ رُسُلِهِ، وَ بَشِيرُ رَحْمَتِهِ، وَ نَذِيرُ نِقْمَتِهِ.أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ فِيهِ. فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبُ اسْتُعْتِبَ، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ. وَ لَعَمْرِي، لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّىٰ يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، وَ لَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا، ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ، وَلا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ. أَلَا وَ إِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ: رَجُلاً اَدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَ آخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ (1.)أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ، وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللهِ. وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَلَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلا أَهْلُ الْبَصَرِ، وَ الصَّبْرِ، وَ الْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ، فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ، وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، وَلا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيراً (2.)اللُّغَة:شَغَبَ : أَثَارِ الشَّرَّ، وهَيَّجَه. واسْتُعْتِبَ : طُلب مِنْهُ أَنْ يَرضى بِالْحَقِّ، واسْتَعْتِبَ :
طَلَبَ هُو الرّضَا عَن غَيْره. وغير - بكسر الغين، وفتح الياء - الأحداث، والْمُرَاد بهِ هنا التغيير.الْإِعْرَاب :أَمِينُ وَحْيِهِ خَبَر لَمُبْتَدَأَ تَحذُوف أي مُحَمّد أَمِينُ وَحْيِهِ، والمَصْدَر من أَنْ يَرْجِعَ آسم لَيْسَ، وَرَجُلاً، وَآخَرَ بَدل مُفصل من مُجمل، والمُبدل مِنْهُ «رَجُلَيْنِ»، وغِيّراً آسم إن مُؤَخَّر، ولَنَا خَبَر مُقَدَّم.الْمَعْنَى:(أَمِينُ وَحْيِهِ، وَخَاتَمُ رُسُلِهِ، وَ بَشِيرُ رَحْمَتِهِ، وَ نَذِيرُ نِقْمَتِهِ الأمين البَشِير النَّذِير الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل هو رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والضَّمِيرِ فِي رَحْمَتِهِ، ونِقْمَتِهِ الله سُبْحَانَهُ، وقد أدى مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمَانَة الله، كما أراد صاحبها، وَهِي الدَّعْوَة إِلى الحَقِّ، والْعَدْل وإِلى الحَرّيَّة، والمُسَاوَاة، وكَانَتْ هَذِه الدَّعْوَة، ومَا زَالت تلقی المقاومة مِن المُستَغلين الطغاة، فحاولو أنْ يَثنوا رَسُول الله عَنْهَا بِالمال، والملك، ولما صَمَد لجأوا إلى إيذائه بكلِّ أَلْوَان الإيذاء، فَصَبَرَ إِيمَاناً مِنْهُ بأَنّ الحَقِّ لا بُدّ أنْ يَنتصر، وإنّ الْبَاطِل لا بُدّ أنْ يندثر... وقَد نَصر الله مَن نَصره، وخَسر هنالك المبطلون.)### مَنْ هُو الْخَلِيفَة؟(إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ فِيهِ قُلنا فيما سبق، ونُعِيد الآن : إنّ النّص أداة تُحكي، وتُخبر عما هو كائن، وموجود بالفعل، وإنّه لا)
يُنشىء، ويُؤسس، وإذَنْ فهو فرع لا أصل، وتابع لا متبوع، ومن أجل هَذَا لَمْ يَقُل الإِمَام : إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ مَن وَرد النَّص في حقه، وإنما أشار إلى الأصل، والأساس وَقَالَ : إِنَّ أَحَقُّ النَّاسِ بالحكم، والسُّلْطَان مَن أجتمع فيهِ شَرطَان :1 - أَنْ يَكُون أقوى النَّاس لا بالمكر والخداع، وَالتَّلون حسب الظُّرُوف، والمقتضيَّات، ولا تُوحِيد سُلطَانه على أساس الظُّلم، والجَوْر، بل يكون أقوى النَّاس فِي إقامه الحَقِّ، والْعَدْل، لا تأخذهُ فِي ذَلِكَ مُغرِيَاتِ الشَّيَاطِين، ولومة اللائمين.2 - أَنْ يَكُون أَعْلَم النَّاس فِيما يَعُود إلى منصبه، واختصاصه.. وهَذَا الشَّرط الأخير يرجع إلى الأَوَّل، لأنَّ الجَهْل عَجز، والعِلم شَرط أَسَاسِي للتنفيذ، والْعَمَل، وبدونه يَسْتَحِيل أنْ يَصل الإِنْسَان إلى شَيء مَعقُول له وزنه، وقيمته... وما عرف التَّارِيخ أقوى، وأضلب في الحَقِّ مِن عَليٍّ، ولذَا قَال الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ : «يَدُور الْحَقِّ مَع عَلَيَّ كَيْفَها دَار» (1). أمّا عِلمَه فَهُو عَن النَّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، تلقاه مِنْهُ مُباشرةً باذن واعية، وقلب ذَاكِر، وعَقل حافظ، واستمرَّ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يُعْذِيهِ مِن عِلمه وأخلاقه ليله، ونهاره مُدَّة تنوف عَلى ثَلاثِين عاماً، وبعد أن أطمأن إلى عِلمه أجازه بهذه الشهادة: «أنا مَدِينَةِ الْعِلْم، وعَلي بابها» (2).)(فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ أَسْتُعْتِبَ. إِذَا تَمت الْبَيْعَة لِلإِمَامِ الْقَوِي العَالِمِ الْعَادِل، ثُمَّ شَقّ العصا شرير، وخرج على الجماعة - يُعرض عَلَيْهِ أَنْ يَغِي إِلَى أَمَرَ الله بالحسنى، فَإِنْ)
فَاء فذاك، وإلا فآخر الدواء الكي، كما قَالَ سُبْحَانَهُ (وَإِن طَابِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (1).)(وَ لَعَمْرِي، لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ.. إلى يَخْتَارَ. أَثْبَتنا فيما تَقَدَّم أنّ الإمام تسلم الخِلافَة من جمهور المُسْلِمِين، وفي طليعتهُم المُهَاجِرُون، والأَنْصَار، ومِنْهُم طَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ اللذان بايعا، ثُمَّ نَكثا، وكان مُعَاوِيَة في الشام، وأبن العاص في فلسطين حين عقد المُسْلِمُونَ الْبَيْعَة لِلْإِمَامِ وَ لا (وَلاً لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ) غَيْرُ الَّذِي اختاره الْمُسْلِمُون تَجنُباً لِلْفِتْنَةِ، ولأنّ مصالح الجميع مُشتركة، والأهداف وَاحِدَة، والمهم،تحقيقها، أما البَيْعَة فوسيلة لا غَايَة... هَذَا، إلى أن أبن العاص، ومُعَاوِيَة أعترفا بخلافة أبي بَكْر، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وكلّ النّاس يعلمون أن البَيْعَة تمت للأوّل باثنين : عُمَرَ، وأبي عُبَيْدَة، وللثَّاني بواحد، وهو أبو بَكْر، وللثَّالث بأربعة أو خمسة، وهُم أَهْل الشُّورى ما عدا المُختار لِلْخِلافَة. وحضور الأُمَّة بكاملها للبيعة مُتعذر، ومُستحيل.)وَقَالَ صاحب «المواقف» : «إنّ الْبَيْعَة بِالْخِلافَةِ تتم بِالرَجُل الواحد والاثنين» (2، وفي كتاب «المغني»: «إنّ عَبد الملك خَرج عَلى ابن الزُّبَيْرِ، فقَتَله، واستَوَلَّى عَلى البلاد، وأَهْلها حَتَّى بَايِعُوا طَوْعاً، وكَرْهَاً، فصار إمَاماً يَحرُم الخروج)
عَلَيْهِ» (1، وفي كِتَاب «فَلْسَفَة التَّوْحِيد والوِلاية» أثبتنا بالنفل عن الكتب الرئيسية عِند السُّنَّة أنهم يُبررُون كُلِّ مَا يَقع، ويعتبرونه شرعياً، والعبارة التي نقلناها هنا عن كتاب «المغني» - وهو من المراجع المعتبرة عندهم - تُؤيد ذَلِكَ، وقَد مهَّد لهَا صاحب الْكِتَاب بقَوْله : «ولو خَرج رَجُل عَلَى الْإِمَام، فقَهَرَهُ، وغَلب عليهِ بِسَيْفه حَتَّى أقرُوا له، وأذعنُوا بِطَاعته صَار إمَاماً يَحرُم قِتَاله، والخروج عَلَيْهِ» (2).)ومُجمَل القَوْل أَنْ غَرضِ الْإِمَام مِن قَوْله «لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لا تَنْعَقِدُ» هُو مُجرد الإِحْتِجَاج عَلَى مُعَاوِيَة، وأبن العاص، وأمثالهما بصرف النظر عَن تَحدِيد مَعنى الْخِلافَة، ووَسَائِل،ثبوتها، وإثباتها.(أَلَا وَإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ : رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَ آخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْخِلافَة حَق شَرعِي لِلْإِمَامِ باتفاق المُسْلِمِين، ومَع هَذَا صَرح الإمام بأنّه لا يَتعرض بسُوء لمن يرفض خِلافته، ويُنكر حقه فيها شَرِيطَة أَنْ لا يَرتكب جَرِيمَة السَّلب، والنَّهب، أو جَرِيمة التمرد، والإمتناع عن أدَاء الْحَقِّ.)(وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. عَاشَ الْمُسْلِمُون بَعد رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، بسلام فيما بَيْنَهُمْ حَتَّى، ثم الحلف الثلاثي الحَرْب عَلَي من إمَرْأَة ورجلين : ولَوْلاً عبد الله بن عُمَرَ لكان رُباعياً من امرأتين ورَجُلِين : طَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وعَائِشَةَ وحَفْصَة (3)، وهَكذا فتحت أَوَّل جَبهة للحَرْب بَيْنَ الْمُسْلِمِين، وجرت وَرَاءها)
1) أنظر المغني لابن قُدَامَة : ج 8، قتال أَهْل الْبَغْي. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، و: 53/10.
2) أنظر المغني لابن قدَامَة : ج 8، قتال أَهْل الْبَغْي. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه))، و : 53/10.
3) هي حَفْصَة بنت عُمر بن الخَطَّاب، وهي أخت عبد الله بن عُمَرَ لأُمّه وأبيه، وأنها زينب بنتُ مَظمون (أخت عُثمَانَ). تزوجها رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سنة ثلاث عند أكثر الْعُلَماء. وطلقها تطليقةً ثُمَّ أرتجعها، توفيت سَنَة خمسٍ وأَرْبَعِين. (أسد الغابة : 65/7، الإصابة : 4 / 264، المعارف : 135).)وأرادت حفصة أخت عبد الله بن عُمَرَ المسير معهم فمنعها أخوها عبد الله بن عُمَرَ من ذَلِكَ.أنظر، أبن أَعْثمْ فِي الْفُتُوح: 478/1 حَيْت قَالَ : فخرجت عَائِشَةً من عند أُمّ سلمة وَهِي حَيْقَة عَلَيْهَا. ثُمَّ إِنَّهَا بعثت إلى حَفْصَة فسألتها أن تخرج مَعَهَا إلى الْبَصْرَة فأجابتها حَفْصَة... لكن في الطَّبَرِيّ : 167/5: أرادت حَفْصَة الخروج فأتاها عبد الله بن عُمَرَ فطلب إِلَيْهَا أنْ تَقعد فقعدت وبعثت إلى عَائِشَةَ أن عبدالله خال بيني وبين الخروج، فقالت : يغفر الله لعبد الله. (أنظر، الكَامِل في التاريخ: 106/3. تاريخ الطَّبَرِي : 469/2، بحار الأنوار: 144/32، شرح النهج لابن أبي الحَدِيد : 224/6.)ذكر أبن أبي الحَدِيد في شرح النهج : 157/2 طَبْعَة إيران و: 154/12 و : 13/14 الصباغة : 6 /392 و : 104/2، الدر النظيم ليوسف بن حاتم السّامي : (مخطوط ورق 114، قاموس الرجال: 472/10، قَالُوا : «لما نزل عليّ ذاقار كتبت عَائِشَةَ إِلَى حَفْصَة بنت عُمَرَ: أما بعد، فإنِّي أخبرك أنّ عَلِيَّاً قد نزل ذاقار، وأقام بهِ مَرعُوباً خَائِفاً لما بلغه من عدتنا وجماعتنا، فَهُوَ بمنزلة الأشقر، إنْ تَقَدَّم عُقر، وإن تأخر تُحر، فدعت حَفْصَة بجواري لها يتغنّين، ويَضْربن بالدفوف فأمرتهن أنْ يقلن في غنائهن : ما الخبر ؟ ما الخبر ؟ عَليّ في السفر، كالفرس الأشقر، إنْ تَقَدَّم عُقر، وإِن تأخر نحر».
جبهات مزقت كلّ تُمزق، ولا قُوا من آثارها كلّ ذُلٍ، وهوان... إلى الْيَوْم، وإلى آخر يَوْم... إلا أنْ يَشَاء الله.(وَلا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ - بفتح اللام - إلا أَهْلُ الْبَصَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْحِهَاد. وَقَد تَكَلَّم الْفُقَهَاء عَن حُكم مَن شَقِّ عَصَا المُسْلِمِين، وأفردُوا هُم في كتبهم بَاباً مستقلاً بعنوان «قِتَالَ أَهْل الْبَغْي» وأنفقُوا عَلى وجوب قِتَاهُم حَتَّى يَفيئُوا إِلى أَمَرِ الله، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَقاَتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (1). وقُول الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «مَن خَرج عَلَى)
1) الْحُجُرَاتِ: 9.
أُمتي وهُم جَمع فأضربُوا عُنقه كَائِناً مَن كَان» (1.)وَقَالَ الْإِمَام : «لا يجوز قتالهم إلا لأَهْل (الْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ لأنَّ البَاغِي يَقوم : لا إله إلا الله محمّد رسول الله، ومن قالها فدَمه وماله، وعرضه حرام إلا بمبرر قاطع، وهُو دَفع الضرر الأشد بالضَّرر الأخف (2)، وقَدِيماً قِيل : «وفي الشّرِّ نَجَاة حيْث لا يُنجِيكَ إحْسَان» (3)وفي قَوْله تَعَالَى : (إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (4)غِنىً عَن كل قول. ومن البداهة أن تحديد الشَّر، وتحديد الإِحْسَانِ الَّذِي يُمكن أنْ يُدفع بهِ الشَّر، ثُمّ الموازنَة بَيْنَ الشَّر الأشد، والأخف، كلَّ ذَلِكَ يَحتاج إلى العِلم، والمقدرة على التمييز، والتنفيذ.)والْإِمَام أعْرَف النَّاس ذَلِكَ، وبالدِّين، وشَرِيعته بعد سيّد الكَوْنِين. ونقل المؤرخون أنّ الْإِمَام كَان يَسأل النَّائِرِين عَلَيْهِ، وَيَقُول لهم: «مَاذَا تَنقَمُون» ؟.فإِنْ ذَكَرُوا شُبهة نَظَرَ فِيها بصدقٍ، وإخلاص، وإِنْ ذَكَرُوا عِلَّة أَزَاحها. ونُقل عن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: «لَوْلاً عَلَيَّ مَا عَرفنا أحْكَام أَهْل الْبَغْي» (5. وبعد أن استفرغ)
1) أنظر. المعجم الْكَبِير : 142/17 ح 354، مُسند أبي عوانة : 413/4 ح 7145 و 7170، السُّنَّة لابن ح عاصم : 526/2 ح 1106، تَهذيب التهذيب : 160/7 ح 346، تهذيب الكمال : 556/19، المغني لابن قدَامَة : 3/9، بَاب قِتال أهل البغي، المسألة الخامسة.
2) أنظر 4882، سنن أبي داود : 452/2 ح 4882، كنز العمال : 93/1 ح 407، تفسير ابن كثير : 229/4، جامع : المقاصد : 302/12، مُسْنَد أحمد : 491/3، صحیح مُسلم : 1986/4 ح 2564، سُنن ابن ماجه : 2 / 1298 ح 3933.
3) أنظر، ديوان الحماسة بشرح التبريزي : 23/1 - 26، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 277/3 و : 221/19.
4) الأنعام: 119.
5) أنظر، رياض المسائل للسيد علي الطباطبائي : 458/7، جواهر الكلام: 333/21، فقه الصادق للسيد صادق الروحاني : 117/13.
الإِمَام كلّ وسيلة لرجُوعِ أَهْل الْبَغْيِ عَن بَغِيهم، ويأسه مِنْهُم، قَال لأصحابه : (فَأَمْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ من الْقِتَالَ (وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ). من قتل المدبر، والإجهاز على الجريح، وإزْعَاجِ النِّسَاء، والأَطْفَالِ (وَ لَا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً) لا تَعْمَلُوا بالرأي والاجتهاد، فقد يكون (الرُّشد فِي خِلاف مَا تَرُون، وإن رأى أحدكُم رَأياً في شيء من الحزب، وتُوابعها، فليعرضهُ عَليَّ، فإن لي كُلّ الحق أن أغير، وأعدل من آرائكُم عَلى أساس الشرع. والمَصْلَحَة.)### الدُّنْيَا فِقْرَة 3 - 4:أَلا وَإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا، وَ تَرْغَبُونَ فِيهَا، وَأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ، وَتُرْضِيكُمْ، لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَلا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَ لا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ. أَلَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ، وَلا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا، وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا. فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا، وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا، وَ سَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَ انْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا (3، وَ لَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَسِنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا، وَ أَسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا أَسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ. أَلَا وَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ، أَلَا وَإِنَّهُ لا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ. أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا، وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ (4) !)اللُّغة:الحنينَ : الْبُكَاء مَع إِخْرَاج الصَّوْت من الأَنْف. وزُوِيَ : قُبض. وقَائِمَةُ الدِّينِ :
أزكانه، أو القيام بأمره ونهيه.الْإِعْرَاب:جُملَة لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ خَبَر إِنَّ هَذِهِ الدَّارِ، ولَيْسَتْ بِبَاقِيَة البَاء زَائِدَة، وحِفْظِكُمْ من إضافة المُمَصْدَر إِلى فَاعله، قَائِةَ مَفْعُول حِفْظِكُمْ.الْمَعْنَى:(لَيْسَتْ - الدُّنْيَا - بِدَارِكُمْ، وَلا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ). هَل وُجد الإِنْسَان بِعَقله وجَميع طَاقاته لِيُقيم في هَذه الأَرْض أمداً قَصِيراً، ثُمَّ يَذهب بِلا رَجعة تماماً كما يَدخُل مطعماً، أو مقهى ؟. وقد أجَاب عَن هَذَا السُّؤال خَالق الإِنْسَان بقَوْله، عزَّ مِن قَائل: (وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (1). (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) (2). وإِذَنْ فالإِنْسَان خُلق لدار الخلود، والبقاء لا لدار الزَّوال، والفناء. (وَ سَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَ أنْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا). ما دامت الدُّنْيَا مَمَرَّاً لا مَقَرّاً فعَلاَم هَذَا التكالب، والتهالك عَلَى مَلْذَاتها، وشَهَوَاتِهَا ؟ أليس الأجْدَر بِكُم أن تعملوا الدار السلامة، والإقامة ؟.)(وَ لا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا أَرْضُوا مِن الدُّنْيَا بِمَا تَيَسَّر، ولا تَبْكُوا عَلَى مَا فَاتَكُم مِن حطامها بكاءَ سودَاء عَلَى سِوارٍ، أو مِحْبَس ضَاع مِنْهَا (وَ أَسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ) إِنَّه تَعَالَى أَغْدَق)
عَلَيْكُمُ الكَثِير مِن نِعَمِه فَاتَّقُوه أَسْتَمَاماً لإِنْعَامِهِ (وَ إِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةً دِينِكُمْ من أحتفظ بِدِينه لا يَضُرَّه شَيء يَفُوته من مالٍ، وجَاهٍ، أو صِحَةٍ، وَوَلدٍ، ومن خَسِرَ دِينَه فَقَد خَسِرَ كلّ شيء، وإن ملك الدُّنْيَا بكاملها : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (1)؟. وبكَلِمَة الْإِمَام : «الْغِنَى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ» (2). لا الآن، ولا بِالتَّروَات، وإشْبَاع الشَّهَوَات.)وتَكَرَّر الحَدِيث عن الدُّنْيَا فِيمَا سَبق من الخُطب، ولذا أسرعنا، وأوجزنَا... على أن مَن لَم يَكُن لنَفْسِه وَاعِظاً فَلا يَنْفَعُه وَاعِظ، ولا وَاعِظة.
## الخطبة - 174 -### تَهْدِيد الْإِمَامِ بِالْحَرْبِ:قَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلا أُرَمَّبُ بِالضَّرْبِ، وَ أَنَا عَلَىٰ مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ. وَاللهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَم عُثْمَانَ إلا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ، لِأَنَّهُ مَظنَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْتَبِسَ الْأَمْرُ، وَيَقَعَ الشَّكُ. وَ وَاللهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ : لَئِنْ كَانَ اَبْنُ عَفَّانَ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ - لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ، وَ أَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ. وَ لَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ، وَالْمُعَذِّرِينَ فِيهِ. وَ لَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ، وَيَرْكُدَ جَانِباً، وَ يَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ، فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلاثِ، وَجَاءَ بِأَمْرِ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ، وَ لَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ.اللُّغَة:تَجَرَّد لِلأَمْرِ : تَفَرَّغ لهُ، وجَدٌ فِيهِ. وَقَالَ الشيخ مُحَمَّد عَبْدَه : كأَنه سَيْف تَجَرَّد من
غمده. والمَظَنَّة : موضع الظَّن. وأَجْلَبَ : أَلّبَ. واللُّبس : الشُّبهة والإشكال، ولكن الْمُرَاد بهِ هُنا الدَّلس، والمكر والخداع. يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ : يَنصُر من قَتَله. يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ : يُحَارِب من نَصَرَه. والمنهنِهِينَ عَنْهُ : الرَّاجْرِينَ عَنْهُ.وَالْمُعَذِّرِينَ فِيهِ : المُعْتذَرِين عَن فِعله. وَيَرْكُدَ : يَشكن لا يتحرك سلباً، ولا إِيجَابَاً. ومَعَاذِيرُ جَمع مَعْذَرَة.الْإِعْرَاب:كُنْتُ كَان تامة، والتّاء فَاعِل، ومُتَجَرِّداً حال من فَاعِل أَسْتَعْجَلَ، َوخَوْفاً مَفْعُول من أجله لاِسْتَعْجَل، والمَصْدَر من أَنْ يَكُونَ فَاعِل يَنْبَغِى، وجَانِباً مَنصُوم على الظرفية.الْمَعْنَى:أرسَل طَلْحَةَ إِلَى الْإِمَام تَهْدِيداً، وإِنْدَاراً بالحزب... فقال الإِمَام : (قَدْ كُنْتُ وَمَا أَهَدَّدُ بِالْحَرْبِ، وَلا أُرَهَبُ بِالضَّرْبِ. عَلَى هُو قَاتِلُ مَرْحَب، سیّد فُرسان اليهود، وأبن ودّ الَّذي كَان يُعد بألف، عَليّ هَذَا يُهاب الْحَرْب، والضَّرْب ؟ وهل أدبَر عَليّ من مُناجز، أو ناجزه فَارس فَسَلِم ؟.. أَللَّهُمَّ إلا ابن العاص، وابن أَرْطَاة ! ودَع قوَّة عليّ، وبطولته، وأستمع إِلَيْهِ في هَذه الأمنية أو «الأُغنية» : «وَاللَّهِ لابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ» (1). ولأنسه، وسعادته بالموت في مرضاة)
1) أنظر، نهج البلاغة : الخطبة (5).
الله بَات عَلَى فِراش رَسُول الله لَيْلَة الهِجْرَة، والسُّيُوف تلمع فوق رأسه، وكأَنَّها قوارير من عِطر، أمّا الفِراش فمن الورد، والرَّيحان (1.)
1) لا نُريد التعليق على هَذَا الكلام الذي أطال فيه أهل التاريخ والسيرة، والحديث، بل تنقل ملخصه، من خلال الآية الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَالله رَءُوفٌم بِالْعِبَادِ الْبَقَرَة : 207. والتى أطبق المؤرخون على أَنَّهَا نزلت في عَلي 7، وسبق وأن دللنا على ذلك بالمصادر التي ذكرناها سابقاً كشواهد التنزيل لِلْحَاكِم الحسكاني: 123/1 ح 133 وما بعده، والتعلبي في الكشف والبيان: 117/1، والرّازي في تَفْسِيره : 152/2، وغيرهم كثير.)إذا أَوَّل من شرى نفسه الله عزّوجلّ علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ وقد ذكر أبو جعفر الإسكافي على ما رواه أبن أبي الحَدِيد في شرحه على نهج البلاغة : 789/1ط الحديثه ببيروت قَالَ: وقد روي أنّ مُعَاوِيَةَ بذل السمرة بن جندب مئة ألف درهم حَتَّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ و فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) الْبَقَرَة : 204 - 205. وأن الآيَة الثَّانِيَة هي في أبن مُلْجَم وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) فَلم يقبل، فبذل له مئتی ألف درهم فلم يقبل، فَبذل له ثلاثمئة ألف فلم يقبل، فبذل أربعمئة ألف فقبل وروى ذلِكَ. فلاحظ بعض مخازي سمرة في الشرح المختار المذكور : 792، فَإِذَا كَانَتْ المقارنة من هَذَا الباب فلا عتب، ولا استدلال هَذَا أوّلاً.)وثانياً : يَقُول صاحب كتاب مطالب السؤول نقلاً عن الإحقاق : 45/3 بأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ بات في المضطجع والمشركون مجمعون على أخذه، وقتله، ولم يضطرب لذلك قلبه، ولا أكترث بهم... وأقام بمكة وحده بَيْنَهُمْ ثلاث ليال بأيامها يردّ الودائع....ثم خرج وحده من مكة مع شدّة عداوتهم. فلو لم يكن الله تعالى قد خص قلبه بقوةٍ، وجنانه بثبات، ونفسه بشهامةٍ لاضطرب في هذا المقام. والنبي موسى مع درجة النُّبُوَّة لكن لما أمَرَه بإلقاء عصاه فألقاها فلما صارت حية خاف، وأضطرب وولى مديراً كما قَالَ تَعَالَى : (أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ) الْقَصَصِ : 31. فلم يمكنه أن يخالف الأمر، وكَانَ عَلَيْهِ كساء فلق طرف الْكِسَاء على يده ليأخذها فَقَالَ : مالك يا موسى ؟ أرأيت لو أذن الله تعالى لها في أذاك أراد عنك كساءك ؟ فَقَالَ : لا، ولكني ضعيف ومن ضعف خُلقت، فالنفس البشرية هذا طبعها.)وكَذَلِكَ أُمّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ لَوْلاَ أنْ ربط الله على قلبها فلم تنطق مع أضطراب الْقَلْبِ. فَلَوْلا أَنَّ الله تَعَالَى منح عَليَّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قلباً مُنصفاً بالقُوَّة الثابتة لكان مع أمثال أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأمنه من تَطرْقِ الْأَذَى إِلَيْهِ لقول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يضطرب بالنفس البشريّة، وَهَذَا لما حدث لغيره (إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ى لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) التَّوْبَة : 140.)وثالثاً : روى في المناقب لابن شهر آشوب : 58/2 وغيره عن مُجاهد قَالَ: فَخَرت عَائِشَة بأبيها ومكانه مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ في الغَار، فَقَالَ عبد الله بن شداد بن الهاد فأين أنتِ من علي بن أبي طالب حيث نام في مكانه ويرى أنّه يُقتل ؟ فسكتت ولم تحر جواباً. وشتّان بين قَوْله (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ) وبين قَوْله (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وَكَانَ النّبي معه يقوي قلبه، ولم يكن مع علي، وهو لم يصبه وجع، وعلي يرمى بالحجارة، وهو مختف بالغار، وعلي ظاهر للكفار.)وأنظر المسترشد في إِمَامَة أمير المُؤْمِنِينَ : 433، الخصائص لابن البطريق : 98، كشف اليقين : 90. بحار الأنوار : 289/82، و : 48/36 و 49، إعلام الورى : 191، الطرائف : 33، العمدة : 340، دلائل الصِّدْق : 538/2، الشّافي للسيد المرتضى: 25/4، الغدير : 48/2، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 40 تأريخ اليعقوبي : 33/2، الطرائف لابن طاووس : 407، اختيار مَعْرِفَة الرّجال: 1/ 130، كفاية الطالب : 115 ينابيع المودة : 105.وهاهو شعر الصاحب بن عباد الذي شرحه القاضي جعفر بن أحمد البهلولي اليماني : 85ط بغداد :قالت أمن بات من فوق الفراش فَديَّ ***فَقُلْتُ : أثبَتُ خَلْقِ الله في الوَهَلِورابعاً : قَالَ الإسترآبادي في هامش رجال الكشي: 131/1 : إن همه، وحزنه، وفزعه، وأنزعاجه وقلقه حين إذ هو مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ المأمور من تلقاء ربه الحفيظ الرقيب بالخروج، والهجرة، والموعود من السَّماء على لسان روح القدس الأمين بالتأييد والنصرة مما يكشف عن ضعف يقينه وركاكة إيمانه جداً.)وخامساً : أن إنزال الله السكينة عليه (عَلَيهِ السَّلَامُ فقط لا على صاحبه ولا علايهم جميعاً مع كون الصَّدِيق أحوج إلى السكينة، حينئذٍ فقلقه، وحزنه يدل على أنه لم يكن أهلاً لذلك، وإرجاع الضَّمِير في «عَلَيْهِ» على أبي بَكْر كما يقول البيضاوي هو فرق لاتفاق المفسّرين، وذلِكَ لأنّ الضَّمِير في «أيّده» و «عَلَيْهِ» في الجملتين المعطوفة، والمعطوفة عَلَيْها يعودان إلى مفاد واحد. (أنظر للمزيد كتاب الإحتجاج : 2/ 499 - 501، وكنز الفوائد للكراجي : 48/2، والكشكول للبحراني : 5/2).
(وَ أَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ. كَانَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَد أَخبَرَ الْإِمَام بِخَبر الجَمَل، وأَصْحَابِهِ، وإِنَّ الله سُبْحَانَهُ كَتب لهُ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، وأيضاً رَوتَ عَائِشَةَ أَنْ)
النَّبِيِّ قَال لأزواجه : «أيَتَكُنَّ صَاحِبَة الجَمَل» (1، وإِذا كَان الْإِمَام عَلَى يَقِين من وعد الله بالنَّصْرِ فَكَيْفَ يَخاف التَّهْدِيد، والوَعِيد !)### طَلْحَة وَعُثْمَان:(وَ اللَّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَم عُثْمَانَ إِلا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ المقصود بهذا طَلْحَةَ... وكلّ ما قرأته من القديم والحديث يُؤكد أن طَلْحَةَ أَهَب الثَّورة عَلى عُثمَانَ، وإنّ قَسوته عَليهِ تجاوزت كلّ حَدٌ حَتَّى أرسل رِجَاله يَرمُون جنازة عُثمَانَ بالحِجَارة، كما أصرٌ عَلى دَفنه في مقبرة اليهود (2)!.. وأتفق عُلَماء الْمُسْلِمِين كافة عَلى استحبَاب دَفْن المُسْلِم في مقبرة يكثر فيها الصَّالحون (3)، أمّا عُلَماء الشيعة فقَالُوا: «لا يُدفن المسلم إلا في مقابر المُسْلِمِين، ولا يُدفن فِيها غَيْر)
1) أنظر، ابن كثير في تأريخه : 212/6، والسيوطي في خصائصه: 137/2.
2) أتفقت الرِّوَايَات على أن عُثمَانَ تُرك ثلاثاً لم يُدفن حَتَّى توسّط عليٌّ في ذَلِكَ. وروى الطَّبَرِي : 143/5 - 144 أنهم كلّموا عَلِيَّاً في دَفنه، وطلبوا إِلَيْهِ أنْ يَأذن لأهله ذَلِكَ، ففعل وأذن لهم علي، فلمّا سُمِعَ ذَلِكَ قعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسير من أهله وهم يُريدون بهِ حَائِطاً بالمدينة يُقال له حش كوكب كَانَتْ اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما خرج به على الناس رجموا سريره وهموا بطرحه، فبلغ ذلك عَلِيَّاً، فأرسل إِلَيْهمْ يعزم عَلَيْهِمْ ليكفّن عَنْه ففعلوا - إِلى أَنْ قَالَ : ودُفن عُثمانَ بين المغرب، والعُتمة، ولم يشهد جنازته إلَّا مَرْوَان بن الحكم، وثلاثة من مواليه وأبنته الخامسة فناحت ابنته ورفعت صَوْتها تندبه، وأخذ النّاس الحجاره فقَالُوا: نعثل نعثل وكادت تُرجم... الحديث. وأنظر. الكامل لابن الأثير : 76/3، وتأريخ ابن أَعْثَمْ: 159 و 190، والرّياض النضرة : 131/2 - 132. كنز العمال : 161/3 ح 2471.
3) أنظر، إعانة الطالبين : 133/2، كشف القناع : 146/2، فقه السُّنَّة : 559/1، أحكام الجنائز للألباني : 136.
المَسْلِم بحال» (1.)وشرح أبن أبي الحَدِيد (2قُول الْإِمَام : (خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ - طَلْحَةَ - بِدَمِهِ) شَرحه بأقْوَالَ الطَّبَرِي (3)، والواقدي، والمدائني (4)، وتتلخص هذه الأقوال مُجتمعة بأنّ عُثمَانَ عِندما حوصر دَخل الْإِمَام عَليَّ دَار طَلْحَةَ، فوجدها زُحاماً من الثوار، فلام صاحبها عَلى ذَلِكَ، وَقَالَ : مَا هَذَا الأمر الذي وقعت فِيهِ يا طَلْحَةَ ؟. فقال طَلْحَةَ : لقد بلغ الحزام الطبيين (5). فتركه الإمام، وذهب إِلى بَيْتِ الْمَال، وأخرج مَا فِيهِ، وأعطاه للنّاس، وبهذه الضَّربة المحكمة فوت الْفُرْصَةِ عَلَى طَلْحَةَ، فَقَد تَفرق الَّذِين تجمعوا حوله، وبَقِي وحيداً. وقد شكر عُثمَانَ هَذِهِ اليَد لِعَليّ. وبعد أنْ قُتل عُثمَانَ أبى الثوار أنْ يسمحوا بدفنه، فعزم عَلَيْهِمُ الإِمَام أنْ يَكفُّوا عن جثمان القَتِيل فأستجابُوا، وكَفّوا، ولما حملت الجنازة إلى مقرها الأخير أرسَل طَلْحَةَ جَلاوزته يَرمُونها بالحجارة، ويَصِيحُون : نَعثل !. وَقَالَ طَلْحَةَ : أدفنُوه بِدَير سلع يعني مقابر اليَهُود (6).)
1) انظر. الذكرى : 65، جامع المقاصد : 448/1، التذكرة : 54/1، مستمسك الْعُرْوَةِ الْوُثْقَ : 252/4، كلمة التَّقْوَى : 230/1.
2) أنظر، شرح النهج : 3/10.
3) أنظر، تأريخ الطبري: 3037/18 وما بعدها طبعة أربا.
4) أنظر، تأريخ الطبري : 143/8 و : 154/6، الكَامِل لابن الأثير : 70/3، تاریخ ابن خلدون : 1397/2 أَنْسَابِ الأَشراف: 44/5 تاريخ الخميس : 360/2. تأريخ ابن عساكر: 84/7، تذكرة السبط : 44، مروج الذهب: 10/2، العقد الفريد : 278/2.
5) الطّبي: حلمة الضّرع، وهو كناية عن المبالغة في تجاوز حدّ الشّر والأذى. أنظر المستقصى للزمخشري: 13/2 مجمع الأمثال : 166/1 النّهاية : 75/13، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحَدِيد : 147/2.
6) أنظر، تاريخ المدينة : 1199/4، تاريخ الطَّبَرِي: 396/3 تاريخ دمشق: 362/39 تاريخ ابن خلدون : ق 1 / ج 2 / 147، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 50/1، معاني الأخبار للشيخ الصدوق : 358، أمالي الطوسي : 712.
فعل طَلْحَةَ هَذَا بِعُثمَانَ حيّاً، ومَيِّتاً، ثُمَّ طَالب بدمه !.. وَلِمَاذَا طَالب بهِ ؟ لأنه (أَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْتَبِسَ الْأَمْرُ، وَ يَقَعَ الشَّكُ فِي جَرِيتِهِ، وَمَسْئُوليته عَن دَم عُثمَانَ خَوْفاً أَنْ يُؤخذ بهِ، ولكن سَهم مَرْوَان حَفر لطَلْحَةَ حُفرته كما حفر هو حفرة عُثمَان (1)... ونقل عبد الكريم الخطيب، عن تأريخ ابن أَعْثَمْ: «إِن مَرْوَان قَالَ يَوْم الْجَمَل : إنّي لأعجب من طَلْحَةَ لَم يَكن أشد مِنْهُ عَلَى عُثمانَ، والْيَوْم جَاء يَطلب ثأره !. ثُمّ أخرج سهماً مسموماً من كنانته، فرماه به، فشكّ قدمه إلى ركابه» (2.)(وَ وَ اللَّهِ مَا صَنَعَ - طَلْحَةَ - فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلاتٍ.... إلخ سؤال واضح وبسيط يُوجهه الإِمَام ِلطَلْحَةَ الَّذي جمع لحَرْبه ثائراً لدَم عُثمانَ : هل يعتقد طَلْحَةَ أنّ عُثمَانَ يَستحق القتل لأنه أستبد، وجار - كما كَان يَزعم طَلْحَةَ - وإِذَنْ فَلِمَاذَا يُطالب بدمه ؟ بل عَلَيْهِ أَنْ يَنصُر، أو يُسالم - على الأقل - مَن قتل عُثمَانَ، وأَنْ يُخذل مَن نَصره، ودفع عنهُ كمَرْوَان مع أنه تحالف معه للطلب بدم عُثمانَ، أو أن)
1) تَقَدَّم أستخراج ذَلِكَ، والتعليق عليه، ولكن أنظر، الفتوح لابن أَعْثَمْ: 484/1، الْإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 97/1، أين عبد البر في الاِسْتِيعاب : 207، ابن حجر في الإصابة : 2/ 222، مُسْتَدرَك الْحَاكِم: 371/3. و ابن عساكر في تهذيبه : 84/7، وأسد الغابة : 60/3، العقد الفريد : 321/4، والذهبي في سير النبلاء : 82/1، شرح النهج لابن أبي الحديد : 431/2.)وكَانَ طَلْحَةَ بن عُبَيْد اللَّه يَوْمٍ قُتل عُثمَانَ مُقنعاً بثوبٍ أستتر بهِ عن أعين النّاس، وكَانَ يَر مي دَارِ عُثمَانَ بالسِّهام كما ذكر أبن أبي الحديد، ولطَلْحَةَ قِصَّة مشهورة مع عُثمانَ عندما أشرف من الخوخة على الثوار. أنظر، شرح النهج لابن أبي الحديد : 404/2 الفتح الرباني: 112/23. تأريخ الطبري: 122/5.
2) أنظر، كتابه علي بن أبي طالب بقية النُّبُوَّة، وخاتم الخلافة : 264 وما بعدها طَبْعَة سَنَة 1967م. عن تاريخ ابن أعثم 484/1.
طَلْحَةَ يَعتقد أنّ عُثمَانَ قُتل مظلوماً، وإِذَنْ كَان عَلَيْهِ أَنْ يَذب عنه، ويمنع، ولا يُحرض النَّاس عَلَى قتله - كما كان يفعل - أو أن طَلْحَةَ فِي لُبْسٍ، وشَكٍ من أَمر عُثمان لا يدري هل هو يُحق، أو مُبطل، وإذَنْ كَان عَلَيْهِ أنْ يَعتزل جانباً، ولا يُحرك سَاكِناً، ولَكِنَّهُ (فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةٌ مِنَ الثَّلَاثِ، وَ جَاءَ بِأَمْرٍ وهُو نَكث الْبَيْعَة، والطَّلب بدَم عُثمَانَ (لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ) أَي وَجهَه، وسَبَبه (وَ لَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ) من التَّدليس، والتضليل.)
## الخطبة - 175 -### أَيُّهَا الْغَافِلُون:أَيُّهَا النَّاسُ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَ التَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ. مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ الله ذَاهِبِينَ، وَ إِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ! كَأَنَّكُمْ نَعَمْ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعَى وَبِيّ، وَ مَشْرَبٍ دَوِيِّ، وَإِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لَا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا ! إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا، وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا. وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ. وَمَوْلِجِهِ، وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ -.)أَلا وَ إِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، وَ أصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ، مَا أَنْطِقُ الأَصَادِقاً، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَ بِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَ مَالِ هَذَا الْأَمْرِ، وَ مَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ، وَ أَفْضَىٰ بِهِ إِلَيَّ.أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي، وَاللهِ، مَا أَحْثُّكُمْ عَلَى طَاعَةِ إِلا وَ أَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلا وَ أَتَنَاهَىٰ قَبْلَكُمْ عَنْهَا.
اللُّغَة:نَعَمْ - بفتح النون والعين وسكون الميم - حرف جواب، وبفتحها فعل ماضٍ، تقُول : نَعَمَ فلان بولده، وإذا أعربت، وحركت الميم بحسب ما قبلها كما هُنا فَهِيَ جَمع للإبل والبقر، والغَنَم، ولا واحد له من لفظه، ويُذكر، ويُؤنث، وجمع الجمع أَنْعَام. وأرَاحَ بِهَا : ذَهَب بها. والسَّائِق : الرَّاعِيَ، وفي بَعْض النسخ «سَائِمٌ» من سَائِمة أي الرَّاعِية، الوَبِيء : الرَّديء. والدَّوِيّ : الفاسد العليل. والمدى - بضم الميم - جمع المدية بكسرها، وهي السكين والمويج : المُدْخِل. ومُفْضِيهِ : مُخبر به إلى الخواص المأمونين.الْإِعْرَاب :غَيْرُ صِفَة للنَّاس، ومَا لِي مُبْتَدَأَ، وخَبَرَ، وذَاهِبِينَ مَفْعُول ثانٍ لأَرَاكُمْ، وعَنِ اللهِ مُتَعَلِّق بذَاهِبينَ، ولَفَعَلْتُ جواب لَوْ شِئْتُ، وصدقاً حال من الضَّمِيرِ فِي أَنْطِق.الْمَعْنَى:(أَيُّهَا النَّاسُ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ. الغافل هُو الذي ينقاد إلى هواه، ويجري الأمور على ميوله، ويهمل العواقب... وليس من شَكٍّ أن مَال هَذَا إلى الفشل، والهَلاك. وَقَالَ الشَّارحُون: «إنّ الَّذي لا يغفل عنا هو الله سُبْحَانَهُ، فإِنَّه يعلم ما نَخْفِي، ومَا نُعلن، ويسألنا عن كلّ كَبِيرةٍ، وصغيرة» (1))، وهَذَا صَحِيح لا ريب فيه،)
1) أقتباساً من الآية : (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السماء) 38 من سُورَة إِبْرَاهِيم أنظر، فيض القدير شرح الجامع الصغير : 624/2 الكافي : 33/8 ح 5، بحار الأنوار: 83/18، البيان للطوسي : 301/6، زاد المسير لابن الجوزي: 270/4، تفسير ابن كثير : 561/2، البداية والنهاية : 187/1.
ولكن هناك أيضاً ظروف، وأحداث تفعل فينا فعلها، وتُؤثر أثرها، ومَن ذَهل عَنْهَا فَقَد أَسْتَهان بنَفْسِه، ومُسْتَقْبَله، وبالخصوص في هَذَا العصر، عصر التطورات والمفاجآت... وهل من سَرّ لهزائم الْعَرَب، والمُسْلِمِين، وفَشلهم إلّا الذَّهول واللامبادلاة بالعقوبات ؟ وهل من أمّة طَرِيقها إلى الحياة إلا بعد إعداد للطوارىء والمخاطر؟(وَ التَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ. الأَيَّام تمر بسرعة، وتأخذ منا الأنفاس، والأَعْمَار، ويَسْتَحِيل أنْ تَعُود، ومَع هَذَا يَسْتَطِيع الإِنْسَان أَنْ يَغْتنم الْفُرْصَة، ويصنع من أَيَّامه أُمّة، لهَا تَارِيخ، كما صنع مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أو يترك أثراً نَبِيلاً يَدل عَلَيْهِ، ويُذكر به، ولو إلى حين، وبهذا يأخذ الإِنْسَان من أَيَّامه غالياً، كما أخذت مِنْهُ غَالِياً، ومَن تَرك، وأهْمَل فقَد غَبن نَفْسه حَيْث أخذت مِنْهُ الأَيَّام أغلى شَيء دُونَ أَنْ يَأْخذ مِنْهَا شَيْئَاً (مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ، وَ إِلَىٰ غَيْرِهِ رَاغِبِينَ !). الْمُرَادِ بالذهاب عنهُ تَعَالَى إِلى غَيْره - الانقياد للأهواء، والغفلة عن العواقب، والحِسَاب، والجزاء.)(كَأَنَّكُمْ نَعَمْ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعَى وَبِيِّ، وَ مَشْرَبٍ دَوِيِّ، لَعَلَّ أَبْرَز الفرُوق بَيْنَ الإِنْسَان، والحَيَوَان، هو الطموح، والنظر إلى المستقبل، فنشاط الحيوان الحدود الضَّرُورية كالطَّعام والشراب، والدفاع عن نَفْسِه، وفلا مُجتمع ومُسْتَقْبَل، ولا شُهرة، وشخصية... أبداً لا شيء إلّا إِشْبَاع الحَاجَة العُضْوِية.)
وكفی، ويُقَال : أنّ نَوْعَاً من الأفاعي ينام فور شبعه، ولا يُفيق من سُباته إلَّا عِند حاجته للأكل، فَإِذَا أَكَل عاد إلى النَّوْمِ.أمّا الإِنْسَان دائماً أمام هَدف يتوخاه، ويعمل من أجله، وأيّاً كَانَ نَوْع الهدف فهو المقياس الوحيد لشخصية الإنسان، وحقيقته... ومن كان هدفه مُجرد الطعام، والشَّراب فلا فرق بَيْنَه وبَيْنَ الْحَيَوَان إلا بالشكل، والهيئة، وهَذَا هو مُراد الإمام بقَوْله : «كَأَنَّكُمْ نَعَمْ» لا هَمّ لها إلّا العَلف (تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا، تَعِيشُ بِالْحَاضِرِ، ولا يمتد نظرها إلى المُسْتَقْبَل (وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا) أي لا هَدف لَهَا عَلى الإطلاق إلا الشبع.)(وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ، وَمَوْلِجِهِ... إلخ ظَاهر هَذَا الكلام يدل على أنّ الإِمَام يَعلم الْغَيْب، وأنه لا يُخبر بهِ خَوْفاً أَنْ يُقَال فيه من الغلو مَايُو مَا يُوجب الكفر بالله ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ قَالَ : إِنْ مَصْدَر عِلمه هَذا هو رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَ بِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَالِ هَذَا الْأَمْرِ. وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ، وَ أَفْضَى بِهِ إِلَيَّ). ويَتفق هَذَا مَع صَرِيح الآية (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا) (1)، وأيضاً الرَّسُول لا يُظهر عَلَى هَذَا الْغَيْبِ أحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى من إمام، والْإِمَام لا يُظهر عَلَيْهِ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى من خواص الْمُؤْمِنِينَ، وإِلى هَذَا أَشَار بقَوْله : «وَ إِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ وَاني إلى الخاصة مِمَّنْ يُؤْمِن ذَلِكَ مِنْهُ» أي لا يَخْشَى عَلَيْهِ الشَّك، والرَّيب، والخروج عن)
1) الجين: 26 – 27.
الدين.وتَسْأَل : أنّ هَذَا مُمكن بالسُّنَّة إلى العِلم بالكليات، أما إحْصَاء الجُزئيات، وحصرها فلخَالِق الكائنات وحده ؟.وقَد أُجِيب عَن ذَلِكَ : بأنّ الله يُلقَ إِلى نَبِيِّه أُصُولاً كُلِية يَستخرُج مِنْهَا حوادث جزئية، والنَّبِيِّ بدوره يُلقي بهذه الأصول إلى الإمام.(إِنِّي، وَ اللهِ، مَا أَحْثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلا وَ أَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا، هَذِهِ الْحَقِيقَة يَشهد بها الأعْدَاء قَبل الأصدقاء، ولَو تَخلى الإمام عن بَعْض مثَالِيَّاته لكسب الجولة يَوْم السُّورَى حِين قال له ابن عُوف : أبايعك عَلى كِتاب الله، وسُنَّة نَبِيِّه، وسيرة الخليفتين... فأبى إلَّا عَلَى الْكِتَاب والسُّنَّة، ومبلغ عِلمه بهما (1)، ولو خَادع آنذاك لَمْ يَكُن لوَقْعَة الْجَمَل، وصِفِّين، والنَّهْرَوَان، ولا للأشعت بن قيس من أثرٍ... ولكن هل يكون أبن أبي طالب إمام الحَقِّ، والْعَدْل إِذَا لَم تَنسجم أَقْوَاله مع أَفْعَاله ؟.)
1) أنظر، شرح النهج لابن أبي الحديد : 51/9 و : 274/12. التمهيد للباقلاني. التمهيد للباقلاني : 210 تاريخ ابن كثير : 146/7، تأريخ الطَّبَرِي : 40/5 و 238، مسند أحمد: 75/1، الكَامِل في التاريخ : 71/3، تأريخ اليعقوبي : 2 / 165.
## الخطبة - 176 -### النَّارَ وَالشَّهَوَاتِ... فِقْرَة 1 - 2:أَنْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللهِ، وَاتَّعِطُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ، وَ أَقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ، وَ اتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَ بَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَ مَكَارِهَهُ مِنْهَا، لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ، وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ الْجَنَّةَ حُفّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ» (1).)وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْءٌ إِلا يَأْتِي فِي كُرْهِ، وَ مَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَ نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ، وَقَمَعَ هَوَىٰ نَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً، وَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوِيٌّ.وَاعْلَمُوا - عِبَادَ اللهِ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ لا يُصْبِحُ، وَلا يُمْسِي إِلا وَ نَفْسُهُ ظَنُّونُ عِنْدَهُ، فَلا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَ مُسْتَزِيداً لَهَا. فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ، وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ. قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ، وَطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِلِ (2.)اللُّغَة:أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ رَفع عنه اللُّوم، أو لم يُبق لكُم من عُدْرٍ، وجَليَّة : واضحة. ونَزَعَ عَنْ
کذا رجع وأقلع عَنْه. ومَنْزِعاً : رجوعاً عن الْبَاطِل. الظَّنون : مَن يُسيء الظَّن، وإذا أخبر بشيء فَلا يُوثق بخبره. وزَارِياً : عَائِباً. وَمُسْتَزِيداً: طَالِباً المزيد المُرَاد بقَوَّضُوا هُنا ذَهَبُوا، ورحلوا.الإعْرَاب:بِالجَلِيَّةِ صِفَة لموصوف مَحذُوف أي بالأعْذَارِ الجَليَّة، ومَنْزِعاً تمييز.الْمَعْنَى:(أَنْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللهِ. الْمُرَاد بالانتفاع هُنا الْعَمَل، وكلّ مَا يَحكي، ويُعبر عن الْحَقِّ والواقع فَهُوَ حُجّة، وبيان من الله حِساً كَانَ أم عقلاً أم نقلاً، وإِذَا قَال قائل : النَّقل تقليد قُلنا في جوابه : التَّقليد للحَقِّ عَملُ بِالْحَقِّ، والصواب، ولذا قلد الْعُلَماء الكبار في شَقَّى العلوم، فأَخَذُوا نَظرية الجاذبية عن نيوتن، والنسبية عن إينشتاين، ودوران الأَرْض عن جاليليو... إلى لا يبلغه الإحصاء... حَتَّى الْفُقَهَاء الَّذِين حَرَّموا التَّقليد يُقلد بعضهم بعضاً في كَثِير من الأحكام من حَيْثُ لا يَشعرُون، وكفى بقول الله شاهداً على جواز التَّقليد في الهدى ودين الْحَقِّ : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُول قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (1)ومَعْنَى هَذَا أن تقليدهم الآباء حَقّ، وصُواب لو كانوا على الهدى، والعلم.)
1) المائدة : 104.
(وَ أَتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ، وَ أَقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللهِ. الدُّنْيَا كلّها مواعظ ونصائح من الله، ولكن لا تمد إِلَيْهَا الْبَصَرِ، أو نرى، ولا نعتبر، ونسمع النصح، ولا تنتصح (فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ، وَ اتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَ بَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا، لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ، وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ). إِنَّ الله سُبْحَانَهُ مَنحنا الْعَقْل، والْقُدْرَة والإرادة، وبيّن لنا الأَسْبَاب، ونتائجها، لكيلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ من حُجَّة، ولا لديهم من عُدْرٍ إِذَا أَخذَهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.)### الْقُرْآن وَفَنْ الْإِعْلان:(إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ (1). لو كَانَتْ الجَنَّة الصَّلاةِ والصِّيام، والحَج إلى بَيْتِ الله الحرام، لكان الطَّرِيق إِلَيْهَا سَهلاً يَسِيراً بخاصة في عصرنا هَذَا، فإنّ السَّفر فيه إلى مَكَّة المكرَّمَة والمَدِينَة المُنَوَّرَة رِحلة للتّرفِيهِ والنزهة بأقل التكاليف، إنّ الطريق إلى الجنَّة، أو ثَمِنهَا يُحدده صاحب الجنَّة وخالقها تماماً كما يُحدد البائع بالذات تمن سلعته، وبضاعته.)أمّا فَنْ الإِعْلان عن البضاعة، وبَث الدّعاية لها لإقناع النّاس بها، وإقبالهم عَلَيْهَا - أمّا هَذَا الْفَنْ بأصوله وقواعده - فغير بَعِيد أنْ يكُون مَصْدَره الأول هو الْقُرْآن الكريم الذي شوّق، ورَغْب في جنة الخلد بِمَا لا عَين، ولا أُذن سمعت، ولا
1) أنظر، سُنن الترمذي: 693/4 ح 2558، صحيح ابن حبان : 406/16 ح 7393 مجمع الزوائد: 235/10، المُصَنَّف لابن أبي شيبة : 103/7 ح 34527 مُسْنَد الروياني: 388/2 ح 1371، مُسْنَد إسحاق بن راهويه : 408/1 ح 458، المعجم الْكَبِير : 104/9 ح 8546، الزهد لهناد: 171/1 التمهيد لابن عبد البر : 116/19، نيل الأوطار للشوكاني : 122/9.
خطر على قلب بشر (1... وبهذه المناسبة قيل لمليونير من تُجار أمريكا: لو خَسرت كلّ ما تملك، ولم يبق لديك إلا ألف دولار، ماذا تصنع بها ؟ قال : أستأنف التِّجَارَة من جَدِيد، وأجْعَل مِئة لرأس المال وتسعاً للدعاية والإعلان.)وقد أوضح سُبْحَانَهُ ثَمن الجنَّة في العديد من آياته، مِنْهَا الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَيَةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِى مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (2). ومِنْهَا الآية : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (3).. إلى غَيْر ذَلِكَ من الآيات التي أناطت الجنَّة بالجهاد، والتضحية بالنَّفْسِ، والمال، والصَّبر على المشاق، والآلام... وهذا ما أراده الرَّسُول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بقوله : «الجَنَّةَ حُقَّتْ بالمكاره».)أمّا النَّار فطريقها الملذات، والأهواء، والتّرف، والثّراء قَال، عزَّ من قائل: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (4). وَقَالَ سُبْحَانَهُ : (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ)
1) أنظر، صَحِيح البُخَارِيّ : 86/4، صحيح مُسْلِم : 121/1، مسند أحمد: 370/2، سنن ابن ماجه: 1447/2، سُنن الدارمي : 332/2، الغارات : 855/2 وَسَائِل الشّيعة : 478/10 ح 10، تهذيب الأَحْكَام : 22/6، ثواب الأعمال : 56، نيل الأوطار : 155/2، المحلى : 12/1.
2) التَّوْبَة : 111.
3) آلِ عِمْرَانَ : 142.
4) التَّوْبَة : 34 - 35.
مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (1). ومِثلُ ذَلِكَ كَثِير فِي كِتَاب الله.)(وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْءٌ إِلا يَأْتِي فِي كُرْهِ. لأَنَّ طَاعته تُلزم بِالحَقِّ، والطَّرِيق إِلَيْهِ شَائِكَ مُرهق تكتنفه الصَّعُوبَات، والْعَرَاقِيل، وَقَالَ بَعْض المفكرين : «الحق هو الإنتصار على جاذبية الأرض، والتَّحرر من ثقل الجسد» أي من الأهواء، والشَّهوات (وَ مَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ) تَنفَقَ تَمَاماً مَع الرَّذِيلة عَلَى عَكس الفَضِيلة ولو أتفقت الفَضِيلة مع الشَّهْوَة أيضاً لما كان للقيم، والأخلاق، والشَّرَائِع عَينٌ، ولا أثر، وكان الناس كلهم سواء لا خَبيث فِيهِمْ، ولا لَئيم.)(وَ قَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً، وَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَىٰ مَعْصِيَةٍ فِي هَوى. الضَّمِيرِ فِي إِنَّهَا يَعُود إلى النَّفْسِ، وَهِي تُشاكس، وتُعاكس، ولا تقلع عن ملذاتها بالحسنى، لا بد من جهادها وإعداد العدة لكبحها. وقد يُقال : أن هَذَا الكلام بظاهره يُؤيد، ويدعم أَصْحَاب نَظرِية الخَطِيئَة، وإنّ الإِنْسَان مُحرم بالْفِطْرَة، ورجس بالطَّبيعة !... ولكن كلام الإِمَام بَعِيد عن التعريف بطبيعة الإِنْسَان، وتحديدها من حَيْث هي، وإنما يَتَكَلَّم عن ميول الإِنْسَان، ورغباته التي تدفعه إلى الحركة بصرف النظر عن طبيعته، وحقيقته، وهذه الميول، والرغبات قد تتولد من المخارج لا من الداخل، ومن المحيط، والبيئة لا من الفِطْرَة، والطبيعة.)والَّذي نَراه أنَّ الإِنْسَان يُخْلَقَ صَحِيفَة بَيْضَاء لا طاهراً بطبعه، ولا دَنِسَاً، ولكن فيه الإستعداد التام، والمؤهلات الوافية للوصفين معاً، والمحيط هو الذي يُقرر
1) إبراهيم : 30.
حياته ومصيره تماماً كالصَّفحة البَيْضَاء ترسم فيها ما شئت من صواب، أو خطأ وهَذَا مَا عناه بَعْض الفلاسفة بقَوْله : «الإِنْسَان مَشرُوع وجُو»د. أجل، إِنَّ الإِنْسَان ناطق بطبعه أي عاقل، ومُدرك كما عرفه الفلاسفة القدامى، والهدف الأَوَّل من الْعَقْل أَنْ يَقِيك من شرّ المخاطر، فمن أستعمل عقله هذه الْغَايَة فهو إِنْسَان شَكلاً، ومُحتوى، وإلا فهو إِنْسَان بالاسم، والجسم فقط.(أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُصْبِحُ، وَلا يُمْسِي إِلا وَ نَفْسُهُ ظَنُّونُ عِنْدَهُ، فَلَا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَ مُسْتَزِيداً لَهَا كلّ عاقل - مُؤمِناً كَان أَمْ غَيْرُ مُؤمِن - يَتهم نَفْسه، ويُعِيب عَلَيْهَا التَّقْصِير، ويَطلب مِنْهَا، ولها المزيد من الكمال، والتَّحرر من الرَّذائل، والْعُيُوب، ومن أكْبَرَ الْعُيُوبِ أنْ يُبرىء الإِنْسَان نَفْسه من العيب، والخطأ... ولا مَصْدَر لهذا الغُرُورُ إلَّا الجَهْل المركب، فإنّ الإِنْسَان كُلما ازداد عِلماً أزدَاد تُوقعاً للخطأ، قَبُولاً للنقد (فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ) من أهل الخير، والصَّلاح (وَ الْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ) عَطف تَفْسِير (قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ) الَّذِي لا ينوي العُودة إلى مكانه الأَوَّل (وَ طَوَوْهَا) أي حِياتهم فِي الدُّنْيَا (طَيَّ الْمَنَازِلِ) وَهِي مراحل الشفر، ومسافاته.)### الْقُرْآن... فِقْرَة 3 - 4:وَ أَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُضُّ، وَالْهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ، وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ. وَ مَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ : زِيَادَةٍ فِي هُدىً، أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمَيَّ. وَ أَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنى، فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَأَسْتَعِينُوا
بِهِ عَلَى لَأَوَائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ : وَ هُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ، وَالْغَيُّ وَ الضَّلَالُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ (3. وَ أَعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَ قَائِلٌ مُصَدَّقٌ، وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ، وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : (أَلا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلَيَّ فِي حَرْثِهِ وَ عَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ). فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أَتْبَاعِهِ، وَ أَسْتَدِلُوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَ اسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ.)الْعَمَلَ الْعَمَلَ، ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ، وَالاِسْتِقَامَةَ الاِسْتِقَامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَ الْوَرَعَ الْوَرَعَ ! (إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ، وَإِنَّ لِلْإِسْلامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ، وَ أَخْرُجُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا أَفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ. أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ، وَحَجِيجُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ (4).)اللُّغة:لأَوَائِكُمْ : شَدَائِدَكُم. ومُشَفَّعٌ : مَقْبُول الشَّفَاعَة. وَمَحَلَ بِهِ : أَضْرَ بهَ. وعَلَم - يفتح اللأم - مَا يُهْتَدى بهِ. وَحَجِيجُ عَنْكُمْ : أَدافع عَنْكُم بالحجّة أي مُحامِي عَنْكُمْ.الإعراب:هُوَ النَّاصِحُ «هو» ضَمِيرِ الفَصل، والنَّاصِحُ خَبَر أَنَّ، ومُشَفَّعٌ صِفَة لشافع، وغَيْرَ صِفَة لمُبتلي، والْعَمَلَ مَفْعُول مَحذُوف أي الزَمُوا الْعَمَلَ، ومثلهُ ما بَعْدَه.
الْمَعْنَى:(وَ أَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُضُّ، وَ الْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ... إلخ أنّ كلّ إنْسَان يُريد أنْ يَعْرِف مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفعل، ومَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يترك لكي يحيا حياة طَيِّبَة. وسواء أوجد هذه المَعْرِفَة عِند العقل، والتَّجْرِبَة، أم عِند الْفِطْرَة والغَرِيزَة فإنّ الله قد أضَاء بِالْقُرْآن الطَّرِيق الحياة أصلح، وأنْفَع بأعتراف الْعَقْل والْفِطْرَة... عَلى أَن التَّجْرِبَة أقوى برهان، وهَذَا التَّارِيخ يشهد للَّذِين سَلكُوه بأنهم كانوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وإِذَا خَسِرَ الْمُسْلِمُونَ الْيَوْم كلّ شيء فلأنهم أنحرفُوا عن طَرِيق الْقُرْآن، وتجاهلوه، وإذن فالعيب فِيهِمْ، وليس في دينهم وكتابهم، وقول الْإِمَام : (وَ مَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ... إلخ) يُرِيد بالأحَد مَن كَان لهُ قَلبْ يُطِيع مَن يُهْدِيه، ويُعصي مَن يُردِيه.)(وَ أَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَة... إلخ مَن تَفَّهم الْقُرْآن وعَمِل بِهِ فَهُو فِي غِنى عن كلّ هَادٍ ومُرشد، ومن جَهله، أو أعرَض عَنْهُ فَلا يَنْتَفع بالهداة مُجْتَمِعِين، ومثله مَن لَم يَكُن له واعظ من نَفْسِه فلا تَنْفَعه المواعظ (فَأَسْتَخْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ) الْعَقْلِيَة كالجهل، والتَّقليد، والخرافة. والخليقة كالْكَذِب، والخيانة وغيرها من الأسواء، والأدواء.)(وَ أَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأَوَائِكُمْ وَهِي المشكلات الاجتماعية، والأَوْضَاع الفاسدة، وقد رأينا بَعْض البلاد المتحضرة تضع حلولاً لبعض مَا تُعانيه من مشكلات تلتقِي مَع أَحْكَام الْقُرْآن، ومبادئه، وآخر مَا قَرَأْتُ فِي هَذَا البَاب خَبرٌ : «إنّ مِئات مِن أَهْل الاختصاص في المانيا الديمقراطية عَقدُوا مُؤتمراً لِعلاج بَعْضٍ المشكلات، وانتهوا إلى جواز الطَّلَاق على رأي الدِّينِ الْإِسْلَامِي، وتحريم الربا،)
و افْتَتَاحَ أَوَّل بَنك غَيْرُ رَبوي» (1.)(فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ : وَ هُوَ الْكُفْرُ وَالنّفَاقُ، وَ الْغَيُّ وَالضَّلال. هَذَا تَفْسِير تفسير وبيان لقَوْله : «فَأَسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ». إنّ الْقُرْآن كِتَاب دِين، وهداية، وحقوق وواجبات تُوجه الإِنْسَان في سلوكه مع نَفْسه، وخَالِقه، ومُجتمعه عَلَى أسس سليمة تهدف إلى تَنزِيه العقل، والْعَقِيدَة من الجَهْلِ، والخرافة، وإلى إصْلاح الْفَرْد والمجتمع، ولَيْسَ الْقُرْآن كِتاباً في الطّب كي يُستَشفى بهِ من الأمراض، والأسْقَام، ومَع هَذَا فَإِنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِين يَتدَاوُون بتلاوتِهِ، أو يحمله تحرز يُخفف عَنهم الأوجاع، أو يُقِيهم الكوارث، والأخطار.)(فَأَسْأَلُوا اللهَ بِهِ. إذا كنتم تَخَافُون حقاً من غَضب الله، وعَذَابه، ويَطْلُبُونَ مِنْهُ الْعَفُو والرَّحْمة فعَلَيْكُمْ أنْ تَعملوا بكتابه مُخلصين لهُ الدِّينِ (وَ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ) أي برعاية أحكامه، وتَعالمه (وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ) لا تَتَّخِذُوا مِن تِلاوته مهنة للكسب والرِّزْقِ (إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَعُ... إِلَى شُفْعَ فِيهِ). الْقُرْآن يَشفع عند الله، والله يقبل شفاعته، وأيضاً يقبل سُبْحَانَهُ الشَّفَاعة مِمَّنْ شَفع له الْقُرْآن، والمراد بشفاعة الْقُرْآن إنّه يشهد بِلِسَان الحال أنّ هَذَا الْمُؤْمِن قَد أتمر بأمره، وأنتهى بنهيه (2)(وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ). الْمُرَاد)
1) انظر، جريدة الجمهورية المصرية تأريخ 21 تموز سَنَة 1972م. (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)).
2) )لقد أرسل الله الأَنْبِيَاء، والرُّسل مُبشرين، ومُنْذِرين، وبعثهم للخَلق رحمة، وهداة للنّاس أجمعين، ثم أرسل على فترة منهم رَسُولاً عَظِيماً، ونَبِيا رَحِيماً يحرص عَلَى هُداهم رحمة بهم، ويدعوهم إلى مَا فِيهِ سعادتهم، وحياتهم شفقة عَلَيْهِمْ: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ التَّوْبَةِ : 128، وما كَانَتْ هَذه الشَّفقة، ولا تلك الرحمة إلا من فيض العطايا الربانية والمنح الإلهية التي جاد بها عَلَى رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لخير الإِنْسَانِية، وسعادة البشرية (كُلا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْفُورًا) الإِسْرَاءِ : 20، ولذلك فإِنَّهَا تُضاعف وتزداد في الآخِرَة إكراماً لنَّبِيه، وتقديراً لسمو مَنزلته، ورحمة منه لعباده عزَّ وجلَّ (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) الأحزاب : 43، وإِذَا كَانَ يَوْم الْقَضَاء، وأشتد الكرب، وهَال الأمر، وعظم الموقف، وتمنى الخلائق أن لو أنصرفوا من شدة هَذَا الهَوْل، وجَلال الْقِيَامَة، وزلزلة الساعة، وفزع النّاس إلى الأَنْبِيَاء والرسل، وأحالوهم بدورهم عَلَى نَبِي الرَّحْمة، وشفيع الأمة، ومُغيث الخلائق، تجلت الرَّأفة، وتدفقت الشفقة، وتحركت العواطف للأخذ بيد المتوسلين، وإنقاذ المستشفعين، والاستجابة للمستغيثين، ولا عجب فإِنَّه كَعبة الْفَضْل، وقبلة الرَّجاء، وغاية الأمم، وتحط الآمال، فالتوجه، والإستغاثة، والاستشفاع به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبغيره من الأَنْبِيَاء، والأَوْلِيَاء، والصَّالحين ليس له عند المُسْلِمِينَ، وفي قلوبِهِمْ غَير ذَلِكَ المعنى المشار إلَيْهِ : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) الزُّمَر : 44. إنّه لم يعطها لما عُبد من دونه ولا من عُبد وكَانَ راضياً، فالقصر في هَذِه الآية إضافي الْمُرَاد مِنهُ نَفي شفاعة الأونان في عابدِيها، ونفي شفاعة جميع المَعبُودِين في عابديهم.)فقد روى أحمد والترمذي: وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري (قدّس سِرُّهقَالَ: «أنا سيد ولد آدَمَ يَوْم الْقِيَامَة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نَبِي يَوْمَئِذٍ آدَمَ فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أَوَّل شافع وأَوَّل مشفع ولا فخر» وروى البزار والطبراني عن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنَّ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «أَشفع لأمتي حَتَّى يُنادي ربي تبارك تَعالى فيَقُول : قَد رضيت يا مُحمد؟ فيَقُول : إي رَبِّي رَضيت» أنظر صَحِيح مسلم : 134/1 مطبعة محمد علي صبيح وأولاده طَبْعَة مِصْر، والمُسْتَدرَك عَلَى الصَّحِيحِين للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي : 66/1 ط دار المعرفة / بيروت لتجد الكثير عن بحث الشفاعة.)وأنظر، السِّيرَة التَّبَوِيَّة لابن هشام : 59/2 / دار إحياء التراث العربي بيروت تهذيب سنن أبي داود / باب الشفاعة ح 4730. وقد تضمنت أحاديث الشفاعة خمسة أنواع من الشفاعة، وهي :(1 الشفاعة الْعَامَّة التي يرغب فيها الناس إلى الأَنْبِيَاء نَبياً بعد نَبِي حَتَّى يُريحهم الله من مقامهم.)(2 الشفاعة في فتح الجنَّة لأهلها.)(3 الشفاعة في دخول من لا حساب عَلَيْهِمْ الجَنَّة.)(4 الشفاعة في إخراج قَوْم من أَهْل التوحيد من النار.)(5 الشفاعة فى تخفيف العذاب عن بَعْض أَهْل النّار.)ويبقى نَوْعَان يذكرهما كثير من الناس :«أ» الشفاعة في قَوْم أستوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهَذَا النَّوْع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عَلَيْهِ، وأكثر الأحَادِيث صَرِيحة في أنّ الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر، إنما تكون بعد دخولهم النّار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون، فلم أظفر فِيهِ بنص.«ب» شفاعته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ لقوم من المُؤْمِنِينَ في زِيَادَة الثَّوَاب، ورفعة الدرجات، وَهَذَا قد يُستدل عَلَيْهِ بدعاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأبي سلمة وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «اللهم أغفر لأبي سلمة، وأرفع درجته في المهديين».
بمحل بِهِ أضَرَّ بِهِ، والمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآن تُقبل شهادته عَلَى الطَّعَاةِ الْأَشْرَارِ تَمَاماً كما تُقبل لِلْمُتَّقِينَ الأخيار.(فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... إلخ الْمُرَاد بالحَارِثِ العَامِل، وبمُبْتَليَّ فِي حَرْثِهِ - بسكون الراء - المَسْئُول عَن عَمله، والْمُرَاد بِحَرْثَهِ الْقُرْآن - بفتح الراء والثّاء - العاملون بهِ، والمَعْنَى أَنْ أَهْل المحشر يَسمعُون مُنادِياً يَقُول : كلَّ إِنْسَان مَسْئُول عن عَمله، ومُحاسب عَليهِ، وعَلى عواقبه، وآثاره، فَيَعم الفزع، والهلع النّاس أجمعين من هَذَا النّداء إِلَّا العاملين بالقُرْآن فَإِنَّهُم فِي أَمنٍ، وَأَمَان (فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أتْبَاعِهِ) العَامِلِين بُهَدِيهِ وأَحْكَامه (وَ أَسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ) أَتخَذُوه رائداً ودَلِيلاً إلى مرضاة الله، وتُوَابه (وَ أَسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) لا تقبلوا النُّصح إلّا مِنْهُ، ومن الرَّاسخين فيهِ عِلماً، وعَمَلاً (وَ أَتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ). كلّ ما خالف الْقُرْآن فهو جَهل، وضَلال لا يُوثق بهِ، ولا يُركن إلَيْهِ.)وبعد، فإنّ غَرضِ الْإِمَامِ من حَدِيثه هُنا حَوْلَ الْقُرْآن هو بَيان منزلته، وتَأثِيره في توجيه الإنسان إلى الْغَايَة التي وجد من أجلها، وهي من غَير شكٍّ العِلمُ من أجل الْعَمَل الصَّالح : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (1). ولذا قال الإمام مُكرراً، ومُؤكداً :)(الْعَمَلَ الْعَمَلَ الصَّالح فإِنَّهُ السَّبِيل الوحيد للنّجاة دنياً، وآخره (ثُمَّ النّهَايَةَ النّهَايَةَ). لكلِّ عَمَل عَاقِبَة حلوة، أو مُرة، وقد أضاء سُبْحَانَهُ طَرِيق هَذهِ، وتِلك وَقَالَ لِلْإِنْسَان : أختر لنَفْسَكَ والْإِمَام يُحذره من عَاقِبَة السُّوء (وَ الاِسْتِقَامَةَ الاِسْتِقَامَةَ) عَلَى سَبِيل الحق والعدل والمساواة (ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ) عَلَى مَرَّ الجهاد والنضال من أجل الحُرِّيَّة، والحَيَاة بأمان، وأستقرار (إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَأَنْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَيكُمْ... إلخ) المراد بالعلم - بفتح اللام - الْكِتَاب، والسُّنَّة، وبنهاية النّاس أن يختموا حياتهم بالخير والصلاح، وبغَايَة الإِسْلام العِلم النافع، والعَمَل الصَّالح، وبوظائفه تَعَالى أحكامه، وتَعاليمه، وبحقه الطَّاعَة، والْعَمَل بهذه التّعاليم، والأحكام.)(أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ عِند الله بالاِسْتِقَامَةِ عَلى الهدى ودين الحَقِّ (وَ حَجِيجٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ). قال الشيخ مُحَمّد عَبْدَه : «الْإِمَام كَرم الله وجهَه يعلو منزلته من الله يشهد للمُحسنين، ويقوم بالحجة عن المخلصين» (2). والشَّيخ يُشِير بهذا إلى الآية : (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسِ بِإِماَمِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (3).)### اللّسَان وَالاسْتِقَامَة... فِقْرَة 5-6:أَلا وَ إِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ، وَ الْقَضَاءَ الْمَاضِي قَدْ تَوَرَّدَ، وَإِنِّي مُتَكَلِّمُ بِعِدَةِ
اللهِ وَحُجَّتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (1)، وَقَدْ قُلْتُمْ : «رَبُّنَا اللهُ»، فَأَسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ، وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ، وَ عَلَى الطَّرِيقَة الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ، ثُمَّ لاَ تَمْرُقُوا مِنْهَا، وَلا تَبْتَدِعُوا فِيهَا، وَلَا تُخَالِفُوا عَنْهَا. فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعْ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (5). ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الْأَخْلَاقِ وَ تَصْرِيفَهَا، وَ أَجْعَلُوا النِّسَانَ وَاحِداً، وَلْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ، فَإِنَّ هَذَا اللَّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ. وَاللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَىٰ تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ. وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَ إِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ : لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا أَبْدَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ، وَ مَا ذَا عَلَيْهِ. وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - : «لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ. وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ». فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ هُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَ أَمْوَالِهِمْ، سَلِيمُ اللّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ، فَلْيَفْعَلْ (6).)اللغة:تَوَرَّدَ: مِن الورُود أي وَرَد شَيْئاً بَعد شيء، والعِدَةِ - بكسر العين، وفتح الدال - الْوَعْد، وبكسر العين، وتشديد الدال الجماعة، وبضم العين، وتشديد الدال الاستعداد. والمنْهَاج : الطَّرِيق الواضح، والتَّهْزِيع : التَّكسير. والتَّصْرِيف : التقلب.
1) فُصِّلَتْ : 30.
والرَّاحَةِ : الكف. والأَعْرَاضِ : جمع عِرض بكسر الْعَيْن، وهو ما يَصُونه الإِنْسَان من نَفْسِهِ، وأَهْله.الْإِعْرَابِ:تَوَرَّدَ مُضارع لأن الأصل تَتَوَرَّد، وأَلَّا تَخَافُوا «أَلا» كَلِمَتَانِ : أَنْ ولا، وَقَالَ ابن أبي الحَدِيد: «يَجوز أنْ تَكُون «أنْ» مُفسرة بِمَعْنَى أي، وأن تكون مُخففة من الثَّقِيلة» (1وليس هَذَا ببعيد، ولكن يجوز وَجهٌ ثَالث، وهو أنْ تَكُون مَصْدَرِيَة، والمَصْدَر المنسبك مَجرُور بِبَاء تحذوفة، ويَكُون تَقدِير الكلام هَكَذَا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ بِعَدم الخَوْف أي بِالبُشرى، ومثلهُ : (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ) (2). وإِيَّاكُمُ الأصل أُحَذِّرُكُمُ، ثُمّ حُذف الفِعْل، وأنفصل الضَّمِيرِ، وتَهْزِيع مَفْعُول أُحَذِّرُكُم، أما الواو فَقِيل : إِنَّهَا عُوض عن الفِعْل الْمَحَذُوف.)الْمَعْنَى:(ألا وَإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ، وَالْقَضَاءَ الْمَاضِي قَدْ تَوَرَّدَ. قِيلَ فِي تَفْسِيره : إِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ... إشارة إلى بَيْعَة الْإِمَام، وإنَّ الْمَاضِيَ إشارة إلى الْفِتَن التي حدثت بعد البيعة... ومهما يَكُن فإنّ الْأَسْبَاب المؤثرة هي بمشيئة الله سُبْحَانَهُ، لأنه أبى إلا أنْ يَجري الأُمور على أسبابها، وأشار، جلت كلمته، إِلى ذَلِكَ في العديد من)
الآيات. مِنْهَا : (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (1)مَع العلم بأنّ الذي جعل النُّطْفَة في الرَّحم مُباشرة هو الأب، ومِنْهَا : (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ، سَاكِنا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) (2)... حَتَّى الْأَسْبَاب الاجتماعية أسندَها إِلَيْهِ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (3). أمّا المبرر هذا الإسناد فهو أنه تَعَالى خَالِقِ الكَوْن بِمَا فِيهِ، وَإِلَيْهِ يَنتهي كلّ شَيء. (وَإِنِّي مُتَكَلِّمُ بِعِدَةِ اللَّهِ وَحُجَّتِهِ... إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ). يُشِيرِ الْإِمَام إِلى مَا وَعَدَ الله بهِ الْمُؤْمِنِينَ في الآية السابقة (4)، ومعناها أنّ من آمن بالله، وانسجمت أفْعَاله مع إيمانه - فأنّ لهُ من الله الجنَّة، ومن المَلائِكَةُ الْبُشْرَى بِها عِند الموت، وفي القبر، وسَاعة الحَشْرِ، وإذَنْ فالْمُسْتَقِيم حقاً، وصدقاً عند الله هو المؤمِن المُلتزم قولاً، وفِعلاً بموجب إيمانه، ومن آمن باللهِ نَظرِياً دُونَ أنْ يَلتزم، ويَنسجم عَملياً مَع إِيمَانه فهو مُنحرف عن الصّراط المُسْتَقِيم، ولذَا قَالَ الْإِمَام لأهل التَّوْحِيد : (وَقَدْ قُلْتُمْ : «رَبُّنَا اللهُ»، فَأَسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ)، والجُمل المعطوفة عَلَى هَذِهِ الجُملة بَيان لهَا وتفسير.
(ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَ تَهْزِيعَ الْأَخْلاقِ وَ تَصْرِيفَهَا). هَذَا نَهي عن التَّلَوُّن في السلوك، والانتقال من حَالٍ إِلى ضدها مع الْمُنَافِع، والأَغْرَاض... وهَذِه الصِّفَة يَشترك فيها
العالم، والجَاهِلِ، وَهِي مُشكِلَة المشكلات، ولا سَبِيل إِلى حَلَها إِلَّا بِسَد الْحَاجَاتِ، وتيسير العِيش لكلِّ فرد... وفي أسوأ الحالات يقل عدد المُنافِقِين، والخَائِنِين.
(وَ أَجْعَلُوا اللّسَانَ وَاحِداً) في الحضُور، والْغَيْبَة، ومَن كَان لهُ لِسَان، في الأمام، وآخر في الخلف فهو مُنافق، ويُحشر يَوْم الْقِيَامَة، ولهُ لِسَانَان من نَارِ من بَيْنَ يَدِيهِ ومن خَلَفَه (وَ لْيَخْرُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ) عن الفُحش، والْكَذِب، والتَّقعر في الكَلام والفُضُول في السؤال، والتَّطوِيل بِلا طَائِل (فَإِنَّ هَذَا النِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ)، يَقُوده إِلى المهَالِك، وفي الحَدِيث : «من يَتكفل لي بِمَا بَيْنَ لِحييه، ورِجْلِيه أتُكفَلُ لهُ بالجنَّة) (1). وفيه إيماء إلى أن الدَّاء يَكُون فِي الأعْلى كما يَكُون في الأَسْفَل.
(وَ اللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَىٰ تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ) قَد يَصُوم المزء ويُصلي ويحجّ، ويُزكي، ورُبَّما جَاهد بالنَّفس، والمال، ومَع هَذَا لا يسلم من غَضب الله وعذابه، لكَلِمَة يُناصر بها ظَالِماً، أو تخذل مظلوماً، أو تتهم بَرِيئاً (وَ إِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَ إِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ... إلخ). هَل بَيْنَ اللسان، والْقَلْب صلة وعِلاقة ؟ وفي حال وجود الصِّلة بَيْنَها فين أي نَوْع هِي ؟
وأجاب الإمام بأن الحال تختلف الأشخاص، فَبِيْن لِسَان اللْمُؤْمِن الْعَاقِل، وقلبه عِلاقة قوية جداً، وَهِي من نوع العِلّية، والسَّببية، وذَلِكَ أنْ الْمُؤْمِن الْعَاقِل يَزن
1) أنظر، تفسير الثعالبي : 176/2، سُبل السلام : 180/4 تجمع الزوائد: 300/10، الورع لابن أبي الدُّنْيا :، 92، مُسْنَد أبي يعلى: 84/4، المعجم الأوسط : 172/5، مُسند الشهاب : 324/1، نَهْجِ الْبَلاغة لابن أبي الحديد: 136/10.
كلامه، ويفكر طويلاً قبل أن ينطق بهِ : هَل هُو لهُ، أو عَلَيْهِ، خَوْفاً من سوء الْعَاقِبَة. وبعد التثبت من صدقه، ومَرَضاة دينه، ووجدانه يُلقيه عَلى السَّامِعِين، وبهذا يَكُون لِسَانه تابعاً، ونَابعاً من قلبه، وعَقْلِهِ، ودِينه. أمّا المُنَافِق فلا يَشعر بِالمَسْئُولية، وَلا يَخشى دائرة السُّوء، ولذا يُلقي الكلام جُزافاً من غَيْر تَفكير ورُوِّية في أنّه له، أو عَلَيْهِ، حَتَّى إذا ذاق، وبال كلامه أفاق من كبوته، وشعر بالمَسْئُولية... ولكن بعد فوات الأوان، ومَعْنَى هَذَا أنّ كلامَه سَابق لشعُوره وتفكيره.
(قَالَ رَسُولُ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - : «لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ. وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» يَدل هَذَا الْحَدِيث بظاهرهِ على أن سلامة الإيمان تنبع من سلامة القلب، وهَذَا حَقّ لا ريب فيه، وأيضاً يدل الحَدِيث عَلى أنّ سَلامة القَلْب تنبع من سلامة اللُّسَان !... والذي يبدو أنّ العكس هو الصَّحِيح، وأن سلامة اللّسَان من سلامة الْقَلْب.
ويُمكن الجَوَاب : بأنه لا مى حل للإيمان إلَّا الْقَلْب، ويَسْتَحِيل وُجُودِه بدونه، أما الكلام فقد ينبع من القلب كما هو الشّأن في كلام المؤمِن، وقد يَكُون كَذِباً، وريا، كما هي حال المنافق، ومُراد الرَّسُول الأَعْظَم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من قَوْله : (لا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ). أن الإيمان لا يتم إلَّا إِذَا أَنْسَجَمَ الْقَلْب مَع النِّسَان، وبدون ذَلِكَ فلا إيمان، بصرف النظر عَن نَوْع الصِّلة، والعُلاقة.
(فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَ أَمْوَالِهِمْ، سَلِيمُ النِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ، فَلْيَفْعَلْ) هَذَا الكلام أُسلوب من أساليب الوعظ، والإِرْشَاد، وليس تحديداً لحكم الدماء، والْأَمْوَال، وشُرُوطه كي يُقَال : إن
الاستطاعة من الشُّرُوط لجميع الأحكام، والتكاليف، ولَيْس لتحريم الدماء والأموال، والغيبة فقط.
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ، وَيُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ : وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ. فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ وَضَرَّسْتُمُوهَا، وَ وَعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَ ضُرِبَتِ الْأَمْثَالُ لَكُمْ، وَ دُعِيتُمْ إِلَى الْأَمْرِ الْوَاضِحِ، فَلاً يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلا أَصَمُّ، وَ لا يَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلا أَعْمَىٰ. وَمَنْ لَمْ يَنْفَعُهُ اللهُ بِالْبَلاءِ، وَ التَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ، وَ أَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ، وَ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ. وَ إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ : مُتَّبِعٌ شِرْعَةً، وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ، وَلا ضِيَاءُ حُجَّةٍ (7).
وَ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظُ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ (حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ)، وَ سَبَبُهُ الْأَمِينُ، وَ فِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ، وَمَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَيْرُهُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكَّرُونَ، وَ بَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - كَانَ يَقُولُ: «يَا ابْنَ آدَمَ، أَعْمَل الْخَيْرَ، وَدَعَ الشَّرَّ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ» (8).
اللُّغَة:
ضَرَّسْتُمُوهَا : جَرِّبْتُمُوهَا تَجْرِبَة مُحْكَمة. والأَصَمُّ : الصُّلب المتين، والأطرش،
وهو المقصود هنا. والْقَاصِدَ : المُعتدل لا إِفْرَاط ولا تَفْرِيط.
الْإِعْرَاب:
أَوَّلَ صِفَة لِعَام، وممنوع من الصرف للوصف ووزن الفِعْل، ومُتَّبعٌ ومُبْتَدِعْ بَدل مُفصل من يُجْمَل، والمُبدل مِنْهُ رَجُلانِ، وشِرْعَةً مَفْعُول مُتَّبِعٌ، وبِدْعَةً مَفْعُول مُبْتَدِعٌ، وجِلَاءٌ غَيْرُهُ مُبْتَدَاً، وخَبَر، ولِلْقَلْبِ مُتَعَلِّق بجلاء.
(أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ، وَ يُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ... إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ). كلّ مَا ثبت وجُوبه، أو تحريمه بِنَصَ الْكِتَاب، والسُّنَّة مُطلقاً مِن غَيْر تَقييد بزمَان، أو مكان فهُو كَذَلِكَ أبَداً، ودائماً، لأنّ سُلطة التحليل عِند التَّحْرِيم عِند المُسْلِمِين الله وَحدَه، ولَيْس لأحدٍ مِنْهَا شيء حَتَّى ولو كَان نَبِّيَّاً مرسلاً، أو ملكاً مُقرباً، أو حاكماً عادلاً، أو برلماناً مُنْتَخَباً، قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (1). أمّا حَدِيث : «حَلالَ مُحَمَّد حَلال أَبَداً إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وحَرَامِه حَرَام أَبَداً إلى يَوْمِ الْقِيَامَة» (2). فالْمُرَاد مِنْهُ مَا نَزل الوحي بهما عَلَى مُحَمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ومن أحَلَّ حَرَامه تَعَالَى، أو حَرّم حَلاله فَلِيْسَ من الله في شيء. وتجدر الإِشَارَة إلى أمرين :
الأمر الأوَّل : لا وجوب، ولا تحريم من غَيْر نص، وما سكت عنه فهو عفو، ومُباح عند الله : (هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (1). أجل، إذا أتفق العُقلاء جميعاً حَةً: الملحدين مِنْهُم عَلى وجوب شيء، أو تحريمه، وَجَبَ الإلتزام بهذا الإنْفَاق الَّذي لَم تَنْه عَنْهُ الشَّرِيعة.
الأمر الثَّاني : لِلكنسة في الدِّين المسيحي أنْ تُحلل كما تَرى، لأنَّ السَّيِّد المسيح هو الذي منحها سُلطة التشريع، والتَّحليل، والتَّحْرِيم، كما جاء في الإصحاح: «مَا تَربطُونَه عَلَى الْأَرْضِ مَربُوطاً فِي السَّمَاء، ومَا تَحْلُونه عَلَى الْأَرْضِ يَكُون مَحْلُولاً في السَّاء» (2). وَقَالَ: «إنْ أتفق أثنان مِنْكُم عَلَى الْأَرْض في أي شَيء يَطلبانه فإِنَّه يَكُون لهما من قبل أبي الذي فِي السَّماء» (3). والخطَاب فِي الآيتين مُوجه إِلى تَلامذة السَّيِّد المسيح.
وأشارت إلى ذَلِكَ الآيَة فِي الْقُرْآن الكريم : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحدًا لا إله إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (4). وَقَالَ عَدي بن حاتم - وكَان مَسِيحِياً - لرَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّهم لَم يَعبدوه!م. فقال لهُ الرَّسُول : بَلَى، أنهم حرمُوا عَلَيْهِمْ الحَلال، وأحْلُوا هُم
الحَرَام فأتبعُوهم، فذلك عِبادتهم إيَّاهم(1).
(فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ وَضَرَّسْتُمُوهَا...) أَنْتُمْ تَعلَمُون عِلم اليَقِين أن نصوص الإسلام واضحة، وأنّ النّص لا ينقض بالرّأي، والإجتهاد، وأيضاً تَعلمون ماذا أَصَابَ الَّذِين حَرفُوا دِينهم من قَبل كاليَهُود، وقَد ضَرب الله لَكُم الْأَمْثَالَ بِهِمْ، وبغيرهم كي تُعتبرُوا، فلماذا لا تتعظُون ؟ (فَلا يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلا أَصَمُّ، وَلا يَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلا أَعْمَى) أي مَن هُو جَدِير بهَذا الوَصْف، وقد دلتنا الأحداث أنّ هَذَا العمى والصَّمم يَأْتِي - في الغالب - من التّرف، والتخمة. وَقَالَ الْإِمَام لأحد المترفين : «فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَىٰ مِنْكَ تَجْرَى الرُّوحِ، وَالدَّمِ» (2).
(وَ مَنْ لَمْ يَنْفَعُهُ اللهُ بِالْبَلاءِ، وَ التَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ). الْبَلاء والتجارب لا ينفصلان عن الفِعْل، والفِعْل لا ينفصل عمّن فعله، وأَصَابَه، ومن لا يتعظ، وينتفع بِمَا أَصَابَه، وحدث له بالذات فهل يتعظ، وينتفع بما يحدث لغيره ؟.
وبالأولى أن ينتفع بالذكر الحكيم، والكتاب المبين وإنّ الْعَاقِل يَنتقد نَفْسه في ضُوء بَلائِهِ، وتجاربه، ويَأخذ مِنْهَا دَرساً نافعاً لا ينساه، ومَن لَم تَحدث له أية خُبرة عِلمِية، أو صِفَة خُلقِية من تجاربه فهو واحد من أثْنَيْن : إمّا قاصر لا أستعداد فيه على الإطلاق، وإما مقصر استحوذ عَلَيْهِ الشَّيْطَان حَتَّى عَن نَفْسِهِ، وَمَا مَرَّت بهِ مِن أطوار، وأحداث.
(وَ أَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ، وَ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ). مَا مِن
مُفرط، ومُهمل إلا وتُجابهه الأَيَّام بأسْوَائِهِ، وأخطائه، وتستقبله بها وجهاً لوجه. وحينذاك ينكشف النقاب، ويَقُول : «يَا لَيْتَنِي آمَنْتُ بِمَا كَفَرْتُ، وَكَفَرْتُ بِمَا آمَنْتُ !.. ولكن بعد أن فات ما فات. (وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ : مُتَّبِعُ شِرْعَةً، وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً... إلخ) الشّرعَة مَا يَعتمد عَلى حُجّة واضحة من كتاب الله، أو سُنَّة ثابتة عن رَسُول الله، ومَا عَدا ذَلِكَ،فَبِدْعَة، ولذا قيل في تعريفها: «إحْدَاث فِي الدِّين» (1). وَقَالَ آخر : «هِي كَذب على الله، ورَسُوله» (2)، والمعنى واحد. وسُئل الإمام عن السُّنَّة والبِدْعَة، والفُرْقَة، والجماعة، فَقَالَ : «السُّنَّة سُنَّة رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والبِدْعَة مَا خالفها، والفُرْقَة أَهْل الْبَاطِل، وإنْ كانوا كَثِيراً، والجَمَاعَة أَهْل الحَقِّ، وإنْ كانوا قليلاً»(3).
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّة عَلَى نَوْعَين :
الأول : أَحْكام أسَاسِية مُطلقة من قيد الزَّمَان، والمكان، وإنما شرعت الحياة الإِنْسَان بما هو إنْسَان بصرف النظر عن أسلوب الحياة ومَا يُحيط بها، مثل كلّ إِنْسَان بريء حَتَّى تثبت إدانته (4)، والضَّرر الأشد يُزال بالضَّرر الأخف حَيْث لا
1) أنظر، الذكرى للشَّهيد الأَوَّل: 94 مجمع الفائدة : 448/12، مشارق الشموس : 134/1، فقه أبن أبي عَقِيل العماني: 85، عون المعبود : 286/3. رسائل المرتضى : 164/2.
2) انظر، مُنْتَهى المطالب : 121/2، حَوَاشِي الشّيرواني : 156/3 إعانة الطالبين: 313/1 تنوير الحوالك : 4. وراجع حديث: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة إلى النّار». سُنن أبي داود : 200/4 ح 4607. سنن الدارمي : 44/1، سنن ابن ماجه : 15/1 ح 42، الكافي : 56/1.
3) أنظر، مَعَاني الأخبار للشيخ الصدوق : 154 ح 3، بخار الأَنْوَار : 266/2 ح 23.
4) أنظر، المُصَنَّف لابن أبي شيبة الكوفي : 489/6.
مندوحة إلا بتحمل الضرر الأخف (1)، ومثل الضّرُورات تبيح المحظورات (2)، والمرء مُؤاخذ بِإِقْرَاره، ومَسْئُول عن عمله (3)، ومثل رُفع الْقَلَمِ عن الصَّبِي حَتَّى يحتلم، وعن المجنون حَتَّى يُفيق، وعن النائم حَتَّى يَستيقظ (4)... وهَذَا النَّوْعِ يَسْتَحِيل أن يتبدل، أو يتعدل، لأنه منوط بطبيعة الإِنْسَان مِن حَيْث هي.
النَّوْعِ الثَّانِي : أَحْكَام تابعة للأوضاع، ولأُسلوب الحياة عِند صدور التشريع بحيث يَكُون الحُكْم وثيق بتلك الأَوْضَاع، مثل حَدّ الطَّرِيق سَبعة أذرع حَيْث لا سيارات وشاحنات، ولا مدن تغص بالملايين (5)، ومثل قول الْفُقَهَاءِ القُدامى : من أتلف كتاب غَيْره فعليه قيمته لا مثله، لأنّ المثل مُتعذر آنذاك حَيْث لا مطابع، وتصوير، أما الْيَوْم فَالْكِتَاب المطبوع، أو المصور فَهُوَ،مثليُّ، لا قيمي. وَسُئِلَ الإِمَام عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «غَيرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبّهوا بِالْيَهُودِ»؟ فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّمَا قَالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلكَ وَالدِّينُ قُلّ، فَأَمَّا الآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ، وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ، فَأَمْرُؤٌ وَمَا اَخْتَار» (6).
1) أنظر، الدر المختار للحصفكي: 491/6.
2) أنظر العهود المحمدية : 154، فيض القدير : 72/1، كشف القناع : 35/2 ح 1640. الحدائق الناضرة: 343/8، رياض المسائل : 152/1.
3) أنظر، كشف اللثام : 367/2، فتح الباري: 365/8، صحيح ابن حبان: 431/7.
4) أنظر، صحيح البخاري: 204/8، سنن الترمذي : 32/4 ح 1423، مُشتد أحمد: 100/6، الخصال: 93، مُسْتَدرَككَ الْحَاكِم : 59/2، تلخيص الحبير : 183/1، السنن الكبرى للبيهقي : 84/6 و 206، سنن أبي ا داود 141/4 ح 4403.
5) أنظر، مجمع الزوائد : 159/4، المعجم الأوسط : 96/9، الجامع الصغير : 570/1 ح 3690، کنز العمال: 240/9 ح 25828.
6) أنظر، نهج البلاغة : الحكمة (17).
وفي سائر الأحوال فإنّ غَايَة الشَّرِيعة الإسلامية أن تجعل الحياة أفضل، وأنْ تقوم بَيْنَ النّاس عَلاقات مُنتزعة من مصالحهم بالتساوي فأينما كَانَتْ الحَيَاة الْفُضْلَى فَثَمَّ دِين الله، وشريعة رَسُول الله.
(وَ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظُ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ) في أَسلُوبه، وأمثاله، وحَرَامه وحَلاله (فَإِنَّهُ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ) مَن تَمْسَكَ بِهِ نَجا (وَ سَبَبُهُ الْأَمِينُ) من التَّهلكة (وَ فِيه رَبِيعُ الْقَلْبِ) أي صحتها وسلامتها من الأوبَاء (وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ) باللهِ، وصفاته، وبكَثِير من الكائنات، وأسرار الحياة، وبالأمم الماضية، والقرون الخالية، وبقواعد السلوك التى لا يُنكرها عاقل عَلى وجه الأرض، وغَيْر ذَلِكَ من الكنوز التي يعرفها الرَّاسخون في تَأْوِيله.
(وَ مَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَيْرُهُ) إِلَّا إِذَا كَانَ مُستمداً مِنْهُ، أو يلتقي معه في مبادئه، وتَعاليمه، لأنّه كِتَاب الحَيَاة الَّذى يُطلق العُقُول، ويُحطم قيود الجهل، والتخلف، ويَسِير مع عجله التَّقدم، بل يدفع بها إلى الأمام، ولذا عاش، ويبقى حياً إلى الأبد (مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكَّرُونَ) أي أنّ الْقُرْآن عَاش على الرَّغم من ذهاب الَّذِين عملوا بِهِ (وَبَقِيَ النَّاسُونَ) وهُم الَّذِين لا يعرفُون شَيْئَاً من أحكامه (أَوِ الْمُتَنَاسُونَ) وهم الذين يعلمون ولا يَعْمَلُونَ. (فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ) بتشجيع فاعله. ومُناصرته، والذَّب عَنهُ (وَ إِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ) وأتقُوه وإلا سرت إِلَيْكُمْ العَدُوى مِنْهُ من حَيْث تَرِيدُون أو لا تَرِيدُون (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - كَانَ يَقُولُ : «يَا ابْنَ آدَمَ، أَعْمَلِ الْخَيْرَ، وَ دَع الشَّرَّ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ) أي سائر عَلَى الصَّراط القويم لا تنحرف عَنهُ يَمِيناً، أو شمالاً. وقد يطّن أنّ مثل هَذِه الموعِظه أي «أَعْمَل الخَيْرَ، وَدَعِ الشَّرَّ» نافلة لا حَاجَة إِلَيْهَا.. ولكن قد تَكُون المَوْعِظَة لقيام الحجة
عَلَى فَاعِل الشَّر، وتأكيدها، كما تَكُون لكشف النقاب، أو الترغيب والترهيب
أَلا وَ إِنَّ الظُّلْمَ ثَلَاثَةٌ : فَظُلم لا يُغْفَرُ، وَظُلْمَ لا يُتْرَلُ، وَظُلْمُ مَغْفُورٌ لا يُطْلَبُ. فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به (1). وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ. وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً. الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِالمُدَى، وَلا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ، وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ. فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَونَ فِي دِينِ اللهِ، فَإِنَّ جَمَاعَةٌ فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ، خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ. وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى، وَلا مِمَّنْ بَقِيَ.)يَا أَيُّهَا النَّاسُ «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ» وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ، وَأَكَلَ قُوتَهُ، وَ اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، (وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ، وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ (9) !)اللُّغَة:الْقِصَاصُ - بكسر القاف - الجزاء على الذَّنب بالمثل. والمدى - بضم الميم - جمع مُدْيَة، وهي السَّكِين. وطُوبَى : مِن طَاب، وَهِي تَأنيث الأطيب.والمراد بطُوبَى هُنا الخير.
1) النِّسَاء : 48.
الْإِعْرَابِ:أَمَّا حرف تفصيل، ويجب أنْ يُربط جوابها بالفاء وَظُلْمُ الْعِبَادِ «الظُّلْمُ» مُبْتَدَاً، وخَبَرَه مَحذُوف دَلَّ عَلَيْهِ الموجُود أي لا يُتْرَكُ، وبَعْضِهِمْ مِن الْعِبَادِ بَعْضاً مَفْعُول الظُّلْمُ الْقِصَاصُ مُبْتَدَأَ، وخَبَرَه شَدِيدٌ، وهُنَاكَ مُتَعَلِّق بمحذوف. حَالاً من الْقِصَاص. ومِمَّنْ مَضَى مُتَعَلِّق بمحذوف صِفَة لأَحَدٍ.### لا إِسْلَام مَع ظُلم :لا أَكشف جَدِيداً إِذَا قُلت : كلَّ القَوَانِين قَدِيمها، وحَدِيثَها تُحرم الظُّلم، لسبب واحد، وهو أن الحياة لا تستقيم، وتستقر مع الْبَغْيِ، والاعتداء. أيضاً لا أُغالي إذا قلت : إنّ من يتربص بعباد الله شَراً، ثُمَّ الإيمان باللهِ فَهُو كَاذب في دعواه، وإِن إيمانه مُجرد خيال وصُورة، وهيمة لا واقع لها ولا أساس إلا في ذات صاحبها... وأي عاقل يُصدق من يَقُول له : أنا مُحب مُخلص، وفي الوقت نفسه يفعل الأفاعيل وعياله ؟.أنا لست من القائلين بأنّ من يرتكب كَبِيرة فهو كافر، لأنّي لَستُ خَارِجِياً، ولا من قائلين بأنه في مَنْزِلَة بَيْنَ الْكُفْر، والإيمان، لأني لست من المُعْتَزِلَة بل من الإِمَامِيَّة، ومَع هَذَا فإنّي أعتقد جازماً بأنّ ظُلم الْعِبَاد بالخصوص أفحش من الشرك والإلحاد، وإنَّ الظَّالِم كافر بالله، والناس، ومُعتدٍ عَلَيْهِمْ، وأما من كُفر، ولَم يُعتد على أحد فهو كافر بالله فقط، ومن البداهة أن الجريمة وَاحِدَة أيسر من أثنتين.أمّا الدَّلِيل على ذَلِكَ فَهُوَ أَنَّ الله سُبْحَانَهُ قَد ساوى بَيْنَ الظَّالِمِ، والْكَافِرِ، ووصف
كلاً مِنْهُما بالآخر قَال، عزَّ من قائل: (وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (1).)وَقَالَ : (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِـآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (2)ومَعْنَى الآيتين معطوفة أحداهُما عَلَى الثَّانِيَة أنّ كلّ كَافِر ظَالِم، وكلّ ظَالم كافر بآيات الله، وإن أعترف بِلسَانه، والتأْوِيل يَفْتَقِرِ إِلَى الدَّلِيل. وَقَالَ رَسُول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «من أعان ظالماً، وهو يعلم أنه ظالم فقد بَرىء من الإِسْلام» (3). البراء من الإِسْلام كُفر وإلحاد، وإذا كَان هَذَا حَال مَن أعَان فكَيْفَ بحال المباشر، والفاعل ؟)ومن تَتَبَّع أي الذكر الحكيم التي حثت على قِتال المُشْرِكِين وجهادهم - يَجد أنّ الكَثِير مِنْهَا يَحمل السبب الموجب للقتال، وإنّه الرّدع عن الْبَغْي، والدفاع عن المُسْتَضْعَفين، وضمان حريتهم، وأقواتهم، لا يُجرد الشرك، والإلحاد. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا (4). (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) (5). ﴿فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) (6). وغَيْر ذَلِكَ كَثِير.)إن الأنظمة، والقَوَانِين بكاملها تُحاسب، وتُعاقب المعتدين -كما أشرنا - ولَكِنَّهُ
1) الْبَقَرَة : 254.
2) الأنعام : 33.
3) أنظر، المعجم الصَّغِير : 147/1 ح 224، المعجم الأوسط : 211/3 ح 2944 ، مُسْنَد الشاميين : 16/1 ح 63، المعجم الكبير : 227/1، فيض القدير : 72/6 ميزان الاعتدال في نقد الرجال: 199/3 ح 3175 لِسَان الميزان: 28/3 ح 97.
4) النِّسَاء : 75.
5) الحج : 39.
6) الْبَقَرَة : 191.
تترك حُرِّيَّة العَقِيدَة للنّاس، ولا تتعرض لأحدٍ بسوء من أجل عَقِيدته إنْ عَزَل شَره عن غيره، ولم يتعرض لعقيدة الآخرين... هَذَا، إلى أن الدين اعتقاد. وتَصدِيق، ولا مكان لهُ إِلَّا الْقَلْب، ولا سُلطان على أعماقه إلا لخالقه. وإذا كَان الإكراه مُحالاً فالتكليف بهِ تكليف بالمحال، وإذن فلا يَأمر الله به، وبالْقِتَال من أجله، وقُلنا فِي «التَّفْسِير الكاشف»: أن الأمر بالإيمان أمر بوجود أسبابه التي بَيْنَهَا سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه من التفكير في الأنْفُس، وفِي خَلق السَّماوات والأرض، وإنّ النَّهي عن الْفِكْر نَهي عن تَرتيب آثاره، وإِذَا وَجَبَ الْقِتَالَ عَلَى الْبَغْى دُونَ الْكُفْر فعنى هَذَا أَنّ جَرِيمة الاعتداء أعظم من جريمة الكُفْر، والشّرك... أجل، من ظُلِم وهو ينطق بالشهادتين يُعامل مُعَامَلَة المُسْلِم في الدُّنْيَا من حيث الزواج، والإرث ونحوه، وفِي الْآخِرَة عَلَيْهِ مَا على المُشْرِكِين، والملحدين. وعن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ: «مَا أَكْثَر مَن يَشهد لهُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْإِيمان، ويجري عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُؤْمِنِينَ، وهو عِند الله كَافر، وقَد أَصَابَ من أجرى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِيمان بظاهر قَوْله وعمله» (1).)الْمَعْنَى:(أَلَا وَ إِنَّ الظُّلْمَ ثَلاثَةٌ :)1 – (الظُّلْمُ الَّذِي لا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا) (2). وبَيْنَ هَذِه الآية الكريمة، وآية 53 من سُورَة الزُّمَرِ، وآية 82 من سُورَة طه - صلة وثقى)
بحيث لا يجوز الأخذ بظاهر وَاحِدَة إطلاقاً إلا بعد الجمع بين الثلاث، وعطف بَيْنَ بَعْضها على بَعْض ثُمَّ استخراج المعنى من الثلاث، وتَقُولُ آيَة : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (1). فَقَد دَلت هذه الآية أن الله يغفر كلّ ذنب حَتَّى الشِّرك، سواء أتاب المشرك أم لم يتب، ولكن آية (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) خَصَصت آية الزُّمَر، وأستثنت المشرك مِنْهَا، وتقول آية طه : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (2)فخصصت هذه الآية قَوْله تَعَالى : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ) بهى وأستثنت التائب مِنْهَا تماماً كما أخرجت هي المشرك من آيَة الزُّمَرِ، وبكَلِمَة : إن آية (لَا يَغْفِرُ) مُخصصة (بالكسر) بالقياس إلى آيَة الزُّمَرِ، ومُخصصة (بالفتح) بالقياس إلى آية طه. 2 - (وَظُلْمُ لا يُتْرَكُ) وهو ظلم الْعِبَاد بعضهم بعضاً، وجزاء الظَّالِم عِند الله غَداً عَذَاب الحريق، ولَيْسَ من شك أنه ألم وأوجع من ضرب السياط، والسُّيوف، وأثبتنا في صَدر الْبَحْث أَنَّ الظَّالِم كَافر، ويُعذب بعذابه.
3 – (الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ) وهُو ظُلم الإِنْسَان نَفْسه إمّا بِالشُّح عَلَيْهَا، والتَّقتير مع اليُسر، وإما بالإلمام بذنُوب صِغَار «لا ينفك عَنْهَا إِنْسَان، ووقوع الصَّغِيرة مكفرة، ولا تحتاج إلى تَوْبَة» كما قال صاحب الجواهر (3)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ
كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) (1). وَقَالَ : (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) (2). وَقَالَ النَّبِيِّ الرَّحِيم : «إنْ تَغفر اللَّهُمَّ تَغفر جَمَّا، وأى عَبدِ لَك لا ألمّا» (3).
وللفقهاء آراء متضاربة في تحديد الذَّنب الْكَبِير، الصَّغِير. وفي رأينا أنّ كلّ مُحرم لا ضَرر فيهِ عَلى النَّفْس، ولا عَلى الغَير فهو من الصغائر كلبس الحرير للرجال، والأكل، أو الشُّرب من آنِيَة الذَّهب، والفِضَّة، وتناول جرعة من مُتنجس، والغناء غَيْر الخليع بناءً على تحريمه وسقاطات اللسان، بل، والزَّهُو، والغُرُورُ، كلّ ذَلِكَ بشرط عدم الإضرار، كما أشرنا.
(فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللهِ). وكَلِمَة التَّلَوُّن فِي الدِّين تُومى، إِلى النِّفَاق بإخْفَاء الْكُفْر، وإظهار الإيمان ولكن المراد بها هنا الفُرْقَة، وشتَاب الكَلِمَة، لأنّ الخِلاف والصَّراع لا يُستدعي إخْفَاء البغض، والكراهية، وإظهار الود، والمحبَّة، وهو لون من النِّفَاقِ (فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ، خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ). يُشِير بهذا إلى مَا يُسمى الْيَوْم بالوحْدَة الْوَطَنِيّة، أو الْقَوْميّة، أو بالجهة
الداخلية، والمَعْنَى أنّ وحدة الصفوف، ودفن الخلافات مهما تنوعت، وتعاون الجميع بلا أعتبار لدين، أو لون لتحقيق الهدف المشترك هو سَبِيل التَّقدم، ومِفْتَاح النَّصر عَلَى الْعَدُوّ الخارجى، وإذا كَانَ للخلافات في وجهة النظر حَوْلَ بَعْض القضايا، إذا كَان لها ما يُبررها فِي الظُّرُوف العَادِية فَلِيْسَ لها أي مبرر في ظروف مواجهة العُدْوَان، أو أية مصلحة من المصالح الكبرى، بل هي ضرر تحض لا يَستفيد مِنْهَا إِلَّا مَن يتربص بالوطن شَرّاً، والوطن للجميع لا لِفِئَة دُونَ فِئَة. وقد رأينا الدّول، والشّعُوب تتعاون وتعقد الأحلاف لحَلّ مشكلاتها المشتركة على ما بَيْنَها من تَباعُد، وتَبايُن في اللُّغة، والدِّين، والتّراث، والنظام، فكَيْفَ بأَبْنَاء الوطن الواحد، والدِّين الواحد، واللُّغة الوَاحِدَة ؟.
(وَ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى، وَلا مِمَّنْ بَقِيَ). أَبَداً مَا مِن قَوْم من الأمم الخالية، أو الْبَاقِيَة أنجزُوا شَيْئاً يَعُود عَلَيْهِمْ بالنَّفع، وهُم شَتَّى قُلوباً وأهدافاً، يَسِيرُون، ولكن بلا هدف موحد، ويتحركون، ولكن بِلا قاسم مُشترك.
(طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ). الخَيْر كل الخير لمن نَظر إِلى نَفْسِهِ، وذَاتِهِ، وأنتقدها في ضوء مِيُولها، وأهوائها، وكَفِّ لِسَانه عن أذى النّاس، والْبَحْث عن عيوبهم، وذُنُوبهم. وتَقَدَّم مثلهُ (1)(وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ) مَع عَجزه عن الإصلاح، ولم يُجدِ أمْرَه بمعروفٍ، ولا نَهي مِنْهُ عن مُنكر (وَأَكَلَ قُوتَهُ) بِكَد اليمين وعرق الجبين (وَ أَشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ) لا بطَاعة مَن يَدفع ثمن الذِّمم، والضَّمائر (وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ) نَادِماً عَلى تقصيره، وإهماله (فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِى شُغْلٍ) عَن الحَرَام
1) أنظر، شرح الخُطْبَة : (139). (مِنْهُ (قدّس سِرُّه)) .
والقِيل، والقَال (وَ النَّاسُ مِنْهُ فِى رَاحَةٍ). وشرّ النّاس مَن تَخَافُ النّاس من شرّه، وَقَالَ الرَّسُول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأبي ذَرٌ : «كُفَّ أذاكَ عن النّاس، فإِنَّه صدقة تتصدق بِها عَلَى نَفْسَكَ» (1)فَسلب الشِّرَ عِند الله سُبْحَانَهُ إِيجَاب للخير يُثاب عَلَيْهِ.
1) أنظر، مُسند أحمد: 150/5، كنز العمال: 950/15 ح 43651، سُبل الهدى والرشاد: 288/9 نوادر الراوندي : 3.
فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئكُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ : فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ، وَلا يُجَاوِزَاهُ، وَتَكُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ، وَ قُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ، فَتَاهَا عَنْهُ، وَ تَرَكَا الْحَقَّ، وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا، وَالاِعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا، وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ. وَالْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأيهِمَا، وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا، وَ الثَّقَةُ فِي أَيْدِينَا لِأَنْفُسِنَا، حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ، وَأَتَيَا بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ.
اللُّغة:
أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ : أَنْ يُقِيما عِنْدَه، ويخبسًا نَفسَيهُما عَليهِ، كما فَسَرَهُ الْإِمَام بقَوْله : «وَ لا يُجَاوِزَاهُ» والمراد بالثقة هنا الحجة. ومَعْكُوسِ الحُكْم : عكس الحق وضده.
الْإِعْرَاب:
وَهُمَا الواو للحال، واسْتِثْنَاؤُنَا فَاعِل سَبق، وسُوءَ رَأيهِمَا مَفْعُول.
الْمَعْنَى:
يُشِير الْإِمَام إِلى مَهْزَلَة الحَكَمين، وتَقَدَّم مثله (1). وشَرحناه بِمَا لا مَزِيد لدِينَا، وأشرنا إلى قِصَّة الحكمين في العديد من المناسبات، ومُجمل القَوْل فِي هَذَه المهزلة أنّ مُعَاوِيَة حين أيقن بالخسارة، والهزيمة في صفين، التجأ إلى الحيلة، والخداع يرفع المصاحف، فحذَّر الإِمَام أَصْحَابَهِ، وَقَالَ لهُم : أَنَّهَا حِيلَةً، وغِيلة، وإِنْ الْقُرْآن مَعِي ما فارقته منذ صُحبته، فنَابذُوه وأصرُوا عَلَى التَّحْكِيم، فقال : لَو يُطاع لقَصِير أَمْر.
وأختار مُعَاوِيَة حَكْماً، وأختار الإمام ابن عبّاس لمقابلته، فأبى أَصْحَابِهِ إِلَّا الأشْعَرِيّ، فأخذ الإِمَام عَلى الحَكَمين أن يعملا بالقُرآن، وإلا فلا حكم لهما. فخالفاه جهاراً... فمن هو المؤول ؟. الإمام الَّذي نَصحَ، وأَنذَر من شرّ التَّحْكِيم وعُواقبه، أم الَّذِين رفضوا النَّصيحة، والإنذار ؟.
1) أنظر، شرح الخُطْبَة : (35 و 36 و 121 و 127). (منه (قدّس سِرُّه)).
لا يَشْغَلُهُ شَأنٌ، وَلا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلا يَحْويه مَكَانُ، وَلا يَصِفُهُ لِسَانٌ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ، وَلا نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلا ذَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا وَلا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظُّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ، وَ خَفِيَّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ. وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ، وَلا مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَلا مَكْفُورٍ دِينُهُ، وَلا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ، وَ خَلَصَ يَقِينُهُ، وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ المُجْتَبَى مِنْ خَلَائِقِهِ، وَالْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ، وَ الْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالَاتِهِ، وَالْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى، وَالْمَجْلُو بِهِ غَرْبِيبُ الْعَمَى (1).
اللُّغَة:
لا يَعْزُبُ : لا يُغيب، ولا يخفى. وسَوَافِي : جمع سَافِية مِن سَفّت الرِّيحِ التَّراب إِذَا أذْرَته. والدَّبِيبُ : الشَّيء البطيء. والمقيل : الاِسْترَاحة وإِنْ لَم يَكُن نُوم. والطَّرْفِ : -
بسكون الراء - الحركة، وطَرْفِ العَيْن : تحريك جَفْنَيْها. الْأَحْدَاقِ : الْعُيُون. وتَكْوِينُهُ: خَلْقَه. ودِخْلَتُهُ : - بكسر الدال وضمها - باطنه. المُعْتَامُ : المُختار. والعقائِلِ : الكرائم، والعقيلة من النِّسَاء المخدرة. وأَشْرَاطُ : عَلامَات. والغَرْبِيبُ : الأسْوَد الحَالِك، والمراد بغرْبِيبُ الْعَمَى الضَّلال.
الإعراب:
غَيْرَ مَعْدُولٍ حَال من كَلِمَة الخلالة، وأَشْرَاطُ نَائب فَاعِل للْمُوَضَّحَةُ، وغَرْبِيبُ نائب فَاعِل للْمَجْلُوُّ بِهِ.
الْمَعْنَى:
(لا يَشْغَلُهُ شَأْنَ). إن قدرته وعِلمهُ تَعَالَى يَسْعَان كُلّ شَيْء تماماً كرَحمته، ونَسْبَة الأَشْيَاء إِلَيْهِ واحدة، فلا قَرِيبٍ وبَعِيد، وخطير وحَقِير، وإِذَنْ فَلا يَصح الْقَوْل فِي حقه تَعَالَى : إِنّه يَشغل عَن هَذَا دُونَ ذَلِكَ : ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) (1). (وَلا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ) لأنه واجب الوجود لا قبل له، ولا بعد (وَ لا يَحْويه مَكَانُ) لأنه لَيْسَ بِسْم (وَ لا يَصِفُهُ لِسَانُ) للجهل بذاته التي لا يُشبهها شَيء، ولا يُشاركها شيء في الماهية، والصفات، وإثبات وجودها بالخلق، والآثار لا يَستعدي العِلْم بحقيقتها، فنحنُ نَعرف أن «أدِيسُون» كان مُوجِداً للكهرباء، ولا تعرف عَن نَسْبَه شَيْئَاً إ(لا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ، وَلا نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلا سَوَافِي
1) غَافِرٍ : 7.
الريح... إلخ) يُشير إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (1).
(غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (وَ لا مَشْكُوكٍ فِيهِ) كَيْفَ وفِي كُلّ شَيء لهُ آية ؟ (وَ لا مَكْفُورٍ دِينُهُ) ومن كَفَر فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (وَ لا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ) لأنّ الكَوْن الَّذِي خَلقه تَعَالى ثابت بالحس والعيان (شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَ صَفَتْ دِخْلَتُهُ، وَ خَلَصَ يَقِينُهُ، وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ... إلخ) أي يُوافق فيها السّر الإعلان، والْقَلْب النِّسَان كما جاء في الخُطْبَة (101) (وَ رَسُولُهُ المُجْتَبَى مِنْ خَلَائِقِهِ) أَصْطَفَ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأنه خيرة الخلق أجمعين (وَالْمُعْتَامُ لِشَرْح حَقَائِقِهِ) المُختار لِبَيان الحقائق الإلهية (وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ) وَهِي الفضائل، والمناقب (وَ الْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالَاتِهِ)، أَخْتاره الله بَلاغاً لرسالاته الكَرِيمَة (وَ الْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَ)ى بِرَسُول الله عَرفت دلائل الْحَقِّ، والْعَدْل (وَ الْمَجْلُوّ غِرْبِيبُ الْعَمَى) به انكشفت الظُّلمات، واهتدت الأجيال إلى السَّبِيلِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤمِّلَ لَهَا، وَ الْمُخْلِدَ إِلَيْهَا، وَلَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا. وَ أَيْمُ اللَّهِ، مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبِ أَجْتَرَحُوهَا، لأنَّ اللهَ لَيْسَ (بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (2)وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ
حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النّقَمُ، وَ تَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وَ أَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ. وَإِنِّي لَأُخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ. وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً، كُنتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ وَ مَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ، وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ : عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ (2) !
اللُّغَة :
أخْلَدَ إِلى الشَّيء : مَال إِلَيْهِ، وركن. ونَفْسَ بهِ، بكسر الفاء - بَخُل بِهِ، وحرص عَلَيْهِ، َونَافَسَ فِيهِ : بَارى، وزايد. اجْتَرَحُوهَا : أَقْتَرَفُوهَا وأَرْتَكبُوهَا.
الْإِعْرَابِ:
تُستعمل قَطُّ بِمَعْنَى حَسب مثل قطي، وقطك، أي حسي، وحَسبَك، وأسم فعل مثل قَطَّنِي أي يكفيني، وقط ظرف زمان لاستغراق الماضي، وتَختص بالنَّفي، مثل ما فعلته قط أي فيما مضى، وجُملة فَزِعُوا خَبَر أَنَّ النَّاسَ، ولَرَدَّ عَلَيْهِمْ جُواب لو.
الْمَعْنَى:
(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤْمِّلَ لَهَا، وَالْمُخْلِدَ إِلَيْهَا). قَد يَغْتَرُّ الْمَرْء، ويَركن إِلى جَاهه وماله، أو إلى علمه وذكائه، ويظن أنه في غنى بِذَلِكَ عن كلّ شيء ! وهَذَا هو الجهل، والغباء، فإِنَّ الدُّنْيَا كالسَرَاب يَحْسَبُهُ الظَّمْئَانُ مَاءً، ولا يركن إِلَيْهَا من
عرف أمرَهَا، وغُورَهَا (وَ لا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا) أحرِص عَلَى الدُّنْيَا مَا شِئت، أمّا هِي فلا تهتم بِكَ عَلى الإطلاق (وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا) لا تَفرَحْ إِذَا فُزّت بمنصب، أو ربح فيهِ مَن نَافَسَ، فربَّما دَارت عَلَيْكَ الدوائر، وشَمتَ بِكَ من شَفِيتَ غيظك منه بالأمس.
(وَ أَيْمُ اللَّهِ، مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضٍّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشِ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلا بِذُنُوبِ اجْتَرَحُوهَا). ظنّ بَعْضَ الشَّارِحِين أنّ الْإِمَام يَتَكَلَّم هُنا عَن كُلِّ ذِي نِعْمَة فَرداً كَان أم جَمَاعَة، وإنّ النّعْمَة تَزول بالذُّنُوب أيّاً كَانَ نَوْعها (1)!. وأوقعهم هَذَا الظَّن في إشكال، وهو أن كَثِيراً مِن النّاس يَعْرقُون فِي التَّرفِ، والخطايا مَعاً، ومَع هَذَا تَنمُو ثَرُوتهم، وتَزدَاد.. وأجاب عن هَذَا الإشكال من أجاب بأنّ كَلام الإِمَام مَحمُول على الأغلب لا على العموم، أو أنّ الله إذا أنْعَم من جهة أنتقم من جهة ثانِيَة.
والأرجح أنّ الْإِمَام يَتَكَلَّم عن الجماعة دُونَ الأفراد، كما هو الظَّاهِرِ من كَلِمَة «قَوْمٌ» وإِنْ مُرَاده من النِّعْمَة الحياة الكريمة بالخصوص، ومن الذنوب الفُرْقَة، والشتات، وعَلَيْهِ يَكُون المَعْنَى : إنّ أي قَوْم أَنْعَم الله عَلَيْهِمْ بِدُولة كَرِيمَة تَصُونهم من الإعتداء، وتُحقق لهم الطُّمأنينة، والإستقرار، ثُمَّ تَشاحَنُوا، وتبَاغَضُوا - تَزول عَنهم هَذِه النِّعْمَة، ويُصبحون لُقمة سائغة لكلِّ طَامع.. وتَفْسِيرنا هَذَا يَتفق مع الواقع. ومَع قَوْله : (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (2). وصرح الإِمَام بِذَلِكَ لأصْحَابه : «شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ... يَغْزُوكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ
دَارِهِمْ إِلا ذَلُّوا... (1)، بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ.... وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقٌّكُمْ» (2).
(وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ). إِذَا مَرَّ بِالْمُؤْمِن لحظات مِن المخاوف يلجأ إلى الله، ويَطلب مِنْهُ العُون، والفَرج، والله يسمع، ويُجيب دَعْوَة الدَّاعِي شَرِيطة أنْ يَستجيب هو بدوره إلى الله كما جاء في الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) (3). ولَيْسَت الإِسْتجابة لهُ تَعَالَى بالكلمات، والإبتهالات، ولا مجرد الصوم، والصَّلاةِ، بل بالْعَمَل، والأخذ بأسبابه سُبْحَانَهُ، وسُنّنه في جَميع خَلقه : ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) (4). أَبَداً لا تَبْدِيل ولا تَحْوِيل فِي سُنّنه، جَلت حكمته، وهي أن لكلِّ شيء سَبباً طَبِيعِباً كَانَ، أم إجتماعِياً، والبطالة لَيْسَت بِسبب لشيء من الأشياء وألهمّ، والغَمّ، والتخلف، والانحطاط : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (5). وَقَالَ الْإِمَام : «مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ ابْتُلِي بِالهُمْ، وَلَا حَاجَةَ اللهِ فِيمَنْ لَيْسَ اللَّهِ فِي مَالِهِ، وَنَفْسِهِ نَصِيبٌ» (6). وَقَالَ الإِمَام : «الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ» (7).
(وَإِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ) من الاستقرار يعقبها خَوْف وأضْطِرَاب (وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً، كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ
مَحْمُودِينَ). ما صرح الإمام بتلك الأمور، ولا دَلِيل عَلَيْهَا مِن غَيْره، وَقَالَ بَعْض الشارحين : يُشير الإِمَام بالأُمور إلى تقديم عُثمانَ يَوْمِ الشُّورَى، وَقَالَ آخر : يُشِير إلى ما سبق الشُّورَى !.. وكلا القولين حدس بلا أساس... وأية عُلاقة للمُخلِيصِين بالشُّورى والسَّقِيفَة، ويكفي لصحة الخِطَابِ أَنْ يَكُون الخاطب عَلى عِلم بمراد المتكلم (1).
(وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ) من جمع صفُوف، ووَحْدَة الكَلِمَة (إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ) بحياة الإستقرار، وحقن الدِّمَاء (وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ) ما حدث مِنْكُم، وأشكت عَنْهَا لا عَن نِسْيَان، بل (عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ). والْعَفُو أقرب لِلتَّقْوَى. وَقَالَ فِي مَكان آخر : «مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ؟ أَحِينَ أَعْجِرُ عَنِ الِانْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي : لَوْ صَبَرْتَ ؟ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي : لَوْ عَفَوْتَ ؟» (2).
لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ، قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلَابِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ، مُتَكَلِّمْ لا بِرَوِيَّةٍ، مُرِيدٌ لا بِهِمَّةٍ، صَانِعٌ لا بِجَارِحَةٍ لَطِيفٌ لا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ كَبِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ، بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ رَحِيمٌ، لا يُوصَفُ بِالرِّقَةِ. تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَ تَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِه.
اللُّغَة:
الهِمَّة : الاهتمام، وشدّة العِنَايَة جَلباً لتفع أو دفعاً لضررٍ. والجَارِحَة : العُضو. واللَّطِيف : غَيْرُ المحسُوس، وتَعْنُو: تَخْضَع وَتَجِبُ : تَضْطَرِب.
الْإِعْرَاب :
لا تُدْرِكُهُ الضَّمِيرِ الله سُبْحَانَهُ. وقَرِيبٌ ومَا بعده من الأوصاف أخبار لمُبْتَدَاً
مَحذُوف أي هو، وغَيْرَ حَال.
الْمَعْنَى:
قال قائل للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هَل رَأَيْتَ رَبِّكَ ؟ فقال له: أفَأعْبُد مَا لاَ أَرَى قَالَ السَّائِل : وكَيْفَ تَرَاهُ ؟ قَال الْإِمَام : (لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ). الْمَعْرِفَة عَلَى أنواع : مِنْهَا. وتَقُوم عَلى مَوْضُوعَات من مرئيات، ومسموعات، ورُوائح، ومذاقات، ومَلمُوسات وهذه كلها مادية، والله مُنَزَّه عن المادية، وإِذَنْ فالطَّرِيق إلى معرفة وجوده لا يقف عند الحسّ وَحده.
ومِنْهَا : عَفْلِيَّة، وهي أنْ ينتقل بنا العقل مِن مَعلومٍ إِلى تَجهُولٍ، مِن شَاهِدٍ مَحسوس إِلى وَاقعةٍ تَترتب عَلَيْهِ، ولا تنكف عنه بحال، من شَاهِدِ إِلى غَائب، مهما شِئت فَعبّر. وقد شاهدنا الكَوْن بقَوَانِينه الثَّابته العَامَّة الشاملة لكلِّ رُكن من أرْكَانه، شاهدنا ذَلِكَ بالحيس، فانتقل الْعَقْل بنا إلى وجود سُلطة خَالِقة مدبرة تماماً كما أنتقل عقل «نِيُوتن» مِن مُشاهدة التفاحة تسقط من الشَّجَرَة عَلَى الْأَرْضِ - أنتقل من ذَلِكَ إِلى حَقِيقَة قانون الجاذبية، وأمتلأ قلبه إيماناً بهذه الحقيقة، وقَلّده كلّ الْعُلَمَاء ثقة بصدقه.
لقد رأت العيون الخلق، وحَكَم العقل، وجزم بوجود الخالق، وأعتقد القَلْب وآمن. وهَذَا ما عَناه الإِمَام بِقَوْله : (وَ لَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ). أي آمن القلب حقاً واقعاً لأنه رأى بعين الحسّ، والْعَقْل (قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلَابِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنِ) هُو قَرِيب من الأَشْيَاء، لأَنَّهَا فِي قَبضته، وعِلمه وتدبيره، وهُو غَيْر مُلامِس، لأنه ليس بجسْم فَيُلمَس، وهو بَعيد عن الأَشْيَاء بذاته
وصفاته، وآثاره، وتَقَدَّم مع الشرح (1).
(مُتَكَلَّمْ لا بِرَوِيَّة) وجُولة فكرٍ فِي مَعْنَى الكلام، وإنشائه، بل يخلق الكلام كما يَخلق الأَعْيَان، لإفهام قصده، ومُراده، وبيان أمْرَه، ونَهيه (مُرِيدٌ لا بِهِمَّةٍ). إِذَا أَرَاد الإِنْسَان شَيْئاً فَلا يوجد هَذَا الشَّيء بمجرد أنْ يُرِيد، بل لا بد من الاهتمام بالأَسْبَاب الموجِبَة، والسَّعي، والْعَمَل، ومَع هَذَا الاهتمام، والسَّعي قد يُوجِد الْمُرَاد وقد تعترض طريقة الصعوبات، والْعَرَاقِيل... هَذَا بالنّسبة إلى الخلوق، أمَّا إِرَادَة الْخَالِقِ فَهِيَ لا تنفك عن المراد، ويُوجد بمجرد وجودها بل هي هو «مَا شَاءَ اللهُ كان، ومَا لَمْ يَشأ لم يَكُن» (2). وبِكَلِمة : مُراد الإِنْسَانِ إِمْكَان، ومُرَادة تَعَالَى وجُوب أي بلا سبب إلا الإرادة وحدها.. هَذَا، إلى أنّ الْإِنْسَان يَعلم بِالْمَصْلَحَةِ فَيُرِيد ثم يُصمم ويعزم في قلبه عَلى الفِعْل بجوَارِحه. وأين هَذَا مِمَّنْ يَقُول للشيء كُن فيكون.
(صَانِعٌ لا بِجَارِحَةٍ) أي عُضو، بل بكلمة «كُن». (لَطِيفٌ لا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ). المراد باللطيف هُنا غَيْر المحسوس. ولِكِيلا يَقُول قائل : «إنّ الجسم الَّذِي بَلغ من الصِّغر هو أيضاً خَفي لا يُحس، وعَلَيْهِ يكُون الله شَبيه، ونَظِير من هَذِه الجهة - قَال الإِمَام : (لا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ) أي أحتجب الصَّغير عَن الْعُيُون لصِغَرِهِ ودقته، ورقته، والله سُبْحَانَهُ أحتجب عَنْهَا، لأنه لَيْس بجسم، ومَع هَذَا فهو ظاهر بخلقه، وآثاره (كَبِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ). أنَّه تَعَالى كَبِير وأكبر ذاتاً ووصفاً وأثراً، لا
غِلظة، وجَفَاء (بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ) أي بالْعَيْن بل بالعِلم (رَحِيمُ، لا يُوصَفُ بِالرِّقَةِ)، بل بالإِحْسَانِ، والإفضال، والرّقة، إنفعال وتأثر، والله مُنَزَّه عنهُ (تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَ تَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ). كلّ الخلق خَاضع لعَظَمَتِهِ، وخَائِف من سطوته.
أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ، وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ، وَ عَلَى ابْتِلَاتِي بِكُمْ أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ. إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ. وَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَإِنْ أَجِئتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ لا أَبَا لِغَيْرِكُمْ ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ، وَ الْجِهَادِ عَلَى حَقَّكُمْ ؟ الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ ؟ فَوَاللهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي وَ لَيَأْتِيَنِّي - لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنِكُمْ وَ أَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ، وَبِكُمْ غَيْرُ كَثِير (1). للّه أَنْتُمْ ! أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَلَا حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ أَوَ لَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّعَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ، وَلا عَطَاءٍ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ - وَأَنْتُمْ تَرِيكَةُ الْإِسْلامِ، وَبَقِيَّةُ النَّاسِ - إِلَى الْمَعُونَةِ، أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ، فَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ ؟ إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضَيَّ فَتَرْضَوْنَهُ، وَلَا سُخْطُ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ قَدْ دَارَستُكُمُ الْكِتَابَ، وَفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ. وَعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ وَ سَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ لَوْ كَانَ الْأَعْمَى يَلْحَظُ، أَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ ! وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةَ ! وَ مُؤدِّبُهُمْ أَبْنُ النَّابِغَة (2) !
اللُّغة:
أَمْهِلْتُمْ: أَرفق بِكُمْ وخُضْتُمْ فِي الْبَاطِلِ. وخُرْتُمْ : ضَعَفْتُم، وَجِبنتُم. وأَجِئْتُمْ : ألجئتم، أوجي، بِكُم. والمُشَاقَّة - بضم الميم - المخاصمة، والمراد بها هنا الحزب، ونَكَصْتُمْ : رَجَعْتُمُ القَهْقَرَى، أو أحْجَمْتُم. وقال : كَارِه. وتَشْحَذُكُمْ : تَحَرُكُكُم مِن شَحَذَ السِّكِين إذا سَنّها، وحدّدها. وتَرِيكَةُ الإِسْلامِ : خَلف لمن جاهد في سَبِيل الإِسْلامِ وَفَاتَحتُكُمُ : حَاكَمْتُكُم وقَاضِيْتُكُم.
الْإِعْرَاب:
لا أَبَا «لا» نافية للجنس، وأبَ أسمها، ولما أُشبعت فتحة الباء صارت ألفاً، ولِغَيْرِكُمْ خَبَر. وَبِكُمْ مُتَعَلِّق بِكَثِيرٍ، وغَيْرُ خَبَر لمبتدأ تحذُوف أي وأنا غَيْرُ كَثِيرٍ بِكُمْ، أما حرف طلب وتحضيض مثل إلَّا عَلى مَذْهَب «المالي الأُندلسي» ودِين فَاعِل لفعل محذوف أي أَ مَا يَجْمَعُكُمْ دِينُ، ويجوز أَنْ يَكُون دِينُ مُبْتَدَأ، والخَبَرَ مَحذُوف أي أَ مَا لَكُم دِينُ يَجْمَعُكُمْ، والجملة من هَذَا الفِعْل، والفَاعِل صِفَة لِدِين، وأَقْرِبْ بِقَوْمِ اللّفظ لفظ الأمر، والمَعْنَى خَبَر مَعَ التَّعَجُبِ، وَالبَاءِ زَائِدَةَ، وَقَوْمٍ فَاعِل أَقْرِبْ.
الْمَعْنَى:
(أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا قَضَىٰ مِنْ أَمْرٍ، وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ، وَعَلَى ابْتِلَائِي بِكُمْ أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ). كَانَتْ مُهِمَة الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَع أَصْحَابه عَسِيرة أشدّ العُسر، أرادهُم للدفاع عن أنفسهم، وعَن الْإِسْلَامِ الَّذِي
بَدأت شَمسَه تَمِيل إلى الغُرُوب.. فآثرُوا حياة الدَّعَة مع الدّل، والهوان عَلَى الْكَرَامَة مع الجهاد، فشكى الْإِمَام، وتألم، وحَذّرهُم من سُوء الْعَاقِبَةِ، وقَرّعهم في العَدِيد مِن خُطبهِ وأقْوَاله.. ولكن بلا جدوى حَتَّى كأنه كان يطلب النَّصر مِنْهُم لِمَصْلحته لا لمصلحة الإِسْلام، والمُسْلِمِينَ، فَصَبرَ عَلى الخطب، بل حمد الله عَلَيْهِ تماماً كما يَحْمَدَهُ عَلَى السَّراء.
(إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ. وَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَىٰ إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَ إنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ). الخِطَاب ِللرُّوْسَاء، وأَصْحَاب النفوذ، والمَعْنَى لا أدرِي مَاذا يُصْلحكُم ؟. إنْ تَلطفتُ بِكُم وأرفقت تَمَادَيْتُمْ فِي الْبَاطِلِ، وإِنْ الجَئْتُكُمْ إلى الحَرْب تَخَاذلتُم، وضَعَفْتُم، وإن رأيتُ قلوب المُسْلِمِينَ مَعي شَاغَبْتُم و تآمر تُم... (لا أَبَا لِغَيْرِكُمْ). تَسْتَعمَل العَرَب هَذِه الكَلمَة عِند المسألة والطّلب، وَهِي تُومىء إلى الدُّعاء بفقد الأب، أو التعبير بجهله، ولكن الإِمَام تَلطف في الأسلوب حَيْث وجه الدُّعاء، أو الدم إلى غيرهم في الظَّاهِرِ، وهُم القَصْد حقِيقَةً، وواقعاً.
(مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَالْجِهَادِ عَلَى حَقَّكُمْ ؟). الْعَدُوّ يَسْتَفزَّكُم، ويَتَغلغل في أرْضُكُم، ويعتدِي عَلَى كَرَامَتكُم وأَنْتُمْ لا تُحركُون هَل تَنتَظِرُون قُوَّة تنزل من السماء لنصرتكُم، أو قُوَّة أجنبية تأتي من أقصى المعمورة تُدافع عنكُم ؟ (الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ ؟). أَبَداً لا شَيء يُليق بكُم إلا واحد من اثنين : الذُّل، والهَوَان مَا دُمتُم على هَذِه الحال، أو الموت يُفنِيكُم عن آخركم، فهو خَيْرٌ لَكُم وَالإِنْسَانِية من حياتكُم. قال أبن أبي الحَدِيد : «هَذَا دُعاء من الإِمَام عَلَيْهِمْ... وقد أستجاب الله
دعاءه، فإنّ شيعته أَيَّام الأمويين ذلوا كَفَقَع قَرقَر» (1)
حدتُونِي بَني الشَّقِيقة مَا يم***نع فقعاً بقرقر أن يزولا
أنظر، الغارات : 433/2، مُستقصى الأَمْثَال للزمخشري : 134/1، جواهر المطالب لابن الدمشقي: 1 / 364. الصحاح : 125/2، لِسَان الْعَرَب : 255/8، أمالي المرتضى : 149/3.
. والفَقَع أو الفُقاقيع نُفاخات تعلو الماء، وأراد بالقَرقَر - كما نَظَن - لُعاب الْجَمَل حِين يهدر، ويُجرجر.(فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي - وَ لَيَأْتِيَنِّي - لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ، وَ بِكُمْ غَيْرُ كَثِيرِ). سأفارقكُم بالموت لا مَحَالَةَ، ولكن عَن بُعْضٍ وكَرَاهِيَة لكُم والصُحبتكُم، لأنّي مَا كُنت بكُم قوياً عَلَى الْبَاطِلِ، وأهله... ومن أجل هَذَا نَطق الإِمَام بكلمة السُّرُور، والفرحة حين ضَربه اللعين ابن ملجم : «فزتُ ورَبّ الْكَعْبَة» (2)(أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَلا حَمِيَّةٌ تَشْحَذكُمْ)! ؟. أتَدْعُون الإسلام والخلافات تستنزف مِنكُم الدِّين، وكلّ مَا تَمَلكُون من طاقات ؟. وإِذَا لَم يَكُن لَكُم دِينٌ فَلتكن لكُم حَمِيَّةٌ، وأنفَةٌ تَبعثكُم عَلى الدفاع عن أرْضكُم وكَرامتكُم.
1) أنظر، شرح النهج : 69/10. والفقع : ضَرب من أردأ الكمأة، والقرقر : المكان المستوي الأملس، ويُشبه الرّجل الدليل، فيُقَال : هو أذل من فقع بقرقر، لأن الدواب تنجله بأرجلها. قال النابغة يهجو النعمان بن المنذر :
2) أنظر، تاريخ الطَّبَرِيّ : 143/5، مقاتل الطالبيين : 29 و 47، طبقات ابن سعد : 35/3، أَنْسَاب الأَشْرَاف : 489/2 و 499 و 524، مروج الذهب : 411/2، الإِمَامَة وَالسَّيَّاسَة : 159/1، تاريخ ابن عساکر : 303/3 ح 1402 وص 367 ح 1424 و : 97/38، الكَامِل في التاريخ : 389/3، مناقب الخوارزمي: 380 - 410، مناقب ابن شهر آشوب : 311/3، البلاذري في الأنساب : 488/1 و 490. كنز العمال : 697/13، الفتح الرباني : 163/23، والحَاكِم في المستدرك: 144/3، ذَخَائِرِ الْعُقْبَى : 110 فضائل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 133 باب 9 فصل 5 مع تقديم وتأخير بما يناسب السياق، ويحفظ استرسال المغنى واللفظ الفتوح لابن أَعْثَمْ: 276/2، الاستيعاب : 59/3 بإضافة «... لا يفوتنكم الكلب»، أسد الغابة : 38/4 ينابيع المَوَدَّة : 164 أرجح المطالب : 651.
(أَ وَ لَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ... إِلَى فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ). الطَّعَامَ - بفتح الطاء - الأراذِل، والْمُرَاد بِالْعَطَاءِ الرَّاتب المُعَيَّن لكلّ فرد، والمعونة العلاوة الّتي تُعطى للمحارب لإصلاح سلاحه، أو عَلَف دَابته، كالعلاوة التي تُعطى الآن للموظف من أجل مرض، أو نحوه، وكَان بَيْت المال آنذاك يُوزّع عَلى الجند، وغَيْرهم من المعوزين، ومَا كَانَتْ وزَارة للأشغال، وثَانِيَة للصحة، وثالثة للتربية... إلخ. وكان الإمام يُقسم المال بالسوية لا يحرم أحداً من حقه، ولا يُرضي الأَقْوِيَاء عَلى حِساب الضُّعفاء، ويَقُول: «أَتَأْمُرُونى أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالجُوْرِ فِيمَنْ وُلّيتُ عَلَيْهِ، وَاللَّهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمُ فِي السَّمَاءِ نَجْماً لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ، وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ» (1)؟
أمّا مُعَاوِيَةَ فكان يُعطى من أجله، لا من أجل الله، وسَد حَاجَة المعوزين، فيأخُذ أَمْوَال الجند، وسَهم الْفُقَرَاء، ويُغري بمال الله، وبالمناصب أرباب الجاه، والنفوذ، ويُبيح لهم كلّ حرام دعماً لحكمه، وسُلطانه... ومن أجل هذا وحده أتبعوه، وكانوا أطوع له من بَنانه، ولو أنّ مُعَاوِيَةَ عَدل، وساوى في الْعَطَاء، والمعونة لكان المتبوعُون معه كما كان أَمْثَالهُمْ مَع الإِمَام قَال أبن أبي الحَدِيد في شرح هَذِه الخُطْبَة : «كَان الرؤساء يحقدُون عَلَى الْإِمَامِ، لأنَّه يُساوِي بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الأتباع، فيخذلونه باطناً، وإنْ أظهروا لهُ النَّصر، وإذا أحس الأتباع بتخاذل الرؤساء تواكلوا أيضاً، وتخاذلوا، لأنّ أنتصار التابع مع تخاذل الرَّئيس المتبوع لا يتصور وقوعه» (2).
وهنا يصدق قول القائل: «أُريد حياته، ويُرِيدُ قَتلي» (1)
ثُمَّ قَالَ : هَذَا والله قاتلي لا تَحالَةَ قُلنا : يا أمير الْمُؤْمِنِينَ أفلا تَقْتُلُه ؟ ! قَالَ : لا، فَمَن يَقتلني، ثُمَّ قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):
فقد أعرفُ أقواماً ***وإنْ كانوا صعاليكا
مصاريع إِلى النَّجْدَة ***وللغيّ متَارِيكا
أنظر الخرائج و الجرائح: 182/1 ح 14. بحار الأنوار : 192/42 ح 6.
و تارةً روى هذه القِصَّة جعفر بن سليمان الضبعي عن المعلى بن زياد قَالَ : جَاء عبد الرَّحْمَنِ بن مُلْجَم إلى أمير المُؤْمِنِينَ يَستحمله فَقَالَ له : يا أمير المُؤْمِنِينَ، أحملني، فنظر إِلَيْهِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثُمَّ قَالَ له : أنت عبدُ الرَّحْمَنِ بن مَلْجَم الْمُرَادي ؟ قَالَ : نعم، قَالَ : يا غزوان، أحمله على الأشقر، فجاء بفرس أشقر فركبه أبن مُلْجَم المدرادي وأخذ بعنانه، فلا ولّى قَالَ أَمِير المُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هَذَا الْبَيْت...
قيل : إنّ الْبَيْت لعَمْرُو بن معدي كرب كما في كتاب سيبويه : 276/1، والأغاني : 27/10، والعقد الفريد: 121/1، وخُزانة الأدب : 361/6. وأنظر المصادر التالية لذكر القِصَّة الأُولَى في المناقب لابن شهر آشوب : 310/3، والبحار : 42 / 192 ح 7 ونقل عن كشف الغمة بيت الشعر هكذا. والقِصَّة الثَّانِيَة أيضاً وردت في الإرشاد للشيخ المفيد : 12/1 و 13، وذكر الْبَيْت وبإسناده عن جابر قَالَ: إِنّى لشاهد لعلي وقد أتاه المزادي يَستحمله فحمله ثُمّ قَالَ :
عذيري من خَلِيلي من مُرادِ ***أريد حَبَاء، ويُريد قتلي
وورد أيضاً في كشف الغمّة : 128/2 - 130، وكَذَلِكَ الخوارزمي في المناقب، وأبن شهر آشوب في : 310/3، والراوندي في الخرائج والجرائح : 1 / 182 ح 14 طبقات ابن سعد: 22/3، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 42/2، وشرح الشّافية لأبي فراس : 99، والكامل للمبرد : 0550. وسمط النجوم وسمط العوالي لعبد الملك العصامي : 466/2 ولكن بإختلاف يسير في اللفظ، بل قريب من لفظ الماتن، وكَذَلِكَ شرح النهج لابن أبي الحديد : 170/2.
وأنظر الفتوح: 277/2، مقاتل الطالبيين : 45 أنساب الأشراف: 502/2. وزاد في الاستيعاب : 2 / 60 عن أبن سيرين بن عُبَيْدَة قَالَ : كَانَ علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا رأى أبن ملجم قَالَ : - وذكر البيت -، فَضَائِلِ الْخَمْسَة من الصحاح الستة : 60/3، الرياض النضرة : 245/2، كنز العمال: 412/6. و: 13 / 11، الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَة : 80، أساس البلاغة للزمخشري : 295، وقد نسبه إلى عَمْرُو بن معدي کرب.
. وقَف الإمام مع1) رويت القِصَّة لهَذَا الْبَيْت تَارَةً عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي عن أبي إِسْحَاقَ السَّبيعي عن الأصبع بن نباتة قَالَ: أتى ابنُ مُلجَم أمير المؤمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فبايعه فيمن بَايَعَ، ثُمَّ أَدْبَر عنه فدعاهُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتوثق منه، وتوكَّد عَلَيْهِ أنْ لا يغدر، ولا ينكث ففعل، ثُمَّ أدْبَر عنه فدعاهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثَّانِيَةِ فتوفثق منه، وتوكَّد عَلَيْهِ أنْ لا يُغدر ولا ينكث ففعل، ثُمَّ أدْبَر عنه فدعاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثالثة فتوثق منه، وتوكد عَلَيْهِ أَنْ لا يقدر ولا ينكث، فَقَالَ ابن ملجم والله يا أمير المؤمِنِينَ ما رأيتك فعلتَ هَذا بأحدٍ غَيْرِي فَقَالَ أَمِير المُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) هَذَا الْبَيْت.
الاتباع المُسْتَضْعَفِين، وانتصر لهم من الأقوياء المشتغلين، فتركه الأتباع وأنضموا إلى أعْدَائهم ضِدَّ الْإِمَام (عَلَيهِ السَّلَامُ)... حدث هذا من قبل، ويحدث الآن : تقوم الثورة في الشرق، أو في الغرب لتحرر الكادحين من الطغاة، وتَدُور الحَرْب بَيْنَ الأحرار والْفِئَة الطَّاغِية عَلى الضُّعفاء، فينتقض جَمَاعَة من هَؤُلاء عَلى ثُورتهم، وينضمون إلى الثورة المضادة لهم، و لحياتهم جَهلاً، أو خِيَانَةٌ، وينتحرُون بأَيْدِيهِم من حَيْثُ لا يَشعرون.
(وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ) حَيْثُ لا سَبِيلَ إِلى الخلاص مِمَّا هُو فِيهِ إِلَّا المؤت. قيل لفيلسوف هل من مُصيبة أعظم من الموت ؟ فَقَالَ: «المصيبة التي تتمنى مَعَهَا الْمَوْت» (قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ) أي درّستكُم وبَيَّنتُ لكُم ما فيه، وبخاصة آيَات الوحدة، والأخوة، والجهاد لإحقاق الحق، وإقامة العدل (وَ فَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ) حاكمتكُم إلى الْعَقْل، ووَسَائِل الإقناع التي يحتج بها الله غَداً عَلَى عِبَاده (وَ عَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ). أَنْكَرَ الرُّوْسَاء عَلَى الْإِمَام أَنْ يُساوي بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الأتباع فِي المعُونة والْعَطَاء، فَعَرّفَهُم أَنْ هَذَا هُو حُكم الله، ورَسُوله، وما هو إلّا مُنفّذ لا مُشرّع ووكيل لا أَصِيل.
(وَ سَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ). سَاعَ الشّرابُ سَهُل مدخله في الحلق، ومجّه رمى بهِ
من فَمهِ، والمَعْنَى بَذلتُ كلّ ما أملك من جهدٍ لإرشادكُم وهدايتكُم، ولَكِنَّكُمْ تَمامَاً كالأَعْمَى، والمُميَّت لا تَحسُون، ولا تُبصرُون: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ عَذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا) (1). (وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةَ! وَ مُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَةِ) الْمُرَاد بِالقَوْمِ هُنا أَهْل الشَّام، والمعنى لا أحد أَقْرِبْ إِلى الجَهل باللهِ، ودِينه مِن قَوْمٍ يَتصرف بِهِمْ مُعَاوِيَةَ، وابن العاص، ويلعبان بعقُولِهِمْ كَيْفَ شَاءا، وأرادا. والحَقِّ أن المال هو الَّذي تَصرف بالعُقُول، والْقُلُوب. وكنّى الإمام عنهُ بمُعَاوِيَةَ لأنّه أشترى العُقُول، والضَّمائر، ودَفع الثّمَن كَاملاً، أما أبن العاص فله دور الوسيط بَيْنَ الْبَائِع، والْمُشْتَرِي.
وتختم هَذَا الشَّرح بكلمة لأحمد عباس صالح: «أبى عَليّ أنْ يَفعل شَيْئَاً من هَذَا الَّذِي يَفعلهُ مُعَاوِيَةَ، لأن انتصاره عِندئذٍ يَكُون انتصاراً نَاقِصاً خَيْراً منهُ الهزيمة» (2).
«بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ» (1)أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الْأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ، وَ صُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ، لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئُ مِنْهُمْ، وَ مُتَخَلَّ عَنْهُمْ. فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى، وَ أَرْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلالِ وَالْعَمَى، وَصَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَجِمَاحِهِمْ فِي التّيه.
اللغة
بُعْداً لَهُمْ: دُعَاء عَلَيْهِمْ بِالهَلاك. وأُشْرِعَتِ : أَمْتَدت وصُوبَت وَهَامَاتِهِمْ : رُؤُوسِهم. وتَفَلَل وأنفَلَّ الْقَوْم : انْكَسَرُوا، وأَنْهَزَمُوا، واسْتَفَلَّهُمْ الشَّيْطَان دَعَاهُم للإنشقاق، والانهزام عَن الجماعة. وارْتَكَس : انْتَكَس، وأَنْقَلب. وتَاهَ : ضَلَّ وَجِمَاحِهِمْ : إسْرَاعِهِمْ.
1) اقتباساً من الآية (95) في سُورَة هُودٍ: (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ).
الْإِعْرَاب :
بُعْداً نصب عَلَى الْمَصْدَرِيَة، وأَمَا تَكُون حرف أستفتاح، وتَكُون بِمَعْنَى حقاً، أو أحقاً عَلَى خِلاف فِي ذَلِكَ، وكما في مُغني ابن هشام، وَهِي هِنا بالمَعْنَى الثَّانِي بقَرِينة السياق، ولَقَدْ نَدِمُوا جواب لَوْ، وحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ «حَسْبُ» مَصْدَر مُبْتَدَأَ، والبَاء زَائِدَة، وخُرُوجِهِمْ خَبَر، أي كِفَايَتِهِم خُرُوجِهِمْ عَن الجَمَاعَة، مِثل عُذرهم جَهْلهم.
كان الخرِّيت بن راشد من بَنِي نَاجِية، وشهد صِفِّين مع الإِمَام، وَقَالَ لهُ فِي ذات يَوْم : أنا لا أطيع أمرَك، ولا أُصلي خلفك، وإنِّي غَداً لمفارقك. فقال لهُ الْإِمَام : «أُذكر لي كلّ مَا يَدُور في ذهنك حولي من الشبهات، وعَليّ أنْ أُزيلها، وأدفعها بالحق. فقال : آتيك غداً. قَال لَهُ الْإِمَام : إِنْ أَستَر شدتَنِي لأُهدِينّك سَبِيل الرشاد، ثُمَّ نَهَاه أنْ يتعرض لأحدٍ بسُوء وإلّا أدبه، وأقتص منه.
فقال رَجُل ِللْإِمَام : لِمَ لا تأخذهُ الآن قبل أنْ يَخرج، ويُفسد فِي الْأَرْضِ ؟.
فَقَالَ الْإِمَام : لَو فَعلنا هَذَا بكلِّ مَن يُتهم لملأنا السجون، ولا يسعني أَنْ أُعاقب أحداً حَتَّى يُظهر الخلاف. وانتظر الإمام عودة الخرِّيت في الغد، ولَكِنَّهُ لَم يأتِ، وكَان معه (30) رَجُلاً، وَقَدْ أَرْسَلَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالهُم، قَدْ هَمُّوا بِاللْحَاقِ بِالْخَوَارِجِ، وَكَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، قَالَ لَهُ : أَمنوا فَقَطَنُوا أَمْ جَبَتُوا فَظَعَنُوا ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : بَلْ ظَعَنُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : فَقَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ... الخ (1)
أنظر، شَرح نهج البلاغة مُحَمّد عَبْدَه : 96/1 شرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد : 128/3، تحت عنوان: «الخرِّيت بن راشد النّاجي وخروجه على عَليّ»، الغارات : 330/1، مِنهاج البراعة : 63/2، بخار 30/1 الأَنْوَار : 406/33، تاريخ الطَّبَرِيّ : 113/5، الكَامِل في التاريخ : 183/3، أسد الغابة : 110/2، الإصابة : 235/2، الْفِتْنَة ووَقْعَة الجَمَل : 154، إكمال الكمال لابن ماكولا : 432/2 و : 412/7.
.1) أنظر، قصَّة الخريت بن راشد، وخروجه عَلَى الْإِمَام عَلي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد بعث إِلَيْهِ كَتِيبَة مع معقل بن قَيْس الرياحي لقتاله هو، ومن أنضم إليه فأدركته الكتيبة بسيف البحر بفارس، وبعد دعوته إِلَى التَّوْبَة، وإبائه قبولها شدّت عَلَيْهِ فَقُتل، وقُتل معه كَثِير من قومه، وسبي من أدرك في رحالهم من الرجال، والنِّسَاء، والصبيان، وكانوا خمسمئة أسير، ولما رجع معقل بالسَّبِي مَرَّ عَلَى مَصْقَلَة بن هُبَيرَة الشَّيباني، وكَانَ عاملاً لعليَّ عَلَى أَرْدشِيرِ خَرَة، فبكى إِلَيْهِ النِّسَاء والصبيان، وتصايح الرّجال يستغيثون في فكاكهم فأشتراهم من معقل بخمسمئة ألف درهم، ثُم أمتنع من أداء المبلغ ولما نقلت عَلَيْهِ المطالبة بالحَقِّ لَحق بمُعَاوِيَةَ فِراراً تحت أستار اللَّيْل.
خرج الخرِّيت في جماعته، وقَطَعُوا طَرِيق الآمنين... تَقُوا رَجُلاً يُقَال لهُ زَادَان فَرُوخ. فقَالُوا لهُ: «أمُسلِمٌ أَنتَ أَمْ كَافِرُ ؟ قَال : بل مُسلِمٌ. قَالُوا : مَا تَقول فِي عَلي ؟. قال أقولُ خَيْراً، إنَّه أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وسيّد البشر، وَوصِي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). قَالُوا لَهُ : كَفرتَ. وقطعوه بأسيافهم. ثُمّ رَأوا رَجُلاً آخر، فقَالُوا له : أمُسلِمٌ أنتَ أمْ كَافِرٌ ؟ قال : أنا يَهُودِي. قَالُوا : خَلَوْا سَبِيله» (1).
ولما عَلِمَ الْإِمَام أرسل إلى حزبهم زياد بن أبِي خَصْفَة (2)في (130) رَجُلاً، فَقَتل نَفراً منهم، وفرّ الخرِّيت يجمع العلوج، والأكراد ومن إِلَيْهِمْ، فَندب الإِمَام ألفين من أَهْل الْكُوفَة، وأرْسَلهُم لِقتال الخرِّيت بقيادة مَعْقِل بن قيس الرياحي (3)
وأبطالها، وله رياسة.وقدم أوفده عمار بن ياسر إلى عُمَرَ بن الخطاب مع الهرمزان لفتح تُسْتَر، ووجهه الإِمَام عليّ إِلى بني ناجية فقتل منهم وسبى، وحارب المستورد أبن علفة الخارجي من تيم الرباب. أنظر، الإصابة : 235/2 و : 241/6، أسد الغابة : 110/2 تأريخ دمشق : 271/58 إكمال الكمال: 259/6. شَرح نهج الْبَلاغة لابن أبي الحديد : 136/3 و : 92/15، بحار الأنوار: 410/33، الغارات : 52/1 و 354 و 506/2 و 782، وفي الإشتقاق لابن دريد : 136، كَانَ من قواد علي وأنصاره، تأريخ الطَّبَرِي : 237/5 و : 31/6.
.فَسَار مَعْقِل بِجَيْشَه يَسأل عن مكان الخرِّيت. فقيل له : إنّه في أسياف البحر بفارس، فقصده، ولما سمع الخريت بمسير معقل تأهب للحزب، ودارت المعركة عَلى أشدها، فَقُتل الخرّيت، ومئة وسبعون من أَصْحَابه، وذَهَب الباقون في الْأَرْضِ يَمِيناً، وشمالاً، وكَانَتْ منيّة الخرِّيت بيد النعمان بن صهيان الراسي من أَصْحَاب مَعْقِل (1)
أنظر، الغارت: 360/1، بحار الأنوار : 451/33، شرح النهج لابن أبي الحديد : 142/3، أنْسَاب الْأَشْرَاف: 451، تأريخ الطَّبَرِيّ : 98/4، الفتوح لابن أَعْثمْ: 78/4 البداية والنهاية : 351/7.
.هَذِه خُلاَصَة لقِصَّة الخرِّيت، ومن أراد التَّفصيل فليرجع إلى شرح النهج لابن أبِي الحَدِيد للخُطْبَة : «44» : 264، من المجلد الأول الطبعة القديمة، وقد استغرقت حوالي عشرين صَفحة بقطع هَذَا الكِتاب (2).
1) هو النعمان بن صهبان الرَّسبي، وقيل: الرَّأْسِبي، وَهِي نسبة إلى بني راسب، وهي قبيلة نزلت البَصْرَة يُنسب إِلَيْهَا أبو شُعْبَة نوح الرَّأْسِبي - وهو راسب بن ميدغان بن مالك بن نصر بن الأزد - بطن من الأزد منهم عبد الله بن وهب الرَّأْسِبي، رئيس الخَوَارِج يوم النَّهْرَوَان.
2) أنظر، أسد الغابة : 110/2، الغارات : 337/1، أنساب الأشراف: 413. تاريخ الطَّبَرِي: 594 طبعة مصر سنة 1357هـ.